ghaemiyeh.com
سيرة الحسين(عليه السلام)
في الحديث والتاريخ..
السيد جعفر مرتضى العاملي
الجزء الحادي والعشرون
المركز الاسلامي للدراسات
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
2016م - 1437هـ
حاد
المركز الاسلامي للدراسات
لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519
البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org
المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421
محرر الرقمي: محمدرضا دهقانزاد
الصحيح
من سيرة الإمام الحسين «عليه السلام»
السيد جعفر مرتضى العاملي
الجزء السابع
المركز الإسلامي للدراسات
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى
1435هـ. - 2014م.
المركز الإسلامي للدراسات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
روى في الجعفريات عن إسماعيل ابن الإمام الكاظم، عن آبائه «عليهم السلام»: أنه لمّا استخلف أبو بكر صعد المنبر في يوم الجمعة، وقد تهيأ الحسن والحسين «عليه السلام» للجمعة، فسبق الحسين «عليه السلام»، فانتهى إلى أبي بكر وهو على المنبر، فقال له:
هذا منبر أبى، لا منبر أبيك.
فبكى أبو بكر، وقال : صدقت هذا منبر أبيك، لا منبر أبي.
فدخل علي بن أبي طالب «عليه السلام» في تلك الحال، فقال: ما يبكيك يا أبا بكر؟!
فقال له القوم: قال له الحسين «عليه السلام» كذا وكذا (1).
وروي عن عبد الرحمان الأصبهاني قال: جاء الحسين بن عليّ «عليهماالسلام» إلى أبي بكر، وهو على منبر رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال: انْزِلْ عَنْ مَجْلِس أبي!
1) الجعفريات ص 212 ومستدرك الوسائل ج 15 ص 165
فقال: صدقت والله! إنّه لمجلس أبيك!
قال: ثمّ أخذه فأجلسه في حجره، وبكى.
فقال عليّ بن أبي طالب «عليه السلام» والله ما هذا عن أمري.
فقال: صدقت، والله! ما اتهمتك (1).
ولكن في بعض النصوص : أن الحسن «عليه السلام» هو الذي فعل ذلك، فراجع (2).
ونقول:
لا نريد أن نذكر القارئ باحتمال التصحيف بين الألفاظ التي لا يظهر الفرق بينها إلا بواسطة النقط، ومنها كلمتا حسن وحسين. فإن اللبس لا يرتفع في مثل هذه الموارد.. إلا إذا وجدت قرائن أخرى تحل الإشكال.. والذي نود لفت النظر إليه هنا هو الأمور التالية:
1) تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 307 والجعفريات ص 350
2) مناقب آل أبي طالب (المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 201 عن فضائل السمعاني، وأبي السعادات وتاريخ الخطيب، عن أسمة بن زيد، وبحار الأنوار ج 2 ص 232 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 526 وينابيع المودة ج 2 ص 465 وفلك النجاة لفتح الدين الحنفي ص 125 والصواعق المحرقة ص 105 و (الطبعة الثانية سنة 1385هـ ص 177 والرياض النضرة ج 1 ص 188 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 5 ص 616 وتاريخ الخلفاء ص 89 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 442 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 547
قد يقال: إن ظاهر رواية الجعفريات هو أن ما جرى بين الإمام الحسين «عليه السلام» وأبي بكر قد كان في أول جمعة يخطب فيها أبو بكر بعد استيلائه على السلطة.
ولكننا لا نستطيع الجزم بذلك، لأن سياق الكلام يدل أيضا على أن ذلك قد حصل بعد خروج أمير المؤمنين «عليه السلام» من بيته، بعد جمعه القرآن، وربما بعد الهجوم الأخير على بيت الزهراء الذي حصل بعد حوالي شهرين من وفاة النبي «صلى الله عليه وآله»، حيث حاولوا مرة أخرى إحراق بيت الزهراء «عليهاالسلام»، واستخرجوا عليا «عليه السلام» من ذلك البيت بالقوة، وقادوه للبيعة.
بل إنني لست أدري إن كان ما جرى بين الحسين وأبي بكر، قد تأخر إلى ما بعد استشهاد الزهراء «عليهاالسلام» أيضاً، فإن عزوف علي عليه السلام عن اللقاء بالغاصبين قد امتد - فيما يبدو - إلى ما بعد استشهاد الزهراء «عليهاالسلام»، ودفنها ليلاً.
وقد ذكرت الرواية أن الحسنين «عليهماالسلام» قد تهيأا لصلاة الجمعة. وذكرت أيضاً أن حضور علي «عليه السلام» إلى المسجد كان في نفس اللحظة التي كان أبو بكر يبكي فيها. والمفروض: أنها لحظة خطبة الجمعة، وستليها الصلاة.
فهل هذا يعني: أن عليا وابنيه «عليهم السلام» قد بدأوا بحضور
الجمعة للصلاة خلف أبي بكر بهذه السرعة والحال أن الجراح العاطفية لا تزال تنزف، والأسى لفقد الزهراء، ولما جرى لها «عليهاالسلام» لم يزل يتفاعل في القلوب؟!
أم أن حضورهم كان على سبيل الاتفاق، لأن بيتهم «عليهم السلام» في المسجد والصلاة كانت في المسجد. فقد يصادف حضورهم أو مرورهم فيه من وإلى بيتهم في وقت الصلاة أيضاً؟!
على أن عدم حضورهم الجمع يحرك خصومهم لاتهامهم بالباطل، وإشاعة أجواء تشكيكية حول نواياهم. الأمر الذي يشحن النفوس بالأحقاد والأضغان ضدهم.
ويمكن أن يجاب على هذا:
أولاً: لعل حضورهم في المسجد للصلاة لم ينقطع، لاسيما وأن الحضور في المسجد، والصلاة فيه، لا يلازم إيتمام المصلي بالإمام، حتى لو كان يطبق حركاته الظاهرة على حركات إمام الجماعة.
ثانياً: إن عليا «عليه السلام» كان هو الإمام المنصوب من قبل الله تعالى، وهو الذي يجب على الناس الايتمام به أينما حل، فإذا اكتنفه من أهل بيته الطاهرين الأقربين، ومن أخيار المؤمنين من تتم بهم شروط صلاة الجمعة فلعله يصلى بهم عملاً بوظيفته، وإن ظن بعض الناس أنه مؤتم بشخص آخر.. فإن هذا لا يضر بصحة صلاته، بل تكون صلاة من لم يأتم به هي الباطلة، وعلى المخالفين والمتخلفين عنه أن يصححوا أوضاعهم، ويعودوا إلى ما أمرهم الله تعالى به.
إن ما ذكرته الرواية من سبق الحسين «عليه السلام» أخاه الإمام الحسن «عليه السلام» إلى الجمعة قد كان من التدبير الإلهي، ولم يكن أمراً عفوياً، ولا كان نتيجة رغبة طفولية جامحة من قبل الإمام الحسين «عليه السلام». فقد كان الحسين «عليه السلام» هو المطلوب لهذه المهمة. وقد انطلق ليقوم بواجبه وتكليفه، لا ليستجيب لرغبته.
وكان على الإمام الحسن «عليه السلام» أيضا أن يتهيأ لهذه المهمة، وإن لم يكن هو الذي سيباشر الحوار مع أبي بكر .. ولكن حضوره، وإظهار التوافق والاتفاق مع الإمام الحسين «عليه السلام» مطلوب ومحبوب، ولا بد أن يترك أثره على وعي الناس، وإدراكهم لما يريد الحسنان لهم أن يفهموه ويعوه.
واللافت: أن الإمام الحسين «عليه السلام» حسب هذا النص قد اكتفى بتقرير أبي بكر بأن المنبر لأبيه، فأقر له أبو بكر بذلك.
ونرى: أن هذا التعبير، أعني قوله: «هذا منبر أبي» هو الأليق، والأوفق بمسار الأمور، فلعله لو قال له: انزل عن منبر أبي، لادعى المغرضون وأهل الأهواء أنه «عليه السلام» قد أساء التصرف مع رجل مسن، وخاطبه بكلام لم يكن ينبغي له أن يكلمه به.
وربما ادَّعوا: أن أبا بكر كان في غاية الرقة، ومنتهى الرأفة والرحمة بهذا الذي أساء إليه، حيث لم يعامله بما يستحقه، ولم يوجه
له ولو كلمة عتاب كان يستحق أن توجه إليه.
يضاف إلى ذلك: أن الإمام الحسين كان يعرف أنه لو أمره بالنزول عن منبر أبيه، فلن يطيعه، لاسيما وأنه لم يصل إليه إلا بشق الأنفس، وكان ثمنه ارتكاب أمور عظيمة دلت على ما انطوت عليه النفوس، من أضغان، وأحقاد، ومن أطماع أضر إظهارها بسمعة من ارتكبها، بصورة كبيرة ومثيرة..
فما كان يريده الإمام الحسين «عليه السلام» هو هذا الإقرار، وحسب، ليكون حجة على من يكابر في كل وقت وحين. وليكون أساسا يبنى عليه حين يصل الأمر إلى عمر ، كما سنوضحه في موضعه إن شاء الله تعالى..
وقد حصل «عليه السلام» على ما أراد، وإن حاول أبو بكر أن يغلف إقراره هذا بما يصرف الأذهان باتجاه آخر.. فقد قال أبو بكر كلمته وأتبعها بالبكاء، ليوهم أنه يبكي شوقاً إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، أو رحمة ومحبة وحنوا ورقة، ورفقا بالحسين «عليه السلام» الذي لا يجد مناصاً من القبول منه، وإظهار الرضا بما يقول، وما يفعل.
والذي هوّن الخطب على أبي بكر أنه - بعد أن حصل على ما يريد - أصبح يرى أنه لا ضرورة للتوقف عند هذا الأمر، مع العلم بأنه قد بوغت بتصرف الحسين «عليه السلام»، ولم يكن يدري ما وراءه، ولا كان قد استعد أو أعد ما يفيد في مواجهته، فآثر الهروب
من المواجهة بهذه الطريقة.
وروى ابن شبة، عن عبد الله بن كعب، قال: إن حسين بن علي «عليه السلام» قام إلى عمر، وهو على منبر رسول الله «صلى الله عليه وآله»، يخطب الناس يوم الجمعة ، فقال : انزل عن منبر جدي.
فقال عمر: تأخر يا ابن أخي.
قال: وأخذ حسين «عليه السلام» برداء عمر، فلم يزل يجبذه، ويقول: انزل عن منبر جدي. وتردَّد عليه حتى قطع خطبته، ونزل عن المنبر، وأقام الصلاة.
فلما صلى أرسل إلى حسين «عليه السلام». فلما جاءه قال: يا ابن أخي، من أمرك بالذي صنعت؟!
قال حسين: ما أمرني به أحد.
قال: يقول له ذلك حسين «عليه السلام» ثلاث مرات. كل ذلك يقول: ما أمرني به أحد.
قال عمر: أولى؟!.
ولم يزد على ذلك.
وحسين يومئذٍ دون المحتلم (1).
1) تاريخ المدينة لابن شبة ج 3 ص 798
ذكرنا فيما سبق اعتراض الحسين «عليه السلام» على أبي بكر.. واليوم نقرأ عن اعتراض آخر له «عليه السلام» على عمر بن الخطاب. وقد لاحظنا وجود اختلاف ظاهر بين موقفي الرجلين في الأقوال، والتصرفات، وفي طبيعة ردة الفعل في مواجهة هذا التصدي والتحدي، فلماذا كان هذا الإختلاف مع أن المفروض هو حصول التوافق والائتلاف؟
والإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى التذكير بعدة أمور، هي:
1 - إن خلافة أبي بكر هو الأصل، وخلافة عمر تفرعت عليها، فإذا أصيبت خلافة أبي بكر بالإختلال سرى ذلك إلى خلافة عمر .. فإنها كانت بوصية من أبى بكر ، ولم يكن فيها نص، ولا شورى ولا انتقال على أساس النسب والإرث، ولا غير ذلك.
2 - إن اعتراض الإمام الحسين «عليه السلام» على أبي بكر في أمر المنبر، وطلبه النزول عنه قد مهد السبيل لنقل الكلام إلى مستوى جديد لم يكن الإنتقال إليه ميسوراً لولا ما كان حدث بين أبي بكر، والحسين «عليه السلام».
وذلك لأن ما قاله الإمام الحسين «عليه السلام» لأبي بكر هو: ان هذا المنبر لأبي، وليس لك ولأبيك، وقد أقر أبو بكر له بهذه الحقيقة.
3 - وبعد هذا الإقرار من أبي بكر تكون خلافة عمر استناداً إلى وصية أبي بكر بلا معنى، إذ ليس لأبي بكر أن يوصي بما لا يملك.
4 - وبذلك يصير أمر الحسين «عليه السلام» لعمر بالنزول عن المنبر، ثم جذبه الشديد لعمر لحمله على النزول، حتى تحقق له ذلك، هو الأمر المنطقي والصحيح. فلا مجال لاستهجانه من الحسين «عليه السلام»، ولا للإنكار عليه فيه.
5 - إنه «عليه السلام» قد سجل اعتراضه على أبي بكر أولاً في صلاة الجمعة التي يجتمع إليها جميع الناس على اختلاف طوائفهم، وانتماءاتهم وسياساتهم. وقد سمع الناس كلهم جواب أبي بكر الذي لا يقبل الإنكار، ولا التأويل.
6 - وها هم يرون بأم أعينهم اليوم أن الحسين نفسه الذي اعترض على أبي بكر بالأمس، يستثمر ما جرى مع أبي بكر لإبطال خلافة عمر، ويتولى إنزال الخليفة الثاني عن المنبر بالمماحكة الشديدة، لا بالمضاحكة غير المفيدة.
7 - إن الحسين «عليه السلام» يستبدل هنا كلمة «منبر أبي» التي استفاد منها مع أبي بكر بكلمة «منبر جدي». ولعل سبب ذلك: أنه يعرف أن عمر قد يحاول التجرؤ على علي «عليه السلام»، مدعياً عليه أنه هو الذي دفع الحسين عليه السلام لهذا التصرف.
وقد عرفنا أن عمر قد تجرأ على أمير المؤمنين «عليه السلام» السقيفة، وبعده حين علم أنه «عليه السلام» موصى بعدم القتال..
ولعلك تقول: إنه كما يمكن أن يتجرأ على علي «عليه السلام» قد يوم القتال..
يتجرأ على رسول الله «صلى الله عليه وآله» أيضا، وله سوابق في
ذلك كان آخرها قوله بما عرف برزية يوم الخميس: إن النبي ليهجر، أو نحو ذلك.
ونجيب:
بأن الجرأة على الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله» تبقى هي الأصعب، والأكثر كلفة عليه، ولا بد له من تحاشي الوقوع في هذا الخطأ الجسيم. وكما يقول المثل الشعبي: ليس كل مرة تسلم الجرة.
8 - على الإنسان المنصف أن يقارن بين قول عمر للحسين حين تكون لعمر إلى الحسين «عليه السلام حاجة وهل أنبت الشعر على رؤوسنا إلا الله وأنتم أو نحو ذلك.. وبين زجره الخشن للحسين عليه السلام هنا بقوله: تأخر يا ابن أخي.. ثم هو يحضره بعد الصلاة، ويحاول تقريره ليعترف له باسم من أمره بأن يفعل ما فعل، ويكرر عليه السؤال ثلاث مرات، ويصر الحسين على جوابه!!
9 - فلما بلغ الأمر إلى هذا الحد، قال عمر: أوَلي، وكأنه يهدد ويتوعد بصورة مبطنة، فهو يقول: لقد فعلتها يا حسين مرة مع أبي بكر، والآن جئت لتكرر هذا الأمر معى. سترى ما سيحل بك نتيجة جرأتك هذه.
ورووا عن حفص بن سليمان، عن عاصم، قال: قال أبو عبد الرحمان (السلمي): قرأت على علي، فأكثرت، وأمسكت عليه،
وكثرت. وأقرأت الحسن والحسين حتى ختما القرآن (1).
ونقول:
إننا لا نصدق هذا الحديث، فلاحظ ما يلي:
ألف إذا كان النبي «صلى الله عليه وآله» هو الذي أقرأ عليا «عليه السلام» القرآن فلماذا لم يقرئ الحسنين «عليهما السلام» معه؟!
ب: إذا كان علي قد أقرأ أبا عبد الرحمان السلمي - وهو عبد الله بن حبيب - فلماذا لم يقرئ ولديه الحسن والحسين «عليهماالسلام» قبله أو معه ؟! علماً بأنه لم يكن صحابياً، وإنما روى - كما يدَّعون - عن علي وعبد الله بن مسعود، واختلفوا في روايته عن عثمان، بين مثبت وناف (2).
ج: اللافت: أنهم يذكرون أنه كان من مبغضي أمير المؤمنين «عليه السلام»، فقد رووا عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء، قال: قال رجل لأبي عبد الرحمان: أنشدك الله متى أبغضت علياً «عليه السلام»؟! أليس حين قسم قسماً بالكوفة ، فلم يعطك ولا أهل بيتك؟!
قال: أما إذا نشدتني الله، فنعم (3).
د: لماذا تأخر الحسنان «عليهماالسلام» عن قراءة القرآن، كل هذه السنوات الطويلة، حتى اتصل أبو عبد الرحمن بعلي وقرأ عليه القرآن، ثم قرأ الحسنان القرآن على هذا الحاقد على أبيهما، والمبغض له؟!
هـ: كيف يمكن أن يكون السلمي هذا معلماً للحسنين «عليهماالسلام»، والنبي «صلى الله عليه وآله» يقول للناس عن أهل البيت «عليهم السلام» والحسنان «عليهماالسلام» منهم - بنص القرآن: «لا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم» (1).
1) روضة المتقين ج 11 ص 250 و ج 13 ص 110 وملاذ الأخيار ج8 ص 473 والصواعق المحرقة ص 126 وبصائر الدرجات ص 69 و 70 ص69 و 72 والإمامة والتبصرة ص 44 والكافي ج 1 ص 209 و 294 والأمالي للصدوق ص 616 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص182 و 208 وكمال الدين ص 662 وتحف العقول ص 426 وكفاية الأثر ص 56 و 129 و 132 و 163 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 27 ص 189) و (الإسلامية) ج 18 ص 139 ومصباح البلاغة (مستدرك) نهج البلاغة) ج 1 ص 143 و 336 و 340 وكتاب سليم بن قيس ص 178 و 204 و 208 و 415 والغيبة للنعماني ص 52 والمسترشد ص 401 و 467 والإرشاد ج 1 ص 180 والاحتجاج للطبرسي ج1 ص219 و 221 وج 2 ص 224 وبحار الأنوار ج 11 ص 84 وج 22 ص 465 و ج 2 ص130 و 137 و 138 و 153 وج 25 ص 221 وج 30 ص 65 وج 31 ص 417 و 422 وج 35 ص 211 وج 36 ص 329 و 330 و 338 وج 49 ص 180 ومرآة العقول ج 2 ص 424 و ج 3 ص 279 والمعجم الكبير ج 5 ص167 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 1 ص 188 وتفسير العياشي ج 1 ص 250 وتفسير القمي ج 1 ص 4 والبرهان (تفسير) ج 1 ص 21 و 74 وج 2 ص 106 و 111 و ج 3 ص 227 وج 4 ص 445 و 549 وج 5 ص 301 وإرشاد القلوب ج 2 ص 306 وينابيع المودة ج 1 ص 74 و 109 و 112 و 116 و 121 و 133 وج 2 ص 438 و ج 3 ص 399
و: الحسنان إمامان بنص كلام النبي «صلى الله عليه وآله»، والإمام لا يدانيه أحد في الأمة كلها.. فإذا كان الإمام «عليه السلام» تلميذا لهذا أو لذاك، فأستاذه يجب أن يكون أرقى منه، ولو في خصوص المادة التي يعلمه إياها .
ز: إن الله تعالى قد نزه نبيه صلى الله عليه وآله عن أن يكون لمشرك يد عنده، يحتاج إلى أن يكافئه عليها. وكان من دعائه «صلى الله عليه وآله»: «اللهم لا تجعل لفاجر ولا فاسق عندي نعمة» (1).
1) راجع: النصائح الكافية ص 156 وراجع: من لا يحضره الفقيه (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ج 3 ص 299 وكنز العمال ج 2 ص 111 و 211 والجامع لأحكام القرآن ج 17 ص 108 و 308 (ط مؤسسة الرسالة)، وأبو طالب مؤمن قريش للخنيزي وتذكرة الموضوعات ص 68 وكشف الخفاء ج 1 ص 89 و 331 و ج 2 ص 321 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 353 والدر المنثور ج6 ص186 و 187
فهل يصح أن يجعل لمبغض علي، من دون سبب، سوى أن علياً عامله بالعدل والإنصاف، حيث لم يخن المسلمين في أموالهم، فيعطها له، من دون استحقاق - هل يجعل لهذا المبغض - الذي وصفه رسول الله «صلى الله عليه وآله» بما يخرجه عن دائرة الإيمان (1)يدا على أي من الأئمة الطاهرين المطهرين.. وهي يد الشرف والبركة والخير، التي تجعل هذين الإمامين الطاهرين أبوي الأئمة التسعة، في مقام العبودية لذلك المبغض لأبيهما على قاعدة: «من تعلمت منه حرفا، صرت له عبداً» (2).
وأين هي عزة الإيمان، وشرف الإسلام، وعنفوانه، وسؤدده؟!
والظاهر أن الصحيح هو ما ورد في خبر آخر، والخبر هو التالي:
وعلَّم [أبو] عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمى ولداً للحسين «عليه السلام» الحمد، فلما قرأها على أبيه أعطاه ألف دينار، وألف
حلة، وحشا فاه دراً.
فقيل له في ذلك، فقال: وأين يقع هذا من عطائه ؟! يعني تعليمه.
وأنشد الحسين «عليه السلام»:
إذا جادت الدنيا عليك فجد بها *** على الناس طراً قبل أن تتفلت
فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت *** ولا البخل يبقيها إذا ما تولت (1)
ونقول:
1 - إن هذه الرواية هي الأقرب إلى الاعتبار، لأن الأئمة والأنبياء لا يحتاجون في علمهم ومعارفهم إلى أحد، وقد أثبتت الوقائع أن الحسن والحسين «عليهماالسلام» منذ كانا صغيرين في زمن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أعلم من جميع البشر، باستثناء جدهما وأبيهما، - وإن كانت أمهما أيضاً حجة عليهما وعلى سائر الأئمة من ذريتهما -.
هذا مع العلم بأن السلمي هذا لم يكن من أهل الولاء لأهل البيت
1) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 222 وخاتمة المستدرك ج 9 ص 268 ومستدرك الوسائل ج 4 ص 247 و ج 13 ص 117 وبحار الأنوار ج 44 ص 190 و 191 والعوالم الإمام الحسين ص64 ولواعج الأشجان ص 15 و 16 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 305 وج 4 ص 513 وج 7 ص 359 والبرهان (تفسير) ج 1 ص100 وأعيان الشيعة ج 1 ص 579
«عليهم السلام»، بل كان يبغض عليا «عليه السلام» منذ قسَّم قسماً في الكوفة، وقد اعترف هو بذلك (1). كما قدمناه.
2 - لم تحدد الرواية اسم الولد الذي علمه ابو عبد الرحمان سورة الحمد. وليس هو الإمام زين العابدين «عليه السلام» الذي أبلغه أمير المؤمنين «عليه السلام» أن النبي «صلى الله عليه وآله» جعله إماماً قبل أن يولد. وأبلغه أوامره، وما يجب أن يفعل، وكان عمره آنئذ قد لا يزيد على السنتين.
3- أما فيما يرتبط بالحجم الكبير للعطاء الذي حظي به السلمي على تعليم سورة الحمد، فسبيه:
أولاً: قلة معرفة الناس بقيمة سورة الحمد، التي فسرت بالسبع المثاني، التي جعلت عدلاً للقرآن في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (2).
ثانياً: إن الإمام «عليه السلام» قد يراعي أموراً في تصرفاته قد لا تخطر على بال أكثر الناس. فإذا كانت الأمة قد انصرفت عن العلم، وعن علم الشريعة والدين، وانغمست في ملذات الدنيا، فلا بد من دق ناقوس الخطر من أهل الغيرة على مستقبل الأمة الذين يعرفون خطورة المسار الذي اختارته. فلا بأس بأن يعطي الحسين «عليه
السلام» هذا العطاء لمن يعد من الفريق الآخر المناوئ، فإن ذلك أدعى لتسامع الناس به، والتساؤل عن موجباته وحيثياته، وليدرك أهل البصيرة والدراية من الناس ما يريد الإمام الحسين «عليه السلام» أن يوصله إلى مسامع الأمة. وسيكون لهذا العطاء الأثر الكبير الذي لا يقاس بالمال في قلته وكثرته.
روی القاضي النعمان، بإسناده عن الإمام الصادق «عليه السلام»، ورواه جماعة عن غيره:
أن أعرابياً سأل أبا بكر، فقال: إنى أصبت بيض نعام، فشويته، وأكلته وأنا مُحرم، فما يجب عليّ؟!
فقال له: يا أعرابي، أشكلت عليّ في قضيتك. فَدَّله على عمر، ودلَّه عمر على عبد الرحمن بن عوف. فلما عَجَزُوا قالوا: عليك بالأصلع.
فقال له أمير المؤمنين «عليه السلام» سل أي الغلامين شئت (وأشار إلى الحسن والحسين «عليهماالسلام»).
فقال الحسن «عليه السلام»: يا أعرابي، ألك إبل؟!
قال: نعم.
قال: فاعمد إلى عدد ما أكلت من البيض نوقاً، فاضربهن بالفحول، فما فصل منها فأهده إلى بيت الله العتيق الذي حججت إليه.
فقال أمير المؤمنين «عليه السلام»: إن من النوق السلوب. ومنها ما يزلق (1).
فقال: إن يكن من النوق السلوب وما يزلق، فإن من البيض ما يمرق (2).
قال: فسمع صوت: أيها الناس، إن الذي فهَّم هذا الغلام هو الذي فهَّمها سليمان بن داود (3)
وقد ذكر القضية لكن بدون إحالة السؤال على الإمام الحسن «عليه السلام» كل من: ذخائر العقبى ص 82 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 207 وفرائد السمطين ج 1 ص 342 و 343 والغدير ج 6 ص43 عن بعض من تقدم، وعن كفاية الشنقيطي ص 57 والرياض النضرة ج 2 ص 50 و 194 وفي هامش ترجمة أمير المؤمنين لابن عساكر (بتحقيق المحمودي) وتاريخ دمشق ج 49 ص 83 أو 498 ترجمة محمد بن الزبير
.ونقول:
1 - رأينا في البداية: أن السلطة وحزبها قد أحالوا السؤال على
بعضهم البعض، فلم يجدوا عند أحد منهم جواباً، الأمر الذي اضطرهم إلى إحالة الجواب على أمير المؤمنين «عليه السلام».
وقد وصفوه للأعرابي بالأصلع، ربما لتوهين أمره، ليظهروه على أنه رجل من سائر الناس الذين يمكن أن تطلق عليهم أي تعبير كان، وعلى هذا، فإنك قد تجد عنده جواباً لمسألتك، وقد لا تجد، وإذا أجابك على هذه المسألة، فلا يعني ذلك: أنه ملي بالإجابات على سائر المسائل أيضاً.
2 - إن هذه القضية قد حدثت في خلافة أبي بكر، فكان عمر الإمام الحسن «عليه السلام» بملاحظة حجم زمان خلافة أبي بكر ما بين سبع إلى عشر سنوات، وعمر الحسين «عليه السلام» ما بين ست إلى تسع سنين.
3 - إن أمير المؤمنين «عليه السلام» أحال الجواب على سؤال الأعرابي على غلامين صغيري السن، وعيَّنهما له بالإشارة إليهما، ولم يذكر اسميهما.
فبادر أحد الغلامين إلى الجواب، وهو الإمام الحسن «عليه السلام»، قبل أن يستفيق الأعرابي من دهشته، وقبل ان يظهر إن كان سيسأل أي واحد منهما، أو أنه سيرفض، معتبرا ذلك تلعُّبأ به، وإهانة له.
(إلا إن كان الراوي قد أغفل ذكر سؤال السائل للإمام الحسن «عليه السلام» بقصد الإختصار، أو اعتماداً على أن ذلك أمر مفروغ
عنه عند السامع أو القارئ).
4 - إن سكوت الإمام الحسين «عليه السلام» هنا لا يعني أنه لا يعرف الجواب، بل كان هذا السكوت تأدبا مع أخيه الإمام الحسن «عليه السلام»، وقد قلنا فيما سبق: ان الرواية عن الإمام الباقر «عليه السلام» تقول: «ما تكلم الحسين بين يدي الحسن إعظاماً له، ولا تكلم محمد ابن الحنفية بين يدي الحسين «عليه السلام» إعظاماً له» (1).
والدليل على ذلك: أن نفس إحالة أبيهما الإجابة إلى أي واحد منهما يدل على يقينه بأن لدى هذا من العلم نفس ما لدى ذاك.
5 - إن مناقشة أمير المؤمنين «عليه السلام» لولده تهدف إلى أمرين:
أولهما : إيضاح شقوق المسألة، وحيثياتها، والاحتمالات التي قد تراود أياً كان من الناس.
الثاني: إن هذه المناقشة تحمل معها غوصا في أمور خفية، وبحثاً عن المسوغات والمبررات لإطلاق الحكم على هذا النحو. فإذا أجاب الإمام الحسن «عليه السلام» بهذه الدقة المتناهية، فذلك يعني أنه لم يتفوه بشيء خطر على باله وألقاه من دون تعقل وتبصر فيه، وقد يكون خطأ، وقد يكون صواباً.
1) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 169 وبحار الأنوار ج 43 ص 319 والعوالم ج 16 ص 100
فقد جاءت مناقشة علي «عليه السلام» لولده، لكي تثبت صوابيته بالدليل القاطع، والبرهان الناصع الذي قدمه الإمام الحسن «عليه السلام».
6 - ثم جاء الصوت الذي سمعوه ليدلهم على أن ثمة رعاية إلهية، ومدداً وتفهيماً ربانياً للحسن والحسين «عليهماالسلام»، حتى وهما بعمر الأطفال.
وهذا ما حرم منه غيرهم من الكبار والصغار، باستثناء اهل بيت النبوة، ومعدن الإمامة من الأئمة الطاهرين «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين».
7 - ذكرت هذه القضية في عهد عمر بن الخطاب أيضا، فإما أن يقال: إن هذه القضية قد تكررت، فلا بد له في هذه الحال من أن يفترض أن يكون الخليفة عمر وغيره قد نسوا الجواب، وهو أمر بعيد..
ولاسيما مع اقتران ما جرى في عهد أبي بكر، وهو القصة المذكورة آنفاً بمحفزات لاشعورية تقتضي احتفاظ الذهن بها لأمد بعيد.
وإما أن يقال: بأن إحدى الروايتين صحيحة، والأخرى محرفة عنها، الأمر دعا إلى ذلك.
والأمر الذي يدفع للتحريف موجود، وهو:
أولاً: إن الرواية التي ذكرناها آنفاً كانت في عهد أبي بكر ذكرت
سماع صوت يؤكد على أن الذي فهَّم الغلام هذه القضية هو الذي فهَّمها سليمان. وهذا مقام يحبون ان ينكروه على الحسنين «عليهما السلام».
ثانياً: إن هذا التحريف يضمن لهم سلامة ساحة أبي بكر من نسبة الجهل إليه أيضاً، ويحفظ له ماء الوجه. وهذا أمر مطلوب ومحبوب لمحبي أبي بكر.
إن بلالاً بعد استشهاد رسول الله «صلى الله عليه وآله» والبيعة لأبي بكر، امتنع من الأذان، وقال: لا أؤذن لأحد بعد النبي «صلى الله عليه وآله».
ولكن الزهراء طلبت منه مرة أن يؤذن لها، فأجاب، وشرع في الأذان، لكنه لم يتمه خوفا على حياتها، لما أصابها «عليها السلام» آنئذ، فقطع الأذان (1).
ولأنه أبى البيعة لأبي بكر، فإن عمر أخذ بتلابيبه وهدده، ثم قال له: لا أبا لك، لا تقم معنا.
1) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 298 و 283 والوافي ج 7 ص 571 وبحار الأنوار ج 43 ص 157 والدرجات الرفيعة ص 365 والعوالم ج6 ص234 وبيت الأحزان ص 168 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 19 ص 153 عن كتاب أهل البيت لأبي علم (ط السعادة بمصر) ص 166
فارتحل إلى الشام، وأقام بها (1).
ثم قدم إلى المدينة لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله» لرؤيا رآها.
وفيما هو يناجيه، وإذا بالحسن والحسين قد أقبلا لزيارة جدهما وأمهما ، فلما رآهما تجددت أحزانه، وأقبل إليهما يضمهما إلى صدره، ويقول: كأني بكما رسول الله.
والتفتا إليه، وقالا: إذا رأيناك ذكرنا صوتك، وأنت تؤذن لرسول الله، ونشتهي أن نسمعه الآن بعد غيابك الطويل.
وانطلق بلال من ساعته إلى سطح المسجد، تلبية لرغبة السبطين، فأجهش بالبكاء، وانطلق صوته من ناحية المسجد إلى كل بيت في المدينة: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله ، فهز المشاعر، وارتجت المدينة من أصوات الباكين.
ومضى الذهبي يقول: فلما قال بلال أشهدُ أنَّ محمدا رسول الله، خرجت العوائق من خدورهن، وظن الناس أنَّ رسول الله قد بعث من قبره.
وما رؤي يوم أكثر باكيا ولا باكية بعد رسول الله من ذلك
1) خاتمة المستدرك ج 3 ص 289 والعقد النضيد ص 149 وتعليقة البهبهاني مطبوع مع منهج المقال ص 72 و (ط أخرى) ص100 وقاموس الرجال ج 2 ص 399 عنه، وكتاب الأربعين للماحوزي ص 257
اليوم (1).
ونقول:
1 - إنك ترى أن الرواية هنا تصرح: بأن الحسنين «عليهماالسلام» قد التقيا مع بلال في المسجد عند قبر جدهما، وهو يناجيه، إذ أقبلا لزيارة جدهما وأمهما .
فهذه العبارة تدل على أن ما جرى كان بعد وفاتها «عليهاالسلام». وتدل على أن أذانه الذي كان بطلب السيدة فاطمة الزهراء «عليها السلام»، ولم يتمه خوفا عليها ، قد كان قبل أن يرتحل إلى الشام بعد وفاة النبي «صلى الله عليه وآله».
2 - نفهم من طلب الحسنين «عليهماالسلام» من بلال أن يؤذن. وما أحدثه أذانه في المدينة: أنهما «عليهماالسلام» كانا يريدان
1) تهذيب تاريخ دمشق ج 2 ص 259 وسير أعلام النبلاء ج 1 ص 358 وتاريخ مدينة دمشق ج 7 ص 137 وسيرة الأئمة الاثني عشر للسيد هاشم معروف الحسني ج 1 ص 531 و 532 وإعانة الطالبين ج 1 ص 267 وتهذيب الكمال ج 4 ص 289 :وراجع أسد الغابة ج 1 ص 208 و ط (ط أخرى) ج 1 ص 244 وقاموس الرجال ج 2 ص 239 وتنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة ج 2 ص 118 وتاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف ص 338 ودفع الشبه عن الرسول للحصني الدمشقي ص 183 وسبل الهدى والرشاد ج 12 ص 359 ومنهج الرشاد للشيخ جعفر كاشف الغطاء ص 575
تذكير الناس برسول الله «صلى الله عليه وآله»، الذي كانت السلطة تعمل على أن يصبح ذكره مجرد عمل روتيني، لا يلامس المشاعر، ولا يهز الوجدان، ولا يستنهض الهمم.
فإن ذلك بنظرهم يضعف موقعية أهل بيته، الذين يستمدون قسطاً كبيراً من قوتهم، من شواهدهم وأدلتهم المقتبسة من أقواله وأفعاله، ومواقفه «صلى الله عليه وآله»..
وقد قال علي «عليه السلام»: «فلما رق أمرنا طمعت رعيان البهم من قريش فينا» (1).
بل إنه «عليه السلام» يقول:
«..إن العرب كرهت أمر محمد «صلى الله عليه وآله»، وحسدته على ما آتاه الله من فضله، واستطالت أيامه، حتى قذفت زوجته، ونفرت به ناقته، مع عظيم إحسانه إليها، وجسيم مننه عندها، وأجمعت مذ كان حيا على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته..» (2).
1) الأمالي للشيخ المفيد ص 324 والأمالي للطوسي ص 9 وحلية الأبرار ج 2 ص 298 وبحار الأنوار ج 29 ص 430 و 582 ونهج السعادة ج 1 ص 486 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب «علیه السلام» ج2 ص 322 وج 3 ص 64 وشرح الأخبار ج 2 ص 261 وتقريب المعارف ص 242 وكشف الغمة ج 2 ص 4 وغاية المرام ج 6 ص 10
2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 298 و 299 والإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» للرحماني ص 728 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب والسنة والتاريخ ج 11 ص 244 والدرجات الرفيعة ص 37
وقد ظهرت هذه السياسة في عهده «صلى الله عليه وآله» بصورة علنية، حيث إن قريشاً حاولت منع عبد الله بن عمرو بن العاص من كتابة أقواله «صلى الله عليه وآله» بذريعة: أنه بشر يرضى ويغضب (1).
ثم حاولوا المنع من التسمية باسمه «صلى الله عليه وآله» (2).
1) راجع: سنن الدرامي ج 1 ص 125 وجامع بيان العلم ج 1 ص 85 وليراجع ج 2 ص 62 و 63 ومسند أحمد ج 2 ص 162 والمستدرك للحاكم ج1 ص 104 - 106 وتلخيصه للذهبي (بهامشه)، وليراجع أيضاً: سنن أبي داود ج3 ص 318 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 176 والزهد والرقائق ص 315 والغدير ج 11 ص 91 وج 6 ص 308 و 309 والمصنف للصنعاني ج 7 ص 34 و 35 وج 11 ص 237 والحد الفاصل للرامهرمزي ص366 وتحفة الأحوذي ج 7 ص 357 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 264 والتفسير الوسيط ج 14 ص 59 وتقييد العلم للخطيب البغدادي ص80 وتاريخ مدينة دمشق ج 31 ص 260 وسبل الهدى والرشاد ج3 ص 35 وإحياء علوم الدين ج 3 ص 171 وتمهيد :كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله».. وغير ذلك كثير
2) فتح الباري ج 10 ص 472 وتحفة الأحوذي ج 8 ص 107 وفيض القدير ج 3 ص 324 وجواهر العقود ج 2 ص 466 وعمدة القاري ج 1 ص 143 (ط دار إحياء التراث العربي) ج 15 ص 39 والغدير (ط أولى) ج 6 ص 309 عنه
كما أن معاوية يتأسف لأنه يرى اسمه المبارك يذكر في الأذان كل يوم خمس مرات، ثم قال: لا والله إلا دفناً دفناً (1).
أما ابن الزبير، فقطع الصلاة على النبي «صلى الله عليه وآله» بذريعة أن له أهيل سوء إذ ذكر شمخت آنافهم (اشرأبت أعناقهم) أو (ينغضون رؤوسهم) (2).
هذا كله، عدا عن أنهم قد فضلوا الخليفة على رسول الله كما فعله الحجاج، وأعطوا لأنفسهم حق التشريع، كما شرحناه في كتابنا: الحياة السياسة للإمام الحسن «عليه السلام».. إلى غير ذلك مما لا مجال
1) الموفقيات ص 577 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 5 ص 129 و 130 ومروج الذهب ج 3 ص 454 وكشف الغمة ج 2 ص 44 وكشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ص 474 وقاموس الرجال ج9 ص 20 وبهج الصباغة ج 3 ص 193
2) راجع العقد الفريد (ط دار الكتاب العربي) ج 4 ص413 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 62 و ج 19 ص 92 وج 20 ص127 وغير ذلك، وأنساب الأشراف ج 4 ص 28 وقاموس الرجال ج 5 ص 452 ومقاتل الطالبيين ص 474 وراجع: بحار الأنوار ج 25 ص 238 والدرر النجفية ج 3 ص 339 وأنساب الأشراف ج 3 ص 291 و ج 5 ص 317 و ج 7 ص 133 وكشف الغمة ج 1 ص 45 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 482
لتتبعه..
وقد أظهرت الرواية المتقدمة: أن تصرف الحسنين «عليهماالسلام» مع بلال قد جاء طبيعياً وعفوياً منهما، ولا مجال لاتهامهما بأنهما قد تلقيا أمراً من أحد الناس..
وحسبنا أن نرى أثر هذا التصرف في الواقع العام، فنرى الذهبي يصرح بقوله: «وظن الناس أنَّ رسول الله قد بعث من قبره.
وما رؤي يوم أكثر باكياً ولا باكية بعد رسول الله من ذلك اليوم».
تقدم: أن الإمام الحسن «عليه السلام»، حين استيلاء أبي بكر على الخلافة، وإقصاء علي «عليه السلام» عنها جاء إلى أبي بكر، وقال له انزل عن منبر أبي.
ومثل هذا الحدث تقريباً قد حصل للحسين «عليه السلام» مع عمر بن الخطاب، حين استولى على الأمور بعد أبي بكر، بوصية منه..
فقد ورد أن الحسين بن علي «عليهماالسلام» أتى عمر بن الخطاب وهو على المنبر يوم الجمعة، فقال له: انزل عن منبر أبي.
فبكى عمر، ثم قال: صدقت يا بني منبر أبيك لا منبر أبي.
(وفي نص آخر: منبر أبيك والله وهل أنبت على رؤوسنا الشعر إلا أنتم (1).
1) راجع: بغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2585 وتاريخ الإسلام للذهبي ج5 ص 100 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 202 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 175 وكفاية الطالب ص 277 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 426 وج 27 ص 436
وفي نص آخر: فقال عمر: لم يكن لأبي منبر) (1).
فقال على «عليه السلام» ما هو والله عن رأيي.
قال: صدقت. والله ما اتهمتك يا أبا الحسن.
ثم نزل عن المنبر، فأخذ الحسين فأجلسه إلى جانبه على المنبر، فخطب الناس وهو جالس معه على المنبر.
ثم قال: أيها الناس، سمعت نبيكم «صلى الله عليه وآله» يقول: احفظوني في عترتي وذريتي، فمن حفظني فيهم حفظه الله. ألا لعنة الله على من آذاني فيهم ! ثلاثا (2).
وفي نص آخر: أن عمر أخذ الإمام الحسين «عليه السلام» إلى
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 40 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 201 ج3 ص201 وبحار الأنوار ج 2 ص 232 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج2 ص 256 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 527 و تاريخ بغداد ج 1 ص 152 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 176 وتهذيب الكمال ج 6 ص 404 والإصابة ج 2 ص 69 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 300 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 204 وينابيع المودة ج 2 ص 42 و 43 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 425 وج 27 ص 438
2) الأمالي للطوسي (ط سنة 1414هـ) ص 703 وراجع: نصوص هذه الرواية المصادر التالية: بحار الأنوار ج 30 ص 51 وكشف الغمة ج 1 ص 416 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص 42 و 43 وتنبيه الخواطر ج2 ص 407
بيته على الفور، وحاول تقريره إن كان أبوه أمره بهذا أم لا، فأجابه بالنفي (1).
وفي نص آخر: فأخذني، وأجلسني معه، ثم سألني: من علمك هذا؟!
فقلت : والله ما علمني أحد (2).
ونقول:
إن هذا النص تضمن أموراً، نذكر منها:
رأينا: أن عمر بالرغم من تصديقه عليا «عليه السلام» حين قال له: إنه لم يأمر الحسين بما فعل، قد حاول أن يستدرج الإمام الحسين «عليه السلام» للإقرار بما ينقض هذا القول..
ولكن أبا بكر لم يحاول استنطاق الإمام الحسن «عليه السلام»، ولعل سبب سكوت أبي بكر عن استنطاقه، هو أن ما فعله الإمام الحسن «عليه السلام» جاء في وقت بالغ الحساسية، بسبب عدوانهم على الزهراء «عليهاالسلام» بالضرب وإسقاط الجنين محسن، ومحاولتهم حرق بيتها عليها وعلى أبنائها وزوجها، فكان أبو بكر
يريد الحفاظ على ما في يده، ويعمل على تبريد الأجواء العامة.. لكي لا يفاجأ بما لم يكن في حسبانه..
أما عمر، فإنه لا يستطيع إلا أن يصدق علياً «عليه السلام» فيما قال لا، لأنه يرى عصمته وطهارته حسب نص آية التطهير، بل لأنه لا يملك دليلاً يمكنه التشبث به، ضده «عليه السلام»، ولكنه حاول أن يتعرف على مصدر هذه الإرهاصات، ليبادر إلى القضاء عليها قبل فوات الأوان.
وهذا التحري والبحث يدل على شعور عمر: بأنه أصبح بعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات على استلاب الخلافة من علي «عليه السلام» يملك من القوة، ما يستطيع أن يواجه به هذه الإرهاصات، ويجتثها من جذورها.
إن هذا الموقف الحسيني من عمر موقف حساس، وخطير. ولا يمكن للسلطة المرور عليه مرور الكرام، ولاسيما بعد حصول نظيره في عهد أبي بكر، فإن المتسلطين كانوا في عهد عمر يظنون أن الأمور قد استقامت لهم فجاءت هذه الحادثة لتظهر لهم خلاف ذلك.
فلا بد أن يفكروا في سبب تكرر هذا الحدث، حتى لو ظهر لهم أنه سوف ينتهى عند هذا الحد.
فمن الطبيعي: أن ينصب جهد السلطة على معرفة أهداف هذا التحرك.
والذي نراه: أن من أهم أسباب هذا التحرك الحسيني: أنه بعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات على اغتصاب الخلافة كان لا بدّ أن تبقى حقيقة اغتصاب مقام الخلافة، والاستيلاء على مقاليد الأمور
بالقوة التي بلغت حد ضرب الزهراء «عليهاالسلام»، وإسقاط جنينها، وإحراق بيتها على ما ومن فيه - إن هذه الحقيقة - يجب أن تبقى ماثلة للعيان في وجدان الأمة. حتى لا يتوهم متوهم أنها أحداث مرت ،وانقضت وانتهى الأمر .. وأصبحت السلطة في موقع التداول والانتقال، والأمور تجري على أحسن الأحوال.. ولا بدّ من الرضا ببعض المنافع بمقتضى منطق الخضوع للأمر الواقع.
ولكن الإمام الحسين «عليه السلام» يقول للناس: إن تداول السلطة بسهولة، لا يعني أن هذا التداول مشروع وصحيح، أو أنه يجوز القبول به والحفاظ عليه. بل يجب رفضه ومقارعته، والعمل على إزالته، فإن الاستيلاء بالقوة على أمر، لا يعني بطلان حق صاحب الحق ، فإن تداوله الآخرون، فإنما هم يمارسون الظلم بصورة دائمة، ومتتابعة..
فكيف إذا صار هذا الظلم مرضياً، ومأنوساً، فإن ذلك يزيد الأمر سوءاً وقباحة، فكيف إذا صار هذا الظلم سنة وديناً يحتّمون على أنفسهم الالتزام به ويلزمون به غيرهم؟! فإنه يصبح أكثر بشاعة وشناعة.
وكيف إذا كان هذا الظلم لا ينحصر باغتصاب مقام الشخص، بل
هو استلاب لحق الأمة في أن تعيش وفق التدبير الإلهي، وتنعم بالألطاف الربانية.
وكيف إذا كان هذا الاستلاب قد جاء على أساس نقض التدبير الإلهي، وبعد نكث البيعة - بيعة الغدير - والتمرد على الله سبحانه، والسخرية بتدبير رسوله «صلى الله عليه وآله»، وتضييع كل تضحيات وجهود الأنبياء والأوصياء، والشهداء، والصلحاء للوصول إلى الحاكمية الإلهية، ليكون الله هو الذي يختار للبشر حكامهم وهداتهم ورعاتهم.. فإن الجريمة بملاحظة ذلك كله تصير أكبر وأخطر ، بل لا أخطر منها.
فكانت هذه الحركة الحسينية ضرورية لتذكير الناس بأن عليهم أن لا يحيدوا عن الصراط المستقيم، وأن لا تخدعهم الأضاليل والأباطيل.. وأن لا يتهاونوا في الأمر، وأن لا يصدقوا ما يوحيه إليهم شياطين الجن والأنس، فإنه لا يعدو كونه تحريفاً للكلم عن مواضعه، وخيانة لله ورسوله، واستلاباً لحقوق كل من يخلقه الله إلى يوم القيامة.
قد يحلو للبعض: أن يدعي: أن مبادرة الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى تبرئة نفسه مما أقدم عليه ولده، يدل على أنه لم يكن يحبذ هذا النوع من التصرفات، لاسيما وأنه كان يحتاج إلى ترميم علاقته بالحكام، وقد تتسبب هذه التصرفات من أبنائه بإفساد مساعيه في هذا الاتجاه.
ونقول:
1 - إنه «عليه السلام» قد نفى عن نفسه أن يكون قد أمر ولده بالإقدام على هذا الأمر، ولم ينف عن نفسه رضاه به، فإنه قد لا يتمكن من إصدار الأمر، لأن انكشافه قد يتسبب بمفاسد كثيرة، ولكن ذلك لا يمنع من أن يكون في غاية السرور والسعادة إذا بادر شخص إلى فعل ذلك من دون انتظار أمره الذي تمنع الموانع من صدوره.
2- قد يختلف التكليف من شخص لآخر، فعلى سبيل المثال يكون تكليف النبي «صلى الله عليه وآله»، أن لا يقتل أحدا بيده، لكن تكليف علي «عليه السلام» هو أن يقتل كل من جاء لحرب الله ورسوله. ويكون النبي صلى الله عليه وآله مسروراً بفعل علي «عليه السلام»، وإن كان هو صلى الله عليه وآله» لا يباشره بيده.
والأمر هنا كذلك، فإن تكليف علي «عليه السلام» هو أن يعلم أبا بكر وعمر بأنه لم يأمر الحسن أو الحسين «عليهماالسلام» بأن يقولا له ما قالا.
وتكليف الحسن والحسين «عليهما السلام» هو أن يفعلا ذلك، لينالا الأجر الجزيل، والثواب الجميل وموقفهما معاً صحيح.
3- يلاحظ أن قول الإمام «عليه السلام»: إننا لم نأمره، أو «ما هو والله عن رأيي». لم يتضمن إنكاراً ولا إدانة لفعل الإمام الحسين «عليه السلام».
4 - إن الإمام الحسين «عليه السلام» لم يكن إيجاد الدافع لديه
بحاجة إلى أمر من أحد والديه، فإن الحافز موجود، وهو أمر الله سبحانه، وإذا كان «عليه السلام» عارفاً بما أوجبه الله تعالى عليه، فليس له أن يستشير في المضى لتنفيذه أحداً، وهل إذا أراد الصلاة أو الوضوء يستشير أباه؟!
قالوا: إن الحسين «عليه السلام» قال لعمر: انزل عن منبر أبي، وكان ذلك يوم الجمعة.
ونقول:
1 - نحن نعلم: أن الحاكم قد يخطب في الناس خلال الأسبوع أكثر من مرة، ولكن الحاضرين قد يختلفون في حالاتهم، وفي القواسم المشتركة التي تجمعهم تحت منبره، فقد يخطب في القادة، أو في جيش يريد أن يوجهه إلى بعض الجهات، وقد يخطب في وفد أو جماعة من قبيلة بعينها، وغير ذلك.. ولكن خطبة الجمعة تكون لجميع الشرائح الاجتماعية، والفئات السياسية، وغيرها.
2 - اختار «عليه السلام» يوم الجمعة، واختار أيضا أن يكون اعتراضه «عليه السلام» على عمر بن الخطاب بطريقة غير عادية، حيث لم يقل له: لماذا صعدت منبر أبي؟! أو من الذي أذن لك بالخطابة على منبر أبي؟! بل قال له: انزل عن منبر أبي..
3 - إنه «عليه السلام» لم يقل له: انزل عن منبرنا، أو انزل عن المنبر، بل قال عن منبر أبي، لأن المقصود هو التنصيص على
اغتصاب الحق من صاحبه، فإن الإمام الفعلي الذي تجب طاعته، ويرجع في جميع الأمور إليه، ويكون مسند الخلافة، ومنبر الخطابة وكرسي الحكم، والقضاء له، هو علي أمير المؤمنين «عليه السلام»، بنص من رسول الله «صلى الله عليه وآله« وهذا هو مفاد الآيات القرآنية، وهو ما تقتضيه بيعة الغدير، التي نكثوها، وتجاهلوها.
فالمنبر له دون سواه، فمن صعده دون رضاه، فهو غاصب مرتكب للمنكر، ويجب النهي عن المنكر ..
فالمورد مورد أمر ونهي، لا مورد سؤال، واستفهام.
أما لو قال له: عن منبري، لاستخف به الناس، واعتبروا كلامه هذا كلام أطفال.
ولو قال: انزل عن منبرنا، لاتهموه بأنه ينطلق من عصبيته لعشيرته، لبني هاشم، ويعتبر أن ما يجري سطو من قبيلة على امتيازات قبيلة أخرى.
وقد يقال: لعلّ المراد بمنبر أبي في كلام الحسين «عليه السلام» هو رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وهو احتمال وارد في حدّ نفسه، وهو يؤدي إلى نفس النتيجة .. ولكن قوله «عليه السلام» لعمر «انزل عن منبر جدي» كما سيأتي، وقوله لأبي بكر: «انزل عن منبر أبي»، - إن هذا - يدلنا على أن هذا التنويع في الكلام كان مقصوداً..
وقد يعتبر الناس أن ما جرى يدل على أن عمر كان مرناً مع
الحسين «عليه السلام»، وقد أظهر حلماً وانعطافاً وسعة صدر حين قال للحسين عليه السلام»: وهل أنبت الشعر على رؤوسنا إلا أنتم»؟! وكذا حين قال: «لم يكن لأبي منبر».
يضاف إلى ذلك: إظهاره المودة والمحبة بإجلاسه الحسين «عليه السلام» إلى جانبه على المنبر.. إلى آخر ما تقدم.
ونقول:
1 - إننا نفهم كلام عمر بطريقة أخرى، فإن قوله: «لم يكن لأبي منبر». لا ينفي حقه هو في أن يكون له منبر ، ولا يدل على أنه يعتبر نفسه غاصباً لمنبر غيره
2 - أما إشارته إلى فضل أهل البيت، أو بني هاشم على الناس، وحديثه عن إنبات الشعر على رؤوس الناس بفضلهم، فهو بمثابة الالتفاف على مقاصد الحسين «عليه السلام»، وتضييعها بما يشبه المجاملات.
