ghaemiyeh.com
سيرة الحسين(عليه السلام)
في الحديث والتاريخ..
السيد جعفر مرتضى العاملي
الجزء الحادي والعشرون
المركز الاسلامي للدراسات
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
2016م - 1437هـ
حاد
المركز الاسلامي للدراسات
لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519
البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org
المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421
محرر الرقمي: مرتضی حاتمی فرد
سيرة الإمام الحسين
في الحديث والتاريخ..
السيد جعفر مرتضى العاملي
الجزء الرابع
المركز الإسلامي للدراسات
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى
1435ه. - 2014م.
المركز الإسلامي للدراسات
بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اختلفت أقوالهم في عدد أولاد الحسين «علیه السلام». ما بين خمسة، أو ستة، أو سبعة، أو ثمانية، أو تسعة، أو عشرة.
ولا نريد أن ندخل في تحقيق ذلك، فإن الوصول إلى نتائج حاسمة في مثل هذه الأمور متعسر، أو متعذر.
ونحن نذكر في البداية الأسماء التي وجدناها في المصادر المتوافرة لدينا، ثم نشير إلى بعض ما يرتبط بعدد منها. وذلك كما يلي:
ورد في المصادر المختلفة أسماء لأشخاص قالوا: إنهم من أبناء الإمام الحسين «علیه السلام»، مع ذكر اسم أم كل واحد منهم، من دون تعرض للاختلافات.. وذلك لما يلي:
قالوا: إن من أبنائه «علیه السلام»:
1 - علي بن الحسين (السجاد زين العابدين)، وأمه شاه زنان. وثمة أقوال أخرى حول ذلك.
2 - علي الأكبر (المقتول في كربلاء) أمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود. وستأتي أقوال أخرى أيضاً.
3 - جعفر.. أمه سلافة القضاعية من بلي. توفي في حياة أبيه(1).
وقال ابن فندق اسمها ملومة بنت قضاعة (2)لا بقية له.
4 - عبد اللّه (الطفل الرضيع المقتول في كربلاء). أمه الرباب بنت امرئ القيس (3)
1) إسعاف الراغبين ص 216 و 217 وكشف الغمة ج 2 ص 249 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 852 وتاج المواليد (المجموعة) ص35 وبحار الأنوار ج 45 ص 328 والعوالم، الإمام الحسين ص635 وأعيان الشيعة ج 1 ص 579 ومطالب السؤول ص 392 والدر النظيم ص 575 وكشف الغمة ج 2 ص 248 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 467 و 471 عن أحسن القصص للدكتور محمد عبد اللّه فكري (ط دار الكتب العلمية) في بيروت ج 4 ص 253 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 851 و مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259.
2) لباب الأنساب ج 1 ص 349.
3) تاج المواليد (المجموعة) للطبرسي ص 35 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 160 وبحار الأنوار ج 45 ص 329 و 331 والعوالم، الإمام الحسين ص 637 وأعيان الشيعة ج 1 ص 579 ومطالب السؤول ص 392 والدر النظيم ص 575 وكشف الغمة ج 2 ص 249 والفصول لمهمة لابن الصباغ ج 2 ص 850 ومعارج الوصول ص97 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 451 و ج 27 ص 467 وج 33 ص 659 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 113 و (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 259 وبحار الأنوار ج 45 ص 63 والعوالم الإمام الحسين ص343 ونظم درر السمطين ص 218 والبداية والنهاية (ط دار إحیاء التراث) ج 8 ص 205 ونهاية الأرب ج 20 ص 461.
وقال ابن فندق: أمه شهربانو بنت يزدجرد (1).
5 - علي الأصغر (طفل جاءه سهم في كربلاء، فقتله) (2).
6 - محمد، قتل مع أبيه(3).
7 - عمر (4).
1) لباب الأنساب ج 1 ص 349.
2) بحار الأنوار ج 45 ص 331 والعوالم، الإمام الحسين ص 639 ومطالب السؤول ص 392 وكشف الغمة ج 2 ص 248 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 850 وراجع شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 467.
3) تذكرة الخواص ص 227 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 467 وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 331 والعوالم، الإمام الحسين ص639 وأعيان الشيعة ج 1 ص 579 ومطالب السؤول ص 392 وكشف الغمة ج 2 ص 248 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 851 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 113 و (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 259.
4) الأخبار الطوال ص 251 و (ط دار إحیاء الکتب العربی) ص 261 وبغية الطلب في أخبار حلب ج 6 ص 2632 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص838 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 259 وبحار الأنوار ج 45 ص 63 والعوالم، الإمام الحسين ص 343.
8 - إبراهيم (1).
9 - عمرو : بلغ أربع سنين (ويقال : إحدى عشرة سنة). يقال: إنه نجا من القتل (2).
1 - أبو بكر (3): مات قبل أبيه.
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 113 و (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 259 وبحار الأنوار ج 45 ص 63 والعوالم الإمام الحسين ص 343.
2) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 344 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 663 واللّهوف لابن طاووس ص112 و 113.
3) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 448 و (ط دار الكتب العلمية) وجه 5 ص 340 والمعجم الكبير ج 3 ص 103 ومجمع الزوائد ج9 ص 197 والبداية والنهاية (ط دار إحیاء التراث) ج 8 ص 203 والكامل في التاريخ ج 4 ص 75 ومقاتل الطالبيين ص 57 وسر السلسلة العلوية ص30 ومعارج الوصول ص 97 وترجمة الإمام الحسين من طبقات الطبقات الكبرى لابن سعد ص 73 و 76 وشرح الأخبار ج3 ص178 ونهاية الأرب ج 20 ص 457 والتذكرة في الأنساب المطهرة ص 266 والتنبيه والإشراف ص 263 وتذكرة الخواص (ط النجف) ج 2 ص 254 وموسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 1 ص224 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 659.
11 - زید (1).
12 - حمزة (2).
13 - المحسن.
14 - صالح بن الحسين (3).
15 - القاسم بن الحسين، لأم ولد.
قال ابن الجوزي: إنه قتل في كربلاء (4).
16 - سكينة : أمها الرباب بنت امرئ القيس كلبية.
17 - فاطمة أمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد اللّه التيمي.
18 - زينب ماتت صغيرة. أمها شهربانو بنت يزدجرد (5).
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 113 و (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 259 وبحار الأنوار ج 45 ص 63 والعوالم الإمام الحسين ص 343.
2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 113 و (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 259 وبحار الأنوار ج 45 ص 63 والعوالم، الإمام الحسين ص 343.
3) فتوح الشام للواقدي ج 2 ص 213.
4) راجع: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 340 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 659.
5) مطالب السؤول ص 73 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 851 وذخائر العقبى ج 2 ص 181 - 184.
19 - أم كلثوم: ماتت صغيرة أمها شهربانو بنت يزدجرد (1).
20 - رقية: وسيأتي الحديث عنها في فصل مستقل إن شاء اللّه تعالی (2).
21 - زبيدة.
إن هذه الأسماء المذكورة، بالرغم من كثرتها، ولكنها لا تدل على كثرة ولد الإمام الحسين «علیه السلام»، فإن أكثرها ليس له سند قابل للاعتماد، وقسم منها ألقاب وكنى تعددت وصاحبها واحد، وقسم منها أسماء لأبناء الإمام الحسن، ونسبت إلى الحسين بسبب التصحيف، وتقارب رسم الكلمات.
ويشهد لذلك:
ألف: أن عامة المؤرخين والمؤلفين، وأهل الأنساب تراوحت أقوالهم في عدد أولاده «علیه السلام» ما بين خمسة أولاد إلى عشرة، مع أننا ذكرنا اسم أكثر من عشرين؟!
ب: ويشهد لذلك أيضاً ما روي من أنه قيل لعلي بن الحسين «علیه السلام»: ما أقل ولد أبيك ؟!
قال: العجب كيف ولدت له. إنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف
ركعة، فمتى كان يفرغ للنساء ؟! (1).
ونحن نعرض فيما يلي بعض ما يتعلق بالأسماء التي ذكرناها آنفاً، فنقول:
قال القاضي النعمان: «وقتل معه يومئذ أبو بكر بن الحسين، وهو لأم ولد» (2)مع أنهم يقولون أيضاً : إنه مات قبل أبيه.
1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 233 و (ط دار صادر) ج 2 ص 247 واللّهوف في قتلى الطفوف ص 57 وفلاح السائل ص 269 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 4 ص 100 و (الإسلامية) ج 3 ص 74 عنه، وبحار الأنوار ج 44 ص 196 عن فلاح السائل، وج 79 ص 311 عن الملهوف في قتلى الطفوف، والعوالم الإمام الحسين ص 61 وشجرة طوبى ج 2 ص 419 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 275 ولواعج الأشجان ص 17 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 12 ص 21 وج 19 ص 448 وج 27 ص114 عن العقد الفريد (ط الشرفية بمصر) ج 1 ص278 وج3 ص 28 وعن جواهر المطالب المخطوط ص134 وتنبيه الخواطر (مجموعة ورام) ج 2 ص 520 وفيه لمحمد بن علي بن الحسين.
2) شرح الأخبار ج 3 ص 177 والتنبيه والإشراف ص303 والمنتظم جه ص 340 والمعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 108 والأمالي الخميسية للشجري ج 2 ص 185 ومجمع الزوائد ج 9 ص 197 وتذكرة الخواص ص 255.
ويبدو لنا: أن القاسم المتقدم ذكره هو ابن الحسن «علیه السلام»، وله في كربلاء مقام مشهود لا ابن الحسين «علیه السلام»، لكن تشابه رسم كلمتي الحسن والحسين يوقع بعض الناس في الغلط.
يقول بعضهم عن عبد اللّه بن الحسين الملقب ب«الرضيع» الذي قتل بسهم جاءه، وهو في حجر أبيه «علیه السلام»:
«وهو المعروف بعلي الأصغر وحفر له الحسين قبرا بجفن سيفه، ودفنه»(1).
ولا ندري لماذا جعل علياً وعبد اللّه شخصاً واحداً ؟! فإن كلمتي علي وعبد اللّه أبعد من أن يقع فيهما تصحيف لعدم التشابه القريب في رسم الكلمات.
واحتمال أن يكون عبد اللّه لقباً لعلي بعيد جداً.
ومن الواضح: أن هذا النوع من الآراء الاقتراحية لا تكون مقبولة، ما لم تجد شاهداً لها..
واستبعاد أن يقتل طفلان للإمام الحسين «علیه السلام» بسهام
1) تحفة العالم (لآل بحر العلوم) ج 1 ص 310 - 313 وتاريخ الإمام الحسين «علیه السلام» ج 12 ص 972 عنه.
الأعداء، لا مبرر له، فإن من الممكن أن يقتل طفلان للإمام الحسين «علیه السلام» على هذا النحو.
وقد رأينا البعض يذكر عمر بن الحسين «علیه السلام»، وقال: ذكره ابن الأثير (1).
وقد راجعنا ابن الأثير، فوجدنا أنه عمرو بن الحسين (2)، لا عمر.
ويبدو لنا أنه عمرو ابن الإمام الحسن لا ابن الإمام الحسين (3). فراجع.
أما زبيدة بنت الحسين «علیه السلام» فلم يذكرها فيما نعلم سوى
1) تحفة العالم (لآل بحر العلوم) ج 1 ص 310 - 313 وتاريخ الإمام الحسين «علیه السلام» ج 12 ص 972 عنه.
2) راجع الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 4 ص 87 و 93.
3) راجع: السلسلة العلوية ص 30 - 32 وتاريخ مدينة دمشق ج 69 ص177 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 353 والكامل في التاريخ ج 4 ص 87 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 215 ونهاية الأرب ج 20 ص 471 وترجمة الإمام الحسين من طبقات الكبرى لابن سعد ص 84.
بحر العلوم أيضا (1).
ويبدو لنا: أن هذا أيضاً من موارد التصحيف لكلمة زينب، ولذا لم تذكر زبيدة هذه - فيما نعلم - في غير هذا الكتاب.
كما أن الظاهر أن أم كلثوم لقب لزينب، لاسيما مع قول بعضهم: إن كل زينب تلقب بأم كلثوم.
كما أن الاتفاق في اسم الأم، والتصريح: بأن زينب وأم كلثوم قد ماتتا صغيرتين يزيد من قوة هذا الاحتمال.
وتذكر هنا قضية ملخصها:
أن امرأة ادَّعت في عهد المتوكل العباسي أنها بنت الحسين بن علي «علیه السلام»، وأنها عمرت إلى ذلك الحين، فأشار الفتح بن خاقان على المتوكل بسؤال الإمام الهادي «صلوات اللّه وسلامه علیه» عن أمرها.
فلما حضر الإمام «علیه السلام»، قال المحنة في ذلك قريبة، إن اللّه حرم لحم جميع ولد فاطمة على السباع، فألقها للسباع، فإن كانت صادقة لم تعرض لها، وإن كانت كاذبة أكلتها.
1) تحفة العالم (لآل بحر العلوم) ج 1 ص 310 - 313 وتاريخ الإمام الحسين «علیه السلام» ج 12 ص 972 عنه.
فعرض ذلك عليها فأكذبت نفسها.
فأديرت على جمل في طرقات سر من رأى، ينادى عليها بأنها زينب الكذابة، وليس بينها وبين رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» رحم ماسة.
فلما كان بعد أيام قال علي بن الجهم: يا أمير المؤمنين، لو جرب قوله في نفسه لعرفنا حقيقته، فجربه.
فألقاه في مكان فيه السباع مطلقة، فلم تتعرض له.
فقال المتوكل : واللّه لئن ذكرتم هذا لأحد لأضربن أعناقكم (1).
ونقول:
تضمنت هذه القضية التي لخصناها أموراً كثيرة تحتاج إلى بحث، ونذكر منها على سبيل المثال، وعلى طريقة الفهرسة وذكر
1) راجع: نظم درر السمطين ص 241 و 242 ولسان الميزان ج 2 ص 513 و 514 والثاقب في المناقب ص 545 و 546 ومدينة المعاجز ج7 ص 478 و 479 وأعيان الشيعة ج 7 ص 132 ومناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 518 وبحار الأنوار ج 50 ص 204 و 205 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 447 ومطالب السؤول ص 222 و (تحقيق ماجد ابن أحمد العطية ص 457 والخرائج والجرائح ج1 ص 404 و 405 وكشف الغمة ص 298 و (ط دار الأضواء) ج 3 ص 54 والصراط المستقيم ج 2 ص 204 وذكر المسعودي في مروج الذهب ج 4 ص 86 أنه ذكر هذا الخبر أيضاً في كتابه أخبار الزمان.
العنوان العام:
1 - إشارة الفتح بن خاقان على المتوكل بالرجوع في أمرها إلى الإمام الهادي ودلالة ذلك على معرفة هؤلاء الحكام بمن يملك حل،المعضلات ومن خصهم اللّه من عنده بعلوم لا يملكها أحد.
2 - إن الناس كانوا في عمق وجدانهم يعرفون صدق الأئمة فيما يخبرون به، وهذا الأمر لا يقتصر على الموالين لهم «علیهم السلام»، بل يشمل أعداءهم والمتورطين في التواطؤ والعمل على قتلهم «صلوات اللّه عليهم».
وقد رأينا كيف أن زينب الكذابة قد أكذبت وتراجعت.
3 - إن إدارة تلك المرأة في طرقات سر من رأى، والنداء عليها بأنها كذابة هو نفسه إشاعة لحقيقة أن لدى الأئمة علوما لا يملكها غيرهم، وهذا الأمر يوضح للناس التناقض في تصرفات هؤلاء الحكام، ويثير الأسئلة في وجدان الناس حول مواقفهم المتناقضة، حتى مع وجدانهم وقناعاتهم، ويظهر ظلمهم وتجنيهم على الأئمة في عداواتهم لهم.
4 - إن ما قام المتوكل به من طلب تجريب أمر السباع بالإمام نفسه يدل على عظيم خبثه، وشدة عداوته، فهو يلاحق حتى الاحتمالات غير المعقولة ليبلغ من خلالها ما يصبو إليه، وهو التخلص من الإمام «علیه السلام».
5 - إن ما فعله المتوكل قد كان سببا في إظهار حقيقة في الإمام
وسائر الأئمة لا يجرؤ المتوكل، ولا غيره على ادعائها لأنفسهم.. وهي حقيقة مرة لا يمكن للمتوكل أن يسمح بظهورها للناس.. ولأجل ذلك تهدد كل من حضر وعاين بالقتل إن ظهر هذا الأمر...
ذكر ياقوت الحموي : أن في غربي مدينة حلب، في سفح جبل جوشن قبر المحسن بن الحسين «علیه السلام»، يزعمون أنه سقط لما جيء بالسبي من العراق لتحمل إلى دمشق. أو هو طفل كان معهم مات بحلب، فدفن هنالك (1).
قال أبو طالب الزيدي: «وذكر بعض أهل النسب إبراهيم ومحمداً، وليس يعرفهما الطالبيون» (2).
وقد تقدم أن جعفر بن الحسين «علیه السلام» مات صغيراً قبل
أبيه (1).
وقال بعضهم: محمد وجعفر ماتا في حياة أبيهما» (2).
أنه قد تقدم قولهم عن محمد : أنه قتل مع أبيه(3).
ولكن الفخر الرازي يقول عن جعفر وهو يعدد الشهداء من أولاد الإمام الحسين «علیه السلام» والابن الرابع ذكر البخاري: أن اسمه أبو بكر وغيره قال: اسمه جعفر»(4).
وهذا يدل على ما ذكرناه من أن بعض من ذكر هو مما جعل فيه اللقب اسما لشخص آخر.
إلا أن يكون المراد أنه مات في كربلاء قبل أبيه.. وهو احتمال بعيد.
1) سر السلسلة العلوية ص 30 و 31 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 851 و 852 وأعيان الشيعة ج 1 ص 579.
2) النفحة العنبرية ص 45 - 47.
3) تذكرة الخواص ص 277 ومناقب آل أبي طالب ج4 ص113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259 وراجع: ترجمة الإمام الحسين من الطبقات الكبرى لابن سعد ص 75 و 76.
4) الشجرة المباركة في أنساب الطالبية لفخر الدين الرازي ص 86 و 87 و (الطبعة الأولى سنة 1409ه) ص 73.
وهناك اختلافات كثيرة في اسم أم الإمام السجاد «علیه السلام»، وفي اسم أبيها، وفي الوقت الذي وصلت فيه للإمام الحسين «علیه السلام»، وهل هي بنت يزدجرد، أو هي بنت ملك قاشان، أو بنت شخص ثالث، أو رابع؟!(1)
وفي أنها هل هي أم ولد (2)، سندية (أو أسدية)(3). أو أنها من سبي كابل كما يقول اليعقوبي (4).
مع أن كلام اليعقوبي هذا غير دقيق، فإن فتح كابل كان على يد عبد الرحمان بن سمرة الأموي سنة ثلاث وأربعين (5).
1) العدد القوية ص 316 وبحار الأنوار ج 46 ص 154.
2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 143.
3) تذكرة الخواص ج 2 ص 240 و 241 عن ابن قتيبة، ولباب الأنساب ج 1 ص 246 - 255 وشرح الأخبار ج 3 ص 266 والوافي بالوفيات ج20 ص 230 والنجوم الزاهرة ج 1 ص 229.
4) تاريخ اليعقوبي (ط النجف) ج 2 ص 46.
5) صحيح ابن حبان ج 1 ص 9 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 هامش ص 851.
وقيل: افتتحها سنة أربع وأربعين (1).
وقال خليفة بن خياط: وسنة أربع وأربعين افتتح ابن عامر كابل (2).
وذكر النويري: أن عبد اللّه بن عامر استعمل عبد الرحمن بن سمرة على سجستان، فأتاها، فكان يغزو البلد وقد كفر أهله فيفتحه، حتى بلغ كابل (3).
وقال الصفدي: إن أم السجاد أم ولد نوبية (4).
وقيل: اسمها جيدة. وقال بعضهم: تسمى سلافة (5).
وقيل:.. وقيل:..
والصحيح أنها بنت ملك الفرس.
1) العبر في خبر من غبر للذهبي ج 1 ص 52 ومرآة الجنان وعبرة اليقظان ج 1 ص 98.
2) تاريخ خليفة بن خياط ص 155 والإصابة ج 7 ص118 وتاريخ مدينة دمشق ج 15 ص 255 وج 29 ص 265 وج 61 ص 426 وتهذيب الكمال ج 7 ص 358 وتهذيب التهذيب ج 12 ص 86.
3) راجع نهاية الأرب ج 20 ص 265.
4) الوافي بالوفيات ج 22 ص 248.
5) شرح الأخبار ج 3 ص 266 و 267 والنجوم الزاهرة ج 1 ص229 والوافي بالوفيات ج 20 ص 230.
وحين طلب منها أن تختار زوجاً قالت إنها تريده من أهل بيت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فقيل لها اختاري علي بن أبي طالب.
فقالت: لا جور (1)من نفسي أن أجلس على مكان قامت منها فاطمة الزهراء (2).
قال ابن حبان: «واستصغر علي بن الحسين بن علي، فلم يقتل. انفلت في ذلك اليوم من القتل لصغره، وهو والد محمد بن علي الباقر» (3).
وقيل: إنه «علیه السلام» حضر بعض القتال، وقد ارتث يومئذٍ (4).
وقال الدينوري: «ولم ينج من أصحاب الحسين «علیه السلام» وولده وولد أخيه إلا ابناه على الأصغر، وكان قد،راهق، وإلا عمر،
وقد كان بلغ أربع سنين» (1).
وقد قلنا فيما تقدم: يبدو أن ثمة خلطا في كلام الدينوري بين اسمي عمر، وعمرو.. فليلاحظ ذلك.
وقال الدميري: «فاستبقي لصغر سنه، لأنهم قتلوا كل من أنبت، كما يفعل بالكفار» (2).
واكتفى بعضهم بالقول: «استصغروا علي بن الحسين، فلم يقتلوه» (3)
قال حمید بن مسلم: انتهيت إلى علي بن الحسين بن علي، الأصغر، وهو منبسط على فراش له وهو مريض، وإذا شمر بن ذي الجوشن في رجالة معه يقولون: ألا نقتل هذا ؟!
قال: فقلت: سبحان اللّه أنقتل الصبيان؟! إنما هذا صبي.
قال: فما زال ذلك دأبي أدفع عنه كل من جاء حتى جاء عمر بن،سعد، فقال: ألا لا يدخلن بيت هؤلاء النسوة أحد ولا يعرضن لهذا الغلام المريض، ومن أخذ من متاعهم شيئاً فليرده عليه.
قال: فواللّه ما رد أحد شيئاً.
قال: فقال علي بن الحسين جزيت من رجل خيراً، فواللّه لقد دفع اللّه عني بمقالتك شرا (1).
غير أننا نقول:
إن الحديث عن صغر سنه «علیه السلام» في كربلاء، وأنهم كشفوا عنه، وغير ذلك غير صحيح، فقد قال أبو نصر البخاري: «وأما قول أبي مخنف لوط بن يحيى وهشام الكلبي : إنه كان صغيراً، ففتشه ابن زياد، وقال: أنظروا هل أدرك ليقتله»(2). فلا يصح ذلك بل هذه القصة كانت مع عمر بن الحسن «عليه السلام». (3)
وعلل سبط ابن الجوزي عدم قتله: بأنه كان مريضا (4).
وكان علي بن المدائني ينكر أن يكون علي بن الحسين أفلت يوم
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 453 و (ط الأعلمي) ج 4 ص347 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 201 والبداية والنهاية ج8 ص188 و 189 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج 3 ص 395 و (ط دار صادر) ج4 ص 79 وراجع تجارب الأمم ج 2 ص 81 ونهاية الأرب ج 20 ص 460.
2) سر السلسلة العلوية ص 30 - 32.
3) القصة في تجارب الأمم ج 2 ص 73 و 74 :وفيها: أنهم وجدوه قد أدرك.
4) تذكرة الخواص ج 2 ص 298 و 299 والعدد القوية ص315 و316 وبحار الأنوار ج 46 ص 154.
كربلاء صغيراً (1).
وقد كذب الواقدي أيضا هذه المقولة، فراجع كلامه (2).
ويكذب دعوى صغر سنه «علیه السلام» في كربلاء: أن أكثر العلماء والمؤرخين والرواة يقولون : إنه ولد سنة 38 هجرية، فعمره كان في كربلاء 23 سنة.. فكيف يكون صغيراً، ويحتاج إلى الكشف عليه، ليرى إن كان قد أنبت أم لا؟!
وحول الأقوال في ولادة علي الأكبر والسجاد نقول:
ألف: اختلفوا في تاريخ ولادة علي الأكبر الشهيد في كربلاء، فقيل:
1 - إنه ولد سنة 33 هجرية في خلافة عثمان (3).
2 - وبعضهم قال: إنه ولد في خلافة عثمان، أو آخر خلافة
عثمان (1). من دون تحديد
قالوا: وكان سنه حين استشهد ثمانياً وعشرين سنة (2)
ويمكن أن يقال: إن هذا القول يلتقي مع قولهم: إنه ولد سنة 33ه.
وبناء على هذين القولين، يضاف إليهما القول الآتي: بأن علي الأكبر عاش 27.سنة.
فيكون قول ابن إدريس وغيره: إنه «رضوان اللّه عليه» روى عن جده أمير المؤمنين «علیه السلام» الذي استشهد في سنة أربعين مقبولاً ومعقولاً فإن ابن سبع سنوات يمكن أن يسمع، ويحفظ ويروي.. ولا ضير في ذلك.
1 - عاش نحو 27 سنة (3). ويلتقي هذا مع ما قاله ابن إدريس في آخر كتاب الحج، من سرائره و ما قاله في مقاتل الطالبيين، من أنه
1) مقاتل الطالبيين ص 87 والسرائر لابن إدريس ج 1 ص 655 وراجع مقتل الحسين للمقرم ص 255.
2) السرائر لابن إدريس ج 1 ص 655 وبحار الأنوار ج 98 ص 316 وأعيان الشيعة ج 8 ص 206 عن أبي الفرج.
3) تاريخ الإمام الحسين «علیه السلام» ج 12 ص 1048 عن أنيس الشيعة للسيد محمد عبد الحسين الهندي، ومقتل الحسين لبحر العلوم ص 341 و 342.
ولد في آخر خلافة عثمان.
4 - وقيل أيضاً: إن الشهيد في كربلاء قد عاش خمسا وعشرين سنة (1).
5 - ثلاث وعشرون سنة (2).
6 - عاش أكثر من عشر سنين (3).
7 - عاش 19 سنة (4).
8 - عاش 18 سنة (5)
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 109) و (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 257 وأعيان الشيعة ج 1 ص 607 وج 8 ص 206.
2) تهذيب الكمال ج 20 ص 383 و 384.
3) مثير الأحزان ص 68 و (ط المکتبة الحیدریة) ص 51.
4) تحفة العالم ج 1 ص 311 وراجع إعلام الورى (ط دار المعرفة) ص 242 والدر النظيم ص 555 وموسوعة الإمام الحسين ج 1 ص 231 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 106 و (ط أخرى) ج 2 ص 137 ومقتل الحسين لبحر العلوم ص 342 وأعيان الشيعة ج 1 ص 607 وج 8 ص 206 عن المفيد.
5) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 114 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص30 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 109 ومقاتل الطالبيين ص وتحفة العالم ج1 ص 311 ونقد الرجال ص 231 ومنتهى المقال ج 4 ص 384 ومقتل الحسين لبحر العلوم ص 342 وإكليل المنهج للكرباسي ص372 وأعيان الشيعة ج 1 ص 607.
9 - عاش 17 سنة(1)
10 - عاش 12 سنة (2).
11 - بضع عشرة سنة (3).
12 - عشر سنين (4).
ب: واختلفوا في سنة ولادة السجاد «علیه السلام»، وإن كان الذي عليه الأكثر أنه:
1 - ولد سنة 38 هجرية، ولا حاجة إلى ذكر مصادر هذا القول، فإنها كثيرة.
2 - ولد سنة 37 هجرية(5).
1) مقتل الحسين لبحر العلوم ص 341 و 342 و تاريخ الإمام الحسين ج12 ص 1048 عنه، والمنتخب للطريحي.
2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 174 و (ط المکتبة الحیدریة) ج3 ص 309 وبحار الأنوار ج 45 ص 329 عنه.
3) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 106 و (ط أخرى) ج 2 ص 137 وإعلام الورى ج 1 ص 464 ومنتهى المقال ج 4 ص 383 و 384.
4) التتمة لتاج الدين العاملي ص 75 و 76.
5) تذكرة الخواص ص 291 و 292 و 298 و 299 والعدد القوية ص 315 ص315 و 316 وبحار الأنوار ج 46 ص 154 و 8 و تاريخ مواليد الأئمة لابن الخشاب (مجموعة نفيسة) ص 178 - 181 وكشف الغمة ج 2 ص 105.
ويلتقي مع هذا القول وسابقه قولهم: إن عمره في كربلاء كان 23 سنة أو 24 سنة (1).
3 - ولد سنة 36 هجرية (2).
ويلتقي مع هذا القول، ومع قول بعضهم: إن عمره كان في كربلاء 25 سنة (3).
ويلتقي معه أيضاً قولهم: إنه ولد في وقعة الجمل (4).
1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 163 و 164 وتاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 149 و 192 ومختصر تاريخ مدينة دمشق ج17 ص256 وكشف الغمة ج 2 ص 91 وبحار الأنوار ج 46 ص 8 و 151 وتاريخ الإمام الحسين «علیه السلام» ج 2 ص 771.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 186 والعدد القوية ص 55 و 56 وبحار الأنوار ج 46 14 و 13 و 151 و ج 95 ص 193 ومصباح المتهجد ص 551 والعدد القوية ص 55 والمصباح للكفعمي ص 511 وإقبال الأعمال ج3 ص 156 وتاريخ الإمام الحسين «علیه السلام» ج 12 ص 859 وروضة الواعظين ص 201 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 175 ومعارج الوصول ص 105 والأنوار البهية ص 107.
3) مختصر تاريخ مدينة دمشق ج 17 ص 231.
4) سر السلسلة العلوية ص 30 - 32 ومعارج الوصول ص 105 والأنوار البهية ص 107 عن الإقبال لابن طاووس ص 621 ومصباح الكفعمي ص 511.
4 - إنه ولد سنة 41 هجرية، وشهد كربلاء وهو ابن عشرين سنة (1).
ه - كان قد راهق (2).
6 - سنة 33 للّهجرة (3).
7 - ولد قبل وفاة جده أمير المؤمنين «علیه السلام» بست سنين(4). وهذا يتوافق مع سنة أربع وثلاثين. وقيل: بأربع سنين(5).
1) تهذيب التهذيب ج 9 ص 351 و (ط دار الفكر) ج9 ص312.
2) الأخبار الطوال ص251 و (ط دار إحیاء الکتب العربی) ص259 وبغية الطلب في أخبار حلب ج 6 ص 2630.
3) النفحة العنبرية لمحمد كاظم الموسوي ص 45 - 47 عن الواقدي، وتاريخ الخميس ج 2 ص 186 ونقد الرجال ص 231 ومنتهى المقال ج4 ص 383 - 384 وجامع الرواة ج 2 ص 463 - 464 وشرح الأخبار ج 3 ص 266 - 267 و 196 - 198 والعوالم ج 17 ص 192 و 193 وتذكرة الخواص ص 291 و 292 و 298 و 299 والعدد القوية ص 315 و 316 وبحار الأنوار ج 46 ص 154 و 330 وعمدة الطالب (ط النجف) ص 192 - 194 وسر السلسلة العلوية ص 30 - 32 وتاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 147 و 148 و مختصر تاريخ مدينة دمشق ج 17 ص 230 والإفادة لأبي طالب الزيدي ص 58 و 59 والحدائق الوردية ج 1 ص 116 و 117 والتحف لمجد الدين اليمني ص 57 ووسيلة الدارين ص 286 وذخيرة الدارين ج 1 ص 137 ومعارج الوصول ص 105.
4) العدد القوية ص 55 و 56 وبحار الأنوار ج 46 و 14 و 15 وج 95 ص 192.
5) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 310 وبحار الأنوار ج 46 ص 12.
8 - إن عمر الإمام السجاد «علیه السلام» كان في كربلاء ثلاثين سنة (1).
ويبدو لنا: أن من أسباب نشوء بعض هذه الأقوال هو الخلط بين اسمي السجاد «علیه السلام»، وبين الشهيد في كربلاء.
وعن سبب وصف الإمام السجاد «علیه السلام» بالأصغر، نشير هنا إلى ما يلي:
أولاً : قال القندوزي الحنفي: «لقب بالأصغر، لأنه ولد في حياة جده، وعند وفاة جده كان ابن سنتين، فجده أمير المؤمنين علي الأكبر، وهو الأصغر»(2).
ثانياً : إن أقوال الرواة والمؤرخين قد اختلفت، واختلطت ببعضها البعض.
غير أن هناك من قال:
«علي بن الحسين الأكبر: قتل مع أبيه بالطف، وأصحابنا ينكرون أن يكون هو الأكبر، وهو الصحيح» (1).
وقال العلامة المجلسي «رحمه اللّه»: «قوله علي الأصغر، هذا يدل على أن المقتول هو الأصغر، كما ذهب إليه الأكثر من أصحابنا».(2).
وقال أبو طالب الزيدي: «علي الأصغر في قول العقيقي وكثير من الطالبية لا عقب له، قتل مع أبيه، وهو الأكبر في قول من ذكرنا من أهل النسب، وأمه ليلى الخ..».
إلى أن قال : «والعقب من ولد الحسين لواحد هو علي بن الحسين الأكبر في قول الطالبية، والأصغر فى قول كثير من أهل النسب» (3).
ثالثاً : استدلوا: بأن ابن زياد قال للإمام السجاد «علیه السلام»: ما اسمك؟!
قال «علیه السلام»: علي بن حسين.
قال : أولم يقتل اللّه عليا ؟ !
قال الإمام السجاد «علیه السلام»: كان لي أخ يقال له علي، أكبر مني، قتله الناس (1).
وقيل: إن هذه القضية كانت بين الإمام السجاد «علیه السلام» ويزيد في الشام (2).
ويرد عليه : أن كلمة «أكبر مني» لا توجد في جميع المصادر، بل في بعضها: أنه لما قال ابن زياد أولم يقتل اللّه علي بن الحسين؟!
قال «علیه السلام» كان لي أخ يقال له علي بن الحسين، فقتله الناس (3).
1) التمهيد لابن عبد البرج 9 ص 157 والطبقات الكبرى لابن سعد (ط صادر) ج 5 ص 212 وترجمة الإمام الحسين من الطبقات الكبرى لابن سعد ص 79.
2) مقاتل الطالبيين ص 88 و (ط المکتبة الحیدریة) ص 80.
3) تجارب الأمم ج 2 ص 74 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 120 و 121 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 2 ص 116 وشرح الأخبار ج3 ص 157 و 250 - 253 والبداية والنهاية ج 1 ص 103 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 210 و 211 ومثير الأحزان ص 71 وإعلام الورى ج 1 ص 472 والدر النظيم ص 561 ولواعج الأشجان ص 210 ونور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 487 وكنز الدقائق (تفسير) ج 11 ص 307 وأعيان الشيعة ج 7 ص 139 واللّهوف لابن طاووس ص 94 ونهاية الأرب ج 20 ص 465 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 28 ص191.
رابعاً: وأخيراً.. إن الكثير من المؤلفين والمؤرخين صرحوا: بأن المقتول في كربلاء هو الأصغر، وأن الأكبر هو زين العابدين «علیه السلام». فلاحظ المصادر.
وفي بعضها قال: والناس يغلطون ويقولون: إن الشهيد هو علي الأكبر (1).
وفي جميع الأحوال نقول:
يلاحظ: أن أكثر المؤلفين من غير الشيعة يذهبون إلى أن علي الأكبر هو الأكبر سناً، وهو الشهيد في كربلاء. وأكثر مصادر الشيعة يبدو أنها ترى أن الإمام السجاد «علیه السلام» كان هو الأكبر سناً.
وهذا هو الأقرب والأولى بالاعتبار. ويمكن تقريب الأمر إلى ذهن القارئ الكريم بأن يقال : يستفاد من عدة من النصوص: أن هناك ثلاثة أبناء للحسين «علیه السلام» باسم علي.
الأول : الإمام السجاد «علیه السلام»، هو الأكبر سنا، ويطلق
1) راجع إعلام الورى ص 250 و 251 والعوالم ج 17 ص 331 والأنوار ص 331 النعمانية ج 1 ص 373 و 374 وتاج المواليد (مجموعة نفيسة) ص 110 و 111 والرجال للطوسي ص 76 ونقد الرجال ص 231 ومنتهى المقال ج 4 ص 383 والإفادة لأبي طالب الزيدي ص 58 و 59 والهداية الكبرى ص 202 وراجع الجوهرة في نسب الإمام علي وآله للبري ص 49 و 50 وراجع نور الأبصار ص 277 والتتمة لتاج الدين العاملي ص75 و 76 وجامع الرواة ج 1 ص 572.
عليه الأصغر احتراما لجده أمير المؤمنين «علیه السلام»، لأنه ولد في حياته.
الثاني: علي الأكبر، وهو أصغر سناً من الإمام السجاد «علیه السلام»، وهو الشهيد في كربلاء وهو أكبر بالنسبة إلى أخيه الأصغر.
الثالث: علي الأصغر الذي كان طفلا، وأصيب أيضاً في كربلاء وقتل.
فالإمام السجاد «علیه السلام» هو علي على الإطلاق.. وشهيد كربلاء أكبر بالنسبة إلى أخيه الأصغر منه، الذي قتل أيضا في كربلاء وإنما سمي بالأكبر لكي يميزه الناس عنه بالدرجة الأولى، مع أن الحقيقة: أنه هو الأوسط - إذا لوحظ التعاقب الزماني في الولادات.
هذا.. وقد صرح عدد من المؤلفين والمؤرخين، والنسابين بأنه كان للإمام الحسين «علیه السلام» ثلاثة أبناء باسم علي، فراجع (1).
1) تاریخ ابن الخشاب ج 1 ص 177 و 178 وكشف الغمة ج 2 ص 39 وبحار الأنوار ج 45 ص 331 والعوالم ج 17 ص 639 و 640 ومطالب السؤول، والفصول المهمة لابن الصباغ ص 99 وإسعاف الراغبين ص 219 والوافي بالوفيات ج 12 ص 425 - 428 والتتمة لتاج الدين العاملي ص 75 و 76 ومعالي السبطين ج 1 ص 405 و 406.
رووا: أن معاوية قال من أحق الناس بهذا الأمر؟!
قالوا: أنت.
قال: لا. أولى الناس بهذا الأمر علي بن الحسين بن علي. جده رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وفيه شجاعة بني هاشم، وسخاء بني أمية، وزهو ثقيف (1).
ونقول:
1 - إن معاوية قد اخترع هذه الترهات، لأنه يريد من خلالها أن يجعل لبني أمية تأثيراً في استحقاق الخلافة، وأنه لا يكفي فيها مجرد الانتساب إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»..
وبذلك يكون بنظره قد أفقد بني هاشم خصوصية التفرد بالأقربية من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
وبذلك يستطيع كل أموي أن يعترض على أي هاشمي في أمر الخلافة، حتى لو كان هو علي بن أبي طالب والحسنين «علیهم السلام». بل إن خلافة علي والحسنين «علیهم السلام» تصبح غير
1) مقاتل الطالبيين ص 86 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 52 وبحار الأنوار ج 45 ص 45 وسرّ السلسلة العلوية ص 30 والعوالم، الإمام الحسين ص 288 وأعيان الشيعة ج 8 ص 206 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 1 ص 232.
تامة المشروعية، بل تكون ساقطة وموهونة، لأنها تفقد العنصر الأموي.
مع أن ملاك الأمر في الخلافة ليس هو القرابة النسبية على سبيل الحصر، بل هو النص الإلهى الكاشف عن ملكات وميزات، وحالات للإمام هي التي تؤهله لمقام الإمامة والخلافة ومنها توفر عنصر الطهارة من الأرجاس، وكونهم «علیهم السلام» أنوارا في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة، وغير ذلك.
2 - ولست أدري متى كان هذا الزهو من مقومات الخلافة الرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ومن دلائل استحقاقها.. ولماذا لا يكون هذا الزهو من موجبات الحرمان منها؟!
3 - وإذا كان السخاء من المؤهلات لخلافة النبوة، فلماذا لا تكون القرابة بزيد الخيل وحاتم الطائي، وغيرهما ممن عدُّوهم من أجواد العرب من المؤهلات لخلافة النبوة، وأي شيء ينفع السخاء والزهو إذا كان الإنسان جاهلاً، أو لا دين له، أو مبتلى بالعاهات الأخلاقية وما إلى ذلك؟!
ذكروا: أن علي الأكبر قد استشهد في كربلاء، قبل أن يتزوج. وأنه لا عقب له. وقال أبو نصر البخاري: «لم يعقب بالإجماع» (1)
1) الإفادة لأبي طالب الزيدي ص 58 والحدائق الوردية ج 1 ص117 وسر السلسة العلوية ص 30 والشجرة المباركة للفخر الرازي ص 87 والمجدي في أنساب الطالبيين ص 91 وبحار الأنوار ج 45 ص 45 وراجع: تاريخ الإمام الحسين ج 12 ص 973 عن تحفة العالم لآل بحر العلوم ج 1 ص 310 - 313 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 143 والحسين من الطبقات الكبرى لابن سعد ص 17 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 156 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 233 ومقاتل الطالبيين ص 52 وذخيرة الدارين ج 1 ص 137 وإبصار العين ص 23 وإيقاظ الحنفا للمقريزي ص 13 وكشف الغمة ج 2 ص 91 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 277.
فأولاً : قيل : إنه كان متزوجاً وله ولد (1). ولكن هذا موضع كلام.
ثانياً: ورد في زيارة علي الأكبر التي رواها المجلسي «رحمه اللّه» عن أبي حمزة عن الإمام الصادق «علیه السلام»، وفيها: «صلى اللّه عليك، وعلى عترتك، وعلى أهل بيتك، وآبائك، وأبنائك» (2).
ثالثاً : هناك رواية تدل على أنه كان لعلي الأكبر الشهيد في كربلاء أم ولد تزوجها أخوه السجاد «علیه السلام» بعده، فعابه عبد الملك بذلك (3).. فأجابه بما ذكرناه حين الكلام عن تزويج أمه.
1) شرح الأخبار ج 3 هامش ص 177.
2) تحفة العالم (لآل بحر العلوم) ج 1 ص 313 وتاريخ الإمام الحسين «عليه السلام» ج 12 ص 973 عنه، ونفس المهموم ص 315.
3) راجع: قرب الإسناد ص 163 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث سنة 1413) ص 370 والكافي ج 5 ص 361 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج20 ص 73 و 471 و (الإسلامية) ج 14 ص 48 و 362 وبحار الأنوار ج 46 ص 163 و 164 وج 101 ص 17 وكامل الزيارات ص 240 ومقتل الحسين (لبحر العلوم) هامش ص 340 ومرآة العقول ج 20 ص 38 وروضة المتقين ج 8 ص 299 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 268.
إلا أن يقال: إنه حتى لو كان لعلي الأكبر أم ولد، فليس بالضرورة أن يبقى له عقب منها، أو من غيرها، لجواز موت الولد قبل موت أبيه، أو بعده مباشرة.
ويبقى أن نشير إلى حال رقية بنت الحسين «علیه السلام»، ومدى صحة ما يقال عن إمكان عدها في بناته «علیه السلام».
وإلى بعض ما يرتبط بفاطمة بنت الحسين «علیه السلام».
بالإضافة إلى بعض ما يقال عن سكينة «علیها السلام». وعن زواجها المتكرر، وعن بروزها للشعراء، فنقول:
وقالوا: إن فاطمة كانت قد تزوجت بابن عمها الحسن بن الحسن، فولدت له عبد اللّه، ومحمداً، وإبراهيم، وزينب، ثم مات عنها، فأقامت على قبره سنة كاملة.. ثم تزوجها عبد اللّه بن عمرو بن عثمان فولدت له القاسم، ومحمداً، وهو الديباج (لجماله).. ورقية.
وقد روى في الأغاني قصة تذكر كيفية تزويجها بعبد اللّه هذا، وأنه قد تزوجها بمجرد انقضاء عدتها، وهي قصة ساقطة، لأنها تتضمن إهانات رخيصة لمقام هذه السيدة الجليلة، ولا شك في أنها مكذوبة من أجل النيل من كرامتها.
مع أنهم يذكرون عنها: أنها كانت تصوم النهار، وتقوم الليل، وتشتغل بالتسبيح بخيط فيه عُقد (1).
ومع أن رواية المفيد قد صرحت: بأنها أقامت على قبر الحسن بن الحسن سنة كاملة.. (2).
1) نيل الأوطار ج 2 ص 359 وتحفة الأحوذي ج9 ص322 وأعيان الشيعة ج 8 ص 388.
2) الإرشاد للمفيد (ط دار المفيد) ج 2 ص 26 وراجع كتاب الهواتف لابن أبي الدنيا ص 92 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 10 ص 287 وروضة الواعظين ص 494 ومستدرك الوسائل ج 15 ص 366 وبحار الأنوار ج 44 ص 167 وفتح الباري ج 3 ص 161 وعمدة القاري ج 8 ص 135 وتغليق التعليق ج 2 ص 482 وقاموس الرجال ج 12 ص 314 وتاريخ مدينة دمشق ج 70 ص 19 و 20 وأعيان الشيعة ج 8 ص 388 والدر النظيم ص 519 وكشف الغمة ج 2 ص 202 والعدد القوية ص355 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 751 وإحياء علوم الدين للغزالي ج 15 ص 169.
فكيف تكون قد تزوجت بعبد اللّه بن عمرو فور انقضاء عدتها ؟!
ومع أنهم يذكرون أيضاً: أن سبب تزويجها هو أن أمها «أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد اللّه» حلفت عليها لتتزوجنه، وقامت في الشمس، وآلت ألا تبرح حتى تتزوجه فكرهت فاطمة أن تُخْرَجَ، فتزوجته (1).
وبذلك يعلم كذب الرواية التي جعلت السبب في ذلك الزواج هو عشقها لعبد اللّه بن عمرو بن عثمان، وانقيادها لهواها في أمره
وقد ذكروا : أن سكينة بنت الحسين قد تزوجت بسبعة رجال، هم:
1) مقاتل الطالبيين ص139 والأغاني ج 21 ص80 وأعيان الشيعة ج 8 ص 388 والكنى والألقاب ج 2 ص 292.
1 - عبد اللّه الأكبر ابن الإمام الحسن «علیه السلام»، وأمه رملة واستشهد في كربلاء (1).
2 - عمر بن الحسن بن علي (2).
3 - مصعب بن الزبير بن العوام وولدت له بنتا اسمها فاطمة أو اللباب، أو الرباب، ويقال : إنها ولدت له بنتين بهذين الاسمين (3).
4 - عبد اللّه بن عثمان الحزامي فولدت له عثمان، الذي يقال له: قرير، قرين (4).
1) راجع: إعلام الورى ص 127 والمجدي في أنساب الطالبيين ص 19 وأنساب الأشراف ج 2 ص 195 وإسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار ص 202 والأغاني ج 4 ص 163 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 16 ص 366 والمحبر ص 438 والأغاني ج 16 ص 367.
2) راجع: أعيان الشيعة ج 3 ص 492.
3) راجع: تذكرة الخواص ج 2 ص 244 و 247 والأغاني ج16 ص 161 و و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 16 ص 367 وتاريخ مدينة دمشق (ترجمة سكينة) والطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 434 و 183 وأعيان الشيعة ج 3 ص 492 وأنساب الأشراف ج 2 ص 195 والمحبر ص 438 والمعارف لابن قتيبة ص 214 والأغاني ج 16 ص 367 و 368 ووفيات الأعيان ج 2 ص 394 والوافي بالوفيات ج 15 ص 182.
4) أنساب الأشراف ج 2 ص 195 والمحبر ص 438 والمعارف لابن قتيبة ص 214 ووفيات الأعيان ج 2 ص 394 والوافي بالوفيات ج 15 ص 182.
5 - زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان، لكن سليمان بن عبد الملك أمره بطلاقها، ففعل (1).
6 - الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان. ولم يدخل بها (2).
7 - إبراهيم بن عبد الرحمان بن عوف. ولم يدخل بها أيضا (3).
ونحن نشك في كثير مما يذكرونه عن زواجها بمصعب، وبغيره.
وذلك لما يلي:
1 - ذكر السيد عبد الرزاق المقرم: أن رواية زواج مصعب بن
1) تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 205 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 7 ص 176 وأنساب الأشراف ج 2 ص 195 والمحبر ص 438 والمعارف لابن قتيبة ص 214 والأغاني ج 16 ص 367 و 368 والوافي بالوفيات ج 15 ص182.
2) تاریخ مدينة دمشق ج 2 ص 421 وج 9 ص 170 وج 69 ص 205 وأنساب الأشراف ج 2 ص 195 والمعارف لابن قتيبة ص214 والأغاني ج16 ص 367 و 368 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 7 ص 176 ووفيات الأعيان ج 2 ص 394 والوافي بالوفيات ج 15 ص 182.
3) تذكرة الخواص ج 2 ص 244 وأعيان الشيعة ج 3 ص492 عنه، وعن الأغاني، وتاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 205 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 7 ص 176 وراجع الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 434 وج 8 ص 475 وسير أعلام النبلاء ج 5 ص 262 وأنساب الأشراف ج2 ص 195 والمحبر ص 438.
الزبير بسكينة، لا تعدو الزبيريين أنفسهم، فإن رواتها هم: الزبير بن بكار، وابن أخيه مصعب، وعروة بن الزبير (1).
2 - ذكروا أن أبا عذرها هو مصعب بن الزبير (2).
مع أن المروي هو: أن زوجها الأول، هو عبد اللّه الأكبر ابن الإمام الحسن المجتبى «علیه السلام».. وقد صرحوا بأنه هو أبو عذرها (3).
وقيل: إن أبا عذرها هو عمر بن الحسن بن علي (4)
3 - لو صح زواجها بمصعب، فإن من البعيد أن يكون زواجها بمثله من مُظهري العداء لآل البيت «علیهم السلام» عن رغبة واختيار.. والحال أن الزبير بن العوام قد شن حربا ضروساً على أمير المؤمنين «علیه السلام»، وانتهى الأمر بقتله في وادي السباع على يد عمرو بن،جرموز، فكيف يصفو لها قلب ولده مصعب، أو
1) سكينة بنت الحسين ص 92 عن عيون الأخبار لابن قتيبة ج 1 ص 258 وراجع: الأغاني ج 14 ص 163.
2) راجع: سير أعلام النبلاء ج 5 ص 262 وتذكرة الخواص ج 2 ص244 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 475 وأعيان الشيعة ج 3 ص 492.
3) راجع : المحبر ص 438 والمترادفات للمدائني ص 64 (المجموعة الأولى من نوادر المخطوطات) وبه صرح في الأغاني أيضاً ج 14 ص 163.
4) راجع: أعيان الشيعة ج 3 ص 492.
يصفو أو يطمئن قلبها له.. إلا إن كان يريد بالتزويج منها إذلالها، وإيصال الأذى لها، ما وجد إلى ذلك سبيلاً..
وقد كان كره الهاشميين متأصلا في نفوس أبناء الزبير، حتى إن عبد اللّه بن الزبير قد جمع بني هاشم في شعب، وصار يجمع الحطب عليهم ليحرقهم بالنار (1).
4 - وقد ذكر سبط ابن الجوزي: أن مصعباً قد تزوجها قهراً وجبرا (2).
وهذا هو المتوقع ممن قتل أبوه وأهل بيته وأصحابهم بالأمس، فإنها لا تقدم مختارة على الزواج من إنسان موتور، بقتل أبيه في حرب الجمل.. وكان البغض والحقد يتحلب من أشداقهم، وقد جمعوا الحطب ليحرقوا بني هاشم على بكرة أبيهم.
وقد روى مصعب الزبيري: أن عبد الملك خطب رملة بنت الزبير، فردته وقالت :لرسوله لا آمن نفسي على من قتل أخي، وكانت
1) راجع: مروج الذهب (ط الميمنية) ج 3 ص 85 و 86 و (ط دار الهجرة - إيران) ج 3 ص 77 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 147 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 405 و 406 والكنى والألقاب ج1 ص 386 وغاية المرام ج 5 ص 329 وبيت الأحزان ص 85.
2) راجع تذكرة الخواص ج 2 ص 244 وأعيان الشيعة ج 3 ص 492 وتاريخ الإمام الحسين «علیه السلام» ج 13 ص192.
أخت مصعب لأمه. أمها الكلبية (1).
وقالت رملة بنت الزبير لعبد الملك: إن أخاها قد نصحه حين صرفه عن خطبتها، وقالت: «لأنك قتلت أخي مصعبا، فلم يأمني عليك» (2).
فكيف يأمن أعداء أمير المؤمنين الجاهدون في إطفاء نور ولايته، الذين يحرقون الأرّم للإيقاع به، وبكل من له به أية صلة أو رابطة ؟! كيف يأمنون على أنفسهم من ابنة الحسين؟! وكيف تأمن ابنة الحسين على نفسها معهم، وهم يرون أن جدها، وعمها، وأباها قد قتلوا آباءهم، وإخوانهم، ومن يلوذ بهم؟!
خامساً : إن ما يذكر من حكايا عن زواجها بمصعب، وما يدعون أنها كانت تثيره من مشاكل وشكاوى من أزواجها يصل صداها حتى للخلفاء وعمالهم، وغير ذلك، مما يدل على إغراقها في أمور لا تناسب البيوت المعروفة بالنبل والكرامة والإباء والشهامة، فما بالك بالبيت الهاشمي، العامر بالقيم، الزاخر بالخير والصلاح والاستقامة، وهو بيت الإمامة والرحمة، فإن وجود الأئمة، ولاسيما الإمام السجاد،
ثم ابن أخيها الباقر، وبعده الصادق وقبلهم أبوها وعمها وجدها «عليهم أفضل الصلاة والسلام».. إن هذا الأمر نفسه من شأنه أن يقيد حركتها، ويفرض عليها سلوكا يحفظ كرامة هذا البيت الطاهر، والعامر بالقداسة والروحانية.
على أن من المفروض بالأئمة الطاهرين، بدءا من أخيها الإمام السجاد، ثم الباقر والصادق «علیهم السلام»: أن يتصدوا لها، إذا صدر منها أي إخلال بالضوابط الدينية والأخلاقية والاجتماعية، ولو بالنصيحة، وغير ذلك من أسباب ضاغطة، ويمنعوها من الدخول في أي عمل لا يتوافق مع كرامة هذا البيت وأهله.. ولا شك في أن للأئمة «علیهم السلام» موقعاً مميزاً لدى أبنائهم وأقاربهم، ولن يكون أبناؤهم في موقع المتمرد عليهم، الجالب لشماتة أعدائهم..
سادساً : لقد ذكرت بنت الشاطئ في كتابها سكينة بنت الحسين العديد من موارد التناقض والاختلاف في روايات أزواج سكينة(1)، فلاحظ مثلا:
ألف: هل أن ابن سكينة المسمى بعثمان والملقب بقرين هو من زيد بن عمرو بن عثمان، أو من عبد اللّه بن حكيم بن حزام؟!
ب: تقول الروايات: إن سليمان بن عبد الملك أمر زيد بن عمرو
1) سكينة بنت الحسين (ضمن موسوعة آل النبي «صلی اللّه علیه وآله») ص 832 وأعلام النساء لدخيل ص 11 و 24 و 25.
بن عثمان بطلاق سكينة، بحجة أنها اشترطت شروطاً لم يف لها بها (1).
