ghaemiyeh.com
سيرة الحسين(عليه السلام)
في الحديث والتاريخ..
السيد جعفر مرتضى العاملي
الجزء الحادي والعشرون
المركز الاسلامي للدراسات
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
2016م - 1437هـ
حاد
المركز الاسلامي للدراسات
لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519
البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org
المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421
محرر الرقمي: مرتضی حاتمی فرد
سيرة الحسين «علیه السلام»
في الحديث والتاريخ..
السيد جعفر مرتضى العاملي
الجزء الثامن
المركز الإسلامي للدراسات
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى
1435ه. - 2014م.
المركز الإسلامي للدراسات
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى
1435ه. - 2014م.
المركز الإسلامي للدراسات
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
محمد بن عبد اللّه، عن محمد بن الحسين الأشناني، عن محمد بن يزيد القاضي، عن محمد بن آدم، عن جعفر بن زياد الأحمر، عن أبي الصيرفى عن صفوان بن قبيصة، عن طارق بن شهاب قال: قال أمير المؤمنين «علیه السلام» للحسن والحسين «علیهما السلام»:
أنتما إمامان بعقبي، وسيدا شباب أهل الجنة، والمعصومان، حفظكما اللّه، ولعنة اللّه على من عاداكما (1).
ونقول:
تضمن هذا النص أموراً يحسن لفت النظر إليها..
أولاً: إن هذا نص منه «علیه السلام» على من يخلفه، فإذا كان
1) راجع: كفاية الأثر للخزاز القمي (ط الخيام سنة 1401ه) ص 221 و 221 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 77 ومستدركات علم رجال الحديث ج 4 ص 285 وإثبات الهداة ج 2 ص 549 وبحار الأنوار ج 43 ص 264 و 265 عن الروضة، وراجع: موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 18 ص 735.
هناك من يرى أن الإمامة والخلافة تثبت بنص السابق على اللاحق، فهذا نص صريح على الإمام الحسن، ثم على الحسين «علیهما السلام» من إمام ثبتت إمامته وخلافته بالنص من اللّه تعالى، ومن رسوله «صلی اللّه علیه وآله»، وبأخذ البيعة له من الناس بأمر من اللّه، وتدبير من رسول اللّه في غدير خم.
وثبتت أيضاً ببيعة الناس له، مختارين غير مكرهين، وبإصرار أكيد، وتهافت شديد عليه منهم بعد قتل عثمان بالرغم من محاولاته «علیه السلام» دفعهم عن نفسه عدة أيام.
فلا تقاس شرعية خلافته «علیه السلام» بشرعية خلافة أبي بكر الذي استولى على السلطة بذلك النحو العجيب والغريب، الذي تضمن التمرد على أوامر اللّه، وعلى تدبير،رسوله، وتضمن نقض البيعة التي أعطاها هو وسائر الناس لعلي «علیه السلام» يوم الغدير تحت سمع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
ثم جاء بالقبائل التي حول المدينة، مثل: أسلم وجهينة، وغفار ومزينة - وكان النفاق فاشيا فيهم - فاستولوا على المدينة، وصاروا يستخرجون الناس من بيوتهم، ويسوقونهم جبراً وقسراً إلى البيعة. وهاجم أعوانه بيت الزهراء وضربوها، وأسقطوا جنينها، وحاولوا إحراق بيتها بمن فيه، وفيه الزهراء، وعلي، والحسنان «عليهم السلام».
فإذا كانت هذه حال خلافة أبي بكر، الذي أوصى لعمر بالخلافة
من بعده، وقد اعتبرت وصيته ماضية، وادَّعوا أن خلافة عمر صارت شرعية، مع أن عمر ليس سيد شباب أهل الجنة وليس معصوماً أيضاً.
فهل يمكن بعد هذا التشكيك بشرعية وصية أمير المؤمنين «علیه السلام» بالإمامة لولديه الحسن والحسين «علیهما السلام»، وهما معصومان، وهما سيدا شباب أهل الجنة؟!
وكان النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد نص على إمامتهما للأمة سواء قاما أو قعدا.
ثانياً: إنه «علیه السلام» قد أطلق على الحسنين «علیهما السلام» صفة الإمامة بطريقة تصلح لأن تكون إنشاء منه لهذا المقام، ولاسيما مع إضافة كلمة «بعقبي»، فقال: «أنتما إمامان بعقبي».
وتصلح أيضاً لأن تكون تقريراً وتذكيراً بمضمون قول رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: «الحسن والحسين إمامان، قاما أوقعدا».
وقوله «صلی اللّه علیه وآله»: «أنتما الإمامان، ولأمكما الشفاعة».
وفي كلتا الحالتين يكون «علیه السلام» قد أبلغ مراده على أتم وجه، فإن نفس إلماح الكلام إلى معنيين كل منهما يؤكد الآخر، ويعضده في مقام الدلالة على المراد يجعل المعنى أكثر وضوحاً، ويزيده قوة ورسوخاً.
ثالثاً : إنه «علیه السلام» قد صرح بعصمة ولديه ليدل على
شرطية هذا الأمر في إمامة الأمة، لأنه هو الذي يضمن للناس حياتهم، وأموالهم، وأعراضهم. ولأن الإمام هو الهادي، والمربي، فلو يكن معصوماً لاحتاج إلى من يهديه، ولوجب عليه اتباع ذلك الهادي، وقد قال تعالى: «أَفَمَنْ يَهْدِي إِلى الحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أُمَّن لا يَهدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (1).
رابعاً: إنه «علیه السلام» لم يقل: وأنتما معصومان، بل جاء بها مع الألف واللام فقال «المعصومان»، ليدل على أنه إنما يقرر أمراً ثابتاً لهما، سواء أقال ذلك، أم لم يقله.. ولو قال: «أنتما معصومان» لتوهم متوهم أنه «علیه السلام» يخبر عن أمر اكتشفه هو، ولم يكن معروفاً للناس.
خامساً : يلاحظ أنه «علیه السلام» تحدث عن إمامة الحسنين «علیهما السلام» لا عن خلافتهما، لأن الخلافة بمعنى الحاكمية والسلطة، شأن من شؤون الإمامة. أما الإمامة فهي أعظم شأنا من الخلافة، وأوسع نطاقا من ناحية المسؤوليات المترتبة على الإمام.
سادساً : إنه «علیه السلام» قال: «أنتما إمامان بعقبي»، ولم يقل: «بعدي». ولعل سبب ذلك: أنه لو قال: «بعدي»، فلربما توهم متوهم أنه «علیه السلام» هو الذي ينشئ لهما مقام الإمامة، وأن هذا المقام لهما يبدأ من لحظة موته «علیه السلام».
1) الآية 35 سورة يونس.
مع أن المراد أنهما ستكون لهما الإمامة في وقت ما بعد وفاته، فإمامة الحسن تبدأ بعد استشهاد علي، وإمامة الحسين تبدأ بعد استشهاد الحسن.. فإمامتهما «علیهما السلام» لها وجود إنشائي فعلي، ولكن الوجود الفعلي للإمامة منفك عن الوجود الإنشائي حسبما بيّناه.. كما أن إمامتهما منشأة من اللّه ورسوله، فهما إمامان بنص رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ولم يكن علي «علیه السلام» هو الجاعل لهذا المقام لهما.
كما أن إمامتهما الإنشائية ثابتة وحاصلة لهما منذ عهد الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، لا أنها سوف تحدث بعد وفاة أبيهما والذي يكون بعد وفاة أبيهما هو فعلية الإمامة للحسن «علیه السلام». وفعلية الإمامة للحسين بعد استشهاد الحسن.
فكلمة «بعقبي» تدل على تراتبية التصدي العملي لمقام الإمامة فعلي «علیه السلام» هو المتصدي له بالفعل، فإذا استشهد، فهما اللذان يتصديان له مع حفظ التراتبية بينهما أيضا، فالحسن «علیه السلام» أولا، ثم الحسين «علیه السلام» بعده..
ولو كان نيل أصل مقام الإمامة، وكذلك التصدي الفعلي سيكون لهما بعده «علیه السلام»، فذلك يعني جعل حاكمين يتصديان للأمور في زمان واحد.. وهذا مخالف لما جرت عليه الأمور في سياسة أهل البيت «علیهم السلام» في هذا الأمر بالذات.
بالإضافة إلى التوضيحات التي صدرت عنهم «علیهم السلام»
للدلالة على أن الحسين «علیه السلام» سيكون ساكتا، مسلما لأخيه ما دام الحسن «علیه السلام» حياً.
سابعاً: إنه «علیه السلام» دعا لهما بالحفظ، فهو يعرف من خلال ما لديه من علم خاص، ومن خلال شهادة الوقائع المتلاحقة، ما سوف يتعرضان له من كيد، وما سيواجهانه من مرارات وأخطار، من أعداء، لا يرقبون فى أحد إلا ولا ذمة ولا يتورعون عن سفك الدماء، حتى دماء الأنبياء والأوصياء في سبيل الوصول إلى مآربهم، ونيل مراداتهم.
كامل الزيارات: حدثني محمد بن جعفر الرزاز، عن خاله محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن نصر بن مزاحم، عن عمرو بن سعید، عن علي بن حماد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام»، قال: قال علي «علیه السلام» للحسين «علیه السلام» يا أبا عبد اللّه أسوة أنت قدما.
فقال: جعلت فداك ما حالي؟!
قال: علمت ما جهلوا، وسينتفع عالم بما علم، يا بني إسمع وأبصر من قبل أن يأتيك، فوالذي نفسي بيده ليسفكن بنو أمية دمك، ثم لا يزيلونك عن دينك، ولا ينسونك ذكر ربك.
فقال الحسين: والذي نفسي بيده، حسبي، أقررت بما أنزل اللّه، وأصدق قول نبي اللّه، ولا أكذب قول أبي (1).
ونقول:
الأسوة - بضمّ الهمزة، وتكسر أيضاً - القدوة. أي أنه قد ثبت منذ القدم: أنك ستكون قدوة وأسوة للأمة. هذا إذا قرئت : قِدْماً.
ويحتمل أن تقرأ: قُدُما - بضمتين، ليكون المعنى: أنك في كل ما تفعله وفيما تقدم عليه من أيام حياتك ستكون أسوة للناس في المستقبل.
والظاهر أن المراد أن استشهاده «علیه السلام» سيجعل منه قدوة في الجهاد، وأسوة في التضحية، والصبر والاهتمام بشؤون الدين، وفي عبادته وصلاته، ومواقفه، وسلوكه، و في سائر المعاني التي أظهرتها كربلاء، وما ظهر منه قبل كربلاء.. فإن أهل الدين والإيمان سوف يبحثون في كل كبيرة وصغيرة عنه «علیه السلام»، ليتأسوا به، وليسيروا على نهجه.
ولأن الكلمة التي أطلقها أمير المؤمنين «علیه السلام» تحتمل
1) كامل الزيارات ص 71 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 149 و 150 وبحار الأنوار ج 44 ص 262. والعوالم ج 17 ص 152.
أكثر من معنى، كان لا بد من طلب تحديد المراد، لكي لا يستفيد المصطادون بالماء العكر من هذا الإبهام لإثارة الشبهات. فقد يشيعون أن المراد أنه «علیه السلام» أسوة في الخير وفي الشر، وفي الحلو والمرّ.. فإن الأسوة قد تكون حسنة وقد لا تكون كذلك.
فجاء سؤال الإمام الحسين «علیه السلام» لأبيه: «جعلت فداك، ما حالي؟!»، لكي يسمع الناس من أمير المؤمنين نفسه التوضيح لمقاصده، فلا يبقى مجال للتهمة في ذلك
وقد أقام أمير المؤمنين «علیه السلام» جوابه مرتكزا على أساس العلم والدراية، الذي يمثل المعيار والضمانة للتعريف بالحق، وكشف المبهمات، وحل المشكلات بصورة صحيحة وقويمة.
كما أن العلم هو المرجعية لتصويب المسارات، لأية فئة تريد أن تتصالح مع عقلها ووجدانها،وفطرتها بالالتزام بما تفرضه الهداية العلمية، التي تتوافق مع الفطرة السليمة، وهدي العقول المستقيمة..
وطبيعي: أن من يكون قائده هواه، وهو عبد لدنياه، فهو النقيض لمن يكون قائده علمه وعقله وفطرته ودينه، وهو عبد اللّه سبحانه.
وسيعمل هذا النوع من الناس على إزالة الحسين «علیه السلام» عن دينه ونهجه، وعلى أن ينسيه ذكر ربه.. لأنه يريد أن لا يرى أحداً في الوجود يأمره وينهاه، ويحدد له مساره، ويتحكم بمسيره ومصيره. إنه يريد أن يكون هواه هو الحاكم والمتسلط، وهو الآمر الناهي..
فإن لم يمكن لهذا النوع من الناس فرض نظرته هذه على الآخرين فإنه سيحاربهم، ويقتلهم، حتى لو كانوا أنبياء أو أوصياء.
وهذا بالذات هو ما أخبر علي ولده الحسين «علیهما السلام» به. وهو ما أقرّ به الحسين وسلم به واعتبره من الوحي الإلهي الذي جاء به رسول اللّه، بالرغم من أن عليا «علیه السلام» لم يذكر ذلك في كلامه.
قيل: سأل أمير المؤمنين «علیه السلام» ابنه الحسين «عليه السلام»، فقال له يا بني ما السؤدد؟!
قال: اصطناع العشيرة، واحتمال الجريرة.
قال: فما الغنى؟!
قال: قلة أمانيك، والرضا بما يكفيك.
قال: فما الفقر ؟
قال : الطمع، وشدة القنوط
قال: فما اللؤم؟!
قال : إحراز المرء نفسه، وإسلامه عرسه.
قال: فما الخروق؟
قال: معاداتك أميرك، ومن يقدر على ضرك ونفعك.
التفت إلى الحارث الأعور، فقال: يا حارث، علموا أولادكم
هذه الحكم، فإنها زيادة في العقل والحزم والرأي (1).
ونقول لاحظ ما يلي:
قال تعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبين» (2).
دلت هذه الآية المباركة على أن من مهمات النبي «صلى اللّه عليه وآله» هو تعليم الناس الحكمة، وبيان وتلاوة الآيات عليهم، لأنها التي تزيد من يقينهم، وترسّخ اعتقاداتهم، وتزكية نفوسهم من كل رين وكدورة، ويعلمهم الكتاب بما فيه من حقائق، وشرائع وأحكام، وعِبَر وعظات، ويعلمهم الحكمة أيضاً..
وقد دلت الآية المباركة المتقدمة على أن الحكمة تحتاج إلى تعليم، وليست في متناول أيدي الناس، كما قد يتوهم البعض، لأن الحكمة إذا كانت هي وضع الشيء في موضعه، فإن النجاح في هذا
الأمر يحتاج إلى معرفة دقيقة وعميقة لأسرار الخلق، ولحقائق التكوين، ومدى تأثير أي قول أو فعل سلباً أو إيجاباً في تلك الحقائق. ومن المعلوم أن الإنسان عاجز عن إدراك حقيقة نفسه، فهل يعرف غيره؟!
ونذكر القارئ الكريم بالقول الذي شاع وذاع، وطرق الكثير من الأسماع، وهو:
أتحسب أنك جرم صغير***وفيك انطوى العالم الأكبر
وقد لاحظنا: أن أمير المؤمنين «علیه السلام» - قبل أن يصدر أمره لكل الناس من خلال الحارث الأعور الهمداني، حيث قال: علموا أولادكم هذه الحكم الخ.. - قد مارس عمليا هذا التعليم، من خلال أسئلة خمسة وجهها إلى ولده ليدل على أنه معني جداً بأن يكون ولده عارفاً بالحكمة، وعالماً بكل ما يتصل بها..
وإذا كان هو وولده إمامين،للأمة، فإن الأخذ منهما، وطاعة أمرهما، والتأسي والاقتداء بهما يكون طبيعياً.
وقد صرح أمير المؤمنين «علیه السلام» بأن للحكم فوائد جليلة وجميلة، فهي:
1 - زيادة في العقل.
2 - زيادة في الحزم.
3 - زيادة في الرأي.
فإذا كانت وظيفة العقل: هي الإدراك ونيل المعاني، فإذا ازداد قوة وفعالية في هذا المجال، فإنه سيكون خير معين للإنسان في هذه الحياة، وفي التمييز بين الأمور...
والحزم: الذي يعني القدرة على اتخاذ المواقف وحمايتها ومناصرتها بشدة وثبات، ومن دون تردد أو ضعف في مقام الإجراء، فإن الأمور معه تكون أقرب إلى الانتظام، وأحرى بها أن تكون محققة للأهداف، ومن موجبات النجاح والفلاح..
مع لفت النظر إلى أن هذه الفقرة تعني أن للحكمة تأثيراً على المزاج الإنساني والحالة النفسية للأفراد.
وإذا انتهينا إلى الحديث عن الزيادة في الرأي: فذلك يشير إلى أن من الضروري أن يصبح الإنسان المؤمن ذا قدرة على الابتكار، وله فكر جوال وخلاق، لا يتجمد في محيط المعارف المتوفرة لديه، حتى كأنه غير قادر على توظيفها في الاستنباط والاستنتاج.
عن الباقر «صلوات اللّه علیه»، قال : «حدثني نجاد مولى أمير المؤمنين «صلوات اللّه علیه» وآله»، قال: رأيت أمير المؤمنين «صلوات اللّه علیه» يرمي نصالاً، ورأيت الملائكة تردّون (لعل الصحيح: تردّ أو يردّون) عليه أسهمه، فعميت، فذهبت إلى مولاي
الحسين بن علي «صلوات اللّه علیهما»، فشكوت ذلك إليه.
فقال : لعلك رأيت الملائكة تردّ على أمير المؤمنين أسهمه؟!
فقلت: أجل.
فمسح بيده على عيني، فرجعت بصيراً بقوة اللّه تعالى»(1).
ونقول:
1 - قد تحدثنا في الجزء الثاني من هذا الكتاب حين تحدثنا عن وضع الزهراء زغب جبرائيل في تمائم الحسنين «علیهما السلام» عما يقال من أن من يرى جبرائيل يصاب بالعمى، وقلنا: إنه موضع ريب، بسبب وجود موارد كثيرة رأى الناس فيها - كما يدعى - جبرائيل والملائكة، ولم يصابوا بالعمى، فراجع ما ذكرناه هناك وهذه الرواية تقول: إن نجاد قد عمي لرؤيته الملائكة.
وذكرنا هناك أيضاً: أن ما يزعم من أن جبرائيل كان يتمثل بصورة دحية الكلبي، يحتاج إلى تحقيق وتمحيص، لوجود ما يوم الريب في تمثل جبرائيل في صورته..
ومهما يكن من أمر، فإنهم ذكروا نصوصاً عديدة تدل على رؤية
1) الثاقب في المناقب ص 344 ومدينة المعاجز ج 2 ص 452 وج 3 ص514 و 515.
بعض الأشخاص لجبرائيل في صورة دحية، ومنهم عائشة، ولم يصابوا بالعمى..
ومما يدل على أن رؤية جبرائيل في صورة دحية لا توجب العمى قول النبي «صلی اللّه علیه وآله» فيما روي عنه: إذا رأيتم دحية عندي فلا يدخلن عليَّ أحد (1).
فإن رؤيته عنده إذا كانت توجب العمى، فإن ذلك يكفي رادعاً له عن الاقتراب من ذلك المكان، من دون حاجة إلى النهي عن الدخول.
من أجل ذلك نقول - وإن كان هذا الاحتمال بعيداً أيضاً -: لعل :حدیث ما رآه أحد إلا ذهب بصره إلا أن يكون نبيّاً (2)، يراد به طمسها مؤقتاً لمنع الرائي من مواصلة النظر، فيكون نوعاً من إلقاء الحجاب على العين.
2 - إن ما ذكرناه آنفا لا يعني أننا نزعم أن عمى نجاد لرؤيته الملائكة لم يحدث.. فلعله قد حدث بالفعل، وذلك:
أولاً : لإشغال نجاد بنفسه، ولينصرف عن متابعة ما يجري، وليزيد إيمانه من خلال ظهور هذه الكرامة لأمير المؤمنين «عليه
السلام» في نفس نجاد.
ثانياً: لكي يرى هذه الكرامة الإلهية للإمام الحسين «علیه السلام»، ويكون هذا الحدث في جملة مدخراته الإيمانية، التي تصونه من فتكات الشبهات، ومن عوادي المغريات.
ومن الطبيعي أن يسأل سائل عن سبب رمي علي «علیه السلام» تلك السهام، هل كان يرميها على هدف، أو بلا هدف؟!
وفي مقام الجواب نقول:
أولاً: إن الرمي العشوائي للسهام - لو كان - فلا يحتاج إلى الملائكة لترد السهام عليه.
ثانياً: إن العمل العبثي لا يصدر عن عاقل، فما بالك بالإمام المعصوم؟! وإن كان «علیه السلام» يرمي بسهامه على هدف، فما هو ذلك الهدف؟!
ثالثاً: فيما يرتبط بالهدف، فإن عدم معرفتنا به لا تضر، ما دمنا ملتزمين بالقاعدة القاضية بنفي العبث عن الإمام، ومع ذلك نقول: لعله كان يحارب مردة الجن وعتاتهم.
وقد ورد في الروايات: أنه «علیه السلام» قد حارب الجن
بالفعل(1).
وقد قال الشيخ المفيد «رحمه اللّه»: «.. وهذا الحديث روته العامة، كما روته الخاصة، ولم يتناكروا شيئاً منه» (2).
وقد قال بعض الأخوة:
قد يكون أمير المؤمنين في مقام التدرّب والتمرن على رمي السهام.
أو في مقام تطبيق بعض مهارات الرمي ليتعلمها منه الناس، وكانت الملائكة تأتيه بالسهام ليرميها مجدداً».
لكننا نرى أنه «علیه السلام» لا يحتاج إلى التدريب، ولا إلى تطبيق المهارات، فإن حسن التقدير، والضبط والسيطرة، وسلامة واعتدال تكوينه يغنيه عن ذلك.
وذكروا : أن ابن الأصفر بعث إلى معاوية بمسائل عجز عن
الإجابة عنها، فأرسلها مع رجل إلى علي «علیه السلام»، ليجيب عنها دون أن يعلم بأنها من قبل معاوية.
وكان ابن الأصفر قد وعد معاوية بأنه إن أجاب عنها فسيتبعه، ويرسل إليه بالجائزة.
ولكن عليا «علیه السلام» سرعان ما كشف أمر الرسول، وقرره، فأقر له بما جاء له، فقال «عليه السلام»: عليَّ بالحسن والحسين، ومحمد، فأحضروا.
فقال: یا شامی هذان ابنا رسول اللّه، وهذا ابنى، فاسأل أيهم أحببت.
فقال: اسأل ذا الوفرة يعني الحسن «علیه السلام».
فقال له الحسن «علیه السلام»: سلني عما بدا لك.
فقال الشامي: كم بين الحق والباطل ؟!.. إلى آخر الرواية..
(ونريد أن نكتفي بهذا القدر من الرواية)
فسأله الشامي عما أراد، وأجابه «علیه السلام»..
فأخذ الشامى الأجوبة إلى معاوية وأرسلها معاوية إلى ابن الأصفر.
فكتب إليه ابن الأصفر:
«يا معاوية لم تكلمني بغير كلامك، وتجيبني بغير جوابك؟! أقسم بالمسيح ما هذا جوابك، وما هو إلا من معدن النبوة، وموضع
الرسالة، وأما أنت فلو سألتني در هما ما أعطيتك» (1).
ونقول:
1 - إن طمع معاوية بحفظ هيبته، وبأن يتبعه ابن الأصفر، ويهدي له الجوائز والأموال هو السبب في بحثه عن أجوبة المسائل التي بعث بها إليه.
2 - إننا لا نريد شرح مداليل الرواية، ولا استيعاب الكلام حول ما جرى، بل نريد أن نبرز ما يرتبط منها بالإمام الحسين «علیه السلام»، لأن هذا هو موضوع هذا الكتاب.
وقد رأينا في النص المتقدم للرواية:
1) الخصال ص 440 وروضة الواعظين ص 45 - 46 والإحتجاج ج 1 ص45 ج1 ص 398 - 401 والثاقب في المناقب ص 319 - 320 والخرائج والجرائح ج 2 ص 572 - 573 ومدينة المعاجز ج 3 ص 355 - 358 وبحار الأنوار ج 10 ص 129 - 131 و ج 33 ص 238 - 240 و ج 43 ص 325 - 326 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 66 وتحف العقول ص 160 - 162 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص 228 - 230 ومسند محمد بن قيس البجلي (تحقيق بشير المازندراني) ص 134 - 136 وعجائب أحكام أمير المؤمنين «علیه السلام» ص 203 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص 490 و 508.
1 - إن عليا «علیه السلام» قد ضمن لذلك الشامي: أن يسمع الجواب من أي واحد يختاره من أبنائه الثلاثة.
وهذه شهادة عظيمة منه «علیه السلام» لولده محمد، بالإضافة إلى أخويه الحسن والحسين «علیهما السلام». وهي تدل على رسوخ قدم ابن الحنفية في العلم الذي تعلمه من أبيه بالدرجة الأولى.
وفي بعض الروايات: أنه طالب الحسنين «علیهما السلام» بميراثه من علم أبيه، فدفعا إليه،صحيفة ولو أعطياه أكثر منها لهلك (1).
وفي رواية أن الصحيفة أقل من شبر، أو أكبر من أربع أصابع(2).
2 - إن عليا «عليه السلام» هو الذي طلب حضور ولده محمد «رضوان اللّه تعالى عليه»، ولم يكن حضوره اتفاقياً..
وهذا يدل على أنه «علیه السلام» كان من أول الأمر بصدد
إظهار وإشهار فضل محمد «رضوان اللّه تعالى عليه». إذ لا معنى لطلب حضوره لولا ذلك، لأننا لم نجد له أي فعل، أو رد فعل، سوى هذا الذي ذكرناه.
3 - يؤكد ذلك : أن علياً «علیه السلام» حين نسبه إلى نفسه، لم يكن المقصود هو نسبة البنوة والأبوة الحقيقية، فإن أحداً لا يشك في بنوته الحقيقية له.
بل المراد هو إظهار الاعتزاز به والثناء عليه، بأنه قد ورث من علمه، ومن صفاته وحالاته.. ولكن ليس بالضرورة أن يكون في مستوى الحسنين «علیهما السلام»، وليس له مقام العصمة، لأنه لا يجب في جميع أولاده أن يكونوا أئمة ليكون لهم مقام العصمة والولاية.
4 - ويبدو لنا: أن المراد ببنوة الحسنين «علیهما السلام» لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» هو وراثة علم النبوة، ومقام الإمامة، وصفاتها، وميزاتها، فقد عرفنا أن عليا «علیه السلام» يقول: لو عاش إبراهيم لكان نبيا (1). والحسنان، وإن لم يكونا من الأنبياء،
1) راجع: بحار الأنوار ج 22 ص 458 وج 24 ص 264 وج 65 ص54 وحلية الأبرار ج 2 ص 409 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 347 ومسند أحمد ج 3 ص 133 وفتح الباري ج 10 ص 477 وتخريج الأحاديث والآثار ج3 ص 115 والجامع الصغير ج 2 ص 433 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 11 ص 469 و 470 و ج 12 ص 455 وكشف الخفاء ج 2 ص 156 و 157 و 158 وتفسير أبي حمزة الثمالي ص 360 وتفسير فرات الكوفي ص 586 والبرهان (تفسير) ج 5 ص720 وتفسير كنز الدقائق ج 14 ص 383 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 139 والإصابة ج 1 ص 319 و 320 وأسد الغابة ج 1 ص 40 والبداية والنهاية ج 5 ص 331 وإمتاع الأسماع ج ص 340 والمحاضرات والمحاورات ص306 والسيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 612 و 613 والخصائص الكبرى ج 2 ص 265 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 25 و 26 وتأويل الآيات الظاهرة ج 2 ص 832 وينابيع المودة ج 2 ص 52 و و 10 وغاية المرام ج 3 ص 301 وذخائر العقبى ص156.
ولكنهما يملكان سماتهم، وصفاتهم وعلمهم، وعصمتهم.
فهما ابنا الرسول ولادة بواسطة الزهراء «علیها السلام»، وهما ابناه الوارثان لعلمه، وخصائصه، ولهما مقاماته وصلاحياته من بعده، وهما شاهدان على الأمة، وتنتقل إليهما بعد أبيهما جميع الشؤون والميزات، والصلاحيات التي كانت له «صلی اللّه علیه وآله»، إلا ما استثني بصورة صريحة، واختص به «صلی اللّه علیه وآله» دون الخلق أجمعين، مثل جواز التزويج بأكثر من أربع نساء، ومثل درجة النبوة، ونحو ذلك.
وقد قال «صلی اللّه علیه وآله» لعلي «علیه السلام»: «إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي. ولكنك وزير، وإنك لعلى خیر»(1).
1) راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 137 - 160 (الخطبة القاصعة) : رقم 192 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 28 والطرائف لابن طاووس ص 415 وشرح مئة كلمة لأمير المؤمنين لابن ميثم البحراني ص 220 والصراط المستقيم ج 2 ص 65 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 223 وبحار الأنوار ج 14 ص 476 و ج 18 ص 223 وج 38 ص 320 وج 60 ص 264 وجامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 68 والغدير ج 3 ص 240 وسنن النبي صلى اللّه عليه و آله للطباطبائي ص 403 ومكاتيب الرسول ج 1 ص 407 ونهج السعادة ج 7 ص 33 و 145 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 197 وخصائص الوحي المبين ص28 ونهج الإيمان لابن جبر ص 532 وينابيع المودة ج 1 ص 209.
5 - يلاحظ هنا: أن الشامي هو الذي اختار الإمام الحسن «علیه السلام»، ربما لتوهمه أنه هو الأحرى بالإجابة على ما يريد من حيث أنه يحتمل أنه هو الأكبر سنا من الإمام الحسين، فضلا عن محمد بن الحنفية.
6 - قد يقال : إن هذه القضية لا تتناسب مع ما يقال حول عمر وتاريخ ولادة ابن الحنفية، فعلى بعض الأقوال لم يكن قد ولد أصلا.
ونجيب:
أولاً: إن النص يصرح بأن رسول معاوية قد لقي عليا «عليه السلام» وهو في رحبة الكوفة، والناس متراكمون، فمن بين مستفت، ومن بين مستعدٍ. ومعنى هذا: أن الأمر قد حصل في خلافة علي «علیه السلام»، وكان ابن الحنفية رجلاً كاملاً، وقد حمل الراية يوم
الجمل، وقاتل.
ثانياً ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» أن هناك من يقول : إن ابن الحنفية «رحمه اللّه» قد ولد في زمن الرسول «صلی اللّه علیه وآله». ولذلك شواهد.
وهناك شواهد تقول: إنه ولد في أول خلافة أبي بكر بعد استشهاد فاطمة عليها السلام»، فحتى لو أخذنا بهذا القول المؤيد بالشواهد، فإن صغر سن ابن الحنفية «رحمه اللّه» لا يمنع الشامي من سؤاله، ومن أن يضعه أبوه في موقع المسؤول ما دام واثقا من أنه سيكون قادراً على الإجابة، ولو كان في عمر سنة ونصف، أو سنتين، أو أكثر.
عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال: إن عندنا ما نكتمه، ولا نعلمه غيرنا، أشهد على أبي أنه حدثني عن أبيه، عن جده، قال: قال لي علي بن أبي طالب «علیه السلام»: يا بني، إنه لا بد من أن تمضي مقادير اللّه وأحكامه على ما أحب وقضى، وسينفذ اللّه قضاءه وقدره وحكمه فيك، فعاهدني أن لا تلفظ بكلام أسره إليك حتى أموت، وبعد موتي باثني عشر شهراً.
وأخبرك بخبر أصله عن اللّه تقول غدوة وعشية، فيشتغل به ألف ألف ملك، يعطى كل منهم قوة ألف ألف كاتب في سرعة الكتابة، ويوكل بالاستغفار لك ألف ألف ملك، يعطى كل ملك مستغفر قوة ألف ألف متكلم في سرعة الكلام.
ويبنى لك في دار السلام ألف ألف بيت في مائة قصر، يكون فيه من جيران أهله، ويبنى لك في الفردوس ألف بيت في مائة قصر يكون لك جار جدك، ويبنى لك في جنات عدن ألف ألف مدينة.
ويحشر معك في قبرك كتاب يقول: ها أنا لا سبيل عليك للفزع، ولا للخوف، ولا لزلازل الصراط، ولا لعذاب النار، ولا تدعو بدعوة
فتحب أن تجاب في يومك، فيمسي عليك يومك إلا أتاك كائنة ما كانت، بالغة ما بلغت، في أي نحو كانت
ولا تموت إلا شهيداً.
وتحيا ما حييت وأنت سعيد.
ولا يصيبك فقر أبداً، ولا جنون ولا بلوى.
ويكتب لك في كل يوم بعدد الثقلين كل نفس ألف ألف حسنة، ويمحى عنك ألف ألف سيئة، ويرفع لك ألف ألف درجة، ويستغفر لك العرش والكرسي حتى تقف بين يدي اللّه عز وجل.
ولا تطلب لأحد حاجة إلا قضاها، ولا تطلب إلى اللّه حاجة لك ولغيرك إلى آخر الدهر في دنياك وآخرتك إلا قضاها فعاهدني كما أذكره لك.
فقال له الحسين «صلوات اللّه علیه» عاهدني يا أبه على ما أحببت.
قال: أعاهدك على أن تكتم علي، فإذا بلغ محل منيتك فلا تعلمه أحداً سوانا أهل البيت، أو شيعتنا، أو أولياءنا وموالينا، فإنك أنت إن فعلت ذلك طلب الناس إلى ربهم الحوائج في كل نحو فقضاها، فأنا أحب أن يتم اللّه بكم أهل البيت بما علمني ما أعلمك ما أنتم فيه تحشرون، لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
فعاهد الحسين عليا «صلوات اللّه علیه» على ذلك، ثم قال: إذا أردت إن شاء اللّه ذلك فقل هذا الدعاء : [...](1).
وذكر الدعاء المعروف بدعاء العشرات.
ونقول:
إن هذا التشديد في هذا الأمر على الإمام الحسين «علیه السلام»، وإصرار أبيه عليه بأن يعاهده على عدم إعطاء الدعاء لغير أهل البيت وشيعتهم ليس للتأكد من أنه «علیه السلام» سوف يلتزم بهذا الأمر، لأن الحسين لا يخلّ بوعده، فهل يخلّ بعهده؟! بل لكي يعرف الناس قيمة ما ادخره أئمتهم لهم من كنوز لا تقدر بثمن..
ولكي لا تقع هذه الجواهر الثمينة في أيدي غير أهلها.
وسياسة كتمان العلم عن غير أهله سياسة حكيمة وسليمة، لأن من ليس أهلاً للعلم سيكون سبباً في إهماله وتضييعه، وربما عمل على تشويهه، أو وظفه في خدمة شهواته، وأهوائه، وفي إشاعة
1) مهج الدعوات ص 184 - 185 - 188 - 191 وراجع: ص 279 - 285 و (ط کتابخانه سنائي) ص 145 وبحار الأنوار ج 2 ص 408 - 409 و 412 - 415 وراجع: ج 87 ص 73 - 78 وراجع: جمال الأسبوع لابن طاووس ص 280.
المنكر، وتقوية الباطل وإشاعته، وتأييده..
ولأجل ذلك تجد النهي عن تمكين الجهال من الحكمة، ففي وصية الإمام الكاظم «علیه السلام» لهشام يا هشام، لا تمنحوا الجهال الحِكَمَ فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم»(1). وقريب من ذلك روي عن عيسى «علیه السلام»(2).
وعن علي «علیه السلام»: «إن الحكماء ضيعوا الحكمة لما وضعوها في غير أهلها» (3).
قد يفهم من سياق الرواية المتقدمة: أن الكتمان الحسيني للسر الذي أعلمه به أبوه، هو فيما يبدو سر خاص بالإمام الحسين «عليه السلام»، ولعله يرتبط بخصوصيات تتعلق بقضاء اللّه وحكمه فيه في نفسه، وما يجري عليه.
وهذا السر هو الذي يجب أن يبقى مخفياً إلى ما بعد استشهاد الإمام علي «علیه السلام» باثني عشر شهراً.
أما ما سوف ينشأ من الاستفادة من دعاء العشرات وما يترتب عليه من آثار عظيمة، وفوائد جليلة، فهو مرهون بكتمان الإمام الحسين «علیه السلام» هذا الدعاء عن غير أهل البيت وشيعتهم، فإن فعل «علیه السلام» ذلك، تحقق الأثر المطلوب لهذا الدعاء على من يدعو به.
وقد خص علي «عليه السلام ولده الإمام الحسين «عليه السلام» بهذا الدعاء ربما لأنه «علیه السلام» عبرة كل مؤمن ومؤمنة، والناس كل الناس يتأثرون بشدة بما جرى عليه من مصائب وبلايا، وآلام ورزايا وتثور مشاعرهم، وتلين وتخشع قلوبهم في ذكراه، وهم يحنون لكل ما له ارتباط به، فإذا وجدوا للدعاء ارتباطاً به «علیه السلام»، فإن ذلك يزيدهم إخلاصاً وخشوعاً، وإقبالاً على اللّه تعالى وانقطاعاً إليه، وطلبا الحوائج منه.. فتتهيّأ الأسباب لاستجابته تعالى لهذا العبد الداعي بحرقة، وإخلاص وخشوع، تعبر عنه الزفرات والدموع.
1 - ذكر أمير المؤمنين «علیه السلام» لدعاء العشرات هذا آثاراً عظيمة، وهائلة، لم تكن لتخطر على قلب بشر. فقد يروق للبعض أن يسارع إلى تكذيب أمثال هذه الروايات، ويرى أنها من قبيل الخيال، أو الأحلام، أو من قبيل حديث خرافة..
ولكننا نقول:
إن الذين ينكرون هذه الأمور إنما يقيسونها على واقعهم الدنيوي، المحدود في قدراته وطاقاته، والمحاصر بالموانع والحجب، مع أنها ليست لهذه الدنيا، بل هي لعالم آخر، تتساقط فيه الحجب، وتزول الموانع، وتتحطم القيود، وينطلق المحدود من قيوده، ويتطور هذا الإنسان ويتغير ليشاكل هذا العالم الجديد في طاقاته، وقدراته وإمكاناته، ليهيمن على ما أعده له في عالمه الجديد من موقع المختار القادر..
2 - وقد يستفاد مما تقدم أن الاستفادة من هذا الكم الهائل، بكل ما له من تكثر وامتداد وتنوع أمر ممكن وميسور، وهو عين الحقيقة أيضاً، ويتم ذلك بالاستفادة من نفس هذه الأدوات والجوارح الدنيوية بعد إصلاحها، وإزالة كل ما علق بها وشحذها وشحنها بالطاقات المناسبة لذلك العالم، لتصبح الاستفادة من كل ما أعده اللّه تعالى لهذا الإنسان في ذلك العالم من نعم مهما عظمت، وكثرت، واتسعت، وتنوعت أمراً طبيعياً وعاديا..
روي عن جماعة يسندون الحديث إلى الحسين بن علي «علیهما السلام» قال:
كنت مع علي بن أبي طالب «علیه السلام» في الطواف في ليلة ديجوجيّة، قليلة النور، وقد خلا الطواف، ونام الزوار، وهدأت
العيون، إذ سمع مستغيثاً، مستجيراً، مترحماً، بصوت حزين، من قلب موجع، وهو يقول:
يا من يجيب دعا المضطر في***يا كاشف الضر والبلوى مع
قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا***يدعو وعينك يا قيوم لم تنم
هب لي بجودك فضل العفو عن****يا من أشار إليه الخلق في
إن كان عفوك لا يلقاه ذو سرف***فمن يجود على العاصين
قال الحسين بن علي «صلوات اللّه علیهما»: فقال لي أبي: يا أبا عبد اللّه أسمعت المنادي لذنبه المستغيث ربه؟!
فقلت: نعم قد سمعته
فقال: اعتبره، عسى أن تراه.
فما زلت أخبط في طخياء الظلام، وأتخلل بين النيام، فلما صرت بين الركن والمقام، بدا لي شخص منتصب، فتأملته فإذا هو قائم، فقلت: السلام عليك أيها العبد المقر، المستقيل المستغفر المستجير، أجب باللّه ابن عم رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
فأسرع في سجوده وقعوده وسلم، فلم يتكلم حتى أشار بيده بأن: تقدمني.
فتقدمته، فأتيت به أمير المؤمنين، فقلت: دونك ها هو.
فنظر إليه، فإذا هو شاب حسن الوجه، نقي الثياب، فقال له: ممن
الرجل؟!
فقال له: من بعض العرب.
فقال له: ما حالك؟ ومم بكاؤك واستغاثتك ؟!
فقال: ما حال من أخذ بالعقوق فهو في ضيق ارتهنه المصاب، وغمره الاكتئاب، فإن تاب فدعاؤه لا يستجاب.
فقال له علي «علیه السلام»: ولم ذاك؟!
فقال : إني كنت ملتهيا في العرب باللعب والطرب، أديم العصيان في رجب وشعبان، وما أراقب الرحمن، وكان لي والد شفيق رفيق، يحذرني مصارع الحدثان، ويخوفني العقاب بالنيران، ويقول: كم ضج منك النهار والظلام والليالي والأيام والشهور والأعوام، والملائكة الكرام.
وكان إذا ألح علي بالوعظ زجرته وانتهرته، ووثبت عليه وضربته، فعمدت يوماً إلى شيء من الورق، وكانت في الخباء، فذهبت لأخذها وأصرفها فيما كنت عليه فمانعني عن أخذها، فأوجعته ضرباً، ولويت يده، وأخذتها ومضيت.
فأومأ بيده إلى ركبته يريد النهوض من مكانه ذلك فلم يطق
يحركها من شدة الوجع والألم، فأنشأ يقول:
جرت رحم بيني وبين منازل***سواء كما يستنزل القطر طالبه
وربيت حتى صار جلداً شمردلاً***إذا قام ساوى غارب الفحل
وقد كنت أؤتيه من الزاد في***إذا جاع منه صفوه وأطائبه
فلما استوى في عنفوان شبابه***وأصبح كالرمح الرديني خاطبه
تهضمني مالي كذا ولوى يدي***لوى يده اللّه الذي هو غالبه
ثم حلف باللّه ليقدمن إلى بيت اللّه الحرام فيستعدي اللّه علي.
قال: فصام أسابيع، وصلى ركعات، ودعا وخرج متوجهاً على عیرانه يقطع بالسير عرض الفلاة، ويطوي الأودية، ويعلو الجبال، حتى قدم مكة يوم الحج الأكبر، فنزل عن راحلته، وأقبل إلى بيت اللّه،الحرام فسعى وطاف به وتعلق بأستاره وابتهل بدعائه، وأنشأ يقول:
يا من إليه أتى الحجاج بالجهد***فوق المهاوي من أقصى غاية
إني أتيتك يا من لا يخيب من***يدعوه مبتهلا بالواحد الصمد
هذا منازل من يرتاع من عققي***فخذ بحقي يا جبار من ولدي
حتى تشل بعون منك جانبه***يا من تقدس لم يولد ولم يلد
قال: فوالذي سمك السماء، وأنبع الماء، ما استتم دعاءه حتى تزل بي ما ترى، ثم كشف عن يمينه فإذا بجانبه قد شل، فأنا منذ ثلاث سنين أطلب إليه أن يدعو لي في الموضع الذي دعا به عليّ فلم يجبني، حتى إذا كان العام أنعم عليّ، فخرجت به على ناقة عشراء أجد السير حثيثاً رجاء العافية، حتى إذا كنا على الأراك، وحطمة
وادي السياك، نفر طائر في الليل، فنفرت منها الناقة التي كان عليها، فألقته إلى قرار الوادي، وارفض بين الحجرين، فقبرته هناك، وأعظم من ذلك: إني لا أعرف إلا المأخوذ بدعوة أبيه.
فقال له أمير المؤمنين «علیه السلام»: أتاك الغوث، أتاك الغوث، ألا أعلمك دعاء علمنيه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وفيه اسم اللّه الأكبر الأعظم الأكرم الذي يجيب به من دعاه، ويعطي به من سأله، ويفرج به الهم، ويكشف به الكرب، ويذهب به الغم، ويبرئ به السقم، ويجبر به الكسير، ويغني به الفقير، ويقضي به الدين، ويرد به العين، ويغفر به الذنوب ويستر به العيوب ويؤمن به کل خائف من شيطان مريد وجبار عنيد.
ولو دعا به طائع اللّه على جبل لزال من مكانه، أو على ميت لأحياه اللّه بعد موته، ولو دعا به على الماء لمشى عليه بعد أن لا يدخله العجب؟!
فاتق اللّه أيها الرجل، فقد أدركتنى الرحمة لك، وليعلم اللّه منك صدق النية، إنك لا تدعو به في معصيته، ولا تفيده إلا الثقة في دينك، فإن أخلصت النية استجاب اللّه لك، ورأيت نبيك محمدا «صلی اللّه علیه وآله» في منامك يبشرك بالجنة والإجابة.
قال الحسين «علیه السلام»: فكان سروري بفائدة الدعاء أشد من سرور الرجل بعافيته، وما نزل به، لأننى لم أكن سمعته منه، ولا عرفت هذا الدعاء قبل ذلك.
ثم قال : ائتني بدواة وبياض واكتب ما أمليه عليك، ففعلت، وهو: اللّهم إني أسألك باسمك، بسم اللّه الرحمن الرحيم، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم يا حي لا إله إلا أنت [...].
ثم قال: وتسأل اللّه تعالى ما أحببت، وتسمي حاجتك، ولا تدع به إلا وأنت طاهر.
ثم قال للفتى : إذا كانت الليلة العاشرة فادع به عشر مرات وائتني من غد بالخبر.
قال الحسين بن علي «علیهما السلام»: وأخذ الفتى الكتاب ومضى، فلما كان من غد ما أصبحنا حيناً حتى أتى الفتى إلينا سليما معافى، والكتاب بيده وهو يقول: هذا واللّه الاسم الأعظم، استجيب لي ورب الكعبة.
قال له على «صلوات اللّه علیه»: حدثني.
قال: لما هدأت العيون بالرقاد واستحلك جلباب الليل رفعت يدي بالكتاب، ودعوت اللّه بحقه مرارا، فأجبت في الثانية: حسبك فقد دعوت اللّه باسمه الأعظم.
ثم اضطجعت فرأيت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في منامي وقد مسح يده الشريفة علي وهو يقول: احتفظ باسم اللّه الأعظم العظيم
إن أول ما يطالعنا في النص المتقدم تكنية الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» لولده في خطابه،له، حيث قال له: يا أبا عبد اللّه، أسمعت المنادي الخ..
وهذا يدل على إعزازه واحترامه كما هو ظاهر
وقد أظهر هذا النص أيضاً مدى اهتمام أمير المؤمنين «علیه السلام» بإغاثة الملهوفين، وحل مشكلات المؤمنين، ومساعدة من يحتاج إلى المساعدة، حتى إنه يرسل ولده ليبحث عن ذلك الشاكي إلى اللّه، ليجده بين الركن والمقام، ليأتي به إليه.
1) مهج الدعوات ص 191 - 198 و (ط کتابانه سنائي) ص149 - 157 وبحار الأنوار ج 2 ص 394 - 402 والمصباح للكفعمي ص260 – 264.
وقد صرح الإمام الحسين «علیه السلام»: بأنه لم يكن قد سمع بهذا الدعاء من أبيه، ولا عرفه قبل ذلك، فقد يقول البعض: إن هذا يمثل نقصاً في معارف الإمام الحسين «علیه السلام»، وهو منزه عن ذلك.
ويمكن أن يجاب:
بأنه من الممكن أن يكون اللّه تعالى قد حجب عن الحسين «عليه السلام» معرفة هذا الدعاء لبعض المصالح، ومنها التعريف بمدى سرور ولذة الإمام الحسين «علیه السلام» بالدعاء، حتى لقد ذكر أنه سرّ به سروراً أشد من سرور الرجل بعافيته.
ولعلك تقول : إن هذا معناه نسبة الجهل إلى أفضل الخلق بعد الرسول وعلي والحسن «علیهم السلام»، وهو غير سديد..
ويجاب: بإن الإمام «علیه السلام» كان لدية الإستعداد والشوق لنيل جميع المعارف ولكن المنع الإلهي كان لمصلحة أهم قد حال دون ذلك، فلا يعد عدم المعرفة لهذا الممنوع نقصاً فيه «علیه السلام»، بل هو كمال له لأنه منعه من شيء ليعوضه ماهو هو أعلى وأغلى وأثمن منه.
وه
هذا يشبه - من بعض الوجوه - ما قاله الشيخ الصدوق «رحمه اللّه» من اللّه قد يسهي نبيه لكي لا يغلو الناس فيه، ويعطوه صفة اللّه..
وقد أجاب بعض الأخوة بأن الأشكال يدفع بالتفرقة بين العلم
اللدني والمعرفة الظاهرية التي لم تحصل له، لأن النبي «صلى اللّه عليه وآله» وعلي «علیه السلام» لم يذكرا هذا الدعاء له..
وهذا لا ينافي أن يكون قد عرف هذا الدعاء بالعلم اللدني..
ونحن لا نناقش في صحة هذا الجواب لو كان منسجماً مع سياق كلامه «علیه السلام»، حيث صرح بأنه لم يكن قد عرف هذا الدعاء قبل ذلك.
قال الخاجوئي: ذكر ابن طاووس في مهج الدعوات بسند مرفوع، محذوف أو ضعيف جداً: أن أبا عبد اللّه الحسين «صلوات اللّه علیه» قال: أوصاني أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «علیه السلام» وصية عظيمة بهذا الدعاء وحفظه يعني دعاء الجوشن، وقال لي: يا بني اكتب هذا الدعاء على كفني، وقال الحسين «علیه السلام» فعلت كما أمرني أبي (1).
وفي نص آخر أوصاني أبي بحفظ هذا الدعاء، وتعظيمه، وأن أكتبه على كفنه، وأن أعلمه أهلي، واحتهم عليه (2).
وعن الإمام الحسين «علیه السلام»: قال أبي أمير المؤمنين «علیه السلام»: يا بني، ألا أعلمك سراً من أسرار اللّه عز وجل علمنيه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وكان من أسراره، لم يطلع عليه أحد ؟!
قلت: بلى يا أباه، جعلت فداك.. الخ (1).
ونقول:
1 - إن هذا الدعاء معروف في أوساط شيعة أهل البيت «علیه السلام»، وهم يقرؤونه في ليالي القدر، ويكتبه كثيرون منهم على أكفانهم.
2 - وهو يشتمل على ألف اسم ووصف للذات الإلهية. ويا حبذا لو قام بعض الباحثين بجولة في أكناف وأطراف هذا الدعاء، ودرس فقراته المختلفة وتراكيبها، وأرشد إلى حيثياتها، وكشف عن مبهماتها، وبيّن وجوه السداد والصواب فيها، لكي يزول الريب الذي يراود قلوب بعض الناس حول مدى موافقتها للضوابط اللغوية والتركيبية، التي يفترض مراعاتها فيها.
3 - وقد أشار العلامة الخاجوئي إلى احتمال ضعف سند هذا
1) مهج الدعوات لابن طاووس ص 227 وبحار الأنوار ج 91 ص 398.
الدعاء، ولا نستبعد أن يكون محقا في ذلك.. ولكن من الواضح: أن ضعف السند لا يعني كذب المضمون غاية ما هناك أنه لا يصح الاحتجاج به بمفرده.
4 - على أن ضعف سند هذا الدعاء لا يمنع من الإتيان به برجاء المطلوبية، استناداً إلى الحديث الذي يقول من سمع شيئا من الثواب على شيء فصنعه، كان له، وإن لم يكن على ما بلغه (1).
فإن هذا الدعاء يتضمن عبارة: «سُبْحانَكَ يا لا إِلهَ إِلا أَنْتَ، الغَوْثَ الْغَوْثَ خَلصنا مِنَ النّار يا رَبِّ»، ففيه طلب التفصى من العقاب. فهو نظير ما ورد في خواص سورة التحريم: من أنها إذا كتبت على الميت خففت عنه، فإذا أهدي ثوابها للميت أسرع إليه كالبرق، وآنسته(2).
5 - بقي أن نشير إلى أن تخصيص الإمام الحسين «علیه السلام» بهذا الدعاء، لا يعني أن الإمام الحسن «علیه السلام» قد حرم منه،
فإن ما ورد في بعض النصوص هو أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي أبقاه سراً. أما علي «علیه السلام» فهو يعلمه لولده الحسين، ولعله سبق أن علمه للحسن أيضاً. فإنهما إمامان قاما أو قعدا..
وروي أيضاً عن أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق، بإسناده عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال: سمعته يقول: قال لي أبي محمد بن علي قرأ علي بن أبي طالب «علیه السلام» «إنا أنزلناه في ليلة القدر» وعنده الحسن والحسين «علیهما السلام»، فقال له الحسين «عليه السلام»: يا أبتا، كأن بها من فيك حلاوة؟!
فقال له: يا ابن رسول اللّه، وابني. إني أعلم فيها ما لم تعلم، إنها لما نزلت بعث إلى جدك رسول اللّه، فقرأها علي. ثم ضرب على كتفي الأيمن وقال: يا أخي، ووصيي ووالي (1)أمّتي بعدي، وحرب أعدائي إلى يوم يبعثون، هذه السورة لك من بعدي، ولولدك من بعدك، إن جبرئيل أخي من الملائكة حدَّث إلي أحداث أمتي في سنتها، وإنه ليحدث ذلك إليك كأحداث النبوة، ولها نور ساطع في قلبك، وقلوب أوصيائك إلى مطلع فجر القائم «علیه السلام» (2).
ونقول:
1 - إن ما يجعل لسورة القدر حلاوة في فم علي «علیه السلام» هو ما يفرغه في كلماته من روحه،وإيمانه ومشاعره. وليس الألفاظ بما هي حروف وأصوات.. أي أن السامع حين يكون علي «علیه السلام» هو المتكلم بسورة القدر، يشعر بالخشوع، وتهتز مشاعره لمعانيها، وتلامس إيحاءاتها شغاف قلبه، وتنفذ حقائقها إلى عمق روحه «علیه السلام».
2 - إن خطاب أمير المؤمنين لولده بعبارة : «يا بن رسول اللّه، وابني..» لعله للدلالة على أن سبب الحلاوة التي وجدها الحسين «عليه السلام» لسورة القدر حين كان يسمعها من أبيه «علیه السلام» هو الإعداد والتربية والوعي، وعمق الإيمان، وأصالة المشاعر التي هي آثار جهد مقام النبوة، والإمامة فيه «علیه السلام»، وليست أمراً عارضاً، ولا هي من الأمور العادية التي يمكن لأي إنسان أن يدعيها لنفسه.
