ghaemiyeh.com
سرشناسه : قطب راوندی، سعید بن هبةالله، -573ق.
عنوان و نام پديدآور : لب اللباب/قطبالدین الراوندی ؛ حسین الجعفریالزنجانی.
مشخصات نشر : قم: آل عبا، 1431ق.=1389.
مشخصات ظاهری : 2ج.
شابک : 100000ریال: 978-600-5780-02-4
يادداشت : عربی.
یادداشت : کتابنامه.
موضوع : تفاسیر شیعه -- قرن 6ق.
تفاسیر ماثوره
موضوع : شیعه امامیه
شناسه افزوده : جعفری زنجانی، حسین، 1333 -
رده بندی کنگره : BP94/5/ق6ل2 1389
رده بندی دیویی : 297/1726
شماره کتابشناسی ملی : 2156726
لب اللباب
قطبالدین الراوندی
حسین الجعفریالزنجانی.
قم: آل عبا
بسم الله الرحمن الرحيم
الى من اوصاني بهما ربّي جل جلاله
حيث قال: «وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ إِحْسٰاناً»
اهدي ثواب هذا الجهد المتواضع
عسى ان ينفعني به اللّه تعالى حين القاه
حسين
المجلس الخامس و الستّون فى قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ.(1)
قال إبن عباس: ألم تعلم يا محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم كيف ضرب اللّه صفة كلمة، و «هي لا إله إلا اللّه»، بشجرة طيبة، و هي المؤمن، «أَصْلُهٰا ثٰابِتٌ» يعنى: قلب المؤمن المخلص ثابت بلا إلا إلاّ اللّه، و «فَرْعُهٰا فِي اَلسَّمٰاءِ» يقبل عمل المؤمن المخلص «تُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ» يعنى: أنّ المؤمن المخلص يعمل كلّ حين طاعة و خيرا، «بِإِذْنِ رَبِّهٰا» بعلم ربّها و أمر ربّها.
و قيل: «كَلِمَةً طَيِّبَةً» فى النّفع و المدحة كشجرة طيبة، و هي النخلة، طيب ثمرها، كذلك المؤمن، «أَصْلُهٰا ثٰابِتٌ». يقول: أصل الشجرة ثابت فى الأرض بعروقها، و كذلك عمل المؤمن المخلص يرفع إلى السّماء: «تُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ» يقال: تخرج ثمرتها كلّ ستّة أشهر، بإرادة ربّها، فكذا المؤمن يعمل كلّ طاعة و خير بأمر ربّه، «وَ يَضْرِبُ اَللّٰهُ اَلْأَمْثٰالَ» كذا يبين اللّه صفة توحيده للنّاس، «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» لكي يتّعظوا و يرغبوا فى توحيده.
إعلم! أنّ التوحيد يشبّه بعشرة أشياء:
بالتّراب و الماء و النّار و الشّمس و القمر و النّجوم و الرّيح و الهواء و السدّ و الشجرة.
أمّا الأول: لأنّ التّراب يضعّف ما وقع فيه، فكذلك الإيمان يضاعف الأعمال. و التّراب يستر العورات، و الإيمان يستر السيئات.
و أمّا الماء: ففيه حياة النفس، و الإيمان حياة القلب، و فى الماء طهارة من الأنجاس، و فى الإيمان طهارة من الذنوب.
و النّار: تحرق الأشياء، و الإيمان يحرق الفحشاء، و النّار تلين الحديد، و الإيمان يلين القلب القاسي.
و الشّمس: تنوّر الدّنيا و الإيمان ينوّر القلب، و الشّمس تذهب بظلمة الليل، و
1) . إبراهيم: 24.
الإيمان يذهب بظلمة الكفر.
و القمر: يضيئ باللّيل و يذهب المظلم، و الإيمان يضيئ على الصّراط، و القمر يونس الوحشة، و الإيمان يذهب بوحشة القبر.
و النّجوم: رجوم للشيطان، و بالإيمان يرجم شبه الإيمان.
و الرّيح: تبشّر بالمطر، و الإيمان يبشّر بالرحمة.
و ألهواء: صاف، و الإيمان صاف.
و السدّ: منع ما بين يأجوج و مأجوج و النّاس، و الايمان سدّ بين المؤمن و الكافر.
و أمّا الشجرة، فهي النخلة، فشبّه بها، لأنّها أطول الأشجار، و الإيمان أعلي الطّاعات، و كَلِمَةُ اَللّٰهِ هِيَ اَلْعُلْيٰا(1)، و هي أثبت الأشجار، و يُثَبِّتُ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثّٰابِتِ(2)، و جميع أجزاء النخلة ناجعة، و لا تكون النخلة فى جميع البلدان، كذلك التوحيد، لا يكون فى كلّ لسان، و لا الإيمان فى كلّ جنان!، و ليس كلّ شجر يغرس فى البستان، و لا كلّ خضرة تسمّي الريحان، و لا كلّ قلب يصلح لمحبّة الرّحمان.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إنّ من الأشجار شجرة، لا يسقط ورقها، و أنّها مثل المؤمن، فحدّثونى ما هى؟! فوقع النّاس فى شجر الوادي، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلم: هي النخل.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم: انّ اللّه ضرب مثلا صراطا مستقيما، و على جنبي الصّراط سور فى أبواب مفتوحة، و عليها ستورة مرخاة، و على رأس الصّراط داع يقول:
أدخلوا الصّراط، و لا تعوجوا!!، فالصّراط الإسلام، و السور حدود اللّه، و الأبواب محارم اللّه، و الستور زواجره، و الدّاعي القرآن.(4)
1) . التوبة: 40.
2) . إبراهيم: 27.
3) . تفسير إبن كثير: 549/2، صحيح إبن حبان: 480/1، المعجم الأوسط، الطبرانى: 24/5، المعجم الكبير: الطبراني: 314/12. تفسير سورآبادى 1229/2.
4) . أنظر أيضا: تفسير إبن كثير: 330/3، 52/1 عن المسند لأحمد بن حنبل: 199/6، الدرّ المنثور: 15/1، فتح القدير: 28/1، كشف الأسرار و عدة الأبرار: 20/1.
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم: من ختم له بلا إله إلاّ اللّه وجبت له الجنّة.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم: رأيت البارحة عجبا!، رأيت رجلا من أمّتى انتهى إلى أبواب الجنّة، فغلّقت الأبواب دونه، فجائته شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، ففتحت له الأبواب، و أدخل الجنّة.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم: الأعمال كلّها توزن، إلاّ قول لا إله الا اللّه.(3)
أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِي حَاجَّ إِبْرٰاهِيمَ (4)، أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرٰائِيلَ(5)، أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ بَدَّلُوا(6)، أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ(7)، أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتٰابِ(8)، أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ يَزْعُمُونَ(9)، أَ لَمْ تَرَ أَنّٰا أَرْسَلْنَا(10)، أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللّٰهَ يَسْجُدُ لَهُ(11)، أَ لَمْ تَرَ إِلىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ اَلظِّلَّ(12)، أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللّٰهَ يُزْجِي سَحٰاباً(13)، أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَلْفُلْكَ(14)، أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللّٰهَ أَنْزَلَ(15)، أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللّٰهَ يَعْلَمُ(16)، أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ.
1) . الفقيه: 183/4، و فيه «دخل الجنة»، وسايل الشيعة: 266/19، 154/8، مستدرك الوسايل: 365/5.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 365/5.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 365/5.
4) . البقرة: 258.
5) . البقرة: 246.
6) . إبراهيم: 28.
7) . النّساء: 49.
8) . آل عمران: 23.
9) . النّساء: 60.
10) . مريم: 83.
11) . الحج: 18.
12) . الفرقان: 45.
13) . النور: 43.
14) . لقمان: 31.
15) . الحج: 63.
16) . المجادله: 7.
الأنبياء كانوا مستوين فى ثلاثة أشياء: فى الجنس و النوع و الدّين.
فكانوا من جنس البشر: قُلْ إِنَّمٰا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ(1)، و كانوا من نوع الرّجال، كما قال تعالى: وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّٰ رِجٰالاً(2)، و كانوا فى الدّين سواء، كما قال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً...(3).
الضرب على خمسة أوجه:
الوصف: فَلاٰ تَضْرِبُوا لِلّٰهِ اَلْأَمْثٰالَ(4).
و الذكر: وَ لَمّٰا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ(5).
و السّير: وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ(6)، أي سرتم.
و الضرب باليد: وَ اِضْرِبُوهُنَّ(7)، فَاضْرِبُوا فَوْقَ اَلْأَعْنٰاقِ(8).
و البيان: ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً(9)أي بيّن.
إعلم! أنّ اللّه كما سمّي شجرة مباركة، سمّي شجرة ملعونة!.
ما تقولون فى رجل عمّر أرضا خربة، و أجري أنهارها، و غرس أشجارها، و انتظر تريعها، فإذا أثمرت، كان ثمرتها «الخرنوب»(10)، فأي شيئ يصنع بها؟!.
قالوا: يخرب الأرض و الأشجار، و يكبس الأنهار!!، و قال: هذا و مثلي و مثلكم، فأنا صاحب الأرض، فالإسلام أرضي، و الأنهار كتبى، و الأشجار أبدانكم، و الخرنوب معاصيكم، فبسيف «بخت النّصر» تهدم أرض الإسلام، و يخرب الشوارع، و تقلع الأشجار.
فكذلك أنت أيها العاصي، إذا إيبست شجرتك، و كبست نهرك، يوشك أن تقلع و تحرق!!.
المجلس السّادس و الستّون فى قوله تعالى: يُثَبِّتُ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثّٰابِتِ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ فِي اَلْآخِرَةِ.(1)
عن إبن عباس: يثبّت اللّه المؤمنين باللّه و برسوله و القرآن و طيبة النفس، و هم أهل السعادة، بسبب «القول الثابت»، بشهادة أن لا إله إلاّ اللّه «فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ فِي اَلْآخِرَةِ»، و فى القبر إذا سئل عنها، وَ يُضِلُّ اَللّٰهُ المشركين عن منافع لا إله إلا اللّه. و فى حال النزع، و فى القبر، و هم أهل الشّقاوة، «وَ يَفْعَلُ اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ» من إضلال الكفّار من طريق الجنّة يوم القيامة، و التثبيت للمؤمنين على الصّراط.
و أختلف فى سبب نزولها:
قيل: نزلت فى إغتمام النّبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأجل أمّته.
و قيل: إنّ إبراهيم عليه السّلام إبن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا توفّي، وضعه رسول اللّه فى القبر، فسأله منكر و نكير عن نبيه؟!! فتحير!!! فقال له النّبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم: قل: أبى، قال: أبى، فنودي: صدق إبن رسول اللّه، فقال: يا رسول اللّه لقّنت إبنك، فمن يلقّننا؟! فنزلت هذه الآية(2).
و قيل: هي جواب قول المؤمنين: اِهْدِنَا اَلصِّرٰاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ يعنى: ثبّتنا عليه، فأجابهم بقوله: «يُثَبِّتُ اَللّٰهُ».
إعلم! أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إغتمّ لأربعة أشياء:
أوّلها: لفراقه عن وطنه مكّة، فنزل: إِنَّ اَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لَرٰادُّكَ إِلىٰ مَعٰادٍ(1).
و الثّاني: إغتمّ لأجل الفتن الّتى علم بوقوعها بعد موته، و ظهور الجور فى بسيط الأرض فنزل: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ(2)، هو سلوة له صلّى اللّه عليه و آله و سلم ليعلم أنّ الأرض و إن ملئت ظلما، فليخرجنّ من ولده صلّى اللّه عليه و آله و سلم مهدي أمّته [عجّل اللّه تعالى له الفرج و النصر] و يملاء الأرض قسطا.
و الثّالث: إغتمّ خوفا على أمّته من العذاب، فنزل: وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(3).
و الرّابع: إغتمّ لثباتهم، فنزل: يُثَبِّتُ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا(4).
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم: يكون فى آخر الزّمان قوم يمسكون هذا الدّين، و إنّما سألت ربّي أن يكون وليّهم من بعدي، و لو لا أنّ اللّه ضمن ذلك منّي لما خرجت من الدّنيا بأشدّ غمّا من غمّهم.
و روي أنّ سليمان عليه السّلام لقي إبليس [فقال له] فأنت قد أحياك، ما أنت صانع بأمّة عيسى؟! قال: لأدعوهم حتّي يتّخذوه إلها، قال: فما أنت صانع بأمة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم؟! قال: أرضي منهم بالمحقّرات، لأنّهم لا تطيعوننى بالشّرك، فأحبّب إليهم الدّنيا حتّي تكون أحبّ إليهم من اللّه و رسوله.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم: من كان آخر كلامه لا إله إلاّ اللّه دخل الجنّة، قيل: فإن قالها فى حياته؟! قال: تلك أوجب و أوجب.(6)
كان آدم عليه السّلام خليفة اللّه فى الأرض: إِنِّي جٰاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً(1)، و كان داود عليه السّلام خليفة: يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ(2)، و كان هارون عليه السّلام خليفة موسى عليه السّلام: هٰارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي(3)، و كان عليّ عليه السّلام خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم: أنت منى بمنزلة هارون من موسى، الاّ أنّه لا نبي بعدي.(4)
و لمّا قدّم تعالى ذكر الكلمة الطيبة، عقّبة ما يحصل لصاحبها من المثوبة و الكرامة، فقال: يُثَبِّتُ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا أي يثبّتهم فى ثوابه، لقولهم الثابت الّذي وجد منهم، و هو كلمة الإيمان، لأنّه ثابت بالحجج و الأدلّة.
و قيل: معناه يثبّت اللّه المؤمنين بسبب كلمة التوحيد، و حرمتها فى الحياة الدّنيا، حتّي لا يزلّوا، و يثبتهم فى الآخرة، حتّي لا يضلّوا عن طريق الجنّة.
و قيل: يثبّتهم بالنّصرة و الفتح فى الدّنيا، و بإسكانهم الجنّة فى الآخرة.
و قال أكثر المفسّرين: المراد بقوله «فِي اَلْآخِرَةِ» فى القبر. و الآية وردت فى سؤال القبر.
قال أمير المؤمنين عليه السّلام: إنّ إبن آدم إذا كان فى آخر يوم من ايّام الدّنيا و أوّل يوم من أيام الآخرة، مثّل له ماله و ولده و عمله، فيلتفت إلى ماله، فيقول: و اللّه
إنّي كنت عليك حريصا شحيحا، فما لى عندك؟! فيقول: خذ منّي كفنك.
قال عليه السّلام فيلتفت إلى ولده، فيقول: إنّي كنت لكم محبّا و إنّي كنت عليكم محاميا، فماذا لى عندكم؟! فيقولون: نؤدّيك إلى حفرتك، نواريك فيها!!.
قال عليه السّلام فيلتفت إلى عمله فيقول: و اللّه إنّي كنت فيك لزاهدا، و إن كنت على لثقيلا، فما ذا عندك؟! فيقول: أنا قرينك فى قبرك و يوم نشرك، حتّي أعرض أنا و أنت على ربّك.... الخبر بتمامه.(1)
1) . الكافى: 232/3 بتمامه، الفقيه: 137/1، وسايل الشيعة: 105/16، البحار: 224/6، تأويل الآيات: 247، تفسير العياشي: 227/2، تفسير القمي: 369/1.
المجلس السّابع و السّتون فى قوله تعالى: «وَ لاٰ تَحْسَبَنَّ اَللّٰهَ غٰافِلاً عَمّٰا يَعْمَلُ اَلظّٰالِمُونَ».(1)
قال إبن عباس: أي لا تحسبنّ اللّه ساهيا [عن مجازات الظّالمين على أعمالهم](2)و تارك عقوبة ما يعمل المشركون، «إِنَّمٰا يُؤَخِّرُهُمْ» إنّما يؤجّلهم، «ليوم» إلى يوم القيامة و «تشخص» أبصارهم، «مهطعين» مسرعين، قاصدين، ناظرين إلى الدّاع. «مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ» أي: رافعيها لا ترجع إليهم أبصارهم من الهول و الفزع، و «أفئدتهم» قلوبهم «هواء» خالية من كلّ خير.
إعلم! أنّ اللّه تعالى هدّد الظّالمين بسبعة أشياء:
الأول و الثّانى: ببغضه و عداوته، لقوله تعالى: «وَ اَللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ اَلظّٰالِمِينَ»(3).
و فى الخبر عن اللّه: إنّي إذا أبغضت عبدا، أخلي بينه و بين المعاصى(4).
و قال: «أَلاٰ لَعْنَةُ اَللّٰهِ عَلَى اَلظّٰالِمِينَ»(5).
1) . إبراهيم: 42.
2) . مجمع البيان: 494/6.
3) . آل عمران: 140، 57، الشورى: 40.
4) . و فى حديث: إذا أبغض اللّه عبدا حبّب إليه المال، و بسط له، و ألهمه دنياه، و كلّه إلى هواه، فركب العناد، و بسط الفساد، و ظلم العباد، بحار الأنوار: 26/100، و فى حديث آخر: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم يا ربّ! وددت أنّي أعلم من تحبّ من عبادك، فأحبّه؟! قال: إذا رأيت عبدي يكثر ذكري، فأنا أذنت له فى ذلك، و أنا أحبّه، و إذا رأيت عبدي لا يذكرنى، فأنا حجبته عن ذلك، و أنا أبغضته. الدعوات للراوندي: 20 و عنه: مستدرك الوسايل: 293/5، كنز العمال عن موسى عليه السّلام: 241/2، 433/1، و فى الدعاء: إلهي! خلّيت بينى و بين عدوّي إبليس!!، بحار الأنوار: 27/14.
5) . هود: 18.
6) . اوحي اللّه تعالى إلى داود: قل للظلمة من عبادي: لا يدعونى، فانّي أوجبت علي نفسي أن اجيب من دعانى، و انّي إذا أجبت الظلمة لعنتهم. تفسير القرطبى: 310/2 و فى خبر آخر:... قل للظلمة: لا يذكرونى: فانّه حقّ علي أن أذكر من ذكرنى، و إنّ ذكري إياهم أن ألعنهم، المصنف لإبن أبى شيبة: 115/8، 466/7، 261، الجامع الصغير: 426/1، كنز العمّال: 502/3، الدرّ المنثور: 149/1.
الثّالث: هدّدهم بالنّار، فقال: «اُحْشُرُوا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا»(2)، «وَ أَمَّا اَلْقٰاسِطُونَ فَكٰانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً»(3)، «يَوْمَ لاٰ يَنْفَعُ اَلظّٰالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ»(4)، «وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا»(5).
الرّابع: بحرمان الشفاعة: «مٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لاٰ شَفِيعٍ يُطٰاعُ»(7).
الخامس: هدّدهم بتخريب مساكنهم، قال تعالى: «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خٰاوِيَةً بِمٰا ظَلَمُوا»(9)، و «وَ سَكَنْتُمْ فِي مَسٰاكِنِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ»(10).
و السّادس: هدّدهم بشدّة الموت، حيث يقول: «وَ لَوْ تَرىٰ إِذِ اَلظّٰالِمُونَ فِي غَمَرٰاتِ اَلْمَوْتِ»(11)، و قال: «يَوْمَ يَعَضُّ اَلظّٰالِمُ عَلىٰ يَدَيْهِ»(12).
و السّابع: هدّدهم بالإمهال إلى يوم الإنتقام، فقال: «وَ لاٰ تَحْسَبَنَّ اَللّٰهَ غٰافِلاً عَمّٰا يَعْمَلُ اَلظّٰالِمُونَ»(13)، كفي بهذه الآية وعيدا للظالم و تعزية للمظلوم.
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 358/17، و فى معناه: من حكم بين إثنين تراضيا به، فلم يعدل بينهما، فعليه لعنة اللّه، الخلاف: 242/6، المبسوط: 165/8، تلخيص الحبير: 185/4، جواهر الكلام: 25/40.
2) . الصافات: 22.
3) . الجنّ: 15.
4) . غافر: 52.
5) . هود: 113.
6) . وسايل الشيعة: 134/12، تنبيه الخواطر: 54/1، مستدرك الوسايل: 127/13 عن لبّ اللباب.
7) . غافر: 18.
8) . عنه: مستدرك الوسايل: 99/12.
9) . النمل: 52.
10) . إبراهيم: 45.
11) . الأنعام: 93.
12) . الفرقان: 27.
13) . إبراهيم: 42.
إنّ اللّه لعن فى القرآن سبعة نفر:
اليهود، و قاذف المحصنات، و الكافرين، و إبليس، و النّصاري، و ناقض العهد، و الظّالم.
أمّا اليهود: «إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا - إلى قوله - أُولٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللّٰهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاّٰعِنُونَ»(1).
و أمّا القاذف: «إِنَّ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنٰاتِ اَلْغٰافِلاٰتِ اَلْمُؤْمِنٰاتِ لُعِنُوا فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ»(2).
و أمّا الكفّار: «فَلَعْنَةُ اَللّٰهِ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ»(3).
و قال لإبليس: «وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلىٰ يَوْمِ اَلدِّينِ»(4).
و أمّا النّصاري: «لُعِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرٰائِيلَ»(5).
و أمّا ناقض العهد: «وَ اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ - إلى قوله - أُولٰئِكَ لَهُمُ اَللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ اَلدّٰارِ»(6).
و فى الظّالم: «أَلاٰ لَعْنَةُ اَللّٰهِ عَلَى اَلظّٰالِمِينَ»(7).
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إذا أراد اللّه أن يتّخذ عبده، سلّط عليه من يظلمه.(9)
1) . البقرة: 159.
2) . النور: 23.
3) . البقرة: 89.
4) . ص: 78.
5) . المائدة: 78.
6) . الرعد: 25.
7) . هود: 18.
8) . عنه: مستدرك الوسايل: 358/17 و أنظر «زلّة عالم» فى: قوت القلوب: 308/1، احياء العلوم: 109/1.
9) . لم نعثر عليه! و الظاهر أنه تصحيف «يتحف» كما فى فيض القدير: 688/2: إذا أراد اللّه تعالى أن يتّحف عبدا سلّط عليه من يظلمه... كشف الخفاء: 162/2، تاريخ مدينة دمشق: 421/48 و فيه أيضا: إذا اراد اللّه أن يحبّ العبد سلط عليه من يظلمه.
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إتّقوا دمعة المظلوم و دعوته، فإنّهما يسريان باللّيل و النّاس نيام!!(1).
و قال عليّ عليه السّلام: من مات من ضرب السلطان ظلما، فهو شهيد، و من مات فى حبسه ظلما، فهو شهيد.(2)
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما من عالم أتي باب سلطان طوعا، إلاّ كان شريكه فى كلّ لون، يعذّب فى نار جهنّم.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من تعلّم القرآن، ثمّ تفقّه فى الدّين، ثمّ أتي صاحب سلطان تملّقا إليه، و طمعا لما فى يديه، خاض بقدر خطاه فى نار جهنّم!!(4).
معاملة الخلق فضل و عدل و جور، و معاملة الخالق عدل و فضل، و هو تعالى عن الظلم متعال!!. و العدل عام، و الفضل خاص، فعدله مع الكافر فى الدّارين، و فضله مع المؤمن فى المنزلين، كما قال: «وَ أَهْلُ اَلْمَغْفِرَةِ»(5).
الظّلم على وجوه:
الشّرك: «إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ»(6).
و الجحود: «بِمٰا كٰانُوا بِآيٰاتِنٰا يَظْلِمُونَ»(7).
و النّقض: «وَ مٰا ظَلَمُونٰا وَ لٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»(8)، أي ينقضون.
و الظّلم إثنان: الأصل و الفرع:
1) . لم نعثر عليه بألفاظه!. اعلام الدّين: 409، اتّقوا دعوة المظلوم، فانّ دعوة المظلوم تصعد إلى السّماء، و بحار الأنوار: 358/90، مكارم الأخلاق: 276، كل مقتول ظلما فهو شهيد، فتح العزيز، للرافعي: 156/5.
2) . لم نعثر عليه بألفاظه!.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 127/13.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 127/13.
5) . المدثر: 56.
6) . لقمان: 13.
7) . الاعراف: 9.
8) . البقرة: 57.
فالأصل هو الكفر: «أَلاٰ لَعْنَةُ اَللّٰهِ عَلَى اَلظّٰالِمِينَ»(1).
و الفرع: «رَبَّنٰا ظَلَمْنٰا أَنْفُسَنٰا»(2).
تنام و لم تنم عنك المنايا *** تنّبه للمنية يا ظلوم
تروم الخلد فى دار المنايا *** و كم قد رام قبلك ما تروم
سل الأيام فى أمم تقضّت *** ستخبرك المعالم و الرّسوم
إلى ديان يوم الدّين يمضي *** و عند اللّه تجتمع الخصوم
ستعلم فى المعاد إذ التقينا *** غدا عند الحساب من الظلّوم؟!(3)
أما و اللّه انّ الظلم شؤم و ما زال المسيئ هو الظلوم
إلى ديان يوم الدّين نمضى و عند اللّه تجتمع الخصوم
تنام و لم ينم عنك المنايا تنبّه للمنية يا نئوم
لأمر ما تصرّمت الليالى لأمر ما تقلّبت النجوم (ظاهرا). تاريخ دمشق: 55/38، و أنظر تمامه فى ديوان المنسوب إليه عليه السّلام المطبوع ببولاق سنة 1251 ه و عنه: نهج السعادة: 161/4، و أنظر أيضا: شرح نهج البلاغة لإبن أبى الحديد: 248/3 عن ديوان امير المؤمنين: 246.
المجلس الثامن و الستّون فى قوله تعالى: «يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمٰاوٰاتُ وَ بَرَزُوا لِلّٰهِ اَلْوٰاحِدِ اَلْقَهّٰارِ».(1).
عن إبن عباس: أي تغير الأرض على حال سوي هذه الحال، و تبديلها،: أي تسوّي جبالها و أوديتها. و قيل: الأرض تبدّل غير هذه الأرض. «وَ اَلسَّمٰاوٰاتُ» بيمينه، «وَ بَرَزُوا» أي: فخرجوا و ظهروا «لِلّٰهِ اَلْوٰاحِدِ اَلْقَهّٰارِ» لخلقه بالموت.
إعلم! أنّ الأيام خمسة:
يوم مفقود، و يوم مشهود، و يوم مورود، و يوم موعود، و يوم ممدود. فاليوم المفقود: يوم أمسك، فإنّك على ما فرطت فيه، و اليوم المشهود: يومك الّذي أنت فيه، فتزوّد فيه ما إستطعت، و اليوم المورود، لا تدري أ هو من أيامك، أم لا؟! و هو غدك، فلا تهتّم له. و اليوم الموعود، آخر يومك من الدّنيا، فاجعله من بالك، و أذكره فى كلّ أحوالك، و اليوم الممدود، يوم يقوم النّاس لربّ العالمين، و يسئلك فيه عن جميع ما عملته.
و قيل: الأيام ثلاث: الأمس عظة، و اليوم غنيمة، و غدا أمنية، لعلّك تدركه أم لا؟!.
1) . إبراهيم: 48.
2) . لم نعثر عليه!. و فى الكافى: عن أبى عبد اللّه عليه السّلام قال: «إِنَّ اَلْمَوْتَ اَلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاٰقِيكُمْ - إلى قوله - تَعْمَلُونَ» تعدّ السنين، ثمّ تعدّ الشّهور، ثمّ تعدّ الأيام، ثمّ تعد السّاعات، ثم تعدّ الأنفس، «فَإِذٰا جٰاءَ أَجَلُهُمْ لاٰ يَسْتَأْخِرُونَ سٰاعَةً وَ لاٰ يَسْتَقْدِمُونَ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلىٰ عٰالِمِ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهٰادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ». الكافى: 262/3، نور الثقلين: 27/2: تفسير الصافى: 173/5.
اِمْتٰازُوا اَلْيَوْمَ...» (1)، و رفع صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صوته و قال: ماذا يلقي أمّتى يوم القيامة حين ميزوا بعضهم من بعض؟! فبعض إلى الجنّة و بعض إلى النّار؟!(2).
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: و ما من نفس إلاّ و ستلوم نفسها يوم القيامة، أمّا المحسنة، فتقول: يا ليتنى! إزددت إحسانا، و أمّا المسيئة، فتقول: يا ليتنى! تركت المعصية، و عند ذلك معاينة الجنّة و النّار!!(3).
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ فى القيامة أفزاعا و أهوالا و حسرات و ندامات، و تعرق الرّجل فى عرقه إلى شحم أذنه، حتّي لو شرب من عرقه سبعون بعير لرويت.(4)
و سئل صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أي شيئ أعجب فى القيامة؟! قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: تحشر يوم القيامة الوالدان و الولد، فيغفر اللّه للوالدة و الولد، فتقول الوالدة للولد: تعال حتّي ننظر اين الوالد؟! فخاف أن يدخله عصيانه النّار، فيأتيان باب الجنّة، فيسألان رضوان، فيقول: لم يدخل مثل هذا أحد!!، فيصيران إلى مالك، يسألانه، فيقول:
الآن قيدّته و أوثقته فى الغلّ و طرحته فى الدرك، فيرجعان و يستغيثان و يولاّن.(5)
1) . يس: 59.
2) . لم نعثر عليه!. انظر فى معناه: تفسير الصافى: 257/4، روح البيان: 485/5، تفسير قمي: 216/2، تفسير سور آبادي: 2073/3.
3) . فى مكارم الأخلاق: 454 قال النبى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لإبن مسعود:... يابن مسعود! أكثر من الصّالحات و البرّ، فإن المحسن و المسيئ يندمان، يقول المحسن: يا ليتنى إزددت من الحسنات، و يقول المسيئ... و عنه البحار: 105/74.
4) . جامع الأخبار: 110 بتفاوت يسير عن أبى هريرة!!.
5) . لم نعثر عليه!.
6) . أنظر مثله فى: الإختصاص: 361 و عنه: البحار: 320/8، و تفسير البرهان: 466/4 عن كتاب الجنة و النّار لسعيد بن جناح، و فى كتاب التخويف من النّار لإبن رجب الحنبلي: 145: قال إبن المبارك: حدّثت عن بعض أهل المدينة، أنّه يتفتت فى إيديهم إذا أخذوه، فيقول: ألا ترحمونى؟!، فيقولون: كيف نرحمك و لم يرحمك أرحم الراحمين!!..
التّبديل فى القرآن:
تبديل الجلود: «بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا»(1).
و تبديل الطعام: «أَ تَسْتَبْدِلُونَ اَلَّذِي هُوَ أَدْنىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ»(2).
و تبديل المكان: «وَ بَدَّلْنٰاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ»(3).
و تبديل القول: «مٰا يُبَدَّلُ اَلْقَوْلُ لَدَيَّ...»(4).
و تبديل المسيئة: «فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ»(5).
و تبديل النعمة: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ كُفْراً»(6).
و تبديل القوم: «وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ»(7).
و تبديل الوصية: «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ»(8).
و تبديل الخوف: «وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً»(9).
و تبديل السّماء و الأرض: «يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ»(10).
سئل إبن الكواء(11)، عليّ بن أبى طالب عليه السّلام عن تبديل الأرض؟! قال عليه السّلام:
تبديلها أن تبدّل أرضا بيضاء كالفضّة، لم يسفك عليها الدّم، و لم يعمل عليه
المعصية، و كذلك تبدّل السّماء سماء من ذهب.(1)
و عن علي بن الحسين عليهما السّلام: فى قوله «تبدّل الأرض غير الأرض» قال: يعنى بأرض لم يكتسب عليها الذنوب بارزة، ليس عليها جبال و لا نبات، كما دحاها أوّل مرّة. مجمع البحرين: 165/1.
و فى تفسير مجاهد بن جبر، قال تبدّل أرضا بيضاء كأنّها الفضّة، و السّماوات كذلك كأنّها الفضّة (336). و فى تفسير القرآن لعبد الرزاق الصنعانى: عن عمرو بن ميمون الأودي فى قوله تعالى يَوْمَ تُبَدَّلُ... قال تبدّل أرضا كالفضّة لم تعمل فيها خطيئة و لم يسفك فيها دم حرام، 344/2. و أنظر أيضا: جامع البيان لإبن جرير الطبري: 328/13، معانى القرآن: النحاس: 544/3، الدرّ المنثور: 90/4، سبل الهدي و الرشاد: 149/9، حلية الأولياء: 348/4، تفسير إبن كثير: 438/4.
سئل الصّادق عليه السّلام عن قوله تعالى: «بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا» أي ذنب للجلد الّذي بدّل به؟! فقال عليه السّلام: اللبن إذا كسر و ضرب لبنا، فهو هو، و قد غير، و بدّل.(2)
فخف أيها العاصي من ذلك اليوم، فقد سمّاه اللّه فى القرآن بثلاثمائة إسم هايلة كالقارعة، و الحاقّة، و الواقعة.
1) . لم نعثر عليه، و فى بحار الأنوار: 71/7: فقد روي عن إبن عباس أنّه قال: تبدّل آكامها و آجامها و جبالها و أشجارها و الأرض علي حالتها و تبقي أرضا بيضاء كالفضة و تبدل السّماوات فيذهب بشمسها و قمرها و نجومها. أنظر أيضا: مجمع البيان: 94/6.
2) . و الحديث كما فى الأمالى للشيخ الطوسي هكذا:... فأتاه إبن ابى العوجاء، و كان ملحدا، فقال له: ما تقول فى هذه الآية: «كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا - (النّساء: 56)» هب هذه الجلود عصيت فعذّبت؟! فما بال الغيرية؟! فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: و يحك، هي هي، و هي غيرها!!، قال: أعقلنى هذا القول، فقال له: أريت! لو أن رجلا عمد إلى لبنة فكسرها، ثمّ حبّ عليها الماء و جبلها، ثم ردّها إلى هيئتها الأولى، ألم تكن هي هي، و هي غيرها؟! فقال: بلي، أمتع اللّه بك. الأمالى: 581. و أنظر مثله أيضا: ألإحتجاج: 104/2 و عنه البحار: 37/7، الفصول المهمّة فى أصول الأئمّة، للحرّ العاملي: 343/1، تفسير القمي: 141/1، تفسير نور الثقلين: 494/1، و اللبن كحمل: ما يعمل من الطين و يبنى به، الواحدة: لبنة، بفتح اللام و كسر الباء، و يجوز كسر اللام و سكون الباء. مجمع البحرين: 106/4.
المجلس التّاسع و الستّون فى قوله تعالى: «وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ»(1).
قال إبن عبّاس: أي: مصير من عصاك - يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم - جهنّم، «لَهٰا سَبْعَةُ أَبْوٰابٍ»، بعضها أسفل من بعض أعلاها الحميم، و أسفلها ألهاوية «لِكُلِّ بٰابٍ مِنْهُمْ» أي من الكفّار «جُزْءٌ مَقْسُومٌ» أي: حظّ معلوم.
إعلم! أنّ متابعة سبعة أصناف، أورثت سبعة أشياء: متابعة النفس أورثت النّدامة، كما حكي اللّه عن قابيل: «فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ»(1).
و متابعة الهوي أورثت البعد و الخساسة، كما قال اللّه عن البلعام(2): «وَ اِتَّبَعَ هَوٰاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ»(3)، لبعده.
و متابعة الشّهوات أورثت الكفر، كما قال اللّه: «وَ اِتَّبَعُوا اَلشَّهَوٰاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا»(4)، يعنى الكفر.
و متابعة فرعون، أورثت الغرق فى الدّنيا و الحرق فى الآخرة: «فَأَغْرَقْنٰاهُ وَ مَنْ مَعَهُ جَمِيعاً»(5)، و «فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ - إلى قوله - فَأَوْرَدَهُمُ اَلنّٰارَ»(6).
و متابعة القادّة الضّالّة أورثت الحسرة، كما قال: «إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ اُتُّبِعُوا - إلى قوله - كَذٰلِكَ يُرِيهِمُ اَللّٰهُ أَعْمٰالَهُمْ حَسَرٰاتٍ»(7).
و متابعة النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أورثت محبّة اللّه، كما قال: «فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللّٰهُ»(8).
و متابعة الشيطان أورثت جهنّم، كما قال: فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزٰاؤُكُمْ»(1)، «لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ»(2)، «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ»(3). و متابعة أوامر اللّه أورثت السّلامة من كيد الشيطان: «إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ»(4).
فأمّا متابعة النفس، فباطلة، لأنّها تأمر بما يضرّ عاجلا و آجلا، كما قال اللّه حاكيا عنها: «إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمّٰارَةٌ بِالسُّوءِ»(5)، و أنّها تحمل على المعاصي، و تطلب الرّاحة.
و أمّا الهوي، فانّه آلة من يعبد من دون اللّه، و قد نهي اللّه عن متابعته بقوله:
«وَ لاٰ تَتَّبِعِ اَلْهَوىٰ فَيُضِلَّكَ» (7)، «أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ»(8).
و امّا متابعة الشّهوة، فقد نهي اللّه عنه: «وَ اَللّٰهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ يُرِيدُ اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلشَّهَوٰاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً»(10)
1) . ألإسراء: 63.
2) . الأعراف: 18.
3) . ص: 85.
4) . الحجر: 42، ألإسراء: 65.
5) . يوسف: 53.
6) . المجازات النبويّة: 192، كنز العمال: 72/6، المبسوط، للسرخسي: 247/30، المصنف لعبد الرزّاق: 345/11، مسند أحمد: 399، 321/3، المستدرك للحاكم: 422/4، مجمع الزوائد: 230/10، 247/5، مسند أبى يعلي: 476/3 و فى المعجم الأوسط للطبرانى 140/3: النّاس غاديان و رائحان فغاد فى فكاك رقبته فمعتقها، و غاد فموبقها.
7) . .
8) . الجاثية: 23.
9) . وسايل الشيعة: 77/1، الخصال: 83، مستدرك الوسايل: 113/12، عوالى اللئالى: 273/1.
10) . النّساء: 27
«زُيِّنَ لِلنّٰاسِ حُبُّ اَلشَّهَوٰاتِ» (2)
و أمّا متابعة الظّلمة، فقال: «وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا»(3).
و أمّا متابعة الرسول، فقال: «فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدٰايَ فَلاٰ يَضِلُّ وَ لاٰ يَشْقىٰ»(5).
و امّا متابعة الشّيطان، فقال: «وَ لاٰ تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ اَلشَّيْطٰانِ»(7)، و «فَاتَّبَعُوهُ إِلاّٰ فَرِيقاً مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ»(8). ثم قال لمتابعيه: وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ»(9).
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أنذركم النّار!، حتّي سقط عطفي ردائه.(10)
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يا معاذ! انّ المؤمن لا تسكن روعته [و لا يؤمن اضطرابه] حتى يخلف جسر جهنّم.(11)
و لمّا نزل «وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ»(12)بكى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و لم يستطع أحد أن
1) . روضة الواعظين: 421/2، بحار الأنوار: 78/67، مجموعة ورام: 190/1، شرح إبن أبى الحديد: 17/10.
2) . آل عمران: 14.
3) . هود: 113.
4) . لم نعثر عليه.
5) . طه: 123.
6) . الأمالى، الطوسي: 522: عليكم بسنّتى، فعمل قليل فى سنّة، خير من عمل كثير فى بدعة. مثله: إرشاد القلوب: 165/1، و متابعة اهل البيت عليهم السّلام امر عظيم، و أحاديثه متواتر...
7) . البقرة: 168.
8) . سبأ: 20.
9) . الحجر: 43.
10) . أخرج إبن أبى شيبة، عن النعمان بن بشير، قال: سمعت النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و هو علي المنبر يقول: أنذركم النّار، أنذركم النّار!! حتّي سقط أحد عطفي ردائه عن منكبيه. الدرّ المنثور: 35/1، المصنف، إبن أبى شيبة الكوفى: 94/8. كشف الأسرار و عدة الأبرار: 330/5.
11) . تفسير التستري: 109.
12) . الحجر: 43.
يكلّمه، فقالت له فاطمة عليها السّلام: ما الذي أبكاك؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و قد نزل على جبرئيل بهذه الآية(1)، فقالت أخبرنى، قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: انّ أهون باب من أبوابها فيه سبعون ألف جبل من نار، و فى كلّ جبل سبعون ألف ألف واد، و فى كل واد سبعون ألف ألف شعب، و فى كلّ شعب سبعون ألف ألف مدينة، و فى كلّ مدينة سبعون ألف ألف قصر، و فى كلّ قصر سبعون ألف ألف دار، و فى كلّ دار سبعون ألف ألف بيت، و فى كلّ بيت سبعون ألف ألف صندوق، و فى كلّ صندوق سبعون ألف ألف لون من العذاب، ليس منها عذاب يشاكل صاحبه، فتساقطت عليها السّلام لهولها!!(2).
أمّا الطبقة الأولى، فعمقها خمسمائة عام، و إسمها «ألهاوية»، و فيها قعر يسمّى «هوى»، [و قال اللّه تعالى]: «وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوىٰ»(4)، و هم المنافقون، و هم يدعون فيها الخزنة، كما قال اللّه: «اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّٰا يَوْماً مِنَ اَلْعَذٰابِ»(5).
و أمّا الطبقة الثّانية: فإسمها «الجحيم»، و هي واد يقال له: «إثم»، و هي لأهل الكباير، قال اللّه: «وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً»(6)، و هم ينادون لمالك «يا مالك! ليقض علينا ربّك!، فيردّ عليهم بعد ثمانين سنة، - السّنة ثلاثمائة و ستّون يوما، كلّ يوم كألف سنة - فيقول: إنّكم ماكثون»!!!(7).
و الطبقة الثّالثة: إسمها «سقر»، و فيها واد إسمها «غى»، و هي لتاركي الصّلاة، قال اللّه: «أَضٰاعُوا اَلصَّلاٰةَ وَ اِتَّبَعُوا اَلشَّهَوٰاتِ، فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا»(1)، و هم ينادون: «رَبَّنٰا أَبْصَرْنٰا وَ سَمِعْنٰا»(2)، فيرّد عليهم «فَذُوقُوا بِمٰا نَسِيتُمْ»(3).
الطبقة الرّابعة: إسمها «السعير»، و فيها جبل يسمّي «صعودا» و قال اللّه:
«سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً» (4)، و هو للشياطين، و هم ينادون: «رَبَّنٰا أَخِّرْنٰا إِلىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ»(5)، فيردّ عليهم «أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مٰا لَكُمْ مِنْ زَوٰالٍ»(6).
و الطبقة الخامسة: إسمها «الحطمة»، و فيها جبل يسمّي «الهوان» ليأجوج و مأجوج، و هم ينادون فيها: «رَبَّنٰا أَخْرِجْنٰا نَعْمَلْ صٰالِحاً»(7)، فيردّ عليهم: «أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مٰا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ»(8).
و أمّا السّادسة: إسمها «لظى»، قال اللّه: «فَأَنْذَرْتُكُمْ نٰاراً تَلَظّٰى»(9)، و فيها قعر يقال له: «الملأ» كقوله تعالى: «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ»(10)، و هي لعبد الأوثان، و هم ينادون فيها: «رَبَّنٰا غَلَبَتْ عَلَيْنٰا شِقْوَتُنٰا»(11)، و يقولون: «رَبَّنٰا أَخْرِجْنٰا»(12)، فيردّ عليهم: «اِخْسَؤُا فِيهٰا وَ لاٰ تُكَلِّمُونِ»(13).
و الطبقة السّابعة: لأمّتك، لأهل الكباير، المصرّين، و إسمها «جهنّم»، و فيها واد
يسمّي: «ويل»، كما قال اللّه: «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ»(1)، «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ»(2)، و هم ينادون: يا حنان يا منّان. قال: و بكي النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم شفقة على أمّته.(3)
قيل: يغسل الثّوب الدنس فى الماء، فإن كان دنسه أكثر، يغسل بالصّابون، فإن كان أكثر، يدفع إلى القصّار ليضعه فى تنور النّار!، حتّي يصير طاهرا، كذا تكفر معاصي المؤمن بالمحن، فإن كان أكثر، فبالموت، ثمّ بالقبر، ثمّ بالقيامة، ثمّ بالنّار!!.
و قيل: النّار محرم على المؤمن، لأنّه لا يكون فى الدّركة الّتى فيها النّار، الّتى يعذّب فيها الكافر، و مثاله: كالتّون و بيت الحمّام تكون النّار تحتها.
الدّركات سبع: الهاوية، و الجحيم، و سقر، و السّعير، و الحطمة، و لظي، و جهنّم.
فسمّيت «الهاوية»، لأن العاصي يهوي فيها على أمّ رأسه، كما قال اللّه: «فَأُمُّهُ هٰاوِيَةٌ»(4).
و سمّيت «الجحيم»، لعظمها، يقال: أجحم النّار، إذا عظمها.
و سمّيت «سقر»، لأنّها تتسقّر الصقر إلى الصّيد.
و سمّيت «السعير»، لوقودها، و الحطمة، لأنّها تحطم العظام، أي تكسرها.
و سمّيت «لظّى»، لأنّها تتلظّي.
و سمّيت «جهنّم» لقعرها، يقال: بئر جهنام، إذا أبعد قعرها.
و الهاوية، يكون فيها الفراعنة و الجبابرة.
و الجحيم، فيها عبدة الأوثان. و اليهود، فى سقر. و النصاري فى السعير. و الصّائبون فى الحطمة. و المبتدع فى لظّي. و المسلمون فى جهنّم.
و أبواب النّار بعضها أسفل من بعض.
يا مسكين!! إنّ اللّه أوعد العصاة بالنّار، و لم يذكر من هم و فى أي دركة هم؟!، فينبغي لكلّ مذنب أن يخاف أنّه فى أسفلها.
1) . لم نعثر عليه، و روي عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا يأمن العبد حتّي يخلف جسر جهنّم ورائه. مستدرك الوسائل: 231/11
المجلس السبعون فى قوله تعالى: نَبِّئْ عِبٰادِي أَنِّي أَنَا اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ وَ أَنَّ عَذٰابِي هُوَ اَلْعَذٰابُ اَلْأَلِيمُ».(1)
قال إبن عباس: خبّر «عِبٰادِي أَنِّي أَنَا» المتجاوز لمن تاب، «الرّحيم» لمن مات على التّوبة، «وَ أَنَّ عَذٰابِي هُوَ» العذاب الوجيع لمن لم يتب، أو مات على الفكر.
إعلم! أنّ اللّه بشّر المذنبين على لسان خمسة من الأنبياء:
بشّر على لسان الخليل عليه السّلام، حين قال: «رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَ لِوٰالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ اَلْحِسٰابُ»(3).
و الثّاني: بشّرهم على لسان موسى عليه السّلام يوم خروجه إلى الطّور، و قال له مجوسي: قل لربّك انى لا أريد رزقك، فإنّي أستكف منك!!، فقال اللّه: قل له:
و إن كنت لا تريدنى، فإنّي أريدك و أرزقك!!، فبلّغه جواب ربّه، فأسلم.(4)
الثّالث: بشّرهم على لسان داود عليه السّلام، حيث قال: بشّر المذنبين و أنذر الصّدّيقين!!، قال كيف هذا؟! قال: بشّر المذنبين إذا تابوا، فإنّي غفور، و أنذر الصّدّيقين، إذا عجبوا!!، فإنّي غيور!!، قال: إلى متى؟! قال: إلى أن يطمعوا فى رحمتى.(5)
1) الحجر 49-50
2) . تفسير الميزان: 186/12 عن الدرّ المنثور، مجمع الزوائد: للهيثمي: 307/10، العهود المحمّدية، للشعرانى: 906، مجمع الزوائد: 387/10، فتح الباري: 257/11، الأدب المفرد، للبخاري 63، صحيح إبن حبّان: 319/1، المعجم الأوسط: 90/3، التخويف من النّار لإبن رجب الحنبلي: 38، موارد الظمآن: للهيثمي: 616، جامع البيان الطبري: 258/10، زاد المسير: 238/7، الدرّ المنثور: 331/5، 102/4، فتح القدير: 472.
3) . إبراهيم: 41.
4) . لم نعثر عليه.
5) . الكافى: 314/2، مشكاة الأنوار: 539، عدّة الداعي: 222، الجواهر السنية: 82، الرسائل العشر، إبن فهد الحلي: 416، رسائل الشهيد الثانى: 144، وسايل الشيعة: 74/1 و عنه: كتاب الطهارة للسيد الخوئي: 39/5، مستدرك الوسايل: 141/1، بحار الأنوار: 40/14.
الرّابع: فبشّرهم على لسان عيسى عليه السّلام، و ذلك، إنّه كان يمشي مع صاحب له، فرآهما رجل ظالم، فمشي خلفهما، فقال له صاحبه: إرجع يا هذا، و لا تتّبعنا!!، فقال الفاسق: اللّهم ألحقنى بهما!، فعفي عنه.
و الخامس: على لسان محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، بقوله: «نَبِّئْ عِبٰادِي...» و ذلك: انّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لمّا رأي قوما يكثرون الضحك، فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا، ثمّ خرج صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فنزل هذه الآية.(1)
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: عن اللّه تعالى: قال: يا بن آدم! نمدّيّنك فى ظلمات ثلاث، ثمّ أستخرجنّك منها، و عطفت عليك أبويك، و ربّيتك صغيرا بأحسن التربية، و أطيب الغذاء، فحين كبرت لم تشكر نعمتى و لم تذكر إحسانى، و عصيتنى فلم تستحي منّي، ثمّ سئلتنى فلم أحرمك، لم تنصفنى!!، يا بن آدم! أمّا أنا أكون لك كما كنت لى!!(2).
بربوبيتى، و يقول: ويل لنا، لأنّ ما جاء به موسى حقّ!، فعفوت عنه بإيمانه.(1)
العبد فى القرآن على ثلاثين وجها:
عبد الخدمة، و عبد الرحمة، و عبد البشارة: «قُلْ يٰا عِبٰادِ اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا رَبَّكُمْ»(2)، «قُلْ يٰا عِبٰادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ لاٰ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللّٰهِ»(3)، «فَبَشِّرْ عِبٰادِ اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ»(4).
و عبد الإيمان، و اللطافة، و النسبة: «يٰا عِبٰادِيَ اَلَّذِينَ آمَنُوا»(5)، «اَللّٰهُ لَطِيفٌ بِعِبٰادِهِ»(6)، «يٰا عِبٰادِ فَاتَّقُونِ»(7).
و عبد الرأفة، و العصمة، و الأمن: «وَ اَللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ»(8)، «إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ»(9)، «يٰا عِبٰادِ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ»(10).
و عبد الكفاية، و الإنابه، و النّصرة: «أَ لَيْسَ اَللّٰهُ بِكٰافٍ عَبْدَهُ»(11)، «لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ»(12)، «وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنٰا لِعِبٰادِنَا»(13).
و عبد المدحة، و النعمة، و الرزق: «وَ عِبٰادُ اَلرَّحْمٰنِ»(14)، «إِنْ هُوَ إِلاّٰ عَبْدٌ أَنْعَمْنٰا
عَلَيْهِ» (1)، «رِزْقاً لِلْعِبٰادِ»(2).
و عبد الإخلاص، و المناجاة، و الكرامة: «إِنَّهُ مِنْ عِبٰادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ»(3)، «سُبْحٰانَ اَلَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً»(4)، «بَلْ عِبٰادٌ مُكْرَمُونَ»(5).
و عبد القربة، و العلم، و القدرة: «إِذٰا سَأَلَكَ عِبٰادِي»(6)، «إِنَّمٰا يَخْشَى اَللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ اَلْعُلَمٰاءُ»(7)، «وَ مَا اَللّٰهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبٰادِ»(8).
و عبد الإصطفاء، و الفضيلة، و التسخير: «وَ سَلاٰمٌ عَلىٰ عِبٰادِهِ اَلَّذِينَ اِصْطَفىٰ»(9)، «وَ اُذْكُرْ عَبْدَنٰا دٰاوُدَ»(10)، «عِبٰادٌ أَمْثٰالُكُمْ»(11).
و عبد الملكة، و القهر، و المغفرة: «عَبْداً مَمْلُوكاً»(12)، «وَ هُوَ اَلْقٰاهِرُ فَوْقَ عِبٰادِهِ»(13)، «نَبِّئْ عِبٰادِي»(14).
فى هذه الآية، كأنّه قال للنبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أقم عبادي بين الرّجاء و الخوف، ليتبين لهم سبيل الإستقامة فى الإيمان، و كأنّه قال لنبيه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إن رجّيتهم، فرجّهم لى لا لغيرى!، و إن خوّفتهم، فخوّفهم لغيري لابى!!.
يابن آدم!!، فقد هلكت، و إن أضافك إلى نفسه، فطوبى لك، و إن أضافك إلى أبيك، فيا ويلاك!!(1).
و قيل: ليس فى القرآن أرجي من هذه الآية!!(2).
«نَبِّئْ عِبٰادِي» يعنى المتّقين، أضاف الغفران إلى نفسه، و الشدّة إلى العذاب، و قدّم الغفران على العذاب.
إعلم! أنّ اللّه لم يؤمن العبد أمانا بحتا!!، بل وقفه بين الرّجاء و الخوف، فالأمر عظيم على خطر!. و ليس للعبد حيلة إلاّ البكاء و الدّعاء، إلى تخلف جسر جهنّم؟!!.
المجلس الحادي و السبعون فى قوله تعالى: «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا إِنَّ اَللّٰهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ».(1)
قال إبن عباس: يعنى: لا تحفظوها، و قيل: لا تشكروها، «إن الله غفور» لمن لم يتب من المؤمنين، «رحيم» لمن تاب.
و قال عليّ عليه السّلام: الحمد للّه الّذي لا يبلغ مدحته القائلون، و لا يحصي نعمائه العادّون.(2)
إعلم! أنّ اللّه أحبّ أربعة أشياء، فوضع أربع شبائك لها:
أحبّ الخشية فى الطّاعة، فجعل الجنّة شبكتها.
و أحبّ الدّعاء، فجعل البلاء شبكته.
و أحبّ العبودية، فجعل الجنان شبكته.
و أحبّ الشكر، فجعل النعمة شبكته.
فأمّا الأول: فإنّه رغب العبد فى الطّاعة، و وعد الثواب عليها إذا كان خالصا له.
و الثّانى: إنّ اللّه لمّا علّم أنّ الدعاء هو العبادة: «اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»(3)، «إِنَّ اَلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي»(4)، «وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ»(5)، و قال: خلقت الجنّة لعبادتي(6).
و علم أنّهم لا يردّون البلاء، أمرهم بالدّعاء، فالدّعاء سلاح المؤمنين و مجانيق الضعفاء، و بالدّعاء يحيى من يحيى، و هلك من هلك، و النعمة شبكة الشكر، و الشكر للّه نوع من عبادة اللّه، فكأنّه قال: أشكر لى! من غير حاجة لى إلى
شكرك!، و لكن لأزيد لكم النعم، «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ»(1)، و أنّ اللّه ذكر نعمه على عباده، لأنّ إظهار النعمة فى الحكمة واجب.
فكأنّه يقول: عبدى! أظهرت ما أوجبته حكمتى، فأظهر أنت ما أوجبه عقلك من الشّكر و العبودية.
و أنّه [تعالى] ذكر نعمه على عباده ليحبّوه، كما قال لداود عليه السّلام:
أحببنى و حبّبنى إلى عبادي، قال: كيف؟! فقال: ذكّرهم آلائي و نعمائي حتّي يحبّونى.(2)
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أحبّوا اللّه لما يغدوكم به من نعمه، و أحبّونى لحبّ اللّه، و أحبّوا أهل بيتى لحبّي.(3)
قال رسول اللّه: ما أنعم اللّه على عبد نعمة، و ان عظمت، فقال: الحمد للّه، إلاّ كان قوله: الحمد للّه، أوزن منها عند اللّه.(4)
و قال موسى عليه السّلام: كيف لى أن أشكر؟! و أصغر نعمة وضعتها عندي اكبر من عملي كلّه!!، فأوحي اللّه إليه: ألآن شكرتنى(5).
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أحقّ النّاس بالنّعم، أشكرهم لها، و نعمة لا تشكر، خطيئة
1) . إبراهيم: 7.
2) . بحار الأنوار: 38/14، قصص الأنبياء، الرّاوندي: 208، قصص الأنبياء، الجزايري: 393، و فى جواهر السنية: 68، و قصص الأنبياء للجزايري: 346: أوحي اللّه تعالى إلى موسى...، و أنظر: أمالى الطوسي: 484.
3) . علل الشرايع: 139/1، و مثله بتفاوت يسير: 600/2، الأمالى للصدوق: 446، شرح الأخبار، القاضي نعمان: 4/3، الأمالى، للشيخ الطوسي: 278، العمدة، لإبن البطريق: 402، الطرائف لإبن طاووس: 159، المناقب للمغازلى: 136، ذخائر العقبى: 18، ينابيع المودّة: 272، 192...
4) . عنه: مستدرك الوسائل: 315/5، و عن الصادق عليه السّلام: ما أنعم اللّه علي عبد مؤمن نعمة، بلغت ما بلغت، فحمد اللّه عليها، إلا كان حمد اللّه أفضل و أوزن و أعظم من تلك النعمة. ثواب الأعمال: 165، مكارم الأخلاق: 307.
5) . الشكر للّه: إبن ابى الدّنيا: 67، تفسير القرطبى: 398/1، الدرّ المنثور: 152/1 و أنظر أيضا: الكافى: 98/2، الجواهر السنية: 41، بحار الأنوار: 36/68، تفسير الصافى: 141/4، تفسير الأصفي: 928/2، تفسير نور الثقلين: 201/4 و فى الكلّ: بتفاوت يسير.
لا تغفر.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: كم من نعمة للّه عليك فى عرق ساكن.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إن أردت أن تعرف نعمة اللّه عليك، فغمض عينيك ساعة!!.(3)
و قال الحسن بن على عليهما السّلام: أنعمت علي، فلم تجدنى شاكرا، و أبتليتنى فلم تجدنى صابرا.(4)
و فى الخبر: نعمتان عظيمتان مغبون فيهما كثير من النّاس: الصّحة و الفراغ.(5)
و قال عليّ عليه السّلام: أفضل النعم أربعة: الإسلام و العافية و الستر و المعاش.(6)
النعمة فى القرآن على وجوه:
النّبىّ، و القرآن، و الإسلام: «يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اَللّٰهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهٰا»(7)، «وَ أَمّٰا بِنِعْمَةِ»
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 369/2.
2) . كشف الخفاء، العجلونى: 128/2، و فى الدّعاء عن الصادق عليه السّلام، قال: للأوجاع كلّها: بسم اللّه و باللّه، كم من نعمة للّه فى عرق ساكن و غير ساكن، علي عبد شاكر و غير شاكر. مكارم الأخلاق: 390، الدروس: 50/3، الكافى: 566/2، عدة الداعي: 258، بحار الأنوار: 287/59.
3) . الشكر للّه، إبن ابى الدّنيا: 157 و عنه: الدرّ المنثور: 85/4: عن بكر بن عبد اللّه المزنى قال: يإبن آدم إذا أردت أن تعرف قدر ما أنعم اللّه عليك، فغمض عينيك. و أنظر فتح القدير: 111/3.
4) . بحار الأنوار: 197/96، العدد القوية: علي بن يوسف الحلّي: 35، و نقل أيضا عن الإمام الحسين عليه السّلام: إحقاق الحقّ: 595/11، حياة الإمام الحسين عليه السّلام: 134/1، الكواكب الدرّية: 134/1.
5) . مسند أحمد بن حنبل: 258/1، سنن الدّارمي: 297/2، إبن ماجة: 1396/2، ترمذي: 377/3 و فى الكل: نعمتان مغبون، و فى كشف الخفاء: 314/2 عن الحسن البصري: تعمتان عظيمتان، و فى الكافى: 152/8 و تحف العقول: 36: خلّتان كثير من النّاس فيهما مفتون: الصّحة و الفراغ. و جاء فى من لا يحضره الفقيه: الصّحة و الفراغ نعمتان مكفورتان: 381/4، و فى الخصال: خصلتان كثير من النّاس مفتون فيهما: الصحة و الفراغ، 34، و مثله فى روضة الواعظين: 472، و المشهور: نعمتان مجهولتان الصّحة و الأمان: التحفة السنية (مخطوط)، للسيد عبد اللّه الجزائري: 67، شجرة طوبى: 328/2.
6) . قال أمير المؤمنين عليه السّلام: الصّحة بضاعة، و التوانى إضاعة، ألا إنّ من النعم سعة المال، و أفضل من سعة المال صحة البدن، و أفضل من صحة البدن تقوي القلب. و قال عليه السّلام: السّلامة مع الإستقامة، الدعوات للراوندي: 113 و عنه البحار: 173/81. و ما فى المتن: لم نعثر عليه بألفاظه.
7) . النحل: 83.
«رَبِّكَ فَحَدِّثْ» (1)، «فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوٰاناً»(2).
و الصحّة، و دفع البلاء، و تأخير العذاب: «وَ إِذٰا أَنْعَمْنٰا عَلَى اَلْإِنْسٰانِ أَعْرَضَ»(3)، «وَ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ»(4)، «وَ لَوْ لاٰ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ اَلْمُحْضَرِينَ»(5).
و إكمال الدّين، و إتمام النعمة بآل محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يوم الغدير: «اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي»(6).
و حضور الإمام و غيبته: «وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً»(7).
و نعم اللّه لا تحصي: «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا»(8).
إنّما قال: «نِعْمَةَ اَللّٰهِ» على الوحدة؟! لأن إحصاء وجوه نعمه واحدة، لا يمكننا حصرها!!، كالغنيمة، إذا أخذت من الكفّار، يكون سببا لضعفهم، و سببا لقوّة المسلمين: «فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ»(9)، و تكون منفعة عاجلة و آجلة إذا شكرت.
للنعمة أقسام:
نفسيّة: الصحّة و السلامة و الإستطاعة، «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا». و الدّنياوية: المأكول و الملبوس و المسكون، «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا».
أيّها الأغنياء! خافوا زوال النّعم، و أيها العصاة! خافوا نزول النقم.
قال اللّه تعالى: «ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً قَرْيَةً كٰانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهٰا رِزْقُهٰا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكٰانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللّٰهِ، فَأَذٰاقَهَا اَللّٰهُ لِبٰاسَ اَلْجُوعِ وَ اَلْخَوْفِ»(2)، «إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُغَيِّرُ مٰا بِقَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ»(3)، اي: حتّي يتركوا الشكر.
شعر:
لم يشكروا نعمة ما خوّلوا *** فبدّلوا المالح بالعذب
و صاح من بينهم صائح *** شتتهم فى الشرق و المغرب.
1) . عن امير المؤمنين عليه السّلام:... و قد بلغنى أنّ اللّه تعالى: أوحي إلى نبىّ من أنبيائه: أنّه ليس من أهل بيت و لا أهل دار و لا أهل قرية يكونون لى على ما أحبّ، فيتحوّلون إلى ما أكره إلا تحوّلت لهم ممّا يحبون إلى ما يكرهون، و ليس من أهل دار و لا قرية يكونون لى على ما أكره، فيتحوّلون إلى ما أحبّ، إلا تحوّلت لهم ممّا يكرهون إلى ما يحبّون، الكافى: 274/2، بحار الأنوار: 75/75، تفسير البرهان: 724/2، تسير الصافى: 310/2 و أنظر أيضا: الدرّ المنثور: 49/4 و تفسير إبن كثير: 523/2.
2) . النحل: 112.
3) . الرعد: 11.
المجلس الثّانى و السبعون فى قوله تعالى: «وَ أَوْحىٰ رَبُّكَ إِلَى اَلنَّحْلِ أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ اَلْجِبٰالِ بُيُوتاً وَ مِنَ اَلشَّجَرِ وَ مِمّٰا يَعْرِشُونَ»(1).
قال إبن عبّاس: أي: ألهم ربّك النّحل حتّي إتّخذت مسكنا فى الجبال و فى الشّجر، و ممّا تبنى، ثمّ ألهمها أكل ألوان الثّمرات، و أن تدخل طرق ربّك مذلّلة مسخّرة، حتّي يخرج العسل من بطونها، و هو شراب مختلف ألوانه، أحمر و أصفر و أبيض، «فيه» أي فى العسل، شفاء للنّاس، من الدّاء.
و قيل: «فيه» أي، فى القرآن بيان للنّاس. «إِنَّ فِي ذٰلِكَ» أي: فيما ذكرت، لعلامة، و عبرة «لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» فيما خلقت.
إعلم! أنّ اللّه ذكر فى القرآن ثمانية من الطّيور بأسمائها:
ذكر البعوض: لأنّه نصر بها خليله عليه السّلام.
و العنكبوت: لأنّه نصر بها حبيبه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
و الذّباب: لأنّه أذلّ به عدوّه.
و الهدهد: لأنّه نبّأ نبيه.
و الغراب: فإنّه منع مع الحمية.
و السّلوي: لأنّه معجزة موسى عليه السّلام.
و الخفّاش: لأنّه معجزة عيسى عليه السّلام.
و النّحل: لما فيه من العجايب. و أنّ اللّه بين فيها أشياء: وضع النفيس فى الخسيس، كيلا تتعجّب إذا نظرت إلى ظاهره، و لا تقنط إذا نظرت إلى باطنه!!.
و قد وضع اللّه أشياء رفيعة فى أشياء وضيعة:
الذهب و الفضّة فى الحجارة، و القزّ فى الدود، و المسك فى الظبى، و العنبر فى البقر، و اللؤلؤ فى الصدف، و الزيتون فى القشر، و العسل فى النحل.
1) نحل 68
قال عليّ عليه السّلام: من أصابته علّة، فيسأل إمرأته ثلاثة دراهم من صداقها، و يشتري بها عسلا، ثمّ يكتب سورة «يس» بماء المطر، و يشربه، شفاه اللّه، لأنّه إجتمع له «الهنيئ» و «المريئ» و «الشفاء»، و «المبارك»(1).
و فى الخبر: إنّ العسل شفاء من السمّ القاتل.(2)
و روي: إنّ كلّ ذباب فى النّار، إلاّ ذباب النّحل.(3)
و فى الخبر: إنّ «قيصر» كتب إلى «عمر» و سأله عن مسائل، فأجابه عليّ عليه السّلام:
سأل عن رسول لامن الجنّ و لا من الإنس و لا من الشياطين؟! قال: هو الغراب، لقوله: «فَبَعَثَ اَللّٰهُ غُرٰاباً»(4)، و سأل عن شيئ يتنفّس و لا روح فيه؟! فقال: الصبح، لقوله تعالى: «وَ اَلصُّبْحِ إِذٰا تَنَفَّسَ»(5)، و سأل عن قبر سار بصاحبه؟! فقال: هو حوت «يونس» عليه السّلام، و سأل عن أصل الأشياء؟! فقال: هو «الماء» لقوله تعالى: «وَ جَعَلْنٰا مِنَ اَلْمٰاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ»(6)، و سأل عن شيئين لا ثالث لهما؟! فقال: هما الشمس و القمر، و سأل: عن سورة خالية عن سبعة أحرف؟! فقال: هي «الحمد»، و سأل: عن شيئين تكلّما و لا روح فيهما؟! فقال:
هما السّماء و الأرض، لقوله تعالى: «قٰالَتٰا أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ»(7)، و سأل: عن شيئين يزيدان و ينقصان و لا يري الخلق زيادتهما و نقصانهما؟! فقال: هما الليل و النّهار، و سأل: عن ثلاثة كانوا أحياء من غير أن ولدوا؟! قال: هي «ناقة صالح» و «كبش إسماعيل» و «عصاء موسى»، و سأل: عن شيئ أوحي إليه
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 368/16، 82/15. اقول: فيه إشارة الى: «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً» النّساء: 4، و «وَ نَزَّلْنٰا مِنَ اَلسَّمٰاءِ مٰاءً مُبٰارَكاً» ق: 9، و «فِيهِ شِفٰاءٌ لِلنّٰاسِ»، النحل: 69.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 368/16.
3) . فى البحار: 294/63... و كلّ ذباب فى النّار إلا النّحل.
4) . المائدة: 31.
5) . التكوير: 18.
6) . الأنبياء: 30.
7) . فصلت: 11.
و لا من الجنّ و الإنس و الملائكة؟! قال: هي النّحل.(1)
الوحي الإيماء، كما قال: «فَأَوْحىٰ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا»(2).
ثمّ يتفرّع إلى ثمانية أوجه:
الوسوسة: «وَ إِنَّ اَلشَّيٰاطِينَ لَيُوحُونَ إِلىٰ أَوْلِيٰائِهِمْ»(3).
و الدعوة: «شَيٰاطِينَ اَلْإِنْسِ وَ اَلْجِنِّ يُوحِي»(4).
و الأمر: «وَ أَوْحىٰ فِي كُلِّ سَمٰاءٍ أَمْرَهٰا»(5).
و الإرسال: «مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ»(6).
و الخطاب: «فَأَوْحىٰ إِلىٰ عَبْدِهِ مٰا أَوْحىٰ»(7).
و الإعلام فى النّوم: «وَ مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللّٰهُ إِلاّٰ وَحْياً»(8).
و التسخير: «بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحىٰ لَهٰا»(9)، أي سخّرها.
و الإلهام: «وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ أُمِّ مُوسىٰ»(10)، «وَ أَوْحىٰ رَبُّكَ إِلَى اَلنَّحْلِ»(11).
و نظائرها كثيرة.
1) . لم نعثر عليه من كتاب قيصر إلى عمر، و أنظر فى المسائل، عن عمر، و عن ابى بكر و عن عثمان و عجز كلّهم، و جواب عليّ عليه السّلام: الخصال: 596، 456، خصائص الأئمة: 90. بحار الأنوار: 1/10، التحصين: 644، 643، 642، الغدير: 148/6، قصص الأنبياء: الرّاوندي: 255، كشف اليقين: 431. و فى درّ المنثور للسيوطي: كتب صاحب الروم إلى معاوية.. و أجاب عنه إبن عباس... 86/5 و مثله فى البداية و النهاية لإبن كثير: 334/8.
2) . مريم: 11.
3) . الأنعام: 121.
4) . الأنعام: 112.
5) . فصلت: 12.
6) . طه: 114.
7) . النجم: 10.
8) . الشورى: 51.
9) . الزلزلة: 5.
10) . القصص: 7.
11) . النحل: 68.
أمر اللّه النّحل بثلاثة - فاستعملتها، فأخرج منها ثلاثة ألوان من العسل، كانت شفاء:
بالإعتزال: «أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ اَلْجِبٰالِ بُيُوتاً».
و بأكل بعض من الكلّ: «ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ اَلثَّمَرٰاتِ».
و بالتواضع: «فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً».
فكذا المؤمن، إن فعل هذه الثلاثة، يكون كلامه شفاء، و نظره عبرة، و فعله طاعة.
و إنّ الطيور كثيرة فى الدّنيا، و أوحي اللّه إلى أصغرها، لتواضعه، فمن كان أصغر، جعل اللّه حاله أرفع. فأصغر الأشجار و أعظمها ثمرا، كالبطّيخ و اليقطين، و أطولها أصغرها ثمرا، كالجوز و التمر!!.
النّحل تبنّي أوّلا، ثم تضع العسل، و تكون لها رئيس و قاض و أمير، و لهنّ عين، فإذا خرجت، و أخذته، شمّها الأمير عند رجوعها، فإن وقعت على سرجين، قتلها!!. و كان عليّ عليه السّلام سمّاه النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: «أمير النحل»!!، لأنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بعث سرية إلى قوم من الكفّار، إلتجؤوا إلى صفح جبل، فيه كثير من النحل، لا يمكن المسلمين الدخول عليهم، لتأذّيهم بالنحل، فإنصرفوا، ثم بعث رسول اللّه أخري، فرجعوا خائبين لذلك، فخرج عليّ عليه السّلام، فلمّا وصل إلى النحل، قال: أيتها النحل أنا يعسوب المؤمنين، و أنتم جنود اللّه، «فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ» إلى أعداء اللّه.
فاجتمعت على الكفّار، و إستولت عليهم، حتّي خرجوا صاغرين إلى عليّ عليه السّلام، طائعين، مطيعين.(1)
مثل المؤمن، مثل النحلة، لا تأكل إلاّ طيبا، و لا تضع الا طيبا، و لو علمت الطيور ما فى أجوافها، لأهلكتها. و كذلك المؤمن، لو يعلم المنافقون ما فى بطنه، لأهلكوه!!.
1) . المناقب لإبن شهر آشوب: 315/2، الصراط المستقيم: 8/3، بحار الأنوار: 56/35.
المجلس الثّالث و السبعون فى قوله تعالى: «إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسٰانِ وَ إِيتٰاءِ ذِي اَلْقُرْبىٰ»(1).
عن إبن عبّاس: يأمر اللّه تعالى لمكارم الأخلاق بالعدل، يعنى بالتّوحيد و العدل، و الإحسان بأداء الفرائض.
و قيل: بالإحسان إلى النّاس. «وَ إِيتٰاءِ ذِي اَلْقُرْبىٰ» يعنى: صلة الرّحم. «وَ يَنْهىٰ» عن المعاصي كلّها، «وَ اَلْمُنْكَرِ»: ما لا يعرف فى شريعة و لا سنّة، «وَ اَلْبَغْيِ»: الإستطالة و الظّلم، أي: ينهاكم عن الفحشاء و المنكر و البغي، لكي يتّعظوا بأمثال القرآن.
إضطراب الملك و زواله فى الثلاثة - المنهي عنها فيها -:
فأمّا العدل فيعامل به الأعداء، و الإحسان يعامل به الأولياء، و الإيتاء، يعامل به الأعوان و الورزاء. فثمرة العدل، الظفر و البقاء، و ثمرة الإحسان، الحمد و الثّناء، و ثمرة المنكر، إثارة العدواة و البغضاء، و نتيجة البغي، سرعة الزّوال و العناء.
فهذه الإشارة خاصّة للأمراء، و امّا لسائر الخلق، فقد جمع اللّه لهم الخير و الشرّ فى هذه الآية، ليس من خلق حسن إلاّ أمر اللّه تعالى به، و بينه، و لا من خلق سيئ إلاّ نهي اللّه عنه.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ما خلق اللّه أجلّ من العدل، و العدل ميزان اللّه فى الأرض، فمن أخذه قاده إلى الجنّة، و من تركه ساقه إلى النّار.(2)
و قال نبىّ من الأنبياء: يا ربّ! لم أبقيت الملك فى آل فرعون؟! قال: لأنّه عدل فى عبادي، فلمّا جار نزعت عنه الملك.(3)
و قال موسى عليه السّلام: يا ربّ! ما علامة رضاك من عبيدك؟!، قال: إذا سلّطت
عليهم خيارهم، فهو علامة رضائي عنهم، و إذا سلّطت عليهم شرارهم، فهو علامة سخطي عليهم.(1)
أمر اللّه عشرة بالعدل:
الأزواج: «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ اَلنِّسٰاءِ»(2)، «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّٰ تَعْدِلُوا فَوٰاحِدَةً»(3).
و الكتاب: «وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كٰاتِبٌ بِالْعَدْلِ»(4).
و الموازين: «وَ أَقِيمُوا اَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ»(5).
و المتوسّطين: «فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا بِالْعَدْلِ»(6).
و القائلين: «وَ إِذٰا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا»(7).
و عامّة الخلق: «إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ»(8).
و القصاص: «وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ»(9).
و الشهادة: «كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ»(10).
1) . أنظر: مثله فى: كنز العمال: 103/11، الدرّ المنثور: 46/3، لسان الميزان: 268/6، انّ موسي أو عيسى عليهما السّلام قال: يا ربّ! ما علامة رضاك عن خلقك؟! قال: ان أنزل عليهم الغيث إبان زرعهم، و أحبسه إبان حصادهم، و أجعل أمورهم إلى حلمائهم، و فيئهم فى أيدي سمحائهم، قال: يا ربّ! ما علامة السخط؟! قال: انزل عليهم الغيث إبان حصادهم و أحبسه إبان زرعهم، و أجعل أمورهم إلى سفهائهم، و فيئهم فى أيدي بخلائهم. الدرّ المنثور: 46/3، كنز العمال: 103/11، فيض القدير: 338/1. و فى لسان الميزان: و اجعل أمرهم إلى علمائهم و فيئهم إلى سمحائهم. 268/6.
2) . النّساء: 12.
3) . النّساء: 4.
4) . البقرة: 282.
5) . الرحمان: 9.
6) . الحجرات: 9.
7) . الأنعام: 152.
8) . المائدة: 42، الحجرات: 9، الممتحنة: 8.
9) . النحل: 126.
10) . النّساء: 135.
و الحكم: «وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ اَلنّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ»(1).
و الأمر: «إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسٰانِ»(2).
الإحسان: الإخلاص، بدليل قوله صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: حين سأله جبرئيل: ما الإحسان؟! قال:
أن تعمل للّه كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنّه يراك.(3)
و قال عليّ عليه السّلام: انّ العدل هو الإنصاف، و الإحسان هو الفضل(4)، و الإيثار السّخاء.(5).
سئل إبن أبى العوجاء عن هشام بن الحكم، عن قوله تعالى: «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا»، «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّٰ تَعْدِلُوا» كيف الجمع بينهما؟! و لم يكن عنده [هشام الحكم] شيئ!!، فقال: أنا الآن مشتغل، أرجع إليك و أجيبك إن شاء اللّه!!.
فخرج و ركب راحلته و خرج من الكوفة إلى المدينة، و سأل جعفر الصّادق عليه السّلام عن ذلك؟!، فقال: «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا» بين النّساء فى الحبّ و المودّة، «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّٰ تَعْدِلُوا» فى النفقة، فإنصرف هشام [إلى] الكوفة، و خرج إلى
1) . النّساء: 58.
2) . النحل: 90.
3) . مسند أحمد: 319، 27/1، مجمع الزوائد: 38/1، صحيح إبن حبان: 398/1، كنز العمال: 271/1، تفسير إبن كثير: 463/3، الدرّ المنثور: 170/1، روضة المتقين: 13/13، بحار الأنوار: 260/56، 196/67، تفسير كنز الدقائق: 84/1.
4) . وسايل الشيعة: 319/8، نهج البلاغة: 51/4، بحار الأنوار: 357، 29/72، تفسير العياشي: 267/2، تفسير القرطبى: 165/10: العدل ألإنصاف، و ألإحسان التفضّل.
5) . غرر الحكم: 9164: أفضل السخاء، ألإيثار.
6) . لم نعثر عليه.
إبن أبى العوجاء، فأجابه بذلك، فقال: هذا من عين صافية!!(1).
لا يكون العبد متّقيا حتّي يجتمع فيه هذه الخصال، و حتّي ينتهي عن هذه الخصال، فعليك بتلك الثّلاثة، و أيّاك و تلك الثلاثة!!.
1) . أنظر: الكافى: 363/5، التهذيب: 430/7، وسايل الشيعة: 103/15. و فى تفسير القمي: 155، و المناقب، لإبن شهر آشوب: 250/4 و بحار الأنوار: 50/101، 202/10: سأل زنديق أبا جعفر الأحول... فقال: هذا حملته من الحجاز!!
المجلس الرّابع و السبعون فى قوله تعالى: «وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اَللّٰهِ إِذٰا عٰاهَدْتُمْ وَ لاٰ تَنْقُضُوا اَلْأَيْمٰانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهٰا وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اَللّٰهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اَللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا تَفْعَلُونَ»(1)
قال إبن عباس: نزلت فى «كندة» و «نزار» كان بينهما قتال، و تواعدوا الصّلح، إلى إثنين، ثمّ نقضوا العهد قبل إنقضاء الأجل، فأنزل اللّه هذه الآية، يقول اللّه:
أتّموا العهود باللّه إذا أحلفتم به، «وَ لاٰ تَنْقُضُوا اَلْأَيْمٰانَ»، يعنى العهود فيما بينكم، «بَعْدَ تَوْكِيدِهٰا» أي: تغليظها و تشديدها، «وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اَللّٰهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً» أي:
شهيدا و حفيظا «إِنَّ اَللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا تَفْعَلُونَ» من النقض و الوفا.
إعلم! أنّ اللّه أمر بثلاثة أشياء مع كلّ برّ و فاجر: صلة الرّحم، و أداء الأمانة، و الوفاء بالعهد.
أمّا الأوّل، فقد قال: «وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ إِحْسٰاناً»(2)، و «وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اَللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ»(3).
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: اتّقوا ثلاثا فإنّهنّ معلّقات بالعرش: الرّحم تقول: قطعت و لم أوصل، و النعمة تقول: كفرت، و العهد يقول خفرت.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: [انّ] ثلاثة يؤدّي إلى البرّ و الفاجر: العهد يوفّي للبرّ و الفاجر، و الرّحم تواصل برّة و فاجرة، و الأمانة تؤدّي إلى البرّ و الفاجر.(5)
و قال اللّه تعالى: «إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا»(6). «وَ مِنْ أَهْلِ
اَلْكِتٰابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطٰارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ»(1)، «وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اَللّٰهِ»(2)، «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»(3)، «وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ»(4)، «وَ اَلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ»(5)، «فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ»(6)، أمر بالوفاء بعهد الكافر.
و روي أنّ النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم تلطّف بإمرأة استقبلته فى الطريق، فقيل له صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من هذه؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّها كانت تأتينا أيام خديجة عليها السّلام، و أنّ حسن العهد من الإيمان.(7)
العهد على وجوه:
الوصية: «أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ».(10)
و الأمر: «وَ لَقَدْ عَهِدْنٰا إِلىٰ آدَمَ»(11).
و الوعد: «لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي اَلظّٰالِمِينَ»(12)
1) . آل عمران: 75.
2) . النحل: 91.
3) . المائدة: 1.
4) . البقرة: 40.
5) . البقرة: 177.
6) . التّوبة: 4.
7) . شرح نهج البلاغة لإبن ابى الحديد: 108/18، بحار الأنوار: 8/16، روضة الواعظين: 269/2، كشف الغمّة: 508/1.
8) . مريم: 54.
9) . انظر: فتح القدير: الشوكانى: 338/3، الكشّاف: 57/4، الأصفي: 734/2، الكافى: 86/2، تفسير البرهان: 718/3، تفسير الصّافى: 285/3، تفسير إبن كثير: 212/5، تفسير الميزان: 64/14، و لم نعثر عليه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلم، و ورد عن الصّادق و الرّضا عليهما السّلام كما فى المصادر عند الشيعة.
10) . يس: 60.
11) . طه: 1.
12) البقرة: 124.
و الحفاظ:
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ كرم العهد من الدّين.(1)
و اليمين، عهد: «وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اَللّٰهِ»(2).
و الزّمان، عهد: كان ذلك فى عهد فلان، أي فى زمانه.
«وَ بِعَهْدِ اَللّٰهِ أَوْفُوا» (3)، «وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ»(4)، «وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِأَمٰانٰاتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ رٰاعُونَ»(5).
إنّ اللّه مدح إبراهيم عليه السّلام بوفاء العهد، فقال: «وَ إِبْرٰاهِيمَ اَلَّذِي وَفّٰى»(6)، و مدح عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام بالوفاء، فقال: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ»(7)، فكأنّه [تعالى] قال لنبيه: جدّك كان وافيا، و أهل بيتك كانوا وافين، فقل لأمّتك:
أوفوا بعهد اللّه الّذي عاهدتم به يوم الغدير!!.
مدح اللّه [تعالى] آل محمّد بوفاء العهد، فقال: «رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ - حمزة و عبيدة بن الحارث - وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ»(8): عليّ
1) . لم نعثر عليه بألفاظه، و لكن جاء بلفظ: «الإيمان»، انظر: التحفة السنيّة، المخطوط: 328، الصحاح للجوهرى: 516/2، مختار الصحاح: 240، النهاية فى غريب الحديث: 393/1، لسان العرب: 312/3، 188/14. و تمام الحديث هكذا: «روى أنّ عجوزا دخلت على النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فألطفها، فلمّا خرجت، سألته عايشة، فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّها كانت تأتينا فى زمن خديجة، و انّ حسن العهد من الإيمان» انظر: بحار الأنوار: 8/16، روضة الواعظين: 270، المستدرك للحاكم: 16/1، فتح الباري: 365/10، كنز العمال: 392، 132/12. و اسم العجوزة على ما فى الآثار: حسّانة، او، جثّامة، او، الحولاء، او، امّ ذفر، او حنّانة. انظر: الإستيعاب: 279/4، الإصابة: 272/4، أسد الغابة: 414/5.
2) . النحل: 91.
3) . الأنعام: 152.
4) . ألإسراء: 34.
5) . المؤمنون: 8، المعارج: 32.
6) . النجم: 37.
7) . ألإنسان: 7.
8) . الأحزاب: 23.
بن أبى طالب عليه السّلام.
سأترك ما بينى و بينك واقفا *** فإن عدت عدنا، و الوداد سليم
تواصل قوما لا وفاء لعهدهم *** و تهجر مقبلي و الحفاظ قديم
نعم، لو بلوت النّاس ثم إختبرتهم *** لعدت إلى و صلي و أنت كريم(1)
سأترك ما بينى و بينك واقفا فان عدت عدنا و الاخاء سليم
و لو قد خبرت الناس حق اختبارهم رجعت إلى وصلي و انت ذميم
1) . لأحمد بن ابراهيم، كما فى التذكرة الحمدونية: 52/5 و فيها:
المجلس الخامس و السبعون فى قوله تعالى: «سُبْحٰانَ اَلَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى».(1)
عن إبن عباس: أي: نبرّء و نعظّم عن الولد و الشّرك، اللّه الّذي أسري بعبده.
و قيل: أدلج(2)عبده محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم «ليلا» أوّل الليل، «مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ» من الحرم، من بيت أمّ هانى بنت أبى طالب عليه السّلام(3)«إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى» من الأرض، الأقرب من السّماء، يعنى مسجد بيت المقدس «اَلَّذِي بٰارَكْنٰا حَوْلَهُ» بالماء و الشجر و الثّمار، «لِنُرِيَهُ مِنْ آيٰاتِنٰا» لكي نري محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من عجايبنا، فكلّ ما رأي تلك الليلة كان من عجايب اللّه «إِنَّهُ هُوَ اَلسَّمِيعُ» بمقالة قريش، «البصير» بتيسير أمر محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عبدا.
إعلم! أنّ اللّه جعل معراجه أوقع من معاريج الأنبياء، لأنّه عرج موسى إلى الطّور، و بإبراهيم إلى السّماء، و بعيسى إلى السّماء الرّابعة، و بإدريس إلى الجنّة، و نبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إلى قاب قوسين.
و كان له صلّى اللّه عليه و اله و سلّم معراجان: بمكّة، معراج العجايب، و بالمدينة، معراج الكرامة، فكان بمكّة، صلّى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم المغرب فى المسجد الحرام، ثمّ أسري به فى ليلته، ثمّ رجع صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فصلّي الصّبح فى المسجد الحرام.
و الإسراء إلى بيت المقدس - قد نطق به القرآن - لا يدفعه مسلم!!.
و ما قيل: إنّه كان في النّوم، باطل، إذ لا يفتخر فيه، و الأخبار بإسرائيّته صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إلى
1) . ألإسراء: 1.
2) . أدلج: بالتخفيف، إذا سار فى أوّل الليل، و بالتشديد: إدّلج: إذا سار فى آخره.
3) . إسمها «فاخته» عدّها الشيخ فى رجاله فى أصحاب الرّسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و عدّها البرقي ممّن روي عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و قال: أم هانى بنت أبى طالب زوجة النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم. معجم رجال الحديث: 181/23، رجال البرقي: 61 و فى الكافى: 513/5 خطب النّبىّ أم هانى بنت أبى طالب، فقالت: يا رسول اللّه انّي مصابة، و فى حجري أيتام، و لا يصلح لك إلا امرأة فارغة، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ما ركب الإبل مثل نساء قريش أحناه علي ولد، و لا أرعي علي زوج فى ذات يديه. وسايل الشيعه: 37/20.
السّماء، متواترة يقطع على أنّه أسري به إليها.
و روي عن الصّادق عليه السّلام أنّه قال: لّما أسري برسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إلى السّماء، لم يمرّ بأحد من الملائكة إلاّ إستبشر به، ثمّ مرّ بملك كئيب حزين فلم يستبشر به، فقال يا جبرئيل! من هذا؟! قال: هذا مالك خازن جهنّم، و هكذا جعله اللّه!، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يا جبرئيل! سله أن يرينها، فقال جبرئيل: يا مالك! هذا محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و قد شكي إلىّ، و قد سألنى أن تريه جهنّم.
فقال: فكشف له صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عن طبق من أطباقها، فما رأي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ضاحكا، حتّي قبض!(1).
ثمّ صعدنى جبرئيل إلى السّماء الثانية، فرأيت فيها عيسى و يحيى، ثمّ صعدنى إلى السّماء الثّالثة، فرأيت فيها «يوسف»، ثمّ صعدنى إلى السّماء الرابعة، فرأيت فيها إدريس. ثمّ صعدنى إلى السّماء الخامسة، فرأيت فيها «هارون»، ثمّ صعدنى إلى السّماء السّادسة، فإذا فيها خلق كثير، يموج بعضهم فى بعض، و فيها
1) . الزهد، حسين بن سعيد ألاهوازي: 99، قصص الأنبياء، الرّاوندي: 325، مع تفاوت يسيرا.
الكرّوبيون، ثم صعدنى إلى السّماء السابعة، فأبصرت فيها خلقا و ملائكة.
قال مطعم بن عدي: أتزعم أنّك سرت مسيرة شهرين فى ساعة؟! أشهد أنّك كاذب، - و بمثله تقول المعتزلة - و قالت قريش: أخبرنا عمّا رأيت؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم:
مررت بعير بنى فلان، و قد أضلّوا بعيرا لهم، و هم فى طلبه، فدلّلتهم عليه، و فى رحلهم قعب مملوّ من ماء، فشربته، فغطّيته كما كان، فسئلوهم هل وجدوا الماء فى القدح؟!، فقالوا: هذه آية واحدة.
فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: و مررت بعير بنى فلان، فنفر بكر فلان، فإنكسر يده، فسئلوهم عن ذلك؟!، فقالوا: هذه آية أخري.
قالوا: فأخبرنا عن عيرنا، قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: مررت بها بالتنعيم - و بيّن لهم أحمالها و هيأتها - و قال: يطلع عليكم عند طلوع الشّمس، يقدمها جمل أورق، عليه غرارتان مخيطتان، قالوا: هذه آية أخري.
ثمّ خرجوا يشتدّون نحو التّيه و هم يقولون: لقد قضي محمّد بيننا و بينه قضاء بيّنا، و جلسوا ينتظرون متى تطلع الشمس فيكذّبونه!!، فقال قائل: و اللّه انّ الشمس قد طلعت، و قال آخر: هذه - و اللّه - الإبل قد طلعت يقدّمها بعير أورق!!، فيتّهموه، و لم يؤمنوا.(2)
«سبحان» علم للتسبيح، و إنتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره، يدلّ على
التنزيه البليغ، من جميع الفضائح. [فإن قلت]: «الإسراء» لا يكون إلاّ بالليل، [فما معنى ذكر الليل؟! قلت: أراد بقوله]: «ليلا» بلفظ التنكير، تقليل مدة الإسراء، و أنّه أسري به فى بعض الليل، من مكّة إلى الشّام، مسيرة أربعين ليلة، و التنكير تدّل على البعضية.(1)
فأنظر يوم خروجك من الدّنيا، على أيّ حال تكون؟!!.
1) . و العبارة فى نسختنا، ناقصة، و أضفنا إليها من «الكشاف عن حقايق غوامض التنزيل» 646/2 ما فى المعقوقتين.
المجلس السّادس و السبعون فى قوله تعالى: «وَ كُلَّ إِنسٰانٍ أَلْزَمْنٰاهُ طٰائِرَهُ فِي عُنُقِهِ».(1)
«الطائر» فى القرآن على وجهين: الطائر، واحد الطير، قال: «وَ لاٰ طٰائِرٍ يَطِيرُ بِجَنٰاحَيْهِ»(2)، و الثّانى: الحطّ، و «طٰائِرَهُ فِي عُنُقِهِ» أي: حطّه، و ألزمنا كلّ إنسان عمله: من خير أو شرّ، عنقه، و جعلناه كالطّوق فى عنقه، فلا يفارقه، و إنّما قيل للعمل: طائر، على عادة العرب، يقولون: «جري طائره بكذا» أي عمله. و مثله قوله تعالى: «قٰالُوا طٰائِرُكُمْ مَعَكُمْ»(3). و قيل: طائره يمنة و شؤمة، و هو ما يتطير منه(4). و قيل: طائره حظه من الخير و الشرّ.
«وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ كِتٰاباً»، و هو ما كتبه الحفظة من أعمالهم، «يلقاه» أي:
يري ذلك الكتاب «منشورا» أي: مفتوحا معروضا عليه، ليقرأ و يعلم ما فيه، و يقال له: «اِقْرَأْ كِتٰابَكَ» و كفاك محاسبا نفسك.
إعلم! أنّ اللّه وعد على أفعال العباد عشرة أشياء:
الحضور، و الرؤية، و السؤال، و الوزن، و الحمل، و العلامة، و الجواز، و الدعوة و الجزاء، و القرائة.
أمّا الحضور: فقوله: «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً»(5)، «وَ وَجَدُوا مٰا عَمِلُوا حٰاضِراً»(6).
و الرؤية: «وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرىٰ»(7)، «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ»
1) . ألإسراء: 13.
2) . الأنعام: 38.
3) . يس: 19.
4) . كانت عادة العرب فى الطائر الذي يجئ من ذات اليمين، فيتبرّك به، و الطائر الّذي يجيئ من ذات الشمال، فيتشائم به، فجعل الطائر إسما للخير و الشرّ جميعا. احكام القرآن للجصاص: 17/5. التبيان فى تفسير القرآن: 456/6.
5) . آل عمران: 30.
6) . الكهف: 49.
7) . النجم: 40.
«يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» (1).
و السؤال: «فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ»(2)، «لِيَسْئَلَ اَلصّٰادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ»(3).
و الوزن: «وَ اَلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ»(4)، «وَ نَضَعُ اَلْمَوٰازِينَ اَلْقِسْطَ»(5).
و الحمل: «وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقٰالَهُمْ وَ أَثْقٰالاً مَعَ أَثْقٰالِهِمْ»(6)، و «يَحْمِلُونَ أَوْزٰارَهُمْ»(7)، و «لِيَحْمِلُوا أَوْزٰارَهُمْ كٰامِلَةً يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ»(8).
و العلامة: «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ»(9).
و الجواز: «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّٰ وٰارِدُهٰا كٰانَ عَلىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا»(10)، يعنى مارّا عليها.
و الدعوة: «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنٰاسٍ بِإِمٰامِهِمْ»(11).
و الجزاء: «لِتُجْزىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمٰا تَسْعىٰ»(12)، «وَ لِتُجْزىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمٰا كَسَبَتْ وَ هُمْ لاٰ يُظْلَمُونَ»(13)، «جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ»(14).
و القرائة: «وَ كُلَّ إِنسٰانٍ أَلْزَمْنٰاهُ طٰائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ كِتٰاباً يَلْقٰاهُ مَنْشُوراً، اِقْرَأْ كِتٰابَكَ كَفىٰ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً»(15)، «هٰاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتٰابِيَهْ»(16).
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يأتي عليك فى القيامة ساعات تنسي فيها المغفرة.(1)
و فى الخبر: انّ بعض أزواج النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قالت: يا رسول اللّه! هل يذكر النّاس أهليهم يوم القيامة؟! قال: امّا فى ثلاثة مواطن فلا!: عند الميزان، و عند تطائر الصّحف فى الأيدي، و عند الصّراط.(2)
و روي: أنّ اللّه إذا قال لعبده: إقرأ كتابك، فيقف العبد!، فيقول اللّه: لم لا تقرأ؟! فيقول: أستحيى منك!!، فيقول اللّه: هلاّ إستحييت إذا فعلت؟!!(3).
«فَأُولٰئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتٰابَهُمْ» (4)، «فَمَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِيَمِينِهِ»(5)، «هٰذٰا كِتٰابُنٰا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ»(6)، «يٰا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتٰابِيَهْ»(7)، «فَأَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ
1) . لم نعثر عليه.
2) . عن عايشة أنّها ذكرت النّار فبكت... قالت: ذكرت النّار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟! فقال رسول اللّه، امّا في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا: عند الميزان حتى يعلم أيخفّ ميزانه او يثقل؟، و عند الكتاب حين يقال: هاؤم اقرؤا كتابيه، حتّى يعلم أين يقع كتابه، أ فى يمينه أم فى شماله، أم من وراء ظهره؟!، و عند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم. سنن أبى داود: 424/3، و عنه: التخويف من النّار: إبن رجب الحنبلي: 168، الجامع الصغير: 243/1، و امّا متن الحديث، كما فى المتن: أنظر: تفسير القرآن، لعبد الرزاق الصنعانى: 314/3. هذا ما عند العامة!!. و أقول: روي الصدوق رحمه اللّه فى الخصال: ص 168 ح 220 باسناده عن ألإمام الرّضا عليه السّلام: من زارنى علي بعد داري، أتيته يوم القيامة فى ثلاثة موطن حتّي أخلصه من أهوالها: إذا تطايرت الكتب يمينا و شمالا، و عند الصراط، و عند الميزان. و رواه أيضا: فى الأمالى: 106، المجلس: 25، و عيون أخبار الرّضا عليه السّلام: 255/2، و نقله المجلسي فى البحار: 34/102. و روي الشيخ الأقدم إبن قولويه فى كامل الزيارات باسناده عن ألإمام الرّضا عليه السّلام: من زارنى علي بعد داري، و شطون مزاري، أتيته يوم القيامة فى ثلاثة مواطن حتى أخلصه من أهوالها: إذا تطايرت الكتب يمينا و شمالا، و عند الصراط، و عند الميزان: 304 ح 789، و أنظر أيضا، الفقيه: 584/2، وسايل الشيعة: 433/10، اثبات ألهداة: 42/6، المقنعة: 75، التهذيب: 85/6، المزار، للمفيد: 196، روضة الواعظين: 280.
3) . لم نعثر عليه.
4) . ألإسراء: 71.
5) . ألإسراء: 71.
6) . الجاثية: 29.
7) . الحاقه: 25.
قيل: أنصفك من جعلك محاسب نفسك. و للّه شهود على العبد:
المكان: «يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبٰارَهٰا»(3).
و الزّمان:
فى الخبر: يشهد علينا كلّ يوم جديد!!(4).
و اللسان: «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ»(5).
و الأركان: «وَ تُكَلِّمُنٰا أَيْدِيهِمْ»(6).
و الملكان: «وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحٰافِظِينَ»(7).
و الديوان: «هٰذٰا كِتٰابُنٰا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ»(8).
و اللّه تعالى: «وَ لاٰ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّٰ كُنّٰا عَلَيْكُمْ شُهُوداً»(9).
فى قرائة الكتب، ثمانية أصناف:
أوّلهم: يقرؤن سيئاتهم، و إذا قلبوا كتابهم، يحوّله اللّه حسنات، كما قال:
«فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ» و هم الصدّيقون.
و الثانى: إذا قرؤا سيئاتهم، ثمّ يقلبون كتابهم، فيمحو اللّه سيئاتهم لئلا يعلمها
1) . الحاقة: 19.
2) . ألإنشقاق: 10.
3) . الزلزلة: 4.
4) . فى الكافى: عن أبى عبد اللّه عليه السّلام قال: ما من يوم يأتي علي إبن آدم إلاّ قال له ذلك اليوم: يابن آدم! أنا يوم جديد و أنا عليك شهيد، فقل فى خيرا و اعمل فى خيرا أشهد لك يوم القيامة، فإنّك لن ترانى بعدها أبدا. الكافى: 523/2. و فى فلاح السائل: 215، و محاسبة النفس: 14 عن الباقر عليه السّلام، و فى الفقيه: 397/4 و أمالى الصدوق: 108. و جامع الاخبار: 89، و روضة الواعظين: 393/2 عن عليّ عليه السّلام.
5) . النور: 24.
6) . يس: 65.
7) . ألإنفطار: 10.
8) . الجاثية: 29.
9) . يونس: 61.
النّاس، و هم المتّقون.
و الثالث: يقرؤون سيئاتهم، فإذا بلغوا آخرها، يقول اللّه: قد تجاوزت عنكم هذه، ثمّ يقرؤون حسناتهم، فيقول اللّه: قد قبلت عنكم هذه، و هم التّابئون.
الرّابع: إذا قصدوا قرائة كتابهم، لا يرون سيئاتهم، فيقولون: ليس هذا كتابنا!!، فيقول: بلي، و لكن كفرت سيئاتكم بالشدائد، و هم الصّابرون.
و الخامس: إذا قصدوا قرؤا كتابهم، لا يرون حسناتهم، فيقول: كيف؟! قيل لهم:
قد ظلمتم النّاس، فدفعتها إليهم، و هم الظالمون، و هذا فى الأعراض لا فى الطاعات!.
و السّادس: يقرؤون حسناتهم، فإذا بلغوا آخرها، فيقول: رددتها عليكم!! و هم المنافقون و المراؤن.
و السّابع: يقرؤون كتابهم، فيرون: خيرات لم يعملوها، فيقولون: من أين لنا هذه؟! فيقول: بما أغنى بكم النّاس!!.
و الثّامن: يقرؤون كتابهم، فيرون: حسنات لم يعملوها، فيقولون: من أين لنا هذه؟! فيقول: نويتم أن لو قدرتم، فعلتم، فأعطيتكم ثوابها.
كتاب العصاة أسود، فيقول: «يٰا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتٰابِيَهْ»(1).
أيها العاصى! أمح ذلك السّوداء بماء العين، و بدم القلب، و تب إلى اللّه قبل أن لم ينفع الندم.
1) . الحاقّة: 25.
المجلس السّابع و السبعون فى قوله تعالى: «وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ إِيّٰاهُ وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً»(1).
هذه الآية فى [سورة] بنى إسرائيل، و من رأس السّورة إلى هيهنا إثنتان و عشرون آية. و عن إبن عباس: أي: أمر «رَبُّكَ أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ» اللّه، و أمر أن تحسنوا «بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً»، برّا بهما، «يبلغنّ» يعنى كلا الأبوين، «فَلاٰ تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ» أي: كلاما رديّا. «وَ لاٰ تَنْهَرْهُمٰا» أي لا تغلظهما فى الكلام «و خاطبهما» بأحسن كلام، و أدع لهما بعد موتهما.
إعلم! أنّ الحقوق خمسة: حقّ اللّه و حسن الربوبية، و عرفانه بالتوحيد.
و حق الرّسول، و عرفانه الإقتداء به.
و حق ولى الأمر بعد الرّسول، و هو الإهتداء بأقوالهم و أفعالهم.
و هذه الحقوق الثلاثة واجبة على الإطلاق، قال اللّه تعالى: «أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ»(2).
و حقّ الوالدين، واجبة للتربية، و هذا غير مطلق فى جميع ما يأمران به، قال اللّه تعالى «وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ عَلىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، فَلاٰ تُطِعْهُمٰا»(3)
و حقّ الأخوّة: «إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ»(4).
1) . ألإسراء: 23.
2) . النّساء: 59.
3) . العنكبوت: 8.
4) . الحجرات: 10.
5) . شرح الرضي علي الكافية: 362/3، و فى أحكام القرآن، الجصاص: 140/3: انّ المؤمنين كالنفس الواحدة إذا ألم بعضه، تداعي سائره بالحمي و السهر: و «المؤمنون كالنفس الواحدة» أنظر: الأمثل: 626/2، تفسير أبى الفتوح الرازي: 450/2 نقلا عن البخاري، كتاب المظالم: باب 5. تفسير المراغي: 19/5، تفسير روح المعانى: 17/3.
6) . المؤمنون كالبنيان يشدّ بعضه بعضا، أنظر: أحكام القرآن، الجصاص: 140/3، مفاتيح الغيب: 597/27، المبسوط، للسرخسي: 264، 259/30، المجازات النبويّة، الشريف الرضيّ: 282، التفسير الكبير، الشيبانى: 20/1.
و حقّ الوالدين، قرن اللّه حقّهما بحقّه فى تسع آيات، ذكرناها فى قوله:
«اُعْبُدُوا اَللّٰهَ وَ لاٰ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» (2)، و قال تعالى: «اُشْكُرْ لِي وَ لِوٰالِدَيْكَ»(3).
روي: انّ أوّل ما كتبه اللّه فى اللوح المحفوظ: إنّي أنا اللّه لا إله إلاّ أنا، من رضي عنه والده، فأنا عنه راض.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: رضا اللّه فى رضا الوالدين، و سخطه فى سخطهما.(5)
و روي: إنّ موسى عليه السّلام قال: يا ربّ! أين صديقي فلان الشهيد؟! قال: فى النّار!! قال: أليس قد وعدت الشهداء الجنّة؟! قال: بلى! و لكن كان مصرّا على عقوق الوالدين، و أنا لا أقبل مع العقوق عملا.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: دخلت الجنّة، فسمعت صوت إنسان، فقلت: من هذا؟! قالوا:
الحارث بن النعمان الأنصاري، كان بارّا بأبويه، فصار من أهل الدّرجات العلي(7).
و فى الخبر: بين الأنبياء و البارّ درجة، و بين العاقّ و الفراعنة دركة.(8)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ للّه ملكين يناجي أحدهما الآخر، و يقول: أللّهم إحفظ
1) . لم نعثر عليه، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ما اصطحب إثنان الاّ كان أعظمهما اجرا و أحبّهما إلى اللّه تعالى، أرفقهما بصاحبه، الكافى: 669، 120/2، الفقيه: 278/2، المحاسن: 357/2، مكارم الأخلاق: 251.
2) . النّساء: 36.
3) . لقمان: 14.
4) . تفسير سورآبادي: 1365/2، مواهب علية: 612، و عن لبّ اللباب، مستدرك الوسايل: 176/15.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 176/15، زبدة البيان: المحقق الأردبيلي: 377، بحار الأنوار: 80/71 تفسير القرطبى: 183/5.
6) . عنه: مستدرك الوسايل: 193/15.
7) . عنه: مستدرك الوسايل: 176/15.
8) . عنه: مستدرك الوسايل: 176/15.
البارّين بعصمتك، و الآخر يقول: أللّهم أهلك العاقّين بغضبك.(1)
قال عليّ عليه السّلام: البارّ يطير مع الكرام البررة، و أنّ ملك الموت يتبسّم فى وجه البارّ، و يكلح فى وجه العاقّ.(2)
و قال عليه السّلام: أفضل الكسب كسب الوالدّين، و أفضل الخدمة خدمتهما، و أفضل الصّدقة عليهما، و أفضل النّوم بجنبهما.(3)
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يا على! أنا و أنت أبوا هذه الأمّة، فلعن اللّه من عقّنا.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إذا كنت فى صلاة التطوّع، فإن دعاك والدك فلا تقطعها، و إن دعتك والدتك، فاقطعها.(5)
«القضاء» فى القرآن على وجوه:
الموت: «لِيَقْضِ عَلَيْنٰا رَبُّكَ»(6).
و الخلق: «فَقَضٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ»(7).
و الفراغ: «فَإِذٰا قُضِيَتِ اَلصَّلاٰةُ»(8).
و الوفاء: «فَلَمّٰا قَضىٰ مُوسَى اَلْأَجَلَ»(9).
و الفصل: «إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ»(10).
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 176/15.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 176/15.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 200/15.
4) . معانى الأخبار: 118 المحتضر، لحسن بن سليمان الحلي: 35، بحار الأنوار: 6/36، نهج السعادة: 158/7، العمدة لإبن البطريق: 345 و فيه (فعلى عاقّ والديه لعنة اللّه)، و مثله الصراط المستقيم: 243/1، و فى اختيار معرفة الرجال: 233/1، و لعن اللّه من عقّ أباه.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 181/15.
6) . الزخرف: 77.
7) . فصلت: 12.
8) . الجمعة: 10.
9) . القصص: 29.
10) . يونس: 93.
و الصنع: «فَاقْضِ مٰا أَنْتَ قٰاضٍ»(1).
و التقدير: «لِيَقْضِيَ اَللّٰهُ أَمْراً كٰانَ مَفْعُولاً»(2).
و الأمر: «وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ إِيّٰاهُ»(3).
و الوحي: «وَ قَضَيْنٰا إِلىٰ بَنِي إِسْرٰائِيلَ»(4).
و أوصي لقمان إبنه بعشرة أشياء(5)، فكافاه اللّه بعشر، فى قوله: «وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ إِيّٰاهُ»(6)، و لمّا قال لقمان: «يٰا بُنَيَّ لاٰ تُشْرِكْ بِاللّٰهِ»(7)، فكافأه فى قوله: «وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ حُسْناً»(8).
«قضى» أي: أمر ربّك أمرا مقطوعا، «أَلاّٰ تَعْبُدُوا»، «أن» مفسّرة، و «لا تعبدوا» نهي، أو، بأن لا تعبدوا و احسنوا «بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً» أو، بأن يحسنوا بالوالدين.
و «الباء» لا تتعلّق بإحسانا، لأن المصدر لا يتقدّم عليه صلته، و امّا هي إن الشرطية، زيدت عليها ما تأكيدا، و لذلك دخلت النون المؤكّدة فى الفعل.
و «أحدهما» فاعل «يبلغنّ» و هو فيمن قرأ «يبلغان» بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين. و «كلاهما» عطف على «أحدهما» فاعلا أو بدلا.
فإن قيل: الأمر لا يكون أمرا بأن لا يكون الشيئ، لأن الأمر يقتضي ارادة المأمور به، و الإرادة لا تتعلق بأن لا يكون الشيئ، و انّما تتعلّق بحدوث الشيئ.
إنّ الجواب: أنّ المعنى: أراد منكم عبادته على وجه الإخلاص و كره منكم عبادة غيره، و عبّر عن ذلك بما قال(1).
حكي عن بعض الصالحين: خرجت ليلة فإذا بجنازة يحملها ثلاثة من الرّجال و إمرأة، فأخذتها عنها، حتّي أتيت الجبانة، فأشاروا على بالصّلاة عليه، فصلّيت، ثم دفنّاه، و سألت المرأة عن حاله، فقالت: هذا ولدى! و كان متهتّكا، فلمّا بلغ النزع، أوصانى أن أحمله على عاتقي، لعلّ اللّه يرحمنى!!.
1) . انظر: التبيان فى تفسير القرآن: 467/6، مجمع البيان: 631/6 و فيهما: سمّي ذلك أمرا ب «أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ إِيّٰاهُ» لأنّ معناهما واحد.
المجلس الثّامن و السبعون فى قوله تعالى: «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنٰاسٍ بِإِمٰامِهِمْ».(1)
أي: و احذروا يوما تدعي كلّ امّة بإمامها. و قيل فى معناه خمسة أقوال:
أحدها و هو الظاهر: أي: ندعو كلّ أحد بإمام زمانه، إن كان إماما حقّا، و إن كان إماما باطلا.
و الثّانى: أي: بنبييهم.
و الثّالث: أي: بكتابهم.
و الرّابع: أي: بمن كان قائم به من علمائهم و داعيهم إلى ألهدي، أو إلى الضلال.
و الخامس: أي: بأمّهاتهم(3).
«فَمَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِيَمِينِهِ» لا ينقص قدر فتيل، و هو الشقّ النّواة من حصاته.
إعلم! أنّ اللّه بين فى هذه الآية ثلاثة أشياء:
أحدها: انّه يستقبل النّاس يوم القيامة بما قدّموه فى الدّنيا، و مع ذلك يدعون به.
و الثانى: بين أنّ كلّ من إعتقد سببا يدعي به، و من عمل عملا يطالب بحجّته.
و الثالث: بين أن كلّ من إتّبع إنسانا فإنّه يدعي به، و ينبغي للعاقل أن يحتاط فى إختيار متبوعه، و لا يتّبع إلاّ من لا يستحيى إذا دعي به، فإنّه لابدّ، عنه مسئول، و به مدعوّ.
1) . ألإسراء: 71.
2) . «انّ ألإمام إمامان: امام هدي و امام ضلالة» مستند الشيعة: 25/6 و أنظر: الكافى: 215/1 و فى البصائر: انّ الأئمة فى كتاب اللّه إمامان، إمام ألهدي و إمام الضلال، و هكذا فى الإعتقادات، للمفيد: 102.