ولكن ابن سعد يذكر في موردين في طبقاته: أن زيداً خلف على سكينة، فهلك عنها (2).
ومعنى هذا: أنها بقيت عنده إلى أن مات، وأن الطلاق لم يحصل.
وفي نسب قريش: إن أبناء زيد بن عمرو بن عثمان قتلوا في نهر أبى فطرس، فحازت الإرث سكينة بنت الحسين، لأنها كانت عند زيد، فمات عنها بعد موت أولاده (3).
فهذا يعني: أنه لم يطلقها بأمر سليمان بن عبد الملك.
والتناقضات كثيرة، وقد بينت هذه التناقضات بصورة جيدة في
1) وفيات الأعيان ج 2 ص 294 وجمل من أنساب الشراف ج6 ص245 والمعارف ص 94 و (ط دار المعارف بمصر) ص 214 والوافي بالوفيات ج 15 ص 291 و (ط دار إحياء التراث) ج 15 ص 182 ومرآة الجنان ج 1 ص 252 و (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 197 وشذرات الذهب ج 1 ص 254 ونور الأبصار 359 والأغاني ج 16 ص 102 وعنهم في تاريخ الإمام الحسين ج 1 ص 231.
2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 349 و (ط (صادر) ج8 ص 475 وتاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 205.
3) نسب قريش ص 120 وجمهرة أنساب العرب ص 86.
کتاب تاريخ الإمام الحسين «علیه السلام» من ص 225 حتى ص 264 نقلاً عن كتاب «مظلومه أي در تاريخ». فضلا عما أشارت إليه الدكتورة عائشة بنت الشاطئ في كتابها عن سكينة. فأغنانا ذلك عن التعرض لها.
سابعاً: روى المدائني: أنه بعد قتل مصعب بن الزبير خطب عبد الملك بن مروان سكينة، فقالت أمها : لا واللّه لا يتزوجها أبداً وقد قتل ابن أختي تعني مصعبا (1).
وهذا النص يدل على أن التي تزوجها مصعب بن الزبير ليست هي سكينة بنت الحسين، بل هي سكينة أخرى. ويتضح ذلك بملاحظة الأمور التالية:
ألف: إن الرباب بنت امرئ القيس، التي هي أم سكينة بنت الحسين لم تعش بعد استشهاد الحسين «علیه السلام» في كربلاء أكثر من سنة واحدة (2)، بل قيل: إنها ماتت في زمن الحسين «عليه
السلام» (1).
ب: هناك ثلاث نساء اسمهن الرباب:
إحداهن: بنت امرؤ القيس، الكلبية (2).
والثانية: بنت القاسم بن أوس بن عدي (3).
1) تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 119.
2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 370 و (ط دار صادر) ج 8 ص 475 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 468 ونسب قريش ص 59 والمحبر ص 396 وتاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 119 والإصابة ج 1 ص 354 و 355 ومقاتل الطالبيين ص 94) و (ط المکتبة الحیدریة) ص 59 ومجموعة نفيسة (تاج المواليد) ص 111 وموسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 1 ص 208 عنهم وراجع: الغارات للثقفي ج 2 ص 816 وشرح الأخبار ج 3 ص177 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 135 والعوالم الإمام الحسين ص 331 و 637 والأعلام للزركلي ج 3 ص 13 والمعارف لابن قتيبة ص 213 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 7 ص 175 وج 6 ص 9 والكامل في التاريخ ج 4 ص 88 والوافي بالوفيات ج14 ص 53 وج 9 ص 220 والنجوم الزاهرة ج 1 ص 276 وأعيان الشيعة ج 1 ص 579 وكشف الغمة ج 2 ص 249 وتاج العروس ج 2 ص10 ومناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 231 وبحار الأنوار ج 45 ص 331.
3) الثقات لابن حبان ج 2 ص 311 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص 67 عن السيرة النبوية وأخبار الخلفاء للبشتي (ط مؤسسة الكتب الثقافية ودار الفكر في بيروت) ص 558.
والثالثة : الرباب بنت أنيف بن حارثة بن لام الطائي(1)، أو الرباب بنت أنيف بن عبيد وهي أم رملة، ومصعب بن الزبير. ويبدو أن للرباب هذه أختاً لها بنت أو أخا له بنت يقال لها: سكينة، هي التي تزوجت بمصعب.. فتكون سكينة زوجة مصعب بنت خالته أو بنت خاله
ج: إن مصعب بن الزبير إنما تولى العراقين، وتزوج سكينة بعد عزل حمزة بن عبد اللّه بن الزبير عن العراق (2). وهذا إنما حصل في سنة ثمانية وستين هجرية (3). ولم تكن الرباب أم سكينة بنت الحسين «علیه السلام» على قيد الحياة، بلا ريب.
د: عن مصعب الزبيري: إن رملة بنت الزبير كانت أخت
1) أنساب الأشراف ج 2 ص 417 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 196 والطبقات الكبرى لابن سعد (ط صادر) ج 1 ص 479 وراجع: تاج العروس ج 2 ص 11 والبداية والنهاية ج 8 ص 209 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 238.
2) جمل من أنساب الشراف ج 7 ص 18 وتاريخ مدينة دمشق ج58 ص 219 والعبر في خبر من غبر ج 1 ص 76 ومرآة الجنان ج 1 ص 115 وشذرات الذهب ج 1 ص 76 ونهاية الأرب ج 21 ص 67.
3) الكامل في التاريخ ج 4 ص 281 و تاريخ مدينة دمشق ج 58 ص 219 والعبر في خبر من غبر ج 1 ص 76 ومرآة الجنان ج 1 ص 115 وشذرات الذهب ج 1 ص 76.
مصعب لأمه. وكانت أمهما الرباب بنت أنيف بن عبيدة بن مصاد، بن كعب بن عتاب بن ذهل من كلب (1).
ويبدو: أن سكينة هذه التي هي بنت خالة، أو خال مصعب هي التي تحدث عنها الشعراء، وصلى عليها شيبة بن نصاح، والتي تزوجت بعدد من الرجال المناوئين لأهل البيت، والتي كانت تثير المشاكل، وتحضر حفلات الغناء، وتجالس عمر بن أبي ربيعة وغيره، وليست هي بنت الرباب بنت امرئ القيس، ولا هي بنت الحسين «علیه السلام».
فإن لم تكن هي المقصودة، فلعل المقصودة هي سكينة بنت مصعب التي أمها أم ولد، أو التي أمها فاطمة بنت عبد اللّه بن السائب، أو سكينة بنت خالد بن مصعب.
ولعل تشابه الأسماء هو الذي أفسح المجال للمغرضين، لتجيير تلك القصص المسيئة إلى من طهرهم اللّه تعالى، رغبة منهم بمواجهتهم بالمساءة، وبأن ينسبوا إليهم الأباطيل.
1) الأغاني ج 17 ص 219 وتاريخ الإمام الحسين ج 13 ص180 و 181 وأعلام النساء لكحالة ج 1 ص 462 و 463 ونحوه في الكامل للمبرد ج1 ص 203 - 209 وتاريخ مدينة دمشق ج 73 ص 95 و 96 و 179 وراجع: تاريخ بغداد ج 13 ص 106 و 107 والتبيين لابن قدامة ص268 و 269 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 3 ص 297.
ثامناً: إن الإمام الحسين «علیه السلام» قد قال لابن أخيه الحسن المثنى حين جاءه خاطباً إحدى بناته: «وأما سكينة، فغالب عليها الاستغراق مع اللّه تعالى، فلا تصلح لرجل» (1). فكيف صلحت بعد ذلك لستة رجال، أو أكثر ؟! ثم كانت النجم اللامع في سماء الشعر والغناء، وما إلى ذلك؟!
وبعدما تقدم نقول:
إذا كان هناك أكثر من سكينة في تلك الحقبة، وقد حفظ التاريخ لنا أسماء بعضهن، وقد كنّ يجالسن الشعراء والمغنين، مثل:
سكينة بنت خالد بن مصعب بن الزبير (2).
وسكينة بنت مصعب بن الزبير بن العوام. أمها أم ولد (3).
وسكينة بنت مصعب بن الزبير، أمها فاطمة بنت عبد اللّه بن السائب (4)
وراجع: إكمال الكمال ج 1 ص 110 وتاريخ مدينة دمشق ج 31 ص 226 و 230 وج 61 ص 246 وأنساب الأشراف ج 5 ص 620 والأغاني (ط دار إحياء التراث العربي) ج 1 ص 308.
.وإذا كان هناك من يرغب بالحط من كرامة أهل البيت، وجعلهم كغيرهم من الناس، المحبين للدنيا، والمنغمسين في ملذاتها، ليبرر بذلك شرور، و موبقات غيرهم من الحكام، أو من غيرهم ممن يضعون أنفسهم في موقع المنافس، فإن محاولة الاستفادة من تشابه الأسماء، تصبح شديدة الوضوح، ولاسيما إذا أثبتت المراجعات للروايات: أن الكثير منها ذكرت اسم سكينة، ولم تزد على ذلك، ثم جاءت زيادة كلمة بنت الحسين من اللاحقين، بسوء نية، وخبث طوية، كما هو ظاهر الحال في كثير من الأحيان، لأن هؤلاء الرواة معروفون بالإنحراف عن أهل البيت، وبأنهم يبغون لأهل البيت «عليهم السلام» ولعموم بني هاشم الغوائل بكل حيلة ووسيلة..
ونختم كلامنا هنا بالإشارة إلى الأمور التالية:
قالوا: إن مصعب بن الزبير قال لسكينة : أنت مثل البغلة لا تلدين.
فقالت: لا واللّه ولكن أبي كرمي أن يقبل لؤمك (1).
1) ربيع الأبرار ونصوص الأخبار ج 4 ص 282 و (ط الأعلمي) جه ص 237 وأعلام النساء لكحالة ج 2 ص 223 وتاريخ الإمام الحسين ج13 ص187.
ونقول:
إن هذا غير مقبول أيضاً.
أولاً : لما قدمناه من دلائل وشواهد تشير إلى عدم صحة قولهم: إنها تزوجت بمصعب بن الزبير، فضلاً عن غيره من أعداء ومناوئي أهل البيت، ومن حارب عليا «علیه السلام» في الجمل وصفين..
ثانياً: إنهم يدَّعون: أنها ولدت لمصعب بنتا سماها فاطمة أو الرباب. وقد تزوجت هذه البنت من عثمان بن عروة بن الزبير، ويدعون أيضاً: أنها ولدت لعبد اللّه بن عثمان بن حكيم بن حزام عثمان، ويلقب بقرين، وحكيم، وربيحة (1).
وإن كنا نظن: أن التي ولدت لمصعب فاطمة، أو الرباب هي سكينة أخرى تحدثنا عنها آنفا، فراجع.
ثالثاً : لم تذكر الرواية أية سكينة تقصد؟! بالإضافة إلى أن جواب سكينة قد جاء قاسياً على رجل يرى نفسه أمير العراقين، ولا يطيق من أحد أن يوجه له إهانة كهذه..
1) راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 349 و (ط دار صادر) ج 8 ص 475 ونسب قریش ص 59 و 228 و 229 وجمهرة النسب ص233 وتاريخ مدينة دمشق (ط دار الفکر) ج 69 ص 205 و 206 والأغاني (ط دار إحياء التراث العربي) ج 19 ص 88 وجمهرة أنساب العرب ص 121.
زعموا أيضاً: أن سكينة توفيت سنة 117 للّهجرة في يوم شديد الحر، فأخبروا والي المدينة بوفاتها، فأمرهم أن لا يحدثوا في دفنها حدثا حتى يرجع، ثم خرج فطالت غيبته إلى الليل، فأمر السجاد «علیه السلام» بشراء طيب كثير، لكي يعالج الرائحة، ثم صلوا عليها بغير إمام، أو صلى عليها شيبة بن نصاح (1).
ونقول:
إن من المعلوم: أن الإمام السجاد «علیه السلام» قد استشهد ما بين سنة 92 هجرية وبين سنة 101 على أبعد الأقوال. فكيف يكون قد حضر وفاة سكينة والصلاة عليها، ودفنها وهي إنما توفيت سنة 117 هجرية؟!
إن بني أمية يتعمدون إدخال الأئمة «علیهم السلام» في مثل هذه الأمور، ليظهروا رضا أهل البيت «علیهم السلام» بحكمهم.. إلى حد أنهم يريدون من أولئك الولاة أن يصلوا لهم على موتاهم، ولو بعد انتظار مذل، وممل.
ويشهد لما نقول:
1) راجع جمل من أنساب الأشراف ج 2 ص 417 - 419 وأنساب الأشراف ج 2 ص 196 و 197 والأغاني ج 16 ص 116 و 117 (ط دار إحياء التراث) ج 16 ص 380.
رواية تقديم الحسين «علیه السلام» مروان للصلاة على أم كلثوم، وأنه إنما قدمه، عملا بالسنة، فإن المطلوب هو تأييد حكومتهم على لسان الإمام السجاد «علیه السلام»، ولو بهذا المقدار.
بقيت هناك عدة أمور أعرضنا عنها لظهور عدم صحتها، ولأن الباحثين قد أغنونا عن التعرض لها بعد أن أثبتوا خطلها وفسادها، مثل: مشاتمة سكينة لمحمد بن عمرو بن حزم حين أمره عمر بن عبد العزيز بأن يقضى بينها وبين زوجها (1).
ومثل حديث المعركة التي جرت بين بني هاشم وبني زهرة، لأن سكينة تزوجت بإبراهيم بن عبد الرحمان بن عوف، وقد استعملت فيها العصي حتى كثرت الشجاج، بل شج أكثر من مئة إنسان، ثم خيرت فيه، فأبت نكاحه (2).
وغير ذلك من ترهات لا يقدم عليها إلا السفلة من الناس، ولا تليق بأهل الكرامة والشهامة..
وقد ذكرت في كتب الأدب والنسب وسواها أخبار كثيرة عن مجالس كانت تجمع بين شعراء ومغنين وفساق، وأهل مجون.. من قبيل ابن سريح، وأشعب ونصيب، وعمر بن أبي ربيعة، وجرير، والفرزدق، ويزعمون أن سكينة كانت تحضرها، وتشارك فيها مشاركة قوية ويزعمون أنه قد جرت محاورات بينهم وبينها، تارة في بيت سكينة، وأخرى في مواضع أخرى.
ولكن البحث والتمحيص يدل على أن المقصود ليس هو سكينة بنت الحسين، بل سكينة أخرى، وكانت كلمة بنت الحسين» تضاف إلى النص عمداً، لاسيما وأن رواة هذه الأخبار ليسوا من أهل الأمانة والصدق، بل هم معروفون بالعمل على تشويه الصورة النقية والتقية، والرضية الزكية لبني هاشم، ولو عن طريق حشر أسمائهم بمثل هذه المجالس..
ومن هؤلاء الرواة المغرضين الزبير بن بكار، ومصعب الزبيري، والشعبي، وإسحاق الموصلي، وسواهم.. مع أن بعض هؤلاء لم يعاصروا سكينة..
ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك.
بالنسبة للسيدة رقية نقول:
هناك ثلاثة أمور لا بد من التحدث عنها، وهي:
أولاً : هل للحسين «علیه السلام» بنت اسمها رقية؟!
ثانياً : إن رقية التي كانت في كربلاء، وأسرت إلى الشام، ولها قبر هناك هي رقية بنت علي «علیه السلام»، وزوجة مسلم بن عقيل، ولم تدفن في مصر كما يدعيه البعض.
ثالثاً : حديث موت رقية بنت الحسين في خرابة الشام، لا مجال للقبول به أيضاً.
فأما بالنسبة للبحث الأول، وهو وجود بنت للحسين باسم رقية، فنقول:
قال السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة:
1 - ينسب إليها قبر ومشهد مزور بمحلة العمارة من دمشق. اللّه أعلم بصحته جدده الميرزا علي أصغر خان وزير الصدراة في إيران عام 1323ه.
وقد أرخت ذلك بتاريخ منقوش فوق الباب أقول فيه من أبيات:
له ذو الرتبة العليا علي***وزير الصدر في إيران جدد
وقد أرختها تزهو سناء***بقبر رقية من آل أحمد (1)
2 - قالوا :أيضاً كانت للحسين «علیه السلام» بنت صغيرة... تسمى رقية، وكان لها ثلاث سنين، وكانت مع الأسرى في الشام، فلما انتبهت (من النوم) جزعت جزعاً شديداً، وقالت: آتوني بوالدي..
فأتوا بالرأس (رأس الحسين «علیه السلام») في طبق. ثم وضعت فمها على فم الشهيد وبكت فلما حركوها، فإذا هي قد فارقت روحها الدنيا.
وزعم الشعراني: أن رقية بنت الحسين (مدفونة) في مصر، في المشهد القريب من جامع دار الخليفة أمير المؤمنين يزيد، ومعها جماعة من أهل البيت، وهو معروف الآن بجامع شجرة الدر. وهذا الجامع على يسار الطالب للسيدة نفيسة (2).
3 - وورد أيضا ذكر لرقية هذه في رواية البكري، ونسب إليها شعر في تلك الرواية يقول:
عَينُ جودي بالبكاء والعويل***لأخ الفضل والسخاء الفضيل
طيب الأصل في الفضيلة (1)ماض سَمْهَرِيُّ (2)في النائباتِ أصيل (3)
والشطر الأول لا يتناسب في الوزن مع بقية الشعر.. ولعل الصحيح:
عَينُ جودي بعبرة وعويل
ولكن الظاهر: أن كلام البكري لا يمكن الاعتماد عليه، فإن هذه الطفلة الصغيرة التي هي بعمر ثلاث سنوات لا يتوقع منها قول هذا الشعر.
وحديث موتها في الشام، ولها ثلاث سنين سيأتي أنه لا يمكن قبوله أيضاً.
وأضعف من هذا وذاك قول الشعراني: إنها ماتت بمصر، كما سيتضح.
غير أننا نبادر هنا إلى القول:
إنه يبدو لنا: أن المقام الموجود في دمشق هو للسيدة رقية بنت أمير المؤمنين «علیه السلام».
ونبين ما نرمي إليه على النحو التالي:
إن أكثر المصادر لا تذكر للإمام الحسين «علیه السلام» بنتا باسم رقية، بل تذكر سكينة وفاطمة (1).
ويضيف البعض بنتا اسمها زينب (2).
وبعضهم أضاف بنتاً رابعة ولكنه سمّى منهن ثلاث بنات، ولم
1) راجع على سبيل المثال: تذكرة الخواص ج 1 ص 243 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 135 وإعلام الورى ج 1 ص 478 وسر السلسلة العلوية ص 30 وبحار الأنوار ج 45 ص 329 والشجرة المباركة ص 72 وراجع: المجدي في أنساب الطالبيين ص 91.
2) دلائل الإمامة ص 181 وراجع: كشف الغمة ج 2 ص39 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 85 والهداية الكبرى ص202 وإسعاف الراغبين (بهامش نور الأبصار) ص 198 وتاريخ الأئمة لابن أبي الثلج ص18 ومواليد الأئمة لابن الخشاب ص 20 وراجع: ذخائر العقبى ص 258 ومجموعة نفيسة ص 177 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 277 وبحار الأنوار ج 45 ص 330.
يسم هذه الرابعة (1).
الأمر الذي يشير إلى أن كلمة «أربع» كانت من سهو القلم.. وأن الصحيح هو كلمة ثلاث بدل أربع..
ولكن ابن فندق البيهقي (المتوفى سنة 565 ه)، وهو من أعلام القرن السادس ذكر للحسين «علیه السلام» أربع بنات، وهنَّ: فاطمة، وسكينة، وزينب ماتت صغيرة، أمها شهربانو بنت يزدجرد، وأم كلثوم ماتت صغيرة، أمها أيضاً شهربانو بنت يزدجرد (2).
ولا يحتمل أن يكون ذكر الرابعة من سهو القلم، لأن الكلام يأبى ذلك، لاسيما مع التصريح بأنهن أربع بنات وتسميتهن جميعاً بأسماء مختلفة، وبأن الرابعة ماتت صغيرة، مؤكداً ذلك بكلمة «أيضاً».
ويلاحظ: أنه لم يذكر بين هؤلاء اسم رقية، بل ذكره في موضع آخر بعد بضع صفحات، فقال : لم يبق من أولاده إلا زين العابدين «علیه السلام»، وفاطمة، وسكينة ورقية (3).
ونقول:
لا يمكن الاعتماد على كلام ابن فندق:
أولاً: لوجود تناقض ظاهر في كلامه «رحمه اللّه»، فهو تارة يذكر رقية في أولاد الإمام الحسين «علیه السلام»، وأخرى لا يذكرها. فأي كلاميه يمكن الأخذ به والاعتماد عليه؟!
وقد ذكر ذلك في كتاب واحد، ولكن في موضعين. إلا إن كانت رقية لقبا لواحدة من اثنتين: زينب، وأم كلثوم، فقد صرح ابن فندق نفسه بأنهما ماتنا صغيرتين، أو يكون حصل تصحيف لزينب برقية مثلاً.
ثانياً: لو أغضينا عن هذه المفارقة، فإن ذكر رقية في جملة أولاد الإمام الحسين «علیه السلام» لا يدل على أن المدفونة قرب جامع بني أمية في دمشق هي رقية بنت الحسين، ولا يصحح الرواية التي ذكروها في كيفية وفاة رقية.
وسيأتي: أن أول ذكر لقصة وفاتها في دمشق قد جاء في كتاب العماد للطبري (المتوفى سنة 676ه)..
وفي المناقب: أنهم يسمون شهربانو بشاه زنان، وبأسماء أخرى، فراجع (1).
وقد يدعى أن رقية هي أم كلثوم
ولكننا نقول:
1) المناقب ج 4 ص 76 وبحار الأنوار ج 46 ص 12.
لقد صرح ابن فندق: بأن أم كلثوم هي بنت شهربانو بنت يزدجرد. وبأنها ماتت صغيرة.
كما، وصرح أيضاً بأن شهربانو هي أم علي الأصغر، ولعله يريد به الإمام السجاد «علیه السلام»، حيث يقال: إن أمه هي بنت يزدجرد، واسمها شهربانو، فراجع(1).
ويؤكد ذلك: قول بعضهم بأن شهربانو قد توفيت في نفاسها بالإمام السجاد «علیه السلام» (2).
فإذا كانت رقية هي بنت شهربانو، فتكون قد ولدت قبل السجاد، وماتت صغيرة بعد موت أمها بيسير. وقد ماتت أمها سنة 38 هجرية، وكربلاء كانت سنة 61 هجرية.
1) المناقب ج 4 ص 76 وبحار الأنوار ج 46 ص 12 و 9 و 193 وراجع: الكافي ج 1 ص 467 وبصائر الدرجات ص 335 وراجع ربيع الأبرار ج 1 ص 402 فقد سماها سلافة، وقال : إنها من ولد يزدجرد، ونثر الدر 1 ص2 ج 1 ص 339 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 40 وكمال الدين ص 305 والاحتجاج ج 2 ص 297 والصراط المستقيم ج 2 ص 138 ومصادر كثيرة أخرى.
2) رجال ابن داود (ط جامعة طهران) ص 372 وبحار الأنوار ج 46 ص 8 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 128 والوافي ج 14 ص 1247 ومجموعة نفيسة (تاريخ الأئمة) ص 24 وراجع: إثبات الوصية ص181 ولباب الأنساب ج 1 ص 351.
فلا يمكن أن تكون شهربانو أما لرقية التي كان عمرها حين استشهاد الإمام الحسين «علیه السلام» ثلاث سنوات.
أما بالنسبة لما جرى لرقية بنت الحسين «علیه السلام» في خرابة الشام، فنقول:
أما حديث وفاة رقية في الشام، فقد روى البعض : أنّه لما قدم آل اللّه وآل رسوله على يزيد في الشام، أفرد لهم دارا، وكانوا مشغولين بإقامة العزاء. وأنّه كان لمولانا الحسين «علیه السلام» بنتا (بنت) عمرها ثلاث سنوات، ومن يوم استشهد الحُسين ما بقيت تراه فعظم ذلك عليها واستوحشت لأبيها، وكانت كلما طلبته، يقولون لها غداً يأتي ومعه ما تطلبين. إلى أن كانت ليلة من الليالي رأت أباها بنومها، فلما انتبهت صاحت وبكت وانزعجت فهجعوها وقالوا لما هذا البكاء والعويل ؟!
فقالت: آتوني بوالدي وقرة عيني. وكلما هجعوها، ازدادت حزناً وبكاءً.
فعظم ذلك على أهل البيت، فضجّوا بالبكاء، وجدّدوا الأحزان، ولطموا الخدود، وحثوا على رؤوسهم التراب، ونشروا الشعور وقام الصياح.
فسمع يزيد صيحتهم وبكاءهم، فقال: ما الخبر؟!
قالوا: إنّ بنت الحسين الصغيرة رأت أباها بنومها، فانتبهت وهي
تطلبه وتبكي وتصيح.
فلما سمع يزيد ذلك، قال : ارفعوا رأس أبيها وحطوه بين يديها؛ لتنظر إليه وتتسلى به.
فجاؤوا بالرأس الشريف إليها مُغطى بمنديل ديبقي، فوضع بين يديها، وكشف الغطاء عنه، فقالت: ما هذا الرأس؟!
قالوا لها : رأس أبيك.
فرفعته من الطشت حاضنة له، وهي تقول: يا أباه مَن ذا الذي خضبك بدمائك؟!
يا أبتاه مَن ذا الذي قطع وريدك؟!
أبتاه! من ذا الذي أيتمني على صغر سنّي؟!
يا أبتاه! مَن بقي بعدك نرجوه؟!
يا أبتاه! مَن لليتيمة حتى تكبر ؟!
يا أبتاه! مَن للنساء الحاسرات؟!
يا أبتاه! مَن للأرامل المسبيّات؟!
يا أبتاه! مَن للعيون الباكيات؟!
يا أبتاه! مَن للضائعات الغريبات؟!
يا أبتاه! مَن للشعور المنشرات؟!
يا أبتاه من بعدك؟! وا خيبتنا !
يا أبتاه من بعدك؟! واغربتنا !
يا أبتاه! ليتني كنت الفدى.
يا أبتاه ليتني كنت قبل هذا اليوم عمياء.
يا أبتاه ليتني وسدت الثرى، ولا أرى شيبك مخضباً بالدماء
ثمّ إنّها وضعت فمها على فمه الشريف، وبكت بُكاءً شديداً حتى غشي عليها، فلما حرّكوها، فإذا بها قد فارقت روحها الدنيا.
فلما رأوا أهل البيت ما جرى عليها، أعلنوا بالبكاء، واستجدوا العزاء، وكل من حضر من أهل دمشق، فلم ير في ذلك اليوم إلا باك وباكية.
فقامت زينب بنت أمير المؤمنين «علیه السلام»، وقالت: أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق..».
(ثم تذكر الرواية خطبة السيدة زينب، التي تخاطب فيها يزيد بأقسى العبارات، والتي من جملتها قولها:)
«منتحياً على ثنايا أبي عبد اللّه، سيد شباب أهل الجنة، تنكتها مخصرتك..
الخ..». إلى آخر الخطبة المعروفة التي سارت بها الركبان..
ثم تذكر الرواية أيضاً : قول ذلك الشامي ليزيد: هب لي هذه الجارية.. مشيراً إلى فاطمة الصغرى بنت الحسين «علیه السلام»
الخ.. (1)
وفي كامل البهائي ينقل عن كتاب الحاوية: «أن نساء أهل بيت النبوة أخفين على الأطفال شهادة آبائهم وقلن لهم: إن آباءكم قد سافروا إلى كذا وكذا.
وكان الحال على ذلك المنوال حتى أمر يزيد بأن يدخلن داره، وكان للحسين «علیه السلام» بنت صغيرة لها أربع سنين، قامت ليلة من منامها وقالت أين أبي الحسين؟! فقد رأيته في المنام في هذه الساعة.
وظهر الاضطراب الشديد على تلك الطفلة، فبكى النساء والأطفال، وارتفع العويل.
وكان يزيد نائماً، فاستيقظ وسأل عن ذلك، فأخبروه، فأمر بوضع رأس أبيها إلى جانبها، فلما وضع الرأس الشريف إلى جنب تلك الطفلة :سألت ما هذا ؟! فقال الجلاوزة : هذا رأس أبيك.
ففزعت، وصاحت، فلم تبق إلا أياماً قليلة، وماتت في الشام (2).
1) راجع المنتخب للطريحي ص 140 - 142 وإكسير العبادات ج 3 ص 411 و 412 ومعالي السبطين ج 2 ص 170 و 171 عن المنتخب، وعن نفس المهموم، والإيقاد ص 179 و 180 عن كتاب العوالم للبحراني، وعن أسرار الشهادة ص 515.
2) راجع كامل البهائي (فارسي) تأليف عماد الدين الطبري (المتوفى سنة 676) ج 2 ص 302 و (ط أخرى) ج 2 ص 179) عن كتاب الحاوية لقاسم بن محمد بن أحمد المأموني. وعنه في نفوس المهموم، وفي معالي السبطين ج 2 ص 170 ووسيلة الدارين في إبصار الحسين ص 394.
ونقول:
إن الناقلين لحديث رقية مع الرأس الشريف، باستثناء العماد الطبري صاحب كتاب «كامل بهائي» هم من المتأخرين الذين عاشوا وماتوا بعد الألف.. بل إن عدداً منهم قد عاش في هذه المئة سنة الأخيرة.
وبالرغم من أنهم يروون لنا حادثة واحدة، فإن رواياتهم لها لم تأت على نسق واحد بل اختلفت بصورة واضحة وفاضحة، بحيث أصبحت غير قابلة للإعتماد.
وسنذكر هنا بعض المؤاخذات، وبعض المبعدات التي لا تصل إلى حد المؤاخذة الصريحة، فنقول:
1 - اختلفت رواياتهم لهذه القصة بنحو لافت، فلاحظ ما يلي:
ألف: إن رواية عماد الدين الطبري ذكرت أن عمر الطفلة كان أربع سنوات لا ثلاثاً.
ب: كما أنها لم تذكر أن اسم الطفلة هو رقية.
ج: وذكرت أنها ماتت بعد بضعة أيام، لا فى نفس الساعة.
د: وفيها أنها ماتت في بيت يزيد، لا في الخربة [موضع، مجلس،منزل،محبس سكن] التي جعل يزيد السبايا فيها، بحيث لا تكنهم من حر ولا برد (1).
ويقال: إن هند زوجة يزيد قالت له يا يزيد أخذتك الحمية عليَّ، فلم لا أخذتك الحمية على بنات رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»؟ هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، وأنزلتهن في دار خربة؟! واللّه لا أدخل حرمك حتى أدخلهن معي(2).
وعن محمد بن علي الحلبي قال: سمعت أبا عبد اللّه «علیه السلام» يقول: لما أتي بعلي بن الحسين «علیه السلام» [إلى] يزيد بن معاوية «عليهما لعائن اللّه» ومن معه جعلوه في بيت، فقال بعضهم:
1) راجع: شجرة طوبى ج 1 ص 11 وفي إقبال الأعمال لابن طاووس ج3 ص 101 وملاذ الأخيار ج 9 ص 302 وبحار الأنوار ج 98 ص 335 قال: موضع بدل خربة، وفي روضة الواعظين ص 192 مجلس بدل خربة، وفي اللّهوف لابن طاووس ص 109 وشرح الأخبار ج 3 ص 269 منزل، وفي الأمالي للصدوق ص 231 وبحار الأنوار ج 45 ص 140 والعوالم، الإمام الحسين ص 440 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 172 والأنوار النعمانية ج 3 ص 246 في محبس، وفي مثير الأحزان لابن نما ص81 سكن.
2) راجع: معالي السبطين (الطبعة الجديدة) ج 2 ص 164 و 165 و (منشورات الرضي سنة 1363ه ش) ص 175.
إنما جعلنا في هذا البيت ليقع علينا، فيقتلنا.
فراطن الحرس، فقالوا انظروا إلى هؤلاء يخافون أن تقع عليهم البيت، وإنما يخرجون غداً، فيقتلون.
قال علي بن الحسين «علیه السلام»: لم يكن فينا أحد يحسن الرطانة غيري. والرطانة (1)عند أهل المدينة الرومية (2).
وعن منهال بن عمرو الدمشقي قال إنه التقى في أسواق دمشق بالإمام السجاد «علیه السلام»، فكان مما قاله الإمام «علیه السلام» له: يا منهال الحبس الذي نحن فيه ليس له سقف، والشمس تصهرنا، فأفرّ منه سُوَيعة لضعف بدني، وأرجع إلى عماتي وأخواتي، خشية على النساء.
قال منهال: فبينما أنا أخاطبه وهو يخاطبني وإذا أنا بامرأة قد خرجت من الحبس وهي ثناديه، فتركني ورجع إليها، فسألتُ عنها واذا هي عمّته زينب بنت علي تدعوه: إلى أين تمضي يا قرّة عيني؟!
فرجع معها، وتركني، ولم أزل أذكره وأبكي (3).
1) الرطانة: التكلم بالأعجمية، وهي كل لغة غير العربية.
2) راجع: بصائر الدرجات ص 358 ودلائل الإمامة ص 204 وبحار الأنوار ج 45 ص 177 وج 46 ص 70 والعوالم، الإمام الحسين ص 413 و 414 ومدينة المعاجز ج 4 ص 264.
3) راجع: كتاب معالي السبطين» ج 2 ص 8 15 الفصل الرابع عشر، المجلس الثاني عشر، وذكره أيضاً في كتاب «الأنوار النعمانية» للجزائري ج 3 ص 252 مع بعض الفروق بين النصين.
ه: إن رواية الكاشفي المتوفى سنة 910 ه. ذكرت: أن الطفلة أمعنت النظر في الرأس، فعرفت أنه رأس أبيها.
ولم يذكر أنها سألتهم عنه.
ولم يذكر اسم الطفلة (1).
وهي تشبه في سائرها رواية عماد الدين الطبري.
و أما الطريحي في المنتخب فلم يذكر اسم الطفلة أيضاً. وتقدم: أنها تختلف عن رواية عماد الدين الطبري، والكاشفي، وغيرهما.
ز: أما رواية صاحب أنوار المجالس (2)، فقد سمى هذه الطفلة بزبيدة.
وذكر اسم رقية قبل تلك القصة. ولكنه لم يدخلها فيها.
ح: أما محمد جواد اليزدي، فذكر أنهم اختلفوا في اسم الطفلة، هل هي زينب ؟! أم رقية؟ أم زبيدة؟! أم سكينة؟! أو فاطمة ؟ ! (3).
وذكر نحو ما تقدم، لكنه قال: إن تلك الصبية لما وضعوا رأس
أبيها في حجرها فزعت وصاحت، فلم تبق إلا أياماً قليلة، وماتت.
وفي نص آخر: فمرضت وتوفيت في أيامها بالشام (1).
2 - ذكرت الرواية أن الطاغية يزيد قد سمع صيحة وبكاء عائلة الحسين «علیه السلام» في تلك الليلة، لأن منزله كان ملاصقاً للخربة. ولست أدري إن كان يصح قولهم إن قصر الخليفة كان ملاصقاً لخربة لا تكنّ من حر ولا برد، مع أن قصره وما يحيط به يكون في مرأى ومسمع من الوفود، فإنه قصر الخلافة، وموضع إظهار الشوكة والعنجهية، وكيف لا يستحي أولئك الجبابرة من هذا الأمر؟! وهذا بتقديري من الخذلان الإلهي لهم.
واللافت هنا: أن الخربة !! كانت قريبة من المخدع الذي ينام فيه الخليفة إلى حد أن الخليفة يسمع بكاء الموجودين فيها !!
ويلاحظ: أن أمثال هذه التعابير قد تسربت إلى كلمات بعض،أعلامنا، حيث قالوا: ثم أمر بالنسوة أن ينزلن في دار على حدة، معهن أخوهن علي بن الحسين «علیهم السلام»، فأفرد لهم دارا تتصل بدار
1) راجع: كامل البهائي، تأليف عماد الدين الطبري (المتوفى سنة 676ه) ج 2 ص 302 و (ط أخرى) ج 2 ص 179 عن كتاب الحاوية لقاسم بن محمد بن أحمد المأموني، وعنه نفس المهموم ؛ ومعالي السبطين ج 2 ص 170 ووسيلة الدارين في أنصار الحسين ص 394.
يزيد، فأقاموا أياما (1).
فنرى أنه قال: أفرد لهم دارا، ولم يقل خربة، بل ادَّعى العماد الطبري: أن يزيد أمر بأن يدخل السبايا داره. ثم ذكر القصة التي حصلت هناك.
وقال غيره: «أفرد لهم داراً، وكانوا مشغولين بإقامة العزاء الخ..» مع أن الروايات تقول: إنه جعلهم في خربة (أو موضع، أو مجلس، أو محبس) لا يقيهم من حر ولا برد حتى تقشرت وجوههم (أو جلودهم).
3 - إن الكلمات التي ينسبها الرواة إلى هذه الطفلة المسماة برقية قد يناقش في صدورها عادة عمن هي في مثل سنها. فإن أولاد الأئمة «علیهم السلام» كانوا كسائر الناس، باستثناء الإمام نفسه. وقد يتميز بعضهم عن بعض في بعض الجهات - كما هو الحال بالنسبة لزيد بن علي بن الحسين، وإسماعيل ابن الإمام الصادق «علیه السلام»، وزينب«علیها السلام»، فإن هذا التميز لا يظهر لهم غالباً في حال الصغر. على أنه لو كان لرقية هذه أية خصوصية لذكرها لنا الأئمة «علیهم السلام»، ونوهوا بها، مع أنه لم يصلنا شيء من ذلك عنها..
4 - من المتوقع في مثل هذه الحالات أن نسمع من الذين حضروا
1) راجع: الإرشاد للشيخ المفيد ج 2 ص 122 وإعلام الورى للطبرسي ج 1 ص 475 والدر النظيم ص 566.
ما جرى لرقية استهجانا أو اعتراضا على هذه المعاملة القاسية.. ولكننا لم نسمع شيئا من ذلك. وإذا كان الإمام السجاد «علیه السلام» حاضراً بينهم، فلماذا لم يعترض، أو على الأقل لم يظهر انزجاراً وتأنفاً من فعلهم هذا، ولو بأن يقول: «لا حول ولا قوة إلا باللّه»؟!
وإذا كانت زينب قد ألقت تلك الخطبة العظيمة أمام يزيد فالمتوقع أن تبادر هنا إلى إسماع جلاوزته، ولو كلمة لوم صغيرة.. فلماذا سكتت هنا، وتكلمت هناك؟!
5 - ما معنى سؤال تلك الطفلة عن ذلك الرأس، ألم تكن تعرف أباها؟! وإن كانت قد عرفته بعد التأمل به، ولم تسأل عنه، فأي الروايتين نصدق ؟!
بل ألم تكن تلك الطفلة ترى الرأس الشريف وهم في الطريق، لاسيما وأنهم كانوا يسيرون بالرؤوس الشريفة بين المحامل، وهي مشالة فوق الرماح، كما نصت عليه الروايات؟! (1).
وحين دخلوا مدينة دمشق أعطى سهل بن سعد الساعدي حامل الرأس الشريف شيئاً من المال، لكي يبعده عن النساء؛ ليشتغل الناس
1) الملهوف ص 210 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 125 و 126 ومثير الأحزان لابن نما ص 97 وبحار الأنوار ج 45 ص 127 ووسيلة الدارين في أنصار الحسين ص 380 و 381 ونفس المهموم ص 429 و 430 وراجع: مقتل الحسين للمقرم ص 347 و 348.
بالنظر إلىه دونهن، فأعطاه أربع مئة دينار (1). كما يقال. فكيف لم تر تلك الطفلة رأس أبيها، طيلة تلك الأيام، وهو بمرأى منها ومسمع. إلا الخرابة؟! وهل كان يمكن للنساء منع الأطفال من النظر إلى ما حولهم؟! ألم يكن جيش يزيد قد كشفهم ليراهم القريب والبعيد ؟!
6 - ألم يكن الأطفال، ورقية منهم ومعهم، يسمعون ندب النساء في مجلس يزيد للحسين «علیه السلام»، ويذكرونه باسمه، وتسمع تلك الطفلة تصريحات الناس من حولها بقتل أبيها «علیه السلام»؟!
فكيف خفي عليها وعلى سائر الأطفال قتل الإمام الحسين ومن معه من سائر الرجال، والحال هذه؟!
لاسيما وأنها بهذه الفصاحة والبلاغة والوعي الكبير، والذكاء الخارق الذي ظهر في ندبها لأبيها.
7 - والأهم من ذلك: أن ما ندبت به الطفلة أباها قد أظهر أنها كانت تعرف أن النساء مسبيات، وأنهن غريبات وضائعات.
8 - ذكرت الرواية التي ذكرها الطريحي: أن السيدة زينب قد خطبت في تلك اللحظة خطبتها المعروفة التي تخاطب فيها يزيد بذلك الخطاب العظيم، مع أنها إنما خطبت بها في مجلس يزيد وبحضوره
1) مقتل الحسين للمقرم ص 349 والعوالم (المقتل) ج 17 ص 427 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 60 و 61 ووسيلة الدارين في أنصار الحسين ص 380.
حينما أدخل السبايا عليه، والرأس الشريف أمامه، وهو ينكت ثناياه الشريفة بمخصرته.
وكل ذلك قد جرى جهاراً نهاراً.
وهذه الرواية تقول: إن يزيد لم يكن حاضراً بينهم، وإنما أرسل الرأس إليهم ليضعوه بين يدي الطفلة، وإن ذلك كان في الليل لا في النهار، فمن أين جاء يزيد حتى صارت زينب «علیها السلام» تخاطبه بذلك الخطاب؟! ثم جرى ما جرى مع ذلك الشامي؟!
9 - هل صحيح أن يزيد قال لسائله في ذلك المجلس بالذات: «وتلك زينب بنت أمير المؤمنين»؟! وكيف يعترف لأبيها، وهو أبغض خلق اللّه إليه بأنه أمير المؤمنين؟!
وحول مقدار عمر رقية، وصغر سنها نقول:
قال الشلبنجي أيضاً : وقد أخبرني بعض الشوام أن للسيدة رقية بنت الإمام علي كرم اللّه وجهه ضريحاً بدمشق الشام، وأن جدران قبرها كانت قد تعيبت فأرادوا إخراجها منها، لتجديده، فلم يتجاسر أحد أن ينزله لأجل الهيبة، فحضر شخص من أهل البيت يدعى السيد ابن مرتضى، فنزل في قبرها ووضع عليها ثوباً لفها فيه وأخرجها، فإذا
هي بنت صغيرة دون البلوغ (1).
أضاف الحائري قوله : «وكان متنها مجروحاً من كثرة الضرب، وقد ذكرت ذلك لبعض الأفاضل، فحدثني به ناقلا له عن بعض أشياخه» (2).
وتقدم: أن عمرها كان أربع سنين (3).
ويبدو لنا: أن ما ذكره الشعراني هو نفس ما ذكره الأعلمي في كتابه تراجم النساء ج 2 ص 103 و 104 والشيخ مهدي الحائري في كتابه معالي السبطين ج 2 ص 171 فراجع. وقال: إن هذه القصة كانت في حدود سنة 1280 ه ق.
قال الحائري: «قال الحمزاوي في كتاب «النفحات»: وكانت للحسين «علیه السلام» بنت تسمى رقية وأمها شاه زنان بنت كسرى خرجت مع أبيها الحسين «علیه السلام» من المدينة، حين خرج. وكان لها من العمر خمس سنين وقيل: سبع سنين، حتى جاءت معه إلى كربلاء الخ..».
ثم قال الحائري : وأما رقية فقد توفيت بالشام كما ذكرنا في محله»(1).
لكننا نقول:
أولاً: قد ذكرنا أن شاه زنان بنت كسرى هي أم السجاد «علیه السلام»، وقد ماتت حين ولادة الإمام السجاد «علیه السلام»، أو ماتت حين كان «علیه السلام» طفلا. أي قبل عاشوراء بأكثر أو أقل من عشرين سنة.
فإذا كانت رقية قد ماتت في الشام صغيرة، فليست هي بنت شاه زنان بنت كسرى.
ثانياً: قلنا إن الأعلمي والشبلنجي يتحدثان عن قضية واحدة، مع أن ما ذكره الشبلنجي يناقض ما ذكره الأعلمي، فهذا يقول: إن رقية هي بنت الحسين «علیه السلام»، والشبلنجي يقول: إنها بنت علي «علیه السلام».
ثالثاً: إن الشبلنجي زعم أنها كانت بنتاً صغيرة دون البلوغ مع أن هذا يناقض قوله : إنها بنت علي «علیه السلام»، فإن رقية بنت علي، إن كانت هي التي تزوجت بمسلم بن عقيل، وقد استشهد بعض أولادها المجاهدين في كربلاء فهي امرأة كاملة، ربما يصل عمرها إلى أربعين سنة. فما معنى قوله : إنها كانت بنتاً صغيرة دون البلوغ؟!
1) معالي السبطين ج 2 ص 214.
وإن كانت بنتا أخرى لعلي «علیه السلام» اسمها رقية، فما ومن الذي ذهب بها إلى الشام في زمن معاوية، وقبل استشهاد الإمام الحسن «علیه السلام» حتى ماتت في الشام قبل البلوغ؟!
ولماذا هذا الترديد في عمرها ما بين ثلاث وأربع وخمس وسبع سنين؟!
وإن كان ذهابها إلى الشام سنة إحدى وستين، فكيف يكون عمرها ما بين ثلاث إلى سبع سنوات؟! وهي بنت علي «علیه السلام»؟!
فتلخص: أن الراجح هو : أن السيدة رقية التي يزار قبرها في دمشق هي بنت أمير المؤمنين «علیه السلام»، لا بنت الإمام الحسين «علیه السلام».
وأختم حديثي هذا بذكر ما نقله لي بعض الإخوة الفضلاء، من أنه سمع من العلامة الجليل السيد محمد صادق الروحاني (صاحب كتاب: فقه الصادق): أنه في عهد مرجعية آية اللّه السيد البروجردي «رحمه اللّه» صنع أهل إيران شباكاً، ليوضع على القبر الذي ينسبونه إلى رقية بنت الإمام الحسين «علیه السلام»، فكانوا يدخلون ذلك الشباك إلى مدن إيران ويبقى فيها مدة شهر أو أقل أو أكثر..
فلما أرادوا أن يأتوا به إلى مدينة قم منعهم آية اللّه السيد البروجردي من ذلك على أساس أنه لم يثبت أن القبر المذكور هو لرقية بنت الحسين «علیه السلام».. وإدخاله إلى قم في عهد مرجعيته سوف يعطي الانطباع بموافقته «رحمه اللّه» على نسبة القبر المذكور
إلى بنت الحسين «علیه السلام». وهذا ما لا يرضي السيد بأن ينسب إليه، أو يظن، أو يتوهم في حقه.
فلم يأتوا بذلك الشباك إلى مدينة قم بسبب هذا الموقف.
1 - روي أنّه لمّا مات إبراهيم ابن رسول اللّه من مارية القبطية جزع عليه النبي جزعاً شديداً، حتى قال «صلی اللّه علیه وآله»: القلب يجزع، والعين تدمع، وإنّا عليك لمحزونون، وما نقول ما يسخط الرّبّ.
فهبط عليه جبرئيل، فقال له: الرَّبِّ جلّ جلاله يقرأ عليك سلامه ويقول: إمّا أن يختار حياة إبراهيم، فيرده اللّه حيا، ويورثه النبوّة بعدك، فتقتله أمتك فيدخلها اللّه النّار.
أو يبقى الحسين سبطك، ويجعله اللّه إماماً بعدك، فيقتله نصف أمتك، بين قاتل له، ومعين عليه وخاذل له وراض بذلك، ومبغض، فيدخلهم اللّه بذلك النّار.
فقال: لا أحبّ أن تدخل أمتي كلها التار، وبقاء الحسين أحبّ، ولا تفجع فاطمة به.
قال: وكان رسول اللّه إذا قبل ثنايا الحسين ولثاته قال له: فديت
من فديته بإبراهيم (1).
2 - بإسناده، عن سفيان الثوري، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كنت عند النبي «صلی اللّه علیه وآله» وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم، وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علي، وهو تارة يقبل هذا، وتارة يقبل هذا.
إذ هبط جبرئيل بوحي من رب العالمين.
فلما سري عنه قال: أتاني جبرئيل من ربي، فقال: يا محمد، إن ربك يقرء عليك السلام ويقول : لست أجمعهما لك، فأفد أحدهما بصاحبه.
فنظر النبي «صلی اللّه علیه وآله» إلى إبراهيم، فبكي. ونظر إلى الحسين، فبكى، وقال إن إبراهيم أمه أمة، ومتى مات لم يحزن عليه غيري، وأم الحسين فاطمة، وأبوه علي ابن عمي لحمي ودمي، ومتى مات حزنت ابنتي، وحزن ابن عمي، وحزنت أنا عليه، وأنا أوثر حزني على حزنهما.
يا جبرئيل، يقبض إبراهيم فديته للحسين
قال: فقبض بعد ثلاث، فكان النبى «صلی اللّه علیه وآله» إذا رأى الحسين «علیه السلام» مقبلاً قبله وضمه إلى صدره ورشف ثناياه،
1) راجع: إثبات الوصيّة ص 162 وإثبات الهداة ج 2 ص 571 وراجع المنتخب للطريحي ص 51.
وقال: فديت من فديته بابني إبراهيم (1).
ونقول:
إن هذه الرواية قد أظهرت كيف أن اللّه سبحانه قد خيَّر نبيه
1) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 81 و (ط المکتبة الحیدریة) ج3 ص 234 وبحار الأنوار ج 43 ص 261 و ج 22 ص 153 ومثير الأحزان لابن نما ص 21 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 10 و 11 والطرائف لابن ص10 طاووس ج 1 ص 202 ومدينة المعاجز ج 4 ص 57 و 58 و 48 و 49 وعن تفسير النقاش، وشجرة طوبى ج 2 ص 263 وقاموس الرجال للتستري ج 9 ص 215 وتاريخ بغداد ج 2 ص 200 و 201 و 204 وتاريخ مدينة دمشق ج52 ص 324 والدر النظيم ص526 و 527 وكشف اليقين للحلي ص 69 و 70 (ط سنة 1411ه) ص 321 ونهج الحق ص 256 و 257 وإحقاق الحق (الأصل) ص 209 ودلائل الصدق ج 6 ص 451 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 316 وج 19 ص 367 والكنى والألقاب ج 3 ص 263 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 36 وأسرار الشهادة للدربندي ص 108 ونفس المهموم ص 25 وتظلم الزهراء للقزويني ص 106 وغوالي اللآلي ج 4 ص 92 والمنتخب للطريحي ج 1 ص 51 و 52 والأنوار النعمانية ج 3 ص 254 وراجع: موسوعة الإمام الحسين ج 20 ص 483 - 489 عن طائفة من المصادر المتقدمة.
الأكرم «صلی اللّه علیه وآله» بين أن يعيش الحسين «علیه السلام»، ويموت ولده إبراهيم، أو يموت الحسين، ويبقى إبراهيم، فاختار «صلی اللّه علیه وآله» موت ولده إبراهيم، وبقاء الحسين «عليه السلام».
فمات إبراهيم بعد ثلاثة أيام في شهر ربيع الأول من سنة تسع للّهجرة، وكان قد ولد في ذي الحجة من سنة ثمان للّهجرة (1).
وما نريد أن نوجه نظر القارئ الكريم إليه في هذه القصة بالذات، هو ما يلي:
1 - إن اللحظة التي يشعر الإنسان أنها طافحة بالأنس، وتبلغ به حد الإشباع والرضى العاطفي، هي هذه التي يجتمع فيها الأولاد والأسباط والأحفاد، وهم بكامل نشاطهم وحيويتهم، يعيشون البهجة والسرور بأتم وأبهى معانيها.
وتتضاعف لذة هذا الاجتماع البهي، والرضي، بمقدار ما يجد فيهم والدهم، جدا كان أو أبا، أو أما من مزايا الكمال، والجمال، في
1) راجع: بحار الأنوار ج 22 ص 202 و ج 21 ص 409 وشرح الأخبار المغربي ج 3 ص 15 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 346 وراجع: عمدة القاري ج 8 ص 103 و 211 والتحفة اللطيفة ج 1 ص 60 والإصابة ج 1 ص 318.
الخلق، وفي الخُلق، وفي الأدب، والمعرفة، والعلم، وما إلى ذلك..
وستكون هذه اللحظة بالذات أقسى لحظات الحياة إيلاماً، إذا وجد الأب والجد، أو الأم نفسه أمام خيار واحد لا ثاني له، وهو أن يجعل أحدهما فداء للآخر، بالمعنى الحقيقي والعميق لكلمة الفداء.
والذي يزيد الأمر صعوبة: هو أن يكون نفس هذا الوالد هو الذي يجب أن يختار موت هذا أو حياة ذاك
ولو أن الأمر قد جرى على سبيل مواجهة الأمر الواقع، الذي لا حيلة لأحد فيه لهان تقبل هذا الأمر، والاستسلام له.
2 - وتزداد المرارة، ويتضاعف الألم، إذا كان لا بد له أن يختار موت ولد، لو عاش لكان نبيا، أو موت ولد لو عاش لكان وصياً، حافظاً للشريعة إلى يوم القيامة...
3 - واللافت: أن الذي سيكون نبيا هو الابن.. والذي سيكون وصياً هو السبط أو الحفيد..
4 - والأغرب، والأعجب: أن يكون المصير النهائي أيضاً لكل من السبط الذي لو بقي لكان وصياً، والابن الذي لو عاش لكان نبياً، هو القتل على يد أهل الباطل في هذه الأمة، التي لم يزل هذا النبي، وكل من يلوذ به يقدمون أعظم التضحيات في سبيل نجاتها وإسعادها.
5 - ولكن قتل الأمة للولد الذي لو عاش لكان نبيا سيوجب دخول تلك الأمة النار، بينما قتل السبط الوصى سيوجب دخول شطر تلك الأمة النار.
فاختار النبى «صلی اللّه علیه وآله» أن يجعل ولده فداءً لسبطه، فدل ذلك على عظمته «صلی اللّه علیه وآله» وسمو روحه، وكان من موجبات مزيد قربه من اللّه تعالى ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك.
روي: أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قال قي حق ولده إبراهيم: «ولو عاش إبراهيم كان نبيا (1).
1) راجع: بحار الأنوار ج 22 ص 458 و ج 24 ص 264 وج 65 ص54 وحلية الأبرار ج 2 ص 409 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 347 ومسند أحمد ج 3 ص 133 وفتح الباري ج 10 ص 477 وتخريج الأحاديث والآثار ج3 ص 115 والجامع الصغير ج 2 ص 433 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 11 ص 469 و 470 وج 12 ص 455 وكشف الخفاء ج 2 ص 156 و 157 و 158 وتفسير أبي حمزة الثمالي ص 360 وتفسير فرات الكوفي ص 586 والبرهان (تفسير) ج ه ص720 وتفسير كنز الدقائق ج 14 ص 383 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 139 والإصابة ج 1 ص 319 و 320 وأسد الغابة ج 1 ص 40 والبداية والنهاية ج 5 ص 331 وإمتاع الأسماع ج 5 ص 340 والمحاضرات والمحاورات ص306 والسيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 612 و 613 والخصائص الكبرى ج 2 ص 265 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 25 و 26 وتأويل الآيات الظاهرة ج 2 ص 832 وينابيع المودة ج 2 ص 52 و 80 و 100 وغاية المرام ج 3 ص 301 وذخائر العقبي ص156.
