سیرة الحسین علیه السلام فی الحدیث و التاریخ جلد 5

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سيرة الحسين(عليه السلام)

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء الحادي والعشرون

المركز الاسلامي للدراسات

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2016م - 1437هـ

حاد

المركز الاسلامي للدراسات

لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519

البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org

المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421

محرر الرقمي: عبدالعلي محسني

اشارة

الصحيح

من سيرة الإمام الحسين علیه السلام

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء الخامس

المركز الإسلامي للدراسات

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى

1435هـ - 2014م.

المركز الإسلامي للدراسات

بِسْمِ ٱللَّٰهِ ٱلرَّحْمٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الفصل الخامس: حديث الكساء.. وحديث سد الأبواب..

اشارة

الحسنان «عليهما السلام» في آية التطهير:

والحسنان «عليهما السلام» كانا في جملة أهل الكساء، الذين نزلت فيهم آية التطهير، بالإضافة إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» وعلي والزهراء «عليهما السلام»، وآية التطهير هي قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطهِّرَكُمْ تطهيرا) (1).

وقد حصل هذا الحدث قبل شهر، أو قبل أربعين صباحا، أو قبل ستة، أو سبعة، أو ثمانية، أو تسعة، أو عشرة أشهر، أو سبعة عشر، أو تسعة عشر شهراً من وفاة الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم».. حيث بقي «صلی الله علیه و آله وسلم» يمر في كل يوم ببيت علي وفاطمة «عليهما السلام»، ويقول:

الصلاة يا أهل البيت (إِنَّمَا يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطهِّرَكُمْ تَطهيراً) (2).


1) الآية 33 من سورة الأحزاب.

2) الآية 33 من سورة الأحزاب.

وذلك ليؤكد: أنهم هم المقصودون بالآية الشريفة دون سواهم. وأن المراد هم أهل بيت النبوة، لا بيت السكني.

ولينتشر ذلك في الناس، ولا سيما في تلك الفترة التي تكثر الوفود فيها إلى المدينة، ليعلنوا إسلامهم، ثم يعودوا إلى بلادهم.

فراجع في تفصيل الكلام حول هذه القضية، ودلالة الآية، كتابنا: أهل البيت في آية التطهير .

وملخص ما جرى :

أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» جمع علياً، وفاطمة والحسن، والحسين «عليهم السلام» معه تحت كساء خيبري فدكي، في حجرة أم سلمة وفي يومها، وقال:

اللهم هؤلاء أهل بيتي، وهؤلاء أهلي وعترتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

فقالت أم سلمة : أدخل معهم يا رسول الله؟!

قال لها رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»: يرحمك الله، أنت على خير، وإلى خير ، وما أرضاني عنك ، ولكنها خاصة لي ولهم.

ثم مكث رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» بعد ذلك بقية عمره، حتى قبضه الله إليه، يأتينا في كل يوم عند طلوع الفجر، فيقول: الصلاة يرحمكم الله، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ

وَيُطهِّرَكُمْ تَطهيراً) (1)الحديث (2).


1) الآية 33 من سورة الأحزاب.

2) بحار الأنوار ج 10 ص 138 وراجع هذه الأحاديث الكثيرة جداً على اختلاف ألفاظها في المصادر التالية: جامع البيان ج 22 صه و 7 والدر المنثور ج 5 ص 198 و 199 عنه، وعن ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والخطيب، والترمذي، والحاكم، وصححاه، والبيهقي في سننه، وابن أبي شيبة، وأحمد ، ومسلم، وفتح القدير ج4 ص 279 و 280 وجوامع الجامع ص 372 والتسهيل لعلوم التنزيل ج3 ص 137 وتأويل الآيات الظاهرة ج 2 ص 457 - 459 والطرائف ص 122 - 130 والمناقب لابن المغازلي ص 301 - 307 وشواهد التنزيل ج 2 ص 11 - 92 ومسند الطيالسي ص 274 والعمدة لابن بطريق ص 31 - 46 ومجمع الزوائد ج 7 ص 91 و ج 9 ص 121 و 119 و 146 و 167 - 169 و 172 وأسد الغابة ج 4 ص 49 و ج 2 ص 9 و 12 و 20 وج 3 ص 413 وج 5 ص 66 و 174 و 521 و 589 وآية التطهير في أحاديث الفريقين، المجلد الأول كله وأسباب النزول ص 203 ومجمع البيان ج 9 ص 138 وج 8 ص 356 و 357 وبحار الأنوار ج 35 ص 206 - 223 و ج 45 ص 199 و ج 37 ص 35 و 36 ونهج الحق ص 173 - 175 والجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 182 وصحيح مسلم ج 7 ص 130 وسعد السعود ص 204 و 106 و 107 وذخائر العقبى ص 21 - 25 و 87 وكشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ص 405 والإيضاح لابن شاذان ص 170 ومسند أحمد ج 4 ص 107 و ج 3 ص 259 و 285 وج 6 ص 292 و 298 و 304 وج 1 ص 331 وتفسير القرآن العظيم ج3 ص 483 - 486 وكفاية الطالب ص 54 و 242 و 371 و 377 وترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج 1 ص 184 و 183 والمعجم الصغير ج 1 ص 65 و 135 والجامع الصحيح ج 5 ص 663 و 699 و 351 و 352 وخصائص الإمام علي للنسائي 352 ص 49 و 63 والمستدرك على الصحيحين ج 2 ص 416 وج 3 ص 172 و 146 و 147 و 158 و 133 وتلخصيه للذهبي (مطبوع بهامشه)، وتفسير القمي ج 2 ص 193 والتبيان ج 8 ص 307 - 309 والتفسير الحديث ج 8 ص 261 و 262 ومختصر تاریخ دمشق ج 7 ص 13 والبرهان (تفسير) ج 3 ص 309 - 325 وتفسير فرات ص332 - 340 ووفاء الوفاء ج 1 ص 450 وراجع: نزهة المجالس ج 2 ص 222 ومنتخب ذيل المذيل للطبري ص 83 وحبيب السير ج 1 ص 407 وج 2 ص 11 والشفاء لعياض ج 2 ص 48 وسير أعلام النبلاء ج 10 ص 346 و 347 وج 3 ص 270 و 315 و 385 و 254 والغدير ج 1 ص 50 و ج 3 ص 196 وإحقاق الحق (الملحقات) ج 9 ص 1 - 69 وج 3 ص 513 - 531 وج 2 ص 502 - 573 1وج 14 ص 40 - 105 وج 18 ص 359 - 383 عن مصادر كثيرة جداً، وسليم بن قيس ص 105 و 52 و 53 وراجع ص 100 ونزل الأبرار ص 102 - 104 و 108 وكنز العمال ج 13 ص 646 ونوادر الأصول ص 69 و 265 والصراط المستقيم ج 1 ص 184 - 188 وقال في جملة ما قال: «أسند نزولها فيهم صاحب كتاب الآيات المنتزعة. وقد وقفه المستنصر بمدرسته، وشرط أن لا يخرج من خزانته. وهو بخط ابن البواب. وفيه سماع لعلي بن هلال الكاتب وخطه لا يمكن أحد أن يزوره عليه» ومرقاة الوصول ص 105 - 107 وذكر أخبار أصبهان ج2 ص 253 وج 1 ص 108 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 297 والرياض النضرة ج 3 ص 152 و 153 ونهج الحق (مطبوع ضمن إحقاق الحق) ج2 ص 502 و 563 ومصابيح السنة ج 4 ص 183 والكشاف ج 1 ص 369 والإتقان ج 2 ص 199 و 200 وتذكرة الخواص ص233 وأحكام القرآن لابن عربي ج 3 ص 1538 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 7 و 8 والإصابة ج 2 ص 509 وج 4 ص 378 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر (بتحقيق المحموي) ص 63 - 70 والصواعق المحرقة ص 141 - 143 و 137 و متشابه القرآن ومختلفه ج 2 ص 52 وتفسير نور الثقلين ج 4 ص 270 - 277 وإسعاف الراغبين (مطبوع بهامش نور الأبصار) ص 106 و 107 ونور الأبصار ص 110 - 112 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 224 - 243 والإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 4 ص 46 وج 3 ص 37 وفرائد السمطين ج 1 ص 316 و 368 و ج 2 ص 10 و 19 و 22 - 23 وينابيع المودة ص 107 و 167 و 108 و 228 و 229 و 230 و 260 و 15 و 8 و 174 و 294 و 193 والعقد الفريد ج 4 ص 313 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 61 - 62 وراجع : التاريخ الكبير للبخاري ج 1 قسم 2 ص 69 - 70 و 110 وراجع ص 197 وكتاب الكنى للبخاري ص 25 - 26 ونظم درر السمطين ص 133 و 238 و 239 وتهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 207 - 209 والنهاية في اللغة ج 1 ص 446 ولباب التأويل ج 3 ص 466 والكلمة الغراء «مطبوع مع الفصول المهمة» ص 203 و 217 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 104 و 106 وترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ص 60 - 76 والمعتصر من المختصر ج 2 ص 226 و 267 وراجع أيضاً: المواهب اللدنية ج 2 ص 122 والمحاسن والمساوئ ج 1 ص 481 ونفحات اللاهوت ص84 و 85 وتيسير الوصول ج 2 ص 161 والكافي ج 1 ص287 ومنتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج 5 ص 96 عن ابن أبي شيبة، وكنز العمال (ط الهند) ج 16 ص 257 والإتحاف ص 18 وتاريخ الإسلام للذهبي (عهد الخلفاء الراشدين) ص 44 وأحكام القرآن للجصاص جه ص230 وتاريخ بغداد ج 10 ص 278 وج 9 ص 26 - 27 والمناقب للخوارزمي ص 23 و 224 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 300 ومشكل الآثار ج1 ص 332 - 339 والسنن الكبرى ج 2 ص 149 - 152 وج 7 ص 63 والبداية والنهاية ج 5 ص 321 و ج 8 ص 35 و 205 ومنهاج السنة ج 3 ص 4 وج 4 ص 20 وعن ذخائر المواريث ج 4 ص 293 وعن ميزان ج4 الإعتدال ج 2 ص17.

وقد احتج علي «عليه السلام» بهذه القضية، وبنزول الآية فيهم في يوم الشورى، ثم استدل بها في مسجد المدينة في خلافة عثمان على جماعة من المهاجرين والأنصار، كما سيأتي..

بل واحتج «عليه السلام» بهذه الآية على أبي بكر أيضاً.

فقد روى حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله «عليه السلام» في حدیث قال: قال أمير المؤمنين «عليه السلام» لأبي بكر يا أبا بكر تقرأ الكتاب؟!

قال: نعم.

قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطْهِّرَكُمْ تَطهيراً) (1)في من نزلت؟! فينا؟! أم في غيرنا؟!

قال أبو بكر : بل فيكم (2).

والمصادر الكثيرة التي ذكرناها لحديث الكساء، ونزول الآية فيهم قد تضمنت تفاصيل وخصوصيات يمكن الاطلاع عليها، وعلى بعضها في كتابنا «أهل البيت في آية التطهير». وفيه كثير من المباحث حول الآية، وحول حديث الكساء، فإن التعرض لها في كتابنا هذا غير سديد، بسبب كثرتها وتنوعها، فلا محيص لنا عن الاقتصار هنا على الإشارة إلى بعض التوضيحات في الآية الشريفة، ثم نختم ذلك بالإشارة بإيجاز شديد إلى طبيعة وجود الحسنين «عليهما السلام» في أهل الكساء، وذلك كما يلي:

عن أي بيت نتحدث؟!:

تقول الآية التي نزلت في حق أهل الكساء «عليهم الصلاة


1) الآية 33 من سورة الأحزاب.

2) البرهان (تفسير) ج 3 ص 312 وتفسير القمي ج 2 ص 156 و 274 وتفسير نور الثقلين ج 4 ص 187 وغاية المرام ج3 ص199 وبحار الأنوار ج 29 ص 129 والإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 122 وجامع أحاديث الشيعة ج 25 ص 117 .

والسلام»: (إِنَّمَا يُريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطهِّرَكُمْ تطهيراً)، فعن أي بيت تتحدث، ومن تقصد؟ هل تقصد بيت السكني، أو تقصد العائلة والقبيلة، كقولهم: البيت الأموي، أو الهاشمي، أو نحو ذلك.. أو يقصد بيت النبوة الذي أشار إليه الإمام الحسين «عليه السلام» بقوله: «إنَّا أهل بيت النبوة»؟! أم ماذا ؟! ويجاب:

1 - إن إرادة العشيرة والأقارب لو صحّت لم يكن معنى لتخصيص الآية بالخمسة أصحاب الكساء ، فهناك عم النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» العباس وأبناؤه، وهناك عقيل، وغيرهم..

كما لا معنى لإدخال الزوجات في آية التطهير، لأنهن لسن من الأهل والأقارب والعشيرة. كما سيأتي أيضاً..

2 - أما إرادة بيت السكنى فتحتاج إلى قرينة تدل عليها.. والقرينة هنا موجودة، لكنها تدل على خلاف ذلك، فقد كان لعلي وفاطمة والحسنين «عليهم السلام» بیت آخر مستقل، غير البيت الذي جمعهم النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» فيه. كما دل عليه حديث سد الأبواب الشارعة في المسجد، إلا باب علي «عليه السلام». ولعلك تقول:

القرينة هي أن الآية جزء من آيات نزلت بحق أزواج النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، فلا يعقل خروجهن عنها، والمبرر لدخولهن في الآية إنما هو سكناهن في بيت الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم».

ويجاب:

أولاً: بأن فقرة إذهاب الرجس والتطهير هي جزء من آية وردت على نحو الالتفات من مخاطبة النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، حيث أمره الله بأن يقول لأزواجه: بعض الأمور، فقال لهن، ثم هددهن

بالعقاب المضاعف على المخالفات منهن.

ثم عاد إلى خطاب النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» من جديد ليقول له: إني إنما أمرتهن بكذا وكذا، لأنني أريد إذهاب الرجس عنكم أهل البيت وتطهيركم.

وسيأتي مزيد توضيح لهذا البيان عن قريب.

ثانياً : لقد صرح النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» لأم سلمة، وغيرها من الأزواج بأنها ليست من أهل بيته، بل هي من أهله.

ثالثاً: قيل لزيد بن أرقم: أليس نساؤه من أهل بيته ؟!

فقال: نساؤه من أهل بيته؟!

لكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده (1).


1) راجع الدر المنثور ج 5 ص 199 وصحيح مسلم ج7 ص130 وتفسير القرآن العظيم ج 3 ص 486 وفتح القدير ج 4 ص 280 وكنز العمال ج 13 ص 641 والمواهب اللدنية ج 2 ص 122 والتفسير الحديث ج 8 ص 261 والبرهان في تفسير القرآن ج 3 ص 324 والصواعق المحرقة ص226 وراجع ص 227 و 228 والسنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 148 وتهذيب الأسماء واللغات ج 1 ص 347 وكتاب سليم بن قيس ص104 ونور الأبصار ص 110 وإسعاف الراغبين ص 108 والإتحاف بحب الأشراف ص 22 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 300 وراجع: بحار الأنوار ج 35 ص 229 وكفاية الطالب ص 53 (وليس فيه عبارة : نساؤه من أهل بيته ؟!) عن مسلم، وأبي داود وابن ماجة. وفي هامشه عن: مسند أحمد ج4 ص 336 وعن كنز العمال ج 1 ص 45 وعن مشكل الآثار ج4 ص 368 1 وعن أسد الغابة ج2 ص12 وعن المستدرك على الصحيحين ج3 ص 109.

فزيد ينكر ذلك، ويستدل عليه بما ذكر . وإن كان دليله غير دقيق. لاسيما وأن تحريم الصدقة لا يختص بما بعد موت النبي «صلی الله علیه و آله وسلم».

وفي نص آخر: أن الحصين سأل زيد بن أرقم: من أهل بيته ؟! نساؤوه؟!

قال: لا، وأيم الله، إن المرأة لتكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها وقومها.

أهل بيته: أصله، وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده (1).


1) صحيح مسلم ج 7 ص 123 والصراط المستقيم ج 1 ص 185 وتيسير الوصول ج 2 ص 161 والبرهان (تفسير) ج 3 ص 324 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 486 والطرائف ص 122 وبحار الأنوار ج 35 ص 230وج 23 ص 117 والعمدة لابن البطريق ص 35 والتفسير الحديث ج 8 ص 261 عن التاج الجامع للأصول ج 3 ص 308 و 309 وخلاصة عبقات الأنوار ج 2 ص 64 عن دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب ص227 - 231 وإحقاق الحق (الملحقات) ج 9، ص 323 عن الجمع بين الصحيحين والصواعق المحرقة ص 148 ونقل أيضاً عن جامع الأصول ج 10 ص 103.

واجتهاد زيد في المراد من أهل البيت مخالف للنص الوارد عن الرسول في حصر أهل البيت بالخمسة أصحاب الكساء، كما أنه يوجب خروج النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» نفسه عن دائرة الآية.

فالمعيار هو ما قاله الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم»، ولا قيمة لاجتهاد في مقابل النص.

3 - فلم يبق إلا أن يكون المراد بأهل البيت هو أهل بيت النبوة، وهم الذين عناهم الإمام الحسين «عليه السلام» بقوله: «إنَّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله، وبنا يختم»(1).

وأهل بيت النبوة هم العاملون على تحقيق أهداف النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، وحفظ رسالته، ولا يمكن إلا أن يكونوا صفوة الخلق علماً وعملاً ، وجهاداً وتضحية، ولا يكونوا من العصاة، أو الجاهلين.. ولأجل ذلك صرح حديث الكساء بمنعه «صلی الله علیه و آله وسلم» بعض


1) بحار الأنوار ج 44 ص 325 والعوالم ، الإمام الحسين ص174 ومثير الأحزان لابن نما الحلي ص 14 ولواعج الأشجان ص 25 واللهوف في قتلى الطفوف ص17 وحياة الإمام الحسين للقرشي ج 1 ص 120 وج 2 ص 209 و 255 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص182 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 615 و 674 .

زوجاته، واحدة أو أكثر، من الدخول معه تحت الكساء، وبأنهن لسن داخلات في أهل بيت النبوة.

وقد يؤيد ذلك: قوله تعالى لنوح «عليه السلام» عن ابنه: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) (1). فدلنا بذلك على أن الصلاح شرط لكون الإنسان من أهل نوح النبي..

وعن الإمام الرضا «عليه السلام»: «من كان منا لم يطع الله عز وجل، فليس منا» (2)ولأجل طاعة سلمان الله قال رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»: سلمان منا أهل البيت.

الآية لا تخاطب الزوجات:

وقد تقدم: أن آية التطهير لا تخاطب الزوجات، بل خاطبت أهل البيت، بما فيهم النبي الأعظم ص«صلی الله علیه و آله وسلم»، فإن الله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أمَتَّعْكُنَّ وَأَسَرَّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ


1) الآية 46 من سورة هود.

2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 232 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 258 ومعاني الأخبار ص 106 وبحار الأنوار ج 49 ص 218 وج 43 ص 230 ج 93 ص 222 وشجرة طوبى ج 2 ص 381 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 290 وج 6 ص 582 والتفسير الصافي ج 2 ص 451 واللمعة البيضاء للتبريزي ص 31 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 139 ونور الثقلين (تفسير) ج 2 ص 370 وكنز الدقائق (تفسير) ج6 ص180.

الآخِرَة فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً).

ثم قال له: بتقدير قل لأزواجك: (يَا نِسَاءِ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْن وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسيراً).

(وَمَنْ يَقْتُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَريماً).

(يَا نِسَاءِ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النَّسَاءِ إِن اتَّقَيْتُنَّ).

وبتقدير قل لهن، مفرعاً على الآية المتقدمة: (فلا تَخْضَعْنَ بالقول فيَطْمَعَ الَّذِي فِي قلبهِ مَرَضٌ)، (وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً).

(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)، (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولى)، (وَأَقِمْنَ الصَّلاة)، (وَآتِينَ الزَّكَاةِ)، (وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).

ثم قال الله تعالى لنبيه «صلی الله علیه و آله وسلم»: إنما أمرتك بإبلاغ هذه الأوامر والزواجر لزوجاتك حفاظا على قدسية أهل بيت النبوة، ولإذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم.

فالخطاب الإلهى للنبي «صلی الله علیه و آله وسلم» إنما هو خطاب له بما له من صفة النبوة، وأنه صاحب وحي وقداسة، لا بما هو شخص.

ثم التفت إلى أهل البيت «عليهم السلام»، وقال لهم: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطهِّرَكُمْ تَطهيرًا).

ثم عاد لخطاب النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» مرة أخرى، ليقول لأزواجه: (وَادْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ

كَانَ لطيفاً خبيراً).

الفرق بين ليذهب، وأن يذهب:

ولكي يتضح المقصود نشير إلى أنه تعالى لم يقل: يريد أن يذهب عنكم، بل قال يريد ليذهب. ويتضح الفرق بين «اللام» و «أن» بملاحظة أنه تعالى قال في سورة الصف: (يُريدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بأقوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ ثورهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (1).

وقال في سورة التوبة: (يُريدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بأَفْوَاهِهِمْ) (2).

وملخص الفرق: أنه تعالى حين قال: (يُريدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا)، فذلك يعني أن إرادتهم قد تعلقت بالإطفاء مباشرة، ولكنه حين قال: (لِيُطْفِئُوا) فقد تعلقت إرادتهم بأمر آخر بالمباشرة، لكي يكون ذلك

الأمر هو الوسيلة التي توصلهم إلى إطفاء نور الله.

وفي مورد الآية، كان الإطفاء لنور الله هو الداعي لتعلق إرادتهم بالافتراء على الله الكذب - المذكور في آيتي سورة الصف حيث قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن اقْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ


1) الآية 8 من سورة الصف.

2) الآية 32 من سورة التوبة.

وَاللهُ مُتِمَّ ثورهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (1).

وفي الآيات القرآنية آيات كثيرة اعتمدت هذا الأسلوب في البيان..

والأمر في آية التطهير كذلك، فإن اللام هي لام «كي»، التي تدل على أن ما بعدها علة لما قبلها، فكأنه تعالى قال: أن إرادة إذهاب الرجس عن أهل البيت هو السبب في توجيه هذه الأوامر لزوجاتك. مع أن زوجاتك لسن من أهل بيت النبوة ، ولكن نحن نأمر هن بذلك لحفظ قداسة أهل بيت النبوة.

فالآية لا تدل على دخول الزوجات في جملة أهل البيت، بل قد تدل على العكس، لأنهن لو كنّ داخلات في مدلولها، لكان المناسب أن يقول: «أن يذهب عنكم الرجس»، لأن بعض نسائه «صلی الله علیه و آله وسلم» قد وقعت فيما كان النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» قد حذرها منه، فقادت الجيوش في حرب الجمل لحرب وصي الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم»، ومن هو أخوه، ونفسه، وقد قتل في تلك الحرب الألوف من المسلمين.

التوضيح بالمثال:

إنه ليس في أهل البيت رجس ليراد إزالته عنهم، بل الرجس والذنب والخطأ الذي تقول الآية: إنه تعالى يريد أن يذهبه، وهو ذلك الذي يصدر من أناس لهم نوع ارتباط بأهل البيت «عليهم السلام»،


1) الايتان 7 و 8 من سورة الصف.

فأراد الله تعالى بالإرادة التشريعية، التي تجسدت بالأمر والنهي للزوجات أن لا يصدر منهن ما يضر بمكانة وقداسة أهل اليبت «عليهم السلام».

وهذا نظير ما إذا كان هناك شخص تحترمه، لعلمه، وتقواه، أو لأي شيء آخر، وكان له ولد غير منضبط، فإنك تأمر ولده وتنهاه حرصاً على كرامة وسمعة أبيه، الذي هو الأساس عندك. مع أن ذلك الولد ليس في دائرة اهتماماتك، لولا حرصك على أبيه.

وكذا لو كان هذا الشخص يسكن في محلة يكثر فيها الفساد، فإنك تسعى لإخراجه من تلك المحلة، أو تحاول إصلاح حال الناس فيها، وإبعاد الفاسدين عنها كرامة لذلك الشخص.

والأمر هنا كذلك، فإن الله هنا يأمر وينهى نساء النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، لأن لهم صلة بأهل البيت « عليهم السلام»، لأن الزوجات لهن صلة برسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، ولكن صلة أهل البيت به من حيث هم حملة مسؤولية حفظ دينه، وتحقيق أهدافه، فيريد الله تعالى أن لا يشعر أحد أن أهل البيت يعيشون في محيط يكون فيه من يقع في الأخطاء من غيرهم، ويمكن أن تنسب إليهم بالعرض والمجاز، كما لو كان جاراً لهم، أو خادما عند جارهم، أو كان زوجة للنبي الذي يريد أهل البيت نشر دعوته، وتأييد دينه، وحفظ رسالته.

وهذا هو غاية اللطف بأهل البيت، والتكريم لهم. فإن كل عاقل سوف يفهم : أنه إذا كان الله يريد أن لا ينسب الرجس الصادر من غير

أهل البيت «عليهم السلام» لهم، ولو بالعرض والمجاز، بدليل أنه تعالى يقرر مضاعفة العقوبة على الزوجات، لمجرد أن لهن بأهل البيت «عليهم السلام» صلة بعيدة، كما ذكرناه آنفا .. - إذا كان الأمر كذلك - فهل يمكن أن يرضى بصدور الرجس منهم «عليهم السلام» على الحقيقة؟!

وهذا هو مفهوم الموافقة، والأولوية القطعية، الذي يفيد أنه تعالى قد طهرهم ونزههم فعلا عن كل رجس مهما كان حجمه.

الحسنان «عليهما السلام» في آية التطهير:

ثم إن النقطة الأخيرة التي نود الإلماح إليها: هي أن عمر الإمام الحسن «عليه السلام» كان حين نزول آية التطهير، وإدخاله مع أهل الكساء ما بين الخمس والسبع سنوات، وكان عمر الإمام الحسين «عليه السلام» ما بين الأربع والست سنوات.. فأكثر الناس يرون أنهما طفلان، وأنهما يمكن أن يخطئا وأن يصيبا، وأن يطيعا ويعصيا. وأن يكونا - بنظر أكثر الناس أيضاً - جاهلين غير عالمين بأكثر الأمور العادية، فما بالك بما هو من الدقائق، والأسرار، ولا يحيط به إلا الأنبياء، أو الأوصياء، أو العلماء الأبرار ؟!

وإذا كانت الآية الشريفة تريد تطهير أهل بيت النبوة، الحافظين للدين، وهم أهل الفضل والجهاد، وقد قدموا أعظم التضحيات في العباد والبلاد .. فالحسنان لا يزالان صغيرين لم يقدما شيئاً، ولا مارسا جهاداً، فلماذا قرنهما الله تعالى بالنبي وعلي وفاطمة «صلوات الله

وسلامه عليهم أجمعين»؟!

ألا يدلنا ذلك على أن المقصود ما هو أعظم من مجرد المدح والثناء، فالنبي «صلی الله علیه و آله وسلم» هو صاحب الرسالة، ومبلغ الدين والشريعة للأمة.

وعلي وصيه من بعده، وحافظ دينه، وباذل نفسه في سبيل الله، وهو نفس الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم».. ولا يمكن أن ينكر ذلك أحد.

أما فاطمة الزهراء «عليها السلام»، فهى التى كانت الصلة بين مقام النبوة، ومقام الإمامة، فإن الهجوم على بيتها وضربها يوم وفاة أبيها كان أمراً نشازاً لا يتقبله عقل أي إنسان كان.. لأن من غير الطبيعي أن يموت أكرم وأعظم وأفضل رسل الله، ثم يهجم على بيت ابنته - وفيه قبره، وابنته، وزوجها، وابناها - أناس كانوا يظهرون للناس أنهم المقربون عنده، وأهل الزلفى لديه، وذلك في لحظة الفراغ

من دفنه، فيضربون ابنته، ويسقطون جنينها، وهي على شفير قبره...

مع أنهم للحظات أو لساعات يسيرة خلت كانوا يظهرون كل طاعة ومودة وانقياد لهذا النبي، ومع أن الله أمرهم بمودته ومحبته، ومحبة ومودة أهل بيته فقال: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (1).


1) الآية 23 من سورة الشورى.

ولا شك في أن ابنته هي أقرب الناس إليه، وهي الوحيدة بعده، وهي المقصودة قبل غيره بوصايا الله ورسوله لهم بالمودة والمحبة.

وليست هي امرأة عادية، بل هي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين.

كما أن بعلها أخو النبي، ونفسه، ووصيه، ووزيره، ولولاه لما قام للإسلام عمود. وقد بايعوه بالخلافة والإمامة، قبل وفاته «صلی الله علیه و آله وسلم» بسبعين يوماً فقط، فما عدا مما بدا.

أما ابناها فهما سيدا شباب أهل الجنة، وريحانتا رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، وهما الإمامان قاما أو قعدا.

والآيات والروايات التي أوجبت محبتهما ومودتهما قد لا يمكن حصرها.

فلماذا هذا الهجوم ؟ ولماذا جمعوا الحطب لإحراق بيتها بمن فيه، وفيه هؤلاء الذين هم صفوة الخلق، والمطهرون المعصومون؟!

ولماذا يعرضون أنفسهم لغضب الله ورسوله، الذي يقرون بأنهم سمعوه يقول: «فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني»(1). وقال:


1) صحيح البخاري (ط دار الفكر ) ج 4 ص 210 و 219 وفضائل الصحابة للنسائي ص 78 وفتح الباري ج 7 ص 63 و 82 وعمدة القاري ج16 ص 223 و 249 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 526 والآحاد والمثاني ج 5 ص 361 والسنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 97 و 148 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 121 والمعجم الكبير ج 22 ص 404 ونظم درر السمطين ص 176 والجامع الصغير ج 2 ص 208 وكنز العمال ج 12 ص 108 و 112 وفيض القدير ج 4 ص 554 وكشف الخفاء ج 2 ص 86 .

«رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني»؟!(1).

ثم إنهم غصبوا إرثها ، وأخذوا منها فدكاً، وهى نحلتها من أبيها، لأنها خالصة لرسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، إذ لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.

وقد ماتت «عليها السلام» وهي واجدة على من فعل ذلك كله..

إن هذا يوضح لكل الناس: أن هؤلاء قد هاجموا بيتها، لأنهم يريدون ضمان عدم تحرك علي للاعتراض عليهم بسرقة الخلافة منه، وهو مشغول بتجهيز ودفن رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم». وأن هؤلاء الناس معتدون وغاصبون لأمر لا حق لهم به.. وناقضون بيعة، كان رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» قد أخذها منهم لوصيه ووزيره والإمام من بعده، وأن هذا الهجوم قد جاء لتأكيد هذا


1) قاموس الرجال للتستري ج 12 ص 328 والإمامة والسياسة (تحقيق الشيري) ج 1 ص 31 و (تحقيق الزيني) ج 1 ص 19 - 20 وبحار الأنوار ص9 28 ص 357 وج 29 ص 627 و 628 وعن أعلام النساء ج3 ص 1214 .

الاغتصاب .

فلولا هذا العدوان على الزهراء «عليها السلام»، ولولا أنها بقيت مهاجرة لمن اعتدى إلى حين وفاتها، حيث أوصت أن تدفن ليلا، وأن لا يحضر المعتدون جنازتها، وأن لا يعرفوا موضع قبرها.. لما عرفت الأمة الحق، ولتمكن وعاظ السلاطين من اختلاق الأعذار، وتزوير الحقائق.

ففاطمة «عليها السلام» هي التي حفظت الإمام والإمامة، وهي ثبتت في ضمير الأمة الصلة بين النبوة والإمامة، ومنعت الغاصبين من قطع هذه الصلة .. حتى وإن تأمّروا على الناس بغير حق.

وأما الحسنان «عليهما السلام» المعصومان، فهما الامتداد الطبيعي للإمامة بعد أبيهما. كما نص عليه الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم»، وعصمتهما ثابتة بآية التطهير، وبأدلة أخرى.. فإذا اعتدى عليهما أي كان من الناس، وباشر المعتدي بجمع الحطب لإحراقهما مع أبيهما وأمهما ، فإن آية التطهير وحدها كافية لإدانة المعتدي، أمام كل الناس، إذ لا يمكن لأحد أن يدَّعي أنهما قد حركا ساكنا في غير رضا الله ، والحال أن عمرهما لم يتجاوز الست أو السبع سنوات.

فإن قال قائل: لعلهما تصرفا تصرفاً مثيراً وغير لائق، ولو

بالشتم والسب، انطلاقاً من طفولتهما غير الواعية، أو غير

المنضبطة..

فالجواب سيكون هو : أن الله قد حكم في آية التطهير بأنهما لا

يخطئان لا عن عمد ، ولا عن غير عمد بل هما معصومان، مطهران. والمطهر المعصوم يجب أن يكون عارفا بما يجوز وما لا يجوز، وبالصحيح والخطأ، واللائق وغير اللائق، وبالحق والباطل.

فالعصمة تلازم العلم بالشريعة، والعلم بالحقائق الراهنة، لأنه يجب أن لا يخطئ في أي شيء.

وهذا يعطي: أن لآية التطهير دورا كبيراً في صيانة الأهداف الإلهية، ومعرفة المحق والمبطل.

حديث سد الأبواب:

1 - روي في احتجاجات علي «عليه السلام» على جماعة - وذلك في زمن عثمان -، أنه ذكر لهم أن النبي قال: «إن الله أمر موسى أن يبني مسجداً طاهراً، لا يسكنه غيره وغير هارون وابنيه، وإن الله أمرني أن أبني مسجداً طاهراً، لا يسكنه غيري وغير أخي وابنيه»(1).


1) راجع كتاب سليم بن قيس ص636 و 637 و 639 و (ط الأولى سنة 1422هـ) ص 195 و 321 و 400 وموسوعة الإمام الحسين ج21 ص 943 و 944 عنه، وراجع: مناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 299 والنوادر للراوندي ص 102 وبحار الأنوار ج 39 ص 33 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج1 ص332 والخصائص الكبرى للسيوطي ج 2 ص 243 وسبل الهدى والرشاد ج 10 ص424 وغاية المرام ج 2 ص 100 و 102 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 5 ص 560 .

2 - وفي رواية أخرى: أن حمزة والعبّاس قالا: يأمرنا بسدِّ أبوابنا ويدع باب عليّ.

فبلغ ذلك رسول الله ،، فقال: قد بلغني ما قلتم في سدّ الأبواب، والله ما أنا فعلت ذلك، ولكنّ الله فعله.

وإنّ الله أوحى إلى موسى أن يتخذ بيتاً طهراً ولا يُجنب فيه إلا هو وهارون وابناه، يعني لا يُجامع فيه غيرهم.

وإنّ الله أوحى إليّ أن أتّخذ هذا البيت طهراً، لا ينكح فيه إلا أنا وعليّ، والحسن والحسين، والله ما أنا أمرت بست أبوابكم، ولا فتحت باب عليّ، بل الله أمرني به(1).

3 - عن الإمام الرضا عن آبائه أن رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» قال: لا يحلّ لأحد أن يجنب في هذا المسجد، إلا أنا وعليّ، ،وفاطمة والحسن والحسين، ومَنْ كان من أهلي، فإنّهم منِّي (2).


1) دعائم الإسلام ج 1 ص 16 و 17 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 21 ص 948 عنه.

2) الأمالي للصدوق ص 334 و (ط مؤسسة البعثة) ص 413 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 65 ومن لا يحضره الفقيه ج 3 ص 364 و (ط جماعة المدرسين) ج 3 ص 557 و 558 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 208 وج 20 ص 256 و 257 و (الإسلامية) ج 1 ص 486 و 487 وج 14 ص 192 وبحار الأنوار ج 23 ص 145 و ج 25 ص 169 وج 39 ص 20 وج 78 ص 48 وغاية المرام ج 6 ص 259 .

4 - عن أم سلمة «رضي الله عنها»، قالت: قال رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» ألا إنّ مسجدي حرام على كلّ حائض من النّساء، وكلّ جنب من الرّجال، إلا على محمّد وأهل بيته عليّ، وفاطمة والحسن والحسين «رضي الله عنهم» (1).

وفي نص عن أم سلمة أنه قال : ألا لا يحلّ هذا المسجد لجنب، ولا لحائض، إلا لرسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» وعلىّ، وفاطمة، والحسن والحسين، ألا قد بيّنت لكم الأسماء أن لا تضلوا (2).


1) السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 65 وفرائد السمطين ج 2 ص 29 وكنز العمال ج 12 ص 101 وتفسير الثعلبي ج 3 ص 313 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 21 ص 950 وسبل الهدى والرشاد ج 10 ص 423 وغاية المرام ج 6 ص 242 ودلائل الصدق ج 6 ص 116 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 5 ص 578 و 579 وج 9 ص 225 وج 23 ص 93 وج 24 ص 612 وج 31 ص 128.

2) السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 65 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص 171 و (ط دار الفكر) ج 14 ص 166 وتهذيب تاريخ مدينة دمشق لابن بدران ج4 ص 317 - 318 ومختصر تاريخ مدينة دمشق ج 7 ص 123 وكنز العمّال ج 12 ص 101 و موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 21 ص 950 وذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 291 وإمتاع الأسماع ج 10 ص 183 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 172 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 5 ص 577 و ج 9 ص 224 و ج 18 ص 420 وج 23 ص 94 - 95 و 97 وج 24 ص 613 و ج 2 ص 244 وج 26 ص 123 وج 27 ص 53 وج 31 ص127 و 128 .

5 - عن الإمام الرضا «عليه السلام» في حديث، قال: «و أما الرابعة، فإخراجه «صلی الله علیه و آله وسلم» الناس من مسجده، ما خلا العترة، حتى تكلم الناس في ذلك، وتكلم العباس، فقال: يا رسول الله، تركت عليا وأخرجتنا؟!

فقال رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»: ما أنا تركته وأخرجتكم، ولكن الله عز وجل تركه وأخرجكم.

وفي هذا تبيان قوله «صلی الله علیه و آله وسلم» لعلي «عليه السلام»: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى».

قالت :العلماء وأين هذا من القرآن؟!

قال أبو الحسن: أوجدكم في ذلك قرآناً، واقرؤه عليكم؟!

قالوا: هات .

:قال قول الله عز وجل: (وَأَوْحَيْنَا إِلى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلة) (1).

هذه الآية منزلة هارون من موسى، وفيها أيضاً منزلة علي «عليه السلام» من رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم». ومع هذا دليل


1) الآية 87 من سورة يونس.

واضح في قول رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» حين قال: ألا إن هذا المسجد لا يحل لجنب إلا لمحمد وآله «صلوات الله عليهم» (1).

6 - عن أبي رافع أن رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» خطب الناس، فقال:

أيها الناس إنّ الله عزّ وجلّ أمر موسى وهارون أن يبنيا لقومهما بمصر بيوتاً، وأمرهما ألا يبيت في مسجدهما جنب، ولا يقرب فيه النساء، إلا هارون وذريته. وإنّ عليّاً منّي بمنزلة هارون من موسى فلا يحلّ لأحد أن يقرب النّساء في مسجدي، ولا يبيت فيه جنب، إلا عليّ وذرّيّته، فمن ساءه ذلك فههنا.. وضرب بيده نحو الشام (2).


1) بحار الأنوار ج 39 ص 20 و 21 والأمالي للصدوق ص314 و (ط مؤسسة البعثة) ص 619 وعيون أخبار الرضا ص128 و (ط الأعلمي) ص 210 والبرهان (تفسير) ج 3 ص 45 ونور الثقلين (تفسير) ج2 ص 314 و 315 وكنز الدقائق (تفسير) ج 6 ص 88 وبشارة المصطفى ص 352 و 353 وتأويل الآيات الظاهرة ج 1 ص 220 وغاية المرام ج 2 ص 328.

2) بحار الأنوار ج 39 ص 22 و 30 و 32 و ج 78 ص 60 و 61 وج 81 ص 5 وعلل الشرائع ص 78 و (ط أخرى) ص192 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 202 وتفسير العياشي ج 2 ص 127 وراجع البرهان (تفسير) ج 2 ص 193 و (ط مؤسسة البعثة) ج 3 ص 46 ونور الثقلين (تفسير) ج 2 ص 315 وكنز الدقائق (تفسير) ج 6 ص88 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 371 - 372 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 208 و (الإسلامية) ج 1 ص 487 والتفسير الصافي ج 2 ص414 و 415 وغاية المرام ج 2 ص 114 .

وذكر نص آخر عن حذيفة بن أسيد الغفاري : أنه ، إنما خطب وقال ما تقدم، لأن المسلمين حين قدموا المدينة لم تكن لهم بيوت، فكانوا يبيتون في المسجد، فقال لهم النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»: لا تبيتوا في المسجد، فتحتلموا .

ثم إن القوم بنوا بيوتاً حول المسجد، وجعلوا أبوابها إلى المسجد، فبعث إليهم النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» معاذ بن جبل، فنادى أبا بكر، فقال له : إن رسول الله يأمرك أن تخرج من المسجد، وتسد بابك الخ..

ثم ذكر اعتراض حمزة وغير ذلك من أمور ، ثم ذكر خطبة النبى «صلی الله علیه و آله وسلم» المشار إليها آنفا (1).


1) مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي (انتشارات سبط النبي) ص 206 و 207 و (ط طهران) ص 253 وبحار الأنوار ج 39 ص 31 و 32 والعمدة لابن البطريق ص 177 و 178 والطرائف لابن طاووس ص 61 و 62 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 446 و 447 والبرهان (تفسير) ج 3 ص 46 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص 144 وكشف الغمة ج 1 ص 339 ونهج الإيمان ص 437 و 438 وكشف اليقين ص209 و 210 وغاية المرام ج 6 ص 236 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 5 ص 568 وج 16 ص 355 و 356 .

7 - وفي رواية أخرى مطولة عن أمير المؤمنين «عليه السلام»، جاء فيها قوله: لا ينبغي لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر يبيت في هذا المسجد جنباً، إلا محمد، وعلي وفاطمة، والحسن، والحسين، والمنتجبون من آلهم، الطيبون من أولادهم (1).

ونقول:

هنا أمور نحب الإشارة إليها، وهي التالية:

حمزة والعباس في حديث سد الأبواب:

لا نريد أن نبحث حديث سد الأبواب الشارعة في مسجد المدينة إلا باب علي «عليه السلام» بصورة شاملة، وموسعة، فقد ذكرنا طرفاً من الكلام فيه، في كتابنا الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام» الجزء الثالث، وفي كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلی الله علیه و آله وسلم» الجزء السادس، فيمكن مراجعة هذين الكتابين.

غير أننا نحب أن نقول:

إننا نواجه في أحاديث سد الأبواب مشكلة هي: أن هذه الأحاديث تضمنت ثلاثة أمور:

1 - إن بعضها تضمن ادّعاء أن حمزة بن عبد المطلب اعترض


1) بحار الأنوار ج 39 ص 23 وج 78 ص 62 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 210 و (الإسلامية) ج 1 ص 489 والتفسير المنسوب للإمام العسكري ص5 و 6 و (ط مهر - قم سنة 1402هـ) ص 18 .

على قرار سد الأبواب.

2 - إن بعضها الآخر تضمن ذكراً للعباس بن عبد المطلب، وأنه هو الذي اعترض. وبعضها جمع بينهما في الاعتراض، ثم خضعا لإرادة الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم»، وامتثلا أمره .

مع أن حمزة قد استشهد في غزوة أحد سنة ثلاث، والعباس لم يقدم إلى المدينة إلا في سنة ثمان.

وهما لا يجتمعان.. فإن وجود حمزة واعتراضه يقتضى أن يكون سد الأبواب قد حصل قبل سنة ثلاث .

وحديث اعتراض العباس يقتضي أن ذلك قد تأخر إلى ما بعد سنة ثمان، وهي سنة مجيء العباس إلى المدينة.

3 - يضاف إلى ما تقدم أن الروايات التي قدمناها آنفا قد تضمنت ذكر الحسن والحسين بالاسم، وهي تقتضي أن يكون ذلك بعد ولادتهما، فإن الإمام الحسن «عليه السلام» ولد في الثالثة، والإمام الحسين «عليه السلام» ولد في الرابعة. الأمر الذي يؤيد: أن حديث سد الأبواب حصل بعد الرابعة، وهذا يقتضي عدم صحة حديث حضور حمزة.. كما أنه لم يصرح بأن ما حدث كان بعد سنة ثمان، لإمكان أن يكون سد الأبواب قد حصل ما بين سنة أربع، وسنة ثمان.. سنة مجيء العباس إلى المدينة.

ويمكن أن يجاب:

بأن الإمام الحسين «عليه السلام» حج قبل موت معاوية بسنة،

ومعه عبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، «فجمع الحسين «عليه السلام» بني هاشم: رجالهم ونساءهم، ومواليهم، وشيعتهم، ومن حج منهم، ومن الأنصار ، ممن يعرفه الحسين «عليه السلام»، وأهل بيته.

قال أَنْشِدُكُمُ الله هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ «صلی الله علیه و آله وسلم» اشتَرى مَوضِعَ مَسْجِدِهِ، وَمَنازِلِهِ، فَابْتَناهُ. ابْتَنِي فِيهِ عَشَرَ مَنازِلَ، تِسْعَة لَهُ، وَجَعَلَ عاشرها في وَسَطِها لأبي؟!

ثمَّ سَدَّ كُلَ بابِ شارع إِلَى الْمَسْجِدِ غَيْرَ بابِهِ، فَتَكَلَّمَ فِي ذلِكَ مَنْ تَكَلَّمَ، فَقالَ «صلی الله علیه و آله وسلم»: ما أنا سددت أبوابكم وفتحت بابه، ولكنّ الله أمرني بسدّ أبوابكم وفتح بابه.

ثُمَّ نَهَى النّاسَ أَنْ يَنامُوا فِي الْمَسْجِدِ غَيْرَهُ.

وَكَانَ يُجْنِبُ في المَسْجِدِ، وَمَنزِلهُ في مَنْزِل رَسُولُ اللهِ «صلی الله علیه و آله وسلم» فَوُلِدَ لِرَسُول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» وَلهُ فيهِ أَوْلادٌ.

قالوا: أللهم نعم !

قال : أَقْتَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَرَصَ عَلَى كُوَّةٍ قَدَرٍ عَيْنِهِ يَدَعُها فِي مَنْزِلِهِ إِلى المَسجِدِ، فأبى عَلَيْهِ. ثُمَّ خَطَبَ، فقال:

إنّ الله أمر موسى أن يبني مسجدا طاهراً، لا يسكنه غيره، وغير هارون وابنيه.

وإنّ الله أمرني أن أبني مسجدا طاهراً، لا يسكنه غيري، وغير أخي وابنيه؟!

قالوا : اللهم نعم» (1).

ويؤيد ذلك: ما ورد في رواية أبي رافع من أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» قال : « . . فلا يحلّ لأحد أن يقرب النّساء في مسجدي، ولا يبيت فيه جنب، إلا علىّ وذرّيّته».

ويؤيده أيضاً: رواية التفسير المنسوب للإمام العسكري، عن أمير المؤمنين «عليهما السلام»: أنه ««صلی الله علیه و آله وسلم» قال: «لا ينبغي لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت في هذا المسجد جنباً، إلا محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، والمنتجبون من آلهم الطيبون من أولادهم»(2).

فقد دلت رواية مناشدة الإمام الحسين «عليه السلام» للذين جمعهم سنة تسع وخمسين للهجرة : على أن هناك حدثين يرتبطان بالمسجد :

أولهما : سد الأبواب الشارعة فيه إلا باب علي وذريته. فتكلم من


1) كتاب سليم بن قيس ص 777 و 788 و 790 و (ط الأولى سنة 1422هـ) ص 194 - 195 321 و ومستدرك الوسائل ج 14 ص 301 و 302 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 1 ص330 و 331 وبحار الأنوار ج 31 ص 428 وج 33 ص 182 و 183 .

2) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري ص 17 و 18 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 210 و (الإسلامية) ج 1 ص 489 وبحار الأنوار ج 39 ص 22 و 23 وج 78 ص 62 .

تكلم، واعترض من اعترض.

ويبدو: أن هذا قد حصل قبل استشهاد حمزة بن عبد المطلب.

الثاني: منع النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» الناس عن النوم في المسجد، باستثناء علي «عليه السلام».

وهذا هو مضمون رواية أبي رافع، ورواية التفسير المنسوب للإمام العسكري «عليه السلام».. فقد ذكرتا النهي عن المبيت في المسجد فقط.

ويبدو: أن البعض قد اعترض أيضا على هذا الإجراء الثاني أيضاً ، فاحتاج النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» إلى تهدئتهم مرة أخرى.

وربما كان هذا النهي قد صدر بعد سنة ثمان. أي بعد هجرة العباس، فكان العباس في جملة المعترضين أيضاً.

المسجد الطاهر:

إن النصوص المتقدمة بينت: أن التشريع ليست مجرد أوامر وزواجر خاوية، يراد بها انتظام الأمور ، وأن يفعل أو لا يفعل، ثم لا قيمة لها وراء ذلك إلا بمقدار ما يتحقق من هذا الهدف..

بل هي تشريعات لها مصالح واقعية، وتراعي الخصوصيات والحقائق الراهنة، وتهدف إلى تحقيق الإنسجام بين حقائق التكوين، لكي يمكن لهذه الحقائق المنسجمة أن تؤدي وظيفتها في إيصال الموجودات إلى كمالاتها.

فلا يوجد شيء عبثي في هذا الوجود، ولا شيء يمكن عزله، أو إسقاطه من الحساب فيه.. بل إن لكل شيء وظيفته التي لا بد من إفساح المجال له ليؤديها، وهدفه الذي يفترض فيه أن يصل إليه. ولا يقتصر التأثر والتأثير، ولزوم تحصيل الإنسجام على ما يكون من قبيل المادة وحسب، بل هذه ضرورة تشمل كل الحقائق، فإن ثمة علاقة طبيعية أيضاً، وتأثراً وتأثيراً بين ما هو روحاني، أو روحي، أو نفسي، أو مشاعري، وبين ما هو مادي، وبين جميع هذه الأمور وسواها مع بعضه البعض .. فلا بد من مراعاة طبيعة ونوع تلك العلاقة في التشريع، ليصار إلى تنميتها به، وتوظيفها في تحقيق الإنسجام بين الحقائق، لتؤدي وظيفتها التي رصدها الله تعالى لها.

ولأجل ذلك كانت الأرواح أيضاً - كما روي - جنودا مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر اختلف (1).


1) راجع المؤمن لابن سعيد الكوفي ص 39 والأمالي للصدوق ص209 والإعتقادات في دين الإمامية ص 48 وعلل الشرائع ج 1 ص 84 ومن لا يحضره الفقيه ج 4 ص 380 وروضة الواعظين ص 492 ومختصر بصائر الدرجات ص 215 والاختصاص للشيخ المفيد ص 311 وتصحيح إعتقادات الإمامية ص 80 و 81 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 1 ص 183 وغوالي اللآلي ج 1 ص 288 ومدينة المعاجز ج 2 ص197 وينابيع المعاجز ص 149 وبحار الأنوار ج 2 ص 265 وج 5 ص 241 و 261 و 266 وج 6 ص 249 و 252 و ج 25 ص 14 وج 40 ص 222 وج 42 ص 196 و ج 45 ص 404 وج 47 ص 357 وج 58 ص 31 و 41 و 63 و 64 و 79 و 80 و 106 و 132 و 134 و 135 و 138 و 139 و 140 و 144 وج 64 ص 166 وج 65 ص 205 و 206 وج 71 ص 267 و 274 وج 74 ص 165 وج 96 ص 220 والعوالم الإمام الحسين ص 728ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 107 وج 4 ص 214 و 215 و 216 :وراجع مسند أحمد ج 2 ص 295 و 527 و 539 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 4 ص 104 وصحيح مسلم ج 8 ص 41 و 4وسنن أبي داود ج 2 ص 442 و 443 والمستدرك للحاكم ج 4 ص 420 وشرح صحيح مسلم للنووي ج 16 ص 185 ومجمع الزوائد ج 1 ص 162 وج 2 ص 314 وج 8 ص 87 و 88 وج 10 ص 273 وعمدة القاري ج 15 ص 215 والديباج على مسلم ج 5 ص 552 و 553 والأدب المفرد ص 192 والإخوان لابن أبي الدنيا ص 145 و 146 ومسند أبي يعلى ج7 ص 344 وصحيح ابن حبان ج 14 ص 43 والمعجم الأوسط ج 2 ص 161 وج 5 ص 248 والمعجم الكبير ج 6 ص 263 و 265 وج 9 ص 185 وج 10 ص 230 والأمثال في الحديث النبوي ج 1 ص 62 و 63 و 65 و 66 و 67 ومسند الشهاب ج 1 ص 185 و 186 وشعب الإيمان ج6 ص 497 ورياض الصالحين للنووي ص 220 وتغليق التعليق ج 4 ص 5 و 7 والجامع الصغير ج 1 ص 472 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 9 ص 6 و 22 و 23 و 171 و 172 وج 10 ص 149 وج 13 ص 169 و 425 وفيض القدير ج 1 ص 706 وكشف الخفاء ج 1 ص 111 و 112 و 113 وج 2 ص 4.

على هذا الأساس جاء قوله تعالى: (الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ

وَالْخَبيثُونَ لِلخَبيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ)(1).

وقال تعالى: (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَة أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَة لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانِ أوْ مُشْرِكٌ )(2).

ومنه قوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ)(3).

وقوله تعالى: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَن المَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)(4).

وقال تعالى: (وَالبَلدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا )(5). وللحالات النفسية، والتصورات تأثيرها على الجسد.

والشواهد على ذلك تكاد لا تحصى.

وكل ذلك يعطي: أن المسجد الطاهر، هو المنسجم مع حقيقة


1) الآية 26 من سورة النور.

2) الآية 3 من سورة النور.

3) الآية 257 من سورة البقرة .

4) الآية 34 من سورة الأنفال.

5) الآية 58 من سورة الأعراف .

الروح الطاهرة، والنفس الطاهرة، والضمير الطاهر، والجسد الطاهر، ومع الصفوة المطهرين، وهو - أعني المسجد الطاهر _محلهم وبيتهم، وهو الحاضن الطبيعي لهم في مختلف أحوالهم وأوضاعهم، وسائر شؤونهم وتقلباتهم.. تماماً كما أن أولياء المسجد الحرام هم المتقون. ولا يمكن أن يكون أولياؤه العصاة، الذين يحلون حرام الله ويستحلونه.

لا خصوصية لموسى وهارون «عليهما السلام»:

وعلى أساس هذه السياسة التي فرضتها السنن الإلهية، المودعة في هذا الكون بجميع كائناته ومخلوقاته.. جاء استشهاد رسول الله «صلى الله عليه وآله» بما جرى لموسى وهارون. وأن الله تعالى أمر موسى أن يبني مسجداً طاهراً، لا يسكنه إلا الطاهرون، وهم موسى، وأخوه ،هارون، وابناه شبر وشبير.

وبذلك تكون السنة الإلهية قد جرت على طبيعتها..

ثم يظهر الله تعالى نفس هذه الفضيلة لنبينا «صلى الله عليه وآله» ولوصيه وابنيه.. لأن الله تعالى طهرهم، وعرف الأمة بطهارتهم في آية التطهير .. فاستحقوا أن يكون المسجد الطاهر مسكنهم، ومنزلهم، هم والأئمة المعصومون المطهرون من ذريتهم، للانسجام الحقيقي بينهم وبينه، ولم يكن لغيرهم هذه المنزلة إلى يوم القيامة.

وقد أعطى الله تعالى هذه الفضيلة لنبيه، وأخيه، وأبناء أخيه، لأن الله لم يعط نبيا فضيلة إلا وأعطاها لنبيه «صلى الله عليه وآله». كما

أن حصول ذلك لهذه الأمة، قد جاء تحقيقاً للسنة التي ظهرت لموسى وأخيه وابنيه في الأمم السابقة.

يضاف إلى ما تقدم: أن ظهور هذه السنة في موسى واخيه، لعله كان امتداداً لحصولها لسائر الأنبياء الذين اتخذوا مساجد طاهرة يعبدون الله فيها.

ولكن لموسى خصوصية هنا لعلها هي التي أوجبت أن يكون التذكير بقصته، وهي أنه آخر وأقرب نبي من أولي العزم إلى زمن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، كان له أخ ، وأبناء، وتتطابق حاله مع حال النبي «صلى الله عليه وآله»، وعلي، والحسنين «عليهم السلام».

كما أن هناك أمة كبيرة من الناس تنسب نفسها إليه، وتدَّعي اتباعه. ولا تزال بقاياهم موجودة، وستبقى إلى ما شاء الله في آخر الزمان، وسيكون لهؤلاء نشاط وسعي كبير في مناوأة دين النبي محمد «صلى الله عليه وآله»، وإفساد عقائد الناس، والتأثير على حياتهم، وعلى فكرهم بفنون من الكيد، وبأنواع من الأضاليل، فاختيار أن يكون موسى «عليه السلام» هو الشاهد الأقرب، هو الأولى والأصوب.

دليل الطهارة الإمامة:

وقد يقال: إن إثبات الطهارة للحسنين «عليهما السلام»، وهما لا يزالان بعمر الأطفال، لا يعني استمرارهما على هذه الصفة.

ويجاب:

أولاً : إن الله تعالى هو الذي أثبت طهارتهما على نحو الإطلاق، ومن دون تقييد بحال أو زمان في آية قرآنية أنزلها، ستبقى حاضرة في ضمير ووجدان الأمة والناس يتداولونها إلى يوم القيامة، فلو كان سيصدر منهما « عليهما السلام» أي خلاف، فإن ذلك سيثير الشبهة في صحة القرآن، وصدقه..

ثانياً: إنه «صلى الله عليه وآله» قد أخبر عن ثبوت أحكام وامتيازات لهؤلاء الطاهرين، وهي جواز الجنابة لهم في المسجد..وهذا إنما يكون بعد أن يكبرا، وبعد مضي سنين كثيرة من وفاة النبي «صلى الله عليه وآله»، فإثبات جواز الجنابة لهما في المسجد بمثابة إخبار عن استمرار صفة الطهارة فيهما. إذ لا معنى لترتب أحكام الطهارة عليهما إذا كانا قد فقداها بارتكابهما المعاصي والآثام..

بل إن ما ورد في عدد من النصوص من شمول الأحكام لذرية الإمام الحسين «عليه السلام». أي إلى بقية الأئمة الاثني عشر « عليهم السلام» من شأنه أن يحسم الأمر في عصمتهم، ويزيل أية شبهة في إمامتهم.

الفصل السادس: الحسين علیه السلام وحديث الغدير..