3) . انظر فى الأقوال و القائلين: مجمع البيان: 664/6.
4) . بحار الأنوار: 126/38، 264/24، 10، 8/8، عيون أخبار الرّضا: 33/2، صحيفة الرضا: 49، الصراط المستقيم: 219/2، العمدة: 351، المناقب: 65/3، اليقين: 493.
روي عن الصّادق عليه السّلام: ألا تحمدون اللّه! إذا كان يوم القيامة يدعي كلّ قوم إلى من يتولّونه، و فزعنا إلى رسول اللّه، و فزعتم إلينا، فإلى أين ترون أن نذهب بكم؟!! إلى الجنّة، و ربّ الكعبة - قالها ثلاثا -(1).
روت عايشة: إنّ من كثّر سواد قوم، فهو منهم، و من أحبّ قوما، جاء معهم.(2)
و روي: إنّ المرء مع من أحبّ.(3)
و روي: لا تجلسوا عند كلّ عالم، إلاّ عالم يدعوكم من خمس إلى خمس: من الشكّ إلى اليقين، و من الكبر إلى التواضع، و من العداوة إلى النصيحة، و من الرّياء إلى الإخلاص، و من الرغبة إلى الزهد.(4)
[و روي:] انّه ينادي يوم القيامة: ألا! من عبد معبودا، فليسلك عقبه.
[و روي:] ينادي: أين جيران اللّه فى الأرض؟! فيقولون: و من ينبغي أن يكون جار اللّه؟! قيل: جلاّس المسجد، فيقولون: أين عمّار المساجد؟! فيقوم قوم.(5)
[روى] و انّه ينادي: أين الذين كانت أجورهم على اللّه، فيقوم العارفون.
1) . المناقب لإبن شهر آشوب: 265/2، بحار الأنوار: 8/8، تفسير مجمع البيان: 275/6، تفسير جوامع الجامع: 385/2، تفسير غريب القرآن، الطريحي: 489، تفسير الصافى: 207/2، الميزان: 170/13، تأويل ألآيات: 282/1، تفسير نور الثقلين: 192/3، تفسير البرهان: 431/2، مجمع البحرين: 105/1.
2) . فتح القدير: 32/13، نصب الرّاية: 348/6، كنز العمال: 32/9، فيض القدير: 494/4 عن ابن مسعود و انس و عايشة.
3) . الكافى: 126/2، وسايل الشيعة: 183/16، بحار الأنوار: 13/17، إرشاد القلوب: 171/1، أمالى الطوسي: 621، أمالى المفيد: 151، روضة الواعظين: 114/1، شرح نهج البلاغة: 77/11.
4) . مجموعة ورّام: 110/2، معدن الجواهر: 49 و أنظر أيضا: مستدرك الوسايل: 327/8، بحار الأنوار: 188/71، أعلام الدّين: 272.
5) . انظر مثله: كنز العمال: 578/7.
فيقول: من سحر فقد كذب على اللّه، و من صوّر التصاوير، فقد ضادّ اللّه، و من ترايأ فى عمله، فقد إستخفّ باللّه.(1)
قيل: الإمام خمسة:
إمام الشريعة، الكتاب: لقوله تعالى: «وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتٰابُ مُوسىٰ إِمٰاماً»(2).
و إمام الأنبياء، إبراهيم عليه السّلام: «إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً»(3).
و إمام بعد الرسل: «وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا»(4).
و إمام الصّلاة:
كما قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الإمام ضامن.(5)
و اللوح: «وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنٰاهُ فِي إِمٰامٍ مُبِينٍ»(6).
و الأنبياء: «وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا»(7).
و العلماء: «وَ اِجْعَلْنٰا لِلْمُتَّقِينَ إِمٰاماً»(8).
و أئمّة الضّلال: «وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى اَلنّٰارِ»(9)، «فَقٰاتِلُوا أَئِمَّةَ اَلْكُفْرِ»(10).
و المعبود: «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنٰاسٍ بِإِمٰامِهِمْ»(11).
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 210، 110/13، 454/3.
2) . هود: 17.
3) . البقرة: 124.
4) . الأنبياء: 73.
5) . تفسير إبن كثير: 164/7، تفسير القرطبى: 121/1، الناصريات: 243، سنن أبى داود: 142/1، الترمذي: 402/1، مسند أحمد: 232/2، مجمع الزوائد: 2/2، كنز العمال: 591/7.
6) . يس: 12.
7) . الأنبياء: 73.
8) . الفرقان: 74.
9) . القصص: 41.
10) . التّوبة: 12.
11) . البقرة: 124
يحتاج الإمام إلى عشرة خصال: أن يكون أعلم و أشجع و ازهد: قال اللّه تعالى:
«هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ» (1)، «وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ»(2).
و الصبر: «وَ جَعَلْنٰا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا لَمّٰا صَبَرُوا»(3).
و الوفاء بحقوق اللّه: «وَ إِذِ اِبْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ - إلى قوله - إِمٰاماً»(4).
و التوفية: «وَ إِبْرٰاهِيمَ اَلَّذِي وَفّٰى»(5).
و لين الجانب: «فَبِمٰا رَحْمَةٍ مِنَ اَللّٰهِ لِنْتَ لَهُمْ»(6).
و التواضع: «سَأَصْرِفُ عَنْ آيٰاتِيَ اَلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ»(7)، «وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً»(8).
و النصيحة: «لَقَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ»(9).
و الإحتمال: «فَلاٰ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ»(10).
و أن يكون أفصح اللسان و البيان: «فَإِنَّمٰا يَسَّرْنٰاهُ بِلِسٰانِكَ»(11).
و السخاء: «وَ لاٰ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ»(12).
و أن يكون معصوما، و من أهل بيت محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فقد قالوا: الأئمّة من قريش؟!!.
الإمام فى الحقيقة و الوضع، هو من يؤتمّ به، و ما يؤتمّ به، و فى العرف و الشرع
هو الّذي يكون رئيس الكلّ بعد النّبىّ، و هذا يكون فى كلّ زمان واحدا، قال اللّه تعالى: «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنٰاسٍ بِإِمٰامِهِمْ» اي: بإمام زمانهم. و من قال: بمعبودهم، فمعناه يرجع إلى ذلك، لأنّ من أخذ الحلال و الحرام من مبتدع، فقد عبده.
إجتهد أيها العبد أن تكون من القوم الذين إذا نودي فى القيامة: أين التائبون العابدون الحامدون، لا عن الّذين ينادي عليهم: أين الفسقة و الظلمة، و أعوان الظلمة، و الزّناة، و شربة الخمور.
المجلس التاسع و السبعون فى قوله تعالى: «وَ مِنَ اَللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نٰافِلَةً لَكَ عَسىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقٰاماً مَحْمُوداً».(1)
«فَتَهَجَّدْ بِهِ» أي: بالقرآن و قرائته و تلاوته. و التهجّد بعد النّوم. «نافلة» أي زيادة، و فضّله على الصلوات الخمس. و يقال: لك خاصّة - يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم - فرضا. و «مقاما» أي مقام الشّفاعة، يحمدك الأوّلون و الآخرون.
إعلم! أنّ اللّه وضع فى قيام الليل، و الصّلاة بالليل بعد إنتصافه إلى السّحر، سبعة أشياء:
المدحة: «وَ اَلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِيٰاماً»(2).
و السيما و إصفرار اللون لكثرة السهار: «سِيمٰاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ اَلسُّجُودِ»(3).
و النّجاة: «وَ قِنٰا عَذٰابَ اَلنّٰارِ - إلى قوله - اَلْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحٰارِ»(4).
و الجنّة: «إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنّٰاتٍ وَ عُيُونٍ - إلى قوله - مٰا يَهْجَعُونَ»(5).
و الثواب: «تَتَجٰافىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ اَلْمَضٰاجِعِ...»(6).
و النّور:
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: صلاة الليل نور عليك(7)،
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من كثر صلاته بالليل، حسن وجهه بالنهار.(8)
و الشّفاعة: وَ مِنَ اَللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نٰافِلَةً لَكَ.(9)
و امّا المدحة، فقد أثنى اللّه على قوّام الليل بآيات: «أَمَّنْ هُوَ قٰانِتٌ آنٰاءَ اَللَّيْلِ سٰاجِداً وَ قٰائِماً»(1)، «اَلتّٰائِبُونَ اَلْعٰابِدُونَ اَلْحٰامِدُونَ اَلسّٰائِحُونَ اَلرّٰاكِعُونَ اَلسّٰاجِدُونَ»(2)، «فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ»(3).
«إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ» (4)، «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ»(5)، «وَ اَللَّيْلِ إِذٰا يَسْرِ»(6). قيل هي آخر ليلة من شهر رمضان و هي ليلة الجايزة. «قُمِ اَللَّيْلَ إِلاّٰ قَلِيلاً»(7).
قال عليّ عليه السّلام: لا تطمع فى ثلاثة مع ثلاثة:
فى سهر الليل مع كثرة الأكل، و فى نور الوجه مع نوم اجمع الليل، و فى الأمان من الدّنيا مع صحبة الفسّاق.(8).
قوله: «فتهجّد»، قال أبو عبيدة: أسهر و صلّ بالليل. يقال: تهجّدت، أي: سهرت فى الليل، و «هجدت» أي: نمت، و المتهجّد: المصلّي. و قال علقمة: المتهجّد بعد النّوم.
و قوله: «نٰافِلَةً لَكَ» أي: تطوّعا. و قيل: فريضة، و خصوصية.
«و المقام المحمود» هو الشّفاعة، يشفع صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لأمّته، و يوضع له منبر، فيرتقيه، و يخطب فى عرصة القيامة، فى أعلاه، و يكون دونه - بمرقاة - عليّ بن أبى
طالب عليه السّلام، فيأتيه ملك بمفاتيح الجنّة و النّار، و يقول: يا محمّد! صلّى اللّه عليه و اله و سلّم خذها، فيقول: اعطها عليا فإنّه قسيم الجنّة و النّار.(1)
شعر:
فكن لربّك بالأسحار تخدمه *** انّ المحبّين للمخدوم خدّام
قوم يبيتون من وجد و من قلق *** و من محبّته بالليل قوّام
يا ريح قوم تريم(2)فى رفاهية *** و هم سكاري طوال الليل نوّام.
المجلس الثمانون فى قوله تعالى: «وَ نُنَزِّلُ مِنَ اَلْقُرْآنِ مٰا هُوَ شِفٰاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ»(1).
من رأس السّورة إلى هيهنا، إحدي و ثمانون آية.
يعنى تبين فى القرآن ما هو شفاء لمرض البدن، و جلاء للغمّ، و خلاص و بيان من الكفر و الشّرك و النّفاق «و رحمة» و نجاة من العذاب «للمؤمنين»، «وَ لاٰ يَزِيدُ» المشركين «إِلاّٰ خَسٰاراً».
إعلم! أنّ الشفاء - على الحقيقة - من اللّه، و قد سمّي السبب بالمسبّب، و فى القرآن على ثلاثة أوجه:
شفاء العام: و هو العسل و غيره من الدّواء كقوله: «فِيهِ شِفٰاءٌ لِلنّٰاسِ»(2).
و شفاء الخاص: لقوله: «وَ نُنَزِّلُ مِنَ اَلْقُرْآنِ مٰا هُوَ شِفٰاءٌ»(3).
و شفاء خاصّ الخاص: و هو المولى تعالى، كما قال: «وَ إِذٰا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ»(4).
و أنّ اللّه يفعل الأشياء على وجهين، بالسبب و غير السبب:
فما يفعله بغير السبب، كخلقه آدم و عيسى.
و ما يفعله بالسبب كتخليق ساير النّاس. و كذلك الشّبع: بالطبع، و ربّما بغير طعام!!،
كما قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أبيت جايعا و أصبح طاعما.(5)
و كذلك ربّما يشفي بالدواء، و ربّما يشفي بغيره، كما شفي ايوب عليه السّلام بغير دواء.
1) . ألإسراء: 82.
2) . النحل: 69.
3) . ألإسراء: 82.
4) . الشعراء: 80.
5) . لم نعثر عليه: و فى سبل الهدي و الرشاد: أنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يبيت جائعا و يصبح طاعما، يطعمه ربّه و يسقيه من الجنّة: 482/10.
6) . بحار الأنوار: 253/64، 402، 390/16، 208/6، عوالى اللئالى: 233/2، المناقب لإبن شهر آشوب: 214/1.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ اللّه خلق لكلّ داء دواء.(1)
و عن عليّ عليه السّلام: إسم اللّه شفاء لكلّ داء، و عون على كلّ داء.(2)
و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ذكر النّاس داء، و ذكر اللّه دواء و شفاء.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من إستشفي بغير القرآن، فلا شفاه اللّه.(4)
و يقرأ لمن يخاف فى الطريق: «وَ جَعَلْنٰا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا»(8).
و لوجع الولادة: «إِذَا اَلسَّمٰاءُ اِنْشَقَّتْ»(9).
و لوجع العين: «أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ»(10)، «وَ مٰا أَمْرُ اَلسّٰاعَةِ إِلاّٰ كَلَمْحِ اَلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ»(11)، «فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ»(12)، «فَرَدَدْنٰاهُ إِلىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهٰا»(13).
و لوجع الرأس: «لاٰ يُصَدَّعُونَ عَنْهٰا وَ لاٰ يُنْزِفُونَ»(14)، «وَ لَهُ مٰا سَكَنَ فِي اَللَّيْلِ وَ
1) . فى بحار الأنوار: روي المخالفون عن أبى الدرداء، انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: انّ اللّه أنزل الداء و الدواء، و جعل لكلّ داء دواء، فتداووا، و لا تتداووا بحرام، 76/56. و فيه أيضا: عن جابر، انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: انّ لكلّ داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ باذن اللّه تعالى.
2) . بحار الأنوار: 259/89، 60/10، إرشاد القلوب: 365/2.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 286/5، و فى شرح نهج البلاغة لإبن أبى الحديد: 65/9 عن «فضيل».
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 312/4.
5) . طه: 77.
6) . هود: 56.
7) . عنه: مستدرك الوسايل: 307/8.
8) . يس: 9.
9) . ألإنشقاق: 1.
10) . البلد: 8.
11) . النحل: 77.
12) . ق: 22.
13) . ص: 13.
14) . الواقعة: 19.
اَلنَّهٰارِ» (1).
و قيل: تكتب «شَهِدَ اَللّٰهُ...»(2)، و تشدّ على الرأس.
و لوجع الضّرس: «لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ»(3)، و «و سوف تعلمون مَنْ يُحْيِ اَلْعِظٰامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ»(4).
و لوجع الدبر: «كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً»(5)، «إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ»(6).
و لوجع البطن: «إِنْ يَمْسَسْكَ اَللّٰهُ بِضُرٍّ...»(7).
و لحمي الباردة: «لاٰ يَرَوْنَ فِيهٰا شَمْساً وَ لاٰ زَمْهَرِيراً»(8).
«وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ» (9)، و فى سورة يونس: «قَدْ جٰاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفٰاءٌ لِمٰا فِي اَلصُّدُورِ»(10)، و فى سورة النحل: «شِفٰاءٌ لِلنّٰاسِ»(11)، و فى [سورة] بنى إسرائيل: «وَ نُنَزِّلُ مِنَ اَلْقُرْآنِ مٰا هُوَ شِفٰاءٌ وَ رَحْمَةٌ»(12).
الشفاء و جهان: أحدهما: البرء عن العلّة، و الثّانى: عين العلّة شفاء للأولياء. يودّ أهل البلاء فى الدّنيا، إذا أراد ثوابها، أن لو قرضوا فى الدّنيا بالمقاريض.(13)
1) . الأنعام: 13.
2) . آل عمران: 18.
3) . الأنعام: 67.
4) . يس: 78.
5) . الطور: 19، الحاقة: 24، المرسلات: 43.
6) . المؤمنون: 18.
7) . الأنعام: 17.
8) . ألإنسان: 13.
9) . التّوبة: 14.
10) . يونس: 57.
11) . النحل: 69.
12) . ألإسراء: 82.
13) . كذا فى المتن من نسختنا! و لا يخفي ما فيه!! و هو حديث روي بتفاوت يسير: ليودّن أهل العافية يوم القيامة أنّ جلودهم قرضت ممّا يرون من ثواب اهل البلاء.. يودّ أهل العافية أنّ جلودهم - لحومهم قرضت بالمقاريض لمّا - ممّا - يرون لأهل البلاء من جزيل الثواب - من ثواب البلاء.. تاريخ بغداد: 402، 286/23، 153/6، 166/5، تاريخ دمشق: 533/80، 353/76، 457/35، 177/27، ربيع الابرار: 163/4، المستطرف: 319.
يسأل، فيقال: كيف تكون القرآن شفاء، و نحن نجد معلولا يقرأ عليه القرآن و لا يشفيه؟!
و الجواب: لأنّه قال فى القرآن: «مٰا هُوَ شِفٰاءٌ»!!.
و طلب مريض من عالم دعاء و رقية، فدفع إليه قطعة كاغذ، فعلّقها على نفسه، فعوجل شفائه، فنظر فيها، فإذا مكتوب: «بسم الله الرحمن الرحيم»، قال: كنّا نعلم ذلك و لا ننتفع؟! قال: لأنّكم لا تعلمون قيمته و مقداره.
قيل: شفاء القرآن، بأن يكون مريض القلب من الكفر و النّفاق، فينتفع بوعده و و عيده و حجّته و دلايله، كما شفي الأعرابى حين قرأ النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: «كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ اَلْمَوْتِ»(1)، و أسلم الآخر حين تلا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: «إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ»(2).
و قيل: هو الثواب،
كما فى الخبر: تعلّموا القرآن أنّه يكتب بكلّ حرف عشر حسنات، و تمحي عنه عشر سيئات.(3)
و من قرأ «قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ» فله شفاء من الكفر و رحمة بالثبات على الإيمان.
و من قرأ سورة الفلق، فله شفاء من السحر، و رحمة بالثبات على العافية.
و من قرأ سورة النّاس، فله شفاء من كيد الشيطان و رحمة بالثبات على
الإلهام.(1)
و قيل: شفاء من البلاء، كقوله صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إذا أنزل اللّه عاهة من السّماء، عوفى منها حملة القرآن، و رعاة الشّمس - أي الحافظون لأوقات الصّلوات - و عمّار المساجد.(2)
يا ويل!! من زاده القرآن خسارا، قال تعالى: «وَ لاٰ يَزِيدُ اَلظّٰالِمِينَ إِلاّٰ خَسٰاراً»(3).
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 371/4.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 149/3.
3) . ألإسراء: 82.
4) . كشف الأسراء و عدة الأبرار: 586/1.
5) . روي أنس: أنّ النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: القرآن أفضل من كلّ شيئ، فمن و قّر القرآن، فقد و قّره اللّه، و من إستخفّ بالقرآن إستخفّ بحق اللّه تعالى... الجامع لأحكام القرآن: 26/1.
المجلس الحادي و الثّمانون فى قوله تعالى: «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحٰابَ اَلْكَهْفِ وَ اَلرَّقِيمِ كٰانُوا مِنْ آيٰاتِنٰا عَجَباً».(1)
هذه فى سورة الكهف، و هي مكّية، و من أوّ لها إلى هيهنا، ثمانى آيات، و هي مائة آية و عشر آيات.
عن الصّادق عليه السّلام: من قرأ هذه السّورة كلّ ليلة جمعة، لم يمت إلاّ شهيدا و دفن مع الشهداء(2)، و وقف يوم القيامة معهم(3)، و لا تصيبه آفة الدّجّال.(4)
و روي: انّ من قراء سورة الكهف يوم الجمعة، أشركه اللّه فى ثواب أصحاب الكهف، لأنّهم وجدوا الولاية يوم الجمعة، و استجاب دعائهم يوم القيامة.(5)
و أمّا تفسير الآية: فعن إبن عباس: يقول: أم ظننت يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و «كٰانُوا مِنْ آيٰاتِنٰا عَجَباً» أي من أعاجيبنا عجبا، بل الشّمس و القمر و السّماء و الأرض و الجبال و البحار أعجب من ذلك.
و الكهف: الّذي فيه الغار، و الرّقيم: هو الوادي الذي فيه الكهف.
و قيل: هو لوح من رصاص فيه أسماء الفتية و قصّتهم.
و قيل: هو مدينة.
إعلم! أنّ المؤمن ربّما يري عن موضع الخوف، الأمن، و من الأمن، الخوف، و عن مأموله اليأس، و عن مقنوطه الرّجاء، لئلاّ يعلق قلبه بغير اللّه، و لا يهتمّ بما
1) . الكهف: 8.
2) . لم نعثر على «و دفن مع الشهداء» و فى ألآثار: «بعثه اللّه» أو «يبعثه اللّه» مع الشهداء.
3) . تفسير العياشي: 321/2، ثواب الأعمال: 107، عدة الداعي: 299، اعلام الدّين: 371، بحار الأنوار: 282/89، مستدرك الوسايل: 104/6 و فى بعضها: «أوقف» و مثله: وسايل الشيعة: 410/7. جنة الأمان: 441/1.
4) . رسالة الجمعة، للشهيد الثانى، و عنه، بحار الأنوار: 358/86 و مستدرك الوسائل: 105/6، منتهي المطلب: ط. ق: 209/1 و فيه: روي... و إن خرج الدّجال عصم منه. الدرّ المنثور: 209/4.
5) . لم نعثر عليه.
يرزقه اللّه.
و قد روي: كن لما لا ترجوا، أرجي منك لما ترجو، فإنّ موسى عليه السّلام خرج مقتبسا، فنودي بالنبوّة، و انّ أصحاب الكهف خرجوا فارّين بدينهم من دقيانوس، فوجدوا المؤانسة من الربّ القدوس.(1)
و [دقيانوس] كان بالرّوم فى بلدة تسمّى «أفسوس»، و كان له مال و حشم، و كلّ بلدة قصدها، أخذها، حتّي صار طاغيا، فادّعي الربوبية، و إستأنس بستّة نفر من أولاد الملوك، و إستعبدهم، فوجدهم!!.
و كان يجلس فيما بينهم، و لا تخلهم عن نفسه، ثلاثة منهم عن يمينه، و هم:
تمليخا، و مكسلمينا، و مرطويس. و ثلاثة عن يساره: كسفوطل، و بيوطف، و شارينوش، و ذينواش، و كان له قبّتان، قبّة فيها سرير، عليه أربعة طيور، و قد حشاها بالمسك و العنبر، و ماء الورد، فكلّما جلس على السرير، نثرته بها، ثمّ أضاف جماعة.
و كان مكسلمينا يصبّ الماء على يديه، فورد عليه كتاب من ملك آخر، يتهدّده، ففزغ منه و إرتعد، حتّي سقط من سريره.
فلمّا تفرّقوا، أضافهم تمليخا، فلمّا أقدم إليهم الطعام، قام على رؤسهم، فقالوا:
إقعد، فكل معنا، فقال: إنّ قلبى مشغول!!، فأستخبر عن شغل قلبه فأخبرهم بما رأي من حال الملك، فقالوا: قد وقع ذلك فى قلوبنا ايضا، ثمّ قالوا: «رَبُّنٰا رَبُّ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ، لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلٰهاً، لَقَدْ قُلْنٰا إِذاً شَطَطاً»(2).
ثمّ قالوا: الحيلة أن نخرج من هذه المملكة، و نعبد اللّه، لأنّه لا يمكننا عبادته مع
هؤلاء القوم. و كان على باب المدينة الرصد، فقالوا للبوّاب: الملك يخرج وقت القابلة و نحن نضرب الصولجان، فخرجوا بتلك العلّة، حتّي خرجوا من البلد، ثمّ نزلوا عن دوابّهم، و لبسوا الخلقان، و مالوا عن الطريق، و مشوا حفاة، ثمّ ظهر لهم راع، فقصدوه لعلّهم تجدون عنده طعاما، فلمّا دنوا منه، قال: من أنتم؟! قالوا: إعهد إلينا أن لا تفشي سرنّا إلى أحد، فقصّوا عليه، فوافقهم على رأيهم، فقال: أمكثوا حتّي أردّ الغنم إلى أربابها.
فمكثوا حتّي لحقهم الرّاعي و أطعمهم، ثمّ قالوا: و إذا اعتزلتموهم و ما تعبدون من دون اللّه، فآووا إلى الكهف، و تبعهم الكلب، و إسمه «قطمو»، و يقال:
«قرقوس»، و إسم الرّاعي «بطيوسوس». فقالوا له أطرد الكلب، قانّ صوته يدلّ علينا، فطردوه ثلاث مرّات، فلم يرجع!!.
و روي: انّه تكلّم و قال: لم تطردوننى، فإنّي عرفت اللّه قبل أن عرفتموه!!.(1)
ثمّ بلغوا غيضة فيها ماء و شجر، و أكلو من ثمرها، و شربوا من مائها، ثمّ دخلوا الغار، و ناموا، فأماتهم اللّه.
و رووا: انّهم كانوا أحياء راقدين.
قال اللّه تعالى: «وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقٰاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ وَ كَلْبُهُمْ بٰاسِطٌ ذِرٰاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ»(2)، لئلا تقصدهم السباع، و سلّط اللّه عليهم ملكا حتى قلّبهم من كل سنة من جانب إلى جانب، و كانوا «ثَلاٰثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ اِزْدَادُوا تِسْعاً»(3).
ثم انتبهوا، و خرج «تمليخا»، فلم ير تلك الشجر و الماء، فقال لهم: «كَمْ لَبِثْتُمْ قٰالُوا لَبِثْنٰا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ»، ثم قالوا «رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمٰا لَبِثْتُمْ». ثمّ بعثوه، ليأتي بطعام.
و روي: انّ «دقيانوس» خرج خلفهم حتّي بلغ الغار، فوضع ملك جناحه على الباب حتّي لم يرهم.
و قيل: رآهم على تلك الحال، فقال: أتركوهم!، ثمّ ردم بابه.
فلمّ إستيقضوا و خرج «تمليخا» إلى بلدة يطلب الطعام، فرأي علما على باب البلد، مكتوب عليه: لا إله إلا اللّه عيسى رسول اللّه، فتعجّب من ذلك و دخل المصر، فلم يعرف شيئا ممّا رآه، فسئل عن إسم الملك، فقالوا: «يستفاد».
ثمّ قصد الخبّاز، و كان معه درهم، يزيد وزنه على عشرة دراهم، و قيل: كان كنعل الإبل، يزن ثلاثة أمنانا. فرأي الخبّاز ضرب «دقيانوس» فقال: قد وجدت كنزا، فإن جعلت لى منه شيئا، و إلاّ أرفع خبرك إلى الملك، فقال: و قد كانت لى تمور، فبعتها و أخذت من ثمنها، فقال: أصدق؟!، فقال: أنا صادق فيما أقول، فذهب به إلى الملك، فقال للملك مثل ما قال للخبّاز.
ثمّ قال له الملك: و من أين أنت؟! قال: من هذا البلد، قال: أو لم تعرف أحدا منهم؟! قال: نعم، فعدّ أسمائهم، فلم يعرف الملك منهم أحدا، ثمّ قال: أو تعرف دارك؟! قال: بلي، فأراهم داره، فخرج منها شيخ، فسألوه، فقال: هذه الدّار كانت لجدّي و كان يسمّي «تمليخا» و كان من وزراء الملك «دقيانوس»، فقال: أنا «تمليخا»، و قد هربنا من «دقيانوس».
و أخبرهم بحال أصحابه، و كان أهل البلد بعضهم أهل الإسلام و بعضهم منكرين للبعث، فخرجوا بأجمعهم إلى نظارة أولئك، فلمّا بلغوا باب الغارّ، قال لهم «تمليخا»: قفوا حتّي أخبرهم لمجيئكم كيلا يفزعوا، فدخل، فأخبرهم، فقالوا:
يا ربّ أقبض أرواحنا، فقبض أرواحهم، فبنوا عليهم مسجدا(1).
«أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلْجَنَّةِ» (2)، «وَ نٰادىٰ أَصْحٰابُ اَلْجَنَّةِ»(3)، «وَ نٰادىٰ أَصْحٰابُ
اَلْأَعْرٰافِ» (1)، «وَ أَصْحٰابُ اَلْيَمِينِ»(2)، «وَ أَصْحٰابَ اَلسَّفِينَةِ»(3)، «وَ لَقَدْ كَذَّبَ أَصْحٰابُ اَلْحِجْرِ»(4)، «وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحٰابَ اَلْقَرْيَةِ»(5)، «أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ»(6)، «وَ أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ»(7).
فى هذه الآية دليل على صدق النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، لأنّ اليهود سألوه عن قصّة أصحاب الكهف فأخبرهم بلفظ عربى موافقا لما كان فى كتابهم، فاليهود قالوا للمشركين:
سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم عن اثنتين و لم يخبركم عن الثّالث، فهو نبى، فأخبرهم صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بإثنتين دون الثّالث، فصحّت نبوّته باقرارهم.
و روي: انّ معاوية قصدهم فى عهده، فلمّا بلغ فم الغار، رمته الملائكة بالحجارة!! فرجع.(8)
«أَمْ حَسِبْتَ» يعنى أعلمت، أم ظننت، و قيل: أحسبت أن ليسوا بعجب، و قيل:
بل كانوا عجبا، و قيل: أظننت أنّهم كانوا من أعجب آياتنا، لنا آيات أعجب منهم!!.
1) . الأعراف: 48.
2) . الواقعة: 27.
3) . العنكبوت: 15.
4) . الحجرك: 80.
5) . يس: 13.
6) . البقرة: 39.
7) . الواقعة: 41.
8) . الدر النثور: 213/4، و فيه: بعث اللّه عليهم ريحا فأخرجهم.
9) . قال النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أصحاب الكهف أعوان المهدى عجل اللّه تعالى فرجه الشريف مجمع البيان: 489/2، الدرّ المنثور: 215/4، تفسير روح البيان: 218/1، معجم احديث المهدي: 122/5، 141/3، 545، 466/1 و مصادره الجمّة!!.
أيها الإخوان! إذا كنتم فى بلد لا يكون دينكم فيه إلاّ غريبا، فأخرجوا، و إن كنتم بين فاسقين، ففرّوا منهم إلى اللّه، قبل نزول السخط عليهم، و أنتم فيهم، فعليكم أن تمسّكوا بدينكم، فأرض اللّه واسعة، و اللّه كافيكم.
المجلس الثانى و الثمانون فى قوله تعالى: «وَ اِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ اَلْعَشِيِّ».(1)
من أوّل السّورة إلى هيهنا تسع و عشرون آية.
عن إبن عباس: نزلت هذه الآية فى سلمان و أصحابه، يريدون وجه اللّه و رضاه، «وَ لاٰ تَعْدُ عَيْنٰاكَ عَنْهُمْ» أي: لا تجاوز عيناك عنهم، و «عَنْ ذِكْرِنٰا»، أي توحيدنا، «وَ اِتَّبَعَ هَوٰاهُ» فى عمارة الأرض «وَ كٰانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» اي: كذبا.
قال عيينة بن حصين الفزاري، و شيبة، و عتبة، و امّية، و الوليد، و أبو جهل، للنّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إجعل مجلسين، مجلسا لنا، و واحدا للفقراء، فإنّا رؤس مصر و أشرافهم، و ما يمنعنا عن متابعتك إلاّ هؤلاء الفقراء، فاطردهم عنك، و اتّخذ لنا مجلسا!، فسأل النّبىّ ربّه ما يجيبهم به؟!، و كان حريصا على إيمانهم، فنزل: «وَ لاٰ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ اَلْعَشِيِّ»(2)، فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الحمد للّه الّذي جعل فى أمّتى، من أمرنى اللّه أن أصبر نفسي معهم.(3)
إعلم! من كان للّه، يكن اللّه له، و من كان للّه مطيعا، يكن اللّه له مكرما، و قد ذكر اللّه فى الكتب المتقدمة: انّ أتباع محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فى أول الإسلام أضعف النّاس فى أمور الدّنيا، حتّي قال الكفّار: «وَ مٰا نَرٰاكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ اَلَّذِينَ هُمْ أَرٰاذِلُنٰا»(4)، و ظنّوا أن يمكّنهم حمل محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم على أن يطردهم - بحيلهم و مقالهم - عن نفسه،
1) . الكهف: 28.
2) . الأنعام: 52.
3) . و الظاهر أنّ القطب الراوندىّ جمع بين روايتين، الأولى فى رؤساء قريش و فى مكة المكرّمة، و الثانى فى عيينة بن حصين الفزاري و الأقرع بن حابس و ذووهم، الذين كانوا من المؤلّفة قلوبهم، فى المدينة و فى أصحاب الصفة: أنظر: الصافى: 241/3، اسباب النزول: الواحدي: 306، تفسير إبن كثير: 139/5، تفسير كنز الدقايق: 68/8، تفسير نور الثقلين: 258/3، جامع البيان فى تفسير القرآن: 156/15، الدرّ المنثور: 220، 219/4، زاد المسير فى علم التفسير: 79/3، الكشاف: 27/2، كشف الأسرار وعدة الأبرار: 472/2، مجمع البيان: 718/6، 473/4، مفاتيح الغيب: 540/12، روح المعانى: 38/3.
4) . هود: 28
فقال تعالى: «وَ لاٰ تَعْدُ عَيْنٰاكَ عَنْهُمْ»، و نحوه: «عَبَسَ وَ تَوَلّٰى أَنْ جٰاءَهُ اَلْأَعْمىٰ»(1)
فكان هؤلاء للّه، فكان لهم، فكن للّه، يكن معك فى جميع الأحوال.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ليدخلنّ فقراء أمّتى الجنّة، قبل الأغنياء، بخمس مائة عام.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: كم من ضعيف متضعّف ذي طمرين، لو أقسم على اللّه، لأبرّ قسمه!!(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إن اللّه ليبلي عبده بالفقر شوقا إلى دعائه.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الفقر أزين على المؤمن من العذار الجيد على خدّ الفرس.(5)
أحبّ الخلق إلى اللّه الفقراء، لأنّه كان أحبّ الخلق إليه الأنبياء، فابتلاهم.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: فضل الفقراء على الأغنياء كفضل اللّه على خلقه، - و وصف حوضه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم - ثم قال: أوّل وارديه فقراء امّتى.(7)
و قال اللّه لموسى عليه السّلام: إذا رأيت الغنى مقبلا، فقل ذنب عجلّت عقوبته، و إذا رأيت الفقر مقبلا، فقل مرحبا بشعار الصّالحين.(8)
و قال اللّه له عليه السّلام: إذا لقيت الفقراء فسائلهم كما تسأل الأغنياء.(9)
1) . عبس: 1.
2) . مستدرك الوسايل: 150/2، أمالى المحاملي: 361، شرح نهج البلاغة إبن ابى الحديد: 266/13، الدعوات: 165، جامع الأخبار: 110، إرشاد القلوب: 155/1، بحار الأنوار: 48/69 و فيه أيضا: 282/8، بأربعين خريفا.
3) . المستدرك، الحاكم النيشأبوري: 292/3، كنز العمال: 652/11، و أنظر أيضا: الجرح و التعديل: 303/4، سبل ألهدي: 98/10.
4) . انّ اللّه يؤخّر إجابة المؤمن شوقا إلى دعائه، فقه الرضا: 245، و عن ابى عبد اللّه عليه السّلام انّ المؤمن ليدعو فى حاجته، فيقول اللّه أخّروا حاجته شوقا إلى صوته، كتاب المؤمن، الحسين بن سعيد: 34 و مثله: 35، عدة الداعي: 188، بحار الأنوار: 374/93 و أنظر أيضا: الكافى: 490/2، وسائل الشيعة: 1113/4.
5) . فى المتن: العذار الجيد، و فى عوالى اللئالى: العذار الحسن: 40/1 و مثله فى مستطرفات السرائر: 617، و فى بحار الأنوار: 52/69، التمحيص: 49، الكافى: 265/2 بدون الوصف، عن أبى عبد اللّه عليه السّلام عن علىّ عليه السّلام.
6) . لم نعثر عليه.
7) . لم نعثر عليه.
8) . الكافى: 47/8، 263/2، البحار: 340، 338، 335/13، إرشاد القلوب: 156/1، أمالى الصدوق: 666.
9) . تاريخ مدينة دمشق: 150/61 و فيه: إذا لقيت المساكين.
و قال لقمان لإبنه: لا تحقرّن فقيرا بخلقان ثيابه، فانّ ربّك و ربّه واحد.(1)
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا تدخلوا بيوت الأغنياء فانّها سخطة للرزق.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: اياكم و مجالسة الموتي، قيل: من هم؟! قال: الأغنياء.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أللّهم أحينى مسكينا و أمتنى مسكينا و أحشرنى فى زمرة المساكين.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: حرمة المؤمن الفقير أعظم من سبع سماوات و سبع أرضين، و الملائكة و الجنان.(5)
قوله تعالى: «يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» هو إرادة العقبى، و الإرادة على وجوه:
إرادة الآخرة، و إرادة الدّنيا، «مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلدُّنْيٰا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ»(6)و إرادة ثواب اللّه، كما حكي اللّه عن علىّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام: «إِنَّمٰا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللّٰهِ»(7)، «إِلاَّ اِبْتِغٰاءَ وَجْهِ رَبِّهِ اَلْأَعْلىٰ»(8).
فى الخبر: جالسوا الّذين إذا رؤوا ذكر اللّه لذوبتهم(9). و قيل: كفي للفقير فضلا:
انّه يجبّ له على اللّه، و يجبّ للّه على الغنى!!. و مفزع الأغنياء عند المحن إلى
1) . بحار الأنوار: 47/69 و فيه: لا تحقرنّ أحدا، و مثله: روضة الواعظين: 455/2، مشكاة الأنوار: 128.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 338/8.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 338/8.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 237/8، 203/7، بحار الأنوار: 49، 46، 30/69، جامع الأخبار: 111، روضة الواعظين: 454/2، عوالى اللئالى: 39/1، مجموعة ورام: 159/1، مشكاة الأنوار: 128، سنن ابن ماجة: 1282/2.
5) . حرمة المؤمن عند اللّه أعظم من حرمة الملائكة، شرح الأخبار للقاضي نعمان المغربى: 109/3، حرمة المؤمن عند اللّه خير ممّا طلعت الشمس، تاريخ بغداد: 23/24، 97/22، المستفاد من ذيل تاريخ بغداد، لابن الدمياطي: 97.
6) . آل عمران: 152
7) . الانسان: 9
8) . الليل: 20
9) . جالسوا الذين يذكركم اللّه رؤيته، تاريخ مدينة دمشق: 453/47.
الفقراء. و من بلغ النزع يتمّنى الفقر و لا الغنى. و يذهب للغنى، و لا يذنب ليفتقر!!.
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: و هل تنصرون إلاّ بضعفائكم؟!(1).
«اِصْبِرْ نَفْسَكَ» أي: إحتبسها مع هولاء «بِالْغَدٰاةِ وَ اَلْعَشِيِّ» دائبين على الدّعاء فى كلّ وقت. و عداه: إذا جاوزه، و منه: عدا طوره و انّما عدّي بعن، لتضمين «عدا» معنى «نبا» و «علا» فى قولك: نبت عنه عينه، و علت عنه عينه، إذا إقتحمته و لم تعلق به.(2)
فإن قيل: فأي غرض فى هذا التضمين و هلاّ قيل: «و لا تعدهم عيناك»؟!
قلنا: الغرض إعطاء مجموع معنيين، و ذلك أقوي من إعطاء معنى واحد.(3)
«وَ كٰانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» أي متقدّما.
و قيل: عمله باطلا. و قال أبو عبيدة: قدّم على ما فرط!.
و قيل: كان فى دينه مفرطا، أي أضاع نفسه و دينه.
طوبى لمن شغل قلبه فى ذكره، و يا ويل من أغفل قلبه عن ذكر اللّه!.
اذكر اللّه فى الرّخاء يذكرك فى الضرّاء!!.
و اذكره فى حال الحياة، يذكرك فى حال الممات.
و جالس الفقراء و أهجر الأغنياء.
لا تدع عيناك مسكينا تلاقيه *** فانّما هي أقسام و ارزاق
و كن محبّا ترجوا شفاعته *** فللمساكين يوم الحشر أسواق.
المجلس الثالث و الثمانون فى قوله تعالى: «اَلْمٰالُ وَ اَلْبَنُونَ زِينَةُ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ اَلْبٰاقِيٰاتُ اَلصّٰالِحٰاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوٰاباً وَ خَيْرٌ أَمَلاً».(1)
من أوّل السّورة إلى هيهنا خمس و أربعون آية.
و عن إبن عباس: أي زهرة الدّنيا لا تبقي، كما لا يبقي الهشيم، «وَ اَلْبٰاقِيٰاتُ اَلصّٰالِحٰاتُ»: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلاّ اللّه و اللّه اكبر، «خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوٰاباً» أي: خير ما يرجوا به العباد من أعمالهم.
إعلم! أنّ حبّ الدّنيا يحمل النّاس على البخل و البغي و مساوي الأخلاق حتى يحقر الأولياء.
فقد قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ اللّه قد جاء بالإسلام [فوضعه] على السخاء(2)، و أذهب باللؤم، و انّما اللؤم، لؤم الجاهلية.(3)
و البغي: طلب ما ليس له، و البخل: منع ما ليس له.
و إنّما كفر قارون بهذين الأمرين: «فَبَغىٰ عَلَيْهِمْ وَ آتَيْنٰاهُ مِنَ اَلْكُنُوزِ...»،(4)و قال ايضا: «وَ لاٰ تَبْغِ اَلْفَسٰادَ فِي اَلْأَرْضِ»(5)، و قال: «إِنَّمٰا بَغْيُكُمْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ»(6).
1) . الكهف: 46.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 17/7 و ما فى المعقوقتين عنه أيضا.
3) . قال عليّ بن الحسين عليهما السّلام: انّ اللّه عزّ و جلّ رفع بالإسلام الخسيسة، و أتمّ به الناقصة، و أذهب اللؤم، فلا لؤم علي إمرئ مسلم، انّما اللؤم لؤم الجاهلية... الكافى: 345/5، التهذيب: 397/7، وسايل الشيعة: 75، 72/20، بحار الأنوار: 164/46.
4) . القصص: 76.
5) . القصص: 77.
6) . يونس: 23.
7) . عن امير المؤمنين عليه السّلام: ثلاث خصال مرجعها علي النّاس فى كتاب اللّه: البغي و المكر و النكث، قال اللّه: «يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ إِنَّمٰا بَغْيُكُمْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ» و قال: «فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمٰا يَنْكُثُ عَلىٰ نَفْسِهِ» و قال: «وَ لاٰ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاّٰ بِأَهْلِهِ» بحار الأنوار: 107/32، و فى رواية أخري: ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: المكر و النكث و البغي... بحار الأنوار: 229/75 عن تحف العقول: 315، تفسير القمي: 210/2، خصائص الأئمة: 101.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: قلب الكبير شابّ فى حبّ إثنتين: حبّ الحياة و حبّ المال.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أخوف ما أخاف عليكم إثنتان: طول الأمل و اتّباع الهوي، فإنّ طول الأمل ينسي الآخرة، و اتّباع الهوي يصدّ عن الآخرة!!(3)
و نقل أيضا عن عليّ عليه السّلام، أنظر نهج البلاغة: خطبة 28 و 48، وقعة صفين: 3، كشف الغمّة: 383/1، غرر الحكم: 306، أمالى المفيد: 345، أمالى الطوسي: 117، 231، بحار الأنوار: 77/67، 96، 163/70، 75، مستدرك الوسايل: 106/2، 110/12، وسايل الشيعة: 58/8، 46/8، 280/15.
لأغوينّهم حتّي يكون الدّينار و الدّرهم عندهم أحبّ إليهم من شهادة أن لإ إله إلاّ اللّه.(4)
الزينة على عشرة أوجه:
زنية النّجوم: «وَ زَيَّنّٰاهٰا لِلنّٰاظِرِينَ»(5)، «إِنّٰا زَيَّنَّا اَلسَّمٰاءَ اَلدُّنْيٰا بِزِينَةٍ اَلْكَوٰاكِبِ»(6).
1) . إرشاد القلوب: 194/1، عوالى اللئالى: 361/1، مستدرك الوسائل: 100/9.
2) . المجازات النبوية، السيد الرضي رحمه اللّه: 351، مسند أحمد: 501/2، صحيح البخاري: 171/7، كنز العمّال: 490/3.
3) . كذا فى المتن، و انّه مبنىّ علي إشتباه النّاسخ، و الحديث كما فى جميع المصادر: «يصد عن الحق» و فى بعضهم بدل «إثنتان» «خلّتان» و بدل «إثنتان» «إثنان»، كما انّ بعضهم خال عن العدد أيضا!!، و فى بعض بين الجملتين أيضا تقديم و تأخير!!. أنظر: وسايل الشيعة: 280/15، 46/8، 438/2، مستدرك الوسايل: 66/13، بحار الأنوار: 119/74، 163، 96، 90/77، 70، 75/67، 172/34، 354/32، 419، 297، أمالى الطوسي: 117، الخصال: 51/1، عوالى اللئالى: 76/4، مشكاة الأنوار: 245/87.
4) . و فى مستدرك الوسايل: و روي: انّ سليمان عليه السّلام لقي ابليس - إلى أن قال - قال: فما أنت صانع بأمّة محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم؟! قال: أرضي منهم بالمحقّرات، لأنّهم لا يطيعوننى بالشرك، فأحبّب إليهم الدّنيا، حتّي تكون أحبّ إليهم من اللّه و رسوله. مستدرك الوسايل: 39/12.
5) . الحجر: 16.
6) . الصافات: 6.
و زينة النبات: «إِنّٰا جَعَلْنٰا مٰا عَلَى اَلْأَرْضِ زِينَةً»(1).
و زينة المعاش: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللّٰهِ»(2).
و زينة الشهوات: «زُيِّنَ لِلنّٰاسِ حُبُّ اَلشَّهَوٰاتِ»(3).
و زينة اللباس: «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ»(4).
و زينة الإيمان: «حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اَلْإِيمٰانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ»(5).
و زينة الكفر: «فَخَرَجَ عَلىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ»(6).
و زينة العمل: «زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمٰالِهِمْ»(7).
و زينة الفساد: «زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاٰدِهِمْ»(8).
و زينة المال و البنون: «اَلْمٰالُ وَ اَلْبَنُونَ زِينَةُ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا»(9).
إن قيل: كيف يوافق قوله: «اَلْمٰالُ وَ اَلْبَنُونَ زِينَةُ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا» مع قوله: «لاٰ يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لاٰ بَنُونَ»؟!(10).
قلنا: كأنّه قال: المال و البنون زينة فى الدّنيا و لا ينفعان فى الأخرة، «إِلاّٰ مَنْ أَتَى اَللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ»(11)، أو كأنّه يقول: هما زينة الحياة الدّنيا لمن إغترّ بهما، و من يعتبر بهما، فينتفع بهما يوم القيمة.
قيل: «اَلْبٰاقِيٰاتُ اَلصّٰالِحٰاتُ» هي الصلوات الخمس، ثوابها باق، كما قال: «وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقىٰ»(1)، «وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاٰةِ»(2).
ص: 347 و قال: قال أبو عبد الرحمان محمّد بن الحسن؟!! السلمي فى كتاب زيادات حقايق التفسير فى قوله تعالى: «الم ذٰلِكَ اَلْكِتٰابُ» قال جعفر الصّادق عليه السّلام: «الم» رمز و إشارة بينه و بين حبيبه محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أراد أن لا يطّلع عليه سواهما، بحروف بعدت عن درك الإعتبار، و ظهر السرّ بينهما لا غير!!.
و نقله المجلسي رحمه اللّه عن «سعد السعود» فى البحار: 384/89. و لمزيد المعرفة أنظر أيضا ما قاله آقا بزرگ الطهرانى فى «ذيل كشف الظنون»: 42: حقايق التفسير لابى عبد الرحمان محمّد بن الحسين بن محمّد بن موسي الأزدي السلّمي المتوفّي بنيسابور فى سنة 412، و له زيادات أيضا، كانا عند السيّد إبن الطاووس، و ينقل عنه و عن زياداته فى سعد السعود، المولف: 651.. و للمزيد راجع أيضا: تاريخ بغداد: 248/2، طبقات الشّافعية: للسبكي: 143/4، طبقات المفسّرين: لشمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداودي المالكي: 142/2، تذكرة الحفّاظ: 1046/3، ميزان الإعتدال: 523/3، البداية و النهاية: 12/12، كتابخانه إبن طاووس: 292 و 609 و 610.
.و قيل: هي الأعمال الصّالحة.
و قيل: هي السنن.
و قيل: هي سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله الا اللّه و اللّه أكبر.(4)
1) . طه: 131.
2) . طه: 132. و أنظر أيضا فى أنّ الباقيات الصالحات هي الصلاة: مستدرك الوسائل: 105، 29/3 عن تفسير العياشي.
3) . كذا فى المتن. و الظاهر انه: تحريف او إسقاط من النّاسح، و تصحيف كلمة «تفريد» ب «تعويد»، و ليس له أثر فى الكتب، إضافة إلى «التّوحيد»!!. و الصحيح مع غضّ البصر عن صحة إنتسابه إلى الصّادق عليه السّلام، أو عدمه - «الباقيات الصالحات هو تفريد التّوحيد، فإنّه باق ببقاء الموحّد». حقايق التفسير: لإبن عبد الرّحمان محمّد بن حسين السلمي المتوفى 412 ه، المنسوب إلى الإمام الصّادق عليه السّلام، طبع «مركز نشر دانشگاهى» سنة 1369 مع تحقيق لنصر اللّه پور جوادي، طهران: ص 40. و أورد هذا التفسير أيضا، الحاجّ حسين الشاكريّ فى كتابه: ألإمام الصّادق عليه السّلام: المجلد الأول: ص 243 إلى ص 311، و الحديث فيه: ص 273.
و اعلم: انّ السيّد بن الطاووس إعتمد لهذا التفسير، و نقل عنه فى «سعد السعود»
4) . فى إحياء علوم الدّين: 543/3، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: «الباقيات الصالحات هنّ لا إله إلا اللّه و سبحان اللّه و الحمد للّه و اللّه اكبر و لا حول و لا قوة إله باللّه». و أنظر أيضا، بحار الأنوار: 303/7، 182/103، 175، 171، 169، 168/68، 257/86. تفسير البرهان: سورة الكهف.
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: هي كلمات الإيمان، قيل: كيف يا رسول اللّه؟! قال: هي إيمان الملائكة الأربعة: جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و عزرائيل، و قال: من قالها مخلصا يكون له بعدد تسبيحهم و تحميدهم و تهليلهم و تكبيرهم.(1)
و قال نوح عليه السّلام لبنيّه عند موته: عليكم بهذه الكلمات فإنّ بها قامت السّماوات و الأرض.
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: هذه الكلمات خير من عشر رقاب يعتقها، و عشر بدنات ينحرها، و عشرأ فراس يحمل عليها فى سبيل اللّه.(2)
و قيل: «اَلْبٰاقِيٰاتُ اَلصّٰالِحٰاتُ» هي البنات.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: رحم اللّه أبا البنات، البنات مباركات محبّبات، و البنين مبشّرات، و هنّ الباقيات الصالحات.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من عال البنتين، أو ثلاثا، كان معي فى الجنّة.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من كانت له إبنة، فاللّه فى عونه و نصرته و بركته و مغفرته.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من عال ثلاث بنات، يعطي ثلاث روضات من رياض الجنّة، كلّ روضة أوسع من الدّنيا و ما فيها.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من كانت له إبنة واحدة كانت خيرا له، خير من ألف حجّة، و
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 327/5.
2) . وسايل الشيعة: 253/25: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من هلل و كبّر و سبح مائة مرّة، فانّه خير له من عشر رقاب يعتقها، و سبع بدنات ينحرها و مثله مستدرك الوسايل: 325/5 و أنظر أيضا: البحار: 172/90، المحاسن: 43، كنز العمال: 473/1.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 115/15.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 115/15.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 115/15.
6) . عنه: مستدرك الوسايل: 115/15.
ألف عمرة، و ألف بدنة، و ألف ضيافة.(1)
تأويل: من تفوته الصالحة الباقية، و لا تبقي له الدّنيا الفانية، فهو ممن خسر الدّنيا و الآخرة!!.
هذه الآية فى سورة مريم، و هي مكّيّة، و ثمان و تسعون آية، و إلى هيهنا أربع و عشرون آية.
و فى الخبر: من قرأ هذه السّورة، أعطي بعدد من صدّق كلّ نبى و رسول ذكر فى هذه السّورة، و بعدد من كذّبهم منها، حسنات و درجات، كل درجة كما بين السّماء و الأرض، ألف ألف مرّة، و يزّوج بعددها فى الفردوس، و حشر يوم القيامة مع المتّقين فى أوّل زمرة السّابقين.(1)
و قال الصّادق عليه السّلام: من قرء هذه السّورة لا يموت و لا يخرج من الدّنيا حتّي يصيب الغنيمة فى نفسه و ماله و ولده، و كان فى الآخرة من أصحاب عيسى عليه السّلام، و أعطي فى الآخرة مثل ملك سليمان عليه السّلام.(2)
و عن إبن عباس: «وَ هُزِّي إِلَيْكِ» اي: خذي إليك بأصل النّخلة، فحرّكيها، «تُسٰاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا» عظّا طريا، و اشربى من النّهر، «وَ قَرِّي عَيْناً»:
طيبى نفسك لولادة عيسى عليه السّلام، «فَإِمّٰا تَرَيِنَّ مِنَ اَلْبَشَرِ أَحَداً» بعد هذا اليوم، «فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً» أي صمتا، أي: أشيري بذلك: فإنّي لا «أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ إِنْسِيًّا» أي أدميا، ثمّ اسكتى بعد ذلك حتّي يتكلّم عيسى عليه السّلام.
إنّ اللّه أبسط أربعة نفر مع أربعة:
«إبن يامين» مع يوسف عليه السّلام، و موسى عليه السّلام مع العصا، حتّي صارت ثعبابا، و عيسى عليه السّلام مع مريم عليها السّلام، و المؤمن مع ملك الموت فى حال النزع.
فامّا «إبن يامين» بسط مع يوسف عليه السّلام، حتّي لم يخف منه حيث أخذ إخوته بسرقة الصّاع، فقال: وضعه فى وعائي من وضع البضاعة فى رحالكم، و قد قال
له يوسف: «فَلاٰ تَبْتَئِسْ بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ»(1)فلمّا أمنه، ذهب حشمته.
و المذنب خائف، و غير المذنب جريئ، فلمّا لم يكن مذنبا، لم يخف. و هذا أصل لكلّ بريئ من الذنب، أنّه: لا يخاف، و قال تعالى: «إِنِّي لاٰ يَخٰافُ لَدَيَّ اَلْمُرْسَلُونَ»(2).
و موسى عليه السّلام، لم يخف العصا، لأنّه تعالى قال له: «خُذْهٰا وَ لاٰ تَخَفْ»(3).
و من خاف اللّه، خاف منه كلّ شيئ، و من لم يخف اللّه، خاف من كلّ شئي.
و المؤمن لا يخاف من ملك الموت و من أعوانه، و من «منكر» و «نكير»، لقوله تعالى: «أَلاّٰ تَخٰافُوا وَ لاٰ تَحْزَنُوا»(4).
و أمّا عيسى عليه السّلام مع مريم عليها السّلام، فقد بسطه اللّه معها حتّي ناداها من تحتها: «أَلاّٰ تَحْزَنِي» و قيل: ناداها جبرئيل: و قيل: ناداها عيسى عليه السّلام.
و قيل: نهرا صغيرا.
ثمّ قال: «وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ»، و كانت يابسة، و صارت ببركتها رطبة، و حملت من ساعتها رطبا، ثمّ كانت تتساقط عليها.
و من ذلك اليوم، صار الرّطب شفاء للنّساء.
و قال جبرئيل لها: فكلي الرطب، و أشربى الماء، و قرّي عينا بعيسى، و قولى:
«إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً»، أي صمتا. و كان فى هذا الزّمان يصومون عن الكلام، كما كانوا يصومون عن الطعام.
«فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهٰا تَحْمِلُهُ»، قالوا: أتيت أمرا منكرا عظيما، شبّهوها «بهارون» لكثرة العبادة، و قيل: كان رجلا فاسقا، شبّهوها به!!.
«فَأَشٰارَتْ إِلَيْهِ»: أي: إلى عيسى، قالوا: «كَيْفَ نُكَلِّمُ» صبيا فى الحجر، انّما كان إبن أربعين يوما.
«قٰالَ: إِنِّي عَبْدُ اَللّٰهِ»، أقرّ بالعبودية، ليكون ردّا على النصاري فى إدّعائهم انّه إبن اللّه، ثمّ قال: «آتٰانِيَ اَلْكِتٰابَ» يعنى: علّمنى التّوراة فى بطن أمّي، و التوراة ألف سورة، كلّ سورة ألف آية، فأكرمه اللّه بعلمه فى بطن أمّه.
و برأها ممّا قذفوها به على لسان عيسى، ثمّ لم يتكلّم عليه السّلام إلى وقت كلام الصبيان.
سمّي اللّه فى القرآن عشرة أشجار: شجرة آدم و هي التّين، و شجرة يونس و هي اليقطين، و شجرة موسى، و كان العليق، و شجرة إبراهيم و هي الزيتونة، و شجرة البيعة لمحمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و هي الأراك، و شجرة الخبيثة و هي الزقّوم، و قيل:
الخنطلة، و الشجرة الملعونة، و هي بنو أمية، و شجرة طوبى، و هي فى الجنّة، عليها من كلّ ثمرة، و السّدرة، و هي النّور، و شجرة مريم، و هي النخلة.
كانت لمريم عليها السّلام عشر معجزات: ثبوت القلم لأجلها على جري الماء(2)، و رزق
1) . المصنف، إبن أبى شيبة الكوفى: 464/5 و فيه: ما للنفساء إلا الرطب لأن اللّه تعالى جعله رزق المريم.
2) . قال اللّه: «وَ مٰا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ» (آل عمران: 44) و فى أحكام القرآن للجصّاص: 294/2:... إنّهم ألقوها فى جرية الماء، فاستقبل قلم زكريا عليه السّلام جرية الماء مصعدا، و إنحدرت أقلام الأخرين...، و أنظر أيضا: تفسير جوامع الجامع: 174/1، الدرّ المنثور: 24/2.
الجنّة من غير حينه(1)و تكلّم الملائكة معها، و إرسال جبرئيل إليها، و ولادة بغير لمس، و ولادة بثمانية أشهر(2)و تربيتها بلسان عربى، و ضمّها مع نبى، «وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ» «جَعَلْنَا اِبْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً»(3)، و انّها تكون من أزواج محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فى الجنّة.
فإن قيل: كيف أعطاها «الماء» بلا سبب، و «الرطب» بسبب؟! لأن الماء سبب الطهارة، و «الهزّ» بسبب الشهوة. و «السّري» السيد، و السري النهر الصغير.(4)
روي: انّ عيسى و أمّه عليهما السّلام كانا فى الجبانة يعبدان اللّه و يصومان و يفطران على الحشيش، فلمّا دنت وفاتها، كان وقت إفطارها، أتاها ملك الموت، قال لها:
جئتك لقبض روحك، قالت: إصبر حتّي يرجع إلى إبنى، فإنّه خرج فى طلب الحشيش، فقال: لم أؤمر به!!، فقبضها صائمة، فلمّا رجع عيسى عليه السّلام، ظنّ أنّها نائمة، تركها، حتّي قرب وقت الصّلاة، فدعاها، فلم تجبه، فنودي من فوقه:
ماتت أمّك!، فبكى عليه السّلام، و قال: من يعيننى على عبادة ربّى؟! فأوحي اللّه إلى الجبال و الأشجار أن: كلّموه و عزّزوه، قالوا: نحن نعينك على عبادة ربّك.
فجاء جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل فى سبعين ألفا من الملائكة، هبطوا لتعزيته.
1) . «كُلَّمٰا دَخَلَ عَلَيْهٰا زَكَرِيَّا اَلْمِحْرٰابَ وَجَدَ عِنْدَهٰا رِزْقاً» (آل عمران: 38) و قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:... و كان يدخل عليها زكريّا المحراب فيجد عندها فاكهة الصيف فى الشّتاء، و فاكهة الشّتاء فى الصيف... تفسير القمي: 102/1، البرهان: 621، 617/1، تفسير الصافى: 333/1، تفسير نور الثقلين: 323/3.
2) . فى تفسير التبيان: 120/7: و قال آخرون: حملت به ثمانية أشهر، و لم يعش مولود لثمانية أشهر غيره عليه السّلام، فكان ذلك آية له. و فى بعض الروايات: أنّه ولد لستّة أشهر، و فى قوله «فَأَجٰاءَهَا اَلْمَخٰاضُ» يدلّ علي طول مكث الحمل، فأما مقداره فلا دليل يقطع به. و أنظر أيضا: كشف الأسرار وعدة الأبرار: 30/6، مجمع البيان: 790/6.
3) . المؤمنون: 50، و «جَعَلْنٰاهٰا وَ اِبْنَهٰا آيَةً لِلْعٰالَمِينَ» الأنبياء: 91.
4) . السرّي: السيّد الشريف السخيّ، من السروّ، سيدهم و قائدهم، و هو عيسى عليه السّلام فى قوله تعالى: «قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا» (مريم: 24) أو النهر الصغير، و «قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا» جدولا تشربين منه و تطهّرين من النّفاس.
فقال جبرئيل: قد بعث إليها سبعون ألف حوراء، معهنّ أكفان الجنّة و ماءها.
فضربت خيمة على رأسها، و غسّلها، و وجدوا قبرا محفورا، و صلّوا عليها، و دفّنوها، و صعدوا إلى السّماء.
فنادي عيسى عليه السّلام: يا أمّاه!! كلّمينى هل تريدين أن ترجعي إلى الدّنيا؟! قالت:
نعم! لأصلّي للّه فى ليلة شديدة البرد، و أصوم يوما شديد الحرّ، يا بنى!! فإنّ الطّريق مخوف!!!.(1)
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 506/7، 338/6.
المجلس الخامس و الثمانون فى قوله تعالى: «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّٰ وٰارِدُهٰا كٰانَ عَلىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ نَذَرُ اَلظّٰالِمِينَ فِيهٰا جِثِيًّا»(1)((2).
من أوّل السّورة [كهيعص] إلى هيهنا سبعون آية.
أي: ما منكم من أحد إلاّ و هو داخلها، يعنى: النّار، «كٰانَ عَلىٰ رَبِّكَ» ذلك قضاء كائنا، واجبا أن يكون، «ثُمَّ نُنَجِّي اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا» الشّرك و الكفر.
إعلم! أنّ خمسة أشياء تعلم باليقين، و خمسة فى جنبها شكّ!!:
الموت، و القبر، و السّؤال، و عرض العمل، و ورود النّار، كلّها يقين، و [فى] البشارة عند الموت شكّ، و الإيناس فى القبر شكّ، و إصابة الجواب، و ثقل الميزان بالطّاعة، و النّجاة على الصّراط، كلّها شكّ، لقبح أعمالنا!!.
أمّا الموت: فيقين، لقوله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ اَلْمَوْتِ»(3)، «قُلْ إِنَّ اَلْمَوْتَ اَلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاٰقِيكُمْ»(4)، «نَحْنُ قَدَّرْنٰا بَيْنَكُمُ اَلْمَوْتَ»(5).
و [فى] البشارة عند الموت، شكّ، لأنّه يقال لأحد: «لاٰ تَخَفْ وَ لاٰ تَحْزَنْ»(6)، و لآخر: أمرك موقوف، إن شاء عذّب و إن شاء عفي، و لاخر: «لاٰ بُشْرىٰ»(7).
و دخول القبر يقين، لقوله: «وَ مِنْ وَرٰائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ»(8)، «ثُمَّ أَمٰاتَهُ فَأَقْبَرَهُ»(9)، و المونس فيه شكّ،
فقال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: القبر روضة من رياض الجنّة،
أو حفرة من حفر النّار.(1)
و ثقل الميزان: «وَ اَلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ»(2)، «فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوٰازِينُهُ»(3)، «وَ نَضَعُ اَلْمَوٰازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيٰامَةِ»(4)، «فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ»(5)، «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّٰ وٰارِدُهٰا».(6)
فهذه كلّها يقين، و كلّنا نشكّ هل نكون من الّذين قال اللّه تعالى: «ثُمَّ نُنَجِّي اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا»(7).
1) . بحار الانوار: 7/58، 248/41، 204/6، الخرائج و الجرائح: 172/1، متشابه القرآن: 99/2.
2) . الأعراف: 8.
3) . الأنبياء: 47.
4) . الحجر: 92.
5) . مريم: 71.
6) . مريم: 72.
7) . تفسير القمي: 366/1، و عنه: البحار: 288/8 عن أبى عبد اللّه عليه السّلام.
8) . فى سنن الترمذي: 107/4: لو أنّ دلوا من غساق يهراق فى الدّنيا لأنتن أهل الدّنيا، و هكذا فى فتح الباري: 235/6 و كنز العمال: 523/14، جامع البيان: 212/23 تفسير إبن كثير: 222/3، الدرّ المنثور: 318/5، و فى المستدرك، للحاكم النيشابوري: 501/2 كما فى المتن، و أنظر أيضا: الميزان: 402/19.
9) . التخويف من النّار: إبن رجب الحنبلي: 129، تاريخ دمشق: 217/35.
10) . الكشف و البيان: 249/1، الدروع الواقية: 273، بحار الأنوار: 393/67، 306/8 حلية الأبرار: 266/1
11) . الكنى و الألقاب: الشيخ عباس القمي: 441/2 عن أمير المؤمنين عليه السّلام: حيات كالتلال و عقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل فى رعيته. و أنظر فى الجملة الثانية: بحار الأنوار: 92/57، المستدرك، للحاكم النيشابوري: 594/4، 494/3، المصنف إبن أبى شيبة الكوفى: 95/8، كنز العمّال: 158/6.
الورود أربعة:
ورود الهلكة: «فَأَوْرَدَهُمُ اَلنّٰارَ»(1).
ورود الهيبة: «لَوْ كٰانَ هٰؤُلاٰءِ آلِهَةً مٰا وَرَدُوهٰا»(2).
ورود الذلّة: «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّٰ وٰارِدُهٰا»(3)، «وَ نَسُوقُ اَلْمُجْرِمِينَ إِلىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً»(4)، «أَنْتُمْ لَهٰا وٰارِدُونَ»(5).
و ورود البلوغ: «وَ لَمّٰا وَرَدَ مٰاءَ مَدْيَنَ»(6).
فى الخبر: إنّ اللّه ادّب المؤمن بذكر النّار، و أنّ نصيب أمّتى من نار الآخرة كنصيب إبراهيم من نار نمرود.(7)
و روي أنّ المؤمنين يقولون على باب الجنّة: أليس قد وعدنا ربّنا انّكم تردون جهنّم؟! فيقال: وردتموها و هي خامدة.(9)
و سئل الباقر عليه السّلام عن قوله تعالى: «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّٰ وٰارِدُهٰا»؟! قال عليه السّلام: تنجوا الخلايق فى القيامة بثلاثة أشياء: بلا إله إلاّ اللّه، و شفاعة رسول اللّه، و برحمة اللّه
1) . هود: 98.
2) . الأنبياء: 99.
3) . مريم: 71.
4) . مريم: 86.
5) . الأنبياء: 98.
6) . القصص: 23.
7) . لم نعثر عليه.
8) . و فى الصحاح، للجوهري: «إلا تحلّة القسم» أي: قدر ما يبر اللّه تعالى قسمه فيه بقوله: و ان منكم إلا واردها كان علي ربك حتما مقضيا» ثم قيل لكلّ شيئ لم يبالغ فيه تحليل، يقال: ضربته تحليلا. الصحاح: 1675/4 و مثله أيضا: غريب الحديث: 16/2، الفائق: 266/1، النهاية: 412/1، لسان العرب: 168/11.
و فى الحديث: أنظر: الأمالى، السيد المرتضي: 138/3، تفسير مجمع البيان: 89/2.
9) . بحار الأنوار: 250/8.
الّتى وسعت كلّ شيئ، ثمّ قرأ: «ثمّ ننجّي الّذين اتّقوا و نذر الظالمين [اي:
الكافرين] فيه جثيا»(1).
و قيل: فى الآية لطيفتان: قال: «اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا» و لم يقل: «اَلْمُتَّقِينَ» و قال:
«الظّالمين» و لم يقل: «اَلَّذِينَ ظَلَمُوا».
روي: انّ الصّراط طريق على رأس جهنّم إلى الجنّة.
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الصّراط صراطان: أحدهما فى الدّنيا، و الآخر فى الآخرة، فمن عرف صراط الدّنيا، و هو: عليّ بن أبى طالب عليه السّلام، جاز على صراط الآخرة، و إلاّ زجّ فى النّار.(2)
و «الدخول» حقيقة فى اللغة، و «الوصول» مجاز، لقوله: «وَ لَمّٰا وَرَدَ مٰاءَ مَدْيَنَ».
هب، أيها الغافل! انّ النّار لحاضر!!، فهل لها «ولاء عذاب»؟!! كما قال:
«فَأُولٰئِكَ فِي اَلْعَذٰابِ مُحْضَرُونَ» (3).
عقاب المذنبين عذا طويل *** إذا، ما النّار؟! قرّبها الجليل!!
و نادي مالكا: خذ من عصانى *** فإنّي اليوم لست لهم أقيل!!.
1) . أنظر: بحار الانوار: 159/78 قال مولانا السجاد عليه السّلام: لا يهلك المؤمن بين ثلاث خصال: شهادة أن لا إله إلا اللّه و شفاعة رسول اللّه و اله وسعة رحمة اللّه عزّ و جلّ. و مستدرك سفينة البحار: 99/4 عن إعلام الدّين، بحار الأنوار: 160/78.
2) . فى مناقب أخطب خوارزم عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: قال: الصّراط صراطان، صراط فى الدنيا و صراط فى الآخرة فامّا صراط الدنيا فهو علي بن ابيطالب، و أمّا صراط الآخرة فهو جسر جهنم، من عرف صراط الدنيا جاز علي الصّراط: الغدير: 311/2، معانى الاخبار، للصدوق: 32، تفسير القمي: 29، تأويل الآيات: 29/1، بحار الأنوار: 375/35، 11/24، البرهان: 47/1، نور الثقلين: 17/1، الأربعين، لمحمد طاهر القمي الشيرازي: 78.
3) . الروم: 16.
المجلس السّادس و الثمانون فى قوله تعالى: «طه، مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ إِلاّٰ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشىٰ»(1).
هذه السّورة مكيّة، و هي مائة و أربعون آية.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأ سورة طه أعطي يوم القيامة ثواب المهاجرين.(2)
و روي: انّ أكثر ما يتلوا أهل الجنّة هذه السّورة.(3)
نزلت حين صلي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم صلاة الليل، ثمّ تورّمت قدماه، فخفّف اللّه عليه بهذه الآية.
و «طه» إسم محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و قيل: بلسان عكة، معناه: يا رجل.
يقول: يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ما أنزلنا عليك جبرئيل إلاّ تذكرة، «تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشىٰ» أي:
عظة لمن يسلم، و لم أنزله لتعب نفسك.
و قيل: هو «طه» أي: طي الأرض لقدميك.
إعلم! أنّ خير الخصال فى الدّينا تسع:
الصلابة، و الشّفقة، و الزهد، و الجهد، و قرائة القرآن، و السّخاوة، و قيام الليل، و مداراة المنافقين، و الإستغفار.
فبالغ النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: فى كلّ واحد منها، حتّي قال له ربّه: وقفا!!.
بالغ فى الصّلابة، حتّي قال اللّه له: «لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ»(5)، «وَ مٰا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّٰارٍ»(6)، «لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْءٌ»(7).
1) . طه: 1 و 2.
2) . مجمع البيان: 1/4 و فيه: ثواب المهاجرين و الأنصار، و عنه مستدرك الوسايل: 344/4، جوامع الجامع: 473/2.
3) . مجمع البيان: 1/4 و فيه: لا يقرأ اهل الجنّة من القرآن إلا «يس» و «طه»، و عنه مستدرك الوسايل: 344/4.
4) . أسباب نزول الآيات، الواحدي: 205، زاد المسير: إبن الجوزي: 187/5، بحار الأنوار: 27/68، 202/16.
5) . الغاشية: 22.
6) . ق: 45.
7) . آل عمران: 128.
و أفرط فى الشفقة، حتّي قال له: «وَ اُغْلُظْ عَلَيْهِمْ»(1).
و أفرط فى الزّهد، حتى قال له: «لِمَ تُحَرِّمُ مٰا أَحَلَّ اَللّٰهُ لَكَ»(2).
و أفرط فى الجهاد، حتّي قال له: «لاٰ إِكْرٰاهَ فِي اَلدِّينِ»(3)، «لَعَلَّكَ بٰاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ»(4).
و بالغ فى قرائة القرآن، حتّي قال اللّه له: «لاٰ تُحَرِّكْ بِهِ لِسٰانَكَ»(5)، و «وَ لاٰ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ»(6).
و بالغ فى السخاء، حتى قال له: «وَ لاٰ تَبْسُطْهٰا كُلَّ اَلْبَسْطِ»(7).
و بالغ فى قيام اللّيل، حتّي قال له: «طه مٰا أَنْزَلْنٰا»(8).
و بالغ فى مداراة المنافقين، حتّي قال له: «بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ»(9).
و بالغ فى الإستغفار، حتّي نزل «أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اَللّٰهُ لَهُمْ»(10).
1) . التّوبة: 73، التحريم: 9.
2) . التحريم: 1.
3) . البقرة: 256.
4) . الشعراء: 3.
5) . القيامة: 16.
6) . طه: 114.
7) . ألإسراء: 29.
8) . طه: 1.
9) . المائدة: 67.
10) . المنافقون: 6.
11) . الفتح: 2.
12) . مجمع الزوائد: 271/2 و فيه: تورّم قدماه... قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أفلا أكون عبدا شكورا؟!، و أنظر: نيل الأوطار: 93/3، الكافى: 95/2، مستدرك الوسايل: 128/1، مشكاة الأنوار: 76، مصباح الشريعة: 170، فتح الابواب: 170، عوالى اللئالى: 326/1، بحار الأنوار: 69/67، 57/46، مسند أحمد: 255، 251/4، صحيح البخاري: 44/2.
إنّ الكفّار سمّوا محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بعشر أشياء قباح:
أبترا، و ساحرا، و مجنونا، و كذّابا، و كاهنا، و شارعا، و ضالاّ، و غاويا، و شقّيا!!، فأجابهم اللّه، فقال لمن سمّاه: «سَأُصْلِيهِ سَقَرَ»(2)، «إِنَّ شٰانِئَكَ هُوَ اَلْأَبْتَرُ»(3)، «مٰا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ»(4)، «سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ اَلْكَذّٰابُ اَلْأَشِرُ»(5)، «وَ مٰا هُوَ بِقَوْلِ شٰاعِرٍ»(6)، «وَ لاٰ بِقَوْلِ كٰاهِنٍ»(7)، «وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ»(8)، «تَبَّتْ يَدٰا أَبِي لَهَبٍ»(9)، «مٰا ضَلَّ صٰاحِبُكُمْ وَ مٰا غَوىٰ»(10)، «طه مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ».(11)
و يقول اللّه [فى هذه الآية:] يا طاهرا من هذه العيوب كلّها، ما أنت بشقي، «فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا»(12)، «قٰالُوا رَبَّنٰا غَلَبَتْ عَلَيْنٰا شِقْوَتُنٰا وَ كُنّٰا قَوْماً ضٰالِّينَ»(13).
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ اللّه أوصانى بخمسة أشياء:
لا تعلّق قلبك بالدّنيا، فإنّي لم أخلقك لها، و أجعل صحبتك معي فإنّ مرجعك
إلى، و إجتهد فى طلب الجنّة، فحقّ لمثلها أن يطلب، كن آيسا من الخلق فليس فى أيديهم شيئ، داوم على التهجّد بالليل، فإنّ أمور المؤمن تستقيم فى قيام الليل.(1)
لم يقل: «يا طاها»، لأنّ المناداة بالياء للبعيد، فلم يرد أن يذكره بعيدا.
و قيل: «طاء» طيّ له، و «هاء» هدايته.
و قيل: يا طيب الكلام، يا هيّن الموت.
و قيل: يا طالب الجنّة، و يا هارب النّار.
و قيل: يا طامسا للأشرار، يا هاجرا بالأسحار!.
و قال جعفر الصّادق عليه السّلام: «الطاء» طهارة أهل بيت رسول اللّه، كما قال: «وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(2)و «الهاء» هو لهم فى قلوب الكافرين و المنافقين.(3)
و «طاء» طوبى فى الجنّة، و «هاء» هاوية فى النّار.
إعلم أنّ النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم مع فضله و شرفه لم ينل بالليل، فكيف بمن دونه؟! و كيف يجوز لغيره الرّحمة؟! و نوم الغفلة؟!.
تزوّد من حياتك للممات *** و لا تغترّ - ويحك - بالحيات
أترون: المنايا طارقات قسا *** كأنّك قد أمنت من البيات
قلبى و لا يزداد إلاّ صدو *** داعن غطات ذوي الغطات
سهر العيون لغير وجهك ضايع *** و بكاءهن بغير حبّك باطل
من كان يعمل للجنان فإنّنى *** من حبّ وصلك طول عمري عاهل
1) . عنه ملخصا: مستدرك الوسايل: 338/6 عن عيسى عليه السّلام.
2) . الأحزاب: 33، بحار الأنوار: 209/25، الصراط المستقيم: 186/1.
3) . فى مفاتيح الغيب: 6/22: يحكي عن جعفر الصّادق عليه السّلام: الطاء طهارة أهل البيت و الهاء هدايتهم، و أنظر أيضا: تفسير كنز الدقايق: 283/8، تفسير الحبري: 570، 641، تأويل ألآيات الظاهرة: 304، البرهان فى تفسير القرآن: 464/4، 748/3.
من أوّل سورة طه إلى هيهنا خمس و خمسون آية.
«منها» أي: من الأرض، يعنى: خلقناكم من «آدم»، و «آدم» من التّراب، و التّراب من الأرض، «وَ فِيهٰا نُعِيدُكُمْ»: و فى الأرض، و «وَ مِنْهٰا نُخْرِجُكُمْ»:
من القبور، «تٰارَةً أُخْرىٰ» أي: مرّة أخري بعد الموت للبعث. و يقال: إعادة أخري، لأنّ إخراجهم من التّراب، بمثل خلق آدم من التّراب.
إعلم! أنّ العبد ينبغي أن يكون نفعه عامّا للخلق، كالشّمس. و متواضعا لهم كالأرض. و صافيا فى الطّاعة للّه، كالماء. و سارعا إليها، كالرّيح.
فالشّمس تضيئ على البرّ و الفاجر، و تهدي إليها معايشهم، و تتباعد بمنافع، قرب نفعها إلينا، كذلك العبد يجب أن يكون كذلك، و يكون ناصحا بجميع خلق اللّه، و يهدي عباد اللّه إلى أمر دينهم.
و الماء طهارته ظاهرة، فينبغي أن يكون المؤمن سهلا لينا مثله، و يكون نفعه عاما.
و قيل: «مِنْهٰا خَلَقْنٰاكُمْ» فالكبر لماذا؟!، «وَ فِيهٰا نُعِيدُكُمْ» فالحرص لماذا؟!، «وَ مِنْهٰا نُخْرِجُكُمْ» فالذنب لماذا؟!(2).
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: تمسّحوا بالأرض فإنّها بكم برّة.(3)
و إنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لم يرتحل من منزل إلاّ و صلّي عليه ركعتان، و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: حتّي
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 391/12، كنز العمال: 155، 12/1، المعجم الأوسط: 58/6، مسند الشهاب: 223/2، 108/1، الجامع الصغير: 661/2، 623/1.
2) . تفسير سورآبادى: 1522/3.
3) . البحار: 158/85، كنز العمال: 325/7، دعائم الإسلام: 178/1، المجازات النبويّة، الشريف الرضي: 269، النوادر للراوندي: 104 و عنه: بحار الأنوار: 149/81، و مستدرك الوسايل: 528/2، المعجم الصغير: 148/1، مسند الشهاب: 409/1، الفردوس: 54/2، المصنّف لإبن أبى شيبة: 187/1.
يشهد علىّ بالصّلاة.(1)
و قوله تعالى: «قُلْ سِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُرُوا»(2)، يعنى به سير الإعتبار، أي اعتبروا بما فى الأرض.
قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: خلقكم من سبع: يعنى من العظم و العصب و العروق و اللّحم و الجلد و الشعر و الروح، و رزقكم من سبع يعنى: من دم الحيض أوّلا فى بطن الأم، ثمّ اللّبن، ثم الماء، ثمّ النّبات من الأرض، ثمّ الثّمار من الشجر، ثمّ اللّحوم من الأغنام، ثمّ العسل من النّحل، فاسجدوا للّه على سبعة أعضاء!!(3).
فإن قيل: ما الفائدة فى الإماتة بعد الخلق الأوّل، و ما الفائدة فى الإعادة؟!
قلنا: لمّا خلقنا و كلّفنا فى هذه الدّار، لم يكن بدّ من برزخ بين دار التكليف و دار الجزاء، فلو كان الجزاء عقيب الفعل، لكان منجيا، ثمّ حال الموت و القبر و البلي و ما بعده، أمور تنفع المكلّفين، و ألطاف لهم، و لو لا الثواب لكان التكليف قبيحا.(4).
أيّها العاقل! تنبّه!!، ففي يوم الإخراج من القبور خطر عظيم، لأنّه يوم ممدود، و
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 345/8 و سنن ألنبى، السيد الطباطبائي: 162 و تفسير الميزان له أيضا: 318/6، عوارف المعارف: 126.
2) . الانعام: 11، النمل: 69، العنكبوت: 20، الروم: 42.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 485/4 و عن المستدرك فى: مستدرك سفينة البحار: 443/4.
4) . العبارة: ليست كافية و لا مفهومة!! و القطع انّها سقطت بعض الكلمات من النّاسخ، و أثبتناها كما كانت، و النسخة منحصرة!!، لعل اللّه يحدث بعد ذلك أمرا.
يوم مشهود، فأكثر ذكر أيامك الثلاثة:
يوم خروجك من الدّنيا إلى الآخرة
و يوم البعث و الحساب
و يوم دخول الجنّة، أو النّار!!.
شعر:
كأنّ الموت قد نزلا *** فرّق بيننا عجلا
سقينا كأس مصرعنا *** فصرنا كلّنا مثلا
كفي بالموت موعظة *** و معتبرا لمن عقلا
فيا عجبا لغفلتنا *** و أعجب لعاقل غفلا
و هذه الآية من سورة الأنبياء، و هي: مائة و إثنتا عشرة آية، و هي مكّية، و من أوّلها إلى هيهنا ستّ و أربعون آية.
و فى الخبر: انّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: من قرأ هذه السّورة، يحاسبه اللّه يوم القيامة حسابا يسيرا، و يصافحه، و يسلم عليه كلّ من ذكر إسمهم فيها.(1)
أي: «نَضَعُ اَلْمَوٰازِينَ» المستقيمة العدل العادلة، لا تنقص من حسنات أحد، و لا يزاد على سيئات أحد مثقال ذرّة من خردل، «أَتَيْنٰا بِهٰا» أي: حسابها، و جزينا بها، و كفي بنا حافظين و جازين.
إعلم! أنّ الميزان ستّة:
العقل و الكتاب و السنّة و الإجماع و الإستحسان و موافقة الآخرة، فمن وزن عمله بها، يرجح فى ميزان القيامة.
فالعقل: قوله تعالى: «فَبَشِّرْ عِبٰادِ اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.»(2)
و الكتاب: قوله تعالى: «وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ»(3)، «مٰا فَرَّطْنٰا فِي اَلْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ»(4).
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 345/4 و فيه: حاسبه اللّه حسابا يسيرا، و صافحه، و سلّم عليه كلّ نبى ذكر إسمه فى القرآن. و هكذا فى المصباح الكفعمي: 441.
2) . الزمر: 18.
3) . الأعراف: 157.
4) . الأنعام: 38.
5) . خطب إبن أمّ عبد عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و قال: أيها النّاس! انّ اللّه عزّ و جلّ ربّنا، و انّ الإسلام ديننا و انّ القرآن أمامنا، و انّ البيت قبلننا، و انّ هذا نبيّنا - و أومأ إلى النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم - رضينا ما رضي اللّه لنا و رسوله، و كرهنا ما كره اللّه لنا و رسوله، و السّلام عليكم. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أصاب إبن امّ عبد و صدق، رضيت بما رضي اللّه لأمّتى... مجمع الزوائد: 290/9. سير اعلام النبلاء: 484/1، سبل الهدي و الرشاد، الصالحي الشامي: 402/11.
و أمّا الإجماع: فقوله تعالى: «وَ مَنْ يُشٰاقِقِ اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدىٰ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مٰا تَوَلّٰى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً»(1).
و إنّما يكون الإجماع من الأمّة حجّة، لأنّ فيهم معصوما فى كلّ زمان!.
و امّا السنّة و الأخبار:
قال عليه السّلام: سيأتي قوم يحدّثونكم بما لم تسمعوا أنتم و لا آبائكم، فقابلوا ذلك بكتاب اللّه.(2)
عن محمّد بن مسلم، قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: يا محمّد! ما جائك من رواية من برّ أو فاجر، يخالف القرآن، فلا تأخذ بها.
عن كليب الأسدي: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: ما أتاكم عنّا من حديث لا يصدّقه كتاب اللّه، فهو باطل.
عن سدير: كان أبو جعفر و جعفر عليهما السّلام يقولان: لا يصدّق عليّ إلا ما يوافق الكتاب.
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: قد كثرت الكذّابة علينا، فايّ حديث ذكر يخالف كتاب اللّه، فلا تأخذوه، فليس منّا.
خطب رسول اللّه بمنى فقال: يا أيها النّاس، ما جائكم عنّي يوافق القرآن، فأنا قلته، و ما جائكم يخالف القرآن فلم أقله.
عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: الوقوف عند الشبهة خير من الإقتحام فى الهلكة. انّ علي كلّ حقّ حقيقة، و لكلّ صواب نورا، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فدعوه.
عن ايوب، سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: كلّ شيئ مردود إلى الكتاب و السنّة، و كلّ حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف.
و عن طريق العامّة أيضا: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: سيكون فى آخر الزّمان ناس من امّتى يحدّثونكم بما لم تسمعوا به أنتم و لا آبائكم، فايّاكم و أيّاهم!! مسند أحمد: 2312/2 و فى بعض: لا يفتنونكم. مسند أحمد: 349/2، و فى الصحيح للمسلم: لا يضلّونكم و لا يفتنونكم: 9/1.
و أنظر أيضا أخبار العرض علي كتاب اللّه، قال عليه السّلام: إذا جائكم عنّي حديث، فاعرضوه علي كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فاقبلوه، و ما خالفه فاضربوا به عرض الحائط. التبيان: 5/1، الكافى: 69/1.
و أمّا الإستحسان: فقوله: «وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ»(3).
1) . النّساء: 115.
2) . لم نعثر عليه بألفاظه، و لقطب الراوندىّ رسالة فى «أحوال الأخبار» و قد أشرنا إليه فى آثاره قدّس سرّه فى المقدمة، و فيه ثمانية حديث: خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم النّاس بمنى فقال: أيّها النّاس! من جائكم عنّي يوافق القرآن فأنا قلته و ما جاءكم يخالف القرآن، فلم أقله.
3) . البقرة: 195.
4) . لم نعثر عليه، و فى الجعفريات البرّ ما طابت به النفس و أطمأنّ إليه القلب، و الأثم ما جال النفس و تردّد فى الصدر: 147، و أنظر أيضا: الميزان: العلامة الطباطبائي: 243/5، مسند أحمد: 228/4، الخرائج و الجرائح: 106/1، بحار الأنوار: 229/17، دلائل النبوّة، البيهقي: 292/6، تاريخ دمشق: 523/80، 341/62.
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الصدق طمأنيّة، و الكذب ريبة.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.(2)
و هذا هو الإحتياط!!
و أمّا موافقة الآخرة: فقوله تعالى: «مٰا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مٰا عِنْدَ اَللّٰهِ بٰاقٍ»(3)، و: «وَ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقىٰ»(4).
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أللهمّ لا تخزنا يوم القيامة، و لا تفضحنا يوم تبلي السّرائر، و تنشر الصحف، و يوضع الميزان بالقسط يوم القيامة.(7)
قيل له صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: اين نطلبك يوم القيامة؟! قال: عند الصّراط، قيل: إن لم ألقك هناك؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: عند الميزان، قيل: إن لم ألقك هناك؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: عند الحوض، فإنّي لا أخلوا من هذه المواطن.(8)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من يعمل خيرا من المؤمنين، فإنّه يكون أثقل فى ميزانه من جبل
1) . بحار الأنوار: 214/71، كشف الغمّة: 535/1.
2) . بحار الأنوار: 214/71، كشف الغمّة: 535/1.
3) . النحل: 96.
4) . ألاعلي: 17.
5) . مجموعة ورّام: 131/1 و فيه: من زهّد فى الدّنيا و قصر أمله فيها، أعطاه اللّه...
6) . عنه: مستدرك الوسايل: 317/11، و فى عيون الحكم و المواعظ: 150، و غرر الحكم: 3464، عن عليّ عليه السّلام.
7) . فى الدرّ المنثور: 111/2: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يقول: اللهم لا تخزنا يوم القيامة و لا تفضحنا يوم اللقاء، و فى أسد الغابة: 276/5: اللهم لا تفضحنا يوم القيامة و لا تخزنا يوم القيامة.
8) . أنظر: الأمالى، الشيخ الصدوق: 350، بحار الأنوار: 21/43، 35/8 عن فاطمة عليها السّلام: يا أبتاه أين ألقاك...
أحد.(1)
الف: ثواب ذكر «لا إله إلا اللّه، و اللّه اكبر، سبحان اللّه و الحمد للّه، أستغفر اللّه، و لا حول و لا قوّة إلا باللّه، هو الأول، و الأخر و الظاهر و الباطن، له الملك و له الحمد، يحيى و يميت و هو حيّ لا يموت، بيده الخير، و هو علي كلّ شيئ قدير»... يعطي قنطارا فى الجنة أثقل فى ميزانه من جبل احد. البلد الأمين: 55 و عنه البحار: 281/86، و المصباح للكفعمي: 86.
ب: ثواب من تبع جنازه حتى يصلّي عليها: مسند أحمد: 131/5.
فى سورة الأعراف: «وَ اَلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوٰازِينُهُ»(2)، و فى سورة المؤمنون: «فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوٰازِينُهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ وَ مَنْ خَفَّتْ مَوٰازِينُهُ فَأُولٰئِكَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خٰالِدُونَ»(3)، و فى «القارعة»: «فَأَمّٰا مَنْ ثَقُلَتْ مَوٰازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رٰاضِيَةٍ، وَ أَمّٰا مَنْ خَفَّتْ مَوٰازِينُهُ فَأُمُّهُ هٰاوِيَةٌ.» (4)و الموازين ثلاثة: نظري و عرفى و خبري:
فالنظري: ما ذكرناه. و العرفى: فى ساير الموازين. و الخبري: نذكره من بعد.
فى وزن الأعمال يوم القيامة و هي أعراض!!(5).
و قيل: إنّه يوزن صحايف الأعمال.
و قيل: معنى الآية: «وَ نَضَعُ اَلْمَوٰازِينَ» ذوات القسط، و معناه: نحضر الموازين الّتى لا جور فيها، نضع العدل فى المجازات بالحقّ، لكلّ أحد على قدر إستحقاقه، فلا يبخس المثاب، و لا يفعل بالمعاقب فوق ما يستحقّه.(6)
و قيل: معاملة الخلق على أربعة أوجه: عددي، و ذرعي، و كيلي، و وزنى،
1) . كذا فى المتن، و الظاهر أنّه سقطت كلمة او كلمات عن الفقرة الأولى، و لم نعثر عليها، و ليكن جائت فى المجامع الروائيّة عدة أحاديث ذكرت فيها الأعمال الّتى توزن ثوابها مع جبل أحد:
2) . الأعراف: 8.
3) . المؤمنون: 102 و 103.
4) . القارعة: 6-9.
5) . انظر: مجمع البيان: 178/7، 616/4، الكشاف: 120/3.
6) . انظر: مجمع البيان: 7.
فكذلك معاملة اللّه معك.
و العددي: قوله تعالى: «إِنَّمٰا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا»(1)، فالأنفاس بالعدد، و ليس لها من مدد، فما أسرع فناها.
و الذرعي: كالليل و النهار.
و الكيلي: كالأعمال: كقول النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الصّلاة مكيال، فمن أوفى إستوفى.(2)
و الوزنى: لقوله عليه السّلام: زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا.(3)
«القسط» مصدر، و هو بمعنى المقسطة، أي الموازين العادلة، و لا يقال: ميزان قسط، و موازين قسط، كما يقال: رجل عدل، و رجال عدل و رجلان عدل. و الميزان له كفّتان و عمود و لسان و سلسلة. و كفي بنا حاسبين، لأنّ المعنى:
إكتفوا بنا حاسبين.
أيّها العبد! «الخائف» أن يكون ميزانه خفيفا «فخفت موازينه»، فعليه أن يحاسب كلّ يوم نفسه، و يعرض ما عليه على العقل، و أعماله على الكتاب و السنّة، فإذا رجحت فى الدّنيا فإنّها ترجّح فى الآخرة، و إن لا، فلا!!.
1) . مريم: 84.
2) . بحار الأنوار: 347/73 و فيه: فمن و فى، و فى له، و هكذا فى معانى الأخبار: 283، المحلي، لإبن حزم: 239/2. فيض القدير: 49/4.
3) . بحار الأنوار: 310/4، نهج البلاغة: 122، شرح نهج البلاغة، لإبن ابى الحديد: 395/6، غرر الحكم: 4742.
4) . بحار الأنوار: 247/7 ملخصا، فيض القدير: 256/2 عن تفسير البغوي. زاد المسير، لإبن الجوزي: 115/3.
المجلس التّاسع و الثمانون فى قوله تعالى: «وَ أَيُّوبَ إِذْ نٰادىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ اَلضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ اَلرّٰاحِمِينَ»(1)
من رأس سورة الأنبياء إلى هيهنا، إثنتان و ثمانون آية.
أي: «و أذكر أيوب إذ نادي ربه» أي: دعا اللّه، أصابنى المشقّة فى جسدي، و أرحمنى و نجّنى «وَ أَنْتَ أَرْحَمُ اَلرّٰاحِمِينَ»، «فَاسْتَجَبْنٰا لَهُ» الدّعاء، «فكشفنا» أي:
فرفعنا «من ضرّ» أي: من شدّة، «و آتيناه» أي: أعطيناه «أهله» الّذين هلكوا، أي: أحييناهم له «وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ».
و قيل: أعطيناه أهله فى الجنّة، الّذين أهلكوا فى الدّنيا، «وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ»، و أعطيناه فى الدّنيا مثل ما هلكوا فى الدّنيا، «رحمة» و نعمة «مِنْ عِنْدِنٰا» و موعظة للمؤمنين.
«النّداء» يكون: من العبد ربّه، و من اللّه عبده.
فالأوّل: «وَ نٰادٰاهُمٰا رَبُّهُمٰا أَ لَمْ أَنْهَكُمٰا عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ»(2)، نداء العتاب لآدم.
«وَ نٰادَيْنٰاهُ أَنْ يٰا إِبْرٰاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيٰا» (3)، نداء الرّاحة و الفرح له. «وَ نٰادَيْنٰاهُ مِنْ جٰانِبِ اَلطُّورِ اَلْأَيْمَنِ وَ قَرَّبْنٰاهُ نَجِيًّا»(4)، نداء المناجاة و القربة. و نداء المنّة، و النعمة لأمة محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم «وَ مٰا كُنْتَ بِجٰانِبِ اَلطُّورِ إِذْ نٰادَيْنٰا»(5)، لأمّتك!!.
و الثّانى: «رَبَّنٰا ظَلَمْنٰا أَنْفُسَنٰا»(6)، من آدم و حوّا. «وَ لَقَدْ نٰادٰانٰا نُوحٌ فَلَنِعْمَ اَلْمُجِيبُونَ»(7)، طلبا للإجابة و النّجاة. «فَنٰادىٰ فِي اَلظُّلُمٰاتِ أَنْ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ أَنْتَ سُبْحٰانَكَ»(8)، من يونس فى الظّلمات الثّلاث. «إِذْ نٰادىٰ رَبَّهُ نِدٰاءً خَفِيًّا»(9)، من
زكريا، للرّجاء، و الهيبة. «وَ أَيُّوبَ إِذْ نٰادىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ اَلضُّرُّ»(1)، فكلّهم وجدوا السّلامة و البركة و الكرامة و الرّاحة و العطية. «إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلاٰةِ»(2)، نداء الخدمة. فيجب على المؤمنين أن يسارعوا إلى إقامتها، و لا تتكاسلون، بل يقولون: «رَبَّنٰا إِنَّنٰا سَمِعْنٰا مُنٰادِياً يُنٰادِي لِلْإِيمٰانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّٰا»(3).
«وَ إِذٰا نٰادَيْتُمْ إِلَى اَلصَّلاٰةِ اِتَّخَذُوهٰا هُزُواً وَ لَعِباً» (4).
و حكي اللّه عن مريم: «فَنٰادٰاهٰا مِنْ تَحْتِهٰا»(5)، و هذا نداء الكرامة و البشارة، فوجدت من ذلك، الأمن و الطهارة، «أَلاّٰ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا»(6).
و وجد الأمّة من ندائها، الرّحمة و المغفرة و السّعادة.
و وجد ايّوب عليه السّلام، الصحّة و الشفاء من ندائه.
و يحك!! كنّا فى النعماء سبعين عامّا!!، فهل نصبر فى الضرّاء مثلها؟!، فلم يمكث بعد ذلك إلاّ يسيرا، حتى عوفى(7)، لقوله: «فَكَشَفْنٰا مٰا بِهِ مِنْ ضُرٍّ».
1) . الأنبياء: 83.
2) . الجمعة: 9.
3) . آل عمران: 193.
4) . المائدة: 58.
5) . مريم: 24.
6) . مريم: 24.
7) . مستدرك الوسايل: 150/2، بحار الأنوار: 210/78، 348/12، الدعوات: 165، مجموعة ورّام: 40/1.
8) . لم نعثر عليه بألفاظه. و فى عدّة الدّاعي عن نبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أفضل العبادة الدعاء، و إذا أذن اللّه لعبد فى الدعاء، فتح له أبواب الرحمة، إنّه لن يهلك مع الدعاء أحد. عدّة الداعي: 41، و عنه، وسائل الشيعة: 32/7.
9) . بحار الأنوار: 304/84، 52/83، 93/27، و عن عليّ عليه السّلام: غرر الحكم: 192.
10) . بحار الأنوار: 208/75، كشف الغمّة: 207/2.
و قال صلى الله عليه و اله و سلم: من أكثر الإستغفار جعل الله له فرجا و مخرجا.(1)
و قال صلى الله عليه و اله و سلم: «لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم» دواء من تسعة و تسعين داء، أيسرها ا لهم.(2)
و قال علي عليه السلام: النصر مع الصبر، و الفرج مع الكرب، فَإِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً»(3).
و علّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عليا عليه السّلام: يا كائنا قبل كلّ شيئ، و يا مكوّن كلّ شيئ، و يا كائنا بعد كلّ شيئ، إجعل لى فرجا و مخرجا.(4)
و علّم صلّى اللّه عليه و اله و سلّم(5)، «أسماء بنت عميس»: لا إله إلاّ هو ربّي، لا أشرك به شيئا، لا إله إلاّ اللّه الحليم الكريم - إلى آخر دعاء الفرج -(6)
و كان عليّ عليه السّلام إذا رأي مؤمنا فى حال النزع لقّنه كلمات الفرج، فإذا قالها، قال عليه السّلام: لا أخاف عليه الآن!.(7)
و علّم ملك الموت يعقوب عليه السّلام: يا كثير الخير يا دائم العفو يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا و لا يحصيه غيرك، فما طلع الفجر، حتّي أتي بقميص يوسف.(8)
و علّمه عليه السّلام جبرئيل: يا من لا يعلم كيف هو إلاّ هو، و يا من لا تبلغ قدرته،
1) . مستدرك الوسايل: 319، 277/5، و أنظر أيضا: بحار الأنوار: 348، 284، 281/90، جامع الأخبار: 57، الجعفريات: 228، عدّة الداعي: 265.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 374/5.
3) . لم نعثر عليه عن عليّ عليه السّلام، و الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فى: وسايل الشيعة: 263/15، مستدرك الوسايل: 263/11، 430، 426/2، بحار الأنوار: 90/74، اعلام الدّين: 199، أمالى الطوسي: 535، 675، مجموعة ورام: 62/2، مكارم الأخلاق: 469.
4) . الدّعاء فى مفتاح الفلاح: 84 هكذا: يا كائنا قبل كلّ شيئ و يا كائنا بعد كلّ شيئ و يا مكوّن كلّ شيئ، صلّ علي محمّد و آل محمّد و إجعل لى من أمري فرجا و مخرجا، و أرزقنى من حيث أحتسب و من حيث لا أحتسب، و لم نعثر علي تعليمه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم اياه عليه السّلام!!.
5) . لم نعثر عليه.
6) . انظر فى كلمات الفرج: الكافى: 284/4، 124، 122/3، الفقيه: 131/1، التهذيب: 287/1.
7) . التهذيب: 288/1 مع اختلاف يسيرو فيه: إذهب و ليس عليك بأس، و هكذا فى وسايل الشيعة: 460/2.
8) . المصباح للكفعمي: 296 و الدعاء هكذا: يا ذا المعروف الّذي لا ينقطع أبدا و لا يحصيه غيره يا كثير الخير، يا قديم ألإحسان، يا دائم المعروف، يا معروفا بالمعروف، يا من هو بالخير موصوف، إكفنا شرّ ما يعمل الظالمون.
فأتاه البشير.(1)
قد ذكرنا أنّ النداء من اللّه للعبد أربع(3).
و للأمّة: «وَ مٰا كُنْتَ بِجٰانِبِ اَلطُّورِ إِذْ نٰادَيْنٰا»(4)، يعنى: أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
و نداء الخلق للّه: نداء نوح و يونس و زكريا و ايوب عليهم السلام.(5)
و نداء الخلق للخلق: فنداء الملائكة لزكريا: «فَنٰادَتْهُ اَلْمَلاٰئِكَةُ وَ هُوَ قٰائِمٌ يُصَلِّي فِي اَلْمِحْرٰابِ»(6)، «إِنَّ اَلَّذِينَ يُنٰادُونَكَ مِنْ وَرٰاءِ اَلْحُجُرٰاتِ»(7)، «إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلاٰةِ»(8)، و نداء قوم صالح عليه السّلام: «فَنٰادَوْا صٰاحِبَهُمْ»(9)، «فَنٰادَوْا وَ لاٰتَ حِينَ مَنٰاصٍ»(10)، «يُنٰادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ»(11)، «وَ نٰادَوْا يٰا مٰالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنٰا رَبُّكَ»(12)، «إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُنٰادَوْنَ لَمَقْتُ اَللّٰهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ»(13).
قدّم أيّوب عليه السّلام فى البلاء جسمه، فقدّم اللّه فى الجزاء إسمه.(14)
1) . لم نعثر عليه. و هو من دعاء عليّ بن محمد الهادى عليه السّلام: بحار الأنوار: 190/88، جمال السبوع: 278.
2) . لم نعثر عليه. انظر الدعاء عن الصّادق عليه السّلام: جمال الأسبوع: 276.
3) . الاعراف: 22، الصافات: 105، مريم: 52.
4) . القصص: 46.
5) . الانبياء: 83، 87، صافات: 75، مريم: 4.
6) . آل عمران: 39.
7) . الحجرات: 4.
8) . الجمعة: 9.
9) . القمر: 29.
10) . ص: 3.
11) . الحديد: 14.
12) . الزخرف: 77.
13) . غافر: 10.
14) . الأنبياء: 83.
و روي: لّما إشتدّت به المحنة قال: إلهى! ما رأيت عريانا إلاّ كسوته، و لا جائعا إلاّ أشبعته، فلم أبليتنى؟! فقال: صدّقت، فقال: مسّنى الضرّ و أنت أرحم الراحمين، فشفاه اللّه.(1)
و روي: أنّ جبرئيل قال له: إنّ بلاء اللّه فى خزائنه كثير، و أنت لا تطيق، فادع اللّه بالكشف، فدعا، و قال: مسّنى الضرّ.(2)
و سئل النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: عن قوله عليه السّلام: «مسنّي الضرّ»؟! فقال: و اللّه ما شكي، و لكنّه صبر فى بلائه سنين، و الأنبياء لا يشكون إلاّ إلى اللّه(3).
و الشّكاية إليه تعالى جايزة، كما قال يعقوب عليه السّلام: «أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اَللّٰهِ»(4).
«الضرّ» بالفتح، للضرّر فى كلّ شيئ، و بالضمّ، الضرر فى النّفس من مرض و هزال. و فرّق عليه السّلام بين البنائين، لإفتراق المعنيين، و ألطف فى السؤال، حيث ذكر
1) . لم نعثر عليه بألفاظه، و الرواية علي ما فى المصادر و الآثار هكذا: كان لأيّوب عليه السّلام أخوان، فجاءا يوما، فلم يستطيعا أن يدنو منه من ريحه!!، فقال أحدهما للآخر: لو كان اللّه علم من أيّوب عليه السّلام خيرا ما إبتلاه بهذا!، فجزع إيوب عليه السّلام من قولهما جزعا لم يجزع من شىء قطّ، فقال: اللّهم إن كنت تعلم أنّي لم أبتّ ليلة قطّ شبعان، و أنا أعلم مكان جايع، فصدّقنى، فصدّق من السماء و هما يسمعان، ثم قال: اللّهم إن كنت تعلم انّي لم يكن لى قميصان قطّ و أنا أعلم مكان عار، فصدّقنى!! فصدّق من السماء و هما يسمعان، ثم قال: اللّهم بعزّتك - ثم خر ساجدا - فقال: اللّهم بعزّتك لا أرفع رأسي أبدا حتّي تكشف عنّي، فما رفع رأسه حتى كشف عنه!!. بحار الأنوار: 12/371 عن الثعلبى فى العرايس: عن وهب و كعب و غيرهما من اهل الكتاب؟! (96 الى 103)، تفسير إبن كثير: 37/5، الجامع البيان: 56/17(325/11)، تفسير ابن أبى حاتم: 2459/8، زاد المسير: 206/3، الدرّ المنثور: 328/4، و فيه: أخرج ابن أبى شيبة، و أحمد فى الزهد، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر و ابن أبى حاتم، و أبو نعيم فى الحلية الاولياء، عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير، فتح القدير: 499/3، الكشف و البيان عن تفسير القرآن (الثعلبى): 298/6، مفاتيح الغيب: 773/22.
2) . تفسير سورآبادي: 2141/3.
3) . لم نعثر عليه. و فى البحر المديد فى تفسير القرآن المجيد، لابن عجيبة أحمد بن محمّد: 490/3 (جاء اليه رجل فسأله عن قول ايّوب: «مَسَّنِيَ اَلضُّرُّ»؟! فبكا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و قال: و الذي بعثنى بالحقّ نبيّا، ما شكي فقرا نزل من ربّه، و لكن كان فى بلائه سبع سنين و سبعة أشهر و سبعة أيام و سبع ساعات، فلمّا كان فى بعض السّاعات و ثب ليصلّي، فلم يستطع النهوض! فقال: مسّنى الضرّ...)
4) . يوسف: 86.
نفسه، بما يوجب الرّحمة، و ذكر ربّه بغاية الرّحمة، و لم يصرّح بالمطلوب!!.
أيها السّالم الصحيح البدن! قال أمير المؤمنين عليه السّلام: ما المبتلي الّذي إشتدّت به البلاء، بأحوج إلى الدّعاء من المعافى الّذي لا يأمن البلاء!!.(1)
فأدع اللّه اليوم، قبل أن تدعوا «اللّه» أو «مالكا» أو «الخزنة»، فلا تجاب بما ينفعك!!، فإنّ أهل النّار يقولون: «رَبَّنٰا أَخْرِجْنٰا مِنْهٰا فيقال لهم اِخْسَؤُا فِيهٰا وَ لاٰ تُكَلِّمُونِ»(3).
و يقولون لمالك: «لِيَقْضِ عَلَيْنٰا رَبُّكَ» فيجيبهم: «إِنَّكُمْ مٰاكِثُونَ»(4).
و يقولون للخزنة: «اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّٰا يَوْماً مِنَ اَلْعَذٰابِ قٰالُوا: أَ وَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنٰاتِ قٰالُوا بَلىٰ قٰالُوا فَادْعُوا وَ مٰا دُعٰاءُ اَلْكٰافِرِينَ إِلاّٰ فِي ضَلاٰلٍ»(5).
المجلس التسعون فى قوله تعالى: «وَ ذَا اَلنُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغٰاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ»(1).
أي: أذكر صاحب الحوت - يونس بن متى عليه السّلام - حين ذهب من بين قومه، فإنّه كان دعاهم مدّة طويلة، فلم يؤمنوا به، و كانوا يؤذونه، حتّي أوعدهم اللّه بالعذاب، فخرج مغاضبا لقومه و لاعمالهم القبيحة، فظنّ أن لن نضيق عليه، يعنى: من كان فى تكليف شاق، فإن أخرج اللّه منه أدخله فى تكليف أشقّ منه أو مثله. و من قال: إنّه خرج مغاضبا لربّه، فظنّ أن لن يقدر اللّه عليه و على أخذه!!، فقد أساء الثّناء على اللّه، و هذا الظّن من يونس لم يكن، بل هو من باب التمثيل، يعنى حاله ممثّلة بحال من ظنّ أن لن يضيق عليه.
و الصحيح انّه شدّة تكليف، لا تأديب و لا عقوبة.
«فَنٰادىٰ فِي اَلظُّلُمٰاتِ»: فى ظلمة الليل و ظلمة البحر و ظلمة بطن الحوت، عن إبن عباس. و قيل كان حوت فى بطن حوت!!. «فَاسْتَجَبْنٰا لَهُ وَ نَجَّيْنٰاهُ مِنَ اَلْغَمِّ» أي عن بطن الحوت، «نُنْجِي اَلْمُؤْمِنِينَ» إذا دعونا، كما أنجينا يونس من تلك الشدّة.
إعلم! أنّ الأنبياء كلّهم معصومون لم يرتكبوا ذنبا، لا صغيرة و لا كبيرة، و لا عمدا و لا تأويلا و لا نسيانا، بل لم يفعلوا شيئا منفّرة فى العادة، و إن لم يكن قبيحا. و من قال: عاتب اللّه ستّة من الأنبياء!!: نوحا و إبراهيم و يعقوب و داود و ايوب و يونس!! عليهم السّلام، فقد أساء الظنّ بالأنبياء.
قالوا: إنّ نوحا قال: «رَبِّ لاٰ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكٰافِرِينَ دَيّٰاراً»(2)، دعا بهلاك قومه، فابتلاه بهلاك إبنه «كعنان»(3).
و إبراهيم عليه السّلام لمّا عرج به، رأي رجلا على فاحشة، فدعا عليه بالهلاك، و رأي ثانيا، فنودي: رويدك!!! فإمتحنه اللّه بما أمر به من ذبح إبنه.
و يعقوب عليه السّلام ذبح جديا بين يدي أمّه!!، فابتلاه اللّه بفراق يوسف عليه السّلام.
و داود عليه السّلام قرأ الزّبور، فبلغ إلى حديث العصاة، فدعا عليهم، فابتلي ببلية لشؤم ذلك.
و ايوب عليه السّلام كان فى داره أضيافه، و أتاه سائل، و لم يعطوه بشغلهم بالأضياف، فسئل اللّه منه... كلّ ذلك بشؤمه!!.
و يونس عليه السّلام، قنط قومه و تركهم فى مدّ العذاب و خرج من بينهم، فتركه فى ظلمات ثلاث، ظلمة البحر و ظلمة أمعاء السّمك و ظلمة بطنها.