والسؤال هو : لماذا هذا القرار الإلهي، فإن هناك أولاد أنبياء عاشوا، ولم يكونوا أنبياء، وقد عرفنا ما جرى بين قابيل وهابيل، وما جرى لابن نوح؟!
ونجيب:
إن الأمر إنما كان كذلك كرامة من اللّه تعالى لنبيه، للتنويه برفعة شأنه، وعلو مقامه، حتى لا يصدر من ولده أي خطأ، أو مخالفة، تعطي الحاقدين والمنافقين ذريعة للطعن على أشرف الأنبياء والمرسلين، والانتقاص من مقامه.
وكل ما ذكرناه، إنما هو من الفوائد والعوائد، وليس هو العلة التامة. فإن العلة إنما تتم هنا بانضمام اختيار النبي «صلی اللّه علیه وآله» إلى جميع ذلك
هذا وقد ورد: أنه ما من فضيلة أعطاها اللّه لنبي من الأنبياء إلا وقد أعطى لرسوله محمد «صلی اللّه علیه وآله» مثلها، فإذا كان أولاد بعض الأنبياء من الأنبياء أيضاً. فالمفروض أن يساوى نبيّنا بهم، بل أن يظهر فضله وامتيازه علىهم.
فإن قيل: بأن هذا يدخل في دائرة الجبر الإلهي.
فإنه يجاب: بأن اللّه تعالى قد أرجع الأمر إلى نبيه «صلى اللّه عليه وآله»، لكي يختار وكان هو الذي اختار الحسين «علیه السلام» على ولده، فأين الجبر؟!
فإن قيل: ألم يكن النبي «صلی اللّه علیه وآله» عالما قبل ذلك بأن
الحسين «علیه السلام» سوف يقتل؟!
فإنه يقال : إنه إن كان يعلم بذلك. فإما أن يكون علمه به من خلال علمه بسلسلة العلل والمعلولات، فذلك يعني أنه يعرف أن هذا التخيير له سوف يحصل، ولأنه لا يختار إلا أفضل الأعمال، وأحمزها، فهو عالم بأنه سوف يختار الحسين «علیه السلام» دون ولده إبرهيم، وسيكون اختياره هذا واقعاً في سلسلة العلل..
وإن كان اللّه أخفى عنه سلسلة العلل، فالأمر يصير أوضح، وأصرح، لأنه، وإن فوجئ بهذا التخيير، فسوف يختار أيضا الأكمل، والأجمل، والأفضل، والأجدر به، وهو ما فيه مصلحة الدين.
يضاف إلى ما تقدم: أن اللّه عز وجل قد جعل أبناء النبي إبراهيم «علیه السلام» أنبياء، وهم: إسماعيل وإسحاق. ولم يعط النبي «صلی اللّه علیه وآله» ذرية ليكونوا أنبياء، ويحوز هذه الفضيلة، فعوضه عن ذلك: أن كان علي والحسنان، وسائر الأئمة من ولد الحسين عليه و«علیهم السلام» أفضل من جميع الأنبياء، باستثناء نبينا الأعظم «صلی اللّه علیه وآله».
ومع ذلك، فإنه حين خيَّره بين أن يبقى ابنه إبراهيم، ويكون نبياً، فإنه يكون قد أعطاه نفس الفضيلة التي أعطاها اللّه لنبيه إبراهيم «عليه السلام»، ولكنها مشترطة بقبوله واختياره «صلی اللّه علیه وآله». ولأنه يعلم بأن فضيلة بقاء الحسين «علیه السلام» أعظم من نبوة ولده، لأن بالحسين الشهيد تستثمر جهود الأنبياء، والأوصياء،
والشهداء والصالحين من آدم «علیه السلام» إلى الخاتم «صلى اللّه عليه وآله». ويحيا به وبشهادته الدين إلى يوم القيامة.
فقد اختار الأفضل، وزاد فضله على سائر الأنبياء، ومنهم إبراهيم الخليل عليه وآله و«علیهم السلام».
1 - ثم إننا لا نستطيع أن نتعقل نبياً معصوماً عن الخطأ والخطل، مبرءا من الزلل، يوازن بين حزن الأم إذا كانت أمة، وبين حزن الحرّة، حتى لو كانت الحرة سيدة نساء العالمين فإن نفس كون هذه أمة، وتلك حرة لا يصلح مرجحاً للتضحية بابن الأمة، وجعله فداء لابن الحرة، لمجرد كون هذه حرة وتلك أمة فكلاهما أم، وكل منهما تحزن لفقد ولدها.
على أن موضوع التضحية بهذا أو بذاك إنما هو من حقوق الولد نفسه، لا من حقوق أمه، لكي تكون منقوصة، إذا كانت أمة، وغير منقوصة إذا كانت حرة.
ولو أنه «صلی اللّه علیه وآله» لم يرض بأن تحزن الزهراء، إكراماً للزهراء «علیها السلام»، لأجل ما لها من فضل، وعلو مقام عند اللّه لصح ذلك منه، لأن هذا يعطي قيمة لطاعة اللّه، وللمعرفة باللّه، والتحلي بالصفات التي يحبها اللّه تعالى..
أما أن تجعل الحرية هي السبب في الإكرام، ومجرد الاتصاف بالأمة كافيا لترجيح الأمة عليها، لاسيما وأن الاسترقاق لها لم يكن
باختيارها لكي ينقص من قيمتها.
فهذا لن يكون مفهوماً لدى عامة الناس على أقل تقدير..
2 - إن قوله: «إن إبراهيم أمه أمة، ومتى مات لم يحزن عليه غيري» يبقى غير ظاهر الوجه أيضا، فإن أم إبراهيم تحزن على إبراهيم، كأي أم يموت ولدها. فما معنى قوله: «لم يحزن عليه غيري»؟! إلا أن يكون مراده «صلی اللّه علیه وآله»: لم يحزن عليه أحد من أهل بيت النبوة غيره.
على أننا لا نستطيع أن نرى الزهراء «علیها السلام» غير حزينة على أخيها، وان لا تواسي أباها في حزنه عليه. وكذلك الحال بالنسبة لعلي «علیه السلام». فإن ما يحزن النبي يحزنه، وما يفرح النبي يفرحه.
3 - إن كثرة من يحزن، وقلته لا ينبغي أن يكون هو المعيار في ترجيح هذا على ذاك في الفداء. بل ينبغي أن ينظر إلى مصلحة الدين والأمة، ومدى تأثير هذا الفداء في صلاحها وإصلاحها.
إلا أن يقال: إن هذا الترجيح في الحزن قد جاء متوافقا مع مصلحة الأمة والدين. وقد أراد «صلی اللّه علیه وآله» أن يقول للناس: إنه يأخذ في حسابه أدق الأمور وأصغرها، حتى لو كانت لا تخطر على بال أكثر الناس.
وقد ظهر مما تقدم: أن مقام الإمامة هو الأساس، وهو الأولى
بالاهتمام بالحفاظ عليه، لأن بقاء هذا الدين مرهون بالإمامة كما دل عليه قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَعْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رسالته» (1)والإمامة بعد أمير المؤمنين «علیه السلام» هي للحسن ثم للحسين «علیهما السلام»، ثم الأئمة التسعة بعد الحسين «علیهم السلام»، يكونون من ذريته، وقد عرفنا: أن هناك أحاديث عديدة مروية عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» تصرح بإمامة الحسنين «علیهما السلام»، وفي بعضها يقول «صلی اللّه علیه وآله»: «أنتما الإمامان ولأمكما الشفاعة».
وبعض آخر يصرح: بأنهما إمامان معصومان.. وروايات أخرى تثبت لهما ولأبيهما، وللتسعة من ذرية الإمام الحسين «صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين» الإمامة والسيادة، والحجية.
وكثير من الروايات تنص على الأئمة الاثني عشر بأسمائهم «علیهم السلام».. إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة التي يحتاج تتبعها وجمعها إلى وقت وجهد..
غير أن ما أحب أن أشير إليه هنا هو أن الإمام عليا «علیه السلام» وإن كان قد صرح بوصيته بالخلافة لولده الإمام الحسن «علیه السلام» في العديد من النصوص التي ذكرنا طائفة منها في كتابنا: الحياة السياسية للإمام الحسن «علیه السلام»، فراجع ص54 -
1) الآية 67 من سورة المائدة.
ولكن اللافت هنا أيضاً: أن عددا من تلك النصوص يصرح بالوصاية بالخلافة بعده «علیه السلام» للحسن، ثم للحسين.. تماماً كما صدر عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فقد:
1 - ذكر المسعودي: أن أمير المؤمنين «علیه السلام» قال: «وإني أوصي إلى الحسن والحسين؛ فاسمعوا لهما، وأطيعوا
أمرهما» (1).
2 - وقال المسعودي أيضاً : «وقد ذكرت طائفة من الناس أن عليا رضي اللّه عنه أوصى إلى ابنه الحسن والحسين، لأنهما شريكاه في آية التطهير. وهذا قول كثير ممن ذهب إلى القول بالنص»(2).
3 - وفي نصٍّ آخر: «الحسن والحسين في عترتي، وأوصيائي، وخلفائي»(3)
وهذا يؤكد مضمون قوله «صلی اللّه علیه وآله»: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»، ونحو ذلك.
4 - ويزيد الأمر وضوحا أن من جملة شروط ما يسمى ب
«الصلح» بين الإمام الحسن «علیه السلام» ومعاوية ما يلي: أن يسلم الإمام الحسن «علیه السلام» الأمر لمعاوية، على أن يكون له الأمر من بعده، فإن حدث به حدث، فللحسین (1).
5 - يؤكد ذلك أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد قال لابن الزبير، بمجرد ورود الخبر بموت معاوية:
«إني لا أبايع أبداً، لأن الأمر إنما كان لي من بعد أخي الحسن، فصنع معاوية ما صنع، وحلف لأخى الحسن أنه لا يجعل الخلافة لأحد من بعده من ولده، وأن يردها إلي إن كنت حياً، فإن كان معاوية قد خرج من دنياه ولم يف لي، ولا لأخي الحسن بما كان ضمن فقد واللّه أتانا ما لا قوام لنا به» (2)
ونحب أن نورد هنا فقرة توضيحية لموضوع الإمامة والخلافة، ذكرناها في كتابنا: تفسير سورة ألم نشرح ص 134 - 142، وهي التالية:
إن أول سؤال يحتاج إلى جواب هو: هل يريد تعالى مجرد إيصال علي «علیه السلام» إلى مقام الخلافة بعد رسول اللّه «صلى
اللّه عليه وآله»، ولا شيء أكثر من ذلك.. لتكون النتيجة هي: أن إقصاء علي «علیه السلام» معناه ضياع كل شيء بالنسبة لعلي، وخروجه «علیه السلام» من المشروع الإلهي بصورة حاسمة ونهائية؟!
أم أن المطلوب شيء آخر أكبر من ذلك، وتكون الخلافة بعض حالاته وشؤونه، فالحيلولة بينه «علیه السلام» وبين الخلافة، وإن كانت مخالفة جسيمة، ولكنها لا تعني سقوط المشروع الإلهي الذي يكون علي «علیه السلام» محوره ومداره، و به يكون مساره، وهو رائده، وبيده مشعله و مناره؟!
ونجيب:
بأن هذا الثاني هو المطلوب، وهو الصحيح. فإن المشروع الإلهي هو تكريس مقام الإمامة والولاية لأمير المؤمنين «علیه السلام»، والإمامة لا تبطل، ولا يزول تأثيرها، ولا تنتقض أهدافها باغتصاب بعض صلاحياتها من صاحبها.
فإن الإمامة ليست هي الخلافة والسلطة، بل السلطة بعض شؤون الإمام «علیه السلام» ومن شؤون الإمام الحكم بين الناس بالحق... ومن شؤونه أيضا مرجعيته الشرعية والفكرية في مختلف العلوم والفنون، والحكمة والأدب والمعارف واكتناه الأسرار والغيوب التي أذن اللّه لخلص أوليائه والأوحديين من أصفيائه بالوقوف عليها.. والقيام بنفس المهام التي كان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يقوم بها في مختلف الأحوال والمجالات، وللإمام خصائص النبي وحالاته
باستثناء الوحي، وللإمام مقام الشاهدية، ويعرض على الإمام أعمال الخلائق.
وبالاعتقاد بالامامة تقبل الأعمال، وتنال الجنة، وتكون النجاة من النار، وقد ورد: أنه لا يدخل الجنة إلا من كان معه جواز من علي «علیه السلام» (1). وأنه «لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها».
وضياع مقام الإمامة كما صرحت به آية «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَعْ مَا أنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ..» يوازي ضياع الرسالة كلها، بل كل شيء في هذا الدين يبقى ناقصاً بدونها، وغير ذي فائدة أو أثر، فهي تقول: «وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ».
ونحن نعلم: أن هذه الآية قد نزلت قبل وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» بسبعين يوماً، وكان «صلی اللّه علیه وآله» قد بلَّغ عقائد هذا الدين وشرائعه وأحكامه، وحقائقه وأخلاقه وقيمه. وكل ما
1) راجع الأمالي للطوسي ص290 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 7 والتحصين لابن طاووس ص 558 و 559 والطرائف لابن طاووس ص 82 والمحتضر للحلي ص 170 وبحار الأنوار ج 8 ص 68 وج 39 ص 196 و و 234 وكشف الغمة ج 2 ص 24 ونهج الإيمان ص 506 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 264 وذكر أخبار أصبهان ج1 ص 342 وبشارة المصطفى ص 227 و 309 ونور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 401 وينابيع المودة ج 1 ص 338 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 119 عن جملة من المصادر.
يرتبط به، ولم يبق سوى تأكيد مقام الإمامة بأخذ البيعة من الناس للإمام، وتكريس إقرارهم بها من خلال ذلك.
وبالإمامة يبقى الدين الذي جاء به الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه وآله»، وبدونها يتلاشى ويندثر..
وللإمامة مدخلية في مختلف شؤون الحياة. حتى في رزق العباد، وانتظام أمورهم، وفي تربيتهم، وفي بناء مشاعرهم وأحاسيسهم، وشعورهم بالسكينة والأمن، بل للإمامة تأثير على سائر الموجودات.
أما الخلافة، فإن اغتصابها وضياعها لا يعني ضياع الإمامة، ولا يوجب ضياع الدين. كيف وقد بقي الدين ببقاء أهله، والقيمين عليه، منذ آدم وإلى زمن النبي «صلی اللّه علیه وآله»!! مع أن أكثر الأنبياء والرسل كانوا معزولين عن الحكم، وكان قومهم يكذبونهم، ويؤذونهم، وقد قتلوا الكثيرين منهم.
فالإمامة ليست جزئية من جزئيات هذا الدين، بل هي الدم الذي يجري في جميع عروقه، والروح التي توقظ حقائقه وشرائعه، وتحرك كل شيء فيه..
وقد قال الإمام الرضا «علیه السلام» في نيشابور: «كلمة لا إله إلا اللّه حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي».
عقب «علیه السلام» ذلك بقوله: «بشروطها، وأنا من
شروطها» (1)
وراجع: التوحيد ص 25 وثواب الأعمال للصدوق ص ومعاني الأخبار ص 371 وروضة الواعظين ص 42 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 296 وغوالي اللآلي ج 4 ص 94 ونور البراهين ج 1 ص 76 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 235 ومسند الإمام الرضا «علیه السلام» للعطاردي ج 1 ص 44 وراجع: ينابيع المودة ج 3 ص 123.
.فدلنا ذلك على أن التوحيد بدون أن ينضم إليه الاعتراف بإمامة الرضا «علیه السلام» يبقى ناقصاً. ولا يصبح حصناً، ولا من موجبات
1) راجع: نقله في مجلة مدينة العلم السنة (الأولى) ص 415 عن صاحب تاریخ نیسابور، وعن المناوي في شرح الجامع الصغير، وهو أيضاً في الصواعق المحرقة ص 122 وحلية الأولياء 3 ص 192 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 135 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 1 ص 145 وأمالي الصدوق ص 208، وينابيع المودة ص 364 و 385 وقد ذكر قوله «علیه السلام»: وأنا من شروطها، في الموضع الثاني فقط. وبحار الأنوار ج 49 ص 123 و 126 و 127 ج 3 ص 7 عن ثواب الأعمال، ومعاني الأخبار، وعيون أخبار الرضا «علیه السلام»، والتوحيد والفصول المهمة لابن الصباغ ص240 ونور الأبصار ص 141 ونقلها في مسند الإمام الرضا ج 1 ص 43 و 44 عن التوحيد، ومعاني الأخبار، وكشف الغمة ج 3 ص 98. وهي موجودة في مراجع كثيرة أخرى لكن يلاحظ: أن بعض هؤلاء قد حذف قوله «علیه السلام»: «بشروطها، وأنا من شروطها»، ولا يخفى السبب في ذلك.
الأمن من العذاب، إلا إذا انضمت إليه إمامة الرضا «علیه السلام»، فما بالك بإمامة علي «علیه السلام»؟!
وقد قلنا: إن جميع أعمال العباد - جوارحية كانت أو جوانحية - لا تقبل بدون الولاية.
وهكذا يقال في سائر الاعتقادات وجميع حقائق الدين والإيمان.
وبعد اغتصاب مقام الحاكمية من الإمام أمير المؤمنين لم يحارب «علیه السلام» من أقدم على ذلك، لأن هناك ما هو أهم منها مما يجب حفظه وصيانته، كما أن إمامته «علیه السلام» بقيت مؤثرة وفاعلة. وكذلك إمامة أبنائه من بعده. وبها حفظ الدين، وبقيت شرائعه وأحكامه، وحقائقه.
ويشهد لما نقول:
قول رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا» (1)فدلنا بذلك على أن عدم تسلم زمام الحكم - وهو المراد
1) راجع: الكافي ج 1 ص 288 ومكاتيب الرسول ج 1 ص 561 وفي الهامش عن: الحياة السياسية للإمام الحسن «علیه السلام» ص 47 وغنية النزوع ص 323 وجامع الخلاف والوفاق ص 368 و 404 وتذكرة الفقهاء ج 5 ص 435 و (ط قديمة) ج 1 ص 254 و ج 2 ص 437 ومختلف الشيعة ج 3 ص 333 وج 6 ص 308 و 330 ومجمع البيان (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 311 وج 8 ص 165 وتفسير جوامع الجامع ج 3 ص 70 و 857 وتلخيص الشافي ج 4 ص 170 ونور الثقلين ج 3 ص 290 وج 4 ص 284 والميزان ج 4 ص 312 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 30 والمسائل الجارودية للمفيد ص 35 والمستجاد من الإرشاد للعلامة (المجموعة) ص 157 والصراط المستقيم ج 2 ص 118 و ج 3 ص 130 والمحتضر لابن سليمان الحلي ص 179 والتعجب للكراجكي ص 129 والفصول المختارة للمرتضى ص 303 وروضة الواعظين ص 156 وكفاية الأثر ص38 و 117 والفرق بين الفرق ص 25 ودعائم الإسلام ج 1 ص 37 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 143 و 163 والفضائل لابن شاذان ص118 والطرائف لابن طاووس 196 وعوالي اللآلي ج 3 ص 130 وج 4 ص 93 ومدينة المعاجز ج 2 ص 391 و ج 3 ص 290 وبحار الأنوار ج 16 ص 307 و ج 21 ص 279 و ج 35 ص 266 وج 36 ص 289 و 325 وج 73 ص 7 وج 37 ص 298 و 291 وج 44 ص 2 و 16 وإعلام الورى ج 1 ص 407 و 421 وكشف الغمة ج 2 ص 156 وج 2 ص 225 و 245 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 717 و 732 وفضائل أمير المؤمنين «علیه السلام» لابن عقدة ص 168 ونزهة المجالس ج2 ص 184 وفي السراج الوهاج للشبراوي الشافعي أنه «صلی اللّه علیه وآله» قال لهما : أنتما الإمامان، ولأمكما الشفاعة، وغاية المرام ج 2 ص 243 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 482 وج 19 ص 216 و 17 عن أهل البيت لتوفيق علم (ط مطبعة السعادة القاهرة) ص 195 وعن الرسالة في نصيحة العامة لابن كرامة البيهقي (النسخة المصورة في مكتبة أمبروزيانا في إيطاليا) ص 18 و 67 وينابيع المودة ص 445.
بقوله: أو قعدا - لا يضر بمقام الإمامة، ولا يبطله.
ومما تقدم يتضح: أن المطلوب هو تثبيت وترسيخ معنى الإمامة في وجدان الأمة، والتمهيد لتوارث الأجيال إلى يوم القيامة هذه الحقيقة الوجدانية، لأن معنى الإمامة في اتساعه وفي امتداده يستوعب مسير ومصير الحياة كلها بجميع أحوالها، وأشكالها، وتفاصيلها، وتحولاتها عبر العصور والدهور.
ويتأكد ذلك بارتباط جميع أعمال وحركات، وفكر وسلوك، واعتقاد ومواقف العباد بالإمامة في كل اتجاه..
وليس الموضوع مجرد بيعة وخلافة، وقد يفي الناس بها، وقد ينكثونها، ولا هو مجرد حكم وسلطة، ولا قضاء بين الناس، وتدبير شؤونهم وإدارة أمورهم، فإن هذا، وإن كان مهما في نفسه ولا يمكن السماح بالتطاول عليه، إلا أنه بالرغم من ذلك تصغير لشأن الإمامة، ومن الفهم الخاطئ لها..
فالشأن الاعتقادي وتكريس معنى الامامة في الأمة هو الأساس، وليس الوصول إلى الحكم، ونيل الخلافة وقد أظهر الجهد الذي بذله الرسول بما لا يدع مجالاً للشك هذه الحقيقة.
وقد قام «صلی اللّه علیه وآله» بواجبه وحقق ما قصد إليه، وهذا هو النجاح، فإن النجاح هو القيام بالواجب كما أمر اللّه. وليس النجاح هو تحقيق الهدف الأقصى ولو بوسائل غير مشروعة. لا سيما أن هذا الهدف ليس من صنع النبي وحده، بل لابد أن يشاركه في العمل من
أجله العباد أنفسهم. فالأمر مرهون باختيارهم وجهدهم أيضاً.
ومما قدمناه نعرف السبب في أنه تعالى لم يقل لنبيه في سورة ألم نشرح: اطلب من ربك المعونة، لعلي «علیه السلام» لكي يحصل على الخلافة والحكم. إذ لو طلب منه ذلك كان الأمر دائرا بين حالتين:
إحداهما : أن لا يجيب اللّه تعالى طلب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وفي هذا تصغير لشأنه «صلی اللّه علیه وآله»، وإهانة له.
الثانية: أن يجيب طلبه «صلی اللّه علیه وآله»، وفي هذا محذور من جهتين:
الأولى: أنه يتطلب تدخلاً مباشراً في إرادات الناس، إلى حد القهر والإجبار، وهذا ظلم، وخلاف لسياسة اللّه تعالى في عباده.
الثانية: إن استعمال هذه الطريقة لا يحقق الغرض المنشود، بل يضيعه ويضر بالمطلوب..
والمطلوب :هنا هو مجرد الالتجاء والابتهال والرغبة إليه تعالى. فمعنى رغب إليه: ابتهل إليه.
والابتهال: هو الدعاء باخلاص واجتهاد وتضرع.
فالمطلوب إذن أمور ثلاثة:
1 - الدعاء بإخلاص.
2 - الاجتهاد بالدعاء، بتكثيره، وبذل الجهد في أن يكون جامعاً
لكل ما يوجب قبوله.
3 - التضرع فيه أي إظهار الداعي الذلة، والتصاغر أمام اللّه تعالى..
فالمصلحة تقضي بأن يظهر للناس هذا الجهد، والتضرع والاجتهاد فى الدعاء، والإخلاص فيه، لكي يعرف الناس مدى حب اللّه ورسوله لهذا الأمر، وليس المطلوب هو إيجاد الشيء المطلوب بأي نحو كان.
وقد تقدم: أن هذا المطلوب يراد ستره، وان يكون التعامل معه بحيث لا تعطى الفرصة لأهل الباطل للتآمر عليه، وتشويه معنى الإمامة لدى الناس.
وقد نجحت هذه الطريقة في صيانة معنى الإمامة، فإن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد أبلغ الناس كرات ومرات بإمامة علي «علیه السلام»، وصرَّح اللّه تعالى بأنه «علیه السلام» أولى بالمؤمنين من أنفسهم، لكن ما جرى يوم الغدير قد كان مجرد ملامسة معنى الحكومة والخلافة والسلطة. وهي التي كانت تهم بعض الناس وتعنيهم، وهي التي يحاربون ويبذلون جهدهم لأجلها، يريدونها لأنفسهم، ويتنافسون عليها. فبايعوا يوم الغدير لعلي «علیه السلام» ثم نكثوا...
ولكن معنى الإمامة بقي مصوناً إلى حد كبير. ولو أنهم توجهوا
إليه، ورأوا فيه سببا في حرمانهم من الخلافة والسلطة لسعوا في تقويضه أو تهشيمه. ولكن اللّه سلّم، حيث اقتصر جهدهم، وانحصر إلى حد كبير في اغتصاب الخلافة، بصورة عامة..
إن اللّه تعالى هيأ الظروف بصورة تدريجية، فتبلور معنى الإمامة في وعي، وفكر ووجدان الناس من خلال جهد وجهاد الأئمة «علیهم السلام» في توضيح الأمور للأمة، ومن خلال ما أظهره اللّه تعالى لهم من كرامات، وما ظهر لهم من علوم اختصهم اللّه تعالى ورسوله بها.
وتجلى بصورة عملية السر الذي دعا إلى أن يكون التعبير بكلمة «ربك» في الآية الكريمة في قوله تعالى في سورة ألم نشرح: «وَإلى رَبِّكَ فَارْعْبْ». ولم يقل: إلى اللّه مثلا.. فإن الربوبية تقتضي هذا الرفق في الأمور، والتدرج في استجلاب المنافع، ودفع المضار.
روى أبان بن أبي عياش عن أنس قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»: «لا يقم أحد لأحد إلا للحسن والحسين وذريتهما»(1).
وفي نص آخر: لا يقومن أحد من مجلسه إلا للحسن، أو الحسين، أو ذريتهما (2).
وفي رواية أبي أمامة قال: قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: يقوم الرجل للرجل إلا بني هاشم، فإنّهم لا يقومون لأحد (3).
1) راجع مقتل الحسين (ط الغري) ج 1 ص 99 و 100 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 634 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 748 وموسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 20 ص 915.
2) راجع موسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 20 ص 915 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 58 وكنز العمال ج 12 ص 122 وأسرار الشهادة ص 95 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 26 ص 58 عن الفائق من اللفظ الرائق (نسخة مصورة من إحدى مكاتب إيرلندة) ص27.
3) راجع: مقتل الحسين (ط الغري) ج 1 ص 99 و 100 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 634 وتاريخ بغداد ج 5 ص 102 وينابيع المودة ج2 ص 464 والصواعق المحرقة ص 176 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 20 ص 915 ومجمع الزوائد ج 8 ص 40 والمعجم الكبير ج 8 ص 242 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 12 ص 43 والخصائص الكبرى ج 2 ص 266 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 18 ص 509.
وعن النبي «صلی اللّه علیه وآله»: لا يقومن أحد لأحد إلا لهاشمي (1).
وهذه النصوص، وإن كانت مروية بطرق غير الشيعة، وعن غير الأئمة الطاهرين «علیهم السلام»، لكن ذلك لا يمنع من أن يكون مضمونها، أو مضمون بعضها، قد صدر عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، لاسيما إذا علمنا أن في روايات أهل البيت بطرق شيعتهم ما يؤيد معناها، ولو بصورة عامة، فمثلاً:
ورد في الخبر أن الحسين «علیه السلام» كان قارئاً للقرآن، فدخلت عليه أخته زينب المكرمة، فقام «علیه السلام» إجلالاً لها (2).
وعن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أنه قال: من رأى أحداً من
أولادي، ولم يقم إليه تعظيماً له، قد جفاني، ومن جفاني فهو منافق(1).
وعن سلمان الفارسي، عن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أنه قال: من رأى واحدا من أولادي، ولم يقم إليه قياماً كاملا، تعظيما له، ابتلاه اللّه ببلاء ليس له دواء (2).
وعن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في خطبة له قال: أيها الناس، عظموا أهل بيتي في حياتي ومن بعدي، وأكرموهم، وفضلوهم فإنه لا يحل لأحد أن يقوم من مجلسه لأحد، إلا لأهل بيتي(3).
وكان «صلی اللّه علیه وآله» يقوم لابنته فاطمة «علیها السلام»
1) راجع: روضات الجنات (ط قديم) ص 486 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 631 عن جامع الأخبار.
2) راجع: روضات الجنات (ط قديم) ص 486 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 631 عنه.
3) راجع: بحار الأنوار ج 30 ص 313 وج 36 ص 295 وج 72 ص 467 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 632 ومستدرك الوسائل ج 9 ص 65 وكتاب سليم بن قيس ص 237 والروضة في فضائل أمير المؤمنين لابن شاذان ص 126 والفضائل لابن شاذان ص 135 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 5 ص 42 وج 9 ص 484 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 2 ص 338.
إذا دخلت عليه، تعظيماً لها (1).
وقام لجعفر وتلقاه حين قدم من الحبشة (2).
بل لقد زعموا : أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد قام لغير بني هاشم، ربما لكي لا يظهر فضل بني هاشم على حقيقته.. فقد زعموا: أنه قام
1) راجع: مستدرك الوسائل ج9 ص 159 وغوالي اللآلي ج1 ص434 وبحار الأنوار ج 43 ص 40 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 632 وسنن أبي داود ج4 كتاب الأدب حديث 5217 ومناقب أمير المؤمنين «علیه السلام» ج 2 ص 186 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 113 ومناقب أهل البيت ص 233 ومكاتيب الرسول ج 3 ص 672 وفضائل الصحابة ص 77 وسنن الترمذي ج 5 ص 361 والمستدرك للحاكم ج 3 ص 160 وفتح الباري ج 8 ص 103 وتحفة الأحوذي ج 8 ص 26 والأدب المفرد ص 209 والآحاد والمثاني ج 5 ص 368 والسنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 96 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 403 ونصب الراية ج6 ص 156 وموارد الظمآن ص 549 ونور العين في مشهد الحسين «علیه السلام» ص83 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص 16 وإعلام الورى ج 1 ص 296 وسبل الهدى والرشاد ج 7 ص 151 وج 11 ص 44 وينابيع المودة ج 2 ص 55 واللمعة البيضاء ص 45.
2) راجع: مستدرك الوسائل ج 6 ص 227 وج 9 ص 159 وغوالي اللآلي ج 1 ص 434 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 632 و 399 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 13 ص 321.
أيضاً لعكرمة بن أبي جهل (1).
وأنه قام للأنصار حين وفدوا عليه (2)
وكان «صلی اللّه علیه وآله» يقوم الأمير المؤمنين «عليه السلام» (3).
ونحن إذا لاحظنا هذه النصوص التي ذكرناها، فسنجد:
1 - أن بعض هذه النصوص ناظر إلى حفظ مقام الإمامة العظمى، ووضع منهج، وضابطة للتعامل معها.. وتمييزها عما عداها، فإن هذا من قبيل تهيئة المناخات التي تؤدي إلى المزيد من الرغبة بالطاعة والانقياد، والاحترام الذي يرتقي إلى حد التقديس، والتعبد بالأقوال، والتأسي بالأفعال.
فضلاً عن أن هذا يرتبط بالتربية وبالروحية، والوعي الدقيق
1) راجع: مستدرك الوسائل ج9 ص 159 وغوالي اللآلي ج 1 ص 434 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 632 و 399 وبحار الأنوار ج 73 ص 38 وفيض القدير ج 4 ص 693 والمحجة البيضاء ج 3 ص 392.
2) راجع: مستدرك الوسائل ج 9 ص 159 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 632 غوالي اللآلي ج 1 ص 434.
3) راجع: بحار الأنوار ج 7 ص 333 والمحجة البيضاء ج3 ص392 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 399.
للخصائص، والمزايا والمقامات، والمهمات.
والظاهر: أن النصوص التي تحدثت عن القيام للحسن والحسين «علیهما السلام»، وذريتهما ناظرة إلى هذا المعنى.. على أن يكون المقصود بذريتهما هو باقي الأئمة المعصومين «علیهم السلام».. بل يمكن أن يكون عموم النص شاملا لكل ذريته «صلی اللّه علیه وآله».
2 - وبعض هذه النصوص ناظر إلى حفظ مقام النبوة، وتوقيره «صلی اللّه علیه وآله» وتعظيمه، وتقدير جهوده، وتضحياته، ومعرفة فضله، وتعليم الناس عل التأدب معه، ولزوم حفظه في ذريته وولده، حتى لو لم يكونوا بالمستوى المطلوب من الناحية السلوكية، أو الأخلاقية، فإن حفظ الجميل هو بذاته خلق جميل، ينبغي التحلي به لكل أحد، وسيكون هو المستفيد منه أولاً وآخراً.
ومن هذا القبيل: النصوص الأمرة بتوقير كل هاشمي، ومن انتسب إلى الرسول مطلقاً
ومنها أيضاً: تلك التي صرحت بأن من لم يقم لأحد أولاده «صلی اللّه علیه وآله» تعظيماً له، فقد جفا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ومن جفا رسول اللّه، فهو منافق.
ومنها النصوص التي ذكرت: أن من لم يقم لأحد أولاده قياماً كاملاً ابتلاه اللّه بداء ليس له دواء.
3 - ومن هذه النصوص : ما يكون فيه القيام مطلوباً عرفانا
وتقديراً لفضل شخص استحق به هذا التكريم والاحترام والتعظيم.
ومن هذا القبيل : قيام الإمام الحسين «علیه السلام» للسيدة زينب «علیها السلام».
ومنه: قيامه «صلی اللّه علیه وآله» لفاطمة «علیها السلام»، ولجعفر بن أبي طالب، ولعلي «صلوات اللّه وسلامه عليهم».
ومنه أيضاً : القيام للعالم وللوالدين.. وغير ذلك.
4 - ومن هذه النصوص ما كان القيام فيه لأجل التكريم والتبجيل على سبيل إظهار المودة والمجاملة، أو لأجل التأليف، واستجلاب المحبة، أو لأجل الشوق والفرح باللقاء.
وإذا صح أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد قام للأنصار، ولعكرمة بن أبي جهل، فلعله كان لأجل التأليف، أو لغير ذلك من أهداف
عن أنس بن مالك قال: كنت أنا وأبو ذر، وسلمان، وزيد بن أرقم عند النبي «صلی اللّه علیه وآله»، إذ دخل الحسن والحسين «علیهما السلام»، فقبلهما رسول اللّه.
وقام أبو ذر، فانكب عليهما وقبل أيديهما، ثم رجع، فقعد معنا.
فقلنا له سراً: يا أبا ذر أنت رجل شيخ من أصحاب رسول اللّه تقوم إلى صبيين من بني هاشم، فتنكب عليهما، وتقبل أيديهما.
فقال: نعم، لو سمعتم ما سمعت فيهما من رسول اللّه «صلى اللّه
عليه وآله» لفعلتم لهما أكثر مما فعلت أنا.
فقلنا : وما سمعت يا أبا ذر ؟!
قال: سمعته يقول لعلي «علیه السلام» ولهما:
يا علي، واللّه لو أن رجلاً صلى وصام حتى يصير كالشن البالي، إذا ما نفعته صلاته ولا صومه إلا بحبكم.
يا علي، من توسل إلى اللّه جل شأنه بحبكم، فحق على اللّه أن لا یرده.
يا علي من أحبكم وتمسك بكم فقد تمسك بالعروة الوثقى.
قال : ثم قام أبو ذر وخرج.
فتقدمنا إلى رسول اللّه، فقلنا : أخبرنا أبو ذر عنك بكيت وكيت.
فقال: صدق أبو ذر، وصدق واللّه أبو ذر ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
ثم قال «صلی اللّه علیه وآله» خلقني اللّه تبارك وتعالى وأهل بيتي من نور واحد، قبل أن يخلق آدم «علیه السلام» بسبعة آلاف عام.
ثم نقلنا إلى صلب آدم «علیه السلام»، ثم نقلنا من صلبه إلى أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات.
فقلنا: يا رسول اللّه، فأين كنتم ؟! وعلى أي مثال كنتم ؟!
قال: أشباحاً من نور تحت العرش نسبح اللّه تعالى، ونقدسه،
إن تقبيل أبي ذر ليدي الحسن والحسين كان بدافع الحب لهما. وطلب المثوبة بهذا التقبيل، وفق ما قرره الحديث الذي رواه أبو ذر عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه و آله».
ثم هو يريد بهذا التقبيل أن يكون وسيلته عند اللّه لقبول صومه وصلاته. وهذا هو المضمون التطبيقي العملي للحديث الذي رواه أيضاً أبو ذر نفسه آنفا، حيث جعل حبهم وولايتهم «علیهم السلام» شرطاً لقبول الأعمال...
كما أن الحديث ينص على أن التوسل إلى اللّه بحبهم صحيح
1) إرشاد القلوب للديلمي ج 2 ص 368 و (إنتشارات الشريف الرضي) ج 2 ص 415 عن الشيخ المفيد، وكفاية الأثر ص70 - 72 وبحار الأنوار ج 36 ص 301 و 302 وغاية المرام ج 1 ص 45 والدرر النجفية ج 3 ص 349 وموسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج20 ص 308.
ومشروع، وأنه من موجبات الإجابة، وتحقيق المطلوب.
فما يدعى من عدم مشروعية التوسل، استنادا إلى اجتهادات ناقصة، واستحسانات بعيدة عن الحقيقة ليس إلا من قبيل الاجتهاد في مقابل النص، إذ ما أكثر النصوص الدالة على مشروعية هذا الأمر، وهذا الحديث واحد منها.
وقد لاحظنا: أن أبا ذر قد قال ما قال ثم قام فخرج وإذ بالذين سمعوا منه ما قال يتقدمون إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ويعرضون عليه أقوال أبي ذر.. وكأنهم يسألونه عن صدقه في أقواله وعدمه.
فبادر «صلی اللّه علیه وآله»، فقرر أولاً: صدق أبي ذر.
ثم عاد فقرر ذلك ثانياً.
وقد أكد ذلك ثالثاً: بالقسم الصريح بالذات الإلهية، ليدلهم على أنه «صلی اللّه علیه وآله» يعني ما يقول، وأنه لا يحابي، ولا يجامل.. وأنه يقصد معانى كلامه بحرفيته الصريحة والواضحة.
ثم شفع ذلك للمرة الرابعة بقاعدة خص بها أبا ذر، حين قرر أنه ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
ونحسب أنه بهذه التأكيدات الصريحة والحاصرة، يريد لفت
الأنظار إلى سوء نوايا من اتهم أبا ذر.بالكذب وأنه يمكن أن يتحايل حتى بعد كل هذه التأكيدات على أقوال أبي ذر، ويسعى لتأويلها، أو التخفيف من وقعها، إن لم يمكن إفراغها من محتواها.
بل إن القسم بالذات الإلهية الذي صدر عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ربما يكون بهدف سد الطريق عليهم حتى لا يتهموا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» نفسه بأنه إنما يتكلم بوحي من عاطفته تجاه أهل بيته أو بوحي من عصبيته لعشيرته، أو لغير ذلك من أسباب.
ثم إنه «صلی اللّه علیه وآله» بعد أن أكد صدق أبي ذر على النحو الذي تقدم سجل دليلاً قاطعاً على أن الأمر يتعدى هذه الظواهر المرئية للعوام، فإن من يرونه طفلاً - كالحسن والحسين «علیهما السلام» - هو إمام معصوم، طاهر مطهر، وجامع لكل صفات الفضل والكمال بأعلى مراتبها.
ولا يقاس علمه وفضله، وإدراكه، وعقله، ومقامه بسني عمره، أو بحجم جثته، فإنه هو وأخوه جزء من نور الرسول «صلی اللّه علیه وآله» الذي خلقه اللّه قبل خلق آدم بسبعة آلاف عام، فكانوا أشباحاً من نور، وكانوا يمجدون ويقدسون، ويسبحون اللّه، وهم أشباح جعلها اللّه في أشرف وأسمى مقام، حيث جعلها تحت العرش.
ثم نقل ذلك النور من تلك الأشباح إلى صلب آدم، ثم نقلها من صلبه
إلى أصلاب الطاهرين وأرحام الطاهرات.
فمن يكون هذه بدايته، وتلك سوابقه، وذلك هو موقعه ومقامه، ومن له مقام الإمامة في العصمة، والعلم والعمل، والعقل، والتقدم في كل الكمالات والفضائل منذ ولد.. هل يقاس بغيره من الأطفال الذين يشاركونه في السن، أو في الحجم، أو في اللون، أو الطول، أو غير ذلك؟!
ألا يكفي هذا دليلا على صدق أبي ذر بأعمق وأدق وأرقى معاني الصدق؟!
إسماعيل بن يزيد بإسناد عن محمد بن علي «عليهما السلام» أنه قال: «أذنب رجل ذنباً في حياة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فتغيب حتى وجد الحسن والحسين «علیهما السلام» في طريق خال، فأخذهما، فاحتملهما على عاتقيه، وأتى بهما النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فقال: يا رسول اللّه إني مستجير باللّه وبهما.
فضحك رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حتى رد يده إلى فمه، ثم قال للرجل : اذهب فأنت طليق.
وقال للحسن والحسين قد شفعتكما فيه أي فتيان، فأنزل اللّه تعالى: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّه وَاسْتَغْفَرَ
لهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّه تَوَّابًا رَحِيمًا»(1)» (2).
ونقول:
إننا نلفت النظر إلى ما يلي:
1 - ليس بالضرورة أن يكون الذنب الذي ارتكبه ذلك الرجل من موجبات الحد عليه، فهناك ذنوب تفرض تعزير مرتكبها، بما يكفي لردعه عنها. كما أن بعض الذنوب يعود أمر العقوبة عليها إلى من توجهت إليه، وكانت تعنيه، فإن عفا وصفح، لم يطالب ذلك المذنب بشيء، ولعل جرم هذا المستجير بالحسنين «علیهما السلام» كان من هذا القبيل، وبعد استجارته واستشفاعه، وظهور توبته لم تبق حاجة إلى عقوبته.
بل إن نفس استجارته باللّه تعالى وبالحسنين «علیهما السلام» يقتضيان هذا العفو، لأن المطلوب من النبي «صلی اللّه علیه وآله» هو أن يرسخ عظمة اللّه في النفوس، وأن يعرف الناس بقيمة الحسنين أيضاً عند اللّه.
2 - لقد دل نزول الآية في هذه المناسبة على أن شفاعة الحسنين «عليهما السلام» مقبولة عند اللّه، مثل شفاعة جدهما الرسول «صلى اللّه عليه وآله»، واستغفارهما للمذنب من موجبات غفران ذنبه، بمقتضى الآية الشريفة.
أي أن هذه الآية دلت على أن لهما «علیهما السلام» مقام الرسول، وأن ما يكون للرسول فهو لهما، باستثناء مقام النبوة الخاتمة.. وتبقى سائر المقامات، ومنها مقام الإمامة ثابتة لهما «عليهما السلام».
فالمناسبة والآية من أدلة إمامتهما.
جاء في كتاب المعالم : أن ملكاً نزل من السماء على صفة الطير فقعد على يد النبى، فسلم عليه بالنبوة.
وعلى يد علي، فسلم عليه بالوصية.
وعلى يد الحسن والحسين فسلم عليهما بالخلافة.
فقال رسول اللّه: لِمَ لمْ تقعد على يد فلان.
فقال: أنا لا أقعد في أرض عصي عليها اللّه، فكيف أقعد على يد عصت اللّه ؟! (1)
1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 392 و (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 162 وبحار الأنوار ج 43 ص 291 ومدينة المعاجز ج 2 ص 416 وج3 ص 334 وج 4 ص 32 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 429 والعوالم ج 16 ص 91 وجلاء العيون للمجلسي ص 394 وموسوعة الإمام الحسين ج 21 ص 1376.
ويستوقفنا هنا ما يلي:
إن هذا النص يدخل في نطاق التأكيد على النص على الوصاية والخلافة بعد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»..
لكن ما يميز هذا النص عن كثير غيره : أنه ذو طابع غيبي، لا يملك من عاينه، أو ثبت له حصوله إلا البخوع والتصديق، والتسليم.بمضمونه.. لأنه غير قابل للتأويل، ولا للارتياب.
بخلاف النص اللفظي، أو حتى التصرفات العملية الصريحة في جعل الإمامة أو الخلافة لأحد بعده من قبل النبي أو الإمام، فإن بالإمكان أن يشكك أهل الريب في واقعية ما يصدر، بدعوى أن الأنبياء والأئمة قد ينساقون في أمر الخلافة وراء عصبياتهم العشائرية، أو يريدون أن يتخذوا من هذا الأمر وسيلة لحفظ مصالحهم.. أو أن ما يعتمدون عليه لا يصلح للاعتماد.. لاحتمال تدخل الأوهام والأماني فيه لأكثر من سبب.
أما أن يتكلم طائر بكلام البشر،وبلغاتهم، وبصورة هادفة ودقيقة. فهو أمر معجز، فكيف إذا أضيف إلى هذا أن هذا الطائر يحدد ويميز
النبي «صلی اللّه علیه وآله» عن الوصي، ثم يميزهما «عليهما السلام» عن الإمام.
والأهم من ذلك: أن يميز بين اليد الطاهرة، واليد العاصية، فينزل على تلك، ويأبى النزول على هذه.
إن ذلك كله لا يمكن التحريف، أو التأويل فيه، كما لا يمكن التلاعب والتحوير بمفاده ودلالته إلا لمن يريد أن يستغرق في المكابرة، والجحود، دونما خجل أو وجل..
وعنه [محمد بن عيسى بن عبيد] عن أبي محمد عبد اللّه بن حماد الأنصاري، عن صباح المزني، عن الحارث بن حصيرة، عن الأصبغ بن نباتة قال:
دخلت على أمير المؤمنين «علیه السلام» والحسن والحسين «علیهما السلام» عنده وهو ينظر إليهما نظراً شديداً، فقلت له: بارك اللّه لك فيهما، وبلغهما آمالهما في أنفسهما. واللّه اني لأراك تنظر إليهما نظراً شديداً، فتطيل النظر إليهما.
فقال: نعم يا أصبغ. ذكرت لهما حديثاً.
فقلت: حدثني به جعلت فداك؟!
فقال: كنت في ضيعة لي، فأقبلت نصف النهار في شدة الحر وأنا جايع.
فقلت لابنة محمد «صلی اللّه علیه وآله»: أعندك شيء تطعمينيه؟!
فقامت لتهيء لي شيئاً حتى إذا انفلت (1)من الصلاة قد أحضرت أقبل الحسن والحسين «علیهما السلام» حتى جلسا في حجرها، فقالت لهما: ما حبسكما وأبطأكما عني.
قالا: حبسنا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وجبرئيل «عليه السلام».
فقال الحسن: أنا كنت في حجر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» والحسين «علیه السلام» في حجر جبرئيل «علیه السلام»، فكنت أنا أثب من حجر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إلى حجر جبرئيل «علیه السلام»، وكان الحسين «علیه السلام» يثب من حجر جبرئيل إلى حجر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حتى إذا زالت الشمس قال جبرئيل «علیه السلام»: قم فصلّ إن الشمس قد زالت.
فعرج جبرئيل «علیه السلام» إلى السماء، وقام رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فجئنا.
فقلت: يا أمير المؤمنين، في أي صورة نظر إليه الحسن والحسين «عليهما السلام»؟!
فقال : في الصورة التي كان ينزل فيها على رسول اللّه صلى اللّه
1) لعل الصحيح: انفتلت من الصلاة كانت قد أحضرت. فأقبل.
عليه وآله».
فلما حضرت الصلاة خرجت فصليت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»، فلما انصرف من صلاته :قلت يا رسول اللّه، إني كنت في ضيعة لي، فجئت نصف النهار وأنا جايع، فسألت ابنة محمد «صلی اللّه علیه وآله» هل عندك شيء تطعمينيه، فقامت لتهيء لي شيئاً حتى إذا قبل ابناك الحسن والحسين «علیهما السلام» حتى جلسا في حجر أمهما. فسألتهما ما أبطأكما، وما حبسكما عني، فسمعتهما يقولان: حبسنا جبرئيل ورسول اللّه «صلی اللّه علیهما».
فقلت: كيف حبسكما جبرئيل ورسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
فقال الحسن «علیه السلام» كنت أنا في حجر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» والحسين «علیه السلام» في حجر جبرئيل «عليها السلام»، فكنت أنا أثب من حجر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إلى حجر جبرئيل، وكان الحسين يثب من حجر جبرئيل إلى حجر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
فقال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: صدق ابناي، ما زلت أنا وجبرئيل «علیه السلام» نزهو بهما منذ أصبحنا إلى أن زالت الشمس.
قلت: يا رسول اللّه بأي صورة كانا يريان جبرئيل «عليه السلام».
فقال: بالصورة التي كان ينزل فيها علي (1).
ونقول:
قد يكون قول أمير المؤمنين «علیه السلام» لأصبغ بن نباتة، وقوله قبل ذلك للنبي «صلی اللّه علیه وآله»: «فسألت ابنة محمد «صلی اللّه علیه وآله»..» غير متوقع، والمتوقع هو أن يقول للنبي: سألت ابنتك أو سألت فاطمة، أو نحو ذلك.
ويجاب:
بأنه «علیه السلام» إنما يطلب الثواب بذكر محمد «صلی اللّه علیه وآله»، ثم إلحاقه بالصلاة عليه. كما أن نسبة السيدة فاطمة إلى النبي محمد «صلی اللّه علیه وآله» فيه تشريف وتكريم واحترام لها..
يضاف إلى ذلك : أنه «علیه السلام» كان يتلذذ بذكر اسم النبي الصريح. ويفتخر بأن زوجته هي بنت الرسول.
1) مختصر بصائر الدرجات ص 68 و 69 والثاقب فى المناقب لابن حمزة ص 122 و 123 ومدينة المعاجز (ط القديم) ص 258 و (ط مؤسسة المعارف الإسلامية) ج 4 ص 41 وموسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 20 ص 555 و 556 و 554.
يبدو: أن المراد بالنظر الشديد الذي كان الإمام «علیه السلام» يخص به ولديه هو نظر التأمل والتفكر، والتدبر في الأمور، ومسارها، والمصير والنهايات التي سوف تنتهي إليها.
وكأنه «علیه السلام» يستعرض الوقائع والأحداث، ويتذكر كيف أن هذين الإمامين كانا في زمن الرسول «صلی اللّه علیه وآله» يكون أنسهما وزهوهما من الصباح إلى حين زوال الشمس بجبرئيل أفضل ملائكة اللّه وبرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وهو أفضل مخلوقات اللّه.
ثم هو يرى كيف أن أشرّ الناس، وأحطهم، وأبعدهم عن كل خير وصلاح يعيثون في الأرض فساداً، ولا همَّ لهم إلا تضييع جهود الأنبياء والأوصياء، وهدر دماء الشهداء، وتضحيات الأخيار والصلحاء.
وهو «علیه السلام» يرى بأم عينيه كيف يتربص أعداء اللّه الدوائر به، وبهذين الإمامين الطاهرين الحسنين «صلوات اللّه وسلامه عليهما»، الأمر الذي يدل على أن الأمور توغل في الابتعاد عن الأهداف التي كانت ولا تزال محط نظر حماة الدين ورعاته، والهداة الذين نص رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» على إمامتهم ومرجعيتهم للأمة في أمور الدين والدنيا.
1 - إن السؤال الذي طرحه الأصبغ بن نباتة حول الصورة التي رأى الحسنان «علیهما السلام» جبرئيل «علیه السلام» فيها، كان جوابه أنها نفس الصورة التي كان جبرئيل ينزل فيها على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
فكأن الأصبغ كان يظن أنهما رأيا جبرئيل في صورة دحية الكلبي كما أشيع. فجاءه الجواب بأنها نفس الصورة التي كان جبرئيل يأتي فيها إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» باستمرار.
والظاهر أن المقصود هو بيان أن الإمام يرى ما يراه النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وهذا يدل على مزيد كرامة وزلفى له عند اللّه تعالى.
فدل ذلك على ما يلي:
أولاً : كأنه يريد أن يقول : ليس صحيحاً أن جبرئيل كان يأتي إلى النبي «صلی اللّه علیه وآله» في صور مختلفة. بل كان يأتي في صورة واحدة.
إلا أن يقال: إنه، وإن كان يأتي إلى النبي في صورة واحدة، إلا أن هذا يختص بما كان يرتبط بالوحى.. أما إذا كان ينزل لأمور أخرى كإنزال العذاب على بني قريظة، فلعله كان يأتي في صور أخرى.
ثانياً : إن هذا ينفي ما كان قد أشيع من أنه كان في بعض الأحيان
يأتيه في صورة دحية الكلبي، وكان يأتي في بعض الأحيان في صور أخرى. ولا أقل من أن هذا يضع علامة استفهام حول ما يقال في هذا المجال.
2 - يلفت نظرنا: أن أمير المؤمنين «علیه السلام» لم يجب على سؤال الأصبغ بصورة مرتجلة، بل كان جوابه معتمداً على نص سمعه من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. لأنه «علیه السلام» يصرح في آخر الرواية بأنه قد حدث النبي «صلی اللّه علیه وآله» بتفاصيل ما جرى، فلما أخبره «صلی اللّه علیه وآله» برؤيتهما جبرئيل، طرح الإمام نفس هذا السؤال على رسول اللّه، فأجابه «صلی اللّه علیه وآله» بقوله بالصورة التي كان ينزل فيها علي.
3 - إن عرض أمير المؤمنين «علیه السلام» ما سمعه من الحسنين «علیهما السلام» على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ليس لأجل أنه كان يشك في صحة أقوالهما. لأنه كان على يقين من ذلك.
ولكنه كان يريد أن لا يدخل في وهم :أحد أن هذين الصبيين قد تخيلا أمراً لا واقع له، وصدقهما أبوهما وأمهما، أو أظهرا تصديقهما فيه، مع أنه قد لا يكون له أساس من الصحة.
فذكر هذا الأمر أمام رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، إنما هو ليؤكد له الرسول «صلی اللّه علیه وآله» صدق ما اخبراه به، وأنه ليس من قبيل التوهم، أو التخيل في شيء.
عن علي بن موسى الرضا قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين، عن أبيه علي «عليهم السلام» قال:
قالت فاطمة «علیها السلام» يوما: أنا أحب إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» منكم.
فقلت: لا، بل أنا أحب.
فقال الحسن لا، بل أنا أحب.
وقال الحسين: لا، بل أنا أحبكم إلى رسول اللّه.
ودخل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فقال: يا بنية فيم أنتم؟! فأخبرناه، فأخذ فاطمة، فاحتضنها وقبَّل فاها، وضم عليا إليه، وقبَّل بين عينيه، وأجلس الحسن على فخذه الأيمن، والحسين على فخذه الأيسر، وقبلهما وقال : أنتم أولى بي في الدنيا والآخرة، والى اللّه من والاكم وعادى من عاداكم، أنتم مني وأنا منكم.
والذي نفسي بيده، لا يتولاكم عبد في الدنيا إلا كان اللّه عز وجل
وليه في الدنيا والآخرة (1).
ونقول:
قد يتساءل المرء عن السبب في طرح هكذا أمور، فيما بين أناس هم الأرقى والأفضل والأكمل في المجتمعات البشرية بأسرها.. ألم يكن لديهم قضية حساسة وذات أهمية سوى هذه القضية التي تؤول إلى التباهي بأمور شخصية وصغيرة يراد منها إرضاء الذات، والتلهي عن القضايا الكبرى والحساسة؟!