اشارة

الحسين علیه السلام يوم الغدير:

من المعلوم: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد نص على أن عليا «عليه السلام» ولي للمؤمنين في أكثر من مقام. ثم أخذ له البيعة من عشرات الألوف من الناس في يوم غدير خم، في طريق عودته «صلى الله عليه وآله» من حجة الوداع، حيث أوقف الجموع في ذلك الموضع ، وأمرهم بالبيعة لأمير المؤمنين «عليه السلام».

وقد احتج أمير المؤمنين «عليه السلام» وناشدهم بحديث الغدير أيضاً ، وأن النبي قال: أيها الناس إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه وانصر من نصره، واخذل من خذله .

وحين سأله :سلمان يا رسول الله، ولاؤه كماذا ؟!

قال «صلى الله عليه وآله»: ولاؤه كولايتي، من كنت أولى به من نفسه، فعلي أولى به من نفسه، فأنزل الله عز وجل :(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)(1).


1) الآية 3 من سورة المائدة.

تقول الرواية : فقال سلمان الفارسي: يا رسول الله، أنزلت هذه الآيات في على خاصة؟!

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: بل فيه وفي أوصيائي إلى يوم القيامة.

ثم قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: يا سلمان، اشهد أنت ومن حضرك بذلك، وليبلغ الشاهد الغائب.

فقال سلمان الفارسي: يا رسول الله، بيَّنهم لنا.

فقال: «علي أخي، ووزيري ،ووصيي ووارثي، وخليفتي في أمتي، وولي كل مؤمن بعدي، وأحد عشر إماماً من ولده.

أولهم ابني الحسن، ثم الحسين، ثم تسعة من ولد الحسين، واحداً بعد واحد. القرآن معهم، وهم مع القرآن، لا يفارقونه حتى يردوا علي الحوض».

فقام اثنا عشر رجلاً من البدريين، فقالوا: نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول الله كما قلت سواء لم تزد فيه ولم تنقص حرفا، وأشهدنا رسول الله «صلى الله عليه وآله» على ذلك .

وقال بقية السبعين: قد سمعنا ذلك، ولم نحفظه كله، وهؤلاء الاثنا عشر خيارنا وأفضلنا. الخ..

ثم تذكر الرواية: شهادة عمار، وأبي أيوب الأنصاري، وذي الشهادتين، وأبي الهيثم بن التيهان..

والحديث طويل.. وفيه تصريح بأن المراد من آية التطهير علي،

وفاطمة والحسنان، وبقية الأئمة الطاهرين «عليهم السلام»..

وتصريح بأسماء الأئمة حين أراد «صلى الله عليه وآله» أن يكتب للناس في مرض موته كتاباً لن يضلوا بعده أبداً ، فمنعوه.

ثم سأله عمر بن الخطاب عن مقصوده من أهل بيته في حديث الثقلين، فذكر أنه يقصد عليا، والحسنين، والأئمة التسعة من ذرية الحسين «علیه السلام»(1).

ونقول:

إننا لا نريد أن نسهب في شرح مقاصد هذا النص الذي اخترنا منه هذا المقدار، بعد أن لخصناه قدر الإمكان.. وسنكتفي بإثارة بعض النقاط التي تقترب من موضوع هذا الكتاب، وذلك على النحو التالي:

1-إن نصب علي «عليه السلام» يوم غدير خم، وأخذ البيعة له، والنص عليه عشرات المرات، وعلى الحسنين «عليهما السلام»، وعلى التسعة من ذرية الحسين «عليهم السلام»، يدل على عدم صحة ما يزعمونه من أن آية الولاية وهي الآية 55 و 56 من سورة المائدة


1) کتاب سليم بن قيس ص 748 - 776 و (تحقيق محمد باقر الأنصاري الزنجاني - ط 1 سنة 1422هـ ق . 1380 هـ ش) ص 297 - 300 وبحار الأنوار ج 33 ص 141 - 159 وينابيع المودة ج 1 ص 341 - 349 والولاية لابن عقدة ص 198 - 202 وغاية المرام ج 2 ص 108 - 109 و - 244 - 246 و 355 - 356 وج 3 ص 335 - 337.

عامة لجميع المؤمنين، أو أن المقصود بالولاية: الصحبة، أو المحبة..

ويدل على ذلك أيضاً : قوله «صلى الله عليه وآله» في جواب سؤال سلمان الفارسي: «ولاؤه كولايتي، من كنت أولى به من نفسه، فعلي أولى به من نفسه»..

وهذا ينسحب على الحسن والحسين، وبقية الأئمة «عليهم السلام».

2 - إن أسئلة سلمان لرسول الله «صلى الله عليه وآله» بالغة الأهمية، وهي تدل على وعي عميق، ودقة فائقة، وقد أسهمت بصورة قوية في توضيح المرادات الحقيقية التي كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يريد للناس أن يعوها، وأن يلتزموا بها.

3 - قد أوضحت هذه الرواية أن مفاد آية إكمال الدين، لا يقف عند علي «عليه السلام»، بحيث إذا أقصي عن الخلافة، أو استشهد انتهى الأمر، وخلا الجو للطامعين، وأصبح بإمكانهم السعي لتحقيق طموحاتهم. وإذا حصلوا على شيء منها، كان مشروعاً لهم.

بل آية الإكمال سارية في جميع الأئمة الاثني عشر الذين هم عدل القرآن، ولن يفترقا إلى يوم القيامة.

4 - إن قوله «صلى الله عليه وآله»: «أن أنصب لكم إماماً، يكون وصيي فيكم، وخليفتي في أمتي، وفي أهل بيتي بعدي». يدل على خلافته، وقيامه مقامه في الإمامة في جميع شؤونها، وعدم صحة ما قد يدَّعيه البعض، من أن المقصود للنبي «صلى الله عليه وآله» هو

جعل علي ( عليه السلام» وصياً في الأموال، أو في أداء الديون، أو في بعض الأمور الشخصية التي ترتبط بالقضايا العائلية، فهو خليفة في أهل بيته بهذا المقدار، ولا يقصد الخلافة العامة في الأمة كلها.

ولا بد أن ينسحب هذا المعنى للولاية، الذي أثبته لعلي «عليه السلام »على الحسن والحسين والأئمة التسعة من ذرية الإمام الحسين عليهم السلام».

ويؤكد هذا المعنى، وأن المقصود هو الإمامة العظمى في الأمة، وهي إمامة الدين والعلم والسياسة وكونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وغير ذلك من شؤون تماماً كما كان الرسول «صلى الله عليه وآله» أولى بهم من أنفسهم.

5 - ثم ألزم «صلى الله عليه وآله» الناس بإطاعة الإمام في جميع أمورهم.

وهذا يدل على أن الإمام في كل زمان أعرف من الناس كلهم في جميع الأمور التي تواجههم في حياتهم، وأنه لا يخطئ فيها، ولا يهم، ولا يتبع الهوى.

وهذا هو ما تفيده آية التطهير، وذلك يشمل الحسن والحسين «عليهما السلام».. ودلت الروايات على تعميم مفادها، ليشمل الأئمة الاثني عشر كلهم في جميع الأزمنة..

وهذا ما دل عليه حديث الثقلين الذي صرح بأن الأئمة «عليهم السلام »لا يفترقون فيه عن القرآن إلى يوم القيامة.

6 - إن النبى «صلى الله عليه وآله» حين يأمر سلمان، ومن حضر بأن يشهدوا بما قاله لهم، فذلك يشير إلى أن هذا الأمر سيواجه بالإنكار، وستثار الشكوك والشبهات حوله.. حتى ليحتاج الناس إلى

شهادة سلمان« رضوان الله تعالى عليه»، وغيره من المعروفين بالنزاهة والصدق ..

7 - وقد أمر النبي «صلى الله عليه وآله» سلمان ومن معه بإشاعة هذا الأمر، وأن يتولى الحاضرون إبلاغ الغائبين به، لأنه ليس أمراً عادياً، بل للناس مسؤولية كبرى تجاهه.

فهو أمر اعتقادي تدبيري، يرتبط بمصير الأمة بأسرها .. فلا بد لها من الاهتمام، والالتزام به فكراً، واعتقاداً ، وعملاً، وأن يمنعوا الآخرين من العبث به، أو تخطيه إلى غيره..

8 - وقد أسبغ على «علي عليه السلام» صفات عديدة، كلها تتعلق بموقعه منه، وبما له من مهمات من بعده، وقد أثبت نفس الصفات لبقية الأئمة من ولده «عليه السلام» أيضاً.

ومن هذه الأوصاف الوصاية ، والوزارة .. فإن حاول أحد أن يخص الوصاية بأمر بعينه، أو بجهة، كالمال، أو العيال، فإن الوزارة لا يمكن تخصيصها بهذه الأمور وأشباهها ، بل هي أن يقوم الوزير مقام الأمير في ولايته للأمور، وتدبير الشؤون في الحرب والسلم

على حد سواء.

ولو ناقش أحد في هذه الكلمة أو تلك، فإن قوله «صلى الله عليه وآله»

«وخليفتي في أمتي» يزيل كل شبهة، ويقطع كل عذر.

وإذا أغمضنا النظر عن هذا وذاك، فإن حكمه بأنه ولي كل مؤمن بعده يحسم الأمر أيضاً.

9 - يبقى أن نشير إلى قوله «صلى الله عليه وآله»: «ووارثي»، لا يقصد به وراثة المال ،لأن الزهراء ( عليها السلام) هي التي ترث أباها من هذه الناحية.

بل المقصود: هو وراثة المقام والموقع، والولاية الثابتة لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، فإنها تنتقل إلى الإمام من بعده، ثم إلى الإمام الذي يليه، ثم إلى كل إمام بعد إمام.

هل أشار النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» إلى الحسنين " يوم الغدير؟!:

عن بشر، عن جرير بن عبد الله البجلي: أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» أخذ يوم الغدير بذراع علي «عليه السلام» وقال:

«من يكن الله ورسوله مولاه، فإن هذا مولاه ، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه .اللهم من أحبّه من الناس فكن له حبيبا، ومن أبغضه فكن له مبغضاً. اللهم إنّي لا أجد أحدا استودعه في الأرض بعد العبدين الصالحين (1)غيرك (2)

وقال في كتاب على ضفاف الغدير وأخرجه عنه أحمد بن عيسى المقدسي في الجزء الثاني من فضائل جرير بن عبد الله البجلي الموجود في المجموع 93 في المكتبة الظاهرية. أخرجه في الورقة 240 .

وأخرجه ابن عساكر في تاريخه رقم 587 ، وابن منظور في مختصر تاريخ دمشق ص 17 ص 358 ، والقرافي في نفحات العبير الساري: ق76/ب، والسيوطي في جمع الجوامع ص 1 ص 831 ، وفي قطف الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة ص 277 ح 102 والزبيدي في لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة ص 206، والشوكاني في در السحابة ص210، والكتاني في نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص194 وإسحاق بن يوسف الصنعاني في تفريج الكروب في حرف الميم.

، فاقض له بالحسنی».

1) الغدير ج 1 ص 23 وخلاصة عبقات الأنوار ج 9 ص113 و 114 وكنز العمال ج 13 ص 138 و 139.

2) راجع الغدير (تحقيق مركز الغدير للدراسات )ج 1 ص 621 ومجمع الزوائد ج 9 ص 106 والمعجم الكبير للطبراني ج 2 ص 357 وتاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 236 والإكمال في أسماء الرجال ص 36 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 16 ص 564 وج 30 ص 422 عن مختصر تاریخ دمشق (ط دار الفكر ) ج 17 ص 358 وهداية العقول ص31.

قال بشر :قلت: من هذان العبدان الصالحان؟ !

قال: لا أدري (1).


1) الغدير ج 1 ص 23 ومجمع الزوائد ج 9 ص 106 والمعجم الكبير ج2 ص 357 و 358 والإكمال في أسماء الرجال ص 36 وتاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 236 وشرح إحقاق الحق ج 16 ص 564 وج 30 ص 423 وأسد الغابة ج 1 ص 308 وقال : أخرجه الثلاثة يريد ابن عبد البر، وابن مندة، وأبا نعيم .

وقال في الغدير نقلاً عن تعليق هداية العقول (1): لعله أراد بالعبدين الصالحين أبا بكر وعمر.

وقيل: الخضر وإلياس.

وقيل: حمزة وجعفر «رضي الله عنهما»، لأن «علي عليه السلام» كان يقول عند اشتداد الحرب: وا حمزتاه ولا حمزة لي! وا جعفراه ولا جعفر لي! (2).

أقول: هذا رجم بالغيب، إذ لا مجال للنظر في تفسير العبدين الصالحين بمن ذكر إلا أن يعثر على نص، والظاهر عدم ذلك، لما ذكره سيدي العلامة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن المفضل «رحمه الله» لما سأله بعضهم عن تفسير الحديث، فأجاب بما لفظه:

لم أعثر عليه في شيء من كتب الحديث، إلا أن في رواية مجمع الزوائد ما يدل على عدم معرفة الراوي أيضاً بالمراد بالرجلين، لأن فيه قال بشر، أي الراوي عن جرير :قلت: من هذان العبدان الصالحان؟!


1) تعليق هداية العقول ص31

2) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 11 ص111 وبحار الأنوار ج 29 ص 624 والدرجات الرفيعة ص 65 وأعيان الشيعة ج 4 ص 126 وج6 ص 244 وغاية المرام ج 5 ص 346 وج 6 ص 19 وسفينة النجاة للتنكابني ص 307 .

قال: لا أدري.

قال «رحمه الله»: ومثل هذا إن لم يرد به نقل فلا طريق إلى تفسيره بالنظر ه(1).

ونقول:

قولهم: إن تطبيق ذلك على أبي بكر، وعمر، أو حمزة وجعفر، أو الخضر وإلياس :

أولاً : إن ذلك كله من الرجم بالغيب.

ثانياً: إن الشواهد والدلائل تمنع من إرادة أبي بكر وعمر، لأن المطلوب بالإيداع هو حفظ الوديعة.

ومن المعلوم: أن ما فعله أبو بكر وعمر بعد استشهاد رسول الله «صلى الله عليه وآله» مع علي «عليه السلام »كان تفريطاً، بل تضييعاً متعمداً للوديعة.

بل إن عمر قد أمر بقتل علي «عليه السلام» في الشورى التي دبرها لمصلحة عثمان. كما أن أبا بكر قد حاول قتل علي «عليه السلام» أيضاً بواسطة خالد بن الوليد، فضلاً عما فعلوه معه «عليه السلام يوم السقيفة من محاولة قتله. ومن التصريح بأنهم سوف

يقتلونه إن لم يبايع.

:ثالثاً : إن ظاهر كلامه «صلى الله عليه وآله أن العبدين


1) الغدير ج 1 ص 62 عن هداية العقول ص31.

الصالحين اللذين لا يجد غيرهما - بعد الله - حافظاً لأمير المؤمنين «عليه السلام» حين يستودعهما إياه : أنهما كانا على قيد الحياة..

وحمزة وجعفر قد استشهدا في أحد ، ومؤتة، وكان ذلك قبل يوم الغدير.

أما الخضر وإلياس، فإن طبيعة حياتهما في غيبتهما عن الأنظار تجعل من دفاعهما عنه، وحفظه، وتلبية حاجاته في الشهادة له بالحق والصدق، والتأييد الظاهر، ورد الأباطيل، وبيان زيف الأضاليل أمراً غير عملي، أو غير ذي أثر في أكثر الأحيان.

فلم يبق أحد على وجه الأرض يستطيع أن يدفع عنه «عليه السلام»، سوى الحسنين «عليهما السلام»، فهما القادران على ذلك من موقع الإمامة والعصمة، والصدق والإخلاص، والقدرة على التأثير بسبب البيانات القرآنية في حقهما، والجهد النبوي المبذول في تأكيد إمامتهما « عليهما السلام».

وتكون مهمة الحسنين «عليهما السلام» اللذين كانا يوم الغدير على قيد الحياة أيضاً هي حفظ علي «عليه السلام» في إمامته، ونهجه، واستمرار أطروحته، فهو من قبيل: (رَبِّ لا تَدْرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الوارثين) (1).

أو من قبيل قوله «صلى الله عليه وآله» يوم بدر: «اللهم (يا


1) الآية 89 سورة الأنبياء.

رب)، إن تهلك هذه العصابة لا تعبد، وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد»(1)

وبذلك يكون هذا الإستيداع النبوي لعلي «عليه السلام» بما له من معنى الإمامة، بمثابة الدعاء للحسنين«عليهما السلام» بالحفظ والسلامة أيضاً. لكي يبقى علي« عليه السلام» وإمامته حيا في ضمير الأمة ووجدانها بفضل جهدهما وجهادهما «صلوات الله وسلامه عليهما»..

وهكذا يقال بالنسبة لسائر الأئمة «عليهم السلام» بالنسبة لإمامته «عليه السلام».

الخلفاء هم: السمع والبصر والفؤاد:

روى الصدوق في معاني الأخبار عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: حدثني سيدي علي بن محمد بن علي الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي «عليهم السلام» قال:

«قال رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»: إن أبا بكر مني لبمنزلة


1) راجع بحار الأنوار ج 19 ص 256 وج 21 ص 150 و 151 وشجرة طوبی ج 2 ص 272 و 308 - 309 وتفسير القمي ج 1 ص 266 و 287 والتفسير الأصفى ج 1 ص 443 و 460 و ج 2 ص 332 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 655 و 755 وتفسير نور الثقلين ج 2 ص 132 و 200 وراجع تاريخ الخميس ج 2 ص 104 والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة ج 2 ص 111.

السمع، وإن عمر مني لبمنزلة البصر، وإن عثمان مني لبمنزلة الفؤاد».

قال: فلما كان من الغد، دخلت إليه وعنده أميرالمؤمنين «عليه السلام»، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فقلت له يا أبه ،سمعتك تقول فی أصحابك هؤلاء قولاً، فما هو؟!

فقال «صلى الله عليه وآله »: نعم. ثم أشار إليهم، فقال: هم السمع، والبصر، والفؤاد. وسيُسألون عن ولاية وصيي هذا - وأشار إلى علي بن أبي طالب «صلوات الله وسلامه عليه» - ثم قال: إن الله عز وجل يقول : (إِنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والقَوَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) (1).

ثم قال «صلى الله عليه وآله»وعزة ربي، إن جميع أمتي لموقوفون يوم القيامة، ومسؤولون عن ولايته. وذلك قول الله عزوجل : (وقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسؤُولُونَ) (2)»(3)


1) الآية 36 من سورة الإسراء.

2) الآية 24 من سورة الصافات.

3) عيون أخبار الرضا ج 1 ص 280 وبحار الأنوار ج 30 ص180 و 181 وج 31 ص 618 وج 36 ص 77 وج 24 ص 271 والفوائد الطوسية ص 221 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص4 والبرهان (تفسير) ج 3 ص 533 وج 4 ص 593 و 594 ونور الثقلين ج 3 ص 164و165 وكنز الدقائق (تفسير) ج 7 ص 408 وغاية المرام ج 3 ص 89.

ونقول:

يستفاد من هذا النص أمور ، وحيثيات ، وجهات من الدلالات تحتاج إلى بيان، ويمكن تلخيص ما نرمي إليه في النقاط التالية:

1 - إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد بادر - من دون مناسبة خاصة - إلى توصيف أبي بكر وعمر وعثمان، في حال غيابهم..

2 - إنه وصفهم بهذه الأوصاف أمام الإمام الحسين «عليه السلام» الذي كان صغير السن فى حياته «صلی الله علیه و آله وسلم»، فقد كان عمر الحسين (عليه السلام) حين استشهاد رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» ست سنوات تقريباً، وليس ثمة ما يدل على أن أحداً غيره «عليه السلام »كان حاضراً حين قال «صلى الله عليه وآله» ما قال.

3- إنه «صلى الله عليه وآله» اقتصر على هؤلاء الثلاثة، ولم يذكر عليا «عليه السلام»، ولا غيره بشيء.

4 - يلاحظ أن الحسين «عليه السلام» لم يسجل أي اعتراض، أو علامة استفهام عن سبب مبادرة النبى «صلی الله علیه و آله وسلم» إلى وصفهما بما ذكر.

5 - إنه «صلی الله علیه و آله وسلم» لم يورد الكلام عن هذه الجوارح بنحو مطلق، بل نسبهم إلى نفسه، فهو لم يقل: المقصود بالسمع في الآية فلان، وبالبصر فلان الثاني، وبالفؤاد الثالث.

بل أضاف كلمة «مني» ناسباً السمع، والبصر، والفؤاد إلى نفسه.

6 - هل سكوت الحسين«عليه السلام» في اليوم الأول عن إبداء أي اعتراض، وعن طرح أي سؤال يدل على أنه يريد أن يسهم في تحقيق الهدف الذي كان يرمي إليه رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» حين أطلق كلامه هذا ؟! حيث إن طريقة الكلام، وظروف إلقائه توحي أن لكلامه «صلی الله علیه و آله وسلم» تتمة، يريد من الحسين «عليه السلام» أن يسهم في الحصول عليها.

أو أن النبي نفسه قد اتفق مع الحسين «عليه السلام» مسبقاً على إجراء الأمور على النحو الذي جرت عليه.

إننا نرجح الاحتمال الأول، فإن نفس ما جرى يكفي للدلالة على ما قصده رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» من هذه البداية التمهيدية التي أطلقها .. ولم يكن الحسين «عليه السلام» - برغم صغر سنه بالذي تخفى عليه مقاصد رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم».

7 - لقد ميز الحسين «عليه السلام» بين علي «عليه السلام» وبين الثلاثة الآخرين، حيث ذكرهم بأسمائهم، ولم يذكره باسمه الصريح، بل قال: وعنده أمير المؤمنين».

8 - إن الحسين«عليه السلام» في اليوم الثاني قد سأل النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» عن نفس ما قاله أي شيء هو ؟!

ونحن على يقين من أنه «عليه السلام» لم ينس ما قاله النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، وإنما أراد من أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»

أن يصوغه وفق ما تقتضيه المصلحة الحاضرة، لحضور المعنيين بذلك القول مباشرة، ولعله لا يريد أن يكون بطريقة صادمة، بل يريده بطريقة تعليمية، أو تحذيرية، أو ما إلى ذلك .

9 - ظهر أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» قد قال كلاما في اليوم الأول يثير الأسئلة، ويوجب التحير، ولا يمكن فهم مراميه إلا بعد انضمامه إلى ما حصل في اليوم التالي.

وهو يشبه ما جرى للإمام الرضا «عليه السلام» في نيشابور، فإنه قال للجماهير التي تعد بعشرات الألوف: «كلمة لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي».

ولعل الضجيج والصخب قد منع الكثيرين من سماع ما قال، فإنه بعد أن قال هذا، أدخل رأسه إلى داخل العمارية.. وبعد خطوات عاد وأخرج رأسه منها ، وقال «بشروطها، وأنا من شروطها» (1)

وراجع التوحيد ص 25 وثواب الأعمال للصدوق ص 7 ومعاني الأخبار للصدوق ص 371 وروضة الواعظين للفتال النيسابوري ص42 والمناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 296 وعوالي اللآلي ج 4 ص 94 ونور البراهين للجزائري ج 1 ص 76 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 235 ومسند الإمام الرضا «عليه السلام» للعطاردي ج 1 ص 44 وراجع: ينابيع المودة ج3 ص 123 .

.

1) راجع: نقله في مجلة مدينة العلم (السنة الأولى) ص415 عن صاحب تاريخ نيسابور، وعن المناوي في شرح الجامع الصغير، وهي أيضاً في الصواعق المحرقة ص 122 ، وحلية الأولياء 3 ص 192، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 135 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 1 ص 145 وأمالي الصدوق ص 208 ، وينابيع المودة ص 364 و 385 وقد ذكر قوله «عليه «السلام» وأنا من شروطها، في الموضع الثاني فقط والبحار ج 49 ص 123 و 126 و 127 ج 3 ص 7 عن ثواب الأعمال، ومعاني الأخبار وعيون أخبار الرضا «عليه السلام»، والتوحيد والفصول المهمة لابن الصباغ ص 240 ونور الأبصار ص 141 ونقلها في مسند الإمام الرضا ج 1 ص 43 و 44 عن التوحيد، ومعاني الأخبار، وكشف الغمة ج3 ص 98 . وهي موجودة في مراجع كثيرة أخرى. لكن بعض هؤلاء قد حذف قوله «عليه السلام»: «بشروطها، وأنا من شروطها»، ولا يخفى السبب في ذلك .

فلا يستطيع أحد أن يفهم هذه الكلمة، إلا إذا عرف ما قاله في المرة الأولى.

10 - وأما لماذا جعل «صلی الله علیه و آله وسلم» أبا بكر هو السمع، وعمر هو البصر، وعثمان الفؤاد، فربما كان لأجل أن السمع والبصر لا يستطيعان أن يفعلا شيئاً إذا لم يكن هناك من يحمي فعلهما، ويسوق لهما، ويدافع عنهما، وكان عثمان من أمية، الذين كانوا هم الحماة والدعاة، وهم القوة التي اعتمد عليها الشيخان في غصبهما للخلافة.

أما بالنسبة لعمر، فإنه هو البصر الأكثر حركة وتجوالا، وهو يحشر نفسه في الصغيرة والكبيرة، الأمر الذي يمكنه من رؤية الأمور، ومعرفة مواطن الضعف، ومواطن القوة، ويرى المخالف

والمؤالف. وكان عمر في السقيفة هو المحرك والمبادر.

وأما أبو بكر ، فهو الذي يستفيد من سمعه أكثر من أي شيء آخر، حيث تأتيه الأخبار بما يجري، فيتدبر أمره على ضوئها، ويعالج الحوادث بما لديه من وسائل وإمكانات.

11 - يلاحظ أن الحسين «عليه السلام» اكتفى بالطلب من النبي ««صلی الله علیه و آله وسلم» أن يعيد ما قاله له في اليوم السابق عن أولئك الحاضرين عنده، وقد استعمل «عليه السلام» في طلبه هذا طريقة تسمح للنبي«صلی الله علیه و آله وسلم» بتأجيل الإجابة، وبأن يبادر إلى الجواب.

12 - إن الإمام الحسين «عليه السلام» لم يخرج أمير المؤمنين «عليه السلام» من جملة من تحدث عنهم الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم» في اليوم السابق، بل قال ما يوهم أنه ذكر عليا «عليه السلام» معهم أيضاً، مع أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» لم يذكر عليا «عليه السلام» في كلامه في اليوم السابق، فقد قال: سمعتك تقول في أصحابك هؤلاء قولاً ، فما هو ؟!

إلا أن يقال: إنه قال كلامه على سبيل التغليب لأنهم ثلاثة في مقابل واحد هو أمير المؤمنين «عليه السلام».

أو يقال : إنه لعلمه ببقية الكلام، ولعلمه بأن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» يمهد للتصريح بالنتيجة، فكأنه اعتبره أمراً مفروغاً عنه .

أو يقال: لعله وجد أن الكلام يحتاج إلى تتمة، فأراد من النبي

«صلی الله علیه و آله وسلم» أن يقول ما يريد بالتمام والكمال.

ولعله أشار إشارة خارجية إلى الثلاثة بخصوصهم، فيكون علي «عليه السلام» خارجاً عن سياق الكلام.

13 - لم يتضمن طلب الإمام الحسين «عليه السلام» تصريحاً بما قال، ولا تضمن أي شيء يوجب الإحراج لرسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، فهو قادر على أن يجيب بالتصريح، وأن يجيب بالتلميح، وأن يؤجل الجواب، كما قلنا .

14 - وقد تحقق ما أراده رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، وما توخاه الإمام الحسين «عليه السلام» وتوقعه، فقد بين«صلی الله علیه و آله وسلم» أن السمع والبصر، والفؤاد، مجرد آلات تخضع لعقل واختيار وإرادة، فقد يعطى للعقل مجاله، ويكون الاختيار صحيحاً وحسناً، وموافقاً لما يريده الله، وقد يعزل العقل عن التأثير، ويساء الاختيار، وتعمل الإرادة بصورة إفسادية، فلا بد من محاسبة هذه الجارحة، وسؤالها، والتدقيق معها، للتعرف على ما حركها، ودعاها، هل هو العقل، أو الغرائز والشهوات؟ وما هو هدفها؟ هل هو رضا الله، أم الشيطان؟!

الباب الثامن : علم.. وكرم..

الفصل الأول: الحسين علیه السلام في سورة هل أتى..

اشارة

سبب نزول سورة هل أتى :

وقد حفلت الروايات الكثيرة، بأن سبب نزول سورة «هَلْ أَتَى»: هو أن الحسنين «عليهما السلام» مرضا، فعادهما رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»وبعض من أصحابه وجعل علي على نفسه، وكذلك الزهراء، والحسنان «عليهم السلام»، وفضة «رحمها الله»: أن إذا عافاهما الله أن يصوموا ثلاثة أيام شكرا لله تعالى.

فألبسهما الله سبحانه عافية، فأصبحوا صياماً، وليس عندهم طعام، فحصل علي «عليه السلام» على ثلاثة أصوع من شعير، جاء بها للزهراء «عليها السلام» مقابل أن تغزل جزة صوف..

فغزلت ثلث الصوف، وطحنت صاعاً من الشعير، وخبزت منه خمسة أقراص بعددهم فصلى علي « عليه السلام» مع النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، ثم أتى منزله، ووضع الطعام، فأول لقمة كسرها علي «عليه السلام» إذا بمسكين قد وقف على الباب، وطلب أن يطعموه، فوضع علي «عليه السلام» اللقمة من يده.. ودفعوا ما على الخوان إلى المسكين ، وأصبحوا صياماً، لم يذوقوا إلا الماء القراح.

وفي اليوم التالي تكرّرت القضية برمتها ، حيث جاءهم يتيم هذه

المرة، بمجرد أن كسر الإمام علي «عليه السلام» اللقمة، فأعطوه ما على الخوان، وباتوا جياعاً لم يذوقوا إلا الماء القراح.

وهكذا جرى أيضاً في اليوم الثالث، حيث جاءهم أسير من أسراء المشركين، وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، تأسروننا، وتشدوننا، ولا تطعموننا .

فوضع علي اللقمة من يده، وأعطوه ما على الخوان. وباتوا جياعاً. وأصبحوا مفطرين، وليس عندهم شيء.

وأقبل علي «عليه السلام» بالحسن والحسين «عليهما السلام» نحو رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، وهما يرتعشان كالفراخ من شدة الجوع. فقال «صلی الله علیه و آله وسلم» يا أبا الحسن: أشد ما يسوؤني ما أرى بكم، انطلق إلى ابنتى فاطمة.

فانطلقوا، وهي في محرابها، قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع، وغارت عيناها..

فلما رآها رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» ضمها إليه، وقال: وا غوثاه بالله أنتم منذ ثلاث فيما أرى؟!

فهبط جبرئيل، فقال: يا محمد خذ ما هيأ الله لك في أهل بيتك.

فقال: وما أخذ يا جبرئيل؟!

قال: (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) (1)(2).

وذكرت بعض النصوص : أن هذه السورة قد نزلت في الخامس والعشرين من ذي الحجة (3).

ونقول:

للإيضاح والبيان:

هناك أمور كثيرة ذكرناها في كتابنا «تفسير سورة هل أتى» بجزئيه الأول والثاني. وفي كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي


1) الآية 1 من سورة هل أتى.

2) راجع الأمالي للصدوق (ط مؤسسة البعثة) ص 329 - 333 وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 474 و 477 والبرهان (تفسير) ج 4 ص 412 و 413 و (ط مؤسسة البعثة) ج 5 ص 549 - 552 وروضة الواعظين ص 160 - 163 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 1 ص 177 - 183 وشجرة طوبی ج2 ص263 - 267 وينابيع المودة ج 1 ص279 و 280 وغاية المرام ج 4 ص 101 - 104 .

3) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 148 وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 473 وكنز الدقائق (تفسير) ج 14 ص 56 وبحار الأنوار ج 35 ص 242 و 255 و ج 95 ص 198 و ج 97 ص 202 و 210 و 384 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 262 والعدد القوية ص 315 ومصباح المتهجد ص 767 وغنائم الأيام ج 6 ص 81 والتفسير الصافي ج 5 ص 262 .

«علیه السلام» الجزء الثامن - لا نرى حاجة لإعادة التعرض لها في كتابنا هذا الذي خصصناه لسيرة الإمام الحسين «عليه السلام».

وقد عقدنا العزم على الاقتصار على بعض ما يرتبط بالحسن والحسين «عليهما السلام»، دون سائر ما عداه، إلا على نحو الاستطراد والاختصار إن وجدنا حاجة إلى ذلك..

كما أننا سوف لن نتعرض لجزئيات وردت في الروايات التي سجلت هذا الحديث، حتى وإن كنا نشك، بل نقطع بكذبها.

كما هو حال الشعر الذي ورد في بعض المصادر، والذي ينسب إلى علي «عليه السلام» وفاطمة الزهراء «عليها السلام» أنهما قالاه، حين كان يأتيهما المسكين واليتيم والأسير..

فإنها أشعار في غاية الركاكة والسقوط وزنا ومعنى، فضلا عما فيها من أخطاء في الإعراب، وغير ذلك.

وبعدما تقدم نقول:

سؤال يحتاج إلى جواب:

قد يتساءل البعض، فيقول: إن بقاء هؤلاء الصفوة ثلاثة أيام بلا طعام كان بلا وجه، فإن المفروض : أن علياً «عليه السلام» قد حصل على ثلاثة أصوع من شعير، وقد طحنت منها في اليوم الأول صاعاً، وتصدقوا به على الفقير .. فلماذا لا تطحن صاعاً آخر لإطعام أولادها في نفس تلك الليلة؟!

ويجاب :

أولاً: لعل صاحب الغزل اشترط عليهم عدم تملك الشعير، أو عدم التصرف به إلا بعد إنجاز الغزل الذي في مقابله.. ويؤيده أنها «عليها السلام» غزلت ثلث الصوف، وطحنت صاعاً وهو ثلث الشعير.

أو أن يتسلم هو ما يغزل في مقابله.

ثانياً من قال: إن الأسباب كانت مهيأة فى ذلك الليل لطحن الشعير، وتجهيزه ليصبح قابلاً للاستفادة منه؟!

هل تجوز الصدقة بهذا المقدار؟!:

وقد يقال: كان يكفي أن يعطي رب العيال ذلك السائل بمقدار ما يكفيه لسد جوعته، ويبقي الباقي لعائلته، ليتبلغوا به، ويدفعوا سورة الجوع عن أنفسهم.

وقد يرى البعض: أن ثمة شكاً في جواز التصدق بهذا المقدار الذي يوقع المتصدق وأهل بيته في الحرج والخطر. لاسيما وأنه تعالى يقول: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُل العقو)(1). والعفو: هو ما زاد عن نفقة العيال.

ويجاب:


1) الآية 219 من سورة البقرة.

أولاً: إن كل واحد من أهل البيت «عليهم السلام» هو الذي تصدق بما يخصه، ولم يكن رب العيال هو الذي تصدق بنصيب كل فرد فرد من عائلته.

والشاهد على ذلك: أن الثناء الإلهي في سورة هل أتى قد شمل الجميع، ولم يختص برب العائلة.

والثناء والمثوبة، إنما هو على الفعل الصادر من فاعله عن إرادة واختيار، طلباً لرضاه تبارك وتعالى.

ثانياً: إن الله تعالى مدح المؤثرين على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة .. فالتشكيك بجواز أن يعطي الإنسان ما يكون هو أحوج إليه إلى غير الأحوج، في غير محله، لأن آية الإيثار صريحة بجواز ذلك.

ثالثاً: إن آية إنفاق العفو لو سلمنا انحصار المراد منها بما ذكره، إنما وردت جواباً على طلبهم تحديد أقل المطلوب في الصدقة، فذكر المقدار الذي لا حرج فيه على أحد.. وليست في مقام بيان حرمة أو جواز، أو استحباب ما زاد على ذلك .

فإن نفس سؤالهم عما ينفقون يشير إلى أنهم بصدد معرفة أقل المطلوب منهم، وأن أنفسهم قد لا تسخوا بالإنفاق أزيد من ذلك.

رابعاً: إن نفس صدور هذا الإنفاق من أناس حكم الله تعالى بطهارتهم وعصمتهم ، وبأنهم عِدل القرآن في الهداية، يكفي لإثبات الجواز، لأن التشريع إنما يؤخذ منهم ، ولاسيما أنهم أحد الثقلين الذين لا يضل من تمسك بهما.

لماذا أعطوه جميع طعامهم؟!:

وأما السبب في إعطاء المسكين جميع طعامهم، وعدم الاقتصار على ما يسد جوعته، فهو أن مطلوبهم «عليهم السلام» كان إيجاد حالة من السكينة لديه، لأطول فترة ممكنة، ليتمكن من التفكير والحركة،

لإيجاد سبيل للخروج من الحالة التي هو فيها، بصورة تحفظ له كرامته، وتصون ماء وجهه..

واحتمل بعضهم أن يكون مع الأسير أسرى، ومع اليتيم إخوة أيتام، ولابن السبيل أهل وعائلة، يحتاجون لهذا الطعام الزائد.

الأكثر إثارة في حديث الإطعام:

إن العنصر الأكثر حساسية، والأشد إثارة في حادثة إطعام الطعام مسكينا، ويتيما، وأسيراً هو الحسنان « عليهما السلام»، اللذان كانا في سن الطفولة.

فهما «عليهما السلام» قد صاما مع أبويهما الأيام الثلاثة التي نذر أبواهما صيامها شكراً لله حين شفاء ابنيهما «عليهما السلام».

وقد بذل الحسنان «عليهما السلام» طعامهما - كما فعل أبواهما -للمسكين واليتيم والأسير .

وهذا بالذات هو محور كلامنا حول هذه القضية، وحين نتعرض لبعض مفردات الآيات التي أنزلها الله تعالى في هذه المناسبة.

يطعمون الطعام :

1 - قال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ)، ولم يقل: ويبذلون الطعام، أو يتصدقون به، أو يعطونه، أو نحو ذلك.. ربما لأن للإطعام مزايا أرقى مما تدل عليه سائر التعابير، فإن الحسنين «عليهما السلام» قد أطعما هذا المحتاج طعامهما أمام أعينهما، في لحظة كانا فيها في أشد الحاجة إلى ذلك الطعام، فأصبحا مصداقاً للإيثار، وهو يأكله أمام أعينهم - كما هو ظاهر كلمة (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ) -.

وقد أعطوه طعاماً ليس عندهم سواه، ولا يمكنهم الحصول على بديل له في تلك الليلة على الأقل.

وقد أعطوه إياه في لحظة إفطارهما، لا في حال الصيام، ليقال: إن الصيام يحد، بل هو يمنع من الرغبة بالطعام، كما أنهما ربما كانا يتوقعان الحصول على البديل..

2 - إنهم «عليهم السلام» لم يعطوه مالاً ليشتري به، بل أعطوه طعاماً يشعرون بالحاجة الطبيعية إليه، ولذلك الطعام رائحة، وشكل، وطعم يتوقعون التلذذ به.

3 - إنه تعالى لم يقل: «أطعموا» بصيغة الماضي، بل قال: (وَيُطْعِمُونَ) للدلالة على الاستمرار، وعلى أن ذلك طبعهم وديدنهم، وأنه بإرادة والتفات واختيار، ومبادرة منهم.. وعلى أن القضية تكن مجرد حدث عابر نشأ عن ارتجال، أو لأجل فورة عاطفية حركت، وأريحية هزت، ونخوة دفعت إلى هذا الإيثار .

الطعام المحبوب:

وقد وردت في الآية الكريمة عبارة : (عَلى حُبِّهِ) على نحو الجملة الإعتراضية.. ومن الواضح أن الطعام الذي كان الحسنان «عليهما السلام» بحاجة إليه كان مجرد قرص من طحين الشعير، فلم يكن حب الحسنين «عليهما السلام» لهذا الطعام، لأجل كونه لذيذا وشهيا، بل لأجل حاجتهم الطبيعية إليه، لحفظ خيط حياتهم في نهاية يوم صوم طويل، ومرهق لطفلين قد يكون عمرهما في أعلى الاحتمالات ما بين ست وسبع سنين.

إنهم يحبون هذا الطعام، لا لذاته، ولا لكونه شهيا أو لذيذا، بل لأنهم يحتاجونه ليساعدهم على الوفاء بنذرهم، وعلى الاستمرار في طاعة ربهم، فهو حب فرضه الجهد في العبادة في الليل، والنشاط في طلب رضا الله بالصوم في النهار، بالرغم من قلة ذات اليد.. فالحاجة لحفظ الحياة بالطعام تكليف شرعي، لا لأنهم يحبونه لذاته.

فظهر أن الضمير في قوله تعالى: (عَلى حُبِّهِ) يعود إلى الطعام، لا إلى لفظ الجلالة، للزوم نوع من التكرار، لأجل قولهم: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ).

تنوين التنكير، لماذا ؟!:

وقد قال تعالى: (مِسْكِينَا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)، ولم يقل: ويطعمون المسكين، واليتيم، والأسير .. لأنه قد يتوهم: أن اللام إذا كانت لام العهد، فينصرف الذهن إلى أن الداعي إلى الإعطاء قد يكون هو

الخجل من رد طلب شخص يعرفه، أو ربما كان من قومه، أو من بلده، أو جاراً، وربما تتمازج هذه الدواعي مع الشعور الإنساني أيضاً..وربما..

أما إذا أورد الكلمات الثلاث مع تنوين التنكير، فيكون صريحاً: بأنهم يطعمون أي مسكين، وأي يتيم، أو أسير كان. لمجرد كونه يتيما، أو أسيرا، أو مسكينا.. فإذا جاء بعد ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا تُريدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا) كان مؤكداً لهذا المعنى.

فالمحرك شعور إنساني، وهو المسكينية واليتم والأسيرية، والهدف هو نيل رضا الله تعالى..

الواقع يطابق الآية:

صرحت الروايات: بأن المسكين قد جاء في اليوم الأول، ثم جاء اليتيم في اليوم الثاني، وجاء الأسير في اليوم الثالث .

وهذا يعني: أن الآية القرآنية قد جاءت مطابقة لما حدث خارجاً..

وهذا الأمر هو أهم ما في هذه الحادثة، وهو دليل عظمة أهل البيت الذين تشاركوا في صنعها.

وسر العظمة يكمن في شخصية الحسنين «عليهما السلام»، حيث توالى مجيء الأشخاص الذين كانت حالاتهم تنازلية من حيث المشقة والجهد، فقد كان حال المسكين هو الأصعب والأشد.

أما حال اليتيم، فهو أهون من المسكين.

ثم يأتي الأسير الذي كان حاله أهون من سابقيه معا، بل قد يقال ما هو أكثر من ذلك، كما سنرى.

ولكن حال الباذلين ولاسيما إذا كانوا في سن الطفولة، كالحسنين «عليهما السلام»، قد كان صعباً مع المسكين، ولكنه مع اليتيم كان أشد صعوبة، ثم زادت الصعوبة حين جاء الأسير.

فحال الباذلين من حيث الصعوبة، قد تصاعد من الأدنى إلى الأعلى. أما حال السائلين، فقد تدرج من الأعلى إلى الأسفل، من حيث الصعوبة أيضاً.

المسكين أولاً:

المسكين هو من بلغ به الفقر أقصى مداه، وربما بلغ به درجة الشعور بالعجز عن الحركة ، أو عدم جدواها ، فسكن، ولم يسع، أو لم يعد يفكر بالسعي، بل أصبح كثير السكون، لأنه أراد أن يسبب شعوره بالعجز، وعدم الجدوى، فتسكن حركته، ويفقد حيويته، وتتضاءل نفسه .

وحالة هذا النوع من الناس تثير الشفقة، وتدفع بقوة إلى مساعدته، وجبر كسره..

أما الباذلون - والحسنان الطفلان منهم - فقد صاموا يوماً كاملاً، وشعروا بوطأة الجوع والعطش، وها هو طعامهم أمامهم، وتشتد رغبتهم بتناوله.

فيأتي المسكين، فتثير حالته فيهم المشاعر الإنسانية، وتتبلور لديهم الرغبة بمساعدته، ولاسيما مع ما يتوقعونه من مثوبة وكرامة الهية.

وتتصادم هذه المشاعر مع حاجتهم الطبيعية للطعام الموضوع أمامهم، وتتغلب مشاعر الشفقة على المسكين، والرغبة في المثوبة الإلهية، فيبذلون له الطعام..

وقد شارك كل فرد منهم في البذل، لأن المحرك له موجود لديهم جميعاً.

وقد كان بالإمكان الإكتفاء بمساواة المسكين بأنفسهم، فيعطونه ما يسد جوعته، ويبقى الباقي لأهله..

ولكن الجميع يدركون أن هذا العطاء لا يوجب زوال الشعور لديه بالعجز، ولا يعيد الحركة إليه.

فلماذا لا يعطونه ما لديهم، ليزول سكونه، وتعود إليه حيويته ونشاطه وحركته.

وهذا ما فعلوه.. فأعطوه ما لديهم، واكتفوا في ليلتهم بشرب الماء.

اليتيم في اليوم الثاني:

ويصوم الباذلون، ومنهم الحسنان يومهم الثاني، ويصبحون أشد حاجة إلى الطعام الذي وضع في وقت الإفطار بين أيديهم، وتتضاعف دواعي الحرص عليه، والرغبة بالاستفادة منه، ولاسيما لدى من هو

في سن الأطفال، فإنه سيجد صعوبة بالغة في عدم تناول الطعام ليومين كاملين.

فيأتي اليتيم الذي يثير الشفقة، لا لأجل حاجته للمال، فلعله يملك مالاً، ويريد أن يضيف إليه ما يحصل عليه، بل لأجل حاجته للعاطفة والرعاية، والطمأنينة للمستقبل..

وحتى لو كان صادقاً في دعواه الفقر ، فليس في ظاهر حاله ما يكشف عن مقدار حاجته، بخلاف المسكين. وهذا اليتيم لا يزال في مقتبل عمره، والمستقبل والفرص أمامه.

فالفقر الذي يدَّعيه اليتيم ليس هو المحرك الأقوى لإيثار الباذلين له على أنفسهم في الحالات العادية، فكيف بعد مرور يومين من مكابدة الجوع المتواصل، حيث لم يذق الباذلون، ولاسيما الحسنان «عليهما السلام». أي طعام فيهما.. وكيف إذا كان طلب بذل الطعام ساعة حرجة هي ساعة الإفطار، وطعامهم حاضراً أمامهم، وربما كانت اللقمة في أيديهم ، وما أشد حاجتهم إليه ، وما أقوى رغبتهم فيه.

وهكذا تزداد المثبطات عن إعطاء بعض الطعام، فما بالك بإعطائه كله، وما أضعف المحفزات التي لا يجدها الباذلون ظاهرة حال هذا السائل، إذا قيس بحال المسكين الذي أسكنه الفقر، وأظهر عجزه .

وحتى لو كان اليتيم بحاجة للمال، فإن الناس سوف يتسابقون لتوفيره له، وسد حاجته.. ومما يشهد على ذلك: أن الله تعالى في

سورة ألم نشرح لم يوص بإعطاء اليتيم المال، بل أوصى بعدم قهره وأن لا يستغل فقده للكافل بالسعي لسلب إرادته. وأمر بإعطاء المال للسائل، فإن احتمال أن يكون صادقاً في سؤاله هو الأقوى والأرجح..

قال تعالى: (فأمَّا اليَتِيمَ فلا تَقهَرْ * وَأمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) (1).

وفي آية أخرى أشير إلى إكرام اليتيم.. قال تعالى: (كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ * وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ المِسْكِين) (2).

وآية ثالثة ذكرت لزوم التحرز من دع اليتيم.. قال تعالى: (فذلِكَ الَّذِي يَدُعُ اليَتِيمَ * وَلا يَحُصُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِين) (3).

يلاحظ: أن الحديث فى هذين الموردين أيضاً كان عن طعام المسكين، لا عن إطعامه، ربما لأن الطعام حق له. كما أنه تعالى لم يشر إلى إطعام أو طعام اليتيم في الموردين.

وبالرغم من هذا وذاك نجد أن الباذلين قد رأوا: أن حال اليتيم يدور بين احتمالات ثلاثة :

1 - أن يكون في غنى عن المال.

2 - أو أن يكون بحاجة إلى المال في الحد الأدنى.

3 - ويحتمل أن يكون شديد الحاجة إليه.


1) الآيتان 9 و 10 من سورة ألم نشرح.

2) الآيتان 17 و 18 من سورة الفجر .

3) الآيتان 2 و 3 من سورة الماعون.

فتعاملوا معه على أساس ترجيح الاحتمال الأخير، وبذلوا له كل ما لديهم مع شدة حاجتهم وخصاصتهم.

وبذلك صار هذا العطاء أعظم وأجل قيمة من عطائهم في اليوم الأول. بالرغم من ظهور شدة حاجة المسكين إليه.

الأسير في اليوم الثالث:

وبعد مضي ثلاثة أيام ودخول الليلة الثالثة على هؤلاء - الذين فيهم من هم في سن الأطفال - وهم يعانون فيها الحرمان من الطعام، ومكابدة الجوع والضعف بسبب صيامهم نهاراً، وبذل الطعام ليلا. ويرون أن الأخطار أصبحت تتهددهم - في هذا الحال - ويحين وقت الإفطار، ويوضع الطعام بين أيديهم، وتكاد الأيدي تمتد إليه، يأتي أسير يدَّعي الحاجة.

والطعام بين أيديهم، ورغبتهم فيه شديدة، فإن القوى قد اضمحلت، والأعين قد غارت، وأصبح لا بد من دراسة أي طلب يرتبط بهذا الطعام بجدية ودقة.

وقد جاء هذا الأسير، وادعى الحاجة إليه أيضاً. واحتمالات كذبه متوافرة وجدية، فإن المسلمين أسروا المشركين في بدر، وكان المشركون قد عذبوا المسلمين، وسلبوهم أموالهم، وأخرجوهم من ديارهم فقال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» للمسلمين: «استوصوا بالأسرى خيراً، فأطاعوا الأمر، وشاركوهم في أموالهم حتى كان

أحدهم يؤثر أسيره بطعامه»(1).

وهذا الأسير الطالب لطعام الصائمين لمدة ثلاثة أيام لا يذوقون فيها طعاماً سوى الماء، قد يكون لا يزال حاقداً على أسريه، ولعل حقده الأعظم ينصب على نفس هؤلاء الذين جاء يطلب منهم طعامهم، فإنهم هم الذين أبغضهم، وحاربهم، وهم الذين كسروا شوكته، وأباروا کیده.

وهذا الأسير ليس ضعيفاً، بل هو رجل مكتمل البنية، قادر على كسب عيشه بكد يده، أو بالقوة لو سنحت له الفرصة.

ولعل هذا الأسير قد قتل أو جرح، أو أذى بعض الأحبة لهؤلاء الباذلين، ولعله حين يعود إلى قومه يرجع إلى محاربة نفس هؤلاء، ويسعى في سفك دمائهم.

وليس في ظاهر حال الأسير ما يدل على حاجته، فلعله كاذب في دعواه، وقد ذكرنا الشاهد على ذلك آنفا، فأين حال الأسير من حال اليتيم الذي لا يعالج يتمه، وأين هو من حال المسكين الذي أسكنته الحاجة، وأعجزه الفقر.

وحتى لو كان صادقاً ، فإن حاجة الأسير للطعام لا تصل إلى مستوى


1) راجع تاريخ الأمم والملوك (ط الإستقامة) ج 2 ص 159 والكامل لابن الأثير ج 2 ص 131 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص299 و 300والمغازي للواقدي ج 1 ص 119 وتاريخ الخميس ج 1 ص 388 .

حاجة طفل بعمر خمس أو ست سنوات، قد طوى ثلاثة أيام لم يذق فيها طعاماً أبداً !!

ولكن الباذلين أيضاً وجدوا أنفسهم أمام احتمالات أعلاها أن حاله يشبه حال المسكين، وأدناها أنه كاذب محتال، وبينهما مراتب ودرجات.

وجاءت المعادلة التي فرضت نفسها عليهم، بافتراض أن يكون حاله حال المسكين، وهذا هو الاحتمال الأضعف، الذي تتضافر الإشارات والدلائل على خلافه.

وكان يمكن أن يكتفوا بأن يكون نصيبه منه كنصيب أحدهم، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل اختاروا أقصى الاحتمالات، وأشدها ضعفاً، وبذلوا له كل ما لديهم، وما قد تكون حياتهم قد أصبحت مرهونة به إلى حد كبير.

هذا كله بحسب ما يفرضه منطق الأمور، وبغضّ النظر عن الدواعي التي كان طالبو المعونة كالأسير واليتيم والمسكين يمكن أن يحركوها في النفوس، فإنها قد تكون متأثرة بنوع من المبالغة، أو بإثارات غير متوافقة مع الواقع.

الفصل الثاني: من الإيثار أيضاً..

اشارة

إيثار الحسنين:

صرحت الروايات بأن آية الإيثار، وهي قوله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بهِمْ خَصَاصَة) (1)قد نزلت في علي، وفاطمة، والحسن، والحسين «عليهم السلام».. وهي تصفهم جميعاً: بأن كل فرد فرد منهم يؤثر على نفسه، بالرغم من خصاصته، فالله سبحانه يثني عليه، لأجل هذا الفعل الاختياري الصادر منه..

وهي تدل أيضا على أن هذا الإيثار يصدر من كل واحد منهم مرة بعد أخرى، ولذا قال تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ)، إذ لم تنزل آية الإيثار، لأنهم آثروا على أنفسهم مرة واحدة وانتهى الأمر.. إذ لو كان الأمر كذلك لقال تعالى: «آثروا»، ولم يقل: (يُؤْثِرُونَ).

كما أنه قد ظهر مما تقدم: أنه لا مجال لتوهم أن يكون الذي آثر هما أبواهما، أو أحدهما .. وقد نسب الفعل إلى الجميع، لأن الإيثار كان بما يخص الآباء والأبناء معاً، وأن أثر هذا الإيثار قد ظهر أيضاً في الحسنين «عليهما السلام»، لأنه ألحق بهما ضرراً أو سبب لهما حرجاً، دون أن يكون لهما دور ، أو اختيار في ذلك، ولو استشارهما


1) الآية 9 من سورة الحشر .

أبواهما، أو أحدهما فربما لم يرضيا بالإيثار بنصيبهما، وبما يعود لهما.

نعم، لا مجال لهذا التوهم الباطل، والخيال الزائف والزائل، حيث جاء التصريح بأن الآية الكريمة تضمنت الثناء عليهما، كالثناء على أبويهما، فلو لم يكونا راضيين مسرورين، ومحرضين على هذا الإيثار، ومشاركين فيه لما جاءت الآية على هذا النحو.

بل ربما يقال: لو كان أبوهما أو أحدهما قد فعل ذلك دون رضاهما، فإن الثناء على إيثار والديهما، أو أحدهما يصبح موضع ريب، لأن تصرفهما بنصيب طفليهما في هذه الحال، إن لم يكن موجباً للملامة، فهو لا يتلاءم مع الرأفة، والرفق المطلوب منهما تجاه

ولديهما.

مثالان فقط:

ونذكر من موارد إيثار هؤلاء الصفوة مثالين فقط، وهما:

الأول : قال ابن شهر آشوب «رحمه الله»:

تفسير أبي يوسف يعقوب بن سفيان، وعلي بن حرب الطائي، ومجاهد بأسانيدهم عن ابن عباس وأبي هريرة، وروى جماعة عن عاصم بن كليب عن أبيه - واللفظ له - عن أبي هريرة: أنه جاء رجل إلى رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» فشكا إليه الجوع، فبعث رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» إلى أزواجه، فقلن: ما عندنا إلا الماء.

فقال «صلی الله علیه و آله وسلم» من لهذا الرجل الليلة؟!

فقال أمير المؤمنين «عليه السلام»: أنا يا رسول الله، فأتى فاطمة وسألها: ما عندك يا بنت رسول الله؟!

فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية، لكنا نؤثر ضيفنا به.

فقال علي «عليه السلام»: يا بنت محمد ««صلی الله علیه و آله وسلم»، نومی الصبية واطفئي المصباح. وجعلا يمضغان بألسنتهما.

فلما فرغ من الأكل أتت فاطمة بسراج ، فوجدت الجفنة مملوءة من فضل الله.

فلما أصبح صلى مع النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، فلما سلم النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» من صلاته نظر إلى أمير المؤمنين «عليه السلام». وبكى بكاء شديداً، وقال: يا أمير المؤمنين، لقد عجب الرب من فعلكم البارحة اقرأ: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) أي مجاعة. (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) يعني: عليا، وفاطمة، والحسن، والحسين «عليهم السلام» (فأولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (1)» (2).

قال الحميري:

قائل للنبي إني غريب *** جايع قد أتيتكم مستجيرا


1) الآية 9 من سورة الحشر.

2) بحار الأنوار ج 41 ص 28 وص 34 وج 36 ص 59 ومناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 2 ص 87 والأمالي للطوسي ص116 وعن كنز جامع الفوائد، وشواهد التنزيل ج 2 ص 246 ومجمع البيان ج 9 ص 260 .

فبكى المصطفى وقال: غريب *** لا يكن للغريب عندي ذكورا

من يضيف الغريب قال علي: *** أنا للضيف فانطلق مأجورا

ابنة العم هل من الزاد شيء *** فأجابت أراه شيئاً يسيرا

كف بر قال: اصنعيه فإن *** الله قد يجعل القليل كثيرا

ثم أطفي المصباح كي لا يراني *** فأخلي طعامه موفورا

جاهد يلمظ الأصابع والضيف *** يراه إلى الطعام مشيرا

عجبت منكم ملائكة الله *** وأرضيتم اللطيف الخبيرا ولهم قال: يؤثرون على *** أنفسهم، قال: ذاك فضلاً كبيرا (1)

الثاني: روت الخاصة والعامة منهم: ابن شاهين المروي، وابن شیرويه الديلمي، عن الخدري وأبي هريرة: أن عليا أصبح ساغبا، فسأل فاطمة طعاماً .

فقالت: ما كانت إلا ما أطعمتك منذ يومين آثرت به على نفسي، وعلى الحسن، والحسين.

فقال: ألا أعلمتني، فأتيتكم بشيء ؟!

:فقالت يا أبا الحسين، إني لأستحي من إلهي أن أكلفك ما لا تقدر


1) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 2 ص 87 و 88 و(ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 347 و 348 .

علیه.

فخرج واستقرض من النبي ديناراً، فخرج يشتري به شيئاً.

(وفي بعض المصادر أن فاطمة «عليها السلام» هي هي التي اقترحت عليه مراجعة أبيها) (1).

(وفي مصادر أخرى: فلقيه المقداد بن الأسود «رحمه الله»، وقاما ما شاء الله أن يقوما ، وذكر له حاجته، فأعطاه الدينار ) (2).

فاستقبله المقداد قائلاً ما شاء الله.

فناوله علي الدينار، ثم دخل المسجد، فوضع رأسه، فنام، فخرج النبي، فإذا هو به، فحركه وقال: ما صنعت؟!