قالوا: فمجموع هذه الستّة، ثلاثة أشياء:
أحدها: شؤم المعصية و المداهنة.
و الثّانى: شؤم القساوة و ترك الرّحمة.
و الثّالث: ترك الصّدقة و الرّحمة على الضعفاء.
فسبحان اللّه!! ما أحسن قول من قال: شعر:
و من يك ذا فم مرّ مريض *** يجد مرّا به الماء الزلالا(1).
إنّ أشدّ النّاس بلاء، الأنبياء، ثمّ الأمثل فالأمثل.
و كلّ ما ذكرناه، يمكن أن يقال: إنّه شدّة التكليف، و ليس بتأديب و لا عقوبة، كما يقتضيه أدّلة العقل، على أنّ هم عليهم السّلام منزّهون عن مثل ذلك.
سئل النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أي النّاس أشدّ بلاء؟! قال: الأنبياء، ثمّ الصّالحون، ثمّ الأمثل فالأمثل.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إذا أحبّ اللّه عبدا إبتلاه، فإذا أحبّه اللّه الحبّ البالغ إفتناؤه، قالوا:
و ما إفتناؤه؟! قال: لا يترك له مالا و ولدا.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ الحذر لا ينجي من القدر، لكن ينجي منه الدعاء، فتقدّموا فى الدّعاء قبل أن ينزل بكم البلاء، إنّ اللّه يدفع بالدّعاء ما نزل من البلاء و ما لم ينزل.(2)
و قال الصّادق عليه السّلام: إنّ الدعاء يردّ القضاء المبرم بعد ما أبرم إبراما.(3)
قال تعالى: «أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ وَ يَكْشِفُ اَلسُّوءَ»(4).
«وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ اَلسَّوْءِ» (5)، «وَ مٰا ظَنُّ اَلَّذِينَ يَفْتَرُونَ»(6)، «وَ مٰا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّٰ ظَنًّا»(7)، «وَ ظَنُّوا أَنْ لاٰ مَلْجَأَ مِنَ اَللّٰهِ إِلاّٰ إِلَيْهِ»(8)، «فَمٰا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ اَلْعٰالَمِينَ»(9)، «اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاٰقُوا رَبِّهِمْ»(10).
و الظنّ فى القرآن على ثلاثة أوجه:
اليقين: «إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاٰقٍ حِسٰابِيَهْ»(11).
و الشكّ: «إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ»(12).
و التهمة: «وَ مٰا هُوَ عَلَى اَلْغَيْبِ بِضَنِينٍ»(13)
بحار الأنوار: 248/56، 171/18.
.1) . بحار الأنوار: 188/78، إرشاد القلوب: 68/1، الدعوات للراوندي: 166، شرح نهج البلاغة: 318/18.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 176/5، بحار الأنوار: 300/90، الدعوات، للراوندي: 284.
3) . مستدرك الوسايل: 176، 166/5، بحار الأنوار: 299، 295/90، الدعوات: الرّاوندي: 17، فلاح السائل: 28.
4) . النمل: 62.
5) . الفتح: 12.
6) . يونس: 60.
7) . يونس: 36.
8) . التّوبة: 118.
9) . الصافات: 87.
10) . البقرة: 46.
11) . الحاقة: 20.
12) . ألإنشقاق: 14.
13) . التكوير: 24، قرأ أهل البصرة، غير سهل و إبن كثير و الكسائي «بالظاء»، و الباقون «بالضاء» فعلي الأول، أي: ليس بمتّهم فيما يخبر به عن اللّه، و علي الثانى: ليس ببخيل فيما يؤدي عن اللّه.
معنى مغاضبته عليه السّلام لقومه، أنّه أغضبهم لمفارقته، لخوفه حلول العقاب عليهم.
و لمّا أراد السؤال و الدّعاء، قدّم ذكر التوحيد و العدل، فقال: «أَنْ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ أَنْتَ سُبْحٰانَكَ»، ثمّ قال: «إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظّٰالِمِينَ»، أي من الذين يقع منهم الظلم. و إنّما قاله، على سبيل الخشوع و الخضوع، لأنّ جنس النّبيّين لا يقع منه وقوع الظلم.
«النّون» الحوت، فأضيف إليه عليه السّلام، و «نقدر» هذا من القدر و التقدير، لا القدرة، و تقدير «فظنّ» أي «أفظنّ»، و حذف حرف الإستفهام فى كلام العرب كثير، و أنكره «الرّمانى»، فلا يصحّ.
و هذا من باب التمثيل، يعنى حاله ممثّلة بحال من ظنّ أن لن نقدر عليه، و لا نشدّد عليه التكليف ايضا، و لا نضيق عليه.
من كان أقرب إلى اللّه، فبلاياء الدّنيا إليه أقرب.
1) . وسايل الشيعة: 402، 15/9، مستدرك الوسايل: 167/5، بحار الأنوار: 301/90، الخصال: 620/2، الدعوات: الرّاوندي: 21، شرح نهج البلاغة: 345/18، نهج البلاغة: 495.
2) . الكافى: 468/2، وسايل الشيعة: 39/7، و عن لب اللباب: مستدرك الوسايل: 167/5، بحار الأنوار: 291/90، ثواب الأعمال: 26، الدعوات: 18، عدّة الداعي: 205/16، عوالى اللئالى: 350/1، مصباح الكفعمي: 769، مكارم الأخلاق: 268.
المجلس الحادي و التسعون فى قوله تعالى: «إِنَّ اَلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا اَلْحُسْنىٰ أُولٰئِكَ عَنْهٰا مُبْعَدُونَ لاٰ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهٰا وَ هُمْ فِي مَا اِشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خٰالِدُونَ»(1).
من رأس السّورة إلى هيهنا مائة آية.
يعنى: أنّ «عيسى» و «عزير» و «مريم» و إن كانت النصاري و اليهود، لأتّخذنهم لأنفسهم معبودين، فكلّهم مبعّد عن النّار و منجّي عنها. و «قد سبقت لهم الحسنى»: قد وجبت لهم الجنّة، «لاٰ يَسْمَعُونَ» صوتها.
و نزل من قوله: «إِنَّكُمْ وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ»(2)، إلى هيهنا(3)فى شأن «عبد اللّه بن الزبعري الشّاعر»(4)، فإنّه أتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فقال: يا محمّد! صلّى اللّه عليه و اله و سلّم:
ألست تزعم أنّ عزيرا رجل صالح، و أنّ عيسى رجل صالح، و أنّ مريم إمرأة صالحة؟!! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: بلي، قال: فإنّ هؤلاء يعبدون من دون اللّه، أ أنّهم فى النّار؟! فأنزلها اللّه.(5)
إعلم! أنّ اللّه ذكر المؤمنين بأربع سبقات من نفسه:
سبقة الرّحمة: «وَ لَوْ لاٰ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ»(6)، و تفسيره فى قوله: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلىٰ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ»(7)، «وَ كٰانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً»(8).
و سبقة المغفرة: «لَوْ لاٰ كِتٰابٌ مِنَ اَللّٰهِ سَبَقَ»(9)، يعنى المغفرة لأهل المعرفة، و
تفسيره فى آخر آية: «وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»(1).
و سبقة الوعد: «إِنَّ اَلَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اَللّٰهُ ثُمَّ اِسْتَقٰامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ أَلاّٰ تَخٰافُوا وَ لاٰ تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ اَلَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ»(2)، و يفسّره: «هٰذٰا يَوْمُكُمُ اَلَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ»(3).
و سبقة النصرة: «وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنٰا لِعِبٰادِنَا اَلْمُرْسَلِينَ»(4)، و تفسيره آخر آية:
«إِنَّهُمْ لَهُمُ اَلْمَنْصُورُونَ» (5).
و السّبق إلى الإيمان و إلى الطّاعات، هو الفضيلة، قال تعالى: «اَلسّٰابِقُونَ اَلْأَوَّلُونَ»(6)، مدحهم بالسبق، لأن السابق إلى الشيئ، يتبعه غيره، فيكون متبوعا، و غيره تابع له، فهو إمام فيه، و داع له إلى الخير، بسبقه إليه.
و الآية نزلت فيمن صلّي إلى القبلتين. و قيل: فيمن بايع بيعة الرّضوان - و هي بيعة الحديبية -. و قيل: هم أهل بدر. و قيل: هم الذين أسلموا قبل الهجرة.
و قوله: «اَلسّٰابِقُونَ اَلسّٰابِقُونَ أُولٰئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ فِي جَنّٰاتِ اَلنَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ وَ قَلِيلٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ»(7)، و الثلّة: الأمّة الكثيرة. و المعنى: إنّ السّابقين كثير من الأولين، و هم الأنبياء و الأوصياء من لدن آدم عليه السّلام إلى محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، «و قليل من الآخرين»، و هم الحجج، لأنّه لم يكن منذ عهد محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فى الأرض، و لا يكون فى كلّ زمان إلى قيام السّاعة الاّ حجّة. و قد كان قبل محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فى وقت الأنبياء حجج كثيرة.
و قيل: «من الأوّلين» من متقدّمي هذه الأمّة، و «من الآخرين» من متأخّريها.
و لمّا ذكر أصحاب اليمين، قال: «ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ وَ ثُلَّةٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ»، الذين
هم أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، كثيرة، كما انّ الأمم هم كثيرون من الأوّلين.
و اختلف فى أوّل من أسلم من المهاجرين، فقيل: أنّ أوّل من آمن خديجة بنت خويلد - سلام اللّه عليها - ثم عليّ بن أبى طالب عليه السّلام.
و «إبن عبّاس» و «جابر» و «أنس» و «زيد بن أرقم» و «مجاهد» و «قتادة» و «إبن إسحاق» و غيرهم قالوا: بعث النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يوم الإثنين، و صلّي عليّ عليه السّلام و أسلم يوم الثلثاء(2)، و هو إبن عشر سنين. و كان عليه السّلام مع رسول اللّه، أخذه عن أبى طالب و ضمّه إلى نفسه، و يربّيه فى حجره، و كان معه حتّي بعث صلّى اللّه عليه و اله و سلّم نبيا(3).
و قيل: انّه أسلم و له تسع سنين.
و قيل: إثنتا عشرة سنة، و هي الصحيح.(4)
و فى تفسير الثعلبى: روي إسماعيل بن أياس بن عفيف، عن أبيه عن جدّه عفيف، قال: كنت إمرءا تاجرا، فقدمت مكّة أيام الحجّ، فنزلت على العبّاس بن عبد المطلب، و كان العبّاس لى صديقا، و كان يختلف إلى اليمن، يشتري العطر، فيبتعه أيام الموسم، فبينما أنا و العبّاس بمنى، إذ جاء رجل شابّ، حين خلقت الشّمس فى السّماء، فوفى ببصره إلى السّماء، ثمّ إستقبل الكعبة، فقام مستقبلها، فلم يثبت حتّي جاء غلام، فقام عن يمينه، و لم يثبت أن جاء، جائت إمرأة فقامت خلفهما، فركع الشّاب، فركع الغلام و المرأة، فخرّ الشاب ساجدا، فسجدا معه، فرفع الشاب، فرفعا معه، فقلت: يا عبّاس! أمر عظيم!!، فقال: أمر عظيم!!،
1) . روضة الواعظين: 85. شرح أصول الكافى، للمازندرانى: 376/6، مناقب أمير المؤمنين، للكوفى: 283/1، ترجمة أمير المؤمنين عليه السّلام من تاريخ دمشق: 80/1 و أنظر أيضا المصادر و الأسانيد فيها.
2) . مناقب آل ابى طالب، لإبن شهر آشوب: 297، 291/1، الصراط المستقيم: 236/1، جواهر المطالب، لإبن الدمشقي: 43/1، تاريخ بغداد: 134/1.
3) . تفسير مجمع البيان: 112/5 و عنه تفسير نور الثقلين: 256/2.
4) . تفسير مجمع البيان: 112/5.
فقلت: ما هذا؟! فقال: هذا إبن أخي محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بن عبد اللّه بن عبد المطلب، يزعم أنّ اللّه بعثه رسولا، و أنّ كنوز «كسرى» و «قيصر» ستفتح عليه!!، و هذا الغلام عليّ بن أبى طالب، و هذه المرأة خديجة بنت خويلد، زوجة محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، تابعاه على دينه، و أيم اللّه!! ما على ظهر الأرض كلّها أحد على هذا الدّين غير هؤلاء!!.
قال عفيف الكندي بعد ما أسلم و رسخ الإسلام فى قلبه: يا ليتنى كنت رابعا.(1)
و عن جماعة: انه سمعوا عليّا يقول على منبر البصرة: أنا الصديق الأكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، و أسلمت قبل أن يسلم.(2)
و قال خزيمة بن ثابت الأنصاري:
ما كنت أحسب أنّ الأمر منصرف *** عن هاشم ثمّ منه عن أبى حسن
فما الّذي ردّكم عنه فنعلمه *** ها أن بيعتكم من أوّل الفتن
أليس أوّل من صلّي بقبلتكم *** و أعلم النّاس بالآثار و السنن
و آخر النّاس عهدا بالنّبىّ و من *** جبريل عون له بالغسل و الكفن
من فيه ما فى جميع النّاس كلّهم *** و ليس فى النّاس ما فيه من الحسن(3)
1) . تفسير الثعلبى: مخطوط: 210، روضة الواعظين: 85، العمدة، إبن البطريق: 63، ذخائر العقبى، أحمد بن عبد اللّه الطبري: 59، بحار الأنوار: 208/18 عن دلائل النبوّة للبيهقي: مسند أحمد: 209/1، مجمع الزوائد: 102/9 و 103 و فيه: فكان عفيف: إبن عمّ الأشعث بن قيس، المعجم الكبير، الطبرانى: 101/18، شرح نهج البلاغة: 120/4، تفسير مجمع البيان: 112/5 عن تفسير الثعلبى، التاريخ الكبير: البخاري: 75/7، تهذيب الكمال: 504/2، ميزان ألإعتدال: 224/1، تاريخ الطبري: 57/2 و فى طبعة أخرى: 312/2، البداية و النهاية: 35/3، الضعفاء للعقيلي: 5/1 و شواهد التنزيل لقواعد التفضيل: 112/1 و كشف الأسرار: 203/4. و زبدة الفاسير: 158/3. و و.
2) . كنز الفوائد، الكراجكي: 121، التعجب، له أيضا: 34، ألإحتجاج: 146/2، ذخائر العقبى: 58، الغدير: 283/2، الأحاد و المثانى، الضحاك: 151/1، شرح نهج البلاغة: 228/13، انساب الأشراف: 324/1، المعارف: 169، ترجمة ألإمام علي من تاريخ دمشق: لإبن عساكر: 91/1.
3) . الأشعار تنسب تارة إلى: بعض ولد أبى لهب بن عبد المطلب: بحار الأنوار: 352/28، شرح نهج البلاغة: 21/6، الموفّقيات: 580، و تارة إلى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب: إعلام الوري: 186، الصراط المستقيم: 247/1 و الفصول المختاره: 268 و الغدير: 231/3 و المناقب لإبن شهر آشوب. و ثالثة إلى عبد اللّه بن أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: الجمل للشيخ المفيد: 118، و رابعة إلى أبى سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس!!! شرح نهج البلاغة: 232/13، و خامسة إلى عباس بن عبدالمطلّب!!: كشف الغمّة: 67/1، و مناقب الخوارزمي: 40، و سادسة إلى سفيان بن الحرث بن عبد المطلب: كنز الفوائد: 267/1، و سادسة إلى فضل بن عباس بن عتبة بن أبى لهب: ألإستيعاب، المطبوع بهامش ألإصابة: 27/3 و الجوهرة فى نسب ألإمام علي و آله، البري: 122. و سابعة إلى عتبة بن أبى لهب: الغدير: 93/7 تاريخ إليعقوبى: 124/2، و ثامنة إلى حسّان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري الخزرجي: تفسير كنز الدقايق: 232/1، و إلى خزيمة بن ثابت الأنصاري: كما فى المتن و ألإرشاد، للمفيد: 32/1، و مستدرك الصحيحين: 114/3، و عاشرة: إلى سلمان الفارسي: النزاع و التخاصم للمقريزي: 103 و التدوين فى أخبار قزوين: للرافعي: 78/1 و 79، و فيه: ليس لسلمان غير هذه الأبيات.
«مٰا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهٰا» (2)، «أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئٰاتِ أَنْ يَسْبِقُونٰا»(3)، «وَ مٰا كٰانُوا سٰابِقِينَ»(4)، «وَ مِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ»(5)، «وَ لاٰ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاٰ يُعْجِزُونَ»(6)، «فَالسّٰابِقٰاتِ سَبْقاً»(7)، «وَ هُمْ لَهٰا سٰابِقُونَ»(8).
إن قيل: أي فائدة فى إدخال الأصنام النّار؟! قيل: يعذّب بها المشركون الذين عبدوها، فتكون زيادة فى غمّهم و حسرتهم، و يجوز أن ترمي بها فى النّار توبيخا للكفّار، حيث عبدوها و هي جماد لا تنفع و لا تضرّ.
1) . أمالى الطوسي: 245، 147، بحار الأنوار: 2120/38، 55/35، 424/22، 339/7، ألإرشاد للطوسي: 147، رجال الكشي: 26، بشارة المصطفي: 84، كشف الغمّة: 385/1، المناقب لإبن شهر آشوب: 315/2.
2) . الحجر: 5، المؤمنون: 43.
3) . العنكبوت: 4.
4) . العنكبوت: 39.
5) . فاطر: 32.
6) . الأنفال: 59.
7) . النازعات: 4.
8) . المؤمنون: 61.
و قيل: المراد بقوله: «وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ» الشّياطين الذين دعوهم إلى عبادة غير اللّه، فأطاعوهم، فكأنّهم عبدوهم، كما قال: «يٰا أَبَتِ لاٰ تَعْبُدِ اَلشَّيْطٰانَ».
لمّا أنزل اللّه: «إِنَّكُمْ وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ»(1)، فقرأها النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم على كفّار قريش، فحزنوا، ثمّ خرج رسول اللّه عن المسجد، و تركهم محزونين، فدخل عليهم «إبن الزّبعرى»(2)، فقال: ما أصابكم؟! فقالوا: إنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أخبرنا بما قال، فقال: لو انّي حاضر لأجبته، فلمّا دخل النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم المسجد، سأله «إبن الزّبعرى» و قال: هذه الآية عام أو خاص؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: عامّ!! قال:
خصمتك - و ربّ الكعبة - فإنّ عيسى و عزيرا و الملائكة قد عبدوا، فإن كانوا معنا فى النّار، فيجوز لنا!!. فنزلت: «إِنَّ اَلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا اَلْحُسْنىٰ»(3).
فان قيل: يلزم أنّ النّبىّ انقطع فى حجّته!!، قلنا: لا يلزم، لأنّ قوله صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: انّها عام، يعنى فى الخاطبين من أهل مكّة، و هم عبدوا الجنّ، و ظنّوا انّها الملائكة. و ايضا: لفظ «ما» يقع على الجماد، و «من» على العقلاء، و سألوا على وجه واحد، فقالوا: أنّ عيسى قد عبد، و الملائكة قد عبدوا؟! الجواب: انّهم لا يدخلون فى الآية، لأنّ «ما» لما لا يعقل، و العموم لا صيغة له لغة، و لانّ الخطاب لأهل مكّة، و انّما كانوا يعبدون الأصنام.
تعالوا! حتى تعلموا أيها الغافلون! من كان سابقا إلى الإسلام؟!!، و من كان سبّاقا إلى كلّ غاية فى العلم و الشجاعة؟!! و كلّ خصلة من خصال الخير؟!!
أليس الأمّة قد إجتمعت أنّ عليّا عليه السّلام كتب إلى معاوية:
محمّد النّبىّ أخي و صهرى *** و حمزة سيّد الشهداء عمّى
و بنت محمّد سكنى و عرسى *** منوط لحمها بدمي و لحمى
و سبط أحمد نجلاي منها *** فأيكم له سهم كسهمى
سبقتكم إلى الإسلام طرّا *** غلاما ما بلغت أوان حلمى
و أوجب طاعتى فرضا عليكم *** رسول اللّه يوم غدير خمّى(1)
و ما ان زلت أضربهم بسيفى إلى أن ذلّ للإسلام قومى
فويل ثم ويل ثم ويل لمن يلقي الإله غدا بظلمى فلمّا قرأها معاوية، قال: مزّقه يا غلام! لا يقرأها أهل الشام فيميلون نحو إبن أبى طالب!!. و أنظر أيضا: مناقب إبن شهر آشوب: 19/2، بحار الأنوار: 238/38، 132/33، الأربعين للماحوزي: 198، خلاصة عبقات الأنوار: 335/8، 164/7، الغدير: 32/2، ينابيع المودّة، القندوزي الحنفي: 68، ألإحتجاج: 265/1، كنز الفوائد: 122، الفصول المختارة: 70، تذكرة الخواص، سبط لإبن الجوزي: 115، نظم درر السمطين، الزرندي: 97، نهج السعادة: 164/4، ترجمة ألإمام علي عليه السّلام من تاريخ مدينة دمشق، للمحمودي: 249، 245، 243/3، شرح نهج البلاغة، لإبن ابى الحديد: 122/4، كنز العمال: 112/13، تاريخ دمشق: 521/42، البداية و النهاية: 9/8، جواهر المطالب: 131/2، سبل الهدي و الرشاد، للصالحي الشامي: 301/11، الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين: 540، الرقم 413، معجم الأدباء: 47/14، مطالب السؤول: 11، السيرة الحلبية: 294/1، و قد شرح الحسين بن معين الدّين الميبدي هذه الأشعار فى شرحه لديوان أمير المؤمنين المسمي بالفواتح، و أوضح معناها: 405-407.
.1) . روضة الواعظين: 87 و فيه زيادة:
المجلس الثّانى و التسعون فى قوله تعالى: «وَ أَذِّنْ فِي اَلنّٰاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجٰالاً وَ عَلىٰ كُلِّ ضٰامِرٍ».(1)
من أول سورة الحجّ إلى هيهنا عشرون آية و ستّ آيات.
و عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ من قرأ سورة الحجّ، أعطي من الأجر بعدد من حجّ أو إعتمر فيمن مضي و فيمن بقى(2)، و يكتب له بعدد كلّ واحد منهم حجّة و عمرة.
أي: أذّن يا إبراهيم! و ناد ذريتك بالحجّ، «يَأْتُوكَ رِجٰالاً» يجيئوك راجلين، مشاة على أرجلهم، «وَ عَلىٰ كُلِّ ضٰامِرٍ» ركبانا، أي: على كلّ إبل أضمره و أدنفه السّير، «يأتين»: يجئن «مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» أي: طريق عميق و أرض بعيد.
إعلم! أنّ اللّه تعالى وضع للمؤمن خمس شرايع، و هي من أجلّ شرايع الإسلام:
الصّلاة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ و الجهاد، و علّق بكلّ واحد منها كرامة:
علّق فى الصّلاة الحطّة: «وَ أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ طَرَفَيِ اَلنَّهٰارِ وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ إِنَّ اَلْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئٰاتِ»(3)، «إِنَّ اَلصَّلاٰةَ تَنْهىٰ عَنِ اَلْفَحْشٰاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ»(4).
و علّق بالزّكاة التّطهير و النّماء: «خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا»(5).
و فى الصّوم: الستر من النّار:
و علّق فى الحجّ: الفضيلة، كما:
قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أفضل الأعمال إيمان لا شكّ فيه، و غزو لا غلول فيه، و حجّ مبرور.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: للجنّة باب يقال له باب المجاهدين، يمضون إليه، فإذا هو مفتوح، و هم متقلّدون بسيوفهم، و الجمع فى الموقف، و الملائكة ترحّب بهم. ثم قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: فمن ترك الجهاد ألبسه اللّه ذلاّ، و فقرا فى معيشته، و محقا فى دينه، إنّ اللّه أعزّ أمّتى بسنابك خيلها و مراكز رماحها.(2)
و قال الصّادق عليه السّلام: الجهاد أفضل الأشياء بعد الفرائض.(3)
فمن قام بهذه الخمسة فقد إستمسك بأفضل الأعمال، و نال أعظم الحياة.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من مات و لم يحجّ حجّة الإسلام، و لم تمنعه حاجة ظاهرة، أو مرض حابس، أو سلطان ظالم، فليمت على أي حال شاء، إن شاء يهوديا أو نصرانيا.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من خرج فى هذا الوجه، فى حجّة أو عمرة، فمات، لم يعرض و لم يحاسب، و قيل له: أدخل الجنّة.(5)
و قال رجل: يا رسول اللّه! من ترك الحجّ فقد كفر؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا! و لكن من جحد الحقّ فقد كفر.(6)
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 38/8، أمالى المفيد: 99، المجلس الثانى عشر، صحيفة الرّضا: 41، عيون أخبار الرّضا عليه السّلام: 28/2، بحار الأنوار: 11/97، 16/96، 126/69، 393/66.
2) . الكافى: 2/5، التهذيب: 123/6، أمالى الصدوق: 577، ثواب الأعمال: 189، روضة الواعظين: 362/2، عوالى اللئالى: 183/3، بحار الأنوار: 8/97، 186/8.
3) . الكافى: 3/5، التهذيب: 121/6، وسايل الشيعة: 13، 12/15، روضة الواعظين: 362/2، كامل الزيارات: 335، مشكاة الأنوار: 154.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 18/8، تذكرة الفقهاء: 77/7، زبدة البيان: 218، تلخيص الحبير: 27/7، المغنى لإبن قدامة: 195/3، نيل الأوطار: 8/5، عوالى اللئالى: 26/4، 87/1، سنن الدارمي: 29/2، السنن الكبري: 334/4، المصنف، الكوفى: 392/4.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 38/8، مجمع الزوائد: 208/3، مسند أبى يعلي: 79/8، الدرّ المنثور: 212/1، ذكر أخبار إصبهان: 262/2.
6) . عنه: مستدرك الوسايل: 186/18، 18/8.
و فى التوراة: إنّ مفتاح الجنّة لا إله الا اللّه، و أسنانها الصّلاة، و هي الفطر، و الزّكاة و هي الطّهور، و الصوم و هو الجنّة، و الجهاد و هو العزّ، و الأمر بالمعروف و هو الوفاء، و النهي عن المنكر و هو الحجّة، و الجمعة و الجماعة و هي الألفة، و طاعة السلطان الّذي هو من قبل اللّه و هي العصمة، و الغسل من الجنابة و هي السّريرة، و الحجّ و هو الشريعة.(1)
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الحجّاج و العمّار وفد اللّه، يعطيهم ما سألوا، و يستجيب دعائهم، و يخلف نفقاتهم.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من زار قبري وجبت له شفاعتى، و من زارنى ميتا فكأنّما زارنى حيّا.(3)
الأذان فى القرآن لأربعة أشياء:
للعقوبة: «وَ أَذٰانٌ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى اَلنّٰاسِ يَوْمَ اَلْحَجِّ اَلْأَكْبَرِ أَنَّ اَللّٰهَ بَرِيءٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ»(4).
و للّسرقة: «أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا اَلْعِيرُ»(5).
و لا للعنة: «فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اَللّٰهِ»(6).
و للحجّ: «وَ أَذِّنْ فِي اَلنّٰاسِ بِالْحَجِّ»(7).
1) . الدرّ المنثور: 274/5، منهج الصّادقين: 356/1، روض الجنان: 267/2 (مفتاح الجنة لا إله إلا اللّه) و لم نعثر علي «أسنانها الصلاة و..» لعلّه ذكر للمصاديق...
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 38/8، و أنظر أيضا: الجامع الصغير: 585/1، كنز العمّال: 8/5 و 9 و 15، الدرّ المنثور: 211، 210/1 بتفاوت يسير.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 185/10، و أنظر: الغدير: 119، 114، 113، 106، 104، 100، 93/5، 124، 123، 120 (فى الفقرة الأولى) و المعجم الكبير، الطبرانى: 310/12، الفتح العزيز: عبد الكريم الرافعي: 417/7، تلخيص الحبير، إبن حجر: 417/7، اعانة الطالبين: 354/2، نيل الأوطار: 178/5، الغدير: 104، 102، 101/5 ووو، كنز العمال: 272/12، 135/5، الدرّ المنثور: 237/1 فى الفقرة الثانية.
4) . التّوبة: 3.
5) . يوسف: 70.
6) . الأعراف: 44.
7) . الحج: 27.
و «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ فَصِيٰامُ ثَلاٰثَةِ أَيّٰامٍ فِي اَلْحَجِّ»(1)، «وَ أَتِمُّوا اَلْحَجَّ وَ اَلْعُمْرَةَ لِلّٰهِ»(2)، «لِلّٰهِ عَلَى اَلنّٰاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ»(3)، «يَوْمَ اَلْحَجِّ اَلْأَكْبَرِ»(4)، «وَ أَذِّنْ فِي اَلنّٰاسِ بِالْحَجِّ»(5).
قال عليّ عليه السّلام، فى قوله تعالى: «وَ فِي اَلْأَرْضِ آيٰاتٌ لِلْمُوقِنِينَ»(6): البادية للحجّاج مثل النّار، و من ذهب إلى الحجّ فقد رأي النّار، و لا يليق بالكريم أن يعرض النّار على وليّه مرّتين.(7)
و قال اللّه تعالى للأغنياء: «وَ لِلّٰهِ عَلَى اَلنّٰاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ»(10).
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم للأغنياء: من زار قبري حلّت له شفاعتى.(11)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم للفقراء: من زار عالما فكأنّما زارنى.(12)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: للأغنياء: ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنّة.(13)
1) . البقرة: 196.
2) . البقرة: 196.
3) . آل عمران: 97.
4) . التّوبة: 3.
5) . الحج: 27.
6) . الذاريات: 20.
7) . لم نعثر عليه.
8) . عنه: مستدرك الوسايل: 357/9.
9) . الدعوات للراوندي: 37، رسالة الجمعة للشهيد الثانى: 94، الجامع الصغير: 562/1، مسند الشهاب: 81/1، بحار الأنوار: 212، 199/86، مستدرك الوسائل: 67/6.
10) . آل عمران: 97.
11) . عنه: مستدرك الوسايل: 185/10، بحار الأنوار: 159/97، 333/96.
12) . عنه: مستدرك الوسايل: 300/17.
13) . الفقيه: 572، 568/2، وسايل الشيعة: 369، 344/14، بحار الأنوار: 192/97، اعلام الوري: 152، عوالى اللئالى: 429، 35/1، مصباح المتهجد: 710، معانى الأخبار: 267.
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم للفقراء: إذا رأيتم رياض الجنّة فارتعوا فيها، قيل: ما هى؟! قال:
مجالس الذكر.(1)
«الحجّ» فى اللغة القصد، و فى الشريعة قصد بيت اللّه لأداء مناسك [مخصوصة عنده متعلّقة بزمان مخصوص]. و «أَذِّنْ فِي اَلنّٰاسِ»: ناد فيهم يا إبراهيم. و النّداء بالحجّ أن يقول: حجّوا، و عليكم بالحجّ.
و قيل: إنّه خطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، أمر أن يفعل ذلك فى حجّة الوداع.(2)
«رجالا»: مشاة، جمع راجل، كقائم و قيام. «وَ عَلىٰ كُلِّ ضٰامِرٍ» حال معطوفة على حال، كأنّه قال: رجالا و ركبانا. «يأتين» صفة «كُلِّ ضٰامِرٍ»، لأنّه فى معنى الجمع. و «فَجٍّ عَمِيقٍ»: البعيد.
روي: أنّ أحوال الحجّ كأحوال الموت: فكما يكتب الإنسان وصية عند الموت، كذلك عند الحجّ، و كما يركب راحلته، يحمل على الجنازة. و إذا دخل البادية، فكأنّما أدخل قبره. و الإغتسال للإحرام، كغسل الميّت، و لبس ثياب الإحرام، كالكفن. و إذا خرج من الميقات، فكأنّه نشر من قبره. و التلبية إجابة الدّعاء، و يري أشعث أغبر، فكأنّه خرج من قبره، و كلّما سلك عقبة، يذكر عقبات يوم القيامة، لعلّه يكفاها!!(3).
و كلّ إمرء يوما سيركب كارها *** علي النعش أعناق العدي و الأقارب!!.(4)
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 395/5، مستطرفات السرائر: 635، مشكاة الأنوار: 55، منية المريد: 106، روضة الواعظين: 391/2، مجموعة ورّام: 234/2، بحار الأنوار: 188/71، 205/1.
2) . الكشاف: 152/3، الكشف و البيان: 18/7، كنز العرفان فى فقه القرآن: 268/1.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 174/10.
4) . لمحمّد بن بشير، التذكرة الحمدونية: 204/4.
المجلس الثّالث و التسعون فى قوله تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاٰتِهِمْ خٰاشِعُونَ»(1).
هذه السّورة مكيّة، و آياتها مأئة و ثمانى عشرة آية.
و فى الخبر عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: انّه من قرأ سورة المؤمنون، جائته الملائكة بالرّوح و الرّيحان، و بما تقرّ عينه عند نزول ملك الموت.(2)
و روي: أنّ أول سورة «قد أفلح» و آخرها، من كنوز العرش، من عمل بثلاث آيات من أوّلها و إتّعظ بأربع آيات من آخرها، فقد نجا و أفلح.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أنزلت عليّ عشر آيات فى «قد أفلح»، من قرأها دخل الجنّة.(4)
و قال بعض العلماء: سألت اللّه أن يرينى فى منامي: هل قبل عملي أم لا؟! فرأيت ليلة أن: عد من سورة «قد أفلح» ستّين آية، فعددتها، فإذا قوله تعالى:
وَ اَلَّذِينَ يُؤْتُونَ مٰا آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ».
أي: قد سعد و فاز و نجا المؤمنون، «اَلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاٰتِهِمْ خٰاشِعُونَ»: خائفون.
إعلم! أنّ الطّاعات على ثلثة أوجه: المحكمات، و الشرعيات، و الواجبات.
فالأول: الإيمان باللّه و برسوله و بأوليائه و حججه.
و الثّانى: أفضلها، الصّلاة و الزّكاة، لأنّهما مقرونتان.
و الثالث: أفضلها، الإعانة للمسلمين، و الشفقة عليهم.
فعلي كل عاقل أن يؤمن بربّه و بنبيه و الأئمّة من بعده، و أن يطيعهم على الدّوام، و أن يحافظ على مواقيت الفرايض، و يؤدّيها فى أوقاتها، و ينصر المؤمنين باليد و اللسان، و يواسيهم بالمال.
و قد ذكر اللّه هذه الثلاثة فى هذه الآية: فذكر الإيمان أوّلا، فقال: «قَدْ أَفْلَحَ»
اَلْمُؤْمِنُونَ»، ثمّ الصّلاة، فقال: «اَلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاٰتِهِمْ خٰاشِعُونَ - إلى قوله - فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلعٰادُونَ»، ثم ذكر الواجبات، فقال: «اَلَّذِينَ هُمْ لِأَمٰانٰاتِهِمْ»، ثمّ حكم بالجنّة لمن أتاها كلّها، فقال: «أُولٰئِكَ هُمُ اَلْوٰارِثُونَ اَلَّذِينَ يَرِثُونَ اَلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ».
قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: مثل الصّلاة و أعمال بنى آدم كرجل أتي مراغة، فأثار عليه منها، حتّي إمتلأ ترابا و دنسا، ثمّ عمد إلى غدير ماء طيب، فاغتسل به، فيذهب عنه التّراب و الدّنس، كذلك الصّلوات الخمس تغسل عن العبد الذّنوب إذا صلّي اللّه من قلبه.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: خمس من جاء بهنّ يوم القيامة [مع إيمان] دخل الجنّة: من حافظ على الصّلوات فى مواقيتها، و أعطي الزّكاة طيبة بها نفسه، و صام شهر رمضان، و حجّ البيت، و إغتسل من الجنابة، فإنّ اللّه لم يتمنّ من إبن آدم على شيئ من أمر دينه، غيره.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من صلّي صلاة لا يذكر فيها شيئا من أمر الدّنيا، لا يسأل اللّه شيئا إلاّ أعطاه.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: هاتان الصّلاتان [يعنى الفجر و العشاء] أثقل الصّلاة على المنافقين.(4)
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 92/3.
2) . عوالى اللئالى: 84/1 و فيه: علي الصّلوات الخمس، علي وضوئهنّ و ركوعهنّ و سجودهن و مواقيئهنّ... و أدي الأمانة، قيل: و ما الأمانة؟! قال: الغسل من الجنابة، فإنّ اللّه لم يأمر إبن آدم علي شيئ من دينه غيرها، سنن إبن أبى داود: 105/1، و فيه: قالوا: يا أبا الدرداء، و ما أداء الأمانة؟!، قال: الغسل من الجنابة، مجمع الزوائد: الهيثمي: 47/1، المعجم الصغير: الطبرانى: 5/2، كنز العمال: 887/15، جامع البيان: 68/22، تفسير إبن كثير: 531/3، الدرّ المنثور: 296/1 و فى الكلّ: لم يأمن إبن آدم علي شئ من دينه غيرها!!؟.
3) . بغية الباحث، الحارث بن أبى أسامة: 66، أسد الغابة: 29/3، ألإصابة: إبن حجر: 374/3، الزهد، لإبن المبارك: 402، الرقم: 1143، الجواهر الحسان فى تفسير القرآن: 231/1.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 92/3.
قد شهد اللّه بفلاح أربعة عشر نفرا:
أوّلها: للمتّقين: «اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ... أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ»(1).
و الثانى: الدّاعون: «وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ، وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ»(2).
و الثّالث: التّابعون: «وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ»(3).
و الرّابع: المجاهدون: «لٰكِنِ اَلرَّسُولُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جٰاهَدُوا بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ أُولٰئِكَ لَهُمُ اَلْخَيْرٰاتُ وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ»(4).
و الخامس: «فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوٰازِينُهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ»(5).
و السّادس: «إِنَّمٰا كٰانَ قَوْلَ اَلْمُؤْمِنِينَ إِذٰا دُعُوا إِلَى اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنٰا وَ أَطَعْنٰا وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ»(6).
و السابع: «فَآتِ ذَا اَلْقُرْبىٰ حَقَّهُ وَ اَلْمِسْكِينَ وَ اِبْنَ اَلسَّبِيلِ ذٰلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اَللّٰهِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ»(7).
و الثامن و التاسع و العاشر: «اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولٰئِكَ عَلىٰ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ»(8).
و الحادي عشر: «أَلاٰ إِنَّ حِزْبَ اَللّٰهِ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ»(9).
و الثانى عشر، و الثالث عشر و الرابع عشر: «وَ اَلَّذِينَ تَبَوَّؤُا اَلدّٰارَ وَ اَلْإِيمٰانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هٰاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لاٰ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حٰاجَةً مِمّٰا أُوتُوا وَ
يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ، وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ» (1).
قال أهل اللغة: دخول «قد» يوجب التحقيق. و «أفلح» فعل ماض، معناه: إنّ فلاح المؤمنين قد وقع لهم لمّا آمنوا بما وجب عليهم، و انّهم لمّا صدقوا بذلك، و ثبتوا عليه متيقّنين، فقد أفلحوا و نالوا بالبقاء فى دار البقاء.
و قال تعالى فى آية أخري: «لاٰ يُفْلِحُ اَلْكٰافِرُونَ»(2).
و روي: إنّ من أحسن الصّلاة، فإذا دخل الجنّة، يرسل عليه سحابا من النّور فى خمس ساعات، حتّي تمطر الجواري و الغلمان فى منزله، و ذلك قوله تعالى «وَ لَدَيْنٰا مَزِيدٌ»(3)، و من نسي الصّلاة، فإذا دخل النّار، يرسل عليه سحابا من الظلمة فى خمس ساعات، حتّي تمطر فى منزله الحيات و العقارب، و من ذلك قوله تعالى: «زِدْنٰاهُمْ عَذٰاباً فَوْقَ اَلْعَذٰابِ»(4)((5).
روي: أنّ اللّه لمّا خلق الجنّة، قال لها: تزينى، فتزينت بالقصور و البساطين، ثم قال لها: تزينى بالجواري و الغلمان، ثم قال لها: تكلّمي، فقالت: لا إله إلا اللّه، ثم قال لها: زيدي، فقالت: محمّد رسول اللّه، فقال لها: زيدي، فقالت: قد أفلح المؤمنون - إلى قوله - يرثون الفردوس.(6).
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم الخشوع فى القلب، و أن تلين جانبك للمسلم، و لا تلتفت
1) . الحشر: 9.
2) . المؤمنون: 117، القصص: 82.
3) . ق: 35.
4) . النحل: 88.
5) . و روي أيضا: انّ السحاب تمرّ بأهل الجنّة فتمطر عليهم الحور، فتقول الحور: نحن المزيد الذي قال تعالى «وَ لَدَيْنٰا مَزِيدٌ». الكشاف: 390/4، منهج الصادقين: 22/9، زاد المسير فى علم التفسير: 164/4، روح البيان: 133/9، و أنظر: بحر العلوم: 286/2، تفسير سورآبادي: 1311/2.
6) . أنظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 55، 54/3.
يمينا و لا شمالا فى الصّلاة.(1)
و كان صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إذا قام إلى الصّلاة رفع طرفه إلى السّماء، فلمّا نزلت هذه الآية خشع و نظر فى موضع سجوده فى حال القيام.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أوّل ما يرفع من النّاس الخشوع.(3)
و قيل: الخشوع ثلاثة:
خشوع العين: أن لا يلتفت فى الصّلاة و «خٰاشِعَةً أَبْصٰارُهُمْ»(4).
و خشوع الصوت: أن لا يرفع صوته عاليا فيها: «وَ خَشَعَتِ اَلْأَصْوٰاتُ لِلرَّحْمٰنِ»(5).
و الثالث: خشوع القلب: «أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللّٰهِ»(6).
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: صلّ صلاة مودّع، فإذا دخلت فى الصّلاة، فقل: هذا آخر صلاتي من الدّنيا، و كن كأنّ الجنّة بين يديك، و النّار تحتك، و ملك الموت و راك، و الأنبياء عن يمينك، و الملائكة عن يسارك، و الرّب مطّلع عليك من فوقك، فأنظر بين يدي من تقف، و مع من تناجي، و من ينظر إليك؟!(7).
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 105/4، و أنظر أيضا: المستدرك للحاكم: 393/2، السنن الكبري: 279/2، المصنف الصنعانى: 255/2، كنز العمال: 473/2، جامع البيان: 5/18، الدرّ المنثور: 3/5.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 105/4، و أنظر أيضا: المستدرك للحاكم: 393/2، السنن الكبري: 279/2، المصنف الصنعانى: 255/2، كنز العمال: 473/2، جامع البيان: 5/18، الدرّ المنثور: 3/5.
3) . فقه القرآن، القطب الرّاوندي: 110/1، الدرّ المنثور: 3/4، عوالى اللئالى: 23/2، بحار الأنوار: 212/81، 228، فيض القدير: 507/5، تفسير الصافى: 393/2، نور الثقلين: 528/3.
4) . القلم: 43.
5) . طه: 108.
6) . الحديد: 16.
7) . عنه: مستدرك الوسايل: 104/4.
المجلس الرّابع و التسعون فى قوله تعالى: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ مِنْ سُلاٰلَةٍ مِنْ طِينٍ».(1)
من رأس السّورة إلى هيهنا إحدي عشر آية.
يقول اللّه: «خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ مِنْ سُلاٰلَةٍ» أي: خلقنا آدم من طين، «ثُمَّ جَعَلْنٰاهُ نُطْفَةً» يعنى به: ولد آدم، «فِي قَرٰارٍ مَكِينٍ» أي: حريز، فى رحم الأمّ، «ثُمَّ خَلَقْنَا اَلنُّطْفَةَ عَلَقَةً»، يعنى: حوّلنا النطفة، علقة: دما عبيطا جامدا، «فجعلنا» يعنى حوّلنا العلقة «مضغة» أي: لحما طرّيا بقدر ما تمضغ، «فَخَلَقْنَا اَلْمُضْغَةَ» حوّلناها «عظاما» و جعلناها مأتين و ثمانيا و أربعين قطعة، ثم كسونا العظام العصب و العروق، لئلاّ يتقلقل، «فكسونا العظام لحما طريا ثم أنشأناه خلقا آخر».
قال إبن عباس: هو إدخال الرّوح فيه.
و قيل: هو إنبات الشعر. و قيل: هو الأسنان. و قيل: هو خلقه ذكرا أو أنثي.
«فَتَبٰارَكَ اَللّٰهُ أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ» أي: أحكم المقدّرين و المصوّرين.
إعلم! أنّ الخلايق خلقوا من أشياء مختلفة: السّماء من الدّخان، و الأرض من الزّبد، و الجنّة من الرّحمة، و النّار من العذاب و الغضب، و الجنّ من النّار، و الملك من النّور، و آدم عليه السّلام من التراب، و أولاده من الماء.
و درجات الإنسان خمس فى الدّنيا، و خمس فى الآخرة:
ففي الدّنيا: يوم الولادة، و يوم الفطام، و يوم الإحتلام، و يوم بلوغ الأشدّ، و يوم الخروج من الدّنيا.
و فى الآخرة: فالقبر، و البعث، و السؤال، و الصراط، و إحدي الدّارين!.
فيوم الولادة، يوم السّرور. و يوم الفطام، يوم الجسور. و يوم الإحتلام، يوم البلوغ و التكليف. و يوم بلوغ الأشدّ، يوم المشقّة. و يوم الموت، يوم الرّاحة و البلاء.
و يوم القيامة: يوم القبر، يوم السّفر. و يوم البعث، يوم بلوغ المنزل. و يوم السؤال، يوم إظهار الأسرار. فإمّا الرّاحة و السرور، و إمّا الهلكة و الثّبور.
1) . المؤمنون: 12.
فينبغي للعبد أن يستعدّ ليوم الخروج من الدّنيا:
للقبر، السّراج. و للبعث، الصّاحب و القرين الصّالح. و للسؤال، الحجّة. و للصّراط، الجنّة. و لدار القرار العمل الصّالح حتّي لا يتحسّر على عمره.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ اللّه خلق العقل، ثمّ قال: و عزّتي و جلالى، ما خلقت خلقا هو أكرم عليّ منك، بك أعرف، بك أحمد، و بك اطاع، و بك آخذ، و بك أعطي، و أياك أعاقب، لك الثّواب، و عليك العقاب.(1)
و قال عليّ عليه السّلام: خلق العقل من نور مخزون مكنون فى سابق علمه، الّذي لم يطلّع عليه نبى مرسل و لا ملك مقرّب، فجعل العلم نفسه، و الزهد رأسه، و الحلم وجهه، و الحياء عينه، و الحكمة لسانه، و الخير طبعه، ثم قال: أشهدوا ملائكتى! إنّي قد غفرت لمن أخلقه فيه.(2)
و قال بعض العلماء: عنى بالعقل، العاقل الّذي يستعمل العقل.
«وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ» (3)، «وَ نَعْلَمُ مٰا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ»(4)، «لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ فِي كَبَدٍ»(5)، «خَلَقَ اَلْإِنْسٰانَ عَلَّمَهُ اَلْبَيٰانَ»(6)، «خُلِقَ اَلْإِنْسٰانُ مِنْ عَجَلٍ»(7)، «أَ وَ لاٰ يَذْكُرُ اَلْإِنْسٰانُ أَنّٰا خَلَقْنٰاهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً»(8)، «فَلْيَنْظُرِ اَلْإِنْسٰانُ مِمَّ خُلِقَ»(9)، «خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ مِنْ سُلاٰلَةٍ»(10).
و كان الإنسان أوّلا ترابا، فلمّا مزّجه بالنّار صار طينا، ثمّ تركه، صار حماء، ثم جفّ حتّي صار صلصالا، فخلقه من سلالة من طين، و من تراب، و من نطفة، و هي ماء مهين، و من حماء مسنون، و من صلصال.
خلق آدم منها، و خلق أولاده من نطفته و مائه، حتّي إتّفقت الآيات.
1) . نفس المصدر.
2) . غريب الحديث، إبن قتيبة: 370/2، النهاية، إبن الأثير: 252/5، لسان العرب: 603/12، مجمع البحرين: 254/1، تاج العروس: 99/9.
3) . الحجر: 26.
4) . ق: 16.
5) . البلد: 4.
6) . الرحمان: 3-4.
7) . الأنبياء: 37.
8) . مريم: 67.
9) . الطارق: 5.
10) . المؤمنون: 11.
11) . عنه: مستدرك الوسايل: 455/4، تفسير القرطبى: 223/19.
«السّلالة» كلّ شيئ يسل من شيئ. أخذ عزرائيل من الأرض، من العذب و السبخ، و السهل و الحزن، قبضة قبضة، فسلها منها. و السلالة صفوة الشيئ، و صفوة الماء، و لذلك سمّي الحسن و الحسين عليهما السّلام سليلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.(1)
ثمّ قال تعالى: «ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ»(2).
ما من نفس منفوسة، إلاّ و للموت عندها رسل، ينبّهونها للموت:
شيب الرأس و اللحية، و تغيير اللون، و تغيير الرائحة، و ضعف السمع و البصر، و ضعف المشي و البطش، و سقوط الأسنان، و يبس الجلد، و إسوداده، و دخول الفتور فى كلّ شيئ حتّي الضعف فى الصوت.
شعر:
إسمع فقد أسمعك الصوت *** إن لم تبادر فهو الفوت
كل كلّ شيئ ما شئت، و عش سالما، آخر هذا كلّه الموت!!.
من أول سورة «المؤمنون» إلى هيهنا مائة آية.
يقول: «فَإِذٰا نُفِخَ فِي اَلصُّورِ» نفخة البعث، فلا تنفع بالأنساب المجرّدة «بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ»: يوم القيامة «وَ لاٰ يَتَسٰاءَلُونَ» عن ذلك.
إعلم! أنّ إفتخار الخلق فى الدّنيا بنسب، و لا تنفع ذلك فى القيامة:
أحدها: بالمال، يقول فى الآخرة: «مٰا أَغْنىٰ عَنِّي مٰالِيَهْ»(1)، «وَ مٰا يُغْنِي عَنْهُ مٰالُهُ إِذٰا تَرَدّٰى»(2)، «مٰا أَغْنىٰ عَنْهُ مٰالُهُ وَ مٰا كَسَبَ»(3)، و لو نفع المال أحدا، لنفع قارون.
و بالشّفعاء: «وَ مٰا نَرىٰ مَعَكُمْ شُفَعٰاءَكُمُ»(4)، «مٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لاٰ شَفِيعٍ يُطٰاعُ»(5)، «وَ لاٰ يَشْفَعُونَ إِلاّٰ لِمَنِ اِرْتَضىٰ»(6).
و بالجمال: لو نفع الجمال لأحد، لنفع أهل الرّوم، لأنّ لهم تسعة أعشار الجمال.
و بالمكر و الحيلة: «وَ مَكْرُ أُولٰئِكَ هُوَ يَبُورُ»(7)، و لو نفعا أحدا لنفع الكفّار.
و بالأولاد: «يَوْمَ لاٰ يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لاٰ بَنُونَ»(8).
و بالفصاحة: «لاٰ يَتَكَلَّمُونَ إِلاّٰ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمٰنُ»(9)، و لو نفعت الفصاحة، لنفعت كفّار قريش و العرب، لأنّهم أفصح النّاس.
و بالعزّة و الكرم: «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ»(1).
و بالأصدقاء: «اَلْأَخِلاّٰءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ اَلْمُتَّقِينَ»(2).
و بالتّبع: «وَ لَقَدْ جِئْتُمُونٰا فُرٰادىٰ»(3).
و بالنسبة و العشيرة: «لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحٰامُكُمْ»(4)، «فَلاٰ أَنْسٰابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ»(5)، و لو نفع النسب المجرّدة، لنفع اليهود، لأنّهم أولاد يعقوب عليه السّلام.
1) . الدخان: 49.
2) . الزخرف: 67.
3) . الأنعام: 94.
4) . الممتحنة: 3.
5) . المؤمنون: 101.
6) . مستدرك الوسايل، عن درر اللئالى: 363/3، و عن عليّ عليه السّلام: نهج البلاغة: 545، 472.
7) . عن أبى سعيد الخدري، عن أبيه عن النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: قال أتزعمون انّ رحم نبى اللّه لا ينفع قومه يوم القيامة؟! بلى! و اللّه انّ رحمي لموصولة فى الدّنيا و الآخرة، ثم قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يا أيها النّاس! أنا فرطكم علي الحوض، فإذا جئت و قام رجال يقولون: يا نبى اللّه! أنا فلان بن فلان و قال آخر: يا نبى اللّه! أنا فلان بن فلان، و قال آخر: يا نبى اللّه! أنا فلان بن فلان، فأقول: أمّا النّسب فقد عرفت، و لكنّكم أحدثتم بعدي و ارتددتم القهقري.!! أمالى الشيخ الطوسي: 269 و عنه البحار: 17/28، 247/25، و فى مسند أحمد: ما بال أقوام يقولون: انّ رحم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لا تنفع يوم القيامة (إلى آخر الحديث). 18/3، ألإفصاح: الشيخ المفيد: 51، منتخب مسند عبد بن حميد: 304، مسند أبى يعلي: 434/2، كنز العمال: 434/14، سبل الهدي و الرشاد: 502/3:، 3/11. و امّا فى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: «كلّ سبب و نسب منقطع يوم القيامة إلا سببى و نسبى» أنظر: الخلاف: 723/1، مصباح الفقيه: 370/2، ألإصابة: 468/4، أسد الغابة: 614/5، المبسوط، الشيخ الطوسي: 156/4، وسايل الشيعة: 1222/4، شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربى: 5/3، الأمالى، الشيخ الطوسي: 340، العمدة، إبن البطريق: 299، ذخائر العقبى: 38، 169، الصراط المستقيم: 229/1، الفصول المهمة، الحر العاملي: 350/1، بحار الأنوار: 246/25، 238/7، السنن الكبري: 64/7، المعجم الأوسط: 257/4، المعجم الكبير: 26/20، نظم درر السمطين: الزرندي الحنفي: 234، الجامع الصغير: 288/2، كنز العمال: 625، 59/13، 409/11، الميزان: 75/15، تفسير القرطبى: 105/4، تفسير إبن كثير: 267/3، الدرّ المنثور: 16/5، فتح القدير: 502/3، الطبقات الكبري: 463/8، تاريخ مدينة دمشق: 482/19، ينابيع المودّة: 346/2.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فى خطبته: لا فضل لعربىّ على عجميّ و لا أسود على أحمر، إلاّ بالتقوي.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ينادي مناد يوم القيامة: وضعت لنفسي نسبا و وضعتم لأنفسكم نسبا، فرفعتم نسبكم، و وضعتم نسبى!، فاليوم أرفع نسبى، و أضع نسبكم، ألا! إنّ أوليائي المتّقون.(2)
قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أيّها النّاس! كلّكم بنو آدم، طفّ الصّاع، إلاّ من أكرمه اللّه بالتقوي.(3)
و قال تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ.(4)
لعمرك ما الإنسان إلاّ بدينه *** فلا تترك التّقوي إتّكالا على النّسب
فقد رفع الإسلام سلمان فارس *** و قد وضع الشرك الشريف أبا لهب.(5)
«يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ» (6)، «فَإِذٰا نُفِخَ فِي اَلصُّورِ نَفْخَةٌ وٰاحِدَةٌ»(7)، «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ»(8)، «وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَإِذٰا هُمْ مِنَ اَلْأَجْدٰاثِ إِلىٰ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ»(9).
1) . معدن الجواهر: 21، تحف العقول: 30، شرح نهج البلاغة: 126/1، بحار الأنوار: 348/73.
2) . مجمع البيان: 230/9، و عنه البحار: 278/67 بتفاوت يسير، و أنظر أيضا: مستدرك الحاكم: 464/2، مجمع الزوائد: 84/8، المعجم الصغير: 230/1، كنز العمال: 91/3، تفسير الصّافى: 55/5، نور الثقلين: 97/5، تفسير القرطبى: 346/16، الدرّ المنثور: 98/6.
3) . مستدرك الوسايل: 267/11.
4) . الحجرات: 13.
5) . ديوان المنسوب لعلي بن أبى طالب، ط بيروت: 15، و أنظر: تاريخ دمشق: 426/21، و نسبه الشيخ عباس القمي فى الكنى و الألقاب لصاحب بن عبّاد: 406/2.
6) . النمل: 87.
7) . الحاقّة: 13.
8) . الأنعام: 73.
9) . يس: 51.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أبدؤا بالعبودية، و ثنّوا بالرسالة(1)، يعنى إشهدوا أن لا إله الا اللّه، و أنّ محمّدا عبده و رسوله.
و قال عليّ عليه السّلام: كفي لى عزّا أن أكون لك عبدا، و كفي لى فخرا أن تكون لى ربّا.(2)
و نطق عيسى عليه السّلام أوّلا بالعبودية، فقال: «إِنِّي عَبْدُ اَللّٰهِ»(3).
«النفخ فى الصّور» يكون من إسرافيل، و البعث من اللّه.
قال إبن عبّاس: النفخات ثلاث:
نفخة الفزع، كأنّه يقول: إنتبهوا أيها الغفلة، فيفزعون من ذلك الصّوت إلى أربعين سنة.
و يوم ينفخ نفخة الصعق، و يقول: يا ايتها الأرواح العارية، أخرجوا من الأجساد الفانية، فيموتون إلاّ ميكائيل و جبرائيل و إسرافيل و عزرائيل، فإنّهم لا يموتون فى هذا الوقت.
ثمّ النفخة الثالثة، فيقول: أيتها الاجساد البالية، و الشعور المتفرقة، و الفروق المنقطعة، و العظام النخرة، و الأوصال المتشتّة، إجتمعن! و قمن إلى محاسبة ربّ العزّة.
و قيل: بين النفختين أربعون سنة(4)، و أربعون شهرا، و أربعون يوما، ثمّ يموت إسرافيل و جبرائيل و ميكائيل، ثمّ يقول اللّه لملك الموت: مت أنت!! جائت نوبتك، فيبكى!! ثمّ يموت، و ينادي «لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ»(5)، فيقول هو تعالى: «لِلّٰهِ اَلْوٰاحِدِ اَلْقَهّٰارِ»(6).
العمل قبل الموت، للموت و لما بعد الموت، فما أصعب أمر الموت؟! و ما بعده أعظم!!!
من أوّل السّورة [المؤمنون] إلى هيهنا مائة و أربعة عشرة آية.
أي: ظننتم «أَنَّمٰا خَلَقْنٰاكُمْ» لعبا مهملين بلا أمر و لا نهي و لا ثواب و لا عقاب، و «وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنٰا لاٰ تُرْجَعُونَ» أي: بعد الموت لا ترجعون إلينا، «فَتَعٰالَى اَللّٰهُ» أي:
إرتفع و تبرّء عن الولد و الشريك «اَلْمَلِكُ اَلْحَقُّ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْكَرِيمِ» اي: السرير، الحسن.
إعلم! أنّ اللّه خلق عشرة أشياء لعشرة أشياء:
الليل للسّكون: «أَ لَمْ يَرَوْا أَنّٰا جَعَلْنَا اَللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ»(2).
و النهار للطّلب: «وَ اَلنَّهٰارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»(3)، «وَ اَلنَّهٰارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»(4).
و الفلك للمنافع: «اَللّٰهُ اَلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ اَلْبَحْرَ لِتَجْرِيَ اَلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا
1) . أنظر: تفسير البغوي: 432/5، حلية الأولياء: 7/1، و عمل اليوم و الليلة، إبن السنّي: 298، و فى ميزان الإعتدال، للذهبى:... هذا موضوع، هذا حديث الكذّابين: 175/2، و تمام الحديث هكذا: عن إبن مسعود: انّه قرأ فى أذن مصاب «أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمٰا خَلَقْنٰاكُمْ عَبَثاً» حتى ختم السورة، فبرأ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ماذا قرأت فى أذنه؟! فأخبره، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: و الّذي نفسي بيده لو انّ رجلا موقنا قرأها علي جبل لزال. أنظر: مجمع الزوائد: 115/5، مسند ابى يعلي: 458/8، كتاب الدعا، للطبرانى: 331، كنز العمال: 589/1، تفسير القرطبى: 157/12، تفسير إبن كثير: 270/3، الدرّ المنثور: 17/5، فتح القدير، الشوكانى: 502/3، تاريخ بغداد: 308/12.
و عليهذا ما فى المتن، فيه ما فيه!!.
2) . النمل: 86.
3) . النمل: 86.
4) . القصص: 73.
مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (1).
و النجوم للهداية: «جَعَلَ لَكُمُ اَلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا»(2).
و الأزواج للمؤانسة: «وَ جَعَلَ مِنْهٰا زَوْجَهٰا لِيَسْكُنَ إِلَيْهٰا»(3).
و الأنعام للمعاش: «وَ اَلْأَنْعٰامَ خَلَقَهٰا لَكُمْ فِيهٰا دِفْءٌ وَ مَنٰافِعُ وَ مِنْهٰا تَأْكُلُونَ»(4).
و الخيل و البغال و الحمير للركوب: «وَ اَلْخَيْلَ وَ اَلْبِغٰالَ وَ اَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهٰا وَ زِينَةً»(5).
و الجنّة للمتقين: «إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّٰاتِ اَلنَّعِيمِ»(6)، «وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمٰاوٰاتُ وَ اَلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ»(7)، «وَ أُزْلِفَتِ اَلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ»(8).
و النّار للكفّار: [«فَاتَّقُوا اَلنّٰارَ اَلَّتِي وَقُودُهَا اَلنّٰاسُ وَ اَلْحِجٰارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ»(9)، «وَ عَرَضْنٰا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكٰافِرِينَ عَرْضاً»(10)، «وَ جَعَلْنٰا جَهَنَّمَ لِلْكٰافِرِينَ حَصِيراً»(11)].
و العباد للإبتلاء: «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً»(12).
و الجنّ و الإنس للعبادة: «وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ»(13).
و لم يخلق منها شيئا عبثا، و قد نبّه على معرفته بقوله: «خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ وَ
مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ اَلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اَللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (1)، و بقوله: «فَانْظُروا»(2)، «فَلْيَنْظُرْ»(3)، «قُلِ اُنْظُرُوا»(4)، «وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلاٰ تُبْصِرُونَ»(5).
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: اعلموا! فكلّ ميسّر لما خلق له.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يقول اللّه: ما خلقت الخلق لجرّ منفعة و لا لدفع مضرّة، و لكن خلقتهم لما علمت ما يكون.(7)
و روي: انّه [تعالى] قال: ما خلقت النّار بخلا منّي، و لكن لم أكن أن أجمع أعدائي و أودّائي فى دار واحد!!.(8)
«أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا» (9)، «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ»(10)، «أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئٰاتِ»(11)، «أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ اِجْتَرَحُوا اَلسَّيِّئٰاتِ»(12)، «أَ يَحْسَبُ
1) . الطلاق: 12.
2) . آل عمران: 137، النحل: 36، النمل: 69، العنكبوت: 20، الروم: 42.
3) . الحج: 15، عبس: 24، الطارق: 5.
4) . يونس: 101.
5) . الذاريات: 21.
6) . التوحيد: 356 مسند أحمد: 157/1، سنن إبن ماجة: 2/2، صحيح البخاري: 215/8، 86/6، عوالى اللئالى: 22/4، بحار الأنوار: 119/64، 157/5، 282/4، نور البراهين: 143/1، صحيح مسلم: 47/8، سنن ابى داود: 415/2، سنن الترمذي: 302/3، كنز العمال: 110/1، تفسير نور الثقلين: 132/5، الميزان: 38، 26، 20/11، الدرّ المنثور: 359/6.
7) . علل الشرايع: 13/1، بحار الأنوار: 313/5 (مثله فى بعض الفقرات).
8) . و فى الحديث: انّ اللّه تعالى قال لموسى عليه السّلام: ما خلقت النّار بخلا منّي، لكن أكره أن أجمع أعدائي و أوليائي فى دار واحد!!. تفسير خسروي: 460/6، تفسير روح البيان: 48/7، 19/6، 312/2، مواهب الرحمان فى تفسير القرآن: 63/10.
9) . التّوبة: 16.
10) . البقرة: 214، آل عمران: 142.
11) . العنكبوت: 4.
12) . الجاثية: 21.
اَلْإِنْسٰانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً» (1)، «أَ يَحْسَبُ اَلْإِنْسٰانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظٰامَهُ»(2)، «أَ حَسِبَ اَلنّٰاسُ أَنْ يُتْرَكُوا»(3)، «يَحْسَبُ أَنَّ مٰالَهُ أَخْلَدَهُ»(4)، «وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً»(5)، «أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّٰا لاٰ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْوٰاهُمْ»(6).
أفحسبتم معاشر الجاحدين للبعث و النشور!، الظانّين دوام الدّنيا، أنّما خلقناكم باطلا و لعبا، لا لغرض و حكمة؟!. و المعنى: أو ظننتم أنّا خلقناكم لتفعلوا ما تريدون، ثمّ أنّكم لا تحشرون و لا تسئلون عمّا كنتم تعملون؟! و هذا عبث؟!.
و من فعل شيئا لا ينفع به نفسه أو غيره، كان عابثا، و اللّه غنى لا تلحقه منفعة.
فلا بدّ أن يكون خلق الخلق لينفعهم و يعرّضهم للثواب، بأن يتعبّدهم.
فإذا تعبّدهم، فلا بدّ من الفرق بين المطيع و العاصي، و ذلك أنّما يكون بعد البعث!. «وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنٰا لاٰ تُرْجَعُونَ» أي: و حسبتم أنّكم لا ترجعون إلى حكمنا فى الموضع الّذي لا يملك الحكم فيه غيرنا، «فَتَعٰالَى اَللّٰهُ» عمّا يصفه الجهّال به، عن أن يعمل شيئا عبثا.
«عبثا» أي: عابثين، لقوله: «مٰا خَلَقْنَا اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لاٰعِبِينَ»(7).
أو مفعول له، أي: ما خلقناكم للعب، و لم تدعنا إلى خلقكم، إلاّ حكمة إقتضت ذلك، و هي أن يتعبّدكم و يكلّفكم الشاقّ من الطّاعات و ترك المعاصي، ثمّ نرجعكم من دار التكليف إلى دار الجزاء، فنثيب المحسن، و نعاقب المسيئ.
و «وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنٰا لاٰ تُرْجَعُونَ» معطوف على «أَنَّمٰا خَلَقْنٰاكُمْ»، أو على «عبثا» اي:
للعبث، و ترككم غير مرجوعين.
و «الكريم» قرء بالجرّ و الرفع، و نحوه «ذُو اَلْعَرْشِ اَلْمَجِيدُ» بالجرّ و الرفع، و وصف العرش بالكرم، لنسبته إلى أكرم الأكرمين، أولانّ الرّحمة تنزل منه، و الخير و البركة.
و قيل: الكريم فى صفة الجماد، يكون بمعنى الحسن.
و خصّ العرش بالذكر - مع كونه ربّ كلّ شيئ - تعظيما له، كقوله: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هٰذَا اَلْبَيْتِ»(1).
فأبك أيها المسكين! فإنّك لا تدري: هل يقبل اللّه منك الواجبات الّتى فعلتها مع التقصير و التعدّى؟! و هل يغفر لك أم لا؟! فويل لك إن عاملك بالعدل، و طوبا لك إن عاملك بالفضل!!.
1) . قريش: 3
هذه الآية من سورة النّور، و هي مدنية، و آياتها أربع و ستّون آية، و من أوّلها إلى هيهنا، عشر آيات.
و هي نزلت فى قصّة «صفوان بن المعطّل [السلمى]» و ما زعم المنافقون، فى أمر «عايشة» طعنا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فى غزوة «بنى المصطلق».
و قيل: حين رجع من عمرة القضا.
و فى الخبر: انّ من قرأ هذه السّورة، كان له بعدد كلّ مؤمن و مؤمنة، عشر حسنات.(1)
و روي: علّموا نسائكم سورة النّور، و لا تعلموهنّ سورة يوسف؟!(2).
و يقول [اللّه]: إنّ الذين جاؤا بالكذب، و هم: عبد اللّه بن أبى [بن سلول]، و حسّان بن ثابت، و مسطح بن أثاثة، و حمنة بنت جحش الأسدية(3)، «لا تحسبوا» القذف «شَرًّا لَكُمْ» فى الآخرة، «بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» فى الثواب و العوض، «لكل إمرء منهم ما إكتسب» خاض فيه، «و الّذي تولّي كبره» و أشاع و أعظم المقاله عنه، و هو عبد اللّه بن أبى «لَهُ عَذٰابٌ عَظِيمٌ» فى الدّنيا و فى الآخرة بالنّار.
إعلم! أنّ المنافقين فى كلّ زمان كانوا يطعنون على أنبيائهم فبرّأهم اللّه:
أوّلها: يوسف عليه السّلام لّما راودته إمرأة العزيز عن نفسه «وَ غَلَّقَتِ اَلْأَبْوٰابَ وَ قٰالَتْ هَيْتَ لَكَ» و خرج، فقدّت خلفه، «وَ أَلْفَيٰا سَيِّدَهٰا» أي زوجها «قٰالَتْ مٰا جَزٰاءُ مَنْ أَرٰادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً»، فإتّهم يوسف عليه السّلام، و «قٰالَ هِيَ رٰاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي»،
فبرّأه اللّه بشهادة صبى رضيع كان هناك، فأنطقه اللّه بما ذكره اللّه. و قيل: الشاهد قميصه، أنطقه اللّه، فبرئ يوسف من تلك التهمة، بالمعجز الّذي أظهره اللّه.
و الثانى: انّه لمّا توفّي هارون، إتّهم بنو إسرائيل موسى عليه السّلام بأنّه قتله، كما قال تعالى: «لاٰ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسىٰ»(1)، فأحيا اللّه هارون، حتى قال ببرائة موسى، و أنّه توفّاه اللّه و نقله إلى رحمته، فبرّأه اللّه ممّا قالوا.
و زعمت العامّة أن بنى إسرائيل إتّهموا بموسى عليه السّلام بأنّه آدر!!، فخرج إلى نهر ليغتسل، و خلع قميصه، و جعله على حجر، فلمّا أراد لبسه، تدحرج الحجر بثيابه، فرأي موسى عليه السّلام عريان، فعلموا أنّه لم يكن آدر(2)، و هذه غير صحيح.
و الثالث: لمّا إتّهموا مريم عليها السّلام بالزّناء، فبرّأها اللّه بلسان عيسى عليه السّلام حين قال فى المهد: «وَ بَرًّا بِوٰالِدَتِي»(3)و كان إبن ثلاثة أيام.
و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لمّا خاض المنافقون فى ذلك، حزن حزنا شديدا، و كانوا علموا: أنّها مستورة، و لم يكن بينهما و بينها شيئ، و أرادو بذلك الطعن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فنزل جبرئيل، ثم قال أولئك مبرؤن ممّا يقولون.
روي الزهريّ، عن عروة بن الزبير، و سعيد بن المسيّب عن عايشة، انّها قالت:
كان النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إذا أراد سفرا، أقرع بين نسائه، فأيتهنّ خرج سهمها، خرج بها، فأقرع بيننا فى غزوة بنى المصطلق عن خزاعة، فخرج سهمي فيها، فخرجت، فلمّا قفل و دنونا من المدينة، فقمت حين آذنوا بالرّحيل، فمشيت، حتّي جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأنى، أقبلت إلى الرّحل، فلمست صدري، فإذا قد إنقطع، فرجعت ألتمسه، فحبسنى إبتغاؤه، [و أقبل الرهط الذين كانوا يرحلونى].
فحملوا هودجي على بعيري الذي كنت أركب، و هم يحسبون أنّي فيه، و كانت النّساء إذ ذاك خفافا [و لم يهبلهنّ اللحم] انّما يأكلن العلقة من الطعام!!، فبعثوا
الجمل، و ساروا، و وجدت عقدي، و جئت منازلهم، و ليس بها داع [و لا مجيب، فدنوت من منزلى الذي كنت فيه، و ظننت انّ القوم سيفقدونى فيرجعون إلى]، فبينما أنا جالسة، إذ غلبتنى عيناي، فنمت، و كان صفوان بن المعطل السهمي قد عرّس من وراء الجيش، فأصبح عند منزلى، فرآنى، فعرّفنى، فخمّرت وجهي بجلبابى، و و اللّه ما كلّمنى بكلمة، حتّي أناخ راحلته، فركبتها، فإنطلق يقود الراحلة، حتّي أتينا الجيش بعد ما نزلوا [موغرين] فى حرّ الظهيرة، فهلك من هلك فى [و كان الذي تولّي كبره منهم، عبد اللّه بن أبى بن سلول، فقدمنا المدينة، فإشتكيت حين قدمتها شهرا]، و النّاس يغيضون فى قول أهل الإفك، و أنا أعرف من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم اللطف الّذي كنت أري، قلت: أ تأذن لى أن آتي أبوي، فأذن لى، و دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عليّا عليه السّلام، و إستشار فى أمري و فى فراقي، فقال عليه السّلام: لن يضيق اللّه عليك، و النّساء كثير!!، و كنت أنا بريئة، فأنزل اللّه: «إِنَّ اَلَّذِينَ جٰاؤُ بِالْإِفْكِ»(1).
«وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً» (2)، «أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اَللّٰهِ تُرِيدُونَ»(3)، «فَأَنّٰى يُؤْفَكُونَ»(4)، «يُؤْفَكُ عَنْهُ»(5)، «مَنْ أُفِكَ»(6)، «وَ اَلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوىٰ»(7)، «لِتَأْفِكَنٰا عَنْ آلِهَتِنٰا»(8).
1) . مجمع البيان: 229، 228/7 و عنه: بحار الأنوار: 107/76، 312، 311/20 و أنظر أيضا: صحيح إبن حبّان: 15/10، اسباب النزول، الواحدي: 215، تفسير الجلالين: 458، صحيح البخاري: 127/6، مسلم: 118، 112/8، مسند أحمد: 194/6.
2) . العنكبوت: 17.
3) . الصافات: 86.
4) . العنكبوت: 61، الزخرف: 87.
5) . الذاريات: 9.
6) . الذاريات: 9.
7) . النجم: 53.
8) . الأحقاف: 22.
قيل: الخطاب فى قوله: «هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» لمن ساءه ذلك من المؤمنين، و خاصّة رسول اللّه، و صفوان بن المعطّل. و معنى كونه: «خَيْرٌ لَكُمْ» انّهم إكتسبوا فيه الثواب و العوض العظيمين، لأنّه كان بلاء مبينا، و محنة ظاهرة.
و جعل اللّه التفصلة بين الرّمي الصارف و الكاذب، شهادة الشهود الأربعة و إبتغاءها، و ان لم يكن بينة، كانوا «عِنْدِ اَللّٰهِ» أي: فى حكمه و شريعته «كاذبين»، و ذلك قوله تعالى: «لَوْ لاٰ جٰاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ»(1).
«الأفك» أغلب ما يكون من الكذب، و قيل: هو البهتان، لا تشعر حتى يفجاك!!، و «الإفك»: القلب، فالإفك قول مأفوك عن وجهه.
و العصبة: الجماعة، من العشرة إلى الأربعين. و «كبر» بالضمّ و الكسر عظيمه.
فإن قيل: «لَوْ لاٰ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَ قٰالُوا هٰذٰا إِفْكٌ مُبِينٌ»(2)عدل عن الخطاب إلى الغيبة، و عن الضمير إلى الظاهر؟!
قلت: ليبلغ فى التوبيخ بطريقة الإلتفات.
و فى التصريح بلفظ الإيمان، دلالة على أنّ الإشتراك فيه، مقتض أن لا يصدّق مؤمن على أخيه، و لا مؤمنة على أختها، قول غايب و لا طاعن، و أن يقوله بملاء فيه، بناءا لى ظنّه، بالمؤمن الخير.
يا من يغتاب المسلمين و يتكلّم فيهم بالبهتان!! إرجع عمّا لا ينفعك، و لا يضرّهم، بل يضرّك!!.
من أوّل سورة النّور إلى هيهنا أربع و ثلاثون آية.
و معناه: اللّه الهادي أهل السّماوات إلى ما فيه مصالحهم. و قيل: اللّه منوّر السّماوات و الأرض بالشمس و القمر. و قيل: اللّه مزين السّماوات بالملائكة و مزين الأرض بالأنبياء و العلماء. مثل نور المؤمن، و قيل: مثل نور اللّه فى قلب المؤمن، «كَمِشْكٰاةٍ فِيهٰا مِصْبٰاحٌ» مقدّم و مؤخّر، يقول: كمصباح - و هو السّراج - «فِي زُجٰاجَةٍ» فى قنديل من الزّجاجة فى مشكاة - و هي كوّة غير نافذة، «كأنّها» يعنى: الزّجاجة «كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ» مضيئ من هذه الأنجم الخمسة:
عطارد، و المشتري، و الزّهرة، و بهرام، و زحل، و هذه الأنجم كلّها درّية، و «يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ» أخذ دهن القنديل من دهن «شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ» هي شجرة الزيتونة «لاٰ شَرْقِيَّةٍ وَ لاٰ غَرْبِيَّةٍ» بفلاة على قلعة لا يصيبها ظلّ المشرق و لا ظلّ المغرب، و يقال: لمكان لا يصيبها الشمس حين طلعت و لا حين غربت.
«يَكٰادُ زَيْتُهٰا» زيت الشجرة يضيئ من وراء قشرها «إن لم تصبه نار» فهو «نُورٌ عَلىٰ نُورٍ» المصباح و القنديل - نور الزيت - نور «يَهْدِي اَللّٰهُ لِنُورِهِ» يكرم اللّه بنوره يعنى بالمعرفة. و قيل: يكرم اللّه بدينه «مَنْ يَشٰاءُ» من كان أهلا لذلك.
إعلم! انّ اللّه بين فى هذه الآية ثلاثة أشياء: ففي أوّلها، كمال علمه و قدرته، و فى أوسطها تمام لطفه فى أمر عبده المؤمن، و فى آخرها، شرف المؤمن و حرمته.
فأمّا كمال قدرته، فانّه يجعل قلب العارف، مع صغره، خزانة لمعرفته.
و قال الصّادق عليه السّلام: فى قوله [تعالى]: «وَ اَلْبَيْتِ اَلْمَعْمُورِ»(1)و هو قلب العارف(2)، «و السقف المرفوع»، معرفته ترفع بالعناية، معمور بنور الهداية.
و أمّا اللطف: فإنّه أكرم قلوب المكلّفين بالعقول، و ألطف بهم حتّي تفكّروا، فوصلوا إلى معرفته و توحيده، كما قال: «و ألزمهم كلمة التقوى»، ثمّ قال: «وَ كٰانُوا أَحَقَّ بِهٰا»(3).
و أمّا شرف المؤمن، فانّه قال: «يَهْدِي اَللّٰهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشٰاءُ» يعنى: المؤمن لمّا إختاره و إهتدي به، فجعله اللّه خازن سرّه و حافظ برّه، من بين جميع خلقه، و أعطاه من غير سؤاله. و ذكر هذه الثلاثة فى كتابه، فقال: «اَللّٰهُ نُورُ اَلسَّمٰاوٰاتِ».
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ اللّه خلق خلقه فى ظلمة، ثم ألقي عليهم من نوره، فمن إهتدي فانّما يهتدي لنفسه، و من ضلّ، فإنّما يضلّ على نفسه.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: المؤمن نور، و علمه نور، و كلامه نور، و مدخله نور، و مخرجه نور.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: اللّهم اجعل فى قلبى نورا، و من فوقي نورا، و من تحتى نورا، و عن يمينى نورا، و عن يساري نورا.(6)
1) . الطور: 4.
2) . لم نعثر عليه عن ألإمام الصّادق عليه السّلام. و فى قوت القلوب: و قد روينا عن زيد بن أسلم فى قوله تعالى: «فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ» [البروج: 22] قال: قلب المؤمن. و قال آخر فى قوله: «وَ اَلْبَيْتِ اَلْمَعْمُورِ» قلب العارف. (قوت القلوب: 407/1) و فى تفسير منهج الصادقين: «بيت المعمور: قلب مؤمن است كه عرش رحمان است» (منهج الصادقين: 151/9).
3) . الفتح: 26.
4) . جامع الصغير: 96/1، قوت القلوب، المكّي: 148/2، شرح النصوص للقيصري: 888، شرح النصوص لإبن تركه: 101/1، الفكوك: 228، رسالة النصوص: 100، مصباح الأنس: 416، جامع الأسرار: ألآملي: 263.
5) . معانى القرآن، النحاس: 537/4 عن أبى بن كعب مثله.
6) . نيل الأوطار: 335/2، مسند أحمد: 373، 343، 284/1، صحيح البخاري: 148/7، صحيح مسلم: 182، 181، 179/2، سنن أبى داود: 304/1، سنن النسائي: 218/2، المصنف: 37/3.
فنفس المؤمن نور،
كما قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و كذا صلاته، فانّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال:
الصلاة نور المؤمن.(1)
الصلاة نور من اللّه.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ الأرض الّتى يسجد عليها المؤمن يضيئ نورها إلى السّماء.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إتّقوا فراسة المؤمن، فانّه ينظر بنور اللّه.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الشيب نور من أنوار اللّه.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يقول اللّه: انّ الشيب نور من أنواري، و أنا أستحيى أن أحرق نوري بنارك!!(6).
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من شاب شيبه فى الإسلام، كانت له نورا يوم القيامة.(7)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: المساجد أنوار اللّه.(8)
دخل الصّادق عليه السّلام على عابد النّار، و قال: لم تعبدها؟! قال: لأنّها نورانية، قال: بلى! و لكن معها خمسة عيوب: محتاجة إلى الحطب، و هي ضعيفة لا يقدر على دفع الضرر عن نفسها، و هي جاهلة لا تميز لها، و لا تخلوا من الظلمة، و لا وفاء لها، تحرقك بعد عبادتك لها سنين، ثم قال: و أعبد الواحد القوي الّذي لا ضعف له، الغنى الّذي لا حاجة له، العالم الّذي لا جهل له، الوفى الّذي لا جفاء
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 92/3، الترغيب و الترهيب: 349، 281، 207/2، 156/1، مسند شهاب: 117/1، مسند أبى يعلي: 330/6، الجامع الصغير: 120/2، كنز العمال: 288/7.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 92/3.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 485/4.
4) . بصائر الدرجات: 377، 375، الكافى: 218/1، علل الشرايع: 174/1، سنن الترمذي: 298/5، المعجم الكبير: 102/8، مسند الشهاب: 387/1، تاريخ بغداد: 99/5، حلية الأولياء: 118/6.
5) . لم نعثر عليه بألفاظه، و أنظر مثله فى المعنى فى الرقم التالى.
6) . كنز العمال: 673/15 بتفاوت يسير، و أنظر أيضا: فضائل الشيعة، للشيخ الصدوق: 20، روضة الواعظين: 476، بحار الأنوار: 390/70، كشف الخفاء: 255/2، الكامل، عبد بن عدي: 110/3، ميزان ألإعتدال: 31/2، لسان الميزان: 434/2.
7) . مسند الشاميين، الطبرانى: 280/3، و مثله: 83/3.
8) . عنه: مستدرك الوسايل: 447/3.
له، النور الّذي لا ظلمة فيه.
سمي اللّه عشرة أشياء نورا:
رسوله: «قَدْ جٰاءَكُمْ مِنَ اَللّٰهِ نُورٌ»(1).
و كتابه: «وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ»(2).
و التوراة: «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ اَلْكِتٰابَ اَلَّذِي جٰاءَ بِهِ مُوسىٰ نُوراً»(3).
و الانجيل: «وَ آتَيْنٰاهُ اَلْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ»(4).
و النهار: «وَ جَعَلَ اَلظُّلُمٰاتِ وَ اَلنُّورَ»(5).
و القمر: «وَ اَلْقَمَرَ نُوراً»(6).
و العدل: «وَ أَشْرَقَتِ اَلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهٰا»(7).
و الإيمان: «وَ جَعَلْنٰا لَهُ نُوراً»(8).
و الطاعة: «يَسْعىٰ نُورُهُمْ»(9).
و المعرفة: «مَثَلُ نُورِهِ» ثم قال: «اَللّٰهُ نُورُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ» اي منوّرها.
انّما ورد «النور» فى صفة اللّه، لأنّ كلّ نفع و إحسان و إنعام منه.
و القرآن نزّل على لغة العرب، و هم يقولون: فلان رحمة، و فلان عذاب، إذا كثر فعل ذلك منه، و على هذا قول الشاعر:
ألم تر أنّا نور قوم و إنّما *** يبين فى الظلماء للنّاس نورها(1)
و كذا قول أبى طالب عليه السّلام فى مدح النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم:
و أبيض يستسقي القمام بوجهه ثمال اليتامي عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاّك، من آل هاشم فهم عنده فى نعمة و فواضل لم يعن بقوله: أبيض، بياض لونه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و انّما أراد كثرة إفضاله و إحسانه و نفعه و ألإهتداء به، و لهذا المعنى سمّاه اللّه تعالى: سراجا منيرا. مجمع البيان: 224/7.
و إنّما المعنى: أنّا نسعي فيما ينفعهم، و منّا خيرهم.
و امّا قوله: «مثل نوره» ففيه وجوه:
أحدها: أنّ معناه: مثل نور اللّه الّذي هدي به المؤمنين، و هو الإيمان فى قلوبهم.
و الثانى: مثل نوره الذي هو القرآن فى القلب.
و الثالث: انّه عنى بالنّور، محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و أضافه إلى نفسه تشريفا له، فالمعنى: مثل محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
و الرابع: أن نوره تعالى سبحانه، الأدلّة الدالّة على توحيده و عدله، الّتى هي فى الظّهور و الوضوح مثل النّور.
الخامس: أنّ «النّور» هنا، الطاعة، أي: مثل طاعة اللّه فى قلب المؤمن.
«المشكاة» هي الكوّة فى الحائط يوضع عليها زجاجة، ثمّ يكون المصباح خلف تلك الزّجاجة، و تكون للكوّة باب آخر يوضع المصباح فيه.
و قيل: المشكاة القنديل [و المصباح الفتيلة](2).
و المصباح: السراج، أي ذلك السراج فى زجاجة، و فائدة إختصاص الزّجاج بالذكر، أنّه أصفي الجواهر، فالمصباح فيه أضوأ.
و قوله: «اَلزُّجٰاجَةُ كَأَنَّهٰا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ» اي: تلك الزجاجة مثل الكوكب العظيم
المضيئ الّذي يشبه الدرّ فى صفائه و نقائه، و إذا جعلته من «الدّرء» و هو الدّفع، فمعناه: المندفع السّريع الوقع فى الإنقضاض، و يكون ذلك أقوي لضوئه.
«يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ» أي [يشتعل ذلك السراج] من دهن شجرة الزيتون، الّذي دعا الأنبياء عليها بالبركة(1)، و يكون «شرقية و غربية» أخذت بحضّها من الأمرين، تكون أبدا بارزة للشمس.
«يَكٰادُ زَيْتُهٰا يُضِيءُ» قبل أن تمسّه النّار لصفائه.
عن الرّضا عليه السّلام: نحن المشكاة، [فيها المصباح] محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، يهدي اللّه لولايتنا من أحبّ.(2).
و قال الباقر عليه السّلام: «كَمِشْكٰاةٍ فِيهٰا مِصْبٰاحٌ»: نور العلم فى صدر محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، « اَلْمِصْبٰاحُ فِي زُجٰاجَةٍ»: الزّجاجة صدر عليّ عليه السّلام، صار علم النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إلى صدر عليّ عليه السّلام، علّم النّبىّ عليّا علمه، «يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ» نور العلم «لاٰ شَرْقِيَّةٍ وَ لاٰ غَرْبِيَّةٍ» لا يهوديّة و لا نصرانيّة «يَكٰادُ زَيْتُهٰا يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نٰارٌ» قال:
يكاد العالم من آل محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يتكلّم بالعلم قبل أن يسأل، «نُورٌ عَلىٰ نُورٍ» أي:
إمام مؤيّد بنور العلم و الحكمة فى إثر إمام من آل محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و ذلك من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة، فهؤلاء الأوصياء الذين جعلهم اللّه خلفائه فى أرضه و حججه على خلقه لا يخلوا الأرض فى كلّ عصر عن واحد منهم.(3)
و تحقيق هذه الجملة يقتضي أنّ الشجرة المباركة المذكورة فى الآية هي:
دوحة التّقي و الرضوان و عترة الهدي و الإيمان، شجرة أصلها النبوّة، و فرعها الإمامة، و أغصانها التنزيل، و أوراقها التأويل، و خدمها جبرئيل و ميكائيل.
1) . و قيل: لأنّه بارك فيها سبعون نبيا منهم إبراهيم عليه السّلام، مجمع البيان: 225/7.
2) . بحار الأنوار: 23/4، تأويل ألآيات: 356، مجمع البيان: 251/7، نور البراهين: 401/1.
3) . التوحيد، للصدوق: 158، المناقب لإبن شهر آشوب: 280/1، تأويل ألآيات: 356، مجمع البيان: 251/7، الصراط المستقيم: 42/2، نور البراهين، السيد نعمة اللّه الجزايري: 402/1، البرهان: 134/3، نور الثقلين: 604/3، تفسير فرات الكوفى: 281، تفسير جوامع الجامع: 622/2، بحار الأنوار: 311/23، مجمع البحرين: 390/4.
عليك أيها المؤمن! أن تطلب لظلمة القبر أنوارا.
و من كان معه نور الإيمان باللّه و برسوله و حججه، فهذا نور على نور على نور، لا تضرّه ظلمة القبر إنشاء اللّه.
هذه الآية فى سورة «الفرقان»، و هي مكية، و آياتها سبع و سبعون آية، و إلى هيهنا من أوّلها إثنتان و ستون آية.
و عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأ هذه السّورة، يبعث يوم القيامة آمنا من هولها، و يدخل الجنّة بغير نصب.(1)
و عن إبن عباس فى قوله تعالى: «وَ عِبٰادُ اَلرَّحْمٰنِ» يعنى خواصّ الرّحمان، «اَلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى اَلْأَرْضِ هَوْناً» أي: تواضعا من مخافة اللّه، «وَ إِذٰا خٰاطَبَهُمُ اَلْجٰاهِلُونَ» أي: إذا كلّمهم الكفّار، أو الفسّاق، «قٰالُوا سَلاٰماً» أي: ردّوها معروفا و سدادا من القول، «وَ اَلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِيٰاماً» فى صلاة الليل، «وَ اَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِصْرِفْ عَنّٰا عَذٰابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذٰابَهٰا كٰانَ غَرٰاماً» أي: لازما ملحّا مولعا بهم.
إعلم! أنّ اللّه مدح عباده بشيئين:
بالتزكية و الإضافة. و التزكية عامّة و خاصّة، و العامّة: كما ذكر الرجال:
«اَلتّٰائِبُونَ اَلْعٰابِدُونَ اَلْحٰامِدُونَ اَلسّٰائِحُونَ اَلرّٰاكِعُونَ...» (2).
و ذكر النّساء، فقال: «مُسْلِمٰاتٍ مُؤْمِنٰاتٍ قٰانِتٰاتٍ تٰائِبٰاتٍ»(3)، ثم ضمّها، فقال:
«إِنَّ اَلْمُسْلِمِينَ وَ اَلْمُسْلِمٰاتِ وَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ» (4)، ثمّ خصّ منهم أهل بيعة الرّضوان، و خصّ منهم المؤمنين، فقال: «لَقَدْ رَضِيَ اَللّٰهُ عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبٰايِعُونَكَ
تَحْتَ اَلشَّجَرَةِ» (1)، و لم يقل: رضي اللّه عن الحاضرين، ثم قال: «إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ»(2).
فامّا الاضافة العامّة، كقوله: «هٰذٰا خَلْقُ اَللّٰهِ»(3). و إضافة الخاصّة: «وَ عِبٰادُ اَلرَّحْمٰنِ»(4).
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ الرجل ليدرك بالحلم درجة الصّائم القائم، و أنّ الرّجل ليكتب جبّارا و ما يملك إلاّ أهل بيته!!.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: طوبى لمن تواضع فى غير منقصة، و أذلّ نفسه فى غير مسكنة، و أنفق من مال جمعه من غير معصية.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من تواضع للّه رفعه اللّه.(7)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ الأرض لتشكو من فقير مختال، و صاحب صوف متكبّر، و ملك جبّار.(8)
و امّا فى قوله تعالى: «وَ إِذٰا خٰاطَبَهُمُ اَلْجٰاهِلُونَ قٰالُوا سَلاٰماً»، فقد قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم:
من لم يكن فيه ثلاث، لم يجد طعم الإيمان: حلم يردّ به جهل الجاهل، و ورع
1) . الفتح: 18.
2) . الأحزاب: 33.
3) . لقمان: 11.
4) . الفرقان: 61.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 291/11، و فى مجموعة ورّام (228/2): عن النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: قال: انّ الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم، و انه ليكتب جبارا و لا يملك إلا أهله.
6) . عنه: مستدرك الوسايل: 300/11، بحار الأنوار: 92/74، أعلام الدّين: 203، الأمالى، الطوسي: 537.
7) . الكافى: 122/2، وسايل الشيعة: 277/15، مستدرك الوسايل: 297/11، بحار الأنوار: 137/1.
8) . عنه: مستدرك الوسايل: 33/12 و فيه: «و صاحب صلف متكبر» و هو المتعارف فى ألآثار و الأحاديث المأثورة عن أئمة أهل البيت الذين هم أمراء الكلام عليهم السّلام، كما فى: ديوان عليّ عليه السّلام: 284، الكافى: 226/2، بحار الأنوار: 425/34، 125/1، أعلام الدّين: 115، غرر الحكم: 215، 77، كشف الغمّة: 30/2، الصلف: مجاوزة القدر فى الظرف و البراعة و الإدّعاء، و قال ابن الاثير: آفة الظرفا لصلف، هو الغلوّ فى الظرف و الزّيادة علي المقدار مع تكبر. لسان العرب: 196/9.
يحجزه عن المحارم، و خلق يداري به النّاس.(1)
و أمّا فى قوله تعالى: «وَ اَلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِيٰاماً»، فقد قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم:
و أمّا فى قوله تعالى: «رَبَّنَا اِصْرِفْ عَنّٰا عَذٰابَ جَهَنَّمَ» فقد قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم:
الإضافة على وجوه عشرة:
إضافة الجوار: ماء النهر. و إضافة السبب: آلة الخياط. و إضافة الملك: دار فلان، و عبده. و إضافة النسب: إبن فلان و أبوه. و إضافة الشركة: زوجة فلان، و قرينه. و إضافة البعض: يده و رجله. و إضافة الصّفة: علمه و قدرته.
و إضافة الفعل: صلاته و صومه. و إضافة القدرة: «بَعَثْنٰا عَلَيْكُمْ عِبٰاداً لَنٰا»(5)،
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 291/11، بحار الأنوار: 422/68، المحاسن: 6/1.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 292/11، و فيه: «ممن هو شر» بدون كلمة «منك».
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 337/6، 116/3 و فيه: «وَ مَنْ حَوْلَهُ»، 340/6.
4) . و بهذا المضمون أخبار عديدة: فى الخصال:... و ما من أحد يقول: «اللّهم أدخلنى الجنّة» إلاّ قالت الجنّة: أللهم أسكنه فى، و ما من أحد يستجير باللّه من النّار، إلاّ قالت النّار أللّهم أجره منّي. الخصال: 202 و عنه وسايل الشيعة: 1040/4، الجعفريات: 214 بتفاوت يسير، و عنه مستدرك الوسايل: 329، 65/5، و عن الخصال، بحار الأنوار: 34/83. و فى مسند أحمد: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ما إستجار عبد من النّار ثلاث مرارا، إلا قالت النّار: اللهم أجره منى، و لا يسأل الجنّة، إلاّ قالت الجنّة: أللهمّ أدخله أياي (117/3)، و أنظر أيضا: المصنف لإبن أبى شيبة الكوفى: 130/7، مسند أبى يعلي: 357/6، كنز العمّال: 195/2.
5) . ألإسراء: 5.
فإن قيل: و لم قال «عِبٰادُ اَلرَّحْمٰنِ» و لم يقل: عباد الرّحيم، أو العزيز، أو الكريم؟! قيل: معناه كما أنّ إسم الرّحمان له خاصّ، كذلك هؤلاء العباد من خواصّه، و إيضا، الرّحمان من يحسن إلى البرّ و الفاجر، كذلك خواصّه يحسنون فى الدّنيا إلى البرّ و الفاجر، و إيضا، لم يعرفه تعالى بإسم الرّحمان إلاّ المؤمنون، كذلك خواصّ الرّحمان لا يعرفهم كلّ أحد، و إيضا، الرّحمان كثير الرّحمة، كذلك عباد الرّحمان كثير الرّحمة على عباده.
«عِبٰادُ اَلرَّحْمٰنِ» تخصيص عظيم، فيه شرف كثير. و نحوه: أنبياء اللّه، و مساجد اللّه. «يَمْشُونَ عَلَى اَلْأَرْضِ هَوْناً» أي: تواضعا، بالسكون و الوقار، مشي العبيد، لا مشي الجبابرة.
و قوله: «سُجَّداً وَ قِيٰاماً» و لم يذكر القعود و لا التشهّد!!، لأنّ الرّكوع فى حال
1) . الفرقان: 63.
2) . الحجر: 49.
3) . «اطلبوا المعروف و الفضل من رحماء أمّتى» بحار الأنوار: 160/96 عن أعلام الدّين: 87. «اطلبوا البذل من رحماء أمتّي، فعليهم تنزل الرحمة من اللّه، و لا تطلبوه من القاسية قلوبهم، فعليهم تنزل اللعنة من اللّه» مستدرك الوسايل: 229/7. اطلبوا المعروف من رحماء أمّتى تعيشوا فى أكنافهم...» الجامع الصغير: 168/1.
4) . سئل النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: جبرئيل عليه السّلام عن تفسير الرّضا، قال: الرّاضي هو الّذي لا يسخط علي سيده، أصاب من الدّنيا، أو لم يصب، و لا يرضي من نفسه بإليسير، معانى الأخبار: 261، وسايل الشيعة: 152/11، مشكاة الأنوار: 423، عدة الداعي: 85، بحار الأنوار: 373/66.
القيام، و السجود فى حال القعود، فكأنّه أدخلهما فيها.
و «غراما» أي: لازما ملحّا. و قيل: ثقيلا كالغريم، أي: بتركهم الطّاعة، أغرمهم النّار، و قيل: يشقّ على من يدخل فيها، و يقال: فلان مغرم بالنّساء، حتّي لا يصبر عنهنّ، كذلك النّار لا تصبر على الكفّار، لأنّهم حطبها.
قوله: «فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ»، قال عليّ بن الحسين عليهما السّلام: هذا فى الآخرة.(1)
و عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يؤتي برجل يوم القيامة، فيقول: اعرضوا عليه صغاير ذنوبه، و أخفوا كبائرها، ثمّ يقال له: عملت كذا فى يوم كذا، و هو مقرّ مشفق من الكبائر، فقال: أعطوه، مكان كلّ سيئة عملها حسنة، فقال: إنّ لى ذنوبا ما أراها هيهنا.(2)
1) . تفسير إبن كثير: 117/6، تفسير إبن أبى حاتم: 2735/8، الدرّ المنثور: 79/5.
2) . بحار الأنوار: 247/68، 287/7 عن مسلم فى صحيحه، مجمع البيان: 313/7، زاد المسير: 26/6، الدرّ المنثور: 79/5، الميزان: 247/15 و أضاف السيّد الطباطبائي: و هو من أخبار تبديل السيّئات حسنات يوم القيامة، و هو كثيرة مستفيضة من طرق أهل السّنة و الشيعة مروية عن النّبىّ و الباقر و الصّادق و الرّضا عليه و عليهم الصّلاة و السّلام.
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّٰ رَبَّ اَلْعٰالَمِينَ اَلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ» (1).
هذه الآية فى سورة الشّعراء، و هي مكيّة، غير الآية الّتى فيها ذكر الشّعراء، فانّها مدنيّة، و جعلتها مائتان و تسع و عشرون آية. و من أوّل السّورة إلى هيهنا ستّ و سبعون آية.
و فى الخبر: أنّ النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: قال: من قرأ هذه السّورة، كان له من الأجر بعدد من صدّق الموسى و سائر الأنبياء الّذين ذكرهم اللّه فى هذه السّورة، و بعدد كلّ واحد منهم عشر حسنات.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من خرج من منزله، و قرأ هذه السّورة، هداه اللّه للصّواب.(3)
و روي، أنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: قال: من قرأها فى مرضه، جعلها اللّه كفّارة لذنوبه، و يميته موتة الشّهداء، و يحييه حيات السّعداء.(4)
و عن إبن عباس فى قوله: «عَدُوٌّ لِي» أي إنّي أبرء منهم «إِلاّٰ رَبَّ اَلْعٰالَمِينَ»
1) . الشعراء: 75-78.
2) . مصباح الكفعمي: 443.
3) . أحمد بن محمّد بن فهد فى عدّة الداعى (282)، و فى البحار عنه و عن أعلام الدّين للدّيلمي، عن سمرة بن جندب، قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من توضّأ ثمّ خرج إلى المسجد، فقال حين يخرج من بيته: بسم اللّه الّذي خلقنى فهو يهدين، هداه اللّه إلى الصواب للإيمان... و إذا قال: و إذا مرضت فهو يشفين، جعله اللّه كفارة لذنوبه، و إذا قال: و الذي يميتنى ثم يحيين أماته اللّه تعالى موتة الشهداء و أحياه حياة السعداء. بحار الأنوار: 20/81، اعلام الدّين: 352، مصباح الكفعمي: 12، مستدرك الوسايل: 435/3، الكامل، لإبن عدي: 35/2.
4) . نفس المصدر.
5) . لم نعثر عليه.
6) . تفسير البرهان: 163/4.
إلاّ من كان منهم يعبدون ربّ العالمين «اَلَّذِي خَلَقَنِي» من النطفة، «فَهُوَ يَهْدِينِ»، يحفظنى على الدّين، و يرشدنى إلى الحقّ و ألهدي، و «اَلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي» يرزقنى «وَ يَسْقِينِ» إذا جعت و عطشت «وَ إِذٰا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ» من المرض، «وَ اَلَّذِي يُمِيتُنِي» فى الدّنيا «ثُمَّ يُحْيِينِ» يوم القيامة، و «خطيئتى» أي: ذنبى.
إعلم! أنّه كان لإبراهيم عليه السّلام ثلاث مقامات:
مقام الإنبساط، و مقام الشّكر، و مقام الحيات. ففي الأوّل: «رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتىٰ»(1)، لأنّ الخليل ينبسط إلى خليله، ثمّ تكلّم بلسان الشّكر، فقال:
«اَلَّذِي خَلَقَنِي» و... الآيات، فلمّا بلغ إلى التسليم، حيث قال له: «أسلم» قال:
«أسلمت» فدهش و تحير!، فقال له جبرئيل: «ما الحاجة؟!» قال: امّا إليك، فلا!!، قال: سل ربّك!، قال: حسبى اللّه و نعم الوكيل.(2)
فإنبسط أوّلا بالسّؤال، و ثانيا بالشّكر و الثّناء، فأثنا بخمسة أشياء: «اَلَّذِي خَلَقَنِي - إلى قوله -: يَوْمَ يُبْعَثُونَ».
و كذلك علّم اللّه المؤمن فى سورة الحمد، فإنّ نصفها ثناء، و نصفها دعاء.
فلمّا بلغ - إبراهيم عليه السّلام - المرتبة القصوي، سكت و لم يسئل!!.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: كان إبراهيم عليه السّلام إذا دخل فى التّلاوة، يسمع رحيب قلبه من ميلين!!.(3)
و كان نبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يصلّي و لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لجبرئيل: خوفّنى!! فخوّفه، فخرّ مغشيا عليه، قال: أنا ألقي هذا؟!،
1) . البقرة: 260
2) . بحار الأنوار: 188/92، 155/68، 39، 38، 31، 24، 5/12، أمالى الصدوق: 456، تفسير القمي: 72/2، الخصال: 335/1، علل الشرايع: 35/1، عيون اخبار الرضا: 54/2، مجموعة ورّام: 222/1.
3) . لم نعثر عليه، كذا فى المتن، و الظاهر أنّه «رهيب قلبه»
4) . مستدرك الوسايل: / 106، بحار الأنوار: 249/81، 49/10.
و قد غفرلى، قال: يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم!! ليأتينّ عليك مواطن فى القيامة، تنسي فيها المغفرة!!.(1)
قال اللّه: «إِلاّٰ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ»(4)، إي: لأن يرحم عليهم، خلقهم، و معناه: للرّحمة خلقهم، و إذا كان كذلك، فقوله: «وَ لَقَدْ ذَرَأْنٰا لِجَهَنَّمَ»(5)، اللاّم ليست للغرض، فإنّ اللّه لم يخلق خلقا ليعذبّه، و انّما خلقه ليحسن إليه، فلمّا إختار الكفّار، الجحود و العصيان، كان عاقبتهم النّار.
فاللام فى قوله «لجهنّم» لام العاقبة، كقوله: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا»(6)، و ما إلتقطوا موسى عليه السّلام لغرض، إمّا أن يكون عدوّا لهم، و إنّما اتّخذوه قرّة عين لهم، فلمّا كان عاقبة الأمر عدوّا لهم، أدخل «لام» العاقبة.
و الهداية على وجهين:
الإبتداء: «بَلِ اَللّٰهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدٰاكُمْ لِلْإِيمٰانِ»(7).
و على المكافاة: «وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زٰادَهُمْ هُدىً»(8)، «وَ أَمّٰا ثَمُودُ فَهَدَيْنٰاهُمْ
1) . فى تفسير القرطبى: 361/6: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: خوّفنى جبرئيل يوم القيامة، حتّي أبكانى! فقلت: يا جبرئيل! ألم يغفرلى ما تقدّم من ذنبى و ما تأخّر؟! قال لى: يا محمّد لتشهدنّ من هول ذلك اليوم ما ينسيك المغفرة.!!
2) . الكافى: 70/2، مستدرك الوسايل: 231/11، بحار الأنوار: 171/74، تحف العقول: 27، مجموعة ورّام: 131/1.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 231/11، بحار الأنوار: 345/67 باختلاف يسير.
4) . هود: 119.
5) . الأعراف: 179.
6) . القصص: 8.
7) . الحجرات: 17.
8) . محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: 17.
فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمىٰ عَلَى اَلْهُدىٰ» (1)، فالهدي الأوّل، الألطاف العامّة الّتى يفعلها اللّه بكلّ مكلّف.
فمن ضيعها، إستحقّ الخذلان، و من لم يضيع اللطف العام، يفعل اللّه به اللّطف الخاصّ. و يشبّه المحقّقون اللطف الخاصّ، بما يجري مجري الثواب.
إعلم! أنّ إبراهيم عليه السّلام عادي أعداء اللّه، فأتّخذ خليلا.
و علامة المحبّة كتمانها، و أن تفارق ما يشغله عن النّار، و أن يختار مراد اللّه على مراده، فإنّ أبا طالب عليه السّلام كتم إيمانه، ليمكنه معاونة محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بالمداراة، و إن سرّه أن يظهره!!.
قال: «فَهُوَ يَهْدِينِ» بالفاء، و قال: «وَ يَسْقِينِ» بالواو، و: «وَ إِذٰا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ» بالفاء، لأنّ ليس بين الطعام و السقي مهلة، و لانّ قوتهما فى اللبن، و لانّ كان بين الخلق و الهداية مهلة و معاقبة، بأن جعل بينهما العقل. و إذا بلغ الشّفاء، ردّ «الفاء» ايضا للمهلة و التعقيب بين المرض و الشفاء!!. فلمّا بلغ الإحياء، فقال: «اَلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ» لأنّ المهلة و التّراخي و المدّة المديدة بين الاحياء و الإماتة!.
و قال: «وَ إِذٰا مَرِضْتُ»، و لم يقل: أمرضنى، إذ لم يرد إضافة الأمراض إليه، كالخضر عليه السّلام، قال: «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهٰا»(2)، لم يضفه إليه تعالى.
و قيل: المرض ربّما يكون أدبا، و ربّما يكون غضبا، فلذلك قال الصّادق عليه السّلام عند مرضه: أللهمّ اجعله علّة أدب لا علّة غضب.(3)
أيها الصحيح البدن!! إحفظ صحّتك بقيام اللّيل و صيام النهار.
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 337/6.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 502/7، بحار الأنوار: 255/93، 267/59، دعائم ألإسلام: 342/1، الدعوات: 76، عوالى اللئالى: 268/1.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 337/6، بحار الأنوار: 155، 123/84، 267/59، الدعوات: 76.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 223/16، الدعوات: 77، و عنه البحار: 268/59، غرر الحكم: 296.
المجلس الأوّل بعد المائة فى قوله تعالى: «يَوْمَ لاٰ يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لاٰ بَنُونَ إِلاّٰ مَنْ أَتَى اَللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ»(1).
من أوّل سورة الشّعراء إلى هيهنا، سبع و ثمانون آية.
و عن إبن عباس: فى قوله «وَ لاٰ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ»(2)، أي: لا تفضحنى و لا تعيرنى بتقصيري فى الطّاعات يوم يبعث الخلائق من القبور، «يَوْمَ لاٰ يَنْفَعُ» كثرة مال الدّنيا و لا كثرة البنين، «إِلاّٰ مَنْ أَتَى اَللّٰهَ بِقَلْبٍ» خالص من الذنب و حبّ الدّنيا.
إعلم! أنّ إبراهيم عليه السّلام لمّا إحتجّ على عمّه و قومه، أو أبى أمّه، بأنّه لا يصلح للإلهية إلاّ من يميت و يحيى و يمرض و يشفي و يطعم و يسقي، و قال: «وَ اَلَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ» لأجلي خطيئة من يتّبعنى، سأل اللّه ستّة أشياء، فقال:
«رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً» أي: بيان الشيئ على ما يقتضيه الحكمة، و قيل: علما إلى علم، و فقها إلى فقه.
«وَ أَلْحِقْنِي بِالصّٰالِحِينَ» بمن صلّي من النّبيّين فى الدرجة و المنزلة.
«وَ اِجْعَلْ لِي لِسٰانَ صِدْقٍ فِي اَلْآخِرِينَ» ولد صدق فى آخرة الأمم، يعنى محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
«وَ اِجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ اَلنَّعِيمِ» ممن يرث الفردوس.
«وَ اِغْفِرْ لِأَبِي» لجدّي من الأمّ - و كان يدعوه الأب -.
و قيل: و اغفر لعمّي.
«وَ لاٰ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ» أي لا تبعدنى، و هذا على وجه الإنقطاع، و إلاّ فلا يجوز وقوع القبيح من الأنبياء، «يَوْمَ يُبْعَثُونَ» يوم تحشر الخلائق. و فسّر ذلك اليوم بأنّه لا ينفع أحدا المال، بأن يفتدي به من شدايده، و لا يتحمّل بنوه شيئا من معاصيه، «إِلاّٰ مَنْ أَتَى اَللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ».
قال الصّادق عليه السّلام: هو القلب الّذي سلم من حبّ الدّنيا.(1)
و روي عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فى هذه الآية: القلب السّليم المتبرّي عن الشكّ.(2)
و قيل: إنّه سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عن القلب السليم؟ فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: هذا قلب من لا يدخل الجنّة بكثرة الصّلاة و الصيام، و لكن يدخلها برحمة اللّه، و سلامة الصّدر، و سخاوة النفس، و الشّفقة على المسلمين.(3)
القلوب سبعة:
قلب ميّت: و هو قلب الكافر: «أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً»(4).
و قلب مريض: و هو قلب المنافق: «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ»(5).
و قلب قاس: و هو قلب العاصي: «فَوَيْلٌ لِلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ»(6).
و قلب منيب: «وَ جٰاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ»(7).
و قلب شاهد: و هو قلب المحبّ: «إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَذِكْرىٰ لِمَنْ كٰانَ لَهُ قَلْبٌ»(8).
و قلب وجل: «وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ»(9).
1) . بحار الأنوار: 239/67، 152/7، مستدرك الوسايل: 40/12.
