سیرة الحسین علیه السلام فی الحدیث و التاریخ جلد 3

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سيرة الحسين(عليه السلام)

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء الحادي والعشرون

المركز الاسلامي للدراسات

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2016م - 1437هـ

حاد

المركز الاسلامي للدراسات

لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519

البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org

المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421

محرر الرقمي: محمدرضا دهقانزاد

اشارة

سيرة الإمام الحسين

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء الثالث

المركز الإسلامي للدراسات

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى

1435هـ. - 2014م.

المركز الإسلامي للدراسات

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الباب الثالث

الفصل الخامس:

لا يلعب المعصوم...

الحسنان يلعبان والبرقة تضيء:

قال الشيخ الصدوق «قدس سره الشريف»: بالأسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه «عليهم السلام» قال: إن الحسن والحسين «عليهماالسلام» كانا يلعبان عند النبي «صلى الله عليه وآله»، حتى مضى عامة الليل.

ثم قال لهما: انصرفا إلى أمكما، فبرقت برقة فما زالت تضيء لهما حتى دخلا على فاطمة «عليهاالسلام»، والنبي «صلى الله عليه وآله» ينظر إلى البرقة ، فقال : الحمد لله الذي أكرمنا أهل البيت (1).


1) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 43 وبحار الأنوار ج 43 ص 266 عنه، وص 88 عن المناقب، وروضة الواعظين ص 166 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 160 ناقلا لهذا الحديث عن أحمد بن حنبل في المسند، وابن ج3 بطة في الإبانة، والنطنزي في الخصائص، والخركوشي في شرف النبي، واللفظ له. وروى جماعة عن أبي صالح عن أبي هريرة، وعن صفوان بن يحيى، وعن محمد بن علي بن الحسين وعن علي بن موسى الرضا، وعن أمير المؤمنين إلى أن قال: وقد رواه السمعاني، وأبو السعادات في قضاياهما عن أبي جحيفة، إلا أنهما تفردا في حق الحسين ومدينة المعاجز ج 3 ص 270 وج 4 ص 5 و 6 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 257 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 150 وصحيفة الرضا ص 237 ومسند زيد بن علي ص 262 و 263 و (منشورات دار مكتبة الحياة 462 و 463)

ونقول:

تضمن هذا النص أموراً نذكرها كما يلي:

الكرامة الإلهية:

1 - لا حاجة إلى إعادة التذكير بأنه ليس بين الله تعالى، وبين أحد قرابة، بل هو يحب لجميع عباده الهداية والسعادة في الدنيا والآخرة. وهو يعامل الناس وفق الحكمة البالغة، والتدبير الهادف إلى إقامة العدل، وتكريس الحق كضرورة حياتية للناس، تتوفر لديهم به القناعة الوجدانية والواقعية، ليصبح هو الغاية الفضلى، والهدف الأسمى، والأمنية الغالية للناس كل الناس.

وذلك يعني: أن إكرامه تعالى للحسن والحسين «عليهما السلام»، وإظهار فضلهما، وموقعهما عنده، بما يظهره تعالى لهما من كرامات، وخوارق العادات هو رفق بالأمة، وهداية لها، وتنويه عملي بضرورة اتباع أهل هذا البيت والأخذ منهم، والتمسك بهم، والكون معهم، فإنهم الهداة والسادة، والأئمة القادة إلى الخير، والذادة عن الحق وأهله..

أما الذين يناوئونهم، ويناصبونهم العداء، فهم ضالون عن الحق، وأشرار يبغون الغوائل للدين وأهله.. فليس لأحد أن ينحو نحوهم، وأن يتبع نهجهم، وأن يعينهم على باطلهم وشرورهم.

2 - إذن.. فلم تكن هذه البرقة التي أضاءت للحسنين «عليهماالسلام» طريقهما في تلك الليلة الظلماء مجرد أمر عابر، ولا كانت عملاً عادياً، ولا تعاملا مع أطفال يلهون ويلعبون بلا هدف جليل، أو معنى نبيل، أو توجيه جميل، بل هو عمل ديني كبير، يتسع ليشمل الأمة بأسرها، في مختلف العهود والأزمان ولجميع الأجيال، وفي سائر الأحوال، ويهدف إلى حفظ مسيرتها، وسلامة سيرتها.

3 - وقد دل قول الرسول «صلى الله عليه وآله» هنا: «الحمد لله الذي أكرمنا أهل البيت»، على أن ما جرى ليس اتفاقيا، ولا يختص بالحسنين «عليهماالسلام»، بل هو تحفة ربانية وكرامة إلهية لأهل البيت «عليهم السلام» جميعاً، كما هو للحسنين أيضاً..

وكلمة «أهل البيت»، لا يقصد بها أهل بيت السكنى، بل هو اصطلاح قرآني نبوي يراد به أفراد مخصوصون حددهم حديث الكساء بخمسة أشخاص عاشوا في برهة زمانية واحدة، وهم علي وفاطمة والحسنان «عليهم السلام» ومعهم رسول الله «صلى الله عليه وآله».

ثم ذكرت الأحاديث أن بقيتهم ستلحق بهم تباعاً في فترات زمانية لاحقة، ليصل عددهم إلى أربعة عشر شخصاً معصوماً، هم الأئمة

الاثنا عشر، والنبي والزهراء «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين».

3- ولم يقتصر الأمر في حديث الكساء على الإشارة إلى الخمسة المطهرين، بل صرح «صلى الله عليه وآله» بخروج غيرهم عنهم، بالرغم من أن الذين أخرجهم كانوا من سكان نفس ذلك البيت الذي عاش فيه أولئك الخمسة، حيث منع «صلى الله عليه وآله» أكثر من واحدة من زوجاته من الدخول تحت ذلك الكساء. وصرح النبي «صلى الله عليه وآله» بأنهن لسن من أهل البيت، بالرغم من أن منهن من صرحت الروايات الواردة عن المعصومين بأنها أفضل نسائه «صلى الله عليه وآله» بعد خديجة .. وبعضهن لم يزل شطر كبير في هذه الأمة يؤكد على أن لها من المزايا والفضائل ما يوجب لها التفضيل والتقديم أيضاً.

4 – وواضح: أن للبيئة التي تحتضن الرسالات السماوية، وترعاها، وتعمل على تقويتها، وترسيخها، وحفظها، واستمرارها أثرا ودورا ومسؤوليات وسمات وحالات، ولها أيضاً اقتضاءات تفرض نفسها، ولها حاجات أيضاً لا بد من تلبيتها.

ولتكن هذه الكرامة الإلهية لأهل البيت من جملة هذه الاقتضاءات التي فرضت نفسها، من خلال المسؤوليات التي تضطلع بها، والمهمات التي لا بد من إنجازها..

وإذا كانت هذه الكرامة الإلهية قد أعطيت للحسنين «عليهما السلام»، وهما في مرحلة عُمريَّة معينة، فإن ذلك يحسم الأمر في

سائر أركان أهل بيت النبوة الذين تجاوزوا هذه المرحلة، إلى ما هو أسمى وأرقى وأظهر، وأكثر وضوحاً، وأشد تألقا وسطوعاً في سماء الفضل والكمال. ولم يعد هناك أي ريب في أنهم موضع الكرامات، ومعدن القداسات، ومحل العنايات الإلهية الكبرى. كما هو الحال بالنسبة للنبي «صلى الله عليه وآله» وعلي والزهراء «عليهماالسلام».

اللعب مع الصبيان:

ذكرت الرواية المتقدمة: أن الحسن والحسين «عليهما السلام» كانا يلعبان عند النبي «صلى الله عليه وآله» حتى مضى عامة الليل، ثم أرسلهما إلى أمهما ، فاضاءت البرقة لهما حتى دخلا عليها.

فقد جاء التعبير بكلمة «يلعبان» عن الإمام الرضا، عن آبائه «عليهم السلام»، فكيف نجمع بين قولهم عليهم السلام هذا، وقول الإمام الصادق نفسه بأن المعصوم لا يلهو ولا يلعب؟!

ويجاب بأن الأئمة «عليهم السلام» إنما يكلمون الناس على قدر عقولهم، وبلغتهم، ويستعملون الكنايات والمجازات، وسائر التعابير التي يستعملها الناس عادة.

كما أن أفعالهم وحركاتهم إنما يفهمها الناس، ويفسرونها وفق مرتكزاتهم، وبحسب أفهامهم، وانطلاقاً من عاداتهم، فإذا رأوا الإمام «عليه السلام» يخاطب العناق - وهي الأنثى من أولاد الماعز -، ويقول لها: اسجدي لربك، يرون أن كلامه هذا من مفردات اللعب

واللهو.

فإذا أراد الإمام «عليه السلام» أن ينقل هذا للآخرين، فإنه ينقله لهم بنفس المفردات التي يتوقعونها وتستسيغها أذواقهم في التعبير عن تلك الحركات الصادرة عن إنسان يحسبونه طفلاً كسائر الأطفال الذين يعرفونهم بهذه السن، أو هذا الحجم، ولذلك قال الإمام «عليه السلام» هنا عن الحسنين «عليهما السلام»: «إنهما لعبا عند النبي «صلى الله عليه وآله» حتى مضى الليل».

ولكن الإمام «عليه السلام» - من الجهة الأخرى - لا يترك الأمور على هذا المنوال، بل يسعى لبيان الحقائق، ويصحح المسار الوقت المناسب، ولأجل ذلك جاءت التصريحات المتكررة منهم «عليهم السلام»: بأن الإمام لا يلهو ولا يلعب، بل جعل ذلك من علائم الإمامة. الأمر الذي يجعل الناس يدركون أن الحركات التي قد تبدو في صورة لعب، أو تفهم أنها كذلك بسبب صغر السن، ولو صدرت من كبير السن لفسرت بنحو آخر - يدركون - أنها ليست من مفردات اللعب، وإن أشبهته في صورة الحال.

وبذلك يكون «عليه السلام» قد وضع الأمور في سياقها الطبيعي.

أحاديث أخرى عن لعب الحسنين:

والحديث عن لعب الحسنين «عليهما السلام» قد ورد في غير هذه الرواية أيضاً.

1 - وفي حديث خالد بن ربعي أن علياً «عليه السلام» التقى

بأعرابي في مكة، فطلب من علي مالاً، فوعده أن يعطيه إياه في المدينة، فخرج الأعرابي إلى المدينة، ونادى من يدلني على دار أمير المؤمنين على؟!

فقال الحسين بن علي «عليهما السلام» من بين الصبيان: أنا أدلك على دار أمير المؤمنين، وأنا ابنه الحسين بن علي، ثم اصطحبه إليه (1).

2 - روي عن يعلى العامري: أنه خرج من عند رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى طعام دعي إليه، فإذا هو بحسين «عليه السلام» يلعب مع الصبيان، فاستقبل النبي «صلى الله عليه وآله» أمام القوم، ثم بسط يديه، فطفق الصبي هاهنا مرة وهاهنا مرة، وجعل رسول الله «صلى الله عليه وآله» يضاحكه حتى أخذه.

فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى تحت قفائه، ووضع فاه على فيه وقبله، ثم قال:

حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسيناً، حسين


1) الأمالي للصدوق المجلس 77 و (ط مؤسسة البعثة) ص553 - 557 وروضة الواعظين ص 124 - 126 وبحار الأنوار ج 41 ص 44 - 47 وحلية الأبرار ج 2 ص 273 - 277 ومدينة المعاجز ج 1 ص 113 - 119 وشجرة طوبى ج 2 ص 267 - 270

سبط من الأسباط (1).

3 - قال أبو رافع: كنت ألاعب الحسين «عليه السلام» وهو صبي بالمداحي، فإذا أصابت مدحاتي مدحاته قلت: احملني.

فيقول: أتركب ظهراً حمله رسول الله؟!

فأتركه.

فإذا أصابت مدحاته مدحاتي، قلت: لا أحملك كما لم تحملني؟!

فيقول: أما ترضى أن تحمل بدنا حمله رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!


1) كامل الزيارات ص 116 و 117 ومستدرك الوسائل ج 15 ص 171 وشرح الأخبار ج 3 ص 88 والأمالي للمرتضى ج 1 ص 157 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 226 وبحار الأنوار ج 43 ص 271 و 296 و 306 والعوالم الإمام الحسين ص 34 و 39 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 51 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 515 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 427 و 428 والمعجم الكبير ج 22 ص 274 والفائق في غريب الحديث للزمخشري ج 2 ص 233 و موارد الظمآن ج 7 ص 196 وفيض القدير ج3 ص 513 وتهذيب الكمال ج 10 ص 426 وبغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ج 6 ص 2582 و 2583 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 71 و 72 وينابيع المودة ج 2 ص 37 و 38 و 208 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 266 وج 27 ص 70 وعن بشارة المصطفى

فأحمله (1).

قال المجلسي «رحمه الله»:

قال الجزري: دحى أي رمى وألقى، ومنه حديث أبي رافع: كنت ألاعب الحسن والحسين «عليهماالسلام» بالمداحي، هي أحجار أمثال القرصة، كانوا يحفرون حفيرة ويدحون فيها بتلك الأحجار، فإن وقع الحجر فقد غلب ،صاحبها، وإن لم يقع غلب (2).

استقبل: أي تقدم.

4 - وهناك الحديث الذي يتحدث عن صعودهما على ظهر النبي «صلى الله عليه وآله» في حال الصلاة، فكان يطيل سجوده إلى أن ينزلا، ويأخذهما برفق، ويضعهما إلى جانبه (3).


1) بحار الأنوار ج 43 ص 297 وج 100 ص 192 عن أمالي الحاكم، وعن النهاية في اللغة لابن الأثير وعن بشارة المصطفى، والعوالم الإمام الحسين ص 40 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 72 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 227 وربيع الأبرار للزمخشري ج 5 ص 23 وبشارة المصطفى ص 221 ومستدرك الوسائل ج 14 ص 83 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 307 وفي مجمع الزوائد ج 9 ص 185 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص 136: أبو شداد، بدل أبي رافع

2) بحار الأنوار ج 43 ص 297

3) راجع: بحار الأنوار ج 38 ص 81 وج 43 ص 275 و 283 و 294 و 295 و 296 و 299 و 300 و 304 عن مناقب آل أبي طالب، وعن حلية الأولياء، وعن كشف الغمة، وعن الإرشاد، وعن أبي يعلى، والسمعاني، وعن الأربعين للفتواني. وراجع: علل الشرائع ج 1 ص 174 ومعاني الأخبار ص 351 وشرح الأخبار ج 3 ص75 والثاقب في المناقب ص99 ومدينة المعاجز ج 3 ص 288 وج 4 ص 19 ومستدرك الوسائل جه ص 432 والأربعون حديثاً للشهيد الأول ص 72 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 727 و 728 و 729 و 733 وج 11 ص 72 وج 19 ص 202 و 203 و 204 و 283 و 304 وج 26 ص 136 و 137 و 144 و 413 و 415 وج 27 ص 63 و 64 و 65 وج 33 ص594 ومسند أحمد ج 2 ص 513 و ج 3 ص 493 و 494 وج6 ص 467 وسنن النسائي ج 2 ص 229 و 230 والمستدرك للحاكم ج3 ص 165 و 166 و 626 و 627 والسنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 263 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 514 ونيل الأوطار ج 2 ص 124 ومجمع الزوائد ج 9 ص 181 والمعجم الكبير ج 3 ص 52 والآحاد والمثاني ج 2 ص 187 والسنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 243 وكنز العمال ج 12 ص 124 و 124 و ج 13 ص 667 و 668 والبداية والنهاية ج 8 ص 225 ونزهة النظر ص 309 والبرهان (تفسير) ج 3 ص 577 وتاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 216 وج 14 ص 160 و 161 وأسد الغابة ج 2 ص 389 وتهذيب الكمال ج 6 ص 402 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 257 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 299 وإمتاع الأسماع ج 2 ص 249 و 250 وج 5 ص 322 وج 6 ص 10 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص90 و 91 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص150 و 152 و 153 ومطالب السؤول ص 335 وكشف الغمة ج 2 ص 144 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 701 وسبل الهدى والرشاد ج 8 ص 145 و 182 وج 11 ص 62 وينابيع المودة ج 2 ص 43 و 205 وج 4 ص 313 وج 6 2 ص 283 ومصادر كثيرة أخرى

5- يضاف إلى ذلك حديث المصارعة بين الحسنين «عليهماالسلام» وسيأتي الحديث عنه في موضع آخر إن شاء الله.

ومن الموارد التي نسبت إلى الأئمة أيضا، نذكر:

1- عن عقبة بن الحارث قال: صلى أبو بكر العصر، ثم خرج يمشي ومعه علي، فرأى الحسن يلعب مع الصبيان، فحمله على عاتقه وقال:

بأبي شبيهاً بالنبي *** ليس شبيهاً بعلي

وعلي «عليه السلام» يضحك (1).


1) العمدة لابن البطريق ص 400 وبحار الأنوار ج 43 ص 301 عن الجنابذي والبخاري وصحيح البخاري ج 4 ص 164 والسنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 349 وعمدة القاري ج 16 ص 102 وشعب الإيمان ج 7 ص 316 و 317 ونظم درر السمطين ص 202 وتاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 173 والإصابة ج 2 ص 62 والبداية والنهاية ج 5 ص 307 وج8 ص 37 ودلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 306 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص20 ومطالب السؤول ص 336 وكشف الغمة ج 2 ص 145 والسيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 569 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 695 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 59 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 9 وج 19 ص 297 و 298

2 - «لما طعن الناس في المأمون، بعد وفاة الرضا «عليه السلام» واتهموه، أراد أن يبرئ نفسه من ذلك. فلما أتى من خراسان إلى بغداد كاتب الجواد «عليه السلام» إلى المدينة، يستدعي قدومه عليه بالإعزاز والإكرام

فلما ورد بغداد اتفق أن المأمون قبل ملاقاته له «عليه السلام» خرج إلى الصيد، فاجتاز بطرف البلد في طريقه..» (1).

وكان ذلك بعد موت الإمام الرضا «عليه السلام» بسنة (2)، فاجتاز المأمون - والنص لابن شهر آشوب: «بابن الرضا «عليه السلام»، وهو بين صبيان فهربوا سواه.

فقال: عليَّ به.

فقال: ما لك لا هربت في جملة الصبيان؟!

فقال: ما لي ذنب فأفر منه، ولا الطريق ضيق فأوسعه عليك، سر حيث شئت.

فقال من تكون أنت؟!


1) جلاء العيون ج 3 ص 106 ويفهم أيضاً من الفصول المهمة لابن الصباغ ص 252 وكذلك سائر المصادر التي ستأتي: أنه لم يكن قد رآه بعد

2) كشف الغمة ج 3 ص 135 وبحار الأنوار ج 50 ص 91 وج 56 ص 339 عنه، ومطالب السؤول ص 468 والمحجة البيضاء ج 4 ص 295

قال: أنا محمد بن علي، بن موسى، بن جعفر، بن محمد بن علي بن الحسين، بن علي، بن أبي طالب «عليهم السلام»...

فقال: ما تعرف من العلوم؟!

قال: سلني عن أخبار السموات..

فودعه، ومضى، وعلى يده باز أشهب، يطلب به الصيد..

فلما بعد عنه، نهض عن يده الباز، فنظر يمينه وشماله لم ير صيداً، والباز يثب عن يده، فأرسله، فطار يطلب الأفق، حتى غاب عن ناظره ساعة، ثم عاد إليه، وقد صاد حية ..

فوضع الحية في بيت المطعم..

وقال لأصحابه: قد دنا حتف ذلك الصبي في هذا اليوم على يدي.. ثم عاد، وابن الرضا في جملة الصبيان.

فقال: ما عندك من أخبار السموات؟!

[وفي نص آخر: «ثم إنه كر راجعاً إلى داره، وترك الصيد في ذلك اليوم»، فلما وصل وجد الصبيان على حالهم، فانصرفوا كما فعلوا أول مرة، وأبو جعفر لم ينصرف، فقال له المأمون: ما في يدي؟! الخ..]

فقال: نعم يا أمير المؤمنين، حدثني أبي عن آبائه، عن النبي، عن جبرائيل، عن رب العالمين، أنه قال بين السماء والهواء بحر عجاج، يتلاطم به الأمواج فيه حيات خضر البطون، رقط الظهور، يصيدها

الملوك بالبزاة الشهب يمتحن به العلماء.

فقال: صدقت، وصدق أبوك، وصدق جدك، وصدق ربك، فأركبه، ثم زوجه أم الفضل».

وفي نص آخر: «تصيدها بزاة الملوك والخلفاء، فيختبرون بها سلالة أهل النبوة»..

فلما سمع المأمون كلامه عجب منه وقال له: «أنت ابن الرضا حقاً، ومن بيت المصطفى صدقاً» (1).


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص388 و 389 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 494 و 495 ومدينة المعاجز ج 7 ص 386 وينابيع المودة ص 365 و (ط دار الأسوة سنة 1416هـ) ج 3 ص 124 و 125 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 252 - 253 و (ط دار الحديث سنة 1422) ج 2 ص 1040 و 1041 وجلاء العيون ج 3 ص 107 و ط دار المرتضى سنة 1428هـ) ص 691 ونور الأبصار ص 161 و (ط المكتبة التوفيقية) ص 329 والإتحاف بحب الأشراف ص 168 - 170 و (مصطفى البابي الحلبي بمصر) ص 64 أخبار الدول ص 115 و 116 والإمام الجواد لمحمد علي الدخيل ص 74 عنه، وبحار الأنوار ج 50 ص 56 و 91 - 92 وج 56 ص 339 - 340 والصراط المستقيم ج 2 ص 202 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص 285 ومطالب السؤول ص 468 و 469 والدر النظيم ص 708 و 709 وكشف الغمة ج 3 ص 136 والصواعق المحرقة ص 206 والمحجة البيضاء ج 4 ص 295 و 296 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 12 ص 420 وج 19 ص 586 و 587 عن تاريخ الأحمدي وص 589 و 594 و ج 29 ص 17 و 9 عن سبائك الذهب لأبي الفوز البغدادي (ط دار الكتب العلمية - بيروت) ص338

3 - عن سعد بن عبد الله بن أبي خلف، قال في حديث طويل: مضيت إلى سر من رأى مع أحمد بن إسحاق لأزور أبا محمد «عليه السلام» وأسأله عن مسائل أشكلت علي، فلما وصلنا إليها ووردنا باب أبي محمد «عليه السلام» استأذتا ، فخرج الإذن بالدخول، وكان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب غطاه بكساء طبري، فيه مائة وستون صرة من الدنانير والدراهم، على كل صرة منها ختم لصاحبه.

قال سعد: فما شبهت أبا محمد حين غشينا نور وجهه إلا ببدر قد استوت لياليه أربعا بعد عشرة، وعلى فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة والمنظر، على رأسه فرق بين وفرة كأنه ألف بين واوين، وبين يديه رمانة ذهبية تلمع ببدائع نقوشها، ووسطها غرائب الفصوص المركبة عليها، قد كان أهداها له بعض رؤساء أهل البصرة، وبيده قلم إذا أراد أن يسطر به على البياض قبض الغلام على أصابعه، فكان مولانا « عليه السلام» يدحرج الرمانة بين يديه، ويشغله بردها كي لا يصده عن كتبة :[أو كتابة] ما أراده الخ... (1).


1) كمال الدين وتمام النعمة (ط جماعة المدرسين) ص 454 - 465 ومدينة المعاجز ج 7 ص 587 - 589 ودلائل الامامة ص 274 - 281 باب من شاهده في حياة أبيه وبحار الأنوار ج 52 ص 78 - 88 وراجع ج32 ص 267 و 268 ومنتخب الأنوار المضيئة للسيد بهاء الدين النجفي ص 263 - 280 وراجع الخرائج والجرائح ج 1 ص 481 - 484 مختصراً وتبصرة الولي ص 93 - 108 وراجع الاحتجاج للطبرسي ج 2 ص 269 - 277 والثاقب في المناقب ص 585 - 589 ومختصر البصائر ص 25 و 26 وحلية الأبرار ج 2 ص 557 - 568 وإثبات الهداة ج1 ص 380 وج 7 ص 347 مختصراً وإلزام الناصب ج 1 ص 342 - 351 ومكيال الكارم ج 1 ص 16 - 24 وتأويل الآيات الظاهرة ص 292 - 294 وراجع ينابيع المودة ص 459

ونقول:

لا بد لنا من ملاحظة المطالب التالية:

لعب الإمام :

1 - إن اللعب لا يصدر من الإمام، لأنه تصرف لا هدف له، ولا طائل منه، وهو مجرد فعل يعقبه التعب، ومن يفعله ينظر العقلاء إليه نظرة استصغار له، فتقتحمه العيون، ولا يحسب له حساب، ولا يكون له شأن أو اعتبار.

2 - سئل آية الله الخوئي «رحمه الله» عن لعب الإمام «عليه السلام»، فأجاب: «يقبح صدور ذلك من الصبي، فكيف ممن هو عالم بالغيب، وبجواب المسائل الصعبة» (1).

ويبدو لنا أن الحكم بقبح صدور اللعب من الصبي بنحو مطلق غير محله.. والأولى القول: بأن اللعب لا يتصف بقبح ولا بحسن


1) معجم رجال الحديث ج9 ص 82 ومشرعة بحار الأنوار ج 2 ص220 عنه

إذا صدر من الصبي.. إلا إذا كان ذلك الصبي قد فقد توازنه من خلال استغراقه باللعب إلى حد لا يتفاعل معه بأي شيء آخر. وأما إذا صدر من الكبير فإنه يمكن أن يكون قبيحاً ، إذا أوجب سقوط محل اللاعب من أعين الناس واعتباره من مظاهر الخفة، وعدم الاتزان. أو إذا حمل دلالة على عدم المبالاة بالأخلاق والشرع، وما إلى ذلك.

لكن بعض العلماء قال في رد كلام السيد الخوئي «رحمه الله» ما يلي فيه: «نظر أو منع، فإنه إغماض عن طبيعة الإمام البشرية» (1).

وهذا كلام غير سديد، وذلك لما يلي:

أولاً: لأن الطبيعة البشرية لها حالات ومستويات مختلفة، وأين هي الطبيعة البشرية لسيد الخلق أجمعين محمد، وأهل بيته الطاهرين من الطبيعة البشرية لعامة الناس، فضلاً عن الطبيعة البشرية ليزيد، وشمر، وابن زياد، وعمر بن سعد، وفرعون، والحجاج وأضرابهم.

والروايات والآيات هي التي تكشف هذا التفاوت، وتشي بهذا الأمر الذي يميز الناس عن بعضهم في الفضل، والشرف والكرامة، وفي الطبع البشري، الذي قد يرتقي ليبلغ أسمى الدرجات، وقد يتسافل إلى أحطها.

ومن الواضح: أن نفس الطبيعة البشرية لا تقتضى اللعب ولا اللهو، بل الذي يقتضى ذلك هو ضعف الطبيعة في إظهار كمالاتها


1) مشرعة بحار الأنوار ج 2 ص 221

ومزاياها، حيث لم تكن قد تبلورت وبلغت الحد الذي يمكّنها من التعبير عن نفسها بوضوح وانتظام.

وقد تتمكن بعض الطبائع البشرية من ذلك، حين يضعف تأثير بعض الأسباب المانعة، وتقوى ملكات الطبيعة البشرية، فتعبر عن نفسها بصورة صريحة وواضحة في وقت مبكر.. وهذا أمر مشهود لدى الكثير من الأطفال، فإن تصرفاتهم تختلف وتتفاوت برغم توافقهم مقدار عمرهم، ويشعر من يراقبهم بذلك بصورة واضحة..

ثانياً: من قال: إنه لا توجد استثناءات في الطبيعة البشرية فرضها نظام الخلق والتكوين، حيث اقتضى هذا النظام أن تتقدم نشأة محمد وأهل بيته «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين» على سائر الخلق في النشآت الأولى وقبل خلق آدم «عليه السلام» بآلاف الأعوام، فاقتضى هذا الاستثناء أن يخلقهم تعالى من نور عظمته، وأن يجعلهم مطيفين بعرشه..

ومنهم من يكون نبيا وآدم بين الماء والطين، أو بين الروح والجسد (1).


1) راجع الإحتجاج ج 2 ص 248 والفضائل لابن شاذان ص34 وبحار الأنوار ج 15 ص 353 و ج 50 ص 82 والغدير ج 7 ص 38 وج9 ص 287 ومسند أحمد ج 4 ص 66 و ج 5 ص 59 و 379 وسنن الترمذي جه ص 245 ومستدرك الحاكم ج 2 ص 609 ومجمع الزوائد ج 8 ص 223 وتحفة الأحوذي ج 7 ص 111 و ج 10 ص 56 والمصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 438 والآحاد والمثاني ج 5 ص 347 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص179 والمعجم الأوسط ج 4 ص 272 والمعجم الكبير ج 12 ص 73 و ج 20 ص 353 والجامع الصغير ج 2 ص 296 وكنز العمال ج 11 ص 409 و 450 وتذكرة الموضوعات للفتني ص 86 وكشف الخفاء ج 2 ص 129 وخلاصة عبقات الأنوار ج 9 ص 264 عن ابن سعد، ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 392 و 522 عن كتاب النكاح، وعن فيض القدير ج 5 ص 69 وعن الدر المنثور ج 5 ص 184 وفتح القدير ج 4 ص 267 والطبقات الكبرى ج 1 ص 148 وج 7 ص 59 والتاريخ الكبير للبخاري ج 7 ص 274 وضعفاء العقيلي ج 4 ص 300 والكامل لابن عدي ج 4 ص 169 وج 7 ص 37 وعن أسد الغابة ج 3 ص132 وج4 ص 426 وج 5 ص 377 وتهذيب الكمال ج 14 ص 360 وسير أعلام النبلاء ج7 ص 384 = = وج 11 ص 110 وج 13 ص 451 ومن له رواية في مسند أحمد ص 428 وتهذيب التهذيب ج 5 ص 148 وعن الإصابة ج 6 ص 181 والمنتخب من ذيل المذيل ص 66 وتاريخ جرجان ص 392 وذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 226 وعن البداية والنهاية ج 2 ص 275 و 276 و 392 وعن الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 166 وعن عيون الأثر ج1 ص 110 والسيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 288 و 289 و 317 و 318 ودفع الشبه عن الرسول ص 120 وسبل الهدى والرشاد ج 1 ص79 و 81 و 83 و ج 2 ص 239 وعن ينابيع المودة ج 1 ص 45 وج 2 ص 99 و 261

ثم يكونون بعد ذلك أنواراً في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة، لم تنجسهم الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسهم من مدلهمات

ثيابها.

ثم يكون منهم من يحدث أمه، أو تحدث أمها وهي في بطنها، ومن يسجد لله، ويتكلم بما يرضي الله منذ ولادته، وما إلى ذلك.

3 - روي أن علي بن حسان الواسطي حمل إلى الإمام الجواد «عليه السلام» بعض الآلة التي للصبيان، ليتحفه بها.

قال علي بن حسان: فدخلت فسلمت، فرد عليّ السلام، وفي وجهه الكراهة، ولم يأمرني بالجلوس، فدنوت منه، وفرَّغت ما كان في كمي بين يديه، فنظر إلي نظر مغضب، ثم رمى يميناً وشمالاً، ثم قال: ما لهذا خلقني الله ما أنا واللعب؟

فاستعفيته، فعفا عني، (فأخذتها) فخرجت (1).

4 - وفي التفسير المنسوب للإمام العسكري «عليه السلام»، في قوله تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبيَّا) (2). قال «عليه السلام»: من ذلك الحكم: أنه كان صبياً، فقال له الصبيان: هلم نلعب.


1) دلائل الإمامة ص 212 و 213 و (ط مؤسسة البعثة سنة 1413هـ) ص 402 ومدينة المعاجز ج 7 ص 340 و 341 وبحار الأنوار ج 50 ص 59 وإثبات الوصية ص 215

2) الآية 12 من سورة مريم

فقال: أوّه! والله ما للعب خلقنا، وإنما خلقنا للجد، لأمر عظيم (1).

5 - عن صفوان الجمال، قال: سألت أبا عبد الله «عليه السلام» عن صاحب هذا الأمر، فقال: إن صاحب هذا الأمر لا يلهو ولا يلعب.

وأقبل أبو الحسن موسى - وهو صغير - ومعه عناق مكية، وهو يقول لها: اسجدي لربك.

فأخذه أبو عبد الله «عليه السلام»، وضمه إليه وقال: بأبي وأمي من لا يلهو ولا يلعب (2).


1) راجع التفسير المنسوب للإمام العسكري «عليه السلام» ص 659 و (ط مدرسة الإمام المهدي سنة 1409هـ) ص 661 وبحار الأنوار ج 14 ص 185 و 186 وج 37 ص 50

2) الكافي للكليني ج 1 ص 311 وراجع ص 284 و 285 وقاموس الرجال (ط جماعة المدرسين) ج 5 ص 61 وج 10 ص 167 و 168 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 219 والخرائج والجرائح ج 2 ص 896 ومناقب آل أبي طالب (ط الحيدرية) ج 3 ص 432 والصراط المستقيم ج 2 ص164 وبحار الأنوار ج 25 ص 166 و ج 50 ص 58 وج 48 ص 19 و 107 وإكليل المنهج للكرباسي ص 274 وإعلام الورى ج 2 ص 12 والدر النظيم ص 653 وكشف الغمة ج 3 ص 12. ورجال النجاشي ص418 وخلاصة الأقوال للعلامة الحلي ص 409 ورجال ابن داود ص 279 وقاموس الرجال ج10 ص 167 و 168 وإثبات الوصية ص 86 وخاتمة المستدرك للنوري جه ص 322 ونقد الرجال للتفرشي ج 4 ص 398 وجامع الرواة للأردبيلي ج 2 ص 251 والفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج 3 ص 339 وطرائف المقال للبروجردي ج 1 ص 262 ومستدركات علم رجال الحديث ج 7 ص 462

وقد وصفت هذه الرواية بالصحيحة..

ولكننا لا نوافق على هذا التوصيف، ففي سندها معلى البصري، وهو - حسب قول النجاشي والعلامة وابن داود، وتبعهم آخرون - مضطرب الحديث، والمذهب (1).

وقال ابن الغضائري: نعرف حديثه وننكره، يروي عن الضعفاء، ويجوز أن يخرج حديثه شاهداً (2).

غير أن من المعلوم أن ضعف السند لا يعني عدم صحة المضمون، أو عدم ثبوته، ولو من طريق آخر.

6 - في صحيحة معاوية بن وهب: أنه سأل الإمام الصادق «عليه السلام» عن علامة الإمامة، فقال:


1) رجال النجاشي ص 418 وخلاصة الأقوال للعلامة الحلي ص 409 ورجال ابن داود ص 279 وقاموس الرجال ج 10 ص 167 و 168 وخاتمة المستدرك للنوري ج 5 ص 322 ونقد الرجال للتفرشي ج 4 ص 398 وجامع الرواة للأردبيلي ج 2 ص 251 والفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج 3 ص 339 وطرائف المقال للبروجردي ج 1 ص 262 ومستدركات علم رجال الحديث ج 7 ص 462

2) خاتمة المستدرك للنوري ج 5 ص 324 وقاموس الرجال ج 10 ص 168 والفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج 3 ص 339 وطرائف المقال للبروجردي ج 1 ص 262

«طهارة الولادة وحسن المنشأ، ولا يلهو ولا يلعب» (1).

7 - عن محمد بن مسلم قال: كنت عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر ( عليه السلام»، إذ دخل جعفر ابنه، وعلى رأسه ذؤابة، وفي يده عصا يلعب بها، فأخذه الباقر «عليه السلام» وضمه إليه ضماً، قال: بأبي أنت وأمي، لا تلهو ولا تلعب.

ثم قال لي: يا محمد، هذا إمامك بعدي، فاقتد به واقتبس من علمه الخ.. (2).

وهذا كله يدل على أن ما يُدَّعى من أن الحسنين «عليهماالسلام» كانا يلعبان.. غير دقيق.. وفيما نذكره من العناوين التالية توضيحات ضرورية في هذا المجال..


1) الكافي ج 1 ص 284 و 285 وبحار الأنوار ج 25 ص 166 ومرآة العقول ج 3 ص 206

2) كفاية الأثر ص 321 و (إنتشارات بيدار سنة 1401هـ) ص254 وبحار الأنوار ج 47 ص 15 و ج 58 ص 305 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 235 ووفيات الأئمة ص 227

الفصل السادس:

مفردات.. سميت لعباً..

الحسنان «عليهماالسلام» على ظهر الرسول «صلّي الله عليه و آله» في الصلاة:

فيما يرتبط بصعود الحسنين «عليهماالسلام» على ظهر النبي «صلى الله عليه وآله»، وهو يصلي نقول:

من الذي قال: إن صعود الحسنين «عليهما السلام» على ظهره «صلى الله عليه وآله» لم يكن له غرض عقلائي، يريده الله تعالى منهما. إذ لعل المطلوب هو التمهيد لإظهار مكانتهما من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، والتوطئة لتصريحه بموقعهما منه ليكون ذلك من موجبات إبطال الإعلام المسموم والحاقد الذي سيواجههم به أعداؤهم؟!

بالإضافة إلى الإعلام بأن هذا المقدار من التأني في الصلاة مراعاة لحال من يكون في سن الطفولة، لا يضر بالصلاة، ولا يترتب عليه تدارك أي إخلال فيها.

وربما يكون من الفوائد المنع من تسرُّب الغلو وادعاؤه فيهما.. وادعاء ما لا يجوز.

المصارعة بين الحسنين «عليهماالسلام» :

وأما حديث المصارعة بين الإمامين الحسنين «عليهما السلام»،

فقد تحدثنا عن هذه القضية بصورة مستقلة في موضع آخر من هذا الكتاب وقلنا: إن المصارعة بينهما «عليهماالسلام» لم تكن تهدف إلى الغلبة، ولا تستبطن انتهاك حرمة، بل هي ذات غرض عقلائي شریف، لأنها من الفنون القتالية التي يحتاج إلىها المجاهدون في سبيل الله..

بالإضافة إلى أمور أخرى قد تكون مقصودة أيضاً. كما أوضحناه في الفقرة الآنفة الذكر.

أبوالحسن موسى«عليه السلام» والعناق المكية:

أما حديث الإمام الكاظم «عليه السلام» مع العناق المكية - وهي الأنثى من أولاد الماعز -، حيث كان «عليه السلام» يقول لها: «اسجدي لربك»، فنقول فيه:

أولاً: قد صرح أبوه الإمام الصادق «عليهماالسلام» في نفس ذلك الحديث: بأن الإمام لا يلهو ولا يلعب. ولم يعلق على تعامل ولده الذي هو الإمام من بعده مع تلك العناق بل ضمه إليه، وقال: بأبي من لا يلهو ولا يلعب. فنفى عنه أن يكون ممن يفعل ذلك، وأن تصرفه هذا ليس كما يتوهمه المتوهمون.

كما أنه قد ضم ولده إليه استحسانا لعمله، ثم أطلق عبارته الصريحة بنفي ما يتوهم فيه.

ثانياً: لقد دلنا «عليه السلام» بكلامه على أن الدواب أيضاً تسجد لربها.

وتدرك أن لها رباً وخالقاً.

وأنها تعظم هذا الإله.

وأن تعظيمها له يكون بما يصح أن يوصف بالسجود إذا صدر من أمثالها ربما لأنه فعل لا يصدر منها إلا إذا كانت بصدد تعظيم الله تعالى به

بأبي من لا يلهو:

أما فيما يرتبط بقول الإمام الصادق لولده الإمام الكاظم «عليهما السلام»: «بأبي من لا يلهو ولا يلعب»، فقد يقال: إنه يتضمن جرأة منه على أبيه الإمام الباقر «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين»، ولا يتوقع، بل لا يمكن صدور مثل ذلك منه «عليه السلام».

وهذا الأمر ينسحب على كل ما ورد من هذا القبيل على لسان الأئمة «عليهم السلام» في تفديتهم لأبنائهم، أو لغيرهم بالآباء والأمهات.

ويجاب:

بأنه من الذي قال: إن المقدر في قوله «عليه السلام»: «بأبي من لا يلهو ولا يلعب» هو كلمة «أفديك»، أو «أفدي»، فلعل المقصود هو أنك عندي بمنزلة أبي وأمي في الكرامة، والإعزاز، والمحبة. وأنك عوض منهما وكافٍ عنهما .

بل لا مانع من أن يكون المراد التفدية فعلاً، بمعنى أنه إذا كنت

بهذه السمات والصفات معي كفاني ذلك، ولا أشعر بفقد أبي وأمي لأنك تغني عنهما . فلو احتاج بقاء الدين إلى فقد الوالد والاستعاضة بك عنه لاستمرار المسيرة بقوة وثبات، فأنا على استعداد لهذه التفدية والمعاوضة.

وقد يؤيد هذا المعنى ويرجحه على ما عداه: أن المقام هنا ليس مقام تفدية، إذ لم يكن ولده «عليه السلام» في موقع الخطر أو الضرر، بل هو مقام إعجاب وتكريم، لأن ما صدر من ولده يدل على أن لديه من السمات والصفات الفضلى والسامية ما يستحق أن يبلغ به أقصى الدرجات، وأسمى الغايات في الإعزاز والمحبة والإعجاب.

فيكون معنى الكلام: أنت بمثابة أبي، فإن هذا هو الأقرب إلى الاعتبار بملاحظة واقع الحال.

الإمام الصادق «عليه السّلام» واللعب بالعصا:

وعن حديث محمد بن مسلم، وأنه كان عند أبي جعفر الباقر «علیه السلام»، فدخل عليه ابنه جعفر، وفي يده عصا يلعب بها نقول:

أولاً: إن محمد بن مسلم هو الذي فسر حمل الإمام للعصا، وتحريكه لها بأنه كان على سبيل اللعب، مع أنه قد يكون على سبيل التفكير في خلقها، وفي أحوالها وأطوارها وغير ذلك من شؤون تتعلق بها.

ثانياً: إن نفس الإمام الباقر قد بيَّن في تلك اللحظة: أن تحريك

ابنه لتلك العصا كان له هدف عقلائي رصين، ولم يكن على سبيل اللهو واللعب، ولذا نراه يضمه إليه ضماً (أي حنوناً يحمل معه الإعجاب والتقدير)، ثم يقول نافياً عنه هذه الصفة: «بأبي أنت وأمي لا تلهو ولا تلعب».

حديث العامري:

وحول حديث يعلى العامري عن لعب الحسين «عليه السلام» مع الصبيان نقول:

إن العامري هو الذي ظن أن وجود الحسين «عليه السلام» بين الصبيان معناه أنه يشاركهم في اللعب مع أن وجوده بينهم هذا قد يكون لغرض آخر، فلعله يريد الإيحاء لهم بمكارم الأخلاق، أو بث بعض المعارف التي تفيدهم في حياتهم الاعتقادية كذكر نبذة لهم عن الآخرة، وتعريفهم ببعض صفات الله، وغير ذلك من معارف تناسب مستويات تفكيرهم، وإدراكهم للأمور.

الإمام الحسين «عليه السلام» ومداحي أبي رافع:

وعن لعب الإمام الحسين «عليه السلام» بالمداحي مع أبي رافع نقول:

أولاً: إن هذه القضية تضمنت درساً بليغاً، كان الإمام الحسين «عليه السلام» قد جعل من إصابة إحدى المدحاتين للأخرى ذريعة لتعليمه هذا الدرس الذي لا يمكن لأبي رافع أن ينساه مدى الحياة، فقد

ارتبط هذا الدرس بحروفه وبرنين صوته الملائكي الذي حملها إلى مسامع أبي رافع بحدث خار جي تلتقط الذاكرة صورته والحركات التي رافقتها، والكلمات التي سجلت المعاني العالية في مضامينها، والعميقة في لمحاتها.

إن هذا الدرس قد تمازجت فيه المعاني مع المشاعر، ومع خشوع القلوب، وتزكية الأرواح، وترويض النفوس، وصفاء الضمير والوجدان.

وينتزع كل هيمنات الأنا، وحب الذات من وجدان أبي رافع، ومن قلبه، ومن روحه ومشاعره

المأمون.. والإمام الجواد «عليه السلام»:

أما بالنسبة لحديث المأمون مع الإمام الجواد، وكذلك حديث خالد بن ربعي: أن الحسين بن علي «عليهماالسلام» أجاب الأعرابي من بين الصبيان، حين طلب من يدله على دار أمير المؤمنين، فنقول في الجواب عنهما:

أولاً: إن جميع ما تقدم يدل على أن الإمام الجواد «عليه السلام» لم يكن يلعب مع الصبيان.. وإنما كان بينهم لأهداف أخرى - لعلها ترتبط بتعليمهم وإرشادهم، ونحو ذلك.

ثانياً: إن النص الذي ذكره ابن شهر آشوب في مناقبه لقضية الإمام الجواد لم يصرح بأنه كان «عليه السلام» يلعب معهم، فقد قال: «فاجتاز المأمون بابن الرضا «عليه السلام»، وهو بين صبيان،

فهربوا سواه الخ ..» (1).

فلعل وقوفه «عليه السلام» كان اتفاقياً .

ولعله «عليه السلام» كان أمام داره، ثم صار الصبيان يتجمعون استعداداً للعب.. ولعل .. ولعل..

ولو كان «عليه السلام» يلعب مع الصبيان، فلا بد أن نسأل عن السبب الذي دعا الراوي إلى تحاشي التصريح بذلك، واكتفى بالقول: بأنه «عليه السلام» كان «بين صبيان».

وليس في هذه الرواية أن الصبيان كانوا يلعبون أصلاً.

ولا يقتصر الأمر على النص الذي ذكره ابن شهر آشوب، بل إن سائر المصادر التي رأيناها ذكرت هذه الحادثة، لم تنسب اللعب مع الصبيان للإمام الجواد، مع أن معظمها رواه من لا يتحرج من نسبة اللعب إليه «عليه السلام»، والعبارة التي وردت في الروايات هي التالية:

1 - «والصبيان يلعبون ومحمد واقف معهم» (2).


1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 494 ومدينة المعاجز ج 7 ص 385 وبحار الأنوار ج 50 ص 55 و 56

2) بحار الأنوار ج 50 ص 91 و ج 56 ص 339 ومطالب السؤول ص468 والدر النظيم ص 708 وكشف الغمة ج 3 ص 135 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 29 ص 17 والمحجة البيضاء ج 4 ص 295

2 - «واقف والصبيان يلعبون في أزقة بغداد» (1).

بل هذه العبارة كأنها صريحة بأنه لم يكن معهم، ولا بينهم، بل كان بعيداً عنهم.

3 - «ومما اتفق أنه كان مع الصبيان في أزقة بغداد» (2).

4 - «صبيان يلعبون ومحمد الجواد واقف عندهم» (3).

5 - «بصبيان يلعبون ومحمد الجواد واقف معهم» (4).

6 - «بصبيان يلعبون، وفيهم الجواد» (5).

وهناك من بدل كلمة «حية» بـ «سمكة» (6). بل كلمة «سمكة»


1) الصواعق المحرقة ص 206 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 19 ص 586 عنه، وج 29 ص 11 عن تاريخ الأحمدي

2) ينابيع المودة ج 3 ص 124

3) الفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 1040 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 12 ص 420 وج 19 ص 589 و 594 وج 29 ص 9 ونور الأبصار ص 161 و (ط المكتبة التوفيقية) ص 329 والإتحاف بحب الأشراف ص 168 - 170 و (مصطفى البابي الحلبي بمصر) ص 64

4) جلاء العيون ج 3 ص 107 و (ط دار المرتضى سنة 1428هـ) ص 691 والمحجة البيضاء ج 4 ص 296

5) أخبار الدول ص 115 و 116 والإمام الجواد لمحمد علي الدخيل ص74 عنه، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 29 ص 9) عن سبائك الذهب لأبي الفوز البغدادي (ط دار الكتب العلمية – بيروت) ص338

6) بحار الأنوار ج 50 ص 91 و 92 و ج 56 ص 339 و 340 والصراط المستقيم ج 2 ص 202 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص285 ومطالب السؤول ص 468 و 469 والدر النظيم ص 708 و 709 وكشف الغمة ج 3 ص 136 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 1041 وينابيع المودة ج 3 ص 124 و 125 والصواعق المحرقة ص206 والمحجة البيضاء ج 4 ص 296 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 12 ص 420 وج 19 ص 587 و 589 وج 29 ص 9 عن سبائك الذهب لأبي الفوز البغدادي (ط دار الكتب العلمية - بيروت) ص 338

هي الأكثر وروداً في المصادر.