فإن هذه العبارة لا تصلح جواباً على الاتهام الضمني بالاستيلاء على موقع الخلافة، وأخذ شيء لا حق لهم فيه. بل ساق الكلام باتجاه إظهار الامتنان لبني هاشم وأهل البيت لأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان منهم، وكان هو السبب فى كل خير، وصلاح، وسؤدد ونجاح.
ومن الواضح: أن هذا الكلام لا ربط له بالحديث عن اغتصاب مقام الخلافة، ونكث بيعة الغدير باستعمال وسائل القهر، التي بلغت
حد القتل، وإحراق البيت الذي كان فيه نفس أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، وأصحاب المآثر ، الذين يشيد عمر بفضلهم.
3 - وأما إجلاسه للحسين «عليه السلام» إلى جانبه على المنبر، فإنما هو لاستيعاب الصدمة، واستغلال الموقف بالعمل على قلب الصورة، لتكون النتيجة أن أهل البيت والحسين «عليه وعليهم السلام» بالذات يعاملونه - وهو الخليفة والحاكم - بهذه الطريقة الجافة، وبتلك النبرة العدوانية.
ويقابلهم عمر - القادر على معاقبة من يجترئ عليه - بدماثة خلق وبإظهار المحبة والمودة، وبالثناء العاطر، والإشادة بهم من على المنابر.
ولكن عمر مع ذلك لم يترك الأمور جارية في هذا السياق المجاملاتي الهادف إلى تضييع الموضوع، بل تابع البحث عن أبعاد ما جرى، وهل وراءه محرك؟! أم لا؟! فإن كان هناك محرك، فمن هو، لكي يعرف كيف يخطط، وكيف يواجه؟!
فقد أخذ الحسين وأجلسه معه، ثم سأله من علمك هذا؟!
فقال: والله، ما علمني أحد.
ويبقى السؤال عن سبب إقدام الإمام الحسين «عليه السلام» على
إنزال عمر بن الخطاب عن منبر رسول الله «صلى الله عليه وآله» حائراً، وبلا جواب مقنع ومقبول. فنحن لا نستطيع أن نصدق أن ما جرى كان من الابتداء بالساكن، من قبل إمام معصوم، مطهر عن العبث وعن الإنسياق مع الرغبات والأهواء الشخصية..
وقد رأينا أن رواية الطبرسي «رحمه الله» في كتاب الإحتجاج قد تكفلت بالإجابة الصحيحة والصريحة، فأسفر الصبح بها لذي عينين، وصرح الزبد عن المخض، والرواية هي التالية:
روي: أن عمر بن الخطاب كان يخطب الناس على منبر رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فذكر في خطبته: أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
فقال له الحسين «عليه السلام» من ناحية المسجد: انزل أيها الكذاب عن منبر أبي رسول الله «صلى الله عليه وآله»، لا منبر أبيك.
فقال له عمر: فمنبر أبيك لعمري يا حسين! لا منبر أبى.
من علمك هذا؟! أبوك علي بن أبي طالب؟!
فقال له الحسين: إن أطع أبي فيما أمرني، فلعمري إنه لهاد وأنا مهتد به، وله في رقاب الناس البيعة على عقد رسول الله «صلى الله عليه وآله» نزل بها جبرئيل «عليه السلام» من عند الله تعالى لا ينكرها أحد إلا جاحد بالكتاب، قد عرفها الناس بقلوبهم وأنكروها بألسنتهم.
وويل للمنكرين حقنا أهل البيت «عليهم السلام»، ماذا يلقاهم به
محمد رسول الله «صلى الله عليه وآله» من إدامة الغضب، وشدة العذاب؟!
فقال عمر: يا حسينً من أنكر حق أبيك فعليه لعنة الله! أمَّرنا الناس - فتأمرنا، ولو أمروا أباك لأطعنا.
فقال له الحسين «عليه السلام»: يا بن الخطاب! فأي الناس أمرك على نفسه قبل أن تؤمر أبا بكر على نفسك، ليؤمرك على الناس، بلا حجة من نبي، ولا رضى من آل محمد؟!
فرضاكم كان لمحمد «عليه وآله السلام» رضى، أو رضى أهله كان له سخطاً؟!
أما والله لو أن للسان مقالاً يطول تصديقه، وفعلا يعينه المؤمنون لما تخطيت رقاب آل محمد (صلى الله عليه وآله»، ترقی منبرهم، وصرت الحاكم عليهم بكتاب نزل فيهم، لا تعرف معجمه، ولا تدري تأويله، إلا سماع الآذان.. المخطئ والمصيب عندك سواء، فجزاك الله جزاك، وسألك عما أحدثت سؤالاً حفياً.
قال: فنزل عمر مغضباً، ومشى معه أناس من أصحابه حتى أتى باب أمير المؤمنين «صلوات الله عليه»، فاستأذن عليه، فأذن له، فدخل فقال: يا أبا الحسن! ما لقيت من ابنك الحسين؟! يجهرنا بصوت في مسجد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويحرض عليَّ الطغام، وأهل المدينة؟!
فقال له الحسن «عليه السلام»: مثل الحسين ابن النبي «صلى الله
عليه وآله» يستحث بمن لا حكم له، أو يقول بالطغام على أهل دينه...
أما والله ما نلت ما نلت إلا بالطغام فلعن الله من حرض الطغام!
فقال له أمير المؤمنين «عليه السلام»: مهلاً يا أبا محمد! فإنك لن تكون قريب الغضب، ولا لئيم الحسب، ولا فيك عروق من السودان، اسمع كلامي، ولا تعجل بالكلام.
فقال له عمر: يا أبا الحسن إنهما ليهمان في أنفسهما بما لا يرى بغير الخلافة.
فقال له أمير المؤمنين «عليه السلام» هما أقرب نسبا برسول الله «صلى الله عليه وآله» من أبيهما.
أما فأرضهما - يا بن الخطاب - بحقهما يرض عنك من بعدهما.
قال: وما رضاهما يا أبا الحسن؟!
قال: رضاهما الرجعة عن الخطيئة، والتقية عن المعصية بالتوبة.
فقال له عمر: أدب - يا أبا الحسن - ابنك أن لا يتعاطى السلاطين الذين هم الحكماء في الأرض.
فقال له أمير المؤمنين «عليه السلام»: أنا أؤدب أهل المعاصي على معاصيهم، ومن أخاف عليه الزلة والهلكة، فأما من ولده رسول الله «صلى الله عليه وآله» لا (لعل الصحيح: فلا )يحل أدبه، فإنه ينتقل إلى أدب خير له منه.
أما فارضهما يا بن الخطاب!
قال: فخرج عمر، فاستقبله عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، فقال له عبد الرحمان يا أبا حفص ما صنعت وقد طالت بكما الحجة؟!
فقال له عمر: وهل حجة مع ابن أبي طالب وشبليه؟!
فقال له عثمان: يا بن الخطاب هم بنو عبد مناف الأسمنون، والناس عجاف.
فقال له عمر: ما أعد ما صرت إليه فخراً فخرت به، أبحمقك؟!
فقبض عثمان على مجامع ثيابه، ثم جذبه ورده، ثم قال: يا بن الخطاب! كأنك تنكر ما أقول.
فدخل بينهما عبد الرحمان بن عوف، وفرق بينهما، وافترق القوم (1).
ونقول:
تضمنت هذه الرواية أموراً كثيرة نقتصر منها على اليسير، فنقول:
صرحت الرواية: بأن قول عمر عن نفسه: «إنه أولى بالمؤمنين
1) الإحتجاج ج 2 ص 292 و (ط النجف) ج 2 ص 14 و 15 وبحار الأنوار 2 ص4 ج 30 ص 47 - 50
من أنفسهم هو الذي حرك الحسين «عليه السلام» إلى هذا التصدي، وهذا يدلنا:
أولاً: على أنه كان يراقب الأمور، ويرصد الحركات والتصرفات بدقة.
ثانياً: إن تحركه وتصديه لعمر يدل على أنه يرى نفسه مسؤولاً عن تصحيح المسار، وليس له أن يكل الأمر إلى غيره، بحجة أن هناك من هو أسن منه، أو من يقبل قوله أكثر منه.
ثالثاً : إنه حسب الرواية قد وصف عمر بن الخطاب بالكذاب.
ويبدو: أن سبب ذلك: أن ادّعاءه أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم يستبطن ادَّعاء أن الله سبحانه قد أعطاه هذا المقام، الذي لا يكون إلّا لنبي، أو وصي نبيّ. ولا شك في أن عمر لم يكن يملك حجة تصحح له هذه الدعوى، فهو ينسب إلى الله ورسوله، ما لم يكن..
رابعاً : لو أنه «عليه السلام» سكت هو وغيره عن تفنيد هذا الادّعاء الباطل، فربما تجرأوا على طرح دعاوى أكبر وأخطر من هذا بعد ذلك، وحيث لا يبقى مجال للإعتراض أو التصحيح، وتجري الأمور على قاعدة: فى الصيف ضيعت اللبن.
خامساً: إن هذا الإدعاء ينذر بخطر عظيم يتهدد الناس في أنفسهم وأموالهم ، وأعراضهم ، وكل شؤونهم، فكان لا بدّ من سد النهر من أصله.
سادساً: إن عمر بن الخطاب حين اتهم عليا «عليه السلام» بأته
هو المعلّم لابنه إنما أراد إبعاد القضيّة عن هذا الموضع الصعب الذي وضعه فيه الإمام الحسين «عليه السلام» لكي يتمكن من السيطرة على الموقف، وليحرف الأنظار، لتصبح القضيّة قضيّة شخصية تفوح منها رائحة منافسة على الملك، ومن منطلق الحقد والضغيّنة، وبذلك يكون عمر قد نزع عنها صفة الدين والقداسة.
سابعاً: إن الامام الحسين «عليه السلام» أعاد الأمور إلى نصابها، بالتّأكيد على قداسة قضيّة أبيه، لأن ولايته للأمّة لم تكن صناعة الأهواء والمصالح، بل نزل بها جبرئيل من عند الله.
ثامناً: ثمّ أكد على هذا المعنى بقوله: إنّ أحداً لا يمكنه إنكار هذه الحقيقة إلّا إذا جحد بكتاب الله، فهي مما عرفه الناس بقلوبهم، وأنكروه بألسنتهم، فلا معنى للإستهانة بها، ولا سبيل لاعتبارها أمراً بشرياً صنعته الأهواء، وشيّدته يد الظّلم والعدوان، كما هو الحال بالنسبة إلى الموقع الذي يتبوؤه الغاصبون والمعتدون، الذين تلوّثت أيديهم بدماء أهل البيت في هجومهم على الزهراء «عليها السلام»، وضربها، وإسقاط جنينها.
قلنا: إن ردة فعل عمر في البداية كانت محاولة اتهام علي «عليه السلام» بأنه هو الذي علَّم ولده، فقال ما قال. مع أن خطاب الحسين «عليه السلام» قد كان ردا على دعوى كبيرة وخطيرة، فاجأ بها عمر الناس، وأطلقها من على المنبر، ولم تكن ثمة فرصة ليذهب الحسين
«عليه السلام» إلى أبيه ويتعلم منه ويرجع إلى عمر ليعيد عليه كلام أبيه.
فكان التجني من عمر ظاهراً لا يحتاج إلى إثبات. ولذلك تجاهله الإمام الحسين «عليه السلام»، ولم يتعرض لنفي كلامه، ولا لإثباته، لأنه من العبث الذي لا معنى له. وإنما يراد منه صرف الأنظار بالاتجاه الخاطئ، وتمييع القضية.
فاكتفى «عليه السلام» بالتأكيد على أن أباه هاد، وأنه هو يهتدي به أيضاً ، ثم أعاد الأمور إلى المسار الصحيح، وهو ما كان يحاذر منه عمر ، فأكد «عليه السلام» على أن هذا المقام - أعني مقام الإمامة والخلافة - حق لعلي «عليه السلام» دون كل من عداه.
وهنا نجد عمر يضطر إلى الإنحناء أمام العاصفة، ويتراجع خطوة إلى الوراء، حين قال للحسين «عليه السلام»: إنه لا ينكر حق أبيه، ولكنه حاول الاستدراك بادعاء أن شرعية موقعه مستمدة من اختيار الناس له.. حين قال: أمرنا الناس، فتأمرنا.
وهذه مفارقة عجيبة، فإن الذي يعطي الشرعية التي تجعل شخصاً أولى بالناس من أنفسهم هو الله سبحانه.. وأما البشر، فلا دور لهم في ذلك من قريب ولا من بعيد.
ولكن الحسين «عليه السلام» أجابه بجواب قاطع ارتكز إلى نفس منطق عمر، وقد تضمن جوابه أموراً..
فأولاً: إن أحدا من الناس لم يؤمر عمر على نفسه، بل كان هو الذي بدأ أولاً، فأمر أبا بكر على نفسه على أمل أن يعيدها أبو بكر بعد ذلك إليه.. وهكذا كان، فقد عاد أبو بكر، فأمر عمر على الناس، فما معنى ادعائه أن الناس هم الذين اختاروه وأمَّروه؟!
ثانياً: إن الإمارة سواء حصلت من الناس أو من غيرهم تحتاج إلى حجة من النبي «صلى الله عليه وآله» أو من أوصيائه.. وهذا ما لم يحصل لعمر، ولا لأبي بكر.
ثالثاً: لنفترض أن العلم بالرضا يكفي، ولا حاجة إلى الحجة، ولكن لا بد من إثبات حصول الرضا بالفعل، فمن الذي يستطيع أن يدَّعي أن ما رضيه أبو بكر وعمر لأنفسهما قد رضيه النبي «صلى الله عليه وآله»، فإن كان كذلك، فما هي الحجة على هذا الرضا ؟!
وإن كان ما رضيه أهل البيت من ولاية علي «عليه السلام»، قد أسخط رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيحتاج ذلك إلى إثبات حصول هذا السخط ممن يدعيه أيضاً.
رابعاً: إن عمر قد تولى الأمر وتحكم بأهل البيت «عليهم السلام»، ورقى منبرهم، وحكم عليهم بكتاب نزل فيهم، وهو لا يعرف فيه شيئاً، ولا يدري من تأويله إلا ما تسمعه أذناه من الناس، بل هو لا يميز المخطئ من المصيب.. ومن يكون هكذا حاله، لا يحق له أن يتصدى لما تصدى له هذا الرجل. فضلاً عن أن يدَّعي أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
ومن العجيب: أن عمر حين لم يستطع أن يجيب على ما استدل به الإمام الحسين «عليه السلام» لجأ إلى أبيه، فشكاه عنده..
مدعياً أولاً: أنه يحرض الطغام والأراذل عليه، مع أن ذلك لم يحصل، بل الذي حصل هو ما وصفناه، فتلقاه الحسن «عليه السلام» برد كلامه عليه باعتبار أن عمر لم يصل إلى موقعه الذي هو فيه، وغصب حق علي «عليه السلام»، إلا بواسطة تجريئه الطغام والأراذل.
ثم ادعى ثانياً: على سبيل التهديد والوعيد: أن الحسنين «عليهماالسلام» يتحركان في مجال بالغ الخطورة، وهو استهداف مقام الخلافة، والذي يعادل مقام الخلافة هو الأمر الذي يعرض أنفسهما للأمر العظيم، لأن الخلافة لا يعادلها شيء إلا إزهاق الأرواح، فعلى أبيهما «عليه السلام» أن يزجرهما عن هذا الطموح، ويقيد حركتهما فيه..
وإذ بعلي «عليه السلام» يقول له: إن صح هذا، فعليك أن ترضيهما، لأن الخلافة حق لهما.. مستدلاً عليه بأنهما « عليهما «السلام» أقرب نسباً من رسول الله «صلى الله عليه وآله» من أبيهما، الذي نص عليه الرسول «صلى الله عليه وآله»، وبايعه الناس يوم الغدير . وبحسب منطق أهل السقيفة وعلى رأسهم عمر وأبو بكر: فإن المستحق للخلافة هو الأقرب نسبأ إلى رسول الله «صلى الله عليه
وآله».
ولعل عمر ظن لأول وهلة: أن المقصود بإرضاء الحسنين «عليهماالسلام» هو الإرضاء بالمال، أو بالولاية لبعض البلاد، أو نحو ذلك.. فسأل عليا «عليه السلام» عما يرضيهما به، الأمر الذي دل على أنه قد سلم بما قرره علي «عليه السلام» من لزوم إرضائهما.
فجاءه جواب صاعق ومقلق، وهو أن إرضاءهما هو بأن يتوب ويرجع الحق إلى من غصب منه.
وهنا نلاحظ: أن هذا قد أخرج عمر عن الاتزان، فبادر إلى التهديد والاستفزاز بالكلمات الجارحة والمؤذية، فطلب من علي «عليه السلام» أن يؤدّب ابنيه «عليهماالسلام»، وأن لا يتعاطى مع السلاطين الذين هم الحكام في الأرض.
فجاءه الجواب:
بأن من يؤدب هم أهل المعاصي، إذا صدرت المعصية منهم. ومن يخشى عليه الزلل والهلاك.
أما من ولده الرسول «صلى الله عليه وآله» ورباه، فلا يحتاج إلى التأديب، بل هو يتسامى في الأدب، وينتقل باستمرار من مرتبة من مراتب الأدب إلى مرتبة أرقى منها، فلا معنى لهذا الطلب.
وتقدم أنه بعد أن تكلم الحسن «عليه السلام»، قال له أمير المؤمنين «عليه السلام»: «مهلاً يا أبا محمد! فإنك لن تكون قريب الغضب، ولا لئيم الحسب، ولا فيك عروق من السودان، اسمع كلامي، ولا تعجل بالكلام».
فقد يظن ظان: أن فى هذا الكلام شيئاً من التقريع، واللوم.
ولكن الحقيقة ليست كذلك، بل هو على ضد هذا المعنى أدل، فقد بدأ كلامه بالنفي بواسطة كلمة «لن» الظاهرة باستمرار نفي هذه الأمور عنه.. الأمر الذي يدل على أنه «عليه السلام» يقرر: أن الإمام الحسن «عليه السلام» بريء من تهمة يتوقع أن يوجهها إليه الآخرون، فيدَّعون:
أولاً: أنه قد انتصر لأخيه من موقع الغضب والحمية، لأنه قريب الغضب، منساق إلى عصبيته بحسب طبعه.
ثانياً: إن هذا الغضب وتلك الحمية قد ساقتاه إلى استعجال الدخول في أمر كان ينبغي أن يتصدى له أبوه.. فكأنه فعل ما يتنافى مع ما يفرضه الأدب في محضر أبيه.. ويكون قد أشبه جماعة السودان الذين يعيشون في منأى عن التربية الصالحة، وعن التأدب والتحلى بالأخلاق الحميدة، والأحلام الرشيدة.
ثالثاً: قد يتهم هؤلاء المغرضون الإمام الحسن «عليه السلام» :أيضاً بأن هذا الذي صدر منه يدل على أن هذه المعاني كانت متجذرة
في عمق وجوده، وهي جزء من شخصيته، وحركته، وتاريخه، وهى التي تطبع تصرفاته. مما يعني أن حسبه الذي صنعه بتصرفاته، فيه سمات اللؤم في الطبع، الذي ينتج لؤماً في الحسب.
والإمام الحسن «عليه السلام» بريء من ذلك كله، كما أنه ليس فيه عروق من السودان، لأن الله تعالى جعله نورا في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة.
وتكون النتيجة هي: أنه «عليه السلام» يعتبر الإمام الحسن «عليه السلام» إنما قال ما قال، لأنه يريد أن يؤدي ما كان يجب عليه، ويقول ما ينبغي له هو أن يتولى قوله، ويترك الباقي لأبيه «عليه السلام». وهذا هو ما حصل بالفعل.
وفي السنة السابعة عشرة من الهجرة (1)تزوج عمر بأم كلثوم بنت أمير المؤمنين «عليه السلام» (2).
1) الكامل في التاريخ ج 2 ص 537 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 149 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 69 ونظم درر السمطين ص 234 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي سنة 1408هـ) ج 7 ص 93 وحياة الإمام علي «عليه السلام» لمحمود شلبي ص 294 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 162 والإصابة ج 4 ص 492 وتاريخ الإسلام للذهبي (عهد الخلفاء الراشدين) ص 166 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 154
2) راجع في هذا الزواج المصادر التالية تاريخ الإسلام للذهبي ج 26 ص 136 وج 4 ص 137 وذخائر العقبى للطبري ص 167 و 168 و 169 و 170 والمستدرك للحاكم ج 3 ص 142 ونظم درر السمطين ص234 والذرية الطاهرة النبوية للدولابي ص157 و 159 وتفسير الثعلبي ج 3 ص277 وأنساب الأشراف للبلاذري ص 189 والسيرة النبوية لابن إسحاق ج ص 232 وبحار الأنوار ج 42 ص 94 و ج 78 ص 382 عن الخلاف للشيخ الطوسي رحمه الله»، والغدير للأميني ج 6 ص 136 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي سنة 1413هـ) ج 7 ص 156 و 157 والسنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 70 والمنمق ص 426 والكامل في التاريخ (ط دار صادر) ج 2 ص 537 وغيرها. وإرشاد الساري ج 5 ص 84 وتاريخ الأمم والملوك (ط دار المعارف) ج 4 ص 260) و (ط مؤسسة الأعلمي ج3 ص 168 . والطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 3 قسم 1 ص 240 و 190 و (ط دار صادر) ج 8 ص 463 ومجمع الزوائد ج 8 ص 398 وفتح الباري ج 6 ص 60 و ج 13 ص 41 وكنز العمال ج 12 ص 570 و 571 وج 15 ص 716 والخصائص الكبرى ج 1 ص 105 و التحفة اللطيفة ج 1 ص 394 و 19 والمستطرف (ط دار الجيل - سنة 1413هـ) ص548. وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 12 ص 106 و ج 19 ص 351 وسنن سعيد بن منصور ج 1 ص 146 و 147 وعن تاريخ ابن عساكر ج 2 ص 80 والكافي ج 5 ص 346 ورسائل المرتضى (المجموعة الثالثة) ص 149 و 150 ومرآة العقول ج 20 ص 44 و 45 ووسائل الشيعة الإسلامية ج 20 باب10 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد وراجع الصراط المستقيم ج 3 ص130 والشافي ج 3 ص 272 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 24 ص 360 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 153
وزعموا: أنه دخل بها في ذي القعدة (1).
1) تاريخ الامم والملوك ج 4 ص 69 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 3 ص 168 والكامل في التاريخ ج 2 ص 537 ونظم درر السمطين ص 235 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي سنة 1408هـ) ج 7 ص 93 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 154 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 18 ص 551
وفي شرح الزرقاوي يقول: إن ذلك كان قبل بلوغها (1).
وفي بعضها: أنه مات قبل أن يدخل بها (2).
ويؤيد كلام الزرقاوي: ما ورد من أن علياً «عليه السلام» اعتذر بأنها صغيرة (3).
وقد بحثنا هذا الموضوع في أكثر من كتاب، مثل:
كتاب: ظلامة أم كلثوم.
وكتاب: ميزان الحق، المجلد الثاني.
وكتاب: الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام»، الجزء الرابع عشر فلا حاجة إلى الدخول في هذا الأمر، ونحن نحيل القارئ الراغب إلى الكتب التي ذكرناها.
وقد ذكرت المصادر المختلفة: أن مما تعلل به علي «عليه السلام» للامتناع عن تزويج ابنته لعمر: أنه يحتاج إلى استئذان
الحسنين «عليهما السلام»؛ ولكن بعض هذه الروايات مكذوبة على علي «عليه السلام»، وعلى ولديه الحسن والحسين «عليهما السلام»، ونحن نشير هنا إلى ثلاث روايات، تضمنت ذكر هذا الاستئذان، وسنجد: أن الروايتين اللتين نذكرهما برقم [2] و [3] لا يمكن أن تكونا صحيحتين بأي حال، فنقول:
1 - قالوا: إن عمر خطب إلى علي «عليه السلام» ابنته، فقال علي «عليه السلام»: إن لي أمراء حق أستأذنهم. وفي رواية: إن لي أسدين حتى أستأذنهما. يعني الحسن والحسين (1). أو نحو ذلك..
2 - ذكر في ذخائر العقبى وغيره: أن علياً «عليه السلام» بعد أن اعتذر لعمر بصغر سن ابنته.
قال عمر: إن تعش تكبر.
فقال: إن لها أميرين معي.
قال: نعم فرجع علي إلى أهله، وقعد عمر ينتظر ما يرد عليه.
فقال على: ادعوا الحسن والحسين.
فجاءا، فدخلا، فقعدا بين يديه، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال
1) راجع: ذخائر العقبى ص 264 و (ط مكتبة القدسي) ص 169 والفتوحات الإسلامية لدحلان ج 2 ص 455 و 466 وراجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 285 والذرية الطاهرة للدولابي ج 1 ص 114 و 159 والسيرة النبوية لابن إسحاق ص 232
لهما: إن عمر قد خطب إليَّ أختكما، فقلت له: إن لها معي أميرين، وإني كرهت أن أزوجها إياه حتى أؤمركما (لعل الصحيح: أوامركما).
فسكت الحسين. وتكلم الحسن، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: يا أبتاه، من بعد عمر؟! صحب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وتوفي وهو عنه راض، ثم ولي الخلافة، فعدل.
قال: صدقت يا بني، ولكن كرهت أن أقطع أمرا دونكما. الخ.. (1).
3- وفي نص آخر: أن عمر خطب أم كلثوم، فقال له علي «عليه السلام»: إنها تصغر عن ذلك.
فقال عمر: سمعت رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقول: كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة، إلا سببي ونسبي، فأحببت أن يكون لي من رسول الله «صلى الله عليه وآله» سبب ونسب.
فقال على «عليه السلام» للحسن وللحسين: زوجا عمكما.
فقالا: هى امرأة من النساء، تختار لنفسها.
فقال: (فقام ظ) علي «عليه السلام» مغضباً، فأمسك الحسن «عليه السلام» بثوبه، وقال: لا صبر لي على هجرانك يا أبتاه.
1) ذخائر العقبى ص 266 و (ط مكتبة القدسي) ص 169 و 170 عن ابن السمان، وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 138
1 - إن أمير المؤمنين «عليه السلام» - كما ورد في النص الأول المتقدم - لم يقل لعمر أريد استشارة الحسنين «عليهم السلام»، لأن للمستشير أن يعمل بمشورة المشير، وله أن لا يعمل، وليس لرضا المشير وسخطه بعد ذلك أي أثر ، تماماً كما قال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (2).
وإنما قال «عليه السلام» لعمر: إنه يريد الاستئذان منهما. وهذا معناه أن المطلوب هو رضاهما «عليهماالسلام».
وهناك فرق آخر بين المشورة والاستئذان، وهو: أن المطلوب في المشورة هو البحث عن الرأي الأصوب والأقرب إلى الاعتماد،
وعلي «عليه السلام» في غنى عن رأي الناس كلهم.
أما في الاستئذان، فإن المصلحة تكون مرهونة برأي الآذن، فإذا لم يأذن، فلا مصلحة في الإقدام، أو أنها تكون منقوصة، وليست هي المتوخاة، بل قد يكون فيه مفسدة، وتكون المصلحة في عدمه.
2 - لقد كان عمر الحسن والحسين «عليهما السلام» في سنة 17 للهجرة ثلاث عشرة، وأربع عشرة سنة، وقد بيّن علي «عليه السلام»: أن رأيهما حاسم وقاطع وماض بالنسبة لأختهما، وبالنسبة له «عليه السلام» أيضاً، حتى وهما في هذه السن.
وهذا يدل على أنهما «عليهما السلام» في أعلى درجات العلم والفهم والوعي، وأن لهما أيضاً مقاماً خاصاً - وهو مقام الإمامة - يعطى لرأيهما ورضاهما هذه القوة الاعتبارية، وهذا النفوذ حتى بالنسبة لأبيهما «عليه السلام»، لأن رأي الإمام المعصوم مصيب للواقع قطعاً، فلا مجال لتجاهله، أو العدول عنه إلى غيره.
كما أن هذا يعطي: أن التفاوت في الفضل بين إمامين أو نبيّين لا يُنقِص من قيمة وأثر قول غير الأفضل منهما. لأن الأفضلية لا أثر لها في إصابة الواقع وعدمه لأن ما يقوله الأنبياء والأوصياء مصيب للواقع، والأفضلية إنما هي في مجال آخر خارج هذه الدائرة .. وهذا نظير ما إذا اختصم رجلان عند قاضٍ، وأصدر حكمه في مورد الشكوى، فلا يحقّ للقاضي الأفضل منه أن ينقض حكمه، ما دام أنه قد طبق التوجيهات الإلهية بدقة في موضوع القضاء.. وهذا واضح.
ولعلك تقول:
إن الذي يأذن في زواج البنت هو أبوها، وأما الأخ، فلا سبيل له على أخته، ولا عبرة بإذنه وعدمه.
ويجاب:
بأن من كان له مقام الإمامة، يكون - كرسول الله «صلى الله عليه وآله» - أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهو ولي على الكبير والصغير. فهو «عليه السلام» إنما يريد استئذانهما بلحاظ ما لهما من مقام، أو لتجسيد معنى إمامتهما، أو تعظيما لهما، أو لمصالح أخرى كتكريس دور عملي لهما معترف به من قبل السلطة في أعظم رموزها..
ولعلك تقول مرة أخرى: إن كان على «عليه السلام» هو الذي كان يحتاج إلى الاستئذان من الحسنين «عليه السلام». فهذا يطرح إبهامات كبيرة، إذ كيف يكون أمير المؤمنين بحاجة إلى إذن ولديه؟!
ويمكن أن يجاب:
بأنه لا يجب أن يكون الاستئذان الذي يحتاج إليه علي «عليه السلام» هو ذلك الذي يستبطن مصلحة تعود إلى علي «عليه السلام» نفسه، فقد يكون الاستئذان لأجل التكريم والتعظيم للحسنين «عليهماالسلام»، وقد يكون نفس جعل الأمر مرهوناً بإذن الحسنين «عليهماالسلام»، فيه مصلحة لأختهما أو لغيرها، بملاحظة ظروف معينه تجعل في هذا الإستئذان هذه الخصيصة، وتعطيه القدرة على إنتاج هذا الخير العميم..
وذكرت الرواية المتقدمة برقم [2]: أن الإمام الحسن «عليه السلام» قد أثنى على عمر بن الخطاب بأمور ثلاثة، هي:
1 - أنه صحب رسول الله «صلى الله عليه وآله».
2 - أن النبي «صلى الله عليه وآله» توفي وهو راض عنه.
3 - أنه ولي الخلافة، فعدل.
والثناء بهذه الأمور لا يعقل صدوره عن الإمام الحسن «عليه السلام».
أولاً: لأن مجرد الصحبة لا تعني الصلاح، فقد يصحب النبي الصحيح والسقيم، والصالح، وغير الصالح..
ثانياً: إن مقولة عمر في مرض النبي «صلى الله عليه وآله» قبيل موته: غلبه الوجع، أو ما شأنه أهجر ؟! أو نحو ذلك.. ومنعه إياه من كتابة الكتاب - الذي أراد النبي «صلى الله عليه وآله» به أن يحفظ الأمة من الضلال إلى الأبد - يضع علامة استفهام كبيرة حول كون النبي «صلى الله عليه وآله» قد مات، وهو راض عنه.
ثالثاً: لو سلمنا: أن النبي «صلى الله عليه وآله» مات وهو راض عنه، فإننا نقول:
لا ريب في أنه قد عاد فأغضبه حين أغضب فاطمة «عليهاالسلام»، فماتت وهي واجدة عليه وعلى أبي بكر، وأوصت ألا
يحضرا جنازتها، وأوصت أن تدفن ليلا، ويُعقَى موضع قبرها، إمعاناً منها في إظهار غضبها وفي التأكيد عليه.
ومن الثابت في كتب الصحاح وغيرها: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال: «فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله» أو قال: «من أغضبها فقد أغضبني». ولعله كرر هذا المعنى في العديد من المناسبات بطرق وعبارات مختلفة..
رابعاً: أما العدل في ولاية الخلافة، فإن قصة تدوين الدواوين التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وآله» بتفضيله بين الناس وفق معايير ،قبائلية، وحرمان الموالي وغير العرب من حقوقهم (1)، وتفضيله العرب على العجم في العطاء أمر معروف ومشهور (2)، وضرب من يلبس ثوباً جديداً (3)، ومن كانت عليه مسحة جمال (4)،
1) راجع: الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام» ج 13 ص228
2) راجع شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 8 ص 111 والغارات للثقفي ج2 : ص 824 و 828 وبحار الأنوار ج 31 ص 35 وج 33 ص 262 والعثمانية للجاحظ ص 211 و 219 والإستغاثة لأبي القاسم الكوفي ج 1 ص 45 ونفس الرحمن في فضائل سلمان للطبرسي ص 568 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة ج 2 ص 64 وشرح إحقاق الحق (المحقات) ج 32 ص 164 وبناء المقالة الفاطمية لابن طاووس ص 400 وكتاب سليم بن قيس (تحقيق الأنصاري) ص 282
3) راجع: المصنف للصنعاني ج 10 ص 416 وتاريخ الخلفاء ص142 عنه، والغدير ج 6 ص 157 وكنز العمال ج 12 ص 668 وراجع ج 6 ص 158 وراجع: البداية والنهاية ج 8 ص 134 وتاريخ مدينة دمشق ج 59 ص 115 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 134 والإصابة ج 3 ص434 و (ط دار الكتب العلمية) ج 6 ص 122
4) سيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 178 (وفي ط أخرى) ص183 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 12 ص 73 وكنز العمال ج 3 ص 809 وتاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 690 والغدير ج 6 ص 157 وكتاب الصمت و آداب اللسان لابن أبي الدنيا ص 279
وضرب من يسأل عن معاني الآيات (1)، وسوى ذلك من ممارسات، إنما يدلّ على أن العدل المدعى لم يكن كما يدّعيه هؤلاء.
ولو سلّمنا وجود شيء من العدل فى بعض الموارد، فلا فائدة فيه إذا كانت الخلافة نفسها مستلبة من صاحبها المنصوص عليه، والذي
1) راجع في ذلك وغيره: تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 146 - 148 وكشف الأستار عن مسند البزار ج 3 ص 70 ومجمع الزوائد ج 8 ص 113 وحياة الصحابة ج 3 ص 258 و 259 والغدير ج 6 ص 290 - 293 عن المصادر التالية: إحياء علوم الدين ج 1 ص 30 وسنن الدارمي ج 1 ص 54 و 55 وتهذيب تاریخ دمشق ج 6 ص 384 وتفسير ابن كثير ج 4 ص232 والإتقان ج 2 ص 5 وكنز العمال ج 1 ص 228 و 229 عن نصر المقدسي، والأصبهاني، وابن الأنباري ، واللالكائي وغيرهم. والدر المنثور ج6 ص 111 و 321 وفتح الباري ج 8 ص 17 و ج 13 ص230 والفتوحات الإسلامية ج 2 ص 445
كان عمر قد بايعه يوم قد بايعه يوم الغدير، قبل موت النبي بسبعين يوماً. فالعدل في الحكم لا يجعل الإغتصاب مشروعاً ، والأمر المغتصب حلالاً. فإن ما بني على باطل فهو باطل بلا ريب.
فإذا كان أخذه للخلافة من مفردات الظلم، وكانت وسيلته إليها ضرب سيدة نساء العالمين، وإسقاط جنينها، والسعي لإحراق بيتها بمن فيه، وفيه علي وفاطمة والحسنان، وزينب، و.. فلا ينفعه عدله بعد ذلك، ما لم يرجع الحق إلى صاحبه، وما لم يسترض الذين ظلمهم.. كما أن عدلك مع زيد، لا يرفع آثار ظلمك لعمرو..
خامساً: لا دليل يدل على أن هذا العدل كان يقصد به القربة إلى الله، بل إن نفس هذا الظلم الفاحش لخير خلق الله بعد الرسول في سبيل الحصول على الملك، يدل على أن هذا العدل ليس قربة إلى الله. أو هو على الأقل يوجب الريب في ذلك.
وأما الرواية الثالثة المتقدمة، فقد تضمنت أموراً لا يمكن قبولها، منها:
1 - أنها زعمت: أن عليا «عليه السلام» قال لولديه: «زوجا عمكما»..
والسؤال هو: لماذا لا يتولى أبوهما ذلك بنفسه، فإنه هو ولي أمر ابنته فلماذا يحيل الأمر إلى ولديه اللذين كانا في سن الثالثة عشرة، والرابعة عشرة؟!
ويجاب: بأن للوليّ والإمام أن يوكل بعض الأمور إلى غيره.
2 - إذا كان الحسين «عليه السلام» ما تكلم بين يدي الحسن إعظاماً له، ولا تكلم محمد بن الحنفية بين يدي الحسين «عليه السلام»، إعظاماً له، كما في النصوص (1)، فما بال هذه الرواية تدّعي أن الحسن والحسين «عليهماالسلام» معا قد تمردا على أبيهما، ورفضا تنفيذ أمره بطريقة غير لائقة، ولا يمكن قبولها من أحد ممن يحترم نفسه، فما بالك بمن طهرهم الله سبحانه في كتابه الكريم؟! وهل كان الحسن أو الحسين يعظم أخاه، ويحتقر أباه؟!
يضاف إلى ذلك: أن الإمام الحسن كان يستحي أن يتكلم أو أن يخطب بمحضر أبيه.. فهل يستحي أن يخطب بمحضره ثم يعامله بهذه الطريقة غير اللائقة هنا؟!
وأما مواجهة الإمام الحسن «عليه السلام» لعمر انتصاراً للإمام الحسين «عليه السلام»، فإن ذلك لا ينافي أدب الحسن مع أبيه، إذ لا حاجة في دفع الظلم عن المظلوم إلى الاستئذان من الأب.
3 - هنا أسئلة كثيرة تحتاج إلى جواب، وهي:
هل كان علي «عليه السلام» يريد أن يزوج ابنته جبراً وقهراً عنها؟! وهل جعل غضبه وسيلة لسلب حق الاختيار منها ؟!
1) راجع: مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص169 وبحار الأنوار ج 43 ص 319 والعوالم ج 16 ص 100
وهل كان الحسنان يريان: أنه لا ولاية للأب على تزويج ابنته؟!
وهل يصح أن تختار لنفسها من دون إذن أبيها؟!
وهل كان الحسنان أعلم من أبيهما بما يحق، وما لا يحق له؟!
وهل من لم تبلغ - وربما كان عمرها لا يزيد على ثماني سنوات - تُحسِن اختيار الزوج من دون مساعدة أبيها، أو من غيره من أهل الدراية، والتجربة؟!
4 - تقول الرواية: إنه «عليه السلام» غضب من الحسن والحسين، وقام والسؤال هو: كيف غضب علي «عليه السلام» من تصرف ابنيه، وهما لم يخطئا معه، فإن القرآن أخبر عن عصمتهما، لأنهما مطهران من الرجس بنص آية التطهير؟!
وكيف يُغضب المطهّر من الرجس، المعصوم من الذنب، أباه المعصوم أيضاً؟!
5 - إذا كان علي «عليه السلام» مطهراً ومعصوماً من الذنب بنص آية التطهير، فهو لا يخطئ أيضاً فيما يقول ويفعل، فلماذا عصيا أمره، الذي لم يخطئ فيه؟!
6 - إذا كان الحسنان «عليهماالسلام» معا قد أخطأ مع أبيهما، فلماذا تفرد الإمام الحسن «عليه السلام» بالأخذ بثوب أبيه، وقوله له: لا صبر لي على هجرانك يا أبتاه ؟ ولماذا لم يفعل الحسين كما فعل أخوه «عليهماالسلام»؟!
هناك رواية أوردها الدولابي، وابن الأثير، وغيرهما تقول:
لما تأيمت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب «عليه السلام» من عمر بن الخطاب دخل عليها الحسن والحسين أخواها، فقالا لها: إنك من عرفت، سيدة نساء العالمين، وبنت سيدتهن، وإنك والله لئن أمكنت عليا من رقبتك (رمتك) لينكحنك بعض أيتامه، ولئن أردت أن تصيبي بنفسك مالاً عظيماً لتصيينَه.
فوالله ما قاما حتى طلع علي يتكئ على عصاه..
فجلس، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر منزلتهم من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقال: قد عرفتم منزلتكم عندي يا بني فاطمة، وأثرتكم على سائر ولدي لمكانكم من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقرابتكم منه.
فقالوا: صدقت رحمك الله، فجزاك الله عنا خيراً.
فقال: أي بنية إن الله قد جعل أمرك بيدك، فأنا أحب أن تجعليه بيدي.
فقالت: أي أبه، والله إني لامرأة أرغب فيما ترغب فيه النساء، فأنا أحب أن أصيب ما يصيب النساء من الدنيا، وأنا أريد أن أنظر في أمر نفسي.
فقال: لا والله يا بنية، ما هذا من رأيك، ما هو إلا رأي هذين.
ثم قام فقال: والله لا أكلم رجلاً منهم، أو تفعلين.
فأخذا بثيابه، فقالا: اجلس يا أبه، فوالله ما على هجرانك من صبر، اجعلي أمرك بيده.
فقالت: قد فعلت..
فقال: فإني قد زوجتك من عون بن جعفر.
وإنه لغلام. ثم رجع إليها فبعث إليها بأربعة آلاف درهم، وبعث إلى ابن أخيه، فأدخلها عليه (1).
قال ابن إسحاق: فما نشب عون أن هلك، فرجع إليها علي، فقال: يا بنية، اجعلي أمرك بيدي.
ففعلت، فزوجها محمد بن جعفر (2).
ثم يذكر في ذخائر العقبى: أنه زوجها بعبد الله بن جعفر أيضا (3).
1) راجع: الذرية الطاهرة للدولابي ص 162 و 163 وأسد الغابة ج 5 ص 615 والدر المنثور في طبقات الخدور ص62 والإصابة ج4 ص 492. وراجع: سير أعلام النبلاء ج 3 ص 501 و 502 وذخائر العقبي ص 170 و 171 وسيرة ابن إسحاق ص 250 وراجع: فاطمة الزهراء للعقاد ص 24
2) السيرة النبوية لابن إسحاق ص 250 و (تحقیق محمد حميد الله) ص234 وذخائر العقبى ص 171 والذرية الطاهرة ص 163
3) راجع: ذخائر العقبى ص 171 والذرية الطاهرة ص 163
ونقول:
لو صح هذا النص، فيفترض أن يكون مضمونه قد حصل في عهد عثمان بن عفان.. ولكن الدلائل والشواهد تشير إلى عدم صحته. وقد ذكرنا ذلك في كتابنا ميزان الحق، وكتاب: ظلامة أم كلثوم، ولا حاجة إلى إعادة ما ذكرناه هناك. ونقتصر هنا على ما يرتبط بالحسنين «عليهماالسلام»، فنقول:
1 - ذكرت الرواية: أن الحسنين «عليهماالسلام» اعتبرا أم كلثوم سيدة نساء المسلمين، وهو كلام غير مقبول مع وجود زينب التي هي أفضل من أم كلثوم، ومن سائر النساء بعد أمها فاطمة «عليهاالسلام».
2 - لا يمكن أن يقول الحسنان «عليهما السلام» لأم كلثوم: لئن أمكنت علياً من رقبتك (رمّتك). فإن هذا الكلام لا يصدر عمن طهرهم الله تعالى عن كل رجس. وليس في هذه العبارة أي أثر لأدب الولد مع والده، بل هو أسلوب تحريضي، ودعوة للولد إلى العقوق والتمرد على الوالد، عوضاً من حثه على الطاعة والإحترام له، والبر به، والسعي في نيل رضاه.
على أننا لا ندري لماذا صار الحسنان «عليهماالسلام» من الأمرين بالمنكر، بدلاً عن الأمر بالمعروف؟!
ومتى كان الحسنان يتحدثان عن أبيهما وكأنه رجل غريب، فيقولان: لئن أمكنت علياً.. بدل أن يقولا: أبانا وأباك؟!
3 - إن الله تعالى هو الذي جعل للآباء ولاية على بناتهم في أمر التزويج، فكيف يمكنها هي أن ترفع هذه الولاية؟! أم يعقل أن تكون هذه الولاية لجميع الآباء، ولا تكون لعلي «عليه السلام»؟!
4 - لو سلمنا: أنه لا ولاية لعلي «عليه السلام» على ابنته، ولكن لعلي «عليه السلام» ولاية أعظم وأقوى من ولاية الأبوة، وهي ولاية الإمامة بنص قوله تعالى في الآية النازلة في علي «عليه السلام»: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَهُمْ رَاكِعُونَ) (1). وقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: من كنت مولاه، فعلي مولاه (2).
وقال له: أنت ولي كل مؤمن بعدي (3)
وراجع: سنن الترمذي ج 5 ص 632 و (ط دار الفكر) ج 5 ص 296 ومسند أحمد ج 1 ص 331 و 438 والمستدرك للحاكم ج 3 ص 134 وفضائل الصحابة للنسائي ص 15 ومجمع الزوائد ج 9 ص 120 وعمدة القاري ج16 ص 214 وتحفة الأحوذي ج 10 ص 146 و 147 ومسند أبي داود الطيالسي ص 111 و 360 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص504 1 والآحاد والمثاني ج 4 ص 279 والسنة لابن أبي عاصم ص 550 و 551 و 552 و 589 والسنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 45 و و 132 و 133 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 64 و 87 و 97 و 98 ومسند أبي يعلى ج 1 ص 293 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 374 والمعجم الكبير ج 12 ص 78 والمعجم الكبير ج 18 ص 129 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1091 والرياض النضرة ج 1 ص 223 وج3 ص129 و 175 ونظم درر السمطين ص 79 و 98 وموارد الظمآن ج 7 ص 134 وكنز العمال ج 11 ص 603 و 636 و (ط مؤسسة الرسالة) ج11 ص 599 و 608 وج 13 ص 142 وفيض القدير ج 4 ص 471 والكامل لابن عدي ج 2 ص 146 وتاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 100 و 198 و 199 وسير أعلام النبلاء ج 8 ص 199 وأسد الغابة ج 4 ص 27 وميزان الإعتدال ج 1 ص 410 والإصابة ج 4 ص 467 و 468 والمناقب للخوارزمي ص 127 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص296 ومطالب السؤول ص 102 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص64 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 631 وج 11 ص 71 والوافي بالوفيات ج21 ص 178 والبداية والنهاية ج 7 ص 381 ومعارج الوصول ص33 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 1 ص 212 وينابيع المودة ج 1 ص 42 و 171 و 172 و 347 و ج 2 ص 86 و 159 و 490 وج 3 ص 364 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 9 ص 171 وفلك النجاة لفتح الدين الحنفي ص 198 و 199
. بل هو «عليه السلام» -1) الآية 55 من سورة المائدة
2) الفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 238 وكتاب الأربعين للماحوزي ص144 وكشف الغمة ج 1 ص 49 - 50 عن الزهري، وخلاصة عبقات الأنوار ج 1 ص 258 وج 7 ص 229 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 234 و 301 و ج 21 ص 93 والروضة في فضائل أمير المؤمنين ص118 وسعد السعود لابن طاووس ص 71 وبحار الأنوار ج 42 ص 156 والغدير ج 1 ص 11 و 33 و 176 وراجع: الإصابة لابن حجر (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 34 وربيع الأبرار ج 1 ص84 و 85
3) كتاب سليم بن قيس ص 748 - 776 و (تحقيق محمد باقر الأنصاري الزنجاني - ط 1 سنة 1422هـ ق 1380 هـ ش) ص195 و 196 و 199 و 202 و 235 و 238 و 241 و 270 و 271 و 275 و 297 و 300 و 312 و 322 و 343 و 380 و 423 و 428 ومناقب الإمام أميرالمؤمنين للكوفي ج 1 ص 449 و 490 وشرح الأخبار ج 1 ص 93 و 220 و 300 و 464 وج 2 ص 255 والغيبة للنعماني ص 75 و 85 والمسترشد ص624 وبحار الأنوار ج 10 ص 140 وج 22 ص 148 و 149 وج 23 ص 320 و ج 2 ص 127 وج 30 ص588 وج 31 ص 429 و 430 و 654 - 655 وج 33 ص 141 - 159 و 175 429 و 183 و 184 و ج 36 ص 254 و 278 و ج 37 ص 86 و 87 وج 38 ص 111 و 121 و 149 - 150 و 242 و 296 - 297 و 314 و 325 و 333 وج 40 ص 51 و 76 و 83 وج 69 ص 152 وينابيع المودة ج 1 ص 341 - 349 وفضائل أمير المؤمنين لابن عقدة ص158 و 159 وتنبيه الغافلين ص 67 وكشف الغمة ج 1 ص 81 و 177 و 298 ونهج الإيمان ص 237 و 478 و 479 و 481 و 482 والعدد القوية ص 245 وكشف اليقين ص 33 و 252 والولاية لابن عقدة ص 198 - 202 وغاية 252 المرام ج 2 ص 106 و 108 - 109 و 244 - 246 و 355 - 356 و 358 وج 3 ص 107 و 108 و 335 - 337 وج 5 ص 30 وج6 ص 266 وراجع: روضة المتقين ج 11 ص 199 والأمالي للطوسي ص 562 والأمالي للصدوق ص 50 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 253 و 254 ص50 وكمال الدين ص 260 و 277 و 279 وكفاية الأثر ص 321 والمجازات النبوية ص 218 والمناقب لابن المغازلي ص 186 و 190 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 1 ص 332 و 333 وج 2 ص 336 و 339 و 342 والإحتجاج ج 1 ص 214 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 59 و 251 و ج 3 ص 14 والعمدة لابن البطريق ص 86 و 184 و 203 و 204 و 239 والتحصين لابن طاووس ص 553 و 633 و 636 والطرائف لابن طاووس ص 65 والعقد النضيد ص113 والصراط المستقيم ج 2 ص 58 و ج 3 ص 233 والمحتضر للحلي ص108 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 43 و 48 و 77 و 109 و 112 و 292 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 30 - 31 و 431 و 442 وحلية الأبرار ج 2 ص 73 و 113 وخصائص الوحي المبين ص 119 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 4 ص 277 و ج 21 ص 131 و 137 وج 22 ص 193 و 194 و 585 و 586 عن در بحر المناقب (مخطوط) ص 78 وعن التبر المذاب (نسخة مكتبة المرعشي) ص 35 وعن مرآة المؤمنين في مناقب أهل بيت سيد المرسلين ص 38 وعن تهذيب خصائص النسائي (ط بيروت) ص 46
كرسول الله «صلى الله عليه وآله» - أولى بالمؤمنين من أنفسهم.. ولم تستثن أم كلثوم، ولا غيرها من هذه الولاية.
5 - لماذا هذا الموقف السلبي من تزويج الأيتام؟! ولماذا لا يسعى علي، وأبناؤه معه، لتحصيل ثواب خدمة ورعاية اليتيم. ولاسيما إذا كان من الأرحام إلا أن يكون الحسنان يزهدان بثواب الله، ولا يهتمان بنيل رضوانه!
وما المانع من تزويج اليتيم إذا كان كفؤاً ؟! وما الفرق بينه وبين
غير اليتيم في ذلك؟! ولو كان اليتم هو المانع، فإن من بلغ مبلغ الرجال، تزول عنه صفة اليتم فما المانع من تزويجه؟!
6 - إن ما نعلمه عن الحسنين «عليهما السلام» هو حرصهما الشديد على الأيتام، ويكفي أن نذكر أنهما آثرا اليتيم والمسكين، والأسير بطعامهما على مدى ثلاثة أيام من الصيام، بقيا فيها بلا طعام ليلاً ونهاراً، وكانا آنئذ في سنّ الطفولة..
فما هذا الإيثار لليتيم هناك، وهذه القسوة عليه هنا؟! وأين هي الأوامر الإلهية في القرآن وعلى لسان الرسول بالعطف على الأيتام؟!
وهل سبق لعلي «عليه السلام» أن يزوج أيتاما لا أهلية لهم، وليسوا أكفاء؟؟! وأي ضير في تزويج أيتام الشهداء، ولاسيما أيتام جعفر وحمزة وعبيدة بن الحارث، وأمثالهم؟!
ويتأكد هذا الرجحان إذا كان هؤلاء الأيتام تحت رعاية رسول الله «صلى الله عليه وآله» وأمير المؤمنين «عليه السلام».
7 - زعمت الرواية: أن الحسنين «عليهما السلام» قد أطمعا أختهما بأن بإمكانها أن تصيب بزواجها مالاً عظيماً.
فكيف يمكن أن يصدر هذا منهما، وهما يعرفان أن ثمة حثاً على تقليل المهر، واعتبار قلته من أسباب التوفيق والإقبال، فلماذا يريدان منها أن تصيب مالاً عظيماً من خلال الاستفادة من هذه الفرصة؟!
ولماذا يريدان منها أن يكون همها الحصول على المال العظيم،
عوضاً من الرغبة في الستر، والتعاون مع الزوج على بناء الحياة الزوجية على أساس التقوى، والحب، والتضحية المتبادلة؟!
ولماذا لا يرغبانها بالزهد بالدنيا ؟! فإن هذا هو ما يحتاج إليه الإنسان، لأن الرغبة بالدنيا هو الوضع الشائع بين الناس..
8 - واللافت هنا: أنهم حين جاءهم أمير المؤمنين «عليه السلام»، وقال لهم إنهم يعرفون أثرتهم عنده، ومكانتهم لديه قد صدقوه فيما قال.. فهل إغضابهم له، وتآمرهم عليه، واتفاقهم على رفض ما يطلبه منهم كان مكافأة له على ما يعلمونه من حبه لهم، وأثرتهم عنده؟!
9 - إن علياً «عليه السلام» - كما تقول الرواية - قد أقسم على أن ما سمعه من ابنته إنما هو من إيحاءات أخويها.
فبغضّ النظر عما له «عليه السلام» من علم الإمامة، نقول:
ألا يدل ذلك على معرفته مسبقاً بما تفكر به ابنته، وبما يفكر به أخواها؟!
وبذلك تكون أم كلثوم أسلم فكراً، وأقرب إلى رضا أبيها من أخويها ، اللذين يفترض أن يكونا معصومَين مصيبَين في كل فعل وقول؟! فلماذا إذن كانا أفضل منها ؟! ولماذا كانا ممن طهرهم الله من الرجس دونها؟!
10 - والغريب في الأمر زعم الرواية: أن علياً «عليه السلام» قد ذكر أن الله تعالى قد جعل أمرها بيدها، ويريد منها أن تجعله بيده.