3 - وتضمن الكلام الذي نقله «علیه السلام» عن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قوله عن علي : وحرب أعدائي إلى يوم يبعثون». وهذه هي الحقيقة التي لا تخفى على ذي مسكة، فإن عليا «علیه السلام» في حياته وبعد مماته هو القاهر لأعداء رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، والمحطم لآمالهم في طمس دين اللّه، وفي النيل من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، بفكره ونهجه وسياساته، وبشيعته
ومحبيه، والموالين له. فإن الكل يضرب بسيف علي «علیه السلام»، ويستقي منه معارفه وحججه وسعيه لإبطال الباطل وإحقاق الحق.
4 - وقد قال «صلی اللّه علیه وآله» لعلي «علیه السلام»: «وولي أمتي بعدي» حسب النص كنز الفوائد الذي نقل عنه في البحار، ولم يقل أنت والي أمتي، ربما لأن كلمة الوالي تستبطن معنى الحاكمية، والمطلوب ما هو أبعد من ذلك.
كما أنه لم يقل: أنت إمام أمتي بعدي ربما لأن البعض قد يفهم من كلمة الإمام أنه الذي يؤتم به ويتبع..
مع أن المقصود أيضاً ما هو أبعد من مجرد الإتباع والإئتمام.. إنه يريد أن يجعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فلا خيار لهم معه، بل هو الذي يقرر ويتصرف..
5 - وقد صرحت الرواية بأن سورة القدر هي للنبي «صلى اللّه عليه وآله»، وقد فسرت الروايات ذلك بأن الملائكة والروح إذا كانت تتنزل في كل سنة في ليلة القدر بإذن ربهم من كل أمر يحدث في تمام تلك السنة، فإنما تتنزل على النبي «صلی اللّه علیه وآله» بذلك في زمان حياته فهي له ما دام حيا. وبعد مماته تتنزل الملائكة على علي «علیه السلام»، وتحدثه بكل ما يحدث في كل سنة، فإذا استشهد انتقل الأمر إلى الأوصياء بعده، وهم الأحد عشر إماماً «صلوات اللّه علیهم أجمعین»، فتتنزل الملائكة عليهم على النحو الذي تقدم.
فإذا كانت لا تخلو الأرض من حجة، فذلك يعني بقاء هؤلاء
الأئمة إلى مطلع فجر القائم «علیه السلام»..
كما أن هذا يدل على أن الملائكة تلتقي بالأئمة، وعلى أن لهم مهمات معهم.. ويدلنا ذلك على أن الأئمة يعرفون ما يحدث في طول السنة، من خلال ما تأتيهم الملائكة، والروح به.. فلا مورد لإنكار علم الأنبياء والأئمة بالغيب..
حين عزم أمير المؤمنين «علیه السلام» على حرب الناكثين تخلف عنه بعض الناس، منهم أسامة بن زيد فمنعهم «علیه السلام» من العطاء من بيت المال فصعب عليهم هذا الأمر، وحاول أسامة أن يثنيه عن قراره هذا فلم يفلح.. وفيما يلي بعض ما له ارتباط بهذا الموضوع..
ورووا: أن أسامة بن زيد أرسل مولاه حرملة من المدينة إلى الكوفة إلى علي «علیه السلام» يسأله شيئاً من المال، وقال له: إنه سيسألك الآن، فيقول: ما خلف صاحبك؟!
فقل له: يقول لك: لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره (أي لم يكن من رأيه القتال).
فلم يعطنى شيئاً.
فذهبت إلى حسن وحسين وابن جعفر، فأوقروا لي راحلتي(1).
وقال العسقلاني: «لعله سأله شيئاً من مال اللّه، فلم ير أن يعطيه لتخلفه عن القتال معه، وأعطاه الحسن والحسين وعبد اللّه بن جعفر... وكأنهم لما علموا أن علياً لم يعطه شيئاً عوضوه من أموالهم من ثياب ونحوها قدر ما تحمله راحلته التي هو راكبها»(2).
ونقول:
نلاحظ ما يلي:
1 - إن على أسامة قبل أن يتخذ قراره بعدم قتال المسلمين أن يلغي من كتاب اللّه الآية التي توجب قتال البغاة من المسلمين، وأن يخطئ رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فى قوله لعمار: تقتلك الفئة الباغية.
2 - إن عليه أيضاً أن يخطئ رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في قوله: علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار (3).
1) راجع: صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 8 ص 99 وعمدة القاري ج 24 ص 208 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 71 وتاريخ مدينة دمشق ج 8 ص 82 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 63 وذخائر العقبي ص137.
2) فتح الباري ج 13 ص 58 و 59 و راجع: وأعيان الشيعة ج 1 ص 580.
3) الفصول المختارة ص 97 وبحار الأنوار ج 10 ص 431 و 432 وج 38 ص 357 و 358.
وقوله «صلی اللّه علیه وآله»: «علي مع القرآن، والقرآن مع علي» (1)، وأن يكذب حديث الثقلين المتواتر، وغير ذلك
3 - كما أن عليه أن يخرج عليا «علیه السلام» من سياق آية التطهير، وسورة هل أتى وغيرها من الآيات الكثيرة جداً، والتي تعد بالمئات..
4 - لو سألنا أسامة، ومن امتنع معه من طاعة علي «عليه السلام» من إمامك، الذي تطيعه إذا أمرك، وتجاهد معه عدوه، وتسعى فى حفظ سلطانه؟!
فإن أجاب: بأن إمامه معاوية، فلا كلام معه، لأنه يصبح في عداد
1) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 303 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 18 ص 72 وعبقات الأنوار ج 2 ص 324 عن السندي في دراسات اللبيب ص 233 وكشف الغمة ج 2 ص 35 وج 1 ص 141 - 146 والجمل ص 81 وتاريخ بغداد ج 14 ص 321 والمستدرك ج 3 ص 119 و 124 وربيع الأبرار ج 1 ص 828 و 829 ومجمع الزوائد ج 7 ص 234 ونزل الأبرار ص 56 وفي هامشه عنه وعن كنوز الحقائق ص 65 وعن كنز العمال ج 6 ص 157 وملحقات إحقاق الحق ج 5 ص 77 و 28 و 43 و 623 و 638 وج 16 ص 384 و 397 وج 4 ص 27 عن مصادر كثيرة جداً..
الأعداء الذين يجب قتالهم، ولا تصل النوبة إلى الحديث عن إعطائهم من أموال بيت المال، ومنعهم منها..
وإن قال: إن عليا «علیه السلام» إمامه، فملاك إمامته له أن يطيع أمره، ويجاهد معه عدوه في أقل الفروض العملية.. والحال أننا نراه في موقع غير المطيع، وإن لم يصل إلى حد التمرد والطغيان.. مما يعني أنه أبقى الباب موارباً، فهو لا يريد أن يراه الناس في عداد الفئة المحاربة لعلي، لأنه يعرف موقع علي «علیه السلام» في القرآن والإسلام، وحديث الرسول «صلی اللّه علیه وآله».
ولا يريد أن يراه الفريق الآخر ممتشقا السيف يحاربهم به، ويدفع عن وصي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». لأن ذلك قد يسبب له بعض المشاكل.
5 - غير أننا نرى: أن ثمة إشارات ودلالات تخفف من ذنب أسامة، وتجعله واقعاً في شبهة، ومن هذه الإشارات نذكر:
أولاً: ذكر الكشي أن عليا «علیه السلام» كتب إلى واليه بالمدينة: «لا تعطين سعداً ولا ابن عمر من الفيء شيئا، فأما أسامة بن زيد، فإني قد عذرته في اليمين التي كانت عليه» (1).
1) إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 1 ص 197 و 198 ورجال ابن داود ص 48 والتحرير الطاووسي ص 74 ومستدرك الوسائل ج 16 ص 79 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 136 ونقد الرجال للتفرشي ج 2 ص 304 والدرجات الرفيعة ص 445.
وكأن أسامة لم يدرك أن أمر الإمام بفعل شيء يسقط اليمين المتعلق بذلك الشيء، فإن الإمام كالنبي «صلی اللّه علیه وآله» أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
واليمين المشار إليها ذكرها المفيد «رحمه اللّه»، حيث زعم أسامة أنه عاهد اللّه تعالى أن لا يقاتل مسلماً، وذلك لأنه أهوى برمحه في عهد النبي «صلی اللّه علیه وآله» إلى رجل، فقال: لا إله إلا اللّه، فشجره بالرمح فقتله، فبلغ النّبيّ «صلی اللّه علیه وآله» خبره، فقال: يا أسامة، أقتلت رجلا يشهد أن لا إله إلا اللّه؟!
فقال: يا رسول اللّه، إنّما قالها تعوّذاً.
فقال: ألا أشفقت عن قتله (ألا شققت عن قلبه) (1).
1) الجمل للمفيد ص 45 و 46 وراجع بحار الأنوار ج 21 ص 11 وج 22 ص 93 وتفسير القمي ج 1 ص 148 وكنز الدقائق (تفسير) ج 3 ص 509 ونور الثقلين (تفسير) ج 1 ص 535 وراجع وشعب الإيمان للبيهقي ج 4 ص 338 و 339 ومسند أحمد ج 4 ص 439 وتفسير ابن أبي حاتم ج 12 ص 466 وأحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 309 وتفسير القرآن العظيم ج 2 ص 322 والإحكام لابن حزم ج 6 ص 812 والمغازي للواقدي ج 2 ص 725 وتاريخ جرجان ص 472 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص 238 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 329 والسيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 435.
ثانياً: عن عروة بن الزبير : ان أسامة كتب إلى علي «علیه السلام» أن يبعث إليه بعطائه، فكتب إليه علي «علیه السلام»: إن هذا المال لمن جاهد عليه (1).
فعلي «علیه السلام» إذا كان قد أعطى أسامة، فإنما أعطاه بعد ظهور عذره، الذي لم يكن كافياً، لأنه مبني على نقص معرفته بشؤون الإمام،والإمامة، ولأن ادّعاءه أنه عاهد اللّه أن لا يقاتل مسلماً لم يثبت بأي طريق آخر غير دعواه.
وكذلك الحال بالنسبة لقوله : إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أمره أن لا يقاتل مسلماً، فإنما تفرد هو في روايته (2).
وصحته موضع ريب وشك
أما مبادرة الحسنين «علیهما السلام» إلى إعطاء أسامة من الأمتعة ما أوقر راحلته، فتأتي في سياق التفضل منهم، وعدم رد
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 102 والغارات للثقفي (ط الأولى) ج 2 ص 577 وبحار الأنوار ج 28 ص 153 وج 94 ص 58 وج100 ص 58 وج 21 ص 65 ونهج السعادة ج 4 ص 127 وميزان الحكمة ج 4 ص 2996 والدرجات الرفيعة ص 445 وتاريخ المدينة ج 3 ص 1139 ومستدرك الوسائل ج 11 ص 97 وتكملة الرجال ج 1 ص 174.
2) الجمل للمفيد ص 45.
السائل. ولم يكن الإمام علي «علیه السلام» لينزعج من هذا التصرف، بل هو يفرحه، لأنه ينسجم مع أخلاقه وقيمه، من دون أن يكون له مساس بالأصول الشرعية التي يلتزم بها، فهو يلتزم بأن هذا المال لمن جاهد عليه، ولم يخالف هذا الأمر.
كما أنه حين أمر واليه أن يعطي أسامة بعد ما ظهر تقصيره في فهم معنى الإمامة وشؤونها، فلم يثبت أنه أعطاه الفيء الذي لا يعطى إلا لمن جاهد عليه، فلعله أعطاه من الأموال الأخرى، كالصدقات أو الزكوات التي يمكن إعطاؤها للفقراء.
بل ورد أن أسامة لما كتب إلى على «علیه السلام» يطلب منه عطاءه أجابه علي «علیه السلام»: «إن هذا المال لمن جاهد عليه، ولكنّ لي مالاً في المدينة، فأصب منه ما شئت».
وهذه أريحية وسؤدد وكرامة وسماحة، وخلق كريم منهم «صلوات اللّه وسلامه عليهم»، وفيه أيضاً حفظ لنفوس يريدون لها أن تتلمَّس هذه المعاني، وتتفاعل معها.
وبعد البيعة لعلي «علیه السلام»، والتي كان طلحة والزبير من السباقين إليها، آملين بالحصول من خلالها على الامتيازات والولايات، والعطاءات والإقطاعات، بدأت تظهر لهما ملامح سياسة أمير المؤمنين «علیه السلام»، في الحكم، وفي الأموال، وسواها، وتبين لهم أنها نسخة طبق الأصل عن سياسة رسول اللّه «صلى اللّه
عليه وآله»..
ففيما يرتبط بالعطاء من بيت المال أرجع «علیه السلام» الناس إلى ما كان على عهد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ورفض التمييز بين الناس، فثارت ثائرة كثير منهم، ولاسيما العرب وقريش، وعلى رأسهم،طلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وبنو أمية، واعترضوا عليه، فاحتج عليهم بما كان على عهد رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله».
وفيما يرتبط بالتفضيل على أساس العرق، قال لهم: إنه لم يجد لبني إسماعيل فضلاً على بني إسحاق (1).
ثم طالبه طلحة والزبير: بأن يشركهما فيما في يده عليه
1) راجع: الغارات للثقفي ج 1 ص 70 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 141 والسنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 349 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 183 والكافي ج 8 ص 69 وحياة الصحابة ج 2 ص 112 عن البيهقي، وبحار الأنوار ج 32 ص 134 وج 41 ص 137 والغدير ج 8 ص 240 وبهج الصباغة ج 12 ص 197 - 207 عن بعض من تقدم، وعن مصادر ص 197 أخرى. وفي هامش الغارات عن: وسائل الشيعة (ط أمير بهادر) ج2 ص 431 وعن ثامن بحار الأنوار 739 وراجع المجموع للنووي ج 19 ص 385 ونيل الأوطار ج 8 ص 235 وشرح أصول الكافي ج 11 ص424 وحلية الأبرار ج 2 ص 358 وجامع أحاديث الشيعة ج 19 ص 336 ونهج السعادة ج 1 ص 198 وكنز العمال ج 6 ص 611.
السلام»، بأن يعطي أحدهما البصرة، والآخر الكوفة(1). فرفض ذلك
ثم ذهبا نحو البصرة، وفعلا فيها الأفاعيل، فاضطر إلى المبادرة إلى كف شرهما، وكسر شوكتهما، فتوجه نحو العراق، ومعه الحسنان «عليهما السلام». ولكن طلحة والزبير تمكنا من الإفلات.
وواصل «علیه السلام» طريقه من المدينة إلى الربذة، ثم إلى ذي قار، ثم إلى البصرة، فدخلها في موكب مهيب..
قال المسعودي نقلاً عن المنذر بن الجارود، ما ملخصه:
إن أبا أيوب دخل البصرة وهو على ألف فارس، هم الأنصار وغيرهم.
وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين على ألف.
ثم أبو قتادة في نحو ألف.
ثم عمار بن ياسر على ألف في عدة من الصحابة، من المهاجرين والأنصار، وأبنائهم.
ثم قيس بن سعد بن عبادة في ألف، في عدة من الأنصار،
1) بحار الأنوار ج 32 ص 24 و 25 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج3 ص 576 و (ط دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي وشركاه) ج 11 ص17.
وأبنائهم، وغيرهم.
ثم عبد اللّه بن عباس، ومعه عدة من أصحاب رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله»..
ثم تتابعت المواكب والرايات إلى أن مر به علي «علیه السلام»، وعن يمينه ويساره الحسنان «علیهما السلام»، وخلفه عبد اللّه بن جعفر، وولده عقيل، وغيرهم من بني هاشم والمشايخ الذين هم أهل بدر من المهاجرين والأنصار (1).
ونقول:
إن الحرب التي كانت تنتظر عليا «علیه السلام» في البصرة كانت بزعامة عائشة، وهي إحدى زوجات رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وبنت أبي بكر، والمعززة لدى عمر بن الخطاب.
وكان الناس ينساقون وراء المظاهر والأعداد والعناوين والشعارات.
فكان لا بد لعلي «علیه السلام» من إبطال تأثير هذه الأمور، أو الحد من تأثيرها بصورة معقولة ومقبولة.. فكان هذا الحشد من
1) مروج الذهب ج 2 ص 359 - 361 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص 316 وراجع الجمل لابن شدقم ص 111 وأعيان الشيعة ج 1 ص 24 وج 6 ص 318 والدرجات الرفيعة ص 39.
المهاجرين والأنصار، وإيكال أمر القيادة في كل كتيبة إلى خيارهم، وكبارهم.
وكان معه «علیه السلام» ثمان مئة من الأنصار، وتسع مئة من أهل بيعة الرضوان وسبعون من أهل بدر (1)، أو مئة وثلاثون بدريا (2).
ونستطيع أن نقول:
إن كل ما كان يحيط بعلي «علیه السلام»، وكل ما كان لدى أعدائه، كان ينطق ويصرح بما يريد علي «علیه السلام»، وهو عدم جواز الإقدام على محاربته.
فمثلاً: من يرى عماراً، ويتذكر : أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قال له: تقتلك الفئة الباغية، وقال ما لهم ولعمار؟! إنه يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار فإنه لن يجرؤ على الدخول في حرب يكون عمار فيها مع الفريق الآخر. لأن حديث الرسول سوف يستوقفه، ويمنعه من أن يقاتله أو يقاتل الفئة التي يقف معها عمار «رحمه اللّه».
كما أن من يرى ذا الشهادتين مع الفريق الآخر، لا يفكر في قتال
ولا في قتل ذي الشهادتين.
كما أنه لا يرضى بأن يقاتل جيشاً فيه من الأنصار ثمان مئة صحابي، منهم مئة وثلاثون، أو سبعون من أهل بدر، ولا يجرؤ على أن يقتل منهم العشرات والمئات.
كما أن أحداً لا يحب أن يقاتل، ويقتل المشايخ من أهل بدر، أو من المهاجرين والأنصار.
يضاف إلى ذلك كله: أن أحدا لا يحب أن يقاتل ويقتل ابني الرسول «صلی اللّه علیه وآله»: الحسن والحسين «علیهما السلام»، وهو يعرف أنهما سيدا شباب أهل الجنة وريحانتا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وقد نزلت فيهما وفى جدهما وأبويهما آية التطهير، وسورة هل أتى، وغير ذلك..
كما أن عليا «علیه السلام» كان أخا رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» وصهره،ووصيه وله في عنق جميع الناس بيعة في عهد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وله بيعة أخرى في أعناق الناس، بمن فيهم هؤلاء الذين جاؤوا لحربه بعد قتل عثمان.
أما الفريق الذي جاء لحربه «علیه السلام»، فهم الذين كقروا عثمان، وحصروه، وقتلوه، ثم عمدوا إلى من دافع عنه وحماه - وهو على «علیه السلام»-، فاتهموه بقتله، وجاؤوا بالجيوش لقتاله هو وسائر من يلوذ به، وكل من يدافع عنه، ومنهم الحسنان، وأهل بيعة الرضوان، وأهل بدر، والمهاجرون، والأنصار الخ..
كما أن أولئك قد أخبرهم رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بأن كلاب الحوأب سوف تنبحهم، وقد نبحتهم فعلا، فجاؤوا بخمسين رجلاً يشهدون زوراً بأن هذا الماء ليس ماء الحواب.
وقد أخبر النبي «صلی اللّه علیه وآله» عائشة والزبير بأنهما سوف يقاتلان عليا وهما ظالمان له..
يضاف إلى ذلك: أن ذلك الفريق قد ارتكب مجزرة كبيرة بحق حراس بيت المال في البصرة، ثم انتهبوا بيت المال.
فكل هذه الأمور وسواها كثير - ومنها وجود الحسنين «علیهما السلام» - لا بد أن تدعو من يخاف اللّه إلى عدم الدخول في الحرب ضد علي «علیه السلام».
صرحت الروايات: بأن الراية في حرب الجمل كانت بيد محمد ابن الحنفية.
ويقال : كان على الميسرة - وهم مضر البصرة، ومضر الكوفة - الحسن بن علي.
قال أبو عبيدة : ويقال : على الميمنة الحسن، وعلى الميسرة الحسين بن علي (1).
1) تاريخ خليفة بن خياط ص 138 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص 187 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 235.
وهكذا قال القاضي النعمان، والشيخ المفيد، وزاد القاضي النعمان قوله : ووقف (يعني علي «علیه السلام») خلف الراية على بغلة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» (1).
ونقول:
1 - قد اتضح أن الجيش الذي قاده أمير المؤمنين «علیه السلام» إلى حرب الجمل كان يضم النخب الإيمانية، وأرقى الشخصيات في الأمة الإسلامية من حيث الصلاح، والعلم والوعي، والإلتزام، والدين، وأصحاب السابقة، وأهل الجهاد والتضحيات.
وكان قادة هذا الجيش أيضاً خير قادة.. فيهم من ملئ إيماناً إلى مشاشه.
أما القائد الأعظم لهذا الجيش، وهو علي، فهو نفس النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وأخوه ووصيه، ومعه أبناء أعظم وأشرف الأنبياء. وهم أئمة أوصياء ومعصومون، ومطهرون، وهم أفضل من الأنبياء، فضلاً عن سائر الأوصياء.
وقد تقدم أن الروايات صرحت: بأن الحسن «علیه السلام» كان
1) دعائم الإسلام ج 1 ص 393 والجمل للمفيد ص 348 وراجع جواهر الكلام ج 21 ص327 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب للريشهري ج 5 ص 230.
على الميمنة، والحسين «علیه السلام» كان على الميسرة.
2 - وحتى لو لم نجد نصاً يصرح بذلك، فإن إمامة الحسنين «علیهما السلام» التي صرح بها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» تدلنا على أن الحسنين «علیهما السلام» لا يمكن أن يكونا تحت إمرة أحد من الناس، إذ لا يؤمر أحد على الإمام، كما لا يؤمر أحد على النبي «صلی اللّه علیه وآله».
ولو كان «علیه السلام» قد أمر أحداً على الحسنين «علیهما السلام» لرأيت مناوئي الشيعة يسارعون إلى إشهار ذلك في وجه الشيعة، والإحتجاج به عليهم، لاسيما وأن الشيعة ما زالوا يعلنون: أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» لم يؤمّر على علي «علیه السلام» أحداً.
3 - إن موقع القيادة في العمليات الحربية يبقى موقعاً حساساً، وخطراً، يقصده الأبطال في الجهة المناوئة بالسوء لكسب الجوائز والامتيازات فيما لو تمكنوا من قتل القادة من مناوئيهم، أو إلحاق الأذى بهم الأمر الذي يؤكد على ضرورة الحاجة إلى المزيد من التحرز والحذر، وإلى الشجاعة والبأس والنجدة.
فلو لم يكن الحسنان «عليهما السلام» أهلا لهذا المقام وفوقه بمراتب لما جعلهما أمير المؤمنين «علیه السلام» فيه. لاسيما مع ما عرفناه، من أنهما وديعتا النبي «صلی اللّه علیه وآله»، لدى علي
«علیه السلام»، وقد أوجب بذلك عليه حفظهما.
ثم إن عليا «علیه السلام» جعلهما وديعتيه لدى الأمة (1)، فصارت الأمة مسؤولة عن حفظهما، حتى تؤديهما إلى صاحبهما، وهو الرسول الأعظم «صلی اللّه علیه وآله».
فلو لم يكن علي «علیه السلام» واثقا من أنهما كانا قادرين على حفظ أنفسهما، وعلى أداء وظائفهما القيادية، وعلى أتم وجه ويحققان النتائج المتوخاة منهما لما جعلهما في هذا الموقع، ولكان قد اختار لهما مهمات أخرى تناسب حالهما، كما هو ظاهر
1) بحار الأنوار ج 10 ص117 - 121 وج40 ص202 وراجع ج4 ص97 و 32 والأمالي للصدوق (ط مؤسسة البعثة) ص 422 - 425 و (ط أخرى) ص 280 والتوحيد للصدوق ص 304 - 308 وراجع ص 109 وإرشاد القلوب ج 2 ص 374 - 376 وغاية المرام ج ص 240 - 242 ونور البراهين للجزائري ج 2 ص 144 - 156 وشجرة طوبى ج 1 ص 188 - 190 وروضة الواعظين ص 118 ومستدرك الوسائل ج11 ص 101 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 2 ص 135 وقضاء أمير المؤمنين «علیه السلام» للتستري ص 89 - 91 والإختصاص (ط دار المفيد) ص 235 - 238 وفي الإحتجاج ج 1 ص 609 - 612 وراجع ص 493 و (ط دار النعمان) ص 384.
ودفع إلى ابنه محمد راية رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» السوداء، وتعرف بالعقاب، وقال لحسن وحسين «علیهما السلام»: إنما دفعت الراية إلى أخيكما وتركتكما لمكانكما من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» (1).
ونقول:
1 - أن إعطاء الراية للحسن والحسين «علیهما السلام» يرتب عليهما مسؤوليات إضافية، وذلك لأن جيش الأعداء سوف يتقصد راية الجيش الآخر لكي يسقطها، أو يميلها في يد حاملها، لأن ذلك يثير الحماس لدى ذلك العدو.
ولكي لا يحصل هذا الأمر، فإن القائد العام يوصي شجعان جيشه، واشداء الفرسان، والمتمرسين في الحرب بأن يحفوا بالراية، ويمنعوا من وصول العدو إليها.
2 - والأجواء التي تحيط بحامل الراية هي أجواء صاخبة، وتتسم بالعشوائية، وعدم الانتظام بحسب العادة. وهذا لا يتناسب مع أجواء مقام الإمام والإمامة التي للحسنين «علیهما السلام».. حيث يطلب من الذي يكون في الميمنة والميسرة الثبات والتصدي الحازم وعدم
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 9، ص 111 وأعيان الشيعة ج 1 ص 457.
التزحزح من المراكز التي أوكل حفظها إليه.
ولذلك كله، ولأجل أنهما وديعة الرسول عنده فيجب حفظ مقامهما حتى في مثل هذه الظروف الدقيقة، قال أبوهما لهما «عليه وعليهما السلام»: إنه أعطى الراية لأخيهما، مراعاة وحفظاً لمكانتهما من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
محمد بن همام، قال: حدثنا أحمد بن مابنداذ، قال: حدثنا أحمد بن هلال، عن محمد بن أبي عمير، عن أبي المغرا، عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد اللّه «علیه السلام»:
لما التقى أمير المؤمنين «علیه السلام» وأهل البصرة نشر الراية، راية رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فتزلزلت أقدامهم، فما اصفرت الشمس حتى قالوا آمنا يا ابن أبي طالب.
فعند ذلك قال:
1 - لا تقتلوا الأسرى.
2 - ولا تجهزوا على الجرحى.
3 - ولا تتبعوا مولياً.
4 - ومن ألقى سلاحه فهو آمن.
5 - ومن أغلق بابه فهو آمن.
ولما كان يوم صفين سألوه نشر الراية، فأبى عليهم، فتحملوا عليه
بالحسن والحسين «علیهما السلام» وعمار بن ياسر، فقال للحسن: يا بني، إن للقوم مدة يبلغونها، وإن هذه راية لا ينشرها بعدي إلا القائم «عليه السلام» (1).
ونقول:
صرحت الرواية بأن راية رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قد نشرت في حرب الجمل، فتزلزلت أقدام أعدائه «علیه السلام»، فما اصفرت الشمس، حتى قالوا آمنا يا ابن أبي طالب، فعند ذلك قال «علیه السلام»: لا تقتلوا الأسرى الخ..
ولكنه يوم صفين لم يرض بنشر راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»، حتى مع توسيط الحسن والحسين «علیهما السلام»، وعمار..
ونريد أن نزعم أن أمر أهل الجمل كان هو الأصعب والأخطر، فهم بقيادة عائشة، التي كرست لنفسها طيلة خمس وعشرين سنة مقاماً متميزاً في الناس، وقد ساعدها على ذلك تمييز عمر بن الخطاب لها على سائر الناس، حتى على نساء النبي الأخريات، فكان يعطيها اثني
1) الغيبة للنعماني (الطبعة الثالثة) ص 208 و (نشر أنوار الهدى سنة 1422ه) ص 319 وبحار الأنوار ج 32 ص 210 وج 52 ص367 عنه، ومستدرك الوسائل ج 11 ص 53.
عشر ألف درهم.
كما أنها بنت أبي بكر، وقد جاءت للحرب ومعها طلحة والزبير ومروان ومن لحق بهم من الأخطبوط الأموي، وهم يزعمون أن عليا شارك ومالاً على قتل عثمان. كما أنهم يؤكدون للناس أن علياً «علیه السلام» لا يرى للعرب أي امتياز على غيرهم، لا في العطاء، ولا في غيره.. فهذه الأحوال كلها تعطي: أن الأمر كان يحتاج إلى هزة وجدانية وعمل إعجازي يوقظ وجدان الناس، ويعيدهم إلى الواقع العملي، ليتدبروا الأمور ببصيرة وصدق.
فلهذا نشر «علیه السلام» راية رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حرب الجمل، ليحدث الزلزال.
وأما أمر معاوية في حرب،صفين، فبغيه وظلمه ظاهر ومفضوح لأكثر الناس، فلا يحتاج إلى معجزة تظهر حقانية أمير المؤمنين «علیه السلام» وضلال محاربيه.
2 - إذا كان الناس قد استسهلوا الأمر برؤيتهم الآثار الغيبية لنشر
راية رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فيريدون تكرار ما حدث ليوفروا على أنفسهم بعض العناء، ويحققوا مرادهم من أيسر طريق، فإن أمير المؤمنين «علیه السلام» لا يريد للناس أن يعتادوا على هذا الأسلوب من العمل، لأنه سيكون مضراً بروحيات الناس وسيسيء الناس فهمه، وسيقعدون عن الجهاد اعتماداً على المعجزات الغيبية.
3 - نفهم من سياق الأحداث أن نشر الراية، وإن كان قد فضح
الطرف الآخر وبيَّن أنهم مبطلون، فإن هذه الفضيحة لم تدفعهم للتراجع، بل نجدهم قد تصلبوا في مواقفهم، وخاضوا الحرب الضروس بكل عنف وضراوة حتى أسقط في أيديهم، أو تيقنوا من فشل مسعاهم.
ولكن ما كان يريده «علیه السلام» لم يكن هو إيقاف الحرب، أو التخفيف من حدتها، بل المطلوب هو إقامة الحجة عليهم، وفضحهم أمام الأمة، وهذا ما حصل بالفعل.
4 - إن عدم استجابته «علیه السلام» لطلب الحسنين «عليهما السلام»، ومعهما عمار حين طلبوا منه نشر الراية في صفين إنما هو ليعرف الناس بالفرق بين حال معاوية الظاهر البغي والظلم والتجني، وبين غيره ممن يمكن أن ينخدع الآخرون به، لما أحاط به نفسه من عناوين طنانة ورنانة.
وإنما رضي الحسنان «علیهما السلام» بالوساطة لدى أبيهما، مع علمهما بأنه لن يستجيب لهما، ولن ينشر الراية في صفين، من أجل أن يسمع الناس من فم أبيهما بيان الفرق بين حال هؤلاء، وأولئك.
يقول المعتزلي:
لما تقاعس محمد يوم الجمل عن الحملة، وحمل علي «عليه السلام» بالراية، فضعضع أركان عسكر الجمل، دفع إليه الراية، وقال : امح الأولى بالأخرى، وهذه الأنصار معك.
وضم إليه خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين في جمع من الأنصار، كثير منهم من أهل بدر، فحمل حملات كثيرة، أزال بها القوم عن مواقفهم، وأبلى بلاء حسناً.
فقال خزيمة بن ثابت لعلي «علیه السلام»: أما إنه لو كان غير محمد اليوم لافتضح، ولئن كنت خفت عليه الجبن وهو بينك وبين حمزة وجعفر لما خفناه عليه، وإن كنت أردت ان تعلمه الطعان، فطالما علمته الرجال.
وقالت الأنصار: يا أمير المؤمنين، لولا ما جعل اللّه تعالى للحسن والحسين «علیهما السلام» لما قدمنا على محمد أحداً من العرب.
فقال على «علیه السلام»: أين النجم من الشمس والقمر!
أما إنه قد أغنى وأبلى، وله فضله، ولا ينقص فضل صاحبيه عليه، وحسب صاحبكم ما انتهت به نعمة اللّه تعالى إليه.
فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا واللّه لا نجعله كالحسن والحسين، ولا نظلمهما له، ولا نظلمه - لفضلهما عليه - حقه.
فقال علي «علیه السلام» أين يقع ابني من ابني بنت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»؟!
فقال خزيمة بن ثابت فيه:
محمد ما في عودك اليوم وصمة***ولا كنت في الحرب الضروس
معردا
أبوك الذي لم يركب الخيل مثله***علي، وسماك النبي محمد (1)
فلو كان حقاً من أبيك خليفة***لكنت، ولكن ذاك ما لا يرى بدا
وأنت بحمد اللّه أطول غالب***لساناً، وأنداها بما ملكت يدا
وأقربها من كل خير تريده***قريش وأوفاها بما قال
موعدا
وأطعنهم صدر الكمي برمحه***وأكساهم للّهام عضباً مهندا
سوى أخويك السيدين، كلاهما***إمام الورى والداعيان إلى
الهدى
أبى اللّه أن يعطى عدوك مقعدا***من الأرض أو في الأوج مرقى
ومصعدا (2)
ونقول:
لم يتوقع خزيمة بن ثابت، والأنصار معه أن يكون لدى محمد بن علي ابن الحنفية هذا البأس والثبات والإقدام، فقد بهرهم بشجاعته، مع أنه شاب في مقتبل العمر، لم يجرب حرباً، ولا مارس قتالاً تحتشد فيه آلاف الفرسان الأشداء..
غير أن هذا الإعجاب الذي ناله ابن الحنفية منهم كاد أن يخدش سلامة معتقدهم بالإمام والإمامة، ولذلك اهتم علي «علیه السلام» بتصحيح مسار الأمور، وإعادتها إلى نصابها، فإن الإمام هو الأشجع، والأعرف بفنون القتال من جميع البشر، وهو الأقدر على استعمال علومه وفنونه بصورة صحيحة ومؤثرة.
ولعل سبب وقوعهم في هذا الوهم هو أن الشجاعة والإقدام، وكذلك معرفة فنون الحرب هي من الأمور التي تبقى معرفتها الدقيقة محجوبة عن الناس، إلا إذا مست الحاجة العملية إلى إظهار طرف منها قليلاً كان أو كثيراً.
ولم يحتج الحسنان إلى إظهار سائر ما لديهما من قدرات وميزات قتالية، ومن شجاعة وإقدام، كما هو الحال بالنسبة لابن الحنفية.
ولأجل ذلك نلاحظ: أن أمير المؤمنين «علیه السلام» لم يكتف بإخبارهم بامتياز الحسنين «علیهما السلام» على أخيهما، بل وضع مسافة حسية، من شأنها أن تقطع الشك باليقين في تمييزهما على أخيهما.. حيث جعل الفرق بينه وبين أخويه، كالفرق بين النجم وبين الشمس والقمر..
وقد أثرت هذه المعادلة أثرها، فتراجع الناس عن نظرتهم الخاطئة. وأعلنوا عن ذلك بما يشبه الاعتذار من علي «علیه السلام»، ومن الحسنين «صلوات اللّه علیهما».
ولكن علياً «علیه السلام»: أعاد التأكيد على ما قاله، ولكن بنحو
آخر، فقال: أين يقع ابني من ابني بنت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»؟! فأكد على وجود فرق شاسع بين ابن الحنفية، وابني بنت الرسول «صلی اللّه علیه وآله». في حين أن محمداً ابن امرأة عادية كسائر النساء.
لأن الامرأة المطهرة المعصومة تمنح أولادها الطهر، والسلامة من أية عاهات فى الخلق، أو وراثات غير مرغوب فيها.
كما أنها تمنحهما التربية الصالحة، والمعارف الحقة، والصحيحة، من دون أي خطأ، أو اختزال، أو تشويه..
وأما المرأة العادية، فليست كذلك في ذلك كله.. ولعل هذا ما يفسر لنا قوله «علیه السلام» لابنه محمد (ابن الحنفية): «أدركك عرق من أمك» (1)فإن هذه الكلمة قد سجلت اعترافا من علي «علیه السلام» بقانون الوراثة.
وقد لفت نظرنا قول خزيمة بن ثابت في شعره:
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 243 و 244 وقاموس الرجال للتستري ج 9 ص 245 عنه، وبحار الأنوار ج 42 ص 98 و مروج الذهب ومعادن الجوهر ج 2 ص 366 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 32 وراجع: شجرة طوبى ج 2 ص 321 والجمل لابن شدقم ص 141.
سوى أخويك السيدين،***إمام الورى والداعيان إلى
فقد دل كلامه هذا على أن ما كان النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد قرره حول إمامة الحسنين «علیهما السلام» قد أخذ طريقه إلى وجدان الناس، وأصبح جزءا من اعتقاداتهم، ومن تكوينهم الإيماني. فلم يعد يحق لمعاوية ولا لغيره إثارة أية شبهة حول هذا الأمر.
قال المعتزلي:
«وزحف علي «علیه السلام» نحو الجمل بنفسه في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار، وحوله بنوه: حسن وحسين ومحمد «علیهم السلام» ودفع الراية إلى محمد، وقال: أقدم بها حتى تركزها في عين الجمل، ولا تقفن دونه الخ..» (1).
وهناك نصوص عديدة تدل على أن علياً «علیه السلام» كان شديد الحرص على أن تكون ضربته الأولى في حرب الجمل في غاية القسوة، وذكرت النصوص أيضاً أن هذا هو ما فعله علي «عليه السلام» نفسه، وقد كان يحث ولده محمداً بصورة قوية، ليبادر إلى
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 257 وراجع شجرة طوبى ج 2 ص 321.
تنفيذ أمره هذا، فراجع (1).
ونقول:
هناك أمور كثيرة، لو لم تتوضح للناس، فربما كانت سوف تمنع أهل الدين والورع من الإقدام على القتال في حرب الجمل، أو من الإمعان فيه، وأهل الدين والورع هم الأكثر في جيش علي «علیه السلام» وهذا يعني احتمال أن تظهر في جيشه «علیه السلام» حالات تلكؤ، وتردد من مباشرة القتال بجدية، وقاطعية مؤثرة.
ومن هذه الأمور:
1 - أن الطرف الآخر يقول : نحن مسلمون ويدعون: أن علياً «علیه السلام» قد مالاً على قتل عثمان.. وهذا الزعم سوف يستوقف كثيراً من الناس في جيشه من الذين لا يعرفون الكثير مما جرى ويجعلهم يترددون أيضاً في مشروعية حربهم لهم.
2 - إذا كانت زوجة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وبنت أبي بكر، والمقدرة لدى عمر على رأس الجيش الآخر. وكانت تحرض على حرب علي «علیه السلام»، وتتهمه بقتل عثمان، فإن ذلك سوف يثير الوساوس في صدور الكثيرين، وسنرى أنهم يتحرجون من
1) راجع: الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» ج 32 ص127 – 135.
الإمعان في هذه الحرب، ويتمنون لو كانوا بعيدين عنها، وأنهم يجلسون على رأس جبل للتفرج على أحداثها دون أن يشاركوا في شيء منها.
3 - إن الزبير بن العوام ليس بعيداً عن النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فهو ابن صفية عمة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». وقد كان في بداية أمره يناصر عليا «علیه السلام»، فانقلابه عليه أخيراً سوف يثير لدى بعض الجاهلين بلابل ووساوس لا يسهل إبعادها والتخلص منها.
وأما الحديث عن أن الجيش الذي جاء لقتال علي «علیه السلام» قد نكث البيعة، فسوف يهون في أعين الناس، لأنهم سيتوهمون أن لهذا النكث أسباباً وجيهة اقتضته، وبررته..
4 - فإذا ضممنا إلى ذلك : أن عليا «علیه السلام» قد رفض العمل بسياسات عمر في العطاء، ورفض تفضيل العرب، وقريش على غيرهم. وأرجعهم في ذلك وسواه إلى ما كان على عهد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فإن أهل الأطماع في جيش علي ستكون قلوبهم مع الطرف الآخر، الناقد والناقم على علي «علیه السلام» فعله هذا.
فلأجل ذلك كله نلاحظ:
أولاً : أنه «علیه السلام» كان يصر من أول لحظات الحرب على إيراد ضربته القاسية بعدوه، وحسم الأمر.
وقد باشر «علیه السلام» ذلك بنفسه، حتى إن بعض النصوص تقول: إنه «علیه السلام» لما رأى تلكؤ ابنه محمد أخذ الراية منه، ثم حمل، وحمل الناس خلفه، فطحن عسكر البصرة (1).
وقد شرح نص آخر ما جرى بصورة مفصلة، فراجع (2).
ثانياً: إنه «علیه السلام» قد بدأ،حربه، وكان ولداه الحسن والحسين «علیهما السلام»، وولده محمد حوله. وكانت الراية مع محمد، فقال له «علیه السلام» اقدم بها حتى تركزها في عين الجمل (3).
ومن الواضح: أن الناس كانوا يعرفون مكانة الحسنين «علیهما السلام» عند اللّه، ولدى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بالخصوص.
وكانوا يعلمون أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد جعلهما وديعة لدى علي «علیه السلام»، ثم جعلهما علي «علیه السلام» وديعة عند الأمة. فهي المسؤولة عن حفظهما.
فإشراك الحسنين «علیهما السلام» في هذه الحرب بهذه الطريقة، أي بحيث يكونان في عين العاصفة، ورضاهما بذلك، وبذلهما كل الجهد في حرب ذلك الجيش - إن ذلك - من شأنه أن يحل بعض العقد أيضاً لدى من قد تهتز قناعاته، بسبب مزاعم الطرف الآخر، حسبما بيناه فيما سبق.
ثالثاً: إنه «علیه السلام» بإصراره على وضع الراية في عين الجمل يكون قد أسقط هالة القداسة التي يضعونها على عائشة، ويكون بذلك قد بين للناس بصورة عملية أن التستر بالدين، وادّعاء أن الزوجية، والصحبة للرسول تكفي للسير في طريق الحق. وجعل ذلك سبباً للخروج على الإمام، ونكث بيعته، والتظاهر بالقداسة والورع، تمهيداً لاستحلال سفك الدماء والبغي والظلم للإمام وللأمة، إن هذا أعظم من فتك أسد حطوم في قطيع من الضأن، لأن هذا الأسلوب لا يقتصر ضرره على مجرد الأذى والظلم للأبرياء، بل يتجاوز ذلك، ليجعل الظلم والإفساد في الأرض أمراً مشروعاً، ومرضيا عند اللّه.
وهذا هو الأمر الخطير الذي يخشى منه «علیه السلام»، فإن الشبهات التي يتذرع بها محاربوه، قد توجب التعمية على الحق، وتشريع الباطل. ولاسيما مع التظاهر بالدين والورع، والقداسة، والقرب، والقربى، والصحبة لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»..
ولو أن أمر هذا الفريق الباغي كان مفضوحاً، وكان ظلمهم صريحاً،وبينا لهان الأمر، لأن الظلم الصريح لا يوجب تحليل
الحرام، وتحريم الحلال، وتغيير أحكام الدين.
رابعاً: إن هذه الحدة والشدة التي أظهرها ومارسها «علیه السلام» تجاه محاربيه قد كسرت هيبة الطرف الآخر، وحسمت الأمر بسرعة، وأوجبت حقن الدماء. وكان لوجود الحسنين «عليهما السلام» معه واختياره الكتيبة الخضراء التي تتكون من المهاجرين والأنصار، لتكون معه في هذا الهجوم الساحق والماحق الأثر البالغ في تحقيق مراده «علیه السلام».
يضاف إلى ما تقدم: وجود أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان بهذه الكثرة التي لم يسبق لها مثيل.
فإن كان ثمة من يتوهم: أن عليا «علیه السلام» يجر النار إلى قرصه في هذه الحرب، فإن وجود الحسنين «علیهما السلام»، وسائر الصحابة والعلماء والأخيار، وموافقتهم على قرارات علي «علیه السلام» في حق أولئك الناس. قد أسقط الهالة، وأزاح العلة، واتضح الأمر لدى كثير من المترددين، وعرفوا أن القضية لو كانت كما يدعى أولئك، فإن عليا «علیه السلام» وسائر من معه لا يقدمون على هذا النوع من الحرب التي لا تبقي ولا تذر.
وظهر لهم: أن إظهار القداسة ورفع الشعارات الخادعة لم ينفع أعداء علي «علیه السلام»، ولا خفف من حدة موقفه منهم، ولا أوجب التردد والوجل من مواجهتهم.
وقد يتوهم متوهم أن أمير المؤمنين «علیه السلام» رجل دموي إلى أقصى الدرجات، فهو يريد طحن جيش البصرة، ويحرق الأرَّم (1)على ولده الذي تلكأ في مهاجمة الأعداء، بانتظار هدوء الفورة الأولى لموجات السهام التى كانت تنصب عليهم كأنها شآبيب المطر.
هذا توهم باطل، فإن المطلوب من إظهار هذه الشدة هو إلقاء الرعب في قلوب أناس لا يصدهم، ولا يثير اليأس في قلوبهم إلا هذا النوع من الحرب.
ومهما كان حجم الخسائر التي حصلت في الهجوم الأول الذي يفترض فيه أن يكسر شوكة العدو، ويثير الرعب لديه، ويسقط إرادته، وحماسته في اليوم الأول للحرب، أو في اليوم الذي يليه، فإن حجمها يبقى أقل بكثير من حجم خسائر حرب تستمر وتتواصل لأشهر عديدة، وتستدرج المدد والعون من شرق الأرض وغربها..
ويؤكد ما نقول:
أن التعبئة التى اعتمدها جيش الناكثين كانت تقوم على أساس
1) يقال : فلان يحرق عليك الأرّم: إذا تغيّظ فحكّ أضراسه بعضها ببعض. أو أنه يصرف بأنيابه حنقاً. ويقال: الأرّم الأنياب.. راجع لسان العرب ج 1 ص 123 (ط. سنة 1416ه.).
إفهام الناس أن انتصار علي «علیه السلام» عليهم، معناه إبادتهم على بكرة أبيهم.
وكان هذا هو الأسلوب الذي اتبعه فرعون في حمل بني إسرائيل على الحرب، حيث أفهمهم أن موسى «علیه السلام» إنما جاء ليخرجهم من أرضهم، ويذهب بطريقتهم المثلى، فلا بد أن يحاربوه لأنهم المستهدفون، ليمنعوه من تحقيق هذا الهدف.
وهذا هو نفس ما فعله الناكثون، فقد زعموا: أن المطلوب لعلي «علیه السلام» ليس خصوص طلحة ولا الزبير، ولا عائشة، لأن عليا «علیه السلام» لا يميز بينهما وبين غيرهما، بل المطلوب له هو كل فرد من محاربيه. وبذلك يتأكد لديهم: أنه لا خيار لهم سوى الموت، أو الانتصار عليه. ولأجل ذلك أعلن أصحاب الجمل: أن ما يهمهم هو قتل علي وولديه: الحسن والحسين «علیهم السلام»، لأن انتصار علي عليهم معناه: أن يجعلهم،رميما، وأن يخصهم بجوره ويعمهم.
على حد قول عوف بن قطن:
لا يغلبن سم العدو سمكم***إن العدو إن علاكم رمكم
وخصّكم بجوره وعمّكم***لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم
ونقل المدائني والواقدي: أن طلحة والزبير قالا للناس: إن علياً إن يظفر بكم، فهو فناؤكم يا أهل البصرة، فاحموا حقيقتكم، فإنه لا يبقي حرمة إلا انتهكها، ولا حريماً إلا هتكه، ولا ذرية إلا قتلها، ولا
ذوات خدر إلا سباهن فقاتلوا مقاتلة من يحمي عن حريمه ويختار الموت على الفضيحة يراها في أهله(1)
وذلك كله يؤكد لنا السبب في أن المطلوب لعلي «علیه السلام» هو حسم مصير الحرب في يوم أو يومين على أبعد تقدير، على قاعدة إلقاء الرعب في قلوب الأعداء، وفق قوله تعالى: «سَتلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ» (2). وقد قال «صلی اللّه علیه وآله»: «نصرت بالرعب».
فإذا سقطت إرادة الحرب لدى العدو، فإنه «علیه السلام» يعاملهم وفق ما يرضي اللّه، فلا يجهز على جريحهم، ولا يتبع مدبرهم، ومن ألقى سلاحه فهو آمن إلى غير ذلك من ضوابط أعلنها على «علیه السلام»، والتزم بها، وألزم جيشه بها، حتى إن جماعات من جيشه لم يرضهم هذا الرفق الشديد الذي أظهره «علیه السلام» بعدوهم. حتى بالنسبة لأشد الناس عداوة له، ومن كان «علیه السلام» يائساً من صلاح،أمره، من أمثال مروان، ومن هم على شاكلته..
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها في حرب الجمل، وهُزم
الناكثون كان مروان في حيص بيص خوفاً من أن يجازيه علي «علیه السلام» بأفعاله، وقد روى الشريف الرضي رحمه اللّه»: أن الحسنين «علیهما السلام» تشفعا بمروان، وقالا لأبيهما: يبايعك مروان يا أمير المؤمنين.
فقال: «أولم يبايعني بعد قتل عثمان؟!
لا حاجة لي في بيعته، إنها كف يهودية، لو بايعني بيده لغدر بسبَّته.
أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه.
وهو أبو الأكبش الأربعة.
وستلقى الأمة منه ومن ولده يوماً أحمر» (1).
قال المعتزلي: وروي هذا الخبر من طرق كثيرة (2).
ونقول:
1 - إن تشفع الإمامين الحسن والحسين «علیهما السلام» بمروان
1) نهج البلاغة الخطبة (بشرح عبده) ج 1 ص 123 و 124 الخطبة رقم 73 ص123 وتذكرة الخواص ص 390 وبحار الأنوار ج 32 ص 234 و 235 و 355 وشجرة طوبی ج 1 ص 130 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص146 وإعلام الورى ج 1 ص 340 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 36.
2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 146 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 36.
لدى والدهما، لم يكن بمبادرة واقتراح منهما، بل هو نتيجة طلب من مروان، أو ممن يحب السلامة لمروان، كعائشة على سبيل المثال.
ويبدو: أنهم كانوا يعرفون: أن علياً «علیه السلام» قد يرضى بإعطاء الأمان لمروان، انطلاقا من رغبته بحقن الدماء، ولكي لا يعطي الذريعة لأصحاب النفوس المريضة، لتشكيل مجموعات قتالية، تشغل بال المسلمين وتتسبب بإزهاق بعض الأرواح.
يضاف إلى ذلك: أن نفس النداء الذي أطلقه علي «علیه السلام»: من ألقى سلاحه فهو آمن كافٍ في إعطاء الأمان لمن فعل ذلك.. وقد يدعي مروان ونظراؤه: أنه قد ألقى سلاحه، فلا مبرر لقتله.. مع العلم بأنه لم يلق سلاحه استجابة لهذه الدعوة، ورغبة في عدم القتال، بل ألقاه ليأسه من جدوى القتال، بعد أن وقعت الهزيمة على الجيش..
2 - إن الحسنين «علیهما السلام» كانا أعرف الناس بما يفكر به والدهما، وكانا يعرفان جواب أبيهما مسبقاً، ولكنهما كانا يريدان للناس أن يسمعوا جوابه منه، فإن ذلك يزيد في بصيرتهم ومعرفتهم بما يريد علي «علیه السلام» أن يعرفهم إياه..
3 - إن مروان قد حصل على النتيجة التي يريد، وهي أن يصبح في أمان من جهة علي «علیه السلام».
4 - إنه قد طلب أن يبايع عليا «علیه السلام» زعما منه أن بيعته له ستجعل عليا «علیه السلام» مطمئنا إليه آمناً جانبه، معتقداً بوفائه بما عاهد اللّه عليه.. ثم هو يعمل فى السر ما يحلو له، ويدبر
المؤامرات ضد علي الغافل عنه بزعمه..
ولكنه فوجئ بيقظة علي التي أذهلته، وأفشلت تدبيره. ولأجل ذلك شد الرحال إلى الشام حين سنحت له الفرصة لذلك
5 - ومما زاد في حيرته وظهور فشله أن عليا «علیه السلام» قدم الدليل على أن هذا الرجل من أهل النكث، وأن يده يد يهودية تمتد لإعطاء العهد بالوفاء، وهي تضمر الغدر..
وقد أوضح «علیه السلام»: أن الغدر ليس حالة عارضة في حياة مروان، بل هو طبيعة وخُلق، لأنه إنسان وصولي، وانتهازي، وهو يفقد الاحترام للمواثيق، ولا يؤمن بها، والغاية عنده تبرر الوسيلة، ولا يوجد لديه كوابح أخلاقية، أو إيمانية تفرض عليه سلوكاً معيناً. كما أنه لا يخجل مما يخجل منه الناس، بل يراه أمراً طبيعياً..
وقد أشار إلى جميع ذلك وسواه بقوله «علیه السلام»: لو بايعنى بيده لنكث بسبته.
6 - بقي أن نشير إلى أن كلمة «سوأة»، أو «أست»، أو «سبة» ليست من الألفاظ الفاحشة التي يحرم أو ينبغي التنزه عن التفوه بها، بل هي مثل كلمة الفرج، والقبل والدبر، والنكاح، والوطء، ونحو ذلك، فإنها كلها ليست مما يستقبح التصريح به، وكذلك الكلمات التي ذكرناها.
ثم قال «علیه السلام»: «أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه». وهذا
إخبار بالغائبات التي تحققت وهي كناية عن قصر المدة، وسرعة انقضائها، حيث لم يحكم مروان أكثر من تسعة أشهر (1).
ولعل هذه العبارة تشير أيضاً إلى أن ما يناله من اللذة والمتعة من إمرته تلك سيكون زهيداً، فهو بمقدار ما يناله الكلب إذا لعق أنفه.
وهذا الإخبار من دلائل إمامته «علیه السلام» في هذا الظرف بالذات الذي لا يريد أن يعتمد فيه على قوته العسكرية، ولا أن يفتخر بالنصر في ساحات الجهاد لإثبات حقانية مواقفه.
بل يريد أن يمازج بين النصر العسكري، الذي أخبر عنه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وبيَّن كثيراً من فصوله، وحالاته ونهاياته، وبين الحالة الوجدانية التي ينتجها الإخبار بالغائبات.. ولسنا بصدد تحقيق ذلك.
1) تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 255 و 276 و 277 و 278 و 279 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 147 و ج 1 ص 235 وتاريخ خليفة بن خیاط ص 195 والأخبار الطوال ص 285 والمصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 51 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 257 وتجارب الأمم ج1 ص105 والبداية والنهاية ج 6 ص 262 و 268 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 173 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 510 وفتح الباري ج 13 ص 62 وعمدة القاري ج 11 ص 4.
ثم أتبع ذلك بخبر آخر، تضمن توسعة في دائرة الإخبار بالغائبات، لتشمل مرحلة طويلة يحكم فيها أربعة من أولاد مروان ويكونون في حكمهم طغاة جبارين، وتلقى الأمة من مروان، ومن أولاده هؤلاء في حكمهم لها يوماً أحمر.
فدلَّ «علیه السلام» بذلك على أن الغائبات التي لديه لا تنحصر بمن سوف يكون له معهم حالة اشتباك، بل تشمل أزمنة وأشخاصاً لا ربط لهم به، ولا صلة لزمانه بزمانهم.
بعد هزيمة جيش عائشة في حرب الجمل، قصد علي «علیه السلام» في طائفة من أصحابه دارا في البصرة، وفيها نسوة أسمعنه بعض ما يكره، وقلن له: يا قاتل الأحبة.
فسأل عن منزل عائشة، فأومأن إلى حجرة في الدار، فدخل على عائشة، فجرى بينهما كلام، ثم خرج، ودل على الحجر التي كان فيها مروان وشباب من قريش، وعبد اللّه بن الزبير، ومن معه من الزبيريين، وشيخ أهل البصرة، ثم مضى بمن معه إلى المعسكر.
فقال لهم: ألا أخبركم بسبعة [هم] من أفضل الخلق يوم يجمعهم اللّه تعالى؟!
قال أبو أيوب: بلى واللّه، فأخبرنا يا أمير المؤمنين، فإنك كنت
تشهد ونغيب.
قال: فإن أفضل الخلق يوم يجمعهم اللّه تعالى سبعة من بني عبد المطلب، لا ينكر فضلهم إلا كافر، ولا يجحد إلا جاحد.
قال عمار بن یاسر رضى اللّه عنه ما اسمهم يا أمير المؤمنين، فلنعرفنهم؟!
قال: إن أفضل الناس يوم يجمع اللّه الخلق [و] الرسل محمد، وإن من أفضل الرسل محمداً «عليهم الصلاة والسلام».
ثم إن أفضل كل أمة بعد نبيها وصي نبيها حتى يدركه نبي، وإن أفضل الأوصياء وصي محمد «عليهما الصلاة والسلام».
ثم إن أفضل الناس بعد الأوصياء الشهداء. وإن أفضل الشهداء حمزة وجعفر بن أبي طالب، ذا جناحين يطير بهما مع الملائكة، لم يحل بحليته أحد من الآدميين في الجنة شيء شرفه اللّه به.
والسبطان الحسنان سيدا شباب أهل الجنة.
والمهدي يجعله اللّه من أحب منا أهل البيت.
ثم قال أبشروا - ثلاثا - «وَمَنْ يُطِعِ اللّه وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّه عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصَّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّه وَكَفَى بِاللّه عَلِيمًا» (1)» (2).
ونقول:
1 - إن عليا «عليه السلام حين رجع إلى المعسكر لم يحدثهم بما جرى بينه وبين عائشة، ولا ذكر لهم من خبأتهم عندها.. ولم يتحدث لهم عن تصميماته المستقبلية، بل صرف عنان الحديث باتجاه آخر له منحى عقائدي وإيماني، يفترض بمن يبحث عن النجاة يوم القيامة أن يصغي إليه بشغف وانتباه.. لأنه «علیه السلام» قد وضع النقاط على الحروف في قضايا الإيمان والكفر، التى توصل إلى الجنة، أو إلى النار.
2 - إن السبعة الذين تحدث عنهم «علیهم السلام» كلهم من بني عبد المطلب، وكان ثلاثة منهم قد استشهدوا في عهد الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، وهم النبي «صلی اللّه علیه وآله» نفسه، وحمزة، وجعفر.
وثلاثة أحياء، وهم علي والحسنان «علیهم السلام»، وهم الذين حاربتهم عائشة، وسيحاربهم القاسطون في صفين، والناكثون في النهروان.
والسابع لم يكن قد ولد بعد، وهو الإمام الثاني عشر «صلوات اللّه وسلامه عليه».
3 - إن أبا أيوب قد طلب منه «علیه السلام» بأن يخبرهم عن هؤلاء السبعة، معلنا أنه إنما يخبرهم عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»، فقد كان يحضر ويغيبون، وليس اجتهاداً منه، ولا هو من حدسياته.
ويؤكد ذلك: أن الخبر الذي يريد أن يبلغهم إياه متصل بيوم القيامة، بواسطة المهدي «علیه السلام»، ولا يمكن معرفته إلا بالنقل عن متصل بالغيب، وهو النبى «صلی اللّه علیه وآله».
4 - قد ذكر «علیه السلام» أمراً لا يعرف أيضا إلا من قبل مطلع على الغيب، وهو أن منكر فضل هؤلاء السبعة كافر، أو جاحد..
فالحكم بالكفر والجحود على المنكر لفضل هؤلاء إنما يأتى من قبل اللّه سبحانه، ويبلغه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» للأمة، لكي لا يقع أحد منها في محذور الكفر والجحود.
5 - فيما يرتبط بالكفر والجحود نقول:
إن من يرى بأم عينيه فضل ذوي الفضل، ثم يبادر إلى إنكاره، فهو جاحد.
وإذا أخبره النبي «صلی اللّه علیه وآله» بفضل ذي الفضل، ولم يصدقه، وأصر على الإنكار، فهو كافر. وقد أخبر النبي «صلی اللّه علیه وآله» بفضل هؤلاء السبعة بما لا يمكن لأحد التشكيك فيه. كما أن فضلهم قد ظهر وانتشر، ولم يعد خافياً على طالب، أو راغب.
فأمر المنكرين لفضلهم يدور بين الكفر والجحود كما قرره «عليه
السلام».
كتب معاوية إلى أمير المؤمنين «علیه السلام» يتهدده، ويتوعده بالحرب، وذلك بعد حرب الجمل، فأجابه «علیه السلام» - حسب نص البستي -:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم
من عبد اللّه، وابن عبده علي بن أبي طالب، أخي رسول اللّه، وابن عمه، ووصيه، ومغسِّله، ومكقنه، وقاضي دينه، وزوج ابنته البتول، وأبي سبطيه الحسن والحسين إلى معاوية بن أبي سفيان..
أما بعد.. فإني أفنيت قومك يوم بدر، وقتلت عمك، وخالك، وجدك. والسيف الذي قتلتهم به معي الخ..» (1).
وحسب نص المفيد:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم
أما بعد.. يا معاوية، فقد كذبت أنا علي بن أبي طالب، وأنا أبو
1) راجع: بحار الأنوار ج 33 ص 289 ح 550 وشجرة طوبى ج 1 ص 105 ونهج السعادة للمحمودي ج 4 ص 82.
الحسن والحسين، قاتل جدك، وخالك، وأبيك الخ..»(1).
(الظاهر: أن الصحيح: «وأخيك». وأن ثمة تصحيفاً بين الكلمتين).
وقد ذكرنا في الجزء ج 36 ص 40 - 49 من كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» أموراً حول مضامين هذه المكاتبات، لا نرى حاجة إلى إعادتها.
غير أننا نشير إلى أن رواية البستي لرسالته «علیه السلام» تدل على أنه يذكر الحسنين «علیهما السلام» بعنوان سبطى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. ويذكر نفسه بصفة أنه أب لهذين السبطين..
ومن الواضح: أن توصيف الحسنين «علیهما السلام» بسبطي الرسول «صلی اللّه علیه وآله» هو أمر يتفرد به الحسنان «عليهما السلام»، ويمتازان به على سائر الخلق.
ولأسباط الأنبياء خصوصياتهم وميزاتهم، في العلم والطهارة، والخلوص والجامعية للصفات التي تظهر عظمة مقام النبوة من خلال ما يرونه في الأسباط من صفات وسمات.
فالحسنان «علیهما السلام» سبطان لرسول اللّه «صلى اللّه عليه
1) الإختصاص ص 138 وبحار الأنوار ج 33 ص 286 وشجرة طوبى ج 1 ص105 ونهج السعادة للمحمودي ج 4 ص 80.
وآله» بما هو رسول، وناطق، ومعبر، وحاك للمقاصد الإلهية، ولأجل ذلك كثر الاعتزاز بهما والثناء عليهما من قبل النبي «صلى اللّه عليه وآله».
وهذا الاعتزاز النبوي بسبطيه يدل على كمالهما خلقا وخُلقاً، وفي كل شيء، إذ كثر وصفه لهما بسبطيه وابنيه، ونحو ذلك.
ولو كان فيهما قصور ذهني، أو عقلي، أو ديني، أو أخلاقي، أو سلوكي، أو نحو ذلك، فإن النبي «صلی اللّه علیه وآله» لا يظهر هذا الاعتزاز بهما، ولا يثني عليهما هذا الثناء، ولا يعتبر هذا الأمر من المقامات لهما.
أما في النص الذي ذكره المفيد، فعلي «علیه السلام» يسجل لنفسه اعتزازه بكونه أبا الحسن والحسين «علیهما السلام»، ويجعل ذلك من مفاخره. وهذا يدل على عظمة الحسنين «علیهما السلام» في أنفسهما، وفي الأمة أيضاً.
وبعض الروايات ذكرت رسالة معاوية وجواب أمير المؤمنين «عليه السلام» في سياق آخر، جعلت للطرماح فيه دوراً عجيباً، ولكننا بعد البحث والتأمل في النص وجدنا فيها الكثير من الإشكالات والمؤاخذات التي لا تبقي مجالاً للثقة فيها، ولا للاعتماد عليها.
وقد ذكرنا الرواية وما فيها من هنات وإشكالات في كتابنا الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» ج 36 ص 53 حتى ص 79، فراجع.
وحين أراد علي «علیه السلام» المسير إلى صفين، خطب الناس، ودعاهم إلى الجهاد. ثم خطبهم الإمام الحسن «علیه السلام».
ثم قام الإمام الحسين «علیه السلام» خطيباً، فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
يا أهل الكوفة، أنتم الأحبة الكرماء [و] الشعار دون الدثار، جدُّوا في إحياء ما دثر بينكم وإسهال ما توعر عليكم، وألفة ما ذاع منكم.
ألا إن الحرب شرها ذريع، وطعمها فظيع، وهي جُرَعٌ متحسَّاة، فمن أخذ لها أهبتها، واستعد لها عدتها، ولم يألمْ كُلومَها عند حلولها، فذاك صاحبها.
ومن عاجلها قبل أوان فرصتها، واستبصار سعيه فيها، فذاك قمنٌ ألا ينفع قومه و [أن] يهلك نفسه
نسأل اللّه بعونه أن يدعمكم بألفته.
ثم نزل (1).
1) راجع: وقعة صفين للمنقري ص 114 و 115 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 3 ص 186 وبحار الأنوار ج 32 ص 405 و 406 وجمهرة خطب العرب ج 1 ص 326 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج27 ص 139 عن كتاب الحسن والحسين سبطا رسول اللّه لمحمد رضا أمين (ط دار الكتب العلمية - بيروت) ص 152.
ونقول:
هناك أمور كثيرة أشار إليها الإمام الحسين «علیه السلام» في كلامه هذا، ونحن سنحاول الإشارة إلى بعضها، كما يلي:
1 - إنه بدأ كلامه مع أهل الكوفة بمزيد من الرقة والحنان معهم. وقد وصفهم بثلاثة أوصاف
أولها : أنهم أحبة.
الثاني: أنهم كرماء. ويبدو أن المقصود هنا معنى أعم من مجرد السخاء بالمال ليشمل معنى الكرامة والشرف والسؤدد، فهو كقولك: أخ كريم، وابن أخ كريم وكقول ملكة سبأ: «إنّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَريمٌ» (1).
الثالث: إنهم بالنسبة إلى أهل البيت: الشعار دون الدثار. والشعار هو الثوب الذي يلي الجسد، ويفترض فيه أن يكون حنونا عليه، حافظاً له من كل ما يؤذيه.
أما الدثار، فهو الثوب الذي فوق الشعار، وإنما يهتم الناس به لا لأجل حفظ الجسد، ووقايته، وإنما لأجل مظهره، لأنه هو الذي
1) الآية 29 سورة النمل.
يتجملون به أمام الآخرين.
وهذا يدل على أن أهل الكوفة كانوا إلى ذلك الحين على علاقة طيبة بأهل البيت «علیهم السلام»، بالرغم من أن الذي اختط الكوفة، وجعلها مركزاً لجنده الذي يحارب في بلاد فارس هو عمر بن الخطاب.
وقد رأينا: أنه قد كان في الكوفة شخصيات شديدة الإخلاص لدينها، مهتمة بالالتزام بأحكامه، ولها تعلق برموزه الحقيقيين، وكانوا باستمرار يعملون على تصحيح المسار في سياسات عمال السلطة، ويكثرون الاعتراض عليهم، فينالهم منه الأذى، ويبتلون بالسجن والإبعاد، وغير ذلك من ضروب العدوان.
ولكن اللافت: أن أعداءهم والمناوئين لهم كانوا إذا ضاقت بهم السبل أحيانا يلجأون إلى هؤلاء الرجال، لمواجهة المعضلات، وحل.المشكلات. فكم من مرة عجزوا عن تحقيق النصر على عدوهم، فيستعينون بأولئك الصفوة، وببركة صدقهم، وإخلاصهم، وشجاعتهم، وحسن تدبيرهم، وصحة سياساتهم، يحققون الأماني، ويصبح ما لم يكن ممكنا بحكم الحاصل.
وخلاصة الأمر: أن الإمام الحسين «علیه السلام» يقول لأهل الكوفة : إن للحب فروضاً ومسؤوليات وللكرامة والسؤدد اقتضاءات وواجبات، وللشعار دون الدثار وظائف ومهمات. فعليهم أن يقوموا بها على أكمل وجه وأتمه.
2 - ثم قال الإمام الحسين «علیه السلام» لأهل الكوفة: «جدوا في إحياء ما دثر بينكم». فقد يبدو لنا من قوله هذا: أن هناك معاني وحالات كانت قائمة بينهم وهي من مظاهر صلاحهم، ومن موجبات فلاحهم ونجاحهم.. فهو «علیه السلام» يطالبهم باستعادتها، بكل جد ونشاط، لأنها ضرورية لهم.
ولم يذكر «علیه السلام» لنا ما يدل على طبيعة هذه الأمور التي كانت بينهم ثم دثرت، هل هي علاقات المودة والتواصل، أو هي الجهاد في سبيل اللّه، ولدفع أعداء اللّه عن العبث بالشرايع والأحكام، وردعهم عن ظلم عباد اللّه.. بعد أن أصبح همُ الناس في الجهاد هو الدنيا، والأموال، والنساء، والإقطاع، وما إلى ذلك.
وهذه الكلمة تشير إلى أن الإنسان قد يتهاون في الحفاظ على بعض الأمور، فتتلاشى وتزول، دون أن يشعر. فعليه أن يراجع حساباته دائما، ويحفظ نفسه من أن تخسر ما ربحته، وتضيع ما وجدته.
ثم أشار «علیه السلام» إلى أمر آخر قلما يلتفت إليه الناس العاديون، فقد قال: «وإسهال ما توعر عليكم».
فدلنا بذلك: على أن الأمور التي تبدو صعبة، لا ينبغي الاستسلام لصعوبتها، والتوجس والخوف من عدم القدرة على التغلب على تلك الصعوبة، ثم الاستسلام للفشل، والشعور بالعجز، فإن الأمور المتوعرة تشبه الوعورة في المسالك، فكما تسهل تلك المسالك ببذل
بعض الجهد، فإن الأمور المتوعرة يمكن تسهيلها أيضاً بجهد يبذل، وعزمة من عزمات الرجال.
ويلاحظ: أنه «علیه السلام» لم يقل: الأمور الوعرة، بل قال: «المتوعرة»، ليدل على أن وعورتها عارضة عليها، وليست أصيلة، ولا متجذرة فيها، ولا هي داخلة في أصل تكوينها.
3 - ثم قال «علیه السلام»: «وألفة ما ذاع منكم». كأنه «علیه السلام» يريد أن يشير إلى انتشار أمورهم، وخروجها عن سيطرتهم، وصيرورتها في متناول أيدي الأغيار، جعلها تفقد الروابط فيما بينها، تكاد حتى اشتبهت الأمور على المخلصين، وتصعبت، وبدا أن إعادة الأمور إلى نصابها غير متيسر.
ولكن الإمام الحسين يقول: لا ينبغي الاستسلام لهذا الشعور، فإن الأمور أيسر من ذلك، فبالإمكان لملمة الوضع، ووضع كل شيء في موضعه، وإيجاد جوامع وروابط تعيد الأمور إلى نصابها، وتؤلف بين ما انتشر وتفرق وتشتت.
4 - ثم إنه «علیه السلام» وصف الحرب لأهل الكوفة بما هي عليه في الواقع، فقال: «ألا إن الحرب شرها ذريع، وطعمها فظيع وهي جرع متحسّاة»، فترى أنه «علیه السلام» لم يهون أمرها، لأن صعوبتها، ومرارتها لا يمكن التغطية عليها، بل إن محاولة التغطية عليها في مثل هذا المقام خلاف الحكمة، وخلاف الشرع والدين، ولا يقبله العقل السليم، ولا المنطق المستقيم، وذلك لما يلي:
أولاً: في الحرب جراح وآلام، وقطع أعضاء، وفيها قتل، ويُتم أطفال، وترمل،زوجات، وأعباء تنتقل من فريق إلى فريق، وتنشأ عنها مشكلات اجتماعية، وغير ذلك..
فلا يصح أن نخدع الناس بتهوين الأمر عليهم، لمجرد أننا نريد أن نصل إلى أهدافنا.
ثانياً: في الحرب مسؤولية شرعية تقع على عاتق المحارب تجاه نفسه حيث لا يجوز أن يعرّض نفسه لكل هذه المصائب المحتملة، بدون مجوز شرعي، لأنه يكون من الإلقاء بالنفس في التهلكة.
فلا بد له من التحقق من توفر المسوغ الشرعي له، ليقدم على هذا الأمر، فإذا ناله مكروه لا يكون مجرد قتيل، بل هو يريد أن يكون شهيداً مثاباً.
ثالثاً: في الحرب مسؤولية تجاه من يحاربه، من حيث جواز قتله أو جرحه، أو ما إلى ذلك.
رابعاً: الحرب تحتاج إلى نية القربة إلى اللّه سبحانه، فلا يجوز أن يقتل نفسه، ويقتل الناس لأجل الجاه، أو المال، أو ما إلى ذلك.. كما لا يجوز إكراه أحد عليها، أو خداعه فيها، لأن المطلوب فيها هو الرضا والاختيار التام، وقبول الاستشهاد، أو أي نوع من أنواع التضحية في ميدان الجهاد.
وهذا كله هو الذي يدعو الإمام الحسين «علیه السلام» ليرسم أمام أعين الناس صورة واقعية دقيقة عن الحرب.. لأنه لا يريد، ولا
يجوز له أن يخدعهم، أو أن يقصر في بيان الحقيقة لهم.
5 - وقد وصف «عليه السلام الحرب بأنها: «جرع متحسّاة» والجرع جمع جرعة، والتحسي - كما قال سيبويه - عمل في مهلة.. مما يعني أن جرع الحرب لا تأتي بصورة متلاحقة، بل يكون بينها مهل، فمثلاً إذا جرح المقاتل، فهذه جرعة يعقبها محاولة معالجته، وبعد العلاج قد تنشأ أوضاع يحتاج معها هذا الجريح إلى بعض الأمور التي تيسر له حياته، بعد أن عرض لها بسبب الحرب ما أوجب صعوبتها. وقد تنشأ عن هذه الحاجة المستجدة مشكلات عائلية، ومشاجرات، وما إلى ذلك.
كما أن نفس معاناة القتال، والتعرض للسيوف والرماح والنبال، وتوقع الجرح، أو القتل إنما هو أمر متواصل يشعر به المقاتل آنا بعد آن.
ولأجل ذلك قال «علیه السلام»: «جرع متحسّاة». أي تؤخذ بصورة متعاقبة، مع وجود مهلة.
6 - إنه «علیه السلام» بعد أن قدم للناس الصورة الواقعية للحرب بين لهم أن هذه الصورة لا تعني سقوط التكليف بالحرب للباغين والمعتدين والجبارين، لوجود معالجة صالحة تخفف من ويلات الحرب، والحد من آثارها. والمعالجة هي:
أولاً: أن يأخذ للحرب أهبتها. والتأهب قد يحصل بمجرد التهيؤ والإستعداد للنفر مع النافرين، وإن لم يشحذ سيفاً، ولم يصلح قوساً،
ولا هيأ رمحا، ولا غير ذلك.
ثانياً: أن يهيئ عدتها، وما تحتاج إليه من آلات القتال، وما يحتاج إليه من وسائل يحتاجها لفرسه، أو لنفسه حين يكون في ساحة الحرب.
ثالثاً: أن لا يبالي كثيراً بالآلام التي تنشأ عنها عند حلولها.. لأن الانسياق مع الآلام، والركون إليها سوف يحبب له القعود عن الحرب، وتجنب الدخول فيما يحتمل أن يسبب له المزيد منهاز.
وأن يقتنع بأن التساهل في الحضور في ساحات الطعن والضرب أمر خطير عليه وعلى غيره من المسلمين بل عدم حضوره قد ينتج عنه أمور أشد خطرا عليه فيما لو خاض الحرب وانتصر، أو استشهد.
6 - ثم بين «علیه السلام» صفات من لا يصلح للحرب، فذكر له صفتين أساسيتين لا ترتبطان بالشجاعة والإقدام، ولا بالعدة والعدد، ولا بالتأهب والاستعداد بل ترتبطان بتقدير ظروف الحرب، وتحديد لحظة الإقدام والإحجام فيها، ولذلك قال «علیه السلام»:
«ومن عاجلها قبل أوان فرصتها، واستبصار سعيه فيها، فذاك قمِنٌ ألا ينفع قومه»، فذكر «علیه السلام»:
أولاً: أن النجاح مرهون بمعرفة اللحظة والفرصة المؤاتية لدخوله في الحرب، فإنه إن دخل فيها قبل أوان فرصتها، فإن جهده
سوف يضيع، وسيكون أمر الانكسار والهلاك أقرب.
ثانياً: أن يعرف ما هو المطلوب منه في تلك الحرب، ويحدد وظائفه فيها، فإنه إن دخل فيها بدون ذلك، فستكون تصرفاته عشوائية ولا تنتهي أيضاً إلى نتيجة، بل يكون جهده ضائعاً، وبلا فائدة ولا عائدة.
عن سليم، عن ابن عباس، قال:
دخلت على علي «علیه السلام» بذي قار، فأخرج لي صحيفة، وقال لي: يا ابن عباس، هذه صحيفة أملاها علي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وخطي بيده (1).
فقلت: يا أمير المؤمنين، اقرأها علي.
فقرأها، فإذا فيها كل شيء كان منذ قبض رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إلى مقتل الحسين «علیه السلام»، وكيف يقتل، ومن يقتله، ومن ينصره، ومن يستشهد معه.
فبكى بكاء شديداً، وأبكاني.
فكان مما قرأه علي كيف يصنع به، وكيف تستشهد فاطمة،
1) لعل الصحيح: بيدي.
وكيف يستشهد الحسن وكيف تغدر به الأمة الخ..» (1).
ونقول:
لاحظ ما يلى:
1 - إن الإنسان قد يخبر عن أمر غيبي، ثم يتحقق ما أخبر به، وقد يأتي بالخبر مكتوباً، بتفاصيله، ودقائقه وحالاته، وتواريخه، وما إلى ذلك.. فترى النفس تسكن إلى هذا الخبر المكتوب، وتختزنه كوثيقة معتمدة لها ترجع إليها، وتأنس باستعادة مضامينها.
2 - فكيف إذا كانت هذه الصحيفة مشحونة بمفردات كثيرة، وتفاصيل غزيرة؟!
3 - وتتأكد أهمية الصحيفة إذا كانت بإملاء رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وخط يد علي بن أبي طالب، وهما أقدس وأفضل من خلقه اللّه تعالى في هذا العالم.
4 - إن هذه الصحيفة لم تتناقلها الأيدي، فلا يحتمل أن تكون قد تعرضت لأي جعل أو تصرف، أو زيادة ونقيصة، فابن عباس قد تلقاها من نفس كاتبها.
5 - إن ما يسمعه ابن عباس في هذه الصحيفة إما أنه رآه، أو
1) کتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ج 2 ص915 والفضائل لابن شاذان ص 141 وبحار الأنوار ج 28 ص 73.
سيعيش ويشاهده بأم عينيه.
6 - ذكرنا : أن أمير المؤمنين «علیه السلام» كان في مجتمع قد ذاق شيئاً من طعم الدنيا في عهد أبي بكر وعمر وعثمان ولم تعد تكفيهم القناعة العقلية للتخلي عن ملذاتهم، بل أصبحوا بحاجة إلى هزات عاطفية ووجدانية أيضاً. وكانت هذه الأخبار الغيبية، ولاسيما ما يرتبط منها بما يجري على الزهراء،وبعلها وبنيها من مآسي وآلام في سبيل الدين هي من هذه المفردات التي كانوا بحاجة إليها حاجة ماسة.
وقالوا: أتت امرأة مجح أمير المؤمنين «علیه السلام»، فقالت یا أمير المؤمنين، إني زنيت، فطهرني طهرك اللّه..
إلى أن تقول الرواية: فأمر أن يحفر لها حفيرة، ثم دفنها فيها. ثم ركب بغلته، وأثبت رجله في غرز الركاب، ثم وضع إصبعيه السبابتين في أذنيه، ثم نادى بأعلى صوته:
«يا أيها الناس، إن اللّه تعالى عهد إلى رسوله «صلى اللّه عليه وآله» عهداً عهده محمد «صلی اللّه علیه وآله» بأنه لا يقيم الحد من اللّه عليه حد.
قال: فانصرف الناس يومئذٍ كلهم ما خلا أمير المؤمنين،
والحسن والحسين «علیهم السلام»، فأقام هؤلاء الثلاثة عليها الحد».(1).
ونقول:
1 - هذه الرواية تدل على عصمة الأئمة علي، والحسن، والحسين «علیهم السلام» من ارتكاب الذنوب التي توجب الحد. وقد :رأينا أن أحداً من الذين انصرفوا لم يثر أي سؤال أو شبهة حول عصمتهم هذه، بالرغم من أن ما جرى ربما يكون قد أحفظ الكثيرين منهم، لأنه تضمن فضيحة قبيحة لجميع من جاء ليشارك في إقامة الحد، ثم منع من ذلك بهذه الطريقة.
ولعل بعض هؤلاء الناس لو وجد ذريعة - ولو كانت شايعة واهية من موتور أو حاقد - لتشبّث بها للتخفيف من المصاب الذي ألمَّ به، ولتهدئة بلابل صدره.
2 - ولعلك تقول : إن هذا الاشتراط الذي أثبته عهد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قد يؤدي في بعض الأحيان إلى تضييع
1) المحاسن للبرقي ج 2 ص 310 والكافي ج 7 ص 186 وتهذيب الأحكام ج 10 ص 9 وج 6 ص 337 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 28 ص 103 و الإسلامية ج 18 ص 378 والمقتصر من شرح المختصر لابن فهد الحلي ص 403 وبحار الأنوار ج 40 ص 290 وج 76 ص 45 ومرآة العقول ج 23 ص 282 ومن لا يحضره الفقيه ج 4 ص 32.
الحدود، أو على الأقل إلى صعوبة إجرائها، فإن هذه القضية قد حدثت في عصر كان فيه جيل الصحابة لا يزال حاضراً، وهم يدَّعون ما يشبه العصمة للصحابة، فإذا لم يوجد في ذلك الجمع أحد ليس اللّه في جنبه حد باستثناء من نص اللّه تعالى في كتابه على تطهيرهم وعصمتهم، فما بالك بالأجيال اللاحقة التي انغمست في ملذات الدنيا، وباءت بالآثام؟! وكيف يمكن الركون إلى دعوى عدالة الصحابة، فضلا عما هو أكثر من ذلك؟!
ونجيب:
أولاً: بأن عدم وجود أحد بين ذلك الجمع يتوفر فيه الشرط المذكور، لا يعني أن لا يتوفر في جماعات أخرى أشخاص ليس في جنبهم حد اللّه. مع التفريق بين الحدود والتعزيرات وفق ما جرى عليه الفقهاء.
فقد يوجد شخص قد أحسن أهل بيته تربيته، وقد دخل لتوه في سن البلوغ، ولم يرتكب بعد ما يوجب الحد.. فإن هذا ليس بعزيز.
ثانياً : لعل هذا الشرط - الذي جاء في الظاهر مطلقا وشاملاً لكل حد - قد أريد به تكريم من ثبت عليه الحد بإقراره الطوعي.
علماً بأن إجراء هذا الحد عليه سيعيده طاهراً مطهراً كيوم ولدته أمه.. فيستحق أن يكون تطهير هذا الساعي إلى الطهارة، متناسباً مع ما واقع نفسه، ومع يسعى إليه، ومع الذين يريد اللّه تعالى أن يكونوا الوسيلة التي يطهره بها..
3 - يلاحظ: أن الذنوب وإن سقطت عقوبتها بإجراء العقوبة، أو بالعفو بسبب التوبة، أو بقانون «الجَبّ» في قوله «صلی اللّه علیه وآله»: «الإسلام يجب ما قبله».. وبغير ذلك من أمور.. ولكن ذلك لا ي المحو المطلق لجميع آثارها فهناك مراتب ومقامات تبقى محجوبة عن مرتكب بعض الآثام، كما هو الحال في من تلبس بالظلم في وقت ما، فإن ذلك يحرمه من أن يناله عهد اللّه تعالى بالإمامة. فقد قال تعالى عن إبراهيم «علیه السلام»: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» (1).
وليكن ما ورد في هذه الرواية، من أن اللّه تعالى عهد إلى رسوله محمد «صلی اللّه علیه وآله»: بأنه لا يقيم الحد من اللّه عليه الحد. هو من المفردات المشابهة.
سأل أحدهم الإمام عليا «علیه السلام» فى رحبة الكوفة فقال: يا أمير المؤمنين، إنك بالمكان الذي أنزلك اللّه، وأبوك معذب في النار؟!
فقال له،مه فض اللّه فاك !! والذي بعث محمداً بالحق نبياً، لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه اللّه فيهم! أبي معذب
1) الآية 124 من سورة البقرة.
في النار، وابنه قسيم الجنة والنار ؟!
ثم قال: والذي بعث محمداً بالحق نبياً، إن نور أبي طالب يوم القيامة ليطفئ أنوار الخلق إلا خمسة أنوار نور محمد، ونوري، ونور فاطمة، ونور الحسن والحسين ومن ولدته من الأئمة، لأن نوره من نورنا الذي خلقه اللّه تعالى من قبل أن يخلق آدم بألفي عام (1).
1) الأمالي للطوسي ص 305 و 702 والمحاسن ص 4 حديث 2 والحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص 95 و 96 و (ط دار سيد الشهداء - قم) ص 74 وبحار الأنوار ج 35 ص 69 و 110 والإحتجاج ج 1 ص 546 و (ط دار النعمان) ج 1 ص 340 وكنز الفوائد ج 1 ص183 و (ط 2 سنة 1369 ه ش) ص 80 وكشف الغمة ج 2 ص 83 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص 42 والغدير ج 7 ص 387 وبشارة المصطفى ص 202 و (ط مرکز النشر الإسلامي) ص 312 وماءة منقبة لابن شاذان ص 153 وخاتمة المستدرك ج 5 ص 20 ومائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي ص 174 وكنز الفوائد ص 80 والعقد النضيد والدر الفريد ص 30 والصراط المستقيم ج 1 ص 336 والصافي (تفسير) ج 4 ص 97 والدرجات الرفيعة ص50 والبرهان (تفسير) ج 3 ص 231 و (ط مؤسسة البعثة) ج 4 ص 192 وكنز الدقائق (تفسير) ج 9 ص 517 وتأويل الآيات ج 1 ص 396 - 397 وغاية المرام ج 1 ص 163 و ج 2 ص 293 والدرجات الرفيعة ص 50 وإيمان أبي طالب للشيخ الأميني ص 78.
ونقول:
1 - رأينا أن أمير المؤمنين «علیه السلام» قد تغيظ على رجل إلى حد الدعاء عليه بأن يفض اللّه فاه لمجرد طرحه سؤالاً عليه، حول إيمان أبي طالب «علیه السلام».
2 - لم تصرح الرواية بسبب هذا الانزعاج منه «علیه السلام»، فهل كان «علیه السلام» يعرف أن ذلك الرجل يعرف الحق ويجحده، بهدف التشنيع على علي «علیه السلام»، بأمر يعرف بطلانه، باعتبار أن شهرة إيمان أبي طالب، والدلائل عليه كانت كالنار على المنار، بل يكون التشكيك في إيمانه «علیه السلام» كالتشكيك في إيمان الأنبياء، وأوصيائهم، وهذا لا يكون إلا من عدو جاحد، ومن خبيث معاند؟!
أم أن سبب انزعاجه «علیه السلام» هو نفس الشبهة و انتشارها، فأراد أن يواجهها بحزم وقوة ليحدّ من إنتشارها، وتداولها؟!
و السبب هذان الأمران معاً ؟!..
3 - يدل كلام أمير المؤمنين «علیه السلام» على أن أبا طالب أفضل من سائر الأنبياء وأوصيائهم، باستثناء نبينا «صلی اللّه علیه وآله» وعلي وفاطمة والحسنين، والأئمة التسعة من ولد الحسين «صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين».
فإن إطفاء نور أبي طالب لأنوار جميع الخلق باستثناء المعصومين الأربعة عشر معناه : أنه «علیه السلام» أفضل من جميع الخلق، ما عدا من ذكرهم «علیه السلام».
4 - ويدل على هذه الأفضلية لأبي طالب على سائر الخلق، ما عدا المذكورين أن نوره «علیه السلام» إنما قد خلق مع أنوار النبي والأئمة قبل خلق آدم بألفي عام.
5 - لعل إطفاء أنوار الخلائق بنور أبي طالب يوم القيامة إنما هو لإظهار هذا المقام العظيم له، الذي لم يتسن له الظهور في الدنيا، بسبب كيد الأعداء، وشبهاتهم وأضاليلهم، فيظهره اللّه تعالى في الآخرة.
6 - إن هذا الحديث يدل على أن أصحاب الأنوار الخمسة - والحسنان «علیهما السلام» منهم - هم هم أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين أيضاً. والمعرفة بفضل هؤلاء يزيد من تعلق الناس بهم، والسعي لمعرفة سيرتهم، والاهتداء بهديهم..
7 - يستفاد من كلام علي «علیه السلام»: أن السائل كان يقر بإيمان أبي طالب «علیه السلام»، ولكنه يدَّعي أن الشفاعة لا تناله.
فأجاب «علیه السلام»:
أولاً : إن أبا طالب لا يحتاج إلى الشفاعة، لأنه هو نفسه يشفع بالخلائق، لاسيما وأنه قد بلغ في علو درجته أنه لو شفع بكل مذنب على وجه الأرض لشفعه اللّه فيهم.
ثانياً: إن كان ولده قسيم الجنة والنار، ويستطيع أن يوصل أباه إلى الجنة، ولو بالشفاعة، فلماذا لا يفعل ذلك؟! إلا إذا فرض أن هذا الولد ليس باراً بأبيه.. وهذا افتراض باطل.
ثالثاً: إذا كان نور أبي طالب قد خلق مع المعصومين الأربعة عشر، قبل خلق آدم بألفي عام، ويطغى نوره على أنوار جميع الخلائق، ما عداهم «صلوات اللّه وسلامه عليهم»، فهل يعقل أن يكون في النار؟!
أحمد روی بن أبي عبد اللّه البرقي في (المحاسن)، عن ابن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه «علیه السلام»، قال: أتى رجل أمير المؤمنين «علیه السلام»، فقال له: جئتك مستشيراً: إن الحسن والحسين، وعبد اللّه بن جعفر خطبوا إلي!!
فقال أمير المؤمنين «علیه السلام»: المستشار مؤتمن. أما الحسن، فإنه مطلاق للنساء. ولكن زوجها الحسين، فإنه خير لابنتك (1)
ونقول:
يلاحظ هنا ما يلي:
1) المحاسن للبرقي ج 2 ص 601 وروضة المتقين ج 4 ص 269 وهداية الأمة للحر العاملي ج 7 ص 366 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 12 ص 43 وج 22 ص 9 و (الإسلامية) ج 8 ص 427 وج 15 ص 68 وبحار الأنوار ج 3 ص 337 و 338 و ج 72 ص 101 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 60 و 61.
1 - إنه «علیه السلام» لم يشر في جوابه لذلك الرجل إلى عبد اللّه بن جعفر لا من قريب ولا من بعيد رغم علمنا بمحبة واهتمام أمير المؤمنين «علیه السلام» بابن جعفر.. ولكن حين يراد المقارنة بين الحسن والحسين، وكذا سائر الأئمة الطاهرين المعصومين «علیهم السلام»، فالمعيار هو ما ورد عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: «إنَّا (نحن) أهل بيت لا يقاس بنا أحد» (1)، وورد ذلك عن أمير المؤمنين أيضا (2).
1) راجع: بحار الأنوار ج 65 ص 45 وكنز العمال ج 13 ص90 و (ط مؤسسة (الرسالة) ج 12 ص 104 وينابيع المودة ج 2 ص68 و 83 و 114 و 117 وذخائر العقبى ص 17 والدر النظيم ص 770 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 7 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 9 ص 304 و 378 و 379 وج 18 ص 443 وج 22 ص 523 و 524 وج 24 ص 581 وج 33 ص 143 وعن منتخب کنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 94 وعن كنوز الحقائق للمناوي ص 165 وعن كتاب آل محمد للمردي (مصورة مكتبة السيد الأشكوري) ص 183 وعن غريب الحديث لابن الجوزي (ط سنة 1405ه) ج 2 ص 389 وأرجح المطالب ص330 وعن مفتاح النجا للبدخشي، وعن الفردوس ج 4 ص 283 وفرائد السمطين ج1 ص 45.
2) راجع: شرح الأخبار ج 2 ص 202 وبحار الأنوار ج 26 ص 269 وج 35 ص 347 وكشف الغمة ج 1 ص 31 وكشف اليقين ص191 وعيون أخبار الرضا «علیه السلام» للشيخ الصدوق ج 1 ص 71 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 351 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص133 وإحقاق الحق (الأصل) ص 207 وغاية المرام ج 7 ص 158 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص 213 ونهج الحق ص 253 ودلائل الصدق ج 6 ص 429 وينابيع المودة ج 1 ص 459 وراجع تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 211 و 361 وتهذيب الكمال ج 14 ص 195.
وقد روي هذا النص عن الإمام الصادق (1)وعن الباقر «علیهما السلام»(2).
2 - تضمنت هذه الرواية ما يشبه الطعن بالإمام الحسن «عليه السلام»، والثناء على الإمام الحسين «علیه السلام»، وتفضيله على أخيه الإمام الحسن «علیه السلام». فقد دلت على أن زوجات الإمام الحسين «علیه السلام» يكنَّ أكثر سعادة، وحظهنَّ معه أوفر. وأما
1) راجع: معاني الأخبار ص 179 والاختصاص للمفيد ص 13 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 434 و 435 والدرجات الرفيعة ص236 و 237 وعلل الشرائع للشيخ الصدوق ج 1 ص 177 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 10 ص 312 و (الإسلامية) ج 7 ص 226 والإختصاص للشيخ المفيد ص 13 وبحار الأنوار ج 22 ص 406 و 407.
2) راجع: نوادر المعجزات ص 124 وعيون المعجزات لحسين بن عبد الوهاب ص 73 ومدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج 4 ص 430 وج 5 ص 121 وبحار الأنوار ج 46 ص 278.
نساء الإمام الحسن فأقل سعادة معه..
مع أن المفروض أن يكون الإمام - كل إمام - مهتماً بإسعاد الناس بكل ما يقدر عليه، فإن ذلك من موجبات المثوبة له عند اللّه، والإمام لا يزهد بالمثوبة الإلهية، بل هو طامع بها، ويلاحقها أينما وجدت.
3 - إن إمامة الإمام الحسن «علیه السلام»، وعصمته، ونزول آية التطهير، وسورة هل أتى في حقه تدفع عنه كل ما يراد انتقاصه به، وتفرض أن يكون أكمل وأفضل البشر في كل شيء.
4 - لماذا يقدم الإمام الحسن «علیه السلام» على أمر يؤذي النساء المؤمنات من دون ذنب أتينه؟!
5- لا نرى أن مقام الإمامة يقتضي كثرة الطلاق منه لزوجاته، وإلا لوجدنا هذه الخصوصية في سائر الأئمة «علیهم السلام» أيضاً.
6 - كما أن كثرة الزواج تستدعي كثرة الأولاد، ولم نجد عند الإمام الحسن ما يصح أن يكون مصداقا لهذه الكثرة.
7 - إن كثرة الطلاق تستدعى تعيير الأعداء، وعلى رأسهم معاوية، وانتقاصهم إياه بهذا الأمر.
ويلاحظ أن أمير المؤمنين «علیه السلام» قد ألمح وصرح باستشهاد الإمام الحسين «علیه السلام» مرات عديدة، نذكر هنا نماذج ثلاثة منها هي التالية:
1 - عن محمد بن جعفر الرزاز القرشي، عن خاله محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن علي بن النعمان، عن عبد الرحمان بن سيابة، عن أبي داود السبيعي البصري، عن أبي عبد اللّه الجدلي، قال: دخلت على أمير المؤمنين والحسين «علیهما السلام» إلى جنبه، فضرب بيده على كتف الحسين «علیه السلام» ثم قال: إن هذا يقتل ولا ينصره أحد.
قال :قلت يا أمير المؤمنين، واللّه ان تلك لحياة سوء.
قال : إن ذلك لكائن (1).
1) كامل الزيارات لابن قولويه ص 71 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي سنة 1417ه) ص 149 وبحار الأنوار ج 44 ص 261 والعوالم، الإمام الحسين ص 148 ومعجم رجال الحديث ج 12 ص 59 و ج 22 ص 161.
2 - عن محمد بن جعفر الرزاز، عن خاله محمد بن الحسين، عن نصر بن مزاحم، عن عمرو بن سعيد عن يزيد بن إسحاق، عن هاني بن هاني، عن علي «علیه السلام»، قال ليقتل الحسين قتلا، وإني لأعرف تربة الأرض التي يقتل عليها قريباً من النهرين (1).
3 - روى إسماعيل بن صبيح، عن يحيى بن المسافر العابدي، عن إسماعيل بن زياد [قال]: إن عليا «علیه السلام» قال للبراء بن عازب ذات يوم: يا براء، يقتل ابني الحسين وأنت حي لا تنصره.
فلما قتل الحسين «علیه السلام» كان البراء بن عازب يقول: صدق واللّه علي بن أبي طالب، قتل الحسين ولم أنصره ثم يظهر على ذلك الحسرة والندم (2).
ونقول:
1) كامل الزيارات لابن قولويه ص 71 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي سنة 1417ه) ص150 وبحار الأنوار ج 44 ص 262 والعوالم الإمام الحسين ص 149 ومعجم رجال الحديث ج 12 ص 59.
2) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 331 وبحار الأنوار ج 44 ص 262 وراجع ج 41 ص 315 والعوالم الإمام الحسين ص 149 والدرجات الرفيعة ص 453 ومعجم رجال الحديث ج 4 ص 187 وإعلام الورى ج 1 ص 345 وكشف اليقين ص 79 وراجع مناقب آل أبي طالب ج 2 ص270 و(ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 105 و 106 ومدينة المعاجز ج 2 ص 181.
1 - ولى معاوية البراء بن عازب اليمن، وكان قد كتم حديث الغدير، ولم يعترف به في إحدى مناشدات أمير المؤمنين للناس، فدعا عليه «علیه السلام»، فاستجاب اللّه دعاءه (1).
2 - إن تخلفه عن نصرة الإمام الحسين «علیه السلام»، ولاسيما بعد أن أخبره أمير المؤمنين «علیه السلام» بذلك يدل على أنه مخذول، ومرذول، ولا يستحق الاهتمام.
3 - إن قول أمير المؤمنين «علیه السلام» للبراء هذا الكلام يدل على أنه سوف يعيش إلى ما بعد واقعة كربلاء، وهو سليم معافى وعلى أنه ستبقى لديه القدرة على النصرة، ولكنه لا يفعل ذلك.
4 - إن هذا من الإخبارات الغيبية التي كان أمير المؤمنين «عليه السلام» ينشرها بين الناس، لتكون من دلائل إمامته «علیه السلام»، وأن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد خصه بعلوم ومعارف لم تكن عند أحد سواه.
كما أن ذلك من أسباب حفظ إيمان الناس، وترشيده، ومن لم يكن
1) قاموس الرجال ج 2 ترجمة البراء بن عازب وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص 262 و ج 7 ص 200 و ج 9 ص 25 والغدير ج 1 ص190 وخلاصة وج 9 الأقوال ص 78 ورجال ابن داود ص 54 والتحرير الطاووسي ص94 والمناشدة والاحتجاج بحديث الغدير ص 61 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 335 وج 8 ص 746.
لديه من الإيمان ما يحسن السكوت عليه، فإن هذه الإخبارات إذا تحققت أمام عينيه، تكون حجة عليه.
5 - ذكرت الرواية الأولى: أن الحسين «علیه السلام» يُقتل، ولا ينصره أحد، وهذا يدل على تدني مستوى التقوى والإيمان لدى الناس في تلك الفترة إلى ما دون الصفر. فقد كان نصره «علیه السلام» واجباً على الأمة بأسرها.
ويكفي أن نذكر: أنه «علیه السلام» قد ترك مكة في يوم التروية، وأخبر الأمة كلها بأنه ذاهب إلى حتفه، وأن النساء والأطفال سوف يبتلون بالسبي، ولكن أحداً من حجاج بيت اللّه الحرام، لم يعرض عليه نصره، ولا طلب أن يكون معه، بل تركوه يغادر مع عياله وأطفاله، وأهل بيته، والذين استشهدوا معه من أصحابه، وكأنهم لا يعرفونه..
أضف إلى ذلك تراجع أهل الكوفة عن البيعة التي أخذها له منهم سفيره مسلم بن عقيل، وتخلوا عن مسلم حتى استشهد..
كما أن الناس من سائر الأقطار لم يلحقوا به، ولم يرغبوا في أن يكونوا تحت لوائه «علیه السلام».
6 - إن هذه النصوص التي أشارت لاستشهاد الإمام الحسين «علیه السلام»، لم تتضمن حدثاً صنعه الحسين نفسه، لأن غرض علي «علیه السلام» من هذه الإخبارات الغيبية للناس هو فيما يبدو استثمار هذه الأخبار المرتبطة بالحسين «علیه السلام»، وما يجري عليه في ترشيد الحالة الإيمانية للناس، وفي إسقاط ما يواجهه «عليه
«السلام من كيد سياسي، وفتك إعلامى بالحقائق والمسلمات الدينية على أيدي الحاقدين والمأجورين لهم، الذين يريدون طمس معالم الدين بما يشيعونه من ترهات وأباطيل..
ويلاحظ القارئ الكريم: أننا لا نستقصي ولا نتوسع في إيراد هذه النصوص، بل نكتفي بمجرد إثارة الفكرة بما يحقق الغرض، ونترك سائر النصوص رهينة لحصافة القارئ الكريم، ودقة الملاحظة، وسلامة المقارنة.
قال المنقري:
قال: حدثني مصعب بن سلام، قال أبو حيان التميمي، عن أبي عبيدة، عن هرثمة بن سليم، قال: غزونا مع علي بن أبي طالب «علیه السلام» غزوة صفين، فلما نزلنا بكربلاء، صلى بنا صلاة، فلما سلم رفع إليه من تربتها، فشمها، ثم قال واها لك أيتها التربة، ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب (1).
فلما رجع هرثمة من غزوته إلى امرأته - وهي جرداء بنت سمير، وكانت متشيعة لعلي «علیه السلام» - فقال لها زوجها هرثمة: ألا أعجبك من صديقك أبي الحسن؟! لما نزلنا كربلا رفع إليه من
1) صفين للمنقري ص 140.
تربتها، فشمها وقال واها لك يا تربة، ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب، وما علمه بالغيب؟!
فقالت: دعنا منك أيها الرجل، فإن أمير المؤمنين «علیه السلام» لم يقل إلّا حقاً (1).
فلما بعث عبيد اللّه بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين بن علي «علیه السلام» وأصحابه، قال: كنت فيهم في الخيل التي بعث إليهم، فلما انتهيت إلى القوم، وحسين «علیه السلام» وأصحابه، عرفت المنزل الذي نزل بنا علي «علیه السلام» فيه والبقعة التي رفع إليه من ترابها، والقول الذي قاله، فكرهت مسيري.
فأقبلت على فرسى، حتى وقفت على الحسين «علیه السلام»، فسلمت عليه، وحدثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل.
فقال الحسين: معنا أنت، أو علينا؟!
فقلت: يا ابن رسول اللّه، لا معك ولا عليك. تركت أهلي وولدي أخاف عليهم من ابن زياد.
1) صفين للمنقري ص 140 و 141 والأمالي للصدوق ص199 ومدينة المعاجز ج 2 ص 170 وبحار الأنوار ج 32 ص 419 وج 41 ص 337 و 338 وج 44 ص 255 و 256 والعوالم الإمام الحسين ص 147 ونهج السعادة ج 2 ص 284 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 3 ص 169 و 170 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 504.
فقال الحسين «علیه السلام» فول هرباً، حتى لا ترى لنا مقتلا، فوالذي نفس محمد «صلی اللّه علیه وآله» بيده لا يرى مقتلنا اليوم رجل، ولا يغيثنا، إلا أدخله اللّه النار.
قال: فأقبلت في الأرض هارباً حتى خفي علي مقتله(1).
روى نصر، عن مصعب بن سلام قال حدثنا الأجلح بن عبد اللّه الكندي، عن أبي جحيفة، قال: جاء عروة البارقي إلى سعيد بن وهب.
فسأله، وأنا أسمع، فقال : حديث حدثتنيه عن علي بن أبي طالب «علیه السلام».
قال: نعم، بعثني مخنف بن سليم، إلى علي «علیه السلام»، فأتيته بكربلاء، فوجدته يشير بيده ويقول: هاهنا هاهنا
فقال له رجل: وما ذلك يا أمير المؤمنين؟!
قال: ثقل لآل محمد «صلی اللّه علیه وآله» ينزل هاهنا، فويل لهم منكم، وويل لكم منهم.
فقال له الرجل: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟!
1) صفين للمنقري ص 141 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ج11 ص 112 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 146 وراجع شرح الأخبار ج 3 ص 141 و 142 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 504 و 505.
قال «علیه السلام» ويل لهم منكم تقتلونهم وويل لكم منهم، يدخلكم اللّه بقتلهم إلى النار (1).
وقد روى المنقري هذا الكلام على وجه آخر:
أنه «علیه السلام» قال فويل لكم منهم، وويل لكم عليهم.
قال الرجل: أما ويل لنا منهم، فقد عرفت (عرفناه)، وويل لنا عليهم، ما هو ؟!
قال «علیه السلام»: ترونهم يقتلون، ولا تستطيعون نصرهم (2).
روى نصر، عن سعيد بن حكيم العبسي: عن الحسن بن كثير، عن أبيه أن عليا «علیه السلام» أتى كربلاء، فوقف بها، فقيل: يا أمير المؤمنين، هذه كربلاء ؟!
قال «علیه السلام»: ذات كرب و بلاء.. ثم أومأ بيده إلى مكان،
1) صفين للمنقري ص 141 و 142 وبحار الأنوار ج 32 ص 420 وج 41 ص 338 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص 204 ونهج السعادة ج 2 ص 130 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 3 ص 170 و 171 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 142.
2) صفين للمنقري ص 142 وبحار الأنوار ج32 ص420 وج41 ص338 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص 204 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج3 ص 171 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص 204 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 143.
فقال: ها هنا موضع رحالهم، ومناخ ركابهم. وأومأ بيده إلى موضع آخر، فقال «علیه السلام» ها هنا مهراق دمائهم (1).
ويقول ابن أعثم:
وأصبح «علیه السلام»،سائراً، حتى نزل بكربلاء، ثم نظر إلى شاطئ الفرات، وأبصر هنالك نخيلاً.
فقال: يا ابن عباس! أتعرف هذا الموضع ؟!
فقال: لا يا أمير المؤمنين، ما أعرفه
فقال «علیه السلام»: أما إنك لو عرفته كمعرفتي، لم تكن تجاوزه، حتى تبكي لبكائي.
قال: ثم بكى على «علیه السلام» بكاء شديداً، حتى اخضلت لحيته بدموعه، وسالت الدموع على صدره.
ثم جعل يقول : أواه ما لي، ولآل أبي سفيان !!
ثم التفت «علیه السلام» إلى الحسين «علیه السلام»، فقال اصبر أبا عبد اللّه ! فلقد لقي أبوك منهم مثل الذي تلقى من بعدي(2).
قال : ثم جعل علي «علیه السلام»، يجول فى أرض كربلاء، كأنه يطلب شيئاً، ثم نزل ودعا بماء، فتوضأ وضوء الصلاة، ثم قام فصلى ما شاء أن يصلي، والناس قد نزلوا هنالك من قرب نينوى إلى شاطئ الفرات.
قال: ثم خفق برأسه خفقة، فنام وانتبه فزعاً.
فقال «علیه السلام» يا ابن عباس ! ألا أحدثك بما رأيت الساعة في منامي؟!
فقال: بلى يا أمير المؤمنين !!
فقال «علیه السلام»: رأيت رجالاً بيض الوجوه، في أيديهم أعلام بيض، وهم متقلدون بسيوف لهم، فخطوا حول هذه الأرض خطة، ثم رأيت هذه النخيل، وقد ضربت بسعفها الأرض، ورأيت نهراً يجري بالدم العبيط، ورأيت ابني الحسين «علیه السلام»، وقد غرق في ذلك الدم، وهو يستغيث، فلا يغاث (1).
ثم إني رأيت أولئك الرجال البيض الوجوه، الذين نزلوا من السماء، وهم ينادون: صبراً آل الرسول صبراً! فإنكم تقتلون على أيدي أشرار الناس، وهذه الجنة مشتاقة إليك يا أبا عبد اللّه !
1) الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 463 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص 552 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ج 6 ص 60.