وما عدا العبارة السادسة والأخيرة كلها تكاد تكون إما صريحة بنفي اللعب عن الإمام الجواد «عليه السلام»، أو أنها صريحة بتحاشي نسبة ذلك إليه كما قلنا.

وحتى العبارة الأخيرة أيضاً لا تأبى الحمل على ما قلناه، لأنها تحتمل الوجهين.

البحر العجاج بين السماء والهواء

وأما بالنسبة لقول الإمام الجواد «عليه السلام»: «بين السماء والهواء بحر عجاج، يتلاطم به الأمواج، فيه حيات خضر البطون، رقط الظهور، يصيدها الملوك بالبزاة الشهب، يمتحن به العلماء»، فقد يقال: ليس هناك ما يدل على وجود بحر من هذا القبيل..

ويجاب:

أولاً: لا يستطيع أحد أن ينفي وجود أمر كهذا في هذا الكون الرحيب.

ثانياً : قد يقال: لعل المراد بالبحر بين السماء والهواء ليس البحر المائي، وإنما طبقة ذات طابع معين، يستطيع بعض أنواع الحيات التحرك فيها بصورة طبيعية.

ولعل هذا يتوافق مع ما يقال عن بعض أنواع الحيات الطائرة، من أن لها قدرة على الوثوب السريع جداً، الذي قد ينشأ عنه اختراق بعض الأجسام.

فلعل ذلك البازي قد رأى بعض هذه الحيات تتواثب على هذا النحو، فاصطاد واحدة منها.

غير أننا نقول:

إننا في غنى عن هذا البيان، من خلال ما نعرفه من قدرة إلهية على إيجاد بحر مكفوف من لا شيء، ولو للحظات معينة تكفي لصنع معجزة تثبت الإمامة العظمى التي تحتاج إليها البشرية جمعاء، وبها قوام الدين، وسلامة المسيرة الإنسانية.

ولا أدل على إمكان حصول ذلك، من وقوع نظائره، فإنه تعالى خلق عیسی بن مریم «عليه السلام» من دون أب، وأوقع شبهه بعد ذلك على يهوذا الاسخريوطي، فرفع عيسى «عليه السلام» إلى السماء، ووقع الصلب على عدوه الذي وشى به.. فإن هذا الأمر قد صنعه الله لنبيه رحمة للبشرية.

وأوضح من ذلك: أن النمرود قد جمع الحطب لحرق إبراهيم «عليه السلام»، ثم ألقاه في النار ، ورأى الخلق المجتمعون كلهم كيف أنه يجلس في تلك النار، وحوله بعض العشب، وشيء من الماء، وكأن شيئاً لم يكن؟!

فلماذا لا يصنع الله في الإمامة العظمى للإمام الجواد مثل ذلك؟!

وليكن الذي أخبر عن هذا الأمر هو النبي «صلى الله عليه وآله»، فإن ظاهر الكلام هو أن الإمام الجواد «عليه السلام» لا يقول ذلك من عند نفسه بل هو ينقل ذلك للمأمون عن رسول الله، ليعلمه بأن لديه من العلم ما اختصه الله به ،دونه، وهو علم الإمامة.

على أن التعبير بالمكفوف (أي الممنوع عن الحركة الظاهرة)، وتوصيف البحر به يشير إلى وجود بحر، ولكنه ليس له وجود ملموس وظاهر للناس.. ووجود البحار في السماء ثابت بنص القرآن وتوضيح الروايات.

فراجع ما دل على وجود بحر مسجور تحت العرش (1)، وبحر


1) البحار ج 55 ص 107 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص281 وتفسير 7 القرآن العظيم لابن أبي حاتم الرازي ج 10 ص 3315 وجامع البيان للطبري ج 27 ص 27 و 28 و 167 والتسهيل لعلوم التنزيل ج 2 ص 311 والدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ج6 ص118 وتفسير مقتنيات الدرر ج 10 ص 27

السماء وبحر الأرض (1)، وهناك البحر الذي تحت العرش وفيه أرزاق الحيوان (2)، وغير ذلك. وليس للإنسان أن ينفي ما لا سبيل إلى العلم ،به ولاسيما إذا كان ذلك النفي يتضمن وضع حدود لقدرة الله تعالى:

الإمام الحجة «عليه السلام» ورمانة الذهب:

أما حديث دخول سعد بن عبد الله، وأحمد بن إسحاق الأشعري القمي على الإمام العسكري «عليه السلام»، وكان منشغلا بالكتابة، وكان ولده الحجة يمنعه من ذلك، فيلهيه برمانة من ذهب، فيرد عليه:

أولاً: ما تقدم من نصوص، تدل على أن الإمام «عليه السلام» لا يلهو ولا يلعب.. ولاسيما قول الإمام الجواد «عليه السلام» لعلي بن حسان: «ما لهذا خلقني ربي.. ما أنا واللعب»؟!

وما روي عن نبي الله يحيى «عليه السلام»: «والله ما للعب خلقنا، وإنما خلقنا للجد»، وأن من علامات الإمام أنه لا يلهو ولا يلعب. وغير ذلك.


1) تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم الرازي ج8 ص 2708 وج9 ص 2909 وتفسير السمرقندي ج 3 ص 150 والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للاندلسي ج 5 ص 227 وتفسير الألوسي ج 19 ص 35

2) قرب الإسناد ص 73 وعلل الشرائع ج 2 ص 463 وسائل الشيعة (مؤسسة آل البيت) ج 8 ص 14 و (ط الإسلامية) ج 5 ص 169 وتفسير الصراط المستقيم للبروجردي ج 4 ص 420 - 421

ثانياً: إن إشغال الإمام ولده « عليهما السلام» برمانة ذهبية لا يعني أنه كان يلهو بها ويلعب، بنحو يسيء إلى اتزانه، وإمامته وعصمته، وحكمته.

فلعل تحريكها كان يهدف استحضار معاني ترتبط بحكمة الله سبحانه، والتفكر في خلقه وآياته وبديع صنعه.. وإن كان الناس یرون أنه يحركها لعباً ولهواً. لأنهم لا يتوقعون ممن يكون بهذا السن أكثر من ذلك.

ثالثاً: قد يكون المطلوب هو إيهام الناس بأنه «عليه السلام» طفل يلعب - وإن كان في الواقع يفكر ويتأمل - لأجل صرف الأنظار عنه، وإيهام المتربصين به شراً، من الظالمين والحاقدين، بأنه ليس هو المطلوب لهم.. فهو من قبيل التورية بكلام ذي وجهين للتخلص من خطر محدق.

ويشهد لما نقول : قصة الإمام الكاظم «عليه السلام» مع العناق المكية، وأمرها بالسجود لربها، ثم تقرير والده له، ونفيه اللهو واللعب عنه ليدل على أن لولده أهدافاً سامية، ومقاصد نبيلة.

هل هذا لعب صبيان؟!

قال العلامة المجلسي «رحمه الله»:

وروي: أن رسول الله كان يوماً مع جماعة من أصحابه ماراً في بعض الطريق، وإذا هم بصبيان يلعبون في ذلك الطريق، فجلس النبي «صلى الله عليه وآله» عند صبي منهم، وجعل يقبل ما بين عينيه

ويلاطفه، ثم أقعده على حجره وكان يكثر تقبيله.

فسئل عن علة ذلك، فقال «صلى الله عليه وآله»: إني رأيت هذا الصبي يوماً يلعب مع الحسين، ورأيته يرفع التراب من تحت قدميه، ويمسح به وجهه وعينيه، فأنا أحبه لحبه لولدي الحسين.

ولقد أخبرني جبرئيل : أنه يكون من أنصاره في وقعة كربلاء (1).

ونقول:

علينا ملاحظة عدة أمور، نذكر منها:

التعامل مع هكذا نصوص:

إن هذه الرواية، وإن لم يذكر لها سند، لكي ننظر فيه، لكن ذلك لا يسوّغ الحكم عليها بالكذب والجعل. وقد أشرنا إلى هذا أكثر من مرة، كما أن ذلك لا يمنع من استفادة العبرة والموعظة، وغير ذلك منها..

غاية ما هناك: أنها إذا تضمنت حكما شرعياً، فلا يمكن الجزم بتشريعه، حتى لو خلا من أية عائبة أو شائبة، أو معارض، أو غير ذلك..

وفي هذه الصورة يمكن العمل به برجاء المطلوبية، انطلاقا من النصوص التي قررت أن من بلغه ثواب على عمل، فأتى به رجاء ذلك الثواب.. فإن الله تعالى يعطيه إياه، وإن لم يكن ذلك الحديث قد


1) بحار الأنوار ج 44 ص 242 والعوالم ،الإمام الحسين ص132 و 133 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 477

صدر عن المعصوم ولكن بشرط أن لا ينسب الحكم إلى الله وإلى الرسل والأئمة «عليهم السلام» على سبيل الجزم.

هل لعب الحسين «عليه السلام» ؟!

1 - ذكرت هذه الرواية: أنه «صلى الله عليه وآله» رأى هذا الطفل يلعب مع الإمام الحسين «عليه السلام»، وقد قلنا: إن الإمام لا يلهو ولا يلعب، وقد روي عنهم «عليهم السلام» رفض مقولة: أن يكون الله تعالى قد خلق الإمام للعب.. كما ذكرنا في فصل سابق.

2 - فلا بد أن يكون المراد : أنه «عليه السلام» كان يلعب بنظر الناس، حيث لا يتقبلون تفسير حركات من يكون في سن الطفولة إلا على أنها لعب ولهو.

مع أن الأحاديث عن الأئمة «عليهم السلام» قد ذكرت: أن تلك الحركات لم تكن كذلك، بل كانت لها مقاصد عالية ونبيلة، يحتاج إليها الناس في معاشهم ومعادهم..

3 - والحقيقة هي: أن النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» إنما يجري الكلام، وفق ما هو أقرب إلى أذهان الناس، ثم يعمل على إظهار الحقيقة لهم بصورة طبيعية وعفوية، من دون أن يحدث ذلك أية صدمة، أو حساسية تضر بصفاء الفكرة ونقائها.

الشاهد الصادق:

1 - ويمكن أن يقال إن قول الرسول «صلى الله عليه وآله»: إنه

رأى ذلك الطفل يرفع التراب من تحت قدمي الحسين «عليه السلام»، ويمسح به وجهه وعينيه - قد يمكن اعتباره شاهداً، إن لم يكن دليلاً حسياً - على أن ما كان يجري بينه وبين الإمام الحسين، لم يكن لعباً، وإن كانت صورته الظاهرية كذلك بنظر الناس العاديين.

2 - وإلا، فمن أين لذلك الطفل الذي ربما لم يكن عمره يزيد على خمس أو ست سنوات أن يعرف معنى التبرك بتراب أقدام أصفياء الله تعالى، كالإمام الحسين «عليه السلام»، أو أن يعرف أن له أن يعبر عن حبه للحسين بهذه الطريقة، وهي بأن يأخذ التراب من تحت قدميه ويمسح عينيه به للتعبير عن شدة الحب..

3 - إن هذا يدلنا على أن الإمام الحسين «عليه السلام» كان يبذل جهداً لصناعة إنسانية هذا الطفل، والترقي بالوعي إلى أقصى الدرجات، لتمكينه من إدراك أمور، وتلمس آثار عقائدية راقية وحساسة.

4 - هذا بالإضافة إلى جهد كبير يبذله «عليه السلام» في تربية روح هذا الطفل وترويضها، وفي غرس معاني الخشية والتقوى فيها؟!

5 - ألا يحق لنا أن نعتبر أن بلوغ هذا الطفل هذا المستوى من المعرفة بمقام الإمام الحسين «عليه السلام»، وهذا الحد من الخشية الله، ورجاء الحصول على التفضلات والبركات والألطاف. ألا يحق لنا أن نعد هذا معجزة للإمام الحسين «عليه السلام» من حيث هو

صناعة لمعنى الإنسانية فيه، وتصرف في القلب، والروح، والمشاعر، ورقي هائل في مستوى الوعي لدى من يعتبره الناس طفلاً، كما هو ظاهر حاله؟!

6 - والأهم من هذا وذاك، هو السؤال عن أنه هل يحق لنا أن نعتبر هذا الطفل الذي بلغ في معرفته، ووعيه، ومشاعره، وسمو روحه، وصفاء وطهر قلبه إلى هذا الحد - هل يحق لنا - اعتباره طفلاً يلهو ويلعب ؟!

فالإصرار بعد هذا الجهد النبوي لاقتلاع هذه النظرة من عقول وأفكار الناس على اعتبار هذا النوع من الحركات لهوا ولعباً حتى ليضطر النبي «صلى الله عليه وآله» إلى التعبير عنه بهذه الالفاظ ليمهد لاقتلاعه من أذهانهم، من خلال التنويه للدلالة على شدة إخلاصه وسمو ،روحه بقضية تبركه بتراب أقدام الحسين «عليه السلام»، الدالة على عظمة وسلامة تفكير هذا الطفل، ورجاحة عقله..

ألا يعد هذا الإصرار غمطا لحق هذا الطفل، وظلماً وإساءة له، واستخفافاً بمن يستحق كل إكبار ، واستهانة بمن لا يليق به إلا التعظيم والتكريم، والتبجيل والتكريم؟!

7- وإذا كان هذا هو ما ينبغي أن يقال في حق هذا الطفل، فماذا يمكن أن يقال في حق معلمه واستاذه وصانعه ومربيه، وباعث معنى الإنسانية فيه بأرقى معانيها، وأسمى وأبهى وأروع أفاقها؟!

8- وهل نستغرب بعد هذا أن يكون جبرئيل هو الذي يخبر عن

الله تعالى بأن هذا الطفل سوف يكون في جملة شهداء كربلاء ؟!

9 - فيا ليت الرواية صرحت لنا باسم هذا الطفل الكريم والعظيم... فإننا لا ندري أي أصحاب الحسين «عليه السلام» هو!! هل هو عبد الله بن يقطر الحميري، أو هو شبيب بن عبد الله، أو عمار بن أبي سلامة، أو أسلم بن كثير الأعرجي، أو سعد بن الحرث، أو يزيد بن مغفل الجعفي، أو جنادة بن الحرث السلماني، أو جندب بن حجير، أو أنس بن الحارث، أو غيرهم من الصحابة الذين استشهدوا بين يدي سيد الشهداء في أرض الطف؟!

وإن كنا نرجح أن يكون المعني بهذا هو عبد الله بن يقطر الذي ولدته أمه قبل ولادة الإمام الحسين «عليه السلام» بثلاثة أيام.. وقالوا إن أمه - واسمها ميمونة - كانت حاضنة له، فلذا عرف عبد الله برضيع الحسين «عليه السلام»، وإلا فالحسين لم يرضع من غير ثدي أمه فاطمة «عليهاالسلام».

10 - ولعل سبب هذا الإبهام المتعمد ، هو أنه تعالى يريد أن ينيله شرف الشهادة الخالصة له سبحانه، حتى لا تشوبها شائبة تحط من قدره، أو تنقص من أجره..

وقد يكون سبب هذا الإبهام هو حفظه من كيد أعداء الله، الذين كانوا يتربصون شراً بهذا النوع من الناس، ويسعون للمكر بهم، والكيد لهم.. فإنّا لله وإنا إليه راجعون.

الفصل السابع:

أيهما أحسن خطاً؟!

الحسين «عليه السلام» يذهب إلى الكتاب:

عن محمّد بن إسماعيل بن عمرو عن جده، قال: كان حسين بن عليّ «عليهما السلام» يمّر بنا من الكَتَّاب، ومعه لوحه فنأخذه [منه] فنقول: هذا لنا.

فيقول : لا، هذا لي.

فنقول :[له] إحلف .

فيدعه في أيدينا، ويذهب حتى نصيح به، فندفعه إليه (1).

الكتاب: محل تعلم القراءة والكتابة.

ونقول:

لا قيمة لهذا الحديث، ونقتصر في بيان مرادنا على الإشارة إلى ما يلي:

1 - قد تقدم حين الكلام حول رتة كانت في لسان الحسين «عليه السلام»، وتنزه الأئمة «عليهم السلام» عن أي نقص أو عيب أن الروايات تصرح بأن الله هو الذي أسبغ على الأئمة «عليهم السلام»


1) فرائد السمطين ج 2 ص 261 ح 529

نعمه الظاهرة والباطنة، وحباهم بكل فضل وكرامة.. وأنهم «عليهم السلام» لا يدانيهم أحد من الخلق.

فمن كان كذلك لا يحتاج في التعلم إلى الذهاب إلى الكتاب. لأن معلمه سيكون أفضل منه، ولو في المورد الذي يعلمه إياه، فلا يكون الإمام مصداقا للقول بأنه لا يدانيه أحد من الخلق.

على أنه كان يمكن لأبيه «عليه السلام» أن يعلمه جميع ما يحتاج إليه. بل تولي أبيه لهذه المهمة أولى، فإنه باب مدينة العلم، وصنو الرسول.

2 - إن الروايات عن النبي «صلى الله عليه وآله» متوافرة ومتواترة في لزوم رجوع الناس إلى الأئمة «عليهم السلام»، فكيف يرجعون هم إلى الناس؟ والاعتماد عليهم، بلا تفريق بين صغيرهم وكبيرهم.

3 - لقد كان النبي «صلى الله عليه وآله» مهتما في إثبات مقام الأئمة العلمي، فضلا عن القولي للناس وأن لدى صغيرهم وكبيرهم من العلوم والمعارف ومن الحكمة والتدبير ومن الطاقات والقدرة على التصرفات، ما يجعل الحديث عن ذهاب الحسين «عليه السلام» إلى الكتاب مجرد مزحة سمجة وممجوجة.

4 - صرحت الروايات عن النبي «صلى الله عليه وآله» بنهيه الناس عن التقدم عليهم وتعليمهم، وأن عليهم - فقط - أن يتعلموا منهم، مع بيان سبب النهي، فهو «صلى الله عليه وآله» يقول: لا تعلموهم،

فإنهم أعلم منكم» (1).

ولم يستثن أحداً من أهل البيت «عليهم السلام»، لا الحسن، ولا


1) روضة المتقين ج 11 ص 250 و ج 13 ص 110 وملاذ الأخيار ج8 ص 473 والصواعق المحرقة ص 126 وبصائر الدرجات ص 69 و 70 و 72 والإمامة والتبصرة ص 44 والكافي ج 1 ص 209 و 294 والأمالي للصدوق ص 616 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 182 و 208 وكمال الدين ص 662 وتحف العقول ص 426 وكفاية الأثر ص 56 و 129 و 132 و 163 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 27 ص 189 و (الإسلامية) ج 18 ص 139 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 1 ص 143 و 336 و 340 وكتاب سليم بن قيس ص 178 و 204 و 208 و 415 والغيبة للنعماني ص 52 والمسترشد ص 401 و 467 والإرشاد ج 1 ص 180 والاحتجاج للطبرسي ج 1 ص 219 و 221 وج 2 ص224 وبحار الأنوار ج 11 ص 84 وج 22 ص 465 وج 23 ص130 و 137 و 138 و 153 و ج 25 ص 221 وج 30 ص 65 وج 31 ص 417 و 422 وج 35 ص 211 وج 36 ص 329 و 330 و 338 وج 49 ص 180 ومرآة العقول ج 2 ص 424 و ج 3 ص 279 والمعجم الكبير ج 5 ص 167 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 1 ص188 وتفسير العياشي ج 1 ص 250 وتفسير القمي ج 1 ص 4 والبرهان (تفسير) ج 1 ص 21 و 74 وج 2 ص 106 و 111 وج 3 ص 227 وج 4 ص 445 و 549 وج 5 ص 301 227 وإرشاد القلوب ج 2 ص 306 وينابيع المودة ج 1 ص 74 و 109 و 112 و 116 و 121 و 133 و ج 2 ص 438 وج 3 ص 399

الحسين، ولا غيرهما. ولم يستثن حال الصغر ولا غيرها من الأحوال.

5 - وبعدما تقدم نقول:

لو صح هذا الحديث، فلعله تعرض للتحريف والتصرف، فلعل بعض الأطفال أو الكبار قد حاول التطفل على الحسين مرة أو أكثر، وأخذ منه ما كان يحمله وادعى أنه له، وجرى بينهما ما ذكرته الرواية.

فلما بلغ الأمر إلى الحلف صرف «عليه السلام» النظر عن الذي أخِذ منه إعظاماً الله، وتنزيها له عن أن يتداول اسمه الكبار والصغار في صغار الأمور، أو في سفاسفها.. ويكون بذلك قد أعطاهم وأعطانا درساً في المعرفة، وفي الورع والتقوى أيضاً..

يتنافسان في حسن الخط والزهراء تحكم بينهما:

1 - روي في المراسيل أن الحسن والحسين كانا يكتبان، فقال الحسن للحسين خطي أحسن من خطك.

وقال الحسين: لا بل خطي أحسن من خطك.

فقالا لفاطمة : احكمي بيننا.

فكرهت فاطمة أن تؤذي أحدهما ، فقالت لهما: سلا أباكما.

فسألاه، فكره أن يؤذي أحدهما، فقال : سلا جدكما رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فقال «صلى الله عليه وآله»: لا أحكم بينكما حتى أسأل جبرئيل،

فلما جاء جبرئيل قال: لا أحكم بينهما، ولكن إسرافيل يحكم بينهما.

فقال إسرافيل: لا أحكم بينهما ، ولكن أسأل الله أن يحكم بينهما.

فسأل الله تعالى ذلك، فقال تعالى: لا أحكم بينهما ، ولكن أمهما فاطمة تحكم بينهما.

فقالت فاطمة: أحكم بينهما يا رب، وكانت لها قلادة، فقالت لهما: أنا أنثر بينكما جواهر هذه القلادة، فمن أخذ منهما أكثر فخطه أحسن.

فنثرتها وكان جبرئيل وقتئذ عند قائمة العرش، فأمره الله تعالى أن يهبط إلى الأرض وينصف الجواهر بينهما كيلا يتأذى أحدهما، ففعل ذلك جبرئيل إكراماً لهما وتعظيما (1).

2 - روي في بعض مؤلفات أصحابنا مرسلاً: أن نصرانياً أتى رسولاً من ملك الروم إلى يزيد «لعنه الله تعالى»، وقد حضر في مجلسه الذي أتي إليه فيه برأس الحسين، فلما رأى النصراني رأس الحسين «عليه السلام» بكى وصاح وناح حتى ابتلت لحيته بالدموع.

ثم قال: اعلم يا يزيد: أني دخلت المدينة تاجراً في أيام حياة النبي، وقد أردت أن آتيه بهدية فسألت من أصحابه أي شيء أحب إليه من الهدايا ؟ !

فقالوا: الطيب أحب إليه من كل شيء، وإن له رغبة فيه.


1) راجع: مقتل الحسين للخوارزمي (ط الغري) ص 123 وبحار الأنوار ج 43 ص 309 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 643

قال : فحملت من المسك فأرتين، وقدراً من العنبر الأشهب، وجئت بها إليه وهو يومئذ في بيت زوجته أم سلمة «رضي الله عنها»، فلما شاهدت جماله ازداد لعيني من لقائه نوراً ساطعاً، وزادني منه سرور، وقد تعلق قلبي بمحبته، فسلمت عليه ووضعت العطر بين يديه، فقال ما هذا؟!

قلت: هدية محقرة أتيت بها إلى حضرتك.

فقال لي: ما اسمك؟!

فقلت: اسمي عبد الشمس.

فقال لي: بدل اسمك، فإني أسميك عبد الوهاب، إن قبلت مني الإسلام قبلت منك الهدية.

قال: فنظرته وتأملته، فعلمت أنه نبي، وهو النبي الذي أخبرنا عنه عيسى «عليه السلام» حيث قال: «إني مبشر لكم برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد»، فاعتقدت ذلك، وأسلمت على يده في تلك الساعة، ورجعت إلى الروم، وأنا أخفي الإسلام، ولي مدة من السنين وأنا مسلم مع خمس من البنين، وأربع من البنات، وأنا اليوم وزير ملك الروم، وليس لأحد من النصارى اطلاع على حالنا.

واعلم يا يزيد أني يوم كنت في حضرة النبي «صلى الله عليه وآله» وهو في بيت أم سلمة، رأيت هذا العزيز الذي رأسه وضع بين يديك مهيناً حقيراً، قد دخل على جده من باب الحجرة، والنبي فاتح باعه ليتناوله وهو يقول: مرحباً بك يا حبيبي حتى أنه تناوله وأجلسه

في حجره، وجعل يقبل شفتيه، ويرشف ثناياه، وهو يقول: بعد عن رحمة الله من قتلك، لعن الله من قتلك يا حسين وأعان على قتلك، والنبي «صلى الله عليه وآله» مع ذلك يبكي.

فلما كان اليوم الثاني كنت مع النبي في مسجده، إذ أتاه الحسين مع أخيه

الحسن «عليهما السلام» وقال: يا جداه، قد تصارعت مع أخي الحسن، ولم يغلب أحدنا الآخر. وإنما نريد أن نعلم أينا أشد قوة من الآخر؟!

فقال لهما النبي: حبيبيَّ يا مهجتي! إن التصارع لا يليق بكما، ولكن اذهبا فتكاتبا، فمن كان خطه أحسن كذلك تكون قوته أكثر .

قال: فمضيا، وكتب كل واحد منهما سطراً وأتيا إلى جدهما النبي، فأعطياه اللوح، ليقضي بينهما.

فنظر النبي إليهما ساعة، ولم يرد أن يكسر قلب أحدهما، فقال لهما: يا حبيبيَّ، إني نبي أميّ لا أعرف الخط، اذهبا إلى أبيكما ليحكم بينكما وينظر أيكما أحسن خطاً.

قال: فمضيا إليه، وقام النبي أيضاً معهما، ودخلوا جميعاً إلى منزل فاطمة «عليهاالسلام».

فما كان إلا ساعة وإذا النبي مقبل، وسلمان الفارسي معه، وكان بيني وبين سلمان صداقة ومودة، فسألته كيف حكم أبوهما، وخط أيهما أحسن؟! قال سلمان رضوان الله عليه : إن النبي لم يجبهما بشيء، لأنه

تأمل أمرهما وقال: لو قلت خط الحسن أحسن كان يغتم الحسين، ولو قلت خط الحسين أحسن كان يغتم الحسن، فوجههما إلى أبيهما.

فقلت: یا سلمان بحق الصداقة والأخوة التي بيني وبينك وبحق دين الإسلام إلا ما أخبرتني كيف حكم أبوهما بينهما؟!

فقال: لما أتيا إلى أبيهما وتأمل حالهما، رق لهما، ولم يرد أن يكسر قلب أحدهما، قال لهما: أمضيا إلى أمكما فهي تحكم بينكما.

فأتيا إلى أمهما، وعرضا عليها ما كتبا في اللوح، وقالا: يا أماه، إن جدنا أمرنا أن نتكاتب، فكل من كان خطه أحسن تكون قوته أكثر، فتكاتبنا وجئنا إليه، فوجهنا إلى أبينا، فلم يحكم بيننا ووجهنا إليك.

فتفكرت فاطمة: بأن جدهما وأباهما ما أرادا كسر خاطرهما، أنا ماذا أصنع ؟! وكيف أحكم بينهما ؟! فقالت لهما: يا قرتي عيني، إني أقطع قلادتي على رأسكما، فأيكما يلتقط من لؤلؤها أكثر كان خطه أحسن، وتكون قوته أكثر.

قال: وكان في قلادتها سبع لؤلؤات، ثم إنها قامت فقطعت قلادتها على رأسهما، فالتقط الحسن ثلاث لؤلؤات، والتقط الحسين ثلاث لؤلؤات، وبقيت الأخرى، فأراد كل منهما تناولها.

فأمر الله تعالى جبرئيل بنزوله إلى الأرض، وأن يضرب بجناحه تلك اللؤلؤة ويقدها نصفين، فأخذ كل منهما نصفاً.

فانظر يا يزيد كيف رسول الله «صلى الله عليه وآله» لم يدخل على أحدهما ألم ترجيح الكتابة، ولم يرد كسر قلبهما، وكذلك أمير

المؤمنين، وفاطمة «عليهاالسلام». وكذلك رب العزة لم يرد كسر قلب أحدهما، بل أمر من قسم اللؤلؤة بينهما لجبر قلبهما. وأنت هكذا تفعل بابن بنت رسول الله! أف لك ولدينك يا يزيد

ثم إن النصراني نهض إلى رأس الحسين «عليه السلام» واحتضنه وجعل يقبله وهو يبكي ويقول: يا حسين، اشهد لي عند جدك محمد المصطفى، وعند أبيك علي المرتضى، وعند أمك فاطمة الزهراء «صلوات الله عليهم أجمعين» (1).

ونقول:

إن هذا النص والذي قبله قد تضمن أموراً جديرة بالتوقف عندها، والتأمل فيها، والاستفادة منها. ونستطيع أن نذكر من ذلك هنا ما يلي:

تمييز الخط الحسن عن الأحسن:

1 - هناك أمور يمكن التمييز بينها بسهولة، بعد إخضاعها لمعايير يمكن تلمسها، والمقارنة بين مفرداتها، وتبيّن الفوارق بينها. ولا يقع فيها أي خلاف أو اختلاف بين الفرقاء، مهما اختلفت أجناسهم ولغاتهم، وحالاتهم، وصفاتهم، وسماتهم.. كقولك:

هذا أكبر، وهذا أصغر..


1) راجع مدينة المعاجز ج 3 ص 522 - 527 وبحار الأنوار ج 45 ص 189 - 191 والعوالم، الإمام الحسين ص 418 - 420 والمنتخب للطريحي ص 63

وهذا أسود، وهذا أشد سواداً..

وهذا فوق وهذا تحت..

وهذا حلو، وهذا أقل حلاوة..

وهذا عالم، وهذا جاهل..

وهذا ناعم الملمس، وذاك خشن الملمس..

وهذا الصوت قوي، وذاك أقوى..

وهذا قبيح، وهذا جميل..

وهذا كامل وتام وسليم، وذاك ناقص ومعيب..

وهكذا.. تتلاحق الأمثلة، وتتكثر في الاتجاهات المختلفة..

ولكن مسألة الخط الحسن والأحسن تبقى مسألة صعبة التحديد، وليست من الأمور البسيطة على الإطلاق.

وسبب ذلك: أن هذا السؤال إنما يأتي بعد الفراغ عن وجود الحسن والصحة، والتمامية، والسلامة في كلا الخطين...

والخط الحسن والأحسن ليس على حد المعادلات الرياضية، ولا هو من الأحكام العقلية، ولا هو أمر فطري، بل هو أمر ذوقي، يلامس الانفعالات المشاعرية من الداخل، في أكثر حالاته، وتنشأ عن التفاعل لمحات، أو لمسات جمالية يستسيغها الذوق، وتتوافق مع الطبع، وتستثير المشاعر.

وقد تختلف هذه اللمسات واللمحات التي يضيفها هذا الكاتب على

خطه التام والكامل عن تلك التي يضيفها الكاتب الآخر، وقد يختلف الناس فى التفاعل الإيجابي معها، قوة وضعفاً لأكثر من سبب.

من أجل ذلك نقول:

1 - إن تحديد الحسن، والأحسن في خضم هذه الأحوال سيكون أمراً عسيراً، بل ربما كان غير واقعي، فإن الأحسن عند هذا قد يكون غير أحسن عند الآخر.. وإن كان لا يستطيع أن يثبت ذلك بالدليل.

2 - ومن جهة أخرى، فإننا لا نرتاب في أن الحسنين «عليهماالسلام» كانا يملكان من العقل، والإدراك، ومن الذوق الرفيع، ما أظهرت الوقائع أنه خارج عن المالوف والمعروف.

فلو كان هناك اختلاف محسوس وظاهر بين ما كتبه أحدهما، وما كتبه الآخر لأدركاه، ولكقًا عن المطالبة بالحكم بينهما، ولبخع صاحب الخط الحسن لصاحب الخط الأحسن، وسلم له، ورضي، ولم يعرض نفسه لتحكيم، يعلم بأنه سينتهي بإعلان فشله في إحراز مرتبة التقدم التي لم يحرزها، فيما يحاول التقدم فيه..

وكل ذلك يجعلنا نطمئن إلى تساوي الأخوين في جودة ما كتباه، وأن التمييز بينهما سيكون متعسراً، بل متعذراً.

كرهت أن تؤذي أحدهما:

وذكرت الرواية المتقدمة برقم [1]: أن أمهما كرهت أن تؤذي أحدهما، فأرجعتهما إلى أبيهما، وان أباهما أيضا كره أن يؤذي أحدهما، فأرجعهما إلى جدهما. كما أن الرواية تحدثت عن أن النبي

«صلى الله عليه وآله» لم يرد أن يكسر قلب أحدهما إذا حكم بينهما، وعن أن الحكم لأحدهما سوف يوجب الغم للآخر.

ونقول:

إن هذا الكلام ليس بريئاً، لأنه يحمل معه إساءات صريحة لمقام الحسنين، ولأمهما وجدهما، وللعزة الإلهية بالذات، فلاحظ:

أولاً: من الذي قال: إنها «عليهاالسلام» قد حسمت أمرها، واتخذت قرارها بأحسنية واحد منهما بالنسبة للآخر، وإنها لم ترد أن تكشف عنه حتى لا تؤذي أخاه؟!

فلعلها وجدتهما متساويين في الحسن، وأرادت أن لا تصرح لهما بذلك، ربما لإيجاد الحافز لديهما لطلب المزيد من التقدم، على قاعدة التسابق في طلب الخير ، (فاسْتَبقُوا الْخَيْرَاتِ) (1).

ثانياً: من قال: إن بيان الحقيقة سوف يؤذي من يكون بحاجة إلى العمل على تحسين خطه؟! وإذا كان يتأذى من كلمة الحق وما فيه صلاحه ونجاحه، ثم يرضى بغمط حق الغير حتى لو كان اخاه، فما بالك بغيره، فإن من يكون كذلك فهو بحاجة إلى إصلاح، وتهذيب، وتربية روحية. وتتأكد الحاجة إلى ذلك إذا كان يرضى بأن يأخذ ما لا يستحق، وبأن يحرم صاحب الحق من حقه.

وهذا الشخص لا يمكن أن يكون هو الحسن أو الحسين اللذين


1) الآية 148 من سورة البقرة، والآية 48 من سورة المائدة

أشاد الله تعالى بفضلهما فى السماوات قبل أن يخلقهما، ولم يزل رسول الله يؤكد على كمالاتهما ومزاياهما الفريدة في كل مناسبة تسنح له..

حديث القلادة:

وعن حديث القلادة نقول:

أولاً: إن أول سؤال يواجهنا هو أن هذا الحل الذي قدمته «عليهاالسلام» لا يلغي المحذور الذي منعها من الحكم بينهما أولاً، فإن التقاط أحدهما أقل من أخيه، وإدراكه أنه قد خسر الرهان سوف يؤذيه أيضاً.. غاية ما هنالك أنه سينحو باللائمة على نفسه لعدم تمكنه من التقاط ما يوجب تقدمه على أخيه، لا على أمه فالأذى واقع على كل حال..

ثانياً: إن التقاط أحدهما حبا من العقد المنثور أكثر من الآخر لا يجعل خطه أحسن من خط أخيه. بل إن هذا إن دل على شيء، فهو يدل بطريقة مبطنة وغير مألوفة على العجز عن تحديد الخط الأحسن، أو على صعوبة التمييز بينهما.

ثالثاً : إن هذه الطريقة في تحديد الفائز.. إنما هي للهروب من تحمل مسؤولية المشكلة، وليس حلا حقيقيا للمشكلة، إذ لا يمكن بواسطتها تحديد الفائز الواقعي، وتمييزه عن غيره.. إلا أن يقال: هي كالقرعة طريقة لحل النزاع، والله هو الذي يتكفل بإخراج سهم المحقّ بواسطتها.

رابعاً: إن تدخل جبرائيل بأمر من الله تعالى بتنصيف حبات القلادة بين الأخوين يدل على التساوي في الحسن بنحو أو بآخر.

خامساً: حينما طلب من النبي، أو من جبرائيل، أو إسرافيل أن يحكم بينهما كان بالإمكان أن يوحي الله لرسوله أو لجبرائيل، أو لإسرافيل، بأن يحكم بتساويهما في جودة الخط. فلماذا كل هذا التنقل، وبذل المحاولة من دون الحصول على نتيجة.

لفت نظر:

كأن المطلوب من الناظر في النص الأول للرواية أن يفهم: أن الذي منع من إعلان اسم الفائز هو أن أخاه سوف يتأذى من هذا الإعلان.

فابتكرت الزهراء «عليها السلام» هذه الطريقة التي ضيعت حق الفائز. وأعطت الطرف الآخر امتيازاً حيث اعتبرته مساويا لأخيه في جودة الخط حسبما انتجته هذه الطريقة - ولو بحسب الظاهر المعلن -. وهذا امتياز لا يستحقه الخاسر

كما لا يحسن إلحاق الضرر بالفائز بإنزاله من درجة الفوز إلى درجة التساوي مع من هو أدنى منه !!

وفيما يرتبط بالنص الثاني المتقدم، فقد تضمن أموراً عديدة لم ترد في الرواية الأولى المختصرة.. ولا نريد أن نتوقف عند جميع ما جاء فيه، بل نكتفي بلفت النظر إلى بعض ما يتعلق بالحادثة التي نحن بصدد الحديث عنها، مما لم يذكر في الرواية المختصرة، فنقول:

دعاء النبي «صلى الله عليه وآله» على قاتل الحسين «عليه السلام»:

ذكرت الرواية: أن يزيد بن معاوية «لعنه الله» قد سمع من وزير ملك الروم أنه سمع رسول الله «صلى الله عليه وآله» يلعن من يقتل الحسين بن علي «عليه السلام»، ومن أعان على قتله، ويدعو عليه بالإبعاد عن رحمة الله.. وأنه «صلى الله عليه وآله» بكى على الحسين «عليه السلام»..

ولم نر في الرواية أية إشارة إلى أن يزيد «لعنه الله» قد اهتم لما سمع، أو رتب أي أثر عليه، بل تعامل مع الأمر وكأن شيئا لم يكن.. وهذه الاستهانة الظاهرة لا بد أن تضع علامة استفهام كبيرة حول ما يزعم من إسلام يزيد، لاسيما وأنه هو المتمثل بأبيات ابن الزبعرى التي منها:

لعبت هاشم بالملك *** فلا خبر جاء ولا وحي نزل

التصارع لا يليق بكما:

وحول ما ذكرته الرواية، من أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال للحسنين «عليهماالسلام»: إن التصارع لا يليق بكما نقول:

أولاً : قد تقدم في بعض فصول هذا الكتاب: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أمر الحسنين «عليهماالسلام» بأن يصطرعا، فاصطرعا، وأنه «صلى الله عليه وآله» كان يحرض الحسن، ويقول: إيها حسن، فلما سئل عن سبب تحريضه الكبير على الصغير، قال: إن

جبرئيل كان يقول للحسين «عليه السلام»: إيها حسين.

فكيف يقول لهما - حسبما تزعمه هذه الرواية -: «إن التصارع لا يليق بكما؟! ولكن اذهبا فتكاتبا الخ..».

ثانياً: إن التصارع الذي لا يليق بهما هو ما كان المطلوب به مجرد المغالبة التي تنتهي إلى كسر حرمة الآخر، وإذلاله، وتعييره بأنه مغلوب وضعيف. أما إذا كان يقصد به التعاون على تنمية القدرات، وتعلم بعض الفنون الحربية، فلماذا لا يليق ذلك بهما ؟! ألم يذكروا أن عليا «عليه السلام» كان يعلم الناس الرمي في المدينة؟! والرمي من فنون الحرب، بالإضافة إلى فنون كثيرة أخرى..

بل إن المصارعة قد تكون وسيلة من وسائل تقوية الجسد، وتحصيل المرونة اللازمة في الأعضاء، وتأكيد معنى السلامة والصحة فيه، فإن هذا أيضاً أمر يطلبه العقلاء، ويعملون على الحصول عليه لأبنائهم، ولمقاتليهم ، فليست المصارعة عيباً، ولا أمراً غير لائق، حتى لو كان الهدف منها مجرد اختبار القوة، لكى يصار بعد ذلك إلى تقوية الضعيف، وتأكيد سلامة القوي. فلماذا تكون المصارعة غير لائقة بالحسنين «عليهماالسلام»؟!

لا ملازمة بين حسن الخط، وبين قوة الجسد:

واللافت: أن البديل الذي تقول الرواية: إنه «صلى الله عليه وآله» قد قدمه للحسنين «عليهماالسلام» هو أن من يكون خطه أحسن، تكون قوته أكثر.

ولا ندري ما هي الملازمة بين حسن الخط، وبين زيادة القوة، ونحن نرى كثيرين من الضعفاء يكون خطهم أحسن من خط الأقوياء.

النبي الأمي لا يعرف الخط:

ذكرت الرواية أن النبي «صلى الله عليه وآله» اعتذر للحسنين «عليهماالسلام» عن عدم الحكم بينهما: بأنه نبي أمي لا يعرف الخط.

ونقول:

أولاً: إن التنافي في كلام الرواية ظاهر، فهي تقول: إنهما «عليهماالسلام» طلبا من النبي «صلى الله عليه وآله» أن يحكم بينهما. فنظر إليهما ساعة، ولم يرد أن يكسر قلب أحدهما .. وهذا يعني: أنه يعرف الخط الأحسن، ولكنه لا يريد أن يصرح به حتى لا يكسر قلب المغلوب منهما.

ثم هو يعتذر بأنه لا يعرف الخط لأنه أمي.

فمن لا يريد كسر خاطر المغلوب يفترض أن يكون عارفاً بالحسن والأحسن من الخطوط، ومن لا يعرف الخط، فهو لا يعرف الحسن والأحسن، فكيف يكسر قلب المغلوب منهما؟!

ثانياً: دلت النصوص والشواهد على أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يعرف الخط، فكيف يقول لولديه: إنه أمي لا يعرف الخط. والأدلة على معرفة الخط كثيرة نعرضها ضمن ما يلي:

النبي يعرف القراءة والكتابة:

هناك أدلة عديدة على معرفة النبي «صلى الله عليه وآله» بالخط، ونحن نجمل الحديث في ذلك على النحو التالي:

أولاً: إن أمية النبي «صلى الله عليه وآله» لا تعنى أنه لا يعرف الخط. بل تعني: أن المشركين كانوا يعرفون أنه لم يتعلم القراءة والكتابة عند أحد، ولم يقرأ كتاباً.. فمن أين جاءته كل هذه العلوم

والمعارف، التي يعجز البشر عن معرفة جزء يسير منها ؟! ولماذا ظهر هذا الكم الهائل منها بمجرد بعثته «صلى الله عليه وآله»؟!

وكيف صار يعرف القراءة والكتابة، وهو لم يتعلم عند أحد؟! أليس هذا من الإعجاز الذي يؤكد ارتباطه بالله، عن طريق الوحي، ويدل على صدقه في نبوته؟!

وهذا ما أشير إليه في قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخْطُهُ بِيَمِينِكَ إِذا لَأَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) (1).

من الواضح: أن علمه «صلى الله عليه وآله» بالقراءة والكتابة بصورة إعجازية سيكون أدعى لطمأنينتهم، وأشد وأقوى في ترسيخ يقينهم، وثبات إيمانهم.

ولكن إذا استمر هذا العجز عن القراءة والكتابة إلى ما بعد النبوة،


1) الآية 38 من سورة العنكبوت

فإن ذلك سيجعلهم ينظرون إليه بعين النقص، والشفقة. وسيرى الكتاب والقرّاء أن لهم عليه امتيازاً وفضلاً ظاهراً، وأنه أدنى رتبة منهم..

ثانياً: لقد صرح جمع من علمائنا الأبرار «رضوان الله تعالى عليهم» بأنه «صلى الله عليه وآله» كان يعرف القراءة والكتابة بعد بعثته

بل يظهر من الشيخ الطوسي «رحمه الله»: أن هذا هو مذهب علمائنا كافة، فقد قال: «..والنبي «عليه السلام» - عندنا - كان يحسن الكتابة بعد النبوة، وإنما لم يحسنها قبل البعثة» (1).

قال السيد جواد العاملي: «والنبي معصوم مؤيد بالوحي. وكان عالماً بالكتابة بعد البعثة، كما صرح به الشيخ، وأبو عبد الله الحلي، واليوسفي، والمصنف في التحرير. وقد نقل أبو العباس، والشهيد في النكت عن الشيخ، وسبطه أبي عبد الله الحلي الساكتين عليه..» (2).

أما بالنسبة لغير الشيعة، فنقول:

1 - قال المجلسي «رحمه الله»: «..قال الشعبي وجماعة من أهل العلم: ما مات رسول الله «صلى الله عليه وآله» حتى كتب وقرأ. وقد


1) المبسوط ج 8 ص 120 وتفسير التبيان ج 8 ص 216 وأوائل المقالات ص 225 ومكاتيب الرسول ج 1 ص 93

2) مفتاح الكرامة ج 10 ص 10

اشتهر في الصحاح وكتب التواريخ قوله «صلى الله عليه وآله»: إيتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً» (1).

غير أننا نقول:

إن استدلاله «رحمه الله» بحديث الكتف والدواة غير خالٍ عن النظر والمناقشة، فإن قوله «صلى الله عليه وآل»: أكتب لكم كتاباً، لا يدل على لزوم مباشرته الكتابة، فقد يتحقق ذلك، ولو بأن يأمر بعض من حضر بكتابة ما يمليه هو عليه في ذلك الجمع. حتى لو كان «ما مات النبي «صلى الله عليه وآله» حتى كتب»، كما روي عن الشعبي (2).


1) بحار الأنوار ج 16 ص 135 و ج 22 ص 468 والإرشاد ج 1 ص184 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 199 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 477 ج1 ص99 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 10 ص 219 وج 12 ص 87 وإعلام الورى ج 1 ص 265

2) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 199 الجامع لأحكام القرآن ج 13 ص 352 والتراتيب الإدارية ج 1 ص173 وبحار الأنوار ج 16 ص 135 وسير أعلام النبلاء ج 14 ص 190 وج 22 ص 468 والإرشاد ج 1 ص 184 والسنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 42 وفتح الباري ج 7 ص 386 وفيض القدير ج 4 ص 336 والجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 212 وعمدة القاري ج 13 ص 277 و تاريخ مدينة دمشق ج34 ص 103 والمجموع للنووي ج 16 ص 143 ومواهب الجليل للرعيني ج 5 ص18 وتفسير السمعاني ج 4 ص 186 وإمتاع الأسماع ج 13 ص 102 وتفسير الآلوسي ج 21 ص 5 وتفسير النسفي ج 3 ص 261

إلا أن يقال: إن قرائن المقام قد تؤيد أنه «صلى الله عليه وآله» كان يريد أن يكتب لهم ذلك الكتاب بيده بمرأى ومسمع من الحاضرين لكي يقطع كل عذر ويزيل أية شبهة.

2 - عن مجالد قال: حدثني عون بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه قال: ما مات النبي «صلى الله عليه وآله» حتى قرأ وكتب. فذكرت هذا الحديث للشعبي، فقال: صدق. سمعت أصحابنا يقولون ذلك (1).

ثالثاً : هناك نصوص كثيرة تدل على أنه «صلى الله عليه وآله» كان بعد بعثته قد مارس القراءة أو الكتابة عمليا، ويؤكد ذلك:

ألف: ما روي من طرق غير أهل البيت، وشيعتهم، ومنه:

1 - ما جرى في الحديبية، قالوا: «فأخذ رسول الله الكتاب، فكتب: هذا ما قاضي محمد بن عبد الله الخ..» (2).


1) السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 42 و 43 والدر المنثور ج3 ص131 وتفسير الآلوسي ج 9 ص 79 وتاريخ مدينة دمشق ج 34 ص 103 وفتح الباري ج 7 ص 386

2) صحيح البخاري ج 5 ص 174 و (ط سنة 1309 هـ) ج 2 ص 73 والكافي ج 8 ص 326 والغارات ج 2 ص 755 والمسترشد ص391 و 396 وشرح الأخبار ج 2 ص 50 و 135 وأوائل المقالات ص224 والإرشاد ج 1 ص 120 والأمالي للطوسي ص 187 والعمدة ص 201 و 325 وبحار الأنوار ج 20 ص 333 و 362 وج 33 ص 315 وج 38 ص328 ومكاتيب الرسول ج 1 ص 85 و ج 3 ص 82 ومسند أحمد ج 4 ص 298 وسنن الدارمي ج 2 ص 237 وسنن أبي داود ج 1 ص 629 ومجمع الزوائد ج 6 ص 240 والمصنف للصنعاني ج 10 ص 159 والمصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 507 و 515 والسنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 168 وصحيح ابن حبان ج 11 ص 212 والمعجم الكبير ج 10 ص 258 وج 20 ص 13 وكنز العمال ج 10 ص 474 و 494 وإرواء الغليل ج 1 ص 57 وتفسير مجمع البيان ج 9 ص 197 ونور الثقلين ج 5 ص 68 وجامع البيان ج 26 ص 129 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 213 و 217 والدر المنثور ج2 ص 157 وج 6 ص 77 وإعلام الورى ج 1 ص 204 و 372 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 333 و 442 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 53 ج3 ص333 و 77 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 228 والبداية والنهاية ج 4 ص 200 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 34

وفي نص آخر: «فأخذ النبي «صلى الله عليه وآله» الكتاب وليس يحسن أن يكتب - فكتب مكان رسول الله: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله: أن لا يدخل الخ..» (1).


1) صحيح البخاري ج 5 ص 174 و (ط سنة 1309 هـ) ج 2 ص 73 و (ط دار الفكر) ج 5 ص 84 و 85 ومسند أحمد ج 4 ص 298 والكامل في التاريخ ج 2 ص 204 وخصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للنسائي ص 150 و 151 والأموال لأبي عبيد ص 233 وسنن الدارمي ج 2 ص 237 و 238 والسنن الكبرى للبيهقي ج8 صه والتراتيب الإدارية ج 1 ص 172 والعمدة لابن البطريق ص 201 و 325 وبحار الأنوار ج 20 ص 371 و 372 و 352 و ج 38 ص 328 وفتح الباري ج7 ص328 ص 386 وعمدة القاري ج 17 ص 262 والسنن الكبرى للنسائي جه ص 168 وصحيح ابن حبان ج 11 ص 229 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 217 وتفسير الآلوسي ج 26 ص 117 والبداية والنهاية ج 4 ص 267 وإمتاع الأسماع ج 13 ص 105 ودلائل النبوة ج 4 ص338 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 77 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 442 والأنس الجليل ج 1 ص 203 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 18 ص 62

ويمكن أن يجاب:

بأن الراوي هو الذي ظنّ أن النبي ليس يحسن أن يكتب، وهو غیر عارف بواقع الأمر.

2 - ما رواه الشعبي من أنه «صلى الله عليه وآله» قد قرأ صحيفة لعيينة بن حصن، وأخبر بمضمونها (1).

3 - عن أنس قال: قال «صلى الله عليه وآله»: رأيت ليلة أسري بي مكتوباً على باب الجنة : الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر (2).


1) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 98 عن تفسير النقاش، والجامع لأحكام القرآن ج 13 ص 352 والمحرر الوجيز ج4 ص322 وتفسير البحر المحيط ج 7 ص 151 وإمتاع الأسماع ج 13 ص 103

2) سنن ابن ماجة ج 2 ص 812 والمفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج8 ص 97 عنه، ومستدرك الوسائل ج 13 ص 395 و مسند أبي داود الطيالسي ص 155 والمعجم الأوسط ج 7 ص 16 ومسند الشاميين ج 2 ص 419 والجامع الصغير ج 2 ص 5 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 6 ص 210 و 211 وتذكرة الموضوعات ص 66 وكشف الخفاء ج 2 ص 96 والجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 240 والدر المنثور ج4 ص153 وتفسير الثعالبي ج 1 ص 527 وكتاب المجروحين ج 1 ص 284 والكامل لابن عدي ج 2 ص 337 و ج 3 ص 11 وتهذيب التهذيب ج 3 ص 110 وسبل الهدى والرشاد ج 9 ص 283 والترغيب والترهيب ج 2 ص 41 وفيض القدير ج 4 ص 12 وتفسير الثعلبي ج 2 ص 206 وتفسير الآلوسي ج 21 ص 5 والخصائص الكبرى ج 1 ص 156 والسيرة الحلبية ط دار المعرفة ج 2 ص 135 والذيل على طبقات الحنابلة ج 3 ص 271 وإحياء علوم الدين للغزالي ج 5 ص 6

ب: ما روي عن الأئمة من أهل البيت «صلوات الله وسلامه عليهم»، وهي التالية:

1 - ما رواه الصدوق «رحمه الله» بسنده عن جعفر بن محمد الصوفي، عن أبي جعفر الجواد «عليه السلام» وفيه: «فقلت: يا ابن رسول الله، لم سمي النبي الأمي ؟!

فقال: ما يقول الناس؟!

قلت: يزعمون: أنه إنما سمي الأمي؛ لأنه لم يحسن أن يكتب.

فقال «عليه السلام»: كذبوا عليهم لعنة الله، أتى ذلك، والله يقول في محكم كتابه: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ

آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة) (1).

فكيف كان يعلمهم ما لا يحسن؟!

والله لقد كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقرأ ويكتب باثنين وسبعين لساناً ، أو قال: بثلاثة وسبعين لساناً، وإنما سمي الأمي، لأنه كان من أهل مكة. ومكة من أمهات القرى، وذلك قول الله عز وجل : (لِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) (2)(3).

وروي نحو هذا عن علي بن أسباط وغيره، رفعه إلى أبي جعفر الجواد «عليه السلام» (4).

2 - عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال:


1) الآية 3 من سورة الجمعة

2) الآية 7 من سورة الشورى

3) علل الشرايع ص 124 وبحار الأنوار ج 16 ص 132 وبصائر الدرجات ص 245 والبرهان (تفسير) (ط طهران) ج 4 ص 332 ونور الثقلين ج2 ص 78 و ج 5 ص 322 ومعاني الأخبار ص54 والإختصاص ص263 والفصول المهمة للحر العاملي ج 1 ص 412 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 199

4) بحار الأنوار ج 16 ص 133 و علل الشرايع ص 125 والبرهان (تفسير) (ط طهران) ج 2 ص 332 و ج 2 ص 40 و (ط مؤسسة البعثة) ج5 ص 374 وبصائر الدرجات ص 246 ونور الثقلين ج 2 ص 78 وج5 ص 332 وبصائر الدرجات ص 246 وتفسير العياشي ج 2 ص 78 وتفسير كنز الدقائق (تفسير) ج 5 ص 198 و 245

«كان علي «عليه السلام» كثيراً ما يقول: اجتمع التيمي والعدوي عند رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وهو يقرأ: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ) بتخشع وبكاء، فيقولان: ما أشد رقتك لهذه السورة.

فيقول رسول الله «صلى الله عليه وآله» لما رأت عيني، ووعى قلبي، ولما يرى قلب هذا من بعدي.

فيقولان: وما الذي رأيت، وما الذي يرى؟!

قال: فيكتب لهما في التراب: (تَنزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا..) الخ.. (1).

3- عن عبد الرحمن بن الحجاج قال قال أبو عبد الله «عليه السلام»: إن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يقرأ ويكتب، ويقرأ ما لم يكتب (2).


1) الكافي ج 1 ص 249 ومرآة العقول ج 3 ص 86 والبرهان (تفسير) (ط مؤسسة البعثة ج 5 ص 705 و 706 ونور الثقلين (تفسير) جه ص323 و 633 ومدينة المعاجز ج 2 ص 448 وبحار الأنوار ج 25 ص 71 وتفسير كنز الدقائق (تفسير) ج 13 ص 245 - 246 و 365

2) بحار الأنوار ج 16 ص 133 و 134 وبصائر الدرجات ص 247 والبرهان (تفسير) (ط طهران) ج 4 ص 333) و (ط مؤسسة البعثة) ج 5 ص 375 ونور الثقلين ج 5 ص 322 و الفصول المهمة للحر العاملي ج 1 ص 413 وكنز الدقائق (تفسير) ج 13 ص 245 والمحجة البيضاء ج 4 ص 163

النصرانی صدیق سلمان:

وقد ادَّعت الرواية الثانية: أن هذا النصراني لما جاء إلى المدينة في زمن النبي «صلى الله عليه وآله» كانت بينه وبين سلمان صداقة ومودة، وأنه ألح على سلمان، وأقسم عليه بصداقته وأخوته، ومودته، ليخبرته بما حكم به علي «عليه السلام» بين ولديه.. فأخبره.

ونحن نشك في هذا الكلام، فإن هذا الرجل إنما يحدث يزيد بهذه القصة في سنة إحدى وستين للهجرة، وقدومه المدينة كان قبل هذا التاريخ بأكثر من خمسين سنة. وهذا الرجل كان من بلاد الروم، ويأتي المدينة لأجل التجارة، وكان سلمان من بلاد فارس.. وإنما قدم سلمان المدينة فى تلك الفترة، فمتى حصلت الصداقة والعلاقة بينه وبين سلمان؟!. بل ظاهر السياق أن الرومي لم يأت المدينة والنبي فيها إلا هذه المرة، فلعله لم ير سلمان أيضاً ، وقد قيل: إن سلمان حضر بدراً وأحداً.

فكم كان عمر هذا النصراني حين قدم المدينة قبل ستين عاماً. أي أول سني الهجرة؟!

ومتى صادق سلمان الفارسي، وصارت بينهما مودة قبل بلوغه هذا السن؟! على حد قوله.. ومتى، وفي أي سن صار تاجراً يدور في الأقطار والأمصار المتباعدة، ويقصد المدينة بتجارته، ويجتمع بأصدقائه بعد سنوات من القطيعة معهم؟!

وكم كان عمره حين لقي يزيد «لعنه الله» في سنة إحدى وستين

للهجرة؟!

تهافت ومقارنة:

وفي الروايات هنا موارد تهافت، نذكر منها:

1 - إن التهافت الذي نريد الإشارة إليه هو في الرواية الثانية، فقد ذكرت أن الحسنين «عليهماالسلام» قد عرضا اللوح الذي كتباه على النبي «صلى الله عليه وآله»، وطلبا منه أن يقضى بينهما ، فأخبرهما أنه أمي لا يعرف الخط، وأمرهما بالذهاب إلى أبيهما.

ثم قام معهما إلى أبيهما «عليه السلام» ليحكّماه..

ثم تذكر الرواية أن النبي «صلى الله عليه وآله» رجع بعد تحكيم علي وفاطمة «عليهماالسلام» إلى النصراني ومعه سلمان، فسأل النصراني سلمان عما حكم به أبوهما ، فأخبره سلمان عن امتناع النبي عن الحكم بينهما، مع أنه لم يسأله عن ذلك..

فاضطر النصراني إلى أن يقسم على سلمان بالأخوة والصداقة ليخبره بقضاء علي «عليه السلام».

ولا ندري لماذا يكتم سلمان قضاء علي «عليه السلام» عن ذلك النصراني؟! حتى اضطره إلى هذا الإلحاح.

2 - وأما المقارنة، فهي بين الروايتين، علماً بأن الناظر في الروايتين يرى أن الرواية الأولى المختصرة هي الأسلم، والأولى بالاعتبار بعد استبعاد بعض موارد الإشكال التي أشرنا إليها فيها..

غير أن ثمة أمرا جديراً بلفت النظر إليه، وهو اختلاف بين الروايتين قد يكون سببه تساهل الرواة، وعدم التدقيق لتحديد وتمييز السابق عن اللاحق.

فالرواية الأولى تبدأ بتحكيم فاطمة «عليهاالسلام»، ثم تنتقل إلى علي، ثم إلى النبي، ثم إلى جبرئيل، فإسرافيل، ومنه يرفع الأمر إلى الله، ثم يعود الحكم إلى فاطمة «عليهاالسلام».. فتحكم بما تقدم.

أما الرواية الثانية، فتبدأ بالنبي «صلى الله عليه وآله»، ثم ينتقل الأمر إلى علي، ثم إلى فاطمة «عليهاالسلام».. مع تفاوت كبير في التفاصيل مما لا يخفى على الناظر الخبير، والناقد البصير..

النتيجة والخاتمة:

ثم إننا بالرغم من كل ما سجلناه من مؤاخذات على فقرات الرواية، ولاسيما الثانية، فإن ذلك لا يعني أن القضية مختلفة من أساسها ، فإن بعض الناس حين يرى حدثاً فريداً، قد يدعوه فضوله إلى أن يتلقفه، ويحاول تزويقه وتلميعه، وقد يلجأ إلى الزيادة، أو يحاول المبالغة فيه، أو إغراقه بالبهرجة والتزيين الزائد عن الحد.

ورأينا في هذه الرواية:

1 - أن النظر في المفاد الإجمالي لها يعطي: أنها بصدد بيان فضيلة عظيمة للإمامين الحسنين «عليهما الصلاة والسلام» .. وهي فضيلة لها ارتباط بجامعيتهما «عليهماالسلام» لصفات، وسمات، ومكونات معنى الإمامة فيهما «صلوات الله وسلامه عليهما».

ذلك أن هذه الرواية تثبت خصوصية ندر أن يذكرها أحد بخصوصها في جملة كمالات الإمام، وهي: أن الإمام لا بد أن يكون متفرداً في جميع الصفات والمزايا، حتى في فن الخط، وفي كل فن. وأنه لا يدانيه أحد من الخلق في جمال خطه الخارق، وسلامته التامة، وفرادته في كل سماته وحالاته.

2 - هناك مزية أخرى تكفلت ببيانها هذه الرواية، وإن ارتبك أو خلط، أو عجز رواتها عن إبرازها على النحو الواضح، والصريح والصحيح، وهي أن الحسنين «عليهماالسلام» لا يمكن إلا أن يكونا بدرجة واحدة في مزايا الكمال والجمال، لأن مزاياهما ما هي إلا صبغة إلهية، وثمرة من ثمرات إمامتهما، بلا فرق بين أيام صغرهما وغيرها .. ولأجل ذلك لم يمكن التمييز في الحسن والجمال بين خط الحسن وخط الحسين.

الباب الرابع

مفردات من الحياة الخاصة..

الفصل الأول:

الفصل الأول:

الخضاب..

الحسين والخضاب:

في الروايات المروية عن أهل البيت «عليهم السلام» - بطرق شيعتهم: أن الإمام الحسين «عليه السلام» كان يخضب شعر رأسه ولحيته بالسواد. كما عن الإمام الباقر، والصادق، والإمام زين

العابدين «عليهم السلام» (1).


1) راجع : الكافي ج 6 ص 481 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 89 و (الإسلامية) ج 1 ص 404 ومكارم الأخلاق ص 80 وبحار الأنوار ج73 ص 100 ومرآة العقول ج 22 ص 373 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج 10 ص 29 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 706 ومجمع الزوائد ج 5 ص 162 وراجع المصنف للصنعاني ج 11 ص 155 ومسند ابن الجعد ص 313 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 422 وذخائر العقبى ص 223 والتاريخ الكبير ج 7 ص 151 والمصنف لابن أبي شيبة ج6 ص 52 والآحاد والمثاني ج 1 ص 306 والذرية الطاهرة النبوية للدولابي ص 133 والمعجم الكبير ج 3 ص 99 والثقات لابن حبان ج 3 ص 69 والأنساب للسمعاني ج 3 ص 476 والمجدي في أنساب الطالبيين ص13 والمعارف لابن قتيبة ص 213 وبغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ج 6 ص 2618 وتاريخ مختصر الدول لابن العبري ص 110 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 105 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 43 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 695

وروي عن الصادق «عليه السلام» أيضاً : أن الحسين «عليه السلام» خضب بالحناء والكتم (1). وسنده ضعيف.

وفي رواية بسند حسن: أنه «عليه السلام» خضب بالكتم (2).

وهو نبت يخلط بالحناء، ويخضب به الشعر. وإذا طبخ بالماء كان منه مداد الكتابة (3).

وعن الإمام الصادق «عليه السلام»: أنه «عليه السلام» قتل


1) راجع: الكافي ج 6 ص 481 وبحار الأنوار ج 44 ص 203 وج 46 ص 298 وج 73 ص 98 وراجع ج 45 ص 90 ومرآة العقول ج22 ص 374 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 73 وراجع ج 2 ص 443 وراجع من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 122 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج2 ص 86 و 92 و 96 و (الإسلامية) ج 1 ص 402 و 406 و 409 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 133 والعوالم الإمام الحسين ص329 وسنن النبي للطباطبائي ص 93 و 148 وكشف الغمة ج 2 ص 251 وراجع مجمع الزوائد ج 5 ص 163 وج 9 ص 198 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 3 و 51 والذرية الطاهرة النبوية ص 133 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5ص 105 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 41 وذخائر العقبى ص 128 وراجع: المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص98

2) راجع: الكافي ج 6 ص 481

3) راجع: مجمع البحرين ج 3 ص 1552

وهو مختضب بالوسمة (1).

وعنه «عليه السلام»: أنه كان يخضب رأسه بالوسمة (2).

والوسمة - بكسر السين، وقد تسكن : شجر باليمن يخضب الشعر بورقه (3).

وفي روايات أهل السنة أيضاً : أن الحسين «عليه السلام» كان


1) راجع: الكافي ج 6 ص 483 ووسائل الشيعة آل البيت ج 2 ص 94 و (الإسلامية) ج 1 ص 407 وبحار الأنوار ج 44 ص 204 وج 45 ص 94 ومرآة العقول ج 22 ص 377 ،والعوالم الإمام الحسين ص71 و 329 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 73

2) راجع مكارم الأخلاق للطبرسي ج 1 ص 185 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 79 و 80 عن أنس، وبحار الأنوار ج73 ص 100 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص42 و 43 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 420 وراجع مجمع الزوائد ج 5 ص 163 والعمر والشيب لابن أبي الدنيا ص 51 والذرية الطاهرة النبوية ص 133 عن الحسن، والمعجم الكبير ج 3 ص 98 و 100 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 128 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 281 عن عمر بن عطاء، و 291 وبغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ج 6 ص2618 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 105 و 106 وترجمة الإمام الحسين من جه تاریخ مدينة دمشق لابن عساكر ص 50 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 37

3) راجع: النهاية في اللغة ج 1 ص 185

يخضب بالسواد، ويدع العنفقة (1).

وهي الشعر الذي في الشفة السفلى. وقيل: الشعر الذي بينها وبين الذقن (2).

وذكروا : أن النبي «صلى الله عليه وآله» شاب ذلك الموضع منه، وكان «عليه السلام» يتشبه به (3).

وقال عبيد الله بن أبي يزيد: رأيت حسين بن علي أسود الرأس واللحية إلا شعرات ههنا في مقدم لحيته (4).


1) راجع: المعجم الكبير ج 3 ص 99 و 132 ومجمع الزوائد ج 5 ص 163 وذخائر العقبى ص 223 وتهذيب الكمال ج 6 ص 400 وتاريخ مدينة دمشق ص223 ج14 ص 127 والبداية والنهاية ج 8 ص 150 وراجع سير أعلام النبلاء ج 3 ص 281

2) راجع النهاية في اللغة ج 3 ص 309

3) راجع: مجمع الزوائد ج 5 ص 163 والمعجم الكبير ج 3 ص 132 وتهذيب الكمال ج 6 ص 400 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 127 والبداية والنهاية ج 8 ص 150 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 281

4) راجع مجمع الزوائد ج 9 ص 200 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 127 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 281 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 105 والبداية والنهاية ج 8 ص 150 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 161 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 50 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 37 وتهذيب الكمال ج 6 ص 400

ورووا أيضاً: أن الإمام الحسين «عليه السلام» كان يخضب بالسواد (1).

الخضاب بالكتم:

وفي حديث سنده حسن (بل صحيح) عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله «عليه السلام» عن خضاب الشعر، فقال: قد خضب النبي «صلى الله عليه وآله»، والحسين بن علي، وأبو جعفر «عليهماالسلام» بالكتم (2).

زاد في نص آخر: وكان علي بن الحسين يختصب بالحناء والكتم (3).


1) راجع: المصنف للصنعاني ج 11 ص 155 والمعجم الكبير ج 3 ص 99 والتاريخ الكبير ج 7 ص 151 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 52

2) الكافي ج 6 ص 481 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 92 و (الإسلامية) ج 1 ص 406 وحلية الأبرار ج 1 ص 357 وراجع: من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 69 و 70 و (ط 2 جماعة المدرسين) ج 1 ص 122 ح 279 وسنن النبي للطباطبائي ص 93 و 148 والمحجة البيضاء ج 1 ص313

3) وسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 92) و (الإسلامية) ج 1 ص 406 ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص 69 و 70 و (ط 2 جماعة المدرسين) ج1 ص 122 ح 279 و 280 وسنن النبي للطباطبائي ص 93 و 148 والمحجة البيضاء ج 1 ص 313 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 186

وأحاديث خضاب الحسين بالحناء والكتم عديدة (1).

وبعض الروايات تقول: إنه «عليه السلام» قتل وقد نصل الخضاب من عارضيه (2).


1) راجع ما تقدم، وراجع الكافي ج 6 ص 481 وقرب الإسناد ص39 و (ط مؤسسة آل البيت سنة 1413هـ) ص 81 ورجال النجاشي ص9 ونحوه الإرشاد للمفيد ص 252 و (ط جماعة المدرسين) ج 2 ص 133 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 86 و 92 و 95 و 96 و 97 و (الإسلامية) ج 1 ص 399 و 402 و 406 و 408 و 409 ومكارم الأخلاق ص 80 وبحار الأنوار ج 44 ص 203 و ج 45 ص 90 وج 46 ص 298 وج 73 ص 98 وهداية الأمة للحر العاملي ج 1 ص 146 و 149 ومرآة العقول ج22 ص71 ج 2 ص 374 والعوالم الإمام الحسین ص 71 و 329 والأنوار البهية ص 102 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 443 و ج 3 ص 73 ومجمع الزوائد ج 9، ص 198 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 3 و 51 والأحاد والمثاني ج 1 ص 305 والذرية الطاهرة النبوية للدولابي ص133 والمعجم الكبير ج 3 ص 98 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 105

2) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 133 وهداية الأمة للحر العاملي ج 1 ص 146 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 86 - 87 و 96 - 97 و (الإسلامية) ج 1 ص 402 و 409 وبحار الأنوار ج 45 ص 90 وج 73 ص 104 وغوالي اللآلي ج 4 ص 14 والعوالم الإمام الحسين ص329 والأنوار البهية ص 102 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 255 وترجمة الإمام الحسين من تاريخ مدينة دمشق ص 437 وكشف الغمة ج 2 ص 251

وخضاب الإمام الحسين «عليه السلام» في خصوص يوم عاشوراء يدل على أنه «عليه السلام» كان يريد أن يعمل بالسنة، وأن يدفع توهم أن يكون «عليه السلام» قد تهاون في تعامله مع اعدائه. فها هو قد استفاد من جميع الوسائل التي كانت ميسورة له للتأثير على عدوه، ولو من خلال إظهار القوة في خضابه. ولم يتصرف كإنسان بائس يائس - والعياذ بالله - ومستسلم لعدوه.

ليس كما ترون:

وعن عبيد الله بن الحر: أنه سأل الحسين بن علي «عليه السلام» عن خضابه، فقال : أما إنه ليس كما ترون. إنما هو حناء وكتم (1).

وسياق الكلام يدل على أن السؤال سؤال اعتراض، أو سؤال ناقل للاعتراض، فهل هو اعتراض على لون الخضاب، لأنه كان أقرب إلى السواد.

أو أنهم ظنوا أنه يستعمل خضابا ذا قيمة عالية لا تناسب زهده، ولا إمكاناته المادية، فأوضح لهم: أنه إنما يستعمل ما هو متداول، وما


1) رجال النجاشي ج 1 ص 9 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص97 و (الإسلامية) ج 1 ص 409 وبحار الأنوار ج 73 ص 104 ومعجم رجال الحديث ج 12 ص 74

هو في متناول يد عامة الناس.

ولعل ما أوقعهم في الشبهة هو جودة الخضاب، وحسن التقدير لمقاديره، والصفاء، وتناسب الألوان التي شاهدوها، فقد بدت وكأنها هي الحالة التي يصعب التمييز بينها وبين الحالة الطبيعية، وذلك بسبب حسن التصرف بالمواد، وتخير المقادير منها حين المزج بين الكتم وبين الحناء الحناء، وهذا ما لا يحسنه السواد الأعظم من الذين يخضبون.

وقد يشهد لما نقول:

أن سفيان بن عيينة يقول : قلت لعبيد الله بن أبي يزيد: رأيت حسين بن علي «عليه السلام»؟!

قال: نعم.. أسود الرأس واللحية إلا شعيرات ها هنا في مقدم لحيته، فلا أدري، أخضب، وترك ذلك المكان شبها برسول الله «صلى الله عليه وآله» ؟ ! أو لم يكن شاب منه غير ذلك (1).

فإن عجز عبيد الله عن التمييز بين ما هو خضاب وبين غيره


1) تهذيب الكمال ج 6 ص 400 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 127 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 281 ومسند أبي يعلى ج 12 ص144 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 34 و 36 و 37 والمقصد العلي للهيثمي ج3 ص 199 ومجمع الزوائد ج9 ص 200 و تاريخ مدينة دمشق ج 14 ج14 ص 127 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 1 ص 161 وترجمة الإمام الحسين من تاريخ مدينة دمشق ص 50

يشير إلى ما قلناه.

وبمراجعة الروايات ندرك أن الإمام الحسين «عليه السلام»، قد خضب بالكتم، وخضب بالحناء والكتم معاً، وروي بسند حسن أنه «عليه السلام» استشهد وهو مختضب بالوسمة (1).

وعن أبي عبد الله «عليه السلام»: «كان الحسين «عليه السلام» يخضب رأسه بالوسمة، وكان يصدع رأسه، وعندنا لفافة رأسه، التي كان يلف بها رأسه (2).

والظاهر: أن هذه الوسائل كالكتم، والوسمة هي الخضاب بالسواد، فإن الوسمة نبات يختضب بورقه، ويقال له: العظلم (3). والعظلم نبت يصبغ الشعر، ويضرب في سواده المثل. وقد قال علي «عليه السلام» عن أبناء عقيل: «كأنما سودت وجوههم بالعظلم» يقال: تعظلم الليل، إذا أظلم وأسود جداً» (4).


1) الكافي ج 6 ص 483 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 93 و 94 و (الإسلامية) ج 1 ص 407 وبحار الأنوار ج 44 ص 204 وج 45 ص 94 ومرآة العقول ج 22 ص 377 والعوالم الإمام الحسين ص 71 و 329 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 73

2) بحار الأنوار ج 73 ص 100 ومكارم الاخلاق ج 1 ص 185 و (منشورات ج73 الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 80

3) أقرب الموارد ج 2 ص 1452

4) أقرب الموارد ج 2 ص 779

أما الكتم، فهو صبغ أيضاً. وأصله إذا طبخ بالماء كان منه مداد الكتابة (1). وهذا يعني: أنه أيضاً خضاب أسود، ولعل توشيحه بالحناء، لأجل كسر حدة السواد فيه، فلا يكون سواداً نافرا، بل يريده سواداً يشبه السواد الطبيعي الذي ألفه الناس وعرفوه فيه.

الخضاب بالسواد قوة على العدو:

وقد أفصح الإمام الحسين «عليه السلام» نفسه عن أنه إنما يختضب بالسواد، لأنه قوة على العدو، فقد روي عن جابر ، عن الإمام الباقر «عليه السلام» أنه قال:

دخل قوم على الحسين بن علي «صلوات الله عليه»، فرأوه مختصباً بالسواد، فسألوه عن ذلك.

فمد يده إلى لحيته، ثم قال: أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» في غزاة غزاها أن يختضبوا بالسواد، ليقووا به على المشركين (2).

ونفس هذه الرواية رويت عن الإمام السجاد «عليه السلام»،


1) أقرب الموارد ج 2 ص 1066

2) الكافي ج 6 ص 481 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 89 و (الإسلامية) ج 1 ص 404 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 706 ومكارم الأخلاق ج1 ص 185 و (ط دار البلاغة، ومنشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 80 وبحار الأنوار ج 73 ص 100 و 101 ومرآة العقول ج 22 ص 373

فراجع (1).

وسند هذا الحديث، وإن كان ضعيفاً، ولكن ضعف السند لا يعني عدم صحة المضمون.

ولنا أن نفهم الأمور على النحو التالي:

إن نفس سؤال هؤلاء القوم للإمام «عليه السلام» عن سبب خضابه بالسواد يدل على أنه قد كانت هناك حساسية عالية تجاه هذا الأمر، حتى لكأنهم قد رأوا في خضابه أمراً نشازاً، واستثناء من المسار العام. حين اختار السواد خضاباً، مع العلم: بأن الخضاب في ذلك الزمان كان فاشياً في الناس، في الصحابة، وغيرهم، فلماذا إذن سألوا ؟ ولماذا اعترضوا ؟!

ونجيب بما يلي:

لقد كان رسول الله «صلى الله عليه وآله»، أعلم الناس بأحوال الناس، وأنفذ الناس بصيرة، وأصفاهم روحاً ونفساً، وأعقلهم عقلاً. وقد أوقفه الله تعالى على كثير من أسرار الخلق والتكوين، وكان «صلى الله عليه وآله» يستشرف المستقبل، ويخبر عنه، وعما يجري فيه من تحولات، وما يكون من أحداث ووقائع، ولاسيما ما يجري على أهل بيته الطاهرين «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين»،


1) مكارم الأخلاق ج 1 ص 185 و (ط دار البلاغة، ومنشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 80 وبحار الأنوار ج 73 ص 100 و 101

ويخبر عما كان يضمره بعض الناس من أحقاد وضغائن على علي وأهل بيته «عليهم السلام»، وأنها سوف تظهر بصورة ممارسات ومواقف، ووقائع حادة، وسعي حثيث في قتل ذريته، والإمعان في ذلك إلى حد الاستئصال والإبادة. وأنه لن ينجو أي من الأئمة المعصومين «عليهم السلام» من الأذى والاستشهاد.

وأخبر «صلى الله عليه وآله» بما يجري على الزهراء المظلومة «عليهاالسلام»، وعلي أمير المؤمنين «عليه السلام»، ثم الحسن «عليه السلام».. وأخبر أيضاً بما يجري يوم عاشوراء على الحسين «عليه السلام»، ومن معه من نجوم الأرض من بني عبد المطلب، ومع أوفى وأبر أصحاب.

وأخبر أيضا بما يجري على الأئمة التسعة من ذرية الإمام الحسين «صلوات الله عليه وعليهم».

فالكيد لأهل البيت «عليهم السلام»، وكل شيعتهم، ومن يميل إليهم، والحرب عليهم في الخفاء، وفي العلن لا تزال تشب نارها، ويتوالى استعارها، ويذكو أوارها إلى يومنا هذا.

وقد شاعت وذاعت هذه الأخبار وسواها عنه «صلى الله عليه وآله» وعن وصيه أمير المؤمنين «عليه السلام»، وهي تكشف للناس عن كثير من التفاصيل، وتضع النقاط على الحروف، وتعزو الأحداث إلى صانعيها، حتى لتكاد تلامس أسماء الأشخاص، بل هي قد صرحت بأسماء العديد منهم في كثير من الوقائع.

فالعداء لبني هاشم كان صريحاً ومعلنا من قبل قريش، بمختلف قبائلها وأفخاذها: كبيرها وصغيرها، غنيها وفقيرها، وسائر فئاتها وطبقاتها، وكل من يدور في فلكها، وينحو نحوها، ويرضى نهجها منذ وفاة الرسول «صلى الله عليه وآله»، بل من أيام حياته، ثم توالى ذلك عبر العصور والدهور.. ثم انضم إليهم في ذلك بنو العباس أيضاً.

من أجل ذلك نقول:

إذا لاحظنا مواقف الملأ من قريش، ولاسيما بني أمية، فإن مسار الأمور، وتوالي تصريحاتهم وكلماتهم كلها تشي برصدهم الدقيق الحركة الإمام الحسين «عليه السلام»، وأنهم كانوا على تخوف شديد منه، ويحاولون استباق الأمور، واقتناص الفرص لمحاصرته، وانتزاع ما أمكنهم انتزاعه منه، مما يعطيهم الأرجحية في أية مواجهة لهم معه، أو أي أمر يريدون اقتناصه منه، أو من الأمة بصورة عامة.

وإذا أضيف إلى هذا كله ما ذكرناه من إخبارات غيبية كانت تتوالى عن الرسول، وعن أمير المؤمنين بما يجري له «عليه السلام» منهم ومعهم، ثم أضيف إليه ما جرى على أمه الزهراء «عليهاالسلام»، وعلى أبيه بعد وفاة جده رسول الله «صلى الله عليه وآله».

ثم أضيف إليه الحروب الهائلة التي أودت بحياة عشرات الألوف من المسلمين، إن لم تكن قد تجاوزت العشرات أيضاً..

ثم ما جرى على الإمام الحسن «صلوات الله وسلامه عليه»، من حين استشهاد أمير المؤمنين «عليه السلام»، وإلى استشهاده نفسه

عليه السلام».

أضف إلى ذلك، ما جرى على شيعة أمير المؤمنين من تنكيل وظلم وقتل واضطهاد.. فضلاً عن السب المتواصل لسيد الوصيين على منابر الأمة الإسلامية كلها..

نعم.. إن ذلك كله يجعل الإمام الحسين «عليه السلام»، وسائر بني هاشم، ومن تبقى من شيعة أهل البيت ومحبيهم في أجواء حرب حقيقية، تكاد تنفجر في أية لحظة لتأكل الأخضر واليابس، بل هي حرب فعلية وقائمة بالفعل، وإن لم تسم باسمها الحقيقي.

فلو أن الإمام الحسين «عليه السلام» وأصحابه، قد ظهرت عليهم عوارض الفقر، والعوز، والضعف، والعدم، واختاروا العزلة، والزهد، والعزوف عن الدنيا، وخفض الجناح للمعتدين، والاستكانة لهم، وظهرت عليهم عوارض التقدم في السن، وابيضت لحاهم، واضطربت مشيتهم، وظهرت عليهم سمات الشيخوخة.

وتجلت في الفريق المعادي لأهل البيت «عليهم السلام» - على أحسن وجه وأتمه - الكثرة، والغنى بالأموال، والفتوة، والجيوش الظاهرة والمسلحة بأفضل الأسلحة، وهيبة السلطان، وشوكة الملك، فإن هؤلاء الأعداء الأقوياء حسب ظواهر الأمور، سوف يستخفُون بأولئك الضعفاء الذين يهيمن عليهم الوهن، والحاجة، والهرم، وسوف تقتحمهم عيونهم، وتتبلور لديهم شهوة استئصالهم، ولا يقيمون لهم وزنا، أو على الأقل سيتمادون في إيصال الأذى إليهم، ويطمعون

فيهم، ويستسهلون تحقيق نصر ساحق عليهم ، وماحق لهم، لكي يصفو لهم الجو، وليعيثوا في الأرض فساداً، دون حسيب أو رقيب..

وهذا هو - فيما يبدو - ما أراد الإمام الحسين «عليه السلام» أن يلمح إليه، ويسلط الضوء عليه من خلال إظهار القوة والعنفوان بالخضاب المناسب، وبأمور كثيرة، تجلت في كلماته «عليه السلام»،

وفي مواقفه وتصرفاته.

الخضاب من سمات الشيعة:

ويؤيد هذا : أن للصدوق كلاماً يدلنا على أن الخضاب بالسواد كان من سمات الشيعة، وأن مخالفيهم كانوا يشنعون عليهم في هذا الأمر، وينكرونه عليهم.

وهذا التشنيع كان يأتي - بصورة خاصة - كما تدل عليه عبارة الشيخ الصدوق «رحمه الله» من النصّاب المبغضين لأمير المؤمنين «عليه السلام»، والمناوئين له ولشيعته.

وذلك لأن الصدوق «رحمه الله»، وهو محدث يهتم بجمع أحاديث النبي «صلى الله عليه وآله»، وأهل بيته الطاهرين «عليهم السلام».. قد ذكر حديثين في الخضاب، روى أحدهما الزبير بن العوام الذي حارب أمير المؤمنين «عليه السلام» في حرب الجمل وقتل فيها..

والثاني: رواه أبو هريرة، المعروف بانحرافه عن أمير المؤمنين «عليه السلام»، وتولى المدينة من قبل معاوية. وله مواقف سيئة تجاه أمير المؤمنين، ومنها أنه جثا على ركبتيه على باب مسجد الكوفة، ثم

شهد أن عليا «عليه السلام» قد أحدث في المدينة (1).

والحديث الذي روياه: هو أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: «غيروا الشيب، ولا تتشبهوا باليهود، (والنصارى)» (2).

وعن أبي هريرة عنه «صلى الله عليه وآله»: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم» (3).


1) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 67 والغارات للثقفي ج2 ص 659 وخلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 255 والنص والإجتهاد ص514 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 295 وأضواء على السنة المحمدية لمحمود أبي رية ص 218 وشيخ المضيرة أبو هريرة لمحمود أبي رية ص 237 ونهاية الدراية للسيد حسن الصدر ص22 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 529 ونهج السعادة ج 8، ص486 والكنى والألقاب ج 1 ص 179 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص 43

2) راجع: الخصال للصدوق ص 498 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 84 و (الإسلامية) ج 1 ص 401 وبحار الأنوار ج 73 ص98 وعن النسائي ج8 ص 119

3) البخاري (ط سنة 1312 هـ) ج 4 ص 25 و (ط دار الفكر) ج 4 ص 145 و 146 وج 7 ص 57 وصحيح مسلم (ط دار الفكر ) ج 6 ص 155 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 1196 وسنن أبي داود ج 2 ص 290 وسنن النسائي ج8 1196 ج2 ص 185 والسنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 309 ومسند أحمد ج 2 ص 240 و 309 و 401 ومسند الحميدي ج 2 ص 471 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 49 والسنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 415 ومسند أبي يعلى ج10 ص366 و 399 وصحيح ابن حبان ج 12 ص 284 والمعجم الأوسط ج6 ص 325 وج 8 ص 196 وشعب الإيمان للبيهقي ج 5 ص 211 ومعرفة السنن والآثار ج 1 ص 248 ورياض الصالحين ص644 والجامع الصغير ج 1 ص 329 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج6 ص667 والدر المنثور ج 1 ص 115 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 439 و 440 وعلل الدارقطني ج 9 ص 263 و 266 وتاريخ مدينة دمشق ج13 ص 154 وتاريخ بغداد ج 12 ص 362 و ج 13 ص 306 والسيرة الحلبية ج 3 ص 33 وسبل الهدى والرشاد ج 10 ص 353 والبداية والنهاية ج 2 ص 172

والمراجعة لأحاديث أهل السنة تعطي: أنهم هم قد رووا أحاديث الخضاب في صحاحهم، ومنها مروي عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أيضا، وتصرح بأنه «صلى الله عليه وآله» نفسه كان يخضب، ورووا روايات أخرى تقول : إنه «صلى الله عليه وآله» لم يخضب.

وقد اجتهدوا، أو قسم منهم، وخرجوا بحصيلة تقول: إن الأمر بالخضاب خاص بالخضاب بالصفرة والحمرة. «وأما الصبغ بالأسود، فممنوع، لما ورد في الحديث عليه. وأول من خضب به من العرب عبد المطلب، وأما مطلقاً، ففرعون لعنه الله» (1).

وقد يشتم من الفتوى المانعة من الخضاب بالسواد: أنها جاءت لتوافق مزاج الحكام، لأن الخضاب بالسواد ثابت عند أهل البيت،


1) إرشاد الساري ج 8 ص 466 وفتح الباري ج 10 ص300 وعمدة القاري ج 22 ص 51 و 52

وشائع بينهم، فربما كان المقصود حصر الأمر فيهم، بهدف تمييزهم به عمن عداهم.

ثم صاروا يشنعون بهذا الأمر عليهم وعلى الشيعة، فقد قال الصدوق «رحمه الله»:

«إنما أوردت هذين الخبرين في الخضاب، أحدهما عن الزبير، والآخر عن أبي هريرة، لأن أهل النصب ينكرون على الشيعة استعمال الخضاب، ولا يقدرون على دفع ما يصح عنهما. وفيهما حجة لنا عليهم» (1).

الخضاب بين المد والجزر:

ونستطيع أن نلمح في المسار العام حالات مد وجزر، وسطوع وخفوت في مستوى التحدي لأهل البيت من قبل خصومهم، وذلك تبعاً لاختلاف الظروف والأحوال. في الأدوار التاريخية المتعاقبة، فحين يشعر أولئك المبغضون: أن ثمة نوعاً من الهدوء النسبي، أو ما يفهم على أنه خفوت في الصوت الداعي إلى الالتزام بأحكام الله، وبما جاء به رسوله، ويطالب بمراجعة الحسابات، ويدعو إلى العودة إلى النصوص لاستنطاقها فيما يرتبط بالحق الذي استبيح، وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.. فإن هذا الصوت بالذات هو الذي كان يقض


1) الخصال للصدوق ص 498 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 84 و (الإسلامية) ج 1 ص 401 وبحار الأنوار ج 73 ص98

مضاجع أعداء أهل البيت، وينغص عليهم عيشهم، فإن خفوت هذا الصوت يستتبع حالة من الهدوء الحذر، التي تهيمن على الواقع العام، ولا تبقى ضرورة لإظهار معالم القوة والمنعة الرادعة للعدو المتربص، والمانعة له من ارتكاب حماقة لا يمكن التكهن بعواقبها..

ولعل هذا بعض ما يرمي إليه جواب أمير المؤمنين «عليه السلام» لسائله عن قول النبي «صلى الله عليه وآله» لأصحابه: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود».

فقال «عليه السلام»: إنما قال النبي «صلى الله عليه وآله» ذلك، والدين قُلٌّ. وأما الآن وقد اتسع نطاقه، وضرب بجرانه، فامرؤ وما اختار (1).

وسائل الإعلام الحربي:

وقد ظهر من هذه الأحاديث وسواها: أن عامل الإيحاء، في مظاهر سلوكية عامة، يلمسها العدو بصورة عفوية يترك آثاره على روحيات ذلك العدو، فلا ينبغي الاستهانة بأي مظهر من مظاهر القوة، فإن تراكم المؤثرات لا بد أن ينتج ما يتناسب مع تلك


1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 4 ص 5 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 87 و (الإسلامية) ج 1 ص 403 وبحار الأنوار ج 73 ص 104 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 5 ص 247 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 18 ص 122 والتذكرة الحمدونية ج 6 ص 27 و 28 وهداية الأمة للحر العاملي ج 1 ص 147

التراكمات..

من فوائد الخضاب

تقدم: أن الحسين «عليه السلام» ذكر أن النبي أمر أصحابه في غزاة بالخضاب بالسواد ليقووا على المشركين.

ولا تنحصر فوائد الخضاب في هذا الأمر، بل له آثار وفوائد وعوائد أخرى كثيرة ومتنوعة. وقد أشارت الروايات إلى قسم وافر منها، فلاحظ الروايات التالية:

ورد أن للخضاب بالحناء فوائد، فعن النبي «صلى الله عليه وآله»: أنه خضاب الإسلام، ويزيد في المؤمن عمله، ويذهب بالصداع، ويحد البصر، ويزيد في الوقاع إلخ.. (1).

عن أبي الحسن «عليه السلام» قال: في الخضاب ثلاث خصال: مهيبة في الحرب، ومحبة للنساء، ويزيد في الباه (2).


1) بحار الأنوار ج 59 ص 299 وطب النبي «صلى الله عليه وآله» لأبي العباس المستغفري ص 7 و (ط 1 انتشارات رضي سنة 1362هـ ش) ص 30 ومستدرك الوسائل ج 1 ص 393 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 444

2) الكافي ج 6 ص 481 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 82 و (الإسلامية) ج 1 ص 400 وبحار الأنوار ج 73 ص 102 ومرآة العقول ج 22 ص 374 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 188 (ط دار البلاغة، ومنشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 81 وهداية الأمة للحر العاملي ج 1 ص 145

وفي حديث آخر عن النبي «صلى الله عليه وآله»، وإن كان ضعيف السند: «أن فيه أربع عشرة خصلة : يطرد الريح من الأذنين، ويجلو الغشا عن البصر، ويلين الخياشيم. ويطيب النكهة، ويشد اللثة، ويذهب بالغثيان، ويقل وسوسة الشيطان، وتفرح به الملائكة، ويستبشر به المؤمن، ويغيظ به الكافر، وهو زينة، وهو طيب، وبراءة في قبره، ويستحيي منه منكر ونكير (1).

وفي حديث آخر أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال عن الخضاب بالسواد أنه «نور، وإسلام، وإيمان، ومحبة إلى نسائكم، ورهبة في قلوب عدوكم (2).


1) الكافي ج 6 ص 482 وراجع ثواب الأعمال ص 38 والخصال ص 497 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 85 و (الإسلامية) ج 1 ص 402 و 403 ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص 70 وج 4 ص 267 و ط2 جماعة 1 المدرسين) ج 1 ص 123 وج 4 ص 369 وبحار الأنوار ج 73 ص 97 و 99 وج 74 ص 58 ومرآة العقول ج 22 ص 375 ومكارم الأخلاق ج1 ص 182 و (ط دار البلاغة، ومنشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 78 وروضة الواعظين ص 474 وغوالي اللآلي ج 4 ص 15 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 74 وأعلام الدين للديلمي ص363 والمحجة البيضاء ج 1 ص 314

2) الكافي ج 1 ص 480 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 87 و (الإسلامية) ج 1 ص 403 وبحار الأنوار ج 73 ص 100 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 184) و (ط دار البلاغة، ومنشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 79 ومرآة العقول ج 22 ص 373 وهداية الأمة للحر العاملي ج 1 ص 146

وروي بسند موثق عن أبي الحسن الرضا «عليه السلام» قال: والخضاب والتهيئة مما يزيد الله عز وجلّ في عفة النساء. ولقد ترك النساء. العفة بترك أزواجهن لهن التهيئة (1).

وفي بعض الروايات عن الإمام الصادق «عليه السلام»: الخضاب بالسواد أنس للنساء، ومهابة للعدو (2).


1) الكافي ج 6 ص 480 و ج 5 ص 567 ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص 69 و ط جماعة المدرسين ج 1 ص 122 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج2 ص 89 وج 20 ص 246 و (الإسلامية) ج 1 ص 404 وج 14 ص 183 ومرآة العقول ج 20 ص 424 و 425 و ج 22 ص 372 و 373 وبحار الأنوار ج 73 ص 100 و 102 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 184 و 185 و (ط دار البلاغة، ومنشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 79 وروضة المتقين ج 8 ص 89 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 370 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 74 وهداية الأمة للحر العاملي ج7 ص 115 والمحجة البيضاء ج 1 ص313

2) الكافي ج 6 ص 483 ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص70 و (ط2 جماعة المدرسين) ج 1 ص 122 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 89 و الإسلامية ج 1 ص 404 وبحار الأنوار ج 73 ص 100 ومكارم الاخلاق ج 1 ص 185 و (ط دار البلاغة، ومنشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 80 وهداية الأمة للحر العاملي ج 1 ص 147 وغوالي اللآلي ج 4 ص 14 ومرآة العقول ج 22 ص 377 والبرهان (تفسير) ج2 ص 706 والمحجة البيضاء ج 1 ص 313

وفي نص آخر، عن سليمان بن جعفر، عن أبي الحسن موسى «عليه السلام»: الخضاب بالسواد: زينة للنساء، ومكبتة للعدو (1).

وعن الإمام الصادق «عليه السلام» في قوله عز وجل: (وَأعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (2). قال: منه الخضاب بالسواد (3).

وروي بسند حسن عن الصادق «عليه السلام»: أن الخضاب بالحناء يزيد في ماء الوجه (4).