هذا غير ظاهر الوجه، فإنها إن كان الأمر لها، فلا يصح إكراهها على جعله لغيرها. فلا يحق لأبيها - والحالة هذه - أن يغضب، إذا رغبت في الاحتفاظ لنفسها بما هو حق لها.
وإن كان لأبيها ولاية عليها في أمر الزواج، فيكون إذنه شرطاً الإمضاء تصرفها فيه .. ولا حاجة إلى أن تجعل هي لأبيها ما هو مجعول له من قبل الله تعالى.
11 - إن علياً «عليه السلام» يقسم على هجران ولديه وهو يقرُّ بأن الله قد جعل أمرها بيدها، لأجل إكراه ابنته على التخلي عن أمر جعله الله .لها. وإذا كان لا يجوز لأحد أكراهها على التخلى عن هذا الحق فلا أثر لقسمه على هجران ولديه لأنه قسم على أمر مرجوح، فضلاً عن كونه قسماً على قطيعة رحم؟!
12 - قول الرواية: إنه «عليه السلام» زوّجها من عون بن جعفر، موضع ريب، فإن المؤرخين يذكرون أن عوناً وأخاه محمداً قد استشهدا في سنة زواجها بعمر بن الخطاب، وهي سنة 17 للهجرة، وإنما مات عمر في سنة 23 هجرية.
13 - ولو أخذنا بالرواية القائلة: إن عوناً وأخاه محمدا قد استشهدا في كربلاء مع الإمام الحسين «عليه السلام»، فكيف تزوجها محمد بعد استشهاد أخيه عون، وهو قد استشهد معه في يوم واحد؟!
14 - لو سلمنا: أنه زوجها من عون بن جعفر بعد موت عمر بن الخطاب فى سنة 23 للهجرة، وان عوناً بقي حتى استشهد في
كربلاء، فقد كان عون في ذلك التاريخ رجلاً كاملاً، ولم يكن غلاماً.
فإن كلمة الغلام تطلق على الصبي الصغير، وتطلق على الشيخ الكبير. وليس عون صبيا ولا شيخاً كبيراً ، وإنما كان شيخاً كبيراً حين استشهد في كربلاء، لا حين زواجها به.
وقالوا: إن أم كلثوم قد حضرت كربلاء، وقد ذكرها الإمام الحسين «عليه السلام» في جملة من خاطبهنَّ في كربلاء (1). وقد سبيت، وخطبت الناس في الكوفة (2).
وواقعة كربلاء كانت سنة ستين للهجرة، إن قلنا: إن أول السنة الهجرية هو ربيع الأول، أو سنة 61 إن قلنا: إن أول السنة الهجرية هو المحرم.
وهذا يدل على عدم صحة قولهم: إنها توفيت في السنة الرابعة والخمسين للهجرة (3).
1) العوالم ص 252 و 946 وراجع الدمعة الساكبة ج4 ص 351 ومعالي السبطين ج 2 ص 22 وذريعة النجاة ص139 وينابيع المودة ج 3 ص 79 واللمعة البيضاء للتبريزي ص 323 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 633
2) اللهوف ص 63 ومثير الأحزان لابن نما ص 66
3) مهذب الروضة الفيحاء في تواريخ النساء (تأليف ياسين خير الله الموصلي، المتوفى سنة 1213هـ) ص 198 وأعيان الشيعة ج 13 ص 12
وزعموا: أن عبد الله بن عمر هو الذي صلى عليها، حيث قدّمه الحسن بن علي «عليه السلام» - وعند ابن عساكر: الحسين بن علي «عليه السلام» (1)- للصلاة عليها..
وقيل: صلى عليها سعيد بن العاص، والي المدينة من قبل معاوية، وصلى خلفه الحسن والحسين «عليهم السلام»، وأبو هريرة (2).
1) الإستيعاب بهامش الإصابة ج 4 ص 492 وراجع الطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص 464 و 465 وإفحام الأعداء والخصوم ج1 ص 165 والذرية الطاهرة ص 164 والدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص 62 ونور الأبصار (ط سنة 1384هـ) ص 193 وتاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 492 و 493 و مختصر تاریخ دمشق ج 2 ص 162 وتهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 30 وأخبار الزينبات ص 124 والمصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 8 والتاريخ الصغير للبخاري ج 1 ص 128 وأنساب الأشراف ج 1 ص 402
2) ذخائر العقبى ص 171 والطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص465 وسنن النسائي ج 4 ص 71 والذرية الطاهرة ص 164 و 165 وتهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 30 والمصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص8 و 197 وسیر أعلام النبلاء ج 3 ص 503 وتاريخ مدينة دمشق ج19 ص490 وتاريخ الإسلام للذهبي (ط مصر) ج 4 ص 138 والشرح الكبير لابن قدامة ج2 ص 310 والعلل لابن حنبل ج 1 ص 141 والمغني لابن قدامة ج 2 ص 367 ونيل الأوطار ج 4 ص 110 و 111
وقيل: لما توفيت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب «عليه السلام»، خرج مروان بن الحكم وهو أمير يومئذ على المدينة، فقال الحسين بن علي «عليهماالسلام»: «لولا السنة ما تركته يصلي عليها» (1).
وبعد الذي قلناه لا مجال لهذا القيل والقال.. ونظن: أن المطلوب هو مجرد منح بعض الوجاهة لأبي هريرة، أو لمعاوية وعماله، ولابن عمر.
مع أن هذه الروايات لا تنفعهم شيئاً، فإن الوالي قد يحضر الجنازة ويصلي عليها، مستفيداً من موقعه السلطوي الذي يجعل من مناوأته في مثل هذه الأمور، غير محببة ولا مجدية.
على أن صلاة الحسن والحسين «عليهما السلام» على الميت خلف شخص لا تعني الائتمام به في تلك الصلاة، لأن الائتمام يحتاج إلى نية، ولا دليل على حصولها منهما، فهما يصليان عليها على سبيل الاستقلال والأصالة.
كما أن صلاة الآخرين على الجنازة لا تعني الاكتفاء بصلاتهم، فربما يكون الحسن أو الحسين، أو هما معاً قد صليا عليها قبل
1) مستدرك الوسائل ج 2 ص 279 وعن الجعفريات ص 344 ح 1408 وعن الأشعثيات ص 210
إخراجها، ثم جاء الآخرون فصلوا عليها مرة أخرى حين إرادة دفنها.
كان النبي «صلى الله عليه وآله»، يساوي بين الناس في العطاء، وعلى ذلك جرى أبو بكر في أيام ،خلافته، فلما تولى عمر بن الخطاب، وأراد في السنة الخامسة عشرة للهجرة (1)أن ينشئ ديوان العطاء، ميّز بين الناس، وجعلهم طبقات، وميز المهاجرين على الأنصار، وعائشة على سائر نساء النبي، وجعل سائر نسائه «صلی الله عليه وآله» طبقات، ففضلهن على من جرى عليها الملك، وهن: جويرية، وصفية، وميمونة (2)، لأنه كان يقدم غير الموالي على الموالي.
وميز العرب على غيرهم، وأهل بدر على غيرهم.
فلما تولى أمير المؤمنين «عليه السلام» أرجع الناس إلى ما كانوا عليه في عهد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فكان ذلك من أسباب
زيادة حقد مناوئیه علیه فشنوا عليه حرب الجمل..
ومهما يكن من أمر، فقد قال اليعقوبي: دوَّن عمر الدواوين، وفرض العطاء.. فكان أول الناس علي بن أبي طالب في خمسة آلاف ،والحسن بن علي في ثلاثة آلاف، والحسين بن علي في ثلاثة آلاف (1).
لكن غير اليعقوبي يقول: إنه ألحق الحسنين بأبيهما، وجعل عطاءهما مثل عطائه: خمسة آلاف. خمسة آلاف (2).
1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 153
2) راجع الطبقات الكبرى لابن سعد الطبعة الخامسة من الصحابة ج1 ص 392 و 296 و 393 و (ط الأعلمي) ج 3 ص 296 و 297 وترجمة الإمام الحسن من الطبقات الكبرى لابن سعد ص61 وترجمة الإمام الحسين من الطبقات الكبرى لابن سعد ص 30 وتهذيب الكمال ج 6 ص 405 و 232 عن الداراوردي، وتاريخ مدينة دمشق ج 13 ص238 وج 14 ص176 وذخائر العقبی ج 2 ص وكنز العمال ج 13 ص658 وج 3 ص 594 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 5 ص 594 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 259 و 285 والبداية والنهاية ج 8 ص 36 والسنن الكبرى ج6 ص 569 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 615 ومسند البزار ج1 ص 409 والخراج لأبي يوسف ص 43 وفتوح البلدان ج 3 ص 550 و 556 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص 135 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 205 ومختصر تاريخ دمشق ج 7 ص 127 والأموال لأبي عبيد ص320
ويمكن أن يكون قد فرض لهما أولاً ثلاثة آلاف، ثم زادهما ألفين، لقرابتهما من رسول الله «صلى الله عليه وآله».. ليظهر بذلك شدة احترامه للرسول «صلى الله عليه وآله»، ولاسيما بعد ما ظهر من اعتراضاته عليه، وخاصة جرأته فيما عرف برزية يوم الخميس، حين أراد «صلى الله عليه وآله» أن يكتب للناس كتاباً لن يضلوا بعده أبداً، فمنعه عمر من ذلك، وقال: إن النبي ليهجر، أو غلب عليه الوجع.
تقدم: أن عمر قد دوَّن ديوان العطاء في السنة الخامسة عشرة من الهجرة، ويؤيد ذلك: قول شهر بن حوشب: إن عمر لمَّا دون الدواوين بدأ بالحسن والحسين «عليهما السلام»، فدعا الحسن، فأعطاه عطاءه، وأقعده على حجره - أو قال على فخذه - وقبل بين عينيه، وحثا في حجره حتى ملأه.
ثم دعا الحسين «عليه السلام»، فأعطاه عطاءه، وأقعده على حجره - أو قال على فخذه - وقبَّل ما بين عينيه، وحثا في حجره حتى ملأه إلخ .. (1).
ثانياً: ستأتي الرواية التي اعترض فيها ابن عمر على أبيه، لأنه
1) المسترشد ص 284 و راجع مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 71 والصراط المستقيم للبياضي ج 2 ص 70 وبحار الأنوار ج 38 ص9
أعطى كلا من الحسن والحسين «عليهما السلام» عشرة آلاف، وأعطاه هو ألف درهم، حيث قال لأبيه : قد علمت سبقتي في الإسلام وهجرتي، وأنت تفضل عليَّ هذين الغلامين (1). فوصف ابن عمر للحسنين «عليهما السلام» بالغلامين يدل على صغر سنهما آنئذٍ.
ثالثاً: قال المعتزلي معترضاً على السيد المرتضى «رحمه الله»: «وكيف يقول المرتضى: ما جاز أن يفضل أحدا إلا بالجهاد. وقد فضل الحسن والحسين على كثير من المهاجرين، وهما صبيان ما جاهدا ولا بلغا الحلم بعد .. وأبوهما أمير المؤمنين موافق على ذلك، راض به غير منكر له؟! إلخ.. (2).
رابعاً: سيأتي في حديث كسوة عمر للصحابة: أنه عندما لم يجد ما يكسو به الحسن والحسين، فجلس قاطباً صارّاً بين عينيه، فسئل عن سبب ذلك، فقال: من أجل الغلامين يتخطيان الناس إلخ.. وستأتي الرواية تحت عنوان التودد العمري للحسن والحسين «عليهماالسلام».
فهذا وذاك يدل على عدم صحة ما ذكره ابن سعد، من أن تدوين عمر لدواوين العطاء كان في سنة عشرين (1)، وقد مات عمر في السنة الثالثة والعشرين لأن ما قدمناه إنما يتناسب مع كونه قد دوّن الدواوين في السنة الخامسة عشرة، لأن الحسنين «عليهماالسلام» يكونان في عمر الإحدى عشرة والاثنتي عشرة سنة.
ومما ذكر آنفاً نفهم: أن عمر بن الخطاب قد اتخذ قراراً رسمياً بجعل التمييز العنصري أساساً لسياساته، التي ستجد لدى الحزب الأموي الذي كان عمر يخطط لتسليمه السلطة بعده تعلقاً قوياً به، وسعياً حثيثاً لترسيخ نهجه وسياساته.
وقد بدأ في ديوان العطاء بذكر العرب على قدر أنسابهم، فلما انقضت العرب ذكر العجم (2).
قال ابن شاذان: «فلم تزل العصبية ثابتة في الناس منذ ذلك الى يومنا هذا» (3).
وقد تقدم: أنه قد كرس هذه السياسة حتى في البيت النبوي، قال
الجاحظ: «فضَّل القرشيات من نساء النبي «صلى الله عليه وآله» على غيرهن» (1).
وقد أعطى جويرية ستة آلاف وأعطى عائشة اثني عشر الفاً، وقال: لا أجعل سبية كابنة أبي بكر الصديق (2).
وله قرارات عجيبة وشاملة وواسعة في مختلف مجالات التمييز العنصري، ذكرنا شطراً وافراً منها في كتاب: سلمان الفارسي في مواجهة التحدي، فلا بأس بمراجعته لمن أراد المزيد.
1 - قال شهر بن حوشب لما دون عمر الدواوين، بدأ بالحسن والحسين، فدعا الحسن فأعطاه عطاءه، وأقعده على حجره، أو قال: [على] فخذه، وقبل بين عينيه، وحثا في حجره حتى ملأه.
ثم دعا الحسين، فأعطاه عطاءه، وأقعده على حجره أو فخذه، وقبل ما بين عينيه، وحثا في حجره حتى ملأه.
فقال عبد الله بن عمر: قدمتهما عليَّ، ولي صحبة وليس لهما صحبة، ولي هجرة وليس لهما هجرة؟!
فقال: أسكت لا أم لك! أبوهما خير من أبيك، وأمهما خير من أمك (1).
2 - ومما يؤكد على أن عمر بن الخطاب كان يتعمد إظهار هذه المودة ما رواه سبط بن الجوزي قال:
قال ابن عباس: كان ابن الخطاب يحب الحسن والحسين، ويقدمهما على ولده، ولقد قسم يوما، فأعطى الحسن والحسين كل واحد منهما عشرة آلاف درهم، وأعطى ولده عبد الله ألف درهم.
فعاتبه ولده، وقال: قد علمت سبقي في الإسلام، وهجرتي، وأنت تفضل عليَّ هذين الغلامين؟
فقال: ويحك يا عبد الله، ائتني بجد مثل جدهما، وأب مثل أبيهما، وأم مثل أمهما ، وجدة مثل جدتهما، وخال مثل خالهما، وخالات مثل خالاتهما، وعم مثل عمهما ، وعمة مثل عمتهما.
جدهما رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأبوهما علي، وأمهما فاطمة، وجدتهما خديجة، وخالهما إبراهيم ابن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وخالاتهما زينب ورقية وأم كلثوم، وعمهما جعفر بن أبي
1) المسترشد للطبري ص 284 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 71 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 269 والصراط المستقيم للبياضي ج 2 ص 70 وبحار الأنوار ج 38 ص9
طالب، وعمتهما أم هانئ بنت أبي طالب (1).
ونص آخر عن ابن عباس يقول: لما فتح الله المدائن على أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» في أيام عمر، أمرهم بالأنطاع فبسطت في المسجد، وأمرهم بالأموال فأفرغت عليها.
ثم اجتمع أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأول من بدر إليه الحسن بن علي، فقال: يا أمير المؤمنين، أعطني حقي مما أفاء الله على المسلمين.
فقال: بالرحب والكرامة. وأمر له بألف درهم، ثم انصرف.
فبدر إليه الحسين بن علي، فقال: يا أمير المؤمنين، أعطني حقي مما أفاء الله على المسلمين.
فقال : بالرحب والكرامة. وأمر له بألف درهم.
فبدر إليه ابنه عبد الله بن عمر، فقال: ..الخ (2).
3 - ومما يدل على تعمد إظهار هذه المودة للحسنين «عليهما السلام» أيضاً، ما روي عن الإمام الباقر «عليه السلام»، من أنه قدم
على عمر حلل من اليمن فكسا الناس، فراحوا في الحلل، وهو بين القبر والمنبر جالس، والناس يأتونه فيسلمون عليه ويدعون.
فخرج الحسن والحسين من بيت أمهما فاطمة، يتخطيان الناس - وكان بيت فاطمة في جوف المسجد - وليس عليهما من تلك الحلل شيء، وعمر قاطب صارٌّ بين عينيه.
ثم قال: والله ما هنأني ما كسوتكم!
قالوا: لِمَ يا أمير المؤمنين! كسوت رعيتك، وأحسنت.
قال: من أجل الغلامين يتخطيان الناس وليس عليهما منها شيء. كبرت عنهما ، وصغرا عنها.
ثم كتب إلى صاحب اليمن: أن ابعث بحلتين لحسن وحسين، وعجل. فبعث إليه بحلتين، فكساهما (1).
4 - وذكر الزهري هذه القضية، وقال: فبعث إلى اليمن فأتي لهما بكسوة، فقال: الآن طابت نفسي (2).
1) تهذيب الكمال ج 6 ص 405 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص206 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص30 وكنز العمال ج13 ص 658 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 13 ص 658 و 659 وشرح إحقاق 13 الحق (الملحقات) ج 33 ص 430 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 177
2) تاریخ مدينة دمشق ج 14 ص 177 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 285 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 101 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر 1 ص 206 وراجع: شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 430 وشرح نهج البلاغة (ط الأعلمي سنة 1425هـ ق) ج 12 ص 333
في شرح نهج البلاغة للمعتزلي: عن السدي أن عمر كسا أصحاب النبي «صلى الله عليه وآله»، فلم يرتض في الكسوة ما يستصلحه للحسن والحسين «عليهماالسلام»، فبعث إلى اليمن، فأتى لهما بكسوة فاخرة، فلما كساهما قال : الآن طابت نفسي (1).
ونقول:
تضمنت هذه الرويات أموراً يحسن الوقوف عندها، وهي التالية:
إن ابن عمر اعتبر نفسه مقدماً على الحسنين «عليهما السلام»، واحتج لذلك:
أولاً: بأن له صحبة، وليس للحسنين «عليهما السلام» صحبة..
ثانياً: بأن له هجرة، وليس للحسنين «عليهما السلام» هجرة.
وهذان استدلالان عجيبان..
فأولاً: هاجر ابن عمر وهو بعمر عشر سنوات، ولم يبادر هو إلى الهجرة، ناوياً أن تكون هجرته الى الله ورسوله، بل هناك من هاجر به فلا تعد هجرة له، وإلا لوجب عد الرضيع مهاجراً، له ثواب المهاجرين وامتيازاتهم، حين تهاجر به أمه، أو من يعوله.. وأن يكون للرضيع ثواب المهاجر أيضاً ..
1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 215
وأما أن له صحبة، ولم تكن للحسنين «عليهما السلام» صحبة.. فمن الواضح: أن الصحبة بنفسها لا تكفي، إذا لم تكن سبباً في الزيادة والاستفادة، فقد يصاحب العالم الجاهل، والذكي الغبي، والصحيح السقيم، والتقى الشقي، ولا يتأثر أي من هؤلاء بمن صاحبه.
ولعمري.. إن صحبة الحسنين «عليهماالسلام» لجدهما «صلى الله عليه وآله» يوما أو شهراً، أو سنة لا تعدلها صحبة ابن عمر له «صلى الله عليه وآله» سنوات كثيرة، ولأجل ذلك نزلت في الحسنين آيات كثيرة، من بينها سورة هل أتى.. ولم ينزل في ابن عمر شيء من الثناء القرآني. كما أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد ردَّ ابن عمر في بدر وأحد، واستصغره، وكان ابن أربع عشرة سنة، وأجازه في الخندق (1). أما الحسنان «عليهماالسلام» فقد أشركهما النبي
1) الإصابة ج 2 ص 347 والإستيعاب بهامش الإصابة ج 2 ص 247 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 950 والطبقات الكبرى (ط الأعلمي) ج 4 ص 143 والعلل لابن حنبل ج 2 ص 405 والتعديل والتجريح للباجي ج 2 ص 896 والخلاف للطوسي ج 3 ص 283 والمؤتلف من المختلف بين أئمة السلف للطبرسي ج 1 ص 569 وجامع الخلاف والوفاق ص 63 و 308 ص63 والمجموع للنووي ج 17 ص 363 و 441 وفتح الباري ج 1 ص 226 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 13 ص 475 و 476 وتاريخ مدينة دمشق ج 31 ص 87 و و 95 وج 61 ص 422 و 423 وغريب الحديث لابن سلام ج 3 ص 290 والمبسوط للطوسي ج 2 ص 5 وغنية النزوع ص 251 وتذكرة الفقهاء (ط. ج) ج 9، ص271 و (ط. ق) ج 1 ص 437 و 438 وكتاب الأم للشافعي ج 4 ص 164 و 171 وج6 ص 143 و 159 وج 7 ص 362 ومختصر المزني ص 152 وفتح الوهاب ج 1 ص 350 ومغني المحتاج ج 2 ص 166 والشرح الكبير لابن قدامة ج 4 ص 513 وإعانة الطالبين ج 3 ص 83 والمبسوط للسرخسي ج6 ص54 وج 10 ص 17 والمغني لابن قدامة ج 4 ص 514 وكشاف القناع ج3 ص 517 ونيل الأوطار ج 5 ص 370 وسنن سعيد بن منصور ج2 ص 175 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 3 ص 158 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 6 ص 30 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 850 والسنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 83 وج 6 ص 55 و 352 وج 9 ص 21 وعمدة القاري ج 13 ص 240 وج 14 ص 58 وعون المعبود ج 8 ص 122 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 734 وج 8 ص 42 و 389 و 489 و والمنتقى من السنن المسندة ص 205 وشرح معاني الآثار ج3 ص218 وصحيح ابن حبان ج 11 ص 29 و 30 والحد الفاصل للرامهرمزي ص 189 وسنن الدارقطني ج 4 ص 64 ومعرفة السنن والآثار ج ص 163 وج 6 ص 402 و 498 وكشف المشكل لابن الجوزي ج 2 ص 525 و 526 وتنقيح التحقيق في أحاديث التعليق ج 2 ص 112 ونصب الراية ج 4 ص 284 والإحكام لابن حزم ج 5 ص 688 وتهذيب الكمال ج 15 ص 339 و 340 وأنساب الأشراف ج 1 ص 316 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 297 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 4 ص 17 و 107 ودلائل النبوة ج 3 ص 395 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص 29 و 181 وسبل الهدى والرشاد ج 9 ص 106
«صلى الله عليه وآله» في المباهلة، وبايعهما في بيعة الرضوان، مع
أن عمرهما في بيعة الرضوان كان سنتين وثلاث سنوات.. وأشهدهما على كتاب ثقيف، وأشركهما في أمور كثيرة أخرى، وهما ما بين ثلاث إلى ست أو سبع سنوات. فكيف يقيس ابن عمر نفسه بهما؟!
وعدا ذلك، فإن ابن عمر لم يحسن أن يطلق زوجته باعتراف أبيه (1). وقد أظهر الحسنان «عليهماالسلام» من علوم ومعارف وما صنعه الله تعالى لهما من كرامات، وما شملهما الله ورسوله به من ألطاف وعنايات ما لم نجد منه لدى ابن عمر وغيره من الصحابة، ولو مفردة واحدة، فما معنى أن يقيس ابن عمر نفسه بهما، ويريد أن يتقدم عليهما؟!
1) تاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 227 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 3 ص 292 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 343 وبحار الأنوار ج 28 ص383 و 384 و ج 31 ص 77 و 78 و 354 و 356 و 385 و 394 وج 49 ص 279 والإحتجاج ج 2 ص320 و (ط دار النعمان) ج 2 ص154 والكامل في التاريخ ج 3 ص 65 ونيل الأوطار ج6 ص164 وخلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 330 و 334 والغدير ج 5 ص 360 وج10 ص 39 ج3 ص330 وفتح الباري ج 7 ص 54 وكنز العمال ج 2 ص 681 والشافي في الإمامة ج 3 ص 197 وتقريب المعارف ص 349 وقرب الإسناد ص100 والإيضاح لابن شاذان ص 237 وتاريخ المدينة لابن شبة ج 3 ص 922 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 160 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ج1 ص 190
وبعد الذي أشرنا إليه يعلم: أن جواب عمر لولده عبد الله كان غير سديد، لأنه ذكر امتياز الحسنين «عليهما السلام» بفضائل ومزايا خارجية ترتبط بالأهل والعشيرة، ولم يشر، لا من قريب ولا من بعيد، إلى ما امتاز به الحسنان «عليهماالسلام» في ذوات أنفسهما طبقاً لما أشرنا إليه.
ونرى: أن من غير البعيد أن يكون هذا الأمر متعمداً من قبل عمر، بل قد يظن ظان: أنه يريد رفع مقام ولده، إلى ما يقرب من مقام الحسنين، أو أكثر، ويحط من مقام الحسنين «عليهما السلام» لكي يتساويا - بنظر القاصرين والغافلين - مع ابن عمر في مزاياهما النفسية، والعلم، والزهد والكرامة، وما إلى ذلك.
وإذا راجعنا الكلام الذي نسبته رواية سبط ابن الجوزي على لسان ابن عباس إلى عمر بن الخطاب في جواب ابنه، عبد الله، فنجد: أن هذه الرواية قالت: ائتني بجد مثل جدهما .. وأب.. وجدة.. وخال.. وخالة مثل خالتهما.
فقد ذكر الخالة هنا بصيغة المفرد..
ولكنه حين فصَّل مقاصده بالجد، والأب، والأم، والجدة، والخال والعم، والعمة.. ذكر لكل واحد من هذه العناوين اسم شخص واحد. مثل: خديجة، وإبراهيم، وجعفر، وأم هاني..
ولكنه ذكر في مصداق الخالة ثلاثة أسماء، فقال: «وخالتهما: زينب ورقية وأم كلثوم».
وحتى لو كان النص بصيغة الجمع بأن قال: وخالاتهما، فإن السؤال يبقى قائماً عن سبب العدول من الحديث بصيغة المفرد إلى صيغة الجمع، وكأنه يريد أن يجعل لعثمان فضيلة الزواج بابنتين الرسول الله «صلى الله عليه وآله»، لا ببنتٍ واحدة.
كما أنه يريد أن يوحي بأن هؤلاء البنات هن بنات رسول الله «صلى الله عليه وآله» على الحقيقة، لا بناته بالتربية. لأنه جعلهن خالات للحسنين.
وإرادة الخالة على نحو التنزيل بعيد، بل قد يقال: إن الذوق لا يستسيغ ذلك في مورد كون البنوة بالتربية.
وحيث إننا قد أثبتنا في كتبنا الأربعة حول موضوع البنات: أنهن بنات للنبي «صلى الله عليه وآله» بالتربية والرعاية، فلا بد من القول بأن هناك من أقحم هذه الصيغة، أو فقل الموضوع كله في كلام عمر، لكي يسّوق فضيلة - لم تثبت - لعثمان بهذه الطريقة..
إلا إن كان يريد بكلمتي «رقية وأم كلثوم» بنتي رسول الله «صلى الله عليه وآله» اللتين ماتتا صغيرتين، قبل ولادة فاطمة «عليهاالسلام»، أو بعدها بقليل.
وقد تكلمنا حول هذا الموضوع في كتابنا: بنات النبي أم ربائبه. وكتاب: البنات ربائب، وكتاب: القول الصائب. وكتاب: ربائب
الرسول: قل هاتوا برهانكم.
2- إن عمر حين ذكر الأعمام اقتصر على ذكر جعفر، ولم يذكر أخاه عقيلاً، مع أنه كان من رجالات بني هاشم.
واقتصر أيضاً على ذكر إبراهيم، ولم يذكر عبد الله، والقاسم والطاهر، أو واحداً منهما..
وقد رأينا: أن عمر بن الخطاب قد عبس وقطب حين رأى الحسنين يخرجان من بيتهما، بيت الزهراء «عليها السلام»..
ويبدو: أن ظهور الحسنين فجأة أمام الناس، وصارا يتخطيان، وليس عليهما من تلك الحلل شيء، قد أزعج عمر. وعرف أن هذا الأمر سوف يعاب عليه، إذ من غير المستساغ عند أحد أن يكسى القريب والبعيد - بفضل رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويمنع سيدا شباب أهل الجنة، وسبطا الرسول من ذلك، وهو حق لهما كسائر الناس.
فحاول ترقيع هذا الفتق الكبير ، بادِّعاء أن الحلل كبرت عنهما، وصغرا عنها.. مع أنه ليس في الرواية ما يدل على أنهما كانا «عليهما السلام» على علم بهذا الأمر، ولا ما يدل على أن عمر كان قد حاول أن يجد بين الحلل ما يناسبهما.
مع أن من الواضح: أن الذين كساهم عمر بالحلل كانوا بين كبير الجثة، وصغيرها، ومتوسطها، فكيف لم يجد بينها ما يناسبهما
عليهما السلام»، ووجد لسائر الناس ما يناسبهم؟! فهل لم يكن أحد يماثلهما في الحجم والطول، وما إلى ذلك؟!
وإن كان عذر عمر هو هذا، فلا معنى للإيحاء - على سبيل التكهن والرجم بالغيب - بأنه لم يجد ما يناسبهما في قيمته وجودته، فإن تصريح عمر بمقاصده يدفع ذلك.
ولا نبالغ إذا قلنا: إن هذه السياسة العمرية قد أتت ثمارها، حيث أعطت انطباعاً لدى فريق من الناس الذين لا يعرفون إلا ظواهر الأمور: أن عمر كان محباً للحسن والحسين «عليهما السلام»، فتوهموا أنه كان يقدمهما على ولده.
كما أن البعض قد يتخذ من هذه الظواهر وسيلة لتخفيف وطأة ما صدر من عمر بن الخطاب بالذات في حق علي والزهراء والحسنين «عليهم السلام» حين جاء بالحطب ليحرق بيتهم عليهم.
وقد أخبره الناس بأسماء من في البيت، وأصر على موقفه، وأخرج علياً للبيعة بالقوة والقهر، لأنه كان يعلم أن علياً «عليه السلام» كان موصى من رسول الله صلى الله عليه وآله» بعدم القتال.
فلا معنى لما نسب إلى ابن عباس، من أنه قال: كان ابن الخطاب
يحب الحسن والحسين، ويقدمهما على ولده (1). ومثله ما قيل عن عثمان: «كان عثمان يكرم الحسن والحسين «عليهما السلام» ويحبهما» (2).
ويستدلون على أن للحسين «عليه السلام» موقعاً مميزاً لدى عمر بن الخطاب، بما روي:
1 - من أن عمر بن الخطاب طلب من الحسين «عليه السلام» أن يأتيه في بعض الحاجة، فأتاه، فلقي ابنه عبد الله، فأخبره بأنه استأذن على أبيه، فلم يؤذن له، فرجع الحسين أيضاً، فلقيه عمر، فسأله عن سبب عدم مجيئه، فأخبره، فقال عمر: وأنت عندي مثله! وهل أنبت الشعر على الرأس غيركم ! (3).
2 - وفي نص آخر: أنه استأذن «عليه السلام»، فلم يؤذن له، ثم
1) تذكرة الخواص (ط النجف) ص234 والإمام الحسين للعلايلي هامش ص309 عنه، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 429 عن حقائق عن آل البيت والصحابة للشيخ يونس إبراهيم السامرائي (ط المكتبة العصرية صيدا) ص 63
2) البداية والنهاية ج 8 ص 36 و 150 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 41
3) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 175 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 12 ص 66 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 201 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 437
استأذن ابن عمر فلم يؤذن له أيضاً، فرجع إلى بيته، ثم أمر عمر بإدخال الحسين «عليه السلام»، فوجدوه قد انصرف، فأرسل إليه عمر انصرفت بعد أن استأذنت..
فذكر له ما جرى، وما رأى.
فقال له عمر: وما أنت وعبد الله هل أنبت الشعر في الرأس إلا الله وأنتم؟! إذا جئت فلا تستأذن (1).
ونقول:
أولاً: لست أدري كيف يمكن لمن كان بصدد إحراق الحسين وأخيه، وأمه وأبيه «عليهم السلام» بالأمس أن يتحول إلى محب له اليوم، بل لقد زاد على ذلك: أن ضرب أمه « عليهاالسلام»، وأسقط جنينها، واعتلت بسبب ذلك الضرب حتى ماتت.
ثانياً: إن قول عمر إذا قيس بفعله، فإنه يشبه حال الصياد الذي كان أرمد العينين، فكان يذبح العصفور، وعيناه تدمعان، فقال عصفور على الشجرة لرفيقه: انظر إلى هذا الصياد ما أرق قلبه!
فقال له رفيقه: لا تنظر إلى دمع عينيه، ولكن انظر إلى فعل يده.
ثالثاً: إن هذه الأقوال الرقيقة من عمر كما يحتمل أن تكون نابعة عن شعور حقیقی بالامتنان، كذلك يحتمل أن تكون سياسة ذكية منه. فلا بد من البحث عما يؤيد هذا أو ذاك، وقد رأينا أفعاله في البداية
1) شرح الأخبار ج 3 ص 79 و 80
حين الاستيلاء على الخلافة، ثم رأينا كيف دبر الأمر بطريقة يستحيل معها وصول علي «عليه السلام» إليها.. فإن ذلك يدلنا على صحة ما كان يتظاهر به وهل كان ممتناً لهم، أم كان يصانعهم، لكي يمنعهم من التفكير في مناوأته.
وقد ظهر من النصوص المتقدمة: أن بيت فاطمة «عليهاالسلام» كان لا يزال في يد علي «عليه السلام» وأهل بيته إلى السنة الخامسة عشرة للهجرة، مما يعني أن استيلاء السلطة وهيمنة عائشة عليه قد حصل بعد هذا التاريخ.
1 - روى الكليني عن عبد الرحمن بن محمد العرزمي قال:
استعمل معاوية مروان بن الحكم على المدينة، وأمره أن يفرض لشباب قريش، ففرض لهم.
فقال علي بن الحسين «عليه السلام»: فأتيته.
فقال: ما اسمك؟!
فقلت: علي بن الحسين.
فقال: ما اسم أخيك؟!
فقلت : علي.
قال: علي وعلي؟ ما يريد أبوك أن يدع أحدا من ولده إلا سماه
علياً.
ثم فرض لي، فرجعت إلى أبي، فأخبرته.
فقال: ويلي على ابن الزرقاء، دباغة الأدم. لو ولد لي مئة لأحببت ألا أسمي أحداً منهم إلا علياً (1).
2 - عن يحيى بن الحسن: قال يزيد لعلي بن الحسين «عليه السلام» واعجباً لأبيك!!
سمى علياً وعلياً..
فقال «عليه السلام»: إن أبي أحب أباه، فسمّى باسمه مراراً (2).
ونقول:
تستوقفنا هنا أمور، هي:
1) روضة المتقين ج 8 ص 625 والوافي ج 2 ص 1323 والكافي ج 6 ص 19 وبحار الأنوار ج 44 ص 211 ومرآة العقول ج 21 ص33 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 21 ص 395 و (الإسلامية) ج 1 ص 128 والعوالم 15 ج 17 ص 89 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 448 وإكليل المنهج للكرباسي ص 325
2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 173 و 174 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 309 وبحار الأنوار ج 45 ص 175 و 329 والعوالم الإمام الحسين ص 411 و 639 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 448
إن مروان سأل السجاد عن اسمه، وليس مثل السجاد «عليه السلام» يُجهل اسمه، ولاسيما من مروان، إلا أن يكون مروان، يهدف بسؤاله هذا:
أولاً: إلى تصغير شأن الإمام السجاد «عليه السلام»، وإظهار أنه نكرة لا يعرف..
ثانياً: التوطئة والتمهيد للسؤال عن أمر آخر، كان مروان يعرفه مسبقاً.. وهو أنه كيف يسمي الإمام الحسين «عليه السلام» أكثر من ولد من أولاده باسم واحد، ولاسيما اسم علي «عليه السلام» الذي كان هؤلاء القوم لا يطيقون سماعه..
وقد يتساءل المرء عن سبب سعي الإمام السجاد «عليه السلام»، بعلم من أبيه الإمام الحسين «عليه السلام»، للحصول على العطاء من معاوية: أليس هذا اعترافاً لبني أمية بالحاكمية، وتسليماً لهم بها؟ وألا يوجب ذلك شعوراً لدى معاوية ومروان وأضرابهما بالزهو والخيلاء، وهم يرون من هو مثل السجاد والحسين «عليهما السلام» يطلب منه العطاء!!
ونجيب:
بأن علينا أن نعطف النظر أولاً إلى أهداف معاوية من هذا
الإجراء الذي فرض العطاء لشباب قريش.
والذي نراه: أن هذا الإجراء ليس سليماً في حد نفسه، فإنه لا فرق بين شباب قریش، وبين شباب سائر القبائل، إذ لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وقال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أثقاكُم) (1).
فلماذا تخصيص شباب قريش بالعطاء إذن؟!
ويمكن أن يجاب:
1 - بأن الهدف هو تكريس مفهوم رديء وسيء يراد له أن ينتج آثاراً أشد سوءاً، وأعظم خطراً .. إنه يريد أن يري الناس أن لشباب قريش - وخصوصاً بني أمية منهم - امتيازاً على سائر الناس، لأجل قرابتهم من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فإنهم أولياؤه وعشيرته، كما احتج به أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة، وأبعدوهم عن دائرة المنافسة بهذه الحجة. كما أنهم قد عملوا على ترسيخ مقولة : إن بني أمية دون سواهم هم أهل بيت النبي «صلى الله عليه وآله»..
حتى لقد حلف عشرة من قواد أهل الشام، وأهل الرياسة فيها بالعتاق والطلاق، والتصدق بما يملكون، إن كانوا يعرفون لرسول الله
1) الآية 13 من سورة الحجرات
«صلى الله عليه وآله» أهل بيت غير بني أمية (1).
فكان تخصیص شباب قريش بفرض العطاء أحد مفردات الترويج الإيحائي بهذه المفاهيم، التي تستبطن: أن يكون هؤلاء الشباب هم أصحاب القرار السياسي في الحكم والحاكمية في الأدوار اللاحقة. وتصبح منازعتهم والاعتراض عليهم جريمة أو كفراً..
2 - ومن جهة ثانية، فلعل معاوية كان يظن أن بني هاشم، وعلى رأسهم الحسنان «عليهماالسلام»، وذريتهما سوف لن يرضوا أن يكونوا في ديوان عطاء ينشئه معاوية، ويتولاه مروان. وهما من أشد الناس عداوة لبني هاشم. ولا تزال كوارث حروب الجمل وصفين ماثلة أمام الأعين.
بل لن يكون معاوية ومروان، وبنو أمية سعداء إذا شاركهم بنو هاشم، وخصوصاً الإمام الحسين «عليه السلام» وأبناؤه في أمر كهذا ، بل كانوا يريدون أن يروهم في موقف المستنكف عن هذا الأمر، ليتبعهم سائر بني هاشم بعد ذلك، فإن وجدوا أفراداً منهم يريدون هذا العطاء، فبالإمكان إرضاؤهم.
1) راجع: النزاع والتخاصم للمقريزي ص 28 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 7 ص 159 ومروج الذهب (منشورات دار الهجرة - إيران) ج3 ص 33 وراجع وفيات الأعيان ج 6 ص 102 والفتوح لابن اعثم ج ص 195 8 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 3 ص 159
فإذا حصل هذا الامتناع، فذلك يؤسس لإخراج بني هاشم من دائرة الاحتمالات بل من دائرة النشاط في المجالات العامة، ليعيشوا على هامش الحياة، بدون لون ولا طعم ولا رائحة.
ويتم تكريس المفهوم الآخر الذي أشرنا إليه، القائم على التجهيل والتزوير.
فجاءت مشاركة الحسين «عليه السلام» من خلال ولده الإمام السجاد «عليه السلام» في هذا الأمر إبطالاً لمقاصد أهل الباطل..
وسياسة معاوية هذه هي نفس السياسات التي انتهجها أسلافه، والتي أشار إليها علي «عليه السلام» بقوله: «فتأكد عند الناس نباهة قوم، وخمول آخرين، فكنا نحن ممن خمل ذكره، وخبت ناره، وانقطع صوته وصيته، حتى أكل الدهر علينا وشرب..» (1).
وربما كانت هذه القصة قد جرت في عهد الإمام الحسين بعد استشهاد الإمام الحسن، أي بعد مرور عقد ونصف، أو عقدين من الزمن على حربي الجمل وصفين. وهما الحربان اللتان شنهما
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 298 و 299 والإمام علي بن أبي طالب عليه السلام للرحماني ص 728 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب والسنة والتاريخ ج 11 ص 244 والدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ص 37
معاوية ومروان، وطلحة والزبير، وعائشة على علي «عليه السلام» بلا ذنب أتاه سوى أنه أراد أن يطبق أحكام الشريعة، ويمنع من الظلم والعدوان.
ولكن جذوة كراهتهم له عليه السلام» لم تخب ولم تخمد، فهم يكرهون حتى اسمه «عليه السلام».
وعلى الإنسان المنصف أن يقارن بين كراهية هؤلاء لعلي، و لإسمه مع أنهم هم المعتدون عليه، والمسيئون إليه.. وبين تسمية علي «عليه السلام» أبناءه باسم أبي بكر، وعمر، وعثمان، مع أن هؤلاء هم الذين ضربوا زوجته فاطمة سيدة نساء العالمين «عليهاالسلام»، وأسقطوا جنينها، وحاولوا إحراقها مع زوجها وأطفالها في بيتها، وسلبوا الخلافة منه «عليه السلام»، ثم حاربه أتباعهم، وأبناؤهم، ومن هم على نهجهم في الجمل وصفين.
وقد لفت نظرنا قول الإمام الحسين «عليه السلام» عن مروان: «ويلي على ابن الزرقاء، دباغة الأدم إلخ..». ألا يعتبر هذا سباً، لا ينبغي أن يصدر من مثل الإمام الحسين «عليه السلام»؟!
ويجاب:
بأن هناك حقائق لا يجوز القفز عنها، أو تجاهلها في التعامل مع الأمور، وإلا فإن الأمور سوف تتجه نحو الدمار والخراب.
فمثلاً نحن نعلم أن الجاهل بالطب لا يمكن أن نسلمه أرواح
الناس، ونقول له: داو المرضى. ومن لا يعرف قيادة السيارة أو الطائرة لا يمكن أن يكلف بنقل المئات من الناس من الشرق إلى الغرب.
ومن كان قاتلاً، لا يطلب منه صيانة أرواح الناس، ولا يطلب من الزاني حفظ أعراض النّاس، ومن السارق أن يكون الأمين على أموالهم.
ومن الواضح: أن مروان وأضرابه، ومعاوية وحزبه، وهم الجهلة بأحكام الدين، والمستهترون بشريعة سيد المرسلين، والمرتكبون لأعظم الموبقات، والقتلة لأبرار الأمة، والناهبون لخيراتها، والمعتدون على الأعراض، والمتجاهرون بالمنكرات، وارتكاب الآثام.. إن هؤلاء يفرضون أنفسهم على الأمة، كخلفاء لرسول الله، وحماة لدينه، وحفاظاً لشرعه، وعاملين على تحقيق أهدافه، وهم ليسوا أهلاً لشيء من ذلك، كما أن البيئة التي عاش فيها مروان لا تبشر بخير. فلاحظ ما يلي:
1 - إن مروان - كما يقولون - كان لا يعرف له أب، وإنما نسب إلى الحكم، كما نسب عمرو إلى العاص (1).
وكانت أمه من البغايا في الجاهلية، وكانت لها راية مثل راية
1) تذكرة الخواص ج 2 ص 247 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 39
البيطار تعرف بها (1)، وكانت تسمى أم حبتل الزرقاء. وكان عبد الملك، وغيره من بني مروان يعيرون بها (2)، وقد عيرتهم بها عائشة، وقالت: إني أشهد على رسول الله «صلى الله عليه وآله» أنه لعن أباك وأنت في صلبه (3).
وقد نفى النبي «صلى الله عليه وآله» آل الحكم (آل مروان) إلى الطائف، ولعنهم وعيرهم الإمام الحسين «عليه السلام» بهذا الأمر أكثر من مرة (4).
1) تذكرة الخواص ج 2 ص 47 عن الأصمعي، عن ابن إسحاق، وراجع: الغدير ج 10 ص 219 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص39
2) جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 87
3) تذكرة الخواص ج 2 ص 51 وراجع: شرح الأخبار ج 2 ص158 والعمدة لابن البطريق ص 454 وعين العبرة في غبن العترة ص52 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص 364 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 360 والفايق في غريب الحديث للزمخشري ج 3 ص 398 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 150 وتخريج الأحاديث والآثار ج3 ص 281 والإنصاف فيما تضمنه الكشاف ج 3 ص 522 وتفسير الثعلبي ج 9 ص 13 وتفسير النسفي ج 4 ص 139 والتفسير الكبير للرازي ج 28 ص 23 وأسد الغابة ج 2 ص 34 والإصابة ج 2 ص 92 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 148 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 510 وبناء المقالة الفاطمية ص 251
4) راجع: الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام» ج 17 ص 193 - 196
2 - «الأزرق» من صفات الذم عند العرب (1)، وقد ورد ذم الأزرق في الشرع الشريف أيضاً (2).
وقال الإمام الحسن لمعاوية: لعمرو الله - يا أزرق - ما شتمني غيرك (3).
1) راجع: فيض القدير ج 4 ص 94 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص288 والمبسوط للسرخسي ج 9 ص 126 وبحار الأنوار ج 1 ص 153 وج 13 ص 213 و ج 28 ص 237 و ج 35 ص 336 و ج 49 ص 252 وج 72 ص 178 و ج 3 ص 224 و ج 84 ص 275 ووفيات الأعيان ج7 ص38 وتفسير البيضاوي ج 4 ص 70 وتفسير أبى السعود ج6 ص 41 وتفسير الآلوسي ج 16 ص 260 وقصص الأنبياء للجزائري ص 306 ومجمع البحرين ج 2 ص 275 والميزان ج 14 ص 209
2) راجع: المحاسن للبرقي ج 1 ص 113 وثواب الأعمال ص 238 و (منشورات الشريف الرضي) ص 267 وجامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 446 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 69 وج 6 ص 133 والفصول المهمة للحر العاملي ج 3 ص 260 والخصال للصدوق ج1 ص54 و 107 و 138 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص 224 وبحار الأنوار ج 93 ص 151 وج 69 ص 210 وج 72 ص 345 وج 76 ص 29 و 68 وج 101ص 79 و ج 5 ص 277
3) الإحتجاج ج 2 ص 23 و ط دار النعمان ج 1 ص 455 وبحار الأنوار ج 44 ص 73
3 - بالإضافة إلى ما ذكرناه عن الزرقاء أم مروان من عمل ذميم، فإنها أيضاً كانت تأكل القمل، وتدبغ الأدم، وقد روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» عن أبيه، عن آبائه «علیهم السلام»، قال:
قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: لا تصلوا خلف الحائك، ولو كان عالماً، ولا تصلوا خلف الحجام ولو كان زاهداً، ولا تصلوا خلف الدباغ ولو كان عابداً» (1).
4 - إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» - كما يروي الحاكم - قد وصف مروان بقوله: «هو الوزغ ابن الوزغ. الملعون بن الملعون» (2).
وعن عائشة: «إن النبي «صلى الله عليه وآله» لعن أبا مروان،
1) بحار الأنوار ج 100 ص 179 وج 85 ص 119 عن شرح النفلية للشهيد الثاني، ومستدرك الوسائل ج 6 ص 464 وج 13 ص 98 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 474 وجامع أحاديث الشيعة ج 6 ص 440 وج 17 ص 377
2) المستدرك للحاكم ج 4 ص 479 والفتن لنعيم بن حماد المروزي ص73 وحياة الحيوان ج 2 ص 422 و (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 95 وج 2 ص 545 وروضة المتقين ج 1 ص 226 الوافي ج 2 ص 220 والكافي ج 8 ص 238 وبحار الأنوار ج 31 ص 532 و 33ه وج 62 ص236 و 237 532 533 وفيض القدير ج 2 ص 76 والكنى والألقاب ج 1 ص297 وقاموس الرجال ج 10 ص 34
ومروان في صلبه (1).
وعن زرارة، عن الإمام الباقر «عليه السلام» لما ولد مروان عرضوا به للنبي «صلى الله عليه وآله» أن يدعو له، فأرسلوا به إلى عائشة، فلما قربته منه «صلى الله عليه وآله» قال: اخرجوا عني الوزغ ابن الوزغ.
قال زرارة: ولا أعلم إلا أنه قال: ولعنه (2).
5 - فإذا كان هذا هو حال مروان، وهذا بيته، ومنشؤه، فليس له أن يتصدى لسياسة العباد، وأن يتولى من أمور المسلمين شيئاً، فضلا
1) شرح الأخبار ج 2 ص 158 وبحار الأنوار ج 31 ص 541 وج 62 ص 237 والمستدرك للحاكم ج 4 ص 481 وفتح الباري ج 8 ص 443 وعمدة القاري ج 19 ص 169 والسنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 459 وتخريج الأحاديث والآثار ج 3 ص 282 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 172 والدر المنثور ج6 ص 41 وفتح القدير ج 5 ص 21 وتفسير الآلوسي ج 26 ص 4 والتفسير الحديث لمحمد عزة دروزة ج 5 ص 16 وقاموس الرجال ج 10 ص 34 وحياة الحيوان الكبرى ج 2 ص 545 وإمتاع الأسماع ج 12 ص 277 وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص222 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 192 وينابيع المودة ج 2 ص 469
2) الوافي ج 2 ص 220 والكافي ج 8 ص 238 وبحار الأنوار ج 31 ص533 ومرآة العقول ج 26 ص 194 و 195 وقاموس الرجال ج 10 ص 35 ومجمع البحرين ج 5 ص 18
عن أن يتوثب على من طهرهم الله تعالى في كتابه من كل رجس، وحباهم بكل فضل..
ولو سمح لأمثال مروان بذلك، لضاعت المعايير، وهتكت الحرمات، ولم يعرف الحق من الباطل. فهذا الموقف الحسيني الرائد يعيد الأمور إلى نصابها، ويزيل كل شبهة.
1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: مات الحسن «عليه السلام» وعليه دين، وقتل الحسين «عليه السلام» وعليه دين (1).
2 - من كتاب عبد الله بن بكير، بإسناده عن أبي جعفر «عليه السلام»: إن الحسين «عليه السلام» قتل وعليه دين، وإن علي بن الحسين «عليهماالسلام» باع ضيعة له بثلاثمائة ألف، ليقضي دين
1) الكافي ج 5 ص 93 وبحار الأنوار ج 43 ص 321 وراجع ج 78 ص 344 و 345 وج 100 ص 142 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 18 ص 319 و (الإسلامية) ج 13 ص 79 و 80 وحلية الأبرار ج1 ص383 ومرآة العقول ج 19 ص 43 و 44 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 411 وراجع المحاسن للبرقي ج 2 ص 18 و 319 و علل الشرائع ج 2 ص 528 و 590 ومن لا يحضره الفقيه ج 3 ص 182 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 183
الحسين «عليه السلام» وعدات كانت عليه (1).
ونقول:
لكي تتضح الأمور نحتاج إلى التذكير بما يلى:
1 - إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» حين استشهد، قد عهد إلى علي «عليه السلام» أن يقضي دينه، وينجز عداته، ويبرئ ذمته كما ذكرناه في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» (2).
1) بحار الأنوار ج 43 ص 321 وج 100 ص 145 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 18 ص 322 و 323 و (الإسلامية) ج 13 ص 82 وكشف المحجة ص 125
2) كتاب سليم بن قيس بتحقيق الأنصاري ص 136 وبحار الأنوار ج 21 ص 380 و 381 و ج 28 ص 55 وج 36 ص 109 و 311 و 355 وج38 ص 1 و 73 و 103 و 111 و 334 وج 39 ص 33 و 216 وج 72 ص 445 وج 99 ص 106 والخصال ج 2 ص 84 والأمالي للصدوق ص 450 وعيون أخبار الرضا عليه السلام ج 1 ص 9 وكفاية الأثر ص 76 و 135 و 217 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 432 وشرح الأخبار ج 1 ص 113 و 117 و 211 ومائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي ص 140 والأمالي للطوسي ص 600 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 396 و ج 2 ص 247 و ج 3 ص 16 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 192 والعمدة لابن البطريق ص 181 والمزار لابن المشهدي ص 577 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج 1 ص 507 والطرائف ص 133 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 53 عن المناقب لابن المغازلي الشافعي ص 261 ح 309 وبشارة المصطفى للطبري ص 101 و 258 وكشف الغمة ج 1 ص 341 ونهج الإيمان ص 196 و 440 وفضائل أمير المؤمنين «عليه السلام» لابن عقدة الكوفي ص 204 وتفسير نور الثقلين 3 ج2 ص9 ج 3 ص 624 وتفسير القمي ج 2 ص 109 ومسند الإمام الرضا «عليه السلام» للعطاردي ج 1 ص 123 و 127 وجامع أحاديث الشيعة ج 23 ص 252
وحين استشهد أمير المؤمنين «عليه السلام» خطب الإمام الحسن «عليه السلام» الناس، فكان مما قال: «وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله» (1).
1) راجع مقاتل الطالبيين (منشورات المكتبة الحيدرية) ص33 و (ط مصر) ص 51 و 52 وشرح الأخبار ج 2 ص 436 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 500 وشرح إحقاق الحق ج 4 ص 413 وج 11 ص 189 وج 26 ص 491 وراجع الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 282 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 580 و 581 و 578 و 579 وراجع حلية الأولياء ج 1 ص 65 ومسند أحمد (ط دار الفكر) ج 1 ص 426 و 425 وراجع مروج الذهب ج 2 ص 414 وتفسير فرات ص 72 و 70 وفي مقتل الحسين ص72 للخوارزمي ج 1 ص 126: أنا ابن نبي الله الخ .. وحياة الصحابة ج3 ص 526 ومجمع الزوائد ج 9 ص 146 وقال: ورواه أحمد باختصار كثير، وإسناد أحمد، وبعض طرق البزار والطبراني في الكبير حسان وتيسير المطالب ص 179 والأمالي الطوسي ص 169 والإرشاد المفيد ص 207 وعن الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 25 وعن جمهرة الخطب ج 2 ص 7 والفصول المهمة لابن الصباغ (ط النجف) ص 146 وكشف الغمة ج 2 ص 159 وينابيع المودة ص 225 و 203 و 270 و 479 و 482 عن ابن سعد في شرف النبوة، والبزار، والزرندي المدني، وغيرهم. وفرائد السمطين ج 2 ص 120 وذخائر العقبى ص 138 و 140 وعن الدولابي في الذرية الطاهرة، ونزهة المجالس ج 2 ص 186 والمحاسن والمساوئ ج 1 ص 132 و 133 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 11 و 12 والإحتجاج ج 1 ص 149 وبحار الأنوار ج 43 ص 362 وإعلام الورى ص 208 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 30
وقد أمر ولده بأن يردها إلى بيت المال، فكان ما أراد.
