سیرة الحسین علیه السلام فی الحدیث و التاریخ جلد 6

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

سيرة الحسين(عليه السلام)

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء الحادي والعشرون

المركز الاسلامي للدراسات

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2016م - 1437هـ

حاد

المركز الاسلامي للدراسات

لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519

البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org

المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421

محرر الرقمي: محمّد رادمرد

اشارة

سيرة الحسين

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء السادس

المركز الإسلامي للدراسات

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى

1435ه. - 2014م.

المركز الإسلامي للدراسات

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الباب العاشر

الفصل الثالث: نِعْمَ الجمل جملكما..

اشارة

نِعْمَ الجمل جملكما:

يرجى ملاحظة النصوص التالية:

1 - عن عبد العزيز بإسناده عن النبي «صلی اللّه علیه وآله»: أنه كان جالسا فأقبل الحسن والحسين فلما رآهما النبي قام لهما، واستبطاً بلوغها إليه، فاستقبلهما وحملهما على كتفيه، وقال: نِعْمَ المطي مطيكما، ونِعْمَ الراكبان أنتما، وأبوكما خير منكما (1).

2 - وفي نص آخر أنه «صلی اللّه علیه وآله» حمل الحسن والحسين على ظهره الحسن على أضلاعه اليمنى، والحسين على أضلاعه اليسرى، ثم مشى وقال : نِعْمَ المطي مطيكما، ونِعْمَ الراكبان


1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 388 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص158 وبحار الأنوار ج 43 ص 285 و 286 عن الخركوشي في شرف النبي. وعن توضيح الدلائل في تصحيح الفضائل ص 701 و 703) و (نسخة مكتبة ملّي بفارس) ص 354 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 721 وج 22 ص 549 وج 26 ص 120 وذخائر العقبى ص 130 وراجع: شرح الأخبار ج2 ص374 والطرائف لابن طاووس ص 92.

أنتما، وأبوكما خير منكما (1).

3 - ابن بطة في الإبانة من أربعة طرق عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر قال: دخلت على النبي «صلی اللّه علیه وآله» والحسن والحسين «علیهما السلام» على ظهره، وهو يجثو لهما ويقول : نِعْمَ الجمل جملكما، ونِعْمَ العدلان أنتما (2).

وفي نص آخر عنه : دخلت على النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وهو يمشي على أربع الخ.. (3).


1) مناقب آل أبي طالب 387 و 388 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 158 وبحار الأنوار ج 43 ص 286 عن تفسير الفسوي، وراجع: شواهد التنزيل للحسكاني ج 1 ص 455 والمحاضرات والمحاورات ص438 وعن وسيلة المآل ص 323 و 324 و 325 و 327.

2) مناقب آل أبي طالب 387 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 158 وبحار الأنوار ج 43 ص 285 ولواعج الأشجان ص 11.

3) راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 182 والمعجم الكبير ج 3 ص 52 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 13 ص 664 والكامل لابن عدي جه ص 259 وطبقات المحدثين بأصبهان ج 3 ص 374 وتاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 217 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 256 ولسان الميزان ج 6 ص 21 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 98 والوافي بالوفيات ج12 ص 67 والمحاضرات والمحاورات ص 353 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص93 و 95 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 206 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ض 714 وج 19 ص 204 و 205 وج 26 ص 132 و 133 وج 33 ص 420 و 421 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 2 ص 247 و 270.

4 - ابن نجيح كان الحسن والحسين يركبان ظهر النبي ويقولان: حَلْ حَلْ، ويقول : نِعْمَ الجمل جملكما (1).

5 - السمعاني في الفضائل، عن أسلم مولى عمر، عن عمر بن الخطاب قال: رأيت الحسن والحسين على عاتقي رسول اللّه، فقلت: نِعْمَ الفرس لكما (تحتكما).

فقال رسول اللّه : ونِعْمَ الفارسان هما (2).


1) مناقب آل أبي طالب 388 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 158 وبحار الأنوار ج 43 ص 285.

2) مناقب آل أبي طالب 388 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص158 وبحار الأنوار ج 43 ص 285 ومجمع الزوائد ج 9 ص 181 ونظم درر السمطين ص 211 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 13 ص 658 والكامل لابن عدي ج 2 ص 362 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 162 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 159 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 719 وج 19 ص 200 و 284 وج 26 ص 135 و 281 و 282 عن منتخب کنز العمال (المطبوع بهامش المسند - ط الميمنية بمصر) جه ص 107 وعن المتفق والمفترق للبغدادي (مخطوط) و (النسخة مصورة من مخطوطة مكتبة استانبول) ج 10 ص 26 وعن مختصر تاریخ دمشق (ط دار الفكر) ج 7 ص 122 وعن جامع الأحاديث (ط دمشق) ج 2 ص 38.

6 - ابن حماد، عن أبيه: أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» برك للحسن والحسين، فحملهما، وخالف بين أيديهما وأرجلهما، وقال : نِعْمَ الجمل جملكما (1).

بیان: لعل المعنى: أنهما استقبلا أو استدبرا عند الركوب، فحاذى يمين كل منهما شمال الآخر، أو أنه جعل أيدي كل منهما أو أرجلهما من جانب كما سيأتي في رواية أبي يوسف (2).

ونقول:

علينا ملاحظة الأمور التالية:

النبي «صلی اللّه علیه وآله» هو المبادر:

إن صريح أو ظاهر الرواية الأولى، والثانية، والسادسة: أنه «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي حمل الحسنين «علیهما السلام».

وظاهر، بل صريح الرواية الثالثة: أنه «صلی اللّه علیه وآله» كان يستدرجهما «علیهما السلام» للركوب على ظهره.

والرواية الخامسة لا تذكر شيئاً عن ذلك، سوى أن هناك من رآهما يركبان على ظهره «صلی اللّه علیه وآله».


1) مناقب آل أبي طالب 388 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 158 وبحار الأنوار ج 43 ص 285 ومستدرك الوسائل ج 15 ص 171 و 172 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 302.

2) بحار الأنوار ج 43 ص 285.

وذلك يعطي: أنه «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي كان يبادر ويتصرف ويختار ويطلب منهما فعل ذلك، وكان يأخذهما ويجعلهما على عاتقه من دون إعطائهما الخيار في ذلك.

وهذا يعطي: أنه بالنسبة إليهما لا غضاضة عليهما فيما يفعلانه، بل كان عليهما طاعة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، والاستجابة لما يريد..

وبالنسبة إليه «صلی اللّه علیه وآله» نقول:

لا يلام الرجل على حمل ولده، وجعله على عاتقه، واستدراجه إلى ذلك، للتعبير عن محبته له، ورضاه به، وأنه جامع للصفات التي توجب له هذه المحبة منه...

قيام النبي «صلی اللّه علیه وآله» للحسين:

وقد ذكرت الرواية المتقدمة برقم :[1] أن النبي «صلى اللّه عليه وآله» لما رأى الحسنين، قام لهما، واستبطاً بلوغهما إليه الخ..

ونقول:

إن تفسير قيام النبي «صلی اللّه علیه وآله» للحسنين «علیهما السلام» بأنه كان بسبب استبطاء بلوغهما إليه «صلى اللّه عليه وآله».. إنما هو من الراوي بحسب ما فهمه هو!!

ولكن الأمر لا ينحصر بما قال، إذ لماذا لا يكون المقصود هو إظهار الاهتمام بهما، والتكريم لهما، والتمهيد لإطلاق هذا الوسام

عليهما، بالشهادة لهما بنفس ما شهد به لنفسه «صلی اللّه علیه وآله». فكما أنه هو «صلی اللّه علیه وآله» نِعْمَ الجمل، فإنهما هما أيضاً نِعْمَ الراكبان، فهما،مرضيان كما أن الرسول نفسه مرضي، وإذا كانا مرضيين عند النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فهما موضع استحسان ورضى عند اللّه سبحانه؟!

ثم أشار «صلی اللّه علیه وآله» إلى أن الاشتراك في الحسن وفي الرضا عنده «صلی اللّه علیه وآله» وعند اللّه تعالى لا يعني المساواة الفضل معه، فإنه «صلی اللّه علیه وآله» لم يقل: وأنا خير منكما. بل نسب الخيرية لأبيهما، ليفهم من ذلك أفضليته «صلی اللّه علیه وآله» عليهما بطريق أولى.. لأنه «صلی اللّه علیه وآله» - بنص آية المباهلة - نفس علي «علیه السلام»، ويزيد عليه بدرجة النبوة الخاتمة.

فإذا كان علي «علیه السلام» خيراً منهما، فالمساوي لعلي «عليه السلام» - وهو رسول اللّه - يكون خيراً منهما أيضاً، فما بالك إذا كان يزيد على علي «علیه السلام» بدرجة النبوة؟!

لا بأس بحمل الفاضل للمفضول:

هذا ولا بأس بالإشارة إلى أن هذا التصرف النبوي تجاه الحسنين، لم يكن مجرد استجابة لدواعي العاطفة الأبوية، والحنان للرحم.. بل هو واجب يقوم به «صلی اللّه علیه وآله» لتهيئة الجو لإطلاق كلمته في حقهما، والتي لا يرتاب أحد بأن اللّه تعالى هو الذي

يريد منه أن يقولها، بعد أن يمهد لها بهذه الأجواء بالذات.

وقد حدثتنا الروايات: أن حمل النبي «صلی اللّه علیه وآله» لغيره على كتفيه لا ينحصر بالحسين «علیه السلام»، فإنه «صلی اللّه علیه وآله» قد حمل أباهما عليا «علیه السلام» أيضاً على كتفيه، وقام به، لكي يوصله إلى الأصنام التي على ظهر الكعبة، لكي يقتلعها من على ظهرها، ويرمي بها بعيداً، وتتحطم!

ولم يمانع علي «علیه السلام» في هذا الصعود، ولا تردد النبي «صلی اللّه علیه وآله» في طلبه هو من علي «علیه السلام» أن يفعل ذلك.. لأن رضاهما هو رضا اللّه سبحانه، وأنسهما، وعزهما، وكرامتهما هي في تنفيذ أوامره، وتحقيق أهدافه جل وعلا.

الحسنان على ظهر النبي «صلی اللّه علیه وآله» في الصلاة:

1 - روى زر بن حبيش عن ابن مسعود قال: كان النبي «صلی اللّه علیه وآله» يصلي، فجاءه الحسن والحسين «علیهما السلام» فارتدفاه، فلما رفع رأسه أخذهما أخذا رفيقاً، فلما عاد عادا، فلما انصرف أجلس هذا على فخذه وهذا على فخذه، وقال: «من أحبني فليحب هذين» (1).

2 - عن عبد اللّه قال: كان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»


1) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 28 وبحار الأنوار ج 43 ص 275 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 302 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 154.

يصلي، حتى إذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا أرادوا أن يمنعوهما قال دعوهما فلما أن صلى وضعهما في حجره وقال: «من أحبني فليحب هذين» (1)

ص 60 وينابيع المودة ج 2 ص 40 و 41 و 207 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 25 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 690 وج 19 ص 231 وج 26 ص 37 و 39 و 142 و 410 وج 27 ص 65 عن مصادر كثيرة.

.

3 - عن أنس بن مالك قال: كتب النبي «صلی اللّه علیه وآله» لرجل عهداً، فدخل الرجل يسلم على النبي «صلی اللّه علیه وآله» والنبي «صلی اللّه علیه وآله» يصلي، فرأى الحسن والحسين يركبان على عنقه مرة، ويركبان على ظهره مرة، ويمران بين يديه ومن خلفه، فلما فرغ «صلی اللّه علیه وآله» من الصلاة قال له الرجل: ما يقطعان الصلاة؟

فغضب النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فقال: ناولني عهدك، فأخذه فمزقه، ثم قال: «من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقر كبيرنا، فليس منا


1) ذخائر العقبى ج 2 ص 88 و (ط مكتبة القدسي - القاهرة سنة 1356ه) ص 132 وفي هامشه عن مصادر كثيرة، وفضائل الصحابة للنسائي ص 20 ومجمع الزوائد ج 9 ص 179 والسنن الكبرى للنسائي ج 5 ص ومسند أبي يعلى ج 8 ص 434 وج 9 ص 250 وتاريخ مدينة دمشق ج13 ص 200 والإصابة ج 2 ص 63 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر

ولا أنا منه»(1).

4 - وروى الحافظ أبو بكر محمد اللفتواني، عن أبي هريرة: أن الحسن بن علي «علیهما السلام» قال: السلام عليكم.

فرد أبو هريرة، فقال: بأبي، رأيت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يصلي، فسجد، فجاء الحسن «علیه السلام»، فركب ظهره وهو ساجد، ثم جاء الحسين «علیه السلام» فركب ظهره مع أخيه وهو ساجد، فثقلا على ظهره، فجئت فأخذتهما عن ظهره - وذكر كلاماً سقط على أبي يعلى - ومسح على رؤوسهما وقال: من أحبني فليحبهما ثلاثا (2).

وفي نص آخر يقول أبو هريرة : فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما، فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره، وقال: من أحبني فليحب هذين (3).


1) ذخائر العقبی ج 2 ص 86 و (ط مكتبة القدسي - القاهرة سنة 1356ه) ص 132 وفي هامشه عن مصادر كثيرة، وينابيع المودة ج 2 ص 206 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 739 وج 26 ص 140 عن توضيح الدلائل لشهاب الدين الشيرازي (نسخة مصورة من مخطوطة مكتبة الملي بفارس) ص 355.

2) كشف الغمة ج 2 ص 150 وبحار الأنوار ج 43 ص 304 عنه.

3) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 155 و 156 وبحار الأنوار ج43 ص283 عنه، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 687 عن ينابيع المودة (ط اسلامبول) ص 167، وعن مسند أبي يعلى، عن ابن أبي شيبة، عن فضائل الصحابة للسمعاني.

أو قال: «ذروهما، بأبي وأمي من أحبني الخ..» (1).

5 - عن عبد اللّه قال : كان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يصلي والحسن والحسين يتواثبان على ظهره، فباعدهما الناس، فقال «صلی اللّه علیه وآله»: «دعوهما بأبى هما وأمي، من أحبني فليحب هذين» (2).

6 - عن أبي ذر رضي اللّه عنه»، أنه قال: كان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يوما يصلي بالناس، وأقبل الحسن والحسين


1) ذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي - القاهرة سنة 1356ه) ص123 و (ط أخرى) ج 2 ص 47 وفي هامشه عن فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ج 1 ص 20 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 426 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص 156 وبحار الأنوار ج 43 ص 283 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 688 عن حلية الأولياء (ط السعادة بمصر) ج 8 ص 305.

2) ذخائر العقبى ج 2 ص 85 و (ط مكتبة القدسي - القاهرة سنة 1356ه) ص 132 عن أحمد، وفي الهامش عن مصادر كثيرة، وصحيح ابن حبان ج 1 ص 427 وموارد الظمآن ج 7 ص 188 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص 59 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 688 وج 19 ص 287 وج 26 ص 36 وعن زر بن حبيش راجع السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 263 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 511 وتاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 202 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص 62.

«علیهما السلام» - وهما غلامان - يثبان على ظهره إذا سجد، وأقبل الناس ينحونهما عنه، فلما انصرف قال دعوهما بأبي وأمي هما من أحبنى فليحبب هذين (1).

7 - وعن أبي هريرة قال: كنا نصلي مع النبي «صلی اللّه علیه وآله» العشاء، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما بيده من خلفه أخذا رفيقا، فيضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا حتى قضى صلاته، فأقعدهما على فخذيه.

قال: فقمت إليه فقلت: يا رسول اللّه أردهما؟!

فبرقت برقة، فقال لهما : الحقا بأمكما.

قال فمكث ضوؤها حتى دخلا (2).

8 - عن الليث بن سعد : أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» كان يصلي يوماً في فئة، والحسين صغير بالقرب منه، فكان النبي «صلی اللّه علیه وآله» إذا سجد جاء الحسين فركب ظهره، ثم حرك رجليه وقال: حل، حل.

فإذا أراد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أن يرفع رأسه أخذه


1) شرح الأخبار ج 3 ص 76 وراجع المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص511.

2) ذخائر العقبى ج 2 ص 85 وفي هامشه عن مصادر كثيرة، و (ط مكتبة القدسي ص131 - القاهرة سنة 1356ه) ص 131 و 132 عن أحمد، وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 62 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 19 ص 203 عن مرقاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح للقاري (ط (ملتان) ج 11 ص 379.

فوضعه إلى جانبه، فإذا سجد عاد على ظهره وقال: حل، حل.

فلم يزل يفعل ذلك حتى فرغ النبي «صلی اللّه علیه وآله» من صلاته.

فقال يهودي: يا محمد إنكم لتفعلون بالصبيان شيئاً ما نفعله نحن.

فقال النبي «صلی اللّه علیه وآله»: أما لو كنتم تؤمنون باللّه ورسوله، لرحمتم الصبيان.

قال: فإني أؤمن باللّه وبرسوله فأسلم لما رأى كرمه مع عظم قدره (1).

قال المجلسي «رحمه اللّه»: قال الجوهري: حلحلت القوم: أي أزعجتهم عن موضعهم، وحلحلت بالناقة إذا قلت لها حل، بالتسكين، وهو زجر للناقة، وحوب زجر للبعير، وحل أيضاً بالتنوين في الوصل (2).

ونقول:

معالجات سريعة:

لكي نعرف بعض ما أشار إليه هذا النص نذكّر بالأمور التالية:


1) شرح الأخبار ج 3 ص 86 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص227 وبحار الأنوار ج 43 ص 296 و 297 عنه، والعوالم الإمام الحسين ص39 و 40.

2) بحار الأنوار ج 43 ص 297.

1 - إن ارتداف الحسنين «علیهما السلام» ظهر النبي «صلى اللّه عليه وآله» في حال الصلاة يدل على أن هذه التصرفات للطفل الصغير مع المصلي لا تبطل صلاته.

2 - أما ما ذكر في هذه الروايات من أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قال: «ذروهما بأبي وأمي..»، فقد تقدم أن الظاهر أنه يريد بهذه الكلمة بيان: أن إعزازه لهما، وتعلقه بهما، و.. و.. يوازي ما يكون فيه تجاه أبيه وأمه...

• ليس في الروايات المذكورة : أن ارتدافهما لظهره «صلی اللّه علیه وآله» كان يطول بحيث يخرج الصلاة عن صورتها، بل صرحت أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» كان يرفع رأسه حين يريد من دون أن يزعج الحسنين «علیهما السلام»، وينزلهما برفق.

4 - لم يظهر من الرواية: أن تحريك الحسنين رجليهما، وقولهما: «حل حل» مما يوجب تحريك جسد النبي «صلی اللّه علیه وآله» بحيث يختل استقراره «صلی اللّه علیه وآله» في سجوده.

وربما كان ذلك يحصل بعد انتهاء الذكر الواجب، وشروعه في مطلق الذكر الذي لا يحتاج إلى الاستقرار والطمأنينة.

وحتى لو حصل أثناء الذكر الواجب، فلعله «صلى اللّه عليه وآله» كان يسكت عن الذكر حين تختل الطمأنينة، ثم يستأنف الذكر حين تعود الطمأنينة.

5 - قد يقال: إن ما يقوله أبو هريرة، من أنه هو الذي أنزل

الحسنين «علیهما السلام» عن ظهره «صلی اللّه علیه وآله» يدل على أن أبا هريرة لم يكن يصلي مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حين حصل ذلك، لأنه «صلی اللّه علیه وآله» كان منشغلاً بالنافلة بين الصلاتين مثلاً. ولو كان النبي «صلی اللّه علیه وآله» يصلي صلاة مكتوبة، فمن البعيد أن يتخلف من حضرها عن الإيتمام برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، أو أن أبا هريرة قد تخلف عن الإيتمام لعذر له.

لكن رواية الليث بن سعد تذكر: أنه «صلی اللّه علیه وآله» كان يصلي في فئة. أي في جماعة.. وهذا يشير إلى أنه كان يصلي الصلاة المكتوبة. وهذا يؤيد تعدد هذه القضية أيضاً..

6 - إن إنزال النبي «صلی اللّه علیه وآله» للحسنين «عليهما السلام» عن ظهره برفق عدة مرات ليس من الفعل الكثير الماحي لصورة الصلاة.

7 - يلاحظ: أن الروايات قد اختلفت مضامينها بشكل لافت، ولا مانع من تكرر هذه الواقعة أكثر من مرة، فالصلاة في مسجد النبي «صلی اللّه علیه وآله» أمام أعين الحسنين «علیهما السلام» كانت تقام باستمرار، ولا أقل من تأدية النبي «صلی اللّه علیه وآله» الصلاة اليومية فيه خمس مرات، في كل يوم، مع ملاحظة: أن صغر سن الحسنين «علیهما السلام» قد استمر لعدة سنوات.

8 - اختلاف الروايات، فعلى سبيل المثال تذكر بعضها أنهما كانا

يرتدفانه، فكان يأخذهما أخذا رفيقا حين يرفع رأسه، فإن عاد عادا إلى أن ينتهى من صلاته.

وفي نص أبي هريرة : أنه هو الذي أنزلهما عن ظهر النبي «صلى اللّه عليه وآله».

ورواية أخرى عن أبي هريرة أيضاً: أنه إذا أراد الناس أن يمنعوهما كان «صلی اللّه علیه وآله» يشير للناس أن دعوهما

ورواية أخرى : ذكرت تمزيق النبي عهد الذي اعترض على ما رآه من فعلهما.

وفي رابعة: أن يهوديا كان حاضراً، وأنه أسلم بسبب هذه الحادثة.

فكل ذلك يدل على تعدد هذه الواقعة كما أشرنا إليه.. ثم إن بعض الروايات تذكر الحسنين «علیهما السلام»، وبعضها تخص الأمر بالحسين «عليه السلام».

بقيت هنا بعض الأمور المرتبطة بهذه القضية، نذكرها ضمن العناوين التالية:

حل، حل:

ذكرت رواية الليث بن سعد: أن الحسنين «علیهما السلام» كانا يحركان رجليهما، وهما على ظهر النبي «صلی اللّه علیه وآله»، ويقولان حل حل وهو زجر للناقة لكي تسرع في السير، ونحن لا

نرى هذا الكلام صحيحاً، لسببين:

أولهما: أننا لو أردنا أن ننظر إلى الحسين «علیه السلام» نظرة الناس العاديين الذين يرونه بعمر الأطفال، ويعاملونه على هذا الأساس، فالمفروض هو أن تكون هذه القضية قد حصلت بعد ولادة الحسين «علیه السلام» بعدة سنوات، يكون فيها بنظر الناس العاديين قد كبر، أو صار قادراً على الصعود على ظهر جده النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وصار يتكلم، ويميز بين الأمور. وإن كنا نعتقد أنه كان إماماً عالما، معصوماً منذ ولد. ولا يصح احتمال أي نقص أو عجز في حقه.

ونحن نعلم: أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد أشهده على كتاب لثقيف (1)، وقبل منه البيعة في بيعة الرضوان التي كانت قبل الفتح، فقد بايع الحسنين «علیهما السلام»، ولم يبايع صغيراً (صبياً) غيرهما (2).


1) الأموال لأبي عبيد ص 289 و 290 :وراجع التراتيب الإدارية ج 1 ص 274 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 284 ومكاتيب الرسول ج 3 ص 58 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 373.

2) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 142 وبحار الأنوار ج 43 ص 278 و ج 50 ص 78 والدرجات الرفيعة ص 241 و 168 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 287 والاحتجاج للطبرسي ج 2 ص 245 ومدينة المعاجز ج 7 ص 355 والدر النظيم ص 708 وكشف الغمة ج 3 ص 150 والمحجة البيضاء ج 4 ص 300 وعن العقد الفريد ج 2 ص 243 وراجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 40 والمعجم الكبير ج 3 ص 115 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 180 والبداية والنهاية ج 8 ص 226 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 215 وينابيع المودة ص 375 عن فصل الخطاب لمحمد پارسا البخاري، عن النووي على ما يبدو وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ص 150 وفي هامشه عن المعجم الكبير للطبراني، ترجمة الإمام الحسين الحديث رقم 77 وحياة الصحابة ج1 ص 250 ومجمع الزوائد ج 6 ص 40 عن الطبراني، وقال هو مرسل ورجاله ثقات، والعقد الفريد ج 4 ص 384 من دون ذكر ابن عباس.

وأخرجهما في قضية المباهلة (1).


1) سبل الهدى والرشاد ج 6 ص 419 عن الحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبي نعيم في الدلائل، والبيهقي، وابن الشيخ، والترمذي، والنسائي، وابن سعد، وعبد بن حميد وابن جرير، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، ومسلم، وابن المنذر، والحاكم. وراجع: المواهب اللدنية وشرحه للزرقاني جه ص 187 - 190. وبحار الأنوار ج 35 ص 264 و 266 وج 37 ص 265 و 270 والدر المنثور ج 2 ص 39 وتفسير الآلوسي ج 3 ص188 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 66 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 142 والعمدة لابن البطريق ص 132 و 188 والطرائف لابن طاووس ص 45 وص 129 والتفسير المنسوب إلى الإمام العسكري ص 660 وتفسير العياشي ج 1 ص 176 و 177 وتفسير القمي ج 1 ص 104 والصراط المستقيم للعاملي ج 1 ص 186 وأحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 16 و 18 و 19 وتفسير الثعلبي ج 8 ص 41 وتفسير السمعاني ج1 ص327 وأحكام القرآن وبن العربي ج 1 ص 360 ومجمع البيان ج 2 ص 452 و (ط الأعلمي سنة 1415ه) ص 310 والتبيان ج 2 ص 484 و 485 ونهج الحق (مطبوع مع دلائل الصدق) ج 2 ص 83 وتفسير الرازي ج 8 ص 80 وتفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم الرازي ج 2 ص 667 وحقائق التأويل ص 114 ودعائم الإسلام ج 1 ص 17 و 18 وتخريج الأحاديث والآثار ج 1 ص 187 وفقه القرآن للراوندي ج 2 ص 362 ومتشابه القرآن ومختلفه لابن شهر آشوب ج 2 ص 33 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص 227

بل هو قد جعل لهما منصباً منذ صغرهما بقوله: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا» (1).. فإنه ظاهر في جعل مقام الإمامة


1) راجع: الكافي ج 1 ص 288 ومكاتيب الرسول ج 1 ص 561 وفي الهامش عن الحياة السياسية للإمام الحسن «علیه السلام» ص 47 وغنية النزوع ص 323 وجامع الخلاف والوفاق ص 368 و 404 وتذكرة الفقهاء ج 5 ص 435 و (ط قديمة) ج 1 ص 254 و ج 2 ص 437 ومختلف الشيعة ج 3 ص 333 وج 6 ص 308 و 330 ومجمع البيان (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 311 و ج 8 ص 165 وتفسير جوامع الجامع ج 3 ص 70 و 857 وتلخيص الشافي ج 4 ص 170 ونور الثقلين ج 3 ص 290 وج4 ص 284 والميزان ج 4 ص 312 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 30 والمسائل الجارودية للمفيد ص 35 والمستجاد من الإرشاد للعلامة (المجموعة) ص 157 والصراط المستقيم ج 2 ص 118 و ج 3 ص 130 والمحتضر لابن سليمان الحلي ص 179 والتعجب للكراجكي ص 129 والفصول المختارة للمرتضى ص 303 وروضة الواعظين ص 156 وكفاية الأثر ص 38 و 117 والفرق بين الفرق ص 25 ودعائم الإسلام ج 1 ص 37 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 143 و 163 والفضائل لابن شاذان ص118 والطرائف لابن طاووس 196 وعوالي اللآلي ج 3 ص 130 وج 4 ص 93 ومدينة المعاجز ج 2 ص 391 و ج 3 ص 290 وبحار الأنوار ج 16 ص 307 و ج 21 ص 279 و ج 35 ص 266 وج 36 ص 289 و 325 وج 73 ص 7 وج 37 ص 298 و 291 وج 44 ص 2 و 16 وإعلام الورى ج 1 ص 407 و 421 وكشف الغمة ج 2 ص 156 وج 2 ص 225 و 245 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 717 و 732 وفضائل أمير المؤمنين «علیه السلام» لابن عقدة ص 168 ونزهة المجالس ج2 ص 184 وفي السراج الوهاج للشبراوي الشافعي أنه «صلی اللّه علیه وآله» قال لهما : أنتما الإمامان، ولأمكما الشفاعة، وغاية المرام ج2 ص 243 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 482 وج 19 ص 216 و 17 عن أهل البيت لتوفيق علم (ط مطبعة السعادة القاهرة) ص 195 وعن الرسالة في نصيحة العامة لابن كرامة البيهقي (النسخة المصورة في مكتبة أمبروزيانا في إيطاليا) ص 18 و 67 وينابيع المودة ص 445.

لهما فعلا، منذ تلك اللحظة، حيث لم يقل سيكونان إمامين مثلاً.

إلا أن يكون - كما قال أحد الإخوة الأفاضل - قد أطلق عليهما بلحاظ حال التلبس وفعلية مقام الإمامة لكلّ واحد منهما، وهو إمامة الحسن «علیه السلام» بعد استشهاد أبيه، وإمامة الحسين «عليه السلام» بعد استشهاد أخيه. لا سيّما وأن الحديث المشار إليه مسوق لبيان أن قعود القاعد لا يعني فقده لمقام الإمامة.

وذلك كله وسواه يدل على أنهما «علیهما السلام» كانا وهما في تلك السن أهلا للخطاب الإلهي، وأنهما يملكان من العقل والمسؤولية ما يكفي لتحمل المسؤولية في مثل هذه الأمور الكبيرة والخطيرة. ومن يكون كذلك لا يمكن أن يصدر منه ما يراه الناس إنقاصاً لقدر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

فالناس عادة يستحسنون صعود الطفل على ظهر أبيه أو جده، ولكنه إذا وصف أباه بهذه الكلمات وأمثالها يزجرونه، ويوضحون له أن التفوّه بمثل هذه الكلمات عيب، ويطلبون منه الاعتذار عنها، وأن لا يعود إليها.

تمزيق العهد لماذا؟!:

ولنا مع الرواية التي ذكرت تمزيق النبي لعهد الرجل في هذه المناسبة العديد من الاستفهامات والمؤاخذات.

فأولاً: لم يتضح لنا نوع ومضمون العهد الذي كتبه «صلی اللّه علیه وآله» لذلك الرجل. هل هو عهد أمان؟! أو عهد بعمل رصده له، بين له فيه ما يجب عليه عمله ؟ ! أو هو عهد تفويض تصرف ببعض الأراضي، واستثمارها، وأداء ما يترتب عليه إلى بيت المال؟!

ثانياً : إن ما صدر عن صاحب العهد هو مجرد طرح سؤال عن أن كثرة الحركة، أو أن هذا النوع من الحركات على ظهر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ألا يقطع الصلاة؟!

فلعل الرجل لم يكن يعلم بالحكم الشرعي لمثل هذه الحالة.. فهل

يصح مواجهته بهذا الزجر الحاد، وإهانته المتمثلة باسترداد عهده منه، وتمزيقه؟!

إلا أن يقال : لعل سؤال هذا الرجل لم يكن بريئا، بل كان مشوباً بما يدل على التشكيك بالرسالة والإرتداد مثلاً، فاستحق العقوبة بتمزيق عهده لأجل ذلك، ربما لأن هذا السؤال منه قد استبطن اتهاما لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بأنه يقول للناس شيئاً ولا يلتزم هو به، فهو يعمل بالهوى، ويتلاعب بالأحكام.

غير أننا نقول:

إن الرواية لم تشر إلى هذا التعليل لكي يتم اعتماده، بل ذكرت أمراً آخر، جعلته علة وسبباً لهذه الحدة والشدة من رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله»، وهو أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد اعتبر قول ذلك الرجل ناشئاً عن عدم توقيره للكبير، وعدم رحمته للصغير، فتبرأ «صلی اللّه علیه وآله» منه لأجل ذلك، قائلاً: «من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقر كبيرنا، فليس منا، ولا أنا منه».

ثالثاً: يسجل على هذا الاستدراك عدة أسئلة تحتاج إلى جواب، وهي التالية:

إن هذا الرجل لم يضمّن سؤاله أية إشارة إلى القسوة أو الرحمة، بل سأل عن قاطعية فعلهما هذا للصلاة..وعدمه.

رابعاً: إن منع الصبي من الصعود على ظهر النبي «صلی اللّه علیه وآله» ليتمكن النبي من إتمام صلاته ليس بأكثر من منع الصبي

من أكل ما يضره، أو من الاقتراب من النار، أو من اللعب في موضع يخشى فيه عليه من السقوط إلى مكان سحيق، أو منعه من ضرب أمه وأبيه، فلماذا يعتبر منافياً للرحمة للصغير، ولتوقير الكبير؟!

خامساً: ما هو الرابط بين هذا السؤال وبين الكفر والخروج من جماعة المسلمين، فإن عقوبة من يطرح سؤالاً استفهاميا ليست البراءة منه، والحكم عليه بالكفر ؟!

سادساً : إذا كان على النبي «صلی اللّه علیه وآله» أن يعامل الناس على ما هو ظاهر حالهم، فإن ظاهر سؤاله أنه استفهامي، وليس ثمة ما يشير إلى أي شيء آخر، فما المبرر لتمزيق العهد؟!

ألا يحتمل أن يكون ذلك الرجل بحاجة إلى الرفق، وإلى التعليم، ورفع الجهل بالحكمة والموعظة الحسنة؟!

سابعاً: لو فرضنا أن ثمة نوعاً من الحركات المشبوهة قد بدرت من ذلك الرجل، وكانت دالة على أن الرجل كان من المنافقين، فإن النبي «صلی اللّه علیه وآله» كان يداري المنافقين، ويغض النظر عن كثير من أفعالهم، ولا يقدم على اتخاذ موقف حادٍ من أي منهم، إلا إذا بدر منه الكفر الصراح، والجرأة التى لا يمكن له إنكارها، ولا التملص منها، أو لا يمكن تأويلها.. وهذا ما لم تظهر لنا أية دلالة عليه، أو إشارة إليه.

اليهودي الذي أسلم:

ويستوقفنا حديث إسلام اليهودي، بسبب ما رآه من رفق ومداراةٍ ورأفة ورحمة لدى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بالصبيان.. ولنا أن نتساءل عن مسوغ دخول ذلك اليهودي إلى مسجد رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله».

ونجيب:

أولاً: لا شيء يدل على أن ذلك اليهودي كان في داخل المسجد.

فلعله كان على مشارفه، وكان بحيث يرى ما في داخله، من باب مفتوح، أو من نافذة، أو كوة، أو خلل فيه.

ثانياً : لو سلم أن هذه القضية قد حصلت في مسجد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. فإن ما يقال من عدم صحة دخول الكافر إلى مساجد المسلمين، فما بالك إذا كان المسجد هو مسجد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إن هذا القول يحتاج إلى بيان، فقد يقال:

ألف: إن عدم جواز حضور الكافر الكتابي إلى المسجد يحتاج إلى ما يثبته، إذ هناك من يرى جواز دخول الكافر إلى المسجد، ويستدل على ذلك بدليلين:

الدليل الأول: إن ما استدل به على الحرمة - وهو قوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَدًا» (1)


1) الآية 28 من سورة التوبة.

• لا يدل على ذلك.

أولاً: المراد بالنجس القذارة المعنوية، لا القذارة الحسية. أي أن كفرهم هو المانع من دخولهم المسجد، لا نجاستهم المادية، كنجاسة الدم وغيره أي أن دخول المشرك والكافر باللّه إلى بيت التوحيد والعبادة الخالصة هتك لحرمة المسجد، حتى لو لم يوجب دخوله له تنجيساً له.

ثانياً : لو سلمنا: أن المراد النجاسة الحسية بالمعنى المعهود عند أهل الشرع، فإن الحرام هو تنجيس المسجد بها إما إدخالها إليه، فلا يحرم، إلا إذا استلزم هتكاً لحرمته.

ويشهد لذلك : أنه لا يحرم وضع الدم في كيس، ثم إدخاله إلى المسجد، كما لا يحرم إدخال قطعة ملوثة بالدم والمرور بها منه

ثالثاً: قد يقال: إن الآية خصصت الحكم بالمسجد الحرام. ولو كان المراد التعميم لكل مسجد، لقالت: «فلا يَقْرَبُوا الْمَسَاجِدَ». فلعل للمسجد الحرام خصوصية.

ويلاحظ أو يشهد لما نقول : أنها تقول: «فلا يَقْرَبُو» الظاهر في التشدد البالغ في هذا الأمر، صونا لحرمة المسجد الحرام. حتى عن اقتراب هؤلاء منه مع أن مرور الكافر بالقرب من سائر المساجد ليس فيه أي محذور.

رابعاً: وفيما يرتبط بالربط بين هذه الآية وبين ما يقال عن قصة اليهودي هنا، نقول:

لم يظهر لنا: أن قصته كانت بعد نزول هذه الآية، فلعلها كانت قبل نزولها، لأن الآية قد وردت في سورة التوبة التي هي من أواخر ما نزل من القرآن (1)..


1) الدر المنثور ج 3 ص 207 و 208 عن ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبي داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن أبي داود في المصاحف، وابن المنذر، والنحاس في ناسخه وابن حبان، وأبي الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس، والمستدرك للحاكم ج 2 ص 330 و 331 وتلخيصه للذهبي (مطبوع بهامشه) والبرهان للزركشي ج 1 ص 235 وراجع ص 61 وفتح الباري ج 9 ص 37 و 39 وكنز العمال (ط الهند) ج 2 ص 367 عمن ذكرهم في الدر المنثور آنفا، وعن أبي عبيد في فضائله، وابن الأنباري في المصاحف، وأبي نعيم في المعرفة، وسعيد بن منصور، وفواتح الرحموت بهامش (المستصفى) ج 2 ص 12 وعن أحمد، وأبي داود والترمذي والنسائي وابن حبان، والحاكم، ومشكل الآثار ج 2 ص 152 ومسند أحمد ج 1 ص 57 و 69 والسنن الكبرى ج2 ص 42 وجواهر الأخبار والآثار (مطبوع مع البحر الزخار) ج 2 ص 245 ومناهل العرفان ج 1 ص 347 ومباحث في علوم القرآن للقطان ص 142 والمرشد الوجيز لأبي شامة ص 61 والمبسوط للسرخسي ج 1 ص 16 وعمدة القاري ج 18 ص 195 وأحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 444 وتفسير البيضاوي ج 3 ص 126 والغدير ج 8 ص 10 وأبو طالب مؤمن ج3 ج8 قريش ص 341 عن : البخاري، والكشاف، والبيضاوي، وتفسير ابن كثير، والإتقان، وابن أبي شيبة، والنسائي، وابن الضرير، وابن المنذر، والنحاس، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وعين العبرة لأحمد آل طاووس ج 2 ص 18 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 27 وسنن أبي داود ج 1 ص 182 وكنز العمال ج 2 ص 575 ومجمع البيان ج 5 ص 6 والبيان في تفسير القرآن ص 243 ومعاني القرآن ج 3 ص 179 وأحكام القرآن للجصاص ج1 ص 10 وأسباب النزول للواحدي ج 2 ص 8 وزاد المسير ج 1 ص 3 وج3 ص 264 والدر المنثور ج 3 ص 295 والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 4 ص 160 وج 8 ص 173 وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 344 و 419 وتاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 365.

فإن نزولها كان في ذي الحجة سنة تسع (1). ولم يكن - بحسب الظاهر - قد ورد نهي عن دخول المشركين إلى المساجد، لحكمة اقتضت تأخير هذا التشريع. لو سلم أن هذه الآية تدل على حرمة ذلك..

الدليل الثاني: على جواز دخول الكافر إلى المسجد إن وفد طيء حين قدم إلى المدينة «عقلوا رواحلهم بفناء المسجد، ثم دخلوا وجلسوا قريبا من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حيث يسمعون صوته


1) الدر المنثور ج 3 ص 208 عن ابن أبي شيبة، والبخاري، والنسائي، وابن الضريس، وابن المنذر والنحاس في ناسخه، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 103 وتفسير النسفي ج 2 ص77 والتبيان في تفسير القرآن ج 9 ص 325 وتفسير مجمع البيان جه صه والمنتخب من تفسير القرآن لابن إدريس الحلي ج 2 ص 268 وج 3 ص 151 والتفسير الصافي ج 2 ص 318 وتفسير العز بن عبد السلام ج 2 ص 5 وتفسير أبي السعود ج 4 ص 43 وتفسير الآلوسي ج 10 ص 40 والشافي في الإمامة ج 4 ص 38.

الخ..» (1).

كما أن وفد نجران - كما زعموا - لما حانت صلاتهم قاموا في مسجد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يصلون، فأراد الناس منعهم، فقال «صلی اللّه علیه وآله» دعوهم» (2).

ولا بأس بمراجعة سائر الروايات التي تذكر وفود المشركين، وأهل الكتاب على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ودخولهم عليه. ونجيب:

أولاً: لا دليل على أن المشركين قد دخلوا على رسول اللّه «صلی


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 158 والروض الأنف ج 4 ص 227 والإصابة ج 6 ص 478 والأعلام للزركلي ج 8 ص 115 ومكاتيب الرسول ج 1 ص 255 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 321 وتاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 518 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص358 ونهاية الأرب ج 18 ص 76.

2) سبل الهدى والرشاد ج 6 ص 416 و 417 والمواهب اللدنية وشرحه للزرقاني ج 5 ص 187 و 188 وبحار الأنوار ج 21 ص337 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 376 والبداية والنهاية ج 5 ص 65 وإمتاع الأسماع ج 14 ص 69 وإعلام الورى ج 1 ص 255 والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 413 وعيون الأثر ج 1 ص 290 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ج1 ص 103 وتفسير البغوي ج 1 ص 276 وتفسير الثعلبي ج 3 ص 6 وجامع البيان ج 3 ص 221 وزبدة التفاسير ج 1 ص 447 وتفسير مجمع البيان ج2 ص 234 وتفسير أبي السعود ج 2 ص 3.

اللّه عليه وآله»، وهو في المسجد المخصص للصلاة، فلعلهم دخلوا إلى سائر أقسام المسجد التي ليست مخصصة لذلك كالباحة، والساحة، وغيرها من توابع المسجد ومتمماته، ومنها الموضع الذي يقال له: «الصفة». وكان النبي «صلی اللّه علیه وآله» يُنزل في ذلك الموضع بعض الفقراء وغيرهم، فإن دخول الكافر والجنب إلى هذه المواضع ليس ممنوعاً، فإن أهل الصقة مثلاً كانوا يبيتون هناك. وربما حصلت لبعضهم جنابة حال نومه على الأقل.

والنوم في المسجد مكروه، والجنابة فيه حرام، ولا يسمح النبي «صلی اللّه علیه وآله» ولا يجيز تعريض المسجد لهذين الأمرين، فدل ذلك على أن هذا الموضع من ملحقات المسجد الذي يصلى فيه، والذي يكره فيه النوم، وتحرم فيه الجنابة.

وعلى هذا، فإن النبي «صلی اللّه علیه وآله» حين أمر الناس بعدم منع نصارى نجران من الصلاة في ذلك الموضع، يكون قد دلنا على أنه ليس من المواضع التي لها تلك الأحكام المعروفة بأحكام المساجد.. سواء ما كان منها محرماً، أو ما كان مكروهاً..

وخلاصة القول:

إنه لا دليل على أنه «صلی اللّه علیه وآله» كان يلقى الناس في الموضع المخصص للصلاة، فلعله كان يلقاهم في الباحات والساحات والصقة، وغيرها من المواضع الملحقة بالمسجد الأغراض أخرى غير الصلاة، التي يكون فيها التهيوء والاستعداد للصلاة، وقد يرفع

الأذان في بعض تلك المواضع، وفيها تكون المرافق، ومواضع الوضوء، والتروح في مهب الأهوية، ويبيت فيها من لا منزل له، ويوضع فيها آلات وفرش المسجد، والباحات والساحات، وغير ذلك. وإنما يطلق عليها أنها مسجد على سبيل التوسع، ولا يحرم دخول الكافر إلى هذه المواضع وأمثالها.

إيمان اليهودي باللّه:

1 - ذكرت الرواية المتقدمة : أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قال لليهودي: «أما لو كنتم تؤمنون باللّه ورسوله لرحمتم الصبيان».. وهذا يثير أمامنا سؤالاً يقول أليس اليهود يؤمنون باللّه، وبأن له أنبياء، وقد أنزل كتباً، وما إلى ذلك؟!

إلا أن يقال: إن الجمع بين الإيمان باللّه وبنبوة نبيه الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي يترك هذا الأثر الذي ذكره «صلى اللّه عليه وآله» هنا

أو يقال: إن الإيمان بالإسلام هو الذي يوجب الرحمة، ولا يوجبها الإيمان بالترهات والأباطيل.

ويجاب :

بأن فهم هذا المعنى من كلامه «صلی اللّه علیه وآله» يستدعي التساؤل عن كيفية حصول هذا الأثر لمجموع هذين الأمرين، فإنه سيبقى غامضاً بالنسبة لذلك اليهودي على أقل تقدير، كما هو غامض أيضاً بالنسبة لغيره.. فكيف قبل ذلك، ولم يسأل عن سببه، بل بادر إلى

إعلان إسلامه؟!

2 - هل صحيح أن اليهود لا يرحمون صبيانهم؟! والحال أن حب اليهود للدنيا وزينتها يفوق الوصف، كما أن المال والبنين هما من أهم مظاهر زينة الحياة الدنيا. فالمفروض من الناحية الموضوعية، ومن الناحية الغريزية أن يحبوا صبيانهم، فإن حب الإنسان لأبنائه ولاسيما الصغار - أمر طبيعي، ولا مجال للمماراة فيه.

ولا ندري لماذا لم يسجل ذلك اليهودي اعتراضه على هذه النقطة أيضاً، فلم يسأل النبي عنها ؟!

أما فيما يرتبط بحب اللّه ورسوله «صلی اللّه علیه وآله»، وفرض حبهما على الأمة، فسنتعرض له في الفصل التالي..

الفصل الرابع: أحداث تحتاج إلى توضيح..

اشارة

قبَّل زبيبته!!

1 - قال المغيرة بن عبد اللّه : مر الحسين «علیه السلام»، فقال أبو ظبيان ما له، قبحه اللّه!! إن كان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ليفرج بين رجليه ويقبل زبيبته (1).

2 – الجعفريات: عن محمد، عن موسى عن أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي «علیه السلام»: أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قبل زب الحسين بن علي بن أبي طالب «علیه السلام»، كشف عن أربيته، وقام فصلى من غير أن


1) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 226 وبحار الأنوار ج 43 ص 296 وذخائر العقبى ج 2 ص 60 وليس فيه قوله: «ما له قبحه اللّه». وفي هامشه عن التصنيف الفقهي لأحاديث الكنى والأسماء للدولابي ج 1 ص 51 وعن المعجم الكبير (نسخة جامعة طهران) ص 134 وتاريخ الإسلام للذهبي (ط مصر) ج 2 ص 217 ونيل الأوطار للشوكاني، باب ستر العورة والبداية والنهاية (ط مصر) ج 8 ص 33 وعن وسيلة المآل (مخطوط - نسخة مكتبة الظاهرية بدمشق) ص 168.

يتوضأ (1).

3 - الأزهري، عن المعافى بن زكريا الجريري، عن محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، عن علي بن مسلم الطوسي، عن سعيد بن عامر، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن جده، عن جابر بن عبد اللّه قال:

وأنبأنا مرة أخرى عن أبيه، عن جابر قال: رأيت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وهو يفحج بين فخذي الحسين ويقبل زبيبته، ويقول: «لعن اللّه قاتلك

قال جابر: فقلت: يا رسول اللّه، ومن قاتله؟!

قال: «رجل من أمتي، يبغض عترتي، لا يناله شفاعتي، كأني بنفسه بين أطباق النيران يرسب تارة، ويطفو أخرى. وإن جوفه ليقول : عق عق» (2).


1) مستدرك الوسائل ج 1 ص 236 والنوادر للراوندي ص193 عن الجعفريات ص 19 و 30 - 31 والعوالم، الإمام الحسين ص 43 وبحار ص43 الأنوار ج 43 ص 317 وج 77 ص 224 و عن شرح الأخبار ج3 ص77 وتاريخ بغداد ج 3 ص 290 عن جابر نحوه.

2) تاریخ بغداد (ط دار الكتب العلمية سنة 1417ه ق) ج4 ص57 و 58 و (ط السعادة بمصر) ج 3 ص290 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص224 ولسان الميزان ج 5 ص 377 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 351 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 323 و ج 27 ص 327.

ونقول:

لا بأس بالإشارة إلى بعض ما يرتبط بهذه النصوص، فنقول:

الأربية: أصل الفخذ.

هل هذا تصحيف؟!

يبدو لنا أن الرواية الأولى، وهي رواية أبي ظبيان قد تعرضت للتصحيف من الرواة، فإن كلمة «أربيته» الواردة في الرواية الثانية التي تعني أصل الفخذ صارت - فيما يبدو - زبيبته.

ولعل السبب في ذلك: هو تقارب رسم الكلمتين، فلاحظ كلمتي: «زبيبته» و «أربيته»، فإن التشابه في الرسم بينهما كبير.

والذي يدعونا إلى إبداء هذه الملاحظة: أن كشف عورة الإمام المعصوم أمام الناس، ولو في أيام طفولته أمر غير مستساغ، ولا مرضي، وله آثار سلبية على النظرة إلى ذلك الإمام، وعلى طبيعة التعامل معه.

وقد يعكر على هذه الملاحظة حول التصحيف اللفظي للكلمة: أن صدر الرواية الثانية يقول قبل ذلك : إنه «صلی اللّه علیه وآله» قبل «زب» الحسين بن علي.

ويجاب:

بأن في هذه الرواية الثانية أيضا اختلالاً ظاهراً.. فقد صرح ذيلها بأنه «صلی اللّه علیه وآله» كشف عن أربيته، فإذا كانت الأربية هي أصل الفخذ، فإن كان قد قبل ذلك الموضع، فإن الأربية ليست هي زب المولود، وإن كان قد قبل ذلك الموضع فعلا، فلماذا اكتفى بالكشف عن أصل فخذه ؟! فهل قبله دون أن يكشفه؟! فإن كان الأمر كذلك، فلا حاجة إلى الكشف عن الأربية التي هي أصل الفخذ.

ألا يدلنا هذا: على أن في الرواية اضطراباً وتصرفا، إما نشأ عن وهم وقع فيه الراوي عن علي «علیه السلام»، فنسب ما توهمه هو إلى علي، لا على سبيل الحكاية لقوله، بل على سبيل الحكاية لفعله، بحسب ما توهمه، أو تخيله، أو ربما تعمد أن يشيعه عن رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله» لحاجة في نفسه.

لماذا الوضوء؟!:

ومما يزيد في وضوح الاضطراب، وحصول التصرف في هذه الرواية حتى بالزيادة فيها، قوله في آخرها: وقام فصلى من غير أن يتوضاً.. إذ لا يتوهم أحد أن تقبيل الرجل لولده يوجب الوضوء.

ولا يحتمل ذلك في حق الإمام الكاظم «علیه السلام» الذي كانت إمامته في النصف الثاني من القرن الثاني للّهجرة، فإن مذهب أئمة أهل البيت «علیهم السلام» وفقههم لم يكن خافياً على أحد، بل كان قد شاع وذاع وطرق الأسماع.. وهم يرفضون ما تقوله بعض الجماعات من أن من قبَّل امرأته ينتقض وضوؤه، ومس جسد الصبي

الصغير، أو تقبيل جده له حبا به ليس مما يوجب ذلك..

من المقصود بكلام أبي ظبيان؟!

وقد ذكرت الرواية الأولى: أن أبا ظبيان قال حين مرّ به الحسين «علیه السلام»: «ما له؟! قبحه اللّه ؟! الخ..». وظاهر الكلام أن المقصود بهذه الكلمة السيئة هو الإمام الحسين «علیه السلام» بالذات، وهذا يعني أن أبا ظبيان كان من أعداء الحسين وأهل البيت «علیهم السلام»، ومن المكذبين للقرآن الرادين على اللّه، الجاحدين للحق.. وحاله يصبح معلوماً.

وقد ورد في الروايات ما يدل على وجود هذا الانحراف فيه، فقد كذبه الإمام الصادق «علیه السلام»، كما في رواية أبي الورد، قال: قلت لأبي جعفر «علیه السلام»: إن أبا ظبيان حدثني أنه رأى عليا «عليه السلام» أراق الماء ثم مسح على الخفين.

فقال «علیه السلام»: كذب أبو ظبيان. أما بلغكم قول علي «عليه السلام» فيكم: سبق الكتاب الخفين؟

قلت: هل فيها رخصة؟!

فقال: لا إلا من عدو تتقيه، أو ثلج تخاف على رجليك (1).


1) الإستبصار ج 1 ص 106 و (ط دار الكتب الإسلامية - طهران) ج1 ص 76 وتهذيب الأحكام ج 1 ص 362 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 1 ص 458 و (الإسلامية) ج 1 ص 322 وقاموس الرجال ج 3 ص 560.

نقول هذا مع الإشارة إلى أن كلمة «ما له؟! قبحه اللّه» إنما وردت في بعض المصادر دون بعض (1)، كالمناقب - حسب نقل المجلسي في بحار الأنوار، ولكن بعض المصادر الأخرى كذخائر العقبى وغيره (2)، لم ترد فيها هذه الفقرة..

وأما بالنسبة إلى الرواية الثالثة، فنقول:

إن هذا النص لا غبار علىه من حيث المضمون.. إلا ما أشرنا إليه من احتمال التصحيف لكلمة أربيته، حتى صارت «زبيبته».

لكن لنا كلام في سند هذه الرواية، فإن أبا ظبيان إن كان هو الحصين بن جندب، فقد صرح الشيخ في رجاله، والبرقي أيضاً: بأنه من أصحاب علي «علیه السلام» (3). وهو الظاهر من روايته مسح


1) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 226 وبحار الأنوار ج 43 ص 296 والعوالم الإمام الحسين ص 39.

2) ذخائر العقبى ج 2 ص 60 و (ط مكتبة القدسي بمصر) ص 127 والمعجم الكبير ج 3 ص 51 وج 12 ص 85 ونصب الراية ج1 ص412 وتاريخ بغداد ج 4 ص 57 و 58 و میزان الاعتدال ج 3 ص 367 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 72 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 58 و 313.

3) قاموس الرجال ج 11 ص 385 وج 3 ص 560 ومعجم رجال الحديث ج 7 ص 132 و ج 22 ص 219 وجامع الرواة للأردبيلي ج 2 ص 396 ورجال البرقي ص 6 ورجال الشيخ ص 61 رقم 10 وخلاصة الأقوال ص 309 وراجع: رجال ابن داود ص 219.

علي «علیه السلام» على الخفين في الوضوء (1).

وعدَّه ابن منده وأبو نعيم من أصحاب النبي «صلى اللّه عليه وآله» (وكنوه بأبي جندب) (2).

إلا أن يقال: إن الاختلاف بالكنية يدل على تعدد الشخص.

وصرح ابن حجر العسقلاني وغيره: بأنه مات سنة تسعين (3)

وهذا يدل أيضاً على أن حصين بن جندب بن الحارث الجنبي أبا ظبيان ليس أبا ظبيان الذي رأى النبي «صلی اللّه علیه وآله» يفعل ذلك.


1) قاموس الرجال ج 3 ص 560 والإستبصار ج 1 ص 106 و (ط دار الكتب الإسلامية - طهران) ج 1 ص 76 وتهذيب الأحكام ج 1 ص 362 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 1 ص 458) و (الإسلامية) ج 1 ص 322.

2) قاموس الرجال ج 3 ص 560.

3) تقريب التهذيب ج 1 ص 221 والطبقات الكبرى لابن سعد ج6 ص224 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 85 وشرح صحيح مسلم للنووي ج 2 ص 103 وعمدة القاري ج 17 ص 272 وطبقات خليفة بن خياط ص267 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 366 و 369 و 371 و 372 و373 وج 35 ص 437 وتهذيب الكمال ج 6 ص 516 والكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة ج 1 ص 338 وسير أعلام النبلاء ج 4 ص 362 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2810 و 2812 و 2816 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 6 ص 36 و 239 و 529 والوافي بالوفيات ج13 ص 58.

2 - كما أن السند المتقدم للرواية يروي الحديث عن أبي ظبيان، عن أبيه، عن جابر.. وهذا يشير إلى أن أبا ظبيان لم يكن معاصراً لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فكيف يمكن تفسير ذلك؟!

لكن الاضطراب السندي لا يحتم الحكم بكذب المضمون السالم من أي إشكال، فهناك مضامين كثيرة تكون صحيحة في الواقع، حتى لو لم يكن لها سند أصلا.

فالظاهر: أن جابراً هو الذي رأى النبي «صلی اللّه علیه وآله» يفعل ذلك بالحسين «علیه السلام»، وقد خلط الرواة بينه وبين أبي ظبيان، أو أسقطوه من الرواية، واقتصروا على أبي ظبيان، فظن البعض أنه هو الذي رأى الرسول يفعل ذلك.

خلاصة وبيان:

وبعدما تقدم نقول:

قد ظهر مما تقدم: أن هذه النصوص لا يمكن الاعتماد عليها لإثبات تقبيل النبي «صلی اللّه علیه وآله» لذلك الموضع من الإمام الحسين «عليه السلام».

كما لا دليل يدل على أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد كشف عورة ولده، أو لامسها حين كان الإمام الحسين «علیه السلام» صبياً صغير السن.

التطهير من بول الصبي

1 - محمد بن هارون الزنجاني، عن علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد القاسم بن سلام عن هيثم، عن يونس عن الحسن: أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أتي بالحسين بن علي «علیه السلام»، فوضع في حجره، فبال عليه، فأخذ.

فقال: لا تزرموا ابني، ثم دعا بماء فصبه عليه(1).

2 - عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كنا جلوسا عند رسول اللّه إذ أقبل الحسين، فجعل ينزو على ظهر النبي وعلى بطنه، فبال، فقال: دعوه (2).

3 - إن الحسين «علیه السلام» بال في حجر رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله»، فقالت لبانة (لبابة): أعطني إزارك حتى أغسله.

قال: إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر (3).


1) معاني الأخبار ص 211 وبحار الأنوار ج 43 ص 265 و 296 وج 77 ص 132 والعوالم، الإمام الحسين ص 37 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج3 ص 405 و (الإسلامية ج 2 ص 1008 والفايق في غريب الحديث ج 2 ص80 وغريب الحديث ج 1 ص 103 وعن قرب الإسناد.

2) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 226 وبحار الأنوار ج 43 ص 296 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 556.

3) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 227 وبحار الأنوار ج 43 ص 296 ونيل الأوطار ج 1 ص 55 و 56 والعوالم الإمام الحسين ص 39 وسنن أبي داود ج 1 ص 93 وعمدة القاري ج 3 ص130 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 174 وتحفة الأحوذي ج 1 ص 198 والمصنف لابن أبي شيبة ج 1 ص 144 و 145 وج 8 ص 376 والمعجم الكبير ج 25 ص 26 ونصب الراية ج 1 ص 194 وتهذيب الكمال ج 23 ص331 وسبل الهدى والرشاد ج 8 ص 22 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص20.

4 - ذكر أبو عبيد في غريب الحديث: أنه «صلی اللّه علیه وآله» قال:

«لا تزرموا ابني». أي لا تقطعوا عليه بوله. ثم دعا بماء، فصبه على بوله(1).

ونقول:

يستفاد من هذه النصوص ما يلي:

إنه «صلی اللّه علیه وآله» قد منعهم من أن يقطعوا على الحسين «علیه السلام» بوله، فدلنا ذلك على أن على الكبير أن لا يستفيد من


1) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 226 وبحار الأنوار ج 43 ص 296 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 557 والعوالم، الإمام الحسين ص 39 والفايق في غريب الحديث (ط مصر) ج 1 ص 526 و (ط دار الكتب العلمية - بيروت) ج 2 ص 80 والنهاية لابن الأثير ج 2 ص 301 والصحاح ج 5 ص 1941 واللمعة البيضاء ص 40 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 309.

نفوذه، أو من موقعه العائلي أو غيره، ككونه أباً، أو أما، أو أخا أكبر، ولا من قوته الجسدية لحرمان الآخرين من حقوقهم، أو فرض سلوك معين عليهم، لمجرد أن هذا الأمر يريحه هو، أو يحفظ له موقعاً أو اعتباراً معيناً، يختص به وغير ذلك من اعتبارات تعود إليه.. ما لم تكن تلك الاعتبارات مما خصه اللّه تعالى بها، وسوغ له أن يحفظها بمثل هذه التصرفات، التي يجب أن لا تبلغ حد العدوان، بل تبقى في دائرة تحديد الحقوق، وتمييزها، ووضع علائم لها تحدد مواقع ابتدائها وانتهائها.

فالصبي له الحق في كل تصرف تقتضيه طفولته، ويسوقه إليه إدراكه الطفولي، وليس لأحد أن يمنعه منه، بحجة أنه لا يطيق سماع الأصوات مثلا، أو بحجة أن السماح له بأن يقضي حاجته، وينهي إدراره سوف يتسبب له بمزيد من الجهد، أو لأبيه أو أمه، أو قريبه.

بل على الأب والأم أو غيرهما أن ينظموا حياتهم ويدخلوا احتمالات التصرفات الطفولية في حساباتهم، وأن يضعوا لأنفسهم حلولاً معها، ليس من ضمنها قهر الطفل، وحرمانه من حقه في تصرفاته التي يقتضيها سنه، ومستوى إدراكه.

ولذلك قال «صلی اللّه علیه وآله» لمن أرادوا أن يتعدوا الحدود مع ولده حين بال على ثيابه لا تزرموا ابني».

بال على ثياب جده:

وقد يحلو لبعض الناس أن يسأل عن مدى إمكان أن يبول إمام،

وهو من يظهر اللّه تعالى المعجزات له في طفولته، وهي معجزات وكرامات تدل على إدراكه العميق للأمور، وعلى فضله، وعلمه، ومقامه عند اللّه، وما إلى ذلك.. هل يمكن - والحالة هذه - أن يصدر منه ما ينقص قدره، فيبول على ثياب جده أمام أعين الناس، فيزعجه ويضطره لتطهير ثيابه، وما إلى ذلك؟

ويجاب:

أولاً : إن صنع المعجزة للإمام حتى وهو طفل لا ينافي أن تصدر منه أفعال يرى الناس أنها تصرفات أطفال. وإن كانت في واقع الأمر ليست كذلك، كما في قصة العناق المكية التي كان يقول لها الإمام: اسجدي لربك. وقد تحدثنا عما يقال، من أن الإمام لا يلهو ولا يلعب في فصل مستقل.

فالمعجزة تهدف إلى تعريف الناس بشخصه للاهتداء لنوره، والاستفادة من علمه، لأن هذا هو الذي ينجيهم من الويلات في الدنيا والآخرة، وهو الذي يحييهم ويحفظهم، وهو لطف من اللّه تعالى بهم، ورحمة لهم...

ثانياً: إن صدور أفعال منه «علیه السلام» تؤذن ببشريته، وتدل على صغر سنه، وتجعلهم يظنون منه أنه يتصرف وفق ما تقتضيه المرحلة العمرية التي هو فيها - إن ذلك - رحمة بالأمة أيضا، وصيانة لكثير من الناس من أن يخرجوا عن طور الاعتدال في نظرتهم إليه، وتعاملهم معه، لتصل إلى حد الغلو والارتفاع فيه، والرضا

بالاعتقادات الباطلة والنحل الفاسدة..

ابني!:

وقد جاءت كلمة «ابني» في قوله: «لا» تزرموا ابني للدلالة على بنوة الحسنين «علیهما السلام» لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. وهو ما سعى مناوئوا أهل البيت إلى إنكاره أو إثارة الشبهات حوله. وقد تحدثنا عن هذا الأمر بشيء من التفصيل في كتابنا: «الحياة السياسية للإمام الحسن «علیه السلام»، وفي كتابنا هذا أيضاً، فلا نعيد.

الغسل، والنضح:

ولا بد لنا هنا أيضاً من الإلماح إلى ما صرحت به الرواية، من وجود فرق في التطهير بين بول،الجارية، وبول الغلام، حيث ذكرت: أن الحكم هو الغسل من بولها، ونضح الماء على الثوب إذا بال عليه الغلام.

والسؤال البديهي هنا هو : أننا نفهم حكم الغسل من بول الجارية، فإن الغسل تطهير حقيقي وتام.

وأما النضح من بول الغلام، أفلا يعد زيادة في التنجيس للثوب لا تطهيراً له؟! حيث إن النضح هو رش الماء على الثوب في موضع إصابة البول. فينجس الماء المرشوش على الثوب بالبول، وتزيد به بنجاسة الثوب سعة وانتشاراً.

ويجاب :

أولاً : إن الأحاديث الواردة بالطرق المعتبرة عن أهل البيت «عليهم السلام» تدل على لزوم الصب على بول الصبي، ثم العصر (1). ولو كان يكفي الرش والنضح لأشير إليه في كلامهم «عليهم السلام».

أما بول الصبية، فليس في الروايات أن حكمه حكم بول الصبي، فيبقى مشمولاً لعمومات وجوب غسله مرتين.

إلا أن يقال: إن كلمة الصبي اسم جنس يطلق على الذكر والأنثى. فعلى هذا يكون الحكم فيهما واحداً، فإذا قيل يكفي الصب والعصر في بول الصبي، فكذلك الحال في بول الجارية، لأن المراد بالصبي الأعم من الذكر والأنثى ولكن هذا بعيد عن الاستعمالات العرفية في مثل هذا المورد.

فإنهم يفرقون بينهما بتاء التأنيث، فيقولون: صبي وصبية. ويبدو: أن الشارع قد جارى ما هو متداول في استعمالات الناس بملاحظة أنه قد فرق بين الصبي والجارية تارة، أو صرح بعدم الفرق بينهما أخرى، فلو لم تكن ضرورة لهذا التصريح، أو التفريق، أوجبتها


1) الكافي ج 3 ص 155 وتهذيب الأحكام ج 1 ص 249 والإستبصار ج1 ص 174 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 397 و (الإسلامية) ج2 ص 1002.

الاستعمالات المتداولة لما احتاج الشارع إلى ذلك.. وذلك لكي تتضح الأمور للعامة، وتزول أية شبهة مهما صغرت بالأخص فيما لو كان ذلك في بيان حكم شرعي.

ففي رواية الحلبي عن الصادق «علیه السلام»: سألت أبا عبد اللّه «عليه السلام» عن بول الصبي؟!

قال: تصب عليه الماء، فإن كان قد أكل فاغسله بالماء غسلا، والغلام والجارية [في ذلك] شرع سواء (1).

وفي رواية سماعة قال: سألته عن بول الصبي يصيب الثوب؟!

فقال: اغسله

قلت: فإن لم أجد مكانه؟!

قال : اغسل الثوب كله (2).

روايات الآخرين:

أما روايات غير أهل البيت فهي التي أكدت على الغسل من بول


1) الكافي ج 3 ص 156 وتهذيب الأحكام ج 1 ص 249 والإستبصار ج1 ص 193 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 398 و (الإسلامية) ج 2 ص 1003.

2) تهذيب الأحكام ج 1 ص 251 و 267 والإستبصار ج 1 ص174 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 398 و 402 و (الإسلامية) ج 2 ص 1003 و 1006.

الجارية. والنضح - هو رش الماء - من بول الغلام

ففي إحدى رواياتهم عن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أنه قال: «يغسل من بول الجارية، وينضح على بول الصبي ما لم يأكل الطعام (ما لم يطعم» (1).

وفي أخرى أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أخذ الحسين بن عليّ «علیه السلام»، فأجلسه في حجره، فبال عليه.

قالت: فقلت له «صلی اللّه علیه وآله»: لو أخذت ثوباً وأعطيتني إزارك لأغسله.

فقال «صلی اللّه علیه وآله»: «إنّما يغسل من بول الأنثى، وينضح على بول الذكر» (2).


1) سنن أبي داود ج 1 ص 156 و (ط أخرى) ج 1 ص 103 و (ط دار الفكر سنة 1404ه ق) ج 1 ص 93 وعمدة القاري ج 3 ص 13 وتحفة الأحوذي ج 1 ص 202 والمصنف للصنعاني ج 1 ص 381 ومعرفة السنن والآثار ج 2 ص238 والناصريات للشريف المرتضى ص 90 والسنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 415 وسنن الدارقطني ج 1 ص 129 وكنز العمال ج 9 ص531 وغريب الحديث ج 1 ص 104.

2) راجع: سنن أبي داود ج 1 ص 156 و (ط أخرى) ج 1 ص103 و (ط دار الفكر سنة 1404ه ق) ج 1 ص 93 وتيسير الوصول ج 3 ص 57 وبحار الأنوار ج 43 ص 103.

أبو الحسن، وأبو الحسين:

قالوا: كان الحسن والحسين «علیهما السلام» يدعوان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: يا أبه..

ويدعو الحسن أباه عليا «علیه السلام»: يا أبا الحسين.

ويدعو الحسين أباه عليا «علیه السلام»: يا أبا الحسن.

فلما توفي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» دعواه: يا أبانا، أو يا أبه (1).

ونقول:

1 - ليس لدينا ما يدل على أن اختيار هذا النوع من الخطاب كان بتعليم من أحد، بل هو تصرف طبيعي منهما «علیهما السلام»، ناشئ عن إدراكهما لمعنى في رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، يدعوهما لتخصيصه حتى على أبيهما بما يدل أو يشير إلى ذلك المعنى.


1) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص 307 ومقاتل الطالبيين ص 14 والمناقب للخوارزمي ص39 و 40 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 106 و 107 وفرائد السمطين ج2 ص 81 و 82 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 11 وألقاب الرسول وعترته للراوندي ميراث حديث (الشيعة) ص 34 وراجع: كشف الغمة ج 1 ص 65 وبحار الأنوار ج 35 ص 66 و 61 - 62 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 30 ص 145 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب «علیه السلام» في الكتاب والسنة والتاريخ ج 1 ص80.

والنبي «صلی اللّه علیه وآله» هو الأب الحقيقى للأمة كلها، فضلاً عن الحسنين «علیهما السلام»، وكل صلاح وفلاح ونجاح يحرزه أي إنسان، بل أي موجود، فإنما هو رشحة من رشحاته، وثمرة من ثمرات جهده وجهاده،وتضحياته بل إن فضله هذا شامل حتى لأمير المؤمنين «علیه السلام»، فهو الذي رباه، وكان يتبعه اتباع الفصيل أثر أمه يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالإقتداء به(1).

ولأجل ذلك استحق أن يقول علي «علیه السلام»: أنا عبد من عبيد محمد فلأجل عظيم احترامهما لرسول اللّه «صلی اللّه عليه


1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 137 - 160 (الخطبة القاصعة) رقم 192 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 28 والطرائف لابن طاووس ص 415 وشرح مئة كلمة لأمير المؤمنين لابن ميثم البحراني ص 220 والصراط المستقيم ج 2 ص 65 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 223 وبحار الأنوار ج 14 ص 476 وج 18 ص 223 و ج 38 ص 320 وج 60 ص 264 وشرح نهج البلاغة لابن میثم ج 4 ص 307 وجامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 68 والغدير ج 3 ص 240 وسنن النبي «صلی اللّه علیه وآله» للطباطبائي ص 391 ومكاتيب الرسول ج 1 ص 407 ونهج السعادة ج 7 ص33 و 145 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 197 وخصائص الوحي المبين ص28 ونهج الإيمان لابن جبر ص 532 وينابيع المودة ج 1 ص 209 والأنوار البهية ص 35 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 331.

وآله، وعميق معرفتهما،به وخالص عرفانهما بفضله العميم ميزاه بهذا الخطاب، ومحضاه إياه في حال حياته، فكانا يدعوانه: يا أبة

2 - وبعد انتقال المسؤولية العملية المباشرة بعد استشهاد الرسول «صلی اللّه علیه وآله» إلى أمير المؤمنين «علیه السلام»، وصار هو المتولي لنفس المهمات التي كان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يتولاها، أصبح لا بد من إيفائه حقه، والتنويه بعظيم فضله، والإشادة بجليل تضحياته، فخاطباه بنفس الخطاب، الذي خاطبا به رسول اللّه حين كان «صلی اللّه علیه وآله» على قيد الحياة، لأن علياً «عليه السلام» أب لهذه الأمة أيضاً، فقد قال «صلی اللّه علیه وآله»: «أنا وعلي أبوا هذه الأمة» (1).


1) راجع: البرهان (تفسير) ج 1 ص 369 ومعاني الأخبار 52 و 118 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 85 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 1 ص 91 وعلل الشرائع ص 127 وكمال الدين ص 261 والأمالي للصدوق ص65 و 411 و 755 والميزان ج 4 ص 357 وبحار الأنوار ج 16 ص 95 و 364 وج 23 ص 128 و 259 وج 26 ص 264 و 342 وج 36 ص 6 و 9 و 11 و 14 و 255 وج 38 ص 92 و 152 و ج 39 ص 93 وج 40 ص 45 وج 66 ص 343 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 238 والمراجعات ص 286 وجامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 149 وج18 ص311 و 312 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 264 وج 10 ص 455 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 300 وروضة الواعظين ص 322 وخاتمة المستدرك ج 5 ص 14 والغارات للثقفي ج 2 ص 717 و 745 وكنز الفوائد للكراجكي ص 186 والعمدة لابن البطريق ص 345 والروضة في فضائل أمير المؤمنين ص 133 وسعد السعود ص 275 والعقد النضيد والدر الفريد ص 70 والمحتضر للحلي ص 73 والصراط المستقيم ج 1 ص 242 و 243 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 47 و 74 والإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» للّهمداني ص 76 و 787 ومسند الإمام الرضا «عليه السلام» للعطاردي ج 1 ص 80 و 221 وموسوعة أحاديث أهل البيت ج1 «علیهم السلام» للنجفي ج 7 ص 243 وتفسير أبي حمزة الثمالي ص 159 والتفسير المنسوب للإمام العسكري «علیه السلام» ص330 والصافي (تفسير) ج 1 ص 150 وج 4 ص 165 و 166 وج 5 ص 52 وج 6 ص 12 و 13 و 520 ونور الثقلين ج 4 ص 237 و 238 وكنز الدقائق ج 1 ص 286 و ج 2 ص 440 ومفردات غريب القرآن للراغب ص7 وتفسير الآلوسي ج 22 ص 31 وبشارة المصطفى ص 97 و 254 ونهج الإيمان ص625 و 629 وتأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج 1 ص74 و 128 وينابيع المودة ج 1 ص 370 واللمعة البيضاء ص81 و 123 ومشارق أنوار اليقين ص 43 و 289 وغاية المرام ج1 ص177 و 250 و ج 2 ص 179 و 211 و ج 3 ص 70 و ج 5 ص 118 و 122 و 299 و 301 و 303 وج 6 ص 66 و 155 و 166 و 167 وج7 ص 128 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 4 ص 100 و 227 و 366 وج 5 ص 95 وج 7 ص 216 و ج 13 ص 77 و ج 15 ص 518 و 519 وج 20 ص 230 وج 22 ص 280 و 282 و 346 وج 23 ص 580 و 621.

والحسنان «علیهما السلام» هما خير من استفاد من خيرات

وبركات، وتضحيات هذا الأب، الذي يوظف أبوته على النحو الذي كان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يوظفه بالنسبة للحسنين «علیهما السلام» على الخصوص، وبالنسبة للأمة بأسرها بشكل عام.

3 - ولعل الباعث على اختيار الإمام الحسن «علیه السلام»: أن يخاطب أباه «علیه السلام» في حياة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بقوله : يا أبا الحسين»، ويخاطب الإمام الحسين أباه ب: «يا أبا الحسن» هو:

أولاً: إرادة كل منهما تكريم أخيه، وتعزيزه، وبيان فضله، وتقدمه على سائر من عداه، فإن تكنية أبيه به دليل على أن هذا الابن من موجبات رضاه، ومن أسباب إدخال السرور على قلبه.

ثانياً: التنويه بفضل أبيهما «علیهما السلام»، والإشارة إلى أن ما كان يتوخاه لهما من بلوغ أرقى الدرجات في الفضل والعلم، والأخلاق، وسائر المزايا الرائعة والرائدة متجسد فيهما، بأبهى وأتم، وأجلى، وأقصى ما كان يتمناه

وبمعنى آخر: إن وجود رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وشدة تأثيره فيهما، وفي تجلي مزاياهما، لم يحجب تأثير أبيهما فيهما أيضاً في نفس تلك المجالات، بل كان النبي وعلي «صلى اللّه عليهما وآلهما» يتشاركان الجهد، ويتقاسمان البهجة بما يؤتيه من ثمار، وما يكون له من آثار..

4 - وآخر ما نشير إليه هنا هو : أن هذا التنويع بالخطاب، بما له

من دلالات كان يفرح قلب النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وعلي، وفاطمة «علیهما السلام»، ويقرُّ عيونهم، ويثلج صدورهم بأتم ما يكون لأنه دليل عظمة الحسنين «علیهما السلام»، ومن تجليات التسديد والتأييد، والألطاف الإلهية فيهما.

الحسين «علیه السلام» ودحية الكلبي، أو جبرئيل:

عن أبي الحسن عامر بن عبد اللّه، عن أبيه، عن الصادق «عليه «السلام عن آبائه عن الحسين «علیه السلام»، قال:

«دخلت مع الحسن «علیه السلام» على جدي رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله» وعنده جبرئيل «علیه السلام» في صورة دحية الكلبي، وكان دحية إذا قدم من الشام على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حمل لي ولأخي خرنوباً، ونبقا، وتينا..

فشبهناه بدحية بن خليفة الكلبي. وإن دحية كان يجعلنا نفتش كمه.

فقال جبرئيل «علیه السلام»: يا رسول اللّه، ما يريدان؟!

قال: إنهما شبهاك بدحية بن خليفة الكلبي، وإن دحية كان يحمل لهما إذا قدم من الشام نبقا، وتيناً، وخرنوباً.

قال: فمد جبرئيل «علیه السلام» يده إلى الفردوس الأعلى، فأخذ منه نبقا، وخرنوباً، وسفرجلاً، ورماناً، فملأنا به حجرنا.

قال: فخرجنا مستبشرين، فلقينا أبونا أمير المؤمنين علي «عليه السلام»، فنظر إلى ثمرة لم ير مثلها في الدنيا، فأخذ من هذا، ومن

هذا واحدا، واحدا، ودخل على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وهو يأكل.

فقال: «يا أبا الحسن، كل وادفع إلي أوفر نصيب، فإن جبرئيل «عليه السلام» أتى به آنفا (1).

ونقول:

لا نريد أن نسجل ملاحظة على ما جاء في الرواية، من أن عليا «علیه السلام» قد دخل على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وهو يأكل، وكيف يأكل علي «علیه السلام» في الملأ العام، وفي الشارع، فإنه ينافي المروءة، لإمكان الجواب بأن لا دليل يثبت أنه كان في الشارع، فإن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قد يكون في الحجرة، ويكون علي «علیه السلام» في حجرة أخرى، أو في الدار..

لكننا نشير إلى مؤاخذات أخرى، فنقول:

أولاً: ذكرنا في كتابنا هذا: أن لنا علامات استفهام حول استقامة دحية الكلبي، فقد بقي إلى زمان معاوية، ولم نسمع له ذكراً في حروب الجمل وصفين والنهروان ولا رأيناه في جملة أصحاب أمير المؤمنين «علیه السلام».

ونحن نعلم: أن معاوية لم يكن يدع وسيلة، إلا ويتشبث بها في


1) الثاقب في المناقب ص 312 و 313 ومدينة المعاجز ج 3 ص 261 و 262 وج 4 ص 20 و 21.

حربه لعلي «علیه السلام»، وكان بحاجة إلى أصغر رجل يسمى صحابياً ليكون معه لكي يبرِّزه، ويتقوى به، مقابل علي «عليه السلام»، كما فعل بالنسبة للنعمان بن بشير، وغيره، فإذا استطاع أن يجند من كان جبرئيل يأتي إلى النبي «صلی اللّه علیه وآله» بصورته، ويدَّعون أن الناس قد رأوا جبرئيل على هذه الصورة، فإن معاوية لن يتوانى عن ذلك. ولن يدعه مقيماً في الشام دون أن يستفيد منه لمآربه.

ثانياً: إن سياق هذه الرواية لا يخلو من إيحاءات سلبية بالنسبة للحسنين «علیهما السلام»، فهل كان من أشهدهما النبي «صلی اللّه علیه وآله» على كتاب تثقيف وربط أمن ومصالح، ومصير الناس بهما، وأخذ البيعة في بيعة الرضوان منهما، هل كانا يفتشان جيوب الناس، حتى لو كانوا أقرب الناس إليهما، فضلا عن دحية الكلبي هذا، بحثاً عن التين، والخرنوب والنبق؟

وهل بلغ الأمر بهذين الإمامين اللذين آثرا المسكين واليتيم، والأسير بطعامهما وبقيا ثلاثة أيام صائمين نهارهما، ولا يذوقان غير الماء القراح في ليلهما، هل بلغ بهما الأمر في حب الدنيا أن يبحثا عن حبة نبق، أو خرنوب، أو نحوها في جيوب الناس، ثم يتبين أنهما قد أخطأ في تحديد الهدف؟!

ثالثاً: لماذا تعمد جبرئيل «علیه السلام» أن يأتي إلى النبي «صلی اللّه علیه وآله» على صورة رجل يعرفه الناس، ويمنحه هذه الفضيلة مجاناً، من دون أن يكون له أي دور في صنعها، مع أن

الروايات حدثتنا عن ظهوره «علیه السلام» في صورة رجال غير معروفين مرات كثيرة؟!

وقد اشتهر أنه جاء في صورة رجل، وسأل عليا «علیه السلام»: أين جبرئيل في هذه الساعة، فنظر «علیه السلام» في السماء، ثم نظر إلى المشرق والمغرب، فلم يجد موطنا، فقال له: يا ذا الشيخ، أنت جبرئيل.

فصفق طائراً من بين الناس.

فضج من ذلك الحاضرون وقالوا: نشهد أنك خليفة رسول اللّه حقاً حقاً (1).

رابعاً: إن جبرئيل قد أضاف السفرجل، والرمان على الخرنوب والنبق، كما لم يأتهم بالتين، فما الحكمة من تجاهل التين؟! والحال أن الحسنين «علیهما السلام» لم يبحثا في جيبه عن رمان وسفرجل، بل بحثا عن تين ونبق وخرنوب.

خامساً: لم نفهم المراد من قول النبي «صلی اللّه علیه وآله» لعلي «علیه السلام»: «كل، وادفع إلي أوفر نصيب» هل أراد أن يقاسم عليا «علیه السلام» على الذي أخذه من ولديه؟!


1) الروضة في فضائل أمير المؤمنين لابن شاذان ص33 و 34 وبحار الأنوار ج 39 ص 108 عنه، وعن الفضائل لابن شاذان ص 98 و (ط أخرى) ص 102 ومدينة المعاجز ج 1 ص 112 عن البرسي.

ولو لم يكن في هذا غضاضة، فماذا نقول عن طلب النبي «صلی اللّه علیه وآله» من علي «علیه السلام» أن يخصه بالنصيب الأوفر؟! فهل ينسجم هذا مع أخلاق النبي «صلی اللّه علیه وآله» في إيثار غيره، ولاسيما عليا «علیه السلام» بكل ما يقدر عليه؟!

الباب الحادي عشر: تكريم وتعظيم..

اشارة

الفصل الأول: لا يجير أحد على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»..

اشارة

قريش تنقض العهد:

عرفنا أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد عقد مع قريش عهداً في الحديبية، وقد نتج عن هذا العهد أن دخلت قبيلة خزاعة في عقد وعهد رسول اللّه «صلی اللّه عليه و آله..

ولكن قريشاً نقضت العهد، وأوقعت ببني نفاثة الخزاعيين وقتلت منهم ثلاثة وعشرين قتيلا. وقررت أن لا تعطي ديتهم، وإن أحرجت في هذا الأمر تبرأت ممن نقضوا العهد، وخلت بينهم وبين النبي «صلی اللّه علیه وآله» ليتولى هو تحصيل الحق منهم.

ثم بادرت قريش إلى إرسال أبي سفيان إلى النبي «صلی اللّه علیه وآله» في المدينة، يطلب منه أن يشد العهد، ويزيد في المدة، وأبو سفيان يظن أن النبي لم يعلم بما جرى لبني نفاثة.

فلما طلب أبو سفيان من النبي «صلی اللّه علیه وآله» ذلك سأله النبي «صلی اللّه علیه وآله» إن كان قد حدث حدث اقتضى هذا الطلب.

فقال: معاذ اللّه، نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية، لا نغير ولا نبدل.

فقال «صلی اللّه علیه وآله»: فنحن على مدتنا وصلحنا يوم الحديبية، لا نغير ولا نبدل.

فطلب أبو سفيان من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وسعد بن عبادة، وعلي، وأشراف المهاجرين والأنصار: أن يشفعوا له عند رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فلم يجبه أحد منهم.

فتوسل بالزهراء «علیها السلام»، ثم بالسبطين الحسن والحسين «علیهما السلام»، طالباً منها ومنهما أن تجير، ويجيرا بين الناس، وكان الحسن غلاماً يدب بين يديها، فقالت: إنما أنا امرأة.

قال: قد أجارت أختك - :يعني زينب - أبا العاص بن الربيع، وأجاز ذلك محمد.

قالت: إنما ذاك إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

فقال: مري ابنك هذا - أي الحسن «علیه السلام» - فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب الى آخر الدهر.

قالت: واللّه ما بلغ ابني ذلك، أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

وفي نص آخر أنها قالت: «ما يدري ابناي ما يجيران من قريش».

فطلب منها أن تكلم عليا.

فقالت: أنت تكلمه.

وكأنه يريد أن يستفيد من موقع الزهراء «علیها السلام» ليحصل من علي «علیه السلام» على ما يريد. فرفضت «علیها السلام» طلبه، لأنه لو كان يملك منطقاً صحيحاً، فلا يحتاج إلى وساطة أحد، فلماذا لا يبادر هو إلى إقناع علي «علیه السلام» بمنطقه؟! بل لماذا لا يبادر إلى إقناع النبي مباشرة به، ويلزمه بما هو حق.

ولكنه كان يعرف أنه يتعمد الباطل، وقد أراد أن يستفيد من الجو العاطفي، أو من دواعي النسب والقربى والتماس رضا الأصحاب والأحباب، أو نيل الشهرة لتمرير خديعته، فباء بالفشل الذريع، والخزي المريع.

فكلم عليا «علیه السلام»، فقال له «علیه السلام»: يا أبا سفيان، إنه ليس أحد من أصحاب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يفتئت على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بجوار الخ.. القصة.

وقد انتهت الأمور بعودة أبي سفيان خائبا (1).


1) سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 207 والسيرة الحلبية ج 3 ص 73 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 3 و 9 والمغازي للواقدي ج 2 ص 793 و 794 و 795 وراجع: بحار الأنوار ج 21 ص 102 و 126 و 127 وج 22 ص77 ومجمع البيان ج 10 ص 555 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص 468 وإعلام الورى ج 1 ص 217 و 218 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 375 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 17 ص 363 وراجع تفسير البغوي ج 4 ص 537 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 326 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص524 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 4 ص 320 و 321 و (ط مكتبة المعارف) ج 2 ص 277 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص530 و 533 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 856 وعيون الأثر ج 2 ص 183 و 184 وراجع: الإرشاد ج 1 ص 133 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 42 وزاد المعاد ج 1 ص 1147 وتاريخ الخميس ج 2 ص 78 و مناقب آل أبي طالب ج1 ص 177.

ونقول:

إن الذي يهمنا هنا هو خصوص ما يرتبط بالحسنين «عليهما السلام».

أتتك بحائن رجلاه:

أتتك بحائن (1)

أولاً: إن أبا سفيان قد وقع في تناقض واضح، فضح كيده، وأبطل مكره، وأبار جهده، حيث أراد أن يخدع الرسول والمسلمين في أمر لا يمكن الخداع فيه، فإن العهد الذي لم يجف مداده بعد لا يحتاج إلى تجديد، ولا إلى تمديد.

وأبو سفيان يدَّعي أن أحداً لم ينقض هذا العهد، فلا مبرر للحرب، فلماذا يحتاج إلى طلب الجوار لأجل منعها.

ولأجل ذلك سأله النبي «صلی اللّه علیه وآله» - العالم من خلال الوحي بمكرهم -: إن كان قد حصل ما يقتضي التغيير والتبديل في


1) هذا مثل يضرب لمن لا يوفق للرشاد والحائن : الهالك.

العهد. فلما نفى ذلك.. أعلمه «صلی اللّه علیه وآله» بأن الأمر إن كان كذلك، فلا حاجة إلى التغيير والتبديل.

ولكن إصرار أبي سفيان على أن يحصل على جوار، وعلى تمديد للمدة كان يستبطن الاعتراف بنقض العهد كما أن نفس مجيئه إلى المدينة للحصول على هذا الأمر يدل على حصول هذا النقض.

وعدم اعترافه بحصول شيء معناه أنه يريد أن يستبق الأمور، ويضع النبي «صلی اللّه علیه وآله» والمسلمين أمام أمر واقع، ويسد عليهم طريق المطالبة بالحق لأهله، وتصحيح الخطأ. وبذلك يتم تضييع حق المظلومين ومكافأة المجرمين.

كما أن هذا الجوار سوف يمنع من المطالبة بتسليم الجناة لمواجهة القصاص العادل.. فيذهب دم بني نفاثة المعتدى عليهم هدراً.

المنطق الجاهلي:

إن أبا سفيان أراد بهذا التحرك أن يجري الأمور وفق مفاهيم الجاهلية، وأن يلزم النبي والمسلمين بأحكامها الجائرة.

وقد أفهمه أمير المؤمنين «علیه السلام»:

أولاً : أن القرار كله لدى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» على قاعدة: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قضَى اللّه وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ

يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم» (1).

ثانياً عرَّفه أن الإسلام لا يمكن أن يضيع دم المظلوم، استناداً إلى ترهات وخزعبلات تسعى لتأييد الظالم، وتصويب فعله، وحفظه وصيانته من أية مؤاخذة، أو المنع من أخذ الحق منه.. ولذا قال أمير المؤمنين «علیه السلام» لأبي سفيان: «واللّه لقد عزم رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه».

وأفهمه ثالثاً: أن على أبي سفيان أن يفهم بعد هذا أن الاحتيال على الرسول «صلی اللّه علیه وآله» لا يجديه نفعاً.. وعليه أن يعلم من خلال هذا التلميح الذي هو كالتصريح بأنه «صلی اللّه علیه وآله» عالم بحقيقة ما يخفيه من مكر و غدر..

ورابعاً: عليه أن يفهم من كلمة أمير المؤمنين «علیه السلام» :هذه أن ما يخفيه أبو سفيان لا يمكن ان يخفى على من هو مسدد بالوحي.. وأن الخبر اليقين عند الرسول، وأنه «صلی اللّه علیه وآله» قد اتخذ قراره فيه، وأنه قرار حاسم لا يمكن التراجع عنه.

العواطف والمجاملات تضيِّع الحقوق:

وقد أظهرت الوقائع في هذه القضية: أن منطق أبي سفيان القاضي بالتوسل بالإثارات العاطفية، وبالمجاملات والكلام المعسول وجعله ذريعة لتضييع حقوق المظلومين، وتكريس ظلم الظالم المجرم


1) الآية 36 من سورة الأحزاب.

لن يجديه نفعا، فهو أمام قرار من نبي معصوم، لا يخدع، ولا يحابي على حساب الحق والدين.

نعم.. لقد حاول أبو سفيان أن يضرب على هذا الوتر حين قال لعلي «علیه السلام»: «يا علي، إنك أمس القوم بي رحماً، وإني جئت في حاجة، فلا أرجع كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى محمد».

ولكن عليا أيضاً لا يمكن أن تخدعه هذه الخزعبلات، بل يلتزم بمنطق الإسلام وأهله القائم على نصرة صاحب الحق وضرورة حفظ حق المظلوم، ولزوم الاقتصاص له من ظالمه.. سواء أكان بعيداً أم قريباً كبيراً أم صغيراً.

لعل فاطمة «علیها السلام» تخضع للمؤثرات :

وحين لم يجد لدى علي «علیه السلام» بغيته، ربما لأنه ظن أن عليا «علیه السلام» يتصلب في موقفه انطلاقا من تاريخ شريف وكريم مثقل بالقتال والحروب، دفاعاً عن الدين والحق، ظناً من أبي سفيان أن حنق على «علیه السلام» لا يبقى أي مجال للمرونة أو التساهل مع من لم يزل يبغي لهم الغوائل، ويحيك المؤمرات.

ولعله فهم من كلام علي «علیه السلام»: أن أمره مفضوح، وأن عليا «علیه السلام» لن يخدع بأباطيله.

فلجأ إلى من ظن أنها أكثر بعداً عن حقيقة ما يجري و وأنها أقرب إلى الانسياق إلى منطق العواطف، وأكثر خضوعاً للمغريات، وتأثراً بأساليب الإطراء والثناء، واستسلاماً لعبارات الاستعطاف، والتظاهر

بالحاجة والضعف.

فعرض عليها أن تجير بين الناس. فجاءه الجواب بالإباء والرفض، مرفقا بحجة دامغة، وهي أنها امرأة، وليس للمرأة أن تتدخل فيما يرجع أمره إلى غيرها، ولا أن تحرج الرجال بما يرون أن المصلحة فيه بخلاف ما تريد أن تلزمهم به، ولعلهم يعرفون أموراً لم تبلغها.

اعتراض أبي سفيان:

وربما يكون أبو سفيان قد وجد الفرصة - بزعمه - لإحراج الزهراء «علیها السلام»، فقال لها: إن مجرد كونها امرأة لا يمنع من أن تجير الناس فإن أختها زينب قد أجارت زوجها أبا العاص بن الربيع، وأجاز النبي «صلی اللّه علیه وآله» جوارها.

فجاء الجواب بأن زينب إنما أجارت زوجها على رسول اللّه، وهو «صلی اللّه علیه وآله» الذي يقرر القبول، أو يقرر الرد.

ولكن ما يطلبه أبو سفيان من فاطمة «علیها السلام» هو أن تحرج أباها في أمر غامض ومبهم المآل، ولا يرتبط بالنبي «صلی اللّه علیه وآله» من جميع الوجوه، فكيف يصح أن تلزم أباها بهذا الجوار، ولعل الأطراف الأخرى لا ترضى بالالتزام بما ألزمت به أباها، أو أن تلك الأطراف تريد أن تتخذ ذلك ذريعة لتضييع حق، أو نصرة باطل.. فيكون هو «صلی اللّه علیه وآله» ملزماً، ويكون غيره حرا طليقا لا يرى نفسه ملزماً بأمر لم يتوجه إليه، ولا رضي به به أو صادق عليه.

مري ابنك فيجير!!:

وحين سُدَّت أمام أبي سفيان سبل حمل الزهراء «علیها السلام» على الاستجابة لطلبه، اقترح عليها أن تأمر ابنها الحسن بأن يتولى هذا الأمر دونها.

وقدم لها إغراء يرغب فيه أهل الدنيا، وهو: أن ولدها إذا فعل هذا سيكون سيد العرب إلى آخر الدهر.

وهذا هو منطق أهل الباطل، فإنهم يريدون أن يذهب دم المظلوم هدراً، وأن يعطى الظالم مكافأة على جرائمه، ولو بأن يعطى من يساهم في هذا الإجرام وسام العظمة والشهرة والسيادة.

أما الإسلام، فيريد عكس هذا تماماً، كما أوضحته الزهراء «علیها السلام» لأبي سفيان، حيث أبلغته إن كلامه في غاية الركاكة والسقوط.

أولاً : لأن موضوع الجوار ليس مجرد عنوان قشري وصوري لا واقع له، كما يعتقد أهل الجاهلية.. بل هو في الإسلام موقف يلتزم به الشخص المجير، ويرتب عليه مسؤوليات، وتنشأ عنه مهمات، فقد يحتاج المستجير إلى الحماية، وإلى الدفاع عنه، وتحصيل الأمان والسكينة والطمأنينة. وقد يحتاج إلى بذل مال، أو إلى المجالدة بالسيوف، أو تقديم تضحيات.

ولعل هذا هو ما قصدته فاطمة الزهراء «علیها السلام» بقولها لأبي سفيان: «واللّه ما بلغ ابني ذلك، أن يجير بين الناس».

وقد أقسمت بالذات الإلهية ليعرف أبو سفيان أن الأمر ليس مجرد شكليات، وعناوين فارغة.

ثانياً: إنه لا يصح أن يجير أحد على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. لأن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي ينصف المظلوم من ظالمه ويأخذ له حقه، ولا يظلم عنده أحد.

فما معنى أن يجار عليه إذا كانت الحالة هي هذه؟! فإنك إنما تجير المستجير لكي تمنع من لحوق الظلم الذي به ممن يخاف منه، فإن كان هذا المستجير ظالماً أو مجرماً، فإجارته تعني حماية ظلمه، وتضييع حق المظلوم، وتقوية الظالم ومعونته من أفحش الظلم.

ما يدري ابناي ما يجيران:

ثم أضافت السيدة الزهراء «علیها السلام» دليلا ثالثا على صحة ما قررته، فقد قالت لأبي سفيان: «ما يدري ابناي ما يجيران من قریش».

فإن هذا يدل على خطأ أبي سفيان في تقديراته حتى عند نفسه، فكأنها «علیها السلام» تقول له : إنك إما جاهل، أو أنك تتجاهل، لكي تخدع نفسك، أو تخدع غيرك.

فإن الحسن والحسين بنظرك مجرد طفلين صغيرين لا يدريان - بزعمك - ما يجيران من قريش، فإنهما لا يعرفان المقصود بالجوار، ولو عرفا معنى الجوار، وأنه هو التكفل بعدم القبول بتعرض شيء بعينه لأي سوء من قبل من يجار عليه.

فهما لا يعرفان ما الذي يراد حفظه من عدوان النبي «صلى اللّه عليه وآله» - والعياذ باللّه - من قريش.

هل يراد حفظ مال قریش، أو حفظ مقامها، أو رجالها، أو حفظ المجرمين منها.. أو حفظ المجرم والبريء على حد سواء، أو مجرد حفظ أعراض القرشيين؟! الخ..

فإن كل ذلك لا يمكن أن يعتدي عليه رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله»، الذي هو رمز العدل، وعنوان الكمال والفضل.

وأما حماية المجرم الظالم والمعتدي الآثم، من أن يقتص منه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ويجري عليه أحكام اللّه، فذلك لا يمكن أن يقدم عليه أحد من الناس، فإن جميع الناس يجب ان يسعوا للاقتصاص من المعتدي. ويفترض فيهم أن يكونوا عونا للنبي «صلی اللّه علیه وآله» على إقامة حدود اللّه.

فأبو سفيان يعتقد: أن الحسنين «علیهما السلام» طفلان لا يقدران على حماية أحد.. كما أنه يعلم أن حماية الظالم من القصاص، ومنع الأنبياء من إجراء أحكام الشريعة لا يقدم عليه عاقل، يحترم نفسه، حتى لو لم يكن معتقداً باللّه، وبأنبيائه وشرائعه.

كما أنه يراهما طفلين لا يملكان من الإدراك والتمييز ما يمكنهما من معرفة ما يقدمان عليه..

وذلك كله يدل على أن أبا سفيان بصدد الخداع والتضليل أو التجهيل والتغفيل.

هذا كله مع غض النظر عما أثبتته كلمات رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله»، وأيدته الوقائع من أن الحسنين «علیهما السلام» أفضل وأكمل من عيسى ويحيى «علیهما السلام»، وأن لديهما من العقل والعلم، والعصمة، والوعي، وسائر صفات الكمال والفضل، ما لا يقاس به أحد.

الفصل الثاني: النبي «صلی اللّه علیه وآله» ساقي العطاشى..

اشارة

يرتويان من لسان النبي «صلی اللّه علیه وآله»:

روي عن علي «علیه السلام» أنه قال: عطش المسلمون عطشاً شديداً، فجاءت فاطمة بالحسن والحسين إلى النبي «صلى اللّه عليه وآله»، فقالت: يا رسول اللّه، إنهما صغيران، لا يحتملان العطش.

فدعا،الحسن، فأعطاه لسانه، فمصه حتى ارتوى.

ثم دعا الحسين، فأعطاه لسانه، فمصه حتى ارتوى(1).

ونقول:

علينا أن نلاحظ ما يلي:

الزهراء «علیها السلام»: يا رسول اللّه !! :

إن أول ما يواجهنا في هذا النص الأمور التالية:

الأول : أن الزهراء «علیها السلام» لم تخاطب النبي «صلی اللّه علیه وآله» من موقع كونها ابنته، وهو أبوها، فلم تقل له: يا أبت، أو


1) راجع: مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 156 وشرح الأخبار ج 3 ص 529 وبحار الأنوار ج 43 ص 283 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 276.

يا أبتاه.

كما أنها لم تخاطبه بما له من مقام النبوة، فلم تقل له: يا نبي اللّه. بل اختارت مخاطبته بما هو رسول فقالت: يا رسول اللّه» !!

فهل هناك من سبب دعاها إلى مخاطبته على هذا النحو ؟!

الثاني: إنها لم تطلب من النبي «صلی اللّه علیه وآله» شيئاً محدداً.

بل هي لم تذكر له اسم الحسنين «علیهما السلام» مثلاً.

ولم تذكر، ولم تشر إلى أنهما ابناه «صلی اللّه علیه وآله».

ولم تقل له: إنهما يعانيان من عطش، أو من جوع، أو أي شيء آخر.

بل اكتفت بإحضارهما إليه، ثم قالت «إنهما صغيران، لا يحتملان العطش».

الثالث: قد كان يمكنها أن تكتفي بعبارة: «إنهما لا يحتملان العطش»، فلماذا أضافت إلى ذلك كلمة «صغيران»؟!

ويجاب عن السؤال الأول:

1 - إن العطش كان قد شمل جميع المسلمين، وكان شديداً. كما صرحت به الرواية وليس للنبي في مثل هذه الحالة أن يخص أحداً من أهل بيته وأبنائه وأرحامه بما يحرم منه سائر الناس. فإن ذلك ينافي سنة العدل، وفضيلة الإيثار على النفس. نعم، لو تبرع أحد من المسلمين

بنصيبه، كان إيثاراً مقبولاً ومحبوباً.

فلو أنها قالت له يا أبتاه خص ولديك هذين بشيء من الماء، ثم أجاب طلبها، وفعل لوجدنا الكثيرين يتضايقون من هذا الفعل، ولراودتهم الشكوك والشبهات حول عدله، وإنصافه، وسلامة قراراته، وبعده عن الهوى والعصبية، وسلامته من عاهات أهل الجاهلية.

2 - إنها لو خاطبته بالنبوة، التي تعني الإخبار عن اللّه سبحانه، من خلال الوحي، فإن استجابته لطلبها سوف تفهم على أنه قد تلقى من اللّه أمراً أبلغه إياه جبرئيل، يقضي بتمييز الحسنين «علیهما السلام» عن سائر العطاشى، وفيهم من هو في سن الحسنين، أو أصغر، أو أكبر، أو أقوى، أو أضعف. وسيثير ذلك حسرة الناس الذين قد يعجز الكثيرون منهم عن تفسير هذا التصرف الإلهي القاضي بتخصيص عطشان بالماء، وحرمان عطشان آخر منه، مع أن ذلك الغير قد يرى نفسه أحوج منه إلى الماء.

وربما أثار هذا شبهات وشكوكا حول الحكمة والعدل الإلهى أيضاً، لاسيما من قبل أناس يعيشون مفاهيم الجاهلية، ولم يعرفوا الكثير من حقائق الإسلام.

3 - إنها حين خاطبت أباها بكلمة : يا رسول اللّه، فإنها تكون قد وضعته «صلی اللّه علیه وآله» أمام مسؤولياته الشرعية والعقلية تجاه الأمة والرسالة، والعمل على حفظها، وحفظ كل من تحتاج إليه في البقاء والاستمرار، لأن الرسالة حق، ولطف، وضرورة لا بد منها،

ولا غنى عنها، لحفظ الأمة، وسلامة مسارها، وأي إخلال في حفظها سيكون تفريطاً بالأمة أفراداً وجماعات، وإلقاء بهم إلى التهلكة.

فإذا كان الحسنان «علیهما السلام» هما من الأركان التي يحفظ بها بناء الإسلام الشامخ، ويصان بها كيان الأمة، فيجب العمل على حفظهما ممن تكفل بحفظ الرسالة بهما.

ولا يحتاج هذا العمل إلى وحي إلهي، لأنه حكم العقل الصريح، والتدبير الصحيح، وهو مقتضى الحكمة، وقضاء الفطرة الذي لا ريب فيه، ولا شبهة تعتريه.

ويجاب عن السؤال الثاني:

إنها «علیها السلام» لم ترد توصيف الواقع بتقديم صورة تجريدية عنه، بل أرادت أن تقدم الواقع كما هو، ليكون هو الذي يعبر عن نفسه.

ولو أنها قدمت توصيفاً لأجاز كل واحدٍ من الناس لنفسه أن يتناول هذا التوصيف، على النحو الذي يروق له، ويطبقه على حالته، وربما لا يجدون فرقاً يذكر يميز الحالة التي تعرضها، وتطلب علاجها عن بقية الحالات القائمة لدى الآخرين.

فلو أنها سمت الحسنين «علیهما السلام» بأسمائهما، فكل طفل عطشان له اسم وإن طلبت لهما ماءً، فكل عطشان يشتاق إلى الماء لنفسه، أو لولده.. وإن وصفتهما بأنهما ابنا الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، وهو أبوهما، فجميع الأطفال العطاشى أبناء ولهم آباء.

ويجاب عن السؤال الثالث:

بأن قولها: إنهما صغيران لا يحتملان العطش، فيه إشارة إلى لازم الفائدة، دون أن تصرح بالفائدة مباشرة. وهي دعوى مقترنة بالدليل. فصغر الحسنين «علیهما السلام» في السن دليل على صحة قولها: «إنهما لا يحتملان العطش».

وإذا جاءت الدعوى مقترنة بالدليل كانت أقوى في الحث على الإجابة بالإيجاب.

الكرامة الإلهية:

إن معاناة المسلمين ومقاساتهم البلاء والعناء بسبب العطش الشديد الذي حل بهم بسبب قلة المطر الذي انتاب تلك المنطقة، يبدو أن ذلك هو الذي دعا الناس إلى الطلب من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أن يدعو اللّه تعالى ليغيثهم بالمطر.. فأكرم اللّه سبحانه رسوله باستجابة دعائه، فجاءهم الغيث الغزير والمتواصل، حتى ضج الناس من كثرة ما نزل منه بساحتهم، فطلبوا منه «صلی اللّه علیه وآله» أن يتدخل للحد من هطوله. فاستجاب اللّه تعالى له «صلى اللّه عليه وآله»..

فإن كانت قصة عطش الحسنين «علیهما السلام» قد حصلت في هذه المناسبة، فإن ذلك كله سيشكل دلالة تلو أخرى على ما لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» من مقام وكرامة عند اللّه تعالى..

لماذا لم يعطه ماء؟! :

وقد لاحظنا : أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد تصرف هنا بما هو،رسول، حافظ للدين، وللأمة في وجودها، وفي سلامة تفكيرها، وصحة انطباعاتها واستفاد من الكرامة التي منحه اللّه إياها، لكي يوظفها في حفظ الرسالة، ويهيئ لبقائها.

فكانت معجزة ارتوائهما «علیهما السلام» من لسانه الشريف، التي أكدت للناس عظيم فضلهما، وشدة حاجة الدين والناس إليهما. وأن لهما عند اللّه مقاماً خاصاً لا تناله الأوهام، ولا تصل إليه الأفهام..

ولكنه مع ذلك، لم ينبس ببنت شفة، بل كان الفعل هو الذي يقول، ويؤكد، ويستدل، ويشير إلى المعاني بصورة تلقائية.

لقد حفظ «صلی اللّه علیه وآله» أركان الإمامة بعد أمير المؤمنين «علیه السلام»، دون أن يفسح المجال أمام أي كان من الناس ليعترض، أو ليدور بخلده شبهة، أو سؤال، فكان فعله «صلى اللّه عليه وآله» هو الجواب الواضح، والصافي من أية شائبة، والكافي عن أي بيان والشافي للنفوس من كل ريب، أو رين.

لقد ارتوى الحسنان من دون أن يرزأ المسلمين قطرة ماء واحدة، لعلها لو ترقرقت في فم الحسن أو الحسين «علیهما السلام» تصادف من يتحسر عليها، ويود لو انها كانت ترقرقت في فمه، لأنه قد يحسب نفسه أحوج من غيره إليها.. وكثير من الناس يفكرون بهذه الطريقة.

هل يجزع النبي «صلی اللّه علیه وآله» ؟!:

1 - حين استشهد النبي الأعظم «صلی اللّه علیه وآله»، كان مما رثاه به أمير المؤمنين «علیه السلام»: «إن الصبر لجميل إلا عنك، وإن الجزع قبيح إلا عليك» (1).

2 - إن الجزع نقيض الصبر على المكاره والشرور. أي أن عظم المصاب يجعل كل بكاء وحزن حسنا ومرضياً، لأنه يكون دون ذلك المصاب، وأقل مما ينبغي أن يكون.

وفقد إبراهيم، وجعله فداءً للحسين «علیه السلام» يدل على أن البكاء والجزع عليه يبقى أقل مما يفرضه فقده من ألم وأسى، ويجعل الحزن عليه جميلاً، لاسيما وأنه لو عاش لكان نبياً، لكن الأمر لا يبلغ بالنبي حد عجز النبي «صلی اللّه علیه وآله» عن الصبر على مصابه به.

3 - إن الذي يذكر في كثير من المصادر هو أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قال حين مات ولده إبراهيم تدمع العين، ويحزن القلب،


1) راجع : نهج البلاغة (بشرح عبده) ج4 ص 71 وبحار الأنوار ج 79 ص 134 ودستور معالم الحكم ص 198 وعيون الحكم والمواعظ للواسطي ص 150 وغرر الحكم ص 103 ونهاية الأرب ج 5 ص 193 وجامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 498 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 ص 195.

ولا نقول إلا ما يرضي اللّه تعالى، واللّه إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»(1).


1) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 7 ص 30 و ج 11 ص23 عن مسلم، وأبي داود وابن سعد، وأحمد، وعبد بن حميد، والطبراني، وراجع ابن ماجة وابن عساكر، عن أسماء بنت يزيد، وبكير بن عبد اللّه، وراجع الذكرى للشهيد الأول ج 2 ص 47 والحدائق الناضرة ج 4 ص 163 وكشف الغمة (ط ق) ج 1 ص 158 والكافي للكليني ج 3 ص 262 ودعائم الإسلام ج 1 ص 224 وتحف العقول ص 37 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 280 و (الإسلامية) ج 2 ص 921 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 385 و 460 و 462 و 463 ومكارم الأخلاق ص 22 وذخائر العقبي ص 153 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 394 وغوالي اللآلي ج 1 ص 89 ومسكن الفؤاد للشهيد الثاني ص 5 و 93 و 94 والبحار ج 16 ص 235 وج 22 ص 157 و 264 وج 24 ص 264 وج 65 ص 54 وج 74 ص 140 وج 79 ص 91 و 101 وجامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 405 و 470 و 471 و 472 و 481 ومسند أحمد ج 3 ص 194 وصحيح البخاري ج 2 ص 84 وصحيح مسلم ج 7 ص 76 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 506 وسنن أبي داود ج 2 ص 64 والسنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 69 وعمدة القاري ج8 ص 75 و 101 والمصنف للصنعاني ج 3 ص 553 والمصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 267 ومنتخب مسند عبد بن حميد ص 385 والإعتبار لابن أبي الدنيا ص 41 وكتاب الهواتف لابن أبي الدنيا ص38 ومسند أبي يعلى ج 6 ص 43 وصحيح ابن حبان ج 7 ص 162 والمعجم الأوسط ج8 ص346 والمعجم الكبير ج 24 ص 171 ومعرفة السنن والآثار ج3 ص 198 والإستذكار ج 3 ص 71 والإستيعاب ج 1 ص 55 و 57 و 58 والتمهيد لابن عبد البر ج 17 ص 284 و ج 24 ص 443 وتغليق التعليق ج 2 ص 472 وراجع كنز العمال ج 15 ص 615 و 621 و 625 وفيض القدير ج 2 ص 717 و ج 3 ص 291 وج 6 ص 473 وكشف الخفاء ج 2 ص 156 وتفسير أبي حمزة الثمالي ص 360 وأحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 74 وج 4 ص 262 وتفسير القرطبي ج 9 ص 249 وفتح القدير ج 3 ص 48 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 137 و 138 و 140 و 142 و 143 وتاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 139 و 145 وج 10 ص 107 وأسد الغابة ج 1 ص 39 ووفيات الأعيان ج 2 ص 302 وتاريخ الإسلام ج 2 ص 699 والبداية والنهاية ج 5 ص 331 و 332 وج6 ص305 وج7 ص 86 وإمتاع الأسماع ج 2 ص 223 و 338 و 339 والسيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 614 و 615.

أو قال: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، واللّه يا إبراهيم، إنا بك لمحزونون» (1).


1) راجع: الكافي ج 3 ص 262 و 263 ودعائم الإسلام ج 1 ص 224 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 280 و (الإسلامية) ج 2 ص 921 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 460 و 461 و 462 و 463 ومسكن الفؤاد ص93 وبحار الأنوار ج 22 ص 157 و 264 وج 24 ص 264 وج 65 ص 54 وج 79 ص 90 و 91 و 101 ومرآة العقول ج 14 ص 267 والجامع الصغير ج 1 ص 392 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 15 ص 609 و 615 و 616 و 621 وفيض القدير ج 2 ص 717 وتفسير أبي حمزة الثمالي ص 360 والاستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 57 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 23 والمعجم الأوسط ج 8 ص 346 والمعجم الكبير ج8 ص 230 وج 24 ص 171 وعدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ص134 والبرهان (تفسير) ج 5 ص 720 وكنز الدقائق (تفسير) ج 14 ص 383 وأنساب الأشراف للبلاذري ج 1 ص 452 و 451 وج 8 ص 116 وتأويل الآيات الظاهرة ج 2 ص 832 والسيرة الحلبية ج 3 ص 394 والتذكرة الحمدونية ج 4 ص 244 والضوء اللامع للسخاوي ج 1 ص 54 والمستطرف للأبشيهي ج 2 ص 858 وإمتاع الأسماع ج 5 ص 338 وراجع: سنن ابن ماجة ج 1 ص 506 ومجمع الزوائد ج3 ص17 و 18 وعمدة القاري ج 8 ص 75 و 101 والتمهيد لابن عبد البر ج17 ص284 وتفسير النسفي ج 2 ص 201 وفتح القدير ج 3 ص 48 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 142 و 143 وتاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 139 وج10 ص 107 وفتوح مصر وأخبارها ص 123 والبداية والنهاية ج 5 ص 331 و 332 والسيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 614 وغاية المرام ج3 ص 301.

4 - لكن الرواية المتقدمة برقم [1] ذكرت: أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد جزع لموت إبراهيم جزعاً شديداً. وقد قلنا: إن الجزع القبيح هو الذي لا يتناسب مع حجم المصيبة، بل قد يتعدى الأمر الحدود المعقولة، إذا تضمن استعظام المصاب إلى حد الاعتراض على اللّه، وعدم الرضا بوقوعه. فهذا الجزع لا يصدر عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، الذي يكون دائماً راضياً بقضاء اللّه وقدره.

فالمراد بالجزع الذي جزعه «صلی اللّه علیه وآله» على إبراهيم

هو الحزن القلبي الشديد المتناسب مع حجم المصاب، وإن لم يدرك الناس العاديون هذا التناسب بسبب نظرتهم السطحية، وعدم معرفتهم بمستقبل هذا الولد.

ولعل هذا مراده بالجزع في قوله «صلی اللّه علیه وآله»: «القلب يجزع»، فإن القلب هو موضع الحزن والأسى.. أما استعظام المصاب، والرفض له إلى حد الاعتراض على اللّه - والعياذ باللّه - فهو نتيجة توتر نفساني زائد على الحد المعقول والمقبول، وقد يكون قد لجأ إلى هذا التصرف عن سابق علم وتفكير وتدبير، لدوافع وحسابات دنيوية باطلة، وليس هو من ثمرات الحزن الذي هو مجرد انفعال نفساني، وتوهج عاطفي خال من الشوائب.

النبي يسقى الحسن فقط:

روى الخدري، وروى جماعة عن أم سلمة، وعن ميمونة، واللفظ له، عن علي «علیه السلام» قال: رأينا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قد أدخل رجله في اللحاف أو في الشعار، فاستسقى الحسن، فوثب النبي «صلی اللّه علیه وآله» إلى منيحة لنا، فمص من ضرعها، فجعله في قدح، ثم وضعه في يد الحسن.

فجعل الحسين يثب عليه، ورسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يمنعه.

فقالت فاطمة : كأنه أحبهما إليك يا رسول اللّه.

قال: ما هو بأحبهما إلي، ولكنه استسقى أول مرة. وإني، وإياك، وهذين، وهذا المنجدل يوم القيامة في مكان واحد (1).

قال المجلسى «رحمه اللّه»:

«المنيحة بفتح الميم والحاء، وكسر النون منحة اللبن، كالناقة أو الشاة تعطيها غيرك، يحتلبها ثم يردها عليك.