1) ثواب الأعمال ص 39 و (منشورات الشريف الرضي) ص21 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 90 و (الإسلامية) ج 1 ص 405

2) الآية 60 من سورة الأنفال

3) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 70 و (ط 2 جماعة المدرسين) ج1 ص123 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 89 و (الإسلامية) ج 1 ص 404 ومستدرك الوسائل ج 1 ص 392 وغوالي اللآلي ج4 ص14 وبحار الأنوار ج 61 ص 158 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 706 وتفسير نور الثقلين ج 2 ص 164 وتفسير كنز الدقائق ج 5 ص 364 والمحجة البيضاء ج 1 ص 313

4) راجع : الكافي ج 6 ص 483 و 484 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج2 ص 94 و (الإسلامية) ج 1 ص 407 ومرآة العقول ج 22 ص377 وبحار الأنوار ج 73 ص 101 ومكارم الاخلاق ج 1 ص 187 و (ط دار البلاغة، ومنشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 80

وعن الإمام السجاد «عليه السلام»: أنه يجلو البصر، وينبت الشعر، ويطيب الريح، ويسكن الزوجة (1).

وعنه «عليه السلام»: الحناء يذهب بالسهك، ويزيد في ماء الوجه، ويطيب النكهة، ويحسن الولد (2).

والسّهك: ريح كريهة ممن عرق.

وحين سئل الإمام السجاد، والإمام الحسين «عليهما السلام» عن سبب خضابه بالسواد: ذكر أن النبي «صلى الله عليه وآله» أمر أصحابه في إحدى الغزوات أن يختضبوا بالسواد ليقووا به على


1) الكافي ج 6 ص 483 ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص 68 و (ط 2 جماعة المدرسين) ج 1 ص 121 ووسائل الشيعة ج 2 ص 95 وبحار الأنوار ج73 ص 99 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 171 و (ط دار البلاغة، ومنشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 78 وهداية الأمة للحر العاملي ج 1 ص 148 وروضة الواعظين ص 307 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 95 و (الإسلامية) ج 1 ص 408 ومرآة العقول ج 22 ص378 ومعالم الدين وملاذ المجتهدين ج 2 ص 927 و المحجة البيضاء ج 1 ص328

2) الكافي ج 6 ص 484 وثواب الأعمال ص 21 ومن لا يحضره الفقيه ج1 ص 68 و (ط الثانية - جماعة المدرسين) ج 1 ص 121 وتهذيب الأحكام ج 1 ص 376 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 74 و 95) و (الإسلامية) ج 1 ص 394 و 408 وبحار الأنوار ج 73 ص 89 و 99 ومرآة العقول ج 22 ص 378 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 443 ومكارم الأخلاق ص 181 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص78

العدو (1).

علي «عليه السلام» لم يخضب لحيته:

روي بسند صحيح عن الصادق «عليه السلام» قال: خضب النبي، ولم يمنع علياً أن يخضب إلا قول رسول الله «صلى الله عليه وآله»: تخضب هذه من هذه.

وقد خضب الحسين، وأبو جعفر «عليهما السلام» «عليهما السلام» (2).

وبمعناه غيره من دون ذكر الفقرة الأخيرة المرتبطة بخضاب الإمامين الحسين والباقر «عليهما السلام» «عليهما السلام» (3).


1) الكافي ج 6 ص 481 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 89 و (الإسلامية) ج 1 ص 404 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 706 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 185 و (ط دار البلاغة، ومنشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 80 وبحار الأنوار ج 73 ص 100 و 101 ومرآة العقول ج 22 ص 373

2) الكافي ج 6 ص 81 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 82 و (الإسلامية) ج 1 ص 399 وحلية الأبرار ج 1 ص 357 والحدائق الناضرة ج ص 552 وروضة المتقين ج 1 ص 305

3) راجع: الكافي ص 6 ص 481 وروضة المتقين ج 1 ص 305 والحدائق الناضرة ج 5 ص 552 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 88 و (الإسلامية) ج 1 ص 403 و 404 ومرآة العقول ج 22 ص 374 وبحار الأنوار ج 41 ص 165 وج 73 ص 103 و 104 وهداية الأمة ج 1 ص 145 و 146 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 193 و (ط دار البلاغة، ومنشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 84 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 74 وج 7 ص 326 ومعالم الدين وملاذ المجتهدين ج 2 ص 926 والمحجة البيضاء ج 1 ص 314

وعن الأصبغ بن نباتة : أنه سأل عليا «عليه السلام» عما منعه من الخضاب، وقد اختضب رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!

«قال: أنتظر أشقاها أن يخضب لحيتي من دم رأسي، بعهد معهود، أخبرني به حبيبي رسول الله «صلى الله عليه وآله» (1).

ونقول:

1 - إن سؤال الأصبغ بن نباتة أمير المؤمنين «عليه السلام» عن سبب عدم خضابه، يدل على أن الناس كانوا يرون مدى التزام علي «عليه السلام» بسنن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقد أدركوا : أن عدم عمله بهذه السنة ولو مرة واحدة يحمل معه سراً، ويدعوهم للسعى لكشفه.

2 - إن التزام أمير المؤمنين «عليه السلام» بعدم الخضاب يجعل الناس في حالة انتظار وتوقع لهذا الحدث الخطير الذي أخبر عنه الرسول «صلى الله عليه وآله»، والذي هو من أعلام النبوة، وهو


1) علل الشرايع ج 1 ص 173 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 84 و (الإسلامية) ج 1 ص 401 وحلية الأبرار ج 1 ص 357 وبحار الأنوار ج 41 ص 164

يرسخ إيمان الناس بنبوته، ويقينهم بصدقه «صلى الله عليه وآله»..

3 - إنه يؤكد من جهة أخرى: على موقع أمير المؤمنين من هذا الدين، ويكذب كل الأباطيل والترهات التي يحاول أعداؤه «عليه السلام» أن يكيدوه بها.

4 - إنه يؤكد مظلوميته «عليه السلام»، ويمكن الناس من التمييز بين المحق والمبطل، والصادق والمفتري، والظالم من المظلوم. فهو إخبار يهدف إلى هداية الناس، وحفظ إيمانهم، وتحصينهم من الشبهات والأباطيل.

النبي «صلى الله عليه وآله» خضب مرة واحدة:

هناك روايات تنفي أن يكون «صلى الله عليه وآله» قد خضب، لأن الشيب لم يبلغ إلا قليلاً (1).

وظاهر كلمات الأئمة«عليهم السلام» أن النبي «صلى الله عليه


1) صحيح البخاري (ط سنة 1312هـ) ج 4 ص 25 و (ط دار الفكر سنة 1401هـ) ج 7 ص 56 و 57 ونيل الأوطار ج 1 ص 145 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 7 ص 85 وشرح صحيح مسلم للنووي ج 15 ص 94 و 95 وفتح الباري ج 10 ص 297 وعمدة القاري ج 16 ص 107 وج 22 ص 48 وسبل الهدى والرشاد ج 7 ص 342 و 344 والسنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 309 وكشف المشكل لابن الجوزي ج 3 ص 221 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 423 والبداية والنهاية ج 6 ص 24 ودلائل النبوة ج 1 ص 230

وآله كان يختضب. فقد روي عن الإمام الباقر «عليه السلام» أنه :قال كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يختضب، وهذا شعره عندنا (1).

وروي ذلك في مصادر غير الشيعة أيضاً، فإن أم سلمة «رحمها الله» أخرجت لعثمان بن عبد الله بن موهب شعراً من شعر النبي «صلى الله عليه وآله» مخضوباً بالحناء والكتم (2).


1) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 69 و (ط 2 جماعة المدرسين) ج1 ص 122 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 83 و (الإسلامية) ج 1 ص 400 وبحار الأنوار ج 73 ص 103 ومكارم الأخلاق ج1 ص193 و (ط دارالبلاغة، ومنشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص84 وحلية الأبرار ج 1 ص 358 وسنن النبي للطباطبائي ص93 والمحجة البيضاء ج 1 ص 313

2) صحيح البخاري (ط سنة 1312هـ) ج 4 ص 25 و (ط دار الفكر سنة 1401هـ) ج7 ص57 وسنن ابن ماجة ج2 ص1196 و 1197 ومسند 1197 أحمد ج 6 ص 296 و 319 و 322 والتمهيد لابن عبد البر ج21 ص81 والمغني لابن قدامة ج 1 ص 75 و 76 وفتح الباري ج 10 ص 299 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 50 وشعب الإيمان ج 5 ص 213 والاستذكار لابن عبد البر ج 8 ص 438 والشرح الكبير لابن قدامة ج1 ص 108 وكشف المشكل لابن الجوزي ج 3 ص 222 وأنساب الأشراف ج 1 ص 395 وتاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 618 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 428 والكامل في التاريخ ج 2 ص 306 وإمتاع الأسماع ج 7 ص 65 و 68 ونهاية الأرب ج 18 ص 244

وزعم ابن عمر: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يصفر لحيته (1).

وعن علي عليه السلام الخضاب هدي محمد، وهو السنة (2).


1) سنن ابن ماجة ج 2 ص 1198 ونيل الأوطار ج 1 ص 146 ومسند أحمد ج 2 ص 17 و 114 وسنن النسائي ج 8 ص 140 و 186 والمحلى لابن حزم ج4 ص 77 والسنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 310 والتمهيد لابن عبد البر ج 21 ص 80 وعون المعبود ج 5 ص 132 وج 11 ص 176 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 55 والسنن الكبرى للنسائي جه ص 417 و 418 ومسند أبي يعلى ج 10 ص 15 والمعجم الأوسط ج 2 ص310 ومسند أبي حنيفة ص 180 وشعب الإيمان ج 5 ص 213 والاستذكار لابن عبد البرج 4 ص 54 وج 8 ص 438 وكشف المشكل لابن الجوزي ج 2 ص 510 و ج 3 ص 224 والطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ج2 ص 438 وج 4 ص 179 وتاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 168 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 208 وأنساب الأشراف ج 1 ص 395 وأخبار مكة للأزرقي ج 1 ص 331 وإمتاع الأسماع ج 7 ص 67 وسبل الهدى والرشاد ج 7 ص 343 ونهاية الأرب ج 18 ص 245

2) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 69 و (ط 2 جماعة المدرسين) ج 1 ص122 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 83 و (الإسلامية) ج 1 ص 400 ومكارم الاخلاق ج 1 ص 181 و (ط دار البلاغة، ومنشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 78 وبحار الأنوار ج 73 ص 99 وهداية الأمة ج 1 ص 145 والمحجة البيضاء ج 1 ص 328

فقول الإمام علي «عليه السلام»: الخضاب هدي محمد يدل على أنه «صلى الله عليه وآله» كان يداوم على استعمال الخضاب، أو يكثر من استعماله. إلا أن يكون المراد: أنه «صلى الله عليه وآله» قد شرعه للعباد بأمر من الله تعالى، وهذا هو الهدي.

وروي بسند حسن عن الصادق «عليه السلام» أنه قال: «قد خضب النبي «صلى الله عليه وآله»، والحسين بن علي، وأبو جعفر «عليهما السلام» بالكتم» (1).

ولكننا نجد رواية أخرى تصرح: بأنه «صلى الله عليه وآله» لم يكن يختضب، فعن سليمان بن هارون العجلي، قال: سألت أبا عبد الله «عليه السلام»: أخضب رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!

قال: لا، ولا علي، ولكن خضب أبي وجدي، فإن خضبت فحسن، وإن تركت فحسن (2).

والظاهر: أن المراد بهذا الحديث هو المداومة على الخضاب.

ولا ينافي هذا أن يكون «صلى الله عليه وآله» قد خضب مرة


1) الكافي ج 6 ص 381 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج2 ص92 و (الإسلامية) ج 1 ص 406 وحلية الأبرار ج 1 ص 357 ومرآة العقول ج 22 ص 374 ومنتقى الجمان ج 1 ص 122 وهناك مصادر أخرى ذكرناها في موضع آخر من هذا البحث

2) بحار الأنوار ج 73 ص 103 ومكارم الأخلاق ج1 ص193 و (ط دار البلاغة، ومنشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص84

واحدة لضرورة التشريع، فقد روى في كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم العلة في خضاب النبي «صلى الله عليه وآله» مرة واحدة، لكي يقتدوا به، ثم لم يختضب بعد ذلك.

والعلة في ترك أمير المؤمنين «عليه السلام» الخضاب: لقول رسول الله «صلى الله عليه وآله»: تخضب يا علي هذه - يعني لحيته من هذه - يعني رأسه - فأحب أن يخضبها بالدم (1).

وقد يكون سبب عدم استعمال النبى «صلى الله عليه وآله» للخضاب: أنه «صلى الله عليه وآله» لم يكن بحاجة إليه، لأن الشيب لم يكن قد ظهر بكثرة في لحيته الشريفة (2). بل روى أحمد: لقد قبض الله عز وجل رسوله وما فضحه بالشيب (3).


1) بحار الأنوار ج 73 ص 105 عن العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم

2) راجع : سنن ابن ماجة ج 2 ص 1198 و 1199 و تاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 428 ومسند أحمد ج 3 ص 108 و 206 وصحيح مسلم ج 7 ص 84 وشرح صحيح مسلم للنووي ج 15 ص 94 وعمدة القاري ج 22 ص 48 ومسند أبي يعلى ج 5 ص 213 والمعجم الأوسط ج 8 ص 115 ونظم درر السمطين ص 57 وتاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 161 وتاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 624 والجامع الصغير ج 2 ص 305 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 7 ص 37 وفيض القدير ج 5 ص 96 وكشف المشكل لابن الجوزي ج 3 ص 221 ومنتخب مسند عبد بن حميد ص414 والمعجم الكبير ج 2 ص 223

3) مسند أحمد ج 3 ص 145

وفي رواية أخرى: ما شانه الله بالشيب (1).

وإن كان التعبير بكلمة «فضحه» أو «شانه» لا ينسجم مع ما يفترض من التزام حدود الأدب مع الرسول «صلى الله عليه وآله»، فإن ظهور الشيب لا يوجب بشاعة في مظهر الرسول «صلى الله عليه وآله»، فضلاً عن أن يظهر فيه عيباً كان مستوراً لولا الشيب.

فإن قيل: روي أنه «صلى الله عليه وآله» قال: شيبتني سورة هود (2).


1) مسند أحمد ج 3 ص 254 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 431 ونهاية الأرب ج 18 ص 243 والمستدرك للحاكم ج 2 ص 608 والبداية والنهاية ج 6 ص 24 وكفاية الطالب ج 1 ص 73

2) راجع: الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 76 والمستدرك للحاكم ج 2 ص 343 وشرح صحيح مسلم ج 2 ص 9 ومجمع الزوائد ج 7 ص 37 و 118 و 133 والمصنف للصنعاني ج 3 ص 368 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 201 والشمائل المحمدية ص 36 و 37 ومسند أبي يعلى ج1 ص 102 و ج 2 ص 184 والمعجم الأوسط ج 8 ص160 والمعجم الكبير ج 6 ص 148 وج 17 ص 287 و ج 22 ص 123 وشعب الإيمان ج1 ص 482 وج 2 ص 472 ودلائل النبوة ج 4 ص 1248 والجامع الصغير ج 2 ص 82 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 1 ص 573 وج 2 ص313 والفتح السماوي ج 2 ص721 وهداية الأمة ج 3 ص68 والمفردات في غريب القرآن ص 298 ومفردات ألفاظ القرآن ص510 وتفسير الثعلبي ج 5 ص 192 و علل الدارقطني ج 1 ص 209 وتاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 164 والأمالي للصدوق ص 304 والخصال ج 1 ص 199 وروضة الواعظين ص 476 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 6 ص 172 و (الإسلامية) ج 4 ص 829 ومستدرك الوسائل ج 4 ص 242 وغوالي اللآلي ج 1 ص 188 وبحار الأنوار ج 16 ص 192 و ج 17 ص 52 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 107 وج 8 ص 626 وتفسير كنز الدقائق ج 6 ص 119 و (ط وزارة الثقافة والارشاد الإسلامي سنة 1411هة) ج 6 ص 250 ومجمع البيان ج 3 ص 140

فيجاب: بأن من الجائز أنه «صلى الله عليه وآله» قد قصد أن ظهور الشيب ولو في هذه الشعيرات اليسيرة لم يكن ليظهر لولا سورة هود..

ولا حاجة لأن يقال: إن الذي يشيب من الخوف بحسب العادة هو شعر الرأس، فلعل الشيب كان قد ظهر في رأسه في غير أوانه بسبب سورة هود ولم يكن يرى ضرورة لخضابه، لاسيما وأنه لم يكن بحاجة إلى كشفه للناس.

الفصل الثاني:

نقش الخواتيم: سياسة معتمدة ..

نقش خاتم الحسين «عليه السلام»:

روي بسند حسن أو موثق، عن يونس بن ظبيان، وحفص بن غياث، جميعاً، عن أبي عبد الله «عليه السلام» أنه قال: في خاتم الحسن والحسين «عليهما السلام»: «حسبي الله» (1).

وذكر في نص آخر: أن نقش خاتم أبي الحسن موسى «عليه السلام» (وكان الرضا «عليه السلام» يتختم به) «حسبي الله»، وفيه وردة وهلال في أعلاه (2).

وعن علي بن سالم عن الصادق «عليه السلام»، عن أبيه الباقر


1) الكافي ج 6 ص 473 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 98 و (الإسلامية) ج 3 ص 408 وروضة المتقين ج 7 ص 647 و 648 وخاتمة المستدرك ج 4 ص 263 ج 9 ص 238 ومرآة العقول ج 22 ص 362

2) راجع: الكافي ج 6 ص 473 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 204 و 208 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 90 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 4 ص 443 و ج 5 ص 100 و (الإسلامية) ج3 ص 322 و 410 وبحار الأنوار ج 48 ص 10 و ج 80 ص 246 ومرآة العقول ج22 ص 362 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 363

«عليه السلام» كان للحسين بن علي «عليه السلام» خاتمان؛ نقش أحدهما: «لا إله إلا الله عدة للقاء الله».

ونقش الآخر: «إن الله بالغ أمره» وكان نقش خاتم علي بن الحسين «عليه السلام»: «خزي وشقي قاتل الحسين بن علي» (1).

وعن الرضا «عليه السلام»: كان نقش خاتم الحسين «عليه السلام»: «إن الله بالغ أمره» (2).

ويلاحظ أن هذه العبارة بالذات هي نقش خاتم السجاد، وأبي


1) راجع: الأمالي للصدوق ص 193 وبحار الأنوار ج 43 ص 247 العوالم، الإمام الحسين ص 30 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 21

2) الكافي ج 6 ص 474 وبحار الأنوار ج 46 ص 6 - 7 و 221 وج 43 ص 242 و 258 و ج 11 ص 62 و 63 وعيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 2 ص 55 و 56 و (ط الأعلمي سنة 1404هـ) ج 2 ص 59 - 61 والأمالي للصدوق ص 409 و 410 و (ط مؤسسة البعثة سنة 1417هـ) ص 543 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 206 و (ط دار البلاغة، ومنشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 90 و 91 ووسائل الشيعة (آل البيت) جه ص 100 و 102 و الإسلامية ج 3 ص 410 و 411 - 412 وهداية الأمة ج 2 ص 142 وروضة المتقين ج 7 ص 648 و 649 وحلية الأبرار ج 1 ص 419 ومرآة العقول ج 22 ص 363 والعوالم، الإمام الحسين ص 31 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 21 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 365 و 368

جعفر «عليهما السلام» أيضا (1).

وسيأتي: أن محمد بن مسلم رأى خاتم الإمام الحسين «عليه السلام» في يد الإمام الصادق «عليه السلام»، ونقشه: «لا إله إلا الله، عدة للقاء الله» (2).

وعن الإمام العسكري «عليه السلام» أنه كان للإمام الحسين «عليه السلام» خاتم نقش عليه: «لا إله إلا الله الملك الحق المبين» (3).

وفي نص آخر أن نقش خاتم الإمام الحسين «عليه السلام» هو:


1) الكافي ج 6 ص 474 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 206 و (ط دار البلاغة، ومنشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص91 وبحار الأنوار ج 11 ص 63 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 217 و 218 و (ط الأعلمي) ج2 ص 61 والأمالي للصدوق ص 273 و 274 و (ط مؤسسة البعثة) ص 543 وروضة المتقين ج 7 ص 649 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج5 ص 100 و 102 و (الإسلامية) ج 3 ص 410 و 412 وحلية الأبرار ج1 ص 419 وج 46 ص 7 و 221 ومرآة العقول ج 22 ص 363 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 365 و 368

2) الأمالي للصدوق (ط مؤسسة البعثة) ص 207 و (ط أخرى) ص 116 و 128 وبحار الأنوار ج 43 ص 247 و 248 وج 46 ص 17 والعوالم، الإمام الحسين ص 30 و 31 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 21

3) راجع: الغيبة للطوسي ص 297 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 307

«لكل أجل كتاب» (1).

وعن الصادق «عليه السلام»: كان في خاتم الحسن والحسين «الحمد لله» (2).

ونقول:

هنا أمور ينبغي التعرض لها، وهي التالية:

الحديث الأخير موضع ريب:

لقد نقل العلامة المجلسي في بحار الأنوار هذا الحديث ورمز له بـ «كا» الذي هو رمز لكتاب الكافي الشريف، وقد راجعنا كتاب الكافي، فلم نجد هذا الحديث فيه بل وجدنا حديثاً آخر بنفس هذا السند، ولكنه ذكر أن نقش خاتم الحسن والحسين «عليهما السلام» هو «حسبي الله». لكن فيه أيضاً أن نقش خاتم علي بن الحسين هو: «الحمد الله العلي العظيم».

ونقول:


1) نور الأبصار ص 126 و (ط أخرى) ص 253 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 157 و (ط دار الحديث سنة 1422هـ) ج 2 ص 756 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 35 وعن الأمالي للطوسي ص 113 ح7

2) بحار الأنوار ج 43 ص 258 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 21 والعوالم، الإمام الحسين ص31

إن اتفاق سند رواية مع سند رواية أخرى ليس معناه اتحادهما في المضمون أيضاً. ومن المعلوم: أن العلامة المجلسي «رحمه الله» من كبار العلماء الأتقياء، الذين حفظوا تراث أهل البيت «عليهم السلام»، ولكنه ليس معصوماً عن الخطأ والسهو. فلا ريب في وجود خطأ في هذا المورد، وحيث إن الخطأ في نقل متن الحديث غير معقول للتفاوت الفاحش بين النصين، لأنه سيكون خطأ فاحشاً يشي بتعمد الجعل، أو التحريف المقصود.

ولا يمكن أن يصدر هذا عن مثل هذا الرجل التقي والجليل. ولاسيما إذا كان يريد نسبة ذلك إلى كتاب هو من أشهر الكتب وأكثرها تداولاً، وأي شيء ينسب إليه، فإن حاله سوف يكتشف بسرعة.

كما أنه لا مبرر للجعل والتحريف.. فإنه لا يؤيد ولا يفند شيئاً ذا بال، ولا ينفع ولا يضر.

فلا محيص عن القول: بأنه «رحمه الله» قد قطع الحديث المذكور في الكافي ووزعه على موارده ووقع في خطأ غير مقصود، فبدل أن يكتب «حسبي الله» كتب «الحمد لله».

وإما القول بأنه قد حصل اشتباه في وضع رمز الحديث. بمعنى أنه يكون قد أخذ هذا الحديث من مصدر آخر، فبدل أن يضع رمز ذلك المصدر، أو يذكر اسم الكتاب الذي أخذ منه، وضع رمزاً لكتاب آخر.. هو الأكثر حضوراً في ذهنه، والأقرب إلى قلبه.

أما هذا القول، فلا يعدو كونه احتمالاً بعيداً، لا شاهد .له

هدية الزهراء «عليهاالسلام»:

عن أبي جعفر السمان، عن أبي محمد العسكري «عليه السلام»، عن آبائه «عليهم السلام»: كان لفاطمة «عليها السلام» خاتم فصه عقيق، فلما حضرتها الوفاة دفعته إلى الحسن «عليه السلام»، فلما حضرته الوفاة دفعه إلى الحسين «عليه السلام».

قال الحسين «عليه السلام»: فاشتهيت أن أنقش عليه شيئاً، فرأيت في النوم المسيح عيسى بن مريم «على نبينا وآله وعليه السلام»، فقلت له: يا روح الله ما أنقش على خاتمي هذا ؟!

قال: أنقش عليه: «لا إله إلا الله الملك الحق المبين»، فإنه أول التوراة وآخر الإنجيل (1).

نقوش خواتيم الإمام الحسين «عليه السلام» :

ويظهر مما تقدم وما سيأتي: أن خواتيم الإمام الحسين «عليه السلام» كانت عديدة، ولها نقوش مختلفة، مثل:

1 - «حسبي الله».

2- «إن الله بالغ أمره».

3 - «لا إله إلا الله، عدة للقاء الله».


1) الغيبة للطوسي ص 297 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 307

4 - «لا إله إلا الله الملك الحق المبين».

5 - «الحمد الله».

6 - «لكل أجل كتاب».

7 - علمت فاعمل.

8 - عقلت فاعمل.

ونلاحظ ما يلي:

أولاً : أن تعدد واختلاف هذه المضامين لم يأت من فراغ، ولم يكن بلا هدف. بل هو تعبير عن واقع راهن، وظروف ذات طابع خاص تمس الحاجة للتعبير عنه، وتعريف الناس به.

ثانياً : إن الظروف التي عاشها، أو تعايش معها الإمام الحسين «عليه السلام» منذ ولد، وإلى أن استشهد كانت متعددة الوجوه، كثيرة التقلب، ويحتاج كل وجه منها إلى التركيز على المعاني التي تناسبه، وتكون هي من أدوات التعامل معه، أو لا بد من توظيفها فيه على النحو الأمثل والأفضل.

ثالثاً: إنه ليس بين أيدينا ما يدلنا على الحدود الزمانية لكل مرحلة هيمن عليها منطق بعينه، أو حالة ذات خصوصية تميزها عن غيرها.

بل قد نجد الأمور والخصوصيات والحالات تتداخل، ويختلط بعضها ببعض، مع تفاوتات غير ظاهرة في درجات التأثير والتأثر بها.

فمن أجل هذه الأمور وسواها مجتمعة أو منفردة، كان لا بد من التعاطي مع نفس المضامين المختارة لتكون نقشاً على فص خاتم من خواتيم الإمام «عليه السلام»، ليستفاد منها بعض ما ألمحت إليه، ودلت عليه، فنقول:

الشعار في خدمة الهدف:

قلنا: إن ما كان ينقشه الأئمة «عليهم السلام» على الخواتيم، ليس أمراً عابراً ولا عفوياً، وليس أيضاً للترف الفكري الخاوي، ولا يراد به إثارة حالة من الزهو العابر.

بل هو شعار متعمد، يراد به تسجيل موقف، أو نصرة قضية، أو التذكير بأمر مصيري وحساس، أو تلقين معنى بعينه، أو بلورة وإعادة الفاعلية والتأثير لمفهوم حساس، تكون الأمة بأمس الحاجة إليه بعد أن أصبح مهجوراً، ولم يعد مذكوراً.

وإذا كان لا بد من التطبيق العملي لما نقول، فينبغي إعطاء نبذة عن بعض ما ألمحت إليه تلك العبائر المختارة، أو يمكن أن قد تكون ألمحت إليه.. وذلك ضمن ما يلي من مطالب.

خاتم الإمامة:

سيأتي في أول فصل: على هامش نقش الخواتيم: أن نقش الخاتم الذي كان الإمام السابق يضعه في إصبع اللاحق حين حضور أجله قد تضمن فقرتين:

إحداهما: كلمة التوحيد.

والأخرى: توضح لنا ما يتوخاه ( عليه السلام من هذه الكلمة.

فجاء النص المنقوش كما يلي:

«لا إله إلا الله عدة للقاء الله».

وقد رأى محمد بن مسلم هذا الخاتم في يد الإمام الصادق «عليه السلام»، وقرأ هذا النقش عليه.. وأخبره الإمام «عليه السلام» أن الإمام السابق كان يضعه في يد اللاحق، كما قلنا.

وحصول ذلك حين حضور الأجل يذكرنا بأمور كثيرة تدخل في هذا السياق، فلاحظ على سبيل المثال النص الذي يقول: يعرف الإمام الذي بعده علم من كان قبله في آخر دقيقة تبقى من روحه (1).

ولهذا البحث مجال آخر .. وما نريد أن نقوله هنا: إن لهذا النقش دلالاته، وإشاراته الخفية والظاهرة، ويمكن أن نشير إلى بعضها فيما يلي:

التوحيد الخالص:

إن كلمة «لا إله إلا الله» هي كلمة التوحيد الخالص، وهذا التوحيد


1) بصائر الدرجات ص 141 و (ط الأعلمي سنة 1404هـ) ص 497 و 498 والكافي ج 1 ص 274 و 275 وبحار الأنوار ج 27 ص294 ومدينة المعاجز ج 5 ص 46 وينابيع المعاجز ص 139 ومرآة العقول ج3 ص 175 و 176

هو الذي يحل المشكلات، وتعالج به المعضلات، وتكون به النجاة والفوز العظيم في الدنيا والآخرة.

وإخلاص الإعتقاد بهذه الكلمة يسهّل العسير، ويأتي بالخير الكثير، وينجي من عذاب السعير، لأن المشكلة الحقيقية التي تواجه الناس باستثناء الخلص منهم، هي أنه لا يوحِّد الله تعالى توحيداً حقيقياً، وخالصاً .. وإن اعترف لسانياً بوجوده وبوحدانيته تعالى. ولكنه يكون في مقام العمل على الأقل بعيداً كل البعد عنه، وعن التعامل معه سبحانه في مختلف المجالات.

فهو لا يرضى لنفسه ما يرضاه الله تعالى له، ولا يطلب رزقه، ولا حاجاته منه، بل يسعى إلى الحصول على الرزق من غير حله، ويطلب شفاء مريضه من الطبيب، ويطلب العزة والجاه والرفعة، والنصر، والأمان، والشوكة والقوة، والمعونة، والصحة، وكل شيء يحتاج إليه، أو يرغب في الحصول عليه من الخلق الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً، ولا ضراً، ولا موتاً، ولا حياة، ولا نشوراً.

وإذا لم يحصل على ما يريد، فإنه يسوّغ لنفسه أن يتهم الله سبحانه في عدله، وفي حكمته ورحمته، وسائر صفاته

ومع أن نعم الله تعالى عليه لا تحصى، فإنه لا يشعر بها، وإذا شعر بها فإنه يتجاهلها، ولا يعترف الله تعالى بالفضل، بل يسعى لإنكار ذلك، أو إلى إثارة الشبهة حوله على أقل تقدير، بل هو ينسبه إلى نفسه، ولا ينسبه إلى ربه، تماماً كما فعل قارون، الذي قال: (إِنَّمَا

أوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) (1).

نعود لنقول:

إن أكثر الناس لا يشكرون. بل أكثرهم ظالمون معتدون، لأنهم يسعون للاستئثار بالمال، والجاه والسلطة، ويجمعون كل ما يقدرون عليه من حطام الدنيا، وكل همهم هو إشباع رغباتهم، وغرائزهم وشهواتهم، وتلبية حاجاتهم. ولو كان ذلك بقيمة استعباد الناس، والاحتيال عليهم، وإذلالهم، واستلاب حرياتهم، والعدوان على كراماتهم.

ويحاربون كل من يرون أنه يعيقهم عن مواصلة نهجهم هذا، ويصدهم عن العدوان، فهم يحاربون الحق وأهله، وينصرون الباطل وأهله، ويعادون الأخيار ،والأبرار، والعلماء، والأنبياء والأوصياء، ويضيعون دماء الشهداء، ويحرفون كلام الله عن مواضعه، ويشيعون الأباطيل والأضاليل.

ولأنهم يعلمون: أن الله تعالى لا يرضى بشيء من ذلك منهم، وأنه هو الذي ميز بين الحق والباطل، وأرسل الأنبياء، وجعل لهم أوصياء، ومنهم تعلم العلماء، وعلى أيديهم تربى الأخيار والأتقياء، وفي سبيل حفظ شرع الله، والدفاع عن المستضعفين أمر الله عباده بالجهاد، فاتخذ من أولئك المطيعين له شهداء - لأنهم يعلمون ذلك -


1) الآية 78 من سورة القصص

فمن الطبيعي أن تتناقض أقوالهم وأفعالهم تجاه ربهم، فهم وإن اعترفوا بوجوده تعالى، وبوحدانيته بألسنتهم، فإنهم يكرهون شرعه، ويرفضون طاعته فيما نهى عنه، وأمر به. بل هم يسعون لسحق دينه ومحقه بكل حيلة ووسيلة.

فلسانهم مقر به، وأعمالهم منكرة له، تعمل على هدم شرعه، والإطاحة بجهود الأنبياء والأوصياء، والعلماء، والأبرار والأتقياء، وتضييع دماء الشهداء.

إنهم لا يعبدون الله، بل يعبدون أصناماً في داخلهم هي أنفسهم، فهم يحبونها ولا يحبون الله ويقدسونها ولا يقدسونه، ويطيعونها ويعصونه سبحانه، ولا همَّ لهم إلا تلبية شهواتهم وغرائزهم وأهوائهم، التي بها ومن خلالها يتحدد مسيرهم وغاياتهم، وتعرف مصائرهم ونهاياتهم. وهي صاحبة الرأي والقرار، وتحدد المصير والمسير والمسار. وهذا هو البلاء العظيم، والداء الذي لا دواء له. تماماً على عكس ما قرره الله في كتابه الكريم، حيث يقول:

(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَكْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين) (1).


1) الآية 24 من سورة التوبة

ويزيدهم بعداً عن الله علمهم بأنه تعالى هو القادر والقاهر، وهو المعطي والمانع، وهو العالم بمجاري ومآل الأمور، والمطلع على ما يختلج في الصدور، وهو يسمع ويرى، ويحاسب ويطالب، ويثيب ويعاقب، وما ضاع حق وراءه مطالب.. وهذا بالذات ما ينغص عليهم عيشهم، لأنهم يعلمون أنهم في قبضته، ولا يمكن الفرار من حكومته.

وثمة سبب آخر لهذا البعد عن الله تعالى، وهو نفس وحدانيته سبحانه، لأنها تتناقض مع عبادتهم لأنفسهم ولأهوائهم، وللمال، والجاه، ولأحبارهم ورهبانهم، كما قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُون الله) (1).

وقال: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَاردُونَ) (2).

وقال: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا دُبَابًا وَلو اجْتَمَعُوا) (3).

وقال: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثالُكُمْ) (4).

وقال لقمان لابنه: (يَا بُنيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ) (5).


1) الآية 31 من سورة التوبة

2) الآية 98 من سورة الأنبياء

3) الآية 73 من سورة الحج

4) الآية 194 من سورة الأعراف

5) الآية 13 من سورة لقمان

وقال إبراهيم لآزر : (يَا َأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ) (1).

والآيات التي تقرر شرك الناس على هذا النحو كثيرة.

فما يدَّعونه لأنفسهم من تقديس، وتعظيم، وتأليههم وعباداتهم، وطاعتهم لها لا يسمن ولا يغني من جوع، فإن ذلك يزيد من إصرارهم على باطلهم، ويصعب عليهم التخلي عن هذا الشرك الخفي الذي تكنه صدورهم، وقد أشار الأئمة «عليهم السلام» إليه بقولهم: «إن الشرك أخفى من دبيب النمل» (2).

وقد روي ذلك عن النبي «صلى الله عليه وآله» أيضاً، فراجع (3).


1) الآية 44 من سورة مريم

2) معاني الأخبار ص 379 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 99 وج 16 ص 254 و (الإسلامية) ج 3 ص 409 وج 11 ص 498 وبحار الأنوار ج 68 ص 142 وج 69 ص 96 و 298 و ج 70 ص 358 وج 75 ص 371 ومستدرك سفينة البحار ج ص 398 وميزان الحكمة ج 2 ص 1438 وتحف العقول ص 487 والثاقب في المناقب ص 568 والخرائج والجرائح ج 2 ص 688 ومدينة المعاجز ج 7 ص 639

3) مستدرك الوسائل ج 1 ص 113 والإيضاح لابن شاذان ص 287 والمسترشد في الإمامة للطبري ص 229 و 565 وبحار الأنوار ج 61 ص 244 وج 69 ص 93 ومسند أحمد ج 4 ص 403 ومجمع الزوائد ج10 ص 223 و 224 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص88 والأدب المفرد ص 155 ومسند أبي يعلى ج 1 ص 60 و 62 والمعجم الأوسط ج 4 ص 10 والترغيب والترهيب للمنذري ج 1 ص 76 والجامع الصغير ج 2 ص 84 و 85 والعهود المحمدية ص 646 و 680 وكنز العمال ج 3 ص 475 و 476 و 481 و 816 و 817 وفيض القدير ج 4 ص 227 و 228 وتفسير التستري ص 83 و 168 وتفسير القمي ج 1 ص 213 ومجمع البيان ج4 ص 132 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 467 وتفسير نور الثقلين ج 1 ص 758 وتفسير كنز الدقائق ج 4 ص 422

كلمة التوحيد عدة للقاء الله:

فالتوحيد الخالص من شوائب الشرك، ورفض حب أي شيء آخر سوى حبّ الله، وجعل حبه تعالى هو المنطلق والأساس لكل حب، وإيكال كل الأمور إليه تعالى، والالتزام الحرفي والدقيق بأوامره ونواهيه، والسعي في طلب مرضاته هو الذي يجلب السعادة، والسكينة والطمأنينة، والخير كل الخير لهذا الإنسان.

وتربية الناس على هذا الأمر، هو الأساس الأعظم، وهو محور جهود الأنبياء والأوصياء، والعلماء والشهداء، وكل الأخيار والأبرار. وهو منطلق كل التوجيهات، ومن خلاله، وبهدف الوصول إليه كانت الهدايات ورسمت السياسات. وهذا هو ما يجب أن يستفرغ فيه كل وسع، ويبذل كل جهد، وهو ما سوف يحاسب الله عليه أنبياءه وأوصياءهم. وسوف تكون نتائج عملهم، وحصيلة جهدهم فيه عدتهم

ليوم الحساب. وعلى أساس هذه النتائج يعاملهم الله تعالى في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

ولأجل ذلك أضاف في نقش خاتم الإمامة عبارة «عدة للقاء الله» إلى كلمة «لا إلى إلا الله». فمن التزم بالتوحيد وأدى حقه، فإن هذا التوحيد سيكون هو العدة له للقاء الله.

وهكذا يتم ربط الحركة بباعثها، ومطلقها، ومحركها، والمبدأ لها، وهو الله تعالى وتنطلق منه إلى الغاية والنهاية في ارتباط عقائدي راسخ وعميق، فالله هو المبدأ، وهو الغاية، وبه يكون اللقاء في النهاية.

ولهذا كانت كلمة التوحيد بما لها من خصوصية هي الشعار الذي نقش على خاتم الإمامة.

الملك، الحق المبين:

أما فيما يرتبط بالفقرة التي جاءت بعد كلمة التوحيد، وكتبت على قص الخاتم الذي أعطته فاطمة الزهراء «عليها السلام» لولدها الإمام الحسين والقص - بفتح الفاء - هو الحجر الكريم الذي يصاغ الخاتم لأجله..

وقد رأى «عليه السلام» عيسى في المنام، فسأله عما ينقشه عليه، فاقترح «عليه السلام» أن يكتب علىه : «لا إله الا الله الملك الحق المبين». فإننا بالإضافة إلى ما تقدم نشير إلى عدة أمور، نرى ضرورة

الالتفات إليها، وهي التالية:

رؤيا الإمام صادقة بلا ريب:

إن عمل الإمام الحسين «عليه السلام» بما قاله له عيسى «عليه السلام» يشير إلى ضرورة أن يعرف الناس: أن رؤياه هذه صادقة، وأنها ليست مما يحتاج إلى تأويل، وأن المطلوب هو العمل بها على

ما هي عليه حرفياً.

ونحن نعلم: أن الأوصياء كالأنبياء، حتى فيما يرتبط بالرؤيا أيضاً، فرؤياهم صادقة. كما دلت عليه النصوص، مثل ما رواه في کتاب الغايات لجعفر بن أحمد القمي، قال: قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: خياركم أولوا النهى.

قيل يا رسول الله، ومن أولوا النهى؟!

قال: أولوا النهى، أولوا الأحلام الصادقة (1).

فإن سأل سائل، فقال:

نحن نعلم: أن الأنبياء هم أصحاب الأحلام الصادقة، فهل يصح حصر الخيار (أعني خيار الناس) بهم؟ فلا يكون الأئمة من الخيار


1) بحار الأنوار ج 58 ص 190 ومستدرك الوسائل ج6 ص334 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 223 وموسوعة أحاديث أهل البيت ج 4 ص 103 عن كتاب الغايات ص 215 وميزان الحكمة ج 2 ص 1013

أيضا ؟!

ونجيب:

بأن المقصود بأولي النهى هنا ليس الأنبياء، بدليل: أن قائل هذه الكلمة هو الرسول الذي لا نبي بعده، فالمقصود بهم من هم مثلهم، ولهم حال كحالهم، و خصوصیات خصوصياتهم، وهم الأئمة الطاهرون «عليهم السلام»، فقد روي عن أبي عبد الله «عليه السلام» في ضمن حديث ذكر فيه ما جرى من إبعاد علي «عليه السلام» عن الخلافة بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله». قال: فهذه الآية التي ذكر الله في الكتاب: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى) (1).

فنحن أولوا النهى الذين انتهى إلينا علم هذا كله، فصرنا لأمر الله، فنحن قوام الله على خلقه وخزانه على دينه، نخزنه ونستره، ونكتتم به من عدونا إلخ (2).


1) الآيتان 54 و 128 من سورة طه

2) بصائر الدرجات ص 152 و (ط الأعلمي سنة 1404هـ) ص538 ومختصر بصائر الدرجات ص 66 و 67 وبحار الأنوار ج 24 ص 118 و 119 وج 26 ص 254 والبرهان (تفسير) ج 3 ص 165 و 766 وتفسير نور الثقلين ج 3 ص 382 وتفسير القمي ص 419 و 420 و (مطبعة النجف سنة 1387) ج 2 ص 61 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 343 وتفسير فرات ص 92 و (ط وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي سنة 1410هـ) ص 256 وتفسير كنز الدقائق ج 8 ص 321 وتأويل الآيات الظاهرة ج 1 ص 315 و 316

ويؤيد ذلك أيضاً: ما روي عن الإمام الصادق «عليه السلام»، من أن الأئمة بمنزلة رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلا أنهم ليسوا بأنبياء، ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي «صلى الله عليه وآله»، فأما ما خلا ذلك فهم بمنزلة رسول الله «صلى الله عليه وآله» (1).

لماذا عيسى «عليه السلام» ؟!:

ليس صدفة أن يكون الذي رآه الإمام الحسين «عليه السلام» في منامه هو نبي الله عيسى «عليه السلام»، وأن يكون هو الذي أشار بنقش هذه العبارة الميمونة على فَص الخاتم الذي أهدته الزهراء «عليهاالسلام» للإمام الحسين «عليه السلام»، فإن عيسى «عليه السلام» قد ولد بصورة إعجازية خارقة للعادة، فبهر هذا الحدث العظيم جميع الناس حتى لقد بلغ الأمر بطوائف كبيرة منهم أن جعلوه ابنا الله، ثم ألهوه وعبدوه..

ولعلك تسأل، فتقول: إن خلق آدم «عليه السلام» أعظم من خلق عيسى، ولكن الناس تعاملوا مع أمر خلقه من تراب بالبخوع والتسليم، ولم تذهب بهم الأمور إلى حد الشطط والغلو فيه، ولم نسمع أن أحداً


1) راجع : الكافي ج 1 ص 270 وبحار الأنوار ج 16 ص360 وج27 ص50 ومرآة العقول ج 3 ص 161 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 65 وج 8 ج3 ص1 ص 221

اعتبره رباً، واختاره معبوداً .

ونجيب، فنقول:

لعل سبب ذلك: هو تقادم عهد آدم فإنه لم يكن في زمان خلقه بشر آخر، فهو بالنسبة للناس خارج عن دائرة المشاهدة، فبقي أمره بالنسبة إليهم مجرد أخبار ينقلها الرواة لهم، ولم يعرها نقلة الأخبار اهتماماً يذكر، أي أن النسل البشري إنما انبثق من آدم، وتكاثر بعد وفاته «عليه السلام». فلم يهتم الناس بتتبع أخباره.

بخلاف عيسى، فإنه عاش في أمة كبيرة من الناس، بعثه الله تعالى نبياً لهم، ويطلب منهم الإيمان به، وجعل ولادته وكلامه في

المهد معجزة لهم تثبت لهم التوحيد والقدرة الإلهية فيه والنبوة، فخافه اليهود، وأحبارهم، وملوكهم على دنياهم، فعملوا على قتله.. فزاد ذلك في الرغبة في تناقل أخباره جيلاً بعد جيل..

وها هو الحسين «عليه السلام» يرى عيسى ابن مريم، الذي هو من المظاهر الكبرى للقدرة الإلهية، التي لا يمكن الريب فيها.. وهي دليل صريح على أن الله وحده القادر على خلق إنسان في رحم امرأة يمسسها بشر، ثم يكلم الناس في المهد صبيا إلى آخر القصة.

وهذا دليل على بطلان عبادة أي إله آخر غير الله، وأنه لا معنى ولا مبرر لطاعة الآلهة المزيفين، أو التعلق بهم، أو تقديسهم، أو اعتقاد أن لهم أية قدرة، أو أي شأن يذكر.

نعم.. لا معنى لعبادة البشر ولا الجن، ولا الملائكة، فضلا عن

عبادة الشجر أو الحجر، أو ما إلى ذلك ولا معنى أيضاً لعبادة الذات، ولا لطاعة الغرائز والشهوات، كما لا مبرر لمعصية الله، والتمرد عليه..

الله الملك الحق المبين:

وقد تضمن النقش على هذا الخاتم إضافة ثلاثة كلمات:

كلمة: «الملك».

وكلمة: «الحق».

وكلمة: «المبين».

وقد اختار «عليه السلام» هذه الكلمات الثلاث دون سائر صفات الله الجلالية والجمالية، لأن الأمور التي هيمنت على اهتمامات الناس بعد وفاة رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد سارت في اتجاهات ثلاثة رئيسية وحساسة ومصيرية، وهي:

الأول: «الملك»، فإن الذين سلبوا الحق من علي «عليه السلام» قد تعاملوا مع موضوع الخلافة والإمامة على أساس اختزال مضمونها بمعنى الحاكمية، وإفراغها من مضمونها الإيماني المستند إلى الغيب، والمعتمد على الإختيار الإلهي، والهداية الربانية، التي يكون من تجلياتها العلم الخاص، والعصمة عن الذنب، وعن السهو والنسيان، والتسديد والرعاية الإلهية، إلى حد التمكين من التصرف الخاص حين يقتضي الأمر ذلك. فضلاً عما لها من مقامات وشؤون وحالات مثل مقام الشاهدية على الخلق.. ورؤية أعمالهم في عمود

من نور، وما يستتبع ذلك من أن الإمام كالنبي، فيما عدا نزول الوحي عليه، وفيما عدا بعض الخصوصيات التي ذكرت في النصوص فهو يرى من خلفه، وتنام عيناه ولا ينام قلبه، ويعرف سائر اللغات حتى منطق الطير.. ويتواصل مع كل الموجودات التي يفترض فيه أن يكون له مسؤوليات تجاهها. حتى الجن وغيرهم.

وكما يجري الله تعالى أرزاق العباد على يد رسوله «صلى الله عليه وآله» كما دل عليه قوله تعالى من سورة التوبة: (وَمَا نقمُوا إِلَّا أنْ أَعْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) (1)وغيرها، فإنه أيضا يجريها على أيدي الأئمة من أهل البيت «عليهم السلام» (2).

فاختزال مضمون الإمامة بمعنى الحصول على السلطة والقوة والمال، قد مهد للتحول من معنى الإمامة إلى معنى الملك العضوض. وهذا ما أعلنه معاوية حين اعتبر نفسه أول الملوك (3).