فأخبره، فقام وصلى معه، فلما قضى النبي صلاته قال: يا أبا الحسن، هل عندك شيء نفطر عليه، فنميل معك؟!

فأطرق لا يجيب جواباً حياء منه. وكان الله أوحى إليه أن يتعشى تلك الليلة عند .علي.

فانطلقا حتى دخلا على فاطمة، وهي في مصلاها، وخلفها جفنة


1) بحار الأنوار ج 36 ص 60 وحلية الأبرار ج 2 ص 265 والبرهان (تفسير) ج 5 ص 341 وكنز الدقائق (تفسير) ج 13 ص 183 وتأويل الآيات الظاهرة ص 679.

2) بحار الأنوار ج 36 ص 59 و 60 وحلية الأبرار ج 2 ص 265 والبرهان (تفسير) ج 5 ص 341 وكنز الدقائق ( تفسير ) ج 13 ص 183 وتأويل الآيات الظاهرة ص 679.

تفور دخانا ، فأخرجت فاطمة الجفنة، فوضعتها بين أيديهما.

فسأل علي «عليه السلام»: أنى لك هذا؟!

قالت: هو من فضل الله ورزقه، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب .

قال: فوضع النبي كفه المبارك بين كتفي علي، ثم قال: يا علي، هذا بدل دينارك. ثم استعبر النبي باكيا وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيت في ابنتي ما رأى زكريا لمريم (1).

وفي رواية الصادق «عليه السلام»: أنه أنزل الله فيهم:

(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) (2).

قال الحميري:

وحدثنا عن حارث الأعور الذي *** تصدقه في القول منه وما


1) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 2 ص 190 و 191 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 350 وبحار الأنوار ج 41 ص 30 و 31 وراجع: ج 36 ص 59 - 61 وج 37 ص 103 - 105 و ج 43 ص 29 وج 93 ص 147 وراجع: الخرائج والجرائح ج 2 ص 532 والأمالي للطوسي ص 617 و 618 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 1 ص 201 - 204 وحلية الأبرار ج 2 ص 269 - 272 ومدينة المعاجز ج1 ص329 - 331 وتفسير فرات الكوفي ص 83 - 85 وكشف الغمة ج 2 ص 97 - 99 وغاية المرام ج 2 ص 235 و 236 .

2) الآية 9 من سورة الحشر .

يروي

بأن رسول الله نفسي فداؤه *** وأهلي ومالي طاوي الحشا

يطوي

لجوع أصاب المصطفى فاغتدى إلى كريمته والناس لاهون في سهو

فصادفها وابني علي وبعلها *** وقد أطرقوا من شدة الجوع

كالنضو

فقال لها: يا فطم قومي تناولي *** ولم يك فيما قال ينطق

بالهزو

هدية ربي إنه مترحم *** فقامت إلى ما قال تسرع

بالخطو

فجاءت عليها الله صلى بجفنة *** مكرمة باللحم جزواً على جزو

فسموا وظلوا يطعمون جميعهم *** فبَحْ بَخ لهم نفسي الفداء وما أحوي

فقال لها: ذاك الطعام هدية *** من الله جبريل أتاني به يهوي

ولم يك منه طاعماً غير مرسل *** وغير وصي خصه الله

بالصفو (1)

توضیحات ودلالات للحديث الأول :

ذكرنا بعض التوضيحات للموردين المتقدمين في الجزء الثامن من كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام». ونحن نذكر هنا بعض ما ذكرناه هناك، مع بعض التقليم والتطعيم، والإضافات، فنقول:

1 - إنه «صلی الله علیه و آله وسلم» لم يذهب بنفسه إلى بيوت أزواجه ليسألهن عن الطعام، بل أرسل من يسألهن عنه، ربما لكي لا يتوهم أهل الريب، أو لكى لا يشيعوا عنه «صلی الله علیه و آله وسلم» أنه هو الذي شحت نفسه عن بذل ما عنده ، وأنه أراد أن يكون البذل من مال غيره.

2 - إنه لم يطلب من أصحاب الأموال أن يتولوا حل مشكلة ذلك المحتاج، لأن أنفسهم لو كانت تطيب بالبذل لبادروا هم إلى عرض خدماتهم، أو إلى التبرع لذلك المحتاج.

3 - إنه «صلی الله علیه و آله وسلم» حين جاءه الجواب من الزوجات بعدم وجود شيء لم يرسل إلى الجار، ولا إلى الصديق، ولا طلب جمع ما يتيسر، أو يتوفر لدى جماعة من الناس من مال يفي


1) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 2 ص 190 و 191 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 350 .

بالمطلوب.. لأن هذا الأسلوب قد يفهم على أنه استجداء يحرج صاحب الحاجة، ويشعر معه بالذل والمهانة.. بل تكلم عن الرجل بطريقة الحديث عن ضيف، وندب من يحب أن يكون من أهل الكرامة والشهامة، ويرغب بالثواب إلى أن يقوم باستضافته، ويقوم بما يتطلبه كرم الضيافة، وتفرضه الشهامة.. فقال من لهذا الرجل الليلة؟!

ولو أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» بادر إلى الطلب من علي «عليه السلام» أن يستضيف ذلك الرجل، فلربما ظن ظان: أن علياً قد امتثل أمر الرسول من دون رغبة منه، بل لأن الحياء هو الذي دعاه للقبول.

4 - إن الإيثار بقوت الحسن والحسين قد بدأ باقتراح من السيدة الزهراء «عليها السلام». مع أن الأم تكون عادة شديدة الحرص على طعام ولديها في تلك الظروف الصعبة، مهما كان حالهما، فكيف إذا كانا سيدي شباب أهل الجنة، وقد جمعا صفات الإمامة من العلم والعصمة، وسائر المزايا الأخلاقية، والكمالات الإنسانية؟!

5 - تقدم أن الزهراء «عليها السلام» حين تقترح إيثار الضيف الجائع بقوت ولديها، لا يعني أن يكون ذلك بالرغم عنهما، فقد عرفنا أنهما «عليهما السلام» يتحمسان إلى هذا الإيثار، بدليل أن الثناء الإلهي عليهما ، كثنائه على أبويهما في مختلف الحالات المشابهة.

فلو لم يكن ذلك باختيار واندفاع وطلب منهما، فلماذا يثني الله عليهما، ويمنحهما الأوسمة لأجله، ويعتبرهما من المؤثرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ؟! وقد صرحت الرواية نفسها بنزول

آية الإيثار في هؤلاء الأربعة «صلوات الله وسلامه عليهم».

6 - قد يقال: إن عبارة : وجعلا يمضغان بألسنتهما.. يقصد بها الحسنان «عليهما السلام»، ربما ليسمع الضيف ذلك، وترتاح نفسه، ويزول خوفه من أن يكون قد حصل على قوت هذين الصبيين،

وأصبحا بلا طعام.

ونقول:

إن هذا المعنى صحيح ومقبول، ويحتمل أن يكون المقصود علياً وفاطمة «عليهما السلام»، فإنهما هما اللذان صارا يفعلان ذلك، لكي يظن ذلك الضيف أنهما يشاركانه في تناول الطعام. وما دام أن المصباح قد أطفئ، ولم يعد يُرى الشخص، فإن مجرد سماع ذلك الضيف صوت المضغ - ولو من الزهراء - ليس فيه أي محذور شرعي.. فكيف إذا اختلط بصوت رجل، ولم يمكن تمييزه عنه؟!

وهذا الاحتمال هو الذي أشار إليه السيد الحميري «رحمه الله» في شعره أيضاً.

وقد يناقش فيه: بأن من غير المناسب أن تشارك الزهراء «عليها السلام» بالمضغ، ويسمع الأجنبي صوت مضغها.

7 - قد يقول بعض الناس إننا نرى تصريح رواية الجائع الذي أصبح ضيفاً على أمير المؤمنين «عليه السلام» بأن آية: (وَيُؤْثِرُونَ

عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بهِمْ خَصَاصَةٌ) (1). قد نزلت في قضية هذا الضيف.

ثم نرى تصريح رواية أخرى : بأن هذه الآية نفسها قد نزلت في قضية الدينار الذي أعطاه علي «عليه السلام» للمقداد.. ورواية ثالثة تقول : إنها نزلت في مناسبة إيثار علي «عليه السلام» الفقير بالحلة التي كساه إياها رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم».

فأي ذلك هو الصحيح؟!

ونجيب:

بأنه لا مانع من أن يتكرر نزول الآية الواحدة في عدة مناسبات، ولذلك نظائر، فراجع ما يقال حول آية: (بسم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (2)، وحول ما يقال عن نزول بعض السور عدة مرات (3).


1) الآية 9 من سورة الحشر.

2) راجع الدر المنثور ج 1 ص 7 وج 3 ص 208 عن أبي داود، والبزار، والدارقطني في الإفراد، والطبراني، والحاكم، وصححه، والبيهقي في المعرفة، وفي شعب الإيمان، وفي السنن الكبرى، وعن أبي عبيد، والواحدي، وفتح الباري ج 9 ص 39 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 16 ونيل الأوطار ج 2 ص 228 ومستدرك الحاكم ج 1 ص 231 و 232 وصححه على شرط الشيخين، وتلخيص المستدرك للذهبي، بهامشه، وأسباب النزول للواحدي ص 9 و 10 والسنن الكبرى ج 2 ص 42 و 43 ومحاضرات الأدباء المجلد الثاني، الجزء 4 ص 433 والإتقان ج1 ص 78 وبحوث في تاريخ القرآن وعلومه ص 56 و 57 وراجع ص55 عن بعض من تقدم، والجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 95 وعمدة القاري ج 5 ص 292 ونصب الراية ج 1 ص 327 والمستصفى ج 1 ص 103 وفواتح الرحموت (بهامشه) ج 2 ص 14 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص34 والتفسير الكبير ج 1 ص 208 وغرائب القرآن بهامش الطبري ج 1 ص77 والمصنف للصنعاني ج 2 ص 92 ومجمع الزوائد ج 6 ص 310 وج 2 ص 109 عن أبي داود، والبزار، وكنز العمال ج 2 ص 368 عن الدارقطني في الإفراد، والتمهيد في علوم القرآن ج 1 ص 212 عن الحاكم واليعقوبي، وسنن أبي داود ج 1 ص 209 والمنتقى ج1 ص380 وتبيين الحقائق ج 1 ص 113 وكشف الأستار ج 3 ص 40 ومشكل الآثار ج2 ص 53 والمراسيل لأبي داود السجستاني ص 90 وأحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 15 وذكر أخبار إصبهان لأبي نعيم ج 2 ص 356 والمستدرك على الصحيحين ج 2 ص 611 والكامل لابن عدي ج 6 ص 3039 وج 3 ص 1039 والضعفاء الكبير للعقيلي ج 2 ص 35 والمعجم الكبير ج 12 ص 82 والبيان في تفسير القرآن ص 442 وعن فتح الباري ج 9 ص 35 وتفسير أبي حمزة الثمالي ص 106.

3) راجع الإتقان ج 1 ص 35 والدر المنثور ج 1 في تفسير سورة الفاتحة وج6 في تفسير سورة الإخلاص، فإنه قد روى ذلك عن مصادر كثيرة. وراجع أيضاً : شرح أصول الكافي لملا صالح المازندراني ج 1 ص 463 وفتح الباري ج 8 ص 121 وتحفة الأحوذي ج 8 ص 228 ومجمع البيان ج 1 ص 47 والبيان للسيد الخوئي ص 418.

8 - وقد أظهر الله تعالى مقام هؤلاء المؤثرين على أنفسهم عنده

حين أظهر لهم الكرامة، حيث وجدوا الجفنة مملوءة طعاماً، مع أنه يفترض أن يكون الضيف قد أتى على ما فيها.

الحديث الثاني، توضيحات ودلالات:

أما بالنسبة لحديث الدينار، الذي صار من نصيب المقداد «رحمه الله»، ففيه إشارات إلى العديد من الأمور، نذكر منها ما يلي:

1 - صرحت الرواية : بأن علياً «عليه السلام» أصبح ساغبا - أي جائعاً - وصرحت الزهراء «عليها السلام» بأن آخر مرة أكل «عليه السلام» فيها كانت قبل يومين من ذلك التاريخ.

وقد ذكرنا: أن هذه هي حال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» وأهل بيته «عليهم السلام»، بالرغم من أن حال الآخرين لعلها لم تكن إلى هذا الحد.

ولكن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» وأهل البيت «عليهم السلام» يريدون مواساة أنفسهم بأضعف الناس على قاعدة: «ولعل بالحجاز أو اليمامة، من لا عهد له بالشبع».

وعلى قاعدة: «ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمها بقرصيه» (1)


1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 70 ومختصر بصائر الدرجات ص 154 ومستدرك الوسائل ج 12 ص 54 وج 16 ص 300 والخرائج والجرائح ج 2 ص 542 وبحار الأنوار ج 33 ص 474 وج 40 ص 318 و 340 وج 67 ص 320 وجامع أحاديث الشيعة ج 14 ص 34 وج 23 ص 272 ونهج السعادة ج 4 ص 32 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص 205 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 139 وينابيع المودة ج 1 ص 439 .

2 - إن فاطمة والحسنين «عليهم السلام» كانوا أيضا قد مضى عليهم يومان من دون طعام. كما دل عليه قول السيدة الزهراء «عليها السلام» في الرواية: «ما كانت إلا ما أطعمتك منذ يومين، آثرت به على نفسي، وعلى الحسن والحسين».

3 - في الرواية أن علياً «عليه السلام» حين قال للزهراء «عليها السلام»: «ألا أعلمتني ، فأتيتكم بشيء»؟! كان يرى أنه قادر على الحصول على شيء. ولكن فاطمة «عليها السلام» تجيبه بقولها:

«يا أبا الحسين، إني لأستحي من إلهي أن أكلفك ما لا تقدر عليه».

وهذا يدل على يقينها بأنه «عليه السلام» غير قادر على ذلك. فكيف نوفق بينهما؟!

ويجاب:

أولاً: إن قوله «عليه السلام» لا يناقض قولها، فهي تعلم أنه غير قادر على ذلك لعدم توفر المال في يده. فهو عرفاً غير قادر، ولكنه قد يتمكن من الاستدانة، أو بواسطة بيع سيف أو درع، أو بواسطة عمل يقوم به، إن وجد من يقرضه أو إن وجد من يبيعه أو يرهنه، أو إن

وجد من يعمل له .

ثانياً بأنه «عليه السلام» كان يتكلم وفق ظواهر الأمور، التي يجب عليه مراعاتها، والتصرف على أساسها بحسب ما يتوقعه الناس.

وقد كلمته الزهراء «عليها السلام» وفق علمها بالواقع، لعلمها بأنه حتى لو سعى، فسوف لن يحصل على ما يريد. وقد عرفت هي ما أراد، وعرف هو ما أرادت.

وهذا يكشف لنا عن أن علم الزهراء «عليها السلام» كان يتجاوز الحجب الظاهرية أيضاً، وهذا مقام لها شريف وجليل !

4 - إنه «عليه السلام» قد استقرض الدينار من رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، فهل كان النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» يملك أموالاً يستأثر بها عن أقرب الناس إليه؟!

ولماذا اقترضها من النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، ولم يعطه النبي إياها ؟!

ونجيب:

أولاً: لعل هذا المال استجد على رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»قبل ساعة أو أقل، أو أكثر..

ثانياً: لعله «صلی الله علیه و آله وسلم» قد احتفظ بهذا المال لإنفاقه على نسائه اللاتي تجب نفقتهن عليه.

ثالثاً : إن القرض بثمانية عشر ، والصدقة بعشر حسنات(1). فلعل النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» أراد أن ينال هذا الثواب.. كما أن علياً «عليه السلام» أراد أن ينال ثواب المجاهدين في سبيل الله، فإن الكادّ على عياله، كالمجاهد في سبيل الله (2)فتصدق بالمال على المقداد، ربما لأن المقداد لا يقدر على قضاء الدين.. فآثره على نفسه، وصار بصدد البحث عن قوت عياله من جديد.

5 - إن ثمة سؤالاً آخر ، يقول : لماذا أعطى علي «عليه السلام» الدينار كله للمقداد، وقد كان بإمكانه أن يتقاسمه معه؟!

ويجاب:

أولاً : نيل ثواب الإيثار محبوب ومطلوب.


1) الكافي ج 4 ص 34 وبحار الأنوار ج 100 ص 138 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 9 ص 300 و (الإسلامية) ج 6 ص 209 ومستدرك الوسائل ج 12 ص 364 وجامع أحاديث الشيعة ج 16 ص 122 وج 18 ص 286 و 289 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 501 وألف حديث في المؤمن للشيخ هادي النجفي ص 107 وتفسير القمي ج 2 ص 159 و 350 وتفسير نور الثقلين ج 4 ص 190 و ج 5 ص 239 .

2) الكافي ج 5 ص 88 وراجع: تحف العقول ص 445 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 17 ص 67 و (الإسلامية) ج 12 ص 42 وبحار الأنوار ج 75 ص 339 وجامع أحاديث الشيعة ج 17 ص 12 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج 7 ص 381 .

ثانياً: إن إعطاء المال كله لمن هو بحاجة إليه قد حصل في مناسبة نزول سورة هل أتى، وفي مناسبات أخرى.. بل إن سورة هل أتى قد نزلت بعد ثلاثة أيام من الطوى حسبما ذكرناه في موضعه. أي إن الأمر كان فيها أصعب!

6 - إن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» سأل عليا «عليه السلام» عما صنع، فأخبره «عليه السلام»، فلم يلمه، ولم يعترض عليه، بل قال له بعد انقضاء صلاته «يا أبا الحسن، هل عندك شيء نفطر عليه، فنميل معك»؟! فكيف نفسر ذلك؟! ألم يخبره «عليه السلام» أنه أعطى الدينار للمقداد، ولم يعد لديه شيء ؟! وهل من المقبول بعد هذا أن يقرر النزول ضيفا عليه؟!

وقد أجابت هذه الرواية نفسها على هذا السؤال، حيث ذكرت أن الله تعالى هو الذي أوحى لنبيه «صلی الله علیه و آله وسلم»: أن يتعشى تلك الليلة عند علي «عليه السلام». وهذا يدل على أن الله تعالى سوف يهيئ لعلي «عليه السلام» ما يحتاج إليه في استضافته للرسول «صلی الله علیه و آله وسلم»، لأن الله تعالى لا يخذل أهل طاعته، بل يسددهم، ويزيد في كرامتهم. وقد أصبح علي «عليه السلام» بإيثاره على نفسه بالدينار، بالرغم من شدة حاجته، هو وعياله إليه، وهم أحب الخلق إلى الله - أصبح - مستحقاً للتكريم الإلهي، هو وعياله الذين شاركوه في هذا الإيثار، وأنسوا به.

وهذا ما حصل بالفعل، فإنهم وجدوا فاطمة «عليها السلام» في

مصلاها، والجفنة خلفها تفور، كما تقدم. وقال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» حينئذٍ لعلي «عليه السلام»: «هذا بدل دينارك».

فراش الحسنين علیهما السلام يعطى للفقير:

هناك رواية مطولة حول معالجة الحاجة الملحة لأحد الفقراء الذين كانوا على عهد رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، بطريقة تهز المشاعر، وتثير الكثير من المعاني التي ترتبط بالقيم، وبالأخلاق والإيمان والروحية والسلوك، وما إلى ذلك.

ولكن بحث هذه الرواية بصورة تفصيلية قد لا يكون مستساغاً في كتابنا هذا، لاسيما وأن ما يرتبط بالإمام الحسين «عليه السلام» ليس هو الأمر الظاهر في الرواية.

فلا بد إذن من تلخيص هذه الرواية، ثم توجيه الأنظار إلى ما يهمنا منها، وهو ما يرتبط بالحسنين «عليهما السلام»، فنقول:

حديث فراش الحسنين علیهما السلام ملخصاً :

عن الصادق «عليه السلام» عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال ما ملخصه .

إن شيخاً من مهاجرة العرب جاء إلى رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» وأخبره أنه جائع الكبد، وعاري الجسد، وفقير.

فأرسله النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» إلى منزل من يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وهو فاطمة «عليها السلام»، وكان بيتها

ملاصق بيت رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» الذي ينفرد به لنفسه من أزواجه.

فذهب إليها، فأخبرها بحاله، وكان لفاطمة وعلي في تلك الحال، ورسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» ثلاثاً ما طعموا فيها طعاماً. وقد علم رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» ذلك من شأنهما.

فأعطته «عليها السلام» جلد كبش مدبوغ بالقرظ (القرظ: شجر يدبغ به. وقيل هو ورق السلم يدبغ به الأدم) كان ينام عليه الحسن والحسين «عليهما السلام».

فقال لها: ناولتيني جلد كبش، ما أنا صانع به مع ما أجد من السغب.

فعمدت لما سمعت هذا من قوله إلى عقد كان في عنقها أهدته لها فاطمة بنت عمها حمزة بن عبد المطلب «عليه السلام»، فقطعته من عنقها ونبذته إلى الأعرابي ليبيعه، فعسى الله أن يعوضه به ما هو خير منه.

فأخذ الأعرابي العقد وانطلق به إلى رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» وأخبره بما جرى له.

فاشترى عمار بن ياسر هذا العقد من الرجل.

فقال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»: إن الله قد أعطى فاطمة في الدنيا ذلك: أنا أبوها ، وما أحد من العالمين مثلي، وعلي بعلها، ولولا على ما كان لفاطمة كفو أبدا، وأعطاها الحسن والحسين، وما للعالمين

مثلهما، سيدا شباب أسباط الأنبياء، وسيدا شباب أهل الجنة.

وتستمر الرواية في ذكر ما لفاطمة «عليها السلام» من كرامة وفضل.. ثم تذكر الرواية: أن عماراً أرسل العقد مع مملوك له إلى رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، فأرسلهما إلى فاطمة، فأعتقت «عليها السلام» ذلك المملوك الخ .. (1).

ونقول:

سوف نكتفي هنا بالإشارة إلى بضعة أمور، هي التالية:

أليس هذا خلاف الرفق؟!:

قد يظن ظان: أن إعطاء الفقير فراشاً كان الحسنان ينامان عليه لم يكن موفقاً، لأنه عمل يلزمه التقصير في حق الحسنين «عليهما السلام»، لأنهما طفلان، يكون أبواهما مسؤولين عن رعايتهما، وحفظهما ، وتأمين نفقاتهما . فإعطاء فراشهما للفقير تفريط في حقهما، إن لم نقل إنه إخلال بما يجب على أبويهما تجاههما .

أو أن هذا على الأقل خلاف الرفق بهما.

ويجاب:

أولاً: إذا دار الأمر بين أن نبذل المال لمن يكاد أن يتلفه الجوع، وبين أن نحتفظ بذلك المال، لأجل تأمين درجة من الراحة لبعض من


1) بشارة المصطفى ص 217 - 221 وبحار الأنوار ج 43 ص 56 - 59 عنه، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 19 ص 115.

يعز علينا. فإن الوجدان والعقل يقول : لا بد من حفظ حياة من يخشى على حياته أولاً.

ثانياً من :قال إن الحسنين «عليهما السلام» كانا غائبين عن هذا الحدث، ولعلهما اقترحا على أمهما إعطاءه جلد الكبش، أو أن أمهما قد اقترحت ذلك عليهما، فرضيا بإعطاء فراشهما لذلك الفقير ؟! بل من الذي قال: إنهما لم يلحا عليها بأن تفعل ذلك؟!

ونحن نعلم: أن سورة هل أتى قد نزلت في ما هو أشد من هذا، وذلك حين بذل علي والزهراء والحسنان «عليهم السلام» طعامهم ليتيم، ومسكين، وأسير، وبقوا والحسنان معهم - يصومون أيامهم، ويكابدون الجوع حتى مضت ثلاثة أيام بلياليها، لا يجدون فيها إلا الماء حين الإفطار.

وقد نزل القرآن بمدح أبويهما، وبمدحهما في سورة هل أتى، وفيها ما لا يخطر على قلب بشر .. فلو كان هناك محذور، فهو في قصة سورة هل أتى أبين وأظهر .. فثناء الله تعالى عليهم يدل على أن عملهم في غاية الحسن، ويدل على شراكة الحسنين «عليهما السلام» في البذل والعطاء، حتى استحقوا جميعاً هذا الثناء.

ثالثاً: إن الفقير لم يأخذ جلد الكبش، لأنه لم يجد فيه ما يحل مشكلته، فلو أنه أخذه ورضي به، فمن الذي قال: إن الزهراء «عليها السلام»، إذا احتاج ابناها إلى المعونة أو المؤونة.. لا تبادر أيضاً إلى بیع العقد، وتنفق ثمنه على معونتهما والرفق بهما؟!

الحسنان «عليهما السلام» عطاء إلهي لفاطمة «علیها السلام» :

صرح النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» بأن إعطاء الله تعالى الحسنين «عليهما السلام» لفاطمة «عليها السلام» كان من جملة مننه تعالى عليها، ومن فضائلها. وهذا يعني أنهما «عليهما السلام» كانا في منتهى الكمال، وأن أحدا من الناس لا يضاهيهما، ولا يجاريهما في الفضل، والعلم والدين، وسائر المزايا.

لأن الله تعالى لا يمتن على إنسان بموجود كريه وبغيض، يعصى ويشاغب ويؤذي، فهو يمتن على إبراهيم مثلاً بإسماعيل وإسحاق، وغيرهما من ذريته الصالحة من الأنبياء والمرسلين، ولا يمتن على

نوح بولده، بحيث يعتبر إعطاءه هذا الولد مكافأة له على طاعته، ولا على آدم بقابيل، ولا على لوط ونوح بزوجتيهما، ولا يمتن على النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» بأبى لهب مثلا. لأن هؤلاء كانوا يؤذون أولئك الأنبياء، فامتنانه على الزهراء «عليها السلام» بالحسنين «عليهما السلام»، واعتبارهما عطية ذات قيمة كبرى لها، يدل أنهما لا يمكن أن يكون فيهما نقص أو انحراف، أو أية عاهة أخلاقية أو خلقية، أو سلوكية توجب الأذى لها على الإطلاق. بل هما محض خير وأنس لها، ورفق بها.

الكمالات بالغير:

من الواضح أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» حين تحدث عن

السيدة فاطمة «عليها السلام» فيما أعطاها الله إياه، لم يكن يتكلم عن مزاياها الذاتية، كالعقل الكبير، وسائر المزايا الفاضلة، وما إلى ذلك، لأن نفس ما فعلته مع ذلك الشيخ الفقير يجسد كمالاتها، ويظهر

مزاياها وحالاتها.

ولكنه كان يتحدث عن العطايا الإلهية لها زائداً على مزاياها الذاتية.. فقد أعطاها مزايا فريدة وهدايا حميدة لا تضاهى..

وكانت «عليها السلام» تستثمر هذه العطايا والهدايا كأفضل ما يكون.. ولأجل ذلك نوه النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» بهذه العطايا الجليلة والجميلة.. فإن استفادتها هذه هي التي تميز فاطمة عن سائر الناس عداها.. وإلا، فإن الله تعالى قد أرسل نبيه رحمة للعالمين. ولكن الأشرار والمخذولين حاربوه و نابذوه.. فهل يمدحون على هذه العطية الإلهية التي ما عرفوا قيمتها، ولا استفادوا منها بل اتخذوا منها موقفاً يزيد في خزيهم، ويظهر مدى تفاهتهم، وسفاهة أحلامهم، وعقم تفكيرهم؟!

وإذا عدنا إلى الحسنين «عليهما السلام»، فإن نفس أن تعرف فاطمة «عليها السلام» قيمتهما، وتعاملهما بما يستحقانه من رعاية وتعظيم، وتبجيل وتكريم، يدلنا على قيمة الزهراء «عليها السلام» وعظمتها أيضاً.

الفصل الثالث: حديث حذيفة.. وحديث الأعرابي..

اشارة

الحسين والأعرابي:

عن خالد بن ربعي قال: إن أمير المؤمنين «عليه السلام» دخل مكة في بعض حوائجه، فوجد أعرابياً متعلقا بأستار الكعبة، وهو يقول: يا صاحب البيت، البيت بيتك، والضيف ضيفك. ولكل ضيف من ضيفه قری، فاجعل قراي منك الليلة المغفرة.

فقال أمير المؤمنين «عليه السلام» لأصحابه : «أما تسمعون كلام الأعرابي»؟!

قالوا: نعم.

فقال: الله أكرم من أن يرد ضيفه.

فلما كانت الليلة الثانية وجده متعلقاً بذلك الركن وهو يقول: يا عزيزاً في عزك، فلا أعز منك في عزك، أعزني بعز عزك، في عز لا يعلم أحد كيف هو ، أتوجه وأتوسل إليك، بحق محمد وآل محمد عليك، أعطني ما لا يعطيني أحد غيرك، واصرف عني ما لا يصرفه أحد غيرك.

قال: فقال أمير المؤمنين «عليه السلام» لأصحابه: هذا والله الاسم الأكبر بالسريانية، أخبرني به حبيبي رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»،

سأله الجنة فأعطاه ، وسأله صرف النار وقد صرفها عنه.

قال: فلما كانت الليلة الثالثة وجده وهو متعلق بذلك الركن، وهو يقول: يا من لا يحويه مكان، ولا يخلو منه مكان، بلا كيفية كان، ارزق الأعرابي أربعة آلاف درهم.

قال: فتقدم إليه أمير المؤمنين «عليه السلام»، فقال: يا أعرابي سألت ربك القرى فقراك، وسألته الجنة فأعطاك، وسألته أن يصرف عنك النار وقد صرفها عنك، وفي هذه الليلة تسأله أربعة آلاف در هم؟!

قال الأعرابي: من أنت؟!

قال: أنا علي بن أبي طالب.

قال الأعرابي : أنت والله بغيتي، وبك أنزلت حاجتي.

قال: سل يا أعرابي.

قال: أريد ألف درهم للصداق، وألف درهم أقضي به ديني، وألف درهم أشتري به داراً، وألف درهم أتعيش منه.

قال أنصفت يا أعرابي، فإذا خرجت من مكة، فاسأل عن داري بمدينة الرسول.

فأقام الأعرابي بمكة أسبوعاً، وخرج في طلب أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى مدينة الرسول، ونادى: من يدلني على دار أمير المؤمنين علي؟!

فقال الحسين بن علي من بين الصبيان: أنا أدلك على دار أمير المؤمنين، وأنا ابنه الحسين بن علي.

فقال الأعرابي: من أبوك؟!

قال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

قال: من أمك؟!

قال: فاطمة الزهراء، سيدة نساء العالمين.

قال: من جدك؟!

قال: رسول الله، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.

قال: من جدتك ؟!

قال: خديجة بنت خويلد.

قال: من أخوك.

قال: أبو محمد الحسن بن علي.

قال: لقد أخذت الدنيا بطرفيها ، امش إلى أمير المؤمنين وقل له: إن الأعرابي صاحب الضمان بمكة على الباب.

قال: فدخل الحسين بن علي «عليه السلام»، فقال: يا أبة، أعرابي بالباب، يزعم أنه صاحب الضمان بمكة.

قال: فقال: يا فاطمة عندك شيء يأكله الأعرابي؟!

قالت: اللهم لا .

قال: فتلبس أمير المؤمنين «عليه السلام» وخرج، وقال: ادعوا لي

أبا عبد الله سلمان الفارسي.

قال: فدخل إليه سلمان الفارسي، فقال يا أبا عبد الله، أعرض الحديقة التي غرسها رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» لي على التجار.

قال: فدخل سلمان إلى السوق وعرض الحديقة، فباعها باثني عشر ألف درهم. وأحضر المال، وأحضر الأعرابي، فأعطاه أربعة آلاف درهم وأربعين درهما نفقه.

ووقع الخبر إلى سؤال المدينة، فاجتمعوا ، ومضى رجل من الأنصار إلى فاطمة «عليها السلام» فأخبرها بذلك.

فقالت أجرك الله في ممشاك.

فجلس علي «عليه السلام» والدراهم مصبوبة بين يديه حتى اجتمع إليه أصحابه، فقبض قبضة قبضة، وجعل يعطي رجلا رجلا، حتى لم يبق معه درهم واحد.

فلما أتى المنزل قالت له فاطمة «عليها السلام»: يا ابن عم، بعت الحائط الذي غرسه لك والدي؟!

قال: نعم، بخير منه عاجلا وآجلا.

قالت: فأين الثمن؟!

قال: دفعته إلى أعين استحييت أن أذلها بذل المسألة قبل أن تسألني.

قالت فاطمة : أنا جائعة، وابناي جائعان، ولا أشك إلا وأنك مثلنا الجوع، لم يكن لنا منه درهم؟!

وأخذت بطرف ثوب علي «عليه السلام»، فقال علي «عليه السلام» يا فاطمة خليني.

فقالت: لا والله أو يحكم بيني وبينك أبي.

فهبط جبرئيل «عليه السلام» على رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، فقال: يا محمد، السلام يقرؤك السلام، ويقول: اقرأ علياً مني السلام، وقل لفاطمة : ليس لك أن تضربي على يديه.

فلما أتى رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» منزل علي وجد فاطمة ملازمة لعلي «عليه السلام»، فقال لها: يا بنية ما لك ملازمة لعلي ؟!

قالت: يا أبة، باع الحائط الذي غرسته له باثني عشر ألف درهم، لم يحبس لنا منه درهما نشتري به طعاماً .

فقال: يا بنية، إن جبرئيل يقرؤني من ربي السلام، ويقول: اقرأ عليا من ربه السلام، وأمرني أن أقول لك: ليس لك أن تضربي على يديه.

قالت فاطمة «عليها السلام»: فإني أستغفر الله، ولا أعود أبداً.

قالت فاطمة «عليها السلام»: فخرج أبي «صلی الله علیه و آله وسلم» في ناحية، وزوجي في ناحية، فما لبث أن أتى أبي ومعه سبعة دراهم سود هجرية، فقال يا فاطمة، أين ابن عمي؟!

فقلت له: خرج

فقال رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»: هاك هذه الدراهم، فإذا جاء ابن عمي فقولي له يبتاع لكم بها طعاماً .

فما لبثت إلا يسيراً حتى جاء علي «عليه السلام»، فقال: رجع ابن عمي، فإني أجد رائحة طيبة؟!

قالت: نعم، وقد دفع إلي شيئاً تبتاع به لنا طعاماً.

قال على «عليه السلام»: هاتيه، فدفعت إليه سبعة دراهم سوداً هجرية، فقال: بسم الله، والحمد لله كثيراً طيباً، وهذا من رزق الله عز وجل، ثم قال: يا حسن قم معي، فأتيا السوق، فإذا هما برجل واقف

وهو يقول : من يقرض الملي الوفي؟!

قال: يا بني نعطيه؟!

قال: إي والله يا أبه.

فأعطاه علي «عليه السلام» الدراهم.

فقال الحسن: يا أبتاه، أعطيته الدراهم كلها ؟!

قال: نعم يا بني إن الذي يعطي القليل قادر على أن يعطي الكثير .

قال: فمضى علي بباب رجل يستقرض منه شيئاً، فلقيه أعرابي ومعه ناقة، فقال: يا علي اشتر مني هذه الناقة.

قال: ليس معي ثمنها.

قال: فإني أنظرك به إلى القبض.

قال: بكم يا أعرابي؟!

قال: بمائة درهم.

قال علي خذها يا حسن.

فأخذها، فمضى علي «عليه السلام»، فلقيه أعرابي آخر، المثال واحد، والثياب مختلفة، فقال: يا علي تبيع الناقة؟

قال علي: وما تصنع بها؟!

قال: أغزو عليها أول غزوة يغزوها ابن عمك .

قال: إن قبلتها فهي لك بلا ثمن.

قال: معي ثمنها ، وبالثمن أشتريها، فبكم اشتريتها؟!

قال: بمائة درهم.

قال الأعرابي : فلك سبعون ومائة درهم.

قال علي «عليه السلام»: خذ السبعين والمائة، وسلم الناقة.

والمائة للأعرابي، الذي باعنا الناقة والسبعين(!!) لنا نبتاع بها شيئاً.

فأخذ الحسن «عليه السلام» الدراهم وسلم الناقة.

قال علي «عليه السلام»: فمضيت أطلب الأعرابي الذي ابتعت منه الناقة لأعطيه ثمنها.

فرأيت رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» جالساً في مكان لم أره فيه قبل ذلك ولا بعده على قارعة الطريق، فلما نظر النبي «صلى

الله علیه و آله وسلم» إليَّ تبسم ضاحكا حتى بدت نواجذه.

قال علي «عليه السلام»: أضحك الله سنك، وبشرك بيومك.

فقال «صلی الله علیه و آله وسلم»: يا أبا الحسن، إنك تطلب الأعرابي الذي باعك الناقة لتوفيه الثمن؟!

فقلت: إي والله فداك أبي وأمي.

فقال: يا أبا الحسن، الذي باعك الناقة جبرئيل، والذي اشتراها منك ميكائيل، والناقة من نوق الجنة، والدراهم من عند رب العالمين عز وجل، فأنفقها في خير، ولا تخف إقتارا (1).

ونقول:

هنا أمور تحتاج إلى بعض البيان، وسوف نقتصر على ما يرتبط بالحسنين «عليهما السلام»، وهو كما يلي:

متى حصلت هذه القصة؟!:

إن صريح الرواية المتقدمة : أن هذه القصة قد حصلت في زمن الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم»، لأنها ذكرت الزهراء «عليها السلام»، وذكرت النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» كمشاركين في هذه


1) بحار الأنوار ج 41 ص 44 - 47 والأمالي للصدوق المجلس 77 و (ط مؤسسة البعثة) ص 553 - 557 وروضة الواعظين ص124 - 126 وحلية الأبرار ج 2 ص 273 - 277 ومدينة المعاجز ج 1 ص 113 - 119 وشجرة طوبى ج 2 ص 267 - 270 .

الحادثة..

كما أن الظاهر: أنها حصلت في أواخر عهد النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، حيث ذكرت الحسن والحسين «عليهما السلام»، وأنهما شاركا أيضاً في بعض ما جرى. وهما إنما ولدا في السنة الثالثة

والرابعة للهجرة.

التوسل بحق محمد وآل محمد:

إن الأعرابي قد توسل إلى الله تعالى، بدعاء قال عنه أمير المؤمنين «عليه السلام» - ناقلاً ذلك عن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» : «هذا والله الاسم الأكبر بالسريانية».

وقد تضمن دعاؤه هذا: التوسل إلى الله بمحمد وآله «صلوات الله وسلامه عليهم».

وقد حاول البعض: أن يشكك في صحة التوسل إلى الله بحق محمد وآله، باعتبار أنه ليس لأحد حق على الله.

ونقول:

إننا لا ندري إن كان هذا البعض يقول هذا على سبيل التذاكي على الآخرين، لأن هدفه الحقيقي هو المنع من هذا النوع من التوسل، لأنه لا يرى لمحمد وآله هذا المقام، أو لأنه يرى التوسل شركا، أو لأنه أخطأ في فهم المراد من هذه الكلمة. أعني كلمة الحق؟!

ونحن نتمنى أن يكون عدم فهمه لمعنى هذه الكلمة هو الداعى لما قاله. حيث توهم أن المراد بالحق هو ما يكون من قبيل حق الوالد على

ولده، أو حق الرب على المربوب.

مع أن المقصود بها هو عكس هذا المعنى، وهو حق المخلوق على خالقه، أو ما يكون مثل الولد على والده، فإن من حق الولد على والده أن يسميه بالاسم الحسن، وأن يعلمه القرآن، وأن يفقهه في الدين، وأن يربيه تربية صالحة، وما إلى ذلك.

ومن حق المخلوق على خالقه: أن يستجيب دعاءه الجامع للشرائط، وأن يهيئ له أسباب الهداية، وان يقبل توبته، وغير ذلك..

وهذا الحق يختلف من شخص لآخر، وذلك بحسب طاعتهم، وقربهم منه، ومعرفتهم به.

فإن حق الأنبياء والأوصياء على الله سبحانه، يكون بحسب منزلتهم، وطاعتهم، وطهارتهم، فمن حق النبي على الله أن يشفّعه في من يشفع له من المذنبين، ويقضي حاجات العباد بدعائه، ويشافي المرضى بسببه.

إخبار علي علیه السلام بالغيب:

وقد رأينا أن أمير المؤمنين «عليه السلام» قد أخبر الأعرابي بأن الله تعالى قد غفر ذنوبه، وأعطاه الجنة، وصرف عنه النار.

وهذا إخبار بالغيب بصورة فعلية، حيث لم يكن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» حاضراً ليقال : لعل عليا «عليه السلام» سمع منه إلا أن يقال: لعل النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» كان قد أخبره

مسبقاً بما يصادفه في تلك الأيام، وكان هذا مما أخبره به. وهذا ما كان علي «عليه السلام» يذكره للناس أحياناً، وأنه لا يقول لهم شيئاً من عند نفسه .

أو لعل لعلي «عليه السلام» وسائل تمكنه من معرفة هذه الأمور، ولو بأن يمنحه الله تعالى قدرة استشراف الغيوب في مراتب عالية، تناسب مقامه وما أهله الله له.. أو من خلال الإلهام.. أو - في أضعف وأقل الفروض - أن يسمع ذلك من حديث الملائكة معه، فإنهم يطلعون على لوح المحو والإثبات، أو يعرفهم الله بوسائل أخرى ببعض ما كان أو ما يكون.

الحسين علیه السلام بين الصبيان:

وتقول الرواية: إنه حين جاء الأعرابي إلى المدينة، وطلب من يرشده إلى بيت علي «عليه السلام».. أجابه الحسين «عليه السلام» من بين الصبيان.. فهل كان الإمام «عليه السلام» يلعب معهم؟!

ونجيب:

أولاً : قد ذكرنا في فصل: لا يلعب المعصوم: أن النصوص قد صرحت بأن الإمام لا يلهو ولا يلعب، وقلنا إن ما يراه الناس من تصرفات تشبه لعب الصبيان، إنما يعتبره الناس لعباً، ويسبغون عليه

هذا الوصف، وهو في الحقيقة ليس كذلك، بل هو تصرف في سياق التفكر في بديع صنع الله ، وتلمس لأسرار الخلق، وأخذ العبرة.

ثانياً: إن الحضور بين الصبيان لا يعني حضور لهو ولعب،

فلعله حضور إرشاد وتعليم، ونصيحة، باللغة التي يفهمونها، وبالوسائل المؤثرة فيهم.. فهو كحضور المعلم بين الصبيان، والأب والأم مع أولادهما.

أنا الحسين بن علي:

وقد رأينا: أن ذلك الأعرابي لم يسأل الإمام الحسين «عليه السلام» عن نفسه، لكي يجيبه الحسين «عليه السلام»، بل كان الإمام الحسين «عليه السلام» هو الذي تبرع بأن يدل الأعرابي على بيت أمير المؤمنين «عليه السلام»، وهو الذي تبرع بذكر اسمه، مضيفاً إليه خبراً آخر، وهو أنه ابن أمير المؤمنين «عليه السلام».

فلماذا تبرع الإمام الحسين «عليه السلام» له بهذين الخبرين؟! فقد كان بإمكانه أن يدله على دار علي «عليه السلام» دون أن يخبره بشيء أصلا.. وكان بإمكانه أيضاً أن يكتفي بذكر اسمه فقط.

ويمكن أن يجاب:

بأنه ربما أراد أن يطمئنه إلى أنه لا يتلعب به، ولا يتطفل عليه، أو أن عليه أن لا يستصغر سنه، ويشك في قدرته على إيصاله إلى مطلوبه. وذكره لاسم أبيه يطمئنه إلى أنه قادر على فعل ما انتدب له، لأنه بيته في الواقع والحقيقة.

مبررات أسئلة الأعرابي:

وقد كان يمكن لذلك الأعرابي أن يكتفي بما سمع، ويذهب مع

الحسين «عليه السلام» من دون طرح أي سؤال آخر .. ولكنه بادر إلى طرح الأسئلة الكثيرة على الإمام الحسين «عليه السلام»، التي قد يقال : إنها أكثر من اللازم.

فلماذا هذه الأسئلة العديدة؟ هل لأنه أعجب بهذه الجرأة التي رآها من طفل بعمر أربع، أو خمس، أو ست سنوات، فراقه أن يتلذذ بإطالة الحديث معه؟!

ولعل مما زاد إعجابه به: أنه وهو بهذا العمر قد تخلى عن موضع أنسه ليرافق رجلاً غريباً ليدله على المنزل، فإعجابه هذا قد يكون هو الذي دعاه للاستزادة من المعرفة بهذا الطفل.

ولعله كان قد سمع الكثير عن الحسين، وأنه قد نزلت فيه آيات، وبايع بيعة الرضوان، وكان أحد أصحاب الكساء، وسمع عن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» في حقه الكثير الطيب. فدعاه ذلك إلى التوثق من هوية هذا الطفل، فلعله هو الذي يتحدثون عنه..

وقال بعض الإخوة الأفاضل: ويؤيد ذلك ظهور حال الأعرابي في أدعيته المختلفة في كونه عالماً .. وتعجب أمير المؤمنين «عليه السلام» من كلامه حيث قال لمن معه: أما تسمعون كلام الأعرابي، وقوله «عليه السلام»: هذا والله الاسم الأكبر بالسريانية. وهل من يعرف الاسم الأكبر إلا عالم؟! ويزيده تأييداً طريقة سؤاله عن نسب الحسين «عليه السلام»، فإنه سؤال العالم الذي سمع من الكتب السالفة، أو العلماء السابقين، أو من رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»

نفسه، ولو قبل ولادة الحسين، وإن كان ظاهر سؤاله أمير المؤمنين عن نفسه يدل على أن لا يعرف شخصه.

من أبوك؟! ومن أمك؟!:

واللافت هنا: أن أسئلة الأعرابي قد جاءت دقيقة إلى درجة كبيرة.

فأولاً: بالرغم من أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد أخبره بأنه ابن علي بن أبي طالب، لكن الأعرابي عاد ليطرح هذا السؤال نفسه عليه، فقال له: من أبوك؟! ربما ليتأكد من أن هذا الطفل لا يلقي الكلام على عواهنه، وأنه قاصد وجاد فيما يقول.

أو لأنه احتمل أن يكون قول الإمام الحسين «عليه السلام»: إنه ابن أمير المؤمنين «عليه السلام»، قد جاء على معنى أنه من ذرية علي «عليه السلام»، أو أنه ابنه في الرعاية والمحبة.

فأراد أن يتوثق من الأمر ، ويسمع منه تصريحاً بالأبوة الحقيقية والمباشرة.

ثانياً: إن ذلك، لا يكفي لإثبات بنوة الحسين لعلي «عليهما السلام»، فهل هذا الحسين هو سبط الرسول، من ابنته فاطمة، أو هو حسين آخر ولد لعلي «عليه السلام» من زوجة أخرى غير الزهراء؟! فطرح السؤال التالي: من أمك؟!

قال «عليه السلام»: فاطمة الزهراء، سيدة نساء العالمين.

ثالثاً : ثم تتابعت أسئلة الأعرابي: من جدك؟! من جدتك؟! من أخوك؟! لكي يقطع الشك باليقين، ويطمئن إلى أنه ليس أمام طفل عادي يلقي الكلام كيفما اتفق، أو أنه يستعمل التورية والمجاز.

وكانت أسئلة عن مجموعة من الأقارب يصعب على الأطفال الذين هم بعمر الحسين حينها أن يجيبوا عليها بدقة، إلا إذا كانوا صادقين في ادّعائهم القرابة مع جميع هؤلاء..

دار أمير المؤمنين، وأنا ابنه:

ولعل مما لفت نظر ذلك الأعرابي أيضاً: مضمون الجواب الأول، ثم الجواب الثاني، فهو لم يقل للأعرابي: أنا ابنه، وأنا أدلك على داره، بل وصف أباه أولاً بأنه أمير المؤمنين، فحقق بذلك ظن الأعرابي، كما أنه قد عرّفه بأنه يعرف قيمة وأهمية هذا اللقب، ثم أتبعه بقوله: وأنا ابنه الحسين بن علي، حيث نسب نفسه إليه، مصرحاً باسمه، وبنوته له «ابن على» !!

كما أنه حين سأله عن أمه لم يقل له: فاطمة بنت محمد، بل وصفها باللقب المعروف، وهو كلمة «الزهراء».. ثم ذكر له تشريف الله ورسوله لها، باعتبارها سيدة نساء العالمين.

يزعم الأعرابي:

وقد قال الإمام الحسين «عليه السلام» لأبيه: يا أبة، أعرابي بالباب يزعم أنه صاحب الضمان بمكة.. فقوله: يزعم إنما هو لأن

الإمام الحسين «عليه السلام» لم يكن حاضراً في مكة حين ضمن له علي «عليه السلام» ما أراد، ولم ير الأعرابي من قبل، فإن كان هناك ضمان لأعرابي، فلا شيء يدل على أن هذا الشخص بعينه هو صاحب الضمان..

ولأجل ذلك قال «عليه السلام» لأبيه: أعرابي يزعم أنه صاحب الضمان.. إذ لا سند لديه يثبت أن هذا هو صاحبه سوى هذا الزعم الذي سمعه من الأعرابي نفسه.

الزهراء علیها السلام لا تنازع علياً علیه السلام :

وفي الرواية: أن الزهراء «عليها السلام» قد نازعت عليا «عليه السلام»، لأنه تصرف بجميع ثمن الحديقة إلى الفقراء، ولم يبق منه شيئاً.

ويبدو لنا: أنها كانت منازعة ظاهرية، تهدف إلى إشهار تصرف علي «عليه السلام»، وإلى التمهيد لظهور التأييد الإلهي له «عليه السلام» على هذا الإيثار.

ويدلنا على ذلك : أنها «عليها السلام» كانت ممن أطعم المسكين واليتيم والأسير حتى نزلت سورة هل أتى.. وشاركت أيضاً في إطعام الضيف طعامها، وطعام زوجها وأولادها.. والشواهد على تضحياتها كثيرة ، فلا يمكن أن تكون منازعتها لعلي هنا حقيقية.

حذيفة، وتفضيل علي وأهل البيت علیهم السلام:

وقد ذكرت رواية عن ربيعة السعدي: أنه سأل حذيفة عن الأولى بالأمر بعد رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، فإن الناس افترقوا حول هذا الأمر إلى خمس فرق.. هل هو أبو بكر، أو عمر، أو أبو ذر، أو سلمان، أو علي؟!

قال حذيفة: سبحان الله ، وما دعاهم إلى ذلك والأمر بيَّن واضح لمن عقل ؟!

ثم قال: يا ربيعة اسمع مني، واحفظ واروه، وأبلغ الناس عني: إني رأيت رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، وسمعته أذناي وهو آخذ الحسين بن علي على منكبه الأيمن، وجعل الحسين يغرز عقبه في سرة رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، فرأيت كف رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» المباركة الزكية قد وضعها على ظهر قدم الحسين، يغمزها في سرة نفسه، كيلا ينبهر ولا ينقطع نفسه.

ثم قال: يا أيها الناس، إن من استكمال حجتى على الأشقياء من أمتي [أن] التاركين ولاية علي بن أبي طالب هم الخارجون من ديني، فلا أعرفنهم يختلقون الأخبار من بعدي .

ثم قال: هذا الحسين خير الناس جداً، وخير الناس جدة. جده رسول الله، وجدته خديجة، سابقة نساء أمتى إلى الإيمان بالله ورسوله.

هذا الحسين خير الناس أباً، وخير الناس أما. أما أبوه، فعلي أخو

رسول الله، ووزيره، وابن عمه، وأمه فاطمة سيدة نساء أهل الجنة من الأولين والآخرين.

وهذا الحسين بن علي أخير الناس عماً، وأخير الناس عمة. عمه جعفر بن أبي طالب، المزين بالجناحين، يطير بهما مع الملائكة حيث شاء. وعمته أم هانئ بنت أبي طالب.

وهذا الحسين أخير الناس خالاً، وأخير الناس خالة. خاله القاسم بن رسول الله، وخالته زينب ابنة رسول الله.

ثم وضعه من على منكبه، فدرج بين يديه.

ثم قال: أيها الناس، هذا الحسين بن علي.. جده في الجنة، وجدته في الجنة، وأبوه في الجنة، وأمه في الجنة، وعمه في الجنة، وخاله في الجنة، وخالته في الجنة، وأخوه في الجنة.

ثم قال: يا أيها الناس، إنه لم يعط أحد من ورثة الأنبياء والمرسلين ما أعطي الحسين بن علي، ما خلا يوسف بن يعقوب، بن إسحاق، بن إبراهيم.

فلا تخالجكم الأمور في أن الفضل، والشرف، والمنزلة، لرسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، ولذريته، وأهل بيته، فلا يذهبن بكم الأباطيل (1).


1) راجع تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 176 و 177 وتهذيب تاريخ دمشق لابن بدران ج 4 ص 319 و 320 و مختصر تاريخ دمشق ج 7 ص 125 و 126 وكفاية الطالب ص 419 - 421 وراجع: الطرائف ص118 - 120 وبحار الأنوار ج 23 ص 111 و 112 ونظم درر السمطين ص 207 و 208 وجواهر العقدين ص 361 ومناقب الإمام علي بن أبي طالب للكوفي ج 2 ص 410 و 411 و 420 - 422 وعنه في موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 21 ص 706 و 718 و 719 و 720 و 721 وينابيع المودة ج 2 ص 380 - 382 و 45 وج 1 ص 78.

ونقول:

هذا النص الذي ذكرناه آنفاً هو نص محمد بن سليمان الكوفي.

وهناك أمور ينبغي التوقف عندها، نذكر بعضها كما يلي:

متى كان هذا؟!:

ويبدو لنا: أن هذا البيان من حذيفة قد حصل في أواخر خلافة عثمان، أو في أوائل خلافة أمير المؤمنين «عليه السلام»، فإن حذيفة قد توفي بعد قتل عثمان بأربعين يوماً كما قيل (1). ولو أن هذا قد


1) راجع أسد الغابة ج 1 ص 707 و (ط أخرى) ج1 ص392 والمستدرك للحاكم ج 3 ص 380 والتاريخ الصغير للبخاري ج 1 ص 105 والتاريخ الكبير للبخاري ج 1 ص 12 و ج 3 ص 95 ومروج الذهب ج 2 ص 394 وتاريخ مدينة دمشق ج 12 ص 300 و 301 و 302 وج 55 ص 261 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 212 وعمدة القاري ج 2 ص 12 وج 16 ص 283 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 74 والإكمال في أسماء الرجال ص 42 ومعرفة الثقات للعجلي ج 1 ص 289 والثقات لابن حبان ج 3 ص 80 ومشاهير علماء الأمصار ص 74 وتاريخ بغداد ج 1 ص 175 والتعديل والتجريح ج 2 ص 552 وتهذيب الكمال ج 5 ص 499 والإصابة ج 2 ص 39 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 193 و تاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص 493 والوافي بالوفيات ج 11 ص 252 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 6 ص 232 والدرجات الرفيعة ص288 وأعيان الشيعة ج 4 ص 591 و 599 و 605 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 39.

حصل قبل ذلك لما استعانوا به، وجعلوه قائداً لجيوشهم، في فتوحاتهم وحروبهم.

اختلافات الرواية:

والمراجع لنصوص الرواية في المصادر المختلفة يجد بعض التفاوت والاختلاف، فمثلا في بعضها يكون الكلام خاصاً بالإمام الحسين «عليه السلام».

وفي بعضها الآخر: يكون الحديث عنه، وعن أخيه الإمام الحسن «عليهما السلام».

وبعضها : يذكر في الأخوال والخالات زينب والقاسم.

وبعضها: يذكر إبراهيم والقاسم من جهة، وزينب ورقية وأم كلثوم من جهة أخرى.

وبعضها: يتحدث عن خمس فرق، وبعضها الآخر عن أربع طبقات، قلا يذكر سلمان مثلاً.

وبعضها يذكر خديجة على أنها أول امرأة آمنت، ونحو ذلك.. وتذكرها أخرى على أنها أول من آمن.

ولكنها متفقة على المضمون الأساس، الذي هو موضع النظر في الرواية، فلعل بعض الرواة نسي ذكر الفرقة الخامسة التي ذكرت سلمان.

كما أن بعض الرواة ربما يكون قد اعتاد أن يرى النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» يجمع بين الحسنين في جل أقواله، وأفعاله، فتوهم هنا أيضاً أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» قد جمع كلامه بينهما، فنقل الكلام وفق ما استقر في ذهنه..

وإن كنا نرى: أن بعض الاختلافات بين الروايات ربما كانت متعمدة من قبل من يريدون التسويق لأمور أبطلتها الأدلة، مثل إضافة رقية وأم كلثوم إلى زينب.. وذلك هروباً من الإشكال عليهم في هذا الأمر، وأنه يدل على أن زوجتي عثمان لم تكونا من بنات النبي «صلی الله علیه و آله وسلم».

وكذلك الحال بالنسبة لاعتبار خديجة أول الناس إسلاماً. في حين أن الصحيح هو أنها أول النساء إسلاماً.

شدة العناية بالحسين علیه السلام:

ذكر حذيفة : أنه شاهد النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» وهو يحمل الحسين، وكان يغرس عقبه في سرته «صلی الله علیه و آله وسلم»، وكان النبي يعينه على ذلك. ولعل حذيفة أراد بكلامه هذا التوطئة والتمهيد

لنقل ما سيقوله «صلی الله علیه و آله وسلم» عن الإمام الحسين «عليه السلام»، مما نقله حذيفة.

أي أن حذيفة أراد أن يظهر التوافق الشديد والأكيد بين أقوال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» وأفعاله، فإن وضعه «صلی الله علیه و آله وسلم» يده الشريفة على ظاهر قدم الإمام الحسين «عليه السلام» ليساعده في تلمس سرة النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» لئلا ينبهر - أي يُعْلبُ، ويضعف عن متابعة ما يريد.

إن ذلك يدل على مدى حرصه «صلی الله علیه و آله وسلم» على مراعاة خاطره، فهل يرضى «صلی الله علیه و آله وسلم» بالإساءة إلى الإمام الحسين «عليه السلام»، وبغضه، أو بأن يؤذى، أو يتعامل معه بجفاء وغلظة مهما كان حجم ذلك، ونوعه ؟! فما بالك إذا كان بغض أبيه هو السبب في بغض الحسين «عليه السلام»، حيث صرح بذلك جيش يزيد في يوم عاشوراء .

ترك ولاية علي علیه السلام يخرج عن الدين:

1 - وقد بدأ «صلی الله علیه و آله وسلم» كلامه عن ولاية علي «عليه السلام»، مصرحاً بأنه بصدد استكمال إقامة الحجة على الأشقياء في أمته بهذا الأمر، لأنه أراد أن يعرفهم أن سبب الخروج عن الدين هو ترك ولاية على «عليه السلام».

وهذا تقريبا هو نفس ما صرحت به آية الولاية يوم الغدير، فقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَعْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ

فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ) (1).