ونجيب:
بأن هذا السؤال هو نتاج نظرة سطحية للأمور، أو بالأحرى هو يكشف عن عدم وجود وعي دقيق للمرتكزات الأساسية للدين الإسلامي وتجاهل للعناصر المؤثرة في انطلاقته الرائدة، الزاخرة بالقوة، والتي تعطيه كل مقومات البقاء والتجذر في الوجدان الإنساني.
1) موسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 20 ص 203 وبشارة المصطفى ص 205 و 206 و (ط جماعة المدرسين سنة 1420ه) ص 316 و 317 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 144 وراجع: الأمالي للصدوق ص 64 وروضة الواعظين ص 157 وشرح الأخبار ج 2 ص 490 و 492 وبحار الأنوار ج 37 ص 35 وغاية المرام ج 5 ص 37 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 9 ص 255.
بيان ذلك:
1 - أن الإسلام يقوم على أساس تقديم القدوة والأسوة، لتكون هي محور الحركة، ومنطلق الوعي، ورافد الشعور بالمسؤولية، حيث يتم تجسيد تعاليمه على صفحة الواقع بصورة حية وقادرة على فرض نفسها على العقل البشري، والتمازج والرسوخ في الوجدان الإنساني، ثم التعامل بتعاليمه، ثم الإنقياد والتسليم العملي، ومواصلة المسيرة برغبة وبعفوية واندفاع.
2 - كما أن الإسلام يريد أن تكون العلاقة بين القاعدة والقمة، وبين جميع المكونات للكيان كله، من أصغرها إلى أكبرها.. هي الحب والمودة، والانسجام الروحي، والشوق، والرضا، والاحتضان، والانصهار، والاندفاع، وسائر المفردات التي تصب في هذا الاتجاه.
3 - وهذا يعني ضرورة توفير المناخات والأسباب التي تنتج هذا النوع من العلاقة، لأنها هي التي توصل إلى الهدف المنشود..
وقد تحدث القرآن عن هذا الأمر في آيات كثيرة، كقوله تعالى: «قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» (1).
بالإضافة إلى آيات أخرى تحدثت عن حب اللّه ورسوله، وحب الجهاد في سبيل اللّه، وحب الحق، وحب المؤمنين وما إلى ذلك.
كما أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لم يزل يؤكد على
1) الآية 33 من سورة الشورى.
علاقة الحب والمودة له ولأهل بيته قولاً وفعلاً، بما لا مجال لاستقصائه، فما بالك بإحصائه.. وفي هذا الكتاب نبذة من ذلك.
4 - وفي هذه الحادثة بالذات التي نحن بصدد الحديث عنها - كما هو الحال في كثير غيرها - جاء التأكيد على محبة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لأهل البيت، وقد تعمد النبي «صلی اللّه علیه وآله» أن لا يكتفي بمجرد الإخبار عن مشاعره، بل عمد إلى التصرف الدال على الحب الأكيد، فهو يحتضن ابنته، ويقبل فاها.
ثم يضم عليا «علیه السلام»، ويقبل ما بين عينيه.
ويجلس الحسن على فخذه الأيمن، والحسين على فخذه الأيسر، ثم يقبلهما.
5 - ثم أطلق قاعدة تشمل الناس جميعاً، تعطي أن الولاء لأهل البيت يستتبع رضا اللّه، وتوليه تعالى لمن يفعل ذلك. كما أن العداء لأهل البيت «علیهم السلام» يستتبع معاداة اللّه تعالى لمن يعاديهم «صلوات اللّه وسلامه عليهم».
وبذلك يكون «صلی اللّه علیه وآله» قد أخرج الموضوع عن حالته الشخصية والضيقة، فلم تعد القضية خاصة به وبأهل بيته، بل أصبحت عامة للأمة كلها.
كما أن الأمر لم يعد مجرد إعطاء توجيهات كلامية، بل تمازج الكلام والتوجيه مع العمل أيضاً.
الجعابي، عن أحمد بن محمد بن زياد عن الحسن بن علي بن عفان، عن بريد بن هارون، عن حميد، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: خرج علينا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» آخذا بيد الحسن والحسين «علیهما السلام»، فقال: إن ابني هذين ربيتهما صغيرين، ودعوت لهما كبيرين.
وسألت اللّه لهما ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة:
سألت اللّه لهما أن يجعلهما طاهرين مطهرين زكيين، فأجابني إلى ذلك.
وسألت اللّه أن يقيهما وذريتهما وشيعتهما النار فأعطاني ذلك.
وسألت اللّه أن يجمع الأمة على محبتهما.
فقال: يا محمد إني قضيت قضاء وقدرت قدراً، وإن طائفة من أمتك ستفي لك بذمتك في اليهود والنصارى والمجوس، وسيخفرون ذمتك في ولدك، وإني أوجبت على نفسي لمن فعل ذلك ألا أحله محل كرامتي، ولا أسكنه جنتي، ولا أنظر إليه بعين رحمتي يوم القيامة (1).
ونقول:
في هذا النص أمور يحسن التوقف عندها، نذكر منها ما يلي:
1) الأمالي للمفيد ص 78 و 79 وبحار الأنوار ج 43 ص 276 و 277 عنه.
لقد بين النبي «صلی اللّه علیه وآله» الحال التي كانت قائمة بينه وبين الحسنين «علیهما السلام»، وذلك كما يلي:
ذكر «صلی اللّه علیه وآله» أن الحسنين «عليهما السلام» هما ابناه، في حين كانت السياسة التي هيمنت على الواقع الإسلامي فيما بعد تجهد لقطع رابطة البنوة هذه، أو التشكيك بها على أقل تقدير.. ولكن تأكيدات النبي «صلی اللّه علیه وآله» التي لا تكاد تحصى قد أفشلت هذا الجهد الوقح وغير الأخلاقي، والمنافي لحقائق الدين..
وسنعود لبحث هذا الموضوع حين الحديث عن قضية المباهلة، إن شاء اللّه تعالى.
ثم ذكر «صلی اللّه علیه وآله»: أنه هو الذي رباهما صغيرين فهما يمثلان قيمة كبرى، ويلتزمان طريقته، فعلى أهل الإحن والأحقاد أن لا يحملوهما تبعات مواقف أبيهما في نصرته لدين اللّه تعالى.
وكأنه «صلی اللّه علیه وآله» كان يرى الغيب من وراء ستر رقيق، ويقرأ ما سيقوله المجرمون للإمام الحسين «علیه السلام» يوم عاشوراء، بعد أن أقام الحجة عليهم، وبين لهم أن كل شيء معه، يدلهم على ارتباطه الوثيق والعميق برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
ثم قال لهم: وَيْلَكُمْ أثقاتِلُوني، عَلى سُنَّة غَيَّرْتُها، أَمْ عَلَى شَرِيعَة
بَدَّلْتها ؟!
فقالوا: بل نقاتلك بغضاً منّا لأبيك ! (1).
ثم أخبر «صلی اللّه علیه وآله» : أنهما بعد أن كبرا، وصارا هما المسؤولين عن قراراتهما وتصرفاتهما، قد منحهما دعاءه، ليكون وسيلتهما إلى اللّه تعالى في النجاح والفلاح، فإن دعاء النبي «صلى اللّه عليه وآله» مستجاب.
وهذا الدعاء لهما في الكبر يدل على تواصل الرضا، واستمرار الرعاية والاحتضان القلبي، والتبني الروحي. فكل موقف يسيء إليهما سيكون - والحالة هذه - مسيئاً إليه «صلی اللّه علیه وآله».
ومما يؤكد هذا المعنى : أن الحسنين «علیهما السلام» لم يصيرا كبيرين سناً فى عهد جدهما بل مات «صلی اللّه علیه وآله» وهما بين الست والسبع سنوات، وإنما كبرا وصارا رجلين بعد ذلك، فدعاؤه لهما ناظر إلى فترة ما بعد وفاته «صلی اللّه علیه وآله» بسنوات عديدة.
وهي في الفترة الأصعب، حيث يكون جيل مسلمة ما بعد فتح
1) ينابيع المودة ص 416 و (ط دار الأسوة سنة 1416ه) ج 3 ص 80 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11) ص 647 وعن مقتل الحسين «علیه السلام» ومصرع أهل بيته ص 132 وعن معالي السبطين ج 2 ص 12.
مكة قد أمسك بأزمة الأمور، وذاق طعم السلطة، وتشبث بالملذات، وبالنعم الدنيوية، كأقوى ما يكون التشبث
وهو الجيل الذي يرى نفسه موتوراً على يد علي «علیه السلام»، ويتلمس كل حيلة ووسيلة للإيقاع به، والمساس بهيبته، وتضعيف،أمره، والانتقاص والانتقام منه..
فظهر: أن دعاء الرسول لهما كان ناظراً لهذه الفترة الصعبة، التي يكون تجهيل الناس بسنة الرسول، وبحقائق الدين قد بلغ أقصى مداه، وأصبح غاية ما عند الناس هو الاعتزاز بالمال، والجاه، والسلطة.. ما إلى ذلك.
ثم أتبع النبي «صلی اللّه علیه وآله» هذا ببيان صريح في التدليل والإعلان للأجيال كلها: بأن الحسنين «علیهما السلام» طاهران مطهران زكيان.
وهذه الأوصاف الثلاثة كلها تؤكد مضمون آية التطهير، التي هي من أدلة عصمة أهل البيت «علیهم السلام» عن كل نقص، وعيب، ورجس، وعن كل سوء في الأخلاق، أو في الأفعال، أو في الفكر والوجدان، والضمير.
والجمع بين الأوصاف الثلاثة، له مغزى لا يخفى.
فالحسنان «علیهما السلام» طاهران في أصل الخلقة، وفطرتهما صافية وسليمة من أية شائبة، وهما طاهران من أي نقص أو عيب.
وبعبارة أخرى: هما في أحسن تقويم. فلا نقص ولا عيب، ولا خلل، ولا قصور في كل ما له دخل في تكوينهما الجسدي، والعقلي والنفسي، والسمات، والصفات الإنسانية.
والحسنان مطهران، لا يلحق بهما رجس من خارج ذاتهما، ولا يعرض لهما ما ينقص قدرهما، أو ينقص كمالهما، أو يعيب ما هو صحيح فيهما.
والحسنان زكيان، فهما في حالة نمو وزيادة مطردة، يتنقلان من حسن إلى أحسن ومن فضل إلى ما هو أفضل منه، ومن كمال إلى أكمل، ومن تمام إلى أتم.
والأهم من ذلك كله: أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد طلب من اللّه أن يقي الحسنين «علیهما السلام» وذريتهما وشيعتهما النار، فأعطاه ذلك.
وهذا يعني: أنهما وكل من تابعهما وشايعهما سيكونون دائماً على الهدى، وكل من خالفهما وناواهما على الضلال والردى، ومصيرهم إلى النار، وهذا دليل آخر على عصمتهما، وإغراء للناس باتباعهما.
أما الأمر الأخير، فهو الذي لم يعطه اللّه تعالى لنبيه، وهو: أن يجمع الأمة على محبتهما. وقد بين اللّه سبحانه له سبب ذلك. وهو أن
أمر المحبة والطاعة والاتباع والامتناع، والولاء والعداوة ليس من الأمور التي يصح إجبار الناس عليها، بل هي من أفعالهم الاختيارية التي إذا تعرضت للقهر والجبر لزم الظلم والعدوان الذي لا يصدر عن الحكيم العادل واللّه تعالى يقول: «وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا» (1).
فيرد هنا سؤال يقول: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يطلب النبي «صلی اللّه علیه وآله» من اللّه ما لو أجابه اللّه تعالى إليه لكان ظالماً، والظلم ينافي مقام الألوهية؟!
ويجاب:
بأن المطلوب هو إعلام الناس بهذه الحقيقة بالذات، وأن المطلوب من الناس كل الناس أن يختاروا طاعة اللّه، ومحبة أوليائه وطاعتهم، والكون معهم، لأن اللّه تعالى لن يجبر أحداً على ذلك. وعدم الإجبار هذا هو عين العدل، ومحض الإنصاف لهم، والرفق بهم..
واللّه تعالى يعامل الناس وفقاً لقانون العدل فمن يعمل مثقال ذرة خيراً،يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.
عن أبي هريرة: أن مروان بن الحكم أتى أبا هريرة في مرضه الذي مات فيه، فقال مروان لأبي هريرة: ما وجدت عليك في شيء منذ اصطحبنا إلا في حبك للحسن والحسين.
1) الآية 49 من سورة الكهف.
قال: فتحفز أبو هريرة، فجلس فقال : أشهد لخرجنا مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حتى إذا كنا ببعض الطريق سمع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» صوت الحسن والحسين وهما يبكيان، وهما مع أمهما، فأسرع السير حتى أتاهما، فسمعته يقول لها: ما شأن ابنيَّ ؟!
فقالت: العطش.
قال: فأخلف رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إلى شنة يبتغي فيها ماء، وكان الماء يومئذ أغداراً، والناس يريدون الماء فنادى هل أحد منكم معه ماء، فلم يبق أحد إلا أخلف بيده إلى كلابه يبتغي الماء في شنه، فلم يجد أحد منهم قطرة.
فقال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ناوليني أحدهما، فناولته إياه من تحت الخدر، فرأيت بياض ذراعيها حين ناولته.
فأخذه، فضمه إلى صدره، وهو يطغو، ما يسكت، فأدلع له لسانه، فجعل يمصه حتى هدأ وسكن، فلم أسمع له بكاء، والآخر يبكي كما هو، ما يسكت.
فقال: ناوليني الآخر، فناولته إياه، ففعل به كذلك، فسكتا فما أسمع لهما صوتاً، ثم قال سيروا
فصدعنا يميناً وشمالاً عن الظعائن حتى لقيناه على قارعة
الطريق، فأنا لا أحب هذين، وقد رأيت هذا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»؟! (1).
ونقول:
إننا لا نثق بما يقوله أبو هريرة، ولاسيما ما يرويه في حق علي «علیه السلام»، وأهل بيته إلا ما تضمن اعترافا بالحقيقة، فإنه يقبل منه على قاعدة «من فمك أدينك»، وعلى قاعدة: «والفضل ما شهدت به الأعداء».
وإلا... فإن أبا هريرة - كما يقولون - هو ممن وضعهم معاوية على رواية أخبار قبيحة في علي «علیه السلام»، تقتضي الطعن فيه، والبراءة منه.
فروى لهم أبو هريرة - بناء على طلبهم هذا -: أن عليا «علیه السلام» خطب ابنة أبي جهل في حياة النبي «صلی اللّه علیه وآله»،
1) موسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 20 ص 478 - 479 والمعجم الكبير ج 3 ص 43 و 44 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص50 و 51 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص 105 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 54 و 55 و (ط دار الفكر) ج 13 ص 221 وتهذيب الكمال ج 6 ص 230 و 231 ومجمع الزوائد ج 9 ص 288 - 289 و (ط دار الكتب العلمية) ج 9، ص 180 و 181.
فأسخطه وخطب «صلی اللّه علیه وآله» على المنبر، فكان مما قاله: «إن فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما يؤذيها، فإن كان علي يريد ابنة أبي جهل، فليفارق ابنتي وليفعل ما يريد» (1).
ولما قدم العراق مع معاوية، جاء إلى مسجد الكوفة، وضرب على صلعته، وقال: أتزعمون أني أكذب على رسول اللّه، وأحرق نفسي بالنار ؟!
واللّه، لقد سمعت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يقول: «إن لكل نبي حرماً، وإن حرمي في المدينة ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين»، وأشهد أن عليا أحدث فيها.
فلما بلغ معاوية قوله، أجازه، وأكرمه، وولاه إمارة المدينة(2).
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 63 و 64 والإيضاح لابن شاذان ص 541 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 295 وخلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 254 وشجرة طوبى ج 1 ص 96 والنص والإجتهاد ص513 وقاموس الرجال للتستري ج 9، ص 111 وج 11 ص 554 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 31 و 532 وج 19 ص 212 و 213 وج 26 ص 191 و 192.
2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 67 عن الإسكافي، وشجرة طوبى ج 1 ص 96 وتحف العقول ص 194 و الغارات للثقفي ج 2 ص 659 والإيضاح لابن شاذان ص 495 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 1 ص 45 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 295 وخلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 255 والنص والإجتهاد ص 512 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 529 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص 43 وأضواء على السنة المحمدية ص 216 ونهج السعادة ج 8 ص 486 ووضوء النبي للشهرستاني ص232 وشيخ المضيرة ص 236 والكنى والألقاب ج 1 ص 179 وحياة الإمام الحسين ج 2 ص 157.
وعن الإمام الصادق «علیه السلام» أنه قال : ثلاثة كانوا يكذبون على النبي «صلی اللّه علیه وآله»: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وامرأة (1)والحديث عن أبي هريرة يطول، ونكتفي هنا بما ذكرناه.
إننا لا نستغرب إذا رأينا مروان يعتب على أبي هريرة لتظاهره بحب الإمام الحسن والحسين «علیهما السلام»، فمروان عدو لأهل البيت، وقد حارب عليا وأبناءه يوم الجمل. وكان من المهاجمين لجنازة الإمام الحسن «علیه السلام» تحت راية عائشة (2)
1) الخصال ج 1 ص 189 و 190 والإيضاح لابن شاذان ص541 وبحار الأنوار ج 2 ص 217 و ج 22 ص 102 و 242 وج 31 ص 640 عن الخصال، وج 108 ص 31 ومعجم رجال الحديث ج 4 ص 151 وج 11 ص 79 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 81.
2) مقاتل الطالبيين ص 48 و 49 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 48 وتاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 287 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص 216 وترجمة الإمام الحسن من طبقات ابن سعد ص 88 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 175 وج 26 ص 588 وراجع الإرشاد للمفيد ج 2 ص 18 والخرائج والجرائح ج 1 ص 242 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 149 وبحار الأنوار ج 44 ص 153 و 154 و 157 والأنوار البهية ص 92 والدرجات الرفيعة ص 125 وقاموس الرجال ج 12 ص 300 وأعيان الشيعة ج 1 ص 576 والجمل للمفيد ص 234 وكشف الغمة ج 2 ص 209 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 204. وراجع روضة الواعظين ص 168.
ويقول ابن أبي الحديد المعتزلي: إن مروان خطب يوم وصل إليه رأس الحسين «علیه السلام» إلى المدينة، وهو يومئذٍ أميرها، ثم رمى بالرأس نحو قبر النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وقال: يا محمد يوم بيوم بدر (1).
والظاهر: أن هذا قد حدث بعد استشهاد الإمام الحسين بمدة، لأن مروان لم يكن أميراً على المدينة حين استشهاد الإمام الحسين «علیه السلام». فالظاهر أن هذا قد حصل حين أرسل يزيد الرأس من الشام إلى المدينة.. فقد ذكر الشعبي: أن مروان كان حينئذٍ بالمدينة، فأخذ
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي (تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم) ج4 ص 71 و 72 عن الاسكافي، وبحار الأنوار ج 34 ص 287 وقاموس الرجال ج 10 ص 35.
الرأس، وتركه بين يديه، وتناول أرنبة أنفه، وقال:
يا حبذا بردك في اليدين***ولونك الأحمر في الخدين
واللّه لكأني أنظر إلى أيام عثمان الخ...(1).
ومروان هو الذي طلب من الوليد حين جاء نعي معاوية: أن يحبس الحسين «علیه السلام» حتى يبايع ليزيد، أو يضرب عنقه (2)
1) تذكرة الخواص (ط النجف) ص 265 و 266 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 36 عنه، وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص84 وراجع شرح الأخبار ج 3 ص 160 و 161 ومثير الأحزان ص 75 ج3 وبحار الأنوار ج 45 ص 124،والعوالم الإمام الحسین ص391 و 392 ولواعج الأشجان ص 248.
2) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 33 وروضة الواعظين ص 171 ومناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 240 وبحار الأنوار ج 44 ص 324 والعوالم الإمام الحسين ص 173 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 323 ولواعج الأشجان ص 24 والكامل في التأريخ ج2 ص530 و (ط دار صادر) ج 4 ص 15 ونهاية الأرب ج 20 ص 379 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 780 وتاريخ الأمم والملوك ج 3 ص270) و (ط الأعلمي) ج 4 ص 251 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 157 وراجع: تاريخ خليفة بن خياط ص 177 وتاريخ مدينة دمشق ج19 ص17 وأنساب الأشراف ج 5 ص 310 والعبر، وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 20 ومثير الأحزان ص 14 واللّهوف لابن طاووس ص17.
والغريب: أن مروان لما أخذ أسيرا في حرب الجمل استشفع الحسنان له لدى علي «علیه السلام»، فخلى علي سبيله(1).
والذي نراه: أن أبا هريرة كان يهتم بمصالحه ومنافعه، فإذا رأى أن الطعن في الحسنين «علیهما السلام» يسبب له مشكلة أظهر الحب والمودة لهما.. وإذا أمكنته الفرصة للطعن، ورأى نفسه في مأمن، فإنه لا يفوت تلك الفرصة، ويطعن حتى بأمير المؤمنين علي «علیه السلام»، ولاسيما إذا كان طامعا بمال، أو بولاية أو غير ذلك
والغريب في الأمر: أن أبا هريرة يدعي أنه رأى بياض ذراعي السيدة فاطمة الزهراء «علیها السلام» حين ناولت النبي «صلی اللّه علیه وآله» ولدها من تحت الخدر.
وهذه وقاحة سمجة من أبي هريرة، وجرأة على مقام الزهراء «علیها السلام»، واستهانة وإهانة لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في أكثر الأمور حساسية، وأشدها أذى لروحه الشريف.
فهل كانت الزهراء «علیها السلام» لا تحتاط في حركتها
1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 123 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج2 ص 203 وبحار الأنوار ج 32 ص 235 وج 41 ص 355 وشجرة طوبى ج 1 ص 130 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 146 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 36 وإعلام الورى ج 1 ص 340.
وتصرفاتها من اقتحام أعين الخيانة لمواضع الخلل في حجابها إن وجد ؟! ولماذا تتهاون بحجابها إلى هذا الحد؟!
أم أن أبا هريرة قد كذب على الناس بادعائه على الزهراء «عليها السلام» ما لم يحدث؟!
وألا يعد هذا اعترافاً منه بأنه لا يمتثل أمر اللّه بغض الأبصار؟! ألم يقرأ قوله تعالى: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَعْضُوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللّه خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ» ؟! (1).
إلا إن كان يرى أن هذه الآية لا تعنيه.. إما لأنه لا يرى نفسه من المؤمنين، أو لأنه قد سقط عنه التكليف لجنون، أو خرف، أو ما إلى ذلك..
ولماذا يمد عينيه إلى ما يحرم عليه النظر إليه؟! ألم يقرأ قوله تعالى: «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَة الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» (2).
وإذا كان قد ارتكب هذه المعصية، ألم يكن الأجدر به أن يستر على نفسه، ويستغفر ربه؟!
على أن هذه القصة التي يرويها لنا أبو هريرة، لم نعرف مكانها، ولا زمانها، ولا في أي سفر، أو غزوة كانت.
ولماذا فارقهم، حتى لقوه على قارعة الطريق؟! هل كانت هذه مناورة منه، والعياذ باللّه ؟! أم ماذا ؟!
عن الإمام الباقر «علیه السلام» قال: «كان النبي «صلی اللّه علیه وآله» جالسا في مسجده، فجاء علي «علیه السلام»، فسلم وجلس.
ثم جاء الحسن بن علي «علیه السلام»، فأخذه النبي «صلی اللّه علیه وآله» وأجلسه في حجره وضمه إليه، ثم قال له: اذهب، فاجلس مع أبيك.
ثم جاء الحسين «علیه السلام»، ففعل النبي مثل ذلك، وقال له: اجلس مع أبيك، إذ دخل رجل المسجد، فسلم على النبي «صلی اللّه علیه وآله» خاصة وأعرض عن علي والحسن والحسين «عليهم السلام».
فقال له النبي «صلی اللّه علیه وآله»: ما منعك أن تسلم على علي وولده؟! فوالذي بعثني بالهدى ودين الحق لقد رأيت الرحمة تنزل عليه
وعلى ولديه»(1).
ونقول:
علينا الالتفات إلى ما يلي:
1 - لم نعهد في تعامل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» مع الحسنين «علیهما السلام»: أنه يبعدهما عنه، أو منعهما من الجلوس على ركبتيه، أو إلى جنبه، إلا حين كان يريد أن يتفرغ للحديث مع جبرئيل، فإنه طلب من أمهما أن تشغلهما عنه في تلك اللحظات.
لكننا رأينا في هذه المرة: أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد خالف هذا المألوف والمعروف عنه، فإنه حين دخل عليه الحسن، وكذلك الحسين قبله، ثم أجلسه في حجره لحظات، ثم أمره بأن يقوم ويجلس مع أبيه.
2 - أنه بإجلاس ولده تلك اللحظات في حجره، بعد تقبيله وضمه، يكون قد طمأن ولده إلى حبه له، وعنايته به.. فإذا أمره، ولو بعد لحظات بالانتقال إلى أبيه، فإنه سيفعل ذلك الأمر وهو مطمئن إلى أنه «صلی اللّه علیه وآله» لا يريد إبعاده لأجل اختلال طرأ على علاقته به بل لشيء آخر، دعاه إلى ذلك. فعليه أن ينتظر قليلاً ليعرف ما هو ذلك الشيء.
1) الأمالي للطوسي ص 223 وبحار الأنوار ج 37 ص 41 والدر النظيم ص772 و 773.
3 - لو أنه «صلی اللّه علیه وآله» أبقى الحسنين «علیهما السلام» معه، فإن القادم إذا كان يظهر بعض الحب للطفلين، فيمكن أن يكون صادقاً فيما يدَّعيه من الحب، ويحتمل أن يكون متزلفا بذلك إلى الرسول «صلی اللّه علیه وآله».
أما حين يجلسان مع أبيهما، فإنه إن أعرض عنهما وعن أبيهما معا، فهو عدو مبغض لهم جميعاً، كما أنه متزلف فيما كان يظهره من حب لهما حين كانا مع النبي «صلی اللّه علیه وآله»..
وإن أظهر لهما الحب، واستثنى أباهما، فقد فضح نفسه، وإن لم يستثن أباهما، فهو محب لهما وله..
4 - وقد أظهر :الإمتحان أن الوافد الجديد كان مبغضاً لهم جميعاً، وأنه حين كان يظهر الحب لهما، وهما في حضن جدهما كان كاذباً متزلفاً.
وقد واجهه النبي «صلی اللّه علیه وآله» بهذه الحقيقة معشيء من ماء الوجه، وإعطاء فرصة للتراجع والاعتذار.
عن أبي ذر قال: رأيت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يقبل الحسين بن علي وهو يقول: من أحب الحسن والحسين وذريتهما مخلصاً لم تلفح النار وجهه، ولو كانت ذنوبه بعدد رمل عالج، إلا أن يكون ذنباً يخرجه من الإيمان (1).
عالج : سلسلة جبال الدهناء، قرب اليمامة ونجد.
ونقول:
أولاً: إن تقبيل النبي «صلی اللّه علیه وآله» للحسين «علیه السلام» تعبير عملي عن حبه «صلی اللّه علیه وآله» للحسين «علیه السلام»، ليكون بذلك أسوة وقدوة للآخرين، وليكون هو «صلى اللّه
1) راجع: كامل الزيارات ص 113 و 114 حدیث 119 وبحار الأنوار ج 43 ص 269 و 270 وج 107 ص 10 والعوالم الإمام الحسين ص37 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 300 وقاموس الرجال للتستري ج 11 ص 547.
عليه وآله» نفسه المصداق العملي لهذا القول الذي صدر منه «صلی اللّه علیه وآله» في هذه المناسبة، فهو توجيه مقترن بالتطبيق المباشر.
ثانياً: إن كان المراد بذرية الحسن والحسين، الأئمة الطاهرين «علیهم السلام»، فيرد عليه:
إن هذا إنما ينطبق على خصوص الحسين «علیه السلام»، لأن الأئمة من ذريته فقط.
ويجاب:
بأن الأئمة كانوا أيضاً من ذرية الإمام الحسن «علیه السلام»، من خلال ابنته فاطمة أم الإمام الباقر «علیه السلام»، فإنها كانت صدِّيقة، لم يدرك في آل الحسن إمرأة مثلها (1).
قال ابن شهر آشوب : إن الباقر «علیه السلام» هاشمي من هاشميين، وعلوي من علويين، وفاطمي من فاطميين، لأنه أول من اجتمعت له ولادة الحسن والحسين «علیهما السلام».
وكانت أمه أم عبد اللّه بنت الحسن بن علي (2).
ثالثاً: إن من أحب الحسنين «علیهما السلام» وذريتهما، فإنه يوفق للتوبة الموجبة لغفران الذنوب، مهما كثرت أما إذا خرج من الإيمان، فلا تنفع التوبة من ليس مؤمناً.
رابعاً : يلاحظ أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد اشترط الإخلاص حب الحسنين «علیهما السلام»، وذريتهما من الأئمة المعصومين «علیهم السلام». لكي يأمن المحب من أن تلفح النار وجهه.
ولعل مبرر هذا الاشتراط أن هناك من يحب شخصاً لمجرد كونه مصدر نفع مادي له، كحب الفقير للغني الذي يمده بالمال ويرفع عوزه. وقد يحب شخصاً لأنه مصدر لذة له كحب الإنسان لزوجته.
وقد يحبه لأنه حاجة له، يرضي غروره.
أو يستعين به في شدائده.
أو لأنه يحميه
أو يحبه حمية له، كحب الرجل لقومه.
وقد يحب شيئاً لأنه مصدر بهجة له، كحب الإنسان للرياض، والجمال، وما إلى ذلك.
وقد يحبه لأنه منه، ويری به بقاءه، کولده
وقد يحبه لأنه مع الحق، ومع اللّه، ولأنه تقي، وعالم، وزاك وطاهر، ولغير ذلك من خصال الخير فيه من دون أن يلحظ في حبه
هذا أن يحصل على أي نفع شخصي يعود إليه.
فهذا هو الحب الخالص، الذي لا شائبة فيه من حب الذات، أو من حب الدنيا. وهو الذي ينجي وجه الإنسان من لفح النار.
عن يعلى بن مرة، قال: جاء الحسن والحسين يستبقان إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فجاء أحدهما قبل الآخر، فجعل يده إلى عنقه، فضمه إلى بطنه «صلی اللّه علیه وآله»، وقبل هذا، ثم قبل هذا، ثم قال: «إني أحبهما فأحبوهما» (1). أيها الناس، الولد مبخلة ومجبنة، مجهلة (2).
1) ذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي بالقاهرة سنة 1356ه) ص123 و (ط أخرى) ج 2 ص 46 و 47 وفي هامشه عن صحيح ابن حبان ج 15 ص 415 وكنز العمال ج 13 ص 272 وتهذيب الكمال ج 6 ص 226 والجمع بين الصحيحين للحميدي ج 3 ص 344 وتهذيب الأسماء واللغات ج 1 ص 126 وسمط النجوم العوالي ج 3 ص 87 وشرح إحقاق الحق الملحقات) ج 10 ص 617 وج 26 ص 275 عن الأسماء والصفات (ط بيروت) ص 581 وعن توضيح الدلائل (النسخة مصورة من مخطوطة مكتبة الملي بفارس) ص 353.
2) ذخائر العقبى ج 2 ص 47 وفي هامشه عن المصادر التالية: مسند أحمد ج 4 ص 172 وسنن الترمذي ج 5 ص 658 وسنن أبي داود ج1 ص290 والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 18 ص 13 وجامع البيان للطبري ج 28 ص 126 وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 377 وصحيح ابن خزيمة ج 2 ص 355 و ج 3 ص 151 والمستدرك على الصحيحين ج 4 ص 210 وج 1 ص 424 وموارد الظمآن ج 1 ص 552 والسنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 218 وج 6 ص 165 وج 1 ص 535 والتحقيق في أحاديث الخلاف ج 1 ص 505 ونيل الأوطار ج 3 ص 337 وفضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ج 2 ص 770 وسنن النسائي ج 3 ص 108 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 1190 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 379 وج 7 ص 513 ومسند أحمد ج 5 ص 354 وشعب الإيمان ج 7 ص 466 وفتح الباري ج 11 ص 254 وتحفة الأحوذي ج 5 ص 319 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 2566 وتهذيب الكمال ج 6 ص 403 والإصابة ج 2 ص 69 وتلخيص الحبير ج 2 ص 61 وكنز العمال ج 12 ص 114 وج 13 ص 663 وصحيح ابن حبان ج 13 ص 3 والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج13 ص 403 وتنقيح التحقيق ج 1 ص 283 ونظم درر السمطين ص210 ومصابيح السنة ج 2 ص 218 وتفسير السمرقندي ج 3 ص 435 وتفسير البغوي ج 4 ص 354 وأحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 265 وزاد المسير ج 8 ص 37 وتفسير الآلوسي ج 28 ص 127 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 161 وج 42 ص 215 وأسد الغابة ج 2 ص 212 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 300 وترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق ص154 ومطالب السؤول ص 335 وسبل الهدى والرشاد ج 8 ص 218 وج 11 ص 62 وينابيع المودة ج 2 ص 38 و 205 و 481 ورفع اللبس للإدريسي ص 10 والشرف المؤبد ص 71 وأرجح المطالب (ط لاهور) ص303 والرصف للعاقولي ص 372 وأشعة اللمعات ج 4 ص 704 وموسوعة أطراف الحديث لبسيوني زغلول ج 3 ص 61 والمرقاة شرح المشكاة ج 11 ص 392 والشرح الكبير لابن قدامة ج 1 ص 474.
بالإسناد عن عمر بن عبد العزيز قال: زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» خرج وهو محتضن أحد ابني ابنته حسنا أو حسينا، وهو يقول: إنكم لتجبنون وتجهلون وتبخلون، وإنكم لمن ريحان اللّه (1)
ونقول:
1) بحار الأنوار ج 43 ص 280 عن أحمد في الفضائل، وعن تاريخ بغداد، ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 154 ومسند أحمد ج 6 ص 409 وسنن الترمذي ج 4 ص 317 و (ط دار الفکر) ج 3 ص 212 والسنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 202 و 160 ومجمع الزوائد ج 10 ص54 ومسند ابن المبارك ص 157 ومسند الحميدي ج 1 ص 160 ومسند ابن راهويه ج 5 ص 47 والمعجم الكبير ج 24 ص 239 و 240 والفائق في غريب الحديث 24 ج 1 ص 161 وكشف الخفاء ج 2 ص 339 و 452 وتاريخ بغداد ج 2 ص 395 و 300 وتاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 127 والنهاية لابن الأثير ج 5 ص 200 وذخائر العقبي ج 2 ص 52 وسنن سعید بن منصور ج2 ص 118 وتأويل مختلف الحديث ص 213 والسنة لعبد اللّه بن أحمد بن حنبل ج 2 ص 499 وغوامض الأسماء المبهمة ج 1 ص 372 وفضائل الإمام أحمد ج 2 ص 772 ونوادر الأصول ج 2 ص 20 و 59 وتحفة الأحوذي ج 6 ص 32 وأخبار مكة ج 3 ص 193 وكنز العمال ج 16 ص 284 وتفسير السمعاني ج 2 ص 259.
إن هذا الحديث يتحدث عن أمور يحسن بيانها وفق التسلسل التالي:
1- إذا قرأنا الكلمات الثلاث بصيغة المبني للمفعول المجهول - أي بفتح الباء والهاء والخاء المشددات - فيفهم من الحديث ما يلي:
يكون هذا الحديث من أعلام النبوة، لأنه يخبر عن أمور ستحدث في المستقبل، وهي ترتبط بشخصين يرى الناس أنهما لا يزالان في أول سني عمرهما، وهو «صلی اللّه علیه وآله» يحملها على عاتقه، ويأخذهما في حضنه، ويضاحكهما، ويقبلهما، ويثني عليهما، وما إلى ذلك.
إلا أن يقال: لعله «صلی اللّه علیه وآله» لم يقصدهما وحدهما، بل جعلهما عنوانا مشيراً إلى جميع أهل البيت الذين أمر اللّه تعالى بمودتهم ومحبتهم، وهم علي وفاطمة «علیهما السلام»، والحسنان، وسائر الأئمة الطاهرين «صلوات اللّه عليهم أجمعين».
وربما ألحق بهم أمثال: حمزة، وجعفر وسائر الخلص من سالكي خط الرسالة الحقيقيين، وإن كان ذلك لا يملك الشاهد والدليل الحاسم. فلا محيص عن إبقائه في دائرة الإمكان والاحتمال..
2- إنه «صلی اللّه علیه وآله» قد ذكر أن أمرا بالغ الخطورة، سوف يواجه صفوة وخيار أهل بيته «صلوات اللّه عليهم أجمعين»، وهو أن أعداءهم، أعداء اللّه سيواجهونهم بسلاح الشائعات المسمومة، وترويج التهم والأباطيل والأضاليل التي تستهدف أعلى، وأجلى
وأفضل وأغلى سماتهم الإنسانية، والتي إذا اختلت في وجدان الناس، فيختل تبعاً لها أساس الدين وقوامه، وما به يحفظ نظامه.
وهي ثلاث سمات سيعملون على تقويضها واستبدالها بأضدادها من الصفات الذميمة، حيث سيقال فيهم
ألف: إنهم جبناء.. مع أنهم كما أثبتته الوقائع في أعلى درجات الشجاعة والإقدام والبسالة.. وقد بلغوا في هذه الصفات والسمات أعلى الدرجات، التي يمكن للبشر أن يدركوها.
ولا نبعد إذا قلنا: إن أي اختلال في ميزان الشجاعة إنما يعني اختلالاً في الإيمان، والتوكل، والتسليم اللّه، ونقصاً في الرغبة بما عنده، وركوداً في حرارة الشوق إليه وتعلقاً بالدنيا، وإخلاداً إلى الأرض.
ب: إنهم يحاولون إشاعة أنهم جهلاء مع أنهم باب مدينة علم رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وعندهم علم الكتاب وهم بطرق السماء أعلم منهم بطرق الأرض.. لأنهم لا يفكرون في الأرض ولا بمسالكها، وكل همهم مصروف إلى الوصول إلى اللّه، ونيل رضوانه، فهم، وإن علموا بجميع ما ينبغي أن يعلم في كل هذه الدنيا، ولكنهم لا يشغلون أنفسهم به ولا يستحضرونه بصورة فعلية، إلا إذا مست الحاجة إليه، في مسيرة الهداية إلى اللّه، فتتوجه أنفسهم حينئذ إليه، وتستخرجه من خزائنها وتستفيد منه في تأكيد الحق، وتشييده، وفي دعوة الناس إليه، وحفظ وإقامة حدوده.
يضاف إلى ذلك: أن رميهم بالجهل يراد به سلبهم أهم ميزات مقام الإمامة، فإن أعظم وأنفس ما لدى هذا المقام هو العلوم الخاصة التي لا ينالها في هذا الكون أحد سواهم، وبه يوقفهم اللّه سبحانه على الأسرار، وبه يريهم ملكوت السماوات والأرض، تكشف لهم به الغيوب، ويربط على القلوب، ليكون سبيل هداية لمخلوقاته، وسبب وصولهم إليه تعالى..
ومن خلال هذا العلم يصنعون «علیهم السلام» المعجزة، إن احتاج أمر الهداية إلى اجتراح المعجزات، ويتبلور معنى العصمة فيهم بأقصى تجلياته، وأقواها، وأشدها رسوخاً، وأسناها..
ج: ويتهمونهم أيضا بالبخل، الذي من شأنه أن يقطع آمال كثير من الناس بهم، ويصرفهم عنهم، وربما حملتهم أوهامهم على الاعتقاد بأنهم يملكون الأموال الطائلة، ويستأثرون بها لأنفسهم، ولا ينفقونها في سبيل اللّه، ولا على عباد اللّه، الأمر الذي يجعل علاقة الناس بهم تخمد وتبرد وتتلاشى بصورة تدريجية ليحل محلها الريب في مدى استقامتهم، وقد يصل الأمر إلى حد الاتهام لهم في دينهم، وفي صحة سلوكهم، وطهارة ضمائرهم، وسلامة أخلاقهم.
3 - هذا كله، إذا قرأنا كلمات يبخلون ويجهلون ويجبنون - بفتح الخاء، والهاء، والباء - وأما إذا قرئت بكسرها، لتكون إخباراً عن أن الأبناء قد يكونون سببا في بخل الآباء - والأمهات - وفي جبنهم، وفي جهلهم.
فانطلاقا من حقيقة أن حرص آبائهم وأمهاتهم على ادخار الأموال لهم، يدعوهم إلى عدم التفريط بتلك الأموال، وعدم بذلها في مواقعها المحمودة، فهم - بالتالي - يبخلون بها..
كما أن حرصهم على حياة أبنائهم وسلامتهم يدعو إلى النأي بأنفسهم عن مواقع الخطر، لأنهم يريدون تجنب الأخطار ليتولوا بأنفسهم رعاية وحفظ حياة أبنائهم، لأنهم يرون أن أي خطر يتعرضون له سوف يعرض أبناءهم للضياع، فيلتقي هذا التصرف مع فعل الجبناء. وما يترتب عليه من نتائج، ويصيرون شديدي الحذر والخوف عليهم، فلا يقدمون على ما فيه أدنى احتمال خطر أو ضرر على أنفسهم وعلى أبنائهم، مهما كان قليلاً وضئيلاً.. حتى يصل إلى حد اتهامهم بالخور والجبن، حتى لو ظهرت منهم أعلى درجات الشجاعة والبسالة في ساحات القتال والنزال.
كما أنهم لشدة دفاعهم عن أبنائهم، وتمحلهم التبريرات والأعذار لهم وغض النظر عن أخطائهم، ومخالفاتهم، يتهمون بالجهل بالوقائع، وبالجهل بالمعايير الصحيحة وبأعلام الحق الواضحة، ودلائله اللائحة.
4 - وقد قال «صلی اللّه علیه وآله»: «وإنكم لمن ريحان اللّه».
وروي عن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أيضاً أنه قال: «الولد الصالح ريحانة من اللّه قسمها بين عباده، وإن ريحانتي من الدنيا
الحسن والحسين» (1).
وعنه «صلی اللّه علیه وآله»: «الولد الصالح ريحانة من رياحين الجنة» (2).
والريحان: نبات طيب الرائحة، ترتاح النفس لها، وتنتعش بها. والصلاح في الولد بمنزلة الرائحة الطيبة في الريحان، يمنح النفس البهجة والراحة والانشراح، فكيف إذا كان هذا الطيب من الجنة، أو من العطايا الإلهية والمنح، والألطاف الربانية؟!
أما لو كان نفس هذا الولد طالحاً غويا، وشريراً شقيا، فإن والديه يكونان أشقى الناس به، وذلك لما يسببه لهما من الأسى والحزن والحسرة والأذى!!
صرحت الروايات المتقدمة في الفصل السابق، وما ذكرناه آنفاً
1) الكافي ج 6 ص 2 وبحار الأنوار ج 43 ص 306 وج100 ص 145 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 21 ص 358 و (الإسلامية) ج 15 ص 97 ومرآة العقول ج 21 ص 5 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 434.
2) الكافي ج 6 ص 3 وبحار الأنوار ج 43 ص 368 وج 101 ص90 ومن لا يحضره الفقيه ج 3 ص 481 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 21 ص358 و (الإسلامية) ج 15 ص 97 ومستدرك الوسائل ج 15 ص 113 ومكارم الأخلاق ص 218 والفصول المهمة للحر العاملي ج 2 ص 362 ومرآة العقول ج 21 ص 9 وصحيفة الرضا ص 278.
في هذا الفصل، وما سيأتي أيضاً في موارد عديدة طائفة منها في فصول هذا الكتاب - صرحت جميعها - بمطلوبية حب الحسنين «عليهما السلام»، ووردت روايات كثيرة جداً تقدم شطر منها، وسيأتي شطر آخر تؤكد على هذا الأمر، وتتحدث عن حب اللّه تعالى، وحب النبي «صلی اللّه علیه وآله» للحسنين، وتضمنت أمر الناس بحبهما، وتعد بأعظم الثواب على ذلك عند اللّه سبحانه، ومن هذه الأحاديث:
1 - ما رواه محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن الحسين بن علي الزيدي، عن أبيه، عن علي بن عباس وعبد السلام بن حرب معاً، عمن سمع بكر بن عبد اللّه المزني، عن عمران بن الحصين قال: قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لي: يا عمران بن حصين إن لكل شيء موقعاً من القلب، وما وقع موقع هذين الغلامين من قلبي شيء قط.
فقلت: كل هذا يا رسول اللّه ؟!
قال: يا،عمران وما خفي عليك أكثر، إن اللّه أمرني بحبهما (1).
2 - وفي رواية عتبة بن غزوان: أنه وضعهما في حجره، وجعل يقبل هذا مرة وهذا مرة.
فقال قوم: أتحبهما يا رسول اللّه؟!
1) كامل الزيارات ص 112 و 113 وبحار الأنوار ج 43 ص 269 عنه.
فقال: ما لي لا أحب ريحانتي من الدنيا (1).
3 - ونحوه عن ابن مسعود، وفيه: من أحبني فليحب هذين (2).
4 - عن عطاء: أن رجلا أخبره أنه رأى النبي «صلی اللّه علیه وآله» يضم الحسن والحسين، ويقول: اللّهم إني أحبهما، فأحبهما (3).
1) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 155 وبحار الأنوار ج 43 ص 281 عنه، وإعلام الورى ج 1 ص 432 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 620 عن مقتل الحسين للخوارزمي (ط الغري) ص 98 وج 26 ص 176 عن عيون الأخبار في مناقب الأخيار (نسخة مكتبة الفاتيكان) ص 52.
2) ذخائر العقبی ج 2 ص 88 و (ط مكتبة القدسي - القاهرة سنة 1356ه) ص 123 وفي هامشه عن مصادر كثيرة وراجع: مناقب آل أبي طالب ج3 ص 155 و 156 وبحار الأنوار ج 43 ص 283 عنه، ومجمع الزوائد ج 9 ص 179 ومسند أبي يعلى ج 9 ص 250 ونظم درر السمطين ص209 والإصابة ج 2 ص 63 وينابيع المودة (ط دار الأسوة سنة 1416ه) ج2 ص 203 و 207 و (ط اسلامبول) ص 167 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 25 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 688 و 691 وج 26 ص 37 وج 27 ص 65. وراجع معارج الوصول ص 88 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 28 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص154.
3) مجمع الزوائد ج 9 ص 179 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 155 والبداية والنهاية ج 8 ص 225 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 134 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 663 و ج 19 ص 281 وذخائر العقبى ج 2 ص 38 عن أحمد، واللفظ له، والترمذي، وصححه، وعن أبي حاتم.
5 - أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن محمد بن إسماعيل الراشدي، عن علي بن ثابت العطار عن عبد اللّه بن ميسرة، عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: رأيت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حامل الحسن وهو يقول: اللّهم إني أحبه فأحبه (1)
6 - عن أسامة بن زيد قال: طرقت على النبي «صلی اللّه علیه وآله» ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج إلي وهو مشتمل على شيء ما أدري ما هو! فلما فرغت من حاجتي، فقلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟!
فكشفه، فإذا هو الحسن والحسين على وركيه، فقال: هذان ابناي وابنا ابنتي اللّهم إني أحبهما وأحب من يحبهما (2).
1) الأمالي للطوسي ص 249 وبحار الأنوار ج 43 ص 264 وتاريخ بغداد ج 1 ص150 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 165 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 36.
2) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 154 والعمدة لابن البطريق ص 406 وبحار الأنوار ج 37 ص 74 وج 43 ص 280 و 299 و 300 عن جامع الترمذي، والإبانة للتلعكبري، وكتاب السمعاني، ومدينة المعاجز ج 4 ص 155 والسنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 149 وخصائص أمير المؤمنين «علیه السلام» للنسائي ص 123 وذخائر العقبی ج2 ص 38 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 664 وج 19 ص 220 وج 26 ص 60 وج 26 ص 148 وج 33 ص 412 و 590.
7 - عن أنس بن مالك قال: سئل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أي أهل بيتك أحب إليك؟!
قال: الحسن والحسين.
وقال «صلی اللّه علیه وآله» من أحب الحسن والحسين أحببته، ومن أحببته أحبه اللّه، ومن أحبه اللّه أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه اللّه، ومن أبغضه اللّه خلده النار (1).
8 - أبو صالح، وأبو حازم، عن ابن مسعود، وأبو هريرة قالا: خرج رسول اللّه ومعه الحسن والحسين هذا على عاتقه، وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة، وهذا مرة، حتى انتهى إلينا، فقال له رجل: يا رسول اللّه، إنك لتحبهما.
فقال: من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني(2).
1) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 153 وبحار الأنوار ج 43 ص 275 و 280 عنه، وعن جامع الترمذي، وراجع: الإرشاد للمفيد 43 275 ج 2 ص 27 و 28 وشرح الأخبار ج 3 ص 101 وروضة الواعظين ص 166 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 154 ومجمع الزوائد ج 9 ص 181 والمعجم الكبير ج 6 ص 241 ونفس الرحمن ص424 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 19 ص 231.
2) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص154 وبحار الأنوار ج 43 ص 281 ومجمع الزوائد ج 9 ص 179 وتاريخ مدينة دمشق ج13 ص 199 وتهذيب الكمال ج 6 ص 229 والبداية والنهاية ج8 ص 39 و 223 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص 57 و 58 والدر النظيم ص57 ص 776 وكشف الغمة ج 2 ص 273 وترجمة الإمام الحسن من طبقات ابن سعد ص 50 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 26 ص 51 و 52.
9 - وروي مرفوعاً إلى أسامة بن زيد: أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» كان يقعده على فخذه، ويقعد الحسين على الفخذ الأخرى، ويقول: اللّهم ارحمهما، فإني أرحمهما (1).
10 - عن النبي «صلی اللّه علیه وآله»: «حسين مني وأنا من حسين أحب اللّه من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط» (2).
1) بحار الأنوار ج 43 ص 305 ومسند أحمد ج 5 ص 205 وصحيح البخاري ج 7 ص 76 وفتح الباري ج 7 ص 74 وعمدة القاري ج 22 ص 103 ومسند أسامة بن زيد ص 54 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 62 والتعديل والتجريح ج 2 ص 738 وتاريخ مدينة دمشق ج8 ص 53 و ج 13 ص 185 و 218 والبداية والنهاية ج 8 ص 38 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص37 و 97 وكشف الغمة ج 2 ص 151 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 80 وج 19 ص 316.
2) كامل الزيارات ص 116 و 117 ومستدرك الوسائل ج 15 ص 171 وشرح الأخبار ج 3 ص 88 والأمالي للمرتضى ج1 ص157 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 226 وبحار الأنوار ج 43 ص 271 و 296 و 306 والعوالم، الإمام الحسين ص 34 و 39 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 51 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 515 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 427 و 428 والمعجم الكبير ج 22 ص 274 والفائق في غريب الحديث للزمخشري ج 2 ص 233 و موارد الظمآن ج 7 ص 196 وفيض القدير ج3 ص 513 وتهذيب الكمال ج 10 ص 426 وبغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ج 6 ص 2582 و 2583 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 71 و 72 وينابيع المودة ج 2 ص 37 و 38 و 208 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 266 وج 27 ص 70 وعن بشارة المصطفى.
11 - أحمد بن الحسن القطان، عن الحسين بن علي السكري، عن محمد بن زكريا، عن عمير بن عمران، عن سليمان بن عمرو النخعي، عن ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان، قال: رأيت النبي «صلی اللّه علیه وآله» آخذا بيد الحسين بن علي «عليهما السلام»، وهو يقول: يا أيها الناس هذا الحسين بن علي فاعرفوه، فوالذي نفسي بيده إنه لفي الجنة، ومحبيه في الجنة، ومحبي محبيه في الجنة (1)
12 - محمد الحميري، عن أبي سعيد عن نصر بن علي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر «علیهما السلام»، قال: أخذ رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بيد الحسن والحسين، فقال: من أحب هذين الغلامين وأباهما، وأمهما، فهو معي في درجتي يوم
1) الأمالي للصدوق ص 693 وبحار الأنوار ج 43 ص 262 وج 27 ص 136 والعوالم الإمام الحسين ص 37 ومشارق أنوار اليقين ص 78.
القيامة (1).
1) كامل الزيارات ص 117 وبحار الأنوار ج 43 ص 271 و 280 وج 23 ص 116 وج 37 ص 65 و 72 و 73 - 74 و 76 و 78 وج 39 ص 286 وبشارة المصطفى ص 92 ومسائل علي بن جعفر ص 50 و 323 وشرح الأخبار ج 3 ص 98 ومناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 300 و 301 والعمدة لابن البطريق ص 274 و 320 و 395 و 403 والطرائف لابن طاووس ص 111 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 475 و 476 و 479 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 354 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 232 وسنن الترمذي ج 5 ص 305 ومسند أحمد ج 1 ص 77 والذرية الطاهرة للدولابي ص 167 والرياض النضرة ج 3 ص 189 و نظم درر السمطين ص 209 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 12 ص 97 و 103 و ج 13 ص 639 وطبقات المحدثين بأصبهان ج4 ص 81 وتاريخ بغداد ج 13 ص 289 و تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص196 وأسد الغابة ج 4 ص 29 وتهذيب الكمال ج 6 ص 401 و ج 20 ص 354 وج 29 ص 360 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 254 و ج 12 ص 135 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 258 وج 10 ص 384 وذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 192 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 12 ص 38 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2578 و 2579 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 95 وج 18 ص 508 والوافي بالوفيات ج 27 ص 48 و 49 والشفا للقاضي عياض ج 2 ص 20 و 49 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص 52 و 53 ومعارج الوصول ص 89 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 1 ص 247 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 57 و 4330 و 445 وينابيع المودة ج 2 ص 179 و 445 و 460 و 475 وج 3 ص 460 وذخائر العقبى ص91 والمناقب للخوارزمي ص 138 وكشف الغمة ج 1 ص 89 و ج 2 ص 78 و 378 ومناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 153 عن جامع الترمذي، وفضائل أحمد، وشرف المصطفى، وفضائل السمعاني، وأمالي ابن شريح، والإبانة لابن بطة.
وقد نظمه أبو الحسين في نظم الأخبار، فقال:
أخذ النبي يد الحسين***يوماً وقال وصحبه في مجمع
من ودني يا قوم أو هذين أو***أبويهما فالخلد مسكنه معي (1)
13- عن أبي هريرة قال: رأيت النبي يمص لعاب [لسان] الحسن والحسين كما يمص الرجل التمرة (2).
1) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 154 وبحار الأنوار ج 43 ص 280.
2) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 385 و (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 156 وبحار الأنوار ج 43 ص 284 و ج 45 ص 314 والعوالم، الإمام الحسين ص 598 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 302 و ج 9 ص 257 ونظم درر السمطين ص 211 وكنز العمال ج 13 ص 650 وتاريخ مدينة دمشق ج13 ص 223 وميزان الاعتدال ج 1 ص 208 والمحاضرات والمحاورات ص 310 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص 107 و 108 وكشف اليقين ص 307 ومعارج الوصول ص 90 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 72 ونهج الحق ص 256 وإحقاق الحق (الأصل) ص208 ودلائل الصدق ج 6 ص 450 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 533 وج 11 ص 65 و ج 19 ص 342 و 371 وج 26 194 و 428 ومناقب الإمام علي «علیه السلام» لابن المغازلي ص 373 وفي مسند أحمد ج6 ص 17 رقم 16848 وتهذيب الكمال ج 6 ص 230 اقتصر على كر الإمام الحسن «علیه السلام».