2) . عن النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم سئل ما القلب السليم؟ فقال: دين بلا شك و هوي، و عمل بلا سمعة و رياء، مستدرك الوسايل: 113/1، و قال علي بن إبراهيم فى قوله تعالى: «إِذْ جٰاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» قال: القلب السليم من الشكّ، بحار الأنوار: 29/12. و فى الكافى، عن إبن عيينة، عن أبى عبد اللّه عليه السّلام، قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: «إِلاّٰ مَنْ أَتَى اَللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» قال: الّذي يلقي ربّه و ليس فيه أحد سواه، و قال: و كلّ قلب فيه شرك أو شكّ، فهو ساقط، و إنّما أرادوا الزهد فى الدّنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة، الكافى: 16/2، و عنه البحار: 239/67. و لم نعثر على لفظ الحديث كما فى المتن. و الظاهر أنّه نقل بمضمونه!!.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 260/15.
4) . الأنعام: 122.
5) . البقرة: 10.
6) . الزمر: 22.
7) . ق: 33.
8) . ق: 37.
9) . المؤمنون: 60.
و قلب العارف: «أَتَى اَللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ»(1).
و روي: أنّ إبراهيم عليه السّلام رأي وليا من أولياء اللّه، فقال: منذ كم أنت هيهنا؟! قال:
مذ ستّين سنة، فقال: هل سألت اللّه حاجة؟! قال: بلى! و هو أن يرينى وجه خليله إبراهيم، و يسقينى بكفّه شربة من ماء!!، فقال إبراهيم عليه السّلام: أنا الخليل!، و ذهب ليأتي بالماء، فلمّا رجع، وجده ميتا، فإغتمّ لذلك إبراهيم، فنودي إن لم أسقه من يد الخليل، فاسقنيه من كفّ الحبيب.(2)
قال إبن عباس: فى قوله «لاٰ يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لاٰ بَنُونَ» جواب للوليد بن المغيرة حين قالوا له: أسلم، قال: إنّ إبنى: أبا حذيفة، يشفع لى، فنزلت الآية.
و قيل: الآية تمّت عند قوله «وَ لاٰ بَنُونَ»، ثمّ قال: «إِلاّٰ مَنْ أَتَى اَللّٰهَ» أي: ليكن من أتي اللّه بقلب سليم فإنّه ينفعه، كما قال: «وَ مٰا أَمْوٰالُكُمْ وَ لاٰ أَوْلاٰدُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنٰا زُلْفىٰ إِلاّٰ مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً فَأُولٰئِكَ لَهُمْ جَزٰاءُ اَلضِّعْفِ بِمٰا عَمِلُوا»(3).
و قيل: «لاٰ يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لاٰ بَنُونَ» بل «إِلاّٰ مَنْ أَتَى اَللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» فإنّ ماله و ولده ينفعانه.
«أَنَّمٰا أَمْوٰالُكُمْ وَ أَوْلاٰدُكُمْ فِتْنَةٌ» (4).
[قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم]: الولد مبخلة مجبنة محزنة(5).
1) . الشعراء: 87.
2) . أنظر: أمالى الصدوق: 178، دعوات الرّاوندى (سلوة الحزين): 38، بحار الأنوار: 80، 76/9/12، 369/66، 369/90، 19/73، و لم نعثر علي ذيله!!!.
3) . سبأ: 37.
4) . الأنفال: 28، التغابن: 15.
5) . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم للأشعث بن قيس: ألك من بنت حمزة ولد؟! فقال: لى إبن، لو كان بدله جفنة من ثريد أقدّمها إلى الضيف كان أحبّ إلىّ!! فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لم قلت ذلك؟! إنّهم لثمرة القلوب، و قرّة الأعين، و إنّهم مع ذلك لمجبنة مبخلة محزنة. تفسير ابى الفتوح الرازي: 207/4، و عنه مستدرك الوسايل: 112/15، بحار الأنوار: 97/101، جامع الأخبار: 105، منهج الصادقين: 181/2، الكشف و البيان: 23/3، مجمع البيان: 711/2.
المجلس الثّانى بعد المائة فى قوله تعالى: «وَ تَفَقَّدَ اَلطَّيْرَ، فَقٰالَ: مٰا لِيَ لاٰ أَرَى اَلْهُدْهُدَ أَمْ كٰانَ مِنَ اَلْغٰائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذٰاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ، أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطٰانٍ مُبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَقٰالَ أَحَطْتُ بِمٰا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ»(1).
هذه الآية فى سورة النّمل، و هي مكّية، آياتها ثلاث و تسعون آية، و إلى هيهنا عشرون آية.
و فى الخبر، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ من قرأ هذه السّورة كان له من الأجر عشر حسنات، بعدد كلّ من صدّق الأنبياء المذكورين فيها، و يخرج من قبره و هو ينادي: لا إله إلا اللّه.(2)
«أَحَطْتُ بِمٰا لَمْ تُحِطْ بِهِ» اي بلغت ما تبلغ، و علمت ما لم تعلم أيها الملك!!، «و جئتك» من مدينة «سبأ» بخبر حقّ عجيب.
إعلم! أنّ جميع الأنبياء و جميع أوصيائهم، يعلّمهم اللّه جميع لغات الخلق، و جميع أصوات الحيوانات، ليحكموا و ينظروا فيما بين كلّ خصمين، و يطّلعوا على كلّ ما أنهي إليهم، واحد منهم، أو منهما.
و قد كان لسليمان عليه السّلام زيادة على ذلك، بأن ملّكه اللّه على الحيوانات ايضا، حتّي كان من جملة أحواله: أنّ لمّا أشرف على وادي النّمل، فرأي نملا لها خراطيم و أنياب، فقال رئيسها: «اُدْخُلُوا مَسٰاكِنَكُمْ» و قد خرج كثير من النّمل فى عظام الجواميس، فهاله أمرها و أعجبه، و قد ألهمها اللّه أنّ لسليمان عليه السّلام
ملكا عليها، فخضعت له.
فقال سليمان عليه السّلام لرئيسها: هذه كلّها نمل؟! قال: إنّ النّمل أكثر من ذلك!! فقال:
أعرضها علي، فناديها الرئيس، فأقبلت كراديس، فبقي سليمان سبعين يوما واقفا!، و هي تمرّ عليه، فقال: هل إنقطعت؟! فقال: لو وقفت إلى القيامة، ما إنقطعت!! فقال سليمان عليه السّلام للرئيس: لم قلت: «اُدْخُلُوا مَسٰاكِنَكُمْ»، أخفت عليهنّ منّي ظلما؟! قال: لا! و لكنّي خشيت أن يفتنوا بما يرون من ملكك، فيشغلهم ذلك عن طاعة ربّهم.(1)فقال: يا سليمان! و ما أعطاك اللّه؟! قال:
سخّر لى الرّيح و الشّياطين، و ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، قال: يا سليمان! ألهمنى اللّه: أنّ الموت منك دنا!!. فسلّم الملك إلى «آصف»، و دخل المحراب، حتّي مات عليه السّلام.
و كان أراد أن يضيف الحيوانات كلّها، فلم يقدر أن يشبع حوتا واحدا.
و حكي: أنّ اللّه بعث إلى سليمان عليه السّلام الهدهد فى ساعته، و قال: إنّي أضيفك يا سليمان، فأتاه بثمن فاضلات الصّحاري من الطعام. فأراه اللّه عجزه، و قال: إن أعجبك ملكك، فأطعم خلقي غداة واحدة!!.
و لمّا كان الهدهد أحاطت بما لم يحط به، أراه: أنّ كلّ ملك دون ملك اللّه ناقص، لأنّه يحتاج فيه إلى الغير، و ملك اللّه كامل لا يتعلّق بغيره.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا تقتلوا الهدهد لرسالة سليمان، و لا الضفدع لأنّه كان يطفئ نار إبراهيم، و لا النّمل لأنّه كان منذرا من النّمل، و لا النّحل لأنّه فيه الشفاء، و لا الصرد لأنّه كان دليلا على بناء الكعبة.(2)
و روي: إنّ الخطاطيف تقرأ عشر آيات من كتاب اللّه، و لمّا أمر اللّه بالزّراعة، قال الخطّاف: إنى لا آكل مما يزرعون، فألقي اللّه بينه، و بين ولد آدم العداوة.(3)
و قال عليّ عليه السّلام لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّي أستوحش فى بيتى! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إتّخذ زوجين من الحمام(1)، فإنّ اللّه علّمهن من آخر آل عمران عشر آيات.
و روي: لا تقتلوا الخطاطيف، فإنّهنّ يبتن على بيت المقدس حتّي كسر.(2)
و روي: لا تقتلوا الخفّاش، فإنّها قالت يوم خراب بيت المقدّس: يا ربّ سلطنّي على البحر حتّي أعرقهم جميعا.(3)
و كان النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يعجبه النظر إلى الأترج و الحمام الأحمر.(4)
و كان من دعاء داود عليه السّلام: يا رازق البغاث فى عيشه.(5)
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ الدّيك الأبيض صديقي، و صديق صديقي، و عدوّ عدوّي.(6)
و روي: انّ طيرا كان يأتي إلى سليمان عليه السّلام يوم نوبته، فإذا أمسي، إنصرف، فأمر سليمان عليه السّلام جنّيا يتفحصّ عن أمره، فتبعه إلى جزيرة الطير، فيها وكر و فراخ، و قالت الطير لفراخها: أنتنّ أحبّ إلى ممّا أوتي سليمان!!.
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: صوت الدّيك و ضربته بجناحيه، ركوعه و سجوده.(7)
و روي: أنّ أناسا من اليهود أتوا عليا عليه السّلام فقالوا: إنّا نسألك عن خمسة أشياء، ماذا يقلن و ماذا يسبّحن: الفاختة و الضفدع و الدّيك و الدّرجة و الفرس؟! فلو أخبرتنا ندخل فى دينك، فأخبرنا ما تقول الفاختة؟!.
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 283/8. و فى المبسوط لشيخ الطوسى: روى انّ رجلا شكا الى...: 221/8
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 121/16.
3) . السنن الكبري: 318/9، و عنه: المجموع: 19/9، تلخيص الحبير: 489/7، سبل السلام: 79/4، نيل الأوطار: 295/8.
4) . مجمع الزوائد: 67/4، تأويل مختلف الحديث، إبن قتيبة: 102، المعجم الكبير: 340/22، الجامع الصغير: 386/2، كنز العمال: 184/14، 150/7، بحار الأنوار: 26/62 و فيه: «إلى الخضرة» و عنه: سنن النّبىّ: 189.
5) . كذا فى المتن، و فى شرح نهج البلاغة: 155/19: و فى المثل: يا رزّاق البغاث فى عشّه.
6) . الكافى: 550/6... صديقي و صديق كلّ مؤمن، و عن لبّ اللباب: مستدرك الوسايل: 288/8 و فى مكارم الأخلاق: الديك الأبيض صديقي، و عدوّه عدو اللّه، يحرس صاحبه و سبع دور، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يبيته معه فى البيت (ص 130) و أنظر مسند الشّاميين: 326/2، الجامع الصغير: 659/1، كنز العمال: 333/12.
7) . بغية الباحث، الحارث بن أبى أسامة: 268، الجامع الصغير: 101/2، كنز العمّال: 332/12، و مثله الدرّ المنثور: 183/4 باختلاف يسير.
قال عليه السّلام: تقول: سبحان من يري و لا يري و هو بالمنظر الأعلى(1)، أللهمّ العن من ترك الصلاة متعمّدا.
و الضفدع يقول: سبحان من عبد فى قعر البحار، سبحان من عبد فى جوف القفار، اللهمّ العن من يعقّ والديه.
و أمّا الدّيك، فيقول: سبحان من لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد، أللهمّ العن قاطع رحمه.
و أمّا الدّرجة، فتقول: سبحان من يطعم و لا يطعم، أللهمّ العن شارب الخمر.
و أمّا الفرس، فيقول: سبحان من سخّرنى للعباد، اللّهم العن إمرأة له زوج، فتزنى، و رجلا له إمرأة فيزنى. فأسلموا كلّهم.
سمّيت الدّنيا لأنّها دون الآخرة. و الآخرة، لأنها آخر داره، و «آدم» لأنه خلق من أديم الأرض، و «حوّا» لأنّها خلقت من شيئ بقي من حى(2)، و «الدّينار» لأنه دار نار، و «الدرهم» لأنه دارهمّ. و «قاف» جبل محيط بالدّنيا، خضرة السّماء منه، و السّماء مرج مكفوف، و الدّنيا طوله أربعة آلاف عام، فى عرض أربعه آلاف عام، ألفان منها خراب، و ألفان عمران، مسيره أربعة عشرون ألف فرسخ. و الدّنيا كلّها على متن ملك يقال له «بلهوين» و له قرنان، ما بين القرنين مسيره خمس مائة عام فى كلّ قرن أربعون ألف عقدة، ما بين العقدة و العقدة أربعون ألف عام، و الدّنيا على ظهر ذلك الملك، و هو على الصخرة، و الصخرة على الحوت، و الحوت على الريح، و الريح على الظلمة، و الظلمة على الهواء، و الهواء على الماء، قال تعالى له: كن، فكان.
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 91/3، و مستدرك سفينة البحار: 14/8.
2) . كذا فى المتن، و فى الحديث: أنّما سمّيت حواء حواء لأنّها خلقت من الحيوان، بحار الأنوار: 13/10، و فى حديث آخر: خلقت من ضلع حي، يعنى آدم. بحار الأنوار: 100/11، و مطابق لما فى المتن: 155، 100/11، علل الشرايع: 16/1، قصص الأنبياء، للجزايري: 23. و جاء أيضا: حوّا خلق من فضل طينة آدم علي صورته: بحار الأنوار 116، 115/11.
و الدّيك فى صفيفه يقول: أذكروا اللّه يا غافلين.
و الفرس فى صهيله يقول: لا إله إلا اللّه، أللهم أنصر أحبّ الفريقين إليك.
و الضفدع يقول فى نقيقه: سبّوح قدّوس، ربّ الملائكة و الرّوح، سبحان المذكور بكلّ لسان.
و الدّراج يقول فى حديقه: الرّحمان على العرش إستوي.
و الزرّافة تقول: أللهمّ أرزقنى قوت يومي هذا، سبحانك يا رزّاق.
و الحمار يقول فى نهيقه: اللّهم العن العشّارين.
و الثّور يقول فى جواره: لعنة اللّه على مبغضي آل محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
[و روي: صوت الغراب دعاء على العشّارين!].
و الورشان يقول: لدوا للموت و إبنوا للخراب.
و الفاختة تقول: ليت الخلق لم يخلقوا.
و الطاووس تقول: وحّدوا اللّه يا جاهلين.
و البلبل يقول: كما تدين تدان.
و القمري يقول: إستغفروا اللّه يا مذنبين
و الضيطوي: [يقول] كلّ حي ميت، و كلّ جديد بال.
و الخطّاف يقول: قدّموا خيرا تجدو هو
و البطّ يقول: سبحان ربّي الأعلي.
و البازي يقول: سبحان ربّي و بحمده.
و الحمامة تقول: سبحان ربّي الأعلي.
و الحداة تقول: كلّ شيئ هالك إلاّ وجهه.
و العصفور يقول: سبحان ربّي المذكور فى كلّ شيئ.
و الأسد يقول: أنا مخلب اللّه يسلّطنى على من يشاء.
و الأنعام تقول: الحمد للّه الّذي لم يجعلنا من ولد آدم!!.
و الفرس يقول: أللهمّ اجعلنى أحبّ إلى سيدي من أهله و ماله و أولاده.(1)
1) . أنظر: حديث أبى ذر الغفاري: بحار الأنوار: 38، 35/61، الإختصاص: 136، نوادر الرّاوندي: 15، الجعفريات: 85، حياة الحيوان: 152/2.
و الحمار تقول: «يا هيا»! يعنى لا إله إلا اللّه.(1)
«أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى اَلطَّيْرِ مُسَخَّرٰاتٍ» (2)، «وَ اَلطَّيْرُ صَافّٰاتٍ»(3)، «عُلِّمْنٰا مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ»(4)، «وَ اَلطَّيْرَ مَحْشُورَةً»(5)، «أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى اَلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صٰافّٰاتٍ»(6).
إعلم! أنّ سليمان عليه السّلام مع ملكه، كان يعرف مواضع الماء بالهدهد، و لهذا تفقّده. و قيل: ما تفقّده لذلك، و إنّما قال اللّه لسليمان: تفقّدت الطّير الصغير الضعيف، أكرمك بإمرأة غنية مثل «بلقيس»، و اللّه يحبّ الرّحماء.
و روي: انّ ثمانية طيور معجزة لثمانية من الأنبياء:
الغراب معجزة لهابيل و سبب لستر عورته «فَبَعَثَ اَللّٰهُ غُرٰاباً»(7)، و الحمامة، معجزة نوح عليه السّلام بنقصان الماء(8)، و الطيور الأربعة معجزة إبراهيم عليه السّلام(9)، و اللّواتي الّتى أكلن المصلوب، معجزة ليوسف عليه السّلام: «فَتَأْكُلُ اَلطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ»(10)، و
1) . أنظر فى هذا المضمار و العلم عند اللّه!!: علل الشرايع: 2/1، بحار الأنوار: 35، 27/61، 12/10، 355/54، 46، الإختصاص: 136، إرشاد القلوب: 358/2، التحصين لإبن طاوس: 643، 642، كشف اليقين: 431، الخرائج: 248/1، بحار الأنوار: 170/40، 411، 97، 14، قصص الأنبياء للجزايري: 371، قصص الأنبياء للراوندي: 255، مسائل علي بن جعفر: 103، المناقب لإبن شهر آشوب: 55/2، الكافى: 550/6، كلمات الإمام الحسين عليه السّلام: 28. و فى «قاف» أنظر: بحار الأنوار: 45/7، 119/60، نور الثقلين: 104/5، تفسير جامع البيان: 190/26، و فى مجمع الزوائد: السّماء الدّنيا مرجع مكفوف: 131/8.
2) . النحل: 79.
3) . النور: 41.
4) . النمل: 16.
5) . ص: 19.
6) . الملك: 19.
7) . المائدة: 31.
8) . بحار الأنوار: 66/62، الدرّ المنثور: 331، 328/3.
9) . البقرة: 260.
10) . يوسف: 41.
تسبيح الطّير معجزة لداود عليه السّلام: «يٰا جِبٰالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ اَلطَّيْرَ»(1)، و الخفاش معجزة لعيسى عليه السّلام: «وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ»(2)، و السّلوي معجزة لموسى عليه السّلام(3)، و الهدهد معجزة لسليمان عليه السّلام.(4)
و قيل: سمّي الهدهد بفعله، لأنّه هدي سليمان عليه السّلام إلى بلقيس، و بلقيس إلى سليمان عليه السّلام و قوله: «مإلى لا أري الهدهد» إشارة إلى أنّ الأولياء إذا أصابتهم مصيبة، راجعون بالملامة إلى أنفسهم!!.
«وَ تَفَقَّدَ اَلطَّيْرَ» أي: طلب سليمان الهدهد عنه غيبته، قوله: «مٰا لِيَ لاٰ أَرَى اَلْهُدْهُدَ» أي: ما للهدهد لا أراه، لكنّه من القلب الّذي يوضحه المعنى، و العرب، يقول مثل ذلك، يقول: «مإ لى أراك كئيبا».
و «أم» هي المنقطعة، نظرا إلى مكان الهدهد، فلم يبصره، فقال: «مإ لى لا أراه» على معنى: أنّه لا يراه، و هو حاضر، لساتر ستره، أو لغير ذلك، ثمّ لاح له أنّه غايب، فأضرب عن ذلك، و أخذ يقول: أ هو غايب؟!، كأنّه سأل عن صحّة ما لاح له.
قال: ظفرت بك!!، قال عليه السّلام: و كيف ذاك؟! قال: الذي يري الماء فى بطن الأرض، لا يري الفخّ فى التراب، حتّي يأخذ بعنقه!! قال الصّادق عليه السّلام: أما
1) . سبأ: 10.
2) . المائدة: 110، آل عمران: 49.
3) . البقرة: 57، طه: 80، السلوي: طائر (لسان العرب) و فيه: و فى التهذيب: السلوي طائر، و هو فى غير القرآن العسل. و عن إبن عباس و قد سئل عن السلوي، فقال: هي المرعة - بضمّ الميم و فتح الراء و سكونها - طائر أبيض حسن اللون، طويل الرجلين بقدر السمانى، يقع فى المطر من السّماء (مجمع البحرين).
4) . النمل: 20.
علمت أنّه إذا نزل القدر عمي البصر.(1)
أيها الأغنياء!! لا تغترّوا بالمال و حسن الحال!!، و يا أيها الّذي محلّ بالكبر، عليك بالتّواضع و الإستعداد للموت.
هب أنك قد ساويت قارون فى الغنى *** و ساويت نوحا ثمّ لقمان فى العمر
و نلت الّذي كان إبن داود ناله *** أليس قضاياك المصير إلى القبر.
1) . بحار الأنوار: 21/61، 116/14، تفسير مجمع البيان: 375/7، تفسير جوامع الجامع: 705/2، تفسير غريب القرآن، لفخر الدّين الطريحي: 215، نور الثقلين: 85/4، الدّعوات للراوندي: 209، تفسير البرهان: 214/4، كلهم عن تفسير العياشي بإسناده.
المجلس الثالث بعد المائة فى قوله تعالى: «وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ وَ يَخْتٰارُ مٰا كٰانَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ»(1).
هذه الآية فى سورة القصص، و هي كلّها مكيّة إلاّ قوله: «إِنَّ اَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لَرٰادُّكَ إِلىٰ مَعٰادٍ»(2)، نزلت بالجحفة. و آياتها ثمان و ثمانون آية، و إلى هيهنا سبع و ستّون آية.
و عن إبن عبّاس فى قوله «وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ وَ يَخْتٰارُ» من خلقه بالنبوّة و الإمامة من يشاء، يعنى محمّدا و عليا بعده و أحد عشر من ولده عليهم السّلام، «مٰا كٰانَ لَهُمُ» إختيار فى ذلك، ثمّ نزّه اللّه نفسه، فقال: «سُبْحٰانَ اَللّٰهِ» أي: تبرّأ «عَمّٰا يُشْرِكُونَ» به، من الأوثان، و عمّا يقول النّاس من الإختيار، فإنّه نوع من الشرك، فقال تعالى: ليس لهم الخيرة، فإذا قالوا: لنا الخيرة، فقد ردّوا.
إعلم! أنّ من شرايط الإلهيّة، الإختيار، و شرط العبوديّة الطّاعة، قال اللّه: «وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ»(4)، و قال الكفّار: «لَوْ لاٰ نُزِّلَ هٰذَا اَلْقُرْآنُ عَلىٰ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ»(5)، أي: هلاّ نزل على الوليد بن مغيرة بمكّة، أو عروة بن مسعود بالطايف؟!.
و فى تفسير الثعلبى(1): بإسناده عن سفيان بن عيينة عن الصّادق عن آبائه عليهم السّلام، قال: لمّا نصب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عليّا عليه السّلام يوم غدير خم، و قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، طار ذلك فى البلاد، فقدّم على النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم النعمان بن الحارث الفهري، و قال: أمرتنا عن اللّه أن نشهد أن لا إله الا اللّه و أنّك رسول اللّه، و أمرتنا بالجهاد و الحجّ و الصّلاة و الصّوم و الزّكاة، فقبلناها، فلم ترض؟! حتّي نصبت هذا الغلام!!، فقلت: من كنت مولاه فعليّ مولاه، فهذا شيئ منك؟! أو أمر من عند اللّه؟!!، قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: و اللّه الّذي لا إله إلاّ هو، أنّ هذا من عند اللّه، فولّي النعمان بن الحارث و هو يقول: إن كان هذا هو الحقّ من عندك!!، فامطر علينا الحجارة، فرماه اللّه بحجر على رأسه، فقتله، فأنزل اللّه تعالى: «سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ»(2)((3).
1) . هو أبو اسحاق الثعلبى النيشابوري المتوفى: 37/427، و تفسيره: «الكشف و البيان»: 35/10، و عنه القرطبى: 279/18.
2) . المعارج: 1.
3) . الغدير: 240/1، شواهد التنزيل: الحاكم الحسكانى: 381/2، و عنه: مجمع البيان: 252/5، غاية المرام، البحرانى: 397، خصائص الوحي المبين، لإبن البطريق: 31، و عن المجمع: كنز الدقايق: 332/5، منهج الصادقين: 3/10، نور الثقلين: 151/2.
4) . تحف العقول: 55، بحار الأنوار: 161/74.
5) . فى شرح نهج البلاغة: قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لعبد اللّه بن مسعود: لتقلّ همّك، ما قدّر أتاك، و ما لم يقدّر لم يأتك، و لو جهد الخلق أن ينفعوك بشيئ لم يكتبه اللّه لك، لم يقدروا عليه، و لو جهدوا أن يضرّوك بشيئ لم يكتبه اللّه عليك، لم يقدروا علي ذلك. 227/11.
6) . عنه: مستدرك الوسايل: 217/11، و عن الجعفريات: 227/15، و عن نوادر الرّاوندي: 231/15، الجعفريات: 224، نوادر الرّاوندي: 16، بحار الأنوار: 154/68.
قال تعالى: «وَ لَقَدِ اِخْتَرْنٰاهُمْ عَلىٰ عِلْمٍ عَلَى اَلْعٰالَمِينَ»(2)، «وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمٰا يُوحىٰ»(3)، «وَ اِخْتٰارَ مُوسىٰ قَوْمَهُ»(4)، «وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ وَ يَخْتٰارُ»(5).
قال الصّادق عليه السّلام: سبحان! من إختار من الأحجار حجرا، و من الأمدار مدرا، و من الشّهور شهرا، و من العبيد عبدا؟!!.(6)
«مٰا كٰانَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ»، «ما» للنفي، أي: ليس لهم الإختيار و لا الإصطفاء، كما قال اللّه: «اَللّٰهُ يَصْطَفِي مِنَ اَلْمَلاٰئِكَةِ رُسُلاً»(11)، و من زعم أنّ «ما» بمعنى
«الّذى» و معناه: و يختار الّذي علم أنّهم يختارونه لأنفسهم، و هذا إن كان كما زعموا، لكان إختيار اللّه قبل!!. فإذا إختار اللّه تعالى نبيا أو وصيا، ثمّ نظر الخلق فى سيرته، فهم يحمدونه سرّا و علانية، لا معقّب لحكمه.
إعلم! أنّ إختيار العبيد - الذين هم كانوا أنبياء - كان على الظواهر، فكيف يكون حال الأمّة؟! فيجب أن يتّبع ما إختار اللّه له، فإنّه تعالى عالم بالبواطن، ألا ترى! إلى الذين إختارهم موسى عليه السّلام للميقات، فكانوا شرّ بنى إسرائيل.(1)
و كل التدبير إلى المدبّر، و التقدير إلى المقدّر، و أطع من جعله اللّه عليك وليا و واليا.
1) . أنظر: علل الشرايع: 63/1، و عنه: بحار الأنوار: 292/13، فتح الأبواب: 124، فلاح السائل: 4، قصص الأنبياء، للجزايري: 294.
من أوّل سورة القصص إلى هيهنا إثنتان و ثمانون آية.
عن إبن عباس فى قوله تعالى: «تِلْكَ اَلدّٰارُ اَلْآخِرَةُ» يعنى الجنّة، خلقناها و وعدنا بها عبادنا، و انّما خلقناها للذين «لاٰ يُرِيدُونَ عُلُوًّا» أي: عتوّا و تكبرّا «فِي اَلْأَرْضِ» بالمال «وَ لاٰ فَسٰاداً» بالنفس، و إرتكاب المعاصي، «وَ اَلْعٰاقِبَةُ» الحميدة «للمتّقين» [من] الكفر و الشرك و الفواحش و العلوّ و الفساد فى الأرض.
قد أجمع المسلمون على أنّه لا توجد أربعة إلاّ بأربعة:
لا توجد الدّار الباقية إلاّ بترك الدّار الفانية، و لا الرّضاء من اللّه إلاّ بترك هوي النفس، و لا الرّاحة فى الآخرة إلاّ بترك الرّاحة فى الدّينا، و لا هذه كلّها إلاّ بعد الإيمان.
و قال اللّه تعالى: «مٰا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مٰا عِنْدَ اَللّٰهِ بٰاقٍ»(1)، «اَلْمٰالُ وَ اَلْبَنُونَ زِينَةُ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا»(2)، «وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوىٰ»(3)، «وَ جٰاهِدُوا فِي اَللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ»(4)، «وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّٰى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ»(5)، «تِلْكَ اَلدّٰارُ اَلْآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لاٰ يُرِيدُونَ عُلُوًّا»(6).
بالباطل، جزاه اللّه ذلاّ بغير ظلم(1)ثمّ قرأ هذه الآية: «وَ تَرٰاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهٰا خٰاشِعِينَ مِنَ اَلذُّلِّ»(2).
و كان صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يرمي جمرة العقبة على ناقة له، و ليس بين يديه ضرّب، و لا طرّد، و لا إليك! إليك!!.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: طوبى لمن تواضع فى غير منقصة، و أذّل نفسه من غير مسغبة.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ما تواضع عبد إلاّ رفعه اللّه.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يقول اللّه: الكبرياء ردائي، و العظمة إزاري، فمن نازعنى واحدا منهما، ألقيه فى ناري.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذّر - فى صورة الرّجال - يغشاهم الذّلّ من كلّ مكان.(7)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يا عجبا - كلّ العجب - للمختال الفخور، خلق من نطفة، ثمّ يعود جيفة، و هو بين ذلك لا يدري ما يفعل به؟!.(8)
و قال عليّ عليه السّلام: الفتوّة على أربعة: العفو عند القدرة، و التواضع عند الدّولة، و النصيحة عند العداوة، و العطية بغير منّة.(9)
1) . كنز العمال: 117/16، الجامع الصغير: 522/1، و أنظر فى شأنه: فيض القدير، للمناوى: 370/3.
2) . الشورى: 45.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 72/10. المغازي، للواقدي: 1107/3، دلائل النبوة: 44/5، البداية و النهاية: 187، 165/5، الاستيعاب: 1279/3، اسد الغابة: 94/4.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 300/11 و فيه: «من غير مسكنة» و هكذا فى بحار الأنوار: 93/74، أعلام الدّين: 203، الأمالى للطوسي: 537، مجموعة ورّام: 66/2.
5) . أمالى الشيخ: 56، بحار الأنوار: 120/72، 137/1، منية المريد: 193، و فى المصادر: «ما تواضع أحد» و فى الموطأ: 1000/2، و التواضع و الخمول، لإبن أبى الدّنيا: 97 كما فى المتن.
6) . عنه: مستدرك الوسايل: 31/12، إرشاد القلوب: 189/1، مجموعة ورّام: 198/1، بحار الأنوار: 192/70، شرح نهج البلاغة: 105/11 و فيهما: قصمته، و هكذا فى منية المريد: 330.
7) . عنه: مستدرك الوسايل: 31/12 و فى البحار: 219/70 عن العامة!!.
8) . عنه: مستدرك الوسايل: 33/12. و عن أبى جعفر عليه السّلام: الكافى: 329/2 و عنه: وسايل الشيعة: 42/16 و بحار الأنوار: 229/70، المحاسن: 242/1.
9) . ذيل تاريخ بغداد لإبن النجّار البغدادي: 126/3: سئل أبو القاسم الجنيد بن محمّد عن التصوّف، فقال: يا بنى! إنّ التصوف علي أربع: علي العفو عند القدرة و...؟!!
العلوّ على أربعة أوجه:
علوّ على اللّه، كعلوّ «فرعون»: «أَنَا رَبُّكُمُ اَلْأَعْلىٰ»(1)، «إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاٰ فِي اَلْأَرْضِ»(2)
و العلوّ على أمر اللّه: كعلوّ الكفّار: «إِنَّهُمْ كٰانُوا إِذٰا قِيلَ لَهُمْ لاٰ إِلٰهَ إِلاَّ اَللّٰهُ يَسْتَكْبِرُونَ».(3)
و العلوّ على نعمة اللّه، كعلوّ قارون: «فَبَغىٰ عَلَيْهِمْ»(4)، «إِنَّمٰا أُوتِيتُهُ عَلىٰ عِلْمٍ عِنْدِي».(5)
و العلوّ على خلق اللّه، كعلوّ ابليس على آدم: «إِلاّٰ إِبْلِيسَ أَبىٰ وَ اِسْتَكْبَرَ»(6)، و «قٰالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ»(7).
جاء رجل إلى النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فقال: يا رسول اللّه! إنّي أحبّ أن يكون رأسي دهينا، و بزّتي غسيلا، و فعلي جديدا، فهل يكون ذلك كبرا؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا! الكبر أن تسفه الحقّ و تغمض النّاس بعينك(8).
سئل النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عن العلوّ، فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أن تريد أن يكون النظر إلى النفس، و «الفساد» النظر إلى الدّنيا.(9)
1) . النازعات: 24.
2) . القصص: 4.
3) . الصافات: 35.
4) . القصص: 76.
5) . القصص: 78.
6) . البقرة: 34.
7) . الأعراف: 12، ص: 76.
8) . عنه: مستدرك الوسايل: 35/12، الكافى: 311/2، معانى الاخبار: 71، وسائل الشيعة: 360/11، بحار الأنوار: 220/70، 142/2، المعجم الطبرانى: 132/3، مجمع الزوائد: 133/5، مع اختلاف فى العبارات.
9) . لم نعثر عليه. و فى حقايق التفسير: 155، و تفسير خسروي: 392/6، و تفسير روح البيان: 439/6، نسب إلى البعض؟!!.
قيل: هذه الآية راجعة إلى أوّل السورة فى قوله: «إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاٰ فِي اَلْأَرْضِ» قال: «تِلْكَ اَلدّٰارُ اَلْآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لاٰ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ» أي: كعلوّ فرعون «وَ لاٰ فَسٰاداً» كفساد قارون.
و عن إبن عباس: «العلوّ» الشرك، و «الفساد» سفك الدماء بغير حق.
و قيل: «العلوّ» الرفعة و التّنافس فيها، و «الفساد» العمل بالمعاصي.
و قيل: «العلوّ» التجبّر و «الفساد» الدعاء إلى غير عبادة اللّه.
و قيل: «العلوّ» الكبر و البغي، و «الفساد» جميع المعاصي.
قال تعالى: «وَ اَلْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»، علّق الجنّة بالتقوي، فمن كان غير متّق، فمخوف أن لا ينالها.
1) . لم نعثر عليه بألفاظه، و فى الكافى: 130/2، مجموعة ورام: 162/2، وسائل الشيعة: 233/12، بحار الأنوار: 55/70 و مشكاة الأنوار، عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: حرام علي قلوبكم أن تعرف حلاوة الإيمان حتّي تزهّدوا فى الدّنيا.
هذه الآية فى آخر سورة العنكبوت. و المعنى: «وَ اَلَّذِينَ جٰاهَدُوا» الكفّار، فى إبتغاء مرضاتنا و فى طاعتنا، و جاهدوا أنفسهم فى هواها، خوفا منّا. و قيل:
الذين إجتهدوا فى عبادتنا، رغبة فى ثوابنا، و رهبة من عقابنا «لَنَهْدِيَنَّهُمْ» السبيل الموصلة إلى ثوابنا.
و قيل: لنوفّقهم لإزدياد الطّاعات، فيزداد ثوابهم.
و قيل: «وَ اَلَّذِينَ جٰاهَدُوا» فى إقامة السنّة «لَنَهْدِيَنَّهُمْ» سبل الجنّة.
و قيل: معناه: و الذين يعملون بما يعلمون «لَنَهْدِيَنَّهُمْ» إلى ما لا يعلمون.
و «إِنَّ اَللّٰهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ» بالنصر و المعونة فى دنياهم، و الثواب و المغفرة فى عقباهم.
إعلم! أنّ ثمرة عشرة أشياء، عشرة ثمرة:
الصبر: الأجر و الكرامة، كما قال: «إِنَّمٰا يُوَفَّى اَلصّٰابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسٰابٍ»(1).
و الشكر: الزيادة، قال تعالى: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ»(2).
و ثمرة التّوبة: القبول و الرعاية، قال اللّه: «وَ هُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ»(3).
و ثمرة الدعاء: الإجابة: قال تعالى: «اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»(4).
و ثمرة الإنابة: البشارة: «وَ أَنٰابُوا إِلَى اَللّٰهِ لَهُمُ اَلْبُشْرىٰ»(5).
و ثمرة التوكّل: الكفاية: «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ»(6).
و ثمرة الإستغفار: المغفرة: «اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كٰانَ غَفّٰاراً يُرْسِلِ اَلسَّمٰاءَ عَلَيْكُمْ
مِدْرٰاراً» (1).
و ثمرة التذكرة: الرّحمة: «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اُشْكُرُوا لِي وَ لاٰ تَكْفُرُونِ»(2).
و ثمرة التقوي: الفرج و الرّاحة: «مَنْ يَتَّقِ اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاٰ يَحْتَسِبُ»(3).
و ثمرة الجهاد: الهداية: «وَ اَلَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا»(4).
الجهاد على خمسة أوجه:
جهاد الغزاة بالروح، و جهاد الأغنياء بالمال، و جهاد العبّاد بالنفس، و جهاد الأولياء بالسرّ، و جهاد العلماء بالإستدلال و الفكر.
و المجاهدة، مجاهدة النفس، فمضرّتها أشدّ من مضرّة الكفّار.
«إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ هٰاجَرُوا وَ جٰاهَدُوا» (7)، «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ جٰاهِدِ اَلْكُفّٰارَ وَ اَلْمُنٰافِقِينَ»(8)، «وَ جٰاهِدُوا فِي اَللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ»(9)، «لٰكِنِ اَلرَّسُولُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا
1) . نوح: 10 و 11.
2) . البقرة: 152.
3) . الطلاق: 2 و 3.
4) . العنكبوت: 69.
5) . أعلام الدّين: 189، الأمالى للطوسي: 525، مجموعة ورام: 51/2، و أنظر أيضا: بحار الأنوار: 335، 294/74، ألإرشاد: 235/1، إرشاد القلوب: 34/1، تحف العقول: 152.
6) . فى مجموعة ورّام: 243/2، كان بعضهم يقول: كفي بنا ذنبا أنّ اللّه يزهدنا فى الدّنيا و نحن نرغب فيها، زاهدكم راغب، و عالمكم جاهل، و عابدكم مقصّر.
7) . البقرة: 218، الأنفال: 72.
8) . التّوبة: 73، التحريم: 9.
9) . الحج: 78.
مَعَهُ جٰاهَدُوا بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ» (1).
أمر تعالى بالتّوبة، و ثقّل أوّلا، فقال: «تُوبُوا إِلَى اَللّٰهِ تَوْبَةً نَصُوحاً»(2)، ثمّ خفّف اللّه تعالى: «تُوبُوا إِلَى اَللّٰهِ جَمِيعاً»(3).
و أمر بالتقوي، فثقّل أوّلا، فقال: «اِتَّقُوا اَللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ»(4)، ثمّ خفّف، فقال:
«فَاتَّقُوا اَللّٰهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ» (5).
و أمركم بالذكر الكثير، فقال: «اُذْكُرُوا اَللّٰهَ ذِكْراً كَثِيراً»(6)، ثم خفّف، فقال: «وَ اَلَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا»(7).
قيل: الجهد ما قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من أخلص العبادة للّه أربعين صباحا، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.(8)
و روي أيضا: «ما أخلص عبد للّه عزّ و جلّ أربعين صباحا إلاّ جرت ينابيع الحكمة من قلبه علي لسانه» كما فى عيون اخبار الرضا: 74/1، بحار: 242/67، و فى عدة الدّاعي: 218 «من أخلص للّه اربعين يوما فجّر اللّه...» و فى نهج السعادة: ما أخلص عبد العمل للّه أربعين يوما... (343/7).
و قيل: الإجتهاد أربعة أشياء: طلب العلم، و الإخلاص فى العمل، و التوكّل فى الرزق، و الأستعداد للموت.
1) . التّوبة: 88.
2) . التحريم: 8.
3) . النور: 31.
4) . آل عمران: 102.
5) . التغابن: 16.
6) . الأحزاب: 41.
7) . العنكبوت: 69.
8) . عنه: بحار الأنوار: 326/53، فيض القدير: 56/6 عن «حلية الأولياء» لأبى نعيم، و روي أيضا: من اخلص للّه اربعين... كما فى: مسند زيد بن علي: 383، شرح أصول الكافى، المازندرانى: 47/8، الرواشح السماوية: 200، مسند الشهاب: 285/1، شرح نهج البلاغة: 213/11، الجامع الصغير: 560/2، كنز العمال: 24/3، تفسير الميزان: 122/5.
ويل للّذين يقصّرون فى العلم و العمل، و يبالغون فى الجهل و البدعة، فهم فى الخيبة يوم اللّقاء.
المجلس السادس بعد المائة فى قوله تعالى: «ظَهَرَ اَلْفَسٰادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنّٰاسِ»(1).
هذه الآية فى سورة الرّوم، و هي ستّون آية، و إلى هيهنا أربعون آية.
و فى الخبر، عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: انّ من قرأ سورة الرّوم كان له من الأجر عشر حسنات، بعدد كلّ ملك يسبّح اللّه بين السّماء و الأرض، و أدرك ما ضيع فى يومه و ليلته.(2)
أي: ظهر الفساد و المعاصي فى البرّ من قتل «قابيل» أخاه، و فى البحر من «جلند الأزدى»(3)، و فى قوله: «بِمٰا كَسَبَتْ» أي: بسبب ما كسبه النّاس، من قتل «قابيل» «هابيل» فى البرّ، و من غضب «جلندى» النّاس فى البحر.
و يقال: أي ظهر القحط و الجدوبة، بموت البهائم و نقص الثمرات، و النّبات، البرّ و السهل و الجبل و البادية و المفازة، و فى البحر، أي: فى الريف و القري «بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنّٰاسِ» بالمعاصي «لنذيقهم» جزاء بعض الّذي عملوا من المعاصي، بالشدّة و الغلاء و قلّة الأطعمة و اللحوم و السموك، «لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» عن ذنوبهم، فيكشف عنهم.
إعلم! أنّ اللّه غيّر بشؤم المعصية عشرة أشياء على جماعة:
غير إسم «إبليس»، و كان أسمه «عزازيل»(4)فسمّاه «شيطانا رجيما» و «إبليس اللعين»! و كان جناحاه من «زمرّد»، فغير نفسه و جعله منكوسا و منسوخا، و صيره على صورة «الجانّ» بوجه كوجه القرد!!.
1) . الروم: 41.
2) . مصباح الكفعمي: 443.
3) . كذا فى المتن، و فى «تاج التراجم فى تفسير القرآن للأعاجم: 1327/3: جلند أولادي، و فى مواهب علية، ص: 654، إسمه جلند بن كركره. و فى لسان العرب: جلندي، بضمّ الجيم مقصور، إسم ملك عمان: 129، 128/3، و الظاهر: هو الذي قال اللّه فيه: و كان من ورائهم ملك يأخذ كلّ سفينة. الكهف: 79.
4) . بحار الأنوار: 308/60، 131/11، فتح الباري: 239/6، تفسير مجمع البيان: 165/1.
و غير لون «حام بن نوح» بشؤم العقوق، إذ نظر إلى عورة أبيه نائما، فسوّده اللّه.
و كذا غير لون النبات بشؤم قابيل.
و غيّر الصور على قوم «داود» بأخذ الحيتان.
و علي قوم عيسى عليه السّلام بكفرهم بالمائدة و صيرهم قردة و خنازير، كما قال:
«لُعِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرٰائِيلَ» (1).
و طمس أموال «القبط» بدعاء موسى عليه السّلام: «رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلىٰ أَمْوٰالِهِمْ»(2)، فصار مائهم دما، و مالهم حجرا.
و خسف بقارون.
و غيّر المال، فى [نهر] إبن فطرس(3)، على بنى مروان.
«فَطٰافَ عَلَيْهٰا طٰائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَ هُمْ نٰائِمُونَ» (4).
«وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ - إلى قوله تعالى - وَ يُرْسِلَ عَلَيْهٰا حُسْبٰاناً مِنَ اَلسَّمٰاءِ»(5).
1) . المائدة: 78.
2) . يونس: 88.
3) . كذا فى المتن و فى النزاع و التخاصم، التاريخ الكبير: البخاري: 10/2، و هو موضع مشهور قرب الرملة، قتل فيه بنو العباس قوما من بنى امية (بنى مروان)، و الصحيح، كما فى التواريخ و اليسر، «نهر أبى فطرس» أنظر: ألإمامة و السياسة: 163/2، أنساب الأشراف: 321، 320/9، 169، 104، 103/4، 16/11، 333/9، 327، البداية و النهاية: 46/10، تاريخ إبن خلدون: 165، 164/3، تاريخ الطبري: 440، 439/7، تاريخ مختصر الدّول: 120، تاريخ اليعقوبى: 355/2، تجارب الأمم: 328/3، التنبيه و الأشراف: 285، شذرات الذهب: 148/2، القاموس المحيط: 246/2، الكامل: 425/5، المحبر: 485، مروج الذهب: 245/3، المعارف: 372، معجم البلدان: 315/5، 267/4، 240/1.
4) . القلم: 19. فى قصّة أصحاب الجنّة، هذه الجنة حديقة كانت باليمن فى قرية يقال لها «صروان» بينها و بين صنعاء إثنا عشر ميلا، كانت لشيخ، و كان يمسك قدر كفايته و كفاية أهله و يتصدق بالباقي، فلمامات، قال بنوه: نحن احقّبها... و عزموا علي حرمان المساكين فصارت عاقبتهم إلى ما قصّ اللّه تعالى... و أنظر قصتهم فى الكشاف: 590، 589/4، مجمع البيان: 524/10.
5) . الكهف: 32، 40.
6) . عنه: مستدرك الوسايل: 333/13.
فى الحكم غلب عليهم العدوّ(1)، و إذا ظهرت الفاحشة، فشا الموت(2)، و إذا منعوا الزّكاة، قحطوا.(3)
و روي: أنّ شوكة علّقت بالنّبيّ، فلعنها، فنادت: لا تلعنى! فإنّي ظهرت من شوم معصية الآدميين.(4)
و روي: إنّ اللّه يقول: لو لا رجال خشّع، و صبيان رضّع، و بهايم رتّع، لصببت عليكم العذاب صبّا.(5)
و قال عليّ عليه السّلام، عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إذا عملت امّتى خمس عشرة خصلة، حلّ بها البلاء...(6)
و ذكرناها فى قوله تعالى «قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ»(7).
1) . و فى تحف العقول: و إذا جاروا فى الحكم، و تعاونوا علي الظلم و العدوان، و إذا نقضو العهود، سلّط اللّه عليهم عدوّهم، ص 51. و فى معدن الجواهر، الكراجكي: و إذا جاروا فى الحكم شملهم اللّه تعالى بالظلم و العدوان، ص 66.
2) . و «و لا ظهرت الفاحشة فى قوم قطّ إلاّ سلّط اللّه عليهم الموت» أنظر: المستدرك للحاكم النيشابوري: 126/2، السنن الكبري: البيهقي: 231/9، فتح الباري: 163/10، كنز العمال: 61/16، فيض القدير: 631/5، الدرّ المنثور: 180/4.
3) . «و إذا منعوا الزكاة منعت الأرض بركتها من الزرع و الثمار و المعادن كلّها»، علل الشرايع: 584/2، الأمالى، الشيخ الصدوق: 385، ثواب الأعمال: 252، تحف العقول: 51، روضة الواعظين: 421، وسايل الشيعة: 513/11، مستدرك الوسايل: 334/12، الأمالى للشيخ الطوسي: 210.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 338/11.
5) . تلخيص الحبير: 94/5، انّ النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: ما من يوم إلاّ و ينادي مناد: مهلا أيها النّاس مهلا، فإنّ للّه سطوات، و لو لا رجال خشّع، و صبيان رضّع، و دوابّ رتّع، لصبّ عليكم العذاب صبّا، ثم رضضتم به رضّا. و أنظر: نيل الأوطار: 27/4، معدن الجواهر، الكراجكي: 35، الجواهر السنية: 168، كنز العمّال: 15/16، تفسير القرطبى: 260/3، 116/2.
6) . المغنى، عبد اللّه بن قدامة: 39/12، المحلّي، إبن حزم: 56/9، الخصال، الشيخ الصدوق: 500 (: إذا عملت امّتى خمس عشرة خصلة حلّ بها البلاء: قيل: يا رسول اللّه: و ما هى؟! قال: إذا كانت المغانم دولا، و الأمانة مغنما، و الزكاة مغرما، و أطاع الرجل زوجته، و عقّ أمه، و بر صديقه و جفا أباه، و كان زعيم القوم أرذلهم، و أكرمه القوم مخافة شرّه، و ارتفعت الأصوات فى المساجد، و لبسوا الحرير، و إتخذوا القينات، و ضربوا بالمعازف، و لعن آخر الأمة أوّلها، فليرتقب عند ذلك الريح الحمراء، أو الخسف، أو المسخ.) و أنظر أيضا: تحف العقول: 53، وسايل الشيعة: 231/12، أمالى الشيخ الطوسي: 516، سنن الترمذي: 334/3 و...
7) . الاعراف: 33
الفساد على وجوه:
الكفر: «لاٰ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ»(2).
و القتل: «لِيُفْسِدَ فِيهٰا وَ يُهْلِكَ اَلْحَرْثَ وَ اَلنَّسْلَ»(3).
و اللصوصية: «وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسٰاداً»(4).
و الظلم: «وَ لاٰ تَبْغِ اَلْفَسٰادَ فِي اَلْأَرْضِ»(5).
و أكل أموال النّاس بالغصب: «إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ»(6).
و الإسراف و التكبّر: «عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فَسٰاداً»(7).
و الغلبة: «لَتُفْسِدُنَّ فِي اَلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ»(8).
و ترك الدّعا: «وَ لاٰ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاٰحِهٰا»(9).
و «العاشر» جميع المعاصي: «ظَهَرَ اَلْفَسٰادُ»(10).
1) . المعجم الكبير: 166/6، و عن الصّادق و الباقر عليهما السّلام: «اتّقوا المحقّرات من الذنوب فان لها طالبا» الكافى: 270/2، مستدرك الوسايل: 348/11، مشكاة الأنوار: 139، بحار الأنوار: 321/70، 20/7، تفسير نور الثقلين: 204/4، و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ايّاكم و المحقّرات من الذنوب فإنّ لكلّ شيئ طالبا، جواهر الكلام: 26/41، الكافى: 288/2.
2) . البقرة: 11.
3) . البقرة: 71.
4) . المائدة: 33.
5) . القصص: 77.
6) . الكهف: 94.
7) . القصص: 83.
8) . ألإسراء: 4.
9) . الأعراف: 56.
10) . الروم: 41.
11) البقرة: 276.
و الذّل: «وَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللّٰهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا، كَلاّٰ سَيَكْفُرُونَ بِعِبٰادَتِهِمْ وَ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا»(1).
كما قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الفساد يورث الهمّ و خراب البيت(2)، كما فعل بقريتى «لوط» و مدينة «سبأ»: «وَ ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً قَرْيَةً كٰانَتْ آمِنَةً»(3)، «فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ سَيْلَ اَلْعَرِمِ»(4).
قيل لإبن عباس: مثل ذلك فى الظلم؟! فقال: «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خٰاوِيَةً»(5).
«ظَهَرَ اَلْفَسٰادُ» أي: ظهرت الجدوبة فى البرّ و نقص الماء فى البحر و أجدبة المفاوز و القري، بشؤم كسب النّاس.
و قيل: البرّ، القري فى البرّية، و البحر القري على شاطئ البحر.
و قيل: الفساد فى الرجال اللواطة و الزّنا، و فى النّساء السحق و الزّنا.
و قيل: أظهر اللّه الزلزلة فى البرّ، و الغرق فى البحر.
فأبك! على نفسك و على قلبك و جوارحك، فأنّها قد فسدت، و إعتادت
عادة السّوء!!، و فطام العادة شديد!!.(1)
إذا إعتادت النفس الرّضاع من الهوي فإنّ فطام النفس عنه شديد!!
رخص بكلّ الخلق مجّان *** و الغش غال له فى النّاس أثمان
و العدل نزر، و أهل الجور قد كثروا *** و للظلوم على المظلوم أعوان
تعاون النّاس، و البغضاة ظاهرة *** و النّاس فى غير ذات اللّه أعوان(2)
النصح، من رخصه فى النّاس مجّان و الغشّ غال، له فى النّاس أثمان
و العدل نور و أهل الجور قد كثروا و للظلوم علي المظلوم أعوان
و تفاسد النّاس و البغضاء ظاهرة و النّاس فى غير ذات اللّه إخوان
و العلم فاش و قلّ العاملون به و العاملون لغير اللّه أقران.
من أول [سورة] الرّوم إلى هيهنا تسع و أربعون آية.
عن إبن عبّاس: فأنظر إلى الريح قدّام المطر، و بعد مطر، كيف يحيى الأرض بالنّبات، «بَعْدَ مَوْتِهٰا» يبوستها و قحطها، «إِنَّ ذٰلِكَ لَمُحْيِ اَلْمَوْتىٰ» للبعث «وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» من الموت و الحيات.
إعلم! انّ المؤمن ينبغي أن يكون له سبع نظرات:
نظر إلى الخلق بالإعتبار، و إلى النفس بالإفتقار، و إلى الدّنيا بالإحتقار، و إلى المعاصي بالإقرار، و إلى النّار بالإنزجار، و إلى الجنّة بالإستبشار، و إلى اللّه بالإفتحار.
فيذكر منّة اللّه عليه بالعقل و الهداية، كما قال: «اَللّٰهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدٰاكُمْ لِلْإِيمٰانِ»(1)، «فَاذْكُرُوا آلاٰءَ اَللّٰهِ»(2).
فعليكم بالشّكر و الصبر، و أعتذروا من التقصير، و أشكروا على القليل و الكثير، و قولوا كما قال الحسن بن عليّ عليهما السّلام:
إلهى! أنعمت على فلم تجدنى شاكرا، و أبتليتنى فلم تجدنى صابرا، فلا أنت سلبتنى النعمة بتركي الشّكر، و لا أنت أدمت البلاء بتركي الصبر، إلهى! ما يكون من الكريم إلاّ الكرم، و لا من الجانى إلاّ الجفاء.(3)
و امّا نظر الرّحمة: فقوله: «فَانْظُرْ إِلىٰ آثٰارِ رَحْمَتِ اَللّٰهِ»، و هو نظر الإستبشار، كما قال: «فَإِذٰا أَصٰابَ بِهِ مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ إِذٰا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ»(2).
فإن نظر فى دنياه إلى من فوقه، فأسف على ما فاته، لم يكتبه اللّه شاكرا و لا صابرا.
النّظر فى القرآن على خمسة أوجه:
نظر الفكرة: «وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ مٰا قَدَّمَتْ»(4)، «فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي اَلنُّجُومِ»(5).
و الإنتظار: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّٰ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ»(6).
و الترحّم: «وَ لاٰ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ»(7).
و بالعين: «أَ فَلاٰ يَنْظُرُونَ إِلَى اَلْإِبِلِ»(8).
و الإعتبار: «فَانْظُرْ إِلىٰ آثٰارِ رَحْمَتِ اَللّٰهِ»(9).
1) . كتاب الدعاء، الطبرانى: 254، 253، المعجم الأوسط: 283/5، الجامع الصغير: 602/2، 96/1، الكامل، إبن عدي: 143/4، 206/2، تاريخ دمشق: 330/53، و أنظر أيضا: فقه الرضا: 339، الكافى: 565، 97/2، الأمالى للشيخ الصدوق: 339، مستدرك الوسايل: 365/8، 315/5، 146/2، طب الأئمة: 112، مكارم الأخلاق: 351، بحار الأنوار: 217/90، 33/68 عن الباقر و الرضا عليهما السّلام.
2) . الروم: 48.
3) . معدن الجواهر، الكراجكي: 26، و عن لبّ اللباب: مستدرك الوسايل: 172/12.
4) . الحشر: 18.
5) . الصافات: 88.
6) . النحل: 33.
7) . آل عمران: 77.
8) . الغاشية: 17.
9) . الروم: 50.
إعلم! أنّ النظر إلى آثار رحمة اللّه نظر الدلائل و الإستدلال، لا نظر الرؤية فقط، أي: أنظروا إليها، و إستدلوا بآثار رحمته، على كمال قدرته.
و هذا جواب الكفار، حيث قالوا: «مَنْ يُحْيِ اَلْعِظٰامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ»(1)، فقال تعالى:
«اَلَّذِي يُرْسِلُ اَلرِّيٰاحَ فَتُثِيرُ سَحٰاباً - إلى قوله - فَانْظُرْ إِلىٰ آثٰارِ رَحْمَتِ اَللّٰهِ».
و بمثله، قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إذا رأيتم الرّبيع فاذكروا النشور.(2)
«آثٰارِ رَحْمَتِ اَللّٰهِ» آثار المطر، يعنى ما يثبت بالمطر، و قرء بالجمع و الوحدان، و قوله: «إِنَّ ذٰلِكَ» يعنى انّ ذلك القادر الّذي يحيى الأرض بعد موتها، هو الّذي يحيى النّاس بعد موتهم، و «هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ» من المقدورات قادر.
و هذا من جملة المقدورات، بدليل الإنشاء، أي: «فأنظر» يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و يا أيها المخاطب، إلى آثار رحمة اللّه، كيف يحيى الأرض، حتّي أنبتت شجرا و مرعي، «بَعْدَ مَوْتِهٰا» أي: بعد أن كانت حوايا يابسة. جعل اللّه تعالى اليبس و الجدوبة بمنزلة الموت، فظهور النّبات فيها بمنزلة الحياة، توسّعا.
إنّ اللّه تعالى قال بعد تلك الآية: «وَ لَئِنْ أَرْسَلْنٰا رِيحاً، فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ»(3)، يعنى: حارّة أو باردة، «فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا» يعنى: رأه الزرع مصفّرا بعد خضرته، «لظلّوا» اي: لضارّوا من بعد إصفراره، «يكفرون» النعمة، فكما لا بقاء للزّرع مع الريح الحارّة أو الباردة، فكذلك الدّنيا لا تبقي مع ريح الزّوال، فعليك أن لا تأمن بشيئ منها!!.
المجلس الثّامن بعد المائة فى قوله تعالى: «لِيَسْئَلَ اَلصّٰادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ»(1).
هذه الآية فى سورة «الأحزاب»، يقول اللّه: أذكر حين «أَخَذْنٰا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ» جميعا «ميثاقهم» بتبليغ الرّسالة و الدّعاء إلى الدّين المقيم «و منك» خصوصا، و إنّما فعلنا ذلك «ليسأل» اللّه يوم القيامة، عند تواقف الأشهاد، المؤمنين الذين صدقوا عهدهم، و وفوا به المبلّغين عن تبليغهم، و الوافين عن وفائهم، و المؤمنين عن ايمانهم، «وَ أَعَدَّ لِلْكٰافِرِينَ» بالكتب و الرسل «عَذٰاباً أَلِيماً» وجيعا يخلص وجعه إلى قلوبهم!!.
إعلم! أنّه تعالى ذكر هيهنا أخذ الميثاق مرّتين، و المعنى: أذكر يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، حين أخذ اللّه الميثاق على النّبيّين: على أن يعبدوا اللّه، و يدعوا إلى عبادة اللّه، و أن يصدّق بعضهم بعضا، و أن ينصحوا قومهم، و أخذ اللّه الميثاق عليهم على أن يعلنوا: أن محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم رسول اللّه، و يعلن محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أنّه لا نبى بعده، و أنّ أوصيائه بعده: عليّ بن أبى طالب و ولده عليهم السّلام، يوم الغدير.
هذا هو الميثاق الغليظ، و انّما فعل ذلك ليسألهم: هل ظلم اللّه أحدا؟! و هل عذّب بغير ذنب؟! و هل قصدتم بصدقكم وجه اللّه؟! أو غيره؟! و يكون فيه تهديده للكاذب.
قال الصّادق عليه السّلام: إذا سئل الصّادق عن صدقه على اي وجه قاله، فيجازي بحسبه، فكيف يكون حال الكاذب؟!(2).
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: عليكم بالصّدق، فإنّه من البرّ، و إنّهما فى الجنّة، و إيّاكم و الكذب، فإنّه من الفجور و إنّهما فى النّار.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ العبد إذا كذب، تباعد منه الملك من فتن ما جاء منه.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: المؤمن يطبع على كلّ خلال شتّي، و لا يطبع على الكذب.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أقربّكم غدا منّي فى الموقف، أصدقكم للحديث، و أدّاكم للأمانة، و أوفاكم بالعهد، و أنّي رسول اللّه.(4)
جاء رجل فقال: إنّي لا أصلّي، و أنا أزنى و أكذب!! فمن أي شيئ أتوب؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من الكذب، فإستقبله، فعهد على أن لا يكذب، فلمّا إنصرف، و أراد الزّنا، فقال فى نفسه: إن قال لى رسول اللّه: هل زينت؟! بعد ما عاهدت؟! فإن قلت: لا! كذبت، و إن قلت: نعم! يضربنى الحدّ. ثمّ أراد أن يتوانى فى الصّلاة، فقال: إن سألنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عنها، فإن قلت: لا! يعاقبنى، فتاب من الثّلاثة.(5)
«وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اَللّٰهُ وَعْدَهُ» (6)، «وَ إِنّٰا لَصٰادِقُونَ»(7)، «رِجٰالٌ صَدَقُوا»(8)،
1) . المجازات النبويّة، للشريف الرضي: 94 بتفاوت يسير، مسند أحمد: 5، 3/1، سنن إبن ماجة: 1265/2، مجمع الزوائد: 93/1، مسند أبى داود: 3، مسند إبن الجعد: 256، مسند أبى يعلي: 113/1.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 89/9 و مثله: المعجم الأوسط: 245/7، تهذيب الكمال: 46/18، تهذيب التهذيب: 276/6.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 89/9 و فى المصنف، الكوفى: المؤمن يطبع علي الخلال كلّها غير الخيانة و الكذب: 123/6، و مثله: كنز العمال: 166/1.
4) . تحف العقول: 46، وسايل الشيعة: 514/8، الأمالى للشيخ الطوسي: 229، بحار الأنوار: 375/66 بتفاوت يسير.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 89/9.
6) . آل عمران: 152.
7) . الأنعام: 146.
8) . الأحزاب: 23.
«اَلصّٰادِقِينَ وَ اَلصّٰادِقٰاتِ» (1)، «اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ اَلَّذِي صَدَقَنٰا وَعْدَهُ»(2)، «لَقَدْ صَدَقَ اَللّٰهُ رَسُولَهُ اَلرُّؤْيٰا بِالْحَقِّ»(3).
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: المؤمنون هيّنون ليّنون.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: المؤمن وقّاف متّان، و المنافق وثّاب.(5)
و قيل: الصّادق لا يتكلّم إلاّ بالتأنّي، و الكاذب لا يتثبّت.
يا ويل!! مسألة الرّسول، تبكيت للكافرين، كقوله: «أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّٰاسِ»(6)، نعم عدل اللّه فى حكمه، و جازي كلا بفعله.
و قيل: المراد بالصّادقين، المؤمنون، لأنّ أصدق الصدق الإيمان. يؤيّده قوله تعالى:
«هٰذٰا يَوْمُ يَنْفَعُ اَلصّٰادِقِينَ صِدْقُهُمْ» (7)، «لِيَجْزِيَ اَللّٰهُ اَلصّٰادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ»(8).
1) . الأحزاب: 35.
2) . الزمر: 74.
3) . الفتح: 27.
4) . الكافى: 234/2، وسايل الشيعة: 511/8، بحار الأنوار: 355/64، مسند الشهاب: 114/1، الجامع الصغير: 663/2، كنز العمال: 143/1، كشف الخفاء: 291/2. و علي صيغة الوحدة «هيّن ليّن» أيضا أنظر: أمالى الطوسي: 376/1، عيون الحكم و المواعظ: 149، بحار الأنوار: 391/68، الجامع الصغير: 662/2، كنز العمال: 143/1.
5) . فى خطبة الهمام لأمير المؤمنين عليه السّلام: المومن... و لا وثّاب و لا سبّاب. و فى الخبر: «المؤمن وقّاف متّان» النهاية لإبن الأثير: 216/5، مجمع البحرين: 534/4، لسان العرب: 497/12، 360/9 و فيه «متأنّ»، و هكذا فى تاج العروس: 269/6.
6) . المائدة: 116.
7) . المائدة: 119.
8) . الأحزاب: 24.
9) . تفسير القرطبي: 50/20، الدرّ المنثور: 348/6، و عن طريق الخاصّة: «عن ولاية عليّ بن أبى طالب عليه السّلام و حبّ أهل بيت محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم» أنظر: بحار الأنوار: 209/39، 110/27، 331/7، المناقب لإبن شهر آشوب: 152/2، نهج الإيمان: إبن جبر: 507، تأويل الآيات: 494/2.
أنظر كيف تجيب! إذا ما ورد النداء، و كلّت الألسن عن الحياء، و يبقي النّاس ساكتين عن الجواب أربعين سنة من سنى الآخرة من هيبة اللّه، و ينفجر من كلّ شعرة قطرة من دم.
و روي: انّ أوّل ما يسئل اللّه يوم القيامة، القلم، فيقول: ما فعلت فى أمانتى؟! فيقول: دفعتها إلى اللّوح، ثم يسأل اللّوح؟ فيقول: دفعتها إلى إسرافيل، ثمّ يسأل إسرافيل، فيقول: دفعتها إلى ميكائيل، ثمّ يسأل ميكائيل، فيقول: دفعتها إلى جبرائيل، ثمّ يسأل جبرائيل، فيقول: دفعتها إلى الأنبياء، ثمّ يسأل الأنبياء، فيقول: دفعتها إلى الأمم.(1)
1) . بحر العلوم: 46/3، تفسير روح البيان: 143/7 بتفاوت يسير.
المجلس التّاسع بعد المائة فى قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ شٰاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً»(1).
يعنى بقوله «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ» محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم «إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ شٰاهِداً» على أمّتك بالبلاغ «وَ مُبَشِّراً» بالجنّة لمن آمن باللّه «وَ نَذِيراً» لمن كفر به «وَ دٰاعِياً إِلَى اَللّٰهِ» إلى دين اللّه و طاعته، «بإذنه» أي: أمر اللّه بذلك، «و» أرسلناك «سِرٰاجاً مُنِيراً» أي مضيئا يهتدي بك، «و بشّر» يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم «المؤمنين بأنّ لهم من اللّه فضلا كبيرا» أي: ثوابا عظيما فى الجنّة.
بيّن اللّه تعالى فى هذه الآية فضل رسول اللّه محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و ذكر بشارة من آمن به و برسوله و بما جاء به صلّي اللّه عليه و آله.
و قيل: أوّل ما خلق اللّه جوهرة(3)، فتلألأ طين محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من بينها، فصارت لهيبته ماء، فخلق اللّه من الماء الأرض، فتلألأ طينة منها. ثمّ خلق من الأرض آدم، فتلألأ طينة من جنبيه، ثمّ كذلك نقله صلبا صلبا، و بطنا بطنا، إلى عبد المطّلب، «ثمّ جعل اللّه ذلك النّور نصفين، فجعل نصفه فى أبى «عبد اللّه»، و نصفه فى أبى طالب»(4).
و كان من آدم عليه السّلام إلى «عبد اللّه» كلّه نكاح لا سفاح فى نسبه. و ولد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم غير
1) . الأحزاب: 47، 46، 45.
2) . الأنوار فى المولد النّبىّ محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لأحمد بن عبد اللّه البكري: 7.
3) . أنظر: بحار الأنوار: 363/54، 30/15.
4) . الفضائل، شاذان بن جبرئيل القمي: 127، الروضة فى المعجزات و الفضائل: 135، مدينة المعاجز: 53/1، الأنوار العلوية: الشيخ جعفر النقدي: 35.
5) . و فى حديث: «خلقت من طينة مرحومة» الخصال: 204، أمالى الصدوق: 275، بحار الأنوار: 274/22، 231/7.
منكوس، و ولد مختونا مسرورا، و زارته الملائكة لمّا ولد. و سمعوا صوتا: السّلام عليك يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أنا أفصح العرب.(1)
و قال اللّه له: «إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ»(2).
و سئل صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من أدّبك؟! قال: أدّبنى ربّي.(3)
و بال أعرابى فى مسجده، و أرادوا أن يضربوه!، فنهاهم عن ضربه، و قال:
إنّه لم يعلم أنّه لا يجوز البول فى المسجد.(4)
و قال اللّه تعالى له: «وَ عَلَّمَكَ مٰا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ»(5).
قيل: خلق اللّه العقل ألف جزءا، و أعطي اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من ذلك تسعمائة و تسعة و تسعين جزءا.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: زويت لى الأرض، فاريت مشارقها و مغاربها، و سيبلغ ملك أمّتى ما رؤي لى منها.(7)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يوم يمسح الدّم عن وجهه!!: أللّهم أهد قومي فانّهم لا يعلمون.(8)
و لمّا قال له اليهود: السام عليك!! - فما زاد على أن قال: و عليكم.(9)
1) . بحار الأنوار: 158/17، الإختصاص: 187، عوالى اللئالى: 120/4 و فيه زيادة: و العجم.
2) . القلم: 4.
3) . مستدرك الوسايل: 397/8، بحار الأنوار: 382/68، 210/16، إرشاد القلوب: 160/1.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 19/18.
5) . النّساء: 113.
6) . فى البحار: عن ابى عبد اللّه عليه السّلام: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: خلق اللّه العقل، فقال أدبر فأدبر، ثمّ قال: أقبل فأقبل، ثم قال: ما خلقت خلقا أحبّ إلى منك، فأعطي اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم تسعة و تسعين جزءا، ثم قسم بين العباد جزءا واحدا. بحار الأنوار: 224/16، 97/1، المحاسن: 192، و أشار إلى «ألف جزء فى مفيد العلوم: 78.
7) . المناقب لإبن شهر آشوب: 112/1، شرح إبن ابى الحديد: 1/17، بحار الأنوار: 136/18.
8) . بحار الأنوار: 20/20، و أنظر أيضا: المناقب: 192/1، ايمان أبى طالب: 144، بحار الأنوار: 117/20، 177/35، 118/21.
9) . أنظر: الكافى: 5/4، وسايل الشيعة: 78/12، مستدرك الوسايل: 374/8، روضة الواعظين: 458/2، بحار الأنوار: 10/73، 21/18، 24/17، 121/4.
و كان صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بالمؤمنين رحيما، كما قال اللّه.(1)
عن أنس، أنّ جابرا سأل النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عن أوّل ما خلق اللّه؟! فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: نور نبيّك يا جابر.(2)
و قال عبد المطلّب: كنت إذا خرجت إلى البطحاء، رأيت نورين يخرجان من ظهري يأخذان الشرق و الغرب.
فلمّا ولدت «آمنة» لمحمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، أصبحت الأصنام كلّها منكوسة، و نكس عرش إبليس أربعين يوما، و صاح جنوده: ما أصابك؟! قال: ولد مبعوث كالسيف القاطع، يغيّر الأديان، و يبطل الأركان، و يجدّد ذكر الرحمان.
و أخضرت الأرض بالنبات، و حملت الأشجار.
مدح كلّ عضو من أعضائه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فقال:
لوجهه: «قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي اَلسَّمٰاءِ»(4).
و لعينه: «وَ لاٰ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ»(5).
و لاذنه: «قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ»(6).
و للسانه: «فَإِنَّمٰا يَسَّرْنٰاهُ بِلِسٰانِكَ»(7).
و يده و عنقه: «وَ لاٰ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ».(8)
و لقلبه: «فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلىٰ قَلْبِكَ»(1).
و لصدره: «أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ»(2).
و لفؤاده: «مٰا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤٰادَكَ»(3).
و لرجله: «طه مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ»(4).
و لنفسه: «لَعَلَّكَ بٰاخِعٌ نَفْسَكَ»(5).
«يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ حَسْبُكَ اَللّٰهُ» (6)، «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ حَرِّضِ اَلْمُؤْمِنِينَ»(7)، «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ اَلْأَسْرىٰ»(8)، «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ جٰاهِدِ اَلْكُفّٰارَ»(9)، «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ اِتَّقِ اَللّٰهَ»(10)، «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ»(11)، «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِنّٰا أَحْلَلْنٰا لَكَ»(12)، «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ شٰاهِداً»(13)، «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذٰا جٰاءَكَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ»(14)، «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذٰا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسٰاءَ»(15)، «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ»(16).
روي: أنّ النّبىّ لمّا قرأ «وَ جِئْنٰا بِكَ عَلىٰ هٰؤُلاٰءِ شَهِيداً» بكي، فقيل له: لم تبكى؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إذا أدعي بالشهادة على أمّتى كيف أشهد مع ذنوبهم!!، ثمّ نزل جبرئيل، فقال: يقال لك فى القيامة: إشفع، لتجتمع لك الفضيلتان.(1)
قوله «شاهدا» أي: مطّلعا على ظاهر أمر الخلق دون باطنهم، و يقال: «شاهدا» على أمّتك بالبلاغ. و يقال: متعذّرا و مزكّيا لأمّتك. و قيل: لم يذكر «بإذنه» إلاّ فى هذا الواحد(2)، لأنّه حكم بالنبوّة يشهد له فيها: أنّ دعاء خلقه إلى ربّه، عن أمر اللّه، لا عن نفسه.
«وَ سِرٰاجاً مُنِيراً» مضيئا، لأنّه لمّا ولد، أضاءت الدّنيا نوره. و قيل: معناه حكما عدلا. و قيل: معناه: و ذا سراج منير، أي: ذا كتاب مبين.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من صلّي عليّ و لم يصل على آلى، ردّت عليه.(3)
ويل لمن تبرّأ منه!!، أو آمن به و تبرّأ من أهل بيته و أوصيائه، عليّ و أولاده عليهم السّلام.
1) . أسرار الصّلاة للشهيد الثانى: 139 (ضمن كتاب رسائل الشهيد)، و رواه الشيخ أبو الفتوح الرازي فى تفسيره مع زيادة، 768/1، و عنهما: مستدرك الوسايل: 277/4، بحار الأنوار: 296/16. و لم نعثر علي بقية الرواية!!.
2) . اي: فى الدعوة إلى ربّه: «وَ دٰاعِياً إِلَى اَللّٰهِ بِإِذْنِهِ» الأحزاب: 46.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 356/5، و جاء أيضا: من صلّي علي و لم يصلّ علي إلى لم يجد ريح الجنّة و انّ ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام. وسايل الشيعة: 203/7، بحار الأنوار: 56/91، 189/8، الأمالى للصدوق: 200، روضة الواعظين: 323/2.
المجلس العاشر بعد المائة فى قوله تعالى: «إِنَّ اَللّٰهَ وَ مَلاٰئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى اَلنَّبِيِّ يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً»(1).
عن إبن عباس: صلاة اللّه، المغفرة، و صلاة الملائكة، الإستغفار. «وَ تَسْلِيماً» اي:
[سلّموا لمن وصّاه و إستخلفه و فضّله عليكم و ما عهد به إليه تسليما](2).
إعلم! أنّ اللّه تعالى لمّا صدّر هذه السورة بذكر محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و قرّر فى أثناء السّورة ذكر تعظيمه، ضمّ ذلك هيهنا بالتعظيم الّذي ليس يقاربه تعظيم و لا يدانيه، فقال: «إِنَّ اَللّٰهَ وَ مَلاٰئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى اَلنَّبِيِّ» معناه: إنّ اللّه يصلّي على النّبىّ و يثنّي عليه بالثّناء الجميل، و يبجلّه بأعظم التبجيل، و «ملائكته يصلون عليه» أي يثنّون عليه بأحسن الثناء، و يدعون له بأزكي الدّعاء: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً».
روي: لمّا نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول اللّه! هذا السّلام عليك، قد عرفناه، فكيف الصّلاة عليك؟! فقال: قولوا: اللّهم صلّ على محمّد و آل محمّد، و بارك على محمّد و ال محمّد، كما صلّيت و باركت على إبراهيم و آل ابراهيم، إنك حميد مجيد.(3)
و عن أبى بصير، عن الصّادق عليه السّلام: سألته عن هذه الآية، فقلت: كيف صلاة اللّه على رسوله؟! قال: تزكيته له فى السّماوات العلي، فقلت: قد عرفت صلواتنا عليه، فكيف التسليم؟! فقال: التسليم له فى الأمور.(4)
فعلي هذا يكون معنى قوله: «وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً»: إنقادوا لأمره، و أبذلوا الجهد فى طاعته، فى جميع ما يأمركم.
و قيل: معناه، سلّموا بالدّعاء عليه، أي قولوا: السّلام عليك يا رسول اللّه.
1) . الأحزاب: 57، 56.
2) . بياض فى المتن و الّذي أثبتناه، من تفسير كنز الدقايق: 54/11، 435/10، و الإحتجاج: 253.
3) . الطرائف: 162، إحقاق الحق: 540/9، و البحار: 258/27 عن تفسير الثعلبى، و الطبري فى تفسيره: 32، 31/22، غاية المرام: 246/3، فرائد السمطين: 32/1، إحقاق الحق: 256/3. تفسير مجمع البيان: 579/8.
4) . تفسير مجمع البيان: 579/8.
«إِنَّ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ»، روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام، قال: حدّثنى رسول اللّه - و هو آخذ بشعره - فقال: من آذي بشعرة منك، فقد آذانى، و من آذانى فقد آذي اللّه، و من آذي اللّه، فعليه لعنة اللّه.(1)
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من صلّي عليّ و على آلى، صلّت عليه الملائكة، و من صلّت عليه الملائكة، صلّي اللّه عليه، و من صلّي اللّه عليه، لم يبق فى السّماوات و الأرض ملك إلاّ و يصلّون عليه. و من صلّي عليّ و على إلى واحدة، أمر اللّه حافظيه أن لا يكتبا عليه ثلاثة أيام(2). و من صلّي عليّ يوم الجمعة مائة مرّة، غفرت له خطيئة ثمانين سنة.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الصّلاة بين الصّلاتين لا تردّ.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الصّلاة عليّ و على آلى، نور على الصّراط.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لن يلج النّار من صلّي عليّ، و من نسي الصّلاة عليّ فقد أخطاء طريق الجنّة.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يؤمر بأقوام إلى الجنّة فيخطئون الطّريق!!، و قيل: يا رسول اللّه لم ذاك؟! قال: سمعوا إسمي و لم يصلّوا عليّ.(7)
1) . تفسير مجمع البيان: 580/8، المناقب للخوارزمي: 235 شواهد التنزيل، 147/2 نظم درر السمطين: 105، تفسير الصافى: 203/4، تفسير نور الثقلين: 305/4. و فى شواهد التنزيل: 147، 142/2، تاريخ مدينة دمشق: 308/54 كشف الغمّة: 332/2، عيون اخبار الرضا: 226/2، الأمالى للصدوق: 409، دلائل ألإمامة: 135، و أمالى المضد: 451، من آذي شعرة منّي فقد آذانى... و فى المناقب لإبن شهر آشوب: 13/3 من آذي أبا حسن فقد آذاتي حقّا، و فى نهاية الدراية، السيد حسن الصدر عن «المسلسلات»: من آذي شعري فالجنّة عليه حرام: 218.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 336/5.
3) . مستدرك الوسايل: 72:6.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 337/5.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 337/5.
6) . عنه: مستدرك الوسايل: 337/5.
7) . عنه: مستدرك الوسايل: 336/5.
إشفع لى!!، فيقول النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ردّوه إلى الميزان، فيردّونه إليه، فيضع شيئا كالنمل فى ميزانه، و هو الصّلاة على محمّد و آله، فيرجّح ميزانه، و ينادي: قد سعد فلان.(1)
«أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ» (2)، «وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاٰتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ»(3)، «صَلَوٰاتِ اَلرَّسُولِ»(4)، «هُوَ اَلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ»(5)، «إِنَّ اَللّٰهَ وَ مَلاٰئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى اَلنَّبِيِّ»(6).
قال جعفر بن محمّد عليهما السّلام: فساد الجسد فى كثرة الطعام، و فساد الزّرع فى كسب الآثام، و فساد المعرفة فى ترك الصّلاة على خير الأنام.(7)
يصلّي على المهدي من آل هاشم *** و يغزي بنوه إنّ ذا لعجيب!!(1)
توأب همّي و الفؤاد كئيب و أرقّ نومي فالرّقاد غريب
و ممّا نفي جسمي و شيب لمّتى تصاريف أيام لهنّ خطوب
فمن مبلغ عنّي الحسين رسالة و إن كرهتها أنفس و قلوب
قتيلا بلا جرم كأنّ قميصه صبيغ بماء الأرجوان خضيب
و للسيف إعوال و للرمح رنّة و للخيل من بعد الصهيل نحيب
تزلزلت الدّنيا لآل محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و كادت لها صمّ الجبال تذوب
يصلّي علي المهدي من آل هاشم و يغزي بنوه إنّ ذا لعجيب
لئن كان ذنبي حبّ آل محمّد فذلك ذنب لست منه أتوب. و أنظر أيضا: بحار الأنوار: 253/45 و فيه: تاوه قلبى، المناقب لابن شهر آشوب: 125/4، ينابيع المودة، للقندوزي: 49/3 عن كتاب معراج الوصول لجمال الدين الزرندي المدنى، و أنظر أيضا: جواهر العقدين: 336، 335/2، شرح احقاق الحق: 759/33، 484/27، احسن القصص، لعلي محمد فكري الحسينى القاهري: 252/4 (طبع بيروت)، ديوان الامام الشافعي: قافية القاف.
فإن كنت مؤمنا باللّه و برسوله، و بما جاء به، فقد قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه و عترتي.(2)
فتمسّك بأهل بيته الطيّبين الطّاهرين، و تبرّأ من أعدائه المنافقين.
1) . فى البحار: 274/45، و العوالم، الإمام الحسين عليه السّلام: 569، أخبرنى سيّد الحفّاظ أبو منصور شهرداد بن شيروية الديلمي، عن محيى السنّة أبى الفتح، إجازة، قال: أنشدنى أبو الطّيّب البابلي، أنشدنى أبو النّجم بدر بن إبراهيم بالدّينور، للشافعي محمّد بن إدريس:
2) . روي حديث الثقلين بطرق عديدة جدّا و بصيغ مختلفة: راجع: مسند أحمد: 59، 26، 17، 14/3، صحيح مسلم: 1874/4، سنن الترمذي: 663، 662/5، كنز العمال: 104/13.
المجلس الحادي عشر بعد المائة فى قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ قُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمٰالَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ مَنْ يُطِعِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فٰازَ فَوْزاً عَظِيماً»(1).
قال إبن عباس: أي: قولوا قولا عدلا: لا إله الا اللّه، «يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمٰالَكُمْ» يقبل لكم أعمالكم بالتّوحيد، «وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَ مَنْ يُطِعِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ» فيما أمره، و لم يكن ممّن يؤمن ببعض و يكفر ببعض، «فقد فاز عظيما» بالجنّة و نجا من النّار نجاة عظيمة.
إعلم! أنّ اللّه تعالى أمر أهل الإيمان و التوحيد بالتّقوي و القول السّديد، فقال:
«يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا» إتّقوا عقاب اللّه بإجتناب معاصيه، و فعل الطّاعات و أداء واجباته، و قولوا قولا صوابا بريئا من الفساد، خالصا من شوائب الكذب و اللغو، موافق الظاهر و الباطن، و لا تنسبوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إلى ما لا يليق به.
«يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمٰالَكُمْ» معناه: إن فعلتم ذلك، «يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمٰالَكُمْ» بأن يلطف لكم فيها حتّي تستقيموا على الطريقة السّليمة من الفساد، و يوفّقكم لما فيه جميع الصلاح و الرّشاد، و يزكّ أعمالكم، و يتقبّل حسناتكم، «وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» بسبب إستقامتكم فى الأقوال و الأفعال، «وَ مَنْ يُطِعِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ» فى الأوامر و النواهي، فقد ظفر برضوان اللّه و كرامته.
مثلها من الحسنات.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من لقّن عند الموت «لاٰ إِلٰهَ إِلاَّ اَللّٰهُ»، دخل الجنّة.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لقّنوا موتاكم شهادة أن «لا إله إلا اللّه»، فمن قالها عند موته وجبت له الجنّة، قيل: يا رسول اللّه! من قالها فى صحّته؟! قال: ذلك أوجب فأوجب.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ناد فى النّاس: من يشهد أن لا إله الا اللّه و انّي رسول اللّه، دخل الجنّة.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من مات بلا إله الا اللّه، مخلصا، دخل الجنّة.(5)
و قال الرّضا عليه السّلام: بشروطها، و أنا من شروطها.(6)
القول السّديد: قول «اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ»(7)، و قول: «إِنَّ اَلَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اَللّٰهُ ثُمَّ اِسْتَقٰامُوا»(8).
1) . مستدرك الوسايل: 365/5، و فى الطبعة الحجرية: طمست، تفسير إبن كثير: 481/2 بتفاوت يسير و مثله فى الدرّ المنثور: 63/6، 354/3. و الطلس: المحو.
2) . تلخيص الحبير: 109/5، مستدرك الوسايل الشيعة: 125/2، مسند أحمد: 474/3، مجمع الزوائد: 322/2، ألآحاد و المثانى، إبن ضحاك: 353/5، المعجم الكبير: 303/19، أسد الغابة: 280/4.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 125/2، و فى المحاسن: 34/1: لقّنوا موتاكم... فأنّها تهدم الخطايا، قيل كيف من قالها فى حياته؟ قال: هي أهدم و أهدم، و أنظر أيضا: بحار الأنوار: 203، 200/90، ثواب الأعمال: 2 و 195.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 366/5، كتاب الدعاء، الطبرانى: 432، 430، كنز العمال: 295، 294، 59/1.
5) . التوحيد: 28، ثواب الأعمال: 5، صفات الشيعة: 5، معانى الأخبار: 370، مكارم الأخلاق: 310، بحار الأنوار: 197/90، وسايل الشيعة: 257/15 و فى الكل: «من قال» و لم نعثر علي المتن: (من مات)، لكن فى منتخب مسند عبد بن حميد: 70: عن معاذ بن حيل: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: من قال عند الموت لا إله إلا اللّه مخلصا دخل الجنّة. و فى الفقيه: من ختم له بلا إله إلا اللّه دخل الجنّة 183/4. وسايل الشيعة: 358/13، مستدرك الوسايل: 93/12، 365/5.
6) . أمالى الصدوق: 235، التوحيد: 25، ثواب الأعمال: 6، روضة الواعظين: 42/1، عوالى اللئالى: 94/4، عيون أخبار الرضا: 135/2، معانى الأخبار: 370، المناقب: 101/3.
7) . الأنعام: 82.
8) . فصلت: 30، الأحقاف: 13.
و من صفته: «يُثَبِّتُ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثّٰابِتِ»(1)، «يُنَجِّي اَللّٰهُ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا»(2)
فمن كان كذلك، فقد فاز فوزا عظيما.
سمّي «القول» سديدا، لأنّه لا خلل فيه، و قد سدّ من التشبيه و التعطيل.
و عن إبن عباس: سمّي كلمة لا إله إلاّ اللّه «سديدا»، لأنّه يسدّ ما قبله، كما
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم:
و قال تعالى: «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مٰا قَدْ سَلَفَ»(4).
و قيل: سمّي «سديدا» لأنّه يسدّ باب المهلك، و يوصل العبد إلى الجنّة.
قيل: فى قوله تعالى «قُولُوا قَوْلاً سَدِيداً»: انّه العدل، و انّه القصد، و إنّه المخلص.
و الصّدق و الصّواب، و الحسن الجميل.(5)
و عن إبن عباس: هو قول لا إله الا اللّه.
يا ويل!! من يبطل حسناته، و لا تغفر سيّئاته!!، و يا ويح! من أمضي عمره فى أفعال مبتدعة!!. فعليك أن تحكّم الأصل، و هو الإيمان باللّه، و برسوله، و بجميع ما أمر به محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و لا تكون ممّن يؤمن ببعض الكتاب و يكفر ببعض.
1) . إبراهيم: 27.
2) . الزمر: 61.
3) . عوالى اللئالى: 224، 54/2، مستدرك الوسايل: 448، 447/7، بحار الأنوار: 271/67، 115/21، الخلاف: 548، 469/5، مسند أحمد: 205، 204، 199/4، طبقات إبن سعد: 497/7، كنز العمال: 374/13 و 66/1، الجامع الصغير: 474/1، تفسير علي بن إبراهيم: 388، مشكل ألآثار: 211/1، 212، الحاوي الكبير: 313/14، الخصائص الكبيري: 349/1، أسد الغابة: 54/5، المجازات النبوية: 54، مجمع الزوائد: 31/1.
4) . الأنفال: 38.
5) . انظر مجمع البيان: 585/8، 21/3، الجامع لأحكام القرآن: 252/14، جامع البيان: 38/22.
المجلس المائة و الثانى عشر فى قوله تعالى: «إِنّٰا عَرَضْنَا اَلْأَمٰانَةَ عَلَى اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبٰالِ...»(1).
عن إبن عباس: الأمانة: هي الفرائض و الأحكام الّتى أوجبها اللّه على العباد، و ما أمرهم اللّه به من طاعته، و نهاهم عن معصيته.
و معنى «العرض» و «الإباء» ليس ما يفهم بظاهر الكلام، بل المراد: تعظيم شأن الأمانة، لا مخاطبة الجماد، و العرب تقول: [سألت الربع، و خاطبت الدّار، فامتنعت عن الجواب، و انّما هو إخبار عن الحال، عبّر عنه بذكر الجواب و السؤال، و تقول]: أتي فلان بكذب لا تحمله الجبال.
فالأمانة على هذا: ما أودع اللّه السّماوات و الأرض و الجبال من الدّلائل على وحدانيّته [و ربوبيّته] فأظهرتها، و الإنسان الكافر جحدها و كتمها، لظلمه و جهله.(2)
و لم يرد بقوله «الإنسان» جميع النّاس، بل، الأنبياء و الأولياء و المؤمنون خارجون عن عموم هذا الآية.
ثم بيّن [سبحانه] الغرض [الصّحيح و الحكمة البالغة فى عرضه هذه الأمانة، فقال: «لِيُعَذِّبَ اَللّٰهُ اَلْمُنٰافِقِينَ وَ اَلْمُنٰافِقٰاتِ وَ اَلْمُشْرِكِينَ وَ اَلْمُشْرِكٰاتِ» يعنى:] بتضييع الأمانة «وَ يَتُوبَ اَللّٰهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ» بحفظهم الأمانة [و وفائهم].
و المعنى: إنّا عرضنا ذلك، ليظهر نفاق المنافق و شرك المشرك، فيعذّبهم اللّه، و يظهر إيمان المؤمن فيتوب اللّه عليه، إن حصل منه تقصير [فى بعض الطّاعات]، «وَ كٰانَ اَللّٰهُ غَفُوراً» أي: ستّارا لذنوب المؤمنين [«رحيما» بهم].
إعلم! أنّ العبوديّة أربعة أشياء: عرفان المنّة، و حفظ الحرمة، و ترك الجفوة، و أداء الأمانة.
الأوّل: فقوله تعالى: «اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ»(3)، يعنى: احفظوا منّة اللّه عليكم،
و قال: «بَلِ اَللّٰهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ»(1)، «لَقَدْ مَنَّ اَللّٰهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ»(2).
و الثّانى: قول النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا تزال هذه الأمّة فى كنف اللّه و تحت جناحه، ما عظمّوا هذه الحرمة حقّ تعظيمها، فإذا تركوها و ضيّعوها، عذّبوا.(3)
و الثّالث: لأنّ ترك المعاصي، أفضل من أداء الطاعات،
و فى الخبر: الجفاء و البذاء من النّار، و الحياء و السّخاء من الجنّة.(4)
و الرّابع: «إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا»(5)، «إِنّٰا عَرَضْنَا اَلْأَمٰانَةَ»(6)
و العموم يتناول ما ذكرناه!!.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الأمانة تؤدّي إلى البرّ و الفاجر.(7).
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الأمانة ثلاث: الصّلاة و الصّيام و غسل الجنابة.(8)
و فى الزّبور: من إغتسل من الجنابة، فهو وليّي حقّا، و من لا يغتسل فهو عدوّي حقّا.(9)
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ أعظم الأمانة أن يفضي الرّجل إلى إمرأته، ثمّ يذكر سرّها.(10)
«وَ عُرِضُوا عَلىٰ رَبِّكَ صَفًّا» (11)، «وَ عَرَضْنٰا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكٰافِرِينَ عَرْضاً»،(12)
1) . الحجرات: 17.
2) . آل عمران: 164.
3) . مسند أحمد: 347/4، سنن إبن ماجة: 1038/2، مسند إبن الجعد: 334، المصنف: الكوفى: 352/4، كنز العمال: 198/12 و فى الكل: هلكوا.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 82/12.
5) . النّساء: 58.
6) . الأحزاب: 72.
7) . دعائم ألإسلام: 491، 488/2 عن الصّادق عليه السّلام.
8) . أنظر: الدرّ المنثور: 22/5، تفسير القرطبى: 9/20.
9) . تفسير القرآن لعبد الرزاق الصنعانى: 125/3، الدرّ المنثور: 263/2.
10) . مسند الحمد: 69/3، صحيح مسلم: 157/4، سنن إبن داود: 450/2، السنن الكبري: 194/7، الجامع الصغير: 379/1، كنز العمال: 375/16 بتفاوت يسير: ثم ينشر سرّها
11) . الكهف: 48.
12) الكهف: 10.
«وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنّٰارِ» (1)، «اَلنّٰارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهٰا غُدُوًّا وَ عَشِيًّا»(2)، «ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى اَلْمَلاٰئِكَةِ»(3)، «إِنّٰا عَرَضْنَا اَلْأَمٰانَةَ»(4).
لا يجوز أن يكون «الإنسان» محمولا على آدم عليه السّلام، لقوله: «إِنَّ اَللّٰهَ اِصْطَفىٰ آدَمَ»(5)، فكيف يكون من إصطفاه من جميع خلقه، موصوفا بالظّلم و الجهل؟!.
و أختلف فى معنى الآية، فقيل: [هي ما أمر اللّه به من طاعته، و نهي عنه من معصيته، و قيل: هي الأحكام و الفرائض](6)، هي أمانات النّاس، و الوفاء بالعهود.
و أوّلها: إستيمان آدم عليه السّلام إبنه قابيل على أهله و ولده، حين أراد التوجّه إلى مكّة عن أمر ربّه، فخان قابيل، إذ قتل هابيل.(7)
و أختلف فى عرض الأمانة على أقوال أربعة:
[أوّلها] قيل: المراد العرض على أهلها، فحذف المضاف، [و أقيم المضاف إليه مقامه](8)و عرضها عليه، هو: تعريفهم أنّ فى تضييعها الإثم العظيم ثمّ بيّن [سبحانه] جرأة الإنسان - و هو الكافر - على المعاصي، و إشفاق الملائكة الذين هم اهل السّماوات و الأرض، و الجبال، فلكلّ بقعة ملائكة يعبدون اللّه فيها.
[ثانيها]: أنّ معنى «عرضنا» قابلنا، فانّ عرض الشىء و معارضته سواء.
ثالثها: إنّه على وجه التقدير، الا أنّها أجري عليه لفظ الواقع، لانّ الواقع أبلغ من
المقدّر، و معناه: لو كانت السّماوات و الارض و الجبال عاقلة...
رابعها: أنّ معنى العرض و الإباء، ليس هو ما يفهم بظاهر الكلام، بل المراد تعظيم شأن الامانة، لا مخاطبة الجماد..](1).
قيل: إنّ معنى «عرضنا» عارضنا و قابلنا، فإنّ عرض الشيئ و معارضته به سواء.
و «الأمانة» ما عهد اللّه إلى عباده من أمره و نهيه، ثمّ قال: لو قيست بالسّماوات و الأرض، و عورضت بها، لكانت هذه الأمانة أرجح.
أو يكون معناه: لو كانت السّماوات و الأرض و الجبال عاقلة، ثم عرضت عليها الأمانة، عرض تخيير، لإستثقلت ذلك، [مع كبر أجسامها و شدّتها و قوّتها، و لامتنعت من حملها، خوفا من القصور عن أداء حقّها، ثم حملها الإنسان مع ضعف جسمه، و لم يخف الوعيد، لظلمه و جهله]؟!!(2).
قيل: فى الأمانة ثلاث نيران: نار الخاطر فى القلب، و نار الشهوة فى الصّلب، و نار المعدة فى الكبد.
فأنظر أن لا تطفي النّار الأولى إلاّ بما قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: تفكّروا فى المخلوق، و لا تتفكّروا فى الخالق.(3)
و لا تطفي النّار الثانية إلاّ بلقمة لا تكون شبهة و لا حراما.
و لا تطفي النّار الثّالثة - و هي شهوة النّساء - إلاّ حيث يرضاه اللّه.
المجلس الثالث عشر بعد المائة فى قوله تعالى: «مَنْ كٰانَ يُرِيدُ اَلْعِزَّةَ فَلِلّٰهِ اَلْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصّٰالِحُ يَرْفَعُهُ وَ اَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ اَلسَّيِّئٰاتِ لَهُمْ عَذٰابٌ شَدِيدٌ وَ مَكْرُ أُولٰئِكَ هُوَ يَبُورُ»(1).
هذه الآية فى سورة الملائكة [فاطر]، و هي مكّيّة، و هي خمس و أربعون آية، و إلى هيهنا من أوّلها عشر آيات.
و المعنى: «مَنْ كٰانَ يُرِيدُ» أن يعلم لمن المنعة و القدرة، «فللّه» المنعة و القدرة.
«إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ» و هي: لا إله إلاّ اللّه، «وَ اَلْعَمَلُ اَلصّٰالِحُ يَرْفَعُهُ» أي:
يرفع الإيمان كلمة لا إله إلا اللّه.
فسمّي الإيمان: العمل الصالح، إذ لا تقبل طاعة من دونه و مع فقده، يعنى: لا يقبل اللّه قول لا إله إلاّ اللّه، إلاّ من المؤمن، «وَ اَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ اَلسَّيِّئٰاتِ» أي:
الّذين يشركون باللّه «لَهُمْ عَذٰابٌ شَدِيدٌ» أشدّ ما يكون، و مكرهم يهلك و يفسد.
إعلم! أنّ خمسة أشياء، قلّما تجتمع لخمسة:
القوّة مع الشجاعة، و المال مع السّخاوة، و العلم مع العبادة، و الفهم مع المكابدة، و القول الطيّب مع العمل الصالح.
و إذا إجتمعت هذه الأشياء لأحد، يكون وليّا من أولياء اللّه!!
و قيل: من إكتفي من الطّاعات بالقول دون العمل، إكتفي اللّه له من الثواب
بالوعد الّذي وعده على العموم، دون العطاء، كما قال: «اَللّٰهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ»(1).
و هذا كنور النّهار، فإنّه لا ينفع دون نور العين، كما قال القائل:
فلا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع *** كما لا ينفع الشّمس وضوء العين ممنوع(2)
رأيت العقل عقلين فمطبوع و مسموع
و لا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس و ضوء العين ممنوع. نهج السعادة: 174/8، مفردات راغب ألإصفهانى: 342، إصطلاحات الأصول: 170، ديوان الإمام عليّ عليه السّلام: 92، الرقم: 189، مجمع البحرين: 237/3 بتفاوت (رأيت العلم علمين) و فى تاريخ دمشق: نسب إلى الشافعي. و أنظر أيضا: إحياء علوم الدين: 13/3، سرح العيون: 26، غرر الخصائص، الوطواط: 80، الذريعة إلى مكارم الشريعة: 81.
1) . البقرة: 15.
2) . عن عليّ عليه السّلام و تمامه:
3) . فى جامع البيان: 427/2: حدثنى يونس بن عبد الأعلي، قال: أخبرنا إبن وهب، قال: أخبرنى الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبى هلال، عن القرظي، عن نوف، و كان يقرأ الكتب، قال: انّي أجد صفة ناس من هذه الأمّة فى كتاب اللّه المنزل: قوم... بتفاوت يسير.
و أنظر مثله: تاريخ مدينة دمشق: 34/11، تهذيب الكمال: 314/4. و لم نعثر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
4) . اي: القربة الخلقة الصغيرة!!!.
الصّوم؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: نعم!!!.
و أوحي اللّه إلى داود عليه السّلام: انّ المنافق يخادعنى، و أنا أخادعه، يسبّحنى و يقدّسنى بلسانه، و قلبه منّي بعيد، يا داود! انّ أبغض الخلق إلى كلّ منافق جهول.
و قيل: لا تكن بالنّهار: أنا عبد اللّه، و بالليل: نعوذ باللّه!!!.
سمّي اللّه إثنا عشر شيئا «طيّبا»، ذكرناها فى قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اَللّٰهُ»(1).
كان الكفّار يتعزّزون بالأصنام، و الذين آمنوا بألسنتهم يتعزّزون بالمشركين، فبيّن اللّه: لا عزّة إلاّ للّه.
و المعنى: فليطلبها عند اللّه من أرادها. ثمّ عرّف: أن ما يطلب به، هو الإيمان. يعنى انّ هذه الكلم لا تقبل و لا تصعد إلى السماء، فتكتب حيث تكتب الأعمال الصالحة، لقوله: «إِنَّ كِتٰابَ اَلْأَبْرٰارِ لَفِي عِلِّيِّينَ»(2)، إلاّ إذا إقترن بها العمل الصالح. و العمل الصالح لا يكون إلاّ من المؤمن.
أختلف فى معنى قوله: «مَنْ كٰانَ يُرِيدُ اَلْعِزَّةَ»:
قيل: المعنى: من كان يريد علم العزّة، و هي القدرة و الغلبة، لمن هى؟! فإنّها للّه جميعا.
و قيل: أي: من أراد العزّة، فليتعزّز بطاعة اللّه، فإنّ اللّه يعزّه.
و معنى «إِلَيْهِ يَصْعَدُ» أي: إلى سمائه، و إلى حيث لا يملك الحكم سواه.
و قيل: الرافع هو العمل الصالح، و «يرفعه» الضمير يعود إلى الكلم، و هو: يذكّر و يؤنّث.
و قيل: الرّافع: هو اللّه، و المرفوع: العمل.
و قيل: هو على القلب من الأوّل، أي: و العمل الصالح يرفعه الكلم. و المعنى: أنّ العمل الّذي يشبه الصالح لا ينفع إلاّ إذا صدر عن التوحيد.
فإن قيل: «مكر» لازم، فلم نصب السيّئات؟!.
قلنا: السيّئات صفة المصدر، أي مكروا المكرات السيّئات.
روي: انّ العمل الصالح هو قول: أللّهم صلّ على محمّد و آل محمّد، فمن كان له حاجّة إلى اللّه، فليصلّ على محمّد و آله، و ليسأل حاجته، فاللّه أكرم من أن يسأل العبد عنه حاجتين، و يقضي إحديهما و يمنع الأخري.(2)
و قال عليّ عليه السّلام: من قال ثلاث مرّات: أللّهم بحقّ محمّد و آل محمّد، قضي اللّه حاجته.(3)
المجلس المائة و الرابع عشر فى قوله تعالى: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتٰابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ و مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ بِإِذْنِ اَللّٰهِ ذٰلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ»(1).
من أوّل سورة الملائكة [فاطر] إلى هيهنا إحدي و ثلاثون آية.
عن إبن عباس: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتٰابَ» يعنى القرآن. و قيل: التوراة، و قيل: الكتب كلّها. و أختلف فى «اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنٰا»، قيل: هم علماء أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، لما ورد فى الحديث: العلماء ورثة الأنبياء.(2)و المرويّ عن الباقر و الصّادق عليهما السّلام، إنّهما قالا:
هي لنا خاصّة، و أيّانا عنى.(3)
«فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ» فمن العباد ظالم لنفسه.
إعلم! أنّ اللّه ذكر فى هذه الآية ثلاثة أشياء: فى أوّلها فضله و كرامته، و فى أوسطها جفاء عبيده فى خدمته، و فى آخرها رحمته و نعمته.
فذكر الفضل، ليشكروه، و ذكر الجفاء، ليعتذروا إليه، و ذكر الرّحمة، ليرجوها مع الخوف من وسط الأمر و يفتخروا بها. ثمّ جمع الشكر و العذر و الفخر، ليستوجبوا:
المزيد و الرحمة و الكرامة!!.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فى تفسير هذه الآية: إنّ الظّالم يحاسب حسابا شديدا، و يحبس حبسا طويلا، ثمّ يدخل الجنّة، و المقتصد يحاسب حسابا يسيرا ثمّ يدخل الجنّة، و السّابق يدخلها بغير حساب.(4)
و عن أبى الدرداء، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: المقتصد و السّابق رجلان:
يدخلان الجنّة بغير حساب، و الظّالم يحاسب حسابا يسيرا، ثمّ يدخل الجنّة.(1)
«الإصطفاء» على عشرة أوجه:
لآدم و نوحا و آل ابراهيم و آل عمران عليهم السّلام: «إِنَّ اَللّٰهَ اِصْطَفىٰ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرٰاهِيمَ وَ آلَ عِمْرٰانَ عَلَى اَلْعٰالَمِينَ»(2).
و لابراهيم عليه السّلام: «وَ لَقَدِ اِصْطَفَيْنٰاهُ»(3).
و لموسى عليه السّلام: «إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى اَلنّٰاسِ»(4).
و لطالوت: «إِنَّ اَللّٰهَ اِصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ»(5).
و لمريم عليه السّلام: «إِنَّ اَللّٰهَ اِصْطَفٰاكِ»(6).
و للدّين: «إِنَّ اَللّٰهَ اِصْطَفىٰ لَكُمُ اَلدِّينَ»(7).
و لنبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و لجبرئيل عليه السّلام: «اَللّٰهُ يَصْطَفِي مِنَ اَلْمَلاٰئِكَةِ رُسُلاً وَ مِنَ اَلنّٰاسِ»(8).
و للأمّة: «اِصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا»(9).
الأظهر أنّ المراد بالكتاب هيهنا القرآن، لأنّ لفظ الكتاب لا يطلق فى العرف و الشرع إلاّ على القرآن.
«اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنٰا» قيل: هم الأنبياء، و إختارهم لرسالته و قيل: هم المصطفون الدّاخلون فى قوله: «إِنَّ اَللّٰهَ اِصْطَفىٰ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرٰاهِيمَ وَ آلَ عِمْرٰانَ»(1)، و هذه لا يصحّ، لأنّهم لا يرثون الكتاب، بل يورث علمهم، و الأصح ما قدّمناه من قبل، أنّهم علماء آل محمّد عليهم السّلام.
و قيل: الضمير فى قوله: «فمنهم» يعود إلى «المصطفين من العباد»، عن أكثر المفسّرين. ثم اختلف فى أحوال الفرق الثلاث على قولين: أحدهما، قالوا: إنّ جميعهم ناج [و يؤيد ذلك ما ورد فى الحديث عن أبى الدرداء قال سمعت رسول اللّه يقول فى الآية]، أمّا السّابق يدخل الجنّة بغير حساب، و أمّا المقتصد بعد حساب يسير، و أمّا الظالم بعد أن يحبس فى المقام، ثمّ يدخل الجنّة، فهم الّذين قالوا: «اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ اَلَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا اَلْحَزَنَ»(2).
[و القول الآخر: إنّ الفرقة الظّالمة لنفسها، غير ناجية](3).
و قيل: إنّ الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه، و المقتصد الّذي إستوي باطنه و ظاهره، و السابق الّذي باطنه خير من ظاهره.(4)
و الصحيح أنّ الضمير فى قوله: «فمنهم» يعود إلى العباد، و الوجه فيه: انّه لمّا علّق توريث الكتاب لمن إصطفاه من عباده و بين عقيبه: أنّه إنّما علّق وراثة الكتاب ببعض العباد، دون بعض، لأنّ منهم من هو ظالم لنفسه ايضا.
و قال الصّادق عليه السّلام: الظالم لنفسه منّا من لا يعرف حقّ الإمام، و المقتصد منّا
العارف بحقّ الإمام، و السابق بالخيرات هو الإمام(1)، و هؤلاء كلّهم مغفور لهم.(2)
و عن الباقر عليه السّلام: أمّا الظّالم لنفسه منّا، فمن عمل «عملا صالحا و أخر سيّئا»، و أمّا المقتصد فهو المتعبّد المجتهد، و أمّا السّابق بالخيرات فعلي و الحسن و الحسين عليهم السّلام، و من قتل من آل محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم شهيدا.(3)
و مضي: إنتهاء الحكم إليهم و تصيّره لهم عليهم السّلام، كما قال: «وَ تِلْكَ اَلْجَنَّةُ اَلَّتِي أُورِثْتُمُوهٰا»(4).
و قيل: معناه: أورثناهم بالكتب الإيمان، إذ الميراث إنفعال الشيئ من قوم إلى قوم. و الأول: أصحّ.
و قيل: إنّما قدّم الظالم و أخّر السّابق، لأنّهم [اي: العرب] يقدّمون الأدنى فى الذكر، كقوله: «يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ اَلذُّكُورَ»(5)، «يُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهٰارِ»(6).
و قيل: إنّما قدّم الظالم لأن لا ييأس من رحمته، و أخّر السّابق، لأن لا يعجب النّاس بعلمه.(7)
فى هذه الآية تهنئة و تعزية، فالتهنية للظّالم، لأن لا ييأس، فلمّا ذكر المقتصد، صارت التهنية للظّالم تعزية، فلمّا ذكر السابق، صارت التهنية للمقتصد تعزية!!!.
فكن بين الرّجاء و الخوف، و متردّدا بين «لعلّ» و «سوف»!!!.
المجلس المائة و الخامس عشر فى قوله تعالى: «وَ هَلْ أَتٰاكَ نَبَأُ اَلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا اَلْمِحْرٰابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلىٰ دٰاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قٰالُوا لاٰ تَخَفْ، خَصْمٰانِ بَغىٰ بَعْضُنٰا عَلىٰ بَعْضٍ، فَاحْكُمْ بَيْنَنٰا بِالْحَقِّ وَ لاٰ تُشْطِطْ وَ اِهْدِنٰا إِلىٰ سَوٰاءِ اَلصِّرٰاطِ»(1)
ص: 21 و 22.
.أي: هل بلغك خبرهم يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم! إذ نزلوا على داود عليه السّلام من فوق المحراب. اذ دخلوه عليه، «فَفَزِعَ مِنْهُمْ قٰالُوا» يعنى الملكين الّذين دخلا عليه: يا داود! «لاٰ تَخَفْ» نحن «خصمان» تطاول و ظلم «بَعْضُنٰا عَلىٰ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنٰا بِالْحَقِّ» اي بالعدل، «وَ لاٰ تُشْطِطْ» أي: لا تمل و لا تجر [علينا]، «وَ اِهْدِنٰا إِلىٰ سَوٰاءِ اَلصِّرٰاطِ» أي: دلّنا على الصواب.
إعلم! أنّ اللّه قال - لإعلام ثلاثة أحوال لنبيّه محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم - بهذه الكلمة:
فى حديث ضيف إبراهيم عليه السّلام: «هَلْ أَتٰاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ»(2).
و فى قصّة موسى عليه السّلام: «وَ هَلْ أَتٰاكَ حَدِيثُ مُوسىٰ إِذْ رَأىٰ نٰاراً»(3).
و فى قصّة داود عليه السّلام: «هَلْ أَتٰاكَ نَبَأُ اَلْخَصْمِ»(4).
كان نبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يحزن لأمّته، و يحزن لأجل طول مكثهم فى القبر، و يحزن لأجل خصمائهم فى القيامة، فآمنه اللّه بهذه القصص.
أوّلها: «و هل أتيك حديث إبراهيم المكرمين» أكرمهم من غير أن عرفهم، بكرم عادته، فالمؤمن ضيف اللّه فى القبر، فكيف لا يكرمه؟! و العبد يعرفه بكرمه و فضله!!!.
و فى الخبر: ما من وقت للمؤمن باللّه، أوهم عليه، من حين يدفن و يقبر فريدا وحيدا.