2 - بعد تصريح النص المتقدم: بأن الإمام الحسن «عليه السلام» مات، وعليه دين، واستشهد الإمام الحسين «عليه السلام»، وعليه دين.
وقد باع الإمام السجاد «عليه السلام» ضيعة له، ليقضي دين أبيه، وعدات كانت عليه.. يتأكد لدينا: أن هؤلاء الذين هم أقدس الخلق، والذين أمر الله تعالى بمودتهم كان هذا نهجهم أباً عن جد. وهذه هي حالهم حين فارقوا هذه الدنيا. فهم كما قال الله تعالى: (دُرِّيَّة بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) (1).
1) الآية 34 من سورة آل عمران
3 - إن المتوقع عند الناس أن يكون خير الناس وأفضلهم، وأكرمهم، وأحبهم إلى الله، وأشدهم التزاماً بالحق والدين.. هم أصحاب الثروات الهائلة، وأهل الضياع العامرة، والتحف الفاخرة، والدرر الباهرة، بل أن تكون جميع كنوز الأرض في يدهم، أو تحت اختیارهم..
ولا يحتاجون في الحصول على مراداتهم، وتحقيق رغباتهم إلى أكثر من إظهار الرضا بأن يتحفهم الناس بالهدايا والعطايا، وبكل غال ونفيس. وسيفعل ذلك، الغني والفقير ، والكبير والصغير، بطيب نفس، ورضى خاطر وسيساعدهم حتى الحكام في ذلك إذا فهموا أن ذلك سوف يجعل هؤلاء الصفوة الأطهار يعيشون حياة الدّعة والرخاء، ويحبون الراحة من كل تعب وعناء، وسيرضيهم ذلك ويغنيهم عن تعريض أنفسهم للمخاطرة بأرواحهم، وسيدفع عنهم الكثير من الإحراجات في هذا الاتجاه، وسيتركون الناس أحراراً في دنياهم، وسينصرفون عن الاعتراض عليهم فيما تناله أيديهم من الشهوات، وما يرضيهم ويبلغهم من ملذات الدنيا إلى أقصى الغايات..
4 - ولكن الأمور قد سارت على عكس هذا الاتجاه، فقد رأينا عزوف هؤلاء الأطهار جميعاً عن الدنيا، وبدل أن يقبلوا من الناس ببعض فضول الحطام كانوا هم الذين يبذلون أموالهم، التي يحصلون عليهم بجهدهم، وبعرق جبينهم، ويقدمون التضحيات تلو التضحيات بكل ما لديهم في هذه الدنيا من طاقات وقدرات، وجاه، وراحة وهدوء
بال، بل حتى بحياتهم وبأرواحهم، وبأرواح أبنائهم وأحبائهم في سبيل راحة الناس، وبهدف إسعادهم، وربما قيل:
الجود بالنفس أقصى غاية الجود.
وحول السؤال الذي يقول: إن الإمام الحسين «عليه السلام» أمر منادياً، فنادى: لا يُقبلُ مَعَنا رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ (1).
فكيف يمنع «عليه السلام» أصحابه من التعرض للاستشهاد، إذا كان عليهم دين، ثم يقدم هو على الاستشهاد وعليه دين؟!
ويجاب:
أولاً: إن الذين حضروا كربلاء لم يكونوا حسب ظاهر الأحوال قد هيأوا الوسائل والسبل، ومن يقضي دينهم من بعدهم.. حتى إنه لما نادى المنادي بهذا النداء قال له رجل: إن امرأتي ضمنت ديني.
فقال «عليه السلام»: وما ضمان امرأة.
أما الإمام الحسين «عليه السلام» فإن الإمام زين العابدين «عليه السلام» هو قاضي دينه كما تقدم، فقد باع «عليه السلام» ضيعة له، ليقضي دين أبيه، وعدات كانت عليه.. وهو الإمام من بعده، فحالة الحسين مع السجاد «عليهماالسلام» حال النبي «صلى الله عليه
1) المعجم الكبير (مخطوط) ص 147 و (ط دار إحياء التراث العربي سنة 1404هـ) ج 3 ص 123 ومجمع الزوائد ج 4 ص 130 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 437 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 257
وآله» تماماً مع علي «عليه السلام» كما ذكرنا آنفاً.
ثانياً: إن الإمام الحسين «عليه السلام» قال لأصحابه: وقد نزل بي ما قد ترون. وذكر لهم: أنهم لا يطلبون غيره.
وهذا معناه: أن هؤلاء القوم سوف يقتلونه على كل حال، ولن يتركوه ليذهب ويقضى دينه، ويعود إليهم.. وليس هذا هو حال أصحابه، فإن الأعداء كانوا يحبون أن يتفرق عنه أصحابه، ويتركوه وحيداً.
فيما يرتبط بزواج الإمام الحسين «عليه السلام» ببنت ملك بلاد فارس هناك روايات اختصرت، وروايات أسهبت في بيان حقيقة ما جرى.. ونحن نذكر هنا بعضاً من هذه الروايات، ونختار منها - مع بعض التقليم والتطعيم - النصوص التي وردت، مع مصادرها في كتاب موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» (1)، وهي التالي:
1 - روى جابر، عن أبي جعفر «عليه السلام» قال: لما أقدِمَتْ بنت يزدجرد على عمر ، أشرف لها عذارى المدينة، وأشرق المسجد بضوئها لما دخلته، فلما نظر إليها عمر غطت وجهها، وقالت: «أف بیروج بادا هرمز».
فقال عمر: أتشتمني هذه؟! وهم بها.
فقال له أمير المؤمنين «عليه السلام»: ليس ذلك لك، خيّرها رجلاً من المسلمين، واحسبها بفيئه.
فخيرها، فجاءت حتى وضعت يدها على رأس الحسين «عليه
1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 1 ص 201 - 206
السلام».
فقال لها أمير المؤمنين: ما اسمك؟!
فقالت: جهان شاه.
فقال لها أمير المؤمنين «عليه السلام»: بل شهربانويه.
ثم قال للحسين: يا أبا عبد الله، لتلدنّ لك منها خير أهل الأرض.
فولدت علي بن الحسين «عليه السلام».
وكان يقال لعلي بن الحسين «عليه السلام»: ابن الخيرتين، فخيرة الله من العرب ،هاشم، ومن العجم فارس.
وروي: أن أبا الأسود الدؤلي قال فيه:
وإن غلاماً بين كسرى *** الأكرم من نيطت عليه التمائم (1)
نيطت: علّقت.
التميمة: جمع تمائم: وهي العوذة تعلق على الإنسان.
1) الكافي ج 1 ص 467 و 468 وبصائر الدرجات ص 355 وبحار الأنوار ج 46 ص 9 ونثر الدر ج 1 ص 339 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 167 وربيع الأبرار ج 1 ص 402 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 1 ص 201 و 202 عنهم وراجع: مدينة المعاجز ج 2 ص 225 و 226 ومرآة العقول ج 6 ص 3 - 7 والوافي ج 3 ص 762 وراجع الخرائج والجرائح ج 2 ص 750 و 751 ومستدرك الوسائل ج 13 ص 377 وبحار الأنوار ج 46 ص10
2 - عن المسيب بن نجبة، قال: لما ورد سبي الفرس إلى المدينة أراد عمر بن الخطاب بيع النساء، وأن يجعل الرجال عبيدا للعرب، وأن يرسم عليهم، أن يحملوا العليل، والضعيف، والشيخ الكبير في الطواف على ظهورهم حول الكعبة .
فقال أمير المؤمنين «عليه السلام»: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: أكرموا كريم كل قوم.
فقال عمر: قد سمعته يقول: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، وإن خالفكم.
فقال له أمير المؤمنين «عليه السلام» فمن أين لك أن تفعل بقوم كرماء ما ذكرت؟! إن هؤلاء قوم قد ألقوا إليكم السلم، ورغبوا في الإسلام والسلام، ولا بد من أن يكون لي منهم ذرية، وأنا أشهد الله وأشهدكم أني قد أعتقت نصيبي منهم لوجه الله.
فقال جميع بني هاشم: قد وهبنا حقنا أيضاً لك.
فقال: اللهم اشهد أني قد أعتقت جميع ما وهبونيه من نصيبهم لوجه الله.
فقال المهاجرون والأنصار: قد وهبنا حقنا لك يا أخا رسول الله.
فقال: اللهم اشهد أنهم قد وهبوا حقهم وقبلته، واشهد لي بأني قد أعتقتهم لوجهك.
فقال عمر: لم نقضت عليَّ عزمي في الأعاجم؟! وما الذي رغبك عن رأيي فيهم؟!
فأعاد عليه ما قال رسول الله «صلى الله عليه وآله» في إكرام الكرماء، وما هم عليه من الرغبة في الإسلام.
فقال عمر: قد وهبت الله ولك - يا أبا الحسن - ما يخصني وسائر ما لم يوهب لك.
فقال أمير المؤمنين «عليه السلام»: اللهم اشهد على ما قالوه، وعلى عتقي إياهم.
فرغبت جماعة من قريش في أن يستنكحوا النساء، فقال أمير المؤمنين «عليه السلام» هؤلاء لا يكرهن على ذلك، ولكن يخيرن، فما اخترنه عمل به.
فأشار جماعة الناس إلى شهربانويه بنت کسری، فخیرت، وخوطبت من وراء حجاب، والجمع حضور، فقيل لها: من تختارين من خطابك؟! وهل أنت ممن تريدين بعلاً؟!
فسكتت.
فقال أمير المؤمنين «عليه السلام»: قد أرادت، وبقي الاختيار.
فقال عمر: وما علمك بإرادتها البعل؟!
فقال أمير المؤمنين «عليه السلام»: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان إذا أتته كريمة قوم لا ولي لها، وقد خطبت، أمر أن يقال لها: أنت راضية بالبعل؟! فإن استحيت، وسكتت جعل إذنها صماتها، وأمر بتزويجها. وإن قالت: لا، لم تكره على ما لا تختاره.
وإن شهربانويه أريت الخطاب، وأومأت بيدها، وأشارت إلى
الحسين بن علي، فأعيد القول عليها في التخيير، فأشارت بيدها، وقالت بلغتها: هذا إن كنت مخيرة. وجعلت أمير المؤمنين «عليه السلام» وليها.
وتكلم حذيفة بالخطبة، فقال: أمير المؤمنين «عليه السلام»: ما اسمك؟!
قالت: شاه زنان.
قال: نه شاه زنان نیست، مگر دختر محمد «صلى الله عليه آله»، وهي سيدة نساء. أنت شهربانويه، وأختك مرواريد بنت كسرى.
قالت: آریه (1).
3 – وروي: أن شهربانويه وأختها مروارید خیرتا، فاختارت شهربانويه الحسين «عليه السلام»، ومرواريد الحسن «عليه السلام» (2).
1) دلائل الإمامة (ط النجف) ص 81 و (ط مؤسسة البعثة) ص194 وراجع: العدد القوية ص 56 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 48 وبحار الأنوار ج 46 ص 15 وج 31 ص 133 وج 97 ص 56 وج 100 ص 331 و ج 101 ص 199 و ج 45 ص 330 وإثبات الوصية ص 181 والخرائج والجرائح ج 2 ص 750 والدر النظيم ص 579 ونفس الرحمن ص570
2) دلائل الإمامة (ط النجف) ص 82 و (ط مؤسسة البعثة) ص 196 وراجع: الغارات للثقفي ج 2 ص 827
4 - عاتب هشام زيد بن علي قال: بلغني أنك تريد الخلافة، كيف تصلح لها وأنت ابن أمة؟!
فقال: كان إسماعيل ابن أمة، وإسحاق ابن حرة، فأخرج الله من صلب إسماعيل خير ولد آدم.
فقال هشام: إذا لا تراني إلا حيث تكره.
كانت أم علي بن الحسين «عليهما السلام» جیهان شاه بنت يزدجرد ، أخذها الحسين من جملة الفيء.
وقال له أمير المؤمنين: خذها، فستلد لك سيداً في العرب، سيداً في العجم، سيداً في الدنيا والآخرة (1).
5 - إن عمر أتى ببنات يزدجرد بن شهریار بن كسرى سبيات، فأراد بيعهن، فقال له علي: إن بنات الملوك لا يبعن، ولكن قوموهن.
فأعطاه أثمانهن ، فقسمهن بين الحسين بن علي، ومحمد بن أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عمر ، فولدن الثلاثة (2).
1) محاضرات الأدباء للراغب الأصبهاني (ط بيروت) ج 1 ص 247 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 12 ص 6 عنه
2) ربيع الأبرار للزمخشري ج 3 ص 18 و 19 و (ط الأعلمي سنة 1412هـ) ج3 ص8 ج 3 ص 350 و 351 والتذكرة الحمدونية ج 9 ص 191 والمستطرف للأبشيهي ج 2 ص 537 وراجع وفيات الأعيان ج 3 ص 267 وتهذيب التهذيب ج 3 ص 379 والبداية والنهاية ج 9 ص 104 وحياة الحيوان ج 1 ج9 ص4 ص 127 وراجع: الكامل للمبرد ج 2 ص 645 وعمدة الطالب ص 192 و 193 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 12 ص 5 وج 28 ص 12 و 14 عن السيرة الحلبية (ط ط القاهرة) ج 2 ص 45 وعن مشارق الأنوار (ط مصر) ص 119 وعن مفتاح النجا (مخطوط) ص 157 وعن نور الأبصار (ط العثمانية بمصر) ص 188 وعن إسعاف الراغبين (مطبوع بهامش نور الأبصار - ط العثمانية بمصر) ص 237 وعن مختصر وفيات الأعيان (نسخة مكتبة جستربيتى بإيرلندة) ص 79
6 - واختلف الناس في أمه أي الإمام زين العابدين «عليه السلام»، والذي نعتمد عليه ونقول به: إنها شاه زنان بنت کسری یزد جرد، نهبت في فتح المدائن، ونفلها عمر الحسين «عليه السلام»، وكانت ذات فضل كثير ، وكان ابنها شديد البر بها (1).
7- وأمه شهربانويه بنت يزدجرد بن شهريار الكسرى، ويسمونها أيضاً: شاه زنان، و جهان بانويه، وسلافة، وخولة.
وقالوا: شاه زنان بنت شیرویه بن كسرى ابرویز.
ويقال: هي برة بنت النوشجان، والصحيح هو الأول.
وكان أمير المؤمنين سماها مريم.
ويقال: سماها فاطمة. وكانت تدعى سيدة النساء (2).
8 - وذكروا في جملة أولاد الإمام الحسين «عليه السلام»:
زينب، ماتت صغيرة. أمها شهربانو بنت یزدجرد.
أم كلثوم، ماتت صغيرة، أمها أيضا شهربانو بنت يزدجرد (1).
9 - يحيى بن أم الطويل: أمه وشيكة ظئر على بن الحسين «عليهما السلام» كان يدعوها «أماً». وهي التي زوَّجها، فعابه عبد الملك بن مروان بأنه زوَّج أمه توهماً أنها والدته، وكانت والدته شهربانویه، قد توفيت وهو طفل (2).
الظئر: المرأة التي ترضع غير ولدها.
10 - ورد في نص آخر: أن جابراً ذكر للإمام الباقر «عليه السلام» ما يلي:
قال له جابر: نعم يا أبا جعفر، دخلت إلى مولاتي فاطمة بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله» لأهنئها بمولودها الحسين «عليه السلام»، فإذا بيدها صحيفة بيضاء من درة، فقلت: يا سيدة النساء، ما هذه الصحيفة التي أراها معك؟!
قالت: فيها أسماء الأئمة من ولدي.
قلت لها: ناوليني لأنظر فيها.
قالت: يا جابر لولا النهي لكنت أفعل، لكنه قد نهي أن يمسها إلا نبي، أو وصي نبي، أو أهل بيت نبي، ولكنه مأذون لك أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها.
قال جابر: فقرأت، فإذا: أبو القاسم محمد بن عبد الله المصطفى، أمه آمنة.
أبو الحسن علي بن أبي طالب المرتضى، أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.
أبو محمد الحسن بن علي البر.
أبو عبد الله الحسين بن علي التقي، أمهما فاطمة بنت محمد.
أبو محمد على بن الحسين العدل أمه شهربانویه بنت یزدجرد، الخ.. (1).
11 - كان أمير المؤمنين «عليه السلام» ولیَّ حریث بن جابر الحنفي جانباً من المشرق، فبعث إليه بنتي يزدجرد بن شهریار بن کسرى، فنحل ابنه الحسين «عليه السلام» شاه زنان منهما، فأولدها زين العابدين «عليه السلام».
ونحل الأخرى محمد بن أبي بكر، فولدت له القاسم بن محمد بن
1) عيون أخبار الرضا ج 1 ص 40 وراجع كمال الدين ص305 والإحتجاج ج 2 ص 297 و (ط دار النعمان) ج 2 ص 136 وبحار الأنوار ج 36 ص 193 والصراط المستقيم ج 2 ص 138
أبي بكر، فهما ابنا خالة (1).
12 - روى الصدوق «رحمه الله» بسنده عن سهل بن القاسم النوشجاني قال: قال لي الرضا «عليه السلام» بخراسان: «إن بيننا وبينكم نسبا».
قلت: وما هو أيها الأمير؟!
قال: «إن عبد الله بن عامر بن كريز لما افتتح خراسان أصاب ابنتين ليزدجرد بن شهریار ملك الأعاجم، فبعث بهما إلى عثمان بن عفان، فوهب إحداهما للحسن، والأخرى للحسين «عليهماالسلام»، فماتتا عندهما نفساوين.
وكانت صاحبة الحسين نفست بعلي بن الحسين «عليه السلام»، فكفل عليا بعض أمهات أولاد أبيه، فنشأ، وهو لا يعرف أماً غيرها .
ثم علم أنها مولاته. وكان الناس يسمونها أمه. وزعموا: أنه زوج
1) راجع المصادر التالية: الإرشاد للمفيد ج 2 ص 137 والعدد القوية ص56 وشرح الأخبار ج 3 ص 266 وإعلام الورى ج 1 ص 480 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 48 وروضة الواعظين ص 222 و (منشورات الشريف الرضي) ص 201 وكشف الغمة ج 2 ص 295 وعمدة الطالب ص192 وسر السلسلة العلوية ص 31 ولباب الأنساب ج 1 ص 348 ومجموعة نفيسة (تاج المواليد) ج 3 ص 128) و (المجموعة) ص36 وبحار الأنوار ج 46 ص 12 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 162 والدر النظيم ص 579
أمه، ومعاذ الله، إنما الأمر على ما ذكرناه (1).
ونقول:
اختلافات قد تستعصي على الحل:
إن الرواية المتقدمة تضمنت أموراً ثلاثة، قد يصعب الجمع بينها، وهي:
ألف: هل أخذ الحسين «عليه السلام» شهربانويه من حيث إنها حسبت من فيئه، كما في الرواية رقم [1]؟!
أم أن عمر نفلها للحسين «عليه السلام»، كما في الرواية رقم [6]؟!
أم أنها أعتقت، ثم تزوجها الحسين «عليه السلام» باختيار منها له؟!
أو أن علياً «عليه السلام» أعطى عمر أثمان البنات الثلاث، ثم وهب إحداهن للحسين «عليه السلام»، والأخرى لمحمد بن أبي بكر، والثالثة لعبد الله بن عمر، كما في الرواية رقم [5]؟!
أو أن أمير المؤمنين «عليه السلام» نحلها لولده الحسين «عليه السلام» حين بعث بها إليه عامله في بلاد فارس، ونحل أختها لمحمد
1) عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 2 ص 128 و (ط الأعلمي سنة 1404هـ) ج 2 ص 135 وبحار الأنوار ج 46 ص 8 وأعيان الشيعة ج 36 ص 354 وراجع الوافي ج 21 ص 94
بن أبي بكر، كما في الرواية رقم [11]؟!
أو أن عثمان هو الذي وهبها للإمام الحسين «عليه السلام»؟!
ب: فيما يرتبط بزمان وصول بنت ملك الفرس إلى الحسين «علیه السلام» نجد:
1 - إن وصول بنت الملك الفارسي إلى الإمام الحسين «عليه السلام» كان في عهد عمر، كما في الروايات التي برقم [1] و [2] و [5] و [6].
2 - إن وصولها إليه كان في عهد عثمان كما في هذه الرواية الأخيرة.
3 - إنها وصلت إليه في عهد أمير المؤمنين «عليه السلام»، كما في الرواية التي قبلها.
وبقية الروايات يمكن انطباقها على أي من هذه الثلاث المتقدمة.
وهناك اختلافات أخرى بين الروايات ولكنها كلها تشير إلى أن أم الإمام السجاد «عليه السلام» كانت بنت ملك فارس.
من المعروف: أن عمر قد اعتمد سياسة التمييز العنصري، وقدم العرب على العجم، وقد ذكرنا شطراً كبيراً من سياساته هذه في كتابنا: سلمان الفارسي في مواجهة التحدي، وتجد شطراً من ذلك أيضاً في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه
وآله» الجزء الأول، فراجع.
ورغبته في استعباد سبي الفرس هنا تظهر هذه النزعة عنده، لاسيما وأنه بالرغم من توضيحات أمير المؤمنين «عليه السلام» ما ينبغي له أن يفعل، واستدلاله بما روي عن النبي «صلى الله عليه وآله» حول إكرام الكريم من الناس، وإقرار عمر بسماعه الحديث المشابه من رسول الله «صلى الله عليه وآله».
وبالرغم أيضاً من إرشاده إلى ظهور رغبة الأسرى في الإسلام.
وبالرغم أيضاً من عتقه «عليه السلام» نصيبه، ونصيب بني هاشم ،والمهاجرين والأنصار من السبي، فإن ذلك كله لم يقنع عمر، وأصر على موقفه، وكأنه لم يكن قادراً على فهم دقائق استدلالات تصرفات علي «عليه السلام».
1 - وقد أخبر أمير المؤمنين «عليه السلام» عن أمر غيبي وهو: أن هذه الفتاة سوف تلد للحسين «عليه السلام» خير أهل الأرض، فولدت له الإمام السجاد «عليه السلام».
2 - ظهر مما تقدم: أنه «عليه السلام» كان عالماً باللغات، ومنها الفارسية، ويتكلم بها.. وظهر أيضاً: أن عمر بن الخطاب لم يكن يعرف اللغات، ولا يستطيع الإخبار بالمغيبات.. مع أنه يدعي لنفسه مقام الإمامة للأمة.
3 – وظهر: أن عمر يهم بالبطش بتلك الأسيرة لمجرد أنه توهم
أنها تتناوله في كلامها، مع أن عمر لم يفهم ما قالت، فقال له أمير المؤمنين «عليه السلام»، كما في رواية جابر عن أبي جعفر: «ليس لك إنكار ما لا تعلمه»، لأنها إنما تظهر التضجر، وتقول: إن يوم جدها (المسمى بهرمز) قد اسودَّ، وأساء الدهر إليه. فهي تندب حظها، ولم تذكر عمر في كلامها، ولا غيره.
1 - وقد دلت النصوص المتقدمة على أن المطلوب هو حفظ كرامات الناس، حتى الأعداء، لأن عداوة العدو إنما تبيح للمؤمنين صده، ودفع غائلته، وما عدا ذلك، فيبقى على ما له من حرمة.
وقد استدل «عليه السلام» على ذلك - كما في رواية المسيب بن نجبة - بقول النبي «صلى الله عليه وآله»: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. فأي تصرف آخر ليس فيه عنوان الكرامة يحتاج جوازه إلى إثبات..
وحتى لو تمادى اللجاج بالعدو إلى القتل، فإنه لا يجوز التعدي عن ذلك إلى التمثيل به، فقد قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «..إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور» (1).
1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 78 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 29 ص 128 و (الإسلامية) ج 19 ص 96 ومستدرك الوسائل ج 18 ص 256 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 4 ص 168 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 328 ونهج السعادة ج 7 ص 117 ومجمع الزوائد ج 6 ج6 ص 249 وج 9 ص 142 والمعجم الكبير ج 1 ص 100 وشرح نهج البلاغة 1 للمعتزلي ج 17 ص 6 ونصب الراية ج 3 ص 224 والكامل في التاريخ ج3 ص 391 وتنزيه الأنبياء للمرتضى ص 218 والمناقب للخوارزمي ص 386 وكشف الغمة ج 2 ص 60 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 623 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 103 وينابيع المودة ج 2 ص 30 و ج 3 ص 445 وروضة الواعظين ص 137 والإختصاص للمفيد ص 150 وذخائر العقبى ص 116 وبحار الأنوار ج 40 ص 105 وج42 ص 246 و 256 و 288 والغدير ج 11 ص 61
2 - إن حفظ الكرامات - إذا جاء من موقع الاقتدار - يزيد من رغبة المخالف لك في أن يجد قواسم مشتركة معك، ويذكي لديه الحرص على القرب منك، ونيل رضاك.
فكيف إذا انضم إلى ذلك ظهور رغبة هؤلاء في الإسلام، فإن المطلوب هو اغتنام فرصة ذلك منهم..
وقد استدل أمير المؤمنين «عليه السلام» على عمر بهذا الأمر، مرتين، في نفس هذه المناسبة:
إحداهما: حين أراد أن يبيع النساء، وأن يجعل الرجال عبيداً للعرب، ويرسم عليهم حمل العليل والضعيف، والشيخ الكبير في الطواف على ظهورهم حول الكعبة.
والثانية: حين طالبه إلى التصريح عما دعاه إلى تضييع الفرصة عليه في تنفيذ ما عزم عليه فيهم.
وهذا خلاف الإكرام للكرام، وليس لدى عمر أي دليل يسوَّغ له أن يذل هؤلاء الناس بهذا الشكل المريع والشنيع، ولذا قال «عليه السلام»: فمن أين لك أن تفعل بقوم كرماء ما ذكرت؟! إن هؤلاء قوم قد ألقوا إليكم السلم، ورغبوا في الإسلام و والسلام...
3 - ثم إن عتقه «عليه السلام» لنصيبه ونصيب غيره منهم يكفي لإسقاط ما عزم عليه ،عمر ، لدلالته على أنه «عليه السلام» له نصيب من هؤلاء، ولسائر المسلمين نصيب منهم، ولا يحق لعمر أن يتصرف بأموال الناس بدون رضا منهم.. وهم لم يتنازلوا عن نصيبهم لعمر لكي يكون هو الذي يتخذ قراره فيه بل صرح علي «عليه السلام» بأنه يريد أن يحتفظ بنصيبه، فهو يتوقع، بل يعلم علم اليقين أن له ذرية منهم. قال «عليه السلام»: «ولا بد من أن يكون لي منهم ذرية».
4 - إن عمر كان يريد أن يتصرف بأموال المسلمين من غير حق، ولم يظهر له أنهم قد رضوا جميعاً بفعله وتصرفه. فكان لا بد له من منعه من ذلك، حين بادر إلى فعل يصرف به مسار الأمور بالاتجاه الصحيح. فاتخذ «عليه السلام» قراراً: بأنه لا يريد تمكين عمر من نصيبه، كما أنه لا يريد أن يستلم هو هذا النصيب، فأعلن أنه قد أعتق نصيبه منهم لوجه الله تعالى.
وقد كان هذا القرار وحده كافياً لتعجيز عمر عن إنفاذ ما عزم عليه، فقد أصبح في جميع ذلك السبي حصة شائعة، وغير محددة،
متصفة بالحرية، فما بالك إذا اتسعت هذه الحصة وكبرت، حين وهب بنو هاشم نصيبهم من ذلك السبي إلى سيدهم علي «عليه السلام»، فأعتق أيضاً نصيبهم.
ثم وهب المهاجرون والأنصار نصيبهم إليه، فأعتقه أيضاً.. وبذلك يكون قد أخرج جميع السبي من دائرة القرار الذي كان عمر قد عقد العزم عليه.
5 - وبعد عتاب عمر له، وجوابه المستند إلى قول الرسول «عليه السلام» حول إكرام الكريم، وإلى ما هم عليه من الرغبة في الإسلام.. اضطر عمر أن يهب ما يرى أنه يخصه، وسائر ما لم يوهب لعلي «عليه السلام».. وكأنه أراد أن يجاري أمير المؤمنين «عليه السلام»، ويزيل عن نفسه ما لحقها من ،وهن وما ظهر من ضعف رأيه، ودل على عدم مراعاته، أو عدم التفاته واهتمامه بقول الرسول «صلى الله عليه وآله»، وعدم مبالاته برغبتهم في الإسلام.
6- ولكنه لم يكن موفقاً حتى في هذا الأمر أيضا، فإن ما لم يوهب لعلي «عليه السلام»، لا يحق للخليفة أن يتصرف فيه، لا بالهبة، ولا بغيرها. بل عليه أن يكل أمر التصرف به إلى من يملكه، إلا إذا كان يرى نفسه أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم..
ولكن هذا أيضاً لا يمكن أن يدَّعيه لنفسه، فإنه إنما أخذ السلطة من أهلها الشرعيين بالقوة والقهر، وما بني على باطل فهو باطل.
مع أن النبي «صلى الله عليه وآله» الذي جعله الله تعالى أولى
بالمؤمنين من أنفسهم، هو الولي الحقيقي، وليس مدَّعياً لهذا الأمر، ولا غاصباً له.. لم يفعل ذلك في غنائم حنين، مع أن تلك الغنائم إنما أخذت بسيف علي «عليه السلام»، بعد هرب جميع من كان مع الرسول «صلى الله عليه وآله»، باستثناء بضعة أشخاص احتموا بالرسول «صلى الله عليه وآله»، أو حاولوا الذب عنه كما يقال. ولكنه حين أراد أن يوزع الغنائم التي استولى عليها بسيف علي فقط، أو معه بضعة أشخاص من بني هاشم - أراد أن يوزعها - على المؤلفة قلوبهم لم يفعل ذلك حتى تيقن من رضى جميع من حضر في بداية تلك الحرب.
7 - ولعله لأجل ما ذكرناه، ولكي لا يظن أحد أن في عتق أسرى الأعاجم أية شائبة جاء التعقيب من علي «عليه السلام» على هبة عمر لنصيبه، ولما لم يوهب لعلي «عليه السلام» ليقول: «اللهم اشهد على ما قالوه، وعلى عتقي إياهم».
8 - ويلاحظ أنه «عليه السلام» قد استعمل في هذا الموقف أنواعاً من العبارات:
ألف : قال «عليه السلام» حين أعتق نصيبه: «وأنا أشهد الله، وأشهدكم أني قد أعتقت نصيبي منهم لوجه الله الخ..».
فأضاف إلى شهادة الله شهادة الناس، ربما ليدل على أنه سوف يحتاج إلى شهادتهم إن أراد أحد أن ينكر هذا الأمر، فعلى أهل الأهواء أن لا يسلكوا طريق العبث والمناورة بالأباطيل والأضاليل،
وإثارة الشبهات والتشكيكات.
ب: قال عن هبة بني هاشم نصيبهم: «اللهم اشهد أني قد أعتقت جميع ما وهبونيه».
ج: بالنسبة لهبة المهاجرين نصيبهم: أشهد الله على هبتهم حقهم أولاً، ثم صرح بأنه قد قبل الهبة، ثم تصرف بالموهوبين بالعتق.
د: وحين وصل الأمر إلى عمر، الذي وهب الله ولعلي ما يخصه، وسائر ما لم يوهب له، أشهد «عليه السلام» الله على ما قاله عمر، وعلى عتق علي إياهم.
ولعل السبب في اختيار هذه الصيغة هو ما أشرنا إليه، من أن المقام المغصوب، لا يعطي شرعية للتصرفات التي يدعيها الغاصب لنفسه، ولا يجعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وقد رأينا أن علياً «عليه السلام» بالرغم من أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، لأنه نفس رسول الله «صلى الله عليه وآله» بنص آية المباهلة، وقد نص الله تعالى على ولايته للمؤمنين في آية التصدق بالخاتم أنه «عليه السلام» بالرغم من ذلك لم يتصرف بنصيب المهاجرين والأنصار، إلا بعد هبتهم نصيبهم له، وقبوله للهبة.
ولأجل ذلك نراه هنا لم يصرح بالإشهاد على إنشاء العتق، لأنه لا يرى لعمر حقاً لكي يحتاج إلى الإشهاد على التصرف فيه. كما أنه لا يرى أن له الحق في أن يهب لعلي «عليه السلام» سائر ما لم يوهب.. لأن موقعه مغصوب، ولا يصح البناء عليه في شيء، وعلى
ما قاله عمر.
تقدم: أنه بعد أن تم العتق، ظهرت لدى جماعة من قريش الرغبة في الزواج من النسوة اللواتي أصبحن مالكات لأمرهن، ويبدو: أنهم تعاملوا معهم من موقع السيد المالك، وصاروا يخاطبونهم من موقع الأمر الذي يجب أن يطاع.
فأرشدهم أمير المؤمنين «عليه السلام»: إلى أنه لا يحق لهم ذلك، فقد صارت النساء حرائر كما هم أحرار، فلا آمر ولا مأمور بعد الآن، بل لا بد من الرضا والقبول ممن أسلم منهم، ومن لم يسلم، فلا جبر أحد أحد منهم على الإسلام، ولا على الزواج.
وإذا كان سبي الفرس هؤلاء من المجوس، فإنهم وإن أظهروا ميلاً للإسلام، ولكنهم لم يسلموا بعد.
وقد أجاز علي «عليه السلام» الزواج منهم قبل أن يسلموا، فهذه الرواية تكون من أدلة جواز التزوج بالمجوس، باعتبارهم أهل كتاب.
والظاهر: أن الكلام إنما هو عن الزواج الدائم، أو ما هو أعم منه ومن المنقطع.
ومهما يكن من أمر، فقد ذكرت الروايات أنه كان للمجوس نبي، قتلوه، أو أن كتابهم قد رفع عنهم. أو نحو ذلك.
وقد أظهرت الروايات المتقدمة: أن عمر بن الخطاب - الممسك بزمام السلطة - لم يكن يعرف أن المرأة إذا سكتت استحياء يكون إذنها صماتها. وإن قالت : لا، لم تكره على ما لا تختاره.
مع أن هذا الحكم من البديهيات، فهل يصح أن يغيب عن ذهن من يجعل نفسه في موقع رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويدعي لنفسه ما كان لرسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!
ويلاحظ هنا أيضاً: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» لم يرض بأن يناديها باسمها الفارسي «شاه زنان»، لأن معناه بالعربية «سيدة النساء»، وخاطبها بالفارسية قائلاً: «نه، شاه زنان نیست، مگر دختر محمد الخ..».
ومعناه بالعربية: «لا، أنت لست كذلك، إذ لا سيدة للنساء إلا بنت محمد «صلى الله عليه وآله»..»، أعني الزهراء «عليها السلام».
جاء في الرواية المتقدمة برقم [5]: أن علياً «عليه السلام» قال لعمر: إن بنات الملوك لا يبعن.
وهذا لا يعني أن ثمة فرقاً بين الملوك وغيرهم، بنظر الشرع، لمجرد كون هذا ابن ملك، وذاك ليس كذلك، بل لأن كبار القوم
وأعيانهم يكونون غالباً أهل إباء وكرامة، فيكونون أقرب إلى إدراك المعاني الجميلة والنبيلة، ويتأثرون بها بصورة أقوى وأعمق، فلماذا لا يعطى أبناء الملوك - بناء على هذا - فرصة للتعبير عن مزاياهم الإنسانية، فإن ذلك سوف يعينهم على قبول الحق.
بخلاف من كان من السفلة، الذين لا يشعرون - غالباً - بالكرامة والقيمة، ولا ينقادون إلا للعصا، ولا يهتمون إلا لشهواتهم وغرائزهم.
ورد في موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» كلام حول الاختلاف في اسم هذه المرأة التي تزوجها الإمام الحسين «عليه السلام»، أحببت أن أورده هنا، مكتفياً به، وبهوامشه، وهو النص التالي:
«المشهور: أنّ شهربانو (1)ابنة يزدجرد، آخر الملوك الإيرانيين (2)هي زوجة الإمام الحسين «عليه السلام»، وأمّ الإمام
1) عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 1 ص 41 الرقم 1، مجموعة نفيسة ص 112 (تاج المواليد) وص 179 (تاريخ مواليد الأئمة ووفياتهم) وفيهما: «ويقال»، عمدة الطالب ص 192 وفيه: «وقيل...»
2) الكافي ج 1 ص 446، الإرشاد ج 2 ص 137، إثبات الوصية ص181؛ الكامل للمبّرد ج 2 ص 645، ربيع الأبرار ج 1 ص 402، سير أعلام النبلاء ج 4 ص 386
السجّاد «عليه السلام» (1)
وأشارت بعض النقول إلى آبائها وأجدادها (راجع: التذكرة في الأنساب المطهرة ص 266، الأصيليّ ص 143؛ سير أعلام النبلاء ج 4 ص 386). واكتفت نقول أخرى بالقول: إنّها أمّ ولد، دون إشارة إلى اسمها ولا إلى أسماء آبائها وأجدادها (راجع: نسب قريش ص 58 ، الثقات لابن حبّان ج5 ص 160، كتاب المعقبين ص 79، تاریخ دمشق ج 41 ص 362 عن الزبير)
. وذكر ابن شهر آشوب أنّها أمّ علي الأصغر أيضا (2). وقيل أيضاً: إنّها أُمُّ لزينب، وأمّ كلثوم اللتين ماتنا صغيرتين (3).وقد أدرجت في المصادر أسماء أخرى غير شهربانو، من قبيل: «شهربانوا (4)، شهربان (5)، شهربانویه (6)، شاه زنان (7)، شه
1) اعتبرت أمّ الإمام السجّاد «عليه السلام» في بعض النقول أمّ ولد، دون أن يشار إلى آبائها وأجدادها، بل اكتفي بالإشارة إلى اسمها (راجع تاريخ الأمم والملوك ج 11 (المنتخب من ذيل المذيل) ص520 ، الطبقات الكبرى جه ص 211 ، صفة الصفوة ج 2 ص 54 ، تذكرة الخواص ص324، نسب قريش ص58).
2) راجع: ص 225 ح18
3) راجع: ص 206 ح16
4) الإرشاد ج 2 ص 137 وفيه «يقال»
5) مجموعة نفيسة ص 112 (تاج المواليد)
6) كمال الدين ص 307 ، الاحتجاج ج 2 ص 297 ، دلائل الإمامة ص 195، رجال ابن داوود ص 202، مجموعة نفيسة ص 24 (تاريخ الأئمة)، إعلام ص24 الورى ج 1 ص 480، تاریخ قم ص 496، الشجرة المباركة ص73 الفخريّ ص 232، لباب الأنساب ج 1 ص 347 وفي الثلاثة الأخيرة «قيل». وراجع: هذه الموسوعة ج 1 ص 201 ح 157 وص 206 ح 165
7) تهذيب الأحكام ج 6 ص 77 ، الإرشاد ج 2 ص 137، إعلام الورى ج 1 ص 480، عمدة الطالب ص 192 وفيه: «فالمشهور»، كشف الغمة ج 2 ص 286؛ تذكرة الخواصّ ص 324 وفيهما: «قيل»، وراجع: هذه الموسوعة ج 1 ص 202 ح 158 وص 206 ح 164
1) مجموعة نفيسة ص 24 (تاريخ الأئمّة) عن الفريابي، وص179 (تاريخ مواليد الأئمة ووفياتهم) وفيه: وسمّاها عليّ «عليه السلام» شه «زنان»؛ مطالب السؤول ص 77 وفيه: «قيل»
2) الطبقات الكبرى ج 5 ص 211، صفة الصفوة ج 2 ص 54، تذكرة الخواصّ ص 324، مطالب السؤول ص 77 وفيها: «أمّ ولد، واسمها غزالة»، المعارف لابن قتيبة ص 214، سير أعلام النبلاء ج 6 ص 386 وفيهما: «قيل»، سرّ السلسلة العلويّة ص 31؛ لباب الأنساب ج 1 ص 347، تاریخ اليعقوبي ج 2 ص 247 وص 303 وفيهما وكان الحسين سمّاها غزالة»، كشف الغمّة ج 2 ص 286 وفيه: «أمّ ولد واسمها غزالة»
3) الكافي ج 1 ص 466 ، لباب الأنساب ج 1 ص 348 عن إبراهيم الجندي، شرح الأخبار ج 3 ص 266؛ سير أعلام النبلاء ج 4 ص 386 وفيه: «أمّ ولد، اسمها سلامة، بنت ملك الفرس يزدجرد»، حياة الحيوان ج1 ص 127 نقلاً عن ابن خلكان، الطبقات لخليفة بن خياط ص 417 وفيه: «فتاة يقال لها سلامة»، الأئمّة الاثنا عشر لابن طولون ص 75 وفيه: «سلمة» ويحتمل إنّها نفس سلامة، وكذلك في البداية والنهاية ج 9 ص104 نقلاً عن ابن خلكان، وتذكرة الخواص ص324 وقيل: «أمّ سلمة»
4) تاريخ الأمم والملوك ج 11 (المنتخب من ذيل المذيّل) ص520 وفيه: «أمّ ولد، قال عليّ بن محمّد: كانت تُدعى سلافة»، وفيات الأعيان ج3 ص 267، ربيع الأبرار ج 1 ص 402 ، الكامل للمبرد ج 2 ص 645 وفيهما: »من ولد يزدجرد»، المعارف لابن قتيبة ص214، تذكرة الخواص ص 324 وفيه: «قيل» ؛ لباب الأنساب ج 1 ص 347 عن العيني، وص 348 عن أبي عبيد
5) راجع: ص 206 ح165
شاه (1)، جيهان شاه (2)، حلوة (3)، خولة (4)، برة (5)، حرار (6)، سندية (7)، جيدة (8)، جيداء (9)، سارة (10)، فاطمة (11)، مريم (12)، سيّدة
1) الكافي ج 1 ص 267، إثبات الوصية ص181 ، بصائر الدرجات ص335
2) راجع: ص205 ح163
3) لباب الأنساب ج 1 ص 348 عن عبد الل بن مصعب بن الزبير، مجمو نفيسة ص 24 (تاريخ الأئمّة) وفيه: «خلوة ، وكان يقال... ابنة النوشجان»
4) مجموعة نفيسة ص 179 (تاريخ مواليد الأئمة ووفياتهم) وراجع: هذه الموسوعة ج 1 ص 206 ح 165
5) نفس المصدر
6) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 247 وص 303
7) المعارف لابن قتيبة ص 214؛ شرح الأخبار ج3 ص266
8) شرح الأخبار ج 3 ص 266
9) تاريخ الأمم والملوك ج 11 (المنتخب من ذيل المذيل) وفيه «يقال» ص 520
10) الإتحاف بحبّ الأشراف ص 135
11) راجع: ص 206 ح 165
12) وهناك أسماء أخرى ذكرتها بعض المصادر، مثل: شاه آفرید، کیهان بانویه (راجع: لباب الأنساب ج 1 ص 347)
ويمكن ذكر عدّة وجوه في تبرير كثرة هذه الأسماء وتبيينها، وإليك بعضها:
1 - إنّ بعض هذه الأسماء يرجع إلى اسم واحد، لكنّه يُلفظ بلهجات مختلفة.
2 - إنّ بعضها قد جرى عليه التصحيف أو التخفيف، مثل: شاه زنان وشه زنان، و مثل: جهان شاه و جیهان شاه، ومثل شهربان وشهربانو، و شهربانوا و شهربانويه، ومثل: سلافة وسلامة، وكخلوة وخولة وحلوة.
3 - إنّ بعض هذه الأسماء سمّاها بها الإمام عليّ «عليه السلام»،
أو الإمام الحسين «عليه السلام» بعد أسرها، وهو ما أشارت إليه بعض المصادر (1)، ويمكن أيضاً أن يكون بعضها ألقاباً .
أمّا فيما يتعلق بكيفيّة زواجها من الإمام الحسين «عليه السلام»، فقد تحدّثوا عن أسرها بيد المسلمين بعد هزيمة الجيوش الإيرانيّة، وأنّ الحسين «عليه السلام» قد تزوّجها بعد ذلك.
وتضيف بعض المصادر - كما سيأتي -: أنّ تاريخ أسرها وزواج الإمام الحسين «عليه السلام» بها كانا في خلافة عمر، فيما تذكر مصادر أخرى: أنّهما حدثا في عهد عثمان، وتعتبر طائفة ثالثة من المصادر أنّهما كانا في عهد ولاية الإمام عليّ «عليه السلام».
ولا تتوفر لدينا معطيات عن تاريخ ولادتها، لكنّ بعض النقول تفيد أنّ وفاتها كانت في زمان ولادة الإمام السجاد «عليه السلام» (2).
وفي بعض النقول: خلف عليها بعد الحسين «عليه السلام» زبيد مولى الحسين «عليه السلام»، فولدت له عبد الله بن زبيد (3).
1) الطبقات الكبرى ج 5 ص 211 والمعارف لابن قتيبة ص 214 وتاريخ الأمم والملوك ج 11 (المنتخب من ذيل المذيّل) ص629، تذکرة الخواص ص 324 الجوهرة ص 50 البداية والنهاية ج 9 ص 104
2) تهذيب الأحكام ج 6 ص 77 ومناقب آل أبي طالب ج 6 ص 176
3) مجموعة نفيسة ص 179 (تاريخ مواليد الأئمّة ووفياتهم) ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 167 وفيهما «ويقال: كان اسمها برّة بنت النوشجان»، مجموعة نفيسة ص 24 (تاريخ الأئمّة) وفيه: «خلوة... يقال ابنة النوشحان»
وبناءً على ما ذكرنا؛ فلا تتوقر لدينا أي معلومات عن مقدار عمرها.
وفي مقابل الرأي المشهور، تذهب بعض المصادر إلى أنّ أمّ الإمام السجّاد هي: شاه زنان بنت شیرویه بن كسرى أبرويز (1)، وبعضها اعتبر أنّها برّة بنت النوشجان (2)
1 - وجود اختلاف كبير في اسم شهربانو؛
2 - وقوع الاختلاف في اسم والدها
3 - الاختلاف في زمان أسرها.
4 - إنّ يزدجرد أبعد عائلته عن ساحة الحرب ليجعلها في مأمن، وهذا ما ينفي احتمال وقوع أسرته في الأسر.
5 - إنّ اسم شهربانو إنّما طرح أواخر القرن الثالث الهجري.
6 - إنّ يزدجرد قتل عام 30 للهجرة في عهد عثمان، ممّا يضاعف من استبعاد وقوع بناته في الأسر زمن عمر بن الخطاب و..
ورغم أنّ مجموع استدلالاته جدير بالتأمل والملاحظة، إلا أنّه لا يرقى إلى مستوى ردّ هذه الحادثة المشهورة والقول ببطلانها؛ وذلك:
أوّلاً : إنّ وقوع الاختلاف في الاسم واسم الأب وتاريخ الأسر، لا يبطل أصل الحادثة. فالمصادر كاقة تكاد تجمع - على أيّ حال - على أنّ امرأة من الأُسرة المالكة في إيران قد وقعت قيد أسر المسلمين، وأنّه قد حصل زواج بينها وبين الإمام الحسين «عليه السلام».
ثانياً: إنّ القرائن التي يأتي بها الشهيدي تستند - نوعا ما - إلى الكتب التاريخيّة، ممّا لا تعدّ من المسلّمات، وليست بأقوى من النقول الدالة على وقوع ابنة الملك الإيراني في الأسر. جدير بالذكر أنّ إشكالات المرحوم السيّد جعفر الشهيدي قد أجاب عنها أحمد المهدوي الدامغاني في كتابه «شاهدخت والا گهر شهربانو» (بالفارسية) بشكل علمي ومنهجي
، فيما ذكر فريق آخر أنّهاابنة سبحان، أو صنجان ابن أخ ماهویه، مرزبان مرو (1).
انتهى ما أردنا نقله من موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام».
المجوس في مسجد الرسول:
وقد صرحت الرواية المتقدمة برقم [1] عن الإمام الباقر «عليه السلام»: بأن المسجد أشرق بضوء بنت یزدجرد.
فقد صرحت هذه الكلمة: أنها دخلت المسجد، والمقصود مسجد رسول الله «صلى الله عليه وآله» في المدينة، ولذلك نقول: إن كانت بنت كسرى لا تزال على دينها هي وأختها، وكذلك سائر من قدم معها من النساء والرجال.. وكان دينهم هو المجوسية، فذلك يعني دخول المجوس للمسجد، من دون أن يعترض أحد من الصحابة، حتى علي وأهل البيت عليهم السلام»، فلو لم يكن دخولهم جائزا ومقبولاً
1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 1 ص 197 - 200
لسمعنا أدنى اعتراض منهم.
إلا أن يجاب:
أولاً: لعل المقصود: أنهم دخلوا إلى الأقسام المتصلة بالمسجد، ولم تكن منه، كدار المسجد، أو موضع الصفة، أو ما إلى ذلك.
لكن هذا الاحتمال يحتاج إلى شاهد ودليل. وليس هذا بين أيدينا.
ثانياً: فيما يرتبط بخصوص شهربانو نجد: أن هناك ما دل على أن شهربانو قد رأت أن النبي دخل دارهم وقعد مع الحسين «عليه السلام»، وخطبها له وزوجها منه. وفي الليلة الثانية رأت السيدة الزهراء «عليهاالسلام»، فأسلمت، ثم قالت لها: إن الغلبة ستكون للمسلمين، وإنك تصلين عن قريب إلى ابني الحسين سالمة، لا يصيبك بسوء أحد.
قالت: وكان من الحال أني خرجت إلى المدينة ما مس يدي إنسان (1).
ونكتفي بهذا القدر من الكلام حول هذا الموضوع، فهناك أمور كثيرة يمكن الوقوف عندها للتوضيح والتصحيح.. لو أردنا الدخول في معالجات لها لاحتجنا إلى صفحات كثيرة.
1) الخرائج والجرائح ج 2 ص 751 وبحار الأنوار ج 46 ص10 و 11 ومرآة العقول ج6 ص5 و 6
عرفنا أن أم السجاد «عليه السلام» هي بنت كسرى يزدجرد، ولكن السؤال هو:
هل أخذها الحسين «عليه السلام» من سبي المدائن في عهد عمر بن الخطاب، كما رواه في الكافي وغيره، عن أبي جعفر «عليه السلام». وتؤيده نصوص تاريخية (1).
أو أخذها في أيام عثمان، حين أرسلها عبد الله بن عامر إلى عثمان، حين افتتح خراسان، كما روي عن الإمام الرضا «عليه السلام» (2).
1) راجع: الكافي ج 1 ص 467 وبصائر الدرجات ص 335 وبحار الأنوار ج 46 ص 9 وراجع نثر الدر ج 1 ص 339 ومناقب آل أبي طالب ج4 ص 167 وربيع الأبرار ج 1 ص 402 و (ط أخرى) ربيع الأبرار ج3 ص 19 والبداية والنهاية ج 9 ص 104 وحياة الحيوان ج 1 ص 127 والكامل للمبرد ج 2 ص 645 ودلائل الإمامة ص 194 والعدد القوية ص 56 وبحار الأنوار ج 46 ص 15 وإثبات الوصية ص 181 والخرائج والجرايح ج 2 ص 750 والمجدي في أنساب الطالبيين ص93 وعمدة الطالب ص 192
2) عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 2 ص 128 و (ط الأعلمي سنة 1404هـ) ج 2 ص 135 وبحار الأنوار ج 46 ص 8 وأعيان الشيعة ج 36 ص 354 وراجع الوافي ج 21 ص 94
أو في عهد أمير المؤمنين «عليه السلام»، حين أرسلها إليه حريث بن جابر (1).
ويمكن أن يجاب:
أولاً: إن هذا الاختلاف لا يضر في أصل الموضوع.
ثانياً: يمكن حل هذا الاختلاف في تحديد زمان مجيء بنت الملك الفارسي إلى بلاد الإسلام، ووصولها إلى الحسين بن على «عليه السلام»، بأن يقال:
تقدم: أن ثمة اختلافاً في أن أم السجاد..
هل هي بنت شيرويه بن كسرى أبرويز (2).
أو هي برَّة بنت النوشجان (3).
1) راجع: الإرشاد للمفيد ج 2 ص 137 والعدد القوية ص 56 وشرح الأخبار ج 3 ص 266 وإعلام الورى ج 1 ص 480 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 48 وروضة الواعظين ص 222 و (منشورات الشريف الرضي) ص 201 وكشف الغمة ج 2 ص 295 وعمدة الطالب ص192 وسر السلسلة العلوية ص 31 ولباب الأنساب ج 1 ص 348 ومجموعة نفيسة (تاج المواليد) ج 3 ص 128 و (المجموعة) ص 36 وبحار الأنوار ج 46 ص 12 و ج 45 ص 330 والصراط المستقيم للبياضي ج 3 ص128 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 162 والدر النظيم ص 579
2) راجع: تهذيب الأحكام ج 6 ص 77 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 176
3) راجع: مجموعة نفيسة (تاريخ مواليد الأئمة ووفياتهم) ص179 و مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 176 ومجموعة نفيسة (تاريخ الأئمة) ص 24
وفي نص آخر: أمه شاه زنان بنت ملك قاشان (1).
أو هي بنت سبحان، أو صنجان ابن أخ ماهویه مرزبان مرو (2).
فلعل منشأ الاختلاف هو : أن الرواة للحادثة بالمعنى، قد خلطوا في تعابير هم بين الموارد.
فكان يقال مثلاً: وصلت اليوم بنات ملك الفرس من المدائن، وصارت من نصيب الحسين «عليه السلام».
ويكون المقصود هو: أن بنات يزدجرد قد وصلن إلى عمر، وكانتا اثنتين.
وفي عهد عثمان، حين يقال مثلاً: وصلت بنات ملك الفرس إلى عثمان، أرسلهن إليه عبد الله بن عامر، وصارت إحداهن إلى الحسين بن علي «عليهماالسلام» يكون المقصود بنات ملك آخر من ملوك الفرس.
وفي عهد علي «عليه السلام»، حين يقال أيضاً: إن حريث بن جابر أرسل ابنتي ملك الفرس إلى علي «عليه السلام»، وصارت إحداهن من نصيب الحسين «عليه السلام» يكون المقصود أيضاً بنت ملك ثالث من ملوك الفرس.