ثم تقدموا إلي فعزوني، وقالوا : أبشر يا أبا الحسن! فقد أقر اللّه عينك بابنك الحسين «علیه السلام» غدا يوم يقوم الناس لرب العالمين.
ثم إني انتبهت.
فهذا ما رأيت.
فوالذي نفس علي بيده! لقد حدثني الصادق المصدوق، أبو القاسم «صلی اللّه علیه وآله»، أنى سأرى هذه الرؤيا بعينها في خروجي إلى قتال أهل البغي علينا، وهذه أرض كربلاء، التي يدفن فيها ابني الحسين «علیه السلام»، وشيعته وجماعة من ولد فاطمة بنت محمد «صلی اللّه علیه وآله»، وأن هذه البقعة المعروفة في أهل السماوات تذكر بأرض كرب وبلاء، وليحشرن منها قوم يدخلون الجنة بلا حساب (1).
ثم قال «علیه السلام»: یا ابن عباس اطلب لي حولها صيران الظباء، فطلبها ابن عباس فوجدها.
ثم قال: يا أمير المؤمنين قد أصبتها.
فقال علي «علیه السلام»: اللّه أكبر ! صدق اللّه ورسوله.
1) الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 463 و 464 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص 552 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ج 6 ص 60 و 61.
ثم قام علي «علیه السلام»، يهرول نحوها، حتى وقف عليها، ثم أخذ قبضة من بعر الظباء، فشمها، فإذا لها لون كلون الزعفران، ورائحة كرائحة المسك، فقال علي «علیه السلام»: نعم هي بعينها.
ثم قال «علیه السلام»: أتعلم ما هذه يا ابن عباس؟!
قال: لا يا أمير المؤمنين!
فقال «علیه السلام»: إن المسيح عيسى بن مريم، قد مر بهذه الأرض، ومعه الحواريون فشم هذا البعر كما شممته، وأقبلت إليه الظباء، حتى وقفت بين يديه، فبكى عيسى، وبكى معه الحواريون، وهم لا يدرون لماذا يبكي عيسى «علیه السلام»؟!
فقالوا: يا روح اللّه ! ما يبكيك؟ ولماذا اختلست ههنا ؟!
فقال «عليه السلام» لهم: أتعلمون ما هذه الأرض؟!
قالوا: لا يا روح اللّه !
فقال «علیه السلام»: هذه أرض يقتل عليها فرخ الرسول أحمد المصطفى «صلی اللّه علیه وآله»، وفرخ ابنته الزهراء «عليها السلام»، قرينة الطاهرة البتول مريم بنت عمران.
ثم ضرب بيده عيسى إلى بعر الظباء، فشمه وقال: يا معشر الحواريين! هذا بعر الظباء على هذا الطيب لا [نه] كان [من] حشيش هذه الأرض.
ثم مضى عيسى ابن مريم «صلوات اللّه علیه»، وقد بقيت هذه
البعرات إلى يومنا هذا من ذلك الدهر، حتى إنها قد اصفرت لطول الزمان عليها، فهذه أرض الكرب والبلاء.
قال: ثم بكى علي «علیه السلام»، وقال يا رب عيسى! لا تبارك في قاتل ولدي، والعنه لعنا كثيراً!
ثم اشتد بكاء علي «علیه السلام»، وبكى الناس معه، حتى سقط على وجهه، وغشي عليه.
ثم أفاق، فوثب، فصلى ثماني ركعات وسلم من كل ركعتين، فكلما سلم جعل يتناول من ذلك البعر، فيشمه، ويقول: صبراً أبا عبد اللّه صبراً يا ثمرة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وريحانة حبيب اللّه !!
ثم أخذ كفا من ذلك البعر، فصره في ثوبه، وقال «علیه السلام»: لا يزال هذا مصروراً أبداً، أو يأتي علي أجلي.
ثم قال «علیه السلام» يا ابن عباس ! إذا رأيتها من بعدي، وهي تسيل دما عبيطاً، فاعلم أن أبا عبد اللّه قد قتل
قال ابن عباس: فواللّه لقد كنت أشد تحافظاً لها بعد علي بن أبي طالب، وأنا لا أحلها عن طرفي (1).
1) الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 464 و 465 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص 552 و 553.
ونقول:
قد أظهرت قصة هرثمة بن سليم كيف أن المرأة كانت مؤمنة بالغيب، الذي يأتي به علي بن أبي طالب «علیه السلام»، ليقينها بأنه لا يقول ذلك من عند نفسه، وإنما هو أمر أخذه من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». فأصبحت مصداقا ظاهراً لقوله تعالى: «هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالغيب» (1).
وهذا توفيق إلهي لهذه المرأة لم يوفق إليه زوجها.. الذي بالرغم من أنه بعد ما يقرب من ربع قرن ينخرط في جيش ابن زياد، ويأتي إلى كربلاء، ويرى بأم عينيه المواضع التي أخذ منها أمير المؤمنين «علیه السلام» التراب وشمه وأخبر عما يجري في ذلك الموضع على ولده.
ولكنه لا يلجأ إلى معسكر الإمام الحسين «علیه السلام»، ليحارب أنه قد انخرط في جيش ابن سعد الحرب الحسين جيش يزيد، مع «علیه السلام»، بل يختار الهرب على نصرة إمامه. ظنا منه أنه قد نجا بنفسه !! وهيهات..
1) الآيتان 2 و 3 من سورة البقرة.
يلاحظ أن هذا الرجل - أعني هرثمة بن سليم - يحكي قصته للناس، ويسجل على نفسه هذا التصرف الشائن، فقد اعترف للإمام الحسين «علیه السلام» بما رآه وسمعه من أبيه في طريق صفين، حين وصل كربلاء.. فالمفروض بمثل هذا الشخص أن يكون مع الحسين «علیه السلام».. فإن هذه الإخبارات الغيبية للإمام علي «علیه السلام» لا تترك للإنسان المؤمن العاقل خياراً.
ولأجل ذلك، ولأن الخيار الصحيح كان كالنار على المنار.
سأله الإمام الحسين «علیه السلام» عن قبوله بهذا الخيار، فقال له: معنا أنت، أو علينا.
فأجاب جواباً غريباً وعجيباً، حيث قال: لا معك ولا عليك. فمن لم تنفع معه تلك الدلائل التي رآها في طريق صفين، ثم عاين تطبيقاتها حرفا فحرفا، وكلمة بكلمة، فأي شيء ينفع معه؟!
وقد أتبع قوله للإمام الحسين «علیه السلام»: لا لك، ولا عليك، بقوله: تركت أهلي وولدي أخاف عليهم من ابن زياد.
ولكن ليت شعري ألم ير هرثمة أن عائلة الحسين «علیه السلام» كانت في خطر، لأنها حاضرة في كربلاء ؟! ألم يفكر فيما سيجري عليها بعد قتل الحسين وصحبه؟
وكان أفضل إجراء يتخذه الإمام الحسين تجاه هذا الشخص، هو أن يفسح له المجال ليذهب حيث شاء، ويحدث الناس بما رأى، وما
سمع، وما فعل، ليكون هو الذي يفضح نفسه، ويثبت كرامة للإمام الحسين «علیه السلام»، بما يفضح نفسه به، ويعرف الناس: أنه الإمام المظلوم الذي أخبر اللّه ورسوله ظالميه بمظلوميته، ولم يردعهم ذلك عن ظلمه وقتله، فأي كفر هذا الذي نراه من هؤلاء؟!
إن هرثمة بن سليم قد بادر إلى تكذيب الخبر الذي صدر عن أمير المؤمنين «علیه السلام»، على أساس أنه «علیه السلام» لا يعلم الغيب.
ونحن نصدقه في أنه «علیه السلام» لا يعلم بالذات، لكنه يعلم الغيب بالتعليم من اللّه ورسوله، أو بجعل اللّه قوة فيه تمكنه من الحصول على هذا العلم.
إن الإمام الحسين أمر هرثمة بأن يولي هارباً، لأنه لا يرى أحد مقتلهم، ثم لا يغيثهم إلا أدخله اللّه النار.
ونقول:
إن الإمام حافظ للدين، فالتفريط بحافظ الدين تفريط بالدين نفسه. وهذا يحتم على كل مكلف أن يبادر إلى حفظه، ومن كان بعيداً لا يعذر في ترك نصرته، لأن غيبته إنما تكون عذراً له إذا كانت نتيجة العجز عن الوصول إليه، أو عدم معرفته بتعرض الإمام والدين
للخطر.
ولكننا نقول:
المورد هنا ليس من هذا القبيل، فإن هذا الرجل يعلم أن الإمام في خطر، ولا يزول علمه هذا بالابتعاد عن الإمام أو الاقتراب منه..
فما معنى أن يأمره الإمام بالابتعاد والهرب، حتى لا يعرض نفسه لخطر الدخول في النار ؟!
ويمكن أن يجاب:
أولاً: إن هذا الرجل لم يكن مصدقا حتى بما أخبر به أمير المؤمنين «علیه السلام» في البداية، ولعله لم يصدق بها حتى بعد مشاهداته لكل حركة، وفي كل موضع.. وإن كان قد خاف من احتمال وقوع شيء من ذلك، فآثر الابتعاد وهذا معناه أنه إذا غاب عما يجري، فإنه يبقى على شكه في حصول ما يخشاه.
ويؤكد هذا المعنى: أن الإمام «علیه السلام» قد قال له: إن حضوره لحظة مقتله هو الذي يوجب له العذاب في النار، فإن غاب لحظة القتل، وحصل في غيابه فلا شيء عليه. وحين أمره بالهرب لم تكن الحرب قد شرعت بعد.
وهذا معناه أن شك ذلك الرجل في حصول شيء للإمام لا يضره، ما دام لم يشهد حصول ذلك الشيء المشكوك.
ثانياً : كان بإمكان هذا الرجل أن يكون في جملة شهداء كربلاء، ولكنه هو الذي اختار أن لا يكون في جملتهم، فلا ينال مقام الشهادة،
لأن نيله يحتاج إلى نية صادقة، وقصد صحيح. ولم يكن هذا الأمر موجوداً لدى ذلك الشخص.
كما أنه لم يكن يعرف الإمام والإمامة حق المعرفة، بل كان لا يقبل إخبارات أمير المؤمنين «علیه السلام» الغيبية، لأنه لم يكن بنظره يعلم الغائبات فهل تراه يعتقد بالإمام الحسين «علیه السلام» أكثر مما يعتقده في أبيه؟! إن مسار الأحداث لا يؤيد هذه المقولة.
يلاحظ أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد أقسم لهرثمة بقوله:
«فوالذي نفس محمد «صلی اللّه علیه وآله» بيده لا يرى مقتلنا اليوم رجل، ولا يغيثنا، إلا أدخله اللّه النار».
مع أن المألوف والمتوقع هو أن يقسم الإنسان بما يعود إليه، فيقول:
فوالذي نفسي بيده، أو فوالذي نفس الحسين بيده، فما الذي دعاه «علیه السلام» للعدول عن تلك الصيغة إلى هذه الصيغة؟!
ويمكن أن يجاب:
بأن هذا من قبيل التغليظ على النفس بالقسم، فإن نفس النبي «صلی اللّه علیه وآله» أغلى من نفس الحسين «علیه السلام». فهو كما لو أقسم عند الحجر الأسود في الكعبة، لكي يقنع الطرف الآخر بما يقول.
ومما يؤكد الحاجة إلى التغليظ في القسم أن الكلام مع شخصيرى فصول المعجزة تتجسد أما عينيه بعد حوالي ربع قرن من إخباره عن فصولها، ثم لا يؤمن، ولا يستجيب، بل يهرب من مواجهة المسؤولية.
وربما أراد «علیه السلام» من القسم بهذه الطريقة الإلماح إلى أن هذا الخبر صادر عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أيضاً.
إن السؤال الذي يحتاج أيضاً إلى جواب هو: أن تحديد المكان الذي ينيخون فيه ركابهم، والإشارة إلى ذلك المكان إشارة حسية، ثم تحديد مكان وضع رحالهم، وتحديد موضع سفك دمائهم، وموضع سبي نسائهم والإخبار عن وجود الظباء، والأخذ من بعرها الذي مضت عليه المئات من السنين - إن ذلك كله - يشي بأن عليا «علیه السلام» كان قد جاء إلى ذلك المكان، أو أنه استدل عليها ممن يعرف كل هذه التفاصيل، وهو رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حتى عرَّفه إياها، كما رحجة بعض الأخوة.
أو لعلها مثّلت له. إما من قبل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، أن اللّه تعالى مثلها له مباشرة، من دون توسيط الرسول «صلى اللّه عليه وآله» فرأى وعرف....حفظ..
وحصول هذا الأمر لأئمة أهل البيت «علیهم السلام» الذين أعطاهم اللّه سبحانه، ما لم يعط أحداً من العالمين ليس بالأمر البعيد،
فقد أعطاهم اللّه ما هو أعظم وأجل من ذلك.
إنه «علیه السلام» قد صرح في حديثه مع ابن عباس في كربلاء، بأن آل أبي سفيان هم الذين سوف يقتلون ولده.. ولعلك تقول:
إن هذا يدل على أن الحسين «علیه السلام» سوف لا يصيبه شيء في حروب الجمل وصفين وسواهما، فما معنى أن يقول «علیه السلام» لأصحابه في صفين - عن الإمام الحسين «علیه السلام» -: املكوا عني هذا الغلام لا يهدني الخ..
ونجيب:
بأن الإخبار عن استشهاد الإمام الحسين «علیه السلام» في كربلاء قد بلغ حد التواتر واليقين.. وقد يقال إنه اعتضد ذلك بما دل على عدم عروض البداء لمضمونه، لأنه من فعل واختيار البشر أنفسهم واللّه تعالى لا يتدخل فيما يختاره البشر، بل قد يقال أيضاً: إن نفس جعل الأئمة من ذريته «علیه السلام» بمثابة دلالة على الالتزام الإلهي بعدم التدخل، وعدم حصول البداء في هذا الأمر.
غير أننا نقول:
أولاً: قد يقال : إن جعل الأئمة من ذرية الحسين «علیه السلام» إنما هو تفضلٌ من اللّه تعالى، وكرامة له، وتسلية لأمه وأبيه، وجده وأخيه، وسواهم.
وقد روي في حديث المفضل بن عمر، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام»: أنه سئل فكيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن «علیهما السلام»، وهما جميعاً ولدا رسول «صلی اللّه علیه وآله» وسبطاه، وسيدا شباب أهل الجنة؟!
فقال «علیه السلام»: إن موسى وهارون كانا نبيين مرسلين أخوين، فجعل اللّه النبوة في صلب هارون دون صلب موسى، ولم يكن لأحد أن يقول : لم فعل اللّه ذلك؟!
وإن الإمامة خلافة [من] اللّه عز وجل، ليس لأحد أن يقول: لم جعلها اللّه في صلب الحسين دون صلب الحسن؟! لأن اللّه هو الحكيم في أفعاله، لا يسئل عما يفعل وهم يسألون «لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (1)» (2).
وفي نص آخر: عن الطالقاني عن ابن عقدة عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه عن هشام بن سالم قال:
«قلت: للصادق جعفر بن محمد «علیه السلام» الحسن أفضل أم
الحسين؟
فقال: الحسن أفضل من الحسين.
قلت: فكيف صارت الإمامة من بعد الحسين في عقبه دون ولد الحسن؟
فقال : إن اللّه تبارك وتعالى أحب أن يجعل سنة موسى وهارون جارية في الحسن والحسين، ألا ترى أنهما كانا شريكين في النبوة، كما كان الحسن والحسين شريكين في الإمامة؟ وإن اللّه عز وجل جعل النبوة في ولد هارون ولم يجعلها في ولد موسى وإن كان موسى أفضل من هارون
قلت: فهل يكون إمامان في وقت؟
قال: لا إلا أن يكون أحدهما صامتا مأموما لصاحبه، والآخر ناطقا إماما لصاحبه وأما أن يكونا إمامين ناطقين في وقت واحد فلا.
قلت: فهل تكون الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين «عليهما السلام»؟
قال: لا إنما هي جارية في عقب الحسين «علیه السلام» كما قال اللّه عز وجل: «وَجَعَلَهَا كَلِمَة بَاقِيَة فِي عَقِبهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» (1)ثم هي
1) الآية 28 من سورة الزخرف.
جارية في الأعقاب وأعقاب الأعقاب إلى يوم القيامة» (1). ثانياً: إن ذلك لا يمنع من أن يكون جعل الأئمة من ذريته مرهونا بقيام أبيه وأخيه «علیهما السلام»، وأمه أيضاً، وغيرهم «صلوات اللّه وسلامه عليهم» بواجبهم في حفظه ونصره، وعدم تعريضه للأخطار التي تهدد حياته، ولاسيما في مثل حروب الجمل، وصفين والنهروان وفي أي حروب وأخطار أخرى قد تفرض نفسها عليه وعليهم، كحروب الخوارج في زمن معاوية، أو غير ذلك..
ومرهونا أيضاً بسعي الحسين «علیه السلام» نفسه لتهيئة ظروف حفظ ذريته في الإمام السجاد والباقر «علیهما السلام» في كربلاء من أن يتعرضا لأي مكروه من جيش يزيد، ثم أن تقوم السيدة زينب بالعمل بوصية الإمام الحسين «علیه السلام» لها يوم عاشوراء، بأن تحفظ له العيال والأطفال بعد قتله.
فخشية الإمام علي «علیه السلام» على ولده في صفين لعلها تدخل في هذا السياق، كما هو ظاهر.
يلاحظ: أن عليا «علیه السلام» لما جعل يقول : أواه، ما لي ولآل
1) بحار الأنوار ج 25 ص 249 - 250 عن كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص 417.
أبي سفيان، التفت إلى الحسين «علیه السلام» وقال: اصبر أبا عبد اللّه، فلقد لقي أبوك منهم، مثل الذي تلقى من بعدي.
فقد تضمنت كلمته «علیه السلام» هذه أموراً، حيث يلاحظ:
أولاً: إن الحسين «علیه السلام» كان حاضراً وناظرا لما يجري، وقد خاطبه أبوه «علیه السلام» بتلك الكلمات المؤثرة.. ولكننا لم نسمع جواباً من الإمام الحسين «علیه السلام» لأبيه. ولعل سبب سكوته «علیه السلام»: أن المطلوب هو استكمال علي «علیه السلام» الإخبار الغيبي، في سياقه التطبيقي الحسي، بعيداً عن خلطه بغيره مما هو من قبيل التحليل النظري، أو تسجيل الموقف، أو فسح المجال للتوهج العاطفي، وغير ذلك.
لأن الإخبار التطبيقي الحسي من شأنه أن يحول الحدث الغيبي من كونه مفهوماً ذهنيا ليجعله حركة حية، وواقعاً معاشاً، تحتضنه الذاكرة، وتحنو عليه المشاعر.
ثانياً: إنه «علیه السلام» لم يوجه للإمام الحسين «علیه السلام» سؤالاً يتوقع أو يطلب منه جوابه.. كما أنه لم يوجه إليه كلاماً يحتاج إلى تتميم، أو يتطلب التعبير عن موقف تجاهه، بل طلب من الإمام الحسين «علیه السلام» الصبر على ما يلقى من آل أبي سفيان.
وهو كلام كما يمكن التعليق عليه بأنواع من الكلام، كذلك يمكن اعتباره كنصيحة من أب مشفق عطوف، يريد الخير لولده، فلا بد من بذل الجهد في امتثالها حرفياً، وبدون أي تردد، أو انتقاص..
وهذا الموقف الأخير هو الأحرى بالإمام الحسين «علیه السلام» الذي يبحث عن الخير والحق ليطبع حياته، وليكون نهجه، وخلقه، ولینال به رضی،ربه ورضا والديه، ويدخل السرور على قلب كل محب له.
ثالثاً : إنه «علیه السلام» قد ضمن كلامه إخبار الإمام الحسين «علیه السلام» بطبيعة المآسي والآلام التي سوف يواجهها من آل أبي سفيان، وهو إخبار على شكل إعطاء النظير والمثيل، فقد قال له: «فلقد لقي أبوك منهم مثل الذي تلقى من بعدي».
ولعلك تقول : إن هذه الفقرة لا تدل على ذلك، أو فقل: إن الواقع في عاشوراء شيء وما جرى لعلي «علیه السلام» شيء آخر، فيبدو: أنه «علیه السلام» بكلمته هذه يريد أن يخبر الحسين «علیه السلام» عن أحداث أخرى غير ما جرى وما سيجري عليه يوم عاشوراء.. حيث لم يجر على على «علیه السلام» ما يشبه ما جرى في عاشوراء.
فهو إذن يتحدث عن أمور ليس فيها ذبح أطفال، وقطع رؤوس، وسبي نساء و.. و.. الخ..
ونجيب:
بأنه «علیه السلام» إنما يصف لولده ما يجري عليه بعناوينه العامة، التي من شأنها أن تبين له النظائر التي تحمل معها المعنى
الأعمق.
فكأنه يقول له :مثلاً: إن بني سفيان سيسعون لذبحك وذبح كل ناصر ومحب لك، والبطش بكل صغير وكبير، وطفل وشيخ، وعالم وجاهل وغني وفقير، وامرأة ورجل، وإيصال الأذى إليهم. كما سعوا لذبح أبيك وإيصال الأذى إلىه في عهد الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، وعبر التآمر على حياته وحياة محبيه في عهود تلت عهد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
ثم سعوا إلى تحقيق هذا الهدف في حرب الجمل، ثم في صفين، ثم ما سيشهده الناس من محاولات لقتل كل من يتشيع لهم ويحبهم من قبل معاوية وآل أبي سفيان في عهد معاوية، إلى أن ينتهي الأمر إلى ما جرى بعد ذلك في عاشوراء، وما لحقها من سياسات أكلت الأخضر واليابس.
ويتابع «علیه السلام» كلامه مع ابن عباس، ويذكر له الرؤيا التي رآها عن النهر الذي يجري بالدم العبيط، وقد غرق فيه ابنه الحسين، وهو يستغيث ولا يغاث وعن الرجال البيض الذين نزلوا من السماء، ثم تقدموا إليه، فعزوه، وقالوا:
«أبشر يا أبا الحسن ! فقد أقر اللّه عينك بابنك الحسين «عليه السلام» غداً يوم يقوم الناس لرب العالمين».
وقد ذكر «علیه السلام»: أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أخبره
بأنه سيرى هذه الرؤيا بعينها في خروجه لقتال أهل البغي عليه.
ونقول:
أولاً: إن الرجال البيض الذين نزلوا من السماء قد اعتبروا ما يجري على الحسين «علیه السلام» من غرقه بالدم من موارد البشارة التي توجب الشعور بالرضى والاعتزاز ولكنهم اعتبروها بشارة أخروية وحسب..
ومن المعلوم أن رؤيا الإمام والنبي «صلوات اللّه عليهما وآلهما» تأتي كفلق الصبح في وضوحها وفي صحتها وواقعيتها، وهي صادقة دائما، وليست أضغاث أحلام.
ثانياً: إن ما جرى في عاشوراء فيه أذايا، وآلام، ومرارات، وقتل، وذبح أحبة، وقطع أيدي وأرجل، وسبي نساء وأطفال، وعدوان وظلم هائل وجوع وعطش، واضطهاد، وما إلى ذلك.
ولكن ذلك كله يكون في الآخرة تاج كرامة، ورضا الهي، وزلفى وقربي، وقرة عين للنبي «صلی اللّه علیه وآله»، ولفاطمة وعلي «عليهما السلام».
وتقدم أن عليا «علیه السلام» أمر ابن عباس بأن يبحث له عن صيران الظباء، فبحث عنها فوجدها، فقال علي «علیه السلام»: «اللّه أكبر ! صدق اللّه ورسوله». ثم قام «علیه السلام» يهرول نحوها.
ثم أخذ قبضة من بعرها فشمها، فإذا لها لون كلون الزعفران، ورائحة كرائحة المسك الخ.. ثم ذكر «علیه السلام» مرور عيسى «عليه السلام» أيضا بكربلاء، ومعه الحواريون، فشم هذه البعرات، ثم ذكر «علیه السلام» للحواريين أن الحسين «علیه السلام» فرخ الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، وفرخ ابنته الزهراء «عليها السلام» سيقتل في هذا الموضع.
وذكر على «علیه السلام» أن البعرات اصفرت لطول الزمان عليها، لأنها هي نفسها التي كانت في زمن عيسى «علیه السلام».
ثم أخذ علي «علیه السلام» - بعد أن بكى حتى غشي عليه - قبضة من تلك البعرات فصيرها في ثوبه، وقال لابن عباس: «إذا رأيتها من بعدي، وهي تسيل دما عبيطاً، فاعلم أن أبا عبد اللّه قد قتل».
ونقول:
لاحظ ما يلي:
1 - الصوار: القطيع من بقر الوحش العدد أصورة، ويجمع على صيران (1).
2 - إن هذا الحديث يدل على بقاء عبد اللّه بن عباس حياً إلى ما
1) العين للفراهيدي ج 7 ص 150.
بعد استشهاد الإمام الحسين «علیه السلام»، وهو أكبر من الحسين «علیه السلام» سناً ما بين أربع إلى سبع سنوات.. وهذا الإخبار أيضاً من دلائل إمامة أمير المؤمنين «علیه السلام».
3 - إنه «علیه السلام» يثق بأن ابن عباس يحفظ أمانته، ولا يفرط بها، وكان ابن عباس صحيح الاعتقاد بإمامة علي «عليه السلام».
4 - إن هذه القضية تشبه حدث القارورة التي أودعها النبي «صلی اللّه علیه وآله» عند أم سلمة.
ه - إنه «علیه السلام» لو سعى هو لطلب صيران الظباء - أي جماعاتها، ووجدها وأخذ من بعرها، فلربما شكك بعض أهل الباطل، بأن هذا من اختراعاته «علیه السلام»، فإنه بمجرد أن رأى الظباء خطر له أن يقوم بما قام به تمويها على الناس.
أما إذا كان «علیه السلام» مع الناس، ولم يفارقهم، وقد رأى إلى تلك اللحظة ما رأوا فقط، ثم أرسل ابن عباس ليبحث عن صيران. أي قطعان - الظباء التي لا مجال للاطمينان لبقائها في مكان بعينه، فإن اهتداء ابن عباس إلى موضعها، لا يبقي مجالاً للطعن في صحة ما يخبر به «علیه السلام»
3 - ويؤكد هذا المعنى، وأنه مستند إلى الوحي: وجود هذه البعرات التي اصفرت بسبب تقادم العهد.. وهذا يؤكد أيضاً صحة ما أخبر به عن عيسى «علیه السلام».
4 - كما أن كون رائحة تلك البعرات كرائحة المسك.. وهي لا تكون كذلك في الظروف العادية، لا بد أن يرسخ اليقين أكثر فأكثر بصحة ما يخبر به «علیه السلام».
5 - والأمر الأهم، والأصرح والأوضح دلالة: إخباره «عليه السلام» عن أن هذه البعرات سوف تسيل دماً عبيطاً حين استشهاد الإمام الحسين «علیه السلام» الذي سوف يأتي بعد حوالي ربع قرن من الزمن.
قال ابن أعثم: «عبَّى علي بن أبي طالب «علیه السلام» أصحابه، فكان على خيل ميمنته الحسن والحسين، سبطا النبي «صلى اللّه عليه وآله»..» (1).
ونقول:
1 - إن جعل الحسنين «علیهما السلام» على خيل الميمنة، أو على الميمنة والميسرة معناه : أنه لم يؤمر عليهما أحداً، وهذا المتوقع بالنسبة لمن جعلهما اللّه ورسوله إمامين حيث لا ينبغي أن يؤمر أحد على النبي والإمام.
2 - إن جعل الحسنين «علیهما السلام» في هذا الموقع الحساس يجعلهما في معرض الخطر، ويثير الرغبة لدى فرسان الأعداء في أن
1) الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 31 و 32 و (ط دار الأضواء) ج 3 ص 24 وبحار الأنوار ج 2 ص 573 ومناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 2 ص 352 و مستدركات علم رجال الحديث للشيخ النمازي الشاهرودي ج 8 ص 134.
يقصدوهما بالسوء.. ولاسيما إذا كان الذي يدير معركة الأعداء هو عمرو بن العاص، ومعاوية، ومروان، وأضرابهم من الحاقدين، الساعين في طمس دين اللّه.
3 - إن قدرتهما «علیهما السلام» على الخروج سالمين من أتون هذه المعركة يدلل على أن لديهما مهارات قتالية عالية، لا يمكن تجاهلها.
روى المنقري عن عمر بن سعد، عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب قال: مرّ علي «علیه السلام» يومئذ ومعه بنوه [الحسن والحسين ومحمد] نحو الميسرة، ومعه ربيعة وحدها، وإني لأرى النبل بين عاتقه ومنكبيه - وما من بنيه أحد إلا يقيه بنفسه.
فكان كل ولد منهم يتقدم على أبيه، ليحول بين أبيه وبين أهل الشام، لكي لا يروه، أو لكي يقع نبلهم فيه هو دون أبيه.
فكان علي «علیه السلام» إذا فعل ولده ذلك أخذ بيده، وجره إلى الخلف، ورده عن هذا الفعل..
فهذا كان حال أبنائه، وحاله مع أبنائه.. فيكره علي «علیه السلام» ذلك، فيتقدم عليه، فيحول بينه وبين أهل الشام، ويأخذ بيده إذا فعل ذلك - فيلقيه بين يديه، أو من ورائه (غير مكترث به).
فبصر به أحمر - مولى أبي سفيان، أو عثمان، أو بعض بني أمية - فقال علي «علیه السلام»: ورب الكعبة، قتلني اللّه إن لم أقتلك، أو
تقتلني!
فأقبل نحوه، فخرج إليه كيسان مولى علي «علیه السلام»، فاختلفا ضربتين، فقتله مولى بني أمية، وخالط عليا «علیه السلام» ليضربه بالسيف، فانتهزه علي «علیه السلام» فتقع يده في جيب درعه، فجذبه ثم حمله على عاتقه، فكأني أنظر إلى رجليه تختلفان على عنق علي «علیه السلام»، ثم ضرب به الأرض فكسر منكبه وعضده.
وشد ابنا علي «علیه السلام» عليه الحسين ومحمد، فضرباه بأسيافهما [حتى برد].
فكأني أنظر إلى علي «علیه السلام» قائماً وشبلاه يضربان الرجل، حتى إذا أتيا عليه أقبلا إلى أبيهما، والحسن معه قائم، قال: يا بني، ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك؟!
قال: كفياني يا أمير المؤمنين (1).
ونقول:
دل هذا النص على أمور، منها ما يلي:
1) صفين للمنقري ص 249 وبحار الأنوار ج 32 ص 469 ونهج السعادة ج 2 ص 203 و 204 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 5 ص 198 والدرجات الرفيعة ص 421 و 422 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 18 - 21 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 12 و 13 والكامل في التاريخ ج 3 ص 298 و 299.
1 - إنه «علیه السلام» كان بصدد تفقد الوحدات المختلفة، ليرى العمل فيها. إذ لا يكفي تحديد الوظائف والواجبات للأمراء والقادة، ثم ترك الأمور إليهم، وإلى همة الناس معهم، ومدى شعورهم بالمسؤولية، فإن هذا من موجبات وهن العمل والفشل، والخيبة.
وحين يذهب «علیه السلام» لتفقد الوحدات، فإنه لم يكن «علیه السلام» ليختار طريقاً منعزلاً يمكنه أن يتستر فيه عن عدوه، لأن هذا التصرف من مظاهر الخوف الذي يُطْمِع العدو، ويوهن عزم الولي. بل هو يختار الطريق الذي يراه عدوه بوضوح، ويمطره بوابل نبله ولا يهتز، ولا يعجل، ولا يتلكاً.
2 - إنه كان يصطحب أولاده الثلاثة في تنقلاته تلك، ولعله لكي يراهم العدو والصديق، ويعرف الناس أنهم في متن المعركة، ولم يكونوا في أمكنة يتقون فيها السلاح.. بل هم يراقبون مع أبيهم مسارها. ويعرفون كل ما يجري فيها.
3 - إن النبل الذي كان ينصب على أمير المؤمنين «صلى اللّه عليه وآله»، وهو في طريقه إلى ميسرة جيشه كان يستقر على عاتقه ومنكبيه «علیه السلام».
وكان أولاده الثلاثة يجهدون في أن يكونوا هم الهدف لهذه النبال دونه. فكان «علیه السلام» يكره ذلك منهم، ويحب أن يناله النبل، ولا يدفع عنه أحد، أي أنه كان ثمة شعور متبادل، فهو يكره من أولاده هذا التصدي الخطير لنبل العدو ويؤثر أن يصيبه دونهم.
وكان أولاده يؤثرون أن يصيبهم النبل دونه، ويفدونه بأنفسهم.
4 - إنه «علیه السلام» كان يتقدم على ولده ليصبح هو الحائل بينه وبين أهل الشام ؛ لكي يكون هو المستهدف بنبالهم.
5 - ثم كان «علیه السلام» يعمد إلى تلك النبال التي انحطت عليه، فيأخذها بيده ويلقى بها بين يديه، أو من وراء ظهره. وهي حركة تدل على عدم الاكتراث بذلك النبل، وكأنه مجرد حطب، يُلقى به في أي اتجاه كان على سبيل الاستخفاف به، وبمن رماه.
6 - ثم ذكر النص المتقدم كيف أخذ علي «علیه السلام» أحمر مولى بني أمية، وضرب به الأرض حتى كسر منكبه وعضده..
ثم تولى الحسين «علیه السلام» وأخوه محمد الإجهاز على ذلك الشرير. وبقي الإمام الحسن مع أبيه يراقب ما يجري، من دون مشاركة فعلية لأخويه في قتل ذلك الرجل...
فسأل علي «علیه السلام» ولده الإمام الحسن عن سبب عدم مشاركته لأخويه، فقال له: كفياني يا أمير المؤمنين.
ولعل عليا «علیه السلام» أراد بسؤاله هذا: أن يبطل ترهات أهل الباطل، حيث قد يزعمون أن للإمام الحسن «علیه السلام» سياسة تخالف سياسة أبيه، وأنه كان يرى الصلح مع معاوية هو الأصح، أو أنه كان يرى عثمان مظلوماً، أو ما إلى ذلك من مزاعم..
أما الحسين «علیه السلام»، فهو رجل جريء لا يهتم لسفك الدماء. ولذا بادر إلى قتل أحمر.
وكلمة «كفياني» قد دلت على أن الحسن «علیه السلام» كان يرى أن عليه أن يبادر أيضاً إلى قتل ذلك الرجل، فلما أنجز أخواه المهمة سقط التكليف عنه.
ويبدو لنا: أن الإمام الحسن «علیه السلام» كان في تلك اللحظة يحاول أن يقي أباه بنفسه، فلم يكن يرى أنه يحق له إشغال نفسه بغير ذلك، لكي لا ينتهز العدو الفرصة، ويناله بسوء.
7 - وقد يتوهم متوهم: أن ما كان يفعله الحسنان «علیهما السلام» لم يكن يرضي أباهما، ولذا كان «علیه السلام» يأخذ بأيديهما، ويجعلهما خلفه ليكون «علیه السلام» هو المواجه لأهل الشام دونهم.
وهذا توهم باطل، فإن تكليف ابنيه هو أن يحفظا أباهما الإمام المعصوم من نبل الأعداء، لعلمهما بأن حفظه واجب كحفظ رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
كما أن عملهما هذا تعليم للناس لما يجب عليهم تجاه الإمام «عليه السلام».
أما تكليفه هو «علیه السلام»، فهو أن يكره ذلك منهما، ويؤثر ما عند اللّه على هذه الحياة أولاً، ولأنه أيضاً يجب عليه حفظ الحسنين، لأنهما وديعة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» عنده.. لأن حفظهما مقدمة لحفظ الإمامة في ذريتهما.
ذكر العياشي وغيره: أن عليا «علیه السلام» قد نهى في صفين
العباس بن ربيعة والحسن والحسين «علیهما السلام»، وعبد اللّه بن جعفر أن لا يخلوا بمركز، أو يباشروا حدثا (1).
ونقول:
قد يتوهم متوهم: أن هذا الأمر يدل على إمكانية حدوث الإخلال بالمراكز من قبل الحسنين «علیهما السلام» أيضاً، وهذا ينافي صفة العصمة لهما، إذا كان هذا الإخلال يؤدي إلى إفساد الخطة، وإلحاق الضرر.
وإن لم يؤد إلى ذلك، فإن نفس أن يباشر الإنسان حدثا لم يؤذن له فيه من قبل من يعتبر أذنه، وهو أمير المؤمنين «علیه السلام»، يعد مخالفة لا تصدر عن المعصوم
ويجاب:
أولاً: إن النهي المتوجه لمجموعة من أشخاص عن فعل شيء
1) الفتوح لابن أعثم (ط الهند) ج 3 ص 235 - 243 و (ط دار الأضواء) ج 3 ص 141 - 145 وراجع بحار الأنوار ج 32 ص 600 و 59 وتفسير العياشي ج 2 ص 79 - 80 والبرهان للبحراني ج 2 ص 108 وكشف الغمة ج 1 ص 450 و 451 ومطالب السؤول ص 124 و (ط أخرى) ص164 الفصل رقم 8 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 5 ص 219 عن عيون الأخبار لابن قتيبة ج 1 ص 179 - 181 ومروج الذهب ج3 ص18 - 20 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 18 ص 119 و 120.
بعينه لا يعني أن الجميع سوف يقعون فى المخالفة، إذ قد يكون الخطاب للجميع، والمقصود واحد، ولكن لا مصلحة في تعيينه.
فيكون النهي على قاعدة : «إياك أعني واسمعي يا جارة»، ويكون اليقين بعصمة الحسنين «علیهما السلام»، من خلال آية التطهير وغيرها هو الشاهد على أنهما غير معنيين بالنهي، وإنما وجه الخطاب للجميع لمصالح اقتضت ذلك، بل قد تقتضي التشديد في النهى أيضاً.
ويمكن أن نذكر نظائر لهذا في قوله تعالى لنبيه الأعظم «صلی اللّه علیه وآله»: «لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ»(1). وقوله تعالى لنبيه أيضاً : «وَلَوْ تَقوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل * لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لقطعْنَا مِنْهُ الْوَتِين» (2).
مع أن النبي المعصوم لا يمكن أن يشرك، ولا يمكن أن يتقول على اللّه تعالى.
ثانياً: لعل من جملة فوائد تعميم النهي للحسنين: أن لا يشعر العباس بن ربيعة، وعبد اللّه بن جعفر بأنهما متهمان، ويساء الظن بهما.
ثالثاً: إن عليا «علیه السلام» حين يتعامل مع الناس في الشأن العام لا يستثني الإمام المعصوم، بأن يجعل له أحكاما تميزه عن غیره، بل يصدر أوامره وأحكامه على نسق واحد. لأن الناس يفهمون ذلك على أنه عصبية، وتمييز لأبنائه بلا مبرر. كما أنه «عليه السلام هو نفسه لا يتعامل مع الناس بما هو معصوم عن الخطأ والسهو والنسيان، بل بما هو مطالب بإنجاز واجب، لا يتوانى عنه، ولا يسوف فيه.
وقال المنقري : وبعث عبيد اللّه بن عمر إلى الحسن [الحسين] بن علي «علیهم السلام» فقال: إن لي إليك حاجة فالقني.
فلقيه الحسن [الحسين] «علیهما السلام» فقال له عبيد اللّه: إن أباك قد وتر قريشا أولاً وآخراً، وقد شنئوه وذكروا أنه هو الذي قتل عثمان، فهل لك أن تخلفه [تخلعه وتحالف غيره] ونوليك هذا الأمر؟!
قال: كلا واللّه لا يكون ذلك.
ثم قال له الحسن [الحسين] لكأني أنظر إليك مقتولا في يومك، أو غدك.
أما إن الشيطان قد زين لك وخدعك حتى أخرجك مخلقاً بالخلوق، ثري نساء أهل الشام موقفك، وسيصرعك اللّه، ويبطحك لوجهك قتيلاً.
قال: فو اللّه ما كان إلا كيومه أو كالغد، وكان القتال (1).
وعند ابن أعثم:
أن الإمام الحسين «علیه السلام» قال لعبيد اللّه: كلا واللّه لا أكفر باللّه وبرسوله وبوصي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
إخس ويلك من شيطان مارد! فلقد زين لك الشيطان سوء عملك، فخدعك حتى أخرجك من دينك باتباع القاسطين، ونصرة هذا المارق من الدين، لم يزل هو وأبوه حربين وعدوين اللّه، ولرسوله، وللمؤمنين، فواللّه ما أسلما ولكنهما استسلما خوفا وطمعاً !
فأنت اليوم تقاتل عن غير متذمم، ثم تخرج إلى الحرب متخلقا، لترائي بذلك نساء أهل الشام، ارتع قليلا فإني أرجو أن يقتلك اللّه عز وجل سريعاً.
قال: فضحك عبيد اللّه بن عمر، ثم رجع إلى معاوية، فقال: إني أردت خديعة الحسين وقلت له كذا وكذا، فلم أطمع في خديعته. فقال معاوية : إن الحسين بن علي لا يخدع وهو ابن أبيه (2).
ونقول:
هنا أمور عديدة تحتاج إلى بيان وهي التالية:
أولاً: إن الرواية المتقدمة كما نسبت إلى الحسين «علیه السلام» وعبيد اللّه بن عمر، كما في الفتوح لابن أعثم، فقد نسبت إلى الإمام الحسن «علیه السلام»، وعبيد اللّه بن عمر، كما في صفين للمنقري.
ثانياً : إن هذا العرض من عبيد اللّه بن عمر غريب وعجيب، فإن هذا الرجل لم يكن غبياً، ولا جاهلاً بما قاله وفعله رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» تجاه أمير المؤمنين «علیه السلام»، والتأكيد على إمامته، وخلافته بعده. وما له من مقام عند اللّه ورسوله.
كما أنه لم يكن ليخفى عليه مقام الحسن والحسين «عليهما السلام» عند اللّه ورسوله، وطبيعة تفكيرهما، وعلاقتهما بأبيهما، ونهجهما، وسلوكهما، ومدى التزامهما بنهج أبيهما، وشدتهما في إنجاح أطروحته، ومحاربة عدوه.
ثالثاً لنفترض: أن الحسين «علیه السلام» قد قبل بتغيير فكره، ونهجه، فكيف يمكن أن يصل إلى الغاية التي حددها له ابن عمر، وهل يمكنه أن يثق بأن يفي له معاوية، حتى لو أعطاه ألف عهد وعهد.
كما أن السؤال الذي يحتاج إلى جواب هو ما هو الموقع الذي سيحتفظ به معاوية لنفسه في ظل خلافة الحسين «علیه السلام».
وهذا يفسر لنا السبب في أن الحسين «علیه السلام» قال لعبيد اللّه
بن عمر «كلا واللّه لا يكون ذلك». ولم يقل له: كلا واللّه لا أفعل ذلك.
رابعاً: إن الحسين «علیه السلام» حتى لو بويع بالخلافة، فإنه سيكون بمثابة الأسير الضعيف الذي لا حامي له، ولا معين...
ولا يمكن أن يضمن «علیه السلام» أن تصفو له القلوب الحاقدة على أبيه...
خامساً: وهل إذا خلع الإمام الحسين أباه من الخلافة سوف يوجب زوال صفة الخلافة عن أبيه مع أن خلافته ثابته بالبيعة العامة لأهل الحل والعقد، بل هي ثابتة بنص رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كما عرفنا؟! وهل سوف يتفرق عن أبيه جنده بمجرد خلع الحسين له؟ وما الذي يدعوهم إلى التفرق عن أبيه؟! ولماذا لا تكون كلمة أبيه فيهم أشد نفوذا وأعظم أثرا ؟!
ولعل ابن عمر كان يحسب أن الإمام الحسين «علیه السلام» كان على شاكلته، في حبه للدنيا، إلى حد أنه على استعداد لأن يخون اللّه ورسوله، ويخون أباه من أجل الحصول عليها.
وقد قال ابن عمر للإمام الحسين «علیه السلام»: إن قريشاً لا تحب عليا «علیه السلام»، لأنه وترها أولاً وآخراً، ولكنه لم يقل لنا: كيف يكون قد وتر قريشاً،والحال أن قريشاً هي التي كانت تقصد المدينة من مسافة حوالي أربع مئة كيلومتر لكي تحارب الإسلام، وتقتل محمداً وعليا، وتستأصل من معهما.. وإنما كان علي يدافع عن
دينه ويذب عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ويدافع عن نفسه، وعن كل من يلوذ به.
وهذا أمر يوجبه العقل والشرع، وتقضي به الفطرة والوجدان. فكان «علیه السلام» يطيع اللّه في كل ما يقوم به.
هذا بالنسبة لقول ابن عمر: إن عليا وتر قريشاً أولاً، وأما أنه وترها آخراً، فنحن لم نفهم كيف وتر علي «علیه السلام» قريشاً آخراً، فإن الحقيقة هي أن قريشاً هي التي وترته آخرا، حين هجمت على بيته، وجمعت الحطب، وباشرت إحراقه بمن فيه، وفيه: الزهراء، وبعلها وبنوها.. ثم ضربوا زوجته، وأسقطوا جنينها، فكيف يكون علي «علیه السلام» قد وتر قريشاً آخراً، إن ذلك غير مفهوم.
وها هي قريش لا تزال تواصل بغيها عليه، وتشن عليه الحروب، وتقتل عشرات الألوف في الجمل، وصفين.
وقد اعتبر الإمام الحسين «علیه السلام» أن خلعه لأبيه كفر باللّه ورسوله، وبوصي رسوله، ولعل السبب في ذلك:
أولاً أن آية الولاية قد حكمت بكفر منكرها، فقد قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَعْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رِسَالَتَهُ
وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» (1).
فإن الكفر بالوصي سيؤدي إلى أن لا يتمكن من إبلاغ الدين للأجيال اللاحقة، وموته في مهده. كما أن جميع أحكام وشرائع الدين وحقائقه، وكل ما جاء فيه يبقى ناقصاً، وليس هو الذي يريده اللّه دينا لعباده.
ثانياً: أن أمر الخلافة والإمامة ليس بيد معاوية، ولا بيد ابن عمر، بل ولا بيدالإمام الحسين «علیه السلام»، وإنما هو بيد اللّه سبحانه، ولم يكن الإمام الحسين لينقض ما قرره اللّه ورسوله، ويجعل نفسه مشرعاً مكانهما.. فإن جعل الإنسان لنفسه ما هو اللّه سبحانه كفر باللّه ورسوله، ووصيه كما هو ظاهر.
وكذلك الحال لو أن الإمام الحسين «علیه السلام» جعل لمعاوية الحق في جعل الخليفة، فإنه أيضاً عدوان على اللّه سبحانه، وعلى رسول اللّه، وعلى وصيه..
ثم إن الإمام الحسين «علیه السلام» لم يمهل ابن عمر، بل بادر إلى إخباره بأمور غيبية ترتبط به شخصيا، فأخبره
أولاً: بأنه مقتول اليوم، أو غداً، وابن عمر، وبنو أمية وسائر
1) الآية 67 من سورة المائدة.
الناس قد لمسوا من الوقائع المختلفة التي مرت بهم أن كل ما أخبرهم أهل البيت «علیهم السلام» بوقوعه قد وقع بالفعل، ولا يستطيع ابن عمر، ولا غيره أن يستثنوا هذا الخبر منها.
ثانياً: أخبره «علیه السلام» بأمر لا يمكن أن يطلع عليه غيره، ولا يمكنه أن يكذب على نفسه فيه، لأنه مما توسوس له به نفسه، وتنطوي عليه،جوانحه وهو: أن اندفاعه إلى القتال إنما هو لأجل التباهي أمام نساء أهل الشام.
ومعنى ذلك : أن ابن عمر إذا عاد إلى نفسه، وأدرك صحة هذا الخبر الغيبي، فإنه سيكون دليلا له على صدق الخبر الآخر الذي تحدث عن أنه سوف يقتل في هذا اليوم، أو في الغد. وكان يفترض في هذين الخبرين: أن يدخلا ابن عمر في فكر عميق، وأن نراه مهموماً مغموماً، حائراً، مرتبكاً.
ولكننا رأيناه على خلاف ذلك حتى استطاع معاوية أن يخدعه ويرميه في المهالك، لأنه كان يريد له أن يقتل ليشنع به على علي أمير المؤمنين «علیه السلام»، وأنه قتل ابن الخليفة عمر المحبوب عند العرب.
ولكن قتل عبيد اللّه بن عمر مرَّ كما يمر الهواء السارح.. وكان علي «علیه السلام» قد توعد هذا الرجل بالقتل قصاصاً بالهرمزان وغيره ممن قتلهم ظلماً وعدوانا، فكان أن أراحه اللّه تعالى منه بأن قتل في الحرب، ولم ينتطح فيه عنزان.
ثالثاً: لعل من أسباب مبادرته «علیه السلام» إلى إخبار ابن عمر بهذا الخبر أو ذاك، هو أن يعرف الناس ان ابن عمر لم يكن يؤمن بما يخبر به الصادقون عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، عن اللّه سبحانه وتعالى، كما أنه «علیه السلام» يريد لابن عمر وغيره أن يعرفوا: أن الحسين «علیه السلام» لا يحتاج إلى دلالات ابن عمر وهداياته، لأنه «علیه السلام» مطلع على الغيوب حتى بتفاصيلها، وحتى ما يرتبط منها بابن عمر نفسه، فإذا كانت معارف ابن عمر ظنونا وحدسياتٍ، فمعارف الحسين «علیه السلام» حقائق لا ريب فيها.
كما أن ابن عمر الذي لا يعرف أنه قد بقي من عمره سويعات كيف يعد غيره بالخلافة وسواها ؟!
وفي النص الذي نقلناه عن ابن أعثم: أن الحسين «علیه السلام» قال عن معاوية: «لم يزل هو وأبوه حربين وعدوين اللّه، ولرسوله، وللمؤمنين، فواللّه ما أسلما، ولكنهما استسلما، خوفا وطمعاً !».
فإثبات اللام في قوله: «لرسوله» وفي «للمؤمنين» وعدم حذفها اكتفاءاً بورودها في المعطوف عليه، وهو لفظ الجلالة «اللّه»، إنما هو لدفع توهم أن حذفها من الكلمتين التاليتين للفظ الجلالة إنما كان لأجل أن المجموع سبب واحد للحكم بالمروق من الدين، فلو حارب معاوية واحداً منها، كما لو حارب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فقط، أو
الوصي فقط لم يكن مارقاً من الدين، وإن كان قد ارتكب ذنباً عظيماً.
فأدخل اللام على كل كلمة من هذه الثلاثة، ليعرفنا أن حربه لكل واحدة منها يوجب الخروج من الدين، ولو لم ينضم إليه الأمران الآخران. وهذا ظاهر.
وقد سجل معاوية اعترافاً صريحاً ومزدوجا للحسين ولأبيه «عليهما السلام» بأنهما لا يخدعان. فإذا كان هناك من مغرور بمعاوية وسياساته، فعليه أن يعترف بما اعترف به معاوية لأمير المؤمنين وأبنائه.. وهي شهادة من عدو ظالم، والفضل ما شهدت به الأعداء.
كما أن اعتراف معاوية لعلي «علیه السلام» لم يكن قربة إلى اللّه تعالى، بل لأن عدم الاعتراف سوف يلحق ضرراً بسمعته أمام أهل الشام، فتدارك هذا الأمر بتسجيل هذا الاعتراف.
وقد قال علي «علیه السلام»: «واللّه ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يمكر [يغدر] ويفجر. ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس. ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة.
واللّه ما أستغفل بالمكيدة، ولا أستغمز بالشديدة» (1).
روى العباس بن بكار، قال: حدثنا أبو بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان يوم من أيام صفين دعا علي «علیه السلام» ابنه محمداً ابن الحنفية، فقال له: شد على الميمنة.
فحمل محمد مع أصحابه، فكشف ميمنة عسكر معاوية. ثم رجع وقد جرح، فقال: العطش العطش، فقام إليه أبوه «علیه السلام» فسقاه جرعة من الماء، ثم صب الماء بين درعه وجلده، فرأيت علق الدم يخرج من حلق الدرع.
ثم أمهله ساعة، ثم قال: يا بني، شد في الميسرة.
فحمل مع أصحابه على ميسرة معاوية، فكشفهم، ثم رجع وبه جراحة، وهو يقول : الماء الماء، فقام إليه، ففعل مثل الأول.
ثم قال: شد على القلب، فشد عليهم فكشفهم، ثم رجع وقد أثقلته
1) راجع : نهج البلاغة بشرح عبده ج 2 ص 180 وبحار الأنوار ج33 ص 197 وج 40 ص 193 و ج 72 ص 291 و الكافي ج 2 ص 336 و 338 وشجرة طوبى ج 2 ص 294 والغدير ج 10 ص 172 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 394 وج 7 ص 540 والمعيار والموازنة ص 166 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 10 ص 211 وينابيع المودة لذوي القربى ج 1 ص 454.
الجراحات وهو يبكي.
فقام إليه أبوه «علیه السلام» فقبل ما بين عينيه، وقال: سررتني فداك أبوك، لقد سررتني - واللّه - يا بني بجهادك بين يدي، فما يبكيك؟! أفرح؟! أم جزع؟!
فقال : كيف لا أبكي وقد عرضتني للموت ثلاث مرات فسلمني اللّه تعالى، وكلما رجعت إليك لتمهلني عن الحرب فما أمهلتني، وهذان أخواي الحسن والحسين «علیهما السلام» ما تأمر هما بشي؟!
فقبل «علیه السلام» رأسه وقال: يا بني، أنت ابني، وهذان ابنا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أفلا أصونهما عن القتل؟!
قال: بلى يا أبتاه، جعلني اللّه فداك وفداهما (1).
ونقول:
إن هذه الرواية، وإن دلت على شجاعة عظيمة لمحمد بن الحنفية، وللفريق الذي كان تحت إمرته ودلت أيضاً على طاعة لا حدود لها كانت لدى ابن الحنفية تجاه أبيه.. ولكنها تضمنت أموراً عديدة أخرى لا يمكن قبولها، لأن الدلائل والشواهد تنقضها، وتحتم
1) راجع: ذوب النضار لابن نما ص56 و 57 وبحار الأنوار ج 45 ص348 و 349 وج 42 ص 105 و 106 والعوالم (الإمام الحسين) ص 668 وشجرة طوبى ج 2 ص 321 و 322 ودرر الأخبار لحجازي خسروشاهي ص 296 - 298.
ردها..
فمثلاً: إن هذا النص يدل على:
1 - أن محمداً ابن الحنفية كان يطيع أباه، ولكنه كان يطيعه مكرها، لا مقتنعاً بالمثوبة على هذا الجهاد.