2 - ثم ألمح «صلی الله علیه و آله وسلم» إلى أن هذا الخروج ليس بمعنى إعلان إنكار أصل الدين، ليكون ارتداداً، وتترتب عليه أحكامه .. بل هم يبقون على ظاهر الحال من الإسلام الذي يعصم دماءهم، وأموالهم، وأعراضهم.. لأن خروجهم من الدين ليس عن طريق الإقرار بقول الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم»، ثم إعلان رفضه، لكي تترتب أحكام الارتداد.

بل هو عن طريق ادَّعاء الشبهة فى فهم كلامه «صلی الله علیه و آله وسلم»، وانه ليس صريحاً في المراد، ثم اختلاق كلام ينسبونه إلى رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» ليطمسوا به الحق، ولكي يمنعوا من افتضاح أمرهم المؤدي إلى الحكم بارتدادهم.

الفضائل الخارجية والإمامة:

ثم ذكر حذيفة ما قاله رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» عن الإمام الحسين «عليه السلام» في هذه المناسبة، فظهر أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» قد اقتصر على ذكر فضيلة واحدة للحسين «عليه السلام».. هي إحدى فضائله وكمالاته الخارجة عن حقيقة ذاته، ليدل الناس على المحيط الذي عاش فيه الإمام الحسين «عليه السلام»، هو محيط


1) الآية 67 من سورة المائدة .

الخير والطهر، والاستقامة والهدى، وعلى أنه من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتنزيل.

فإذا أضفت إلى هذا إعزاز النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» للحسين وشدة مراعاته له إلى الحد الذي ظهر على تصرف النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» معه. حسبما وصفه.

وإذا أضيف إليه تصريحه في نفس كلامه هذا: بأن الحسين وارث الأنبياء والمرسلين، وأن أحداً من ورثة الأنبياء والمرسلين لم يعط ما أعطي الحسين، من الفضل والشرف، والمنزلة، فإن جامعيته «عليه السلام» لصفات الإمامة يصبح أمراً ظاهراً ومفروغاً عنه.

بل إن تفوقه على جميع ورثة الأنبياء والمرسلين، فيما أعطاه الله، يدل على أن صفاته وميزاته الذاتية هي فوق جميع ما لدى أولئك الورثة، فإن عظمة العطاء تدل على عظمة المعطي، وعظمة وجدارة من حصل على هذا العطاء.

باستثناء يوسف علیه السلام، لماذا؟! :

وقد ذكرت الرواية المتقدمة، التي نقلناها عن محمد بن سليمان الكوفي : أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» قد استثنى يوسف النبي «عليه السلام» من جملة ورثة الأنبياء، الذين كان الحسين أفضل منهم.. فما هو السبب في هذا الاستثناء ؟! فهل يوسف يضاهي أو يزيد على الإمام الحسين «عليه السلام» في صفاته، وميزاته الذاتية، أو الخارجية؟!

ويمكن أن يجاب:

إننا نشك في صحة هذه الفقرة بالشكل الذي ورد في هذه الرواية، ونرى أن ثمة تصرفاً يسيراً فيها، قلب المعنى رأساً على عقب. ولعل هذا الإخلال سببه السهو، أو عدم التدقيق، أو غير ذلك. ودليلنا على

ذلك:

أولاً: إن استثناء يوسف «عليه السلام» معناه : أن تكون هذه الأمور التي أثبتها للحسين «عليه السلام »موجودة لدى يوسف. إما بنفس المستوى، أو بأزيد من ذلك .. بأن يكون ليوسف «عليه السلام»: جد وجدة، وأب وأم وعم، وعمة، وخال وخالة وأخ أفضل من الذين للحسين «عليه السلام»، أو مساوون لهم. ونحن لا نرى أن أحدا أفضل من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، لا إسحاق، ولا يعقوب، ولا حتى إبراهيم «صلوات الله عليهم». ولا نعرف امرأة أفضل من الزهراء «عليها السلام»، وليس ليوسف أخ كالإمام الحسن «عليه السلام»، وليس يعقوب أفضل من علي «عليه السلام» الذي صرح القرآن بأنه نفس النبي «صلى الله عليه وآله»، وليس ليوسف جدة مثل خديجة.

ثانياً : لماذا لم يستثن يعقوب، بل هو أولى، لأن جده إبراهيم الخليل «عليه السلام»، وهو أفضل من إسحاق، الذي هو الجد الأول ليوسف؟!

ثالثاً: إن النص الذي رواه ابن طاووس يذكر الفقرة المرتبطة بيوسف

هكذا:

«ثم قال: أيها الناس، إنه لم يعط أحد من ذرية الأنبياء الماضين ما أعطي الحسين، ولا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله.

ثم قال: أيها الناس لجد الحسين خير من جد يوسف، فلا تخالجنكم الأمور بأن الفضل ،والشرف، والمنزلة، والولاية ليست إلالرسول الله «صلى الله عليه وآله» وذريته وأهل بيته، فلا يذهبن بكم الأباطيل» (1).

وقريب منه ما ذكره الحلي «رحمه الله» أيضا (2).

رابعاً: إن عبارة محمد بن سليمان الكوفى المتقدمة تنقض هذا الاستثناء، فقد قالت: «فلا تخالجكم الأمور في أن الفضل والشرف والمنزلة لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولذريته، وأهل بيته، فلا يذهبن بكم الأباطيل».

أي أن الفضل والمنزلة والشرف منحصر في النبي «صلى الله عليه وآله» وذريته وأهل بيته «عليهم السلام »، فلا تتأثروا بالأباطيل.

فإذا كان منحصراً بهم، فكيف يستثني يوسف «عليه السلام»،


1) الطرائف لابن طاووس ص 120 وبحار الأنوار ج 23 ص 112 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 320 عنه.

2) كشف اليقين ص 64 .

ويضمه إلى النبى وذريته؟!

إفراد زينب والقاسم:

وقد أفردت الرواية: القاسم حين ذكرت الأخوال، ولم تذكر معه غيره لا الطيب، ولا إبراهيم.

فقد يقال: إن الطيب لقب للقاسم .. ولم يذكر إبراهيم، لأن هذه القضية ربما كانت قبل أن يولد لأنها حصلت في أول ما درج الحسين «عليه السلام»، الذي ولد في السنة الرابعة، كما تقدم. والصبي يدرج وهو بعمر سنة أو سنتين؛ حيث إن كلمة درج إنما تقال للصبي إذا دب وأخذ في الحركة ودرج: مشى مشياً ضعيفاً.

وهذا كان قبل ولادة إبراهيم بزمان، فإنه ولد سنة ثمان للهجرة (1).

أما زينب، فنرى: أن المقصود بها هو زينب التي ولدتها خديجة، وماتت وهي صغيرة قبل ولادة فاطمة الزهراء «عليها السلام».. وذلك للأدلة التي أقمناها على أن زينب زوجة أبي العاص بن الربيع، ورقية وأم كلثوم زوجتي عثمان كنّ بنات النبي «صلى الله عليه وآله»


1) راجع : بحار الأنوار ج 22 ص 202 و ج 21 ص 409 وشرح الأخبار المغربي ج 3 ص 15 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 346 وراجع: عمدة القاري ج 8 ص 103 و 211 والتحفة اللطيفة ج 1 ص 60 والإصابة ج 1 ص 318

بالتربية والرعاية.. ولسن بناته على الحقيقة (1).

ويلاحظ: أن هذه الرواية أيضاً لم تذكر - في أكثر نصوصها التي ذكرتها المصادر - سوى القاسم وزينب، فلماذا تجاهلت رقية وأم كلثوم لو كنَّ أخواتها من رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»؟!

أول من أسلم:

وقد صرحت الرواية المتقدمة : بأن خديجة «عليها السلام» سابقة نساء أمته «صلی الله علیه و آله وسلم» إلى الإيمان بالله ورسوله..

وهذا هو الصحيح، وأما أول الأمة إسلاماً، فهو علي «عليه السلام»، وقد ذكرنا طرفاً من الأدلة على ذلك في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم ص«صلی الله علیه و آله وسلم» وكتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام».

وهذا يعطي: أن بعض المصادر قد تصرفت بهذه الرواية حين وصفت السيدة خديجة بما دل على أنها أول من أسلم من الأمة.


1) راجع كتبنا التالية البنات ربائب، وكتاب بنات النبي أم ربائبه، وكتاب القول الصائب في إثبات الربائب.

الباب التاسع :حديث الكرامات..

الفصل الأول: الكرامات والإمامة..

اشارة

الحسين للنبي: ما لي أراك متفكراً؟!:

عن أبي خالد الكابلي، عن علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي «عليهم السلام»، قال: دخلت على رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» وهو متفكر مغموم، فقلت: يا رسول الله ما لي أراك متفكراً ؟!

قال: يا بني، إن الروح الأمين قد أتاني فقال: يا رسول الله، العلي الأعلى يقرئك السلام ويقول لك: إنك قد قضيت نبوتك، واستكملت أيامك، فاجعل الاسم الأكبر، وميراث العلم، وآثار علم النبوة عند علي بن أبي طالب «عليه السلام»، فإني لا أترك الأرض إلا وفيها عالم يعرف به طاعتي، ويعرف به ولايتي، فإني لم أقطع على النبوة من الغيب من ذريتك كما لم أقطعها من ذريات الأنبياء الذين كانوا بينك وبين أبيك آدم.

قلت: یا رسول الله، فمن يملك هذا الأمر بعدك؟!

قال: أبوك علي بن أبي طالب، أخي وخليفتي، ويملك بعد علي الحسن، ثم تملك أنت وتسعة من صلبك، يملكه اثنا عشر إماماً، ثم يقوم قائمنا يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً، كما ملئت جورا وظلماً، ويشفي

صدور قوم مؤمنین، هم شیعته (1).

ونقول:

1 - يحق لنا أن نفترض أن هذا قد جرى في أواخر حياة رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» كما دل عليه قول الملك له، ينقله عن الله تعالى: «إنك قد قضيت نبوتك، واستكملت أيامك».

2 - دلت الرواية على أنه كان لدى النبى «صلی الله علیه و آله وسلم» الاسم الأكبر .. وأنه يجعل هذا الاسم حين اقتراب أجله عند الإمام ..بعده.. وظاهر الرواية: أن الكلام إنما هو عن الاسم الأعظم بكامل

حروفه، لا عن طائفة من حروفه، قلت أو كثرت.

إلا أن يقال: إنه إذا كان الاسم الأكبر مئة حرف، وكان عند نبينا وأئمتنا منه تسعة وتسعون حرفا، وقد استأثر الله لنفسه بحرف منه.. فإنه يصح أن يطلق على التسعة والتسعين أنها الاسم الأكبر من دون استثناء. ما دام أن الكلام إنما هو عن المعظم الذي هو بنظر الناس بمثابة الكل، وبما أن الحرف الباقي لا سبيل للبشر إليه، فلا يدخلونه في حساباتهم، كما أنهم يلحقون الأقل بالأكثر ، ويستغنون بالأكثر عنه. فكيف إذا كان الأقل واحداً في مقابل تسعة وتسعين حرفاً؟!

نعم.. إذا كان ذلك الحرف الذي تتم به المئة هو الأكثر أهمية وفعالية، وأعظم أثراً وخطراً، فإنهم ينصرفون إليه، وربما لم يلتفتوا


1) كفاية الأثر ص178 و 179 .

إلى التسعة والتسعين الباقية التي يضعف أثرها.

ولكن حيث لم يوجد حديث يوضح مدى أهمية وأثر الحرف الذي استأثر به الله لنفسه بالقياس إلى باقي الحروف.. فإن العرف يبقى معتمداً على خصوصية الكثرة في تعابيره، وتوصيفاته..

3 - ذكرت الرواية أيضاً: أن جبرائيل أبلغ النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»: أن عليه أن يجعل ميراث العلم، وآثار علم النبوة عند علي «عليه السلام».

وبذلك يظهر ما يلي:

ألف: إن قوام دعوة الأنبياء والأئمة «عليهم السلام» هو العلم، وليس ما تدعو إليه الأهواء، أو العصبيات، أو المصالح، وما إلى ذلك..

ب: إن هذا العلم، ليس من تصنيفات البشر، ولا هو من نتاج عقولهم المحدودة، تبعاً لمحدودية قدرات الأدوات التي تزود العقل بالمعارف، فإنها لا تتجاوز القشريات والظواهر، وقد قال تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (1).

بل هو العلم المستقى من الخالق والصانع، والعالم بالأسرار، والواقف على الحقائق، والمطلع على الخفايا، والعالم بالغيوب، والمطلع على ما في الضمائر والقلوب.


1) الآية 7 سورة الروم.

4 - إن العبارة التي وردت في الرواية المتقدمة كما يلي: «فاجعل الاسم الأكبر، وميراث العلم، وآثار علم النبوة عند علي بن أبي طالب».

وليس في الرواية ما يدل على ما قصده بقوله: «وآثار علم النبوة» الذي عطفه على «ميراث العلم».

وربما كان المقصود بآثار العلم هو القدرة على التصرفات غير العادية التي يحصل عليها النبي والإمام من خلال العلم الذي لديه.. فمثلا: هو يعلم أنه إذا فعل كذا، أو قال كذا ، فإنه يصبح قادراً على طي الأرض، أو على السير على الماء، أو الطيران في الهواء، أو العروج إلى السماء، أوشفاء المرضى، أو أحياء الموتى. وأن يحول التراب ذهباً، ويمسخ الإنسان كلباً، وإذا دعا شجرة إليه أجابته، وما إلى ذلك..

5 - أما عبارة: «إني لم أقطع على النبوة من الغيب من ذريتك، كما لم أقطعها من ذريات الأنبياء الذين كانوا بينك وبين أبيك آدم».. فيحتمل أن يكون المقصود بها أن علم الغيب لم يحصر به «صلی الله علیه و آله وسلم» من حيث هو نبي، بل أعطاه الله أيضاً لذريته (طبعاً المقصود هو الأئمة منهم) لكي يوظفوه في إدارة شؤون العباد، وتربيتهم، وتزكيتهم، وترسيخ الإيمان في قلوبهم، وتوفير أسباب السعادة والفلاح لهم.. فضلاً عن الاستفادة منه في كل موقع يكون للغيب تأثير فيه.

وكما كان هذا الغيب في خدمة أهداف النبي والأئمة من ذريته،

فإنه أيضاً كان لدى الأنبياء السابقين، ولم يحجبه الله تعالى عن الأوصياء من ذرياتهم..

ويحتمل أن يكون المراد : أنه تعالى لم يجعل النبوة التي تملك علم الغيب محصورة بالنبي («صلی الله علیه و آله وسلم»، بل امتد علم الغيب إلى ذريته، حيث نالوا مقام الإمامة الذي يحتاج إلى هذا العلم.

كما أن نفس هذا الأمر قد حصل للأنبياء السابقين ولذرياتهم، فإن غيب النبوة لم يحصر بالآباء، بل انتقل إلى ذرياتهم، فمن حصل على مقام الإمامة منهم حصل أيضاً على العلم بالغيب بالمقدار الذي

يحتاجه...

أتحبهم يا رسول الله؟!:

عن سلمان الفارسي «رحمة الله عليه» قال: دخلت على رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» وعنده الحسن والحسين يتغذيان، والنبي «صلی الله علیه و آله وسلم» يضع اللقمة تارة في فم الحسن، وتارة في فم الحسين، فلما فرغ من الطعام أخذ رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» الحسن على عاتقه، والحسين على فخذه، ثم قال لي: يا سلمان أتحبهم ؟!

قلت: یا رسول الله ! كيف لا أحبهم ومكانهم منك مكانهم.

قال: يا سلمان! من أحبهم فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله.

ثم وضع يده على كتف الحسين «عليه السلام»، فقال: إنه الإمام ابن الإمام، تسعة من صلبه، أئمة أبرار، أمناء معصومون، والتاسع

قائمهم (1).

ونقول:

إن من يتتبع الأحاديث المروية عن النبي«صلی الله علیه و آله وسلم»، التي لها ارتباط بالحسنين، يلاحظ: أن ثمة عناية خاصة منه «صلی الله علیه و آله وسلم» بالتأكيد على محبتهما «عليهما السلام». وهذا الحديث هو أحدها..

ولعل من المفيد لفت النظر إلى أمور ثلاثة هي:

الأول: أن الأنبياء والأئمة هم القادة والهداة، وهم المربون، وهم الحكام على الناس. ويريد الله سبحانه من النبي والإمام أن يكون للأمة كالوالد الرحيم، وأن تكون علاقة الأمة به علاقة حب، وتوقير وتقدير،

ومعونة ونصرة.

وهذا ما يميز حكام أهل الإيمان عن حكام الجور، الذين تكون علاقتهم بالناس علاقة الظالم المتغطرس بالمظلوم المقهور، الذي يكره ظالمه، ويمقته، ويتمنى له كل سوء.


1) كفاية الأثر للخزاز ص 44 - 45 و (ط الخيام - قم سنة 1401هـ ق) ص 193 - 194 والصراط المستقيم ج 2 ص 119 وإثبات الهداة ج 1 ص 577 وبحار الأنوار ج 36 ص 304 وفضائل أمير المؤمنين لابن عقدة ص 154 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص 393 والعوالم (ط3) ج3 ص 120 .

ومن الواضح: أن علاقة المحبة والتقدير والتوقير والاحترام للحاكم، هي السبب الأقوى في التكامل معه، وتلبية مطالبه، وفي المعونة له، وبذل الجهد في تحقيق ما يرضيه، ما دمنا نعلم أنه لا يريد لنا إلا الخير والفلاح، والسعادة والنجاح.

وبذلك يمكن تحقيق أقصى الطموحات، وبلوغ أعلى الدرجات في الكمال الإنساني، والسمو الروحي، والرقي في مختلف المجالات، وعلى جميع الصعد.

الثاني: إن محبة الإمام «عليه السلام» تقود إلى محبة من انبثق عنه، ومن غذاه، ونماه، وهو رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، لأن المحبة إنما هي ميل وانقياد القلب والروح والمشاعر للمحبوب. ولا

يكون ذلك للشخص بما هو لحم ودم، وإنما بما هو كيان يحمل معه معان وسمات، وصفات وحالات تعطي القلب سكينة، ونقاء، والروح سلاماً وطهراً، والمشاعر صفاء وتوهجاً.

وتصبح هذه المعاني والسمات، والصفات هي القيمة، وهي المعيار في كل حب، وكل مودة، ويذهب القلب معها وتحنّ الروح إليها، وتلاحقها المشاعر في كل اتجاه. وتكون معها الروح أينما حلت، وتتعلق بها المشاعر أينما وجدت..

ولأجل هذا قال رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» لسلمان عن الأئمة الطاهرين «عليهم السلام» «من أحبهم فقد أحبني».

الثالث: ما أشار إليه «صلی الله علیه و آله وسلم» بقوله: «ومن أحبني فقد

أحب الله». لأن الله سبحانه هو الذي صنع وعلم، وأدب، وربّي، ونمّى هذا النبي، كما قال لموسى «عليه السلام»: (وَلِتُصْنْعَ عَلَى عَيْنِي) (1)وقدمه نموذجاً للإنسان الكامل، الذي يريد الله له أن يكون هو الذي يعمر هذا الكون.. ويحقق ويجسد أهداف الخلق.

وما دام هذا النبي (لا يَنْطِقُ عَن الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ) (2)فلا بد أن يمتد هذا الحب منه إلى الله تعالى، كما امتد من الإمام إلى النبي..

أنا سلم لمن سالمهم:

عن زيد بن يثيع قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول:

رأيت رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» قال - وقد خيَّم خيمة، وهو متكئ على قوس عربية، وفي الخيمة علي، وفاطمة، والحسن، والحسين «عليهم السلام» - أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، وحرب

لمن حاربهم، وولي لمن والاهم لا يحبهم إلا سعيد الجد، طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد، رديء الولادة.

فقال: رجل يا زيد، أنت سمعت من أبي بكر هذا؟!


1) الآية 39 سورة طه.

2) الآيتان 3 و 4 سورة النجم .

قال: إي ورب الكعبة (1).

ونقول:

لا نريد التوقف عند وصف أبي بكر بالصديق، فلعل ابن يثيع قد صدق ما أشيع حول هذا الأمر.

ونكتفي بإحالة القارئ على ما ذكرناه في كتابنا :الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام» (2).

لكن ما يستوقفنا في هذا النص هو الأمور التالية:

استهجان الحديث عن أبي بكر:

يلاحظ: أن هذه الرواية عن أبي بكر قد أثارت استهجان بعض السامعين، لأنه كان يعرف أن أبا بكر كان أول من نازع علياً «عليه السلام» بعد رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، وانتزع منه بالغلبة


1) راجع: الفصول المئة ج 3 ص 288 عن فرائد السمطين ج2 ص373 والأربعون حديثا لمنتجب الدين بن بابويه ص 19 والمناقب للخوارزمي ص 296 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 1 ص 174 وشرح إحقاق الحق ج 9 ص 165 و ج 18 ص 415 و ج 25 ص 238 وج 26 ص 259 وج 27 ص 95 و ج 33 ص 89 وشرح الأخبار ج 3 ص 515 والغدير ج1 ص 336 وج 4 ص 323 والنص والإجتهاد ص 90 عن سمط النجوم ج2 ص 488 والرياض النضرة (ط مكتبة الخانجي بمصر) ج 2 ص 189 .

2) راجع الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام» ج8 ص 311.

والقهر مقامه الذي خصه الله ورسوله به، وأخذ رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» البيعة له من أكثر من مئة ألف من المسلمين بعد حجة الوداع في غدير خم (موضع في طريق مكة والمدينة).

ولأجل ذلك بادر إلى التأكد مما يسمع، واستفسر من زيد إن كان قد سمع ذلك من أبى بكر مباشرة، أو أنه ينقل ذلك عن غيره، فإنه لم يكن يتوقع من أبي بكر أن يبوح بهذا الأمر الذي يدينه قبل غيره.

واللافت: أن الإفراج عن هذه الحقائق والبوح بها قد تكرر كثيراً من قبل خصوم أمير المؤمنين «عليه السلام».

وقد يمكن تفسير ذلك على أساس اطمئنان هؤلاء إلى أن هذا البوح لم يعد يشكل خطراً على مواقعهم.

وقد اقتنعوا أيضاً: بأن علياً «عليه السلام» لن يجازف بما يراه مصلحة للإسلام، فيعرضه للخطر، بل هو قد صرح بهذا الأمر في العديد من الموارد، ومنها قوله « لأسلمن [لأسالمن] ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا على خاصة» (1).

لماذا الخيمة، والقوس العربية؟!:

قد رأينا أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» قد خيم خيمة، وجعل فيها


1) راجع نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 124 وبحار الأنوار ج 29 ص 612 والإمام علي بن أبي طالب «عليهم السلام» للهمداني ص703 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص166.

عليا، وفاطمة والحسنين «عليهم السلام»، واتكأ على قوس عربية..

فالسؤال هو : لماذا كل هذا الجهد ؟! ألم يكن يكفي أن يبدأ الناس بتقرير الحقيقة التي يريدها، فيقول لهم، وهو في مجلسه، ما قاله وهو متكئ على قوسه؟! لاسيما وأن ما قاله لا يعدو كونه تأييداً لأشخاص يعرفهم الناس، ويعرفون مكانتهم عنده!!

وما الذي زاد في الأمر إقامة الخيمة، والاتكاء على القوس العربية؟!

ونجيب :

بأن إلقاء الكلام بدون مناسبة، والاعتماد على ذاكرة السامع قد لا يكفي للاحتفاظ بمضمونه في ذاكرة السامعين لمدة طويلة، بل تلقيه القوة المدركة في العراء في مخازنها، من دون علامة عليه، أو إشارة إليه، فإذا توالت الأحداث بعد ذلك، وتراكمت حولها وفوقها، وقبلها، وبعدها، فإن شبح تلك الصورة يبدأ بالتضاؤل إلى أن يصل إلى حد التلاشي.

أما إذا اقترنت صورة المضمون بحدث، أو اقترنت بأمور عينية واقعية ذات طابع إيحائي، فإنه يبقى شاخصاً في الذاكرة، وتحتفظ عادة به إلى أبعد مدى ممكن، لأن تغييب هذه الأمور المقارنة، والتي تجعله يشغل حيزاً أكبر يكون أكثر صعوبة ، وأبطأ حدوثاً، مما لو كان مجرد صوت، تلقفت القوة الإدراكية مضمونه، ثم تلاشي في زحمة الصخب واللجب.

القوس العربية:

ويلاحظ هنا أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» قد جسد للناس معنى كونه سيكون بنفسه حرباً على من حارب أهل الخيمة، باستحضار القوس العربية، والاتكاء عليها، ليدل على معنى الحرب، ويجسِّد معالمها، بصورة فعلية مباشرة ...

وليدل أيضا على أنه يعني ما يقول.. وعلى أنه سيمارس هذه الحرب بصورة فعلية لحسم الأمور مع محاربي أهل الخيمة.

لماذا هذه الثلاثية؟!:

وقد رأينا : أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» قد ركز اهتمامه على بيان ثلاثية، لا يستطيع مسلم تجاوزها إلى غيرها، إلا إذا رضي أن ينزع عن نفسه رداء الإيمان والإنسانية بكل تجلياتها ومراتبها، والأمور الثلاثة هي:

ألف إن على من يحارب أهل الخيمة أن يضع في حسابه: أن حربه لن تكون معهم مباشرة، بل ستكون أولاً مع الرسول نفسه، وهي حرب حقيقية، يجسدها اتكاؤه «صلی الله علیه و آله وسلم» على القوس العربية، كما تقدم، فدل بذلك على أمرين:

الأول: أن محاربهم سيكون دائما في موقع المبطل، والمعتدي دائماً في حربه لهم، وهم المحقون..

الثاني: أن حربه لهم سوف تخرجه من الدين، لأنه يحارب

الرسول، ومن يحارب الرسول كافر بلا ريب.

ب: إنه بحربه هذه سيكون ذا حظ شقي، مما يعني: أن شقاءه غير قابل للتأويل، ولا تجدي ولا تقبل به الأعذار ، ولا ينفع معه التملص للتخلص. ولا يرضى إنسان عاقل ومتوازن وحكيم، أن يدخل نفسه في مأزق لا يمكنه الخروج منه.

ج: إن بغض أهل الخيمة، ونصب العداء لهم، وحربهم سيكون بالنسبة لمن يفعل ذلك بمثابة إعلان عن نفسه بأنه رديء الولادة. ولا نظن أحدا يرضى بأن ينسب إليه أحد هذا المعنى، فهل يرضى هو بأن

يقر على نفسه به.

ثم يأتي تأكيده وتصديقه على لسان المعصوم الذي لا ي(َنطِقُ عَن الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) (1). فإن رضي لنفسه بذلك، فإنه يكون قد خرج من معنى الإنسانية والكرامة بعد خروجه من دائرة الإيمان والإسلام.

النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» يداعب الحسنين:

وروى في المناقب، عن مرزد قال سمعت [أبا هريرة] يقول سمع أذناي هاتان وبصر عيناي هاتان رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، وهو آخذ بيديه جميعاً بكتفي الحسن والحسين، وقدماهما على قدم رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، ويقول: ترق. عين بقة.


1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم .

قال: فرقا الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، ثم قال له: افتح فاك، ثم قبله، ثم قال: اللهم أحبه، فإني أحبه.

وهذا الحديث رواه آخرون عن أبي هريرة ، وقالوا: إن ذلك كان مع الإمام الحسين «عليه السلام» (1).

وفي كتاب ابن البيع، وابن مهدي، والزمخشري قال: حُزُقَّة، حُزْقَّة، ترق عين بقة.

اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه.

الحزقة: القصير الصغير الخُط، وعين بقة: أصغر الأعين.

وقال: أراد بالبقة فاطمة (2)، فقال للحسين: يا قرة عين بقة


1) ذخائر العقبى ج 2 ص 43 و (ط مكتبة القدسي) ص122 عن مصادر كثيرة ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 388 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 159 وبحار الأنوار ج 43 ص 286 و 287 وج 36 ص 313 وج 16 ص 295 و 297 وكفاية الأثر ص 11 و 12 والاستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 397 و 398 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله للبري ص 40 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2572 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 294 و 300 و ج 27 ص 57 و ج 33 ص 581 وتنبيه الخواطر ج 2 ص 604 و 605 .

2) في النسخ المطبوعة: «أراد بالبقة عين فاطمة»، وما في الصلب هو الصحيح المطابق للمصدر ج 3 ص 388 .

ترق (1).

قال العلامة المجلسي «رحمه الله»:

«قال الجزري: فيه أنه «عليه الصلاة والسلام» كان يرقص الحسن أو الحسين ويقول حزقة، حزقة، ترق عين بقة .

فترقى الغلام حتى وضع قدميه على صدره.

الحزقة : الضعيف المقارب الخطو من ضعفه، وقيل: القصير العظيم البطن، فذكرها له على سبيل المداعبة والتأنيس له.

وترق بمعنى اصعد.

وعين بقة كناية عن صغر العين.

وحزقة مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره أنت حزقة،


1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 388 و 389 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 159 وبحار الأنوار ج 43 ص 286 و 287 والأدب المفرد للبخاري ص 62 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 19 ص 225 وج 26 ص 42 و 44 و 397 و 407 وج 33 ص 412 و 466 وشجرة طوبى ج 1 ص30 ومجمع الزوائد ج 9 ص 176 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص514 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 13 ص 649 - 650 و 666 - 667 و 669 وتاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 194 و 195 وحياة الحيوان الكبرى ج 1 ص 223 وترجمة الإمام الحسن لابن عساکر ص50 و 51 وسبل الهدى والرشاد ج 9 ص 368 و 369 .

وحزقة الثاني كذلك، أو أنه خبر مكرر.

ومن لم ينون حزقة ، فحذف حرف النداء. وهي في الشذوذ كقولهم: أطرق كرا، لأن حرف النداء إنما يحذف من العلم المضموم أو المضاف. انتهى.

والحزقة بضم الحاء المهملة والزاء المعجمة، وفتح القاف المشددة. والظاهر أن عين بقة كناية عن صغر الجثة، لا صغر العين.

ويمكن أن يكون مراده ذلك، بأن يكون مراده بالعين النفس، أو أن وجه التشبيه بعين البقة صغر عينها.

ولكن الزمخشري صرح في الفائق بذلك حيث قال: وعين بقة منادى ذهب إلى صغر عينيه، تشبيها لهما بعين البعوضة». انتهى(1).

ونقول:

1 - لقد تعودنا من أبي هريرة تعمده نقل أمور لا مجال لتأييد صحتها، ولاسيما ما يرتبط بالإمام علي، وفاطمة والحسنين «عليهم السلام»، ومن شواهد ذلك دعوى: أنه رأى الحسين «عليه السلام» حين ولد على يد رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، وقد خضبها دماً.

وقد أثبتنا كذب هذا الكلام من أساسه، فإن أبا هريرة إنما قدم المدينة بعد ولادة الحسين «عليه السلام» بسنوات.


1) بحار الأنوار ج 43 ص 286 و 287 .

بل هو قد تجاوز ذلك إلى الجرأة على أمير المؤمنين «عليه السلام» مباشرة. إرضاءً منه لمعاوية، حين اعتبر علياً قد أحدث في المدينة، بعد :روايته أن رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» قد لعن من أحدث في المدينة، أو آوى محدثاً فيها (1).

وعدَّه الإسكافي في جملة قوم وضعهم معاوية على رواية أخبار قبيحة في علي «عليه السلام» تقتضي الطعن فيه، والبراءة منه، فروى أبو هريرة قصة خطبة بنت أبي جهل الخ..(2).

ويحق لنا هنا أن نتهم أبا هريرة بأنه أراد مرة أخرى أن يسيء إلى الإمام الحسين «عليه السلام» بروايته هذه الأباطيل والترهات هنا .

2 - إن ما ذكره اللغويون من معان لكلمة «حزقة، حزقة، ترق


1) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 67 وأضواء على السنة المحمدية لمحمود أبي رية ص 218 وشيخ المضيرة أبو هريرة، لمحمود أبي رية ص 237 والغارات للثقفي ج 2 ص 659 وخلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 255 والنص والإجتهاد ص 514 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 295 ونهاية الدراية للسيد حسن الصدر ص 22 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 529 ونهج السعادة ج 8 ص 486والكنى والألقاب ج 1 ص 179 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص 43.

2) المستدرك للحاكم ج 3 ص 159 وفتح الباري ج9 ص286 وشرح نهج البلاغة ج 4 ص63 و 64 .

عين بقة» هي في أكثرها معان مسيئة، وذات مدلول يستبطن الإهانة والانتقاص.

ويدلنا على أن الانتقاص من مقام سيد الشهداء «عليه السلام» مقصود للراوي. الذي حاول أن يقرنه بما يدل على نقيضه للتغطية على سوء نيته.

إن هذا الراوي يخلط الخبيث بالطيب، ويدس السم في الدسم، لكي یروج لباطله، حين يخلطه بشيء من الحق.

3 - إن المتأمل في طرفي كلام أبي هريرة يرى أنه متهافت، بل متناقض في مؤداه، ومضمونه.. ولا يمكن أن يصدر عن النبي الأعظم «صلی الله علیه و آله وسلم» ما هو كذلك.

فإن الحزقة، كما قالوا في معناها، تشير إلى التشدد في البخل، أو إلى الخبر الناقص، الذي لا محصل له أو إلى الشد والتضييق، أو إلى الضراط - ضراط الحمار -، أو إلى الضنين بما في يده، أو إلى قصير يقارب الخطو، أو الضعيف المقارب للخطو، أو القصير الضخم البطن، أو السيء الخلق، أو الضيق القدرة، والرأي، الشحيح، الدميم (1).

وقالوا أيضاً: إن عين بقة كناية عن صغر العين، أو كناية عن صغر الجثة. والبقة : هي البعوض، أو هو الدارج في حيطان البيوت،


1) راجع لسان العرب (ط سنة 1416هـ) ج 3 ص 153 و 154 .

أو هي دويدة، مثل القملة، حمراء نتنة الريح تكون في السرر والجدر، وهي التي يقال لها بنات الحصير، إذا قتلتها شممت لها رائحة اللوز المر .

والبقة : كثير الكلام، أخطأ أو أصاب، وقيل: كثير الكلام،

مخلط (1)

وبعدما تقدم نقول:

إذا كان رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» يصف الإمام الحسين «عليه السلام» بما يشير إلى هذه المعاني، فما الذي حببه به؟! وبأي نوع من أنواع الشعور يبادر إلى تقبيله؟!

4 - وهل صحيح: أن المراد بالبقة هي فاطمة «عليها السلام»؟! والحال أن المعاني التي ذكرت للبقة هي التي ذكرناها آنفا، أو! بعضه؟! ولماذا هذا التنفير المتعمد من سيدة نساء العالمين «عليهاالسلام»؟!

ه - إذا كان النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» نفسه قد قرر أن الإمام الحسين «عليه السلام »إمام، فهل يكون الإمام متصفاً بأمثال هذه الأوصاف، التى لا يرضاها إنسان لنفسه، وينفر ويشمئز ممن يعرف انها فيه؟!

6 - والتعبير الذي أوردته الرواية آنفاً، هو: أن النبي «صلى الله


1) راجع لسان العرب (ط سنة 1416هـ) ج 10 ص 23 مادة بقق.

عليه وآله »كان يرقص أطفاله، فهل كان «صلى الله عليه وآله وسلم» يرقص الأطفال فعلاً ؟! أم كان يداعبهم بصورة هادفة، وسليمة، ،وقويمة، ليس فيها عبث، ولا لهو، ولا لعب، فإن الإمام حتى وهو طفل صغير السن لا يلهو ولا يلعب كما تقدم بيانه في فصل سابق.. تحدثنا فيه عن لعب الإمام، فمن لا يلهو ولا يلعب، هل يرقص؟! أو فقل : هل يدعوه النبي إلى الرقص؟!

7 - وإذا كانت هذه الكلمات تتضمن هذه الإهانات، أو الإلماحات التي تسيء إلى الروح والمشاعر، فهل تنفع في التأنيس، وإدخال السرور على قلب من يوصف بها؟!وهل تصح مداعبته بأساليب كهذه ؟!

إن أمثال هذه الروايات لا ينبغي أن تخدعنا، ولا نحتاج إليها لإثبات محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم» للحسنين (عليهماالسلام»، فإن ما يثبت ذلك يفوق حد الحصر، وهو شائع وذائع في كل مصر وعصر.

غزالة للحسن وأخرى للحسين :

قال العلامة المجلسي «رحمه الله»:

«روي في بعض الأخبار: أن أعرابيا أتى الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم»، فقال له يا رسول الله، لقد صدت خشفة غزالة، وأتيت بها إليك هدية لولديك الحسن والحسين، فقبلها النبي «صلى الله عليه وآله وسلم »ودعا له بالخير، فإذا الحسن «عليه السلام» واقف عند جده،

فرغب إليها، فأعطاه إياها.

فما مضى ساعة إلا والحسين «عليه السلام» قد أقبل، فرأى الخشفة عند أخيه يلعب بها، فقال يا أخي من أين لك هذه الخشفة؟! فقال الحسن «عليه السلام»: أعطانيها جدي رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم».

فسار الحسين «عليه السلام» مسرعا إلى جده، فقال یا جداه أعطيت أخي خشفة يلعب بها، ولم تعطني مثلها. وجعل يكرر القول على جده، وهو ساكت، لكنه يسلي خاطره ويلاطفه بشيء من الكلام ، حتى أفضى من أمر الحسين «عليه السلام» إلى أن هم يبكي.

فبينما هو كذلك، إذ نحن بصياح قد ارتفع عند باب المسجد، فنظرنا فإذا ظبية ومعها خشفها، ومن خلفها ذئبة تسوقها إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم»، وتضربها بأحد أطرافها، حتى أتت بها إلى النبي «صلى الله عليه وآله وسلم».

ثم نطقت الغزالة بلسان ،فصیح وقالت یا رسول الله، قد كانت لي خشفتان: إحداهما صادها الصياد وأتى بها إليك. وبقيت لي هذه الأخرى وأنا بها مسرورة، وإنى كنت الآن أرضعها، فسمعت قائلا يقول: أسرعي أسرعي يا غزالة، بخشفك إلى النبي محمد، وأوصليه سريعاً، لأن الحسين واقف بين يدي جده، وقد هم أن يبكي، والملائكة بأجمعهم قد رفعوا رؤوسهم من صوامع العبادة، ولو بكى الحسين «عليه السلام» لبكت الملائكة المقربون لبكائه.

وسمعت أيضاً قائلاً يقول : أسرعي يا غزالة قبل جريان الدموع على خد الحسين «عليه السلام»، فإن لم تفعلي سلطت عليك هذه الذئبة تأكلك مع خشفك.

فأتيت بخشفي إليك يا رسول الله، وقطعت مسافة بعيدة، ولكن طويت لي الأرض حتى أتيتك سريعة، وأنا أحمد الله ربي على أن جئتك قبل جريان دموع الحسين «عليه السلام» على خده .

فارتفع التهليل والتكبير من الأصحاب، ودعا النبي «صلى الله عليه وآله وسلم » للغزالة بالخير والبركة، وأخذ الحسين «عليه السلام» الخشفة، وأتى بها إلى أمه الزهراء «عليها السلام»، فسرت بذلك سرورا عظيما» (1).

ونقول:

لا حاجة إلى إعادة الحديث عن إدراك الحيوانات، وعن ارتباطها بالنبي وآله «صلى الله عليه وعليهم»، وطاعتها لهم.. فلذلك شواهد كثيرة في القرآن، وفي الحديث والتاريخ، وحديث الهدهد، وكذلك النملة مع سليمان شاهد صدق على ما نقول .

الحسين يلعب بالخشفة:

تقدم الحديث في فصل مستقل أن الأدلة تقول: «لا يلعب المعصوم»، وأن الإمام لا يلهو ولا يلعب كما صرحت به الأحاديث.


1) بحار الأنوار ج 43 ص 312 و 313 .

فقوله في الرواية المذكورة آنفاً: «فرأى الخشفة عند أخيه يلعب بها». وقول الإمام الحسين «عليه السلام»: «يا جداه، أعطيت أخي خشفة يلعب بها، ولم تعطني مثلها يحتاج إلى إيضاح وبيان!!

وملخصه : أن الأئمة إنما يكلمون الناس بحسب ما يرونه من ظواهر، يفسرونها بتفاسير قريبة إلى فهمهم وعرفهم، فإذا رأوا فعلاً ما يمارسه أحد الصغار، فإنهم يفسرونه بأنه لعب، لأنهم يظنون أن كل طفل صغير يمارس حركاته بدون هدف محدد، فيقولون عنه: إنه يلعب، ولا يفرقون بين حركات المعصوم في صغره وحركات غيره..

مع أن الأئمة قد بينوا أن الإمام لا يلهو ولا يلعب، حتى وهو طفل صغير السن.

فكان الأئمة «عليهم السلام »يضعون لهم القاعدة، ثم يكلمونهم بحسب لغتهم ، وما ارتضوه لأنفسهم.

لماذا الإلحاح ؟! :

رأينا كيف أن الإمام الحسين «عليه السلام» يلح على جده بطلب مساواته بأخيه الإمام الحسن «عليه السلام »، وكان النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» يلاطفه ببعض الكلام ، حتى ظن البعض أنه همّ أن يبكي.

كما أن ما يثير العجب أن الأعرابي إنما أهدى الخشفة للحسن والحسين معا، ولكنه «صلى الله عليه وآله وسلم» سلمها للإمام الحسن «علیه السلام».

وحين جاء الإمام الحسين «عليه السلام» طالبا من جده بأن

يعطيه مثل ما أعطى أخاه، لم يخبره «صلى الله عليه وآله وسلم» بأن الصياد جعل له نصيباً في الخشفة التي بيد أخيه الإمام الحسن «عليه السلام». بل صار يلاطفه بشيء من الكلام. ربما لكي يواصل إلحاحه بطلب الخشفة، ثم يترافق ذلك بالمفاجأة التي أظهرت أن المخلوقات التي ينظر إليها نظرة تعال، ونفور وحذر ، هي الأخرى تقوم بوظيفتها في توفير المناخ للكرامة، أو للمعجزة الهادفة والهادية.

حيث تظهر الذئبة فجأة، وهي تقتحم أزقة المدينة، وتسوق خشفة غزال إلى رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، ثم نطقت بما ذكرته الرواية.

الكرامات سياسة إلهية:

ولسنا بحاجة إلى التذكير: بأن الكرامات والمعجزات، لا تهدف إلى مجرد التكريم والتعظيم للإمام الحسين «عليه السلام».

وإنما هي جزء من حياة الأنبياء وأوصيائهم، وقد أرادها الله سبحانه ألطافاً منه بالأمة.

وجعلها من وسائل تعميق يقين أهل الإيمان.

ومن وسائل الهداية.

ومن موجبات الثبات على الحق.

ولتكون - من ثم - من واقع الحياة الإنسانية، الذي لا مجال لإنكاره، ولا للتنكر له.

الفصل الثاني: في حديقة بني النجار..

اشارة

الحسنان «عليهما السلام» في حديقة بني النجار:

يذكر هنا حديث نوم الحسنين «عليهما السلام»، في حديقة بني النجار، ونذكر من نصوص هذه الرواية، ما يلي:

1 - ابن المتوكل عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن فضالة، عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله الصادق «عليه السلام»، عن أبيه، عن جده «عليهما السلام» قال:

مرض النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» المرضة التي عوفي منها، فعادته فاطمة سيدة النساء ومعها الحسن والحسين «عليهما السلام»، قد أخذت الحسن بيدها اليمنى، وأخذت الحسين بيدها اليسرى، وهما يمشيان، وفاطمة بينهما حتى دخلوا منزل عائشة.

فقعد الحسن «عليه السلام» على جانب رسول الله«صلی الله علیه و آله وسلم» الأيمن، والحسين «عليه السلام» على جانب رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» الأيسر، فأقبلا يغمزان ما يليهما من بدن رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، فما أفاق النبى صلى الله عليه وآله من نومه.

فقالت فاطمة للحسن والحسين حبيبي إن جدكما قد غفا،

فانصرفا ساعتكما هذه، ودعاه حتى يفيق، وترجعان إليه.

فقالا: لسنا ببارحين في وقتنا هذا.

فاضطجع الحسن على عضد النبي الأيمن، والحسين على عضده الأيسر، فغفيا، وانتبها قبل أن ينتبه النبي «صلی الله علیه و آله وسلم».

وقد كانت فاطمة «عليها السلام» لما ناما انصرفت إلى منزلها، فقالا لعائشة : ما فعلت أمنا ؟!

قالت: لما نمتما رجعت إلى منزلها.

فخرجا في ليلة ظلماء مدلهمة، ذات رعد وبرق، وقد أرخت السماء عزاليها، فسطع لهما نور، فلم يزالا يمشيان في ذلك النور، والحسن قابض بيده اليمنى على يد الحسين اليسرى، وهما يتماشيان ويتحدثان، حتى أتيا حديقة بني النجار.

فلما بلغا الحديقة حارا، فبقيا لا يعلمان أين يأخذان، فقال الحسن للحسين إنا قد حرنا، وبقينا على حالتنا هذه، وما ندري أين نسلك؟! فلا عليك أن ننام في وقتنا هذا حتى نصبح.

فقال له الحسين «عليه السلام»: دونك يا أخي، فافعل ما ترى. فاضطجعا جميعاً، واعتنق كل واحد منهما صاحبه وناما.

وانتبه النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» عن نومته التي نامها، فطلبهما في منزل فاطمة، فلم يكونا فيه.

وافتقدهما، فقام «صلی الله علیه و آله وسلم» قائماً على رجليه، وهو يقول: إلهي وسيدي ومولاي، هذان شبلاي خرجا من المخمصة

والمجاعة، اللهم أنت وكيلي عليهما.

فسطع للنبي «صلی الله علیه و آله وسلم» نور، فلم يزل يمضي في ذلك النور حتّى أتى حديقة بني النجار، فإذا هما نائمان قد اعتنق كل واحد منهما صاحبه، وقد تقشعت السماء فوقهما كطبق، فهي تمطر كأشد مطر ما رآه الناس قط، وقد منع الله عز وجل المطر منهما في البقعة التي هما فيها نائمان لا يمطر عليهما قطرة.

وقد اكتنفتهما حية لها شعرات كاجام القصب، وجناحان: جناح قد غطت به الحسن، وجناح قد غطت به الحسين.

فلما أن بصر بهما النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» تنحنح، فانسابت الحية وهي تقول: اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك أن هذين شبلا نبيك قد حفظتهما عليه، ودفعتهما إليه، سالمین صحيحين.

فقال لها النبى «صلی الله علیه و آله وسلم» : أيتها الحية، ممن أنت؟!

قالت: أنا رسول الجن إليك.

قال: وأي الجن؟!

قالت: جن نصيبين. نفر من بني مليح، نسينا آية من كتاب الله عز وجل، فبعثوني إليك لتعلمنا ما نسينا من كتاب الله.

فلما بلغت هذا الموضع سمعت منادياً ينادي: أيتها الحية، هذان شبلا رسول الله، فاحفظيهما من العاهات والآفات، ومن طوارق الليل والنهار.

فقد حفظتهما، وسلمتهما إليك سالمين صحيحين وأخذت الحية

الآية وانصرفت.

فأخذ النبى «صلی الله علیه و آله وسلم» الحسن، فوضعه على عاتقه الأيمن، ووضع الحسين على عاتقه الأيسر، وخرج علي «عليه السلام»، فلحق برسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم».

فقال له بعض أصحابه: بأبي أنت وأمي، ادفع إلى أحد شبليك، أخفف عنك.

فقال: امض، فقد سمع الله كلامك، وعرف مقامك.

وتلقاه آخر ، فقال: بأبي أنت وأمي، ادفع إلي أحد شبليك أخفف عنك.

فقال: امض، فقد سمع الله كلامك، وعرف مقامك.

فتلقاه علي «عليه السلام»، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ادفع إلي أحد شبلي وشبليك حتى أخفف عنك.

فالتفت النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» إلى الحسن، فقال: يا حسن، هل تمضي إلى كتف أبيك؟!

فقال له: والله يا جداه إن كتفك لأحب إلي من كتف أبي.

ثم التفت إلى الحسين «عليه السلام»، فقال يا حسين هل تمضي إلى كتف أبيك ؟!

فقال له: والله يا جداه، إني لأقول لك كما قال أخي الحسن، إن كتفك لأحب إلى من كتف أبي.

فأقبل بهما إلى منزل فاطمة «عليها السلام». وقد ادخرت لهما تميرات، فوضعتها بين أيديهما ، فأكلا، وشبعا، وفرحا.

فقال لهما النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»: قوما الآن فاصطرعا، فقاما ليصطرعا، وقد خرجت فاطمة في بعض حاجتها، فدخلت، فسمعت النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» وهو يقول: إيه يا حسن، شد على الحسين، فاصرعه.

فقالت له: يا أبه، واعجباه أتشجع هذا على هذا ؟! تشجع الكبير على الصغير ؟!

فقال لها: يا بنية، أما ترضين أن أقول أنا: يا حسن شد على الحسين فاصرعه، وهذا حبيبي جبرئيل يقول: يا حسين شد علی الحسن فاصرعه (1).

قال العلامة المجلسي «قدس سره»:

بيان: غفا غفواً وغُفُوا : نام، أو نعس كأغفى.

وادلهم الظلام: كثف.


1) الأمالي للصدوق ص 528 - 531 وبحار الأنوار ج 43 ص 266 - 268 وراجع: روضة الواعظين ص 158 - 159 و مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 189 - 190 ومدينة المعاجز ج 3 ص 274 - 276 وج 4 ص 6 - 11 عن أبي هريرة ، وابن عباس، والإمام الصادق «عليه السلام»، وعن الخركوشي في شرف النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» عن هارون الرشيد، عن آبائه، عن ابن عباس هذا المعنى.

وقال الجزري: العزالي، جمع العزلاء، وهو فم المزادة الأسفل، فشبه اتساع المطر واندفاقه بالذي يخرج من فم المزادة. انتهى.

والشبل - بالكسر -: ولد الأسد إذا أدرك الصيد.

ويقال: قشعت الريح السحاب. أي كشفته، فانقشع، وتقشع.

وانسابت الحية جرت (1).

ونقول:

عيادة الزهراء علیها السلام لأبيها «صلی الله علیه و آله وسلم»:

ذكرت الرواية المتقدمة برقم [1]: أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» قد مرض مرضة عوفي منها .. ويبدو أنها كانت مرضة صعبة تكفي الإشارة إليها على هذا النحو، ليعرف المراد.

ويبدو أيضاً: أن عيادة الزهراء «عليها السلام» لرسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» كانت لافتة، مع علمنا بشدة تعلق الزهراء «عليها السلام» بأبيها ، وشدة محبة النبى «صلی الله علیه و آله وسلم» لها، حتى إنه لما نزلت آية التطهير كان في كل يوم يأتي إلى باب دارها، وينادي: (إِنَّمَا يُريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطهِّرَكُمْ تطهيرا ) (2). وكان «صلی الله علیه و آله وسلم» يقوم إجلالاً وتكريماً لها«عليها السلام».


1) بحار الأنوار ج 43 ص 268 .

2) الآية 33 من سورة الأحزاب.

فما بال فاطمة «عليها السلام»، لا تكون إلى جانب والدها طيلة فترة مرضه، حتى إذا زارته مرة كان ذلك لافتا للنظر، وأصبح الحديث المتداول بين الناس؟!

هل لأنه «صلی الله علیه و آله وسلم» كان في بيت عائشة، ولم تكن فاطمة «عليها السلام» ترى الرضا، بل ترى الضيق والضجر من ساكنة البيت إذا دخلت الزهراء «عليها السلام» لعيادة أبيها «صلی الله علیه و آله وسلم».

بل ربما كانت ترى منها اكفهرار الوجه، والسعي لإبعاد علي والحسنين «عليهم السلام»، وربما ابنته فاطمة عنه «صلی الله علیه و آله وسلم» قدر الإمكان.

ويمكن أن نجد في المصادر التاريخية العديد من الشواهد على ذلك. ولم تكن «عليها السلام» تريد التسبب لأحد بالمضايقة بأدنى مراتبها، ولو كان من يتضايق ليس محقا في ذلك، لا من قريب ولا من بعيد.

لماذا لا يجيب الحسنان طلب أمهما بالمغادرة؟!:

وقد لاحظنا أن الحسنين «عليهما السلام» جلسا إلى جانبي جدهما الأيمن والأيسر، وجعلا يغمزان ما يليهما من بدنه «صلی الله علیه و آله وسلم»، ولا يفيق، فطلبت الزهراء «عليها السلام» منهما أن يتركا جدهما، على أن يعودا إليه في الوقت المناسب.

فقالا: لسنا ببارحين وقتنا هذا.

ثم نام الحسن على عضد النبي الأيمن، والحسين على الأيسر.

فغفيا، ثم انتبها قبل أن يستيقظ النبى من غفوته.

ونقول:

أولاً: يبدو أن الحسنين «عليهما السلام» لم يفهما من أمرها «عليها السلام» لهما بترك جدهما أنها تلزمهما بذلك، بل رأيا كلامها بمثابة اقتراح، أو عرض يكون لهما الخيار في قبوله وعدمه..

وقد ضمنت كلامها ما يدل على مبرر طلبها هذا، وهو أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» قد غفا، فيمكنهما انتظار انتباهه من غفوته في البيت.. فكان من رأيهما أنه ليس من عادته «صلی الله علیه و آله وسلم» هذا الاستغراق في نومته هذه.

ويزيد من رجحان بقائهما عنده: أن هذه النومة المستغرقة إن حصلت له في حال مرضه، فلعل لها دلالتها على أمر ربما كان له ارتباط بالمرض نفسه، إما تشديدا عليه فيه، ليصار إلى مساعدته للتخفيف عنه، وإما على سبيل التخفيف عنه.. فتكون لهما الفرحة بهذا اللطف الإلهي، فلأجل ذلك لم تلح الزهراء «عليها السلام» عليهما بالمغادرة، بل جارتهما وانتظرتهما حتى ناما، ثم عادت إلى منزلها.

الحسنان والبرقة في الليلة الظلماء:

وتذكر الرواية أن الحسنين «عليهما السلام» قررا مغادرة

المكان بعد انتباهتهما من نومهما. وكانت الليلة ظلماء مدلهمة، ذات رعد وبرق، وقد أرخت السماء عزاليها، فسطع لهما نور، فلم يزالا يمشيان

في ذلك النور، والحسن قابض بيده اليمنى على يد الحسين اليسرى، حتى أتيا حديقة بني النجار.

ولا يبدو من سياق هذه الرواية : أنهما قد سارا إلى أمهما، وإن كانت عائشة قد توهمت ذلك، من خلال سؤالهما عن أمهما .. ثم كانت المفاجأة الأولى التي أدهشت من رآها هي ظهور النور لهما، لكي يمشيا فيه..

وهذا ما طمأن من رآهما أنهما في عناية الله تعالى، حيث أضاءت لهما البرقة، وسطع النور الذي ما زالا يمشيان فيه حتى أتيا الحديقة. وكان ذلك قبل استيقاظ جدهما «صلی الله علیه و آله وسلم».. فلا مجال لنسبة هذه المعجزة إليه «صلی الله علیه و آله وسلم»، بل هي كرامة صنعها الله تعالى للحسنين «عليهما السلام» مباشرة، ومن دون تدخل أحد، لا بطلب من الله، ولا بتوسل أو دعاء.

هل ضل الحسنان الطريق؟!:

ونحن نعلم: أن بيت عائشة كان قبلي مسجد رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» وكان بيت فاطمة «عليها السلام» إلى جهة الشرق منه، وهو موضع دفن الرسول، وأبي بكر، وعمر، ولم يكن يبعد هذا الموضع عن بيت عائشة سوى بضعة أمتار يسيرة.

فخروج الحسنين «عليهما السلام» من بيت عائشة إلى المسجد، ثم خروجهما من المسجد، ومسيرهما في أزقة المدينة، إلى أن بلغا حديقة بني النجار، كان أمراً مقصوداً ومتعمداً للحسنين «عليهما السلام».

ويفهم من كلمة الرسول الآتية: أن الذي أخرجهما هو المخمصة والمجاعة. إذ لا يعقل أن يكون الحسنان لا يعرفان أن بيت أمهما لا يبعد عنهما سوى خطوات يسيرة.

وقد نجد في نص الرواية المتقدمة نفسها إشارة إلى أن الحسنين «عليهما السلام» كانا يعرفان المسالك التي يسلكانها، ولذلك قالت الرواية أخيراً : «فلما بلغا الحديقة حارا، فبقيا لا يعلمان أين يأخذان، فقال الحسن للحسين: إنا قد حرنا، وبقينا على حالتنا هذه، وما ندري أين نسلك»، ثم اقترح عليه أن يناما في موضعهما، فكيف نفسر ذلك؟!

ونجيب:

إن التفسير واضح، فإنهما لا يجهلان الطرق في المنطقة التي كانوا فيها، بل كانا لا يعرفان أي طريق سيجدان فيه بغيتهما، وهي ما يسد رمقهما، ويدفع عنهما مخمصتهما. ربما لأن الله سبحانه أراد أن لا يعرفا ذلك لحكمة سوف تظهر بظهور الكرامة الكبرى لهما.

كما أن حيرتهما هذه لا تعني أنهما غير قادرين على الرجوع من حيث أتيا، بل كانا عارفين بذلك أيضاً، ولكن هذا الرجوع لا يدفع جوعاً، ولا ينجى من مخمصة، فلا فائدة من معرفتهما بالمسالك التي جاءا منها، لو كانا يريدان الرجوع حقاً .

من أجل ذلك، اختارا المنام في ذلك الموضع إلى الصباح.. فإنه إذا أصبح الصباح قد تفتح أمامهما أبواب الرزق، الذي يسعيان إليه، ويرجعان سالمين غانمين.

وربما دعاهما إلى النوم في ذلك الموضع تهيئة المقدمات لمجيء الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم»، وظهور الكرامة الإلهية لهما.

أو أن الملك الموكل بهما كان هو الذي يسددهما، ويأمرهما بفعل ذلك، لينفذ التقدير الإلهي الذي قد يكون ذلك الملك قد رآه مع الملائكة في لوح المحو الإثبات.

إلا أن يقال: إن هذا وذاك يبقى مجرد احتمال لا دليل عليه، ولا شاهد له.. ويقابله احتمال أن يكون هذان الإمامان قد علما بهذا الأمر من جدهما، أو أمهما في يوم من الأيام، فأراد أن يسهما في صنع هذا الحدث، لينالا بذلك بركات السعي في تحقيق ما يريده الله سبحانه..

ولعل هذا هو الأوفق بالواقع، والأقرب إلى الاعتبار.

النبي والنوم المستغرق:

تقول الرواية المتقدمة: إنه بالرغم من غمز الحسنين «عليهما السلام» جانبي جسد رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، لكن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» ما استفاق من نومه.