وتكون البنت التي أرسلت وأعطيت إلى الإمام الحسين «عليه السلام» هي بنت شيرويه بن كسرى تارة وبنت النوشجان أخرى، وبنت سنجان، أو صنجان ابن أخ ماهويه مرزبان مرو ثالثة.
وذلك لأن ملوك بلاد فارس كانوا كثيرين، بحسب المناطق والبلاد، وإن كان يزدجرد هو ملك الملوك بالنسبة إليهم..
وقد يشهد لما نقول: أن رواية بنات يزدجرد في زمن عمر تقول:
إن شهربانويه وأختها قد خيرتا، فاختارت شهربانويه الحسين «عليه السلام»، ومرواريد الحسن «صلى الله عليه وآله».. كما في رواية المسيب بن نجبة.
والرواية التي ذكرت إرسالهن إلى عثمان تقول: بأن عثمان وهب إحدى البنتين للحسن «عليه السلام»، والأخرى للحسين «عليه السلام».
أما رواية حريث بن جابر، فذكرت أن علياً «عليه السلام» نحل ابنه الحسين «عليه السلام» شاه زنان منهما، فأولدها زين العابدين «عليه السلام».
ونحل الأخرى محمد بن أبي بكر، فولدت له القاسم بن محمد، فهما ابنا خالة.
لكن رواية ربيع الأبرار التي تحدثت عما جرى في زمن عمر تقول: إنه قسمهن بين الحسين «عليه السلام»، ومحمد بن أبي بكر،
وعبد الله بن عمر، فولدن الثلاثة - يعني علي بن الحسين «عليه السلام»، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله.
فهذا الاختلاف في البنات، ومن ولد له منهن، والاختلاف في عددهن بين بنت واحدة أو اثنتين، أو ثلاث بنات. والاختلاف فى أسماء آبائهن، كل ذلك يشير إلى تكرار الواقعة، لأناس قد اختلفوا فيما بينهم أيضاً.
ونقول أخيراً:
ذكر بعضهم: أن من الجائز أن يكون عثمان قد صحف فصار عمر، أو العكس، فينحل الإشكال جزئياً.
عن زرارة، عن أحدهما «عليهما السلام» قال:
إن علي بن الحسين «عليه السلام» تزوج أم ولد عمه الحسن «عليه السلام» وزوج أمه مولاه.
فلما بلغ ذلك عبد الملك بن مروان كتب إليه: يا علي بن الحسين، كأنك لا تعرف موضعك من قومك، وقدرك عند الناس. تزوجت مولاةً، وزوجت مولاك بأمك؟!
فكتب إليه علي بن الحسين «عليهما السلام»: فهمت كتابك. ولنا أسوة برسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقد زوج زينب بنت عمته زيداً مولاه، وتزوج «صلى الله عليه وآله» مولاته صفية بنت حيي بن
أخطب (1).
ونقول:
لا ريب في أن المراد بأمه التي زوجها هي المرأة التي كانت ترعاه بعد وفاة أمه الحقيقية، ويدل على ذلك:
أولاً: جاء في الرواية عن الإمام الرضا «عليه السلام» قوله: «فبعث بهما إلى عثمان بن عفان، فوهب إحداهما للحسن، والأخرى للحسين «عليهما السلام»، فماتنا عندهما نفساوين.
وكانت صاحبة الحسين نفست بعلي بن الحسين «عليه السلام»، فكفل عليا بعض أمهات أولاد أبيه، فنشأ، وهو لا يعرف أماً غيرها.
ثم علم أنها مولاته. وكان الناس يسمونها أمه. وزعموا: أنه زوج أمه، ومعاذ الله، إنما الأمر على ما ذكرناه» (2).
1) راجع: الزهد للحسين بن سعيد الكوفي (ط العلمية - قم سنة 1399هـ) ص 60 وبحار الأنوار ج 22 ص 214 وج 46 ص 139 و 140 وج 100 ص 374 وراجع وسائل الشيعة (آل البيت) ج 20 ص 75 و (الإسلامية) ج 14 ص 50
2) عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 2 ص 128 و (ط الأعلمي سنة 1404هـ) ج 2 ص 135 و 136 وبحار الأنوار ج 46 ص 8 وأعيان الشيعة ج 36 ص 354 وراجع الوافي ج 21 ص 94 والوافي ج 21 ص 94 و 95 ومرآة العقول ج 3 شرح ص 163 وج 6 شرح ص 6
وقالوا أيضاً: ويروى أنها ماتت في نفاسها به (1).
ثانياً: قال ابن داود: «يحيى بن أم الطويل.. أمه وشيكة، ظئر على بن الحسين «عليهماالسلام» كان يدعوها أماً! وهي التي زوَّجها، فعابه عبد الملك بن مروان بأنه زوج أمه. توهما أنها والدته.
وكانت والدته شهربانويه قد توفيت، وهو طفل» (2).
ذكر ابن حجر الهيتمي في الصواعق عن تاريخ دمشق: أن الناس كرروا الاستسقاء عام الرمادة سنة سبع عشرة من الهجرة، فلم يسقوا، فقال عمر رضي الله تعالى عنه : لأستسقين غداً بمن يسقيني الله به.
فلما أصبح غدا للعباس رضي الله تعالى عنه، فدق عليه الباب، فقال: من؟!
قال: عمر.
قال: ما حاجتك؟!
قال: أخرج حتى نستسقي الله بك.
قال: اقعد.
فأرسل إلى بني هاشم: أن تطهروا، والبسوا من صالح ثيابكم.
فأتوه، وأخرج طيباً وطيبهم، ثم خرج وعلي أمامه بين يديه، والحسن عن يمينه والحسين عن يساره، وبنو هاشم خلف ظهره، وقال: يا عمر! لا تخلط بنا غيرنا.
ثم أتى المصلى، فوقف، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: اللهم إنك خلقتنا ولم تؤامرنا، وعلمت ما نحن عاملون قبل أن تخلقنا، فلم
يمنعك علمك فينا عن رزقنا.
اللهم فكما تفضلت علينا في أوله فتفضل علينا في آخره.
قال جابر فما برحنا حتى سحت السماء علينا سحا، فما وصلنا إلى منازلنا إلا خوضاً. فقال العباس: أنا ابن المسقي. الحديث (1).
ونقول:
إن ما نريد لفت النظر إليه هنا هو الأمور التالية:
أولاً: إن الحسنين «عليهما السلام» كان عمرهما في سنة 17 للهجرة ثلاث عشرة سنة، أو أربع عشرة سنة، والذي في هذا الاستسقاء كان بفعل العباس «رحمه الله»، وإن لم يكن لهما تصرف مستقل عن تصرف الآخرين فيه، بل كانا في جملة غيرهم من بني هاشم وكان العباس هو المتولي للتصرف، والأمر والنهي، والإقدام والإحجام.
غير أن من الواضح: أن جعل الحسن «عليه السلام» عن يمين المصلي، والحسين «عليه السلام» عن يساره يدل على أن ثمة شعوراً بأن لهما «عليهماالسلام» أثراً رئيسياً، وأساسيا في استجابة الدعاء،
1) تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 361 - 362 والصواعق المحرقة (ط شركة الطباعة الفنية المتحدة سنة 1385هـ) ص 178 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 226 وينابيع المودة ج 2 ص 466 و 467 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 9 ص 210
ونزول المطر..
ولولا ذلك لجعلها مع سائر بني هاشم، ولم يخصهما بهذه الخصوصية الظاهرة.
ثانياً: إن جعل العباس «رحمه الله» عليا أمامه، والحسنين عن يمينه ويساره يشير إلى أنه إنما يستسقي بعلي، وولديه «عليهم السلام:.. وأنه يرى أن نزول الغيث سيكون ببركتهما، لا باستجابة دعائه...
ثالثاً: إن عمر قد اختار أن يكون العباس هو الذي يستسقي للناس.. ونحن نعلم أن عمر والعباس أيضاً كانا يعلمان من خلال الأحداث التي عايناها في زمن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، كما في حديث المباهلة، وحديث سد الأبواب وغيره كثير: أن علياً وولديه «عليهم السلام» هم الوجهاء عند الله، وأصحاب المقام والزلفي لدى رسول الله «صلى الله عليه وآله».
ولم يكن عمر ليختار علياً «عليه السلام» لهذا الأمر، مع علمه بأن الله لا يخيب عليا فيما هو أعظم وأجل من ذلك. إذ لو اختار عليا «عليه السلام» لدل ذلك على أنه لم يكن محقا حين تقدم عليه، اغتصب منه الخلافة، وضرب زوجته، وأسقط جنينها. ولكن العباس «رحمه الله» جاء بعلي وجعله أمامه، فجاءهم بالغيث، وعرف الناس: أنهم استسقوا ببركة علي وولديه «عليهم السلام».
يضاف إلى ذلك: أنه إذا استشفع بالعباس، وجاءهم المطر، فإنه
يستطيع أن يجعل لنفسه نصيباً مع العباس.
وإن لم يأت المطر، فيمكنه أن يقول: إن العباس لم يكن له أية أهلية عند الله يستحق بها هذه الكرامة.
عن الإمام الصادق «عليه السلام» قال:
اجتمع عند علي بن أبي طالب «عليه السلام» قوم، فشكوا إليه قلة المطر، وقالوا: يا أبا الحسن، ادع لنا بدعوات في الاستسقاء.
قال: فدعا علي «عليه السلام» الحسن والحسين، فقال للحسن «عليه السلام»: ادع لنا بدعوات في الاستسقاء.
فقال الحسن «عليه السلام»: اللهم هيج لنا السحاب، تفتح الأبواب بماء عباب، ورباب بانصباب وإسكاب.
يا وهاب، اسقنا مغدقة مونقة فتح أغلاقها، ويسر أطباقها، وعجل سياقها بالأندية في بطون الأودية، بصوب الماء.
یا فعال، اسقنا مطراً قطراً، طلاً، مطلاً، مطبقاً، طبقاً عاماً.. مُعِمَّا، دهما، بهما ،رجما، رشا مرشا، واسعاً كافياً، عاجلاً، طيباً، مباركاً، سلاطحاً، بلاطحاً، يناطح الأباطح، مغدودقا، مطبوبقا، مغرورقاً.
واسق سهلنا وجبلنا، وبدونا وحضرنا، حتى ترخص به أسعارنا، وتبارك لنا في صاعنا ومدنا، أرنا الرزق موجوداً، والغلاء مفقوداً..
آمين رب العالمين.
ثم قال للحسين «عليه السلام»: ادع!
فقال الحسين «عليه السلام» اللهم يا معطي الخيرات من مناهلها، ومنزل الرحمات من معادنها، ومجرى البركات على أهلها، منك الغيث المغيث، وأنت الغياث المستغاث، ونحن الخاطئون وأهل الذنوب، وأنت المستغفر الغفار، لا إله إلا أنت.
اللهم أرسل السماء علينا لحينها مدراراً، واسقنا الغيث واكفاً مغزاراً، غيثاً، مغيثاً، واسعاً، متسعاً، مرياً، ممرعاً، غدقاً، مغدقاً، غيلاناً، سحاً، سحساحاً، بحاً، بحاحاً، سائلاً، مسلاً عاماً، ودقاً، مطفاحاً، يدفع الودق بالودق دفاعاً، ويتلو القطر منه قطراً، غير خلب برقه، ولا مكذب رعده، تنعش به الضعيف من عبادك، وتحيي به الميت من بلادك، وتستحق به علينا من مننك.. آمين رب العالمين.
فما فرغا من دعائهما حتى صب الله تبارك وتعالى عليهم السماء صباً.
قال: فقيل لسلمان: يا أبا عبد الله، أعُلِّمَا هذا الدعاء؟!
فقال: ويحكم، أين أنتم عن حديث رسول الله «صلى الله عليه وآله» حيث يقول: إن الله أجرى على ألسن أهل بيتي مصابيح الحكمة (1).
1) قرب الإسناد ص 28 و (ط مؤسسة آل البيت) ص 157 و 158 وبحار الأنوار ج 88 ص 321 و 322 ومن لا يحضره الفقيه ج1 ص338 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 197 - 199
قال العلامة المجلسي «رحمه الله»:
هذا الحديث رواه الصدوق في الفقيه مرسلاً هكذا: «وجاء قوم من أهل الكوفة»، فيحمل على أنهم جاؤوا إلى المدينة لذلك، لأن سلمان «رضي الله عنه» لم يبق إلى زمان خلافة أمير المؤمنين «عليه السلام».
ويؤيده : استبعاد الجهلة من الحسنين «عليهماالسلام» ذلك، لأن الظاهر أنه كان لصغر سنهما (1). انتهى.
وأقول هناك احتمال آخر، ولعله الأقرب، وهو: أن يكون الحسنان «عليهماالسلام» وسلمان قد قدموا الكوفة في عهد عمر، أو في عهد عثمان، فطلب أهل الكوفة من علي «عليه السلام» أن يستسقي لهم..
فأمر الحسنين «عليهما السلام» بذلك، فجرت الأمور على النحو المتقدم.
هذا.. وقد شرح العلامة المجلسي المفردات التي وردت في كلام الإمامين الحسن والحسين «عليهماالسلام»، فنحن نحيل القارئ
1) بحار الأنوار ج 88 ص 322 و 323
الكريم على كتابه، فراجع (1).
ويبدو أن الحسين «عليه السلام» قد استسقى لأهل الكوفة مرة أخرى بأمر أمير المؤمنين «عليه السلام»، وسقاهم، فقد روي:
عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن الصادق «عليه السلام» عن أبيه عن جده «عليهماالسلام» قال: جاء أهل الكوفة إلى علي «عليه السلام»، فشكوا إليه إمساك المطر، وقالوا له: استسق لنا.
فقال للحسين «عليه السلام»: قم واستسق.
فقام، وحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي وقال: اللهم معطي الخيرات، ومنزل البركات، أرسل السماء علينا مدراراً، واسقنا غيثاً مغزاراً ،واسعاً، غدقا، مجللا، سحا، سفوحاً، فجاجا، تنفس به الضعف من عبادك، وتحيي به الميت من بلادك. آمين رب العالمين.
فما فرغ «عليه السلام» من دعائه حتى غاث الله تعالى غيثاً بغتة.
وأقبل أعرابي من بعض نواحي الكوفة، فقال: تركت الأودية والآكام يموج بعضها في بعض (2).
ويبدو: أن هذا كان بعد مجيء علي «عليه السلام» إلى الكوفة خلافته «عليه السلام».
قال العلامة المجلسي «رحمه الله»: روي في بعض مؤلفات أصحابنا، عن أبي سلمة، قال: حججت مع عمر بن الخطاب، فلما صرنا بالأبطح، فإذا بأعرابي قد أقبل علينا، فقال: يا أمير المؤمنين، إني خرجت وأنا حاج محرم، فأصبت بيض النعام، فاجتنيت، وشويت، وأكلت. فما يجب علي؟!
قال: ما يحضرني في ذلك شيء. فاجلس، لعل الله يفرج عنك ببعض أصحاب محمد «صلى الله عليه وآله». فإذا أمير المؤمنين «عليه السلام» قد أقبل، والحسين يتلوه، فقال عمر: يا أعرابي، هذا علي بن أبي طالب، فدونك ومسألتك.
فقام الأعرابي، وسأله، فقال علي «عليه السلام» يا أعرابي، سل هذا الغلام عندك. يعني الحسين «عليه السلام».
فقال الأعرابي: إنما يحيلني كل واحد منكم على الآخر.
فأشار الناس إليه: ويحك هذا ابن رسول الله فاسأله.
فقال الأعرابي: يا ابن رسول الله إني خرجت من بيتي حاجاً - وقص عليه القصة.
فقال له الحسين: ألك إبل؟!
قال: نعم.
قال: خذ بعدد البيض الذي أصبت نوقاً، فاضربها بالفحولة، فما فصلت فأهدها إلى بيت الله الحرام.
فقال عمر: يا حسين، النوق يزلقن!
فقال الحسين: يا عمر، إن البيض يمرقن.
فقال: صدقت و بررت
فقام علي «عليه السلام»، وضمه إلى صدره، وقال: (دُرّيَّة بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (1)» (2).
ونقول:
تقدم في خلافة أبي بكر ما هو قريب من هذه القضية. وقد ذكرنا هناك بعض ما يستفاد، وما ينبغي أن يقال في ذلك المورد. فلا حاجة إلى إعادة ما ذكرناه هناك، ولذا فنحن نكتفي هنا بما يلي:
1 - إن قول علي «عليه السلام» للأعرابي: «سل هذا الغلام عندك» يدل على أن هذه القضية قد حصلت في أول خلافة عمر، حين كان الحسين بعمر تسع أو عشر سنوات. فإن الغلام يطلق على الصغير السن، وعلى الشيخ الكبير..
2 - إن هذا يشير إلى أن الحسين «عليه السلام» كان يحج مع والده وهو صغير السن.
3 - إن هذه الرواية تذكر: أن عمر هو الذي اعترض على الإمام الحسين «عليه السلام» بأن النوق يزلقن، فأجابه الحسين «عليه السلام»: إن البيض يمرقن..
مع أن الرواية المتقدمة التي تحكي ما جرى في عهد أبي بكر تقول : إن علياً «عليه السلام» هو الذي اعترض، وسمع الجواب..
4 - يلاحظ أن عمر يكلم الإمام الحسين بطريقة لا تحمل أي توقير أو احترام، فيقول: يا حسين، النوق يزلقن..
فجاء الجواب من الإمام الحسين مطابقاً لذلك الخطاب، حيث قال له: يا عمر، إن البيض يمرقن. الأمر الذي اضطر عمر إلى إظهار بعض الإحترام، حيث قال له صدقت، وبررت..
5 - إن علياً « عليه السلام» يظهر إعجابه بولده، ويكرِّمه، حيث قام إليه، وضمه إلى صدره وقال : (ذُرِّيَّة بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (1).
ليدل بذلك على أن الحسين «عليه السلام» لم يجب بما أجاب به لمجرد أنها مسألة صادف وسمعها، وقد لا يزيد الأمر على ذلك. بل أجاب عنها بما هو وارث لعلم النبوة والإمامة، لأنها ذرية يأخذ
1) الآية 34 من سورة آل عمران
بعضها عن بعض عن رسول الله من جبرئيل، عن الله، وليس كذلك غيرهم. ولأجل ذلك حبا علي «عليه السلام» الحسين «عليه السلام» بهذا التكريم والتعظيم.
وذكروا: أن أبا شحمة (ابن لعمر بن الخطاب) اعترف بالزنا في عهد أبيه، فلما أمر أبوه بأخذه، قال أبو شحمة: معاشر المسلمين، من فعل فعلي في جاهلية أو إسلام، فلا يحدني.
فقام علي بن أبي طالب، وقال لولده الحسن «عليهما السلام»، فأخذ بيمينه، وقال لولده الحسين، فأخذ بيساره، ثم ضربه ستة عشر سوطاً، فأغمي عليه. ثم قال: إذا وافيت ربك، فقل: ضربني الحد من ليس لك في جنبه حد.
ثم قام عمر حتى أقام عليه تمام المائة سوط، فمات من ذلك الخ.. (1).
ونقول:
إن ما يعنينا هنا هو ما يرتبط بإشراك الحسنين «عليهماالسلام» في جلد أبي شحمة، فلعل عليا «عليه السلام» أراد أن يكون من يتولى جلد أبى شحمة، ومن يعاونه فى تنفيذ عملية الجلد من
1) الرياض النضرة ج 2 ص 357 و 358 وتاريخ الخميس ج 2 ص 253 وراجع: الإصابة ج 4 ص 104
المطهرين عن أي رجس، أو ذنب، ومن لا مجال لتشكيك أحد في طهارتهم، لأن الله تعالى هو الذي أخبر أنها ثابتة لهم في جميع أدوار حياتهم.
2 - إنما اقتصر «عليه السلام» على جلد أبي شحمة بعض الحد، لأنه ربما لو جلده كل الحد لجاء من يقول: إن علياً باب مدينة العلم، وقد رضي بمقولة أبي شحمة، وطبقها بحذافيرها، وهي تدلّ على أنه إذا لم يوجد أحد يقطع بأنه لم يرتكب جريمة الزنا في حياته، فلا يمكن إجراء الحد على الزاني.
وقد أبطل «عليه السلام» هذا الوهم المتعمد!! حين أفسح المجال لمشاركة غير المطهرين فيما تبقى من الجلدات التي يجب إنزالها بأبي شحمة.
3 - يبدو لنا: أن أبا شحمة لم يكن يملك معرفة كافية بالدين، وبالمفاصل الأساسية التي كان لها تأثير كبير في تركيز البنية العقائدية والإيمانية في الناس.. إذ لو كان على علم بحديث الكساء، وبنزول آية التطهير - وعلى تقدير علمه بأصل الحديث والآية، فلو كان يدرك معنى الآية ويفهم مفاد الحديث - لما اشترط أن لا يحدّه إلا من لم يكن في جنبه حدّ.
4 - إن ما شرطه أبو شحمة يدل على أنه يتهم جميع المسلمين بارتكاب فاحشة الزنا، وأنه كان مطمئناً إلى أن هذا الشرط سوف ينجيه من العقوبة.. وهذه تهمة جريئة بلا ريب، كما أن هذا الخيال لا
مبرر له، ولا منطق يساعده!!
5 - إن اشتراطه الطهارة من الزنا حتى في الجاهلية لم يكن موفقاً أيضاً. فقد جاء الإسلام ليقول : إنه يجبُّ ما قبله، وأن العتاب والعقاب إنما هو على ما يصدر من الإنسان بعد اعتناقه الإسلام، فإن كان ممن صحت توبته، وتأكدت عدالته، فلا تثريب عليه.
وللحسنين «عليهماالسلام» ذكر في الشورى التي أحدثها عمر، فلاحظ ما يلي:
1 - إن عمر أمر بقتل أعضاء الشورى إن لم يتفقوا. وإن اتفق ثلاثة، فالقول قول الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمان بن عوف، ويقتل الثلاثة المخالفون لهم.
فما هذا الاستخفاف بدماء جماعة من المسلمين، ومن أعيان الصحابة؟! وفيهم من هو نفس رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأخوه وابن عمه، وصهره، ومن طهره الله تطهيراً، ومن عنده علم الكتاب..
ألم يكن هذا الإستخفاف من أسباب جرأة الناس على الدماء، وعلى دماء نفس هؤلاء الخلفاء؟! حيث سعى الناس إلى قتل عثمان. وسعوا أيضاً بقيادة عائشة وطلحة والزبير إلى قتل علي، وأبنائه «عليه وعليهم السلام»، وصحبه وشيعته وسائر المسلمين معه في حرب الجمل.
ثم بقيادة معاوية لقتل هؤلاء بالذات في حرب صفين.
ثم تجرأ الأعراب والأجلاف الذين عرفوا بالخوارج على قتل هؤلاء وقتل كل مسلم. فكانت حروب النهروان؟!.
ألم يكن هذا الإستخفاف هو الذي جراً يزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زیاد، وعمر بن سعد، ومن معهم من شيعة آل أبي سفيان على قتل الإمام الحسين بن علي، ريحانة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وسيد شباب أهل الجنة، ونجوم الأرض من بني عبد المطلب، وصفوة الخلق من أهل بيته، وأصحابه.
2 - وكما كان عمر بن الخطاب يسعى لتشييد سلطان أبي بكر، ليكون له هو نصيب منه.. كذلك كان عبد الرحمان يسعى بالأمر لعثمان، ليرد له عثمان وبنو أمية هذه اليد فى الوقت المناسب. لعلمه بأن الأمر لا يصل إليه من على «عليه السلام»، لأكثر من سبب، منها فارق السن.. وكون الحسن والحسين «عليهما السلام: وهما سيدا شباب أهل الجنة إبنيه ولا يعدل أحد ابن عوف بهما في الفضل والعلم والطهر والقداسة.. بالإضافة إلى أن في بني هاشم من لا يدانيه عبد الرحمان بن عوف ولا غيره في ذلك.
أما عثمان فهو رجل مسن، ولا شيء يمنع من انتعاش الأمل لدى عبد الرحمان بنيل الخلافة من بعده.. بعد أن تكون قد اتسعت في قريش، وأصبح لبني زهرة أمل بالوصول إلى هذا المقام، إذا أفسح لهم المجال بنو أمية الذين حاربوا النبي «صلى الله عليه وآله» بكل ما
أمكنهم، وقد وصلوا إلى مقام لم يكن أحد منهم يحلم بالإقتراب منه، فضلاً عن أن يناله، وذلك لأن عبد الرحمان بالاستناد إلى توصية عمر يكون قد أسقط عملياً جميع المعايير، وأزال كل العقبات والموانع، من وصول أي كان من الناس إلى هذا الأمر الخطير.
وهذا هو السر في أهمية الإنجاز الذي حققه عبد الرحمان بن عوف لعثمان ولبني أمية، ولسائر بطون قريش.. فلماذا لا يتوقع منهم رد هذا الجميل إليه، وأن ينيلوه منه كلعقة الأنف، مهما كانت قصيرة فيما تبقى له من عمره، فقد كان عمر عثمان حين البيعة له سبعين سنة وأشهراً وهو يكبر عبد الرحمان بن عوف يوم الشورى بخمس أو بست سنين فقط..
3 - لما طعن عمر بن الخطاب، وعرف أن أجله قد قرب فرض الشورى على الناس وجعلها بين ستة أشخاص اختارهم بعناية، ووضع لها شروطاً، ودبّر لها مساراً لا يمكن أن تفضي منه إلا إلى إبعاد علي «عليه السلام»، فقد ربط الأمر كله بعبد الرحمان بن عوف، الذي حقق مقاصده على النحو الذي تمنّاه.
وأراد أن يحشر أنف ابنه عبد الله بن عمر فيها، لغاية في نفسه، ولم يكن ليُقبَل هذا الأمر منه، فإن عبد الله الذي لم يحسن أن يطلق امرأته، كما يقول عنه أبوه نفسه، ليس أهلاً لأي دور يسند إليه في هذا الأمر الخطير.
فلم يجد بدّاً من إشراك الإمام الحسن «عليه السلام» أيضاً
ليتوصل إلى إشراك ابنه. فيكون بذلك قد حط من مقام الحسن والحسين «عليهما السلام» ورفع من مقام ابنه، أو هكذا خيِّل له.
ولعله حاول تجاهل الإمام الحسين «عليه السلام»، لأن كلمته له: انزل عن منبر أبي لا تزال تزعج خاطره، وتؤذي مشاعره.
4 - ولكن الحسين «عليه السلام» لم يغب عن خاطر أهل الشورى، فإن أباه كان يستحضره مع أخيه الحسن في مناشداته التي أظهرت أنه كأخيه صاحب الفضائل التي لا تجارى والمقام الذي لا یبارى وأن تجاهله هذا لا يجدي في طمس مآثره، وإثارة الريب في مفاخره.
كما لا يجدي اختلاق شخصيات هي أشبه بالمنحوتات أو التماثيل الخشبية التي ليس فيها روح تلبي أي طموح.. نظير من أراد عمر أن يصنع منهم أكفاء، أو نظراء لعلي «عليه السلام»، أو أن يوهم الناس: أن عليا «عليه السلام» لا يمتاز عنهم بشيء ذي بال.
وقد ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام» عدداً من نصوص تلك المناشدات التي لم يسع أياً من أهل الشورى أنفسهم سوى الإقرار بها، والشهادة بصحتها.
وكان الحسن والحسين «عليهماالسلام» أحد المرتكزات التي اعتمدها في تلك المناشدات:
1 - فمما قاله «عليه السلام»: نشدتكم بالله، هل فيكم أحد له ابنان مثل ابنيّ الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة ما خلا النبيين
غيري؟!
قالوا : اللهم لا .
قال: نشدتكم بالله، أفيكم أحد له أخ كأخي جعفر الطيار في الجنة، المزيّن بالجناحين مع الملائكة غيري؟!
قالوا : اللهم لا. الخ.. (1).
2 - ومما قاله «عليه السلام»: أفيكم أحد له مثل سبطي (2)الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة؟!
قالوا : اللهم لا.
قال: أفيكم أحد له مثل زوجي فاطمة بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!
قالوا : اللهم لا. الخ .. (3).
3 - ونحو هذا ورد في مناشدة أخرى، فراجع (4).
4 - وفي مناشدة أخرى يقول: وأي نسب أفضل من نسبي، إن أبي وأبا رسول الله «صلى الله عليه وآله» لأخوان، وإن الحسن
والحسين ابني رسول الله «صلى الله عليه وآله» وسيدي شباب أهل الجنة ابناي، وفاطمة بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله» زوجتي، سيدة نساء أهل الجنة غيري؟!
قالوا : اللهم لا (1).
ويلاحظ هنا:
ألف: إن أحداً من أهل الشورى لم يجرؤ على أن يناشد الحاضرين بشيء مما يمكن اعتباره مأثرة له.
ب: إنه «عليه السلام» قد ركز في مناشدته بموضوع الحسن والحسين على ما يلي:
1 - إنهما ابنا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فلا أحد على وجه الأرض يدانيهما في هذا الأمر الذي كرسه لهما رسول الله «صلى الله عليه وآله» بإصرار شديد، وحرص أكيد.. لأسباب تحدثنا عنها في موضع آخر من هذا الكتاب.
2- إنهما سيدا شباب أهل الجنة ما عدا الأنبياء والمرسلين.. فدلّنا هذا على امتداد هذا الشرف والفضل والطهر فيهما، ليتجسد في الآخرة لا على شكل نعيم مقيم خاص بهما وحسب، وإنما على شكل تعامل خاص، وعلاقة يتشارك فيها أهل الجنة كلهم، وهم نخبة الخلق وخيارهم، في تجسيد معنى الكرامة لهما «عليهما السلام»، ما دام أن
1) راجع: الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام» ج 15 ص 232
قوام هذه العلاقة هو تبلور معنى السيادة لهما «عليهماالسلام» على جميعهم.
3 - إنه عليه السلام» قد نسبهما إلى نفسه، بعد أن ركز على تينك الصفتين اللتين انفردا بها عن سائر الخلق.
«سمعت علي بن الحسين «عليهما السلام» يقول: إن رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» فقال: أخبرني - إن كنت عالماً - عن الناس، وعن أشباه الناس، وعن النسناس؟!
فقال أمير المؤمنين عليه السلام يا حسين أجب الرجل.
فقال الحسين «عليه السلام»:
أما قولك: أخبرني عن الناس، فنحن الناس، ولذلك قال الله تعالى ذكره في كتابه: (ثم أفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أفاض النَّاسُ) (1)، فرسول الله «صلى الله عليه وآله» الذي أفاض بالناس.
وأما قولك: أشباه الناس، فهم شيعتنا وهم موالينا، وهم منا، ولذلك قال إبراهيم «عليه السلام»: (فمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) (2).
وأما قولك: النسناس، فهم السواد الأعظم، وأشار بيده إلى جماعة
الناس، ثم قال: (إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) (1)» (2).
ونقول:
1 - إن ظاهر كلام السائل: أنه لا يرى عليا «عليه السلام» يملك من العلم ما يكفي للإجابة على الأسئلة الصعبة، ولذا قال له: «أخبرني إن كنت عالماً».
فجاءت إحالته إلى الحسين «عليه السلام» وهو بنظرهم طفل لا يمكن أن يكون في مستوى الكبار في معارفه وعلمه بمثابة الإعلان: بأنهم أهل بيت زقوا العلم زقاً حتى الأطفال منهم «عليهم السلام».
2 - إن هذا الحديث ذكرناه هنا، لوجود شبه له أيضاً بقصة اسئلة ابن الأصفر لمعاوية، حيث أحالها إلى علي «عليه السلام»، حسبما قدمناه.
ولكن هذا الحديث لم يعرف تاريخ ،حصوله، هل كان في زمن أبي بكر؟! أو في زمن عمر؟! أو بعد ذلك؟!
ولكننا ذكرناه هنا للمناسبة بينه وبين ما نحن بصدده، من أن أمير المؤمنين «عليه السلام» كان يحيل أحيانا بعض الأسئلة إلى ولديه ليظهر أن لديهما علم الإمامة، وأن لهما من الفضل والكرامة ما ليس لأحد غيرهما.
مع الإشارة إلى أن هذه المرحلة كانت حساسة جداً، تحتاج إلى حفظ يقين الناس بإمامة الحسنين، وحفظ امتداد هذا اليقين والمعرفة بأهل البيت في وجدان الناس، وانتقاله من جيل إلى جيل.. فكان «عليه السلام» يركز فيها على إبقاء هذه الصلة لتكريس هذه المفاهيم.
3 - قال الطبرسي «رحمه الله» في قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ (1): قيل: المراد بالناس: سائر العرب. وهو المروي عن أبي جعفر «عليه السلام». وقيل: أراد به إبراهيم، فإنه لما كان إماماً كان بمنزلة الأمة، فسماه وحده ناساً.
وقيل: أراد إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ومن بعدهم من الأنبياء «عليهم السلام»، عن أبي عبد الله «عليه السلام».
وقيل: أراد به آدم «علیه السلام».
وقيل : هم العلماء الذين يَعْلمون الدين، ويُعَلّمونه الناس (2).
4 - ويلاحظ أن الطبرسي «رحمه الله» لم يشر إلى ما قاله الإمام الحسين «عليه السلام» في تفسير الناس في الآية بقوله: نحن الناس، فلذلك قال الله تبارك وتعالى ذكره في كتابه: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ)، فرسول الله «صلى الله عليه وآله» الذي أفاض بالناس.
5 - إن تفسير النسناس بعامة الناس الذين هم السواد الأعظم، وهم جماعة الناس الذين قال الله عنهم: (إنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبيلاً) (1).. يوضح: أن لا معنى لتفسيرهم إياه بيأجوج ومأجوج.
أو بأنهم خلق على صورة الناس، خالفوهم في شيء، وليسوا من بني آدم..
أو أنهم حي من عاد عصوا الله فمسخهم نسناساً، لكل رجل منهم يد ورجل من شق واحد، ينقرون كما ينقر الطائر، ويرعون كما ترعى البهائم، كما قاله الجزري (2).
فإن كل ما لا يخرج من بيوت أهل البيت زخرف باطل. فعن الباقر «عليه السلام»: «فليذهب الحسن [البصري] يميناً وشمالاً، فوالله ما يوجد العلم الا هيهنا» (3).
1) الآية 44 من سورة الفرقان
2) راجع: بحار الأنوار ج 24 ص 96 عن النهاية لابن الأثير ج 4 ص 150
3) راجع: بصائر الدرجات ص 29 و 30 والكافي ج 1 ص 51 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 27 ص 18 و 19 و (الإسلامية) ج18 ص 8 ومستدرك الوسائل ج 17 ص 273 و 274 والإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 69 والمحتضر ص 29 ومنية المريد ص 188 والفصول المهمة للحر العاملي ج 1 ص 521 وبحار الأنوار ج 2 ص 65 و 91 وج 23 ص 101 وج 42 ص 142 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج 10 ص 168
وعن الصادق «عليه السلام»: «فليشرق الحكم [بن عتبة] وليغرب. أما والله لا يصيب العلم إلا من أهل بيت نزل عليهم جبرئیل» (1).
1) راجع بصائر الدرجات ص 29 والكافي ج 1 ص 399 و 400 ووسائل ص399 400 الشيعة (آل البيت) ج 27 ص 69 و (الإسلامية) ج 18 ص 47 ومستدرك الوسائل ج 17 ص 274 وبحار الأنوار ج 2 ص 91 وج 46 ص 335 وتفسير نور الثقلين ج 1 ص 33 و 34
عن أبي ذر، قال: لما كان أول يوم في البيعة لعثمان (لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ) (1).
قال أبو ذر: اجتمع المهاجرون والأنصار في المسجد..
إلى أن قال: ثم قال علي: أناشدكم الله، إن جبريل نزل على رسول الله «صلى الله عليه وآله» فقال يا محمد، لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي، فهل تعلمون هذا كان لغيري؟!
إلى أن قال:
وهل تعلمون: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان آخى بين الحسن والحسين، فجعل رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقول: يا حسن مرتين، فقالت فاطمة: يا رسول الله إن الحسين لأصغر منه، وأضعف ركنا منه.
فقال لها رسول الله «صلى الله عليه وآله»: ألا ترضين أن أقول أنا: هي يا حسن، ويقول جبريل: هي يا حسين، فهل لخلق مثل هذه
1) الآية 42 من سورة الأنفال
المنزلة. نحن صابرون ليقضي الله أمراً كان مفعولاً(1).
ونقول:
1 - رأينا أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد تعامل في موضوع المؤاخاة مع الحسنين «عليهماالسلام» كما يتعامل مع سائر الرجال، مع أن الحسنين كانا في حياة رسول الله «صلى الله عليه وآله» صغيري السن، فقد ولد الإمام الحسن «عليه السلام» سنة ثلاث وولد الإمام الحسين «عليه السلام» سنة أربع من الهجرة، فالمؤاخاة بينهما هي في دلالاتها على حد أخذ البيعة منهما في بيعة الرضوان.
2 - إن المؤاخاة قد حصلت بعد الهجرة بخمسة أو ثمانية أشهر، أو أقل، أو أكثر (2). أي قبل ولادة الحسنين بسنتين أو ثلاث سنوات.
1) تاريخ الإمام الحسين «عليه السلام» ج 20 ص 398 و 399 عن تاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 129 - 131 و (ط دار الفكر سنة 1415هـ) ج 39 ص 198 - 202 و مختصر تاريخ دمشق ج 16 ص 154 - 156 و 157 وكنز العمال ج 5 ص 717 و 723 و 724 وراجع: المناقب للخوارزمي ص 299 - 302 ونهج الإيمان ص 530 وغاية المرام ج 2 ص 48 - 49 وج 5 ص 109 - 110 وسفينة النجاة للتنكابني ص 363
2) راجع: بحار الأنوار ج 19 ص 122 وهامش ص 130 عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 152 وعن المقريزي، عن المنتقى في مولود المصطفى والمواهب اللدنية ج 2 ص 71 وتاريخ الخميس ج 1 ص 35 عن أسد الغابة، ووفاء الوفاء ج 1 ص267 وفتح الباري ج 7 ص 210 والسيرة الحلبية ج2 ص 92
فالمؤاخاة بين الحسنين تدل على أنه «صلى الله عليه وآله» كان يجدد المؤاخاة باستمرار كلما حضر إلى المدينة، أو وجد فيها أحد من المسلمين الذين تفرض المصلحة الإيمانية المؤاخاة بينهم.
3 - كان «صلى الله عليه وآله» يؤاخي بين الرجل ونظيره، فقد آخى بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عثمان وابن عوف، وبين سلمان وأبي ذر، وبين المقداد وعمار، وبين الحسن والحسين، وبين نفسه وعلي (1).
ويلاحظ: أنه «عليه السلام» فى أول خلافة عثمان تارة يعلن أنه «عليه السلام» هو الأعلم، وهو المرجع للناس في كل شيء، وعليهم أن يبادروا إلى سؤاله عما عنده من علوم لكي يجيبهم عنها، وإذ بسعد بن أبي وقاص يجعل نفسه في موقع الساخر والمستهزئ، الأمر الذي
1) المستدرك للحاكم ج 3 ص 14 ووفاء الوفاء ج 1 ص 267 و 268 والسيرة الحلبية ج 2 ص 20 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 155 وفتح الباري ج 7 ص 211 وأسد الغابة ج 2 ص 221 والرياض النضرة ج 1 ص28 وبحار الأنوار ج 38 ص 334 و 335 وج 72 ص 444 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 32 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج1 ص 306
هيأ له «عليه السلام» فرصة لإثبات إمامته وأعلميته للأجيال كلها، كما بيناه.
وتارة يناشد المهاجرين والأنصار ويقررهم ببعض المآثر والدلائل التي سمعوها من رسول الله «صلى الله عليه وآله».. وكان ذلك في أول البيعة لعثمان أيضاً..
غير أن اللافت هنا أنه «عليه السلام» قد ناشد الناس ليقروا بأمور ترتبط بولديه الإمامين الحسن والحسين «عليهماالسلام» أيضاً.
وقد اختار «عليه السلام» أن يقرر المهاجرين والأنصار بحديث المؤاخاة التي أجراها النبي «صلى الله عليه وآله» بين الحسن والحسين «عليهماالسلام»، ليؤكد أيضاً على أنهما ليسا كسائر الأطفال، بل هما كاملان قادران على أن يحملا مسؤوليات إلهية، غير عادية، بل هي مسؤوليات مقام الإمامة التي جعلها رسول الله «صلى الله عليه وآله» لهما والتي توجب عليهما حفظ الدين، وصيانة كرامة المسلمين، والمنع من التحريف والتزوير في نهج الأنبياء والأوصياء، والمرسلين.
وقد جعل النبي «صلى الله عليه وآله» قضية المؤاخاة مدخلاً لحديث المصارعة، ربما ليؤكد على أن هذه المصارعة كانت من موقع المحبة، وليست من موقع التحدي، وطلب الغلبة، فهي للتدريب
على فنون قتالية قد يحتاجان إليها في بعض المواقع. انطلاقاً من موقع الإمامة الذي جعله الله لهما.
ولعل من جملة أهداف إعلان هذا الأمر هو تعريف الناس بأن الأئمة يحصلون على بعض الأمور بجهدهم وجهادهم. فلا معنى لأن يغلو أحد من الناس فيهم.. كما هو ظاهر.
ولكن ذلك لا يمنع من الرعاية الإلهية لهما في مجال هذا الإعداد، من خلال حضور جبرئيل، والنبي صلى الله عليه وآله»، ليدلل بذلك على أن ممارسة بعض الفنون القتالية، التي يحتاجون إليها لا ينقص من مقامهما، ولا يحط من شأنهما.
وهذا ما أشار إليه «صلى الله عليه وآله» بقوله: فهل لخلق مثل هذه المنزلة؟!
وقد أظهرت الكلمة الأخيرة، وهى قوله «عليه السلام»: «فنحن صابرون ليقضي الله في هذا أمراً كان مفعولاً» أن رعاية أشرف وأفضل الأنبياء والمرسلين، ومعه جبرئيل للحسنين «عليهماالسلام»، حتى في هذا الأمر الذي يقال : إنه أمر عادي - إن هذه الرعاية - تدل على عظيم منزلتهما «عليهما لسلام»، وأنهما لا يدانيهما أحد من الخلق.
كما أن الإمام بعد أن ذكر فضائله، وفضائل الحسنين، وأنهما قد ظلما، وتعرضا للغدر واستلاب ،حقهم قد اقتضى أن يقول «عليه
السلام»: «فنحن صابرون.. الخ».
ولكن عدم إدراك الناس لهذا الأمر العظيم، إما جهلاً أو جحوداً، لا بد أن يؤذي مشاعر أهل البيت «عليهم السلام»، لأن مطلوبية معرفة الناس واعترافهم بمكانتهم «عليهم السلام» لا يطلب بها حصول منفعة لهم «عليهم السلام»، بل يطلب بها تعميق ربط الناس بأئمتهم «عليهم السلام»، لأن ذلك يؤكد معنى الأسوة والقدوة في نفوسهم، ويعمقها في وجدانهم، ولتنعكس من ثم على سلوكهم بصورة عميقة.. فيكون ذلك جارياً على قاعدة: (مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرِ فَهُوَ لكُمْ) (1).
وهناك محاورة قد تكون من أبدع وأروع المحاورات التي جرت بين أمير المؤمنين «عليه السلام»، وبين صحابة رسول الله «صلى الله عليه وآله» في عهد عثمان.
ويلاحظ: أن طلحة الذي وصفته تلك الرواية نفسها: بأنه داهية قريش كان هو الأكثر ظهوراً وحضوراً في هذه المحاورة، وكان يصرح باستمرار بالتصديق والتسليم، والرضا والقبول بكل ما يقوله علي «عليه السلام».
وقد رأينا : أنه «عليه السلام» قد لفت النظر إلى أمور ومعان
1) الآية 47 من سورة سبأ
دقيقة تضمنتها النصوص التي استدل بها، فعاضد العقل النقل، وسدده وأيده.
ولا نريد أن ندخل في التفاصيل والجزئيات التي أشارت إليها تلك الرواية، وإنما سوف نقتصر على ما يرتبط منها بالإمامين الحسن والحسين «عليهماالسلام»، فقد ذكرتهما هذه الرواية تصريحاً وتلميحاً، أو فقل إجمالاً وتفصيلاً تسع مرات. وصرح باسمهما، أو بكونهما ابنيه خمس مرات..
فقد ذكرهما: زيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وأبو ذر، والمقداد، وعمار بن ياسر، فقالوا: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: «إن الله أمركم في كتابه بالصلاة ، فقد بينتها لكم، والزكاة، والصوم، والحج، فبينتها لكم وفسرتها.
وأمركم بالولاية، وإني أشهدكم أنها لهذا خاصة، ووضع يده على يد علي بن أبي طالب، ثم لابنيه من بعده، ثم للأوصياء من بعدهم، ومن ولدهم «عليهم السلام»..».
ثم ذكر بعد ذلك: أن على الناس أن يتعلموا من علي وأوصيائه من بعده، وقال: «ولا تعلموهم، ولا تتقدموهم، ولا تخلفوا عنهم، فإنهم مع الحق، والحق معهم».
وبعد ذلك ذكر: أن آية التطهير نزلت في النبي «صلى الله عليه وآله»، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وتسعة معصومين من ولد الحسين خاصة «عليهم أفضل الصلاة والسلام».
وفي موضع رابع قال: إن عليا وأوصياء النبي من بعده هم الصادقون في قوله تعالى: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (1).
وفي مورد خامس بين النبي «صلى الله عليه وآله»: أن الأئمة الاثني عشر «عليهم السلام» هم الشهداء على الناس، الذين عناهم الله في آيات سورة الحج: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَةٌ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاة وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا باللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِير) (2).
وبعد ذلك ذكر على لسان النبي «صلى الله عليه وآله»: أن عليا «عليه السلام» أخو النبي، ووزيره، وخليفته في أمته، وولي كل مؤمن بعده ، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم تسعة من ولد الحسين، واحد بعد واحد، حتى يردوا عليه الحوض.
وهم شهداء الله في أرضه، وحججه على خلقه، وخزان علمه، ومعادن حكمته.
من أطاعهم فقد أطاع الله، ومن عصاهم فقد عصى الله.
وذكر لهم في المورد السابع: شهادة أبي ذر والمقداد، وسلمان: على أنه «صلى الله عليه وآله» حين منع في مرضه من كتابة الكتاب بقول عمر: إن نبي الله يهجر .. وخرج الناس، كتب «صلى الله عليه وآله» كتاباً أملاه على أمير المؤمنين علي «عليه السلام»، وأشهد ثلاثة رهط على ما كتب، وهم: سلمان، وأبو ذر، والمقداد. وسجل فيه أسماء أئمة الهدى الذين أمر الله بطاعتهم إلى يوم القيامة، وهم: علي، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم تسعة من ولد الحسين «عليه السلام».
وفي المورد الثامن: ذكر علي «عليه السلام»: أن القرآن الذي جمعه بعد وفاة الرسول «صلى الله عليه وآله» سوف يدفعه إلى وصيه، وهو ولده الحسن «عليه السلام»، ثم يدفعه الحسن حين موته إلى الحسين «عليه السلام»، ثم يصير إلى واحد بعد واحد من ولد الحسين «عليه السلام»، حتى يرد آخرهم على رسول الله «صلى الله عليه وآله» حوضه.
هم مع القرآن، لا يفارقونه، والقرآن معهم، لا يفارقهم.
ثم ذكر «عليه السلام» أن معاوية وولده سیلیان بعد عثمان بالإضافة إلى سبعة من ولد الحكم بن أبي العاص، ورجلين آخرين (1).
1) يمكن مراجعة هذه الموارد في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» ج 16 ص 15 و 16 و 17 و 18 و 26 و 28 و وراجع بحار الأنوار ج 31 ص 407 - 427 و 428 - 432 وكتاب سليم بن قيس ج 2 ص 636 - 660 وغاية المرام ج 2 ص 102 و 103 وج 6 ص 103 وإكمال الدين ج 1 ص 247 - 279 مختصراً، و عن المصادر التالية منهاج الفاضلين للحموئي الخراساني (مخطوط)، وإثبات الهداة ج 1 ص 108 و 620 وج 2 ص 447 و 184 وفضائل السادات ج 2 ص 284 واللوامع النورانية ص 237 والغيبة للنعماني ص 52 والتحصين لابن طاووس باب 25 ونور الثقلين ج 5 ص 516 وفرائد السمطين ج1 ص 312 وينابيع المودة ص 114 و 445 وكفاية الموحدين ج 2 ص 343 و 359 و ج 3 ص 202 ونزهة الكرام لمحمد حسين الرازي ص 539
إن الحديث عن الإمامة في الحوار الذي جرى بين علي «عليه السلام» وكبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، لم يكن تكراراً، وإنما كان استكمالاً للعناصر التي يتكون منها معنى الإمامة، وبياناً لمختلف شؤونها، فهو على حد بيان شرائط وأركان الصلاة والزكاة، والصوم، والحج، ومستحباتها ومكروهاتها، ومقدماتها، وتعقيباتها، وما يرتبط بها من تهيئة المساجد، وما يتعلق بالأجواء الروحية المتوخاة منها، وغير ذلك.
وكذلك الحال بالنسبة لأنصبة الزكاة، وحدودها، وسائر شؤونها، والصوم وشرائطه، وأحكامه، وما يرتبط به..
وهذا ما ذكره «عليه السلام» مقدمة لذكر الولاية.. ربما ليدل على أن هذا ما كان يراد بيانه فيما يرتبط بالولاية أيضاً.
ونحن في مجال الايضاح والبيان نذكر موجزاً لما ذكره «عليه السلام» في الموارد المتقدمة، فنقول:
ذكر «عليه السلام»:
أولاً: أن الولاية ليست مجرد أمر ونهي يصدره الحاكم في أمور معيشية وتدبيرية، لكي تجري الأمور وفق مضمون ذلك الأمر، أو النهي وينتهي الأمر، بل هي حكم شرعي يجب على الناس الالتزام به، وأداء فروضه، وحفظ حدوده..
وهي علاقة يجب إقامتها والحفاظ عليها بين الإنسان المؤمن، وبين وليه وإمامه.
ثانياً: الولاية مرتبطة بالقرآن، وبالحق طرداً وعكساً، فالأولياء لا يفارقون القرآن، ولا يفارقهم القرآن كما صرحت به کلمات رسول الله «صلى الله عليه وآله» التي استند إليها علي «عليه السلام».
مما يعني أنها تحمل في داخلها معنى الهداية، والمعرفة، ثم لزوم الاتباع والجري العملي، والالتزام، وما إلى ذلك.
ثالثاً: بيَّن «عليه السلام»، استناداً إلى قول الرسول «صلى الله عليه وآله»: أن مفزع الناس بعده «صلى الله عليه وآله» هو علي «عليه السلام»، فهو إمام ودليل، وهاد.
وهو بمنزلة رسول الله في الأمة، فيجب على الناس أن يقلدوه دينهم، وأن يطيعوه في جميع أمورهم.
رابعاً: إن عند الإمام جميع ما عند رسول الله مما علمه الله إياه.
وإن على الناس أن لا يعلموا الأئمة، ولا يتقدموهم. فإن الأئمة مع الحق والحق معهم.
خامساً : ذكر «عليه السلام» في المورد الثالث المتقدم: أن آية التطهير لا تختص بالنبي، وعلي وفاطمة، والحسنين «عليهم السلام»، بل هي شاملة للأئمة الاثني عشر أيضاً.
وآية التطهير ناظرة للتنزه عن كل رجس ونقص، وعجز، وذنب، وسهو، وخطأ الخ..
وهذا من أهم ما يحتاج إليه الإمام والحاكم، فلا تصح إمامة من لم يكن كذلك، فمن ادَّعى الإمامة سوى هؤلاء، فهو مبطل.
سادساً: إن الأئمة هم الصادقون، والصادقون هم خصوص علي «عليه السلام» وأوصياؤه الاثنا عشر من بعده.
سابعاً: إن الأئمة شهداء على الخلق، كما صرحت به سورة الحج، ثم صرح به النبي «صلى الله عليه وآله» في قضية كتابة الكتاب في مرضه، والرسول «صلى الله عليه وآله» شهيد على الأئمة «عليهم السلام».
وشهادتهم على الخلق تعني أن لديهم قدرات تمكنهم من الاطلاع على أعمال جميع العباد ونواياهم، وحسدهم، وحبهم، وبغضهم، وإخلاصهم، ونفاقهم، وسائر أفعالهم القلبية، والجوارحية.. سواء في ذلك القريب منهم، والبعيد عنهم.
ثامناً: الأئمة هم: شهداء الله في أرضه، وحججه على خلقه، وخزان علم الله، ومعادن حكمته.. من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصى الله.
تاسعاً: ثم بين أخيراً أن القرآن الذي أملاه رسول الله، وفسره، وبين محكمه ومتشابهه وتأويله وتنزيله، وناسخه ومنسوخه، وكل ما يتعلق به إنما يكون عند الإمام، ثم يتوارثه الأئمة بعده حتى يرد على رسول الله «صلى الله عليه وآله» حوضه.
فالأئمكة هم ورثة الأنبياء.
فظهر أنه لا تكرار في كلام الإمام حول الأئمة، بل هناك حقائق ودقائق أساسية بينها «عليه السلام» بصورة تدريجية، وقرر أعيان الصحابة بها، فأقروا ، وأيدوا ذلك وأكدوه.. ليعرف الناس عبر الأجيال إلى يوم القيامة: أن ما استلب يوم السقيفة لم يكن السلطة، ولا كان شيئاً عادياً كما يتخيله كثير من الناس..
فإنهم، وإن استلبوا الخلافة بمعنى الحاكمية والسلطة في بعض الأمور، ولكنهم ضيعوا على الأمة ما هو أثمن وأغلى من مجرد الأمر والنهي فقد ضيعوا عليها دينها وهداها وسعادتها في الدنيا والآخرة. والنقاط التسع التي ذكرناها توضح ذلك بما لا مزيد عليه..
روى زكريا بن يحيى القطان، عن فضيل بن الزبير، عن أبي الحكم قال: سمعت مشیختنا وعلماءنا يقولون: خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام»، فقال في خطبته:
«سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لا تسألونى عن فئة تضل مائة وتهدي مائة إلا نبأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة».
فقام إليه رجل، فقال: أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر.
فقام أمير المؤمنين «عليه السلام» وقال: «والله، لقد حدثني خليلي رسول الله «صلى الله عليه وآله» بما سألت عنه، وإن على كل طاقة شعر في رأسك ملكا يلعنك، وعلى كل طاقة شعر في لحيتك شيطانا يستفزك، وإن في بيتك لسخلاً يقتل ابن رسول الله، وآية ذلك مصداق ما خبرتك به.