2 - تدل الرواية على أن عليا «علیه السلام» كان يكره أبناءه على أعمال لا يحبون الدخول فيها. فلا يبقى مجال للجزم بأن مشاركة ابناء علي في الجمل وصفين كانت عن قناعة بأن أباهم كان محقا فيها. وهذا وإن لم تصرح به الرواية، لكن نفس أمر على «علیه السلام» ولده على سبيل الحتم والجزم، مع معرفته بأن ولده لا يرى أمامه خياراً سوى طاعته يعد نوعاً من الإكراه.
3 - إن هذا قد يراد به تأييد أن محمد ابن الحنفية كان مخالفاً لأبيه في أمر عثمان، وأنه لم يكن مقتنعاً بما يجري في الجمل وصفين.
4 - في هذه الرواية دلالة على قسوة قلب علي «علیه السلام»، حتى إنه يرى جراحات ولده تنزف، ثم يرسله مرة بعد أخرى إلى ساحة المعركة الطاحنة، ليزيل ميسرة معاوية وميمنته، وقلب جيشه عن أماكنها. والحال أن جيش معاوية كان يعد بعشرات الألوف. فإذا كان هذا حاله مع ولده، فكيف يتعامل مع غيره؟!
5 - إن النص يدل على أن عليا «علیه السلام» لا يتعامل بإنصاف، حتى مع أولاده، ولا يراعي مشاعرهم. فهو يرهق أحدهم بالحرب الضروس، ولا يكلف ولديه الآخرين بشيء يزعج خاطرهما.
6 - تدل الرواية على أن ابن الحنفية رجل ضعيف، ويبكي كما يبكي الأطفال، لمجرد أن أباه ميز أخويه عليه.
7 - إن ابن الحنفية لم يفرح بإنجازه العظيم الذي لا يضاهي حين أزال جيوش عدوه عن مواضعها، بل كان همه معرفة سبب قسوة أبيه عليه دون أخويه.. وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على جهله بمقام أخويه عند اللّه ورسوله أو يدل على عدم إيمانه بكل ما جاء في حقهما في كتاب اللّه، وعلى لسان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
8 - بل تدل هذه الرواية على أن ابن الحنفية كان يحسد أخويه، وكان يريد من أبيه أن يساويه بهما في المعاملة.
9 - ادعى ابن الحنفية : أن أباه أمره مرتين بمعاودة الهجوم، ولم يمهله.. مع أن الرواية نفسها تصرح بأنه أمهله ساعة في المرتين، أعاد إصدار الأمر إليه.
10 - نسب إلى ابن الحنفية قوله: إن أباه يخصه بالأمور الصعبة، ولا يأمر ولديه بشيء منها. وهو كلام مردود، فقد كان الحسن والحسين على خيل الميمنة، وهي مواقع بالغة الخطورة، ولا توكل إلا لمن هم في أعلى درجات الشجاعة، والبصيرة، والمهارة، والشدة في الحرب.
وسيأتى إن شاء اللّه: أن الحسن والحسين «علیهما السلام»، وعبد
اللّه بن جعفر قد جاؤوا أباهم في صفين وسيوفهم مخضبة بالدماء (1).
وذلك يدل على أنهم كانوا يمارسون الحرب، والطعن والضرب، ولم يكونوا متروكين.
11 - واللافت: أن ابن الحنفية يواجه أباه بأسئلته، ولا نرى أباه يدافع عن نفسه بتقديم مبررات صريحة الدلالة على خطأ ولده في توهماته، سوى أنه قال: «يا بني، أنت ابني، وهذان ابنا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أفلا أصونهما عن القتل؟!
قال: بلى، يا أبتاه، جعلني اللّه فداك وفداهما».
ويبدو لنا: أن هذا هو بيت القصيد، وبه تدفع سائر الإشكالات المتقدمة، فقد دلت هذه الكلمة من أمير المؤمنين «علیه السلام» على أنه لا يعمل بهواه، بل هو يراعي تكليفه الشرعي تجاه الحسنين «علیهما السلام»، لأن اللّه تعالى قد أوجب عليه صونهما. فحين يكون هناك واجب كفائي يمكن أن يقوم به غيرهما، مثل محمد ابن الحنفية، فإنه «عليه السلام يصونهما عن الانخراط فيه، ما دام لا عليهما ذلك.
وإن كان هناك تكليف قد توجه إليهما مباشرة في حرب عدوه،
1) الفتوح لابن أعثم (ط دار الأضواء) ج 3 ص 136 وراجع: الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 939.
بحيث لا يجوز ظهور اعتزالهما، أو كراهتهما لتلك الحرب، لأن ذلك يؤدي إلى تخاذل الناس عن الانخراط فيها، فيجب عليهما أن يكونا قادة في الميمنة والميسرة، ليحق اللّه الحق بكلماته، وليخسر هنالك المبطلون.
وقالوا:
قيل لمحمد ابن الحنفية : لم يغرر بك أبوك في الحرب، ولا يغرر بالحسن والحسين؟
فقال : إنهما عيناه وأنا يمينه فهو يدفع عن عينيه بيمينه (1)
وقال «رحمه اللّه» مرة أخرى - حين سئل عن ذلك -: أنا ولده، وهما ولدا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» (2).
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 244 وج 11 ص28 وبحار الأنوار ج 42 ص 99 و 96 و ج 45 ص 348 وشجرة طوبى ج 2 ص 321 والمستجاد من فعلات الأجواد للقاضي التنوخي ص 260 وراجع كشف الغمة ج 2 ص 235 وذوب النضار لابن نما ص 55 والعوالم الإمام الحسين ص 668 وقاموس الرجال ج 9 ص 245 و 246 والدر النظيم ص 438 وشذرات الذهب ج 1 ص 89 وعن الإشراف للسمهودي ص51 وشرح إحقاق الحق ج 19 ص 318 والمحجة البيضاء ج 4 ص 225.
2) بحار الأنوار ج 42 ص 96 عن كشف الغمة ص 183 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص 235.
وقالوا: كان على «علیه السلام» يقذف بمحمد في مهالك الحرب، ويكف حسناً وحسيناً عنها (1).
نستفيد من النصوص المتقدمة ما يلي:
1 - إن هذه الكلمة من محمد ابن الحنفية دلت على أنه «رحمه اللّه» كان على درجة عالية من الوعي، وعلم تام بحجم نفسه، وبأنه لا يمكن أن يداني أخويه في شيءٍ من سماتهما.. وصفاتهما..
2 - إن كلمته هذه تقول : إن الحسنين «علیهما السلام» كانا بالنسبة لعلي «علیه السلام» بمثابة عينيه، فإن الإنسان إنما يطمئن إلى أنه يملك الحقيقة إذا رآها متجسدة أمامه.
وعلي «علیه السلام»، حين يريد أن يلمس الواقع، فإن هذا الواقع قد يكون قريباً منه ويصل إليه بنفسه، فيكون كشفه، وتحصيل اليقين بوجوده، وبما له من خصوصيات ميسوراً له..
أما إذا كان غائباً عنه، فإن اطلاع الحسنين «علیهما السلام» على ذلك الواقع يعطيه اليقين والرضا كما لو أنه هو قد وقف على جميع الحالات والخصوصيات التي يريد معرفتها في ذلك الواقع، مهما كان الأمر معقداً، وذا وجوه، والتباسات.. لأن الحسنين «علیهما السلام»
1) بحار الأنوار ج 42 ص 99 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص244 وشجرة طوبى ج 2 ص 321.
يريان واقعه، وجوهره، وسائر الخصوصيات الظاهرة، والخفية الكامنة فيه.. كما يراه علي «علیه السلام» بنظرته الثاقبة، من موقع إمامته.
3 - أما ابن الحنفية، فإنما له ظواهر الأمور، ولا يستطيع أن ينفذ إلى بواطنها فالعين التي ينظر بها تختلف عن عين علي، وعين الحسن والحسين «علیهم السلام».. ولا يستطيع علي «علیه السلام» أن يعتمد عليها، بحيث تكون كما لو أنه هو الذي يرى ذلك الأمر رأي العين.
4 - إن ابن الحنفية حين يذكر : أن وظيفته هي حفظ تينك العينين، فإنه يكون قد أعلن عن استعداده لحفظهما ولو أنه بذل روحه إن اقتضى الأمر، وهو ببذله هذا يكون في خدمة مقام الإمامة الذي يريد اللّه تعالى أن يحفظ به الدين كله..
هذا فضلا عن أن في هذه التضحية والفداء قضاء لحق الأبوة، وبرأ وطاعة للأب، كما أنه قضاء لحق الأخوة.
وبذلك يكون رحمه اللّه» قد أدى حق اللّه، بحفظ دينه، وصيانة مقام الإمامة، وأدى حق الأب، وأدى حق الأخ في آن واحد..
ومن كلام أمير المؤمنين «علیه السلام» في يوم صفين: املكوا
عني هذين الفتيين أخاف أن ينقطع بهما نسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» (1).
وصرح «علیه السلام» بعد عودته من صفين حين جرى الحديث عن أمر صفين وما جرى فيها - صرح بقوله -: إن هذين - يعني الحسن والحسين - إن هلكا انقطع نسل محمد من هذه الأمة، فكرهت ذلك (2).
ونقول:
ربما قال قائل: نحن نعلم بأن الحسنين «علیهما السلام» لا يخالفان أوامر أبيهما، فلو أشار إليهما بعدم الإقدام على أي أمر، فإن ذلك يكفي لامتناعهما عنه.
لأنهما يعرفان أن طاعته واجبة كأب، وواجبة لأنه إمام معصوم ومفترض الطاعة.
بل هما يسعيان بتحقيق رغبات والدهما، ولو لم يتفوه بها.. لأن
رغباته «علیه السلام» لا تكون إلا حيث يكون الرضا الإلهي.
فما معنى أن يطلب من الناس أن يمنعوهما من السعي للحرب، ولا يبادر هو إلى نهيهما ؟!
ونجيب:
أولاً : إنه «علیه السلام» كان يعلم أنه هو نفسه «علیه السلام» مكلف من قبل اللّه سبحانه بحفظ سلامة الحسن والحسين «علیهما السلام»، لئلا ينقطع نسل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، المتمثل بالأئمة الذين بهم تتواصل أطروحة الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، ويستمر نهجه كرسول، ونبي.
أما الحسنان، فعليهما واجب آخر فيه أيضاً رضا اللّه سبحانه وتعالى عنهما، ولا يمكنهما إهماله، أو التغافل والسكوت عنه، ولا يصح أن ينهاهما عنه أمير المؤمنين «علیه السلام»، بل هو كوجوب الصلاة بالنسبة إليهما.
وهذا الواجب هو واجب الجهاد، وبذل النفس والنفيس في الذب عن أبيهما وإمامهما في مقتضيات إمامته.. المتمثلة بإثبات حقانية حربه مع الناكثين والقاسطين، والمارقين، وإثبات صدق اللّه ورسوله في كل ما أخبر عنه، ودفع شبهات الضالين والمبطلين في مساعيهم لطمس هذه الحقائق.
ولو أنهما لم يحاربا في الجمل وصفين، ولم يبذلا جهدهما لبادر المضلون والمبطلون إلى بث الإشاعات والأباطيل حول خطأ علي
«علیه السلام»، ومخالفة أبنائه له فيما يدعيه.. وسينعكس ذلك سلباً على الدين، وعلى شريعة سيد المرسلين.
وستتسرب الشكوك إلى صدق الإخبارات عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وإلى مدى تأثير وقداسة الآيات الواردة في حق علي، والأقوال الصادرة عن رسوله «صلی اللّه علیه وآله» فيه «عليه السلام».
ثانياً: إن قول أمير المؤمنين «علیه السلام» للناس أن يملكوا عنه هذين الفتيين مع أنه لم يصدر ولو كلمة واحدة للحسنين «علیهما السلام» تدل على كراهته فعلهما، كان الهدف منه دلالة الناس على أن حفظ الحسنين «علیهما السلام» وصيانة حياتهما كما هو من واجباته «علیه السلام»، كذلك هو من واجبات الأمة..
وهو واجب تستقل به عقولهم بعد إدراك موقعية الحسنين ودورهما في الأمة، كإمامين قاما أو قعدا من جهة، وحفظ الإمام واجب.
وكونهما - من جهة أخرى - سيكونان منبثق سلسلة الأئمة، وبهما يكون بقاء الإمامة، لأن الإمام السجاد «علیه السلام» إنما ولد سنة 38 للّهجرة. كما تقدم. وهذه الكلمة إنما كانت في صفين، وهي في سنة 37 و 38 للّهجرة.
فالحسن «علیه السلام» سيكون الجد الأمي للأئمة، والحسين «علیه السلام» سيكون الأب والجد لهم أيضاً.
ثالثاً: كما أن من الطبيعي أن يذكر علي «علیه السلام» من خلال ما قاله للناس عن لزوم حفظ الإمامين الحسنين «علیهما السلام» لئلا ينقطع بهما نسل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: أن من مقاصد محاربيه «علیه السلام» وعلى رأسهم معاوية وبنو أمية إبادة ذرية الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، وانقطاع نسله «صلى اللّه عليه وآله»، لأنهم يدركون أن بقاء نسله «صلی اللّه علیه وآله» حتى ولو يكونوا شديدي الالتزام بنهجه هو - بحسب ما يفكر به أهل الدنيا - ان يكونوا منافسين لهم على الملك والزعامة والسلطة على البلاد والعباد، وسيرى الناس أن ذرية النبي «صلی اللّه علیه وآله» أحق بهذه المقامات من الأبعدين.
رابعاً : إنه «علیه السلام» بتوجيهه الناس إلى الحاجة إلى من يمنع الحسن والحسين «علیهما السلام» يكون قد أبطل سلفا ما سيدعيه الأعداء من أن الإمام الحسن «علیه السلام» كان عثمانيا يخالف أباه في الحرب ومشروعيتها.
فظهر بما تقدم: أن هذه الكلمة المباركة قد عالجت أمراً اعتقادياً، وعالجت مفاهيم خاطئة، وعالجت شائعات وأباطيل سوف يتوسل بها الأعداء، بهدف إبطال جهود سيد الأوصياء، ووضع علامات استفهام على مداليل الآيات والروايات.
ودلت هذه الكلمة على أن على القائد أن يكون قادراً على توقع ما سيواجهه به أعداؤه من خلال معرفته باخلاقهم، ونفسياتهم، وطبيعة
ومؤديات ما يفكرون،به و دلت و دلت.
وقد جرى بعد حرب النهروان لأمير المؤمنين «علیه السلام» مع رأس اليهود حوار، ذكر فيه «علیه السلام»: أن السبب الذي دعاه لقبول التحكيم هو خوفه على حياة الحسن والحسين «علیهما السلام»:
فقد ذكر رفع المصاحف، وانخداع فريق كبير من جيشه بها، حتى أخذ بعضهم يقول لبعض: «إن لم يفعل فألحقوه بابن عفان، أو ادفعوه إلى ابن هند برمته.
فجهدت - علم اللّه جهدي - ولم أدع علة في نفسي إلا بلغتها في أن يخلوني ورأيي فلم يفعلوا، وراودتهم على الصبر على مقدار فواق الناقة، أو ركضة،الفرس، فلم يجيبوا ما خلا هذا الشيخ - وأومأ بيده إلى الأشتر - وعصبة من أهل بيتي.
فواللّه ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان - وأومأ بيده إلى الحسن والحسين «علیهما السلام» - فينقطع نسل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وذريته من أمته، ومخافة أن يقتل هذا وهذا - وأومأ بيده إلى عبد اللّه بن جعفر ومحمد بن الحنفية رضي اللّه عنهما - فإني أعلم لولا مكاني لم يقفا ذلك الموقف» (1).
1) الخصال (مؤسسة النشر الإسلامي سنة 1424 ه ق) ج 2 ص 400 - 418 و (ط أخرى) ج 2 ص 14 - 25 و (منشورات مركز النشر الإسلامي - قم المقدسة سنة 1403ه) ص 364 - 382 والإختصاص ص 163 - 181 وبحار الأنوار ج 38 ص 167 - 184 وحلية الأبرار ج 2 ص 359 - 381 وغاية المرام ج 4 ص 317.
ونقول:
1 - إن رضاه «علیه السلام» بالتحكيم إنما كان لأجل حفظ حياة الحسنين «علیهما السلام»، ومحمد ابن الحنفية، وعبد اللّه بن جعفر.
وقتل الحسنين «علیهما السلام» يوجب انقطاع نظام الإمامة، لأن الأئمة التسعة «علیهم السلام» سيكونون من ذرية الحسين «علیه السلام»، والإمامة حق للأمة كلها إلى يوم القيامة، فليس لأحد التفريط بها، حتى النبي «صلی اللّه علیه وآله» وعلي «علیه السلام».
2 - وحين استشهد الإمام الحسين «علیه السلام» في كربلاء حفظت الإمامة في ولده السجاد «علیه السلام»، ولم يكن ذلك ممكنا في حرب،صفين، حيث لم يكن الإمام السجاد قد ولد بعد، وقد كان علي «علیه السلام» راضياً بالقتل نتيجة لرفض التحكيم - كما صرح به «علیه السلام» في كلامه مع ابن وديعة الأنصاري، حين عودته من صفين..
ولكن معاوية كان يريد قتل علي «علیه السلام»، وولده، وخيار أصحابه، ثم يلاحقهم بحملة إعلامية وتضليلية، قد يصعب على
كثيرين الإفلات من براثنها.
روي عن أبي عبد اللّه «علیه السلام»: أن الحسين بن علي «علیه السلام» دعا رجلاً إلى المبارزة، فعلم أمير المؤمنين «علیه السلام»، فقال : لئن عدت إلى مثل هذا لأعاقبنك، ولئن دعاك أحد إلى مثلها، فلم تجبه لأعاقبنك. أما علمت أنه بغي (1).
ونقول:
يلاحظ هنا ما يلي:
1 - إن هذه الرواية ضعيفة سنداً، فلا مجال للاعتماد عليها في استنباط الأحكام.
2 - تدل الرواية على أن الحسين «علیه السلام» قد ارتكب مخالفة شرعية، تستحق العقوبة والحسين «علیه السلام» يجل عن ذلك. بدليل آية التطهير، فإنه أحد مصاديقها.
3 - لو فرض أنه لم يتعمد فعل المعصية لكونه لم يكن عالماً بالحكم، فهو أيضاً يجل عن ذلك، بدليل:
1) الكافي ج 5 ص 34 و 35 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 169 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 90 و (الإسلامية) ج 11 ص 68 وبحار الأنوار ج 33 ص 446.
أولاً: إن آية التطهير كما تنزهه عن تعمد المعصية الموجب للعقوبة، فهي أيضاً تنزهه عن الجهل، فإنه من مصاديق الرجس أيضاً.
ثانياً: إن جعل الإمامة له ولأخيه من قبل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، في قوله «صلی اللّه علیه وآله»: أنتما الإمامان، ولأمكما الشفاعة.
وقوله: الحسن والحسين إمامان قاما او قعدا. بالإضافة إلى نصوص كثيرة أخرى.
إن جعل مقام الإمامة لهما يقتضي الحكم بأن الإمام لا يجهل الأحكام، ولا يرتكب الآثام.
5 - إن ذلك الشامي كان باغياً على الإمام علي والإمام الحسن والإمام الحسين «علیهم السلام»، ولو تمكن من قتل أي منهم لبادر إلى ذلك.
6 - بناءً على ما تقدم نقول : إن كان هذا الكلام قد صدر عن أمير المؤمنين «علیه السلام»، فمعنى ذلك : أنه «علیه السلام» كان يعلم أن ولده لم يكن جاهلا بالحكم الشرعي، وأن من حقه طلب المبارزة من عدوه، وليس في فعله أي مخالفة للحكم الشرعي، لا عن عمد، ولا عن غفلة، ولا عن جهل.
7 - فظهر مما تقدم: أن عليا «علیه السلام» قد أورد كلامه مع الإمام الحسين على قاعدة: «إياك أعني، واسمعي يا جارة».
أي أن الحكم الذي أشار إليه علي «علیه السلام» في كلامه بقوله: «لئن عدت إلى مثل هذا لأعاقبنك، ولئن دعاك أحد إلى مثلها، فلم تجبه لأعاقبنك». معناها: أن من عدا المبغي عليه، وهو الإمام لا يحق له أن يطلب البراز من أحد من الأعداء، لأن ذلك من البغي على ذلك الرجل الذي تطلب منه أن يبارزك، مع أنك قد لا تكون ممن يقصده في حربه، إلا من باب الدفع والذب عن نفسه، وإزاحة العوائق، ولاسيما إذا كان قد أخرج مكرها، كما أنه قد يستجيب لك خجلاً، فيكون قتله، أو العكس قد وقع في غير محله.
أما الإمام، فإنه يحق له أن يطلب المبارزة من أي كان من الجمع الذي حشده عدوه، لأن الجمع يقصده هو بشخصه، ويجعل كل همه هو أن يسفك دمه، أو أن يمكن عدوه منه، ولو بالتأييد وتكثير جمع عدوه عليه. فبغيه بالنسبة إليه حاصل بلا ريب.
ولعل هذا هو ما يرمي إليه «علیه السلام» في أنه إن طلب أحد الأعداء مبارزتك وجب عليك الاستجابة، لأنه بمجرد أن يطلب مبارزتك فقد صار باغياً عليك، فيجب إجابة طلبه، ورفع بغيه، ولو بحد السيف.
وما تقدم يلقي لنا ضوءاً على ما جرى بين معاوية ومروان، فلاحظ الفقرة التالية:
وذكر المنقري: أن معاوية جمع كل قرشي بالشام، فدعاهم في
جوف الليل، وطالبهم بتخاذلهم في حرب علي «علیه السلام» في صفين، فمما قاله لهم: ويحكم ! أما منكم من يقوم لقرنه منهم، مبارزة، أو مفاخرة؟!
فقال :مروان أما البراز، فإن عليا «علیه السلام» لا يأذن لحسن، ولا لحسين، ولا لمحمد، بنيه فيه، ولا لابن عباس وإخوته، ويصلي بالحرب دونهم، فلايهم نبارز؟!
وأما المفاخرة، فبماذا نفاخرهم؟! أبالإسلام؟! أم بالجاهلية؟! الخ..» (1).
ونقول:
1 - ما ادعاه مروان من أن علياً «علیه السلام» كان يمنع أولاده من مبارزة أحد غير صحيح. بل ظهر مما تقدم: أنه «علیه السلام» قد توعدهم بالعقوبة لو دعاهم أحد للمبارزة فامتنعوا.. فلو أن مروان تجرأ، ودعا واحدا منهم لها لرأى ما سيحل به من بلاء وشقاء.
2 - إن جواب مروان لمعاوية يدل على أنه كان يرى نفسه قرناً
للحسن، وللحسين «علیهما السلام»، ولمحمد ابن الحنفية، وابن عباس، وابن جعفر. ولست أدري لماذا كان يحيد عنهم حين كانوا
1) راجع: صفين للمنقري ص 462 - 463 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 8 ص 99 - 100 والفتوح لابن أعثم ج 3 ص 106 - 110.
يزيلون جيوش أهل الشام عن مواقعها حتى ليصاب أهل الشام بالذهول والحيرة، ويسقط في أيديهم، ألم يكن مروان في جملة تلك الجيوش المتحيرة المذهولة؟!
3 - إذا كان بنو أمية يسعون لإبادة بني هاشم، وكل من هو متصل بعلي «علیه السلام» بسبب أو نسب، فقد كانت صفين فرصتهم لاصطياد خصوص هؤلاء، فإنهم دون سواهم طلبتهم، وبغيتهم، فلماذا لم يفعلوا ذلك، لو كانوا قادرين عليه؟!
ولماذا لم يعمد معاوية نفسه إلى القبول بالمبارزة حين دعاه أمير المؤمنين «علیه السلام» إليها ؟!
فإنها كانت أثمن فرضة له للقضاء علي أمير المؤمنين «عليه السلام».
4 - إن ما كان أمير المؤمنين يسعى إليه هو أن تكون جميع حرکات فرسان جيشه وصفوته، وقادته وأفراده أيضاً في انضباط،تام، فلا يتصرف أحد منهم أي تصرف دون علمه وموافقته. ولولا ذلك، لخرجت الأمور من تحت السيطرة، ولم يعد يعرف حالة فرسانه هل هم أحياء أو أموات؟! وهل هم في مراكزهم، أو أنهم يبارزون أحداً من أقرانهم؟! الخ.. وهل هم في أول الجيش أو في آخره؟!
وهذه الأحوال تؤدي إلى الفشل، وانتشار الأمر، ولاسيما إذا أدت بعض تلك المبارزات إلى تحرك القبائل للإنتقام، وحصلت مواجهات لم يحسب لها،حساب فإذا كانت على حين غفلة، ولم يحسب لها
حساب، فقد تتسبب بحدوث كارثة.
وكان قيس بن سعد عاملاً لعلي «علیه السلام» على مصر، فحاول معاوية أن يكيده عند علي، فأظهر للناس في الشام أن قيساً قد بايعه.
فسرَّحت عيون علي «علیه السلام» بالخبر إلى علي.
فلما أتاه ذلك أعظمه، وأكبره، وتعجب له، ودعا ابنيه الحسن والحسين «علیهما السلام»، وابنه محمداً ودعا عبد اللّه بن جعفر، فأعلمهم بذلك، وقال: ما رأيكم؟!
فقال عبد اللّه بن جعفر: يا أمير المؤمنين، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، اعزل قيس بن سعد عن مصر.
فقال لهم: إني واللّه ما أصدق بهذا على قيس إلخ..(1).
ونقول:
إن ما يهمنا هنا، هو: أن أمير المؤمنين «علیه السلام» - كما دل عليه هذا النص - كان يستشير الحسنين «علیهما السلام»، ومحمداً ولده، وعبد اللّه بن جعفر فكان يعرض لهم المشكلة أولا، ثم يطلب منهم إبداء الرأي فيها.
1) الغارات للثقفي ج 2 ص 217 - 219.
وقد لفت نظرنا هنا ما يلي:
1 - إنه «علیه السلام» قد جعل عبد اللّه بن جعفر، ومحمد بن الحنفية في موقع المستشار له، إلى جانب الحسنين «علیهما السلام» وهما الإمامان المعصومان المطهران..
2 - ومن المعلوم أن الإمام «علیه السلام» - كالنبي «صلى اللّه عليه وآله» - لم يكن بحاجة إلى مشورة أحد ولكنه قد يستشير رعاية المصالح أخرى تفرض الاستشارة عليه..
3 - إن الإمام «علیه السلام» كالنبي «صلی اللّه علیه وآله» يتعامل مع الناس، كل الناس بعنوان أنه منهم، ولا يقول لهم عن نفسه: إنه معصوم بل يمارس مهماته من منطلق أنه مسؤول عن رعاية مصالح رعيته، ومن موقع المعلم والمربي، والحافظ والمراقب. والساعي لتلبية حاجات الناس، والمسؤول عن حفظ دينهم، وما إلى ذلك.
4 - إن الاستشارة لا تعني الطاعة للمستشار، ولزوم الأخذ بمشورته، بل تعني السماع منه، ثم يكون المستشير هو الذي يتخذ قراره، الذي قد يخالف آراء جميع من استشارهم.
5 - إن من البديهي أن يتوافق ما يشير به الحسنان «علیهما السلام» مع ما يفكر به علي «علیه السلام»، لأن المعصوم يرى الواقع، ويعرف المشكلة، ويعرف حلها، والحل الأصلح واحد يدركه أهل العصمة والطهارة. فإن كان هناك اختلاف في الرأي، فإنما هو
بين المعصوم وغيره.
ولعل هذا يفسر لنا سكوت الحسنين «علیهما السلام»، وتصدي ابن جعفر لابداء الرأي.
روي في بعض الكتب المعتبرة، عن لوط بن يحيى في تاريخه، عن عبد اللّه بن قيس قال: «كنت مع من غزا مع أمير المؤمنين «علیه السلام» في صفين، وقد أخذ أبو أيوب الأعور السلمي الماء، وحرزه عن الناس، فشكى المؤمنون العطش، فأرسل فوارس على كشفه، فانحرفوا [لعل :الصحيح فانصرفوا] خائبين.
فضاق صدره، فقال له ولده الحسين «علیه السلام»: أنا أمضي إليه يا أبتاه.
فقال له: إمض يا ولدي.
فمضى مع فوارس فهزم أبا أيوب عن الماء، وبنى خيمته، وحط فوارسه، وأتى إلى أبيه فأخبره.
فبكى علي «علیه السلام»، فقيل له ما يبكيك يا أمير المؤمنين، وهذا أول فتح بوجه الحسين «علیه السلام»؟!
قال: ذكرت أنه سيقتل عطشاناً بطف كربلاء حتى ينفر فرسه،
ويحمحم ويقول الظليمة الظليمة، من أمة قتلت ابن بنت نبيها» (1).
ونقول:
تضمن هذا الخبر أموراً ثلاثة خالف فيها ما هو معروف في الكتب والمصادر، مثل:
تحدث هذا النص عن الشخص الذي استولى على المشرعة من قبل معاوية، فقال: «أخذ أبو أيوب الأعور السلمى».
والموجود في المصادر هو أبو الأعور السلمي. ولا نعرف أنه يقال له: أبو أيوب إلا في هذه الرواية.
وأبو الأعور هذا كان من أشد الناس على أمير المؤمنين «علیه السلام»، وكان في جملة الأشخاص الذين كان يلعنهم أمير المؤمنين «علیه السلام» في صلاة الصبح.
وذكرت الرواية المتقدمة: أن الإمام الحسين «علیه السلام» هو الذي حرر المشرعة، وطرد عنها أبا الأعور..
1) بحار الأنوار ج 44 ص 266 ومدينة المعاجز ج 3 ص 139 والعوالم، الحسين ص 149 و 150 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 277 والمنتخب للطريحي ج 2 ص 300 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص152.
مع أن المعروف: أن الذي حرر المشرعة هو الأشتر النخعي، لا الإمام الحسين «علیه السلام».
وظاهر الرواية المتقدمة، بل صريحها: أن الذين حرروا المشرعة هم الحسين «علیه السلام» وفوارس معه. والتعبير بالفوارس، وهي صيغة جمع تصدق على القليل، والكثير.. مع أن الروايات تقول : إن الأشتر احتاج إلى اثني عشر ألفا لتحرير المشرعة.
وحين رجع علي «علیه السلام» من صفين إلى الكوفة، وبلغ مشارفها التقى عبد اللّه بن وديعة الأنصاري، فسأله عما يقوله الناس فيما جرى في صفين.
فقال :له منهم المعجب به ومنهم الكاره له.
فقال له: فما يقول ذوو الرأي؟!
قال: يقولون: إن عليا «علیه السلام» كان له جمع عظيم، ففرقه، وحصن حصین فهدمه، فحتى متى يبني مثل ما قد هدم، وحتى متى يجمع مثل ما قد فرق؟!
فلو أنه كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه، فقاتل حتى يظهره اللّه، أو يهلك، إذن كان ذلك هو الحزم.
فقال علي «علیه السلام»: أنا هدمت؟ أم هم هدموا ؟! أم أنا فرقت؟ أم هم فرقوا ؟!
وأما قولهم: لو أنه مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه، فقاتل حتى يظفر، أو يهلك، إذن كان ذلك هو الحزم.
فواللّه ما غبي عني ذلك الرأي، وإن كنت لسخيا بنفسي عن الدنيا،
طيب النفس بالموت.
ولقد هممت بالإقدام [على القوم]، فنظرت إلى هذين [قد ابتدراني - يعني الحسن والحسين - ونظرت إلى هذين] قد استقدماني - [يعني عبد اللّه بن جعفر، ومحمد بن علي] - فعلمت أن هذين إن هلكا انقطع نسل محمد من هذه الأمة، فكرهت ذلك.
وأشفقت على هذين أن يهلكا، وقد علمت أن لولا مكاني لم يستقدما - يعنى محمد بن علي، وعبد اللّه بن جعفر -.
وأيم اللّه لئن لقيتهم بعد يومي، لألقينهم وليس هما معي في عسكر، ولا دار (1).
ونقول:
لا بأس بالتذكير بالأمور التالية:
1 - إن أمير المؤمنين «علیه السلام» قد جعل ما جرى من أمر التحكيم، وتضييع ثمرات جهاد المؤمنين، ودماء المجاهدين، وأرواح الشهداء الميامين في عهدة الذين اتخذوا تلك المواقف المخزية، التي بلغت حد التهديد بتسليم علي نفسه إلى معاوية، بعد أن انحازوا عن علي «علیه السلام»، والتهديد بقتاله «علیه السلام».
1) صفين للمنقري ص 529 و 530 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 61 والكامل في التاريخ ج 3 ص 323 و 324.
2 - وحين سمع رأي العقلاء، بأن الأصلح له كان بأن يمضي بمن أطاعه لحرب عدوه، بيَّن «علیه السلام» أن ذلك لم يخف عليه، بل فكر فيه، فرأى أن رفضه للحكم الذي أصدره أبو موسى، وعمرو بن العاص، والذي هو حكم بالهوى وتضييع للحق، وسرقة للنصر، إن ذلك سيؤدي إلى سفك دمه «علیه السلام»، ودم الحسن والحسين «علیهما السلام»، بالإضافة إلى دم محمد بن الحنفية، وعبد اللّه بن جعفر «رضوان اللّه تعالى عليهما».
3 - ثم بيّن «علیه السلام» أن ذلك لم يكن من حقه، فقتل الحسنين «علیهما السلام» تفريط بالإمامة من أساسها، لأنه سيؤدي إلى انقطاع نسل محمد من هذه الأمة.
4 - ويلاحظ: تعبيره «علیه السلام» بنسل محمد «صلی اللّه علیه وآله» هنا - لا نسل علي «علیه السلام»، كما أنه لا يشرك نفسه معه «صلی اللّه علیه وآله» - لأن الأمر في هلاك الحسنين «علیهما السلام» إنما يعني محمداً «صلی اللّه علیه وآله» بالدرجة الأولى، لأن فيه تضييع دينه ورسالته «وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رِسَالتَه». ويؤدي هذا التضييع إلى الكفر «إِنَّ اللّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» (1).
5 - ولم يكن علي «علیه السلام» ليقدم على أمر تكون هذه ثمرته ونتائجه فكان لا بد من القبول بما حدث، لأن ما حصل عليه معاوية
1) الآية 67 من سورة المائدة.
لا يفيده إلا في مهلة محدودة، ويعرف القاصي والداني: أنها غير مشروعة، ولا مرضية عند اللّه، بل بنيت على الخداع والغدر والتآمر، غاية الأمر أن ما جرى قد يؤثر على بعض الجهال، وعليهم أن يسعوا في رفع جهلهم.
6 - إن اصطحاب الحسنين «علیهما السلام» إلى صفين، هو الذي يحفظ الحق، ولولاه لأمكن لمعاوية وبني أمية أن يضللوا الأمة، وأن يشيعوا فيها : أن الحسنين «علیهما السلام» يخطئان اباهما في مواقفه، وهذا قد ينسف كل جهود الأنبياء والصالحين والمجاهدين ويضيع دين اللّه بسبب ذلك، كما أشرنا إليه أكثر من مرة.
وكان علي «علیه السلام» [بعد الحكومة] إذا صلى الغداة والمغرب، وفرغ من الصلاة يقول: اللّهم العن معاوية، وعمرواً، وأبا موسى، [وأبا الأعور السلمي]، وحبيب بن مسلمة، والضحاك بن قيس، والوليد بن عقبة، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، [والمغيرة، وبسر بن أرطأة، ومروان بن الحكم].
فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قنت لعن عليا [والأشتر]، وابن عباس، وقيس بن سعد، والحسن والحسين (1).
1) صفين للمنقري ص 552 وبحار الأنوار ج 33 ص 303 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 266 والإمام علي بن أبي طالب للّهمداني ص794 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 260 وراجع ج 4 ص 79 وج 13 ص 315 وأنساب الأشراف (ط الأعلمي سنة 1394ه) ص 351 و 352 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 71 و (ط أخرى) ج 6 ص 40 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 52 والكامل في التاريخ ج 3 ص 333 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 178 وينابيع المودة ج 2 ص 26 و 27 والنصائح الكافية لابن عقيل ص 26 وفلك النجاة لفتح الدين الحنفي ص 44 وشرح الأخبار ج 2 ص 535.
ونقول:
إنما ذكرنا هذا النص هنا، لأن معاوية قد لعن الحسين «عليه السلام»، بالإضافة إلى أبيه وأخيه «صلوات اللّه وسلامه علیهما».
ونحن نسجل هنا الأمور التالية:
أولاً: لو لم يكن للحسين «علیه السلام» هذا الأثر الكبير في النكاية في القاسطين والناكثين لما اختارهما معاوية للتنفيس عن حقده في هذا المورد.
ثانياً : إن هذه الجريمة الكبرى لمعاوية تؤكد على أن الحسن والحسين «علیهما السلام» ما كانا عثمانيين، ولا معترضين على حرب علي «علیه السلام» للناكثين والقاسطين، أو غير راغبين بالمشاركة فيها.
بل هذا اللعن من معاوية ربما دل على أن الحسنين «علیهما السلام» قد شاركا بصورة قوية لم يجد أعداؤهما وسيلة للتعبير عن حقدهم تجاههما سوى هذه الوسيلة القبيحة والمزرية.
أما لعن معاوية لابن عباس، فلعله لأجل أن له شخصية مميزة، وكان له مواقف احتجاجية محرجة لمعاوية وفريقه، ولذلمك اختاره معاوية أيضاً.
وأما قيس بن سعد، فكان زعيم الخزرج، بل زعيم الأنصار بصورة عامة في تلك الحقبة، بعد موت وقتل كثير من شخصيات الأنصار في حربي الجمل وصفين، وفي حروب سبقت في عهد أبي بكر وعمر وعثمان..
واللافت هنا: أننا وجدنا مجموعة من الإنتقادات، بالإضافة إلى مفردات من لوم وعتب، يوجهها البعض إلى ما تقدم من أن علياً «علیه السلام» قد بدأ بلعن معاوية ومن معه، في حين نرى الرفق بمعاوية والتهوين لما صدر منه، وغض النظر، والتماس الأعذار له.
ونحن نذكر هنا كل مؤاخذة، أو لائمة، أو عتب على حدة، ونسجل مؤاخذاتنا عليها، ثم ننتقل إلى التي تليها، فنتعامل معها بنفس الطريقة، وهكذا، فنقول:
قالوا :
إن عليا «علیه السلام» هو الذي بدأ باللعن، فقابله معاوية بالمثل، وليس على من يقابل بالمثل غضاضة، ولا تتوجه إليه ملامة، وجرمه يكون أخف مما لو كان هو البادئ.
ونجيب:
أولاً: إن الأمر لا ينظر إليه بهذه الطريقة، لأن الحرب كانت بين وصي نبي، وبين باغ عليه، خارج عن سلطانه الذي انعقد بصورة مشروعة...
كما أنه إمام نصبه اللّه ورسوله يوم غدير خم، وبايعه عشرات الألوف من المسلمين، ولا يصح نقض بيعة عقدها اللّه ورسوله، ونزلت الآيات القرآنية لتأكيدها.
هذا بالإضافة إلى نصوص قرآنية أخرى دلت على إمامته وولايته «علیه السلام»، يضاف إليها كم هائل من النصوص من قبل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
ومن يخرج على إمام زمانه، أو على إمام منصوب بصورة شرعية ويسعى في نقض سلطانه، ويشق عصا المسلمين، فإنه يستحق اللعن بلا ريب. ولاسيما من قبل الإمام المبغي عليه.
ولا يحق للباغي أن يقابل الإمام والوصي، والولي، والحاكم الذي ثبتت شرعية حكمه بالمثل، لأن هذا المحارب اللّه، ولرسوله، ولوصيه
مستحق للعن، والوصي والولي لا يستحق سوى النصرة، والتعظيم والتكريم، وإعلاء الشأن عند اللّه.
ثانياً: لو جازت المقابلة بالمثل في هذه الموارد، لصح تجويز لعن الأنبياء والأوصياء، وسائر الأخيار والصلحاء حين يلعنون الظالمين والجبارين، وقد لعن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» رعل، وذكوان، والحكم بن أبي العاص وما ولد، فهل يمكن أن نجوز لهؤلاء المنحرفين لعن النبي «صلی اللّه علیه وآله» - والعياذ باللّه - على سبيل المقابلة بالمثل.
وقد لعن اللّه تعالى الكاذبين، والظالمين والكافرين، فهل يمكن تجويز مقابلته بالمثل، والعياذ باللّه؟!
ثالثاً: إن لعنة اللّه، والنبي، والوصي للكاذبين، والكافرين، والظالمين وسواهم قد يكون لأجل استحقاقهم اللعنة، وقد يكون لأجل ردعهم عن الضلال، أو الانحراف، وإعادتهم إلى طريق الصواب.
كما أن لعنهم قد يكون لأجل تحذير الناس من مخالطتهم، والسير في ركابهم، وقبول نهجهم.
وهذا وذاك لا يصدق على الكاذب والظالم، والكافر والمتكبر، الذي يلعنه اللّه ورسوله أنه يريد ردع النبي والوصي عن نهجه، ولا يمكن القبول بأن يكون هدفه هو ردع الناس عن مخالطتهم الأنبياء والأوصياء والصالحين والاقتداء بهم، والأخذ منهم.
رابعاً : أن مورد المقابلة بالمثل هو صورة كون اللعن الأول قد
صدر على سبيل الظلم والعدوان.
ومن المعلوم أن هذا الأمر لا يكون من نبي ولا وصي، ولا من أهل الخير والصلاح.
خامساً: بل في بعض الحالات لا تجوز المقابلة بالمثل حتى لو صدر اللعن من البادئ به على سبيل العدوان. وهذا ما تقرر صراحة القرآن الكريم بالنسبة للوالدين، حيث يقول تعالى: «وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أنْ تُشرك بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا» (1).
فقد يضرب الوالد ولده، فليس للولد أن يقابله بالمثل، بل حتى لو جاهده والده ليحمله على الشرك باللّه، فليس للولد مقابلته بالمثل، بل عليه أن يقابله بالكلمة الطيبة، والمعاملة الحسنة.
وقالوا أيضاً:
إن أسلوب اللعن هو أسلوب الفاشل العاجز، وهو لا يليق بعلي «علیه السلام».
وجوابه: إنه ليس كذلك.
أولاً :تقدم أن لعن علي «علیه السلام» لمعاوية إنما هو
1) الآية 15 من سورة لقمان.
لاستحقاق معاوية وأصحابه ذلك. فهم القاسطون الذين كانوا لجهنم حطباً
ثانياً: قد يكون اللعن من جملة أساليب الردع عن البغي والرجوع إلى الحق.
ثالثاً: إنه يوجب تحصين الآخرين من أن يكونوا مع الضالين، ويقتدوا بهم.
وبذلك يكون «علیه السلام» بصدد امتثال واجب إلهي لا يمكنه
التخلف عنه، لوجود مصلحة لازمة التحصيل في مورده
وظهر بذلك أيضاً : أن هذا ليس أسلوب العاجز، أو الفاشل، بل هو أسلوب المسؤول القوي، الذي لا تأخذه في اللّه لومة لائم.
رابعاً : إن معاوية لم يكن قد اعتزل في منزله ليعبد اللّه فيه، ثم صار علي «علیه السلام» يلعنه بل كان بصدد جمع الأعوان، وتثبيت أسس باطله وظلمه والاستمرار في عدوانه على الإمامة وعلى الأئمة، ونقض عرى الإسلام ما وجد إلى ذلك سبيلاً. فكان لا بد من تحذير الناس منه، وتحصينهم من خداعه لهم.
ومن أهم أساليب ذلك هو: كسر هيبته، والإعلان بلعنه من وصي النبي «صلی اللّه علیه وآله»، ومن الإمام المفروض الطاعة، ومن لهج القرآن بتطهيره وتأكيد إمامته وولايته، وليس هذا من الأسلوب الفاشل والعاجز. بل هو الأسلوب الإعلاني المؤثر والقوي والفاعل.
خامساً: إن اعتماد هذا الأسلوب الإعلامي القوي إنما يكون عجزا وفشلا لو اقتصر الأمر عليه وجعل ذريعة للاستغناء عن الحرب والقتال بالسلاح.
أما إذا رافق اللعن التهيؤ والاستعداد لمواجهة عدوان الباغي وسلاحه بالسلاح والقتال أيضاً، فلا يصح القول: إن عليا «علیه السلام» التجأ إلى أسلوب الفاشل والعاجز.
وقالوا أيضاً : إنه لم يكن يليق بعلي «علیه السلام» أن ينزل في خطابه إلى هذا المستوى، وهو الرجل العظيم والقدوة للناس في أدبه وعلمه، وأخلاقه وفضله
ويجاب:
أولاً: بأن اللعن لمن يستحق ليس مخالفة لأدب الخطاب، بل هو الخطاب الأبلغ، لأنه المطابق لمقتضى الحال. ولذا لا يصح أن يقال: إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» حين لعن الحكم وما ولد قد خالف أدب الخطاب وأخلاق أهل الكرامة، وقد وصفه اللّه تعالى بقوله: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» (1). كما لا يصح القول: إن اللّه تعالى والعياذ باللّه من هذا القول - قد خالف... حين لعن الكافرين والكاذبين.
1) الآية 4 من سورة القلم.
ثانياً: في آية الملاعنة لا تتحقق احكام اللعان بين الرجل والمرأة، إن لم تصرح المرأة والرجل باللعن للكاذب منهما، فراجع الآيات 6 - 8 من سورة النور «صلی اللّه علیه وآله»
وهذا يدل على مطلوبية اللعن، وعلى ترتب أحكام شرعية عليه. وليس هو أسلوب العاجز والفاشل، ولا توصف أحكام اللّه تعالى بمثل هذه الأوصاف الرديئة.
وقد قال تعالى أيضاً : «أولئِكَ يَلْعَنْهُمُ اللّه وَيَلْعَنْهُمُ اللَّاعِنُونَ» (1).
وزعموا: أن اللعن يعد عرفاً من مفردات السب. وقد نهى علي «علیه السلام» أصحابه في حرب صفين عن أن يكونوا سبابين. فما باله بعد أن انتهت تلك الحرب قد لجأ إلى ما نهى أصحابه عنه؟! بل إنه حتى لو بدأ معاوية بالسب، فمن المناسب أن يترفع علي «علیه السلام» عنه، ويكون شعاره وعمله وفق قوله تعالى: «وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» (2).
ونجيب:
أولاً: إن وصف الإنسان بما فيه، أو الدعاء عليه بما يستحقه، ليس سباباً، بل السباب هو السعى للإنتقاص منه، بإطلاق كلمات موهنة، ومحقرة له، كوصفه باللئيم، والحقير، وبالنذل، ونحو ذلك.
واللعن ليس من هذا القبيل، بل هو مجرد دعاء عليه بأن يجازيه اللّه بعمله، ويبعده عن رحمته، ولا يعامله بالعفو والرحمة، بل يعامله بالعدل والنقمة.
ثانياً: إن عليا «علیه السلام» في نفس الوقت الذي نهى أصحابه عن سب أهل الشام، فإنه أمرهم بأن يصفوا أعمالهم، ويبينوا للناس حالهم مع أن هذا سيكون أشد أذى لهم من السباب، لأنه يمثل فضائح لهم لا تطاق.
فقد قال لهم: «ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر» (1).
ثالثاً : إن هذا المورد ليس من موارد الدفع بالتي هي أحسن. بل هو من موارد الشدة على أهل الباطل، وفضح أباطيلهم، والطلب من اللّه معاملتهم بالعدل والنقمة لا بالعفو والرحمة.
1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 185 الخطبة 206 وبحار الأنوار ج 32 ص 561 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج ه ص 27 وج 8 ص213 وميزان الحكمة ج 2 ص1236 والمعيار والموازنة ص137 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 11 ص 21.
لأنهم إذا لم يتراجعوا عن غيهم، فالمطلوب هو إفساد خططهم بتحذير الناس من الانضواء تحت لوائهم، والالتزام بنهجهم.
1 - عن أبي جعفر الفراء قال: سمع علي أحد ابنيه - إما الحسن أو الحسين - يقول : الحمد للّه الذي أراح أمة محمد من هذه العصابة.
فقال علي «علیه السلام»: لو لم يبق من أمة محمد إلا ثلاثة لكان أحدهم على رأي هؤلاء، إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء (1).
2 - عن حبة العرني: لما فرغنا من النهروان قال رجل: واللّه لا يخرج بعد اليوم حروري أبدا.
فقال علي «علیه السلام»: مه! لا تقل هذا، فوالذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إنهم لفي أصلاب الرجال، وأرحام النساء. ولا يزالون يخرجون حتى تخرج طائفة منهم بين نهرين حتى يخرج إليهم رجل من ولدي فيقتلهم، فلا يعودون أبدا (2).
ونقول:
علينا ملاحظة الأمور التالية:
قد يظن القارئ للنص الذي ذكره أبو جعفر الفراء : أن الإمام عليا «علیه السلام» قد خطأ ولده فيما قال فصحح كلامه على النحو الذي تقدم.
ونقول:
إن عليا «علیه السلام» لم يخطئ ولده بل خطأ الرجل الآخر المشار إليه في رواية حبة العرني. ولأجل ذلك قال لهذا الرجل: «مه! لا تقل هذا»، ثم أقسم ليثبت بالقسم، وبإن وباللام، والجملة الإسمية: أن ما سوف يحدث هو خلاف قول ذلك الرجل، فقال «علیه السلام»:
فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنهم لفي أصلاب الرجال الخ...».
ولكنه بالنسبة لما قاله ولده اكتفى بالقول: «لو لم يبق من أمة محمد إلا ثلاثة لكان أحدهم على رأي هؤلاء، إنهم لفي أصلاب الرجال، وأرحام النساء».
والسبب في ذلك: أن الحسين أو الحسن «علیهما السلام»، لم يتحدثا عمن سيأتي في المستقبل، من هم على مثل رأي هذه العصابة من الخوارج.
بل تحدثا عن خصوص العصابة التي قتلت في النهروان،
فارتاحت الأمة - أمة محمد آنئذ - من شرها بقتلها.
ثم جاءت كلمة علي «علیه السلام» لتتميم هذا الكلام بإضافة معلومات جديدة، حول ما سيكون عليه حال من هم على مثل رأي هذه العصابة في المستقبل.
والخلاصة : أن الأمة قد ارتاحت بالفعل من شر العصابة التي قتلت في النهروان ولكنها ستبتلى بغيرهم ممن يكونون على مثل رأيهم.
ومما ينبغي الإشارة إليه هنا : أن وجود هذا النوع من الناس نتيجة طبيعية لعوامل معينة.
ومنها: شيوع الجهل، والغباء، والسطحية.
ومعه حب الدنيا، فإذا ظهر لهم أن أسهل الطرق لنيل الدنيا هي التظاهر بالعبادة والزهادة، وإظهار التشدد في الدين.. فإنهم سيلجأون إلى ذلك، وسيجهدون أنفسهم في قراءة القرآن، دون أن يفقهوا معانيه، وسيتبعون متشابهاته دون،محكماته ويسخرونه لخدمة أهوائهم، وسيكفّرون كل من خالفهم من أمة محمد، وسوف تزداد هذه الأماني الباطلة تضخماً في نفوسهم، وسوف تصيبهم سهام الغرور، وتفسح لهم بالمعاصي، وتمنيهم النصر في الحروب، وسيتطرفون في مطالبهم وتطلعاتهم، ويكونون ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.. وسيسعون في الأرض فسادا ما وجدوا
إلى ذلك سبيلاً..
وهذه السمات هي بعينها سمات العصابة التي قتلها علي «علیه السلام» في النهروان ويمكن أن يوجد هذا النوع من الناس في كل مكان وزمان.
نسبوا إلى ابن عباس: أنه أخذ من بيت مال البصرة بعض المال حين كان والياً عليها من قبل على فجرت مكاتبات بينه وبين علي «علیه السلام».
وجاء في أحد كتبه «علیه السلام» إلى ابن عباس قوله:
«وواللّه لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة، ولا ظفرا مني بإرادة حتى آخذ الحق منهما، وأزيح الباطل من مظلمتهما» (1).
ونحن وإن كنا قد ناقشنا هذا الموضوع، وبينا الكثير من مواضع
1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 67 الكتاب 41 وبحار الأنوار ج 33 ص 500 و ج 42 ص 182 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 167 و 168 وراجع ربيع الأبرار ج 3 ص 375 وبعضه في إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 1 ص 279 وعيون الأخبار لابن قتيبة ج1 ص 57 ومختصر تاريخ دمشق ج 12 ص 320 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج 6 ص 218 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 83.
الخلل والخطل فيه، فقد قلنا أيضاً إن ذلك لا يمنع من أن يكون لهذه القضية أصل، سليم عن أية مؤاخذة، فراجع كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» ج 49 للاطلاع على ذلك.
ولسنا هنا بصدد البحث في هذا الموضوع.
غير أن الفقرة التي نقلناها من كتاب أمير المؤمنين «عليه السلام» هي محط نظرنا، فقد أشارت إلى أمور، نذكر منها:
1 - إن الحاكم العادل الذي يريده اللّه هو ذلك الذي يرفع الغطاء عن كل أحد حتى أقرب الناس وأحبهم إليه.. وهذا ما دلت عليه هذه الفقرة التي ذكرناها آنفاً.
2 - إن الحسنين «علیهما السلام» معصومان بنص آية التطهير، وبما ورد على لسان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، مما صرحبعصمتهما. ولكن عليا «علیه السلام» اتخذ منهما مثالاً لتصميمه الأكيد على إجراء الأحكام، فكيف يمكن التوفيق بين معنى العصمة فيهما، وهو ما لا ينكره علي «علیه السلام»، وبين هذا الموقف الحاد والقاطع منه «علیه السلام»؟!
ونجيب:
بأن هذا منه «علیه السلام» جار على القاعدة التي وضعها القرآن تأكيداته على مقاصده، وقاطعيته، وعدم محاباته فيها.. وهي
القاعدة التي تجسدها الآيات الكريمة، مثل قوله تعالى: «لَئِنْ أَشْرَكْتَ ليَحْبَطَنَّ عَمَلَكَ» (1). وقوله تعالى: «وَلَوْ تَقوَّلُ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقاويل * لأخَذْنا مِنْهُ باليَمِينِ * تَمَّ لقطعنا مِنْهُ الْوَتِين» (2)فإن الشرك، والتقول على اللّه لا يمكن أن يصدر منه «صلی اللّه علیه وآله».
وكذلك الحال بالنسبة لما يروى عنه «صلی اللّه علیه وآله» من أنه قال: «وأيم اللّه (والذي نفسي بيده) لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (3)مع أنها «عليها السلام» مطهرة معصومة
1) الآية 65 من سورة الزمر.