14 - قال يزيد بن أبي زياد خرج النبي من بيت عائشة، فمر على بيت فاطمة، فسمع الحسين يبكي، فقال: ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني؟!(1).
15 - عن أبي محمد الحسن بن طاهر القائني الهاشمي قال: جاء الحديث أن جبرئيل نزل يوماً فوجد الزهراء نائمة والحسين قلقاً على عادة الأطفال مع أمهاتهم فقعد جبرئيل يلهيه عن البكاء حتى استيقظت، فأعلمها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بذلك (2).
16 - روى بعض مؤلفي أصحابنا، عن هشام بن عروة، عن أم سلمة أنها قالت: رأيت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يلبس ولده الحسين «علیه السلام» حلة ليست من ثياب الدنيا، فقلت له: يا رسول
1) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 226 وبحار الأنوار ج 43 ص 295 وشجرة طوبى ج 2 ص 263 عن فضائل العشرة لأبي السعادات.
2) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 229 وبحار الأنوار ج 43 ص 298 ومدينة المعاجز ج4 ص 46 والعوالم الإمام الحسين ص 41 و 43 عن المسائل الباهرة في تفضيل العترة الطاهرة.
اللّه ما هذه الحلة؟!
فقال: هذه هدية أهداها إلي ربي للحسين «علیه السلام»، وإن لحمتها من زغب جناح جبرئيل، وها أنا ألبسه إياها وأزينه بها، فإن اليوم يوم الزينة وإني أحبه (1).
17 - وروي أن العباس جاء يعود النبي «صلی اللّه علیه وآله» في مرضه، فرفعه وأجلسه في مجلسه على سريره، فقال له رسول اللّه: «صلی اللّه علیه وآله»: رفعك اللّه يا عم.
فقال العباس: هذا علي يستأذن.
فقال: يدخل.
فدخل ومعه الحسن والحسين «عليهما السلام» فقال العباس: هؤلاء ولدك يا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
قال: هم ولدك يا عم.
فقال: أتحبهما ؟ !
قال: نعم.
قال: أحبك اللّه كما أحببتهما (2).
18 - محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري، عن أبي سعيد الحسن بن علي بن زكريا العدوي البصري، عن عبد الأعلى بن حماد البرسي، عن وهب عن عبد اللّه بن عثمان عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى العامري أنه خرج من عند رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إلى طعام دعي إليه، فإذا هو بحسين «علیه السلام» يلعب مع الصبيان فاستقبل النبي «صلی اللّه علیه وآله» أمام القوم، ثم بسط [إحدى] يديه فطفر [فطفق] الصبي هاهنا مرة، وهاهنا مرة، وجعل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يضاحكه حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخرى تحت قفائه (على فاس رأسه وأقنعه فقبله)، ووضع فاه على فيه وقبله، ثم قال:
«حسين مني وأنا من حسين، أحب اللّه من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط» (1).
1) كامل الزيارات ص116 و 117 ومستدرك الوسائل ج 15 ص 171 وبحار 171 الأنوار ج 43 ص 271 و 296 و 306 وشرح الأخبار ج3 ص 88 والأمالي للمرتضى ج 1 ص 157 والعوالم الإمام الحسين ص33 و 34 و 39 ومناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 226 وفضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأحمد بن حنبل ص505 ومسند أحمد ج 4 ص 172 والتاريخ الكبير ج 8 ص 415 والأدب المفرد ج 1 ص 455 وأسد الغابة ج 2 ص 19 وذخائر العقبى ص133 ومصابيح السنة ج 4 ص 195 وجامع الأصول ج 10 ص 21 و موارد الظمآن ص554 و (ط دار الثقافة العربية سنة 1412ه) ج 7 ص 196 و 197 ومجمع الزوائد ج 9 ص 181 وتهذيب الكمال ج 6 ص 402 وج 10 ص 427 وتهذيب ج6 التهذيب ج 2 ص 299 و تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 149 و 150 وج 64 ص 35 والبداية والنهاية ج 8 ص 224 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 51 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 515 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 427 و 428 والمعجم الكبير ج 22 ص 32 و 33 و 274 ومسند الشاميين ج3 ص 184 والفائق في غريب الحديث للزمخشري ج 2 ص 233 وفيض القدير ج 3 ص 513 وسنن الترمذي ج 5 ص 658 والمستدرك للحاكم ج3 ص 177 والكنى والألقاب للدولابي ج 1 ص 88 والمعرفة والتاريخ للفسوي ج 1 ص 308 وبغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ج 6 ص 2582 و 2583 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 71 و 72 وينابيع المودة ج 2 ص 37 و 38 و 208 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 266 وج 27 ص 70، وعن بشارة المصطفى.
19 - عن أبي هريرة : كان رسول اللّه يقبل الحسن والحسين، فقال عيينة، وفي رواية غيره - الأقرع بن حابس - إن لي عشرة ما قبلت واحداً منهم قط.
فقال «صلی اللّه علیه وآله»: من لا يرحم لا يرحم (1).
1) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص155 و 189 وبحار الأنوار ج 43 ص 282 و 283 و 295 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 552 ومسند أحمد ج 2 ص 228 و 241 و 269 و 514 وسنن الترمذي ج 3 ص 212 ومسند أبي يعلى ج 10 ص 297 و 385 - 386 و 500 و تاريخ بغداد ج 10 ص 175 وأسد الغابة ج 1 ص 109 وتاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 534 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص 219 والسنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 100 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 7 ص 77 وسنن أبي داود ج 2 ص 522 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 7 ص 75 والعمدة لابن البطريق ص 401 وروضة الواعظين ص 369 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 21 ص 485.
وفي رواية حفص الفراء : فغضب رسول اللّه حتى التمع لونه، وقال للرجل : إن كان قد نزع الرحمة من قبلك فما أصنع بك؟!
من لم يرحم صغيرنا ويعزز كبيرنا، فليس منا (1).
يقال:
استقبل: تقدم
فاس الرأس : طرف مؤخره المشرف على القفا
ونقول:
لا بأس بالنظر في المطالب التالية:
هناك مفهوم أشاعه أهل الأغراض بهدف إماتة هذا النوع من
1) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 155 وشرح الأخبار ج 3 ص 115 و 116 وبحار الأنوار ج 43 ص283.
النصوص، وتهيئة الأذهان لإهمالها، وعدم الاكتراث لها، والاعتداد بها، لأنه يفرغها من مضامينها المتنوعة الدلالات والاتجاهات.
وهذا المفهوم يتمثل بصبغ هذه الأحاديث بصبغة اسمها «الفضائل» التي هي مجرد عنوان غائم يشير إلى مفهوم مبهم، وغير ذي أثر.
ثم اختلقوا فضائل أخرى لأشخاص آخرين، وأغرقوا في تكثيرها، وتأتقوا في تسطيرها، ثم تعاملوا مع هذين النوعين، باحتراف، ودهاء، حيث أوهموا الناس أنهم يساوون بينهما، وهم إنما يريدون بذلك إطفاء نور اللّه، ودفع الناس نحو ظلمات الشبهات والأضاليل، واللّه متم نوره، ولو كره أهل الزيف والباطل، وكأنهم أرادوا لهذه النصوص أن تفقد قدرتها على التأثير، إلا في إثارة الإعجاب المبهم الذي لا يوصل إلى نتيجة، ويفسح المجال لتوهم التساوي بين الظالم والمظلوم، وبين الحق والباطل، والخير والشر.
وبذلك تصبح الفضائلية مفهوماً مضللا ومضراً في أقدس قضية، بها قوام الإسلام، وهي علة بقائه واستمراره ألا وهي قضية الإمامة كما هو واضح.
فميعوا مفهوم النصوص، وأفقدوها معناها بواسطة هذا الإكسير الرديء في أهدافه وفي استعمالاته.
تقدم الحديث في فصل مستقل عن أن ما يقال عن لعب الأئمة
«علیهم السلام» غير دقيق، وإنما هو مجرد وهم وقع فيه بعض الناس، وقد مرت الدلائل والشواهد على ذلك.
وفيما يرتبط بقوله «صلی اللّه علیه وآله»: «حسين مني وأنا من حسين»، نقول: سيأتي التعرض للمراد منه في بعض مباحث هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى، غير أننا نبادر إلى الإلماح إلى المعنى المتبادر هنا، فنقول:
إنه لا ريب في أن الحسين «علیه السلام» بضعة من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لا من حيث هو جسد وحسب، بل من حيث هو رشحة من رشحاته، ونفحة من نفحاته، بما هو نبي ورسول أيضاً، تماماً كما كانت الزهراء «علیها السلام» بضعة من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، يؤذيه ما يؤذيها، ويرضيه ما يرضيها.
ولا ينحصر الأمر بالإمام الحسين «علیه السلام»، فإن عليا «علیه السلام» أيضاً كان من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». وذلك بمقتضى ما قرره «صلی اللّه علیه وآله» في واقعة أحد، حين تعجب جبرئيل من تضحيات وجهاد علي «علیه السلام»، لما انقطع سيفه ثلاث قطع، فقال جبرئيل يا محمد إن هذه لهي المواساة.
فقال «صلی اللّه علیه وآله»: إن عليا مني وأنا منه..
فقال جبرئيل: وأنا منكما (1).
1) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 14 ص 250 و 251 وج 10 ص 182 وراجع: ج 13 ص 293 عن الزاهد اللغوي غلام ثعلب، وعن محمد بن حبيب في أماليه، وراجع الرواية في الأغاني (ط ساسي) ج 14 ص 18 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 197 والكامل في التاريخ ج2 ص 154 وفرائد السمطين الباب الخمسون ج 1 ص 257 ومجمع الزوائد ج 6 ص 114 و 122 عن البزار وعن الطبراني، وكنز العمال ج 15 ص 126 والبداية والنهاية ج6 ص 5 واللآلي المصنوعة ج 1 ص 365 وتفسير القمي ج 1 ص 116 وبحار الأنوار ج 20 ص 54 و 95 و 105 و 107 و 102 عن القمي، وعلل الشرايع ص 7 باب 7 والإرشاد ص46 وإعلام الورى، وتفسير فرات ص 24 و 26 والكافي ج8 ص110 وعيون أخبار الرضا ج 1 وحياة الصحابة ج 1 ص 559 وربيع الأبرار ج1 ص 833 والمناقب للخوارزمي ص 103 إلا أن فيه: أن ذلك كان في بدر. والغدير ج 2 ص 59 - 61 عن العديد من المصادر، والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 106 وتاريخ ابن عساكر ترجمة علي «علیه السلام» (بتحقيق المحمودي) ج 1 ص 148 و 149 و 150 وفي هامشه عن الفضائل لأحمد بن حنبل، الحديث رقم 241 والمعجم الكبير للطبراني ج 1 ص 318 وغاية المرام ص 457 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 343 والرياض النضرة المجلد الثاني ج 3 ص 131 وعن علي بن سلطان في مرقاته ج 5 ص 568 عن أحمد في المناقب، والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص 284.
وهذا وذاك يعطي: أن المراد بكون النبي «صلی اللّه علیه وآله» من علي ومن الحسين هو أن بقاءه كرسول، وكنبي، في هذه الأمة مرهون بجهاد وتضحيات علي والحسين «صلوات اللّه وسلامه عليهما».
ولأجل ذلك أوجب اللّه ورسوله حبهما ونصرتهما، والكون
معهما، والالتزام بأوامرهما ونواهيهما، ليمكن التوصل إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» من خلالهما، والكون معه، وفي عداد محبيه وأنصاره بسببهما. ومن تخلى عنهما يكون قد تخلى عن النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وخذله، وأساء إلى دينه ورسالته، ونبوته، وضيع تعاليمه، وخالف أوامره.
وهناك كلمة ثالثة يمكن عدها في هذا السياق أيضا، وهي قوله «صلی اللّه علیه وآله»: «اللّهم إنها مني وأنا منها»(1).
1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 489 والأحاديث الطوال ص 140 وكشف الغمة ج 1 ص 361 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 15 ص 653 وج 25 ص 380 و 453.
وفي نص آخر: «فاطمة بضعة مني، وأنا منها»(1).
وفي نص :آخر: «فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني»(2).
فإن المقصود بكونها بضعة منه أبعد من موضوع الأبوة والبنوة، وكونها قطعة من جسده، فإن الولد إذا كان يخطئ ويصيب، ويطيع ويعصي، فإن بنوته للنبي، وكونه قطعة من جسده، لا توجب المنع من إغضابه حين خطئه ومعصيته، ولا تدفع العقوبة الجسدية عنه إذا استحقها بفعله.
وهذا يعطي: أن ما تقدمه الزهراء «علیها السلام» من خدمة جلى لهذا الدين له ارتباط ببقاء الدين نفسه، واستمرار وهج النبوة، وحفظ ثمراتها إلى يوم القيامة.. تماماً كما كان الحال بالنسبة للنهضة
1) علل الشرائع ج 1 ص 186 و 187 وبحار الأنوار ج 43 ص 122 و 202 و 204 واللمعة البيضاء للتبريزي ص 141.
2) صحيح البخاري (ط دار الفکر) ج 4 ص 210 و 219 وفضائل الصحابة للنسائي ص 78 وفتح الباري ج 7 ص 63 و 82 وعمدة القاري ج 16 ص 223 و 249 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 526 والآحاد والمثاني ج 5 ص 361 والسنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 97 و 148 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 121 والمعجم الكبير ج 22 ص 404 ونظم درر السمطين ص 176 والجامع الصغير ج 2 ص 208 وكنز العمال ج 12 ص 108 و 112 وفيض القدير ج 4 ص 554 وكشف الخفاء ج 2 ص 86.
الحسينية، وللتضحيات والجهد الذي بذله علي «علیه السلام» في سبيل هذا الدين واستمرار تألقه، وتهيئة أسباب بقائه.
إن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي ساهم في صنع روح، ومشاعر، وفكر، وإيمان، وأخلاق هؤلاء الصفوة، ومنه انبثقوا بما هو نبي ورسول وهادٍ، وصانع لمعنى الإنسانية، وباعث للنفحات الإلهية فيهم..
وهم الذين سيكونون سبباً لبقاء دينه واستمرار ثمرات جهده النبوي والرسالي، لأنهم هم الذين يؤسسون لحفظ خط الإمامة التي تمنع من تحريف المحرفين، وتدفع شبهات وأضاليل الضالين.
فالزهراء «علیها السلام» قد كان لها السهم الأوفر في دلالة الأمة على أن ثمة ابتزازاً، وتوثباً خطيراً حصل على مقام الإمامة.
وعلم علي «علیه السلام»، وصبره، وتضحياته، وحسن سیاسته، قد منع المعتدين من الإيغال في عداونهم، وحد من اندفاعتهم لاستثمار العدوان إلى أقصى مدى، كما أنه بسياسته الرائدة قد هدى الأمة إلى إمامته، وأسس لحفظ النصوص النبوية فيه، وفي الأئمة الطاهرين من أهل بيته، وفي حقائق الدين وتشريعاته، ومفاهيمه وقيمه.
ثم كانت تضحية الإمام الحسين «علیه السلام»، واستشهاده في كربلاء بمثابة الضربة القاضية التي أبطلت أطروحة أهل الزيغ، وفضحت أكذوبتهم، وأبارت كيدهم، الرامي إلى أن يعيدوها ملكاً كسروياً وجاهلياً.
فمنع الحسين «علیه السلام» باستشهاده النبيل من تحريف المبطلين، ومن كيد المضلين، وصيرها فضيحة نكراء صلعاء لهم إلى يوم الدين.
وهذا المعنى هو الذي نلمحه أيضا في الأحاديث الواردة عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أنه هو وعلي «علیه السلام»، من شجرة واحدة، وسائر الناس من شجر شتى.
وشجرة رسول اللّه، التي يكون علي فرعها، والحسن والحسين أغصانها، هي الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء.
وهو ما يعنيه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بقوله عن علي «عليه السلام» لحمه لحمي، ودمه دمي..
والخلاصة : أن علياً وفاطمة والحسنين «علیهم السلام» منه «صلی اللّه علیه وآله» في علمهم وفكرهم، وإيمانهم، ومشاعرهم، وإخلاصهم، وخلوصهم، وصفائهم، وفي سائر خصائصهم الإيمانية والإنسانية.
والنبي «صلی اللّه علیه وآله» من هؤلاء بالذات، ما دام أن وجوده الحقيقي كنبي ورسول إنما هو بوجود دينه ورسالته، ومواقفه، وقيمه وأخلاقه، ونهجه وعلي وفاطمة والحسنان هم الذين يجسدونه ويحفظونه في ضمير وفكر، ووجدان وثقافة، ونهج الأمة.
وبذلك يصير العدوان على أي من هؤلاء الأربعة عدواناً مباشراً على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ويصير قتل الحسين «عليه السلام» بنظر الناس بمثابة قتل الرسول نفسه، وإيذاء الزهراء «عليها
السلام» إيذاءً لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بالذات، وكل ما يجري على أحدهم يجري على الرسول، وكذلك العكس.
ويلاحظ مدى الشبه بين ما جرى للإمام الحسين «علیه السلام»، وما جرى لأمه الزهراء «علیها السلام» لأن قضيته تشبه قضيتها «علیها السلام»..
من حيث إنها ذات بعد عاطفي إنساني.
ومن حيث إن ما جرى عليه وعليها مما ترفضه الفطرة، ويأباه الوجدان الإنساني.
ومن حيث إن ما جرى عليه وعليها «صلوات اللّه وسلامه عليهما» من أجلى مصاديق الظلم القبيح عند كل عاقل.
ومن حيث إنها قضية مفهومة وواضحة، ويتفاعل معها الكبير والصغير، والمرأة والرجل، والعالم والجاهل والغني والفقير، والأسود والأبيض، والمسلم وغير المسلم، وجميع فئات وطبقات المجتمع البشري على اختلاف عاداتهم، وحالاتهم وثقافاتهم، ودياناتهم، وغير ذلك.
فقضيته «علیه السلام» وقضية الزهراء «علیها السلام» تصلح كل واحدة منها مدخلاً إلى الإسلام كله، ومصدر إلهام، ونقطة انطلاق المعرفة الحقيقة في كل عصر وجيل إلى يوم القيامة..
ولذا كثر التعريف بقضية الحسين «علیه السلام» قبل وقوعها على لسان النبي «صلی اللّه علیه وآله» وأهل بيته «علیهم السلام» في
عشرات المناسبات.
ومن جهة أخرى، فإن قضية الإمام الحسن «علیه السلام» تشبه قضية أمير المؤمنين «علیه السلام» من حيث إن فهمها يحتاج إلى المزيد من الوعي، وإلى تفكير وتأمل، ودرس، وإحاطة بالأحداث، وتوفر على الضوابط والمعايير الصحيحة الجامعة لسلامة النهج، والمستندة إلى معطيات أكيدة وواضحة.
فالجاهل الذي لم يستضئ بنور العلم قد تخدعه الأباطيل، ويقع تحت تأثير الادعاءات الباطلة التي ينشرها الأخطبوط الأموي والزبيري..
ولكن مأساة الحسين «علیه السلام»، تبقى أمراً مشاهداً وملموساً، يصعب تأويله، ولا يتأتى الخداع فيه بسهولة.
وفيما يرتبط بغضب النبي «صلی اللّه علیه وآله» من ذلك الذي اعترف بأنه لم يقبل في حياته أياً من أولاده العشرة، وما قاله «صلى اللّه عليه وآله» لذلك الرجل نقول:
إن الإنسان القاسي، ليس هو الرجل المثالي بنظر الإسلام، لأن الإسلام يعتبر الجفاف العاطفي والقسوة نقصاً خطيراً في الخصائص الإنسانية.
في هذه القسوة التي أغضبت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» دلالة
واضحة على أن ذلك الرجل كان يفقد الصفات والمشاعر الإنسانية بصورة تامة، فإن من ليست لديه أية رحمة أو عاطفة تجاه ولده، فكيف يكون حاله تجاه الآخرين من نظرائه في الخلق أو من أخوانه في الدين، لأن هذه القسوة البالغة معناها: أنه لا يؤمل أن تكون لديه خشية من اللّه، ولا أن يلين قلبه لذكر اللّه سبحانه كما قال تعالى: «اللّه نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِها مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللّه» (1).
فيصبح مصداقا لقوله تعالى: «ثُمّ قست قلوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةَ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشْقَقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّه» (2).
وبذلك ينقطع الأمل من هدايته وصلاحه، وفلاحه. وإذا بلغت قسوته هذا الحد، فإن الجبال تصبح أقرب إلى الخشية منه، وقد قال :تعالى: «لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللّه» (3).
إن من المعلوم: أنه لا يصح لمسلم أن يبغض مؤمنا، أو أن يهجره، إذا كانت له معرفة به ولكن إذا لم يكن من معارفه، فلا حرج عليه فى أن لا يحبه ولا يبغضه.. وغاية ما هناك أن حب المؤمنين والحنين إليهم أينما كانوا وحيثما وجدوا من موجبات المثوبات، ورفع الدرجات.
أما وجوب الحب، وبالخصوص لمن يكون في سن الطفولة، فلا شيء يحتمه أو يثبته، إلا إذا كان الأمر به قد صدر عن اللّه تعالى على لسان رسله، ليكون هذا الأمر كاشفاً عن أمر غيبي اقتضى هذا الإيجاب.
وقد أخبر النبي «صلی اللّه علیه وآله» كما تقدم بأن اللّه تعالى قد أمر بحب الحسنين «علیهما السلام». أما سبب الأمر بهذا الحب، فهو أمور:
الأول : ما رصده اللّه تعالى لهما من مهمات، وما سيوكله إليهما من مسؤوليات يحفظ بها الدين، وتصان بها شريعة سيد الرسلين. كما أظهره قوله «صلی اللّه علیه وآله»: «ابناي هذان إمامان، قاما، أو قعدا» (1).
1) راجع : الكافي ج 1 ص 288 ومكاتيب الرسول ج 1 ص 561 وفي الهامش عن: الحياة السياسية للإمام الحسن «علیه السلام» ص 47 وغنية النزوعص 323 وجامع الخلاف والوفاق ص 368 و 404 وتذكرة الفقهاء ج 5 ص368 ص 435 و (ط قديمة) ج 1 ص 254 و ج 2 ص 437 ومختلف الشيعة ج 3 ص 333 وج 6 ص 308 و 330 ومجمع البيان (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 311 وج 8 ص 165 وتفسير جوامع الجامع ج 3 ص 70 و 857 وتلخيص الشافي ج 4 ص 170 ونور الثقلين ج 3 ص 290 وج 4 ص 284 ج4 والميزان ج 4 ص 312 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 30 والمسائل الجارودية للمفيد ص 35 والمستجاد من الإرشاد للعلامة (المجموعة) ص 157 والصراط المستقيم ج 2 ص 118 و ج 3 ص 130 والمحتضر لابن سليمان الحلي ص 179 والتعجب للكراجكي ص 129 والفصول المختارة للمرتضى ص 303 وروضة الواعظين ص 156 وكفاية الأثر ص 38 و 117 والفرق بين الفرق ص 25 ودعائم الإسلام ج 1 ص37 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 143 و 163 والفضائل لابن شاذان ص118 والطرائف لابن طاووس 196 وغوالي اللآلي ج 3 ص 130 وج 4 ص 93 ومدينة المعاجز ج 2 ص 391 و ج 3 ص 290 وبحار الأنوار ج 16 ص 307 و 21 ص 279 و ج 35 ص 266 وج 36 ص 289 و 325 وج 73 ص 7 وج 37 ص 298 و 291 وج 44 ص 2 و 16 وإعلام الورى ج 1 ص 407 و 421 وكشف الغمة ج 2 ص 156 وج 2 ص 225 و 245 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 717 و 732 وفضائل أمير المؤمنين «علیه السلام» لابن عقدة ص 168 ونزهة المجالس ج 2 ص 184 وفي السراج الوهاج للشبراوي الشافعي أنه «صلی اللّه علیه وآله» قال لهما أنتما الإمامان، ولأمكما الشفاعة، وغاية المرام ج2 ص 243 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 482 وج 19 ص 216 و 217 عن أهل البيت لتوفيق أبي علم (ط مطبعة السعادة القاهرة) ص195 وعن الرسالة في نصيحة العامة لابن كرامة البيهقي (النسخة المصورة في مكتبة أمبروزيانا في إيطاليا) ص 18 و 67 وينابيع المودة ص 445.
وفي نص آخر: عن سلمان الفارسي قال: كان الحسين على فخذ رسول اللّه وهو يقبله ويقول : أنت السيد ابن السيد أبو السادة، أنت الإمام ابن الإمام أبو الأئمة، أنت الحجة ابن الحجة أبو الحجج، تسعة من صلبك وتاسعهم قائمهم.
وواضح: أن مقام النبوة يفرض على الناس، كل الناس حب النبي «صلی اللّه علیه وآله». حتى لقد روي: أن عمر بن الخطاب قال للنبي «صلی اللّه علیه وآله»: يا رسول اللّه، لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي.
فقال النبي «صلی اللّه علیه وآله» له : لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك (1).
فقال عمر : فإنه الآن واللّه لأنت أحب إلي من نفسي.
فقال «صلی اللّه علیه وآله»: الآن يا عمر ؟! (2).
1) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 226 والطرائف لابن طاووس ص 174 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 355 وبحار الأنوار ج 43 ص 295 والعوالم الإمام الحسين ص 38 و 73 وغاية المرام ج 2 ص 269 وج 6 ص 175.
2) راجع : مسند أحمد ج 4 ص 233 و 336 و ج 5 ص 293 وصحيح البخاري ج 4 ص 92 و (ط محمد علي صبيح بمصر) ج 8 ص 161 و (ط دار الفکر) ج 7 ص 218 وعمدة القاري ج 1 ص 144 وج 23 ص 169 والمعجم الأوسط ج 1 ص 102 وكنز العمال ج 12 ص 600 وتفسير القرآن العظيم ج 2 ص 356 و ج 3 ص 476 وتاريخ مدينة دمشق ج 19 ص87 وفتح الباري ج 1 ص 56 وإمتاع الأسماع ج 13 ص 173 وخلاصة عبقات الأنوار ج 9 ص 63 والشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 2 ص19 وسبل الهدى والرشاد ج 10 ص 476 وج 11 ص430 وسيرتنا وسنتنا للأميني ص 26 وراجع: المستدرك للحاكم ج3 ص456 والدر المنثور ج 3 ص 223.
والآيات والروايات الدالة على ذلك كثيرة (1)
وكما أن مقام النبوة يفرض على البشر حب النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فإن مقام الإمامة يفرض على البشر حب الإمام «علیه السلام»، لأن هذا الربط العاطفي بالإمام هو الذي يؤكد ويرسخ معنى الأسوة والقدوة ويهيء للانصهار الروحي بالقيم والمفاهيم التي يبشر بها.
وقد ورد أن حب علي إيمان، وبغضه كفر (2).
1) راجع :كتابنا دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ج 2 ص 14 و 15.
2) راجع: الأمالي للصدوق ص 65 و 150 والخصال للصدوق ص496 وعلل الشرائع ج 1 ص 162 وعيون أخبار الرضا ج2 ص92 ومختصر بصائر الدرجات ص 216 ومائة منقبة لابن شاذان ص46 وكنز الفوائد ص 186 والثاقب في المناقب ص 236 والمحتضر للحلي ص 126 وبحار الأنوار ج 26 ص 264 و ج 38 ص 91 و 92 و 95 و 151 وج 39 ص 194 و ج 40 ص 25 وج 49 ص 173 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 525 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 121 و ج 2 ص 132 وتفسير أبي حمزة الثمالي ص 200 والبرهان (تفسير) ج 5 ص 141 وتفسير كنز الدقائق ج 14 ص 262 وبشارة المصطفى ص44 و 254 وكشف الغمة ج 3 ص 102 و 103 ومعارج الوصول ص155 وتأويل الآيات الظاهرة ج 2 ص 790 وينابيع المودة ج 1 ص 172 و 173 و 253 و 369 و 370 وغاية المرام ج 1 ص 245 و ج 2 ص 74 و 117 و 179 وج 5 ص 24 و 65 و 88 و 294 و 299 وج 6 ص 66 و 78 و 150 و 155 وج 7 ص 61 والشهاب الثاقب ص 152 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 4 ص 100 و 263 و 287 وج 5 ص 43 وج 7 ص 209 و 213 و 216 وج 17 ص 164 و 165 وج 20 ص 394 وج 21 ص 129 وج 22 ص 281 والمحجة البيضاء ج 1 ص 255 وج 4 ص 375.
وقال تعالى: «قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» (1).
وثمة روايات كثيرة تدل على هذا المعنى (2).
وبذلك يتضح : أن هذا التوجيه النبوي إلى حب الحسنين «علیهما السلام» يدخل في البناء الاعتقادي والإيماني للناس جميعاً، كما هو ظاهر.
الثاني: إن أمر النبي «صلی اللّه علیه وآله» الناس بحب الحسنين
«عليهما السلام» اللذين جعل لهما النبي نفسه «صلی اللّه علیه وآله» مقام الإمامة يدل على عصمتهما «علیهما السلام»، لأن من يعصي اللّه لا يمكن أن يوجب اللّه ورسوله حبه على أحد من الناس، فضلا عن أن يوجبه على الأمة بأسرها، لأن غير المعصوم يلام ويهان ويطالب ويعاقب، ويبغض على فعله القبيح.
ويزيد الأمر وضوحاً قوله «صلی اللّه علیه وآله»: من أحب الحسن والحسين أحببته، ومن أحببته أحبه اللّه، ومن أحبه اللّه أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه اللّه، ومن أبغضه اللّه خلده النار.
وصدور الأمر من اللّه بحبهما لا يمكن أن يكون عبثيا، وإنما يدل على أن لهما شأناً في هذا الدين.
وقد أوضح النبي «صلی اللّه علیه وآله» هذا الشأن بتقريره معنى الإمامة فيهما، وبأن بقاء دينه مرهون بالحسين «علیه السلام» حين ربط هذا الحب بقوله: «حسين مني وأنا من حسين، أحب اللّه من أحب حسينا» (1).
1) راجع: كامل الزيارات ص 52 و 53 و (ط مؤسسة النشر الإسلامی) 116 و 117 وشرح الأخبار ج 3 ص 112 وأوائل المقالات ص 178 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 127 والعمدة لابن البطريق ص 406 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 480 ومدينة المعاجز ج 4 ص 154 وبحار الأنوار ج 43 ص 261 و 271 و 316 وج 45 ص 314 وكتاب الأربعين للماحوزي ص314 ص 371 ومسند أحمد ج 4 ص172 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 51 وسنن الترمذي ج 5 ص 324 والمستدرك للحاكم ج 3 ص177 وتحفة الأحوذي ج 10 ص 190 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 515 والأدب المفرد للبخاري ص 85 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 428 والمعجم الكبير ج 3 ص 33 و ج 22 ص 274 ونظم درر السمطين ص208 وموارد الظمآن ج 7 ص 196 وكشف الخفاء ج 1 ص 358 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 149 وأسد الغابة ج 2 ص 19 وفرائد السمطين ج 2 ص 130 وتهذيب الكمال ج 6 ص 402 و ج 10 ص 426 وميزان الاعتدال ج 2 ص 135.
ثم دل على امتداده فى ذريته من خلال أبوته للأئمة التسعة من بعده.
وهذا الامتداد لا يمكن أن يخرج عن دائرة الإمامة أيضا لما ذكرناه وأوضحناه فيما سبق.
الثالث: إنه حين قويت شوكة الإسلام، واتسع نطاقه، وصار الناس يدخلون في دين اللّه أفواجاً، وظهر فشل قريش وسائر أعداء الدين، فاضطرت قريش ومن يدور في فلكها إلى الانحناء أمام العاصفة، وتظاهروا بالإسلام في فتح مكة، ولكنهم لم ييأسوا من تقلبات الأحوال، فآثروا تجرع الغصة وانتظار الفرصة. ولكن ما أقلقهم، وأقض مضاجعهم ما كانوا يرونه من أن الأمور تتجه نحو تكريس الإمامة والخلافة بعد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في أبغض
الخلق إليهم، أعني بني هاشم وبالذات في علي بن أبي طالب «علیه السلام»، فأطار ذلك صوابهم، فكان كل همهم مُنصباً على ابتكار الوسائل التي تؤدي إلى فشل هذا التدبير، وإقصاء علي «علیه السلام»، وكل بني هاشم عن هذا المقام.
ولا نريد أن ندخل في تفاصيل ما جرى، بل نكتفي هنا بهذه الإشارة، ونتخذ منها مدخلاً لبيان السبب الثالث للتأكيد الكثير من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» على محبة الحسنين «عليهما السلام». بينما نجده في حديثه عن علي «علیه السلام»، وعن سائر الأئمة الطاهرين يتناول جوانب أخرى من سماتهم وصفاتهم، ومقاماتهم، وسائر شؤونهم.
فنقول:
إن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كان يستشرف المستقبل، ويقرأ أحداثه، ويعرف طبائع ونفسيات وأهداف، وأساليب الفئات الفاعلة والمؤثرة فيه. كما أن اللّه تعالى كان معه مؤيداً ومسدداً، وهاديا ودليلاً.
فكان «صلی اللّه علیه وآله» ينظر بعين اللّه، ويهتدي بهداه..
وكان يعرف أن قريشاً، وكل قوى الشرك والكفر، وأهل الدنيا موتورون من الإسلام، ومتألمون وحاقدون، ومتربصون بهذا الدين وأهله شراً.
وإن النص على إمامة وخلافة أمير المؤمنين «علیه السلام» قد يمكن تجرع غصته، والصبر عليه رغم شدة مرارته، حتى من قبل قريش وسائر من يدور في فلكها، بسبب ما لعلي «علیه السلام» من سوابق جهادية، ونصرة مؤثرة لدين اللّه، ومعونته لرسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله»، حيث لا يمكن لأحد المماراة في ذلك.. فإنه يبقى لدى هؤلاء المناوئين أمل بالتمكن من التخلص منه عن طريق التآمر عليه، أو العمل على شل حركته، فإن لم يمكن ذلك، فإن الصبر عليه إلى أن تهي أيامه، وتطوى أعلامه، يكون هو الخيار المرّ لهم، الذي يفرض عليهم أن يرهقوه بالمشكلات، ويثقلوا خطواته بالعراقيل والعقبات، وبما تيسر لهم من مكائد ومؤامرات.
كما أن نجاح مؤامرة واحدة تستهدف حياته، ولو باغتياله والفتك به بالسم أو بالسيف، أو بأي وسيلة أخرى تنهي حياته، يبقى خيارهم المفضل في جميع الأحوال.
ولكن الأخطر بالنسبة إليهم هوما كان يقوم به رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله من تدبير يؤدي إلى تكريس الإمامة،والخلافة، وانتقال الأمر من علي إلى الحسن، ثم إلى الحسين «علیهم السلام»، وامتداد الأمر تالياً في ذرية الإمام الحسين «علیه السلام»، ليتوج بحكومة القسط والعدل التي تعم الأرض بأسرها، وتطيح بكل حكومات الظالمين والجبارين، فإن هذه هي الكارثة العظمى، والداء الذي لا دواء له...
وهذا هو السبب في بُعْض قريش، وجميع أهل الكفر والانحراف لهذه الشجرة الطيبة - شجرة الإمامة العظمى - المتمثلة ابتداءً بعلي «علیه السلام»، وانتهاءً بالإمام الحجة «عجل اللّه تعالى فرجه».
ولأجل هذا أيضاً كان بغض هؤلاء للحسين «علیه السلام» - على وجه الخصوص - بلا حدود، ولا قيود والذي يزيد الطين بلة، والخرق اتساعاً أن هؤلاء قد وجدوا أنفسهم في عجز تام، وفقر مدقع من أية حيلة أو وسيلة يمكنهم أن يواجهوا بها الحسنين «عليهما السلام»، حتى أنهم لا يستطيعون مجرد الجهر ببغضهم لهما، وحنقهم عليهما، فما بالك بما هو أبعد من هذا.
أما أمير المؤمنين «علیه السلام» فإن قتله لعتاة وفراعنة وجبابرة قريش أهل الشرك والكفر، وفيهم آباؤهم وإخوانهم، وأبناؤهم كان يمكن للمرء أن يكون قادراً على تبرير بغضهم ومحاربتهم له، وارتكاب أية موبقة في حقه.. فإن العربي الجاهلي يفكر في الثأر قبل أن يفكر في الدين والنبوة، وما إلى ذلك، ولا شيء من ذلك يثنيه عن ثأره. ولاسيما إذا كان يظهر الإيمان ويبطن الكفر.
أما الحسنان «علیهما السلام» فلم ير الناس منهم، لا قريش ولا غيرها، ما يبرر أي موقف سلبي أو مؤذ تجاههما، ولو بمقدار تقطيب،الحاجبين، أو صرف الوجه عنهما، فضلا عما هو أكثر من ذلك.. فإذا أرادوا الإساءة إلى أي منهما، ولو بهذا المقدار، فبماذا يعتذرون للناس؟!
هل يقولون لهم: إننا نبغضهما، ونسيء إليهما، لأن اللّه تعالى يحبهما، وأمرنا بحبهما، وكذلك رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»؟!
أو يقولون: إننا نبغضهما، ونسيء إليهما، ونبغي لهما الغوائل، لأنهما قد بلغا أقصى الغايات في الطهر، والعلم والفضل، والصفات الحميدة، والسمات والخصائص الفريدة؟!
إن ذلك غير معقول ولا مقبول، ولأجل ذلك سأل الإمام الحسين «علیه السلام» جيش يزيد «لعنه اللّه» عن سبب قتالهم له، وناشدهم، وقررهم، فأقروا على النحو التالي:
قال «علیه السلام»: أنشدكم اللّه هل تعلمون أن جدي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»؟!
قالوا : اللّهم نعم.
قال: أنشدكم اللّه هل تعلمون أن أمي فاطمة بنت محمد «صلى اللّه عليه وآله ؟!
قالوا: اللّهم نعم.
إلى أن قال: فأنشدكم اللّه هل تعلمون أن هذا سيف رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وأنا متقلده؟!
قالوا : اللّهم نعم.
قال: فأنشدكم اللّه هل تعلمون أن هذه عمامة رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» أنا لابسها؟!
قالوا : اللّهم نعم.
إلى أن قال: فبم تستحلون دمي، وأبي الذائد عن الحوض غداً، يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادي عن الماء، ولواء الحمد في يدي جدي يوم القيامة؟!
قالوا: قد علمنا ذلك كله، ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشا (1).
فترى أنهم لم يقدموا أي تبرير لفعلهم الشنيع هذا، ولكنهم في موقع آخر اضطروا للجهر بما هو أشر وأضر، وأدهى وأمر، فقد ورد في نص آخر أنه قال: وَيْلَكُمْ أَتقاتِلُوني، عَلَى سُنَّةٌ غَيَّرْتُها، أَمْ عَلَى شَرِيعَة بَدَّلتُها؟!
فقالوا : بل نقاتلك بغضاً منا لأبيك ! (2).
أي أنهم لم يجدوا أي مغمز، ولم يتمكنوا من التذرع بأية ذريعة،
1) الأمالي للصدوق ص 222 و 223 وروضة الواعظين ص185 و 186 وبحار الأنوار ج 44 ص 318 والعوالم، الإمام الحسين ص167 و 168 ولواعج الأشجان ص 112 واللّهوف لابن طاووس ص53 و 54 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدین ص 240 - 241 و 269 - 270.
2) ينابيع المودة ص 416) و (ط دار الأسوة سنة 1416ه) ج 3 ص 80 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11)ص 647 وعن مقتل الحسين «علیه السلام» ومصرع أهل بيته ص 132 وعن معالي السبطين ج 2 ص 12.
ولو كانت من قبيل تشبث الغريق بالطحلب، فأحالوا عملهم الشنيع هذا على مجرد البغض منهم لأبيه.
فدلنا ذلك على أنهم قد برأوه من أي شيء يمكن اتهامه به، مما يمكن أن يعتبر إساءة لهم، أدت على بغضهم له، فأحالوا الأمر على بغضهم لأبيه، وشهدوا له هو - أعني الحسين «علیه السلام» - بالكمال الفائق والمقام اللائق والسلامة عن كل ما يثير الريب، والعصمة من كل عيب..
فكيف سيكون حالهم بعد هذا في مقابل ما جهر وصرح به رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» من لزوم مودتهما ومحبتهما «صلوات اللّه وسلامه عليهما»؟!
فضلا عن آية المودة، وهي قوله تعالى: «قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» ؟! (1).
وبذلك تظهر بعض ثمرات تأكيدات رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» على لزوم حبهما صلوات اللّه وسلامه عليهما».
كما أن ذلك يوضح: أن أمر الحسنين «علیهما السلام» كان أشد وأصعب على قلوبهم من أمر علي نفسه لاسيما وأنهما «عليهما السلام» سيكونان المدخل الطبيعي لتبلور الوعي لدى الأمة فيما يرتبط بمقام الإمامة، وامتدادها بعد علي والحسنين «علیهم السلام»،
1) الآية 23 من سورة الشورى.
لتمتد في ذرية الإمام الحسين، وبصورة تحصر الحق في الإمامة والخلافة في الأئمة المنصوص عليهم.
والأنكى من ذلك، والأشد إيلاماً : أنهم «علیهم السلام» كلهم من بني هاشم بل كلهم بعد علي والحسنين من ذرية الحسين «علیه السلام».. كما قرره «صلی اللّه علیه وآله» بقوله الذي جعل المنطلق والأساس للأمر بحب الحسين «علیه السلام» هو: «حسين مني وأنا من حسين أحب اللّه من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط».
استفتى أعرابي: عبد اللّه بن الزبير، وعمرو بن عثمان، فتواكلا
فقال: اتقيا اللّه، فإني أتيتكما مسترشدا. أمواكلة في الدين؟!
فأشارا عليه بالحسن والحسين، فأفتياه، فأنشأ أبياتاً منها:
جعل اللّه حر وجهيكما نع***لين سبتاً يطأهما الحسنان (1)
ونقول:
لاحظ ما يلي:
1 - السبت - بالكسر - جلود البقر المدبوغة بالقرظ، يتخذ منها النعال، سميت بذلك لأن شعرها قد سبت عنها، أي أزيل.
1) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 168 وبحار الأنوار ج 3 ص 318 وربيع الأبرار لللزمخشري ج 4 ص 238.
2 - لم تصرح الرواية بسبب امتناع عمرو بن عثمان، وعبد اللّه بن الزبير عن إفتاء ذلك الأعرابي، حتى صار كل واحد منهما يحيل على الآخر.. فهل السبب هو جهلهما بالحكم الذي سألهما عنه؟! وهذا هو الأرجح، لأن عدم الإجابة تشي بعدم المعرفة في أغلب الأحيان.. أو لأنهما أرادا إيذاء ذلك الأعرابي ؟! أو لأنهما طمعا في ماله، فأرادا أن يخدعاه عنه ؟! أو لغير ذلك من أسباب أثارت حفيظته، فهجاهما بالشعر المذكور.
3 - ويلاحظ أن هذين الرجلين اللذين كانا في الموقع المناوئ للحسن والحسين «علیهما السلام»، قد اضطرا للاعتراف العملي بأن الحسنين «علیهما السلام» هما الأعرف بالشريعة ودقائقها، والمأمونان على حقائقها.
4 - هذه الحادثة تدل على أن ما يدعيه الزبيرية والعثمانية لزعمائهم وكبارهم، من علم ومعرفة بالدين والشريعة، يستحق كبارهم به مقام الخلافة لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ما هي إلا دعاوى فارغة، لا تستند إلى أساس مقبول ولا معقول.
والشاهد على ذلك: أن ابن الزبير الذي تصدى للخلافة، وكذلك عمرو ابن الخليفة عثمان بن عفان قد عجزا عن فتاوى يحتاجها أعرابي، يتهمونه بضيق الأفق والجهل والتخلف!!
وما عسى أن يدور بخلد أعرابي، يعيش في البادية القاحلة فضلا عن جدبها في مختلف أنواع العلوم والمعارف التي يفرضها التعايش
بين مختلف الفئات وتنتجها عقول العلماء فى الحواضر الإسلامية الكبيرة؟! نعم.. وماذا عسى أن تكون طبيعة تلك المسائل التي يحتاج إلى أجوبتها ؟!
5 - وقد ظهر لذلك الأعرابي البون الشاسع بين أهل البيت «علیهم السلام» وبين جميع من عداهم من خلال هذه المسائل التي احتاجها. فكيف لو عايش هؤلاء وأولئك، ورأى مدى التباين في الفكر والاعتقاد، والوعي، والتدين، والسلوك، والأخلاق، وفي سائر الأحوال؟!
6 - إن هذا يظهر لنا مدى الظلم الذي حاق بالأمة، بإبعاد أهل البيت «علیهم السلام» عن مواقعهم وإزالتهم عن مراتبهم التي رتبهم اللّه فيها، والاستعاضة عنهم بأمثال ابن الزبير، ويزيد وسواهما !!
وقد ألمح الإمام الحسين «علیه السلام» إلى هذه الحقيقة حين قال: «و على الإسلام السلام، إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد...» (1).
1) مثير الأحزان ص 15 وبحار الأنوار ج 44 ص326 والعوالم، الإمام الحسين ص 175 ولواعج الأشجان ص 26 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 17 واللّهوف ص 18 والمجالس الفاخرة ص 183.
إسماعيل بن صالح، باسناده: أن فاطمة «علیها السلام» قالت لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: يا رسول اللّه، إن أم سلمة قد غلبتني على الحسن والحسين، ما يبرحان من عندها، ولست أصبر عنهما.
فقال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ذلك لأم سلمة.
فقالت: يا رسول اللّه إني أحبهما حبا شديداً.
فقال لها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: أتحبينهما ؟!
فقالت: أي واللّه أحبهما.
فأعاد ذلك عليها ثلاثاً، وهى تقول مثل ذلك.
فقال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» والذي بعثني بالحق نبياً، [إنهما] لسيدا شباب أهل الجنة (1).
1) راجع: شرح الأخبار ج 3 ص 113 وموسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 21 ص 38 عنه.
ونقول:
1 - إن فاطمة الزهراء «علیها السلام» لم تكن بصدد إظهار الإستياء من فعل أم سلمة، ولا كان ذلك غيرة منها، لتمكنها من الفوز بمودة الحسن والحسين «علیهما السلام».دونها بل كانت شكواها شكوى امتنان وثناء، وإظهار لمدى إخلاص ومحبة أم سلمة للحسنين «صلوات اللّه وسلامه عليهما».
2 - إن علينا أن نقيس هذه المحبة التي كانت للحسنين «عليهما السلام» في قلب أم سلمة.. بما أظهرته الأحداث من كره شديد لهما «علیهما السلام» لدى بعض الأخريات من نساء النبي «صلی اللّه علیه وآله».. حتى إن إحداهن قادت جماعة من بني أمية فيهم مروان بن الحكم لمنع دفن الإمام الحسن عند جده «صلی اللّه علیه وآله» فرموا جنازته بالنبال (1). كما يحدثنا التاريخ.
وكانت تحتجب عن الحسنين «علیهما السلام»(2)، فضلاً عن قيادة حرب الجمل ضد علي والحسنين «علیهم السلام»، وكل من له بهما أية صلة أو رابطة وقد قتل في هذه الحرب الآلاف من
المسلمين.
3- يلاحظ: أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد قرر أم سلمة ثلاث،مرات، فأقرت بحب الحسنين «علیهما السلام». ولا ريب في أن هذا التكرار للسؤال الذي كان يتبعه الإقرار لم يكن سببه الريب في صدقها رضوان اللّه تعالى عليها»، فإنها أجلّ من ذلك، بل هو لإسماع الآخرين ذلك منها، وأنه ليس مجرد اجتهاد وحدس، ورأي مستنبط من ظواهر الأحوال، ومن الأفعال، ولحن الأقوال.. الأمر الذي يفسح المجال للريب، على أساس أنه لا يعلم حقيقة ما في القلوب إلا اللّه تعالى.
بل هو إقرار صريح، والمرء يؤخذ بإقراره.. فكيف إذا أكدت إقرارها هذا بالقسم بالذات الإلهية ثلاث مرات؟!
4 - إن تعلق الحسنين «علیهما السلام» بأم سلمة كان لافتا أيضاً، فهما ما يبرحان من عندها، فما الذي أوجب تعلقهما بها إلى هذا الحد؟! أليس هو شعورهما بصدق حبها لهما، وبإخلاصها، وخلوص حبها من شوائب التصنع، أو التزلف، أو الطمع بمكانة خاصة لها عند رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وعند علي والزهراء «عليهما السلام»؟!
ولعل ظهور هذا الإخلاص والخلوص، هو ما قصد النبي «صلی اللّه علیه وآله» للناس أن يعرفوه، وأن يثبته لهم بتقريره له، وبإقرارها المستند إلى القسم بالذات الإلهية أكثر من مرة.
5 - بالنسبة لجواب الرسول «صلی اللّه علیه وآله» الأخير لها نلاحظ أيضاً ما يلي:
ألف: إنه «صلی اللّه علیه وآله» أيضاً بدأ بالقسم.
ب: إنه اختار في تعبيره عن الذات الإلهية ليس لفظ الجلالة، بل كلمة: «بعثني بالحق نبياً»، وهي كلمة تشير
أولاً: إلى نبوته، ورسوليته، والنبي «صلی اللّه علیه وآله» لا «يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى» (1).
وثانياً إلى الحق، مما يعني أنه لا يقول ما يقوله محاباة..
6 - لكننا حين نظرنا في المضمون الذي قرره «صلی اللّه علیه وآله» بعد هذا القسم، رأينا أنه لم يتضمن شيئاً يرتبط بأم سلمة، كالثناء عليها، أو الدعاء لها، بل تضمن الثناء على الحسنين «علیهما السلام» فقط، لا بفعل صدر منهما في الدنيا، بل بما لهما من مقام عند اللّه في الآخرة.
7 - إن صرف الحديث إلى هذا الاتجاه إنما يهدف إلى إخراج الأمور عن الدائرة الشخصية المنحصرة بأم سلمة، وبالحسنين وحسب، ولكي يعطي قاعدة عامة، تفيد جميع الناس إذا أخذوا بها، فإنه «صلی اللّه علیه وآله» حين ذكر مقام الحسنين في الآخرة يكون قد أغرى كل عاقل مؤمن بأن يرتبط بالحسنين «علیهما السلام».
1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.
وإذا كان الحسنان سيدي شباب أهل الجنة، فإن أهل الجنة لا ينحصرون بفئة معينة، ولا بأهل زمان واحد، بل جميع المؤمنين الصالحين من عهد آدم وإلى يوم القيامة يدخلون الجنة ويكونون من أهلها. فسيادة الحسنين لهم جميعاً لا بد أن تكون لأجل خصوصية اقتضت ذلك، وعلاقة لهم بهما في هذه الدنيا اقتضت أن يكون هذا سيدا لهذا في الآخرة، وليست هي سوى علاقة الإمامة والهداية والاتباع التي تحتاج إلى المحبة، وإلى التعامل القريب والرضي.
وهذا الأمر ميسور في كل عصر ومصر. وهذا لا ينحصر بأم سلمة «رحمها اللّه»، ولا يستثني غيرها، إلا من أخرج هو نفسه من هذه الدائرة، ولم يقم وزناً لهذا الخبر الغيبي الصادق، والصادر عن الوحي الإلهي.
جاء في بعض النصوص عن المقدام بن معدي كرب: أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وضع الحسن «علیه السلام» في حجره، فقال: «هذا مني، وحسين من علي» (1).
1) المعجم الكبير ج 3 ص 43 وج 20 ص 268 و 269 وخلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 226 و 227 ومسند أحمد ج 4 ص 132 وسنن أبي داود ج 4 ص 68 و 69 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 275 ومسند الشاميين ج2 ص 170 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 13 ص 653 وج 12 ص 114 والتاريخ الصغير ج 1 ص 137 و تاريخ مدينة دمشق ج 63 ص 135 و 136 وج 72 75 و 76 و (ط دار الفكر) ج 60 ص 187 و 188 و ج 68 ص 93 و 135 وسير أعلام النبلاء ج3 ص158 وكفاية الطالب ص 414 و 415 والجوهرة في نسب الإمام علي للبري ص21 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 314 و ج 5 ص 99 ومختصر تاريخ دمشق ج 29 ص 219 و راجع: مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج3 ص158 وبحار الأنوار ج 43 ص 285 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 67 وج 19 ص 307 و 308 وج 26 ص 379 وج 26 ص 380 و 381 والصواعق المحرقة ص 191 وذخائر العقبى ص133.
ونقول:
لا بأس بالنظر في النقاط التالية:
1 - إن هذا الحديث لم يرو من طرق أهل البيت وشيعتهم «عليهم السلام والرحمة والبركات».
2 - إننا نحسب أن راوي هذه الرواية يريد الترويج للمقولة الأموية التي اعتبرت الحسين «علیه السلام» الشهيد المظلوم رجلاً دموياً وشرساً، لا يتورع عن سفك الدماء، وإدخال الناس في الحروب مهما كانت النتائج.. وإنما أخذ هذا عن أبيه، وأشبهه في هذه الخصوصية..
وذلك ليبرر قولهم له يوم عاشوراء: «إنما نقاتلك بغضا منا
لأبيك» (1).
وأما الإمام الحسن «علیه السلام»، فهو رجل مسالم، يكره سفك الدماء، ويسلم الأمر إلى معاوية، ويجلس في بيته ينتظر من يتبرع بدس السم إليه بطلب من معاوية نفسه الذي لم يجد لهذه المهمة إلا بنت الأشعث بن قيس، التي كانت زوجة الإمام الحسن «عليه السلام».
وبالرغم من وجود نصوص صرحت: بأن الإمام الحسين «علیه السلام» أشبه بني هاشم برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». وقد ذكرناها في موضع آخر من هذا الكتاب، فإننا لم نستطع أن نفهم لماذا أشبه الحسن جده، وأشبه الحسين أباه في خصوص هذا الأمر بالذات، مع أنهما عاشا معاً طفولتهما مع جدهما «صلی اللّه علیه وآله»، ويكادان لا يفترقان عن بعضهما إلا إن كان أحدهما في حال التخلي، أو النوم؟!
فلماذا لم ينعكس الأمر ويكون الإمام الحسن «علیه السلام» دموياً؟!
أو لماذا لم يكونا معاً دمويّين؟!
1) ينابيع المودة ص 416 و (ط دار الأسوة سنة 1416ه) ج3 ص80 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 647 وعن مقتل الحسين «علیه السلام» ومصرع أهل بيته ص132 وعن معالي السبطين ج 2 ص 12.
أو يكونا معاً مسالمين؟!
مع أنهما كانا متوافقين في جميع خصالهما، وفي مختلف حالاتهما وتصرفاتهما.
ومع أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد أيد أخاه في موقفه من معاوية، وفي قراره، وقد أثنى عليه، وجعله من مفاخره
ومع أنهما قد شاركا في حرب الجمل وصفين، ومع أن الحروب التي خاضها علي «علیه السلام» في عهد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كانت بأمر، وإمرة جدهما الرسول نفسه، وإنما كان علي «علیه السلام» ينفذ أمره «صلی اللّه علیه وآله».
الحسن بن موسى بإسناده عن عبد اللّه بن عبّاس، قال: دخلت على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وهو في منزل عائشة، وهو محتب، وحوله أزواجه. فبينما نحن كذلك، إذ أقبل عليّ بن أبي طالب «علیه السلام» بالباب، فأذن له، فدخل.
فلمّا رآه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، قال: مرحبا يا أبا الحسن، مرحبا يا أخي وابن عمِّي، وناوله يده، فصافحه
وقبل عليّ «علیه السلام» بين عيني رسول اللّه، وقبله رسول اللّه، ثمّ أجلسه عن يمينه وقال ما فعل ابناي الحسن والحسين؟!