فانساق الناس وراء أحلامهم بالدنيا، وراق لهم أن تكون لهم الكبرياء في الأرض، وبأن يكونوا ملوكاً جبارين.. وطمعوا بالجاه


1) الآية 74 من سورة التوبة

2) راجع بصائر الدرجات ص 363 وبحار الأنوار ج 46 ص 23 و 24 وج 73 ص 185 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 6 ص 499 و (الإسلامية) ج 4 ص 1065 ومدينة المعاجز ج 4 ص 436 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 128 و 129 وج 10 ص 192 والبرهان (تفسير) ج 4 ص 212

3) راجع تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 232

والمال والمناصب ومالأوا الغاصبين وأعانوهم، لأنهم رفعوا لهم شعارات ترضي غرورهم، لأنهم كانوا إلى الأمس القريب حفاة ورعاة، لا يعبأ بهم أحد، ولا يحسب لهم أي حساب وإذ بالدنيا تقبل عليهم.

ومن المعلوم: أن مستحدث النعمة وهو الذي يتحول بعد ليلة وضحاها من الفقر والذل، والمهانة والضياع، إلى ملك متسلط، وإليه تجبى الأموال وتخضع أعناق الرجال، ويصبح جباراً يثل عروش الأكاسرة والقياصرة، ويستولى على البلاد والعباد. إن من يحصل له ذلك إذا كان لا يملك قناعات بالقيم الإنسانية، ولا مناعات ولا حصانات أخلاقية، ولا التزاماً دينياً، سوف يتحول إلى وحش كاسر، ووباء غامر لايبقي ولا يذر.

فلا بد من إيقاظه من غفلته، وتنبيهه من سباته، وأن يقال له: هذا وهم باطل، وملك زائل. والله تعالى فقط هو الملك الحق المبين، والقاهر الذي لا يعجزه شيء، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء..

فجاء نقش هذا الخاتم ليقيم الحجة على من أسكرته الشهوات، وبهرته الدنيا بزخارفها.. وليعرفوا أن الذين تصدوا للسلطة بوسائل غير مشروعة، وإن كانت تلك الوسائل قد مكنتهم من تكريس هيمنتهم، وزعامتهم، وأعطتهم القدرة على قهر الآخرين، وتحويلهم إلى وسائل تحمي طموحاتهم الغبية والآنية، والمكاسب الدنيوية

الزائلة. إلا أنهم سينتهون إلى الخسران والبوار في الدنيا، لأن نهمتهم بها سوف تزداد، ولن يشبعوا، ولن يرتووا أبداً في الدنيا، وينتظرهم العذاب الأليم في الآخرة..

ولو أنهم سلموا الأمر لأهله لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولأخرجت الأرض لهم خيراتها، وأنزلت السماء عليهم بركاتها. ولوصلت كل المخلوقات إلى كمالاتها، وفق ما أراده الله تعالى لها.

ولكانت هذه الخيرات والنعم باقية ونامية باطراد، ولتواصلت الدنيا بالآخرة. (وَإنَّ الدَّارَ الآخِرَةِ لهيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (1).

الثاني: «الحق»، فإن العدوان على مقام الإمامة، بهدف الحصول على المال والسلطة، والقوة، والجاه، والمقام، والنفوذ، والهيمنة، وحكم الناس بادّعاء الخلافة لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، والاستحواذ على كل ما لديهم، حتى على مشاعرهم، وفكرهم، وولائهم، وتقديسهم، ثم ادعاء أولئك الغاصبين لمقام الرسول، والساعين للإستئثار بمقاماته «صلى الله عليه وآله»، والاستيلاء على حقوقه، وادّعاء حق التشريع، وحق التصرف بالأموال والأنفس. وتخيلهم أن القوة لهم ذاتية، وليست من الله، وإن بيدهم حياة الناس وموتهم، ورزقهم، وحرمانهم، ثم أن ينازعوا الله تعالى رداءه، مع أنه هو الذي يعطي ويمنع، ويؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن


1) الآية 64 من سورة العنكبوت

يشاء، وينتهى بهم الأمر إلى أن يكونوا ملوكاً جبارين ظالمين، معتدين، مستكبرين.

نعم.. إن ذلك كله ليس من الحق في شيء.

فكيف إذا أضيف إليه استخدام الدين في خدمة المآرب الشخصية والعشائرية، والتلاعب بالمفاهيم والمعايير، والمنطلقات، وتحويرها، وإلباس الباطل لبوس الحق، وإنتاج مفاهيم وقيم، وضوابط من شأنها أن تكرس الباطل، وأن تثير الشبهات في حقائق الدين والإيمان، وتعمل على إضعاف تأثير القيم الأخلاقية والإنسانية. ربما لأن الإلتزام بالدين والشرع، وبالحق والقيم الأخلاقية، يفوّت عليهم - بنظرهم - بعض المنافع، ويقيد حركتهم في هتك الحرمات، وطمس الحقائق ، وارتكاب الموبقات.

وربما كان ذلك العدوان والبغي بسبب شعورهم بالنقص والعجز، وبأنهم لا يملكون من العلم والمعرفة، ومن القدرات الروحية، وغيرها من المؤهلات ما يعينهم على الوصول إلى تلك المنافع أو المقامات بصورة طبيعية ومقبولة. حتى خيّل إليهم أن العدوان على الحق وطمسه، وإشاعة الباطل، وتكريسه وترسيخه أمر حيوي وأساسي في حياتهم، حاضراً ومستقبلاً.

وإذا كان المصدر الحقيقي للحق، وللدين، وللقيم، والمفاهيم هو الله تبارك وتعالى، فسيرون أنفسهم - بصورة طبيعية - في دائرة التحدي غير المعلن للإرادة الإلهية، ولكل ما هو حق ودين.

ولذلك مست الحاجة للتذكير المتواصل لهم، من قبل أهل الحق، وحفظته: بأن الله تعالى هو الحق، وهو الذي يدل عليه، ويدعو إليه، وأن ما لا يأتي من قبله تعالى هو الباطل والضلال والضياع.

ولذلك جعل الإمام «عليه السلام» هذا المعنى شعاراً ينقشه على فص الخاتم ليتذكره الناس المخدوعون أو المغلوبون على امرهم باستمرار، ليراودهم على الدوام أمل باليوم الذي يزهق فيه الباطل، ويظهر الحق وأهله على كل المستكبرين والظالمين.

الثالث: «المبين»، فإن وجود الحق في نفسه ولو في ضمير الغيب، أو في دائرة المبهمات، لا يكفي، بل لا بد من أن يكون بيّناً وظاهراً، وبديهياً، بل في أعلى درجات البداهة.

بل يجب أن لا يقتصر الظهور عليه، بل لا بد أن يتجاوزه ليصبح هو المظهر لبطلان الباطل أيضاً، أي أنه يكون من جهة على درجة كبيرة من التجلي والظهور في صوابيته، وفي حقانيته في نفسه، من خلال تجلي بركاته وعطاءاته، ثم يكون من الجهة الأخرى أيضاً - وبنفس هذه التجليات - مظهراً ليس فقط لقصور الباطل، وعقمه، وبواره، وإنما هو يظهر ما له من ضرر شديد وأكيد، يحتم زهوقه الأبدي والمحتوم.

ولعل هذا هو السبب في قوله «عليه السلام»: «المبين»، ولم يقل: «البيِّن»، أو «الظاهر»، أو نحو ذلك.

حسبي الله:

وقد عاش الحسين «عليه السلام» الآلام التي عانى منها رسول الله «صلى الله عليه وآله» في الفترة التي عاشها معه، والتي عانت منها أمه فاطمة الزهراء «عليهاالسلام» وهي سيدة نساء العالمين، وبضعة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وشاركها فيها.

كما عاش وشارك أباه فيما جرى عليه منذ وفاة الرسول «صلى الله عليه وآله».. وشاركه أيضاً في ذلك.

وقد توالت هذه المصائب عليهم، ولم تنقطع باستشهاد أبيه، بل استمرت في عهد أخيه الإمام الحسن «عليه السلام»، فشارك «عليه السلام» أخاه أيضاً في آلامه ومصائبه.

ثم انفرد «عليه السلام» هو وأهل بيته - بعد استشهاد أخيه - بالمعاناة، فكان يكابدها أينما توجه، وحيثما حلّ، ولعل من أمرها وأضرها تعطيل شرع الله، وطمس معالم دينه، وإقصاء أهل الله عن موقعهم الطبيعي الذي جعلهم الله تعالى فيه، والسعي للقضاء عليهم، والتخلص منهم.

هذا عدا عن تألمه «عليه السلام» لكل ما جرى ويجري على الأنبياء، وعلى المظلومين في كل زمان ومكان.

وكما كان أعداؤهم يملكون كل موجبات الشوكة والقدرة، من المال والرجال والجاه، والنفوذ والسلطان فقد كانوا خلوا من الدين والإيمان، ومن الأخلاق والمشاعر الإنسانية، مع تنكرهم لها، وللقيم

الإلهية، فكان طغيانهم على الله، وبغيهم على عباده، وإفسادهم في بلاده بلا حدود، ولا قيود

وكان على الإمام الحسين «عليه السلام» أن يواجههم وحيداً فريداً، ومن دون أي ناصر أو معين إلا الله سبحانه.

ولأجل ذلك كان نقش بعض خواتيمه: «حسبي الله». أي أن الله يكفيه عن جميع خلقه، وكفى بهذا عزاءً عن فقد أي ناصر أو معين من البشر، فإن كل من عدا الله سبحانه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا حياة ولا موتاً ولا نشوراً.

وحتى حين تخذل الأمة إمامها الحسين «عليه السلام»، وتسلمه إلى سيوف الطغاة والجبارين في يوم عاشوراء، فإن هذا الخذلان سوف لا يفت في عضده، ولا يضعف من عزيمته، ولا يزعزع يقينه، لأن غاية ما هناك هو أن يخرجوه من هذه الدنيا. وليس هذا خسارة حقيقية له، لأنه سيربح بخسارته هذه أعظم منازل الرضا والرضوان (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (1).

ولأجل ذلك قال «عليه السلام»: «حسبي الله».

ويتأكد معنى الربح الحسيني وخسارة أهل الباطل تلك الدرجة العظمى التي نالها «عليه السلام» باستشهاده بشهادة ما روي عن النبي «صلى الله عليه وآله» إن للحسين درجات لا ينالها إلا بالشهادة، أو


1) الآية 72 من سورة التوبة

ما بهذا المعنى (1).

كما أن من مظاهر ربحه وخسارتهم أن شهادته «عليه السلام» قد حفظت الدين في حقائقه، ومبانيه ومعانيه، وهم أرادوا طمسه وطمسها بقتله «عليه السلام».

فقد دحضت شهادته أباطيلهم، وأبطلت شبهاتهم، ونغصت عيشهم، ومهدت لزوال ملكهم، وبوار أحلامهم. ولأجل ذلك نقول: إنه «عليه السلام» ومن معه فازوا فوزاً عظيماً، فيا ليتنا كنا معهم، فنفوز معهم.

الهلال والوردة لماذا ؟!

وتقدم: أنه كان في خاتم الإمام الحسين «عليه السلام» الذي نقش فيه عبارة: «حسبي الله» هلال ووردة..

والسؤال هو عن سبب اختيار هذين الأمرين للرسم على خصوص الخاتم الذي نقشت فيه العبارة المذكورة آنفاً..

وللإجابة على هذا نحتاج إلى إثارة عدة نقاط، هي:


1) الأمالي للصدوق ص 217 ومدينة المعاجز ج 3 ص484 و 487 وبحار الأنوار ج 44 ص 313 و 328 و ج 58 ص 182 وج 64 ص 250 والعوالم الإمام الحسين ص 161 و 177 ولواعج الأشجان ص27 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 19 وكشف الغمة ج 2 ص230 وينابيع المودة ج 3 ص 54

1 - إنه ليس لدينا نص يفسر لنا سبب هذا الاختيار، فلا محيص عن استيحاء المعنى المقصود من دون أن نجزم بمضمونه، ونفسح للقارئ الكريم المجال للتأمل والتدبر، فربما ظهر له ما لم يظهر لنا، فإن أتحفنا به فسنكون له من الشاكرين.

2- إن الناس في تلك الحقبة، ولا سيما بعد تسلط الأخطبوط الأموي عليهم، وبالأخص في عهد معاوية قد تعرضوا - وخصوصاً شيعة علي وأهل بيته - إلى أبشع أنواع الاضطهاد، وقد ذكر لنا التاريخ مفردات وشواهد كثيرة تدلل على هذا الأمر.

وذلك لأن، أكثر الناس كانوا قد ركنوا للحياة الدنيا، وراقهم زبرجها، فأعانوا الظالم على المظلوم، ونصروا المبطل على الحق وأهله..

وأصبح واضحاً له «عليه السلام»: أن الأمور تسير باتجاه خطير، ومرير. ولم يكن يملك ناصراً، أو معيناً، فاكتفى في نقش خاتمه بالإشارة إلى أن وحدته هذه لا توجب له خوفاً، ولا وحشة، أو يأساً.. ولا تفت في عضده، لأن الله تعالى معه، ومن كان الله معه، فإنه يكفيه، وهو حسبه.

3 - بيَّن «عليه السلام» للناس عن طريق التلميح الذي قد يكون أبلغ من التصريح أنه متفائل بالمستقبل، وأنه يعيش البهجة، والارتياح والانشراح له..

فالوردة تشير إلى معنى البهجة، والانشراح، والطراوة والرخاء

والدعة، وهي تعبير عن الأمل بمستقبل تنفرج فيه الأزمة، كما ينفرج برعم الوردة عما في داخله. لكي يظهر الجمال في أزهى أثوابه وفي ريعان شبابه، كما هو حال الورود في شبابها وزهوها، وفي جمالها.. وطيبها..

ولا يكون ذلك بالنسبة للإمام الحسين «عليه السلام» إلا إذا عاد الإسلام ليفرض نفسه، وتمكن أهله من نشر طيبه في الآفاق، وأظهروا جمال معانيه ومراميه وأهدافه على مساحة العالم كله.

4- أما الهلال.. فلعله يشير إلى ولادة مرحلة جديدة، من خلال ولادة نور العلم والمعرفة والإيمان، وانبثاق تياره الذي سوف يتنامي ويتكامل باطراد.. حتى يستوعب الواقع كله بالتفافه عليه، واندفاعه إليه لاحتوائه، حتى يغمره بالنور، ويتكامل ويصبح بدراً حين يبلغ الأربع عشرة من عمره، على عدد المعصومين الأربعة عشر «عليهم السلام». وذلك من خلال جهود أربعة عشر معصوماً، يكونون هم الهداة والرعاة للأمة، والحماة والحفظة للدين عبر الأجيال، حتى تأتي دولة الإمام الحجة «عجل الله تعالى فرجه»، لتكون ثمرة جهودهم، وجهادهم على مدى التاريخ.

وجميع ما تقدم يعطي : أن للرمزية أيضاً مكانا في الدعوة إلى الله تعالي..

أول من اتخذ الهلال شعاراً:

وقد قال العسقلاني في ترجمة سعد بن مالك بن الأزدي: «قال

ابن يونس: «وفد على النبي «صلى الله عليه وآله»، وعقد له راية على قومه، سوداء، فيها هلال أبيض. وشهد فتح مصر إلخ..» (1).

فدعوى البعض: أن العثمانيين قد أخذوا رسم الهلال علامة رسمية من القياصرة، وأصله من فيلبس المقدوني والد الإسكندر الأكبر (2).

هي دعوى بلا دليل، بل بلا مبرر ظاهر.

الحمد لله:

ولنفترض: أن رواية المجلسي صحيحة، وأنه كان للإمام الحسين «عليه السلام» خاتم كتب عليه كلمة «الحمد الله» فعلاً، فيمكن أن يكون توهم من يفهم الأمور بصورة منقوصة، ويعتبر: أن المآسي والآلام، التي عانى منها أهل البيت، والحسين بالذات، وما حاق بهم من ظلمٍ وأذى طيلة عشرات السنين يفترض أن يجعل كل همهم وفكرهم، وكل جهدهم منصرفاً إلى مداواة جراحهم، وتوفير ما يعينهم على صبرهم. وقد يجعلهم يعيشون الشعور بالوحدة، والوحشة، والغصة، والمظلومية، وأن يعتبوا على من يتوقعون منه النصر، وهو يحجبه عنهم، وقد يحق لهم أن يروا أن لهم حقا أيضا بأن يرتاحوا ،


1) الإصابة ج 2 ص 32 و ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 61 والتراتيب الإدارية ج 1 ص 320 وراجع: تاج العروس ج 11 ص 363

2) وفيات الأسلاف ص 380 والتراتيب الإدارية ج 1 ص320

وأن يتنفسوا بعض الحرية والانعتاق من آلامهم هذه.

فلا مانع من أن يأتي نقش خاتم من خواتيم الإمام الحسين «عليه السلام» ليقول: «الحمد الله»، من أجل ان يدفع هذا الوهم، وليقول: إن نعم الله تعالى أكثر وأكبر، وأعظم وأفخم من أن تحصى، بل إن نفس اختیار الله تعالى لهم لهذه المعاناة، وفسح المجال لهم لمكابدة مشقات الجهاد في سبيله، من أجل حفظ دينه والتسبب بنيلهم ثوابه العظيم، وأن يمكنهم من هداية خلقه هو من أعظم التوفيقات، وأجل العطاءات.

فما يراه الناس - بحسب معاييرهم الخاطئة - نقمة، ما هو إلا نعمة، وسمو ورفعة. يجب شكرها على من اختاره الله تعالى لها.

ولأن الله تعالى وحده المتفرد بإفاضة النعم على الخلق، فإنه هو وحده من يستحق الحمد كل الحمد، بكل تجلياته في مفرداته ومصاديقه..

وهو وحده الذي تختص به حقيقة الحمد، لأنه هو المنعم الحقيقي على المخلوقات، وكل نعمة يسديها مخلوق لآخر، فإنما هي من الله تعالى، ولذلك قال تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) (1). فالبشر حين يخصون بعضهم بعضاً بقليل من كثير، فليس ذلك من فعلهم ولا من صنعهم، ولا هو ملكهم، بل إنهم وما يملكون - بحق كان ذلك، أم بباطل - ملك الله تعالى، فنسبة ذلك إلى أنفسهم لا تعدو كونها نسبة


1) الآية 53 من سورة النحل

مجازية..

إن الله بالغ أمره:

ومن النقوش على بعض خواتيم الإمام الحسين «عليه السلام» قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ بَالِغ أمْرهِ). وهي فقرة مأخوذة من آية وردت في سورة الطلاق، وهي قوله تعالى: (وَيَرْزُقهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قدْرًا) (1).

فهذه الآية جاءت لتعالج عدداً من المشكلات التي تؤذي الحياة الإجتماعية، وتكون من صنع الناس أنفسهم، وما يجنيه بعضهم على بعض، فيتكون فريق من الناس من صناع هذه المشكلة، وآخرون من ضحاياها، وقد ينعكس الأمر في مجال آخر ، فيكون أولئك هم الصناع للمشكلة، وهؤلاء من ضحاياها.

ولشدة اجتماع أهل الباطل على باطلهم، وتخاذل أهل الحق عن نصرة حقهم، ولشدة انغماس الناس في الشهوات، وإصرارهم على انتهاج سبيل الضلالات، ولأن الله تعالى يأبى إلا أن يجري الأمور بأسبابها، ولا يتدخل لإجرائها من خارج دائرة الاختيار، فإن اليأس قد يتطرق إلى نفوس المؤمنين، ويحسبون أن جهدهم سيعود هباءً، وسعيهم سيكون عقيماً، إن لم نقل: إنه سيعطي عكس النتيجة، ويعود


1) الآية 3 من سورة الطلاق

بالخطر والضرر.

فمن الطبيعي إذن: أن يعطي الإمام «عليه السلام» جرعات من التفاؤل بعودة الأمور إلى نصابها، وبأنه سيعود للحق وهجه الأخّاذ، وبريقه الساطع، وستعود أيضاً لأهل الحق، وحفظته، وحماته، ورعاة مسيرته - ستعود إليهم – شوكتهم، وقوتهم، من خلال تحريك العقول لنيل المعرفة والتسربل بالوعي، وبعث النفوس من سبات اليائس الخامل، إلى يقظة الحازم العامل الممتلئ حيوية، والمفعم ضميره بالأمل، ووجدانه بالرضا.

وسيحصل ذلك كله من خلال عودة الإنسان إلى رشده، وامتلاكه زمام أمره، وممارسة كامل حريته في الاختيار، وفق تعاليم أهل بيت النبوة الأبرار والأخيار، ومن خلال عمل دؤوب، بجهد واقتدار، رغبة في رضى الملك الخالق لليل والنهار..

وهذا بالذات - فيما يبدو - هو ما ترمي إليه عبارة: «إن الله بالغ أمره»، حيث نسب بلوغ الأهداف الإلهية إليه سبحانه، لا إلى البشر أنفسهم.. لأن البشر، وإن كانوا يختارون ويبادرون، ولكنهم لا يقدرون على شيء إلا إذا أقدرهم الله تعالى عليه، ولا يحققون نصراً، ولا ينجزون أمراً إلا بإذن منه تعالى.

ولذلك صح نسبة الأمور إليه سبحانه، ليلتفت الناس إلى ضعفهم وقوته، وإلى فقرهم وغناه، وإلى جهلهم وعلمه، وما إلى ذلك.

فنسبة الأمور إليه، وإحساس البشر بمسيس حاجاتهم إليه،

وإدراكهم لحجمهم الطبيعي، وحدود قدراتهم، أمر مطلوب، ومحبوب لله، ويساعد كثيراً على تحقيق الأهداف الإلهية الكبرى. حتى لو استشهد في هذا السبيل رسول الله، وظلم الإمام علي «عليه السلام»، وجرى على السيدة فاطمة الزهراء «عليها السلام» ما جرى، وسُمَّ الحسن، واستشهد الحسين «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين»، وكل ذلك قد حصل بالفعل.

وبذلك يتجلى بصورة واقعية وعملية المعنى والمغزى العميق والدقيق لقوله تعالى: (يُريدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ ثورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (1). وقوله تعالى: (يُريدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (2).

لكل أجل كتاب:

أما فيما يرتبط بالكلمة المنقوشة على خاتم آخر من خواتيم الإمام الحسين «عليه السلام»، وهي قوله تعالى: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ). والتي هي فقرة من الآية المباركة التي تقول : (وَلقدْ أرْسَلْنَا رُسُنَا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَدْرِّيَّةٌ وَمَا كَانَ لِرَسُولِ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) (3).


1) الآية 8 من سورة الصف

2) الآية 32 من سورة التوبة

3) الآية 38 من سورة الرعد

فنقول فيها ما يلي:

كأنه «عليه السلام» أراد أن يدفع شبهة قد تعرض في ذهن البعض، مفادها أن الإمام إذا كان يستطيع أن يجترح المعجزات، ويقوم بخوارق العادات، فيحارب الجن، وتطوى له الأرض، ويأتيه الأسد فيكلمه ويخضع له، ويأمر الشجرة فتأتيه، وهي تخد الأرض خدا، ويقتلع باب خيبر، وغير ذلك، فلماذا لا يفعل المعجزة في كربلاء ليدفع الأعداء عنه وعن أهل بيته وأصحابه؟! ولماذا لا يسقي ولده الماء، بأن يستخرجه له من باطن الأرض، حينما رجع إليه من ساحة القتال، قائلاً له: العطش قد قتلني، وثقل الحديد أجهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل، أتقوى بها على الأعداء ؟!

فاكتفى «عليه السلام» بأن جعل لسانه الشريف في فم ولده، وإذ به أكثر جفافاً وأشد عطشاً (1).

ولماذا سمح لأعدائه بسبي نسائه، وقتل أطفاله، وأهل بيته وأصحابه على ذلك النحو الفظيع والفجيع ؟! ألم يكن يمكنه أن يظهر الماء من تحت أقدام أولئك العطاشى، ليشربوا منه، ويكون ذلك حجة له على أعدائه؟!

ولماذا صبر «عليه السلام» إلى أن وصل كربلاء، ولم يبادر إلى مثل فعل معجزة تجبر يزيد وأعوانه على الكف عن غيهم؟!


1) بحار الأنوار ج 45 ص 43 والعوالم الإمام الحسين ص286

فكأنه «عليه السلام» قد نقش هذه الفقرة من هذه الآية الشريفة لتكون جواباً على هذه التساؤلات.

واللافت هنا: أنه «عليه السلام» قد نقشها على الخاتم قبل كربلاء، لتكرس المفهوم العقائدي الصحيح في عقول الناس، وتحصنهم من الوقوع تحت تأثير شبهات كهذه، وبيان ذلك فيما يلي من نقاط:

1 - أن الكل يعلم أن الله تعالى كان على مدى التاريخ، يرسل الأنبياء لهداية البشر، وكانوا يصنعون للناس المعجزات، ليسهلوا عليهم أمر الإيمان بصدقهم، ولكنهم ما كانوا ينتصرون لأنفسهم بالمعجزة، ولا يدفعون عدوهم، ولا يستجلبون المنافع لأنفسهم بواسطة الكرامة، ولا يستخدمون خوارق العادات في ذلك، إلا حين يأذن الله تعالى لهم. ولا يأذن تعالى لهم به إلا إذا احتاجت الدعوة والهداية إليه، مع أن الطغاة كانوا يعتدون عليهم، ويقتلونهم، ويؤذونهم بمختلف أنواع الأذى.

2 - إن هذا يدلنا على أن السياسة الإلهية، وسنة الله تقضي بأن يتعامل الأنبياء والأوصياء مع البشر، من موقع بشريتهم، وبالوسائل التي تقع تحت اختيار الجميع.. لأنه يريد للناس أن يهتدوا للحق، وأن يرغبوا فيه، وأن يختاروه لا أن يُقهروا عليه، ويمقتوه.

3 - فما أقدر الله تعالى أنبياءه عليه مما لم يعطه لسائر البشر، لا يحق لهم استعماله إلا وفق الخطة التي رسمها الله لهم، وفي المواقع التي أرادها، وهو ما يعبر عنه بالإذن الإلهي، الذي لا يكون إلا وفق

الحكمة البالغة وحيث يفرض النظام العام والتام ذلك. لأن لكل حالة ولكل وقت وكل حركة فعلا تقتضيه الحكمة.

4 - إن هذا يعني: أن الأنبياء والأولياء ليست لهم قدرات مطلقة، ولا استقلال لهم عن الله تعالى في تحريك هذه القدرات. ولا بد من توخي الحكمة في الاستفادة منها، وأن يكون الإقدام والإحجام وفق ما رسم وما تقتضيه السنة الجارية، والتقدير الإلهي الدقيق الذي يحكم مسيرة الهداية والرعاية للبشر من موقع الحكمة والصلاح.

ولأجل ذلك قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِرَسُولِ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) (1).

وهذا ما أراد لنا الإمام الحسين «عليه السلام» أن نفهمه، وأن نتذكره باستمرار. وجعله له شعاراً، فبورك من شعار.

علمت فاعمل:

بقي أن نشير إلى أن الديلمي يذكر: أن نقش خاتم الحسين بن علي «عليه السلام» هو : «علمت فاعمل» (2).


1) الآية 38 من سورة الرعد

2) إرشاد القلوب للديلمي ج 1 ص 15 ومستدرك الوسائل ج3 ص307 عن القطب الراوندي في لب اللباب، وغرر الحكم ص 3719 و 3100 و 9556 و 2869 و 7058 و 7070 و 4067 و 9361 وجامع بيان العلم وفضله ج 2 ص 11 ومعارج الوصول ص 96 ومعجم السفر لابن محمد السلفي ص 323

ونقل الدينوري عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن خاتم علي بن أبي طالب كان من ورق (أي من فضة)، نقشه: نِعمَ القادر الله.

وكان خاتم الحسين «عليه السلام»: عقلت فاعمل» (1).

ومهما يكن من أمر، فإننا إذا لم نرجح أن تكون كلمة عقلت مصحفة من علمت، أو العكس، واعتبرناهما نصين مختلفين، فإن المعنى الذي يتوخى من هذا النص، وهو قوله: «علمت فاعمل»، هو:

1 - أن العمل لا يمكن أن يكون أهوائياً أو عشوائياً، بل لا بد له من العلم والمعرفة والدقة والبصيرة

2- إن الإمام الحسين «عليه السلام» كان يواجه السياسات التي انتهجها الحكام الذين استولوا على الأمور بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، حيث منعوا الناس من رواية حديث رسول الله، ومنعوهم من كتابته، وجمعوا ما كان الصحابة قد كتبوه عنه «صلى الله عليه وآله»، ثم أحرقوه، ومنعوا من السؤال عن معاني آيات القرآن.

ومنعوهم من العمل بما عرفوه من سنن النبي «صلى الله عليه وآله».

بل منعوا الناس من الصلاة في المسجد أكثر من صلاة واحدة..

ولم يسمحوا برواية شيء عن الرسول إلا حديثاً كان على عهد


1) كنز العمال (ط حيدرآباد) ج 6 ص 391 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 6 ص 686 رقم 17409 وتاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 445

عمر..

وحبسوا كبار الصحابة بالمدينة، ولم يسمحوا لهم بالسفر إلى البلدان، وولوا أمور الناس صغار الصحابة ممن أسلم بعد الفتح. وسمحوا بالفتوى لخصوص هؤلاء الأمراء، على قاعدة ولى حارها من ولي قارها.

وسمحوا لعلماء أهل الكتاب بأن يحتلوا مساجد المسلمين، ويحدثوهم بترهات بني إسرائيل، تحت شعار: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج..

وكل من أراد أن يروي حديثاً عن رسول الله، فعليه أن يأتي بشاهدين يشهدان أنهما سمعوا الحديث من النبي «صلى الله عليه وآله» كما سمعه، وإلا فإنه يعرض نفسه للعقوبة التي لا ترحم ولا توقر كبيراً ولا صغيراً..

ومضت السنون والأحقاب بما فيها، ومات كثير ممن يعرف، ونشأ كثير ممن لا يعرف.

والناس يحبون أن يعرفوا دينهم وأحكامهم، وأن يسمعوا حديث نبيهم، فلم يجدوا أمامهم إلا الناشئة، الذين أسلموا بعد الفتح، وسلمهم الخلفاء أزمة الأمور، وعزلوا الخيار والكبار عن ساحة العمل قسراً وقهراً.

من هنا نعرف قيمة تحصيل العلم من أهله، وبوسائله المأمونة والمضمونة، فمن أراد أن يعمل، فعليه أن يضمن أن عمله هو ما

يريده الله ورسوله. وليس لأحد أن يعمل بكل ما سمع، فإن كلام الجهال لا أثر ولا قيمة له، ولا يصح الاعتماد عليه.

عقلت فاعمل:

أما قوله: «عقلت فاعمل»، فلعله أكثر وضوحاً في المطلوب، لأنه لا يجوز الاكتفاء بكل ما يطرق المسامع، بل لا بد من التدقيق في كل خبر، أو معلومة وأن يعرضه على الموازين العقلية والمسلمات الدينية الصحيحة، إذ ما أكثر التحريف المقصود وغير المقصود، وما أكثر الزيادة والنقيصة، فيما يبلغنا من علوم، فلا بد من التأكد من مصادر المعرفة، وأنهم من أهل التدقيق والضبط، ومن أهل الأمانة والاستقامة.

فإذا ورد على سمعك شيء من العلم، فلا يصح العمل به إلا بعد عرضه على الضوابط والمعايير، وعلى الثوابت والمسلمات، فإن رضیه عقل الإنسان ومسلماته، ولم يجد فيه مغمزاً، ولا نقصاً، ولا ما يثير ريبا أو شبهة، فإنه يجوز له أن يعتمده ويعمل به..

وهذا حكم عقلي وفطري وديني، معقول ومقبول، فإن الله تعالى يقول: (فَلْيَنْظُر الإِنْسَانُ إِلى طَعَامِهِ) (1).

فإن كان على الإنسان أن يدقق في غذاء الجسد حتى لا يبتلى بما


1) الآية 24 من سورة عبس

يضره، فإن غذاء العقل والروح، وما له ارتباط بالسلوك، والموقف، والدين أولى بالتدقيق وأحرى بالتأمل والتحقق.. بل قد ورد عن مولانا الباقر «عليه السلام» في تفسير قوله تعالى (فَلْيَنْظُر الإِنْسَانُ إلى طعَامِه): «إلى علمه عمّن يأخذه» (1). لأن أي إخلال فيه سوف ينعكس على قلبه وعقله وروحه وسلوكه ومواقفه ودينه، ومصيره.

فالضرر إذا لحق الجسد، فإنه يبقى محصوراً فيه، ويمكن التغلب عليه بالعلاج، فإذا تسرب الخلل ،والمرض والسم، إلى الفكر والعقل، والاعتقاد، والمشاعر والسلوك، والموقف والممارسة، فإنه قد يلحق الضرر في العديد من المجالات الحساسة التي لا يمكن تحمل الخلل فيها. بل ربما تؤدي به إلى الهلاك.


1) مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 126

الفصل الثالث:

على هامش نقش الخواتيم..

الخاتم المسلوب في كربلاء:

عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن ابن أبي نجران، عن المثنى، عن محمد بن مسلم، قال: سألت الصادق جعفر بن محمد «عليهما السلام» عن خاتم الحسين بن علي «عليهما السلام» إلى من صار ؟! وذكرت له أني سمعت أنه أخذ من إصبعه فيما أخذ.

قال «عليه السلام»: ليس كما قالوا، إن الحسين «عليه السلام» أوصى إلى ابنه علي بن الحسين «عليهما السلام»، وجعل خاتمه في إصبعه، وفوض إليه أمره، كما فعله رسول الله «صلى الله عليه وآله» بأمير المؤمنين «عليه السلام»، وفعله أمير المؤمنين بالحسن «عليهماالسلام»، وفعله الحسن بالحسين «عليهما السلام».

ثم صار ذلك الخاتم إلى أبي عليه السلام» بعد أبيه، ومنه صار إلي، فهو عندي وإني لألبسه كل جمعة وأصلي فيه.

قال محمد بن مسلم: فدخلت إليه يوم الجمعة وهو يصلي، فلما فرغ من الصلاة مدّ إليَّ يده، فرأيت في إصبعه خاتماً نقشه:

«لا إله إلا الله، عدة للقاء الله».

فقال: هذا خاتم جدي أبي عبد الله الحسين بن علي «عليهماالسلام» (1).

ونقول:

خاتم الإمامة لم يسلب:

يمكن أن نفهم من هذه الرواية: أن الإمام «عليه السلام» يريد أن يكذب ما زعمه بعض الناس، من أن الخاتم الذي سلب من الإمام الحسين «عليه السلام» هو الخاتم المرتبط بالإمامة، حيث يعلم بانتقال الإمامة إلى الإمام التالي بصيرورة هذا الخاتم إليه من الإمام الذي قبله.

فكأن هناك من يريد أن يدَّعي: أن الإمامة قد انقطعت باستشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» في كربلاء، لأن خاتم الإمامة قد سلب وأخذ، فلا معنى لادعاء الإمامة للإمام السجاد، ثم للباقر، ثم للصادق عليهم السلام»، وهكذا.. إلى الإمام المهدي «عجل الله تعالى فرجه».

فأراد الإمام أن يقول: إن الذي سلب في كربلاء، وقطع السالب إصبع الإمام الحسين «عليه السلام» ليستخرجه منها هو خاتم آخر،


1) الأمالي للصدوق ص 207 و 208 وبحار الأنوار ج 43 ص 247 و 248 وج 46 ص 17 والعوالم الإمام الحسين ص 30 و 31 ومستدرك سفينة ص30 البحار ج 3 ص 21

غير الذي هو من مواريث الإمامة.

والشقي الذي سلب الخاتم وقطع الإصبع الشريف، هو بجدل بن سليم الكلبي، كما تقول الروايات (1).

والتأمل في النص المذكور آنفاً يعطي: أن السائل الذي طرح السؤال على الإمام بهذا الخصوص لم يشر إلى شيء من خصوصية الخاتم المسلوب سوى قوله : إن خاتماً قد سلب من الإمام «عليه السلام» في كربلاء، ولم يثبت ولم ينف شيئاً..

ولكن الإمام «عليه السلام» أشار إلى ما لم يشر إليه، وأكمل سؤاله في جوابه، وعرفنا: أن ثمة أمراً باطلاً يشاع ويذاع حول هذا الخاتم. حيث قال «عليه السلام»: «ليس كما قالوا».

ثم شرع في بيان: أن الخاتم الذي له ارتباط بالإمامة، وبانتقاله إلى اللاحق، يعرف اقتراب أجل الإمام السابق، واكنتهاء مهامه. - إن


1) راجع: مثير الأحزان ص 76 و 177 و (المطبعة الحيدرية سنة 1369هـ) ص58 وبحار الأنوار ج 45 ص57 و 58 و 376 ومدينة المعاجز ج 4 ص 78 والعوالم الإمام الحسين ص 301 وذوب النضار ص 123 وشجرة طوبى ج 2 ص 423 والملهوف ص 76 ولواعج الأشجان ص193 وأصدق الأخبار للسيد محسن الأمين ص 77 وموسوعة الإمام الحسين جه ص 11 و 12 راجع شرح الأخبار ج 3 ص 164 وعن تذكرة الخواص ص 253 وفي الفتوح لابن أعثم ج 6 ص 244 بحر بن سليم الكلبي

هذا الخاتم - قد انتقل إلى الإمام السجاد قبل استشهاد الإمام «عليهماالسلام».

ثم إنه «عليه السلام» أوغل في إيضاح هذا الأمر، لإزالة الوهم وإبطال ما يشاع حين جاءه السائل نفسه - وهو محمد بن مسلم - يوم الجمعة. حيث أراه الإمام ذلك الخاتم - أعني الخاتم الذي هو من مواريث الإمامة - وقال له: هذا خاتم جدي أبي عبد الله الحسين بن علي «عليهما السلام».

مع أن الإمام الصادق إنما ورثه من أبيه «عليهما السلام»، ومع أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد أخذه من أخيه الإمام الحسن «عليهماالسلام»، الذي أخذه بدوره من علي «عليه السلام»، والإمام علي اخذه من رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فلم ينسبه الصادق «عليه السلام» إلى علي، ولا إلى النبي، ولا إلى الحسن ولا إلى السجاد، ولا الباقر. بل نسبه إلى خصوص الإمام الحسين «عليه السلام»، ليظهر أن الإمامة لم تنقطع باستشهاده «صلوات الله وسلامه عليه». وأن الخاتم الذي هو شارة الإمامة لم يسلب، بل المسلوب خاتم آخر، كان من جملة الخواتيم التي أحب «عليه السلام» أن يتختم بها في بعض الأحيان.

وحديث محمد بن مسلم المتقدم، يدل على عدم صحة ما قاله محمد بن جریر بن رستم الطبري، من أن الإمام الحسين «عليه السلام»: «كان له خاتمان، فص أحدهما عقيق، نقشه: «إن الله بالغ

أمره».

وعلى الخاتم الذي أخذ من يده يوم قتل: «لا إله إلا الله عدة لقاء الله».

من تختم بمثلهما كانا له حرزاً من الشيطان» (1).

فائدة خاتم العقيق وسائر الأحجار الكريمة:

لا ريب في أن لنوع فص الخاتم فوائد وعوائد وآثارا أشارت إليها الروايات العديدة، وكان الأئمة يتوخون هذه الفوائد والآثار في اختيارهم التختم بها ، أو يرشدون الناس إلى فعل ذلك.

وحيث قد ظهر أن الإمام الحسين «عليه السلام» كان يتختم بخواتيم عديدة، إلا أننا لم نر في الروايات تصريحاً يدل على نوع الفص الذي كان لكل واحد منها سوى الفص الذي وصل إليه من أمه الزهراء «عليهاالسلام»، فقد صرحت الرواية بأنه كان عقيقاً .

ونذكر هنا نبذة يسيرة جداً، مما كان الأئمة يتختمون به، أو يرشدون الناس إلى التختم به، وذكروا له فوائد وآثاراً، وذلك كما يلي:

روي: أنه كان لأمير المؤمنين «عليه السلام» أربعة خواتيم:

خاتم فصه ياقوت أحمر [أخضر. خ ل] يتختم به لنبله.

وخاتم فصه عقيق أحمر، يتختم به لحرزه


1) دلائل الإمامة ص 181

وخاتم فصه فيروزج، يتختم به لظفره.

وخاتم فصه حديد صيني يتختم به لقوته (1).

ونهى «عليه السلام» شيعته أن يتختموا بالحديد (2).

وقال رسول الله «صلى الله عليه وآله» تختموا بخواتيم العقيق، فإنه لا يصيب أحدكم غم ما دام عليه (3).


1) راجع: مكارم الأخلاق ج 1 ص 198 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 86 وبحار الأنوار ج 42 ص 62 و 68 عن المناقب، والعلل 1392هـ والخصال، وعن علل الشرايع ص 157 والخصال ج 1 ص199 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 69 - 75 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص87 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 4 ص 420 وج 5 ص 98 و (الإسلامية) ج3 ص 305 و 408 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 301 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 19 وتذكرة الحفاظ للذهبي ج 2 ص 576 وكنز العمال ج 6 ص 686 وميزان الإعتدال ج 3 ص 458 ولسان الميزان ج 5 ص 40 والدر النظيم ص 247 و 448

2) راجع مكارم الأخلاق ج 1 ص 198) و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 86 وراجع الكافي ج 6 ص 468 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 4 ص 418 و ج 5 ص 78 و (الإسلامية) ج 3 ص 303 و 393 والفصول المهمة للحر العاملي ج 3 ص 310 ومستدرك الوسائل ج3 ص 284 وروضة المتقين ج 7 ص 517 والفصول المهمة ج 3 ص 311 ومرآة العقول ج 22 ص 355

3) راجع مكارم الأخلاق ج 1 ص 198 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 87 وصحيفة الرضا ص 154 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 47 و (ط الأعلمي سنة 1404هـ) ج 2 ص 51 ومسند زيد بن علي ص 498 وربيع الأبرار للزمخشري ج 4 ص 439 وفيض القدير ج 3 ص 309 وكشف الخفاء ج 1 ص 300 وجامع الأحاديث للقمي ص6 والمستطرف للأبشيهي ج 2 ص 457 ووسائل الشيعة (آل البيت) جه ص86 و (الإسلامية) ج 3 ص 399 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 364 وراجع مستدرك نهج البلاغة ص 168

وعن أبي عبد الله «عليه السلام» قال قال رسول الله «صلى الله عليه وآله» تختموا بالعقيق فإنه مبارك، ومن تختم بالعقيق يوشك أن يقضى له بالحسنى (1).

وفي بعض النصوص: ما زلت أعرف من الله النعم منذ لبسته الخ.. (2).

وعن علي أمير المؤمنين «عليه السلام» أنه قال: من تختم بالعقيق ختم الله له بالأمن والأمان (3).


1) مكارم الأخلاق ج 1 ص 199 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 87 والكافي ج 6 ص 470 وراجع: هداية الأمة للحر العاملي ج 2 ص 138 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 86 و (الإسلامية) ج 3 ص 399 ومرآة العقول ج 22 ص358

2) مكارم الأخلاق ج 1 ص 199 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 87

3) مكارم الأخلاق ج 1 ص 200 و منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 87

وقد شكا رجل إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أنه قطع عليه الطريق، فقال له هلا تختمت بالعقيق ؟ فإنه يحرس من كل سوء (1).

وعن عبد الرحمن القصير قال: بعث الوالي إلى رجل من آل أبي طالب في جناية، فمر بأبي عبد الله «عليه السلام»، فقال: اتبعوه بخاتم عقيق.

قال فاتبع بخاتم فلم ير مكروها (2).

وعن سليمان الأعمش :قال كنت مع جعفر بن محمد «عليه


1) مكارم الأخلاق ج 1 ص 202 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 88 والكافي ج 6 ص 471 وثواب الأعمال ص 208 و (منشورات الشريف الرضي) ص 174 وروضة المتقين ج 1 ص 645 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 89 و (الإسلامية) ج 3 ص 402 وعدة الداعي ص 118 و 119 ومرآة العقول ج 22 ص 358 وأعلام الدين للديلمي ص 392

2) مكارم الأخلاق ج 1 ص 202 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 89 وهداية الأمة ج 2 ص 139 والكافي ج 6 ص 471 وثواب الأعمال ص 174 وعدة الداعي ص 118 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 89 و (الإسلامية) ج 3 ص 402 ومرآة العقول ج22 ص 358 وأعلام الدين ص391

السلام» على باب أبي جعفر المنصور، فخرج من عنده رجل مجلود بالسوط، فقال [لي]: يا سليمان [ف] انظر ما فص خاتمه؟!

قلت: يا ابن رسول الله، فصه غير عقيق.

فقال: یا سلیمان، أما إنه لو كان عقيقاً لما جلد بالسوط.

قلت: یا بن رسول الله زدني؟!

قال: يا سليمان، هو أمان من قطع اليد.

قلت: يا بن رسول الله زدني؟!

قال: یا سلیمان، هو أمان من الدم.

قلت: يا بن رسول الله زدني؟!

قال: يا سليمان إن الله عز وجل يحب أن ترفع إليه في الدعاء يد فيها فص عقيق.

قلت: يا بن رسول الله، زدني؟!

قال: العجب [كل العجب] من يد فيها فص عقيق كيف تخلو من الدنانير والدراهم.

قلت: یا بن رسول الله، زدني؟!

قال: يا سليمان، إنه حرز من كل بلاء.

قلت: يا بن رسول الله، زدنی؟!

قال: یا سلیمان، هو أمان من الفقر.

قلت: يا بن رسول الله، أحدث بها عن جدك الحسين بن علي، عن أمير المؤمنين «عليهم السلام».

قال: نعم (1).

وعن الإمام الرضا «عليه السلام»: العقيق ينفي الفقر، ولبس العقيق ينفي النفاق (2).

وعن النبي «صلى الله عليه وآله» من تختم بالعقيق قضيت حوائجه (3).

وعن الصادق «عليه السلام»: العقيق أمان في السفر (4).


1) مكارم الأخلاق ج 1 ص 200 و 201 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 88 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 91 و 92 و (الإسلامية) ج 3 ص 403

2) روضة المتقين ج 7 ص 518 وهداية الأمة ج 2 ص 138 والكافي ج 6 ص 470 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 85) و (الإسلامية) ج3 ص 399 ومرآة العقول ج 22 ص 357 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 363

3) روضة المتقين ج 7 ص 645 وهداية الأمة ج 2 ص 138 وج3 ص127 والكافي ج 6 ص 470 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 86 وج 7 ص 144 و (الإسلامية) ج 3 ص 399 و ج 4 ص 1175 ومرآة العقول ج 22 ص 358

4) روضة المتقين ج 7 ص 645 وهداية الأمة ج 2 ص 139 والكافي ج 6 ص 470 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 89 و (الإسلامية) ج3 ص 399 و ج 3 ص 401 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 296 وج 8 ص 218 والأمان من أخطار الأسفار والأزمان ص 52 ومرآة العقول ج 22 ص 358

وإنما أشرنا إلى ما روي عنهم «عليهم السلام» في فوائد العقيق، مع أنها فوائد لا يمكن إدراكها بالحواس، ولا مجال لإثباتها بالأدلة العقلية بصورة مباشرة إلا أنها يمكن إثباتها بالأدلة التي نقيمها على ثبوت التوحيد، وبعثة الأنبياء وعصمتهم، وسعة علمهم الذي حباهم الله تعالى به، وتثبت صدقهم في كل ما يخبرون به، لأن هذه الروايات من أخبارهم الغيبية، وثبوت نبوتهم يلازم ثبوت صدقها، ويغني عن الاستدلال على صحتها.. وفي هذا كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد، بل هو فوق الكفاية..

هل تختم الحسنان باليسار؟!:

روي عن الصادق «عليه السلام» أنه قال: كان الحسن والحسين «عليهما السلام» يتختمان في يسار هما (1).