2) الآيات 44 - 46 من سورة الحاقة.
3) سبل الهدى والرشاد ج 9 ص 196 وج 5 ص 259 عن أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والبيهقي، وأشار في هامشه إلى البخاري ج6 ص 513 (3475) و (ط دار الفكر) ج 4 ص 151 و 214 وج 5 ص97 ج4 ص151 وج 8 ص 16 ومسلم ج 3 ص 1315 (1688/8) و (ط دار الفكر) جه ص 114 و 115 وأحمد ج 3 ص 386 و 395 وج 6 ص 162 وراجع: المحلى ج 10 ص 496 وج 11 ص 358 و 359 وسنن النسائي ج8 ص 73 و 75 والسنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 254 و 267 و 280 و 332 وعمدة القاري ج 17 ص 291 والسنن الكبرى للنسائي ج 4 ص334 والبداية والنهاية ج 2 ص 172 وج 4 ص 364 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 601 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 59 ونيل الأوطار ص1 ج 7 ص 305 و 311 وسنن الدارمي ج 2 ص 173 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 851 وتحفة الأحوذي ج 4 ص 581 وسنن ابن داود ج2 ص332 وسنن الترمذي ج 2 ص 442 وعمدة القاري ج 16 ص 60 وج 17 ص 291 و ج 23 ص 276 ومجمع الزوائد ج 6 ص 259 وعون المعبود ج 12 ص 21 وشرح معاني الآثار ج 3 ص 171 وصحيح ابن حبان ج10 ص 248 والمعجم الأوسط ج 7 ص 272 ومعرفة السنن والآثار ج6 ص 474 والإستذكار ج 7 ص 570 ورياض الصالحين ص331 و 332 و 681 وتخريج الأحاديث والآثار ج 2 ص 414 وتفسير القرآن العظيم ج 2 ص 59 وتفسير الآلوسي ج 18 ص 83 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 710 وإمتاع الأسماع ج 10 ص 26.
بمقتضى آية التطهير أيضاً.
وكلام أمير المؤمنين «علیه السلام» يراد به إظهار شدة تصميمه على إجراء أحكام اللّه، كما قلنا
3 - دل هذا النص على حزم أمير المؤمنين «علیه السلام»، وتصميمه القاطع على إعادة الأمور إلى نصابها، مهما كلفه الأمر، ثم أتبع ذلك بقوله: «علیه السلام»: «ولا ظفرا مني بإرادة».
4 - ودل أيضاً: على أنه سوف يعتمد المتابعة الحثيثة والمتواصلة، وبلا انقطاع فلاحظ قوله: «ما كانت لهما عندي هوادة».
وقد روي عن نوف البكالي: أن أمير المؤمنين «علیه السلام» قد جمع الناس للحرب، وعقد الألوية، وجعل الإمام الحسين «علیه السلام» على عشرة آلاف وقيس بن سعد على عشرة آلاف وأبا أيوب الأنصاري على عشرة آلاف، وعقد لغيرهم على أعداد أخر، وهو يريد الرجعة إلى صفين، فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم «لعنه اللّه»، فتراجعت العساكر (1).
ونقول:
علينا لفت النظر إلى ما يلي:
إن أمير المؤمنين «علیه السلام» حين جمع العساكر، وأراد الرجوع إلى صفين ثانية لم يكن ناقضاً للعهد، الذي ألزمه به جهال
1) مناقب آل أبي طالب (ط النجف) ج 2 ص 369 و (ط المطبعة العلمية في إيران) ج 3 ص 194 و (ط المکتبة الحیدریة) سنة (1376ه) وراجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 110 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج3 ص 392 وبحار الأنوار ج 3 ص 394 وج 34 ص 127 ومنهاج البراعة ج 2 ص 180 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 10 ص 100 والكني والألقاب ج 1 ص 185 وربيع الأبرار ج 5 ص 193 وينابيع المودة ج 2 ص 29 وج 3 ص 444.
أصحابه.. بل كان معاوية هو الناقض له، بغاراته المتواصلة التي كانت خيله تشنها على أطراف بلاد علي «علیه السلام»، فتفسد، وتشيع الخوف، وتؤذي، وتقتل، وتفعل الأفاعيل، حتى لقد بلغت خيل معاوية الأنبار.
وواضح: أنه لم يكن إقناع العراقيين بالعودة إلى الحرب أمراً سهلاً، فلو لم يكونوا قد لمسوا الخطر المحدق لم ينفروا معه إلى عدوه وعدوهم، بعد أن لقي «علیه السلام» منهم أذى كثيراً، وقد شكاهم، ووبخهم على تخاذلهم واستنامتهم لعدوهم مرات ومرات.
وقد يدور بخلد البعض: أن ثمة اختلافاً وتناقضاً بين بعض ما قاله «علیه السلام» في هذا المورد، وبين فعله.. فقد تقدم: أنه «عليه السلام حين رجع من صفين، ولقي عبد اللّه بن وديعة الأنصاريي عند مشارف الكوفة.. وسأله عما يقوله ذوو الرأي في مسيره ذاك.. أكد «علیه السلام» أنه كان قد هم بأن يسير بمن أطاعه، إذ عصاه من عصاه، وإذ بالحسنين «علیهما السلام» قد ابتدراه، وإذ بعبد اللّه بن جعفر، وابن الحنفية قد استقدماه، فعلم أنه إن قتل الحسنان انقطع نسل محمد «صلی اللّه علیه وآله»، وأشفق على ابن جعفر وابن الحنفية من الهلاك أيضاً.
ثم أقسم قائلاً : وأيم اللّه، لئن لقيتهم بعد يومي، لألقينهم وليس هما معي في عسكر، ولا دار.
وها نحن نرى : أنه يجمع العساكر مرة أخرى، ليسير إلى صفين، ويجعل ولده الحسين «علیه السلام» على عشرة آلاف.
فكيف نجمع بين قسمه ذاك، وبين عقده للحسين «علیه السلام» على هذه العشرة آلاف؟
ونجيب:
أولاً : قد يقال : إنه «علیه السلام» إنما أراد أن لا يكون الاثنان من أولاده، وهما الحسنان معه، وهو هنا لم يجمعهما، بل عقد للحسين «عليه السلام» فقط دون الحسن «علیه السلام».
وإن كان المقصود بكلامه هو عبد اللّه بن جعفر، ومحمد ابن الحنفية، فلم يرد لهما ذكر في حديث العودة إلى صفين، فلا يرد الإشكال من ناحيتهما.
ثانياً: إن هذا الجمع الذي جمعه للعودة إلى صفين قد جمعه، وهو يخبر الناس أنه مقتول في يومه ذاك، أو في الذي بعده، وكان «علیه السلام» كما سيأتى يفطر يوماً عند الحسن، ويوماً عند الحسين، ويوماً عند ابن عباس، أو ابن جعفر، (وابن جعفر هو زوج الحوراء زينب «عليها السلام»).
وهذا يعني: أنه سوف لا يجتمع مع الحسنين «علیهما السلام» في عسكر ولا دار.
واللافت هنا: أن علياً «علیه السلام» وهو يستعد للعودة إلى صفين قد عقد للحسين «علیه السلام» على عشرة آلاف، ولقيس بن سعد على مثلها، إلى آخر ما تقدم..
ولم يعقد للإمام الحسن «علیه السلام» على قليل ولا كثير!! فلماذا ؟!
ونجيب:
بأن النص المتقدم يصرح: بأن أمير المؤمنين «علیه السلام» قد جمع العساكر للعودة إلى صفين، وأمر الحسين «علیه السلام» على عشرة آلاف وكذلك قيس بن سعد، وأبا أيوب وآخرين.. فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم، فتراجعت العساكر..
يضاف إلى ذلك: أن النصوص الأخرى تصرح بأنه «علیه السلام» كان يصرح في نفس تلك الأيام، حيث كان يفطر عند أبنائه: بأنه مقتول في يومه، أو في غده.
فإذا كان «علیه السلام» يخبر من جهة بأنه مقتول، فذلك يعني: أنه لن يكون مع الحسن والحسين في عسكر ولا دار، كما تقدم. كما أنه إذا كان مقتولاً في يومه أو غده، فلماذا يجمع العسكر؟! وإذا كان مقتولاً، فلا بد من إعداد الخليفة من بعده، وإعادة الوصية بالخلافة.
ولو أنه «علیه السلام» كان قد جعل الإمام الحسن «علیه السلام» قائداً على عشرة آلاف أو أقل أو أكثر، فالمفروض هو أن يجرده من
هذا المنصب، ليوصي إليه بالخلافة والنصب والخلع يضعف من مقام من يتعرض لذلك.
فكانت الخطة التي اتبعها هي تعريف الناس بأنه مرتبط بالغيب، وأنه يتصرف من خلال علم الإمامة الذي اختصه اللّه به، فيخبر عن موته في يومه أو غده، ثم يتعمد جعل الحسين «علیه السلام» على عشرة آلاف دون الإمام الحسن «علیه السلام»، ليدل على أن الإمام الحسن حين يقتل أبوه، أو يضرب سيكون هو الخليفة، والإمام من بعده، وسيصرح أبوه بالوصية له بالخلافة كما سنرى..
فالمطلوب إذن هو إبقاء الإمام الحسن «علیه السلام» من دون أي منصب آخر سوى منصب الإمامة والخلافة.
وقد كان من الطبيعي أن يكون تدبير علي «علیه السلام» الدقيق هو هذا الذي فعله «علیه السلام».
ولأجل ذلك اختار علي «علیه السلام» ولده الحسين فقط، وعقد له على عشرة آلاف لعلمه بأن من الطبيعي أن يكون هو القائد للعساكر بين يدي أخيه.
فإن أراد أخوه المسير إلى صفين ثانية، فالحسين «علیه السلام» سيكون بين يديه، وإن أراد أن يدفع عساكر معاوية الذي سيبادر إلى مهاجمته، فالحسين «علیه السلام» أيضاً سيكون هو القائد.
وبذلك يكون علي «علیه السلام» زاوج بين علم الإمامة المستند إلى الغيب، وبين التدبير العملي الصحيح. أي أنه يكون قد راعى في
تخصيص الإمام الحسين بالنصب على العسكر، وعدم تنصيب الإمام الحسن «علیه السلام» - راعى - علمه الخاص بما يجري عليه من القتل، وراعى ايضاً ما يقتضيه التدبير الصحيح، والإعداد والاستعداد لحرب الناكث للعهود، والذي يتوقع منه المزيد، ولاسيما إذا استشهد الإمام علي «علیه السلام»..
وهذا غاية في حسن التدبير، وحسن التوقع لما يكون، والإعداد لكل حادث وطارئ.
«.. وقدم علي كرم اللّه وجهه من سفره، واستقبله الناس، يهنئونه بظفره بالخوارج، ودخل إلى المسجد الأعظم، فصلى فيه ركعتين، ثم صعد المنبر، فخطب خطبة حسنة.
التفت إلى ابنه الحسين، فقال: يا أبا عبد اللّه، كم بقي من شهرنا هذا ؟!، يعني شهر رمضان الذي هم فيه.
فقال الحسين: سبع عشرة يا أمير المؤمنين.
قال: فضرب بيده إلى لحيته، وهي يومئذٍ بيضاء، وقال: واللّه ليخضبِّتها بالدم، إذا انبعث أشقاها.
قال: ثم جعل يقول:
أريد حياته ويريد قتلي***خليلي من عذيري من مراد
فسمع ابن ملجم لعنه اللّه؛ فكأنه وقع بقلبه شيء من ذلك؛ فجاء حتى وقف بين يدي علي (رضي اللّه عنه)، فقال:
أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين، فهذه يميني وشمالي بين يديك، فاقطعهما، أو اقتلني.
فقال علي «كرم اللّه وجهه»: وكيف أقتلك، ولا ذنب لك عندي؟! إني لم أردك بذلك المثل. ولكن خبرني النبي «صلی اللّه علیه وآله»: أن قاتلي رجل من مراد، ولو أعلم أنك قاتلي لقتلتك، ولكن هل كان لك لقب في صغرك؟!
فقال : لا أعرف ذلك يا أمير المؤمنين.
قال علي: فهل لك حاضنة يهودية، فقالت لك يوماً من الأيام يا شقيق عاقر ناقة صالح؟!
قال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين.
قال فسكت: علي، وركب، وصار إلى منزله» (1).
ونقول:
لا ريب في أن عليا «علیه السلام» كان يعرف جواب السؤال الذي وجهه إلى الإمام الحسين «علیه السلام» بقوله: «كم بقي من شهرنا هذا ؟!»، وهذا يجعل السؤال التالي يفرض نفسه:
لماذا يطرح «علیه السلام» سؤالاً يعرف جوابه؟!
1) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 136 و 137 و (ط دار الأضواء) ص 276 و 277 وكشف الغمة ج 1 ص 276 وراجع مطالب السؤول ص47 و (تحقيق ماجد العطية) ص 238 و 239.
واللافت أنه طرح سؤاله هذا، وهو يخطب على المنبر، وفي الملأ العام.
ونجيب:
بأنه «علیه السلام» وجه سؤاله إلى ولده ربما ليشد الأنظار إلى ما سيقوله، وأنه يشتمل على مضمون مثير، ومهم. ولعله أراد أيضاً: أن يجعل الحسين «علیه السلام» في واجهة الاهتمامات، باعتبار أنه سوف يضطلع بمهمة أساسية في حركة الواقع الذي سيتقرر بكلامه الذي هو بصدد إبلاغه للناس.
ويلاحظ:
1 - لقد بدأ على «علیه السلام» كلامه الذي هيأ الناس لتلقيه بحركة اختصرت كل ما كان يريد أن يقوله للناس، حيث ضرب بيده إلى لحيته وهي بيضاء، وأخبر أنها سوف تخضب من دم رأسه..
ثم تابع كلامه، ليكون أكثر تحديداً لمرتكب هذه الجريمة، فأخبر من خلال الشعر الذي تمثل به أنه من قبيلة مراد..
2 - وعلى قاعدة: «كاد المريب أن يقول: خذوني» يبرز ابن ملجم، ليبرئ نفسه.. ربما لأنه كان قد استقر في النفوس - بما فيهم ابن ملجم - أنه «علیه السلام» يعلم الغيب، وذلك لكثرة ما كان يخبر الناس بها في تلك الفترة فوقف ابن ملجم بين يديه في مسعى منه لتبرئة نفسه..
ومن جهة أخرى نقول:
1 - من الطبيعي أن يكون الإمام الحسين «علیه السلام» راصداً لكل حركة، ولكل قول، ولا سيما بعد أن استثار أبوه منذ البداية كل وجوده، وكل إهتمامه، ورأى وسمع بدقة الحوار الذي دار بين أبيه، وبين ابن ملجم والنتيجة التي انتهى إليها..
2 - وطبيعي أيضاً أن ينصب معظم اهتمام الإمام الحسين «عليه السلام» على رصد ومتابعة كل حركات ابن ملجم وسكناته..
3 - إن ما جرى في هذا الموقف، قد جعل الناس، وكذلك الإمام الحسين «علیه السلام» على علم بالقاتل، وأنه بينهم، وقد رأوه وعرفوه، وسمعوا كلامه في وقت سابق.
4 - لذلك نلاحظ أنه بمجرد أن حصل ما حصل خرج الإمام الحسين «علیه السلام» والإمام الحسن «علیه السلام» أيضاً، فأخذا ابن ملجم، وأوثقاه، وأتيا به (1).
1) الأمالي للطوسي ص 365 وبحار الأنوار ج 42 ص 205 وأعيان الشيعة ج 1 ص 532 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 540 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 112.
وذكرت الرواية المتقدمة: أن ابن ملجم تقدم إلى أمير المؤمنين «علیه السلام»، وبرأ نفسه من أن يكون بصدد ارتكاب جريمة قتل أمير المؤمنين «علیه السلام»، وعرض عليه أن يقطع يمينه وشماله، أو يقتله.. فرفض «علیه السلام» هذا العرض بكلا شقيه، وحجته في ذلك، قوله «علیه السلام»:
أولاً: «كيف أقتلك ولا ذنب لك عندي».
ثانياً : قوله: «إني لم أردك بذلك المثل».
ثالثا :قوله: «لو أعلم أنك قاتلي لقتلتك».
فكيف نفسر هذه الحجج بنحو يتوافق مع الضوابط الشرعية، ومع ما نعتقده في الإمام «علیه السلام» من أنه كان يعلم جزماً بأن ابن ملجم قاتله بلا ريب؟
وقبل أن نجيب، نذكر القارئ الكريم بما ذكرناه أكثر من مرة من أنه ليس للنبي ولا للإمام أن يتعامل مع الناس، أو أن يؤاخذهم إستناداً إلى ما لديه من علم الإمامة، أو فقل : من علم الشاهدية، وما يصل إليه بطريق لا سبيل لسائر الناس إلى الوصول إليها والإستفادة منها.. إلا في مواقع معينة كموارد التحدي لإبطال النبوة أو الإمامة ولهذا البحث مجال آخر، وبعد ما تقدم نقول:
يمكن أن نجيب أيضاً بما يلي:
أولاً: بالنسبة للفقرة الأولى نقول:
إنها صحيحة بلا ريب فإن ابن ملجم لم يقترف بعد ذنباً يرتبط بأمير المؤمنين «علیه السلام»، يستحق العقوبة عليه.. ولا يعاقب الناس على نواياهم ما لم تخرج إلى العلن في صورة أفعال، أو أقوال مؤذية.
ثانياً بل يمكن القول: إن ابن ملجم، ربما لم يكن قد اتخذ قراره بعد بقتل أمير المؤمنين «علیه السلام» بأن كان لا يزال متردداً، أو أنه لم يكن عازماً على قتله بصورة علنية، وفي مجلس حاشد كهذا المجلس. وإنما كان يريد قتله غدراً وغيلة.
ثالثاً بالنسبة لقوله: «إني لم أردك بذلك المثل» نقول:
إنه أيضاً صحيح، لأنه «علیه السلام» كان بصدد تذكير الناس بما قاله رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» من أنه يقتل على يد رجل من مراد، ولم يكن بصدد تعيين الشخص، بالاسم أو الوصف، لاسيما وأنه لا دليل يمكن أن يقدم للناس يثبت وجود نية لديه للقتل فعلا، أو في ظرف كهذا..
رابعاً: فيما يرتبط بقوله «علیه السلام»: «لو أعلم أنك قاتلي لقتلتك». نقول:
لعل قائلاً يقول: إن عليا «علیه السلام» كان يعلم أن قاتله هو ابن ملجم..
ولو قبلنا أنه لم يكن يعلم، فإنه قد عرفه بعد أن أقر له بأن حاضنته قالت له: «يا شقيق عاقر ناقة صالح».
ونجيب:
ألف: إن مناداته بهذه الجملة «يا شقيق عاقر ناقة صالح» تبقى مجرد قرينة يرى الناس أنها توجب الظن، ولا تصل إلى إفادة اليقين، فمعاقبة ابن ملجم استناداً إليها لن تكون مقنعة، ولا مقبولة..
ب: ذكرنا آنفاً: أن ابن ملجم حين قدم نفسه لأمير المؤمنين «علیه السلام»، لم يكن يتخذ لنفسه صفة قتالية، ولا كان بصدد الهجوم على أمير المؤمنين لكي يقال : إنه يحق لأمير المؤمنين «علیه السلام» أن يقتله دفاعاً عن نفسه
فقد يكون قوله: «لو أعلم أنك قاتلي لقتلتك» ناظراً إلى أنه في تلك اللحظة لا يرى أنه بصدد ارتكاب هذه الجريمة ليحق له دفعه عن نفسه ولو بالقتل.
ج: لا دليل يثبت أن ابن ملجم إلى تلك الساعة كان قد صمم على قتل علي «علیه السلام»، فلعله كان متردداً.
د: إن القصاص قبل وقوع الجناية لا يصح، كما تقدم.
ه: إن معرفة أمير المؤمنين «علیه السلام» بأن ابن ملجم هو قاتله إنما هو من مفردات العلوم التي تلقاها بطريق غير عادي، وقد قلنا إنه لا يحق له التعامل مع الناس بهذه العلوم، وإنما هي تفيده في مقام إثبات إمامته. وفي جهات أخرى تختص به.
ابن ملجم متهم مسبقاً :
أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن أسباط يرفعه إلى أمير المؤمنين «علیه السلام» قال: دخل أمير المؤمنين الحمام، فسمع صوت الحسن «علیه السلام» والحسين «علیه السلام» قد علا، فقال لهما : ما لكما فداكما أبي وأمي ؟!
فقالا: اتبعك هذا الفاجر، فظننا أنه يريد أن يضرك.
قال دعاه، واللّه ما أطلق إلا له (1).
ونقول:
يدل هذا النص على:
1 - يقظة الحسنين «علیهما السلام» واهتمامهما بالحفاظ على سلامة أبيهما.
2 - يدل على جواز إبعاد المتهم، وتعجيزه عن نيل ما يُخشى عليه منه.
3 - يبدو: أن ابن ملجم كان ظاهر الإنحراف مشتهراً بالفجور،
1) بصائر الدرجات ص 234 و (ط طهران سنة 1404ه) ص 500 و 501 ومختصر بصائر الدرجات ص 6 وبحار الأنوار ج 42 ص 197 وراجع ص 234 وراجع: الخرائج والجرائح ج 2 ص 771 ومدينة المعاجز ج3 ص 42.
وقد وصفه الحسنان «علیهما السلام» بذلك، ولم يعترض عليهما أبوهما «علیه السلام». ويشهد لذلك : أنه شرب الخمرة ليلة قتله عليا «علیه السلام»، وفعل أموراً أخرى أشنع من ذلك.
4 - إن أباهما أمرهما بتركه وشأنه، مع تصريحه بأنه بصدد القيام بما ظناه فيه، وهذا يشير إلى أنه «علیه السلام» كان يعلم أن منيته على يده لم تكن حضرت، لأنها مرهونة بأمور سوف تصاحبها، مثل صياح الأوز وغير ذلك. ولم تكن تلك الإشارات قد ظهرت بعد..
ولعلك تقول: ربما يكون أمرهما بتركه، لأن العقوبة قبل الجناية لا تجوز.
ويجاب:
إن محاولة إبعاد الشخص المتهم عن المكان بحيث يعجز عن ارتكاب الجريمة المحتملة ليس عقوبة، وإنما هو احتياط تفرضه المعرفة بسوابق ذلك الشخص، الدالة على نواياه وخططه التي ظهرت بوادرها، أو أخبر النبي المعصوم عنها.
1 - قال ابن أعثم: فلما كان يوم ثالث وعشرين من شهر رمضان خرج علي من منزله، فلما صار في صحن الدار كان في داره شيء من الوز، فتصايح الوز في وجهه.
فقال علي «رضي اللّه عنه»: صوائح تتبعها نوائح
فقال له ابنه الحسين: يا أبة! ما هذه الطيرة؟!
فقال: يا بني ! لم أتطير، ولكن قلبي يشهد أني مقتول في هذا الشهر (1).
2 - وحين ضرب ابن ملجم «لعنه اللّه» أمير المؤمنين «علیه السلام» «خرج الحسن والحسين «علیه السلام» وأخذا ابن ملجم وأوثقاه» (2).
ونقول:
:ألف ما ذكره ابن أعثم، من أن ابن ملجم قد ضرب عليا يوم ثالث وعشرين من شهر رمضان، واستشهد «علیه السلام» في السابع والعشرين منه خلاف المشهور، فالمشهور: أنه ضرب ليلة التاسع عشر، واستشهد فى الحادي والعشرين من شهر رمضان.
ب: إن الإمام الحسين «علیه السلام» كان يعرف أن أباه لا يمكن أن يتطير، لعلمه بأن الشارع قد نهى عن الطيرة، وعلي «عليه
السلام» لا يفعل ما نهى عنه الشارع.
ولكنه كان يريد دفع الشبهة من ذهن الآخرين على لسان نفس أمير المؤمنين «علیه السلام» مباشرة، ويعرفهم أن ثمة فرقا بين الطيرة التي هي التشاؤم بالشيء، وانفعال النفس بالإنقباض واحتمالات السوء بما يراه أو يسمعه.
وقد أخبر أمير المؤمنين ولده «علیهما السلام» بأن هذا الأمر لم يحصل له، ويخبر عن خلجات قلبه أنها لم تتأثر بصوت الأوز، ولا تشأمت به.
ج: على أن من الممكن جداً أن يكون النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد أخبر عليا «علیه السلام» عن أن صياح الأوز في وجهه، وانحلال إزاره هي من علامات ليلة استشهاده، والظاهر أن هذا هو السبب في أن قلبه يشهد بأنه مقتول لأنه رأى العلامات التي تجعل الأمر كأنه حاضر بعينه، ومرئي بشخصه ولذا قال «علیه السلام»: «قلبي يشهد»، والشهادة حضور مباشر، ولا يكون كذلك إلا إذا حصل اليقين، وأين هذا من الطيرة؟!
ولو أن الإمام الحسين «علیه السلام» أخبر الناس بهذا الأمر وبهذه التفاصيل مباشرة لاتهمه أهل الباطل بأنه يقول ذلك من عند نفسه، لأنه يحسن الظن بأبيه، أو لأنه لا يريد للناس أن يعرفوا أن أباه يتطير، مع صدور النهي عن ذلك.
قال ابن عباس: فلما رجع علي «علیه السلام» من صفين، وفرغ من أهل النهروان دخل عليه الأعور الهمداني.
فقال له علي «علیه السلام»: يا حارث! أعلمت أني منذ البارحة كئيب حزين فزع وجل؟!
فقال الحارث: ولم ذاك يا أمير المؤمنين؟! أندما منك على قتال أهل الشام، وأهل البصرة، والنهروان؟!
فقال «علیه السلام»: لا، ويحك يا حارث! وإني بذلك مسرور، ولكني رأيت في منامي أرض كربلاء، ورأيت ابني الحسين «علیه السلام» مذبوحاً مطروحاً على وجه الأرض، ورأيت الأشجار منكبة، والسماء مصدعة، والرحال متطامنة، وسمعت مناديا ينادي بين السماء والأرض، وهو يقول: أفزعتمونا يا قتلة الحسين «عليه السلام» أفز عكم اللّه، وقتلكم !!
ثم إني انتبهت وأنا منه على وجل لما رأيت.
فقال له الحارث كلا يا أمير المؤمنين ! لا يكون إلا خيراً.
فقال له علي «علیه السلام»: هيهات يا حارث! سبقت كلمة اللّه، ونفذ قضاؤه، وقد أخبرني حبيبي محمد «علیه السلام» أن ابني يقتله يزيد - زاده اللّه في النار عذاباً..
قال زهير بن الأرقم: فلما أصيب علي «علیه السلام» بضربة ابن ملجم، دخلت عليه، وقد ضم الحسين «علیه السلام»، إلى صدره
وهو يقبله ويقول :له يا ثمرتي، وريحانتي، وثمرة نبي اللّه، وصفيه، وذخيرة خير العالمين، محمد بن عبد اللّه كأني أراك وقد ذبحت عن قليل ذبحاً.
قال فقلت : ومن يذبحه يا أمير المؤمنين؟!
فقال : يذبحه لعين هذه الأمة، ثم لا يتوب اللّه عليه، ويقبضه، إذا قبضه، وهو ملآن من الخمر سكران.
قال زهير: فبكيت.
فقال لي علي «علیه السلام»: لا تبك يا زهير ! فالذي قضي كائن (1).
ونقول: لنا مع هذا النص وقفات وملاحظات، نذكرها ضمن ما يلي من عناوين:
1 - إن هذا النص يدل على ما ذكرناه من صحة رؤيا الأنبياء والأوصياء.. فإنه «علیه السلام» أكد على وقوع مضمون رؤياه بقوله «علیه السلام»: «هيهات يا حارث! سبقت كلمة اللّه، ونفذ قضاؤه».
2 - ثم أخبره باسم قاتله على لسان رسول اللّه «صلى اللّه عليه
1) الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 465 و 466 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص 553 و 554.
وآله»، ربما لكي يخرج هذا الخبر الصادق من دائرة الرؤى التي قد لا يطمئن كثير من الناس إلى صدقها ووقوعها، ويدخله في دائرة الخبر الغيبي الصادق، لأنه صادر من مصدر الوحي، ومن لا ينطق عن الهوى..
3 - إن هذا النص يدخل في سياق الأخبار الغيبية الدالة على إمامته «علیه السلام».
إن هذا النص يدل أيضا على أن الإمام الحسين «عليه السلام» سوف يبقى حياً، ولن يصاب في هذه الحروب.
إن حديث زهير بن الأرقم - ولعله زيد بن الأرقم - أشار إلى أن عليا «علیه السلام» حتى بعد أن ضربه ابن ملجم يضم الحسين «علیه السلام» إلى صدره، ويذكره بما يجري عليه في كربلاء، وأنه يذبح ذبحاً.
وكأنه «علیه السلام» يريد أن يثير لديه الحسَّ بالمقارنة بين الضربة على القرن بسيف مسموم، كما جرى لأبيه، وبين الذبح الذي يجري للإمام الحسين «علیه السلام»، فإن هذا، وإن كان أشد فظاعة، ولكن مرد هذه الفظاعة إلى أمر واحد هو الذي يدعو بني أمية إلى فعل هذا أو ذاك:
فأولاً: انتقاما من علي «علیه السلام»، لأن الحسين «علیه السلام» ابنه وثمرته. وقد قالوا يوم عاشوراء حين ناشدهم الإمام
الحسين «علیه السلام»: إنما نقاتلك بغضاً منا بأبيك (1).
ثانياً: انتقاماً من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، لأن الحسين أيضاً ثمرته.
ويلاحظ أنه قال عنه : «وثمرة نبي اللّه»، ولم يقل ثمرة محمد بن عبد اللّه، لأن نبوة محمد هي التي أزعجت قريشاً وحركتها لحربه، وکرست بغضه ودعتها إلى الانتقام من ذريته.
ثالثاً : إن الحسين «علیه السلام» ذخيرة محمد بن عبد اللّه، فإن هذا أيضاً من أسباب حقدهم عليه، وسعيهم للانتقام منه «عليه السلام».
والسبب في ذلك: أن الحسين «علیه السلام» بما هو بشر سوف تولد له ذرية، وسيكون الأئمة التسعة بقية الاثنا عشر من هذه الذرية.
وبنو أمية يعرفون ذلك من خلال إخبارات رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» للأمة. ويعرفون أن هؤلاء الأئمة سيكونون هم السبب في بقاء هذا الدين من خلال حفظه وتقويته ودفع الشبهات عنه. ولن يُفرح هذا بني أمية، ولا غيرهم من طواغيت الأرض.
1) ينابيع المودة ص 416 و (ط دار الأسوة سنة 1416ه) ج 3 ص 80 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 647 وعن مقتل الحسين «علیه السلام» ومصرع أهل بيته ص 132 وعن معالي السبطين ج 2 ص 12.
بل هو سيزيد من حرصهم على قتله وقتل أصحابه، وأهل بيته، وكل من يؤيده، ويسير على نهجه.
فحقد بني أمية على الحسين «علیه السلام» من هذه الناحية ليس لأجل فعل صدر منه، بل لأجل بشريته التي سوف تنتج ذرية صالحة. تكون تلك الذرية هي التي تتصرف وتمارس واجباتها، وتعمل فيما يرضى اللّه.
وهذا كله يوضح لنا السبب في قول علي للحسين «علیهما السلام»: «يا،ثمرتي وريحانتي، وثمرة نبي اللّه، وصفيه، وذخيرة خير العالمين محمد بن عبد اللّه! كأني أراك وقد ذبحت عن قليل ذبحا».
تقدم: أن عليا «علیه السلام» قال عن قاتل الحسين «علیه السلام»: إنه «لعين هذه الأمة»، ثم قال: «ثم لا يتوب اللّه عليه، ويقبضه، إذا،قبضه، وهو ملآن من الخمر سكران».
ونقول:
المراد: أن قتله للإمام الحسين «علیه السلام» قد كان لأجل بغضه لسيد الأوصياء «علیه السلام»، وبغضاً برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وسعياً في طمس دينه الذي جاء به، ولم يكن لهذا المجرم أي عمل صالح، إنساني أو غيره يستحق أن يكافأ عليه ولو في الدنيا. فلم يبق شيء يمكن أن يكون سبباً في أن يكون مورد الرعاية
الإلهية، ولا ما يوجب فتح أبواب التوفيق أمامه، لا للتوبة ولا لغيرها.. لأن رابطته باللّه قد انقطعت، ولا شيء يستدعي أن يعود اللّه إليه، أو فقل أن يتوب اللّه عليه، لأن التوبة هي العودة.
بقي أن نشير أخيراً إلى قول الرواية «قال زهير : فبكيت. فقال لي علي «علیه السلام»: لا تبك يا زهير ! فالذي قضي كائن».
والسؤال هو: إن عليا «علیه السلام» قد نهى زهير بن الأرقم حين بكي، ولكن عليا «علیه السلام» نفسه قد بكى لمصاب الحسين «عليه السلام» في كربلاء، حين كان في طريقه إلى صفين، وبكي الناس معه، وبكى في مناسبات أخرى أيضاً، وبكى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» على الحسين مرات كثيرة، ذكرنا شطراً منها في هذا الكتاب.. فما معنى نهيه لابن الأرقم عن البكاء هنا؟!
ويمكن أن يجاب:
بأن الغاية من البكاء هي التي تحدد إن كان مطلوباً أو محبوباً، أو أنه يجب، أو ينبغي الكف عنه.
فلعل بكاء زهير كان على أساس أن البكاء، وإظهار الخوف، يدفع عن الإمام الحسين هذا البلاء، ظنا منه أن هذا من البلاء العارض لأسباب خاصة..
فأخبره الإمام «علیه السلام» من خلال نهيه له: أن الأمر أعظم وأدهى وأمر مما يظن، وأنه مرتبط بالصراع بين الحق والباطل،
وبين الرسل والأوصياء وهداة الخلق، وبين المجدِّين في طمس جهود الأنبياء والأوصياء، والهداة إلى اللّه، والسعي في قتلهم..
وليست القضية مجرد نزوة عابرة لشخص يمكن دفعها بدعاء، أو بكاء، أو توسل، أو ما إلى ذلك.. بل هي لا تدفع إلا بالحرب، والطعن والضرب، وإسقاط عروش الطواغيت، والمستكبرين، وكسر جيوشهم كما يدل عليه قوله «علیه السلام» «لا تبك يا زهير، فالذي قضي كائن». أي أن البكاء لا يدفعه.
فظهر: أن عليا «علیه السلام» كان يبكي على الدين، وعلى الإمام، وعلى قادة الأمة وحماتها من الضلال والهلاك.
ثم إن من الطبيعي أنه إذا ضرب الأب والإمام، ونفس النبي، ووصيه وولي المؤمنين من بعده، وعرف أنها ضربة قاتلة - من الطبيعي - أن يلتف الأبناء حول أبيهم الإمام، وأن يبقوا بالقرب منه، ليسمعوا وصاياه، وليمتثلوا أوامره.
ثم من الطبيعي أيضاً : أن يشاركوا فيما يمكنهم المشاركة فيه من تغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه، وتشييعه، ودفنه وفق ما رسم لهم الشرع الشريف، أو أوصى به الوالد الإمام.
وهذه اللمحات كلها قد سجل لنا التاريخ بعض الشذرات منها، فلاحظ ما يلي:
ذكروا : أنه لما ضربه ابن ملجم «لعنه اللّه» دعا بابنيه الحسن
والحسين «علیهما السلام»، وأقعدهما بين يديه، ودعا أيضا بمن حضر من ولده وأهل بيته، وأقبل عليهم بوجهه.
وقال يا بني ! إني موصيكم بتقوى اللّه وطاعته، وأن لا تبغوا هذه الدنيا وإن بغتكم على شيء زوي عنكم الخ..
إلى أن قال لولده ابن الحنفية: يا بني ! أفهمت ما أوصيت به إخوتك وغيرهما ؟!
قال: نعم يا أمير المؤمنين!
فقال علي رضي اللّه عنه»: فإني موصيك بمثل ذلك، وأوصيك أيضاً بتوقير إخوتك الحسن والحسين وأن لا تقطع أمراً دونهما.
ثم أقبل عليهما، فقال: يا حسن ويا حسين إني قد أوصيت أخاكما بكما، وأوصيكما به، وقد علمتما بأن أباكما كان يحبه، فأحباه بحب أبيكما له..» (1).
وفي نص آخر: أنه كان يخاطب الإمام الحسن «علیه السلام» في وصيته، فكان مما قاله له: «وأوصيك بأخيك محمد خيراً فإنه شقيقك وابن أبيك، وقد تعلم حبي له.
1) الفتوح لابن أعثم (ط دار الأضواء) ج 4 ص 279 و 280 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 11 ص 304 و 305.
وأما أخوك الحسين فهو ابن أمك، ولا أزيد الوصاة بذلك» (1).
وله «علیه السلام» وصية أخرى لأولاده مروية عن الإمام الباقر «علیه السلام»، وهي ترتبط بمعاشرة الناس (2).
ورد في النص الذي ذكره ابن أعثم وغيره: أن عليا «عليه السلام» أمر ولده محمد ابن الحنفية بأمرين:
أولهما: أن يوقر أخويه الحسن والحسين «علیهما السلام».
الثاني: أن لا يقطع أمراً دونهما..
وبعد ذلك نقول:
1) الأمالي للمفيد ص 220 والأمالي للطوسي ص 7 كلاهما عن الفجيع العقيلي؛ الفصول المهمة لابن الصباغ ص 133 و (ط دار الحديث سنة 1422ه) ج 1 ص 620 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص 154 وج 4 ص 166 وبحار الأنوار ج 42 ص 202 وج 75 ص 98 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج 8 ص 465 ونهج السعادة ج8 ص 137.
2) الأمالي للطوسي ص 595 عن جابر بن يزيد، وتنبيه الخواطر ج 2 ص 75 و (ط دار الكتب الإسلامية) ج 2 ص 394 وبحار الأنوار ج 42 ص 247 و 253 وج 71 ص 163 وراجع : نهج البلاغة الحكمة 10 وعيون الحكم 71 والمواعظ ص 242 ونهج السعادة ج 8 ص 252 و أعلام الدين ص 215.
أما فيما يرتبط بلزوم توقير الحسنين «علیهما السلام»، فنلاحظ ما يلي :
ألف: أن الأمر بتوقيرهما «علیهما السلام» ظاهر المأخذ، فإن طول العشرة وكثرة المشاهدة بين الأخوة تدفع نحو إسقاط الكلفة.
وإذا كان بين الإخوة تفاوت في الفهم والعلم والدراية، والالتزامات الاخلاقية وسواها، فستجد هذا الأخ المميز في ذلك كله، شديد التقيد بالمعايير الأخلاقية، مجتهداً في الانضباط في حركته، في القول والفعل، يجهد نفسه في إبعاد أي فهم يوحي بمشاعر غير حميدة، في حين نجد أخاه الأقل فهما وعلماً، والتزاماً منه، يتصرف بطريقة عشوائية قد تحمل معها الكثير من التعدي والخطأ والإيحاءات السلبية التي قد لا تكون مقصودة.
فإذا زالت الكلفة بين الأخوين، فإن الأمر يصبح أكثر سوءاً، وأعظم كلفة، لأنه قد يصل إلى حد سوء الأدب.
هذا عدا عن أنه قد يسوق إلى التهاون في الطاعة والانقياد الواجب.
ومن الطبيعي أن يكون إسقاط الكلفة الذي يحمل معه آثاراً سلبية إنما يكون من قبل الطرف الذي لا يبالي، أو لا يفكر بعواقب الأمور، ولأجل ذلك اختص الأمر بالتوقير بمحمد ابن الحنفية، لأنه هو الذي يتوقع منه ذلك، دون الحسنين «علیهما السلام».
ب: بالنسبة لإلزام علي «علیه السلام» محمد ابن الحنفية بأن لا
يقطع أمراً دون الحسن والحسين «علیهما السلام»، نقول:
إن هذا الإلزام لمحمد ابن الحنفية، الذي يصل إلى حد سلب حرية اتخاذ القرار منه معهما «علیهما السلام»، والحال أن أخوة الحسنين لمحمد لا تقتضي - بمجردها - ذلك، ولا توجب على محمد هذه التابعية المطلقة... فلا بد من أن يكون السبب أمراً آخر غير مجرد الأخوة النسبية.
السبب الوجيه لهذا التوجيه هو معنى الإمامة في أخويه، تحقيقاً لقول رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» : الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا. وغير ذلك مما دل على هذا المعنى.
أما ما أوصى به «علیه السلام» الحسنين «علیهما السلام» تجاه محمد ابن الحنفية، فنلخصه كما يلي:
إنه «علیه السلام» قال للحسنين «علیهما السلام»: «وأوصيكما به»، ثم أمرهما بحبه لعلمهما بأن أباه يحبه.
وهذه الوصية بمحمد تدل على أن عليهما أن يرعياه ويسدداه في جميع شؤونه وحالاته.. وهذا يتوافق مع قوله لمحمد «لا تقطع أمراً دونهما».
ومن المعلوم أن ثمة فرقا بين أن توصي بالشخص، وتجعله تحت تكفل من يرعاه، وبين من توصيه به وتجعله كافلا له، وحافظاً وراعياً.
وقد زاد في النص الذي رواه المفيد والطوسي في وصيته للإمام الحسن قوله: «فإنه شقيقك، وابن أبيك». وهذا يعطي
أولاً: إن الأخ من الأب يقال له شقيق، فلا معنى لما يدعى من أن الشقيق هو الذي يكون من الأب والأم معاً.
ثانياً : إن ذلك معناه أن هذه الأخوة ترتب حقوقاً وواجبات هي أزيد مما يرتبه مجرد كونه إنساناً، أو مسلماً، أو مؤمناً.
وقد اجتمع الأمران في ابن الحنفية، فصارت له حقوق أخرى لا بد من مراعاتها، وعدم الاكتفاء بالحقوق العامة.
ومما يؤكد أن لمحمد حقوقاً تزيد على ما لغيره: أن أباه كان يحبه، فلا بد من مراعاة هذه الخصوصية، لأنها من البر بأبيهما، وهي فضيلة أحب الإمام أمير المؤمنين «علیه السلام» أن لا تفوتهما.
ثالثاً : ثم أشار «علیه السلام» إلى الإمام الحسن «علیه السلام»: بأن مضاعفته للبر بأخيه الحسين «علیه السلام»، يكسبه فضلين: أحدهما بره بأبيه «علیه السلام»، لأنه كان يحب الحسين «علیه السلام»، فدلنا جعل هذا الحب ملاكاً للبر على وصول البر إلى رسول اللّه، لأنه «صلی اللّه علیه وآله» كان يحب الحسين «علیه السلام» بنفس المستوى وأزيد من ذلك، وهذه فضيلة عظيمة للحسين «علیه السلام» أيضاً.
الثانية: بره بأمه الزهراء «علیها السلام»، فإنها كانت تحب الحسين «علیه السلام» بلا ريب.
وإذا أردنا أخذ النتيجة النهائية، فسنجد أن الخطاب بعينه يشمل الإمام الحسين «علیه السلام» بالنسبة لأخيه، فإن النبي «صلی اللّه علیه وآله» وعليا «علیه السلام»، والزهراء «علیها السلام» كانوا يحبونه، فالبر به بر بهم أيضاً.
ويلاحظ: أن الخطاب في مختلف الوصايا كان موجها إما للإمام الحسن «علیه السلام»، أو سبيل الخطاب بصيغة المثنى، فإن الإمام الحسن داخل في الخطابين معا، ولعله رعاية لمقام الإمامة الفعلية في له «علیه السلام».
وفيما يرتبط بالوصية بالخلافة، فقد رووا أن أمير المؤمنين «علیه السلام» قال: «وإني أوصي إلى الحسن والحسين؛ فاسمعوا لهما، وأطيعوا أمرهما» (1).
وقال الكليني «رحمه اللّه» وغيره:
عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْن مُحَمَّدٍ، عَن الحُسَيْنِ بْن سَعِيدٍ،
1) عيون المعجزات ص 43 وإثبات الوصية ص152 والخرائج والجرائح ص 183 ومدينة المعاجز ج 3 ص 55 و ج 2 ص 177 وبحار الأنوار ج 41 ص 296 وج 42 ص 87.
عَنْ حَمَّادِ بْن عِيسَى، عَنْ عَمْرُو بْن شِمْرٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ «علیه السلام» قالَ: أَوْصَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ «علیه السلام» إلى الحَسَنِ، وأَشْهَدَ عَلى وَصِيَّتِه الحُسَيْنَ «علیه السلام» ومُحَمَّداً، وجَمِيعَ وُلْدِهِ، وَرُؤَسَاءَ شِيعَتِه، وأهْلَ بَيْتِه، ثمَّ دَفعَ إِلَيْهِ الْكِتَابَ وَالسّلاحَ.
ثُمَّ قَالَ لِابْنِهِ الحَسَن: يَا بُنَيَّ، أَمَرَنِي رَسُولُ اللّه أَنْ أُوصِيَ إِلَيْكَ، وأنْ أدْفَعَ إِلَيْكَ كُتُبي وسلاحِي كَمَا أَوْصَى إِلَيَّ رَسُولُ اللّه، ودَفَعَ إِلَيَّ كُتُبَه وسِلَاحَه.
وأمَرَنِي أَنْ آمُرَكَ إذا حَضَرَكَ الْمَوْتُ أَنْ تَدْفَعَه إلى أخِيكَ الحُسَيْن.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ابْنِه الحُسَيْن وقالَ : أَمَرَكَ رَسُولُ اللّه «صلى اللّه عليه وآله» أنْ تَدْفَعَه إلى ابْنِكَ هَذا.
ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ ابْنِ ابْنِه عَلِيّ بْن الْحُسَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: يَا بُنَيَّ، وأَمَرَكَ رَسُولُ اللّه «علیه السلام» أنْ تَدْفَعَهُ إِلَى ابْنِكَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وأقرأه مِنْ رَسُول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ومِنّي السَّلام.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ، فَقالَ: يَا بُنَيَّ، أَنْتَ وَلِيُّ الأَمْرِ، ووَلِيُّ الدَّمِ، فَإِنْ عَفَوْتَ، فَلكَ، وإنْ قَتَلْتَ، فَضَرْبَةٌ مَكَانَ ضَرْبَةٍ، ولا تَأْتُمْ (1).
1) الكافي (مُشكّل) ج 1 ص 298 و 299 ومرآة العقول ج 3 ص 292 و 293 وراجع: دعائم الإسلام ج 2 ص 348 ومن لا يحضره الفقيه ج 4 ص 189 وتهذيب الأحكام ج 9 ص 176 وبحار الأنوار ج 42 ص250 والدر النظيم ص 378 و 379.
ونقول:
1 - هذه الرواية تتوافق مع مضامين روايات أخرى دلت بصورة صريحة على أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد أوصى إلى علي والحسنين «علیهم السلام» دفعة واحدة، كما أن عليا «علیه السلام» قد أوصى للحسن والحسين «علیهما السلام» معاً. كما دلت عليه هذه الرواية وسابقتها، وسواهما أيضاً.
إن هذه الرواية تمتاز بأنها قد صرحت بكتابة الوصية، وبالإشهاد الشامل والواسع عليها، من قبل جميع ولده، ورؤساء شیعته.
3 - كما أنه «علیه السلام» قد أعاد الكلام، والوصايا مرة بعد أخرى الوصية من النبي إليه، ومنه إلى الحسن، ثم من الحسن إلى الحسين، ثم من الحسين إلى علي بن الحسين، ثم من علي بن الحسين إلى الباقر، وقد قرر ذلك بصورة مفصلة لم يسأم من إعادتها كما هي. وذلك ليفيد المزيد من التحديد، والتأكيد على كل تفصيل، ولا يريد أن يفسح المجال لادعاء إجمال، أو للمناقشة في شمول وعموم وما إلى ذلك.
4 - يضاف إلى ذلك تصريحه بنقل وانتقال الكتب والسلاح الذي
انتقل إليه من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» عند وفاة كل إمام، بفعل وتصريح من الإمام نفسه إلى الإمام الذي يليه.
وهذا معناه: أن هذه الكتب والسلاح هي شارة الإمامة، وعلامتها.. وهي لا تكون إلا عند الأئمة دون سواهم.
5 - إنه «علیه السلام» يصرح بأن كل ما يقوله ويفعله هو بأمر من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» مباشرة، حتى إنه ليقول: «وأمرني أن آمرك الخ..».
6 - وحين تصل النوبة إلى إمامة الإمام السجاد، لا يكتفي في تعيينه لهم، وهو حاضر بينهم بالإشارة إليه، بل أخذ بيده أيضاً، وخاطبه، وامره بطريقة تتفق مع طريقة الكلام مع أبيه الإمام الحسين «عليه السلام».
وتوضيح ذلك أن عليا «علیه السلام» حين خاطب ولده الإمام
الحسن «علیه السلام» قال له: «وأمرني أن آمرك».
ولكنه حين خاطب الإمام الحسين والسجاد «علیهما السلام» قال لهما: «وأمرك رسول اللّه أن تفعل كذا». والفرق بينهما: أن الحسين «عليه السلام» لا تصير إمامته فعلية إلا بعد موت أبيه الإمام علي «عليه السلام» بسنوات وخطاب الحسن له بالإمامة حين اقتراب أجل الإمام الحسن «علیه السلام» هو الذي يوصل إمامته إلى مرتبة الفعلية، وليس هو أمر علي «علیه السلام»..
ولكن الحسين «علیه السلام» حين يريد نقل الإمامة إلى الإمام
السجاد «علیه السلام» لا يكون أبوه ولا الإمام الحسن «علیهما السلام» على قيد الحياة، فالحسين «علیه السلام» إنما ينقل الكتب والسلاح إلى السجاد بأمر من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
وعلى هذا يجري الأمر حين يريد نقل الإمامة إلى الإمام الباقر «علیه السلام»، فإنه ينقلها إليه بأمر الرسول «صلی اللّه علیه وآله» الذي أبلغه إياه جده على «علیه السلام» عنه «صلی اللّه علیه وآله».
7 - ثم بادر «عليه السلام إلى التصريح بجعل الإمامة والوصاية للحسن «علیه السلام»، فقال له:
1 - «يا بني، أنت ولي الأمر».
2 - «وولي الدم الخ..».
بقي أن نجيب على سؤال: لماذا كل هذا؟ ألم يكن يكفي أن يقول، وان يكتب للناس: إن الحسن ولي الأمر بعدي؟!
ونجيب:
إن الأمر أبعد مما يظنه هذا السائل، فإن خصوصية علي «علیه السلام» برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وما نزل في علي من القرآن وما سمعته الأمة فى حقه من رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»، وما ظهر له من علوم ومعجزات وبركات وكرامات، وحل مشکلات، وما أخبر به من أسرار،وغائبات كل ذلك يجعل من كلامه
حجة دامغة، وبرهانا ساطعاً، ودليلاً قاطعاً على الحق والحقيقة، ولا ينكره أو يناقش فيه إلا مكابر معاند، أو متربص جاحد.
وهذا الذي جرى هو من مفردات السياسة الإلهية، التي تقضي بعدم التدخل في إرادات الناس، وعدم المساس بحريتهم في الاختيار من جهة، ثم تجريد ما يختارونه من خارج دائرة الشرع والدين لمحاربة الدين والشرع.به - تجريده - من المشروعية في وعي الناس، وفي مبانيهم الاعتقادية، والعمل على ترسيخها في عمق الضمير والوجدان.. وهم إنما يفعلون ذلك بصورة مسبقة، حتى إذا جاء الإنحراف والخلل، فإنه لا يستطيع أن يفرض نفسه إلا بالغشم، والظلم، وقوة السلاح، أو من خلال السعي لإثارة الغبار، وتشويه الحق بالشبهات والأضاليل التي يتأثر بها الجاهلون والبسطاء والمغفلون.
وهذا الذي يفعله «علیه السلام» هنا هو من مفردات العمل على تجريد الحكم الأموي من الشرعية مسبقا، وفضح أضاليله في كل المدى الزمني للحكم الأموي إلى أن يصل إلى زمن بعد استشهاد الإمام الباقر «علیه السلام»، حيث سيكون ما تبقى منه بعد ذلك حكماً ضعيفاً ينوء تحت وطأة السياسات الخاطئة، والارتكابات الرديئة والمهترئة، وهيمنة الفساد والمفسدين، والطامحين والطامعين، بالإضافة إلى التمزقات والتشظيات والحروب التي تفتك فيه في كل اتجاه.
روى الكليني عن عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْن مُحَمَّدِ بْن خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْن مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْن عَمِيرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْن شِمْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ الْوَلِيدِ الْجُعْفِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لمَّا أُصِيبَ أمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ «علیه السلام» نَعَى الْحَسَنُ إِلَى الْحُسَيْن «عليهما السلام» وهُوَ بِالْمَدَائِن.
فلمَّا قرأ الكِتَابَ قَالَ: يَا لَهَا مِنْ مُصِيبَةٍ مَا أَعْظُمَهَا. مَعَ أَنَّ رَسُولَ اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قالَ: مَنْ أصِيبَ مِنْكُمْ بِمُصِيبَةٍ فَلْيَدْكُرْ مُصَابَه بي، فَإِنَّه لن يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ أَعْظَمَ مِنْهَا وصَدَقَ «صلى اللّه عليه وآله» (1).
ونلاحظ:
1 - أن الإمام الحسين «علیه السلام» نفسه قد صرح: بأن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد اعتبر مصيبته أعظم المصائب، والإمام الحسين «علیه السلام» يقرر أيضاً أن المصيبة بعلي «علیه السلام» كذلك، فكيف نفهم ذلك؟!
1) الكافي (مُشكّل) ج 1 ص 220 و 221 وبحار الأنوار ج 42 ص 247 وج 79 ص 143 ومرآة العقول ج 14 ص 175 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 267 و (الإسلامية) ج 2 ص 911 ومشكاة الأنوار ص484 و 485 ومسكن الفؤاد ص 110.
ونجيب :
بأن الإمام الحسين «علیه السلام» يريد أن يفهمنا: أن كلامه منسجم كل الانسجام مع قول رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، لأن عليا «علیه السلام» هو نفس النبي «صلی اللّه علیه وآله» بنص آية المباهلة، وتشير إليه نصوص أخرى، فكل ما هو ثابت للنبي «صلى اللّه عليه وآله» باستثناء درجة النبوة، فهو ثابت له، ومنه هذا المورد. ولذا قال: وصدق رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
2 - إن الإمام حتى وإن ضرب ضربة يعلم أنه لا يقوم منها، وأن أجله أصبح بين ليلة وضحاها، ولكن كان عليه أن يتابع تدبير أمور المسلمين إلى اللحظات الأخيرة. من أجل ذلك نقول:
إن وجود الحسين «علیه السلام» في المدائن حين حضور أجل أبيه لمتابعة بعض الشؤون ليس خارجاً عن أرادة أبيه، بل هو منبثق عنها، ومنطلق منها.