وقال الجزري فيه: أنا خاتم النبيين في أم الكتاب، وإن آدم لمنجدل في طينته. أي ملقى على الجدالة، وهي الأرض، ومنه حديث ابن صیاد: وهو منجدل في الشمس. انتهى. ولعله «علیه السلام» كان متكئاً أو نائما (2).

ونقول:

لا بأس بملاحظة ما يلي:

النبي يبادر ولا يكتفي بإصدار الأوامر:

تقول الرواية المتقدمة : إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» بمجرد أن أدخل رجله في اللحاف، واستسقى الإمام الحسن «علیه السلام»


1) راجع: مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 156 وبحار الأنوار ج 43 ص 283 و 284 عن أحمد بن حنبل، والإبانة لابن بطة، وعن الأربعين للمؤذن، وشجرة طوبى ج 2 ص 256 و 257 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 276 و 277.

2) راجع: بحار الأنوار ج 43 ص 283 و 284.

بادر بنفسه لإجابة طلبه، ولم يكلف عليا «علیه السلام»، ولا أمر ابنته فاطمة «علیها السلام» بأن تجيب طلب ولدها.

ولو أنه فعل ذلك، لما كان فيه أي حرج، لأن كل من وجه طلبه إليه سيكون مسروراً، فهو النبي والرسول، والجد، والأب، والمربي، والمحامي عن هذا الجمع كله.

فحرصه «صلی اللّه علیه وآله» على أن يلبي طلب الإمام الحسن «علیه السلام» بنفسه ربما كان سببه أنه يريد أن يتقرب إلى اللّه تعالى بذلك. وأن يظهر مكانة هذين الشبلين، وأبويهما عند اللّه، بالإضافة إلى أمور أخرى قد نوفق للوقوف عليها.

ليس الحسن أحب إليه:

إن توثب الحسين «علیه السلام» طلباً للمشاركة في الماء الذي حصل عليه أخوه لم يكن عفوياً، بل ربما كان توطئة وتمهيدا لبيان أمر يرتبط بموضوع العدالة، ورعاية حق الأسبقية حتى بين الأطفال.

وبذلك يلغي الذريعة التي تؤدي إلى مناصرة الصغير، وإيثاره بالماء والعطاء على أخيه، فإنها ذريعة لا تستند إلى مبرر، سوى الانفعال العاطفي، الناشئ عن ملاحظة صغر السن، واعتباره سبباً كافيا لنقض الأولوية الطبيعية، التي أنتجتها الحاجة الطبيعية للماء، التى دفعت الابن الأكبر، وهو الإمام الحسن لطلب الماء.

في حين أن إصرار الأصغر على الاستئثار بالماء لنفسه، قد لا

يكون ناشئاً عن حاجة ملحة مماثلة للماء، فقد يكون الدافع لذلك - عند غير الإمام طبعاً - هو الغيرة، أو الرغبة بالعبث والتلهي بالماء، الذي يمنع منه عادة، فيرى الآن أن الفرصة قد سنحت له، وأن حصول أخيه على الماء يبرر حصوله هو عليه.

التمهيد للبيان:

فجاءت الضابطة التي قررها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، لتؤكد لزوم رعاية الحق الطبيعى بالأسبقية بالطلب الكاشف عن وجود حاجة حقيقية.

ولنا الحق هنا بأن نفسر وثوب الحسين على أخيه لأجل القدح بأنه قد كان على سبيل التوطئة العملية لصدور هذه الضابطة التي قررها الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، لأن الحسين إمام معصوم، وعارف، وعادل، وحكيم، وعالم منذ صغره.

كما أن لنا الحق ونحن نعتقد بعصمة السيدة الزهراء «علیها السلام»، وبعلمها ومعرفتها وعقلها وحكمتها أن نرى قولها لأبيها «صلی اللّه علیه وآله» عن الإمام الحسن «علیه السلام»: كأنه أحب إليك يا رسول اللّه !! لا يدل على أنها «علیها السلام» قد اعتقدت بذلك في حق الرسول «صلی اللّه علیه وآله». كما أنه ليس كاشفاً حقيقياً عن زيادة حبه للحسن «علیه السلام» على حبه للحسين «علیه السلام»، بل هو أيضاً توطئة وتمهيد للتصريح بهذا الأمر البديهي، الذي قرره الرسول الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» بقوله: «ما هو بأحبهما إليّ،

ولكنه استسقى أول مرة».

ويؤكد ذلك: علمنا بأن الزهراء «علیها السلام» تعرف أن أباها «صلی اللّه علیه وآله»، وهو خير الخلق أجمعين، كان لا يميز بحبه بين الحسن والحسين.

ولو فرضنا جدلاً: أنه يحب أحدهما أكثر من الآخر، ولو بمقدار ذرة، فلا بد من تبريره بما هو مقبول ومعقول.

يضاف إلى ذلك: أن عدله وإنصافه لا يسمح له بأن يميز بينهما في مقام العمل. ولا أن يشعر أياً منهما بهذا التمييز، إلا إن كان ذلك في سياق تحريض الطرف الآخر على استجماع الصفات الحميدة، والمزايا الفريدة، التي تساويه بأخيه، فتجعلهما في مستوى واحد.

وهذا يبقى مجرد فرض لا واقع له، بل لا مبرر له بالنسبة للرسول «صلی اللّه علیه وآله» فيما يرتبط بالحسنين «عليهما السلام».

في مكان واحد يوم القيامة:

وذكرت الرواية : أنه «صلی اللّه علیه وآله» بعد أن قرر أن الحق هو للحسن «علیه السلام». أضاف إلى ذلك قوله للسيدة الزهراء «عليها السلام»: «وإني، وإياك وهذين، وهذا المنجدل يوم القيامة في مكان واحد».

فعلينا أن نستفيد من هذه الإضافة:

ألف: إن دخول النبي «صلی اللّه علیه وآله» إلى بيت أخيه وزوج ابنته لا يحتم جلوس على «علیه السلام» طيلة الوقت، لأنه «صلى اللّه عليه وآله» كان يدخل عليهما وهما نائمان، ويأمرهما بالاستمرار في نومهما.

ب: إنه «صلی اللّه علیه وآله» حين أضاف كلامه الأخير، وهو :قوله: «وإني، وإياك، وهذين، وهذا المنجدل يوم القيامة في مكان واحد أراد أن يقول : إن ما ذكر على لسان السيدة الزهراء «علیها السلام» من احتمال أن يكون الحسن «علیه السلام»، أحب إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. وكذلك دعوى أن يكون الحق للإمام الحسن «علیه السلام». لا يعني أن فاطمة «علیها السلام» قد اخطأت في تصورها، ولا يدل على أن الحسين «علیه السلام» قد جانب الصواب في طلبه وتوثبه، وأن الاختلاف إذا حصل في الدنيا، فهو غير حاصل في الآخرة.. لأن هذا ليس اختلافاً واقعياً، بل هو طرح للاحتمالات لمعالجتها على بساط البحث، لأنها احتمالات تدور بخلد الناس العاديين.

وقد باشر «صلی اللّه علیه وآله» معالجة هذه الاحتمالات بصورة عملية حية مرتبطة بوقائع عينية، ولم يكتف بالافتراض الذهني، ولا اعتمد على إطلاق النظرية بصورة تجريدية، وعلى شكل فكرة لا ربط لها بالواقع.

ج: إنه «صلی اللّه علیه وآله» قد قرر:

أولاً : أن الخمسة جميعاً الذين كانوا حاضرين في البيت في تلك اللحظة، سيكونون في الاخرة أيضاً في مكان واحد، وأن اختلافاً كهذا ليس واقعياً لكي يؤثر على واقعهم في الآخرة أيضاً.

ثانياً: إن الحسنين «علیهما السلام» كانا لا يزالان صغيري السن، فلولا أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد علم بالوحي الإلهي بما سيكون عليه حالهما طيلة حياتهما، وأنه لن يعرض على حالهما أي تغير أو تبدل سلبي لما أخبر «صلی اللّه علیه وآله» بذلك. وهكذا يقال بالنسبة لعلي والزهراء «علیهما السلام».

ومن المعلوم : أنه «صلی اللّه علیه وآله»، لا يعلم الغيب بالذات، فلا بد أن يكون قد تلقى ذلك بالوحي عن اللّه عز وجل، فإنه لا «يَنطِقُ عَن الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى» (1).

فهذا الإخبار إنما هو إعلام للأمة بعصمة هؤلاء، وأن بإمكان كل أحد الركون إليهم، والأخذ منهم وعنهم، والاقتداء بهم، من صغرهم إلى كبرهم.

د: يلاحظ: أنه «صلی اللّه علیه وآله» قال: إن هؤلاء الخمسة سيكونون في مكان واحد يوم القيامة، ولكن ذلك لا يعني أن درجات نعيمها ستكون واحدة. إذ لا ريب في أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أفضل من الزهراء «علیها السلام» ومن الحسنين «علیهما السلام»،


1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.

كما أنه «صلی اللّه علیه وآله» إنما يزيد على علي «علیه السلام» بدرجة النبوة الخاتمة، كما أن عليا «علیه السلام» يزيد على ولديه بالفضل والكرامة.

وهذا معناه: أنهم، وإن كانوا في مكان واحد في الجنة، لكن درجة الإحساس بالنعيم تختلف وتتفاوت بحسب اختلاف المقامات في الفضل والكرامة الإلهية، فيجعل اللّه تعالى درجة إحساس كل واحد منهم تابعة لدرجاته في العلم والمعرفة، ولمستوى إيغاله وتعمقه، وسعة اطلاعه على أحوال وأسرار الملكوت، ودرجة تفاعله معها في مشاعره، وفي عبوديته اللّه تبارك وتعالى.

الفصل الثالث: تكبيرات الإفتتاح..

اشارة

التكبيرات السبع في أول الصلاة كيف شرعت؟!:

إن الروايات تذكر: أن الحسين «علیه السلام» كان السبب في تشريع التكبيرات السبع التي تفتتح بها الصلاة، ونذكر من الروايات الدالة على ذلك ما يلي:

1 - محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن النضر وفضالة جميعاً، عن عبد اللّه بن سنان عن حفص يعني ابن البختري، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال:

إن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كان في الصلاة وإلى جانبه الحسين بن علي، فكبر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فلم يحر الحسين «علیه السلام» بالتكبير، ثم كبر رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله»، فلم يحر الحسين التكبير، فلم يزل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يكبر ويعالج الحسين «علیه السلام» التكبير، فلم يحر حتى أكمل سبع تكبيرات، فأحار الحسين «علیه السلام» التكبير في السابعة.

فقال أبو عبد اللّه «علیه السلام»: فصارت سنة.

ورواه الصدوق في (العلل) عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّه، عن

أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد مثله. إلا أنه ترك ذكر حفص (1).

2 - محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر «علیه السلام» أنه قال: خرج رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إلى الصلاة، وقد كان الحسين «علیه السلام» أبطأ عن الكلام، حتى تخوفوا أنه لا يتكلم، وأن يكون به خرس.

فخرج به «علیه السلام» حامله على عاتقه، وصف الناس خلفه، فأقامه على يمينه، فافتتح رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» الصلاة، فكبر الحسين «علیه السلام»، فلما سمع رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله» تكبيره عاد فكبر، فكبر الحسين «علیه السلام» حتى كبر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» سبع تكبيرات، وكبر الحسين «علیه السلام»، فجرت السنة بذلك.

ورواه في (العلل) عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة


1) وسائل الشيعة (آل البيت) ج 6 ص 20 و 21 وتهذيب الأحكام ج 2 ص 67 وعلل الشرائع (باب 30) ص 331 وراجع: مجمع البحرين ج3 ص279 ومستمسك العروة ج 6 ص 70 والحدائق الناضرة ج8 ص 23 ومصباح الفقيه ج 11 ص 463 - 465 وكتاب الصلاة للشيخ محمد علي الآراكي ج 1 ص 471.

نحوه(1).

ونفس هذا الحديث مروي عن الإمام الحسن «علیه السلام» (2).

ولعل سبب هذا الاختلاف هو التصحيف بسبب تقارب رسم كلمتي «الحسن» و «الحسين» مع قلة الاعتناء بالنقط في تلك الحقبة.

3 - ويؤيد هذه الرواية أيضاً: ما ذكره اليعقوبي، من أنه قيل للحسين:

«ما سمعت من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»؟!

قال «علیه السلام»: سمعته «صلی اللّه علیه وآله» يقول: إن اللّه يحب معالي الأمور ويكره سفسافها.(سفاسفها). وعقلت عنه: أنه يُكَبِّر، فأكَبِّر خلفه، فإذا سمع تكبيري أعاد التكبير، حتى يكبر سبعاً الخ..» (3).


1) ملاذ الأخيار ج 3 ص 502 ومصباح الفقيه ج 11 ص 463 - 469 وتهذيب الأحكام (باب 11) من صلاة العيدين، وسائل الشيعة (آل البيت) ج6 ص 21 و 22 وعلل الشرايع ص 332 ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص 199 و (ط أخرى) ص 305 و 302 وراجع المصادر التي في الهامش التالي.

2) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 179 وبحار الأنوار ج 43 ص 357 وجامع احاديث الشيعة ج 6 ص 263 ومستدرك الوسائل ج6 ص 127 والنجعة شرح اللمعة ج 2 ص 312.

3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 246.

هل الروایتان متناقضتان؟!:

وأول ما يقفز إلى ذهن قارئ هاتين الروايتين هو سؤال: أليست هاتان الروايتان متناقضتين، ولا يمكن الجمع بينهما؟!

ولا نقصد بقولنا هذا اختلافهما في الاسم، حيث إن إحداهما تنسب القضية إلى الإمام الحسن «علیه السلام»، والأخرى تنسبها إلى الإمام الحسين «علیه السلام».

بل المقصود: أن إحداهما تقول : لم يحر الحسين التكبير إلى المرة السابعة، والثانية تقول: إنه «علیه السلام» قد أحرى التكبير من المرة الأولى.

ولأجل ذلك وجدنا العلماء قد حاولوا الجمع بين الروايتين كل على حسب ما خطر بباله، ونذكر من ذلك:

ألف: قال الشيخ النمازي: ولعل عدم إنطاق اللّه عز وجل للحسين «علیه السلام» كان في هذا المورد الخاص لإجراء السنة بسببه» (1). انتهى

ونقول:

قد يسجل على هذا القول مؤاخذة مرة، لا شك في أن الشيخ النمازي لا يقصدها، وهي:

1 - أن معناها: أن إجراء السنة مطلوب حتى لو لزم من ذلك


1) مستدرك سفينة البحار ج 9 ص 18.

إخراس الإمام الحسين «علیه السلام» والانتقاص من مقامه، بل قد يقال : إن لازم عدم تمكنه من النطق بالتكبير من المرة الأولى، بعد أن أصبح قادراً على أن يأتي إلى المسجد، ويصلي مع الناس، هو الإخلال بشرط السلامة والكمال والتقدم على غيره في الأحوال والملكات.

والمفروض: أن العرف يرى أن نطق المولود بالكلمات في وقت مبكر من ظواهر تقدمه، ومن تجليات كمالاته، ومن أسباب الإعجاب،به واعتباره أشد ذكاءً، وأقوى عقلا، وأن هذا امتياز يسجل له.

2 - وماذا يفعل الشيخ النمازي نفسه بتكلم المعصومين وعيسى بن مريم منهم، وهم في المهد، والحسين «علیه السلام» أفضل من عيسى، بل قد ورد في الأخبار تكلمهم وهم في بطون أمهاتهم.

أجاب صاحب البحار عن هذا:

بأنه لعل ذلك كان عند الناس، فإن الناس هم الذين تخوفوا ذلك على الحسين أن يكون به خرس ولم يكن التخوف من النبي «صلی اللّه علیه وآله»، ولا من أهل بيته «علیهم السلام» (1).

ونجيب:

بأنه إن كان الحسين «علیه السلام» قد تأخر في كلامه حقيقة. فهذا يعد نقصأ فيه - والعياذ باللّه -، وهو موضع الإشكال، وليس


1) الحدائق الناضرة ج 8 ص 24.

الإشكال في تحديد الذي خاف عليه الخرس، هل هو الناس، أم هم أهله؟!

وإن كان «علیه السلام» يتكلم، فنحن نسأل هل كان يتكلم أمام أهله فقط، ولم يكن يتكلم أمام الناس ؟! وعن سبب ذلك؟! فإن كان خجلا، فهل الكلام نفسه بما هو لفظ وصوت يوجب الخجل؟!

أو هو يخجل من المضمون؟!

ولماذا يخجل هو، ولا يخجل أخوه الإمام الحسن «عليه السلام»؟!

أو أنه كان يتكلم، لكنهم لم يعرفوا بكلامه، لأنه كان محبوساً مثلاً، لا يخرج إلى الناس أبداً ؟! فكيف إذن عرف الناس أنه لا يتكلم، وخافوا عليه؟!

وإن كان يخرج إلى الناس وهو بهذه الحالة، فإن كان الناس يسألون أهله عن سبب سكوته، فكيف وبماذا كان يعتذر أهله إليهم ؟! أم يعقل أن لا يبادر أحد للسؤال عن سبب هذا الأمر؟!

ب: لعل المراد: أن الحسين «علیه السلام» وإن كبر في كل مرة، إلا أنه لم يفصح بها إلا في المرة الأخيرة، وبهذا يجمع بين الخبرين (1).

غير أننا نلاحظ على هذا التوجيه أيضاً:


1) الحدائق الناضرة ج 8 ص 24.

1 - أن عدم الإفصاح هذا قد أدى إلى اتهامه بالعجز عن النطق.. فلماذا لم يكن يفصح ؟!

2 - إن الرواية نفسها تصرح بخلاف هذا الوجه، لأنها تقول: إنه «علیه السلام» قد أبطأ عن الكلام حتى تخوفوا أن لا يتكلم، وأن يكون به خرس.

ج: ومن التوجيهات التي ذكرت هنا أن المقصود ب«لم يحر التكبير»: هو أن اللّه سبحانه قد تركه يلثغ في الستة، حتى ألهمه، فنطق السابعة (اللّه أكبر)، بدون لثغ الأطفال (1).

ولكن يناقش في هذا : بأن كلمة «لم يحر التكبير» معناها: أنه لم ينطق به على الوجه المقبول، وكما ينبغي أن يكون عليه.. فيبقى الأمر دائرة النقص. والإشكال إنما هو من هذه الجهة.

د: قال صاحب الحدائق : إنهم «علیهم السلام» في مقام إظهار المعجز لهم حالات غير حالات الناس، وأما في غير ذلك، فإنهم يقدرون أنفسهم بالناس في صحة ومرض وغناء، وفقر، ونزول بلاء، ونحو ذلك.

وهذا من جملته، فإنهم «علیهم السلام» لا ينطقون إلا إذا أنطقهم اللّه تعالى كما ينطق سائر الصبيان، ولا يطلبون منه إلا ما يقدره ويرده، فليس لهم إرادة زائدة على إرادته تعالى بهم «علیهم السلام»،


1) الحق المبين في معرفة المعصومين ص203.

وإن كانوا لو شاؤوا لفعلوا ما يريدون.

وهذا هو الجواب الحق في المقام، لا يعتريه نقض وإبرام(1). انتهى.

ونجيب :

بأن ما ذكره صحيح في نفسه، ولكن لا على إطلاقه، بل هو محدد بحدود ومقيد بقيود تجعل من انطباقه على هذا المورد أمراً غير ظاهر، بل غير،حاصل، لأن الكبرى الكلية، وهي أن إرادتهم لا تخرج عن إرادة اللّه سبحانه، وإن كانت مسلمة، ولا ريب فيها.. ولكن اللّه تعالى لا يمكن أن يريد ما يوجب الإخلال بمرامه، وينتهي بنقض غرضه فهو تعالى هنا يريد للناس أن يعتقدوا بالإمامة وبالإمام، ثم يكون من شرط الإمام أن يكون سليما من العاهات بريئاً من النقائص والآفات، وأن يكون أكمل البشر، وأجمعهم لمزايا الفضل والكرامة، ومتقدماً عليهم في كل المزايا، وجميع خصائص الإمامة.

وأن تكون هذه الأكملية والأفضلية له في جميع الفئات العمرية.

ولا يمكن أن يريد هذا، ثم يريد أن يمنع هذا الإمام من النطق مدة مديدة، تجعل الناس يتخوفون من أن يكون به خرس

فإنه إذا أراد هذا مع كونه قد أراد ذاك يكون - والعياذ باللّه - قد أغرق الناس بالجهل، ودعاهم إلى الخروج من الحق إلى الباطل، لأنه


1) الحدائق الناضرة ج 8 ص 24.

يكون قد زين لهم أن هذا الذي يخبرهم النبي «صلی اللّه علیه وآله» بإمامته - قام أو قعد - فاقد لشرائط الإمامة، بل هذا يدخلهم في دائرة الشك في صدق النبي «صلی اللّه علیه وآله» في ما يخبرهم به عنه.

إلا إذا صرح لهم بأن هذا التميز على الآخرين في مراحله العمرية ليس شرطاً للإمامة، بل قد يكون هناك من هو أعلم وأجمل، وأفصح، وأكمل منه في كل المراحل إلى أن يحين وقت إمامته.

وهذا ما لم يحدث، ولا أظن أن أحداً يرضاه، ويلتزم به.

ه: وأريد أن أختصر الطريق على القارئ الكريم لأقول له: إن الذي يدور بخلدي هو أن الوجه الأمثل للجمع بين هاتين الروايتين هو أن يكون المراد يتمحور حول الحقيقة التالية:

إنه لا بد للنبي والإمام من أن يكون متميزاً عن جميع أقرانه من فاقدي هاتين الصفتين في جميع فئاته العمرية: وإن اللّه تعالى أراد أن يفعل بالإمام الحسين «علیه السلام» أمراً يهيؤهم فيه لمواجهة أمر هام يبقى مذكوراً، ومتداولا فيهم، ثم في الأمم والأقوام من بعدهم إلى يوم القيامة.

ومن الطبيعي أن يكون هذا الأمر الذي يفعله به «علیه السلام» عارضاً، ومفاجئا، وطارئاً عليه، ويترقبون تفسيره، وكشف سره، وبيان سببه.

فإذا كان الناس يعرفون أن الإمام الحسين «علیه السلام» هو الأفصح بين أقرانه بعد أخيه الإمام الحسن «علیه السلام»، وهم

يعرفون ذلك بالممارسة والعيان، فإنهم يرونه ويعيش بينهم، فإذا امتنع عليه النطق بالتكبير فجأة، ثم انطلق لسانه به بعد تكرار تكبير جده ست مرات، فإن الأمر سيثير الأسئلة الكثيرة والملحة وطلب الإجابة عليها من كل من حضر، ومن سمع.

فإذا كانت النتيجة هي الإعلان بأن اللّه تعالى قد جعل هذه السبع تكبيرات سنة في افتتاح الصلاة، كرامة من اللّه للإمام الحسين «علیه السلام»، وجعل ذلك سنة تثاب الأمة على فعلها إلى يوم القيامة. فإن ذلك يظهر ليس فقط لمن عاش في ذلك الزمن، بل لكل قوم وجيل في طول الدنيا وعرضها ممن ولد، أو سيولد إلى يوم القيامة، وسيظهر أن مقام الإمام عند اللّه لا يمكن قياسه بالأعداد، والأرقام، والأشكال والأحجام.

وأن قول رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا» حقيقة قائمة لا مجال للمراء ولا للريب فيها.

كما أن هذا الأمر يظهر خصوصية وأثراً ظاهراً للإمام الحسين «علیه السلام» في وجدان،وضمير، وخلوص وإخلاص الناس، ويجعل له تأثيراً مباشراً في تربيتهم إيمانيا، وفي دعوتهم إلى اللّه تعالى، وأداء واجباتهم التي يعود نفعها - أولاً وأخيراً - إليهم.

ولعلك تقول: إن ما ذكرته إنما هو تفسير للرواية التي ذكرت أن الحسين لم يحر التكبير إلا في المرة السابعة، ولكنه لا يحل مشكلة التعارض بين هذه الرواية وبين الرواية الأخرى التي تقول: إنه قد

كبر التكبيرات السبع كلها، ولم يتلعثم، ولا تلكأ في شيء منها.

فيجاب: بأن من الجائز أن يكون هذا الأمر قد تكرر مرتين:

الأولى: بالصلاة المكتوبة اليومية.

والثانية : في صلاة العيد.

فقد روى الشيخ «رحمه اللّه»: عن عيسى بن عبد اللّه، عن أبيه، عن جده، عن علي «علیه السلام»، قال:

ما كان يكبر النبي «صلی اللّه علیه وآله» في العيدين إلا تكبيرة واحدة، حتى أبطأ عليه لسان الحسين «علیه السلام»، فلما كان ذات يوم عيد ألبسته أمه «علیها السلام»، وأرسلته مع جده، فكبر «صلی اللّه علیه وآله» فكبر «علیه السلام»، حين كبر «صلی اللّه علیه وآله» سبعاً.

ثم قام في الثانية، فكبر «صلی اللّه علیه وآله»، وكبر «عليه السلام» حتى كبر خمساً، فجعلها «صلی اللّه علیه وآله» سنة، وثبتت السنة إلى اليوم (1).

وقد احتمل بعض العلماء : أن تكون الرواية في الصلاة اليومية مع الإمام الحسين «علیه السلام»، والرواية في صلاة العيد مع الإمام


1) تهذيب الأحكام ج 3 ص 286 باب 11 من صلاة العيدين، وروضة المتقين ج 2 ص 751 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 7 ص 437 و 438 و (الإسلامية) ج 5 ص 108 وسنن النبي للطباطبائي ص 278.

الحسن «علیه السلام».

وهو احتمال يحتاج إلى شاهد إذ لماذا لا يكون العكس؟! ولماذا لا يكون كلاهما للحسن مثلا، أو للحسين «علیهما السلام»؟!

الروايات الأخرى:

وهناك روايات ذكرت: أن ثمة أسباباً أخرى لجعل التكبيرات في افتتاح الصلاة سبعاً، فقد روي:

1 - عن الإمام الكاظم «علیه السلام» أنه حين سئل عن ذلك، قال:

«إن اللّه خلق السماوات سبعاً، والأرضين سبعاً، والحجب سبعاً. فلما أسري بالنبي «صلی اللّه علیه وآله»، فكان من ربه كقاب قوسين أو أدنى، رفع له حجاب من حجبه فكبر رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله»، وجعل يقول الكلمات التي تقال في الافتتاح، فلما رفع له الثاني كبر، فلم يزل كذلك حتى بلغ سبع حجب، فكبر سبع تكبيرات.

فلذلك العلة يكبر في الافتتاح (للافتتاح) في الصلاة سبع تكبيرات (1).


1) علل الشرايع ج 2 ص 30 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 332 ومن لا يحضره الفقيه باب 4 من أبواب الصلاة، ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 6 ص 23) و (الإسلامية) ج 4 ص 722 و 723 وبحار الأنوار ج 18 ص 369 وج 81 ص 355 والبرهان (تفسير) ج 3 ص489 وتفسير نور الثقلين ج 3 ص 126 وتفسير كنز الدقائق ج 7 ص 330.

2- عن الإمام الرضا «علیه السلام» قال: «إنما صارت التكبيرات في أول الصلاة سبعاً، لأن أصل الصلاة ركعتان ركعتان، وافتتاحهما بسبع تكبيرات تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة الركوع، وتكبيرتي السجدتين، وتكبيرة الركوع في الثانية، وتكبيرتي السجدتين.

فإذا كبر الإنسان في أول الصلاة سبع تكبيرات، ثم نسي شيئاً من تكبيرات الافتتاح من بعد، أو سها عنها، لم يدخل عليه نقص في صلاته (1)

فقد يقال: فإذا ضممنا هاتين الروايتين إلى روايتي الحسنين «علیهما السلام» يظهر التناقض والاختلاف بصورة أوضح وأتم..

ولنا أن نجيب على هذا بوجهين ينسجم أحدهما مع الآخر، ويقبل الاندماج فيه:

أولهما: أن تكريم الحسن، أو الحسين «علیهما السلام»، وتعريف الأمة بما لهما من مكانة وفضل عند اللّه، وبما في متابعة خطهما، وحفظ نهجهما، والتضحية بكل غال ونفيس في سبيل ذلك من فوائد وعوائد لا تحصى - إن ذلك - لن يذهب هدراً، وفيه مصلحة كبرى


1) راجع: من لا يحضره الفقيه (ط جماعة المدرسين) ج 1 ص 305 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 6 ص 22 و (الإسلامية) ج 4 ص 722 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 156 ومنتقى الجمان ج 2 ص 8.

للأمة كلها.

ولكن هذا، وإن كان أهم عنصر في علة التشريع، إلا أنه لا يعني أنه لا يوجد أيضاً في هذا العمل منافع أخرى، يكون لها حظ من القصد بالتشريع، لكي تحصل الأمة على تلك النافع.

وقد أشار الشيخ الصدوق إلى هذا حيث قال: «وهذه العلل كلها صحيحة، وكثرة العلل للشيء تزيده تأكيداً، ولا يدخل هذا في التناقض»(1).

الثاني: أن التعليلات الأخرى قد تكون صدرت بهدف حفظ هذه الكرامة الإلهية للإمام الحسين في ظروف بالغة الصعوبة، حيث كان الحكام الأمويون والسياسيون لا يألون جهداً في سفك دماء بني هاشم، وكل من يتشيع لهم، أو ينسب إليهم، أو يسير على خطهم.

فقد قتلوا الحسين بالذات، وسبوا آل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، بعد أن قتلوا أخاه الإمام الحسن بالسم، وبعد أن قتل أبوه أمير المؤمنين - ربما بدسيسة منهم أيضاً - بسيف ابن ملجم المرادي.

ثم تتبعوا باقي الأئمة، وسائر الذرية بنفس السياسة، ثم جاء العباسيون، فكان بطشهم أكثر هولا، وأعظم أثراً، فقد عدوا على قبر الحسين «علیه السلام» بالهدم وعلى زواره بالملاحقة والقتل، والتنكيل، والتشريد، وبقطع الأيدي، وبغير ذلك..


1) من لا يحضره الفقيه ج 5 ص 18 و (ط جماعة المدرسين) ج 1 ص 306.

ومن الواضح: أن أية عبارة أو إشارة إلى فضل، أو تقدم، أو علو مقام لأهل البيت «علیهم السلام» ستواجه بأشد أنواع البطش، فما بالك برواية فضائلهم «علیهم السلام»، وما قاله رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فى حقهم؟!

وقد عرفنا ما جرى لابن السكيت حيث قال له المتوكل : أيهما أفضل عندك ؟! ابناي هذان؟! أم الحسن والحسين؟!

فقال له : واللّه إن شعرة من قنبر خادم علي خير منك ومن ولديك (1).

وحين بلغ هارون الرشيد أن منصور النميري قال:

آل النبي ومن يحبهم***يتطامنون مخافة القتل

أمن النصارى واليهود وهم***من أمة التوحيد في أزل

أمر أبا عصمة الشيعي بأن يخرج من ساعته إلى الرقة، ليسل


1) النجوم الزاهرة ج 2 ص 318 وراجع وفيات الأعيان ج 6 ص 397 و 398 وسير أعلام النبلاء ج 12 ص 18 وقاموس الرجال ج 9 ص 460 وج 11 ص 128 عن السيوطي في الطبقات، والكنى والألقاب ج1 ص 314 و 315 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 83 و عن بهج الصباغة ج 3 ص 338 وج 9 ص 383 عن المعجم، وتاريخ الخلفاء ص 348 وراجع تاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 552 وفلك النجاة للحنفي ص 100.

لسان منصور من قفاه، ويقطع يده ورجله. ثم يضرب عنقه، ويحمل إليه رأسه، بعد أن يصلب بدنه، فخرج أبو عصمة لذلك، فلما صار بباب الرقة استقبلته جنازة النمري، فرجع إلى الرشيد فأعلمه.

فقال له الرشيد: «ويلي عليك يا بن الفاعلة، فألا إذا صادفته ميتا فأحرقته بالنار»(1).

وقد هوجم الطبري في داره، ورمي داره بالحجارة حتى صار على بابه كالتل العظيم، لأنه روى حديث الطير (2).

وبعدما تقدم نقول:

إذا ترددت رواية السبع تكبيرات وتداولها الناس، وظهر أنها صريحة بفضل الإمام الحسين «علیه السلام» سواء في العيدين أو في الصلاة اليومية، فلا بد أن تبدأ الملاحقات المريرة، وستنتشر الجرائم المفجعة والخطيرة في كل اتجاه.

وسترى أن الحكام سيسقطون هذه التكبيرات من قاموسهم،


1) طبقات الشعراء ص 244 و 246 وراجع زهر الآداب هامش ج2 من المستطرف ص 246 والشعر والشعراء ص 547 والإمام الصادق والمذاهب الأربعة، المجلد الأول ج 1 ص 254 وراجع: قاموس الرجال ج 11 ص 526 وج 12 ص 115.

2) راجع: معجم الأدباء ج 18 ص 58 والوافي بالوفيات ج 2 ص214 الرجال للتستري ج 9 ص 152.

وستصبح التهمة برواية أخبارها نحراً من الوريد إلى الوريد، وستكون ممارستها من أسباب القتل والتشريد، وستحرم الأمة من بركات هذا التشريع..

فإذا ذكرت عدة علل، فيمكن أن تتوزع الأمور، ويبقى التشريع ساريا حتى عند غير الشيعة.

وهذا ما حصل بالفعل، فإن في مذاهب أهل السنة من يصلي العيدين بالتكبيرات السبع في الأولى، والخمس في الثانية(1).

فحيثية حفظ حظ من الحياة لهذا الحكم الشرعي هي التي فرضت الإشارة إلى فوائد وحِكَم أخرى تترتب عليه.

وقد ذكرنا في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» حالة مشابهة تماماً لهذه الحالة، وهي قصة تحويل بني


1) الموطأ لمالك ج 1 ص 180 والتمهيد لابن عبد البر ج 16 ص 38 والشرح الكبير لابن قدامة ج 2 ص 238 و 239 والمحلى لابن حزم ج 5 ص 84 ص238 وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد ج 1 ص 173 ونيل الأوطار ج 3 ص 367 والمجموع للنووي ج 5 ص 15 و 17 وروضة الطالبين ج 1 ص 578 والإقناع للشربيني ج 1 ص 173 و 310 و 312 ومواهب الجليل ج 2 ص 572 والجوهر النقي للمارديني ج 3 ص 288 والمغني لابن قدامة ج 2 ص 238 والاستذكار لابن عبد البر ج 2 ص 394 ونصب الراية للزيلعي ج 2 ص 261 وفيض القدير ج 3 ص 373 وكتاب الأم للشافعي ج1 ص 270.

أمية القبلة عن الكعبة الشريفة إلى بيت المقدس، وذلك في أيام حكومة ابن الزبير، حيث إن ابن الزبير الذي استولى على الحجاز، ثم على العراق صار يحدث الناس في موسم الحج بمثالب بني أمية.

فتضايق الحكام الأمويون، ومنعوا الناس من الحج إلى مكة، وأمروهم عوضاً عن ذلك بالحج إلى بيت المقدس، وبنوا قبة على الصخرة، وزخرفوها بالأحجار الكريمة، وجعلوا الصخرة بديلاً عن الكعبة، وبنوا لهم مسعى، وجعلوا لهم منى وعرفات، وخصصوا مكاناً للنحر (1)

واستمر الناس يحجون إلى بيت المقدس على هذا المنوال عدة سنوات.

ثم إنهم من خلال عاملهم على العراق الحجاج بن يوسف قد حولوا قبلة مساجد العراق إلى جهة بيت المقدس عوضاً عن مكة، وقد بنى الحجاج مدينة واسط وجعل مسجدها على بول حمار راهب (2)،


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 261 والبداية والنهاية ج 8 ص280 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 308 و 309 ووفيات الأعيان ج 3 ص 72 وحياة الحيوان ج 1 ص 66 و (ط دار الكتب العلمية) ج 2 ص 58 ومآثر الإنافة ج 1 ص 129.

2) البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 9 ص 63 والروض المعطار لللحميري ص 599 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 249 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 184 و 185 والكامل في التاريخ ج 4 ص 496 ونهاية الأرب ج 21 ص 262 و 263 وراجع: تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 54.

وجعل قبلته إلى بيت المقدس أيضاً.

فلأجل ذلك يذكر المؤرخون: أن عبد الملك حين أرسل أسد بن جاني قاضياً على مدينة واسط، وقدمها أسد، دخل المسجد ليصلي، فوجد قبلته رديئة جداً، فتحرى جهة القبلة وصلى إليها، فثار فيه أهل واسط وقالوا هذا رافضي، وأرادوا البطش به ولم يتخلص من أيديهم إلا بعد أن قيل لهم: إن هذا قاضيكم الذي أرسله عبد الملك، فكفوا عنه(1)

وقد ذكر الجاحظ في رسالة مفاخرة بني هاشم وعبد شمس عبارة :مفادها وتفخر بنو هاشم أنهم لم يحولوا القبلة (2). فدل ذلك على أن هذا الأمر قد حصل فعلاً.

فترى أن تحري القبلة التي هي الكعبة والصلاة إليها ما أسرع ما صار يعد جريمة يعاقب عليها، وتهيج العامة ضد من فعل ذلك، متهمين إياه بالرفض.

ولأجل ذلك :رأينا أن الأئمة الذين يريدون حفظ الإسلام وحفظ أهل الإيمان وهم شيعتهم المتمسكون به قد أمروا شيعتهم من أهل


1) نشوار المحاضرات ج 6 ص 36 وتاريخ بغداد ج 7 ص 16.

2) آثار الجاحظ ص 205.

العراق خصوصاً بالتياسر.

فكان هذا الأمر مستغرباً. إذ لماذا التياسر ؟! ولماذا أهل العراق فقط ؟ ! فكانوا «علیهم السلام» حينما يسألون عن ذلك يذكرون عللا لا تشير إلى موضوع تغيير القبلة، لأن الإشارة إلى ذلك ستكلفهم وتكلف شيعتهم ثمناً باهظاً جداً، فكانوا يقولون مثلاً: إن الحرم في مكة ليس على شكل دائري، وإنما فيه جهة أطول من جهة بالقياس إلى الكعبة.

فيذكرون هذا الأمر فقط، وهو صحيح في نفسه، ولكن من المعلوم: أن الذي يكون في العراق، ويبعد آلآف الكيلومترات عن مكة إذا تياسر بمقدار سنتيمتر واحد سيصير منحرفاً عن الكعبة أكثر بكثير من مقدار التفاوت في الحرم من جهتي الكعبة.

ولا شك فى أن من يسمع الحكم باستحباب التياسر، سوف لا يتياسر سنتيمتراً واحداً بل سيتياسر بمقدار فتر أو شبر، فكم ستكون النقطة التي سينتهي إليها توجهه بالقياس إلى موازاة الكعبة؟!

فصار واضحاً: أن هذا الحكم كان مرحلياً ومرهونا بالعهد الأموي لا أكثر ولا أقل.

وربما يصح أن نطلق عليه أنه طريق تخلص من البغي الأموي بنحو ذكي.

الباب الثاني عشر: الفصول الأخيرة في العهد النبوي.

اشارة

الفصل الأول: الإخبار باستشهاد الحسين «علیه السلام»..

اشارة

رؤيا فاطمة «علیها السلام»:

1 - [محمد بن سليمان]، قال: حدثنا إبراهيم بن عبداللّه، قال: حدثنا عبيد اللّه بن موسى العنسيّ، عن فطر بن خليفة: عن أنس بن مالك، قال:

رأت فاطمة في منامها أنّ أعرابيًا أقبل معه شاة حتى دخل على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وسلم، فقال له التبي: يا أعرابيّ! اذبح، فذبح، ثمّ قال اسلخ، ففعل، ثمّ قال: حرّ، فحرّ، ثمّ قال: اطبخ، فطبخ.

ثمّ قال للحسن والحسين: قوما فكلا.

فقاما وأكلا، فلمّا أكلا ماتا !

فانتبهت فاطمة رضي اللّه عنها من منامها فزعة مذعورة، فلمّا أصبحت غدت إلى أبيها لتعلمه برؤياها.

فلما صارت ببعض الطريق إذ [هي] بالأعرابيّ بعينه معه تلك الشاة بعينها، فدخلا على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله وسلم»، فلما دخلا تبسم النّبيّ «صلی اللّه علیه وآله وسلم» ، وقال كما رأت فاطمة في منامها، ثمّ قال النبي «صلی اللّه علیه وآله وسلم»

للأعرابيّ : اذبح، ففعل، ثمّ قال: اسلخ فسلخ، ثمّ قال: حرّ، فحرّ، ثمّ قال اطبخ، ففعل.

ثمّ قال للحسن والحسين: قوما فكلا.

فقالت فاطمة : يا أبتا أحبّ أن تعفيهما، فما حرم رؤياي شيء إلا أن يأكلا ثمّ يموتا !

ثمّ قال النّبيّ «صلی اللّه علیه وآله وسلم»: لا بأس عليهما.

ثمّ قال لهما: قوما فكلا.. فقاما فأكلا.

ثمّ التفت النّبيّ «علیه السلام» عن يمينه، فقال: يا رؤيا يا رؤيا!

فأجابه صوت ولم أرَ الشخص، وهو يقول: لبيك وسعديك يا رسول اللّه.

فقال له النبيّ «صلی اللّه علیه وآله وسلم»: ما الذي أريت فاطمة في منامها ؟ فقصّ عليه القصة كلها ولم يذكر الموت.

فنادى التبيّ «صلی اللّه علیه وآله وسلم»: یا حلام يا حلام!

فأجابه: لبّيك وسعديك يا رسول اللّه.

قال: ما الذي أريت بنت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله وسلم»؟

فقال : والذي بعثك بالحقّ نبياً ما لقيتها البارحة.

فنادی: یا ضغّاث یا ضغّاث !

فأجابه: لبيك وسعديك يا رسول اللّه !

قال: ما الذي أريت فاطمة في منامها ؟

قال: أريتها أنّ الحسن والحسين ماتا!

قال : فما أردت بذلك؟

قال : أردت أن أحزنها !

فقال النّبيّ «صلی اللّه علیه وآله وسلم»: اعزب أحزنك اللّه تعالى واحمد ربّك.

ثمّ التفتَ النّبيّ «صلی اللّه علیه وآله وسلم» إلى فاطمة رضي اللّه عنها، فقال : أجزعت إذ رأيت موتهما؟!

فكيف لو رأيت الأكبر مسقيا [بالسّم] «والأصغر ملطخا بدمه في قاع من الأرض يتناوبه السّباع؟

قال فبكت فاطمة، وبكى عليّ، وبكى الحسن والحسين.

فقالت فاطمة «صلوات اللّه علیها» يا أبتا أكقار يفعلون ذلك، أم منافقون؟!

قال: بل منافقوا هذه الامة [و] يزعمون أنّهم مؤمنون!

قالت: يا أبتا أفلا ندعو اللّه عليهم؟

فقال النّبيّ «صلی اللّه علیه وآله وسلم»: بلى. فقام في القبلة، وقام عليّ، والحسن والحسين، وقامت فاطمة خلفهم، ثم قنتَ بهم وقال في دعائه:

اللّهمّ اخذل الفراعنة، والقاسطين، والمارقين، والتاكثين، ثمّ اجمعهم جميعاً في عذابك الأليم.

ثمّ أنزل اللّه: «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبِّكَ فَتَرْضى» (1).

ثمّ خرج النّبيّ «صلی اللّه علیه وآله وسلم» إلى أصحابه، ثمّ قال: أيّها النّاس ! إنّ الرّؤيا على ثلاثة، فالرّؤيا الصادقة بشرى من اللّه تعالى والأحلام من حديث النّفس، والأضغاث من الشيطان (2).

2 - قال على بن إبراهيم القمي «رحمه اللّه»: حدثني أبي، عن محمد بن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال:

كان سبب نزول هذه الآية (3): أن فاطمة «علیها السلام» رأت في منامها أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» هم أن يخرج هو، وفاطمة وعلي والحسن والحسين «علیهم السلام» من المدينة، فخرجوا حتى جاوزوا من حيطان المدينة، فتعرض لهم طريقان، فأخذ رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ذات اليمين حتى انتهى بهم إلى موضع فيه نخل وماء.

فاشترى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» شاة كبراء - وهي التي إحدى أذنيها نقط بيض - فأمر بذبحها، فلما أكلوا ماتوا في مكانهم.


1) الآية 5 من سورة الضحى.

2) مناقب أمير المؤمنين «علیه السلام» لمحمد بن سليمان الكوفي ج 2 ص 278 - 280 وراجع بحار الأنوار ج 43 ص 91 وج 58 ص 166 عن تفسير العياشي ج 2 ص 178.

3) أي الآية 10 من سورة المجادلة: «إنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَان».

فانتبهت فاطمة باكية ذعرة، فلم تخبر رسول اللّه بذلك.

فلما أصبحت جاء رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بحمار، فأركب عليه فاطمة «علیها السلام»، وأمر أن يخرج أمير المؤمنين، والحسن والحسين «علیهم السلام» من المدينة كما رأت فاطمة «عليها السلام» في نومها.

فلما خرجوا من حيطان المدينة عرض له طريقان، فأخذ رسول اللّه ذات اليمين كما رأت فاطمة «علیها السلام» حتى انتهوا إلى موضع فيه نخل وماء، فاشترى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» شاة كبراء كما رأت فاطمة، فأمر بذبحها، فذبحت وشويت..

فلما أرادوا أكلها قامت فاطمة وتنحت ناحية منهم تبكي، مخافة أن يموتوا، فطلبها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حتى وقع عليها وهي تبكي، فقال: ما شأنك يا بنية ؟!

قالت: يا رسول اللّه [ إني ] رأيت كذا وكذا في نومي، وقد فعلت أنت كما رأيته، فتنحيت عنكم، فلا أراكم، تموتون.

فقام رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فصلى ركعتين ثم ناجي ربه، فنزل عليه جبرئيل فقال: يا محمد هذا شيطان، يقال له الدهار، وهو الذي أرى فاطمة هذه الرؤيا، ويؤذي المؤمنين في نومهم ما يغتمون به.

فأمر جبرئيل فجاء به إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فقال له: أنت أريت فاطمة هذه الرؤيا؟

فقال: نعم يا محمد، فبزق عليه ثلاث بزقات، فشجه في ثلاث مواضع.

ثم قال جبرئيل لمحمد: قل يا محمد إذا رأيت في منامك شيئا تكرهه، أو رأى أحد من المؤمنين، فليقل:

أعوذ بما عادت به ملائكة اللّه المقربون، وأنبياؤه المرسلون، وعباده الصالحون من شر ما رأيت، ومن رؤياي

وتقرأ الحمد، والمعوذتين، وقل هو اللّه أحد، وتتفل عن يسارك ثلاث تفلات، فإنه لا يضره ما رأى.

وأنزل اللّه على رسوله: «إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَان» الآية (1)» (2).

وسند الرواية حسن.

قال العلامة المجلسي «قدس سره»:

ما رأيت الكبراء بهذا المعنى فيما عندنا من كتب اللغة (3)

وتعرض الشيطان لفاطمة «علیها السلام»، وكون منامها المضاهي للوحي شيطانياً، وإن كان بعيداً، لكن باعتبار عدم بقاء


1) الآية 10 من سورة المجادلة.

2) بحار الأنوار ج 43 ص 90 و 91 وج 58 ص 187 - 188 وراجع: ج73 ص 198 وتفسير القمي ج 2 ص 335 والبرهان (تفسير) ج 7 ص 474.

3) بحار الأنوار ج 43 ص 91.

الشبهة وزوالها سريعاً، وترتب المعجز من الرسول «صلی اللّه علیه وآله» في ذلك، والمنفعة المستمرة للأمة ببركتها، يقل الاستبعاد. والحديث مشهور ومتكرر في الأصول، واللّه يعلم(1).

ونقول:

وقفة مع النص:

تقول الرواية الأولى: إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» نادى أولاً: يا رؤيا يا رؤيا، ثم نادى ثانياً يا حلام يا حلام، ثم نادى ثالثاً: يا ضغّاث یا ضغّاث !

وسأل كل واحد منهم عن رؤيا فاطمة، فاعترف الثالث بأنه هو الذي أرى فاطمة ما رأته في منامها.

وقال: إنه أراد أن يحزنها بذلك..

ثم ذكر في آخر الرواية ما دل على أن الرؤيا تكون صادقة، وهى بشرى من اللّه تعالى وقد تقدم أنه «صلی اللّه علیه وآله» كان قد نادی: يا رؤيا يا رؤيا، فأجيب، فسأله عن رؤيا فاطمة.. فأجابه، ولم يذكر له موت الحسنين «علیهما السلام».

2 - ثم ذكر قسماً آخر سماه الأحلام وهي من حديث النفس. والظاهر أنه هو المعني بندائه: يا حلام يا حلام. فأجيب، فسأله عن منام،فاطمة، فذكر أنه لم يلقها البارحة.


1) بحار الأنوار ج 58 ص 188.

ولا بد من الإجابة على سؤال : أنه إذا كان الحلام هو قسم الأحلام التي هي حديث النفس، فكيف صار حديث النفس موجوداً يتكلم، ويجيب على أسئلة الرسول ؟! إلا إن كان ذلك من قبيل التمثّل.

3 - ثم ذكر: أن القسم الثالث : أضغاث أحلام، وهي من الشيطان. والظاهر أن هذا هو المعني بندائه: يا ضغاث، يا ضغاث. فسأله عما رأته فاطمة فاعترف بأنه هو الذي أراها ذلك من أجل أن يحزنها..

وهذا يدل على ما يلي:

1 - أن الشيطان قد تسلط على السيدة فاطمة.

2 - ويدل على أن النبي قد نادى ذلك الشيطان، فأجابه بقوله: لبيك وسعديك، وهو جواب ودود، لا يتوقع صدوره من الشيطان تجاه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»..

وتقدم عن العلامه المجلسي «رحمه اللّه» استبعاد أن يكون منامها المضاهي للوحي شيطانياً. ثم ذكر ما رأى أنه يخفف من استبعاد هذا الأمر، وكأنه «رحمه اللّه» يريد: أن المنام المضاهي للوحي، هو منام النبي والإمام، أما لو كان هناك معصوم وليس بنبي ولا إمام، فقد يقال: إن الشيطان يمكن أن يؤذي هذا المعصوم في بدنه بالمرض والجوع، وأن يجلب له الهم والغم، ولو بأن يريه في المنام موت ولده، كما حصل للزهراء «علیها السلام».

ويبقى هنا سؤال يحتاج إلى جواب، وهو: أنه إذا كان الشيطان الذي يُري الناس في المنام أضغاث الأحلام، كيف أراها الأعرابي،

ومعه تلك الشاة، ثم رأت في اليوم التالي نفس الأعرابي ومعه نفس الشاة التي رأتها عينها؟!

ومن المعلوم: أن الشيطان لا يعلم ما يحدث في المستقبل، فكيف تطابقت أضغاث أحلامه مع ما يحدث في اليوم التالي؟!

هذا كله فيما يرتبط بالرواية الأولى..

أما رواية القمي، والتي قلنا: إن سندها حسن، إن لم نقل إنه صحيح، فبعض ما ذكرناه آنفاً يقال فيها أيضاً.

متى يقتل الحسين «علیه السلام»؟!:

إن مراجعة المصادر والنصوص تظهر مدى الجهد الذي كان يبذله رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لإعلام الأمة، وإيصالها إلى درجة البداهة واليقين فيما يرتبط بما يجري على الإمام الحسين «عليه السلام».

ويدل على أن قضية الإمام الحسين «علیه السلام» هي الموضوع الأكثر حساسية، والأخطر في تاريخ نشأة الإسلام، وفي بقائه، وأن التهاون في فهمها، والتقصير في التعاطي معها يجعل الإسلام في خطر شديد وأكيد، لأنه سوف يؤثر على الرؤية ووضوحها، فيما يرتبط بالأجيال القادمة عبر العصور والدهور.

وقد بلغت دقة التحديدات والاهتمام ببيان التفاصيل والجزئيات حدوداً تجعل الإنسان المؤمن إذا اجتمع لديه هذا الكم الهائل منها قادراً على توقع أحداثها قبل وقوعها، وذلك لشدة وضوحها لديه.

ويا حبذا لو يحاول بعض الإخوة الباحثين رسم ما جرى بعد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» من أحداث منذ استشهاده «صلى اللّه عليه وآله» وإلى ما بعد سنة ستين.. من خلال النصوص التي صدرت عنه وعن أهل بيت النبوة «علیهم السلام» قبل وقوع تلك الأحداث بزمان طويل.

ولأننا لسنا بصدد القيام بهذا الأمر، بالرغم من عمق شعورنا بأهميته، فإننا لم نخل كتابنا هذا من بعض الإشارات واللمحات المشيرة إليه بوضوح، بهدف زرع الفكرة وتكريسها، للاستفادة منها في الموقع المناسب، حيث تمس الحاجة إليها..

ولكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى النص الذي يحدد فيه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» سنة الاستشهاد بالاستناد إلى التاريخ الذي وضعه الرسول نفسه، حيث روي عنه «صلی اللّه علیه وآله» أنه قال - كما روي عن أم سلمة -: «يقتل الحسين بن علي على رأس ستين من مهاجري» (1).


1) المعجم الكبير (ط دار إحياء التراث العربي سنة 1404ه) ج 3 ص 105 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 198 ومجمع الزوائد ج9 ص190 عن الطبراني، ولم يُطعن في سنده إلا فى سعد بن طريف، وليس ذلك إلا لتشيعه حسبما صرحوا به وترجمة الإمام الحسين «علیه السلام» من تاریخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ص 185 و (ط 2 مجمع إحياء الثقافة الإسلامية سنة 1414ه) ص 271 وفي هوامشه عن مصادر أخرى، وتاريخ بغداد ج 1 ص 142 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1417ه) ج1 ص 152 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2658 والإلمام ج 5 ص 299 وكنز العمال (ط حیدرآباد) ج 13 ص 113 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 12 ص 128 وميزان الإعتدال ج 1 ص 212 عن الطبراني، والخطيب، وابن عساكر، ومنتخب كنز العمال (هامش مسند أحمد) ج 5 ص 111 ومقتل الحسين «علیه السلام» للخوارزمي ج 1 ص 161 وذوب النضار ص 12 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 354 وج 27 ص 249 و 250 و 454 عن بعض ما تقدم، وعن مفتاح النجا (مخطوط) ص 136 وعن المعجم الكبير للطبراني (مخطوط) ص 144.

ونحب لفت نظر القارئ إلى أمور:

الأول: التصريح هنا باسم المقتول، وباسم أبيه أيضاً، ربما لكي لا يتعرض النص للتلاعب بزعم أنه قد يكون المقصود شخصاً آخر اسمه حسين.

الثاني: كلمة «رأس ستين» حيث لم يقل في سنة ستين، بل قال: «رأس ستين» ليأتي النص ملائماً للحسابات التي سوف يعتمدها هذا أو ذاك، فإن النبي «صلی اللّه علیه وآله» وإن حدد يوم هجرته مبدأ للتاريخ لكن هذا التحديد قد تعرض لانتكاسة مبكرة، حيث لم يرض الخليفة عمر بن الخطاب باعتماد ربيع الأول مبدأ للتاريخ الهجري. فأرجع الناس إلى شهر المحرم، الذي كان مبدأ السنة في الجاهلية.

فمن يعتمد ما فعله عمر، فإن الحسين قد استشهد بعد أن انتهت

سنة ستين، أي أن قتله «علیه السلام» كان على رأس الستين التي تمت وانتهت وأصبحنا في سنة إحدى وستين.

ومن يعتمد التاريخ الصحيح، فإنه سيرى أن قتله «علیه السلام» كان في أواخر سنة ستين، وقبل دخول السنة التالية. أي في الشهر الحادي عشر منها، فيصح القول : إنه قتل على رأس تلك السنة.

الثالث: إن كلمة «ستين من مهاجري» تدل على أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» كان يود لو أن السنة الهجرية بقيت على نفس الحال التي وضعها هو «صلی اللّه علیه وآله» عليه وأن ما حصل من تغيير، لم يكن متوافقاً مع أغراضه «صلی اللّه علیه وآله».

ولولا أن عليا «علیه السلام» اقترح شهر المحرم، ليكون أول السنة الهجرية، لكانت الأمور تسير باتجاه إلغاء أصل التاريخ الهجري، واعتماد تواريخ أخرى. فراجع ما ذكرناه في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلی اللّه علیه وآله»، الجزء الخامس.

تقبيل موضع السم وموضع السيوف:

وقد روي: أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» كان يقبل الحسن «علیه السلام» في فمه، ويقبل الحسين «علیه السلام» في نحره، وحين سئل عن ذلك بيَّن: أنه إنما يقبل موضع السم في الإمام الحسن «علیه السلام»، وموضع السيوف في الإمام الحسين «عليه

السلام» (1).

ونقول:

ما أكثر النصوص التي تهدف إلى هداية الناس، وفتح أبواب الحق أمامهم، وتحصينهم من الضلال والشك والريب.. وهي نصوص تحكي لنا أقوال وأفعال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» تجاه الإمامين الحسنين «علیهما السلام»، والتي يراد منها تعريف الناس بما سوف يجري بعده «صلی اللّه علیه وآله» بعشرات السنين.. مع تعمد ذكر تفاصيل وجزئيات تجعل اليقين بمظلومية الإمامين الحسن والحسين «علیهما السلام»، وبغي المعتدين عليهما، كالنار على المنار، وكالشمس في رائعة النهار، فلا يمكن لأي موجود بشري يملك ذرة من فهم وعقل أن تشتبه عليه الأمور.

لاسيما وأن هذه النصوص محصنة بالوحي، والنبوة، وهي الغيب الإلهي الذي يجعل الشك في حصول ما يخبر عنه مساوقا للشك في النبوة والألوهية، والخروج من الدين.

وتقبيل موضع السم، وموضع السيف هنا يؤكد هذه الحقيقة بصورة واضحة.

ويزيد الأمر قوة، وامتناعاً عن تطرق الريب والشك إليه هذه


1) راجع: الأسرار الفاطمية للمسعودي ص 524 وأسرار الشهادة ص392 و 393 وتظلم الزهراء «علیها السلام» ص 29 عن ذخائر الأفهام.

الكثرة الكاثرة من الأخبار والروايات التي تكاد لا تحصر. الأمر الذي لو لم يوجب اليقين، فهو يوجب الظن على أقل تقدير.. وذكر كل هذه الجزئيات والتفاصيل سوف يوجب تراكم الظنون والاحتمالات إلى درجة تجعل ما يخبر عنه فوق مستوى البداهة.