1) روضة المتقين ج 7 ص 644 والكافي ج 6 ص 469 و 470 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 80 و (الإسلامية) ج 3 ص 395 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 209 و 210 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 93 ومرآة العقول ج 22 ص 357 وسنن الترمذي ج 3 ص 142 وعمدة القاري ج 22 ص 36 و 35 وتحفة الأحوذي ج5 ص 345 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 68 والشمائل المحمدية للترمذي ص 60 وشرح معاني الآثار ج 4 ص 266 وترجمة الإمام الحسن من طبقات ابن سعد ص 73 وتاريخ جرجان للسهمي ص371 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 273 وشعب الإيمان للبيهقي ج 5 ص 203

وعن أبي القداح، عن جعفر «عليه السلام»: كان علي والحسن الحسين «عليهم السلام» يتختمون في يسارهم (1).

ونقول:

إن التختم باليسار مباح في نفسه كالتختم باليمين. وعلى ذلك تحمل الرواية التي وردت عن علي بن جعفر قال: سألت أخي موسى «علیه السلام» عن الخاتم يلبس في اليمين؟! فقال: إن شئت في اليمين، وإن شئت في اليسار (2).


1) الكافي ج 6 ص 469 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 80 و (الإسلامية) ج 3 ص 395 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 209 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 92 و 93 ومرآة العقول ج 22 ص 356 وراجع السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 143 وفتح الباري ج 10 ص 275 وعمدة القاري ج 22 ص 36 و 37 وتحفة الأحوذي ج 5 ص 345 22 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 68 وشعب الإيمان للبيهقي جه ص 203 وكنز العمال ج 6 ص 686 وفتوح الشام للواقدي ج 2 ص 40 وإمتاع الأسماع ج 7 ص 56

2) روضة المتقين ج 7 ص 643 و 644 وهداية الأمة ج 2 ص 136 ومسائل علي بن جعفر ص 217 والكافي ج 6 ص 469 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 79 و 80 و الإسلامية ج 3 ص 394 ومرآة العقول ج22 ص 356

فإن المقصود به مجرد إثبات الإباحة، ورفع توهم الحظر.

إلا أن التختم باليسار قد يكون ممنوعاً، كما إذا كان بخاتم فيه أسماء مقدسة أو آيات قرآنية، مما يحرم تعريضه للنجاسة. فلا بد في هذه الصورة من نزع الخاتم من اليد اليسرى حين دخول المتوضاً. كما دلت عليه الروايات.

أما فيما يرتبط بتختم الحسنين «عليهما السلام» في يسارهما، فنقول:

إن كان المراد: إن ذلك هو ديدنهما، وطريقتهما، فغير صحيح، وذلك لما يلي:

أولاً: لما دل على أن التختم باليمين كان ديدن بني هاشم، فلا يعقل أن يلتزم بنو هاشم بالتختم باليمين ويكون أعظم رجالهم، وأقدسهم وقدوتهم ، ورئيسهم في زمانه يخالفهم في ذلك، ويتختم باليسار !!

فقد روى الطبرسي قال: «من كتاب اللباس، عن بحر قال: سألت أبا عبد الله «عليه السلام» عن التختم في اليمين، وقلت: إني رأيت بني هاشم يتختمون في أيمانهم.

فقال: نعم، كان أبي يتختم في يمينه، وكان أفضلهم وأفقههم» (1).

وهذه الرواية هي الأولى بالاعتبار والقبول، وهي تدل على أن الإمام الصادق «عليه السلام» كان يريد أن يؤيد صوابية فعل بني هاشم، بموافقته لفعل الأفضل والأفقه.

هل هذه رواية محرفة؟!:

لكن الكليني يروي الحديث الآنف الذكر نفسه عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن الحكم، عن أبان، عن يحيى بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله «عليه السلام»: أنّه سأله عن التختم في اليمين، وقال: وقلت: إني رأيت بني هاشم يتختمون في أيمانهم.

فقال كان أبي يتختم في يساره، وكان أفضلهم وأفقههم (2).

وهذه الرواية لا يمكن قبولها لما يلي:

أولاً: إن رواية الطبرسي تعارضها، وتوجب الريب في صحتها. كما أن العكس صحيح، فإن رواية الطبرسي تصبح موضع ريب بسبب هذا التعارض.


1) مكارم الأخلاق ج 1 ص 209 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 92

2) الكافي ج 6 ص 469 وروضة المتقين ج 7 ص 643 وهداية الأمة ج 2 ص 136 و 137 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 80 و (الإسلامية) ج 3 ص 395 ومرآة العقول ج 22 ص 355

ثانياً : إنها مخالفة للروايات التالية:

1 - عن أبي عبد الله «عليه السلام»: إن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يتختم في يمينه (1).


1) الكافي ج 6 ص 469 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 68 ودعائم الإسلام ج 2 ص 164 ووسائل الشيعة آل البيت ج 5 ص 83 و 82 و (الإسلامية) ج3 ص 397 و 396 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 285 و ومناقب آل أبي طالب ص 69 - 75 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 87 وحلية الأبرار ج 1 ص 418 وبحار الأنوار ج 10 ص 134 وج 16 ص 146 و 97 و 122 و 220 و ج 33 ص 236 وج 42 ص 62 و 69 ومرآة العقول ج 22 ص 356 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 366 ومسند أحمد ج 1 ص 204 و 205 وسنن ابن ماجة ج2 ص 1203 وسنن أبي داود ج 2 ص 296 وسنن النسائي ج8 ص193 و 175 ومجمع الزوائد ج 5 ص 153 وفتح الباري ج 10 ص 274 و 275 وعمدة القاري ج 22 ص 36 و 37 وتحفة الأحوذي ج 5 ص344 و 346 وعون المعبود ج 11 ص 193 و 196 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 68 والشمائل المحمدية ص 58 و 59 و 60 والآحاد والمثاني ج 1 ص 314 والسنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 451 و 452 والتمهيد لابن عبد البرج 17 ص 110 ومسند أبي يعلى ج 5 ص 427 ومسند أبي يعلى ج12 ص 168 والمعجم الأوسط ج 5 ص 14 والمعجم الكبير ج 8 ص244 وج 11 ص 242 وشعب الإيمان ج 5 ص 205 والإستيعاب ج 3 ص 954 والجامع الصغير ج 2 ص 370 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج6 ص 682 و 684 و 687 وج 7 ص 125 و 126 وفيض القدير ج5 ص 255 و 256 وج 6 ص 435 والطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص 477 والتاريخ الكبير ج 1 ص 350 والكامل لابن عدي ج 1 ص 380 وج 3 ص 10 و 261 وج 4 ص 187 و ج 5 ص 237 وج 6 ص 237 و 390 وطبقات المحدثين بأصبهان ج 3 ص 453 وعلل الدارقطني ج 1 ص 127 وج 3 ص 86 وتاريخ بغداد ج 11 ص 96 وعلل الترمذي ص 286 وتاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 184 و 185 وج 7 ص 196 وج 9 ص 147 وج 17 ص 246 و ج 32 ص 299 وتهذيب الكمال ج 16 ص 202 وج 17 ص 87 وسير أعلام النبلاء ج 7 ص 66 وفتوح الشام ج 2 ص 40 وذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 102 و ج 2 ص 93 و 133 وبغية الطلب لابن العديم ج 7 ص 3498 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 9 ص374 ومرآة الجنان ج 1 ص 37 والبداية والنهاية ج 10 ص 129 وإمتاع الأسماع ج7 ص 54 و 55 و 56 و 57 وتاريخ الخلفاء ص 294 والسيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 705 وسبل الهدى والرشاد ج 7 ص 325 وهداية الأمة ج2 ص 137 و علل الشرائع ج 1 ص 158 وروضة الواعظين ص309 ومدينة المعاجز ج 3 ص 352 وتفسير القمي ج 2 ص 271 والبرهان (تفسير) ج 4 ص 807

زاد بعضهم في الرواية: وقبض والخاتم في يمينه (1).


1) بحار الأنوار ج 42 ص 62 ومناقب آل أبي طالب ص 69 - 75 و ط (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 87 عن مصادر عديدة ، وعن عدد من الرواة، والطرائف لابن طاووس ص 532 ، ومجمع الزوائد ج 5 ص 153 وربيع الأبرار ج 4 ص 439 والمستطرف للأبشيهي ج 2 ص 457 والسيرة الحلبية ج 3 ص 282

وفي رواية: لم يزل رسول الله «صلى الله عليه وآله» يتختم في يمينه حتى (قبض) قبضه الله إليه (1).

2 - كان أمير المؤمنين «عليه السلام» يتختم في يمينه (2).

3 - إن علي بن الحسين «عليه السلام» كان يتختم في يمينه (3).

4 - بل لقد روي عن الإمام العسكري «عليه السلام»: أن علائم المؤمن: صلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (4).


1) تاريخ مدينة دمشق ج 17 ص 246 وعمدة القاري ج 22 ص 36 عن الدارقطني في غرائب مالك، وسبل الهدى والرشاد ج 7 ص 326 ومكارم الأخلاق الطبرسي (منشورات الشريف الرضي) ص 37

2) الكافي ج 6 ص 470 وبحار الأنوار ج 42 ص 62 و 70 ومناقب آل أبي طالب ص 69 - 75 وروضة المتقين ج 7 ص 644 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 83 و 82 و (الإسلامية) ج 3 ص 3397 و 396 ومناقب آل ج3 ص397 أبي طالب ص 69 - 75 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص87 وبحار الأنوار ج 42 ص 62 و 68 و 70 ومرآة العقول ج 22 ص 357 وعلل الشرائع ج 1 ص 158 وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 215

3) الكافي ج 6 ص 470 وروضة المتقين ج 7 ص 644 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 84 و (الإسلامية) ج 3 ص 398 ومرآة العقول ج22 ص 357

4) إقبال الأعمال ص 589 و (ط مكتب الإعلام الإسلامي) ص 100 ومصباح المتهجد ص 729 و (ط أخرى) ص 551 وتهذيب الأحكام ج6 ص52 والمزار للمفيد ص 60 و (ط دار المفيد سنة 1414هـ) ص53 والمزار لابن المشهدي ص 352 والمتنهى للعلامة وروضة الواعظين ص 195 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 14 ص 478 ووسائل الشيعة (الإسلامية) ج 10 ص 373 وبحار الأنوار ج 82 ص 75 و 76 وج 95 ص 348 وج 98 ص 106 و 229 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 294 وروضة المتقين ج 2 ص 302 و ج 5 ص 389

5- عن النبي «صلى الله عليه وآله» أنه قال: لما خلق الله إبراهيم الخليل كشف الله عن بصره، فنظر إلى جانب العرش، فرأى أنوار النبي «صلى الله عليه وآله» والأئمة «عليهم السلام»، فقال: إلهي وسيدي، أرى عدة أنوار حولهم لا يحصي عدتهم إلا أنت.

قال: يا إبراهيم! هؤلاء شيعتهم ومحبوهم.

قال: إلهي وبما يعرف شيعتهم ومحبوهم؟!

قال: بصلاة الإحدى والخمسين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، والقنوت قبل الركوع، وسجدة الشكر والتختم باليمين (1).


1) بحار الأنوار ج 82 ص 84 وج 36 ص 214 وفي هامشه عن الروضة ص 33 و 34 والفضائل لابن شاذان ص 166 و 167 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 158 والرسائل الأحمدية ج 2 ص 50 و (ط دار المصطفى سنة 1419هـ) ج 1 ص 322 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 292 ومدينة المعاجز ج 3 ص 363 - 365 واللمعة البيضاء ص190

قال العلامة المجلسي «رحمه الله» في شرحه لهذا الحديث:

«الأظهر: أن التختم باليسار محمول على التقية، لما قد ورد في الروايات: أنه من بدع بني أمية..

ويمكن حمله على أنهم يتختمون باليسار بشيء ليس فيه شرافة، كانوا يحولونها عند الاستنجاء.

ويؤيد الأول: ما رواه محمد بن شهر آشوب في كتاب المناقب من عدة كتب: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يتختم في يمينه، والخلفاء الأربعة بعده، فنقلها معاوية إلى اليسار، وأخذ الناس بذلك، فبقي كذلك أيام المروانية، فنقلها السفاح إلى اليمين، فبقي إلى أيام الرشيد، فنقلها إلى اليسار، وأخذ الناس بذلك.

واشتهر أن عمرو بن العاص عند التحكيم سلَّها من يده اليمنى، وقال: خلعت الخلافة من علي كخلعي خاتمي هذا من يميني، وجعلتها في معاوية كما جعلت هذا في يساري» (1).

وهذا يدل على أن اختيار اليد اليمنى للخاتم ليس متروكاً لأهواء الناس، بل هو صادر عن الله عز وجل، وجاءنا به أنبياؤه المرسلون.

6 - عن ابن عباس، وصعصعة، وعائشة: أنه هبط جبرئيل على


1) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 69 - 75 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 87 عن السلامي في النتف وبحار الأنوار ج 42 ص 62 و 63 عنه، وربيع الأبرار ج 4 ص 439 ويتيمة الدهر للثعالبي النيسابوري ج 4 ص 77

رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال: يا محمد ربي يقرؤك السلام، ويقول لك: البس خاتمك بيمينك، واجعل فصه عقيقاً، وقل لابن عمك يلبس خاتمه بيمينه الخ.. (1).

7 - وكان ابن عباس، وجعفر يتختمان في يمينهما (2).

8 - وقال الراغب الأصفهاني: كان النبي «صلى الله عليه وآله» وأصحابه يتختمون في أيمانهم، وأول من تختم في يساره معاوية (3).


1) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 69 - 75 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص87 وبحار الأنوار ج 42 ص 61 عنه، وروضة الواعظين ص309 والدر النظيم ص 448 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 293 ومعارج اليقين للسبزواري ص 371

2) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 69 - 75 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص87 وبحار الأنوار ج 42 ص 62 عنه، والتمهيد لابن عبد البر ج 17 ص112 وعلل الترمذي الكبير ص 286 وإمتاع الأسماع ج 7 ص 54 و 55 ومسند أحمد ج 1 ص 204 و 205 وراجع فتح الباري ج 10 ص 274 وعون المعبود ج 11 ص 196 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 69 والشمائل المحمدية ص 58 و 59 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 477 والتاريخ الكبير ج 1 ص 350 وتهذيب الكمال ج 17 ص87 وسبل الهدى والرشاد ج 7 ص 325

3) محاضرات الراغب، المجلد الثاني ج 4 ص 473 و 474 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 69 - 75 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص87 عنه، وبحار 2 الأنوار ج 42 ص 62 وإحقاق الحق (الأصل) ص 392 والصراط المستقيم ج 3 ص 206 وكتاب الأربعين ص 657

9 - روی ابن شهرآشوب عن الجاحظ أنه كان آدم، وإدريس وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ،وإلياس ويعقوب، وداود وسليمان ويوسف ودانيال، ويوشع، وذو القرنين، ويونس، ولوط، وهود، وشعيب، وزكريا، ويحيى، وصالح، وعزير، وأيوب، ولقمان، وعيسى، ومحمد «صلى الله عليه وآله» يتختمون في أيمانهم (1).

10 - في حديث: أن جبرئيل قال للنبي «صلى الله عليه وآله»: «ما من أحد تختم في يمينه، وأراد بذلك سنتك، ورأيته يوم القيامة متحيراً إلا أخذت بيده وأوصلته إليك وإلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام»..» (2).

11 - عن سلمان الفارسي قال : قال رسول الله «صلى الله عليه وآله» لعلي: يا علي تختم باليمين تكن من المقربين (3).


1) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 74 و 75 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 88 وبحار الأنوار ج 42 ص 63

2) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 75 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص88 وبحار الأنوار ج 42 ص 63 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 291 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 604 و 605

3) علل الشرايع ص 64 و (ط المكتبة الحيدرية) ص158 وبحار الأنوار ج 27 ص 280 و ج 42 ص 69 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 83 و (الإسلامية) ج 3 ص 397 وكتاب الأربعين للشيرازي ص57 ومدينة المعاجز ج 1 ص 423 وتفسير نور الثقلين ج 1 ص 578 وتفسير كنز الدقائق ج 3 ص 596 والمناقب للخوارزمي ص 326 وغاية المرام ج 1 ص 126 و ج 2 ص 151 وج 6 ص 62 ونفس الرحمن ص 446 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 4 ص 88 و 382 و ج 15 ص 139 و 140 وج 30 ص 668

12 - عن ابن عبدوس عن ابن قتيبة عن الفضل بن شاذان عن ابن أبي عمير قال: قلت لأبي الحسن موسى «عليه السلام»: أخبرني عن تختم أمير المؤمنين «عليه السلام» بيمينه لأي شيء كان؟!

فقال: إنما كان يتختم بيمينه لأنه إمام أصحاب اليمين بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقد مدح الله عز وجل أصحاب اليمين، وذم أصحاب الشمال.

وقد كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يتختم بيمينه، وهو علامة لشيعتنا، يعرفون به، وبالمحافظة على أوقات الصلاة، وإيتاء الزكاة ومواساة الإخوان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1).

وحسبنا ما ذكرناه، فإن الحر تكفيه الإشارة ، فما بالك إذا كانت النصوص بهذا الوضوح والكثرة والغزارة.

وقد ظهر أن من الجائز أن يكون «عليه السلام» كان يتختم


1) علل الشرايع ص 64 و (ط المكتبة الحيدرية 1385هـ) ص158 وبحار الأنوار ج 42 ص 68 و 69 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 82 و الإسلامية ج 3 ص 396

بیساره حين تكون أصابع اليد اليمنى قد استوعبت عدة خواتيم، حتى احتاج إلى وضع ما تبقى من الخواتيم بيساره.

ولعل ما وضعه في يساره لم يكن قد نقش عليه شيء. أو أنه كان ينزعه من إصبعه إذا دخل إلى المتوضاً، كما رأينا وسنرى.

التختم باليمين هو السنة:

ومن المفارقات هنا: ما قاله الشيخ إسماعيل البروسوي، من أنه قد ذكر في عقد الدرر: «أن السنة في الأصل التختم في اليمين. ولما كان ذلك شعار أهل البدعة والظلمة صارت السنة أن يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا» (1).

ولست أدري من أين جاءتهم هذه السنة المتجددة فظهرت بعد عقود وعهود من استشهاد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فهل بعث لهؤلاء نبي جديد، وأسس لهم سنة جديدة تخالف سنة الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله»؟! أو أن الوحي نزل عليهم؟! ولكن ليت شعري ما هو مصدر هذا الوحي!!

هل هذا تدليس؟!:

عن الحسين بن خالد أنه سأل أبا الحسن الرضا «عليه السلام»، قال: إنا روينا في الحديث أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان يستنجي وخاتمه في إصبعه، وكذلك كان يفعل أمير المؤمنين «عليه


1) الغدير ج 10 ص 211 عن روح البيان ج4 ص 142

السلام». وكان نقش خاتم رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «محمد رسول الله».

قال: صدقوا.

قلت: فينبغي لنا أن نفعل؟!

قال: [لا]، إن أولئك كانوا يتختمون في اليد اليمنى، وإنكم أنتم تتختمون في اليسرى.

قال: فسكتُّ (1).

فالمراد أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يستنجي باليسرى، وكان يتختم باليمين. وكذلك كان أمير المؤمنين «عليه السلام» يفعل.

ولكن السائل كان يتختم باليسرى كما سته لهم معاوية، ويستنجي بها أيضا، فلما سمع أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يستنجي وخاتمه في إصبعه، ظن أن عمله موافق لعمل النبي وعلي «صلوات الله وسلامه عليهما»، لظنه أنهما كانا يضعان الخاتم بيدهما اليسرى. مع أن الأمر ليس كذلك.


1) الكافي ج 6 ص 474 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 209 و (منشورات الشريف الرضي) ص 92 وروضة المتقين ج 7 ص 648 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 1 ص331 وراجع ص 333) و (الإسلامية) ج 1 ص233 و 234 ومستدرك الوسائل ج 1 ص 265 وحلية الأبرار ج 1 ص 419 و 420 ومرآة العقول ج 22 ص 363 وسنن النبي للطباطبائي ص196 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 368

ويوضح ذلك: النص الآخر للرواية، فعن الحسين بن خالد الصيرفي: أنه سأل الرضا «عليه السلام»: الرجل يستنجي وخاتمه في إصبعه، ونقشه: لا إله إلا الله؟!

فقال: أكره ذلك له.

فقلت: جعلت فداك، أوليس كان رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وكل واحد من آبائك «عليهم السلام» يفعل ذلك، وخاتمه في إصبعه؟!

قال: بلى، ولكن أولئك كانوا يتختمون في اليد اليمنى، فاتقوا الله وانظروا لأنفسكم (1).

ولعل تختم بعض الشيعة باليسرى في زمان الرضا «عليه السلام» كان مجاراة للعامة الذين كان حكامهم قرروا مخالفة السنة، مضادة للأئمة «عليهم السلام»، ولكي يتمكنوا من رصد الشيعة، ولو من خلال رصد الخاتم في أي يد يوضع.

ومما يدل على عدم جواز الاستنجاء باليد التي فيها خاتم منقوش


1) الأمالي للصدوق ص 273 و 274 و (ط مؤسسة البعثة) ص 542 و 543 وعيون أخبار الرضا ص 217 و 218 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 59 و 60 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج1 ص333 و (الإسلامية) ج 1 ص234 وبحار الأنوار ج 11 ص 62 وج 77 ص 200 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 364

عليه الأسماء المقدسة، والعبائر القرآنية ونحوها مما لا يجوز تعريضه للنجاسة، ما روي عن أمير المؤمنين «عليه السلام»، من أنه قال في وصيته لأصحابه:

«من نقش خاتمه وفيه أسماء الله، فليحوله عن اليد التي يستنجي بها في المتوضأ» (1).

ونستطيع أن نفهم من هذه الرواية: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» ربما كان يضع في إصبع يده اليسرى بعض خواتيمه أيضاً. ولعل فصها لم يكن قد كتب عليه شيء، وحتى لو كان قد كتب عليه اسم الله، فمن الذي قال لهم: إنه «عليه السلام» إذا دخل إلى المتوضأ لكي يستنجي لم يكن يحول الخاتم من اليسرى إلى اليمنى. إذ لا يعقل أن يأمر الناس بفعل ذلك، ثم يفعل هو عكسه.

ويبدو: أنهم كانوا يرونه يدخل الخلاء وخاتمه في إصبعه، ولا يدرون أنه يحوله عنها إلى اليد اليمنى، فنسبوا إليه ما هو منه بريء.


1) الكافي ج 6 ص 474 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 198 و (منشورات الشريف الرضي) ص 87 وهداية الأمة ج 1 ص 89 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 1 ص 331 و (الإسلامية) ج 1 ص 233 ومرآة العقول ج 22 ص 364 وراجع: من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 29 وتحف العقول ص 102 والمحجة البيضاء ج 1 ص 292

الفصل الرابع:

لباس الحسين «عليه السلام» الخز والإبريسم..

الخز والسندس، والأبريسم:

روي: أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد لبس الخز، والأبريسم، والسندس.

فأما بالنسبة للخز، فقد روي:

1 - عن جابر، عن الإمام الباقر «عليه السلام» قال: «قتل الحسين بن علي، وعليه جبة خز دكناء» (1).

2 - وعن الإمام الصادق «عليه السلام»: «أصيب الحسين وعليه جبة خز» (2).


1) الكافي ج 6 ص 452 وبحار الأنوار ج 45 ص 94 وروضة المتقين ج7 ص 627 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 4 ص 364 - 365 و 383 وبحار الأنوار ج 45 ص 94 ومرآة العقول ج 22 ص 331 والعوالم الإمام الحسين ص 329 و 330 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 449 و 451 و 458

2) الكافي ج 6 ص 442 ودعائم الإسلام ج 2 ص 153 و 154 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 514 و 515 وج 4 ص 364 و 365 و (الإسلامية) ج 2 ص 1090 و ج 3 ص 264 و 265 ومستدرك الوسائل ج3 ص 203 و 204 وخاتمة المستدرك ج 5 ص 270 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 237 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 107 وبحار الأنوار ج 45 ص 94 و ج 62 ص 125 وج 63 ص 52 وج 76 ص 304 ومرآة العقول ج 22 ص 317 والعوالم، الإمام الحسين ص329 و 330 وتفسير العياشي ج 2 ص 15 وتفسير مجمع البيان ج 4 ص 246 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 534 و 538 وتفسير نور الثقلين ج 2 ص 23 وتفسير كنز الدقائق ج 5 ص 74 وتفسير العياشي ج 2 ص 15

وروي ذلك في مصادر غير الشيعة أيضاً (1).

3 - عن قتيبة بن محمد قال: قلت لأبي عبد الله «عليه السلام»: إنّا نلبس الثوب الخز، وسداه إبريسم؟!

قال: لا بأس بالإبريسم إذا كان معه غيره. وقد أصيب الحسين «عليه السلام» وعليه جبة خز، سداها إبريسم.

قلت: إذن نلبس هذه الطيالسة البربرية، وصوفها ميت؟!

قال: ليس في الصوف روح، ألا ترى أنه يُجَرُّ، ويباع، وهو حي ؟! (2).


1) تاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 105 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص42 وراجع مجمع الزوائد ج 9 ص 192 و 193 والمعجم الكبير ج9 ص92 ج 3 ص 115 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 252 وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين الدمشقي ج 1 ص 350 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2618 و 2663 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 430

2) مكارم الأخلاق ج 1 ص 237 و منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 107 وبحار الأنوار ج 63 ص 52 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 514 و 515 و (الإسلامية) ج 2 ص 1089 و 1090

4 - عن عامر: أنه رأى الحسين بن علي، وعليه جبة خز (1).

5 - عن العيزار بن حريث: رأيت على الحسين بن علي «عليه السلام» مطرفاً من خز، قد خضب رأسه ولحيته بالحناء والكتم (2).

6 - وفي نص آخر: عن العيزار بن حريث: رأيت الحسين بن علي «عليه السلام»، وعليه كساء خز وكان يخضب بالحناء والكتم (3).

وحسب نص الطبراني: «كساء خز أحمر» (4).

7 - عن السدي: رأيت الحسين بن علي «عليه السلام»، عليه عمامة ، خز ، قد خرج شعره من تحت العمامة (5).


1) مسند ابن الجعد ص313 ومسانيد أبي يحيى الكوفي ص 159 و 160 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص42

2) تاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 105 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 41 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 291 وشرح معاني الآثار ج 4 ص256

3) المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 3 ونصب الراية ج6 ص112

4) المعجم الكبير لطبراني ج 3 ص 100 ومجمع الزوائد ج 5 ص 145

5) المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 100 ومجمع الزوائد ج 5 ص 145 ج3 ونصب الراية ج 4 ص 228 و (ط دار الحديث بالقاهرة سنة 1415هـ) ج 6 ص112 و 113

8- عن مستقيم بن عبد الملك: رأيت على الحسن والحسين جوارب خز منصوب. ورأيتهما يركبان البراذين (النجادية أو النجارية، أو التجارية أو التحارية) (1).

ولم يتضح لنا معنى هذه العبارة الأخيرة، أعني: «البراذين (النجادية أو النجارية، أو التجارية أو التحارية)».

أما بالنسبة للسندس، فنقول:

عن أبي عكاشة الهمداني: رأيت على الحسين يوم قتل يلمق سندس (2).

ونقول:

إن الحديث حول هذه النصوص طويل ومتشعب، فلا بد من الاقتصار على ما تيسر منه مما يتناسب مع ما نحن بصدده، فنقول:

إيضاحات:

وردت في هذه النصوص بضع كلمات يحسن توضيحها، وهي التالية:

الجوارب: جمع جورب، وهو ما يخاط من خِرَقٍ توضع فيها


1) المعجم الكبير ج 3 ص 100 ومجمع الزوائد جه ص144 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 273 وترجمة الإمام الحسن من طبقات ابن سعد ص72

2) المعجم الكبير ج 3 ص 101 ومجمع الزوائد ج 5 ص 145

الرجل، لكي تحميها وتسترها.

البرذون: جمعه براذین: دابة خاصة لا تكون إلا من الخيل، وهي الجفاة من الخيل من غير العِرَاب منها.

وقال السخاوي: البرذون: الجافي الخلقة الجلد على السير في الشعاب والوعر من الخيل غير العرابية، وأكثر ما يجلب من الروم.

وقال الباجي: البرذون من الخيل: هو العظيم الخلقة الجافيها، الغليظ الأعضاء، والعراب أضمر ، وأرق أعضاء (1).

وقيل: البرذون: دابة دون الخيل، وأقدر من الحمار.

المطرف - بكسر الميم وضمها -: رداء من خز، مربع، وفي طرفه علمان (2).

اليلمق: القباء.. وهو فارسي معرب (3).

السندس: مارق من الديباج (4).

الديباج: الثوب الذي سداه ولحمته حرير (5).

الدكناء: التى يضرب لونها إلى السواد (6).


1) تاج العروس ج 9 ص 38

2) مجمع البحرين ج 2 ص 1099

3) صحاح اللغة ج 4 ص 1571

4) النهاية في اللغة ج 2 ص 409

5) أقرب الموارد ج 1 ص 316

6) صحاح اللغة ج 5 ص 2113

السدى من الثوب: ما مدّ من خيوطه، ويقابله اللحمة. وهي ما نسج عرضاً.

الإبريسم: هو الحرير قبل أن يخرقه الدود معرب (1).

المجاج: الريق ترميه من فيك، والعسل، وقد يقال له: مجاج النحل. ومجاجة الشيء عصارته.

الطيالسة: جمع طيلسان كساء مدور ،أخضر، لا أسفل له، لحمته - وقيل سداه - من صوف.

القز: الإبريسم وعن الليث ما يسوى منه الإبريسم ولذا قال بعضهم: القز والإبريسم مثل الحنطة، والدقيق.

ودود القز، أو دود الحرير، دود معروف مجاجه القز.

الخز قالوا: هو الحرير، كما هو المشهور. وقيل: ما نسج من الصوف، والحرير.

وفي المصباح: الخز: اسم دابة، ثم أطلق على الثوب المتخذ من وبرها (2).

الخز ليس حريراً:

قد ظهر مما ذكرناه عن القز، والخز، والحرير: أن تفسير الخز


1) أقرب الموارد ج1 ص2

2) أقرب الموارد ج 1 ص 270

بالحرير غير دقيق. وإن اشتهر ذلك، فرب مشهور لا أصل له.

بل الخز إن كان هو المنسوج من حرير وصوف. فليس لبسه للرجال حراماً، فإن لبس الرجال للحرير المختلط بالصوف لا إشكال فيه.

ولو كان الخز حريراً، لما لبسه الإمام الحسين «علیه السلام»، ولا لبسه النبي «صلى الله عليه وآله». ولا أي من الأئمة الطاهرين «عليهم السلام»، مع أن النصوص الكثيرة تدل على أنهم «عليهم السلام» كانوا يلبسون الخز.

وإن كان المراد بالخز هو نفس ذلك الحيوان المائي. كما دلت عليه رواية قتيبة بن محمد عن الإمام الصادق «عليه السلام»، فليس هو الحرير المحرم ، وإن أشبهه في نعومته.

على أن نفس الرواية قد ميزت بين الخز وبين الإبريسم، وبينت أن لحمة تلك الجبة كانت خزا، وسداها من إبريسم مما يعني أن الخز قد اختلط مع الحرير فجاز لبسه.

أما رواية لبس الإمام الحسين «عليه السلام» يلمق سندس يوم قتل.

فإن الرواية إن صحت، وقلنا: إن أبا عكاشة لم يغلط في تمييزه بين صوف ذلك الحيوان المسمى بالخز، وبين الحرير.. فإننا نقول:

إن الإمام الحسين «عليه السلام» كان في يوم عاشوراء في ساحة الحرب. ويجوز للمحارب أن يلبس الحرير الخالص في ميدان الحرب

نكاية للعدو، ولا ضير في ذلك.

لماذا الحرير في الحرب؟!:

وفيما يتعلق بسبب تجويز الشرع الشريف لبس الحرير في الحرب نقول: إننا لا نستطيع معرفة السبب في ذلك، إلا إذا دلنا عليه نص قرآني، أو حديث عن المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى وإن كان البشر قد يكتشفون بعض الحكم والفوائد في ذلك. لكن لا شيء يدل على أن ما يتوصلون إليه هو كل العلة لذلك، فلعله من بعض حكمه وفوائده

ولكننا نلاحظ:

1 - أن الفارس حين يصبح في موقع التحدي يحتاج إلى الشعور بالقوة، وبالتأييد وبالرضا ممن يملك القوة، ويقدر على بذل المعونة. وبما أن كل قوة ومعونة تنتهي إلى الله سبحانه، ولأن النصر يأتي من عند الله سبحانه، فمن الضروري أن يشعر المقاتل بأنه موضع عناية الله، وأنه ينال رضاه، وعنايته، وله أن يتوقع معونته ونصره تعالى. ليكن شعوره بهذه الرخصة الإلهية من مفردات وتجليات هذا الرضا، وهو يعطي المقاتل سكينة، ويمنحه أنساً روحياً، وهو بحاجة إليه.

2 - لعل لتحريم لبس الحرير والذهب على الرجال حِكَمًا بعضها يرتبط بالسلامة الجسدية. فلربما أوجب لبس الرجال لهما ضرراً على بعض الخلايا التي ترتبط برجولية الرجل مثلاً، في حين أنه قد يكون

لبس المرأة للحرير والذهب مفيداً، أو منشطاً، أو مغذياً للخلايا التي ترتبط بتكوينها الأنثوي.. ولعل هذه الآثار تحصل لها أو له من خلال اللمس، أو من خلال الإشعاعات التي يبثها هذا أو ذاك.

كما أن للتزين بهما آثاراً روحية سلبية على الرجل، وإيجابية على المرأة.

فالمرأة التي تحب الزينة، والجمال، وتميل إلى الرقة، وتنبهر بالمظاهر والألوان والأحجام تجد في الحرير والذهب ما يزيدها جمالاً، ويشعرها بالرقة، ويظهرها بالمظهر الأبهى والأروع، فتنتعش روحها، وتزداد حيوية ونشاطاً، وفاعلية.

أما الرجل الذي يغلب على حياته الجد والجهد والمثابرة، والعمل، ويحتاج إلى الحزم والشجاعة والبسالة، فإنه يميل إلى إظهار القوة والعظمة، والخشونة، ويحب تحقيق الإنجازات الكبيرة، والخطيرة، وتذليل الصعاب، وكل ما يظهر قدراته الفكرية والعقلية، وطاقاته الجسدية، ومشاعره النبيلة، وصفاته الحميدة، وميزاته الروحية والإنسانية، وما شابه ذلك، مما يرضي غروره وينعش روحه.

وهذا لا يتلاءم مع النعومة والزينة، والتباهي بالزاهي من الألوان، وبالبريق واللمعان، وهي أمور خاوية، ومعان باطلة وزائلة وواهية لشعوره بأن ذلك يجعله في مصاف النساء اللواتي لا يرى أن صيرورته في صفوفهن، وانتقاله إليهن من موجبات عزته، بل هو

من دلائل وهنه وضعفه وإن كان ضعف النساء قوة لهن، وقوة الرجال إذا انتقلت إلى النساء أصبحت عيباً فيهن. والأمر في الرجال يكون على عكس ذلك.

وقد ورد في الحديث: خيار خصال النساء شرار خصال الرجال (1).

أما لبس الحرير في ساعات القتال، وهي الساعة التي لا يشعر فيها المقاتل بكل ما حوله، لأن كل همه يكون منصرفا إلى مراقبة حركة عدوه، والعمل على حفظ ،روحه والتخلص من الخطر المحدق .به.. فليس للحرير تأثير مباشر على نفسه وروحه في هذه الساحة، بل هو يؤثر فقط على عدوه الذي يراقبه بدقة، فإذا رآه يلبس الحرير قد يعود إلى نفسه ليسألها عن سبب تعريض نفسه للقتل، ولماذا لا يبقي عليها ليتنعم بمثل هذه الأمور التي يراها، ويشعر أنه قد يفارقها.

ولعله وبالمراجعة والمقارنة يتخذ قراره بالانسحاب، أو أن ذلك على الأقل يقلل من رغبته بالمخاطرة بنفسه ولاسيما إذا كان محارباً


1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 4 ص 52 الحكمة رقم 334 وروضة الواعظين ص372 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 5 ص 359 وبحار الأنوار ج 100 ص 238 و ج 97 ص 238 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 46 وتحفة السنية للجزائري ص 270 ومنهاج البراعة ج 3 ص344 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 ص 65 وربيع الأبرار ج 5 ص 252 وقوت القلوب ج 2 ص 425 وإختيار مصباح السالكين ص632

لله ولرسوله، وكان في حربه ظالماً وباغياً ومعتدياً، فإنه سيكون حتى بنظر نفسه مجرد قاتل مجرم، أو مقتول، قد خسر الدنيا والآخرة، فقد تضعف عزيمته عن مواصلة حرب هذا هو حالها ومآلها.

الخز حيوان مائي:

ويفهم من بعض النصوص: أن الخز حيوان مائي، ولا يعيش خارج الماء، وإن كان قد يخرج من الماء لفترة وجيزة، ثم يعود إليه.

وكانوا يستفيدون من جلده الذي هو - فيما يبدو - ذو وبر ناعم، فربما جعلوه فرواً. وربما جزوا صوفه عنه، ثم نسجوه مع الصوف، وجعلوه ثوباً.

ويدل على ما نقول:

1 - ما روي عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سأل رجل أبا عبدالله «عليه السلام» عن جلود الخز، وأنا حاضر.

فقال أبو عبد الله «عليه السلام»: ليس به بأس.

فقال له الرجل: جعلت فداك! هي من بلادي، وإنما هي كلاب تخرج من الماء.

فقال أبو عبد الله «عليه السلام» فإذا خرجت من الماء تعيش وهي خارج في البر؟!

قال: لا.

قال ليس به بأس (1).

ومعنى هذا: أن قول البعض: إن الخز من الحرير يصبح بلا معنى.

ولعل سبب الاشتباه هو شدة نعومة وبره. فلعلهم شبهوه بالحرير، ثم صاروا يقولون عنه: إنه حرير، ثم صاروا يطلقون عليه حرير الخز، لأنهم لا يجدون فرقاً ملموساً يميزه عن الحرير. وما أشبه كلمة خز بكلمة قز، فإن الحرير هو مجاج دود القز.

قميص خز وطوق من ذهب!!:

من كتاب زهد أمير المؤمنين «عليه السلام»، عن علي بن أبي عمران، قال: خرج الحسين بن علي «عليه السلام»، وعلي «عليه السلام» في الرحبة، وعليه قميص خز، وطوق من ذهب، فقال: هذا ابني.

قالوا: نعم.


1) الكافي ج 6 ص 251 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 238 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 107 وروضة المتقين ج 2 ص 155 وج7 ص 626 وعلل الشرائع ج 2 ص 357 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 4 ص 362 و (الإسلامية) ج 3 ص 263 وبحار الأنوار ج 80 ص 218 و 224 ومرآة العقول ج 22 ص 330 ومنتقى الجمان ج 1 ص 475

فدعاه، فشقه عليه، وأخذ الطوق، فقطعه قطعا (1).

ونقول:

أولاً: إن كان المقصود بالرحبة هو رحبة الكوفة كما هو الأقرب، ففي هذا الحديث خطأ واضح، وهو: أن سن الإمام الحسين «عليه السلام» عند قدوم أمير المؤمنين ومعه الحسنان «عليهم السلام» إلى الكوفة كان أكثر من ثلاثين سنة، فهو رجل كبير، والطوق إنما يوضع للأطفال الصغار.

إلا إن كان المقصود بالرحبة معناها العام، وهو أية رحبة كانت، وهي الأرض الواسعة تكون بفناء المسجد، أو بين البيوت.. وليس في هذا الحديث تصريح بأنه خرج إلى رحبة الكوفة. فلعله خرج وهو طفل إلى رحبة المدينة، أو إلى رحبة مسجد المدينة!

ولكننا لم نعهد أن للمدينة أو المسجدها رحبة.

ثانياً: المفروض: هو أن يكون الذي وضع طوق الذهب للإمام الحسين «عليه السلام» هي أمه الزهراء «عليهاالسلام». إن كان ذلك


1) مكارم الأخلاق ج 1 ص 238 و 239 و 240 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 107 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص97 و ط المكتبة الحيدرية ج 1 ص 367 وبحار الأنوار ج 63 ص540 و 541 وج 40 ص 324 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 461 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 309

قد حصل في أيام حياتها.. ونحن نرباً بالزهراء «عليهاالسلام» أن تقدم على أمر كهذا، يشير إلى التعلق بالدنيا وزخارفها، والتباهي بعسجدها ولجينها كما يفعل أهل الدنيا، أمام أمة يهيمن الفقر والعوز عليها.

وإن كان ذلك بعد وفاتها، فيفترض أن تكون إحدى النساء التي كانت تتولى أمور الإمام الحسين «عليه السلام» قد فعلت ذلك دون علم الإمام «عليه السلام»..

ولكن ألم تكن النسوة اللواتي عشن في بيت علي «عليه السلام»، ورأين حاله، وزهده وعبادته، وعزوفه عن الدنيا وزبارجها وبهارجها قد عرفن أن عليا «عليه السلام» لا يرضى، ولا يسمح بأمثال هذه الأمور؟!

ثالثاً : هل يرضى الإمام الحسين «عليه السلام»، حتى وهو طفل بأن يلبسه أحد طوقاً من ذهب؟! ألم يكن يعرف ويميز كما كان عيسى يعرف - منذ ولد - ما يليق به عما لا يليق ؟ وألم يكن الله تعالى قد عرَّفه الحلال والحرام والحسن والقبيح، وميَّز له ما يرضي الله تعالى عما لا يرضيه؟!

رابعاً: من أين لعلي «عليه السلام» هذا الذهب، وهذه الأطواق يلبسها للأطفال؟! ولو كان عنده شيء من المال، فهو لا يشتري به أمثال هذه الأمور ، ولا يضعه بيد من يتصرف فيه بما لا يرضاه، أو من دون علمه.

خامساً: رجح العلامة المجلسي «رحمه الله»: أن تكون هذه القصة مع أحد أولادهم الصغار.

وقد أيد علاء آل جعفر المعلق على كتاب مكارم الأخلاق هذا الاحتمال: بأن ابن شهر آشوب قد روى أن هذا الحديث قد جرى مع ابن الحسن «عليه السلام»، فراجع (1).

سادساً: إن لبس الخز ليس محرماً على الرجال، وقد كان الأئمة «عليهم السلام» يلبسون الخز، فلماذا شق علي «عليه السلام» ثوب الخز الذي كان على ذلك الطفل ؟! فان كان ذلك على سبيل العقوبة، فإن لبسه ليس حراماً، ولا يوجب عقوبة، لأنه حلال..

وإن كان لأجل مراعاة حال الفقراء، فقد كان بالإمكان أن يبيع الثوب، ويتصدق بثمنه على الفقراء، أو يشتري بثمنه عدة أثواب، ويتصدق بها عليهم.

ولماذا أيضاً بادر إلى تكسير الطوق وتقطيعه، فقد كان يمكن إلباسه لأي طفل آخر، ذكرا كان أو أنثى ولبس الذهب للطفل ليس حراما، بل هو حلال أيضاً، فلماذا يتلفه؟!

فعن داود بن سرحان قال: سألت أبا عبد الله «عليه السلام» عن


1) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 97 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 367 وبحار الأنوار ج 40 ص 324 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 461 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 309

الذهب يحلى به الصبيان؟!

قال: كان أبي ليحلي ولده ونساءه بالذهب والفضة، ولا بأس به (1). ولعل المراد: هو الذهب اليسير جداً، لا مثل طوق الذهب.

إلا إن كان المقصود من تكسير الطوق إظهار شدة النفور من هذه التصرفات والمظاهر، للردع عن التعلق بالمال، لأنه «عليه السلام» أسوة وقدوة للناس. فليس من المقبول ولا من المناسب أن يأمر الناس بالزهد بالدنيا، ويطلب منهم القناعة بالقليل، ثم يلبس أبناؤه أو أحفاده الخز، وأطواق الذهب!!


1) الكافي ج 2 ص 475 ومكارم الأخلاق ج 1 ص 197 و 198 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 86 ومرآة العقول ج 22 ص364 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 462 وبحار الأنوار ج 63 ص539 وراجع ج 42 ص 71 وراجع روضة المتقين ج 2 ص 162 وهداية الأمة ج 2 ص 142 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 103 و (الإسلامية) ج3 ص 412 ومنتقى الجمان ج 1 ص 476

الفصل الخامس:

من لباس الحسين «عليه السلام» أيضاً..

الحلة التي اشتراها الحسين «عليه السلام»:

عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: أتي أمير المؤمنين «عليه السلام» بحلل فيها حلة جيدة، فقال الحسين «عليه السلام»: أعطني هذه.

فأبى.

وقال: أعطيك مكانها حلتين.

فأبى. وقال: هي خير من ذلك.

فقال: أعطيك مكانها ثلاث حلل.

قال: هي خير من ذلك.

فقال: أربعاً .. حتى بلغ خمساً فأعطاه إياها، ثم قال: أما أنك تلبسها، فيقال: ابن أمير المؤمنين، فتوسّخ، فتفسدها.

وأكسو بهذه الخمس حلل خمسة من المسلمين (1).


1) مكارم الأخلاق ج1 ص239 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 107 و 108 :وراجع من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 280 وتهذيب الأحكام ج 7 ص 119 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 18 ص 154 و (الإسلامية) ج 12 ص 449

ونقول:

هذا النص يثير أمام الباحث العديد من الأسئلة، فعلى سبيل المثال نذكر:

مجاناً أو بثمن؟!:

إن الإمام الحسين «عليه السلام» اقتصر أولاً على طلب الحلة من أبيه، ولم يذكر أنه يريدها بلا مقابل أو بثمن، وعلى سبيل البيع، أو المبادلة بشيء، وبنحو الأمانة، أو العارية، أو غير ذلك..

فلم يتضح ماذا كان سيفعل لو كان أعطاه إياها أبوه من المرة الأولى. هل سوف يبادر إلى دفع شيء مقابلها ؟! أو أنه كان سيأخذها، ويذهب إلى حال سبيله؟!

الإجحاف في قيمة الحلة:

ورب قائل يقول: إن كان الإمام الحسين «عليه السلام» يعلم بأن هذه الحلة التي أعجبته هي خير من الحلتين اللتين بذلهما مقابلها، وخير من ثلاث، ومن أربع حلل ، فلماذا يعرض هذا الثمن البخس إذن؟! هل كان يتوخى الربح في تجارته هذه؟!

وإذا كان يتوخى الربح، فهل كان يرى أن من الإنصاف أن يربح هذا المقدار الكبير الذي لا يرضى عاقل أن يعطيه حتى لأقرب الناس

و أحبهم إليه؟!

أولا يعد هذا محاولة للحصول علي ربح خيالي و فاحش، يعد إعطاؤه للغير سفهاً، و أخذه يعدّ شرهاً؟!

واو أن علياً «عليه السلام» كان لايعلم بقيمه الحلة، واستجاب للإيجاء ووقع تحت تاثير الإغرتء، لحدث الغبن الكثير، والمحذور الكبير في الصفقة!!

لمن الحلل؟! و لماذا يطلب الحسين إحداها؟!:

و لنا أن نساءل عن الصاحب الحقيقي لهذا الحلل، و هل هي ملك شخصي لأميرالمؤمنين «عليه السلام»، و يكون من جاءإليه بها إنما أراد إهداها إليه؟!

ءو ءنها جاءته من الخمس الذي يكون نصفه لبني هاشم، و نصفه الآخر يكون بتصرف الإمام يستعين به علي إقامة الدين، و حفظ كرامة و حياة، و مصالح المسلمين؟! و حل مشكلاتهم، و رعاية حال فقرائهم؟!

أو أن صاحبها جعلها بتصرف الإمام ليصرفها نيابة عنه علي فقراؤ الميلمين بعنوان الصدقة، أو البذل في سبيل الله؟! أو ما إلي ذلك..

أو أنها من أموال بيت المال التي تحبي إليه من كل اتجاه؟!

إن هذا الأمر لمتوضحه الرواية..

ولكن اهتمام أمير المؤمنين عليه السلام بصرفها على فقراء المسلمين يعطي: أن الفقراء هم مورد صرفها. ولكن هل يشاركهم في ذلك غيرهم؟! أم أنها خاصة بهم؟!