قال: مضيا إلى بيت أم سلمة يطلبان رسول اللّه «صلی اللّه علیه
وآله».
فبينما نحن كذلك، إذ قالوا: [إنّ] عثمان وعمر، وأبا بكر، وجماعة من أصحاب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بالباب. فأذن لهم، وتفرّق أزواجه، ودخلوا، فسلموا، وجلسوا.
ثم أقبل أبو ذرّ وسلمان، فأذن لهما، فدخلا، فسلما على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فصافحهما، فقبلا بين عيني رسول اللّه، وأوسع أبو بكر وعمر لهما، فهويا إلى عليّ «علیه السلام».
فقال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: يجلسان إلى من يحبّهما ويحبّانه.
ثم أقبل بلال، ومعه الحسن والحسين «علیهما السلام»، فدخل
فقال لهما رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» مرحباً بحبيبي، وابني حبيبيَّ.
فقبَّل بين أعينهما، وجلسا بين يديه، ثمّ قاما يدخلان إلى عائشة.
فقال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: أحبّيهما يا عائشة وامحضيهما المحبّة، فإنّهما ثمرة فؤادي، وسيّدا شباب أهل الجنّة، ما أحبّهما أحد إلا أحبّه اللّه، ولا أبغضهما أحد إلا أبغضه اللّه، مَنْ أحبّهما [فقد أحبّني، ومَنْ أحبّني فقد أحبّ اللّه، ومَنْ أبغضهما] فقد أبغضني، ومَنْ أبغضني فقد أبغض اللّه.
وكأنّي أرى ما يرتكب منهما، وذلك في سابق علم اللّه عزّ وجلّ.
وكأنّي أرى مقعدهما من الجنّة، ومقعد من أبغضهما من النّار.
والذي نفسي بيده ليكبّ اللّه عدوّهما ومبغضيهما في النار على وجوههم.
ثمّ قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لا تولوا أهل الدّمة رقاب المسلمين، فتذلوهم. ولا يبدؤهم من ولوا عليه بالسلام، ويصافحهم. خذوهم بحلق رؤوسهم، وإظهار زنانيرهم.
إنّ حرمة المؤمن عند اللّه أعظم من حرمة الملائكة.
قال عمر بن الخطاب: ومن جبرائيل؟!
فالتفت إلى عليّ «علیه السلام»، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟
فقال: من جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وحملة العرش، والملائكة المقرّبين؟!
فقال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: صدق أخي وابن عمِّي.
ثم التفت إلينا، فقال: قد ملأ اللّه قلبه إيماناً وعلماً وفقها. فمن أشكل عليه شيء من أمر دينه وشرايعه وفرائضه، وستته، فليأت عليّا.
ثم أخذ بيده، فقال: يا علي مَنْ أحبك أحبّني، ومَنْ أحبّني فقد أحبّ اللّه، ومَنْ أبغضك فقد أبغضني، ومَنْ أبغضني فقد أبغض اللّه، ومَنْ سبّك سبني، ومَنْ سبّني فقد سب اللّه.
أنت يا عليّ، قاتل،الناكثين، والقاسطين والمارقين، ومَنْ خالف
سنتي (1).
ونقول:
إن لنا مع هذه الرواية العديد من الوقفات، غير أننا نقتصر منها على بعض ما يرتبط بالحسنين «علیهما السلام»، فنقول:
تظهر الرواية اهتمام رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بالحسن والحسين «علیهما السلام»، فإنه «صلی اللّه علیه وآله» حين دخل إليه أمير المؤمنين «علیه السلام» وسلم عليه كان أول سؤال وجهه إليه قوله: «.. ما فعل ابناي الحسن والحسين»؟!
وحين جاء بلال بهما، كانت أول كلمة قالها لهما هي: «مرحباً بحبيبيَّ، وابني حبيبيَّ»، فقبل بين أعينهما، وجلسا بين يديه الخ..، ثم أوصى عائشة بأن تحبهما، بالإضافة إلى أمور هامة أخرى..
واهتمام الإنسان بولده ليس غريباً في نفسه، ولكن ربما كان اهتمام النبي «صلی اللّه علیه وآله» بهما هنا قد جاء تمهيداً وتوطئة لإبلاغ الأمة كلها بما يجب عليها تجاههما..
فدلنا ذلك على أن القضية ليست مجرد إظهار إنسان محبته لولده. بل المسألة مسألة أمة بأسرها بدأ من زمنه «صلى اللّه عليه
1) شرح الأخبار للقاضي النعمان ج 3 ص 107 - 110 وموسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 21 ص 36 و 37 عنه.
وآله»، وليس انتهاءً بيوم القيامة. بل يضاف إلى ذلك: الامتداد إلى يوم القيامة أيضاً. فإن العلاقة بهما «علیهما السلام» هي التي تحدد مصير البشر كل البشر في ذلك اليوم.. ولأجل ذلك كانت نتيجة وخلاصة كل ما قاله «صلی اللّه علیه وآله» في الثناء عليهما هو في قوله «صلی اللّه علیه وآله»:
«وكأنّي أرى مقعدهما من الجنّة، ومقعد مَنْ أبغضهما من النّار، والذي نفسي بيده ليكبّ اللّه عدوّهما ومبغضيهما في النار على وجوههم».
ثم كان أول كلام قاله بعد حضور الحسنين «علیهما السلام»: أن أصدر لعائشة أمراً يوجب عليها حبهما، فقال لها: «أحبيهما يا عائشة».
ثم أتبعه بأمر آخر على سبيل الترقي من مجرد الأمر بالحب، إلى طلب خلوص هذا الحب من أية شائبة، فلا يخالطه غيره مهما كان.
ولكن لماذا خص عائشة بهذا الخطاب؟!
فهل من المعقول أن تكون عائشة لم تكن تحب الحسنين إلى ذلك اليوم الذي صارا فيه كبيرين، ويذهبان من بيت إلى بيت؟! وهذا إنما كان في أواخر حياة النبي «صلی اللّه علیه وآله»؟!
إنه «صلی اللّه علیه وآله» لم يأمرها بأن تزداد حبا لهما، بل أمرها بأن تحدث هذا الحب بعد أن لم يكن !! مع ما تراه من شدة محبة
النبي «صلی اللّه علیه وآله» لهما، وما تسمعه منه «صلی اللّه علیه وآله» من أوامر يتلو بعضها بعضاً، ومن إخبارات له عن أن اللّه هو الذي يأمر بحبهما !! فلماذا تأخر حدوث هذا الحب في قلبها إلى هذا الوقت مع كل ما تراه وتسمعه؟!
ونسألها أيضاً عن هذا الوقت وبعده، هل حدث الحب لهما في قلبها ؟! وهل عملت بوصية رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»؟! وهل محضتهما هذا الحب، وخلصته من شائبة المجاملة، والتستر على حقیقته ومداه، ومن دواعي المصلحة لها في أن لا تظهر ما يخالف رغبة النبي «صلی اللّه علیه وآله» في حياة النبي «صلی اللّه علیه وآله»؟!
إن ما جرى بعد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، والسياسات التي آذت وأساءت إلى أهل البيت «علیهم السلام»، كالذي حصل يوم الجمل، ويوم استشهاد الإمام الحسن «علیه السلام»، واحتجاب عائشة عن الحسنين «علیهما السلام» وغير ذلك يجعلنا نشك في أصل حدوث هذا الحب للحسنين «علیهما السلام»، فضلاً عن أن يكون محضاً وخالصاً عن أية شائبة.
وقوله «صلی اللّه علیه وآله» في نفس كلامه المتقدم: «وكأنّي أرى ما يرتكب منهما، وذلك في سابق علم اللّه عزّ وجلّ»، كأنه صريح في أنه «صلی اللّه علیه وآله» عالم بأن أوامره هذه لن تجد لها
صدى عندها. والأحداث قد أثبتت ذلك.
وكلامه هذا يدل على أنه عالم بها، وأن على الناس أن يرصدوا الأمور بدقة، وأن لا ينخدعوا بالمظاهر، وأن يحترزوا من أن يصبحوا مطية لأصحاب الأغراض.. فإنهم إن فعلوا ذلك، فلا يلوموا إلا أنفسهم.
وبعد هذا الإعلام الذي تكرر كثيراً ليس لأحد أن يتذرع بالجهل بما في القلوب، فقد أعلمهم رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» الذي لا ينطق عن الهوى.. مصرحاً لهم بأن ما يخبرهم به هو في سابق علم اللّه تعالى واللّه هو الذي أخبره به فليس لأحد أن يدعي أنه توقع واجتهاد منه «صلی اللّه علیه وآله».
وقد يدور بخلد البعض سؤال يقول: إن الحب هو الإنجذاب للشيء، والتعلق به، وهو تأثر وانفعال نفساني، يوجد بأسبابه، وليس من أسبابه الأمر والنهي؟! فإن الحب ليس فعلا من الأفعال يبادر إليه من يؤمر به؟! بل هو ميل وانجذاب وتأثر قهري، من قبيل أن تذكر الحامض مثلاً يسيل اللعاب، وتذكر الأحبة يوجب الأنس، وتذكر فقدهم يوجب الحزن. فهل يمكن الأمر، أو النهي عن مثل هذه الأمور التي تحصل قهراً ؟!
ويجاب:
بأن الأمور الاختيارية على نحوين:
الأول: ما يتعلق الاختيار والقدرة به مباشرة، كتحريك الإنسان يده، فيصح تعلق الأمر بها مباشرة، فيقال له حرك يدك، فيحركها.
الثاني: ما لا يقع تحت الاختيار والقدرة مباشرة، بل الحصول عليه إنما يتم بالوسائل التي تؤدي إليه، فمثلاً لا يستطيع الإنسان أن يوجد القمح أو الثمر مباشرة، ولكنه يستطيع أن يوجد السبب لوجوده، بأن يحرث ويزرع، ويسقي الماء، فإن الأرض تنبت له القمح، ويؤتي الشجر ثماره، فإن القدرة على السبب قدرة على المسبب.
والأمر هنا كذلك فإن الإنسان، وإن كان لا يستطيع أن يوجد الحب في قلبه مباشرة، فضلاً عن أن يجعله خالصاً من أية شائبة، ولكنه قادر على إيجاد الأسباب التي توجد هذا الحب، وأن يوصله بواسطتها، وذلك بتعميقه إلى درجة الخلوص أيضاً، فإيمانه باللّه من خلال التماس الدلائل عليه، والتفكر في بديع صنعه، وفي آلائه، وفي آياته، ومخلوقاته، وتلمس ألطافه، ونعمه، وفضله عليه. وما إلى ذلك.
يضاف إلى ذلك: أن من موجبات ذلك الحب التماس الأدلة على صدق النبي، والاطلاع على معجزاته وكراماته، والإيمان بالآخرة، وإخضاع النفس للأوامر والنواهي الإلهية والنبوية طلبا للمثوبة، والأمن من العقوبة.
فإذا عرف اللّه وعبده، كما أمره، واستمر على ذلك، وصمم على أن لا يقيم وزناً لكل زخارف الدنيا، وتوكل على اللّه، وسلم إليه، ووثق بما عنده، فجاهد نفسه، وكفها عن الشهوات واجتنب المناهي، والتزم
بالطاعات.. فإن هذا سيؤدي به إلى حب اللّه تعالى ويزداد حبه، ويزيد خلوصاً ونقاء كلما أوغل في هذا كله.
وقد أشارت الرواية إلى عذاب المبغض والعدو لهؤلاء الصفوة من أهل البيت.. والفرق بينهما : أن العدو هو خصوص المبغض الذي ظهر بغضه في أفعاله ومواقفه.. أما المبغض، فهو الذي يضمر النفور والكراهة التي هي انفعال نفساني. وقد يتمكن الإنسان من كتمان بغضه، وقد يظهره، فإن ظهر هذا البغض على الأفعال والأقوال والمواقف صارت عداوة.
عن عائشة قالت:
كنت عند رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فذكر عليا، فقال: يا عائشة، لم يكن قط في الدنيا أحد أحب إلى اللّه منه، وأحب إلي منه، ومن زوجته فاطمة ابنتي، ومن ولديه الحسن والحسين «عليهما السلام».
يا عائشة، تعلمين أي شيء رأيت لابنتي فاطمة ولبعلها؟!
قالت لا، فأخبرني يا رسول اللّه.
قال: يا عائشة، إن ابنتي سيدة نساء العالمين، وإن بعلها لا يقاس بأحد من الناس، وإن ولديه الحسن والحسين هما ريحانتاي في الدنيا والآخرة.
يا عائشة، أنا وفاطمة، والحسن والحسين، وابن عمي علي في غرفة من درة بيضاء، أساسها من رحمة اللّه تعالى، وأطرافها من عفو اللّه تعالى ورضوانه، وهي تحت عرش اللّه تعالى.
وبين علي وبين نور اللّه باب ينظر إلى اللّه، وينظر اللّه إليه، وعلى رأسه تاج قد أضاء نوره ما بين المشرق والمغرب، وهو يرفل
في حلتين حمراوين.
يا عائشة، خلقت ذرية محبينا من طينة تحت العرش، وخلقت ذرية مبغضينا من طينة الخبال، وهي في جهنم (1).
ونقول:
تضمن هذا النص الإلماح إلى العديد من الأمور، ونحن نشير هنا إلى بعضها، فنقول :
ما ذكرته الرواية، من أن بين علي وبين نور اللّه، باب ينظر إلى اللّه الخ.. لا يقصد النظر إلى اللّه حقيقة، لأن ذلك يستلزم أن يكون اللّه تعالى في جهة، وفي مكان، ويستلزم التجسيم، وغير ذلك. وإنما المراد:الباب هو الفاصل بين علي وبين نور اللّه، فالنظر إلى نور اللّه بمثابة النظر إلى اللّه تعالى.. لا أنه ينظر إلى اللّه تعالى حقيقة.
إنه «صلی اللّه علیه وآله» يخاطب عائشة، ويسميها باسمها، ويكرر مناداته إياها باسمها خمس مرات، لكي يضمن إصغاءها إليه، وفهمها لما يلقيه عليها بدقة تامة، ومن دون أن يفوتها شيء..
1) الفضائل لابن شاذان ص 169 و 170 وبحار الأنوار ج 37 ص78 و 79 والروضة في فضائل أمير المؤمنين لابن شاذان ص 212.
ولو أنه «صلی اللّه علیه وآله» ألقى الكلام إليها من دون تحديد وتسمية لها باسمها مرة بعد أخرى، فإنها لن ترى أن هذا الكلام يعنيها كثيراً، فلماذا تتعب نفسها في متابعته وفهمه، وهي غير معنية مباشرة بما يقال، ولا شيء يلزمها بالانتباه إليه، وضبط كل كلمة فيه.
1 - إن النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وهو يعبر عن حبه لعلي «علیه السلام» وفاطمة، قد وضع المضامين في صيغ بالغة الوضوح، تمتاز بدقة التحديد إلى حد أنها غير قابلة للاستثناء.
2 - إنه يقول عن حب اللّه تعالى وحبه «صلی اللّه علیه وآله» لفاطمة وعلي «علیهما السلام»: «لم يكن قط في الدنيا أحد أحب إلى اللّه منه، وأحب إلي منه، ومن زوجته فاطمة ابنتي..».
3 - إنه «صلی اللّه علیه وآله» لم يقل: علي أحب الناس إلى اللّه وإلي مثلا، بل جاء بصيغة النفي والإثبات الدالة على النفي عن كل فرد فرد في الدنيا، بقرينة كلمة «أحد»، وإثبات ما نفاه عن جميع الأفراد لفرد واحد دون سواه.
4 - كما أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد أضاف كلمة «قط» ليدل على أن النفى بقوله «لم يكن» مقصود على الحقيقة، وليس فيه تجوز، ولا مبالغة، فإن كلمة قط صريحة في هذا الأمر بما لا مزيد عليه.
ه - إنه «صلی اللّه علیه وآله» قد كرّس كل حديثه ليكون حبه هو لعلي «علیه السلام»، وارتفع به ليصل إلى هذا الحد الخارق والفريد.
ربما لكي لا يتوهم متوهم، لا يعرف معنى الرسولية والنبوة على حقيقتها أن هذه منه «صلی اللّه علیه وآله» مجرد عاطفة سببها الرحم، والمصاهرة، والتربية والمعاشرة، أو العصبية، أو ما إلى ذلك.
ولو أنه «صلی اللّه علیه وآله» عاشر غير علي «علیه السلام»، واطلع على مزاياه لقال فيه مثل ذلك.
فلأجل دفع هذا الوهم الباطل، الدال على الجهل الذريع بمقام النبوة بدأ حديثه بالإخبار الغيبي عن حب اللّه تعالى لعلي «عليه السلام» إلى هذا الحد الذي لا يمكن تصوره.. فلو لم يكن «صلى اللّه عليه وآله» مطلعاً على هذا الأمر بواسطة الوحي الإلهي عن اللّه لما أخبر به عنه تعالى.. كيف وقد قال تعالى: «وَلَوْ تَقُولُ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل * لأخَدْنا مِنْهُ باليَمِين * ثُمَّ لقطعنا مِنْهُ الوَتِينَ» (1).
وتكرار الخطاب لعائشة في خصوص هذه الأمور الحساسة، التي تتضمن:
1 - أنه لا أحد قط أحب إلى اللّه ورسوله من علي.
2 - لا أحد قط أحب إلى اللّه ورسوله من فاطمة ابنته.
ويلاحظ توصیفه «صلی اللّه علیه وآله» فاطمة «علیها السلام»
1) الآيات 44 - 46 من سورة الحاقة.
بكلمة «ابنتي» ربما لكي يمنع أي تأويل أو ادّعاء إجمال في المراد بكلمة «فاطمة».
3 - لا أحد قط أحب إلى اللّه ورسوله من الحسن والحسين.
4 - توصيف فاطمة على لسان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بأنها سيدة نساء العالمين.
5 - توصيف علي «علیه السلام» بأنه لا يقاس به أحد، فلا معنى لادّعاء مساواة أحد له بالفضل، فما بالك بادّعاء أفضلية أحد من البشر عليه.
6 - حسم الأمر فيما يرتبط بمكانة الحسنين «عليهما السلام»، وأنهما ريحانتا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
7 - الإخبار عن أن ذرية مبغضي هؤلاء الصفوة خلقت من طين خبال، وأن ذرية محبيهم من طينة تحت العرش.
8 - توصيف المقام العظيم الذي لعلي «علیه السلام»، والصفوة الأطهار معه عند اللّه، وأنهم في غرفة هي من درة بيضاء، أساسها من رحمة اللّه وأطرافها من عفو اللّه ورضوانه، وعلى رأس علي تاج قد أضاء نوره ما بين المشرق والمغرب.. إلى آخر ما تقدم.
وكل هذه الأمور الثمانية - التي تقدم أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد قررها لعائشة - كانت عائشة بصدد نقضها، وتحويرها، وهذا ما
حصل بالفعل، فإن سياسات عائشة وفريقها كان لها عمود فقري ومحوري، وهو إيجاد النقيض لهذه الحقائق الثمانية، ويمكن تقديم نماذج لهذه النقائض على النحو التالي:
1 - يقال: إن عمرو بن العاص سأل النبي «صلی اللّه علیه وآله»: من أحب الناس إليك؟!
قال: عائشة.
قال: إنما أقول من الرجال.
قال : أبوها (1).
1) الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 706 و 707 و (ط دار الفكر) ج 5ص 364 و 365 وفضائل الصحابة للنسائي ص 8 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص 176 وج 8 ص 67 والمستدرك للحاكم ج4 ص12 وتاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 199 وج 30 ص 27 و 134 و 135 و 136 و 137 وج 44 ص 221 وج 46 ص 147 والكشف الحثيث ص 141 والسنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 370 و ج 7 ص 299 و ج 10 ص 233 وعمدة القاري ج 16 ص 181 وج 18 ص 13 ومنتخب مسند عبد بن حمید ص 121 والسنة لابن أبي عاصم ص 564 والسنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 39 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 308 - 309 و 326 وج 16 ص 40 والمعجم الكبير ج 23 ص 43 و 44 والإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 358 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 967 وج 4 ص 1883 والرياض النضرة ج 1 ص 33 و 135 و 267 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 12 ص 500 وفيض القدير ج 1 ص 218 ومعالم التنزيل ج 4 ص 207 والجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 218 والإحكام لابن حزم ج3 ص326 ولسان الميزان ج 3 ص 216 وذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 132 وأسد الغابة (ط سنة 1415ه) ج 7 ص188 و (ط دار الكتاب العربي) ج 5 ص 503 وتهذيب الكمال ج 35 ص 235 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 142 و 147 و 148 والإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 149 وتهذيب التهذيب ج 12 ص 386 وأنساب الأشراف ج 10 ص 66 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 246 والوافي بالوفيات ج 16 ص 342 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 3 ص 283 وج 5 ص 238 وج8 ص 100 وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص52 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص333 وج 3 ص 520 و 521 وج 4 ص 435 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 170 و 255 ونهاية الأرب ج 18 ص 175 وج 19 ص 22 ومسند أحمد ج 4 ص 203 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 4 ص 192 وج 5 ص 113 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 7 ص 109 وراجع: عيون أخبار الرضا ج 2 ص 202 وكتاب سليم بن قيس ص 277 والصوارم المهرقة ص 322 وبحار الأنوار ج 3 ص 224 وج 49 ص 192 ونخبة اللآلي ص 77.
وروي نفس هذا المعنى عن أنس أيضاً.
2 - وفي حديث الزواج بعائشة قالت عائشة: إن خولة بنت حكيم بن الأوقص عرضت على النبي «صلی اللّه علیه وآله» أن يتزوج، إن شاء بكراً، وإن شاء ثيباً.
قال: فمن البكر؟!
قالت: بنت أحب خلق اللّه إليك، عائشة بنت أبي بكر (1).
3 - تقول عائشة أيضاً : «وكنت أحب نسائه إليه، وكان أبى أحب أصحابه إليه» (2).
4 - عن عكرمة : كانت عائشة تحتجب من حسن وحسين. قال ابن
1) الإصابة ج 4 ص 359 و (ط دار الکتب العلمیة) ج 8 ص 232 وأسد الغابة (ط سنة 1415ه) ج 7 ص 187 و (ط دار الكتاب العربي) ج 5 ص 502 وبحار الأنوار ج 19 ص 23 ومسند أحمد ج 6 ص 210 ومجمع الزوائد ص23 ج6 ص210 ج ص225 ومسند ابن راهويه ج 2 ص 14 والآحاد والمثاني جه ص 389 والمعجم الكبير ج 23 ص 23 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 411 و 412 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 3 ص 162 وإمتاع الأسماع ج 11 ص 236 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص 195 والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 142 والسيرة الحلبية ج 2 ص 42.
2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 65 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 178 وراجع 179 والإصابة (ط دار الکتب العلمیة) ج 8 ص 234 والمعجم الكبير للطبراني ج 23 ص 30 وراجع ص31 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 147 وراجع تخريج الأحاديث والآثار ج 2 ص 426 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 101.
عباس : إن لدخولهما عليها لحل أو ليحلّ] !!(1).
5 - حين استشهد الإمام الحسن «علیه السلام»، وأراد الإمام الحسين «علیه السلام» أن يدخل جنازته ليجدد العهد بجده «صلى اللّه عليه وآله»، توهمت عائشة أنه يريد دفنه عند جده.. فجمعت عائشة من كان من بني أمية ومن حشمهم، وفيهم مروان، وجاءت راكبة على بغل لتمنع من دفنه عند رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»..
وصارت عائشة تنادي: نحوا ولدكم عن بيتي، ولا تدخلوا بيتي من لا أحب (2).
ورموا جنازته «علیه السلام» بالسهام، وأصاب الجنازة عدد من تلك السهام، حتى سل منها سبعون نبلاً (3).
1) راجع الطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص73.
2) راجع: مقاتل الطالبيين ص 49 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 468 والإرشاد للمفيد ص 193 و (ط دار المفيد ج 2 ص 18 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 225 وراجع الخرائج والجرائح ج 1 ص 242 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 149 وبحار الأنوار ج 44 ص 153 و 154 و 157 والأنوار البهية ص 92 والدرجات الرفيعة ص 125 وقاموس الرجال ج 12 ص 300 وأعيان الشيعة ج 1 ص 576 والجمل للمفيد ص 234 وكشف الغمة ج 2 ص 209 مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 204 وراجع: روضة الواعظين ص 168.
3) راجع: مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 204 وبحار الأنوار ج 44 ص 157 والأنوار البهية ص 93 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 544 والعوالم ج 16 ص 286 وراجع الصوارم المهرقة ص 161.
6 - روى عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، عن عائشة: أنّها قالت عن النبي «صلی اللّه علیه وآله»:
.. فاستأذنهنّ (يعني زوجاته أن يمرض في بيتي، فأذن له.
فخرج رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر، تخط قدماه «صلی اللّه علیه وآله» الأرض، عاصباً رأسه حتى دخل بيتي.
قال عبيد اللّه : فحدثت هذا الحديث عنها عبد اللّه بن عباس، فقال: هل تدري من الرّجل؟!
قلت: لا.
قال: على بن أبى طالب «علیه السلام»، ولكنّها كانت لا تقدر على أن تذكره بخير، وهي تستطيع (1).
1) راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 544 و 545 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 2 ص 433 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص28 وقاموس الرجال للتستري ج 12 ص 299 والجمل للشيخ المفيد (ط مكتبة الداوري - قم) ص 128 وراجع ص 82 و 83 وراجع: الإرشاد (ط دار المفيد) ج 1 ص 310 و 311 ووقعة الجمل لابن شدقم ص25 و 26 ص310 وبحار الأنوار ج 42 ص 20.
والصحيح: أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» إنما خرج متكئاً على الفضل بن العباس وعلي «علیه السلام»، ليس لأجل الوصول إلى بيت عائشة، لكي يمرض عندها، بل لأجل عزل أبيها عن الصلاة بالناس، حينما أمرته هي بالصلاة، لكي تجعل ذلك ذريعة إلى الخلافة له بعد رسول اللّه (1).
7 - لما جاءها خبر استشهاد علي «علیه السلام» سجدت شكراً، وتمثلت:
فإن تك ناعياً فلقد نعاه***نعيٌّ ليست في فيه التراب
فقالت لها زينب بنت أبي سلمة: ألعلي تقولين هذا؟!
فتضاحكت ثم قالت: أنسى، فإذا نسيت فذكروني.
ثم خرت ساجدة شكراً على ما بلغها من قتله، ورفعت رأسها وهي تقول:
وألقت عصاها واستقر بها***كما قر عيناً بالإياب المسافر (2)
1) راجع: الإرشاد للمفيد ص 97 و 98 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 9 ص 196 - 198 والسقيفة ص 52 - 54 و (نشر مؤسسة أنصاريان) ص 56 - 58 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 619.
2) راجع: الجمل للمفيد ص 159 و (ط مكتبة الداوري - قم) ص84 والمراجعات للسيد شرف الدين ص 318 والجمل لابن شدقم ص26 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 624 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 155 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 115 ونهج السعادة ج8 ص 508 وقاموس الرجال للتستري ج 12 ص 299 وأعيان الشيعة ج 1 ص 121 ومدينة المعاجز ج 3 ص 411 و 412 والشافي للسيد المرتضى ج 4 ص 355 وتلخيص الشافي ج 4 ص 157 وراجع: مقاتل الطالبيين ص 42 و 43 و (ط المکتبة الحیدریة سنة 1385ه) ص 26 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص 471 والكامل في التاريخ ج 3 ص 394 و 395 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 104 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص40 ص4 وبحار الأنوار ج 32 ص 340 و 341.
8 - قال :مسروق دخلت على عائشة، فجلست إليها، فحدثتني واستدعت غلاماً لها أسود يقال له: عبد الرحمان، فجاء حتى وقف، فقالت: یا مسروق، أتدري لم سميته عبد الرحمان؟!
فقلت: لا.
فقالت: حباً مني لعبد الرحمان بن ملجم (1).
9 - عن عائشة وغيرها: أنه «صلی اللّه علیه وآله» قال: إن
1) راجع: الشافي في الإمامة ج 4 ص 356 وبحار الأنوار ج 22 ص 234 وج 32 ص 341 و 342 و ج 28 ص 150 و ج 32 ص 341 و 342 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 512 وقاموس الرجال للتستري ج1 ص 475 وج 10 ص 475 و ج 12 ص 300 و ج 13 ص 299 و 300 والجمل للمفيد ص 159 و 160 و (ط مكتبة الداوري - قم) ص84 والجمل لابن شدقم ص 26 وتلخيص الشافي ج 4 ص 158.
فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام (1).
1) راجع: مسند أحمد ج 3 ص 156 و 264 وج 4 ص 394 و 409 وج 6 ص 159 وسنن الدارمي ج 2 ص 106 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج4 ص 132 و 139 و 220 وج 6 ص 205 و 207 وصحیح مسلم (ط دار الفكر) ج 7 ص 133 و 138 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 1091 و 1092 وسنن الترمذي ج 3 ص 179 و 180 و ج 5 ص 365 وج 7 ص 68 وفضائل الصحابة للنسائي ص 85 والمستدرك للحاكم ج 3 ص 587 وج4 ص 116 وشرح صحيح مسلم للنووي ج 15 ص 199 ومجمع الزوائد ج 9 ص 243 وفتح الباري ج 7 ص 83 وعمدة القاري ج 15 ص 308 وج 16 ص 26 و 250 و ج 21 ص 54 و 60 وتحفة الأحوذي ج 5 ص 460 جه وج 10 ص 260 ومسند أبي داود الطيالسي ص 68 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 527 و 529 ومسند ابن راهويه ج 2 ص 21 و 486 ومنتخب مسند عبد بن حميد ص 198 و الشمائل المحمدية ص 98 والأحاد والمثاني ج 5 ص 393 و 394 والسنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 161 وج 5 ص 102 و ج 5 ص 283 و 284 ومسند أبي يعلى ج6 ص 345 و 346 و 347 وج 13 ص 219 و 220 و 235 وصحيح ابن حبان ج16 ص 50 و 51 و 52 والمعجم الأوسط ج 2 ص 369 وج5 ص 42 و 43 والمعجم الصغير ج 1 ص 94 والمعجم الكبير ج 19 ص 28 وج 23 ص 42 و 43 وسؤالات حمزة للدارقطني ص 177 وشعب الإيمان ج ص 93 والاستيعاب (ط دار الجيل) ج 4 ص 1883 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 14 ص 23 وتخريج الأحاديث والآثار ج 4 ص 67 وبغية الباحث ص 299 والجامع الصغير ج 1 ص 351 و ج 2 ص 296 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 12 ص 133 و 136 و 144 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 493 وفيض القدير ج 2 ص 585 و ج 5 ص 66 وكشف الخفاء ج 1 ص 155 و 389 و 461 وج 2 ص 89 وتفسير ابن أبي حاتم ج 11 ص 209 وتفسير الثعلبي ج 9 ص 353 وتفسير البغوي ج 1 ص 301 والجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 106 وج 4 ص82 و 83 وتفسير البيضاوي ج 5 ص 227 و 359 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 371 وج 4 ص 154 و 421 والدر المنثور ج 2 ص 23 وجه ص37 وتفسير أبي السعود ج 8 ص 270 وفتح القدير ج 1 ص 340 وج 5 ص 257 وتفسير الألوسي ج 3 ص 155 و ج 18 ص 132 و ج 28 ص 165 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 79 وطبقات المحدثين بأصبهان ج 2 ص 285 وتاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 323 وج 70 ص 116 و 117 وأسد الغابة ج 5 ص 503 وتهذيب الكمال ج 35 ص 235 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 144 و 145 وطبقات الشافعية الكبرى ج 4 ص 400 والإصابة ج 8 ص 233 وتهذيب التهذيب ج 12 ص 386 وأنساب الأشراف ج 1 ص 413 وذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 215 و 245 وج4 ص 245 والوافي بالوفيات ج 16 ص 342 ومرآة الجنان ج 1 ص 45 و 104 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص 73 وج 3 ص 159 و 160 وج 8 ص 100 وإمتاع الأسماع ج 10 ص270 و 271 و 273 والنجوم الزاهرة ج 1 ص 150 والروض الأنف ج 4 ص 267 وعيون الأثر ج 2 ص 382 والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 137 و 138 وقصص الأنبياء لابن كثير ج 2 ص 379 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 176 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 9.
10 - يضاف إلى ذلك كله أن الرواية المتقدمة ذكرت أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» في يوم القيامة يكون هو وعلي وفاطمة، والحسن والحسين في غرفة من درة بيضاء، أساسها من رحمة اللّه تعالى، وأطرافها من عفو اللّه ورضوانه، وهي تحت عرش اللّه تعالى.
وبين علي وبين نور اللّه باب ينظر إلى اللّه، وينظر اللّه إليه، وعلى رأسه تاج قد أضاء نوره ما بين المشرق والمغرب، وهو يرفل في حلتين حمراوين..
فمن استطاع أن يكون مع هؤلاء الأطهار، هل يتردد أو يرفض؟!
ولكن عائشة ترفض أن تدفن مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، لأنها - حسب اعترافها - قد أحدثت بعده (1)
وتذكر الروايات: أنها حين أحست بقرب أجلها تمتت لو كانت نسيا
1) راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 74 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 29 والمستدرك للحاكم ج 4 ص 6 وج 8 ص 708 ومسند ابن راهويه ج 2 ص 43 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 193 والمصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص230 والمعارف لابن قتيبة ص 80 و (ط دار المعارف بمصر) ص 134 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 32 ص 411 عن أخبار النساء في العقد الفريد (ط دار الكتب العلمية - بيروت) ص 158 وراجع: الكافئة للشيخ المفيد ص 40 وبحار الأنوار ج 32 ص327 والصراط المستقيم ج 3 ص 45 وقاموس الرجال للتستري ج 12 ص292.
منسيا (1).
وكانت تقول أيضاً : واللّه لوددت أني كنت شجرة، واللّه لوددت أني كنت مدرة، واللّه لوددت أن اللّه لم يكن خلقني شيئاً قط (2).
وكانت تقول: يا ليتنى كنت شجرة، يا ليتنى كنت حجراً، يا ليتني كنت مدرة (3).
وقد حاول ابن عباس أن يخفف عنها ببعض الكلام، ولكنها بعد كل الذي سمعته منه عادت لتقول : لوددت أني كنت نسيا منسيا (4).
1) راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 73 و 74 ومسند ابن راهويه ج 2 ص 40 ونهج الحق ص 370 و (المطبوع مع دلائل الصدق) ج3 ق2 2 ص 156 والمناقب للخوارزمي ص 182 والمنتظم ج ص 95 وأنساب الأشراف، ترجمة الإمام علي «علیه السلام» (بتحقيق المحمودي) ص 265 وتاريخ بغداد ج 9 ص 184 و 185 وتذكرة الخواص ج1 ص 395 و 396 والغدير ج 7 ص 155 وراجع: لسان العرب ج 14 ص 133 وتاج العروس ج 10 ص 367 وعن الإعتقاد والهداية ص246 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 32 ص 410 وراجع: النهاية في اللغة ج 5 ص 51.
2) راجع: مسند ابن راهويه ج 2 ص 40 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 74 وشرح الأخبار ج 2 ص 71.
3) راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 74 والشافي في الإمامة ج4 ص 351.
4) راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 74 و 75 ومسند أحمد ج 1 ص 276 و 349 وفتح الباري ج 8 ص 372 ومسند ابن راهويه ج 2 ص 42 ومسند أبي يعلى ج 5 ص 57 وصحيح ابن حبان ج16 ص 42 والمعجم الكبير ج 10 ص 321 وأسباب نزول الآيات ص219 والدر المنثور ج 5 ص 37 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص180 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 253 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج8 ص 101 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 169 - 170 و 177 وج 11 ص 181.
وقالت أيضاً : يا ليتنى كنت ورقة من هذه الشجرة (1)
وقالت: يا ليتني كنت نباتاً من نبات الأرض، ولم أكن شيئاً مذكوراً (2).
فلو كانت واثقة بأنها في الجنة مع النبي «صلی اللّه علیه وآله»، هل كانت لتتمنى هذه الأمنيات، أم أنها كانت ترى الموت فوزاً، واللحاق بالنبي «صلی اللّه علیه وآله» نجاحاً وفلاحاً؟!
حصيلة ما تقدم:
ولبيان التناقض الذي أشرنا إليه، نلخص الأمور كما يلي:
1 - إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» يقول : إنه لا أحد أحب إلى
رسول اللّه «صلی اللّه علیه و آله»من علي «علیه السلام».
وعائشة وفريقها يقولون: إن أبا بكر أحب إلى رسول اللّه من جميع الخلق.
2 - النبي يقول : فاطمة أحب إلى رسول اللّه من كل أحد.
وعائشة وفريقها :يقولون: بل عائشة أحب إلى رسول اللّه من كل أحد.
3 - النبي يقول : فاطمة «علیها السلام» سيدة نساء العالمين.
وعائشة وفريقها يقولون: إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام.
4 - النبي يقول : الحسن والحسين أحب الخلق إلى اللّه.
وعائشة وفريقها يقولون: حين استشهد الإمام الحسن، نحوا ولدكم عن بيتي، ولا تدخلوا بيتي من لا أحب. ثم ترمى جنازته «علیه السلام» بالسهام وعائشة راكبة على بغلتها، وهي تقود تلك العصابة.
كما أن عائشة تحتجب من الحسن والحسين على خلاف ما أمر اللّه ورسوله. وهما أحب الخلق إلى اللّه وإلى رسوله.
5 - النبي يقول علي ومن معه أحب الخلق إلى اللّه ورسوله، كما أن ذرية مبغضيهم من طينة خبال، وهي في جهنم.
وعائشة وفريقها يحاربون عليا يوم الجمل، ولا يكتمون بغضه، وتسجد عائشة للّه شكراً حين سمعت بقتله، وتسمي عبدأ لها بعبد
الرحمان حبا بعبد الرحمان بن ملجم..
وهي لا تستطيع أن تذكر عليا «علیه السلام» بخير أبداً.
6 - إذا كان هؤلاء الصفوة مع النبي «صلی اللّه علیه وآله» يوم القيامة في غرفة من درة بيضاء، وهم في العز والحبور والسرور، والنبي معهم، فإذا كانت عائشة ذات مكانة مميزة عند الرسول، وهي زوجته في الجنة، فينبغي أن تبتهج بالموت، وتعتبره فوزاً، ونجاحاً، وتوفيقاً، وفلاحاً.
فما بالها ترفض أن تدفن مع النبي.. وتتمنى أن تكون نسيا منسياً، وأن تكون مدرة، أو حجراً، أو لم تخلق، أو ورقة من شجرة، أو نباتاً، وما إلى ذلك؟!
7 - يصرح النبي «صلی اللّه علیه وآله»: بأنه لا يقاس بعلى أحد.
وعائشة وفريقها يحاولون تفضيل أبي بكر عليه، بل هم يحاولون تفضيل غير أبي بكر عليه أيضاً، فيدعون: أن الترتيب في الفضل هو كالترتيب في الخلافة.
8 - إن كان الحسن والحسين ريحانتي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. فإن عائشة وفريقها يهاجمون جنازة ريحانة رسول اللّه ويرمونها بالسهام. كما أنهم في عاشوراء يرتكبون في حق الريحانة الأخرى جرائم أفظع وأبشع.
فقد تبين مما ذكرناه: كيف أن الرواية المتقدمة عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ليست لمجرد تقرير فضيلة لهؤلاء الأشخاص، وانتهى الأمر بل هي معالجة مسبقة لكيد سياسي وإعلامي، وعبث بأمور عقائدية أساسية.. ستأتي به الأيام، وسيكون له من الخطورة ما قد يوجب حرف مسار الأمة عن الخط الصحيح الذي رسمه اللّه ورسوله لها.
صرحت المصادر: بأن من أحداث سنة تسع للّهجرة(1)، مجيء وفد ثقيف إلى المدينة، حيث كتب النبى «صلی اللّه علیه وآله» لهم كتاباً، وأثبت فيه شهادة الحسن والحسين «علیهما السلام» (2).
1) راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» ج28 ص 98.
2) الأموال لأبي عبيد ص 193 وفي (ط أخرى) ص 279 و 280 وراجع: والطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 285 وفي (ط لیدن) ج 1 ق 2 ص 33 وعن ج 4 ق 1 ص 69 والتراتيب الإدارية ج 1 ص 274 سبل الهدى والرشاد ج 6 ص 298 ومكاتيب الرسول ج 3 ص 72 و 73 عن المصادر المتقدمة، وعن: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 187 والبداية والنهاية ج 5 ص 344 وتاريخ الخميس ج 2 ص 193 وإعلام السائلين ص50 وجمهرة رسائل العرب ج 1 ص 52 عن المواهب اللدنية شرح الزرقاني ج 4 ص 10 ورسالات نبوية ص 114/307 والأموال لابن زنجويه ج 2 ص 452 والمغازي للواقدي ج 3 ص 973 وزاد المعاد لابن القيم ج 2 ص 198 والسيرة الحلبية ج 3 ص 244 والسيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 11 والمواهب اللدنية ج 1 ص 236 ومدينة البلاغة ج 2 ص 335 وسيرة النبي «صلی اللّه علیه وآله» لإسحاق بن محمد الهمداني قاضي ابرقوه ص 997 ومجموعة الوثائق السياسية ص 182/287 عن مجموعة المكتبات للديبلي / 17 وابن هشام، وابن سعد، والواقدي، وابن كثير، والقسطلاني في المواهب، ورسالات نبوية، وزاد المعاد، والأموال لأبي عبيد، وابن زنجويه، وإمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 ص 493 و 494 ثم قال : قابل سنن أبي داود، ووفاء الوفا ص 1036 وانظر كايتاني ص 589 التعليقة الرابعة و اشپربر ص 72 و اشپرنكر ج 3 ص 486.
وكان عمر الحسنين «علیها السلام» آنئذ خمس سنين وست سنين.
والذي يثير أكثر من سؤال هو: أن قبيلة ثقيف لم تكن من القبائل العادية، بل هي من القبائل التي واجهت الإسلام بشدة، وكان لها مكانتها ونفوذها في محيطها.
ومن المعلوم: أنه لا سابقة لشهادة أطفال صغار السن بعمر خمس أو ست سنين على معاهدات ذات حساسية وأهمية بالغة. بالنسبة لقبيلة لها هذا الموقع، وهذا الاعتداد بالنفس.
وإذا رجع وفد ثقيف إلى بلاده، ورأى الناس هذه الشهادة على تلك المعاهدة، بل ليس فيها سوى شهادة رجلين وطفلين، فمن القريب جداً أن تثور ثائرة الكثيرين منهم، وسوف تنهال الأسئلة عليهم بالاستهجان والتقريع لقبولهم بإثبات شهادات لها هذه الصفة، والاكتفاء
بها، وربما عدوا مجرد إثباتها استصغاراً لشأنهم، ومن موجبات لحوق العار بهم..
كما أن قبول وفدهم بها، وعدم اعتراضهم عليها يعد وهنا، وقلة تدبير، وسقماً في التفكير بعواقب الأمور.
ولكن بالرغم من ذلك كله، فإن اللافت في الأمر أننا لم نسمع اعتراضاً، ولا عتبا، ولا حتى دغدغة في هذا الأمر، لا من أهل ثقيف ولا من محبيهم، والأقربين منهم، ولا من مناوئيهم والأبعدين عنهم، الذين يبحثون عن أي مغمز يمكن أن يتشبثوا به ضدهم.
وإذا أردنا أن نستعرض دلالات شهادة الحسنين «علیهما السلام» على كتاب ثقيف، فسنرى أنها كثيرة، ومثيرة، ونذكر منها ما يلي:
ألف: في هذا الإشهاد دلالة على أن الحسنين «علیهما السلام» ليسا كسائر الذين يكونون في سنهما، أو في طولهما، أو لونهما، أو حجمهما، أو نحو ذلك.
فلديهما من العقل والضبط للأمور، والتمييز بينها، والمعرفة بأحكام الشريعة، وسداد الرأي، والاتزان، والقوة في الدفاع عن الحق، وشدة الالتزام به، وعدم التخلي عنه، ما يكفي ضماناً لحفظ العهود، والوفاء بالعقود، وصيانة حقوق الناس.. الأمر الذي قد لا تجده لدى الكثيرين من كبار السن ومن ذوي الحول والطول.
وهذا يدل على عظيم فضلهما، وعلو مقامهما، ونباهة شأنهما..
مما ليس لأحد سواهما.
ب: إذا كان بنو ثقيف يتعاملون مع نبي ورسول لا ينطق عن الهوى، فإن هذه الشهادة لا بد أن تعتبر قراراً إلهيا، لا مجال للطعن فيه، ولا للتردد بالقبول به، لأن اللّه تعالى يكون هو المتكفل بالوفاء بهذه الشهادة، والضامن للمشهود.به بالإضافة إلى ضمان الرسول نفسه، الذي لم يزل يأمر بالوفاء بالعقود، وحفظ العهود..
ج: إن ما يلفت النظر : هو أن الشهود على الكتاب هم أربعة فقط، وهم:
1 - رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
2 - علي بن أبي طالب (صلوات اللّه وسلامه عليه».
3 - الحسن «علیه السلام».
4 - الحسين «علیه السلام».
وكتب الكتاب خالد بن سعيد بأمر من محمد بن عبد اللّه.
ولم نر شهادة لأحد سوى هؤلاء الصفوة.
د: وهذا يحتم علينا الرجوع إلى نص الكتاب الذي شهد عليه النبي «صلی اللّه علیه وآله» وعلي والحسنان «علیهم السلام» فقط سواء فى نسخته المختصرة أو المفصلة فسنجد أنهما لم يشهدا على بيع حديقة، أو بستان، أو بيت أو شاة، أو فرس، أو جمل بل شهدا على أمر جليل وخطير، يرتبط بالحقوق العامة، وشؤون الحياة الإجتماعية، والدينية، فهو يمنع من الظلم، ويتضمن عقوبات على
التعديات على أملاك الناس وظلمهم فيها، ويمنع من التعدي بالسرقة أو بأي نوع من أنواع الإساءة، كقطع الأشجار، وما إلى ذلك.
وقد جعل هذا العهد لثقيف حرمات لا يجوز لأحد تجاوزها، فلا يعبر طائفهم، (أي بلدهم الطائف) كله بغير إذنهم، ولا يدخل فيه (في الطائف بكل مشتملاته) بغير إذنهم.
كما أن عمال الزكاة هم الذين يأتون إلى مواضع الزكاة، وهم يأخذونها من أماكنها التي هي فيها، ولا يكلف أهل الطائف بحمل زكاتهم إلى العمال، لأن ذلك يعد ظلما، وفيه مشقة عليهم، وتعطيل لهم عن أعمالهم، ويحملهم نفقات ومصارف الحمل والنقل، والعلوفة للدواب، وغير ذلك.
ولا تؤخذ منهم ضريبة العشر التي كانت تؤخذ قبل الإسلام، بل لا بد من الاقتصار على ما شرعه الإسلام، وهو الصدقة الواجبة.
كما أن لأهل الطائف الحرية التامة في التجول في بلاد المسلمين، حيث شاؤوا.
وإن كان في أيديهم أسرى أسروهم في حروبهم في الجاهلية، فهو لهم حتى يأخذوا فديته، وليس لهم بيعه بعد كتابة هذا العهد. أما الذي بيع قبل ذلك فقد مضى، وبيعه نافذ.
وأسقط هذا العهد الربا الذي كان الناس يتعاملون به في سوق عكاظ وغيره، وأرجع الناس إلى رأس المال والمديون لهم يعطيهم الدين ولا يعطيهم الربا.
بالإضافة إلى أحكام أخرى تفهم بالمراجعة لنص العهد.
ه: مما ذكرناه آنفا نفهم أن هذا العهد حيوي وحساس، وله مساس بحياة طائفة كبيرة من الناس، فهو يرتبط بأمنها، واقتصادها، وحرياتها، وحقوقها، وتحركاتها، وأحكام شرعها، وغير ذلك.
وهذا العهد لا يختص بمقطع زمني بعينه، ثم يتم الاستغناء عنه، واستبداله بغيره، بل هو حاجة ملحة، وضرورة مستمرة تحتاج إليها تلك الجماعة في جميع أدوار حياتها، تماماً كحاجتها إلى الهواء والماء.
والسبب في ذلك: أن الأمور المقررة في هذا العهد ليست من قبيل المنح والعطايا التي تعطى وتؤخذ بل هي أحكام شرعية، وسياسات إلهية، يريد اللّه سبحانه لها أن تكون هي الحاكمة والمهيمنة على حياة الناس. وأن تكون هي الراسخة في وجدانهم.
ولأجل ذلك جاءت الشهادة على هذا العهد، والضمانة لهذه الأحكام والشرائع والسياسات من خصوص من لهم هذا الحق، لما لديهم من علم وعصمة وطهارة، اختارهم اللّه لأجلها، ليكونوا الأمناء على وحي اللّه، والحافظين لدين اللّه.
ولم يدخل معهم غيرهم في الشهادة أصلا. لأنه لا يوجد شيء يريد الرسول أن يمنحه الثقيف، ثم يستعيده حين تنتفى حاجتها إليه، ولا هو قرض ولا معاملة بيع، أو ما إلى ذلك..
مع أن كبار الصحابة لم يكونوا في منأى عن كتابة هذا الكتاب،
ولاسيما المهاجرين منهم، فإن أمر ثقيف كان يهمهم، لأن ثمة تعاطفاً لأهل مكة مع أهل الطائف، وانسجاماً كبيراً في الطموحات والتطلعات، فهم يراقبون الأمور التي تجري بدقة متناهية.
و: وآخر ما نريد الإلماح إليه هنا أن هذا الإمتداد، الذي هو من خصوص مضمون الوثيقة وفق ما أشرنا إليه يتناسب تماماً مع الامتداد لمعنى الإمامة سواء في المدى المنظور الذي يمكن أن يكون له دور حيوي لصالح ثقيف بحسب ما تطمح إليه هذه القبيلة بالفعل، أو في المدى الأوسع إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها.
فمن أجل ملاحظة خصوصية الواقع الراهن بالنسبة لهذه القبيلة كان النبي الذي لا «يَنطِقُ عَن الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى» (1). هو المقرر والضامن والمؤدي للأمانة الإلهية، ثم الوصي من بعده، وهو الوصي الذي رأى الناس كل الناس جهاده وتضحياته، وصلابته في دين اللّه، وإخلاصه لهذا الدين كان هو الشاهد، أو الضامن بعد الرسول.
ثم يأتي دور الإمامة الهادية المهدية التي جاء النص على مقام الإمامة لها على لسان الرسول بأمر من اللّه، ثم أكد الوصي حين حضرته الوفاة أن الخلافة من بعده إلى ولده الإمام الحسن «عليه السلام»، ثم إلى ولده الإمام الحسين «علیه السلام» فكان النص من
1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.
الرسول، ثم تنويه صريح من الوصي، ثم نص صريح من الإمام الحسن، واعتراف صريح من معاوية بأن الحسين «علیه السلام» هو الخليفة الشرعي بعد الإمام الحسن «علیه السلام».
وقد قرر معاوية ذلك، وهو يعيش نشوة النصر، وزهو الغلبة.. فلم يكن مضطراً ولا مجبراً على أن يقول ما يقول. بل سجل هذا القول في كتاب الصلح الموقع بخط يده، والمختوم بختمه كما شرحناه في كتابنا عاشوراء بين الصلح الحسني، والكيد السفياني.
وقال محمد خليل هراس في تعليقة له على كتاب «الأموال لأبي عبيد» عن الشهادة على كتاب ثقيف:
«ولا يجوز القول بأن تلك خصوصية لهما رضي اللّه عنهما : إذ لا دليل عليها. وما دام الطفل مميزاً يجب أن تعتبر شهادته، فإنه قد يحتاج إليها.» (1).
ونجيب:
أولاً: تقدم أن الصحابة كانوا بمرأى ومسمع مما يجري، لاسيما وأن أمر وفد ثقيف كان محل اهتمام جماعة كثيرة من المهاجرين. وكان بإمكان النبي لو فرض أنه لم يحضره أحد من الصحابة حين أراد أن يكتب لهم الكتاب أن يرسل في طلب بعض الصحابة من جيران
1) الأموال هامش ص 280.
المسجد، أو أهل الصفة الذين كانوا ملحقين بالمسجد، فيأتيه منهم العشرات.
وكان يمكن لخالد بن سعيد الذي كتب الكتاب بأمر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أن يكتب شهادته أيضاً، فقد رأينا في أمثال هذه الكتب أن عبارة: «كتب فلان وشهد» قد تكررت في كثير منها.
وكان بإمكان أبي بكر والمغيرة بن شعبة أن يشهدا على الكتاب أيضاً، لأنهم يقولون: إن أبا بكر هو الذي بشر النبي «صلی اللّه علیه وآله» بقدومهم، بعد أن منع المغيرة من أن يسبقه إليه بالبشارة.
يضاف إلى ذلك: أن المسجد كان يمتلئ كل يوم بالمصلين عدة مرات، وقد قيل: إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» ضرب لهم قبة في المسجد لكي يروا الناس، وهم يصلون مع وجود كثيرين يدخلون إلى المسجد للقاء الرسول، أو لأجل التنقل، أو ليكونوا قريبين منه «صلى اللّه عليه وآله». فلماذا غاب كل هؤلاء عن لحظة كتابة الكتاب لثقيف؟! - إن ذلك كله - لا يساعد على قبول ما يدعيه هذا الرجل من أنه لا خصوصية لشهادة الحسنين «علیهما السلام».
ولا قيمة لقوله: «وما دام الطفل مميزاً يجب أن تعتبر شهادته، فإنه قد يحتاج إليها..». ولعل القيمة لشهادتهما تكمن في أنهما سيكونان إمامين للأمة بعد أبيهما. فكأن هذه الشهادة تعطي الطمأنينة للمشهود لهم بالوفاء المستمر لهم في عهد النبوة وفى عهد الإمامة مهما امتدت.
وتكون هذه الشهادة من دلائل إمامتهما «علیهما السلام»
ثانياً: يقول ابن رشد: إن العدالة تشترط في الشاهد بإجماع المسلمين.
«وأما البلوغ فإنهم اتفقوا على أنه يشترط حيث تشترط العدالة.
واختلفوا في شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح وفي القتل: فردها جمهور فقهاء الأمصار، لما قلناه من وقوع الإجماع على أن من شرط الشهادة العدالة، ومن شرط العدالة البلوغ:
ولذلك ليست في الحقيقة شهادة عند مالك، وإنما هي قرينة حال» (1).
فما قاله محمد خليل هراس ليس له دليل يصح الاعتماد عليه، ولا شاهد يمكن الاستناد إليه.
إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد بايع الحسنين «عليهما السلام» في بيعة الرضوان، فقد:
1 - روي عن الصادق «علیه السلام»: أنه «لم يبايع النبي «صلی اللّه علیه وآله» من لم يحتلم إلا الحسن والحسين، وعبد اللّه بن جعفر، وعبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهم قال : ولم يبايع صغيراً إلا
1) بداية المجتهد ج 2 ص 457.
منا»(1)
وفي بعض المصادر لم يذكر ابن عباس (2).
ونحن نقول:
إن إضافة ابن عباس، وعبد اللّه بن جعفر لا تصح، أو هي موضع ريب،شديد تماماً كما هو حال قول بعضهم: إنه «صلی اللّه علیه وآله» بايع عبد اللّه بن الزبير، وهو ابن سبع (3).