ولكننا مع ذلك نجد وعاظ السلاطين، ومروجي الباطل يلتمسون الأعذار الواهية لأولئك الطغاة المجرمين حتى لو كانت على حساب عصمة الرسول، أو على حساب أصل نبوته فلا مانع من الافتراء عليه «صلی اللّه علیه وآله»، بل لا مانع من إثارة الشبهات حول سلامته العقلية، والعياذ باللّه، بل حتى حول نبوته، من أجل أن يبقى أولئك المجرمون في منأى عن الشبهة، وأن لا تخدش قداستهم، ولا تهان كرامتهم بزعمهم.

حديث ابن عباس موضع ريب:

حكى صاحب ذخاير الأفهام، عن عبد اللّه بن داود، عن الثقات، عن ابن عبّاس، قال صلينا مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ذات يوم، صلاة الصبح في مسجده الآن، فلما فرغنا من التعقيب التفت إلينا بوجهه الكريم، كأنّه البدر فى ليلة،تمامه واستند على محرابه وجعل يعظنا بالحديث الغريب، ويشوّقنا إلى الجنّة ويحدّرنا من النيران، ونحن به مسرورون مغبوطون، وإذا به قد رفع رأسه وتهلل وجهه، فنظرنا، وإذا بالحسنين مقبلين عليه، وكفّ يمين الحسن بيسار الحسين «علیهما السلام» وهما يقولان :

مَنْ مِثلنا وَقَدْ جَعَلَ اللّه جَدَّنا أَشْرَفَ أهْلِ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ، وأبانا خَيْرَ َأهْل المَشرِق وَالْمَعْرِبِ، وَأمَّنا سَيِّدَةَ عَلى جَميعِ نِسَاءِ العالمينَ، وَجَدَّتَنا أَمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَحْنُ سَيِّدا شَبابِ أهْل الجَنَّةِ.

وزاد سرورنا واستبشرنا بعد ذلك، وكلّ منّا يهنّي صاحبه على الولاية لهم، والبراءة من أعدائهم.

فنظرنا نحو رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وإذا بدموعه تجري على خدّيه.

فقلنا : سبحان اللّه ! هذا وقت فرح وسرور، فكيف هذا البكاء من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»؟!

فأردنا أن نسأله، وإذا به قد ابتدأنا يقول: يعزّيني اللّه على ما تلقيان من بعدي يا ولديّ من الإهانة والأذى.

وزاد بكاؤه، وإذا به قد دعاهما وحطهما في حجره، وأجلس الحسن «علیه السلام» على فخذه الأيمن، والحسين «علیه السلام» على فخذه الأيسر فقال : بأبي أبوكما، وبأمّي أمكما، وقبل الحسن «علیه السلام» في فمه الشريف، وأطال الشمّ بعدها، وقبل الحسين «علیه السلام» في نحره بعد أن شمّه طويلاً، فتساقطت دموعه، وبكي وبكينا لبكائه، ولا علم لنا بذلك.

فما كان إلا ساعة وإذا بالحسين «علیه السلام» قد قام ومضى إلى أمّه باكياً مغموماً.

فلمّا دخل عليها، ورأته باكيا قامت إليه تمسح دمعه بكمّها،

وأسكته (لعل الصحيح: تسكته) وهي تبكي لبكائه، وتقول: قرة عيني وثمرة فؤادي ما الذي يبكيك، لا أبكى اللّه لك عيناً، ما بالك يا حشاشة قلبي؟!

قال: خَيْراً يا أُماه !

قالت: بحقي عليك، وبحق جدّك وأبيك إلا ما أخبرتني.

فقال لها: يا أمّاه كَأَنَّ جَدّي مَلني مِنْ كِثرَةِ تَرَدُّدي إِلَيْهِ.

قالت: فداك نفسي، لماذا ؟!

قال: يا أماه جِئْتُ أنا وأخي إلى جَدِّنا لِنَزُورَهُ، فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، وَأَبي وَأَصْحَابُهُ مِنْ حَوْلِهِ مُجْتَمِعُونَ، فَدَعَى الحَسَنَ وَأَجْلَسَهُ عَلَى فَخِذِهِ الأَيْمَنِ، وَأَجْلسَنى عَلى فَخِذِهِ الأَيْسَر، ثُمَّ لَمْ يَرْضَ بِذلِكَ حَتَّى قبَّلَ الْحَسَنَ فِي فَمِهِ بَعْدَ أَنْ شَمَّهُ طويلا، وأمّا أنَا فَأَعْرَضَ عَنْ،قمي، وَقَبَّلني في نَحْرِي، فَلَوْ أَحَبَّني وَلَمْ يُبْغِضني لقبلني مِثل أخي، هَلْ في فمي شَيْءٌ يَكْرَهُهُ؟! يا أماه!

شَمّيهِ أَنتِ !!

قالت الزهراء «علیها السلام»: هيهات يا ولدي واللّه العظيم ما قلبه مقدار حبة خردل من بغضك.

فقال: يا أُمّاه ! كَيْفَ لا يَكُونُ ذَلِكَ وَقَدْ عَمِلَ هذا ؟!

قالت: واللّه يا ولدي ! إنّي سمعته كثيراً يقول: حسين منّي وأنا منه.

ألا ومن آذى حسينا فقد آذاني.

أما تذكر يا ولدي! لمّا تصارعتما بين يديه جعل يقول: إيهاً يا حسن!

فقلت له: كيف يا أبتاه تنهض الكبير على الصغير ؟!

فقال: يا ابنتاه! هذا جبرئيل ينهض الحسين، وأنا أنهض الحسن.

وإنّه يا ولدي! مرّ يوماً جدّك على منزلي وأنت تبكي في المهد، فدخل أبي وقال لي: سكتيه يا فاطمة ألم تعلمي أنّ بكاءه يؤذيني، وكذلك الملائكة بكاؤه يؤذيهم.

وقال مراراً : اللّهمّ إنّي أحبّه وأحب من يحبّه. فكيف يا ولدي تلك؟! لكن سر بنا إلى جدّك.

فأخذت بيد الحسين وهي تجرّ أذيالها حتى أتت إلى باب المسجد، فما رأت غير الإمام والنبي «صلی اللّه علیه وآله».

فلمّا رآها النبي «صلی اللّه علیه وآله» تنفس الصعداء وبكى كمدأ، فجرت دموعه على خديه حتّى بلت كمّيه.

فقالت : السلام عليك يا أبتاه!

فقال: وعليك السلام يا فاطمة! ورحمة اللّه وبركاته.

قالت له: يا سيّدي ! كيف تكسر خاطر الحسين، أما قلت: إنّه ريحانتي التي أرتاح إليها ؟! أما قلت: هو زين السماوات والأرض؟!

قال: نعم يا ابنتاه! هكذا قلت.

فقالت: أجل كيف ما قبلته كأخيه الحسن؟! وقد أتاني باكياً، فلم أزل أسكته، فلم يتسكت، وأسليه فلم يتسلّ، وأعزّيه فلم يتعزّ.

قال: يا بنتاه ! هذا سرّ أخاف عليك إذا سمعته ينكدر عيشك، وينكسر قلبك.

قالت: بحقك، يا أبتاه! ألا تخفيه علىّ.

فبكى وقال : إنّا للّه وإنا إليه راجعون.

يا بنتاه! يا فاطمة! هذا أخي جبرئيل أخبرني عن الملك الجليل: أن لا بدّ للحسن أن يموت مسموما، تسمه زوجته بنت الأشعث «لعنها اللّه»، فشممته بموضع سمّه، ولا بدّ للحسين أن يموت منحوراً بسيف الشمر «لعنه اللّه»، فشممته بموضع نحره (1).

ونقول:

إن هذه الرواية لم تستطع أن تفوز بثقتنا بصحتها، لأكثر من سبب، فلاحظ ما يلي:

أسئلة توجب الريب في الرواية:

1 - إننا لم نستطع أن نعرف السند الذي يصل ما بين صاحب ذخائر الأفهام وبين عبد اللّه بن داود.. كما أننا لم نعلم من هم هؤلاء الثقات الذين اعتمد عليهم عبد اللّه بن داود لكي ننظر في أمرهم.


1) تظلم الزهراء للقزويني ص 48 و 49 و (ط أخرى) ص 70.

كما أن ابن عباس نفسه قد تفرد بهذه الرواية، دون سائر الصحابة الذين حضروا تلك الصلاة، وعاينوا ما جرى...

مع أن ابن عباس كان طفلاً أيضاً، لم يبلغ الحلم، فإنه إما ولد سنة الهجرة، أو قبلها بثلاث سنوات.

2 - إن سياق هذه الرواية سياق قصصي ليس هو الأسلوب الذي ألفناه في الروايات عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» والأئمة الطاهرين.

3 - ما معنى أن يصبر الحسين «علیه السلام» ساعة بعد أن قبله رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وشمه في نحره، ثم يقوم باكياً، ويمضي إلى أمه؟! هل أخذته غفوة طيلة تلك الساعة؟!

وهل بقي المصلون جالسين في أماكنهم فيها، أو تفرقوا؟!

وإذا كانوا قد بقوا جالسين في أماكنهم طيلة تلك الساعة؟! فلماذا جلسوا وقد انقضت صلاتهم؟!

وهل جلسوا ينتظرون الحسين «علیه السلام»؟! أو جلسوا للحديث والمسامرة؟!

وقد يقال في الجواب : إن الناس تفرقوا ولم يبق إلا النبي «صلى اللّه عليه وآله» وعلي «علیه السلام»، كما صرحت به الرواية أخيراً.

ولكن يبقى لدينا سؤال يقول : هل بقي ابن عباس في المسجد؟! أم خرج مع الناس ؟! وإذا كان قد خرج معهم، فكيف أتم لنا رواية هذه الرواية؟! وإن كان قد بقي في المسجد، فلماذا، وكيف عرف ابن

عباس ما دار بين الزهراء «علیها السلام» وبين الحسين «علیه السلام»؟! وهل ذهب إليها مع الحسين أم بقي في المسجد؟! ولماذا بقي وحده، مع النبي «صلی اللّه علیه وآله» وعلي «علیه السلام»؟!

4 - ما معنى قوله: إن الزهراء أخذت بيد الحسين «عليه السلام»، وهي تجر أذيالها حتى أتت إلى باب المسجد، فما رأت غير الإمام والنبي «صلی اللّه علیه وآله».

فإن بيت الزهراء «علیها السلام» لم يكن خارج المسجد، بل كان في داخله، وهو موضع دفن النبي «صلی اللّه علیه وآله» الآن، وبابه يفتح إلى داخل المسجد، فلا حاجة بها إلى الخروج من بيتها، والذهاب إلى باب المسجد لتنظر إن كان النبي في داخله أم لا، بل كان يكفيها أن تطل برأسها من باب بيتها، وتنظر إلى داخل المسجد، لترى النبي «صلی اللّه علیه وآله» وعليا «علیه السلام» في داخل المسجد، أو ليسا في داخله.

5 - لم نستطع أن نعرف المبرر لأن لا يفهم الإمام الحسين «عليه السلام» تقبيل جده له بنحره على حقيقته ولا مبرر أيضاً لأن يفسره بأنه ملالة منه وجفاء، لأن الملالة تقتضي أن لا يقبله أصلا، وأن يعرض عنه، لا أن يشمه طويلاً، ويقبله في نحره. كما قد حصل !!

6 - إن التعليل الذي نسبه إلى الإمام الحسين «علیه السلام» لا يصلح تعليلا، فإنه قال «كأن جدي ملني من كثرة ترددي إليه».

فأولاً: إن تردد أخيه إلى النبي «صلی اللّه علیه وآله» لم يكن يقل

عن تردده هو إليه، فلو أوجب ذلك الملالة بالنسبة للحسين فلماذا يوجبها بالنسبة للإمام الحسن «علیهما السلام» أيضاً.

ثانياً : إذا كان النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد مله، فلماذا يجلسه على فخذه؟! ولماذا يشمه؟! ولماذا يقبله في نحره؟! ألا يكفي ذلك كله دليلاً على عدم الملالة؟!

ثالثاً: تقول الرواية: إنه «صلی اللّه علیه وآله» قد أبغض الحسين، ولم يحبه، لكثرة تردد الحسين «علیه السلام» إليه، مع أن كثرة التردد على شخص لا توجب بغضه لمن يتردد عليه.

ولو أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أبغض الإمام الحسين لِمَ يجلسه على فخذه الأيسر، ولم يشمه طويلاً، ولم يقبله في نحره؟!

رابعاً: وهنا تناقض آخر، وهو: أن الحسين «علیه السلام» يقول: إن سبب ملالة جده له لعله لأنه يجد في فم الحسين شيئاً يكرهه.. وهو أنه تنبعث منه رائحة كريهة، فطلب من أمه أن تشم فمه لتتأكد من عدم وجود مثل هذه الرائحة.

وهكذا يظهر في هذه الرواية العديد من موارد التناقض والإختلاف والإرباك في تحديد السبب الذي دعا جده ليعامله هذه المعاملة.

7 - إنه بالرغم من أن أمه «علیها السلام» تقسم له باللّه العظيم بأنه ليس في قلب جده مقدار حبة من خردل من بغضه..

ثم تستدل له بكثير من الوقائع والكلمات الصادرة عن الرسول

«صلی اللّه علیه وآله» في حقه - بالرغم من ذلك - فإن كل ذلك لم يذهب الريب والقلق من نفس ولدها.. حتى أخذته إلى جده ليتولى هو «صلی اللّه علیه وآله» معالجة هذه المشكلة لدى ولده.

8 - واللافت: أن الرواية تذكر أن الشمر هو الذي يقتل الحسين «علیه السلام»، ولا تشير إلى يزيد المدبر والآمر، والمرسل للجيوش.

كما أنها ذكرت أن الذي يسم الإمام الحسن «علیه السلام» هو جعدة بنت الأشعث، ولا تشير إلى كيد معاوية، ودوره في إغرائها بقتله «عليه الصلاة والسلام».

إلا إن كان الغرض هو تحديد من يباشر القتل بالسيف ودسّ السم.

هذا كله مع غض النظر عن أمور أخرى يمكن الوقوف عندها. ولعل فيما ذكرناه كفاية لمن أراد الرشد والهداية.

ماذا يريد جبرئيل؟!

وجاء في رواية هلال بن جناب: أن جبريل كان عند النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فجاء الحسن والحسين، فوثبا على ظهره، فقال النبي «صلی اللّه علیه وآله» لأمهما: ألا تشغلين عني هذين؟!

فأخذتهما، ثم أفلتا، فجاءا، فوثبا على ظهره، فأخذهما، فوضعهما في حجره.

فقال له جبريل «علیه السلام»: يا محمد إني أظنك تحبهما ؟!

فقال: كيف لا أحبهما وهما ريحانتاي من الدنيا ؟!

فقال جبريل «علیه السلام»: أما إن أمتك تقتل هذا - يعني حسيناً -، فخفق بجناحه خفقة، فجاء بتربة، فقال: أما إنه يقتل على هذه التربة.

فقال: ما اسم هذه التربة؟!

قال: كربلاء.

قال هلال بن جناب: فلما أصبح الحسين في المكان الذي أصيب فيه، وأحيط به، أتي بنبطي.

فقال له الحسين: ما اسم هذه الأرض؟!

قال : أرض كربلاء.

قال: صدق رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: أرض كرب وبلا. وقال لأصحابه : ضعوا رحالكم مناخ القوم مهراق دمائهم (1).

ونقول:

ألا تشغلين على هذين؟!

لقد كان من الطبيعي: أنه إذا حضر جبرئيل إلى رسول اللّه


1) راجع: نظم درر السمطين ص 215 و 216 وسيرتنا وسنتنا ص70 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 614 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 20 ص 947 و 948.

«صلی اللّه علیه وآله» أن تكون هناك أمور مهمة يحتاج إلى التداول بها مع الرسول، وقد تكون هذه الأمور من أخبار السماوات، أو يريد أن يبلغه أمراً من عند اللّه، أو يريد إبلاغه أمراً خاصاً به لا يريد أن يطلع عليه حتى أخص الناس به.

ولعل هذا أو بعضه هو السبب في طلبه «صلی اللّه علیه وآله» من فاطمة «علیها السلام» أن تشغل الحسنين «علیهما السلام» عنه في تلك اللحظات بالذات.

ولكنه «صلی اللّه علیه وآله» لم يقل للحسنين «علیهما السلام»: اذهبا إلى أمكما.. لأن المطلوب هو إشغالهما عنه، وليس المطلوب إبعادهما عنه فإذا أمكن إشغالهما عنه، مع بقائهما في نفس المجلس، فلا ضير في ذلك.

أظنك تحبهما ؟!:

وقد رأينا جبرئيل يقول للنبي «صلی اللّه علیه وآله» عن الحسنين «علیهما السلام»: أظنك تحبهما ؟

ونقول:

1 - إن من البعيد جداً أن يكون جبرئيل لا يعلم بحب النبي «صلی اللّه علیه وآله» للحسنين «علیهما السلام»، فإن هذه الزيارة من جبرئيل لم تكن الأولى.. كما أن هذه لم تكن هي المرة الأولى التي يجتمع فيها النبي وجبرئيل والحسنان.

كما أن ما رآه جبرئيل من تعامل النبي «صلی اللّه علیه وآله»

معهما في هذه المرة لم يكن فيه ما يدل على شيء غير عادي من الحب، أو من غيره غاية الأمر أنهما «علیهما السلام» وثبا على ظهره، فطلب من أمهما أن تشغلهما عنه إلى حين تفرغه لهما.

ثم أفلتا منها، فعادا للوثوب على ظهره «صلی اللّه علیه وآله». فوضعهما في حجره..

فما هذا السؤال من جبرئيل لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: أظنك تحبهما؟! إلا إن كان جبرئيل يريد من النبي أن يصرّح بهذا الأمر أولاً ليكون ذلك توطئة للإخبار بقتلهما بالسم وبالسيف.

2 - إننا نرجح أن يكون المراد بالظن في كلام جبرائيل هو اليقين، لأنه استفاد يقينه من تراكم الدلائل والشواهد التي رآها من النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فإن بعضها - إن كان يفيد الظن - لكنها حين تجتمع تفيد ما هو فوق اليقين، وقد استعمل الظن بمعنى اليقين في القرآن في عدة آيات.

ولعل السبب في اختيار الظن للتعبير عن اليقين: أن الحب أمر قلبي لا يطلع عليه، ولا يخبر عنه بيقين إلا علام الغيوب فلم يصرح جبرئيل بيقينه، تأدبا منه مع اللّه سبحانه.

3 - يضاف إلى ذلك: أنه قد يكون المطلوب لجبرئيل أيضاً هو إثارة مشاعر النبى «صلی اللّه علیه وآله» بهذا السؤال إلى أبعد مدى، لكي تأتي المفاجأة الكبرى بالإخبار بقتله، ثم بإحضار تربته «علیه السلام» ليراها «صلی اللّه علیه وآله» بأم عينيه أشد وقعاً، وأعظم

أثراً في إظهار عظمة النبي «صلی اللّه علیه وآله» في تحمله وصبره، وطاعته اللّه، وابتغائه رضاه.

فإن هذه المفاجأة لا يتحملها أعظم الناس حلماً وصبرا. وأكثرهم رزانة واتزاناً حتى لو كان الأمر يرتبط بولد جاهل، وعادي في ميزاته، وفي ملكاته وسماته..

فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بمن هو مثل الحسين «عليه السلام»، الذي يحمل ميزات وسمات وصفات الإمامة منذ طفولته، فهو إمام عالم حكيم حليم، معصوم بالفعل فإن المصاب به سيكون أعظم، ووقعه أشد إيلاماً على القلب.

4 - ثم إننا بغض النظر عن الاحتمالات التي ذكرناها آنفاً عن سبب قول النبي «صلی اللّه علیه وآله» للزهراء «علیها السلام»: ألا تشغلين عني هذين؟! نضيف هنا سبباً آخر، ولعله الأكثر أهمية، وهو أنه «صلی اللّه علیه وآله» لم يخف عليه أن ثمة أمراً جاء لأجله جبرئيل، وربما كان يتعلق بالحسنين «علیهما السلام»، أو بأحدهما.. وأنه قد لا يكون من الضروري أن يسمعاه، فأحب أن تشغلهما أمهما عن سماعه.

وقد مهد جبرئيل لهذا الأمر بنفس سؤاله عن حب النبي «صلى اللّه عليه وآله» لهما..

ولكن الأمور جرت بنحو أظهر أن المصلحة كانت تكمن في سماع الحسين «علیه السلام» لهذا الأمر، لكي تتجلى ثمرة ذلك في

نفس يوم عاشوراء كما تبين من الرواية نفسها.

5 - وأخيرا.. فإن جبرئيل لم يشر في هذه المناسبة إلى ما يجري للإمام الحسن من قريب ولا من بعيد.

النبي يخبر عن استشهاد مسلم بن عقيل:

حدثنا الحسين بن أحمد بن إدريس «رحمه اللّه»، قال: حدثنا أبي، عن جعفر بن محمد بن مالك، قال: حدثني محمد بن الحسين بن زيد، قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن زياد قال: حدثنا زياد بن المنذر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:

قال علي «علیه السلام» لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: يا رسول اللّه، إنك لتحب عقيلاً؟!

قال: إي واللّه إني لأحبه حبين حبا له، وحباً لحب أبي طالب له، وإن ولده لمقتول في محبة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلي عليه الملائكة المقربون.

ثم بكى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حتى جرت دموعه على صدره.

ثم قال إلى اللّه أشكو ما تلقى عترتي من بعدي (1).


1) الأمالي للصدوق ص 129 و 130 و (ط مؤسسة البعثة) ص191 وبحار الأنوار ج 22 ص 288 وج 44 ص 287 و 288 وخاتمة المستدرك للطبرسي ج 9 ص 122 والعوالم الإمام الحسين ص 349 وعن إثبات الهداة ج 1 ص 528 وقاموس الرجال ج 7 ص 230 وموسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 20 ص 650.

ونقول:

تضمن هذا النص الإشارة إلى العديد من الأمور..

علي «علیه السلام» والحب لعقيل:

إن عقيل بن أبي طالب هو ابن عم رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله»، وكان رجلاً عاقلاً، أريبا، مهابا. ومن أهل الشهامة والكرامة والاستقامة، وله مقامه ومكانته المرموقة.

وكان من الطبيعي أن يحب النبي «صلی اللّه علیه وآله» رجلا بهذه المثابة، فهو «صلی اللّه علیه وآله» يقدر الرجال، وجهودهم، واتزانهم، واستقامتهم، وعقلهم، ومزاياهم الإنسانية.

إنه «صلی اللّه علیه وآله» يحب أياً كان من الناس، غريباً كان أم قريباً، إذا كان يتحلى بصفات الفضل، وميزات الكمال، فهل يتنكر لابن عمه ؟!

فقول علي «علیه السلام» للنبي «صلی اللّه علیه وآله»: إنك لتحب عقيلاً ليس على سبيل الإنكار، أو التعجب، بل هو على سبيل الاستحسان والاعتزاز بعقيل، والاغتباط به والعرفان له، والابتهاج بأن مكانته محفوظة لدى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

إنه يريد أن يسمع الناس تقریظ رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لعقيل، لكي تخلد هذه الكلمة الشريفة عنه «صلی اللّه علیه وآله»، وفاءً لحق عقيل وأبي طالب على حد سواء.

إني لأحبه حبين!!:

وقد أجاب النبي «صلی اللّه علیه وآله» عليا «علیه السلام» بقوله:

«إي واللّه إني لأحبه حبين: حبا له، وحبا لحب أبي طالب له».

فقد أشارت هذه الكلمة الموجزة إلى عدة أمور، فمثلاً:

1 - إنه «صلی اللّه علیه وآله» بدأ كلامه بالقسم بالذات الإلهية، لكي لا يتوهم أحد أنه يقول كلامه هذا على سبيل المجاملة لابن عمه، أو لأجل تأليفه والتحبب له، واستجلاب مودته..

أو أنه يقوله على سبيل المبالغة، باستعمال الكلمات الفضفاضة التي تتسع لأكثر من احتمال.

2 - إنه «صلی اللّه علیه وآله» قد بين أن استحضار معنى الحب في نفسه ليس عشوائياً. بل هو تابع لأسبابه، فإذا تعددت الأسباب، فذلك يعني: أن معاني الحب التي نشأت عنها تحمل خصوصيات وسمات أسبابها، فاستحضارها يحتاج إلى معونة ومؤونة باستحضار أسبابها أولاً.. فإذا قايسنا مسببات تلك الأسباب مع بعضها البعض، فإن التفاوت بينها يكشف عن تفاوت المسببات، ويدل على تعددها، لأن حضور السبب إنما يستدعي حضور الحب الذي يحمل خصوصية ذلك

السبب، ولا يستدعي حضور الفرد الآخر الناشئ عن سبب آخر قد أثر في مسببه ميزات تسانخه وتمنع من استحضاره، بدون مراعاة حال الأسباب المؤثرة في استحضار تلك الخصوصيات.

ولذا قال «صلی اللّه علیه وآله»: إني لأحبه حبين.

نعم، إنهما حبان على الحقيقة، وليس هذا التعبير لمجرد التنويع أو التلميع.

3 - وقد ذكر «صلی اللّه علیه وآله» أن أحد الحبين هو حب عقيل نفسه، فدلنا بذلك على أن عقيلاً يحمل في عمق ذاته خصائص وميزات وفضائل تستجلب هذا الحب وتقتضيه

4 - وهناك حب آخر يمنحه النبي «صلی اللّه علیه وآله» لعقيل، ولكن سببه خارج عن حقيقة ذات عقيل من جهة، وداخل فيها، متمازج معها من جهة أخرى، وهو ما أشار إليه «صلى اللّه عليه وآله» بقوله:

«وحباً لحب أبي طالب له».

فإن حب أبي طالب لعقيل لم يكن عشوائياً، بل هو لفضائل ظهرت له في روح وفكر ونهج وأعمال وسلوكيات عقيل، ومنها بر عقيل بأبيه، وأمه، وكل من يلوذ به، وحب عقيل للفقراء، وتضحياته في سبيل الكرامة والحق، وما إلى ذلك.

فهذا حب تكريمي كان عقيل واسطة في ثبوته، فإن حب أبي طالب لعقيل حب للفضائل، والكرامة، والشهامة، والاستقامة، وللقيم،

وللخير، والحق، وللصفات الإنسانية، وللطهر، فهو حب يجب تقديره واحترامه.

وحب أبي طالب لعقيل الذي يحمل هذه المعاني يحبه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

ويلاحظ: أنه جعل حبه لعقيل منوطاً بنفس حبّ أبي طالب له، فلو لم يكن أبو طالب مصيباً دائما في حبّه لم يصح جعل حبّه لأي كان كافياً في حب النبي «صلی اللّه علیه وآله» له، وفي هذا إشعار بعصمة أبي طالب في حبه.

5 - ثم إنه «صلی اللّه علیه وآله» قدم الدليل العملي على طهر بيت عقيل، وعلى أنه بيت دين ووفاء، وشهامة وكرامة..

فقال: «وإن ولده لمقتول في محبة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلي عليه الملائكة المقربون».

وكان أول باكٍ على هذا الشهيد السعيد هو رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله»، كما ذكرته هذه الرواية، فقد جرت دموعه «صلى اللّه عليه وآله» على صدره.

ثم قال: «إلى اللّه أشكو ما تلقى عترتي من بعدي».

6 - وقد قال «صلی اللّه علیه وآله» وهو يخبر عن قتل مسلم بن عقيل: «وإن ولده لمقتول في محبة ولدك». فيلاحظ: أنه لم يقل: إن ولد عقيل سوف يقتل دفاعاً عن ولدك، ولا قال يقتل حمية، ولا قال: يقتل لقرابته من ولدك.

بل قال مؤكداً بإن ولام التوكيد، والجملة الإسمية: «إن ولده المقتول فى محبة ولدك». أي أن سبب قتله هو حنينه، وصفاء روحه، وانسجامه الإيماني، وقناعته الوجدانية، ووفاءه، وسائر المعاني التي ينتجها الحب.

إن ذلك كله، هو الذي سوف يدعو ولدك ليجاهد في سبيل حفظ الحسين «علیه السلام»، والعمل إلى إيصاله إلى أهدافه، التي هي الحق والدين والقيم الإنسانية بعينها.

إخبار آخر بشهادة الحسين «علیه السلام»:

وجدت بخط الشيخ محمد بن علي الجبعي، نقلا من خط الشهيد رفع اللّه درجته، نقلاً من مصباح الشيخ أبي منصور طاب ثراه» قال روي أنه دخل النبي «صلی اللّه علیه وآله» يوما إلى فاطمة «علیها السلام»، فهيأت له طعاماً من تمر، وقرص، وسمن، فاجتمعوا على الأكل هو وعلي وفاطمة والحسن والحسين «علیهم السلام»، فلما أكلوا سجد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وأطال سجوده، ثم بكى، ثم ضحك، ثم جلس وكان أجراهم في الكلام علي «علیه السلام»، فقال: یا رسول اللّه رأينا منك اليوم ما لم نره قبل ذلك.

فقال «صلی اللّه علیه وآله»: إني لما أكلت معكم فرحت وسررت بسلامتكم واجتماعكم، فسجدت للّه تعالى شكراً.

فهبط جبرئيل «علیه السلام» يقول: سجدت شكراً لفرحك بأهلك؟!

فقلت: نعم.

فقال : ألا أخبرك بما يجري عليهم بعدك؟!

فقلت: بلى يا أخي يا جبرئيل.

فقال: أما ابنتك، فهي أول أهلك لحاقاً بك، بعد أن تظلم، ويؤخذ حقها، وتمنع إرثها، ويظلم بعلها، ويكسر ضلعها.

وأما ابن عمك، فيظلم، ويمنع حقه، ويقتل.

وأما الحسن، فإنه يظلم، ويمنع حقه، ويقتل بالسم.

وأما الحسين، فإنه يظلم، ويمنع حقه، وتقتل عترته، وتطؤه الخيول، وينهب رحله، وتسبى نساؤه،و ذراريه ويدفن مرملا بدمه، ويدفنه الغرباء.

فبكيت وقلت: وهل يزوره أحد؟!

قال: يزوره الغرباء.

قلت: فما لمن زاره من الثواب؟!

قال : يكتب له ثواب ألف حجة، وألف عمرة كلها معك، فضحك (1).

ونقول:

ما أكثر الأحاديث الواردة عن الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، الدالة على استشهاد الإمام الحسين «علیه السلام».


1) بحار الأنوار ج 98 ص 44 ومستدرك الوسائل ج 10 ص 275 و 276.

وقد اخترنا هذا الحديث منها، لنسجل تحفظا عليه يتلخص بما یلی:

إن هذا الحديث يزعم: أن الغرباء هم الذين يدفنون الإمام الحسين «عليه السلام». وهذا غير صحيح.

أولاً: لما ورد من أن الإمام لا يلي أمره إلا إمام مثله (1).

ثانياً» لما ورد من أن الإمام السجاد هو الذي تولى دفن الإمام الحسين «علیه السلام» (2).

إلا أن يقال: إن بني أسد قد ساعدوا الإمام السجاد «علیه السلام» في دفنه بحضورهم وجعلهم أنفسهم بإمرة السجاد، ورهن إشارته. مع أنه لم يحضر أحد من أهلهم وأرحامهم.دفنهم.. وهذا كافٍ في صحة القول: إنهم هم الذين دفنوه، وإن كان لا يخلو من بعض التكلف أيضاً.

وسيأتي ذلك في موضعه في هذا الكتاب إن شاء اللّه..


1) إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ص 289 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 2 ص 763 و 764 وبحار الأنوار ج 45 وص169 ج 48 ص 269 و 270 والعوالم، الإمام الحسين ص366 و 367 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 440.

2) مقتل الحسين للمقرم ص 319 و 320 وعن أسرار الشهادة ج 3 ص 225 ومقتل الحسين لبحر العلوم ص466 وعن الأنوار النعمانية.

الوعد بالانتقام الإلهى:

وجاء في بعض النصوص قوله:

«فنزل جبرئيل «علیه السلام» وقال يا محمد، إن اللّه قتل بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً من المنافقين، وسيقتل بابن ابنتك الحسين سبعين ألفا، وسبعين ألفاً من المعتدين، وإن قاتل الحسين في تابوت من نار، ويكون عليه نصف عذاب أهل الدنيا الخ..» (1).

ونقول:

من الطبيعي: أنه إذا تواصلت الأخبار بأن هذا الدين، أو هذه الدعوة سوف تتعرض لنكبات خطيرة.. وكان مصدر الأخبار هو الوحي الإلهي الذي لا يشك أحد في صدقه، وفي وقوع مضمونه، وكانت هناك مصلحة عظيمة في تعريف الناس بما سيكون، فإن ذلك لا يعني عدم حصول بعض السلبيات التي تحتاج إلى المعالجة، حتى وإن كان سبب هذه السلبيات أموراً أخرى، مثل حب الدنيا، أو النقص في الوعي الديني، أو غير ذلك.

ومن الواضح: أن الهدف من الإخبار عما سيكون هو زيادة وعي الناس، وإعدادهم لمواجهة الأحداث بثقة ويقين، وبصيرة نافذة.

لكن بعض أصحاب النفوس الضعيفة، قد ينتابهم بعض الشعور بالإحباط، وبعض الوجل والخوف، الذي قد يتسبب بخور عزائمهم،


1) بحار الأنوار ج 45 ص 314 والعوالم الإمام الحسين ص 598 و 599.

وشعورهم بالفشل، ورهبتهم من الآلام التي يتوقعونها.

وربما ساقهم ضعفهم هذا وحبهم للسلامة - بزعمهم - إلى التماس المسارب والمهارب التي تبعدهم عن المواجهة، حيث تتفاقم المشكلة إذا نتج من ذلك أن يفقد أهل الحق بعض قوتهم، وأن يجد أهل الباطل فسحة، ومجالاً لجولان باطلهم، وحصوله على جرعة جرأةٍ وقوة.

من أجل ذلك، كان لا بد من معالجة هذه الحالة بإعطاء جرعة قوة وثبات لهؤلاء الضعفاء... من خلال تعريفهم بالتدخل الإلهي، الذي لو لم يروا طرفاً منه، أو لم يتوقعوه، لوقعوا في المحذور الكبير الذي أشرنا إليه آنفاً.

وهذا ما تكفل ببيانه هذا النص، فإنه كشف عن وعد إلهي بالإنتقام من المعتدين بضعْفِ ما انتقم اللّه تعالى به لنبي اللّه يحيى «عليه السلام».

وقد لاحظنا أولاً : أنه وصف السبعين ألفا الثانية الذين ينتقم اللّه تعالى منهم لأجل الحسين «علیه السلام» بالمعتدين (1).. الأمر الذي


1) قال بعض الإخوة الأفاضل - والعهدة في ذلك عليه - ما يلي: الظاهر أنه ليس وصفاً للثانية، بل لكلتيهما، وأما الفصل بينهما بسبعين وسبعين فهو مثل مائة وأربعين فلبيان الضعف بصورة مفصلة وأوضح في ذهن السامع للإشارة إلى زيادة فضل سيد الشهداء «علیه السلام» على يحيى، فهما سبعون ألفاً وسبعون ألفاً كلهم من المعتدين، كما كان السبعون ألفاً الذين قتلوا يحيى كلهم من المنافقين.

يدل على أن عقوبة اللّه تعالى لهم ليست سوى قصاص وعدل، وإنصاف وفضل.

ويلاحظ ثانياً: أنه «صلی اللّه علیه وآله» لم يحصر الإنتقام بالعقاب في الدنيا، بل تعرض أيضاً لعقوبات الآخرة، لأن الناس إذا فاتهم رؤية القصاص العادل في الدنيا، فسوف ينتظرون رؤية.

الفصل الثاني: قارورة أم سلمة..

اشارة

التوطئة لحديث القارورة :

روي عن أم سلمة قالت: دخل رسول اللّه ذات يوم، ودخل في أثره الحسن والحسين «علیهما السلام»، وجلسا إلى جانبيه، فأخذ الحسن على ركبته اليمني، والحسين على ركبته اليسرى، وجعل يقبل هذا تارة وهذا أخرى.

وإذا بجبرئيل قد نزل وقال: يا رسول اللّه، إنك لتحب الحسن والحسين؟!

فقال : وكيف لا أحبهما وهما ريحانتاي من الدنيا، وقرتا عيني؟!

فقال جبرئيل: يا نبي اللّه إن اللّه قد حكم عليهما بأمر، فاصبر له.

فقال: وما هو يا أخى؟!

فقال: قد حكم على هذا الحسن أن يموت مسموما، وعلى هذا الحسين أن يموت مذبوحاً، وإن لكل نبي دعوة مستجابة، فإن شئت كانت دعوتك لولديك الحسن والحسين، فادع اللّه أن يسلمهما من السم والقتل، وإن شئت كانت مصيبتهما ذخيرة في شفاعتك للعصاة من أمتك يوم القيامة.

فقال النبي «صلی اللّه علیه وآله» يا جبرئيل، أنا راض بحكم ربي، لا أريد إلا ما يريده، وقد أحببت أن تكون دعوتي ذخيرة لشفاعتي في العصاة من أمتي، ويقضي اللّه في ولدي ما يشاء (1).

ونقول:

تعلق الحسنين بجدهما:

إن من يراجع الروايات الكثيرة يلاحظ: أن علاقة الحسن والحسين «علیهما السلام» بجدهما لم تكن مجرد علاقة طفل بجده الذي يلاعبه، ويهيئ له أجواء البهجة والانشراح، حتى إذا خفتت هذه الأجواء، أو تراجعت، فإن هذا الطفل سوف يبحث عن جو آخر مع شخص آخر..

بل كانت الأجواء أجواء أنس، ومحبة صادقة، وعميقة، وعلاقة روحية متجذرة، حتى إنه لا يرضى أي منهما أن ينتقل إلى كتف أبيه، ولم تكن حجته في ذلك : أنني أريد أو لا أريد، بل حجته في ذلك: أن كتف جده أحب إليه، وذلك حين جاء بهما جدهما من حديقة بني النجار.


1) المنتخب للطريحي ج 1 ص 84 و 85 وأسرار الشهادة ص 107 و 108 وبحار الأنوار ج 44 ص 241 و 242 والعوالم ج 17 ص 119 وج 16 ص368 وموسوعة الإمام الحسين ج 2 ص 309 و 310.

والحسنان هنا يبادران إلى الجلوس بجانب جدهما.. ولم يكن جدهما هو الذي دعاهما، فلما جلسا إلى جانبه رفعهما «صلى اللّه عليه وآله» درجة أخرى، فجعلهما على ركبتيه، وجعل يقبل هذا تارة، وذاك أخرى.

جبرئيل يقطع هنا ويظن هناك:

ويأتي جبريل من السماء، ويرى هذا المشهد، ويطرح نفس السؤال الذي طرحه على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يوم أودع القارورة عند أم سلمة.

ولعل قضية أم سلمة والقارورة متأخرة عن هذه الحادثة، حيث يبدو أن هذه الحادثة قد جاءت تمهيداً لتلك.

وقد جاء سؤال جبرئيل هنا قاطعاً وحاسماً، فقد قال للرسول «صلی اللّه علیه وآله»: يا رسول اللّه، إنك لتحب الحسن والحسين؟

ولعل السبب في هذا الجزم والحتم والتأكيد بلام القسم: أن جبرئيل لم ير من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في هذه المرة إلا ما يشير إلى حبه لهما.. فهو يرفعهما من جانبيه، ويضعهما على ركبتيه، ثم يقبل هذا تارة، وذاك أخرى، ولا يكتفي بمرة واحدة، بل هو يكرر ذلك مرة بعد أخرى.. وهذه دلائل ظاهرة في المطلوب.

وهذا السؤال من جبرئيل لا يخلو من إثارة وتحريك للمشاعر النبوية، لكي تصل إلى أقصى مدى، ليواجه بعد ذلك مباشرة المفاجأة

والخبر المؤلم عن موت الحسن «علیه السلام» مسموماً، والحسين «عليه السلام» مذبوحاً.

ويلاحظ هنا: أن كلمة مذبوحا تحمل من الأذى ما لا يحمله غيرها، وتدفع بالشعور بالفجيعة إلى الحد الأقصى.

لكل نبي دعوة مستجابة:

ثم يأتي عرض جبرئيل على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في هذه اللحظة الصعبة، والأكثر إيلاماً بأن يدعو اللّه تعالى لولديه بأن يسلمهما من السم ومن القتل.. فإن لكل نبى دعوة مستجابة..

فإذا وضع هذا الخيار أمام عيني من يرى المصيبة واقعة بأعز من في الوجود عليه، وبمن لا يدانيه أحد بعد جده وأبيه وأمه وأخيه، في الفضل والكرامة عند اللّه، ولم يجعل اللّه تعالى له سميا في مخلوقاته.. نعم، إذا عرض هذا الخيار في هذه اللحظات الحساسة، ورأى صاحب المصيبة أن ثمة بابا لنجاة من جعله اللّه إماماً للبشر كلهم إلى يوم القيامة من هذا البلاء العظيم، فالمتوقع منه هو أن يبادر إليه باندفاع وبلهفة عارمة.

ولاسيما إذا كان هذا الباب لا يحتاج إلى كدٍ وجهدٍ وعناء، بل هو سهل وميسور، ولا يحتاج في الوصول إليه إلى تعب ولا نصب.

بل هو لا يعدو كونه تفوها ببضع كلمات دعاء وطلب، ويحسم الأمر، ويزول الخطر، وتعود الأمور إلى مجاريها.

بین خيارين:

ولكن جبرئيل لم يعرض أمر نجاة الحسنين «علیهما السلام» على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بهذه البساطة، بل عرضه على النبي «صلی اللّه علیه وآله» كخيار يقابله خيار آخر، وضعه أمام عيني النبي «صلی اللّه علیه وآله»، ويمكن للنبي «صلی اللّه علیه وآله» أن يلجأ إليه..

وبديهي: أن الإنسان العاقل واللبيب والأريب يتريث ويتأنى في،أموره، ولاسيما ما كان منها له علاقة برضا اللّه تعالى.. ويبقى متماسكاً ورابط الجأش، حتى في مثل هذه الحالة الصعبة، فلا يندفع نحو الخيار الأسهل والأقرب إلى مزاجه، ويتوافق مع ميوله ومشاعره.. قبل أن يعرف الخيار الآخر، فلعله هو الأولى والأفضل.

ولذلك رأينا النبي «صلی اللّه علیه وآله» يصغي إلى كلا الخيارين، فيرى أن أحدهما - كما قلنا - يتوافق مع الاندفاعة العاطفية المتوهجة، وينسجم مع الحنان الأبوي، والدافع الذاتي.

ولكن الخيار الآخر، وهو قبول المصيبة، وتجرع غصتها، على أن يجعلها اللّه تعالى ذخيرة له في شفاعته للعصاة من أمته يوم القيامة.. وإن كان هو الخيار الأصعب، ولكنه هو الذي اختاره رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

هذا الخيار هو الأصعب:

وصعوبة هذا الخيار تكمن في أن فيه إقدام الإنسان على تقديم

ولديه وهما أفضل وأكمل ما في هذه الدنيا بعد جدهما وأبيهما وأمهما، وهما أقدس الخلق، وهما بنص رسول اللّه الإمامان قاما أو قعدا، - تقديمهما - للسم وللذبح على يد شرار الخلق، ويكون اختياره «صلی اللّه علیه وآله» له تأثير في تعرضهما لهذا المصاب، وقد كان يمكنه أن يدفعه عنهما بدعاء. أما الثمن والمقابل، فهو الشفاعة لعصاة

الأمة.

الحسنان باب رحمة وهداية:

وقد يروق لبعض الناس أن يقول: هل يستحق العصاة أن يضحى من أجلهم بمثل هذين الإمامين العظيمين، وهما ابنا رسول اللّه، ومن أحب الخلق إلى اللّه ورسوله، وأن يكونا فداءً لهم، وأن يكون قتلهما على هذا النحو الفظيع والفجيع من أسباب نجاتهم؟!

ألم يكن الأولى للعصاة أن ينالوا جزاء أعمالهم بما كسبت أيديهم، وأن يبقى الخيار من الناس في منأى عن هذا البلاء، ليكونوا ذخرا للأمة، وضماناً لها من البوار والدمار، وملجأ لها في كل ما ينوبها على مر الدهور والأعصار ؟!

والجواب: هو ب«لا»، فإن النبي «صلی اللّه علیه وآله» لا يفكر بالأمور بهذه الطريقة الضيقة، ولا ينظر إليها من زاوية محدودة، أو شخصية.

بل هو «صلی اللّه علیه وآله» ينظر إلى الأمر بنحو آخر، وهو أن هذه التضحية، وهذا الإيثار يعطي الأمل بالنجاة لكل العصاة في

هذه الدنيا، ويجعل من الحسن والحسين، وسائر أهل البيت «علیهم السلام» باب رحمة وهداية لهم، ويكونون لهم ملجأ وملاذاً.. ويصيرون مهوى الأفئدة، وسلوة الحزين، وفرج المكروب، والمغيث للملهوف.

ولا يقتصر الأمر على خصوص من عصى، بل يشمل البشر كلهم.. فإن هداية البشر ونجاتهم هو مسؤولية رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وهو الذي يعطي النبوة تمام معناها ومغزاها.

ولو اختار رسول اللّه بقاء شخص الحسنين «علیهما السلام» على قيد الحياة، وفرّط بالأمة، كل الأمة لما استحق أن يكون أشرف الخلق، وأفضلهم، وأكرمهم على اللّه.

تربة كربلاء عند أم سلمة:

حدثنا أبي «رحمه اللّه»، قال: حدثنا حبيب بن الحسين التغلبي، قال: حدثنا عباد بن يعقوب عن عمرو بن ثابت، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر «علیه السلام»، قال: كان النبي «صلی اللّه علیه وآله» في بيت أم سلمة رضي اللّه عنها»، فقال لها: لا يدخل علي أحد.

فجاء الحسين «علیه السلام» وهو طفل، فما ملكت معه شيئاً حتى دخل على النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فدخلت أم سلمة على أثره، فإذا الحسين على صدره، وإذا النبي «صلی اللّه علیه وآله» يبكي، وإذا في يده شيء يقلبه.

فقال النبي «صلی اللّه علیه وآله»: يا أم سلمة، إن هذا جبرئيل

يخبرني أن هذا مقتول، وهذه التربة التي يقتل عليها، فضعيها عندك، فإذا صارت دما، فقد قتل حبيبي.

فقالت أم سلمة : يا رسول اللّه، سل اللّه أن يدفع ذلك عنه.

قال: قد فعلت، فأوحى اللّه عز وجل إلي أن له درجة لا ينالها أحد من المخلوقين، وأن له شيعة يشفعون فيشفعون، وأن المهدي من ولده، فطوبى لمن كان من أولياء الحسين وشيعته هم - واللّه الفائزون يوم القيامة (1).

ونقول:

1 - قد يحب النبي «صلی اللّه علیه وآله» أن يختلي بنفسه للعبادة، أو التفكر في ملكوت اللّه، وأسرار الخلقة، أو لغير ذلك من أسباب.. وربما كان منها الخلوة بجبرئيل الذي قد يأتيه من عند اللّه بأمور جليلة وخطيرة..

ولعل هذا المورد هو من هذه الموارد التي اختارها «صلى اللّه عليه وآله» لخلوته بجبرئیل علیه السلام»، كما فهم من الرواية.

2 - قد ظهر سبب هذه الخلوة التي أرادها رسول اللّه «صلی اللّه


1) راجع الأمالي للصدوق ص 139 و (ط مؤسسة البعثة) ص203 وبحار الأنوار ج 44 ص 225 والعوالم، الإمام الحسين ص129 ولواعج الأشجان ص 20 و 21 وإثبات الهداة ج 1 ص 527 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 20 ص877.

عليه وآله» هو تهيئة الأجواء للتدبير الإلهي الرامي إلى اللطف بالأمة، وتحصينها من الإعلام المسموم، والتضليل، وتضييع الحق، لأن اللّه تعالى يريد إقامة الحجة على البشر جميعاً، من خلال كشف الزيف، والتعريف بالظلم والبغي الهائل الذي سيتعرض له الإمام الحسين «علیه السلام»، الذي هو أحب الخلق إلى اللّه وإلى رسوله، بعد أخيه، وأمه وأبيه.

3 - واللافت :هنا أن الذي جاء، واقتحم على النبي «صلى اللّه عليه وآله» خلوته هو خصوص الحسين «علیه السلام»، المعني مباشرة بهذه الخلوة.

4 - أما هذا التحصين الذي أراده اللّه فقوامه هذه المرة هو الأسلوب المستند إلى الحس المباشر، فقد جاء جبرئيل بتراب من البقعة التي يقتل عليها الحسين «علیه السلام» في كربلاء، ليجعلها وديعة في بيت أم سلمة - على الخصوص، لأنها المرأة التي ستعيش إلى ذلك اليوم، وهي امرأة عرفتها الأمة بالدين والصدق، والنزاهة والطهارة والالتزام والتقوى.. يشهد لها بذلك أعداؤها قبل أصدقائها.

5 - فإذا كانت هذه المرأة صادقة، وتقية، وطاهرة، ويعترف لها بذلك القريب والبعيد، وكان الآتي بالتربة هو الأمين جبرئيل، والمخبر عما يجري هو الذي لا «يَنطِقُ عَن الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ

يُوحَى» (1). فلا يمكن الريب فيما تقوله.. ولاسيما إذا كان الذي يقتل في في كربلاء، كان لا يزال طفلاً، وسيكون القتل بعد أكثر من خمسين سنة، والقاتل لم يولد بعد.

وعلامة الصدق ستكون معجزة مشهودة، وهي تحول التراب دما، وهي معجزة تسانخ الحدث المتوقع، أو الذي يراد الإخبار عنه، كما هو ظاهر.

6 - إن هذا التراب قد جعل في قارورة، وأعلن على لسان النبي «صلی اللّه علیه وآله» نفسه، وهو الذي لا «يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى». أن هذه القارورة إذا صارت دما، فذلك علامة أن الحسين «علیه السلام» قد قتل.

7 - ومن المعلوم: أن الحسين «علیه السلام» كان لا يزال طفلاً صغيراً، والنبي «صلی اللّه علیه وآله» يظهر من حبه، وحب اللّه تعالى ما لا يوصف، وهو يكرر ذلك بصورة دائمة ومتلاحقة ومتواترة، بحيث لا يمكن لأحد أن يتوهم خلاف ذلك.. بل لا يتوهم أحد أن أحدا يجرؤ على أن يرمي الحسين بباقة ريحان، فهل يصدق أنه سيقطع بالسيوف، ويموت عطشاناً شهيداً غريباً؟!

8 - إن هذا الإخبار النبوي ليس عن حدث قد حصل، ولا عن حدث ظهرت إرهاصات حصوله، بل عن حدث كل الأحوال القائمة


1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.

تناقضه وتنفيه، والخبر عنه يأتي قبل حصوله بأكثر من خمسين سنة، كما قلنا.

9 - وقد كان لهذه القارورة أثر عظيم في تأكيد معنى الإمامة، وفي فضح المعتدين والباغين، وإزالة اللبس عن كثير من الأمور لدى كثير من الناس، كما سيأتي في موضعه إن شاء اللّه.

أم سلمة متى توفيت؟!:

إن حديث القارورة التي كانت مودعة عند أم سلمة «رحمها اللّه»، ليكون امتلاؤها دما علامة على استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» - إن هذا الحديث معروف و مشهور عند القاصي والداني(1).

وهذا الحديث يدل على أن أم سلمة ستبقى على قيد الحياة إلى ما بعد ظهور هذه المعجزة الغيبية، التي أرادها اللّه تعالى سبيل لطف وهداية لمن ألقى السمع وهو شهيد، وأن تكون شاهداً حيا يراه الناس بأم أعينهم حين حصول الحدث.. وليس مجرد خبر يطرق سمع الغافل، يحكي له حصول أمر غائب عنه، ثم يتداوله الناس بعد ذلك،


1) مصادر هذه القضية كثيرة جداً، وتجد طائفة منها في كتاب: «سيرتنا وسنتنا» للعلامة الأميني ص 66 و 75 - 77 و 98 و 138 وراجع کتاب: السجود على الأرض للعلامة الأحمدي ص 112 - 114.

وهو يحتمل الصدق والكذب.

ولكن أيدي الخيانة لم تهدأ حتى في مثل هذا المورد، فبادرت إلى دس السم في الدسم، حيث زعم بعضهم - كالواقدي - أن أم سلمة إنما توفيت سنة تسع وخمسين ولها أربع وثمانون سنة (1).

وهذا يدل على أن عمرها حين بعثة النبي «صلی اللّه علیه وآله» كان اثنتي عشرة سنة فقط، فأم سلمة على هذا كانت أصغر من أم حبيبة بحوالي خمس سنوات، لأن أم حبيبة - كما يقولون - قد ولدت قبل البعثة بسبع عشرة سنة (2). وهي من مهاجرة الحبشة.

وقد ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» الجزء الخامس، فصل شخصيات وأحداث»: أن أم سلمة لم تلبث بعد استشهاد الإمام الحسين «علیه السلام» إلا يسيرا (3).


1) الإصابة ج 4 ص424 و (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 344 والطبقات الكبرى لابن سعد (ط صادر) ج 8 ص 96 والمجموع للنووي ج 2 ص 138 وسبل السلام ج 1 ص 30 وعمدة القاري ج 2 ص 173 وتحفة الأحوذي ج 1 ص 300 والجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 165 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 42.

2) الإصابة ج 4 ص 305 و (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 140 والإكمال في أسماء الرجال ص 152.

3) مسند ابن راهويه ج 4 ص 16 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 202 ومقتل الحسين للمقرم ص 355.

فتكون وفاتها سنة ستين، أو سنة إحدى وستين.. إذا لاحظنا تغييرهم لأول السنة الهجرية من شهر ربيع الأول إلى شهر

المحرم (1).


1) الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 422 و (ط دار الجيل) ج 4 ص422 ص 1921 وأسد الغابة ج 5 ص 560 والإكمال في أسماء الرجال للتبريزي ص 155 والوفيات لابن الخطيب ص 34.

الفصل الثالث: هذا هو القاتل..

اشارة

منام هند:

عن ابن عباس: سألت هند عائشة أن تسأل النبي تعبير رؤيا، فقال: قولي لها: فلتقصص رؤياها.

فقالت: رأيت كأن الشمس قد طلعت من فوقي، والقمر قد خرج من مخرجي.

وكأن كوكباً خرج من القمر أسود، فشد على شمس خرجت من الشمس أصغر من الشمس فابتلعها، فاسود الأفق لابتلاعها.

ثم رأيت كواكب بدت من السماء، وكواكب مسودة في الأرض، إلا أن المسودة أحاطت بأفق الأرض من كل مكان.

فاكتحلت عين رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بدموعه ثم قال: هي هند.. أخرجي يا عدوة اللّه - مرتين - فقد جددت علي أحزاني، ونعيت إلي أحبابي.

فلما خرجت قال: اللّهم العنها، والعن نسلها.

فسئل عن تفسيرها، فقال «علیه السلام»: أما الشمس التي طلعت عليها، فعلي بن أبي طالب «علیه السلام»، والكوكب الذي خرج كالقمر أسود، فهو معاوية، مفتون فاسق جاحد اللّه، وتلك الظلمة التي

زعمت، ورأت كوكباً يخرج من القمر أسود، فشد علی شمس خرجت من الشمس أصغر من الشمس، فابتلعها، فاسودت، فذلك ابني الحسين «عليه السلام» يقتله ابن معاوية، فتسود الشمس ويظلم الأفق.

وأما الكواكب السود في الأرض أحاطت بالأرض من كل مكان، فتلك بنو أمية (1).

ونقول:

إن الرؤيا تختلف من شخص لآخر، وهي تتناسب مع واقعه حقيقته، ولها ارتباط وثيق بصفاء روحه ونفسه وخبثها، وهي تناسب طبيعة طموحاته، وتمنياته، وما يفكر به..

ولأجل ذلك رأينا: أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بمجرد أن سمع الرؤيا التي رأتها هند اکتحلت عيناه بدموعه، وقال - مرتين -: هي هند! اخرجي يا عدوة اللّه، فقد جددت علي أحزاني، ونعيت إليَّ أحبابي.

فلما خرجت لعنها «صلی اللّه علیه وآله» ولعن نسلها.

وما ذلك إلا لأن رؤيا هند تعبير عما تختزنه روحها من عداوة اللّه ولرسوله. فجاءت رؤياها منسجمة مع المسار الذي سوف تتخذه الإرادات الخبيثة التي هي نتاج طموحات وأهواء شيطانية، يغذيها


1) بحار الأنوار ج 44 ص 263 ومناقب آل أبي طالب ج4 ص72 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 227،والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 136.

الحقد الدفين، وتحركها نفوس خبيثة وموبوءة بالآثام، ومولعة بالإجرام.

وهذا الموقف النبوي يعطى: أن الأنبياء مطلعون على دخائل الأشخاص، واقفون على ضمائرهم، لأن ما في تلك الضمائر هو من جملة أعمال الناس التي تخضع لعلم الشاهدية.

والنبي «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي يعرف حقيقة الرؤيا، ودلالاتها الواقعية التي تخوله أن يتخذ موقفه.

وبذلك تكون رؤيا هند بالنسبة لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بمثابة إقرار بتلك الدلالات والأمور التي تفكر فيها، أو تعتلج في صدرها، وإخبار عن أمنياتها، وما تؤمن به، وما تخطط له.

ولكنه تعبير بأدوات لا يفهمها إلا نبي أو وصي نبي، ليست هي من سنخ الألفاظ، بل من سنخ آخر لا يقصر عنها في الدلالة الصحيحة والدقيقة.

ولولا ذلك لما سمح النبي «صلی اللّه علیه وآله» لنفسه بأن يسجل لعنها، لكي يتناقله الناس من بعده.

ما لي وليزيد:

عن ابن عباس قال: لما اشتد برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» مرضه الذي مات فيه، ضم الحسين «علیه السلام» إلى صدره، يسيل من عرقه عليه، وهو يجود بنفسه ويقول: ما لي وليزيد، لا بارك اللّه فيه. اللّهم العن يزيد، ثم غشي عليه طويلا وأفاق، وجعل يقبل الحسين

عيناه تذرفان، ويقول: أما إن لي ولقاتلك مقاماً بين يدي اللّه عز وجل (1).

ونقول:

1 - إن هذا التصريح باسم قاتل الإمام الحسين «علیه السلام» قد كان قبل أن يولد ذلك المجرم بسنين كثيرة. فيكون هذا الإخبار الغيبي من دلائل النبوة، وهو حجة على كل من سمعه، أو بلغه، حتى ولو بسند ضعیف، فإن ظهور إرهاصات الحرب بين يزيد وبين الحسين بعد ذلك يكفي لتعريف الناس بصحة ما بلغهم عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وأن يمنعهم من المشاركة في جيش يزيد «لعنه اللّه». الذي تولى قتل الإمام الحسين «علیه السلام» وأهل بيته، وأصحابه.