فاضطجعا على عضدي النبي الأيمن والأيسر، فناما وانتبها قبل أن ينتبه رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، وسألا عائشة عن أمهما، فأخبرتهما أنها ذهبت إلى منزلها، فخرجا ورسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» لا يزال نائماً، ومشيا إلى حديقة بني النجار، فتحيرا في أمرهما، فناما في مكانهما، حسب ما تقدم.

وحينئذٍ انتبه «صلی الله علیه و آله وسلم» من نومته التي نامها،

فطلبهما في منزل فاطمة «عليها السلام»، فلم يكونا فيه، فبحث عنهما حتى وجدهما.

فلنا أن نسأل عن سبب استغراق رسول الله«صلی الله علیه و آله وسلم» في نومه، وقد روي عن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» أنه قال: «تنام عيناي وقلبي يقظان» (1).

وكان يرى من ورائه، كما يرى من قدامه (2).


1) الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 48 وبحار الأنوار ج 9 ص 66 و 286 وج 57 ص 377 وسفينة البحار ج 10 ص 199 والتفسير المنسوب إلى الإمام العسكري ص 453 والتبيان في تفسير القرآن ج 1 ص 363 ومجمع البيان ج 1 ص 315 وإكمال النقصان من تفسير منتخب التبيان (موسوعة إبن إدريس الحلي) ص310 والبرهان (تفسير) ج 1 ص290 وكنز الدقائق (تفسير) ج 2 ص 91 وزبدة التفاسير للكاشاني ج 1 ص 196 وتفسير مقاتل بن سليمان ج 1 ص 300 وتفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1117 وجامع البيان ج 15 ص 22 والكشف وتفسير الثعلبي ج 4 ص65 وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 3 ص 26 والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 271 و 385 والبداية والنهاية ج 3 ص 141 والاكتفاء للكلاعي ج 1 ص237 والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 105 ونهاية الأرب ج 16 ص 371 .

2) بحار الأنوار ج 16 ص 399 وإمتاع الأسماع ج 5 ص 306 وج 10 ص 280 ومسند أحمد ج 3 ص 228 وعمدة القاري ج4 ص 157 و 158 والإستذكار لابن عبد البر ج 2 ص 330 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 2 ص 230 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 1 ص 108 وصحيح مسلم (ط دار الفكر ) ج 2 ص 27 وشرح صحيح مسلم للنووي ج4 ص 149 وفتح الباري ج 1 ص 431 وشعب الإيمان ج 3 ص 134 ودلائل النبوة ج 2 ص 623 والترغيب والترهيب ج 1 ص 342 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 7 ص 525 و ج 11 ص 418 وسبل الهدى والرشاد ج 10 ص 450 .

وروي: أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» قال: «تنام عيناي ولا ينام قلبي» (1).


1) بحار الأنوار ج 16 ص 399 و ج 17 ص 121 وج 22 ص27 و 411 وج 31 ص 9 و ج 58 ص 212 وج 64 ص 252 و 253 وج 73 ص 189 وج 84 ص 26 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 549 وإختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ص 29 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 124 وسبل السلام ج 2 ص 13 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص 171 وتاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 323 والبدء والتاريخ ج 4 ص 159 وإمتاع الأسماع ج 8 ص 89 وج 10 ص 178 وج 13 ص 37 و 183 والشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 86 وج 2 ص 96 و 153 و ج 2 ص 197 والخصائص الكبرى ج 1 ص 69 و 85 وسبل الهدى والرشاد ج 8 ص 289 و ج 10 ص 424 و 425 و 426 وج 11 ص 469 وج 12 ص 4 وغريب الحديث لابن سلام ج 4 ص 239 ونهاية الأرب ج 18 ص 248 والسيرة الحلبية ج 3 ص 114 ودلائل النبوة ج 1 ص 371 ومسند أحمد ج 1 ص 220 و 251 و 438 و ج 5 ص 40 وج 5 ص 50 وج 6 ص 36 و 73 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 2 ص 48 و 253 وج 4 ص 168 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 2 ص 166 وسنن أبي داود ج 1 ص 52 و 301 وسنن الترمذي ج 1 ص 275 وج 3 ص 354 وسنن النسائي ج 3 ص 234 والسنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 121 و 122 وج 2 ص 496 وج 3 ص 6 وج 7 ص 62 وشرح صحيح مسلم للنووي ج 5 ص 184 وج 6 ص 21 وفتح الباري ج 1 ص 250 و 380 و 381 وج6 ص 423 وعمدة القاري ج 3 ص 66 وج 4 ص 28 وج 7 ص 202 وج 16 ص 116 وشرح سنن النسائي ج 3 ص 234 وحاشية السندي على النسائي ج 3 ص 234 وتحفة الأحوذي ج 2 ص 426 وج 8 ص 486 وعون المعبود ج 1 ص 237 و ج 2 ص 75 ومسند أبي داود الطيالسي ص 116 والمصنف للصنعاني ج 2 ص 405 و ج 3 ص 38 ومسند ابن راهويه ج 2 ص 555 وتأويل مختلف الحديث ص 226 ونيل الأوطار ج 1 ص 267 وج 2 ص 46 وفقه السنة لسيد سابق ج 1 ص 205 والمجازات النبوية ص 175 و 176 ومستدرك الوسائل ج 5 ص 123 وكنز الفوائد ص 213 والخرائج والجرائح ج 1 ص 106 ومناقب آل أبي طالب (المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 124 والصراط المستقيم ج 1 ص 204 و ج 3 ص7 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 538 والسنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 160 و 446 والشمائل المحمدية ص 151 والمنتقى من السنن المسندة ص 16 وصحيح ابن خزيمة ج 1 ص 30 و ج 2 ص 192 وشرح معاني الآثار ج 1 ص 282 وصحيح ابن حبان ج 6 ص 186 وج 14 ص 297 و 298 ومسند الشاميين ج 4 ص 13 ومعرفة السنن والآثار ج 1 ص 210 و ج 2 ص 299 والاستذكار لابن عبد البر ج 1 ص 75 و ج 2 ص 98 و 101 وریاض الصالحين ص 493 وعقد الدرر ص 286 ونظم درر السمطين ص42 ونصب الراية ج 2 ص 175 وموارد الظمآن ج 7 ص 27 والجامع الصغير ج 1 ص 517 والتمهيد لابن عبد البر ج 5 ص 208 و 209 وج 6 ص 392 و 393 وج 21 ص 69 و 73 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج11 ص 407 و 422 و 477 وفيض القدير ج 3 ص 354 والتبيان في تفسير القرآن ج 3 ص 526 ومجمع البيان ج 3 ص 335 وروض الجنان ج6 ص 382 وزبدة التفاسير ج 2 ص 262 والبرهان ( تفسير ) ج 2 ص 300 وأحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 418 وتفسير البغوي ج 3 ص 129 وأحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 50 والمحرر الوجيز ج1 ص183 وتفسير الرازي ج 3 ص 194 و ج 25 ص 105 وتفسير الثعالبي ج 1 ص 285 وتفسير الآلوسي ج 19 ص 122 والدرر النجفية ج 2 ص 276 والإحكام لابن حزم ج4 ص 433 .

فهل عدم الاستيقاظ الظاهري كان في سياق التدبير الإلهي، بأن لا يحصل الاستيقاظ السريع، أو هو التزام بحالة ظاهرها النوم، لأنه يريد التمهيد لخروج الحسنين «عليهما السلام» لإنجاز المهمة التي رأيا أنهما مطالبان بإنجازها في حديقة بني النجار. كما أن حيرة الحسنين في هذا الموقع بالذات لها نفس هذه الحالة وتدخل في نفس ذلك السياق.

إعظام الحسين للإمام الحسن «علیهما السلام» :

وقد لاحظنا» أن الإمام الحسين «عليه السلام» لم يعترض، ولم يناقش، ولا أبدى رأياً ، ولا تعلل بأية علة، للتخلص من أوامر أخيه، فكان بذلك المصداق الصادق لقول الإمام الباقر «علیه السلام»: «ما

تكلم الحسين بين يدي الحسن إعظاماً له، ولا تكلم محمد ابن الحنفية بين يدي الحسين «عليه السلام» إعظاماً له» (1)وهذا من ذاك.

على أن من الواضح: أن انقياد الإمام الحسين «عليه السلام» هنا لم يكن انقياد طفولة مغفلة، لا تدري إلى أين يذهب بها، بل كانت طفولة إمامة، فقد أتاه الله الحكم صبياً، وهو كعيسى بن مريم يكلم الناس في المهد وكهلاً ، وجعله الله مباركاً، وأوصاه بالصلاة والزكاة ما دام حياً. فهو يساير أخاه مسايرة واعية ومن موقع المشاركة في السعي لتحقيق الهدف الإلهي، لتحصيل الثواب.

واللافت أيضاً: هذه الطمأنينة والثقة لدى الحسنين «عليهما السلام»، حيث اعتنق كل منهما الآخر وناما دونما وحشة أو رهبة.

النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» يفتقد ولديه:

إنه «صلی الله علیه و آله وسلم» بمجرد افتقاد ولديه ظهرت على وجهه علائم الاهتمام بالأمر، ولا ندري لماذا لم نجد عائشة تبادر إلى إخبار الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم» بالنور الذي سطع للحسنين، ومشيا فيه، لكي تدخل السرور على قلبه ويسكن، ويطمئن. بل بقيت ساكنة ساكتة، وكأنها لم ترَ ولم تسمع شيئاً، فرأينا كيف أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» قد أصحر بالإعذار لهما أمام الله سبحانه وتعالى، مبينا: أن


1) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 169 وبحار الأنوار ج 43 ص 319 والعوالم ج 16 ص 100 .

سبب خروجهما «عليهما السلام» هو المخمصة والمجاعة.

ثم شفع ذلك بجعل الله تعالى وكيلاً عليهما، وحافظاً لهما.

وجاءت المفاجأة الثانية، وهي مفاجأة سطوع النور لرسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، ليكون هو الهادي للنبي «صلی الله علیه و آله وسلم» إليهما، كما كان الهادي للحسنين قبل ذلك أيضاً.

وصار يمضي «صلی الله علیه و آله وسلم» في ذلك النور حتى أتى حديقة بني النجار، لكي يرى «صلی الله علیه و آله وسلم» المعجزة الكبرى هناك، وهي تتكون من العناصر التالية:

ألف : الحسنان «عليهما السلام» نائمان وقد اعتنق كل منهما صاحبه.

وقد تقشعت السماء فوقهما كطبق.

فهي تمطر كأشد ما يكون مطراً رآه الناس قط.

وقد منع الله عز وجل المطر عنهما في البقعة التي هما فيها نائمان، ولا ينزل عليهما منه قطرة واحدة.

ب: قد اكتنفتهما حية، لها شعرات كاجام القصب، وجناحان: جناح غطت به الحسن، وجناح غطت به الحسين.

ج: إن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» لم يبادر إلى إيذاء الحية، ولو بالتهويل عليها لطردها، لأنه عرف أنها بصدد حراستهما، فإن الوضع الحاني عليهما، الذي اتخذته لنفسها، لا يبقي مجالاً للشك في ذلك ..

فهي في موقع المحسن المحب، لا في موقع العدو المؤذي. لذلك اكتفى «صلی الله علیه و آله وسلم» بالتنحنح، لإعلامها بأنه لا يريد أن يتخذ تجاهها موقفا عدائياً، وبأن مهمتها قد انتهت ، وعليها ترك موقعها.

فانسابت مسجلة الفصل الثالث من فصول المعجزة، الذي تثبت الحق للشكاكين والمنكرين للحق الذي جعله الله لأهل الحق. نعم، انسابت وهي تقول: اللهم إنى أشهدك وأشهد ملائكتك أن هذين شبلا نبيك قد حفظتهما عليه، ودفعتهما إليه سالمين صحيحين.

د: ثم تأتي المعجزة التالية، وهي إخبار هذه الحية نفسها رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» بأن ما جرى كان بأمر من منادٍ ناداها، وأمرها بحفظ الحسنين «عليهما السلام»، فقد قال لها النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»: أيتها الحية من أنت؟!

قالت: أنا رسول الجن إليك.

قال: وأي الجن؟!

قالت: جن نصیبین، نفر من بني مليح، نسينا آية من كتاب الله عز وجل، فبعثوني إليك لتعلمنا ما نسينا من كتاب الله.

فلما بلغت هذا الموضع سمعت منادياً ينادي: أيتها الحية، هذان شبلا رسول الله، فاحفظيهما من العاهات والآفات، ومن طوارق الليل والنهار، فقد حفظتهما وسلمتهما إليك سالمين صحيحين.

وأخذت الحية الآية وانصرفت.

فإن هذه البيانات قد أظهرت:

أولاً: أن الحية تتكلم.

ثانياً أنها من جن نصيبين.

ثالثاً : أنها من المؤمنين.

رابعاً: إن الجن يقصدون الرسول في تعلم آيات الكتاب، وأحكام وحقائق دينهم.

خامساً: يبدو أن النسيان للآية من كتاب الله كان شاملاً لجميع أولئك المؤمنين من الجن.

سادساً: إنها تفيد إلى أي حد يجب أن يكون المؤمن مهتماً يحفظ دينه وشريعته، وكتابه.

سابعاً: إن الاهتمام بالأئمة الطاهرين «عليهم السلام»، وحفظ حياتهم من الآفات والعاهات واجب عقلي لا يحتاج إلى نص شرعي.. وهو شامل للإنس والجن والملائكة.

ثامناً: أظهرت هذه البيانات: أنه قد كان هناك حارس آخر للحسنين قبل حراسة الحية لهما.. ولكنه لم يعلمنا إن كان هذا الحارس من الجن أو الملائكة أو الإنس.

تاسعاً: وقد وجدنا أن هذا الحارس قد كلف هذه الحية بحراسة الحسنين من أمور أربعة هي التالية:

1 - حراستهما من العاهات: وقد فسرت العاهة بالآفة، وهى المرض الذي يصيب الشيء، أو الإنسان فيعيبه عيباً ظاهرا، وقيل: العاهات البلايا.

2 - حراستهما من الآفات: وهي مرض مفسد للأشياء التي يصيبها، وقيل: آفة العلم النسيان.

3 - حراستهما من طوارق الليل، وهي الأمور التي تفرض نفسها في عماية الليل على من لا ناقة له فيها ولا جمل، بل يكون مجرد ضحية لها، ولا يعرف عنها شيئاً، كما لو ارتطم وحش ضخم الجنَّة برجل نائم، فألحق به ضرراً قد يصعب التخلص من تبعاته.

4 - حراستهما من طوارق النهار ، وهي المصائب والبلايا التي تنزل على بعض الناس أيضاً، من دون أن يكون لهم يد فيها، كما لو ضربت رجلا سيارة مسرعة ، أو أسقطوا عليه حجرا من جبل، فألحق به الأذى في وضح النهار .

عروض المساعدة في حمل الحسنين علیهما السلام :

1 - ويلاحظ أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» حين أراد العودة من حديقة بني النجار إلى البيت، وحمل شبليه على كتفيه، عرض عليه أحد أصحابه أن يحمل عنه أحد شبليه ليخفف عنه، فقال له «صلی الله علیه و آله وسلم»: امض، فقد سمع الله كلامك، وعرف مقامك. وتلقاه آخر، فطلب منه مساعدته في حملهما أيضاً، فسمع نفس الجواب السابق.

2 - ثم تلقاه علي «عليه السلام»، فلم يخاطبه بما خاطبه به الأولان بل قال له: ادفع إلي أحد شبلي وشبليك، لكي يظهر للناس أنه إذا أعطاه أحدهما ، أو كليهما، فإنه يكون قد أعطاه حقه، حيث إنهما

شبلا علي «عليه السلام» أيضاً ، كما هما شبلا رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم».

فانتقال الشبل إلى حضن أبيه أمر طبيعي، فلا يحدث في نفس الذي يصير منهما إلى علي «عليه السلام» أي شعور بالغبن، أو أية حالة نفسية غير مرغوب فيها، فهو في حضن أبيه، لا في حضن رجل غريب..

بخلاف ما لو كان رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» قد أعطاه لأحد الشخصين اللذين ليس لهما موقع ولا خصوصية علي «عليه السلام».

3- يلاحظ أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» لم يعرض على الحسنين في كلتا الحالتين أن يذهب إلى حضن أي من الرجلين الأولين، اللذين طلبا واحداً منهما. ولكنه عرض على كل من الحسن والحسين ما اقترحه أبوهما، فقال: «هل تمضي إلى كتف أبيك»؟! وهذا من شأنه أن يرفع الحرج النفسي عن الحسنين «عليهما السلام»، إذا عرض ذلك عليهما. وهو يرضيهما، من حيث إنه لا يفرض عليهما إلا ما يرغبانه.

4 - واللافت هنا: أن كلا من الحسن والحسين «عليهما السلام» قد أصر على بقائه على كتف جده، استناداً إلى معادلة ترضي أباهما وتفرح قلبه.

وترضي جدهما بصورة أوفى وأتم.

وترضي أيضاً روحهما «صلوات الله وسلامه عليهما»، حيث قال كل منهما والله يا جداه، إن كتفك لأحب إلي من كتف أبي.

فدلا بذلك على أنهما يحبان كتف أبويهما، لكن هناك ما هو أحب إليهما من الآخر ، وهو كتف أشرف المرسلين، ورسول رب العالمين.

وهذا الحب الشديد لرسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» لا ينافي حبهما لعلي، لأنه نفس النبي «صلی الله علیه و آله وسلم».. ولذا قلنا: إن هذا يفرح قلب علي «عليه السلام» أيضاً.

النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» يطلب اصطراع الحسنين علیهما السلام:

ثم تذكر الرواية أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» طلب من الحسنين «عليهما السلام» أن يصطرعا.. وقد قدمنا الحديث عن هذه القضية في بعض فصول هذا الكتاب. فليراجع ما ذكرناه هناك.

الفصل الثالث: حديث هارون الرشيد

اشارة

حديقة بني النجار.. الرواية الثانية:

روي مرفوعاً إلى إسحاق بن سليمان الهاشمي عن أبيه قال: إنهم كانوا عند هارون الرشيد، فتذاكروا علي بن أبي طالب «عليه السلام»، فقال أمير المؤمنين هارون: تزعم العوام أني أبغض علياً، وولده حسنا، وحسينا، ولا والله ما ذلك كما يظنون، ولكن ولده هؤلاء، طالبنا بدم الحسين معهم في السهل والجبل حتى قتلنا قتلته، ثم أفضى إلينا هذا الأمر، فخالطناهم فحسدونا ، وخرجوا علينا، فحلوا قطيعتهم.

والله لقد حدثني أمير المؤمنين المهدي، عن أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال: بينما نحن عند رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» إذ أقبلت فاطمة «عليها السلام» تبكي، فقال لها النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» ما يبكيك؟! قالت: يا رسول الله إن الحسن والحسين خرجا، فوالله ما أدري أين سلكا.

فقال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»: لا تبكين فداك أبوك، فإن الله عز وجل خلقهما، وهو أرحم بهما اللهم إن كانا أخذا في بر، فاحفظهما ، وإن كانا أخذا في بحر، فسلمهما.

فهبط جبرئيل «عليه السلام»، فقال: يا أحمد، لا تغتم ولا تحزن، هما فاضلان في الدنيا، فاضلان في الآخرة، وأبوهما خير منهما، وهما في حظيرة بني النجار نائمين، وقد وكل الله بهما ملكاً يحفظهما .

قال ابن عباس: فقام رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» وقمنا معه حتى أتينا حظيرة بني النجار، فإذا الحسن معانق الحسين، وإذا الملك قد غطاهما بأحد جناحيه، فحمل النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» الحسن، وأخذ الحسين الملك، والناس يرون أنه حاملهما.

فقال له أبو بكر ، وأبو أيوب الأنصاري: يا رسول الله، ألا نخفف عنك بأحد الصبيين.

فقال : دعاهما، فإنهما فاضلان فى الدنيا، فاضلان في الآخرة، وأبوهما خير منهما.

ثم قال: والله، لأشرفنهما اليوم بما شرفهما الله، فخطب، فقال:

يا أيها الناس، ألا أخبركم بخير الناس جدا وجدة؟!

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال الحسن والحسين، جدهما رسول الله، وجدتهما خديجة بنت خویلد.

ألا أخبركم أيها الناس بخير الناس أباً وأماً؟!

قالوا: بلى يا رسول الله .

قال: الحسن والحسين، أبوهما علي بن أبي طالب، وأمهما فاطمة

بنت محمد.

ألا أخبركم أيها الناس بخير الناس عماً وعمة؟!

قالوا: بلى يا رسول الله .

قال: الحسن والحسين، عمهما جعفر بن أبي طالب، وعمتهما هانئ بنت أبي طالب.

ألا يا أيها الناس ألا أخبركم بخير الناس خالاً وخالة؟!

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: الحسن والحسين، خالهما القاسم ابن رسول الله، وخالتهما زينب بنت رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم».

ألا إن أباهما في الجنة، وأمهما في الجنة، وجدهما في الجنة، وجدتهما في الجنة، وخالهما في الجنة، وخالتهما في الجنة، وعمهما في الجنة، وعمتهما في الجنة، وهما في الجنة، ومن أحبهما في الجنة، ومن أحب من أحبهما في الجنة (1).


1) كشف الغمة ج 2 ص 146 - 148 وبحار الأنوار ج 43 ص 301 - 303 وج 37 ص 91 وج 36 ص 319 و ج 23 ص 112 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 319 وكشف اليقين للحلي ص 315 وراجع: الأمالي للصدوق ص 22 و 523 وشرح الأخبار ج 3 ص 119 و 120 ومناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 239 والفضائل لابن شاذان ص 118 و 119 والطرائف لابن طاووس ص 91 و 92 وحلية الأبرار ج 2 ص 144 و 145 و ج 3 ص 279 - 282 وكتاب الأربعين ص 358 و 359 والروضة في المعجزات والفضائل لابن شاذان ص131 ومدينة المعاجز ج 3 ص 281 و نظم درر السمطين ص 212 و 213 وبشارة المصطفى ص 185 - 186 و 267 - 268 والمناقب للخوارزمي ص 287 - 289 والدر النظيم ص 774 و 775 وإرشاد القلوب للديلمي ج 2 ص 428 - 430 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 723 - 724 .

وفي نص آخر: «وأما خالهما ، فإبراهيم والقاسم ابنا رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، وخالتهما رقية وزينب وأم كلثوم» (1).

قبل أن ندخل في الرواية التالية:

وقبل أن ندخل في الرواية التالية حول ما جرى في حديقة بني النجار نود التذكير: بأن هناك مطالب مشتركة بين الروايات، وإعادة التعرض لها مرة بعد أخرى، ستكون بلا فائدة ولا عائدة، كما أن هناك أموراً تكون على درجة كبيرة من الوضوح، سيكون التعرض لها غير ذي أثر ، بل يكون فاعل ذلك كناقل التمر إلى هجر، بدليل أنها مذكورة صراحة في ضمن النص.

ونحن لا نمنع من أن تكون رواية تتلاقى مع الأخرى فى أكثر


1) مناقب أمير المؤمنين «عليه السلام» لسليمان الكوفي ج2 ص411 والأمالي للصدوق ص 533 وكفاية الأثر للخزاز ص 98 وروضة الواعظين ص 122 .

مواردها، ثم تنفرد ببعض الأمور، ليس لأن الحادثة الواحدة تحولت إلى حادثتين، بل لأن غرض الناقل قد تعلق بنقل خصوصية لم يتعلق غرض الناقل للرواية الأخرى بالتعرض لها. وهذا لا يجعل الحدث الواحد اثنين، لكي يتم الحديث عن كيفيات الجمع بينهما.

هارون الرشيد يروي عن آبائه:

يقول هارون الرشيد العباسي: تزعم العوام أني أبغض علياً، وولده حسناً وحسيناً.. ثم ينكر ذلك، ويدَّعي: أن بني العباس طالبوا بدم الحسين مع بني علي في السهل والجبل حتى قتلوا قتلته، ثم أفضى الأمر إلى بني العباس، فخالطوهم وحسدوهم، وخرجوا عليهم، فحلت

قطيعتهم.

ونقول:

في هذا الكلام المزيد من التدليس والمواربة في بيان الحقيقة..

فأولاً: إن الرشيد يريد أن يوحي للناس بأن العباسين كانوا متفضلين على إخوانهم من بني علي بطلبهم بثارات الإمام الحسين معهم في السهل والجبل، حتى قتلوا قتلته.. وهذا غير دقيق.

ألف: لأن المختار الثقفي هو الذي تتبع قتلة الحسين وقتلهم.

ب: إن بني علي «عليه السلام» لم يشاركوا مشاركة فعالة في الحرب مع العباسيين ضد الأمويين، لأن الكبار من آل علي «عليه «السلام» قد رفضوا هذه المشاركة، حين رأوا أن المسار ليس هو المسار الذي يمكن الاعتماد عليه، فقد أمعنوا بقتل الأمويين لكي

يضعفوهم، ويسقطوا دولتهم، ولم يشركوا آل علي «عليه السلام» إلا على سبيل الكيد السياسي، لمعرفتهم بأن إعلان الأخذ بثارات آل علي هو الذي يلهب المشاعر، ويثير الأحاسيس.

فأرادوا أن يرضوا آل علي ببعض الفتات، ثم العمل على التخلص من الذين يرون فيهم خطراً على حكومتهم..

ولكن بني العباس - بمجرد أن حصلوا على ما أملوا، ونالوا ما أرادوا، وبعد أن أنزلوا بأعدائهم من بني أمية ضرباتهم القاسمة، ووطدوا أركان دولتهم، وأقاموا دعائمها، وقضوا على خصومها في عهد السفاح الذي لم يدم سوى أربع سنوات - بعد هذا كله، تفرغوا لآل علي «عليه السلام»، فأوغلوا في دمائهم على يد أبي مسلم أيما إيغال.

واستمر ذلك في عهد المنصور، حتى لقد قال الخوارزمي: «وسلط عليهم - أي على آل علي - أبا مجرم، لا أبا مسلم، يقتلهم تحت كل حجر ومدر، ويطلبهم في كل سهل وجبل» (1). وظهر حقدهم بصورة أكبر وأكثر بحرثهم لقبر الحسين «عليه السلام»، وبملاحقتهم لزواره، حيث صاروا يضطهدونهم كأشد ما يكون الاضطهاد.

وقد أمعن المنصور - الذي تفرغ تقريباً لخصوم دولته من الداخل، وهم بنو الحسن بالدرجة الأولى - في التنكيل بكل من قدر


1) رسائل الخوارزمي (طبع القسطنطينية سنة 1297هـ) ص130 وضحى الإسلام ج 3 ص 296 و 297 .

عليه من آل علي، كما أنه صار يلاحق زوار كربلاء بلا هوادة، وينزل بهم أشد العقوبات، ويتفنن في التنكيل بهم، والتضييق عليهم. وكان الذي يزيد في إحراج بني العباس مع بني علي «عليه السلام»: أن الشعارات التي رفعها العباسيون، وأوصلتهم إلى الحكم هي تلك التي استعاروها من بني علي «عليه السلام»، للتسويق لمظلومية أهل البيت وتحريك الجماهير تحت هذا الشعار.

ولم يكن من الصعب على الناس العاديين التمييز بين هؤلاء وهؤلاء، وتلمس الفوارق بين النهجين، وبين رجالات الفريقين، حتى مع وجود فريق إعلامي لبني العباس، كان يجهد لتكريس شخصيات عباسية على أنهم علماء أتقياء ، حكماء، وما إلى ذلك.

وفي كتابنا: الحياة السياسية للإمام الرضا «عليه السلام»، في الفصول التي وردت بعنوان ممهدات، فوائد و عوائد كثيرة تقطع الشك باليقين في جميع هذا الذي قلناه، وسواه.

ويبدو: أن عقدة الحقارة التي كانت تهيمن على رجالات

العباسيين كانت شديدة التأثير عليهم.

حيث يقول أبو فراس:

ثم ادعاها بنو العباس ملكهم *** وما لهم قدم فيها ولا قدم

لا يذكرون إذا ما معشر *** ولا يحكم في أمر لهم حكم

ولا رآهم أبو بكر وصاحبه *** أهلا لما طلبوا منها وما زعموا

فهل هم يدعوها غير واجبة *** أم هل أئمتهم في أخذها ظلموا

وقد كتب أبو مسلم الخرساني للمنصور، يذكره بهذه الحال، ويمن عليهم بأنه هو سبب إعزازهم، وولي نعمتهم، يقول:

«.. وأظهركم الله بي بعد الإخفاء، والحقارة والذل، ثم استنقذني بالتوبة الخ..» (1).

فهم لا تاريخ لهم، ولا سوابق، وليست لديهم خصائص ومزايا، ولا جهاد وتضحيات، ولا علوم ومعارف، ولا يشبهون آل علي «عليه السلام» في شيء من هذا وسواه.

وقال المنصور لعمه عبد الصمد بن علي: «نحن بين قوم رأونا بالأمس سوقة، واليوم خلفاء، فليس تتمهد هيبتنا إلا باستعمال العقوبة،


1) البداية والنهاية ج 10 ص 64 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 10 ص 69 وراجع تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 131 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 8 ص 7 والكامل في التاريخ ج 5 ص 470 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 8 ص 355 وراجع: أنساب الأشراف ج 4 ص 204 والنزاع والتخاصم ص 146 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 132 و 133 والفتوح لابن أعثم ج 8 ص 359 و 360 وسير أعلام النبلاء ج 6 ص 63 .

ونسيان العفو»(1).

وقالوا: إن المنصور أول من سن هدم قبر الحسين «عليه السلام» في كربلاء (2).

أما المتوكل، فلم يزل يأمر بحرث قبر الحسين «عليه السلام» مدة عشرين سنة، ويحاول أن يغرقه بالماء، والقبر على حاله لم يتغير، ولا يعلوه قطرة من الماء (3).

يقول الخوارزمي: «وحرثوا تربة الحسين «عليه السلام» بالفدان ونفوا زواره إلى البلدان» (4).


1) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 267 و (ط أخرى) ص 323 وإمبراطورية العرب ص 491 والإمام الصادق والمذاهب الأربعة، المجلد الأول ج 2 ص 534 والبداية والنهاية ج 10 ص 69 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج2 ص133 وغير ذلك.

2) تاريخ كربلاء، لعبد الجواد الكليدار آل طعمه ص 193.

3) بحار الأنوار ج 45 ص 404 و 401 و 405 والعوالم، الإمام الحسين ص 727 و 728 و 729 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 221 الكامل في التاريخ ج 7 ص 55 وراجع: البداية والنهاية ج 10 ص 315 وتاريخ الأمم والملوك (ط دار المعارف) ج 9 ص 185 وتاريخ الخلفاء ص347 وشذرات الذهب ج 2 ص 86 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 309 وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 236) ص 18 و 19.

4) الحياة السياسية للإمام الرضا (الطبعة الثانية سنة 1403هـ) ص 105 و (الطبعة الثالثة سنة 1430هـ) ص 127 عن رسائل الخوارزمي (طبع القسطنطينية سنة 1297هـ) من ص 130 إلى ص 140 ونقل شطراً كبيراً منها: سعد محمد حسن في كتابه: المهدية في الإسلام ابتداء من ص58 وذكر شطراً منها أيضاً الدكتور أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام ج3 ص 297 فما بعدها، فراجع. وهي موجودة بتمامها في مجموعة خطية من تأليف سيدي الوالد «وحمه الله» الله سماها «مجمع الفوائد، ومجمل العوائد» ابتداء من ص 45 .

وقال أيضاً : «إن هارون مات وقد حصد شجرة النبوة، واقتلع غرس الإمامة»(1).

وهذا غيض من فيض، لا مجال لخوض غماره، ولا لسبر أغواره، ولا لمعالجة تياره، لكثرة شواهده، وغزارة دلائله، فلا محيص عن إرجاع الأخوة الأكارم إلى باقة يسيرة أودعناها في كتابنا: الحياة السياسية للإمام الرضا «عليه السلام»، فلعلها تعطي لمحة عما نرمي إليه، وندل عليه.

بين رواية زيد ورواية هارون:

من الفوارق بين رواية هارون، وبين رواية الشحام: أن رواية زيد لم تذكر مجيء فاطمة «عليها السلام» باكية، طالبة البحث عن ولديها، بل اكتفت بدعاء النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، ثم سطع النور الذي هدى النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» إلى موضعهما في حديقة بني


1) الحياة السياسية للإمام الرضا (الطبعة الثانية سنة 1403هـ) ص 102 و (الطبعة الثالثة سنة 1430هـ) ص 123 .

النجار.

ولا نرى منافاة بين الروايتين، فلعل غرض الراوي تعلق بذكر خصوصية، وتعلق غرض الآخر بإهمالها، ربما لأنه رأى مجيء فاطمة «عليها السلام» بحثاً عن ولديها أمراً عادياً تفعله كل أم في مثل هذه الحالات.

ولكن قد يرد هنا سؤال يقول : إذا كان الحسنان «عليهما السلام» قد غابا إلى الصباح - كما في الرواية الأولى المتقدمة عن زيد الشحام - عن أمهما، فلماذا لم تفتقدهما، ولم تسأل عنهما إلى أن طلع الصباح ؟! ألا يعد هذا غفلة، أو إهمالاً للواجب.

ويجاب :

بأنه لا يعد إهمالاً ولا تسامحا بالقيام بالواجب، إذا كانت تعرف أنهما في كنف جدهما الذي هو أحرص عليهما من كل أحد، وهو لا يزال مراقباً لهما لحظة بلحظة .. فلما طلعت الشمس، ولم تسمع لهما حساً، وعرفت أنهما ما كانا برعاية جدهما انتابها القلق عليهما..

بكاء الزهراء علیها السلام لماذا؟! :

قد يقول قائل: لماذا رأينا النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» قد ظهر ثابت الجأش، عظيم الثقة بحفظ الله تعالى لهما، ولكن فاطمة «عليها السلام» ظهرت باكية العين، ضعيفة الثقة بحفظ الله تعالى لولديها، فأين هو توكلها، ويقينها وثباتها؟!

ونجيب:

بأن بكاء فاطمة «عليها السلام» دليل كمالها في إنسانيتها، وفي أحاسيسها، ومشاعرها، وعلاقتها بولديها اللذين لهما هذه الأوصاف التي لا نظير لها، ولمعرفتها بأن الله تعالى يؤهلهما لأمر عظيم، فإن خشيتها عليهما تصير أشد، كما أن خوفها من أن يصيبهما مكروه من قبل اليهود أو المنافقين يوجب تضييع الهدف الرباني يصير أقوى، وأدعى لمعرفة مصيرهما، وما جرى لهما..

نقول هذا .. بعد أن تقرر لدينا من خلال ما دلت عليه الأخبار: أن النبي وأهل بيته المعصومين «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين» فيما يرتبط بأمورهم الشخصية العادية - لا يستعملون قدراتهم الغيبية، ولا يتعاملون بالكرامة، ولا يستشرفون الغيب إلا في مصالح الدين، وأهل الدين.. وهذا ما يوجب زيادة المثوبة والمحبة الإلهية لهم.

فهي إذن لا تخاف عليهما لأنهما ولداها وحسب، بل لأنهما الولدان اللذان يحبهما الله ورسوله، الجامعان لصفات الكمال والجمال بأسمى معانيها. وقد انعقدت عليهما الآمال، في إصلاح الأمة، وفي هدايتها ورعايتها، وأصبحا موضع التدبير الإلهي، والعناية الربانية أيضاً بأوسع معانيها.

وفي هذه الحالة يكون بكاؤها «عليها السلام» لأجل الله، لا لمجرد كونهما ابنين لها.

أما النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» فالمفروض به: أن يبقى رابط الجأش، لكي يحفظ التوازن العام، وأن يكون ما يتفوه به هو عين

الحكمة، ومحض العقل.. لا يقول ولا يفعل أي شيء يثير الخوف أو القلق لدى الناس، فهو لم يتفوه بغير الحق، ولم ينطق إلا بالصدق. ومع الدليل الصريح، والبرهان المقنع والصحيح.

حيث قال: إن الله عز وجل أرحم بهما، ودليله على ذلك: أنه تعالى هو الذي خلقهما. ثم دعا لهما بالسلامة، إن كانا قد أخذا في بحر، لأن البحر مظنة الهلاك، وإن كانا قد أخذا في بر، فالدعاء المناسب هو حفظهما من العوارض والطوارق.

الحسنان «عليهما السلام» خير الناس بعد أبيهما:

ويتدخل هنا جبريل ليعلن سلامتهما استناداً إلى دليل آخر ذي شقين، لا نقاش فيهما، ولا ريب يعتريهما.

فأولاً : هما ليسا مجرد طفلين يتصرفان بطيش ورعونة وتسرع، وميلا مع الهوى، بل هما شخصان فاضلان، والفاضل يتصرف بحكمة، ومعرفة، ورصانة، ووعي.

بل هما قد بلغا الغاية في الفضل، ولا يسبقهما أحد في ذلك سوی أبيهما ، فهل يعقل أن يصدر منهما إلا الخير والسلامة والصحة، بحيث لا يضاهيهما في ذلك أحد من الناس، فلِمَ القلق إذن، ولِمَ البكاء ؟!

وثانياً : إن من كان بهذه السن، وكانت له هذه السمات والصفات العتيدة والفريدة، برغم صغر سنه، لا بد أن يكون مرعياً بعين الله، ومشمولاً لألطافه، وعناياته، فإنه لا مجال للتفريط بفرد نادر كهذا.

ولأجل ذلك كان من الطبيعي أن يوكل الله تعالى بهما ملكاً

يحفظهما ، كما قال جبرئيل «عليه السلام».

ولعلك تقول: إذا كان الحسنان «عليهما السلام» يمتلكان الوعي والحكمة والعلم و... و...، فكيف يضيعان عن البيت الذي نشأا فيه، مع أن المسافة بينه وبين بيت جدهما لا تزيد على أمتار قليلة؟! فإن أي طفل بهذا السن لا يضيع عن بيته.

ويجاب: بأنه ليس فى الروايات أنهما خرجا قاصدين بيتهما، بل فيها أن البرقة أضاءت لهما فتبعا النور حتى وصلا إلى المكان الذي ناما فيه.. وهذا من دلائل العناية الإلهية بهما، وأن الله هو الذي أوصلهما بواسطة البرقة إلى ذلك المكان ليناما فيه وتحرسهما الحية، وتظهر الكرامة الإلهية لهما.

من الذي حمل الحسنين ، وغطاهما؟!:

وقد اختلفت هذه الرواية وسابقتها في موارد:

فأولاً : رواية الشحام تقول : إن الحية هي من جن نصيبين. ورواية الرشيد تقول: إنه ملك غطاهما «عليهما السلام» بأحد جناحيه.

ثانياً: لعل ابن عباس هو الذي تخيل أن هذا الذي غطاهما ملك، وليس جناً.

ولعله لم يسمع ما دار بين تلك الحية وبين النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» حين أخبرته عن نفسها، وعن حالها، وسبب مجيئها.

ثالثاً : ذكرت رواية زيد الشحام أن رجلين طلبا مساعدته «صلی

الله علیه و آله وسلم» في حمل شبليه، فلم يستجب النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» لهما ، فطلب علي «عليه السلام» ذلك، فأرجع النبي الأمر إلى شبلیه، فاختارا البقاء على كتف الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم» أيضاً .

رابعاً: صرحت الرواية : بأن حامل الحسين كان هو الملك «عليه السلام»، ويرى الناس أن حامله هو النبي «صلی الله علیه و آله وسلم».

خامساً: صرحت رواية هارون: بأن اللذين طلبا مساعدة النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» في حمل شبليه هما «أبو بكر، وأبو أيوب».

تشريف النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» للحسنين :

زادت رواية هارون الرشيد تشريف النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» لهما ...

بأن أخبر «صلی الله علیه و آله وسلم» الناس بأنهما «عليهما السلام» خير الناس أماً وأباً ، وجداً، وجدة، وعماً، وعمة، وخالاً، وخالة.

ونقول:

1 - إن الكمال في ذات الحسين أمر مشهود وموجود، ولا يماري فيه أحد. ولكن قد يخطر على بال من لم يرتضع من ثدي الهداية، ولا ذاق طعم الولاء والولاية: أن هذه الصفات الحميدة قد لا تكون متجذرة في عمق الذات، بل هي أمور ..عارضة فرضها عليه المعشر أو البيئة، كما أنها قد تتأثر بصورة غير مباشرة بعامل وراثي، فإن العرق دساس، وقد يكون المرء على غاية الاستقامة، ثم يعرض له بعض الوهن بسبب عرق دساس جاءه من طرف عم أو خال، أو

خالة، أو ما إلى ذلك.

فجاء هذا البيان النبوي الشريف، الذي عرض لائحة عريضة لمصادر التأثير والتأثر ، ليبين أن هذه المصادر المحتملة للوراثة هي في غاية النقاء والصفاء، فلا يأتي منها غل أو غش، ولا يشوبها شائبة.

2 - رأينا أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» كان يصف كل مورد مورد على الخصوص بالخيرية والتقدم والأفضلية على ما عداه من العمات أو الخالات، أو الأمهات الخ..

3 - يلاحظ أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» قد ذكر من الخالات لهما «عليهما السلام» خصوص زينب. ولعل السبب هو أن زينب المقصودة هي التي ماتت وهي صغيرة. وذكر من الأخوال القاسم.. فلم يشر إلى رقية وأم كلثوم زوجتي عثمان بشيء.. ربما لكي لا يُتوهم أنهما خالتان لهما على الحقيقة. ولكي يظهر: أن المراد بالخالات بناته لصلبه «صلی الله علیه و آله وسلم»، وإن مُثن صغاراً.

كما لم يشر إلى الطاهر، فلعله لقب للقاسم. كما لم يشر إلى إبراهيم، ربما لكي لا يُتوهم أنه لم يكن من أم حرة، والكلام إنما هو في من كانت أمه من الحرائر لا من الإماء.. أو لعله قال هذا القول قبل ولادة إبراهيم.

ووجود روايات أخرى صرحت بذلك لا يدفع الوهن الذي أصاب الاستدلال بأمثال هذه النصوص على بنوة هؤلاء البنات لرسول الله

«صلی الله علیه و آله وسلم» على الحقيقة.. فقد أثبتنا في عدة كتب لنا: أنهن بناته بالتربية والرعاية فقط.

4 - يلاحظ: أن إحدى الروايات قد اختارت من الأخوال والخالات: زينب والقاسم، ولم تذكر غيرهما.

والرواية الأخرى ذكرت: إبراهيم والقاسم.

5 - استنكر البعض ذكر زينب في الرواية، إذ كيف تقرن صبية ماتت في الجاهلية بعلي، وفاطمة، وجعفر، وخديجة، وأم هاني؟!

مع أن الرواية نفسها قد ذكرت القاسم وإبراهيم، مع أنهما قد ماتا صغيرين أيضاً ، فكيف قرنهما بعلي، وفاطمة، وجعفر، وخديجة، وأم هاني.

ويجاب:

بأنه لا أحد يدري ما كان يمكن أن يكون لهؤلاء الذين ماتوا صغاراً من الفضل لو عاشوا ، بل هذه الرواية وأمثالها من دلائل فضلهم ومكانتهم.

الفصل الرابع: روايات.. وملاحظات..

اشارة

في حديقة بني النجار.. الروايات الثلاث الأخيرة:

3 - عن سلمان الفارسي قال: أهدي إلى النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» قطف من العنب في غير أوانه، فقال لي: يا سلمان، ائتني بولدي الحسن والحسين ليأكلا معي من هذا العنب.

قال سلمان الفارسي : فذهبت أطرق عليهما منزل أمهما، فلم أرهما، فأتيت منزل أختهما أم كلثوم، فلم أرهما، فجئت فخبرت النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» بذلك.

فاضطرب، ووثب قائماً وهو يقول: وا ولداه، وا قرة عيناه ، من يرشدني عليهما فله على الله الجنة.

فنزل جبرئيل من السماء، وقال: يا محمد علام هذا الانزعاج ؟!

فقال: على ولدي الحسن والحسين، فإني خائف عليهما من كيد اليهود.

فقال جبرئیل: یا محمد، بل خف عليهما من كيد المنافقين، فإن کیدهم أشد من كيد اليهود، واعلم يا محمد: أن ابنيك الحسن والحسين نائمان في حديقة أبي الدحداح.

فصار النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» من وقته وساعته إلى

الحديقة، وأنا معه، حتى دخلنا الحديقة. وإذا هما نائمان، وقد اعتنق أحدهما الآخر، وثعبان في فيه طاقة ريحان يروّح بها وجهيهما.

فلما رأى الثعبان النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» ألقى ما كان في فيه، فقال: السلام عليك يا رسول الله، لست أنا ثعباناً، ولكني ملك من ملائكة [الله] الكروبيين، غفلت عن ذكر ربي طرفة عين، فغضب علي ربي، ومسخني ثعباناً كما ترى، وطردني من السماء إلى الأرض.

وإني منذ سنين كثيرة أقصد كريماً على الله، فأسأله أن يشفع لي عند ربي، عسى أن يرحمني ويعيدني ملكاً كما كنت أولاً، إنه على كل شيء قدير.

:قال فجثا النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» يقبلهما حتى استيقظا، فجلسا على ركبتي النبي ص«صلی الله علیه و آله وسلم»، فقال لهما النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»: انظرا يا ولدي هذا ملك من ملائكة الله الكروبيين، قد غفل عن ذكر ربه طرفة عين، فجعله الله هكذا، وأنا مستشفع بكما إلى الله تعالى، فاشفعا له.

فوثب الحسن والحسين «عليهما السلام»، فأسبغا الوضوء، وصليا ركعتين، وقالا : اللهم بحق جدنا الجليل الحبيب محمد المصطفى، وبأبينا علي المرتضى، وبأمنا فاطمة الزهراء، إلا ما رددته إلى حالته الأولى.

قال: فما استتم دعاءهما، فإذا بجبرئيل قد نزل من السماء في

رهط من الملائكة، وبشر ذلك الملك برضى الله عنه، وبرده إلى سيرته الأولى، ثم ارتفعوا به إلى السماء، وهم يسبحون الله تعالى.

ثم رجع جبرئيل إلى النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» وهو متبسم، وقال: يا رسول الله، إن ذلك الملك يفتخر على ملائكة السبع السماوات ويقول لهم: من مثلي، وأنا في شفاعة السيدين السبطين الحسن والحسين (1).

البحث عن الحسنين علیهما السلام وهما في كهف :

4 - حدث محمد بن يزيد المبرد النحوي في إسناد ذكره قال: انصرف النبي إلى منزل فاطمة فرآها قائمة خلف بابها، فقال: ما بال حبيبتي ههنا ؟!

فقالت: ابناك خرجا غدوة، وقد غبي علي خبرهما.

فمضى رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» يقفو آثارهما، حتى صار إلى كهف جبل، فوجدهما نائمين، وحية مطوقة عند رؤسهما.

فأخذ حجراً وأهوى إليها.

فقالت: السلام عليك يا رسول الله ! والله ما نمت عند رؤوسهما إلا حراسة لهما.


1) المنتخب للطريحي ج 2 ص 260 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص 454 و 455 وبحار الأنوار ج 43 ص 313 و 314 وراجع: العوالم ج 16 ص 66 ومعالي السبطين ج 1 ص 83 بتفاوت يسير.

فدعا لها بخير، ثم حمل الحسن على كتفه اليمنى، والحسين على كتفه اليسرى، فنزل جبرئيل، فأخذ الحسين وحمله.

فكانا بعد ذلك يفتخران، فيقول الحسن: حملني خير أهل الأرض.

ويقول الحسين: حملني خير أهل السماء (1).

5 - وبإسناده عن الطبراني، بإسناده عن سلمان قال: كنا حول النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، فجاءت أم أيمن ، فقالت: يا رسول الله لقد ضل الحسن والحسين، وذلك عند ارتفاع النهار.

فقال رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»: قوموا فاطلبوا ابني.

فأخذ كل رجل تجاه وجهه، وأخذت نحو النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، فلم يزل حتى أتى سفح الجبل، وإذا الحسن والحسين «عليهما السلام» ملتزق كل واحد منهما بصاحبه، وإذا شجاع (2)قائم على ذنبه، يخرج من فيه شبه النار.

فأسرع إليه رسول الله، فالتفت مخاطباً لرسول الله«صلی الله علیه و آله وسلم»، ثم انساب، فدخل بعض الأجحرة (3).


1) مثير الأحزان لابن نما ص 11 و 12 عن تاريخ البلاذري، وبحار الأنوار ج 43 ص 316 ومدينة المعاجز ج 3 ص 287 و 288 وج 4 ص 18 و 19 ولواعج الأشجان ص13.

2) الشجاع - بالضم والكسر - الحية.

3) كأنه جمع جحر، وهو مكان تحتفره الهوام والسباع لأنفسها، والقياس في جمعه: جحرة وأجحار.

ثم أتاهما فأفرق بينهما ، ومسح وجوههما ، وقال: بأبي وأمي أنتما، ما أكرمكما على الله.

ثم حمل أحدهما على عاتقه الأيمن، والآخر على عاتقه الأيسر.

فقلت : طوبا لكما، نِعْمَ المطية مطيتكما .

فقال رسول الله : ونِعْمَ الراكبان هما ، وأبوهما خير منهما (1).

الرواية الثالثة:

ذكرت الرواية الثالثة: أن سبب تفقد النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» للحسنين «عليهما السلام»: هو أنه أراد أن يطعمهما من قطف عنب أهدي إليه في غير أوانه. فأرسل سلمان الفارسي ليأتيه بهما، فلم يجدهما، لا في منزل أمهما، ولا في منزل أختهما أم كلثوم.

وقد أظهر النبى «صلی الله علیه و آله وسلم» حين علم بفقدهما انزعاجاً وخوفاً، فلماذا كان مطمئناً حين باتا ليلتهما في حديقة بني النجار، وكان منزعجاً وخائفا عليهما هذه المرة !!

ويجاب:


1) بحار الأنوار ج 43 ص 308 و 309 والمعجم الكبير ج 3 ص 65 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 13 ص 662 و 663 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص 432 و 433 ودلائل الصدق ج 6 ص 466 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 9 ص 188 و 189 وج 19 ص 201 و 202 وج 26 ص 283 .

بأن هناك نوعين من الأمور التي يخاف منها على الحسنين «عليهما السلام».

الأول: أن يكون الخوف على الحسنين «عليهما السلام» من الآفات والعاهات، ومن طوارق الليل والنهار، التي تأتي بصورة عشوائية، وبدون مقدمات، ولا مجال للتكهن بها، فهي مما لا عقل له ولا اختيار. ففي مثل هذه الحالة يكون الله سبحانه هو المتكفل بحفظهما، وصونهما من ذلك، لأن التدخل الإلهي لدفع أمثال هذه الأمور عنهما « عليهما السلام» متوافق مع السنن، وليس فيه ظلم، ولا عدوان على أحد.

ولأجل ذلك رأينا السماء تمطر بشدة حوالي الحسنين النائمين «عليهما السلام»، وقد صنع الله حولهما مثل الدائرة، بحيث لا يصل المطر إليهما.. كما أن صونهما من العاهة والآفة، ليس فيه ظلم لا للآفة، ولا للعاهة..

وهكذا يقال بالنسبة للتدخل لتغيير مسير حجر تحركه المياه أو يسقط من شاهق، أو لتغيير مسير الهواء أو الماء، أو مسير الحيوان حتى لا يرتطم بما لا يصح السماح بالارتطام به، فإن ذلك ليس فيه ظلم لذلك الحيوان، بل قد يكون ذلك من مفردات الإحسان إليه.. الثاني: أن يكون الخوف على الحسنين «عليهما السلام» من عدو فاعل مختار، مكلف بطاعة الله باختياره، مثل اليهود، والمنافقين الذين يحاولون المكر والغدر بالصالحين، وفي هذه الحالة لا يمكن أن

يتدخل الله سبحانه لمنع عدوانهم بالقوة والقهر ، لأن ذلك ظلم لهم، ولا يظلم ربك أحداً.

فلا يمكن أن يمنع عينه من الرصد، وسمعه من التنصت، ورجله من السعي، ويده من البطش، وفكره وعقله من التآمر، وحياكة حبائل المكر والكيد، ولا يحول بينه وبين أي عمل يريده، ويتحرك لتنفيذه، بوسائل لا تقع تحت سلطانهم واختيارهم. بل لا بد أن يعاملهم الله تعالى بالوسائل التي تقع تحت اختيارهم.

نعم، يمكن أن يتدخل الله تعالى في مجال آخر، خارج دائرة حركة المكلف المختار، كما حصل بالنسبة لإبراهيم، حيث جاء التدخل الإلهي في دائرة التسبيب، فلم يتدخل الله تعالى لمنع النمرود ومن معه من جمع الحطب، ومن الإتيان بقبس من نار، ومن إحضار المنجنيق ووضع إبراهيم فيه، ومن إشعال النار، وقذف إبراهيم إلى وسطها..

لأن ذلك كله هو فعل المكلفين، ولا يحول الله بين المرء وبين فعل ما يريد.

بل توجه التصرف الإلهى إلى النار نفسها، حيث قال الله تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (1). فمنع تعالى السبب من أن يؤثر أثره، فلم تنتج النار حرارة تحرق، بل أنتجت برداً وسلاماً على إبراهيم.


1) الآية 69 من سورة الأنبياء.

وهذا إنما يكون منه تعالى، إذا كان يريد إقامة الحجة، وإظهار المعجزة المقتضية للبخوع والإيمان، كما كان الحال بالنسبة لإبراهيم «عليه السلام» مع النمرود، فإن منع النار من الإحراق كان كسراً لعنفوان الشرك، وإذلالاً له، وإسقاطاً لأطروحته من أساسها.

وليس في اغتيال الحسنين «عليهما السلام» سراً على يد اليهود، أو المنافقين ما يوجب التدخل خارج دائرة اختيار المكلفين، كما كان الحال بالنسبة لإبراهيم «عليه السلام»، والنمرود حين ألقاه في النار، ولو حصل ذلك، فإنه لن يكون سبباً لظهور، دعوة الحق، وخذلان الباطل.

إذ ما أكثر ما حصلت اغتيالات واعتداءات على الأئمة الطاهرين «عليهم السلام» ، والأنبياء والمرسلين. ولم يكن هناك تدخل إلهي على النحو الذي حصل لإبراهيم «عليه السلام».

المنافقون أشر وأضر من اليهود:

ويبقى هنا سؤالان:

أولهما : لماذا كان كيد المنافقين أشد من كيد اليهود، ليكون الخوف منهم أعظم، أليس الله تعالى يقول: (لتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةَ لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ) ؟! (1).

فالمفروض أن تكون عداواتهم أشد، وأن يكون كيدهم أعظم.


1) الآية 82 من سورة المائدة.

الثاني: إذا كان المنافقون أخطر وأشد من اليهود، فلماذا لم يلتفت النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» إلى هذه الحقيقة، حتى لفت جبرئيل نظره إليها ؟! أليس النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» أفضل وأعلم من جبرئيل، وكان جبرئيل يتعلم منه، وليس العكس؟!

ونجيب على السؤال الأول:

بأن اليهود عدو ظاهر، معلوم الحال.. فيمكن التقليل من شره، والحد من حركته، بمراقبته، ورصد تصرفاته، والتضييق عليه في المسارب والمهارب، لمنعه من تحقيق المآرب.

أما المنافق، فأمره أصعب وأخطر ، ويكفي أن الله تعالى يقول عن المنافقين: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُون)(1). إنهم يظهرون الإيمان والسلامة والسلام، ويبطنون الكفر، والغش، والمكر، والكيد، والغدر، وقد خاطب الله تعالى نبيه، فقال: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النَّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (2).

فالمنافقون مشركون فى الباطن، أو يهود، أو غير ذلك من الملل الكافرة التي لا يمكن تبرئتها من الشرك، ولو بمعناه العام. فهم إذن، مصداق لعنوان أشد الناس عداوة للذين آمنوا في أكثر أحوالهم. فمستوى العداوة لا يلازم مستوى الخطورة، فقد يكون أحد أقل عداوة،


1) الآية 4 من سورة المنافقون.

2) الآية 101 من سورة التوبة.

ولكنه أشد خطورة ، لعوامل أخرى تضاف إلى العداوة.

ونجيب على السؤال الثاني:

بأنه لا ريب في أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»كان يعلم بأن المنافق أشد خطورة من اليهودي، لأجل ما قلناه آنفاً.. ولكنه لم يكن يريد أن يصرح هو بوجود منافقين بين أصحابه، يتربصون الدوائر حتى بالحسنين «عليهما السلام»، مع صغر سنهما. فكان اختيار الحديث عن العدو المعلن بعداوته، وهم اليهود.. ليأتي بالتصريح بتأمر المنافقين حتى على حياة الحسنين «عليهما السلام» على لسان جبرئيل، الذي يعرف الناس أنه إنما يخبر عن الله سبحانه.

وحفظ ظاهر العلاقة للنبي «صلی الله علیه و آله وسلم»مع أصحابه أمر ضروري لاستدامة اندماجهم بالمسلمين، بهدف تيسير أمر الهداية لأبنائهم وإخوانهم، ومن يلوذ بهم من العشائر والأصدقاء، وما إلى ذلك.

حديقة أبي الدحداح :

وقد تقدم: أن بعض الروايات تقول : إنهما «عليهما السلام» كانا نائمين في حديقة بني النجار .. وهذه الرواية تذكر اسم أبي الدحداح.

ولا نرى منافاة بين الروايتين.

فأولاً: إن رواية أبي الدحداح نفسها تعود فتذكر: أنها حديقة بني النجار. فلعل ثابت بن الدحداح أو الدحداحة هو من بني النجار أيضا . وإن لم يكن منهم، وكان مولى، فلعله باعها إليهم، أو اشتراها

منهم، وكان يطلق عليها اسمه تارة، واسمهم أخرى.

غير أن بعض النصوص يشير إلى أن ثمة من يقول: إن ثابت الدحداحة قد استشهد يوم أحد (1).

وهذا يعني: أن تلك البقعة لا تزال تعرف باسم صاحبها الأول.

وهذا يعني أنه استشهد قبل أن يدرك الحسين «عليه السلام» حداً يستطيع أن يكون مع أخيه عنصرا في هذه الحادثة، بل يجري هذا الكلام نفسه في حق أخيه الإمام الحسن «عليه السلام».

وقيل: بل استشهد أبو الدحداح مرجع النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» من الحديبية (2).

ولا نرى ضرورة لتقصي أخبار أبي الدحداح، ومن أراد التوسع فعليه بمراجعة كتب التراجم.


1) راجع الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 203 وج 4 ص 1645 وأسد الغابة ج 1 ص 221 و 222 والإصابة ج 1 ص 503 وقاموس الرجال ج2 ص 444 وج 11 ص 318 والسنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 215 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 14 ص 277 و 274 والمغازي للواقدي ج 1 ص 281 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 165 و التحفة اللطيفة ج 1 ص 226 .