و الثّانى: «هَلْ أَتٰاكَ حَدِيثُ مُوسىٰ إِذْ رَأىٰ نٰاراً»، طلب النّار فوجد النّور، و خرج للإصطلاء فى سفر الدّنيا، فنودي بالإصطفاء، و أنّ المؤمن لا يزال يطلب النّور لظلمة القبر، فكيف يجد النّار فيه؟!، و هو أوّل منزل له فى سفر الآخرة.
و الثّالث: «هَلْ أَتٰاكَ نَبَأُ اَلْخَصْمِ - إلى قوله - فَغَفَرْنٰا لَهُ ذٰلِكَ» فكذلك المؤمن، إن كان له خصم، يرضيه اللّه له و عنه، لفضله، و يغفر له.
و فى الخبر: إنّ اللّه يقول لخصم المؤمن: هل يحسن أن تخاصم لمن كنت شفيعا له؟! فيقول: و متى تشفعّت؟! فيقول اللّه: يوم قلت: أللّهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات.
روي: أنّ داود عليه السّلام أوتي ملكا عظيما، كما قال: «وَ شَدَدْنٰا مُلْكَهُ»(1)، فكان تحرسه كلّ ليلة ستّة و ثلاثون ألف رجل(2)، فإذا أصبحوا، قال لهم: إرجعوا فقد رضي اللّه عنكم.
و كان داود عليه السّلام يجلس للنّاس: يوما لقضائهم، و يوما يتفرّغ لنسائه، و يوما لعبادة ربّه، فقال يوما: يا ربّ من أراد أن يدعوك فيستجيب له؟!! ثم قال:
أللّهم إله إبراهيم و إسحاق و يعقوب أن تجعلنى منهم، فقال اللّه: كيف أجعلك معهم و لم أبتلك بما ابتليتهم به، إبتليت إبراهيم بذبح إبنه، فسلّم لأمري، و أضجعه ليذبحه، حتّي علمت الصّدق منه، فنجّيته. و إبتليت إسحاق بذبح نفسه، فسلّم لأمري، و أمكن من نفسه الذّبح.
و إبتليت يعقوب بالحزن على إبنه يوسف، فلم يقطع رجاه منّي، و لم يقل شيئا ممّا أكره.
فقال داود عليه السّلام: إلهي إن إبتليتنى بما إبتليتهم صبرت، فأوحي اللّه إليه: إنّي
مبتليك، فلمّا صعد الملكان إليه المحراب، و أتوه من أعلي سوره، و هو فى مصلاّه، فقالوا: أحكم بيننا بالحقّ، و قال أحدهما: هذا أخي، فقال: لقد ظلمك بسؤال نعجك.
ثمّ ظن داود عليه السّلام «أَنَّمٰا فَتَنّٰاهُ» أي: علم داود عليه السّلام إنا إختبرناه و إبتليناه.(1)
«هل» فى القرآن على وجوه: فكلّ موضع يتلوه «أتى» أو «يأتى» فهو بمعنى «قد»، و كلّ موضع يتلوه «إلاّ» فهو بمعنى «الجحد»، كقوله: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ اَلسّٰاعَةَ»(2).
و يكون بمعنى الأمر، كقوله تعالى: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ»(3). أي «إنتهوا»، و «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ»(4)، يعنى أسلموا.
و يكون بمعنى السؤال، كقوله: «فَهَلْ وَجَدْتُمْ مٰا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا»(5)، و أصله على الإستفهام.
«هَلْ أَتٰاكَ»: ظاهره الإستفهام، و معناه، الدّلالة على أنّه من الأنباء العجيبة الّتى حقّها أن تشيع و لا تخفي على أحد، و التّشويق إلى إستماعه، و المراد بالإستفهام هيهنا، التّرغيب فى الإستماع، و التنبيه على موضع إخلاله ببعض ما كان ينبغي أن يفعله.
«فزع منهم داود»، لدخلوهم فى غير الوقت الّذي يحضر فيه الخصوم، و من غير
1) . أنظر أيضا: المستدرك، الحاكم النيشابوري: 586/2، جامع البيان، إبن جرير الطبري: 175/23، تفسير القرطبى: 106/15، تاريخ الطبري: 339/1 مع تفاوت فى نوع الإبتلاء و... و كما تري كل المصادر عن السنّة، و عند الشيعة الذبيح هو إسماعيل عليه السّلام، و ما قالوا فى نوع الإبتلاء أيضا، مخالف لعصمة الأنبياء عليهم السّلام!!. و أنظر فى هذا المجال: مجمع البيان: 736/8.
2) . الزخرف: 66.
3) . هود: 14.
4) . المائدة: 91.
5) . الأعراف: 44.
الباب الّذي هم يدخلون، و لأنّهم دخلوا بغير إذنه.
«قٰالُوا لاٰ تَخَفْ خَصْمٰانِ» إنّما جمعهم، لأنّه أراد: المدّعي و المدّعي عليه، و من معهما، و تقديره: قالوا نحن خصمان، أي بمنزلة خصمين «بَغىٰ بَعْضُنٰا عَلىٰ بَعْضٍ» جئناك لتقضي بيننا.
فقال: «إكفلينها» أي إجعلنى كافلها، الّذي يلزم نفسه القيام بها، و المعنى إعطينها.
قال داود عليه السّلام: «لَقَدْ ظَلَمَكَ»، معناه: إن كان الأمر على ما تدّعيه، لقد ظلمك. و تجيئ «ظنّ»، بمعنى علم: «إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ»(1)، و قيل: أراد الظّن المعروف الّذي هو خلاف اليقين. «فاستغفر» على سبيل الإنقطاع، لا انّه كان ذنبا، و انّما ترك الأولى، «فَغَفَرْنٰا لَهُ ذٰلِكَ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنٰا لَزُلْفىٰ وَ حُسْنَ مَآبٍ»، فقبلناه منه و أثبناه عليه، فأخرجه على لفظ الجزاء.
مضي عمري و قد حصل الذّنوب *** و عزّ عليّ انّ لا أتوب
تظهّر للجمال لنا ثيابا *** و قد صديت بقسوتها القلوب
و أعربنا الكلام فما ربحنا *** و تلحن فى الفعال فما يصيب.
1) . الإنشقاق: 14.
المجلس السّادس عشر و المائة فى قوله تعالى: «أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللّٰهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ فَهُوَ عَلىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ أُولٰئِكَ فِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ»(1).
هذه الآية فى سورة الزّمر، و هي مكيّة، غير قوله: «يٰا عِبٰادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ» فإنّها مدنيّة، و آياتها خمس و سبعون آية، و من أوّلها إلى هيهنا إحدي و عشرون آية.
و فى الخبر: عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: انّ من قرأ سورة «الزّمر» لم يقطع اللّه رجاه يوم القيامة، و أعطاه ثواب الخائفين الّذين خافوه.(2)
و عن إبن عباس فى قوله: «أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللّٰهُ صَدْرَهُ»، قال: يعنى وسّع اللّه صدره، و ليّن قلبه للإسلام بالألطاف، «فَهُوَ عَلىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ» أي على كرامة و بيان من ربّه، و هو «عمّار بن ياسر»، ليس هو كمن ملأ صدره بالكفر، و هو «أبو جهل»، «فويل» أي: شدّة العذاب، و قيل: واد فى جهنّم، من قيح و دم، «اَلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ»: الّذين ملأوا صدورهم بالكفر حتّي قست قلوبهم، و لا يلين من ذكر اللّه - و هو أبو جهل و أصحابه -، «أولئك»: أهل هذه الصفّة «فِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ» أي: كفر مبين.
إعلم! أنّ شرح الصّدر يكون بثلاثة أشياء:
أحدها: بقوّة الأدلّة الّتى نصبها اللّه، و هذا يختصّ به العلماء.
و الثّانى: بالألطاف الّتى تتجدّد له حالا بعد حال، كما قال: «وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زٰادَهُمْ هُدىً»(3).
و الثالث: بتوكيد الأدلّة و حلّ الشبه و إلقاء الخواطر.
أي: فمن فتح اللّه صدره، و وسّع قلبه لقبول الإسلام و الثّبات عليه، ليس كمن هو قاسي القلب. و حذف [كمن هو قاسي القلب]، و يدلّ على هذا الحذف قوله: «فَوَيْلٌ لِلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ».
«فَهُوَ عَلىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ» أي: على دلالة و هدي من ربّهم، شبّه الدلالة بالنّور، لأنّ بها يعرف الحقّ، كما بالنّور تعرف أمور الدّنيا. قيل: النّور، كتاب اللّه، فيه يأخذ و إليه ينتهي.
و «اَلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ»، هم الذين ألّفوا الكفر، و تقيسوا له، فصلبت قلوبهم حتّي لا تنجع فيها وعظ و لا ترغيب و لا ترهيب، و لا ترقّ عند ذكر اللّه و قرائة القرآن عليه.
«أُولٰئِكَ فِي ضَلاٰلٍ» أي: عدول عن الحقّ، «مبين» أي واضح، ظاهر.
و قيل: القلب ملك، و للملك جنود، كالعينين و الأذنين و اللسان و اليدين و الرّجلين، فإذا صلح الملك صلحت الجنود، و إذا فسد، فسدوا.
1) . مجمع البيان: 363/4، البرهان فى تفسير القرآن: مقدّمة: 9، تفسير الصافى: 319/4، 155/2، تفسير إبن كثير: 300/3، كنز الدقائق: 297/11، 442/4، نور الثقلين: 485/4.
2) . الموطأ: 989/2، المصنف، إبن ابى شيبة الكوفى: 112/8، 462/7، العهود المحمّدية، الشعرانى: 858، مجمع البيان 395/9، تفسير نور الثقلين: 242/5، تفسير القرطبى: 250/17.
3) . لم نعثر عليه، و لكن فى وصايا النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يا على! أربع خصال من الشقاوة: جمود العين و قساوة القلب، و بعد الأمل و حبّ البقاء، من لا يحضره الفقيه: 360/4، الخصال: 243.
«أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ» (2)، «أَ فَمَنْ هُوَ قٰائِمٌ عَلىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمٰا كَسَبَتْ»(3)، «أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاٰ يَخْلُقُ»(4)، «أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ»(5)، «أَ فَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوٰانَ اَللّٰهِ»(6)، «أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ اَلْحَقُّ»(7)، «أَ فَمَنْ يُلْقىٰ فِي اَلنّٰارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً»(8)، «أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلىٰ وَجْهِهِ»(9)، «أَمَّنْ هُوَ قٰانِتٌ آنٰاءَ اَللَّيْلِ سٰاجِداً وَ قٰائِماً»(10)، «أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً - يعنى عليا عليه السلام - كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً»(11)يعنى: عتبة و شيبة، «أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيٰانَهُ عَلىٰ تَقْوىٰ»(12)، يعنى الأنصار «أَ فَمَنْ وَعَدْنٰاهُ وَعْداً حَسَناً»(13)، «أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللّٰهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ»(14).
1) . أنظر: المجازات النبويّة، الشريف الرضي: 390، درر اللئالى: 32/1، و عنه مستدرك الوسايل: 320/5، و عن لبّ اللباب: 375/5، و فى البحار: انّه ليران على قلبى... 44/17، و فى 204/25، ليغان على قلبى، و كذا فى 183/60، و 282/90، سنن النّبىّ، للسيّد الطباطبائي: 387، عوارف المعارف: 428، مسند أحمد: 260، 211/4، صحيح مسلم: 72/8، سنن أبى داود: 339/1، مستدرك الحاكم: 511/1، السنن الكبري: 552/7، السنن الكبري، النسائي: 116/6، تصحيفات المحدّثين، لأبى هلال العسكري: 158.
2) . يونس: 35.
3) . الرعد: 33.
4) . النحل: 17.
5) . هود: 17.
6) . آل عمران: 162.
7) . الرعد: 19.
8) . فصلت: 40.
9) . الملك: 22.
10) . الزمر: 9.
11) . السجدة: 18.
12) . التّوبة: 109.
13) . القصص: 61.
14) . الزمر: 22.
أفمن عرف اللّه، أنه من أهل اللطف الخاص، فلطف به حتّي إنشرح صدره للإسلام، فرغب فى جميع الطّاعات، كمن لا لطف له؟! «من ذكر اللّه» أي، من أجل ذكره، أي: إذا ذكر اللّه عندهم، و آياته، أو أسمائه، إزدات قلوبهم قساة، لقوله تعالى: «فَزٰادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ»(1).
قيل: يرجع «أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللّٰهُ» إلى ما قبله «إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَذِكْرىٰ لِأُولِي اَلْأَلْبٰابِ» أي: يحتاج إلى الدّليل من لا يكون له نور القلب. و هذه «ألهمزة» همزة التنكير، كقوله: «أَ إِلٰهٌ مَعَ اَللّٰهِ»(2)، أي: ليس كذلك.
ثم قال: «فويل للقاسية قلوبهم من ذكر اللّه» لأنّه إذا قسا قلبه من ذكره، لا يلين لشيئ، كالحجر، يسود من الماء و يقسوا!!!.
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: شرار النّاس العلماء إذا فسدوا.(3)
و فى إستفهاميّة «أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللّٰهُ» و جهان: ذكر المنّة، و تنبيه الحجّة، كقوله تعالى: «أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاٰ يَخْلُقُ»(4).
1) . التّوبة: 125.
2) . النمل: 64، 63، 62، 61، 60.
3) . ميزان لإعتدال: 562/1، و فى تحف العقول: و قيل: أي النّاس شرّ؟! قال العلماء إذا فسدوا، ص: 35، بحار الأنوار: 138/74، تاريخ اليعقوبي: 91/2.
4) . النحل: 17.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 39/12.
6) . شرح الأزهار: 113/4 و فيه:... ما غضضت طرفك، و عن عليّ عليه السّلام: ليس يزنى فرجك إن عضضت طرفك: شرح نهج البلاغة: 324/20.
المجلس السّابع عشر و المائة فى قوله تعالى: «يٰا عِبٰادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ لاٰ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللّٰهِ إِنَّ اَللّٰهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً، إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ»(1).
من أوّل سورة «الزّمر» إلى هيهنا، إثنتان و خمسون آية. أي: قل للمؤمنين عنّي: «يٰا عِبٰادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ» بالذّنوب «لاٰ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللّٰهِ» و مغفرته، إنّه يغفر ذنوبكم و ذنوب كلّ مؤمن، «إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ».
نزلت فى المؤمنين عامّة.
إعلم! أنّ اللّه لطف هيهنا فى الخطاب، و رفق فى العتاب، و نبّه على الأسباب، فجمع هذه الثلاثة فى هذه الآية كرما و فضلا.
الأوّل: قال: «يا عبادى» فذكرهم بلفظ العبوديّة، ليعلم العصاة أنّ هذه الخطاب مخصوص بهم، عامّ لهم، لأنه لم يقل: يا أوليائي، يا أصفيائي، فالكافر إذا تاب من كفره يغفر له ما قبله.
و المؤمن إذا مات فى ذنوب، و لم يتب منها، فاللّه سبحانه إن شاء يغفر لهم.
الثّانى: ذكرهم بوصف «الإسراف»، لأنّه أقلّ أسماء الذنب، و لم يقل: الذين عصونى، و كذلك قال: «مٰا غَرَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ»(2)، رفق فى العتاب، و قال:
«أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اَللّٰهَ يَرىٰ» (3)، أوعد العام بالعذاب الأليم، و الخاصّ بإطّلاع العليم!، كأنّه يقول: إنّي غيّرت جميع الأعداء برويّة المؤمنين من خلقي ما يفعلون، كقوله:
«قُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اَللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ» (4).
و الثالث: بقوله: «لاٰ تَقْنَطُوا» فإنّ مغفرتي للمؤمنين، من غير توبة، غير مستحيلة، و مغفرتي للكفّار بعد التّوبة ايضا غير مستحيلة، كأنّه يقول: لو إستحالت، لكان إمّا من قبلي، و ها أنا أقول: «إِنَّ اَللّٰهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ»، و إن كان من قبلك، و عظم ذنبك، فقد فعلت الذنوب جميعا، [«إِنَّ اَللّٰهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً»!!].
قرأت هذه الآية بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فلمّا بلغ القاري إلى قوله: «إِنَّ اَللّٰهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً» فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يغفر و لا يبالى!!.(1)
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لعن اللّه المنفّرين [ثلاثا](2).
و قال: إنّ الفاجر الرّاجي إلى رحمة اللّه، أقرب من العابد القانط المقنط.(3)
و روي: إنّ اللّه يقول: لا أحبّ أن يموت خاطئ بخطيئته، و لا مجرم بجرمه، و لكن يحبّنى، فيتوب، جنّتى عريضة، و رحمتى واسعة، و يدي باسطة، و أنا أرحم الراحمين.
و قال داود عليه السّلام: يا ربّ! أرنى طرفا من رحمتك على عبادك؟! قال: هو، إنّي لا أعاجلهم بالعقوبة، و لا أمنعهم عن المعصية بالعنف.
و روي: أنّ نبيّا من الأنبياء قال: إلهي تركت العباد فى المعصية، و أنت تبغضها؟! قال: ذاك تأسيس لعفوي لهم(4).
«يٰا عِبٰادِيَ اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وٰاسِعَةٌ» (5)، «يٰا عِبٰادِ فَاتَّقُونِ»(6)، «يٰا عِبٰادِ
1) . كشف الأسرار: 19/6 و فيه: «بلي، و لا يبالى» و 432/8: «إنّ اللّه يغفر الذنوب جميعا و لا يبإلى» الكشف و البيان (الثعلبى): 243/8. تفسير إبن كثير: 96/7، تفسير منهج الصادقين: 108/8، الدرّ المنثور: 331/5. روض الجنان: 337/16، و فى الكشاف: 135/4: و قيل فى قرائة النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و فاطمة رضي اللّه عنها: يغفر الذنوب جميعا و لا يبالى.
2) . كشف الأسرار: 19/6، تذكرة الموضوعات، الفتنى: 228.
3) . كنز العمال: 140/3، الجامع الصغير: 230/2، الفيض القدير: 604/4 بتفاوت يسير.
4) . تفسير روح البيان: 126/8، كشف الأسرار: 440/8 بتفاوت يسير، عن موسى عليه السّلام.
5) . العنكبوت: 56.
6) . الزمر: 16.
قال: «اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا»، و لم يقل: المسرفين، و ذكر فعلهم، لا إسمهم!!، و قال للكفّار: «وَ أَنَّ اَلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ»(3)، ذكر إسمهم، حتّي يعلم الفرق بينهم، كما قال فى موضع آخر: «ثُمَّ نُنَجِّي اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا»(4).
قال أمير المؤمنين عليه السّلام: ما فى القرآن آية أوسع من قوله: «يٰا عِبٰادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا»(5)((6).
و من زعم أنّ هذه الآية نزلت بمكّة، و «وحشىّ» أظهر الإسلام بعد قتله «حمزة» عليه السّلام [لا يصّح]، و الآية محمولة على عمومها.(7)
يا من هو مصرّ على الذّنوب إتّكاء على قوله: «يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ»!! أتل ما بعده، فإنّه يقول: «وَ أَنِيبُوا إِلىٰ رَبِّكُمْ»، فحكم بالمغفرة للكافر إذا تاب و آب، كما قال: «إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ»(8)، و وعد المؤمن المذنب بالمغفرة، مقرونة بالمشيّة، فقال: «وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ»(9).
قد قلت للنفس و عاتبتها *** علي التصابى مأتين مرّة
يا نفس توبى من طلاب الهوى *** ما كلّ وقت تسلم الجرّة.(1)
قد قلت للقلب و عاتبتها علي التصابى ما أتي مرّة
يا قلب دع عنك طلاب الهوي ما كلّ عام تسلم الجرّة و فى كشف الخفاء: 192/2، ما كلّ مرة تسلم الجرّة، قال القاري: ليس بحديث. و قال فى المقاصد: وقع من شعر المبرّد:
أقول للنفس و عاتبتها علي النصاب مائتى مرة
يا نفس صبرا عن ظلال الهوي ما كلّ يوم تسلم الجرة.
1) . الشعر فى مجموع اللفيف: 233 هكذا:
المجلس الثّامن عشر و المائة فى قوله تعالى: «رَفِيعُ اَلدَّرَجٰاتِ ذُو اَلْعَرْشِ يُلْقِي اَلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ اَلتَّلاٰقِ»(1).
هذه الآية فى سورة «المؤمن»، و هي مكيّة، و آياتها خمس و ثمانون آيه، و إلى هيهنا من أوّلها أربع عشرة آية.
و عن إبن عباس: نزلت هذه الآية جوابا لقولهم: «لَوْ لاٰ نُزِّلَ هٰذَا اَلْقُرْآنُ عَلىٰ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ»(3). و المعنى: أنّه تعالى وصف نفسه، فقال: «هو رافع الدّرجات للأنبياء و الأولياء فى الجنّة، مالك العرش، و خالقه، و ربّه، و رافع السّماوات السبع.
و قيل: عإلى الصّفات، يلقي الوحي على قلب من يشاء، ممّن يراه أهلا له. و «الرّوح» الوحي على هذا، لأنّه يحيى به القلب.
و قيل: جبرئيل، أي يرسله اللّه بأمره على من يشاء، «لينذر» النّبىّ بما أوحي إليه، «يَوْمَ اَلتَّلاٰقِ»، اي: ليخوّفهم يوم القيامة، الّذي تتلقّي فى ذلك اليوم، أهل السّماوات و الأرض، و الأوّلون و الآخرون، و الخصم و المخصوم، و الظالم و المظلوم، و الخلق و الخالق!!، يعنى: إنّه يحكم بينهم.
و قيل: يوم يلتقي المرء و عمله!!. و الكلّ مراد، [و اللّه أعلم].
«يَوْمَ هُمْ بٰارِزُونَ» من قبورهم، و قيل: يبرّز بعضهم لبعض، فلا يخفي على أحد حال غيره، لأنّه ينكشف ما كان مستورا، و «لاٰ يَخْفىٰ عَلَى اَللّٰهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ» أي:
من أحوالهم و أعمالهم.
و يقول اللّه فى ذلك اليوم: «لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ»؟! فيقرّ المؤمنون و الكفّار بأنّه «للّه
الواحد القهّار»، و قيل: انّه تعالى، القائل لذلك، و هو المجيب لنفسه، و يكون فى الأخبار بذلك، مصلحة للمكلّفين.
إعلم! أنّ اللّه رفع درجات العباد على خمسة أوجه:
أحدها: بالتركيب و الصورة، و الثّانى: بالمال و النعمة، و الثالث: بالرّزق و القدرة، و الرابع: بالملك و الولاية، و الخامس: بالدّين و الرفعة.
فأمّا الأول: فقال تعالى: «لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ»(1)، و قال: «لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ مِنْ سُلاٰلَةٍ - إلى قوله - أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ»(2).
و أمّا الثّانى: فقال تعالى: «نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ»(3)، و قال: «وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ»(4)، يعنى بالمال و النعمة.
و أمّا الثّالث: فقوله: «وَ اَللّٰهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلىٰ بَعْضٍ فِي اَلرِّزْقِ»(5)، و قال: «هَلْ لَكُمْ مِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ مِنْ شُرَكٰاءَ فِي مٰا رَزَقْنٰاكُمْ»(6)، و قال: «وَ مَنْ رَزَقْنٰاهُ مِنّٰا رِزْقاً حَسَناً»(7).
و أمّا الرّابع: فقال تعالى: «وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً»(8)، و قال: «وَ اَللّٰهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشٰاءُ»(9).
و أمّا الخامس: قال تعالى: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً»(10)، و قال:
«رَفِيعُ اَلدَّرَجٰاتِ ذُو اَلْعَرْشِ».
و أمّا تفاوتهم فى التركيب و الصّورة، فقوله: «وَ اِخْتِلاٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوٰانِكُمْ»(1).
و قيل: الخلق متفاوتون فى أربعة أشياء: فى اللون، و الصوت، و المشي، و الخلق.
و أمّا تفاوتهم فى المال: فقوله: «وَ لَوْ لاٰ أَنْ يَكُونَ اَلنّٰاسُ أُمَّةً وٰاحِدَةً»(3)، و قال:
«لَوِ اِسْتَقٰامُوا عَلَى اَلطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنٰاهُمْ مٰاءً غَدَقاً» (4)، يعنى مالا كثيرا، و فعل ذلك ليريهم: أنّهم فقراء بعضهم إلى بعض، و كلّهم فقراء إلى اللّه، و اللّه الغنى عنهم، و إيضا ليجد الغنى فضل السّخاوة، و الفقير فضل الصّبر و الطّاعة.
و أمّا تفاوتهم فى الرّزق: فقوله: «يَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ يَقْدِرُ»(5)، يعنى: و يخيّر فى البسط و التقتير.
و امّا تفاوتهم فى الملك: فقوله: «تُعِزُّ مَنْ تَشٰاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشٰاءُ»(7)، ليرحم المالك على المملوك، و يشكر اللّه على ما فضّلة عليه.
و أمّا تفاوتهم فى الدّين: فقوله: «وَ يَخْتٰارُ مٰا كٰانَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ»(8)، و قوله: «يُلْقِي
1) . الروم: 22.
2) .... و رفع عليهم آدم ينظر إليهم فرأي الغنى و الفقير و حسن الصورة، فقال: يا ربّ! لو سوّيت بين عبادك، قال: انى أحببت أن أشكر... الدرّ المنثور: 142/3، الكشف و البيان: 303/4، كشف الأسرار: 785/3.
3) . الزخرف: 33.
4) . الجن: 16.
5) . الرعد: 26، ألإسراء: 30، العنكبوت: 62، الروم: 37، سباء: 39، 36، الزمر: 52، الشورى: 12.
6) . فى الحديث القدسي: إنّ من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلاّ الغنى و لو صرفته إلى غير ذلك لهلك، و إنّ من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلاّ الفقر و لو صرفته إلى غير ذلك لهلك. الجواهر السنية: 121، و أنظر أيضا: كنز العمال: 229/1، تفسير نور الثقلين: 579/4، مفتاح الفلاح: 125، التحفة السنية: 59.
7) . آل عمران: 26.
8) . القصص: 68.
اَلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ» (1)، و قال: «نَرْفَعُ دَرَجٰاتٍ مَنْ نَشٰاءُ»(2)، يعنى: بالدّين و العلم و النبوّة. و فعل ذلك: ليظهر تخصيصه، كما قال:
«يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشٰاءُ» (3)، و قال: «أَ لَيْسَ اَللّٰهُ بِأَعْلَمَ بِالشّٰاكِرِينَ»(4)، و قال:
«رَفِيعُ اَلدَّرَجٰاتِ» (5).
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من أكرمه اللّه بالقرآن، فكأنّما أدرجت النبوّة بين جنبيه، إلاّ أنّه لم يوح إليه.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من آتاه اللّه علما، فلا تحقّره، فإنّ اللّه لم يحقّره حين علّمه!!.(7)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: العلماء ورثة الأنبياء.(8)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ألا أدلّكم على أشراف أهل الجنّة؟! قالوا: بلي يا رسول اللّه، قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: هم علماء أمّتى، الكواكب زينة السّماء، و العلماء زينة أمتى(9).
«فَأُولٰئِكَ لَهُمُ اَلدَّرَجٰاتُ اَلْعُلىٰ» (10)، «أُولٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ اَلَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ
1) . غافر: 15.
2) . الأنعام: 83، يوسف: 76.
3) . البقرة: 105، آل عمران: 74.
4) . الأنعام: 53.
5) . غافر: 15.
6) . لم نعثر عليه بألفاظه، و فى المصادر: «من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوّة بين جنبيه إلاّ انّه لا يوحي إليه» غريب القرآن: 371/2، من ختم القرآن... الكافى: 604/2، من حفظ القرآن... تفسير إبن كثير: 329/1.
7) . عن إبن مسعود، قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: اعرفوا لذي السنّ سنّه، و لحامل كتاب اللّه و لا تحقرّوه، فإنّ اللّه عزّ و جلّ لم يحقّره إذ علّمه. الكامل، عبد اللّه بن عدي: 378/2.
8) . الدعوات: 63، بصائر الدرجات: 11، 10، الإختصاص: 3، الكافى: 33/1، منية المريد: 30، وسايل الشيعة: 53/18، بحار الأنوار: 151/2، عوالى اللئالى: 60/40.
9) . «العلماء زينة أمّتى»: شرح رسالة الحقوق: 496، «العلماء زينة الأرض» عن إبن عباس، فتح القدير: 321/3، تفسير القرطبى: 354/11، الدرّ المنثور: 211/4. و الحديث بتمامه: فى «تاريخ جرجان»، لحمزة بن يوسف السهمي: 172.
10) . طه: 75.
بَعْدُ» (1)، «أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اَللّٰهِ»(2)، «بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى اَلْقٰاعِدِينَ دَرَجَةً - إلى قوله - دَرَجٰاتٍ مِنْهُ»(3).
فالدّرجات فى القرآن على وجوه:
درجات الأنبياء: «نَرْفَعُ دَرَجٰاتٍ مَنْ نَشٰاءُ»(4).
و درجات العلماء: «وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ»(5).
و درجات المؤمنين: «لَهُمْ دَرَجٰاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ»(6).
و درجات الأغنياء: «وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ»(7).
«رفيع الدّرجات» و «ذو العرش» و «يلقي الروح» ثلاثة أخبار لمبتدإ مضمر، أي: هو.
و هي مختلفة: تعريفا و تنكيرا و تخصيصا.
و [قرئ «رفيع الدّرجات» بالنّصب على المدح]، و «رفيع الدّرجات» كقوله:
«ذِي اَلْمَعٰارِجِ» (8)، و هي تصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش.
و قيل: العرش، عبارة عن ملكه. و قيل: «رَفِيعُ اَلدَّرَجٰاتِ» هي درجات ثوابه الّذي ينزلها أولياؤه فى الجنّة.
«الرّوح من أمره»، الّذي هو سبب الحياة من أمره، يريد: الوحي الّذي هو أمر بالخير و بعث عليه، فاستعار له الرّوح، كما قال: «أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ»(9).
«الرفيع» يجوز أن يكون بمعنى العالى، و يجوز أن يكون بمعنى الرافع، من قوله:
«رَفَعَ سَمْكَهٰا» (1)، و ذلك، انّه خلق أوّلا جوهرة، ثمّ صيّرها ماء، ثمّ خلق من الماء النّار، فأزبد الماء، و بخرت النّار، فخلق من الزّبد الأرض، و من البخار السّماء، ثم خلق فيما بينهم الرّيح، ثمّ وضع الأرض على الحوت، و الحوت على الماء، و الماء على الصخرة، و الصخرة على فوق الثّور، و الثّور على الثّري، و الثّري على جهنّم، و جهنّم على القدرة.
ثمّ خلق فوق الأرض الهواء، ثمّ الفضا، ثمّ النّسيم، ثمّ الرّيح، ثمّ السّماء إلى سبع، ثم الجنان، ثمّ السّدرة، ثمّ الكرسي، ثم العرش، ثمّ الحجب، و هو فوق ذلك.
فهذا معنى قوله: «رفيع الدرجات».
و قيل: رفع درجة محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ليلة المعراج، حتّي قرّبّه و أدناه حتّي «دَنٰا فَتَدَلّٰى»(2).
يا من رفع اللّه درجتك بالعقل فى دار التكليف، لتنظر و تبلغ إلى معرفته، و معرفة رسوله، و حججه!!.
و لا تتهاون!! لعلّك تبلغ إلى درجات خلقها اللّه لك!!!.
شعر:
أيا شابّا بربّ العرش عاص *** أما تدري جزاء ذوي المعاصى؟!
فويل للعصاة من الخطايا *** و ويل يوم يؤخذ بالنّواصي.
المجلس التاسع عشر و المائة فى قوله تعالى: «اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ اَلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ»(1).
هذه الآية فى سورة «المؤمن» و من أوّلها إلى هيهنا تسع و خمسون آية.
عن إبن عباس: أي: وحّدونى «أَسْتَجِبْ لَكُمْ» أي أغفر لكم. و قيل: أسمع منكم، أقبل إليكم، «إِنَّ اَلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي» أي: عن طاعتى و توحيدي، «سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ» اي: صاغرين.
و «الدّعاء» هو العبادة، يدلّ عليه «إِنَّ اَلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي».
إعلم! أنّ اللّه قال فى بعض الكتب:
يابن آدم! عليك الإملاء و عليّ الكتابة، و عليك الشّكر و عليّ الزيادة، و عليك الجهد و عليّ الوفاء، و عليك الصبر و عليّ الجزاء، و عليك السؤال و عليّ العطاء، و عليك التّوبة و عليّ القبول، و عليك الدّعاء و عليّ الإجابة.
أمّا الأوّل: «إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحٰافِظِينَ - إلى قوله - مٰا تَفْعَلُونَ»(2)، «هٰذٰا كِتٰابُنٰا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ»(3)، «لاٰ يُغٰادِرُ صَغِيرَةً وَ لاٰ كَبِيرَةً»(4).
الثّانى: قال: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ»(5)، «وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ»(6)، «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اَلْحُسْنىٰ وَ زِيٰادَةٌ»(7).
الثّالث: «وَ اَلَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا»(8)، «وَ مَنْ جٰاهَدَ فَإِنَّمٰا يُجٰاهِدُ
لِنَفْسِهِ» (1)، «جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ»(2).
الرّابع: «وَ جَزٰاهُمْ بِمٰا صَبَرُوا»(3)، «إِنَّمٰا يُوَفَّى اَلصّٰابِرُونَ أَجْرَهُمْ»(4).
الخامس: «وَ سْئَلُوا اَللّٰهَ مِنْ فَضْلِهِ»(5)، «وَ آتٰاكُمْ مِنْ كُلِّ مٰا سَأَلْتُمُوهُ»(6)، «كٰانَ عَلىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً»(7).
السّادس: «وَ هُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ»(8)، «غٰافِرِ اَلذَّنْبِ»(9)، «أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اَللّٰهَ هُوَ يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ»(10).
السّابع: «اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»(11)، «يَسْتَجِيبُ اَلَّذِينَ آمَنُوا»(12)، «أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ»(13)، «أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدّٰاعِ»(14).
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ اللّه لا يستجيب دعاء من قلب لاه.(15)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إذا فتح على عبد بابا من الدّعاء، فليدع اللّه، فإنّ اللّه يستجيب
1) . العنكبوت: 6.
2) . السجدة: 17.
3) . ألإنسان: 12.
4) . الزمر: 10.
5) . النّساء: 32.
6) . إبراهيم: 34.
7) . الفرقان: 16.
8) . الشورى: 25.
9) . غافر: 3.
10) . التّوبة: 104.
11) . غافر: 60.
12) . الشورى: 26.
13) . النمل: 62.
14) . البقرة: 186.
15) . الدعوات: 3 و عنه البحار: 313/93 و المستدرك الوسايل: 364/1، وسايل الشهيد الثانى: 136، الكافى: 473/2 بتفاوت يسير، وسايل الشيعة: 1106/4، مستدرك الوسايل: 272، 191/5، مصباح الشريعة: 133، عدة الداعي: 191، 167، عوالى اللئالى: 20/4، بحار الأنوار: 314/90، تاريخ بغداد: 118/5، تاريخ دمشق: 315/14.
له.(1)
ذكرت فى قوله تعالى: «وَ اَللّٰهُ يَدْعُوا إِلىٰ دٰارِ اَلسَّلاٰمِ»(2).
و الدّعاء على ثلاثة أوجه:
الأوّل: ثناء اللّه، كقولنا: يا لطيف، يا حميد، يا مجيد ووو.
الثّانى: ثناء مع نصيب العبد، كقولنا: يا غفّار، يا عفوّ، أعف عنّا، فهو ثناء و دعاء.
الثّالث: سؤال دون الثّناء!، كقولك: وسّع عليّ، و أعطنى.
روي: انّ من إشتغل بالثّناء على اللّه فى الدّعاء، أعطاه اللّه حاجته من غير سؤال.(3)
و كان النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يرفع يديه إذا إبتهل، و دعا كما إستطعم المسكين!.(4)
و قال الصّادق عليه السّلام: إنّ العبد ليكون له الحاجة إلى اللّه، فيبدأ بالثّناء على اللّه، و الصّلاة على محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و اله عليهم السّلام، حتّي ينسي حاجته، فيقضاها من غير أن يسأله إيّاها.(5)
و قال عليه السّلام: إيّاكم أن يسأل احد شيئا ربّكم، من حوائج الدنيا و الآخرة، حتّي يبدأ بالثناء على اللّه، و المدحة له، و الصّلاة على النّبىّ، ثمّ الإعتراف بالذنب و التّوبة، ثم المسألة.(6)
1) . الجامع الصغير: 191/1، كنز العمال: 108، 64/2، الدرّ المنثور: 365/5، و فى الكلّ: إذا فتح علي العبد الدعاء، فليدع ربّه، فإنّ اللّه يستجيب له، و فى الأخيرة: إذا فتح اللّه علي عبد بالدّعاء، فليدع، فإنّ اللّه يستجيب له.
2) . يونس: 25، المجلس الثّامن و الخمسون.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 216/5.
4) . عدّة الداعي: 196، بحار الأنوار: 339، 306، 294/90، 287/16، أعلام الدّين: 213، أمالى الطوسي: 5 ت 85، الدعوات: 22، مجموعة ورام: 74/2، مكارم الأخلاق: 11، وسايل الشيعة: 46/7.
5) . الكافى: 502/2، الدعوات: 22، عدّة الداعي: 247، وسايل الشيعة: 162/7، مستدرك الوسايل: 216/5، بحار الأنوار: 342، 312/90.
6) . مستدرك الوسايل: 216/5، الدعوات: 23، بحار الأنوار: 312/90.
رجل من صفته كذا، قال: هو جبرئيل، و هل قال لك [شيئا]؟! قال: نعم! قال لى: أدع اللّه، فدعوتك ألآن مستجابة، و قال إبراهيم عليه السّلام: و أي شيئ دعوت؟! قال: قلت: اللّهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات، قال: يا نبىّ! إنّك لموفّق.(2)
يا غافلا! ضيّع عمره!!، إرجع إلى اللّه، و تب إليه عن الذّنوب كلّها، و أدعه كثيرا، فإنّ الباقر عليه السّلام قال: إن اللّه يحبّ من المؤمنين كلّ دعّاء.(4)
فعليكم بالدّعاء فى السحر إلى طلوع الشمس، فإنّها ساعات تفتح فيها أبواب السّماء، و تقسم فيها الأرزاق، و تقضي فيها الحوائج العظام، و إنّ فى الليل ساعة لا يوافقها عبد مؤمن، فيدعو اللّه فيها بخير الدّنيا و الآخرة، إلاّ أعطاه اللّه ايّاه، و ذلك فى كلّ ليلة.
1) . روي: أنّ رجلا أتي النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فقال: أدع اللّه أن يستجيب!! فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إذا أردت ذلك فأطب كسبك. الدعوات: 24، بحار الأنوار: 371/90، مستدرك الوسايل: 217/5.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 247/5.
3) . لم نعثر عليه.
4) . بحار الأنوار: 345، 344/90، 165/84، ثواب الأعمال: 161، الدعوات: 34، عدة الداعي: 204، عوالى اللئالى: 21/4.
المجلس المائة و العشرون فى قوله تعالى: «إِنَّ اَلَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اَللّٰهُ ثُمَّ اِسْتَقٰامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ أَلاّٰ تَخٰافُوا وَ لاٰ تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ اَلَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ»(1).
هذه الآية فى سورة «السجدة»، و هي مكيّة، و آياتها أربع و خمسون آية، و إلى هيهنا سبع و عشرون آية.
عن إبن عباس: إنّ الذين وحدّوا بلسانهم، و آمنوا بقلوبهم به و برسوله، و بما جاء به، «ثُمَّ اِسْتَقٰامُوا» على طاعته، و أداء فرايضه، «تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ» ملائكة الرّحمة عند الموت بالبشارة من اللّه، و فى القبر، و عند البعث، و هم يقولون: «أَلاّٰ تَخٰافُوا» عقاب اللّه، «وَ لاٰ تَحْزَنُوا» من فوات الثّواب، و لا تخافوا ممّا أقامكم من أمر الآخرة، و لا تحزنوا على من ورائكم، و على ما خلّفتم من أهل و ولد.
إعلم! أنّ فى هذه الآية بشارة للمؤمنين لمودّة الملائكة لهم، و فيها بشارة بنيل مشتهياتهم فى الجنّة، و فيها دلالة على أنّ الملائكة تتودّ إلى من كان مستقيما على الطّاعات، و على شرف الإستقامة، ايضا تتولّي الملائكة صاحبها من أجلها.
حكي اللّه تعالى: أنّ الملائكة يقولون للمؤمنين الّذين إستقاموا، بعد البشارة:
«نَحْنُ أَوْلِيٰاؤُكُمْ» أي نحن معاشر الملائكة، أنصاركم و أحبّائكم فى الحياة الدّينا، نتولّي إيصال الخيرات إليكم من قبل اللّه، و فى الآخرة، فلا نفارقكم حتّي ندخلكم الجنّة، و كنّا نتولّي حفظكم فى الدّنيا بأنواع المعونة، و فى الآخرة نتولاّكم بأنواع الكرامة، نحرسكم فى الدّنيا، و عند الموت، و فى الآخرة.
و قال الباقر عليه السّلام: فى قوله تعالى: «وَ لَكُمْ فِيهٰا - أي: فى الآخرة - مٰا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ» من الملاذّ، و تتمنّونه من المنافع، و لكم فيها ما تدّعون أنّه لكم، فإنّ
اللّه يحكم لكم بذلك، و لكم فيها ما كنتم تشتهون من البقاء، و لكم فيها ما تتمنّونه من النّعم، و هذا الموعود مجري عليكم ممّن يغفر الذّنوب، رحمة منه تعالى بعباده، فهو أهنأ لكم و أكمل لسروركم.(1)
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: قد أفلح من أخلص اللّه قلبه للإيمان، و جعل قلبه سليما، و لسانه صادقا، و نفسه مطمئنّة، و قد أفلح من جعل اللّه قلبه واعيا.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فى قوله تعالى: «وَ اَلرّٰاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ»(3): إنّ الرّاسخ من إستقام قلبه، و صدق لسانه، و برّت يمينه، و عفّ بطنه و فرجه.(4)
و روي: أنّ سفيان بن عبد اللّه قال: يا رسول اللّه! ما أصنع لنجاتى؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم:
قل: آمنت، ثم إستقم.(5).
«الإستقامة» على أربعة أوجه: أوّلها، على تبليغ الرّسالة، كما قال: «فَاسْتَقِمْ كَمٰا أُمِرْتَ»(6)، و مكافاتها العصمة: «وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ»(7).
و الثّانى: على الدّعاء، و مكافاتها، الإجابة: «قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمٰا فَاسْتَقِيمٰا»(8).
1) . بحار الأنوار: 97/8، 264/66، مجمع البيان: 19/9.
2) . مسند أحمد: 147/5، مجمع الزوائد: 232/10، مسند الشاميين، الطبرانى: 177/2، كنز العمّال: 68/1 بدون لفظ الجلالة فى «أخلص الله» و «لِيَجْعَلَ اَللّٰهُ»، و فى جامع الصغير: 62/1: إذا أراد اللّه بعبد خيرا فتح له قفل قلبه، و جعل فيه اليقين و الصدق، و جعل قلبه واعيا لما سلك فيه، و جعل قلبه سليما، و لسانه صادقا، و خليقته مستقيمة، و جعل أذنه سميعة، و عينه بصيرة.
3) . آل عمران: 7.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 358/14.
5) . لم أعثر عليه بألفاظه. و فى تهذيب الكمال، المزي: 171/11،... عن سفيان بن عبد اللّه الثقفي أنه قال: يا رسول اللّه، قل لى فى الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: قل: آمنت باللّه، ثم إستقم. و فيه أيضا: عنه، قال: قلت يا رسول اللّه! مرنى بأمر أعتصم به، قال: «قل ربى الله، ثم إستقم» قلت: يا رسول اللّه! ما أكثر ما تخاف علىّ؟! فأخذ [رسول اللّه] بلسان نفسه، ثم قال: هذا!!! تهذيب الكمال: 629/25.
6) . هود: 112.
7) . المائدة: 67.
8) . يونس: 89.
و الثّالث: على الطاعة، كما قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: استقيموا و لن تحصوا!!(1)، و مكافاتها: «التوفيق».
و الرّابع: على التوفيق: «إِنَّ اَلَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اَللّٰهُ ثُمَّ اِسْتَقٰامُوا»، و مكافاتها:
البشارة.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إذا بقي من عمر المؤمن أربعون يوما، يقول اللّه لحملة العرش:
إرفعوا الحجاب بينى و بين المؤمن.
و اليوم الثّانى، يقول اللّه لرضوان: إفتح أبواب الجبان.
و اليوم الثّالث، يقول اللّه لمالك: إغلق أبواب النيران.
و اليوم الرّابع، يقول لحور العين: إصعدن القصور، و إطّلعن من شرافاتها.
و اليوم الخامس، يقول للكرّوبين: زخرفوا العليّين لوليّي.
و اليوم السّادس، يقول لملك القبور: إرفع عذاب القبور عن أهلها.
و اليوم السّابع و الثّامن، يقول لمالك: إرفع العذاب عن أهل النّار.
و اليوم التاسع، يأمر أن يوكّل به ألف ملك يمنعون عنه الشياطين.
و اليوم العاشر، يأمر عشرة آلاف ملك من حافى العرش: إنزلوا عليه بالتسبيح و التهليل.
و اليوم الحادي عشر، يأمر خزّان الكرسي أن ينزل عليه عشرة آلاف ملك، و كذلك من الكروبين و الروحانيين، و كذلك من كلّ سماء عشرة آلاف ملك، إلى يوم العشرين.
و اليوم الحادي و العشرين، يوحي إلى ملك البحار أن يأمر الحيتان بالإستغفار له، و كذلك ملك الطيور، و السباع، و الأشجار، و الجبال، و النّجوم، و النّبات،
1) . شرح نهج البلاغة: لإبن ابى الحديد: 58/19. و تمامه: إستقيموا و لن تحصوا، و اعلموا انّ خير أعمالكم الصلاة. النهاية: 398/1، تفسير إبن كثير: 405/5، الدرّ المنثور: 296/1، الكشاف: 629/2، مفاتيح الغيب: 369/23، مسند أحمد: 282/5، سنن الدارمي: 168/1، سنن إبن ماجة: 102/1، إرواء الغليل: 135/2 و مصادره...
و الرّيح، و البهائم، إلى يوم الثلاثين، ثمّ يأمر ملك السحاب بالإستغفار له.
و اليوم الحادي و الثلاثين، يأمر «جبرئيل» بفتح سدرة المنتهي.
و اليوم الثانى و الثلاثين، يأمر الملك الموكّل بالبيت المعمور، بالتسبيح له.
و اليوم الثالث و الثلاثون، يأمر «جبرئيل» أن يتزين و ينزل عليه، ثم كذلك «ميكائيل»، ثم «إسرافيل»، ثم «درديائيل»، إلى يوم الثامن و الثلاثين، ثمّ يوحي إلى قبره: إنّي جعلت بطنك بيتا لعبدي و وليّي، فترحّم عليه، كترحّم الوالدة على ولدها.
و اليوم التّاسع و الثلاثون يأمر برفع حجاب العظمة.
و اليوم الأربعين، يهبط ملك الموت فى أحسن صورة، و يقول له: السّلام عليك، و يقعد جبرئيل عن يمينه، و يقول: يا ولى اللّه! لا تخف و لا تحزن، فيقول العبد: يا «جبرئيل»! دعنى أودّع أهلي و أولادي، قال... فينزع الرّوح من قدميه إلى ساقيه، فيقول جبرئيل: أيّما أحبّ إليك: أن أمسح عليك جناحي، أو تري «ميكائيل» يبشرّك من اللّه بالجنّة؟! فيقول العبد: أين ميكائيل؟! فيدخل عليه ميكائيل مع سبعين ألف ملك، فيقول له: يا ولى اللّه! لا تخف و لا تحزن! فإنّ اللّه أرحم بك من خلقه.
و ينزع روحه فيما بين ذلك إلى ركبتيه، فيقول: يا ميكائيل إرفق! حتّي أودّع أهلي و ولدي، فيقول: يا عبد اللّه! أيّما أحبّ إليك، أن أمسح عليك جناحي، أو تري «درديائيل» فيبشّرك من اللّه بالجنّة!!.
فيقول: أين هو؟! فينزل «درديائيل» مع سبعين ألف ملك، فيقول: السّلام عليك!، إبشر بالجنّة، فيكون العبد فى حلاوة. فتصعد الرّوح إلى سرّته، فيقول:
يا درديائيل! دعنى ساعة أودّع أهلي و ولدي، فيقول: أيّما أحبّ إليك، أن أمسح عليك جناحي، لتقوم من فراشك، أو تري الحور العين، فيقول العبد: أين هنّ، فيقول: أنظر، فإذا باب الجنّة مفتوح، و الحور العين على شرفاتها يقلن:
إلينا، إلينا، يا عبد اللّه! أنت لنا و نحن لك.
فيكون العبد فى تلك الحالة، فتصعد روحه إلى صدره، فيقول: دعنى أودّع أهلي
و ولدي، فيقول: أيّما أحب إليك أن تقوم من فراشك، أو تري حملة العرش؟!.
فتراهم!!، فيقول: يا عبد اللّه! إنّ «رضوان» قد فتح أبواب الجنان و زخرفها لأجلك، فلم تكره لقاء اللّه.
ثمّ ينزل خمسون ألف ملك، مع كلّ ملك كفن من أكفان الجنّة و حنوط منها، و طاقات من الرّياحين، لو أنّ طاقة منها ألقيت فى الدنيا، لوجد أهلها ريحها.
و كلّ ملك منهم يبشّرونه بروح و ريحان، و ربّ غير غضبان!!. ثمّ ذهب الملكان الكاتبان عليه، إلى ربّه، و يثبتان عليه خيرا، ثمّ يرجعان و يبشّرانه بالجنّة، و يقولان:
نحن أوليائك فى الحياة الدنيا و الآخرة.
و يقول الملكان: [ربّنا] أين نعبدك؟!
فيقول [اللّه]: ملائكتى قد ملؤا السّماوات و الأرض كلّها، فإذهبا إلى رأس قبره، أعبدانى إلى يوم القيامة، و ثوابه لذلك العبد!!. فإذا كان يوم القيامة يجيئان إليه بمركب من الجنّة و حللها، فيلبسها، و يركبه، و يكونان دليليه إلى الجنّة.(1)
روي محمّد بن الفضيل: قال: سألت أبا الحسن الرّضا عليه السّلام عن الإستقامة؟! فقال: هي و اللّه ما أنتم عليه.(2)
عن «أنس»، قال: قرأ علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم هذه الآية: «إِنَّ اَلَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اَللّٰهُ ثُمَّ اِسْتَقٰامُوا»، ثم قال: قد قالها ناس، ثمّ كفر أكثرهم!!، [فمن قالها حتّي يموت، فهو ممّن إستقام عليها](3).
عن الصّادق عليه السّلام: «تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ» [يعنى]: عند الموت.(4)
1) . أنظر: الدعوات، للراوندي: 281، و عنه: البحار: 173، 172/6.
2) . مجمع البيان: 17/9، البرهان فى تفسير القرآن: 789/4، تفسير الصافى: 3594، تفسير جوامع الجامع: 590، 32/4، كنز الدقائق: 446/11، نور الثقلين: 547/4.
3) . مجمع البيان: 17/9، الدرّ المنثور: 363/5، الميزان: 394/17، فتح القدير: 592/4.
4) . مجمع البيان: 17/9، و عنه: البرهان فى تفسير القرآن: 789/4 و تفسير لاهيجي: 19/4، نور الثقلين: 547/4.
و «ثمّ» لتراخي «الإستقامة» عن «الإقرار» فى المرتبة، و فضلها عليه، لأنّ «الإستقامة» لها الشأن كلّه.
«أَلاّٰ تَخٰافُوا»، «أن» بمعنى: أي، أو مخفّفة من الثّقيلة. أصله: «بأنّه لا تخافوا»، «ألهاء» ضمير الأمر و الشأن.
و «الخوف» غمّ يلحق لتوقّع المكروه. و «الحزن» غمّ يلحق لوقوعه، من فوات نافع، أو حصول ضارّ.
و قيل: هذه الآية: «رَبَّنٰا أَرِنَا اَلَّذَيْنِ أَضَلاّٰنٰا مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ نَجْعَلْهُمٰا تَحْتَ أَقْدٰامِنٰا لِيَكُونٰا مِنَ اَلْأَسْفَلِينَ»(1)، نزلت فى «إبليس» و «قابيل»، هما أوّل من أبدع المعصية. عن عليّ عليه السّلام(2).
و قيل: المراد بذلك: كلّ من دعا إلى الكفر و الضّلال، من الجنّ و الإنس.
ذكر اللّه «الوعيد» أوّلا للمنافقين، و عقّبه بذكر «الوعد» للمؤمن!.
المجلس المائة و الحادي و العشرون فى قوله تعالى: «سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي اَلْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ، أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»(1).
هذه الآية فى حم «السجدة»، و إلى هيهنا إثنتان و خمسون آية.
و عن إبن عباس: فى قوله «سَنُرِيهِمْ» أي: أهل «مكة»، «آياتنا» أي: علامات وحدانيّتنا و قدرتنا، «فى الآفاق» أي: فى أطراف الأرض، من خراب مساكن الذين من قبلهم، مثل «عاد» و «ثمود» و من بعدهم. «وَ فِي أَنْفُسِهِمْ» و نريهم فى أنفسهم من الأمراض و الأوجاع و المصائب و غير ذلك، «حتي يتبين لهم أنه الحق من ربك» اي: ما تقول - يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم - لهم، هو الحقّ «أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ» أو لم يكفهم ما بيّن لهم من أخبار الأمم الماضية من غير أن نريهم من أعمالهم: «أَنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ».
إعلم! أنّ اللّه عرض نفسه عليك بأفعاله التّي هي الآيات، و كتابه بالبيّنات، و رسوله بالمعجزات، و دينه بالدّلالات:
فقال فى حقّ الدين: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ»(2).
و قال فى حقّيّة الكتاب: «بَلْ هُوَ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ»(3).
و قال فى حقيّة الرّسول: «وَ لاٰ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ»(4).
و فى حقيّة الرّسول و الكتاب: «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ»(5).
و قال فى وحدانيّته: «سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي اَلْآفٰاقِ»(6).
فهذه الآيات صامة ناطقة، تشهد على أنّ لها صانعا حكيما متّصفا بصفات
العظمة، منزّها عن صفات النقص: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ»(1).
و قد جعل فى الآفاق، الأنوار: الشّمس و القمر و النّجوم، و وضع فى كلّ واحد منهما معجزة النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
فمعجزة الشمس، هي ما قال بعد رجوعه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من المعراج: تطّلع العير عليكم وقت طلوع الشّمس، فكان كما قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم(2).
و معجزة القمر، قوله: «اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ»(3).
و معجزة النّجوم، قوله: «وَ جَعَلْنٰاهٰا رُجُوماً لِلشَّيٰاطِينِ»(4)، و كان بعد عهد ولادته صلّى اللّه عليه و اله و سلّم رجما بالنّجوم.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أوحي اللّه إلى داود: إعرفنى و اعرف نفسك، فتفكّر داود، ثم قال: عرفتك بالوحدانيّة و القدرة و البقاء، و عرفت نفسي بالعجز و الضعف و الفناء، فقال اللّه تعالى صرت لى شاكرا بمعرفتى.(5)
و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لمّا خلق اللّه العقل، قال: إنّي لم أخلق خلقا أكرم عليّ منك، و لا أحبّ إلىّ منك، بك أعرف، و بك أعبد، و بك أعطي، و بك آخذ.(6)
و سئل زيد بن عليّ: أين كان ربّنا قبل الخلق؟! قال: كان و لا أين، ثمّ سئل:
متى كان ربّنا؟!، قال: فأخبرنى متى لم يكنّ حتّي أخبرك متى كان!!، ثم سئل:
كيف كان ربّنا؟!، قال: لا تعرف لنفسه: لقوله «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»(7).
1) . الشورى: 11.
2) . تفسير روح البيان: 31/8.
3) . الرحمان: 5.
4) . الملك: 5.
5) . تفسير روح البيان: 237/1، لباب التأويل فى معانى التنزيل: 81/1، معالم التنزيل فى تفسير القرآن: 169/1، التفسير المظهري: 133/1.
6) . عوالى اللئالى: 99/4، بحار الأنوار: 97/1.
7) . لم نعثر عليه، و لم نعثر عن زيد بن عليّ، و الظّاهر انّه تصحيف «محمّد» بزيد؟!!، و عن أبى جعفر الباقر عليه السّلام: سأل نافع بن الأزرق أبا جعفر عليه السّلام: أخبرنى عن اللّه متى كان؟! فقال له: ويلك! أخبرنى أنت متى لم يكن حتّي أخبرك متى كان، سبحان من لم يزل و لا يزال فردا صمدا لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا. التوحيد: 173، ألإحتجاج: 60، 54/2، الفصول المهمّة، الحرّ العاملي: 166/1.
«الآية» على وجوه:
آية البيان و الحكمة: «رَبَّنٰا وَ اِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِكَ»(1).
و آية العون و النصرة: «قَدْ كٰانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتٰا»(2).
و آية القيامة: «وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا»(3).
و آية الإبتلاء و التجربة: «أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنٰا قَبْلَهُمْ مِنَ اَلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسٰاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِأُولِي اَلنُّهىٰ»(4).
«سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي اَلْآفٰاقِ» بفتح البلدان «وَ فِي أَنْفُسِهِمْ» بفتح مكة.
و قيل «فِي اَلْآفٰاقِ» بكسوف الشّمس و القمر، «وَ فِي أَنْفُسِهِمْ» بخسوف القلب.
«فِي اَلْآفٰاقِ» ظهور الدّين فى وقت المهدىّ عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف لقوله: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ»(5).
«وَ فِي أَنْفُسِهِمْ» يعنى فتح مكة: «إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اَللّٰهِ وَ اَلْفَتْحُ»(6).
و عن إبن عباس: «فِي اَلْآفٰاقِ»: خراب منازل الأمم الخالية، «وَ فِي أَنْفُسِهِمْ» بالبلايا و الأمراض.(7)
و قيل: هو أن يأكل بمكان و يخرج بمكانين، و يأكل ألوانا و يخرج لونا واحدا!!!(1).
إعلم! أنّ اللّه أراك آيات الماضين و الغابرين، لتعلم أنّك: تسلك سبيلهم، و لا تبقي كما لم يبقوا، فتهيّأ للموت!!.
شعر:
الموت عاصفنى دارا نعمت بها *** فآب مضطجعي و الدّود جيرانى
لم يترك الموت خلاّ أعاشره *** إلاّ دعاة إلى الحدود يدان.
1) . أنظر: تفسير القرطبى: 375/16: من لطيف الصنعة و بديع الحكمة، سبيل الغائط و البول، فانّ الرجل يشرب و يأكل من مكان واحد، و يتميز ذلك من مكانين. و فى زاد المسير فى علم التفسير: 57/4 بعد نقل هذا القول: حكي عن إبن زيد... فإنّ الإنسان يأكل و يشرب من مكان واحد و يخرج من مكانين!!.
المجلس المائة و الثانى و العشرون فى قوله تعالى: «اَللّٰهُ لَطِيفٌ بِعِبٰادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشٰاءُ وَ هُوَ اَلْقَوِيُّ اَلْعَزِيزُ»(1).
هذه الآية فى «حم عسق» [الشورى]، و هي مكّية، و هي ثلاث و خمسون آية.
و إلى هيهنا ثمانى عشرة آية.
و معنى قوله: «اَللّٰهُ لَطِيفٌ بِعِبٰادِهِ» أي: هو تعالى بليغ البرّ بهم، قد توصل برّه إلى جميعهم، و توصل من كلّ واحد منهم إلى حيث لا يبلغه و هم أحد، من كلّياته و جزوياته. و معنى قوله: «يَرْزُقُ مَنْ يَشٰاءُ» بعد توصل برّه إلى جميعهم، هو أنّ كلّهم مبرورون لا يخلو أحد من برّه.(3)
إلاّ أنّ البرّ أصناف، و له أوصاف، و القسمة بين العباد تتفاوت على حسب تفاوت قضايا الحكم و التدبير. فيطير لبعض العباد صنف من الشرّ، لم يطر مثله للآخر، و نصيب هذا، حظّ له يصيب، ليس ذلك الوصف بحظّ صاحبه، فمن قسّم له ما لم يقسّم للآخر، فقد رزقه.
و هو الذي أراد بقوله: «يَرْزُقُ مَنْ يَشٰاءُ»، كما يرزق أحد الآخرين ولدا دون الآخر، على أنّه أصابه بنعمة أخري لم يرزقها صاحب الولد، «وَ هُوَ اَلْقَوِيُّ اَلْعَزِيزُ» الباهر القدرة، الغالب على كلّ شيئ، المنيع الّذي لا يغلب.
إعلم! أنّ الكريم يمدح فى المشاهد بسبعة أشياء:
برحمة القلب، و لطف الكلام، و سخاء اليد، و فتح الباب، و قضاء الحوائج، و حسن المعاملة، و التجاوز عن الزلّة.
و أنّ اللّه إستعمل هذه السبعة مع عباده:
فالأوّل: قوله: «رَبَّنٰا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً»(1).
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ للّه مائة رحمة.(2)
و رأي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إمرأة بالغت فى الرّحمة بولدها، فقال: إنّ اللّه أرحم بعباده منها بولدها.(3)
و أمّا لطف كلامه تعالى: فما قاله يخشع الكفّار: «أَ فَلاٰ يَتُوبُونَ إِلَى اَللّٰهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَهُ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»(4)، «لاٰ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللّٰهِ»(5).
و أمّا سخائه تعالى: فكما قال: «وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً»(6).
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يد اللّه ملئ سخاء لا يقبضها شيئ(7)، «وَ اِخْتِلاٰفِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهٰارِ وَ مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مِنْ رِزْقٍ» (8).
و أمّا فتح الباب: فقوله: «وَ سْئَلُوا اَللّٰهَ مِنْ فَضْلِهِ»(9)، «وَ أَنِيبُوا إِلىٰ رَبِّكُمْ»(10).
و فى الدعاء: بابك مفتوح للراغبين(11). أبواب سمائك لمن دعاك مفتّحات.(12)
1) . غافر: 7.
2) . بحار الأنوار: 219/6، الإختصاص: 39، الصراط المستقيم: 69/3، نهج الحق: 374. الطرائف: 322/2.
3) . الطرائف: 322 عن «الجمع بين الصحيحين».
4) . المائدة: 74.
5) . الزمر: 53.
6) . البقرة: 126.
7) . كذا فى المتن، و لا نعثر عليه بألفاظه، و الحديث فى سنن الترمذي، 317/4 هكذا: يمين الرّحمان ملأي سحاء لا يغيضها الليل و النهار...، و هكذا فى تحفة الأحوذي، للمباركفوري: 324/8، و فى السيف الصقيل، للسبكي: 167 سحاء، بالمهملتين. أى: دائمة الصبّ.
8) . الجاثية: 5.
9) . النّساء: 32.
10) . الزمر: 54.
11) . الإقبال: 643، جمال الأسبوع: 423، الصحيفة السجادية: 204، مصباح الكفعمي: 433، مصباح المتهجّد: 369.
12) . بحار الأنوار: 236/84، البلد الأمين: 35، مفتاح الفلاح: 302، مكارم الأخلاق: 293.
13) . فى جامع الأخبار: فانّ باب التّوبة مفتوح ما بين المشرق و المغرب: (ص 88)، و كذا فى مستدرك الوسايل: 131/12.
و أمّا قضاء الحوائج: فقوله: «اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»(2)، «أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ»(3)، «وَ إِذٰا سَأَلَكَ عِبٰادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدّٰاعِ»(4).
و أمّا التّجاوز عن الزلّة: فقوله: «يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً»(5)، «وَ يَعْفُوا عَنِ اَلسَّيِّئٰاتِ وَ يَعْلَمُ مٰا تَفْعَلُونَ»(6).
و امّا حسن المعاملة: فهو انّه فتح على عباده باب الطاعة، و باب النّعمة، و باب الإحسان، فأغلقوا بالمعاصي و الكفران أبوابه، فتجاوز، و قال: أرحمكم! فإنّي سيّد لطيف، و أنت عبد ضعيف.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يقول اللّه تعالى: غدوتك فى ظلمات البطن، ثمّ إستخرجتك منها، و عطفت عليك أبويك، و أنت لا تحرّك يدا، و لا تسعي برجل، ثمّ ربّيتك صغيرا بأحسن التربية و أطيب الغذاء، فحين كبرت لم تشكر نعمتى، و لم تذكر إحسانى، عصيتنى و لم تستحيى منّي، ثمّ سئلتنى، فلم أحرمك معروفى، و لم تنصفنى، يابن آدم، أمّا أنا لا أكون لك كما كنت لى!!.
و أوحي اللّه إلى داود عليه السّلام: أحبّنى و أحبّ من يحبّنى، و حبّبنى إلى خلقى!، قال: كيف أحببك إلى خلقك؟! قال: ذكّرهم آلائي و حسن بلائي، فإنّهم لم يروا منّي إلاّ الحسن الجميل.(7)
1) . لم نعثر عليه.
2) . غافر: 60.
3) . النمل: 62.
4) . البقرة: 186.
5) . الزمر: 53.
6) . الشورى: 25.
7) . لم نعثر عليه عن داود عليه السّلام، و لكن أنظر عن موسى عليه السّلام: قصص الأنبياء، الرّاوندي: 164، مستدرك الوسايل: 319/17، 240/12، منية المريد، الفصول المهمة: 602/1، بحار الأنوار: 20/108، 4/2، تفسير ألإمام الحسن العسكري (المنسوب إليه عليه السّلام): 342، و فى ذيل الحديث: أنظر: مستدرك الوسايل: 251/11، مصباح الشريعة: 463 و عنه: بحار الأنوار: 390/67.
«لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ» (1)، «إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمٰا يَشٰاءُ»(2)، «فَتُصْبِحُ اَلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اَللّٰهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ»(3)، «يَأْتِ بِهَا اَللّٰهُ إِنَّ اَللّٰهَ لَطِيفٌ»(4)، «إِنَّ اَللّٰهَ كٰانَ لَطِيفاً خَبِيراً»(5)، «أَ لاٰ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ»(6)، «اَللّٰهُ لَطِيفٌ بِعِبٰادِهِ»(7).
قيل: للّه إسم لا يعلمه إلاّ هو، و هو الإسم الأعظم.
1) . الأنعام: 103.
2) . يوسف: 100.
3) . الحج: 63.
4) . لقمان: 16.
5) . الأحزاب: 34.
6) . الملك: 14.
7) . الشورى: 19.
8) . بحار الأنوار: 224/90، الدرّ المنثور: 325/1 قال راوي الحديث: تأمّلت هذه السّور، فما وجدت فيها من الأسماء الحسنى الا: «اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ»، فى سورة البقرة فى آية الكرسي، و فى آل عمران فى أولها، و فى طه فى قوله تعالى: «وَ عَنَتِ اَلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ اَلْقَيُّومِ».
9) . البقرة: 163.
10) . بحار الأنوار: 227/90.
و قيل: إنّه: «اللّه»(5).
و روي: انّه: «يا حبيب التّوّابين و يا إله المساكين».
و روي: «السلام» أو «الربّ» و «الرّحمان» و «الحنّان» و «الصّمد» و «المالك».
و روي: «يا غياث المستغيثين».
و روي: انّ هذه الأربعة الّتى فى قوله «اَللّٰهُ لَطِيفٌ بِعِبٰادِهِ»(6).
قيل: من لطفه إضافته أيّاك إلى نفسه. و قيل: «اللّه» إسم الهيبة، قرّنه بإسم اللطافة، لتعلم أنّ «الوعيد» ب «الوعد» مقارن. و قيل: كلّ موضع ذكر فيه الوعد، أكّده بالحقّ، كما قال: «إِنَّ وَعْدَ اَللّٰهِ حَقٌّ»(7)، و قال: «فَوَ رَبِّ اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ»(8)، لتعلم أنّ «الوعد» ثابت، و «الوعيد» فى المشيّة. و من لطفه: أنّه عمّ بالتّوبة، فقال: «وَ تُوبُوا إِلَى اَللّٰهِ جَمِيعاً»(9)، لئلا يفتضح العاصى!!، و لم يقل: من أي ذنب!!.
1) . الرحمان: 78، 27. بحار الأنوار: 227، 226/90، الدرّ المنثور: 153/6
2) . كذا نسختنا!!! و نقصه ظاهر!!! و قال عليه السّلام: رأيت الخضر فى المنام قبل بدر بليلة فقلت له: علمنى شيئا أنتصر به علي الاعداء، فقال: قل: يا هو يا من لا هو الا هو، فلما أصبحت قصصتها علي رسول اللّه، فقال: يا على! علمت الاسم الاعظم. فكان علي لسانى يوم بدر. التوحيد: 89، عدة الداعي: 262.
3) . البقرة: 255، آل عمران: 2، طه: 111.
4) . بحار الأنوار: 228، 223/90.
5) . المقتصر فى شرح المختصر: 9
6) . انظر: المصباح للكفعمي: 306 إلى 312 و فيه: إعلم! انّ الاقوال فى ذلك لا تكاد تنحصر فى كتاب مصنّف و لا مجموع مؤلّف و نحن نذكر من ذلك اقوالا...، فذكر قدس سره الاقوال، و أحصاها إلى القول الثامن و الخمسون!!.
7) . يونس: 55.
8) . الذاريات: 23.
9) . النور: 31.
و من لطفه: أنّه جعل المصائب كفّارة الذّنوب، كما قال النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: حمي ليلة كفّارة سنة.(1)
و اللطيف، الّذي يظهر المناقب و يستر المثالب، و إذا وعد وفا، و إذا أوعد عفا.
«اللطيف» الحفّي البارّ.
و قيل: اللطيف، العالم بخفيّات الأمور و الغيوب.
و المراد به هيهنا: الموصل المنافع إلى العباد من وجه تدقّ إدراكه!!. و ذلك فى الأرزاق الّتى قسّمها لعباده، و صرف الآفات عنهم، و إيصال السرور و الملاذّ إليهم، و تمكينهم بالقدر و الآلات، إلى غير ذلك من ألطافه الّتى لا يوقف على كنهها، لغموضتها ثمّ قال تعالى: «يَرْزُقُ مَنْ يَشٰاءُ»، يقال: فلان مرزوق، إذا وصف بسعة الرّزق.
و قيل: معناه: يرزق من يشاء فى خفض و دعة. و من يشاء، فى كدر متبعة. و «القوىّ»: القادر الذي لا يعجز. و «العزيز»: الغالب الذي لم يغلب.
قال البنى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يقول اللّه: يابن آدم أتحبّب إليك بالنّعم، و تبتغض إلى بالمعاصي، خيري إليك نازل، و شرّك إلى صاعد، و لا يزال! ملك كريم يأتينى منك
1) . وسايل الشيعة: 403/2، بحار الأنوار: 186/78.
2) . الدعوات: 235 و فيه الموت كفارة المؤمن. و ورد أيضا: «الموت كفارة لكلّ مسلم» مجموعة ورام: 268/1، «الموت كفارة لذنوب المؤمنين» بحار الأنوار: 178/79، 151/6، أمالى الطوسي: 110، أمالى المفيد: 283، تأويل الآيات: 148، جامع الأخبار: 34.
3) . بحار الأنوار: 254/69، و تمام الحديث فى عوالى اللئالى: 441/3: من أصاب من هذه القاذورات شيئا، فليستتر عنّا بستر اللّه، فإنه من يبدي لنا صفحته، نقم عليه حدّ اللّه، أنظر أيضا: المبسوط، الشيخ الطوسي: 2/3، المهذب البارع: 110/4، الموطأ: 825/2.
بعمل قبيح!، لو سمعت وصفك من غيرك، و أنت لا تدري من الموصوف؟!!، تسارعت إلى مقته!!.(1)
1) . و فى عيون أخبار الرّضا عليه السّلام: 28/2: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يقول اللّه تبارك و تعالى: يابن آدم! ما تنصفنى، أتحبّب إليك بالنعم، و تتمقّت إلى بالمعاصي، خيري عليك منزل، و شرّك إلى صاعد، و لا يزال ملك كريم يأتينى عنك فى كلّ يوم و ليلة بعمل قبيح، يإبن آدم! لو سمعت وصفك من غيرك، و أنت لا تعلم من الموصوف لسارعت إلى مقته!!. و عنه البحار: 19/74، و مثله فى أمالى الشيخ الطوسي: 570، 278، 125 و أنظر أيضا: إرشاد القلوب: 38/1، أعلام الدّين: 208، صحيفة الرضا: 40، كنز الفوائد: 350/1، مجموعة ورام: 70/2، 71/1.
المجلس المائة و الثالث و العشرون فى قوله تعالى: «وَ هُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ اَلسَّيِّئٰاتِ وَ يَعْلَمُ مٰا تَفْعَلُونَ»(1).
من أول سورة «حم عسق» [الشورى] إلى هيهنا، أربع و عشرون آية.
و روي: انّه لمّا نزل قوله: «قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ»(2)، قرأها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عليهم، و قال: تودّدون قرابتى من بعدى؟!!، فخرجوا من عنده، مسلمين لقوله صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فقال المنافقون: إنّ هذا لشيئ إفتراه!! فى مجلسه، أراد يذلّلنا لقرابته من بعده!، فنزلت: «أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرىٰ عَلَى اَللّٰهِ كَذِباً»(3)، فتلاها عليهم، فبكوا، و إشتدّ عليهم، فأنزل اللّه: «وَ هُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ»(4)، فأرسل فى أثرهم، فبشّر التّائبين منه، و قال: «وَ يَسْتَجِيبُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ»(5)، و أوعد المنافقين التائبين على بغض القرابة، فقال: «وَ اَلْكٰافِرُونَ لَهُمْ عَذٰابٌ شَدِيدٌ»(6).
ذكر الزمخشري فى تفسيره: لمّا نزل قوله: «قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ» قيل: يا رسول اللّه! من قرابتك هؤلاء، الذّين وجبت علينا مودّتهم؟!! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: عليّ و فاطمة و إبناهما(7)، و روي أخبارا فى ذلك(8)
الف: عن عليّ عليه السّلام: شكوت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم حسد النّاس لى، فقال: أما ترضي أن تكون رابع أربعة؟!: أوّل من يدخل الجنّة أنا و أنت و الحسن و الحسين، و أزواجنا عن أيماننا و شمائلنا، و ذرّيتنا خلف أزواجنا.
ب: عن النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: حرمت الجنّة علي من ظلم أهل بيتى و آذانى فى عترتي...
ج: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من مات علي حبّ آل محمّد مات شهيدا، ألا و من مات علي حبّ آل محمّد مات مغفورا له، ألا و من مات علي حبّ آل محمّد مات تائبا، ألا و من مات علي حبّ آل محمّد مات مؤمنا مستكمل ألإيمان، ألا و من مات علي حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة، ثم نكير و منكر، ألا و من مات علي حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس إلى بيت زوجها، ألا و من مات علي حبّ آل محمّد فتح له فى قبره بابان إلى الجنّة، ألا و من مات علي حبّ آل محمّد جعل اللّه قبره مزار ملائكة الرّحمان، ألا و من مات علي حبّ آل محمّد مات علي السنّة و الجماعة، ألا و من مات علي بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة اللّه، ألا و من مات علي بغض آل محمّد مات كافرا، ألا و من مات علي بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنّة. الكشاف: 220/4 و 221.
.1) . الشورى: 25.
2) . الشورى: 23.
3) . الشورى: 24.
4) . الشورى: 25.
5) . الشورى: 26.
6) . الشورى: 26. تفسير القرآن الكريم (ثمالى): 294 و عنه مجمع البيان: 29/9، تفسير الاصفي: 1129/2، البرهان: 822/4، نور الثقلين: 579/4. و تأويل الآيات الظاهرة: 531.
7) . الكشاف: 220، 219/4.
8) . و إنّا أثبتناه هيهنا تتميا للفايدة، وصونا لها من تطاول أيدي المبغضين لآل محمد عليهم السّلام.
و هو المروي عن زين العابدين و الباقر و الصّادق عليهم السّلام.(1)
و فى «ب»: الأمالى، للشيخ الطوسي: 164، العمدة، إبن البطريق: 53، عيون أخبار الرضا: 34/2، كشف الغمّة: 389، 106/1، سعد السعود: 141، روضة الواعظين: 273/2، بحار الأنوار: 235/23، 222، 202/27، 228/26.
و فى «ج»: بشارة المصطفي: 197، جامع الأخبار: 165، سعد السعود: 141، الطرائف: 159/1، العمدة: 54، كشف الغمّة: 107/1، بحار الأنوار: 137/65، 111/27، 232/23.
.إعلم!
أنّ زاذان روي عن عليّ بن أبى طالب عليه السّلام أنّه قال: فينا فى آل حم آية أنّه لا يحفظ مودّتنا إلاّ كلّ مؤمن، ثمّ قرأ قوله تعالى: «قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ»(2).
و المعنى: لا أسألكم أجرا إلاّ أن تؤدّوا قرابتى و عترتي، و تحفظونى فيهم - عن إبن جبير و جماعة -، و نفعه ايضا عايد إليكم، فكأنّي لم أسألكم أجرا.
1) . أنظر: فى «الف»: بحار الأنوار: 32، 17/65، 218/39، 141/27، ألإرشاد: 43/1، أمالى الصدوق: 388، أمالى الطوسي: 430، الخصال: 254/1، روضة الواعظين: 327/2، 158/1، العمدة: 262/50، كشف الغمّة: 106/1.
2) . بحار الأنوار: 230/23، بناء المقالة الفاطمية: 391، شواهد التنزيل لقواعد التنزيل: 205/2. جمع الجوامع، للسيوطي: 198/2، تاريخ اصبهانى، لابى نعيم: 165/2، الصواعق المحرقة: 101 و، كنز العمال: 208136/1، نظم درر السمطين، للزرندي الحنفي: 239، فضل آل البيت، المقريزي: 127، ينابى المودّة: 454، 358/2، جواهر العقدين: 238/2، مجمع الزوائد: 43/9، بحار الأنوار: 230/23، الغدير: 208/2، فضائل الخمسة: 262/1.
و نحوه قوله: «قُلْ مٰا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ»(1).
و عن الحسن بن عليّ عليهما السّلام أنّه قال: أنا من أهل البيت الّذين إفترض اللّه مودّتهم على كلّ مسلم، فقال: «قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ» و «مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهٰا حُسْناً»(2)، فإقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت.(3)
«أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَرىٰ عَلَى اَللّٰهِ كَذِباً» أي: بل يقولون إفتري محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم على اللّه كذبا فى إدّعائه و رسالته عن اللّه؟! «فَإِنْ يَشَإِ اَللّٰهُ يَخْتِمْ عَلىٰ قَلْبِكَ» اي: لو حدّثت نفسك بأن: تفتري على اللّه!!، لطبع للّه على قلبك و أنساك القرآن، فكيف تقدر أن تفتري على اللّه؟! و هذا كقوله تعالى: «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ»(4).
و قيل معناه: فإن يشاء اللّه يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتّي لا يشقّ عليك قولهم: إنّه مفتر و ساحر!!. ثم قال: «وَ هُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ»، فكأنّه قال: و من نسب محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إلى الإفتراء، ثمّ تاب، قبلت توبته، و إن جلّت معصيته، «وَ يَعْفُوا عَنِ اَلسَّيِّئٰاتِ وَ يَعْلَمُ مٰا تَفْعَلُونَ» من خير و شرّ، فيجازيهم على ذلك.(5)
و الحديث فى مصادر الشيعة: عن أبى جعفر الباقر عليه السّلام: أنظر: الكافى: 454/2، علل الشرايع: 599/2، وسايل الشيعة: 89/1، مستدرك الوسايل: 159، 156/12، بحار الأنوار: 243/68. و عن أبى عبد اللّه الصّادق عليه السّلام: أنظر: مستدرك الوسايل: 159/12، كتاب الزهد، للحسين بن سعيد الاهوازي: 16، الإختصاص: 231، الأمالى، المفيد: 183، 181، 68، مشكاة الأنوار: 139، بحار الأنوار: 401/66، 197/69، 244/68.
1) . سبأ: 47.
2) . الشورى: 23.
3) . بحار الأنوار: 251/23، ألإرشاد: 8/2، إعلام الذري: 208، تأويل ألآيات: 530، كشف الغمّة: 537، 532/1، مسائل علي بن جعفر: 328 مقاتل الطالبيين: 33 باختلاف يسير.
4) . الزمر: 65.
5) . فى المتن سقط مخلّ علي المعنى، أضفنا له و أصلحناه عن مجمع البيان: 45، 44/9.
6) . لم نعثر عليه بألفاظه. و فى «المعجم الكبير» للطبرانى: 135/12: عن إبن عباس عن النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: لم أر شيئا أحسن طلبا و لا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم، «إِنَّ اَلْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئٰاتِ ذٰلِكَ ذِكْرىٰ لِلذّٰاكِرِينَ». و عنه فى سبل الهدي و الرشاد: 331/9. و فى تفسير القرطبى: 112/9: و خرج الترمذي الحكيم فى «نوادر الأصول» من حديث إبن عباس. عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: لم أر شيئا...
و أنظر أيضا: ضعفاء العقيلي: 421/4، مجمع الزوائد: 39/7. هذا، و لكن رموه بضعف السند!!. و نقل هذا الكلام عن عمر ابن الخطّاب أيضا فى وعظه رجلا. أنظر: كنز العمال: 158/16، شرح نهج البلاغة لإبن أبى الحديد: 116/12
التّوبة على ثلاثة أوجه:
أحدهما: من ذنب بينك و بين اللّه.
و الثّانى: من ذنب بينك و بين عمل واجب للّه، و هو أن تقضيه و تعيده.
و الثّالث: من ذنب بينك و بين عباد اللّه. فالتّوبة منه أن ترضي خصمائك بوجه. فإذا ندمت على الذّنوب السالفة، من شرب الخمر و الزّنا و غيرهما، و عزمت على أن لا تعود إلى مثلها، و ندمت على ما ضيّعته من الواجبات الشرعيّة، و عزمت على قضائها، و ندمت على ما أخذت و غصبت من أموال المسلمين، و عزمت على ردّها عليهم، وقعت بجميع ذلك، فإنّك ممّن قال اللّه تعالى: «فَمَنْ تٰابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اَللّٰهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ»(3)، «وَ اَلَّذِينَ عَمِلُوا اَلسَّيِّئٰاتِ ثُمَّ تٰابُوا مِنْ بَعْدِهٰا»(4)، «أَنَّ اَللّٰهَ هُوَ يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ»(5)، «فَإِنْ تٰابُوا وَ
أَقٰامُوا اَلصَّلاٰةَ» (1)«إِلاَّ اَلَّذِينَ تٰابُوا وَ أَصْلَحُوا» (2)، «ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولٰئِكَ يَتُوبُ اَللّٰهُ عَلَيْهِمْ»(3).
و معنى قوله: «وَ يَسْتَجِيبُ اَلَّذِينَ آمَنُوا»(4)، اي: بعد قبول طاعاتهم و عباداتهم يشفّعهم فى إخوانهم، «وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» أي: يشفعّهم فى إخوانهم.
يقال: «قبلت منه الشيء» و «قبلته عنه»، فب «من»، معناه: أخذته منه، و جعلته مبدأ قبولى و منشأه، و ب «عن» أي: عزلته عنه و أبنته عنه.
و «التّوبة» أن يرجع عن القبيح و الإخلال بالواجب، بالنّدم عليهما، و العزم على أن لا يعود. لأن المرجوع عنه قبيح. و إن كان فيه لعبد حقّ، لم يكن بدّ من التفصّي على طريقه.(6)
«وَ يَعْفُوا عَنِ اَلسَّيِّئٰاتِ» أي الكبائر.
«وَ يَعْلَمُ مٰا تَفْعَلُونَ» أي يعلمه، فيثاب على حسناته، و يعاقب على سيّئاته. أو:
«يعفوا» عن ذنوبه.
1) . التّوبة: 11، 5.
2) . البقرة: 160.
3) . النّساء: 17.
4) . الشورى: 26.
5) . تفسير الصافى: 376/4 و بحار الأنوار: 49/64 و تفسير نور الثقلين: 579/4، عن مجمع البيان: 51/9، و لكن فيه أيضا: الشفاعه لمن وجبت له النّار ممّن صنع إليه معروفا فى الدّنيا: 30/9 و مثله فى تفسير الأصفي: 1129، 1026/2، و تفسير نور الثقلين: 360/4، و تفسير الميزان: 49/17. و أنظر أيضا: زاد المسير: 227/2، مجمع الزوائد: 13/7، المعجم الأوسط: 53/6، المعجم الكبير: 201/10، تفسير الثعالبى: 389/4.
6) . أنظر: تفسير الكشاف: 222/4 و عنه: تفسير الميزان: 50/18، تفسير جوامع: 49/4.
و قوله: «وَ لٰكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مٰا يَشٰاءُ» أي: بتقدير قدّره قدرا.
قال جعفر الصّادق عليه السّلام: ينبغي للتّائب أن يكون فى النّاس كظبية مجروحة فى الظباء، و أعلم أنّ من أذنب فقد رهن نفسه و لا حيلة [له] حتّي تفكّ رهنه، و من تاب قبل أن يغرغر، فاللّه يتوب عليه، فأما إذا مات القلب، فلا توبة له.(1)
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 136/12. و فيه: قلت: لا يبعد أن يكون قوله: «و أعلم» إلى آخره، من كلام القطب!!.
إلى هيهنا من أول «حم عسق» [الشورى] ستّة و عشرون آية.
يقول: و لو وسع اللّه المال على عباده لطغوا و تطاولوا فى الأرض، و لكن يوسّع بقدر ما يشاء، على من يشاء، «انّه» بصلاح عباده «خبير»، و بأعمالهم «بصير».
نزلت فى شأن «ثعلبة»، و كان فقيرا من أصحاب الصفّة، و كان يدخل آخر النّاس إلى المسجد. فسأله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عن ذلك؟! [قال]: إنّ لى و أهلي ثوبا واحدا، فحتّي لا يصلّي فيه أهلي، لا أقدر أن أحضر المسجد!، فأدع اللّه، لعلّه يوسّع. فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: سل ربّك العافية!!. فأعاد عليه مرارا، فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يا ثعلبة! لعلّ صلاحك فى الفقر، فأبى إلاّ أن دعا له بالغنى. فأعطاه اللّه شاتين، ثمّ كثرتا.
إعلم! أنّ اللّه بيّن فى هذه الآية ثلاثة أشياء: فضل الفقراء، و مذمّة الأغنياء، و علمه بصلاح عبيده.
أمّا الأول: ففي فضيلة الفقراء إمتناعه من المعصية، شعر:
يا عائب الفقر ألاّ تزدجر *** عيب الغنى أكثر لو تعتبر
إنّك تعصي لتنال الغنى *** و لست تعصي اللّه كي تفتقر!!.(1)
من شرف الفقر و من فضله علي الغنى إن صحّ منك النظر. و جاء فى شرح نهج البلاغة: 190/18 كما فى المتن، و فيه «عيب الغنى أكبر لو تعتبر» و «انك تعصي اللّه تبغي الغنى» «و ليس تعصي اللّه».
و ايضا: فإنّ على الغنىّ، للّه و لعباده الفقراء، أشياء، و للفقراء على اللّه و على الأغنياء أشياء. و يتمنّي الغنىّ عند الموت حال الفقير، و لا يتمنّي الفقير، فى حال الآخرة، حال الغنىّ!!. و كم للفقير من راحة فى الدّارين، لا تكون للغنىّ من
1) . فى روضة الواعظين: 457/2، و أعلام الدّين: 160، و كنز الفوائد: 195/2، لهذا الشعر صلة:
تعب البدن و فراغ القلب و خفّة الحساب.(1)
و أمّا الثّانى: ف «إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَيَطْغىٰ أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنىٰ»(2)، فيصير المال سبب البغي و الطغيان.
و أمّا الثّالث: فإنّه تعالى «ينزّل بقدر»، ربّما يكون صلاح العبد فى البسط، و ربّما يكون فى التقتير.
فقوله: «وَ لَوْ بَسَطَ اَللّٰهُ اَلرِّزْقَ لِعِبٰادِهِ لَبَغَوْا»(3)، فهذا على الأغلب، لأنّه ربّما العبد غنيّا فيشكر، و يطيع اللّه فيه، و ربّما يكون فقيرا فيعرض للمهالك، فيترك الصّبر، كما قيل: الخلّة تدعوا إلى السّلة!!، أي: الفقر تدعوا إلى السرقة.
ذكرناها فى قوله تعالى: «وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاّٰ عَلَى اَللّٰهِ رِزْقُهٰا»(7).
1) . كذا فى المتن، و سقطه أبين من أن يقال!!! و الحكمة نقلت هكذا: قال بعضهم: إختار الفقير ثلاثة أشياء: اليقين، و فراغ القلب، و خفّة الحساب، و إختار الأغنياء ثلاثة: تعب النفس و شغل القلب و شدّة الحساب. أنظر: إرشاد القلوب: 155/1، عدّة الداعي: 106، مجموعة ورّام: 112/2.
2) . العلق: 6 و 7.
3) . الشورى: 27.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 338/8، شرح نهج البلاغة: 232/11، و جاء أيضا: «كل غنى مترف» أنظر: مشكاة الأنوار: 256، روضة الواعظين: 414/2، الخصال: 228/1، بحار الأنوار: 349/70، 128/2، 242، 100، 194/71.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 40/12، و فى كلام امير المؤمنين عليه السّلام: حبّ الدّنيا يعمي و يصمّ و يبكم و يذلّ الرقاب. الكافى: 136/2، بحار الأنوار: 75/70، مجموعة ورام: 195/2، مشكاة الأنوار: 267.
6) . مسند أبى داود: 133 مع تفاوت.
7) . هود: 6.
الفقير ناج من حفظ المال، و من أداء الزكاة منه فى الدّنيا، و من عقوبة ترك ما يجب فيه من الخمس و الزكاة.
قرير العين لا ولد يموت *** و لا حذر يبادر يفوت
قضي وطر الصبا و أفاد علما *** فعاتبه التفرد و السكوت
رخي البال ليس له عيال *** خلي من حربت و من دهيت
و أكبر همّه ممّا عليه *** تذابح من تري خلق و قوت(1).
فإن قيل: فقد يري البغي من الفقراء إيضا؟!، قلنا: لا شبهة أنّ البغي مع الفقر أقلّ، و مع البسط أكثر(2).
فقوله: «لبغوا» من البغي، و هو الظلم، أي: لبغي هذا على هذا، و هذا على هذا!! و كفي حال «قارون» عبرة.
و يجوز أن يكون من «البغى» الّذي هو الكبر و البذخ، أي: لو بسط اللّه المال، لتكبّروا و جعلوا ما يتبع الكبر، من العلوّ فى الأرض و الفساد.(3)
إن كنتم أغنياء، فلا تطغوا، و إن كنتم فقراء، فلا تبغوا!!.
المجلس المائة و الخامس و العشرون فى قوله تعالى: «اَلْأَخِلاّٰءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ اَلْمُتَّقِينَ»(1).
هذه الآية فى سورة «الزخرف» و هي كلّها مكّيّة، و هي تسع و ثمانون آية، و إلى هيهنا ستّ و ستون آية.
يا عبادي لا خوف عليكم اليوم و لا أنتم تحزنون.(2)
و المعنى: «الأخلاّء» فى المعصية، مثل «عقبة بن أبى معيط» و «أبّي بن خلف»، «يومئذ» يعنى يوم القيامة. «بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ اَلْمُتَّقِينَ» عن الشّرك و الكفر و الفواحش، مثل «عبد اللّه بن سلام» و من أسلم من اليهود و النّصاري.
إعلم! أنّ كلّ خلّة فى الدّنيا للدنيا، فهي تكون عداوة فى الأخري. لكن خلّة المتّقين تكون فى الدّنيا، للّه، فهي نافعة فى العقبى، حين: «لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحٰامُكُمْ وَ لاٰ أَوْلاٰدُكُمْ»(3)، «فَلاٰ أَنْسٰابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ»(4)، «إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوا»(5)، حين: «لاٰ يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لاٰ بَنُونَ»(6)، و المعنى: إنّ الذين تخالّوا و تصادقوا و تواصلوا فى الدنيا، يكون بعضهم أعداء لبعض، «كَذٰلِكَ اَلْيَوْمَ» أي يوم القيامة، و هم الّذين تخالّوا على الكفر و المعصية، و مخالفة النّبىّ، لمّا يري كلّ واحد منهم من العذاب بسبب تلك المصادقة و الموافقة، ثمّ إستثنى «المتّقين» من جملة الأخلاء، فقال: «إِلاَّ اَلْمُتَّقِينَ» من المؤمنين الموحّدين الذين خال بعضهم
بعضا على الإيمان و التّقوي، فإنّ تلك الخلّة تتأكّد يوم القيامة بينهم، و لا تنقلب عداوة.
و يقال لهم وقت الخوف: «يٰا عِبٰادِ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ» من العذاب «اَلْيَوْمَ، وَ لاٰ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ» من فوات الثواب.(1)
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يكون فى آخر الزّمان إخوان العلانية أعداء السريرة، قالوا: ممّ ذاك؟!! - قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لرغبة بعضهم فى بعض، و رهبة بعضهم من بعض.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ما أحدث عبد أخا فى اللّه، إلاّ أحدث اللّه درجة فى الجنّة.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: المرء على دين خليله، فلينظر إمرء من يخالل.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر، فلا يقفنّ مواقف التهمة.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: المتحابّون فى اللّه، على منابر من نور، هم أقرب الخلق إلى اللّه.(6)
و سئل عيسى عليه السّلام: من نجالس؟! قال: من يذكّركم اللّه تعالى رؤيته، و يزيد فى عملكم منطقه، و يرغّبكم فى الآخرة عمله.(7)
و قال نبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لو أنّ عمل العبد يبلغ عنان السّماء، ما نفعه ذلك، إلاّ بالحبّ فى اللّه و البغض فى اللّه.(8)
و هذا إشارة إلى وجوب ولاء آل محمّد، و وجوب بغض من عاداهم.
1) . أنظر مجمع البيان: 85/9.
2) . مسند أحمد: 235/5.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 323/8، مشكاة الأنوار: 188 و فيه: ما أحدث عبد آخا فى اللّه إلا أحدث له درجة فى الجنّة.
4) . أمالى الطوسي: 518، و فيه: فلينظر أحدكم من يخالل. و أنظر أيضا: الكافى: 642/2، مستدرك الوسايل: 327/8، بحار الأنوار: 192/71، مجموعة ورام: 162/2.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 340/8.
6) . عنه: مستدرك الوسايل: 225/12.
7) . الكافى: 39/1، مصباح الشريعة: 20، عوالى اللئالى: 78/4، بحار الأنوار: 331/14، 203/1.
8) . عنه: مستدرك الوسايل: 225/12.
الخلّة متفاوتة:
منها: خلّه الكفّار لأصحابهم، كما قال: «يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اَللّٰهِ»(4)، «ثُمَّ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً»(5).
و منها: خلة الفسّاق، للطمع، قال: «وَ يَوْمَ يَعَضُّ اَلظّٰالِمُ عَلىٰ يَدَيْهِ - إلى قوله - يٰا وَيْلَتىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاٰناً خَلِيلاً»(6).
و منها: خلّة المرائين، كما قال لقمان عليه السّلام: إتّق يا بنى! حبّ من يحبّك، و ترآي به النّاس!!، فانّه يتحوّل حقدا!!.(7)
و منها: خلّة المؤمنين، نافعة ناجعة يوم لا بيع فيه و لا خلال.
سئل بعضهم؟!! عن قوله: «اَلْأَخِلاّٰءُ يَوْمَئِذٍ»؟! قال: أنّهما خليلان مؤمنان، و خليلان كافران، مات أحد المؤمنين [فبشّر بالجنّة] فسئل عن خليله، فقال: لم أر خليلا أمر بالمعروف، و لا أنه عن المنكر منه!!، أللّهم أهده للجنّة كما هديتنى، و آمنه على ما أمنتنى عليه. و [إذا] مات أحد الكافرين [بشر بالنّار] فسئل عن
1) . الشعراء: 101، 100.
2) . مشكاة الأنوار: 187، مستدرك الوسايل: 323/8.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 238/12، إرشاد القلوب: 77/1، تحف العقول: 44، مجموعة ورام: 25/2، 235، بحار الأنوار: 330/14، مستدرك الوسايل: 237/12 عن إثبات الوصية للمسعودي.
4) . البقرة: 165.
5) . العنكبوت: 25.
6) . الفرقان: 28، 27.
7) . لم نعثر عليه.
خليله، فقال: لم أر خليلا أمر بالمنكر. و لا أنهى عن المعروف منه، أللهمّ أضلّه عن الجنّة(1)، الخبر.
قال عليّ بن الحسين عليه السّلام: لا تصحبنّ خمسة: فاجرا، و لا كذّابا، و لا جبّارا، و لا بخيلا، و لا أحمق.(2)
أنظر أن لا تعضّ يديك فى القيامة، و لا تقول: «يٰا وَيْلَتىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاٰناً خَلِيلاً».(3)
و تلك النّدامة يوم القيامة لا تنفع، فاليوم وال ولى اللّه، و عاد عدوّ اللّه!!.
1) . أنظر تمام الخبر: كنز العمّال: 500/2 عن عليّ عليه السّلام، و هكذا: تفسير القرآن لعبد الرزاق الصنعانى: 199/3، جامع البيان: 121/25، معانى القرآن، النحاس: 382/6، تفسير القرطبى: 109/16، تفسير إبن كثير: 144/4، الدرّ المنثور: 21/6، فتح القدير: الشوكانى: 564/4، و عليهذا: العجب كلّ العجب من المصنف قدّس سرّه كيف رماه إلى البعض، إن لم نقل: إنّه من النّاسخ!!!
2) . أنظر تمام الحديث فى: العدد القوية: 319، كشف الغمّة: 121، 81/2، بحار الأنوار: 185/75.
3) . الفرقان: 28.
4) . أنظر: البرهان فى تفسير القرآن: 125، 124/4، تأويل ألآيات: 374/1، تفسير القمي: 113/2، كنز الدقائق: 387/9، نور الثقلين: 12/4.
المجلس المائة و السّادس و العشرون فى قوله تعالى: «حم وَ اَلْكِتٰابِ اَلْمُبِينِ إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ إِنّٰا كُنّٰا مُنْذِرِينَ فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ»(1).
هذه السّورة مكيّة، و هي تسع و تسعون آية.
و عن إبن عبّاس: «حم» يعنى: حمّ، أي: قضي ما هو كائن إلى يوم القيامة، «وَ اَلْكِتٰابِ اَلْمُبِينِ» أقسم بالقرآن الّذي فيه الحلال و الحرام و الأمر و النهي، «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ» أي: أنزلنا جبرئيل بالقرآن إلى سماء الدّنيا، حتى أملاء القرآن على الكتبة، و هم أهل السماء، «فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ» فيها الرّحمة و البركة و المغفرة، و هي ليلة القدر، ثمّ أتي جبرئيل بآية و سورة - بعد ذلك - إلى محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم على مقتضي الحاجة. و كان بين أوّله و آخره ثلاث و عشرون سنة. «إِنّٰا كُنّٰا مُنْذِرِينَ» أي: مخوّفين بالقرآن.
«فيها» أي: فى ليلة القدر، «يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» كائن من سنة إلى سنة.
إعلم! أنّ أفضل الليإلى ليلة القدر. و أقسم اللّه بالقرآن - الدّالّ على صحة نبوّة نبيّنا، و فيه بيان الأحكام و الفصل بين الحلال و الحرام - أنّه أنزل القرآن فى ليلة القدر، و هو الأصحّ، لقوله تعالى: «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ»(3)، و لقوله:
«شَهْرُ رَمَضٰانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ» (4)، و هو المروي عن الباقر و الصّادق عليهما السّلام.(5).
و روي عن عكرمة: أنّها ليلة النّصف من شعبان، يبرم فيها أمر السنة، و ينسخ الأحياء من الأموات، و يكتب الحاجّ، فلا يزيد [فيهم] أحد، و لا ينقص منهم أحد.(1)
و الصحيح: أنّها ليلة القدر. و وصفها اللّه بأنّها «مباركة»، لأنّ فيها يقسم اللّه نعمه على عباده من السنة إلى السنة، فتدوم بركتها، و «البركة» نماء الخير، و ضدّها «الشؤم»، و هو نماء الشرّ.
فالليلة الّتى أنزل فيه كتاب اللّه، مباركة ينمي الخير فيها، على ما دبّر اللّه لها، من علوّ مرتبتها، و إستجابة الدّعاء فيها، و فيها يفصل و يبين و يقضي كلّ أمر محكم، لا يلحقه الزيادة و النقصان. و هو أنّه يقسم فيها الآجال و الأرزاق و غيرها من أمور السنة، إلى مثلها من العام القابل.
و عن إبن عباس: إنّك لتري الرّجل يمشي فى الأسواق، و قد وقع إسمه فى الموتي.(2)
و اختلف فى كيفيّة إنزال القرآن:
قيل: أنزل فى ليلة القدر، ثمّ أنزل نجوما إلى النّبىّ.
و قيل: كان ينزل جميع ما يحتاج إليه فى كلّ سنة فى تلك الليلة، ثمّ كان ينزله جبرئيل شيئا فشيئا، وقت الحاجة إليه.
و قيل: كان بدأ إنزاله فى ليلة القدر.
و قد ذكرنا: أنّ إبن عباس قال: كلّم اللّه جبرئيل فى ليلة [واحدة و هي ليلة القدر، فسمعه جبرائيل]، فحفظه بقلبه و جاء به إلى سماء الدّنيا إلى الكتبة، ثمّ فى ثلاث و عشرين سنة نزل به على محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بالنّجوم.(3)
«بنى كلب» و «ربيعة» و «مضر» فيغفر لهم إلاّ ثمانية نفر: المشرك، و الكاهن، و السّاحر، و العاقّ، و آكل الرّبا، و مدمن الخمر، و الزّانى، و الماجن.(1)
«و واعدنا موسى أربعين ليلة»(4)، «وَ وٰاعَدْنٰا مُوسىٰ ثَلاٰثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنٰاهٰا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقٰاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»(5)، «قُمِ اَللَّيْلَ إِلاّٰ قَلِيلاً»(6)، «وَ اَلْفَجْرِ وَ لَيٰالٍ عَشْرٍ»(7)، «وَ اَللَّيْلِ إِذٰا يَغْشىٰ»(8)، «وَ اَللَّيْلِ إِذٰا يَغْشٰاهٰا»(9)، «وَ اَللَّيْلِ إِذٰا سَجىٰ»(10)، «سُبْحٰانَ اَلَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً»(11).
قيل فى «حم»: حلمي عنك، و ملكي عليك!!.
و قيل: حتّي، متى.
و قيل: حمت النّار، فدع الإصرار!!.
و قيل: لك الموت، فبادر قبل الفوت.
أكثر المفسّرين على أنّ «ليلة البراء»(2)، و «ليلة القدر» واحدة، و هي فى شهر رمضان.
و روي: أنّ اللّه أنزل صحف إبراهيم أوّل ليلة من شهر رمضان، و التوراة لستّ مضين منه، و الزّبور لإثنتا عشرة ليلة خلت منه، و الإنجيل لثمان عشرة ليلة، و القرآن لثلاث و عشرين منه، و هي ليلة القدر.(3)
يا راقد الليل مسرورا بأوّله *** إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا
لا تأمنن بليل طاب أوّله *** فربّ آخر الليل أججّ النّارا(4)
أفني القرون الّتى كانت مسلّطة من الحوادث إقباله و إدبارا
يا من يكابد دنيا لا بقاء لها يمسي و يصبح تحت الأرض سيارا
كم قد أباد صروف الدهر من ملك قد كان فى الأرض نفّاخا و ضرّارا.
.1) . عن الباقر عليه السّلام:.. و أنّها الليلة التى جعلها اللّه لنا أهل البيت بإزاء ما جعل القدر لنبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم... وسايل الشيعة: 106/8، الأمالى للطوسي: 297، مصباح المتهجد: 831، ألإقبال: 695، بحار الأنوار: 85/94، 409/95.
2) . ليلة البراء: ليلة يتبرّا القمر من الشمس، و هي أول ليلة من الشهر، لسان العرب: 33/1.
3) . الكافى: 628/2، و عنه البحار: 75/12 فى الفقرة الأولى، و 25/94، تفسير العياشي: 80/1، مصباح الكفعمي: 513 علي اختلاف فى الأيام!!!
4) . ذكره فى البحار: 70/75 و تمام أبياته:
هذه الآية فى سورة «محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم»، و هي مدنيّة، و آياتها ثمان و ثلاثون آية، و إلى هيهنا عشر آيات.
و هذه الآية متّصلة بما قبلها، من قوله: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اَللّٰهَ» أي: دين اللّه و رسوله، بالقتال و الجهاد «ينصركم» على أعدائكم «وَ يُثَبِّتْ أَقْدٰامَكُمْ» عند الحساب على الصّراط، و ينصركم فى الدّارين و يثبّت أقدامكم فيها، «وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» بما قال محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فى عليّ بن أبيطالب عليه السّلام، «فَتَعْساً لَهُمْ» أي: مكروها لهم، «ذلك» التعس و الإضلال، «بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ» على نبيّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من القرآن، و أمرهم بالإنقياد له، فخالفوا ذلك.
و المنافق يكون عمله محبطا، إذ لم يقع على الوجه المأمور به، و لا لوجه اللّه!!.
ثم قال «أَ فَلَمْ يَسِيرُوا» أي: فهلا ساروا «فِي اَلْأَرْضِ»؟! يعنى: الذين حسدوا عليا عليه السّلام، فرؤا عواقب الّذين «دَمَّرَ اَللّٰهُ عَلَيْهِمْ» و أهلكهم قبل هؤلاء.
«وَ لِلْكٰافِرِينَ أَمْثٰالُهٰا» [من العذاب إن لم يؤمنوا و يقبلوا ما تدعوهم إليه، و المعنى: انّهم يستحقون أمثالها]. ثمّ قال: «ذلك» الّذي فعلناه فى الفريقين «بِأَنَّ اَللّٰهَ مَوْلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا» يتولّي نصرهم و حفظهم و يدفع عنهم، «وَ أَنَّ اَلْكٰافِرِينَ لاٰ مَوْلىٰ لَهُمْ» ينصرهم، و لا أحد يدفع عنهم، لا عاجلا و لا آجلا. ثمّ ذكر حال الفريقين: «إِنَّ اَللّٰهَ يُدْخِلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَ يَأْكُلُونَ كَمٰا تَأْكُلُ اَلْأَنْعٰامُ وَ اَلنّٰارُ مَثْوىً لَهُمْ».
إعلم! أنّ سادات أهل البيت، رووا عن عليّ بن أبى طالب عليه السّلام أنّه قال: جئت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يوما، فوجدته فى ملاء من قريش، فنظر إلى، ثمّ قال: يا عليّ! إنّما مثلك فى هذه الآية كمثل «عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ» أحبّه قوم، و أفرطوا فى حبّه، فهلكوا، و أبغضه قوم، و أفرطوا فى بغضه، فهلكوا، و إقتصد قوم، فنجوا.
فعظم ذلك عليهم، و ضحكوا، و قالوا: يشبهه بالأنبياء و الرسل؟! فنزل: «وَ لَمّٰا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذٰا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ»(1)((2).
و اعلم! انّ اللّه خصّ بنى آدم بتحسين الخلقة، كقوله: «خَلَقَكَ فَسَوّٰاكَ فَعَدَلَكَ»(4)، و قال: «لَقَدْ كَرَّمْنٰا بَنِي آدَمَ»(5)، يعنى بحسن الصورة و إعتدال القامة.
ثمّ بتحسين الغذاء، يغذي اللّه كلّ واحد منهم فى بطن الأمّ، من فضل قوت و شراب أجراه لأمّه، الّتى أودعه فى جوفها، ثم بالحجر، فثدييها لبنا خالصا سائغا.
ثمّ رزقه من أطيب الأشياء، فى صغره و كبره، يتواترين إليه:
فى حال الصحة: بالتّوفيق و العصمة و الحفظ و الدّعة و الهيئة.
1) . الزخرف: 57
2) . بحار الأنوار: 322، 317/35، 151/9، مجمع البيان: 49/9، و عنه فى تفسير الميزان: 116/18، شواهد التنزيل، الحسكانى: 236/2، أمالى الشيخ الطوسي: 354، و أنظر أيضا: المناقب، إبن شهر آشوب: 227/1، العمدة: إبن البطريق: 211، بحار الأنوار: 284/25، تفسير فرات الكوفى: 404، جوامع الجامع: 436، كشف اليقين: 13، إحقاق الحق: 153/23، 60/22، 338/14، 297/7، غاية المرام: 290/4، فضائل الصحابة لإبن حنبل: 600/2.
3) . أنظر فى معناه: البداية و النهاية، إبن كثير: 324/9.
4) . ألإنفطار: 7.
5) . ألإسراء: 70.
و فى حال العلّة و الفقر: بالعوض، كقول النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أنين المريض تسبيحه(1).
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: حمّي ليلة كفّارة سنة.(2)
و فى حال الشيخوخة: يعطيه ثواب ما كان يعمله فى حال القوّة و الشباب!!.
و فى حال الميتة: يكرمه بإنزال الملائكة، و البشارة، و الرّحمة و المغفرة.
و أمّا فى يوم القيامة: فبتيسير الحساب، و ستر الذّنوب و لطف العتاب!!، فلذلك قال: «ذٰلِكَ بِأَنَّ اَللّٰهَ مَوْلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا»، أي: حافظهم و ناصرهم.
«فَاعْلَمُوا أَنَّ اَللّٰهَ مَوْلاٰكُمْ» (3)، «وَ اِعْتَصِمُوا بِاللّٰهِ هُوَ مَوْلاٰكُمْ»(4)، «ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اَللّٰهِ مَوْلاٰهُمُ اَلْحَقِّ»(5).
كان عليّ عليه السّلام يخطب النّاس، فقام إليه إبن الكواء، فسأله، فقال عليه السّلام: إنك رجل متعنّت!!، فمن ربّ النّاس؟! قال: اللّه، قال عليه السّلام: فمن مولى النّاس؟! قال: اللّه، قال عليه السّلام:
كذبت!! فإنّ اللّه مولى الذين آمنوا، و أنّ الكافرين لا مولى لهم، و شتّان ما بين المؤمن و الكافر؟!، فإنّ مولى الكافر فى الدّنيا الصّنم، كما قال: «لَبِئْسَ اَلْمَوْلىٰ وَ لَبِئْسَ اَلْعَشِيرُ»(6)، و فى الآخرة النّار، كما قال: «مَأْوٰاكُمُ اَلنّٰارُ هِيَ مَوْلاٰكُمْ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ»(7)، و مولى المؤمنين فى الدّارين الملك الجبّار لقوله: «نِعْمَ اَلْمَوْلىٰ وَ نِعْمَ اَلنَّصِيرُ»(8).
1) . بحار الأنوار: 189/78، الدعوات: 224 و فيه: «تسبيح».
2) . وسايل الشيعة: 403/2، مستدرك الوسايل: 55/2، بحار الأنوار: 186/78، إرشاد القلوب: 173/1، الأمالى للطوسي: 630، طب الأئمة: 16.
3) . الأنفال: 40.
4) . الحج: 78.
5) . الأنعام: 62.
6) . الحج: 13.
7) . الحديد: 15.
8) . الأنفال: 40، أنظر: تاريخ مدينة دمشق: 99/27 و عنه المحدث الأرموي فى تعليقاته علي «الغارات» للثقفىّ: 737/2، التفسير الوسيط: 122/4، مختصرا.
إعلم! أنّ «المولى»، و إن كان له معانى كثيرة فى اللّغة، فحقيقته أن يكون بمعنى «الأولى»، فكذلك «الولىّ»، معناه: «الأولى». «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ»(1)، «ذٰلِكَ بِأَنَّ اَللّٰهَ مَوْلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا»(2).