ولولا أن الذي سألت عنه يعسر برهانه، لأخبرتك به، ولكن آية ذلك ما نبأت به عن لعنتك، وسخلك الملعون».
وكان ابنه في ذلك الوقت صبياً صغيراً يحبو، فلما كان من أمر
الحسين «عليه السلام» ما كان تولى قتله، وكان الأمر كما قال أمير المؤمنين «عليه السلام» (1).
ونقول:
قد شرحنا هذا الحديث في كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام» ج 24 من ص 118 إلى أواخر ص 128 ونرى أن ما قلناه هناك وافٍ بالمطلوب، فلا حاجة إلى إعادته هنا، إلا أننا نشير إلى بعض ما يرتبط منه با لإمام الحسين «عليه السلام»، فنقول:
1) الإرشاد للشيخ المفيد ج 1 ص 331 و 332 والإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 618 و 619 و (ط دار النعمان) ج 1 ص 388 و 389 وقضاء أمير المؤمنين «عليه السلام» للتستري (ط مؤسسة الأعلمي) ص 129 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 105 ومدينة المعاجز ج 2 ص 172 وبحار الأنوار ج 10 ص 125 و 126 وج 34 ص 297 وج 40 ص 192 وج 41 ص 313 و 327 وج 42 ص 146 وج 44 ص 256 و 258 والعوالم الإمام الحسين «عليه السلام» ص 143 ومناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 211 ومستدركات علم رجال الحديث ج 4 ص 24 وإعلام الورى ج 1 ص 344 والأمالي للصدوق ص 115 و (ط مؤسسة البعثة) ص 196 وكامل الزيارات ص 155 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 2 ص 96 وشجرة طوبى ج 1 ص 68 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 286 وج 10 ص 14 وكشف اليقين ص 75 ونهج الحق ص 241 و 242 و نفس الرحمن ص 456 ودلائل الصدق ج 6 ص 359 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 619 و 620
إن الرواية لم تحدد لنا زمان حصول مضمونها بصورة صريحة وواضحة، ولكنها ألمحت إلى ما يمكن أن يساعد على ذلك، حيث قالت: إن أمير المؤمنين «عليه السلام» قد أخبر أن سخلا في بيت سعد بن أبي وقاص سوف يقتل ابن رسو الله «صلى الله عليه وآله»..
وقد جعل «عليه السلام» حصول هذا الخبر الذي رواه عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» دليلاً على صدق ما أخبره به عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أيضاً، عن أن على كل طاقة شعر في رأس سعد ملكاً يلعنه، وعلى كل طاقة شعر في لحيته شيطاناً يستفزه..
وكان هذا السخل هو عمر بن سعد..
وقد صرحت الرواية: بأن عمر بن سعد «لعنه الله» كان في ذلك الوقت صغيراً يحبو..
فإذا ضممنا إلى ذلك قولهم: إن عمر بن سعد قد ولد يوم مات عمر بن الخطاب، كما عن أبي خيثمة في تاريخه عن ابن معين (1).
1) تقريب التهذيب لابن حجر ج 1 ص 717 وتاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 43 والإصابة ج 3 ص 172 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج5 ص 219 وتهذيب الكمال ج 21 ص 360 وتحفة الأحوذي ج 7 ص208 والكنى والألقاب ج 1 ص 307 عن ابن حجر
فذلك يعني: أن هذا الذي جرى بين علي «عليه السلام» وسعد قد كان في السنة الأولى أو الثانية من خلافة عثمان، لأن الصبي إنما يحبو ما بين السنة الأولى والثانية، بحسب العادة.
وتسمية الراوي الإمام علياً «عليه السلام» بأمير المؤمنين لا يدل على أنه كان يتحدث عن أيام خلافته «عليه السلام»، فقد كان إطلاق هذا الاسم عليه شائعاً منذ زمن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، كما أن الراوي هو الذي يختار التوصيف الذي يروق له للأشخاص وهو يتحدث عنهم.
أما ما ذكروه من أن عمر بن سعد قد ولد في زمن النبي «صلى الله عليه وآله»، فمستنده:
ما عن ابن إسحاق، من أن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص: إن الله تعالى قد فتح الشام والعراق، فابعث من قبلك جنداً إلى الجزيرة.
فبعث جيشاً عليه عياض بن غنم، وبعث معه عمر بن سعد، وهو غلام حديث السن.
قال ابن إسحاق: وكان ذلك سنة تسع عشرة (1).
وهذا يدل على أن عمر بن سعد قد ولد في زمن الرسول «صلى
1) الإصابة ج 3 ص 172 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج5 ص 219 عن ابن فتحون، وعن يعقوب بن سفيان الفسوي، والطبري
الله عليه وآله»، كما ذكره ابن فتحون وابن عساكر (1).
ويرد عليه:
أولاً: أن ابن شهاب، روى عن عامر بن سعد عن أبيه، قال: مرضت بمكة، فعادني رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقلت: يا رسول الله، إنى ذو مال لا يرثنى إلا ابنة.. الحديث (2).
قال مالك والجمهور: إن ذلك كان في حجة الوداع، وفي رواية بن عيينة في الفتح (3). هذا ما ذكره في الإصابة، وعامر بن سعد أكثر من واحد، ولكن الظاهر أن المقصود بعامر بن سعد عامر بن سعد بن أبي وقاص، وأن قوله إنه ليس له وارث إلا ابنته، واسمها عائشة يدل على أن عمر بن سعد لم يكن قد ولد في عهد رسول الله «صلى
1) الإصابة ج 3 ص 172 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج5 ص 219 عن ابن فتحون، وابن عساكر
2) الإصابة ج 3 ص 172 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج5 ص 219 عن الصحيحين. وراجع ج 8 ص 235. وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 281 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 144
3) الإصابة ج 3 ص 172 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج5ص 219 عن مالك والجمهور، وابن عيينة وراجع تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 281 و 334 وأسد الغابة ج 2 ص 274 وسير أعلام النبلاء ج 1 ص 121 والمغازي للواقدي ج 2 ص 1115 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 81 وإمتاع الأسماع ج 2 ص 120
الله عليه وآله».
ثانياً: ذكر سيف في الردة: أن سعداً كانت عنده يسرى بنت قيس بن أبي الكيسم من كندة في زمان الردة، فولدت له عمر بن سعد (1).
ثالثاً: قال ابن معين إن عمر بن سعد ولد يوم وفاة عمر بن الخطاب، وهذا يدفع ما سواه.
رابعاً: إن الحديث الذي نحن بصدده يصرح بأن عمر بن سعد كان يحبو حين خطب علي «عليه السلام»، واعترض عليه سعد بن أبي وقاص بما تقدم.
وربما كان السبب في ادّعاء الصحبة لعمر بن سعد، هو تكريس
الحصانة له، والحكم بعدالته واجتهاده من خلال ادّعائهم العدالة لكل من رأى الرسول «صلى الله عليه وآله»، فيصير بذلك قاتل وصي النبي عدلاً، معصوماً ، ومجتهداً، لا يصح مؤاخذته، ولا لعنه، ولا الاعتراض عليه بشيء.
1) الإصابة ج 3 ص 172 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج5 ص 219 عن سيف
وقد ذكرت الرواية: أن عليا «عليه السلام» قال في خطبته: «سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لا تسألوني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة، إلا نبأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة».
فنلاحظ:
أولاً: إن حال أمير المؤمنين «عليه السلام» يختلف عن حال الحسن والحسين وسائر الأئمة الطاهرين «عليهم السلام»، فهو الذي يستطيع أن يقول: «سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لا تسألوني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة إلا نبأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة».. وذلك لأنه «عليه السلام» هو نفس الرسول «صلى الله عليه وآله» بنص القرآن، وهو الذي عنده علم الكتاب وهو باب مدينة علم رسول الله إلى غير ذلك مما قرره القرآن الكريم، وأكد رسول الله «صلى الله عليه وآله» مضامينه..
فإذا قال «عليه السلام» سلوني قبل أن تفقدوني، فإن أحداً لا يجرؤ على منازعته، أو التشكيك بصحة قوله، وصدقه فيما يدعيه. لاسيما وأن الوقائع والأحداث قد أكدت صحة ما يقوله..
أما الحسنان «عليهماالسلام» فلم يرد في حقهما ما يحمل الناس على الرضا منهما بما يرضونه من أبيهما «صلوات الله وسلامه عليه وعليهما» بالرغم من كثرة التصريحات والدلائل على لسان رسول الله «صلى الله عليه وآله»، الدالة على أن لديهما علم الإمامة، الذي لا
يجرؤ الآخرون على ادعائه لأنفسهم.
على أن وجود أبيهما يعطي الإنطباع بأنه هو المعني بمقارعة الغاصبين لمقام الإمامة والاستدلال عليهم فيه، لأن المطلوب هو مواصلة تذكير الأمة بأن ثمة حقاً مغتصباً، لا بد من إعادته إلى أهله، وأن تقادم العهد لا يحلل الحرام، ولا يحرم الحلال.
ولكن هذا التذكير يجب أن لا يكون بمجرد الادعاء، فقد يقابل الادّعاء بالإنكار والجحود، بل المطلوب هو أن يكون التذكير مشفوعاً بالضوابط القاطعة للعذر، والمزيلة لكل شبهة وريب..
والوسيلة الأكثر نجاعة هي أحد أمرين:
أولهما: الاستدلال بالنص الذي يكون الاستدلال به ممكناً، حيث يؤمن جحوده، وإثارة الشبهة حوله سنداً، أو دلالة. ولو على نحو المكابرة والتجني.
الثاني: تجسيد خصائص الإمامة في أهلها، وبيان فاقدية المدَّعين زوراً لها. فإن من أهم خصائص الإمامة هو العلم الخاص الذي يختص الله به من يشاء من عباده..
وهذا بالذات هو الذي بادر أمير المؤمنين «عليه السلام» للاستفادة منه هنا حين قال: سلوني قبل أن تفقدوني الخ..
فالعلم الخاص هذا، سيبقى هو السيف المصلت فوق رؤوس الغاصبين لمقام الإمامة، لأنهم اغتصبوا موقعاً، يبقى دائماً بحاجة إلى هذا العلم، لأنهم يجلسون في مكان الرسول، ويسألهم الناس عن كل
شيء، ولا بد لهم من الإجابة على كل سؤال، وأين وأنى لهم ذلك؟!
وقد لاحظنا أنه «علیه السلام»، قال:
أولاً: سلوني قبل أن تفقدوني. وهي كلمة تدل على أنه يملك الإجابات الصحيحة في أي مجال كان والمتوقع أن تكون أسئلة ،علمية، وصعبة، وفي غاية الدقة والإشكال.
ولكنه «عليه السلام» اتبعها بكلام دل على أنه يريد أن يدفعهم إلى السؤال عن الأمور الغيبية، التي تقصر عقول البشر عن نيلها، فلا مجال فيها للفذلكة، ومحاولة صرف الكلام عن مساراته، بهدف التضليل، وإلقاء الشبهة فإن الأمور الغيبية تقتصر المعرفة فيها على العلم بحصولها ، أو عدم حصولها في زمان أو مكان بعينه، أو ضمن شرائط وخصوصيات معينة. وليس بالضرورة أن تكون أموراً صعبة الفهم، أو مشتملة على دقائق وحقائق عميقة، أو مبهمة.
ولعل السبب في ذلك هو: أن الإخبارات الغيبية يدرك إعجازها الناس بجميع فئاتهم وطبقاتهم العالم، والجاهل، والذكي، والغبي، والمسلم، وغير المسلم الخ.. بمجرد حصولها، أو عدم حصولها.
أما المطالب العلمية العالية، والأسرار الدقيقة في الخلق والتكوين، والحقائق واللطائف، فلها أهلها، وطلابها من خواص عباد الله الذين امتحن قلوبهم للتقوى.
وقد يحاول أهل الريب أن يجادلوا فيها بالباطل ليدحضوا به
الحق.
ولأجل ذلك ساق كلامه «عليه السلام» باتجاه الإخبار عن حصول أمور معينة، لا مجال للجدال فيها، لأنها تبقى مرهونة بأوقات حصولها.
هذا بالذات هو ما واجه به «عليه السلام» سعد بن أبي وقاص.. فقد أخبره بما سيفعله سخله الذي في بيته بالحسين «عليه السلام» وقد أسند ذلك إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولم ينسبه إلى نفسه، ثم ربط صدق ما أخبر به عن لعن الملائكة لسعد، واستبداد الشياطين به بحصول القتل الذي أخبر «عليه السلام» عنه على لسان الرسول.
وقد يعجب المرء من إقدام سعد على هذا التصرف الأرعن، حتى بدا وكأنه يريد أن يتلعب بأمير المؤمنين «عليه السلام»، ويسخر منه.. وهو يعلم بنزول الآيات في حقه، وبأقوال رسول الله «صلى الله عليه» وآله فيه.. وكأنه يستهزئ بالله ورسوله، فقد بادر إلى طرح سؤال تافه لا يمكن تبريره من رجل يضع نفسه في مصاف الكبار، فلماذا أقدم سعد على ما أقدم عليه؟!
قد يقال في الجواب: إن سعداً كان حسوداً كما قال «عليه السلام» (1).
1) الإمامة والسياسة ج 1 ص 54 و (تحقيق الزيني) ج 1 ص52 و (تحقیق الشيري) ج 1 ص 73 وخلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 27 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 32 ص 461 وقاموس الرجال جه ترجمة سعد بن أبي وقاص، والمعيار والموازنة ص 108 والأمالي للطوسي ص716 وبحار الأنوار ج 32 ص70
والحسود لا يطيق أن يرى النعمة على غيره. بل يحب أن تسلب منه.
ولعل هذا هو سبب إقدامه على هذه الحماقة، التي لا يرضاها عاقل لنفسه، بل إن الإنسان العاقل والمتوازن يغتنم الفرصة لطرح الأسئلة المفيدة له في دنياه وفي آخرته.
أما السؤال عن عدد شعرات الرأس واللحية، فلا يكون إلا من إنسان هازئ بالمسؤول، الذي جعله الله تعالى نفس رسول الله «صلی الله عليه وآله»، وقال عنه: إنه عنده علم الكتاب، وقال رسول الله «صلى الله عليه وآله» عنه: إنه باب مدينة علمه.. فالاستهزاء به وبعلمه لا يكون إلا ممن يكذب هذه الآيات القرآنية، وينكر الأقوال النبوية.
ويلاحظ أن علياً «عليه السلام» قد وصف الإمام الحسين «عليه السلام» بأنه ابن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولم يقل لسعد: إن ابنك سوف يقتل ابنى، لأن نسبته إلى رسول الله «صلى الله عليه
وآله» تتضمن إدانة صريحة للقاتل وتقبيحاً لعمله. وتجعل على عاتق مربيه أن يربيه تربية صالحة تصونه من ارتكاب أمثال هذه الجرائم الكبرى.
والأمر اللافت للنظر هنا: أنه «عليه السلام» قد جعل الإخبار بقتل الحسين «عليه السلام»، وحصوله في وقته المعين دليلا على صحة ما أخبر به عن الملائكة التي تلعن سعداً، والشياطين التي تستفزه مع أن قتل ذلك السخل الملعون لابن رسول الله «صلى الله عليه وآله» سوف يقع بعد حوالي خمس وثلاثين سنة من ذلك التاريخ، وبعد استشهاد علي أمير المؤمنين والإمام الحسن «عليهماالسلام»، بل وبعد موت سعد بن أبي وقاص نفسه، فقد توفي سنة خمس وخمسين، أو ثمان وخمسين ، أو أربع وخمسين (1).
1) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 2 ص 26 و (ط دار الجيل) ج 2 ص 606 والإصابة ج 2 ص 33 و (ط دار الكتب العلمية) ج 3 ص 61 وأسد الغابة ج 2 ص 292 ومشاهير علماء الأمصار لابن حبان ص26 وتاريخ بغداد ج 1 ص 156 و 157 وراجع الطبقات الكبرى لابن سعد ج 6 ص 12 و 13 و طبقات خليفة بن خياط ص 45 والإكمال في أسماء الرجال ص78 والتعديل والتجريح للباجي ج 3 ص 1243 وتاريخ مدينة دمشق ج20 ص 20 و 291 و 293 و 367 و 368 و 369 و 370 و 371 وتقريب التهذيب ج 1 ص 346 والكامل في التاريخ ج 3 ص 471 والعبر في خبر من غبر ج 1 ص 60 و 61 والوفيات لأحمد بن حسن الخطيب ص 31 وإمتاع الأسماع ج 11 ص 310 والأنس الجليل ج 1 ص 262 وشذرات الذهب ج 1 ص 61
وهذا يعني: أنه «عليه السلام» أراد أن يجعل من هذا الخبر دليلا على إمامته للأجيال اللاحقة، التي ستكون بأمس الحاجة إلى مثل هذه الدلائل والشواهد. لأنه «عليه السلام» كان يرى نفسه مسؤولاً عن تهيئة وسائل الهداية للناس كلهم على مدى التاريخ، وهذا من ذاك.
قالوا: اجتمع عند معاوية عمرو بن عثمان، وعمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان والوليد بن عقبة والمغيرة بن شعبة، وبعثوا إلى الإمام الحسن «عليه السلام» ليواجهوه بالسب، وليصغروا من قدره وقدر أبيه عليهما السلام»..
وبعد أن أدلى كل منهم بدلوه انبرى الإمام الحسن «عليه السلام» إليهم، وناشدهم بما لم يمكنهم إلا الإقرار به، فكان ما قاله لهم:
«وأنشدكم بالله، أتعلمون أن أبا سفيان أخذ بيد الحسين حين بويع عثمان، وقال: يا ابن أخي، أخرج معي إلى بقيع الغرقد.
فخرج، حتى إذا توسط القبور اجترَّه، فصاح بأعلى صوته: يا أهل القبور! الذي كنتم تقاتلونا عليه صار بأيدينا وأنتم رميم.
فقال الحسين بن علي: قبح الله شيبتك، وقبح وجهك. ثم نتر يده
وتركه.
فلولا النعمان بن بشير أخذ بيده ورده إلى المدينة لهلك (1).
ونقول:
إن أبا سفيان لم يكن يصدق أن يصل الأمر إلى بني أمية سريعاً وبهذه السهولة، فلما حصل ذلك فقد توازنه، ولم يعد يدري كيف يعبر عن فرحته.. فتجده تارة يركل قبر حمزة برجله ويقول: يا أبا عمارة! إن الذي اجتلدنا عليه بالأمس ها هو في أيدي صبياننا اليوم يتلعبون به (2).
وتارة يدخل على عثمان، (وكان أبو سفيان قد عمي) فيسأل: هل ها هنا أحد (يحتشم منه)؟!
فقالوا : لا.
فقال لهم: أديروها يا بني أمية كالكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة ولا نار (3).
1) بحار الأنوار ج 44 ص 78 عن الإحتجاج ج 1 ص 275 و (ط دار النعمان) ج 1 ص 409
2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 136 وبحار الأنوار ج33 ص89 والغدير ج 10 ص 83 وقاموس الرجال للتستري ج 11 ص 352
3) السقيفة وفدك للجوهري ص 87 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 9 ص 53 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 215 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص 407 والغدير ج 8 ص 331 والكنى والألقاب ج 1 ص 88
وهو هنا يطلب من الحسين «عليه السلام» أن يخرج معه إلى بقيع الغرقد، فلعله لأجل أن يتلذذ بإظهار عنجهيته واستكباره على الأموات والأحياء...
لأن الحسين «عليه السلام» كان من أهل البيت الذين سلبت الخلافة منهم بالعدوان والقهر ، ولعل أبا سفيان اختار الحسين «عليه السلام»، لأنه كان يريد أن يوصل رسالة إلى علي «عليه السلام»، كما أنه كان يريد أن ينفس عن حقده.. ولكنه كان يخشى من أن يتفوه بشيء من ذلك أمام علي «عليه السلام» فيواجهه بما لا طاقة له به ولعل الإمام الحسن لم يكن حاضراً في ذلك المجلس.
وتقول الرواية: إن أبا سفيان حين توسط القبور اجترَّ الإمام الحسين «عليه السلام» وصرخ بأعلى صوته إلخ..
ومعنى اجترَّه: طلب من الإمام الحسين أن يجره، لأن أبا سفيان كان أعمى آنئذ.
ولعل هدفه من هذا أن يجعل الإمام الحسين «عليه السلام»، وهو من أهل بيت النبوة في موقع الساعي في حاجاته، والملبي لرغباته. بعد أن كان يرى نفسه قد أصبح ذنباً في الإسلام، الذي جهد في إطفاء نوره، فلم يزدد إلا سطوعاً وتألقاً.. ببركة جهد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وجهاد علي «عليه السلام»، والمخلصين من المسلمين.
كما أنه يريد أن يسمعه كلماته المسمومة، والجارحة، التي تؤذيه
في الصميم.. ويراه غير قادر على فعل أي شيء ضده. ويتلذذ بذلك.
ولكنه وجد الموقف الحازم والصارم من الإمام الحسين «عليه السلام»، حيث أسمعه ما يكره، وقال له: قبح الله شيبتك، وقبح وجهك. ثم نتر يده وتركه..
ولأنه كان أعمى، فقد ضاع، ولم يعرف كيف ومن أين يعود إلى بيته، ولولا أن النعمان بن بشير أخذ بيده وجاء به إلى المدينة لهلك، كما قالت الرواية..
وكلمة أبي سفيان إنما أغضبت الإمام الحسين، لأنها تضمنت ما يدل على الكفر ، لأن أبا سفيان كان في حربه على رسول الله «صلى الله عليه وآله» يسعى إلى الحصول على الملك.. لأنه لم يكن مؤمناً بالله وبرسوله وبالدين الذي جاء به.
وكان يزعم أيضاً: أن النبي «صلى الله عليه وآله» بادّعائه النبوة إنما يطلب الملك أيضاً، ولا يقاتل دفاعاً عن نفسه ودينه..
وهذا كفر واضح من أبي سفيان. ولأجل ذلك استحق هذا الموقف الشديد من الحسين «عليه السلام».. ولعله لولا علمه «عليه السلام» بأن الفتنة كانت ستقع لوجدنا الإمام الحسين لا يقتصر على ما حصل، بل كان سيتجاوزه إلى ما هو أدهى وأعظم..
إن أبا ذر حين وجد أن سياسات عثمان وأعوانه مخالفة لسياسات رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وفيها الكثير من التعدي على أحكام الشرع، والتجاوز على الحقوق، وصار يعترض على عثمان وعلى عماله، ونفاه عثمان إلى الشام، فلم يحتمل معاوية صراحة أبي ذر، فأعاده إلى المدينة، على ذلك النحو المهين والقاسي.
ولم يستطع عثمان أن يسكته عن قول الحق، ويمنعه من تسجيل مؤاخذاته، فقرر أن ينفيه إلى الربذة، ومنع الناس من تشييعه.
فبلغ ذلك أمير المؤمنين «عليه السلام»، فبكى حتى بل لحيته، ثم نهض ومعه الحسنان وأبناء عباس، وعقيل، وعمار، والمقداد بن الأسود.
ولحقوه ليشيعوه، فاعترض عليهم ،مروان، فأسمعه علي «عليه السلام» ما يكره وطرده، فشكاه إلى عثمان وجرت بعد ذلك مشادة بين علي وعثمان وفي اليوم التالي جرى عتاب بينهما، وانتهت القضية عند هذا الحد.
والذي يهمنا ما قاله علي والحسنان «عليهاالسلام» لأبي ذر حين وداعهم إياه.
فقد قال أمير المؤمنين «عليه السلام» - كما في نهج البلاغة -: يا أبا ذر ، إنك غضبت الله، فارج من غضبت له.
إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فاترك في
أيديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه.
فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عما منعوك.
وستعلم من الرابح غداً، والأكثر حُسَّداً .
ولو أن السماوات والأرضين كانتا على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجا،
ولا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل.
فلو قبلت دنياهم لأحبوك، ولو قرضت منها لأمنوك (1).
وعن ذكوان مولى أم هانئ أن علياً «عليه السلام» قال: يا أبا ذر، إنك غضبت لله! إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك فامتحنوك بالقلي، ونفوك إلى الفلا، والله لو كانت السماوات والأرض على عبد رتقاً، ثم اتقى الله لجعل له منها مخرجاً .
يا أبا ذر لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل.
ثم قال لأصحابه: ودعوا عمكم.
وقال لعقيل: ودع أخاك.
1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 12 الخطبة رقم 130 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 8 ص 252 وعيون الحكم والمواعظ للواسطي ص 552 وجامع أحاديث الشيعة ج 14 ص 453 والغدير ج 8 ص 300 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج 4 ص 113 وج 8 ص 18 ونهج السعادة ج 4 ص 11 وحياة الإمام الحسين للقرشي ج 1 ص 373
فتكلم عقيل، فقال: ما عسى أن نقول يا أبا ذر، وأنت تعلم أنا نحبك، وأنت تحبنا ! فاتق الله، فإن التقوى نجاة، واصبر فإن الصبر كرم، وأعلم أن استثقالك الصبر من الجزع ، واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع.
ثم تكلم الحسن، فقال: يا عماه، لولا أنه لا ينبغي للمودع أن يسكت وللمشيع أن ينصرف، لقصر الكلام وإن طال الأسف، وقد أتى القوم إليك ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها (قها)، وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيك «صلى الله عليه وآله» وهو عنك راض.
ثم تكلم الحسين «عليه السلام»، فقال: يا عماه، إن الله تعالى قادر أن يغير ما قد ترى والله كل يوم هو في شأن، وقد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك، فما أغناك عما منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم!
فأسال الله الصبر والنصر، واستعذ به من الجشع والجزع، فإن الصبر من الدين والكرم، وإن الجشع لا يقدم رزقاً، والجزع لا يؤخر أجلاً.
تكلم عمار «رحمه الله» مغضباً، فقال: لا آنس الله من أوحشك ، ولا آمن من أخافك. أما والله لو أردت دنياهم لأمنوك، ولو رضيت أعمالهم لأحبوك، وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا، والجزع من الموت مالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه،
والملك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم، ومنحهم القوم دنياهم، فخسروا الدنيا والآخرة ، ألا ذلك هو الخسران المبين! (1).
ونحن قد بحثنا ما جرى لأبي ذر مع عثمان في كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام» ج 17 فلا حاجة إلى إعادة ما ذكرناه هناك، لأن ما يهمنا هنا هو خصوص ما يرتبط بالإمام الحسين «عليه السلام»، وهو ما قاله لأبي ذر في وداعه له.. وقد تضمنت كلماته «عليه السلام» إشارات إلى أمور كثيرة نكتفي منها بما يلي:
1 - إن من يعاني مما عاناه أبو ذر ، ويرى كيف أن خيار الأمة وصلحاءها مضطهدون مهانون، تلاحقهم المصائب والبلايا والكوارث والرزايا.. ويرى أهل الباطل تقوى شوكتهم، وتتضاعف قوتهم، وقد تسلطوا على العباد والبلاد، ولا يرى بارقة أمل تنعش القلب، وتجبر الخاطر، وتسر الناظر، فإنه يصبح بحاجة إلى شحن عزيمته، ورفد بصيرته بما يزيده يقيناً وثباتاً وقوة في مواجهة
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 8 ص 252 - 254 وبحار الأنوار ج 22 ص 412 - 413 و 435 - 436 (مع وجود اختلاف في العبائر فليلاحظ ذلك) وروضة الكافي ص 206 و 208 ومنهاج البراعة ج 8 ص 249 وج 16 ص 302 ونهج السعادة ج 1 ص 168 والغدير ج 8 ص 301 و 302 والسقيفة وفدك للجوهري ص 78 - 80 والدرجات الرفيعة ص248 و 249 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 602 - 604
الرزايا.
والوسيلة الأفضل والأمثل لتحقيق هذا الفرض هي التذكير بأن ما يجري لا يعني أن الإرادة الإلهية أصبحت مغلوبة، وأن هذا الحال سوف يدوم، فإن الله تعالى يمهل ولا يهمل، وهو قادر على الاقتصاص من الجناة، لاسيما وأنه تعالى يقول: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ) (1).
ولذلك قال الإمام الحسين «عليه السلام» لأبي ذر: «إن الله تعالى قادر أن يغير ما قد ترى، والله كل يوم هو في شأن».
إذن، فلا مجال للشعور بالإحباط أو الضعف، ولا مورد للانهزام، بل لا بد من العمل بالوظيفة الشرعية، وأن يبقى الحق حيا في ضمائر الناس.. ويبقى في موقع الإزعاج للباطل وتهجينه..
ثم أتبع ذلك بمقارنة تظهر: أن أبا ذر هو المنتصر، فإنه استطاع أن يمنع أولئك الناس من النيل من دينه، بإحداث أي اختلال فيه. فبقي دينه صحيحاً وسالماً، وقد فشلت محاولاتهم للنيل منه، من خلال
1) الآية 55 من سورة النور
الإغراءات والمساومات ومن خلال التخويف والتهويل عليه، ثم من خلال إيذائه، وحرمانه، وتشريده في البلاد، ومنع الناس من مجالسته، ونفيه إلى أبغض البلاد إليه.
منعوك ما لو نلت منه على حساب دينك ومبادئك لهلكت، وكان مصيرك مصيرهم. وقد منعتهم أنت من أن يحرموك من أثمن شيء عندك، وما تكون به نجاتك في الآخرة، وهو دينك.
ثم قدم له «عليه السلام» معياراً يميز به بين الغنى وبين الفقر، فقال: «فما أغناك عما منعوك ، وأحوجهم إلى ما منعتهم».
فأنت إذا كان دينك ووجدانك وقيمك ، وأخلاقك معك، وكانت تنعم بالصحة وبالسلامة، فذلك يعني: أن الله معك، ومن كان الله معه، فهو أغنى الناس عن كل شيء في هذه الدنيا.
ومن كان دينه منقوصاً ، أو مشوهاً، وكذلك ضميره ووجدانه، وقيمه وأخلاقه، فهو أفقر الناس، وأحوجهم وكل ما حصل عليه من مال وحطام لا يسد فقره، ولا يلبي حاجته.
1 - ثم ذكر له: أنه يحتاج إلى الحصول على أمرين هما: الصبر، والنصر، وإلى التخلص من أمرين وهما الجشع، والجزع.
2 - فالنصر هو نتيجة الصبر والثبات، وليس النصر هو
الحصول على الرغبات والبديل عن الصبر هو التخلي عن الهدف، وتضييعه، وهذا هو الفشل الذريع، والسقوط المريع. والثبات والصبر معناه أنك أكملت ما يطلب منك، ووصلت إلى نهاية الطريق، وحملت قضيتك وحميتها ونصرتها، وحفظتها إلى آخر لحظة من حياتك. وبذلك تكون قد أديت واجبك، وانتقل الواجب عنك إلى غيرك، ليتابع ما بدأته، ويحمل ويحفظ، ويحمي وينصر ما حفظته وحميته ونصرته.. وبذلك تتواصل مسيرة الحق والخير في الحياة، وتتعاضد الجهود، وتتضافر على تقويته وحمايته وصيانته، وتنمية قدراته.
وهذا هو الهدف من سؤال النصر والصبر..
3 - أما إذا ابتلي بالجشع، فذلك يعني الانغماس في الدنيا، والتخلي عن دينه وأخلاقه وقيمه من أجلها ، حتى إذا وجد بعض التأخير والبطء في تحقيق ما يصبو إليه تهاوى جزعاً وضعفا، وتخلى عن كل ما يؤمن به ويدين به، لأنه يخشى أن يعاجله أجله، وأن يخيب وينقطع من الدنيا أمله
4 - وطريقة التخلص من هاتين العاهتين، هي: أن يعلم: أن الجشع لا يقدم رزقاً، وأن الجزع لا يؤخر أخلاً.
زعموا: أن الحسين «عليه السلام» قد:
شارك أولاً : في فتوح إفريقية سنة 26 هجرية تحت راية عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
وشارك ثانياً: في حرب طبرستان وجرجان سنة 29 أو سنة 30 للهجرة، وذلك بإمرة سعيد بن العاص.
وشارك ثالثاً : في غزوة القسطنطينية سنة 48 أو سنة 52 للهجرة، وذلك في زمان معاوية، وبإمرة ولده يزيد «لعنه الله».
والمستند الذي اعتمدوا عليه فيما قالوا:
1 - فيما يرتبط بإفريقية ذكروا: أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، حين أراد التوغل في إفريقية، استمد عثمان، فأمده من المدينة بالعساكر، وفيهم جماعة من الصحابة كابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وابن جعفر، والحسن والحسين، وابن الزبير.
فساروا سنة ست و عشرين إلى برقة، ثم إلى طرابلس، فنهبوا الردم عندها، ثم ساروا إلى إفريقية، وبثوا السرايا في كل ناحية (1).
2 - فيما يرتبط ببلاد المشرق، قالوا إن أهل طبرستان صالحوا في عهد عمر سويد بن مقرن على مال بذلوه، ثم نقضوا. فغزاهم سعيد بن العاص، سنة 29 أو 30 في عهد عثمان، ومعه الحسن والحسين، وابن عباس وابن عمر، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص.
فنزل سعيد قومس، وهي صلح، وأتى جرجان فصالحوه، ثم طميسة فقاتلوه، حتى صلى صلاة الخوف وقد سأل سعيد حذيفة عن كيفيتها، فعلمه إياها (2).
1) العبر وديوان المبتدأ والخبر (ط دار الكتاب اللبناني) ج 2 ص 1003 و (ط الأعلمي سنة 1391هـ) ج 2 قسم 1 ص 128 و 129 والاستقصاء في أخبار المغرب الأقصى للناصري السلاوي ج 1 ص 39 وراجع الأعلام للزركلي ج 4 ص 88 و 89 وحياة الحسن «عليه السلام» للقرشي ج1 ص 95 وسيرة الأئمة الاثني عشر ج 2 ص 16 - 18 وج 1 ص 535 عن ابن خلدون
2) تاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 269 و (ط الأعلمي) ج 3 ص 323 والكامل في التاريخ ج 3 ص 109 والبداية والنهاية ج 7 ص 154 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 7 ص 173 و 174 وتاريخ العبر وديوان المبتدأ والخبر تاریخ ابن خلدون ج 2 قسم 1 ص 135 وفتوح البلدان (بتحقيق المنجد) قسم 2 ص 411 والفتوحات الإسلامية لدحلان ج 1 ص 175 وراجع: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 7 والبلدان لابن الفقيه الهمذاني ص 570 والإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 613 ونهاية الأرب ج 19 ص 418 و 419 وحياة الإمام الحسن «عليه السلام» للقرشي ج 1 ص 96 وسيرة الأئمة الاثني عشر ج 1 ص 536 و ج 2 ص 17 عن ابن خلدون والطبري
وعد السهمي الإمام الحسن، والإمام الحسين، في جملة من دخل جرجان (1).
وعد أبو نعيم الإمام الحسن «عليه السلام» في جملة من دخل إصبهان أيضا (2).
3 - عن المشاركة فى غزو القسطنطينية، نقول: ذكر ابن عساكر: أن الحسين «عليه السلام» «وفد على معاوية وتوجه غازياً إلى القسطنطينية، في الجيش الذي كان أميره يزيد (3).
وبعدما تقدم نقول:
إن هذه النقول موضع ریب ،شدید بل نحن نجزم بأنها مكذوبة، ولاسيما ما يرتبط بغزو القسطنطينية في عهد معاوية.. بقيادة يزيد «لعنه الله»..
ونستند في حكمنا هذا إلى أمور نذكرها ضمن ما يلي من
عناوين:
إن أول ما يطالعنا في هذا الموضوع: أن هذه المشاركة المدعاة إنما كانت فى السنوات 26 و 29 أو 30 أو 48 أو 52 للهجرة، فلماذا تأخرت مشاركتهم إلى هذه السنوات؟! إلى عهد عثمان وعهد معاوية ! ألم تكن في عهد عمر فتوحات أيضاً ؟! وقد كانت على درجة كبيرة من الخطورة والحساسية!!
وقد يجاب:
بأن عمر قد تشدد في منع الصحابة من مغادرة المدينة، ربما لأنه كان يخشى منهم أن يؤلبوا الناس ضده، أو لغير ذلك من أسباب (1).
ولكنه جواب غير سديد، فإنه إنما منع الصحابة من التفرق في البلاد للسكن فيها، لأنه يخشى من أن تتوطد علاقتهم بأهل تلك البلاد، ويكون ذلك من أسباب إثارة المشاكل، وحدوث القلاقل. وأما المشاركة في الغزو، فأمر آخر لا ربط له بما ذكر..
على أن الكثيرين من الصحابة كانوا يترددون في البلاد لأجل التجارات، ولغير ذلك من أغراض ولم نره منع أحدا منهم من ذلك.
1) سيرة الأئمة الاثني عشر للسيد هاشم معروف الحسيني ج 1 ص534 وراجع ص 317
والذي نراه أن بقاء ووجود هذا الطاغوت المتمثل في الدولة الكسروية الهائل في قدراته، والمغرق في التسلط وتلبية طموحاته، والمعلن لعدائه الشديد لدين الإسلام والساعي لإيراد الضربة القاصمة بالإسلام والمسلمين، ولم يزل يجمع الجيوش، ويثير الحروب في هذا السبيل.. إن بقاء ووجود هذا الطاغوت خطر عظيم على الإسلام وأهله بلا ريب.
فكان لا بد من رد عاديته وكسر عنفوانه، وتحطيم ،غروره، وإلا فعلى الإسلام وأهله السلام..
وكان لا بد أيضاً من أن يكون التعاطي مع هذا الطاغوت - حتى في عملية إسقاطه - على أساس الحق والعدل، ووفق أحكام الشرع والدين..
كما أن الواجب الشرعي والأخلاقي والإنساني يقضي بلزوم استمرار مسيرة العدل والإلتزام بالقيم والمبادئ، والأحكام في جميع المراحل التي تلي ذلك الإسقاط.
وبعد كسر بعض من عنفوان ذلك الطاغوت البالغ الخطورة في العقد الأول الذي تلا استشهاد رسول الله «صلى الله عليه وآله». فإن مستوى الخطر قد تضاءل، أو انحسر بدرجة كبيرة إلى أن أراح الله العباد والبلاد منه بعد ذلك.
ولكن الشيء اللافت هنا: أن الفتوحات قد اتخذت باب ارتزاق،
وتوسعة نفوذ، وبسط سلطان، ورغبة في حطام الدنيا، والحصول على زبارجها وبهارجها..
ونتيجة لذلك نستطيع أن نسجل ما يلي:
أولاً: إن هذا يعطي: أن مشاركة علي «عليه السلام»، وأهل بيته، وأبرار الصحابة وخيارهم إن كانت ضرورية، فكان يجب أن تظهر بصورة جلية وواضحة في المرحلة الخطيرة والصعبة، وهي المرحلة الأولى، لوجوب دفع الخطر عن الإسلام وأهله على كل قادر.
ولأجل ذلك نلاحظ:
أن أمير المؤمنين «عليه السلام» قد زج بأصحابه في تلك الفترة بالذات، فكانوا القادة والذادة، والمدبرين لأمرها، والمشرفين على مسارها والمخططين لها، والحلالين لمشاكلها.
وكان يستعان بهم كلما وجدت السلطة نفسها عاجزة عن تحقيق النصر ، وأصبحت أمام طريق مسدود، ويؤتى بهم أينما كانوا ليكونوا القادة والحماة الذادة. كما أشرنا إليه في كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام».
ولذا نلاحظ أن خيرة أصحاب علي «عليه السلام» قد شاركوا في تلك الحروب، ومنهم حذيفة بن اليمان والأشتر، وجندب بن زهير، وكثيرون غيرهم..
ثانياً: وبعد كسر شوكة الطاغوت وانحسار الخطر، لم يعد
بالإمكان السكوت على المسير الإنحرافي للفتوحات، حيث كانت وسيلة للحكام لنيل المآرب، والحصول على الرغائب، وتوسعة الملك، وبسط السلطة. وظهرت فيها السياسات الظالمة لفرض السلطة الغاشمة، وأصبحت المشاركة فيها مشاركة في الظلم والسلب والنهب، وصد الناس عن دين الله تعالى.. فلم يكن الإمام الحسين، ولا الإمام الحسن «عليهما السلام»، ليشاركا فيها، لا من قريب ولا من بعيد.
ويشهد لما نقول:
أن ما كان يتعرض له أهل البلاد المفتوحة من ظلم، وإذلال، ومعاملة وحشية وظالمة، جعل الناس في كثير من البلدان يعودون للكفر حين تسنح لهم الفرصة، فيعود المتسلطون إلى فتح تلك البلاد من جديد (1)، بظلم أشد، وببطش أقسى.
1) راجع على سبيل المثال: العبر وديوان المبتدأ والخبر (تاريخ ابن خلدون) ج 2 قسم 2 ص 131 و 132 و 133 وتاريخ الأمم والملوك (ط الإستقامة) ج 3 ص 325 والبداية والنهاية ج 7 ص 152 و 155 و 165 و 121 152 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 186 والكامل في التاريخ ج3 ص465 والفتوحات الإسلامية لدحلان ج1، والفتوح لابن أعثم، وغير ذلك..
ويكفي أن نذكر: أنهم يصفون الذين كانوا مع الإمام الحسن عليه السلام» بعد استشهاد أمير المؤمنين «عليه السلام» بأنهم: أخلاط من الناس، بعضهم شيعته وشيعة أبيه «عليهماالسلام».. إلى أن قال: وبعضهم أصحاب طمع في الغنائم إلخ..» (1).
وقال خالد بن الوليد لجنوده، وهو يرغبهم بأرض السواد: «ألا ترون إلى الطعام كرفغ (2)التراب؟! وبالله، لو لم يلزمنا الجهاد في سبيل الله، والدعاء إلى الله عز وجل، ولم يكن إلا المعاش، لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والإقلال ما تولاه، ممن اناقل عما أنتم عليه ..» (3).
وفي فتح شاهرتا يعطي بعض عبيد المسلمين أماناً لأهل المدينة، فلا يرضى المسلمون به حتى رفعوا ذلك إلى عمر، فكتب: «إن العبد
1) راجع: كشف الغمة (المطبعة العلمية) ج 2 ص 165 والإرشاد للمفيد (ط النجف) ص 193 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 720
2) الرَّفْعُ: الْأَرْضُ الكَثِيرَةُ التُّرَابِ يُقالُ: جاءَ فلانٌ بمال كرَفعُ التُرَابِ: أي: في كَثرَتِه». راجع: أقرب الموارد ج 1 ص 419 وتاج العروس ج 12 ص 24
3) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 9 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 559 والعراق في العصر الأموي ص 11 عنه، والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 6 ص 380 والروض المعطار للحميري ص611 وراجع الكامل في التاريخ ج 2 ص 488
المسلم من المسلمين، أمانه أمانهم».
قال: «ففاتنا ما كنا أشرفنا عليه من غنائمهم..» (1).
ويكفي أن نذكر: أنّ التعذيب في الجزية قد بدأ من زمن عمر بن الخطاب (2).
وقد حاول عمر بن الخطاب أخذ الجزية من رجل أسلم، بحجة أنه إنما أسلم متعوّذاً ، فقال له ذلك الشخص: إن في الإسلام لمعاذاً.
فقال له عمر: صدقت إنّ في الإسلام لمعاذا (3).
والغريب أنّ نائب خراسان دعا «أهل الذمة: سمرقند، ومن وراء النّهر إلى الدّخول في الإسلام، ويضع عنهم الجزية، فأجابوه إلى ذلك، وأسلم غالبهم. ثم طالبهم بالجزية، فنصبوا له الحرب وقاتلوه» (4).
1) راجع: المصنف للصنعاني ج 5 ص 222 و 223 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 4 ص 484 والسنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 94
2) المصنّف للصنعاني ج 11 ص 245 فما بعدها، والمعجم الكبير ج 22 ص 170 وتاريخ جرجان ص 107 و 108 و المنتقى من السنن المسندة ص 279 وشعب الإيمان ج 4 ص 348
3) المصنّف للصنعاني ج 6 ص 94 و ج 10 ص 336 وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 131 والشرح الكبير لابن قدامة ج 10 ص 605 ولا بأس بمراجعة السيادة العربية، والشيعة، والإسرائيليات ص 26 - 56
4) البداية والنهاية ج 9 ص 253 و 260 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 9 ص 287
وصار الحكام المسلمون - ومنهم نائب خراسان - يضربون الجزية على من أسلم بحجة: أن الجزية بمنزلة الضريبة على العبد، فلا يسقط إسلام العبد ضريبته. لكن عمر بن عبد العزيز شد عن هذه السياسة، وأسقطها عنهم كما يقال (1).
كما أن عمر بن الخطاب قد ضاعف الجزية على نصارى تغلب (2).
1) راجع ذلك وما يقال عن ضرب الجزية على من أسلم: الفتوحات الإسلامية لدحلان ج 1 ص 249 وأحكام القرآن للجصاص ج1 ص102 و (ط دار الكتب العلمية) ج 3 ص 131 و 132 وفجر الإسلام ص 96 عن الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 4 ص 179 وتاريخ التمدن الإسلامي المجلد الأول ص 273 و 274 والمجلد الثاني ص 360 عن الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 4 ص 261 و 68 و 225 وج 5 ص 111 و 48 و 25 وابن خلكان ج 2 ص 277 والعراق في العصر الأموي ص66 عن الأموال لأبي عبید ص 48 وتاريخ الدولة العربية ص 235
2) السنن الكبرى للبيهقي ج ص 216 والمصنف للصنعاني ج6 ص50 وج 10 ص 367 وراجع بحار الأنوار ج 31 ص34 وفتح الباري ج6 ص 382 وعون المعبود ج 8 ص 201 ومعرفة السنن والآثار ج7 ص 140 و 144 ونصب الراية ج 2 ص 430 والدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 256 والأحكام السلطانية للماوردي ص 144 كتاب الأصل (المبسوط) للشيباني ج 2 ص 27 و 143
وعدا ذلك كله، فإن قبيلة بجيلة تأبى الذهاب إلى العراق، حتى نقلها عمر ربع الخمس.. (1).
وسأل أحدهم الزبير بن العوام عن مسيره لحرب علي «عليه السلام»، فقال له: «حُدّثنا أن ها هنا بيضاء وصفراء - يعني دراهم ودنانير - فجئنا لنأخذ منها» (2).
وقد جنى كبار القوم من هذه الفتوحات أموالاً طائلة وهائلة، حتى إن بعضهم ترك من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس ليقتسمها الورثة بينهم (3).
وقد علمنا: أن بعض ما جرى على أبي ذر كان بسبب ثروة عبد
1) الكامل في التاريخ ج 4 ص 441 و 444 وفتوح البلدان ج 2 ص310 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 652 والإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 417 و 424 ونهاية الأرب ج 19 ص 185 وجمهرة خطب العرب ج 1 ص 229
2) أنساب الأشراف بتحقيق (المحمودي) ج 2 ص270 و 271
3) مروج الذهب ج 2 ص 340 و (ط أخرى) ج 1 ص 434 ومسند أحمد ج 1 ص 63 ومجمع الزوائد ج 10 ص 239 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص 411 وراجع حلية الأولياء ج 1 ص 160 ومشاكلة الناس لزمانهم ص 14 والغدير ج 8 ص 338 - 337 وراجع ج 2 ص 85 - 88 والعلل لابن حنبل ج 2 ص 5 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 1 ص 204 وحياة الإمام الحسين للقرشي ج 1 ص 359 وحليف مخزوم (عمار بن ياسر) ص 204
الرحمان بن عوف التي أحضرت إلى مجلس عثمان. فحالت البدر بين عثمان وبين الرجل الذي في الجهة الأخرى. وقد ذكرنا شطراً مما قيل حول هذه الثروات في كتابنا: أبو ذرّ لا إشتراكية.. ولا مزدكية ص 35 – 38.
ثم تطوّرت الأمور في عهد بني أميّة، فساموا أهل إفريقية أن يأخذوا كل جميلة من بناتهم، وكانوا يغزون بهم، فكان الأمير يعطي جنوده الغنائم، ويحرم أهل البلاد، مع أنه كان يقدمهم في الحرب، ويؤخر جنده.
ثم صاروا يطلبون الفراء البيض لأمير المؤمنين!! فيبقرون بطون الماشية عن سخالها، فيقتلون ألف شاة في جلد (1). وكان ذلك في زمن هشام بن عبد الملك.
وقد أوقع قتيبة بن مسلم بأهل ،طالقان وصلب منهم سماطين، أربعة فراسخ في نظام واحد، الرجل بجنب الرجل، فكانت مقتلة عظيمة، لم يسمع بمثلها (2).
1) الكامل في التاريخ ج 3 ص 92 و 93 وتاريخ الأمم والملوك (ط الاستقامة) ج 3 ص 313
2) الكامل في التاريخ ج 2 ص 493 و (ط دار صادر) ج 4 ص 545 وتاريخ الأمم والملوك (ط الإستقامة) ج 3 ص 98 و (ط الأعلمي) ج 5 ص 230 والفتوحات الإسلامية ج 1 ص 53 وتجارب الأمم ج 2 ص 403 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 294 والعبر في خبر من غبر ج1 ص 104 و 105 ومرآة الجنان وعبرة اليقظان ج 1 ص 143 و 144 والبداية والنهاية ج 9 ص 78 و 81 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 9 ص 93 والعبر وديوان المبتدأ والخبر تاريخ ابن خلدون ج3 ص 61 وشذرات الذهب ج 1 ص 98 و 99 ونهاية الأرب ج 21 ص289
وآخر يصالح أهل مدينة قنسرين على أن يهدم المدينة من أساسها (1).
ولا يمكن الإحاطة بممارسات الحكام مع العباد، وما كان يجري من الفساد في البلاد.. فنكتفي بما ذكرناه
ثم إن كل ما تقدم كان توطئة للنتيجة التي لا يمكن تجاهلها، وهي أنه إذا كان الحسنان «عليهماالسلام» قد شاركا سنة ثلاثين، أو تسع وعشرين في غزو طبرستان في الجيش الذي كان بقيادة سعيد بن العاص، فإن هذا الجيش هو الذي جاء إلى جرجان، فصالحوه، ثم أتى طميسة التي هي على البحر وهى متاخمة لجرجان، فقاتله أهلها، فصلى صلاة الخوف، ولم يكن يعرفها، فعلمه حذيفة كيفيتها، ثم حاصرهم سعيد، فسألوه الأمان، فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلاً
1) الفتوحات الإسلامية لدحلان ج 1 ص 53 والكامل لابن الأثير ج 2 ص 493 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 3 ص 98 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 191 وبغية الطلب لابن العديم ج 1 ص 578 والإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 250 ونهاية الأرب ج19 ص 164
واحداً.
ففتحوا الحصن فقتلهم جميعاً، إلا رجلاً واحداً، وحوى ما في الحصن (1).
فكيف يمكن أن يشاهد الإمامان الحسن والحسين «عليهماالسلام» هذه الأحداث الموغلة في الإجرام، مع ما تضمّنه ذلك من خداع لا مبرر له، بعد أن استأمن أولئك المخدوعون، وأعطاهم سعيد بن العاص الأمان، وسعيد هو صاحب القرار، ومن يفترض فيه أن يفكر بما هو مصلحة للدين ولأهله، وأن يعمل بأحكام الشرع، ولا تأخذه في الله لومة لائم، وأي شرع يرضى بهذه الجريمة الكبرى، أو يرضى بالسكوت عليها.
وكيف بقي الحسنان «عليهماالسلام» تحت قيادة مهندس هذا الإجرام البشع، الذي لا مبرر له إلا الطمع بالأموال، والنساء والذريّة؟!
ولماذا حين عادوا إلى المدينة لم يتفوّه الإمامان الحسانان المعصومان، ولا تفوه أحد من الناس بكلمة لوم؟! ولم يطرح أي منهم
1) تاريخ الأمم والملوك (ط الاستقامة) ج 3 ص 323 و 324 والكامل في التاريخ ج 3 ص 110 والبداية والنهاية ج 7 ص 154 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 7 ص 173 و 174 ونهاية الأرب ج 19 ص 418 و 419 وراجع ج 6 ص 177 والإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 613 والروض المعطار ص 386
ومن أولى من الحسن والحسين (عليهما السلام» بالأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر؟!
ونعطف على ما تقدّم سياسة التجمير في الفتوحات التي انتهجها عثمان، والتجمير هو حبس الجيش فى أرض العدوّ. فإن عثمان حين ظهرت عليه التقمة بسبب سياساته وسياسات عماله، الذين كان يحميهم بكلّ قوّة وصرامة، وصار النّاس يطالبونه بعزلهم استشار معاوية، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر ، فأشار عليه ابن عامر فقال:
«رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وأن تجمرهم في المغازي، حتى يذلوا لك، فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه،
1) خصائص الأئمة ص 107 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 5 ص332 وشرح نهج البلاغة ج 18 ص 362 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 16 ص 141 و (الإسلامية) ج 11 ص 411 ومستدرك الوسائل ج 18 ص214 وعيون الحكم والمواعظ للواسطي ص 64 وبحار الأنوار ج 97 ص 96 ومنهاج البراعة للراوندي ج 3 ص 327
وما هو فيه من دبرة دابته، وقمل فروه».
ويلاحظ أن الذين استشارهم هم - باستثناء عمرو بن العاص الذي كان حينئذٍ معزولاً - نفس عماله الذين أوصلوه إلى ما وصل إليه، وهم الذين كان يطالبه الناس بعزلهم.
وقد أخذ عثمان بهذه المشورة ، وأمر هؤلاء العمال بتنفيذها، وزاد عليهم أن عزم على تحريم أعطيات النّاس، ليطيعوه، ويحتاجوا إليه (1).
أما معاوية، فأشار على عثمان بأكثر من رأي، ومن ذلك: أن قال له عن معارضي سياساته وسياسات ولاته: أن يقتل علياً، وطلحة، والزبير. فأبى ذلك.
فقال له: «فرقهم عنك، فلا يجتمع اثنان منهم في مصر واحد، واضرب عليهم البعوث والندب حتى يكون دبر بعير كلّ واحد منهم
1) تاريخ الأمم والملوك (ط الإستقامة) ج 3 ص 373 و 374 حوادث سنة 34 هـ. وراجع: الفتوح لابن أعثم (ط الهند) ج 2 ص 179 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص 388 و 389 ومروج الذهب ج 2 ص 337 و (ط أخرى) ج2 ص 350 وأنساب الأشراف ج 5 ص 89 والكامل في التاريخ ج 3 ص 149 و 150 وتجارب الأمم ج 1 ص 429 و 430 والمنتظم في تاريخ الأمم 429 والملوك ج 5 ص 44 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 182
أهم عليه من صلاته (1).