وسيأتي الكلام حول هذا وذاك عن قريب إن شاء اللّه تعالى.
1) جواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 275 وجمل أنساب ألشراف ج4 ص 49 والمعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 115 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 182 وتهذيب تاريخ ابن عساكر لابن بدران ج4 ص 322 و 323 ومختصر تاریخ دمشق ج 7 ص 129 والبداية والنهاية ج 8 ص 207 ومناهل الضرب ص 150 و 50 و 51 وراجع ينابيع المودة ص 375 و 51. ص375 (ط أخرى) ج 3 ص 150 عن فصل الخطاب لمحمد پارسا البخاري، عن النووي فيما يبدو، وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ص 150 وحياة الصحابة ج 1 ص 250 ومجمع الزوائد ج6 ص40 و 46 وعن المعجم الكبير للطبراني، وقال: هو مرسل ورجاله ثقات وموسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 20 ص 624 و 649.
2) العقد الفريد ج 4 ص 384.
3) التراتيب الإدارية ج 1 ص 222 عن القرطبي، والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 9 ص 41.
2 - في احتجاج المأمون على بني العباس، حين أراد تزويج ابنته من الإمام الجواد «علیه السلام» قال لهم المأمون:
«أما علمتم: أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «علیه السلام»، وهو ابن عشر سنين.
وقبل منه الإسلام، وحكم له به، ولم يدع أحدا في سنه غيره؟!
وبايع الحسن والحسين «علیهما السلام» وهما دون الست سنين، ولم يبايع صبيا غيرهما ؟!
أولا تعلمون الآن ما اختص اللّه به هؤلاء القوم، وأنهم ذرية بعضها من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأولهم؟! الخ..» (1)
الغمة ج 2 ص 353 - 358 وج 3 ص 144 وروضة الواعظين ج1 ص 238 - 241 والإحتجاج ج 2 ص 240 - 245 وبحار الأنوار ج 50 ص 74 - 79 وج 10 ص 384 وشرح الشافية لابن أمير الحاج ص 557 - 563 وراجع تفسير القمي ج 1 ص 184 و 185 و (ط بیروت) ج 1 ص 189 ص171 - 192 وراجع الإتحاف بحب الأشراف ص 171 - 172 والإختصاص ص 98 - 101 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 381 وجلاء
العيون ج 3 ص 108 والصواعق المحرقة ص 204 ونور الأبصار ص 161 ودلائل الإمامة ص 206 - 208 وإعلام الورى ص 351 فما بعدها، والإمام محمد الجواد لمحمد علي دخيل ص 37 - 41 وأعيان الشيعة ج 2 ص 33 - 34 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 253 - 256.
.1) موسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 20 ص 630 - 631 و 640 و 628 - 629 وتحف العقول ص 332 - 334) و (ط أخرى) ص 451 - 453 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 269) و (ط أخرى) ص 359 - 363 وكشف
3 - قال الشيخ المفيد:
«وكان من برهان كمالهما «علیهما السلام»، وحجة اختصاص اللّه تعالى لهما - بعد الذي ذكرناه من مباهلة النبي «صلی اللّه علیه وآله» بهما - بيعة رسول اللّه لهما، ولم يبايع صبيا في ظاهر الحال غيرهما.
ونزول القرآن بإيجاب ثواب الجنة لهما على عملهما، مع ظاهر الطفولية فيهما، ولم ينزل بذلك في مثلهما» (1).
4 - قال ابن شهر آشوب:
ومن برهانهما بيعة رسول اللّه لهما، ولم يبايع صغيراً غيرهما.
ونزول القرآن بإيجاب ثواب الجنة عن عملهما مع ظاهرالطفولية منهما قوله تعالى: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ» (2)الآيات، فعمهما بهذا
القول مع أبويهما (1).
لقد كانت بيعة الرضوان سنة ست من الهجرة، مما يعني: أن عمر الحسنين «علیهما السلام» كان ثلاث سنوات، وسنتين.
وقد ظهر من احتجاج الشيخ المفيد وابن شهرآشوب، ومن كلام المأمون الذي هو في مقام الاحتجاج والاستدلال على العباسيين انحصار هذا الأمر بالحسنين «علیهما السلام»، ولم يشركهما فيه، لا ابن،جعفر ولا ابن عباس، ولا ابن الزبير.
بل إن النص الذي ذكروه عن ابن الزبير يحمل معه ما يضع علامة استفهام أخرى عليه، حيث ذكر أن عمر ابن الزبير كان في بيعة الرضوان سبع سنين، مع أن بيعة الرضوان كانت سنة ست للّهجرة، وقد ولد ابن الزبير في السنة الأولى الهجرة.
فلماذا زادوا على عمره مقدار سنة؟!
ألأجل تأكيد بلوغه درجة التمييز ؟! أم ماذا ؟!
والبيعة هي إعطاء تعهد والتزام بالدلالة القولية والجوارحية،
1) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 142 وبحار الأنوار ج 43 ص 278.
بالقيام بمهام، أو تحمل مسؤوليات كبرى وذات أهمية، والبيعة للنبي «صلی اللّه علیه وآله»، كانت ترتبط بمستقبل الدعوة، وتأييد الدين، والدفاع عنه، والكون مع حماته ودعاته في المنشط والمكره، مهما كلفهم ذلك من تضحيات، أو عرض المبايع للأخطار.
وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على أن أخذ النبي «صلی اللّه علیه وآله» البيعة من الحسنين «علیهما السلام» - يدل - على أنه «صلی اللّه علیه وآله» كان يرى أن الحسنين «علیهما السلام» بالرغم من أن عمرهما بين سنتين وثلاث سنوات فقط، قادران على تحمل المسؤولية، وأنهما يعيان ويتعقلان معنى هذه البيعة، ويعرفان كل التبعات والمسؤليات التي تترتب عليها، وكل ما يراد منهما، وتتعلق بهما، مما يقدمان عليه، وعلى أنهما مصممان على الوفاء بالتزاماتهما.
قال ابن شهر آشوب بعد ذكره بيعة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لهما ولم يبايع صغيراً في ظاهر الحال غيرهما، ونزول القرآن بإيجاب ثواب الجنة لهما على عملهما مع ظاهر الطفولية منها قوله تعالى: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينَا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّه لا تُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللّه شَرَّ َذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَاهُمْ نَضْرَةَ وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بمَا صَبَرُوا جَنَّة وَحَرِيرًا» (1)، فعمهما بهذا القول
1) الآيات 8 - 12 من سورة هل أتى.
مع أبويهما، وادخالهما في المباهلة
قال ابن علان المعتزلي: هذا يدل على أنهما كانا مكلفين في تلك الحال، لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين (1).
وقال أصحابنا إن صغر السن عن حد البلوغ لا ينافي كمال العقل.
وبلوغ الحلم حد لتعلق الأحكام الشرعية، فكان ذلك لخرق العادة، فثبت بذلك أنهما كانا حجة اللّه لنبيه في المباهلة مع طفوليتهما.
ولو لم يكونا إمامين لم يحتج اللّه بهما مع صغر سنهما على أعدائه، ولم يتبين في الآية ذكر قبول دعائهما.
ولو أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وجد من يقوم مقامهم غيرهم، لباهل بهم، أو جمعهم معهم، فاقتصاره عليهم، يبين فضلهم، ونقص غيرهم وقد قدمهم في الذكر على الأنفس ليبين عن لطف مكانهم، وقرب منزلهم، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس معدون بها، وفيه دليل لا شيء أقوى منه أنهم أفضل خلق اللّه (2)
وقد يتخيل البعض هنا : أن التكليف كان حينئذٍ منوطاً بالتمييز، فأخذ البيعة منهما لا يدل على امتياز ذي شأن لهما، سوى أنهما قد امتلكا صفة التمييز في وقت مبكر، فتبعها تعلق التكليف بهما.
ونجيب:
أولاً: لو صح هذا لوجب أن لا يكون لنبي اللّه يحيى «علیه السلام» فضل حين آتاه اللّه الحكم صبياً، لأن الحكم الذي أعطي هو من شرع اللّه الذي لا يعرف إلا بالتوقيف والبيان له من اللّه تعالى.
وأن لا يكون لعيسى «علیه السلام» فضل حين قال وهو في المهد: «إِنِّي عَبْدُ اللّه آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا» (1).
والتمييز الذي نتحدث عنه في الحسنين ليس مما جرت العادة على ظهوره في نظائرهما، مما يظهر في سن مبكر عند بعض الناس، بل هو تمييز يؤهلهما للالتزام بمقتضيات البيعة وتحملهما مسؤوليتها والوفاء بها، في مختلف شؤون الحياة. وهذا ما لم نره عند أي طفل آخر سواهما..
وأن لا يكون للنبي فضل حين تكلم بذكر اللّه حين ولادته ولا للزهراء فضل حين كانت تحدث أمها وهي في بطنها، وهكذا بالنسبة
1) الآيتان 30 و 31 من سورة مريم.
لعلي وسائر من تكلموا بذكر اللّه تعالى حينما ولدوا
ثانياً: إن ما ادعاه من إناطة التكليف بالتمييز، لو صح، فإنهم أنفسهم يقولون : قد انتهى أمره يوم الخندق، في قضية قبول مشاركة ابن عمر في الغزو، حيث إن التكليف أنيط بالسن يومئذٍ - كما يقولون - (1).
1) راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 20 وج 2 ص 69 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 29 و 33 وجوامع السيرة النبوية ص 148 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 205 و 244 وفتح الباري ج 7 ص 302 وشرح صحيح مسلم للنووي (مطبوع بهامش إرشاد الساري) ج8 ص 64 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 181 والبداية والنهاية ج 4 ص94 وتاريخ الخميس ج 1 ص 480 و 481 والمواهب اللدنية ج 1 ص 110 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 105 وأنساب الأشراف ج 1 ص 343 و 344 بإضافة كلمة وأشف منها. والمغازي للواقدي ج 2 ص 453 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 310 و 311 ومسند أحمد بن حنبل ج2 ص 17 وصحيح مسلم ج 6 ص 30 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 850 والسيرة الحلبية ج 2 ص 329 و 315 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 561 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 396 والجامع الصحيح للترمذي، كتاب الأحكام، باب ما جاء في حد بلوغ الرجل والمرأة ج 3 ص 632 و 633 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 241 و 242 والغدير ج 10 ص 4 عن البخاري، وفتح الباري، وعن عيون الأثر ج 2 ص 6 و 7 وعن تاريخ الطبري ج 2 ص 296.
وغزوة الخندق كانت - إما في السنة الخامسة (1)
وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 93 و 94 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص 180 و 181 و تاريخ الخميس ج 1 ص 479 و 480 عن ابن إسحاق، 479 وفتوح البلدان ج 1 ص 23 وصفة الصفوة ج 1 ص 455 - 459 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ق 2 ص 47 وج 4 ق 1 ص 60 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 367 وسيرة مغلطاي ص 56 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 29 والسيرة الحلبية ج 2 ص 328 والمواهب اللدنية ج 1 ص 110 والرصف ج 1 ص 60 بلفظ قيل. وراجع: جوامع السيرة النبوية ص 148 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 205 وسير أعلام النبلاء ج 1 ص 289 و 290.
.1) لكي تجد القول بأن هذه الغزوة كانت في السنة الخامسة، إما بصورة قول تبناه المؤلف أو يذكره بلفظ قيل، راجع المصادر التالية : المغازي للواقدي ج 2 ص 440 و 441 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 224 و 241 والإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 158 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 395 والبدء والتاريخ ج 4 ص 217 وصححه، وشذرات الذهب ج 1 ص 11 ومختصر التاريخ ص 42 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 134 وعيون الأثر ج 2 ص 55 و 64 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 والكامل في التاريخ ج 2 ص 178 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 233 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 188 و 195 وتفسير القمي ج 2 ص 176 وبحار الأنوار ج 20 ص 216 و 208 عنه، ونقله في ص 271 عن إعلام الورى، لكن الموجود في إعلام الورى أنها في الرابعة والمحبر ص 113 ومروج الذهب ج 2 ص 219 والثقات لابن حبان ج 1 ص264 ووفاء الوفاء ج 1 ص 300 وحبيب السير ج 1 ص 359 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 262 وبهجة المحافل ج 1 ص 262 بلفظ: قيل. وإمتاع الأسماع ج 1 ص 216 والجامع للقيرواني ص279 و 281 والتنبيه والإشراف ص 115 وأنساب الأشراف ج 1 ص 343 ومجمع البيان ج8 ص 208 ونهاية الأرب ج 17 ص 166 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 302 عن ابن إسحاق، والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 561 ونسبه إلى الجمهور.
أو في السنة الرابعة (1)
وراجع: الجامع للقيرواني ص 279 و 281 عن مالك، وسيرة مغلطاي ص56 وبهجة المحافل ج 1 ص 262 وعيون الأثر ج 2 هامش ص55 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 393 و 395 و 400 و 394 ومجمع الزوائد ج9 ص 345 وتهذيب الكمال ج 10 ص 31 و مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 76 ومرآة الجنان ج 1 ص 9 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 والسيرة الحلبية ج 2 ص 328 وراجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 216 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 561 وحدائق الأنوار ج 1 ص 52 متناً وهامشاً، عن الدرر في اختصار المغازي، والسير للقرطبي ص 179 وذهب إليه العاقولي في الرصف ج 1 ص 60.
.1) راجع: المصادر التالية، فإنها قد ذكرت هذا القول عنوان المعارف في ذكر الخلائف ص 12 وجوامع السيرة النبوية ص 148 وقال: الثابت أنها في الرابعة بلا شك. والمحبر ص 113 وصحيح البخاري ج 3 ص 20 وفتح الباري ج 7 ص 302 والبداية والنهاية ج 4 ص 93 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 180 وإعلام الورى ص 90 وتاريخ ابن الوردي ج1 ص 160 وشرح صحيح مسلم للنووي (بهامش إرشاد الساري) ج8 ص 64 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 29 و 33 وتاريخ الخميس ج 1 ص 480 والمواهب اللدنية ج 1 ص 110 و تاريخ مختصر الدول ص 95 ووفاء الوفاء ج 1 ص 300 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 205 و 244 عن ابن عقبة، عن ابن شهاب، وعروة عن ابن عقبة والنووي وشذرات الذهب ج 1 ص 11 عن النووي.
وهذا ما رجحناه لبعض القرائن التي ليس هنا موضع ذكرها.
ثالثاً: لو صح أن المعيار كان هو التمييز لورد سؤال وجيه جداً عن السبب في تخصيص البيعة بالحسنين «علیهما السلام» دون سواهما من سائر الأطفال الذين أدركوا التمييز مبكرا قبل سن الخامسة عشرة؟! أم يعقل أن لا يكون أحد من أطفال المسلمين قد أصبح مميزاً قبل سنة الخامسة عشر ؟!
ألا يدلنا ذلك على أن للحسنين «علیهما السلام» خصوصية استدعت التدخل الإلهي بالإذن، أو بالأمر للنبي «صلی اللّه علیه وآله» بإشراكهما بالبيعة؟!
وألا يدلنا ذلك على صحة ما ذكره المفيد، وابن شهر آشوب، «رحمهما اللّه»، وما احتج به المأمون على العباسيين بشأن الإمام الجواد «علیه السلام»؟!
رابعاً: لا يكفي مجرد التمييز لقبول البيعة، بل لا يكفي حتى مجرد بلوغ سن التكليف شاهدنا على ذلك أن أمير المؤمنين «عليه
السلام» قال للحسنين «علیهما السلام» حين استشفعا لمروان ليبايعه:
أولم يبايعني بعد قتل عثمان؟! لا حاجة لي في بيعته، إنها كف يهودية، لو بايعني بيده [عشرين مرة] لنكث [بإسته] بسبته» (1).
وخلاصة الأمر: أن طبيعة المسؤوليات والقدرات والملكات بالإضافة إلى الناحية الإيمانية، وغيرها لها مدخلية في البيعة، ولهذا لا يكفي مجرد التمييز بين الحسن والقبيح.
ويشهد لذلك: أنه قد يجري تحديد المطلوب من المبايع، فيتم استثناء بعض المهمات منها، فلا يطالبه بالحرب مثلا، كما هو الحال البيعة المسماة ببيعة النساء، وقد تشترط الحرب على المبايع أيضاً.
ولا نقصد بكلامنا هذا أولئك الناس الذين بايعوا وتعهدوا بالقيام بمسؤوليات معينة، ثم نكثوا، وكانوا قادرين على الوفاء، كما جرى
1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 123 و 124 الخطبة رقم 73 وراجع: الخرائج والجرائح ج 1 ص 197 ح 35 والجمل لابن شدقم ص149 وبحار الأنوار ج 32 ص 229 و 230 و 235 و 355 وج 41 ص 298 و 355 وشجرة طوبى ج 1 ص 130 والغدير ج 8 ص 261 ونهج السعادة ج 1 ص 336 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 146 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 36 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 169 عن ربيع الأبرار (مخطوط) ص 615 واختيار مصباح السالكين لابن ميثم ص 181 وتذكرة الخواص ص 390 وإعلام الورى ج 1 ص 340.
بالنسبة لبيعتهم لأمير المؤمنين «علیه السلام» يوم الغدير.
وقد أخذ مسلم بن عقيل البيعة من أهل الكوفة للحسين بن علي «عليهما السلام»، وما أسرع ما نكثوا، وأسلموا مسلماً إلى القتل.
ثم زج بهم ابن زیاد عامل يزيد «لعنهما اللّه» لحرب الإمام الحسين «علیه السلام»، فخرج إلى حربه كثير منهم، وشاركوا في قتله «عليه السلام».
نعم.. لا نقصد هؤلاء، فإنهم ناكثون عصاة، ثم هم مجرمون، كانوا قادرين على الوفاء ببيعتهم، لكن الدنيا غرتهم.
قد تحدثنا عن قضية المباهلة في العديد من مؤلفاتنا.. ولا نريد أن نعيد هنا ما قلناه هناك. وإنما غرضنا إلقاء نظرة على دور الأبناء في المباهلة، فنقول:
كانت بيعة الرضوان سنة ست من الهجرة، أو قبلها، وهي التي بايع فيها النبي «صلی اللّه علیه وآله» الحسن والحسين «علیهما السلام»، ولم يبايع صغيراً غيرهما. كما أن قضية المباهلة كانت أيضاً سنة ست أو قبلها كما قال العلامة الطباطبائي «رحمه اللّه» (1). وإن كان هناك من يقول: إنها كانت سنة عشر، أو تسع.
ونحن لا نريد أن ندخل في بحث ما قاله العلامة الطباطبائي «رحمه اللّه» صحة و فساداً.. وإذا كان هناك ما يشير إلى أن المباهلة كانت سنة عشر أو تسع، فإن ذلك سوف لا يغير كثيراً في مسار البحث، فإن النتيجة واحدة، والفرق بأن يكون عمر الحسين «علیه السلام» مثلاً حين المباهلة سنتين، أو خمس سنوات لا أثر له.
1) الميزان (تفسير) ج 3 ص368.
وقضية المباهلة من أهم القضايا التي حدثت في زمان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». وقبل أن نشير إلى بعض ما يرتبط بالحسن والحسين «علیهما السلام» نود أن نورد لمحة عما جرى، ليكون القارئ على بصيرة من أمره ونختار من ذلك ما أوردناه من النصوص والمصادر في كتابنا الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» ج 6 ص 115 - 130 فإنها مجموعة منسقة، مع مصادرها، فلا حاجة إلى إعادة كتابتها. ونكتفي بإعادة النظر في المطالب التي نود أن نضيفها، فنقول:
قلنا في كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» ما يلي:
قال ابن إسحاق: قدم على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وفد نصاری نجران، ستون راكباً، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، منهم العاقب هو والسيد، وأبو حارثة بن علقمة، وأوس، والحارث، وزيد، وقيس، ويزيد، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد اللّه، ويحنس.
منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم: العاقب أمير القوم، وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح.
والسيد ثمالهم، وصاحب رحلهم، ومجتمعهم، واسمه الأيهم.
وأبو حارثة بن علقمة، أحد بني بكر بن وائل أسقفهم، وحبرهم وإمامهم، وصاحب مدراسهم [أو مدارسهم]، وكان أبو حارثة قد شرف فيهم، ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه، ومولوه وأخدموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم.
فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم، ولبسوا حللاً لهم يجرونها من حبرة، وتختموا بالذهب
وفي لفظ: دخلوا على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في مسجده [في المدينة] حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات: جبب وأردية، في جمال رجال بني الحارث بن كعب.
فقال بعض من رآهم من أصحاب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يومئذ: ما رأينا وفداً مثلهم. وقد حانت صلاتهم. فقاموا في مسجد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يصلون نحو المشرق (فأراد الناس منعهم).
فقال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: «دعوهم».
ثم أتوا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فسلموا عليه، فلم يرد «علیهم السلام»، وتصدوا لكلامه نهاراً طويلاً، فلم يكلمهم، وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب.
فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف،
وكانوا يعرفونهما، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس، فقالوا لهما يا عثمان ويا عبد الرحمن، إن نبيكما كتب إلينا كتاباً فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهارا طويلا فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكما؟! أنعود إليه، أم نرجع إلى بلادنا؟!
فقالا لعلي بن أبي طالب «علیه السلام» وهو في القوم: ما الرأي في هؤلاء القوم يا أبا الحسن؟!
فقال لهما: أرى أن يضعوا حللّهم هذه وخواتيمهم، ويلبسوا ثياب سفرهم، ثم يعودوا إليه.
ففعل وفد نجران ذلك ورجعوا إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فسلموا عليه فرد عليهم سلامهم، ثم قال: «والذي بعثني بالحق، لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم» (1).
1) سبل الهدى والرشاد ج 6 ص 416 و 417 والمواهب اللدنية وشرحه للزرقاني ج 5 ص 187 و 188 وبحار الأنوار ج 21 ص337 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 378 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص 65 وإمتاع الأسماع ج 14 ص 69 وإعلام الورى ج1 ص 255 والسيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 103 ومكاتيب الرسول ج 2 ص 495.
وعن ابن عباس، والأزرق بن قيس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» دعا وفد نجران إلى الإسلام، فقال العاقب، عبد المسيح، والسيد أبو حارثة بن علقمة: قد أسلمنا يا محمد.
فقال: «إنكما لم تسلما».
قالا: بلى، وقد أسلمنا قبلك.
قال: «كذبتما، يمنعكما من الإسلام ثلاث فيكما: عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أن اللّه ولداً».
ثم سألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى ابن مريم؟! فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصاری، يسرنا إن كنت نبياً أن نعلم قولك فيه.
فقال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: «ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول اللّه في عيسى» (1).
1) سبل الهدى والرشاد ج 6 ص 417 عن الحاكم وصححه، وابن مردويه وأبي نعيم، وابن سعد، وعبد بن حميد، وتفسير القرآن العظيم ج1 ص 378 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص 65 والسيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 103 وغاية المرام ج3 ص215 وراجع بحار الأنوار ج 21 ص 286 و ج 35 ص 263 وتفسير الميزان ج 3 ص 234.
وعن عبد اللّه بن الحارث بن جَزْء الزبيدي: أنه سمع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يقول: «ثبت (ليت) بيني وبين أهل نجران حِجاب، فلا أراهم ولا يروني، من شدة ما كانوا يمارون رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» (1). انتهى.
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وابن سعد عن الأزرق بن قيس، وابن جرير عن السدي، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي جريج: أن نصاری نجران قالوا: يا محمد، فيم تشتم صاحبنا؟!
قال: «من صاحبكم»؟!
قالوا: عیسی بن مریم تزعم أنه عبد.
قال: «أجل، إنه عبد اللّه وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه».
فغضبوا وقالوا: لا، ولكنه هو اللّه نزل من ملكه، فدخل في جوف، مریم، ثم خرج منها، فأرانا قدرته وأمره، فهل رأيت قط إنساناً خلق من غير أب؟!
1) سبل الهدى والرشاد ج 6 ص 417 عن ابن جرير، وجامع البيان للطبري ج 3 ص 405 والمحرر الوجيز للأندلسي ج 1 ص 447 والدر المنثور ج 2 ص 38 وتفسير الآلوسي ج 3 ص 194 وراجع» مجمع الزوائد ج 1 ص 155 وفتوح مصر وأخبارها ص 511.
فأنزل اللّه تعالى: «لقدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللّه هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ..» (1).
وأنزل تبارك وتعالى: «إِنَّ مَثْلَ عِيسَى عِنْدَ اللّه كَمَثلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ»(2).
فلما أصبحوا عادوا إليه، فقرأ عليهم الآيات، فأبوا أن يقروا. فأمر تعالى نبيه الكريم «صلی اللّه علیه وآله» بمباهلتهم، فقال سبحانه وتعالى:
«فمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لعنت اللّه عَلَى الْكَاذِبِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقصَصَ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّا اللّه وَإِنَّ اللّه لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّه عَلِيمٌ بالمُفْسِدِينَ» (3). فرضوا بمباهلته «صلی اللّه علیه وآله»..
فلما رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم: السيد، والعاقب، والأهتم: إن باهلنا بقومه باهلناه؛ فإنه ليس نبياً، وإن باهلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله، فإنه لا يقدم على أهل بيته إلا وهو صادق.
وعن جابر، وابن عباس، وقتادة، وسلمة بن عبد يسوع، عن أبيه
عن جده، وعن حذيفة، والأزرق بن قيس، والشعبي: أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لما نزلت هذه الآيات دعا وفد نجران إلى المباهلة، فقال: «إن اللّه تعالى أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم».
فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا.
وفي حديث آخر فقالوا : أخرنا ثلاثة أيام فخلا بعضهم إلى بعض وتصادقوا.
فقال السيد العاقب: واللّه يا معشر النصارى، لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل ولئن لاعنتموه ليخسفن بأحد الفريقين، إنه للإستئصال لكم، وما لا عن قوم قط نبيا فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم.
وفي رواية: فقال شرحبيل: لئن كان هذا الرجل نبيا مرسلاً فلاعنَّاه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك.
وفي رواية: لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا.
قالوا: فما الرأي يا أبا مريم؟
فقال رأيي أن أحَكَمَه، فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً.
فقال السيد: فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم.
فلما انقضت المدة أقبل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» مشتملا (1)على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي عند
1) لم تذكر هذه الرواية عليا «علیه السلام». ولعله هو النص المروي عن الشعبي، الذي ينكر حضور علي «علیه السلام»، كما سنرى.
ظهره للملاعنة، وله يومئذٍ عدة نسوة. فقال «صلی اللّه علیه وآله»: «إن أنا دعوت فأمنوا أنتم» (1).
وعن سعد بن أبي وقاص، عن علي بن أحمر قالا: لما نزلت آية المباهلة دعا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» عليا،وفاطمة، وحسناً وحسينا، فقال: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي» (2). انتهى.
فتلقى شرحبيل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فقال: إني قد رأيت خيراً من ملاعنتك.
1) سبل الهدى والرشاد ج 6 ص 419 عن الحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبي نعيم الدلائل، والبيهقي، وأبي الشيخ، والترمذي، والنسائي، وابن سعد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور وراجع: المواهب اللدنية وشرحه للزرقاني ج 5 ص 187 - 190 والشفا لعياض ج 2 ص 48 وبحار الأنوار ج 35 ص 264 والدر المنثور ج 2 ص 39 وتفسير الآلوسي ج3 ص 188 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج9 ص 79 ومناقب أهل البيت «علیهم السلام» للشيرواني ص90.
2) سبل الهدى والرشاد ج 6 ص 419 عن مسلم، والترمذي، وابن المنذر، والحاكم في السنن، وفي هامشه عن : الحاكم ج 4 (1871)، وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ج ه ص 190 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 66 والعمدة لابن البطريق ص 132 و 188 والطرائف لابن طاووس ص 45 وص 129 والصراط المستقيم للعاملي ج 1 ص 186 وبحار الأنوار ج 37 ص 265 و 270.
فقال: «وما هو»؟!
فقال: حكمك اليوم إلى الليل، وليلتك إلى الصباح، فما حكمت فينا فهو جائز وأبوا أن يلاعنوه.
وعن ابن عباس قال: لو باهل أهل نجران رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا (1).
وروي عن الشعبي مرسلاً : أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قال: «لقد أراني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر، لو تموا على الملاعنة».
وروي عن قتادة مرسلاً : قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: «إن كان العذاب لقد نزل على أهل نجران أن لو فعلوا لاستؤصلوا من الأرض» (2).
ولما غدا إليهم أخذ بيد حسن وحسين وفاطمة تمشي خلفه، وعلي
1) سبل الهدى والرشاد ج 6 ص 419 عن عبد الرزاق، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر. ومجمع البيان للطبرسي ج1 ص310 والدر المنثور للسيوطي ج 2 ص 39 وراجع بحار الأنوار ج 17 ص 169 ومسند أحمد ج 1 ص 248 ومجمع الزوائد ج 1 ص 228 وفتح الباري ج 8 ص 557 والسنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 308 ومسند أبي يعلى ج4 ص 472 وتفسير القرآن للصنعاني ج 1 ص 52 وجامع البيان للطبري ج1 ص 597 وج 3 ص 409
2) سبل الهدى والرشاد ج 6 ص 419 والدر المنثور للسيوطي ج 2 ص 39.
خلفها، وهو يقول: «إذا أنا دعوت فأمنوا».
فقال أسقفهم: إني لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. واللّه، لقد عرفتم نبوته، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم، أي عيسى فواللّه، ما باهل قوم نبيا إلا هلكوا، فإن أبيتم إلا دينكم فوادعوا الرجل، وانصرفوا.
فقالوا: يا أبا القاسم لا نلاعنك.
فقال: «فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم». فأبوا.
قال: «فإني أناجزكم».
فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك.
فصالحهم، وقال: «والذي نفسي بيده، إن العذاب تدلى على أهل نجران، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولاستأصل اللّه نجران وأهله حتى الطير على الشجر» (1).
1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 190 عن ابن أبي شيبة، وأبي نعيم وغيرهما، وراجع: المحرر الوجيز للأندلسي ج 1 ص 448 وتخريج الأحاديث والآثار ج 1 ص 185 و 186 وتفسير البغوي ج 1 ص310 والتفسير الكبير ج 8 ص 85 وتفسير أبي السعود ج 2 ص 46 ومناقب آل أبي طالب (ط المطبعة الحيدرية) ج 3 ص 144 والعمدة لابن البطريق ص190 والطرائف لابن طاووس ص 42 وبحار الأنوار ج 21 ص 281 وج 35 ص 258 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 303 وشجرة طوبى ج2 ص 425 وتحفة الأحوذي ج 8 ص 279 وتفسير جوامع الجامع ج1 ص 294 وخصائص الوحى المبين ص 126 و 127 وتفسير الميزان ج 3 ص126 ص 231 ومطالب السؤول ص 38.
وفي بعض النصوص أنهم قالوا له: لم لا تباهلنا بأهل الكرامة والكبر، وأهل الشارة ممن آمن بك واتبعك؟!
فقال «صلی اللّه علیه وآله»: «أجل، أباهلكم بهؤلاء خير أهل الأرض، وأفضل الخلق».
ثم تذكر الرواية قول الأسقف لأصحابه : «أرى وجوها لو سأل اللّه بها أحد أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله..
إلى أن قال: أفلا ترون الشمس قد تغير لونها، والأفق تنجع فيه السحب الداكنة، والريح تهب هائجة سوداء، حمراء، وهذه الجبال يتصاعد منها الدخان ؟! لقد أطلَّ علينا العذاب ! انظروا إلى الطير وهي تقيء حواصلها، وإلى الشجر كيف يتساقط أوراقها، وإلى هذه الأرض ترجف تحت أقدامنا» (1)
ونذكر على سبيل المثال منهم هنا: تفسير العياشي ج 1 ص 176 و 177 ومجمع البيان ج 2 ص 452 و 453 وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 370 و 371 وتفسير جامع البيان للطبري ج 3 ص 211 و 213 و 212 وتفسير النيسابوري (بهامش جامع البيان) ج 3 ص 213 و 214 وتفسير الرازي ج 8 ص 80 وبعد ذكره حديث عائشة في المباهلة بأهل البيت «علیهم السلام»، وأنه «صلی اللّه علیه وآله» جعل حينئذٍ الجميع تحت المرط الأسود، حيث قرأ آية التطهير قال الرازي: «وهذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث».
وراجع: التفسير الحديث لمحمد عزت دروزة ج 8 ص 108 عن التاج الجامع للأصول ج 3 ص 396 عن مسلم والترمذي، والكشاف للزمخشري ج 1 ص 368 - 370 والإرشاد للمفيد (ط دار المفيد) ص 166 والصواعق المحرقة ص 153 و 154 وأسباب النزول للواحدي ص 58 و 59 وصحيح مسلم ج 7 ص 120 و 121 والبداية والنهاية ج 5 ص 54 وحياة الصحابة ج2 ص 492 وج 1 ص 130 و 121 وصحيح الترمذي ج 5 ص 638 و 22 وينابيع المودة ص52 و 232 وعن ص 479 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص 298 و 299 وحقائق التأويل للشريف الرضي «رحمه اللّه» ص 110 و 112 وفرائد السمطين ج 1 ص 378 و ج 2 ص 23 و 24 وشواهد التنزيل ج 1 ص 126 و 127 و 124 و 123 و ج 2 ص 20 والمسترشد في الإمامة ص 60 وترجمة الإمام علي «علیه السلام» من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي ط 1) ج 1 ص 206 و (ط 2) ص 225 والمناقب للخوارزمي ط1) ص 59 و 60 وكشف الغمة ج 1 ص 232 و 233 والإصابة ج 2 ص 503 و 509 ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص 50 وتفسير فرات ص 15 و 14 و 16 و 117 وأمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 172 وج 1 ص 265 والجوهرة في نسب علي وآله «علیهم السلام» ص 69 وذخائر العقبى ص 25 وروضة الواعظين ص 164 وما نزل من القرآن في أهل البيت لابن الحكم ص50 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 110 و 5 و 7 ومستدرك الحاكم ج3 ص 150 وأسد الغابة ج 4 ص 26 وسنن البيهقي ج 7 ص 63 ومسند أحمد ج 1 ص 185 ومناقب الإمام علي «علیه السلام» لابن المغازلي ص263 وفي هامشه عن نزول القرآن لأبي نعيم (مخطوط) والدر المنثور ج 2 ص 38 - 40 عن بعض من تقدم، وعن البيهقي في الدلائل وابن مردويه، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد وابن المنذر.
وراجع: البرهان (تفسير) ج 1 ص 286 - 290 عن بعض من تقدم، وعن موفق بن أحمد، في كتاب فضائل الإمام علي، والإختصاص، وعن الصدوق، وعن الثعلبي، عن مقاتل، والكلبي، وفي الميزان (تفسير) ج 2 ص 228 - 235 عن كثير ممن تقدم، وعن عيون أخبار الرضا، وإعلام الورى ص 79 والخرائج والجرائح، وحلية الأولياء، والطيالسي.
وهو أيضاً في: فتح القدير ج 1 ص 347 و 348 والتبيان في تفسير القرآن ج2 1 ص 485 ونور الثقلين ج 1 ص 288 - 290 عن بعض من تقدم، وعن ج1 ص288 الخصال، وروضة الكافي وغيرهما، وعن نور الأبصار ص 111 وعن المنتقى باب 38 وفي تفسير الميزان ج 3 ص 235 وقال ابن طاووس في کتاب سعد السعود ص91: رأيت في كتاب تفسير ما نزل في القرآن في النبي وأهل بيته، تأليف محمد بن العباس بن مروان: أنه روى خبر المباهلة من أحد وخمسين طريقاً عمن سماه من الصحابة وغيرهم، وعد منهم الحسن بن علي «عليهما السلام» وعثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وبكر بن سمال، وطلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد اللّه بن عباس، وأبا رافع مولى النبي، وجابر بن عبد اللّه، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك انتهى.
وروي ذلك أيضاً عن علي «علیه السلام»، وأم سلمة، وعائشة، وأبي سعيد الخدري، وعمرو بن سعيد بن معاذ، وحذيفة بن اليمان، (وزاد ابن طاووس نقلاً عن الحجام) أبا الطفيل عامر بن واثلة، وجرير بن عبد اللّه السجستاني، وأبا قيس المدني، وأبا إدريس، ومحمد بن المنكدر، وعلي بن الحسين، وأبا جعفر محمد بن علي بن الحسين، وأبا عبد اللّه جعفر بن محمد، والحسن البصري، وقتادة، وعلباء بن الأحمر، وعامر بن شراحيل الشعبي، ويحيى بن نعمان، ومجاهد، و شهر بن حوشب.
وأضاف ابن شهر آشوب في مناقبه ج 3 ص 368 - 369 و 370 : أبا الفتح محمد 3 ص368 بن أحمد بن أبي الفوارس، وابن البيع في معرفة علوم الحديث، وأحمد في الفضائل، وابن بطة في الإبانة، والأشفهي في اعتقاد أهل السنة، والخركوشي في شرف النبي، ومحمد بن إسحاق، وقتيبة بن سعيد، والقاضي أبا يوسف، والقاضي المعتمد أبا العباس، وأبا الفرج الأصبهاني في الأغاني، عن كثيرين، وهامش حقائق التأويل ص110 عن بعض من تقدم، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 165 والكامل لابن الأثير ج 2 ص 392 وعن كنز العمال ج 6 ص 407 وعن تفسير الخازن، وعن تفسير البغوي بهامشه.
وثمة مصادر كثيرة أخرى ذكرها في مكاتيب الرسول ج 2 ص 502 و 503 و 504 مثل: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 66 وفي (ط أخرى) ص 71 وفتوح البلاذري ص 75 وفي (ط أخرى) ص 85 والسيرة الحلبية ج 3 ص 240 والسيرة النبوية لدحلان بهامش الحلبية ج 3 ص 6 والشفاء للقاضي عياض ج 2 ص 107 ونسيم الرياض ج 3 ص 411 وشرح القاري (بهامشه) ج2 ص522 وج 3 ص 411 وكفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 141 والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 4 ص 104 والمنار ج 3 ص 322 وأعيان الشيعة ج 1 ص 416 وبحار الأنوار ج 35 و ج 21 ص 277 و 282 و 321 و 338 و 339 و 341 - 343 و 346 و 354 ودلائل النبوة للبيهقي ص298 والقاضي البيضاوي في تفسير الآية، وروح المعاني ج 3 ص190 وروح البيان ج 2 ص 44 والسراج المنير ج 1 ص 222 وتفسير الشريف اللاهيجي ج 1 ص 332 وجلاء الأذهان ج 1 ص 61 وكنز الدقائق ج 2 ص 102 والعبر وديوان المبتدأ والخبر لابن خلدون ج 2 ق 2 ص 57 والعمدة لابن بطريق ص 188 وما بعدها، وتذكرة الخواص لابن الجوزي ص 14 وأحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 16 وفي (ط أخرى) ص 295 والأغاني ج 12 ص7 ونهج الحق ص 177 وغاية المرام المقصد الثاني الباب 3 و 4 عن سعد، وجابر، وابن عباس، والشعبي، والسدي، وأبي عبد اللّه، والحسن، وأبي الحسن موسى، وأبي ذر عن علي «علیهما السلام» في حديث (المناشدة)، وعن محمد بن المنكدر بن عبد اللّه بن الهدير، وعن أبي الحسن الرضا «عليه السلام».
وكذا أخرجه في ملحقات إحقاق الحق ج 3 ص 46 فما بعدها وجه وج9 وج 14 عن مصادر أهل السنة جمعاء، عن جمع ممن قدمناه، وعن الثعلبي في تفسيره، ومعالم التنزيل ج 1 ص 302 ومصابيح السنة ج 2 ص 204 وأحكام القرآن لابن العربي ج 1 ص 115 وجامع الأصول ج 9 ص 470 وتلخيص الذهبي، ذيل المستدرك ج 3 ص 150 ومطالب السؤول ص7 والرياض النضرة ص 188 وتفسير النسفي ج 1 ص 136 وتبصير الرحمن ج 1 ص114 ومشكاة المصابيح ج 2 ص 356 والكاف الشاف ص 226 والمواهب للكاشفي ج 1 ص 71 ومعارج النبوة ج 1 ص 315 والإكليل ص 53 وتفسير الجلالين ج 1 ص 33 وتفسير أبي السعود ج 2 ص 143 ومدارج النبوة ص500 ومناقب مرتضوي ص44 والإتحاف بحب الأشراف ص 50 والجواهر للطنطاوي ج 2 ص 120 ورشفة الصادي ص 35 وكفاية الخصام ص 39 وراجع أيضاً ج9 ص 70 عن منهاج السنة لابن تيمية ج 4 ص 34 ومقاصد المطالب ص11 والمنتقى ص 188 وأرجح المطالب ص 55 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص 194 ومرآة الجنان ج 1 ص 109 وشرح المقاصد للتفتازاني ج 2 ص 219 وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 43 وإمتاع الأسماع ص502 والمواقف ج 2 ص 614 وشرح ديوان أمير المؤمنين «علیه السلام» ص184 وراجع أيضاً ج 5 ص 19 و 102 وج 14 ص 131 - 148.
1) راجع: تفسير القمي ج 1 ص 104 وحياة الإمام الحسن «علیه السلام» للقرشي ج 1 ص 49 - 51 وقد روى قضية المباهلة بأهل الكساء بالاختصار تارة، وبالتفصيل أخرى جم غفير من الحفاظ والمفسرين.
وبعد امتناع نصاری نجران عن الدخول في الملاعنة، تقرر ضرب الجزية علىهم، فانصرفوا حتى إذا كان من الغد كتب إليهم كتاباً بذلك..
وذكرت بعض المصادر: أن كاتب الكتاب هو المغيرة بن شعبة (1).
1) راجع: مكاتيب الرسول ج 3 ص 148 عن المصادر التالية: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 266 و (ط لیدن) ج 1 ق2 ص21 والبداية والنهاية ج 5 ص 55 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص67 ورسالات نبوية ص 66 وحياة الصحابة ج 1 ص 123 وزاد المعاد ج 3 ص 41 وجمهرة رسائل العرب ج 1 ص 76 ومدينة العلم ج 2 ص 297 ومجموعة الوثائق ص 95/179 عن جمع ممن قدمناه، وعن إمتاع الأسماع (خطية (كوپرلو) ص 1038 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1420ه) ج 14 ص 71 و 72 ودلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 391 والسيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 106 وراجع سبل الهدى والرشاد (خطية باريس) 1992، ورقة 65 - ألف، وراجع أيضاً ص718 و (ط دار الحديث سنة 1419ه) و (ط دار الکتب العلمیة) ج 11 ص 393 وراجع ج 6 ص 420.
وقيل: هو معيقيب (1).
وقيل: عبد اللّه بن أبي بكر (2).
وقال اليعقوبي: إنه علي «علیه السلام» (3).
ويؤيده: ما ذكره يحيى بن آدم (4).
ويؤيده أيضاً : ما ذكروه من أن النجرانيين جاؤوا عليا «عليه السلام» بكتابه الذي كتبه لهم بيده، فراجع (5).
1) ذكر ذلك أبو عبيد، وابن زنجويه.
2) ذكر ذلك أبو يوسف.
3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 82.
4) فتوح البلدان ج 1 ص 78 ومكاتيب الرسول ج 3 ص 107 و 153 و 169.
5) السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 120 ومعجم البلدان ج 5 ص 269 ومكاتيب الرسول ج 3 ص 170 عن المصادر التالية: المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 550 و 551 عن سالم، وكنز العمال ج 4 ص 323 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 12 ص 601 عن ابن أبي شيبة، والأموال لأبي عبيد، والبيهقي وج 14 ص 247 عن البيهقي، عن عبد خير، والأموال لابن زنجويه ج 1 ص 276 و 418 عن سالم، والخراج لأبي يوسف ص80 قال: وكان الكتاب في أديم أحمر، والأموال لأبي عبيد ص273/143 والمطالب العالية ج 4 ص 41 وراجع فتوح البلدان ج1 ص 79 والكامل في التاريخ ج 2 ص 294.
ولم يذكر الشعبي عليا «علیه السلام» في جملة من شارك في المباهلة..
ونحن لا نريد أن نتوقف كثيراً عند هذه النقطة، بل نكتفي بقول الرازي عن رواية ذكر علي والحسنين «علیهم السلام» في المباهلة، فقد قال: «إن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث»(1).
وقال الجصاص : «فنقل رواة السير، ونقلة الأثر، لم يختلفوا فيه: أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أخذ بيد الحسن والحسين وعلي وفاطمة «علیهم السلام»، ثم دعا النصارى الذين حاجوه إلى المباهلة (2).
وقال الحاكم: «تواترت الأخبار في التفاسير عن عبد اللّه بن عباس وغيره أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أخذ يوم المباهلة بيد علي، وحسن وحسين وجعلوا فاطمة وراء هم الخ..» (1).
ولعل سبب هذا التجني على علي «علیه السلام»: أن بني أمية وأعوانهم لم يجدوا فرصة لإقحام أي من رموزهم ومحبيهم في هذا الحديث، فأسقطوا اسم علي «علیه السلام» للتخفيف من درجة الإحراج التي يواجهونها.
قال الطبرسي «رحمه اللّه»: «أجمع المفسرون على أن المراد بأبنائنا: الحسن والحسين» (2).
وقال الطوسي «رحمه اللّه»: «أجمع أهل النقل والتفسير على ذلك» (3).
1 - ذكر بعضهم أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أخرج معه الحسن والحسين، وعليا، وفاطمة، وعائشة، وحفصة.. «وهذا دل علىه قوله تعالى: «وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ» (1)» (2).
2 - عن الصادق «علیه السلام» عن أبيه، في قوله تعالى: «تَعَالَوْا ندْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ» (3)قَالَ:
«فجاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان وولده، وبعلي وولده» (4).
ويلاحظ:
ألف : كأن فاطمة لم يعد لها مكان مع أولاد أبي بكر وعمر، وعثمان..
1) الآية 61 من سورة آل عمران.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 212 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 236 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 144 و 145.
3) الآية 61 من سورة آل عمران.
4) الدر المنثور ج 2 ص 40 عن ابن عساكر، وتفسير المنار ج3 ص 322 ومكاتيب الرسول ج 2 ص 507 وكنز العمال ج 2 ص 379 وتفسير الميزان ج 3 ص 244 وفتح القدير ج 1 ص 348 وتاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 177 والإمام علي بن أبي طالب «علیه السلام» للّهمداني ص 278.
ب: تشير الرواية الأولى إلى أنها تستنبط إخراج حفصة وعائشة من كلمة «نِسَاءَنَا».
ولكننا لم نفهم لماذا لم يخرج معهما أم سلمة مثلا، فضلا عن غيرها من نسائه؟! ولماذا اقتصر على عائشة وحفصة؟! وما الحاجة إلى حفصة ألا تكفي عائشة؟!
ج: على أننا سنذكر أن كلمة النساء لا يقصد بها الزوجات، بل المقصود بها المرأة المسلمة، المعصومة العالمة بحقائق الدين، القادرة على تحمل مسؤولية الدفاع عنه قولاً وعملاً، وفكراً وموقفاً.
د: إن نفس هذا المعنى هو المقصود بالأبناء، وليس المقصود مجرد أن يكون ابنا، ولو كان جاهلا، أو لا يملك أية قدرات في مقام الدفاع عن الدين وحقائقه، فإن العجز عن مواجهة التحدي بجميع أقسامه سوف ينتهي بنزول العذاب على العاجز، حتى لو كان ابنا.
ه : أما الحديث المنسوب إلى الإمام الصادق «علیه السلام» حول الخلفاء وأولادهم، فهو خلاف المتواتر والثابت القطعي، فلا يمكن قبوله، مع ملاحظة أنه رتب الأشخاص حسب ترتيب الخلافة. وهذا أمر قد تعودناه في العديد من المواضع التي يراد فيها تكريس هذا التسلسل للخلفاء، للإيحاء بأنه جزء من خطة قد يكون للغيب فيها يد.
ولعل هذا يسهل عليهم تجاهل، أو يهون عليهم تبرير المصائب التي حلت بالزهراء في يوم السقيفة، وينسي، أو يضع علامات استفهام حول جريمة ضربها، واستشهادها، وإسقاط جنينها..
و: لا ندري كيف بقيت هذه الرواية عن مشاركة الخلفاء وأبنائهم في المباهلة مخفية طيلة عشرات السنين !! وكيف لم يهتد إليها من هم بأمس الحاجة إليها، ليقلبوا بها الأمور رأسا على عقب، ويصبح المظلوم ظالماً، والمعتدي معتدى عليه، والمغصوب حقه غاصباً
نقل رشيد رضا في كتابه المنار عن الشيخ محمد عبده ما ملخصه : «أن الروايات متفقة على أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» اختار للمباهلة: علياً، وفاطمة، وولديهما.
ويحملون كلمة «نِسَاءَنَا» على فاطمة، وكلمة «أنفسنا» على علي فقط.
ومصادر هذه الروايات هي الشيعة، ومقصدهم معروف. وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتى راجت على كثير من أهل السنة.
ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية، فكلمة نساءنا لا يقولها الرجل العربي ويريد بها بنته لاسيما إذا كان له أزواج، ولا يفهم هذا من لغة العرب.
وأبعد من ذلك: أن يراد بأنفسنا علي «عليه الرضوان».
ثم إن وفد نجران، الذين قالوا: إن الآية نزلت فيهم، لم يكن معهم نساؤهم وأولادهم.
وكل ما يفهم من الآية أمر النبي «صلی اللّه علیه وآله» أن يدعو المحاجين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى الاجتماع رجالاً ونساءً وأطفالاً، ويبتهلون إلى اللّه بأن يلعن هو الكاذب فيما يقول عن عیسی.
وهذا الطلب يدل على قوة يقين صاحبه، وثقته بما يقول. كما يدل امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب، سواء أكانوا نصارى نجران أو غيرهم على افترائهم فى حجاجهم، ومماراتهم فيما يقولون، وزلزالهم فيما يعتقدون، وكونهم على غير بينة ويقين.
وأنى لمن يؤمن باللّه أن يرضى بأن يجتمع مثل هذا الجمع من الناس المحقين والمبطلين في صعيد واحد، متوجهين إلى اللّه تعالى في طلب لعنه، وإبعاده من رحمته؟!
وأية جراءة على اللّه، واستهزاء بقدرته وعظمته أقوى من هذا ؟!
قال: أما كون النبي «صلی اللّه علیه وآله» والمؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى «علیه السلام» فحسبنا في بيانه قوله :تعالى: «مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ» (1)فالعلم في هذه المسائل الإعتقادية لا يراد به إلا اليقين.
وفي قوله: «نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ..» (2)وجهان:
أحدهما: أن كل فريق يدعو الآخر، فأنتم تدعون أبناءنا، ونحن ندعو أبناءكم، وهكذا الباقي.
وثانيهما: أن كل فريق يدعو أهله، فنحن المسلمين ندعو أبناءنا ونساءنا وأنفسنا، وأنتم كذلك
ولا إشكال في وجه من وجهي التوزيع في دعوة الأنفس، وإنما الإشكال فيه على قول الشيعة ومن شايعهم من القول بالتخصيص»(1). انتهى بأدنى تصرف.
ونقول:
إن كلامه لا يصح من جميع وجوهه، فلاحظ ما يلي:
أولاً: إذا كان الشيعة قد تمكنوا من ترويج هذا الكلام الكثير، وهذه الروايات المختلفة، وهي بهذا الكم الهائل على أهل السنة، وأن يرووه بأسانيد أهل السنة وعن رجالهم وثقاتهم، وأن يدخلوه إلى أصح وأوثق مجاميعهم الحديثية، فلا مجال للوثوق بعد بأي حديث من أحاديث أهل السنة ولا بما يرويه أعاظم مشايخهم ورواتهم، ولا قيمة بعد لمجاميعهم الحديثية، لأنها كلها يمكن أن تكون مدخولة، ومدسوسة، وقد روجها خصومهم عليهم.
ثانياً: إن هذا الطعن يستلزم طعونا أخرى على أهل السنة ومصادرهم وعلمائهم من حيث دلالته: إما على مدى جهلهم، أو
1) المنار (تفسير) ج 3 ص 322 و 323 وعنه الميزان (تفسير) ج 3 ص 236. ج3 ص 322.
على شدة سذاجتهم وتغفيلهم، فكيف يؤمَنُون بعد هذا على الدين وحقائقه وهم لا يميزون بين الغث والسمين، والصحيح والسقيم إلى هذا الحد؟!
ثالثاً : إذا كان أهل السنة شديدي الحذر من الشيعة إلى الحد الذي يرجم دار الطبري الذي روى حديث الطير، حتى صار على بابه كالتل العظيم (1)، وقد تمكن الشيعة من الدس والتعمية على أهل السنة حتى فاضت مجاميعهم بأحاديث لا أساس لها، ورواها رجالهم.. فما بالك بما تدسه الفئات الأخرى الذين لا يحذر منهم أهل السنة حذرهم من الشيعة، مثل الخوارج والمرجئة والمعتزلة، وسائر الفرق من غير الشيعة التي عد علماء المذاهب عشرات الفرق منها؟!
بل ما بالك بما دسه علماء أهل الكتاب، وربما لا يزالون يدسونه في فقه وحديث واعتقادات أهل السنة، بعد أن سمح لهم الخلفاء منذ أبعد أمير المؤمنين «علیه السلام» وأهل بيته - سمحوا لهم - بأن يحتلوا مساجد المسلمين، وقالوا لهم : حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج (2).
1) راجع: معجم الأدباء ج 18 ص 58 والوافي بالوفيات ج 2 ص214 الرجال للتستري ج 9 ص 152.
2) راجع: راجع: صحيح البخاري (ط سنة 1309ه-) ج 2 ص 165 والمصنف للصنعاني ج 6 ص 109 و 110 وج 10 ص 310 و 311 و 312 هوامشه، والجامع الصحيح ج 5 ص 40 وسنن أبي داود ج3 ص322 وسنن الدارمي ج 1 ص 136 ومسند أحمد ج3 ص46 و 13 و 56 و ج 2 ص 214 و 159 و 202 و 474 و 502 ومشكل الآثار ج1 ص 40 و 41 وذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 149 وكشف الأستار عن مسند البزار ج 1 ص 109 والأسرار المرفوعة ص 9 والمجروحون ج1 ص 6 ومجمع الزوائد ج 1 ص 151 والمعجم الصغير ج 1 ص 166 وكنز العمال ج 10 ص 129 و 135 والتراتيب الإدارية ج 2 ص 224 و 225 و 226 والإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير ص 90 و 91 و 92 و 100 و 103 و 105 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 4 و 221 والبداية والنهاية ج 1 ص 6 و ج 2 ص 132 و 133 وتقييد العلم ص 30 و 31 و 34 وشرف أصحاب الحديث ص15 و 14.
وبعد أن منعوا المسلمين من نقل وتداول حديث الرسول، ومن كتابته، ومن العمل به. إلا بشهود!!
إن الاجتهاد مقابل النص الذي جاء به رشيد رضا، وينسبه إلى أستاذه محمد عبده، من شأنه أن ينسف له أساس دينه، ومعتقداته، ويجعلها في مهب الريح.. فنحن ننصح الغيارى من أهل السنة أن لا يطمئنوا لتذاكيه هذا الذي هو من قبيل السم الممزوج بالدسم.
رابعاً : إذا أردنا أن نعتبر الرواة الأوائل الحديث المباهلة أنهم هم الشيعة الذين تمكنوا من ترويج الحديث على أهل السنة، فذلك يعني أن يصير كبار علماء السنة وأركانهم وثقاتهم، وعمدة حملة مذهبهم شيعة.