طوبى لمن كان مؤمنا باللّه و برسوله و حججه، فإنّ الذّنوب تغفر مع ذلك، و الحسنات لا تقبل مع فقده.
المجلس المائة و الثامن و العشرون فى قوله تعالى: «مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ فِيهٰا أَنْهٰارٌ مِنْ مٰاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَ أَنْهٰارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَ أَنْهٰارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّٰارِبِينَ وَ أَنْهٰارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَ لَهُمْ فِيهٰا مِنْ كُلِّ اَلثَّمَرٰاتِ وَ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خٰالِدٌ فِي اَلنّٰارِ وَ سُقُوا مٰاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعٰاءَهُمْ»(1).
من أوّل سورة محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إلى هيهنا أربع عشرة آية. و هذه الآية تتعلّق بما قبلها، من قوله: «أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ» أي: فمن كان على يقين من دينه، و حجّة واضحة من إعتقاده، فى التوحيد، و العدل و الشّرايع، «كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ»، زيّن الشيطان المعاصي و أغواه، «و إتّبعوا» شهواتهم. و هم «المنافقون»، عن الباقر عليه السّلام(2).
ثمّ قال: «مَثَلُ اَلْجَنَّةِ - إلى قوله - كَمَنْ هُوَ خٰالِدٌ فِي اَلنّٰارِ» أي: من كان فى هذا النّعيم، كمن هو خالد فى النّار؟!.
إعلم! أنّ وعد اللّه على سبعة أوجه:
وعد عام: للمؤمنين: كقوله: «وَعَدَ اَللّٰهُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ جَنّٰاتٍ»(3)، و كلّ من وافى القيامة بالإيمان، فهو ممّن قال: «مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا»(4).
و وعد خاص: وعد للمجاهدين: كقوله: «إِنَّ اَللّٰهَ اِشْتَرىٰ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ»(5)، فهو لمن يقتل، أو يقتل، أو خرج إلى الجهاد و مات فى الطريق.
و وعد للمهاجرين: «وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهٰاجِراً إِلَى اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ»(1).
و من خرج إلى طلب العلم، أو الحجّ، فهو داخل فى المهاجرين.
و وعد للمنيبين: كقوله «وَ جٰاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ»(2)، و هم الرّاجون الخائفون.
و قيل: من رجع إلى اللّه بالخوف، فهو مجيب، و من رجع إلى اللّه بالرجاء، فهو منيب.
و وعد للتائبين: كقوله: «إِلاّٰ مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صٰالِحاً فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ»(3)، و هم الذين هجروا الذنوب.
و وعد للمطيعين: كقوله: «وَ مَنْ يُطِعِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ»(4).
و وعد للمتّقين: كقوله: «مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ»(5).
و قد وعد اللّه المتّقين فى عشر آيات(6)، و هم الذين يتورّعون عن المعاصي و الشّرور، و يتّقون الشرك و الفواحش.
1) . النّساء: 100.
2) . ق: 33.
3) . الفرقان: 70.
4) . النّساء: 13.
5) . محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: 15.
6) . «إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنّٰاتٍ وَ عُيُونٍ» الحجر: 45، الذاريات: 15، «وَ لَنِعْمَ دٰارُ اَلْمُتَّقِينَ» النحل: 30، «جَنّٰاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهٰا... كَذٰلِكَ يَجْزِي اَللّٰهُ اَلْمُتَّقِينَ» النحل: 31، «إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنّٰاتٍ وَ نَعِيمٍ» الطور: 17، «إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنّٰاتٍ وَ نَهَرٍ» القمر: 54، «إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاٰلٍ وَ عُيُونٍ» المرسلات: 41، «إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي مَقٰامٍ أَمِينٍ» الدخان: 51، «يَوْمَ نَحْشُرُ اَلْمُتَّقِينَ إِلَى اَلرَّحْمٰنِ وَفْداً» مريم: 85، «مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ» الزمر: 35، «جَنَّةُ اَلْخُلْدِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ» الفرقان: 15.
7) . النجا: أي أنجوا بأنفسهم، و هو مصدر منصوب بفعل مضمر، أي أنجوا النجا، و تكراره للتأكيد، و النجا السرعة، يقال: ينجو نجاء، إذا أسرع، و نجا من الأمر، إذا خلص.
الوحا الوحا! أي: السرعة السرعة!، و يمدّ و يقصر، يقال: توحيت توحيا: إذا أسرعت، و قال الجوهوي: الوحا السرعة، يمدّ و يقصر، و يقال: الوحا، الوحا يعنى: البدار! البدار!، و توحّ يا هذا، أي أسرع. أنظر: بحار الأنوار: 130، 129/81.
احذروا ضيقه و ظلمته، ألا! و إنّ القبر روضة من رياض الجنّة، أو حفرة من حفر النّار، ألا! و إنّه يتكلّم كلّ يوم ثلاث مرّات، و يقول: أنا بيت الوحشة، أنا بيت الظلمة، أنا بيت الدّود، ألا! و إنّما وراء ذلك اليوم، أشدّ من ذلك اليوم، يوم يشيب فيه الصغير، و يشكو فيه الكبير، يوم تذهل كلّ مرضعة، ألا! ربّما ذلك اليوم أشدّ من ذلك اليوم، نار حرّها شديد، و قعرها بعيد، و مقامعها حديد، ليس فيه رحمة على الكافرين.(1)
فى الجنّة عشرون عينا:
أربع: «فِيهٰا أَنْهٰارٌ مِنْ مٰاءٍ غَيْرِ آسِنٍ»، «وَ أَنْهٰارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ»، «وَ أَنْهٰارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّٰارِبِينَ» «وَ أَنْهٰارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى»، للمتّقين: «مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ»(2).
و أربع لأبرار آل الرسول، و هي: «الكافور» و «الزنجبيل» و «السلسبيل» و «الشراب الطهور»، ذكرها فى سورة الإنسان.(3). الرحمان: 50.(4)
و إثنتان للمقرّبين: «الرّحيق» و «التسنيم»، ذكرهما فى [سورة] المطففين.(5)
و أربع للخائفين: «فِيهِمٰا عَيْنٰانِ تَجْرِيٰانِ»(5)، «فِيهِمٰا عَيْنٰانِ نَضّٰاخَتٰانِ»(6).
1) . تاريخ دمشق: 497/42، و عنه: ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: 212/3، و نهج السعادة: الشيخ المحمودي قدّس سرّه 122/3-316، 315، 120، البداية و النهاية، إبن كثير: 7، 6/8.
2) . محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: 15.
3) . ألإنسان: «إِنَّ اَلْأَبْرٰارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كٰانَ مِزٰاجُهٰا كٰافُوراً»
4) ، «وَ يُسْقَوْنَ فِيهٰا كَأْساً كٰانَ مِزٰاجُهٰا زَنْجَبِيلاً» (17). «عَيْناً فِيهٰا تُسَمّٰى سَلْسَبِيلاً» (18) - «وَ سَقٰاهُمْ رَبُّهُمْ شَرٰاباً طَهُوراً» (21).
5) . «يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ» (25). «مِزٰاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ» (27).
6) . الرحمان: 66.
و عين لأصحاب اليمين: «وَ مٰاءٍ مَسْكُوبٍ»(1).
و عين للشّهداء: «يُطٰافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ»(2).
و لنبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أربع أخري: و هي «الكوثر»(3)، و نهران على باب الجنّة: «نهر الحيوان»(4)، يغسلون به أنفسهم، و «نهر المودّة» يغسل بها قلوبهم: «وَ نَزَعْنٰا مٰا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ»(5)، و نهر المحبّة: «إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنّٰاتٍ وَ نَهَرٍ»(6).
روي: انّ منبع «الماء» و «العسل» و «الخمر» و «اللبن» من تحت جبل المسك(7)، و منبع «الكافور» و «السلسبيل» من تحت العرش، و منبع «الزنجبيل» و «التسنيم» من تحت الكرسي، و منبع «الكوثر» من تحت شجرة طوبى، و منبع «الرحيق» من الهواء.
فتنقسم هذه الأنهار على أهل الجنّة، على أربعة: عام، و خاص، و خاصّ الخاصّ، و المقرّبون.
و قيل: انّما ذكر الأنهار الأربع، لأنّ حياة كلّ شيئ بالماء، و بقاء الولد باللبن، و فرح الشباب بالخمر!!، و شفاء المرضي بالعسل.
1) . الواقعة: 31.
2) . الواقعة: 18.
3) . الكوثر: 1.
4) . قال عليّ عليه السّلام: و أمّا قوله تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ»، ذلك فى موضع ينتهي فيه أولياء اللّه عزّ و جلّ، بعد ما يفرغ من الحساب، إلى نهر يسمّي «نهر الحيوان» فيغتسلون منه، و يشربون من آخر!!، فتبيض وجوههم، فيذهب عنهم كلّ أذي و قذي و وعث، ثمّ تؤمرون بدخول الجنّة، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربّهم كيف يثيبهم، و منه يدخلون الجنّة... ألإحتجاج: 243/1، و عنه: بحار الأنوار: 101/90.
5) . الحجر: 47 «وَ نَزَعْنٰا مٰا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوٰاناً عَلىٰ سُرُرٍ مُتَقٰابِلِينَ».
6) . القمر: 54.
7) . قال إبن ابى حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشجّ، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عبد اللّه بن مرّة، عن مسروق، قال: عبد اللّه رضي اللّه عنه: أنهار الجنّة تفجّر من جبل من مسك، تفسير إبن كثير: 289/7.
«مثل الجنّة» أي: صفتها العجيبة الشأن، و هو مبتداء، و خبره «كمن هو خالد».
و قوله: «فِيهٰا أَنْهٰارٌ» فى موضع الحال، أي مستقرّة فيها أنهار.
و قرأ عليّ عليه السّلام: أمثال الجنّة الّتى وعد المتّقون.(3)أي صفاتها، كما قال: «مَثَلُهُمْ فِي اَلتَّوْرٰاةِ»(4)، أي صفتهم.
و قوله: «مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ»، لا يعود قارصا(5)و لا حازرا(6)، و لا ما يكره من الطعوم!!.
«لذّة» تأنيث «لذّ»، و هو اللذيذ. أو وصف لمصدر، أي: ما هو إلاّ التلذّذ الخاصّ، ليس فيها ذهاب عقل و لا خمار و لا صداع!!.
و إنّما قال: «مصفّى»، لأنّه لم يخالطه شمع يخرج من بطون النحل.
و قوله: «مٰاءً حَمِيماً» إذا دنا منه، شوي وجوههم، و إذا شربوه، قطع أمعائهم.(7)
لا يدري أي المحنتين أعظم؟!: دخول النّار، أو فوت الجنان؟!.
1) . تفسير القمي: 337/2، و عنه كنز الدقايق: 225/12.
2) . جامع البيان: 51/9، زاد المسير: 169/3، تاريخ مدينة دمشق: 75، 74، 69/61، تاريخ الطبري: 294/1.
3) . مجمع البيان: 151/9.
4) . الفتح: 29.
5) . و هو الّذي يقرص اللسان و يقبضه.
6) . حازرا، بتقديم الزاء، و هو الحامض.
7) . فى مجمع البيان: روي أبو أمامة عن النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فى قوله: «وَ يُسْقىٰ مِنْ مٰاءٍ صَدِيدٍ». إبراهيم: 16 - يقرب إليه فيكرهه، و إذا أدنى منه شوي وجهه، و وقع فروة رأسه!!، فإذا شرب، قطّع أمعائه حتى يخرج من دبره، يقول اللّه: «وَ سُقُوا مٰاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعٰاءَهُمْ». مجمع البيان: 308/3 و عنه: كنز الدقايق: 227/12.
المجلس المائة و التاسع و العشرون فى قوله تعالى: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللّٰهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّٰاءُ عَلَى اَلْكُفّٰارِ...»(1).
هذا آخر آية من سورة الفتح، و هي كلّها مدنيّة.
أي: هو محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، لتقدّم قوله: «هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ»(2).
و قيل: «محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم» مبتداء و خبر. نصّ تعالى على إسمه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ليزيل كلّ شبهة. و تمّ الكلام هيهنا، ثمّ أثنى على المؤمنين، فقال: «وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّٰاءُ عَلَى اَلْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ».
و قيل: «محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم» مبتداء و «رسول اللّه» عطف بيان، «وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ» عطف عليه، أعنى المبتداء، و «أشدّاء» خبر.
«ذلك» الوصف «مَثَلُهُمْ فِي اَلتَّوْرٰاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي اَلْإِنْجِيلِ» أي صفتهم العجيبة الشأن فى الكتابين. ثم إبتدأ فقال: «كزرع» يزيدهم كزرع!!.
إعلم! أنّ هذه الآية، أثنى اللّه فيها على رسوله و على أهل بيته و أوصيائه الإثنى عشر، قرنا فقرنا، و مثل ضربه لإبتداء أمرهم و إنتهائه، إخبارا عمّا كان عرّفهم به إلى الأمم، فقال: قد ذكرنا فى «التّوراة» و «الأنجيل» أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و أنّ أوصيائه حجج اللّه، رحماء على الخلق، يوادّون المؤمنين، و يغلظون على الكفّار.
و نحوه: «أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ»(3).
و قيل: «وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ»، عليّ و الحسن و الحسين عليهم السّلام.
«سِيمٰاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ»، صفرة الوجوه، لعبادة السهر، و فى الآخرة يتلألأ منهم.
«ذٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي اَلتَّوْرٰاةِ» الكلام قد تمّ.
و «مَثَلُهُمْ فِي اَلْإِنْجِيلِ» كلام مستأنف.
و قيل: «ذلك مثلهم فى التوراة و الانجيل» معا، أي: ذكروا فيهما.
و معنى «أَخْرَجَ شَطْأَهُ» أي: فراخه الّتى من أصله و عرقه، و هذا يدلّ على أنّ المراد أهل البيت عليه السّلام.
«فآزر» الشطاء الزرع. «فاستغلظ» أي طلب الغلظ، «فاستوى» أي: صار الفرخ مثل الأمّ، «عَلىٰ سُوقِهِ» جمع ساق، الزرع، «يُعْجِبُ اَلزُّرّٰاعَ» يحملهم على التعجّب، فيتعجّبون من قوّته، و يسرّ الأكرة، فيستحسنون إستحكامه بعد ضعف فى عنفوانه. «ليغيظ»، اللاّم، يتعلّق بفعل يدلّ عليه معنى الكلام، المعنى: يقوّيهم اللّه هذه التقوية و يبلّغهم هذا المبلغ، «ليغيظ بهم الكفّار» من عباده، و «بهم»، الضمير، للنبى و آله عليهم السّلام.
و قيل: «ليغيظ» الشطأ. و «منهم» لتخليص الجنس من غيره.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أنا أحمد و [أنا محمّد](1)العربى و لا فخر، و أنا الذي ألزق(2)
أغر عليه للنبوّة خاتم من اللّه مشهود يلوح، و يشهد
و ضمّ ألإله إسم النّبىّ إلى إسمه إذا قال فى الخمس المؤذن: أشهد
و شقّ له من إسمه ليجلّه فذو العرش محمود، و هذا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم
إسمه بإسمي و لا فخر، و أنا الّذي كتب إسمه على وجه العرش قبل خلق الدّنيا بألف عام، و أنا الذي نعتنى فى التّوراة لموسى، و فى الإنجيل لعيسى، و فى الزبور لداود، و أنا أوّل من له الشّفاعة، و كلّ نبى يقول: نفسي، نفسي، و أنا أقول:1) . قال نبيّنا: لى خمسة أسماء: أنا محمّد، أنا أحمد، و العاقب، و الماحي، و الحاشر. بحار الأنوار: 145/89، مسند أحمد: 84/4.
2) . لزق به لزوقا و إلتزق به، اي: لصق به، و ألزقه به غيره. و يقال: «فلان لزقى» و بلزقي، و لزيقي، أي بجنبى. (صحاح الجوهرى). و جاء فى معنى قوله تعالى: «وَ رَفَعْنٰا لَكَ ذِكْرَكَ» قال اللّه: إعلم! إذا ذكرت ذكرت معي، مجمع الزوائد: 254/8، فتح الباري: 547/8، صحيح إبن حبّان: 175/8، مجمع البيان: 389/10 و فى هذا يقول حسّان بن ثابت، يمدح النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم:
أمّتى!، أمّتى!(1)و أنا أوّل من يأخذ بحلقة الجنّة(2)، و أهل الجنّة ثلاث أثلاث، و أمّتى منها ثلثان، و أهل الجنّة مائة و عشرون صفّا، فثمانون منها أمّتى(3)، و مفاتيح الجنّة بيدي.(4)
و فيه أيضا: انا سيد ولد آدم يوم القيامة، و أوّل من ينشقّ عنه القبر.
و أنظر: أيضا: سبل الهدي و الرشاد، للصالحي الشامي: 452/12، 386/10 عن الترمذي و الدارمي.
سمّي اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فى القرآن فى خمسة مواضع:
فى سورة «آل عمران»(6)، و «الأحزاب»(7)، و «سورة محمّد»(8)، و «الفتح»(9)، و سورة «الصفّ»(10)، و ناداه بإسم الرّسالة فى موضعين: فى «المائدة»(11)
ب: «يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ»، 67.
.1) . و كل نبىّ يوم القيامة مشتغل بنفسه، يقول: يا رب نفسي!، نفسي!، و أنا أقول يا رب! أمّتى! أمّتى!. الفضائل، لشاذان بن جبرئيل القمي: 121، الروضة فى المعجزات و الفضائل: 132، حلية الأبرار، البحرانى: 148/2، كشف اليقين، العلامة الحلّي: 318.
2) . فى كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفي، للقاضي عياض: 222/1: أنا أوّل من تتفلق الأرض عن جمجمته و لا فخر، و أنا سيّد النّاس يوم القيامة و لا فخر، و معي لواء الحمد يوم القيامة، و أنا أوّل من تفتح له الجنّة و لا فخر، فآتي فآخذ بحلقة الجنّة، فيقال: من هذا؟! فأقول: محمّد!، فيفتح لى، فيستقبلنى الجبّار تعالى، فأخرّ ساجدا.
3) . أنظر: بحار الأنوار: 130/7 و 131، مجمع الزوائد: 403/10، كنز العمال: 167/12، مجمع البيان: 126/7، تفسير الصافى: 125/5، 362/3، تفسير الثعالبى: 529/3، سبل ألهدي و الرشاد: 394/10.
4) . سبل ألهدي و الرشاد: 467/12. و المفاتيح يومئذ بيدي...
5) . فى نظم درر السمطين، للزرندي الحنفي، 43، أنا أوّلهم خروجا إذا بعثوا، و أنا قائدهم إذا وفدوا، و أنا خطيبهم إذا انعتوا، و أنا مستشفعهم إذا جلسوا، و أنا مبشّرهم إذا يئسوا.
6) . «وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ»، آل عمران: 144.
7) . «مٰا كٰانَ مُحَمَّدٌ أَبٰا أَحَدٍ مِنْ رِجٰالِكُمْ»، الأحزاب: 40.
8) . «وَ آمَنُوا بِمٰا نُزِّلَ عَلىٰ مُحَمَّدٍ»، محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: 2.
9) . «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللّٰهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّٰاءُ عَلَى اَلْكُفّٰارِ»، الفتح: 29.
10) . «يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ»، الصف: 6.
11) . ألف: «يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ لاٰ يَحْزُنْكَ اَلَّذِينَ يُسٰارِعُونَ فِي اَلْكُفْرِ»، 41.
و باسم النبوّة فى ثلاثة عشر موضعا.(1)
ب: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ حَرِّضِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَى اَلْقِتٰالِ»، الأنفال: 65.
ج: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ اَلْأَسْرىٰ»، الأنفال: 70.
د: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ جٰاهِدِ اَلْكُفّٰارَ وَ اَلْمُنٰافِقِينَ»، التّوبة: 73.
ه: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ اِتَّقِ اَللّٰهَ وَ لاٰ تُطِعِ اَلْكٰافِرِينَ وَ اَلْمُنٰافِقِينَ»، الأحزاب: 1.
و: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا»، الأحزاب: 28.
ز: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ شٰاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً»، الأحزاب: 45.
ح: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِنّٰا أَحْلَلْنٰا لَكَ أَزْوٰاجَكَ...»، الأحزاب: 50.
ط: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ وَ بَنٰاتِكَ وَ نِسٰاءِ اَلْمُؤْمِنِينَ...»، الأحزاب: 59.
ى: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذٰا جٰاءَكَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ يُبٰايِعْنَكَ...»، الممتحنة: 12.
ك: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذٰا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسٰاءَ...»، الطلاق: 1.
ل: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مٰا أَحَلَّ اَللّٰهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضٰاتَ...»، التحريم: 1.
م: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ جٰاهِدِ اَلْكُفّٰارَ وَ اَلْمُنٰافِقِينَ وَ اُغْلُظْ عَلَيْهِمْ»، التحريم: 9.
«تَرٰاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً»، إخبار عن كثرة صلاتهم و مداومتهم عليها. «يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰاناً» أي: يلتمسون بذلك زيادة نعيمهم من اللّه، و يطلبون مرضاته، «سيماهم» أي: علامتهم يوم القيامة، أن تكون مواضع سجودهم أشدّ بياضا و نورا من القمر ليلة البدر.
و قيل: التراب على الجباه، لأنّهم يسجدون على التّراب، لا على الأثواب، عن عكرمة.
و قيل: هو الصّفر و النحول.
و قيل: الوقف على «التوراة»، و «مَثَلُهُمْ فِي اَلْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ» كلام مستأنف.
و قيل: ليس بينهما وقف. و يجوز أن يكون «ذلك» إشارة مبهمة أوضحت بقوله تعالى: «كزرع».
و «آزره»: من المعاونة. و «آزره»: شدّ أرزه.(2)
إعلم! أنّ جميع المخالفين لنا، أجمعوا على أنّ قوله تعالى: «رُكَّعاً سُجَّداً» أنزلت
فى عليّ بن أبى طالب عليه السّلام(1)، و قد دوّن هذا الشيخ(2)ذلك فى كتاب «الفصول»(3)!!.
و إذا شهدوا بذلك، كما صحّت عنده الرّوايات عن آل محمّد عليهم السّلام(4)و تقبّل شهادتهم عليهم السّلام، فتكون حجّة عليهم فى إدّعائهم أنّ: قوله «وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّٰاءُ عَلَى اَلْكُفّٰارِ، رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ» نزلت فى غيره!!، لأنّ آخره الّذي هو قوله: «تَرٰاهُمْ رُكَّعاً» ليس جملة مستقلّة بنفسها!!، و كذلك قوله: «أَشِدّٰاءُ عَلَى اَلْكُفّٰارِ»، لا يستقلّ شيئ منها!!، و إنّما جميعها، إمّا: خبر المبتداء «وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ»، أو يكون «و الذين» عطف على «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللّٰهِ» و «محمّد» مبتداء، و «أشداء» و «رحماء» و «تراهم» كلّها خبر المبتداء!!. و خبر المبتداء يجب أن يكون هو المبتداء، كما يقول النحويّون: هو هو.
و إذا كان كذلك، ف «الذين» أهل بيت محمّد عليهم السّلام.
و فى قوله: «أَخْرَجَ شَطْأَهُ» إشارة إلى أنّ: من قوّاه اللّه به، هو من شجرته الخاصّة و أهل بيته، فالشطأ فراخ الزرع، فالحبّة الواحدة، إذا وقعت فى أرض، لها قوّة و لها الماء بقدر الحاجّة، و جميع ما يحتاج إليه. فإنّه يخرج من الحبّة ساق واحد من الزّرع أوّلا، ثمّ يفرّخ منها كثير، حتّي يصير بضعة عشر ساقا، ثمّ إستوي كلّ واحد منها على قصبة و أصولها، «فاستوى» الصّغار و الكبار فى النفع و الثمر!!.
و إذا مدح إنسان آل محمّد عليهم السّلام بما مدحهم اللّه، و وصفهم بما وصفهم اللّه، لم يكن
1) . أنظر: كشف الغمّة: 329/1، تاريخ دمشق: 390/52، زاد المسير: 173/7، شواهد التنزيل: 251/2، 256، 254، مفتاح النّجا: 40، أرجح المطالب: 86، تفسير الخازن: 113/4، روح المعانى، للآلوسي: 117/26، كشف اليقين: 391، 130، 127، الدرّ المنثور: 83/6، تأويل ألآيات الظاهرة: 582، إحقاق الحقّ: 345/14، 416، 359/3.
2) . المراد منه، الشيخ أبو حنيفة عبد الوهّاب بن محمد الحنفي الكرّامي، تلميذ محمّد بن كرّام من علماء القرن الرّابع و أوائل الخامس. انظر: مقدّمة الكتاب.
3) . «الفصول» هذا، كتاب الّذي قام قطب الرّاوندي رحمه اللّه، كما ذكرنا فى المقدّمة، بتلخيصه و إخراج لبابه!!.
4) . كشف الغمّة: 329/1 عن إبن مردوية، عن موسي بن جعفر عن آبائه عليهم السّلام أنّها «تَرٰاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً» نزلت فى عليّ عليه السّلام. و عنه البحار: 187/36. و عن الحسين بن على عليهما السّلام أيضا أنّهما نزلت فى عليّ عليه السّلام: بحار الأنوار: 203/38، مناقب إبن شهر آشوب: 298/1، كلمات ألإمام الحسين عليه السّلام: 565.
ذلك طعنا على الغير!!، و من روي شيئا معلوما، فقوله أولى بالقبول، من قول من يقول شيا مظنونا بالقياس!!!.
عن معاذ بن جبل، قال: قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أريد أن أبعثك إلى اليمن، و قال لى:
أوصيك بتقوي اللّه، و حفظ الجار، و رحم اليتيم، و بذل السّلام، و لين الكلام، و قصر الأمل، و حسن العمل، و التفقّه فى القرآن، و كظم الغيظ، و أيّاك أن تشتم مسلما، أو تطيع آثما، أو تعصي إماما عادلا، أو تكذب صادقا، أو تصدق كاذبا، يا معاذ! أذكر اللّه عند كلّ حجر أو مدر، و أحدث لكلّ ذنب توبة، السرّ بالسرّ، و العلانية بالعلانية، طوبى لمن نال الرّاحتين، قلت: و ما هما؟! قال: راحة المؤمن إذا مات نجا من الدّنيا و بلائها و فتنها، و أفضي إلى راحة الاخرة. و الثانية: هي دخول الجنّة و النجاة من أهوال القيامة. إعمل عمل من يعلم أنّه قريب، و أنّه شاهد كلّ نجوي، و المطّلع على ما فى القلوب، يا معاذ! إنّا لا نلتقي إلى يوم القيامة!. يا معاذ! انّ أبعدكم منّي يوم القيامة من غيّر و بدّل!!!(1).
قال: و خرجت إلى اليمن، فبينا أنا نائم ليلة، إذا أنا بهاتف يهتف: حبيبك محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قد فارق الدّنيا، فخرجت أقول: و احزناه لفراق محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و اكرباه لموته، و اغمّاه لما فات من رؤيته، [... و أتي منزله و شدّ على راحلته، ثم قال:
لا أنزل عن ناقتى هذه إن شاء اللّه إلاّ لوقت صلاة، حتى آتي المدينة، فبينا هو على ثلاثة مراحل من المدينه](2)، فإذا هو بهاتف: «أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ اَلْخٰالِدُونَ.
كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ اَلْمَوْتِ» (3)... قد خاطبه معاذ، فقال: من أنت؟! قال: عبد الملك بن عبد اللّه، فأخبره بوفاته صلّي اللّه عليه و آله، فغشي عليه.
فى الأحاديث الّتى رواها [صاحب الفصول] فى مناقب عليّ عليه السّلام:
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من أحبّ عليّا بقلبه، فله ثلث ثواب هذه الأمّة، و من أحبّه بقلبه و لسانه، فله ثواب ثلثي هذه الأمّة، و من أحبّه بقلبه و لسانه و يده، فله ثواب جميع هذه الأمة.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: النّاس من شجر شتّي، و أنا و عليّ من شجرة واحدة.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لعليّ عليه السّلام: أنّه لا يحبّك إلاّ مؤمن، و لا يبغضك إلاّ منافق.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: شرار أمّتى ثلاثة: حامل القرآن مصرّ على شرب الخمر، و عالم لزم باب سلطان جاير، و مبغض على بكلّ قلبه، و هو شر الثلاثة، فإنّه لم يبغضه حتّي يبغضنى، و من أبغضنى لعنه اللّه فى الدّنيا و الآخرة.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أنا شجرة الهدي و علىّ فرعها.(5)
1) . غاية المرام: 143/6، بحار الأنوار: 288/39، تفسير البرهان: 521/4، إحقاق الحق: 90/5 عن نزهة المجالس: 207/2، و أنظر أيضا: شرح إحقاق الحق: 284/30، 230/17.
2) . كشف اليقين: 369، الصّراط المستقيم: 228/1، الغدير: 317/9، شرح إحقاق الحقّ: 255/5، 361/3، 99/20، 123، 120/16، 261، 260، 258، 256 ف 86، 85، 83/31، 443، 441، 439/21، 101، المستدرك علي الصحيحين: 241/2. نفحات الأزهار: 118/5 و..
3) . الإحتجاج: 191/1، الطرائف: 69، نهج الإيمان، إبن جبر: 453، العدد القوية: 248، كشف اليقين: 425، 482، نهج الحقّ و كشف الصدق: 219، شرح نهج البلاغة: 271/2، خلاصة عبقات الأنوار: 135/3، 179/7، صحيح الترمذي: 306/5، سنن الشافعي: 116/8، ينابيع المودّة: 47، مجمع الزوائد: 133/9، ذخائر العقبى: 91، تذكرة الخواص: 28، ترجمة الإمام عليّ بن ابى طالب من تاريخ دمشق: 188/2، أسد الغابة: 26/4، حلية الأولياء: 185/4، ميزان ألإعتدال: 41/2، ألإستيعاب بهامش ألإصابة: 37/3، كنز العمال: 157/15، الرياض النضرة: 284/2، سنن البيهقي: 271/2، طبقات الحنابلة: 320/1، تاريخ بغداد: 417/8، فرائد السمطين: 133/1، تذكرة الحفاظ: 10/1، الشفاء، للقاضي عياض: 41/2...
4) .... عن يونس بن يعقوب، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام يقول - فى حديث.... يا يونس!... ملعون ملعون حامل القرآن مصر علي شرب الخمر، ملعون ملعون عالم يومّ سلطانا جائرا معينا له علي جور (جوره)، معلون معلون مبغض عليّ بن أبى طالب، فإنّه ما أبغضه حتى أبغض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و من أبغض رسول اللّه، لعنه اللّه فى الدّنيا و الأخرة. وسايل الشيعة: 519/11، و تمام الحديث فى كنز الفوائد، للكراحكي، 63، و عنه فى البحار: 354/73.
5) . كتاب النقض، لعبد الجليل القزوينىّ الرازي: 568/1.
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: له: أنت ولىّ المؤمنين.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يدك فى يدي، و تدخل معي حيث أدخل.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: له: أنت أخي و أنا أخوك فى الدّنيا و الآخرة.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: له: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ انّه لا نبى بعدي.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من أبغض عليّا محاه اللّه من ديوان الحكمة، و ولّي عليه النّار.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: فى عشية عرفة: إنّ اللّه يباهي بكم فى هذا اليوم، فغفر لعلي خاصّة، و لمن لا يحدث بعدي الأحداث المنكرة، طاعته طاعتى، و معصيته معصيتى، ثم قال: قم يا علي، و وضع يده فى كفّ رسول اللّه، فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم للناس:
إنّي رسول اللّه إليكم عامّة، و طاعتى عليكم مفترضة، ألا! و إنّ جبرئيل يخبرنى: إنّ السعيد كلّ السعيد من أحبّ عليّا فى حياتي و بعد مماتي، ألا! و إنّ الشقي كلّ الشّقي من أبغض عليّا فى حياتي و بعد موتي.(7)
1) . نفحات الأزهار: 257/15.
2) . بحار الأنوار: 432/31: يا عليّ أنت أخي و أنا أخوك، يدك فى يدي، حتى ندخل الجنّة. الخصال: 572/2.
3) . متواتر و متّفق عليه بين المسلمين، و أنظر: «الغدير» للأمينى قدس سرّه الشريف، عبقات الأنوار، و خلاصته، و غاية المرام للبحرانى رحمه اللّه، و إحقاق الحق، ووو.
4) . كتاب سليم بن قيس: 194، الطرائف: 63، نهج الإيمان: 424 منهاج الكرامة 145، غاية المرام: 177/1، 102/6، 100/2، 178، إحقاق الحق: 509/15، 76/5، مسند أحمد: 230/1، سنن: الترمذي: 5 /ح 3720، مصابيح السنّة 4 /ح 4769، الطبقات الكبري: 22/3، البداية و النهاية 371/7، دلائل النبوّة: 209/4.
5) . الغدير: 295/5، 65، 63/4، 228، 201/3، 108/2، 396، 297، 213، 212، 208، 198، 197، 39/1، 259، 258/10، 333/6 هو الحديث المعروف عند علماء الحديث ب (حديث المنزلة) و قد أفرد له مؤلفوا كتب المناقب بابا مستقلا، لكثرة طرقه. كان أبو حازم الحافظ يقول: خرجته بخمسة آلاف أسناد!!. أنظر باقة من طرقه فى ترجمة الإمام عليّ بن أبى طالب عليه السّلام من تاريخ دمشق، للحافظ إبن عساكر: 394، 306/1 و هي نحو تسعين صفحة كبيرة، فيها روايات إبن عساكر فقط!!، و قد ذيلها العلامة الشيخ محمّد باقر المحموديّ بما يشفي العليل و يروي الغليل، من هوامشه القيّمة.
6) . لم نعثر عليه
7) . مجمع الزوائد للهيثمي: 180/9 بتفاوت يسير فى الضمائر!! أمالى الصدوق: 248، بحار الأنوار: و أنظر: مناقب أمير المؤمنين، الكوفى، 484/2، 207/1، ولايل الأمامة: 75، بشارة المصطفي: 149، العمدة: 20، 74/27.
و أتى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بيت فاطمة عليها السّلام، و أجلس عليّا على يساره، و فاطمة عن يمينه، و الحسن و الحسين بين يديه، و قال: «إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ»، اللّهم هؤلاء أهلي، فطهّرهم تطهيرا.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لعليّ عليه السّلام: أنت منّي و أنا منك.(2)
و قضي عليّ عليه السّلام قضاء، فقال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الحمد للّه الذي جعل الحكمة فينا أهل البيت.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: و لمّا بعثه إلى اليمن، و وضع يده على صدره، و قال: أللّهم أهد قلبه، و سدّد لسانه. و قال عليّ عليه السّلام: ما شككت فى حكم بين إثنين.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: رأيت ليلة الإسراء على باب الجنّة مكتوبا بالذهب: لا إله إلا
1) . اتّفق المسلمون علي أنّه مع نزول هذه الآية الكريمة «آية التطهير» دعا النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عليّا و فاطما و الحسن و الحسين عليهم السّلام و جلّل عليهم بكساء، ثم قال: اللّهم! هؤلاء أهلي، فأذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا، أنظر: صحيح مسلم: 1883/4، سنن الترمذي: 663، 351/5، مسند أحمد: 292/6، 330/1، أسباب النزول: 200، تفسير إبن كثير: 493/3، الصواعق المحرقة: 143، مسند الشاميين: 146/1، أمالى الطوسي: 598 مجلس: 26، شرح إحقاق الحق: 19، 5، 2/9، 515/3، و و و.
2) . الكافى: 227/8، عيون أخبار الرضا عليه السّلام: 64/1، الخصال: 573، أمالى الصدوق: 442، 66، ألإرشاد: 46/1، العمدة: 204، 201، 146، مسند أحمد: 204/5، خصائص النسائيّ: 36 و 51، صحيح البخاريّ: 219/5، سنن الترمذي: 213/2، تاريخ بغداد: 140/4، كنز العمال: 258/13، 693، 559/11، السنن الكبري، النسائي: 168/5، صحيح إبن حبّان: 230/11، الأذكار النّوويّة: 277.
3) . شرح الأخبار، للقاضي النعمان: 309/2، مناقب إبن شهر آشوب: 178/2، بحار الأنوار: 175/40، الغدير: 97/3، كفاية الطالب لمناقب عليّ بن ابى طالب عليه السّلام: 56، ينابيع المودّة: 146/2 مسند أحمد: ج 77/1 و... تحت ارقام 1309، 1063، 574، 573، و فى طبع أحمد شاكر: 327، 236، 24/2، المنصف، إبن ابى شيبة: 400/9، السنن الكبري، البيهقي: 112، 111/8، المناقب لإبن المغازلى: 288، صحيفة الرّضا عليه السّلام: 146، الرياض النظرة، للطبري: 265/2، ذخائر العقبى: 20
4) . انظر: مسند زيد بن عليّ: 294، دعائم الإسلام: 529/2، مناقب امير المؤمنين عليه السّلام، لمحمّد بن سليمان الكوفى: 605/2، المصنّف، أبو بكر بن أبى شيبة: 58/12، ترجمة أمير المؤمنين عليه السّلام من تاريخ دمشق: 490/2 - 498، خصائص النسائي: 70، الفصول المختارة، الشيخ المفيد: 135، الارشاد: 195/1، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل: 580/2، العمدة: 257، الغدير: 178/7، عيون الأخبار: 60/2، سنن إبن ماجة: 774/2، الطبقات الكبري: 337/2، كنز العمّال: 120/13، الرياض النضرة: 198/2، نصب الراية: 36/5، تاريخ بغداد: 439/12، تاريخ دمشق: 389/42، تهذيب الكمال: 485/20، سبل الهدي و الرشاد: 326/11.
اللّه، محمّد حبيب اللّه، عليّ ولى اللّه، فاطمة أمة اللّه، الحسن و الحسين صفوة اللّه، على مبغضيهم لعنة اللّه.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: و رأيت مكتوبا عليه: لا إله الاّ اللّه، محمّد رسول اللّه، عليّ أخو رسول اللّه.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ينادي مناد يوم القيامة: يا محمّد! نعم الأب أبوك إبراهيم الخليل، و نعم الأخ أخوك علي.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من أراد أن ينظر إلى آدم فى علمه، و إلى نوح فى فهمه، و إلى أبراهيم فى حلمه، و إلى موسى فى شدّته، و إلى عيسى فى زهده، و إلى محمّد فى بهائه، فلينظر إلى عليّ بن أبى طالب عليه السّلام.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من أحبّ عليّا فقد أحبّنى، و من أبغض عليّا فقد أبغضنى، و من أبغضنى، فقد أبغض اللّه.(5)
1) . الخصال: 324، كنز الفوائد: 63، المحتضر: 125، مأة منقبة: 87، غاية المرام: 586، بحار الأنوار: 3/27، مدينة المعاجز: 31/4، 354/2.
2) . نهج الإيمان: 425، نهج الحق و كشف الصدق: 218، الصّراط المستقيم: 25/2، 207/1، الغدير: 117/3، كنز العّمال: 121/15، الرياض النضرة: 222/2، مجمع الزوائد: 111/9، حلية الاولياء: 256/7، المغازلى: 91، المناقب للخوارزمي: 88، ذخائر العقبى: 66، ينابيع المودة: 206، ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق: 119/1.
3) . أمالى الصدوق: 266، عيون اخبار الرضا: 30/2، المحاسن: 179، المغازلى: 42، كفاية الطالب: 185، فرائد السمطين: 109/1، المناقب للخوارزمي: 209، ترجمة الإمام علي فى تاريخ دمشق: 131/1 و 124.
4) . نهج الحق: 236، ينابيع المودة: 121، شرح نهج البلاغة: 429/2، التفسير الكبير: 81/8، الصّراط المستقيم: 103/1، غاية المرام: 344/6، الغدير: 355/3، أقول: هذا الحديث مشهور بحديث الأشباه، و قد إتّفق علي روايته الفريقان، غير أنّ له الفاظا مختلفة، و قد أوردها العلامة الأمينى قدّس سرّه نصوصها، و مواقع المشابهة بين المرتضي و الأنبياء، و أقوال العلماء فى ذكر المشابهة، للّه تعالى درّه، فليراجع: 355/3 إلى 360.
5) . أمالى الصدوق: 466، شرح الأخبار: 109/3، 233، 154/1، الفصول المختارة: 245، أمالى الشيخ الطوسي: 309، 248، ذخائر العقبى: 65، ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق: 93/2، المناقب لإبن المغازلى الشافعي: 230، مجمع الزوائد: 108/9، ينابيع المودّة: 282، احقاق الحق: 434/6-437، فرائد السمطين: 291/1، المعجم الكبير: 380/23، 319/1، كنز العمّال: 109/13، 611، 610/11، الكامل، لإبن عدي: 349/4، تاريخ بغداد: 34/13، سبل الهدي و الرشاد: 293/11، الرياض النضرة: 123/3، الصواعق المحرقة: 123، الاستيعاب: 1100/3.
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة و أبوهما خير منهما.(1)
و قال إبن عمر عن أبيه: كان لعليّ عليه السّلام ثلاثة أشياء، لو كان لى واحد منها كان أحبّ إلى من حمر النّعم: تزويج فاطمة عليها السّلام، و إعطاه الراية يوم خيبر، و سدّه الأبواب كلّها الاّ باب عليّ عليه السّلام.(2)
و رؤي «الشعبىّ» فى المنام، فقيل له: بم دخلت الجنّة، قال: بشهادة أن لا إله إلا اللّه، و بحبّ عليّ بن أبى طالب عليه السّلام.
و قال إبن عبّاس: نزل فى عليّ عليه السّلام «وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اَللّٰهِ» ليلة نام على فراش رسول اللّه.(3)
و نزل فى عليّ عليه السّلام قوله تعالى: «اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ اَلنَّهٰارِ سِرًّا وَ عَلاٰنِيَةً» كان لم يملك غير أربعة دراهم، فتصدّق بدرهم ليلا، و بدرهم نهارا، و بدرهم سرّا، و بدرهم علانية.(4)
و نزل فى عليّ عليه السّلام: «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ»(5)((6).
و نزل فى عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام: «فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ»(7)((8).
1) . الصّراط المستقيم: 210/1، بحار الأنوار: 90/39، قرب الاسناد: 53، التفضيل: للكراجكي: 16 و 16، كنز العمّال: 122/12.
2) . المصنّف لإبن أبى شيبة الكوفى: 70/12، و عنه: كنز العّمال: 96/15، مناقب امير المؤمنين، الكوفى: 466/2، الصواعق المحرقة: 127، مسند أحمد: 20/7، حلية الاولياء: 153/4، مجمع الزوائد: 117/9، الغدير: 202/3 و 203، المسترشد: 482، الاحتجاج: 181/1، مناقب إبن شهر آشوب: 37/2، احقاق الحق: 449/4، المستدرك للحاكم: 125/3، الرياض النضرة: 254/2، فرائد السمطين: 345/1، تاريخ الخلفاء: 172، نظم درر السمطين: 129.
3) . روضة الواعظين: 107، 104، كفاية الطالب: 115، ينابيع المودّة: 105، المسترشد: 439.
4) . روضة الواعظين: 105.
5) . المائدة: 5.
6) . تفسير الطبري: 186/6، تفسير الرازي: 26/12، اسباب النزول الواحدي: 133، نور الأبصار: 77، تذكرة الخواص: 15، الصواعق المحرقة: 25.
7) . آل عمران: 61.
8) . صحيح مسلم: 120/7، سنن الترمذي: 301/5، خصايص النسائي: 48 و 49، المستدرك: 116/3، كفاية الطالب: 84 و 85، ترجمة الإمام عليّ بن أبى طالب من تاريخ دمشق: 206/1، نظم درر السمطين: 107، المناقب للخوارزمي: 59، أسد الغابة: 25/4، الاصابة: 509/2، جامع الأصول لإبن الأثير: 469/9، الرياض النضرة: 247/2، فرائد السمطين: 378/1، شواهد التنزيل: 19/2، مروج الذهب: 14/3، الغدير: 257/1، مقتل الحسين للخوارزمي: 2/1.
«أَ جَعَلْتُمْ سِقٰايَةَ اَلْحٰاجِّ وَ عِمٰارَةَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ...» (1)(2).
و كذلك: «أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ اِجْتَرَحُوا اَلسَّيِّئٰاتِ...»(5)((6).
1) . التوبة: 19.
2) . روضة الواعظين: 104، نهج الايمان: 598، 597، كشف اليقين: 123، شواهد التنزيل: 244/1، المناقب للمغازلى: 321، تفسير الطبري: 96/10، تفسير القرطبى: 91/8، تفسير الرازي: 422/4، نور الابصار: 70، كفاية الطالب: 247، الغدير: 53/2، احقاق الحق: 122/3، فرائد السمطين: 203/1، ينابيع المودة: 106، ترجمة الإمام علي بن أبى طالب من تاريخ دمشق: 413/2.
3) . السجدة: 18.
4) . الكشاف: 243/3، كشف اليقين: 359، اسباب النزول: 261، تفسير الطبري: 86/21، تذكرة الخواص: 207، ذخائر العقبى: 88، تاريخ دمشق: 199/61، شواهد التنزيل: 444/1، فتح القدير، الشوكانى: 247/4، تفسير إبن كثير: 462/3، شرح نهج البلاغة: 238/17، 292/6، 80/4 ووو.
5) . جاثية: 21.
6) . الإحتجاج: 198/1، تذكرة الخواص: 11، غاية المرام: 128/4، شواهد التنزيل: 114/2، الغدير: 56/2، كفاية الطالب: 247، تفسير الفخر الرازي: 486/7، فضائل الخمسة: 289/1.
7) . شوري: 23.
8) . شواهد التنزيل: 130/2، المناقب للمغازلى: 307، ذخائر العقبى: 25 و 138، الصواعق المحرقة: 101 و 145 و 146، مطالب السؤل: 21/1، كفاية الطالب: 313، 93، 91، تفسير الطبري: 25/25، مقتل الحسين: 57، 1/1، النصول المهمة: 11، المستدرك: 174/3، الإتحاف: 13، 5، نور الابصار: 102، تفسير الكشاف: 402/3، تفسير الفخر الرازي: 166، 27، مجمع الزوائد: 168/9، 103/7، فتح القدير: 537/4، الدرّ المنثور: 7/6، الغدير: 306/2-311، إحقاق الحق: 101.92/9، 22.2/3، فرائد السمطين: 13/2، 20/1، عبقات الأنوار: حديث الثقلين: 285/1، حلية الاولياء: 201/3.
و نزل فيه عليه السّلام: «إِذٰا نٰاجَيْتُمُ اَلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوٰاكُمْ صَدَقَةً»(3)، و لم يعمل بها غير عليّ عليه السّلام، كان معه دينار، فباعه بعشرة دراهم، و أعطاها المساكين، و سأل عنه عشر مسائل:
أوّلها: قال: يا رسول اللّه! كيف أدعو اللّه؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: بالصّدق و الوفاء.
الثانى: قال: ما أسأل اللّه؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: العافية.
الثالث: قال: ما أصنع لنجاتى؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: كل حلالا و قل صدقا.
قال: فما النّور؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: القرآن.
قال: فما الفساد؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ظهور الكفر و البدع، و الفسق.
قال: فما عليّ؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أمر اللّه و أمر رسوله.
قال: فما الحيلة؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ترك الحيلة.
قال: فما الحقّ؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الإسلام و القرآن و الخلافة.
قال: فما الوفاء؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: شهادة أن لا إله اللّه.
قال: فما الراحة؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الجنّة.(4)
قال [إبن عبّاس]: و كانت له عليه السّلام عشرة خصايص:
أحدها: نشاء فى بيت الوحي و ربّي فى دار التنزيل.
1) . الفتح: 29.
2) . نهج الحق: 202، تفسير روح المعانى: 117/26، تفسير الخازن: 113/4، شواهد التنزيل: 183/2، إحقاق الحق: 359/3، الدرّ المنثور: 83/6.
3) . المجادلة: 12.
4) . تفسير القرطبى: 302/17، إحقاق الحق: 205/14، 132/3، العمدة: 93، نهج الايمان: 604، تفسير الرازي: 271/29، تفسير الطبري: 14/28، اسباب النزول: 234، المستدرك: 481/2، و امّا الحديث: انظر: خاتمة المستدرك، الطبرسي: 290/1، بحار الأنوار: 383/35، عن فرائد السمطين: 358/1، نظم درر السمطين: 91، شواهد التنزيل: 322/2، غاية المرام: 31/4، احقاق الحق: 58/30، 184/20، 201/14، تفسير النسفي: 235/4، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: 194/9.
الثانية: لم يفارق النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من صباه إلى يوم موته صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
الثالثة: كان لم يزل محاربا للإسلام و أصله، ذابّا عنهم.
الرابعة: كان علا خيبرا و فتحه.
الخامسة: أعطي السائل خاتمه فى الصّلاة.
السادسة: كان له طهارة و نقاوة لم يكن لغيره.
السابعة: كانت له سخاوة لم يكن لغيره.
الثّامنة: كانت له شجاعة، بحيث لم ينهزم قطّ.
التاسعة: كان فى الزّهد بغاية لم يلحقه غيره.
العاشرة: كان له علم، بحيث كان يرجع إليه الأصحاب فى الواقعات.
و قال: جاء رجل إلى معاوية فقال: من إين؟! فقال: من عند أثمّ النّاس، و أجبنهم، و أبخلهم - أراد به عليّا عليه السّلام!! -، فقال معاوية: كيف يكون أجبن النّاس، و لم يهرب قطّ!!!، و كيف يكون أثمّ النّاس، و قد ولدته قريش، ثم هاشم مرّتين!!! و كيف يكون أبخلهم، و لو سأل روحه لبذله.(1)
و رؤي منصور بن عمّار(2)فى المنام بعد موته، فقيل له: بم غفر اللّه لك؟! قال: بصلاة الليل و بحبّ عليّ بن أبيطالب عليه السّلام.
قال [إبن عبّاس] و قال له النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لو رأيت رجلا على فاحشة؟! قال:
أستره، قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إن رأيته ثانيا؟! قال أستره بإزاري و بردائي - إلى ثلاث مرّات - فقال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا فتى الاّ عليّ عليه السّلام.(3)
رضيت فاطمة لعليّ، و رضيت عليّا لها عليهما السّلام.(4)
1) . الرّجل: هو محقن بن أبى محقن الظبّي، و انظر: بحار الأنوار: 144/41، شرح نهج البلاغة: 22/1.
2) . انظر ترجمته و أحاديثه و مواقفه فى تاريخ بغداد: 72/12.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 426/12.
4) . شرح احقاق الحق: 32/32 عن «توضيح الدلائل» لشهاب الدين أحمد الشيرازي الحسينى الشافعي، ص: 126، النسخة المصوّرة من مكتبة المليّ بفارس، و فيه: هكذا أوردها بعض أكابر العلماء و المشايخ العرفاء.
و قال جعفر: نظر اللّه إلى أهل الجنّة يوم زوّجت فاطمة من عليّ عليهما السّلام.(1)
قال: و قالت فاطمة عليها السّلام لأبيها: عيّرتنى نساء قريش أن زوّجتنى صعلوك قومك؟!! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: زوّجتك أعظمهم حلما و أكثرهم علما.(2)
قال: و أتي عمر بولد أسود، إنتفي منه أبوه، فأراد عمر أن يعزّره، قال عليّ عليه السّلام للرّجل: هل جامعت أمّه فى حيضها؟! قال: بلي، قال: لذلك سوّده اللّه، فقال عمر: لو لا عليّ لهلك عمر.(3)
و سأل أبو حنيفة عن عليّ عليه السّلام؟! قال: ما قولى فى رجل أسلم أكثر النّاس من خوفه، و أسلم هو من خوف اللّه!!؟.
و قيل لمجنون بنى عامر:
ما تقول فيمن يحبّ عليّا عليه السّلام؟! قال: ليس الشأن فيمن يحبّ عليّا، انّما الشأن فيمن يحبّه عليّ عليه السّلام؟!!(4)
و قال عليّ عليه السّلام: يدفع إلى يوم القيامة عمود من نور، و يقال لى: قم على حوض الكوثر، و إسق من شئت، فأسقي من و الانى، و أمنع من عادانى.
و روي: أنّ نصرانيّا رأي سبع رؤيا فى الرّوم، فسأل المعبّرين عنها، فلم يعرفوا، فسأل الصحابة عنها، فلم يعرفوها، فقال له عليّ عليه السّلام: رأيت سبع رؤيا - و سمّاها له من غير أن يسأل النصرانى عنها - فقال عليه السّلام: رأيت قصرا أدلى من السّماء، و فيه كراسي من الذّهب، و جوار، و غلمان، و فرش الدّيباج، و حوله قردة و خنازير!!، قال: صدقت.
قال: و رأيت كرباسا أدلى من السّماء و خرقه النّاس!! حتى بقي خيط!!
و رأيت طيورا نزلن من السّماء، و وضعن رؤسهنّ فى الأرض، و رجعن بغير
1) . لم نعثر عليه.
2) . انظر: مناقب أمير المؤمنين عليه السّلام، محمّد بن سليمان الكوفى: 265، 254/1، المستجاد من الإرشاد: 38، الصّراط المستقيم: 225/1، بحار الأنوار: 141/43، 188/38، اعلام الوري: 317/1، كشف الغمّة: 380/1، نهج الايمان، إبن جبر: 292.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 19/2، مناقب إبن شهر آشوب: 185/2، بحار الأنوار: 229/40.
4) . و قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تحبّ، انّما الشأن أن تحبّ!!، تفسير إبن كثير: 366/1.
رؤس إلى السّماء.
و رأيت أنعاما و لا مخرج لها للبول و الغايط.
و رأيت المرضي يعودون الأصحّاء.
و رأيت حوضا يابسا و عنده روضة.
و رأيت ثيابا خضراء يري فيها كلّ شيئ فى الدّنيا. قال: صدّقت.
ثمّ قال: أما القصر، فسلطان ظالم فى آخر الزّمان، و النّاس لا يؤدّون الزكاة، فيأخذ السلطان أموالهم، و حوله الظالمون المعينون له.
و الكرباس، المذاهب فى آخر الزّمان، و الخيط، الطّريق المستقيم.
و أمّا الطّيور، فلا يبقي من الإسلام الاّ الإسم، و يرجع الشريعة إلى السّماء!
و المرضي، الفقراء، يحضرون أبواب الأغنياء.
و الأنعام الّتى لا مخرج لها، فهم الأغنياء يأخذون و لا يعطون.
و الثياب الخضر يأخذها كلّهم، و يتكلّمون للدّنيا.
و أمّا الحوض و الرّوضة، فالعلماء لا يستعملون العلم، و يستعمله من يسمعه منهم.
فقال: النصرانى: انّي أشهد أن لا إله إلا اللّه و أنّ محمّدا عبده و رسوله.(1)
فى التوراة، ولى، و فى الإنجيل و فى، و فى الزبور تقي، و عند حملة العرش سخي، و فى القرآن الراكع و السّاجد، و فى الجنّة ساق وحيد، و عند اللّه المرتضي، و هو أبو الحسن.
أسد اللّه، و حيدر، و قسورة، و ذو القرنين، و خاصف النعل، و يعسوب المؤمنين، و أبو تراب، و حامل لواء الحمد، و المجتبى، و ربّانى هذه الأمّة، و أخو رسول اللّه.
1) . عنه: دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا و المنام، الطبرسي: 335/2 و 36.
و قوله تعالى: «وَ اَلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذٰا عٰاهَدُوا»(2)، عليّ بن أبى طالب عليه السّلام.
و قوله تعالى: «وَ اَلْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحٰارِ»(3)، عليّ عليه السّلام.
و قوله تعالى: «وَ اَللّٰهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ»(4)، يعنى عليّا عليه السّلام.
و قوله تعالى: «وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ»(5)، اي: فى حبّ عليّ عليه السّلام.
و قوله تعالى: «وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً»(6)، يعنى عليّا عليه السّلام.
و قوله تعالى: «اَلسّٰائِحُونَ اَلرّٰاكِعُونَ اَلسّٰاجِدُونَ»(7)، يعنى عليّا عليه السّلام.
و قوله تعالى: «وَ تَوٰاصَوْا بِالصَّبْرِ»(8)، يعنى عليّا عليه السّلام.
1) . البقرة: 4.
2) . البقرة: 177.
3) . آل عمران: 17.
4) . آل عمران: 134.
5) . الحجرات: 1.
6) . النّساء: 69.
7) . التوبة: 112.
8) . العصر: 3.
9) . قال النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يا عليّ إذا كان يوم القيامة أقعد أنا و أنت و جبرئيل علي الصّراط، فلا يجوز علي الصّراط الاّ من كانت معه برائة بولايتك، بحار الأنوار: 70/8، معانى الأخبار: 36، روضة الواعظين: 129، مناقب امير المؤمنين، الكوفى: 429/1، الاعتقادات، للمفيد: 70، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم اذا كان يوم القيامة قال سبحانه: لى و لعلي: أدخلا إلى الجنّة من أحبكما، و أدخلا إلى النّار من أبغضكم، فيجلس عليّ عليه السّلام علي شفير جهنّم، فيقول: هذا لى، هذا لك، شرح اصول الكافى، المازندرانى: 185/5. و فى تاريخ اصبهان: 342/1 فى ترجمة سوار بن أحمد:... قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: اذا كان يوم القيامة و نصب الصّراط علي ظهرانى جهنّم، لا يجوزها و لا يقطعها الا من كان معه جواز بولاية عليّ بن أبى طالب عليه السّلام.
و قال رسول اللّه:.. مه! يا عايشة! لا تؤذينى فى عليّ عليه السّلام، فانه أخي فى الدّنيا و أخي فى الآخرة، و هو أمير المؤمنين، يجعله اللّه يوم القيامة علي الصّراط، فيدخل أوليائه الجنّة و أعدائه النّار. الأمالى للشيخ الطوسي: 290.
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من أحبّ عليّا فقد إستمسك بالعروة الوثقي.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ اللّه أمرنى أن أتخذ عليّا ظهيرا.(2)
و عن أبى ذر سألت النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عن عليّ عليه السّلام، فقال: بخّ بخّ، و من مثل عليّ؟!، ألا! و انّ عليّا كلحمى(3)من بدنى، ألا انّ عليّا منّي كهارون من موسى، عليّ أخي و صاحب لوائي يوم القيامة.
و سأله صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أعرابى عن عليّ عليه السّلام، قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: هو إبن عمّي و ختنى على إبنتى، و مفرّج الكرب عنّي، أبو ولدي، و قاضي دينى، و منجز عداتي، و القائم بغسلي و دفنى، يرد فى القيامة على ناقة من نوق الجنّة، قال: فلم يكون على الناقة و لا يكون على الخيل؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لأنا معاشر الأنبياء إخترنا النوق على الخيل، فيدفع إليه «لواء الحمد» و له سبعون شقّة، كلّ شقّة منها ما بين المشرق و المغرب(4)، فقال: كيف يحمل علىّ ذلك اللواء؟!! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يعطيه اللّه قوّة جبرئيل(5)، و صبر أيوب، و حسن يوسف، و حلم يحيى.(6)
1) . الثقات، إبن حبان: 87/9، تاريخ دمشق: 530/42، 502/39، البداية و النهاية: 12/8.
2) . الغدير: 354/5، تاريخ بغداد: 345/9، الموضوعات: 402/1، ميزان الاعتدال: 327/2، لسان الميزان: 202/3.
3) . مأة منقبة: لإبن شاذان: 140، منقبة: 72: عليّ منّي كجلدي، عليّ منّي كلّحمي، عليّ منّي كعظمي، علىّ منّي كدمي فى عروقي، عليّ منّي، أخي و وصيّي فى أهلي و خليفتى فى قومي، و يقضي دينى، و ينجز عداتي، عليّ فى الدّنيا اذا متّ عوض منّي. و عنه: غاية المرام: 181/2.
4) . فى «مشارق انوار اليقين» ص: 296: و لواء الحمد فى يديك، و هو سبعون شقة، كلّ شقة وسع ما بين الشمس إلى القمر، و آدم و من دونه تحت لوائك، و انظر: بحار الأنوار: 214/39، 139/38، عيون اخبار الرضا: 271/2، و عنه: غاية المرام: 102/3.
5) . انظر: غاية المرام: 118/5، أمالى الصدوق: 756، مجلس: 94 /ح 10، بشارة المصطفي للطبري: 125، 118 و عنه: بحار الأنوار: 137/38.
6) . لم نعثر علي جملة «و حلم يحيى»، و فى الحديث: «زهد يحيى» انظر: بحار الأنوار: 217/39، 6/8، تفسير فرات الكوفى: 506، و فى حديث آخر: «و حلم رضوان» انظر: الخصال: 583، أمالى الصدوق: 756، روضة الواعظين: 110، مناقب إبن شهر آشوب: 27/3، المحتضر: 126، بحار: 3/8.
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ حبّي و حبّ أهل بيتى فريضة من اللّه على أمّتى.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لعليّ عليه السّلام: هذا أخي و إبن عمّي و ختنى، و هذا لحمي و دمي و سرّي، هذا أبو السبطين، الحسن و الحسين سيّدي شباب أهل الجنّة، مفرّج الكرب عنّي، أسد اللّه، و سيفه فى أرضه، على مبغضيه لعائن اللّه.(2)
ثمّ قال: لو عبدتم اللّه حتّي تكونوا كالحنايا، و صمتم حتّي تكونوا كالأوتار، و صلّيتم حتّي تجفّ الركب منكم، ثمّ أبغضتموه لأكبّكم اللّه فى النّار على مناخركم.(3)
قال: قال حفص بن غياث: دخلت على جعفر الصّادق عليه السّلام، فقلت له: انّ النّاس يتّهمونك بشتم أبى بكر و عمر، فبكى!! و قال: بئس الخلف من يشتم السلف!!!
و من شجون الحديث: إنّ ائمّة الرأي فى هذا الزمان!! إستقبلوا البلد، و كانوا قعودا بظاهرها ينتظرون!!!، إذ رأو رجلا من بلد الشيعة، و كان من أهل بيت العلم، فقال قاضي البلد له: انّك رجل صادق باللّه، قل: هل يشتمون أبا بكر و عمر؟! قال: و اللّه لا يشتم أحد، و ليس الشّتم من مذهبنا، قال: ثمّ أي شيئ تفعلون؟! قال: نلعنهما!!، فإستلقي القاضي على قفاه من قوله.
قال: و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لعليّ عليه السّلام: أنت على الحقّ و الحقّ معك.(4)
الظاهر انّه: حفص بن غياث، ابو عمرو القاضي، كوفى، و ولّي القضا ببغداد الشرقيّة لهارون، و قال الشيخ «243»: عامي المذهب. و لم نعثر عليه!!!
1) . و فى حديث: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: «لا يؤمن عبد حتّي أكون أحبّ إليه من نفسه، و أهلي احبّ إليه من أهله، و عترتي احبّ إليه من عترته، و ذاتي أحبّ اليه من ذاته»: المعجم الأوسط، الطبرانى: 116/6، المعجم الكبير، الطبرانى: 86/7.، الفردوس: 154/5، أمالى الصدوق: 274، علل الشرايع: 140، و قال أيضا: «أساس الإسلام حبّي و حبّ أهل بيتى»، شرح احقاق الحق: 279/24.
2) . ذخائر العقبى: 92، ينابيع المودّة: 181/2 و فيمها: لعنة اللّه و لعنة اللاعنين.
3) . شرح احقاق الحق: 279/24، الرياض النضرة: 213/1، كنز الفوائد: 282.
4) . انظر: الغدير: 48/10، 179/3، شرح احقاق الحق: 394/16، 664، 221/15، 632/5، 484/4، 357، 356/22، و جاء أيضا بلفظ «عليّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ يدور معه حيث دار، و لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» انظر: تاريخ بغداد: 321/14، مجمع الزوائد: 236/7، الاستغاثة: 10/1، مستدرك الحاكم: 119/3، كفاية الطالب: 135، الغدير: 177/3 فما بعدها، كفاية الأثر: 120، بحار الأنوار: 326/36، عوالم العلوم: 3/15، ص: 175.
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم له: انّ لك كنزا فى الجنّة، و إنّك لذو قرنيها.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: حال عليّ عليه السّلام كحال عيسى عليه السّلام، حيث هلك فيه صنفان.(4)
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: حبّب إلى من الدنيا ثلاث: الطيب و النّساء، و جعلت قرة عينى فى الصلاة...(5)
و قال عليّ عليه السّلام: حبّب إلى الصوم بالصيف، و قرئ الضيف، و الضّرب فى سبيل اللّه بالسيف(6).
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ الأرض لتفتخر بمشي عليّ عليه السّلام عليها.
و جاء جبرئيل بتفّاحة من الجنّة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، مكتوب عليها: هذا هديّة من اللّه الطالب الغالب إلى عليّ بن أبى طالب.(7)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: عليّ عليه السّلام كروحي من جسدي.(8)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم له: منزلتك منّي كمنزلتى من ربّي.(9)
1) . الغدير: 314/6، شرح احقاق الحق: 237، 235/15، 216/6، 378، 282/4، مناقب أمير المؤمنين، الكوفى: 93/2، مسند أحمد: 159، 158/1، مفردات راغب: 401، الفائق: 79/3.
2) . مريم: 55.
3) . احقاق الحق: 146/30، المناقب، إبن شهر آشوب: 110/3 و عنه البحار: 59/35.
4) . غاية المرام: 294/4، شرح احقاق الحق: 153/23، 338/14، 292/7.
5) . الخصال: 165، وسايل الشيعة: 442/1، السنن الكبري: النسانى: 280/5.
6) . عنه: مستدرك الوسايل: 505/7.
7) . شرح احقاق الحق: 532/6. نور الأبصار: 6، الروض الفائق: 389، الصّراط المستقيم: 243/1، مدينة المعاجز: 381/1، المناب لإبن شهر آشوب: 69/2، نوادر المعجزات: 84، دلائل الإمامة: 12، المناقب، الخوارزمي: 105، الثاقب فى المناقب: 61، بحار الأنوار: 126/39 باختلاف فى الهدية: الأترجة، لبن و تمر ووو.
8) . نهج الايمان، إبن جبر: 351، الصّراط المستقيم: 252/1، شرح احقاق الحق: 113/31، 242/5.
9) . كتاب سليم بن قيس: 357، الرياض النضرة: 163/2، ذخائر العقبى: 64، الغدير: 39/8، شرح احقاق الحق: 182/23، 194/17، الصواعق المحرقة: 177، 109، بشارة المصطفي: 274.
المجلس المائة و الثلاثون فى قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ اَلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ إِثْمٌ وَ لاٰ تَجَسَّسُوا وَ لاٰ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ تَوّٰابٌ رَحِيمٌ»(1).
هذه الآية فى سورة الحجرات، و هي مدنية، و هي ثمانى عشر آية.
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر بعدد من أطاع اللّه و من عصاه.(2)
و عن إبن عبّاس: نزلت فى رجلين من الصحابة، بعثا «سلمان» رضي اللّه عنه إلى النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ليأتي لهما بطعام، فبعثه إلى «أسامة» و كان خازن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فلم يكن عنده شيئ، فأعتابا «سلمان» رضي اللّه عنه، و قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة، لغار ماؤها!!، و ظنّا بأسامة ظنّ السوء، و تجسّسا: هل عنده ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لأسامة، فنهاهما عن الظنّ و التجسّس و الغيبة(3)، و قال: «اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ اَلظَّنِّ» ممّا تظنّون بأخيكم، و من مدخله و مخرجه «إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ إِثْمٌ» من ظنّ السوء، و ما تحفّفون به إثم و معصية، و هو ما ظنّ الرّجلان بأسامة.
«وَ لاٰ تَجَسَّسُوا» اي لا تبحثوا عن عيب أخيكم، و لا تطلبوا ما ستر اللّه عليه، و هو ما يتجسّس عنه الرّجلان، «وَ لاٰ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً» هو ما إغتاب الرّجلان «سلمان» رضي اللّه عنه. «أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً» حراما بغير ضرورة، فكذلك الغيبة محرّمة، «وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ» و اخشوا عقاب اللّه، أن تغتابوا أحدا «إِنَّ اَللّٰهَ تَوّٰابٌ» متجاوز لمن تاب من الغيبة «رحيم» بمن تاب على التوبة.
إعلم! أنّ اللّه عظمّ حرمة المؤمن و حرمة ما له و حرمة دمه، فقال فى ماله: «وَ لاٰ
تَأْكُلُوا أَمْوٰالَهُمْ» (1)، «وَ لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ»(2)، و قال فى دمه: «وَ لاٰ تَقْتُلُوا اَلنَّفْسَ اَلَّتِي حَرَّمَ اَللّٰهُ»(3)، و قال فى حرمة عرضه: «وَ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ»(4)، «اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ اَلظَّنِّ»(5).
يا جبرئيل! من هؤلاء؟! قال: هؤلاء الذين يأكلّون لحم النّاس.(7)
و هاجت ريح منتنة فى عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ أناسا من المنافقين إغتابوا أناسا من المسلمين، فلذلك هاجت.(8)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ما صام من ظلّ يأكل لحوم النّاس!.(9)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّي لأعرف أقواما تدخل النّار من أفواههم و تخرج من أدبارهم، يسمع لها فى بطونهم دوي كالسّيل!! فقيل: من هم يا رسول اللّه؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم:
الذين يغتابون النّاس و يأكلون من لحومهم.(10)
1) . النّساء: 2.
2) . البقرة: 188، النّساء: 29.
3) . الانعام: 151.
4) . الأحزاب: 58.
5) . الحجرات: 12.
6) . مستدرك الوسايل، عن كتاب الأخلاق أبى القاسم الكوفى: 113/9، و مثله فى: معدن الجواهر، الكراجكي: 26، و فى مسند الشهاب: 279/1، «عن أعراض النّاس». و انظر: تفسير الثعالبى: 164/5.
7) . عنه: مستدرك الوسايل: 125/9، مجموعة ورّام: 115، و عنهما فى مصباح الفقاهة: 498/1.
8) . الأدب المفرد، البخاري: 158، ح 733، تفسير إبن كثير: 231/4، كنز العمّال: 593/3، الدرّ المنثور: 96/6.
9) . المصنّف، الكوفى: 423/2، نصب الراية، الزيعلي: 53/3، كنز العمّال: 584/3، الدرّ المنثور: 201/1، تفسير القرطبى: 336/16.
10) . عنه: مستدرك الوسايل: 125/9.
و الكذب، فإنّه يسوّد الوجه، و عليك بالصّدق، فإنّه مبارك، و الكذب شؤم، و إحذر الغيبة و النميمة، فانّ الغيبة تفطر الصّائم، و النميمة توجب عذاب القبر، و المغتاب هو المحجوب عن الجنّة.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أربعة يزيد عذابهم على عذاب أهل النّار: رجل مات و فى عنقه أموال، فيكون فى تابوت من جمر. و رجل لا يجتنب من البول، فهو يجرّ أمعائه فى النّار. و رجل يستلذّ الرفث و الفحش، فيسيل من فيه قيح و دم، و رجل إغتاب النّاس و مشي بالنميمة، فهو تأكل فى النّار لحمه.(2)
و قال رجل: يا رسول اللّه! علّمنى شيئا، قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إحفظ لسانك تسلم، و لا تبدلنّ عرضك فتشتم، و لا تغتب أخاك فتندم.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: عقوبة الغيبة أشدّ من عقوبة الزّنا، قيل: لم يا رسول اللّه؟! قال:
لأنّ صاحب الزّنا يتوب، فيغفر اللّه [له] و لا تغفر الغيبة الاّ أن يحلّله صاحبه.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من سمع الغيبة و لم يغيّر، كان كمن إغتاب، و من ردّ عن عرض أخيه المؤمن كان له سبعون ألف حجاب من النّار.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من إغتاب مؤمنا فكأنّما قتل نفسا متعمّدا.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: رأيت ليلة الإسراء رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار!! قيل: من هم؟! قال: الذين يغتابون النّاس.(7)
1) . قطعة عنه فى مستدرك الوسايل: 88/9، و قطعة أخري: كشف الغطا: 315/2، جواهر الكلاّم: 225/16، و انظر: تحف العقول: 14، و الحديث كلّه: مستدرك الوسايل: 125/9.
2) . انظر: أمالى الصدوق: 676، ثواب الاعمال: 247، روضة الواعظين: 470، وسايل الشيعة: 617/8، بحار الأنوار: 249/72، 281/8، مجمع الزوائد: 208/8، المعجم الكبير: 311/7، كنز العّمال: 71/16.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 125/9.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 130/9، أمالى الطوسي: 537، وسايل الشيعة: 120/12، جواهر الكلاّم: 66/22، علل الشرايع: 557/2، الخصال: 63، مكارم الاخلاق: 470، عوالى اللئالى: 274/1، منية المريد: 327، الترغيب و الترهيب: 511/3، كنز العمّال: 586/3.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 133/9.
6) . عنه: مستدرك الوسايل: 125/9.
7) . عنه: مستدرك الوسايل: 126/9.
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا غيبة لثلاثة: سلطان جائر، و فاسق معلن، و صاحب بدعة.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يعطي رجل كتابه، فيري حسنات لم يكن عملها، فيقول: يا ربّ! من أين هذا لى؟! فيقول: هذا ممّا إغتابك و أنت لا تشعر. و يدفع لآخر كتاب، فيقول: ما هذا كتابى! فيقول اللّه: بلى! و لكن ذهب عوضك بإغتيابك النّاس.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من أغتيب عنده أخوه المسلم، فإستطاع أن ينصره، فنصره، نصره اللّه فى الدّنيا و الآخرة.(3)
و روي: الرّجلين اللّذين إغتابا جاءا إلى النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فقال لهما: إنّي أري خضرة اللحم فى أفواهكما!!، فقالا: ما أكلنا اليوم لحما، فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: بلى! قد إغتبتما، و من إغتاب أخاه، فقد أكل لحمه، ثمّ قرأ الآية عليهما.(4)
و مرّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: بناس من أصحابه، فقال لهم: تخلّلوا!!، فقالوا ما أكلنا لحما، فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: بلي، مرّ بكم فلان، فوقعتم فيه.(5)
و قيل: الغيبة تأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب.(6)
و أمّا الظن:
فقال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أيّاكم و الظنّ، فإنّه أكذب الحديث.(7)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: انّ فى المؤمن ثلاث خصال، ليس منها خصلة الاّ و له منها مخرج،
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 128/9.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 126/9، و فيه «عملك» بدل «عوضك».
3) . أمالى الطوسي: 150/2، و عنه: وسايل الشيعة: 608/8، سبل السلام، العسقلانى: 208/4، و عنه: مستدرك الوسايل: 133/9، مكارم الاخلاق: 470، عوالى اللئالى: 265/1، بحار الأنوار: 226/72.
4) . مجمع البيان: 225/9، مستدرك الوسايل: 124/9، التفسير الصافى: 54/5، تفسير القرطبى: 336، 331/16.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 126/9.
6) . عن الصّادق عليه السّلام، فى: الرسائل العشر، الشيخ الطوسي: 325، مستدرك الوسايل: 124/9 عن «الروضة» للشيخ المفيد، مصباح الشريعة: 205، و عنه: البحار: 257/72. و فى بعض المصادر: بدل «الحطب» «الحلفاء» و هو نبات معروف (مجمع البحرين: 40/5).
7) . الموطأ: 908/2، عنه: مستدرك الوسايل: 147/9، مجمع البيان: 137/9، صحيح مسلم: 10/8، صحيح البخاري: 128/4، 431/3، مسند أحمد: 245/2، سنن ابى داود: 460/2، سنن الترمذي: 240/3.
الظنّ و الطيره و الحسد، فمن سلم من الظنّ سلم من الغيبة، و من سلم من الغيبة سلم من الزّور، و من سلم من الزّور سلم من البهتان.(1)
و امّا التجسّس:
فهو أن تبحث عن عيب أخيك.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أستروا على إخوانكم.(2)
و قال لقمان لإبنه: لا تظهر عيب المسلم، و لا تطلب عثراتهم، فإنّ من يطلبها، لو جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبيّا لم ينج من النّار.
النظائر و الوجوه:
ذكرناها فى قوله تعالى: «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ».
و ظنون الخلق على وجوه:
ظنّهم بالآباء، و الأمّهات، و بالعشيرة، و الولايات، فظنّوا أن لا يجوز مخالفتهم و لا مخالفة أهل ناحيتهم، فالأوّلون:
قال تعالى: «إِنّٰا وَجَدْنٰا آبٰاءَنٰا عَلىٰ أُمَّةٍ وَ إِنّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ مُهْتَدُونَ - إلى قوله تعالى - قٰالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدىٰ مِمّٰا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبٰاءَكُمْ»(3).
و الثّانى، قال اللّه تعالى: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ»(4)، و قال: قُلْ إِنْ كٰانَ آبٰاؤُكُمْ وَ أَبْنٰاؤُكُمْ وَ إِخْوٰانُكُمْ وَ أَزْوٰاجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ...»(5).
و الثّالث، قال اللّه تعالى: «وَ لاٰ تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَهُمْ»(6).
و هذا لا يغنى شيئا، لأنّ أهل ناحية الرّوم إجتمعوا على النصرانيّة، و أهل خزر على اليهوديّة، و أهل الصّين على مذهب الثنويّة، و أهل الهند على عبادة الأصنام.
و ظنّهم بغلبتهم، و رياستهم و إجتهادهم - ايضا - باطل، لأنّ اللّه قال: «وَ تِلْكَ اَلْأَيّٰامُ نُدٰاوِلُهٰا بَيْنَ اَلنّٰاسِ»(2)، و قال نوح عليه السّلام: «أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ»(3)، و نفاذ الأمر فى الدّنيا لا يدلّ على الحقّ، لأن فرعون لم تصبه محنة و لا صداع فى مدّة ملكه!!.
و ظنّ العامّة: أنّ المحرفة و الظّنون و الانسية فى الشرع، الّتى رتّبوها بالسنة حداد ليس بشيئ، لأن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال:
إنّ أخوف ما أخاف على أمّتى منافق عليم اللسان(5)، جاهل القلب.
شبّه اللّه «الغيبة» بأكل الميّت، و إنّما تحلّ الميتة للمضطرّ، كذلك تحلّ الغيبة للثلاثة الّتى قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا غيبة لثلاثة(6).
1) . مستدرك الوسايل: 323/11، بحار الأنوار: 200/64، 191/52، الجعفريات: 192، عوالى اللئالى: 162، 101، 33/1، كمال الدين: 200، 66/1، نوادر الراوندي: 9.
2) . آل عمران: 140.
3) . القمر: 10.
4) . الكافى: 252/2، البحار: 200/64، أمالى الطوسي: 659، مسكن الفؤاد: 13.
5) . منية المريد: 137، الترغيب و الترهيب: 128/1، كنز العّمال: 176/10، بحار الأنوار: 110/2، الغدير: 88/5، مسند أحمد: 44، 22/1، مجمع الزوائد: 187/1، الجامع الصغير: 50/1.
6) . لا غيبة لثلاثة: سلطان جائر، و فاسق معلن، و صاحب بدعة، عنه: مستدرك الوسايل: 128/9.
7) . الإختصاص: 242 عن الرضا عليه السّلام، تحف العقول: 45، شرح نهج البلاغة: 71/9، عوالى اللئالى: 264/1، كشف الريبة: 36، مشكات الأنوار: 234.
8) . عنه: مستدرك الوسايل: 147/9.
و أذي الوالدين، و اليمين الكاذبة، و الغيبة.(1)
و قيل: كان اللّه يقول: لا تظنّ بالقلب، و لا تغتب باللسان، و لا تجسّس بالبدن، فإنّي أطلب من اللّسان الشهادة، و من القلب الصّفوة، و من البدن الطّاعة، فأترك التجسّس فإنّ هذه الثلاثة لا تجتمع مع تلك الثلاثة.
يقال: «جنّبه الشرّ» أبعده عنه، و حقيقته: جعله منه فى جانب، فيعدّي إلى مفعولين، قال تعالى: «وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنٰامَ»(2).
ثمّ يقال فى مطاوعه: «إجتنب الشرّ» فتقص المطاوعة مفعولا.
و المأمور بإجتنابه هو بعض الظنّ، و ذلك البعض موصوف بالكثرة، ألا تري إلى قوله: «إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ».
فإن قيل: بيّن الفصل بين «كثيرا» حيث جاء نكرة، و بينه و جاء معرفة؟!
قلنا: مجيئه نكرة يفيد معنى البعضيّة، و أنّ فى الظّنون ما يحب أن يجتنب من غير تبيين لذلك، و لا تعيين، لئلاّ يجترئ أحد على ظنّ الاّ بعد تأمّل و تميز بين حقّه و باطله، بإمارة بيّنة، مع إستشعار التّقوي و الحذر.
و لو عرّف، لكان الأمر بإحسان الظنّ منوطا بما يكثر منه، دون ما يقلّ، و وجب أن يكون كلّ ظنّ متّصف بالكثرة مجتنبا، و ما إتّصف منه بالقلّة مرخّصا فى تظنّنه عند من يجيز دليل الخطاب. و الّذي يميز الظّنون الّتى يجب إجتنابها عمّا سواها: أنّ كلّ ما لم يعرف له إمارة صحيحة و سبب ظاهر، كان حراما واجب الأجتناب، و ذلك: إذا كان المظنون به ممّن شوهد منه الستر و الصّلاح، و أونست منه الأمانة فى الظاهر، فظنّ الفساد و الخيانة به محرّم، بخلاف من إشتهره النّاس بتعاطي الريب و المجاهرة بالخبائث.
و الأثم: الذنب الّذي يستحقّ صاحبه العقاب، و «الهمزة» فيه بدل عن «الواو»، كأنّه «يثم» الأعمال أي: يكسرها بإحباطه.
و «التجسّس» التطلّب، من «الجسّ».
و «الغيبة» ذكر السّوء فى الغيبة. و قيل: هي ذكر العيب على وجه تمنع الحكمة منه، و قيل فى قوله تعالى: «اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ اَلظَّنِّ» هو: أن يظنّ بأهل الخير سوءا، و أمّا أهل السّوء و الفسق، فلنا أن نظنّ بهم مثل ما ظهر منهم. و قيل:
هو أن يظنّ بأخيه المسلم سوء، و لا بأس به، ما لم يتكلّم به، و إن تكلّم بذلك الظنّ و أبدأه، أثمّ، و هو قوله تعالى: «إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ إِثْمٌ».
و الظنّ المحمود، قد بيّنه اللّه تعالى بقوله: «لَوْ لاٰ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً»(1).
روي: إنّ اللّه تعالى قال لموسى عليه السّلام: من مات تائبا من الغيبة، فهو آخر من يدخل الجنّة، و من مات مصرّا عليها، فهو أوّل من يدخل النّار.(3)
قوله: «فَكَرِهْتُمُوهُ» لفظه خبر، و معناه: أمر، أي: أكرهوا، و قال: «أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ» يعنى: أنّ المغتاب اذا كان غائبا لا يقدر على الدفع عن نفسه، كالميّت، فخذ حذرك و لا تظنّ بأخيك ظنّ السّوء، كما لا تظنّ بنفسك و لا تغتابها، فإنّه يضرّك.
المجلس المائة و الحادي و الثلاثون فى قوله تعالى: «وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنٰا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَفِرُّوا إِلَى اَللّٰهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، وَ لاٰ تَجْعَلُوا مَعَ اَللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ»(1).
هذه الآية فى «الذّاريات»، و هي مكيّة، و هي ستّون آية، و إلى هيهنا ثمان و أربعون آية.
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأ هذه السّورة، أعطاه اللّه عشر حسنات بعدد كلّ ريح هبت و جرت فى الدّنيا.(2)أي: خلقنا لونين من كلّ شئ، لكي يتّعظوا فيما خلقه اللّه.
إعلم! أنّ اللّه جعل أكثر الأشياء على حال لا ينفع أحدها دون شكله، فضوء العين لا ينفع دون ضوء النّهار، و لا النّار الاّ بالحطب، و لا الرّجل الاّ بالمرأة، و مثله المقراضان.
روي: انّ رجلا أتاه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فقال: يا رسول اللّه! أدع [اللّه] لى!، قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أعنّي بكثرة الرّكوع و السّجود.(3)
و قيل لزاهد: أذكرنى فى الدّعاء، قال: كن على الباب!!.
و قيل: كونوا عبيدا بأفعالكم، كما أنتم بأقوالكم.
«الزّوج» على خمسة أوجه:
زوج الرّجل: «اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ»(4).
«و زوج المرأة: «قَدْ سَمِعَ اَللّٰهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجٰادِلُكَ فِي زَوْجِهٰا»(5).
و النصف: «ثَمٰانِيَةَ أَزْوٰاجٍ مِنَ اَلضَّأْنِ اِثْنَيْنِ وَ مِنَ اَلْمَعْزِ اِثْنَيْنِ»(1).
و القرين: «اُحْشُرُوا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْوٰاجَهُمْ»(2).
و اللّون: «وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنٰا زَوْجَيْنِ»(3)، اي: لونين، يعنى حلوا و حامضا، و مرّا و عذبا، و ذكرا و أنثي.
يقول: خلقت من كلّ شيئ صنفين، مثل الليل و النّهار، و النّور و الظلمة، و الشّمس و القمر، و البرّ و البحر، و الموت و الحياة، و انّ كلّ إثنين زوج، و اللّه تعالى فرد لا مثل له، أي: جعلنا ذلك كلّه من السّماء و الأرض، و خلق الأزواج، إرادة أن يتذكّروا، فيعرفوا الخالق، فيعبدون، ففرّوا إلى طاعته و ثوابه، من معصيته و عقابه، و وحّده، و لا تشركوا به.
و قيل: خلقنا الذّكر و الأنثي، لتعلموا أنّ خالق الأزواج فرد واحد لا يشبهه شيئ.
و عن الصّادق عليه السّلام: فى قوله تعالى: «فَفِرُّوا إِلَى اَللّٰهِ» فمعناه: حجّوا بيت اللّه.(4)
و الوجه فى تكرير قوله «إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ»، أنّ الثّانى ينعقد بغير ما إنعقد به الأوّل، إذ تقديره: إنّي لكم نذير فى الإمتناع، من جعل إلها آخر معه، و تقدير الأوّل إنّي لكم منه نذير فى ترك الفرار إليه بطاعته، فهو كقولك: أنذرك أن تكفر باللّه، أنذرك أن تتعرّض سخط اللّه.(5)
[أذكر و لا تنس مصرعك] يوم الفراق من الأزواج و الأولاد.(6)
1) . الانعام: 143.
2) . الصافات: 22.
3) . الذاريات: 49.
4) . مجمع البيان: 242/9، و فى معانى الأخبار: 322، و الكافى: 356/4، عن أبى جعفر محمّد بن علي الباقر عليه السّلام، و فى الفقيه: 127/1 عن زيد بن علي عن أبيه عليه السّلام.
5) . انظر: مجمع البيان: 243/9.
6) . قال الإمام الهادي عليه السّلام: أذكر مصرعك بين أهلك، و لا طبيب يمنعك، و لا حبيب ينفعك، بحار الأنوار: 370/75.
و بين يديك فراقان: فراق يوم الموت، و فراق عند مفرق طريقين: «وَ اِمْتٰازُوا اَلْيَوْمَ أَيُّهَا اَلْمُجْرِمُونَ»(1).
و قد كان فى الدّنيا، و لا يدري هل يكون بعد فراق الدّنيا، تلاق أم لا؟!.
1) . يس: 59.
المجلس المائة و الثّانى و الثلاثون فى قوله تعالى: «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ اَلذِّكْرىٰ تَنْفَعُ اَلْمُؤْمِنِينَ، وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ»(1).
من أوّل سورة «الذّاريات» إلى هيهنا أربع و خمسون آية.
لمّا نزلت «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمٰا أَنْتَ بِمَلُومٍ» أي: قد بلّغت و أنذرت، فإغتمّ المسلمون، و رأوا أنّ الوحي قد إنقطع، و العذاب قد يحضر، فأنزل اللّه هذه الآية.(2)أي:
عظ النّاس بالقرآن، فإنّ العظة منه «تَنْفَعُ اَلْمُؤْمِنِينَ» أي: تزيد المؤمنين صلاحا، و ما خلقتهم الاّ ليوحّدونى و يطيعونى و يعبدونى.
إعلم! أنّ اللّه قال لعيسى عليه السّلام: عظ نفسك، فإن إتّعظت، فعظ النّاس، و الاّ فاستحيى منى!.(3)
و يحتاج النّاصح إلى نصيحة نفسه أوّلا، كما قال يحيى عليه السّلام: نصحت النّاس قولا و نصحت نفسي فعلا، فاعف عنّي جناية نفس واحدة!! بنصيحة مأة ألف و زيادة.(4)
و قال تعالى: «وَ عِظْهُمْ وَ قُلْ لَهُمْ»(5)، قال: «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ اَلذِّكْرىٰ تَنْفَعُ اَلْمُؤْمِنِينَ»(6)
و قال نوح عليه السّلام: «وَ أَنْصَحُ لَكُمْ»(7)، و قال هود عليه السّلام: «وَ أَنَا لَكُمْ نٰاصِحٌ أَمِينٌ»(8)، و قال صالح و شعيب عليهما السّلام: «وَ نَصَحْتُ لَكُمْ»(9).
1) . الذاريات: 55 و 56.
2) . انظر: مجمع البيان: 243/9.
3) . مجموعة ورام: 239/1 و فيه: أوحي اللّه تعالى إلى بعض أنبياء بنى إسرائيل...
4) . لم نعثر عليه، و كذا فى المتن!، و نقل عن أبى الحسين الرازي، انّه قال عند الموت: اللهم إنّي نصحت الناس قولا وخنت نفسي فعلا، فهب خيانة فعلي لنصح (لنصيحة) قولى. تاريخ بغداد: 320/14، البداية و النهاية: 144/11.
5) . النّساء: 63.
6) . الذّاريات: 55.
7) . الاعراف: 62.
8) . الأعراف: 68.
9) . الأعراف: 79 و 93.
فالعظة و النّصيحة و الدّلالة و الهداية أمور مباركة.
و قال اللّه تعالى: «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلىٰ تِجٰارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذٰابٍ أَلِيمٍ»(1)، و قال تعالى: «وَ تَهْدِي مَنْ تَشٰاءُ»(2).
و الدّال على الخير كفاعله(3)، و الدّال على الشرّ كفاعله(4).
و من كان الغراب له دليلا *** فناوس المجوس له مقيل.(5)
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا تجلسوا عند كلّ عالم، و أجلسوا عند من يدعوكم من خمس إلى خمس: من الشكّ إلى اليقين، و من الكبر إلى التواضع، و من العداوة إلى النّصيحة، و من الرّياء إلى الإخلاص، و من الرغبة إلى الزّهد.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: جالسوا من يذكّركم الآخرة.(7)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: عليكم بعالم أفقره علمه، و أياكم و عالما أغناه علمه.(8)
و قال اللّه لداود عليه السّلام: ذكّرهم آلائي و نعمائي(9).
و روي: إنّ اللّه إذا أراد بعبد خيرا جعل له واعظا من نفسه.(10)
1) . الصف: 10.
2) . الأعراف: 155.
3) . عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الكافى: 27/4، الفقيه: 380/4، 55/2، الخصال: 134/1.
4) . شرح مسند ابى حنيفة: 583، إحياء العلوم: 136/14، محجة البيضاء: 95/8، قوت القلوب: 75/2.
5) . هو: لأبى الشيص الخزاعي، إبن عمّ الشاعر دعبل الخزاعي، ترجمته فى: تاريخ بغداد: 401/5، طبقات الشعراء: 72.
6) . الإختصاص: 335 و فيه: كلّ عالم يدعوكم، الاّ عالم يدعوكم من الخمس...، و مثله: البحار: 205/1، و فى عدّة الداعي: لا تجلسوا عند كلّ داع مدّع... و تقربوا...: 78، و مثله فى مصباح الشريعة: 20، و البحار: 52/2.
7) . لم نعثر عليه، و عن عيسى عليه السّلام: جالسوا من يذكركم اللّه رؤيته، و لقائه فضلا عن الكلاّم، مستدرك الوسايل: 204/12، مصباح الشريعة: 161، تاريخ دمشق: 452/47، و فيه: و من يزد فى عملكم منطقه، و من يرغبكم فى الآخرة عمله.
8) . لم نعثر عليه بألفاظه.
9) . مستدرك الوسايل: 240/12، بحار الأنوار: 390/67، مصباح الشريعة: 173.
10) . عن أم سلمة زوجة النّبىّ رضي اللّه عنها: مجموعة ورام: 77/2، أعلام الدين: 217.
«وَ لاٰ هُمْ يَذَّكَّرُونَ» (1)، «فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ اَلذِّكْرىٰ»(2)، «فَذَكِّرْ إِنَّمٰا أَنْتَ مُذَكِّرٌ»(3)، «فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخٰافُ وَعِيدِ»(4)، «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّٰى عَنْ ذِكْرِنٰا»(5)، «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيٰاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهٰا»(6).
كان نقش خاتم الحسين عليه السّلام: علمت، فإعمل.(7)
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ما أنزلت آية أشدّ علينا منها، فإنّ هذا من سخط أومقت، يعنى قوله تعالى: «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ»(8)((9)
و فى مجمع البيان: 243/9: و روي بالاسناد عن مجاهد، قال خرج علي بن ابى طالب مغتّما مشتملا فى قميصه، فقال: لما نزلت «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمٰا أَنْتَ بِمَلُومٍ» لم يبق أحد منّا الا أيقن بالهلكة، حين قيل للنبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ» فلمّا نزل «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ اَلذِّكْرىٰ تَنْفَعُ اَلْمُؤْمِنِينَ» طابت نفوسنا. و انظر أيضا: تفسير جوامع الجامع: 600، 184/4، الميزان: 390/18.
.و قيل: لو لا أنّ اللّه قال: «و ذكّر» بعدها، لأخذهم بالعذاب.
و قوله: «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ» أي: فأعرض عن الذين كرّرت عليهم الدّعوة، فلم يجيبوا، و عرفت منهم العناد و اللّجاج، فلا لوم عليك فى إعراضك بعد ما بلّغت رسالتك، و لا تدع التذكير و الموعظة بأيّام اللّه، فإن الموعظة تؤثّر فى
1) . التوبة: 126.
2) . الأعلي: 9.
3) . الغاشية: 21.
4) . ق: 45.
5) . النجم: 29.
6) . السجدة: 22.
7) . عنه: مستدرك الوسايل: 307/3، ارشاد القلوب: 15/1.
8) . الذاريات: 54.
9) . لم نعثر عليه عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و الظاهر أنّه من اغلاط النّاسخ، و كم له من نظير!!! و فى الدرّ المنثور: 116/6: عن علي عليه السّلام فى قوله: «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمٰا أَنْتَ بِمَلُومٍ»: ما نزلت علينا آية كان أشدّ علينا منها، و لا أعظم علينا منها، فقلنا ما هذا إلاّ من سخطة أو مقت، حتّي نزلت: و ذكر فإنّ الذّكري تنفع المؤمنين.
الّذين عرف اللّه منهم: أنّهم يدخلون فى الإيمان.
و ما خلقتهم جميعا، الاّ لأجل العبادة، و لم أرد من جميعهم الاّ أياها، و أراد: أن يعبدوه مختارين، فإختار بعضهم ترك العبادة، مع كونه تعالى مريدا لها، و لو أرادها على القسر، لوجدت عن جميعهم.
معناه: لم أخلق الجنّ و الإنس الاّ لعبادتي، و المعنى: لعبادتهم إيّاي، فإذا عبدونى إستحقّوا الثواب. و قيل: إلاّ لآمرهم و أنهاهم و أطلب منهم العبادة. و «اللاّم» لام الغرض، و المراد أنّ الغرض فى خلقهم، تعريضهم للثّواب، و ذلك لا يحصل الاّ بأداء العبادات. فصار كأنّه سبحانه خلقهم للعبادة، أنّه إذا لم يعبده قوم، لم يبطل الغرض، و يكون كمن هيّأ طعاما لقوم، و دعاهم ليأكلوه، فحضروا، و لم يأكله بعضهم، فإنّه لا ينسب إلى السفه، و يصحّ غرضه، فإنّ الأكل موقوف على إختيار الغير، و كذلك المسألة، فإنّ اللّه إذا أزاح علل المكلّفين من القدرة و الآلة و الألطاف، و أمرهم بعبادته، فمن خالف، فقد أتي من قبل نفسه، لا من قبل سبحانه و تعالى.
قيل لبهلول: عظنا - و كان فى مقابر الكوفة - قال: بم أعظكم؟! و أشار و قال:
هذه قصورهم، و هذه قبورهم!! لو علمت أنّكم تخافون اللّه، أو ليس كلّ أب بينكم و بين آدم قد مات!!، و ليس بين الجنّة و النّار منزل.
المجلس المائة و الثّالث و الثلاثون فى قوله تعالى: «هَلْ جَزٰاءُ اَلْإِحْسٰانِ إِلاَّ اَلْإِحْسٰانُ»(1).
من أوّل سورة الرّحمان إلى هيهنا ستّون آية، و هي ثمان و سبعون آية.
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ من قرأ سورة «الرّحمان» رحم اللّه ضعفه، و كأنّه شكر ما أنعم اللّه عليه.(2)
و المعنى: هل جزاء من أنعمنا عليه بإعطاء الفعل و التمكين و الألطاف، حتّي حصل التّوحيد، الاّ الشكر؟!، و هل جزائه الاّ الجنّة.
إعلم! أنّ معاملة اللّه مع عبيده بالإبتداء، كان تفضّلا و كرما و إنعاما و إحسانا، و تكليفه أيّاهم، من أعظم النّعم و أحسنها. فإذا آمنوا به و أطاعوه، زاد إلى إستحقاقهم التفضّل. فإن أذنبوا فى ما بين ذلك أوعدهم، و دعاهم إلى التّوبة، فإن تابوا، تاب اللّه عليهم، و بدّل سيّئاتهم حسنات، و إن كفر بعضهم، لا يأخذهم على الغفلة، بل يمهلهم، فإن أصرّوا على الكفر و الكفران، و نسوا اللّه، فنسيهم و خذلهم، فلمّا زاغوا، أزاغ اللّه قلوبهم.
و فى الخبر عن اللّه: عبدى! الخير منّي إبتداء، و الشرّ منّي إليك جزاء(3)- يعنى العقاب - فمن أوتي بمشتاقك، منّي، و من أوتي بسّيئاتك، منك.(4)
1) . الرحمان: 61.
2) . مجمع البيان: 296/9.
3) . فى البحار: 93/5: الخير منّي إليك بما أوليتك به، و الشرّ منّي إليك بما جنيت جزاءا. و كذا فى تفسير القمي: 211/2، و عنه: الميزان: 60/17.
4) . و فى المصادر: يا بن آدم أنا أولى بحسناتك منك، و أنت أولى بسيّئاتك منّي، أنظر: التوحيد: 363، الكافى: 152/1، عيون أخبار الرضا: 131/2، الجواهر السنيّة: 356، 320، بحار الأنوار: 56، 16، 5/5، 57.
أحرمك معروفى، يا بن آدم! أمّا أنا لا أكون لك كما كنت لى، و أنّ اللّه يقول:
«مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا» (1)أو أزيد، و من جاء بالسيئة فله مثلها، أو أعفو، و من تقرّب منّي شبرا، تقرّبت منه ذراعا، و من تقرّب منّي ذراعا تقرّبت منه باعا.(2)
و روي: أنّ موسى عليه السّلام رأي على حجر مكتوبا: جزاء الحسنة السيّئة، فقال: يا رب! كيف هذا؟! قال: أقلبه، فإذا على الجانب الآخر: عند من لا أصل له.(3)
و قال عليّ عليه السّلام: ما أحسنت إلى أحد!!، قيل: و كيف؟! قال: لأنّي أحسنت إلى نفسي، لقول اللّه: «إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ»(4).
و روي: المحسن سيجزي بإحسانه، و المسيئي يكفي مساويه.(5)
«مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا» (6)، «فَأَثٰابَهُمُ اَللّٰهُ بِمٰا قٰالُوا - إلى قوله - اَلْمُحْسِنِينَ»(7)، «إِنَّهُمْ كٰانُوا قَبْلَ ذٰلِكَ مُحْسِنِينَ»(8)، «وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ»(9)، «وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً»(10)، «إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسٰانِ»(11).
1) . الأنعام: 160.
2) . انظر ذيل الخبر: مسند أحمد: 480/2، صحيح البخاري: 212/8، صحيح مسلم: 62/8 و...
3) . لم نعثر عليه. و روي عن عليّ عليه السّلام: اتّق شرّ من أحسنت إليه. المنهج القوي: 49/3 و عنه: أحاديث مثنوي: 73، و قد يضاف عليه: عند من لا أصل له، انظر: تاريخ البيهقي، طبع فيّاض: 467، كلية و دمنة: 405، نفثة المصدور، طبع يزدگردي: 82.
4) . الإسراء: 7، انظر: محاضرات الأدباء: 270/1 بتفاوت يسير، تفسير جوامع الجامع: 361/2، الكشاف: 650/2، تفسير الصافى: 178/3 و فيهم: و لا أسأت إليه، تمام نهج البلاغة: 598.
5) . لم نعثر عليه. و فى وصايا لقمان: يا بنى! المحسن تكافأ بإحسانه، و المسيىء يكفيه مساويه: الإختصاص للمفيد: 337.
6) . الانعام: 160.
7) . المائدة: 85.
8) . الذّاريات: 16.
9) . البقرة: 195، المائدة: 93.
10) . البقرة: 83.
11) . النحل: 90.
قيل: هل جزاء الإسلام الاّ دار السّلام. و هل جزاء من أحسن إليك الاّ أن تحسن اليه؟!، و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: هل جزاء من قال: لا إله إلا اللّه، إلا الجنّة؟!(1)فإن قيل: المنافق يقول ذلك، و لا جنّة له؟! قلنا: قال الرّضا عليه السّلام: من قال لا إله الاّ اللّه، بشرطها و شروطها، و أنا من شروطها.(2)
و حكي: أنّ عمرو بن سعد خرج نحو الشّام فى سبعين ألف راكب، فإذا هو بشجاع قد لحقه العطش، فشاور أصحابه، فأشاروا بقتله، فقال: هو إلى الماء أحوج منه إلى القتل، فنزل عن دابّته، و حلّ إداوته، و صبّ فى فيه الماء، حتّي سكن منه العطش، و رجع إلى جحره، ثمّ ذهب عمرو، و حارب القوم، فهزموه، فبقي فريدا على ناقة له، فإذا هو بهاتف يهتف، فإلتفت، فإذا هو ببكرة!!، قال:
فركبتها، و اجتنبت بعيري، فلمّا أصبحت، رأيت نفسي إلى باب منزلى!! و سارت لى ثلاثة و ثلاثين منزلا فى ليلة!!، فقلت: من أنت؟! فقال: أنا الشجاع الّذي أبصرتنى بالرمضاء، و سقيتنى!!.
شعر:
الخير يبقي و إن طال الزّمان به *** و الشرّ أخبث ما أوعيت من زاد
معنى الآية: ليس جزاء من أحسن فى الدّنيا، الاّ أن يحسن إليه فى الآخرة.
و قيل: معناه: هل جزاء من أحسن إليكم بهذه النعم الاّ أن يحسنوا فى عبادته و
1) . مجمع البيان: 315/9، بحار الأنوار: 302، 294/9، علل الشرايع: 250/1.
2) . أمالى الصدوق: 235، التوحيد: 25، ثواب الأعمال: 6، روضة الواعظين: 42/1، الصّراط المستقيم: 175/2، عوالى اللئالى: 94/4، عيون أخبار الرضا عليه السّلام: 135/2، معانى الأخبار: 370، المناقب، لإبن شهر آشوب: 101/3.
3) . مجمع البيان: 316/9، بحار الأنوار: 105/8.
شكره.(1)
و ظاهر الكلام يحتمل الأمرين.
و قال الصّادق عليه السّلام: آية فى كتاب اللّه مسجّلة، قيل: ما هى؟ قال: قول اللّه تعالى:
«هَلْ جَزٰاءُ اَلْإِحْسٰانِ إِلاَّ اَلْإِحْسٰانُ» جرت فى الكافر و المؤمن و البرّ و الفاجر، و من صنع إليه معروف، فعليه أن يكافى به، و ليس المكافاة أن تصنع كما صنع، حتى يربى [تربى]، فإن صنعت كما صنع، كان له الفضل بالإبتداء.(2)
و قيل: هل جزاء الإحسان فى العمل، الاّ الإحسان فى الثواب.
أيّها العبد! أنّ اللّه أحسن إليك، و أنت تجازيه بالإسائة، فمخوف أن يمنعك إحسانه!!.
المجلس المائة و الرّابع و الثلاثون فى قوله تعالى: «هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ اَلْآخِرُ وَ اَلظّٰاهِرُ وَ اَلْبٰاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»(1)
هذه الآية من سورة «الحديد»، و هي مكيّة. و فى رواية إبن عبّاس: مدنيّة. و هي تسع و عشرون آية، و هي الآية الثالثة.
و المعنى: هو أوّل الموجودات، و تحقيقه: أنّه سابق لجميع الموجودات ممّا لا يتناهي من تقدير الأوقات، لأنّه قديم، و ما عداه محدث، و القديم يسبق المحدث بما لا يتناهي من تقدير الأوقات.
و هو الآخر بعد فناء كلّ شيئ، لأنّه تعالى ينفي الأجسام كلّها، و ما فيها من الأعراض، و يبقي وحده، و فى هذا دلالة على فناء الأجسام.
و قيل: الأوّل قبل كلّ شئي بلا إبتداء، و الآخر بعد فناء كلّ شيئ بلا إنتهاء.
فهو الكائن لم يزل و الباقي لا يزال، و هو اللّه «الظّاهر» الغالب العالى، على كلّ شيئ، فكلّ شيئ دونه، و «الباطن» العالم بكلّ شيئ، فلا أحد أعلم منه.(2)
إعلم! أنّ سبب ميل العبد إلى أحد - دون اللّه - لا يخلوا من أربعة أوجه:
إمّا: أن يذكر إحسانه إلى نفسه، أوّلا، فيعتقد له حبّا، كما قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها، و بغض من أساء إليها.(3)
أو أن يذكر حاجته إليه آخرا، فيقول: لعلّه يعرض لى إليه شغل، فيميل إليه طمعا.
أو أن يري عزّه و شرفه فى الحال، فيميل إليه تصنّعا.
أو أن يحبّ مؤانسته و مصاحبته، فيقصده.
فوضع اللّه فى هذه الأحوال عند عباده، أيادي و نعما، ليستميل بها قلوبهم إلى نفسه، و يقطع بها دعوي غيره عن عبده، حتّي يتبيّن أن لا عذر لمن أعرض عن بابه، و لا بصيرة لمن تبرّأ منه، و لا حجّة لمن عبد غيره، و لا عقل لمن آثر خدمته غيره.
فقال: أنا الأوّل و الآخر، فالإنقطاع عنّي محال، و الميل عن خدمتى و بال.
فمن دعا بهذه الدعوات الأربع، يصرّف اللّه عنه بلوي الأوّل و الآخر و الظّاهر و الباطن.
و قيل فى تفسير «الأوّل»: الأوّل عنده كالآخر، و الظّاهر عنده كالباطن.
و قيل: هو الأوّل قبل كلّ حي، و الآخر بعد كلّ حي، و الظاهر الغالب على كلّ حي، و الباطن الحي يميت الأحياء.
و قيل: هو الأوّل، مبدء كلّ شيئ و مؤوّلها، و مؤخّر كلّ آخر، و مظهر كلّ ظاهر، و مبطن كلّ باطن، هو الأوّل بلا غاية، و الآخر بلا نهاية، و الظّاهر الدّائم بلا فناء، و الباطن العالم الّذي لا ينقطع عجائبه.
«وَ لاٰ تَكُونُوا أَوَّلَ كٰافِرٍ بِهِ» (3)، «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ»(4)، «أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ»(5)، «وَ أَنَا أَوَّلُ اَلْمُسْلِمِينَ»(6)، «أَ لَمْ نُهْلِكِ اَلْأَوَّلِينَ»(7)، «قُلْ
1) . مكارم الأخلاق: 309 و عنه بحار الأنوار: 317/90.
2) . نور البراهين، السيد نعمت اللّه الجزايري: 64/2، شرح نهج البلاغة: 155/5 و فى نهج البلاغة: الظاهر الغالب القاهر، و الباطن العالم الخبير، انظر تمام الخطبة فى شرح نهج البلاغة: 88/13، و فى تفسير «سور آبادى»، نسبت إلى قيل: 2528/4.
3) . البقرة: 41.
4) . آل عمران: 96.
5) . الأنعام: 14.
6) . الأنعام: 163.
7) . المرسلات: 16.
«إِنَّ اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلْآخِرِينَ» (1).
«هو الأوّل» أي: هو القديم الّذي كان قبل كلّ شيئ، «و الآخر» الذي يبقي بعد هلاك كلّ شيئ، «و الظّاهر» بالأدلّة الدّالّة عليه، «و الباطن» لكونه غير مدرك بالحواسّ.
و «الواو» الأولى، معناه: الدّلالة على أنّه الجامع بين [الصفتين: الأوّلية و الآخرية، و الثالثة، على أنّه الجامع بين الظهور و الخفاء، و أمّا الوسطي، فعلي انّه الجامع بين(2)] مجموع الصفتين الأوّليّين، و مجموع الصفتين الآخريّين، فهو المستمرّ الوجود فى جميع الأوقات الماضية و الآتية، و فى تقدير الأوقات، و هو فى جميعها ظاهر و باطن.
و فى هذا حجّة على من جوّز إدراكه فى الآخرة بالحاسّة!!.
و قيل: «الظّاهر» [العإلى على كلّ شيئ الطّالب له] من «ظهر عليه»، إذا علاه و غلبه، و «الباطن» الّذي [بطن كلّ شيئ، أي:] علم باطنه.
قيل: «الواو» مقحمة، و المعنى: هو الأوّل الآخر الظّاهر الباطن، لأنّ من كان منّا أوّلا، لا يكون آخرا، و من كان منّا ظاهرا، لا يكون باطنا، و معنى «الأوّل» أنّه قبل كلّ شيئ، و معنى «الآخر» الباقي بعد كلّ شيئ، و «الظّاهر» أي: العالم بما ظهر، و «الباطن» العالم بما بطن.
و قيل: «الظّاهر»: الغالب له، «فَأَيَّدْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا عَلىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظٰاهِرِينَ»(3)، أي: غالبين، أي: ظهر على كلّ شيئ، و كلّ شيئ دونه. و هو باطن جميع الأشياء، فلا شيئ أقرب إلى شيئ منه.
فلينظر إلى هذه الألفاظ الّتى تستعمل فى صفة اللّه، فإنّه الّذي يكون وصفا
إعتبارا بساير أسمائه تعالى، ألا تري أنّها كلّها صفات، أو مصادر وضعت موضع الصفات. إلاّ قولهم شيئ، فكذا «أوّل» بمعنى: اللّه الأوّل، و الآخر، أنه موصوف بالوجود قبل ساير الموجودات، و بأنّه يبقي موجودا بعد فناء الموجودات، فهذه صفة له بقياسه إلى خلقه، أي: كان و لم يكونوا، و يكون و قد فنوا.
و أوّل صفة، و لا يكون صفة الاّ أن يكون - من معها - مرادا، أو مضافة إلى ما عاقب.
و قامت الدّلالة: إنّ الذّي يقدّر معها، لا يقع هذا الموضع، فثبتت انّه المضاف الّذي إضافته معاقبة لمن.
و «الظّاهر» يطّرد فيه أقوال ثلاثة، من أنّه: الغالب، و العالم، و الجلّي الوجود بالأدلّة.
و الأظهر من معنى «الظّاهر» و «الباطن»: أنّه ظاهر من وجه، و باطن من وجه، لأنّه بلأدلّة الدالّة عليه ظاهر، و عن الإدراك بالحسّ باطن.
إعلم! أنّ اللّه مصلح لأوّلك و آخرك و ظاهرك و باطنك، فأدم على بابه، ليصلح لك جميع أحوالك: دينا و دنيا، و آخرة و عقبى.