فلم يعجبه هذا الرأي أيضاً، ولكنه عاد فاخذ به حین اقترحه عليه ابن عامر، بعد أن اشتدت الأمور فيما يظهر..
والندب إلى البعوث يحمل معه خطر القتل لأولئك المنتقدين، أو المناوئين، ولعل هذا كان من مقاصد عثمان وعماله، فقد ذكر اليعقوبي: أن معاوية كان يسعى لقتل مناوئيه عن طريق تقديمهم في الحروب، ويجعلهم في المواضع التي لا ينجو منها إلا ذو حظ عظيم.
قال اليعقوبي عن معاوية : «وكان إذا بلغه من رجل ما يكره، قطع لسانه ،بالإعطاء، وربما احتال عليه، فبعث به في الحروب، وقدمه. وكان أكثر فعله في المكر والحيلة» (2).
وبعدما تقدم نقول:
كنا قد أوردنا في تمهيد كتابنا: سياسة الحرب في دعاء أهل الثغور، سؤالاً يقول: كيف يدعو «عليه السلام» بهذا الدعاء، ثم يرفض هو المشاركة معهم فيها، ولا يرابط في الثغور، بل لا يرضى
من شيعته أن يرابطوا فيها، ويحتج لموقفه هذا: بأن قادة تلك الحروب ليسوا هم: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ) (1). حيث قال «عليه السلام»: «إذا ظهر هؤلاء لم نؤثر على الجهاد شيئاً»، أو نحو ذلك كما سيأتي..
وقد أجبنا على هذا السؤال بما يلي:
«إن روايات الأئمة من أهل البيت «عليهم السلام» حول هذا الموضوع، تنقسم إلى عدة طوائف..
الطائفة الأولى:
تلك التي تحرِّم الجهاد مع غير الإمام المفترض طاعته، فضلاً عن الظالمين والضالين. ومن لا يحكم أو لا يؤمن على الحكم بما أنزل الله، ومن لا يحفظون حدود الله تبارك وتعالى. ونذكر منها ما يلي:
1 - روي عن علي أمير المؤمنين «عليه السلام» أنه قال: لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم، ولا ينقِّذ الفيء أمر الله عز وجل، فإنه إن مات في ذلك المكان كان معيناً لعدونا فى حبس حقنا، والإشاطة بدمائنا، وميتته ميتة جاهلية (2).
1) الآية 42 من سورة الزمر
2) علل الشرايع ص 464 والخصال ص 625 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 49 و (الإسلامية) ج 11 ص 34 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص 51 وتحف العقول ص 114 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للمير جهاني ج 1 ص 245 وبحار الأنوار ج 10 ص 104 وج 97 ص 21 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 142 وتفسير نور الثقلين ج 3 ص 523
2 - عن بشير (الدهان) أنه قال لأبي عبدالله «عليه السلام»: إني رأيت في المنام: أني قلت لك: إن القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام، مثل الميتة، والدم ولحم الخنزير.
فقلت لي: نعم، هو كذلك.
فقال أبو عبد الله «عليه السلام»: هو كذلك، هو كذلك (1).
3- عن محمد بن عبد الله السمندري قال: قلت لأبي عبدالله «عليه السلام»: إني أكون بالباب - يعني باب الأبواب -، فينادون: السلاح. فأخرج معهم.
فقال: أرأيتك إن خرجت فأسرت رجلا، فأعطيته الأمان، وجعلت له من العهد ما جعله رسول الله «صلى الله عليه وآله« للمشركين، أكان يفون لك به؟!
قال: قلت: لا والله، جعلت فداك ما كانوا يفون لي به.
قال: فلا تخرج.
1) الكافي ج 5 ص 27 و 23 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 134 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 45 و (الإسلامية) ج 11 ص 32 وأجوبة مسائل جار الله للسيد شرف الدين ص 62
قال: ثم قال لي: أما إن هناك السيف (1).
4 - عن سماعة عن أبي عبد الله «عليه السلام»، وعن أبي حمزة الثمالي، قال: قال رجل لعلي بن الحسين «عليه السلام» (وهو عباد البصري):
أقبلت على الحج وتركت الجهاد، فوجدت الحج أيسر عليك، والله يقول : (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) الآية..؟!
فقال علي بن الحسين «عليه السلام»: اقرأ ما بعدها.
قال: فقرأ: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَن المُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ) (2).
قال: فقال علي بن الحسين «عليه السلام»: إذا ظهر هؤلاء لم نؤثر على الجهاد شيئاً.. أو نحو ذلك (3).
1) تهذيب الأحكام ج 6 ص 135 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 48 و (الإسلامية) ج 11 ص 34 وجامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 52
2) الآيتان 111 و 112 من سورة التوبة
3) تهذيب الأحكام ج 6 ص 134 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 48 و 46 و 47) و (الإسلامية) ج 11 ص 34 و 33 و 32 والكافي ج 5 ص 22 والإحتجاج ج 2 ص 44 وتفسير القمي ج 1 ص 306 ومجمع البيان ج5 ص 131 والتفسير الصافي ج 2 ص 381 وتفسير نور الثقلين ج2 ص 272 و 273 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 298 وبحار الأنوار ج 46 ص 116 وج 97 ص 18 وجامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 178 وج 13 ص 52 وأعيان الشيعة ج 1 ص 635 وتأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج 1 ص 211
الطائفة الثانية:
ما دل على مشروعية القتال مع امام عادل، أو دفاعاً عن النفس والمال والرحل إن دهمه عدو، فمن ذلك:
1 - كتب الإمام الرضا «عليه السلام» إلى المأمون: «والجهاد واجب مع إمام عادل، ومن قاتل فقتل دون ماله ورحله، ونفسه، فهو شهید» (1).
2 - عن الإمام الصادق «عليه السلام»، في حديث شرائع الدين – قال: والجهاد واجب مع إمام عادل، ومن قتل دون ماله فهو شهيد (2).
3 - وعن علي «عليه السلام» أنه قال لكميل بن زیاد: «یا کمیل، لا غزو إلا مع إمام عادل، ولا نفل إلا مع إمام فاضل» (3).
1) تحف العقول ص 313 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 49 و (الإسلامية) ج 11 ص 35 والخصال ص 607 أبواب المئة فما فوقها، ص7 وبحار الأنوار ج 97 ص 23 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 124
2) الخصال ص 607 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 49 و (الإسلامية) ج 11 ص 35 وبحار الأنوار ج 10 ص 226
3) بحار الأنوار ج 74 ص 274 و 416 وبشارة المصطفى ص29 و (ط مركز النشر الإسلامي سنة 1420هـ) ص 57 ووسائل الشيعة (الإسلامية) ج 18 ص 16 وتحف العقول ص 118 و (ط مركز النشر الإسلامي سنة 1404هـ) ص 175 ومستدرك الوسائل ج 11 ص 33 ومصباح البلاغة ج11 للميرجهاني ج 1 ص 125 ونهج السعادة ج 8 ص 226
4 - وفي حديث الأربع مئة عن أمير المؤمنين «عليه السلام»: «لا يخرج المسلم في جهادٍ، مع من لا يؤمن على الحكم، ولا ينفذ في الفيء أمر الله عز وجل، فإن مات في ذلك كان معيناً لعدونا في حبس حقوقنا، والإشاطة بدمائنا وميتته ميتة جاهلية» (1).
وهذا يشمل صورة المسير إلى الثغور للمرابطة، أو غزو العدو في بلده..
الطائفة الثالثة:
ما دل على أن الذي كان يمارسه الناس في تلك الفترة لا ينطبق
عليه اسم الجهاد المطلوب والمحبوب لله، ولا هو من المرابطة المأمور بها.. فلاحظ ما يلي:
1 - عن الإمام الباقر «عليه السلام» أنه قال: «ولا أعلم في هذا
1) الخصال ص 625 وعلل الشرائع ج 2 ص464 وتحف العقول ص114 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 49 و (الإسلامية) ج 11 ص 34 ومصباح البلاغة (مستدرك) نهج البلاغة للمير جهاني ج 1 ص 245 وبحار الأنوار ج 10 ص 104 و ج 97 ص 21 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 142 وتفسير نور الثقلين ج 3 ص 522 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص 51
الزمان جهاداً إلا الحج والعمرة، والجوار» (1).
2 - عن عبد الملك بن عمرو، قال: قال لي أبو عبدالله «عليه السلام»: يا عبد الملك، ما لي لا أراك تخرج إلى هذه المواضع التي يخرج إليها أهل بلادك؟!
قال: قلت: وأين؟!
قال: جدة، وعبادان، والمصيصة، وقزوين.
فقلت: انتظاراً لأمركم، والإقتداء بكم.
فقال: إي والله، لو كان خيراً ما سبقونا إليه.
قال: قلت له: فإن الزيدية يقولون: ليس بيننا وبين جعفر خلاف إلا أنه لا يرى الجهاد.
فقال: أنا لا أراه؟!
بلى والله، إني لأراه، ولكنني أكره أن أدع علمي إلى جهلهم (2).
1) الكافي ج 1 ص 251 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 47 و (الإسلامية) ج 11 ص 33 وشرح أصول الكافي ج 6 ص 15 وبحار الأنوار ج 25 ص 74 وجامع أحاديث الشيعة ج 13 ص52 وتأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج 2 ص 826
2) الكافي ج 5 ص 19 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 126 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 46 و (الإسلامية) ج 11 ص 32 وخاتمة المستدرك للميرزا النوري ج 4 ص 451 وجامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 50 وإكليل المنهج في تحقيق المطلب للكرباسي ص 348
3 - وفي تفسير آية (اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا) (1). روي عن الإمام الباقر «عليه السلام» أنه قال: نزلت فينا، ولم يكن الرباط الذي أمرنا به بعد، وسيكون ذلك: من نسلنا المرابط، ومن نسل ابن ناثل المرابط (2).
والمراد بابن ناثل - فيما يظهر -: العباس بن عبد المطلب، فإن اسم أمه «نثيلة». ويتضح ذلك بملاحظة الرواية التالية أيضاً.
4 - عن القمي «رحمه الله»، عن السجاد «عليه السلام» قال: نزلت الآية في العباس وفينا، ولم يكن الرباط الذي أمرنا به، وسيكون ذلك: من نسلنا المرابط، ومن نسله المرابط (3).
1) الآية 200 من سورة آل عمران
2) تفسير العياشي ج 1 ص 213 و ج 2 ص 305 وتفسير القمي ج2 ص23 والبرهان ج 2 ص 152 ومستدرك الوسائل ج 11 ص 27 وتفسير نور 152 الثقلين ج 1 ص 427 وج 3 ص196 وتفسير كنز الدقائق ج2 ص330 والإختصاص للشيخ المفيد ص 72 وبحار الأنوار ج 22 ص 289 وج 24 ص 219 و ج 24 ص 375 و 379 وج 42 ص 150 وج 55 ص 24 وجامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 26
3) البرهان (تفسير) ج 4 ص 591 و (ط مؤسسة البعثة) ج 1 ص 731 و 733 وج 3 ص 558 و 560 وتفسير القمي ج 2 ص 152 و (ط النجف سنة 1387هـ) ج 2 ص 23 وله نص آخر ذكره في البرهان ج 2 ص 150 وكتاب الغيبة للنعماني ص 205 و 206 ونور الثقلين ج 1 ص 427 وج 2 ص 196 وكنز الدقائق (تفسير) ج 3 ص 300 وج 7 ص464 والتفسير الصافي ج 1 ص 412 ومستدرك الوسائل ج 11 ص 27 والإختصاص للمفيد ص 72 وبحار الأنوار ج 22 ص 289 وج 24 ص 219 و 375 و 78 وج 42 ص 150 وتفسير العياشي ج 1 ص 213 وج 2 ص 305 وإختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 1 ص 273 – 375
5 - عن الإمام الصادق «عليه السلام» الجهاد أفضل الأشياء في وقت الجهاد، ولا جهاد إلا مع الإمام (1).
الطائفة الرابعة:
ما دل على أن من اضطر إلى الرباط مع أولئك الظالمين والمنحرفين، فليدافع عن بيضة الإسلام والمسلمين. لا عن بني أمية، أو غيرهم من الحكام الظالمين.. فلاحظ الروايات التالية:
1 - عن يونس قال: سأل أبا الحسن (أي الرضا) «عليه السلام» رجل، وأنا حاضر ، فقلت (الظاهر أن الصحيح فقال:) جعلت فداك، إن رجلاً من مواليك بلغه أن رجلاً يعطي سيفاً وقوساً (فرساً) في سبيل الله، فأتاه فأخذهما منه. ثم لقيه أصحابه، فأخبروه: أن السبيل مع هؤلاء، لا يجوز. وأمروه بردها؟
فقال: فليفعل.
1) بحار الأنوار ج 96 ص 10 وج 97 ص 25 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 119 و (الإسلامية) ج 8 ص 83 وكامل الزيارات ص552 وجامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 177 و ج 12 ص 401 وج 13 ص18
قال: قد طلب الرجل فلم يجده. وقيل له: قد قضى الرجل.
قال: فليرابط، ولا يقاتل.
قلت: مثل قزوین، وعسقلان والديلم، وما أشبه هذه الثغور؟!
فقال: نعم.
قال: فإن جاء العدو إلى الموضع الذي هو فيه مرابط، فكيف يصنع؟!
قال: يقاتل عن بيضة الإسلام (زاد في العلل قوله: لا عن هؤلاء).
قال: يجاهد؟
قال: لا، إلا أن يخاف على دار المسلمين.
قلت: أرأيتك لو أن الروم دخلوا على المسلمين لم ينبغ لهم أن يمنعوهم؟!
قال: يرابط ولا يقاتل. فإن خاف على بيضة الإسلام والمسلمين، قاتل، فيكون قتاله لنفسه، لا للسلطان ،لأن في دروس الإسلام دروس ذكر محمد «صلى الله عليه وآله» (1).
2 - عن محمد بن عيسى، عن الرضا «عليه السلام»: أن يونس
1) تهذيب الأحكام ج 6 ص 125 و علل الشرايع ص 603 والكافي ج 5 ص 21 وبحار الأنوار ج 97 ص 22 و 23 وجامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 27 و 54 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 30 و (الإسلامية) ج 11 ص 20
سأله، وهو حاضر عن رجل من هؤلاء، مات وأوصى أن يدفع فرس، وألف درهم، وسيف لمن يرابط عنه، ويقاتل في بعض هذه الثغور.
فعمد الوصي فدفع ذلك كله إلى رجل من أصحابنا، فأخذه منه، وهو لا يعلم أنه لم يأت لذلك وقت بعد.. فما تقول؟ يحلُّ له أن يرابط عن الرجل في بعض هذه الثغور، أم لا؟!
فقال: يرد إلى الوصي ما أخذ منه، ولا يرابط. فإنه لم يأت لذلك وقت بعد.
فقال: يرده عليه.
فقال يونس: فإنه لا يعرف الوصي، ولا يدري أين مكانه.
فقال الرضا «عليه السلام»: يسأل عنه.
فقال له يونس بن عبد الرحمن: فقد يسأل عنه، فلم يقع عليه، كيف يصنع ؟!
فقال: إن كان هكذا فليرابط، ولا يقاتل.
فقال له يونس: فإنه قد رابط، وجاءه العدو، وكاد أن يدخل عليه في داره، فما يصنع؟! يقاتل، أم لا؟
فقال الرضا «عليه السلام»: إذا كان ذلك كذلك فلا يقاتل عن هؤلاء، ولكن يقاتل عن بيضة الإسلام، فإنه في ذهاب بيضة الإسلام دروس ذكر محمد «عليه السلام» إلخ .. (1).
1) قرب الإسناد ص 345 و 346 وبحار الأنوار ج 97 ص 62 و 63 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 32 و (الإسلامية) ج 11 ص 22 ومسند الإمام الرضا «عليه السلام» ج 2 ص 411
وبعد ما تقدم نقول:
إذا رجعنا إلى دعاء الإمام «عليه السلام» لأهل الثغور، وعرضناه على مضامين هذه الروايات فسنرى أنه منسجم معها تمام الإنسجام، وأنه دعاء لأولئك الذين يقاتلون دفاعاً عن بيضة الإسلام والمسلمين، أو على الأقل هو الدعاء المرسوم لمن يرابط، ويكون رباطه وغزوه جامعاً للشرائط الشرعية، حتى لو كان ذلك بعد مئات السنين..
والدليل على ذلك: أن مضامين الدعاء نفسه ظاهرة في أنه «عليه السلام» إنما يدعو لأناس هم غاية في التقوى والطهارة، وفي منتهى الصلاح والفلاح، ويرى أنهم مطيعون لله ولرسوله، عاملون بالأحكام الشرعية. وهم موضع رضى الله ومحبته وأهل لكل لطف وكرامة منه تعالى، فلو كانوا برباطهم أو بجهادهم هذا عصاة، ولم يراعوا أحكام الله وشرائعه لم يتحدث عنهم بهذا الأسلوب.
وذلك يؤكد على أن المقصود بالدعاء هو أولئك الأخيار الأبرار، الذين يحاربون مع الإمام العادل، أو أنهم يدافعون عن بيضة الإسلام والمسلمين، لا عن بني أمية، ولا عن غيرهم من الظالمين والضالين..
وبتعبير أوضح وأصرح: هناك فرضيتان صحيحتان بالنسبة لهذا
الدعاء.
إحديهما: أن يكون «عليه السلام» يريد أن يبين للمؤمنين كيفية الدعاء للمرابطين والمجاهدين، في كل زمان توفرت فيه شرائط المرابطة، وذلك حين يكون هناك حاكم عادل، إما الإمام، أو نائبه الفقيه العادل، كما هو الحال في زماننا هذا.
الثانية: أن يكون الدعاء لأولئك الذين يحاربون دفاعاً عن الدين وأهله، حين يخشى على بيضة الإسلام، وعلى أهل الدين. سواء أحصل ذلك في زمان الإمام «عليه السلام»، أو حصل في زمن الغيبة، ولو بعد مئات السنين.. (1). انتهى ما أردنا نقله..
وعلى كل حال، فإن الروايات الشريفة تظهر: أن الأئمة «عليهم السلام» كانوا لا يرضون بمشاركة شيعتهم في تلك الحروب، ولا يوافقون حتى على المرابطة في الثغور، ولا يرضون ببذل المال في هذه السبيل، حتى ولو نذر بعض الناس ذلك.
وحتى في صورة الدفاع عن الإسلام، فإنّه وإن كان واجباً، ولكن يجب أن تكون النية فيه خالصة في ذلك، ولا يصح أن يكون لأولئك الحاكمين فيها نصيب. وقد نبهوا على موضوع الإخلاص في النية هنا، لأن المورد مظنة اختلاط الدواعي.
1) سياسة الحرب في دعاء أهل الثغور ص 10 - 20
ومن الأمور اللافتة: أن غزو إفريقية، الذي يدعى مشاركة الحسنين «عليهماالسلام» فيه، لم يكن مرحّباً فيه عند الإمام علي «عليه السلام»، وغيره من الصحابة، فقد ذكر ابن عمر: أن عثمان جمع يوماً عدداً من الصحابة، وفيهم علي، وطلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد في مسجد رسول الله، واستشارهم في غزو إفريقية. فأكثرهم رأى أنّه لا مصلحة في أن تغزى إفريقية، وتقع في أيدي الفاسدين وأصحاب الأهواء (1).
فكيف يمكن أن نتصوّر بعد هذا مشاركة الحسنين «عليهماالسلام» في غزوها بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح، الذي هو من أبرز مصاديق الفساد، واتّباع الهوى، ويكفي أن نذكر: أنّه حين ولاه عثمان - وكان أخاه من الرضاعة - مصر شكاه أهلها إليه، فكتب إليه عثمان يتهدده، فلم يصغ إليه، وضرب من أتاه بالكتاب حتى قتله (2).
ثم تفاقمت الأمور حتى انتهى الأمر بقتل عثمان، وقد شرحنا ذلك كله في كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام».
وقد أعطاه عثمان جميع خمس غنائم إفريقية، وكانت أموالاً هائلة، بلغ فيها سهم الفارس ثلاثة آلاف مثقال ذهباً، والراجل ألف مثقال (1).
ويمكن تأييد جميع ما تقدم بما عرفناه من حرص الإمام علي «عليه السلام» على ولديه، حتّى إنّه في حرب صفّين، بالرغم من أنه قد كان للحسنين «عليهماالسلام» موقعهما في قيادة العسكر، فإن علياً «عليه السلام» قد طلب من أصحابه أن يحتاطوا على حياتهما «عليهما السلام»، قائلاً:
«املكوا عنّي هذا الغلام لا يهدني، فإنّتي أنفس بهذين (يعني الحسنين «عليهما السلام») على الموت، لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأسرعت إليه خيل من أصحاب علي «عليه السلام»، فردّوا الحسن» (2).
1) الغدير ج 8 ص 279 والروض المعطار للحميري ص 48 وقاموس الرجال ج 5 ص 468 وعون المعبود ج 7 ص 247 والثقات لابن حبان ج2 ص 245 وتحفة الأحوذي ج 4 ص 39 وتاريخ مدينة دمشق ج 29 ص38 - 40 وأسد الغابة ج 3 ص 173 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 36 والإصابة ج 4 ص 95 و 96 وفتوح مصر وأخبارها ص 313 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 319 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 1 ص129
2) راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 212 وبحار الأنوار ج 42 ص 99 وشجرة طوبى ج 2 ص 321 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 244 والمعيار والموازنة ص 151 وتاريخ الأمم والملوك (ط الإستقامة) ج 4 ص 44 والفصول المهمة لابن الصباغ ص82 والإختصاص ص 179 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 324
فهل يمكن بعد هذا أن يقال: إنّه «عليه السلام» قد سمح لهما بالخروج مع أمثال سعيد بن العاص، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح؟!
وقد وصف صاحب الإستيعاب سعيد بن العاص: بأنه كان فيه تجبر، وغلظة، وشدة سلطان، وقد ولاه عثمان الكوفة، فرده أهلها وقالوا له: «لا حاجة لنا في سعيدك ولا وليدك»، فقال بعض شعرائهم:
يا ويلنا قد ذهب الوليد *** وجاءنا من بعده سعيد
ينقص في الصاع ولا يزيد (1)
وقال المسعودي: لما ولاه عثمان الكوفة بعد الوليد أبى أن يصعد المنبر حتى يغسل، وقال : إن الوليد كان رجساً نجساً.
فلما اتصلت أيامه ظهرت منه أمور منكرة، واستبد بالأموال.
وقال يوماً، أو كتب به إلى عثمان: إنما هذا السواد فطير لقريش.
1) راجع: الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 2 ص 621 (ط دار الجيل) ج 2 ص 622 و 623 وراجع: البيان والتبيين للجاحظ ص 166 والأغاني ج 5 ص 99
فقال له الأشتر: أتجعل ما أفاء الله علينا بستانا لك ولقومك؟! (1).
وتقدم ما فعل بأهل تلك البلدة، حيث طلبوا الأمان، فأعطاهم إياه، على أن لا يقتل منهم رجلاً واحداً .
فلما دخلوا في أمانه، واستولى على البلد قتلهم جميعاً، وأبقى رجلاً واحداً.
ولا يشكّ أحد في أنّ أمير المؤمنين كان راغباً في الجهاد، أو فقل: إن رغبته فيه لا تقل عن رغبة ولديه، وكذلك سائر الأئمة المعصومين «عليهم السلام».
فلماذا لم يبادر هو إلى المشاركة فيه، ولو مرة واحدة في تلك السنين التي بلغت ربع قرن من الزمن؟!
كما أن أحداً من الأئمة التسعة الطاهرين من ذرية الحسين «عليه السلام» لم يشارك ولو مرة واحدة طيلة حياته. وقد عاشوا تحت سلطة حكومات لم تتوقف الحروب فيها في الداخل والخارج، ولم يتم الاستغناء عن المرابطة في الثغور في كل تلك الفترة، فلم يشاركوا في أي حرب ولا بادروا للمرابطة في أي ثغر، بل تقدم أنهم كانوا يمنعون شيعتهم من ذلك
1) راجع مروج الذهب ج 2 ص 336 وبحار الأنوار ج 31 ص158 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 17 ص 242
وقد عرضت المشاركة في الفتوح على علي «عليه السلام»، فكان يرفضها، ومن ذلك:
قولهم: إن عمر شاور عثمان في أمر الحرب مع الفرس، فكان مما قاله عثمان: «ولكن ابعث الجيوش، وداركها بعضاً على بعض. وابعث رجلاً له تجربة بالحرب، وبصر بها.
فقال عمر: ومن هو ؟!
قال: علي بن أبي طالب.
قال: فالقه، وكلمه وذاكره ذلك. فهل تراه مسرعا إليه، أم لا؟!
فخرج عثمان، فلقي علياً، فذاكره ذلك. فأبى علي ذلك وكرهه. فعاد عثمان فأخبره» (1).
واختصر البلاذري هذه الحادثة بقوله: إن عمر عرض على علي «عليه السلام» الشخوص إلى القادسية، ليكون قائداً لجيش المسلمين، فأباه، فوجه سعد بن أبي وقاص (2).
2 - استشار أبو بكر عمر في إرسال علي «عليه السلام» لقتال الأشعث بن قيس وقال: «إني عزمت على أن أوجه إلى هؤلاء القوم
علي بن أبي طالب، فإنه عدل رضا عند أكثر الناس، لفضله، وشجاعته، وقرابته، وعلمه، ورفقه بما يحاول من الأمور.
فقال عمر بن الخطاب: صدقت يا خليفة رسول الله «صلى الله عليه وآله».. إن علياً كما ذكرت، وفوق ما وصفت. ولكني أخاف عليك خصلة منه واحدة.
قال أبو بكر: ما هذه الخصلة التي تخاف عليَّ منها منه؟!
فقال عمر: أخاف أن يأبى القتال، فلا يقاتلهم، فإن أبى ذلك، فلن تجد أحداً يسير إليهم، إلا على المكروه منه.
ولكن ذر علياً يكون عندك بالمدينة، فإنك لا تستغني عنه، وعن مشورته، واكتب إلى عكرمة الخ ..» (1).
فهم يتوقعون رفض علي، ويعرفون أن أثر رفضه المعلن سيكون عظيماً وأليماً.
3 - وقد قال عمر لابن عباس حين سافر معه الى الشام: «أشكو إليك ابن عمك، سألته أن يخرج معي، فلم يفعل، ولم أزل أراه واجداً ..» (2). مع أن خروجه إلى الشام لم يكن إلى حرب، بل للصلح.
وقد لفت نظرنا:
ألف: ما وصف به أبو بكر عليا «عليه السلام»، وصدقه فيه عمر، من أنه عدل رضا عند أكثر الناس، لفضله، وشجاعته، وقرابته وعلمه الخ.. فإنها شهادة تدفع ما يحاول أعداء علي أن يروجوه، من أنه لم يكن له بصر في السياسة، أو أنه رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب.
ب: ما ذكره النص الأخير، من أن الناس لو علموا برفض علي لقيادة جيوش القادسية، فلن يجد أبو بكر أحداً يسير إليهم، إلا على المكروه منه.
وكذلك الحال في وصف أبي بكر لعلي «عليه السلام»: بأنه عدل رضا عند أكثر الناس.
ج: يلاحظ: أنه قد كان ثمة رغبة من الذين استولوا على السلطة في أن يروا علياً «عليه السلام» جندياً يعمل بأمرهم، وينقاد لحكمهم، فذلك خير من أن يجدوه منافساً قوياً، قادراً على إظهار مظلوميته، وفضح من أوقع هذا الظلم الفاحش عليه..
أما فيما يرتبط بما قاله أبو نعيم والسهمي، من أن الإمام الحسن
«عليه السلام» قد دخل جرجان وإصبهان (1). فلا يدل على دخوله في جملة عساكر الفاتحين، ولذا نراه يقول بعد صفحتين من كلامه هذا:
«وذكر عباس بن عبد الرحمان المروزي في كتابه التاريخ، قال: قدم الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير إصبهان، مجتازين إلى جرجان. فإن ثبت هذا يدل على أنه كان في أيام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (2).
بقي أن نشير إلى أن ما يذكر، من أن الحسين «عليه السلام» قد غزا القسطنطينية في عهد معاوية سنة 48، أو سنة 52، وكان ذلك الجيش بإمرة يزيد بن معاوية «لعنه الله»، فهو غير جدير بالبحث، ولكننا مع ذلك نشير إلى ما يلي:
أولاً: إن جميع ما تقدم يكفي في تكذيب هذه المزعمة.
ثانياً: إن اسم يزيد قد ورد على لسان رسول الله «صلى الله عليه وآله» على أنه هو الذي يقتل الإمام الحسين «عليه السلام». وقد ذكرنا بعض موارد ذلك فيما سبق (3).
بل إن الحسين «عليه السلام» نفسه يقول: إن بني أمية سوف يعملون على قتله، ويكون رأس حربتهم في ذلك عمر بن سعد «لعنه الله»، وقد ذكر «عليه السلام» ذلك في عهد الرسول «صلى الله عليه وآله» (1).
ولعل الهدف من إشاعة هذه الأباطيل عن غزو الحسين «عليه السلام» تحت راية يزيد «لعنه الله» هو التخفيف من وقع جريمة يزيد، بحق سيد شباب أهل الجنة، وربما يمكن جعل ذلك قرينة على صحة المزعمة الأخرى التي تقول: إن يزيد كان صالحاً، ولكن ابن زياد عجَّل على الحسين «عليه السلام»..
ولكن (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (2)والحاقدون والمزوّرون..
ومن المعلوم: أن الناس قد نقموا على عثمان سياساته، وسياسات عماله، وحمايته لأولئك العمال على ما يرتكبونه من جرائم، وموبقات. وحين كان يتدخل علي «عليه السلام» لمحاولة الإصلاح كان عثمان يظهر التراجع، ويعده بتلبية المطالب، ثم يكتشفون أنه مصمم على عكس ذلك، بل هو يهيئ لإيراد الضربة القاصمة بهم.
حتى ثار الناس عليه، وحاصروه، ولم ينصره أكثر الصحابة، بل كانوا في الأكثر موافقين للثائرين. وكانت عائشة من أشد المحرضين عليه، وكانت تقول: «اقتلوا نعثلاً، فقد كفر» (1).
1) راجع: بحار الأنوار ج 32 ص 143 و 167 والغدير ج9 ص 80 والفتنة ص143 ووقعة الجمل لسيف بن عمر الضبي ص 115 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 40 وج 11 ص 590 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 459 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 3 ص 477 وراجع الكامل في التاريخ ج 3 ص 206 والفتوح لابن أعثم ج 2 ص 437 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص 356 و (ط المطبعة البهية بمصر سنة 1320 هـ) ج 3 ص 286 وتذكرة الخواص ص 61 و 64 والخصائص الفاطمية للكجوري ج 2 ص 157 وحياة الإمام الحسين للقرشي ج 2 ص 25 وصلح الحسن «عليه السلام» للسيد شرف الدين ص 313 وعن العقد الفريد ج 3 ص300 والفصول المهمة للسيد شرف الدين ص 126 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 32 ص 442 والغدير ج 9 ص 80 و 85 و 145 و 279 و 323 و 351 وج 10 ص 305 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 51 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص72
حتى لقد قال الشاعر:
فمنك البداء ومنك الغير *** ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام *** وقلت لنا: إنه قد كفر
وقد ذكرنا ما جرى بنوع من التفصيل في كتابنا: الصحيح من سيرة الامام علي «عليه السلام»، الجزء الثامن عشر، فراجع.
ثم يقول المؤرخون: إن عليا «عليه السلام» أرسل الحسنين «عليهما السلام» للدفاع عن عثمان بل يقولون: «إن الحسن «عليه السلام» قد جرح في الدفاع عنه، ثم تسور الثائرون الدار على عثمان وقتلوه.
قالوا: وجاء الإمام علي أمير المؤمنين «عليه السلام»، كالواله الحزين فلطم الحسن، وضرب صدر الحسين «عليهما السلام»،
وشتم آخرين، منكراً عليهم أن يقتل عثمان، وهم على الباب (1).
بل في بعض المصادر: أن الحسن «عليه السلام» قاتل قتالاً شديداً، حتى كان عثمان يستكفّه وهو يقاتل عنه، ويبذل نفسه دونه (2).
ونحن نعرض هنا نبذة عما جرى، دون الدخول في التفاصيل، فنقول:
إن من الكلمات التي شاعت وذاعت قول أمير المؤمنين «عليه السلام»: إن عثمان استأثر، فأساء الإثرة، وجزعتم فأسأتم
1) راجع: راجع: الحياة السياسية للإمام للحسن «عليه السلام» (الطبعة الأولى) ص 114 عن المصادر التالية: الصواعق المحرقة ص 115 و 116 ومروج الذهب ج 2 ص 344 و 345 والإمامة والسياسة ج 1 ص 44 و 43 وأنساب الأشراف ج 5 ص 70 و 69 و 74 و 80 و 9 و 95 والبدء والتاريخ ج 5 ص 206 وتاريخ مختصر الدول ص 105 وسيرة الأئمة الإثني عشر ج 1 ص 527 و 540 عن ابن كثير، وتاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 418 و 419 والعقد الفريد ج 4 ص 4 ص 290 و 291 ودلائل الصدق ج 3 ق 1 ص 193 عن بعض من تقدم وعن ابن الأثير، وابن عبد البر، والفخري في الأداب السلطانية ص 98 وفيه: أن الحسن قاتل قتالاً شديداً، حتى كان يستكفه، وهو يقاتل عنه، ويبذل نفسه دونه
2) راجع: الفخري في الآداب السلطانية ص 98
الجزع (1).
وقوله «عليه السلام»: إن قتل عثمان لم يسؤه ولم يسره (2).
وعن علي «عليه السلام»: من كان سائلاً عن دم عثمان، فإن الله قتله وأنا معه.. (3).
وأمثال ذلك.. والسبب في هذا الموقف أن عليا «عليه السلام» كان يخطئ عثمان، وقد بذل قصارى جهده في حل هذه العقدة، وإعادة الأمور إلى نصابها، فكان عثمان يعد ويخلف وعده مرة بعد أخرى.. ولم يصل معه إلى نتيجة. ويبدو لنا: أنه «عليه السلام» كان لا يريد
1) راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 75 و 76 ومصباح البلاغة مستدرك نهج البلاغة ج 4 ص 81 وكشف المحجة لابن طاووس ص 181 وبحار الأنوار ج 31 ص 499 والغدير ج9 ص 69 ونهج السعادة ج 5 ص 222 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 126 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 527
2) راجع: شرح الأخبار ج 2 ص 80 وكتاب الأربعين للشيرازي ص610 والغدير ج 9 ص 70 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص128
3) راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 685 والشافي في الإمامة ج 4 ص 308 وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص294 وكنز العمال ج 13 ص 97 عن ابن أبي شيبة، ودلائل الصدق ج 3 ق 1 ص 192 والعمدة لابن البطريق ص 339 وبحار الأنوار ج 31 ص 165 و 308 وتأويل مختلف الحديث ص 40 وتاريخ المدينة لابن شبة ج 4 ص 1268 وصحيح ابن حبان ج 2 ص 336 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 3 ص 66
أن يقتل الثائرون عثمان، لأنه يعلم أن ذلك سوف يفتح باب الفتنة على مصراعيه..
لأن قتل عثمان بصورة عشوائية، وبهذه الطريقة لم يكن في مصلحة الدين، بل هو يمهد لأخطارٍ لا تطاق. وقد تنشأ عنه حروب طاحنة، يقتل فيها العشرات أو مئات الألوف من الناس. وسوف يسهِّل ذلك على الطواغيت والجبارين من بني أمية أن يتسلطوا على رقاب العباد، ويحكموا البلاد، ويعيثوا فيها فساداً.. وهذا ما حصل فعلاً.
فكان على علي «عليه السلام» أن يظهر عدم رضاه بأن تسير الأمور بإتجاه يؤدي إلى هذه النتيجة. ومن وسائل إظهار عدم الرضا أن يبيّن لمن يريدون قتل عثمان خطأهم فيما عقدوا العزم عليه، وفيما يمارسونه من منكرات كمنع وصول الماء إلى المحاصرين، فيبادر «عليه السلام» إلى إرسال الماء إلى عثمان بواسطة أولاده «عليهم السلام».
يقال أيضاً: إنه أرسل أولاده إلى عثمان، ليسألوه إن كان يمكنهم مساعدته لإخراجه من محنته، فلم يجدوا عنده أي استجابة، بل طلب منهم - عثمان - أن يعودوا إلى بيوتهم، وقد ورد هذا المعنى في العديد من الروايات أيضا (1).
1) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 228 و 231 وتاريخ الأمم والمولك ج3 ص 389 والفتنة ووقعة الجمل ص 63 وتاريخ مدينة دمشق ج39 ص 321 و 390 والرياض النضرة ج 2 ص 269 والإمامة والسياسة ج 1 ص 39 وأنساب الأشراف ج 5 ص 94 و 78
فعلي «عليه السلام» كان يريد دفع القتل عن عثمان بهذه الطريقة، ولكنه كان في الوقت عينه حريصاً على أن لا يفهم الناس موقفه هذا على أنه تصويب لموقف عثمان، فكان يطلق تلك العبارات التي تذم سلوكه وطريقته أيضاً.
ونظن: أنه «عليه السلام» كان يعلم أن موافقة عثمان على أن يعينه علي بأبنائه، أو بأي وسيلة أخرى ستهيّئ الفرصة للالتزام ببعض ما من شأنه حل المشكلة. ولا يكون مما يعد به الناس، ثم ينكث وعده.
بل فى النصوص ما يدل على أنه «عليه السلام» قد جمع من الرجال حوله ليدافعوا عنه، إلى أن يأتيه المدد الذي كان قد طلبه من معاوية (1). وقد أرسل معاوية جيشاً، لكنه أمر قائد الجيش الذي أرسله لنجدته أن يتلوم ويتأخر في الطريق، ولا يبلغ المدينة إلا بعد أن يبلغه
1) راجع: دلائل الصدق ج 3 ق 1 ص 194 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 7 ص 202 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 1 ص 148 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 151 والكامل في التاريخ ج 3 ص 170 و 171 وأعيان الشيعة ج 1 ص 443 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 404 والغدير ج9 ص 176
قتل عثمان (1)..
وقد صرح أمير المؤمنين «عليه السلام» بهذه الحقيقة أكثر من مرة، وواجه بها معاوية أيضاً.. وتجدها في كلمات غير أمير المؤمنين «عليه السلام» أيضاً .
إذن.. فلماذا يقبل عثمان معونة علي «عليه السلام»، ويرضى بشروطه الإصلاحية، وهو يتوقع المدد من قريبه وعامله معاوية، ولديه من الجموع ما يكفي لحمايته إلى حين وصول المدد؟!
وبعد، فقد ذكرت الروايات أموراً لا يمكن قبولها، ومنها: أن علياً «عليه السلام»، قد ضرب الحسن، ولطم الحسين «عليهماالسلام»، وشتم آخرين.
ونقول:
1- لا ندري لماذا يلطم ويضرب الحسنين «عليهماالسلام»، وهما لم يقترفا ذنباً، ولا ارتكبا جرماً.
2 - لنفترض أن أحداً نقل إليه عنهما شيئاً من التقصير، أليس من
1) راجع شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 154 وبحار الأنوار ج 33 ص 98 والغدير ج 9 ص 150 وتاريخ المدينة لابن شبة ج 4 ص 1289 والنصائح الكافية ص 20 عن البلاذري، والإمام علي بن أبي طالب، سيرة وتاريخ ص 166
حقهما أن يسألا عن صحة ذلك، وعن سببه؟!
3 - ألم يصرح القرآن الكريم في آية التطهير، والنبي العظيم «صلى الله عليه وآله» بعصمتهما «عليهما السلام»؟!!
4 - إذا كان الدفاع عن عثمان ضرورياً وواجبا إلى هذا الحد، فلماذا لم يبادر علي «عليه السلام» نفسه إلى ذلك، فإن دفاعه - لو حصل - سيكون له وقع أعظم من دفاعهما .. لما له «عليه السلام» من هيبة، وسطوة، واحترام عند الناس؟!
5 - وإذا كان الإمام الحسن «عليه السلام» قد جرح حتى خضب - بالدماء، فلماذا لم يشفع له ذلك عند أبيه؟!
6 - متى كان الإمام علي «عليه السلام» شتاماً ؟! ولماذا لم تذكر الروايات أسماء من شتمهم في هذه المناسبة؟!
بالنسبة لقولهم: إن الحسن «عليه السلام» قد جرح، حتى خضب بالدماء، نقول:
إن هذا يتنافى مع قولهم: إن عثمان لم يرض من الحسنين أن ينصراه، وطلب منهما الانصراف، فانصرفا.
كما أن مروان قد أسمعهما ما يكرهان.
وكيف نجمع أيضاً بين هذا التفريط بالحسنين «عليهماالسلام» هنا، دفاعاً عن عثمان، وإلى حد أنّ علياً «عليه السلام» يضرب ولديه
«عليهما السلام»، متهماً إياهما بالتقصير، مع أن أحدهما مخضب بدمائه.. وبين لهفته «عليه السلام» في صفين عليهما، وطلبه من الناس أن يمنعوهما من المخاطرة بأنفسهما، لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله «صلى الله عليه وآله» (1).
نضيف إلى ما تقدم: أن عمرو بن العاص رأى الحسن «عليه السلام» يطوف بالبيت، فقال له: أو من الحق أن تطوف بالبيت، كما يدور الجمل بالطحين، عليك ثياب كغرقئ البيض، وأنت قاتل عثمان ؟! (2).
1) راجع: المعيار والموازنة ص 151 ونهج البلاغة (بشرح عبده) ج2 ص 186 ومعارج نهج البلاغة لابن زيد البيهقي ص 314 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 4 ص 14 وعمدة الطالب ص 66 وبحار الأنوار ج 32 ص 562 و ج 42 ص 99 و ج 43 ص 234 وشجرة طوبى ج 2 ص321 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 244 و ج 11 ص 25 وربيع الأبرار ج 4 ص 268 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 60 و (ط الإستقامة) ج 4 ص 44 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 492 و 493 وشرح نهج 1 البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 244 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 19 ص 318 ومصباح البلاغة (مستدرك) نهج البلاغة ج 1 ص 61 وتجارب الأمم ج 1 ص 552 والكامل في التاريخ ج 3 ص 324 ووقعة صفين للمنقري ص 530 وكشف الغمة ج 2 ص 235 والمحجة البيضاء ج4 ص 225 والإختصاص ص 179 وتذكرة الخواص ص 324
2) راجع شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 27 و 28 وبحار الأنوار ج 44 ص 102 والعوالم ج 16 ص 232 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 225 عن البيهقي في المحاسن والمساوي (ط بيروت) ص 86 عن الجاحظ في المحاسن والأضداد
فلم يجبه الإمام الحسن «عليه السلام»: بأنه دافع عن عثمان بسيفه، وجرح، وما إلى ذلك.
ويلاحظ مدى وقاحة عمرو بن العاص، الذي لم ينصر عثمان، ولكنه كان يتّهم بقتله أبرأ الناس من دمه، وأطهر الناس على وجه الأرض، ومن يعترفون هم بأنه هو وأبوه وأخوه قد دافعوا عن عثمان حتى كان عثمان هو الذي تخلى عنهم ، وسعى للتخلص منهم. ولكنهم سعوا لتهدئة النفوس، والمنع من بلوغ الأمور إلى ما بلغت إليه، وهذا كالنار على المنار، وكالشمس في رائعة النهار.
ويا ليت بني أمية قد طالبوا، أو حتى سألوا، أو عتبوا على عائشة، وطلحة، والزبير، وحتى معاوية، وعمرو بن العاص على إظهارهم هذا الحرص الشديد على قتل عثمان، وتأليب الناس عليه، حتى لقد حكمت عائشة بكفره، وأمرت الناس بقتله، كما تقدم..
وعلى كل حال نقول:
ما أحرى عمرو بن العاص ومن هم على شاكلته بأن نقول لهم: إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
1 - قال ابن حبان: اعتمر عثمان في شهر رجب، وخرج معه عبد الله بن جعفر، والحسين بن علي «عليه السلام»، فمرض الحسين بن علي. فأقام عبد الله بن جعفر عليه بالسقيا، وبعث إلى علي «عليه السلام» يخبره بذلك.
فخرج علي «عليه السلام» في نفر من بني هاشم إلى السقيا، فلما دخلها دعا ببدنة فنحرها، وحلق رأسه، وأقام على الحسين «عليه السلام» يمرضه.
فلما فرغ عثمان من عمرته... مرّ بعلي بن أبي طالب «عليه السلام» في منصرفه وهو يمرض الحسين «عليه السلام» في جماعة من بني هاشم فقال عثمان: قد أردت المقام عليه حتى تقدم. ولكن الحسين «عليه السلام» عزم عليّ، وجعل يقول : امض لرهطك.
فقال «عليه السلام» ما كان ذلك بشيء يفوتك، هل كانت إلّا عمرة؟! إنما يخاف الإنسان فوت الحج، فأما العمرة، فلا..
ثم مضى علي مع الحسين «عليه السلام» إلى مكة (1).
2 - عن معاوية بن عمار «رحمه الله»، عن الصادق «عليه السلام»: إن الحسين بن علي «صلوات الله عليهما» خرج معتمراً،
1) راجع: الثقات لابن حبان ج 2 ص 246 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 2 ص 111 عنه
فمرض في الطريق. فبلغ علياً «عليه السلام» ذلك، وهو في المدينة، فخرج في طلبه، فأدركه بالسقيا، وهو مريض بها.
فقال: يا بني ما تشتكي ؟!
فقال: أشتكي رأسي.
فدعا علي «عليه السلام» ببدنة، فنحرها، وحلق رأسه، ورده إلى المدينة، فلما برئ من وجعه اعتمر (1).
3 - عن رفاعة بن موسى عن الصادق «عليه السلام»: خرج الحسين معتمراً، وقد ساق بدنة، حتى انتهى إلى السقيا، فبرسم. فحلق رأسه، ونحرها مكانه، ثم أقبل، فجاء، فضرب الباب، فقال علي «عليه السلام»: ابني - ورب الكعبة - افتحوا له.
وكانوا قد حموا له الماء، فأكب عليه فشرب . ثم اعتمر بعد (2).
1) راجع: الكافي ج 4 ص 369 وتهذيب الأحكام ج 5 ص 421 و 422 ودعائم الإسلام ج 1 ص 335 وبحار الأنوار ج 44 ص 203 وج 96 ص 330 و 360 - 361 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 13 ص178 - 179 و 181 - 182 و (الإسلامية) ج 9 ص 303 ومستدرك الوسائل ج 9 ص310 ومرآة العقول ج 17 ص 337 والعوالم الإمام الحسين ص 71 وموسوعة الإمام الحسين عليه السلام» ج 2 ص 110 و 111
2) راجع: من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 516 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج13 ص 187 و (الإسلامية) ج 9 ص 303 وغوالي اللآلي ج 3 ص170 و 171 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 2 ص 110
السقيا: قرية جامعة من عمل الفرع، بينهما مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلاً (1).
البرسام: ذات الجنب، وهو التهاب في الغشاء المحيط بالرئة. برسم: أصابه البرسام (2).
وقال في موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 2 ص 110 في وسائل الشيعة: «قد حموه الماء» وهو الأصح.
ونقول:
علي «عليه السلام» يرفض أعذار عثمان:
1 - يفهم مما قاله ابن حبان: أن علياً «عليه السلام» لم يرتض اعتذار عثمان، فقد بين له أن بقاءه عند الحسين سيد شباب أهل الجنة كان أولى من المضي إلى العمرة، فإن العمرة يمكن الإتيان بها في أي وقت كان، ولكن القيام والاهتمام بالإمام الحسين في مرض صعب وخطير كهذا يبقى هو الأصوب والأقرب إلى مرضاة الله..
2 - وحتى لو فاتته العمرة في هذا السبيل، فإن بإمكانه تعويضها.. أما ما فاته من الثواب هنا فلا يقدر بقدر.
3 - بل قد نفهم من سياق كلام أمير المؤمنين عليه السلام»: أن
عثمان ظن أن العمرة كالحج تفوته إن لم يبادر إليها، فبين له الفرق بين الحج والعمرة، وأن الحج موقت بوقت، فإن لم يأت به في وقته فقد فاته إلى السنة الثانية. أما العمرة ، فليست كذلك، فإنه إذا لم يأت بها الآن أتى بها غداً..
ثم كان مضي علي «عليه السلام» مع ولده إلى مكة واعتمار هما بعد عودة عثمان شاهداً على أن العمرة ليست موقتة بوقت، ليكون تجاوز الوقت موجباً لفواتها.
وبذلك يكون «عليه السلام» قد بيّن أن أحداً لا يمكن أن يجهل هذه الأحكام الظاهرة، ثم يدَّعي لنفسه مقام الرسول وخلافة النبوة.
4 - وقد نفهم أيضاً: أنه حتى لو قال الحسين لعثمان: امض لرهطك، فقد كان ينبغي أن لا يفعل ذلك، ربما لأن لبقائه في هذه الحال وقعاً أقوى على النفس، لدلالته على الرغبة الحقيقية في المساعدة والقيام على المريض، وأنه لا يعرض عليه البقاء لمجرد رفع العتب.
في الرواية: أن علياً «عليه السلام» خرج إلى السقيا في نفر من بني هاشم وأنه لما انصرف عثمان من عمرته وجد علياً يمرض الحسين «عليه السلام» في جماعة من بني هاشم..
وهذا يشير إلى شدة اهتمام بني هاشم بأهل بيت نبيهم، ويدل على معرفتهم بما للحسين «عليه السلام» من مقام عند الله، وعند رسوله.
ولإدراكهم لجميل مزايا الحسين، وعظيم فضله، ومزيد كرامته على الله.
ولكن لماذا لم يذكر غير بني هاشم في جملة من كان مهتماً برعايته «عليه السلام»؟ ولماذا صدف الناس عن القيام بهذا الواجب الذي هو أفضل من العمرة، كما تقرر في كلام أمير المؤمنين «عليه السلام»؟!
ويلاحظ هنا أيضاً: أن بين الروايتين الأوليين، مع الرواية الثالثة والأخيرة اختلافاً في موردين، مع كونها متفقة على المطلوب الأصلي، وهو أن على المحصور - وهو المريض - أن ينحر البدنة في نفس المكان الذي هو فيه.. والموردان اللذان حصل الاختلاف فيهما هما التاليان:
1 - في رواية ابن حبان وتوافقها رواية معاوية بن عمار: أن علياً «عليه السلام» لما دخل السقيا دعا ببدنة فنحرها، وحلق رأسه. يعني رأس الحسين «عليه السلام».
لكن رواية رفاعة تقول: إن الحسين «عليه السلام» هو الذي حلق رأسه، ونحر البدنة التي ساقها، ثم عاد إلى المدينة.
2 - تقول رواية ابن حبان وتوافقها رواية معاوية بن عمار: إن علياً «عليه السلام» هو الذي جاء إلى ولده في السقيا ونحر البدنة، ورد الحسين «عليه السلام» إلى المدينة.
لكن رواية رفاعة تقول: إن الحسين «عليه السلام» هو الذي نحر البدنة، وجاء وحده إلى المدينة، فضرب الباب، فقال علي «عليه السلام»: ابني ورب الكعبة، افتحوا له..
إنه بالرغم من كل السياسات التي مارسها الذين استولوا على السلطة بعد استشهاد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، لتصغير شأن أمير المؤمنين، وأهل البيت «عليهم السلام»، وبث اليأس في قلوبهم، وإخمال ذكرهم حتى لقد حاولوا إحراق بيت أمير المؤمنين بمن فيه، وفيه علي، والزهراء، والحسنان «صلوات الله وسلامه عليهم»..
وهددوه بالقتل إن لم يبايع، وضربوا الزهراء «عليها السلام»، وتسببوا بإسقاط جنينها الذي سماه الرسول «صلى الله عليه وآله» محسناً.. ثم محاولاتهم قتل علي عليه السلام» على يد خالد بن الوليد.
بالإضافة إلى أمر الخليفة عمر بن الخطاب بقتل جميع أعضاء الشورى، بمن فيهم أمير المؤمنين «عليه السلام»، إن لم يتفقوا على خليفة من بعده، وإن اتفق ثلاثة منهم، أخذ بما اتفق عليه الفريق الذي فيه عبد الرحمان بن عوف، ويقتل الثلاثة الآخرون.. مع العلم بأن الأمر كان مدبراً، وكان المطلوب من ابن عوف هو جعل الخلافة في البيت الأموي، ولخصوص عثمان بن عفان دون سواه..
ولكن الأمر الذي غفل عنه عمر بن الخطاب هو: ما سيحصل إذا مرت قضية الشورى بسلام، وكان علي عليه السلام» على قيد الحياة. فإنه لم يحسب حساباً، ولم يضع حلولاً لما إذا استولى مروان بن الحكم وبنو أمية على قرار ،عثمان وسارت الأمور باتجاه الأسوأ حتى تنتهي بقتل عثمان..
ثم يلوذ الناس بأمير المؤمنين، ويفرضون عليه تولي أمور المسلمين، وبعد الكثير من الامتناع، يرضى «عليه السلام» بقبولها، ولكن ضمن شروطه هو عليهم..
وإذا لاحظنا حال المبايعين لأمير المؤمنين «عليه السلام» بعد قتل عثمان، فنجد أن حالهم في تعاملهم مع علي «عليه السلام» يشبه حال الذين عاشوا مع الرسول «صلى الله عليه وآله» في تعاملهم معه «صلى الله عليه وآله». وقد تحدث القرآن عن مفردات من تعامل أولئك مع الرسول، الذي كان يفتقر إلى أبسط مظاهر التوقير والأدب، فقد قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُون) (1). وقال: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) (2). وقال: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا
وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ) (1). وقال : (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النّفاق لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) (2).
وقد تحدث القرآن الكريم في سورة التوبة، وسواها في الكثير من الآيات عن أذى المنافقين لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، وما كان يلاقيه منهم.
وقد أظهرت الوقائع: أن الذين بايعوا عليا «عليه السلام» بعد قتل عثمان لم يكونوا أفضل حالاً من الذين كانوا يؤذون رسول الله «صلى الله عليه وآله» بأفعالهم، ومواقفهم. وهم وإن كان فيهم بعض الأتقياء الأبرار، ولكنهم قلة قليلة، والغالب عليهم هم الأعراب الأجلاف، وأصحاب الأطماع.