2) راجع: قاموس الرجال ج 2 ص 444 والجوهر النقي ج 6 ص 216 وكشف المشكل لابن الجوزي ج 1 ص 461 و 462 والإصابة ج 1 ص 503 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 176 والوافي بالوفيات ج10 ص 279 والتحفة اللطيفة ج 1 ص 226 .

ويكفي أن يكون من المحتمل أن تكون لأبي الدحداح حديقة قريبة من حديقة بني النجار، أو بالقرب من الجبل، أو بالقرب من الكهف الذي ورد ذكره في الرواية الأخرى.

ولعل الحسنين «عليهما السلام» كانا بالقرب من تلك الحديقة في بعض ما جرى لهما.

الثعبان ملك:

1 - وقد صرحت رواية سلمان المتقدمة برقم [3]: بأن الثعبان الذي كان في فيه طاقة ريحان يروِّح بها وجهي الحسنين، كان ملكاً من ملائكة الله الكروبيين، وليس جنياً من نصيبين. فإن صحت هذه الرواية وتلك، فإن هذه الحادثة تكون قد تكررت أكثر من مرة.

2 - لكن ما يحتاج إلى وقفة شارحة هو: أن هذا الملك الذي كان من الكروبيين يقر على نفسه بأنه قد غفل عن ذكر ربه طرفة عين، فغضب الله عليه، ومسخه ثعباناً، وطرده من السماء إلى الأرض. ولم يزل يبحث عن كريم يشفع له عند ربه، عسى أن يعيده ملكاً كما كان.

ونستفيد من هذا البيان أموراً عديدة:

فأولاً: إن الملك موجود عاقل، ومكلف ومختار، وملائكيته، وعصمته، والمقامات التي يحصل عليها حتى يصير من الكروبيين، إنما هي نتيجة كدهِّ وسعيه وجهده، وعبادته، وذكره الله تعالى.

ثانياً: إن تقصيره في جهده وعمله العبادي من شأنه أن يحرمه من المقامات والمنازل التي يسعى لها. وكان العمل بمثابة الزيت

للسراج، فما دام الزيت موجوداً فيه، فالشعلة تتوهج، فإذا نضب الزيت منه انطفأت الشعلة.. فيكفي أن تعرض للملك غفلة عن ذكر ربه، ولو بمقدار طرفة عين ليفقد تلك النعم، والألطاف والعطاءات، والهبات، والمقامات التي هو فيها.

ثالثاً : إن هذا الفقدان للعطاءات لا يعني حصول الغضب الإلهي المستتبع للعقاب والعذاب.

بل هو يعني: أن صاحب المقامات قد فقد القدرة على تحويلها، ومجرد حرمان من أمر كان الملك يهيء أسباب بقائه واستمراره، فلما توقف الملك عن تهيئة السبب، لم يكن هناك مسبب، تماماً كمن يتلقى الماء من فوهة أنبوب، فإنه إذا سد ذلك الأنبوب، فسوف ينقطع الماء عن التدفق بصورة تلقائية.

ثالثاً: ولكن الملك الذي عاش لذائذ تلك العطايا، وحظي بالمقامات والألطاف، أصبح يرى نفسه مستحقا للغضب الرباني، وللعقوبة الإلهية، لأنه لم يحفظ تلك النعمة الكبرى، فطبيعي أن يرى أن ما هو فيه، هو من أعظم العقوبة، والأشد والأكثر إيلاماً. ولأجل ذلك اعتبر أن ما جرى له كان غضباً من الله ، وأن صيرورته ثعباناً بعد كونه من الملائكة الكروبيين، ليس إلا مسخاً على سبيل العقوبة والتأديب.

رابعاً: إن الهبوط إلى الأرض يعد طرداً من مواقع الرحمة والرضا، فالأرض موضع ترتع فيه الشياطين، وتضج فيه الأهواء، ويبتلى فيها المخلوقات بالمغريات الكاذبة، وتكثر فيها الأضاليل،

والشبهات، فهي انحطاط هائل بالنسبة لمن عاش حياة الطهر، والعبادة مع الملائكة في السماء .. ونعم الرضا الإلهي ، حتى صار يقرأ في لوح المحو والإثبات.

إن هذه القضية تشبه إلى حد ما قصة فطرس، ودردائيل،

وسواهما من الملائكة الذين قصروا في وظائفهم، فابتلوا بالحرمان، وبالنزول إلى الأرض أيضاً. وقد تحدثنا عن ذلك في فصول مستقلة سبقت في هذا الكتاب.

الحسنان يدعوان للملك:

واللافت :هنا أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» لم يبادر هو للدعاء لذلك الملك، بل أوكل هذا الأمر إلى ولديه اللذين جاء الملك لحراستهما.

فيلاحظ هنا: أن ولديه «عليهما السلام» لم يترددا امتثال أمر جدهما، ولم يردا الأمر إليه، ربما لأنهما رأيا أن الأمر قد صدر ليطاع، وليس أمر تخيير . ولو كان النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» يرى أن المصلحة في أن يبادر هو إلى الدعاء لم يطلب منهما ذلك.. حيث يبدو أن المطلوب هو أن يتم الشفاء بدعائهما، لأن ثمة مصلحة للأمة كلها بأن ترى وتعرف موقعهما عند الله تعالى بصورة حسية.

وليعرف الناس : أنهم لا يتعاملون مع طفلين عاديين كسائر الأطفال، بل مع إمامين، هما في منتهى الكمال في صفاتهما، وفي مزاياهما، وفي عملهما، وفي جميع شؤونهما .

وهذا هو السبب في أن هذا الملك قد قدم خدمة جليلة لهما وللأمة بحراسته لهما، وترويحه وجهيهما بطاقة ريحان كانت في فمه.

التوسل بالنبي «صلی الله علیه و آله وسلم» وبعلي، وبالزهراء علیها السلام :

ولا بد أن يكون من حضر ما جرى قد لاحظ: أن الحسنين «عليهما السلام» لم يكتفيا بمجرد الطلب والدعاء، بل توافقا معاً على جعل وسيلتهما إلى الله تعالى القسم عليه بحق ثلاثة هم أفضل وأشرف المخلوقات، وهم:

1 - رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» أولاً .

2 - أبوهما على «عليه السلام».

3 - أمهما فاطمة «صلوات الله عليها».

وما أسرع ما هبط جبرئيل في رهط من الملائكة ليبشروا ذلك الملك برضى الله سبحانه عليه، وبرده إلى سيرته الأولى، ثم ارتفعوا به إلى السماء.

من يرشد إلى الحسين علیه السلام فله الجنة:

وآخر ما نود الإشارة إليه هنا في هذه الرواية : هو أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» جعل نفس الإرشاد إلى موضع وجود الحسنين «عليهما السلام» سبباً كافياً لاستحقاق الجنة.

كما أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» لم يقل: من يرشدني إليهما، فله الجنة، بل أضاف كلمة «على الله»، ليفيد بكلمة «على» معنى

الاستحقاق لذلك المرشد.

فهذا العطاء ليس عدة تفضلية، بل هو حق ثابت على الله سبحانه لمن أرشد إليهما «عليهما السلام».

وطبيعي أنه لا يرشد إليهما، إلا من تابع حركتهما من بدايتها إلى نهايتها، وعرف تفاصيل ما جرى لهما، ولم يتخل عنهما لحظة واحدة، يمكن أن يستفيدا منها لتغيير موقعهما.. وهذه المتابعة الدقيقة التي يريد منها التأكد من سلامتهما، وأن يكون في موقع الهادي إليهما لا تكون إلا من محب وفي، وولي صفي يستحق الجنة بعمله، وبإخلاصه وجهده.

ابناك خرجا غدوة:

وفي الرواية الرابعة نرى: أن السيدة الزهراء «عليها السلام» لا تقول للنبي «صلی الله علیه و آله وسلم» ولداي خرجا، أو الحسنان خرجا غدوة، بل تقول ابناك. وكلنا يعلم: أن ثمة سياسة أموية كانت تجهد لإبعاد الحسنين «عليهما السلام» عن الانتساب إلى رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم». وتقدم بعض الحديث عن هذا الأمر في موضع آخر من هذا الكتاب، وذلك حين الحديث عن آية المباهلة.

كما أن هذا النوع من التعبيير فيه إثارة لمكامن الحب والعطف، ويدعو للمبادرة إلى حسم الأمر..

آخر ما نشير إليه:

وتبقى الروايتان الرابعة والخامسة، وهما روايتان مختصرتان .وإنما ذكرناهما، لأن ثمة بعض الاختلاف بينهما وبين الروايات التي سلفت .

فالرابعة تذكر:

1 - أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» وجد الحسنين في كهف جبل.

2 - وأنه «صلی الله علیه و آله وسلم» حين رأى الحية أخذ حجراً، وأهوى إليها ليضربها به، فألقت الحية السلام عليه، وأخبرته أنها بصدد حراستهما.

3 - وأنه «صلی الله علیه و آله وسلم» دعا لتلك الحية.

وفي الرواية الخامسة والأخيرة نقرأ:

1 - أن أم أيمن هي التي أخبرت النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»بأنهم لا يجدون الحسن والحسين «عليهما السلام».

2 - أنه وجدهما في سفح جبل.

• أنه وجد عندهما شجاعاً قائماً على ذنبه، يخرج من فيه شبه النار.

4 - أن سلمان هو الذي قال للحسنين: طوبى لكما، نِعْمَ المطية مطيتكما.

فقال رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»: ونِعْمَ الراكبان هما.

وأبوهما خير منهما.

وقد تكلمنا حول هذه الفقرة الأخيرة في موضع آخر من هذا الكتاب.

فهذه الاختلافات ربما تشير إلى تعدد الوقائع، أو إلى أن بعض الرواة قد تعلق غرضه بذكر بعض الخصوصيات، ولم ير غيره من الرواة ضرورة لإيرادها، بحسب ما جال في خاطره.

من الكرامات:

وجاء في المرسل : أن فاطمة «عليها السلام» جاءت إلى رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» وهي تبكي.

فقال: ما يبكيك؟!

فقالت: ضاع مني الحسين فلا أجده.

فقام النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» وقد أغرورقت عيناه، وذهب ليطلبه، فلقيه يهودي، فقال: يا محمد ما لك تبكي؟!

فقال: ضاع ابني.

فقال: لا تحزن فإني رأيته على تل كذا نائما. فقصده النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» واليهودي معه، فلما قرب من التل رأى ضباً بفمه غصن أخضر وأرق [لعل الصحيح: وارف]، يرِّوحه به.

فلما رأى الضب النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» قال له بلسان فصيح: السلام عليك يا زين القيامة، وشهد له بشهادة الحق - وكان

معه حسل صغير له - فقال: لم أر أهل بيت أكثر بركة من أهل بيتك، لأن ولدي ضاع مني لثلاث سنين، فطفت عليه أطلبه فلم أجده، فلما رأيت ولدك آنفاً وجدته، فأنا أكافئه.

وقال الحسل: يا رسول الله، أخذني السيل فأدخلني البحر، ثم ضربت بي الأمواج إلى جزيرة كذا ، فلم أجد سبيلًا ومخرجاً حتى هبت ريح فأخذتني وألقتني عند أبي.

فقال «صلی الله علیه و آله وسلم»: من تلك الجزيرة إلى هنا ألف فرسخ.

فأسلم اليهودي وقال : أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله (1).

ونقول:

لا ريب في أن الكرامات جزء من حياة الأنبياء، وهي من دلائل صدقهم و من شواهد ارتباطهم بالله تعالى. كما أنها من وسائل هداية الناس، وهي أيضاً تفجر نور الإيمان في القلوب، وروح وسكينة ورحمة إلهية لمن يستحقها ..

وما ذكر في النص السابق هو أحد هذه الكرامات التي أظهرها الله تعالى ببركة الإمام الحسين «عليه السلام»، وقد كانت سبباً في تشرف هذا اليهودي بالدخول في دين الإسلام.

ومن أولى من الحسين «عليه السلام» بظهور الكرامات لأجله،


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 144 .

والحسين مصباح هدى، وسفينة نجاة منذ طفولته وإلى حين استشهاده، وسيبقى كذلك إلى يوم القيامة.

الحسين علیه السلام عند صالح اليهودي:

روي: أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» خرج من المدينة غازياً، وأخذ معه علياً. وبقي الحسن والحسين «عليهما السلام» عند أمهما، لأنهما طفلان صغيران.

فخرج الحسين «عليه السلام» ذات يوم من دار أمه يمشي في شوارع المدينة، وكان عمره يومئذ ثلاث سنين، فوقع بين نخيل وبساتين حول المدينة، فجعل يسير في جوانبها، ويتفرج في مضاربها، فمر على يهودي يقال له صالح بن رقعة (زمعة) اليهودي، فأخذه إلى بيته، وأخفاه عن أمه، حتى بلغ النهار إلى وقت العصر، والحسين «عليه السلام» لم يتبين له أثر.

فطار قلب فاطمة بالهم والحزن على ولدها الحسين «عليه السلام»، فصارت تخرج من دارها إلى باب مسجد النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» سبعين مرة، فلم تر أحداً تبعثه في طلب الحسين «عليه السلام».

ثم أقبلت إلى ولدها الحسن «عليه السلام» وقالت له: يا مهجة قلبي، وقرة عيني، قم واطلب أخاك الحسين « عليه السلام»، فإن قلبي يحترق من فراقه.

فقام الحسن وخرج من المدينة، وأتى إلى دور حولها نخيل كثير ، وجعل يصيح: يا حسين بن علي، يا قرة عين النبي، أين أنت يا أخي؟!

قال: فبينما الحسن «عليه السلام» ينادي، إذ بدت له غزالة في تلك الساعة، فألهم الله الحسن أن يسأل الغزالة، فقال لها: يا ظبية، هل رأيت أخي حسينا؟!

فأنطق الله الغزالة ببركات رسول الله وقالت: یا حسن، یا نور عيني المصطفى، وسرور قلب المرتضى، ويا مهجة فؤاد الزهراء، اعلم أن أخاك أخذه صالح اليهودي، وأخفاه في بيته.

فسار الحسن حتى أتى دار اليهودي، فناداه، فخرج صالح، فقال له الحسن: يا صالح، أخرج إلي الحسين « عليه السلام» من دارك، وسلمه إلي. وإلا أقول لأمي: تدعو عليك في أوقات السحر، وتسأل ربها حتى لا يبقى على وجه الأرض يهودي، ثم أقول لأبي: يضرب بحسامه جمعكم حتى يلحقكم بدار البوار، وأقول لجدي: يسأل الله سبحانه أن لا يدع يهودياً إلا وقد فارق روحه.

فتحير صالح اليهودي من كلام الحسن، وقال له: يا صبي، من أمك؟!

فقال: أمي الزهراء بنت محمد المصطفى، قلادة الصفوة، ودرة صدف العصمة، وغرة جمال العلم والحكمة، وهي نقطة دائرة المناقب والمفاخر، ولمعة من أنوار المحامد والمآثر، خمرت طينة وجودها من تفاحة من تفاح الجنة، وكتب الله في صحيفتها عتق

عصاة الأمة، وهي أم السادة النجباء، وسيدة النساء، البتول العذراء، فاطمة الزهراء «عليها السلام».

فقال اليهودي: أما أمك فعرفتها، فمن أبوك؟!

فقال الحسن «عليه السلام»: أسد الله الغالب علي بن أبي طالب ،الضارب بالسيفين، والطاعن بالرمحين، والمصلى مع النبي في القبلتين، والمفدي نفسه لسيد الثقلين، وأبو الحسن والحسين.

فقال: صدقت يا صبي قد عرفت أباك، فمن جدك؟!

فقال: جدي درة من صف [لعل الصحيح صدف] الجليل، وثمرة من شجرة إبراهيم الخليل، والكوكب الدري، والنور المضيء من مصباح التبجيل، المعلقة في عرش الجليل، سيد الكونين، ورسول الثقلين، ونظام الدارين، وفخر العالمين ومقتدى الحرمين، وإمام المشرقين والمغربين وجد السبطين أنا الحسن، وأخي الحسين.

قال: فلما فرغ الحسن «عليه السلام» من تعداد مناقبه انجلی صدأ الكفر من قلب صالح اليهودي، وهملت عيناه بالدموع، وجعل ينظركالمتحير، متعجباً من حسن منطقه، وصغر سنه، وجودة فهمه.

قال: يا ثمرة فؤاد المصطفى، ويا نور عين المرتضى، ويا سرور صدر الزهراء، أخبرني من قبل أن أسلم إليك أخاك عن أحكام دين الإسلام حتى أذعن إليك، وأنقاد إلى الإسلام .

ثم إن الحسن عرض عليه أحكام الإسلام، وعرفه الحلال والحرام، فأسلم صالح، وأحسن الإسلام على يد الإمام ابن الإمام،

وسلم إليه أخاه الحسين، ثم نثر على رأسهما طبقاً من الذهب والفضة، وتصدق به على الفقراء والمساكين، ببركة الحسن والحسين «عليهما السلام».

ثم إن الحسن أخذ بيد أخيه الحسين ،وأتيا إلى أمهما ، فلما رأتهمااطمئن قلبها، وزاد سرورها بولديها.

قال :فلما كان في اليوم الثاني أقبل صالح ومعه سبعون رجلا من رهطه وأقاربه، وقد دخلوا جميعهم في الإسلام، على يد الإمام ابن الإمام، أخي الإمام «عليهم أفضل الصلاة والسلام».

ثم تقدم صالح إلى الباب - باب الزهراء - رافعاً صوته بالثناءللسادة الأمناء، وجعل يمرغ وجهه وشيبته على عتبة دار فاطمة الزهراء، وهو يقول: يا بنت محمد المصطفى، عملت سوءاً بابنك، وآذيت ولدك، وأنا على فعلي نادم، فاصفحي عن ذنبي.

فأرسلت إليه فاطمة الزهراء تقول: يا صالح، أما أنا فقد عفوت من حقي ونصيبي، وصفحت عما سؤتني به، لكنهما ابناي وابنا علي المرتضى، فاعتذر إليه مما آذيت ابنه.

ثم إن صالحاً انتظر عليا حتى أتى من سفره، وعرض عليه حاله، واعترف عنده بما جرى له، وبكى بين يديه، واعتذر مما أساء إليه، فقال له يا صالح، أما أنا فقد رضيت عنك، وصفحت عن ذنبك، ولكن هؤلاء ابناي وريحانتا رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم»، فامض إليه واعتذر إليه، مما أسأت بولده.

فأتى صالح إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» باكيا حزينا، وقال: يا سيد المرسلين، أنت قد أرسلت رحمة للعالمين، وإني قد أسأت وأخطأت، وإني قد سرقت ولدك الحسين «عليه السلام» وأدخلته إلى داري، وأخفيته عن أخيه وأمه، وقد سؤتهما في ذلك، وأنا الآن قد فارقت الكفر ، ودخلت في دين الإسلام.

فقال له النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أما أنا فقد رضيت عنك، وصفحت عن جرمك، لكن يجب عليك أن تعتذر إلى الله تعالى وتستغفره مما أسأت به إلى قرة عين الرسول، ومهجة فؤاد البتول، حتى يعفو الله عنك سبحانه.

قال : فلم يزل صالح يستغفر ربه، ويتوسل إليه، ويتضرع بين يديه في أسحار الليل، وأوقات الصلاة، حتى نزل جبرائيل على النبي بأحسن التبجيل وهو يقول: يا محمد، قد صفح الله عن جرم صالح، حيث دخل في دين الإسلام على يد الإمام ابن الإمام أخي الإمام

«عليهم أفضل الصلاة والسلام (1).

ونقول:

قد نقلنا هذه القصة عن الطريحي في المنتخب، ولا نعرف من أي كتاب نقل هو «رحمه الله» هذه الرواية، وهي تتضمن أموراً يحسن


1) المنتخب للطريحي ص 168 - 170 ومدينة المعاجز ج3 ص293 - 298 وتظلم الزهراء ص 20 - 23

لفت النظر إليها.

لماذا أخفى اليهودي الحسين ؟!:

لم نعرف السبب في إقدام صالح اليهودي على إخفاء الإمام الحسين «عليه السلام »عن أمه، هل أراد مجرد العبث بعواطف أمه، وإيذاء من لديه بالحسين «عليه السلام »صلة قرابة أو محبة؟!

وهل فكر ماذا سيكون مصيره حين يكتشف أمره؟!

الحسن يبحث عن أخيه:

ويسترعي الانتباه أيضاً: أن لا تجد فاطمة «عليها السلام» من ترسله للبحث عن الحسين «عليه السلام»، حتى إنها خرجت من دارها إلى باب المسجد سبعين مرة، فلم تر من تبعثه في طلب الحسين «عليه السلام»، فبعثت ولدها الإمام الحسن «عليه السلام»..

ونقول:

أولاً : لا ندري مدى دقة هذا الرقم «سبعين مرة»، إلا إذا كان من التعابير التي لا يقصد بها التحديد، بل يقصد بها الكناية عن الكثرة ..

ثانياً: إن الحسن «عليه السلام» كان صغيرا أيضاً، كأخيه الحسين «عليه السلام»، ولا يوجد فارق كبير بينهما في السن، فقد تقدم: أن الفاصل بين ولادة الحسن والحمل بالحسين «عليهما السلام» كان أقل من الطهر.. فلماذا لم تخف أمه عليه من أن يتعرض لما تعرض له أخوه الحسين «عليه السلام». وعوضاً من ابتلائها بمشكلة

واحدة، فإنها تصبح أمام مشكلتين؟!

ثالثاً: إن من الواضح أن الحسين «عليه السلام» لم يكن في مكان قريب من المسجد، وإلا لكان اهتدى إلى المسجد، وعاد إليه، وعرف بيته فيه.. فهل تريد من الإمام الحسن، وهو بعمر أربع سنوات أن يبحث عن أخيه في الأماكن البعيدة، التي يصعب تحديد ما

يواجهه فيها من مصاعب، وما يتعرض له من حوادث ومتاعب..

ويتأكد ما قلنا بما صرحت به الرواية نفسها، حيث قالت: «..فقام الحسن، فخرج من المدينة، وأتى إلى دور حولها نخل كثير».

الغزالة تعرف:

وقد يتساءل المرء: كيف تعرف الغزالة مكان وجود الحسين «عليه السلام»؟! ولم يعرفه الإمام الحسن « عليه السلام» نفسه، حتى كانت هي التي دلته عليه؟!

وهل كانت تلك الغزالة قد رأت صالح اليهودي، وهو يأخذ الإمام الحسين «عليه السلام» ويخبئه في بيته؟!

أم أن هذه الغزالة من الملائكة، وقد تجسدت للإمام الحسن «عليه السلام» بقدرة وبأمر من الله تعالى، لكي يسألها وتجيبه.. وتكون هذه كرامة له ومن دلائل الإمامة لمن عقل وتدبر ؟!.

ألم يكن اليهودي يعرف الحسنين ؟!:

ويلاحظ أيضاً :

1 - إذا كان صالح اليهودي يعيش في ضواحي المدينة، فيبعد أن لا يعرف الحسن والحسين «عليها السلام»، أو أنه لم يسمع بهما، واسماهما جديدان على المنطقة العربية، وهما سبطا هذا النبي الذي كان اليهود يراقبون أحواله، ويرصدون كل ما له أدنى صلة به.

2 - على أن ثمة سؤالاً آخر يطرح، عن بقاء هذا اليهودي يعيش في المدينة، أو حولها، ولاسيما بعد ما رأى ما جرى لبني قينقاع، والنضير وقريظة؟!

3 - ومع غض النظر عن هذا وذاك، وبعد إيجاد التخريجات والوجوه المرضية والمعقولة لما تقدم نلاحظ: أن الإمام الحسن «عليه السلام» قد صرح في جوابه على أول سؤال طرحه عليه اليهودي: بأن أمه هي الزهراء بنت محمد المصطفى. فمن المفترض أن يكون اليهودي قد عرف جد الإمام الحسن «عليه السلام»، فما معنى أن يسأله بعد ذلك عن أبيه، ثم يسأله عن جده؟! حيث قال له: يا صبي، قد عرفت أباك فمن جدك؟!

ألم يكن قد عرف جده؟!

4 - على أنه قد ظهر من كلام صالح اليهودي: أنه كان يعرف عليا بأوصافه الخاصة به، فقد سماه بالمرتضى، فقال للإمام الحسن «عليه السلام»: ويا نور عين المرتضى، مع أن الإمام الحسن لم يطلق على أبيه هذا الوصف..

البيان غير المألوف:

ولو تغاضينا عن سائر ما تقدم، فإن أسلوب الكلام الذي ينسب في هذه القصة إلى الإمام الحسن «عليه السلام» أسلوب يشي بأنه كلام مصنوع، فيه الكثير من التكلف الذي ألجأ جاعل هذا الكلام إلى الاستفادة من تعابير أفسدت المعنى، وأسقطته عن الاعتبار، فلاحظ على سبيل المثال:

1 - قوله عن فاطمة الزهراء «عليها السلام»: «وعزة جمال العالم والحكمة».

2 - وقوله عنها «عليه السلام»: «خمرة طينته وجودها من تفاحة الخ..».

3 - وقوله عنه «صلی الله علیه و آله وسلم»: «من مصباح التبجيل المعلقة في عرش الجليل».

الفصل الخامس: الضيافة من الجنة..

اشارة

النبي ضيف الزهراء علیها السلام ومائدة من الجنة:

قال ابن جرير الطبري في نوادر المعجزات: روي عن الصحابة الصادقين: أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» دخل على فاطمة «عليها السلام»، فقال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» : أبوك اليوم ضيفك.

فقالت فاطمة »عليها السلام» الحسن والحسين «عليهما السلام» يطالبان بشيء من الزاد، ولم يكن شيء في المنزل من القوت، فدخل أمير المؤمنين، والحسن، والحسين، فجلسوا عنده.

فنظر النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» إلى السماء ساعة، وإذا بجبرئيل «عليه السلام» قد نزل من السماء، فقال:

يا رسول الله! العلي الأعلى يقرئك السلام، ويخصك بالتحية، ويقول لك:

قل لعلي بن أبي طالب، ولفاطمة والحسن والحسين:

أي شيء تطلبون من فواكه الجنة تحضر بين أيديكم؟!

فقال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» يا علي، يا فاطمة، ويا حسن، ويا حسين! أي شيء تشتهون من فواكه الجنة تحضر بين أيديكم؟ فأمسكوا.

فقال الحسين «عليه السلام» عن إذنك يا رسول الله، وعن إذنك يا أمير المؤمنين، وعن إذنك يا سيدة نساء رب العالمين، وعن إذنك يا حسن.

فقالوا جميعاً : نعم، قل يا حسين مما شئت!

فقال: أريد رطباً : فوافقوا على ذلك.

فقال النبي ص«صلی الله علیه و آله وسلم»: قومي يا فاطمة اعبري المخدع ، فأحضري ما فيه، فإذا فيه مائدة من موائد الجنة، وعليه سندسة خضراء، وفيه رطب جني في غير أوان الرطب.

فقال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» لفاطمة، وهي حاملة المائدة : من أين لك هذا ؟!

قالت: هو من عند الله، وأخذه النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» وقدمه بين يديه وسمى.

وأخذ رطبة واحدة [فوضعها] في في الحسين «عليه السلام» وقال: هنيئاً يا حسين.

ثم أخذ رطبة ثانية، فوضعها في في الحسن، وقال: هنيئا يا حسن أخذ رطبة ثالثة، فوضعها في في فاطمة، وقال: هنيئاً يا فاطمة.

ثم أخذ الرابعة، فتركها في في أمير المؤمنين «عليه السلام»، قال: [هنيئاً] يا أمير المؤمنين.

ثم وثب قائماً، ثم جلس وأخذ رطبة ثانية، ثم وضعها في في أمير المؤمنين «عليه السلام» وقال: هنيئاً لأمير المؤمنين.

ثم وثب قائما ، ثم جلس ، ثم أخذ رطبة ثالثة، فوضعها في في أمير المؤمنين «عليه السلام»، ثم قال: هنيئاً لأمير المؤمنين.

ثم قام ،وقعد، ثم أكلا جميعاً، وارتفعت المائدة إلى السماء.

فقالت فاطمة «عليها السلام»: لقد رأيت [يا] رسول الله منك اليوم عجباً !

فقال: يا فاطمة [الرطبة] الأولى التي وضعتها في في الحسين سمعت ميكائيل وإسرافيل، يقولان: هنيئاً يا حسين. فقلت موافقاً لهما: هنيئاً يا حسين.

ثم أخذت الرطبة الثانية، فوضعتها في في الحسن، فسمعت جبرئيل وميكائيل يقولان: هنيئاً يا حسن فقلت موافقاً لهما: هنيئاً يا حسن.

فأخذت الرطبة الثالثة، فوضعتها في فيك، فسمعت الحور العين مشرفين من الجنان، وهن يقلن: هنيئاً يا فاطمة. فقلت موافقا لهن: هنيئاً لك يا فاطمة.

ثم أخذت الرابعة، فوضعتها في في أمير المؤمنين، فسمعت صوت النداء من الحق، يقول: هنيئاً يا علي ثم قمت إجلالاً لله تعالى، ثم ثانية، ثم ثالثة، وأسمع صوت الحق هنيئاً يا علي .

[فقمت] إجلالاً لله تعالى - ثلاث مرات - فسمعت الحق يقول:

وعزتي وجلالي، لو ناولت عليا من الساعة إلى يوم القيامة رطبة رطبة لقلت: هنيئاً هنيئاً (1).

ونقول:

لاحظ الأمور التالية:

الغيب جزء من حياة الأئمة :

لا ريب في أن هذه الروايات إنما ينقلها من عاينها ورآها، وهم نفس هؤلاء الصفوة المطهرون بنص القرآن.. فنحن نصدقهم وننقل ما يجرى لهم، وإن كانوا هم الذين نقلوه لنا، لعلمنا بأنهم صادقون.. فلا غضاضة علينا إذا اعتبرنا هذه الأمور الغيبية جزءاً من تاريخهم، وحياتهم، لأن الغيب ليس غريباً عنهم، بل قريب منهم، ملابس لهم، تماماً كما هو الشهود.. فهم يعيشون، ويتقلبون فيه، لاسيما وأن بيوتهم مختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتنزيل.

ولا ينحصر الأمر بالملائكة، أو الجن، بل هم يتعاملون، ويعيشون مع سائر المخلوقات بصورة طبيعية، وقريبة ومألوفة، ومن


1) نوادر المعجزات ص78 - 80 وراجع: بحار الأنوار ج 43 ص310 - 312 والمنتخب للطريحي ج 1 ص 20 و 21 ومدينة المعاجز ج 1 ص 344 - 346 وج 3 ص 304 - 308 و 543 - 546.

دون أية حواجز، لأن الله تعالى قد رصد لهم دوراً معها، وحملهم مسؤوليات تجاهها، من موقع إمامتهم، فعليهم أن يهتموا بتدبير أمورها، وقضاء حاجاتها، وأن يطلعوا على أحوالها، وأن يفهموا لغاتها، وهم يرونها كما يرى الإنسان أخاه الإنسان، ويأنسون بها، وتأنس بهم.

لماذا هذه المائدة من الجنة؟!:

ألمحت الرواية المتقدمة أيضاً إلى ما كان يعاني منه آل محمد من مكاره الحياة، وضيق العيش ، وأن الحسنين «عليهما السلام» قد طالبا أمهما «عليها السلام» بشيء يقتاتان به، فلم تجد لهما شيئاً.

ويكفي أن نذكر هنا: أن عائشة تقول: «ما شبع آل محمد «علیه السلام» ثلاثة أيام تباعاً، حتى لحق بالله عز وجل» (1).


1) بحار الأنوار ج 16 ص 221 عن مجالس الشيخ ص 196 والأمالي للطوسي ص 311 وإمتاع الأسماع ج 2 ص 295 وسبل الهدى والرشاد ج 7 ص 98 وتفسير الثعالبي ج 5 ص 332 وراجع: مسند أحمد ج6 ص 127 و 156 وج 6 ص 187 و 277 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 6 ص 205 وج 7 ص 180 و 230 وصحیح مسلم (ط دار الفكر) ج 8 ص 217 و 218 وسنن النسائي ج 7 ص 236 والسنن الكبرى للبيهقي ج7 ص 47 وعمدة القاري ج 21 ص 53 و ج 23 ص 61 وتركة النبي لحماد بن إسحاق ص 61 والسنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 150 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 1110 وشرح صحيح مسلم للنووي ج 13 ص 211 ومسند أبي يعلى ج 8 ص 33 والترغيب والترهيب ج 4 ص 187 وحلية الأبرار ج1 ص 238 .

وقد ذكرنا في هذا الكتاب نبذة من معاناتهم «عليهم السلام»، :وقلنا: إن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» كان يعصب الحجر على بطنه من الجوع (1).

فالذي يبدو لنا: هو أن هذه الضيافة الإلهية التي اتحف الله بها أهل البيت «عليهم السلام»، تهدف إلى العديد من الأمور، ومنها :

ألف: إن الابتلاء بالحاجة والفقر، مع القدرة على تحصيل الغنى، ورفع الحاجة، إن كان سببه هو الخمول والكسل، والاتكال على جهد الغير.. فهو من العاهات، وهو مرفوض ومدان بلا ريب..

وإن كان الفقر قراراً يتخذه الإنسان الكامل، استناداً إلى نظرة واقعية للحياة، فيترك هذه الدنيا، زهداً بها، ويتفرغ للعمل للآخرة، أو يؤثر بما يحصل عليه منها المحتاجين، والعاجزين عن تحصيل قوت يومهم.. ولو كان به خصاصة.

أو ينفقه في سبيل الله، ليواسي المحتاجين في شظف العيش،


1) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 100 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص127 وبحار الأنوار ج 16 ص 227 وسنن النبي للطباطبائي ص73 والمستطرف للأبشيهي ج 2 ص 491 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 32 ص 211 وإحياء علوم الدين ج 7 ص 104 والمحجة البيضاء ج 4 ص 124 .

ومكابدة الحاجة، حتى لا يتسرب اليأس إلى نفوسهم.

أو لغير ذلك من أسباب دينية وإنسانية.. فهذه الحاجة هي قمة الفضل والكمال، والسمو الروحي، وليست وهنا، ولا نقصاً.

ولكن الجاهلين والمبطلين يتخيلون أن المال والمقام، والقوة، والسلطة، وغير ذلك من شؤون الدنيا دليل اتصافهم بالكمال، والعلم والفهم، والذكاء، وعنوان السعادة والفضل، والشرف والسؤدد والكرامة، فهم على منهج قارون الذي قال عن الكنوز التي كانت في حوزته: (إِنَّمَا أوتِيتُهُ عَلى عِلم) (1).

أما السيدة زينب «عليها السلام» فقد قرَّعت يزيد «لعنه الله» على نفس هذه الخيالات الباطلة التي كان يعيشها، حيث قالت له:

«أظننت يا يزيد، حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى: أن بنا هوانا على الله، وبك عليه كرامة؟! وأن ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متسقة.

وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلا مهلا [لا تطش جهلا]، أنسيت قول الله تعالى:

(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ


1) الآية 78 من سورة القصص.

لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) (1)» (2).

فلكي لا يشعر الفقير بالمهانة والغبن، وعقدة النقص..

ولكي يعرف الناس: أن هذا الفقير هو الذي عزف عن قنية المال، وجمع الحطام، ولم يرد التلذذ بما في هذه الدنيا، ولم يفرض عليه الفقر بصورة قاهرة.

ولكي يعرف الفقير والناس مقام هذا الفقير عند الله، وما له من كرامة وعزة .

ولكي يعرف الفقير والناس الفرق بين هذا النعيم الزائل والحائل، وبين نعيم الآخرة الدائم والباقي.

ولكي يعرفوا معنى الرضوان الإلهي، وليشعروا بأنه أكبر من كل لذة ونعيم.

ولكي يدركوا أن صغار أبناء هؤلاء الصفوة لهم عند الله، ما لا يمكن أن يحلم به حتى من ملك الدنيا من أقصاها إلى أقصاها.


1) الآية 178 من سورة آل عمران.

2) راجع: بحار الأنوار ج 45 ص 133 وراجع ص 158 وراجع حول الخطبة: المنتخب للطريحي ص140 - 142 وإكسير العبادات ج 3 ص 411 و 412 ومعالي السبطين ج 2 ص 170 و 171 عن المنتخب، وعن نفس المهموم، والإيقاد ص 179 و 180 عن كتاب العوالم للبحراني، وعن أسرار الشهادة ص 515 .

وأن أعظم ملائكة الله يتشرفون، ويتبركون، ويتسابقون في خدمة الطفل الصغير منهم.

وأن الإرادة الإلهية القادرة، والقاهرة، والتدبير الرباني، والكرم الإلهي اللامحدود، والقدرة الإلهية المهيمنة على كل شيء هي التي ترعى، وتدبر، وتهتم، وتحفظ، وتلبي رغبات هذا الموجود الإنساني الأرقى، الذي هو بنظر الناس طفل صغير ..

فمن يكون كذلك ماذا يهمه لو فقد الطعام، أو أي شيء من لذائذ الدنيا ؟!

أتراه يرى نفسه ،مغبوناً ، أو عاجزاً ، أو فقيراً، أم أنه قوي وغني وعزيز وعالم وبصير، وحكيم بالله سبحانه؟!

حيرة فاطمة علیها السلام:

وتصف الرواية المتقدمة فاطمة «عليها السلام»: بأنها «متحيرة لا تدري ما تصنع»، وذلك حين جاءها النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» وعلي والحسنان «عليهم السلام»، وجلسوا بعنوان أنهم ضيوف.

وهذا الوصف هو ما تخيلوه وتو هموه فيها. والحال أن فاطمة ليست كما زعموا، فهي لا ترتبك، ولا تتحير، لأنها تعرف أن مصدر الرزق هو الله ورسوله بنص قوله تعالى في سورة التوبة: (وَمَا نقمُوا إِلَّا أَنْ أَعْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولَهُ مِنْ فَضْلِهِ) (1).


1) الآية 74 من سورة التوبة.

وقال أيضاً: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا

حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ) (1).

وتعرف أن الله ورسوله معهم، وهم أعلم بحالها.

كما أنها لو أرادت أن تعاملهم على أنهم ضيوف، فهي تعلم أيضاً: أن الضيف يأتي القوم برزقه، فإذا ارتحل، ارتحل بجميع ذنوبهم (2).

أو أن الضيف إذا جاء ، فنزل بالقوم جاء برزقه معه من السماء، فإذا أكل غفر الله لهم بنزوله عليهم (3).

الخطاب لغير النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» :

1 - ذكرت الرواية أنه لما نزل جبرئيل، وسألهم من خلال رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» عما يشتهون من فواكه الجنة، أمسكوا عن الجواب حياءً. واللافت: أن جبرئيل لم يسأل رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، بل خاطب - بواسطة النبي «صلى الله عليه


1) الآية 59 من سورة التوبة.

2) بحار الأنوار ج 72 ص 460 و 461 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص490 ومستدرك الوسائل ج 16 ص 258 .

3) الكافي ج 6 ص 284 وروضة المتقين ج 7 ص 549 وهداية الأمة للحر العاملي ج 8 ص 96 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 24 ص 317 و (الإسلامية) ج 16 ص 459 ومرآة العقول ج 22 ص 93 والمحجة البيضاء ج 3 ص 33 وجامع السعادات ج 2 ص 116 .

و آله وسلم» - علياً وفاطمة والحسن والحسين «عليهم السلام». ولعل سبب استثناء رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» أمران:

أحدهما: أن الخطاب لو شمل الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم» لتوهم متوهم أن الكرامة الإلهية كانت له دون سائر من في البيت، وإنما استفادوا من العطية الإلهية، تبعاً له «صلی الله علیه و آله وسلم».

ولكن استثناءه «صلی الله علیه و آله وسلم» أظهر أن الله تعالى أراد أن يخصهم هم بهذه الكرامة، وأن يفهم الناس ذلك بصورة لا يدخلها أي شبهة ولا ريب.

الثاني: أن الرزق الذي يأتيهم حتى من الجنة هو من الله ورسوله أيضا، فبركة الرسول لها أثرها ودورها، فلو خلط رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» بهم لضاعت هذه الفائدة هنا أيضاً. والمطلوب هو حفظها، ليحفظ بها هذه الكرامة العظمى لرسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم».

الحسين علیه السلام هو المبادر:

وذكرت الرواية: أن الحياء قد منع علياً وفاطمة والحسن «عليهم السلام» من الجواب على سؤال جبرئيل الذي أداه إليهم النبي «صلی الله علیه و آله وسلم».. ولا ريب في أن الحياء قد لحق بالحسين «عليه السلام» أيضاً، كما لحقهم، ولكن الحسين هو الأصغر سناً، وسيكون التوجه إليه باعتبار أن له الأولوية في أي عمل يهدف إلى المعونة، والرعاية، فكان عليه أن يقاوم عامل الخجل، ويواجه الأمر.

فانبری «علیه السلام»، فاستأذن أباه، ثم أمه، ثم أخاه، بالكلام، وطلب منهم أن يوكّلوه بأن يختار لهم من فواكه الجنة شيئاً .

فأجابوا جميعاً بالرضا والقبول. فاختار لهم الرطب الجني - كما تقدم .

ونلاحظ هنا:

1 - أن ما فعله الإمام الحسين «عليه السلام» هنا ليس من مصادیق قوله تعالى: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي الله وَرَسُوْلِهِ) (1). فإن أحدا من الحاضرين لم يكن يريد التكلم - بسبب ما اعتراهم من حياء، لكي يقال: إن الإمام الحسين «عليه السلام» قد تدخل فيما لا يعنيه، وتعدى على صاحب الحق بالكلام، وصادر دوره، وأخذ الكلام دونه.

2 - بل إن حياءهم المانع لهم من الكلام كان بمثابة قرار مبطن بعدم الاستفادة من الفرصة، وكأنهم خضعوا لهذا الجو الضاغط، فكانت مبادرة الإمام الحسين «عليه السلام» بمثابة معونة لهم على بيان مراداتهم.

3 - يضاف إلى ما تقدم: أنه «عليه السلام» لم يتكلم إلا بعد أن استأذنهم، فأذنوا ، وطلب منهم أن يوكلوه ويفوضوه، ففعلوا. فأي ضير في ذلك .

4 - يتجلى أدبه الجمّ «عليه السلام» في خطابه مع أبيه «عليه


1) الآية 1 من سورة الحجرات.

السلام»، حيث استأذنه بعبارة : يا أمير المؤمنين.. كما استأذن أمه «عليها السلام» بقوله: يا سيدة نساء العالمين. واستأذن أخاه «عليه السلام» بعبارة : الحسن الزكي، كما في رواية البحار.

5 - والأهم من ذلك : أن الحسين «عليه السلام» نفسه كان مقصوداً بالخطاب، وقد طلب منه أن يقدم جواباً أيضاً، فبعد أن امتنع أبوه وأمه، وأخوه من الكلام بسبب الحياء جاء دوره الطبيعي، فأحب أن يستأذن منهم ، لمساعدتهم في حل المشكلة، بعد حصول ما منعهم من الكلام.

فيكون حاله نظير حال جماعة من الناس العطاشي الذي فقدت منهم وسيلة استخراج الماء من البئر، باستثناء واحد منهم، فجاء واستأذنهم بأن يخرج ماء له ولهم فأذنوا له، والحال أنه لا حيلة لهم إلا ذلك.

الحسين علیه السلام أولاً :

ولأن الحسين «عليه السلام» هو الأصغر سناً، وهو الذي يقدم عند توزيع الأشياء على كل فرد فرد، فقد قدمه النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» في العطاء.

ولعل هذا يشير أيضاً إلى أن المفروض هو أن يكون هو المتكلم، الذي يختار نوع الطعام، لأنه أول من سوف يستفيد منه..

حديث التفاحة والسفرجلة:

عن الحسن البصري، وأم سلمة أن الحسن والحسين دخلا على رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» وبين يديه جبرئيل، فجعلا يدوران حوله يشبهانه بدحية الكلبي، فجعل جبرئيل يومئ بيديه كالمتناول شيئاً، فإذا في يده تفاحة وسفرجلة، ورمانة. فناولهما وتهللت وجوههما، وسعيا إلى جدهما.

فأخذ منهما ، فشمها ثم قال: صيرا إلى أمكما بما معكما، وبدؤكما بأبيكما أعجب.

فصارا كما أمرهما، فلم يأكلوا حتى صار النبي«صلی الله علیه و آله وسلم» إليهم، فأكلوا جميعاً ، فلم يزل كلما أكل منه عاد إلى ما كان، حتى قبض رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم».

قال الحسين «عليه السلام»: فلم يلحقه التغيير والنقصان أيام فاطمة بنت رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» حتى توفيت.

فلما توفيت، فقدنا الرمان، وبقي التفاح والسفرجل أيام أبي.

فلما استشهد أمير المؤمنين فقد السفرجل، وبقي التفاح على هيئته للحسن حتى مات في سمه.

وبقيت التفاحة إلى الوقت الذي حوصرت عن الماء، فكنت أشمها إذا عطشت، فيسكن لهب عطشي، فلما اشتد علي العطش عضضتها، وأيقنت بالفناء.

قال علي بن الحسين «عليهما السلام»: سمعته يقول ذلك قبل قتله

بساعة ، فلما قضى نحبه وجد ريحها في مصرعه، فالتمست فلم یر أثر ، فبقي ريحها بعد الحسين «عليه السلام».

ولقد زرت قبره، فوجدت ريحها يفوح من قبره، فمن أراد ذلك من شيعتنا الزائرين للقبر ، فليلتمس ذلك في أوقات السحر، فإنه يجده إذا كان مخلصاً (1).

وفي نص آخر:

عن ابن شاذان، بإسناده، عن زاذان، عن سلمان قال: أتيت النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» فسلمت عليه، ثم دخلت على فاطمة «عليها السلام»، فقالت: يا عبد الله، هذان الحسن والحسين جائعان يبكيان، فخذ بأيديهما، فاخرج بهما إلى جدهما.

فأخذت بأيديهما، وحملتهما حتى أتيت بهما إلى النبي «صلی الله علیه و آله وسلم».

فقال: ما لكما يا حسناي؟!

قالا: نشتهی طعاماً يا رسول الله.


1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 391 و 392 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 161 وبحار الأنوار ج 43 ص 289 و 290 وج 45 ص 91 و 92 وروضة الواعظين ج 1 ص 159 و 160 ومدينة المعاجز ج 4 ص 47 - 51 وج 3 ص 392 - 394 و 262 - 263 وراجع ج 4 ص 21 - 23 وج 1 - ص 338 - 339 والعوالم ج 16 ص 80 و 81 وج 17 ص 315 والمنتخب للطريحي ج 1 ص 162 ومستدرك الوسائل ج 10 ص 411 و 412 .

فقال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» : اللهم أطعمهما - ثلاثاً ..

قال: فنظرت فإذا سفرجلة فى يد رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، شبيهة بقلة من قلال هجر، أشد بياضاً من الثلج، وأحلى من العسل، وألين من الزبد.

ففركها «صلی الله علیه و آله وسلم» بإبهامه، فصيرها نصفين، ثم دفع إلى الحسن نصفها ، وإلى الحسين نصفها.

فجعلت أنظر إلى النصفين في أيديهما وأنا أشتهيها.

قال: يا سلمان، هذا طعام من الجنة لا يأكله أحد حتى ينجو من الحساب (1).

تحية الله لنبيه بجام مسك وعنبر:

عن ابن عباس وأبي رافع: كنا جلوساً مع النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، إذ هبط عليه جبرئيل ومعه جام من البلور الأحمر، مملوءاً مسكاً وعنبراً، فقال له: السلام عليك! الله يقرء عليك السلام، ويحييك بهذه التحية، ويأمرك أن تحيي بها عليا! وولديه.


1) بحار الأنوار ج 43 ص 308 ومدينة المعاجز ج 1 ص 375 - 376 وج3 ص 537 - 538 و 318 - 319 والعوالم ج 16 ص 62 و 63 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 97 وماءة منقبة لابن شاذان ص 161 - 163 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص 431 و 432 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 645 و 646 .

فلما صارت في كف النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» هللت ثلاثا، وكبرت ثلاثاً، ثم قالت بلسان ذرب: (بسم الله الرحمن الرحيم * طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشقى) (1)، فأشمها النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، ثم حيى بها علياً.

فلما صارت في كف علي قالت: (بسم الله الرحمن الرحيم * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَهُمْ رَاكِعُونَ) (2)، فأشمها علي وحيى بها الحسن.

فلما صارت في كف الحسن قالت (بسم الله الرحمن الرحيم * عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَن النَّيَا العَظِيمِ) (3)فأشمها الحسن وحيى بها الحسين.

فلما صارت في كف الحسين قالت: (بسم الله الرحمن الرحيم * قُل لا أسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي القُرْبَى) (4).

ثم ردت إلى النبي فقالت: (بسم الله الرحمن الرحيم * اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (5).

فلم أدر، على السماء صعدت أم في الأرض نزلت بقدرة الله


1) الآيتان 1 و 2 من سورة طه.

2) الآية 55 من سورة المائدة.

3) الآيتان 1 و 2 من سورة النبأ .

4) الآية 23 من سورة الشورى.

5) الآية 35 من سورة النور.

تعالى (1).

بیان: ذرابة اللسان: حدته.

جبرئيل يحيي النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» بتفاحة:

عن محمد بن أحمد بن علي بن شاذان، بإسناده عن ابن عبّاس قال:

كنت جالساً بين يدي رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» ذات يوم، وبين يديه عليّ بن أبي طالب «عليه السلام»، وفاطمة، والحسن، والحسين «عليهم السلام»، إذ هبط عليه جبرئيل «عليه السلام» وبيده تقاحة. فحيّا بها النّبيّ «صلی الله علیه و آله وسلم»، وحيا بها النّبي

عليّا، فتحيّا بها علي «عليه السلام» وردّها إلى النبيّ «صلی الله علیه و آله وسلم»، فتحيّا بها النّبي وحيا بها الحسن «عليه السلام»، فقبّلها وردّها


1) راجع: الأمالي للطوسي ص 355 - 357 والبرهان (تفسیر) ج3 ص29 و 30 و (ط مؤسسة البعثة) ج 3 ص 749 ومدينة المعاجز ج 3 ص534 - 535 و 314 - 315 وج 1 ص 152 - 154 ونور الثقلين ج 4 ص574 وج 3 ص 367 و ج 5 ص 492 وإثبات الهداة ج 1 ص 306 و 307 وكنز الدقائق ج 11 ص 504 و 505 وج 14 ص 95 و 96 وج 8 ص 285 وبحار الأنوار ج 37 ص 100 و ج 43 ص 290 عن أمالي أبي الفتح الحفار، ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 392 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 162 والمنتخب للطريحي ج 2 ص 412 والعوالم ج 16 ص 79 وموسوعة الإمام الحسين ج 21 ص 1379 - 1381 .

إلى النّبيّ «صلی الله علیه و آله وسلم»، فتحيّا بها النّبي وحيّا بها الحسين، فتحيّا بها الحسين وقبلها وردّها إلى النّبيّ «صلی الله علیه و آله وسلم»، فتحيّا بها النّبي «صلی الله علیه و آله وسلم» وحيّا بها فاطمة، فقبلتها وردّتها إلى النّبيّ «صلی الله علیه و آله وسلم».

فتحيّا بها الرابعة، وحيّا بها عليّ بن أبي طالب «عليه السلام»، فتحيّا بها عليّ بن أبي طالب «عليه السلام». فلمّا همّ أن يردّها إلى النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» سقطت التقاحة من أطراف أنامله، فانفلقت بنصفين، فسطع منها نور حتّى بلغ إلى السماء الدنيا، فإذا عليها سطران مكتوبان:

بسم الله الرّحمن الرّحيم، تحيّة من الله [تعالى] إلى محمّد المصطفى وعليّ المرتضى وفاطمة الزهراء، والحسن والحسين سبطي رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، وأمان لمحبّيهم يوم القيامة من النّار (1).


1) الأمالي للصدوق ص 596 ومدينة المعاجز ج 3 ص 316 - 317 و 535 - 537 وج 1 ص 369 - 371 والعوالم ج 16 ص 62 والمنتخب للطريحي ج 1 ص 103 وماءة منقبة لابن شاذان ص 26 - 27 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 95 وجلاء العيون للمجلسي ص 398 - 399 وناسخ التواريخ ج 10 ص 98 و 99 و 159 وبحار الأنوار ج 37 ص 99 وج 43 ص 307 - 308 عن بعض كتب المناقب القديمة، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 9 ص 192 و 193 .

تسبيح الرمان في يد الحسين علیه السلام:

الكشف والبيان، عن الثعلبي، بالإسناد عن جعفر بن محمد، عن أبيه «عليهما السلام» قال: مرض النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، فأتاه جبرئيل بطبق فيه رمان وعنب، فأكل النبي منه فسبح، ثم دخل عليه الحسن والحسين، فتناولا منه فسبح الرمان والعنب، ثم دخل علي، فتناول منه، فسبح أيضاً ، ثم دخل رجل من أصحابه، فأكل فلم يسبح.

فقال جبرئيل : إنما يأكل هذا نبي، أو وصي، أو ولد نبي(1).

ونقول:

تقدم حين الكلام عن حديث الطائر - الملك - الذي حط على يد النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، عليه بالنبوة، ثم على يد علي «عليه السلام»، وسلم عليه بالوصية، ثم على يد الحسنين، وسلم عليهما بالخلافة..

ثم لم يقعد على يد رجل آخر، لأنها يد عصت الله سبحانه.. - تقدم


1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص390 و 391 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 160 و 161 وبحار الأنوار ج 43 ص 288 و 289 وج 17 ص 359 و 360 وج 37 ص 100 و 101 وإثبات الهداة ج 2 ص 565 و 523 والعوالم ج 16 ص 78 و 79 ومدينة المعاجز ج 2 ص 441 - 442 ج 3 ص 333 - و 334 و 542 - و 543 والخرائج والجرائح ج 1 ص 48 وتفسير الثعلبي ج 6 ص 103.

• أن هذه الأحاديث قد جاءت لإثبات الإمامة بغير طريق النص اللفظي الصادر عن الله، لكي لا يتعرض للتأويل، أو للإنكار، أو للتحريف، أو الحذف، أو لادّعاء حدوث مستجدات أوجبت إلغاء مضمونه.

كما أن النصوص الصادرة عن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، قد تثار الشبهات حولها، بنفس الأساليب الآنفة الذكر، فيدعى مثلا: أن أموراً استجدت جعلت من الضروري رفع اليد عن هذه النصوص.. أو يدعى أنها قد تعرضت للتصرف والتحريف من رواتها.. أو يدعى أن سبب صدورها هو الرغبة القلبية، والعصبية العشائرية، التي تسعى لتكريس الأمر للقريب، والصديق والحبيب، أو أنها تمنيات شخصية لم يؤمر بها النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» من الله بصورة صريحة وواضحة.

ولكن تسبيح الرمان والعنب وغير ذلك من أمور إعجازية، غير قابل للإنكار، ولا للتأويل، ولا للاتهام بالوقوع تحت تأثير الدواعي العاطفية، أو العصبيات العشائريبة، فهو نص بالمطلوب يحدد موقع النبوة والوصاية، والإمامة بصورة يقينية وقاطعة. وهذا هو المطلوب.

الفصل السادس: رؤية الحسنين علیهما السلام تذهب الجوع..

اشارة

آثار النظر إلى الحسنين علیهما السلام:

وروى ركن الأئمة عبد الحميد بن ميكائيل، عن يوسف بن منصور الساوي، عن عبد الله بن محمد الأزدي، عن سهل بن عثمان، عن منصور بن محمد النسفي، عن عبد الله بن عمرو، عن الحسن بن موسی، عن سعدان، عن مالك بن سليمان، عن ابن جريح، عن عطاء، عن عائشة قالت:

كان رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» جائعاً لا يقدر على ما يأكل، فقال لي: هاتي ردائي.

فقلت: أين تريد؟!

قال: إلى فاطمة ابنتي، فأنظر إلى الحسن والحسين، فيذهب بعض ما بي من الجوع.

فخرج، حتى دخل على فاطمة «عليها السلام»، فقال: يا فاطمة، أين ابناي؟!

فقالت: يا رسول الله، خرجا من الجوع وهما يبكيان.

فخرج النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» فى طلبهما، فرأى أبا الدرداء، فقال: يا عويمر، هل رأيت ابني؟!

قال: نعم يا رسول الله، هما نائمان في ظل حائط بني جدعان.

فانطلق النبي، فضمهما وهما يبكيان وهو يمسح الدموع عنهما.

فقال له أبو الدرداء : دعني أحملهما.

فقال: يا أبا الدرداء، دعني أمسح الدموع عنهما، فوالذي بعثني بالحق نبيا لو قطر قطرة في الأرض لبقيت المجاعة في أمتي إلى يوم القيامة، ثم حملهما وهما يبكيان وهو يبكي.

فجاء جبرئيل، فقال: السلام عليك يا محمد، رب العزة جل جلاله يقرئك السلام ويقول: ما هذا الجزع؟!

فقال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» يا جبرئيل، ما أبكي جزعاً، بل أبكي من ذل الدنيا.

فقال جبرئيل: إن الله تعالى يقول : أيسرك أن أحول لك أحداً ذهباً، ولا ينقص لك مما عندي شيء؟!

قال : لا .

قال: لم؟!

قال: لأن الله تعالى لم يحب الدنيا، ولو أحبها لما جعل للكافر أكلة.

فقال جبرئيل «عليه السلام» یا محمد ادع بالجفنة المنكوسة التي في ناحية البيت.

قال: فدعا بها، فلما حملت فإذا فيها ثريد ولحم كثير .

فقال: كل يا محمد، وأطعم ابنيك وأهل بيتك.

قال: فأكلوا، فشبعوا.

قال (1): ثم أرسل بها إلى فأكلوا وشبعوا وهو [وهي] على حالها.

قال: ما رأيت جفنة أعظم بركة منها.

فرفعت عنهم، فقال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»: والذي بعثني بالحق لو سكت لتداولها فقراء أمتي إلى يوم القيامة (2).

ونقول:

إن أول ما يطالعنا في هذه الرواية:

حديث الحاجة إلى الطعام:

فقد ذكرت هذه الرواية، وروايات عديدة أخرى ما كان يعانيه رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» وعلي، وفاطمة، والحسنان «عليهم السلام»، وبعض الخلّص من أوليائهم ومحبّيهم، من الحاجة الملحة للطعام..

وكشواهد نضيفها إلى الرواية المذكورة آنفا نذكر:

1 - ما ورد في الروايات الكثيرة ، من أن رسول الله «صلى الله


1) ظاهر الكلام: أن القائل هو أبو الدرداء، وأن الضمير يأكلوا أو شبعوا هو لأهله وعياله.

2) مقتل الحسين (ط الغري) ص 129 و 130 وبحار الأنوار ج43 ص309 و 310 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 744 و 745 .