2 - إن هذا الموقف من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يجعل النصيحة التي أسداها عدد من الناس للحسين «علیه السلام» بأن لا يخرج إلى العراق، خوفا عليه من القتل غير ذات معنی بل لا مبرر لها، لأن لعن النبى لقاتل الحسين «علیه السلام»، وتسميته باسمه تدل على أنه ظالم معتدٍ على الحسين «علیه السلام».. وأن الإمام الحسين بمسيره إلى العراق، لا يلقي بنفسه إلى التهلكة، بل هو محق فيما يقول


1) مثير الأحزان لابن نما ص 12 وبحار الأنوار ج 44 ص266 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 137 والدر النظيم ص 540 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص 257.

وفيما يفعل.

وتصبح نصيحة هؤلاء الناس بمثابة دعوة له للتخلي عن واجبه، فهي من الأمر بالمنكر، وترك المعروف.

3 - يلاحظ أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» لم يطلب من الحسين «علیه السلام» أن يقدم أو أن يحجم، وما ذلك إلا لعلمه «صلی اللّه علیه وآله» بأن الحسين «علیه السلام» يعرف تكليفه الشرعي، وسوف يفعل ما هو حق وصواب، وما لا بديل عنه.

فالذين حاولوا أن يثنوا عزم الحسين «علیه السلام» إن كانوا يعرفون بهذا الذي قلناه، فلا يلوموا من يقول: إن المصيبة بهم،عظيمة، لأن ذلك معناه أنهم يرون أنفسهم أعرف بالمصلحة من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وأنهم أحرص على الإمام الحسين «عليه السلام» من جده «صلی اللّه علیه وآله» وإن كانوا لا يعرفونه، فالمصيبة بهم تكون أدهى وأعظم.

4 - إن قوله «صلی اللّه علیه وآله»: «ما لي وليزيد، لا بارك اللّه فيه». يدل على أنه «صلی اللّه علیه وآله» يعتبر أن العدوان على الحسين عدوان عليه «صلی اللّه علیه وآله».. وذلك لأن ما ينقمه يزيد وحزبه على الحسين «علیه السلام» هو أنه يدافع ويحامي عن أطروحة ونهج رسول اللّه، وينصر دينه الذي جاء به «صلی اللّه علیه وآله» من عند اللّه.. فهم يريدون إطفاء نور اللّه سبحانه، ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون.

5 - وإذا كان عدوان يزيد على الحسين عدواناً على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فمن الطبيعي أن تكون الخصومة والحساب في الآخرة بين المعتدي والمعتدى عليه، ولذلك قال «صلی اللّه علیه وآله»: أما إن لي ولقاتلك مقاماً بين يدي اللّه عز وجل، ولم يقل: أما إن لك ولقاتلك مقاماً بين يدي اللّه.

6 - وأما الحديث عن الغشية، فإن كان يراد بها الغشية التي تأخذ على سمعه وبصره، وقلبه «صلی اللّه علیه وآله»، فهي تتنافى مع مقام شاهديته «صلی اللّه علیه وآله» على الخلق، فلا تصح نسبتها إليه «صلی اللّه علیه وآله»، فلا بد أن يقصد بالغشية معنى لا يتصادم مع خصوصية النبوة وشؤونها.. بل تكون كالنوم الذي لا ينال قلب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. بل تنام عيناه، ولا ينام قلبه.

7 - قد صرحت هذه الرواية: بأن هذا الذي جرى بين النبي «صلی اللّه علیه وآله» وبين الإمام الحسين «علیه السلام» إنما كان في اللحظات الأخيرة من حياته «صلی اللّه علیه وآله»، لأنها تقول: إن هذا قد حدث، وهو «صلی اللّه علیه وآله» يجود بنفسه.

8 - وآخر ملاحظة نسجلها هنا : أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد قال ما قال في هذا الجو المتوهج بالعاطفة، المشحون بالخوف، والترقب، وحيث كانت عيون وقلوب الناس مشدودة إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لتكون كل حركة، أو كل كلمة تصدر منه «صلى اللّه عليه وآله»، هي الذكرى التي لا تنمحي من الذاكرة بسبب ما اكتنفها من

حالات وانفعالات وما حملته من أخبار حساسة ترتبط بمستقبل أعز الناس وأحبهم إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، والذي يعرف الناس أن ما يجري له لا ينفصل عما يجري لهم.. وسيترك آثاره إيجاباً أو سلباً على حياتهم ومستقبلهم.

الحسين يسمي قاتله:

روى الطبري بسنده عن حذيفة، قال: سمعت الحسين بن علي «علیهما السلام» يقول:

واللّه، ليجتمعنَّ على قتلي طغاة بني أمية، ويقدمهم عمر بن سعد. وذلك في حياة النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فقلت له: أنبأك بهذا رسول اللّه ؟!

فقال : لا.

فقال: فأتيت النبي فأخبرته.

فقال: علمي علمه، وعلمه علمي، وإنا لنعلم بالكائن قبل كينونته(1).

ونقول:


1) دلائل الإمامة ص 183 و 184 ونوادر المعجزات ص 109 وفرج المهموم ص 227 ومدينة المعاجز ج 3 ص 453 وبحار الأنوار ج 44 ص 186 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 282 و ج 8 ص 65 والدر النظيم ص 532.

1 - يدل هذا الحديث على أن ما جرى في كربلاء لم يكن بقرار مرتجل من يزيد وحده، بل هو قرار أجمع عليه طغاة بني أمية.. وكان عمر بن سعد رأس حربتهم.

وهذا يعطي: أن هؤلاء الطغاة قد تدارسوا هذا الأمر فيما بينهم، وقلبوه ظهراً لبطن، فوجدوا أنه يتوافق مع أهدافهم، وهوى نفوسهم، ومع خططهم الرامية لإطفاء نور اللّه تبارك وتعالى، والعودة بالناس إلى حكم الجاهلية.

2 - دلت الرواية على أن الإمام الحسين «علیه السلام» بالرغم من صغر سنّه، حيث إن عمره حين توفي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كان ست سنوات، يخبر بأمر غيبي، ويصرح باسم من سوف يقود الجيش لقتله، ومصرحاً بأنه لم يسمع ما يخبر به من رسول اللّه.

3 - فإذا ضممنا إلى ذلك: أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد صدَّق ما قاله الإمام الحسين قائلاً: علمي علمه، وعلمه علمي، نكون قد وجدنا أنفسنا بحاجة إلى فهم المراد، والجمع بينما قاله الإمام الحسين «علیه السلام» وما قاله النبي «صلی اللّه علیه وآله»..

ونجيب:

بأن هذا يعطي: أن للأئمة وسائل مختلفة يحصلون من خلالها على معارفهم، وأن منها ما يتجاوز حدود التعليم المباشر من قبل النبي «صلی اللّه علیه وآله»، أو الإمام السابق، فقد يعلمون ببعض الأمور من خلال ملك يحدثهم، وقد يكون هناك نوع إشراف وارتباط

بين قلب النبي أو الإمام السابق، وقلب الإمام والوصي اللاحق. وقد نجد ما يؤيد ذلك في القول المأثور من القلب إلى القلب سبيل (1).

وما روي، من أن الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف(2)

وقد يجد الإنسان أن أمرا يخطر في باله، وفي نفس اللحظة يخطر ببال جليسه وغير ذلك مما لا مجال لتتبعه.

فمن يزور قبورنا؟!

روي عن علي «علیه السلام» أنه قال ما ملخصه: إن النبي


1) راجع تفسير الآلوسي ج 23 ص 214.

2) راجع: روضة الواعظين ص 492 والأمالي للصدوق ص 209 وعلل الشرائع ج 1 ص 84 ومن لا يحضره الفقيه ج 4 ص 380 ومختصر بصائر الدرجات ص 214 وراجع المسائل السروية ص37 والتحفة السنية (مخطوط) ص84 ونهج السعادة ج 8 ص254 وعون المعبود ج13 ص 124 وراجع: بصائر الدرجات ص 109 و 411 وكتاب المؤمن ص 109 للحسين بن سعيد ص 39 والإعتقادات في دين الإمامية للصدوق ص48 والإختصاص للمفيد ص 311 وعوالي اللآلي ج 1 ص 288 ومدينة المعاجز ج 2 ص 197 وبحار الأنوار ج 2 ص 265 وجه ص 241 و 261 وج 6 ص 294 وج 25 ص 14 و ج 45 ص 404 وج 58 ص 31 و 63 و 64 و 79 و 80 و 106 و 134 و 139 و 144 وج 65 ص 205 و 206.

«صلی اللّه علیه وآله» زارهم يوما، فأكل وغسل يده، ثم قام إلى مسجد في جانب البيت، فخر ساجدا، فبكى، وأطال البكاء، فما اجترأ أحد من أهل البيت على سؤاله عن شيء.

فقام الحسين «علیه السلام» يدرج حتى يصعد على فخذي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فأخذ برأسه إلى صدره، ووضع ذقنه على

رأس رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ثم قال: يا أبه، ما يبكيك؟! فقال له: يا بني إني نظرت إليكم اليوم فسررت بكم سروراً لم أسر بكم مثله قط، فهبط إلي جبرئيل، فأخبرني أنكم قتلى، وأن مصارعكم شتى، فحمدت اللّه على ذلك، وسألت لكم الخيرة.

فقال له: يا أبه، فمن يزور قبورنا ويتعاهدها على تشتتها.

قال: طوائف من أمتي، يريدون بذلك برّي وصلتي، أتعاهدهم في الموقف، وآخذ بأعضادهم، فأنجيهم من أهواله وشدائده (1).

ونقول:

حين كان الحسين يدرج:

صرحت الرواية بأن الحسين «علیه السلام» حين حصلت هذه


1) راجع: كامل الزيارات ص 58 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 126 و 127 وبحار الأنوار ج 44 ص 234 و 235 عنه، والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 122 و 123.

الحادثة كان يدرج. يقال : درج الصبي إذا دب، وأخذ في الحركة.

ودرج: إذا مشى مشياً ضعيفاً، ودباً. والدراجة : التي يمشي عليها الصبي أول ما يمشي (1).

وهذا يعطي: أن ما تحكيه الرواية قد حصل في السنة الخامسة من الهجرة.

ونحن نرى أيضاً : أنه «صلی اللّه علیه وآله» يخاطب الحسين «عليه السلام» بما يخاطب به الرجل الكبير، ويدخله في تفاصيل ودقائق يحاول الناس عادة أن يخفوها عن صبيانهم الذين هم بعمر السبع، أو العشر سنوات حتى لا يؤذوا مشاعرهم، ولا يسببوا لهم الحزن والأسى.

ولكن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يرى أن الحسين «عليه السلام» حتى وهو بعمر السنة تقريباً قادر على فهم ووعي وتحمل أمور يقصر عن فهمها ووعيها وتحملها من هم أكبر منه بسنوات.

كما أنه «صلی اللّه علیه وآله» يرى أنه لا مانع من إخباره مثل هذه الأمور الشديدة، وأنه قادر على التعاطي معها بما تستحقه، وكأنه يريد له أن ينال ثواب الصبر عليها، وأن يتهيأ لها، حتى وهو في هذه السن.


1) راجع: لسان العرب ج 4 ص 319 مادة درج.

فمن يزور قبورنا؟! لماذا هذا السؤال؟!:

ثم إن الإمام الحسين «علیه السلام» لم يسأل عن سبب قتلهم، ولا عن قاتلهم، بل سأل عما هو أبعد من ذلك، انطلاقا من أنه يعرف أن مهمتهم هي حفظ هذا الدين، وإيصاله إلى الأجيال المتعاقبة، وأنهم منارات هداية للناس في حياتهم، وبعد مماتهم، وأن لتعاهد قبورهم أثراً كبيراً في وجدان الناس، وفي إعطاء السكينة والسلام والطمأنينة في قلوب المؤمنين..

فإذا كانوا سيموتون قتلا، فإنما يقتلهم أعداء الدين والشرع والقيم، ولا يكون ذلك إلا حين يصبح الوهن في الدين وأهله شاملاً، وظاهراً، وخطيراً.. ولذلك سأل «علیه السلام» عن أنه إذا كان الأمر سوف يبلغ إلى هذا الحد، فما هو مصير أهل الإيمان؟! وهل سيبقى أحد منهم يتعاهد قبورهم «علیهم السلام»؟!

فجاءه الجواب بما يسر قلبه، ويرضي وجدانه، حيث أخبره النبي «صلی اللّه علیه وآله» بأن طوائف أهل الإيمان ستبقى قادرة على تعاهد قبورهم «صلوات اللّه وسلامه علیهم».

يريدون برّي وصلتي:

وقد لاحظنا: أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد أتبع كلامه عن الطوائف من أمته التي سوف تتعاهد قبورهم بالإشارة إلى دافعهم من هذا التعاهد.. فقال : إن هذا التعاهد ليس بداعى العصبية، ولا هو على سبيل التمسك بما هو موروث من دون وعي لمضمونه، ولا هو تعاهد

ينطلق من أهداف خاصة، أو للحصول على منافع شخصية ضيقة. بل هو تعاهد واع وهادف ومسؤول، ينطلق من محبة الرسول الأعظم «صلی اللّه علیه وآله»، والوفاء له، ولأجل صلته، والبر به «صلی اللّه عليه وآله»، من حيث هو،رسول، يدركون قيمة صلته، وفوائد وعوائد توطيد روابطهم به «صلی اللّه علیه وآله».

وهذا يجعلهم أهلا للرعاية النبوية التي سيجدونها في الموقع الذي يكونون فيه بأشد الحاجة إليها.. لأن من يهتم بنصر اللّه ورسوله، حيث يعز الناصر، فإنه يستحق العناية الإلهية، والرعاية والتعاهد النبوي، حيث هو بأمس الحاجة إلى ذلك منه «صلی اللّه علیه وآله»..

ولذلك قال «صلی اللّه علیه وآله»: «أتعاهدهم في الموقف، وآخذ بأعضادهم، فأنجيهم من أهواله وشدائده.

الفصل الرابع: النبي «صلی اللّه علیه وآله» أوصى للحسنين «علیه السلام»..

اشارة

إعجاب النبي بالحسين «علیه السلام»:

قالوا: كان الحسين بن علي «علیهما السلام» ذات يوم في حجر النبي «صلی اللّه علیه وآله» يلاعبه ويضاحكه، فقالت عائشة: يا رسول اللّه ما أشد إعجابك بهذا الصبي !!

فقال لها: ويلك، وكيف لا أحبه ولا أعجب به، وهو ثمرة فؤادي وقرة عيني. أما إن أمتي ستقتله، فمن زاره بعد وفاته كتب اللّه له حجة من حججي.

قالت: يا رسول اللّه، حجة من حججك؟!

قال: نعم.. حجتين من حججي.

قالت: یا رسول اللّه حجّتين من حججك؟!

قال: نعم.. وأربعة [وأربعاً خ.ل.].

قال: فلم تزل،تزاده ويزيد ويُضعِفُ، حتى بلغ تسعين حجة من حجج رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بأعمارها (1).


1) راجع: كامل الزيارات ص 144 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 14 ص 451 و (الإسلامية) ج 10 ص 351 ومستدرك الوسائل ج 10 ص 269 والأمالي للطوسي ص 668 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 272 وبحار الأنوار ج 44 ص 260 وج 98 ص 35 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 139.

ونقول:

نذكر هنا ما يلي:

لماذا تعجب عائشة؟!:

لقد كان الحسين «علیه السلام» في عهد الرسول «صلی اللّه علیه وآله» صغير السن، والناس العاديون يقيسون الأشخاص بعدد السنوات والشهور والأيام، وما يتوقعونه من ذي سن معين من حركات، وتصرفات، اعتادوا على رؤية ما يماثلها لدى أشخاص آخرين.

وعلى هذا الأساس كانت نظرة عائشة إلى الإمام الحسين «عليه السلام»، فهي تأخذ تصورها عنه، من خلال ما رأته وعرفته ممن هم مثل سنه. كما أنها إنما تتفاعل مع ما يتلاءم مع ميولها وطباعها، فقد يكون من يستحق الإعجاب بنظرها الصبي الجميل الصورة، أو ذلك الذي يتفنن في صياغة الأكاذيب، أو الذي يحسن اللعب بالدمى، أو الصبي القوي، الذي يقهر سائر نظرائه، وما إلى ذلك.

ولكن للنبي الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» نظرة أخرى، أعمق، وأصدق، وأوفق بما يقتضيه ناموس الخلقة، وتفرضه مسيرة الكدح نحو اللّه، فإنه «صلی اللّه علیه وآله» يزن حركات الصغير والكبير

وسكناتهما بموازين القيم والأخلاق، والشرع والدين.. والذي يحبه ويعجب به هو ذلك الذي يحمل في داخله قلباً رحيماً، ويكون عاقلاً وحكيما، جامعا لكل صفات الكمال والفضل، وسمو الروح، والنبل، وما إلى ذلك..

ولأجل ذلك تعجبت عائشة من إعجاب رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله» بصبي لا ترى فيه ما يلائم طبعها، ويتوافق مع ميولها وأخلاقها.

بين الحب، والإعجاب:

ثم إن عائشة قد سألت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» عن سبب إعجابه بهذا الصبي، ولم تسأله عن سبب حبه له..

ولكنه «صلی اللّه علیه وآله» أجابها بنحو متضمن للحب وللإعجاب معاً، حيث قال «صلی اللّه علیه وآله»: «وكيف لا أحبه، ولا أعجب به، وهو ثمرة فؤادي الخ..».

فهل الحب والإعجاب شيء واحد ؟! وإذا كانا شيئين، فلماذا جمع «صلی اللّه علیه وآله» بينهما؟!

ويمكن أن يجاب:

بأن الإعجاب والحب شيئان فالحب علاقة وانشداد روحي إلى ذات الشخص، لمزايا ومعان يجدها فيه.. أما الإعجاب بالشيء، فهو مجرد أن يجد في الشخص خصوصية تستثير عجبه، وإن لم يحصل التعلق الروحي بنفس الشخص.

فكأن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد لمس من عائشة : أنها تريد أن تقول : إن معاملة النبي «صلی اللّه علیه وآله» للإمام الحسين «عليه السلام» بطريقة مميزة لا تعني شدة حبه له، بل هو يحبه كما يحب أي جدٍ سبطه وحفيده. ولكن هناك حركات، أو خصوصيات في الحسين «علیه السلام» هي التي تثير عجب الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، فيبدو وكأنه يحبه بصورة فريدة، وبدون ذلك، فليس للحسين «عليه السلام» ما يميزه عن غيره ممن هم في مثل سنه.

فأعاد «صلی اللّه علیه وآله» الأمور إلى نصابها، وأكد على أن في الحسين «علیه السلام» ميزات وصفات هي فوق حدود تصور عائشة وسواها.

فهو ثمرة فؤاد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وهو يملك من السمات والكمالات ما تقر به عينه «صلی اللّه علیه وآله».

ترقی «صلی اللّه علیه وآله»، فربط حبه وإعجابه بما هو أعظم من أن يدركه البشر، ولا يعلمه إلا اللّه..

ويتضح ذلك : مما قرره «صلی اللّه علیه وآله» من مثوبة زيارة الإمام الحسين «علیه السلام» بعد وفاته، فإن من زار الحسين «عليه السلام» بعد وفاته كان له ثواب تسعين حجة بأعمارها.

وإنما تدرج مع عائشة في ذكر مراتب المثوبة ابتداءً من حجة واحدة إلى أن بلغ تسعين حجة في أعمارها، لأنه يريد أن يفهمها أن الأمر فوق إدراك البشر مهما سموا فى العلم والمعرفة والإيمان، ولا

يدركه إلا الأنبياء وأوصياؤهم بتعليم من اللّه تعالى.

أوصى النبي «صلی اللّه علیه وآله» إلى علي «عليه السلام» والحسنين «عليهما السلام»:

1 - روى علي بن الحكم عن زياد بن أبي الحلال، قال: سألت أبا عبد اللّه «علیه السلام» عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: هل أوصى إلى الحسن والحسين «علیهما السلام» مع أمير المؤمنين «عليه السلام»؟!

قال: نعم.

قلت: وهما في ذلك السن؟!

قال: نعم. ولا يكون لسواهما في أقل من خمس سنين (1).

2 - وفي نص آخر عن أبي بصير: أن الإمام الباقر «عليه السلام» قال رداً على المختارية الذين زعموا أن محمد بن الحنفية إمام: إن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أوصى إلى علي والحسن، والحسين، فلما مضى علي «علیه السلام» أوصى إلى الحسن والحسين ولو ذهب يزويها عنهما لقالا له نحن وصيان مثلك، ولم يكن ليفعل ذلك.


1) من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 237 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 19 ص 376 و (الإسلامية) ج 13 ص 439 والوافي ج 2 ص 328 وج 24 ص 169 و 170 والحدائق الناضرة ج 22 ص 565 وجواهر الكلام ج 28 ص 404 وجامع أحاديث الشيعة ج 19 ص 224.

وأوصى الحسن إلى الحسين، ولو ذهب يزويها عنه لقال: أنا وصي مثلك من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ومن أبي، ولم يكن ليفعل ذلك. قال اللّه عز وجل: «وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أولى ببَعْض» (1). هي فينا وفي أبنائنا (2).

3 - وعن أبي جعفر «علیه السلام» أوصى رسول اللّه إلى علي والحسن والحسين، وهما صبيان (3).

ونقول:

علينا ملاحظة ما يلي:

هكذا فهموا رواية الإمام الصادق «علیه السلام»:

هناك من يقول: إن المقصود بالحديث الأول المروي عن الإمام الصادق «علیه السلام»، هو الوصية بالأمور المالية، والولاية على


1) الآية 75 من سورة الأنفال، والآية 6 من سورة الأحزاب.

2) الكافي ج 1 ص 291 و 292 وإثبات الهداة ج 1 ص 443 و 444 وكنز الدقائق (تفسير) ج 5 ص 379 والبرهان (تفسير) ج 4 ص 413 والوافي ج 2 ص 279 و 280 ومرآة العقول ج 3 ص 264 و 265 ونور الثقلين (تفسير) ج 2 ص 171.

3) دلائل الإمامة ص 231 وراجع عيون أخبار الرضا ج 2 ص138 و 139 وإثبات الهداة ج 1 ص 486 وبحار الأنوار ج 23 ص 286 ونور الثقلين (تفسير) ج 1 ص 505 وكنز الدقائق (تفسير) ج 3 ص 440 و 441.

الوقف، ونحو ذلك، فقد حكم الفقهاء بأن الوصية فيهما جائزة، بلا فرق بين الكبير والصغير، وبين المميز وغيره، وبين البالغ خمس سنين، ومن زاد أو نقص عن ذلك، وقالوا: إن الحديث المتقدم عن الإمام الصادق «علیه السلام»، الذي يشترط الخمس سنين في صحة الوصية للطفل لم يعمل به الفقهاء، بل ظاهر النصوص والفتاوى خلافه (1).

وقد يقال: إنه يمكن أن يقال: إن عدم عمل الفقهاء بالحديث المذكور، قد يكون في غير محله، وذلك إذا قلنا: إن المقصود بالحديث المشار إليه: أن الوصية إلى الحسنين صحيحة مطلقا. وتصرفهما نافذ في جميع أدوار وسني، وأيام حياتهما، أما الوصية لغير الحسنين «علیهما السلام»، فهي مشروطة ببلوغ خمس سنين، والوجه في ذلك: أنه قد دل الدليل على أن الحسنين كانا قادرين على التصرف الصحيح، وهما في عمر السنة، والسنتين أو أكثر، أو أقل.. وقد صدقت ذلك كلمات ومواقف وتصرفات الرسول «صلی اللّه علیه وآله» معهما، ونزول الآيات في حقهما. ولكن لا يحق لغير الحسنين «علیهما السلام» التصرف إلا بعد صيرورته مميزا، صحيح التصرف، وهو إنما يكون كذلك غالباً حين بلوغه خمس سنوات فما


1) راجع: جواهر الكلام ج 28 ص 403 و 404 والحدائق الناضرة ج 22 ص 565.

بعدهما.

فظهر بذلك: أن الرواية لا تمنع من الوصية للصغير والكبير والمميز وغيره، ولكنها تمنع من تصرفات من لم يبلغ الخمس سنين لعدم إحراز بلوغه درجة التمييز قبل هذا السن فيوجب تصرفاً وفساداً لا مبرر له.

المعنى الأقرب إلى القبول:

غير أننا نقول:

إننا لا نرتضي تفسير الرواية بهذا الوجه ولا بذاك، ولا نرتضي أيضاً بموقف الفقهاء منها، بل نقول:

إنها خارجة عن مورد البحث من الأساس، لأنها ناظرة لمقام الإمامة شاهدنا على ذلك أن السؤال الذي وجه إلى الإمام الصادق «علیه السلام» إنما كان عن وصية النبي «صلی اللّه علیه وآله» لعلي والحسنين «علیهم السلام» في آن واحد.

فأجابه «علیه السلام» بالإيجاب، وأن النبي «صلى اللّه عليه وآله»، قد أوصى إلى الثلاثة معاً..

وفي الرواية الثانية نجد: أن أبا جعفر قد أبطل إمامة ابن الحنفية بنفس هذه المعادلة التي سئل عنها الإمام الصادق «علیه السلام»، وهي: أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أوصى لعلي والحسنين «علیهم السلام» في آن واحد.

فلم يكن علي «علیه السلام» يملك إقصاء الحسنين «علیهما السلام»، ويعطي الإمامة لرجل لرجل آخر كولده محمد مثلا، لأن الحسنين «علیهما السلام» سوف يحتجان عليه بأن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قد نصبهم في آن واحد.. كما أن الحسن لم يكن قادراً على إقصاء الحسين، وإعطائها لأحد ولده، لأن الحسين «عليه السلام» سيحتج عليه بأن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قد جعل له الولاية له «علیه السلام» في نفس الوقت الذي جعلها فيه للحسن «عليه السلام».

فسياق الرواية الثانية عن الإمام الباقر «علیه السلام»، وموضع الكلام فيها هو الإمامة.. وقد ارتكزت في إبطال إمامة ابن الحنفية إلى أن المعيار هو النص والوصية الصادرة من رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله».. وإنما نص على علي والحسنين «علیهم السلام».

والإمامة بعد الحسين «علیه السلام» إنما تكون - بحسب نص آية «وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ» (1)- للإمام السجاد «علیه السلام»، ثم للباقر، والصادق، إلى أن ينتهي الأمر بالإمام الحجة «صلوات اللّه علیهم أجمعین».

وهذا هو ما قرره «علیه السلام» بقوله أخيراً: «وهي فينا وفي أبنائنا». يعني الإمامة.


1) الآية 75 من سورة الأنفال، والآية 6 من سورة الأحزاب.

لماذا خمس سنين؟!:

يبقى هنا سؤال يقول : إذا كان مراد الإمام «علیه السلام» أن الوصية لعلي والحسنين «علیهما السلام» معناها النص على إمامة كل واحد منهم بصورة تراتبية، أوضحته الرواية الثانية التي ردت على مقالة المختارية - إذا كان الأمر كذلك - فكيف نفهم اشتراط الخمس سنين في غير الحسنين «علیهما السلام»؟! ولماذا استثني الحسنان دون سواهما من هذه القاعدة؟!

والجواب عليه قد ظهرر مما أشرنا إليه آنفا، من أن هذا الشرط إنما هو بملاحظة تعامل الناس العاديين مع أمثال هذه الأمور. فيتعاملون مع صغير السن على أنه طفل، لا عبرة بأقواله وأفعاله ما لم يصل إلى مرحلة التمييز والفهم والإدراك ويرون أن أكثر من كان فى سن الخامسة فما دونها ليس بهذه المثابة، بل ولا يعدونه مميزاً بين الأمور، ويعرف الحسن من القبيح، وما إلى ذلك.

ولكن الأمر بالنسبة للحسنين «علیهما السلام» مختلف، فإن الآيات القرآنية، وأقوال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فيهما، وتعامله معهما تعامل الكبار، فتراه يشركهما في حكم سد الأبواب، والنبي «صلی اللّه علیه وآله» أخذ البيعة منهما، وهما بعمر سنتين وثلاث، ثم ما ظهر منهما «علیهما السلام» من تصرفات، وما صنعه اللّه تعالى لهما، وأظهره على أيديهما من كرامات، - إن ذلك - قد عرَّف الناس: أن أعمارهما لا تدل على مستوى إدراكهما، ولا تعبر

عن واقعهما، وما حباهما اللّه تعالى به.

فصحت الوصية لهما من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، والإخبار عن إمامتهما في حال صغر سنهما «علیهما السلام»، بل من حين ولادتهما.

حديث أم أسلم:

روى الكليني «رحمه اللّه» ما ملخصه أن أم أسلم التي كانت قد قرأت كتب الأمم السالفة، وفيها : أن لكل نبي وصياً، جاءت إلى النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وسألته عن وصيه من هو ؟!

فقال لها: «من فعل فعلي هذا فهو وصيي..

ثم ضرب بيده إلى حصاة من الأرض، ففركها بأصبعه، فجعلها شبه الدقيق، ثم عجنها، ثم طبعها بخاتمه، ثم قال: من فعل فعلي هذا، فهو وصيي في حياتي وبعد مماتي.

قالت: فخرجت من عنده، فأتيت أمير المؤمنين «علیه السلام»، فقلت: بأبي أنت وأمي أنت وصي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»؟!

قال: نعم يا أم أسلم. ثم ضرب بيده إلى حصاة، ففركها، فجعلها كهيئة الدقيق. ثم عجنها، وختمها بخاتمه. ثم قال: يا أم أسلم، من فعل فعلي هذا فهو وصيي.

فأتيت الحسن «علیه السلام» وهو غلام، فقلت له يا سيدي أنت وصي أبيك ؟!

فقال: نعم يا أم أسلم، وضرب بيده وأخذ حصاة، ففعل بها كفعلهما.

فخرجت من عنده، فأتيت الحسين «علیه السلام» - وإني لمستصغرة لسنه - فقلت له: بأبي أنت وأمي، أنت وصي أخيك؟!

فقال: نعم يا أم أسلم، ايتيني بحصاة، ثم فعل كفعلهم.

فعُمّرت أم أسلم حتى لحقت بعلي بن الحسين بعد قتل الحسين «عليه السلام» في منصرفه فسألته: أنت وصي أبيك؟!

فقال: نعم، ثم فعل كفعلهم «صلوات اللّه علیهم أجمعین» (1).

وقد روي نفس هذا المضمون مع بعض الإضافات والاختلافات، ولكنهم قالوا: إن القضية كانت مع أم سليم، وذكروا : أنها امرأة من النمر بن قاسط، وليست أم سليم الأنصارية، ولا أم سليم الدوسية، ولا الثقفية، ولا أم سليم الخافضة، التي كانت تخفض الجواري في عهد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» (2).


1) الكافي ج 1 ص 355 و 356 وإثبات الهداة ج 2 ص 403 ومدينة المعاجز ج 4 ص 307 - 308 وج 1 ص 516 - 518 وج 3 ص 250 - 251 و 467 - 468 وينابيع المعاجز ص 175 و 176 ومرآة العقول ج4 ص 105 و 106 والوافي ج 2 ص 146 و 147 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 19 ص 387.

2) مقتضب الأثر ص 307 - 312 (و المكتبة العلمية - قم) ص20 و 21 وإثبات الهداة ج 2 ص 586 و 587 وبحار الأنوار ج 25 ص 185 - 190 وأسرار الشهادة ص 170 والثاقب في المناقب ص562 و 563 وموسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 19 ص 388 – 392.

وهذه القضية رواها غير الشيعة، لكن النص المرتبط بالإمام الحسين «علیه السلام» فيها جاء هكذا: «فخرجت من عنده، فلقيت الحسين «علیه السلام»، وكنت عرفت نعته من الكتب السالفة بصفته، وتسعة من ولده أوصياء بصفاتهم، غير أني أنكرت حليته لصغر سنه.

فدنوت منه وهو على كسرة رحبة المسجد، فقلت له: من أنت يا سيدي؟!

قال: أنا طلبتك يا أم سليم. أنا وصي الأوصياء، وأنا أبو التسعة الأئمة الهادية. أنا وصي أخي الحسن وأخي وصي أبي علي. وعلي وصي جدي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

فعجبت من قوله فقلت: ما علامة ذلك؟!

فقال: ايتيني بحصاة.

فرفعت إليه حصاة من الأرض.

قالت أم سليم: لقد نظرت إليه وقد وضعها بين كفيه، فجعلها كهيئة السحيق من الدقيق. ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء، فختمها.بخاتمه فثبت النقش فيها، ثم دفعها إلي وقال لي: انظري فيها يا أم سليم، فهل ترين فيها شيئاً ؟!

قالت أم سليم: فنظرت فإذا فيها رسول اللّه «صلی اللّه عليه

وآله» وعلي والحسن والحسين، وتسعة أئمة «صلوات اللّه عليهم» أوصياء من ولد الحسين «علیهم السلام»، قد تواطأت أسماؤهم إلا اثنين منهم: أحدهما جعفر، والآخر موسى. وهكذا قرأت في الإنجيل.

فعجبت، ثم قلت في نفسي: قد أعطاني اللّه الدلائل، ولم يعطها من كان قبلي، فقلت يا سيدي، أعد على علامة أخرى!

قالت فتبسم، وهو قاعد ثم قام فمد يده اليمنى إلى السماء، فواللّه لكأنها عمود من نار تخرق الهواء، حتى توارى عن عيني.

وهو قائم، لا يعبأ بذلك، ولا يتحقز، فأسقطت وصعقت، فما أفقت إلا به.

ورأيت فى يده طاقة من آس يضرب بها منخري، فقلت في نفسي: ماذا أقول له بعد هذا ؟!

وقمت وأنا - واللّه - أجد إلى ساعتي رائحة هذه الطاقة من الآس. وهي - واللّه - عندي، لم تذو، ولم تذبل، ولا تنقص من ريحها شيء، وأوصيت أهلي أن يضعوها في كفني.

فقلت: يا سيدي، من وصيك؟!

فقال: من فعل مثل فعلي. الخ..» (1).


1) موسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 19 ص 389 و 390 عن مقتضب الأثر ص 308 - 312 و (المكتبة العلمية - قم) ص18 - 21 وإثبات الهداة ج 2 ص 586 و 587 وبحار الأنوار ج 2 ص 185 - 190 وأسرار الشهادة ص 170 والثاقب في المناقب ص 562 و 563.

ونقول:

متى جرى هذا؟!

ولا ريب فى أن هذا الحديث قد جرى فى عهد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، لكن ليس في هذا النص ما يدل على تاريخ حصول ذلك بالشهر والسنة،بالتحديد، ولكننا نعلم بأن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لم يزل يهتف باسم علي «علیه السلام»، ويؤكد على إمامته من بعده كلما وجد إلى ذلك سبيلاً. وكانت ذروة ذلك أخذه البيعة له من أكثر من مئة ألف من المسلمين فيما عرف بيوم الغدير حين رجوعه «صلی اللّه علیه وآله» من حجة الوداع، قبل استشهاده «صلی اللّه علیه وآله» بسبعين يوماً.

فمن البعيد أن تكون أم أسلم، أو أم سليم، أو غيرها لم تسمع بهذه البيعة، الأمر الذي يجعلنا نطمئن إلى أن سؤالها النبي «صلی اللّه علیه وآله» عن وصيه قد كان قبل حجة الوداع.

ويبدو: أن هذه المرأة كانت تعيش في منطقة نائية، ولم تسمع الشيء الكثير من أقوال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في أمير المؤمنين، وأبنائه الطاهرين «علیهم السلام».. وإن كانت قد سمعت بشيء من ذلك، فلعلها أرادت التأكد والتوثيق لما سمعت.

المعجزة هي الجواب:

إن طرق إثبات الوصاية والإمامة مختلفة، ولكن أيسرها، وأقربها إلى وجدان الناس هو النص الصريح من اللّه ورسوله.. وإظهار المعجز الذي لا يكون إلا من نبي أو وصي نبي.

وهذا المعجز قد يكون علماً خاصاً لا يتيسر لأحد من الناس العاديين، كالإخبارات الغيبية عن أمور لا سبيل للبشر إليها، ثم ظهور صحة ما أخبر به.

وقد يكون فعلاً لا يصدر إلا من نبي أو وصي نبي، كإبراء الأكمه والأبرص، وتسبيح الحصى بيده وكهذا الفعل بالحصى التي تصير شبه الدقيق إذا فركها الإمام أو النبي بإصبعه، يعجنها، ويطبعها بطابعه.

أو نحو ذلك من التصرفات التي تدخل في سياق الفعل الإعجازي.

وقد اختار «صلی اللّه علیه وآله» أن يعطي أم أسلم هذه العلامة على الإمامة، لأنه لو اكتفى بالنص، والتعيين المباشر، فإن هذا النص قد ينتهي أمده، وتصبح الاستفادة منه بعد ذلك رهنا بإرادات الآخرين، الذين قد يلجأون للتكتم عليه، أو إنكاره، أو للتشكيك فيه، من خلال التشكيك بصدق من ينقله، أو بسلامة حفظه، وقد يلجأون إلى التأويل، أو إلى التحريف والتبديل في مضمونه، وقد.. وقد..

ولكن إذا كانت علامة الإمامة أمراً معجزاً يراه الناس بصورة مباشرة وحية في لحظة صدوره من الإمام، فلا يبقى سبيل للتملص أو

التخلص منه إلا بالجحود، والإنكار للواضحات، وإنما يضر هذا بفاعله ويدينه، ويفضحه، ولا يؤثر على سائر من شاهد وعاين أو فقل : لا يعطي عذراً لمن عاين وشاهد لمشاركة الجاحد في جحوده.

العلامة وفعلية معنى الإمامة:

ومن الفوائد والعوائد لهذه العلامة : أنها تكرس معنى الإمامة في الإمام بصورة فعلية، ولا يبقى مجال للتعلل بأنه «صلی اللّه علیه وآله» إنما أخبر عن حصول معنى الإمامة فى هذا الشخص أو ذاك، في وقت ما في المستقبل. حيث يصبح من الممكن ادّعاء حصول البداء في هذا الأمر، لأسباب لا يعلمها إلا اللّه تعالى.

ولأجل ذلك، فإن أم أسلم حين التقت بعلي والحسن، والحسين في ذلك اليوم، أو في تلك البرهة القصيرة في حياة النبي «صلی اللّه علیه وآله»، كما دل عليه قولها : بأنها أتت الحسن «علیه السلام» وهو،غلام، وأتت الحسين «علیه السلام»، وهي مستصغرة لسنّه.

وقد صنع كل واحد منهم ما صنع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». وظهرت نتائج صنعه في تلك الحصيات، فذلك يعني ثبوت معنى الإمامة في علي والحسن والحسين «علیهم السلام» في نفس تلك اللحظة، ولا مجال للقول بأن الإمامة ستحصل لعلي بعد وفاة النبي «صلی اللّه علیه وآله»، أو أنها ستحصل للحسن «علیه السلام» بعد استشهاد أبيه، وستحصل للحسين «علیه السلام» بعد استشهاد أخيه، فإنه كلام لا معنى له ولا منطق يساعده.

وأما اشتراط أن تكون إمامة الحسن «علیه السلام» بعد استشهاد أبيه، وإمامة الحسين بعد استشهاد أخيه، فإنما يراد بها أن التصدي الفعلي لشؤون الإمامة من قبل الإمام اللاحق إنما يكون بعد استشهاد الإمام السابق.. فالإمامة مجعولة له من النبي نفسه، وانتهى الأمر. ولا يراد بها أن معنى ومقام الإمامة سيجعل له بعد استشهاد أبيه، أو أخيه.

الثقافة تسهل الهداية :

وقد لاحظنا: أن أم أسلم، أو أم سليم، التي اطلعت على كتب الأمم السالفة قد أدركت أن لكل نبي وصياً، وعرفت صفته، ولم يبق أمامها سوى تحديد،شخصه ومعرفته بصورة مباشرة، وهذا يدل على أن العلم والمعرفة يسهل على الإنسان المتوازن الوصول إلى الحق، ويهيئوه لقبوله.

واللافت: أن أم أسلم قد عرفت نعت الحسين من كتب تلك الأمم، وقد أنكرت صغر سنه، فلم تطبق - لأول وهلة - النعت على المنعوت، والصفة على الموصوف والذي أخرجها من حيرتها هو أنها لما :سألته من أنت يا سيدي؟!

قال: أنا طلبتك يا أم سليم. أنا وصي الأوصياء. أنا أبو التسعة إلخ..

فإن جوابه هذا كان كافيا وشافياً لها، فقد أعلمها بأنها إنما تبحث عنه، وأعلمها - بالرغم من صغر سنه - بكل ما كانت تريده من بحثها

عنه.

ولكنها أرادت أن تتوثق من الأمر، فقد يقول لها قائل: لعلها كلمات خطرت على بال صبي صغير، فطفحت على لسانه، ولعله قد سمع من الآخرين هذا النوع من الكلام، فأعاد ما سمعه..

فطلبت منه علامة تثبت ما قاله فكانت العلامة هي ما يفعله الإمام بالحصاة على النحو الذي شاهدته من النبي، وعلي، والحسن «صلوات اللّه وسلامه علیهم».

إيتيني بحصاة:

وقد ذكر النص الثاني : أنه «علیه السلام» لم يبادر هو إلى اختيار الحصاة، بل طلب من أم سليم أن تكون هي التي تختار أي حصاة شاءت، وتناوله إياها.

وهذا أيضاً يقطع دابر أي شك أو ريب من أهل الريب، والباطل في أن يكون هو «علیه السلام» قد اختار، أو أعدَّ حصاة تتنفتت إذا فركت بالأصابع.

وإذا كان أحد يريد أن يبالغ في الجحود، فيدعي: أن الصدفة هي أوصلت إلى هذه الحصاة الرخوة إليه، فإن ثمة أمرا آخر قد حسم الأمر، وهو أن الحصاة التي صارت دقيقاً قد أصبحت ياقوتة حمراء، قد ثبت النقش الذي أراده «علیه السلام» فيها.

هل ترين فيها شيئاً؟!:

1 - ولم يقتصر الأمر على هذا، بل ناولها «علیه السلام» لأم سليم، وقال: انظري فيها يا أم سليم هل ترين فيها شيئاً ؟!

وقد كان «علیه السلام» عارفاً بما فيها، ولكنه أراد أن يثير رغبة أم سليم بالنظر فيها، لترى فيها دلالة أخرى من دلائل إمامته..

وقد رأت فيها أسماء النبي والأئمة، وهي نفس الأسماء التي قرأتها في الإنجيل.

2 – واللافت: أن الإنجيل المتداول بين أيدي الناس في أيامنا هذه لا يتضمن هذه الأسماء.. وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على أنه ليس هو نفس الإنجيل الذي قرأته أم سليم.

ويدل على أن الإنجيل الحقيقي كان موجوداً في تلك الفترة، ولكن ذلك لا يمنع من أن يكون هناك إنجيل محرف يتداوله الناس، ويحاولون إشاعته، وهذا الأمر يحتاج إلى بحث وتمحيص، نسأل اللّه أن يوفق أهل الفضل للقيام به على أتم وجه، بل إن هناك دلائل قرآنية وغيرها تشير إلى أن التوراة الحقيقية كانت موجودة في عهد الرسول، ولكن أحبار اليهود كانوا يحاولون ترويج مكتوبات أخرى لتضليل الناس بها.

تسبيح الحصى في يد الحسين «علیه السلام»:

وروي في حديث: أنه «صلی اللّه علیه وآله» دفع الحصى إلى

الحسن والحسين «علیهما السلام»، فسبحت في أيديهما. ثم قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» الحصى لا يسبحن إلا في يدي نبي، أو وصي نبي. والحسن والحسين من عترتي وأوصيائي، وخلفائي (1).

وعن زيد بن أرقم، قال : سبع حصيات سبحن في كف رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

فوضعها في يد الحسن بن علي «علیه السلام»، فسبحن، كما سبحن في كفه.

ثم وضعها في كف الحسين «علیه السلام»، فسبحن في كفه.

وكل من حضر من الصحابة أخذ الحصيات، ولم يسبحن في أيديهم.

فسئل «علیه السلام» عن ذلك، فقال: الحصى لا يسبحن إلا في كف نبي، أو وصي نبي. الحديث (2).

ونقول:

قلنا أكثر من مرة إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» كان حريصاً على إعطاء الناس معايير وضوابط توصلهم إلى الحق، وتحصنهم من


1) إثبات الهداة ج 2 ص 552 عن كتاب تحفة الطالب للشيخ محمد بن علي العاملي الشامي، نقلاً عن كتاب المصابيح، من كتب العامة.

2) إثبات الهداة ج 2 ص 560 عن كتاب تحفة الطالب للشيخ محمد بن علي العاملي الشامي، نقلاً عن كتاب المصابيح، من كتب العامة.

الوقوع في براثن الاستغلال والتضليل فجعل سبيلهم إلى معرفة الإمام والإمامة النص الصريح الصادر عن النبي أو الوصي.

فإن حاول المغرضون والطامعون إنكار النص، أو العبث بالنص، بالتصرف والتحريف، أو ادّعاء نصوص موازية، أو تأويل مضمونه، أو ما إلى ذلك، فإنه «صلی اللّه علیه وآله» قد أرشد إلى ما يدفع غائلة هذا العدوان الهادف إلى العبث بمستقبل الناس عن طريق تزوير الحقائق والتضليل فبين للناس: أن هناك طريقاً آخر يضمن لهم التمييز بين الصحيح والسقيم، وبين السليم والمزيف. وهو العلم الخاص الذي يختص اللّه به نبيه ووصيه..

فإذا لم يستطع العلماء حسم هذا الأمر لأسباب قاهرة، أو خوفاً من سلطة ماكرة وفاجرة، فهناك طريق ثالث، وهو إظهار المعجزة التي لا يقدر عليها من البشر أحد سوى الأنبياء وأوصيائهم، ومنها تسبيح الحصى في يد النبي والوصي..

فما قرره لنا هذا الحديث يدخل في نطاق العمل على صيانة فكر، وعقائد الناس، كما قلنا.

وعدم تسبيح الحصى في يد من ليس بوصي بعد تسبيحه بيد الأوصياء يزيل كل شك، ويدفع أية شبهة، ويبطل كل ادّعاء مزيف.

ولا نستطيع أن ننفي هنا أن يكون هدف البعض من أخذ الحصى لكي يسبح في يده، فلم يحصل على ما أراد هو : أن لديه طموحاته لادّعاء ما لا يستحق، ويسعى إلى أمر لا يملك المؤهلات له.

الفصل الخامس: في وفاة الرسول «صلی اللّه علیه وآله»..

اشارة

هذا هو الإرث العظيم:

1 - الحسن بن محمد بن يحيى العلوي، عن جده، عن الزبير بن أبي بكر، عن إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن إبراهيم بن علي الرافعي، عن أبيه، عن جدته بنت أبي رافع [ عن أمها] قالت: أتت فاطمة بنت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بابنيها الحسن والحسين «علیهما السلام» إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في شكواه الذي توفي فيه، فقالت یا رسول اللّه هذان ابناك، فورثهما شيئاً.

[وفي نص آخر: انحل ابني هذين يا رسول اللّه (1). أو : يا رسول اللّه هذان ابناك فانحلهما ] (2).

فقال: أما الحسن، فإن له هيبتي وسؤددي، وأما الحسين، فإن له جرأتي وجودي [سخائي](3).


1) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 165 وبحار الأنوار ج 43 ص 293 والعوالم، الإمام الحسين ص 29.

2) الخصال (ط جماعة المدرسين سنة 1403ه ق) ص77 وبحار الأنوار ج 43 ص 264.

3) الخصال (ط جماعة المدرسين سنة 1403ه ق) ص 77 وبحار الأنوار ج 43 ص 263 عنه، وروضة الواعظين ص 156 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 165 عن كتاب السؤدد، عن سفيان بن سليم، وعن الإبانة عن العكبري بالإسناد إلى زينب بنت رافع والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 142 ومجمع الزوائد ج 9 ص 184 والآحاد والمثاني ج 5 ص 370 والمعجم الأوسط ج 6 ص 222 والمعجم الكبير ج 22 ص 423 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 7 ص 268 وج 12 ص 117 وتاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 229 و 230 وأسد الغابة ج 5 ص 467 وتهذيب الكمال ج 6 ص 400 والإصابة ج 8 ص 158 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 299 وعن الإرشاد للمفيد ص 169 وإعلام الوری ص 210 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص412 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص 123 وكشف الغمة ج 2 ص 139 ونفس الرحمن ص 299 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 708 و 709 وج18 ص 545 و 546 و ج 25 ص 505 وج 26 ص 215 و 216 و 217 وج 27 ص 60 وج 33 ص 592.

زاد في نص آخر: أن فاطمة قالت رضيت يا رسول اللّه، فلذلك كان الحسن حليماً مهيبا، والحسين نجداً جواداً (1).

وسند الخصال هكذا: الحسن بن محمد بن يحيى العلوي، عن جده، عن محمد بن علي، عن عبد اللّه بن الحسن بن محمد، وحسين بن


1) الخصال (ط جماعة المدرسين سنة 1403ه ق) ص77 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 165 وبحار الأنوار ج 43 ص 293 والعوالم، الإمام الحسين ص 29 وشرح الأخبار ج 3 ص 100 و 101.

علي بن عبد اللّه بن أبي رافع، عن شيخ من الأنصار، يرفعه إلى زينب بنت ابن أبي رافع، عن أمها (1).

2 - الحسن بن محمد بن يحيى العلوي، عن جده، عن محمد بن جعفر، عن إبراهيم بن محمد عن صفوان بن سليمان أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قال : أما الحسن فأنحله الهيبة والحلم، وأما الحسين فأنحله الجود والرحمة (2).

ونقول:

الزهراء «علیها السلام»: تطلب توريث الحسنين:

قد يدور في خلد الباحث الأريب: أن يكون حديث طلب الزهراء «علیه السلام» توريث ولديها الحسن والحسين «علیهما السلام» مفتعلاً بهدف الإيحاء بصحة الحديث الذي أطلقه أبو بكر حين وفاة الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، ومنع بموجبه الزهراء «علیها السلام» عن إرثها وهو الحديث الذي نسبه إلى النبي «صلی اللّه علیه وآله»:


1) الخصال (ط جماعة المدرسين سنة 1403ه ق) ص77 وبحار الأنوار ج 43 ص 263 عنه.

2) الخصال (ط جماعة المدرسين سنة 1403ه- ق) ص 77 و 78 وقرب الإسناد ص 113 وبحار الأنوار ج 43 ص 263 و 264 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 301 ونفس الرحمن ص 299.

«نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» (1).

وهو الحديث المخالف لنص القرآن على قانون التوريث، ولم يستثن أحدا حتى الأنبياء الذين صرح بتوريثهم أيضا كما في قوله تعالى: «وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ» (2)، وقوله تعالى على لسان زكريا


1) صحيح البخاري ج 4 ص 210 وج 5 ص 82 و 153 ومسند أحمد ج1 ص 9 وسنن أبي داود ج 2 ص 23 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص 218 والسنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 300 وج 7 ص 65 وج10 ج6 ص 143 و ج 17 ص 257 والمنتقى من السنن المسندة ص276 وشرح معاني الآثار ج 2 ص 5 وسبل الهدى والرشاد ج 12 ص 369 وتاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 196 وصحيح ابن حبان ج 11 ص 153 وج 14 ص 573 والتمهيد لابن عبد البر ج 8 ص 152 والإكمال في أسماء الرجال ص 168 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 315 وكنز العمال ج 5 ص 604 وتركة النبي «صلی اللّه علیه وآله» لحماد بن زيد البغدادي ص 82 وعمدة القاري ج 16 ص 222 والسقيفة وفدك للجوهري ص107 والعمدة لابن البطريق ص 390 و 391 والطرائف لابن طاووس ص 258 و 259 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 522 وبحار الأنوار ج 29 ص 111 و مناقب أهل البيت «علیهم السلام» للشيرواني ص 412 والإمام علي بن أبي طالب «علیه السلام» للّهمداني ص 740 وشرح أصول الكافي ج 7 ص 405 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 25 ص 535 وج 33 ص 356.

2) الآية 16 من سورة النمل.

«عليه السلام»: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آل يَعْقُوبَ» (1). وغير ذلك.

غير أن علينا أن نتذكر في هذا السياق ما يلي:

أولاً: أن الحسنين «علیهما السلام» لا يرثان من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، مع وجود أمهما التي هي ابنته لصلبه «صلی اللّه علیه وآله»، إذ لا يرث السبط مع وجود من هو متقدم عليه في طبقة الإرث.

وهذا يدل على أن المقصود بالإرث في طلبها هو الإرث المعنوي، الذي يدل على أن الحسنين «علیهما السلام» يجمعان الصفات الجميلة والجليلة وتميزهما عن سائر البشر، ليعرف الناس أهليتهما لمقام الإمامة بعد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، والاضطلاع بالمهمات التي لا يتولاها إلا نبي أو وصي نبي يحمل ميزاته، ويتحلى بصفاته على أتم وجه.

ولأجل ذلك جاءها الجواب منه «صلی اللّه علیه وآله» بما يؤكد هذا المعنى، حيث لم يقل لها: نحن معاشر الأنبياء لا نورث السبط مع

وجود الطبقة السابقة عليه، لأنه «صلی اللّه علیه وآله» يجل الزهراء «علیها السلام» عن أن تقصد الإرث للمال، لأنها تعلم: أن ولديها ليسا من طبقة من يرثه فعلاً، لأنها متقدمة عليهما في الطبقة الإرثية كما


1) الآيتان 5 و 6 من سورة مريم.

قلنا.

بل قال لها : إنه يورثهما من صفاته التي تتجلى فيهما بصورة تامة، بعد تجليها بأخيه علي «علیه السلام». لتكون دليلاً قاطعاً لكل عذر فيما يرتبط بإمامتهما.

ثانياً: إننا نشك في أن تكون الزهراء «علیها السلام» قد طلبت من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» توريث ولديها حتى لما هو من قبيل السمات والصفات، فإن الصفات والسمات أيضاً غير قابلة للتوريث، لأن التوريث يستبطن معنى الانتقال القهري، ولا مجال لهذا المعنى في صفات الفعل التي هي مرهونة بالاختيار، وتحتاج للمبادرة.

وبذلك يتضح أيضاً : أن نقل هذه الصفات للغير لا يمكن أن يكون على سبيل الجعل والاعتبار، كما هو الحال في نقل الملكية من شخص لآخر.. فإن الأفعال ليست من الأمور الاعتبارية كالملكية والرقية والزوجية، وما إلى ذلك

ثالثاً : إن الروايات قد اختلفت في بيانها لحقيقة ما طلبته الزهراء «علیها السلام»، فإن بعضها وإن كان قد ذكر أنها طلبت من النبي «صلی اللّه علیه وآله» أن يورثهما.. لكن بعضها الآخر - كما ظهر مما تقدم - يقول: إنها طلبت منه «صلی اللّه علیه وآله» أن ينحلهما، وأنها «علیها السلام» قالت: «انحل ابنيّ هذين يا رسول اللّه. أو: يا رسول اللّه هذان ابناك فانحلهما».

ولعل هذا المعنى هو الأقرب للاعتبار، إذا فسرنا النحلة بأنها إعطاء بلا مقابل.

وقد أعطى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» الحسن «علیه السلام» صفات: «الهيبة، والسؤدد، والحلم». ونحل الحسين «علیه السلام»: «الشجاعة والجود، والنجدة، والرحمة».

وذلك بما بثه فيهما من علوم ومعارف وما غرسه في عمق وجودهما من خلق كريم، وما عايناه ووجداه فيه من أسوة وقدوة، وما تجلى لهما من بركة وخير وفضل في هذه الصفات.

فالنبي أعطاهما بمختلف أساليب العطاء، وهما قد أخذا، وأحسنا الأخذ، لكل ما نحلهما إياه.

التمييز بين الحسنين في الصفات:

ويبقى هنا سؤال عن سبب هذا التمييز بين الحسنين «عليهما السلام» فيما نحلهما النبي «صلی اللّه علیه وآله» إياه من صفات وميزات؟!

وسؤال آخر: عن فاقدية كل أخ أيضا للصفات التي أعطيت لأخيه، كما أشير إليه ما في ذيل إحدى الروايات، حيث قالت: «فلذلك كان الحسن حليماً مهيباً، والحسين نجداً جواداً».

ونجيب:

بأنه لا يوجد تمييز ولا تميز بين الحسنين «علیهما السلام» في

الصفات، بل كل منهما كان يجمع الصفات كلها، فلم ينقص صفات أحدهما عن صفات أخيه الآخر، ولم يزد عليه في اية واحدة منها.. ولكن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد أشار إلى تجلي صفات معينة في الإمام الحسن «علیه السلام»، وأن ذلك إنما هو بحكم طبيعة الظروف التي سوف يعيشها، والأوضاع التي سيواجهها.

فإن ما يسمى بالصلح الذي جرى بينه وبين معاوية، كان أعظم نصر، ولكن الكثيرين لم يفهموا معناه ومغزاه، ولم يدر بخلدهم ما سيترتب عليه من ثمرات وبركات، فانزعجوا، واطلقوا ألسنتهم بالنقد والاعتراض.. وربما تجاوز الحدود الكثيرون منهم أو من غيرهم ممن اتخذوا من ذلك ستاراً للبوح بما في نفوسهم، في التعبير عن انزعاجهم.. فاحتاج «علیه السلام» إلى معاملتهم بالعفو والحلم، والصبر على سوء تصرفهم، ووعورة أخلاقهم.

كما أنه حين كان يرى أن بني أمية - ولاسيما معاوية - يحاولون التأثير على ضعفاء النفوس، واجتذاب الناس إليهم عن طريق إظهار أبهة الملك، والعظمة، والشوكة والهيبة، وتهوين أمر آل علي «عليه السلام»، وحمل الناس على التجرؤ عليهم، والاستخفاف بهم، وكسر هيبتهم. فقد احتاج الإمام الحسن «علیه السلام» إلى إظهار السؤدد والهيبة، والقوة، حفظاً للناس من السقوط في براثن معاوية وبني أمية.

أما الإمام الحسين «علیه السلام»، فقد اقتضت ظروفه التي عاشها مع الأخطبوط الأموي، الباغي، والمتجرئ على انتهاك أعظم

الحرمات - احتاج - إلى إظهار الشجاعة في الموقف، وإلى الدفاع عن الحق بحزم وعن المظلومين باستبسال وفداء وتضحية، ونجدتهم من موقع الحاجة، فكان أن تجلت فيه سمات الشجاعة والنجدة.

كما أنه حين يرى استئثار بني أمية بالأموال، وحرمان الآخرين منها، وإذلالهم في الحصول عليها.. كان لا بد أن تتجلى فيه سمات الجود والكرم والسخاء، في مساعدته لأهل الحاجة.