وهذه هي الإمامة الإلهية الحقة التي لا تشغله همومها وآلامها الخاصة عن متابعة الشأن العام بكل دقة ومسؤولية وأمانة.
وقالوا حول تجهيز أمير المؤمنين «علیه السلام» ودفنه ما يلي:
غسله الحسن والحسين، ومحمد ابن الحنفية يصب على
أيديهما الماء (1)
2 - وفي نص آخر: غسله ابناه الحسن والحسين وعبد اللّه بن جعفر (2).
3 - عن الإمام الصادق «علیه السلام»: لما أصيب أمير المؤمنين «عليه السلام» قال للحسن والحسين «صلوات اللّه علیهما»: غسلاني، وكفناني، وحنطاني، [وفي نص آخر عن أم كلثوم: ثم نشفاني بالبردة
1) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 281 وبحار الأنوار ج 42 ص 244 و 254 وأعيان الشيعة ج 1 ص533 ومطالب السؤول ص319 وكشف الغمة ج2 ص64 وراجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 350 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 624 و ينابيع المودة ج 2 ص 422.
2) تاریخ مدينة دمشق ج 42 ص563 و 560 وبحار الأنوار ج 42 ص245 و 254 والمعجم الكبير ج 1 ص 102 وجواهر المطالب ج 2 ص 109 والرياض النضرة ج 3 ص 236 وأسد الغابة ج 4 ص 37 وأنساب الأشراف (ط الأعلمی) ج 2 ص 496 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمی) ج 4 ص 114 والكامل في التاريخ ج 3 ص 392 والمناقب للخوارزمي ص 386 وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 193 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 7 ص 363 وكشف الغمة ج 2 ص 60 والعدد القوية للعلامة الحلي ص 242 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 624 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 307 وراجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 350 ينابيع المودة ج 2 ص 422.
التي نشفتم بها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وفاطمة «عليها السلام»، ثم حنطاني، وسجياني على سريري]
واحملاني على سريري، واحملا مؤخره تكفيان مقدمه، فإنكما تنتهيان إلى قبر محفور، ولحد ملحود، ولبن موضوع، فالحداني، وأشرجا اللبن علي، وارفعا لبنة مما يلي رأسي فانظرا ما تسمعان.
فأخذا اللبنة من عند الرأس بعدما أشرجا عليه اللبن، فإذا ليس في القبر شيء وإذا هاتف يهتف: أمير المؤمنين «علیه السلام» كان عبداً صالحاً فألحقه اللّه بنبيه، وكذلك يفعل بالأوصياء بعد الأنبياء، حتى لو أن نبيا مات في المشرق ومات وصيه في المغرب، لألحق اللّه الوصي بالنبي.
وفي حديث مولى علي: «وجعلنا نسمع دويا وحفيفا حتى أتينا الغريين»(1).
1) تهذيب الأحكام ج 6 ص 106 وفرحة الغري (منشورات الرضي) ص30 و (نشر مركز الغدير) ص 60 كلاهما عن سعد الإسكاف. وروضة الواعظين ص 136 والإرشاد ج 1 ص 23 وبحار الأنوار ج 42 ص 217 و 214 و 236 ومدينة المعاجز ج 3 ص 49 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 27 وإعلام الورى ج 1 ص 393 وإرشاد القلوب ج 2 ص 435 وعن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 482 و 483 والمزار للمفيد ص 192 وإثبات الهداة ج 5 ص 2.
عن ابن أبي عمير، عن رجاله قال : قيل للحسين بن بن علي «عليهما السلام» أين دفنتم أمير المؤمنين «علیه السلام»؟!
فقال: خرجنا به ليلا على مسجد الأشعث، حتى خرجنا به إلى الظهر بجنب الغريين، فدفناه هناك (1).
ومن كلام الحسين «علیه السلام»: كان أبي علما لمن جهل، مذكراً لمن غفل، لا يلفظ إلا الحق وإن أمرَّ، ولا يسيغ الباطل وإن حلا، شد عضده، وجاهد وحده، وآزر أخاه، وقتل عداه، وكشف عن وجهه الكربات، وخاض دونه الغمرات.
فلما اختار اللّه لنبيه «صلی اللّه علیه وآله» دار أنبيائه، كرهته قريش، فأهملهم إهمال الراعي لإبله، فبايع الناس أبا بكر، فمنحه وده، وبذل له نصحه.
ولما استخلف عمر كرهه،قوم ورضيه آخرون. فكان أبي فيمن أحب بيعته، ولم يكره خلافته.
1) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 25 وبحار الأنوار ج 42 ص 234 وج 97 ص 240 و 245 وكامل الزيارات ص 82 والغارات للثقفي ج 2 ص 847 ومقاتل الطالبيين ص 26 وفرحة الغري ص 67 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 28 و فضائل أمير المؤمنين لابن عقدة ص 137.
ثم بايع الناس عثمان وهم لا يستغنون عن مشورته وحضوره.
ثم قتل عثمان، فلم ير أحداً يقوم مقامه، ولو رآه لسلم الأمر إليه، ولم ير حريصاً عليه، فتسلم الإمارة لإقامة حدود عطلت ولدلالة على معارف أنكرت وجهلت. وانفتقت عليه أعلام النفاق، ورايات الشقاق، عندما ضحكت لهم الدنيا. وتزينت بأحسن زينتها، فلم يزل يفتق ما رتقوا، ويرتق ما فتقوا، حتى قبضه اللّه على خير،حالاته وأفضل ساعاته(1).
ونقول:
إن هذا النص جدير بالتأمل والتدقيق، وهو يمتاز بالمتانة والقوة، والوضوح، ولكنه تضمن أموراً لا يمكن قبولها بادىء الرأي، فلا بد من التدبر والتأمل فيها للوقوف على مراميها الحقيقية، فنقول:
قوله: إن قريشاً حين كرهت عليا «علیه السلام» أهملهم «إهمال الراعي لإبله»، غير ظاهر الوجه، لأن الراعي الحصيف، والمسؤول عن إبله، لا يمكن أن يهمل إبله، ولا يغمض عنها عيناً إلا وهو يرصدها بالعين الأخرى، فإذا نفرت أو شدّت سعي في جمعها، وإعادة نظمها، وأصلح ما فسد من أحوالها..
1) الملاحم والفتن لإبن طاووس ص193.
إلا إن كان «علیه السلام» يريد بأهمال إبله: أنه لا يعنف عليها ولا يعجل، إذا رأى منها ما يؤذيه ويسوؤه، بل يتغاضى، وينتظر الفرصة، فإذا سنحت له اهتبلها.
ولعل هذا ما أشار إليه في الخطبة الشقشقية بقوله عن استيلاء الأول على الخلافة: «فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحاً».
وقد بين «علیه السلام» سبب هذا الموقف بقوله: «و طفقت أرتئي بين أن أصول بيد جداء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهباً».
وأما قوله «عليه السلام»: إن أباه عليا «علیه السلام» حين استخلف عمر كان «في من أحب بيعته، ولم يكره خلافته». فهو أكثر إبهاماً وإيهاماً.
أولاً : لأن أمير المؤمنين «علیه السلام» لا يمكن أن يحب بيعة هي - بنظر علي نفسه - من مفردات معصية اللّه تعالى وهي تمرد على أمره، ومخالفة لآيات القرآن وللنصوص النبوية التي تؤكد على لزوم تسليم الأمر لأهله، وعدم جواز مخالفة ما أمر اللّه به، وعدم شرعية أي شيء بني على باطل. وهي إصرار على نقض البيعة في يوم الغدير.
ثانياً : كيف أحب علي «علیه السلام» بيعة عمر، ولم يكره بيعته، وهو القائل في الخطبة المعروفة بالشقشقية عن أبي بكر وعمر: «لشد ما تشطرا ضرعيها، فصيرها في حوزة خشناء، يغلظ كلامها [ كلمها خ.ل] ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن أشنق لها،خرم، وإن أسلس لها تقحم، فمني الناس - لعمرو اللّه - بخبط وشماس وتلون،واعتراض فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة».
وقول الإمام الحسين «علیه السلام»: إنه حين قتل عثمان لم ير علي «علیه السلام» أحداً يقوم مقامه، ولو رأه لسلم الأمر إليه». إنما یرید به القيام بالأمر كما لو كان نفس علي «علیه السلام» هو المتولي المقام الخلافة، وأن يسوس العباد والبلاد بنفس ما يسوسها به أمير المؤمنين «علیه السلام».
ولا يريد أن يكون من يتولى الأمر بعده من أمثال مروان بن الحكم، وعبد اللّه بن عامر بن كريز، ومعاوية وغيرهم.
ومن المعلوم انه لا يقوم مقام علي «علیه السلام» إلا إمام معصوم، منصوب من قبل اللّه تعالى.
ويلاحظ: أنه «علیه السلام» لم يشر إلى عهد عثمان، وسياساته،
وما جرى في عهده، وموقف علي «علیه السلام» منه ومنها، ربما لكي لا يعطي ذريعة لمعاوية، ومن معه من المناوئين والمتزلفين، لإثارة أي نوع من أنواع الشغب الحاقد، والمسيئ إلى أهل البيت «علیهم السلام»، وغيرهم من الأخيار والأبرار.
وروى الصدوق «رحمه اللّه» بإسناده عن عبيد اللّه بن المغيرة، عن سالم عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال:
أوصى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إلى علي «علیه السلام»، وأوصى علي «علیه السلام» إلى الحسن والحسين «عليهما السلام» جميعاً، فكان الحسن «علیه السلام» إمامه.
فدخل رجل يوم عرفة على الحسن «علیه السلام»، وهو يتغدَّى، والحسين «علیه السلام» صائم.
ثم جاء بعد قبض الحسن «علیه السلام» فدخل على الحسين «عليه السلام» يوم عرفة وهو يتغدى وعلي بن الحسين «علیه السلام» صائم.
فقال الرجل: إني دخلت على الحسن «علیه السلام»، وهو يتغدَّى، وأنت صائم. ثم دخلت عليك، وأنت مفطر؟!
فقال: إن الحسن «علیه السلام» كان إماماً، فأفطر لئلا يتخذ
صومه سنة، وليتأسى به الناس فلما أن قبض كنت أنا الإمام، فأردن أن لا يتخذ صومي سنة، فيتأسى الناس بي (1).
ونقول:
هنا أمور تحتاج إلى بيان
الأمر الأول: الوصية والإمامة:
فقد ذكرت هذه الرواية أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أوصى إلى على «علیه السلام»، وعلى هو الذي أوصى للحسن والحسين «علیهما السلام». مع أن هناك روايات دلت على أنه «صلی اللّه علیه وآله» أيضاً أوصى للحسن والحسين «علیهما السلام»، بالإضافة إلى علي «علیه السلام». وقد تحدثنا عن بعضها فيما سبق، فما هذا التهافت بين الروايات؟!
ونجيب:
بأن الوصي هو القائم بشؤون الموصي بعد موته، فالوصي للنبي «صلی اللّه علیه وآله» بهذا المعنى هو علي «علیه السلام» - حصراً
1) من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 53 و (ط جماعة المدرسين) ج 2 ص87 وعلل الشرايع ج 1 ص 386 وإقبال الأعمال ج 2 ص 59 ودعائم الإسلام ج 1 ص 335 و ج 2 ص 344 وبحار الأنوار ج 94 ص 123 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 10 ص 467) و (الإسلامية) ج 7 ص 345.
وجعل الإمامة للحسنين «علیهما السلام» من قبل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بعد أبيهما، لا يعني أن يصبحا وصيين للرسول بمعنى أن يكونا هما اللذان يتوليان أموره بعد موته «صلی اللّه علیه وآله» كعلي «علیه السلام».
فعلي «علیه السلام» بعد النبي «صلی اللّه علیه وآله» هو إمام، وهو أيضاً قد أصبح وصيا له «صلی اللّه علیه وآله».
والحسنان «علیهما السلام» وإن جعلهما النبي «صلی اللّه علیه وآله» إمامين قاما أو قعدا، لكن هذه الإمامة إنما هي بالنسبة للأمة، وليس لهما أن يتصرفا كوصيين بالنسبة للنبي، إلا فيما يوكله علي «علیه السلام» إليهما.
ولكن الحسنين «علیهما السلام» بالنسبة لعلي «علیه السلام»، يكونان في بادئ الأمر في مرتبة واحدة بالنسبة للوصية منه «علیه السلام» لهما، فيمكنه أن يجعل أحدهما وصياً، ويمكنه أن يجعلهما وصيين في آن واحد. وهذا ما فعله «علیه السلام»، فقد جعلهما معاً - كما في الرواية المتقدمة عن الإمام الباقر - مسؤولين عن جميع أموره في التغسيل والتكفين، والصلاة والدفن وغير ذلك.
الأمر الثاني: العلاقة بين الحسنين في تبليغ الأحكام
فقد بدأ «علیه السلام» في بيان شأن آخر من شؤون الإمامة يرتبط بالعلاقة بين الحسن والحسين «علیهما السلام»، فيما يتعلق ويرتبط بطريقة التشارك في تبليغ أحكام الشريعة من موقع إمامتهما،
وحفظ الأحكام، وصيانتها عن الخطأ والخلط فيها.
وكان المورد الذي شاهده ذلك الرجل هو مورد صوم يوم عرفة، فقد كان الإمام الحسن «علیه السلام» - بإفطاره يوم عرفة - بصدد دفع توهم وجوب صومه على الناس، لا نفي استحبابه، وهو «علیه السلام» الإمام القائم بالأمر. وأما الإمام الذي سيقوم بالأمر بعده فكان يصومه...
فصيام الحسين لهذا اليوم يدل على رجحان صومه، وإفطاره من الإمام الحسن وهو القائم بالأمر يدل على أن صيامه هذا ليس إلزاميا...
وقد أظهرت هذه الرواية: أن الأئمة «علیهم السلام» كانوا حين يتشاركون في بيان الأحكام، فإنهم يتعمدون أن يعرف الناس أن عليهم أن ينظروا إلى أفعالهم وأقوالهم، وكأنها وحدة متكاملة ومترابطة.. الأمر الذي يفرض ضم بعضها إلى بعض، فقد يقيّد بعضها بعضا، وقد يخصصه، وقد يبيّن جهته، أو قد يكون ناسخاً له، وما إلى ذلك.
عن إبراهيم المرتضى قال: سمعت الرضا «علیه السلام» يقول: سمعت أبي موسى الكاظم «علیه السلام» يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد «علیه السلام» يقول : سمعت أبي محمد بن علي «عليهما
السلام» يقول: وقد سُئل عن أبي (1)العباس، هل عندهم من علم شيء؟!
فقال: نعم، عندهم صحيفة صفراء كانت الأمير المؤمنين «علیه السلام»، وذلك أنه لما قُتِلَ أمير المؤمنين «علیه السلام» وطعن الحسن «علیه السلام»، وقدم معاوية الكوفة، وصالح الحسن «عليه السلام»، فانصرف الحسن والحسين «علیهما السلام» ومحمد ابن الحنفية إلى المدينة.
فانطلق محمد ابن الحنفية، فدخل إلى الحسن والحسين عليهما السلام»، فقال: إنّكما ورثتما أبي دوني، فإن لم يكن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ولدني، فقد ولدني أبو كما، ولكما لعمري عليّ الفضل، ولكن أعطوني ما أتحمل به من أبي، فقد عرفتما حُبّه لي.
فقال الحسن للحسين «علیهما السلام»: يا أخي، هو أخونا وابن أبينا، فأعطه شيئا من علم أبيه.
قال: فأعطياه صحيفة صفراء، فيها رايات السود متى يكون؟! ومن يقوم بها؟ ومتى زمانها؟
لم يعطياه شيئاً غيرها، ولم يكن فيها غير هذا.
وكانت عند ابن الحنفية، حتى إذا حضره الموت دفعها إلى ولده
1) لعل الصحيح بني.
عبد اللّه أبي هاشم، وكانت عنده، حتى إذا حضره الموت دفعها إلى محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، وكان له صفيا، وكانت عنده حتى حضره الموت (1).
ونقول:
1 - لقد رويت هذه القصة بنحو آخر، يجعل مطالبة ابن الحنفية خاصة لخصوص الإمام الحسين «علیه السلام». وسوف نشير إليها حين الكلام عن تاريخ الحسين في عهد إمامته بعد استشهاد الإمام الحسن «علیه السلام».
2 - إننا لا نصدق ما يدعى من أن محمد ابن الحنفية قد طالب أخويه بميراثه المالي من أبيه، لعلمنا بأن الحسنين «علیهما السلام» لا يحبسان إرثه عنه ولو لحظة واحدة.
هذا إن كان أبوهما قد ترك مالاً، لكننا نعلم أنه «علیه السلام» لم يترك صفراء ولا بيضاء إلا سبع مئة درهم كان يريد أن يشتري بها خادماً لأهله.. فلما ضربه ابن ملجم أمر أن تجعل في بيت مال المسلمين (2).
1) راجع: أخبار الدولة العباسية (ط دار الطليعة - دار صادر) ص184 و 185 والأصيلي لابن الطقطقي 323 - 324 و 334.
2) راجع: مقاتل الطالبيين ص 61 - 62 و (منشورات المكتبة الحيدرية) ص 33 و(ط مصر) ص 51 و 52 وشرح الأخبار ج2 ص436 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 500 و 501 والفتوح لابن أعثم ج 4 ص 282 وكشف الغمة ج 2 ص 159 والفصول المهمة لابن الصباغ (ط النجف) ص 146 و (ط دار الحديث سنة 1422ه ق) ص 716 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 4 ص 413 و 420 وج 11 ص 189 وج 26 ص 491 والإرشاد المفيد ص 207 وإعلام الورى ج 1 ص 406 والدر النظيم ص 419.
3 - أما ميراث العلم، فالعلم ليست له حقيقة مادية لكي يبقى منه شيء بعد وفاة العالم، إلا إن كان المراد المطالبة بسهم في الكتب التي يتركها العالم..
ومن المعلوم: أن الكتب التي كتبها علي «علیه السلام» قد منحها للإمام الحسن «علیه السلام»، لا لتكون ملكاً له، يبيعها، أو يهبها لمن يشاء، بل لتكون هي وسائر مواريث الأنبياء كعصا موسى، وإنجيل عیسی، وتوراة موسى، وصحف إبراهيم وسواها.. - تكون - ودائع عنده، حتى إذا حضرته الوفاة سلمها للإمام بعده، والإمام الذي بعده يسلمها حين وفاته للإمام الذي يليه، إلى ان ينتهي الأمر إلى الإمام الحجة «علیه السلام».. لأن وجود هذه الذخائر والمواريث عند الإمام إنما هو من شؤون إمامته، وهو الذي يستطيع الاستفادة منها.
فلا معنى لتوريث هذه الودائع، ولا يحق لأحد أن يطلع عليها سوى الإمام، أو من يأذن له الإمام..
4 - إن ما ذكرته الرواية من أن ابن الحنفية قد قال لأخويه: «إنكما ورثتما أبي دوني» إن أراد به إتهامهما بعدم رعاية الحكم الشرعي في إرث الأخوة فهو غير سديد، إذ لا مجال لاتهام الذي يجب عليه أن يعتقد بعصمته، وعدله، ومعرفته بأحكام الشرع والدين، ولا يجوز اتهامه، ولا مناوأته، أو الجرأة عليه، وإساءة الأدب معه، بل لا يجوز رفع الصوت فوق صوته.
وإن كان المراد هو الإعتراف والإقرار بما لهما من التقدم والفضل عليه في العلم الذي اختصهما اللّه به دونه، فلا إشكال عليه.. وقد إشار بعض الأخوة إلى هذا الإحتمال.
ولعلك تقول: إن كانت كتب أمير المؤمنين «علیه السلام» من ودائع الإمامة وذخائرها، ولا يجوز لغير الإمام أن يحوزها، فكيف أعطيت تلك الصحيفة الواحدة من كتب علي لولده محمد ابن الحنفية، مع أنه ليس بإمام؟!
ويجاب:
بأنه لا دليل على أنهما «علیهما السلام» قد أعطيا محمداً نفس الصحيفة التي هي بخط علي «علیه السلام»، والتي هي من ودائع،الإمامة، فلعلهما قد أعطياه نسخة عنها لأنه لم يطلب منهما ما كتب بخط أبيه، بل طلب منهما المضمون العلمي الذي تركه أبوه. فقال: أعطوني ما أتحمل به من علم أبي».
وقال الإمام الحسن للإمام الحسين «علیهما السلام»: «أعطه شيئاً
من علم أبيه».
وبعدما تقدم نقول: إن هذه الصحيفة الواحدة كانت معروفة في التاريخ، فقد نقل ابن أبي الحديد المعتزلي عن أبي جعفر الإسكافي(1): أنه قد صحت الرواية عندهم من أسلافهم، وعن غيرهم من أرباب الحديث أنه لما مات علي أمير المؤمنين «علیه السلام» طلب محمد بن الحنفية من أخويه الحسن والحسين «علیهما السلام» ميراثه من العلم، فدفعا إليه صحيفة، لو أطلعاه على غيرها لهلك.
وكان في الصحيفة ذكر لدولة بني العباس.
فصرح ابن الحنفية لعبد اللّه بن العباس بالأمر، وفصله له.
والظاهر أن تلك الصحيفة انتقلت منه لولده أبي هاشم، وعن طريقه وصلت إلى بني العباس.
ويقال: إنها ضاعت منهم أثناء حربهم مع مروان بن محمد الجعدي، آخر خلفاء بني أمية (2).
وقد ذكرت هذه الصحيفة في كلمات بني العباس وخلفائهم كثيراً.
وذكرها المأمون في رسالته للعباسيين. وكان العباسيون يسمونها صحيفة الدولة.
محمد بن يحيى، عن حمدان بن سليمان النيسابوري، عن محمد بن يحيى بن زكريا وعدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه جميعاً، عن محمد بن سنان عن أبي الجارود، عن أبي سعيد عقيصا التيمي قال:
مررت بالحسن والحسين «علیهما السلام»، وهما في الفرات مستنقعان في إزارين.
فقلت لهما: يا ابني رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، أفسدتما الإزارين.
فقالا لي: يا أبا سعيد، فساد الإزارين أحب إلينا من فساد الدين. إن للماء أهلا وسكانا كسكان الأرض.
ثم قالا لي: أين تريد؟!
فقلت : إلى هذا الماء.
قالا : وما هذا الماء ؟!
فقلت : أريد دواءه، أشرب من هذا الماء المر لعلة بي أرجو أن يجفف له الجسد، ويسهل له البطن.
فقالا: ما نحسب أن اللّه جعل في شيء قد لعنه شفاء.
قلت: ولم ذاك؟!
قالا: إن اللّه تبارك وتعالى لما آسفه قوم نوح فتح السماء بماء منهمر، وأوحى إلى الأرض، فاستعصت عليه عيون منها، فلعنها، وجعلها ملحاً أجاجاً.
وفي رواية حمدان بن سليمان: أنهما قالا «علیهما السلام»: يا أبا سعيد تأتي ماء ينكر ولايتنا في كل يوم ثلاث مرات. إن اللّه عز وجل عرض ولايتنا على المياه، وما قبل ولايتنا عذب وطاب، وما جحد ولايتنا جعله اللّه عز وجل مراً، وملحاً أجاجاً (1).
ونقول:
آسفه: أغضبه.
لقد قرر الحسنان «علیهما السلام» هنا قاعدة عقلية مفادها: أن على الإنسان إذا واجه أمرين أن يعرف الأهم منهما بنظر الشرع، فيقدمه على الأمر الآخر الذي هو أقل أهمية منه. فإن صيانة الدين،
1) بحار الأنوار ج 43 ص 320 وراجع ج 63 ص 480 وج 11 ص 318 عن الكافي ج 6 ص 390 و 391 ومرآة العقول ج 22 ص 242 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 25 ص 269 و الإسلامية ج 17 ص 213 وكنز الدقائق (تفسير) ج 12 ص 536 و 536 ونور الثقلين (تفسير) ج 5 ص 178.
وحفظه من الفساد أولى من حفظ الإزار بلا ريب.
وإذا كان للماء أهل وسكان كسكان الأرض، وكان الدين يأمر بصيانة العورات عنهم، كما تصان عن سكان الأرض، وإذا كان الإنسان يحتاج إلى أن ينزل إلى هذا الماء، فلا ضير إذا استفاد من ذلك الإزار، وإن أفسده ذلك حتى لا تنتهك أحكام الدين، وتخالف،أوامره، فإن الدين أغلى وأهم عند اللّه من الإزار..
2 - ولكن من الواضح أن الذي يعرف أن للماء سكانا كسكان الأرض إنما هو من لديه علم الإمامة أو النبوة، وليس هذا من الأمور التي ينالها البشر العاديون بوسائلهم التي نعرفها..
3 - إن من يعرف أن اللّه تعالى يريد من الناس أن يستروا عوراتهم عن سكان المياه كسترهم لها عن سكان الأرض، هم أيضاً الأنبياء والأئمة من بعدهم، لأن هذا أيضاً لا سبيل إلى معرفته إلا لمن له صلة باللّه بنحو من أنحاء الصلات التي يسرها اللّه تعالى للأنبياء والأوصياء..
4 - ومن يعرف أن الولاية تعرض حتى على المياه فما قبلها منه عذب، وما جحدها جعله اللّه مرا، وملحاً أجاجاً هم الأنبياء، والأوصياء أيضاً.
وبذلك نعرف: أن هذين الأمرين يشيران إلى علم الإمامة، الذي حبا اللّه للحسن والحسين «علیهما السلام».
5 - وذكرت رواية أبي سعيد عقيصا: أن اللّه تعالى قد لعن العيون
التي استعصت. والذي نعرفه أن اللعن إذا صدر من اللّه تعالى، فلا بد أن يصبح الملعون بعيداً عن رحمة اللّه سبحانه..
وهذا يدلنا على أن للموجودات شأنا في الطاعة وعدمها، وفي القرب والبعد عن رحمة اللّه تعالى. وفي القرآن الكريم إشارات إلى هذه المعاني كما في قوله تعالى: «إِئْتِيَا طوعاً أَوْ كَرْهَا قَالَتَا أَتَيْنَا طائِعِينَ» (1)وآيات أخرى، بالإضافة إلى الأحاديث الكثيرة الصادرة عن النبي «صلی اللّه علیه وآله» وأهل بيته الطاهرين «صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين»، حول فضل بعض البقاع، وسوء بعضها الآخر.
6 - ولكن حقيقة هذا البعد عن الرحمة وتحقيق وتحديد ما يعد بالنسبة إلى الماء رحمة إلهية، وأمور وشؤون كثيرة أخرى هي مما لا ندرکه نحن بعقولنا، بل نحتاج إلى البيان الإلهي بواسطة المعصوم.
7 - إننا لا نعرف كيفية إنكار ذلك الماء - الذي كان يقصده عقيصا للاستشفاء به - ولاية أهل البيت ثلاث مرات في كل يوم، ولا يمكننا تقديم أي تفسير له، لأنه سيكون من القول بغير علم.
وإحتمال أن المقصود: أن عقيصا كان يأتي ذلك الماء ثلاث مرات مع أن ذلك الماء ينكر ولاية أمير المؤمنين «علیه السلام».. لا
1) الآية 11 من سورة فصلت.
مجال للإعتماد عليه لعدم وجود ما يدل على تكرر مجئ عقيصا إلى ذلك الماء ثلاث مرات في اليوم الواحد.
ولكننا نؤكد على أمور يستبطنها هذا الكلام :
أحدها: أن لهذا الماء درجة من الشعور والإدراك..
الثاني: أن لهذا الشعور والإدراك دورا عمليا في ذلك الماء، وحالاته.
الثالث: أن عرض الولاية ليس مجرد عرض على الشعور والإدراك، ليبقى الأمر محصوراً فيهما، بل له آثار عملية وواقعية ملموسة حتى للبشر أنفسهم فيشعرون بعذوبته، وملوحته، ومرورته الخ..
الرابع: أن الماء الذي كان عقيصا يقصده كان ممعنا في التمرد والخلاف، حتى إنه لينكر ولاية أهل البيت ثلاث مرات كل يوم.
قال العلامة الحلى «رحمه اللّه»:
ومن صالح عن ما يوجب القصاص بأكثر من ديته أو أقل جاز، لأن الحسن والحسين «علیهما السلام»، وسعيد بن العاص بذلوا للذي وجب عليه القصاص على هدبة بن خشرم سبع ديات، فأبى أن
يقبلها (1).
ونقول:
يلاحظ: أن الفقهاء يستدلون بما جرى في قصة هدبة بن الخشرم على بعض الأحكام الشرعية. والنص الذي ذكرناه هنا مأخوذ من تذكرة الفقهاء للعلامة الحلى «رضوان اللّه عليه».
والذي يعنينا في هذه القضية هو: ما يقال فيها عن موقف أو نشاط باتجاه معين للحسن والحسين «علیهما السلام». غير أن وضوح الأمر يحتاج أولاً إلى إعطاء نبذة عما جرى في قصة هدبة، ثم النظر في بعض الحيثيات التي لها ارتباط بالموضوع.
ونلخّص ما جرى على النحو التالي:
كان خشرم من وجوه رهط بن عامر. أما ولده هدبة، فكان معروفا بالشجاعة، والنجدة، والجلادة، والصبر، والمروءة (2).
وكان لهدبة أختان: اسم إحداهما،فاطمة فتحرش زيادة بن زيد (وهو زوج أخت هدبة) - تحرش - بفاطمة أخت هدية، فسمعه هدبة،
فغضب، وارتجز بأخت زيادة، واسمها «أم الخازم، أو أم القاسم».
فشتمه زيادة، وسبه هدبة، فتدخل الناس بينهما حتى كقا، وكان هدبة أشد غضباً، لأن زيادة رجز بأخته وهي تسمع، ورجز هو بأخت زيادة، وهي غائبة لم تسمع.
ثم التقى هدبة وزيادة قالوا فقتل هدبة زيادة، وهرب.
وكان ذلك في أيام ولاية سعيد بن العاص على المدينة، فقبض سعيد على نفر من أهل هدبة، فيهم عمه، حتى جاء هدبة، وأسلم نفسه للسجن، فأفرج سعيد عن أهله، ووضع هدبة في السجن، بأمر من،معاوية، بانتظار أن يبلغ المسور بن زيادة، لكي يخيره بين قتل هدبة وبين الدية..
وجعل القرشيون يكلمون عبد الرحمان أخا زيادة في أمر هدبة، وأضعفوا له الدية، حتى بلغت عشراً. وفي نص آخر: حتى بلغ ست ديات. وقيل غير ذلك. وكان منهم: سعيد بن العاص، وعبد اللّه بن عمر، والحسين بن على «علیهما السلام»، وعمرو بن عثمان بن عفان.
فلما أكثروا امتنع عبد الرحمان، فأقام هدبة في السجن ست سنين، بسبب قتل صهره، فقد شخص أخو المقتول إلى معاوية شاكيا هدبة إليه، وأرسلوا هدبة أيضاً إلى معاوية، واعترف هدبة بالقتل - كما زعموا - فأمر معاوية بحبسه حتى يكبر ابن زيادة، ويكون هو الذي يختار.
فحبس هدبة عند سعيد بن العاص في المدينة قيل: ثلاث، وقيل: خمس، وقيل ست سنين. ومات عبد الرحمان في تلك الفترة. وكان المسور قد مال إلى قبول الدية، لكن أُمَّه أصرت على القصاص، فاختار القصاص.
وكان أهل المدينة قد رقوا لهدبة لوفائه وشعره، وأنه أول من يقتل صبراً في المدينة منذ زمن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فصاروا يتكلمون بقبول الدية.
ثم قتل هدبة، بعد أن صلى ركعتين قبل قتله، وقالوا: إنه أول من سن ركعتين عند القتل.
وقد اختلفوا في الذي تولى قتله. هل هو عبد الرحمان أخو زيادة؟! أو هو المسور بن مخرمة؟!
فإن كان عبد الرحمان هو الذي تولى قتله، فإن قولهم بأنه - أي عبد الرحمان - مات قبل بلوغ المسور السن التي يحق له فيها الاختيار يكون غير صحيح(1).
1) راجع: ما ذكرناه، كلا أو بعضاً في المصادر التالية: شرح ديوان الحماسة للتبريزي ج 2 ص 16 والشعر والشعراء لابن قتيبة ج 2 ص 583 وشعراء النصرانية (للويس شيخو اليسوعي) ج 8 ص 96 و 97 و 99 واللآلي في شرح أمالي القالي لأبي عبيد البكري الأندلسي ص1039 وخزانة الأدب للبغدادي ص8015 والموشح للمرزباني ص56 وتاريخ الأدب العربي لعمر فروخ ص 396 ومنار السبيل في شرح الدليل لابن ضويان ج2 ص 316 و (ط أخرى) ص 283 والجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة للتلمساني ج 1 ص 483 والمبدع لابن مفلح ج 4 ص 289.
هذا هو مضمون قصة هدبة بن خشرم، وفق ما ورد في المصادر المذكورة في الهامش، وقد عرضناه بتصرف وتلخيص.
غير أننا نقول:
فيما يرتبط باستدلال الفقهاء بهذه الحادثة على بعض الفروع الفقهية نرى: أن الاستدلال بها قد لا يكون مستجمعاً للشرائط، لما يلي:
1 - إن ذلك لم ينقل لنا بسند يمكن الاعتماد عليه.
2 - إن بعض المصادر قد ذكرت الإمام الحسين «علیه السلام» فقط، ولم تذكر الإمام الحسن «علیه السلام». فإن كان «علیه السلام» قد شارك وأهمل ذكره، فلماذا أهمل ؟ وإن كان لم يشارك في شيء، فلماذا أضيف اسمه؟
3 - هناك من يقول : قاتل زيادة شخص آخر، وهو أخوه (1).
1) راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 34 ص 375، ويبدو أن فيه خطأ من النساخ قد حصل في هذا المورد، فقد قال النص: إن زيادة لم يقتله هدبة وإنما قتله أخاه، والصحيح: أخوه.
4 - إن مجرد استعظام قتل القاتل صبراً في بلد لم يشهد أمراً كهذا، لا يبرر هذا الإصرار على تخليص هدبة.
كما أن وفاء هدبة وشجاعته لا يبرران ذلك. وهذا يؤكد وجود سبب آخر لهذا الإصرار، ولعله هو ما تقدم، من وجود شبهة لديهم في أن يكون هدبة هو القاتل.
5 - إننا نرى أن سبب تدخل الإمام الحسين «علیه السلام» لتخليص هدبة هو أنه «علیه السلام» كان يرى أن هدبة لم يكن مستحقا للقتل، لأن الذي حكم عليه بالقتل هو رأس الأمراء الظلمة، وهو معاوية.
فيكون مبرر تدخل الحسين «علیه السلام» في هذا الأمر هو وجود شبهة حول شخصية القاتل واحتمال براءة هدبة..
ويدل على ذلك: أن سعيد بن العاص كره الحكم في قضية هدبة، وأحالها على معاوية.
قوله:
فسمع معاوية من هدبة ذكر القصة في أبيات شعر كان منها
رمينا فرامينا فصادف رمينا***منايا رجال في كتاب وفي قدر
فاعتبر معاوية قوله هذا إقرارا منه بالقتل، وحكم بإرجاع الأمر
إلى ابن المقتول : فإن اختار قتله قتل، وإن اختار الدية فله ذلك (1).
مع أن هذا البيت لم يتضمن إقرارا بالقتل الموجب للقود، وهو القتل العمدي، بل تضمّن أمرين في كليهما تظهر براءة هدبة:
الأول: أنه ذكر أنه لم يكن هو البادئ بالرمي على زيادة، بل كان زيادة هو البادئ بذلك، فقابل الرمي بالرمي. فرميه كان دفاعاً عن النفس. وقد يقصد المدافع عن نفسه جرح مهاجمه، ليردعه عن مواصلة رميه، فإذا صادف منه مقتلاً فمات، كان قتله له من شبه العمد، وحكمه: أن الدية فيه على العاقلة ولا قود فيه.
الثاني: أنه ذكر أنه حين رمى على زيادة لم يكن قاصداً للقتل، بل كان قاصداً المراماة وهي الرد على الرمي بمثله، فصادف أن قتل زيادة.
وهذا يعني أيضاً: أن قتل زيادة - في أعلى الفروض - كان شبه عمد، والحكم في شبه العمد ليس هو القتل إلا إذا رضي الولي بالدية، كما زعم معاوية.. بل الحكم هو الدية فقط، وتكون على العاقلة لا على الشخص نفسه.
وهذا معناه : أن تدخل الحسين «علیه السلام» لتخليص هدبة،
1) راجع: الأغاني ج 21 ص 172 وخزانة الأدب ج 9 ص340 والوافي بالوفيات للصفدي ج 34 ص 197.
كان لعدم ثبوت قتل العمد عليه، ولأن الحكم الذي أصدره معاوية وتشبث به أولياء المقتول كان خطأ فاحشا ولا أقل من وجود الشبهة في ثبوت القود فيه.
يضاف إلى ما تقدم: ما يقال من أن ابن المقتول كان قد رضي بالدية، لكن أمه هي التي أصرت على قتل هدبة..
ومن فوائد تدخل الإمام الحسين «علیه السلام» في هذا الأمر بهذا المقدار : هو التعريف بالحكم الشرعي، وهو جواز المصالحة على الأقل والأكثر من الدية في هذا المورد أيضاً.
1 - عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن «علیه السلام» قال: ما رأيت الناس أخذوا عن الحسن والحسين «علیهما السلام» إلا الصلاة بعد العصر وبعد الغداة في طواف الفريضة (1).
2 - روى أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن
1) الكافي ج 4 ص 424 والإستبصار ج 2 ص 236 وتهذيب الأحكام جه ص 142 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 13 ص 435 ووسائل الشيعة (الإسلامية) ج 9 ص 487 ومنتهى المطلب ج 2 ص 692 وروضة المتقين جه ص 254 والوافي ج 13 ص 908 والدروس للشهيد الأول ج 1 ص 286.
بزيع قال: سألت الرضا «علیه السلام» عن صلاة طواف التطوع بعد العصر ؟!
فقال: لا.
فذكرت له قول بعض آبائه «علیهم السلام»: إن الناس لم يأخذوا عن الحسن والحسين «علیهما السلام» إلا الصلاة بعد العصر بمكة.
فقال: نعم. ولكن إذا رأيت الناس يقبلون على شيء، فاجتنبه.
فقلت : إن هؤلاء يفعلون.
فقال : لستم مثلهم (1). وسند الرواية صحیح......
ونقول:
نوضح ما نرمي إليه ضمن النقاط التالية:
1 - إن رواية ابن بزيع تدل على أن الإمام الرضا «علیه السلام» كان يخشى على الشيعة من التعرض للأذى إذا رآهم مخالفوهم يصلون صلاة طواف التطوع بعد العصر، فلأجل ذلك نهى «عليه السلام» إسماعيل بن بزيع عن فعلها..
1) راجع: مناهج الأخيار في شرح الإستبصار، للسيد أحمد بن زين العابدين العلوي العاملي ج 3 ص 495 وروضة المتقين ج 5 ص 254 و وتهذيب الأحكام ج 5 ص 142 والإستبصار ج 2 ص237 ووسائل الشيعة ج 13 ص 436 و 437.
فذكر له ابن بزيع: أن الحسنين «علیهما السلام» كانا يجيزانها، وقد أخذها الناس - أي مخالفوهم - عن الحسنين، وصاروا - أو بعضهم - يصلونها بعد العصر أيضاً..
فأجابه الإمام «علیه السلام»: بأن المخالفين يتسامحون مع بعضهم البعض، أو لا يتجرأ بعضهم على بعض، ولكنهم حين يرون الشيعة يفعلون نفس ما يفعله من هم على مذهبهم، فإنهم يعاملون الشيعة بالخصوص بغير ما يعاملون به إخوانهم، ولا سيما إذا كان علماؤهم يفتون بخلاف الحكم الذي هو محط النظر، فإنهم في هذه الحالة يعاملون الشيعة بقسوة بالغة..
وربما يستشهد على ذلك : بأن الرواية لم تقل : لم يأخذوا إلا المنع عن الصلاة الخ.. بل قالت: لم يأخذوا إلا الصلاة.
وملاحظة أخيرة نذكرها: وهي أن بعض المصادر وضعت همزة قبل كلمة لستم. وهو غلط كما ظهر مما بيناه...
2 - ولعل هذا البيان من الإمام الرضا «علیه السلام» يعطي: أن السماح بالصلاة بعد العصر في تلك الفترة كان لأجل تعريف الناس بأن المنع عنها من قبل عمر بن الخطاب كان بلا مبرر..
وبعد أن مرت حقبة على إصرار أتباع الخليفة على تكريس المنع، وإصرار أهل البيت «عليهم السلام» وشيعتهم على التمسك بالحكم الإلهي الثابت عن الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، وبعد أن امتاز الأصيل من الدخيل، والحق من الباطل، واشتهر الحق وشاع،
ولم يعد بالإمكان طمسه.. لم يعد هناك مبرر لتحمل الأذى في هذا الأمر، فلا مانع من العمل بالتقية فيه في حالات الخوف، حسبما قرره الإمام الرضا «علیه السلام».
3 - إذا كان ما فهمناه من رواية الإمام الرضا «علیه السلام» هو المراد، فذلك يعني: أن مجرد التعرض للأذى بسبب العمل بالحكم الشرعى لا يبرر ممارسة التقية فيه.. بل تكون التقية من المعونة على طمس الأحكام، فيجب تحمل الأذى إذا كان يساهم في تمييز الحق من الباطل، والصحيح من الخطأ.
فمورد التقية يكون بعد وضوح الحق، وحيث لا ثمرة للإصرار على العمل به إلا هدر الطاقات وتضييع الجهد.
4 - ذكرت النصوص الكثيرة: أن عمر بن الخطاب هو الذي كان يصر على المنع من الصلاة بعد العصر، وكان يضرب من يراه يصلي في هذا الوقت (1)، كما عن ابن عباس، وعبد اللّه بن شفيق، وقبيصة بن جابر، وأبي العالية (أو أبو الغادية)، والزهري، وتميم الداري، وأنس، وغيرهم..
وبعض الناس كان يتابع عمر في هذا الفعل غير المشروع، فقد
1) المصنف للصنعاني ج 2 ص 429 و 430 وكتاب الآثار للشيباني، وكنز العمال ج 4 رقم 4800 والموطأ ج 1 ص 221 والمصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 246 ومسند أبي يعلي ج 7 ص 43.
قال ابن عباس: «وكنت أضرب مع عمر الناس عليهما» (1).
وعن خالد بن الوليد: أنه كان يضرب الناس على الصلاة بعد العصر (2).
5 - إن من المضحك المبكي: أن بعض الروايات تزعم: أن عليا «عليه السلام» سبح في سفر بعد العصر ركعتين، فتغيظ عليه عمر، وقال: أما واللّه لقد علمت أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كان ينهى عن هذا (3).
ونقول : إن هذا غير صحيح..
فأولاً: هل يريد أن يتهم عليا «علیه السلام» بتعمد المخالفة لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فيما نهى عنه؟! فإن هذا اتهام له «علیه السلام» في دينه وتقواه - نعوذ باللّه من الزلل في الفكر، وفي القول والعمل -، ولا يصبر علي «علیه السلام» على مثل هذا.
ثانياً : روي أن تميم الداري ركع ركعتين بعد نهي عمر بن الخطاب عن الصلاة بعد العصر، فأتاه عمر فضربه بالدرة، فأشار إليه تميم أن اجلس، وهو في صلاته، فجلس عمر حتى فرغ تميم من
صلاته، فقال لعمر : لم ضربتني؟!
قال: لأنك ركعت هاتين الركعتين، وقد نهيت عنهما.
قالَ: فَإِنِّي قَدْ صَلَيْتُهَا مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، مَعَ رَسُولِ اللّه «صلى اللّه عليه وآله».
فقالَ عُمَرُ: إِنِّي لَيْسَ بي إيَّاكُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ، وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَي قَوْمٌ، يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ العَصْرِ إلى المَعْرِبِ، حَتَّى يَمُرُّوا بِالسَّاعَةِ التِي نَهَى رَسُولُ اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أَنْ يُصَلى فِيها حتماً. وصَلُّوا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْر (1).
ثالثاً: إن عمر بن الخطاب وغيره مأمورون بالأخذ من علي وأهل البيت «علیهم السلام»، فإنهم أحد الثقلين اللذين لن يضل من تمسك بهما.
رابعاً : إن عمر لا يجرؤ على التغيظ على أمير المؤمنين «علیه السلام»، ولاسيما في أمر عباداته، ومعرفته بالأحكام ورعايته لها.
والشاهد على ذلك: ما جرى في طريق الحج، حيث رأى عمر عبد اللّه بن جعفر وهو يسير إلى جنب علي «علیه السلام»، وقد أحرم ولبس إزاراً ورداءً ممشقين مصبوغين بطين المشق، ثم أتى، فنظر إليه عمر وهو يلبي وعليه الإزار والرداء، وهو يسير إلى جنب علي «علیه السلام».
1) الفاروق (مؤسسة دلتا للمعلومات والأنظمة) ص 249.
فقال عمر من خلفهم: ما هذه البدعة التي في الحرم؟!
فالتفت إليه علي «علیه السلام»، فقال: يا عمر، لا ينبغي لأحد أن يعلمنا السنة.
فقال عمر: صدقت واللّه يا أبا الحسن لا واللّه ما علمت أنكم هم (1).
وفي نص آخر عن الشعبي قال:
أحرم عقيل بن أبي طالب في موردتين، فقال له عمر: خالفت الناس.
فقال له علي : دعنا منك، فإنه ليس لأحد أن يعلمنا السنة.
فقال له :عمر صدقت (2).
1 - يقول ابن كثير الحنبلي :
إن الحسين عاصر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وصحبه إلى أن توفي وهو عنه راض، ولكنه كان صغيراً.
ثم كان الصديق يكرمه ويعظمه، وكذلك عمر وعثمان، وصحب أباه وروى عنه، وكان معه في مغازيه كلها، في الجمل وصفين، وكان معظماً موقراً، ولم يزل في طاعة أبيه حتى قتل.
فلما آلت الخلافة إلى أخيه، وأراد أن يصالح شق ذلك عليه، ولم يسدد رأي أخيه في ذلك، بل حثه على قتل [لعل الصحيح: قتال] أهل الشام، فقال له أخوه: واللّه لقد هممت أن أسجنك في بيت، وأطبق عليك بابه حتى أفرغ من هذا الشأن، ثم أخرجك.
فلما رأى الحسين ذلك سكت، وسلم.
فلما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردد إليه مع أخيه الحسن، فيكرمهما معاوية إكراماً زائداً ويقول لهما : مرحبا وأهلاً، ويعطيهما عطاء جزيلاً، وقد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، وقال خذاها وأنا ابن هند واللّه لا يعطيكماها أحد قبلي ولا بعدي
فقال الحسين: واللّه لن تعطي أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك رجلا منا.
ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام، فيعطيه ويكرمه.
وقد كان في الجيش الذين غزوا القسطنطينية مع ابن معاوية يزيد، في سنة إحدى وخمسين (1).
وقالوا أيضاً:
2 - روي أن الحسين كان يظهر الكراهة من صلح الحسن مع معاوية ويقول: لو جز أنفي كان أحب إلي مما فعله أخي (2).
3 - وقال ابن الأثير إن الحسين كان كارها لما فعله أخوه، وأنه قال له أنشدك اللّه أن تصدق أحدوثة معاوية، وتكذب أحدوثة أبيك،
فأجابه الحسن: أنا أعلم بهذا الأمر منك (3).
4 - وفي نص آخر: أن الحسن «علیه السلام» قال للإمام الحسين «علیه السلام» إني رأيت رأياً، أحب أن تتابعني عليه.
فقال الحسين «علیه السلام» ما هو ؟
فأخبره به، فانبرى الحسين و هو غضبان قائلاً: أعيذك باللّه أن تكذب عليا في قبره و تصدق معاوية.
فقال له الإمام الحسن «علیه السلام»: واللّه ما أردت أمراً إلا خالفتني عليه إلى غيره، و اللّه لقد هممت أن أقذفك في بيت فأطينه (أو فأطبقه) عليك، حتى أقضي أمري.
فلما رأى الحسين غضب أخيه وجدّه في الأمر انسحب من فكرته، وتنازل عن رأيه، وقال له بصوت خافت: أنت أكبر ولد علي، وأنت خليفتي، وأمرنا لأمرك متبع، فافعل ما بدا لك (1).
وهناك كلام يشبه هذا السياق من قبل بعض الكتاب كطه حسين وآخرين ممن اعتمدوا على هذه المرويات.
وفي جميع الأحوال نقول:
في الروايات والأوقايل المتقدمة الكثير من المؤاخذات التي تسقطها عن الاعتبار، ونكتفي بذكر بعض من ذلك، فنقول:
أولاً: قول ابن كثير عن الإمام الحسين «علیه السلام»: إن النبي
1) راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 267 وعنه في موسوعة أهل البيت للقرشي ج 11 ص 246.
«صلی اللّه علیه وآله» «توفي وهو عنه راض، ولكنه كان صغيراً». وكأنه يريد التقليل من قيمة هذا الرضا.
ولنا أن نتساءل: هل صغره هذا هو الذي قلل من قيمة شهادة الحسين «علیه السلام» على كتاب ثقيف، وعلى إعطاء فدك لفاطمة «عليها السلام»، وبيعته في بيعة الرضوان، وإخراجه في قضية المباهلة، ونزول الآية في حقه، ونزول سورة هل أتى، وآية التطهير، وغير ذلك في حق الحسنين «علیهما السلام» وأصحاب الكساء.
وهل قلل صغر سنه من أهمية قوله «صلی اللّه علیه وآله»:
الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وقوله «صلی اللّه علیه وآله»: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا. وغير ذلك كثير.
ثانياً: يلاحظ: أن رواية افتخار معاوية بما أعطاه للحسنين «عليهما السلام» قد تعرضت للتحريف المخل بالمعنى في جواب الإمام الحسين لمعاوية، فقد قالت الرواية - حسب نص ابن كثير -: إن الإمام الحسين «علیه السلام» أجاب معاوية بقوله: واللّه لن تعطي أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك رجلا منا..
فإن ظاهر هذا الكلام: أنه يريد أن يخبر إما بموت معاوية، أو بموت الحسنين «علیهما السلام» قبل أن يعطي الحسنين شيئاً بعد ذلك التاريخ..
مع أن الروايات الأخرى تقول: إنه «علیه السلام» قال له لن: تعطي أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك لرجلين أشرف، ولا أفضل منا (1)وهذا النص هو الأقرب والأصوب..
ثالثاً : ذكرنا حين تكلمنا حول جوائز معاوية للحسنين «علیهما السلام» أنها لم تكن من هي أموال معاوية، ولا من أموال أمه هند. بل أموال اشترطها الإمام الحسن «علیه السلام» على معاوية في وثيقة الصلح. وكان الحسنان «علیهما السلام» باعتراف معاوية، وبدلالة نصوص أخرى لا يصرفان منها على أنفسهما ولا على عيالهما شيئاً، ولو بمقدار ما تحمله الذبابة بفيها..
رابعاً: قلنا: إن إعطاءه الحسنين «علیهما السلام» ماءتي ألف درهم في يوم واحد لم يكن أمراً يستحق الفخر، فقد أعطى معاوية خراج مصر لعمرو بن العاص، وأعطى سمرة بن جندب أربع مئة ألف درهم لقاء وضع حديث مكذوب على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في ذم علي «علیه السلام»، وفي الثناء على ابن ملجم.
كما أن ما كان يعطيه معاوية للإمام الحسين «علیه السلام» حين كان يفد عليه بعد استشهاد الإمام الحسن كان أيضاً مما اشترطه عليه الإمام الحسن «علیه السلام» في وثيقة الصلح فلماذا هذا الإطناب في التنويه بإعطاء الأموال ؟! و الحال أنها ليست من أموال معاوية، ولا
1) تاریخ دمشق ج 14 ص 113 وج 59 ص 193.
نتيجة تعبه وجهده، بل هي أموال المسلمين يعيدها إلى من له حق التصرف بها.
فلا معنى لمحاولة إظهار الحسنين «علیهما السلام» بصورة المتسولين الذين يقصدون من بيدهم الأموال للحصول على شيء منه
خامساً : بالنسبة لغزو الحسين «علیه السلام» القسطنطنية، تحت راية يزيد فقد ذكرنا هذا الأمر في موضع آخر من هذا الكتاب، وبينا أنه من الأكاذيب.
سادساً: إن الحسين «علیه السلام» لم يزل يمتنع عن القبول بالقيام ضد معاوية، سواء في حياة أخيه، أو بعد استشهاده «علیه السلام». فمثلا:
1 - بعد موت الإمام الحسن «علیه السلام» تحركت الشيعة بالعراق، وكتبوا إلى الحسين «علیه السلام» بخلع معاوية والبيعة له. فامتنع عليهم، وذكر أن بينه وبين معاوية عهداً أو عقدا لا يجوز له نقضه حتى تمضي المدة، فإن مات معاوية نظر في ذلك (1).
وتكررت محاولات تحريك الإمام الحسين للقيام ضد معاوية في عهد الإمام الحسن «علیه السلام». وكان «علیه السلام» يأبى ذلك.
1) موسوعة أهل البيت للقرشي ج 11 ص 147 عن الإرشاد للمفيد ج 2 ص 32 وراجع الأخبار الطوال ص 222.
2 - قالوا: إن علي بن محمد بن بشير الهمداني وسفيان بن أبي ليلى قدما المدينة، ودخلا على الإمام الحسن «علیه السلام»، فقال له محمد بن بشير الهمداني: السلام عليك يا مُذِلَّ المؤمنين.
فقال له «علیه السلام»: وعليك السلام، إجلس. لست مذل المؤمنين، ولكني معزّهم.
ما أردت بمصالحتي معاوية إلا أن أدفع عنكم القتل، عندما رأيت من تباطؤ أصحابي عن الحرب، ونكولهم عن القتال.
واللّه لئن سرنا إليه بالجبال والشجر ما كان بد من إفضاء الأمر إليه.
قال : ثم خرجنا من عنده، ودخلنا على الحسين «علیه السلام»، فأخبرناه بما ردَّ علينا. فقال:
صدق أبو محمد، فليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته، ما دام هذا الإنسان [أي معاوية] حياً (1).