عليه وآله وسلم» ما أكل خبز بُرِّ قط، ولا شبع من خبز شعير قط (1).

وهذه هي الرواية الصحيحة عنه «صلی الله علیه و آله وسلم». أما ما روي، من أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» ما شبع من خبز بُرِّ قط (2)، أو حتى فارق الدنيا (3)، فنحن ليس فقط نشك في صحتها، بل نكاد نجزم

بكذبها.

وكيف يمكن أن تصح ونحن نرى تلميذه وحبيبه وأخاه يقول: «ولو شئت لاهتديت إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح،


1) بحار الأنوار ج 16 ص 216 و 243 و 289 وج 17 ص 297 وج 63 ص 275 وج 67 ص 71 وهداية الأمة للحر العاملي ج 8 ص 92 والأمالي للصدوق ص 398 وروضة الواعظين ص 456 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 24 ص 244) و (الإسلامية) ج 16 ص 409 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص 28 والفصول المهمة للحر العاملي ج 2 ص 437 وحلية الأبرار ج 1 ص 221 وسنن النبي للطباطبائي ص 160 و 161 و 177 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 154 و ج 2 ص 133 و ج 3 ص 11 .

2) بحار الأنوار ج 67 ص 71 و 318 و ج 63 ص 275 ومستدرك سفينة ج67 ص71 البحار ج 3 ص11.

3) كنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 7 ص 200 وطبقات الحنابلة ج1 ص 310 وتاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 128 و 129 وج 55 ص 49 وأسد الغابة ج 5 ص 56 وسير أعلام النبلاء ج 12 ص 614 والإصابة ج 6 ص 416 وراجع: معجم السفر لأحمد بن محمد السلفي ص 269.

ونسائج هذا القز. ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع إلخ ..» (1).

2- عن الإمام الصادق «عليه السلام» قال: دخل رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» إلى أم سلمة «رضي الله عنها»، فقربت إليه كسرة، فقال: هل عندك إدام؟!

فقالت: لا يا رسول الله ما عندي إلا خل.

فقال «صلی الله علیه و آله وسلم»: نِعْمَ الإدام الخل، ما افتقر بيت فيه خل (2).


1) نهج البلاغة (تحقيق صبحي الصالح - ط سنة 1387 هـ. ق) ص 417 و 418 ونهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 70 - 75 المختار من كتبه، الكتاب رقم 45 وربيع الأبرار، الباب 44 وبحار الأنوار ج 33 ص 473 - 476 وج 40 ص 340 - 342 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج7 ص 165 وج 8 ص 425 - 427 ونهج السعادة ج 4 ص 32 - 41 وينابيع المودة ج 1 ص 439 - 442 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ص 50 وراجع ص 104 و (ط مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - قم - إيران) ج1 ص 312 - 314 وراجع: زين الفتى، أواسط الفصل الخامس تحت عنوان: وأما علم المكاتبة، وراجع: والخرائج و الجرائح ص 542 .

2) راجع بحار الأنوار ج 16 ص 267 وج 59 ص 282 وج 63 ص 301 وحلية الأبرار ج 1 ص 229 و 410 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 12 و 192 وروضة المتقين ج 7 ص 555 والمحاسن للبرقي ج 2 ص 486 ومن لا يحضره الفقيه ج 3 ص 358 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 25 ص 89 و 90 و 91 و 92 و (الإسلامية) ج 17 ص 66 و ومستدرك الوسائل ج 16 ص 363 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص189 وراجع: مسند أحمد ج 3 ص 353 والمستدرك للحاكم ج4 ص54 ومجمع الزوائد ج 6 ص 176 والمعجم الأوسط ج 7 ص 87 وشعب الإيمان ج 5 ص 101 والترغيب والترهيب ج 3 ص 131 ونصب الراية ج 6 ص244 والعهود المحمدية ص 370 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 15 ص 284 و 285 وتاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 243 وسبل الهدى والرشاد ج 7 ص 85 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص42 وذخائر العقبى ص 224 .

3 - عن الإمام الرضا عن آبائه «عليهم السلام» قال: قال أمير المؤمنين «عليه السلام» كنا مع النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» في حفر الخندق، إذ جاءت فاطمة ومعها كسيرة من خبز، فدفعتها إلى النبي «صلی الله علیه و آله وسلم».

فقال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»: ما هذه الكسيرة؟!

قالت: خبزته قرصاً للحسن والحسين، جئتك منه بهذه الكسيرة.

فقال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» يا فاطمة، أما إنه أول طعام دخل جوف أبيك منذ ثلاث (1).


1) صحيفة الرضا ص 237 و 238 وبحار الأنوار ج 16 ص 225 وج 20 ص 245 و ج 43 ص 40 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 133 وراجع مسند زيد بن علي ص 461 .

4 - عن عبد الله بن عباس قال: جاع رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» جوعاً شديداً ، فأتى الكعبة، فتعلق بأستارها، فقال: رب محمد، لا تجع محمداً أكثر مما أجعته.

قال : فهبط جبرئيل «عليه السلام» ومعه لوزة، فقال: يا محمد، إن الله جل جلاله يقرأ عليك السلام.

فقال: يا جبرئيل، الله السلام، ومنه السلام، وإليه يعود السلام.

فقال: إن الله يأمرك أن تفك عن هذه اللوزة.

ففك عنها ، فإذا فيها ورقة خضراء نضرة، مكتوب عليها: «لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدت محمداً بعلى، ونصرته به، ما أنصف الله من نفسه من اتهم الله في قضائه، واستبطأه في رزقه (1).

ويجب أن لا يتوهم أحد أن هذه الفقرة الأخيرة تتضمن التعريض


1) الأمالي للصدوق ص 648 وبحار الأنوار ج 39 ص 124 وج 68 ص 141 ومناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 168 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 70 والعمدة لابن البطريق ص381 والروضة لابن شاذان ص 96 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 445 والجواهر السنية ص 232 و 233 وحلية الأبرار ج 1 ص 221 و 222 و 395 و 396 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 133 وج 9 ص 281 والدر النظيم ص 312 وغاية المرام ج 6 ص 306 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 16 ص 498 .

بالنبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، لأنه استبطأ رزق الله تعالى.. لأن كلام النبي لم يتضمن شيئاً من ذلك، بل طلب من الله تعالى أن يرفع عنه تلك الشدة. فهو نظير دعاء المحتاج للحصول على الرزق، ودعاء المريض للحصول على الشفاء، ودعاء من يكون في ورطة أن يحل الله مشكلته وأن يخرجه من ورطته.. فاللجوء إلى الله في ذلك كله لا يتضمن استبطاء الرزق والشفاء، أو اتهام الله في قضائه.

5 - رأى أمير المؤمنين «عليه السلام» أثر الجوع في وجه النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، فأخذ إهابا، فحوى وسطه، وأدخله في عنقه، وشد وسطه بخوص نخل، وهو شديد الجوع.

فاطلع على رجل يستقي ببكرة، فقال : هل لك في كل دلوة بتمرة؟!

فقال: نعم.

فنزح له حتى امتلأ كفه، ثم أرسل الدلو، فجاء بها إلى النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» (1).

6 - عن الصادق «عليه السلام» قال: نزل جبرئيل على رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، فقال : إن الله جل جلاله يقرئك السلام، ويقول لك: هذه بطحاء مكة تكون لك رضراضة ذهباً .


1) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 390 وبحار الأنوار ج 41 ص 39 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 134 .

قال: فنظر النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» إلى السماء ثلاثاً، ثم قال: لا، يا رب، ولكن أشبع يوما فأحمدك، وأجوع يوماً، فأسألك (1).

7 - عن الصادق «عليه السلام» قال: جاءت فاطمة «عليها السلام» إلى النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، فشكت الجوع.

فقال لها قولي: «يا مشبع الجوعة، ويا رافع الوضعة، لا تجع فاطمة بنت محمد» وأمرها أن تدعو به (2)


1) بحار الأنوار ج 16 ص 238 و 220 و 279 و 283 وج 18 ص288 وج 67 ص 318 وج 69 ص 64 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 133 وج 3 ص 461 ومستدرك الوسائل ج 12 ص 52 ومكارم الأخلاق للطبرسي (منشورات الشريف الرضي) ص 24 ومشكاة الأنوار ص 462 و 463 وراجع: مسند زید بن علي ص 448 وعيون أخبار الرضا ج2 ص 33 ومسند الرضا لداود بن سليمان الغازي ص 62 و 98 و 173 والزهد لحسين بن سعيد الكوفي ص 52 والأمالي للمفيد ص124 وحلية الأبرار ج 1 ص 220 و 224 وسنن النبي للطباطبائي ص29 و 30 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 81 و 270 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج7 ص191 و 192 وصحيفة الرضا ص116.

2) بحار الأنوار ج 88 ص 360 وج 43 ص 62 ومكارم الأخلاق للطبرسي (منشورات الشريف الرضي) ص 336 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 134 وراجع: روضة المتقين ج 8 ص 350 والكافي ج 5 ص 528 و 529 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 20 ص 216 و (الإسلامية) ج 14 ص 158 و 159 ومستدرك الوسائل ج 14 ص 282 ومشكاة الأنوار ص 343 ومرآة العقول ج 20 ص 361 ومجمع الزوائد ج 9 ص 203 والمعجم الأوسط ج 4 ص 210 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 47 و 48 وبيت الأحزان ص 35 وكنز الدقائق (تفسير ) ج 9 ص 275 وتفسير نور الثقلين ج 3 ص 587 .

8 - جاء رجل إلى رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، فشكا إليه الجوع، فبعث رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» إلى أزواجه، فقلن: ما عندنا إلا الماء.

فقال «صلی الله علیه و آله وسلم» من لهذا الرجل الليلة؟

فقال أمير المؤمنين «عليه السلام»: أنا يا رسول الله.

فأتى فاطمة وسألها: ما عندك يا بنت رسول الله ؟!

فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية، لكنا نؤثر ضيفنا به .

فقال على «عليه السلام» يا بنت محمد «صلی الله علیه و آله وسلم»، نومي الصبية وأطفئي المصباح، وجعلا يمضغان بألسنتهما ، فلما فرغ من الأكل أتت فاطمة بسراج فوجد الجفنة مملوءة من فضل الله.

فلما أصبح صلى مع النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، فلما سلم النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» من صلاته نظر إلى أمير المؤمنين «عليه السلام»، وبكى بكاءً شديداً، وقال: يا أمير المؤمنين، لقد عجب الرب من فعلكم البارحة، اقرأ: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ). أي مجاعة (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نفسه) يعني علياً، وفاطمة،

والحسن، والحسين «عليهم السلام» فأولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (1).

أين كنوز كسرى وقيصر؟!:

هذا غيض من فيض ألمحنا إليه للتدليل على أن هذا الجوع، وشدة الحاجة إلى الطعام كأنه كان خاصاً برسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، وعلي، وفاطمة، والحسنين «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين»، وبعض آخر ممن يلوذ بهم، كالمقداد، فإن الحاجة والجوع تكون أظهر وأبين في هؤلاء منها في سائر المسلمين.

وقد تجلت ظاهرة هذا الجوع في المدينة المنورة، وبعد أن حقق المسلمون أعظم الإنتصارات على أعدائهم من المشركين، واليهود. وكل من ناوأهم من الجماعات. وحصلوا على الغنائم، وتوسع نفوذهم، وأفاء الله عليهم بما أفاء.

ويؤكد ما نقول : أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» منذ أوائل أيام بعثته قد بشر الناس بأن كنوز كسرى وقيصر سوف تفتح على يديه (2).


1) الآية 9 من سورة الحشر.

2) شرح السير الكبير ج 1 ص 46 والمبسوط للسرخسي ج 10 ص 31 وفتوح الشام للواقدي ج 2 ص 196 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص 292 والكامل في التاريخ (ط صادر) ج 2 ص 324 وج 2 ص 57 وإمتاع الأسماع ج 4 ص 386 وج 12 ص 131 وج 14 ص187 و 188 و 193 و 350 وج 1 ص 232 و ج 8 ص 373 وصحيح البخاري (ط دار الفكر ) ج 4 ص 50 و 182 وج 7 ص 218 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 8 ص 187 وسنن الترمذي ج 3 ص 337 والسنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 177 وشرح صحيح مسلم للنووي ج 18 ص 42 ومجمع الزوائد ج 8 ص 289 و ج 1 ص 111 وج 9 ص 103 وفتح الباري ج 6 ص 461 وعمدة القاري ج 15 ص 41 وج 16 ص 50 و ج 23 ص 168 و 169 والمصنف للصنعاني ج 11 ص 388 ومسند الحميدي ج 2 ص 468 ومسند أبي يعلى ج 10 ص 284 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 83 و 85 والحد الفاصل للرامهرمزي ص 340 ومسند الشاميين ج 4 ص 165 282 ومعرفة السنن والآثار ج 7 ص 105 ودلائل النبوة ج 2 ص 783 وج 4 ص 393 وج 6 ص 325 وج 1 ص 416 والمعجم الكبير ج 2 ص 213 وج 3 ص 166 وج 18 ص 101 والمعجم الأوسط ج 2 ص 230 وج 5 ص 103 والمعجم الصغير ج 1 ص 245 والعمدة لابن البطريق ص 422 و 64 وغاية المرام ج 2 ص 251 والخرائج والجرائح ج 1 ص 66 والمسند للشافعي ص208 ومسند أحمد ج 2 ص 233 و 240 و 272 و 427 و 476 وج5 ص 92 و 99 و 105 و ج 1 ص 210 والأربعين البلدانية لابن عساكر ص98 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 11 ص 368 و 376 وجامع البيان ج 21 ص 161 و 158 وتاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 167 وأسد الغابة ج 1 ص 254 والبداية والنهاية ج 4 ص 117 و 309 و 119 وج6 ص 208 و 214 و 216 و 296 وج 7 ص 62 و 63 و 179 و 224 وج 3 ص 35 و 292 وتذكرة الحفاظ ج 2 ص 439 وذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 187 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص197 و 513 والخصائص الكبرى ج 2 ص 113 وسبل الهدى والرشاد ج 10 ص 82 وج 4 ص 528 والسنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 169 و 179 والتاريخ الكبير ج 8 ص 436 وج 7 ص 75 . وراجع: بحار الأنوار ج 20 ص270 و 271 والكافي ج 8 ص 216 وج 18 ص 208 وج 38 ص 244 و 258 ومرآة العقول ج 26 ص 139 وذخائر العقبي ص 59 ولسان الميزان ج 1 ص 395 وعن أبي يعلى، وخصائص النسائي، وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 57 و 238 وراجع حياة الصحابة ج 1 ص 33 وروضة الواعظين ص 86 وحلية الأبرار ج 2 ص 48 وسعد السعود ص138 والاستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1096 و 1242 وبغية الطلب لابن العديم ج 7 ص 3327 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 120 وج 10 ص 220 والرياض النضرة ج 3 ص 112 وتخريج الأحاديث والآثار ج3 ص99 وتفسير جوامع الجامع ج 3 ص 54 و ج 5 ص 112 وتفسير مجمع البيان ج 9 ص 206 وزبدة التفاسير ج 3 ص 158 وتفسير الثعلبي ج 5 ص 84 وج 8 ص 14 وتفسير البغوي ج 3 ص 512 والمحرر الوجيز ج4 ص373 والجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 133 و 137 وتفسير البحر المحيط ج7 ص 212 وتفسير الثعالبي ج 4 ص 339 و ج 5 ص 497 وتفسير القرآن العظيم ج 3 ص 481 والدر المنثور ج 5 ص 186 ولباب النقول ص 157 وتفسير أبي السعود ج 7 ص 92 و 94 والثقات لابن حبان ج 2 ص 200 ج7 ص92 وتهذيب الكمال ج 5 ص 503 وميزان الاعتدال ج 1 ص 224 والإصابة ج 4 ص 426 والمغازي للواقدي ج 1 ص 459 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 135 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 289 والوافي بالوفيات ج 20 ص 8 .

ولعل الكثيرين، ومنهم المعروفون، إنما دخلوا في الإسلام طمعاً، وقد جاءت الانتصارات الهائلة في بدر ، وأحد، والخندق، وخيبر، وسائر الغزوات والسرايا أثناء ذلك، وبعده.. لتؤكد لهم صدق ما أخبرهم به.

وقد كان من المفترض: أن تعطي هذه الانتصارات درجة من الرخاء، وسعة العيش، فإن كان قد حصل ذلك، فلماذا لم نجد له أثراً على سيد الخلق، ومن يلوذ به، وهو قائد المسيرة، وهم روادها، وحملة أعبائها، والمضحون أكثر من كل أحد من أجلها ؟!

ولماذا يحتاج النبي إلى أن يشد الحجر على بطنه من الجوع؟!

ولماذا يطوي ثلاثة أيام، بحيث تكون كسرة من قرص الشعير التي أخذتها الزهراء «عليها السلام» من قرص الحسن والحسين إليه هي أول طعام دخل جوفه «صلی الله علیه و آله وسلم» منذ ثلاث؟!

نفقات الزوجات:

ومن جهة أخرى، فإننا لم نجد لهذا القدر من الحاجة والجوع أثراً بيوت أزواجه «صلی الله علیه و آله وسلم». ويبدو: أن سبب ذلك: هو التكفل الإلهي بنفقتهن في قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُتُ مِنْكُنَّ لِلهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْن وَأعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ) (1). ولكن كان هناك منهن من يطلب المزيد ولا يقنعها ما جعله الله تعالى لها


1) الآية 31 من سورة الأحزاب.

من حق. فكانت هناك بعض الشكاوى منهن ، وسعي خجول، وبعض الإلحاح في طلب التوسعة، فإنهن بعد رجوع النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» من غزاة خيبر، وكان قد أصاب كنز آل أبي الحقيق. قلن :أزواجه أعطنا ما أصبت.

فقال لهن رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»: قسمته بين المسلمين على ما أمر الله.

فغضبن من ذلك، وقلن : لعلك ترى إن طلقتنا ألا نجد الأكفاء من قومنا يتزوجونا؟!

فأنف الله لرسوله، فأمره الله أن يعتزلهن.

فاعتزلهن رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» في مشربة أم إبراهيم تسعة وعشرين يوماً، حتى حضن وطهرن.

ثم أنزل الله هذه الآية، وهي آية التخيير، فقال:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فتَعَالَيْنَ أمَتَّعْكُنَّ وَأسَرَّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةِ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ) (1).

فقامت أم سلمة أول من قامت، فقالت قد اخترت الله، واخترت رسوله.


1) الآيتان 28 و 29 من سورة الأحزاب.

فقمن كلهن فعانقنه، وقلن مثل ذلك، فأنزل الله: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ).

فقال الصادق «عليه السلام» من أوى فقد نكح، ومن أرجى فقد طلق (1).

أين الخمس إذن؟!:

وقد أفاء الله على رسوله «صلی الله علیه و آله وسلم» أموال بني النضير، وحصل على أموال مخيريق، وبعد ذلك على فدك، وكان له خمس الغنائم، وخمس أرباح المكاسب ، فلماذا تبلغ به الحاجة إذن إلى الطعام حد مكابدة الجوع الشديد، وربط الحجر على بطنه؟! فهل كان - والعياذ بالله - بخيلاً، أو كان مبذراً لما تحت يده؟! أم ماذا ؟!

ونجيب:


1) تفسير القمي ج 2 ص 167 والبرهان (تفسير) ج 3 ص307 و 308 و (ط مؤسسة البعثة) ج 4 ص 440 و 441 و (ط أخرى) ج6 ص250 و 251 وكنز الدقائق (تفسير) ج 10 ص 417 والكافي ج 5 ص 388 ومستدرك الوسائل ج 15 ص 310 وبحار الأنوار ج 22 ص 198 وجامع أحاديث الشيعة ج 22 ص 92 والتفسير الأصفى ج 2 ص 998 والتفسير الصافي ج 4 ص 185 و 197 وج 6 ص 38 و 58 وتفسير نور الثقلين ج4 ص 264 و 294 وراجع: الحدائق الناضرة ج 23 ص 96 و 110 و 113 وجواهر الكلام ج 29 ص 120.

بأننا قد ذكرنا في بعض المواضع في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلی الله علیه و آله وسلم» ج6 و 9 و 25 ، وفي الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام»، ولاسيما حين الكلام عن تجهيز جيش العسرة، نبذة عن الثروات الهائلة التي جمعها بعض الصحابة، مثل الزبير، وعبد الرحمان بن عوف وعمر بن الخطاب، وطلحة، وغيرهم.. وقلنا : إن ثرواتهم بقيت لهم، ولأبنائهم يتنعمون بها من بعدهم.

وذكرنا أيضاً نبذة يسيرة عن أموال علي «عليه السلام» التي حصل عليها بكد يده، وبجهده. وأن صدقة ماله «عليه السلام» قد بلغت أربعة آلاف، أو أربعين ألف دينار (1).


1) راجع : كشف المحجة ص 134 وبحار الأنوار ج 41 ص26 و 43 وأنساب الأشراف ج 2 ص 117 ومنتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج 5 ص 560 ومسند أحمد ج 1 ص 159 وينابيع المودة ص372 عن فصل الخطاب لخواجة پارسا، وأسد الغابة ج 4 ص 23 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 199 ومجمع الزوائد ج 9 ص 123 والتراتيب الإدارية، ج 1 ص 407 وتهذيب الأسماء ج 1 ص 346 وصيد الخاطر ص 26 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 574 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 72 وترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ مدينة دمشق (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 450 و 451 وحلية الأولياء ج 1 ص 86 وكنز العمال ص86 ج 15 ص 159 عن أحمد ، وأبي نعيم، والدورقي، والضياء في المختارة، والسيرة الحلبية ج 2 ص207 والرياض النضرة ج4 ص 208 وعن أرجح المطالب ص 166 وعن ربيع الأبرار وراجع أصول مالكيت (فارسي) للأحمدي ج 2 ص 74 .

وأنه «عليه السلام» قد وقف على الحجاج مئة عين استنبطها في ينبع (1).

ولكنه قد وزع كل ما جمعه في طرق الخير، وأوقفه على الفقراء والمساكين، وأبناء السبيل، والأيتام، والحجاج، وسائر أبواب الخير .

وهو مع كل هذه الثروة «لم يلبس ثوباً جديداً، ولم يتخذ ضيعة، ولم يعقد على مال، إلا ما كان بينبع، والبغيبغة، مما يتصدق به»(2).

كما أنه حين وفاته لم يترك سوى سبع مئة درهم، أراد أن يشتري بها خادماً لأهله (3)، فلما حضرته الوفاة أمر الإمام الحسن «عليه


1) أصول مالكيت ج 2 ص 79 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص278 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 388 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص534 وبحار الأنوار ج 41 ص 32 وراجع حول ثورته «عليه السلام» أيضاً ج 41 ص 125 ففيه قصة طريفة حول هذا الموضوع، وراجع وسائل الشيعة (آل البيت) ج 19 ص 186 و (الإسلامية) ج 13 ص 303 والغارات للثقفي ج 2 ص 701 ومستدرك الوسائل ج 14 ص 51 وتهذيب الأحكام ج9 ص 148 ودعائم الإسلام ج 2 ص 341 والحدائق الناضرة ج 18 ص 445 وبناء المقالة الفاطمية ص 243 والكافي ج 1 ص 54 .

2) مشاكلة الناس لزمانهم ص 15.

3) بحار الأنوار ج 25 ص 14 وج 40 ص 340 و ج 42 ص 202 وج 43 ص 359 و 362 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 15 ص 146 وج 16 ص 30 وينابيع المودة ص 208 و (ط دار الأسوة) ج 2 ص 32 و 212 والإمامة والسياسة ج 1 ص 162 والفتوح لابن أعثم ج 4 ص 146 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 48 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص207 وراجع: الأصول الستة عشر ص 29 ومسائل علي بن جعفر ص 328 والكافي ج 1 ص 457 والأمالي للصدوق ص 397 وخصائص الأئمة ص 80 وروضة الواعظين ص 138 وشرح أصول الكافي ج 7 ص 211 ومقاتل الطالبيين ص 33 وشرح الأخبار ج 2 ص 436 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 8 وذخائر العقبى ص 138 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 144 ومدينة المعاجز ج 3 ص 51 والمستدرك للحاكم ج3 ص 172 والسنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 112 والذرية الطاهرة النبوية ص 110 وتفسير فرات ص 198 وقاموس الرجال للتستري ج10 ص 501 وتاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 581 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 213 وإمتاع الأسماع ج 11 ص 179 وبشارة المصطفى ص362 وإعلام الورى ج 1 ص 406 وكشف الغمة ج 2 ص 155 و 161 و 169 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 716 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 67.

السلام» بردها إلى بيت المال (1).

وعاش ومات، وما بنى لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة (2).


1) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 146 و (ط دار الأضواء) ج 4 ص 282.

2) تهذيب الأسماء ج 2 ص 346 وأسد الغابة ج 4 ص 24 والمناقب للخوارزمي ص 70 و (ط جماعة المدرسين) ص 118 والبداية والنهاية ج 8 ص 55 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص4 وبحار الأنوار ج 40 ص 322 وحلية الأبرار ج 2 ص 239 وشعب الإيمان ج7 ص 395 وتاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 482 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 644 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 1 ص 275 .

وباع سيفه وقال: «لو كان عندي ثمن عشاء - أو إزار - ما بعته»(1).

أما فدك، فكانت الزهراء «عليها السلام» تتصدق بغلتها،

وتنفقها على المحتاجين، ثم أخذت منها فور وفاة أبيها ..

ولم يكن علي «عليه السلام» متفرداً في أمره هذا، بل هو قد أخذه من معلمه رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، ونسج على نفس المنوال.

وأما رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، فإنه في غزوة حنين تناول من الأرض وبرة من بعير، أو شيئاً ، ثم قال: «والذي نفسي


1) كشف المحجة ص 124 وبحار الأنوار ج 40 ص 324 وج 41 ص 136 و 324 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 200 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 6 ص 238 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 366 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفى ج 2 ص 55 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 301 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص 251 و 253 و ج 17 ص 605 و ج 32 ص 285 وأصول مالكيت ج 2 ص 78 - 98 عن مصادر كثيرة.

بیده ما لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس، وهو مردود عليكم»(1).


1) الموطأ لمالك (المطبوع مع تنوير الحوالك) ج 2 ص 14 و (ط أخرى) ج 2 ص 457 والأموال لأبي عبيد ص 444 و 447 والفتوح لابن أعثم ج 2 ص 122 والثقات لابن حبان ج 2 ص 78 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 395 و 338 عن ابن إسحاق، وعن الحاكم بسند صحيح، وراجع: إعلام الوری ص 128 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 242 وبحار الأنوار ج 21 ص 174 والمستدرك للحاكم ج 3 ص 49 والسنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 303 وموارد الظمآن رقم (1693) عن ابن حبان، ومسند أحمد ج 2 ص 184 وج 4 ص 84 وجه ص 316 و 319 و 326 وسنن النسائي ج 6 ص 264 والسنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 337 وج 7 ص 17 ومجمع الزوائد ج 5 ص 338 وج 6 ص 188 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 243 وج 11 ص 106 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص 530 ومكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ص 115 والسنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 120 وصحيح ابن حبان ج 11 ص 149 والمعجم الأوسط ج 2 ص 242 وج 7 ص 236 والمعجم الكبير ج 2 ص130 ومعرفة السنن والآثار ج 7 ص 43 والإستذكار لابن عبد البر ج 5 ص 76 وج 20 ص 37 و 49 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 17 ص 116 ونظم درر السمطين ص 62 وكنز العمال ج 4 ص 372 و ج 10 ص 537 وأسد الغابة ج 4 ص132 وتاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 216 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 358 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 269 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 608 والبداية والنهاية ج 4 ص 405 و 407 وإمتاع الأسماع ج 2 ص 211 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 669 و 672 .

كما أننا نعلم أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» لم يأخذ الخمس من غنائم بدر (1).

وأن كل ما كان يصل إلى يده ينفقه على أهل الحاجة، وفي تدبير شؤون المسلمين، وفي الإعداد لدفع أعدائهم، وما أكثرهم.

وقد استشهد «صلی الله علیه و آله وسلم»، ولم يكن عنده سوى ستة أو سبعة دنانير ، فأصر على إنفاقها في مواردها المقررة (2).

ثم كان علي «عليه السلام» هو الذي قضى ديون النبي بعد استشهاده «صلی الله علیه و آله وسلم» (3).


1) راجع الصحيح من سيرة النبي الأعظم ص«صلی الله علیه و آله وسلم» ج 6 ص8.

2) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 12 ص 250 عن ابن سعد، والطبراني برجال الصحيح، وعن مسدد، وابن عمر، وابن أبي شيبة، وأحمد برجال الصحيح، وراجع: مجمع الزوائد ج 3 ص 124 والعهود المحمدية للشعراني ص 158 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 239 و 237 و 238 وإمتاع الأسماع ج 14 ص 515 و 516 و ج 2 ص 292 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 627 والمعجم الكبير ج 6 ص 198 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 472 وتاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 110 وصحيح ابن حبان ج 8 ص 8.

3) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 329 - 333 و (ط المكتبة الحيدرية - النجف) ج 1 ص 396 و ج 2 ص 247 و ج 3 ص 16 وبحار الأنوار ج 38 ص 73 وج 21 ص 380 و 381 و ج 28 ص 55 وج 36 ص 109 و 311 و 355 وج 38 ص 1 و 73 و 103 و 111 و 334 وج 39 ص 33 و 216 وج 72 ص 445 وج 99 ص 106 وكتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص 136 والخصال ج 2 ص 84 والأمالي للصدوق ص 450 وعيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 1 ص 9 وكفاية الأثر ص76 و 135 و 217 ومناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج1 ص 432 وشرح الأخبار ج 1 ص 113 و 117 و 211 ومائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي ص 140 والأمالي للطوسي ص 600 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 192 والعمدة لابن البطريق ص 181 والمزار لابن المشهدي ص 577 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج 1 ص 507 والطرائف لابن طاووس ص 133 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 53 عن المناقب لابن المغازلي الشافعي ص 261 ح 309 وبشارة المصطفى للطبري ص 101 و 258 وكشف الغمة ج 1 ص 341 ونهج الإيمان ص 196 و 440 وفضائل أمير المؤمنين «عليه السلام» لابن عقدة الكوفي ص204 وتفسير نور الثقلين ج 3 ص 624 وتفسير القمي ج 2 ص 109 ومسند الإمام الرضا «عليه السلام» للعطاردي ج 1 ص 123 و 127 وجامع أحاديث الشيعة ج 23 ص 252 .

رؤية الحسنين علیهما السلام تذهب بعض الجوع:

ولا شيء يمنع من صحة ما ورد على لسان النبي صلى الله عليه وآله»، من أن رؤيته للحسنين «عليهما السلام» تذهب بعض ما

به من الجوع، فقد ذكرنا في موضع آخر من هذا الكتاب أن الأمور التي لها ارتباط بالروح، تؤثر في الجسد أيضاً شفاءً أو نشاطاً وقوة، أو شبعاً، أو وهناً، أو أي شيء آخر ، فلا حاجة إلى إعادة ذلك هنا.

لماذا أطعم أبا بكر؟!:

يظهر من الرواية المتقدمة : أن جبرئيل «عليه السلام» أمر النبى «صلی الله علیه و آله وسلم» أن يأكل من الجفنة هو وأبناؤه وأهل بيته، ثم أرسل الجفنة إلى أبي الدرداء، فأكلوا منها وشبعوا الخ..

وقد لاحظنا: أن عبائر وضمائر الرواية مشوشة في هذا المورد، فراجعنا النص الموجود في مقتل الحسين «عليه السلام» للخوارزمي، فوجدنا أنه يختلف بعض الشيء عن غيره، ففيها: أنه لما أتي بالجفنة المنكوسة، ودعا بها، فإذا فيها ثريد ولحم كثير، فقال جبرئيل: كل يا محمّد، وأطعم ابنيك وأهل بيتك.

قالت: فأكلوا وشبعوا .

ثمّ أرسل بها إلى أبي بكر الصدّيق، فأكلوا وشبعوا وهي على حالها.

فقال أبوبكر: ما أعظم بركة هذه الجفنة.

فرفعت عنهم.

فقال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» والذي بعثني بالحق، لو سكت لتداولها فقراء أمتي إلى يوم القيامة.

ولنا أن نسأل: لماذا اختار أبا بكر من بين سائر المسلمين؟! ولماذا

لم يطعم منها أبا الدرداء، مثلاً ؟! ولماذا لم يطعم منها المقداد أو سلمان، أو غيرهم من أهل الحاجة من بني هاشم، ومن غيرهم؟!

وما معنى وصف أبي بكر بالصديق، وقد قلنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلی الله علیه و آله وسلم»، والصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام» أن هذا اللقب لم يطلقه عليه رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، بل كان الصديق الأكبر هو علي «عليه

«السلام».

ثم كان قوله: «ما أعظم بركة هذه الجفنة»، أو «ما رأيت جفنة أعظم بركة منها» هو السبب في تضييع هذه العطية الإلهية.

إذا جاع الحسنان لماذا تعاقب الأمة؟!:

قد يدور بخلد البعض في هذه الرواية إشكال يمنع من قبولها، ويحتم ردها إلى أهلها ، حيث ذكرت: أن الحسنين «عليهما السلام» كانا يبكيان من الجوع ، وأن النبي بادر إلى مسح دموعهما، لكي لا تقطر قطرة منها على الأرض، لأن ذلك سيبقي المجاعة في الأمة إلى يوم القيامة.

والسؤال هو: ما ذنب الأمة إذا جاع الحسنان؟! ولماذا تعاقب الأمة بهذا العقاب القاسي، وهي لم تصنع شيئاً يوجب لها هذا العقاب؟!

وإذا كان أحد قد اعتدى على الحسنين «عليهما السلام»، وغصب منهما بعض حقهما أو طعامهما، فيجب أن يتوجه العقاب لخصوص ذلك الغاصب دون سائر الناس، فما بالك بمعاقبة من لا ناقة له ولا جمل

من أهل الأجيال التي سيتمخض عنها التاريخ عبر الأحقاب والدهور إلى يوم القيامة ؟! فإن براءتهم من هذا الأمر كالنار على المنار، وكالشمس في رائعة النهار، فلماذا يعاقبون بالمجاعة والحرمان؟!

ويبقى سؤال آخر، وهو: أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» قد رهن نزول العقوبة بالقحط والجوع على الأمة إلى يوم القيامة، بسقوط قطرة على الأرض من دموعهما «عليهما السلام».

فإنه إن كان الظلم هو سبب العقوبة، فينبغي حصول المسبب، وهو العقوبة، لحصول سببها، سواء سقطت قطرة على الأرض أو لم تسقط، وسواء بكى الحسنان أو لم يبكيا.

وإن كان الموجب للعقوبة هو نفس سقوط القطرة من الدمع على الأرض، فذلك يعني: أن السبب ليس ظلماً حاق بالأمة، بل هو أمر آخر، فما هو هذا الأمر ؟! وما علاقته بالأمة ؟! ولماذا رسمت له هذه العقوبة؟!

ونجيب:

بأنه إذا كان ظلم الحسنين الذي أدى إلى جوعهما هو العمل على حرمانهما من حقوقهما التي قررها الله تعالى لهما، كادّعاء أنهما لا حق لهما في الخمس، وليس لهما أن يأخذا من الفيء، ولا من أي شيء مالي آخر، أو كان هو إثارة الشبهات حول صحة تشريع هذه الحقوق.

يضاف إلى ذلك: تمالؤ الأمة على حرمانهما حتى خمس

المكاسب، فضلاً عن خمس غنائم الحرب. وكان الذين يتزعمون هذه الحركة - حركة إنكار حقوق أهل البيت تشريعاً أو بإمساكها، ومنع وصولها إليهم - إذا كان هؤلاء الزعماء مؤيدين من جميع الأمة إلا الشاذ النادر منها، ومحميين بحرابها، وبإعلامها الكاذب، وبالمجعولات والمكذوبات التى تنسب إلى الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم»، ثم كانوا أيضاً مؤيدين ومحميين بالأجيال المتعاقبة، التي لم تصغ إلى صوت الحق والعدل، بل أوغلت في سياساتها الرامية لدفن ذكر أهل البيت، وطمس أطروحتهم، وتصغير شأنهم، وتوهين أمرهم. فإن الأمة كلها تستحق أن تبتلى بالقحط، بعد أن تسببت بالقحط المعرفي والإيماني، والروحي والأخلاقي، فتكون العقوبة من سنخ الجريمة بنحو أو بآخر.

أبكي من ذل الدنيا:

وعن بكاء الرسول في ذل الدنيا نقول:

إن الله تعالى يقول: (إِنَّ الْعِزَّة لِلهِ جَمِيعًا) (1)ويقول: (وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِين) (2).

ويرى أهل الدنيا: أن الحاجة والجوع هما: الذل والمهانة بعينها، وأن العزة تكون بكثرة المال والولد، والشوكة، والسلطان، وما إلى


1) الآية 65 من سورة يونس، والآية 139 من سورة النساء.

2) الآية 8 من سورة المنافقون.

ذلك.

وهذا يجعلنا نتساءل عن الذل الدنيوي الذي بكى منه رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، ما معناه؟ وما المراد به عنده؟!

ونجيب:

إن بكاء الرسول من ذل الدنيا لم يكن ناظراً إلى الذل بهذا المعنى، المتداول عند المنافقين وأهل الدنيا، لأن النبي وأهل الإيمان يرون للذل معنى ومعياراً آخر غير هذا.

وهذه الرواية التي نحن بصددها توضح هذا المعنى، ولكن بطريقة إقناعية فريدة، فقد عرض الله على رسوله - ليخرجه من الذل الذي أحزنه - أن يحوّل له جبل أحد ذهباً، ولا ينقص شيء مما أعده الله تعالى له عنده من مراتب ومقامات.

أي أن الله تعالى قد عرض إزالة ذل الدنيا بإعطائه من الذهب بمقدار جبل أحد . وهذا يتوافق مع مفهوم أهل الدنيا للعز وللذل.

فجاء الجواب من الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم» بالرفض القاطع لهذا العرض.

ولا بد أن يثير هذا الرفض دهشة وتعجب أهل الدنيا، فهو في حين يبكي من ذل الدنيا، يرفض إزالة هذا الذل بأكثر الوسائل فعالية وأثرا في إزالته، وهو الذهب الذي بحجم جبل أحد، فمن كان عنده ذهب بهذا المقدار من أين يأتيه الذل في الدنيا؟!

فرفض هذا العرض لا بد أن يحيّر أهل الدنيا، ويروا أن النبي إما

يتناقض مع نفسه، أو أن في الأمر سرا، لا بد لهم أن يتوقعوه، وإن بحثوا عنه لعرفوه.

فجاء السؤال الثاني من جبرئيل عن الله سبحانه للنبي «صلی الله علیه و آله وسلم» عن سبب هذا الرفض.

فأجاب «صلی الله علیه و آله وسلم» بقوله: لأن الله تعالى لم يحب الدنيا، ولو أحبها لما جعل للكافر أكلة منها.

وبهذا الجواب يكون قد أطاح بالمرتكز الأساس للاعتزاز بالذهب، حيث ذكر أن الله سبحانه لا يحب الدنيا، وإذا كان الله لا يحبها، فكيف تكون مصدر عزة لأحد من الناس ؟! فإن المفروض أن يكون الله تعالى هو مصدر العزة، ومعدنها، لأنه مصدر القوة، وهو معدن الغنى، والواجدية، ومنه يكون العطاء، وإذا كان لا يحب الدنيا، فهو يعطيها لمن لا يحبهم، وهم العصاة والكافرون، وهو لا يعطي هؤلاء ما يوجب قوتهم وعزتهم، لأنه تقوية وإغراء لهم بالباطل، وتحريض على التمرد والعصيان، ومواصلة الإفساد..

فإذا تخيل هؤلاء أنهم يقوون بالذهب والمال والرجال، وغير ذلك.. فهم واهمون، بل هم يزيدون ضعفاً ، لأنهم يوظفون هذه الأمور هدم الحياة، وتخريب معالمها، وإفسادها. وهذا يزيدهم ضعفاً إلى ضعف، ووهنا إلى وهن.

ولذلك قال «صلی الله علیه و آله وسلم»: «لو أحبها لما جعل للكافر أكلة».

الجفنة المنكوسة الدليل الأقوى:

وقد أكد جبرئيل صحة قول رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» بالوقائع والأفعال حين أمر بإحضار الجفنة المنكوسة، فحالتها تدل على أنها لا يمكن أن يكون فيها طعام.. وإذا بهذه الجفنة المنكوسة تصبح مملوءة ثريداً ولحماً كثيراً. وقد أكل منها النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، وجميع أهل البيت «عليهم السلام»، وأكل منها آخرون أيضاً.

فكانت هذه دلالة صريحة على أن الرضا الإلهي، والاعتماد على الله هو الغنى، وهو العز، وهو القوة، وهو الواجدية، حتى حين لا يكون هناك مال ولا سلطان، ولا ذهب، ولا عساكر، ولا .. ولا ..

أما الذهب، فقد يذهب، ويتلاشى ولو وجد فإنه لا يستطيع أن يملأ الجفنة ثريداً ولحماً كثيراً ، إن لم يكن هذان العنصران، متوفرين بالأسباب التي تسمح بذلك، خارج دائرة عنصر الذهب نفسه، إذ لا بد أن تتوفر الأسباب لوجودهما وخلقتهما من الله تعالى بالفعل، وجعلهما في متناول أيدي عباده.

تضييع الجفنة:

وقد رفعت الجفنة بسبب كلام صدر عن إنسان بعيد عن معرفة الأسرار، أو لم يعاشر الأخيار والأبرار ، ولو أنه سكت لتداولها فقراء أمة محمد إلى يوم القيامة. وإنما ارتفعت الجفنة بإظهار ذلك الرجل إعجابه بها، لأن هذا الإعجاب يشبه الإعجاب بالكثرة يوم حنين، الأمر الذي أدى إلى هزيمة المسلمين يومئذ.

الفصل السابع: طعام الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم» : توضيح وتصحيح..

اشارة

للتمهيد والبيان:

تقدم أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» وأهل البيت «عليهم السلام» كانوا يعانون من الجوع والحاجة إلى حدود لا يحتملها كثير من الناس.. حيث إن بعض النصوص قد جاءت ملتبسة، فقد أحببنا إيضاحها في هذا الفصل، لأنها ترتبط برسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، فنقول:

الأكل متكناً ، والأكل من خبز البر:

لقد ورد في بعض الروايات: أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» لم يشبع من خبز برّ ثلاثة أيام قط (1). وورد النهي عن الأكل متكئاً..


1) الكافي ج 8 ص 129 - 131 والأمالي للطوسي ص 68 و (ط دار الثقافة) ص 663 وبحار الأنوار ج 16 ص 220 و 289 و 277 وج 63 ص 386 وج 67 ص 318 وراجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص190 وإحياء علوم الدين ج 7 ص 105 والمحجة البيضاء ج 4 ص 125 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 70 وحلية الأبرار ج 2 ص 171 وسنن النبي للطباطبائي ص183 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 86 والمستطرف للأبشيهي ج 1 ص 205 وراجع: كنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 7 ص 187 والجامع لأحكام القرآن ج 1 ص428.

ولكن يظهر من بعض الروايات خلاف ذلك.

فقد روى الكليني بسنده عن محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي جعفر «عليه السلام» ذات يوم، وهو يأكل متكئاً. قال: وقد كان يبلغنا أن ذلك يكره.

فجعلت أنظر إليه، فدعاني إلى طعامه، فلما فرغ قال: يا محمد، لعلك ترى أن رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» ما رأته عين وهو يأكل وهو متكئ، من أن بعثه الله إلى أن قبضه؟!

قال: ثم رد على نفسه فقال: لا والله، ما رأته عين يأكل وهو متكئ، من أن بعثه الله إلى أن قبضه.

ثم قال: يا محمد، لعلك ترى أنه شبع من خبز البر ثلاثة أيام متوالية، من أن بعثه الله إلى أن قبضه.

ثم رد على نفسه، ثم قال: لا والله ما شبع من خبز البر ثلاثة أيام متوالية، منذ بعثه الله إلى أن قبضه.

أما إني لا أقول: إنه كان لا يجد، لقد كان يجيز الرجل الواحد بالمائة من الإبل، فلو أراد أن يأكل لأكل. ولقد أتاه جبرئيل «عليه السلام» بمفاتيح خزائن الأرض ثلاث مرات، يخيره من غير أن ينقصه الله تبارك وتعالى مما أعد الله له يوم القيامة شيئاً، فيختار

التواضع لربه عز وجل. الخ..(1).

ونجيب:

أولاً: أما بالنسبة للأكل من خبز البر، فإن الروايات تنفي أن يكون النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» قد أكل منه جملة وتفصيلا، فلاحظ ما يلي:

1 - روى الصدوق، عن العطار ، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن العيص بن القاسم قال : قلت للصادق «عليه السلام» حديث يروى عن أبيك «عليه السلام»: أنه قال: ما شبع رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» من خبز بر قط، أهو صحيح؟!

فقال : لا ، ما أكل رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» خبز بر قط، ولا شبع من خبز شعير قط (2).


1) الكافي ج 8 ص 129 - 131 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 24 ص 250 251 و (الإسلامية) ج 16 ص 413 و 414 والأمالي للطوسي ص 68 و (ط دار الثقافة) ص 692 وحلية الأبرار ج 1 ص 218 - 219 و 288 - 289 و ج 2 ص 171 - 172 و 219 - 220 وبحار الأنوار ج 16 - ص 277 و 278 ومرآة العقول ج 25 ص 310 - 312 وسنن النبي للطباطبائي ص 182 و 183 وغاية المرام ج 7 ص 7 و 8 .

2) الأمالي للصدوق ص 192 و (ط مؤسسة البعثة) ص398 وبحار الأنوار ج 16 ص 216 و 243 وج 63 ص 275 وج 67 ص 71 وروضة الواعظين ص 456 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص28 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 24 ص 244 و (الإسلامية) ج 16 ص 409 وحلية الأبرار ج 1 ص 221 وسنن النبي للطباطبائي ص 160 .

2 - الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان الهناني البصري، عن أحمد بن إبراهيم بن أحمد عن الحسن بن علي بن عبد الكريم الزعفراني، عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي أسامة، عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: بلغنا أن رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» لم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام قط.

قال: فقال أبو عبد الله «عليه السلام»: ما أكله قط.

قلت: فأي شيء كان يأكل؟!

قال: كان طعام رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» الشعير إذا وجده، وحلواه التمر، ووقوده السعف (1).

3 - إن عائشة تقول: ما شبع رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»


1) الأمالي للطوسي ص 60 و (ط دار الثقافة) ص 663 وحلية الأبرار ج1 ص 217 وبحار الأنوار ج 16 ص 288 و 289 وج 67 ص 318 وراجع ج 66 ص 398 و ج 79 ص 131 ومستدرك الوسائل ج 16 ص 381 وراجع ج 2 ص 443 وراجع: الأمالي للمفيد ص195 وسنن النبي للطباطبائي ص 175 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 423.

من خبز الشعير يومين حتى مات (1).

4 - وفي نص آخر لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه فقط، من يسير ما يجد من التمر والشعير ، ويضع سائر ذلك في سبيل الله (2).

5 - وفي نص آخر إنه «صلی الله علیه و آله وسلم» كان يأكل الشعير إذا كان غير منخول، خبزاً، أو عصيدة الخ..(3).

6 - ومن كتاب النبوة، عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: ما زال طعام رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» الشعير حتى قبضه الله إليه(4).


1) بحار الأنوار ج 16 ص 243 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص 28 والشمائل المحمدية ص 86 و 84 ومسند أبي يعلى ج 8 ص 33 وراجع: فتح الباري ج 11 ص 249 ومسند ابن راهويه ج 3 ص 879 وتركة النبي لحماد بن إسحاق ص 63 والترغيب والترهيب ج 4 ص 187 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 7 ص 187 وفيض القدير ج 5 ص 254 وتفسير البغوي ج 4 ص 169 والتفسير الحديث لدروزة ج 5 ص 18 وبغية الطلب لابن العديم ج 4 ص 1853 ومرآة الجنان ج 1 ص 40.

2) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 100 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 126 وبحار الأنوار ج 16 ص 227 وسنن النبي للطباطبائي ص37 وإحياء علوم الدين للغزالي ج 7 ص 101والمحجة البيضاء ج 4 ص 123.

3) بحار الأنوار ج 16 ص 243 وج 63 ص 287 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص 28 .

4) بحار الأنوار ج 16 ص 244 و ج 63 ص 255 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص 29 ومستدرك الوسائل ج 16 ص 334 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص423.

7 - عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: إن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» كان قوته الشعير من غير أدم(1).

وحسبنا ما ذكرناه من ذلك..

ثانياً: إن رواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر ليست صريحة في أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» كان يأكل خبز البر، فإن الإمام قد أورد هذه الأقوال، وهي:

ألف: أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» قد أكل وهو متك.

ب: إنه قد شبع من خبز البر ثلاثة أيام متوالية.

أوردها تمهيداً لإنكاره لها، والرد عليها، ولم يوردها لتأكيدها، وتقرير ثبوتها.

وكأنه «عليه السلام» بصدد دفع هذه الشبهات والأباطيل عن ساحة قدس رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، فهو يقسم بالله سبحانه: أنه ما رأت عين النبي«صلی الله علیه و آله وسلم» يأكل وهو متك، من أن بعثه


1) بحار الأنوار ج 16 ص 281 و ج 68 ص 395 وحلية الأبرار ج1 ص222 ومستدرك الوسائل ج 16 ص 335 والزهد لحسين بن سعيد الكوفي ص 29 .

الله إلى أن قبضه الله .

وأما قوله «عليه السلام»: «لا والله ما شبع من خبز البرثلاثة أيام متوالية، منذ بعثه الله تعالى إلى أن قبضه».. فهو «عليه السلام» يحكي نفس العبارة التي يروجها أهل الباطل.

ثم يقسم على نفيها وإبطالها من أولها إلى آخرها، فهو يقول: إن جميع ما قالوه لا أساس له من الصحة. بيان ذلك : أنه إذا قال إنسان:

ما شبع رسول الله من خبز بر ثلاثة أيام قط.

فإذا قلنا له: إن قولك هذا ليس صحيحاً .

فإن نفي الجملة المدعاة يتحقق بفردين:

أحدهما: أن المنفى هو الحد والمقدار الذي أثبتوه. وهذا النفي للمقدار لا يتنافى مع كونه قد شبع يوماً واحداً أو يومين.

الثاني: أن يكون المقصود هو نفي صحة أصل الموضوع من أساسه، وهو أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» لم يأكل خبز بر من الأساس، فلا معنى للقول: بأنه لم يشبع ثلاثة ايام، أو يومين، أو يوم، لأن أصل الأكل من خبز البر لم يحصل، فالقضية تكون سالبة بانتفاء

موضوعها..

ويشهد لإرادة هذا المعنى الثاني: أنه «عليه السلام» يقول أخيراً: «أما أني لا أقول: إنه كان لا يجد ، لقد كان يجيز الرجل الواحد بالمائة من الإبل، فلو أراد أن يأكل لأكل الخ..». فهذه العبارة تدل على أنه لم يأكل من خبز البر ، مع أنه في متناول يده.

ويؤيد ذلك: النصوص المتقدمة التي تنفي أن يكون «صلی الله علیه و آله وسلم» قد أكل خبز بر قط.

وبذلك لا يبقى مجال للإشكال على هذه الرواية، واعتبارها من أدلة أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» كان يأكل خبز البر أقل من ثلاثة أيام..

ثالثاً : قد يقال إن في الرواية مخالفة صريحة، من حيث إنها تقول: إن الإمام «عليه السلام» قد أكل متكئاً.. مع أنه لا ريب في النهي عن هذا الأمر.

ويجاب بما يلي:

ألف: إن النصوص تؤكد على كراهة الأكل في حال الاتكاء.

ونذكر من هذه النصوص ما يلي:

1 - عن المعلى بن خنيس قال: قال أبو عبد الله «عليه السلام» ما أكل نبي الله وهو متكئ منذ بعثه الله عز وجل، وكان يكره أن يتشبه بالملوك. ونحن لا نستطيع أن نفعل (1).


1) روضة المتقين ج 7 ص 526 والمحاسن للبرقي ص 455 و 456 و (ط دار الكتب الإسلامية) ج 2 ص 458 والكافي ج 6 ص 272 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 24 ص 249 و (الإسلامية) ج 16 ص 412 وحلية الأبرار ج 1 ص 234 وبحار الأنوار ج 16 ص 262 و ج 63 ص 387 ومرآة العقول ج 22 ص 75 والمحجة البيضاء ج 3 ص 8 وتاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 74 .

2 - ما أكل رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» منذ بعثه الله متكئاً حتّى مات (1). أو حتى لقي ربه(2). أو حتى فارق الدنيا (3).

3 - عن الصادق «عليه السلام»: ما أكل رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» متكئاً منذ بعثه الله عز وجل إلى أن قبضه (4).


1) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 354 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 24 ص 252 و (الإسلامية) ج 16 ص 415 والزهد لحسين بن سعيد الكوفي ص 59 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص 146 وبحار الأنوار ج 63 ص 388.

2) السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 49 وراجع: مجمع الزوائد ج 9 ص20 والمعجم الكبير ج 10 ص 288 وشعب الإيمان ج 5 ص 107 و نظم درر السمطين ص 59 وراجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 190 والوافي بالوفيات ج 1 ص 73 وإحياء علوم الدين ج 7 ص 104 و 105 والمحجة البيضاء ج 4 ص 125 .

3) مكارم الأخلاق ص 23 وبحار الأنوار ج 16 ص237 وسنن النبي للطباطبائي ص 45 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 154 وتفسير الرازي ج 24 ص 54 .

4) روضة المتقين ج 7 ص 526 والمحاسن للبرقي ج 2 ص 457 و 458 والكافي ج 6 ص 270 وج 8 ص 164 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج12 ص 143 وج 24 ص 249 و 251 و (الإسلامية) ج 8 ص 499 وج 16 ص 412 و 414 ومكارم الأخلاق ص 27 وحلية الأبرار ج 1 ص 180 و 197 و 219 و 233 و ج 2 ص 176 - 177 و 254 وبحار الأنوار ج 16 ص 242 و 261 و ج41 ص 130 وج 63 ص386 و 410 و مرآة العقول ج 22 ص 73 و ج 26 ص 30 و سنن النبي الطباطبائی ص 162 و البرهان (تفسیر) ج 4 ص 34 و مجمع البحرین ج 1 ص 454 والمحجة البیضاء ج 3 ص 8 ودعائم الاسلام ج 2 ص 119 .

4 - عن الوشاء عن أحمد بن العائذ، عن أبي خديجة، قال: سأل بشير الدهان أبا عبد الله «عليه السلام» وأنا حاضر، فقال: هل كان رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» يأكل متكئاً على يمينه أو على يساره؟!

فقال ما كان رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» يأكل متكئا على يمينه ولا على يساره، ولكن يجلس جلسة العبد تواضعاً الله.

وفي نص آخر: ما أكل رسول الله متكئاً منذ بعثه الله حتى قبض، وكان يأكل أكل العبد، ويجلس جلسة العبد.

قلت: ولما ذلك؟!

قال: تواضعاً الله عز وجل (1).


1) المحاسن للبرقي ص 457 و 458 و (ط دار الكتب الإسلامية) ج2 ص 457 والكافي ج 6 ص 271 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 24 ص 251 و (الإسلامية) ج 16 ص 414 وحلية الأبرار ج 1 ص 232 وبحار الأنوار ج 16 ص 262 وج 63 ص 385 ومرآة العقول ج 22 ص 75 وسنن النبي للطباطبائي ص 162 و 163 .

5 - عن كليب: سمعت أبا عبد الله «عليه السلام» يقول: ما أكل رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» متكئاً قط ولا نحن (1).

6 - وعن رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»: أنه نهى عن الأكل متكئاً (2).

ب: وهناك طائفة أخرى من النصوص تذكر: أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» لم يأكل متكئاً قط. مع أن الإمام الذي يقول ذلك يقوله، وهو يأكل متكئاً، ومنها ما يلي:

1 - محمد بن الحسين، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن الحسين بن أبي العرندس قال: رأيت أبا الحسن « عليه السلام» بمنى وعليه نقبة ورداء، وهو متكئ على جواليق سود، متكئ على يمينه، فأتاه غلام أسود بصحفة فيها رطب، فجعل يتناول بيساره، فيأكل وهو متكئ على يمينه.

فحدثت بهذا الحديث رجلًا من أصحابنا ، قال : فقال لي: أنت رأيته يأكل بيساره؟!


1) المحاسن للبرقي ص 458 و (ط دار الكتب الإسلامية) ج 2 ص 458 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 24 ص 252 و (الإسلامية) ج16 ص 415 وبحار الأنوار ج 63 ص 386 .

2) دعائم الإسلام ج 2 ص 118 ومستدرك الوسائل ج 16 ص224 وبحار الأنوار ج 63 ص389.

قال: قلت: نعم .

قال: أما والله لحدثني سليمان بن خالد أنه سمع أبا عبد الله «عليه السلام» يقول: «صاحب هذا الأمر كلتا يديه يمين» (1).

وفي القاموس: النقبة بالضم ثوب كالإزار تجعل له حجزة مطيفة من غير نيفق، وقال: نيفق السراويل الموضع المتسع منه انتهى.

وقال صاحب الجامع : يكره الأكل بالشمال، والشرب، والتناول بها، وروي: أن كلتا يدي الإمام يمين (2).

ولست أدري إن كان يمكن قبول رواية تنسب إلى الإمام «عليه السلام» مخالفتين في آن واحد، وهما: الأكل متكئاً، والأكل باليسار ؟! أليس هذا مما يضعف الاعتماد على الرواية؟!

2 - عن أبي أسامة، قال : دخلت على أبي عبد الله «عليه السلام» وهو يأكل، وهو متكئ، فجلس ، وهو فرغ، وهو يقول:


1) قرب الإسناد ص 173 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ص308 و 309 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 24 ص 260 و (الإسلامية) ج 16 ص 420 و 421 وبحار الأنوار ج 48 ص 119 و ج 63 ص 385 .

2) بحار الأنوار ج 63 ص 385 وراجع ج 48 ص 119 وراجع قرب الإسناد ص 309 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 24 ص 260 و (الإسلامية) ج 16 ص 421 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 587 .

صلى الله على رسول الله، ما كان أكل رسول الله متكئاً منذ بعثه الله حتى قبضه الله إليه، تواضعاً الله (1).

3 - رواية محمد بن مسلم المتقدمة، قال: دخلت على أبي جعفر «عليه السلام» ذات يوم، وهو يأكل متكئاً. قال: وقد كان يبلغنا أن ذلك يكره.