كما أن صفات الرحمة لا بد أن تتجلى فيه بأبهى صورها، وهو يرى معاناة المسحوقين ويعيش آلامهم ومراراتهم.

النبي «صلی اللّه علیه وآله» يشم الحسنين «علیهما السلام» قبيل موته:

قالوا: ودعا النبي «صلی اللّه علیه وآله» الحسن والحسين قرب موته، فقربهما وشمهما، وجعل يرشفهما، وعيناه تهملان» (1)

ونرى: أن هذا النص يحتاج إلى بيان فإن هذه الدموع الغزيرة لم تكن لمجرد توقع أنه سوف يموت، فإنه «صلی اللّه علیه وآله» أصبر الصابرين وأعظم المتوكلين.. بلا ريب.

ولكن الحقيقة هي: أنه «صلی اللّه علیه وآله» كان يعلم بما سيجري على هذين الإمامين بالذات. ولطالما قبل أحدهما في فمه،


1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 383 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص154 وبحار الأنوار ج 22 ص 533 و ج 43 ص 381 والمحجة البيضاء ج 8 ص 278 وكشف الغمة ج 1 ص 18.

والآخر في نحره في إشارة منه إلى كيفية قتلهما. وقد أخبر «صلی اللّه علیه وآله» في مرات كثيرة بما يجري على الحسنين «علیهما السلام».. لا لشيء إلا لأنهما يريدان حفظ شريعة جدهما، وضمان سلامة الدين.

ولكي يتذكر الناس هذه اللحظات التي هي بالغة الحساسية، لأنها لحظات قريبة من ساعة موت جدهما ومعاملته «صلى اللّه عليه وآله» معهما تدل على مكانتهما من جدهما، وأن هذه المكانة والعلاقة العاطفية الجياشة إلى أقصى مدى قد استمرت إلى آخر لحظات حياته «صلی اللّه علیه وآله»، فلا يستطيع أحد أن يدعي أن أمراً قد طرأ، وأوجب تعكير صفو هذه العلاقة.

إذن، فكل ما سوف يواجه به أعداء اللّه الحسنين «علیهما السلام» من مكاره وأذايا سيكون مضاداً تماماً لمنهج وطريقة وأهداف، وسياسة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» معهما.

وتكون النتيجة هي: تصويب كل ما يصدر من الحسنين «عليهما السلام»، وتخطئة كل مناوئيهما في ما يقولون ويفعلون.

ليلة الحزن:

عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم، عن أبيه «علیهما السلام» قال: لما كانت الليلة التي قبض النبي «صلی اللّه علیه وآله» في صبيحتها دعا عليا، وفاطمة والحسن والحسين، «علیهم السلام» وأغلق عليه وعليهم الباب وقال: يا فاطمة: وأدناها منه، فناجاها من

الليل طويلاً، فلما طال ذلك خرج علي ومعه الحسن والحسين، وأقاموا بالباب..

إلى أن تقول الرواية عن علي «علیه السلام»: «وأنا مسنده، والحسن والحسين يقبلان قدميه، ويبكيان بأعلى أصواتهما» (1).

ونقول:

دعاهم، وناجاها:

صرحت الرواية المتقدمة: بأن النبي «صلی اللّه علیه وآله» دعا ليلة وفاته عليا،وفاطمة والحسنين «علیهم السلام». فلما دخلوا عليه أغلق الباب عليه وعليهم، ثم ناجي فاطمة طويلاً دون سائرهم.

والسؤال هو : لماذا دعاهم وناجاها.دونهم فإن المناجاة هي الانفراد بالحديث مع الغير، دون أن يسمع الحاضرون الآخرون؟!

وقد روي: أنه إذا كان ثلاثة، فلا يتناجى منهم اثنان دون صاحبهما. فإن ذلك مما يحزنه ويؤذيه(2)


1) بحار الأنوار ج 22 ص 490 - 492 عن الطرائف لابن طاووس ص38 - 44 وعن مصباح الأنوار ص 275 - 276.

2) الكافي ج 2 ص 660 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 12 ص 105 و (الإسلامية) ج 8 ص 472 ومرآة العقول ج 12 ص 562 ومشكاة الأنوار ص 189 و 334 ومستدرك الوسائل ج 8 ص 399 و ج 2 ص 75 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 569 وميزان الحكمة ج 4 ص 3250.

وفى الروايات الأخرى: لا يتناجى اثنان دون الثالث، أو دون صاحبهما (فإن ذلك مما يغمه) (1).


1) الكافي ج 2 ص 660 وهداية الأمة ج 5 ص 157 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 12 ص 105 و (الإسلامية) ج 8 ص 472 وراجع مستدرك الوسائل ج 8 ص 399 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 64 وغوالي اللآلي ج 1 ص 146 وبحار الأنوار ج 38 ص 300 وراجع مسند أحمد ج 2 ص 32 و 121 و 123 و 126 و 146 وصحيح البخاري ج 7 ص 142 وسنن الدارمي ج 2 ص 282 وصحيح مسلم ج 7 ص 13 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 1241 وسنن الترمذي ج 4 ص 209 والسنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 232 ومجمع الزوائد ج 4 ص 81 وج 8 ص 63 وفتح الباري ج 11 ص 69 و 71 و ج 12 ص 375 وعمدة القاري ج 22 ص 267 و 268 وتحفة الأحوذي ج 8 ص 93 ومسند الحميدي ج1 ص 61 وج 2 ص 287 و مسند ابن الجعد ص 183 و 309 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 117 والأدب المفرد للبخاري ص 250 ومسند أبي يعلى ج 4 ص 332 وج 9 ص 50 وصحيح ابن حبان ج 2 ص 342 و 344 و 346 والمعجم الأوسط ج 2 ص 143 و 156 و 281 و 334 وج 5ص 174 والمعجم الصغير ج 2 ص 9 والمعجم الكبير ج 9 ص 186 وج 10 ص 140 و 189 وج 12 ص 14 ومسند الشاميين ج 1 ص 412 وشعب الإيمان ج 7 ص 510 والاستذكار ج 8 ص 571 و 572 والتمهيد لابن عبد البر ج 15 ص 287 و 289 و 290 و 291 و 292 و 293 وریاض الصالحين ص 631 وتخريج الأحاديث والآثار ج 3 ص 426 والجامع الصغير ج1 ص127 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 9 ص28 و 45 و 46 وج 16 ص 331 وكشف الخفاء ج 1 ص 97 و ج 2 ص 370 وتفسير البغوي ج 4 ص 308 والمحرر الوجيز جه ص278 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 347 وفتح القدير ج 5 ص 188 وأضواء البيان ج 4 ص 193 والتفسير الوسيط للزحيلي ج 3 ص 2613 والتاريخ الكبير ج 2 ص 305 والكامل لابن عدي ج 2 ص 399 وج 4 ص 143 و 286 وطبقات المحدثين بأصبهان ج 4 ص 185 و علل الدارقطني ج 5 ص 69 و 70 و تاريخ بغداد ج 8 ص 154 وج 10 ص 115 و تاريخ مدينة دمشق ج13 ص 155 و ج 22 ص 301 وسير أعلام النبلاء ج 14 ص 453 وذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 120.

فالنهي عن النجوى إذا كان لأجل أن من لم يشارك فيها، ولم يسمع ما قاله المتناجيان سوف يحزن، فلا ريب في أن عليا «عليه السلام» والحسنين «علیهما السلام» لا يحزنون إذا ناجى النبي ابنته فاطمة الزهراء «علیها السلام»، فلا يكون هذا المورد مشمولا للنهي.

غير أن من الواضح: أن هذا الذي حدث يدل على أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» كان يريد أن يرى عليا، والحسنين «عليهم السلام»، وسائر الناس مناجاته لابنته، ولكنه لا يريد لهم حتى لعلي والحسنين «عليهم السلام» أن يسمعوا مضمون المناجاة، ربما لأن ذلك يؤثر على عواطف الحسنين «علیهما السلام»، ويسبب لهما الحزن الشديد.

كما أنه إذا رأى الناس: أن عليا والحسنين «علیهم السلام» قد

منعوا من سماع ما يقوله النبي «صلی اللّه علیه وآله» لابنته «علیها السلام»، فإن ذلك سوف يثير فضول الناس واستهجانهم، ويدفعهم إلى التساؤل عن سبب هذا الأمر الذي لم يعهد منه «صلی اللّه علیه وآله»، كما أنهم سوف يتساءلون عن الأمر الذي لا صح أن يسمعه حتى علي وولداه، لكي يمهد هذا التصرف إلى حل هذا الإشكال، حين يرون بعد موته مباشرة ما يجري على فاطمة «علیها السلام» وسيدركون أن الأمر الذي ناجاها فيه كان مرتبطاً بهذه التحولات، وأن موقفها الذي رأوه كان بتوجيه من أبيها.

وقد أفصح علي «علیه السلام» لعائشة في نفس تلك الساعة عن أنه كان عارفاً بمضمون المناجاة، وأنها أمور ترتبط بما دبروه ضد علي وأهل البيت «علیهم السلام» بعد وفاة النبي «صلی اللّه علیه وآله» من قبل، حيث أعدوا العدة للوثوب على مقام الخلافة، وأخذه من صاحبه من دون حق.

فقد صرحت نفس الرواية : بأن عائشة قالت له حين خرج «عليه السلام» مع ولديه حتى صاروا بباب البيت، وعائشة وسائر الناس كانوا خلف الباب لأمر ما أخرجك منه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وخلا بابنته دونك في هذه الساعة.

فقال لها علي «علیه السلام»: قد عرفت الذي خلا بها وأرادها له، وهو بعض ما كنت فيه وأبوك وصاحباه الخ..

وهذا يدل على أنه «صلی اللّه علیه وآله» كان بصدد إيكال مهمة

الفاطمة ترتبط بما كان بعض الأصحاب قد دبره بليل.

حزن الحسنين «علیه السلام»:

ولا شك في أن لحزن الحسنين الشديد، وبكائهما العالي، بل بأعلى الأصوات، وتقبيلهما قدمی رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، - ان لذلك - دلالاته وإشاراته..

فأولاً: لا يمكن لأحد أن يتهم الحسنين «علیهما السلام» اللذين هما بعمر الأطفال بالتصنع وافتعال البكاء، فهما صادقان في هذا الحزن بلا شك..

ولا بد أن يقارن بين حزنهما البالغ هذا وبين ما سمعه من أن أبا بكر قال لعلي «علیه السلام» حين موت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: ما لي أراك متحازنا؟!

فقال له «علیه السلام»: إنه قد عناني ما لم يعنك..

ففوجئ أبو بكر بالأمر، واضطر أن يدعي أنه هو الآخر حزين على الرسول، فراجع (1).

فأبو بكر لا يرى مبرراً لحزن علي «علیه السلام» الذي رباه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» منذ صغره، وعاش معه أكثر


1) راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 312 وكنز العمال ج 7 ص 230 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 7 ص 159 وحياة الصحابة ج 2 ص84 ونهاية الإرب ج 18 ص 398 و 399.

حياته، وزوجه ابنته سيدة نساء العالمين، وآمن هو بنبوته. وجاهد وضحى بكل ما يستطيع في تأييده ونصرته.. فبالرغم من هذا وسواه يصف حزن علي «علیه السلام» بأنه تحازن!!

والفرق بين الحزن والتحازن، كالفرق بين البكاء والتباكي. فإذا كان علي «علیه السلام» بنظر أبي بكر متحازنا، فهل كان يرى أن غير علي من سائر الناس يمكن أن يحزن على النبى حقيقة؟!

وهل يمكن أن نصدق أن أبا بكر قد حزن على النبي صلى اللّه علیه وآله»، ولم يحزن عليه علي ؟!

ولكن جواب علي «علیه السلام» لأبي بكر وضعنا أمام أمرين:

أولهما: أن قوله: لقد عناني ما لم يعنك. قد تضمن إشارة إلى الدليل على صدق علي «علیه السلام» في حزنه هذا على النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وأن اتهام أبي بكر له بالتحازن غير صحيح. وهذا الدليل هو أن فقد الرسول «صلی اللّه علیه وآله» خسارة لعلي «عليه السلام»، لأنه هو المستفيد الأكبر من بركات وجوده.

الثاني: إن جوابه هذا قد اضطر أبا بكر إلى أن يدَّعي الحزن على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وأن يبحث عن الأدلة والشواهد على صحة دعواه هذه.

أي أن جواب علي «علیه السلام» قد ساق أبا بكر إلى الوقوع في التناقض، فإن ادّعاءه الحزن لا يتلاءم مع ما دل عليه سؤاله لعلي «علیه السلام». ولاسيما حين اختار كلمة «متحازن»، لا كلمة

«حزين».

وثانياً: إن هذا الحزن الشديد من الحسنين «علیهما السلام» قد حصل - في حين كان النبي «صلی اللّه علیه وآله» لا يزال على قيد الحياة، فكيف كان حزنهما بعد حصول الوفاة؟! وهل كانا يبكيان انطلاقاً من عوامل نفعية وشخصية كالاستجابة لداعي القرابة والرحم، أو لأجل فقد من كانا قد أنسا به واعتادا عليه. أو لأنهما وجدا لديه فيضاً من الحب والرعاية، وكثيراً من الاهتمام، والحنان؟! أم أن الأمر أبعد من ذلك؟!

ونجيب:

بأن ذلك كله، وإن كان له تأثير في إثارة العاطفة، وهيجان النفس بالحزن إلى درجة البكاء.

ولكن ليس بالضرورة أن يصل الأمر إلى حد البكاء بأعلى أصواتهما. فالحقيقة هي أن هذا الحزن البالغ أقصى مداه إنما هو نتاج جهد عقلي، ووجداني بفداحة الخسارة، وتبلور إحساس روحي بعظمة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فى نفسه وبقيمته كرسول، وأنهم يفقدون به أفضل وأشرف الكائنات، وأعظم البركات، وأجلّ النعم الإلهية على جميع المخلوقات.

فليس بكاؤهما «علیهما السلام» بكاءً شخصياً أنانيا، ضيق الأفق ومحدوداً بحدود الزمان أو المكان، أو الأشخاص، أو ما إلى ذلك.. بل هو بكاء أئمة كشف اللّه لهم الحجب، وأراهم ما لا يراه غيرهم،

وعرَّفهم الكثير الكثير من الأسرار التي أهلتهم لأن يكونوا الأئمة للخلق، والهداة إلى الحق.

تزود النبي «صلی اللّه علیه وآله» من الحسنين «علیهما السلام»:

وقالوا: إنه حين أغمي على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في مرض موته جاء الحسن والحسين «علیهما السلام» يصيحان ويبكيان حتى وقعا على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

وأراد علي «علیه السلام» أن ينحيهما عنه، فأفاق رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ثم قال: يا علي، دعهما، أشمهما ويشماني، وأتزود منهما ويتزودان مني (1).

ونقول:

نحتاج هنا إلى توضيح بعض الأمور، فنقول:

هل أغمي على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»؟!:

تقول الرواية: إنه حين أغمي على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في مرض موته جاء الحسنان..الخ.. والسؤال هو: هل يعرض الإغماء لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»؟! بمعنى أنه هل يمكن أن يفقد «صلی اللّه علیه وآله» الوعي أو الشعور بمن حوله؟!


1) راجع: مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص293 و 294 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 203 وبحار الأنوار ج 22 ص 521 و 522 والأمالي للصدوق ص 736.

ويمكن أن يجاب:

أولاً: إن الناس وإن كانوا ينظرون إلى النبي «صلی اللّه علیه وآله» على أنه بشر مثلهم في كل الأمور، ولكن الميزان ليس هو نظرة الناس، وإنما الميزان ما يخبرنا عنه اللّه ورسوله، والذي وجدنا النصوص متضافرة على تأكيده هو أن النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وإن كان بشرا، ولكنه ليس مثلهم في كل حالاته، لأنه قد سبقهم إلى نیل کرامات اللّه وحباه اللّه بألطافه، ومنحه الكثير مما حرم البشر أنفسهم منه، ومع ذلك نقول:

في البشر القويُّ والضعيف، والعالم والجاهل، والعاقل والمجنون، والذكي والغبي الخ..

فالناس إذا رأوا النبي «صلی اللّه علیه وآله» ينام، فقد يتوهمون أن نومه كنومهم، مع أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد صرح : بأن عينيه تنامان، ولا ينام قلبه

ثانياً: أن للنبي «صلی اللّه علیه وآله» مقام الشاهدية على الخلق.. فلا بد أن يكون نومه لا ينافي شاهديته.

فإذا رأى الناس أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد أغمى عليه، فإن هذا الإغماء لا بد أن لا يزيد على حالة النوم التي قال عنها هو نفسه: إنها لا تصل إلى حد فقد الشعور بمن حوله، لأن قلبه لا ينام.. ولأن له ذلك المقام. كما أن موت الأنبياء والشهداء لا يمنع من معرفتهم

بالأمور (1). ولهذا البحث مجال آخر.

الصياح والبكاء:

تقدم: أن بكاء وصياح الحسنين «علیهما السلام» وحزنهما الشديد على النبي «صلی اللّه علیه وآله» لم يكن لمجرد فقد جدهما القريب، والحبيب، والأنيس، والجليس، وغير ذلك مما يعود إليهما كأشخاص.

وإنما لما هو أكبر وأهم وأخطر من ذلك، فإنهما يحزنان لأجل فقدهما، وفقد المخلوقات، بل الكائنات كلها الخير والكمال، والنعمة الإلهية بأتم وأجلى مظاهرها.

أشمهما، ويشماني:

وقد ظهر من قول النبي «صلی اللّه علیه وآله» لعلي «عليه السلام»: أنه يريد أن يشم الحسنين «علیهما السلام» أن الحسنين «علیهما السلام» لو كانا مجرد طفلين عاديين، فإن النبي «صلی اللّه علیه وآله» لا يظهر تجاههما من العاطفة والمحبة إلا ما يتناسب مع حالهما وميزاتهما..

ولكنه «صلی اللّه علیه وآله» كان يعرف أنهما «علیهما السلام» أفضل خلق اللّه تعالى بعد أبويهما وجدهما. ويرى فيهما كل الخير والكمال والميزات التي يحبها اللّه ورسوله ويأنس بها. فهو «صلى


1) راجع: الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» ج 8 ص 315 - 317.

اللّه عليه وآله» يحبهما بمقدار ما يحب هو هذه الأمور..

وإذا شمهما «علیهما السلام»، فإنما يشمها فيهما، ولأجل ذلك كانا «علیهما السلام» ريحانتاه من الدنيا.

وبنفس هذه الروحية وهذه النظرة، وهذا الفهم للأمور، وهذا التفكير يشم الحسنان جدهما أيضاً.. مما يعني: أنهما يملكان من العقل والوعي والمعرفة ما يجعلهما قادرين على فهم الأمور على حقيقتها.

الأمر لعلي ثم للحسن ثم للحسين «علیه السلام»:

جاء في بعض النصوص الاحتجاجية - إما لعلي «علیه السلام»، أو لأبي ذر -: أن المتكلم قال (1)في جملة ما قال: «لقد علمتم، وعلم خياركم أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قال: الأمر بعدي [لعلي بن أبي طالب، ثم لابنيَّ [منه] الحسن والحسين، ثم للطاهرين من ذريتي»(2).

ونقول:


1) إن العبارة التي ذكرناها يحتمل أن تكون من تتمة كلام أبي ذر «رحمه اللّه»، ويحتمل أن تكون من كلام أمير المؤمنين «علیه السلام».

2) الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 100 وبحار الأنوار ج 28 ص 195 والدرجات الرفيعة ص237 وراجع اليقين لابن طاووس ص339 والصراط المستقيم ج 2 ص 80 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 240 ونهج الإيمان ص 581.

1 - إن هذا النص يثبت أن الحسنين «علیهما السلام»، اللذين كانا حين موت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» صغيرين بعمر ست و سبع سنوات معصومان مطهران، وأن هذه العصمة والطهارة سوف تستمر، وأنهما «علیهما السلام» يجمعان كل الصفات والميزات والشرائط التي يفترض توفرها في الإمام، من العلم، والشجاعة، والطهارة والعصمة، وغير ذلك.

2 – يلاحظ: أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد نص هنا أيضاً على بنوة الحسنين «علیهما السلام» له.

3 - إنه «صلی اللّه علیه وآله» قد بين أن في ذريته طاهرين، فالإمامة تكون لهم، دون سواهم، فدلنا بذلك على أنه ليس لبني أمية، ولا لبني العباس، ولا لغيرهم حق في تولي الأمر من بعده، لأنهم - أولاً - ليسوا من ذريته، ولأنهم - ثانيا - لا يمكن أن يدَّعوا الطهارة لأنفسهم.

4 - إنه «صلی اللّه علیه وآله»، وإن لم يبين قصده من كلمة الطهارة، ولكن معناها المقصود كان قد شاع وذاع، ولاسيما بعد نزول آية التطهير.

التزود من الطرفين:

والأهم من ذلك : أنه «صلی اللّه علیه وآله» أخبر بأنه يريد التزود منهما، ويريد لهما أيضاً: أن يتزودا منه وهذا يعني أن ثمة شيئاً منهما سوف يبقى مع الرسول، ليكون زاداً له في رحلة الآخرة، وأن

شيئاً سوف يبقى لهما بعد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» سيكون زاداً لهما في حياتهما في الدنيا، وفي سفرهما إلى الآخرة أيضاً.

والزاد هو ما يستفاد منه في تغذية ونماء، وحفظ استمرار شيء آخر يراد له البقاء، فقد يراد تغذية الروح، وقد يراد تغذية العقل، أو تغذية الوجدان أو تغذية البدن، أو غير ذلك.

فقد يكون لبعض الذكريات، أو المعارف، أو الأعمال، كالعبادات أو المواقف والتصرفات - قد يكون لها - دور في تغذية بعض الملكات وفي تقوية روح الصمود، أو الصبر في مواجهة المصاعب.. أو تعطي قوة على العبادة، وتكون زاداً يفيد في تنشيط الحركة في طلب مرضاة اللّه، أو في خدمة عباده، أو في الدفاع عن المظلومين، أو ما إلى ذلك.. فإذا شم الحسنان «علیهما السلام» رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فإنما منه يشمان عبق النبوة بما لها من دفقات روحية، ومن تعاليم وقيم أخلاقية، ومن سمو في النظرة، وصفاء في التفكير، ويقظة للوجدان.

أما التزود للآخرة حين يشم النبي «صلی اللّه علیه وآله» الحسنين «علیهما السلام»، فقد يكون لأجل أن نفس إظهار هذه المحبة والرعاية منه «صلی اللّه علیه وآله» لهما سوف تمنحهما قوة وصلابة، وتجعل لهما موقعاً فى ضمير الأمة يمكنهما من حفظ الدين. وبما أن أعمال الخلائق من موجبات رفعة مقام الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، فإن تصرفه هذا سيؤدي إلى قوة الدين وأهله، وستكثر

الطاعات، ويندحر الباطل، وهذا زاد لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يوجب رفعة مقامه في الآخرة. فإنه «صلی اللّه علیه وآله» بما بذله من جهد في تأكيد مقام الحسنين «علیهما السلام» في الأمة، وفي تعريف الأمة بما لهما عند اللّه إنما يهيئ زاده في الآخرة حتى حين يقبلهما ويشمهما، ويصرح بحبهما وحب اللّه لهما. مما يؤدي إلى إفشال مكر الماكرين فيرتفع بذلك درجات رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله». وقد يكون بغير ذلك.

اشتراك الحسنين «علیهما السلام» في التغسيل والصلاة:

1 - وقد أوصى النبي عليا «علیه السلام» إذا أراد تغسيله، بقوله: وأحضر معك فاطمة والحسن والحسين «علیهم السلام»، من غير أن ينظروا إلى شيء من عورتي (1).

2 - كما أن مما أوصى به النبي «صلی اللّه علیه وآله» عليا «علیه السلام» فيما يرتبط بالصلاة عليه أنه قال:

«يا علي، كن أنت وابنتي فاطمة والحسن والحسين، وكبروا خمساً وسبعين تكبيرة، وكبر خمساً وانصرف وذلك بعد أن يؤذن لك في الصلاة.


1) بحار الأنوار ج 22 ص 492 و 493 وج 78 ص 304 عن الطرائف لابن طاووس ص 42 وعن مصباح الأنوار ص 270 وراجع الصراط المستقيم ج 2 ص 94.

قال علي «علیه السلام»: بأبي وأمي، من يؤذن غداً ؟!

قال: جبرئيل «علیه السلام» يؤذنك.

قال: ثم من جاء من أهل بيتي يصلون علي فوجاً فوجاً، ثم نساؤهم، ثم الناس بعد ذلك» (1).

وعن سلمان: «..فلما غسله وكفنه، أدخلني، وأدخل أبا ذر، والمقداد، وفاطمة، وحسناً وحسيناً «علیهم السلام»، فتقدم وصففنا خلفه وصلى عليه الخ..»(2).

ونقول:

الحسنان إمامان:

إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد أمر عليا «علیه السلام» بأن يشرك الحسنين في الصلاة عليه، مع أنهما كانا - بنظر الناس - طفلين، ثم أمره بأن يحضر هما غسله وهما بنفس هذا العمر.


1) بحار الأنوار ج 22 ص 493 و 494 وج 78 ص 42 و 43 و 45 عن الطرائف، وجامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 350 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 83 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 779.

2) ملاذ الأخيار ج 2 ص 477 و 478 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 83 و (الإسلامية) ج 2 ص 779 والاحتجاج للطبرسي ص80 و (ط دار النعمان) ج 1 ص 105 و 106 وبحار الأنوار ج 22 ص 506 وج 78 ص 385 والأنوار البهية ص 47 وغاية المرام ج 5 ص 315.

وأمره أيضاً بأن يشرك الزهراء «علیها السلام» في الغسل وفي الصلاة.

وهذا قد يشير:

إلى أن نظرة النبي «صلی اللّه علیه وآله» إلى الحسنين «علیهما السلام»، وهي تعبر عن الوحي الإلهي ليست كنظرة الناس إليهما.. فإن مشاركتهما في الصلاة على النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد تكون من منطلق كونهما إمامين معصومين، والمعصوم هو الذي يصلي على المعصوم..

وعنصر العصمة هذا لعله هو السبب في إشراك فاطمة «عليها السلام» في التغسيل وفي الصلاة.

ولأجل مقام الإمامة والعصمة صلى الإمام الجواد «علیه السلام» على أبيه، وصلى الإمام الهادي على الإمام الجواد، وصلى الإمام الحجة على الإمام العسكري..

إذن جبرئيل:

وقد ذكرت الرواية المتقدمة : أن جبرئيل هو الذي يؤذن عليا «علیه السلام» بالصلاة على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ولعله لأنه يشترط في الصلاة على الميت إذن الولي، والولي لأشرف المخلوقات، وأفضل الكائنات هو رب العالمين، فهو الذي يأذن بالصلاة عليه، وجبرئيل هو المبلغ لهذا الأمر عن اللّه سبحانه.

ولعل ذلك لأجل تشريف رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» من

جهة، وتكريم علي «علیه السلام» من جهة أخرى.

تغسيل الميت، والنظر إلى عورته:

وتقدم: أن مما أوصى به النبي «صلی اللّه علیه وآله» عليا «علیه السلام» أن يحضر معه فاطمة والحسنين «علیهم السلام»، من غير أن ينظروا إلى شيء من عورته.

ونقول:

أولاً: إن عليا «علیه السلام» قد غسل النبي «صلى اللّه عليه وآله»، وهو في قميصه(1).

ثانياً: ورد في الروايات أنه «صلی اللّه علیه وآله» قال: لا يحل أن يرى مجرَّدي إلا علي(2).

والمقصود بالعورة التي لا يجوز لأحد رؤيتها من النبي «صلی اللّه علیه وآله» هو جسده الذي يواريه القميص، فإنه يجوز لعلي «علیه السلام» رؤيته، ولا يجوز لغيره من البشر. أما العورة المعهودة، فإن رؤيتها حرام على كل الناس من النبي «صلى اللّه


1) هناك نصوص كثيرة دلت على ذلك، فراجع :كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» ج 9 ص 38 - 42.

2) مناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص94 والعمدة لابن البطريق ص 296 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 33 والإيضاح لابن شاذان ص 534.

عليه وآله» ومن غيره في الحياة وبعد الممات.

وقد رووا : أن عليا «علیه السلام» قد عصب عيني الفضل بن العباس حتى لا يرى شيئاً مما يواريه القميص من جسده الشريف، وذلك لحرمة رؤية ذلك على الناس كحرمة رؤية العورة نفسها.

ويبدو: أن هذا هو المقصود من نهي النبي «صلی اللّه علیه وآله» عليا «علیه السلام» عن أن يرى الحسنان وأمهما «علیهم السلام» شيئاً من عورته. فإن مراده «صلی اللّه علیه وآله»: أن لا

ملحق:

اشارة

الحسين يسأل أبا هريرة!!

زعم بعض المؤرخين: أن الإمام الحسين «علیه السلام» سأل أبا هريرة عن دخول رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». فقال: كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءاً اللّه عز وجل، وجزءاً لأهله، وجزءاً لنفسه إلخ..(1).

ونقول:

أولاً: إن أبا هريرة ليس من العارفين بأحوال رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله» لكي يسأله عنه..

ثانياً: من أين اطلع أبو هريرة على ما يفعله النبي «صلی اللّه علیه وآله» حين دخوله إلى بيته ؟ ومن أين عرف مقدار ما يمنحه لأهله من وقته، وما يمنعه عنهم؟!

ثالثاً : ألم يكن علي «علیه السلام» أقرب إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وأعرف بمدخله ومخرجه من أبي هريرة؟! فلماذا لم يسأل الحسين أباه «علیهما السلام»؟!

رابعاً: إن الحسين «علیه السلام» نفسه أعرف برسول اللّه


1) إمتاع الأسماع للمقريزي ج 2 ص 178.

«صلی اللّه علیه وآله» من أبي هريرة، ومن سائر الناس ما عدا أهل بيت الرسول «صلی اللّه علیه وآله».

رواية الجزيرة الخضراء:

وقد زعمت رواية الجزيرة الخضراء: أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» بعد حجة الوداع قرأ القرآن من أوله إلى آخره، وكلما مر بموضع فيه اختلاف بينه له جبرائيل «علیه السلام»، وعلي أمير المؤمنين «علیه السلام» يكتب ذلك في درج من أدم وذلك بحضور جماعة منهم : الحسن والحسين «علیهما السلام»، وأبي بن كعب، وعبد اللّه بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وجابر بن عبد اللّه الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، وحسان بن ثابت، فالجميع قراءة أمير المؤمنين «علیه السلام» (1).

ونحن لا نريد أن نتوسع في الكلام حول هذا النص المزعوم، بل نكتفى بالقول: بأن هذه الرواية ساقطة من أساسها، وقد كتبنا حول هذه الرواية المزعومة كتاباً باسم الجزيرة الخضراء.. وقد بيتا فيه أنها لا يمكن الاعتماد عليها، ولا الأخذ بمضامينها، لكثرة المؤاخذات التي ترد عليها..


1) بحار الأنوار ج 52 ص 159 - 174 والنص موجود أيضاً في تبصرة الولي ص 243 - 251 وثمة مصادر أخرى قد أوردته ولكنها قد نقلته عمن ذكرنا، ولذا فلا حاجة إلى ذكرها.

ومن أراد التوسع في البيان، فليراجع الكتاب المشار إليه، أو يكتفي بهذه الإلماحة العابرة على قاعدة الحر تكفيه الإشارة

إخبار غيبي على مائدة الطعام:

ذكرت بعض الروايات: أن حذيفة بن اليمان دخل على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في يوم التاسع من ربيع الأول، وعنده علي والحسنان «علیهم السلام»، وهم يأكلون مع النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وهو يخبرهم بمقتل رجل في هذا اليوم تصدر منه أمور هائلة، تجاه أهل البيت «علیهم السلام» (1).

ونقول:

ماذا عن التاسع من ربيع الأول؟!:

هناك من يريد أن يطبق هذا الإخبار الغيبي على عمر بن الخطاب، مدعياً أنه قتل في التاسع من ربيع الأول.. ويمكن تأييد قوله هذا بما قالت الرواية الآنفة الذكر : أنه سيفعله، وهو إحراق بيت الوحي، ورد شهادة علي، واغتصاب فدك، ولطم وجه الزهراء الخ..


1) راجع: بحار الأنوار ج 31 ص 120 - 132 وج20 ص 332 وج 95 ص 351 - 35 وهوامش البحار، عن كتاب زوائد الفوائد، وعن دلائل الإمامة، وعن مصباح الأنوار للشيخ هاشم بن محمد، وعن الأنوار النعمانية، وراجع مستدرك الوسائل ج 1 ص 155 عن الشيخ المفيد، والعقد النضيد والدر الفريد ص 60 - 64 والمحتضر ص 93 - 101.

ولكن ما يرويه كثيرون عن تاريخ وفاة عمر، لا يساعد على قبول هذا، فقد ذكروا : أن عمر قتل في السادس والعشرين من شهر ذي الحجة (1).

بل ادعي الإجماع على ذلك (2).

فلا مجال للخروج عن هذا الإجماع إلا بدليل..

ونحن وإن كنا قد بحثنا هذا الأمر في كتابنا: الصحيح من سيرة النبى الأعظم «صلی اللّه علیه وآله»، وأثبتنا من خلال محاسبات معينة أن الأرجح هو أن يكون قد قتل في شهر ربيع الأول.. ولكن إيراد جميع ما ذكرناه هناك سيكون استطراداً طويلاً ومملاً، فمن


1) راجع: الإستيعاب ج 3 ص 1152 ووفيات الأعيان لابن خلكان ج 3 ص 439 والوافي بالوفيات ج 22 ص 304 والبداية والنهاية ج 7 ص 155 وبحار الأنوار ج 31 ص 113 و 115 و 118 و 119 وج 55 ص 372 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 365 ومسار الشيعة ص42 والعدد القوية ص 328 و 329 والمصباح للكفعمي (ط مؤسسة الأعلمي سنة 1414 ه) ص 677 وتاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 266 والمعجم الكبير للطبراني ج 1 ص 70 وفتح الباري ج 9 ص 15 وتاريخ خليفة بن خياط ص 109 والتاريخ الصغير للبخاري ج 1 ص 75 وتاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 463 و 466 والكنى والألقاب ج 3 ص 167 ومصادر ذلك كثيرة جداً.

2) راجع المصباح للكفعمي (ط مؤسسة الأعلمي سنة 1414 ه) ص677 وبحار الأنوار ج 55 ص 372 وج 31 ص 119.

أحب أن يطلع على ما قلناه، فليراجع كتاب الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» ج 14، فصل : قتل عمر، واتهام علي «عليه السلام».

إنما هو علم من ذي علم:

تقول الرواية: إنه «صلی اللّه علیه وآله» كان يخبر عليا والحسنين «علیهما السلام» أموراً لم تقع، ويفصلها لهم بدقة، مع انها أمور هائلة، وخطيرة جداً على أهل البيت «علیهم السلام» بما فيهم علي والحسنان، ولها مساس مباشر بالحالة العاطفية، وبالكيان، والعنفوان، وهي محزنة ومثيرة لهم إلى أقصى الدرجات.

فلولا أنه «صلی اللّه علیه وآله» كان يعرف أن الحسنين «علیهما السلام»، بالرغم من صغر سنهما كانا في مستوى الحدث، وأنهما قادران على تحمل هذه الأمور الكبيرة والخطيرة، لما أخبرهما بها، ولكان اختار الزمان والمكان اللذين لا يكونان حاضرين فيهما.

2 - إنه «صلی اللّه علیه وآله» إنما يمنحهما ويغذوهما بعلم الإمامة، ومن الواضح أن المعرفة بالحوادث الكبرى قبل وقوعها، يساهم في إعداد الإنسان لمواجهة هذه الأمور الخطيرة بالوعي والفكر، والصبر، والثبات، لا بالإنفعال العاطفي، والاستعظام، كما يفعله الناس العاديون في مثل هذه الأحوال.

3 - إنه «صلی اللّه علیه وآله» يختار وقت تناول الطعام ليخبر عليا الحسنين «علیهم السلام» بهذه الأخبار المرة، لأن الإنسان الهادف،

والمسؤول لا يهتم للطعام والشراب، بل يهتم بهدفه الأسمى، ويلتذ بالتفكير والتدبير، والعمل من أجل الوصول إليه، والحصول عليه.

كما أنه قد يكون من جملة أهدافه «صلی اللّه علیه وآله»، من إخبارهم أثناء الطعام هو : أن يظهر من خلال ذلك: أن مرارة الخبر، لا تخرجهما عن دائرة الإتزان والتعقل ووضع الأمور في نصابها. وهذا يدلل على بعد نظرهما، وحسن تقديرهما للأمور، وأن لذائذهما الجسدية لا قيمة لها في مقابل لذائذهما الروحية، باكتساب العلوم والمعارف.

4 - إن ما عاينه حذيفة بن اليمان قد دلنا على أن ما يخبر به الأئمة الطاهرون المعصومون «علیهم السلام»، ليس مجرد استشراف للأمور، ولا هو من قبيل الخواطر السانحة، التي يطلقونها على سبيل الحدس والتخمين، وإنما هي علم من ذي علم اختصهم اللّه تعالى، ورسوله «صلی اللّه علیه وآله» به ليكون علامة الإمامة، والدليل على اختيار اللّه تعالى لهم هداة، وقادة للعباد، وأمناءه في البلاد.

ويكون هذا العلم الخاص، هو العاضد والشاهد على سلامة النص على إمامتهم، والدافع للناس للزوم الالتزام به، والانتهاء إليه.

رواية محمد بن حرب الهلالي:

حدثنا أبو علي أحمد بن يحيى المكتب قال: حدثنا أحمد بن محمد الوراق قال: حدثنا بشر بن سعيد بن قلبويه المعدل بالرافقة قال:

حدثنا عبد الجبار بن كثير التميمي اليماني قال: سمعت محمد بن حرب الهلالي أمير المدينة يقول : سألت جعفر بن محمد «علیه السلام»، فقلت له: يا بن رسول اللّه، في نفسي مسألة أريد أن أسألك عنها ؟ !

فقال : إن شئت أخبرتك بمسألتك قبل أن تسألني، وإن شئت فسل.

قال: قلت له: يا بن رسول اللّه، وبأي شيء تعرف ما في نفسي قبل سؤالي؟!

فقال: بالتوسم والتفرس. أما سمعت قول اللّه عز وجل: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» (1). وقول رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه.

قال: فقلت له: يا بن رسول اللّه، فأخبرني بمسألتي.

قال: أردت أن تسألني عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لِمَ لمْ يطق حمله على «علیه السلام» عند حط الأصنام من سطح الكعبة مع قوته وشدته وما ظهر منه في قلع باب القموص بخيبر، والرمي به إلى ورائه أربعين ذراعاً. وكان لا يطيق حمله أربعون رجلاً، وقد كان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يركب الناقة والفرس والحمار، وركب البراق ليلة المعراج، وكل ذلك دون علي في القوة والشدة.

قال: فقلت له: عن هذا واللّه أردت أن أسألك يا بن رسول اللّه،


1) الآية 75 من سورة الحجر.

فأخبرني.

فقال : إن عليا «علیه السلام» برسول اللّه تشرف و به ارتفع، وبه وصل إلى أن أطفأ نار الشرك، وأبطل كل معبود من دون اللّه عز وجل.

ولو علاه النبي «صلی اللّه علیه وآله» لحط الأصنام لكان «صلى اللّه عليه وآله» بعلي مرتفعاً وشريفا وواصلا إلى حط الأصنام.

ولو كان ذلك كذلك، لكان أفضل منه ألا ترى أن عليا «عليه السلام» قال: لما علوت ظهر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» شرفت وارتفعت حتى لو شئت أن أنال السماء لنلتها.

أما علمت أن المصباح هو الذي يهتدى به في الظلمة وانبعاث فرعه من أصله، وقد قال علي «علیه السلام» أنا من أحمد كالضوء من الضوء.

أما علمت أن محمداً وعليا «صلوات اللّه علیهما» كانا نوراً بين يدي اللّه عز وجل قبل خلق الخلق بألفي عام، وأن الملائكة لما رأت ذلك النور رأت له أصلاً قد تشعب منه شعاع لامع، فقالت: إلهنا وسيدنا ما هذا النور؟!

فأوحى اللّه تبارك وتعالى إليهم: هذا نور من نوري، أصله نبوة وفرعه إمامة، أما النبوة فلمحمد عبدي ورسولي، وأما الإمامة فلعلي حجتي ووليي، ولولاهما ما خلقت خلقي.

أما علمت أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» رفع يد علي «عليه

السلام» بغدير خم حتى نظر الناس إلى بياض إبطيهما، فجعله مولى المسلمين، وإمامهم. وقد احتمل الحسن والحسين «علیهما السلام» يوم حظيرة بني النجار، فلما قال له بعض أصحابه: ناولني أحدهما يا رسول اللّه ؟!

قال : نِعْمَ الراكبان، وأبوهما خير منهما، وأنه «صلی اللّه علیه وآله» كان يصلي بأصحابه، فأطال سجدة من سجداته، فلما سلم قيل :له يا رسول اللّه، لقد أطلت هذه السجدة، فقال «صلی اللّه علیه وآله»: إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعاجله حتى ينزل، وإنما أراد بذلك «صلی اللّه عليه وآله رفعهم وتشريفهم، فالنبي «صلی اللّه علیه وآله» إمام ونبي وعلي «علیه السلام» إمام ليس بنبي ولا رسول، فهو غير مطيق لحمل أثقال النبوة.

قال محمد بن حرب الهلالي فقلت له زدني يا بن رسول اللّه؟!

فقال: إنك لأهل للزيادة. إن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حمل عليا «علیه السلام» على ظهره يريد بذلك أنه أبو ولده، وإمام الأئمة من صلبه، كما حول رداءه في صلاة الاستسقاء، وأراد أن يعلم أصحابه بذلك : أنه قد تحول الجدب خصباً.

قال: قلت له: زدني يا بن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»؟!

فقال: احتمل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» عليا «عليه السلام» يريد بذلك أن يعلم قومه أنه هو الذي يخفف عن ظهر رسول

اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ما عليه من الدين والعدات، والأداء عنه من بعده.

قال: فقلت :له يا بن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، زدني؟!

فقال: احتمله ليعلم بذلك أنه قد احتمله، وما حمل إلا لأنه معصوم لا يحمل وزراً، فتكون أفعاله عند الناس حكمة وصواباً. وقد قال النبي «صلی اللّه علیه وآله» لعلي يا علي إن اللّه تبارك وتعالى حملني ذنوب شيعتك، ثم غفرها لي، وذلك قوله تعالى: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللّه مَا تَقدَّمَ مِنْ دُنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر» (1). ولما أنزل اللّه تبارك وتعالى عليه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُم» (2). قال النبي «صلی اللّه علیه وآله»: «يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُم لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذا اهْتَدَيْتُمْ»، وعلي نفسي وأخي أطيعوا عليا، فإنه مطهر معصوم لا يضل ولا يشقى»، ثم تلا هذه الآية: «قُلْ َأطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حَمَلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ» (3).

قال محمد بن حرب الهلالي: ثم قال جعفر بن محمد «علیه السلام»: أيها الأمير، لو أخبرتك بما في حمل النبي «صلى اللّه عليه


1) الآية 2 من سورة الفتح.

2) الآية 105 من سورة المائدة.

3) الآية 54 من سورة النور.

وآله» عليا عند حط الأصنام من سطح الكعبة من المعاني التي أرادها،به لقلت: إن جعفر بن محمد لمجنون، فحسبك من ذلك ما قد سمعت.

فقمت إليه وقبلت رأسه وقلت اللّه أعلم حيث يجعل رسالته(1).

ونقول:

لا نريد التعليق على متن الرواية، فإنها أشارت إلى بعض المقاصد التي لا نرى حاجة إلى البحث حولها وسنكتفي بالإشارة هنا إلى سند الرواية وحسب، فنقول:

من هو محمد بن حرب؟!:

كأن سياق هذه الرواية يشي: بأن محمد بن حرب كان من الموالين لأهل البيت «علیهم السلام»، أو هو على الأقل من غير المعاندين. بل قوله «علیه السلام»: إنك لأهل للزيادة، يدل على أكثر من ذلك بكثير.


1) موسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 20 ص 532 - 537 ومعاني الأخبار ص 350 - 352 وعلل الشرايع ج 1 ص 206 - 209 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 173 - 175 وغاية المرام ج 4 ص 312 - 314 وج 6 ص 282 - 283 والأربعون حديثا للشهيد الأول ص 69 - 73 والبرهان (تفسير) ج 4 ص 408 باب 139 و (ط مؤسسة البعثة) ج3 ص 576 - 578 وج 5 ص 85 وبحار الأنوار ج 38 ص 79 - 82 وينابيع المودة ج 1 ص 423.

ولكن هناك أمران يثيران الشبهة حول هذه النقطة بالذات:

أولهما: قول ابن أبى الحديد المعتزلي محمد بن حرب من الإباضية (1). والإباضية فرقة من الخوارج الذين لا يوالون عليا وأهل البيت «علیهم السلام».

الثاني: إنه كما زعموا كان أمير مكة، أو المدينة، أو على شرطة البصرة، أو على شرطة المدينة.

ومن المعلوم: أن الخلفاء الأمويين والعباسيين على حد سواء، لا يولون هذه المناصب من يوالي عليا وأهل بيته «علیهم السلام»، أو من يتعاطف معهم.

ويلاحظ: أن هذه الرواية تقول عنه ما هو أكثر من مجرد التعاطف، ففيها: أنه قال للإمام: زدني يا بن رسول اللّه، فقال «علیه السلام»: إنك لأهل للزيادة.

كما أن هذا الحديث قد تضمن أموراً لا يطيق روايتها أباضي، ولا أموي، ولا عباسي، مثل حديث خلق علي والنبي قبل خلق الخلق بألفي عام، وارتباط ذلك بالإمامة معلوم ومفهوم..

والظاهر: أن محمد بن حرب قد ولي شرطة المدينة والبصرة (2).


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 5 ص 77.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 7 ص 35 وراجع لسان العرب ج 5 ص 163 وج 7 ص 471 عن ابن بري.

وقد صرحوا: بأن محمد بن حرب الهلالي كان على شرطة محمد بن سليمان (1).

وقال وكيع : أخبرني محمد بن الجهم السمري صاحب الفراء؛ قال: كان في سنة خمس ومائتين على قضاء البصرة يحيى بن أكثم وعلى الشرطة محمد بن حرب الهلالي وعلى الصلاة عبد اللّه بن جعفر بن سليمان وعلى كورة حلة عمرو بن زياد الدهقان.

فقال سهل بن هارون الكاتب:

بنا الخمس والمائتين***بالشبهات والغلط (2)

وإذا كان محمد بن حرب الهلالي على شرطة البصرة سنة 205 ه. فإن الإمام الصادق «علیه السلام» قد استشهد قبل هذا التاريخ بنحو سبع وخمسين عاماً، فكم كان عمر محمد بن حرب الهلالي حين سأل الإمام الصادق هذه المسائل ؟! فإن كان عمره عشرين سنة، فهل يعقل أن يكون قد تولى إمارة المدينة أو تولى شرطتها بعمر عشرين سنة؟!

ويبدو من بعض النصوص أيضاً: أنه ولي صدقة البصرة وقضاءها بالشراكة مع عبد اللّه بن سوار (3).


1) الأغاني ج 19 ص100.

2) أخبار القضاة لوكيع ج 2 ص 163.

3) أخبار القضاة لوكيع ج 2 ص 155.

وهذا كله يشير إلى أنه لم يكن من أصحاب الأئمة المقربين، ومن الموالين الموثوقين.

وأخيراً، فإن روايته هذه تقول: إنه كان أمير المدينة، لكن الشيخ الطوسي يقول : إنه كان أمير مكة (1).. وإن لم يعين لنا «رحمه اللّه» تاريخ إمارته على مكة، ولا حددت هذه الرواية تاريخ إمارته على المدينة.

لكن ابن سعد يقول: إنه تولى شرطة مكة أيضا، كما تولى شرطة البصرة (2).

وفي جميع الأحوال نقول:

الظاهر : أن هذا الرجل لم يكن من أهل الاستقامة، فقد قالوا: كان محمد بن حرب الهلالي يتعشق سلسل المغنية، التي لم تكن مولاته، بل كانت لبعض المغنين بالبصرة (3).

ابتلاء الحسين «علیه السلام» بالمختار:

روى الكشي، عن ابن سنان، عن الإمام الصادق «علیه السلام»: أنه قال: إنَّا أهل بيت صادقون، لا نخلو من كذاب يكذب


1) رجال ابن داود ص 168 وقاموس الرجال ج 9 ص 184 عنه، وطرائف المقال للبروجردي ج 1 ص 573 ومعجم رجال الحديث ج 16 ص 198.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 35.

3) الأغاني ج 10 ص 275.

علينا..

ثم ذكر «علیه السلام»: أن مسيلمة كان يكذب على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وعبد اللّه بن سبأ كان يكذب على أمير المؤمنين «علیه السلام»، وكان أبو عبد اللّه الحسين بن علي «عليه السلام» قد ابتلي بالمختار إلخ.. (1).

وقد ناقش أحد الباحثين هذه الرواية : بأن الإمام الحسين «عليه السلام» قد استشهد قبل أن يظهر المختار فمتى ابتلي الحسين بالمختار؟!

وهل يكون قتل المختار لقتلة الحسين «علیه السلام» ابتلاءً له؟!

وإن كان ابتلاؤه به أنه قد قتل قتلته «علیه السلام»، فنقول: كيف صح اعتبار هذا من كذب المختار على الإمام الحسين عليه السلام»؟! الخ..

ونجيب:

:أولاً : إن الكذب على الشخص قد يكون في حال حياته، وقد يكون


1) إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ص 305 وراجع ص 108 و (مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 2 ص 593 ومستدرك الوسائل ج 9 ص 90 وبحار الأنوار ج 2 ص 217 و ج 25 ص 263 والرسائل الرجالية للكلباسي ج 3 ص 289 وقاموس الرجال للتستري ج 9 ص 600.

بعد موته أو استشهاده «علیه السلام»

ثانياً: إن المختار كان معاصراً للإمام الحسين «علیه السلام»، فيمكن أن يكون الحسين «علیه السلام» قد ابتلي به في حياته، ثم تاب المختار بعد استشهاد الإمام الحسين «علیه السلام».. (1).


1) لا بأس بمراجعة كتابنا الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» ج 26 ص 78 – 80.

القسم الثاني: من عهد النبي «صلی اللّه علیه وآله».. إلى عهد علي «علیه السلام»

اشارة

الباب الأول: في عهد أبي بكر..

اشارة

الفصل الأول: أحداث السقيفة وفدك..

اشارة

الحسنان في خضم اغتصاب الخلافة:

لقد كان للحسنين «علیهما السلام» حضور في خضم الأحداث التي جرت بعد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. ونحب أن نذكر بعض النصوص المرتبطة بهما أولا، ثم نعقب ذلك بما نرى أنه يفيد في الإيضاح، والبيان، وسنحاول أن نقتصر على ما يرتبط بهما «علیهما السلام»، فنقول:

الحسنان «علیهما السلام» في الهجوم على الدار:

1 - روي: أن الإمام الصادق «علیه السلام»، قال للمفضل:

«ولا كيوم محنتنا بكربلاء، وإن كان يوم السقيفة، وإحراق النار على باب أمير المؤمنين،والحسن والحسين وفاطمة، وزينب، وأم كلثوم، وفضة..» (1).


1) فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى ج 2 ص 532 عن نوائب الدهور، للسيد الميرجهاني ص 194 و 292 و 407 و 408 و 417 و ص194 والهداية الكبرى للخصيبي (ط بيروت) ص 417 وبحار الأنوار ج 53 ص 14 و 18 و 19 و 23 والعوالم ج 11 ص 441 و 443 وحلية الأبرار 14 ج 2 ص 652.

2 - وهناك حديث آخر عن أبي جعفر «علیه السلام» أشار فيه أيضاً إلى «الحطب الذي جمعاه، ليحرقا به علياً، والحسن والحسين» (1).

3 - وذكر العياشي حديثاً مطولاً، جاء فيه: «.. فأمر بحطب، فجعل حوالي بيته ثم انطلق عمر بنار، فأراد أن يحرق على علي بيته وفاطمة والحسن والحسين «صلوات اللّه عليهم»، فلما رأى علي ذلك، خرج، فبايع كارها غير طائع» (2).

ولكن جاء في النصوص : أنه «علیه السلام» بقي على موقفه، وكان يقبض يده، ولكن أبا بكر هو الذي زحف إليه، ومسح على يده، ثم قالوا بايع، بايع.

4 - وعن عبد اللّه بن عبد الرحمن قال: ثم إن عمر احتزم بأزاره وجعل يطوف بالمدينة، وينادي: ألا إن أبا بكر قد بويع له، فهلموا إلى البيعة، فينثال الناس يبايعون.

فعرف أن جماعة في بيوت مستترون، فكان يقصدهم في جمع


1) دلائل الإمامة للطبري (ط النجف) ص 242 و (ط مؤسسة البعثة) ص 455.

2) تفسير العياشي ج 2 ص 306 - 308 والبرهان (تفسير) ج 3 ص 563 ونور الثقلين (تفسير) ج 3 ص 199 و 2 وكنز الدقائق (تفسير) ج 7 ص 470 - 472 وغاية المرام ج 5 ص 337 وبحار الأنوار ج 28 ص230 و 231.

كثير، ويكبسهم، ويحضرهم المسجد، فيبايعون (1).

حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي «عليه السلام»، فطالبه بالخروج. فأبى.

فدعا عمر بحطب ونار وقال: والذي نفس عمر بيده، ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه.

فقيل له: إن فاطمة بنت رسول اللّه، وولد رسول اللّه وآثار رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فيه !! وأنكر الناس ذلك من قوله.

فلما عرف إنكارهم قال: ما بالكم أتروني فعلت ذلك؟! إنما أردت التهويل (2).

وعند ابن قتيبة : أنه حين هدد بإحراق البيت على من فيه قيل له: إن في الدار فاطمة

فقال: وإن (3).


1) وهذا المعنى أيضاً رواه ابن أبي الحديد المعتزلي، فراجع.

2) الاحتجاج للطبرسي ج 1 ص 186 - 203 و (ط دار النعمان) ج 1 ص97 - 105 وبحار الأنوار ج 28 ص 204 و 205 وبيت الأحزان ص 79 و 80.

3) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 19 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 29.

فاطمة وعلي والحسنان «علیهما السلام» يزورون الصحابة:

قال سلمان الفارسي «رحمه اللّه»: فلما كان الليل حمل علي «علیه السلام» فاطمة «علیها السلام» على حمار، وأخذ بيد ابنه الحسن والحسين «علیهما السلام»، فلم يدع أحدا من أهل بدر [وبيعة الرضوان] من المهاجرين ولا من الأنصار إلا أتاه فى منزله، وذكر له حقه، ودعاه إلى نصرته.

فما استجاب له من جميعهم إلا أربعة وأربعون رجلا، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلّقين رؤوسهم معهم سلاحهم، وقد بايعوه على الموت.

قال: فأصبح ولم يوافه منهم أحد غير أربعة.

قلت لسلمان: من الأربعة؟

قال: أنا، وأبو ذر، والمقداد، والزبير بن العوام.

[قال:] ثم أتاهم من الليلة الثانية، فناشدهم [اللّه].

فقالوا : نصبحك بكرة، فما منهم أحد وفي غيرنا.

ثم أتاهم في الليلة الثالثة، فما وفى أحد غيرنا (1).


1) الإحتجاج ج 1 ص 206 و 207 و (ط دار النعمان ص 1386ه) ج1 ص 107 و 108 وكتاب سليم ج 2 ص 580 و 581 و (طبعة أخرى) ص 148 وبحار الأنوار ج 22 ص 328 و ج 28 ص 267 والأنوار العلوية ص 285 ومجمع النورين للمرندي ص 97 وغاية المرام ج 5 ص 315 و 316 وج 6 ص 26 ونفس الرحمن للنوري ص 482 وبيت الأحزان ص 108 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص 115.

وفي نص آخر: إنهم كانوا يقولون : قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر، ما عدلنا به.

فقال علي «علیه السلام»: أفكنت أدع رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله» ميتا في بيته، لم أجهزه، وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه؟!

فقالت الزهراء «علیها السلام»: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، وقد صنعوا ما اللّه حسيبهم عليه (1).

ولنا أن نسألهم أيضاً : ألم تكن في عنقهم جميعاً بيعة يوم الغدير التي أعطوها لعلي «علیه السلام» بأمر من رسول اللّه «صلی اللّه


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 13 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 19 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص30 والسقيفة وفدك للجوهري ص 64 وبحار الأنوار ج 28 ص352 355 ومناقب أهل و البيت «علیهم السلام» للشيرواني ص404 والغدير ج 5 ص372 وج7 ص 81 والإمام علي بن أبي طالب «علیه السلام» للّهمداني ص708 والوضاعون وأحاديثهم ص 494 وقاموس الرجال للتستري ج 12 ص 325 وغاية المرام ج 6 ص 18 وبيت الأحزان ص 82 و 100 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 295 و ج 33 ص 364 و 366 و 367.

عليه وآله» قبل سبعين يوماً من وفاة الرسول؟!

وقد كتب معاوية إلى علي «علیه السلام» يذكر ذلك، فقال له: «وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلاً على حمار، ويداك في يدي ابنيك: الحسن والحسين يوم بويع الخ..» (1).

ونقول:

إن المتأمل في حديث حمل علي «علیه السلام» فاطمة الزهراء، والحسنين «علیهم السلام» إلى بيوت أعيان الصحابة يجد أن الاستجابة في البداية كانت ضعيفة جدا، ثم بعد مرور حوالي شهرين أو أكثر كانت المبادرة إلى احتجاج اثني عشر رجلا من كبار الصحابة على أبي بكر، فزاد خوف الذين استولوا على الأمور.

ويبدو: أن ذلك جعلهم يفكرون بجدية، بالتخلص من علي «عليه السلام» وأهل بيته.

ونستطيع أن نبين ما نرمي إليه ضمن المطالب والفقرات والعناوين التالية مع إشارات ترمي إلى توضيح أو تصحيح بعض ما يحتاج إلى التوضيح أو التصحيح، فلاحظ ما يلي:


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 47 وسفينة النجاة للتنكابني ص 345 وغاية المرام ج 6 ص 18 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 166 وبيت الأحزان ص 100 وبحار الأنوار ج 28 ص 313 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 505.

استجابة الزبير:

ذكر الحديث المتقدم: أن الذين استجابوا لطلب الزهراء «عليها السلام» بالنصرة :هم سلمان وأبو ذر، والمقداد، والزبير.

وفي هذا نظر وذلك لما يلي:

1 - هناك من يقول : فما أجابه سوى ثلاثة رهط فقط (1).