بل كان اتباع كبار المبايعين والمتزعمين لهم، يحرصون على ترصيف الأوسمة لهم، وينسبون إلى الرسول ما لم يقله فيهم، وكان هؤلاء أول المبادرين للبيعة، ثم انقلبوا على أعقابهم بعد فترة وجيزة، فكانوا أول المحاربين له «عليه السلام» في حرب الجمل التي قتل فيها الألوف الكثيرة من الناس، لأن هؤلاء الزعماء بالذات أرادوا استلاب بعض أموال المسلمين في قضية العطاء، فمنعهم «عليه
السلام» من ذلك.
فإذا كانت هذه أخلاق، وطموحات، وممارسات كبار القوم، وزعمائهم، وقادتهم، فما بالك بمن هم من الهمج الرعاع، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق؟!
وبعدما تقدم نقول:
لقد كان من الطبيعي: أن نرى الناس حين البيعة يهجمون على أمير المؤمنين «عليه السلام» ليبايعوه، من دون مراعاة فروض الأدب واللياقة، فكانوا يتدافعون من كل اتجاه، ويتخطى بعضهم -بدون تعقُل - الأشخاص المحيطين بأمير المؤمنين «عليه السلام»، بل ويدوسون عليهم، ليصلوا إلى علي «عليه السلام»، ويبايعوه، لا حباً به، ولا لأجل إضمارهم الوفاء ببيعتهم، بل على قاعدة: «اشهدوا لي عند الأمير».
فكان من نتائج هذه العشوائية، الهوجاء، الهمجية، العمياء: أن أسيء الأدب مع علي والحسنين «عليهم السلام» كما قال علي «عليه السلام» في الخطبة الشقشقية
«فما راعني إلا والناس كعرف الضبع ينهالون علي من كل
جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي» (1).
وقال المفيد «رحمه الله»: «فتداكوا عليه تداك الإبل على حياضها يوم ،ورودها، حتى شقوا أعطافه، ووطأوا ابنيه الحسن والحسين بأرجلهم، لشدة ازدحامهم عليه وحرصهم على البيعة له، والصفقة بها على يده (2).
وذكر المجلسي «رحمه الله» رواية عن الصدوق وغيره، وهي التالية:
الدقاق، والقطان، والسناني جميعاً، عن أحمد بن زكريا القطان،
1) مناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص 135 والدرجات الرفيعة ص 35 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 1185 واللمعة البيضاء ص 198 ورسائل المرتضى ج 2 ص 112 وعلل الشرائع ج 1 ص 151 والإرشاد للمفيد ج 1 ص 289 و الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 287 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 49 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 168 ونهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 35 الخطبة رقم 3 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 200 وتذكرة الخواص ص 117 وبحار الأنوار ج 29 ص 499 عن المناقب لابن الجوزي والعقد الفريد لابن عبد ربه ج 4 وأبي علي الجبائي في كتابه، وابن الخشاب في درسه، والحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري في المواعظ والزواجر
2) الجمل ص 89 - 92 و (ط مكتبة الداوري - قم - إيران) ص 40 - 42
عن محمد بن العباس، عن محمد بن أبي السري، عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن سعد بن طريف الكناني، عن الأصبغ بن نباتة قال:
لما جلس علي «عليه السلام» في الخلافة وبايعه الناس خرج إلى المسجد متعمماً بعمامة رسول الله «عليه السلام».
لابساً بردة رسول الله .
متنعلاً نعل رسول الله.
متقلداً سيف رسول الله.
فصعد المنبر، فجلس عليه متمكناً، ثم شبك بين أصابعه، فوضعها أسفل بطنه، ثم قال:
يا معاشر الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، هذا ما زقني رسول الله «صلى الله عليه وآله» زقاً زقاً.
سلوني، فإن عندي علم الأولين والآخرين، أما والله لو ثنيت لي وسادة، فجلست عليها، لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم، حتى تنطق التوراة فتقول: صدق علي ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ.
وأفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم، حتى ينطق الإنجيل، فيقول: صدق علي ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ.
وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم، حتى ينطق القرآن، فيقول: صدق علي ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ.
وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهاراً، فهل فيكم أحد يعلم ما نزل فيه؟!
ولولا آية في كتاب الله عز وجل لأخبرتكم بما كان، وبما يكون، وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثبتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) (1).
ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو سألتموني عن أية آية في ليل أنزلت أو في نهار أنزلت، مكيها ومدنيها، سفريها وحضريها، ناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها لأخبرتكم.
فقام إليه رجل يقال له ذعلب، وكان ذرب اللسان، بليغاً الخطب، شجاع القلب، فقال: لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة، لأخجلنه اليوم لكم في مسألتي إياه، فقال: يا أمير المؤمنين، هل رأيت ربك؟!
فقال: ويلك يا ذعلب، لم أكن بالذي أعبد رباً لم أره.
قال: فكيف رأيته؟! صفه لنا.
قال «عليه السلام»: ويلك، لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان. ويلك يا ذعلب، إن ربي لا يوصف بالبعد ولا بالحركة ولا بالسكون، ولا بقيام قيام انتصاب، ولا بجيئة ولا بذهاب لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا
1) الآية 39 من سورة الرعد
يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقة.
مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بمجسة، قائل لا بلفظ.
هو في الأشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة.
فوق كل شيء ولا يقال شي فوقه، أمام كل شيء ولا يقال له أمام داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل وخارج منها لا كشيء من شيء خارج.
فخر ذعلب مغشياً عليه، فقال: تالله ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لا عدت إلى مثلها.
ثم قال «عليه السلام» سلوني قبل أن تفقدونى.
فقام إليه الأشعث بن قيسف فقال: يا أمير المؤمنين، كيف تؤخذ من المجوس الجزية ولم ينزل عليهم كتاب، ولم يبعث إليهم نبي؟
فقال: بلى يا أشعث، قد أنزل الله تعالى عليهم كتاباً، وبعث إليهم نبياً، وكان لهم ملك سكر ذات ليلة، فدعا بابنته إلى فراشه، فارتكبها، فلما أصبح تسامع به قومه، فاجتمعوا إلى بابه، فقالوا: أيها الملك، دنست علينا ديننا فأهلكته، فاخرج نطهرك، ونقم عليك الحد.
فقال لهم: اجتمعوا واسمعوا كلامي، فإن يكن لي مخرج مما ارتكبت وإلا فشأنكم.
فاجتمعوا، فقال لهم: هل علمتم أن الله عز وجل لم يخلق خلقاً أكرم عليه من أبينا آدم وأمنا حواء؟!
قالوا: صدقت أيها الملك.
قال: أفليس قد زوج بنيه، بناته وبناته من بنيه؟!
قالوا: صدقت هذا هو الدين. فتعاقدوا على ذلك.
فمحا الله ما في صدورهم من العلم، ورفع عنهم الكتاب، فهم الكفرة يدخلون النار بلا حساب والمنافقون أشد حالاً منهم.
فقال الأشعث: والله ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لا عدت إلى مثلها أبداً.
ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني.
فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكياً على عكازة، فلم يزل يتخطى الناس حتى دنا منه، فقال : يا أمير المؤمنين، دلني على عمل إذا أنا عملته نجاني الله من النار.
فقال له: اسمع يا هذا، ثم افهم، ثم استيقن، قامت الدنيا بثلاثة: بعالم ناطق مستعمل لعلمه، وبغني لا يبخل بماله على أهل دين الله عز وجل، وبفقير صابر.
فإذا كتم العالم علمه، وبخل الغني، ولم يصبر الفقير، فعندها الويل والثبور، وعندها يعرف العارفون الله (أو: بالله)، إن الدار قد رجعت إلى بدئها - أي إلى الكفر بعد الإيمان ..
أيها السائل، فلا تغترن بكثرة المساجد، وجماعة أقوام، أجسادهم مجتمعة، وقلوبهم شتى.
أيها الناس، إنما الناس ثلاثة: زاهد، وراغب، وصابر.
فأما الزاهد، فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه، ولا يحزن على شيء منها فاته.
وأما الصابر، فيتمناها بقلبه، فإن أدرك منها شيئاً صرف عنها نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها.
وأما الراغب، فلا يبالي من حل أصابها أم من حرام.
قال: يا أمير المؤمنين، فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟!
قال: ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حق فيتولاه، وينظر إلى ما خالفه فيتبرء منه، وإن كان حبيباً قريباً.
قال: صدقت والله يا أمير المؤمنين.
ثم غاب الرجل، فلم نره، فطلبه الناس، فلم يجدوه، فتبسم علي «عليه السلام» على المنبر، ثم قال: ما لكم! هذا أخي الخضر «عليه السلام».
ثم قال «عليه السلام»: سلوني قبل أن تفقدوني، فلم يقم إليه أحد..
فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه «صلى الله عليه وآله»، ثم قال للحسن «عليه السلام»: یا حسن، قم، فاصعد المنبر، فتكلم بكلام لا يُجَهَلكَ قريش من بعدي، فيقولون: الحسن لا يحسن شيئاً.
قال الحسن «عليه السلام»: يا أبه، كيف أصعد وأتكلم وأنت في الناس تسمع وترى؟!
قال له: بأبي وأمي، أواري نفسي عنك، وأسمع وأرى ولا تراني.
فصعد الحسن «عليه السلام» المنبر، فحمد الله بمحامد بليغة شريفة، وصلى على النبي وآله صلاة موجزة ، ثم قال: أيها الناس، سمعت جدي رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقول:
أنا مدينة العلم وعلي بابها، وهل تدخل المدينة إلا من بابها.
ثم نزل فوثب إليه على «عليه السلام»، فتحمله وضمه إلى صدره.
ثم قال للحسين «عليه السلام»: يا بني، قم فاصعد، فتكلم بكلام لا يُجَهَلكَ قريش من بعدي، فيقولون: إن الحسين بن علي «عليه السلام» لا يبصر شيئاً، وليكن كلامك تبعا لكلام أخيك.
فصعد الحسين «عليه السلام»، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه وآله صلاة موجزة، ثم قال: معاشر الناس، سمعت رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو يقول : إن علياً «عليه السلام» مدينة هدى، فمن دخلها نجا ومن تخلف عنها هلك.
فوثب إليه علي «عليه السلام»، فضمه إلى صدره وقبله، ثم قال:
معاشر الناس اشهدوا أنهما فرخا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ووديعته التي استودعنيها. وأنا أستودعكموها.
معاشر الناس، ورسول الله سائلكم عنهما (1).
1) بحار الأنوار ج 10 ص 117 - 121 وج 40 ص 202 وراجع ج 4 ص 97 ص117 و 32 والأمالي للصدوق (ط مؤسسة البعثة) ص 422 - 425 و (ط أخرى) ص280 والتوحيد للصدوق ص 304 - 308 وراجع ص109 وإرشاد القلوب ج 2 ص 374 - 376 وغاية المرام ج ص 240 - 242 ونور البراهين للجزائري ج 2 ص 144 - 156 وشجرة طوبى ج1 ص 188 - 190 وروضة الواعظين ص 118 ومستدرك الوسائل ج 11 ص 101 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 2 ص 135 وقضاء أمير المؤمنين «عليه السلام» للتستري ص 89 - 91 والإختصاص (ط دار المفيد) ص 235 - 238 وفي الإحتجاج ج 1 ص 609 - 612 وراجع ص 493 و (ط دار النعمان) ص 384
ونقول:
قد تضمن هذا النص المبارك أموراً كثيرة هامة، نذكر منها ما يلي:
ذكرت الرواية أموراً أربعة فعلها علي «عليه السلام» حين خرج إلى المسجد، قبل جلوسه على المنبر ، بعد أن بايعه الناس بالخلافة وانتهى الأمر:
الأول: إنه خرج متعمماً بعمامة رسول الله «صلى الله عليه وآله»..
الثاني: إنه خرج لابساً بردة الرسول «صلى الله عليه وآله»..
الثالث: إنه خرج متنعّلاً نعل الرسول «صلى الله عليه و آله»..
الرابع: إنه خرج متقلداً سيف الرسول «صلى الله عليه وآله»..
وقد يسأل سائل:
لماذا جمع بين هذه الأربعة في هذا الوقت بالذات؟! وقد نراه في مواقف أخرى يكتفي ببعض ذلك أو سواه مما يدخل في هذا السياق، فقد يخرج متعمماً بعمامة الرسول «صلى الله عليه وآله» فقط، أو راكباً بغلة رسول الله «صلى الله عليه وآله» فقط، أو نحو ذلك.
ويمكن أن نجد الجواب في ضمن النقاط التالية:
1 - إن هذا الحديث وسواه، مما لا يخرج عن هذا النطاق يدل على أن ما كان لدى رسول الله «صلى الله عليه وآله» ألبسة، وأعتدة، ووسائل أخرى كان معروفاً لدى الناس، محفوظاً في ذاكرتهم، مما يعني أن فيه خصوصيات وميزات تجعل تمييزه عن غيره أمراً سهلاً وميسوراً. ولذلك وصفوا سيف رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ودرعه، وغيرها من الآلات الراجعة إليه «صلى الله عليه وآله»..
2 - إن الناس عموماً كان لهم تعلق بهذه الأمور، وهي تلفت أنظارهم، وربما تثير مشاعر الحنين والذكريات لديهم، ولاسيما المؤمنين الأتقياء، والأبرار والصلحاء منهم ، وكان لها في نفوسهم درجة من التقديس، انطلاقاً من تعلقهم وحبهم، وتقديسهم لرسول الله «صلى الله عليه وآله».
3 - إن هذا يدلنا على أن المطلوب له «عليه السلام» هو لفت النظر إلى معانٍ تتناسب مع هذا المظهر الذي تعمد الظهور فيه،
ويمكن أن يكون من جملة هذه المقاصد:
ألف: أن من يجلس في موضع رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويدعى لنفسه مقامه، يجب أن يشبه رسول الله «صلى الله عليه وآله» في كل شيء، فهو نفسه، ظاهر في السلوك، والنهج والممارسة، وهو نفسه في باطنه وحقيقته بنص آية التطهير، وحديث المؤاخاة، ثم بمقتضى اشتراكهما في الأحكام، كأحكام المساجد، كما دل عليه حديث سد الأبواب في المسجد، إلا باب علي «صلوات الله عليهما وآلهما»، وغير ذلك مما يدخل في هذا السياق.
ب: أن يكون هذا التوافق الظاهري، بحيث يراه الناس، ويتلمسونه، ولا يكفى الإدعاء فيه، أو الإخبار عنه، كما يخبر عن الضمائر التي لا يعلمها إلا الله سبحانه.. فإن ذلك يبقى في دائرة الريب والشبهة.
ج: ربما كان يمكن لإنسان أن يظهر في زي يشبه زي رسول الله «صلى الله عليه وآله»، دون أن يلبس هو نفس الثوب الذي كان يملكه ويلبسه الرسول «صلى الله عليه وآله». أي أنه يتشبه بالرسول، ويظهر بمظهره وحسب.
لكن علياً «عليه السلام» هنا لا يريد أن يقتصر الأمر على ذلك، بل يريد أن يعرِّف الناس بقرباه وبموقعه من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأنه ليس لأحد سواه مثل هذه القربى، التي جعلته «عليه السلام» المالك والمتصرف في أخص أموره «صلى الله عليه وآله».
فربّ قريب بعيد، كما هو الحال في ابن نوح، وربّ قريب لا تبلغ قرباه إلى تخويله التصرف بالمستوى الذي يصبح معه أخاً لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، أو نفسه التي بين جنبيه.
د: إن العمائم - كما ورد - تيجان الملائكة، وتيجان العرب (1)، وتوضع على أكرم أعضاء الإنسان، فالعمامة هي تاج الكرامة. ولذا ورد في الدعاء المستحب عند التعمم: اللهم سومني بسيماء الإيمان،
1) الكافي ج 6 ص 461 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 445 عنه، وتاج العروس ج 2 ص 12 والجامع الصغير ج 2 ص 193 والنهاية في غريب الحديث ج 1 ص 199 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج 5 ص 56 و 57 و (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 378 ومكارم الأخلاق للطبرسي (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص119 وبحار الأنوار ج 50 ص 30 ومرآة العقول ج 22 ص 344 وتحفة الأحوذي جه ص339 وشعب الإيمان ج 5 ص 176 وأدب الإملاء والإستملاء للسمعاني ص39 ومسند الشهاب لابن سلامة ج 1 ص 75 والغدير ج 1 ص290 وجامع أحاديث الشيعة ج 16 ص 746 والجامع الصغير ج 2 ص 193 و 194 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 15 ص 305 و 483 وفيض القدير ج 4 ص 515 وكشف الخفاء ج 2 ص 72 وشرح السير الكبير ج 1 ص 91 وسير أعلام النبلاء ج 5 ص 343 وإمتاع الأسماع ج 3 ص 322 والمستطرف للأبشيهي ج 2 ص 454 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص 462 ونور الأبصار ص 58 والفردوس للديلمي ج 3 ص 87 حديث رقم 4246
وتوجني بتاج الكرامة، وقلدني حبل الإسلام، ولا تخلع ربقة الإيمان من عنقي» (1).
ويلاحظ: أن قوله أخيرا: «وقلدني حبل الإسلام الخ..» ربما يشير بنحو أو بآخر إلى استحباب التحنك. أي أن يدير العمامة تحت حنكه.
فلبس أمير المؤمنين «عليه السلام» عمامة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، يشير إلى أن كرامة أمير المؤمنين «عليه السلام» هي كرامة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وتاج كرامته «صلى الله عليه وآله» هو بعينه تاج کرامته «عليه السلام».
هـ: إن الرداء الذي يرتديه الرسول «صلى الله عليه وآله» هو بعينه الذي يرتديه علي «عليه السلام»، والرداء هو الثوب الذي يكون فوق القميص، أو معظم الجسد. ولعل الارتداء به يرمز إلى أن علياً كرسول الله «صلى الله عليه وآله» إنما يلف رداءه على جسد هو نفس جسد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ليس فيه سوى طهر وحلم، وعلم، وعفة، ومشاعر، وخوف، وخشية، وخشوع، وحب للحق،
1) مكارم الأخلاق للطبرسي (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 93 و 120 ومفتاح الفلاح ص 128 ومستدرك الوسائل ج3 ص278 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 447 والأمان من أخطار الأسفار والأزمان ص 49 والآداب الدينية للطبرسي ص 20 والمحجة البيضاء ج 2 ص 335
ولكل ما يحبه الله، وسائر ما يحويه وجود رسول الله المقدس من صفات وسمات، وأخلاق.. وما إلى ذلك.
و: إن التنعَّل بنعل رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد يرمز إلى شدة ودقة التأسي والإتباع لدى أمير المؤمنين «عليه السلام» لرسول رب العالمين «صلى الله عليه وآله».. فلا يقيم رجلاً ولا يضعها إلا في نفس المواضع التي كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يضع قدميه فيها، فلا يقصر ولا يزيد عنها قيد شعرة، تماماً كما لو أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» هو الذي يقيم قدمه ويضعها.
أما الآخرون، فليسوا كذلك، فلديهم آراؤهم واجتهاداتهم التي لا تتوافق عموماً مع سلوك الرسول «صلى الله عليه وآله»، ولا تطابق خطواته، ونهجه، ولا تنسجم مع مراميه وأهدافه.
ز: أما التقلد بالسيف، فلا يحتاج أمره إلى بيان، فإنه يشير إلى أنه «عليه السلام» حين يحتاج إلى السيف لإخضاع الناكثين، والقاسطين والمارقين، ويواجه كيد أهل الباطل، ويريد أن يقيم شرع الله، فإنه لا يضرب بسيفه الخاص به، بل يضر بهم بسيف رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وبمقتضى حكمه ونهجه، وسياساته.. وليس للهوى، ولا للرأي والاجتهاد والاستحسان في أية مفردة منها أي مكان.
5 - وآخر ما نلفت نظر القارئ الكريم إليه: أنه «عليه السلام» كان يمكن أن يصرح للناس بما يغنيه عن لبس العمامة والرداء، وعن التنعل بنعل رسول الله «صلى الله عليه وآله»، والتقلد بسيفه، فلماذا
اختار هذا الأسلوب دون أسلوب التصريح بالقول؟!
ويجاب:
بأن المطلوب هو إيصال رسالة تحمل كل هذه المضامين إلى كل حاضر وناظر. من دون انتقاص من المضمون، ولا استثناء من الأشخاص.
ومن المعلوم: أن البيان القولى، قد ينشغل كثير من الناس عن سماعه، أو عن سماع بعضه، الذي قد يكون مخلاً في فهم المضمون أيضاً.. كما أن النسيان قد يعرض للأقوال، أو لبعض أجزائها على مر الزمن.. كما أن البيانات القولية قد تظهر التحفظات والاعتراضات على التصريح بها.
ولكن هذا المظهر في الزي على الحد الذي ظهر فيه علي «عليه السلام» يبقى على حاله من الوضوح، والوفاء بالدلالة إلى المعاني، ويبقى أمراً يسهل نقله للآخرين. ويبقى محتفظاً بحيويته، وبتأثيراته النفسية على الروح والقلب والوجدان.
كما أن اختصاره ووضوحه يساعد على تداوله وتناقله بين الأشخاص، ولا يعجز عن حفظه ونقله بدقة وأمانة، وبتمام خصوصياته عالم أو جاهل، طفل أو شيخ امرأة أو رجل، فاسق أو عادل، مخالف أو مؤالف.
وسيتقبل نقله من الجميع.. ولكنه لو استبدله بالبيان القولي، فقد تجد اختلالاً في جميع ذلك.. بالإضافة إلى أن التصريح ببعض
المفردات المطلوب بيانها ، قد يواجه بالرفض والتحفظ، ويسبب حرجاً للناقل، أو اعتراضاً من السامع، وما إلى ذلك.
1 - ذكرت الرواية المتقدمة : أن عليا «عليه السلام» حين خرج إلى المسجد على الهيئة التي مر حديثنا عنها «صعد المنبر، فجلس عليه متمكناً، ثم شبك بين أصابعه، فوضعها أسفل بطنه، ثم قال: الخ...».
وهذا معناه: أنه لم يأت ليخطب الناس، وإلا لكان قام على المنبر خطيباً، فجلوسه على المنبر متمكنا على الهيئة التي وصفناها يشير إلى أنه جاء معلماً لا خطيباً.
2 - ولأجل ذلك بدأ كلامه بطلب المبادرة بالسؤال من الناس بقوله:
«سلوني قبل أن تفقدوني».
وهي كلمة تدل:
أولاً: على أنه هو وحده العارف بما يصلحهم، ولديه ما يحتاجون إليه في دنياهم وآخرتهم.
وثانياً: إن هذه الكلمة اتفق أهل العلم على أنه ما قالها أحد سواه،
متشبهاً به إلا وافتضح (1)، ونزل عن المنبر مخذولا ومرذولاً، لأنه ادعى مقاماً لا يكون إلا لنبي أو وصي نبي..
3 - وربما أشار جلوسه متمكناً، ثم التشبيك بين أصابعه إلى أننا كما نحتاج إلى التمكن من الخلافة، فإننا نحتاج أيضاً إلى التشبيك بين الأصابع، الذي يرمز إلى التعاضد والتعاون والتشابك في الأيدي، لوجود التحدي المستمر والكبير الذي يحتاج إلى القوة والدفاع بالسيف، والحماية بوحدة الموقف.
4 - ثم أشار إليهم بلزوم الحصول على الهدايات التي أودعها رسول الله «صلى الله عليه وآله» عنده ورغبهم في ذلك مزيد ترغيب، فقال: «هذا سفط العلم»، فهو إذن لا يجيبهم استناداً إلى ظنون وحدسيات.
ولا يجيبهم بما سمعه من سائر الناس ممن يحتمل في حقهم الكذب، أو النسيان، أو الخلط والخبط والخطأ، أو ممن لم يعرف أمره، ولم تظهر عدالته و استقامته بل من مصدر الوحي.
5 - ثم ترقى ليخبرهم بأنه إنما يجيبهم بما صدر عن الرسول «صلى الله عليه وآله»، وحصل عليه منه بطريقة إعجازية، حيث أشار إلى فمه قائلاً: «هذا لعاب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، هذا ما زقني رسول الله «صلى الله عليه وآله» زقاً زقاً». أي زقاً بعد
1) راجع: شجرة طوبى ج 1 ص 67 ومرآة العقول ج 4 شرح ص 308
زقّ، فإن الطائر يزق فرخه بالطعام. أي يجعل فاه في فيه، وينقله إليه..
وهكذا كان يفعل رسول الله «صلى الله عليه وآله» والأئمة الطاهرون في نقل علومهم إلى أوصيائهم الأئمة من بعدهم.. وقد ورد التصريح بذلك في العديد من الأحاديث.
6 - ونحن وإن كنا لا نعرف كيف يحصل هذا الأمر، فهل يتحول العلم من صور ذهنية، إلى صور ترتسم في مادة لعابية، ثم تقذف في فم إنسان ليعيد جسمه تحليلها واستخلاص ما ارتسم فيها، وإعادته إلى ما كان عليه، أي إلى صور ذهنية من جديد.
أو أنه نور يصل من مستقره إلى فم الرسول، فيقذفه من فمه ليستقر من جديد في فم علي «عليه السلام»، فيتحول إلى قلبه، فيستقر فيه.. وفق ما أشير إليه فيما ورد من أن العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده (1).
ربما كان هذا المعنى الثاني هو الأقرب والأصوب، والله هو العالم.
1) اللمعة البيضاء ص 380 وتفسير الصراط المستقيم ج 1 ص 426 والدرر النجفية ج 1 ص 284 و ج 2 ص 73 وراجع فيض القدير ج4 ص510 وتفسير ابن أبي حاتم ج 10 ص 3180 والدر المنثور ج 5 ص 250 ج10 وراجع: الوافي ج 1 ص 10 وتحفة السنية (مخطوط) ص7 وبحار الأنوار ج 67 ص 140
وقد أفاض «عليه السلام» في التعريف عن علومه، وذكر لها خصائص وسمات، ثم بين «عليه السلام» أن الأمر ليس مجرد ادّعاءِ يطلقه من يطلقه، ثم ينسلّ من مواقع التحدي والتصدي للإثبات.
بل هو يبقى يصر، ويطالب الناس بطرح أصعب الأسئلة عليه، من دون أن يحدد حدوداً، أو أن يضع قيوداً، لا فيما يرتبط بطبيعة الأسئلة من حيث عمقها وصعوبتها، ولا من حيث تحديد موضوعاتها المتنوعة، وفي مختلف الاتجاهات التي يمكن للعقل البشري أن يطرقها أو أن يحوم حولها ، أو حتى أن يخترعها.
فظهر: أن من سمات علمه ما يلي:
أولاً: إنه علم من ذي علم، صادق، مأمون.
ثانياً: إن مصدره الوحي، لأنه مأخوذ من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولا صلة له بغيره كائناً من كان.
ثالثاً: إنه ذو صفة شمولية ومستوعبة لكل ما يمكن أن يخطر على بال البشر.
رابعاً: إنه جامع لعلوم الأولين والآخرين.
خامساً: إنه علم اختصه الله ورسوله ،به، الأمر الذي يحتم على الناس اغتنام الفرصة للاستفادة منه..
سادساً: إنه علم مطابق للواقع، ويطابق أيضاً واقع ما جاء في
التوراة والإنجيل والقرآن.
سابعاً: إنه يعرف ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، بالرغم من أن ذلك غير مصرح به في القرآن، بحيث يستطيع أحد من الناس أن يصل إليه بدون دلالة أهل بيت النبوة.
ثم بدأت الأسئلة، فسأله ذعلب أولاً، ثم الأشعث بن قيس، ثم الخضر «عليه السلام»، فأجابهم بما تقدم.
ولا نريد الدخول في شرح ما قاله «عليه السلام» في أجوبته، فإن ذلك يخرج بنا عن الغرض الذي نتوخاه في هذا الكتاب..
ولكننا نشير إلى ما ورد في جوابه للأشعث:
فأولاً: إن ما نقله «عليه السلام» عن ادّعاء ملك المجوس: أن أبناء آدم قد تزوجوا بأخواتهم، ليبرر ارتكابه الفاحشة مع ابنته، - إن هذا النقل - لا يدل على أنه «عليه السلام» موافق على صحة ادعاء ذلك الملك الفاجر ، لأنه «عليه السلام» كان يريد بيان سبب ما ابتلى الله تعالى به المجوس من محو ما في صدورهم من العلم، ورفع كتابهم عنهم.
ثانياً: إن من المعلوم: أن ما نقله ذلك الملك عن زواج أبناء آدم - لو صح - فهو لا يبرر زنا الملك ببناته.
ثالثاً: لو ثبت جواز زواج الأخ بأخته، فلا يستلزم جواز ذلك بين
الأب وبنته.
رابعاً: إن ما ذكره عن زواج أبناء آدم بأخواتهم لا يصح..
وقد تحدثنا عن موضوع انبثاق النسل من آدم في كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» ج 24 من ص155 حتى ص196 فراجع إن أحببت.
لقد أنهى «عليه السلام» أجوبته على تلك الأسئلة - التي رأى من طرحها عليه أنها غاية في الصعوبة والإشكال - بالطلب إلى ولده الإمام الحسن «عليه السلام» بأن يخطب الناس، فامتثل الأمر، ثم طلب مثل ذلك من الإمام الحسين «عليه السلام»، فامتثل وخطب.
وقد علل «عليه السلام» طلبه من الحسن «عليه السلام» أن يخطب الناس، بقوله: «يا حسن، قم، فاصعد المنبر، فتكلم بكلام لا يُجَهِّلُكَ قريش من بعدي، فيقولون: الحسن لا يحسن شيئاً».
وقد تضمن هذا التعليل عدة أمور:
أولاً: دل كلامه «عليه السلام» هذا على: أنه كان يعرف أن لولديه أعداء، يبغون لهما الغوائل، ويسعون لإسقاط محلهما من النفوس.
ثانياً: كان «عليه السلام» يعرف أن على رأس هؤلاء الأعداء
قبيلة قريش، ذات النفوذ الواسع بين أهل الدنيا من العرب، وحتى من غيرهم أيضاً، لأنها حكمت الناس بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» خمساً وعشرين سنة من خلال أبي بكر، وعمر، وعثمان، وقد أثرت سياسات هؤلاء في الناس، ولاسيما العرب، حين فضلوهم في العطاء، وأعطوهم كافة الامتيازات على حساب غير العرب.
وحين فتحت البلاد في مختلف الأنحاء كان العرب هم الذين حصلوا على الأموال والإقطاعات، والحسناوات، وتحكموا بالعباد والبلاد، بعد أن لم يكن لهم شأن يذكر.
ولئن آلت الخلافة بعد عثمان إلى علي «عليه السلام»، فقد كان علي يعلم: أن قريشاً سوف لا يقر لها قرار حتى تستعيدها من أهل البيت بأي ثمن، حتى لو كان هو إبادة بني هاشم وأهل البيت على بكرة أبيهم إن استطاعت.
وستحاربهم حتى بالشائعات الباطلة، والإتهامات مهما كانت غير مقبولة ولا معقولة.. ولكن المطلوب لهم هو أن تترك التهمة والشائعة لدى الجهال، وأهل النفاق، ومن في قلوبهم مرض، أو من ليسوا من أهل الدين. أثراً سلبياً مهما كان حجمه ومقداره، فإن الجهال والمنافقين والفاسقين هم الذين تسعى قريش لتجييشهم، وتسخيرهم في تحقيق أهدافها الشريرة.
ويتأكد تأثير هذه الشائعات الكاذبة في ظل المقولة الرائجة، عن أن أهل مكة أدرى بشعابها.. فإن الناس سوف يقولون: إن قريشاً هي
أعرف بأحوال الحسن والحسين، فلا مجال لتكذيبها فيما تصفهم به.
ثالثاً : لقد كان «عليه السلام» ينظر إلى المستقبل نظرة ثاقبة، ويخطط لاستباق مخططات الأعداء، ولإفشال مؤامراتهم وخططهم الشيطانية، فيحاول صيانة أذهان وقلوب وعقول وإيمان الناس من شائعات أهل الباطل، وحفظ السلامة لهم في دينهم، وفي عقولهم وإيمانهم، ووضوح الرؤية لديهم، على يقين من حصول ذلك كله، وكان يعمل على إفشاله وفضحه، وكشف زيفه. وهذا هو المطلوب من قائد الأمة: أن يكون عارفا بزمانه، قادراً على قراءة خطط، وتدبيرات أعدائه، من خلال معرفته بنواياهم، وبما يفكرون به، وبطموحاتهم، وبدرجات إيمانهم، ومدى التزامهم العملي بأحكام الشرع والدين.
نعم.. إن ذلك كله من صفات من يريده الله قائداً للأمة، ومدبراً لأمورها.
رابعاً: يلاحظ أنه «عليه السلام» تحدث عن تجهيل قريش للحسن والحسين «عليهماالسلام». أي أنهم بشائعاتهم وأباطيلهم، وشبهاتهم يجعلونهما بمثابة المجهولين للناس، وكأنهم لا يعرفونهما..
والحال: أن الله تعالى قد عرَّفهم بهما، وأثنى عليهما أعظم الثناء في كتابه، كما أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لم يأل جهداً في هذا السبيل.
ولكنهم قد يدَّعون للناس: أن ثناء القرآن على الحسنين إنما أراد
به بیان طهارتهما الباطنية، وحسن نواياهما. وهذا أمر آخر، فإن كون الإنسان طاهر الذات لا يمنع من أن يكون لا يحسن شيئاً في السياسة وإدارة الأمور ، ولا يحسن شيئاً من العلوم والمعارف، وما إلى ذلك.
وقد يقولون للناس أيضاً : إن ثناء رسول الله «صلى الله عليه وآله» على الحسنين «عليهماالسلام» كانت له دواع عاطفية. وهذا أيضاً لا يتنافى مع كونهما لا يحسنان شيئاً مما أشير إليه آنفاً..
وقد ادَّعوا لعبد الله بن عمرو بن العاص قوله: إن النبي «صلى الله عليه وآله» يرضى ويغضب، فلا يصح كتابة ما يقوله في جميع ،حالاته، لأن الغضب قد يخرجه عن حالة التوازن، فقال له «صلى الله عليه وآله»: «أكتب فوالله لا يخرج من بين هاتين إلا حق (وأشار إلى شفتيه)» (1).
1) راجع: تيسير المطالب في أمالي الإمام أبي طالب ص44 وتقييد العلم ص 80 وانظر ص 74 و 77 و 78 و 79 و 82 وتحفة الأحوذي ج 1 ص 35 (من المقدمة) وسنن الدارمي ج 1 ص 125 وسنن أبي داود ج3 ص318 ج2 ص162 ص 318 ومسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 162 و 192 ونقله في هامش تقييد العلم ص 81 عن المصادر التالية: المحدث الفاضل ج 4 ص 2 وعن الإلماع ص 26 وعن جامع بيان العلم ج 1 ص 71 وعن معالم سنن أبي داود ج4 ص 184 وتيسير الوصول ج 3 ص 176 وحسن التنبيه ص93 وراجع المستدرك ج 1 ص 104 و 105 وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 218
1 - لقد قال الإمام الحسن «عليه السلام»: «يا أبه، كيف أصعد وأتكلم وأنت في الناس تسمع وترى»؟!
فوعده «عليه السلام» بأن يواري نفسه عنه، بحيث يسمعه ويراه، ولا يراه الإمام الحسن «عليه السلام»..
ونحن لم نعرف كيفية مواراة نفسه عن الإمام الحسن وهو يخطب، هل سيكون بصورة إعجازية بأن يبقى في مكانه، ولكنه يجعل حجاباً بينه وبينه، فلا يراه الإمام الحسن، ولكن علياً «عليه السلام» يرى ولده، ويسمع كلامه؟! ولا مانع من أن يكون هذا التصرف العلوي قاهراً ومهيمناً على قدرة الإمام الحسن «عليه السلام» في خصوص هذه اللحظات.
أو أنه «عليه السلام» يجلس في مكان يوجد فيه ساتر بنحو يستطيع أبوه أن يراه، ولو من ثقب فيه، ولا يراه ولده، ولو بسبب بعد المسافة بينهما مثلاً ؟!
ونحن وإن كنا نميل إلى الوجه الأول، ولكننا لا نملك دليلاً يمكن ان نقيمه على تعيُّنه.
2 - ونحن نعلم أيضاً: أن عليا «عليه السلام» لو طلب من الإمام الحسين «عليه السلام» أولاً، بأن يقوم ويخطب، فإنه سوف يقول لأبيه نفس ما قاله الإمام الحسن «عليه السلام»، لأنهما من نور واحد. وسيعده أبوه بأن يخفي نفسه عنه أيضاً على النحو الذي بينه للإمام
الحسن «عليه السلام».
3 - إن ما قاله الإمام الحسن «عليه السلام» لأبيه لم يكن لأجل أنه «عليه السلام» كان عاجزاً عن الكلام بمحضر أبيه، ولا لأجل أنه سوف يتلعثم ويضطرب، ويرتجف، وما إلى ذلك.. بدليل أن أباه أخبره بأنه سوف يبقى حاضراً، وناظراً، وسامعاً، غاية ما هناك: أنه جعل الحسن غير قادر على رؤية أبيه.
4 - إن الذي دعا الإمام الحسن إلى هذا القول: هو تعظيم أبيه، وإظهار المزيد من الاحترام له، والأدب معه، فلا يريد أن يرفع صوته بمحضره إلا بإذن منه. بالإضافة إلى أن الحياء من الإيمان كالرأس من الجسد.
أما فيما يرتبط بمضمون خطاب الإمام الحسن «عليه السلام»، فنستطيع أن نقول:
إن ما قاله الإمام الحسن «عليه السلام» كان من أبلغ الكلام، فإن الكلام البليغ هو المطابق للحاجة، أو فقل: المطابق لمقتضى الحال، أو هو ما يأتي من أهله في محله.
ومن المعلوم: أن كل هذا الذي جرى إنما جاء في سياق هداية الناس إلى مقام الإمامة، والتأكيد على أن الإمام «عليه السلام» يجب أن يكون لديه علوم الأولين والآخرين، وأنه يجيب على كل سؤال بالاستناد إلى الوحي الإلهي النازل على رسول الله «صلى الله عليه
وآله»، لا بالظنون والحدسيات والتخيلات الباطلة، والقياسات، والأخذ من الناس، كما تقدم بيانه.
كما أنه «عليه السلام» في مقام بيان: أن الإمام كالرسول في كل شيء، وباطنه كباطنه، وظاهره كظاهره، إلا في نزول الوحي عليه دونه، فإن هذا مما اختص الله تعالی به نبيه «صلى الله عليه وآله».
فجاء خطاب الإمام الحسن «عليه السلام»، وكذلك خطاب الإمام الحسين «عليه السلام» في هذا الاتجاه أيضاً. فروى لهم عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» ما أكد لهم صحة ذلك كله، وهو قوله: «أنا مدينة العلم وعلي بابها، وهل تدخل المدينة إلا من بابها».
فدلهم على أن الوصول إلى علوم رسول الله «صلى الله عليه وآله» إنما هو من خلال علي «عليه السلام». وقد جاء بهذا المضمون مما سمعه من لسان رسول الله «صلى الله عليه وآله» مباشرة، وليس مجرد دعوى أنشأها من عند نفسه، ليمكن المناقشة في انطباقها على علي «عليه السلام»، أو عدم انطباقها عليه.
1 - وحين أمر علي «عليه السلام» ولده الإمام الحسين «عليه السلام» بأن يخطب، قال له: «وليكن كلامك تبعاً لكلام أخيك».
ولعل البعض يتوهم: أنه «عليه السلام» قد حشر الحسين «عليه السلام» في زاوية ضيقة، وصعب عليه الأمر..
فإن أمثال هذه التوهمات لا محل لها في حق الأئمة «عليهم
السلام»، فإن الإمام «عليه السلام» يعرف ما يريده منه أبوه، ولا يعجز عن تلبية مراده.
إنه عرف أن أخاه الإمام الحسن قد أتى بالمطلوب، وما يحتاج إليه الناس، ولكن ما يحتاج إليه الناس كثير وكثير ، فإن كان الإمام الحسن عليه السلام قد اختار بيان هذا الأمر الحساس الذي هو موضع حاجة فعلية، وآنية لهم، فإنه يكون قد أدى ما عليه، ولكن يبقى هناك حاجات لا بد من الوفاء بها بواسطة غيره. ولا بد أن تبين لهم، ويبقى مهمة معرفة الفرق والتمييز بين الكلامين، ملقاة على عاتقهم.
2 - لقد كان على الإمام الحسين «عليه السلام» أن يقول الكلام الذي يطابق أمر أبيه، ويكون تبعاً لكلام أخيه، فقد قال «علیه السلام»: «معاشر الناس سمعت رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو يقول: إن علياً «عليه السلام» مدينة هدى، فمن دخلها نجا، ومن تخلف عنها هلك».
فيلاحظ: أن كلام الإمام الحسن «عليه السلام» ناظر إلى أخذ العلوم والتماس الهدايات..
وقد كانت المشكلة هي في معرفة من يأخذونها عنه، ومن هو الأمين على كلام رسول الله «صلى الله عليه وآله».
فجاء خطاب الإمام الحسن دالاً لهم على من يوصلهم إليه بنحو قاطع لعذرهم، لأنه يستند إلى قول الرسول «صلى الله عليه وآله».
وبعد الانتهاء من هذه المرحلة، فإن نفس هذه المعرفة لا تكفي
للخلاص والنجاة.
فإنه إذا كان على الناس أن يعرفوا طريق مدينة العلم بالاسم، فإنه لابد لهم من مرحلة أخرى وهي أن يدخلوا مدينة الهدى، ثم يكون الاتباع لذلك الهدى الذي يجدونه فيها، فتكون لهم النجاة، أو التخلف عن اتباعه، فهناك البوار والهلاك..
فجاء كلام الحسين «عليه السلام» تبعاً لكلام أخيه، وكان كل منهما متمما للآخر.
يلاحظ ما يلي:
1 - إن العبارة التي خاطب بها علي «عليه السلام» ولده الحسن «عليه السلام» هي كما يلي: « لا يجهلك قريش من بعدي، فيقولون: الحسن لا يحسن شيئاً».
ولكن عبارته بالنسبة للحسين «عليه السلام» هي قوله: «فيقولون: إن الحسين بن علي لا يبصر شيئاً».
ولعل الفرق الذي اقتضى اختلاف التعابير: أن الذي ستحاول قريش التسويق له بالنسبة للإمام الحسن «عليه السلام» في المستقبل هو: أنه لا يحسن تدبير الأمور، ولا سياسة العباد، وأن معاوية أعرف منه، فهو الأولى بتولي أمور الناس.
أما بالنسبة للإمام الحسين «عليه السلام»، حيث سيكون يزيد بن
معاوية هو المعني، فلا مجال للموازنة بين يزيد الفاسق الفاجر، شارب الخمر، وقاتل النفس المحترمة، واللاعب بالقرود والفهود، إلى غير ذلك. لا مجال للموزانة بينه وبين سيد شباب أهل الجنة، وريحانة الرسول، فسيحاولون أن يخترعوا للإمام الحسين «عليه السلام» طعناً آخر، يهدف إلى الانتقاص من مقام الحسين «عليه السلام» من جهة، وإلى التعمية على حال يزيد من جهة أخرى.. ولا يملك الجهلة والمغفلون من الناس مفردات واضحة ومعطيات صريحة تظهر لهم حقائق الأمور.
فسيقولون للناس: إن الحسن «عليه السلام» وإن كان قد أشبه جده، ولكنه أشبهه بالشكل والمظهر، لا بالمضمون. أما الحسين فأشبه أباه في حبه لسفك الدماء، فهو لا يفكر إلا باستعمال القوة، ولا يرى أمام عينيه إلا السيف وبالتالي سيبررون ليزيد قتله للحسين «عليه السلام» باعتبار أن الحسين انساق مع حبه للقتل، وولعه بالدماء. ولكونه لا يبصر عاقبة الأمور خرج على يزيد الذي كان خليفة المسلمين آنئذٍ.
2 - يقول النص المتقدم: إن الإمام «عليه السلام» حين سمع خطبة ولده الحسن «عليه السلام»، وثب إليه فتحمله وضمه إلى صدره ولكنه حين سمع خطبة الحسين «عليه السلام» وثب إليه فضمه إلى صدره، وقبله. فلماذا قبله هنا، وتحمله هناك.
ونقول:
يحتمل أن يكون فتحمله تصحيف كلمة «فقبله». وهذا ما نرجحه.
وإن احتملنا أنه لم يحصل فيها تصحيف فيكون حمله للحسن «عليه السلام» مقابل تقبيله لأخيه..
وكانت آخر كلمة قالها علي «عليه السلام» في هذه المناسبة هي قوله: «معاشر الناس، اشهدوا أنهما فرخا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ووديعته التي استودعنيها. وأنا أستودعكموها».
فهو «عليه السلام»:
أولاً: أشار إلى بنوة الحسنين «عليهما السلام» للرسول «صلى الله عليه وآله».
ثانياً: صرح بأنهما وديعة الرسول «صلى الله عليه وآله» عند علي «عليه السلام»، فعليه أن يحفظ الوديعة حتى تعود لصاحبها.
ثالثاً: قد جعل من وسائل حفظ الوديعة أن يستودعها لدى الأمة، لكي تتعاضد وتتناصر في حفظها إلى أن تؤديها إلى صاحبها، وهو الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله» على حال الصحة والسلامة. والكلام في هذه النقطة الأخيرة يطول أيضاً، فنحن نقتصر على ما ذكرناه.
الفصل الرابع: ... 7
هذا منبر أبى.. وأحداث أخرى.. ... 7
الحسين لأبي بكر: هذا منبر أبي: ... 9
هل حصل هذا في الجمعة الأولى؟!: ... 11
تهيؤ الحسنين «عليهماالسلام» للجمعة: ... 11
فسبق الحسين «عليه السلام»: ... 13
هذا منبر أبيك، لا منبر أبي: ... 13
رواية المنبر الأصرح والأوضح: ... 15
تفاوت الكلمات، والتصرفات: ... 16
أيكون أستاذهما عدوهما؟!: ... 18
السلمي يعلم ولداً للحسين «عليه السلام»: ... 22
سل أي الغلامين شئت!! ... 25
الحسنان «عليه السلام» وأذان بلال «رحمه الله»: ... 30
رب صدفة هي خير من ميعاد: ... 36
الباب الثاني: ... 38
في عهد عمر.. ... 38
الفصل الأول: ... 40
منبر أبي.. ... 40
انزل عن منبر أبي: ... 42
يصدق علياً «عليه السلام»، ويستنطق ولده: ... 44
لماذا فعل الحسين «عليه السلام» هذا؟!: ... 45
وكل إلى ذاك الجمال يشير: ... 47
يوم الجمعة: انزل عن منبر أبي: ... 49
تصديق عمر، مرونة وانعطاف: ... 50
والله ما علمني أحد: ... 52
الدوافع والأهداف: ... 52
استفادات من الرواية: ... 56
من علمك هذا؟!: ... 58
أمرنا الناس فتأمرنا: ... 59
عمر يشكو الحسين «عليه السلام» إلى أبيه: ... 61
التهديد والاستفزاز: ... 62
هل أخطأ الحسن «عليه السلام»؟!: ... 63
الفصل الثاني: ... 65
الحسين «عليه السلام» في زواج أم كلثوم ... 65
زواج عمر بأم كلثوم: ... 67
استئذان الحسنين «عليهماالسلام»: ... 69
حديث الاستئذان: ... 72
مناقشة الرواية الثانية: ... 75
زوجا عمكما: ... 78
رواية مكذوبة في زواج أم كلثوم: ... 81
وفاة أم كلثوم: ... 91
الفصل الثالث ... 96
الحسين في ديوان العطاء.. ... 96
الحسنان «عليهماالسلام» في ديوان العطاء: ... 98
فرض للحسنين كأهل بدر: ... 99
متى كان ديوان العطاء؟!: ... 100
سياسة التمييز العنصري بدأها عمر: ... 102
التودد العمري للحسنين «عليهماالسلام»: ... 103
المقارنة بين ابن عمر وبين الحسنين «عليه السلام»: ... 107
جواب عمر لابنه: ... 111
ألغام أخرى في كلام عمر: ... 111
عبوس عمر لماذا؟!: ... 113
تظاهر عمر بالمودة سياسة: ... 114
بيت فاطمة: ... 117
أحب أباه، فسمّى باسمه مراراً: ... 117
ما اسمك؟!: ... 119
الإمام السجاد «عليه السلام» يطلب أن يفرض له عطاء!!: ... 119
يكرهون حتى اسمه: ... 122
ابن الزرقاء، دباغة الأدم: ... 123
استشهد الحسين «عليه السلام» وعليه دين: ... 129
الفصل الرابع: ... 137
بنت ملك الفرس تختار الحسين «عليه السلام» ... 137
الحسين «عليه السلام» يتزوج بنت ملك فارس: ... 139
اختلافات قد تستعصي على الحل: ... 149
عمر والتمييز العنصري: ... 150
لتلدن لك خير أهل الأرض: ... 151
ماذا في رواية المسيب؟!: ... 152
لا يكرهن على الزواج، ولكن يخيرن: ... 158
هل السبي من المجوس؟!: ... 158
سكوت المرأة رضاها: ... 159
سيدة نساء العالمين: ... 159
بنات الملوك لا يبعن: ... 159
اختلاف الأسماء، وأسماء الآباء: ... 160
المجوس في مسجد الرسول: ... 167
متى جاءت بنت کسری؟!: ... 169
السجاد «عليه السلام» لم يزوج أمه: ... 173
الفصل الخامس: ...177
أحداث لعلها في عهد عمر.. ... 177
استسقاء عمر: ... 179
الاستسقاء لأهل الكوفة: ... 182
استسقاء آخر: ... 185
المحرم وبيض النعام: ... 186
مشاركة الحسين «عليه السلام» في جلد أبي شحمة: ... 189
الحسنان في الشورى: ... 191
الناس والنسناس، وأشباه الناس: ... 197
الباب الثالث: ... 202
في عهد عثمان.. ... 204
الفصل الأول: ... 204
بعد البيعة لعثمان.. ... 204
أول يوم البيعة لعثمان: ... 204
المؤاخاة بين الحسن والحسين «عليهماالسلام»: ... 207
لماذا ناشدهم؟!: ... 208
المصارعة بين الحسنين والمؤاخاة: ... 209
فنحن صابرون: ... 210
محاورة علي «عليه السلام» مع الصحابة في عهد عثمان: ... 211
لماذا هذا التكرار؟!: ... 215
إيضاح وبيان: ... 216
الفصل الثاني: ... 220
رفض الظلم والظالمين.. ... 220
كم شعرة في رأسي؟!: ... 222
متى حصل هذا؟!: ... 224
سلوني قبل أن تفقدوني: ... 228
سلوني، حتى عن الناعق والسائق: ... 230
دوافع سعد: ... 231
ابن الرسول: ... 232
الحجة الباقية: ... 233
الحسين «عليه السلام» وأبو سفيان: ... 234
أبو سفيان اجترَّ الإمام الحسين «عليه السلام»: ... 236
الحسين «عليه السلام» الحازم والصارم: ... 237
لماذا هذا الموقف الحسيني؟!: ... 237
الحسين «عليه السلام» في وداع أبي ذر: ... 238
الله قادر على تغيير الأحوال: ... 241
الإنجاز الكبير لأبي ذر: ... 242
معيار الغنى.. والحاجة: ... 243
بين الصبر والنصر، والجشع والجزع: ... 243
الفصل الثالث: ... 246
المشاركة في الفتوحات.. ... 246
الحسين «عليه السلام» في الفتوحات: ... 248
المستند والمعتمد: ... 248
لماذا تأخرت هذه المشاركة؟!: ... 251
الفتوحات ضرورية.. ولكن..: ... 252
شواهد من الواقع والنصوص: ... 254
النتيجة والاستدلال: ... 260
التجمير في الفتوحات: ... 262
مشورة معاوية على عثمان: ... 263
موقف الأئمة من حروب السلاطين: ... 264
الصحابة لا يوافقون على غزو إفريقية: ... 277
للتأييد والتأكيد: ... 278
لم يشارك أمير المؤمنين نفسه: ... 280
ما قاله السهمي وأبو نعيم: ... 283
الحسين تحت راية يزيد في القسطنطينية: ... 284
الأهداف والدوافع: ...285
الفصل الرابع: ... 286
هل دافع الحسنان «عليهماالسلام» عن عثمان؟! ... 286
الحسين «عليه السلام» في الدفاع عن عثمان: ... 288
الإمام يرسل الحسنين «عليهماالسلام» لنصر عثمان: ... 289
حقيقة ما جرى: ... 290
علي «عليه السلام» يضرب ولديه «عليه السلام»: ... 294
جرح الإمام الحسن «عليه السلام»: ... 295
عمرة الامام الحسين «عليه السلام» في عهد عثمان: ... 298
علي «عليه السلام» يرفض أعذار عثمان: ... 300
خرج علي «عليه السلام» في نفر من بني هاشم: ... 301
اختلافات في نصوص الرواية: ... 302
القسم الثالث: ... 305
الحسين «عليه السلام» في عهد أبيه وأخيه «عليهماالسلام» ... 305
الباب الأول: ... 307
الحسين في عهد علي «عليه السلام».. ... 307
الفصل الأول: ... 309
الحسين «عليه السلام» في أول خلافة أبيه.. ... 309
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن: ... 311
ذلك مبلغهم من الأدب!!: ... 312
بيعة الهمج الرعاع: ... 314
لقد وطئ الحسنان «عليهماالسلام»: ... 314
خطبة الحسين «عليه السلام» بعد البيعة لأبيه «عليه السلام»: ... 315
علي «عليه السلام» في زي الرسول «صلي الله عليه و آله»: ... 322
جلوس على«عليه السلام»على المنبر: ... 329
العلم الخاص في شموليته وفي دلالاته: ... 332
زواج أبناء آدم: ... 333
خطبة الحسنين «عليهماالسلام» بأمر أبيهما: ... 334
لماذا أمر الإمام الحسن «عليه السلام» بالخطبة؟!: ... 334
الاحترام والأدب والحياء: .. 338
مضمون خطبة الإمام الحسن «عليه السلام»: ... 339
خطاب الحسين «عليه السلام»: ... 340
آخر اللمحات في حديث خطاب الحسنين «عليهماالسلام»: ... 342
الحسنان «عليهماالسلام» وديعة الرسول: ... 344
فهارس الجزء السابع ... 347