فجعلت أنظر إليه، فدعاني إلى طعامه، فلما فرغ قال: يا محمد، لعلك ترى أن رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» ما رأته عين وهو يأكل وهو متكى، من أن بعثه الله إلى أن قبضه؟!

قال: ثم رد على نفسه، فقال: لا والله، ما رأته عين يأكل وهو متكئ، من أن بعثه الله إلى أن قبضه.

ثم قال: يا محمد ، لعلك ترى أنه شبع من خبز البر ثلاثة أيلام


1) المحاسن للبرقي ج 2 ص 457 و 458 وبحار الأنوار ج 63 ص 386 و 389 و 410 وج 16 ص 242 و 261 وج 41 ص 130 ومرآة العقول ج 22 ص 73 وج 26 ص 30 وراجع: روضة المتقين ج 7 ص 526 والوافي ج 3 ص 734 وج 20 ص 481 والكافي ج 6 ص 270 وج8 ص 164 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 12 ص 143 وج 24 ص 249 و 251 و (الإسلامية) ج 8 ص 499 وج 16 ص 412 و 414 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص 27 وحلية الأبرار ج 1 ص180 و 197 و 233 وج 2 ص 176 - 177 و 254 وسنن النبي للطباطبائي ص 162 والبرهان (تفسير) ج 4 ص 34.

متوالية، الخ.. (1).

4 - عن عمرو بن أبي سعيد قال أخبرني أبي أنه رأى أبا عبد الله «عليه السلام» متربعاً، قال ورأيت أبا عبد الله «عليه السلام» وهو يأكل وهو متكئ، قال: وقال: ما أكل رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» وهو متكئ قط (2).

5 - عن حماد بن عيسى قال: رأيت أبا عبد الله «عليه السلام» يأكل متكئاً ، ثم ذكر رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، فقال: ما أكل متكئاً حتى مات(3).


1) الكافي ج 8 ص 129 - 131 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 24 ص 250 و 251 و (الإسلامية) ج 16 ص 413 و 414 والأمالي للطوسي ص 68 و (ط دار الثقافة) ص 692 وحلية الأبرار ج 1 ص 218 - 219 و 288 - 289 و ج 2 ص 171 - 172 و 219 - 220 وبحار الأنوار ج 16 ص 277 و 278 وج 63 ص 386 ومرآة العقول ج 2 ص310 - 312 وسنن النبي للطباطبائي ص 182 و 183 وغاية المرام ج 7 ص 7 و 8 .

2) المحاسن للبرقي ج 2 ص 458 وبحار الأنوار ج 63 ص 387 وراجع: الكافي ج 6 ص 272 وتهذيب الأحكام ج 9 ص 93 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 24 ص 249 و 250 و (الإسلامية) ج 16 ص 412 و 413 ومرآة العقول ج 22 ص 75 و 76 .

3) الزهد للحسين بن سعيد الكوفي ص 59 وبحار الأنوار ج 63 ص388 عنه، وراجع: من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 353 .

وهناك نواه أخرى عن الأكل حال الاتكاء، مروية عن الأئمة «عليهم السلام»، مثل:

1 - ما روي عن الصادق «عليه السلام» أنه قال: لا تأكل متكئاً، وإن كنت منبطحاً هو شر من الاتكاء (1).

وروي: ما أكل رسول الله متكئاً إلا مرة، ثم جلس، فقال: اللهم إني عبدك ورسولك (2).

2 - عن علي «عليه السلام» أنه قال: لا تأكل متكئاً كما يأكل الجبارون، ولا تربع (3).

3 - عن سماعة: سألت أبا عبد الله «عليه السلام» عن الرجل يأكل متكئاً ؟ ! قال : لا . ولا منبطحاً (4).


1) الدعوات (سلوة الحزين) للراوندي ص 137 ومستدرك الوسائل ج16 ص 225 وبحار الأنوار ج 63 ص 388 .

2) الدعوات (سلوة الحزين) للراوندي ص 138 ومستدرك الوسائل ج16 ص 225 وبحار الأنوار ج 63 ص 388 وسنن النبي للطباطبائي ص 161 والمصنف لابن أبي شيبة ج 5 ص 565 ونيل الأوطار ج 9 ص 44 وفتح الباري ج 9 ص 472 وتحفة الأحوذي ج 5 ص 453 .

3) مستدرك الوسائل ج 16 ص 224 و 228 وبحار الأنوار ج 63 ص 389 ودعائم الإسلام ج 2 ص 118 .

4) روضة المتقين ج 7 ص 527 والكافي ج 6 ص 271 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 24 ص 250 و (الإسلامية) ج 16 ص 413 وبحار الأنوار ج 63 ص 386 ومرآة العقول ج 22 ص 74 و 75 وهداية الأمة للحر العاملي ج 8 ص 93 والمحاسن للبرقي ص 458 و (ط دار الكتب الإسلامية) ج 2 ص 458.

معالجة هذه الأحاديث:

ويمكن معالجة هذه الأحاديث على النحو التالي:

اولاً: إن الاتكاء المكروه ليس هو ذلك الذي كان الإمام يمارسه، وينقله لنا الرواة عنه، ويشهد لذلك: ما رواه الكليني «رحمه الله» بإسناده عن الفضيل بن يسار، قال:

كان عباد البصري عند أبي عبد الله «عليه السلام» يأكل، فوضع أبو عبد الله «عليه السلام» يده على الأرض، فقال له عباد: أصلحك الله، أما تعلم أن رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» نهى عن ذا؟!

فرفع يده، فأكل.

ثم أعادها أيضاً.

فقال له أيضا، فرفعها ، ثم أكل، فأعادها.

فقال له عباد أيضاً ، فقال له أبو عبد الله «عليه السلام»: لا والله ما نهى رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» عن هذا قط (1).

فالاتكاء بمعنى وضع اليد على الأرض ليس هو المنهي عنه. فلعل أكثر تلك الموارد التي ذكرت: أن فلانا رأى الإمام يأكل متكئاً كانت من هذا القبيل.

ثانياً: إن المعصوم قد يبادر إلى فعل أمر ليبين أصل مشروعيته، ولو في حال الضرورة، ولاسيما إذا كان يرى أن تشدد الناس في اجتناب ذلك الأمر يبلغ به درجة التحريم . أي يوهم العوام أن فعله في عداد المحرمات والمنكرات.

ثالثاً: صرحت بعض الروايات المتقدمة: بأن المنهى عنه هو الاتكاء الذي يمارسه الجبابرة، وهو الذي يدل على تكبرهم، واستهانتهم بالطعام، وعدم اعتقادهم بأن له أية حرمة.

رابعاً: لعل المنهي عنه: هو الاتكاء الذي يقابل الجلوس، حيث


1) الكافي ج 6 ص 271 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 24 ص 253 و (الإسلامية) ج 16 ص 415 وبحار الأنوار ج 47 ص 360 وج 63 ص 390 و 391 ومرآة العقول ج 22 ص 75 .

يقال: كان متكئاً، فاستوى جالساً، فالمراد بهذا الاتكاء هو الاستناد إلى الوسادة باعتمادٍ عليها لأحد الجانبين، فإذا أراد أن يجلس تخلى عن هذا الاعتماد، وجلس مستوياً .

فلعل هذا هو المنهي عنه، لا مجرد الاعتماد الخفيف على اليد، فإنه ليس من الاتكاء الممنوع، كما أن ميل الرجل في قعوده إلى أحد شقيه ليس من الاتكاء المنهى عنه.

خامساً: لو صحت رواية أكل الإمام بيساره، فلعل الإمام قد يضطر إلى الأكل بيساره، وإلى الاتكاء حال الأكل، لعارض يمنعه من الأكل بصورة طبيعية.

ثم يكون نفس بيان الإمام أن النبي لم يأكل متكئاً منذ بعثه الله إلى أن قبضه قرينة على أنه «عليه السلام» إنما يتكئ حين الأكل لسبب دعاه إلى ذلك.

وربما كان من أسباب ذلك هو تعليمهم أن المراد بالاتكاء الممنوع ليس هو هذا الذي يمارسه الإمام، كما دلت عليه رواية عباد البصري المتقدمة. إما ابتداءً من الإمام، أو بعد استغرابهم وسؤالهم.

كما أن الأكل باليسار، يمكن الإجابة عنه ببعض ما تقدم أيضاً. لو صحت روايته.

4 - عن أبي بصير، عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: سألته عن الرجل يأكل متكئاً ؟!

قال: لا، ولا منبطحاً على بطنه (1).

الباب العاشر :للتمحيص أولاً..


1) المحاسن للبرقي ص 458 و (ط دار الكتب الإسلامية) ج 2 ص 458 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 24 ص 252 و (الإسلامية) ج 16 ص 415 وبحار الأنوار ج 63 ص 386 و 387 وهداية الأمة للحر العاملي ج8 ص 93 .

الفصل الأول: السبق.. والمصارعة..

اشارة

أكبرهما أحب إلي:

روي: أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» سابق بين الحسن والحسين، فسبق الحسن فأجلسه على فخذه اليمنى، ثم جاء الحسين، فأجلسه على اليسرى، فقيل له: يا رسول الله، أيهما أحب إليك؟!

فقال: أقول كما قال إبراهيم، وقيل له: أيّ ابنيك أحبّ إليك؟!

فقال: أكبرهما، وهو الذي يلد محمداً. يعني إسماعيل (1).

ونقول:

قد يظن ظان: أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» قرر أنه يحب الإمام الحسن «عليه السلام»، لأنه أكبر من الإمام الحسين «عليه السلام».

والذي نراه: أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» قد استعمل نوعاً من التورية اللطيفة هنا، فهو من قبيل ما روي عن بعضهم، من أنه كان


1) جمل من أنساب الأشراف ج 3 ص 268 وأنساب الأشراف ج3 ص9 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 27 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 21 ص 136.

يتهم بالتشيع، فأراد أحدهم امتحانه، فسأله وهو يخطب على المنبر: من أفضل الخلق بعد رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»؟!

فقال: من كانت ابنته تحته (1).

فالذين يقولون بتشيعه، قالوا: إن مراده علي بن أبي طالب، لأن ابنة النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، كانت تحته فكلمة «من» يراد بها «عليه السلام»، والضمير في قوله «ابنته» يرجع إلى النبي «صلی الله علیه و آله وسلم». والضمير في «تحته» يرجع إلى الموصول.

والذين قالوا بتسننه، قالوا: بل أراد أبا بكر، لأن المراد بكلمة «من» هو أبو بكر ، والضمير في كلمة «ابنته» يرجع إلى الموصول، والضمير في «تحته» يرجع إلى رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم». أي أن أفضل الخلق هو أبو بكر ، لأن ابنته عائشة كانت تحت رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم».

ومثل هذا ما قيل، من أن معاوية أمر عقيل بن أبي طالب بلعن أخيه علي «عليه السلام»، فصعد المنبر، وقال: ألا إن معاوية قد


1) شجرة طوبى ج 1 ص 267 والبرهان للزركشي ج 2 ص 315 والكني والألقاب ج 1 ص 247 وقاموس الرجال للتستري ج 12 ص 176 وتاريخ الخلفاء ص 451 و 452 و (ط مطابع معتوق) ص 483 وتذكرة الحفاظ ج 4 ص 1345 ووفيات الأعيان ج 3 ص 141 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 42 ص 293 و 45 ص 90 و مرآة الجنان وعبرة اليقظان ج 3 ص 371 والمستطرف للأبشيهي ج 1 ص 90 وشذرات الذهب ج 5 ص 98.

أمرني بلعن علي بن أبي طالب، ألا فالعنوه .

فقال له معاوية : إنك لم تبين أبا يزيد من لعنت بيني وبينه؟!

قال : والله لا زدت حرفاً ولا نقصت آخر، والكلام إلى نية المتكلم (1).

وهذا النوع من البيان شائع بين الناس. فلا حاجة إلى الزيادة على ما ذكرناه.

فإن مجرد كون الحسن «عليه السلام» أكبر سناً من الحسين «عليه السلام» لا يبرر زيادة حب النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» له، فكم من صغير جمع من الصفات والميزات، ما أوجب زيادة الحب له ممن تروق له تلك الصفات والميزات..

وما ذكره «صلی الله علیه و آله وسلم» عن نبي الله إبراهيم يشهد على ما نقول. فإن إبراهيم لم يقل: «أكبر هما» ثم سكت. بل أضاف إلى ذلك بيان علة الحب، وتحديد السبب، وهو أنه سيكون من ذرية أكبرهما محمد«صلی الله علیه و آله وسلم».. فدلنا بذلك على أن قوله: «أكبرهما»


1) جواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص228 و 229 والعقد الفريد ج 4 ص 29 و (ط أخرى) ج 4 ص 31 و (ط أخرى) ج 2 ص 114 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 132 ومطارح الأنظار للشيخ الأنصاري ص225 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 104 وبحار الأنوار ج39 ص317 والصراط المستقيم ج 3 ص 72.

مجرد عنوان مشير إلى المقصود لتمييزه عن أخيه الآخر. لأن العناوين التي تجعل موضوعاً لحكم من الأحكام على أنحاء، فإنها:

1 - قد يكون العنوان لمجرد الإشارة للموضوع والتعريف به وتحديده، مثل أكرم هذا الجالس.

2 - قد يكون لعنوان الموضوع نوع سببية وعلية للحكم: بأن يكون الحكم مرهونا بذلك العنوان حدوثاً وبقاءً، مثل: صلَّ خلف العادل، أو ادرس عند العالم.

3 - قد يكون عنوان الموضوع علة لحدوث الحكم، وليس بقاء الحكم مرهوناً ببقاء ذلك العنوان، مثل: اجلد الزاني، واقطع يد السارق، أو اقتل القاتل، فإن الزنا والسرقة، والقتل علة لحدوث الحكم بوجوب قتله، أو جلده، أو قطع يده. لكن هذا الحكم يسقط بالامتثال حتى لو بقي الموضوع معنوناً بعنوان زان، أو سارق، أو قاتل. فإن هذه العناوين إنما تطلق على صاحبها لمجرد تلبسه بها ولو آناً ما.

وبعدما تقدم نقول:

إذا كان إبراهيم «عليه السلام» يحب إسماعيل، لأن محمداً «صلی الله علیه و آله وسلم» من ذريته.

فلم لا يكون مقصود النبى «صلی الله علیه و آله وسلم» أن الأحب إليه هو من يكون الأئمة «عليهم السلام» الذين آخرهم محمد من ذريته،

لأن محمداً «عجّل الله تعالى فرجه» هو الذي يظهر الله به دينه، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وتتحقق على يديه جهود الأنبياء، وتثمر تضحيات ودماء الشهداء، وتتحقق آمال الصلحاء والعلماء، ويشفي الله صدور المؤمنين المظلومين، فمن كان محمد من ولده هو الأحب إلى رسول الله«صلی الله علیه و آله وسلم».

سؤال يحتاج إلى جواب:

ولكن السؤال هنا هو : هل يعقل أن يصرح النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» بهذا الترجيح للإمام الحسين «عليه السلام» على أخيه، ونحن نرى أنه يتعامل مع الحسنين «عليهما السلام»، بطريقة بالغة الدقة في إظهار التساوي، والتعادل في مختلف الأمور والحالات. فلا يمكن أن تلمح في كلامه وسائر ما يصدر عنه ومنه تجاههما إلا هذه الخصوصية.

على أن هذا التصريح بالأحبية والأرجحية، قد يحزن الإمام الحسن «عليه السلام» ويؤذي شعوره.

ونجيب:

أولاً: إن هذا الكلام نفسه يمكن أن يقال: لو رجح الإمام الحسن على الإمام الحسين «عليه السلام» أيضاً..

ثانياً: إنه «صلی الله علیه و آله وسلم» لم يرجح هذا على ذاك لميزة شخصية وذاتية فيه تظهر القصور أو التقصير في شخصية وذات

أخيه، لكي يوجب ذلك حزن أو حسرة المقصر، أو القاصر .

بل جعل سبب الحب أمراً خارجاً عن حقيقة ذاتهما.

ومصالح العباد والرأفة بهم، وهدايتهم هي التي فرضت أن يكون امتداد الذرية من أحدهما دون الآخر .. وهذه المصالح تتحكم فيها السنن، وتتأثر بطبيعة اختيارات العباد، التي لا يتدخل الله تعالى فيها..

السبق للحسن!!:

وقد يتوهم متوهم: أن هذا السؤال الذي وجه إلى النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» إنما جاء على هامش ذكر المسابقة بين الحسن والحسين «عليهما السلام»، وأن الحسن قد سبق الحسين، وهو الأكبر سناً. وهذا يرجح أن يكون جواب النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» بقوله: «أكبرهما هو أن الأكبرية هي المقصود الأساس له.

ونجيب:

بأن المسابقة بين الحسنين، وسبق الحسن لا يعني أن يصبح الإمام الحسن «عليه السلام» هو الأحب إلى الرسول ص«صلی الله علیه و آله وسلم».. لاسيما وأن هذا السبق لا يعبر عن الأقوائية للسابق.

بل قد يكون الحسين «عليه السلام» قد تعمد أن لا يجاري أخاه الأكبر في الجري توقيراً له، وتأدبا معه، فهو يضع نفسه في الموقع المناسب منه، حتى في حالات السباق. وقد عرفنا شدة تأدب الإمام

الحسين مع أخيه، حتى إنه لم يتكلم في محضره، ولم يتقدم عليه في شيء طيلة حياته.

ثانياً : لا شيء يثبت أن هذا السباق كان لأجل تحديد الأقوى، فلعله قصد منه مجرد الجري الحاد، الذي يثمر قوة وسلامة بدنية، ولا يقصد به أن يسبق أحدهما الآخر حقيقة.. فهو سباق تمرين، كالتمرين للمقاتلين حين تعليمهم فنون الحرب والقتال..

حديث المصارعة:

عن زيد الشحام ، عن الصادق ، عن آبائه «عليهم السلام» قال: دخل النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» ذات ليلة بيت فاطمة «عليها السلام» ومعه الحسن والحسين «عليهما السلام»، فقال لهما النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»: قوما فاصطرعا، فقاما ليصطرعا، وقد

خرجت فاطمة «صلوات الله عليها» في بعض حاجتها، فدخلت، فسمعت النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» وهو يقول: إيه يا حسن، شد على الحسين فاصرعه.

فقالت له: يا أبه، وا عجباه أتشجع هذا على هذا؟! تشجع الكبير على الصغير ؟!

فقال لها: يا بنية، أما ترضين أن أقول أنا: يا حسن شد على الحسين فاصرعه، وهذا حبيبي جبرئيل عليه السلام» يقول: يا

حسين شد على الحسن فاصر عه ؟! (1).

وروي نحوه ملخصاً عن عبد الله بن ميمون القداح عن الصادق «عليه السلام» (2).

وفي نص آخر عن علي بن أبي علي اللهبي، عن الصادق، عن أبيه «عليهما السلام»، قال: قعد رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»موضع الجنائز، فطلع الحسن والحسين فاعتركا، فقال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»: إيها حسن.

فقال علي: يا رسول الله ! أعلى حسين تواليه؟! (لعل :الصحيح: تؤلبه، كما في سائر المصادر، أي: تحفزه).

فقال: هذا جبريل يقول : إيها حسين (3)


1) راجع الأمالي للصدوق ص 530 و 531 ومستدرك الوسائل ج 14 ص 81 و 82 وبحار الأنوار ج 100 ص 189 وراجع ج 43 ص 268 و 262 و 276 عن قرب الإسناد، وعن إعلام الورى، والإرشاد للمفيد، وراجع: مدينة المعاجز ج 3 ص 276 وج4 ص 10 و 11 .

2) راجع: الإرشاد للمفيد ج 2 ص 128 وبحار الأنوار ج 43 ص 276 وإعلام الورى ج 1 ص 425 و 426 . وراجع: مناقب الإمام علي بن أبي طالب للكوفي ج 2 ص 231 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 393 وكشف الغمة ج 2 ص 219.

3) راجع سير أعلام النبلاء ج 3 ص 284 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 168 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 165 وراجع ج 3 ص 14 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 650 وج 19 ص 198 و 248. وراجع: كنز العمال ج 13 ص 661 وذخائر العقبى ج 2 ص 98 وفي هامشه عن: منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج 5 ص 108 وسيلة المآل (مخطوط) ص 165 و مختصر تاريخ دمشق ج7 ص 122 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 79 وشرف النبي للكازروني (مخطوط) ص 249 ومقتل الحسين للخوارزمي ص104 ومودة القربى ص127 والإصابة ج 1 ص 331 وأمثال الحديث ج 1 ص101 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 63 والخصائص الكبرى للسيوطي ج 2 ص 265 وينابيع المودة ج 2 ص 42 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص9 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص190.

وفي نص آخر: عن ابن عباس قال اتخذ (أي اصطرع) الحسن والحسين عند رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، فجعل يقول: هي يا حسن، خذ یا حسن

فقالت عائشة: تعين الكبير على الصغير ؟!

فقال: إن جبريل يقول: خذ يا حسين(1).

وروي نحو ذلك عن الصادق عن آبائه، عن على «عليهم السلام»، وعن أبي الحارث الهمداني: أن فاطمة «عليها السلام» هي


1) راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 223 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 266 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص 109 وترجمة الإمام الحسن من الطبقات الكبرى لابن سعد ص 62 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 652 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 104.

التي سألت النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» (1).

هي: اسم فعل أمر.

وقال الفيروزآبادي : إنها بالفتح «هيَّ»، ويقال : هيَّك : أي أسرع فيما أنت فيه (2).

وروى جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن جرير الطبري، عن عمرو بن علي، عن عمرو بن خليفة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: اصطرع الحسن والحسين، فقال رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» : إيها حسن.

فقالت فاطمة «عليها السلام» یا رسول الله، تقول: إيها حسن وهو أكبر الغلامين.

فقال رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» أقول: إيها حسن، ويقول جبرئيل: إيها حسين (1).


1) راجع : الأمالي للطوسي ص 513 وبحار الأنوار ج 43 ص 265 عنه، ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 162 وراجع ذخائر العقبى ج 2 ص 96 عن معجم أبي يعلى ج 1 ص 171 والإصابة ج 1 ص 331 و ج 2 ص 77 والكامل لابن عدي ج 5 ص 18 ومسند الحارث ج2 ص910 وبغية الباحث ص 298 و تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 165 وأسد الغابة ج 2 ص 19 وترجمة الإمام الحسن من تاريخ مدينة دمشق ص170 ووسيلة المآل (مخطوط في المكتبة الظاهرية بدمشق) ص 165 ونور الأبصار ج 2 ص 16 وكنز العمال ج 3 ص 154 ويانبيع المودة ج 2 ص 42.

وروي نحوه عن أبي ذر (1).

قال العلامة المجلسي «رحمه الله»:

قال الجوهري: تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل: إيه بكسر الهاء ، قال ابن السكيت: فإن وصلت نونت، فقلت: إيهٍ حدّثنا ، ثم قال: فإذا أسكته وكففته قلت: إيها عنا. وإذا أردت التبعيد قلت: أيها بالفتح.

أقول: يظهر من الخبر: أن أيها بالفتح أيضاً يكون للاستزادة (2).

ونقول:


1) تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 201 و 202 وكنز العمال ج 3 ص 153 وج 7 ص 107 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 5 ص 724 عنه، والمناقب للخوارزمي ص 301 و 302 ونهج الإيمان ص 531 و 532 وغاية ص1 المرام ج 2 ص 49 و ج 5 ص 110 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 5 ص 25 وحلية الأبرار ج 2 ص 338.

2) راجع بحار الأنوار ج 43 ص 265 .

هل هذا الحدث صحيح؟!

قد يقال: إن هذا الحديث موضع ريب للأسباب التالية:

1 - إن المصارعة لعب وعبث، ولا يأمر النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ولديه اللذين لهما مقام الإمامة باللعب ولا بالعبث، ولا يفعل الإمام المعصوم شيئاً من ذلك، حتى في أيام الطفولة وصغر السن.

2 - إن الكلام المنسوب إلى فاطمة «عليها السلام» قد تضمن الإشارة إلى مؤاخذتين، لا يعقل صدورهما من المعصوم، وهما:

الأولى: أن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» لا يقدم على تحريض الناس على بعضهم - ولاسيما إذا كانوا أطفالاً - لأنه تعليم سيء، ولأنه يوحي للمأمور أنه لا حرمة للطرف الآخر، فيستهين به، وتقتحمه عينه، ويسهّل له العدوان عليه، ويخفف من قبحه لديه، ويحقّزه ويزينه ويهيء له فرصة التلذذبه، من دون أن يخشى العواقب، وبذلك يضيع الحق، ولا يكون وراءه مطالب.

الثانية: إن مما يزيد الطين بلة، والخرق اتساعاً: أن يحرض النبي المعصوم الكبير على الصغير، ويدفعه لأن يشد عليه وأن يغلبه، وأن لا يراعي «صلى الله عليه وآله وسلم» ضعف الضعيف، ولا يهتم بكبح جماح القوي. والحد من اندفاعه إلى الإفراط في استعمال قوته.

كما أن هذا يشي بمشروعية الإستضعاف، ويدعو إلى الاستخفاف بآلام الناس. والفرح لحزنهم، والاستهانة بكراماتهم.

3 - وهنا سبب آخر للريب، يضاف إلى ما تقدم، وهو: أن يكون

علي«عليه السلام»، ثم تكون فاطمة«عليها السلام» أيضاً ، وهما من أهل العصمة والطهارة ،هما اللذان يعترضان على النبي «صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد بينت الزهراء «عليها السلام» مبررات هذا الاعتراض وحيثياته لتظهر خطأ هذا التصرف.. ولم نعهد أن السيدة الزهراء «عليها السلام» وكذلك علي «عليه السلام» كانا في أية لحظة من حياتهما في موقع الجرأة على الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» إلى هذاالحد. بل هما لم يزالا في موقع التسليم والبخوع، والانقياد والخضوع

له .

الاعتراضات مردودة :

ويمكن أن يجاب عن ذلك كله بما تضمنته النقاط التالية:

1 - إن المصارعة ليست لعباً، ولا لهوا، ولا عبثا، بل هي من مبادئ تعلم فنون القتال، التي يحتاج إليها في ساحات الحرب والدفاع، حيث قد تصل حدة الأمور فيها إلى المكادمة، والمكاعمة والمصارعة، وما إلى ذلك.

وقد رأينا أن الأمر قد انتهى في حرب الجمل بين الأشتر، وهو من أعظم وأشد المقاتلين فيها ، وبين عبد الله بن الزبير إلى المصارعة بين الرجلين، وكان الأشتر لم يذق طعاماً ثلاثة أيام، وكان ابن الزبير في عنفوان شبابه، وبكامل قوته، فلم يزل يعافس ويتفلت، حتى أفلت من يدالأشتر«رحمه الله».

2 - إن روايات المصارعة تفيد: أن هذا الأمر قد تكرر ، وكانت إحداها بحضور فاطمة«عليها السلام»، والأخرى بحضور عائشة. حيث يبدو أن كلا هاتين المرتين قد حصلتا في بيت رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم»..

وهناك مرة ثالثة حصلت عند موضع الجنائز، ويبدو أن علياً «عليه السلام» حضرها، وسأل رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» عن سبب تحريضه الكبير على الصغير، فأجابه «صلى الله عليه وآله وسلم»

بما تقدم.

3 - نلاحظ أيضاً: أن رواية المصارعة بحضور عائشة، المصارعة عند موضع الجنائز لم تذكر أن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أمر الحسنين «عليهما السلام» بفعل ذلك.

4 - إن سؤال أمير المؤمنين «عليه السلام» النبي صلى الله عليه وآله وسلم» عن سبب تشجيعه للإمام الحسن« عليه السلام»، وكذلك الحال بالنسبة لسؤال الزهراء«عليها السلام» نقول:

لعل المقصود هو التمهيد لإزالة الشبهة التي توجب اختلال الإيمان، والتي قد تعرض لبعض الناس، حول صوابية هذا الفعل، واستهجان صدوره من نبي معصوم ، فقد يتوهم أنه أقدم على فعل غير سليم من الناحية الشرعية والأخلاقية، فهو بالتالي ينافي عصمته واستقامته على طريق الحق والخير والهدى.

5-ليس المطلوب في المصارعة هو العدوان على حرمة

الطرف الآخر، وإسقاط محله، بل المطلوب هو تعليم الطرفين ابتكار أساليب تمكنهما من إلقاء الطرف الآخر إلى الأرض، وتعليمه أساليب التخلص والتملص والتحرز من حدوث هذا الأمر له، لنقض محاولات مصارعته ومنعه من فعل ذلك به، والتنبّه إلى الحيل التي قد يتوسل بها إلى ذلك.

6 - إن تكرر الحدث يعطي: أن المطلوب هو إشاعة هذه الرياضة القتالية، وأن يتحدث الناس بها، وأن ينقلوها ويتداولوها، وذلك:

أولاً: لإظهار فضيلة للإمام الحسين بوجه خاص، لأنه هو الذي سيواجه طغيان عتاة الأمة، ويتعرض للخذلان من الناس. ويحتاج إلى الحرب، وفنونها.

ثانياً: ليعطى الأمثولة للناس كل الناس: بأن تعلم فنون القتال أمر مطلوب من الجميع، فلا يستثنى منه كبير أو صغير، أو عالم أو عابد، أو وجيه، أو صاحب مال، أو رئيس أو زعيم، أو ملك، أو خليفة، وحتى النبي، والإمام، فما بالك بغيرهما..

كما أن لزوم ذلك لا يختص بحال الحرب، وحين الاستعداد لها.. بل لا بد من المبادرة إلى ذلك من أيام الطفولة، حيث الاستعداد الذهني، والجسدي، وحيث يكون الإنسان من حيث الطاقات على ازدياد، ونمو مطرد وهو قابل للتكيف مع الأحوال المختلفة.. فلا يصح إهمال الأمر وتسويفه إلى ما بعد اتخاذ التكوين النفسي، والذهني، والجسدي سماته، وصفاته، وحالاته في طابعها النهائي،

حيث تصبح عصية على التطوير، بعيدة عن الانعطاف، وفق ما تقتضيه الحاجات القتالية في ساحة الحرب.

7 - وآخر ملاحظة نسجلها هنا : أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» قد أخذ جانب الولد الأكبر، وهو الإمام الحسن «عليه السلام»، ربما ليثير المشاعر، وليكون موضع استغراب واستهجان يبعث على السؤال الذي سيدور بخلد كل أحد، عن سبب هذا الانحياز إلى الكبير على الصغير .. بعد أن يكون قد بيَّن سبب الرضا بأصل حدوث المصارعة بين أخوين في مقتبل العمر، مع أنه هو الوالد الحنون، والراعي الرحيم، والعطوف الكريم.

فجاء الجواب ليقول: إن جبرئيل في المقابل، يحرض الصغير على الكبير .. ولو أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» كان قد أخذ جانب الإمام الحسين «عليه السلام»، فلربما لم يجد السائلون ما يدعوهم إلى طرح السؤال من أساسه، إذ قد يكون من الطبيعي أن يحرض الصغير على

الكبير، ليعطيه نفحة قوة وبسالة تجبر ضعفه بسبب عامل السن، حيث قضت سنة التكوين أن يكون اكتساب القوة متوافقا مع التراكمات الزمانية، فيما يرتبط بالنشوء، ونمو القوى.

فهذا الدور المهم جداً لجبرئيل يرتقي بهذه القضية ليضعها في دائرة القداسة والكرامة، من حيث هي مظهر من مظاهر الرعاية الإلهية، والتربية الربانية.

8 - إن سياق الكلام في حديث المصارعة يعطي: أن الذين سجلوا

السؤال لم يكونوا يرون جبرئيل، ولا يسمعون كلامه،

مع أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»، وكذلك الحسين «عليه السلام» كانا يريان جبرئيل، ويعرفانه، ويسمعان كلامه.

وهذا الأمر وإن كان صادقاً بالنسبة لعائشة، ولكن انطباقه على فاطمة، التي كان الملك - أو جبرئيل كما في بعض الروايات - يحدثها، وانطباقه على علي «عليه السلام» الذي قال له النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»: إنك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي (1).

إن انطباق هذا الكلام عليهما، والقول بعدم رؤيتهما، وعدم سماعهما كلام جبرئيل غير مقنع.

إلا أن يقال بأحد أمرين:


1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 137 - 160 (الخطبة القاصعة) رقم 192 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 28 والطرائف لابن طاووس ص 415 وشرح مئة كلمة لأمير المؤمنين لابن ميثم البحراني ص 220 والصراط المستقيم ج 2 ص65 وكتاب الأربعين للشيرازي ص223 وبحار الأنوار ج 14 ص 476 وج 18 ص 223 وج 38 ص 320 وج 60 ص 264 وجامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 68 والغدير ج 3 ص 240 وسنن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» للطباطبائي ص 403 ومكاتيب الرسول ج1 ص 407 ونهج السعادة ج 7 ص 33 و 145 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 197 وخصائص الوحي المبين ص 28 ونهج الإيمان لابن جبر ص 532 وينابيع المودة ج 1 ص 209.

الأول: إنهما «عليهما السلام» سمعا ورأيا، وعرفا المقصود، ولكنهما أرادا تعريف الناس بهذا الأمر بطريقة سؤال النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» عن سبب قوله هذا، بطريقة تناسب أفهامهم، وتمنع من لجوئهم إلى الإنكار والعناد.

الثاني: أن يكون الله تعالى قد حجب عنهما رؤية وسماع كلام جبرئيل «عليه السلام»، لكي يطرحا سؤالهما المشار إليه، ويتحقق الغرض المنشود.

الفصل الثاني: الولد فتنة: نقد وبيان..

اشارة

إن الولد لفتنة:

هناك نصوص تقول:

1 - عن ابن عمر أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» بينما هو يخطب على المنبر ، إذ خرج الحسين «عليه السلام»، فوطئ في ثوبه، فسقط، فبكى، فنزل النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» عن المنبر، فضمه إليه وقال: قاتل الله الشيطان إن الولد لفتنة. والذي نفسي بيده ما دريت أني نزلت عن منبري (1)

ص 66 وج 26 ص 411.

.

2 - روى يحيى بن كثير، وسفيان بن عيينة بإسنادهما: أنه سمع


1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 226 وبحار الأنوار ج 43 ص 295 والعوالم، الإمام الحسين ص 38 وشجرة طوبى ج 2 ص 263 ولواعج الأشجان ص 11 وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 27 والدر المنثور ج 6 ص 228 وتفسير الآلوسي ج 28 ص 127 ومناقب علي بن أبي طالب للأصفهاني ص 207 و 208 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج2 ص 249 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص 90 وسبل الهدى والرشاد ج 9 ص 370 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 678 وج 11

رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» بكاء الحسن والحسين وهو على المنبر، فقام فزعاً ثم قال: أيها الناس ما الولد إلا فتنة، لقد قمت إليهما وما معي عقلي.

وفي رواية : وما أعقل (1).

3 - روى الخلق، عن عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي يقول: كان رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» يخطب على المنبر، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم» من المنبر، فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (2). نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان، ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما.

وروى نحو ذلك عن ابن عمر.

وقد ذكره أبو طالب الحارثي في قوت القلوب، إلا أنه تفرد


1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 156 وبحار الأنوار ج 43 ص 284 وشرح الأخبار ج 3 ص 80 و 81 و 113ومستدرك الوسائل ج 15 ص 170 و 171 وتفسير نور الثقلين ج 2 ص 145 وتفسير كنز الدقائق ج 5 ص 323 وراجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 513 والدر المنثور ج6 ص 228 وأنساب الأشراف ج 3 ص 19 و 144 وسبل الهدى والرشاد ج 9 ص 370 .

2) الآية 11 من سورة فصلت.

بالحسن بن علي «عليه السلام».

وفي خبر: أولادنا أكبادنا يمشون على الأرض (1).


1) بحار الأنوار ج 43 ص 284 و 300 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 156 عن الخركوشي في اللوامع، وشرف النبي، والسمعاني في الفضائل، والترمذي في الجامع، والثعلبي في الكشف، والواحدي في الوسيط، وأحمد بن حنبل في الفضائل، وعن كشف الغمة للأربلي، والنسائي في صحيحه، وعن الجنابذي بألفاظ قريبة من هذا وأخصر والملاحم والفتن لابن طاووس ص 337 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني ج 4 ص 225 ومسند أحمد ج 5 ص 354 وسنن الترمذي ج 5 ص 324 وسنن النسائي ج 3 ص 192 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 513 والسنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 551 وصحيح ابن حبان ج 13 ص 403 و 3 وشعب الإيمان ج7 ص 466 وتنقيح التحقيق للذهبي ج 1 ص283 ونظم درر السمطين ص 210 وموارد الظمآن ج 7 ص 183 وج1 ص552 وكنز العمال ج 13 ص 663 وتفسير مجمع البيان ج 10 ص34 وتفسير نور الثقلين ج 2 ص 145 و ج 5 ص 342 وتفسير كنز الدقائق ج 5 ص323 وج 12 ص 284 ومعالم التنزيل ج 4 ص 354 وأحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 265 وزاد المسير لابن الجوزي ج 8 ص 37 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 143 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 402 و 377 والدر المنثور ج 6 ص 228 وفتح القدير ج 5 ص 239 وتفسير الآلوسي ج28 ص 127 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 161 وج 43 ص 215 وأسد الغابة ج 2 ص 12 وتهذيب الكمال ج 6 ص 403 ومناقب علي بن أبي طالب للأصفهاني ص 207 والبداية والنهاية ج 8 ص 224 وإعلام الورى ج 1 ص 432 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص154 و 155ومطالب السؤول ص 335 والدر النظيم ص 776 وكشف الغمة ج 2 ص 144 وينابيع المودة ج 2 ص 38 و 250 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 676 و 684 وج 18 ص 546 وج 19 ص 209 و 283 و ج 26 ص 28 و ج 2 ص 66 وج 33 ص 406 و 593 . وذخائر العقبى ج 2 ص 83 وأشار في الهامش إلى مصادر كثيرة هي التالية: سنن أبي داود ج1 ص290 وجامع البيان للطبري ج 28 ص126 وصحيح ابن خزيمة ج 2 ص 355 و ج 3 ص 151 والمستدرك على الصحيحين ج4 ص 210 وج 1 ص 424 والسنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 218 وج6 ص 165 وج 1 ص 535 والتحقيق في أحاديث الخلاف ج 1 ص 505 ونيل الأوطار ج 3 ص 337 وفضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ج 2 ص770 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 1190 وفتح الباري ج 11 ص254 وتحفة الأحوذي ج 5 ص 319 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 2566 والإصابة ج 2 ص 69 وتلخيص الحبير ج 2 ص 61 وكنز العمال ج 12 ص 114 و 13 و 663 والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 13 ص 403 وتنقيح التحقيق ج 1 ص 283 و نظم درر السمطين ص 210 ومصابيح السنة ج 2 ص 218 وتفسير السمرقندي ج 3 ص 435 وتفسير البغوي ج 4 ص 354 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 300 وسبل الهدى والرشاد ج 8 ص 218 وج 11 ص 62 وينابيع المودة ج 2 ص 38 و 205 و 481 ورفع اللبس للإدرسي ص 10 والشرف المؤبد ص 71 وأرجح المطالب (ط لاهور) ص 303 والرصف للعاقولي ص 372 وأشعة اللمعات ج4 ص 704 وموسوعة أطراف الحديث لبسيوني زغلول ج 3 ص 61 والمرقاة شرح المشكاة ج 11 ص 392 والشرح الكبير لابن قدامة ج 1 ص 474.

ونقول:

لاحظ ما يلي:

الطعن في عصمة الرسول:

إن النصوص التي ذكرناها، إنما رواها لنا غير الشيعة، والسؤال هو: لماذا لم يروها لنا أئمتنا الطاهرون «صلوات الله وسلامه عليهم»؟! ألا يجعلنا ذلك نشك في صحة أو في سلامة هذه الروايات؟! وإن رويت في بعض مجاميع الحديث الشيعية، فهي مأخوذة من كتب غيرهم.

وهذا هو الواقع الذي يتلمسه كل من تأمل في هذه الروايات، فقد تضمنت أموراً لا تصح نسبتها إلى رسول الله «صلی الله علیه و آله وسلم»، بل هي مكذوبة عليه بلا ريب، فإنه «صلی الله علیه و آله وسلم» نبي معصوم عن كل ذنب، وعن كل ما يوجب وهناً في شخصيته، أو اختلالاً في تصرفاته، فلا يمكن أن يقول - مثلا - :

•

والذي نفسي بيده، ما دريت أني نزلت عن منبري.

•

لقد قمت إليهما، وما معي عقلي.

•

لقد قمت إليهما، وما أعقل

•

قاتل الله الشيطان، إن الولد لفتنة.

وفي هذا افتئات على رسول الله«صلی الله علیه و آله وسلم»، وتوهين لشأنه، وطعن في نبوته، ونسبة الخفة وعدم التوازن إليه، وكأنهم يريدون أن يسهلوا على الناس العاديين تقبل المقولة الظالمة التي تقول: إن الرجل ليهجر ، أو غلب عليه الوجع. أو نحو ذلك

فإن من يفقد عقله لبكاء طفل له به علة، ويمكن أن يغلب عليه الوجع، وما إلى ذلك.

كما أن من يفقد عقله وتوازنه انسياقاً مع عاطفته الجياشة يمكن أن يتهم بأن أقواله في حق الزهراء، وعلي، والحسنين «عليهم السلام»، وجعفر وحمزة، لم تكن بأمر من الله عز وجل، فلعله استجابة لعاطفته الجياشة، وعصبية للأقارب دعته «صلی الله علیه و آله وسلم» إلى اتخاذ هذه المواقف، وإطلاق هذه الكلمات في حقهم «صلوات الله عليهم»..

الاختلاف في الروايات:

يلاحظ اختلاف في الروايات في الباكي، كما يلي:

ألف: رواية تقول: إن الذي بكى هو الحسين «عليه السلام»..

وأخرى تقول: إن الباكي هما الحسنان «عليهما السلام» معاً.

وثالثة - رواية أبي طالب الحارثي - تقول: إنه الحسن بن علي «عليه السلام».

ب:رواية تقول: إنه «صلی الله علیه و آله وسلم» نظر إلى الحسنين يمشيان، ويعثران، فقطع حديثه ورفعهما.

وأخرى تقول: إنه سمع بكاءهما، وهو على المنبر، فقام فزعاً. مما يعني: أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» لم يرهما حين عثرا.

ج: رواية تقول: إن الحسين «عليه السلام» وطأ على ثوبه فقط.

ورواية تقول: إنهما «عليهما السلام» كان يمشيان ويعثران.

والعثرة: هي أن تضرب رجله «عليه السلام» بحجر، أو وتد، أو أي شيء آخر فيسقط. وهذا غير العثور بالثوب، ثم السقوط بسبب ذلك.

قاتل الله الشيطان:

إن ظاهر كلامه «صلی الله علیه و آله وسلم» : أنه يتهم الشيطان بأنه هو السبب فيما جرى له، وهو المستحق للدعاء عليه.. لأنه تسبب في أنه «صلی الله علیه و آله وسلم» لم يدر أنه نزل عن منبره، مع أن الله تعالى يقول: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ

يَتَوَكَّلُونَ) (1).


1) الآية 99 من سورة النحل.

ويقول: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلطَانُ إِنَّا مَن اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوين) (1).

ويقول: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) (2). ويقول: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلطانِ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ) (3). وهذه الآيات كلها قد وردت في أربع سور كلها مكية. أي أنها قد نزلت قبل ولادة الحسنين «عليهما السلام» بعدة سنوات، بل قبل زواج علي بالزهراء «عليهما السلام» فهما لم يولدا بعد، فضلا عن يكبرا ويدرجا، ويصبح بإمكانهما الذهاب والإياب، فالنبي كان يعلم: أن الشيطان ليس له دور فيما جرى..

هل يعثر الحسنان؟!:

ونستطيع أن نقول : إن الحسنين «عليهما السلام» لم يكونا كسائر الأطفال، وهما ليسا أقل شأنا من يحيى بن زكريا، أو من عيسى بن مریم، فإذا كان يحيى «عليه السلام» قد آتاه الله الحكم صبيا، ثم إذا كان الله تعالى يقول عن عيسى «عليه السلام» حين ولادته: (فأشارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ تَكَلَّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ


1) الآية 42 من سورة الحجر.

2) الآية 65 من سورة الإسراء.

3) الآية 21 من سورة سبأ .

الكِتَابَ وَجَعَلْنِي نبيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أمُوتُ وَيَوْمَ أبْعَثُ حَيًّا) (1). فإن الحسنين «عليهما السلام» قد مضى على ولادتهما سنوات، فهما قادران على ضبط حركتهما، ويعرفان أين وكيف يضعان أقدامهما. فلماذا يعثران ويقعان على الأرض؟!

لاسيما إذا كان ضبط الحركة حال المسير أمراً لا يحتاج إلى علم ومعرفة، بل يكفي فيه مجرد الانتباه.

لماذا ، أو بماذا السقوط إلى الأرض؟!:

ولم تذكر الروايات المتقدمة سبب السقوط الذي كان، إلا ما ورد في رواية ابن عمر، من أن الحسين «عليه السلام» وطأ في ثوبه فسقط، فبكى.

وهذا أمر غريب من جهتين:

الأولى: أن يكون ثوبه «عليه السلام» طويلًا إلى حد أنه يجره على الأرض، ولا نجد مبرراً لهذا الطول في الثوب.

كما أننا لا نجد مبررا لاختيار أمه «عليها السلام»، أو أي من النساء الأخريات، اللواتي كن يتولين أمور سيدي شباب أهل الجنة، أن تلبسه ثياباً هذه حالها.. وهي تعلم أن النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»


1) الآيات 29 - 33 من سورة مريم.

كان ينهى عن ارتداء الثياب التي بهذه الصفة، ويأمرون من يلبس ثياباً تلامس الأرض، بقولهم: ارفع إزارك، فإنه أنقى (أو أبقى) لثوبك، وأرضى لربك.

كما أن العقلاء، من أي مذهب كانوا، وإلى أي دين انتموا يدركون مرجوحية أن يكون الثوب بحيث يسحبه لابسه على الأرض.

الثانية: أن لا يتدبر الإمام الحسين «عليه السلام» أمره مع الثوب، حتى ينتهى الأمر به إلى أن يطأ عليه، ويسقط على الأرض.

لماذا البكاء؟!:

هذا ونشير أيضاً إلى أننا لم نجد مبرراً لبكاء الحسين «عليه السلام» لمجرد وطئه على ثوبه، وسقوطه إلى الأرض لنفس الأسباب التي قلناها، من حيث إنهما «عليهما السلام» ليسا أقل شأنا من يحيى بن زكريا، وعيسى بن مريم «عليهما السلام».

مرة واحدة أو مرات؟!:

إن ظاهر رواية ابن عمر: أن سقوط الإمام الحسين «عليه السلام» على الأرض بعد وطئه على طرف ثوبه قد حصل مرة واحدة.

ولكن ظاهر الرواية الأخرى : أن التعثر كان أكثر من مرة، حيث قالت إنه «صلی الله علیه و آله وسلم» نظر إلى الحسنين «عليهما السلام» وهما يمشيان ويعثران.

في حين أن الرواية الثالثة تذكر: أنه سمع بكاءهما، فبادر إلیهما، ولم تذكر أنه رآهما يعثران لا مرة واحدة، ولا أكثر.

هل الرواية مختلقة من أساسها؟!:

وبالرغم من كل ما ذكرناه نقول:

إننا لا نريد إصدار حكم جازم ونهائي بأن الرواية مختلفة من أساسها، لإمكان استبعاد كل هذه الأمور التي هي من النشاز الممجوج، ويكون ما حدث هو مجرد أن يكون «صلی الله علیه و آله وسلم» جالسا على المنبر ، فرأى الحسنين قادمين، أو الحسين فقط، فبادر لأخذهما، واحتضانهما ورفعهما إلى المنبر، بهدف إعزازهما، وإظهار شدة محبته لهما، لأن في ذلك تأييداً للدين، وتوفير سبل الهداية للناس.

ولكن الذين لا يحبون علياً وأهل بيته «عليهم السلام»، بل هم في صفوف مناوئيه، يحاولون أن يتلاعبوا ، ويحرفوا، ويزيدوا في الكلام إهانة، ومهانة ولو ما يفيد الانتقاص من مقام النبوة..

أما مقام الإمامة فهو بالنسبة إليهم السم الزعاف، الذي لا يمكن لهم أن يتجرعوه، بل لا بد من الهرب والتخلص منه بكل حيلة ووسيلة.

الفهارس

اشارة

1 - الفهرس الإجمالي

2 - الفهرس التفصيلي

الفهرس الإجمالي:

الفصل الخامس: حديث الكساء.. وحديث سد الأبواب ... 5

الفصل السادس: الحسين علیه السلام وحديث الغدير ... 45

الباب الثامن: علم.. وكرم ... 67

الفصل الأول: الحسين علیه السلام في سورة هل أتى ... 69

الفصل الثاني: من الإيثار أيضاً ... 89

الفصل الثالث: حديث حذيفة.. وحديث الأعرابي ... 113

الباب التاسع: حديث الكرامات ... 143

الفصل الأول: الكرامات والإمامة ... 145

الفصل الثاني: في حديقة بني النجار ... 171

الفصل الثالث: حديث هارون الرشيد ... 195

الفصل الرابع: روايات.. وملاحظات ... 215

الفصل الخامس: الضيافة من الجنة ... 243

الفصل السادس: رؤية الحسنين علیهما السلام تذهب الجوع ... 267

الفصل السابع: طعام الرسول«صلی الله علیه و آله وسلم» : توضيح وتصحيح ... 299

الباب العاشر: للتمحيص أولاً ... 319

الفصل الأول: السبق والمصارعة ... 321

الفصل الثاني: الولد فتنة: نقد وبيان ... 341

الفهرس التفصيلي

الفصل الخامس: حديث الكساء .. وحديث سد الأبواب ... 5

الحسنان «عليهما السلام» في آية التطهير: ... 7

عن أي بيت نتحدث؟!: ... 13

الآية لا تخاطب الزوجات: ... 18

الفرق بين ليذهب، وأن يذهب: ... 20

التوضيح بالمثال: ... 21

الحسنان «عليهما السلام» في آية التطهير: ... 23

حديث سد الأبواب : ... 28

حمزة والعباس في حديث سد الأبواب: ... 34

المسجد الطاهر: ... 38

لا خصوصية لموسى وهارون 1 : ... 42

دليل الطهارة الإمامة: ... 43

الفصل السادس: الحسين علیه السلام وحديث الغدير ... 45

الحسين علیه السلام يوم الغدير: ... 47

هل أشار النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» إلى الحسنين یوم الغدیر: ... 53

الخلفاء هم: السمع والبصر والفؤاد: ... 58

الباب الثامن علم وكرم: ... 66

الفصل الأول: الحسين علیه السلام في سورة هل أتى ... 68

سبب نزول سورة هل أتى: ... 70

للإيضاح والبيان: ... 72

سؤال يحتاج إلى جواب: ... 73

هل تجوز الصدقة بهذا المقدار ؟!: ... 74

لماذا أعطوه جميع طعامهم ؟! : ... 76

الأكثر إثارة في حديث الإطعام: ... 76

يطعمون الطعام: ... 77

الطعام المحبوب: ... 78

تنوين التنكير، لماذا ؟!: ... 78

الواقع يطابق الآية: ... 79

المسكين أولاً: ... 80

اليتيم فى اليوم الثاني: ... 81

الأسير في اليوم الثالث: ... 84

الفصل الثاني من الإيثار أيضاً: ... 87

إيثار الحسنين: ... 89

مثالان فقط: ... 90

توضيحات ودلالات للحديث الأول: ... 96

الحديث الثاني، توضیحات ودلالات: ... 101

فراش الحسنين علیهما السلام يعطى للفقير: ... 106

حديث فراش الحسنين علیهما السلام ملخصاً : ... 106

أليس هذا خلاف الرفق ؟!: ... 108

الحسنان «عليهما السلام» عطاء إلهي عطاء إلهي لفاطمة علیها السلام: ... 110

الكمالات بالغير: ... 110

الفصل الثالث: حديث حذيفة .. وحديث الأعرابي ... 113

الحسين والأعرابي: ... 115

متى حصلت هذه القصة؟!: ... 122

التوسل بحق محمد وآل محمد: ... 123

إخبار علي علیه السلام بالغيب: ... 124

الحسين علیه السلام بين الصبيان: ... 125

أنا الحسين بن علي: ... 126

مبررات أسئلة الأعرابي: ... 126

من أبوك؟! ومن أمك؟!: ... 128

دار أمير المؤمنين، وأنا ابنه ... 129

يزعم الأعرابي: ... 129

الزهراء علیها السلام لا تنازع عليا علیه السلام: ... 130

حذيفة، وتفضيل علي وأهل البيت : ... 131

متى كان هذا؟!: ... 133

اختلافات الرواية: ... 134

شدة العناية بالحسين علیه السلام : ... 135

ترك ولاية علي علیه السلام يخرج عن الدين: ... 136

الفضائل الخارجية والإمامة: ... 137

باستثناء يوسف علیه السلام ، لماذا ؟!: ... 138

إفراد زينب والقاسم: ... 141

أول من أسلم: ... 142

الباب التاسع: حديث الكرامات ... 144

الفصل الأول : الكرامات والإمامة ... 146

الحسين للنبي: ما لي أراك متفكرا؟! ... 148

أتحبهم يا رسول الله ؟!: ... 152

أنا سلم لمن سالمهم: ... 155

استهجان الحديث عن أبي بكر: ... 156

لماذا الخيمة، والقوس العربية؟!: ... 157

القوس العربية: ... 159

لماذا هذه الثلاثية؟!: ... 159

النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» يداعب الحسنين: ... 160

غزالة للحسن وأخرى للحسين: ... 167

الحسين يلعب بالخشفة: ... 169

لماذا الإلحاح؟!: ... 170

الكرامات سياسة إلهية: ... 171

الفصل الثاني: في حديقة بني النجار: ... 174

الحسنان «عليهما السلام» في حديقة بني النجار: ... 176

عيادة الزهراء : لأبيها لالة : ... 181

لماذا لا يجيب الحسنان طلب أمهما بالمغادرة؟!: ... 182

الحسنان والبرقة في الليلة الظلماء: ... 183

هل ضل الحسنان الطريق؟!: ... 184

النبي والنوم المستغرق: ... 186

إعظام الحسين للإمام الحسن علیه السلام : ... 190

النبي الله يفتقد ولديه: ... 191

عروض المساعدة في حمل الحسنين 1: ... 195

النبي «صلی الله علیه و آله وسلم» يطلب اصطراع الحسنين «عليهما السلام»: ... 197

الفصل الثالث: حديث هارون الرشيد: ... 199

حديقة بني النجار .. الرواية الثانية: ... 201

قبل أن ندخل في الرواية التالية: ... 204

هارون الرشيد يروي عن آبائه: ... 205

بين رواية زيد ورواية هارون: ... 210

بكاء الزهراء علیها السلام لماذا ؟!: ... 211

الحسنان خير الناس بعد أبيهما: ... 213

من الذي حمل الحسنين " وغطاهما؟!: ... 214

تشريف النبي الله للحسنين «عليهما السلام» : ... 215

الفصل الرابع: روايات.. وملاحظات: ... 218

في حديقة بنى النجار .. الروايات الثلاث الأخيرة: ... 220

البحث عن الحسنين «عليهما السلام» وهما في كهف : ... 222

الرواية الثالثة: ... 224

المنافقون أشر وأضر من اليهود: ... 227

حديقة أبي الدحداح: ... 229

الثعبان ملك: ... 231

الحسنان يدعوان للملك: ... 233

التوسل بالنبي «صلی الله علیه و آله وسلم» وبعلي، وبالزهراء علیها السلام: ... 234

من يرشد إلى الحسين علیه السلام فله الجنة: ... 234

ابناك خرجا غدوة: ... 235

آخر ما نشير إليه: ... 236

الحسين علیه السلام عند صالح اليهودي: ... 239

لماذا أخفى اليهودي الحسين ؟!: ... 244

الحسن يبحث عن أخيه: ... 244

الغزالة تعرف: ... 245

ألم يكن اليهودي يعرف الحسنين .؟!: 245

البيان غير المألوف: ... 247

الفصل الخامس الضيافة من الجنة: ... 248

النبي ضيف الزهراء علیها السلام ومائدة من الجنة: ... 250

الغيب جزء من حياة الأئمة : ... 253

لماذا هذه المائدة من الجنة؟!: ... 254

حيرة فاطمة علیها السلام: ... 258

الخطاب لغير النبي «صلی الله علیه و آله وسلم»: ... 259

الحسين علیه السلام هو المبادر: ... 260

الحسين علیه السلام أولاً : ... 262

حديث التفاحة والسفرجلة: ... 263

تحية الله لنبيه بجام مسك وعنبر: ... 265

جبرئيل يحيي النبي الله بتفاحة: ... 267

تسبيح الرمان في يد الحسين علیه السلام: ... 269

الفصل السادس: رؤية الحسنين علیهما السلام تذهب الجوع: ... 272

آثار النظر إلى الحسنين علیهما السلام: ... 274

حديث الحاجة إلى الطعام: ... 276

أين كنوز كسرى وقيصر؟!: ... 284

نفقات الزوجات: ... 287

أين الخمس إذن؟! : ... 289

رؤية الحسنين علیهما السلام تذهب بعض الجوع: ... 296

لماذا أطعم أبا بكر؟!: ... 297

إذا جاع الحسنان لماذا تعاقب الأمة؟!: ... 298

أبكي من ذل الدنيا: ... 300

الجفنة المنكوسة الدليل الأقوى: ... 303

تضييع الجفنة: ... 303

الفصل السابع: طعام الرسول «صلی الله علیه و آله وسلم» : توضيح وتصحيح: ... 306

للتمهيد والبيان: ... 308

الأكل متكئاً، والأكل من خبز البر: ... 308

معالجة هذه الأحاديث: ... 323

الباب العاشر للتمحيص أولاً: ... 327

الفصل الأول : السبق والمصارعة: ... 329

أكبرهما أحب إلي: ... 331

سؤال يحتاج إلى جواب: ... 335

السبق للحسن!!: ... 336

حديث المصارعة: ... 327

هل هذا الحدث صحيح ؟!: ... 342

الاعتراضات مردودة: ... 343

الفصل الثاني: الولد فتنة : نقد وبيان ... 350

إن الولد لفتنة: ... 352

الطعن في عصمة الرسول: ... 356

الاختلاف في الروايات: ... 357

قاتل الله الشيطان: ...358

هل يعثر الحسنان «عليهما السلام»؟!: ... 359

لماذا ، أو بماذا السقوط إلى الأرض؟!: ... 360

لماذا البكاء ؟!: ... 361

مرة واحدة أو مرات؟!: ... 361

هل الرواية مختلفة من أساسها؟!: ... 362

الفهارس: ... 368