2 - وفى نص آخر فما أعانها أحد، ولا أجابها، ولا نصرها» (2).

3 - إن سائر الروايات لا تذكر الزبير في جملتهم، بل تذكر عماراً عوضاً عنه (3).


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 126 الهداية الكبرى للخصيبي ص412 والعقد النضيد للقمي ص 150 وراجع الدرجات الرفيعة ص 213.

2) الإختصاص للمفيد ص 183 - 185 وبحار الأنوار ج 29 ص 189 - 193 وموسو عة أحاديث أهل البيت للنجفي ج 8 ص 422 - 424 والعوالم ج 11 ص 647 ح 2 واللمعة البيضاء ص 309 - 312 ومجمع النورين للمرندي ص 121 - 124.

3) الإحتجاج ج 1 ص 188 و (ط دار النعمان سنة 1386ه) ج 1 ص 98 و 281 والصراط المستقيم ج 2 ص 80 ومجمع النورين للمرندي ص74 وبحار الأنوار ج 22 ص 328 و ج 28 ص 191 وج 29 ص 419 وجامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 43 ونهج الإيمان لابن جبر ص579 ونفس الرحمن في فضائل سلمان للطبرسي ص 579 ومستدرك الوسائل ج11 ص 74 والعقد النضيد للقمي ص 150 وكتاب الأربعين للشيرازي ص238.

كما أننا لم نعد نرى أو نسمع للزبير أية حركة بعد أن أخذوا سيفه مه.

مدى استجابة الصحابة وبني هاشم:

وفي نص آخر عن علي «علیه السلام»: أنه حين أخبره النبي «صلی اللّه علیه وآله» بما يكون بعده قال:

فقلت: يا رسول اللّه، فما تعهد إلي إذا كان كذلك؟!

فقال: إذا وجدت أعواناً، فبادر إليهم وجاهدهم، وإن لم تجد أعواناً كف يدك، واحقن دمك، حتى تلحق بي مظلوماً.

فلما توفي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» اشتغلت بغسله وتكفينه، والفراغ من شأنه، ثم آليت على نفسي يمينا: أن لا أرتدي برداء إلا للصلاة حتى أجمع القرآن، ففعلت.

ثم أخذت بيد فاطمة «علیها السلام»، وابنيَّ الحسن والحسين «علیهما السلام»، فدرت على أهل بدر وأهل السابقة، فناشدتهم حقي، ودعوتهم إلى نصرتي، فما أجابني منهم إلا أربعة رهط: سلمان وعمار، وأبو ذر، والمقداد.

ولقد راودت في ذلك بقية أهل بيتي، فأبوا علي إلا السكوت، لما علموا من وغارة صدور القوم، وبغضهم للّه ورسوله، ولأهل بيت

نبيه..» (1).

ونقول:

نفهم من الروايات المتقدمة، ومن نصوص عديدة أخرى: أن الذين كانوا في موقع المناوئ الأمير المؤمنين «علیه السلام»، كانوا جادين في سعيهم إلى قتله «علیه السلام»، وقتل فاطمة والحسنين «علیهما السلام»، بالإضافة إلى زينب وأم كلثوم، وفضة.

ويكفي في الدلالة على جديتهم في هذا الأمر: قول النبي «صلی اللّه علیه وآله» له: «وإن لم تجد أعوانا كف يدك، واحقن دمك حتى تلحق بي مظلوماً».

وفي رسالة معاوية لمحمد بن أبي بكر قال معاوية: «فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه حقه، وخالفه على أمره. وهما به الهموم، وأرادا به العظيم..» (2).


1) الإحتجاج ج 1 ص 157 و (ط دار النعمان سنة 1386ه) ج 1 ص 98 و 280 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 238 وبحار الأنوار ج 28 ص191 وج 29 ص 419 و 467 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 115 ومستدرك الوسائل ج 11 ص75.

2) مروج الذهب ج 3 ص 11 - 13 و (تحقیق شارل پلا) ج 3 ص 200 والإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 272 وبحار الأنوار ج 33 ص 577 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 119 وصفين للمنقري ص 120 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب «علیه السلام» في الكتاب والسنة والتاريخ ج 6 ص 44 وغاية المرام ج 5 ص 309 وج6 ص 123.

وعن الإمام السجاد «علیه السلام» أن عمر قال لعلي «عليه السلام» إذا امتنع عن البيعة: «إذا واللّه الذي لا إله إلا هو تضرب عنقك» (1).

وهناك نصوص عديدة أخرى تدل على ذلك.

تعدد المحاولة:

ويبدو: أن محاولة القتل هذه قد تعددت ولا نقصد منها ما يشمل الاتفاق مع خالد بن الوليد على قتله «علیه السلام» في حال الصلاة - كما ذكرناه في بعض مؤلفاتنا (2).

بل نقصد: أن محاولات قتله قد تعددت في سياق محاولاتهم أخذ البيعة منه «علیه السلام». كما أن محاولات الإحراق أو التهديد به قد تعددت أيضاً بملاحظة تعدد الهجوم على بيت فاطمة «عليها السلام».

فقد هوجم هذا البيت في اللحظات الأولى من فراغ أمير المؤمنين «علیه السلام» من دفن النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وحصرت


1) المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب ص 65 و 66 و (بتحقيق المحمودي سنة 1415ه) ص 376 - 378 وتفسير أبي حمزة الثماليص 175 و 176.

2) راجع: الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» ج 11 ص27.

الزهراء «علیها السلام» بين الحائط والباب، وعصرت حتى أسقط جنينها «محسَّن».

ثم هوجم مرة أخرى في اليوم التالي، فقد روى المفيد «رحمه اللّه»: أنه حين كان أبو بكر على المنبر، يبايع له، كانت جماعة تهاجم بيت علي والزهراء «علیهما السلام» بقصد إحراقه، فقد لقي ثابت بن قيس عليا «علیه السلام» في العالية بالمدينة، فقال له: ما شأنك يا أبا الحسن؟!

فقال: أرادوا أن يحرقوا علي بيتي، وأبو بكر على المنبر يبايع له، ولا يدفع عن ذلك، ولا ينكره (1).

ثم هوجمت الزهراء «علیها السلام»، وضربت مرة أخرى في قضية اغتصاب فدك منها، بعد استشهاد أبيها بعشرة أيام.

وهناك هجوم آخر ذكرته رواية الإحتجاج عن عبد اللّه بن عبد الرحمان تقول : إن هجوماً قد حصل بعد مضى أيام من البيعة لأبى بكر، حيث جاء عمر بن الخطاب في جمع كثير إلى منزل علي بن أبي طالب «علیه السلام»، وحاولوا إحراقه، ولكنه لم يحدد عدد هذه الأيام.


1) الأمالي للمفيد ص 38 و (ط دار المفيد سنة 1414ه) ص 49 و 50 حديث 9 وبحار الأنوار ج 28 ص 231 و 232 عنه، وغاية المرام ج 5 ص 334.

ثم كان الهجوم الأخير - ولعله الأقوى والأكثر حشداً - بعد أكثر من شهرين، وقد بذلت محاولة لإحراق البيت بما فيه. وكانت هذه المحاولة أكثر جدية هذه المرة. كما سيتضح.

لماذا أكثر جدية؟!:

ويبدو: أن سبب هذه الجدية: هو أن الذي أثار حفيظة القوم، وأكد شعورهم بالحاجة إلى التخلص من أهل هذا البيت بما فيه، كباراً وصغاراً هو رؤيتهم أنهم - وعلى رأسهم علي «علیه السلام» - ما فتئوا يعملون على إيقاظ ذاكرة الناس، ويضعون أمام أعينهم بيعتهم لعلي «علیه السلام» يوم الغدير بأمر من الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، ويذكّرونهم بما كانوا قد سمعوه ووعوه من أقوال، وما عاينوه من أحوال وأفعال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وما أنزل اللّه من آيات بينات في حق أهل البيت «علیهم السلام»، مما يؤكد مكانتهم عند اللّه، وموقعهم في هذا الدين، وأنهم هم الأئمة الطاهرون، الذين اختارهم اللّه هداة لعباده، وقادة في بلاده.

والذي زاد الطين بلة : أنهم رأوا عليا «علیه السلام» يحمل زوجته فاطمة الزهراء «علیها السلام» وولديه «علیهما السلام»، ويطوف بهم على بيوت المهاجرين والأنصار لطلب نصرتهم، وإقامة الحجة عليهم، ومطالبتهم بالوفاء ببيعتهم، وبالعودة إلى العمل بأوامر اللّه ورسوله، والالتزام بما ألزمهم به.

وقد رأوا كيف أن طائفة من كبار أصحاب رسول اللّه «صلی اللّه

عليه وآله»، وكانوا - كما قيل - حين وفاة النبي «صلی اللّه علیه وآله» غيَّباً، أو أن أكثرهم كان غائباً، قد رجعوا إلى أنفسهم، ويتوقع أن يلحق بهم غيرهم، ولاسيما من الأنصار - رأوا كيف أنهم - بدأوا يفكرون بالتصدي لأبي بكر، ومنعه من صعود منبر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. فبادر اثنا عشر رجلان من هؤلاء الكبار، فمشوا إلى أبي بكر، واحتجوا عليه بما أفحمه، ولم يجد له جواباً مقنعاً ومقبولاً.

وفي هذا المناسبة بالذات. كان أقصى ما عنده أن قال لهم:

وليتكم ولست بخيركم، أقيلوني أقيلوني.

فقال له عمر بن الخطاب : انزل عنها يا لكع، إذا كنت لا تقوم بحجج قريش لم أقمت نفسك هذا المقام؟! واللّه لقد هممت أن أخلعك، وأجعلها في سالم مولى أبي حذيفة.

وبعد ثلاثة أيام جاءهم خالد بن الوليد [المخزومي]، ومعاذ، وغيرهما بجموع من الناس. ويبدو أن هؤلاء كانوا من المنافقين الذين كانوا حول المدينة، وهم جهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار.

(وقد ذكر الطبري وغيره: أنهم دخلوا المدينة، فتضايقت بهم سككها، وأن عمر بن الخطاب قال حينئذ: فلما رأيت أسلم أيقنت بالنصر) (1).


1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 222 وتلخيص الشافي ج 3 ص 66 وبحار الأنوار ج 2 ص 335 و 326 والشافي للسيد المرتضى ج3 28 ص 190 وراجع الكامل لابن الأثير ج 3 ص 331 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 40 والجمل للمفيد ص 119.

وخرج هؤلاء شاهرين سيوفهم، حتى أتوا مسجد رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله»، وتهددوا أصحاب علي «علیه السلام».

فتصدى لهم خالد بن سعيد بن العاص، وسلمان الفارسي، وحسم علي «علیه السلام» الأمر، وأمر أصحابه بالانصراف

ثم إن عمر تحزم بإزاره، وجعل يطوف بالمدينة، وينادي: ألا إن أبا بكر قد بويع، فهلموا إلى البيعة.

ويبدو: أن مراده أن أبا بكر قد بويع من قبل علي «علیه السلام»، فأراد من الناس أن يأتوا للبيعة مرة أخرى، للتوثق والاطمينان بعد الذي حصل.

ثم عرف عمر أن جماعة في بيوت مستترون، فكان يقصدهم في جمع كثير، ويكبسهم، ويحضرهم المسجد، فيبايعون.

حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي «عليه السلام»، فطالبه بالخروج، فأبى، فدعا بحطب ونار، وأقسم ليحرقن الدار بمن فيها.

فقيل له: إن فيها فاطمة، والحسن والحسين، وآثار رسول اللّه.

ثم احتجت عليهم فاطمة بحديث الغدير و غيره (1).

ويبدو: أن استخراج أمير المؤمنين «علیه السلام» من بيته، والإتيان به ملببا، حتى مسح أبو بكر يده على يده قد حصل في هذه المرة، وبذلك تكون النتيجة هي: أن علياً «علیه السلام» لم يبايع حتى رأى الدخان يخرج من بيته (2)

وراجع: المعجم الكبير للطبراني ج 1 ص 62 وضياء العالمين (مخطوط) ج 2 ق 3 ص 9 و 108 عن العديد من المصادر والنص والإجتهاد ص91 والسبعة من السلف ص 16 و 17 والغدير ج 7 ص 170 ومعالم المدرستين ج 2 ص 79 وعن تاريخ ابن عساكر (ترجمة أبي بكر) ومرآة الزمان.

وراجع: زهر الربيع ج 2 ص 124 وأنوار الملكوت ص 227 وبحار الأنوار ج 30 ص 123 و 136 و 138 و 141 و 352 ونفحات اللاهوت ص79 وحديقة الشيعة ج 2 ص 252 وتشييد المطاعن ج 1 ص 340 ودلائل الصدق ج 3 ق 1 ص 32.

وراجع: ج1 الخصال ج 1 ص 171 و 173 وحياة الصحابة ج 2 ص24 والشافي للمرتضى ج 4 ص 137 و 138. والمغني لعبد الجبار ج 20 ق 1 ص 340 ص137 و 341. ونهج الحق ص 265 والأموال لأبي عبيد ص194 (وإن لم يصرح بها).

وراجع ايضاً: مجمع الزوائد ج 5 ص 203 وتلخيص الشافي ج3 ص170 وتجريد الإعتقاد لنصير الدين الطوسي ص 402 وكشف المراد ص403 ومفتاح الباب (أي الباب الحادي عشر) للعربشاهي (تحقيق مهدي محقق) ص 199 وتقريب المعارف ص 366 و 367 واللوامع الإلهية في المباحث الكلامية للمقداد ص 302 و مختصر تاریخ دمشق ج 13 ص 122 ومنال الطالب ص 280.

وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 219 وكتاب سليم بن قيس ج 2 ص 572 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 147 والسقيفة وفدك للجوهري ص 48.

. كما ورد في النصوص.

1) راجع: ما تقدم في الإحتجاج ج 1 ص 201 - 204 والخصال، باب الاثني عشر، وبحار الأنوار ج 28 ص204 و 286.

2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 137 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص117 و 118 وإثبات الهداة ج 2 ص 359 و 367 و 368 والعقد الفريد ج 4 ص 268 والإيضاح لابن شاذان ص 161 والإمامة والسياسة ج1 ص18 وسير أعلام النبلاء (سير الخلفاء الراشدين) ص 17 ومجموع الغرائب للكفعمي ص 288 ومروج الذهب ج 1 ص 414 و ج 2 ص 301 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 130 وج 17 ص 168 و 164 وج6 ص 51 وج2 ص 47 و 46 وج 20 ص 24 و 17 وميزان الإعتدال ج 3 ص 109 وج2 ص 215 والإمامة ص 82 (مخطوط) توجد نسخة مصورة منه في مكتبة المركز الإسلامي للدراسات في بيروت. ولسان الميزان ج 4 ص 189 وتاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 430 (ط المعارف) وكنز العمال ج 3 ص 125 وج 5 ص 631 و 632 والرسائل الاعتقادية (رسالة) طريق الإرشاد) ص 470 و 471 ومنتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج 2 ص 171.

ما الدليل على الشهرين؟!

وإنما قلنا: إن هذا الذي حصل قد كان بعد أكثر من شهرين، لأن

خالد بن سعيد بن العاص كان من جملة المحتجين على أبي بكر، وقد واجه عمر حين جاء بجمعه الكثير، وهدد أصحاب على «علیه السلام» بصلابة وقوة.

وخالد هذا كان حين وفاة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» باليمن، وقد تأخرت عودته إلى المدينة إلى شهر (1).

وبعد عودته تربص ببيعته شهرين (2)فيكون قد بايع أبا بكر بعد وفاة النبي «صلی اللّه علیه وآله» بثلاثة أشهر.

ويدل على هذا التأخير ما ورد في رواية مطولة، عن عبد اللّه بن سنان عن الإمام الصادق «علیه السلام»، من أنه بعد اغتصاب فدك من الزهراء «علیها السلام»، - وكان ذلك بعد عشرة أيام من وفاة النبي «صلی اللّه علیه وآله» (3)- احتجت الزهراء «علیها السلام» على أبي بكر، حيث تقول الرواية:

«فقامت مغضبة، وقالت: اللّهم إنهما ظلما ابنة محمد نبيك حقها،


1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 388.

2) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 387 و 388 وتاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 78.

3) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 211 والسقيفة وفدك ص 100 والطرائف لابن طاووس ص 264 وراجع البحار ج 29 ص 239 ومناقب آل أبي طالب ص 418 وعن بلاغات النساء ج2 ص 146 و (ط بصيرتي - قم) ص 14 ومواقف الشيعة ج 1 ص 473.

فاشدد وطأتك عليهما.

ثم خرجت، وحملها عليّ على أتان عليه كساء له خمل، فدار بها أربعين صباحاً في بيوت المهاجرين والأنصار، والحسن والحسين «علیهما السلام» معها، وهي تقول:

يا معشر المهاجرين والأنصار، انصروا اللّه، فإني ابنة نبيكم، وقد بايعتم رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يوم بايعتموه: أن تمنعوه وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم.

ففوا لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ببيعتكم.

قال: فما أعانها أحد، ولا أجابها، ولا نصرها» (1).

فإذا كان الإحراق الأخير لبيت الزهراء «علیها السلام» قد حصل بعد ما ذهبت إلى بيوت المهاجرين والأنصار، وطلبت نصرتهم، وكانت هذه المبادرة قد استغرقت أربعين يوما.. وكانت بعد مضي عشرة أيام، فذلك يعني صحة ما قلناه، من أن الإحراق قد حصل بعد حوالي شهرين من وفاة النبي «صلی اللّه علیه وآله» على أقل تقدير.

إحراق الجميع هو المطلوب:

يفهم من النصوص المتقدمة: أن المقصود بالإحراق ليس عليا وحده، بل كان إحراق فاطمة الزهراء أيضاً مقصوداً أساسياً لهم، لأن


1) راجع الإختصاص ص 183 - 185 وبحار الأنوار ج 29 ص 193.

وجود السيدة الزهراء «علیها السلام»، وموقفها هو الذي أحرجهم وفضح أمرهم إلى أقصى الحدود.

فجاش الحقد عليها في نفوسهم، فلماذا لا يتخلصون منها بالإحراق، أو بأية وسيلة كانت إذا أمكنهم ذلك؟!

كما أن بقاء الحسنين «علیهما السلام» سوف يثير أمامهم متاعب.كثيرة وذلك لأجل المكانة التي تبوّاها في ضمير ووجدان الأمة، بسبب ما نزل فيهما من آيات وما قاله رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في حقهما، وما صنعه لهما، وما ظهر منهما من جدارة لكل ما حباهما به اللّه ورسوله، وأهلهما له.

وقد زاد الطين بلة : أنه «صلی اللّه علیه وآله» جعل لهما مقام الإمامة بعد أبيهما.

كما أن عليهم التخلص أيضاً من زينب وأم كلثوم، وفضة، حتى لا يبقى من أهل هذا البيت نافخ،ضرمة، يمكن أن يذكر الناس بما جرى على أهل هذا البيت.

وهكذا يتضح: أن مجرد التهديد بالإحراق لم يعد مقصودا، بل أصبح الإحراق نفسه أولوية، وحاجة بالنسبة إليهم.

ادّعاء بالتسرع، وادّعاء بالتوبة:

ولا شك في أنهم يدركون : أن أمراً كهذا سوف يحدث صدمة كبيرة للناس، ولاسيما لدى المؤمنين منهم.. وعليهم التخلص من أية ردة فعل تنشأ عن هذا الحدث الخطير. وقد رأوا أن ذلك يحتاج إلى العمل في

أكثر من اتجاه:

1 - إنهم قاموا بتهيئة الأجواء إعلامياً، بإطلاق دعاوى وشائعات تجعل عليا وأهل بيته «علیهم السلام» في موقع الاتهام، وبإشاعة أنهم يخافون من الفتنة، وأن عليا وأهل بيته «علیهم السلام» هم السبب في إشاعة أجواء الفتنة هذه بين المسلمين.

وهذا ما تصدت له الزهراء «علیها السلام»، وعملت على تكذيبهم فيه، حين أعلنت بقولها: «أزعمتم خوف الفتنة؟! ألا في الفتنة سقطوا» (1).

وكان أبو بكر أطلق هذه المزعمة، فقد خطب بعد مهاجمته لبيت الزهراء مبرراً ما جرى فقال: «واللّه ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً قط، ولا ليلة، ولا سألتها اللّه تعالى قط سراً ولا علانية. ولكني أشفقت من الفتنة الخ..» (2).


1) راجع: دلائل الإمامة ص 116 والإحتجاج ج 1 ص 137 والطرائف لابن طاووس ص 265 وبحار الأنوار ج 29 ص 225 و 238 و 275 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص 417 والسقيفة وفدك للجوهري ص 143 وشرح الأخبار ج 3 ص 36 وفدك في التاريخ ص133 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 251 وبلاغات النساء لابن طيفور ص 14 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 1 ص 160 واللمعة البيضاء ص 636.

2) سبل الهدى والرشاد ج 12 ص 317 وراجع الرياض النضرة ج 1 ص 241 وتاريخ الخميس ج 2 ص 169 والمسترشد في الإمامة ص 379 و 378 وإثبات الهداة ج 2 ص 383.

ومن مقولات أبي بكر المشهورة قوله: «إن بيعتي كانت فلتة وقى اللّه شرها، وخشيت الفتنة»(1).

2 - إنهم حشدوا أقصى ما لديهم من رجال، حتى اطمأنوا إلى أنهم أصبحوا قادرين على السيطرة، واستيعاب أية ردة فعل يمكن أن تواجههم من خلال مئات المقاتلين، إن لم يكن الآلاف من قبيلة أسلم، وربما من جهينة، ومزينة، وغفار، وجماعات من حزبهم الذين كانوا في المدينة، وأكثرهم من المهاجرين، ومن تابعهم.

وبذلك لن يستطيع أصحاب علي مواجهة كل هؤلاء، ولاسيما إذا قتل سيدهم وزعيمهم، وأهل بيته وأصبحوا بلا،قائد وبلا أمل يراودهم بالوصول إلى اية نتيجة.

وقد تقدم: أنهم ضربوا الزهراء «علیها السلام»، وأسقطوا جنينها.. وبعد أيام هاجموا بيت علي «علیه السلام» في جمع كثير. والحال، أن المدينة كانت آنئذ قرية صغيرة جداً، لا طاقة لها بمئات من المقاتلين، فضلاً عن مثل هذه الجموع ولاسيما إذا كان شطر كبير من أهل المدينة سيشاركون المهاجمين في العمل على إخماد


1) راجع : شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 50 وج6 ص 47 وأنساب الأشراف البلاذري ج 1 ص 590 وسبل الهدى والرشاد ج 12 ص314 عنه. وراجع:كتاب الأربعين للشيرازي ص 154 والمراجعات للسيد شرف الدين ص 337 والسقيفة وفدك للجوهري ص 46

أنفاس أهل المدينة.

3 - أوهموا أنفسهم: أن هذه الجموع التي قد تعد بالألوف تبقى قوة احتياطية لضرب أي تحرك مفاجئ، بعد تنفيذ ما عقدوا العزم عليه والوسيلة التي اعتمدوها هي أن يأتوا إلى بيت علي «عليه السلام»، ويجمعوا الحطب، ويتهددوا من فيه، ثم يصعدوا في مستوى التحدي، إلى الحد الذي يسمح بإضرام النار في البيت، ثم يدَّعوا: أن أهل ذلك البيت هم الذين هاجموهم، وأثاروا الفتنة، فدارت الدائرة عليهم.

فإذا جاءت ردة فعل الناس قاسية، فلديهم من الرجال أضعاف أضعافهم، فيخمدون حركتهم، وإذا تطورت الأمور إلى الأسوأ، فلا بأس بسفك دمائهم، وقتل أعيانهم وكبارهم، وأهل الوعي فيهم، من الذين يحركونهم.

وبعد هذا وذاك، فإن بإمكانهم أن يظهروا الألم، والأسف، والحزن، وأن يشيعوا جنائزهم.

وإذا احتاج الأمر إلى ادّعاء أنها كانت ساعة غضب، وغوغاء، ولم يمكنهم السيطرة على رجالهم وأعوانهم، أو ادّعاء أنهم إنما قصدوا التهويل وأن ما حصل لم يكن برغبتهم، وضمن إرادتهم.

ثم يظهرون الوجد والبكاء على علي وأهل بيته، ويتظاهروا بالندم والتوبة، ثم أن يضعوا الأحاديث على لسان الرسول «صلی اللّه علیه وآله» بأن اللّه تعالى قد غفر لمن فعل كذا، وكانوا منهم.. فلن

يبخلوا على الناس بأي شيء، ما دام لا يخلّ بسلطتهم، ولا يقلل من هيبتهم، ويضعف من هيمنتهم.

وقد علمتهم التجربة التي خاضوها، حين ضربوا الزهراء «علیها السلام» في يوم وفاة النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وأسقطوا جنينها، وهددوا بإحراق بيتها، أو باشروا ذلك - قد علمتهم - أن أمثال هذه الأعذار تنطلي على الناس.. حيث إنهم ادعوا التوبة مما بدر منهم، وأنهم أرادوا دفع الفتنة، فقبل الكثيرون ذلك منهم.

الحسنان «علیهما السلام» شريكان:

ثم إن من يلاحظ النصوص، يجد ثلاثة أمور:

الأول : أن أهل البيت «علیهم السلام» بصورة عامة كانوا على يقين من أن قتل الحسنين «علیهما السلام» كان هدفا أساسياً للمهاجمين.. وتجد الجهر بهذا الأمر في نصوص كثيرة، ولاسيما عن أئمة أهل البيت «علیهم السلام» في مختلف العصور والأزمنة.

وقد أنذر الناس المهاجمين، من أن تؤدي أفعالهم إلى استشهاد هذين السيدين الجليلين، ولكنهم لم يجدوا منهم ما يطمئنهم إلى عدم تعمد قتلهم بل لم يسمعوا منهم كلمة واحدة تشير إلى عدم رغبتهم في حصول هذا الأمر، بل وجدوهم غير مكترثين لهذا الأمر، بل كان حالهم يشير إلى رغبتهم في حصوله.

الثاني: إن تعمد علي «علیه السلام» إشراك الحسنين وأمهما «علیهم السلام» في لقاء الصحابة، لمطالبتهم بما يجب عليهم، من

الوفاء ببيعة الغدير ونصرة أهل الحق وتنفيذ أوامر اللّه ورسوله، يشبه تماماً إشراك رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لفاطمة، ولهما «عليهم السلام» في قضية مباهلة نصارى نجران.

فقد دل ذلك على أن الزهراء والحسنين «علیهم السلام» شركاء في أمر الإمامة، ولا بد لهم من القيام بما يجب عليهم من إقامة الحجة على الناس في هذا الأمر الخطير الذي يكون به قوام الدين، والذي يفترض فيهم أن يبذلوا فيه كل ما لديهم حين يحتاج الأمر إلى ذلك.

وهذا يدل على أن إشراكهما في هذا الأمر ليس لأجل استعطاف الأنصار، بل لإقامة الحجة عليهم، من موقع إمامة الحسنين «عليهما السلام».

الثالث: إن سعي المناوئين لمهاجمتهما وقتلهما مع أمهما إنما هو لتجلي معنى الإمامة فيهما، وهذا ما كان يخيفهم. وقد أكده رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لهم في العديد من المناسبات. ولكنهم لا يريدون الإذعان.

الحسنان يشهدان بفدك

قالوا: إنه بعد عشرة أيام من استشهاد النبي «صلی اللّه علیه وآله» استولى الحكام المناوئون لعلي وأهل البيت «علیهم السلام» على فدك (1)، وأخرجوا عمال السيدة الزهراء «علیها السلام» منها،


1) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 211 والسقيفة وفدك ص 100 والطرائف لابن طاووس ص 264 وراجع: البحار ج 29 ص 239 ومناقب آل أبي طالب ص 418 وعن بلاغات النساء ج 2 ص 146 و (ط بصيرتي - قم) ص 14 ومواقف الشيعة ج 1 ص 473.

بعد أن كانوا فيها عدة سنين.. وكان النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد أعطاها،إياها، لأنها خالصة له، حيث لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.

فبادرت «علیها السلام» إلى المطالبة بها، والإحتجاج على من غصبها إياها، وقالت لهم: إن أبى نحلنيها.

فقال أبو بكر : أريد لذلك شهوداً.

فبعثت إلى علي والحسن والحسين وأم أيمن، وأسماء بنت عميس - وكانت تحت أبي بكر بن أبي قحافة - فأقبلوا إلى أبي بكر، وشهدوا لها بجميع ما قالت ما قالت وادَّعت.

فقال (عمر) : أما علي فزوجها.

وأما الحسن والحسين فابناها.

وأما أم أيمن فمولاتها.

وأما أسماء بنت عميس فقد كانت تحت جعفر بن أبي طالب، فهي تشهد لبني هاشم، وقد كانت تخدم فاطمة وكل هؤلاء يجرون إلى أنفسهم.

فقال على «علیه السلام»: أما فاطمة فبضعة من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ومن آذاها فقد آذى رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله». ومن كذبها فقد كذب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

وأما الحسن والحسين، فابنا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وسيدا شباب أهل الجنة من كذبهما فقد كذب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، إذ كان أهل الجنة صادقين.

وأما أنا فقد قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: أنت مني وأنا منك، وأنت أخي في الدنيا والآخرة، والراد عليك هو الراد علي ومن أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاك فقد عصاني.

وأما أم أيمن فقد شهد لها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بالجنة، ودعا لأسماء بنت عميس وذريتها.

قال عمر: أنتم كما وصفتم (به) أنفسكم. ولكن شهادة الجارّ إلى نفسه لا تقبل.

فقال علي «علیه السلام»: إذا كنا نحن كما تعرفون (ولا تنكرون)، وشهادتنا لأنفسنا لا تقبل، وشهادة رسول اللّه لا تقبل، فإنا للّه وإنا إليه راجعون. إذا ادَّعينا لأنفسنا تسألنا البينة؟! فما من معين يعين.

وقد وثبتم على سلطان اللّه وسلطان،رسوله، فأخرجتموه من بيته إلى بيت غيره من غير بينة ولا حجة، «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلبٍ

يَنقَلِبُونَ» (1)» (2).

وهناك نصوص أخرى فيها العديد من الإشارات واللمحات، فمن أرادها فليرجع إلى كتابنا الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام»، الجزء العاشر.

للإيضاح والتذكير:

ونقول:

قد تكلمنا عن موضوع فدك، والإستيلاء عليها من قبل الذين استولوا على الأمور بعد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام»، الجزء العاشر، وفي :كتابنا الصحيح من سيرة النبي «صلی اللّه علیه وآله» أيضاً.

وسوف لن نعيد هنا ما ذكرناه هناك، بل نقتصر على ما يرتبط بالإمامين الحسنين «علیهما السلام»، وذلك على النحو التالي.

مستند رد شهادة الحسنين:

إن أبا بكر قد طلب من الزهراء «علیها السلام» شهوداً، فجاءته،بعلي والحسنين، وأسماء بنت عميس، وأم أيمن. بالرغم من أن جميع الناس يشهدون: أن فدكا كانت في يدها، وعمالها كانوا فيها لعدة


1) الآية 227 من سورة الشعراء.

2) الكشكول فيما جرى على آل الرسول ص 203 - 205 وبحار الأنوار ج 29 ص 197 - 199 واللمعة البيضاء ص 315.

سنوات، ولكنها أرادت أن تأتيه بمن عاين، ورأى وسمع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وهو يمنح فاطمة فدكا، وتشهد خصوص هؤلاء على هذا الأمر.

وهم: امرأتان - إحداهما زوجة أبي بكر نفسه، وهي أسماء بنت عميس، وعلي والحسنان «علیهم السلام».

ورسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي أشهدهم على هذا الأمر.. وكأنَّه «صلی اللّه علیه وآله» على اطلاع من طريق الوحي الإلهي : بأن فاطمة «علیها السلام» سوف تحتاج إلى الشهود، فاختار لها شهادة هؤلاء.

وكان اختياره لهؤلاء له أبعاد مهمة فقد كان بإمكانه أن يشهد على هذا الأمر ثلة من كبار الصحابة، ولكنه لم يفعل، واقتصر على خصوص هؤلاء.

لأنه «صلی اللّه علیه وآله» كان يعلم: بأن فدكا سوف تؤخذ من فاطمة على كل حال، حتى لو شهد لها بها الناس أجمعون.

فلم يعد المهم استرجاع فدك، لأنهم لن يرجعوها.

وما دام الأمر كذلك، فليكن الثمن الذي يدفعونه كبيراً، وفادحاً. من سمعتهم، ومن كرامتهم في الدنيا قبل الآخرة.

فكانت الخطة الإلهية هي اختيار هؤلاء للشهادة، لأن ذلك سوف يغري هؤلاء الغاصبين بالتسرع لرد،شهادتهم، متذرعين بحجج واهية، وأباطيل خاوية سرعان ما يظهر زيفها وبطلانها، كالذي

رأيناه وسمعناه إذ ما أسهل أن يقولوا هذه أعجمية لا تفصح، وذاك يجر النار إلى قرصه والحسنان ابنا فاطمة أيضاً، فهما يجران النار إلى قرصهما أيضاً.

ولكن لم يكن المهم هو ضعف حجج المستولين على فدك، وبطلان أدلتهم، بل المهم هو: أن هذا الرد يتضمن تكذيباً لصريح القرآن في آية التطهير، وظهور مدى قصورهم في المعرفة بالأحكام.

والأهم من ذلك: ظهور جرأتهم بعد التذكير والتوضيح على مخالفة صريح الأوامر الإلهية، والتمرد على الشرع والدين، وعدم المبالاة بما رأوه وسمعوه وعاينوه من توجيهات وأوامر وزواجر، صدرت من سيد الخلق أجمعين، وافضل الأنبياء والمرسلين.

ولو أنه «صلی اللّه علیه وآله» أشهد أيا كان من الناس، لتجرؤوا على تكذيبه، وقالوا: لقد حضرنا كما حضرت، ورأينا ما رأيت ولكنك تميل مع الهوى، أو تتأثر بالعصبية، أو أنك تحت وطأة التأثير العاطفي، بما لا يصح التأثر به، أو لغير ذلك من أسباب.

فإن قيل لهم: إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قال في حق الشاهد الفلاني كذا، وفي حق ذاك الآخر كذا وكذا، فسوف يسهل عليهم القول: إننا كبرنا ونسينا، أو لم نسمع، ولم نر، ولا ندري، أو إنه «صلی اللّه علیه وآله» قد غيّر رأيه فيه بعد أن حصل كذا وكذا، أو بعد أن ظهرت منه الهفوة الكذائية، أو ما إلى ذلك.

وقد يطعنون بالنبي «صلی اللّه علیه وآله» نفسه، ويقولون: لعله

جاملهم في كلامه، أو لعله لم يطلع على ما أخفوه من سلوك، وتستروا عليه من ممارسات، فحباهم بأوسمة لا يستحقونها.

ولكن الناس يعلمون، ويرون: أن هؤلاء الصفوة أعني عليا وفاطمة والحسنين «علیهم السلام» قد عاشوا مع النبي «صلی اللّه علیه وآله» طيلة حياتهم، وكانوا بمرأى ومسمع منه، ولم يزل يلهج بنشر فضائلهم ويبين مقاماتهم، ويعرف الأمة بما لهم عند اللّه، إلى آخر لحظة في حياته..

كما أن اللّه تعالى قد أنزل فيهم قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، ولم ينزل ما ينقض تلك الآيات. واللّه عالم بالأسرار والخفيات، فلا يمكن أن يحابي هذا، أو أن تأخذه العصبية القبائلية، أو أن يجامل، أو أن ينسى، أو غير ذلك..

شهادة الحسنين «علیهما السلام» بنظر الغاصبين:

قد لفت نظرنا: أن الغاصبين لفدك لم يردوا شهادة الحسنين «علیهما السلام» لصغر سنهما، ربما لأنهم عرفوا : أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد أشهدهما على كتاب ثقيف، وبايعهما في بيعة الرضوان، ولم ير صغر سنهما مانعاً من البيعة، ولا من الشهادة على كتاب يرتبط بمصير أناس آخرين كما أنه قد باهل بهما نصاری نجران وجعل صدقهما في الشهادة من أسباب نزول العذاب على الكاذبين.

بل لجأوا إلى ادّعاء : أن الحسنين ابنان لصاحبة الدعوى، فهما

يجرّان النار إلى قرصهما، أو أنهما فرع عنها، وشهادة الفرع للأصل لا تجوز.

ولكن قد فاتهم: أن رد الشهادة يعني توجيه الاتهام لهما بمحاباة أمهما، وعدم الصدق في شهادتهما.. وهذا تكذيب للحسنين «علیهما السلام»، مع أن آية التطهير صرحت بطهارتهما.

فرده لشهادة الحسنين وعلي «علیهم السلام» رد لشهادة القرآن بتطهيرهم. كما أن طلب الشهود من فاطمة يعد تكذيبا للقرآن أيضاً.

ورد شهادة أم أيمن تكذيب لها.. وأعجميتها لا تمنع من الاستعانة

الفصل الثاني: في شهادة الزهراء «علیها السلام» و بعد شهادتها

اشارة

الحسنان «علیهما السلام» في استشهاد أمهما:

كانت وفاة أمهما «علیها السلام» في السنة الحادية عشر من الهجرة (1). وفي رواية عن الإمام الباقر «علیه السلام»: أنها توفيت في


1) مصباح المتهجد ص 793 ودلائل الإمامة ص 79 و 134 وذخائر العقبی ص 52 وتاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 240 وبحار الأنوار ج 16 ص78 وج 43 ص 9 و 188 و 215 وج 5 9 ص 196 والأنوار البهية ص58 وموسوعة أحاديث أهل البيت «علیهم السلام» للنجفي ج 8 ص 253 وج 9 ص 197 ومجمع الزوائد ج 9، ص 211 وفتح الباري ج 7 ص 81 وتحفة ج9 ص1 الأحوذي ج 10 ص 250 والآحاد والمثاني ج 5 ص 366 والذرية الطاهرة النبوية ص 152 والمعجم الكبير للطبراني ج 22 ص 400 والإستيعاب ج 4 ص 1899 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 494 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 28 وتاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 162 وج 14 ص 256 وتهذيب الكمال ج 35 ص 252 والإصابة ج 8 ص 268 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص 18 وترجمة الإمام الحسين «علیه السلام» لابن عساكر ص 441 والعدد القوية ص 220 والفصول المهمة في معرفة الأئمة لابن الصباغ ج 1 ص 666 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 49 ومجمع النورين للمرندي ص 51 وبيت الأحزان ص 189 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 455 وج 19 ص 175 و 176 وج 25 ص 556 و 559 و 561 و 562 ونظم درر السمطين ص181.

السنة العاشرة (1).

وكان الحسنان «علیهما السلام» حاضرين في متن هذا الحدث الجلل، ومتابعين لفصوله كلها.

ذكر الأربلي: أنه لما توفيت الزهراء «علیها السلام» كانت أسماء بنت عميس عندها، فبينما هي كذلك دخل الحسن والحسين «علیهما السلام»، فقالا : يا أسماء، ما ينيم أمنا في هذه الساعة؟!

قالت: يا ابني رسول اللّه، ليست أمكما نائمة، قد فارقت الدنيا.

فوقع عليها الحسن يقبلها مرة ويقول: يا أماه كلميني قبل أن تفارق روحي بدني.

قالت: وأقبل الحسين يقبل رجلها ويقول: يا أماه أنا ابنك الحسين كلميني قبل أن يتصدع قلبي فأموت.

قالت لهما أسماء : يا ابني رسول اللّه، انطلقا إلى أبيكما علي فأخبراه بموت أمكما.

فخرجا حتى إذا كانا قرب المسجد رفعا أصواتهما بالبكاء،


1) مقاتل الطالبيين ص 59 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 31 وبحار الأنوار ج 43 ص 215 واللمعة البيضاء ص 884 و 885 و تاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص 47.

فابتدرهما جميع الصحابة، فقالوا : ما يبكيكما يا ابني رسول اللّه، لا أبكى اللّه أعينكما، لعلكما نظرتما إلى موقف جدكما، فبكيتما شوقا إليه؟!

فقالا: (لا) أو ليس قد ماتت أمنا فاطمة «صلوات اللّه عليها».

قال : فوقع علي «علیه السلام» على وجهه يقول: بمن العزاء يا بنت محمد ؟! كنت بك أتعزى، ففيم العزاء من بعدك، ثم قال:

لكل اجتماع من خليلين فرقة***وكل الذي دون الفراق قليل

وإن افتقادي فاطما بعد أحمد***دليل على أن لا يدوم خليل

ثم قال «علیه السلام»: يا أسماء غسليها، وحنطيها، وكفنيها.

قال: فغسلوها، وكفنوها، وحنطوها وصلوا عليها ليلاً، ودفنوها بالبقيع، وماتت بعد العصر (1).

مشاركة الحسنين «علیهما السلام» في تغسيل أمهما:

وكانا أيضاً مشاركين فيه. وقد غسلها الإمام علي «علیه السلام» نفسه، وهي في قميصها (2)، ولم تكشف (3).


1) كشف الغمة (ط تبريز) ج 2 ص 63 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص 123 و (ط أخرى) ج 1 ص 500 وبحار الأنوار ج 43 ص 186 والعوالم ج 6 ص 278.

2) اللمعة البيضاء ص 859 و 860 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 203 وبحار الأنوار ج 43 ص 179 والأنوار البهية ص 62 والأنوار العلوية ص 305 وبيت الأحزان ص 182 ومجمع النورين للمرندي ص 153.

3) بحار الأنوار ج 43 ص 172 و 184 و 187 و 188 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 203 وكشف الغمة ج 3 ص 364 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص124 واللمعة البيضاء ص882 والذرية الطاهرة النبوية للدولابي ص 155 وناسخ الحديث ومنسوخه ص 587 وتنقيح التحقيق للذهبي ج 1 ص 305 والقول المسدد في مسند أحمد ص 71 ونصب الراية ج 2 ص296 ومسند أحمد ج6 ص 461 و 462 ومجمع الزوائد ج 9 ص 211 والمصنف للصنعاني ج3 ص 411 والمعجم الكبير للطبراني ج 22 ص 399 والخصائص الفاطمية للكجوري ج 2 ص 176 و 509 وشرح احقاق الحق (الملحقات) ج10 ص 463 وج 33 ص 381 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص138 والعمدة لابن البطريق ص389 وذخائر العقبى ص54 والأنوار البهية ص60 والموضوعات ج 3 ص 277 وأسد الغابة ج 5 ص 590 وتاريخ المدينة لابن شبة النميري ج 1 ص 109 والبداية والنهاية ج 5 ص 350 والسيرة النبوية ج 5 لابن كثير ج 4 ص 648 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 49 وينابيع المودة ج 2 ص 141.

قال ابن جرير بن رستم الطبري : «فغسلها أمير المؤمنين «عليه السلام»، ولم يحضرها غيره (1).

والظاهر من كلامه: أن الحسنين «علیهما السلام»، وأسماء،


1) دلائل الإمامة (ط مؤسسة البعثة) ص 136 و (منشورات الشريف الرضي) ص 46 وبحار الأنوار ج 43 ص 171 وج 78 ص 310 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 186 والهداية الكبرى ص 178 واللمعة البيضاء ص 852.

وزينب، وأم كلثوم كانوا حاضرين لوفاتها دون أن يشاركوا في غسلها، ولكن كانت أسماء والحسنان «علیهما السلام»، وربما غيرهم يلبون طلبات الإمام «علیه السلام»، فيناولونه الماء وغيره.

وقد أمرهما أبوهما حين تغسيل أمهما «عليها وعلیهما السلام» بأن يدخلا الماء (1).

وإنما تولى على «علیه السلام» تغسيلها، لأنها صديقة، لا يغسلها إلا صديق (2).


1) وسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 534 و (الإسلامية) ج 2 ص717 وكشف الغمة ج 1 ص 500 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص 122 وبحار الأنوار ج 43 ص 185 و 186 وج 78 ص 300 وجامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 202 واللمعة البيضاء ص 880 و 881 و 865.

2) وسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 530 وراجع ص533 و 534 و الإسلامية ج 2 ص 715 والكافي ج 3 ص 159 وج 1 ص 459. وبحار الأنوار ج 2 ص 291 و ج 43 ص 206 و 184 وج 78 ص 299 وج ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 268 وسبل السلام للكحلاني ج 2 ص 98 وقاموس الرجال للتستري ج 12 ص 331 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص 397 و علل الشرايع ج 1 ص 218 و 219 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 184 وشرح أصول الكافي ج 7 ص 219 ومن لا يحضره الفقيه ج1 ص 87 و 402 وتهذيب الأحكام ج 1 ص 440 و 422 والإستبصار ج1 ص 199 و 703 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص364 واللمعة البيضاء ص 880 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص378 وقرب الإسناد ص 43 وكشف الغمة ج 1 ص 502.

التكفين ثم الوداع:

ثم كان علي «علیه السلام» هو الذي أدرج فاطمة الزهراء «علیها السلام» في أكفانها، بعد أن حنطها من فضلة حنوط رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله».

1 - قال «علیه السلام»: فلما هممت أن أعقد الرداء، ناديت : يا أم كلثوم، يا زينب يا سكينة يا،فضة يا،حسن يا حسين هلموا تزودوا من أمكم، فهذا الفراق واللقاء في الجنة.

فلما أقبل الحسنان «علیهما السلام»، وكلماها، يقول أمير المؤمنين «علیه السلام»: إني أشهد اللّه أنها قد حنَّت، وأنت، ومدَّت يديها، وضمتهما إلى صدرها مليا. وإذا بهاتف من السماء ينادي: يا أبا الحسن، ارفعهما عنها، فلقد أبكيا - واللّه - ملائكة السماوات، فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب.

قال: فرفعتهما عن صدرها.

ثم ذكر «علیه السلام»: أنه عقد الرداء، ثم حملها على يده، وأقبل بها إلى قبر أبيها.

ثم عدل بها إلى الروضة، فصلى عليها في أهله ومواليه، وأصحابه وأحبائه، وطائفة من المهاجرين والأنصار ثم واراها،

والحدها في الحدها (1)

2 - عن ورقة بن عبد اللّه الأزدي، عن فضة «رحمها اللّه» قالت في رواية مطولة: «فأقبل الحسن والحسين «علیهما السلام»، وهما يناديان وا حسرتاه لا تنطفئ أبداً.. فقدنا جدنا محمداً المصطفى وأمنا فاطمة الزهراء، يا أم الحسن، يا أم الحسين، إذا لقيت جدنا المصطفى فاقرئيه منا السلام وقولي له إنا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا.

فقال أمير المؤمنين علي «علیه السلام»: إني أشهد اللّه أنها قد حنَّت وأنَّت، وذكر نحو ما تقدم آنفاً.

ثم قال فرفعتهما عن صدرها، وجعلت أعقد الرداء..» (2).

وقريب من ذلك : ما روي عن أسماء بنت عميس.. (3)أيضاً.


1) بحار الأنوار ج 43 ص 179 - 180 باختصار، واللمعة البيضاء ص859 و 860 وراجع: الأنوار البهية ص 62 و 63 والعوالم ج 6 ص 261 والأنوار العلوية ص 305 ومجمع النورين للمرندي ص 151 - 154 وبيت الأحزان ص 182.

2) بحار الأنوار ج 43 ص 174 - 180 واللمعة البيضاء ص854 - 761 والأنوار العلوية ص 302 - 306 ومجمع النورين ص 151 - 154.

3) راجع: الزهراء بهجة قلب المصطفى ص 579.

الصلاة على الزهراء «علیها السلام»:

أما فيما يرتبط بالصلاة على السيدة الزهراء «علیها السلام»، فنقول:

1 - في رواياتنا: أن الذين حضروا دفن الزهراء «علیها السلام» وصلوا عليها هم: أمير المؤمنين، والحسن والحسين «علیهم السلام»، وعقيل، وسلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعمار، وبريدة، ونفر من بني هاشم.

وفي رواية: العباس، وابنه الفضل.

وفي رواية أخرى: حذيفة، وابن مسعود (1).

2 - وقال محمد بن جرير بن رستم الطبري ما يلي: «.. فغسلها أمير المؤمنين «علیه السلام»، ولم يحضرها غيره، والحسن، والحسين، وزينب، وأم كلثوم، وفضة جاريتها، وأسماء بنت عميس، وأخرجها إلى البقيع في الليل، ومعه الحسن والحسين، وصلى عليها.

ولم يعلم بها، ولا حضر وفاتها، ولا صلى عليها أحد من سائر الناس غيرهم، ودفنها في الروضة، وعفى موضع قبرها»(2).


1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 363 وبحار الأنوار ج 43 ص 183 و 192 واللمعة البيضاء ص 863 و 868 و 869 وروضة الواعظين ص 151 و 152 ومجمع النورين للمرندي ص 150 وغير ذلك.

2) دلائل الإمامة (ط مؤسسة البعثة) ص 136 و (منشورات الشريف الرضي) ص 46 وبحار الأنوار ج 43 ص 171 وج 78 ص 310 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 186 والهداية الكبرى ص 178 واللمعة البيضاء ص 852.

وظاهر كلامه : أن الذي غسلها هو أمير المؤمنين «علیه السلام» وحده، ولم يحضرها،غيره، وأن الذين حضروا وفاتها هم الذين عددهم من أبنائها وبناتها، وأن الذي حملها إلى البقيع هو علي، والحسن والحسين «علیه السلام»، وصلى عليها علي «عليه السلام».. والظاهر أن الحسنين «علیهما السلام» كانا يأتمان به.

3 - وهناك روايات تقول: إن الذين صلوا على الزهراء هم: الحسنان، وعبد اللّه بن عباس، وسلمان، وأبو ذر، وعمار، والمقداد.

فصلى علي «علیه السلام» معهم (1).

ونقول:

كان ما تقدم هو ما يرتبط بالإمامين الحسنين «علیهما السلام»، اللذين كانا حاضرين حين وفاة سيدة النساء، وطبيعة، ومدى مشاركتهما في غسلها، والصلاة عليها وحضورهما دفنها، وبعدما


1) كتاب سليم بن قيس (تحقيق الأنصاري) ص 393 ودلائل الإمامة ص133 واللمعة البيضاء ص 872 و 883 وبحار الأنوار ج 28 ص 304 وج 43 ص 199 و 208 و ج 78 ص 310 ومجمع النورين للمرندي ص 145 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 186 وجامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 202 و 291 وبيت الأحزان ص 177.

تقدم، فإننا نحب أن نذكر القارئ بما يلي:

المشاركة في التغسيل والصلاة والدفن:

لا شك في أن الحسنين «علیهما السلام» بحكم صغر السن، حيث كانا بين السبع والثمان سنوات، لا يتوقع منهما - بحسب طبيعة الأحوال - حمل الأشياء الثقيلة، فلماذا أمرهما أبوهما «علیه السلام» بأن يدخلا الماء ؟!

وأمر علي «علیه السلام» تجب إطاعته على كل أحد، وبالأخص على ولديه الإمامين المعصومين، فما هو المبرر لتكليفهما بإدخال الماء ليستعمل في الغسل ؟ أليس هذا متعباً لهما، وشاقاً عليهما ؟!

ويجاب:

أولاً : بأنه «علیه السلام» لم يأمرهما بحمل ما يشق عليهما، أو ما يكون فوق طاقتهما. وكان يمكن أن يتعاونا على حمل ظرف واحد يأخذ كل واحد منهما بأحد طرفيه، ويوصلانه إليه..

ثانياً: المشاركة الحسنين «علیهما السلام» هذه دلالات وإشارات، تفرض قيامهما بهذه المهمة، لأنها تمثل ممارسة عملية لمعنى الإمامة والعصمة، والصديقية.

وهذا أيضاً هو السبب في إشراك الحسنين «علیهما السلام» في الصلاة على الصديقة الطاهرة، سيدة النساء «صلوات اللّه وسلامه عليها».

وتأكيد هذه المعانى وممارسة شؤون الإمامة بصورة فعلية أمر تحتاج إليه الأمة في التربية الوجدانية، في معارفها الإيمانية، وتلمس تطبيقات شؤون هذا المقام الذي اختص اللّه به صفوة خلقه، وقادة وهداة عباده.

فلا ضير إذا إذا بذل الحسنان «علیهما السلام» - وهما بهذه السن - بعض الجهد، وعانيا شيئاً من التعب.

يضاف إلى ذلك: أن هذه المشاركة حق لهما، وشرف وكرامة حباهما اللّه تعالى بها وجعلهما من أهلها وكان لا بد من منحهما الفرصة لنيل ما أهلهما اللّه لنيله، لأن غض النظر عنه ربما كان تفريطاً بما لا ينبغي التفريط به.

من حضر الصلاة، هل حضر الدفن؟! :

يفهم من بعض النصوص السابقة: أن الذين شاركوا في الصلاة على الزهراء، هم أنفسهم قد شاركوا في دفنها «علیها السلام».

ولكن يبدو لنا: أن ذلك غير دقيق، فإنهم جمع كثير، يصل عدد من سمي لنا منهم إلى تسعة عشر رجلا وامرأة. وأضاف بعضهم إليهم نفرا من بني هاشم أيضاً، وهذه الجماعة الكثيرة إذا حضرت التشييع، لا تخفى على الناس الذين يعيشون في المحيط حتى لو اجتمعوا ليلا وسيشعر الناس بأن اجتماعهم في تلك الساعة ليس مصادفة، وسيحاولون البحث عن الأسباب، وسوف يصعب إخفاء موضع دفنها «علیها السلام» في مثل هذه الأحوال.

وحتى لو لم يحضر أحد غير هؤلاء الذين قد يصل إلى خمس وعشرين نفساً، فإن إخفاء موضع القبر سيكون بمكان من الصعوبة، ولاسيما مع امتداد الزمان، وتقادم العهد، ورغبة الناس في البوح ببعض ما كتموه، ولاسيما إذا كان أمراً خطيراً كهذا الأمر، الذي يحب الناس أن يكتشفوه، ويعرفوه..

هذا فضلاً عن وجود نصوص - كنص دلائل الإمامة على سبيل المثال - تحصر حضور الدفن ب: علي والحسن والحسين «علیهم السلام». ولو أضفنا إليهم بضعة أشخاص آخرين، فقد لا يصل عدد المجموع إلى ربع العدد الذي يمكن الحصول عليه من مجموع الروايات.

البنات أولاً:

وقد ذكرت الرواية المتقدمة: أن أمير المؤمنين «علیه السلام» حين هم أن يعقد الرداء؛ نادى:

«يا أم كلثوم، يا زينب يا،سكينة، يا فضة يا حسن، يا حسين. هلموا تزودوا من أمكم، فهذا الفراق».

ولا بد هنا من تسجيل بعض الملاحظات:

الملاحظة الأولى: أنه «علیه السلام» قال لأولاده: «تزودوا من أمكم، فهذا الفراق»، مع أنها «علیها السلام» قد فارقتهم بالموت قبل ساعات.

ويجاب:

أولاً: إن حصول الموت لا يعني المفارقة التامة، فإن الروح إذا خرجت من البدن لا تفارقه بصورة تامة بل تبقى بالقرب منه، ويبقى لها نوع ارتباط بهذا الجسد، وتصل إليها الحسنات من خلاله.

ولذا يستحب زيارة القبور، وإهداء الحسنات إلى الأموات عند قبورهم، كما أن هناك زيارة خاصة بأهل القبور وأما الأنبياء والأوصياء، ومن لهم مقام وشأن عند اللّه، فقد ورد في زيارتهم، قول الزائر : «أشهد أنك ترى مقامي، وتسمع كلامي، وترد سلام»ي.

وقد صرحت الآيات القرآنية المباركة، بحياة الشهداء قال تعالى: «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبيلِ اللّه أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فرحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّه مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا ِبهِمْ مِنْ خَلفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَليْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» (1).

والشواهد والدلائل على ما قلناه كثيرة.

ثانياً: لو أردنا أخذ الأمور ببساطة، فإننا نقول:

يكفي في دفع هذا الإشكال أن يقال: إن المقصود أن وقت مفارقة الجسد، ودفنه، وتغييبه في القبر قد حان واقترب

الملاحظة الثانية: إنه «علیه السلام» حين نادى أفراد العائلة بأسمائهم بدأ بذكر أسماء البنات، وأخر ذكر اسمي الحسن والحسين «علیهما السلام» مع أنهما الأكبر سناً.


1) الآيتان 169 و 170 من سورة آل عمران.

ونجيب:

بأن هذا هو التصرف الحميد والسديد خصوصا في هذا الوقت بالذات، فإن شعور البنات بالحاجة إلى الأم، والعيش في كنفها، وتحت رعايتها يكون قوياً عادةً، الأمر الذي يثير في البنات الكثير من الرهبة، والوجل حين فقدها.

أما الأبناء، ولا نعني غير الحسنين، فعلاقتهم بأمهم تنطلق من معرفتهم بمقامها وشعورهم بمعاناتها وإدراكهم لفادح الخسارة يفقدها. مع شديد تألمهم لفراقها «علیها السلام».

ويمكن أن نتذكر هنا: الأوامر التي وردت عنهم «علیهم السلام» بأنه إذا أريد توزيع شيء ما على الأولاد، فليبدأ بإعطاء البنات قبل الصبيان (1).

الملاحظة الثالثة: إنه «علیه السلام» قد ذكر فضة في جملة


1) هداية الأمة ج 7 ص 351 والأمالي للصدوق ص 672 و 673 وثواب الأعمال للصدوق ص 201 وروضة الواعظين ص 429 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 21 ص 514 و (الإسلامية) ج 15 ص 227 ومستدرك الوسائل ج 15 ص 118 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص 221 وبحار ص221 الأنوار ج 101 ص 69 و 94 و 104 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 426 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 484 وج 10 ص 435 وميزان الحكمة ج 2 ص 1188 ومعجم المحاسن والمساوئ ص 396 وإحياء علوم الدين ج 4 ص 154.

البنات، واعتبر الزهراء «علیها السلام» أماً لها، ليكون هذا تطبيقاً عملياً لنظرة الإسلام للإنسان المؤمن، فإنه لا يرى فرقاً ولا فضلا في الحقوق الإنسانية والإيمانية لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

وربما قيل أيضاً: إذا كان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وعلي «علیه السلام» أبوَي هذه الأمة، فمن الطبيعي: أن تكون الزهراء «علیها السلام» أما راعية لها.

حنّت، وأنت:

صرحت الروايات المتقدمة : أنها «علیها السلام» حين أقبل الحسنان «علیهما السلام» وكلماها حنَّت وأنت، ومدت يديها، وضمتهما إلى صدرها مليا، حتى جاء الهاتف من السماء يطلب من علي «علیه السلام» أن يرفعهما، فقد أبكيا ملائكة السماء.

ونقول:

إن الحنين والأنين والضم إلى الصدر، غير بعيد عن قدرة اللّه تعالى، ولا يستلزم أي محذور عقلي، فقد كان عيسى «علیه السلام» يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن اللّه تعالى.