المجلس المائة و الخامس و الثّلاثون فى قوله تعالى: «أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللّٰهِ وَ مٰا نَزَلَ مِنَ اَلْحَقِّ وَ لاٰ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ مِنْ قَبْلُ فَطٰالَ عَلَيْهِمُ اَلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فٰاسِقُونَ»(1).
من أوّل سورة الحديد إلى هيهنا خمس عشرة آية.
عن إبن عبّاس: إستبطأ اللّه قلوب المهاجرين بالخشوع بعد نزول الوحي بأربع عشرة(2)سنة، فنزلت هذه الآية. و قيل: ظهر منهم المزاح، فنزلت. و قيل: نزلت فى المنافقين.
يقول: «أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا» بالعلانية، أن تلين و تذلّ و تخفض «قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللّٰهِ» أي: لوعد اللّه و وعيده. و قيل: لتوحيده، و ما نزل من الحق، من الأمر و النهي و الحلال و الحرام فى القرآن، «وَ لاٰ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ» أي:
أعطوا العلم بالتّوراة، «مِنْ قَبْلُ» أي: من قبل محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و القرآن، و هم أهل التوراة، «فَطٰالَ عَلَيْهِمُ اَلْأَمَدُ» أي: الأجل «فقست» أي: صلبت و جفّت «قلوبهم» عن الايمان، و هم الذين خالفوا دين موسى عليه السّلام، «وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ» أي من أهل التوراة «فاسقون» أي: كافرون لا يؤمنون فى علم اللّه.
إعلم! أنّه كان يرد من اللّه تعالى ثلاثة كتب:
كتاب التهديد: «فَاتَّقُوا اَلنّٰارَ»(3)، «وَ اِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اَللّٰهِ»، « يُحَذِّرُكُمُ اَللّٰهُ نَفْسَهُ»(4)، «وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللّٰهُ نَفْسَهُ»(5)، «وَ إِيّٰايَ فَاتَّقُونِ»(6).
و كتاب الصلح: «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا»(1)، «أَ فَلاٰ يَتُوبُونَ إِلَى اَللّٰهِ»(2)، «وَ أَنِيبُوا إِلىٰ رَبِّكُمْ»(3)، «أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ»(4).
و كتاب الإشخاص: «كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ اَلْمَوْتِ»(5)، «قُلْ يَتَوَفّٰاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ»(6).
فالأوّل: هدّدهم بالقيامة و النّار، و بنفسه. و قيل: ليست آية أخوف فى القرآن من قوله: «وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللّٰهُ نَفْسَهُ»(7).
و أمّا الثانى: فإنّه تعالى طلب الصلح من عباده الفارّين.
و أمّا الإشخاص: فإنّه لمن لا يرجع إليه.
رأي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم رجلا يعبث فى الصّلاة، فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه.(8)
و كان صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يدخل فى الصّلاة، و لجوفه أزير كأزير المرجل من البكاء.(9)
و لم يهبط جبرئيل عليه السّلام على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم الاّ عابسا مهموما، فسأله عن حاله فقال: مذ وقعت المنافخ على جهنّم، أورثت قلبى الهمّ و الحزن مخافة من اللّه.(10)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إذا إقشعرّ جلد المؤمن من خشية اللّه، تحاتت عنه خطاياه كما تحاتت من الشجرة ورقها(11).
1) . الأنفال: 38.
2) . المائدة: 74.
3) . الزمر: 54.
4) . الحديد: 16.
5) . آل عمران: 185، الأنبياء: 35، العنكبوت: 57.
6) . السجدة: 11.
7) . آل عمران: 28 و 30.
8) . أسرار الصلاة للشهيد الثانى، مجموعة رسائله: 125/1، مسند زيد بن على: 119، دعائم الاسلام: 175/1، الجعفريات: 36، بحار الأنوار: 212/81، زبدة البيان للمحقق الأردبيلى: 52.
9) . بحار الأنوار: 257/17، 49/10، الإحتجاج: 219/1، أعلام الدين: 246، الخرائج و الجرائح: 915/2، الخصال: 282/1، عدة الداعي: 151، فلاح السائل: 161 بتفاوت يسير.
10) . مستدرك الوسايل: 231/1، بحار الأنوار: 345/67.
11) . الفقية: 376/4، وسايل الشيعة: 221/15، مستدرك الوسايل: 231/11، الإختصاص: 343، الخصال: 111/1، مشكاة الأنوار: 120.
الخشوع على سبعة أوجه:
خشوع العين: «خٰاشِعَةً أَبْصٰارُهُمْ»(2).
و خشوع الصّوت: «وَ خَشَعَتِ اَلْأَصْوٰاتُ لِلرَّحْمٰنِ»(3).
و خشوع الجوارح: «اَلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاٰتِهِمْ خٰاشِعُونَ»(4).
و خشوع العلم: «وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً»(5).
و خشوع القلب: «أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ»(6).
و خشوع الأرض: «تَرَى اَلْأَرْضَ خٰاشِعَةً»(7).
و خشوع الجبل: «لَرَأَيْتَهُ خٰاشِعاً»(8).
قيل: فى معنى «أَ لَمْ يَأْنِ» أربعة أوجه، أي:
ألم يأن للذين آمنوا أن يستحيوا من كثرة نعم اللّه عليهم، فتمتنعوا من المعاصي.
أو: ألم يأن بعد العطيّة الكثيرة و التّذكير أن يراقبوه و يفعلوا ما يجب عليهم.
أو: ألم يأن للمؤمنين أن يخافوا بعد كثرة تهديده.
أو: ألم يأن بعد طول إمهاله لهم و كثرة آياته، أن لا يؤدّه، فإنّه يمهل و لا يهمل.
تفسير «أَ لَمْ يَأْنِ» ألم يحن، يقال: أنّ، يئين، نحو: حان، يحين، و أنى، يأنى، أفصح.
و قوله: «أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ»، إن أجريته على المخلصين، فمعناه: أن تخضع و تلين و ترقّ بالوعد و الوعيد. و إن أجريته على المنافقين، فمعناه: أن قبل قلوبهم، فتصدّق به فى السرّ، و أن توافق قلوبهم ألسنتهم «لذكر اللّه و ما نزل من الحقّ» أي: القرآن، و فى موضع الجزاء، أي «و لما نزل».
و «نزل» قرئ بالتشديد و التخفيف. «و لا يكونوا» بالتّاء و الياء، للمواجهة، أو للمغايبة و قيل: المراد «بالأمد» هنا، أربعون يوما، الّتي وعدهم موسى عليه السّلام على الطّور.
روي: أنّ كثيرا من الصلحاء سمعوا من تقرأ هذه الأية، خرّوا مغشيا عليهم و ماتوا.
و حكي: أنّ «فضيل بن عياض» كان يقطع الطريق، فخرج ليلة بنفسه طليعة، فرأي قافلة نازلة، فقالوا له: أيّها الرّجل! هل لك علم بالفضيل؟! قال: لا، ثمّ قال فى نفسه: إنّ المسلمين يخافون منّي، فإنتبه، فآمنته، و قال لهم: من يقرأ لى آية؟! فقرأ رجل: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر اللّه و ما نزل من الحق» قال: نعم، آن و حان، ثمّ تاب و أناب.(1)
1) . و فى رواية: أنّه عشق جارية، فواعدته ليلا، فبينما هو يرقي الجدران إليها، إذ سمع قارئا يقرأ: «أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللّٰهِ»، فرجع القهقري و... انظر، الكشف و البيان عن تفسير القرآن (تفسير الثعلبى): 242/9...
المجلس المائة و السادس و الثلاثون فى قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي اَلْمَجٰالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اَللّٰهُ لَكُمْ وَ إِذٰا قِيلَ اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ»(1).
من أوّل سورة المجادلة إلى هيهنا عشر آيات، و هي مدنيّة، و آياتها إثنتان و عشرون آية.
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأ هذه السورة، كان يوم القيامة فى حزب اللّه.(2)
نزلت هذه فى «ثابت بن قيس الأنصارى» و قضيته فى الحجرات.
و قيل: نزلت فى نفر من أهل «بدر» منهم «ثابت بن قيس بن شماس» جاؤوا إلى النبى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و كان فى صفّة ضيّقة جالسا يوم الجمعة، فلم يجد مكانا يجلسون فيه، فقاموا على رأس المجلس، فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لرجل - لم يكن من أهل بدر -: قم من مكانك يا فلان!، و كان يكرمهم، فعرف صلّى اللّه عليه و اله و سلّم الكراهة فيهم، فأنزل اللّه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي اَلْمَجٰالِسِ - أي: توسعوا - يوسع الله عليكم فى الآخرة» أي: فى الجنّة. «و إذا قيل انشزوا» أي: إرتفعوا - فى الصّلاة و الجهاد و الذّكر «فانشزوا» - أي: ارتفعوا «يَرْفَعِ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا» فى السرّ و العلانية فى الدّرجات.
«وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ» أي: أعطوا العلم مع الإيمان، «درجات» أي: فضائل فى الجنّة، على درجات الذين أوتوا الإيمان بغير علم، لأنّ المؤمن العالم أفضل من المؤمن غير العالم، «وَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ» من الخير و الشرّ «خبير» عالم.
إعلم! انّ الإمام عليه السّلام بعد النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يجب أن يكون معصوما، ثمّ يكون أعلم و أشجع و أزهد و أسخي، و أمسّ قرابة به صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
و قد جعل اللّه علماء آل محمّد عليهم السّلام، حجج اللّه، كلّهم ثانى نفسه فى قوله «قُلْ
كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ» (1).
و الآية نزلت فى عليّ و أولاده الأحد عشر عليهم السّلام.
فقد كان كلّ واحد منهم فى زمانه شهيدا على أهل ذلك الزّمان.
و قال: «شَهِدَ اَللّٰهُ أَنَّهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ وَ اَلْمَلاٰئِكَةُ وَ أُولُوا اَلْعِلْمِ»(2)، فذكرهم مع نفسه و ملائكته.
و قال: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ»(3)، «يَرْفَعِ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ»(4).
قيل: انّ كلّ عضو علمه أكثر، فهو أرفع، كالأنف فوق الفم، ثمّ السّمع، ثمّ العين ثمّ القلب.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ اللّه يجمع العلماء على تلّ، فيقول: أنا عنكم راض، و إنّي لأستحيى منكم أن أهتك ستوركم و أفضحكم فى هذا الجمع، إشهدوا ملائكتى إنّي قد غفرت لهم.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ألا أدلّكم على أشراف أهل الجنّة، هم علماء أمّتى، من آتاه اللّه علما فلا تحقّروه، فإنّ اللّه لم يحقّره حين علّمه.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من أدرك مجلس عالم، فكأنّما أدرك مجلسي، فليس عليه شدّة
1) . الرعد: 43.
2) . آل عمران: 18.
3) . الزمر: 9.
4) . المجادلة: 11.
5) . لم أعثر عليه بألفاظه، و فى معناه: انظر: علل الشرايع: 468/3، الجواهر السنية: 144، بحار الأنوار: 226/7، 16/2، شرح مسند أبى حنيفة، ملا علي القاري: 39، تفسير نور الثقلين: 399/3.
6) . تاريخ جرجان، لحمزة بن يوسف السهمي: 172 إلى قوله صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: هم علماء امّتى، و فى ذيل الحديث انظر: كنز الفوائد للكراجكي: 147: لا تحقرن عبدا آتاه علما فإنّ اللّه تعالى لم يحقره حين آتاه إيّاه، و عنه: البحار: 44/2، و فى الكامل لإبن عدي: 378/2: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: اعرفوا لذي السنّ سنّه، و لحامل كتاب اللّه، و لا تحقروه، فإن اللّه عزّ و جلّ لم يحقره إذ علّمه. الكامل: 378/2.
و لا عذاب.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إذا كان يوم القيامة، يقول اللّه للعلماء: أنتم بغتي من الخلق.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: تعلّموا العلم... فإنّه حياة القلب من الجهل، و مصباح الأبصار، و قوّة الأبدان من الضعف، به يبلغ العبد منازل الأبرار و مجالس الملوك، و الدّرجات [العلى] فى الدّنيا و الآخرة.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من صلّي خلف إمام عالم، فكأنّما صلّي خلفي و خلف إبراهيم [خليل الرحمان].(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ساعة من عالم، يتّكي على فراشه، ينظر فى علمه، خير من عبادة العابد سبعين سنة.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: نوم على علم خير من صلاة على جهل(6)، و مؤمن عالم أشدّ على إبليس من ألف عابد.(7)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: جلوس ساعة عند العالم أحبّ إلى اللّه من عبادة ألف سنة.(8)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ليس التملّق من أخلاق المؤمنين الاّ فى طلب العلم.(9)
1) . فى مفيد العلوم و مبيد الهموم، لأبى بكر الخوارزمي: 331، قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من أدرك مجلس عالم فليس عليه فى القيامة شدّه و عذاب.
2) . فى تاريخ بغداد: قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: اذا كان يوم القيامة، وجع اللّه الأولين و الآخرين فى صعيد واحد، فيقول للعلماء: أنتم بغيتى من خلقي، ما أودعتكم علمي إلا لخير أردته بكم، انطلقوا إلى الجنّة: 137/20، و مثله: 11/24 (نجّار: 137/5). و فى الدرّ المنثور: 350/1: يقول اللّه للعلماء يوم القيامة - إذا قعد علي كرسيّه لفصل عباده - انى لم أجعل علمي و حلمي فيكم إلاّ و أنا أريد أن أغفر لكم علي ما كان فيكم و لا أبالى!.
3) . دعائم الإسلام: 81/1.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 473/6.
5) . جامع الأخبار: 37، أعلام الدين: 80 و 92، الصّراط المستقيم: 53/2 و فيه: خير من عبادة العباد.!!
6) . منية المريد: 104.
7) . منية المريد: 104، و فيه: فقيه أشدّ علي الشيطان من الف عابد.
8) . عدة الداعي: 75، و عنه: بحار الأنوار: 205/1 و مستدرك الوسايل: 193/9 عن علي عليه السّلام. و فى إرشاد القلوب عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أحبّ إلى اللّه تعالى من الف ركعة تطوّعا، و مأة الف تسبيحة، و من عشرة آلاف فرس يغزبها المؤمن فى سبيل اللّه. ارشاد القلوب: 190/1.
9) . عدة الداعي: 70 و فيه: المومن، تحف العقول: 297، دعائم الاسلام: 83/1،
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: فضل العالم على العابد، كفضلي على أمّتى.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثمّ العلماء، ثمّ الشّهداء.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: مثل عالم لا ينفع، كمثل كنز لا ينفق منه.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: سارعوا فى طلب العلم، فلحديث صادق خير ممّا طلعت عليه الشّمس و القمر.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لو لا العلماء لما عبد اللّه فى الأرض، و لما رزق العباد، و لما أخرج اللّه نباتا فى الأرض، و لما قطرت السّماء قطرة.(5)
و قال عليّ عليه السّلام: مات خزّان الأموال و العلماء باقون ما بقي الدهر.(6)
و قال عليه السّلام: كلّ وعاء يضيق بما جعل فيه، غير وعاء العلم، فإنّه يتّسع.(7)
العلوم أنواع:
علم القرآن، و قرائته و تفسيره و تأويله، و علم الأحاديث و السّير، و علم الفقه من الحلال و الحرام، و علم لغة العرب و إعرابه، و علم الكلام و أصوله، و علم الحساب، و الطبّ:
1) . منية المريد: 101 و فيه: كفضلي علي أدناكم.
2) . ثلاثة يشفعون إلى اللّه عزّ و جلّ: فيشفعون: الأنبياء، ثم العلماء، ثمّ الشّهداء الخصال: 156/1، قرب الإسناد: 31، بحار الأنوار: 12/97، 34/8، 15/2، مستدرك الوسايل: 20/11.
3) . المصنّف: إبن ابى شيبة الكوفى: 180/8 من دون إسناد. و فى مسند أحمد: 499/2 عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و فى آخره: لا ينفق فى سبيل اللّه، و هكذا فى سنن الدارمي: 138/1، و مجمع الزوائد للهيثمي: 184/1.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 301/17، و عن أبى عبد اللّه عليه السّلام: سارعوا فى طلب العلم، فو الذي نفسي بيده، لحديث واحد فى حلال و حرام، تأخذه من صادق، خير من الدنيا و ما حملت من ذهب و فضّة. مشكاة الانوار: 133، المحاسن: 227/1 و عنه بحار الأنوار: 146/2 و وسايل الشيعة: 98/27.
5) . فى شرح الأزهار لإمام أحمد المرتضي: 536/4 إلى قوله: لما عبد اللّه.
6) . الأمالى للمفيد: 247، و انظر أيضا: كمال الدين: 289/1، الغارات: 89/1، تحف العقول: 169، الأمالى للطوسي: 20، الارشاد: 227/1، بحار الأنوار: 75/75، 191، 189، 187/1.
7) . نهج البلاغة: 505، غرر الحكم: 42، خصائص الأئمة: 115، جامع الأخبار: 84، بحار الأنوار: 183/1، بتفاوت يسير.
«لاٰ عِلْمَ لَنٰا إِلاّٰ مٰا عَلَّمْتَنٰا» (1)، «وَ اَلرّٰاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ» (2)«قُلْ إِنَّمٰا عِلْمُهٰا عِنْدَ رَبِّي»(3)، «قُلْ إِنَّمٰا عِلْمُهٰا عِنْدَ اَللّٰهِ»(4)، «وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاّٰ قَلِيلاً»(5)، « عَلَّمْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا عِلْماً»(6)، «وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ»(7).
ما منّ اللّه بشيئ كما منّ بالعلم، و قال: «وَ عَلَّمَكَ مٰا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ»(8)، و مدح النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عليّا عليه السّلام فقال: أنا مدينة العلم و عليّ بابها.(9)
و قيل: عين العلم من العلوّ، و لامه من اللطف، و ميمه من المروّة.
و قيل: من فضيلة العلم، أنّه يدّعيه كلّ أحد و إن لم يعلمه، و من مذمّة الجهل انّه ينتفي منه كلّ أحد، حتّي من فيه!!.
و من علم و لا يعمل، صارت كذبالة نصبت تضيئ للناس، و هي تحترق.(10)
أحرم منكم بما أقول، و قد نال به العاشقون من عشقوا
صرت كأنّي ذبالة نصبت تضيئ للنّاس و هي تحترق. الأربعين: للشيخ الماحوذي: 151، كشف الغمة: 41/1 و انظر أيضا: فيض القدير فى شرح جامع الصغير: 519/1.
العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه، و الاّ إرتحل.
«درجات» مفعول ثان لقوله تعالى «يَرْفَعِ اَللّٰهُ»، و المفعول الأوّل: «اَلَّذِينَ
1) . البقرة: 32.
2) . آل عمران: 7.
3) . الأعراف: 187.
4) . الأعراف: 187، الأحزاب: 63.
5) . الاسراء: 85.
6) . الكهف: 65.
7) . المجادلة: 11.
8) . النّساء: 113.
9) . تاريخ بغداد: 377/2، شرح احقاق الحق: 80/33، 415/21، 283/16، و فيه مصادر جمّة، و انظر أيضا: «رسالة حديث أنا مدينة العلم و علي بابها» مركز المصطفى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و الغدير: 197/7.
10) . قطعة من شعر:
آمَنُوا»، و «اَلَّذِينَ أُوتُوا» عطف على «الذّين» الأولى.
شعر:
يا واعظ النّاس قد أصبحت متّهمأ *** إذ عبت عنهم أمورا أنت تأتيها
يا كاسي النّاس من عري، و عورته *** للناس بادية ما أن يواريها(1).
1) . محاضرات الأدباء: 168/1، قالها ابن كناسة، و فيه: كمن كسا الناس من عرى
المجلس المائة و السّابع و الثلاثون فى قوله تعالى: «لَوْ أَنْزَلْنٰا هٰذَا اَلْقُرْآنَ عَلىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خٰاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اَللّٰهِ»(1).
من أوّل سورة «الحشر» إلى هيهنا عشرون آية، و هي مدنيّة.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأ سورة الحشر لم يبق جنّة و لا نار و لا شيئ ممّا خلق اللّه فى السّماء و الأرض الاّ صلّوا عليه، و إستغفروا له، و إن مات من يومه أو ليلته، مات شهيدا.(2)
أي: «لَوْ أَنْزَلْنٰا» الّذي قرأ عليكم محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم «عَلىٰ جَبَلٍ» أصمّ الّذي رأسه فى السّماء، و عروقه فى الأرض السابعة السفلي، «لرأيته» أي: لرأيت ذلك الجبل، مع قوّته و شدّته «خاشعا» خاضعا مسكينا ممّا فى القرآن من الوعد و الوعيد، و صار «متصدّعا» منكسرا متشقّقا «مِنْ خَشْيَةِ اَللّٰهِ» أي: من خوف عقاب اللّه.
«وَ تِلْكَ اَلْأَمْثٰالُ نَضْرِبُهٰا» لكي يتفكّروا فى القرآن و أمثاله.
إعلم! أنّ اللّه عظّم حال القرآن بهذه الآية، فقال: لو كان الجبل ممّا ينزل عليه القرآن، و يشعر به، مع غلظته و جفا طبعه و كبر جسمه. تخشع لمنزلته، و تصدّع من خشيته تعظيما لشأنه، فالإنسان أحقّ بهذا، لو عقل الأحكام الّتى فيه.
و قيل: لو كان الكلام ببلاغته يصدع الجبل، لكان هذا.
و هذا تمثيل لقوله: «وَ تِلْكَ اَلْأَمْثٰالُ نَضْرِبُهٰا» ليعتبروا، و هذه تمثيل و تخييل تدلّ عليه «وَ تِلْكَ اَلْأَمْثٰالُ نَضْرِبُهٰا». و الغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه و قلّة تخشّعه عند تلاوة القرآن، و تدبّر قوارعه و زواجره. و قري: مصدّعا، على الإدغام، «وَ تِلْكَ اَلْأَمْثٰالُ» إشارة إلى هذا المثل و إلى أمثاله فى مواضع من التنزيل.(3)
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ اللّه يعاتب عبدا يوم القيامة و يقول: عبدى! خفت من النّار، و ما خفت منّى!!، أما تستحيى؟!، فيطرق العبد رأسه، حياءا من اللّه.(1)
و روي: أنّ عيسى عليه السّلام مرّ بجبلين، أحدهما: واقف فى الهواء يتزلزل، و الثانى:
تجري منه الأنهار، فأنطقهما اللّه، فقالا:
مرّ بنا رجل يقرأ فى التوراة: «فَاتَّقُوا اَلنّٰارَ اَلَّتِي وَقُودُهَا اَلنّٰاسُ وَ اَلْحِجٰارَةُ» فقال عيسى عليه السّلام: و فى الإنجيل مثلها، ثمّ قالا: أدع اللّه أن يؤمننا من النّار، فدعا لهما، فإستقر الّذي هو فى الهواء، و إستمسك الآخر عن البكاء؟!!.(2)
و فى الخرائج و الجرائح، و عنه: البحار: 297/8 ح 5، من معجزاته صلّى اللّه عليه و اله و سلّم انّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لمّا غزا «تبوك» كان معه من المسلمين خمسة و عشرون ألفا - سوي خدمهم - فمرّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فى مسيره بجبل يرشّح من أعلاه إلى أسفله، من غير سيلان، قالوا: ما أعجب رشح هذا الجبل؟! فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: انّه يبكي، قالوا: و الجبل يبكي؟! قال: أتحبّون أن تعلموا ذلك؟! قالوا: نعم، قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أيّها الجبل ممّ بكائك؟! فأجابه الجيل... إلى آخر الحديث. فجفّ ذلك الرشح من الجبل فى الوقت، حتى لم ير شيئ من ذلك الرشح و من تلك الرطوبة الّتى كانت. الخرائج و الجرائح: 169/1، بحار الأنوار: 297/8. و للمزيد أيضا انظر: تفسير روح البيان: 445/5، 411/4، 337/7، تفسير سورآبادي: 2577/4، 46/1.
«لَمٰا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللّٰهِ» (3)، «فَلاٰ تَخْشَوْهُمْ وَ اِخْشَوْنِي»(4)، «يَخْشَوْنَ اَلنّٰاسَ كَخَشْيَةِ اَللّٰهِ»(5)، «فَلَمّٰا تَجَلّٰى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسىٰ»(6)، «وَ إِنَّ مِنْهٰا
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 231/11.
2) . الدرّ المنثور: 244/6 مثله بتفاوت. فى تفسير الصّافى، عن الإحتجاج: عن أمير المؤمنين عليه السّلام: لقد مررنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: بجبل، و إذ الدّموع تسيل من بعضه، فقال: صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ما يبكيك يا جبل؟! قال: يا رسول اللّه كان المسيح مرّ بى، و هو يخوّف النّاس بنار وقودها النّاس و الحجارة، فأنا أخاف أن أكون من تلك الحجارة!! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا تخف! تلك حجارة الكبريت، فقرّ الجبل و سكن و هدء. الصافى: 103/1، الاحتجاج: 220، تفسير البرهان: 424/5، بحار الأنوار: 40/10.
3) . البقرة: 74.
4) . البقرة: 150.
5) . النّساء: 77.
6) . الأعراف: 143.
لَمٰا يَشَّقَّقُ مِنْ خَشْيَةِ اَللّٰهِ» (1)، «وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا»(2)، «وَ تَخِرُّ اَلْجِبٰالُ هَدًّا»(3)، «لَرَأَيْتَهُ خٰاشِعاً مُتَصَدِّعاً».(4)
قيل: الخشية أصل الرهبة، و الخوف فرعها، فالخشية من القطع، و الرهبة من الغضب، و الخوف من النّار، و الخشية فى السرّ، و الرهبة فى القلب، و الخوف فى الصدر.
و فى الخبر: انّ إسرافيل ليتضاءل من عظمة اللّه حتى يصير مثل الصعوة!!(5).
و قال جبرئيل ليلة المعراج: لو دنوت أنملة لإحترقت.(6)
لن يقلع الأنفس عن عيبها *** ما لم تكن منها لها واعظ.
و
ليس عتاب النّاس للمرء واعظا *** إذا لم يكن للمرء لبّ يعاتبه(7)
ليس عتاب النّاس للمرء نافعا إذا لم يكن للمرء لبّ يعاتبه. يضرب: فى ترك العتاب لمن لا يعتب.
.1) . البقرة: 74.
2) . الأحزاب: 72.
3) . مريم: 90.
4) . الحشر: 21.
5) . غريب الحديث، إبن سلام: 38/3، الحديث المرفوع: أنّ إسرافيل له جناح بالمشرق و جناح بالمغرب، و العرش علي جناحه، و انّه ليتضاءل الأحيان لعظمة اللّه تبارك و تعالى، حتّي يعود مثل الوصع. يقال فى الوصع: انه طائر مثل العصفور، أو أصغر منه. انظر: بحار الأنوار: 308/61، 259/56، الفائق فى غريب الحديث: 271/2، تفسير الميزان: 11/17، تفسير القرطبى: 87/17، 320/14، 3/1، 241/19 الدرّ المنثور: 93/1، كتاب العين: 57/199، 7/2، الصحاح للجوهري: 1299/3، النهاية فى غريب الحديث: 191/5، مجمع البحرين: 507/4.
6) . بحار الأنوار: 382/18، المناقب، لإبن شهر آشوب: 178/1، و فى الكافى: 442/1: عن ابى بصير، عن الصّادق عليه السّلام، قال: لمّا عرج برسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنتهي جبرئيل إلى مكان، فخلّي عنه، فقال له: يا جبرئيل! تخلينى علي هذه الحالة؟! فقال: إمضه، فو اللّه لقد وطئت مكانا ما وطئه بشر و ما مشي فيه بشر قبلك.
7) . كذا فى نسختنا، و فى مجمع الأمثال: 137/2:
قيل: هو جبل صيحون. و قيل: هو الجبل الأصمّ رأسه فى السّماء و عروقه فى الأرض السابعة السفلي.
و قال الزّجاج: يعنى: لو جعل فى الجبل من التّميز، ما جعل فيكم، و أنزل عليه القرآن، لخشع و تصدّع من خشية اللّه.
يا حامل القرآن! أما تستحيى من القرآن و هو معك فى ليلك؟! أما تكفيك عظات اللّه؟! أما تكفيك مواعظ القرآن، و كلام العلماء، و الشّيب، و الأمراض، و الموت، و القبر، و التذكير بالقلب؟!.
المجلس المائة و الثّامن و الثّلاثون فى قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلاٰةِ مِنْ يَوْمِ اَلْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اَللّٰهِ وَ ذَرُوا اَلْبَيْعَ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ»(1).
هذا الآية فى سورة الجمعة و هي أحد عشر آية، و إلى هيهنا آيات.
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأ سورة الجمعة، كان له عشر حسنات، بعدد من ذهب إلى الجمعة، فى مصر من أمصار المسلمين.(2)
و المعنى: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا» بمحمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و بالقرآن، إذا دعيتم إلى الصّلاة بالأذان، يوم الجمعة «فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اَللّٰهِ» و أتركوا البيع بعد الأذان، و لكم الإستماع إلى خطبة الإمام و الصّلاة معه «خَيْرٌ لَكُمْ» من الكسب و التّجارة «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» أي: تصدّقون ثواب اللّه.
ثمّ رخّص لهم ما حرّم عليهم بقوله: «وَ ذَرُوا اَلْبَيْعَ»، فقال: «فَإِذٰا قُضِيَتِ اَلصَّلاٰةُ»، أي: إذا فرغ الإمام من صلاة الجمعة، فاخرجوا من المسجد، إن شئتم، و اطلبوا من رزق اللّه، إن شئتم، و هذا رخصة بعد النهي.
إعلم! أنّ اللّه ينادي:
العبد فى الدّنيا، بقوله: «يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ»(3)، «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا»(4)، «يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ»(5).
و عند الرّحلة: «يٰا عِبٰادِ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ»(6).
ثمّ يأمر «إسرافيل» يوم القيامة، فيقول: أيّتها العظام البالية! إجتمعن لفصل
القضاء، كما قال: «وَ اِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنٰادِ اَلْمُنٰادِ مِنْ مَكٰانٍ قَرِيبٍ»(1)، «يَوْمَ يَسْمَعُونَ اَلصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذٰلِكَ يَوْمُ اَلْخُرُوجِ»(2).
ثمّ ينادي «جبرئيل»: أين فلان بن فلان! أجب العرض على الرّحمان.
ثمّ ينادي «ميكائيل»: سعد فلان، و شقي فلان.(3)
ثمّ ينادي «ملك الموت»: يا أهل الجنّة!، يا أهل النّار! خلود و لا موت!!.(4)
و ينادي مناد من «بيت المقدّس»: ألا من كان قوته حراما، ردّ اللّه عليه عمله، و ينادي ملك من قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من ترك سنّة هذا النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فقد برئ من شفاعته.(5)
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: خير الأيّام، يوم الجمعة، فيه خلق آدم، و فيه أدخل الجنّة، و فيه أهبط، و فيه تقوم السّاعة، و فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يدعوا فيها، الاّ أستجيب له.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من إغتسل يوم الجمعة، و استنّ، و مسّ من طيب كان عنده، و لبس من أحسن ثيابه، ثمّ خرج، حتّي أتي إلى الجمعه، و لم يتخطّ رقاب النّاس.
ثمّ أنصت إلى الخطبة، كان كفّارة ما بينها و بين الجمعة الّتى قبلها، و زيادة ثلاثة أيام، لقوله تعالى: «مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا»(7)((8).
1) . ق: 41.
2) . ق: 42.
3) . روضة الواعظين: 353/2، مستدرك الوسايل: 337/5.
4) . بحار الأنوار: 149/7: هو حين يذبح الموت علي صورة كبش أملح، و ينادي: يا اهل الجنّة! خلود و لا موت، و يا أهل النّار! خلود و لا موت.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 379/11.
6) . عنه: مستدرك الوسايل: 65/6.
7) . الانعام: 160.
8) . عنه: مستدرك الوسايل: 505/2، و انظر أيضا: 88/6 عن كتاب «العروس»، لجعفر بن أحمد القمّي، بحار الأنوار: 357، 212/86.
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أنّ للّه مدينة فى الهواء، كقشر البيض، له سبعون ألف باب، على كلّ باب منها ملائكة مثل ولد آدم ألف جزء، فإذا كان يوم الجمعة، و يوم العروبة، إجتمعوا كلّهم، و يقولون: أللّهم أغفر لمن إغتسل يوم الجمعة، و خطب يوم الجمعة.(1)
فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: توبوا إلى ربّكم قبل أن تموتوا، و بادروا بالأعمال الزّاكية، قبل أن تشتغلوا، وصلوا الّذي بينكم و بين ربّكم بكثرة ذكركم أيّاه، و [تحبّبوا] بالصّدقة فى السرّ و العلانية [تجبّروا و تنصّروا و ترزقوا] و اعلموا أنّ اللّه فرض عليكم الجمعة إلى يوم القيامة... الخبر بتمامه.(2)
و تمام الحديث: و اعلموا أن اللّه كتب عليكم الجمعة فى يومي هذا و فى شهري هذا و فى مقامي هذا، فمن تركها تهاونا بها، و إستخفافا بحقّها، و له امام جائر او عادل، فلا جمع اللّه شمله، ألا! فلا صلاة له، ألا! فلا صوم له إلاّ أن يتوب، فإن تاب، تاب اللّه، المبسوط: 21/2، سنن إبن ماجة: 343/1، السنن الكبري، و نقل فيه تضعيف راويه «عبد اللّه بن محمّد العدوى» بأنه: منكر الحديث، لا يتابع فى حديثه...، مسند أبى يعلي: 382/3، كنز العّمال: 721/7.
ذكرنا نظايرها فى قوله تعالى «وَ أَيُّوبَ إِذْ نٰادىٰ رَبَّهُ»(3).
روي: أنّ اللّه خسف بقوم «لوط» عليه السّلام يوم السبت، و أهلك «أصحاب الأخدود» يوم الأحد، و «أصحاب الأيكة» يوم الإثنين، و «فرعون و جنوده»، يوم الثلثاء، و قوم «هود» عليه السّلام بالرّيح، يوم الأربعاء، و قوم «صالح» عليه السّلام يوم الخميس، و كانت هذه الأيام كلّها أوّل يوم من «شوّال»، فجعله اللّه عيدا لأمّة محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، إذ فوّضوا الإختيار إلى اللّه، و هؤلاء إختاروا الأيّام بأقيستها و هواهم!.(4)
[قال المؤلّف]: فمن روي هذا الحديث، كيف يختار الإمام لنفسه؟!! و يترك
إختيار اللّه له؟!!.
و للجمعة سبعة أسام:
يوم المزيد، و يوم العيد، و يوم الأغّر، و يوم الأزهر، و يوم العروبة، و يوم حجّ المساكين.(1)
«مِنْ يَوْمِ اَلْجُمُعَةِ»، «من» هذه، بيان لأذان و تفسير له، و النداء، الأذان. و أوّل من سمّاها «جمعة» كعب بن لوي، و كان يقال لها: «يوم العروبة» لإجتماعهم فيه. و المراد بالسعي، القصد، دون العدو، و «السعى» التصرّف فى كلّ عمل، «إِلىٰ ذِكْرِ اَللّٰهِ» إلى الخطبة و الصّلاة، أي: بادروا تجارة الآخرة، و أتركوا تجارة الدّنيا. و التقدير فى قوله «إذا رأوا تجارة إنفضوا إليها» أو لهوا إنفضّوا إليه، فحذف أحدهما، لدلالة المذكور عليه.
1) . «يوم المزيد»: انظر: الكافى: 414/3، التهذيب: 2/3، مستدرك الوسايل: 58، 62/6. «يوم الأزهر» انظر: سعد السعود: 32، الكافى: 428/3، فقه الرّضا عليه السّلام: 130، «يوم العيد» انظر: فقه الرّضا: 130، و عنه: مستدرك الوسايل: 522/2. «يوم العروبة» انظر: مستدرك الوسايل: 505/2، بحار الأنوار: 49/56، «العروبة» بفتح العين و ضمّ الراء. «حجّ المساكين»: انظر: التهذيب: 236/3، الدعوات: 37، بحار الأنوار: 212/86 عن رسالة الجمعة فى أعمال الجمعة للشّهيد الثانى، 199/86 عن الدعوات، مستدرك الوسايل: 67/6 عن «درر اللئالى» لإبن أبى جمهور. و فى «يوم الأغرّ» فى الحديث: اكثروا الصّلاة علي فى الليلة الغرّاء و اليوم الأزهر، ليلة الجمعة و يوم الجمعة، الجامع الصغير: 208/1، مجمع الزوائد: 169/2، المعجم الاوسط: 83/1، كشف الخفاء: 166/1، الشفاء بتعريف المصطفي: 80/2، سبل الرشاد: 445/12، و فى ليلة الجمعة: «الليلة الغرّاء» انظر فقه الرّضا: 130، كتاب الأم للشافعي: 239/1، الكافى: 428/3.
2) . لم نعثر عليه، و فى مستدرك الوسايل: 435/7 عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: خففّوا علي المملوكين فى شهر رمضان.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 99/6.
اَلصَّلاٰةُ فَانْتَشِرُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ اِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اَللّٰهِ» (1).
ثمّ إعلم! أنّ يوم الجمعة يشبه بيوم القيامة، فإذا رأيت ذلك اليوم فأذكر جمع القيامة، و إذا سمعت الخطبة، فأذكر خطبة اللّه يقول يوم القيامة: عبادى! أنصتوا إلىّ!! فطالما أنصتّ لكم!!!، ثمّ يقتصّ للمظلوم من الظالم.
و القيامة تقوم يوم الجمعة(2)، فأذكره و تدبّر له!.
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 13/13، وسايل الشيعة: 28/17 عن «عدة الداعى»، بحار الأنوار: 129/86، فقه القرآن للراوندي: 137/1.
2) . إعانة الطالبين: 103/2، مجمع الزوائد: 421/10، المصنّف لإبن ابى شيبة الكوفى: 58/2، صحيح إبن خزيمة: 115/3، المعجم الاوسط: 15/7، كنز العّمال: 714/7، تاريخ دمشق: 328/39 و فيه: يروي فى الأحاديث: أنّ السّاعة تقوم يوم الجمعة، فلذلك سمّي يوم الجمعة: يوم القيامة.
المجلس المائة و التّاسع و الثّلاثون فى قوله تعالى: «وَ لِلّٰهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لٰكِنَّ اَلْمُنٰافِقِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ»(1).
هذه الآية فى سورة المنافقين، و هي مدنيّة، و إحدي عشر آية.
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأها برئ من النّفاق.(2)
كان «عبد اللّه بن أبىّ» يقول فى غزوة «تبوك»(3):
«لَئِنْ رَجَعْنٰا إِلَى اَلْمَدِينَةِ» أي: و اللّه! لئن رجعنا من غزوتنا هذه إلى «المدينة» «لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ» أي: القوي، يعنى نفسه، «منها» أي: من المدينة «الأذلّ» الضعيف، يعنى: محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
فقال: تعالى: «وَ لِلّٰهِ اَلْعِزَّةُ» اي: المنعة و القدرة «وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ» أي: أهل بيته المعصومين «وَ لٰكِنَّ اَلْمُنٰافِقِينَ» يعنى عبد اللّه بن أبى، و كلّ منافق فى زمان بعد زمان.
و كان له إبن، يسمّي «الحباب»(4)أخذ بعنان فرسه، فجرّد سيفه، و قال: لا أدعك! حتّي تقول: أنا الأذلّ!!، و محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الأعزّ، فقال له(5)، ثمّ قال له:
أدخل المدينة على الذّلّ و الهوان. فلم يلبث «عبد الله» بعده الاّ قليلا، حتّي مات.
اعلم!
أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قال: من أراد عزّا بلا عشيرة، و هيبة من غير سلطان، و غنى بلا مال، و مودّة بلا نسب، فليخرج نفسه من ذلّ المعصية، إلى عزّ الطاعة.(6)
و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ما عفي عبد عن مظلمة، الاّ زاده اللّه به عزّا.(7)
1) . المنافقون: 8.
2) . مجمع البيان: 437/10.
3) . نزلت فى غزوة «بنى المصطلق» علي «المريسيع» و هو ماء لهم.
4) . هو: عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبى.
5) . الدرّ المنثور: 225/6.
6) . أمالى الطوسي: 524، خصائص الأئمة: 99، بحار الأنوار: 179/68، بتفاوت يسير.
7) . لا يعفو عبد عن مظلمة يبتغي بها وجه اللّه تعالى، الا رفعه اللّه تعالى بها يوم القيامة. معدن الجواهر: الكراجكي: 32.
و قال الحسين بن عليّ عليه السّلام: إنّ العزّ و الغنى خرجا يجولان، فلقيا التوكّل، فإستوطنا.(1)
إذا شئت أن تبقي عزيزا فلا *** تكن بمنزلة إلاّ رضيت بدونها(2).
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يقول اللّه: أنا العزيز، فمن أراد أن يعزّ، فليطع العزيز.(3)
و قال عليّ عليه السّلام: إلهى! كفي بى عزّا، أن أكون لك عبدا.(4)
و قال عليّ عليه السّلام: التواضع عن الشريف عزّ الشريف، و حلية المؤمن الورع، و الجود جمال الفقير، و قيمة كلّ أمرء بقدر ما يحسن.(5)
العزّة على وجوه:
القدرة: «فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ»(6).
القوّة: «أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ»(7).
و الشدّة: «وَ مٰا ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ بِعَزِيزٍ»(8).
و الإهانة: «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ»(9).
و الغلبة: «وَ عَزَّنِي فِي اَلْخِطٰابِ»(10).
و الكرم: «وَ مٰا أَنْتَ عَلَيْنٰا بِعَزِيزٍ»(11).
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 218/11.
2) . البدلية و النهاية: 29/12 و فيه: إذا شئت أن تحيا غنيّا فلا. تكن علي حالة إلاّ رضيت بدونها.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 259/11، و انظر: بحار الأنوار: 120/68.
4) . كنز الفوائد: 386/1، روضة الواعظين: 109/1، بحار الأنوار: 92/91، 400/74 و 94.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 175/11 و ليست فيه: «بقدر».
6) . ص: 82.
7) . القمر: 42.
8) . ابراهيم: 20، فاطر: 17.
9) . الدخان: 49.
10) . ص: 23.
11) . هود: 91.
و العظمة: «بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ»(1).
و الكثرة: «وَ أَعَزُّ نَفَراً»(2).
و الغنى: «وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهٰا أَذِلَّةً»(3)، اي: أغنيائها فقراء.
و التكبّر: «فِي عِزَّةٍ وَ شِقٰاقٍ»(4).
قيل: إجعل باطنك للّه، و ظاهرك لإعزاز أمر اللّه، يعزّك اللّه!.
[و قيل]: للّه العزّة بالربوبيّة، و لرسوله بالرّسالة، و للمؤمنين بالولاية [بالعبوديّة](5).
قال الزّجاج: «وَ لِلّٰهِ اَلْعِزَّةُ» أي: مظهر دينه، و معزّ رسوله، و من معه من المؤمنين.
و قال بعض أهل العلم: عزّ اللّه غلبته على ما يريد، و لذلك عزّ رسوله و عزّ المؤمنين بقوله: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ»(6)
و فى تفسير الثعلبى: فعزّة اللّه سبحانه قهر من دونه، و عزّ رسوله إظهار دينه علي الأديان كلّها، و عزّ المؤمنين، نصره إيّاهم علي أعدائهم، فهم ظاهرون... و كان جعفر الصّادق عليه السّلام يقول: من مثلي؟! و ربّ العرش معبودي، من مثلى؟! و أنت لى. 322/9.
.ويل لمن ذلّ بعد ما أعزّه اللّه!!.
من إعتزّ بالمولى فذاك جليل *** و من عزّ ممّن دونه فذليل
أحبّ مناجاة الإله و ذكره *** و لكن لسان المذنبين كليل.
1) . الشعراء: 44.
2) . الكهف: 34.
3) . النمل: 34.
4) . ص: 2.
5) . مجمع البيان: 445/10، و فى تفسير الثعلبى: عزّة اللّه: الربوبية، و عزّة الرسول: النبوّة، و عزّة المؤمنين: العبوديّة. (322/9)
6) . و قيل: عزّة اللّه الولاية «هُنٰالِكَ اَلْوَلاٰيَةُ لِلّٰهِ اَلْحَقِّ» (الكهف: 44)، و عزّة الرسول: الكفاية: «إِنّٰا كَفَيْنٰاكَ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ» (الحجر: 95)، و عزّ المؤمنين: الرفعة و الرعاية: «وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (آل عمران: 139) «وَ كٰانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً» (الاحزاب: 43).
هذه الآية فى سورة الطّلاق، و هي مدنيّة، و آياتها إثنتا عشرة، و إلى هيهنا آيتان.
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأها مات على سنّة رسول اللّه.(1)
و المعنى: «مَنْ يَتَّقِ اَللّٰهَ» عند المعصية، فصبر، «يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً» من الشدّة. و يقال: من المعصية إلى الطّاعة، و من الحرام إلى الحلال، و يقال: من النّار إلى الجنّة. «وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ» لا يأمل.
نزلت فى «عوف بن مالك الأشجعى» أسر العدوّ إبنا له، و قلّ فيه صبره، فأتي النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فذكر له ذلك، فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أكثر من قول: لا حوه و لا قوّة إلا باللّه، فإنّ اللّه سيجعل لإبنك مخرجا.
فإنصرف الأشجعي، و كان يقولها على كلّ حال، فبينا هو ذات يوم فى بيته إذا أتاه إبنه و معه مائة من الإبل.(2)
إعلم! من وفّق لسبعة لم يحرم من سبعة:
من وفق للشّكر لم يحرم الزيادة، قال اللّه تعالى: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ»(3).
و من وفق للصبر، لم يحرم الأجر، قال اللّه تعالى: «إِنَّمٰا يُوَفَّى اَلصّٰابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسٰابٍ»(4).
و من وفّق للتّوبة، لم يحرم القبول: «وَ هُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ»(5).
و من وفّق للدّعاء، لم يحرم الإجابة: «اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»(6).
و من وفّق للتوكّل، لم يحرم الكفاية: «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ»(1).
و من وفّق للجهد، لم يحرم الهداية: «وَ اَلَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا»(2).
و من وفّق للتقّوي، لم يحرم المخرج: «وَ مَنْ يَتَّقِ اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً»(3).
«من» شرط، و جوابه «يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً»، و وعده وفاء، قال: «وَ مَنْ أَوْفىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اَللّٰهِ»(8).
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: المؤمنون عند شروطهم.(9)
فإذا إتّقيت عمّا دونه و إعتمدت عليه، فلا محالة يخرجك من المحن، و يرزقك.
1) . الطلاق: 3.
2) . العنكبوت: 69.
3) . الطلاق: 3.
4) . مجمع البيان: 460/10، نور الثقلين: 357/5، تفسير القرطبى: 160/8، الكشف و البيان: 337/9 و فى الكلّ: إنّي لأعلم آية لو أخذ بها النّاس لكفتهم. و الظاهر: ان ما فى المتن تغليط من النّاسخ!.
5) . تفسير القرآن الكريم (صدرا) 54/2، و فى المجمع: 119/1، و تفسير الثعلبى (الكشف و البيان عن تفسير القرآن): 143/1، «انما سمّي المتّقون لتركهم ما لا بأس به حذرا للوقوع فيما به بأس.
6) . البقرة: 281.
7) . المجلس.
8) . آل عمران: 76، التوبة: 111.
9) . التهذيب: 371/7، الاستبصار: 237/3، عيون أخبار الرضا: 158/2، وسايل الشيعة: 276/21، عوالى اللئالى: 217/3، 257/2، 293، 218/1، فقه القرآن: 51/2، نهج الحق: 509، 480، 481.
و حكي إبن الأشجعي: إنّي كنت فى أسر العدوّ، و هم يبعثونى مع جمالهم إلى الرعي كلّ يوم، و حولى جماعة منهم، فرأيت يوما خلوة منهم، فركبت ناقة، و سقتها، فجاء بعدي تمام المائة، فقال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: هي كلّها لك، و اللّه ساقها لدعاء والدك.(1)
قيل: معناه، من يتّق ما حرّم اللّه عليه، يرزقه اللّه الحلال، و من يتّق عقاب اللّه و يستقلّ بعبادة اللّه، يرزقه اللّه بلا شغل.
و روي: إنّ اللّه يقول: إذا شغل عبدي ثناؤه على عن مسألتى، أعطيته أفضل ما أعطي السّائلين.(2)
إن أردت النّجاة من النّار، فاترك الحرام، و إن خفت العتاب و الحساب، فأترك الحلال!!!
فقد قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: حلال الدّنيا حساب و حرامها عقاب.(3)
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 257/5.
2) . إرشاد القلوب: 150/1: فإنّه تعالى: يقول فى بعض كتبه: إذا شغل عبدي ذكري عن مسألتى، أعطيته أفضل ما أعطي السّائلين.
3) . عن النّبىّ فى حديث:... قلت يا جبرئيل! فما تفسير الزهد، قال: يحبّ من يحبّ خالقه، و يبغض من يبغض خالقه، يتحرّج من حلال الدنيا، و لا يلتفت إلى حرامها، فإنّ حلالها حساب و حرامها عقاب... وسايل الشيعة: 194/15، عدة الداعي: 94، مشكاة الأنوار: 241، معانى الأخبار: 260، بحار الأنوار: 74، 48/70، 312/67، 373/66.
المجلس المائة و الحادي و الأربعون فى قوله تعالى: «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اَللّٰهَ بٰالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اَللّٰهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً»(1).
معناه: من يتّق اللّه فى الرّزق، فهو حسبه و كافيه، إنّ اللّه يفيئ أمره
و من قرأ برفع الرّاء، أي ماض أمر، نافذ أمره فى الشدّة و الرّخاء.
و قيل: جعله اللّه لكلّ شيئ، من الشدّة و الرّخاء، قدرا ينتهي إليه.
فى الكتب الماضية: عبدي منك الإملاء و على الكتابة، و منك السّؤال و منّي العطيّة، و منك التوكّل و منّي الكفالة. و قد بيّنه اللّه بصدق فى القرآن، فقال: «وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحٰافِظِينَ كِرٰاماً كٰاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مٰا تَفْعَلُونَ»(2)، «وَ آتٰاكُمْ مِنْ كُلِّ مٰا سَأَلْتُمُوهُ»(3)، و «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ»(4).
فإن قصر العبد فيما عليه، فإنّ اللّه لا يخلف الميعاد!!.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من سرّه أن يكون أقوي النّاس، فليتوكّل على اللّه، و من سرّه أن يكون أكرم النّاس فليتّق اللّه، و من سرّه أن يكون أغنى النّاس فليكن بما فى يد اللّه أوثق منه بما فى يديه.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من توكّل و قنع و رضي، كفي المطلب.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من أصابته فاقة فأنزلها بالنّاس، لم يسدّوا فاقته، و من أنزلها باللّه، أوشك اللّه له الغنى، إمّا موتا عاجلا، أو غنى آجلا.(7)
و قال صلى الله عليه و اله و سلم: لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، و تروح بطانا.(1)
و رأي رسول الله قوما لا يزرعون، قال صلى الله عليه و اله و سلم: ما أنتم؟! قالوا نحن المتوكلون!! قال صلى الله عليه و اله و سلم: لا، بل أنتم المتكلون!!(2).
و قال صلى الله عليه و اله و سلم: لا تتكل على غير الله، فيكلك الله إليه، و لا تعمل لغير الله، فيجعل ثوابك عليه.(3)
و فى التوراة: ملعون من كان ثقته إنسانا مثله.
«فَإِذٰا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّٰهِ» (5)، «وَ عَلَى اَللّٰهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ»(6)، «وَ عَلَى اَللّٰهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُتَوَكِّلُونَ»(7)، «عَلَى اَللّٰهِ تَوَكَّلْنٰا»(8)، «فَعَلَى اَللّٰهِ تَوَكَّلْتُ»(9)، «عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ»(10).
قال هود عليه السلام: «إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اَللّٰهِ»(11)، فوجد النجاة: «نَجَّيْنٰا هُوداً»(12)، و قال
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 217/11.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 218/11.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 218/11.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 218/11.
5) . آل عمران: 159.
6) . آل عمران: 160، 122، المائدة: 11، التوبة: 51.
7) . يوسف: 67.
8) . الاعراف: 89، يونس: 85.
9) . يونس: 71.
10) . التوبة: 129.
11) . هود: 56.
12) . هود: 58.
ابراهيم عليه السلام: «حَسْبِيَ اَللّٰهُ»(1)، فوجد السلامة: «يٰا نٰارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاٰماً»(2)، و شعيب عليه السلام قال: «وَ مٰا تَوْفِيقِي إِلاّٰ بِاللّٰهِ»(3)، فوجد الحفظ: «نَجَّيْنٰا شُعَيْباً»(4).
معنى قوله: «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّٰهِ» أي: من يفوض أموره إلى الله، و و ثق بحسن تدبيره، فهو كافيه، يكفيه أمر دنياه، و يعطيه ثواب الجنة، و جعله لا يحتاج إلى غيره.
و روي: إن الله أوحي إلى داود عليه السلام: من إعتصم بى دون خلقي، كفيته ما همه، و من إعتصم بمخلوق دونى، قطعت أسباب السماوات دونه.(5)
فلا تتكل على غيري أيها المسكين!!، لأن من إتكل على مخلوق يوكله الله إليه، و يصير ذليلا فى يديه!!.
1) . قال جبرئيل: يا ابراهيم! الك حاجة، فقال: اما اليك فلا، بحار الأنوار: 38، 35، 24، 5/12.
2) . الانبياء: 69.
3) . هود: 88.
4) . هود: 94.
5) . إرشاد القلوب: 12/1: روي: ان الله تعالى يقول: من إعتصم بى دون خلقي، ضمنت السماوات و الأرض رزقه، فإن دعانى أجبته، و إن استعطانى أعطيته، و إن استكفانى كفيته، و من اعتصم بمخلوق دونى، قعطت أسباب السماوات و الأرض دونه، إن دعانى لم أجبه، و إن سألنى لم أعطه، و إن استكفانى لم أكفه.
المجلس المائة و الثانى و الأربعون فى قوله تعالى: «وَ أَنَّ اَلْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلاٰ تَدْعُوا مَعَ اَللّٰهِ أَحَداً»(1).
هذه الآية فى سورة الجن، و هي مكية، آياتها ثمان و عشرون آية.
يعنى: «أن المساجد» بنيت لذكر الله، فلا تذكروا و لا تفعلوا فيها الا عبادة الله. و قيل: هي المساجد السبعة التى يسجد الانسان عليها، و هي: الجبهة و الركبتان و الكفان، و أصابع الرجلين، أي: فلا تعبدوا بهذه الأعضاأ أحدا غير الله، و لا تشركوا لعبادته أحدا.(3)
و روي: ان الله عز و جل قال للجن: أينما تكونوا فصلوا لله، فأي موضع صليتم فيه فهو مسجدكم.
قال النبى صلى الله عليه و اله و سلم: جعلت لى الأرض مسجدا.(4)
إعلم! أن فضل الأشياء بثلاثة:
أحدها: بحصول الخيرات منها، و الثانى: بكثرة المنافع فيها، و الثالث: بفضل طينتها. و هذه الثلاثة توجد فى المساجد.
أما الأول: فكالصلاة و القرائة و تعلم العلم فيها.
1) . الجن: 18.
2) . مجمع البيان: 550/10، الكشاف: 633/4.
3) . روي: ان المعتصم سأل أبا جعفر محمد بن علي بن موسي الرضا عليهم السلام عن قوله تعالى: «وَ أَنَّ اَلْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ»؟! فقال: هي الأعضاء السبعة التى يسجد عليها. مجمع البيان: 560/10 و انظر: وسايل الشيعة: 252/28، بحار الأنوار: 5/50، عوالى اللئالى: 34/2.
4) . الخصال: 292، أمالى الصدوق: 285، وسايل الشيعة: 345، 118، 117/5، 351، 350/3، عوالى اللئالى: 13/2، مسند أحمد: 220/2، و فيه مساجد، المصنف، الصنعانى: 32/1، السنن الكبري، النسائي: 267/1، جامع الصغير: 217/2، 556/1، كنز العمال: 407/11، صحيح البخاري: 91/1، صحيح مسلم: 371/1، سنن البيهقي: 213/1، نيل الاوطار: 331/1 و و و.
و الثانى: قوله: «وَ لَوْ لاٰ دَفْعُ اَللّٰهِ اَلنّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوٰامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَوٰاتٌ وَ مَسٰاجِدُ»، و لو لا ها لهلك الناس.
و الثالث: المساجد فى ذاتها فاضلة شريفة.
قال النبى صلى الله عليه و اله و سلم: المساجد بيوت المتقين، و من كانت المساجد بيته، ضمن الله له بالروح و الراحة و الجواز على الصراط.(1)
و قيل للنبى صلى الله عليه و اله و سلم: إئذن لنا فى الترهب، قال صلى الله عليه و اله و سلم: ترهب أمتى، الجلوس فى المساجد.(2)
و قال صلى الله عليه و اله و سلم: إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد، فاشهدوا له الإيمان، لأن الله يقول: «إِنَّمٰا يَعْمُرُ مَسٰاجِدَ اَللّٰهِ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ.(3)
و سأل صلى الله عليه و اله و سلم جبرئيل: عن أحب البقاع إلى الله و أبغضها إليه؟! فقال: أحب البقاع إلى الله المساجد، و أبغضها إليه الأسواق.(4)
و قال صلى الله عليه و اله و سلم: المساجد مجالس الأنبياء.(5)
و قال صلى الله عليه و اله و سلم: كونوا فى الدنيا أضيافا، و اتخذوا المساجد بيوتا، و عودوا قلوبكم الرقة.(6)
و قال صلى الله عليه و اله و سلم: ما من يوم الا و ملك ينادي فى المقابر: من تغبطون اليوم؟! فيقولون: أهل المساجد يصلون و لا نقدر!، و يصومون و لا نقدر!.(7)
و قال صلى الله عليه و اله و سلم: إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة فى النار.(8)
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 362/3.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 362/3، بحار الأنوار: 381/80.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 362/3، عوالى اللئالى: 32/2.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 362/3، عوالى اللئالى: 434/3.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 362/3.
6) . عنه: مستدرك الوسايل: 355/3، بحار الأنوار: 351/80، 81/70، ارشاد القلوب: 94/1، أعلام الدين، الديلمي: 365، 146، كنز الفوائد: 344/1.
7) . عنه: مستدرك الوسايل: 362/3.
8) . عنه: مستدرك الوسايل: 376/3، وسايل الشيعة: 500/3، المجازات النبوية: 211.
المسجد فى القرآن سبعة:
الاول: مسجد سليمان عليه السلام، و هو بيت المقدس «إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى»(4).
و الثانى: مسجد قبا «لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى اَلتَّقْوىٰ»(5).
و الثالث: مسجد المسافرين فى الطريق: «لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً»(6).
و الرابع: المسجد الحرام بمكة: «لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ»(7).
و الخامس: الصلاة: «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ»(8)، اي: كل صلاة.
و السادس: مسجد المؤمنين فى المحلات: «وَ أَنَّ اَلْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ»(9).
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 433/3، و فى الفقيه: 3/4، وسايل الشيعة: 293/5، أمالى الصدوق: 422، مكارم الأخلاق: لا تجعلوا المساجد طرقا، حتى تصلوا فيها ركعتين.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 382/3.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 367/3، الفصول المهمة، الحر العاملي: 470/1، بحار الأنوار: 382/66، 4/81، 382/80، السنن الكبري، البيهقي: 437/2، المصنف، الكوفى: 344/1، مسند الشهاب: 291/1، كشف الخفاء: 238/2.
4) . الاسراء: 1.
5) . التوبة: 108.
6) . الكهف: 21.
7) . الفتح: 27.
8) . الأعراف: 31.
9) . الجن: 18.
10) . التهذيب: 92/1، وسايل الشيعة: 194/5، الانتصار: 182، سنن البيهقي: 111/3، الجامع الصغير: 203/2، كنز العمال: 650/7، رواه فى دعائم الاسلام عن علي عليه السلام: 148/1، و كذا فى تذكرة الفقهاء: 232/4 (و انظر أيضا ذيله فى اختلاف النسخ!).
و السابع: الأعضاء، قال: «وَ أَنَّ اَلْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ»(1)، فسره بعضهم على أعضاء السجود.
«المسجد» بخفض «الجيم» موضع السجود، و جمعه، المساجد، و المسجد، بفتح «الجيم» السجود، و جمعه ايضا مساجد.
يقال: سجدت سجودا و مسجدا، كما تقول: قتلت قتلا و مقتلا، ثم يجمع المصدر مساجد، كما يقال: المقاتل.
أيها العبد الصالح ألزم الموضع الذي أضافه الله إلى نفسه، و أكبر ذكر الله فيه.
المجلس المائة و الثالث و الأربعون فى قوله تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بٰاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهٰا فٰاقِرَةٌ»(1).
هذه الآية فى سورة القيامة، و هي مكية، و آياتها أربعون، و إلى هاهنا إحدي و عشرون.
و المعنى: وجوه المؤمنين المصدقين فى إيمانهم، يوم القيامة، «ناضرة» حسنة جميلة ناعمة، «إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ» أي: إلى ثواب ربها ينظرون و ينتظرون، و وجوه الكفار باسرة كالحة، يحجبون عن الجنة، يعلم «أن يفعل بها فاقرة» شدة منكرة.
إعلم! أن النظر فى القرآن على وجوه:
نظرا بفكرة: قال تعالى: «وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ»(3)، أي: تتفكر، و قال: «فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي اَلنُّجُومِ»(4)، أي: تفكر فى أمرها.
و الثانى: نظر الإنتظار: «فَنٰاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ اَلْمُرْسَلُونَ»(5)، «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّٰ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللّٰهُ»(6)، أي: ينتظرون.
و الثالث: نظر الإعتبار: «قُلِ اُنْظُرُوا مٰا ذٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ»(7).
و الرابع: نظر الترحم: «وَ لاٰ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ»(8).
و الخامس: تقليب الحدقة الصحيحة نحو المرئي طلبا للروية: «نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلىٰ
روي عن أبى الزبير، عن جابر بن عبد اللّه، عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: لن يري اللّه أحد، لا فى الدّنيا و لا فى الآخرة.(3)
و روي عن أبى ذرّ [رضي اللّه عنه] أنّه قال: قلت للنبى: هل رأيت ربّك، فقال: نور أنا أراه؟!!(4). معناه: أنور هو حتّي أراه؟!!، فحذفت همزة الاستفهام إختصارا للكلام. كقول الشاعر:
فو اللّه ما أدري و إن كنت داريا *** سبع رميت الجمر أم بثمان(5).
فأمّا ما روي المشبّهة، عن قيس بن أبى حازم - و هو غير معتمد عند أصحاب حديثهم(6)-:
لترون ربّكم يوم القيامة!، كما ترون القمر ليلة البدر!، لا تضأمون فى رؤيته.(7)
فهذا الخبر من أخبار الآحاد، و مسلّمتنا فى طريقها العلم، فلا يجوز التعلّق فيها بخبر الواحد، لأنّه لا يوجب العلم.
1) . التوبة: 127.
2) . محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: 20.
3) . المغنى فى ابواب التوحيد و العدل: 224/4.
4) . صحيح مسلم: 111/1 كتاب الايمان، و فى حاشيه جامع الأصول: 560/10، و بعض نسخ: نور انّي أراه؟!
5) . لعمر بن أبى ربيعة: فى ديوانه: 423، و تاريخ دمشق: 730/78، 260/69 و فيه: فو اللّه ما ادري و انّي محاسب...
6) . فى تاريخ بغداد: انّه كان أعرابيّا بوّالا علي عقبيه، و قال عليّ بن المدينى فى حقّه: لا يعمل علي ما يرويه، لكونه أعرابيّا بوّالا علي عقبيه (464/11) و كان عثمانيّا لم يشهد الجمل (464/11 و 449) و قال يحيى بن سعيد: منكر الحديث، و قال يعقوب بن شيبة: تكلّم فيه أصحابنا، فمنهم من قال: له مناكير، و منهم من قال: يحمل على علي عليه السّلام، و المشهور انّه يقدّم عثمان. و زاد فى تهذيب: و لذلك تجنّب كثير من قدماء الكوفيّين الرواية عنه (رواهما المزّي فى تهذيب الكمال: 4896/10/24) و قال إسماعيل بن أبى خالد: كبر حتى جاوز المائة و خرف!. و زاد فى التهذيب: و ذهب عقله (تاريخ بغداد: 452/12). و انظر أيضا: الإفصاح عن أحوال رواة الصحاح: 361/3.
7) . صحيح البخاري: 230/1 (ابواب مواقيت الصّلاة)، كنز العّمال: 447/14.
ثمّ إنّ الخبر معارض بما قدّمناه، فيجب أن يتأوّل إذا سلّمنا صحته، فيقال: إنّ المراد فيه: العلم الضروري فكأنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: ستعلمون اللّه يوم القيامة، أيّها المؤمنون و أيّها الكفّار، لا تشكّون فى العلم به، و الرؤية بمعنى العلم، قد ورد فى الكتاب و اللّغة، قال تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ اَلظِّلَّ»(1)، أي: ألم تعلم؟!.
و قال تعالى: «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحٰابِ اَلْفِيلِ»(2)، و كان محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يومئذ فى بطن الأمّ!!، و قال اللّه تعالى: «أَ وَ لَمْ يَرَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ كٰانَتٰا رَتْقاً»(3)، أي: أو لم يعلموا؟!.
و الدّليل عليه من جهة اللّغة، قول الشاعر:
رأيت اللّه إذا سمّي نزارا *** و أسكنهم بمكّة قاطنينا
الوجوه على أوجه:
وجه التسليم: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ»(4).
و وجه العبرة: «فَأَلْقُوهُ عَلىٰ وَجْهِ أَبِي»(5).
و وجه الرّضا: «قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي اَلسَّمٰاءِ»(6).
و وجه السيما: «سِيمٰاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ»(7).
و وجه الخدمة: «فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ»(8).
و وجه الطّهارة: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ»(9).
و وجه بمعنى، «الأوّل»: «وَجْهَ اَلنَّهٰارِ»(1)، أي: أوّله.
و وجه هو «القبلة»: «فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ»(2)، «وَ عَنَتِ اَلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ اَلْقَيُّومِ».(3)
و وجه بمعنى النفس: «وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ».(4)
و وجه هو طريق إلى الرؤية: كالإصفاء، يكون طريقا إلى الرؤية، لما يصحّ رويته.
و وجه بمعنى الرضا كقوله: «يُرِيدُونَ وَجْهَهُ»(5)، أي: رضاه، و «الارادة» لا يتعلّق بالموجود «المستمرّ الوجود»، و إنّما يتعلّق بالحادث، و الرّضا هو الحادث، لا ذات اللّه!!.
«الوجوه» عبارة [كناية] عن الجملة. و «النّاضرة» من «نَضْرَةَ اَلنَّعِيمِ».
و فى قوله تعالى: «إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ»، بمعنى تقديم المفعول، ألا تري إلى قوله:
«إِلىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ اَلْمُسْتَقَرُّ» (6)، «إِلىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ اَلْمَسٰاقُ»(7)، «أَلاٰ إِلَى اَللّٰهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ»(8)، «وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»، «وَ إِلَى اَللّٰهِ اَلْمَصِيرُ»(9)، «عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ»(10)، «وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ»(11)، كيف دلّ «التقديم» فيه، على معنى «التخصيص» «الإختصاص».
و معلوم: أنّهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر، و لا تدخل تحت «العدد»، فى «محشر» يجتمع فيه الخلايق كلّهم!!، فإنّ المؤمنين نظّارة ذلك اليوم، لأنّهم الآمنون «الذين لا خوف عليهم و لا يحزنون»، فإختصاصه بنظرهم إليه، بأن
يكون منظورا إليه، محال.
فوجب حمله على معنى يصحّ معه «الإختصاص»، و الّذي يصحّ معه أن يكون من قول العرب: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بى؟! يريد معنى: التوقّع و الرّجاء.
و المعنى: أنّهم لا يتوقّعون النعمة و الكرامة الاّ من ربّهم، كما كانوا فى الدّنيا لا يخشون و لا يرجعون الاّ إيّاه.(1)
إعلم! أنّ اللّه بيّن حال النّاس فى الآخرة، فقال: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ» أي: يوم القيامة، «ناضرة» أي: ناعمة، بهجة، حسنة، مسرورة، مضيئة، بيض يعلوها النّور(2)، و جعل تعالى وجوه المؤمنين المستحقّين للثواب بهذه الصفة، علامة للخلق و الملائكة، على انّهم الفائزون.
«إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ»، أختلف فيه على وجهين:
أحدهما: انّه نظر العين.
و الثانى: الإنتظار.
و اختلف من حمله على نظر العين، على قولين:
أحدهما: أنّ المراد: إلى ثواب ربّها ناظرة، أي: هي ناظرة إلى نعيم الجنّة، حالا بعد حال، فيزداد بذلك سرورها.
و ذكر «الوجوه»، و المراد: أصحاب الوجوه، فحذف المضاف، و أقيم المضاف اليه مقامه، كما فى قوله: «وَ جٰاءَ رَبُّكَ»(3)أي: أمر ربّك، و فى قوله: «أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى اَلْعَزِيزِ اَلْغَفّٰارِ»(4)أي: إلى طاعة العزيز الغفّار، و إلى توحيده. و فى قوله تعالى: «إِنَّ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللّٰهَ»(5)أي: يؤذون أولياء اللّه.
و الآخر: أنّ النّظر بمعنى الرؤية، و المعنى: تنظر إلى اللّه معاينة، [رووا ذلك] عن «الكلبى» و «مقاتل» [و عطاء و غيرهم] و هذه لا يجوز: لأنّ كلّ منظور إليه بالعين، مشار إليه بالحدقة و اللّحاظ، و اللّه يتعالى أن يشار إليه بالعين.
و أمّا من حمل النظر فى الآية على الإنتظار، فهم على أقوال:
أحدها: أنّ المعنى: منتظرة لثواب ربّها. و قد جاء النظر بمعنى الانتظار، معدّي بإلى، على أنّ الصاحب الخليل رحمه اللّه حمل «إلى» فى الآية على انّها واحد «الآلاء» اصلها «الّى» سقط التنوين بالإضافة على انّه يجري الكلام على المعنى، كما فى قوله: «أَ لَمْ تَرَ إِلىٰ رَبِّكَ»(1)((2)
منها: أنّه قد جاء فى الشعر بمعنى الإنتظار، معدي بإلى، كما فى بيت:
ناظرات إلى الرّحمان
و كقول جميل بن معمر:
و اذا نظرت إليك من ملك البحر دونك جدتني نعما و قول الآخر:
إنّي إليك لما وعدت لناظر نظر الفقير إلى الغنى الموسر و نظائره كثيرة.
و منها أن تحمل «إلى» فى قوله «إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ» علي أنّها إسم، فهو واحد «ألآلاء» الّتى هي النّعم، فانّ فى واحدها أربع لغات: إلى و إلى مثل «معا» و «قفا» و إلى و إلى، مثل «جدّى» و «حسّى» و سقط التنوين بالاضافة...
و منها: انّ لفظ النظر يجوز ان يعدّي بإلى فى الانتظار علي المعنى، كما أن الروية عدّيت بإلى فى قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ اَلظِّلَّ» فأجري الكلام علي المعنى...
.و ثانيها: انّ معناه مؤمّلة لتجديد الكرامة، كما يقال: عينى ممدودة إلى اللّه، و إلى فلان، و لمّا كانت العين بعض أعضاء الوجوه، أضيف الفعل الّذي يقع بالعين، إليها.
و ثالثها: [انّ المعنى] أنّهم قطعوا آمالهم [و أطماعهم] عن كلّ شيئ [سوي اللّه
1) . الفرقان: 45.
2) . و المتن، مأخوذ عن مجمع البيان: 602/10 و لكن فيه تقطيع و إختصار، مخلّ بالمقصود و المفهوم، و نحن نوردها تماما لمزيد الفايدة، و صونا لحقّ الطبرسي رحمه اللّه فيما قال و أجاد: و من إعترض علي هذا، بأن قال: إنّ النظر بمعنى الإنتظار، لا يتعدي بإلى، فلا يقال: انتظرت إليه، و إنّما يقال: انتظرته، فالجواب عنه علي وجوه:
تعالى، و وجوده دون غيره]، فكنّي عن الطمع بالنظر.
و هذه الأقوال متقاربة فى المعنى، مرويّة عن علماء المفسّرين، و الصحابة، و التّابعين، و غيرهم، و على هذا، فإنّه هذا الإنتظار متى يكون؟! قيل: بعد الإستقرار فى الجنّة و قيل: إنّه قبل إستقرار الخلق فى الجنّة و النّار، فكلّ فريق ينتظر ما هو أهل له. و هذا إختيار عبد الجبّار.
و ذكر جمهور أهل العدل: أنّ النظر يجوز أن يحمل على المعنيين جميعا، و لا مانع لها من حمله على الوجهين، و كأنّه تعالى أراد: انّهم ينظرون إلى الثواب المعدّ لهم فى الحال من أنواع النعيم، و ينتظرون أمثالها حالا بعد حال، ليتمّ لهم ما يستحقّونه من الإجلال.
و يسأل - على هذا - و يقال: إذا كان بمعنى النظر [بالعين] حقيقة [و بمعنى الإنتظار، مجازا، فكيف يحمل عليهما؟!
و الجواب: أنّ عند أكثر المتكلّمين فى أصول الفقه، يجوز أن يراد بلفظة واحدة اذ لا تنافى بينهما، و هو إختيار «المرتضى» قدس اللّه روحه، و لم يجوّز ذلك «أبو هاشم» الاّ إذا تكلّم به مرتين، مرّة يريد النظر، و مرّة يريد الإنتظار](1)
و قد قيل: فى إضافة النظر إلى الوجوه، إنّ الغمّ و السرور إنّما يظاهران فى الوجوه فبيّن اللّه سبحانه: أنّ المؤمن إذا ورد يوم القيامة تهللّ وجهه، و أنّ الكافر العاصي يخاف مغبة أفعاله القبيحة، فيلكح وجهه، و هو قوله: «وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بٰاسِرَةٌ» اي [كالحة] عابسة متغيّرة، «تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهٰا فٰاقِرَةٌ» أي: تعلم و تستيقن أنّه يعمل بها داهية تفقر ظهورهم، أي: تكسرها.
و قيل إنّه على حقيقة الظنّ، أي: يظنّون حصولها جملة و لا يعلمون تفصيلها.
و هذا أولى من الأوّل، لأنّه لو كان بمعنى العلم، لكان «أن» بعده مخفّفة من «أنّ» الثقيلة، على ما ذكره فى غير موضع.
و ذكر سبحانه و تعالى هذه الوجوه الظانّة، فى مقابلة الوجوه الناظرة، فهولاء يرجون تجديد الكرامة، و هولاء يظنّون حلول الفاقرة، فتكون حال الوجوه
1) . الإضافة عن «مجمع البيان»: 603/10 و فيه مزيد بيان و فايدة، فليراجع!
الراجية للأحوال السارّة، على الضدّ من حال الوجوه الظانّة للفاقرة.(1)
قال أمير المؤمنين عليه السّلام لذعلب اليمانى، و قد سأله عليه السّلام: هل رأيت ربّك؟! قال:
أفأعبد ما لا أرى؟! فقال: كيف تراه؟! فقال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، و لكن تدركه القلوب بحقايق الإيمان، قريب من الأشياء غير ملامس، بعيد منها غير مباين، متكلّم لا برويّة، مريد بلا همّة، صانع لا بجارحة، لطيف لا يوصف بالخفاء، كبير لا يوصف بالجفاء، بصير لا يوصف بالحاسّة، رحيم لا يوصف بالرّقّة، تعنوا الوجوه لعظمته، و توجل القلوب من مخالفته.(2)
و روي: لا تراه العيون.(3)
المجلس المائة و الرّابع و الأربعون فى قوله تعالى: «إِنَّ اَلْأَبْرٰارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كٰانَ مِزٰاجُهٰا كٰافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهٰا عِبٰادُ اَللّٰهِ يُفَجِّرُونَهٰا تَفْجِيراً يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخٰافُونَ يَوْماً كٰانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً»(1).
هذه الآية فى سورة «هل أتى»، و هي مكيّة فى قول الضحّاك، و مدنيّة فى قول إبن عبّاس، و هي إحدي و ثلاثون آية. و إلى هيهنا أربع آيات.
و المعنى: «إِنَّ اَلْأَبْرٰارَ» المطيعين المصدّقين فى إيمانهم «يشربون» فى الجنّة «مِنْ كَأْسٍ» من خمر حلال «كٰانَ مِزٰاجُهٰا» اي: خلطها «كافورا». اي: عينا يشرب بها عباد اللّه، اي: أولياء اللّه «يُفَجِّرُونَهٰا تَفْجِيراً» اي: يمزّجونها مزجا، و قيل:
يفجّرون عين الكافور حيث ما يشاؤون فى الجنّة إلى منازلهم و قصورهم.
ثمّ وصفهم بالنعت الّذي كانوا عليه فى الدّنيا، فقال: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ» و العهد «و يخافون عذاب يوم كان شره» أي عذابه «مستطيرا» أي فاشيا «وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ» اي: على حبّ اللّه، و حبّ الإطعام، و حبّ الطعام و شهوته «مِسْكِيناً وَ يَتِيماً» من المسلمين «وَ أَسِيراً» من المشركين فى أيدي المسلمين. و قيل: هو من أهل الشّجرة؟!!.
«إِنَّمٰا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللّٰهِ» أي: لثوابه و كرامته، «لاٰ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزٰاءً» مكافاة «وَ لاٰ شُكُوراً» أي: محمدة تحمدونها بها.
1) . الانسان: 8، 5.
2) . مجمع البيان: 609/10، الكشف و البيان: 93/10.
3) . مجمع البيان: 612، 611/10، تأويل الآيات الظاهرة: 725، 724، تفسير الصافى: 261/5، تفسير كنز الدقائق: 68/14، نور الثقلين: 470/5، تفسير القرطبى: 131/20، شواهد التنزيل: لقواعد التفضيل: 405، 332/2، تفسير القرآن الكريم لابى حمزة الثمالى: 345، الغدير: 107/3 و مصادره الجمّة الّتى تبلغ (34) مؤلفا و كتابا!!، و قد أفرد فيه الحافظ العاصمي كتابا ممتعا ضخما سمّاه: «زين الفتى فى تفسير سوره أهل أتى» و طبعت علي تحقيق العلامة الشيخ محمّد باقر المحمودى قدّس سرّه.
إعلم! أنّ اللّه تعالى سوّي عليّا عليه السّلام مع سبعة نفر:
مع يحيى عليه السّلام بالإسم، و مع إبراهيم عليه السّلام بالوفاء، و مع الملائكة بالخوف، و مع نفسه بالسّخاء، و مع موسى عليه السّلام بالإخلاص، و مع محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: بالأمن، و مع أيّوب عليه السّلام بالصبر:
فقال فى يحيى عليه السّلام: «وَ بَرًّا بِوٰالِدَيْهِ»(1)، و قال لعليّ عليه السّلام: «إِنَّ اَلْأَبْرٰارَ».
و قال للخليل عليه السّلام «وَ إِبْرٰاهِيمَ اَلَّذِي وَفّٰى»(2)، و قال لعليّ عليه السّلام: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ».
و قال للملائكة: «يَخٰافُونَ رَبَّهُمْ»(3)، و قال لعليّ عليه السّلام: «وَ يَخٰافُونَ يَوْماً».
و قال لنفسه تعالى: «هُوَ يُطْعِمُ»(4)، و قال لعليّ عليه السّلام: «وَ يُطْعِمُونَ».
و قال لموسى عليه السّلام: «إِنَّهُ كٰانَ مُخْلَصاً»(5)، و قال لعليّ عليه السّلام: «لِوَجْهِ اَللّٰهِ».
و قال للنّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: «عَفَا اَللّٰهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ»(6)، و قال لعليّ عليه السّلام: «فَوَقٰاهُمُ اَللّٰهُ شَرَّ ذٰلِكَ اَلْيَوْمِ».
و قال لأيّوب عليه السّلام: «إِنّٰا وَجَدْنٰاهُ صٰابِراً»(7)، و قال لعليّ عليه السّلام: «وَ جَزٰاهُمْ بِمٰا صَبَرُوا».
و أعطي اللّه جميع المؤمنين ما أعطي عليّا عليه السّلام: «وَ لٰكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ»(8)و قال:
«فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ» (9)، أي نذره و وفى به، و قال: «يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً»(10).
و ذكرنا من مناقب عليّ عليه السّلام كثيرا عند قوله: «محمّد رسول اللّه» صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
و امّا فضائل فاطمة عليها السّلام،
فقد قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم:
-* أنّما سمّيت فاطمة، لأن اللّه فطمها و فطم من أحبّها من النّار.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لها: انّ اللّه يغضب لغضبك، و يرضي لرضاك.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: كأنّي أنظر إلى إبنتى فاطمة، تجيئ فى القيامة، على نجيب من نور، عن يمينها سبعة آلاف ملك، و كذلك عن يسارها و بين يديها و خلفها، تقود مؤمنات امّتى إلى الجنّة.(3)
و أمّا فضائل الحسن و الحسين عليهما السّلام:
1) . علل الشرايع: 178/1، معانى الأخبار: 64. الغدير: 295/3، كنز العّمال: 109/12، بشارة المصطفي: 198، كشف الغمّة: 91/2، تاريخ بغداد: 87/5، نور الأبصار: 52، مقتل الحسين: للخوارزمي: 51/1.
2) . المستدرك للحاكم: 153/3، كنز العّمال: 111/7، ذخائر العقبى: 39، كفاية الطالب: 364، مجمع الزوائد الهيثمي: 203/9، الإصابة: 366/4، جواهر البحار للنهانى: 360/1، فرائد السمطين: 46/2، مناقب علي بن أبى طالب لإبن المغازلى: 351، اسد الغابة: 322/5، تهذيب التهذيب: 441/12، مقتل الحسين للخوارزمي: 52/1، فضائل الخمسة: 155/3، الغدير: 180/3 و مصادره الجمّة، 235، 174/7. ميزان الاعتدال: 77/2، و فى باب مناقب فاطمة بصحيح البخاري: 200/4 و 201 و 205 قال رسول اللّه: فاطمة بضعة منّي، من أغضبها أغضبنى، و فى رواية أخري: فى باب «ذب الرّجل عن إبنته»، من كتاب النكاح: 177/3، و باب فضائل فاطمة من صحيح مسلم، و الترمذي. و بمسند أحمد: 41/4 و 328: «يؤذينى ما آذاها، أو يؤذيها. أسد الغابة: 521/5، الصواعق المحرقة: 190، الآحاد و المثانى: 363/5، المعجم الكبير: 401/22، 108/1، نظم درر السمطين: 177، الكامل لإبن عدي: 351/2، تاريخ دمشق: 156/3، ذيل تاريخ بغداد، لإبن النجار البغدادي: 140/2، الاستغاثة: 11/1، فضل آل البيت، المقريزي: 63، سبل الهدي و الرشاد: 44/11، ينابيع المودة: 464، 132، 57/2، الخصائص الكبري: 265/2، خصائص النسانى: 35، فيض القدير: 421/4، السيدة فاطمة الزهراء لمحمّد بيومي: 162. مناقب امير المؤمنين، الكوفى: 211/2 و مصادر جمّة فيه، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل: 78، السنن الكبري للنسائي: 148، 97/5، إحقاق الحق: 216، 260/10.
3) . غاية المرام: 182/1 عن أمالى الصدوق: 575، 576، بشارة المصطفي: 274، بحار الأنوار: 84/37، 24/43، العوالم: 128/11.
4) . الأمالى للطوسي: 251، بشارة المصطفي: 122، كشف الغمّة: 527/1، المناقب، لإبن شهر آشوب: 381/3، المعجم الأوسط: 102/5، نظم درر السمطين: 209، تاريخ دمشق: 188/13.
5) . ذخائر العقبى: 129، بحار الأنوار: 90/39، قرب الاسناد: 53، كنز العّمال: 122/12.
و كان صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يأخذ بيديهما، و يقول: أللّهم إنّي أحبّهما، فأحبّهما.(1)
و حملهما صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يوما، و قال: نعم المطيّة مطيتهما، و نعم الراكبان أنتما.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لهما: أولادنا اكبادنا يمشون على الأرض.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ الولد ريحانة الجنّة، و أنّ الحسن و الحسين ريحانتاي من الدّنيا.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ اللّه أمرنى أن أسمّيهما بإسم إبنى هارون: «شبّر» و «شبير»، فقلت: لسانى عربى، فقال: سمّهما، الحسن و الحسين.(5)
و كان النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يأتي كلّ يوم باب عليّ عليه السّلام و يقول: السّلام عليكم يا أهل البيت! انّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت.(6)
و عن أبى هريرة: كان الحسن عليه السّلام عند رسول اللّه، فقال: أذهب إلى أمّي، فقلت: أ أذهب معه؟! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا، فجائت برقة من السّماء، فمشي فى ضوئها حتى بلغ داره.(7)
1) . روضة الواعظين: 165، الارشاد للمفيد: 28/2، ذخائر العقبى: 121، مستدر الصحيحين: 164/3، تاريخ بغداد: 285/11، مجمع الزوائد: 172/9، كنز العّمال: 266/6.
2) . أمالى الصدوق: 360 و عنه البحار: 267/43، مناقب إبن شهر آشوب: 169/3، الغدير: 266/2، مجمع الزوائد: 182/9، المعجم الكبير: 65/3، كنز العّمال: 663/13.
3) . نور الثقلين: 145/2، حاشية ردّ المحتار: 312/4، كشف الخفاء: 362/1، السير الكبير، الشيبانى: 328/1.
4) . ادب المفرد للبخاري: 14، سنن الترمذي: 322/5، مسند أحمد: 210/5، 446/2، صحيح البخاري: 74/7، 216/4، سنن البيهقي: 233/10، مجمع الزوائد: 179/9، اسد الغابة: 19/2، كنز العمّال: 673/13، 122، 113/12، تاريخ دمشق: 149/14، 212/13. انظر: شرح إحقاق الحق: 210/5، 444/33، 23/27، 16، 9/26، 183/19، 503/10، ينابيع المودة: 176.
5) . نظم درر السمطين: 195، ذخائر العقبى: 120، الصواعق المحرقة: 115، كنز العمّال: 222/6، الغدير: 125/7، التاريخ الكبير للبخاري: 147/1.
6) . شرح إحقاق الحق: 54/9، لاحظ للوقوف علي مصادر هذه الروايات تفسير الطبري: 7.5/22، و الدرّ المنثور: 198/5.
7) . شرح إحقاق الحق: 139/26، 155/11، 734/10، الصواعق المحرقة: 194، ذخائر العقبى: 131، تهذيب التهذيب: 297/2، سير اعلام النبلاء: 169/3، المستدرك: 167/3، مجمع الزوائد: 181/9، مقتل الحسين: 97، تاريخ دمشق: 207/4، (طبع روضة الشام).
و حديث حظيرة بنى النجّار، و نومهما فيها.(1)
و أراد عمر رجم امرأة حبلي زنت، فقال عليّ عليه السّلام: دعها حتى تضع حملها، فقال: لو لا علىّ لهلك عمر.(2)
و روي: انّ عليّا دخل المسجد، فرأي شيخا يحدّث، فقال: من أنت؟! قال: أنا إنسان!! قال: ما تقول؟ قال: أنا أقصّ، قال: أنت نبى اللّه أو خليفته؟! قال: لا، قال: انّ اللّه يقول: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ»(3)، قال: أحدّث!، قال: قال اللّه لرسوله:
«وَ أَمّٰا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» (4)، و الرسول كان محدّثا، قال: أنا، مذّكر! قال: قال اللّه لنبيّه: «وَ ذَكِّرْ»(5)و لست برسول، قال: فمن أنا؟!!، قال: أنت أعلم بنفسك!!.
ثمّ قال: أتحسن [من] القرآن؟! قال: بعضه!، قال: أتعرف [النّاسخ] و المنسوخ؟! قال: لا!!، قال: قوّم نفسك قبل أن تقوّم النّاس!.
«وَ تَوَفَّنٰا مَعَ اَلْأَبْرٰارِ» (6)، «إِنَّ اَلْأَبْرٰارَ لَفِي نَعِيمٍ»(7)، «كَلاّٰ إِنَّ كِتٰابَ اَلْأَبْرٰارِ لَفِي عِلِّيِّينَ»(8)، «إِنَّ اَلْأَبْرٰارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كٰانَ مِزٰاجُهٰا كٰافُوراً»(9).
فإن قيل: إنّهم أطعموا، و ذكر اللّه مكافاتهم الشراب و الطّعام؟!.
1) . الطرائف: 91، كشف اليقين: 31، نهج الحق و كشف الصدق: 389، غاية المرام: 283/6، 35/1، 303، 294، شرح إحقاق الحق: 669، 1/15، 187/10، 183، 20/9، 571/5.
2) . الأختصاص: 111، مسند زيد بن على: 335، شرح الازهار: 346/4، ذخائر العقبى: 80، مطالب السئول: 13، الرياض النضرة: 196/2، مناقب الخوارزمى: 48، دعائم الاسلام: 543/2، المسترشد: 583، الصراط المستقيم: 14/3، الغدير: 110/6، وسائل الشيعة: 76/18.
3) . يوسف: 3.
4) . الضحي: 11.
5) . الذاريات: 55.
6) . آل عمران: 193.
7) . الانفطار: 13.
8) . المطففين: 18.
9) . الانسان: 5.
قلنا: شراب الجنّة يقوم مقام الطّعام و الشّراب، فزادهم اللّه.
و قيل: لأنهم صاموا ذلك اليوم و عطشوا، فسقاهم اللّه، و الشراب لطيف و الطعام كثيف، و كان فعلهم صافيا، فذكر فى مكافاتهم شرابا صافيا.
فإن قيل: ما تفسير قوله: «وَ إِذٰا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً»؟!
قلنا: النعيم ما وجدوا، و الملك ما وعدوا.
و قيل: إنّهم فعلوا خمسة أشياء فكافاهم اللّه بخسمة:
أطعموا السائل، و أخلصوا فيه، و قالوا: لا نريد منكم جزاء، و لا شكورا، و خافوا اللّه.
جزاء الإطعام بالإطعام، فقال: «كُلُوا وَ اِشْرَبُوا».
و جزاء الإخلاص، بأن لقاهم نضرة و سرورا.
و جزاء ترك طلب الجزاء، الجنّة «وَ جَزٰاهُمْ بِمٰا صَبَرُوا».
و جزاء ترك طلب الشكر من الخلق، بالشكر من اللّه «كٰانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً».
و جزاء الخوف، بالأمن «فَوَقٰاهُمُ اَللّٰهُ شَرَّ ذٰلِكَ اَلْيَوْمِ».
فالشراب سقوا، و الثّواب وجدوا، و الثّياب ألبثوا، و من الذّهب حلّوا، فوقيهم، و لقاهم، و جزاهم، و سقاهم!!.
«الأبرار» جمع «برّ» و «بارّ»، و الكأس، الزّجاجة إذا كان فيها خمر، و تسمّي الخمر نفسها كأسا، «مزاجها» ما يمزج به، «كافورا» ماء كافور، و هو إسم عين فى الجنّة، ماءها فى بياض الكافور و برده و رائحته، «عينا» بدل منه.
و انّما وصل فعل الشراب بحرف الإبتداء أوّلا، و بحرف الإلصاق آخرا، لأنّ الكأس مبتدا شربهم و أوّل غايته، و أمّا العين فبها يمزجون شرابهم، و كان المعنى: يشرب عباد اللّه بها الخمر، كما تقول: شربت الماء بالعسل.
«و يفجّرونها» يجرّونها حيث شاؤا من منالهم «تفجيرا» سهلا لا يمتنع عليهم.
روي: إنّ الحسن و الحسين عليهما السّلام مرضا، فنذر عليّ و فاطمة عليهما السّلام إن عافاهما اللّه،
ليصومان ثلاثة أيّام للّه، و فضّة خادمهما كذلك، فلم يلبثا أن برءا، و لم تكن عند آل محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قليل و لا كثير.
فأخذ عليّ عليه السّلام من «شمعون بن حيار الخيبرى»(1)ثلاثة أصوع من شعير، و جزة(2)من صوف لتغزلها فاطمة!!، و صاموا و صام الحسن و الحسين ايضا، فطحنت صاعا فاطمة عليها السّلام، و عجنته، و خبزت خمسة أقراص لكلّ واحد واحدا، فلمّا وضعوا الطّعام للإفطار، إذا مسكين يقول: أطعمونى، فدفعوا كلّهم جميعا له، و أفطروا على الماء، فلمّا كان اليوم الثّانى طحنت صاعا و خبرته خمسة اقراص، فلمّا قعدوا للإفطار، أتاهم يتيم و قال: أطعمونى، فأعطوها أيّاه، و أفطروا على الماء، فلمّا كان اليوم الثّالث طحنت فاطمة الصّاع الباقي، و خبزته خمسة أقراص، فلمّا جلسوا للإفطار، أتاهم أسير، و قال: أطعمونى، فأعطوه أيّاها.
فلمّا كان اليوم الرّابع، أتي عليّ عليه السّلام المسجد، و صلّي مع النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: فلمّا فرغوا، قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لعليّ عليه السّلام: قم يا عليّ! حتّي نذهب إلى ضيافتك، فقام عليّ عليه السّلام، و قال فى نفسه: لا ييأس من روح اللّه!!.
فأتيا إلى فاطمة عليها السّلام، فقامت و دخلت البيت، فرأت طبقا من الرطب، فرفعه، و وضعته بين يدي النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إيقظي أولادي، فجلسوا كلّهم، و أكلوا، فإذا سائل بالباب، فإنتهره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و قال: هو الشّيطان وجد ريح الجنّة و أراد أن يأكلها معنا!!.
ثم قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الحمد للّه الّذي أكرم إبنتى بكرامة مريم عليها السّلام، «كُلَّمٰا دَخَلَ عَلَيْهٰا زَكَرِيَّا اَلْمِحْرٰابَ وَجَدَ عِنْدَهٰا رِزْقاً قٰالَ يٰا مَرْيَمُ أَنّٰى لَكِ هٰذٰا قٰالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ،
1) . آل عمران: 37.
2) . انظر الغدير: 107/3 إلى 111 عن طريق (34)، عالما من علماء أهل السنّة المشهورين، مع ذكر إسم الكتاب و الصفحة، و فى كتاب إحقاق الحق: 157/3 إلى 171 عن (36) نفر من علماء أهل السنّة مع ذكر المأخذ، أمالى الصدوق: 329، العمدة: 347، إقبال الاعمال: 375/2، الطرائف: 109، 107، الصّراط المستقيم: 182/1، بحار الأنوار: 72/43، 245/35، مجمع البيان: 209/10، الخصائص الوحي المبين: 177، شواهد التنزيل: 404، 399/2، تفسير القرطبى: 131/19، المناقب للخوارزمي: 26/1، كشف الغمّة: 308/1، نهج الايمان، إبن جبر: 173، كشف اليقين: 93، السيدة فاطمة الزهراء: محمّد بيومي: 152.
المجلس المائة و الخامس و الأربعون فى قوله تعالى: «وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوىٰ فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوىٰ»(1).
و هذه الآية فى «النّازعات»، و هي مكّيّة، و آياتها ستّ و أربعون.
و أمّا المعنى: فقد خاطب اللّه نبيّه، و قال: أمّا من خاف مسألة ربّه عمّا يجب عليه فعله، أو تركه، «وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوىٰ» أي: عن المحارم الّتى تشتهيها و تهواها، و قيل: إذا الرّجل يهمّ بالمعصية، فهي فيذكر مقامه للحساب، فيتركها، «فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوىٰ» له، اي: هي مقرّه و مأواه.
إعلم! أنّ الرّواية وردت بأنّ إسرافيل ينظر كلّ يوم ثلاث مرّات إلى النّار و يذوب، حتّي يصير كالعصفور.(3)
و قال جبرئيل: ما تبسمت منذ خلقت النّار.(4)
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ما رأيت مثل النّار نام هاربها!!.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا يأمن العبد حتّي يخلّف جسر جهنّم!(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ العبد المؤمن بين مخافتين، بين أجل قد مضي، لا يدري ما اللّه
1) . النازعات: 41/40.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 356/4.
3) . انظر: غريب الحديث، إبن سلام: 38/3، الفائق: 271/2، تفسير الميزان: 11/17، تفسير القرطبى: 241/19، 87/17، 320/14، 3/1، الدرّ المنثور: 93/1، كتاب العين: 57/7، 199/2، الصحاح للجوهري: 1299/3، النهاية فى غريب الحديث: 191/5، مجمع البحرين: 507/4 و فى المصادر: مثل «الوصع» و هو طائر مثل العصفور، أو أصغر منه.
4) . انظر: بحار الأنوار: 260/56، شرح نهج البلاغة: 36/10، مجموعة ورّام: 301، 66/1.
5) . أعلام الدين: 189، الأمالى للطوسي: 525، مجموعة ورّام: 51/2.
6) . عنه: مستدرك الوسايل: 231/11 و فيه: جسر جهنّم ورائه.
صانع فيه (يعنى: لأجل ذنوبه)، و بين أجل قد بقي، لا يدري ما اللّه قاض فيه.(1)
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أطّت السّماء و حقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع أربع أصابع الاّ و فيه ملك واضع جبهته ساجدا، و اللّه لو علمتم ما أعلم، لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا [ما تلذّذتم بالنّساء على الفرش]، و لخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى اللّه عزّ و جل.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: يقول اللّه: لا أجمع على عبدي خوفين، و لا اجمع له أمنين، متى خافنى فى الدّنيا، أمنته يوم القيامة، و من أمننى فى الدّنيا، أخفته.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إذا إقشعرّ جلد المؤمن من خشية اللّه تحاتّت عنه خطاياه كما تحاتّت ورق الشجر.(4)
الخوف على سبعة أوجه:
خوف التقلّب: «يَخٰافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ اَلْقُلُوبُ»(5).
و خوف الحشر: «اَلَّذِينَ يَخٰافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا»(6).
و خوف الإطّلاع «يَخٰافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ»(7).
و خوف الحساب: «وَ يَخٰافُونَ سُوءَ اَلْحِسٰابِ»(8).
و خوف النّار «وَ اِتَّقُوا اَلنّٰارَ اَلَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ»(9).
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 231/11 بتفاوت يسير.
2) . بحار الأنوار: 131/81، 199/56، 107/55، ارشاد القلوب: 109/1، مجموعة ورام: 134/1.
3) . أمالى الطوسي: 529، الخصال: 79/1، روضة الواعظين: 451/2، مجموعة ورّام: 55/2، مشكاة الأنوار: 118، بحار الأنوار: 379/67، بتفاوت يسير.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 231/11، بحار الأنوار: 394/67، مجموعة ورام: 32/2.
5) . النور: 37.
6) . الأنعام: 51.
7) . النحل: 50.
8) . الرعد: 21.
9) . آل عمران: 131.
و خوف الوعيد «يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً»(1).
و خوف المقام «وَ لِمَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ جَنَّتٰانِ»(2)، «وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوىٰ»(3).
الخوف العارض عند تلاوة القرآن رقّة كرقّة النّساء! ليس فيه ثبات، فينبغي للمؤمن أن لا يسكن خوفه حتّي يأمن ما يخاف.
قيل: فى قوله تعالى: «وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ» يعنى عند مقامه على المعصية فى الدّنيا.
و قيل: إذا عرض له محرّم، خاف مقام اللّه عليه، فأمسك.
و قيل: الخوف هنا العلم، أي: علم أنّ له مقاما بين يدي ربّه.
و قيل: يعنى مقام المناجاة و مقام إضطراره فى الدّنيا.
و قيل: هي، فيمن همّ فى خلاء بمعصية و هو يقدر عليها، و يتركها مخافة اللّه، فالجنّة مأواه.
ليس فى القرآن آية أصعب من قوله: «فَأَمّٰا مَنْ طَغىٰ وَ آثَرَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا، فَإِنَّ اَلْجَحِيمَ هِيَ اَلْمَأْوىٰ»(4).
و أيّنا لم يؤثر الدّنيا على الآخرة؟! و أيّنا لم يطغ؟!
و قد أوعد اللّه النّار بالطغيان و ايثار الدّنيا؟!.
و «الإيثار»: ارادة الشّيئ على طريقة التفضيل له على غيره.
المجلس المائة و السّادس و الأربعون فى قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلْإِنْسٰانُ مٰا غَرَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ اَلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّٰاكَ»(1).
إلى هيهنا من أوّل سورة «الإنفطار» خمس آيات، و هي مكّيّة، و آياتها تسع عشرة.
و عن إبن عبّاس: أراد بقوله: يا أيّها الإنسان يعنى الكافرين: كلدة بن أسيّد، و أبى بن خلف.
و قيل: أراد به عامّة الخلق، فالمعنى: «مٰا غَرَّكَ» حتّي كفرت كفرا، أو كفرانا «بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ» المتجاوز فى الكرم، الحدّ «اَلَّذِي خَلَقَكَ» بسمة من نطفة، «فَسَوّٰاكَ» فى بطن أمّك، فجعلك معتدل القامّة، «فِي أَيِّ صُورَةٍ مٰا شٰاءَ رَكَّبَكَ» أي: شبّهك فى صورة الأعمام، أو صورة الأخوال، إن شاء حسنا، و إن شاء ذميما، و إن شاء صوّرك فى صورة القردة و الخنازير.
إعلم! أنّ اللّه بيّن فى هذه الآية: أنّ من ترك طاعته و إرتكب معصيته فلا عذر له، فإنّه تعالى يقول: أي شيئ غرّك بخالقك و خدعك و سوّل لك الباطل، حتّي عصيته و خالفته؟!.
و «الكريم»: الّذي يعطي ما عليه و ما ليس عليه، و لا يطلب ما له، و من كرمه، أنّه لم يرض بالعفو عن السيّئات حتّي بدّلها بالحسنات!!.
فمن يشبه؟! قال: أمّه أو أباه!! قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا تقل هكذا!! انّ النطفة إذا استقرّت فى الرّحم، أحضرها اللّه كلّ نسب بينها و بين آدم، أما قرأت هذه الآية: «فِي أَيِّ
صُورَةٍ مٰا شٰاءَ رَكَّبَكَ» أي: فيما بينك و بين آدم.(1)
و المعنى: أنّه تعالى يقدر على جعلك كيف يشاء، و لكنّه خلقك فى أحسن تقويم، حتّي صرت على صورتك الّتى أنت عليها.
الكريم على وجوه:
الشريف: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ»(4).
و الصفوح: «فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ»(5).
و الكثير: «وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ»(6).
و الحسن: «مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ»(7).
و العجيب: «أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتٰابٌ كَرِيمٌ»(8).
و الكثير الخير: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ»(9).
و الطيّب: «وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً»(10).
1) . بحار الأنوار: 94/7، تفسير الثعلبى: 147/10.
2) . بحار الأنوار: 94/7 و فيه «هذه الصور».
3) . أمالى الطوسي: 529 و عنه مستدرك الوسايل: 112/12، بحار الأنوار: 80/74، أعلام الدين: 192، مجموعة ورام: 55/2، 235، 215، 64/1، مكارم الاخلاق: 461.
4) . الحجرات: 13.
5) . النمل: 40.
6) . الأنفال: 74، 4، الحج: 50، النور: 26، سبأ: 4.
7) . الشعراء: 7.
8) . النمل: 29.
9) . الواقعة: 77.
10) . النّساء: 31.
فى الآية عتاب و تلقين، قال: «مٰا غَرَّكَ» ثمّ قال «بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ».
«ما» هيهنا إستفهام إستنكار، لا إستفهام إستخبار، كأنّه قال: لأي شيئ عصيتنى؟! ألست خلقتك و سوّيتك و عدلتك؟!
فقال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: عن جهله!!(1).
كما قال اللّه: «إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولاً»(2).
و قيل: غرّه كرمه تعالى، و هذا تلقين!،
كما قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لسارقة:
و مثله فى: المبسوط للسرخسي: 141، 92/9، بدايع الصنايع: 233، 61/7 و فى البحر الرائق لإبن نجيم المصري: 13/5، كما قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: للسارق الّذي جئ به إليه: أسرقت و ما أخا له سرق، أي: ما أظنّه سرق، تلقينا له، ليرجع.
و فى: المغنى لإبن قدّامة: 196/10: عن أبى الدرداء: انّه أتي بجارية سوداء سرقت، فقال لها: أ سرقت؟! قولى: لا، فقالت: لا، فخلي سبيلها.
و انظر أيضا: المحلّي إبن حزم: 388/9، سبل السلام: 23/4، نيل الأوطار: 309/7، السنن الكبري للبيهقي: 276/8، المصنّف، الصنعانى: 225/10، مسند أبى جعد: 170، المصنّف الكوفى: 525/6، كنز العّمال: 544/5، تاريخ دمشق: 384/15.
.فإن قيل: ما معنى قوله «مٰا غَرَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ»؟!، و كيف طابق الوصف بالكرم، و إنكار الاغترار به؟!، و إنما يغترّ بالكريم،
كما روي:
1) . كذا فى المتن، و فى الكشاف: 715/4 «غرّه جهله».
2) . الأحزاب: 72.
3) . فى المبسوط للشيخ الطوسي: 280/8 و روي: انّ سارقا أقرّ عنده [النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم] قال له: أ سرقت أم لا؟!. و فى شرح الأزهار: و امّا ما يروي «انّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال لمن أدّعي عليه السرقة: أ سرقت قل لا» فلم يثبت. 347/4.
و فى المجموع: 306/20: و ما لقّن صلّي اللّه عليه و سلم السارق و السارقة بقوله: ما أخاله سرق، أو، أ سرقت؟!، قولى لا.
4) . فى الكشاف: 715/4 «صاح بغلام له».
بالباب، فقال له: مالك لم تجبنى؟! قال: لثقتى بحلمك و أمنى من عقوبتك!، فأعتقه(1).
و قالوا: من كرم الرّجل سوء أدب غلمانه؟!
قلنا: معناه: أن حقّ الإنسان أن لا يغترّ بتكرّم اللّه عليه [حيث خلقه حيّا لينفعه، و بتفضّله عليه بذلك، حتّي يطمع بعد ما مكنّه و كلّفه، فعصي و كفر النعمة المتفضّل بها، أن يتفضل عليه بالثواب و طرح العقاب، اغترارا](2)بالتفضّل الأوّل، فإنّه منكر خارج من حدّ الحكمة.
«فعدلك» فصيّرك معتدلا متناسب الخلق، من غير تفاوت فيه، فلم يجعل إحدي اليدين أطول، و لا إحدي العينين أوسع، و لا بعض الأعضاء أبيض و بعضها أسود [و بعض الشعر فاحما و بعضه أشقر]، أو جعلك معتدل الخلق تمشي قائما، لا كالبهائم.
و قرئ: فعدلك بالتخفيف، و فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون بمعنى المشدّد، أي: عدل بعض أعضائك ببعض حتّي إعتدلت.
الثانى: فعدلك، فصرفك، يقال: عدله عن الطريق، يعنى: فعدلك عن خلقة غيرك، و خلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق، أو فعدلك إلى بعض الأشكال و الهيئات.
«ما» فى «بِمٰا شٰاءَ» مزيدة، أي: ركّبك فى أي سورة إقتضتها مشيّته و حكمته من الصّور المختلفة [فى الحسن و القبح و الطول و القصر و الذكورة و الأنوثة، و الشبه ببعض الأقارب، و خلاف الشبه](3).
كيف يكون المؤمن مغرورا، و هو يعرف اللّه فلا يعبده؟! و كيف يطمئنّ إلى الدّنيا، و يثق بالحياة؟! و يأمن ساعة من الموت؟!
فليتزوّد العاقل! و ليمهّد مضجعه!!.
المجلس المائة و السّابع و الأربعون فى قوله تعالى: «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ اَلَّذِينَ إِذَا اِكْتٰالُوا عَلَى اَلنّٰاسِ يَسْتَوْفُونَ»(1).
هي ستّ و ثلاثون آية، نزلت السّورة بالجحفة، حين هاجر صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من مكّة إلى المدينة.
و المعنى: الويل و شدّة العذاب للذين يطفّفون فى الكيل و الوزن، و هم أهل «المدينة»، كانوا سيّئين فى ذلك قبل مجيئ النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
ثم بيّن ذلك، فقال: «اَلَّذِينَ إِذَا اِكْتٰالُوا عَلَى اَلنّٰاسِ» يعنى: إذا إشتروا من النّاس و كالوا لأنفسهم، أو وزنوا لأنفسهم، متمّون الكيل و الوزن، و إذا كالوا لغيرهم، أو وزنوا لغيرهم، ينقصون الكيل و الوزن.
ثمّ خوف اللّه الذين يسيئون كيلهم و وزنهم لغيرهم و يستوفون لأنفسهم و قال:
«أَ لاٰ يَظُنُّ» أي: أ لا يعلم و لا يستيقن «أولئك» المطفّفون الكيل و الوزن «أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ» مجيئون «لِيَوْمٍ عَظِيمٍ» شديد هوله، و هو يوم القيامة.
فلمّا دخلوا قرّاء هذه السورة عليهم، فتابوا و رجعوا إلى الوفاء بالكيل و الوزن.
إعلم! أنّ اللّه قدّم حقّ المخلوقين على حقّ نفسه فى أشياء:
أوّلها فى الواجبات: «وَ آتَى اَلْمٰالَ عَلىٰ حُبِّهِ»(3)، ثم ذكر الزّكاة(4)، لأن الواجبات حقّ العبيد، و الزكاة حقّ اللّه.
و الثّانى: قدّم كفارة قتل الخطاء على ساير الكفّارات، و وضع فيه عتق رقبة مع الدّية، لأنّها حقّ الغير.
الثّالث: أمر بقطع يد السّارق من أموال النّاس(5)، لأنّها حقّ العبيد، دون سارق
مال الشّرع.
الرّابع: غلظ فى وعيد المطفّف فى الكيل و الوزن، لأن لا يبطل حقوق النّاس، لأنّ خصومتهم مع اللئام، فشدّد الوعيد لأجلهم.
و لذلك قيل: الحدود عماد الحرمات.
كان النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إذا دخل السّوق، يقول: أللّهم انى أسألك من خير هذا السّوق، و أعوذ بك من الكفر و الفسوق.(1)
و بايع صلّى اللّه عليه و اله و سلّم النّاس على النّصح لكلّ مسلم، فكان إذا إشتري شيئا، قال: إنّ الذي أخذنا منك خيرا ممّا أعطيناك، فأنت بالخيار.(2)
و جائت إليه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إمرأة بشيئ، فقالت: يا رسول اللّه! هاك هذا! حلال من كسب يدي، قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إذا كان الأذان، و فى يدك فضل، فقولين: حتّي أفرغ منه، ثمّ أتوضّأ و أصلّى؟!
قالت: نعم!!، قال: فليس كما قلت!!(3).
قال اللّه «الويل»، لإحدي عشر نفسا:
لليهود: «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ اَلْكِتٰابَ بِأَيْدِيهِمْ»(4).
و للمشركين: «وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ»(5).
و للكفّار: «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا»(6).
و لابي جهل: «أَوْلىٰ لَكَ فَأَوْلىٰ»(7)، أي: الويل لك، و قيل: هو الوليد بن مغيرة.
و لعقبة بن أبى معيط: «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذٰابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ»(1).
و للآفكين: «وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّٰاكٍ أَثِيمٍ»(2).
و للمكذّبين: «فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ»(3)، فى عشرة مواضع فى «المرسلات».
و لقاسي القلب: «فَوَيْلٌ لِلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ»(4).
و الهمزة: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ»(5).
و للسّاهين عن الصّلاة، لا فى الصّلاة!: «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ»(6).
و للمطفّفين: «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ»(7).
كان فى المدينة رجل يقال له: «أبو جهينة»، معه صاعان!!، يكيل بأحدهما، و يكتال بالآخر!!، و انّما يقال له: «المطفّف»، لأنّه لا يكاد يسرق فى المكيال و الميزان، الاّ الشيئ اللطيف اليسير.