وعلى هذا الأساس يأتي سؤال: هل طلب الإمام الحسين «عليه السلام» الحلة من أبيه ساكتاً في البداية عن إعطاء مقابل، كان لأجل أنه يرى نفسه من جملة الفقراء الذين لهم نصيب في هذه الحلل؟!

وهل من يستطيع أن يبذل خمس حلل مقابل حلة واحدة يعدُّ فقيراً.. ولو سلمنا أنه فقير، هل يطلب الإمام الحسين «عليه السلام» المال لنفسه، ولاسيما إذا كان في الناس من هو أحوج منه إلى هذا المال؟! وهل؟! وهل؟!

ما شأن الحسين «عليه السلام» وهذه الحلة؟!:

1 - لم نعرف وجه إصرار الإمام الحسين «عليه السلام» على الحصول على تلك الحلة، ولو بهذا الثمن الباهظ، فإن هذا لا يتلاءم مع ما عرفناه عنه «عليه السلام»، وعن أهل بيته، وحتى عن جميع الأخيار الأبرار من الزهد بالدنيا، والإنصراف عن الملذات، وعدم الاستجابة للأهواء وللرغبات الشخصية، وعدم الاستئثار لنفسه بما يميزه بين أهل الدنيا عن غيره.

إن الإمام الحسين «عليه السلام» مطهَّر - بنص القرآن - عن أدنى ذرة من حب الدنيا، والتعلق بزبارجها وبهارجها..

ومن المعلوم أن الحُلة - بضم الحاء - هي - كما قيل - كل ثوب جديد تلبسه، ولا فرق فيه بين غليظ أو رقيق، ولا يكون إلا ذا ثوبين (1).

2 - وهل يتجرأ أحد أن يطرح السؤال الوقح المخالف لنص القرآن على طهارته «عليه السلام» الذي قد ينتهي بخروجه عن الدين، فيقول: ألم يتعلم الزهد، والعزوف عن الدنيا من أبيه أميرالمؤمنين «عليه السلام» الذي كان يلبس قميصاً يساوي درهمين كما ورد؟! (2).

وروي: بثلاثة دراهم (3).

وفي رواية: بأربعة دراهم، وما أشبه ذلك ؟! (4).


1) أقرب الموارد ج 1 ص 255

2) راجع إصلاح المال لابن أبي الدنيا ج 1 ص 111

3) راجع: دعائم الإسلام ج 2 ص 156 و 157 ووسائل الشيعة آل البيت) ج5 ص 48 و (الإسلامية) ج 3 ص 372 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 267 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 2 ص 603 والأمالي للطوسي ص 365 وحلية الأبرار ج 2 ص 218 وبحار الأنوار ج 41 ص 108 وج 76 ص 320 وج 88 ص 386 ومجمع الزوائد ج 5 ص 119 ومنتخب مسند عبد بن حميد ص 62 ومسند أبي يعلى ج 1 ص 254

4) راجع: الكافي ج 1 ص 411 و 444 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج5 ص 17 و الإسلامية ج 3 ص 348 والفصول المهمة للحر العاملي ج3 ص 309 وحلية الأبرار ج 2 ص 216 وبحار الأنوار ج 40 ص 336 وج 47 ص 54 ومرآة العقول ج 4 ص 368 وج 22 ص320 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص219

فلماذا يريد الإمام الحسين «عليه السلام» أن يلبس حلة جديدة جيدة تساوي خمس حلل؟ ولماذا لا ينهاه أبوه عن هذا الأمر، ولا يدعوه إلى الزهد بالدنيا، وعدم الاهتمام بملذاتها ؟!

وأليس أمير المؤمنين «عليه السلام» هو القائل على المنبر، وهو خليفة المسلمين: «قد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها» (1).


1) راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 60 و 61 والأمالي للصدوق ص 718 و 719 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 272 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 1 ص 216 ومكارم الأخلاق ص10 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 370 وعيون الحكم والمواعظ ص 405 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 3 ص 281 وغوالي اللآلي ج 4 ص130 وحلية الأبرار ج 2 ص 202 وج 40 ص 346 وج 41 ص 160 وج 63 ص 320 وج 74 ص 392 وبحار الأنوار ج 40 ص 346 وج 41 ص 160 وج 63 ص 320 و ج 74 ص 392 وسنن النبي للسيد الطباطبائي ص12 ص12 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 361 و 272 وج 4 ص 181 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص 619 وميزان الحكمة ج 2 ص 899 ومنهاج البراعة ج 2 ص 112 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج9 ص233 وغوالي اللآلي ج 4 ص 130 ومجمع البيان ج 9 ص 147 والبرهان (تفسير) ج 5 ص 46 ونور الثقلين ج 5 ص 16 وكنز الدقائق ج 12 ص 191 وربيع الأبرار ج 5 ص 343 والتذكرة الحمدونية ج 1 ص 87 وكشف الغمة ج 1 ص 71 وإرشاد القلوب ج 1 ص 19 وجواهر المطالب ج 2 ص 140 وينابيع المودة ج 1 ص 437

وكان راقعها - فيما يقال هو ولده الإمام الحسن «عليه السلام»؟! (1).

وأليس أمير المؤمنين «عليه السلام» هو القائل: «ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن عيشه بقرصيه ›› (2).

3- ألم يخف الإمام الحسين «عليه السلام» حين يلبس حلة بهذه الجودة أن يشنع الناس به على أبيه، وأن يتهموه باستغلال موقعه من خلافة المسلمين للحصول على الأموال، والتقلب في النعم؟! وهو القائل «ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد


1) راجع الدرة النجفية (طبعة حجرية) ص 303 و (ط دار المصطفى لإحياء التراث) ج 4 ص 85

2) راجع نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 70 ومختصر بصائر الدرجات ص 154 ومستدرك الوسائل ج 12 ص 54 وج 16 ص 300 والخرائج والجرائح ج 2 ص 542 وبحار الأنوار ج 33 ص 474 وج 40 ص 318 و 340 وج 67 ص 320 وجامع أحاديث الشيعة ج 14 ص 34 وج 23 ص 272 ونهج السعادة ج 4 ص 32 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص 205 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 139 وينابيع المودة ج 1 ص 439

له بالشبع (1).

التشنيع على أمير المؤمنين بولده!!:

وألم يخش علي «عليه السلام» أن يشنع الناس عليه بولده، ويعيرونه به، ویردون کلامه عليه، حين كان يدعوهم إلى الزهد بالدنيا ؟! بل لقد أشار «عليه السلام» إلى هذه البنوة التي تجلب النقد والتشنيع، حيث قال: «تلبسها فيقال ابن أمير المؤمنين»؟!

فإن ذلك يدل على أمرين:

الأول: أنه «عليه السلام» سوف يلبس الحلة، ويراها الناس عليه.. وسوف يشيرون إليه ويدلون عليه، بصفته صاحب الحلة الثمينة، وبما هو ابن أمير المؤمنين!!

الثاني: أن إشارتهم إليه، وقولهم هذه الكلمة يدل على أنهم بصدد الانتقاص من الحسين، أولاً، ومن علي «عليه السلام» ثانياً أيضاً. ولم


1) راجع: نهج البلاغة بشرح عبده ج 3 ص 72 ومستدرك الوسائل ج16 ص 301 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 5 ص 100 وبحار الأنوار ج33 ص 474 وج 40 ص 341 وج 67 ص 321 ونهج السعادة ج 4 ص 35 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 286 وربيع الأبرار ج 3 ص 241 والتذكرة الحمدونية ج 1 ص 99 وإرشاد القلوب للديلمي ج 2 ص214 وينابيع المودة ج 1 ص 440 وشرح إحقاق الحق الملحقات) ج8 ص 288 واختيار مصباح السالكين ص 530

نزل نسمع، ونرى في ضمن سياق النصوص اعتراض الناس على الحكام بأبنائهم، وبما يفسدونه!! وما يمارسونه.

كيف رضي علي «عليه السلام» بإعطاء الحلة؟!:

والأهم من ذلك كله: أن هذا الحوار بين علي «عليه السلام»، وابنه الإمام الحسين «عليه السلام» يعد نوع قبول من علي عليه السلام بصنيع ولده، وإلا لكان واجهه بالرفض الصريح من الطلب الأول، فلم يقل له: إن هذا لا يليق بك، ولا ينسجم مع أخلاقك وروحياتك.

بل ساومه، ومد الحديث معه، ثم رضي بما عرضه عليه، ثم أعطاه إياها. وهذا يدل على موافقته على فعل ولده، وعلى أنه منسجم مع روحياته، ولا يعترض على طموحاته..

عمامة الحسين «عليه السلام» سوداء:

وروى ابن أبي شيبة عن أبي رزين قال: خطبنا الحسين بن علي «عليه السلام» يوم الجمعة وعليه عمامة سوداء (1).

ونقول:

لم يحدد لنا أبو رزين تاريخ هذه الخطبة، ومكانها، ومناسبتها. لكننا نشير إلى ما يلي:


1) المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 46

العمامة السوداء ليست حزناً:

من الواضح أن لبس الثياب السوداء ليس دائماً يعبر عن الحزن، أو يشير إلى الحداد، بدليل: أن النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» حين تزوج بخديجة «عليهاالسلام»، وهي أفضل، وأعز، وأحب نسائه إليه، كان معتماً بعمامة سوداء (1).

و عند الزفاف كان معتماً بعمامة حمراء (2).

ودخل «صلى الله عليه وآله» مكة يوم الفتح، وعليه عمامة سوداء (3). ولا شك في أنه يوم فتح وظفر ، يفرح فيه المؤمنون بنصر


1) بحار الأنوار ج 16 ص 67 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 443

2) بحار الأنوار ج 16 ص 73 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 444

3) بحار الأنوار ج 16 ص 110 وروضة الطالبين ج 8 ص 116 والمبسوط السرخسي ج 10 ص 199 والشرح الكبير لابن قدامة ج 1 ص474 وكشاف القناع ج 1 ص 342 وتلخيص الحبير ج 7 ص 280 ونيل الأوطار جه ص 27 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 147 وسنن النبي للطباطبائي ص133 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 444 ومسند أحمد ج 3 ص387 وسنن الدارمي ج 2 ص 74 وصحيح مسلم ج 4 ص 111 وسنن أبي داود ج2 1 ص 264 وسنن الترمذي ج 3 ص 139 وسنن النسائي ج ص 201 وج8 ص 211 والسنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 246 و ج 5 ص 177 وعمدة القاري ج 21 ص 311 ومسند ابن الجعد ص 478 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 46 وتركة النبي لحماد بن إسحاق ص 104 والشمائل المحمدية ص 65 والسنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 382 و ج 5 ص 498 ومسند أبي يعلى ج4 ص 110 وشرح معاني الآثار ج3 ص329 وصحيح ابن حبان ج9 ص37 و 38 و 12 ص 243 والمعجم الأوسط ج 2 ص 245 والمعجم الصغير ج1 ص 22 والتمهيد لابن عبد البرج 6 ص 171 و 172 و 173 ونصب الراية ج 3 ص 88 وأضواء البيان ج 4 ص 494 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص 140 والكامل لابن عدي ج 1 ص 197 وج 2 ص 264 و 265 وتاريخ بغداد ج 9 ص 87 وج 10 ص 206 وشرح السير الكبير ج 1 ص91 وتاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 189 و 190 وج 32 ص 168 وج 35 ص408 و 409 وسير أعلام النبلاء ج 6 ص 50 و 51 ولسان الميزان ج 5 ص 193 وأنساب 6 الأشراف ج 1 ص 507 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج8 ص 18 ج1 ص7 والكامل في التاريخ ج 5 ص 479 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص548 والبداية والنهاية ج 6 ص 7 وج 10 ص 56 و 73 وحياة الحيوان الكبرى ج 1 ص18 وإمتاع الأسماع ج 6 ص 367 وغزوات الرسول وسراياه ص140 ودلائل النبوة ج ص67 والسيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 708 والخصائص الكبرى ج 2 ص 242 وسبل الهدى والرشاد ج 7 ص 313 وج 10 ص 430 وجه ص 266 والمغازي للواقدي ج 2 ص 824 والنهاية لابن الأثير ج1 ص372 وحاشية رد المحتار ج 2 ص 162

الله تعالى.

وكان له عمامة سوداء يلبسها في العيدين (1).


1) سبل الهدى والرشاد ج 7 ص 272 و 313 وحاشية رد المحتار ج 2 ص 162 ونيل الأوطار ج 2 ص 105 وتحفة الأحوذي ج 5 ص 336 والكامل لابن عدي ج 6 ص 100 وميزان الاعتدال ج 3 ص 636 والسيرة ج6 الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 452

عمامة الحسين «عليه السلام» في الرجعة سوداء:

ولفت نظرنا هنا: ما رواه الحسين بن حمدان بسنده عن المفضل، عن الإمام الصادق «عليه السلام» - في حديث طويل - من أن الإمام الحسين «عليه السلام» يظهر في عهد الإمام الحجة في اثني عشر ألفا، مؤمنين، من شيعة علي «عليه السلام»، وعليه عمامة سوداء (1).

وسند الرواية وإن كان ضعيفاً، إلا أن ذلك لا يعني كذب مضمونها .. مع أن خروج الإمام «عليه السلام» في آخر الزمان ليس حدثا محزناً، بل هو ظهور للحق ، وانتصار وفرج لأهله.

هل كانت خطبة صلاة الجمعة؟!:

وملاحظة أخيرة نسجلها هنا، وهي: أن هذا النص يقول: إن خطبة الإمام الحسين «عليه السلام» كانت يوم الجمعة، فإن كانت خطبة صلاة الجمعة، فهذا يعني أنه «عليه السلام» كان يقيم هو الجمعة بنفسه للناس..

فإن كان «عليه السلام» يقيمها في المدينة في عرض صلاة أميرها .. فكيف يمكن أن يقبل ذلك منه أمير المدينة، إلا إن كان يقيمها


1) مختصر بصائر الدرجات ص 183 وبحار الأنوار ج 53 ص 7 وإلزام الناصب ج 2 ص 224 والهداية الكبرى ص 396

في مكان بعيد عن المدينة بما يزيد على فرسخين.

أو أن إقامة الجمعة في المساجد المتقاربة كان قد شاع وانتشر في الناس على خلاف ما أمر به الشرع ، فكان «عليه السلام» يقيم الجمعة بما هو الإمام الحق الذي صرح الرسول «صلى الله عليه وآله» بإمامته - قام أو قعد - وقد أوصى إليه أخوه الحسن «عليه السلام»، وكان على الناس أن يصلوا بصلاته، وأن لا يقيموا لأنفسهم صلاة في مقابل صلاته، بل إن صحة صلاتهم للجمعة مشروطة بإذنه، ولم يأذن «عليه السلام» لهم.

جمة ظاهرة:

تقدم تحت عنوان: عمامة خز وجوارب خز: أن السدي رأى الحسين بن علي «عليه السلام» قد خرج شعره من تحت العمامة (1)

المعجم الكبير ج 3 ص 100 ونصب الراية ج 4 ص 228

.

وعن السدي أيضاً: رأيت الحسين بن علي «عليه السلام» وجمته خارجة من تحت عمامته (2).


1) المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 100 ومجمع الزوائد ج 5 ص 145 ونصب الراية ج 4 ص 228 و (ط دار الحديث بالقاهرة سنة 1415هـ) ج 6 ص112 و 113.

2) المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 57 والطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص 416 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 291 وتاريخ الإسلام للذهبي ج5 ص 105 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص41

والجمة: ما سقط من شعر الرأس على المنكبين (1).

ونقول:

لاحظ الأمور التالية:

أولاً: قد تقدم بعض الكلام حول جواز لبس الخز، وأنه ليس من الحرير الذي يحرم على الرجال لبسه.

ثانياً: فيما يرتبط بالجمة، فنقول:

إن من الصعب جداً تصديق ما زعمه السدي، من أنه رأى جمة الإمام الحسين «عليه السلام» خارجة من تحت عمامته. أو أنه «عليه السلام» كان يطيل شعره حتى يسقط على منكبيه.

وذلك لورود الأحاديث الكثيرة الدالة على استحباب حلق شعر الرأس، وأنه جمال للمؤمن، وهي وسواها مذكورة في كتاب وسائل الشيعة الجزء الثاني، في آداب الحمام، بالإضافة إلى الأحاديث الدالة على مضار تطويل شعر الرأس. وأن الأنبياء لا يفعلون ذلك، وغير ذلك مما يدخل في هذا السياق، ونذكر من ذلك:

1 - عن الإمام الكاظم عليه السلام» قال شعر الرأس إذا طال ضعف البصر، وذهب بضوئه ونوره الخ.. (2).


1) النهاية في اللغة ج 1 ص 300

2) مستطرفات السرائر ص 575 عن جامع البزنطي و (موسوعة ابن إدريس - ط العتبة العلوية المقدسة سنة 1429هـ) ص 109 وهداية الأمة ج 1 ص 152 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 107 و (الإسلامية) ج 1 ص 417

فإذا كان النبي والإمام أسوة وقدوة، فإن الناس إذا رأوه فعل أمراً ، فسيرغبون بالتأسي والاقتداء به، إن لم يكن اعتقاداً منهم برجحانه، فلاعتقادهم إباحته، فإذا كان هذا الأمر مضراً بالبصر إلى هذا الحد، فإن فعل الإمام والنبي له يصبح من التغرير بالناس، وهو غير مقبول منه

2 - سئل الإمام الصادق «عليه السلام» كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يفرق شعره؟!

قال: لا. وكان شعر رسول الله «صلى الله عليه وآله» إذا طال طال إلى شحمة أذنه (1).

إذن، فلم يكن شعر رسول الله «صلى الله عليه وآله» يبلغ إلى حد أن يسقط على منكبيه.

3 - عن عمرو بن ثابت عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال:


1) الكافي ج 6 ص 485 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 109 و الإسلامية ج 1 ص 418 وبحار الأنوار ج 16 ص 189 وج 73 ص 83 ومكارم الأخلاق (منشورات الفجر) ص 54 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 70 ومرآة العقول ج 22 ص381 وسنن النبي للطباطبائي ص 102

قلت: إنهم يروون أن الفرق من السنة.

(قال: من السنة؟!).

قلت: يزعمون أن النبي «صلى الله عليه وآله» فرق.

:قال ما فرق النبي «صلى الله عليه وآله»، ولا كان الأنبياء «عليهم السلام» تمسك الشعر (1).

غير أن حديثاً آخر عن الصادق «عليه السلام» يقول: إنه حين صد النبي «صلى الله عليه وآله» عن البيت، وكان قد وفر شعره الذي على رأسه حين أحرم ، انتظارا لحلقه في الحرم، حيث وعده الله عز وجل. فلما حلقه لم يعد في توفير الشعر، ولا كان ذلك من قبله (2).

فالحديث السابق قد تكفل بتكذيب ما زعموه، من أنه «صلى الله


1) الكافي ج 6 ص 486 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 109 و الإسلامية ج 1 ص 418 وبحار الأنوار ج 16 ص 189 وج 73 ص 83 ومكارم الأخلاق (منشورات الفجر) ص 54 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 71 ومرآة العقول ج 22 ص 381 وسنن النبي للطباطبائي ص 102

2) الكافي ج 6 ص 486 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 109 و 110 و (الإسلامية) ج 1 ص 418 و 419 وبحار الأنوار ج 16 ص 189 وج 58 ص 169 ومرآة العقول ج 22 ص 382 وسنن النبي للطباطبائي ص103 وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 74 وتفسير كنز الدقائق ج 12 ص 307 و 308

عليه وآله» كان من عادته تطويل شعره، مع أن الأمر لم يكن كذلك.

وعنه «عليه السلام» من اتخذ شعراً، فلم يفرقه فرقه الله بمنشار من نار.

قال: وكان شعر رسول الله «صلى الله عليه وآله» وفرة لم يبلغ الفرق (1).

والوفرة: الشعر المجتمع على الرأس، أو ما مال على الأذنين منه أو ما جاوز شحمة الأذن (2).

ثالثاً: إن النص الأول المتقدم، المنقول عن السدي، لا يدل على أن للحسين «عليه السلام» جمة، بل ذكر انه رأى شعر رأسه «عليه السلام» خارجاً من تحت العمامة، فليس بالضرورة أن يكون قد سقط على كتفيه ليكون جمة.

لفت نظر:

إن الكلام حول حلق الرأس، أو جز الشعر، إنما هو للرجال. أما


1) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 129 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج2 ص 108 و (الإسلامية) ج 1 ص 417 وبحار الأنوار ج73 ص 83 ومكارم الأخلاق (منشورات الفجر) ص 54 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 70 ومجمع البحرين ج 3 ص 512 وروضة المتقين ج 1 ص332

2) صحاح اللغة ج 2 ص 847

النساء، فالأمر بالنسبة إليهن مختلف تماماً، حتى لقد ورد: أن الشعر أحد الجمالين (1). فراجع.

القميص:

عن ليث قال: حدّثني الخيّاط الذي قطع للحسين بن عليّ «عليهماالسلام» قميصاً، قال: قلت أجعله على ظهر القدم؟!

قال [«عليه السلام»] : لا.

قلت: فأجعله أسفل من الكعبين؟

فقال [«عليه السلام»] : ما أَسْفَلُ مِنَ الكَعْبَيْنِ فِي النّار (2).


1) دعائم الإسلام ج 2 ص 196 ومن لا يحضره الفقيه ج 3 ص388 ووسائل الشيعة آل البيت) ج 20 ص 59) و (الإسلامية) ج 14 ص 37 ومستدرك الوسائل ج 14 ص 181 ومكارم الأخلاق (منشورات الشريف الرضي سنة 1392ه-) ص 200 والنوادر للراوندي ص 117 وبحار الأنوار ج 100 ص 237 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 420 وج 10 ص 46 والجامع الصغير ج 1 ص 90 و ج 2 ص 85 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 6 ص 641 وج 16 ص 291 وفيض القدير ج 1 ص 431 وج4 ص 231 وكشف الخفاء للعجلوني ج 2 ص 9 وتفسير الثعلبي ج 7 ص93 وسبل الهدى والرشاد ج 9 ص 42

2) المعجم الكبير ج 3 ص 100 ومجمع الزوائد ج 5 ص 217 (ط دار الكتب العلمية سنة 1408هـ) ج 5 ص 124

ونقول:

1 - أراد هذا الخياط أن يعرف إلى أي حد يريد «عليه السلام» أن يكون طول القميص ، هل يحبه طويلاً، أو قصيراً؟! فكأنه ظن أنه يحب ان يلامس ظهر القدم، ربما لأن هذا الخياط كان يرى أن كثيراً من الناس، ولاسيما من يرون أنفسهم أنهم من أهل الشأن يحبون ان يكون القميص طويلاً.

2 - فلما أجابه «عليه السلام» بالنفي ظن انه «عليه السلام» يريده أطول من ذلك باعتبار أنه أجل وأعظم شأنا من أن يكون قميصه بهذا المقدار فقط، فترقى إلى أكثر من ملامسة ظهر القدم، ليصل إلى أسفل الكعبين الذي يكاد يلامس الأرض.

فرفض «عليه السلام» ذلك أيضاً ، وقال :له ما أسفل من الكعبين في النار.

3 – والمقصود: أن الثوب إذا طال بهذا النحو، فإنه يثير في لابسه الشعور بالخيلاء، فيمشي فيه متبختراً، مصعّراً خده، أي مائلاً به، معرضاً عن الناس، وكأنه لا يراهم، ولا يشعر بوجودهم استهانة منه بهم، وهذه هي حالة المستكبرين.

هذا فضلاً عن أن جر الثوب على الأرض يعرضه للتمزق والتخرق بواسطة ما يعترضه من أجسام صلبة، كما أنه يعرضه الملامسة القذارات والأوساخ والنجاسات.

ولأجل ذلك ورد: أن الإمام «عليه السلام» رأى رجلا ثوبه طويل، ويلامس الأرض، فقال له: ارفع إزارك، فإنه أنقى [أبقى]

لثوبك، وأتقى لربك (1).

وعن النبي «صلى الله عليه وآله» أنه قال لأبي ذر: «يا أبا ذر، من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله عز وجل إليه يوم القيامة» (2).

وعن علي «عليه السلام»: أنه مر برجل اسمه أبو مطر، قال أبو مطر فضربني بقضيب معه أو بدرة وقال ارفع ثوبك وإزارك، لا تأكله الأرض (3).

وجرّ الثوب خيلاءً واستكباراً عاهة أخلاقية سيئة وخطيرة، قد طهر الله تعالى الإمام الحسين «عليه السلام» منها، فلم يكن يصح من ذلك الخياط أن يظن بالإمام الحسين «عليه السلام» أن يرضى بأن يلبس لباس ضعفاء النفوس، وأصحاب العاهات.

ولكن ما جرى كان مناسبة وفرت للإمام الحسين «عليه السلام»


1) راجع: مكارم الأخلاق للطبرسي (منشورات الفجر) ص78 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 100 و الغارات للثقفي ج 1 ص 105 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 2 ص 602

2) راجع: مكارم الأخلاق للطبرسي (منشورات الفجر) ص85 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص 109 و و 471 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 263 و ج 12 ص 32 والأمالي للطوسي ص538 وبحار الأنوار ج 74 ص 90 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 244 وج 9 ص 7

3) راجع مكارم الأخلاق للطبرسي (منشورات الشريف الرضى سنة 1392هـ) ص 109

فرصة لإعطاء الناس كل الناس درساً أخلاقياً ما أحوجهم إليه في كل وقت وفي كل حين.

ثياب العيد للحسنين «عليهماالسّلام»:

قال الرضا «عليه السلام»: عري الحسن والحسين، وأدركهما العيد - فقالا لأمهما: قد زينوا صبيان المدينة إلا نحن، فما لك لا تزينينا؟!

فقالت ثيابكما عند الخياط، فإذا أتاني زينتكما .

فلما كانت ليلة العيد، أعادا القول على أمهما.

فبكت ورحمتهما، فقالت لهما ما قالت في الأولى، فردا عليها.

فلما أخذ الظلام قرع الباب قارع، فقالت فاطمة: من هذا؟!

قال: يا بنت رسول الله، أنا الخياط جئت بالثياب.

ففتحت الباب، فإذا رجل ومعه من لباس العيد.

قالت فاطمة: والله لم أر رجلا أهيب شيمة منه. فناولها منديلاً مشدوداً، ثم انصرف.

فدخلت فاطمة، ففتحت المنديل، فإذا فيه قميصان، و دراعتان، وسروالان ورداءان و عمامتان، وخفان أسودان، معقبان بحمرة.

فأيقظتهما، وألبستهما.

ودخل رسول الله وهما مزينان.

فحملهما، وقبلهما، ثم قال: رأيت الخياط؟!

قالت: نعم يا رسول الله، والذي أنفذته من الثياب.

قال: يا بنية، ما هو ،خياط، إنما هو رضوان خازن الجنة .

قالت فاطمة فمن أخبرك يا رسول الله ؟!

قال: ما عرج حتى جاءني، وأخبرني بذلك (1).

ونقول:

الزهراء «عليهاالسلام» صادقة قطعاً :

إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو كيف تقول الزهراء لولديها «عليها وعليهماالسلام»: إن ثيابكما عند الخياط، فإذا أتاني زينتكما؟! مع أنه لم يكن لهما ثياب، لا عند الخياط، ولا عند غيره.

ويجاب:

بأن الخياط في ذلك الزمان هو الذي يبيع القماش، وهو الذي يخيطه لمشتريه . ولم يكن الناس يشترون القماش من شخص، ثم يذهبون به إلى الخياط.

وهذا يعطي أن السيدة فاطمة «عليها السلام» قد صدقت فيما قالته لولديها، فالثوب الذي يريدونه موجود عند الخياط، فإذا اشتروه


1) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 3 ص390 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 161 عن الأمالي لأبي عبد الله النيسابوري، وبحار ج3 ص1 الأنوار ج 43 ص 289 عنه، ومدينة المعاجز ج 3 ص 323 - 324 و 518 - 519

منه خاطه لهم. ثم يأتيهم به.

الحسنان «عليهماالسلام» لايطلبان زينة العيد:

و نحن علي يقين، من أن الحسنين «عليهماالسلام» لم بكن يهمهما زينة العيد، و لا كانا يفكران بالتشبه بصبيان المدينة بالتزين أيام العيدو

ولكن كان يحق لهما أن يفكرا بالحديث عن أمور معينة، و أن يوقتا حديثهما عنها بنحو يبدو للناظر للوهلة الأولي أنهما يتعاملان كصغيرين، و بدوافع طفولية..

و ذلك لكي تأتي المعجزة، أو الكرامة بعد ذلك ذات وقع قوي و حاسم.. تماماً كما جري في هذا المورد، حيث جاء رضوان خازن الجنان بالثياب المطلوبة في الموقع المناسب.

تزوير مفضوح: ستار علي الباب، و قلب الفضة للحسنين:

عن ثوبان مولي رسول الله «صلي الله عليه و آله» قال: كان رسول الله «صلي الله عليه و آله» إذا سافر كان آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة، و أول من يدخل عليها إذا قدم فاطمة، فقدم من غزاة له و قد علقت مسحاً أو ستراً علي بابها، و حلت الحسن و الحسين قُلْبين من فضة، فقدم فلم يدخل.

فظنت أن ما منعه أن يدخل ما رأي، فهتكت الستر، و فككت القلبين عن الصبيين، و قطعته بينهما.

فانطلقا إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهما يبكيان.

فأخذه منهما ، وقال: «يا ثوبان، اذهب بهذا إلى آل فلان (أهل بيت بالمدينة) إن هؤلاء أهل بيتي، أكره أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا.

يا ثوبان، اشتر لفاطمة قلادة من عصب، وسوارين من عاج (1).

ونقول:


1) سنن أبي داود ج 2 ص 291 و 292 ومسند أحمد ج 5 ص 275 وتركة النبي لحماد بن إسحاق ص 57 و 58 والمعجم الكبير ج 2 ص 103 وتهذيب الكمال ج 7 ص 413 وج 12 ص 112 والسنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 26 وتفسير الثعالبي ج 5 ص 221 وعون المعبود ج 11 ص 179 و 180 والكامل لابن عدي ج 2 ص 270 و 271 ونيل الأوطار ج 2 ص 74 ونظم درر السمطين ص 177 وتفسير الثعلبي ج 9 ص 14 والدر المنثور ج 6 ص 43 وتفسير الآلوسي ج 26 ص 24 وبشارة المصطفى ص314 وكشف الغمة ج 2 ص 78 و 79 وبحار الأنوار ج 43 ص 89 وسبل الهدى والرشاد ج 7 ص 80 و 81 وينابيع المودة ج 2 ص 140 واللمعة البيضاء للتبريزي ص 54 وذخائر العقبى ص 51 و 52 والمحجة البيضاء ج4 ص 208 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص234 و 291 وج19 ص 106 و ج 25 ص 278 و 279 و ج 33 ص 321 عن مشكاة المصابيح ط دمشق) ج 2 ص 499 وعن مختصر سنن أبي داود (ط دار المعرفة بیروت) ج 6 ص 108

أولاً: هل تعليق المسح، أو الستر على الباب يعد ذنباً، أو هو أمر يستحق فاعله المدح والثناء، لأنه يدل على الرغبة في المزيد من الستر، وعلى الحشمة والاهتمام بإبعاد الأنظار التي لا تتورع عن اقتحام الخفايا والخبايا.

ثانياً: إذا كانت المؤاخذة على الزهراء عليها السلام» هي أنها ألبست ولديها قلبين من الفضة، فالمطلوب بعد نزع القلبين من الصبيين هو تعويضهما بما يرضيهما، ويزيل عمهما، لا مكافأة المذنب بشراء قلادة من عصب وسوارين من عاج..

فإن الزهراء «عليهاالسلام» لم تخصص نفسها بشيء، ثم أخذ منها حتى تحتاج إلى تعويض عنه بالسوارين والقلادة.

ثالثاً: إن الحسنين «عليهما السلام»، لم يكونا متعلقين بالدنيا، ولا يبكيان لأجل ذهب ولا فضة.

والشاهد على ما نقول:

أنهما رضيا، وربما كانا قد أصرا على التصدق على اليتيم، والأسير، والمسكين بطعامهما، وأن يبقيا صائمين طيلة ثلاثة أيام بلياليها، لا يذوقان فيها طعاما سوى الماء في الليل، حتى أنزل الله فيهما وفي أمهما وأبيهما سورة هل أتى.

وقد صرحت هذه السورة بدوافعهم لهذا البذل والعطاء، وهو التقرب إليه تعالى، فقال: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينَا وَيَتِيمًا

وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) (1).

رابعاً: ذكرنا في فصل : «لا يلعب المعصوم»: أن الإمام الذي كان صغير السن غضب حين جاءه البعض بوسائل للعب، فنثرها يمينا وشمالا، معلنا له ولغيره أن الله لم يخلقه للعب. وفي العديد من الروايات التصريح بأن الإمام لا يلهو ولا يلعب، فهل يبكي لأجل قلب من فضة؟!

هذا كله، عدا عما في الرواية، من اتهام ظاهر لفاطمة «عليهاالسلام» بحب الدنيا، والرغبة في زينتها.

خامساً: قد ذكرت نصوص أخرى أن ما يشبه هذه القضية قد حصل للنبي «صلى الله عليه وآله» مع إحدى زوجاته (2). وأشار إلى ذلك: أمير المؤمنين «عليه السلام» في نهج البلاغة أيضاً (3).

سادساً: هناك آيات كثيرة حذرت الناس من الإغترار بالدنيا،


1) الآيتان 8 و 9 من سورة هل أتى

2) كنز العمال ج 15 ص 404 عن أحمد، وأبي داود والنسائي، والبيهقي، والمجموع للنووي ج 16 ص 400 والمغني لابن قدامة ج8 ص 111 والشرح الكبير لابن قدامة ج 8 ص 114 وسنن أبي داود ج 2 ص280 وفتح الباري ج 10 ص 329 وشعب الإيمان للبيهقي ج 5 ص 189 والترغيب والترهيب ج 4 ص 45 وربيع الأبرار ج4 ص 423 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 504

3) نهج البلاغة (ط الإستقامة) ج 2 ص 155 الخطبة رقم 155

والميل إلى زبرجها، بالإضافة إلى تحذيرات كثيرة، وردت على لسان الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله»..

وهذا يجعل التنزه عن حطامها الزائل الذي يمقته الله ورسوله أمراً راجحاً ومطلوباً.. كما أن الإنسياق معه مرفوض ومبغوض وممقوت، ولا يريده الله تعالى لأوليائه الذين هم أسوة وقدوة لجميع البشر .. بل يكون هذا الانسياق والميل إلى الدنيا منهم منفياً بمضمون آية التطهير.

وآية التطهير إنما نزلت في حق الزهراء، والحسن والحسين، والأئمة الطاهرين «عليهم السلام».. فضلاً عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فهل يعقل أن يكون هؤلاء المطهرون بنص القرآن الكريم، واقعين في شرك حب الدنيا وزينتها، والسعي للحصول على حطامها؟! ثم يصفهم الله بالطهارة؟!

سابعاً: والأهم من ذلك كله: أن الزهراء «عليها السلام» المعصومة والزاهدة فى الدنيا، لا تترك الدنيا إرضاءً لأبيها، بل تتركها عن قناعة وإدراك لتفاهتها، ومعرفتها بأن الآخرة خير لها وأبقى.

الباب الخامس:

الزوجات.. والأولاد..

الفصل الأول:

حديث الزوجات..

الزوجات:

وتذكر المصادر عدداً من النساء في عداد أزواج الإمام الحسين «عليه السلام»، ولكن التأمل في لائحة أسمائهن، ومراجعة ما ذكر في أحوالهن يثير لدى الباحث شكوكا كبيرة في صحة الأمر بالنسبة للأكثر منهن، والأسماء هي التالية:

1 - الرباب بنت امرئ القيس بن عدي.

2 - أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التميمي .

3 - أم جعفر القضاعية.

4 - ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود. وقيل: أم علي الأكبر: مرة بنت عروة بن مسعود. وقيل : هي بنت مرة (1).

5 - أرينب بنت إسحاق، أو (زينب بنت إسحاق).

6 - هند بنت سهيل بن عمرو.

7 - شهربانو بنت یزدجرد.


1) راجع: الجوهرة في نسب الإمام علي وآله للبري التلمساني ص 49 وراجع: الفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 844 وينابيع المودة ج 3 ص 152

8 - عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل.

9 - عائشة بنت خليفة بن عبد الله الجعفية.

10 - حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر.

11 - بنت أبي مسعود الأنصاري.

12 - عائشة بنت عثمان.

نساء تزوجهن الحسين «عليه السلام» وولدن:

نساء تزوجهن الحسين «عليه السلام» وولدن:

قلنا: إن أكثر النساء اللواتي عدهن البعض من أزواج الإمام الحسين «عليه السلام»، لم يثبت أنه تزوج بهن، إن لم نقل: إن الشواهد والدلائل تدل على عكس ذلك..

والذي نطمئن إليه، هو: أنه «عليه السلام» قد تزوج ممن لهن منه أولاد، وما عدا ذلك لا مجال لتأييده، إن لم يكن هو إلى التفنيد أقرب.

فاللواتى ولدن للإمام الحسين «عليه السلام»:

1- الرباب:

قيل: هي بنت امرئ القيس بن عدي (1).


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 370 و ط دار صادر) ج8 ص 475 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 468 ونسب قريش ص 59 والمحبر ص 396 وتاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 119 والإصابة ج 1 ص 354 ج69 9 ص354 ومقاتل الطالبيين ص 94 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 59 ومجموعة نفيسة (تاج المواليد) ص 111 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج1 ص1 ص 208 عنهم. وراجع: الغارات للثقفي ج 2 ص 816 وشرح الأخبار ج3 ص 177 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 135 والعوالم ، الإمام الحسين ص331 و 637 والأعلام للزركلي ج 3 ص 13 والمعارف لابن قتيبة ص213 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 7 ص 175 وج6 ص والكامل في التاريخ ج 4 ص 88 والوافي بالوفيات ج 14 ص 53 وج9 ص220 والنجوم الزاهرة ج 1 ص 276 وأعيان الشيعة ج 1 ص 579 وكشف الغمة ج 2 ص 249 وتاج العروس ج 2 ص 10 و مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 231 وبحار الأنوار ج 45 ص 331

وقيل: هي بنت أنيف بن حارثة بن لام الطائي (1).

وقيل: هي بنت القاسم بن أوس بن عدي (2).

وهي أم سكينة، وعبد الله، وأخذت سبية إلى الشام..

وكانت عاقلة، فاضلة، شاعرة.


1) أنساب الأشراف ج 2 ص 417 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 196 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 479 وراجع تاج العروس ج 2 ص 11 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 238

2) الثقات لابن حبان ج 2 ص 311 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص 67 عن السيرة النبوية وأخبار الخلفاء للبشتي (ط مؤسسة الكتب الثقافية ودار الفكر في بيروت) ص 558

ومن أبياتها في رثاء الإمام الحسين «عليه السلام»:

وا حسيناً فلا نسيت حسيناً *** أقصدته أسنة الاعداء

غادروه بكربلاء صريعاً *** لا سقى الله جانبي كربلاء

وسيأتي: أن هذا الشعر قد نسب لعاتكة بنت زيد أيضاً.

2 - أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله:

تزوج بها الإمام الحسن «عليه السلام»، فأوصى حين حضرته الوفاة أخاه الحسين «عليه السلام» بقوله: أخي، لا تخرجن أم إسحاق من دوركم.

فتزوجها الإمام الحسين بعد استشهاد أخيه، فولدت له ابنته فاطمة (1).

3- أم جعفر القضاعية:

وهي أم جعفر بن الحسين «عليه السلام» واسمها سلافة أو


1) تاريخ مدينة دمشق ج 70 ص 16 و 17 والمنتخب من ذيل المذيل (مطبوع مع تاريخ الأمم والملوك) ج 11 ص 520 و (ط الأعلمي) ص24 والأغاني ج 21 ص 125 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 21 ص78 وراجع المحبر لابن حبيب البغدادي ص 66

ملولة (1).

4 - شهربانو بنت یزدجرد

وهي أم الإمام السجاد «عليه السلام». وقال اليعقوبي: إن أم السجاد من سبي كابل (2).

وقال اليافعي وابن تغري: يروى: إنها من بلاد السند (3).

وقد ناقش بعضهم في صحة عدها من الأزواج.. والأولى عدها من السراري، لأنها كانت من سبي الفرس (4).

ويجاب:

بأن الروايات قد صرحت: بأن علياً «عليه السلام» كان السبب


1) كشف الغمة ج 2 ص 249 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 852 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 471 عن أحسن القصص للدكتور محمد عبد الله فكري (ط دار الكتب العلمية في بيروت) ج4 ص 253

2) تاريخ اليعقوبي (ط النجف) ج 3 ص 46

3) مرآة الجنان ج 1 ص 190 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1417هـ) ج1 ص 152 والنجوم الزاهرة ج 1 ص 229 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 9 ص 122 وشرح الأخبار ج 3 ص 266 والمعارف لابن قتية ص 94 و (ط دار المعارف بمصر) ص 214 ووفيات الأعيان ج 3 ص 269 والوافي بالوفيات ج 20 ص 230

4) التتمة لتاج الدين العاملي ص 75 و 76

في عتق سبي الفرس، وأنها قد تزوجت بالحسين بعقد، ولم يستولدها بملك اليمين.

5 - ليلى بنت أبي مرة بن مسعود الثقفي

وهي أم علي الأكبر «رحمها الله».

قيل: اسمها آمنة.

وقيل: اسمها برة (1).


1) راجع: الجوهرة في نسب الإمام علي وآله للبري التلمساني ص 49 وراجع: الفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 844 وينابيع المودة ج 3 ص 152 ومقاتل الطالبيين ص 52 وبحار الأنوار ج 45 ص 45 والعوالم، الإمام الحسين ص 288 وسر السلسلة العلوية ص 30 والتمهيد لابن عبدالبر ج 9 ص 156 وتاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 362 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 246 و 247 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 340 والكامل في التاريخ ج 4 ص 74 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 200 و 201 وكشف الغمة ج 2 ص 249 والفصول المهمة لابن الصباغ ج2 ص 844 و 852 وينابيع المودة ج 3 ص 152 ونهاية الأرب ج 20 ص 455 وراجع: ترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» من الطبقات الكبرى لابن سعد ص 73 وراجع: مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص231 وبحار الأنوار ج 45 ص 330 والعوالم الإمام الحسين ص 637

ليلى أم علي الأكبر:

ومن زوجات الإمام الحسين «عليه السلام» ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، وأمها ميمونة بنت أبي سفيان، وهي أم علي الأكبر. ولأجل صلته بأبي سفيان من طرف الأم، منحوه الأمان يوم عاشوراء، لكن عليا الأكبر رفض قبول ذلك، كما سيأتي.

ليلى في كربلاء:

وهناك من حاول إثارة الشبهة حول حضور ليلى «رحمها الله» في كربلاء، فقد نسب إلى الشهيد الشيخ مرتضى المطهري «رحمه الله» في الكتاب المسمى بـ «الملحمة الحسينية» قوله: «ليس هناك مؤرخ واحد يشير إلى حضورها في معركة كربلاء» (1).

ويقول المحقق التُستري : «ولم يذكر أحد في السير المعتبرة حياة أمها (الصحيح: أمه) يوم الطف، فضلاً عن شهودها. وإنما ذكروا شهود الرباب أم الرضيع وسكينة» (2).

وقال الشيخ عباس القمي «رحمه الله»: «لم أظفر بشيء يدل على مجيء ليلى إلى كربلاء» (3). وسيأتي قول المجلسي «رحمه


1) الملحمة الحسينية ج 1 ص18

2) قاموس الرجال ج 7 ص 422

3) نفس المهموم ص 167

الله»: أنها لم تكن على قيد الحياة آنئذٍ..

ونقول:

أولاً: نلاحظ: أن غاية ما عند هؤلاء: أنهم لم يجدوا من ذكرها وصرح بحضورها كربلاء، وأبسط شي يقال لهم: إن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، لاسيما مع عدم وصول كتب جميع المؤرخين، وما وصلنا لم نطلع حتى على أسمائه، فضلا عن معرفة مضامينه.. على أن أمثال هذه الأمور إنما تذكر في الكتب والمصنفات حين يكون هناك حدث قد صدر منها يستحق التنويه به..

ولعل ممن تقدم خطوة إلى الأمام في نفي أن تكون أم علي الأكبر على قيد الحياة في أيام عاشوراء العلامة المجلسي «رحمه الله»، وقال: إن ذلك ظهر له من الروايات المعتبرة (1).

ولكن الروايات التي أشار إليها حاضرة ومتداولة بين أيدي الجميع، ولم نر فيها ما يدل على موتها قبل عاشوراء، بل فيها ما يدل على عكس ذلك، كما سنرى.

ثانياً: يقول ابن شهر آشوب «رحمه الله»:

«ثم تقدم علي بن الحسين الأكبر، وهو ابن ثماني عشرة سنة، ويقال: ابن خمس وعشرين، وكان يشبه رسول الله» خَلقاً، وخُلقاً ونطقاً، وهو يرتجز ويقول:


1) جلاء العيون (فارسي) ص 406

أنا علي بن الحسين بن علي *** من عصبة جد أبيهم النبي

نحن و بيت الله أولي بالوصي *** والله لايحكم فينا ابن الدعي

أضربكم بالسيف أحمي عن*** أطعنكم بالرمح حتي ينثني

طعن غلام هاشمي علوي

فقتل سبعين مبارزاً، قم رجع إلي أبيه، و قد أصابته جراحات، فقال: يا أبه، العطش.

فقال الحسين: يسقيك جدك. فكَّر عليهم أيضاً و هو يقول:

الجرب قد بانت لها حقائق *** و ظهرت من بعدها مصادق

والله رب العرش لانفارق *** جمعكم أو تغمد البوارق

فطعنه مُرة بن منقذ العبدي علي ظهره غدراً. فضربوه بالسيف.

فقال الحسين: علي الدنيا بعدك العفا. وضمه إلي صدره، و أتي به إلي باب الفسطاط، فصارت أمه شهر بانويه و لهي تنظر إليه ولا تتكلم.

فبقي الحسين وحيداً، و في حجره علي الأصغر، فرمُي إليه بسهم، فإصاب حقله إلخ.. (1).

فإن قال قائل: إن أم عليالأكبر هي ليلي بنت أبي مرة بن عروة


1) مناقب آل أبي طالب، ج4 ص118 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص257

بن مسعود. وهذا النص يقول: إن أمه شهربانويه. وهي بنت يزدجرد.

فإنه يجاب:

ألف: إن هذا غير مسلَّمٍ أيضاً، وما قاله ابن شهر آشوب يتوافق مع ما رواه أبو الفرج حيث قال:

«وقال يحي بن الحسن العلوي: وأصحابنا الطالبيون يذكرون: أن المقتول لأم ولد، وأن الذي أمه ليلى هو جدهم.

حدثني بذلك أحمد بن سعيد، عنه» (1).

والمراد بجد الطالبيين في كلامه: الإمام السجاد «عليه السلام».. ومراده بالمقتول علي الأكبر.

ب: إن الاختلاف في أمثال هذه الأمور كثير ، ولو أردنا أن نجعله سبباً لرد أصل الروايات، لم يمكن لأحد أن يستدل برواية في هذا الباب، إلا ما ندر.

فإذا توافقت الروايات على مضمون أخذ به، وما اختلفت فيه، لا مجال لتأكيد حصوله إلا بدليل.

ثالثاً : قال ابن قولویه «رحمه الله»:


1) مقاتل الطالبين ص 81 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1385هـ) ص53 وجلاء العيون ج 2 ص 201 وبحار الأنوار ج 45 ص 45 والعوالم ج 17 ص 288 وقاموس الرجال للتستري ج 11 ص 38 وأعيان الشيعة ج 8 ص 206

«حدثني حكيم بن داود عن سلمة، قال: حدثني أيوب بن سليمان بن أيوب الفزاري عن علي بن الحزوّر، قال:

سمعت ليلى، وهي تقول: سمعت نوح الجن على الحسين بن علي «عليه السلام»، وهي تقول:

يا عين جودي بالدموع فإنما *** يبكي الحزين بحرقة وتفجّع

يا عين ألهاك الرقاد بطيبه *** من ذكر آل محمد وتوجع

باتت ثلاثاً بالصعيد جسومهم *** بين الوحوش وكلهم في

وذلك يدل على بقائها «رحمها الله» على قيد الحياة إلى ما بعد استشهاد الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه» (1).