خامساً: بالنسبة لحمل كلمة «نِسَاءَنَا» على فاطمة «علیها السلام»، مع أنها امرأة واحدة، وحمل «أبناءنا» على خصوص الحسنين «علیهما السلام»، مع أنهما اثنان فقط، وحمل كلمة «أنفسنا» على خصوص علي «علیه السلام»، وهو رجل واحد.
نقول:
إن ذلك لا ضير فيه، ولا يخالف اللغة العربية في شيء، وذلك لما يلي:
إن القرآن قد أورد الكلام في هذه الآية وفي كثير من الآيات الأخرى على نحو القضية الحقيقية، لا الخارجية، فهو يصدر الحكم على الموضوع بحسب ما يمكن وجوده، لا بحسب ما هو موجود بالفعل.
فإذا كان للنبي «صلی اللّه علیه وآله» بنت واحدة جامعة للشرائط، فلا مانع من أن يقول: «قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ ويقول: «وَنِسَاءَنَا». وإذا كان رجل واحد يوازي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وهو علي «علیه السلام»، فلا مانع من أن يقول: «وَأَنْفُسَنَا».
وكذا الحال بالنسبة للأبناء، لاسيما مع توقع ظهور مصداق آخر جامع للشرائط.. فليس المقصود جميع الأنفس الموجودة خارجاً، بل المقصود الأنفس بحسب ما وجد، وما يمكن أن يوجد منها، ليشمل الحكم من يكون وجوده ولو بعد حين من الأئمة الطاهرين «عليهم السلام».
وما أكثر الآيات الواردة على هذا النحو، فمن ذلك قوله تعالى:
«إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّه وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاة وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَهُمْ رَاكِعُونَ» (1). فإن مصداق هذه الآية هو خصوص علي بن ابي طالب «علیه السلام»، فإنها نزلت فيه حين تصدق بالخاتم على السائل وكان «علیه السلام» في حال الركوع في الصلاة.
ومنها قوله تعالى: «أطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُم» (2). ولا يقصد به إلا الأئمة الاثنا عشر «علیهم السلام» بعد النبي «صلی اللّه علیه وآله» واحداً بعد واحد.. لأن اللّه تعالى لا يأمر بإطاعة أمثال فرعون، ويزيد والنمرود، لأن اللّه لا يأمر بإطاعة من يعصيه..
ومنها قوله تعالى في آية التطهير: «إنَّمَا يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطهِّرَكُمْ تَطهيراً» (3). التي لا يقصد بها إلا الخمسة أصحاب الكساء «عليهم الصلاة والسلام»، ولا يقصد بها الزوجات، ولا عم الرسول، ولا أبناء عمه العباس.. بل يقصد بها ابن عمه عليا وزوجته وابنيهما فقط.
وكذلك الحال في قوله تعالى: «قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى» (1). حيث لا يقصد بها إلا أصحاب الكساء أيضاً، ويلحق بهم سائر الأئمة الاثني عشر «علیهم السلام» ببيان ودلالة من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
ولا يقصد بها مودة من كان منهم كافراً، أو جباراً، أو فاسقا، حتى لو كان من أولي القربى، ولا يقصد بها من يدَّعي الإمامة منهم زوراً وبهتانا، أو من يشي بالإمام إلى أعدائه، أو كالذين حرثوا قبر الحسين «علیه السلام»، وقتلوا زواره وقطعوا أيديهم، وهم يدَّعون أنهم من قرابته، وأبناء عمه، ومن لحمه ودمه..
ومنها قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ» (2). فَإِن المقصود بالبنات هو خصوص فاطمة الزهراء «علیها السلام» بلا ريب، لأن إثبات قصد غيرها متوقف على ثبوت وجود بنات غير الزهراء لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. وإثبات ذلك في غاية الإشكال، فإن لنا أربعة كتب حول هذا الموضوع، وهي الكتب التالية:
1 - بنات النبي أم ربائبه؟!
2 - القول الصائب في إثبات الربائب.
3 - ربائب النبي شبهات وردود.
4 - البنات ربائب.
ولم نستطع أن نثبت له «صلی اللّه علیه وآله» بنتا سوى الزهراء «علیها السلام».. وأدلة النفي كانت هي الأكثر والأظهر.
سادساً : بالنسبة لقولهم إنه لا تطلق كلمة «نساءنا» على بنت الرجل إذا كان له أزواج، ولا يفهم ذلك من لغتهم، نقول:
إن الذين أو ردوا هذه الروايات التي صرحت بإطلاق كلمة النساء في الآية على خصوص فاطمة بنت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» هم عرب أقحاح، أعرف من ابن العربي وغيره بلغة العرب، كيف وهو الذي جاء بعدهم بمئات السنين، وبعد أن اختلط الحابل بالنابل. ولاسيما بالنسبة لابن العربي الذي عاش ونشأ في بلاد نائية، وفي أجواء مختلطة.
ويتأكد صحة ما نقول إذا لم نجد أحداً من علماء البلاغة، وأئمة اللغة في القرون الأولى كلها قد سجل تحفظاً أو اعتراضاً، أو حتى سؤالاً حول هذا الموضوع.
سابعاً: إن رشيد رضا نفسه قد زعم أن وفد نجران لم يكن معهم نساء ولا أبناء، فيرد عليه:
1 - من أين جاء بهذا النفي القاطع، وقد كان الناس يصطحبون معهم نساءهم في أسفارهم، وحتى في حروبهم، وأسفار عائشة وسواها مع النبي «صلی اللّه علیه وآله» معروفة ومشهورة.
2 - لو صح قوله هذا لم يكن معنى لقوله تعالى في آية المباهلة:
«تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ».
3 - إن مقصود الآية: أنه تعالى يريد أن يبلغهم أنه يريد أن يباهلهم في قضية بشرية عيسى بجميع أصناف البشر التي تعتبر نفسها مسؤولة عن حفظ الحق، وعن حمايته، وتحصينه من الانحراف بالعلم وبالتضحيات، وبالجهاد، وبالدعوة والفكر، والابتهال إلى اللّه، وكل الوسائل التي تؤدي إلى الغرض المنشود.
وقد أراد اللّه تعالى أن تشارك الفئات العمرية المختلفة، ومفردات الجنس البشري، بما في ذلك المرأة والرجل، والصغير والكبير، والشيخ، والشاب، والنفس، والأهل والولد.
وإنما اختار «صلی اللّه علیه وآله» من كل صنف من هو جامع لأقصى حالات الرقي الإنساني، وأرفع درجات الكمال في الصفات والسمات، وفي العلم والعصمة، وفي كل شيء، حتى مع انحصار الصنف بالفرد الواحد.
وهذا كما لو قلت: شرفونا، وسنكون في خدمتكم: نساءً ورجالاً، وأطفالاً، وبالنفس، والأهل والولد. فلو جاؤوك، وخدمهم رجل واحد، وامرأة وطفل، ولم يكن لديك غيرهم، وكانت هذه العناوين صادقة عليهم.. لصح كلامك، ولرضي ضيفك، واعتبرك قد وفيت بما وعدت.
ثامناً: قول رشيد :رضا وأنى لمن يؤمن باللّه أن يرضى بأن يجتمع مثل هذا الجمع من الناس المحقين والمبطلين في صعيد واحد
متوجهين إلى اللّه تعالى في طلب لعنه، وإبعاده من رحمته؟! وأية جرأة على اللّه، واستهزاء بقدرته وعظمته أقوى من هذا؟!
إن هذا القول يتضمن جرأة على النبي، وتخطئة له، بل هو جرأة على اللّه الذي أمر بالمباهلة. فإنه أمر بما فيه جرأة من النبي والمؤمنين على رب العالمين كأقوى ما تكون الجرأة.
تاسعاً : قول رشيد رضا: ظاهر الآية: أن المطلوب هو دعوة المجادلين في عيسى «علیه السلام» كلهم من النصارى أو غيرهم إلى جمع نسائهم، ورجالهم، وأبنائهم، وأن يجمع النبي «صلی اللّه علیه وآله» نساء وأبناء ورجال المؤمنين في صعيد واحد، ثم يبتهلون..
إن هذا القول ليس هو مقصود الآية، ولا قصده الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، لعدم إمكان جمع المتجادلين كلهم من الفريقين في صعيد، فهو طلب فيه تعنت، وإذا أردت أن لا تطاع، فاطلب ما لا يستطاع، فضلاً عن أن جمعاً كهذا لا يمكن حصول أي تفاهم فيما بينهم، ولا يصلون إلى أية نتيجة إلا أن يكون الهدف منه هو الإيقاع بن الفريقين، والتسبب بما لا تحمد عقباه.
وإن كان المقصود هو جمع خصوص المجادلين، لا جمع النصارى، ولا أهل الكتاب، فيرد عليه: أن رشيد رضا نفسه قد أقر بأن الوفد لم يكن معه نساء ولا أطفال. وهو قد عمم الكلام ليشمل النساء والأطفال أيضاً.
عاشراً: إن قوله بعدم وجود نساء وأطفال يجعل من قول اللّه
تعالى: «ندْعُ أَبْنَاءَنَا وَأبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ». غير ذي معنى، لأنه يعلم بأنه لا أبناء، ولا نساء لدى الوفد، فلماذا يطلب منهم ذلك؟!
وإن كنا نحن قد ذكرنا: أن الناس كانوا يصطحبون أبناءهم ونساءهم في أسفارهم الحربية، فما بالك بالأسفار العادية، كسفر وفد لم يأت لحرب ولا لقتال، وإنما جاء معتمداً على منطقه وفكره وحججه وقدرته الإقناعية، فما الذي يمنعه من الإتيان بنسائه وأبنائه؟!
حادي عشر: لا شك في أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» والذين كانوا معه، وهم: على، وفاطمة، والحسنان «علیهم السلام» كانوا على يقين من صحة ما يدَّعونه، ولهذا رضوا بأن تجعل لعنة اللّه على الكاذبين..
ولكن من أين علم رشيد رضا : أن سائر المسلمين كانوا على يقين من بطلان جميع أقوال النصارى، ومن صحة جميع ما سوف يقال في ذلك الجمع، مع أن الكثيرين من المسلمين لعلهم كانوا على جهل تام بكثير من تلك التفاصيل، وربما لو عرضت على أحدهم لتحير فيها.
ثاني عشر : إذا كانت الآية لا تمنع من أن يختار النصارى من بين المسلمين الأشخاص الذين يباهلونهم، فلعلهم لا يختارون النبي «صلی اللّه علیه وآله»، ولا عليا «علیه السلام»، ولا الحسن، ولا الحسين «علیهما السلام»، وقد يختارون عائشة، أو ابن عباس، أو
الوليد بن عقبة، أو عمر بن الخطاب، أو أي شخص آخر..
ويدلنا على ذلك: ما تقدم من أن النصارى قد تواصوا فيما بينهم: بأنه «صلی اللّه علیه وآله» إذا باهلهم بأهل بيته، فلا يباهلوه، لأنه يكون صادقاً بلا ريب. وسينتهي الأمر بهلاكهم (1).
ثالث عشر : إن النصارى قد لا يرضون بأن يختار المسلمون من يباهلونه من بين النصارى، لأنهم يرون أن بعضهم أقوى من بعض على هذا الأمر، فقد يختار الأضعف من بينهم، أو قد يكون بينهم من يرون أن له مقاماً عند اللّه يخوله استجابة دعائه، أو أن لديه مسارب ومهارب يتمكن بها من التخلص والتملص من المأزق، أو أنهم يريدون أن يجعلوا من ذلك الامتناع ذريعة للّهروب من المباهلة، ويلقون باللائمة في ذلك على النبي «صلی اللّه علیه وآله» والمسلمين باعتبار أنهم أرادوا فرض شروطهم عليهم والتحكم بهم، وإجبارهم على أمور لا يحق لهم إجبارهم عليها..
رابع عشر : بالنسبة لدعوة النبى نفسه نقول:
إن الشيعة لا يقولون: إن الآية تفرض على النبي «صلی اللّه علیه
1) تفسير القمي ج 1 ص 104 وبحار الأنوار ج 21 ص 340 و 341 والبرهان (تفسير) ج 1 ص 629 ونور الثقلين (تفسير) ج 1 ص 347 وكنز الدقائق (تفسير) ج 3 ص 116 و 117 والتفسير الأصفى ج 1 ص 153 والتفسير الصافي ج 1 ص 344 والميزان (تفسير) ج 3 ص228 و 229.
وآله» أن يقول: يا محمد اخرج للمباهلة، بل يقولون: «إن المراد بكلمة هو أنفسنا أن ينتدب المسلمون من بينهم أي شخص كان، كالنبي، أو من يقوم مقامه ممن يكون حضوره وقوله وتصرفه بمثابة حضور وتصرف رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
وقوله : «ندْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ». يراد به معنى أن يدعو بعضهم بعضاً إلى هذه المباهلة والمنازلة لأعداء اللّه حفظاً لدين اللّه سبحانه (1).
زعم بعضهم: أن إشراك الأبناء والنساء والأنفس ليس لأجل أن لهم خصوصية في العلم أو التقوى، أو في حسن المجادلة، وقوة الحجة، أو ما إلى ذلك.
بل إشراك هؤلاء ليفهم النصارى: أنه يجعل حياة هؤلاء وموتهم رهنا بصدقه، لأنهم أعز البشر عليه، فليحضر كل فريق أعز الخلق عليه، وليجعل حياته أو موته مرهونا بصدقه في دعواه، بأن يدعو اللّه إن كان كاذبا أن يستأصله مع جميع من هو عزيز عليه.. وإن كان صادقاً، فليتم استئصال الفريق الآخر.
وزعم بعضهم: أن هذا من أسباب التأثير النفسي على الفريق الآخر.
1) لا بأس بمراجعة الميزان (تفسير) ج 3 ص 242 و 243.
ونجيب :
أولاً : إذا كان الموضوع يقتصر على التأثير النفسي، فلا تبقى للمباهلة أية قيمة، ولا مبرر لذكرها في آية قرآنية، لأنها تفقد عنصر الجدية، وتصبح مجرد تهويل.
ثانياً: إن هذه المباهلة لم تكن قراراً شخصياً من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ليكون هو الذي قرر وأحب أن يضحي بأعزائه لإثبات صدقه، بل اللّه هو الذي أمره بذلك..
ثالثاً : إذا كان لا يستطيع نبي أن يثبت صدقه إلا بتقديم أحبائه إلى الموت، فهو نبي عاجز، لا يملك ما يدل على صحة ما يدَّعيه. غاية ما لديه أن يرفع عجزه بتقديم غيره للموت، فهل العجز عن التصرف يبرر التصرف بحياة الآخرين إلى هذا الحد؟!
رابعاً: إن الآية تقول : إن اللّه تعالى هو الذي قرر المباهلة، فقد قال اللّه تعالى لنبيه: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ..».
وهذا لا يعني أن النبي عاجز، بل يعني: أن اللّه تعالى قد غضب من شدة معاندة أهل الباطل، وجحودهم ويريد أن ينتقم منهم، ويكون ذلك باختيار وطلب منهم، وبلسانهم أيضاً.. لأنهم هم باب الهداية والنجاة من الهلاك على أنفسهم، وهم الذين اختاروا لأنفسهم هذا المصير.
خامساً: إن هذه الآية المباركة قد أوضحت أن النبي «صلى اللّه
عليه وآله» لم يكن عاجزاً عن إقامة الحجة، حيث قالت: «مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلم»، فتنتفي الحاجة إلى تقديم الأعزاء فداءً للدين، لأن العلم الذي يستبطن وجود الحجة ينفي موضوع التضحية بالأنفس من دون قبول واختيار منها.
فلم يبق إلا المباهلة بعد طلب المبطلين من اللّه أن ينزل فيهم العقوبة.
سادساً : إن اختيار اللّه تعالى لهؤلاء الصفوة للمباهلة يدل على مكانتهم ومقامهم العظيم عند اللّه مباشرة.
وأما محبة النبي «صلی اللّه علیه وآله» لابنيه، أو لابن عمه، أو لابنته «علیهم السلام» جميعا، فليست مطروحة من الأساس.
سابعاً: إن الموضوع الذي يراد إثباته هو بشرية عيسى «عليه السلام»، والآية تصرح: بأن هؤلاء الذين جاؤوا للمباهلة هم أنفسهم يدَّعون بشريته، وهم أنفسهم يطلبون نزول العذاب على الكاذبين. فهم الذين يضحون بأنفسهم، ويتحملون مسؤولية أقوالهم، لا أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي يضحي بهم، ولذلك تقول الآية: «فَنَجْعَلْ لَعْنت اللّه عَلَى الْكَاذِبِينَ». فهم يتحدثون عن أنفسهم، ويعترفون بأنهم هم الذين يدَّعون البشرية، وهم الذين يطلبون اللعنة على الكاذب.
ثامناً : إن هذا يدل على أن الحسين «علیه السلام» الذي كان عمره سنتين، والحسن «علیه السلام» الذي كان بعمر ثلاث سنوات يدَّعيان أن لديهما علماً بهذا الأمر الدقيق والحساس الذي قد يجهل
الكثيرون الكثير من أحواله وتفاصيله..
في حين أن هذا الأمر كان لدى الحسنين «عليهما السلام» في غاية البداهة والوضوح، ولذلك كانا على استعداد لأن يجعلا حياتهما ضمانة، ومرهونة بصحة وصدق ما يقولونه فيه.
وهذه مرتبة عالية من العلم والفضل، والمعرفة، واليقين، ووضوح الرؤية والاختيار، وامتلاك قرار أنفسهما.
فعلي وفاطمة والحسنان «عليهم السلام» شركاء في الدعوى، وفي إثباتها، ولو بواسطة دعوة المنكر إلى المباهلة. وهذا من أفضل المناقب التي خص اللّه تعالى بها نبيه(1)
قال الزمخشري: «وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء» (2).
1) الميزان (تفسير) ج 3 ص 224 ودلائل الصدق ج 2 ص 84.
2) راجع: الكشاف ج 1 ص 370 والصواعق المحرقة ص153 عنه، وإقبال الأعمال لابن طاووس ج 2 ص 351 والطرائف لابن طاووس ص 43 وكشف الغمة ج 1 ص 235 والصراط المستقيم ج 1 ص 249 وبحار الأنوار ج 21 ص 282 وج 35 ص 60 وراجع الإرشاد للمفيد ص99 والميزان (تفسير) ج 3 ص 238 وجوامع الجامع ج 1 ص294 وتفسير البحر المحيط ج 2 ص 503.
لقد قدّم اللّه سبحانه للمباهلة العائلة التي هي صفوة هذا الخلق، والنموذج للإنسان الذي يحمل ثقل الرسالة والمثل الأعلى والأرقى للتربية والصناعة الإلهية الخالصة في أسمى مراتبها.. فالتفريط بهذا الكيان - العائلة - يعني التفريط بالدين كله، فجعل اللّه سبحانه لهؤلاء معرض الخطر معناه أنه يجعل مصير شرعه ودينه وخلقه، وكل أطروحته، مرتبطاً بهم، ويكون من أعظم الوثائق على صدق رسول اللّه فيما يدَّعيه.
ومن المعلوم: أنه لا قيمة لهذا الوجود كله بدون هؤلاء.
وهذا ما يفسر اتفاق النجرانيين على أن لا يقدموا على المباهلة، إذا كان «صلی اللّه علیه وآله» يريد أن يباهلهم بأهل بيته.
لأن المراد أهل بيته الذين هم ثمرات جهود الأنبياء، وتضحيات الصالحين والشهداء، وليسوا مجرد أبناء وأسباط، وابن عم، بل هم علماء حلماء، حكماء، فضلاء،معصومون مطهرون، وقد جاؤوا ليثبتوا بشرية عيسى، وينفوا الألوهية عنه، ولديهم من اليقين بذلك ما يجعلهم يبذلون أرواحهم، وكل وجودهم من أجل إظهار صدقهم، وإبطال دعوى ألوهية عيسى «علیه السلام».
ويؤكد ما قلناه من أن الحسنين «علیهما السلام» نموذج فذ لا نظیر له: قول رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: «الحسن والحسين
إمامان قاما أو قعدا».
إذ ليس المقصود: أنهما سيكونان إمامين في المستقبل، بل هما إمامان بالفعل، كما يدل عليه قوله «صلی اللّه علیه وآله» للإمام الحسين «علیه السلام»: «أنت سيد، ابن سيد، أخو سيد، وأنت إمام، ابن إمام، أخو إمام، وأنت حجة، ابن حجة، أخو حجة، وأنت أبو حجج تسعة، تاسعهم قائمهم» (1). وقوله «صلی اللّه علیه وآله»: «أنتما الإمامان
1) ينابيع المودة ص 168 و 445 و (ط دار الأسوة سنة 1416ه) ج2 ص 44 و 316 وج 3 ص 291 و 394 وراجع: منهاج السنة لابن تيمية 394 ج 4 ص 209 وإثبات الهداة ج 5 ص 129 وبحار الأنوار ج 36 ص 241 و 360 و 290 و 291 وكفاية الأثر ص 46 وغاية المرام ج 1 ص 129 وكشف الأستار ص 61 ومقتل الحسين للخوارزمی ص 212 - 213 وكمال الدين ص 262 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 99 عن عيون الأخبار (نسخة مكتبة الفاتيكان) ص 55 وعن آل محمد للمردي الحنفي ص 18 وراجع: الإمامة والتبصرة ص 110 والخصال ص 475 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 56 والإستنصار للكراجكي ص9 وكتاب سليم بن قيس ص 460 والإختصاص ص 207 والاستنصار ص 9 والصراط المستقيم ج 2 ص 119 و 130 ومدينة المعاجز ج3 ص 232 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 214 وإعلام الوری ج 2 ص 180 والدر النظيم ص791 وكشف الغمة ج 3 ص 313 والعدد القوية ص85 والنجم لثاقب ج 1 ص 482.
ولأمكما الشفاعة» (1).
يضاف إلى ذلك : التعامل النبوي معهما، كما يتعامل مع أكمل الرجال، من الذين هم أنبياء أو أوصياء، فهم مثال الإنسان العاقل، العالم، المعصوم، المؤيد المسدد، المختار..
ولم يقتصر هذا التعامل على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، بل هو مشهود وظاهر في الايات القرآنية أيضاً.
فهو تعالى يتعامل معهما، ويتحدث عنهما تماماً كما تعامل مع يحيى وعيسى «علیهما السلام» وغيرهما من أنبياء اللّه.
فلاحظ آيات سورة هل أتى، وآية التطهير، وآية المودة في القربى وآية المباهلة.
كما أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أشركهما في بيعة الرضوان، وأشهدهما على كتاب ثقيف. كما أن أمهما قد جعلتهما شاهدين على أبي بكر وعمر في نزاعها معهما في قضية فدك.
1) نزهة المجالس ج 2 ص 184 و (ط القاهرة) ج 2 ص 228 والإتحاف بحب الأشراف ص 129 وإثبات الهداة ج 5 ص 52 والمحتضر لابن سليمان الحلي ص 179 وكشف الغمة ج 2 ص 129 و الفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 666 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 9 ص 251 وج 33 ص 292 عن مختصر المحاسن المجتمعة في فضائل الخلفاء الأربعة (ط دار ابن كثير دمشق وبيروت) ص 191.
وقد ثبتت إمامة الإمام الجواد والهادي، والإمام الحجة «عليهم السلام» وهم بعمر خمس، وسبع، وتسع سنوات. وظهرت لهم المعجزات، والكرامات، وبان تميزهم عن الخلق بالعلم والحكمة، والفضائل، والصفات، والسمات، والعصمة، وبكل شؤون الإمامة والقيادة. فلماذا التقصير في حق الحسنين «علیهما السلام».
وقد ألمحنا إلى أن آية المباهلة قد جعلت جميع الذين يشاركون فيها مورداً للاتصاف بالكذب أو الصدق قال تعالى: «فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّه على الْكَاذِبِينَ» (1). ولو كانت المباهلة بين شخص النبي، وبين رئيس النصارى من أهل نجران، لكان يجب أن يقول : نجعل لعنة اللّه على الكاذب، لأن المدعي هو شخص واحد، وهو قد يكون كاذباً، وقد يكون صادقاً. ولكنه حين جاء بصيغة الجمع «الْكَاذِبِينَ» علم أن جميعهم مدَّعون لنفس ما يدعيه الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، فكل فرد منهم قد يكون صادقاً فيما يدَّعيه، وقد يكون كاذباً
والكذب والصدق إنما يكون في الدعوى ممن يدعيها.
1) الآية 61 من سورة آل عمران.
وقد يقول قائل : إن الآية ذكرت أن المطلوب هو إخراج أبناء صاحب الدعوة، والحسنان ابنا بنته، وليسا ابنيه مباشرة، وهذا يدل على أن ما تريده الآية هو أبناء أصحاب الدعوة، لا أبناء الرسول. ولذا قالت الآية: «أبْناءَنَا»، ولم تقل أبنائي. فكون الحسنين ابنين لبعض أصحاب الدعوى كاف في المطلوب. كما أن كلمة «أنفسنا» يراد بها أي رجل كان من المسلمين، لا خصوص على «علیه السلام»، وإنما خرج علي «علیه السلام» للمباهلة من حيث هو من مصاديق هذه الكلمة. وهكذا يقال في كلمة «نِسَاءَنَا»، وكلمة «أبْناءَنَا».
ويجاب:
أولاً :روي أن علياً «علیه السلام» قال يوم الشورى: «أنشدكم باللّه، هل فيكم أحد أقرب إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في الرحم مني، ومن جعله نفسه، وأبناءه أبناءه، ونساءه نساءه غيري»؟!
قالوا : اللّهم لا (1).
1) بحار الأنوار ج 35 ص 267 وتاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 432 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 1161 وكتاب الولاية لابن عقدة ص 177 ودلائل الصدق ج 2 ص 85 والغدير ج 1 ص 161.
ثانياً: عن الشعبي أنه قال: «أبناؤنا الحسن والحسين ونساؤنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي طالب» (1).
ثالثاً : سيأتي عن قريب أن الإمام الكاظم «علیه السلام» قد احتج بآية المباهلة على أن الحسنين «علیهما السلام» ابنا رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله».
واحتج بها سعيد بن جبير على الحجاج، فلو كان المراد بالآية هو أبناء أهل الدعوة، ورجالها، ونساؤها لم يصح الاستدلال.
ومن الواضح: أنهم لا يستدلون بأمر تعبدي أثبته نص خاص، بل هم يستدلون بظهور الآية، وبدلالتها اللفظية
رابعاً: لو كان المقصود رجال الدعوة، وأبناء أصحاب هذا الدين، ونساءهم، لكان المقصود بقوله تعالى: «وأنفسنا» هو مطلق الرجال الذين قبلوا بهذا الدين، وليس شخص النبي، أو من يقوم مقامه، ممن يكون قوله، وفعله، ونفوذ تصرفاته نفس قول وفعل، وتصرفات الرسول النافذة.
1) دلائل الصدق ج 2 ص 85 والطرائف لابن طاووس ص47 وبحار الأنوار ج 35 ص 262 وأسباب نزول الآيات للنيسابوري ص68 ونهج الإيمان لابن جبر ص 346.
خامساً: لو صح قولهم، لكان الأنسب أن يقول حينئذ: «ورجالنا ورجالكم» بدل «وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ».
أضف إلى ذلك: أن من غير المناسب أن يكون المقصود بالأنفس رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» من جهة، ثم يكون المقصود بالأبناء والنساء أبناء ونساء أناس آخرين فإن الظاهر أن المقصود بالضمير في «أنفسنا»، هو نفسه المراد بالضمير في «نِسَاءَنَا»، و«أبْناءَنَا».
ويكون الكلام - بناءً على ما قالوه - ركيكاً جداً، لأنه يكون من قبيل قول القائل : إن كان ما أقوله كذباً، فليمتني اللّه، وليمت أيضاً ابن جارنا وزوجته.
سادساً: إن الكلمات التي وردت في الآية الكريمة جاءت على نسق واحد «أبْناءَنا»، «نِسَاءَنَا»، «أنْفُسَنَا». فالكل من صيغ الجمع المضافة إلى ضمير المتكلمين.
ولكن النبي «صلی اللّه علیه وآله» حين أخرج مصاديق هذه الصيغ دعا وأخرج اثنين من الأبناء، وواحدة من النساء، وعليا من الأنفس.
وهذا إنما يدل على خصوصية لهؤلاء الذين اختارهم ليكونوا مصاديق لتلك الصيغ. فلو كان المقصود إخراج نموذج فقط لاكتفى بواحد واحد لكل صيغة.
وإن كان المقصود التشريف، وإظهار الفضيلة والخصوصية التي لا تجاري فيصح قولهم: إن هذه الآية تدل على فضيلة ولا أعظم منها
لأصحاب الكساء.. ولاسيما بملاحظة شراكتهم في الدعوى، وفي إثباتها بواسطة المباهلة، كما قلنا.
تقدم: أن آية المباهلة تدل دلالة واضحة على أن الحسنين «عليهما السلام» ابنا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» على الحقيقة، فإن اللّه أمره بدعوة أبنائه، وقد دعا الحسنين «علیهما السلام»، مع أنهما ابنا بنته.
وهذا يسقط المفهوم الجاهلي البغيض الذي لا يعترف ببنوة أبناء البنات، بل يعترف ببنوة أبناء الأبناء فقط حتى لقد جعلوا قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللّه فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظَ الأنثيين»(1)، مختصا بعقب الأبناء، دون عقب البنات.
فإذا أوقف الرجل دارا مثلا، أو أعطى أو وهب لبنيه شيئاً اختص ذلك ببنيه لصلبه، وأبنائهم، واحتجوا لقولهم هذا بقول الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا***بنوهن أبناء الرجال الأباعد (2)
ونقل القرطبي : أن مالك بن أنس هو الذي لا يدخل ولد البنات في الوقف الذي يكون على الولد، وولد الولد (1).
وخلاصة القول:
إن آية المباهلة قد قطعت الطريق على من يريدون تحريف مفاهيم وحقائق الإسلام بالتشبث بالمفاهيم الجاهلية البغيضة، فيريدون هنا أن ينكروا قرابة الحسنين «علیهما السلام» برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، مقدمة لإنكار إمامتهم «علیهم السلام» وخلافتهم، وتقدمهم على جميع من عداهم.
وهؤلاء المنكرون لقرابة الحسنين «علیهما السلام» من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» هم أنفسهم ادَّعوا أن الحق في الخلافة بعد الرسول يعود إليهم، لأنهم هم - حسب احتجاجهم يوم السقيفة - أولياء النبي «صلی اللّه علیه وآله» وعشيرته، وهم أمس برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» رحماً، وهم عترة الرسول ! ! (2).
1) الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 31 والغدير ج 7 ص 123 عنه.
2) راجع: نهاية الإرب ج 8 ص 168 وعيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 233 والعقد الفريد ج 4 ص 258 وتاريخ الأمم والملوك (ط دار المعارف بمصر) ج 3 ص 220 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 457 والإمامة والسياسة (ط الحلبي بمصر) ج 1 ص 14 و 15 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص 7 و 8 و 9 و 11 والأدب في ظل التشيع ص 24 نقلاً عن البيان والتبيين للجاحظ، والإمام الحسين للعلايلي ص 186 و 190 وبحار الأنوار ج 28 ص 335 والإمامة والسياسة لابن قتيبة (تحقيق الشيري) ج 1 ص 24 والشافي للشريف المرتضى ج 3 ص 187 وغيرهم.
ثم جاء الأمويون، واحتجوا بنفس الحجة، وانتهجوا نفس السياسة، حتى لقد ذكروا أنه بعد سقوط حكومة بني أمية حلف للسفاح عشرة من قواد أهل الشام، وأصحاب الرياسة فيها : أنهم ما كانوا يعرفون إلى أن قتل مروان أقرباء للنبي «صلی اللّه علیه وآله»، ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية (1).
وقالت أروى بنت عبد المطلب تذكّر معاوية بهذا الأمر: ونبينا «صلی اللّه علیه وآله» هو المنصور، فوليتم علينا من بعده، تحتجون بقرابتكم من رسول اللّه الخ.. (2).
ثم جاء العباسيون، واتبعوا نفس هذه السياسات أيضاً، وقد تكلمنا حول هذا الموضوع في كتابنا: الحياة السياسية للإمام الرضا «علیه السلام»، وفي العديد من كتبنا الأخرى، مثل الصحيح من سيرة النبي
1) النزاع والتخاصم ص 28 و مروج الذهب ج 3 ص 33 والفتوح لابن أعثم (ط الهند) ج 8 ص 195 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 7 ص 159 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 3 ص 159.
2) العقد الفريد ج 2 ص 120 والغدير ج 10 ص 167 عنه، والطرائف لابن طاووس ص 28 وقاموس الرجال للتستري ج 12 ص 183 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 249 وجمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة ج 2 ص381.
الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» ج 28 ص 29.
هناك أمثلة وشواهد كثيرة تدل على سعي مناوئي أهل البيت إلى إنكار أن يكون الحسنان «علیهما السلام» ابنين للرسول «صلی اللّه علیه وآله»، فباءت محاولاتهم بالفشل، وهذه نماذج من هذه المحاولات:
1 - عن ذكوان مولى معاوية، قال: «قال معاوية: لا أعلمنَّ أحداً سمى هذين الغلامين (يعني الحسن والحسين «علیهما السلام») ابني رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». ولكن قولوا: ابني علي.
قال ذكوان: فلما كان بعد ذلك، أمرني أن أكتب بنيه في الشرف.
قال: فكتبت بنيه وبني بنيه، وتركت بني بناته.. ثم أتيته بالكتاب، فنظر فيه، فقال: ويحك، لقد أغفلت كبر بني!
فقلت: من؟!
فقال: أما بنو فلانة - لابنته - بَنيَّ؟! أما بنو فلانة - لابنته - بنيّ؟!
قال :قلت: اللّه !! أيكون بنو بناتك بنيك، ولا يكون بنو فاطمة بني رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»؟!
قال: ما لك؟! قاتلك اللّه ! لا يسمعنَّ هذا أحد منك؟!..» (1).
1) كشف الغمة للأربلي ج 2 ص 176 وبحار الأنوار ج 33 ص 258.
2 - إن مما احتج به الإمام الحسن «علیه السلام» على معاوية قوله فأخرج رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» من الأنفس معه أبي، ومن البنين أنا وأخي ومن النساء فاطمة أمي، من الناس جميعاً، فنحن أهله، ولحمه ودمه، ونفسه، ونحن منه وهو منا» (1).
3 - قال الرازي في تفسير قوله تعالى: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ..». إلى قوله: «وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى» (2)- بعد أن ذكر دلالة الآية على بنوة الحسنين «عليهما السلام» للنبي «صلی اللّه علیه وآله» - قال : ويقال: إن أبا جعفر الباقر استدل بهذه الآية عند الحجاج بن يوسف» (3).
4 - إحتج أمير المؤمنين علي «علیه السلام» يوم الشورى على المجتمعين، بأن اللّه تعالى جعله نفس النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وجعل ابنيه ابنيه، ونساءه نساءه (4).
1) ينابيع المودة ص 479 عن الزرندي المدني، وص 482 و 52 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 286 والأمالي للطوسي ج 2 ص 172 وفي (ط دار الثقافة قم) ص 564 وبحار الأنوار ج 10 ص 141 وج 69 ص154 وكتاب الولاية لابن عقدة ص 186.
2) الآيتان 84 و 85 من سورة الأنعام.
3) التفسير الكبير للرازي ج 13 ص 66 والتفسير الكاشف ج3 ص 219 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 241 عنه.
4) ينابيع المودة ص 266 عن الدارقطني، والصواعق المحرقة ص154 و (ط 2 سنة 1385ه) ص 156 وفضائل الخمسة ج 1 ص 250 وحياة أمير المؤمنين «علیه السلام» للسيد محمد صادق الصدر ص205 عن الصواعق، وبحار الأنوار ج 35 ص 267 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص 432 وكشف الغمة للإربلي ج 1 ص 385 وكتاب الولاية لابن عقدة ص 177 ودلائل الصدق ج 2 ص 85 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 4 ص 405 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 1161 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 3 ص65 و 66.
5 - عن الشعبي، قال: كنت عند الحجاج، فأتي بيحيى بن يعمر، فقيه خراسان، من بلخ، مكبلاً بالحديد فقال له الحجاج: أنت زعمت: أن الحسن والحسين من ذرية رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»؟
فقال: بلى.
فقال الحجاج: لتأتيني بها واضحة بيّنة من كتاب اللّه (!!)، أو لأقطعنك عضواً عضواً.
فقال: آتيك بها بيّنة واضحة من كتاب اللّه يا حجاج.
قال: فتعجبت من جرأته بقوله: يا حجاج.
فقال له: ولا تأتني بهذه الآية: «نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ».
فقال: آتيك بها بيّنة واضحة من كتاب اللّه، وهو قوله: «ونوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ..» إلى قوله: «وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى» (1). فمن كان أبو عيسى، وقد ألحق بذرية نوح؟!
1) الآيتان 84 و 85 من سورة الأنعام.
قال: فأطرق الحجاج مليا، ثم رفع رأسه فقال: كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب اللّه. حلوا وثاقه الخ..» (1).
وفي نور القبس: أنَّ الحجاج طلب منه أن لا يعود لذكر ذلك ونشره.
6 - لسعيد بن جبير قصة مع الحجاج شبيهة بقصة يحيى بن يعمر، فلا نطيل بذكرها (2)
7 - سأل هارون الرشيد الإمام الكاظم «علیه السلام»، فقال له: كيف قلتم: إنَّا ذرية النبي، والنبي لم يعقب، وإنما العقب للذكر لا للأنثى، وأنتم ولد البنت ولا يكون له عقب ؟!
فسأله «علیه السلام» أن يعفيه، فلم يقبل.
فاحتج «علیه السلام» بأن القرآن قد اعتبر عيسى من ذرية
1) تفسير الرازي ج 2 ص 194 والمستدرك للحاكم ج 3 ص164 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 247 و 248 والدر المنثور ج 3 ص 28 عن ابن أبي حاتم، وأبي،الشيخ، والحاكم والبيهقي، والغدير ج7 ص 123 عن تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 155 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 89 وراجع العقد الفريد ج 5 ص 20 ونور القبس ص 21 و 22 والكنى والألقاب ج 1 ص 12.
2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 89 و 90 وبحار الأنوار ج 43 ص 229 والخصائص الفاطمية للكجوري ج 2 ص 558.
إبراهيم في آية سورة الأنعام، مع أنه ينتسب إليه عن طريق الأم.
ثم احتج عليه بآية المباهلة، حيث قال اللّه تعالى فيها : «أبناءنا» (1).
8 - إن عمرو بن العاص أرسل إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» يعيبه بأشياء، منها: أنه يسمي حسناً وحسينا ولدَي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
فقال «علیه السلام» لرسوله: «قل للشانئ ابن الشانئ: لو لم يكونا ولديه لكان أبتر، كما زعم أبوك» (2).
9 - قال الحسين «صلوات اللّه وسلامه علیه» في كربلاء: «اللّهم إنَّا أهل بيت نبيك، وذريته وقرابته، فاقصم من ظلمنا، وغصبنا حقنا، إنك سميع قريب».
فقال محمد بن الأشعث أي قرابة بينك وبين محمد؟!.
فقال الحسين «علیه السلام»: «اللّهم إن محمد بن الأشعث يقول:
1) نور الأبصار ص 148 و 149 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 84 و 85 تفسير نور الثقلين ج 1 ص 289 و 290 وتفسير الميزان ج 3 ص230 والبرهان (تفسير) ج 1 ص 289 وذخيرة المعاد (ط.ق) للسبزواري ج 1 ق 3 ص 487 وجواهر الكلام ج 16 ص 95 وعيون أخبار الرضا «علیه السلام» ج 2 ص 80 والإحتجاج ج 2 ص 164 وبحار الأنوار ج 48 ص 128 وج 93 ص 240.
2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 334.
ليس بيني وبين محمد قرابة، اللّهم أرني فيه في هذا اليوم ذلاً عاجلاً، فاستجاب اللّه دعاءه الخ..» (1).
10 - وقد أوضح الإمام الباقر «علیه السلام» لنا: أن سياسات الآخرين كانت تقضي بنفي بنوة الحسنين «عليهما السلام» للنبي «صلی اللّه علیه وآله» فراجع ما قاله «علیه السلام» في ذلك (2).
هذا ولهم «علیهم السلام» احتجاجات أخرى بآية المباهلة على خلافة أمير المؤمنين، وعلى أفضليته «علیه السلام»، وغير ذلك، لا مجال لذكرها هنا (3).
1) راجع: تفسير القمي ج 1 ص 209 والحدائق الناضرة للبحراني ج 12 ص 398 و ج 22 ص 244 وجواهر الكلام ج 16 ص 93 والكافي ج 8 ص 317 وبحار الأنوار ج 43 ص 232 و ج 3 ص 239 وتفسير نور الثقلين ج 1 ص 348 وتفسير الميزان ج 7 ص 263 والعدد القوية للحلي ص 40.
2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 249 ومقتل الحسين للمقرم ص 278 عنه، ومناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 215 وبحار الأنوار ج 45 ص 302 وراجع مدينة المعاجز ج 3 ص 475 والعوالم، الإمام الحسين ص 615.
3) لا بأس بمراجعة بحار الأنوار ج 35 ص 257 وج 49 ص 188 وتفسير الميزان ج 2 ص 230 و 329 والبرهان (تفسير) ج 1 ص 286 و 287 والفصول المختارة للشريف المرتضى ص 38 وغير ذلك.
وقد كان الحسنان «عليهما السلام» يؤكدان على أنهما ابنا الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، ولا يهتمان لكل الكيد الذي كان مناوئوهما يواجهونهما به.
وقد ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» ج 29 ص 49 فما بعدها نماذج من مواقف وأقوال الإمام الحسن المجتبى «علیه السلام»، فيمكن مراجعته. وراجع كتاب الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» ج50 ص 111 قوله «علیه السلام»: وأنا الحسن بن محمد.
ونذكر هنا بعض ما ورد عن الإمام الحسين والإمام السجاد، وزينب «علیهم السلام». مكتفين أيضاً بما أوردناه في ذلك الكتاب، فقد قلنا ما يلي:
1 - خطب الإمام الحسين «علیه السلام» في الناس، وقال: «أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمد «صلی اللّه علیه وآله»، ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته، تريدون قتلهم..
إلى أن قال: ألست أنا ابن بنت نبيكم، وابن وصيه، وابن عمه»؟! (1).
1) مقتل الحسين للمقرم ص 274 عن مقتل محمد بن أبي طالب الحايري، وبحار الأنوار ج 45 ص 6 والعوالم، الإمام الحسين ص 250 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 619.
2 - ويقول في موضع آخر حينما اشتد به الحال: «ونحن عترة نبيك، وولد حبيبك محمد «صلی اللّه علیه وآله»، الذي اصطفيته بالرسالة الخ..» (1).
3 - ويقول في وصف جيش يزيد، في يوم عاشوراء: «فإنما أنتم من طواغيت الأمة.
إلى أن قال: وقتلة أولاد الأنبياء، ومبيري عترة الأوصياء» (2).
4 - وقد اعترفوا له بذلك حينما ناشدهم «علیه السلام»، فقال: أنشدكم اللّه هل تعرفوني؟!
قالوا: نعم، أنت ابن رسول اللّه وسبطه»(3).
1) إقبال الأعمال لابن طاووس ج 3 ص 304 والمصباح للكفعمي ص544 وعنهما مزار البحار ص 107 باب زيارته يوم ولادته، والمزار لابن المشهدي ص 399 ومصباح المتهجد للطوسي ص827 وبحار الأنوار ج 98 ص 348.
2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 7 وبحار الأنوار ج 45 ص 8 والعوالم، الإمام الحسين ص 252 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 216 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 624 وراجع: مقتل الحسين للمقرم ص 282 للإطلاع على مصادر أخرى.
3) الأمالي للصدوق ص 140 و (ط مؤسسة البعثة) ص222 واللّهوف لابن طاووس ص 52 وبحار الأنوار ج 44 ص 318 والعوالم، الإمام الحسين ص 167 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص 240 ولواعج الأشجان ص 112.
وللإمام السجاد «علیه السلام» موقف هام في الشام، حينما ألقى خطبته الرائعة، فقال: «أيها الناس، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا...
إلى أن قال: أنا ابن من حُمِلَ على البراق، وبلغ به جبرئيل سدرة المنتهى..».
إلى آخر الخطبة التي كان من نتيجتها: أن «ضجَّ الناس بالبكاء، وخشي يزيد الفتنة، فأمر المؤذن أن يؤذن للصلاة».. ولكنه «عليه السلام» تابع خطبته، واحتجاجاته الدامغة على يزيد، وتفرق الناس، ولم ينتظم لهم صلاة في ذلك اليوم (1).
1) راجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 69 و 70 ومقتل الحسين للمقرم ص 442 و 443 عنه، وعن نفس المهموم ص 242 والإحتجاج الطبرسي ج 2 ص 38 و 39 ومناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج3 ص 305 وبحار الأنوار ج 45 ص 137 - 138 و 161 - 162 و 174 - 175 والعوالم، الإمام الحسين ص 407 - 408 و 409 - 410 و 438 - 440 ولواعج الأشجان ص 234 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 132 و 133 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 12 ص 126 و 127.
كما أننا نجد العقيلة زينب تقف في وجه يزيد لتقول له: «أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول اللّه سبايا»؟!
وفيها: «واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»..».
إلى أن قالت: «ولتردنَّ على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته ولحمته» (1).
وفي خطبة لها لأهل الكوفة: «الحمد للّه، والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الأخيار».
وفي نص آخر والصلاة على أبى رسول اللّه» (2).
1) بلاغات النساء (ط دار النهضة) ص 35 و 36 و (نشر مكتبة بصيرتي) ص 21 - 23 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 64 و 65 ومقتل الحسين للمقرم ص 450 و 451 وبحار الأنوار ج 45 ص 133 - 135 و 157 - 160 والاحتجاج للطبرسي ج 2 ص 35 - 37 والعوالم الإمام الحسين ص 403 - 406 و 433 - 435 ولواعج الأشجان ص 226 - 231 وقاموس الرجال للتستري ج 12 ص 270 و 271 والتذكرة الحمدونية ج6 ص 262 - 264 واللّهوف لابن طاووس ص 105 - 108 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 136 - 139.
2) راجع: الأمالي للشيخ المفيد ص 321 والأمالي للشيخ الطوسي ج 1 ص92 وبحار الأنوار ج 45 ص 108 و 165 والعوالم، الإمام الحسين ص 371 و 378 وشجرة طوبى ج 1 ص 62 وقاموس الرجال للتستري ج 12 ص 269 واللّهوف لابن طاووس ص86 ومقتل الحسين للمقرم ص385 عنه، وعن أمالي ابن الشيخ، وعن اللّهوف، وابن نما، وابن شهر آشوب، والإحتجاج.
وتقول فاطمة بنت الحسين في خطبة لها في الكوفة أيضاً:
«.. وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنَّ أولاده ذبحوا بشط الفرات» (1).
وتتبع كلمات الأئمة وأبنائهم في هذا السياق يحتاج إلى جهد مستقل ووقت طويل، وفيما ذكرناه كفاية لمن أراد الرشد والهداية.
أما تأكيدات النبى «صلی اللّه علیه وآله» على بنوة الحسنين له، فهي كثيرة جداً يحتاج حصرها إلى تتبع كثير، وجهد وتأليف مستقل.
1) مقتل الحسين للمقرم ص 390 والإحتجاج ص 302 و (ط دار النعمان) ج2 ص 27 واللّهوف لابن طاووس ص 194 و (ط أنوار الهدى - قم) ص88 ولواعج الأشجان ص 202 وبحار الأنوار ج 45 ص 110 ومثير الأحزان ص 87 و (ط المطبعة الحيدرية) ص 67 وتسلية المجالس ج 2 ص 355 والعوالم ج 17 ص 379.
1 - الفهرس الإجمالي
2 - الفهرس التفصيلي
الفصل الثالث: حديث الأولاد...5
الفصل الرابع: أيهما الأكبر ؟!...21
الفصل الخامس: وقفة مع سكينة وفاطمة...43
الفصل السادس: أهي رقية بنت الحسين ؟!...65
الباب السادس: الإمامة: بيت القصيد...89
الفصل الأول: الإمامة هي الأساس...91
الفصل الثاني: تبجيل وتوقير...115
الفصل الثالث: الحب بين الصدق والادّعاء...139
الفصل الرابع: حب الحسنين (عليه السلام) لماذا؟!...161
الفصل الخامس: بين عائشة وأم سلمة...211
الفصل السادس: تحذير أم تقريع؟!...229
الباب السابع: الإقامة الحجة...251
الفصل الأول: الإشهاد والبيعة: حدث ودلالة...253
الفصل الثاني: المباهلة.. حدث وتاريخ...277
الفصل الثالث: المباهلة والموقف منها...297
الفصل الرابع: المباهلة تقول: الحسنان ابنا الرسول «صلی اللّه علیه وآله»...339
الفصل الثالث: حديث الأولاد...5
أولاد الحسين :....7
أسماء الأولاد:...7
الذكور، وهم:...7
الإناث، وهنّ:...11
ليست جميع الأسماء واقعية:...12
أبو بكر: هل استشهد ؟...13
من هو القاسم؟!:...14
عبد اللّه الرضيع، أو على الأصغر:...14
عمر بن الحسين؟! أو عمرو؟...15
أم كلثوم وزبيدة.. وزينب...15
زينب الكذابة:...16
المحسن ابن الحسين...19
إبراهيم ومحمد لا يعرفهما الطالبيون:...19
من اختلافات الأسماء أيضاً:...19
الفصل الرابع: أيهما الأكبر ؟! ...13
أم السجاد:...23
السجاد (عليه السلام) انفلت لصغره:...25
متى ولد السجاد x، وعلى الأكبر ؟!...28
لماذا سمي السجاد (عليه السلام) السجاد (عليه السلام) بالأصغر؟!...34
على الأكبر أحق بالخلافة:...39
علي الأكبر، لا عقب له:...40
الفصل الخامس: وقفة مع سكينة وفاطمة...44
زواج فاطمة بعبد اللّه بن عمرو بن عثمان:...46
زواج سكينة بمصعب وغيره:...47
الأول: أنت مثل البغلة:...60
الثاني: حضور السجاد (عليه السلام) في وفاتها:...62
الثالث: مجالس اللّهو والغناء:...64
الفصل السادس: أهي رقية بنت الحسين (عليه السلام) ؟!...65
رقية بنت الحسين:...67
أولا : رقية ليست من بنات الإمام الحسين (عليه السلام) :...70
تناقضات ابن فندق:...71
تقديم الرأس إلى رقية:...74
مؤاخذات على الرواية، ومبعِّدات:...78
عمر رقية التي في الرواية:...86
الباب السادس: الإمامة: بيت القصيد....92
الفصل الأول : الإمامة هي الأساس...94
لست أجمعمها لك:...96
ضحى بإبراهيم في سبيل الحسين:... 98
اللحظة الأكثر أنساً وجمالاً :...99
لو عاش إبراهيم لكان نبياً :...101
لا بد من التدقيق:...104
مقام الإمامة أولاً :...105
إمامة!! أم خلافة؟!...108
لا بد من المعونة الربانية:...115
لماذا قال: «وَإِلى رَبِّكَ» ؟!...116
لماذا ستر هذا المطلوب؟...117
الفصل الثاني: تبجيل وتوقير...120
القيام للحسنين:...122
نظرة في هذه النصوص:...126
أبو ذر يقبل يدي الحسنين:...128
تقبيل اليدين:...130
التوسل مشروع:...130
كأنهم لم يصدقوا أبا ذر:...131
حديث الأنوار:...132
مذنب يستجير بالحسنين:...133
ملك يسلم على الحسنين :...135
الحسنان بين النبي وجبرئيل:...137
فسألت ابنة محمد:...140
النظر الشديد لماذا ؟!...141
في أي صورة يأتي جبرئيل؟!:...142
الفصل الثالث: الحب بين الصدق والادّعاء...145
من الأحب إلى الرسول: على أم فاطمة، أم الحسين؟!...147
لماذا هذه الحوارات؟! ...148
هل تجتمع الأمة على حب الحسنين ؟!:...151
1 - الحسنان ابنا الرسول «صلی اللّه علیه وآله»...152
2 - الحسنان تربية الرسول «صلی اللّه علیه وآله»...152
3 - دعوت لهما كبيرين:...153
4 - الرسول «صلی اللّه علیه وآله»يقرر عصمة الحسنين :...154
5 - الوقاية من النار:...155
6 - جمع الأمة على محبتهما:...155
ب: الحسين ذنب:...156
أبو هريرة متهم في روايته:...158
حب الحسنين جريمة:...160
جرأة ممجوجة:...163
الكلمة الأخيرة:...165
بهذا افتضح المبغض:...165
الفصل الرابع حب الحسنين (عليه السلام) لماذا ؟!...169
الإخلاص في حب الحسنين : ...171
إنكم لتجبنون وتبخلون:...174
حب الحسنين:...181
الإكسير الرديء:...194
حديث اللعب مع الصبيان:...195
حسين مني وأنا من حسين:...196
وفاطمة الزهراء أيضاً:...198
من لا يرحم صغيرنا :...203
حب الحسنين، والعصمة والإمامة:...205
من هم رعاة الأمة؟!:...218
الفصل الخامس: بين عائشة وأم سلمة...222
أم سلمة غلبتني على الحسنين:...224
حسين من علي :...228
يأمر عائشة بحب الحسنين:...231
الاهتمام بالحسنين :...234
أحبيهما يا عائشة:...235
لقد حذرهم الرسول «صلی اللّه علیه وآله»:...236
هل يصح الأمر بالحب؟!...237
العداوة والبغض:...239
الفصل السادس: تحذير أم تقريع ؟!...240
لماذا يخاطب عائشة ؟ !...242
للاحتراز فقط:...243
الخطاب لعائشة:...243
النبي «صلی اللّه علیه وآله» لا يبالغ :...244
عائشة هي المتهمة:...245
حال عائشة على النقيض:...246
حصيلة ما تقدم :...258
الخلاصة الأخيرة:...261
الباب السابع: الإقامة الحجة...263
الفصل الأول : الإشهاد والبيعة : حدث ودلالة...265
شهادة الحسنين على كتاب الثقيف:...267
السؤال المحيّر:...268
دلالات الشهادة على الكتاب:...269
لا خصوصية للحسنين !!....274
بيعة الرضوان:...276
الحسنان فقط:...280
البيعة تعهد والتزام:...280
خيال زائف آخر:...283
الفصل الثاني: المباهلة.. حدث وتاريخ...290
المباهلة متى كانت؟!...292
المباهلة حدث وتاريخ:...293
حديث المباهلة كما هو:...293
وفد نجران يحاور رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»...296
كتاب مصالحة النجرانيين:...308
الفصل الثالث: المباهلة والموقف منها...311
الشعبي لا يذكر عليا في المباهلة :...313
المراد: الحسن والحسين:...314
روايات أغرب وأعجب:...315
رشيد رضا ينقل عن محمد عبده:...317
المباهلة بالأحب والأعز:...330
النموذج الأمثل والأكمل:...334
الفصل الرابع: المباهلة تقول : الحسنان ابنا الرسول «صلی اللّه علیه وآله»... 339
أبناء هذه الدعوة أبناء لرسول اللّه:...341
ابنا الرسول «صلی اللّه علیه وآله» على الحقيقة:...344
أمثلة وشواهد:...347
الحسين (عليه السلام) ابن الرسول «صلی اللّه علیه وآله»:....353
الإمام السجاد ابن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»:...355
خطبة زينب وسواها :...356
الفهارس:...360