فقال [اللّه تعالى] أوّلا: فويلّ للّذين ييخسون النّاس حقوقهم، ثمّ فسّر المطفّفين، فقال: «اَلَّذِينَ إِذَا اِكْتٰالُوا».
ثمّ عجب اللّه من غفلة هؤلاء، حيث فارقوا أمر اللّه، فقال «أَ لاٰ يَظُنُّ» اي: ألا يعلم «أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ»؟!
ثمّ أخبر عن ذلك اليوم، فقال: «يَوْمَ يَقُومُ اَلنّٰاسُ» من قبورهم لأمر «ربّ
العالمين».
و يجوز أن يكون المعنى: ألا يحسب [أولئك لأنّ من ظنّ الجزاء و البعث، و قوي ذلك فى نفسه، و إن لم يكن عالما به، فإنّه يجب عليه أن يتحرّز خوفا من العقاب الّذي يجوزه و يظنّه، كما أنّ من ظنّ فى سلوك طريق، فواجب عليه أن يتجنّب سلوكه].(2)
التطفيف، البخس فى الكيل و الوزن، لأنّ ما يبخس، شيئ طفيف حقير. و لمّا كان إكتيالهم من النّاس، إكتيالا يضرّهم، أبدل «على» مكان «من» للدّلالة على ذلك.
و يجوز أن يتعلّق «على» ب «يستوفون»، و يقدّم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصيّة، [اي يستوفون على النّاس خاصّة، فامّا أنفسهم فيستوفون لها].
و قال الفرّاء: «من» و «على» يعتقبان فى هذا الموضع، لأنّه حقّ عليه، و الضمير فى «كٰالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ» ضمير منصوب راجع إلى النّاس، و فيه وجهان:
أحدهما: أن يراد: كالوا لهم، أو وزنوا لهم، فحذفت الجارّ، و أوصل الفعل.
[الثانى:] و أن يكون على حذف المضاف، و إقامة المضاف إليه مقامه، و المضاف هو المكيل أو الموزون.
و لا يجوز أن يكون ضميرا مرفوعا للمطففين [لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد].(3)
هدّدهم اللّه بيوم البعث و الحساب. و «الويل» شدّة العذاب.
و قيل: جبل من قيح و دم.
و قيل: كثرة قوله: واويلاه!!.
و قيل: «الويل» جبّ فى النّار، أضيقها مكانا، و أبعدها قعرا، و أمرّها نارا.
و «الطفّ» ما قرب من الملأ، و لم يملأ!!.
1) . مجمع البيان: 486/10، و طفّ الصّاع قريب من ملئه، أي بعضكم قريب من بعض، و إناء طفّان، اذا لم يكن ملآن.
المجلس المائة و الثّامن و الأربعون فى قوله تعالى: «كَلاّٰ بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ مٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ».(1)
إلى هيهنا من أوّل سورة المطفّفين ثلاثة عشرة آية، نزلت فى «الوليد بن مغيرة» و كفّار قريش. يقول: إرتدعوا و انزجروا عن المعاصي، و ليس الأمر على ما أنتم عليه. و تمام الكلام «كلاّ»!!. و قيل: «كلاّ» إبتداء يتّصل بما بعده، على معنى «حقّا» [و المعنى]: بل غلب عليها ما كانوا يكسبونه. و المعنى: غلب ذنوبهم على قلوبهم. و قيل: معنى «الرّين»: الذّنب على الذّنب، حتّي يموت القلب.
إعلم! أنّ الباقر عليه السّلام قال: ما من عبد مؤمن الاّ و فى قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنبا خرج فى تلك النّكة نكتة سوداء، فإذا تاب ذهب تلك السّواد، و إن تمادي فى الذّنوب، زاد ذلك السّواد، حتّي يغطي البياض، فإذا غطي البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا، و هو قول اللّه:
«كَلاّٰ بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ».(2)
و [قال أبو القاسم البلخي:] فى الآية دلالة على صحّة ما يقوله أهل العدل فى تفسير «الطّبع على القلوب» و «الختم عليها» و «الإضلال»، لأنه تعالى أخبر أنّ أعمالهم السيّئة، و ما يكسبونه من القبيح(4)، «ران على قلوبهم»، «كلاّ» يريد: لا يصدّقون، عن إبن عبّاس.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أيّاك و الضّحك، فإنّه هادم القلب.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ثلاث مهلكات، شحّ مطاع، و هوي متّبع، و إعجاب المرء بنفسه.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ القلب ليصدأ كما يصدأ الحديد، بردّه بطرائف الحكمة.(3)
و سأل الحسين عليه السّلام انّ اعمي القلب بماذا ينظر؟! قال عليه السّلام: بترك ما من أجله عمى!!.(4)
«كلاّ» فى النصف الأخير من القرآن، فى ستّ و ثلاثين موضعا، و معناه: لنفي شيئ مقدّم من الكلام، و للزّجر عن الشيئ، يعنى عن شيئ جري ذكره، كما قال: «أَطَّلَعَ اَلْغَيْبَ، أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ اَلرَّحْمٰنِ عَهْداً، كَلاّٰ»(5)أي لم يتّخذ، و قال: «كَلاّٰ سَيَعْلَمُونَ»(6)زجرا عن قلوبهم. و قال أبو سهل الأنباري: «كلاّ» بمعنى الاّ، و يكون صلة للقسم، كقوله: «كَلاّٰ لَيُنْبَذَنَّ».(7)«كَلاّٰ سَنَكْتُبُ»(8)، «كَلاّٰ سَيَكْفُرُونَ»(9)، «كَلاّٰ فَاذْهَبٰا»(10)، «كَلاّٰ بَلْ هُوَ اَللّٰهُ».(11)
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 418/8.
2) . الفقيه: 358/4، وسايل الشيعة: 102/1، بحار الأنوار: 335/64، بشارة المصطفي: 222، الخصال: 84/1، الزهد: 68، عدة الداعي: 235، عوالى اللئالى: 273/1.
3) . فى مجمع البحرين: انّ هذا القلب يصدء كما يصدء الحديد. و فى عدة الداعي: انّ للقلوب صداء كصداء النحاس، فاجلوها بالاستغفار: 249.
4) . لم نعثر عليه.
5) . مريم: 79، 78.
6) . النباء: 4.
7) . الهمزة: 4.
8) . مريم: 79.
9) . مريم: 82.
10) . الشعراء: 15.
11) . سباء: 27.
لا!!، لأنّ فى قلبك غشّا لمسلم!!، قال: صدق.(1)
«ران» بمعنى «غلب»، و قيل: غطّي. يقال: ران عليه الذّنب و غان عليه رينا و غينا، و «الغين» الغيم الرّقيق. و الرّين كالصّداء، يغشي القلب، يقال: غلب كسب الذنوب على قلوبهم، كما يرين الخمر على قلب السكران. و يقال: غلب الصداء على قلوبهم، إذا أذنبوا ذنبا بعد آخر، حتّي إسودّ القلب. قال: «فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ»(4)، ثم قال: «اَلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ اَلدِّينِ»(5)، وصفهم به للذّم، لا للبيان، كقولك: فعل ذلك فلان الفاسق الخبيث. فكلاّ، هيهنا، ردع للمعتدي الأثيم، و هو أن يصرّ على الكبائر، و يسوّف التوبة، حتّي يغلب الذّنب على قلبه.
رأي بعض الزّهّاد صبيّا أخرجته أمّه، و أغلقت الباب عليه، فطاف الصبى بكلّ باب فى السّكك، فلم يفتح له، و ضجر، و آيس، فرجع إلى باب الأمّ، يتضرّع و يبكي و يتعذر، حتّي فتحت له الباب رحمة!!. فقال الزّاهد: ينبغي للعبد أن يرجع إلى باب اللّه بالدّعاء و التضرّع حتّي يصالحه، و أنشد:
كان لي قلب أعيش به *** ضاع منّي فى تقلّبه
ربّ! فاردده إلى فقد عيل *** صبري فى تطلّبه
و أغث مادام بي رتق *** يا غياث المستغيثين به.
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 83/9.
2) . و فى كلمات القصار لأمير المؤمنين عليه السّلام فى شرح نهج البلاغة لإبن أبى الحديد: 324/20: ليس يزنى فرجك ان غضضت طرفك.
3) . بحار الأنوار: 182/60، 204/25، 44/17، مفتاح الفلاح: 150 و فيه: و كذا ما رواه العامّة فى صحاحهم انّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: انّه ليغان علي قلبى، و انّي استغفر اللّه بالنّهار سبعين مرّة.
4) . المرسلات: 47، 45، 40، 37، 34، 28، 24، 19، 15، المطففين: 10.
5) . المطففين: 11.
المجلس المائة و التاسع و الأربعون فى قوله تعالى: «وَ اَلْفَجْرِ وَ لَيٰالٍ عَشْرٍ وَ اَلشَّفْعِ وَ اَلْوَتْرِ».(1)
هذه السّورة مكّيّة، و هي ثلاثون آيه.
أقسم اللّه بالفجر، و هو صبح النّهار.
و قيل: هو النّهار كلّه. و الليإلى العشر، عشر ذي الحجّة. «و الشفع»: كلّ صلاة يصلّي ركعتين، أو أربعا، مثل صلاة الغداة، و الظهر و العصر. و «الوتر»: كلّ صلاة تصلّي ثلاثا، كصلاة المغرب، و الوتر.
و قيل: الشفع: السّماء و الأرض، و الدّنيا و الآخرة، و الجنّة و النّار، و الشّمس و القمر، و العرش و الكرسي، و الذكر و الأنثي.
«و الوتر» هو: اللّه. «وَ اَللَّيْلِ إِذٰا يَسْرِ»: ليلة المزدلفة، يذهب و يجيئ فيه النّاس.
أقسم اللّه بهذه الأشياء، «أنّ ربّك» يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، «لَبِالْمِرْصٰادِ» أي: الطريق عليه. «هَلْ فِي ذٰلِكَ» أي: فيما ذكرت. «قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ» لذي عقل.
إعلم! أنّ اللّه أقسم بأربعة أشياء:
بنفسه، كما قال: «فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ»(3)، «فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ»(4).
و بصفاته: نحو قوله: «طه» و «حم»: بطهارته و هيبته و حكمه و ملكه.
و بأفعاله: كما قال: «وَ مٰا خَلَقَ اَلذَّكَرَ وَ اَلْأُنْثىٰ»(5)، يعنى و بخلق الذكر و الأنثي.
و بمفعولاته: كما قال: «و الفجر» و «و الشّمس»، «و اللّيل» «وَ اَلسَّمٰاءِ وَ مٰا بَنٰاهٰا».
فأمّا ما أقسم بنفسه، فلتعظّمه. و ما أقسم بصفاته، فلعلّوه. و ما أقسم بأفعاله،
فلقدرته. و ما أقسم بمفعولاته، فلعجايبه.
و القسام فى كلام العرب: الحرّ الشديد، و من أراد أن يقسم، فإنّه يحمي كلامه و يؤيّده و يؤكّده.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ما من عمل فى أيّام الدّهر، أزكي عند اللّه من العمل فى أيّام العشر(1)، و قيل: و لا الجهاد فى سبيل اللّه؟!، [قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: و لا الجهاد!! الاّ] رجل(2)معفّر فى التّراب.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من صام يوما من أيّام العشر، كتب اللّه له بكلّ يوم أجر سنة، و بكلّ ليلة قام إلى الصّلاة، أجر ليلة القدر.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ اللّه ليس بتارك صبيحة أوّل ليلة من ذي الحجّة أحدا ممّن يصلّي إلى هذه القبلة، الاّ غفر له.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ثلاثة ينزلون من الجنّة حيث يشاؤون، رجل قرأ: «قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ» مأتي مرّة فى أيّام العشر، و رجل يصلّي ركعتين، يقرأ فى إحداهما فاتحة الكتاب مرّة، و «قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ» مرّة، و فى الأخري فاتحة الكتاب مرّة، و من سورة الأنعام ثلاث آيات، و رجل عفي عن مظلمة.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إذا كانت عشيّة عرفة، يقول اللّه لملائكته: أنظروا إلى عبادي و امائي شعثا غبرا، جاؤونى من كلّ فجّ عميق، لم يروا رحمتى و لا عذابى - يعنى الجنّة و النّار - أشهدكم ملائكتى: إنّي غفرت لهم، الحاجّ و غير الحاجّ، فلم ير يوما أكثر عتقاء من النّار، من يوم عرفة و ليلتها.(7)
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 156/10، انظر أيضا: وسايل الشيعة: 221/10.
2) . إقبال الأعمال: 35/2، سنن الدارمي: 26/2، كنز العّمال: 180/14.
3) . انظر: فى اختلاف لفظ الحديث: إرواء الغليل، لمحمّد ناصر الألبانى: 397/3، الدرّ المنثور: 227/1.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 520/7.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 156/10.
6) . عنه: مستدرك الوسايل: 8/9، 399/6، 156/10 تقطيعا.
7) . عنه: مستدرك الوسايل: 23/10، الدرّ المنثور: 227/1.
قد ذكرنا بعضها. و القسم على وجوه:
قسم التفضّل و التخصيص: كقوله: «وَ اَلْعَصْرِ».(2)
و قسم التعظيم: «فَلاٰ أُقْسِمُ بِمَوٰاقِعِ اَلنُّجُومِ»(3)، يعنى القرآن، ثم قال: «وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ»(4).
و قسم العجائب: كقوله: «وَ اَلسَّمٰاءِ وَ اَلطّٰارِقِ»(5)، «وَ اَلنَّجْمِ إِذٰا هَوىٰ»(6).
و قسم الإعتبار: «وَ اَلصَّافّٰاتِ»(7)، «وَ اَلْمُرْسَلاٰتِ»(8)، «وَ اَلذّٰارِيٰاتِ»(9)، «وَ اَلْعٰادِيٰاتِ» (10)«وَ اَلنّٰازِعٰاتِ»(11).
1) . انظر أيضا: قال مالك بن أنس: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: ما رأي ابليس يوما هو فيه أصغر و لا أحقر و لا أدحر و لا أغيظ من يوم عرفة، و ذلك ممّا يري من نزول الرّحمة و العفو عن الذنوب، إلا ما رأي يوم بدر، قالوا: يا رسول اللّه! و ما رأي يوم بدر؟! قال: اما إنّه رأي جبرئيل يزع الملائكة. تفسير إبن كثير: 67/4 و رواه مالك فى الموطأ، فى كتاب الحج: ح 245، و انظر أيضا: جامع البيان: 15/10، تفسير القرطبى: 419/2، الكشاف: 228/2. و فى الدرّ المنثور 228/1: يرعي الملائكة. يزع: اي: يسوّي صفوفهم، فيأمر هذا أن يتقدّم و هذا أن يتأخّرا.
2) . العصر: 1.
3) . الواقعة: 75.
4) . الواقعة: 76.
5) . الطارق: 1.
6) . النجم: 1.
7) . الصافات: 1.
8) . المرسلات: 1.
9) . الذاريات: 1.
10) . العاديات: 1.
11) . النازعات: 1.
و قسم الولاية: «لاٰ أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيٰامَةِ»(1)، «لاٰ أُقْسِمُ بِهٰذَا اَلْبَلَدِ»(2).
و قسم الإمتحان: كحروف المقطعة.
[إن اللّه] أقسم بالفجر، كما أقسم بالصبح: «وَ اَلصُّبْحِ إِذٰا أَسْفَرَ»(3)، «وَ اَلصُّبْحِ إِذٰا تَنَفَّسَ»(4). و قيل: بصلاة الفجر.
فإن قيل: فما بال قوله تعالى: «وَ لَيٰالٍ عَشْرٍ» منكّرة من بين ما أقسم به؟!
قلنا: لأنّها ليال مخصوصة من بين جنس الليالى، العشر، بعض منها، أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها.
فإن قيل: فهلاّ عرفت بلام العهد، لأنّها ليال معهودة معلومة؟!
قلنا: لو فعل ذلك، لم تستقل بمعنى الفضيلة الّذي فى التنكير، و لان الأحسن أن تكون اللامات متجانسة ليكون الكلام أبعد من الألغاز و التعمية.
و أقسم بالشّفع و الوتر: إمّا الأشياء كلّها، شفعها و وترها، و إمّا شفع هذه الليإلى و وترها. و يجوز أن يكون شفعها يوم النحر، و وترها يوم عرفة، لأنّه تاسع أيّامها و ذاك عاشرها. و قد أكثروا فى الشّفع و الوتر، و ذلك قليل الطّايل.
أقسم اللّه لفجر النّهار و هو إنفجار الصّبح.
و قيل: هو فجر ذي الحجّة.
و قيل: الشفع يوم التروية، و وترها يوم عرفة، عن الباقر و الصّادق عليهما السّلام.(5)
و قيل: الشفع عليّ و فاطمة، و الوتر محمّد عليه و آله السّلام.(6)
«وَ اَللَّيْلِ إِذٰا يَسْرِ» أراد جنس الليالى، كقوله: «وَ اَللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ»(1)، أقسم بالليل إذا يمضي بظلامه، فيذهب حتّي ينقضي بالضّياء المبتدي. ففي سيره على المقادير المرتّبة، و مجيئه بالضّياء عند تقضّيه، أدلّ دلالة على أنّ فاعله مختصّ بالعزّ و الجلال، و يتعالى عن الأشباه و الأمثال.
و قيل: أضاف «السير» إليه، لأنّ الليل يسير بمسير الشّمس فى الفلك، و إنتقالها من أفق إلى أفق.
و قيل: إنّها ليلة المزدلفة، لإختصاصها بإجتماع النّاس فيها لطاعة اللّه، و فيها يسري الحاجّ من «عرفة» إلى «المزدلفة»، ثمّ يصلّي الغداة بها، و يغدوا منها إلى «منى».
«هَلْ فِي ذٰلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ»، «هل» فيما ذكر من الأقسام، مقنع لذي عقل يعقل القسم و المقسم به، و هذا تعظيم و تأكيد لما وقع القسم به. و المعنى: من كان ذا لبّ، علم أنّ ما أقسم اللّه به من هذه الأشياء، فيه عجائب و دلائل على توحيد اللّه.
ثمّ إعترض بين القسم، و جوابه، بقوله: «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعٰادٍ»
و قيل: الشّفع أبواب الجنّة، و الوتر أبواب النّار.
و قال عليه السّلام: الشّفع القرآن، و الوتر قل هو اللّه أحد.(2)
و قال جعفر الصّادق عليه السّلام: الشّفع الجوارح، و الوتر القلب.(3)
و روي: إنّ لكلّ جسر عقبة، و بين كلّ عقبتين مسيرة ألف عام.(4)
و روي عن عليّ عليه السّلام: أنّ المواقف ثلاثون موقفا.(5)
و فى رواية: خمسون.(6)
و روي: أنّ آخر من يخرج من الصّراط، بعد خمس و عشرين ألف سنة.(1)
منهم من تمرّ كالطّير و كالرّيح و البرق و الفرس الجواد. و منهم من يزحف على صدره و بطنه و يقول: ربّ سلّم! ربّ سلّم!(2)
هذه السّورة مكّيّة، و هي ثلاث آيات.
[عن ابن عبّاس] أقسم اللّه بينكم هذا، و زيتونكم هذا.
و قيل: هما مسجدان بالشّام.
و قيل: التّين الجبل الذي عليه دمشق و طور سينين، و هو الجبل الّذي عليه كلّم اللّه موسى. و كلّ جبل طور بلسان القبط. و «سنين» هو الجبل الكثير الشجر.
«وَ هٰذَا اَلْبَلَدِ اَلْأَمِينِ» يعنى مكّة. «أمين» من أن يهاج فيه من دخله.
«لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ» و هو الكافر الوليد بن مغيرة. و قيل: «كلدة بن أسيّد».
«فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» فى أعدل خلقه.
نزلت فى منكري البعث.
إعلم! أنّ اللّه أقسم بالتّين و الزّيتون، لأنّهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة. و إنّما أقسم بالتّين الّذي يؤكلّ، و الزّيتون الّذي يعصر منه الزيت.
فالتّين فاكهة مخلصة من شآيب التبغيص، و فيه أعظم العبرة، لأنّه تعالى خلقها على مقدار اللقمة، و هيّأها على تلك الصفة، إنعاما على عباده.
1) . و فى «مجمع البيان»: 774/10: أبى بن كعب عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأها أعطاه اللّه خصلتين: العافية و اليقين مادام فى دار الدنيا، فإذا مات أعطاه اللّه من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة صيام يوم. تفسير الثعلبى (الكشف و البيان): 238/10.
2) . تفسير الكشاف: 773/4، تفسير الثعلبى: 238/10، مجمع البيان: 775/10، تأويل الآيات: 789، بحار الأنوار: 186/63 عن مكارم الأخلاق، تفسير جوامع الجامع: 509/4، تفسير القرطبى: 110/20.
و قيل: هما جبلان ينبتانهما، «وَ هٰذَا اَلْبَلَدِ اَلْأَمِينِ» مكّة، يأمن فيها الخائف فى الجاهليّة و الإسلام.
و قوله: «لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ» جواب القسم، و أراد جنس الإنسان، و هو آدم عليه السّلام و ذرّيّته، خلقهم اللّه فى أحسن صورة، لأنّ كلّ واحد منتصب القامة، و ساير الحيوان مكبّ على وجهه، الاّ الإنسان.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: بئس العبد عبد تخيّل، و إختال، و نسي الكبير المتعال، بئس العبد عبد تجبّر و إعتدي، و نسي الجبّار الأعلي، بئس العبد عبد سهي، و لهي، و نسي المقابر و البلي، بئس العبد عبد يضلّه الهوي.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ المؤمن إذا بلغ الهرم و ضعف و لا يقدر على الأعمال الّتى عملها فى حال شبابه، يقول اللّه لملائكته: أكتبوا له مثل ما كان يعمل فى صحّته.(3)
1) . المعجم الأوسط: 210/1، تفسير الثعلبى: 239/10، الكشاف: 773/4، مستدرك الوسايل: 369/1، مكارم الأخلاق: 49، كنز العّمال: 321/9، كشف الخفاء: 319/2، 442/1.
2) . سنن الترمذي: 50/4، المستدرك للحاكم النيشابوري: 316/4، الجامع الصغير: 490/1، كنز العّمال: 97/16. بتفاوت فى الزيادة.
3) . انظر: الحدائق الناظرة: 344/3، وسايل الشيعة: 626/2، أمالى الشيخ الطوسي: 384، مجمع الزوائد: 204/10، كتاب العمر و الشيب: إبن ابى الدنيا: 75، مسند أبى يعلي: 352/6، كنز العّمال: 767/15، مجمع البيان: 394/10، تفسير مجاهد: 770/2، الدرّ المنثور: 367، 366/6.
4) . كذا فى المتن، و الظاهر أنّ «لا يجزف» تصحيف «لا ينخرف»، كما ورد فى الحديث: العالم لا ينخرف، و قارئ القرآن لا ينخرف، و لا نعثر علي صدر الحديث، و أنظر فى ذيله: مسند زيد بن على: 472، بحار الانوار: 276/57، المحجة البيضاء: 262/7، سنن ابن ماجة: 133/2، و فيه: من بعض ملائكته، كنز العمال: 145/1.
5) . بحار الأنوار: 275/57، زاد المسير: إبن الجوزي: 47/5، كنز العّمال: 164/1، و فيه: المؤمن اكرم علي اللّه من ملائكته المقربين. و فى سنن إبن ماجة: 1302/2: المؤمن أكرم علي اللّه عزّ و جلّ من بعض ملائكته، و مثله فى مجمع الزوائد: 82/1 و الجامع الصغير: 662/2 و تفسير القرطبى: 145/20. و انظر أيضا: تفسير الميزان: 161/13.
و قد ذكرنا لنظائرها.
كان اللّه يقول: أخرجت ألين الأشياء كالتّين، و أدسم الأشياء كالزّيتون، من أصلب الأشياء كالحجر، أقدر على خلقكم بعد موتكم، و أقدر على تليين القلوب.
و قدّم التين، لأن ظاهره و باطنه خير، و قدّمه لأنّه ستر آدم.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من أراد أن يرقّ قلبه، فليدمن أكل [البلس و هو] التّين.(1)
و روي: إنّ التّين الحسن، و الزّيتون الحسين عليهما السّلام.(2)
و «الأمين» من أمن الرّجل أمانة، و أمانة مكّة أنّه يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. و يجوز أن يكون فعيلا بمعنى المفعول من أمنه، لأنّه مأمون الغوايل. كما وصف بالأمن، فى قوله: «حرما آمنا» بمعنى: ذي أمن.
يريد إلى الخرف و أرذل العمر، و الهرم، و النقصان للفعل، و أن عمّر عمرا طويلا. و السافلون هم الضعفاء و الزّمنى و الأطفال، و الشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعا.
1) . مستدرك الوسايل: 403/16 عن لبّ اللباب. مكارم الأخلاق: 173 و عنه البحار: 186/63.
2) . بحار الأنوار: 107، 105/24، تأويل الآيات: 787، تفسير فرات: 578، 577، شواهد التنزيل: 455/2، المناقب لإبن شهر آشوب: 301/1.
3) . الادب المفرد، للبخارى: 111، كنز العمال: 339/3، ارواء الغليل: 346/2، المجموع: 310/4، تفسير الجلالين: 813، و فى مجمع البيان: 394/10، و جامع البيان: 312/30 و زاد المسير: 277/8 عن ابراهيم النخعى!!.
و ذلك قوله: «ثُمَّ رَدَدْنٰاهُ أَسْفَلَ سٰافِلِينَ، إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ».
معنى القسم بهذه الأشياء، الإبانة فى شرف البقاع المباركة، و ما ظهر منها الخير و البركة، بسكنى الأنبياء و الصّالحين، فنبتت التّين و الزّيتون، مهاجر إبراهيم عليه السّلام، و مولد عيسى عليه السّلام و منشأه. و «الطّور» المكان الّذي نودي منه موسى عليه السّلام.
و مكّة مكان البيت الّذي هو هدي للعالمين، و مولد رسول اللّه و مبعثه صلّى اللّه عليه و اله و سلم.
و تفسير قوله: «فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» أي: فى أحسن تعديل، لشكله و صورته و تسوية أعضائه، ثمّ كان عاقبة أمره فى الآخرة - حين لم يشكر فى الدّنيا نعمة تلك الخلقة الحسنة القويّة السويّة - أن رددناه أقبح من قبح صورته و أشوهه خلقه، و هم أصحاب النّار، و «جهنّم» بعضها أسفل من بعض. هذا إذا كان المراد به الكفّار، أي خلقناهم فى أحسن خلقة، أحرارا عقلاء، فكفروا، فرددناهم إلى النّار فى أقبح صورة. ثمّ إستثنى فقال: «إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا» و أخلصوا العبادة للّه، فإنّ هؤلاء لا يردون النّار.
فإنّ قيل: فكيف الإستثناء على المذهبين؟!
قلنا: هو على هذا منقطع، يعنى و لكنّ الذين كانوا صالحين من الهرمي، فلهم ثواب دائم غير منقطع، على طاعتهم و صبرهم على ابتلاء اللّه بالشيخوخة و الهرم، و على مقاساة المشاق و القيام بالعبادة، على تخاذل نهوضهم.
و على القول الأوّل: حصل ظاهر الإتّصال.(2)
فإن قيل: «فَمٰا يُكَذِّبُكَ» من المخاطب به؟!.
1) . و فى حديث الزهري، عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا يخرف قارئ القرآن، حديث خيثمة (خيثمة بن سليمان الطرابلسى): 75، و هكذا فى جامع الصغير: 755/2، و فى تفسير القرطبى عن عكرمة: من قرأ القرآن لم يرد أرذل العمر: 116/20، و فى تاريخ دمشق عن النّبىّ: لا يخرف قاري القرآن، و مثله فى: ذكر اخبار إصبهان: 343/2.
2) . و فى المتن تقديم و تأخير و نقص فى النقل، انظر تمام المتن: الكشاف: 774/4.
قلنا: هو خطاب للإنسان على طريقة الإلتفات، أي: فما يجعلك كاذبا بسبب الدّين و [إنكاره] بعد هذا الدّليل؟!!.
يعنى: إنّك تكذّب إذا كذبت بالجزاء، لأن كلّ مكذّب بالحقّ فهو كاذب، فأي شيئ يضطرّك إلى أن تكون كاذبا بسبب تكذيب الجزاء.
أيّها الإنسان! أي شيئ يكذّبك بعد هذه الحجج بالدّين الّذي هو الجزاء و الحساب؟!. و المراد: ما يحملك على أن لا تتفكّر صورتك و شبابك و هرمك، فتعتبر، و تقول: إنّ الذي فعل ذلك، قادر على أن يبعثنى و يحاسبنى و يخاذلنى بعملى؟!!.
فاعلم! أنّ كلّ شيئ فى الدّنيا إلى الزّوال، و عاقبة كلّ عزّ إلى ذلّ، و آخر كلّ حسن إلى رذل، لأنّه لا شيئ أحسن من الإنسان فى شبابه، و لا أرذل فى حال هرمه و ضعفه.
1) . فى البحار: و قال عليه السّلام: إنّ للّه ملكا ينادي فى كلّ يوم: لدوا للموت، و اجمعوا للفناء و ابنوا للخراب: 180/79، و خصائص الائمة: 103، و فى ديوان عليّ عليه السّلام:
له ملك ينادي كلّ يوم لدوا للموت و ابنوا للخراب و من كلماته عليه السّلام أيضا، انظر: شرح نهج البلاغة: 328/18، غرر الحكم: 133 و نهج البلاغة: 493-132.
هذه السّورة مكّيّة، و هي خمس آيات.
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأ «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ» كان كمن صام شهر رمضان و أدرك ليلة القدر.(1)
و قال الصّادق عليه السّلام: من قرأ هذه السّورة فى كلّ ليلة، نادي مناد: إستأنف العمل، فقد غفر لك.(2)
و فى رواية أخري: كان كشاهر سيفه فى سبيل اللّه، و من قرأها عشر مرّات، محي له ألف ذنب من ذنوبه(3)، و من كتبها و شرب ماءها، لم ينافق أبدا، و كأنّما شرب ماء الحيوان(4).
و من كتبها لإمرأة عند الطلق، يسر عليها.(5)
و المعنى: إنّا أنزلنا جبرئيل بالقرآن فى ليلة القدر، جملة واحدة، على الكتبة، ملائكة السّماء الدنيا.
و معنى «لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ» ليلة الحكم و القضاء.
ثمّ نزل بعد ذلك على رسول اللّه نجوما نجوما.
«وَ مٰا أَدْرٰاكَ» يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم! تعظيما لها «ما» فضل «لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ»، ثمّ بيّن فضلها فقال: «لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» أي: العمل فيها خير من العمل فى ألف شهر ليس فيه ليلة القدر.
«تَنَزَّلُ اَلْمَلاٰئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ» أي: جبرئيل معهم، «بِإِذْنِ رَبِّهِمْ» أي: بأمره «مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلاٰمٌ» يسلّمون على أهل الصّوم و الصّلاة، من أمّة محمّد، تلك الليلة.
1) . مجمع البيان: 784/10 و فيه: أحيا ليلة القدر، تفسير الثعلبى: 247/10.
2) . مجمع البيان: 784/10 و فيه: من قرأ إنّا أنزلناه، فى فريضة من الفرائض، نادي مناد: يا عبد اللّه! قد غفر لك ما مضي، فاستأنف العمل.
3) . مجمع البيان: 784/10 بتفاوت يسير عن أبى جعفر عليه السّلام.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 311/4.
5) . مصباح الكفعمي: 460.
و قيل: من كلّ آفة سلامة تلك الليلة.
و فضلها و بركتها إلى طلوع الصبح.
اعلم! أنّ اللّه يقول: إنّا أنزلنا القرآن، الذي يكرّر الوصف له بالنزول: كقوله:
«حم وَ اَلْكِتٰابِ اَلْمُبِينِ إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ» (1)، و الليلة المباركة، ليلة القدر، كأنّه قال: إنّا دبّرنا أمور العباد لسنتهم، فى ليلة القدر، أي: فى الليلة الّتى قدّر اللّه فيها تدبير الأرض و تقدير الأرزاق، و السرّاء و الضرّاء، و الموت و الحياة، و الولادات، و ساير ما يحدث فى تلك السنة، فإنّها الليلة الّتى للقدر و الخطر و الفضل على ساير الليالى، كأنّه قال: ليلة عظيمة الشأن، و يقويه «وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ» إذ لا يقال مثله الاّ فيما يعظم شأنه.
و هذه الليلة خير لآل محمّد عليهم السّلام من ألف شهر ملك فيها بنو أميّة، و كان يرونها خيرا لهم.
يأذن اللّه للملائكة، فينزلون فى كلّ ليلة قدر، و جبرئيل إيضا معهم، فيركز راية على ظهر الكعبة، و يبثّ الملائكة فى بسيط جميع الأرض، فيسلّمون على كلّ مصلّي و راكع و ساجد، و يدعون لهم، و يستغفروا لكلّ مؤمن، و إن كان نائما.
و قيل: تقديره: هي سلام، اي: الليلة ذات سلامة، لا ينال فيها أحدا مكروه، إلى الفجر، و قيّدها بالسّلامة، لأن الملائكة ربّما تنزّل بالعذاب، اي: لا ينزلون فى هذه الليلة بعذاب، فالليلة سالمة، أي أهلها سالمون، و الملائكة مسلّمون عليهم بأمر اللّه، إلى طلوع الفجر.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قام ليلة القدر إيمانا و إحتسابا، غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من أحيا ليلة القدر، فهو أكرم على اللّه ممّن أحيا شهر رمضان و
لم يحيى تلك الليلة، و الذي بعثنى بالحق، أنّ أهله و ولده يشفعون فى سبعمائة ألف، لكلّ واحد فى سبعمائة ألف، إلى آخره ثلاث مرّات.(1)
و إختلفوا أنّها أيّ ليلة من شهر رمضان؟:
رووا عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، أنّه قال: إلتمسوا ليلة القدر فى العشر الأواخر من شهر رمضان.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أطلبوها فى العشر الأواخر من الوتر.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إلتمسوها فى العشر الأواخر، فى الثالثة و الخامسة و السابعة و التاسعة.(5)
و قال أبوذر، سألته صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عنها؟! فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إلتمسوها فى العشر الأواخر، فقلت: أي ليلة؟! فقال: لو شاء اللّه أطلعك عليها.(6)
و روي أبو هريرة عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أنه قال: تبيت بليلة القدر، و رأيت كأنى أسجد على الطّين، فلمّا كانت فى ليلة ثلاث و عشرين، مطرنا مطرا شديدا حتّي و كفّ علينا المسجد، فسجدنا على الطّين.(7)
و روي عن أئمّة آل محمّد عليه و عليهم السّلام: انّهم قالوا: ليلة القدر هي ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان، و حديثه:
أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، دخل عليه أعرابى من جهنيّة(8)، فقال: إنّ منزلى نأي عن المدينة، فمرنى بليلة أدخل فيها، فأمره بليلة ثلاث و عشرين.(9)
1) . و عنه مستدرك الوسايل: 458/7.
2) . نفس المصدر
3) . و عنه مستدرك الوسايل: 467/7
4) . نفس المصدر
5) . نفس المصدر
6) . نفس المصدر
7) . نفس المصدر، و كف المسجد: اي: تقطر من سقفه من ماء المطر، مجمع البحرين: 131/5
8) . هو: عبد اللّه بن أنيس الأنصاري.
9) . انظر الحديث: مستدرك الوسايل: 469/7، دعائم الإسلام: 282/1.
يا ربّ ليلة القدر، و جاعلها خيرا من ألف شهر، و ربّ الليل و النّهار، و الجبال و البحار و الظّلم و الأنوار، لك الأسماء الحسنى، أسألك أن تصلّي على محمّد و آل محمّد، و أن تجعل إسمي فى هذه الليلة فى السعداء، و روحي مع الشّهداء، و أرزقنى فيها ذكرك و شكرك.(1)
و قالوا عليهم السّلام: إذا كان ليلة ثلاث و عشرين، فاقرأ: «إنا أنزلناه» ألف مرّة، و اقرأ سورتي العنكبوت و الرّوم، فإنّها ليلة القدر.(2)
و روي إبن عمر، أنّ النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أحيا ليلة سبع و عشرين من شهر رمضان إلى الصّبح.(3)
و امّا ما رواها العامّة عن جعفر عليه السّلام، عن آبائه عليهم السّلام، عن النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: انّ من صلّي ليلة سبع و عشرين، ركعتين، يقرأ فى كلّ ركعة فاتحة الكتاب، و إنّا أنزلناه مرّة، و قل هو اللّه أحد خمسا و عشرين مرّة، فإذا سلّم إستغفر مأة مرّة، و صلّي على النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و آله مأة مرّة، فقد أدرك ليلة القدر.(4)
فإنّ هذه الرواية لا تنافى ما صحّ من أنّ ليلة القدر ليلة ثلاث و عشرين، لأنّ هذه الرّواية تختصّ من فاته ليلة ثلاث و عشرين، فأدرك ليلة سبع و عشرين.
1) . و عنه مستدرك الوسايل: 467/7.
2) . انظر: مصباح المتهجد: 628، تذكرة الفقهاء: 284/2، نهاية الاحكام: 95/2.
3) . لم نعثر عليه، و عنه، قال رسول اللّه: من كان متحرّيا، فليتحرّها فى ليلة سبع و عشرين، تفسير القرطبى: 136/21، كشف الأسرار: 560/10، الكشف و البيان (الثعلبى): 235/10، السنن الكبري، البيهقي: 311/4، زاد المسير: 285/8.
4) . و عنه مستدرك الوسايل: 483/7.
5) . كذا!!، و لعلّ صوابه: «بلجة» قال فى النهاية: 151/1: ليلة القدر بلجة: أي مشرقة.
6) . و عنه مستدرك الوسايل: 468/7. و أنظر أيضا: المصنف، لابن ابى شيبة الكوفى: 396/2، المعجم الكبير، الطبرانى: 59/22.
ذكرناها فيها تقدّم.
عن الصّادق عليه السّلام: «خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ»: من شهور الآخرة، كلّ يوم منها خمسين ألف سنة.(1)((2)
و روي: أنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لمّا غزا «تبوك» و رجع سالما، إستبشر النّاس، و قالوا: ما فعل مثل هذا أحد، فقال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: كان فى بنى إسرائيل رجل يقال له «إبن نانين» و كان له ألف إبن، فغزاهم عدوّ، فحاربوا ألف شهر، كلّ إبن، شهرا، حتّي قتلوا جميعا، و أبوهم يصلّي و لا يلتفت يمينا و لا شمالا، ثم قاتل بنفسه، حتّي قتل، فتمنّي المسلمون منزلته، فأنزل اللّه ليلة القدر خير من ألف شهر، يعنى لذلك الرّجل.(3)
و ذكر فى تخصيص هذه المدّة، إنّه كان فيما مضي لا يقال: «عابد» لأحد الاّ بعد أن يعبد اللّه ألف شهر. فإن أعطوا ليلة أن أحيوها، كان أحقّ بأن يسمّوا عابدين من أولئك العبّاد.
و إنّ اللّه عظّم القرآن من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن أسند إنزاله، و جعله مختصّا به دون غيره.
و الثّانى: أنّه جاء بضميره، دون إسمه الظاهر، شهادة له بالنّباهة، و الإستغناء عن التنبيه عليه.
و الثالث: الرّفع من مقدار الوقت الّذي أنزل فيه.
قوله تعالى «لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ» أي: ليلة الشّرف و الخطر و عظيم الشأن، من قولهم:
رجل له قدر عند النّاس، و منه قوله تعالى: «وَ مٰا قَدَرُوا اَللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ»(1)، أي:
ما عظّموه حق عظمته، و من أحياها، صار ذا قدر. و للطّاعات فيها قدر عظيم، و أنزل فيها كتاب، له قدر، إلى رسول ذي قدر، لأجل أنّ آياته ذات قدر، على يدي ملك ذي قدر.
و قيل: هي ليلة التقدير.
و قوله: «وَ مٰا أَدْرٰاكَ» أي: ما تبلغ درايتك غاية فضلها، و منتهي علوّ قدرها.
و سبب إرتقاء فضلها إلى هذه الغاية، لما يوجد فيها من المصالح الدينيّة.
و انّما «ينزّل الملائكة» ليسمعوا ثناء محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم على اللّه، و قرائة القرآن، و غيرها من الأذكار، و ليسلّموا على المسلمين، و ينزلون بكلّ أمر، من تدبير السّنة، إلى السّماء الدينا، حتّي تعلم ملائكتها، فيكون لطفا لهم.
أيّها العبد الغافل! أنظر إلى كرم اللّه.
فقد روي: أنّ الملائكة إذا ما سلّموا ليلته على المتنبّهين الذاكرين، ثم يرجعون السّماء، يأمرهم اللّه تعالى بالإنصراف إلى الأرض، حتّي يسلّموا على النائمين من المؤمنين، على كلّ واحد سبعين سلاما.(2)
فاذكروا أيّها النّاس موتاكم، و ادعوا لهم، و استغفروا لأجلهم، فليس لهم ألسنة الإعتذار، و كم من بليّة و شدّة إحتملوا.
هذه السورة مكيّة، و هي إحدي عشرة آية.
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأها، ثقّل اللّه ميزانه يوم القيامة(1)، و من قرأها عند النّوم كفي سؤال القبر و عذابه.(2)
و المعنى: «السّاعة» الّتى يقوم النّاس فيها من قبورهم، «ما السّاعة» فخّم أمرها بذلك، و سمّاها بالقارعة، لأنها تقرع القلوب، «وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا اَلْقٰارِعَةُ» يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، تعظيما لها. ثمّ بيّنه، فقال: «يَوْمَ يَكُونُ اَلنّٰاسُ» يموج بعضهم إلى بعض «كَالْفَرٰاشِ اَلْمَبْثُوثِ»، شبّههم بها فى الكثرة و الإنتشار و الضعف و الذلّة، و التّطاير إلى الدّاعي من كلّ جانب، كما يتطاير الفراش إلى السّراج. و شبّه الجبال بالعهن، و هو الصوف المصبّغ، ألوانا، لأنّها ألوان، و المنفوش منه، لتفرّق أجزائها.
«فمن ثقلت» حسناته فى ميزانه، و هو مؤمن، «فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رٰاضِيَةٍ» فى جنّة مرضيّة، و من خفّت ميزانه، و هو الكافر، فمصيره و مأواه «هاوية» و هي إسم النّار، و كأنّها النّار العميقة، لهوي أهل النّار فيها، يهوي فيها على الهامّة، «وَ مٰا أَدْرٰاكَ» يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ما هي، تعظيما لها، ثمّ بيّنها فقال: «نٰارٌ حٰامِيَةٌ»، حارّة إنتهي حرّها.
إعلم! أنّ اللّه أعجب المؤمن من سبعة أشياء:
أحدها: من أصحاب اليمين، قال: «وَ أَصْحٰابُ اَلْيَمِينِ مٰا أَصْحٰابُ اَلْيَمِينِ»(3).
و الثّانى: أصحاب الشمال، قال: «وَ أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ مٰا أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ»(4)، و «أَصْحٰابُ اَلْمَشْئَمَةِ مٰا أَصْحٰابُ اَلْمَشْئَمَةِ»(5).
و الثّالث: من جرأة الكفّار: قال: «فَمٰا أَصْبَرَهُمْ عَلَى اَلنّٰارِ»(1).
و الرّابع: من كفرهم، قال: «قُتِلَ اَلْإِنْسٰانُ مٰا أَكْفَرَهُ»(2).
و الخامس: من قلّة نفع المال، قال: «وَ مٰا يُغْنِي عَنْهُ مٰالُهُ إِذٰا تَرَدّٰى»(3)،
«مٰا أَغْنىٰ عَنِّي مٰالِيَهْ» (4).
و السّادس: من إطّلاعهم على أحوال الآخرة، قال: «أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ»(5)، يعنى ما أسمعهم و ما أبصرهم.
و السّابع: «اَلْقٰارِعَةُ مَا اَلْقٰارِعَةُ»(6)، «اَلْحَاقَّةُ مَا اَلْحَاقَّةُ»(7).
و اللّه تعالى لا يتعجّب من شيئ، و لكن أراد تعظيم هذه الأشياء على قلوب عباده، ليتفكّروا فيها، ثمّ زاد فى التعظيم، و قال: «وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا اَلْقٰارِعَةُ».
«وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ» (8)، و «مٰا أَدْرٰاكَ مٰا هِيَهْ»(9).
1) . البقرة: 175.
2) . عبس: 17.
3) . الليل: 11.
4) . الحاقة: 28.
5) . مريم: 38.
6) . القارعة: 1.
7) . الحاقة: 1.
8) . القدر: 2.
9) . القارعة: 10.
10) . فتح الباري: 112/1.
11) . و فى «المصنّف» لإبن أبى شيبة الكوفى: 114/8، عن الشعبى: انّ عيسى بن مريم كان إذا ذكرت عنده الساعة، صاح، و قال: لا ينبغي لإبن مريم أن تذكر عنده الساعة ألاّ صاح، أو قال: سكت.
أكثر اللّه تعالى أسماء القيامة، لكي أهيبه القلوب. و لها ألف إسم، و يقتصر على شمّة:
يوم القضاء: «وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ»(1).
يوم الجزاء: «اَلْيَوْمَ تُجْزىٰ كُلُّ نَفْسٍ»(2).
و يوم العذاب: «وَ أَنْذِرِ اَلنّٰاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ اَلْعَذٰابُ»(3)، «يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي اَلنّٰارِ عَلىٰ وُجُوهِهِمْ»(4).
و يوم البرائة: «إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ اُتُّبِعُوا»(5).
يوم الحسرة و الندامة: «يَوْمَ يَتَذَكَّرُ اَلْإِنْسٰانُ مٰا سَعىٰ»(6).
و يوم الملامة: «فَلاٰ تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ»(7).
و يوم الآزفة.(8)
و يوم الواقعة.(9)
و يوم يقوم الأشهاد.(10)
و يوم يفرّ المرء من أخيه.(11)
و يوم الصّاخة.(12)
و يوم لا ينفع مال و لا بنون.(13)
«يَوْمَ يَكُونُ اَلنّٰاسُ» نصب بمضمر، تدلّ عليه «القارعة» أي: يقرع يوم يكون.
«و الموازين» جمع موزون، هو العمل الذّي له وزن و خطر عند اللّه، أو جمع ميزان، و ثقلها رجحانه، و إنّما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة، لإتّباعهم الحقّ فى الدنيا. و حقّ لميزان لا يوضع فيه الاّ الإيمان و الحسنات، أن يرجّح!!، و على عكسها: من خفّت موازينه.
و قوله: «فَأُمُّهُ هٰاوِيَةٌ» من قولهم: إذا دعوا على الرّجل بالهلكة: هوت أمّه، لأنّه إذا هوي و سقط و هلك، فقد هوت أمّه ثكلاء و حزنا، فكأنّه قيل: فأمّا من خفّت موازينه، فقد هلك. و أنّ النّار مهوي بعيد، كما روي: يهوي فيها سبعين خريفا(1)، أي: فمأواه النّار. و يقال للمأوي: أمّ، على التشبيه، لأنّ الأمّ مأوي الولد و مفزعه.
و قيل: «فَأُمُّهُ هٰاوِيَةٌ» أي: فأمّ رأسه هاوية فى قعر جهنّم، لأنّه يطرح فيها منكوسا. «هيه» ضمير الداهية الّتى دلّ عليها و قوله «فأمّه هاوية، أو ضمير «هاوية» و «الهاء» للسكت [و إذا وصل القارئ حذفها. و قيل: حقّه أن لا يدرج لئلا يسقطها الإدراج، لأنّها ثابتة فى المصحف] و قد اجيز إثباتها مع الوصل(2).
«القارعة» من أسماء القيامة، لأنها تقرع أعداء اللّه بالعذاب، و «مَا اَلْقٰارِعَةُ» تهويل لأمرها، و معناه: و أي شيئ هي، ثمّ عجّب نبيّه، أي: إنّك يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لا تعلم حقيقة أمرها، و كنه وصفها، على التفصيل، و إنّما تعلمها على سبيل الإجمال. ثمّ بيّن أنّها متى تكون؟! فقال: «يَوْمَ يَكُونُ اَلنّٰاسُ» عند البعث «كَالْفَرٰاشِ اَلْمَبْثُوثِ» بما يتهافت فى النّار و السّراج. و الفرش إذا ثار، لم يتّجه إلى جهة واحدة.
فدلّ ذلك: على أنّ الخلق يختلفون فى المقاصد على جهات مختلفة. و نحوه «كَأَنَّهُمْ جَرٰادٌ مُنْتَشِرٌ»(1).
و الجبال يومئذ تزول عن أماكنها، و تصير خفيفة السير. ثمّ ذكر سبحانه أحوال النّاس. فقال: من كثرت خيراته و رجحت حسناته «فَهُوَ فِي عِيشَةٍ» ذات رضا يرضاها صاحبها [و قد ذكر سبحانه الحسنات فى الموضعين، و لم يذكر وزن السيّئات، لأن الوزن عبارة عن القدر و الخطر، و السيّئة لا خطر لها و لا قدر، و انّما الخطر و القدر للحسنات] فكان المعنى: فأمّا من عظم قدره فهو فى الجنّة، و من خفّت قدره فمأواه النّار.
أذكر يوم القيامة، يوم يقوم الخلايق من قبورهم للحساب و القصاص.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: تعرض النّاس ذلك اليوم ثلاث عرضات: عرضتان فيهما خصومات و معاذير، و العرضة الثالثة تطاير الصّحف فى الأيدي.(2)
هذه السّورة ثلاث آيات. قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأها سقاه اللّه من كلّ نهر فى الجنّة، و كتب له عشر حسنات، بعدد قربان كلّ يوم عيد النحر.(1)
و روي: إنّ من قرأها مرّة، فله أجر من قرأ ربع القرآن، و من قرأها أربع مرّات، فله أجر من قرأ جميع القرآن.(2)
و سبب نزولها: أنّ قريشا قالوا: إنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم هو الأبتر، بعد ما مات إبنه عبد اللّه، [من خديجة سلام اللّه عليها] فشتموا به، فأنزل اللّه السورة، أي:
أعطيناك فاطمة عليها السّلام، يكثر نسلها، فاعبد اللّه. ف «العاص بن وائل» هو الأبتر.
إعلم! أنّ الكفّار أظهروا الشماتة برسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم مرارا:
أحدها بغلبة فارس على الرّوم. و الثّانى: بما صدّوه عن المسجد الحرام، عام الحديبيّة. و الثالث: يوم أحد بتلك القتلة الّتى كانت على المسلمين. و الرابع:
بإمتناع الوحي منه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ايّاما. و الخامس: لموت إبنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عبد اللّه. فأنزل اللّه:
أوّلا: «وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ»(3).
و ثانيا: «إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً»(4).
و ثالثا: «إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعٰانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ اَلشَّيْطٰانُ»(5).
و رابعا: «مٰا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مٰا قَلىٰ»(6).
و خامسا: «إِنّٰا أَعْطَيْنٰاكَ اَلْكَوْثَرَ»، لمّا قالوا: إنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لا ولد له على الحقيقة، و أنّ من ينسب إليه صلّى اللّه عليه و اله و سلم، ليس بولد له!!. و «الأبتر»: الّذي لا عقب له.
قالوا: نستريح منه إذا مات، و يدرس دينه!!!، إذ لا يقوم مقامه من يدعوا إليه، فينقطع أمره.
فانظر: كيف علا أمره، و إنتشر ذكره، و إمتلأت الدّينا بأولاده من فاطمة عليها السّلام، و كان عقبه من عليّ عليه السّلام، كما كان عقب موسى عليه السّلام من ولد هارون عليه السّلام.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الكوثر نهر فى الجنّة، على حافيته قباب اللؤلؤ.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ الكوثر نهر أعطانيه اللّه، يفرقه فى حوضي، و حوضي ما بين «صنعا» إلى «الأردن»، و عليه أقداح بعدد نجوم السّماء، أوّل وارد به فقراء المسلمين، الشعث الرؤس، الدّنس الثيات، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا.(2)
و فى رواية: «حوضي مسيرة شهر»، شرح اصول الكافى، المازندارنى: 132/12، صحيح البخاري: 207/7، مسلم: 66/7.
و فى أخري: امامكم حوضي، ما بين جنبيه كما بين «جرباء» و «أذرح»، المصنّف، الكوفى: 413/7 هما قريتان بالشّام، بينهما مسيرة ثلاثة أيّام.
و فى الثالثة: ما بين ناحيتى - و فى رواية: لابتى - حوضي كما بين صنعاء و المدينة. مسند أحمد: 216/3، سنن إبن ماجة: 1439/2.
و فى الرابعة: مثل ما بين «المدينة و عمان» مسند أحمد: 133/3، صحيح مسلم: 71/7.
و فى الخامسة: إن «قدر حوضي كما بين أيلة و صنعاء من اليمن، الأمالى للمفيد: 290، الأمالى للطوسي: 228.
و فى السادسة: ما بين الكعبة و بيت المقدس. فيض القدير: 568/2.
1) . انظر: مسند أحمد: 247، 207، 164، 152/3، صحيح البخاري: 92/6، سنن الترمذي: 119/5، مسند أبى يعلي: 462، 257/5، صحيح إبن حبان: 391/14، كنز العّمال: 420/14.
2) . انظر: مسند أبى داود الطيالسي: 113 و فيه: من عدن أبين، إلى عمان البلقاء، تفسير سورآبادي: 2880/4، كشف الأسرار: 370/3، 774، 274/1. و الظاهر أن «الأردن» تصحيف «أيلة»: قرية بين «مدين» و «طور»، كما فى مجمع البحرين: حديث حوض رسول اللّه: عرضه ما بين صنعاء إلى أيلة. مجمع البحرين: 315/5، و انظر: أيضا: وسايل الشيعة: 833/2، الاعتقادات للمفيد: 65، و فى الدرّ المنثور: 402/6، و مسند الشاميين للطبرانى: 76/1 «عرضه ما بين أيلة و عدن»..
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من أنكر حوضي، فلا سقاه اللّه منه.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ليردنّ على أقوام، حتّي إذا رأيتهم و رأونى، إختلسوا دونى!!!، فأقول: أصحابى!، أصحابى!، فتقول الملائكة: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟! فأقول: سحقا!!(2).
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من مات و له فرط، يدخل الجنّة، و من مات و لا فرط له، فأنا فرطه.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لأنا أعرف بالغريب من أمّتى إذا وردوا على الحوض منكم بغريبة الإبل إذا أرددت على حياضكم.(4)
و قيل: الكوثر هاهنا، فاطمة عليها السّلام، كثر نسلها.
«عَطٰاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» (5)، «حَتّٰى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ»(6)، «وَ هَؤُلاٰءِ مِنْ عَطٰاءِ رَبِّكَ»(7)، «رَبُّنَا اَلَّذِي أَعْطىٰ كُلَّ شَيْءٍ»(8)، «هٰذٰا عَطٰاؤُنٰا فَامْنُنْ»(9)، «وَ أَعْطىٰ قَلِيلاً»(10)، «فَأَمّٰا مَنْ أَعْطىٰ»(11)، «وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ»(12)، «إِنّٰا أَعْطَيْنٰاكَ».
1) . مسند أحمد: 424، 419/4، سنن أبى داود: 424/2، فتح الباري: 407/11، و فيهم: فمن كذب به فلا سقاه اللّه.
2) . انظر: نهج الحق: 317، 314. الطرائف: 376/2، الصّراط المستقيم: 230/3، بحار الأنوار: 122/18، 127، 26/28، سليم بن قيس: 727، إعلام الوري: 31 بتفاوت فى الألفاظ و الزيادة و النقيصة.
3) . فى كنز العمّال عن الديلمي: لا يدخل الجنّة من لا فرط له، قالوا: يا رسول اللّه ليس كلّنا له فرط، قال: من لم يكن له فرط، فأنا فرطه. كنز العمّال: 294/3.
4) . لم نعثر عليه بألفاظه.
5) . هود: 108.
6) . التوبة: 29.
7) . الاسراء: 20.
8) . طه: 50.
9) . ص: 39.
10) . النجم: 34.
11) . الليل: 5.
12) . الضحي: 5.
«الكوثر» هو كثرة النسل و الذرّيّة، و قد ظهرت الكثرة فى نسله من ولد فاطمة عليها السّلام، حتّي لا يحصي عددهم، و إتّصل إلى يوم القيامة مددهم، فإنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: كلّ سبب و نسب منقطع الاّ سببى و نسبى»(1).
و أمر اللّه بالشكر على هذه النعمة العظيمة، فقد أعطاه اللّه الخير الكثير فى الدّنيا، و وعده الخير الكثير فى الآخرة. فقد قيل: الكوثر، الشفاعة، و القرآن، و النبوّة، و ذريّة فاطمة عليها السّلام، و حوض الكوثر.
و المعنى: أعطيت ما لا غاية لكثرته من خير الدّارين، الّذي لم يعطه أحد غيرك. و نعطي ذلك كلّه «إنّا» إله العالمين، فأعبد ربّك الّذي أعزّك بإعطائه، و شرّفك و صانك من فتن الخلق، مراغما لقومك الّذين يعبدون غير اللّه. و انحره لوجهه و بإسمه إذا نحرت، مخالفا لهم فى النحر للأوثان، إنّ الذي أبغضك من قومك، لمخالفتك لهم، هو الأبتر، لا أنت!!!.
و كانوا يقولون: إنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لصنبور!!(2)، إذا مات، مات ذكره.(3)
«الكوثر»: فوعل من الكثرة، و هو المفرط الكثرة(4)، و يمكن أن يحمل الكوثر على جميع ما ذكرناه من الأقوال.
و ما رووه عن عليّ عليه السّلام، انّ معناه: ضع يدك اليمنى على اليسري، حذاء النحر فى الصلاة(5)، فممّا لا يصحّ!!، لأن جميع عترته الطّاهرة، قد رووه عنه بخلاف
1) . بحار الأنوار: 248/25 و فيه: و صهر، 108/43، المناقب لإبن شهر آشوب: 345/3.
2) . بحار الأنوار: 121/89، 334/43، الخرائج و الجرائح: 971/3، العدد القوية: 44، «الصنبور»: النخلة تبقي منفردة، و يدقّ أسفلها و ينقشر، و قال إبن الأعرابى: الصنبور: الوحيد. لسان العرب.
3) . تاريخ المدينة: 453/2، الفائق: 263/2، الثاقب فى المناقب: 317، غريب الحديث لابن الجوزي: 605/1، مجمع الزوائد: 5/7، الخرائج و الجرائح: 972/3، المعجم الكبير، الطبرانى: 201/11، الدرّ المنثور: 172/2.
4) . جوامع الجامع: 547/4.
5) . فقه القرآن: 108/1.
ذلك، و هو أنّ معناه: ارفع يديك إلى النحر فى الصلاة:
قال الصّادق عليه السّلام: فى قوله «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ اِنْحَرْ» هو رفع يديك حذاء وجهك.(1)
و قال حمّاد بن عثمان، سألته عليه السّلام: ما أنحر؟! فرفع يده إلى صدره، فقال:
هكذا، ثمّ رفعها فوق ذلك، فقال: هكذا، يعنى إستقبل بيديه القبلة فى إستفتاح الصّلاة.(2)
و عن أصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السّلام، قال: قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: رفع الأيدي من الإستكانة، قلت: و ما الإستكانة؟ قال: ألا تقرأ هذه الآية: فما إستكانوا لربّهم و ما يتضرّعون(4)(5). أورده الثعلبى و الواحدي فى تفسيريهما.(6)
عليك أن لا يشمت بك الشيطان، فإنّ شماتة الأعداء أوجس من كلّ شيئ.
سأل أيّوب عليه السّلام: ما أشدّ ما أصابك من البلاء؟! فقال: شماتة الأعداء.(7)
1) . فقه القرآن: 108/1.
2) . فقه القرآن: 108/1.
3) . فقه القرآن: 107/1.
4) . المؤمنون: 76.
5) . فقه القرآن: 108/1.
6) . فقه القرآن: 108/1، الكشف و البيان (تفسير الثعلبى): 312/10، مجمع البيان: 838/10.
7) . انظر: بحار الأنوار: 370، 351، 344/12، القصص، للراوندي: 140. و عن أمير المؤمنين عليه السّلام: أشدّ من البلاء شماتة الأعداء. شرح نهج البلاغة: 324/20.
هذه السّورة ثلاث آيات، و هي مدنيّة.
إعلم! أنّ اللّه ذكر فى القرآن فى سبع مواضع نعيا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم:
قال: «كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ اَلْمَوْتِ»(2).
و قال: «اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ»(3).
و قال: «وَ مٰا جَعَلْنٰا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ اَلْخُلْدَ»(4).
و قال: «إِنَّ اَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لَرٰادُّكَ إِلىٰ مَعٰادٍ»(5)، يعنى: القبر.
و قال: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ»(6).
و قال: «كُلُّ مَنْ عَلَيْهٰا فٰانٍ»(7).
و قال: «إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اَللّٰهِ وَ اَلْفَتْحُ»(8).
فإجتهد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بعد نزول هذه السّورة حتّي ورمت قدماه، و نحل جسمه، و قلّ تبسّمه، و كثر بكائه.
فهذه السّورة تحديد اللّه لنبيّه: إنّك لن تعيش بعد الفتح الاّ قليلا.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: - و قد رأي قوما يكشرون - أما إنّكم لو أكثرتم ذكر هادم اللذّات؛ لشغلكم عمّا أري، أكثروا ذكر هادم اللذّات.(1)
و سأل صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أي المؤمنين أكيس؟! قال: أكثرهم للموت ذكرا، و أشدّهم له إستعدادا.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: كفي بالموت واعظا.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: كفي بالموت مفرقا.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ مثل المؤمن فى الدّنيا كمثل الجنين فى بطن أمّه، إذا خرج منه بكا على مخرجه، حتّي إذا رأي الضّوء، لم يحبّ أن يرجع إلى مكانه، كذلك المؤمن، يجزع من الموت، فإذا أفضي إلى ربّه، لم يحب أن يرجع إلى الدّنيا.(5)
و روي: إنّ آدم عليه السّلام مات يوم الجمعة(6)فى الوقت الّذي خلق، و صاحت «حوّاء» صيحة، إجتمعت إليها الطّيور و السّباع، من جميع النواحي، و شهق آدم شهقة، لو سمعها الخلايق لماتوا.
و روي: أنّ ملك الموت جاء إلى نوح عليه السّلام، فقال: أجب ربّك، فاضطرب و
1) . شرح اصول الكافى، المازندرانى: 112/12، الكشر: الضحك السهل، و عنه: مستدرك الوسايل: 105/2 و فيه «يكنزون، فقال: لو كنتم الكنزتم...» و ما أثبتناه، فهو من «شرح اصول الكافى».
2) . مستدرك الوسايل: 100/2.
3) . بحار الأنوار: 137/74، 325/68، مجمع الزوايد: 308/10، مسند الشهاب: 302/2.
4) . كشف الخفاء: 112/2.
5) . لم نعثر عليه بألفاظه.
6) . الخصال: 152/1، بحار الأنوار: 261/11، قصص الأنبياء، للجزايري، عن سعد السعود: 79، و فى البحار: فى حديث: فلمّا دأت حواء الملائكة، ذهبت لتدخل بينه و بينهم، فقال لها آدم: خلّي بينى و بين و سل ربّي...: 267/11.
صاح صيحة، إجتمعت السّباع لصيحته، و كان على الجبل، ثمّ قال لملك الموت:
دعنى حتى أرجع إلى أهلى! قال: لم أومر بذلك!!، قال: من يغسلنى؟! قال جبرئيل: أنا، و معي أكفان، ثمّ قال له: يا أطول الأنبياء عمرا!، كيف وجدت الدّنيا؟! قال عليه السّلام: كدار لها بابان، دخلت من أحدهما و خرجت من الآخر(1)، فقبضه و غسله و صلّي عليه الملائكة.
قال: الّذي كانت الدّار له!
قال عليه السّلام: إرجع اليوم، حتّي أتهيّأ!!.
فرجع ملك الموت، و أمر اللّه جبرئيل أن يأتيه بثور من ثيران الفردوس، طوله أربعون زراعا، أشدّ بياضا من الثّلج، فقال ملك الموت: أتحب أن يعمّرك اللّه بعدد كلّ شعرة على ظهر هذا الثّور سنة؟!
قال: و ما يكون آخره؟!
قال: الموت!!!،
قال: أقبضنى الآن!.
قال لوط عليه السّلام: و أي شربة هى؟!
قال: الّتى لا ينجو منها أحد!
فإرتعد لوط عليه السّلام، فقال: يا لوط! لو علمت ما أعدّ اللّه لك لسارعت!!، ثمّ قبض روحه، و دفن بجنب ابراهيم عليه السّلام.
ألا تحبّ أن تزور ربّك؟!
قال: من أنت؟!
قال: أنا ملك الموت!!، فإرتعد، ثمّ قال: إمض لأمر اللّه، فقبض و دفن مكانه.
1) . تنبيه الخواطر: 131/1، الدرّ المنثور: 143/5، فتح القدير: 199/4، تاريخ دمشق: 281/62.
فقال: ملك الموت!!
فقال: مرحبا!، ما حاجتك؟!
قال: قبض روحك!.
قال: ألقي أخي و أمّى؟!!
قال: بلي، فقبض روحه، و دفن بالأرض المقدّسة.
قال: رجل! أريد أن أصحبك!.
قال: لن أصبر، ثمّ قال: فاقبضنى، فقبضه.
قال: صاحب البيت!!
فخرّ يوسف مغشيّا!.
فقال له ملك الموت: أكلّ هذا الجزع من الموت؟!.
قال: ليس من الموت، و لكن من الخطيئة؟!!.
قال: إرفع رأسك فلا بدّ من هذه الشربة!.
فبكي ساعة!! ثمّ قال: إمض لأمر اللّه، فقبض، ثمّ دفن فى النيل، و أوصي أن يذهب به إلى الأرض المقدّسة، ثمّ ذهب به موسى عليه السّلام إليها.(1)
خوفا، أوقعنى مخافة الموت على الموت.(1)
و روي: إنّ موت خمسة من الأنبياء كان فجأة: موت إبراهيم، و موسى، و هارون، و داود، و سليمان عليهم السّلام.
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أحضروا موتاكم، و لقّنوهم لا اله الا اللّه، فإنّ العليم الحليم من الرّجال يتحيّر فى ذلك المصرع!!!.(2)
«أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ» (3)، «مَتىٰ نَصْرُ اَللّٰهِ»(4)، «أَلاٰ إِنَّ نَصْرَ اَللّٰهِ»(5)، «وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللّٰهُ بِبَدْرٍ»(6)، «وَ مَا اَلنَّصْرُ إِلاّٰ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ»(7)، «إِنْ يَنْصُرْكُمُ اَللّٰهُ»(8)، «وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ»(9)، «وَ اَللّٰهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ»(10)، «وَ إِنِ اِسْتَنْصَرُوكُمْ فِي اَلدِّينِ»(11)، «نِعْمَ اَلْمَوْلىٰ وَ نِعْمَ اَلنَّصِيرُ»(12).
يقول اللّه: «إِذٰا جٰاءَ» ك يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم «نَصْرُ اَللّٰهِ» على من عاداك، و هم قريش، «وَ اَلْفَتْحُ» فتح مكّة، و هذا بشارة من اللّه لنبيّه بالنّصر و الفتح، قبل وقوع الأمر!!، «اَلنّٰاسَ يَدْخُلُونَ» من بعد، زمرة بعد زمرة فى الإسلام، بعد أن دخلوا واحدا واحدا، و إثنين و إثنين.
1) . تاريخ دمشق: 469/47 و مثله فيه أيضا عن علي بن الحسن الصنعانى، عن عيسى عليه السّلام.
2) . كنز العّمال: 702/15، نصب الراية: 301/2.
3) . الأنفال: 62.
4) . البقرة: 214.
5) . البقرة: 214.
6) . آل عمران: 123.
7) . آل عمران: 126.
8) . آل عمران: 160.
9) . الأنفال: 26.
10) . آل عمران: 13.
11) . الأنفال: 72.
12) . الأنفال: 40.
و سبب نزوله: أنّ سبعمائة نفر من «اليمن» جاؤوا مسلمين طائعين على الرّكاب، بعضهم يؤذّنون، و بعضهم يهلّلون، و بعضهم يقرؤون القرآن، فسرّ المسلمون، فبكي إبن عبّاس، فقيل: هذا يوم فرح؟!
قال: فيه نعي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم!!
فأخبروا به النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم!!
[قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم]: صدق، نعيت إلى نفسي!!، و ما عاش صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بعده الاّ قليلا.(1)
و تسمّي هذه السّورة سورة التّوديع!(2).
«إذا» منصوب بقوله «فَسَبِّحْ» و هو لما يستقبل، و الإعلام بذلك من أعلام النبّوة.
و الفرق بين «النصر» و «الفتح» حتّي عطفت عليه، هو: أنّ «النّصر» الإغاثة و الإظهار على العدوّ، و منه: نصر اللّه الأرض، غاثها(3)، و «الفتح» فتح البلاد.
و المعنى: نصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم على العرب، و فتح مكّة على قريش.
و قيل: جنس نصر اللّه للمؤمنين، و فتح بلاد الشرك عليهم.(4)
و لمّا فتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم مكّة، أقبل العرب، بعضها فى إثر بعض، فقالوا:
امّا إذا ظفر بأهل الحرم، فليس لكم به يدان(5)، و قد كان اللّه أجارهم من أصحاب الفيل!!! و عن كلّ من أرادهم. فكانوا يدخلون فى الإسلام أفواجا من غير قتال.
و محلّ «يدخلون» النصب، إمّا على الحال، على أنّ «رأيت» بمعنى: أبصرت أو عرفت، أو: هي مفعول ثان، على انّه بمعنى علمت.
«فَسَبِّحْ»، فقيل: سبحان اللّه، حامدا له.
عن أنس، قال: دخلت على النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: و هو نائم على حصير، قد أثر فى جنبه، قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أمعك أحد غيرك؟!
قلت: لا!!
قال: إعلم! أنّه قد إقترب أجلى! و طال شوقي إلى لقاء ربّي، و إلى لقاء إخوانى الأنبياء قبلي.
ثمّ قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ليس شيئ أحبّ إلى من الموت، و ليس للمؤمن راحة دون لقاء اللّه، ثمّ بكى صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
قلت: لم تبكى؟!
قال: و كيف لا أبكى؟! و أنا أعلم ما ينزل بأمّتى من بعدى؟!
قلت: و ما ينزل بأمّتك من بعدك يا رسول اللّه؟!
قال: الأهواء المختلفة، و قطيعة الرّحم، و حبّ المال و الشرف، و إظهار البدعة.(1)
و نزل عليه فى غرّة شهر ربيع الأوّل(2)جبرئيل و معه ملك الموت، و النّبىّ فى صلاة الفجر، و كان مريضا يشتكي، فلمّا سلّم رسول اللّه من صلاته، قال:
السّلام عليك يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فردّ النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و قال: ما لى أراك متغيّرا اللون يا جبرئيل؟!
قال: لأنّ ملك الموت بالباب!
فتغيّر لون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فبكي، و قال: أطرحوا فراشي، فإنّي أجد سكرات الموت!!
ثمّ قال: أدعوا لى قرّة عينى فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام، حتّي أودّعهم.
و ارتفع البكاء، حتّي بكت الملائكة فى السّماوات، فدقّ ملك الموت الباب، فقال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إفتحوا!! فإنّه ملك الموت.
و هبط جبرئيل باكيا مع سبعين ألف ملك، و قال: قد فتحت أبواب السّماء، و أبواب الجنان.
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لجبرئيل: من لأمّتى الضّعفاء؟!(1)
فقال: يقول اللّه: أنا وليّهم من بعدك!!
فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: طابت نفسى!!
فقبض صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
1) . هكذا فى المتن، و الظاهر انّه: «المصطفاة» كما فى مجمع الزوائد: 30/9، أو «المصفاة» كما فى: الموضوعات، لإبن الجوزي: 300/1، و المعجم الكبير، للطبرانى: 63/3..
هذه السّورة أربع آيات، و هي مكّيّة.
سبب نزولها: إنّ قريشا قالوا: يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بيّن لنا أي شيئ ربّك؟!، أمن ذهب هو، أو من فضة؟!!
و قال اليهود: ما نسبة لربّك؟!
فأنزل اللّه فى تبيان نعته و صفته، فقال: قل يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لقريش: «هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ» لا ولد له و لا شريك، «اَللّٰهُ اَلصَّمَدُ» السيّد الّذي قد إنتهي سؤدده، الدّائم بلا عيب، و الباقي بعد خلقه، لا جوف له، و الكافى لا مدخل له و لا مخرج، الّذي «لَمْ يَلِدْ» أي: لم يرث «وَ لَمْ يُولَدْ» أي: لم يورث.
و قيل: ليس له ولد، فيرث ملكه، و لا والد و ربّ، ورث الملك عنه، «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» أي لم يكن أحد له كفوا، فيعاره فى الملك.
و قيل: ليس له والد و لا ولد، و ليس له ضدّ و لا ندّ و لا شبيه و لا عديل و لا أحد يشاكله.
إعلم! أنّ اللّه تعالى منزّه عن صفات المخلوقين، لا يجوز عليه ما يجوز عليهم من صفات المحدثين.
أمر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أن يقول لجميع المكلّفين:
هو اللّه الّذي يحقّ له العبادة، أحد لا شريك له و لا نظير، هو المعبود الّذي يأله فيه الخلق، و لا يوله إليه!!، «الصّمد» الّذي قد إنتهي سؤدده، و هو الّذي يصمد إليه فى الحوائج، أي: يقصد، و هو السيّد المطاع الّذي ليس فوقه آمر و لا ناه.
«لَمْ يَلِدْ» لم يخرج منه منه شيئ.
1) . مجمع البيان: 479/10 و فيه: و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر.
«وَ لَمْ يُولَدْ» أي: لم يتولّد من شيئ.
«وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ» صاحبة و لا زوجة، فكنّي عنها، لأنّ الزوجة تكون كفوا لزوجها.
فبيّن [اللّه تعالى] التوحيد بقوله: «اَللّٰهُ أَحَدٌ»، و بين العدل بقوله: «الصمد»، و بيّن ما يستحيل عليه من الوالد و الولد بقوله: «لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ»، و بيّن ما لا يجوز عليه من الصفات بقوله: «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ».
و منه دلالة على أنّه: ليس بجسم و لا جوهر و لا عرض، و لا هو فى مكان، و لا فى جهة.
و فى هذا، ردّ على القائلين بأن: «عزير» أو «المسيح» إبن اللّه، و انّ الملائكة بنات اللّه.
و فى قوله «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» ردّ على من أثبت له مثلا فى القدم.
قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من أصابته محنة، فيقول سبع مرّات: يا اللّه يا أحد يا صمد، يقول اللّه تعالى: لبيّك، لبيّك عبدى!، لأعطيتك، و لو بعد حين.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأ سورة «قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ» فله ثواب ثلث القرآن، و من قرأها مرّتين، فله ثواب ثلثي القرآن، و من قرأها ثلاث مرّات، فله ثواب جميع القرآن.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: قال جبرئيل: مازلت خائفا على أمّتك حتّي نزلت: قل هو اللّه احد، فلمّا نزلت بها، آمنت على أمّتك العذاب.(3)
1) . روي: انّه لمّا ألقي إبراهيم عليه السّلام فى النّار، تلّقاه جبرئيل عليه السّلام فى الهواء، و هو يهوي إلى النّار، فقال: يا ابراهيم! ألك حاجة؟! فقال: امّا إليك فلا، و قال: يا اللّه يا أحد يا صمد يا من لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد، نجّنى من النّار برحمتك. فأوحي اللّه إلى النّار: كونى بردا و سلاما على ابراهيم. بحار الأنوار: 189/92، 39/12، أمالى الشيخ الطوسي: 58. و كان شعار عليّ عليه السّلام بصفّين: يا اللّه يا أحد يا صمد يا ربّ محمّد... بحار الأنوار: 36/97، 463/33، 460/32، نهج السعادة: 311/6، 194/2، شرح نهج البلاغة لإبن أبى الحديد: 176/5، وقعة صفين، نصر بن مزاحم المنقري: 230. و لم نعثر علي الحديث بألفاظه. و أنظر فى معناه: الدرّ المنثور: 323/5.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 192/4، و نقل المجلسي «قده» مثله فى البحار: 350/92 عن المحاسن، و فى 355/92 عن الدرّ المنثور: 413/6 باختلاف فى اللفظ.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 285/4.
و قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: رأيت فى الجنّة قصورا تبنى، ثمّ أمسكوا عن البناء، فقلت: لم أمسكتم، قالوا: نفدت النفقة، قلت: و ما النفقة؟! قالوا: قرائة قل هو اللّه أحد، فإذا أمسكوا عن القرائة، أمسكنا عن البناء.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ من قرأ قل هو اللّه أحد بعد صلاة الصبح، مائة مرّة، غفرت له ذنوب مائة سنة.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأ يوم و ليلة «قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ» مأتي مرّة، غفر له ذنب خمسين سنة.(3)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأ سورة «قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ» بعد صلاة الصبح غفر له ذنب سنة، و رفع له ألف درجة، أوسع من الدّنيا سبعين مرّة.(4)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأ «قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ» مرّة واحدة، زوّجه اللّه بكلّ حرف منها سبعمائة حوراء، و من قرأها مرّتين غفر له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر، و كأنّما أعتق ألفي ألف رقبة من ولد إسماعيل، و كأنّما رابط فى سبيل اللّه ألفي ألف عام، و كأنّما حجّ البيت سبعمائة مرّة، و إن مات من يومه و ليلته، مات شهيدا، و من قرأها ثلاث مرّات، فكأنّما قرأ جميع الكتب المنزلة على أنبيائه، و كتب له صيام الدّهر و قيامه.(5)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ينادي مناد يوم القيامة: يا قارئ «قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ»! هلمّ إلى الجنّة بغير حساب.(6)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأ قل هو اللّه أحد كلّ يوم، لم يفتقر أبدا.(7)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأها عشرة مرّة، أعطاه اللّه فى كلّ حبّة من الثمار قصرا، كلّ
قصر من المشرق إلى المغرب.(1)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأها، أعطاء اللّه بعدد آياته نورا فى الآخرة تضيئ له الجنّة، و إنّ من قرأها مائة مرّة، رأي منزله فى الجنّة قبل أن يخرج من الدّنيا، و كتب له عمل خمسين نبيّا، و كتب له برائة من النّار.(2)
و قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّها أربع آيات، من قرأها مع تفكّر، تأتي له من اللّه أربع بشارات: عند الموت، و فى القبر، و عند البعث، و علّى الصّراط، حتّي يدخل الجنّة خالدا مخلّدا، و إنّ من قرأ قل هو اللّه مرّة واحدة، تقبّلت صلاته، و إنّ من قرأها حين يدخل بيته، نفي عنه الفقر، و من قرأها حين يأوي إلى فراشه، و كّل اللّه به سبعين ألف ملك يحفظونه إلى الصّباح، و من قرأها مرّة أعاذه اللّه من الشّيطان، و برئ من النّفاق، و حرم على النّار، و كأنّما قرأ القرآن أربعين مرّة.(3)
و قال الصّادق عليه السّلام: من مضي عليه يوم واحد، صلّي فيه خمسين ركعة، و لم يقرأ فيها هذه السورة، قيل له: يا عبد اللّه! فلست من المصلّين.(4)
و قال عليه السّلام: من مضت عليه جمعة، و لم يقرأها، مات على دين أبى لهب!(5).
و قال عليه السّلام: من قرأها بعد الصّلاة، جمع له خير الدّنيا و الآخرة.(6)
أمر النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم رجلا: أن يواظب على قرائة «القلاقل» فعاش ماتين سنة، و هي:
قل هو الله أحد، قل أعوذ برب الفلق، قل أعوذ برب الناس، قل يا أيها الكافرون، و قل أوحي إلى.(7)
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 286/4.
2) . عنه: مستدرك الوسايل: 286/4.
3) . عنه: مستدرك الوسايل: 287، 286/4، و 458/3.
4) . المحاسن: 96/1.
5) . ثواب الأعمال: 237، 128، مجمع البيان: 480/10، تفسير الصافى: 394/5، المحاسن: 96/1.
6) . مجمع البيان: 480/10.
7) . انظر: الدعوات، للراوندي: 85، و عنه البحار: 341/92، و مستدرك الوسايل: 370/4.
و نظائره أكثر من أن تحصي: «قُلِ اَللّٰهُمَّ مٰالِكَ اَلْمُلْكِ»(1)، «قُلِ اُنْظُرُوا مٰا ذٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ»(2)، «قُلْ مٰا يَعْبَؤُا بِكُمْ»(3)،
«قُلْ لَوْ كٰانَ اَلْبَحْرُ مِدٰاداً» (4).
و كان بعض العلماء يوجعه أسنانه، فرأي فى منامه أن: إقرأ قل هو اللّه أحد ألف مرّة، فقرأها، فلم تسكن!، ثمّ رأي فى الليلة الثانية أن: إقرأ معها بكلّ مرّة بسم اللّه الرّحمان الرّحيم، فقرأها، فشفي.
و عن الصّادق عليه السّلام: إنّ اليهود سأل النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فقالوا: إنسب لنا ربّك، فمكث ثلاثا لا يجيبهم، ثمّ نزلت.(5)
و قريب منه ما ذكر القاضي فى تفسيره: انّ «عبد اللّه بن سلام» إنطلق إلى النّبىّ، و هو بمكّة، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أنشدك اللّه!! هل تجدنى فى التّوراة رسول اللّه؟!
فقال: أنعت لنا ربّنا، فنزلت، فقرأها عليه.
فكان سبب إسلامه، الاّ أنّه كان يكتم ذلك، إلى أن هاجر النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إلى المدينة، ثم ظهر إسلامه.(6)
و عن قتادة: جاء أناس من أحبار اليهود إلى النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فقالوا: يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم!! صف لنا ربّك، لعلّنا نؤمن به، فإنّ اللّه أنزل نعته فى التّوراة، فنزلت السّورة، و هي نسبة اللّه خاصّة.(7)
و عن إبن عبّاس: انّه أتى «عامر بن الطفيل»، و «أربد بن ربيعة» أخو «لبيد» رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فقال عامر:
إلى ما تدعونا يا محمّد؟!
قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إلى اللّه!!
قال: صف لنا ربّك، أ من ذهب هو أم من فضّة، أم من حديد، أم من خشب؟! فنزلت السورة، و أرسل اللّه النّار على «أربد» فأحرقته، و طعن «عامر» فى خنصره، فمات.(1)
و قوله تعالى: «هو» هنا، بمنزلة «هذا»، أي: الّذي أدعوكم إلى عبادته، و سألتم عن نسبته، «هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ».
و قيل: هو: عماد(2)، و العماد لابتدائه على العموم.
و قيل: هو كناية عن ذكر اللّه، المعنى: الّذي سألتم عن نسبته، هو اللّه.
و يجوز أن يكون: للأمر و الشأن، أي: الأمر اللّه أحد.
و «الأحد» و «الواحد» سواء، و كلاهما: الّذي لا ثانى له، فاللّه واحد من حيث لا موجود يسدّ مسدّه، و لا يوصف وصفه، و أصل «أحد» «وحد» [فقلبت «الواو» «همزة»] من الوحدانية. و لا يجوز أن يكون «أحد» هذه هي الّتى تقع فى النفي، لأنّها أعم العام على الجملة أحد، و التفصيل(3)و لا شيئ الاّ و له مثل، الاّ «اللّه».
و قيل: «الأحد» فى اللّه بمعنى: الأوّل، لأن «الأحد» أوّل العدد، و اللّه أوّل الأشياء، و سابق للكلّ.
و الأكثر: أنّ معناه: انّه منفرد بصفاته العظمي.
و إنّما بدأ ب «لَمْ يَلِدْ»؟!، لأنّ فى النّاس، من إدّعي له ولدا، و لم يدّع أحد أنّه:
مولود، فوجب أن يقدّم نفي ما إدّعوه.
و قوله: «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» ذكر الخبر أوّلا، ثمّ الإسم، لأنّه بدأ بالنفي، ثمّ بمن نفي عنه، ثمّ بالنفي، إذا كان الأهم بالتقدّم أولى.
قال الزّجاج: «هو» كناية عن ذكر اللّه، و معناه: الّذي سألتم تبيين نسبته، هو اللّه أحد، أي: واحد.
و يجوز أن يكون المعنى: الأمر اللّه أحد لا نظير له و لا شريك.
و إنّما قال: قل هو اللّه أحد، و لم يقل واحد، لأن «الواحد» يدخل فى الحساب، و يضمّ إليه آخر، و أمّا «الأحد» فهو الّذي لا يتجزّا و لا ينقسم فى ذاته و لا فى معنى صفاته، و يجوز أن يجعل للواحد ثانيا، و لا يجوز أن يجعل للأحد ثانيا، لأن الأحد يستوعب جنسه، بخلاف الواحد.
ألا تري، أنك لو قلت: فلان لا يقاومه واحد، جاز أن يقاومه إثنان، و لمّا قلت:
لا يقاومه أحد، لم يجز أن يقاومه إثنان، و لا أكثر، فهو أبلغ.
و قال الباقر عليه السّلام فى معنى: «قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ»: أي: أظهر ما أوحينا اليك، و ما نبّأناك به، بتأليف الحروف الّتى قرأناها عليك، يهتدي بها من ألقي السمع و هو شهيد.(1)
و «هو» إسم مكنّي مشار إلى الغائب و «الهاء» تنبيه عن معنى ثابت، و «الواو» إشاره إلى الغائب عن الحواسّ، كما أنّ قولك: هذا، إشارة إلى الشاهد عند الحواس، و ذلك: إنّ الكفّار نبّهوا عن آلهتهم بحرف إشارة المشاهد المدرك، فقالوا: «هذه آلهتنا» المحسوسة المدركة بالأبصار، فنبّه و أشر أنت يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إلى إلهك الذي تدعوا اليه حتّي نراه، فأنزل اللّه سبحانه: قل هو اللّه أحد، فا «لهاء» تثبت للثابت.
و الواو إشارة إلى الغائب عن درك الأبصار، و إنّه يتعالى عن ذلك، بل هو مدرك الأبصار و مبدع الحواسّ.
و عن عليّ عليه السّلام: «اللّه» معناه المعبود، و الّذي يأله فيه الخلق و يؤله إليه.(2)
و كتب أهل البصرة إلى الحسين بن عليّ عليهما السّلام يسألونه عن «الصّمد»؟! فكتب عليه السّلام
إليهم:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أمّا بعد!:
فلا تخوضوا فى القرآن، و لا تجادلوا فيه، و لا تكلّموا فيه بغير علم، قد سمعت جدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يقول: من قال فى القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النّار، و إنّ اللّه سبحانه قد فسّر «الصّمد»، فقال: «لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ»(1).
«لَمْ يَلِدْ»: لم يخرج منه شيئ، «وَ لَمْ يُولَدْ»: لم يتولّد من شيئ.
و سأل أمير المؤمنين عليه السّلام، عن تفسير هذه السّورة، فقال:
«قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ» بلا تأويل عدد، «الصّمد» بلا تبعيض بدد، «لَمْ يَلِدْ» فيكون موروثا هالكا، «وَ لَمْ يُولَدْ» فيكون إلها مشاركا، «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ» من خلقه «كُفُواً أَحَدٌ»(2).
أثبت اللّه الوحدانيّة لنفسه، فلا يخلوا: إمّا أن يكون المراد بأنّه تعالى واحد من طريق العدد، و هو لا يجوز بالإتّفاق.
أو هو واحد من طريق الذّات، و هذا إيضا لا يجوز، لأنّ جميع الذّوات إيضا ذوات!! فلم يبق الاّ أن يكون المراد: أنّه أحد من طريق الصّفة!!!.
و إذا كان كذلك، فإنّه يجب أن لا يكون مثل صفته تعالى موصوف آخر، من الموصوفات، أو على مثل كيفيّة صفاته صفات [](3)و هو تعالى ذات مخصوصة، إنّما يصير لذلك [](4)ايضا يعود إلى ما ذكرناه.
و لمّا قال قريش: يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم! صف لنا ربّك، فنزلت السّورة، أي: الّذي سألتمونى وصفه، «هُوَ اَللّٰهُ».
و قوله «أحد» بدل من قوله «اللّه»، أو علي: هو أحد، بمعنى واحد. و قري «أَحَدٌ اَللّٰهُ اَلصَّمَدُ» بغير تنوين، أسقط لملاقاته لام التعريف، و نحوه «و لا ذاكر اللّه الاّ قليلا» فالجيّد هو التنوين، و كسره لإلتقاء السّاكنين.(1)
و «الصّمد» فعل بمعنى مفعول، من «صمد إليه» إذا قصده، و هو: السيّد المصمود إليه فى الحوائج.
و المعنى: هو اللّه الّذي تعرفونه و تقرّون بأنّه: خالق السّماوات و الأرض، و خالقكم، و هو واحد متوحّد بالإلهيّة، لا يشارك فيها، و هو الّذي يصمد إليه كلّ مخلوق لا يستغنون عنه، و هو الغنى عنهم.
«لَمْ يَلِدْ» لأنّه لا يجانس، حتّي يكون له من جنسه صاحبة، فيتوالدا.
و قد دلّ على هذا المعنى بقوله: «أَنّٰى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ، وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صٰاحِبَةٌ»(2)
«وَ لَمْ يُولَدْ» لأنّ كلّ مولود محدث و جسم أو عرض، و هو [تعالى] قديم لا أوّل لوجوده، و ليس بجسم، و لا عرض.
و لم يكافئه أحد، أي: لم يماثله و لم يشاكله.
و يجوز أن يكون من الكفاءة فى النّكاح، نفيا للصّاحبة.
سألوه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أن يصفه لهم، فأوحي إليه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ما يحتوي على صفاته، فقوله: «هُوَ اَللّٰهُ» إشارة لهم إلى من هو خالق الأشياء، و فاطرها، و فى طي ذلك وصفه بأنّه قادر عالم، لأن الخلق يستدعي القدرة و العلم، لكونه واقعا على غاية إحكام و إتّساق و إنتظام. و فى ذلك وصفه بأنّه حي، سميع، بصير.
و قوله: «أحد»، وصف بالوحدانيّة و نفي الشركاء.
و قوله: «الصّمد»، وصف بأنّه ليس الاّ محتاجا إليه، و إذا لم يكن الاّ محتاجا إليه: فهو غنى، و فى كونه غنيّا مع كونه عالما: أنّه عدل غير فاعل للقبائح، لعلمه بقبح القبائح، و علمه بغناه عنه.(3)
و قوله: «لَمْ يُولَدْ» وصف بالقدم و الأوّليّة.
و قوله: «لَمْ يَلِدْ» نفي للشبه و المجانسة.
و قوله: «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» تقرير لذلك، و بتّ للحكم به.
فإن قيل: لم كانت السّورة عدل القرآن كلّه، على قصر متنها و تقارب طرفيها؟! قلنا: لإحتوائها على صفات اللّه و عدله و توحيده، [و كفي دليلا من إعترف بفضلها و صدق بقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فيها] إنّ علم التّوحيد من اللّه تعالى بمكان [و كيف لا يكون كذلك] و العلم تابع للمعلوم: يشرف بشرفه.
و معلوم هذا العلم: هو اللّه تعالى و صفاته، و ما يجوز عليه و ما لا يجور، فما ظنّك بشرف منزلته و جلالة محلّه [و إنافته على كلّ علم، و إستيلائه على قصب السبق دونه] و من إزدراه، فلضعف علمه بمعلومه، [و قلّه تعظيمه له، و خلّوه من خشيته، و بعده من النّظر لعاقبته].(1)
يا عباد اللّه! بين العبوديّة و الربوبيّة، سورة قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ، و بين النّجاة و الهلاك، طاعة اللّه و رسوله و حججه، «أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ»(2).
و التّوبة و الإنابة: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اَللّٰهِ تَوْبَةً نَصُوحاً»(3)، «وَ أَنِيبُوا إِلىٰ رَبِّكُمْ»(4)، و إدفعوا ظلمة القبر عنكم بقرائة هذه السورة، قياما و قعودا و على جنوبكم.
فقد قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لكلّ شيئ نور، و نور القرآن قل هو اللّه أحد.(5)
و لهذه السّورة عشرون إسما:
النّور، لهذا الخبر، و سورة التقرير، و التجريد، و التوحيد، و الإخلاص، فهذه الأربعة معروفة.
و تسمّي «النّجاة»، لأن العبد ينجو بها فى الدّارين.
و تسمّي الولاية،
لما روي: أنّ رجلا دخل فى ركعتى الفجر، فقال له النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم:
تبرّأ، فقرأ: «قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ» بعد «الحمد»، ثمّ أخذ فى الركعة الثانية، و قرأ «الحمد»، فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: تولّ، فقرأ: «قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ»(1).
و تسمّي «نسبة اللّه»، لقولهم: «أنسب لنا ربّك» فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لكلّ شيئ نسبة، و نسبة اللّه هذه السّورة.(2)
و قالت قريش: إبن أبى كبشة(3)يحبّ مولاه، و لا يزال يقرأ نسبته.(4)
و يصحّ «النسب» له لأن النسب وصف الشيئ، و لا يجوز له «الحسب» لأن «الحسب» أصل الشّيئ و جوهره.
و تسمّي «المعرفة»،
لما روي: أنّ النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، رأي رجلا يقرأها، فقال: هذا عبد قد عرف ربّه.(5)
و تسمّي «الجمال»، لقوله صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال، فسأل عن ذلك؟! فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: جماله أنّه «أحد»، «صمد» [لم يلد و لم يولد»](6).
و سأل بعضهم عن بعضهم معنى «الجمال»؟! فقال: جماله، أنّه «أحد» «صمد» «لَمْ يَلِدْ» و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد.
1) . عنه: مستدرك الوسايل: 174/4.
2) . انظر: بحار الأنوار: 52/82، 360/89، 60، 26/83، مستدرك الوسايل: 280/4، 105/5، وسايل الشيعة: 486/6، المجتنى: 25، تفسير نهج الصّادقين: 290/10.
3) . قال الفيروزآبادي: كان المشركون يقولون للنّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم «إبن أبى كبشة» شبّهوه بإبن أبى كبشة، رجل من خزاعة، خالف قريشا فى عبادة الأوثان، أو هي: كنية وهب بن عبد مناف، جدّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من قبل أمّه، لأنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم كان نزع إليه فى الشبه، أو كنية زوج حليمة السعدية، عنه: بحار الأنوار: 154/37.
4) . انظر: تفسير فرات الكوفى: 241، بحار الأنوار: 238/18، 84/82، مستدرك الوسايل: 185/4.
5) . عنه: مستدرك الوسايل: 285/4.
6) . مفاتيح الغيب: 358/32.
و جمال العبد، أن يعرفه بهذه الصفات.
و تسمّي «المقشقشة»، لأنّها تبرّىء من الشّرك، يقال «تقشقش» المريض [من علته]، إذا أفاق و برئ.(1)
و تسمّي «المعوّذة»، لأنّ فاطمة عليها السّلام تعوّذت بهذه السّورة و بالمعوذّتين إيضا.(2)
و تسمّي «الأساس»،
لما روي: أنّ السّماوات و الأرض أسّست على هذه السّورة.(3)
و تسمّي «المانعة»، لأنّ النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: هي المانعة، تمنع من عذاب القبر و نفحات النّار.(4)
و تسمّي «المحضرة»، لأن الملائكة يحضرون إستماعها إذا قرئت.(5)
و تسمّي «المنفّرة»، لأنها تنفّر الشيطان.
و تسمي «البرائة»، لأنّها برائة من دواعي الشّرك، قال النّبىّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من قرأها، كتب اللّه له برائة من النّار.(6)
و تسمّي «المذكّرة»، لأنها تذكر العبد خالص التّوحيد.
و روي: إنّ اليهود قالوا: يا محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ اللّه خلق الأشياء، فمن خلقه؟!!
فسكت صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، قالوا: كيف ذراعه و عضده؟! فسكت صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، قالوا: فمن ولده؟! فسكت صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فأنزل اللّه السّورة.(7)
فقوله: «اللّه» ردّ على الدّهرية، و «أحد»: ردّ على الثنوية، و «الصّمد»: ردّ على المشبّهة، و «لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ»: ردّ على اليهود و النّصاري، و «وَ لَمْ يَكُنْ
1) . تفسير نهج الصّادقين: 391/10، انوار التنزيل: 70/3.
2) . انظر: تفسير روح المعانى: 233/6، تفسير القمي: 356/2، كنز الدقايق: 136/13، نور الثقلين: 262/5.
3) . الكشاف: 819/4، تفسير نهج الصّادقين: 391/10.
4) . عنه: مستدرك الوسايل: 285/4، و فى مفاتيح الغيب: 358/32 «لفحات النيران».
5) . تفسير غرائب القرآن لنظام الدين حسن بن محمّد النيشابوري: 594/6.
6) . مستدرك الوسايل: 458/4.
7) . انظر: سيرة النّبىّ، لإبن هشام: 411/2، جامع البيان: 447/30، 36/24، الدرّ المنثور: 410/6، الكشف و البيان (تفسير الثعلبى): 253/8، مفاتيح الغيب: 351/32.
لَهُ كُفُواً أَحَدٌ»: ردّ على عبدة الأوثان.
و روي عن عليّ عليه السّلام، إنّه قال: رأيت الخضر فى منامي قبل يوم «بدر» بليلة، فقلت: علّمنى شيئا على الأعداء، قال: قل: يا هو يا من لا هو الاّ هو، فأخبرت به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، قال: علّمك الإسم الأعظم، فجري على لسانى هذا يوم بدر(1)، فقتلنا سبعين، و أسرنا سبعين، و جرحنا سبعين.
تمّت الكتاب [اللبّ اللباب] بتوفيق الملك الوهّاب.
1) . التوحيد: 89 ح 2، بحار الأنوار: 232/90، 222/3، تفسير كنز الدقائق: 499/14، مجمع البيان: 860/10، عدة الداعي: 262، الفصول المهمة، الحر العاملي: 135/1، تفسير نور الثقلين: 700/5، تفسير الميزان: 390/20.
المجلس الخامس و الستّون 5
فى قوله تعالى: «ا لم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة» 5
أنّ التوحيد يشبّه بعشرة أشياء 5
الأنبياء كانوا مستوين فى ثلاثة أشياء 8
الضرب على خمسة أوجه 8
أنّ اللّه كما سمّي شجرة مباركة 8
المجلس السّادس و الستّون 11
فى قوله تعالى: «يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا» 11
أختلف فى سبب نزولها 11
أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إغتمّ لأربعة أشياء 11
المجلس السّابع و السّتون 15
فى قوله تعالى: «و لا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون» 15
أنّ اللّه تعالى هدّد الظّالمين بسبعة أشياء 15
إنّ اللّه لعن فى القرآن سبعة نفر 17
الظلّم على وجوه 18
الشّرك: «إن الشرك لظلم عظيم» 18
المجلس الثامن و الستّون 21
فى قوله تعالى: «يوم تبدل الأرض غير الأرض و السماوات» 21
الأيام خمسة 21
التّبديل فى القرآن 23
المجلس التّاسع و الستّون 25
فى قوله تعالى: «و إن جهنم لموعدهم أجمعين» 25
أنّ متابعة سبعة أصناف، أورثت سبعة أشياء 25
الدّركات سبع 30
المجلس السبعون 33
فى قوله تعالى: «نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم» 33
أنّ اللّه بشّر المذنبين على لسان خمسة من الأنبياء 33
العبد فى القرآن على ثلاثين وجها 35
المجلس الحادي و السبعون 39
فى قوله تعالى: «و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم» 39
النعمة فى القرآن على وجوه 41
للنعمة أقسام 42
المجلس الثّانى و السبعون 45
فى قوله تعالى: «و أوحي ربك إلى النحل أن إتخذي من الجبال بيوتا» 45
أن اللّه ذكر فى القرآن ثمانية من الطّيور بأسمائها 45
وضع اللّه أشياء رفيعة فى أشياء وضيعة 45
الوحي الإيماء 47
ثمّ يتفرّع إلى ثمانية أوجه 47
المجلس الثّالث و السبعون 49
فى قوله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و ايتاء ذي القربى» 49
إضطراب الملك و زواله فى الثلاثة 49
أمر اللّه عشرة بالعدل 50
المجلس الرّابع و السبعون 53
فى قوله تعالى: «و أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم و لا تنقضوا الأيمان» 53
العهد على وجوه 54
المجلس الخامس و السبعون 57
فى قوله تعالى: «سبحان الذي أسري بعبده ليلا من المسجد الحرام» 57
المجلس السّادس و السبعون 61
فى قوله تعالى: «و كل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه» 61
«الطائر» فى القرآن على وجهين 61
أنّ اللّه وعد على أفعال العباد عشرة أشياء 61
فى قرائة الكتب، ثمانية أصناف 64
المجلس السّابع و السبعون 67
فى قوله تعالى: «و قضي ربك أن لا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا» 67
«القضاء» فى القرآن على وجوه 69
المجلس الثّامن و السبعون 73
فى قوله تعالى: «يوم ندعو كل أناس بإمامهم» 73
الإمام خمسة 75
يحتاج الإمام إلى عشرة خصال 76
المجلس التاسع و السبعون 79
فى قوله تعالى: «و من الليل فتهجد به نافلة لك عسي أن يبعثك ربك» 79
المجلس الثمانون 83
فى قوله تعالى: «و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين» 83
المجلس الحادي و الثّمانون 89
فى قوله تعالى: «أم حسبت أن أصحاب الكهف و الرقيم» 89
المجلس الثانى و الثمانون 95
فى قوله تعالى: «و أصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة العشى» 95
المجلس الثالث و الثمانون 99
فى قوله تعالى: «المال و البنون زينة الحياة الدنيا و الباقيات الصالحات» 99
الزينة على عشرة أوجه 100
المجلس الرابع و الثمانون 105
فى قوله تعالى: «و هزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا» 105
إنّ اللّه أبسط أربعة نفر مع أربعة 105
المجلس الخامس و الثمانون 111
فى قوله تعالى: «و إن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا» 111
الورود أربعة 113
المجلس السّادس و الثمانون 115
فى قوله تعالى: «طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقي إلا تذكرة لمن يخشى» 115
المجلس السّابع و الثمانون 119
فى قوله تعالى: «منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة أخرى» 119
المجلس الثّامن و الثّمانون 123
فى قوله تعالى: «و نضع الموازين القسط ليوم القيامة و لا تظلم نفس شيئا» 123
المجلس التّاسع و الثمانون 129
فى قوله تعالى: «و أيوب إذ نادي ربه أني مسنى الضر و أنت أرحم الراحمين» 129
المجلس التسعون 135
فى قوله تعالى: «و ذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه» 135
الظنّ فى القرآن على ثلاثة أوجه 137
المجلس الحادي و التسعون 139
فى قوله تعالى: «إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون» 139
أنّ اللّه ذكر المؤمنين بأربع سبقات من نفسه 139
المجلس الثّانى و التسعون 147
فى قوله تعالى: «و أذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا و على كل ضامر» 147
أنّ اللّه تعالى وضع للمؤمن خمس شرايع 147
الصّوم: الستر من النّار 147
علّق فى الحجّ: الفضيلة 147
الأذان فى القرآن لأربعة أشياء 149
المجلس الثّالث و التسعون 153
فى قوله تعالى: «قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون» 153
قد شهد اللّه بفلاح أربعة عشر نفرا 155
المجلس الرّابع و التسعون 159
فى قوله تعالى: «و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين» 159
المجلس الخامس و التسعون 163
فى قوله تعالى: «فإذا نفخ فى الصور فلا أنساب بينهم يومئذ و لا يتسائلون» 163
المجلس السّادس و التسعون 169
فى قوله تعالى: «أ فحسبتم انما خلقناكم عبثا و أنكم إلينا لا ترجعون» 169
المجلس السابع و التسعون 175
فى قوله تعالى: «إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم» 175
المجلس الثّامن و التسعون 179
فى قوله تعالى: «الله نور السماوات و الأرض مثل نوره» 179
سمي اللّه عشرة أشياء نورا 182
المجلس التّاسع و التسعون 187
فى قوله تعالى: «و عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا» 187
الإضافة على وجوه عشرة 189
المجلس المائة 193
فى قوله تعالى: «قال أفرايتم ما كنتم تعبدون فإنهم عدو لى إلا رب العالمين» 193
الهداية على وجهين 195
المجلس الأوّل بعد المائة 199
فى قوله تعالى: «يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم» 199
القلوب سبعة 200
المجلس الثّانى بعد المائة 203
فى قوله تعالى: «و تفقد الطير، فقال: ما لى لا أري الهدهد» 203
المجلس الثالث بعد المائة 211
فى قوله تعالى: «و ربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة» 211
المجلس الرابع بعد المائة 215
فى قوله تعالى: «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون» 215
العلوّ على أربعة أوجه 217
المجلس الخامس بعد المائة 219
فى قوله تعالى: «و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا» 219
الجهاد على خمسة أوجه 220
المجلس السادس بعد المائة 223
فى قوله تعالى: «ظهر الفساد فى البر و البحر بما كسبت أيدي الناس» 223
الفساد على وجوه 226
المعصية شؤم و لها عقوبات 226
المجلس السابع بعد المائة 229
فى قوله تعالى: «فأنظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها» 229
النّظر فى القرآن على خمسة أوجه 230
المجلس الثّامن بعد المائة 233
فى قوله تعالى: «ليسأل الصادقين عن صدقهم» 233
المجلس التّاسع بعد المائة 237
فى قوله تعالى: «يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا» 237
المجلس العاشر بعد المائة 243
فى قوله تعالى: «إن الله و ملائكته يصلون على النبى» 243
المجلس الحادي عشر بعد المائة 247
فى قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إتقوا الله و قولوا قولا سديدا» 247
المجلس المائة و الثّانى عشر 251
فى قوله تعالى: «إنا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال..» 251
المجلس الثالث عشر بعد المائة 255
فى قوله تعالى: «من كان يريد العزة فلله العزة جميعا» 255
المجلس المائة و الرابع عشر 259
فى قوله تعالى: «ثم أورثنا الكتاب الذين إصطفينا من عبادنا» ه 259
«الإصطفاء» على عشرة أوجه 260
المجلس المائة و الخامس عشر 263
فى قوله تعالى: «و هل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب» 263
المجلس السّادس عشر و المائة 267
فى قوله تعالى: «ا فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه» 267
المجلس السّابع عشر و المائة 271
فى قوله تعالى: «يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا» 271
المجلس الثّامن عشر و المائة 275
فى قوله تعالى: «رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره» 275
المجلس التاسع عشر و المائة 281
فى قوله تعالى: «أدعونى أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي» 281
الدّعاء على ثلاثة أوجه 283
المجلس المائة و العشرون 285
فى قوله تعالى: «إن الذين قالوا ربنا الله ثم إستقاموا تتنزل عليهم الملائكة» 285
«الإستقامة» على أربعة أوجه 286
المجلس المائة و الحادي و العشرون 291
فى قوله تعالى: «سنريهم آياتنا فى الآفاق و فى أنفسهم» 291
«الآية» على وجوه 293
المجلس المائة و الثانى و العشرون 295
فى قوله تعالى: «الله لطيف بعباده يرزق من يشاء و هو القوي العزيز» 295
المجلس المائة و الثالث و العشرون 303
فى قوله تعالى: «و هو الذي يقبل التوبة عن عباده و يعفوا عن السيئات» 303
التّوبة على ثلاثة أوجه 306
المجلس المائة و الرابع و العشرون 309
فى قوله تعالى: «و لو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض» 309
المجلس المائة و الخامس و العشرون 313
فى قوله تعالى: «الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين» 313
الخلّة متفاوتة 315
المجلس المائة و السّادس و العشرون 317
فى قوله تعالى: «حم و الكتاب المبين إنا أنزلناه فى ليلة مباركة» 317
اختلف فى كيفيّة إنزال القرآن 318
المجلس المائة و السّابع و العشرون 321
فى قوله تعالى: «ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا و أن الكافرين» 321
المجلس المائة و الثامن و العشرون 325
فى قوله تعالى: «مثل الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار» 325
فى الجنّة عشرون عينا 327
المجلس المائة و التاسع و العشرون 331
فى قوله تعالى: «محمد رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم و الذين معه أشداء على الكفار...» 331
سمّي اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فى القرآن فى خمسة مواضع 333
المجلس المائة و الثلاثون 351
فى قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إجتنبوا كثيرا من الظن» 351
المجلس المائة و الحادي و الثلاثون 359
فى قوله تعالى: «و من كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون» 359
«الزّوج» على خمسة أوجه 359
المجلس المائة و الثّانى و الثلاثون 363
فى قوله تعالى: «و ذكر إن الذكري تنفع المؤمنين» 363
المجلس المائة و الثّالث و الثلاثون 367
فى قوله تعالى: «هل جزاء الإحسان الا الإحسان» 367
المجلس المائة و الخامس و الثّلاثون 375
فى قوله تعالى: «أ لم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله» 375
الخشوع على سبعة أوجه 377
المجلس المائة و السادس و الثلاثون 379
فى قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اذا قيل لكم تفسحوا فى المجالس» 379
العلوم أنواع 382
المجلس المائة و السّابع و الثلاثون 385
فى قوله تعالى: «لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا» 385
المجلس المائة و الثّامن و الثّلاثون 389
فى قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة» 389
للجمعة سبعة أسام 392
المجلس المائة و التّاسع و الثّلاثون 395
فى قوله تعالى: «و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين و لكن المنافقين» 395
العزّة على وجوه 396
المجلس المائة و الأربعون 399
فى قوله تعالى: «و من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه» 399
المجلس المائة و الحادي و الأربعون 403
فى قوله تعالى: «و من يتوكل على الله فهو حسبه» 403
المجلس المائة و الثّانى و الأربعون 407
فى قوله تعالى: «و أن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا» 407
أنّ فضل الأشياء بثلاثة 407
المسجد فى القرآن سبعة 409
المجلس المائة و الثّالث و الأربعون 411
فى قوله تعالى: «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة و وجوه يومئذ باسرة» 411
الوجوه على أوجه 413
المجلس المائة و الرّابع و الأربعون 419
فى قوله تعالى: «إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا» 419
المجلس المائة و الخامس و الأربعون 427
فى قوله تعالى: «و أما من خاف مقام ربه و نهي النفس عن الهوي» 427
الخوف على سبعة أوجه 428
المجلس المائة و السّادس و الأربعون 431
فى قوله تعالى: «يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم» 431
الكريم على وجوه 432
المجلس المائة و السّابع و الأربعون 435
فى قوله تعالى: «ويل للمطففين الذين إذا إكتالوا على الناس يستوفون» 435
قال اللّه «الويل»، لإحدي عشر نفسا 436
المجلس المائة و الثّامن و الأربعون 441
فى قوله تعالى: «كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون» 441
المجلس المائة و التاسع و الأربعون 445
فى قوله تعالى: «و الفجر و ليال عشر و الشفع و الوتر» 445
المجلس المائة و الخمسون 451
فى قوله تعالى: «و التين و الزيتون» 451
المجلس المائة و الحادي و الخمسون 457
فى قوله تعالى: «إنا أنزلناه فى ليلة القدر» 457
إنّ اللّه عظّم القرآن من ثلاثة أوجه 461
المجلس المائة و الثّانى و الخمسون 463
فى قوله تعالى: «القارعة ما القارعة» 463
المجلس المائة و الثّالث و الخمسون 469
فى قوله تعالى: «إنا أعطيناك الكوثر» 469
أنّ الكفّار أظهروا الشماتة برسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم مرارا 469
المجلس المائة و الرّابع و الخمسون 475
فى قوله تعالى: «إذا جاء نصر الله و الفتح» 475
المجلس المائة و الخامس و الخمسون 483
فى قوله تعالى: «قل هو الله أحد، الله الصمد» 483
لهذه السّورة عشرون إسما 494