وقد قدمنا: أن علاقة الروح بالجسد، وإن كانت قد ضعفت بالموت، ولكنها لم تنقطع عن الجسد بصورة تامة ونهائية، ولأجل ذلك خاطب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قتلى المشركين بعد إلقائهم في قليب بدر، وخاطب علي بعض القتلى في حرب الجمل.. وقال النبي «صلی اللّه علیه وآله» حينئذٍ لسائليه عن ذلك: ما أنتم

(لستم) بأسمع منهم (1). وعدا ذلك، فإننا نزور القبر، ونقرأ القرآن عنده، ونهديه لصاحب القبر.

ولأجل ذلك يوجد حساب القبر، فيكون الحساب للروح بقرب الجسد. وقلنا إن الأنبياء والأوصياء، وأصحاب المقامات عند اللّه لهم حالاتهم وخصوصياتهم التي يمتازون بها عن غيرهم، فهم يرون مقام زائرهم ويسمعون كلامه، ويردون سلامه، وإن كان الزائر لا يسمع. كما أن الشهداء أيضاً أحياء عند ربهم يرزقون.

ولا مانع من أن يكون لبعض الأمور تأثير في إعادة شيء من القوة لعلاقة الروح بالجسد فيما يرتبط بالمعصومين، كما جرى للسيدة الزهراء «علیها السلام»، حين ألقى الحسنان نفسيهما عليها، وكلماها.

ولعل قصة بقرة بني إسرائيل تصلح شاهدا على ذلك أيضا، فإن ضرب المقتول ببعض تلك البقرة كان سبب إحيائه ليخبرهم بما سألوه


1) صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 2 ص 101 وشرح صحيح مسلم للنووي ج 17 ص 201 وعمدة القاري ج 8 ص 201 ومسند أبي داود ص9 وإثبات عذاب القبر ص 64 والتمهيد ج 20 ص 240 والدرر لابن عبد البر ص106 وتفسير السمعاني ج 2 ص 195 وتفسير الرازي ج 14 ص 167 والجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 242 والدر المنثور ج 5 ص 157 ودلائل النبوة ج 3 ص 48 وراجع تصحيح إعتقادات الإمامية ص92 وبحار الأنوار ج 6 ص 254.

عنه.

بل لقد صرح القرآن بأن النوم أيضاً مرحلة قريبة من الموت، قال تعالى: «اللّه يَتَوَقَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فيُمْسِكُ الَّتِي قضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأَخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (1).


1) الآية 42 من سورة الزمر.

ملحق: أحداث متفرقة..

اشارة

فاطمة «علیها السلام» توصي علياً «علیه السلام» بتزوج أمامة؟!

في سنة اثنتي عشرة للّهجرة مات أبو العاص بن الربيع، وأوصى إلى الزبير، وتزوج علي «علیه السلام» ابنته (1).

زوجها منه الزبير، لأن أباها قد أوصاه بها (2).

وقيل: إن عليا «علیه السلام» تزوج أمامة بنت أبي العاص، بوصية الزهراء «علیها السلام»، فقد أوصته بذلك، وقالت : إنها تكون


1) تاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 385 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 584 ومجمع الزوائد للّهيثمي ج 9 ص 254 والمعجم الكبير للطبراني ج22 ص 443 والإكمال في أسماء الرجال ص 150 و الثقات لابن حبان ج2 ص 182 وتاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 191 وج 18 ص 398 وتهذيب الكمال ج 9 ص 324 والكامل في التاريخ ج 2 ص 400 وعيون الأثر ج 2 ص 364 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 32.

2) أسد الغابة ج 7 ص 20 و (ط دار الكتاب العربي - بيروت) ج 5 ص 400 والإصابة (ط دار الكتب العلمية - بيروت) ج 8 ص 24 والإستيعاب ج 4 ص 351 و (ط دار الجيل) ج 4 ص 1788 والوافي بالوفيات ج9 ص217 وعيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 364 والكنى والألقاب ج1 ص 115. وراجع الهامش السابق.

لولدي مثلي (1).

أو قالت بنت أختى، وتتحنن على ولدي (2).

ويروي ابن عباس عن علي «علیه السلام» قوله: أشياء لم أجد إلى تركهن سبيلاً.

إلى أن قال: وتزويج أمامة بنت زينب، أوصتني بها فاطمة «عليها السلام» (3).

وفي بعض الروايات: أنها ولدت لعلي «علیه السلام» محمداً الأوسط (4).


1) راجع: روضة الواعظين ص 168 ومستدرك الوسائل ج 2 ص360 وكتاب سليم بن قيس ج 2 ص 870 و علل الشرايع ج 1 ص 188 وراجع بحار الأنوار ج 28 ص 304 وج 43 ص 181 و 191 و 199 وج 78 ص 253 و 256 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 362 وجامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 369 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 317 واللمعة البيضاء ص 868 و 872 و 875 والأنوار العلوية ص 303 ومجمع النورين ص 150 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص332.

2) بحار الأنوار ج 43 ص 217 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 317 واللمعة البيضاء ص 890 عن مصباح الأنوار ص 259. وراجع: مجمع النورين للمرندي ص 148 وبيت الأحزان ص 169.

3) كتاب سلیم بن قیس ج 2 ص870 و (ط الأولى سنة 1422ه) ص392 وبحار الأنوار ج 28 ص 304.

4) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 89 وبحار الأنوار ج 42 ص 92 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 317 وإمتاع الأسماع ج 6 ص 292 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 122 والأنوار العلوية ص433 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 32 ص 675.

قالوا: ولما جرح علي «علیه السلام» خاف أن يتزوجها معاوية فأمر المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أن يتزوجها بعده.

فلما استشهد علي «علیه السلام»، وانقضت عدتها أرسل إليها معاوية يخطبها، فأرسلت إلى المغيرة تعلمه بذلك، فتزوجها المغيرة، فولدت له يحيى وهلكت عنده (1).

ونقول:

إن ما يعنينا في النصوص المتقدمة، وإن كان هو ما يرتبط بالإمام الحسين «علیه السلام».. حيث أوصت فاطمة عليا «علیهما السلام» بأن يتزوج أمامة، لأنها - كما قالت «علیها السلام» - تكون لولدي مثلي.

أو قالت: بنت أختى، وتتحنن على ولدي.


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 20 والسيرة الحلبية ج 2 ص 452 ومجمع البحرين ج 1 ص 109 والإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 25 وعيون الأثر ج 2 ص 364 والإستيعاب ج 4 ص 1789 وأسد الغابة ج 5 ص400 وراجع: ذخائر العقبى ص 161 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص32 وعن تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 145 وأنساب الأشراف (تحقيق المحمودي) ج 2 ص 414.

ولكن ذلك لا يمنع من أن تكون لدينا بعض التساؤلات حول النصوص المتقدمة لقصة أمامة هذه، نجملها على النحو التالي:

بنت أختي:

صرحت الرواية: بأن الزهراء «علیها السلام» قالت عن أمامة: «بنت أختي، وتتحنن على ولدي»، وقد أوردنا في كتبنا الأربعة حول موضوع بنات النبي «صلی اللّه علیه وآله» شواهد كثيرة تثير الريب في أن يكون للنبي «صلی اللّه علیه وآله» أي بنت غير الزهراء «عليها السلام»، وأسماء هذه الكتب هي:

1 - البنات ربائب.

2 - بنات النبي أم ربائبه..

3 - القول الصائب في إثبات الربائب.

4 - ربائب النبي قل هاتوا برهانكم..

إلا أن يكون مرادها «علیها السلام»: أنها أختها بالتربية والرعاية، التي أولاها إياها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فنسبت إلى النبي «صلی اللّه علیه وآله»، لأنها تربت في بيته.

أشياء لا سبيل لتركها:

أما ما ذكر من أن علياً «علیه السلام» لم يجد إلى ترك الزواج بأمامة سبيلا، فلا ندري ما سببه ؟! ولماذا جعلها في عداد الأمور المكروهة له؟! وأن الأمر النبوي والفاطمي هو الذي دعاه للقيام به،

فقد جعل الزواج بإمامة، كقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين.

لماذا التأخير بعد الوصية؟!:

وإذا كانت الزهراء «علیها السلام» قد أوصته بالزواج من أمامة، رغبة منها برعاية أبنائها، فلماذا تأخر زواجه منها إلى ما بعد حوالي سنتين من استشهاد الزهراء «علیها السلام»؟! فقد تزوج بأمامة بعد موت أبيها. وكان ذلك في السنة الثانية عشرة من الهجرة. ولعل الزواج قد تأخر عن هذا التاريخ أيضاً.

ولماذا أبقى أبناءه طيلة هذه المدة بلا حنان ولا رعاية

إلا أن يكون قد خطبها من أبيها، فرده، فلما مات زوجه إياها الزبير..

وهذا أمر لا يمكن قبوله، فإنه لا يرد من مثل علي «عليه السلام»، بل يفتخر الناس ويتقربون إلى اللّه بتزويجه.

لماذا زوجها الزبير؟!

وحول تولي الزبير أمر زواج أمامة نقول:

أولاً: لم تكن أمامة صغيرة، ولا قاصراً لتحتاج إلى أن يوصي أبوها الزبير بها.

ثانياً : زواجها بعد موت أبيها لا يقرره الزبير ولا غيره، ولا تنتقل الولاية على التزويج للمرأة الراشدة والعاقلة بالوصية من أبيها إلى أحد بل هي التي تستقل بتزويج نفسها.

ثالثاً : إن أبناء علي «علیه السلام» وبناته كانوا قد كبروا، وأصبحوا قادرين على تولي شؤونهم بأنفسهم، وقد رأينا كيف أن جدهم وأمهم، وأباهم كانوا يوكلون إليهم القيام بالمهمات.

إلا أن يقال: إن الزبير كان وكيلاً عنها في إجراء صيغة الإيجاب في عقد الزواج، إن كان الخجل قد منعها.

محمد الأوسط ابن أمامة:

وذكر في كتاب سليم بن قيس، وعن الطبري (1)أيضاً: أن أمامة قد ولدت لعلى «علیه السلام» محمد الأوسط (2)، كما تقدم، ولكننا نقول:


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 154 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 118.

2) رسالة في تواريخ النبي والآل للتستري (مطبوعة في آخر كتاب قاموس الرجال) ج 12 ص 79 ومناقب آل أبي طالب (المكتبة الحيدرية) ج3 ص 89 وبحار الأنوار ج 42 ص 92 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 386 وأنساب الأشراف ج 1 ص 400 والكامل في التاريخ ج 3 ص 397 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 181 والبداية والنهاية ج 7 ص 367 و 368 وإمتاع الأسماع ج 5 ص 366 و 367 وج 6 ص292 و 293 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 122 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 32 ص 675.

أولاً: إن العسقلاني يقول : قيل: إنها لم تلد لعلى، ولا للمغيرة (1).

ثانياً: سيأتي عن ابن شهر آشوب وغيره أنها ماتت ولم تتزوج بأحد بعده.

زواج أمامة بعد علي «علیه السلام»:

وتقدم: أن عليا «علیه السلام» حين جرح خاف أن يتزوج معاوية أمامة، فأمر المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بأن يتزوجها بعده، فكان كذلك، فولدت للمغيرة يحيى، كما ولدت لعلي محمد الأوسط.

ونكتفي في الجواب على هذا بما صرح به ابن شهر آشوب، من أن النسوة اللواتي توفي علي «علیه السلام» عنهن، ولم يتزوجن بعده، هن:

«أمامة، وأسماء بنت عميس، وأم البنين الكلابية، وليلى التميمية» (2).


1) الإصابة ج 4 ص 237 و (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص25 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 4 ص 1789 وأسد الغابة ج 5 ص 400 وعيون الأثر ج 2 ج 5 ص 364.

2) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 305 و (ط المطبعة الحيدرية) ج 3 ص90 وراجع تفسير نور الثقلين ج 4 ص 299 ومطالب السؤول ص314 ومناقب الإمام أمير المؤمنين «علیه السلام» للكوفي ج 2 ص 48 وتاريخ الأئمة (المجموعة) للكاتب البغدادي ص 17 والهداية الكبرى للخصيبي ص 95 وبحار الأنوار ج 42 ص 92 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص336 والدر النظيم ص 411 وكشف الغمة ج 2 ص 69 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 647.

الفصل الثالث: الحسين «علیه السلام» صلابة وانضباط..

اشارة

الحسين «علیه السلام» يشتري سيفاً:

وقالوا: إن عليا «علیه السلام» قد طوق خالد بن الوليد بقطب رحى، حين أراد خالد قتله غيلة وهو في حال الصلاة. وكان القرار هو أن يقوم بذلك بمجرد أن يقول أبو بكر: السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين.. فأبطأ أبو بكر عن قول ذلك، وظهر لعلي أن ثمة مؤامرة تستهدفه، فأخذ خالداً بإصبعيه من رقبته، حتى وجد عموداً من حديد، فطوق به عنق خالد وتركه.

وجاء في بعض الروايات: أنه بعد عجزهم عن فك الطوق عن خالد، لم يجدوا سبيلاً إلى فكه إلا اللجوء إلى علي «علیه السلام» نفسه ليفكه عنه.

فذهب إليه أبو بكر ومعه خالد، وجماعة كثيرة من الناس، ليطلبوا منه ذلك، فلما وصلوا إلى منزله وجدوا الحسين «علیه السلام» على الباب يقلب سيفا ليبتاعه، قال له أبو بكر يا أبا عبد اللّه ! إن رأيت أن تستأذن لنا على أبيك.

فقال: نعم.

ثم استأذن للجماعة، فدخلوا ومعهم خالد بن الوليد الخ..»(1).

ونقول:

إن اقتناء السيوف في كل بيت أمر طبيعي في تلك العصور، فهو سيف جهاد، وسيف دفاع، وقد يستفاد منه في بعض الأمور الخدمية، إذا اقتضت الحاجة، ولم تتوفر الوسيلة لقطع اللحم والطعام، أو ذبح أو نحر الأنعام، أو ما إلى ذلك.

ولكن ما لفت نظرنا هنا: أن يكون الإمام الحسين «علیه السلام» الذي يراه الناس في عمر الطفولة يقلب سيفاً ليبتاعه الأمر الذي يستبطن أن لديه خبرة كافية تخوله تولي هذا الأمر، فعلى الناس أن يراجعوا حساباتهم، ليدركوا أنهم أمام إنسان جامع لكل صفات الفضل والكمال، وإمام معصوم عن الخطأ، وعن القصور في جميع الشؤون والأمور.

وعليهم أن يضموا هذا المشهد إلى كثير من المشاهد التي مرت بهم في حياة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، كما في اختياره کشاهد على منح الرسول «صلی اللّه علیه وآله» أرض فدك لوالدته فاطمة الزهراء «علیها السلام»، وأخذ منه البيعة في بيعة الرضوان،


1) إرشاد القلوب للديلمي ص 378 - 384 والأنوار العلوية ص148 - 153 وبحار الأنوار ج 29 ص 161 - 174 وقد رواه المجلسي عن بعض الكتب القديمة. وراجع: الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ص 166 - 169.

وأشهده على كتاب ثقيف، وكثير من الأمور الأخرى التي سبقت، وقد يأتي قسم منها في هذا الكتاب.

مكتوب على سيف الحسين «علیه السلام»:

قال الخوارزمی: «قيل كان مكتوبا على سيف الحسين «عليه السلام»: البخيل مذموم، والحريص محروم، والحسود مغموم» (1).

ونقول:

نريد التذكير بما يلى:

1 - إن ما يكتبه الفرسان المعتدون بأنفسهم وبفروسيتهم على سيوفهم يكون في الغالب مشوباً بما يدل على الاعتداد بالنفس، مثقلا بالادعاء والتغني بالشجاعة، موشحاً بعبارات التخويف، والترهيب والإرعاب، وقمع الآخر وقهره، والهيمنة عليه، وقطع الصلة به.

ولكن هذا الذي كتب على سيف الحسين «علیه السلام» - كما نرى - قد اتسم بالوداعة، والرقة، والمودة للآخر، وإقامة الصلة به، وبره ومعونته، حيث ذم البخل، والحرص والحسد، ودعا إلى نبذ هذه الأمور، وسعى إلى التنفير منها، ودعا إلى الابتعاد عنها، لأن من شأنها قطع العلاقة مع الآخر، والتقوقع والانكماش عنه إلى حد الاستئثار عنه، وحرمانه.

كما أن الحسد يدعو إلى بلورة الرغبة في حرمانه وسلب النعم


1) مقتل الحسين «علیه السلام» للخوارزمي ج 2 ص 172.

عنه..

وقد وصف الحاسد بما دل على لزوم الإقلاع عن الحسد، لأنه صفة تجلب الغم لصاحبها.

فإذا كان السيف يشي بالقتل، ويشعر صاحبه بمزيد من القوة، وبقدرته على إزهاق الأرواح، فإن ما كتبه الحسين «علیه السلام» على سيفه يظهر الرغبة في حفظ حياة الناس، ومعونتهم، وحل مشاكلهم، وبذل الأموال التي هي ثمرة الجهد، وجنى العمر لهم، ويدعو إلى الزهد، وعدم الاهتمام بحطام الدنيا، فلا ينبغي حرمان الناس منها رغبة في الاستئثار بحطامها.

فما بالك بكراهيتهم والرغبة في سلب النعم عنهم، فضلاً عن سلب أرواحهم؟!.

فلا معنى لاعتبار الحسين «علیه السلام» رجلاً دمويا، أو قاسياً، لمجرد أنه رفض الخضوع لمنطق الظلم والعدوان والقهر والقوة. فواجهوه بأقسى أنواع الإجرام، وقتلوا أبناءه وأهل بيته وأصحابه.

إن السيف عند الحسين وأهل البيت «علیهم السلام» ليس للقتل والإماتة، بل لإحياء النفوس والدفاع عنها، وحفظها بالدين والإيمان.

جدار يستر الحسنين «علیهما السلام» للتخلي:

وهنا رواية عن الإمام الكاظم «علیه السلام»، نوردها بتصرف وتلخيص لا يخل بالمضمون الذي يعنينا منها، وهي كما يلي:

روى الراوندي:

عن الحسين بن الحسن، عن أبي سمينة محمد بن علي، عن جعفر بن محمد، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم الجعفري، عن أبي إبراهيم «علیه السلام» قال:

خرج الحسن والحسين «علیهما السلام» حتى أتيا نخل العجوة للخلاء، فهويا إلى مكان، وولى كل واحد منهما بظهره إلى صاحبه، فرمى اللّه بينهما بجدار يستتر به أحدهما عن صاحبه.

فلما قضيا حاجتهما، ذهب الجدار، وارتفع من موضعه.

وصار في الموضع عين ماء، وإجانتان. فتوضيا، وقضيا ما أرادا.

ثم انطلقا حتى صارا في بعض الطريق، عرض لهما رجل فظ غليظ، فقال لهما : ما خفتما عدوكما ؟! من أين جئتما؟!

فقالا: إننا جئنا من الخلاء.

فهم بهما، فسمعوا صوتاً يقول:

(...) أتريد أن تناوي ابني محمد «صلی اللّه علیه وآله»، وقد علمت بالأمس ما فعلت.

إلى أن قال:

وأغلظ له الحسين «علیه السلام» أيضاً.

فهوى بيده ليضرب بها وجه الحسين «علیه السلام»، فأيبسها اللّه

من عند منكبه.

فأهوى باليسرى، ففعل اللّه به مثل ذلك، فقال: أسألكما بحق جدكما وأبيكما لما دعوتما اللّه أن يطلقني.

فقال الحسين «علیه السلام» اللّهم أطلقه واجعل له في هذا عبرة، واجعل ذلك عليه حجة. فأطلق اللّه يده.

فانطلق قدامهما حتى أتى عليا «علیه السلام»، وأقبل عليه بالخصومة، فقال: أين دسستهما ؟ وكان هذا بعد يوم السقيفة بقليل

فقال علي «علیه السلام» : ما خرجا إلا للخلاء.

وجذب رجل منهم عليا «علیه السلام» حتى شق رداءه.

(ثم ذكر «علیه السلام»: أن الحسين «علیه السلام» دعا على ذلك الذي تجرأ على علي «علیه السلام»، وشق رداءه، واستجاب اللّه دعاءه بعد ذلك، ثم قال «علیه السلام»:)

فلما خرجا إلى منزلهما، قال الحسين للحسن «علیهما السلام» سمعت جدي يقول:

إنما مثلكما مثل يونس إذ أخرجه اللّه من بطن الحوت، وألقاه بظهر الأرض، وأنبت عليه شجرة من يقطين، وأخرج له عينا من تحتها، فكان يأكل من اليقطين ويشرب من ماء العين.

وسمعت جدي يقول : أما العين فلكم، وأما اليقطين فأنتم عنه أغنياء، وقد قال اللّه في يونس: «وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِائَةٍ أَلْفِ أَوْ يَزيدُونَ *

فآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلى حِين» (1).

ولسنا نحتاج إلى اليقطين، ولكن علم اللّه حاجتنا إلى العين، فأخرجها لنا، وسنرسل إلى أكثر من ذلك، فيكفرون، ويمتعون إلى حين.

فقال الحسن «علیه السلام»: قد سمعت هذا (2).

ونقول:

لا بأس بملاحظة ما يلي:

لماذا الجدار؟!:

1- تضمنت هذه الرواية حدوث معجزة للحسن والحسين «علیهما السلام»، حيث جعل اللّه تعالى بينهما جداراً حين أرادا التخلي، مع أنهما قد جلسا وقد ولى كل واحد منهما ظهره إلى صاحبه، فلم يعد ثمة حاجة إلى الجدار، إلا أن يكون الهدف من جعل الجدار هو تحقيق التخلي الحقيقي للإنسان بنفسه، وتضاؤل رغبة النفس في الجنوح إلى المخيلة، ومنع تنامي الإحساس حتى الباطني بالحالة التي يمكن أن يكون الطرف الآخر عليها.

وهذا غاية ما يطمح إليه المتخلي السير، الذي يحب أن لا تكون


1) الآيتان 147 و 148 من سورة الصافات.

2) الخرائج والجرائح ج 2 ص 845 - 847 وبحار الأنوار ج 43 ص 273 - 275 ومدينة المعاجز ج 3 ص 386 - 389 و 509 – 511.

الحال التي هو عليها حتى في متناول الأوهام والتخيلات، فإن هذا يزيد من طمأنينته، ورضاه.

وجعل الجدار بينهما بفعل إلهي، مع العلم بأنهما مصونان في أنفسهما عن الأوهام والتخيلات إنما هو لطرد مثل هذه الأوهام لدى الآخرين ممن قصروا في فهم معنى إمامتهما وعصمتهما، ومدى تشددهما في الصون والستر.

وهذا يشبه إلى حد كبير، ما ذكرناه في كتابنا : أهل البيت في آية التطهير حول الفرق بين قوله تعالى: «يُريدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّه» (1). وقوله : «يُريدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللّه» (2)فإن الإرادة في النص الأول تعلقت مباشرة بشيء آخر يؤدي بنحو أو بآخر إلى إطفاء نور اللّه، ولم تتعلق بالإطفاء مباشرة.

أما في النص الثاني، فإن الإرادة تعلقت بإطفاء النور مباشرة.

والأمر هنا من هذا القبيل، فإن الجدار يهدف إلى إزالة التوهمات الباطلة من الأذهان السقيمة، ليذهب الرجس عن أهل البيت، ومنهم الحسنان «علیهما السلام».

2 - إن هذه الكرامة الإلهية، وهى جعل الجدار، وإيجاد عين ماء للحسنين «علیهما السلام» ليتطهرا ويتوضأ بها، وإن كان عملا لا


1) الآيتان 7 و 8 من سورة الصف.

2) الآيتان 31 و 32 من سورة التوبة.

يملك الآخرون أي اختيار،تجاهه ولكن ذلك لا يرتبط بمعنى الجبر الذي يمتنع صدوره من مقام العزة الإلهية تجاه مخلوقاته فيما يأمرهم به وينهاهم عنه، لأنه لا يعدو كونه فعلاً إلهيا، ولكنه ليس تصرفا في إرادات البشر، بل يبقى للبشر الحرية في أن يفهموه ويتفاعلوا معه بصورة سليمة، وأن يستمروا في غيهم وضلالهم، فهو من قبيل المعجزة للأنبياء، فإن إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، لا يعني إجبار الناس على الإيمان بنبوة عيسى «علیه السلام»، بل تبقى لهم حرية الاختيار.

لماذا كل هذا الحقد؟!

وذكرت الرواية : أن الرجل الذي اعترضهما، لم يكن لديه مؤاخذة عليهما، إلا أنه كان عليهما أن يخافا عدوهما، ولا يخرجا إلى ذلك المكان. وقد أخبراه بسبب خروجهما، وهو سبب وجيه، فلماذا همَّ بالبطش بهما؟!

وحتى لو توهم هو أنهما أخطأا بخروجهما، لكن من الذي أعطاه الحق بضربهما ؟!

ولم يردعه صوت الهاتف الذي سمعه، بل تمادى في طلب الخصومة، وهذا أعجب وأغرب.

والأكثر غرابة من هذا وذاك: أنه حتى بعد أن ظهرت له كرامة الحسنين «علیهما السلام»، حيث أراد أن يضربه بیده الیمنی، فیبست، ولم يوقفه ذلك، بل أتبع ذلك بمحاولة ضربه بيده اليسرى، فأيبسها اللّه

أيضاً.

وحين أصبح عاجزاً تماماً قال لهما بحق أبيكما وجدكما لما دعوتما اللّه أن يطلقني.

ولكن ذلك أيضاً لم يردعه، بل أفرغ جام غضبه في وجه أبيهما علي بن أبي طالب في أمر لا ناقة فيه ولا جمل، ولا يعنيه من قريب ولا من بعيد فخاصم عليا «علیه السلام»، حتى إن بعض من كان معه تجرأ على علي «علیه السلام» حتى شق رداءه.

وظني: أن هذا الرجل الذي لم تصرح الرواية باسمه كان على ثقة تامة:

أولاً: من أن للحسنين «علیهما السلام» مقامهما عند اللّه، وأن اللّه يستجيب لهما كل طلب.

ثانياً: إنه كان يعلم بأنهما لا يردان طلباً لمن أقسم عليهما بحق أبيهما وجدهما.

ثالثاً: إننا نكاد نطمئن إلى أن هذا الرجل قد اطلع على قصة سراقة بن جشعم مع النبي «صلی اللّه علیه وآله»، حين لحقه وهو في طريق الهجرة إلى المدينة، فدعا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ربه، فساخت قوائم فرس سراقة، فطلب من النبي «صلی اللّه علیه وآله» أن يطلق قوائم فرسه، ففعل، فعاد إلى محاولة اللحاق به،

وتكرر هذا الأمر ثلاث مرات (1).

كما أنه قد رأى من الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، ومن أهل بيته الكثير مما يدخل في هذا السياق، ومما يدل على حلمهم، وعلى ما حباهم اللّه به من كرامة، واستجابة لدعائهم.

ابنا محمد:

وقد لاحظنا: أن الصوت الذي سمعه الحسنان «علیهما السلام»، وذلك الرجل، قد قال له أتريد أن تناوئ ابنى محمد ؟! فنسبهما إلى جدهما، لا إلى أبيهما.

ولعل الحكمة في ذلك هي:

أولاً: أن نسبتهما إلى جدهما ربما تؤثر المزيد من الردع والمنع له، ولو نسبهما إلى أبيه، فلربما يزداد هذا الرجل حماساً للبطش بهما، لأسباب كثيرة.

منها: أن عليا «علیه السلام» هو الذي قتل آباءهم وإخوانهم في نصرة الرسول.. فيرون أن لهم ثارات عنده «علیه السلام». وربما توهموا أن الظروف مؤاتية للأخذ بهذه الثارات.

ومنها: أنه هو الذي تمكن الإساءة إليه، بحجة أن لديه مشكلة


1) الكافي ج 8 ص 263 وحلية الأبرار ج 1 ص 156 وبحار الأنوار ج 19 ص 88 ومرآة العقول ج 26 ص 255 والبرهان (تفسیر) ج 2 ص 778 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 301.

خطيرة مع الذين استولوا على الأمور بعد الرسول، ويمكن إلصاق تهمة البدء بالتعدي به وبأبنائه «علیهم السلام»، فلا بد من مواجهته والتضييق عليه ومحاصرته.

ومنها : أن المطلوب هو فرض الهيبة على أهل البيت، لأنهم هم الذين يتوقع منهم دائماً المبادرة لإعلان مظلوميتهم، والمطالبة بحقهم، فلا بد من تخويفهم، والعمل على بث اليأس في نفوسهم، واستضعافهم، وتصغير قدرهم.

الحسين «علیه السلام» يتصدى:

لقد أغلظ الإمام الحسين «علیه السلام» لذلك الرجل، وحاول ذلك الرجل أن يضربه مرة بعد أخرى.. وتصدي الإمام الحسين «علیه السلام» هو الأنسب، فإن صغر سنه «علیه السلام» الذي ربما لم يتجاوز الست سنوات سوف يجعل التعدي عليه أبشع، وأشنع مما لو تصدى الإمام الحسن «علیه السلام».

الحسين يروي للحسن «علیه السلام»:

أما فيما يرتبط بما رواه الإمام الحسين «علیه السلام» لأخيه الإمام الحسن «علیه السلام»، فنلاحظ

أولاً: إن روايته هذه جارية على قاعدة : إياك أعني، واسمعي يا جارة. ويدل على ذلك قول الإمام الحسن «علیه السلام»: «قد سمعت هذا».

ثانياً: إن الهدف من رواية أقوال رسول اللّه لأخيه: أن يعرفنا معنى ما جرى له ولأخيه بصورة أعمق وأدق.

ثالثاً : إن قول الإمام الحسن «علیه السلام» بعد سماعه ما رواه له أخوه عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: «قد سمعت هذا» يدل على أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قد أخبرهما بكل هذا الذي جرى لهما مسبقاً

رابعاً: إن الحديث عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: «وأما اليقطين فأنتم عنه أغنياء» يدل على أن لهما «علیهما السلام» من المقام والكرامة عند اللّه، أكثر مما كان ليونس «علیه السلام».

خامساً: إن استغناء هما «علیهما السلام» عن اليقطين، يؤيد ما ذكرناه من أن جعل الحائط لهما ليس لأجل حاجتهما إليه، بل لأجل إبطال تخيلات وأوهام غيرهم فيهم.

أما يونس، فقد كان هو نفسه بحاجة إلى اليقطين. وبذلك يظهر امتيازهما «علیهما السلام» على يونس «علیه السلام».

سادساً : إن قوله: «وسترسل إلى أكثر من ذلك، فيكفرون، ويتمتعون إلى حين يدلنا على:

1 - إنه من حين استشهاد الإمام علي «علیه السلام» في سنة أربعين وتسلط معاوية وبني أمية على رقاب الناس، بدأت مرحلة مظلمة هيمن فيها الانحراف والضلال واتخذ أهل الدنيا بني أمية، وسائر من كان على نهجهم أرباباً من دون اللّه، وعاد كثير من الناس

إلى جاهليتهم، ولم يبق من الإسلام إلا اسمه ومن الدين إلا رسمه. كان الإمام الحسن «علیه السلام» هو حجة اللّه فيهم، ونوره الذي لم يتمكنوا من إطفائه، ثم كان الحسين «علیه السلام» من بعده، مصباح هدى وسفينة نجاة، في حين غرق الناس في ظلمات من الجهل، وتشبّثوا بمفاهيم وقيم الجاهلية، وتنكروا للإسلام الأصيل..

فكان «علیه السلام» الداعي إلى اللّه، ورضي بأن يوقظ ضمير الأمة ولو سفكت دماؤه الزكية، واستؤصل الأهل والذرية، والأصحاب الأخيار، وسبيت النساء، ومن تبقى من الأطفال.

2 - لقد كانت مهمة الحسنين «علیهما السلام» هي مهمة الأنبياء والرسل، وهذا مغزى قول الإمام الحسين «علیه السلام»: «وسنرسل إلى أكثر من ذلك، فيكفرون، ويتمتعون إلى حين».

3 - إن الذين كفروا من قوم يونس قد عادوا إلى الإيمان، بعد أن كاد العذاب أن يأخذهم على بكرة أبيهم.. ولكن الذين يكفرون من أصحاب الحسنين «علیهما السلام» لن يوفقوا للتوبة، فيمتعهم اللّه إلى حين.

الحسين «علیه السلام» في بانقيا:

بحذف الإسناد مرفوعاً إلى جابر الجعفي قال: قلد أبو بكر الصدقات بقرى المدينة وضياع فدك رجلا من ثقيف يقال له: الأشجع بن مزاحم الثقفي. وكان شجاعاً. وكان له أخ قتله علي بن أبي طالب في وقعة هوازن وثقيف.

فلما خرج الرجل عن المدينة جعل أول قصده ضيعة من ضياع أهل البيت «علیهم السلام» تعرف ب: «بانقيا»، فجاء بغتة، واحتوى عليها وعلى صدقات كانت لعلي «علیه السلام»، فتوكل بها، وتغطرس على أهلها. وكان الرجل زنديقاً منافقا.

فابتدر أهل القرية إلى أمير المؤمنين «علیه السلام» برسول، يعلمونه ما فرط من الرجل.

فدعا علي «علیه السلام» بدابة له تسمى السابح. وكان أهداها إليه ابن عم لسيف بن ذي يزن وتعمم بعمامة سوداء، وتقلد بسيفين، وأجلب (أجنب ظ) دابته المرتجز.

وأصحب معه الحسين «علیه السلام»، وعمار بن ياسر، والفضل بن العباس، وعبد اللّه بن جعفر، وعبد اللّه بن العباس، حتى وافي القرية.

فأنزله عظيم القرية فى مسجد يعرف بمسجد القضاء.

ثم وجه أمير المؤمنين بالحسين «علیه السلام» إلى ذلك الرجل يسأله المصير إليه.

فصار إليه الحسين «علیه السلام»، فقال: أجب أمير المؤمنين.

فقال: ومن أمير المؤمنين؟!

فقال: علي بن أبي طالب.

فقال: أمير المؤمنين أبو بكر، خلفته بالمدينة.

فقال له الحسين «علیه السلام»: أجب علي بن أبي طالب.

فقال: أنا سلطان، وهو من العوام، والحاجة له، فليصر هو إلي.

فقال له الحسين «علیه السلام»: ويلك أيكون مثل والدي من العوام، ومثلك يكون السلطان؟!

فقال: أجل، لأن والدك لم يدخل في بيعة أبي بكر إلا كرها، وبايعناه طائعين، وكنا له غير كارهين.

فصار الحسين «علیه السلام» إلى أمير المؤمنين «عليه السلام»، فأعلمه ما كان من قول الرجل. فالتفت إلى عمار، فقال:

يا أبا اليقظان سر إليه، وألطف له في القول، واسأله أن يصير إلينا، فإنه لا يجب لوصي من الأوصياء أن يصير إلى أهل الضلالة فنحن مثل بيت اللّه يؤتى ولا يأتي.

فصار إليه عمار، وقال: مرحباً يا أخا ثقيف، ما الذي أقدمك على مثل أمير المؤمنين في حيازته، وحملك على الدخول في مساءته، فصر إليه، وأفصح عن حجتك.

فانتهره عمار (الصحيح: فانتهر عماراً)، وأفحش له في الكلام.

وكان عمار شديد الغضب، فوضع حمائل سيفه في عنقه، فمد يده إلى السيف

فقيل لأمير المؤمنين «علیه السلام»: إلحق عماراً، فالساعة يقطعونه.

فوجه أمير المؤمنين «علیه السلام» بالجمع، فقال لهم: لا تهابوه، وصيروا به إليَّ.

وكان مع الرجل ثلاثون فارساً من خيار قومه، فقالوا له: ويلك ! هذا علي بن أبي طالب، قتلك واللّه وقتل أصحابك عنده دون النقطة.

فسكت القوم خوفاً من أمير المؤمنين «علیه السلام»، فسحب الأشجع على وجهه سحباً إلى أمير المؤمنين «علیه السلام»، فقال أمير المؤمنين «علیه السلام»: دعوه ولا تعجلوا، فإن في العجلة لا تقوم حجج اللّه وبراهينه.

ثم قال أمير المؤمنين «علیه السلام» للأشجع : ويلك بما استحللت أخذ أموال أهل البيت ؟ وما حجتك في ذلك؟!

فقال له: وأنت فيم استحللت قتل هذا الخلق في كل حق وباطل؟! وإن مرضاة صاحبي لهي أحب إلي من اتباع موافقتك.

فقال علي «علیه السلام»: أيها عليك ما أعرف من نفسي إليك ذنباً إلا قتل أخيك يوم هوازن، وليس بمثل هذا الفعل تطلب الثأر، فقبحك اللّه وترحك !

فقال له :الأشجع بل قبحك اللّه وبتر عمرك - أو قال : ترحك - فإن حسدك للخلفاء لا يزال بك حتى يوردك موارد الهلكة والمعاطب، وبغيك عليهم يقصر عن مرادك.

فغضب الفضل بن العباس من قوله، ثم تمطى عليه بسيفه فحل عنقه ورماه عن جسده بساعده اليمنى، فاجتمع أصحابه على الفضل،

فسل أمير المؤمنين «علیه السلام» سيفه ذا الفقار، فلما نظر القوم إلى بريق عيني الإمام، ولمعان ذي الفقار في كفه رموا سلاحهم، وقالوا الطاعة.

فقال أمير المؤمنين «علیه السلام»: أف لكم، انصرفوا برأس صاحبكم هذا الأصغر إلى صاحبكم الأكبر، فما بمثل قتلكم يطلب الثأر، ولا تنقضى الأوتار.

فانصرفوا ومعهم رأس صاحبهم، حتى ألقوه بين يدي أبي بكر.

فجمع المهاجرين والأنصار، وقال الخ..(1).

ونقول:

المرافقون لأمير المؤمنين «علیه السلام»:

يلاحظ أولاً: أن الذين اصطحبهم أمير المؤمنين «علیه السلام» إلى بانقيا كان ثلاثة منهم ذوي أعمار قليلة، وكان الحسين «عليه السلام» أصغرهم سناً، وعبد اللّه بن جعفر كان له من العمر إحدى عشرة سنة، وكان عبد اللّه بن عباس ما بين إحدى عشرة سنة إلى أربع عشرة سنة.

والفضل بن عباس وعمار بن ياسر كانا في عداد الرجال، ولهما أزواج وأولاد..


1) إرشاد القلوب للديلمي ص 384 - 391 وبحار الأنوار ج 29 ص 46 - 63 والأنوار العلوية ص 313 - 320.

أي أنه «علیه السلام» أخرج معه هذه الأعمار المتدرجة من سن الطفولة إلى سن الكهولة، وهو إنما خرج على هيئة المحارب للقاء عدو حاقد.

ويلاحظ ثانياً: أن أربعة من مرافقيه كانوا من بني هاشم ومن أقرب الناس إليه ابنه أحدهم، وهو أصغرهم،، ثم ابن أخيه عبد اللّه بن جعفر، ثم ابنا عمه عبد اللّه بن عباس، ثم الفضل بن عباس.

وأخرج رجلا مخزومياً، وهو عمار بن ياسر العنسي، حليف بني مخزوم، وهم حي من قريش.

ويلاحظ ثالثاً: أن الحسين «علیه السلام» هو ابن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وسيد شباب أهل الجنة، وعبد اللّه بن جعفر هو ابن الشهيد الطيار في الجنة، وعبد اللّه والفضل ابنا عباس عم النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وعمار بن ياسر هو الذي تقتله الفئة الباغية..

ويلاحظ رابعاً: أن إخراج هؤلاء دون المسنين من رجال بني هاشم ومن غيرهم قد حرم مناوئيه من توجيه اتهام له، بأنه إنما خرج الحرب، أو ليفسد في الأرض، أو ليظهر الخلاف والعصيان.

ولاسيما إذا كان في المقابل سوف يصطدم بمن لديه السلاح والرجال.

لماذا أرسل الحسين «علیه السلام» إلى الأشجع؟!

واللافت :هنا أنه «علیه السلام» قد اختار ولده الحسين «عليه

السلام» ليرسله إلى ذلك الباغي والطاغي أعني الأشجع بن مزاحم، وهو الرجل الحاقد المتغطرس، الذي لديه السلاح، والرجال حوله يزيدونه غروراً وغطرسة، واستكباراً.

فلماذا لا يرسل عماراً ولا غيره، وكلهم كان أكبر من الحسين «علیه السلام» سناً. ألا يعد هذا تفريطاً بأعز الناس عليه؟! لاسيما وأن ذلك الرجل متوغل في العداوة له، والحقد عليه؟! وما هي الحكمة في هذا التصرف؟!

ونجيب:

أولاً: إنه أراد أن يظهر لذلك الرجل أنه لم يأت لحربه، ولا يريد به شرا. ولذلك أرسل إليه ولده الأصغر، الذي لا يزيد عمره على سبع أو ثماني سنوات.

ثانياً : إن إرسال ريحانة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»،،وابنه وأعز من في الوجود عليه، وسيد شباب أهل الجنة، سوف يحرج ذلك الرجل، لأنه لو بادر إلى قتله، أو أساء إليه، فإنه سيواجه ردة فعل عارمة ليس من علي وبني هاشم وحسب، بل من أكثر الناس: إما تديناً، وحباً برسول اللّه، أو رفضاً للعدوان على الرسول.

فكيف إذا كان الرسول بعمر الأطفال؟!

وكيف إذا كان أبوه الذي أرسله ليدل على أنه لا يضمر العداء لمن يرسله إليه؟!

وكيف إذا كان سائر من معه لا يمكن أن يكونوا قد جاؤوا

للحرب، والطعن والضرب؟

أجب علي بن أبي طالب:

1 - وذكرت الرواية أن الأشجع قد أنكر أن يكون علي «عليه السلام» هو أمير المؤمنين، مع أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» - بأمر من اللّه سبحانه - هو الذي سماه بهذا الاسم، وقد تحدثنا عن ذلك ببعض التفصيل في كتابنا الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» (1).

فإذا كذب هذا الرجل هذه الحقيقة، فذلك يعني أنه يكذب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

وربما كان هذا هو السبب في أن الإمام الحسين «علیه السلام» لم يقل :له أجب والدي عليا، أو أجب علي بن أبي طالب، بل اختار كلمة أمير المؤمنين». بالإضافة إلى أنه يريد بإطلاقها هذا أن يشير إلى أن هذا اللقب هو لعلي «علیه السلام» دون سواه من الأساس، وأن غيره أراد أن يستولي على الخلافة، وعلى اللقب معاً.

2 - إن الإمام الحسين «علیه السلام» لم يناقش ذلك الرجل في إنكاره هذا، ولم يقل له إن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي سماه بهذا الاسم، بل تعامل معه كما تعامل رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله» مع سهيل بن عمرو في صلح الحديبية، حيث لم يرض سهيل بإطلاق كلمة رسول اللّه» على النبي محمد «صلی اللّه علیه وآله»،


1) راجع الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» ج11 ص71.

وطلب محوها، وأصر على أن يكتب اسم النبي، واسم أبيه.

فكتب «صلی اللّه علیه وآله» محمد بن عبد اللّه، وقال «صلى اللّه عليه وآله»: إني لرسول اللّه، وأنا محمد بن عبد اللّه ولن يمحو عني الرسالة كتابي لهم من محمد بن عبد اللّه الخ..(1).

فتأسى الحسين «علیه السلام» بجده المصطفى «صلی اللّه علیه وآله»، وبأبيه المرتضى «علیه السلام»، فقابل فجور ذلك الرجل بالمداراة،والرفق، وقال له مرة أخرى أجب علي بن أبي طالب..

فلعله يعود إلى نفسه، ويرق ويلين ويهدأ ويستكين.. فإن كابر وطغى وبغى، فاللوم يقع عليه، وإنما على نفسها تجني براقش.

السلطان والعوام:

وقد اختار الأشجع طريق اللجاج والعناد، وإظهار العنجهية والغطرسة، فزعم أنه سلطان، وأن عليا «علیه السلام» من العوام، مع أنه نفس النبي «صلی اللّه علیه وآله»، ووصيه، والإمام بعده..


1) راجع: بحار الأنوار ج 32 ص 541 و 542 وصفين للمنقري (الطبعة الثانية سنة 1382ه) ص 508 والمسترشد ص 391 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 232 والدرجات الرفيعة ص 117 وينابيع المودة ص159 و (ط أخرى) ج 2 ص 18 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 628 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص419 ومصادر ذلك كثيرة.

أما الأشجع، فهو مجرد مأمور لإنسان قد تسلط على الأمور، مخالفاً بذلك توجيهات رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ناكثا هو وأنصاره الذين بايعوه «علیه السلام» عن رغبة واختيار بيعتهم إياه في يوم الغدير.

ثم اعتدوا على سيدة نساء العالمين، التي من أغضبها فقد أغضب رسول اللّه، ومن أغضب الرسول فقد أغضب اللّه تعالى.

فهذا الرجل متسلط من قبل متسلط آخر، وليس سلطانا تجب طاعته.

أما علي الذي يقول عنه الأشجع: إنه من العوام، فهو باب مدينة العلم، ووصي الرسول «صلی اللّه علیه وآله» وصنوه، وأخوه، وهو الذي استولى على سلطانه الغاصبون.

أيكون مثل والدي من العوام؟!

وقد لاحظنا: أن الإمام «علیه السلام» قال للأشجع: «أيكون مثل والدي من العوام، ومثلك يكون السلطان»؟! ولم يقل له: أتكون أنت، ويكون أبي؟! فلماذا جاء بكلمة «مثل»؟!

قد يقال : لعل سبب ذلك أحد أمرين، أو هما معاً:

الأول: إنه بذلك يكون قد تحاشى توجيه الكلام إلى الأشجع شخصياً، لكي لا يتخذ الأشجع ذلك ذريعة للإيقاع به، على أساس أنه وجه له إهانة شخصية بل أورد الكلام على سبيل التعميم، وضرب القاعدة.

ولأجل هذا أيضاً نرى: أنه أورد الكلام بصيغة الاستفهام الإنكاري، ليعطيه فرصة للاستدلال والتبرير فلعله يلتفت إلى عدم معقولية هذا الأمر، فيصحح، ويبين، ويوضح.

الثاني: إن كلمة «مثل» تعطي: أن على الأشجع أن يعيد النظر في مرتكزات نظرته هذه، فإن كانت تسمح بالتعميم - من خلال واجدية المورد للمعنى الذي اقتضى هذه القسمة - إلى كل من وجد فيه ذلك المعنى الذي هو القاسم المشترك. فهو في موقع الصواب، فليمض عليه، وإن لم يكن كذلك، فليعد النظر فيما قال.

وبذلك يسوقه برفق وأناة إلى إبعاد القضية عن التأثر بالمزاج الشخصي، المنطلق من أنانيته وعجرفته، ولتصبح قضية في بوتقة الجهد الفكري، لإنها بحاجة إلى بلورة وتمحيص يوصل إلى نتيجة قابلة للاعتماد.

وفي جميع الأحوال نقول:

إن النتيجة هي: أن وصي الرسول، وزوج البتول، وأبا السبطين بما له من فضائل وكرامات وميزات،وصفات وعلم وشجاعة، وجهاد وتضحيات لا يمكن أن يكون من العوام.

الدليل العليل:

ولكن ما أجاب به الأشجع قد جاء هزيلا وفاضحا، حين ادعى أن

السلطان هو الشخص الذي بايع أبا بكر طائعاً، غير كاره، والعوام هو الذي يبايع أبا بكر كارها.

ولا ندري إن كان يصح أن تنسحب هذه القاعدة على كل زمان ومكان إلى يوم القيامة.. أم أن هذا خاص بتلك الساعة، وتلك البقعة، وينتهي مفعوله، لأنه كلام معاند، وفاجر حاقد !!

الفهارس

إشارة:

1 - الفهرس الإجمالي

2 - الفهرس التفصيلي

الفهرس الإجمالي:

الفصل الثالث: نِعْمَ الجمل جملكما...5

الفصل الرابع: أحداث تحتاج إلى توضيح...37

الباب الحادي عشر: تكريم وتعظيم...65

الفصل الأول: لا يجير أحد على رسول اللّه...67

الفصل الثاني: النبي «صلی اللّه علیه وآله» ساقي العطاشى...81

الفصل الثالث: تكبيرات الافتتاح...101

الباب الثاني عشر : الفصول الأخيرة في العهد النبوي...123

الفصل الأول: الإخبار باستشهاد الحسين «علیه السلام»...125

الفصل الثاني: قارورة أم سلمة...155

الفصل الثالث: هذا هو القاتل...169

الفصل الرابع: النبي «صلی اللّه علیه وآله» أوصى للحسنين...185

الفصل الخامس: في وفاة الرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»...209

ملحق: من هنا وهناك...239

القسم الثاني: من عهد النبي «صلی اللّه علیه وآله» إلى عهد علي «علیه السلام»...255

الباب الأول: في عهد أبي بكر...257

الفصل الأول: أحداث السقيفة وفدك...259

الفصل الثاني: في شهادة الزهراء «علیها السلام».. وبعد شهادتها...291

ملحق: أحداث متفرقة....309

الفصل الثالث: الحسين «علیه السلام» صلابة وانضباط...319

الفهارس:...343

الفهرس التفصيلي

الفصل الثالث: نعم الجمل جملكما...5

نِعْمَ الجمل جملكما: ...7

النبي «صلی اللّه علیه وآله» هو المبادر: ...10

قيام النبي «صلی اللّه علیه وآله» للحسين: ...11

لا بأس بحمل الفاضل للمفضول: ...12

الحسنان على ظهر النبي «صلی اللّه علیه وآله» في الصلاة: ...13

معالجات سريعة: ...18

حل، حل:....21

تمزيق العهد لماذا ؟! ...26

اليهودي الذي أسلم: ...29

إيمان اليهودي باللّه : ...35

الفصل الرابع: أحداث تحتاج إلى توضيح...37

قبَّل زبيبته!!: ...39

هل هذا تصحيف؟!: ...41

لماذا الوضوء ؟:... 42

من المقصود بكلام أبي ظبيان؟!:... 43

خلاصة وبيان:...46

التطهير من بول الصبي: ...47

بال على ثياب جده: ...49

ابني!:... 51

الغسل، والنضح: ...52

روايات الآخرين:...53

أبو الحسن، وأبو الحسين: ...55

الحسين «علیه السلام» ودحية الكلبي، أو جبرئيل: ...60

الباب الحادي عشر: تكريم وتعظيم. ...65

الفصل الأول: لا يجير أحد على رسول اللّه...67

قريش تنقض العهد: ...69

أتتك بحائن رجلاه: ...72

المنطق الجاهلي: ...73

العواطف والمجاملات تضيّع الحقوق: ...74

لعل فاطمة «علیها السلام» تخضع للمؤثرات : ...75

اعتراض أبي سفيان: ...76

مري ابنك فيجير!!:...77

ما يدري ابناي ما يجيران: ...78

صلَّى اللّه. الفصل الثاني: النبي «صلی اللّه علیه وآله» ساقي العطاشى...82

يرتويان من لسان النبي «صلی اللّه علیه وآله»:...84

الزهراء «علیها السلام»: يا رسول اللّه !!: ...84

الكرامة الإلهية: ...88

لماذا لم يعطه ماءً ؟ ! : ...89

هل يجزع النبي «صلی اللّه علیه وآله»؟!: ...90

النبي يسقي الحسن فقط: ...94

النبي يبادر ولا يكتفي بإصدار الأوامر: ...95

ليس الحسن أحب إليه: ...96

التمهيد للبيان: ...97

في مكان واحد يوم القيامة:...98

الفصل الثالث: تكبيرات الافتتاح ...103

التكبيرات السبع في أول الصلاة كيف شرعت؟!: ...105

هل الروايتان متناقضتان؟!: ...108

الروايات الأخرى: ...116

الباب الثاني عشر : الفصول الأخيرة في العهد النبوي:...126

الفصل الأول : الإخبار باستشهاد الحسين «علیه السلام» ...128

رؤيا فاطمة «علیها السلام»: ...130

وقفة مع النص...136

متى يقتل الحسين «علیه السلام» ؟!: ...138

تقبيل موضع السم وموضع السيوف: ...141

حديث ابن عباس موضع ريب: ...143

أسئلة توجب الريب في الرواية: ...147

ماذا يريد جبرئيل؟!: ...151

ألا تشغلين عني هذين؟!: ...152

أظنك تحبهما ؟!: ...153

النبي يخبر عن استشهاد مسلم بن عقيل: ...156

علي «علیه السلام» والحب لعقيل: ...157

إني لأحبه حبين!! ...158

إخبار آخر بشهادة الحسين «علیه السلام»:... 161

الوعد بالانتقام الإلهي: ...164

الفصل الثاني: قارورة أم سلمة:...166

التوطئة لحديث القارورة: ...168

تعلق الحسنين بجدهما:...169

جبرئيل يقطع هنا ويظن هناك: ...170

لكل نبي دعوة مستجابة: ...171

بين :خيارين:...172

هذا الخيار هو الأصعب: ...172

الحسنان باب رحمة وهداية: ...173

تربة كربلاء عند أم سلمة: ...174

أم سلمة متى توفيت؟!: ...178

الفصل الثالث: هذا هو القاتل ...181

منام هند: ...183

ما لي وليزيد: ...185

الحسين يسمي قاتله: ...189

فمن يزور قبورنا؟!: ...191

حين كان الحسين يدرج: ...192

فمن يزور قبورنا؟! لماذا هذا السؤال؟! ...194

يريدون برّي وصلتي: ...194

الفصل الرابع: النبي «صلی اللّه علیه وآله» أوصى للحسنين....196

إعجاب النبي بالحسين «علیه السلام» : ...198

لماذا تعجب عائشة ؟!:...199

بين الحب، والإعجاب: ...200

أوصى النبي «صلی اللّه علیه وآله»إلى علي «علیه السلام» والحسنين: ...202

هكذا فهموا رواية الإمام الصادق «علیه السلام»: ...203

المعنى الأقرب إلى القبول: ... 205

لماذا خمس سنين؟: ...207

حديث أم أسلم: ...208

متى جرى هذا ؟!: ...212

المعجزة هي الجواب: ...213

العلامة وفعلية معنى الإمامة: ...214

الثقافة تسهل الهداية : ...215

إيتيني بحصاة: ...216

هل ترين فيها شيئاً؟! ...217

تسبيح الحصى في يد الحسين «علیه السلام»: ...217

الفصل الخامس: في وفاة الرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»...222

هذا هو الإرث العظيم: ...224

الزهراء «علیها السلام» تطلب توريث الحسنين: ...226

التمييز بين الحسنين في الصفات: ...230

النبى «صلی اللّه علیه وآله» يشم الحسنين «علیهما السلام» قبيل موته: ...232

ليلة الحزن:....233

دعاهم، وناجاها: ...234

حزن الحسنين «علیهما السلام»: ...238

تزود النبي «صلی اللّه علیه وآله» من الحسنين: ...241

هل أغمي على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»؟!:...241

الصياح والبكاء: ...243

أشمهما، ويشماني: ...243

الأمر لعلي ثم للحسن ثم للحسين «علیه السلام»: ...244

التزود من الطرفين:... 245

اشتراك الحسنين «علیهما السلام» في التغسيل والصلاة: ... 247

الحسنان إمامان: ...248

إذن جبرئيل: ...249

تغسيل الميت، والنظر إلى عورته: ...250

ملحق:...251

من هنا وهناك ...251

الحسين يسأل أبا هريرة !!: ...253

رواية الجزيرة الخضراء: ...254

إخبار غيبي على مائدة الطعام: ...255

ماذا عن التاسع من ربيع الأول؟!: ...255

إنما هو علم من ذي علم: ...257

رواية محمد بن حرب الهلالى: ...258

من هو محمد بن حرب؟!: ...263

ابتلاء الحسين «علیه السلام» بالمختار: ...267

القسم الثاني: من عهد النبي «صلی اللّه علیه وآله» إلى عهد علي «علیه السلام»...270

الباب الأول : في عهد أبي بكر...272

الفصل الأول: أحداث السقيفة وفدك ...274

الحسنان في خضم اغتصاب الخلافة: ...276

الحسنان «علیهما السلام» في الهجوم على الدار...276

فاطمة وعلي والحسنان «علیهم السلام» يزورون الصحابة: ...279

استجابة الزبير: ...282

مدى استجابة الصحابة وبني هاشم: ... 283

تعدد المحاولة: ...285

لماذا أكثر جدية؟!: ...287

ما الدليل على الشهرين؟: ...291

إحراق الجميع هو المطلوب: ...293

ادّعاء بالتسرع، وادّعاء بالتوبة: ...294

الحسنان«علیهما السلام» شريكان: ...298

الحسنان «علیهما السلام» يشهدان بفدك: ...299

للإيضاح.. والتذكير....302

مستند ردّ شهادة الحسنين: ... 302

شهادة الحسنين «علیهما السلام» بنظر الغاصبين: ...305

الفصل الثاني: في شهادة الزهراء «علیها السلام».. وبعد شهادتها...306

الحسنان «علیهما السلام» في استشهاد أمهما: ...308

مشاركة الحسنين «علیهما السلام» في تغسيل أمهما: ... 310

التكفين ثم الوداع:.... 313

الصلاة على الزهراء «علیها السلام»:... 315

المشاركة في التغسيل والصلاة والدفن: ...317

من حضر،الصلاة هل حضر الدفن ؟: ...318

البنات أولاً : ...319

حنَّت، وأنت: ...322

ملحق: ...325

فاطمة «علیها السلام» توصي علياً «علیه السلام» بتزوج أمامة؟!: ...327

بنت أختي: ...330

أشياء لا سبيل لتركها: ... 330

لماذا التأخير بعد الوصية؟!... 331

لماذا زوجها الزبير؟!... 331

محمد الأوسط ابن أمامة:... 332

زواج أمامة بعد علي «علیه السلام»:... 333

الفصل الثالث: الحسين «علیه السلام» صلابة وانضباط... 333

الحسين «علیه السلام» يشتري سيفاً:... 336

مكتوب على سيف الحسين «علیه السلام»:... 340

جدار يستر الحسنين «علیهما السلام» للتخلي: ... 341

لماذا الجدار ؟!:... 344

لماذا كل هذا الحقد ؟!:... 346

ابنا محمد:... 348

الحسين «علیه السلام» يتصدى:...349

الحسين يروي للحسن «علیه السلام»:... 349

الحسين «علیه السلام» في بانقيا:... 351

المرافقون لأمير المؤمنين «علیه السلام»:... 355

لماذا أرسل الحسين «علیه السلام» إلى الأشجع ؟!... 356

أجب على بن أبي طالب:... 358

السلطان والعوام:... 359

أيكون مثل والدي من العوام؟!... 360

الدليل العليل:... 361

الفهرس الإجمالي:... 366

الفهرس التفصيلي:... 368