الحلس : الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب
3 - وحين دخل حجر بن عدي، وعبيدة بن عمرو على الإمام
1) الأخبار الطوال ص 220 وراجع الإمامة والسياسة ج 1 ص187 وارجع أنساب الأشراف ج 3 ص 364 وراجع: تاريخ اليعقوبي ج2 ص228 والثاقب في المناقب ص 322.
الحسين «علیه السلام»، وطلبا منه بعد الصلح أن يوليهما. على المقدمة، ليغيرا على معاوية وهو غافل، رفض، وقال: إنا قد بايعنا، وعاهدنا، ولا سبيل لنقض بيعتنا (1).
4 - وبعد بيعة الحسن لمعاوية خرج من الشيعة جماعة إلى الإمام الحسن «علیه السلام»، فخطأوه في الصلح، وعرضوا عليه نقضه، فرفض.
فأتوا الحسين «علیه السلام» وعرضوا عليه ما جرى بينهم وبين أخيه، فقال «علیه السلام»:
قد كان صلح، وكانت بيعة كنت لها كارها، فانتظروا ما دام هذا الرجل [معاوية] حيا، فإن يهلك نظرنا ونظرتم (2).
5 - وقال حجر بن عدي للإمام الحسين «علیه السلام» قبل خروجه من الكوفة يا أبا عَبْد اللّه، شريتم العز بالذل، وقبلتم القليل بترك الكثير، أطعني اليوم واعصني سائر الدهر، دع رأي الحسن واجمع شيعتك، ثمَّ ادع قيس بن سَعْدِ بْن عُبَادَةَ وابعثه في الرجال، وأخرج أنا في الخيل... إلى أن قال: فإنهم الآن غارون..
فقال: إنا قد بايعنا وليس إلى ما ذكرت سبيل (3).
6 - وقال ابن سعد: وكان أهل الكوفة يكتبون إلى حسين «علیه السلام» يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية كل ذلك يأبى (1).
وبعدما تقدم نقول:
إن مراد الحسين «علیه السلام» بقوله في النص المتقدم برقم [4]: «قد كان صلح، وكانت بيعة كنت لها كارها». ما يشبه كراهة أخيه لهذه البيعة، وذلك الصلح، فهو يكره أن يحكم معاوية الناس. ولكنه مضطر لقبول ذلك دفعاً لما هو أشر وأضر، وهو أيضاً مثل كراهة علي «عليه السلام» للتحكيم الذي فرض عليه في صفين.
وليس المراد: الكراهة التي تصل إلى حد معارضته لأخيه «علیه السلام»، ورفض الانقياد له، إلا بعد تهديده بأن يجعله في بيت، ويطين بابه عليه - كما تزعم الرواية المتقدمة..
وقال السيد محسن الأمين «رحمه اللّه» موضحاً:
وإما إظهار الحسين الكراهة من صلح الحسن «علیه السلام»، فلأنه صلح مجحف بحقهم أرغموا عليه إرغاماً، فحق الحسين أن
1) الطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 439 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 205 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص2606 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 293 والبداية والنهاية ج 8 ص 161.
يكرهه، ويكون جز الأنف أحب إليه منه، وليس معنى هذا أنه خطأ أخاه فيما صنعه، بل هو عين المصلحة والصواب، وإن كرهه وصعب عليه، وكان غيره أحب إليه لو أمكن (1).
سابعاً : ما زعمته الرواية المتقدمة من أن الإمام الحسن «علیه السلام» قد قال لأخيه: «ما أردت أمراً إلا خالفتني عليه إلى غيره». لا يمكن قبوله.. فإننا لا نجد أي مصداق لهذا القول في جميع ما بأيدينا من نصوص حديثية وتاريخية.
بل نجد الرواية عن الإمام الباقر «علیه السلام» تقول: «ما تكلم الحسين بين يدي الحسن اعظاماً له» (2).
وعنه «علیه السلام»: إن الحسين «علیه السلام» إذا حضر الحسن «علیه السلام» لم ينطق في ذلك المجلس حتى يقوم (3).
ثامناً : لم نفهم كيف يكون الصلح تكذيباً لعلي في قبره، وتصديقاً لمعاوية ؟! فإنه ليس غريباً أن يضطر صاحب الحق أن يتنازل عن حقه حين يواجه طاغية يريد القضاء عليه، وعلى كل نهجه وأطروحته، ويريد استئصاله، واستئصال كل ما يمت له بصلة.
تاسعاً ذكرنا في كتابنا «عاشوراء بين الصلح الحسني والكيد
السفياني» كيف أن الإمام الحسن «علیه السلام» - بصلحه هذا - قد أبطل كل دعاوى معاوية، وسلبه الشرعية، هو وكل من جاء بعده من خلفاء بني أمية.
ولأجل هذا أثنى الإمام الحسين «علیه السلام» على ما صنعه أخوه، فقد قال ابن السماك:
قال الحسين بن علي، عند قبر أخيه الحسن يوم مات:
«رحمك اللّه يا أبا محمد، إن كنت لتباصر الحقّ مظاته، وتؤثر اللّه عند مداحض الباطل في مواطن اليقين [التقية] بحسن الروية، وتستشفّ جليل معاظم الدنيا بعين لها حاقرة، وتقبض [تفيض] يدا «طاهرة طاهرة الأطراف، نقية الأسرّة»، وتردع بادرة أعدائك بأيسر المؤنة عليك، ولا غرو، وأنت ابن سلالة النبوة، ورضيع لبان الحكمة.. الخ» (1).
وهذا ما حصل بالفعل، فإن صلحه مع معاوية كان إيثاراً لطاعة اللّه، وإنما قصد به «علیه السلام» دحض باطل معاوية، مستفيداً من التقية، ليس لمواجهة هذا الأمر عشوائياً، بل بدراسة دقيقة وحسن روية تستخرج أفضل الآراء ليواجه معاوية بما لا يخطر له على بال،
1) مختصر تاريخ دمشق (ط دار الفكر) ج 7 ص 46 وإحقاق الحق (الملحقات) ج 26 ص 599 وعيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص314 وتاريخ دمشق ج 13 ص 296.
كما دلت عليه شروط صلحه معه.
وقد تحدثنا عن طائفة من هذه الشروط في كتابنا: «عاشوراء بين الصلح الحسني، والكيد السفياني». ونحن نذكر هنا بعض اللمحات التي تؤكد ما نقول، فلاحظ ما يلي:
1 - إنه «علیه السلام» لم يذكر في صلحه أنه سلم لمعاوية الإمامة، أو الخلافة، أو السلطة والحكومة.. ليقال : إنه تنازل عن هذا أو ذاك، وإنما سلم له الأمر، ولعل المقصود: الأمر الدنيوي، الذي يطمح إليه معاوية..
ولم يعترف بأن معاوية خليفة للرسول، كما لم يعترف له بالإمامة الدينية، والبيعة، بل صرح «علیه السلام» فور تسليم الأمر إليه:
بأنه لم يكن يرى معاوية أهلا للخلافة، وإنما صالحه من أجل حقن دماء المسلمين، وحفاظاً على شيعة أمير المؤمنين.
وكان «علیه السلام» يرى نفسه أولى الناس بالناس في كتاب اللّه، وعلى لسان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». ثم ذكر أنه، وكذلك أهل بيته ما زالو مظلومين مضطهدين منذ قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»(1).
1) الأمالي للطوسي ج 2 ص 172 والإحتجاج ج 2 ص 8 وبحار الأنوار ج 44 ص 22 و 63 وج 10 ص 142 وراجع: بهج الصباغة ج 3 ص 448.
2 - اشترط أن يكون خراج دارا بجرد له «علیه السلام»، وسبب اختيار خراج دارا بجرد أنها قد فتحت صلحا (1)، فهى للإمام. أما ما دارابجرد يفتح عنوة، فيقسم على الفاتحين.
3 - وشرط عليه أن لا يسميه بأمير المؤمنين.
4 - إن الأمر بعد معاوية للحسن، ثم للحسين «علیهما السلام». ويلاحظ أن العبارة لا تقول: إن معاوية جعل الأمر للحسن ثم للحسين. بل جاءت العبارة على شكل قرار مفروض على معاوية من خارج دائرة اختياره.
5 - ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده، وهذا يبطل عهده ليزيد من بعده، ويبطل كل ما ترتب على حكومة يزيد.. ويجعل يزيد هو الباغي على الإمام الحسين «علیه السلام».
6 - أن لا يقيم الحسن «علیه السلام» عند معاوية شهادة، وهذا يشير إلى أن معاوية يفقد الشرط الذي يخوله القضاء بين الناس، علماً بأنه قد لا يتفق أن يقيم الإمام أية شهادة عند معاوية ولو مرة واحدة في عمره كله.
وهذا الشرط يعني أحد أمرين أو كليهما معاً : فإما أن يكون معاوية فاقدا لصفة العدالة التي يحتاجها القاضي، وفاقد صفة العدالة
1) فتوح البلدان ص 380.
لا يؤتمن على دماء وأموال وأعراض الناس، أو أنه لا يملك من المعرفة الدينية ما يجعله قادراً على القيام بهذه المهمة، لجهله بأحكام القضاء.
ومن كان كذلك في قلة معرفته، وكان لا يؤمن على القضاء كيف يدعي لنفسه مقام رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، في أحكام الدين، وبيان،شرائعه، وإجراء أحكامه؟!
7 - اشترط «علیه السلام» أموالاً يعطيها معاوية لتصرف على يتامى الجمل وصفين، ولم يذكر يتامى (النهروان)، وبذلك يكون قد جعل معاوية يعترف بمظلومية هؤلاء. والحال، أنه هو القاتل لآباء الأكثرين منهم في صفين، والمشارك في دماء قتلى الجمل بالتحريض، والتأييد، وبغيره من وسائل.
8 - شرط على معاوية : أن يعمل بكتاب اللّه وسنة رسوله. وزاد بعضهم سنة الخلفاء الراشدين المهتدين، أو الصالحين.
9 - أن يترك سب الإمام علي «علیه السلام» ولا يذكره إلا بخير..
10 - وشرط عليه: أن أصحاب علي وشيعته آمنون أينما كانوا على أنفسهم وأموالهم، ونسائهم وأولادهم.
وشروط كثيرة أخرى، كلها تعني الناس والأمة.
قالوا:
1 - دخل الإمام الحسين «علیه السلام» على أخيه باكياً، ثم خرج ضاحكاً. فقال له :مواليه ما هذا ؟!
قال: العجب من دخولي على إمام أريد أن أعلمه فقلت: ماذا دعاك إلى تسليم الخلافة؟
فقال : الذي دعا أباك فيما تقدم! (1).
2 - ويتابع النص في المصدر ليقول:
قال: فطلب معاوية البيعة من الإمام الحسين «علیه السلام»، فقال الإمام الحسن «علیه السلام»: يا معاوية لا تكرهه، فإنه لا يبايع أبداً يُقتل، ولن يُقتل حتى يُقتل أهل بيته، ولن يُقتل أهل بيته حتى يُقتل أهل الشام (2).
3 - جبرئيل بن أحمد، وأبو إسحاق حمدويه، وإبراهيم بن نصير، عن محمد بن عبد الحميد العطار الكوفي، عن يونس بن يعقوب، عن فضيل غلام محمد بن راشد، قال:
سمعت أبا عبد اللّه «علیه السلام» يقول: إنّ معاوية كتب إلى الحسن بن علي «صلوات اللّه علیه»ما، أن أقدم أنت، والحسين، وأصحاب علي.
فخرج معهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، فقدموا الشام، فأذن لهم معاوية، وأعد لهم الخطباء، فقال : ياحسن، قم فبايع، فقام وبايع.
ثمّ قال للحسين «علیه السلام»: قم فبايع، فقام فبايع.
ثمّ قال: يا قيس، قم فبايع، فالتفت إلى الحسين «علیه السلام» ينظر ما يأمره
فقال: يا قيس، إنّه إمامي يعني الحسن «علیه السلام» (1).
ونقول:
1 - إن ما ذكر في النص الأول عن أن الإمام الحسين «علیه السلام» دخل على إمامه ليعلمه لا يمكن قبوله، فالإمام الحسين «علیه السلام» الذي لم يتكلم بين يدي أخيه إعظاماً له، لا يمكن أن يفكر في تعليمه!!
2 - إن نفس اعتراف الإمام الحسين «علیه السلام» بإمامة الإمام الحسن «علیه السلام» يمنع من أن يتعاطى مع إمامه كمعلم له، وقد
1) بحار الأنوار ج 44 ص 61 ورجال الكشي ج 1 ص 176.
رأينا أنه حين طلب منه قيس بن سعد أن يفصح عن رأيه في البيعة لمعاوية، وكان الحسن والحسين «علیهما السلام» قد بايعاه - كما تقول تلك الرواية المتقدمة عن رجال الكشي - قال «علیه السلام» لقيس: إنه إمامي.
3 - وقد كان الحسن والحسين معاً يعيشان الظروف، ويعرفان ما يجري. وقد عاينا بأم العين خيانات جيش الإمام الحسن «علیه السلام»، حتى من قبل أقرب الناس إليهما، وهو عبيد اللّه بن العباس، الذي ذهب إلى معاوية ومعه ثمانية آلاف..
وهما يعرفان: أن الإصرار على الحرب كان سينتج عنه استئصال بني هاشم واستشهاد الحسنين، ومحبيهما، وشيعتهما، وسيتمكن معاوية من ملاحقة أهل البيت وكل من يمتّ لهم بصلة بحملة من الإشاعات والافتراء والتشويه دون أن يكون هناك أية فرصة لأي توضيح أو تصحيح..
4 - يقول النص المتقدم إن الإمام الحسين «علیه السلام» قال للإمام الحسن «علیه السلام»: ماذا دعاك إلى تسليم الخلافة؟!
وهو سؤال غريب وعجيب حقاً.
فأولاً: النص يقول إنه «علیه السلام» قد سلم إلى معاوية الأمر، ولم يسلم إليه الخلافة (التي تعني خلافة النبوة) ولا الإمامة، ولم يجعل له ولاية على الناس.
ثانياً: ألم يكن الإمام الحسين «علیه السلام» شاهداً مع أخيه لما
يجري؟! وألم يكن يعلم أن معرفته بمبررات الصلح لا تختلف عن معرفة أخيه، أو أنه كان في غيبوبة تامة وغفلة عما يجري؟!
5 - تقدم جواب الإمام الحسن للحسين «علیهما السلام» بقوله: «الذي دعا أباك فيما تقدم».. ونقول:
إن الإمام الحسين «علیه السلام» كان يعلم بهذا الجواب، ولكنه كان يريد أن يسمعه الناس من الإمام الحسن «علیه السلام» مباشرة، لإبطال بعض ما كان يشيعه المغرضون من أن الإمام الحسن كان - بحسب طبعه المسالم - ميالاً إلى تسليم الأمر إلى معاوية. وقد فعل ذلك طائعاً وراغباً، مع أنه كان قادراً على أن لا يفعل، حتى لقد ادَّعوا أنه هو القائل لتأكيد أنه قد فعل ذلك من دون إكراه ولا إلجاء ولا ضرورة: «كانت جماجم العرب بيدي» (1).
1) بحار الأنوار ج 44 ص 25 و علل الشرائع ج 1 ص 219 والمستدرك للحاكم ج 3 ص 170 والذرية الطاهرة للدولابي ص 104 وتاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 280 و 281 وتهذيب الكمال ج 6 ص 250 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 274 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 260 وأنساب الأشراف ج3 ص 49 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 46 وإمتاع الأسماع ج 12 ص 206 وتاريخ الخلفاء ص 210 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص 205 و 206 وكشف الغمة ج 2 ص 146 و 152 و 169 و 189 وترجمة الإمام الحسن من الطبقات الكبرى لابن سعد ص 75.
وذكر النص المتقدم برقم [2]: أن معاوية طلب من الإمام الحسين أن يقوم فيبايع فقال الإمام الحسن «علیه السلام» لمعاوية: لا تكرهه، فإنه لا يبايع أبداً أو يُقتل، ولن يُقتل حتى يُقتل أهل بيته، ولن يُقتل أهل بيته حتى يُقتل أهل الشام.
ونقول:
أولاً: إن الإمام الحسين «علیه السلام» كان يرى أن الإمام الحسن إمام زمانه، وهو يفعل كل ما يأمره به ويطيعه طاعة مطلقة، كما أن هناك عدة نصوص تصرح: بأن الحسين «علیه السلام» قد بايع معاوية أيضاً، ولكنها على أية حال كانت بيعة إكراه، وهي باطلة، ولا أثر لها على الصعيد الشرعي.
ومن الروايات الدالة على ذلك:
ألف : الرواية المتقدمة برقم [3] عن رجال الكشي، فقد صرحت: بأن الإمام الحسين «علیه السلام» قد بايع، وأن بيعته كانت بعد بيعة الإمام الحسن «علیه السلام»، فلما جاء دور قيس بن سعد نظر إلى الإمام الحسين «علیه السلام» ليتلقى الأمر منه، فقال «علیه السلام» له:
«يا قيس، إنه إمامي».
ب: لما مات الحسن بن علي «علیهما السلام» طلب من الإمام الحسين «علیه السلام» أن يخلع معاوية، فقال: «إن بيني وبين معاوية
عهداً لا يجوز نقضه» (1).
ج: وحين عرض حجر بن عدي، وعبيدة بن عمرو على الإمام الحسين «علیه السلام» أن يوليهما على جماعة من شيعته ليهاجموا معاوية على حين غفلة، قال الحسين «علیه السلام» لهما:
«إنا قد بايعنا، وعاهدنا، ولا سبيل لنقض بيعتنا» (2).
د: وفي نص آخر أكثر تفصيلا أنه «علیه السلام» قال الحجر: «إنا قد بايعنا، وليس إلى ما ذكرت سبيل» (3)
ثانياً: القول المنسوب للإمام الحسن «علیه السلام» - من أن الإمام الحسين «علیه السلام» لا يبايع أبدأ أو يُقتل، ولن يُقتل حتى يُقتل أهل بيته ولن يُقتل أهل بيته حتى يُقتل أهل الشام - لا مجال لقبوله، وذلك لما يلي:
ألف: لأن الحسين «علیه السلام» قد استشهد في كربلاء، وإنما استشهد من أهل بيته أشخاص بأعيانهم، وبقي سائر بني هاشم وأهل الشام سالمين من القتل.
ب: بل لقد اجتمع عشرات الألوف في صفين، وقتل من أهل الشام عشرات الألوف، ولم يمكن القضاء عليهم. فكيف يتمكن بنو هاشم من قتل أهل الشام؟!
إلا إن كان يقصد بأهل الشام خصوص من كانوا حاضرين مع معاوية في ذلك المجلس، أو في تلك الساعة..
وهناك ملاحظة أخرى، وهي: أن الإمام الحسن «علیه السلام» قد قرن قتل أهل بيت الإمام الحسين «علیه السلام» بأهل الشام، ولم يذكر بني أمية.. ولو أنه ذكرهم لكان الأمر أقرب إلى القبول.
عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، قال: كنت في مسجد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في حلقة فيها أبو سعيد الخدري، وعبد اللّه بن عمرو بن العاص، فمر بنا حسين بن علي، فسلم، فرد عليه القوم، فقال عبد اللّه بن عمرو: ألا أخبركم بأحب أهل الأرض إلى أهل السماء ؟!
قالوا: بلى.
قال: هو هذا الماشي ما كلمني كلمة منذ ليالي صفين، ولأن يرضى عني أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم.
فقال أبو سعيد: ألا تعتذر إليه؟!
قال: بلى.
فاستأذن أبو سعيد، فأذن له فدخل ثم استأذن لعبد اللّه بن عمرو، فلم يزل به حتى أذن له، فأخبره أبو سعيد بقول عبد اللّه بن عمرو.
فقال له: أعلمت يا عبد اللّه أني أحب أهل الأرض إلى أهل السماء ؟!
قال : إي ورب الكعبة.
قال: فما حملك على أن قاتلتني وأبي يوم صفين؟! فواللّه لأبي كان خيراً مني.
قال: أجل. ولكن عمرو شكاني إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»، فقال يا رسول اللّه إن عبد اللّه يقوم الليل، ويصوم النهار.
فقال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يا عبد اللّه بن عمرو، صلّ، ونم، وصم، وأفطر، وأطع عمرواً.
فلما كان يوم صفين أقسم عليَّ فخرجت، أما واللّه ما كثرت لهم سواداً، ولا اخترطت لهم سيفاً، ولا طعنت،برمح، ولا رميت بسهم.
قال: فكلمه (1)
ونفس هذه القصة - تقريباً - رواها عبد الرحمان بن عمرو بن العاص، وفيها أنه حين اعتذر له عبد اللّه بقول النبي «صلی اللّه علیه وآله» له: أطع أباك، فقال له الحسين «علیه السلام»:
أما سمعت قول اللّه عز وجل: «وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي
1) النصائح الكافية ص 43 و 44 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج11 ص43 ص 343 وأسد الغابة ج 3 ص 347 و «ط دار الكتاب العربي) ج3 ص 234 و 235 وتاريخ مدينة دمشق ج 31 ص 275 والمعجم الأوسط ج 4 ص 181 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 19 ص 381 وج27 ص 442.
مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فلا تُطِعْهُمَا» (1).
وقال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» : إنما الطاعة بالمعروف.
وقوله : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (2).
ونقول:
1 - إن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، وإن كان قد أقر للإمام الحسين «علیه السلام» بأنه «علیه السلام» أحب أهل الأرض إلى أهل السماء. ولكنه أقر بما هو عند الناس كالنار على المنار، أو كالشمس في رائعة النهار، فهو كالاعتراف بأن الشمس طالعة، وبأن الأرض فيها حجر وتراب.
ويبدو: أن الهدف من هذا الإقرار هو محاولته أن يلبس لبوس الصالحين، والتقرب منهم، وكسب الاعتبار عن طريق مخالطتهم.
2 - ولكن قد فات عبد اللّه بن عمرو: أنه ما أضمر أحد شيئاً إلا أظهره اللّه على صفحات وجهه، وفى فلتات لسانه. فقد أظهرت الوقائع المختلفة أنه ليس من رعيل أهل الإيمان، ولا يستحق أن يخالط أهل الدين والصلاح، ومن شواهد ذلك نذكر:
ألف: خرج عبد اللّه بن عمرو بن العاص من عند عثمان، فلقي عليا «علیه السلام»، فقال: مبيت هذه الليلة في أمر نرجو أن يثبت هذه الأمة.
فقال «علیه السلام»: لن يخفى علي ما أنتم فيه حرفتم، وغيرتم، وبدلتم تسع مئة حرف: ثلاث مئة حرفتم، وثلاث مئة غيرتم، وثلاث مئة بدلتم. «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بأَيْدِيهِمْ تُمَ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّه» (1)» (2).
أي أن عبد اللّه بن عمرو لما صادف عليا «علیه السلام» بعد خروجه من عند عثمان، كأنه فوجئ به، فلجأ إلى التبرير، على قاعدة : كاد المريب أن يقول : خذوني.. فادَّعى لعلي «علیه السلام»: أنهم باتوا تلك الليلة في تدبير شؤون الأمة.
فأخبره علي «علیه السلام»: بأن الأمر كان على عكس ذلك. وأنهم كانوا بصدد التخلص من أمور تزعجهم، هي إما من المثالب لهم، أو من فضائل أهل البيت «علیهم السلام».
وينحصر التخلص - بنظرهم - من هذه النصوص، بالطرق الثلاثة التي ذكرها علي «علیه السلام» :
الأول: التحريف، بإضافة كلمة أو حرف، أو إنقاصه لكي يتغير به المعنى.
الثاني: التغيير، المؤدي إلى تغيير مرامي الكلام، بإضافة قرائن له، أو طرح احتمالات تخرجه عن معانيه الأصلية إلى معاني أخرى لا تضرهم، أو تصبح بها مضرة للأطراف الأخرى.
الثالث: أن يلجأوا إلى تحريف أو تبديل الكلام، فعوضاً من أن يكون موجها لزيد يصير موجهاً لعمرو، أو إلى اختراع النقيض.. إلى غير ذلك من صنوف التغيير والتبديل.
ب: ذكر الطبري: أن عبد اللّه بن عمرو بن العاص كان قد قرأ في مصر كتب، دانيال، فسأله عمرو بن سعيد الأشدق، عن أمر يزيد وابن الزبير.
فقال : ما أرى يزيد إلا أحد الملوك الذين تتم لهم أمورهم، حتى يموتوا وهم ملوك (1).
فمن أين جاءه هذا الغيب الدافق في خصوص يزيد ؟! ولماذا هذا التأييد لحكومة هذا الشرير اللعين؟! وهل قراءة كتب دانيال تدل على أمثال هذه الأمور ؟! وهل ذكرت هذه الكتب من يحكم ومن لا يحكم، ومن يموت وهو ملك، ومن يموت وهو سوقة؟!.
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 476 و 477.
ج: كتب الإمام الحسين «علیه السلام» إلى معاوية كتاباً شديداً، فأقرأه ولده يزيد فارتأى يزيد أن يجيبه بجواب يصغر فيه إلىه نفسه، ويذكر فيه أباه عليا «علیه السلام».
فدخل عليهما عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فأقرأه معاوية ذلك الكتاب أيضاً، فكان رأيه نفس رأي يزيد، فراجع (1).
3 - إذا كانت قراءة عبد اللّه بن عمرو بن العاص لكتب دانيال قد أعطته هذه القدرة الخارقة على كشف الغيوب، ومعرفة الأسرار، فلماذا لم نجده استنبط من خلال ما قرأه سائر حوادث الأيام، وسجل لنا حالات سائر الملوك؟!
ولماذا أيضاً لم نجد عند سائر من قرأ كتب دانيال هذه الملكات، وآيات النبوغ التي وجدناها عند عبد اللّه بن عمرو بن العاص؟!
أم أن قراءة تلك الكتب قد انحصرت به دون سواه؟!
4 - والأهم من هذا وذاك: أن هذا النابغة لم يستطع أن يوفق بين قول النبي «صلی اللّه علیه وآله»: «أطع أباك»، وبين قوله «صلی اللّه علیه وآله»: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».. بالإضافة إلى قوله تعالى: «وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
1) قاموس الرجال ج8 ص 85 - 89 عن الكشي ص47 - 52.
فلا تُطِعْهُمَا» (1)، كما تقدم.
وتذاكروا عنده «صلوات اللّه علیه» اعتذار عبد اللّه بن عمرو بن العاص من مشهده بصقين، فقال «علیه السلام»: ربّ ذنب أحسن من الاعتذار منه (2).
ومن الموارد التي ينطبق عليها قول الإمام الحسين هذا ما قيل عن مسلم بن عقيل عندما أمر عبيد اللّه أن يرمى من فوق القصر فرمي به فتكسرت،عظامه، وبقي به رمق، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير الحضرمي فذبحه، فقيل له في ذلك، وعيب عليه، فقال: أردت أن أريحه (3).
ومن الموارد التي ينطبق عليها هذا الكلام هذه الأعذار التي تذرع بها عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فإنها تدل على عدم فهمه لأوضح الآيات،دلالة وجهله بأحكام الشريعة، وغير ذلك مما إشير إليه فيما تقدم.
وروى إبراهيم بن الرافعي، عن أبيه، عن جده قال: رأيت الحسن والحسين «علیهما السلام» يمشيان إلى الحج، فلم يمرا برجل (براكب) إلا نزل يمشي، فثقل ذلك على بعضهم، فقالوا لسعد بن أبي وقاص : قد ثقل علينا المشي، ولا نستحسن أن نركب وهذان السيدان يمشيان.
فقال سعد للحسن «علیه السلام»: يا أبا محمد، إن المشي قد ثقل على جماعة ممن معك، والناس إذا رأوكما تمشيان لم تطب أنفسهم أن يركبوا، فلو ركبتما؟!
فقال الحسن «علیه السلام»: «لا نركب قد جعلنا على أنفسنا المشى إلى بيت اللّه الحرام على أقدامنا، ولكننا نتنكب عن الطريق».
فأخذا جانباً من الناس (1).
ونقول:
يلاحظ ما يلي:
1 - إن هذه الحادثة لا تنسجم مع المسار الطبيعي للأمور، فإن هؤلاء المتحذلقين الأغبياء، كان غاية جهدهم في إكرام الحسنين هو الأذى الذي ألحقوه بهما !!
1) بحار الأنوار ج 3 ص 276 عن الإرشاد للمفيد، وعن مناقب آل أبي طالب.
2 - كان الحسنان «علیهما السلام» يمارسان عبادة اللّه في فريضة الحج بأبهى وأسنى مظاهرها وحالاتها وتجلياتها. وكان الناس بأمس الحاجة إلى مثل هذه الدروس التي تدفع بالنفس الإنسانية إلى أقصى حالات الضعف والذل والشعور بالحاجة أمام اللّه سبحانه.
إنهما «علیهما السلام» لا يريدان أن يكون الحج مجرد نزهة، تتوقر فيها مختلف أنواع الرفاهية والراحة، بل يريدانه فرصة لتذليل النفس أمام عظمة اللّه تعالى وإخضاعها لإرادته..
ولكن هناك من يريد أن يكون الحج وسائر العبادات مجرد طقوس، وشكليات، وحركات جوارحية فارغة من المضمون.
3 - إن هؤلاء المتحذلقين الأغبياء يرون بأم أعينهم، - وجربوا أيضاً بأنفسهم - أن الحسنين «علیهما السلام» قد اختارا أن يبذلا هذا الجهد المضني في طاعة اللّه. ولم يطلبا من أحد مشاركتهما في هذه العبادة، ولو على سبيل المجاملة ببضع خطوات.. ولكن الناس هم الذين اقترحوا على أنفسهم هذه المشاركة بالمشي مع الحسنين «علیهما السلام»، لاكتساب الثناء والرضا منهما «علیهما السلام»، على سمة الأدب التي يرغبون أن يتلبسوا بها أمام الإمامين ليكتسبوا الثناء منهما.. لا من اللّه سبحانه.. وكان ولا يزال بإمكانهم التخلي عن هذا الأمر الذي فرضوه على أنفسهم، ومعاودة الركوب دون أن يضطرّ الحسنان إلى هذا القرار.
4 - لكن ما حصل هو أن جماعة من هؤلاء قد أرسلوا سعد بن
أبي وقاص ليكون وسيطاً لدى الحسنين «علیهما السلام» في هذا الأمر والحال أن الأمر لم يحتج إلى مراجعتهما «علیهما السلام»، لأن الحل كان بيد الناس أنفسهم، فكان يمكنهم هم أن يتنكبوا الطريق العام قليلاً، ويسبقوا الحسنين، ثم يعودوا إلى الطريق العام من جديد، ويكونون بذلك قد رفعوا الإحراج الذي يدَّعونه عن أنفسهم، وتبقى الأمور في سياقها الطبيعي.
5 - ولكن سعدا آثر أن يكون الحل لهذا المشكل الذي لا حقيقة له إلا في أوهام هؤلاء ربما ليكون الحسنان هما اللذان يدفعان الثمن، لعلمه بأنهما «علیهما السلام» لا يطلبان من الناس أمراً يكون بمقدورهما القيام به. مما يعني أن أي حلّ سيكون على حساب الحسنين «علیهما السلام»، وسيكلفهما جهداً وتعباً يضاف إلى التعب الذي كانا فيه..
وكان الحلّ الذي جاء به سعد من قِبَل الحسنين «علیهما السلام» واحدا لا بديل عنه، لأنه منحصر بفرد، وهو أن يتنكبا الطريق العام للناس. أي أن يسيرا «علیهما السلام» على مسافة تبعد عن الطريق العام قليلا، وإن كانت توازيه في المسار، ولكنها ليست طريقا عبدته الأقدام، وأخفاف الإبل، وحوافر الخيل وسواها.
مما يعني: أنه مليء بالعوائق والأحجار، والنتؤات المؤذية. وأنه ليس طريقا سويا، بل فيه تعرجات، وخفض ورفع، وربما صادف حفراً عميقة، وغير ذلك..
6 - وقد يجوز القول: إن هذا الحل الذي حمله سعد إلى أولئك الناس يمثل فضيحة لهم ولسعد الذي جاء به ورضي ورضوا باعتماده..
والسبب في ذلك: أن هذا الإجلال الذي ظهر من الناس للحسنين «عليهما السلام» حتى إنهم لم يرضوا بالركوب في محضرهما «علیهما السلام»، وهما يمشيان قد أثار حسيكة الحسد لدى سعد بن أبي وقاص، الذي صار له طمع بالخلافة منذ جعله عمر أحد الستة في الشورى التي ابتكرها لإبعاد علي «علیه السلام». وكان سعد رجلاً حسودا، كما عن أمير المؤمنين «علیه السلام» (1).
وقد امتنع عن البيعة لأمير المؤمنين «علیه السلام»(2)، وعن القتال معه، فمنعه علي عطاءه من بيت المال، على أساس أن هذا المال لمن قاتل عليه (3).
1) الإمامة والسياسة ج 1 ص 54 و (تحقيق الزيني) ج1 ص52 و (تحقیق الشيري) ج 1 ص 73 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص27 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 32 ص 461.
2) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 442 وكتاب الأربعين للماحوزي ص84 والأخبار الطوال ص 141 و 142 والثقات لابن حبان ج 2 ص 270 والاستغاثة للكوفي ج 2 ص 63.
3) راجع: إختيار معرفة الرجال ص 39 وصفين للمنقري ص 551 و 552.
7 - إنه قد يبدو للناظر : أن سعداً حين رأى بأم عينيه هذا الإجلال من الناس للحسنين «علیهما السلام» في طريق الحج لم يكن يسعده يواصل مسيره في هذا الجوّ الذي يجعله يتفجّر من الداخل لؤماً وحسداً. فكان تنكب الحسنين للطريق العام، وزيادة متاعبهما أضعافاً، وخلو الطريق العام وجماهيره لسعد بن أبي وقاص - كان - غاية أمنياته، حتى وإن عده العقلاء، وأهل الدين والنبل والحمية من فضائحه...
وفي حديث مدرك بن أبي زياد، قلت لابن عباس - وقد أمسك للحسن ثم الحسين بالركاب، وسوى عليهما -: أنت أسن منهما تمسك لهما بالركاب!
فقال: يا لكع، وما تدري من هذان؟!
هذان ابنا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». أوليس مما أنعم اللّه به عليَّ أن أمسك لهما، وأسوي عليهما ؟! (1).
ونقول:
1 - إن من يقدّر أهل الفضل، ويحترمهم، ويتواضع لهم، إنما
1) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 168 وبحار الأنوار ج 43 ص 319.
يعرب عن نفسه، ويدلل على أنه هو من أهل العلم والفضل، إذ لا يعرف الفضل إلا ذووه. وهو بذلك يجلب لنفسه الاحترام والتقدير عن جدارة واستحقاق.
وهو بذلك يحبّب الناس أيضاً بالفضل والعلم، ويزيّنه لهم، ویر غبهم فيه، فيكسب بذلك فضيلة نشره.
وإذا كان هذا الأمر محبوباً للمولى سبحانه، وقد قصد بفعله هذا التقرب إليه، فذلك يعني نيله المثوبة والرضا الإلهي عن هذا الطريق.
وإذا كان ذلك فيه سرور لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فإنه سينال المثوبة على ذلك أيضاً..
2 - ظهر مما تقدّم: أن هذا الباب يفتح أبواباً كثيرة للخير. ولكن ابن عباس اقتصر على باب واحد منها، وهو أنهما «علیهما السلام» ابنا رسول اللّه.. ربما لأن هذا الأمر هو الأقرب إلى فهم من كان ابن عباس يوجّه إليه هذا الكلام مشيراً إلى قصور فهم ذلك الرجل المعترض عن إدراك مقام الحسنين «علیهما السلام» بقوله: «وما تدري من هذان».
3 - إن ما جرى يعطي: أن على الإنسان قبل أن يصدر أحكامه على فعل بعينه أن يبحث عن المبررات والدوافع التي دعت إلى ذلك الفعل، ولكن مدرك بن أبي زياد قد بادر إلى تخطئة ابن عباس فيما،فعل، معتبراً أن التقدّم في السنّ فقط هو الذي يوجب التقديم والتقدّم. ولم يلتفت إلى سائر الفضائل،كالعلم والأخلاق، والدين، والمقام عند
اللّه، والتقوى.. الخ..
أخبر الليث بن سعد بإسناده أن رجلا نذر أن يدهن بقارورة رجلي أفضل قريش، فسأل عن ذلك.
فقيل : إن مخرمة أعلم الناس اليوم بأنساب قريش، فاسأله عن ذلك.
فأتاه وسأله وقد خرف وعنده ابنه المسور، فمد الشيخ رجليه وقال ادهنهما.
فقال المسور ابنه للرجل : لا تفعل أيها الرجل، فإن الشيخ قد خرف، وإنما ذهب إلى ما كان في الجاهلية.
وأرسله إلى الحسن والحسين وقال: ادهن بها أرجلهما، فهما أفضل الناس وأكرمهم اليوم (1).
ونقول:
1 - يبدو أن هذه القصة قد حصلت بعد استشهاد أمير المؤمنين «علیه السلام».
2 - إن المسور بن مخرمة قد أدرك أن هذه القضية لو شاعت عن
1) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 168 وبحار الأنوار ج 43 ص 319 والكنى والألقاب ج 2 ص 302.
أبيه، فربما نسب طرف منها إليه، ولو بمستوى الرضا والأنس بما حصل، وهذا سوف يشكل فضيحة محرجة له، وقد تصبح سبباً لتعيير هم بها، وسقوط محلهم بسببها، بسبب ما فيها من جرأة على اللّه ورسوله وأهل بيته «علیهم السلام» بادعاء التقدم عليهم في مقاماتهم..
ولأجل ذلك بادر المسور إلى تدارك الأمور، ووضع الأمور في نصابها.
3 - إن قول مسور لذلك الرجل: «وإنما ذهب إلى ما كان في الجاهلية»، يدل على فساد الموازين عند المسور، وعلى انحرافه عن خط السلامة والصلاح، إذ متى كان في الجاهلية من يضاهي بني هاشم في الفضل والمقام ؟ ومتى قيل ومن قال: إن مخرمة كان أفضل قريش في الجاهلية؟!
ومن يستطيع أن يدعي أنه يضاهي في الفضل أبا طالب وعبد المطلب، وهاشماً.. وسائر السلسلة الميمونة لآباء رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» ؟!
ومن دلائل انحراف المسور بن مخرمة : إنه كان الساعد الأيمن لخاله عبد الرحمان بن عوف في تدبير أمر الشورى لصالح عثمان.. ولم يزل مع خاله مقبلا مدبراً حتى تم لهم ما أرادوا (1).
1) الإستيعاب.
4 - إنه بعد قتل عثمان ذهب إلى مكة وبقي بها إلى أن مات معاوية. ولم ينصر الحق وأهله.
5 - إن الحديث المكذوب على لسان النبى «صلی اللّه علیه وآله» حول استئذان بني هشام بن المغيرة أن ينكحوا ابنتهم عليا، وأن النبي خطب بذلك (1)، إن هذا الحديث ينسب إلى المسور بن مخرمة.
6 - كان مسور لا يذكر أخيرا معاوية إلا استغفر له (2).
عن الإمام الباقر «علیه السلام» قال: «ما تكلم الحسين بين يدي الحسن إعظاماً له ولا تكلم محمد ابن الحنفية بين يدي الحسين «عليه السلام» إعظاماً له» (3).
ونقول:
1 - إن هذا التعامل النبيل بين الحسنين «علیهما السلام»، وبين الحسين وأخيه محمد «صلوات اللّه علیهم» لم يقيد بمرحلة عمرية
بعينها، بل ظاهره التعميم لجميع المراحل.. فهو يتعامل معه على هذا النحو في صغره، وفي كبره على حدّ سواء، وهذا يعني أن الحسين «علیه السلام» كان يرى أن موجبات هذا التعظيم والتكريم متحققة في أخيه في جميع المراحل العمرية، حتى في زمن الصغر، في حياة النبي «صلی اللّه علیه وآله» وبعدها.. وكذلك الحال بالنسبة لتعظيم محمد ابن الحنفية لأخيه الإمام الحسين «علیه السلام»..
كما أن هذا التعميم لجميع المراحل يدلنا على: أن طول العشرة ومتانة العلاقة، ورؤية الإخوة لبعضهم في مختلف حالاتهم: في اليقظة والمنام، والتعب والراحة، والفرح و الحزن، و.. و.. لم يكن يقلل من شعوره بميزات أخيه، ولم يكن يجد لديه الرغبة لتجاوز الحدود التي يفرضها عليه هذا التعظيم في تعامله، حتى وهو في سن الطفولة الذي يتوقع أن يظهر بعض العُرام البريء الذي قد يهيمن على مشاعره، وأحاسيسه في بعض اللحظات.
2 - لعلك تقول : إننا إذا اعتبرنا أن ما قيل حول الإلف والعادة وطول العشرة، ونحو ذلك، إن كان يؤثر في سائر الناس، فإنه لا أثر له في الإمام المعصوم، لا في مرحلة الطفولة ولا في سائر المراحل، فلا معنى للتحدث عن المعصوم بهذه الطريقة.
ونجيب:
أولاً: إن حديثنا مسوق لتبسيط المعنى للناس، كل الناس، بغض النظر عن اعتقادهم بالإمامة والعصمة وعدمها.. لنجعل من هذا
الالتزام بالتعظيم في جميع المراحل مدخلاً لتقرير هذا التميز الذي يقرب للأذهان معنى العصمة والإمامة فيهما «علیهما السلام».
ثانياً: إن هذا البيان ضروري، وحاسم لإظهار عظمة محمد ابن الحنفية الذي هو طرف أساسي في هذا المورد الذي يتحدث فيه الإمام المعصوم عنه، لاسيما وأنه مشمول للتعميم الذي أشرنا إليه.
3 - إن هذا التعظيم، أو فقل الإعظام هو شعور ناشئ عن إدراك ووعي لمعنى كامن في من يزجي إليه.
وتبلور شعور كهذا يدل على عمق التفاعل بالقيم والميزات الإنسانية والأخلاقية. فإن من المعلوم أن هذا التفاعل العميق ناشئ عن تربية وترويض وتطويع للنفس البشرية، وإخضاع ضميري، وانقياد وجداني. حتى بلغ الأمر بمحمد ابن الحنفية إلى حد أن يكون المثال والقدوة في ظهور آثار هذه التربية، وتأثير المحيط والجو الذي عاش فيه محمد ابن الحنفية في كنف أبيه، وأخويه «صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم».
4 - يلاحظ: أن هذا النص حين ذكر ابن الحنفية، إنما نوّه بخصوص تعامله مع أخيه الإمام الحسين «علیه السلام» وسكت عن تعامله مع الإمام الحسن «علیه السلام».
ولعل سبب ذلك - والحديث مروي عن الإمام الباقر «علیه السلام» -: أنه «علیه السلام» بصدد بيان طريقة التعامل مع الإمام حين ينتهي إليه أمر الإمامة الفعلية، ليدل على أن محمد ابن الحنفية
كان مسلماً وراضياً، ومقتنعاً بإمامة الحسين «علیه السلام»، ولم يكن نيته المنازعة.
ولعل السبب في التأكيد على موقفه هذا مع الإمام الحسين «علیه السلام» أن الإمام الحسن «علیه السلام» الذي نص النبي «صلی اللّه علیه وآله» على إمامته، قد نص أبوه أيضاً على أنه الخليفة والإمام من بعده، كما أنه قد أوصى إليه، واطلع على ذلك القاصي والداني. ثم كانت له بيعة عامة..
أما الحسين «علیه السلام»، فلم يوص إليه أبوه، ولم ينص على أنه الخليفة من بعده. بحيث يصبح هذا الأمر مسلماً ومقبولاً عند سائر الناس. والنصوص التي ذكرت هذا المعنى عن علي «علیه السلام»، قد بقيت في دائرة خاصة ومحدودة. كما أنه لم تحصل له بيعة عامة.
ويؤكد المعنى الذي تقدم عن الإمام الباقر «علیه السلام» حول تعامل الإمام الحسين «علیه السلام» مع الامام الحسن «علیه السلام»، رواية أخرى مروية عن الامام الباقر «علیه السلام» أيضاً تقول:
إن الحسين «علیه السلام» إذا حضر الحسن «علیه السلام» لم ينطق في ذلك المجلس حتى يقوم» (1).
1) الكافي ج 1 ص 291.
وفي رواية عن الامام الصادق «علیه السلام»: «ما مشى الحسين «علیه السلام» بين يدي الحسن «علیه السلام» قط، ولا بدره بمنطق إذا اجتمعا تعظيماً له» (1).
ونقول: تضمّن هذان النصان:
أولاً: سكوت الامام الحسين «علیه السلام» في المجلس الذي يكون الامام الحسن حاضراً فيه فلا يتكلم بشيء، ولا يعطي رأيا الا بطلب من أخيه.
وهذا تطبيق عملي لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّه وَرَسُولِهِ» (2)، حيث إن للإمام ايضاً ما للنبيّ في نطاق التعامل، فكما يجب توقير النبي، وعدم التقدم بين يديه بالاقتراحات والآراء، إلا إذا طلب هو ذلك، وكما لا يصح أن ينادى النبي من وراء الحجرات، ولا يصح رفع الأصوات فوق صوته، ولا الجهر له بالقول كجهر بعضهم لبعض، وغير ذلك، كذلك الحال بالنسبة للإمام «عليه السلام».
ثانياً: إن الإمام الحسين «علیه السلام» لم يتقدم على الامام الحسن «علیه السلام» في المشي بحيث يصير أمامه.
ثالثاً : إنه «علیه السلام» ما بدر أخاه بمنطق إذا اجتمعا، لأن هذا التصرف قد يفسر على أنه يعتبر أخاه وإمامه المعصوم والمؤيد من اللّه بصنوف العلوم والمعارف والألطاف والتأييدات - نعم.. قد يفسر ذلك - بأنه يراه غافلاً عن هذا الأمر الذي بدره به وهذا قد يكون بمثابة الطعن بعلمه أو بدرجة انتباهه وضبطه للأمور. وقد يفسر على أنه يريد أن يباريه في العلم والفهم، وما إلى ذلك.
الصحيح....خطأ الإشارة المرجعية غير معرّفة. من سيرة الإمام الحسين «علیه السلام»...1
الصحيح....خطأ الإشارة المرجعية غير معرفة.
من سيرة الإمام الحسين «علیه السلام».. خطأ ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.
الفصل الثاني:...7
إمامة الحسين في كلام علي «علیه السلام»:...7
الإمامان المعصومان:...9
علي «علیه السلام» للحسين «علیه السلام»: علمت ما جهلوا :...14
أنت أسوة قدما:...15
علمت ما جهلوا:...15
بنو أمية يسفكون دم الحسين «علیه السلام»:...16
على «علیه السلام» يسأل الحسين «علیه السلام»:...17
الحكمة جزء من الدين أيضاً :...18
الحكمة تحتاج إلى تعليم:...18
الممارسة العملية:...19
فوائد الحكم:...19
رأى الملائكة، فعمي:...20
عمى نجاد لماذا ؟!...21
رمي السهام لماذا ؟!:...23
هذان ابنا الرسول، وهذا ابني ابن الحنفية يجيب أيضاً:...24
الفصل الثالث:...26
علي والحسين «علیه السلام».. والدعاء...32
دعاء العشرات:...34
لماذا العهد؟:...36
تحديد مدة الكتمان:...37
للإمام الحسين «علیه السلام» خصوصيته:...38
الآثار العظيمة والهائلة للدعاء:...38
دعاء المشلول:...39
تكنية علي «علیه السلام» لولده:...45
اهتمام علي «علیه السلام» بأصحاب الحاجات:...45
الحسين «علیه السلام» لم يسمع بهذا الدعاء:...46
كتابة دعاء الجوشن على الكفن: ...47
حلاوة سورة القدر من فِيّ على «علیه السلام» : ...50
الفصل الرابع: ...54
في حرب الجمل...54
للتوضيح والبيان:...56
علي يمنع والحسنان يعطيان:...56
الحسنان «علیه السلام» في طاعة أبيهما:...61
إلى البصرة:...62
الحسنان في موكب علي «علیه السلام»:...64
الحسن على الميمنة والحسين على الميسرة:...68
لماذا أعطى الراية لابن الحنفية؟:...72
راية الرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» متى نشرت؟!:...73
الزلزال:...74
ابن الحنفية لا يقاس بابني رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»:...76
كلاهما إمام الورى:...80
حرص علي «علیه السلام» على إيراد ضربة قاصمة :...81
سياسة نصرت بالرعب:...87
الحسنان «صلی اللّه علیه وآله» يتشفعان بمروان:...90
إمرة كلعقة الكلب أنفه:...93
أبو الأكبش الأربعة:...94
سبعة من أفضل الخلق:...94
الفصل الخامس:...99
مكاتبات قبل صفين...99
أنا أبو الحسن والحسين:...101
الحسين «علیه السلام» يحرض على جهاد معاوية:...104
صحيفة الإخبار عن الغائبات:...112
من أدلة العصمة:...114
شفاعة أبي طالب:...117
الحسين خير لابنتك:...121
الفصل السادس:... 126
هنا كربلاء...125
استشهاد الحسين في كلام علي:...127
علي «علیه السلام» في كربلاء:...131
المرأة على يقين وزوجها في شك:...140
أنت لنا أم علينا ؟!:...141
علي «علیه السلام» لا يعلم الغيب ذاتاً:...142
جزاء من لا يغيث الإمام«علیه السلام»:... 142
هذا هو قسم الإمام !!...144
كيف حدد علي «علیه السلام» الأمكنة:...145
كيف نفهم: املكوا عني هذا الغلام؟...246
اصبر أبا عبد اللّه:...149
يتحدث علي «علیه السلام» عن عاشوراء بالذات:...151
أقر اللّه عينك بابنك الحسين «علیه السلام»:...152
بعر الظباء في صيرانها:...153
الفصل السابع:...158
قتال الحسين «علیه السلام» في صفين....158
الحسنان على خيل الميمنة في صفين:...160
الحسين ومحمد يقتلان مولى أبي سفيان:...161
الحسنان «علیه السلام» لا يخلان بمركزيهما:...166
الحسين «علیه السلام» وعبيد اللّه بن عمر:...168
علي وتر قريشاً:...172
لا أكفر باللّه ورسوله:...173
الخبر المرعب لابن عمر:...174
اللّه، ولرسوله، وللمؤمنين:...175
الحسين لا يخدع، فهو ابن أبيه:...176
هل هذا حسد أم ضعف؟!:...177
لم يغرر بك أبوك؟! :...182
وجوب حفظ الإمام:...184
حياة الحسين بقيمة حرب صفين:...189
علي يتوعد الحسين «علیه السلام» بالعقوبة:...191
معاوية يعير قريشاً، وجواب مروان:...193
معاوية يكيد قيس بن سعد لدى علي:...196
الحسين استعاد المشرعة في صفين:...198
أبو أيوب أو أبو الأعور :...199
من الذي حرر المشرعة :...199
عدد الذين شاركوا في أخذ المشرعة :...200
الفصل الثامن:...201
من صفين والنهروان.. إلى الشهادة...201
علي «علیه السلام» بعد صفين ما يقول ذوو الرأي؟!:...202
معاوية يلعن أوصياء الأنبياء:...205
الإشكالات الباطلة:...207
معاوية والعمل بمبدأ المقابلة بالمثل:...208
اللعن أسلوب الفاشل العاجز:...210
علي «علیه السلام» والتزام أدب الخطاب:...212
اللعن سباب عرفي:...213
أهل النهروان في أصلاب الرجال:...215
علي «علیه السلام» لم يخطئ ولده:...216
وجود الخوارج أمر طبيعي:...217
يأخذ الحق حتى من الحسنين «علیه السلام»:...218
الرجعة إلى صفين:....222
علي «علیه السلام» لم ينقض العهد:...222
لا تناقض بين أقوال وأفعال علي «علیه السلام»:...223
لماذا عقد للحسين فقط ؟!...225
الفصل التاسع:...229
حديث الاستشهاد...229
علي «علیه السلام» للحسين «علیه السلام» : كم بقي من شهرنا؟!:...231
كم بقي من شهرنا هذا :...232
كاد المريب أن يقول: خذوني:...233
الحسين «علیه السلام» يراقب ما يجري:...234
لو أعلم أنك قاتلي لقتلتك:...235
ابن ملجم متهم مسبقا:...238
يا أبه، ما هذه الطيرة؟!...239
منام علي «علیه السلام» بعد النهروان:...242
رؤيا النبي والوصي:...243
الانتقام من النبي «صلی اللّه علیه وآله» وعلي «علیه السلام» :...244
لعين هذه الأمة:...246
الذي قضي كائن :...247
وصايا علي «علیه السلام» لأولاده:...248
لا تقطع دونهما أمراً، ولزوم التوقير:...250
الوصية بمحمد ابن الحنفية:...252
الخطاب للإمام الحسن «علیه السلام»:...254
الإمامة والوصية:...254
لماذا كل هذا ؟!:...258
الحسين لم يحضر استشهاد أبيه:...260
التجهيز والدفن:...261
الحسين يصف أباه «علیه السلام»:...264
أهملهم اهمال الراعي لإبله:...265
أحب بيعة عمر، ولم يكره خلافته:...266
علي «علیه السلام» لم ير أحداً يقوم مقامه...267
لم يذكر عثمان بشيء :...267
الباب الثاني:...270
الحسين «علیه السلام» في إمامة الحسن المجتبى «علیه السلام»...270
الفصل الأول:...272
من دلائل الإمامة...272
الإمامة تقتضي حفظ الشريعة :...274
ابن الحنفية يطالب بميراثه:...277
صحيفة ابن الحنفية:...282
الماء المر ملعون لا يستشفى به:...283
قاعدة الأهم والمهم:...284
سبع ديات يبذلها الحسنان لتخليص القاتل:...287
قصة هدبة بن خشرم :...288
ما شأن الحسنين «علیهما السلام»؟!:...291
الحسين «علیه السلام» والصلاة بعد العصر:...294
الفصل الثاني:...301
صلح الحسن «علیه السلام» وبيعة الحسين «علیه السلام»...301
الحسين «علیه السلام» يعارض الصلح الحسني !!:...303
المؤاخذات على الأقاويل والروايات:...305
بيعة الإمام الحسين «علیه السلام» لمعاوية:...316
هل بايع الحسين معاوية؟!...321
الفصل الثالث:...325
التعظيم والتكريم.... 325
الحسين أحب أهل الأرض إلى أهل السماء:...327
رب ذنب أحسن من الإعتذار منه:... 333
الظلم في طريق الحج:...334
تعظيم ابن عباس للحسنين «علیه السلام»:...338
الأفضل في قريش بنظر المسور بن مخرمة:...340
تعظيم الحسين «علیه السلام» للإمام الحسن «علیه السلام»:... 342
فهارس الجزء الثامن...348