رابعاً: ويمكن تأييد ما تقدم بنصوص عديدة، ذكرت: أنه لما قتل علي الأكبر خرجت امرأة مسرعة، كالشمس الطالعة، تنادي: يا حبيباه! يا ثمرة فؤاداه! يا نور عيناه!

فسأل عنها الذي رآها، وهو حميد بن مسلم، فقيل له: هي زينب بنت علي (2).


1) راجع كامل الزيارات ص95

2) جلاء العيون ج 2 ص 201 وراجع المصادر التالية: مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 31 والعوالم ج 17 ص 287 وبحار الأنوار ج 45 ص44 ومثير الأحزان ص 80 عن مقتل الحسين لأبي مخنف ص129 و عن ذريعة النجاة ص 128

وثمة نصوص أخري قريبة منهذه الألفاظ، لم نذكرها، أنها وردت في مصادر قد لا تكون مرشية لدي البعض، ولكنها تقول: إنها خرجت، و هي تقول: وا ولداه وا ولداه! و نحوذلك (1).

و في جميع الأحوال نقوا:

إن استدلالنا هذا يقوم علي عنصرين:

أولهما: إن قولها: وا ثمرة فؤاداه يشير إلي أن التي خرجت كانت تندب ولداً لها. وليس ابن أخيها، لأن هذا التعبير إنما يستعمل للدلالة علي النسل بالولادة.

قال البيدي: «و من المجاز (الولد): ثمرة القلب.

و في الحديث: إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ثمرة فؤاده؟!

فيقولون: نعم.

قيل للولد: ثمرة، لأن الثمرة ما ينتجه الشجر، والواد نتيجة الأب.

و قال بعض المفسرين في قوله تعالي: (وَ نَقْصِ مِنَ الأمْوَال


1) المنتخب للطريحي ص444 ووسيلة الدارين ص 293 و 294 والإيقاد ص117 وإكثير العبادات ج2 ص644

وَالأنفُس وَالثَّمَرَاتِ) (1): أي الأولاد والأحفاد، كذا في البصائر (2).

العنصر الثاني: صرح هذا النص، وسواه بأن تلك المرأة خرجت مكشوفة الوجه أو الرأس، وأنها كالشمس الطالعة.. ودل على أن المتحدث، وهو حميد بن مسلم، لم يكن يعرفها، فسأل عنها الآخرين، فأخبروه بأنها زينب.

ونحن لا نرى ذلك صحيحاً، لما يلي:

أولاً : لأن زينب لم تكن لتكشف وجهها أمام ذلك الجيش، وهي التي نعت على يزيد في خطبتها الشهيرة سوقه بنات رسول الله «صلى الله عليه وآله» من بلد إلى بلد مكشوفات الوجوه، فهي تقول ليزيد «لعنه الله»:

«أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله «صلى الله عليه وآله» سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن تحدوا بهن الأعداء من بلد إلى بلد يستشرفهن أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف» (3).


1) الآية 155 من سورة البقرة

2) تاج العروس ج 3 ص77 و 78

3) الإيقاد ص 173 و 174 واللهوف لابن طاووس ص 76 وبلاغات النساء ط بيروت دار النهضة سنة 1972 ص 35 و (ط مكتبية بصيريتي قم - إيران ص 21 وأكسير العبادات ج 3 ص 531 والإحتجاج ج 2 ص 125 وبحار الأنوار ج 45 ص 134 و 185 ومقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص 64 والعوالم ج 17 ص 434 وجلاء العيون ج 2 ص 256 ومقتل الحسين للمقرم ص 450 والمجالس السنية ج 1 ص 146

وقد تعجب ابن الجوزي من يزيد، «وحمله آل الرسول «صلى الله عليه وآله» سبايا على أقتاب الجمال، موثقين في الحبال، والنساء مكشفات الوجوه والرؤوس. وذكر أشياء من قبيح ما اشتهر عنه» (1).

ثانياً: عرفنا: أن حميد بن مسلم لم يكن يعرف زينب، ولكن من الذي قال: إن الذين كانوا حوله كانوا يعرفونها؟! إذ لا شك أن أحداً منهم لم يكن قد رآها، ولاسيما مع شدة تحرزها وتحرز أبيها وإخوانها عليها، من أن يراها غير ذي محرم.

وروي: أن علياً «عليه السلام» كان يطفئ المصابيح في الليل حتى لا يرى أحد ظلها (2). فكيف عرفها طغام أهل الشام، وأعراب أهل الكوفة؟!

ولعلهم كانوا يسمعون باسم زينب، ويعرفون مكانتها، وجرأتها، فكانوا كلما رأوا امرأة خرجت من فسطاط الحسين «عليه السلام» ظنوها زينب.


1) راجع الصواعق المحرقة (الطبعة الثانية سنة 1385هـ - 1965م) ص 199 ونزل الأبرار للبدخشاني ص 160

2) راجع وفيات الأئمة ص 435 عن يحيى المازني

بين ليلى والرباب:

ومما يلفت النظر: أن هناك من ينكر حضور ليلى أم علي الأكبر في كربلاء، لمجرد أنه لم يجد في المؤلفات التي اطلع عليها ما يصرح بذلك (1).

بل هناك من تعدى هذا الى استظهار أنها كانت قد ماتت قبل كربلاء مع عدم وجود ما يثبت له موتها، ولا عدم حضورها (2).

ونقول:

إن هذا الكلام غير سديد، فإن ثمة نصوصاً تصرح بحضورها في كربلاء، وتدل على بقائها على قيد الحياة إلى ما بعد عاشوراء (3).

والمفارقة هنا: أن هذا الذي ينفي حضور ليلى في كربلاء، بل يقول: إنها ماتت قبل ذلك لم يتكلم بشيء بالنسبة للرباب زوجة الإمام الحسين عليه السلام»، مع وجود من يصرح بأنها «رحمها الله» قد


1) تقدم ذلك عن الشيخ عباس القمي، ونسب أيضاً إلى الشهيد الشيخ مرتضى مطهري في كتاب الملحمة الحسينية

2) تقدم ذلك عن العلامة المجلسي في جلاء العيون (فارسي) ص 406. وراجع: فرسان الهيجاء ج 1 ص 287

3) تقدمت النصوص الدالة على ذلك عن مناقب آل أبي طالب، وكامل الزيارات، ومقتل الحسين للخوارزمي

ماتت في زمن الحسين عليه السلام (1).

ولعله لم يطلع على هذا النص أيضاً.

نساء تزوجن بعد الحسين «عليه السلام»:

نساء تزوجن بعد الحسين «عليه السلام»:

هناك نساء رفضن الزواج بأحد بعد الحسين «عليه السلام»، ونساء زعم بعض الناس أنهن تزوجن بعده «عليه السلام»، ونساء سكت المؤرخون عنهن .

ونحن نذكر أحوال هؤلاء النسوة من هذه الجهة كما يلي:

1 - تذكر بعض المصادر: أن من زوجات الإمام الحسين «عليه السلام» كالرباب بنت امرئ القيس من تعرض لها الخطاب من الأشراف من قريش بعد استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام»، فرفضت الزواج، وقالت ما كنت لأتخذ حمواً بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وقد بقيت سنة لم يظلها سقف بيت حتى بليت، وماتت كمداً.

وقيل: أقامت على قبره سنة، وعادت إلى المدينة، فماتت أسفاً عليه (2).


1) تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 120 وراجع الأغاني ج 16 ص 147 وتذكرة الخواص ص 265

2) الكامل في التاريخ ج 2 ص 579 و (ط دار صادر) ج 4 ص 88 وجواهر المطالب ج 2 ص 295 وتذكرة الخواص ص 265 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2594 وراجع الأعلام للزركلي ج 3 ص 13 والأغاني ج 16 ص 149 و 147 وتاريخ مدينة دمشق ج 69 ص120 والبداية والنهاية ج 8 ص 210 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج8 ص 229 وقاموس الرجال ج 12 ص 255

وكانت رحمها الله من خيار النساء وأفضلهن (1).

2 - شهربانو بنت یزدجرد، قالوا: إنها من زوجات الإمام الحسين «عليه السلام» اللواتي زعمت بعض النقول أنها تزوجت بعده..

ولكن الشواهد دلت على عدم صحة هذا الادعاء، فقد زعموا : أنها تزوجت بعد الحسين «عليه السلام» بـ «زبيد» (زييد)، مولى الحسين «عليه السلام»، فولدت له عبد الله بن زبيد (2).


1) الأغاني ج 16 ص 149 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 16 ص 361 وأعيان الشيعة ج 6 ص 449 عنه، ونور الأبصار ص 174

2) الطبقات الكبرى لابن سعد (ط صادر) ج 5 ص 211 وسير أعلام النبلاء ج 5 ص 341 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 4 ص 399 والمعارف لابن قتيبة ص 214 والمنتخب من ذيل المذيل للطبري (مطبوع مع تاريخ الأمم والملوك) ج 11 ص 629 و (ط الأعلمي) ص 119 وتذكرة الخواص ج 2 ص 241 والعدد القوية ص 315 و 316 وبحار الأنوار ج 46 ص 154 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص 50 والبداية والنهاية ج 9 ص 104 و (ط دار إحياء التراث (العربي) ج 9 ص 122 و تاريخ الإسلام للذهبي ج6 ص 439 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 1 ص 200

وقال الزهري: الذي زوجها من زبيد هو ولدها زين العابدين.

والظاهر: أن المراد بأمه مربيته. وهي التي قالوا: إنه لم يكن يأكل معها في صحفة واحدة، حتى لا يمد يده إلى ما وقعت عينها عليه، فيكون عاقاً لها (1). ويدل على ما نقول قولهم إنها «رحمها الله» قد ماتت في نفاسها بالإمام السجاد «عليه السلام». وقد روي ذلك عن الإمام الرضا ( عليه السلام»، فراجع (2).


1) تذكرة الخواص ج 2 ص 242 والمجدي في أنساب الطالبيين ص92 و 93 ووفيات الأعيان ج 3 ص 268 والكامل للمبرد (ط مصر) ج 1 ص311 والعدد القوية ص 58 وبحار الأنوار ج 46 ص 62 و 93 والجوهرة في أنساب الإمام علي وآله للبري ص 50 والأئمة الاثنا عشر لابن طولون ص 76 - 78 والوافي بالوفيات ج 20 ص 231 وشذرات الذهب ج 1 ص 105 ومرآة الجنان ج 1 ص 152 والمستطرف للأبشيهي ج 2 ص 422 وهداية الأمة ج 8 ص 105 و الخصال للصدوق ص518 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 9 ص 397 و 398 وج 24 ص 264 و (الإسلامية) ج6 ص 277 وج 16 ص 423 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص221 ومناقب آل أبي طالب (ط) المكتبة الحيدرية ) ج 3 ص 300 والأنوار البهية ص116 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 180 وربيع الأبرار ج 4 ص 268 والدر النظيم ص 584 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 12 ص 83 وج 19 ص 467 وج 28 ص 12

2) الأنوار النعمانية ج 3 ص 87 - 89 وبحار الأنوار ج 46 ص 11 وأعيان الشيعة ج 1 ص 629 والخرائج والجرائح ج 2 ص 751 ومرآة العقول ج6 شرح ص5

وفي بعض الروايات: أن شهربانو هذه قد ألقت نفسها في الفرات حين استشهد الإمام الحسين «عليه السلام»، خوفا من يزيد الذي كان يكره العجم.

وقيل: إن الإمام السجاد «عليه السلام» أركبها جملاً في تلك الواقعة الهائلة، وقال لها كوني على ظهره أين مضى.

فقيل: إنه مضى بها إلى الري ويوجد الآن في الري بقعة يزورها الناس ويقولون: هذا قبر أم علي بن الحسين. ثم قال السيد الجزائري ولكن الاعتماد على ما روي عن الإمام الرضا عليه السلام» (1). وهو أنها ماتت أيام نفاسها به (2).

قال البياضي العاملي «رحمه الله»: «قالوا: نكح علي من سبيهم خولة، فهو دليل على الرضا بهم، وأنكح الحسین شاه زنان قلنا: قد روى البلاذري منكم في كتابه تاريخ الأشراف: أن علياً اشتراها منهم، ثم أعتقها وأمهرها وتزوجها، وولدت له محمداً، وشاه زنان بعث بها وبأختها الوالى من قبله على جهة المشرق، وهو حريث بن جابر، فنحلها الحسين، فولدت له زين العابدين ونحل أختها محمد بن أبي


1) الأنوار النعمانية ج 3 ص 89

2) تاريخ الأئمة للكاتب البغداي (مجموعة نفيسة) ص 24 وإثبات الوصية ص 170 و 171 وتواريخ النبي والآل ص 88 و 89 ولباب الأنساب ج 1 ص 352 - 355 وأعيان الشيعة ج 1 ص 629

بكر فولدت له القاسم على أنهم إذا كانوا أهل ردة لا منع من نكاحهم لأحد من المسلمين، فضلاً عن ولاة الدين» (1).

يضاف إلى ذلك: أنه «عليه السلام» لو كان أخذها من سبي عمر، فإنما أخذها بعد أن أعتقت هي وجميع أسرى الفرس على النحو الذي بيناه وشرحناه، ثم تزوجها الحسين «عليه السلام». وكان هذا من لطائف تصرفات وسياسات علي «عليه السلام». وفي بعض النصوص أنها أسلمت على يد فاطمة الزهراء «عليهاالسلام» في رؤيا رأتها قبل أن يأتوا بها.

وبذلك يرد كلام ابن عنبة، فقد ذكر: أن ابنتي يزدجرد كانتا مع أبيهما حين ذهب إلى خراسان. وقال كثير من النسابين والمؤرخين: إن أم زين العابدين «عليه السلام» من غير ولده. قال: «وقد أغنى الله تعالى علي بن الحسين «عليه السلام» بما حصل له من ولادة رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن ولادة يزدجرد بن شهريار المجوسي المولود من غير عقد على ما جاءت به التواريخ» (2).

ولا يستقيم قول ابن عنبة: إن يزدجرد مولود من غير عقد، فإن لكل قوم نكاحاً .

ونحن نعلم: أن المجوس يعاملون معاملة أهل الكتاب، وإن كانوا


1) الصراط المستقيم ج 2 ص 128

2) عمدة الطالب لابن عنبة ص192 و 193

قد ضيعوا كتابهم. على أن الكلام في ولادة شخص عن عقد أو بدونه يبقى من الرجم بالغيب. وما أبعد ما بين هذا الكلام وبين قول بعضهم: «أنظر إلى بركة العدل حيث جعل الله تبارك وتعالى الأئمة المهديين من نسل الحسين «رضي الله عنهم» من بنت يزدجرد المنتسب إلى كسرى أنوشيروان، الملك العادل دون سائر زوجاته» (1).

3 - أرينب بنت إسحاق، التي تزعم الرواية: أن الحسين «عليه السلام» طلقها، فعادت إلى زوجها الأول عبد الله بن سلام.

4 - هند بنت سهيل بن عمرو، والتي تزعم الرواية: أن الحسين «عليه السلام» طلقها، فعادت إلى زوجها الأول عبد الله بن عامر.

5 - قالوا: إن أم إسحاق بنت طلحة تزوجت بعد شهادة الإمام الحسين عليه السلام» بعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر (ويقال له ابن أبي عتيق)، فولدت له أمينة (أمية) (2).

ونقول:

أولاً: لا نستطيع تأكيد هذه المزاعم، فقد قال ابن شهرآشوب، وهو


1) ينابيع المودة ج 3 ص 151 - 153

2) المحبر ص 66 و 442 :وفيه ويقال: تزوجها قبل عبد الله بن محمد، تمام بن العباس بن عبد المطلب»، وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 1 ص 216 وتاريخ مدينة دمشق ج 70 ص 15 و 16 وراجع الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 195 وجمهرة أنساب العرب ص138 والمعارف لابن قتيبة ص 233

يتحدث عن أمامة بنت أبي العاص ، وزواجها بشخص آخر، بعد موت على «عليه السلام» عنها:

«..وخطب المغيرة بن نوفل أمامة، ثم أبو الهياج بن سفيان بن الحارث، فروت عن علي «عليه السلام» أنه لا يجوز لأزواج النبي والوصي، أن يتزوجن بغيره بعده فلم يتزوج امرأة، ولا أم ولد بهذه الرواية» (1).

ثانياً: لست أدري إن كان يمكن أن نصدق أن يكون الامام الحسين «عليه السلام» قد تزوج بنت طلحة بن عبيد الله التيمي، الذي قتل في حرب الجمل، فهل يمكن أن تصفو قلوب الأبناء لقتلة آبائهم، وأبناء قتلتهم؟!

6 - هناك نساء قيل فيهن: تزوجت بالإمام الحسن «عليه السلام» تارة، وقيل: بل تزوجت بالحسين «عليه السلام»، فلا مجال لتأييد أي من الاحتمالين.. ومنهن هند بنت سهيل بن عمرو، التي قيل تارة: إن قصتها كانت مع الإمام الحسين «عليه السلام»، وقيل: إنها مع الإمام الحسن «عليه السلام» أخرى.


1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 305 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 90 وبحار الأنوار ج 42 ص 92 وكنز الدقائق (تفسير) ج10 ص428 ونور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 299 والأنوار العلوية ص 450 وراجع: مستدرك سفينة البحار ج 4 ص 336

ولعل سبب هذا الاختلاف هو التصحيف الذي يقع بين كلمتي الحسن والحسين، لتقارب الرسم بينهما، مع قلة الاهتمام بالنقط للحروف آنئذٍ.

7 - ومنهن عائشة بنت خليفة، بنت عبد الله الجعفية.. ذكرت تارة كزوجة للحسن «عليه السلام» (1)، وأخرى كزوجة للإمام الحسين «عليه السلام» (2).

8 - حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر. ذكرت زوجة للحسن (3)تارة، وأخرى للحسين «عليهما السلام» (4).


1) مجمع الزوائد ج 4 ص 339 والمعجم الكبير ج 3 ص91 وسنن الدارقطني ج 4 ص 20 وترجمة الإمام الحسن من الطبقات الكبرى لابن سعد ص63 والسنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 336 والجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 202 والدر المنثور ج 1 ص 279 وتفسير الآلوسي ج 2 ص137 وأضواء البيان ج 1 ص 112 وتاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 251 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص 154 وكشف الغمة ج 2 ص 174 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 1 ص220

2) تاريخ الأمم والملوك (ط صادر) ج 4 ص 525 والكامل في التاريخ ج 4 ص 236 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 366 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 471 وموسوعة الإمام الحسين عليه السلام» ج1 ص 220

3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 13 وتعجيل المنفعة لابن حجر ص 411 وأنساب الأشراف ج 3 ص 22 وبحار الأنوار ج 44 ص 173 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 1 ص 220

4) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 468 و 469 وتاريخ مدينة دمشق ج 60 ص 291 والمحبر ص448 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 1 ص 220

والكلام في هاتين هو نفسه الكلام في هند بنت سهيل بن عمرو.

9 - يضاف إلى ما تقدم عائشة بنت عثمان التي عدها ابن شهر آشوب في جملة أزواج الإمام الحسين (1).

وقيل: إن هذه النسبة خطأ، إذ لم يقل أحد إن الإمام الحسين «عليه السلام» كان صهراً لعثمان. نعم.. ذكر بعضهم: أن الإمام الحسين «عليه السلام» كان قد خطبها (2).

10 - وذكروا أيضاً : عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل في جملة أزواج الإمام الحسين «عليه السلام»، تزوجها بعد الزبير، فقتل عنها، فرثته، فقالت:

وا حسيناً فلا نسيت حسيناً *** أقصدته أسنة الاعداء


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 40 وبحار الأنوار ج 44 ص 208 والعوالم ج 17 ص88

2) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 1 ص 221 عن الطبقات الكبرى لابن سعد، وعن الكامل للمبرد ج 3 ص 1130 و تاريخ مدينة دمشق ج57 ج3 ص 246

غادروه بكربلاء صريعاً *** لا سقى الله جانبي كربلاء (1)

ويقولون: إن مروان خطبها بعد الحسين «عليه السلام»، فقالت: ما كنت متخذة حما بعد رسول الله «صلى الله عليه و آله» (2).

وقال في شرح ديوان الحماسة عن عاتكة:

«شاعرة فصيحة، صحابية لها جمال وكمال وتمام في عقلها ومنظرها، وجزالة في رأيها، تزوجت بعبد الله بن أبي بكر الصديق، فلما مات من السهم الذي أصابه بالطائف خطبها عمر بن الخطاب، فتزوجت به، فلما قتل خطبها الزبير بن العوام، فتزوجها، فلما قتل عنها بوادي السباع تزوجها الحسين بن علي «رضي الله عنهما»، فلما قتل بكربلاء كانت أول من رفع خده عن التراب، ثم تأيمت بعده، وكان عبد الله بن عمر يقول: من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة» (3).


1) الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص 321 و 322 ومعجم البلدان ج 4 ص 445 والأغاني ج 18 ص 302 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج27 ص 491 عن كتاب الحسن والحسين سبطا رسول الله «صلى الله عليه وآله» (ط دار الكتب العلمية - بيروت) ص 154 وراجع: الإستيعاب (ط الجيل) ج 4 ص 1876 وتذكرة الخواص

2) الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص 321 وتذكرة الخواص ص 148 والأغاني ج 18 ص 303

3) شرح ديوان الحماسة لأبي تمام ج 1 ص 460

وقد شكك بعضهم بصحة زواجها بالإمام الحسين «عليه السلام»، لأن رواية هذا الزواج منحصرة بمعجم البلدان والأغاني (1).

ونحن نشك أيضاً في أن تكون قد تزوجت بالإمام الحسين «عليه السلام»، ثم استشهاده عنها ، ثم رثائها إياه. فضلاً عن أن يكون مروان قد خطبها بعد استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام».

وذلك لما يلي:

أولاً: ما صرح به بعضهم، من أن عاتكة ماتت في أوائل خلافة معاوية، أي في سنة اثنتين وأربعين للهجرة (2)، أي قبل استشهاد الحسين «عليه السلام» بما يقرب من عشرين سنة.

ثانياً: إن الشعر المنسوب لعاتكة في رثاء الإمام الحسين «عليه السلام»، قد نسب إلى الرباب بنت امرئ القيس، فقد قالوا: إنها أخذت الرأس ووضعته في حجرها، وقبلته وقالت:

وا حسيناً فلا نسيت حسيناً *** الخ.. (3).

ثالثاً: إن لعاتكة مشكلة تجعل من زواج الإمام الحسين «عليه


1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 1 ص 219 عن الأغاني ج18 ص 68 ومعجم البلدان ج4 ص 445

2) البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 26

3) تذكرة الخواص ص 260 و (ط أخرى) ص 233 ولواعج الأشجان ص 223 وأعيان الشيعة ج 1 ص 622

السلام» بها أمراً بعيداً..

والمشكلة تتضح بملاحظة الأمرين التاليين:

1 - عاركها، فنكحها:

روى ابن سور، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد: أن عاتكة بنت زيد كانت تحت عبد الله بن أبي بكر، فمات عنها، واشترط عليها أن لا تزوج بعده، فتبتلت، وجعلت لا تزوج، وجعل الرجال يخطبونها، وجعلت تأبى.

فقال عمر لوليها: اذكرني لها.

فذكره لها.

فأبت عمر أيضاً.

فقال عمر: زوجنيها.

فزوجه إياها.

فأتاها عمر، فدخل عليها، فعاركها حتى غلبها على نفسها، فنكحها، فلما فرغ قال: أف، أف، أف. أفف بها. ثم خرج من عندها، وتركها لا يأتيها.

فأرسلت إليه مولاة لها: أن تعال، فإني سأتهيأ لك (1).


1) الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 8 ص 194 و ط دار صادر ص 265 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 13 ص633 ومنتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج 5 ص 279 والغدير ج 10 ص 38

فيلاحظ:

ألف: إن هذا العراك الذي انتهى بقهرها لا يمكن تبريره. فإن المرأة الثيب هي ولية نفسها، وليس للخليفة ولا لأبيها ولاية عليها، ولا يحق له قهرها على الزواج بأي كان من الناس.

ب: حتى لو كان وليها هو الذي زوجها، فإن رفضها لهذا التزويج قبل العقد وبعده، حتى ليضطر عمر إلى العراك معها حتى غلبها على نفسها يجعل فعله هذا خارج دائرة المشروعية، ويكون وطأ محرماً. بلا ريب.

ج: إن الإستيلاء على السلطة بالقهر والغلبة، لا يجعل لتصرفات المتغلب مشروعية فيما اغتصبه، واستولى عليه ولا تترتب على تصرفاته الآثار التي تترتب على تصرفات النبي والوصي.

د: إن نفس إرسالها إلى عمر بعد أن نكحها عنوة، وهجرها تطلب منه أن يعود إليها يدل على أنها ليست في المستوى اللائق من الالتزام بما تفرضه معاني الشهامة والعفة والكرامة.

ولا نظن الإمام الحسين «عليه السلام» يقدم على الزواج منها، إذا كان هذا حالها.

2 - ما فعلته عاتكة ممقوت عند الله:

ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله

عليه وآله»: أنه لما أقدم عمر بن الخطاب على ما أقدم عليه في أمر عاتكة، وكان ذلك في أول خلافته، أولم عليها، ودعا الصحابة، وفيهم علي «عليه السلام»، فقال لها «عليه السلام»: «يا عدية نفسها، أين قولك؟!

فاليت لا تنفك عيني حزينة *** عليك ولا ينفك جلدى أصفراً

وفي نقل آخر: أغبرا.

فاتهمه عمر بأنه أراد إفسادها عليه.

فقال «عليه السلام»: قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهَ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (1)(2).

ونقول:

أولاً : إن أمير المؤمنين «عليه السلام» المطهر المعصوم بنص آية التطهير أجلّ من أن يكون هدفه إفساد علاقة زوجية. فهذا الطعن لا يقبل فيه لمخالفته لنص القرآن، ولأقوال الرسول «صلى الله عليه


1) الآيتان 2 و 3 من سورة الصف

2) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 118 والإصابة ج 4 ص 357 والإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 4 ص 365 و 366 و (ط دار الجيل) ص 1878 وأسد الغابة ج 5 ص 498 وكنز العمال ج 16 ص 553 والفائق في غريب الحديث ج 3 ص 203 وخزانة الأدب ج 10 ص 405

وآله» فيه:

«علي مع الحق، والحق مع علي، يدور معه حيث دار». وقوله «صلى الله عليه وآله»: «على مع القرآن والقرآن مع علي»، ونحو ذلك (1).

ثانياً: إن عاتكة - كما قاله أمير المؤمنين «عليه السلام» - كانت من موارد المقت الإلهي. ومن كان كذلك، فلا يرغب الإمام الحسين «عليه السلام»، ولا علي، ولا الحسن «عليهماالسلام» بالتعامل معه، فضلاً عن مخالطتها مخالطة الزوج لزوجته..

ثالثاً: يبدو من النصوص: أن عاتكة آلت ألا تتزوج بعد عبد الله بن أبي بكر (2).


1) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 303 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج18 ص 72 وعبقات الأنوار ج 2 ص 324 عن السندي في دراسات اللبيب ص 233 وكشف الغمة ج 2 ص 35 وج 1 ص 141 - 146 والجمل لابن شدقم ص 11 والجمل للمفيد ص 36 و 231 و تاريخ بغداد ج 14 ص 321 ص36 والمستدرك ج 3 ص 119 و 124 وربيع الأبرار ج1 ص828 و 829 ومجمع الزوائد ج 7 ص 234 ونزل الأبرار ص 56 وفي هامشه عنه، وعن كنوز الحقائق ص 65 وعن كنز العمال ج 6 ص 157 وملحقات إحقاق الحق ج 5 ص 77 و 28 و 43 و 623 و 638 وج 16 ص 384 و 397 وج 4 ص 27 عن مصادر كثيرة جداً

2) البداية والنهاية ج 8 ص 23 و (ط دار إحياء التراث) ص 26 والغدير ج 10 ص 38 وكنز العمال ج 13 ص 633 والطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص 265 والإصابة ج 8 ص 228

قالوا: وقد كان هذا التعهد منها مقابل طائفة من مال عبد الله بن أبي بكر أعطاها إياه على ألا تتزوج بعده. ومات عبد الله، فتزوجها عمر، بعد أن أرجعت المال إلى آل أبي بكر، ثم تزوجت بعمر (1).

وهذا غير صحيح، بدليل: ما روي عن خالد بن سلمة: «إن عاتكة بنت زيد كانت تحت عبد الله بن أبي بكر، وكان يحبها، فجعل لها بعض أراضيه على أن لا تزوج بعده، فتزوجها عمر بن الخطاب، فأرسلت إليها عائشة أن ردّي علينا أرضنا» (2). فإن هذا يدل على أنها ذهبت إلى عمر قبل إرجاع الأرض لأهلها.

رابعاً: كأن عليا «عليه السلام» أراد التنبيه على أن زواج عاتكة بعمر باطل، وأنه لا بد من الاعتراض عليه.

فمن تكون كذلك، لا يتزوجها الحسين «عليه السلام»، ولا أبوه، ولا أخوه «صلوات الله وسلامه عليهم».


1) الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 8 ص 193 و 194 و (ط دار صادر) ص 265 و 266 والإصابة ج 4 ص 357 و (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 228 ومنتخب كنز العمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج5 ص 279 وكنز العمال ج 13 ص 633

2) الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 8 ص 194 و (ط دار صادر) ص 265 و 266 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 191

لا تطلب حمواً بعد رسول الله «صلي الله عليه وآله»:

يبقى أن نشير إلى أن ما نسبوه إلى عاتكة، من أنها لما خطبها مروان بعد استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» قالت: إنها لا تتخذ حمواً بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» (1). لا يمكن الاطمينان إليه، من امرأة عرفنا بعض المآخذ عليها..

مع أنه تقدم: أن هذا القول هو للرباب بنت امرئ القيس «رحمها الله»، لا لعاتكة.

كيف نزوجك على فقرك:

حدثني أبو الحسن محمد بن القاسم، حدثنا أبو بكر محمد بن أبي عمرو التاجر، حدثنا علي بن محمد بن حمدان الصفار، حدثنا ابن الأعرابي، قال: حدثني أبو عبد الرحمان الهاشمي، (قال:) حدثنا الزبير بن أبي بكر ، حدثنا محمد بن يحيى، قال:

«خطب الحسين عائدة بنت شعيب بن بكار بن عبد الملك، فقال: كيف نزوجك على فقرك؟!

فقال الحسين بن علي بن أبي طالب: تعيرنا بالفقر وقد نحلنا الله


1) راجع تذكرة الخواص ص 148 والدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص321 و 322 عنه

الكوثر ؟!!» (1).

ونقول:

أولاً: ذكرنا في تفسير سورة الكوثر: أن الكوثر هو مصدر الكثرات التي يحبها الله لخيرة عباده، وأمنائه في بلاده، فيدخرها لهم، ويحبوهم ويكرمهم بها، ولا يكرم الله تعالى بما هو زائل أو باطل، مهما كان كبيراً أو كثيراً ، بل بما هو خير وما هو باق.

ومن كان لديه مصدر الكثرات من الخيرات الباقيات لا يكون فقيراً.

ثانياً: يلاحظ: أن الله سبحانه إنما خاطب نبيه محمداً «صلى الله عليه وآله» في سورة الكوثر، مخبراً إياه بأنه قد أعطاه الكوثر..

وتقول هذه الرواية : إن الله تعالى قد نحلنا الكوثر - والمراد بضمير جمع المتكلم في كلمة «تعيرنا» وكلمة «نحلنا» أهل البيت «عليهم السلام»..

وهذا يشير إلى أن الإعطاء القرآني لرسول الله، كان على سبيل جعل الرسول واسطة في الثبوت، فإنه «صلى الله عليه وآله» شريك لأهل البيت «عليهم السلام» في أن لديه مصدر الكثرات، ومنه يستمد أهل البيت «عليه السلام» هذه الخصوصية فيشاركونه فيها.


1) شواهد التنزيل لقواعد التفضيل للحسكاني ج 2 ص 486 وشرح إحقاق الحق ج 14 ص 530 لكن فيه (عائدة) بدل (عائذه)

ثالثاً : قد أظهر هذا النص أن ثمة عقلية غير سوية لدى من خطب الحسين إليهم، وان الله سبحانه كان لطيفا بالإمام الحسين «عليه السلام» حيث ظهرت له هذه العاهة فيهم، وجاءته هذه الإجابة منهم.

غير أن علينا أن نبحث الرواية المتقدمة بنحو آخر، فنقول:

من هو الحسين:

قد يفهم من إطلاق كلمة الحسين في الرواية المتقدمة: أن المقصود هو الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب «عليهماالسلام». بل الرواية قد صرحت بذلك..

ولكن الظاهر - كما نبهني إليه السيد محمد - أنّ هذه القصة جرت بين عابدة «أو عائذة» بنت شعيب، وبين حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس.

وكان بكار بن عبد الملك بن مروان قد خطب بنت شعیب، فرفضته؛ وتزوجت بالحسين بن عبد الله.

فقال بكار بن عبد الملك لحسين هذا: كيف تزوجتك على فقرك؟

فقال له حسين بن عبد الله: أتعيّرنا بالفقر وقد نحلنا الله تعالى الكوثر (1).


1) الأغاني ج 10 ص 161 وتاريخ دمشق ج 10 ص 230 و(ط أخرى) ص 367 وشواهد التنزيل ج 1 ص 287 الحديث (1163) وأنساب الأشراف للبلاذري ج 4 ص 65

فظهر بذلك: أن كلمة «علي بن أبي طالب» في الحديث الذي أوردناه أولاً، هي من زيادة الراوي غفلة منه.

وتبقى لنا هنا مناقشة أساسية وهي: أن «الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس» لم يكن هو، ولا أبوه، ولا جده، ولا العباس من أهل البيت الذين نحلهم الله الكوثر، لأن هؤلاء هم خصوص الخمسة أصحاب الكساء، ومعهم الأئمة التسعة من ولد الحسين «عليه السلام»..

فالعباس وذريته خارجون عنهم.

فجواب الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس لبكار بن عبد الملك في غير محله من هذه الجهة.

ونضيف أيضاً: أن قول الرواية المتقدمة: «خطب الحسين عائذة بنت شعيب بن بكار بن عبد الملك» خطأ واضح، فإن كلمة «بن» بين كلمتي شعيب وبكار زائدة، لأن بكار بن عبد الملك هو الذي خطب بنت شعيب، ولا وجود لشخصية إسمها شعيب بن بكار.

وقد ظهر من النص الثاني أن ثمة عقلية غير سوية لدى خاطب عائذة الذي عاب على الحسين فقره، وهو بكار بن عبد الملك، وأن الله سبحانه كان لطيفا بابنة شعيب حيث ظهرت لها هذه العاهة في ذلك الخاطب.

مئة جارية مع كل جارية ألف دينار:

عن أبي جعفر محمد بن علي «عليه السلام»: أنه قال: تزوج الحسين

بن علي «عليه السلام» امرأة، فأرسل إليها بمئة جارية، مع كل جارية ألف درهم (1).

وعن الحسين بن علي «عليهماالسلام» أنه متع المرأة طلقها بعشرين ألف درهم، وزقاق من عسل.

فقالت له المرأة: متاع قليل من حبيب مفارق (2).

ونقول:

أولاً: إن الإمام الحسين «عليه السلام»، وكذلك سائر الأئمة لا يتجاوزون مهر السنة في مهور نسائهم، وكل ما يدعى عليهم من الزيادة على ذلك، فهو من الجزاف الباطل.

هذا من ذاك.

ثانياً: إن المقصود هو تبرير تصرفات الآخرين الذين استولوا على بيوت أموال المسلمين. وذلك بنسبة تصرفاتهم إلى أهل بيت النبوة، ليقولوا للناس: إذا كان في التصرفات المالية لبني أمية ومن تابعهم إشكال.. فهذا الحسين بن علي يمارس هذه التصرفات أيضاً.

ثالثاً: سيأتي أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد استشهد وعليه دين، فهل كان هذا الدين بسبب نفقاته العالية في مهور نسائه، وفيما يمتعهم به حين يطلقهن؟! حاشا وكلا..


1) راجع: دعائم الإسلام ج 2 ص 222

2) راجع: دعائم الإسلام ج 2 ص 293

رابعاً: إن الأئمة الطاهرين «عليهم السلام» يعيشون هموم الناس، ويعملون على التخفيف عنهم، وحل مشاكلهم، ورفع مستوى مهور النساء إلى هذه الحدود الخيالية، والتي يعجز عنها عامة الناس.. سيؤدي إلى تصعيب أمر الزواج، ليصل الأمر إلى حد الاستحالة العادية بالنسبة لكثير من الشباب والفتيات.. وهذا يفتح أبواباً من الفساد على المجتمع، فتكثر المعاصي، ويقل الورع.

وما تكون هذه نتائجه، لا يمكن أن يرتكبه الإمام الحسين «عليه السلام».. فإنه «عليه السلام» لا يسن سنة تخالف سنة رسول الله «صلى الله عليه وآله».

واللافت هنا: أمران:

الأول: أن هذا المعنى إنما رواه غير الشيعة، وأخذه الشيعة عن غيرهم.

الثاني: إن نفس هاتين الروايتين قد رويتا أيضاً عن الإمام الحسن «عليه السلام»، وهذا أحد موارد التصحيف من الرواة بين الكلمات التي تتشابه في الرسم، وتتفاوت بواسطة النقط التي كان الاعتناء بها قليلاً في تلك الحقبة.

والروايتان هما:

1 - عن ابن سيرين: تزوج الحسن بن علي امرأة فبعث إليها بمئة

جارية مع كل جارية ألف درهم (1).

2 - وعن الحسن بن سعد عن أبيه: أن الحسن بن على «رضى الله عنهما» متع امرأة عشرين ألفاً وزقين من عسل، فقالت المرأة: متاع قليل من حبيب مفارق (2).


1) راجع: تهذيب الكمال ج 6 ص 237 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 253 وحلية الأولياء ج 2 ص 38 والمبسوط للطوسي ج 4 ص 272 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 21 ص 263 و (الإسلامية) ج 15 ص 19 و مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية ) ج 3 ص 183 وبحار الأنوار ج 43 ص 342 و 349 ومجمع الزوائد ج 4 ص 284 والمصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 320 والمعجم الكبير ج 3 ص 28 وتفسير الثعلبي ج 3 ص278 وتاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 249 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص37 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 43 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص 153 ومطالب السؤول ص 346 وكشف الغمة ج 2 ص 183 و 190 و التحفة اللطيفة ج 1 ص 282 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 148 وج 26 ص 450 والمحجة البيضاء ج 4 ص 218

2) السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 244 و 257 و 336 والمصنف للصنعاني ج 7 ص 73 و 74 والمعجم الكبير ج 3 ص 27 و 91 ومجمع الزوائد ج4 ص 339 وراجع: سنن الدارقطني ج 4 ص 20 والمغني لابن قدامة ج 8 ج4 ج8 ص 53 والاستذكار لابن عبد البرج 6 ص 119 وسنن سعيد بن منصور ج 2 ص 3 وعمدة القاري ج 21 ص 11 والشرح الكبير لابن قدامة ج 8 ص 92 وراجع: مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 183 وبحار الأنوار ج 43 ص 343 و 349 والدر المنثور ج 1 ص 279 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 295 وتفسير البغوي ج 1 ص218 وتفسير الثعلبي ج 2 ص 191 وتاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 250 و 251 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 262 وأنساب الأشراف ج 3 ص 25 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 42 و 43 وكشف الغمة ج2 ص 174 وترجمة الإمام الحسن من الطبقات الكبرى لابن سعد ص 68 وترجمة الإمام الحسن لابن عساکر ص 152 و 153 وشرح إحقاق الحق ص152 و 153 (الملحقات) ج 11 ص 148 وج 19 ص 327

ومما يذكر هنا:

بسط ونمارق فى بيت الحسين:

عن جابر، عن أبي جعفر «عليه السلام» قال: «دخل قوم على الحسين بن علي «عليهما السلام»، فقالوا: يا ابن رسول الله! نرى في منزلك أشياء نكرهها.

وإذا في منزله بسط، ونمارق.

[وفي نص آخر: نرى في منزلك أشياء لم تكن في منزل رسول الله «صلى الله عليه وآله» (1)]

فقال «عليه السلام»: إنا نتزوج النساء، فنعطيهن مهورهن،


1) دعائم الإسلام ج 2 ص 160 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 465 و 466

فيشترين ما شئن ليس لنا منه شيء» (1).

ونقول:

1 - لا نستطيع أن نؤكد أن الذين زعموا أنهم يكرهون البسط والنمارق كانوا صادقين في زعمهم هذا.. فقد وجدنا أكثر الصحابة حينما أقبلت عليهم الدنيا، ووجدوا الأموال عن طريق الفتوحات وغيرها لم يتورعوا عن تلك الأموال، وقد جمعوا من الذهب والفضة، والجواري، والضياع والقصور، وغير ذلك، ما يفوق التصور.

وقد ذكرنا نبذة عن أحجام ثروات بعضهم في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» حين الحديث عن تجهيز جيش العسرة، إلى تبوك، وغير ذلك، فراجع.

2 - من أجل ذلك نرجح: أن يكون الصحيح هو ما ورد في النص الآخر، من أنهم قالوا للإمام الحسين «عليه السلام»: نرى في منزلك أشياء لم تكن فى منزل رسول الله «صلى الله عليه وآله».

3 - إنه «عليه السلام» قد أوضح أن ما كان في بيته «عليه


1) الوافي ج 20 ص 803 و 804 والكافي ج 6 ص 476 ومرآة العقول ج22 ص 366 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 336 و (الإسلامية) ج3 ص 586 ومكارم الأخلاق للطبرسي (منشورات الشريف الرضي) ص 131 وبحار الأنوار ج 76 ص 322 ومرآة العقول ج 22 ص 366 ودعائم الإسلام ج 2 ص 159 و 160

السلام» من بسط ونمارق لم يكن له منه شيء، بل هو للمرأة التي اختارت أن توظف مهرها في اقتناء هذه الأشياء، ولم يكن «عليه السلام» ليمنعها من حق جعله الله تعالى لها.

وتشبه هذه الحادثة ما جرى للإمام الباقر «عليه السلام»، من أنه دخل عليه بعض الأصحاب، فوجد في بيته بسطا ووسائد وأنماطاً ومرافق، فقال: ما هذا؟!

فقال له الإمام عليه السلام»: هذا بيت المرأة (1).

4 - إن هذا الاعتراض في غير محله، لأن الله تعالى قد أحل لعباده التصرف بالمال الحلال، قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (2).

نعم.. على الإمام أن يواسي رعيته، لئلا يتبيغ بالفقير فقره، وييأس الضعفاء من المؤمنين، وتطمح عيونهم إلى زخارف الدنيا، فيبيعوا دينهم بدنياهم، فيهلكوا .


1) راجع: الوافي ج 20 ص 716 والكافي ج 6 ص 447 وروضة المتقين ج7 ص 623 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 31 و (الإسلامية) ج3 ص 359 وبحار الأنوار ج 46 ص 292 وج 73 ص 101 ومرآة العقول ج 22 ص 323 و 324 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 536

2) الآية 32 من سورة الأعراف

الفصل الثاني:

أرينب بنت إسحاق..

قصة أرينب:

وقد تعد أرينب بنت إسحاق في جملة زوجات الإمام الحسين «عليه السلام».. استناداً إلى قصة ذكرت في بعض المؤلفات القديمة والمعاصرة.. وهي قصة مطولة يغلب عليها الطابع القصصي المغرق في التنميق والتأنق الذي يجنح إليه القصاصون عادة في مجالس السمر والسهر ..

بالإضافة إلى ظهور آثار الإصطناع والتزلف للحكام، ومحاولة إضفاء هالة الورع والتقوى على إخوان الشياطين، فإن هذه الأمور كلها وسواها هي إحدى سمات هذه الرواية، إن لم نقل: إنها السمة الطاغية عليها..

فمن أراد التحقق من هذا الذي قلناه، فما عليه إلا أن يراجع النص الكامل للرواية في كتاب الإمامة والسياسة، وغيره من المصادر التي أوردتها بتمامها .

أما نحن، فسنحاول الإقتصار على موجز تقريري لما لما يدعى أنه قد جرى، وسنحاول أن نجعله يحتفظ بالنقاط الأساسية التي ذكرت فيها.. ثم نخضعها للمساءلة والبحث، فنقول:

قالوا: إن يزيد بن معاوية شكا أباه إلى وصيف اسمه رفيق، مدعياً على أبيه أنه أضاع أمره، وترك النظر في شأنه، وفرط فيه، والذي يدعوه إلى لومه معرفته بحسن نظر أبيه في الأمور. وهذا يدل على أنه كان يعرف بعشق ولده، ولم يكن ولده بحاجة إلى البوح بما يكتمه في صدره، ولا أن يطلب منه السعي في حاجته. ولكن أباه قد أضاع أمره، وترك النظر في شأنه الخ..

فأبلغ الوصيف معاوية بشكوى يزيد فاستدعى ولده، وأنبه، واتهمه بكفر النعمة ..

فاعتذر له يزيد، وأخبره بشغفه بامرأة متزوجة بعبد الله بن سلام، اسمها أرينب بنت إسحاق القرشي، الذي كان من معاوية بالمنزلة الرفيعة..

ولكن يزيد عاد، فاتهم أباه بالتقصير في أمره، بالرغم من اعترافه بأنه لم يذكر هذا الأمر لأبيه.

فأمره أبوه بالصبر، وقال له: «أين حجاك، ومروءتك وتقاك»؟!

فقال يزيد: قد يغلب الهوى على الصبر والحجا. ولو كان أحد ينتفع فيما يبتلى به من الهوى بتقاه، أو يدفع ما أقصده بحجاه، لكان أولى الناس بالصبر داود «عليه السلام». وقد خبرك القرآن بأمره.

فقال له معاوية : فما منعك قبل الفوت من ذكره؟!

قال: ما كنت أعرفه، وأثق به من جميل نظرك.

قال: صدقت.

ثم أمره مرة أخرى بالصبر..

وكانت أرينب بنت إسحاق مثلاً في أهل زمانها في جمالها، وتمام كمالها وشرفها، وكثرة مالها، فتزوجها رجل من بني عمها، يقال له: عبد الله بن سلام من قريش، وكان من معاوية بالمنزلة الرفيعة في الفضل. وكان قد استعمله على العراق.

فكتب معاوية إلى ابن سلام يأمره بالمسير إليه، فلما قدم عبد الله بن سلام الشام، استدعى معاوية أبا هريرة وأبا الدرداء، وكلمهما في أمر ابن سلام، وأنه يرغب بأن يزوجه ابنته، فكان مما قاله معاوية لهما، وهو يتحدث عن نعم الله على العباد:

«فحباني منها عز وجل بأعز الشرف، وسمو السلف، وأفضل الذكر، وأغدق اليسر، وأوسع علي في رزقه، وجعلني راعي خلقه، وأمينه في بلاده، والحاكم في أمر عباده، ليبلوني أأشكر آلاءه أم أكفرها. فإياه أسأله أداء شكره، وبلوغ ما أرجو بلوغه، من عظيم أجره الخ..»

ثم ذكر لهم: أن له بنتا قد بلغت يحب أن يزوجها عبد الله بن سلام.

وذكر لهم أنه يخشى إن لم يفعل ذلك: أن يأتي من بعده من يملك أمر الناس، فلا يرون فى الناس الذين يملكون أمرهم كفؤا ولا نظيراً، فيعضلون بذلك نساءهم.

فأجابه أبو هريرة وأبو الدرداء: أنه أولى الناس برعاية أنعم الله

وشكرها. وقالا: أنت صاحب رسول الله وكاتبه.

فأمرهما بإبلاغ الأمر إلى ابن سلام، قائلا: إنه قد جعل أيضاً لابنته الخيار، ولا يريد أن يكرهها على شيء لا تريده.

ثم دخل معاوية إلى ابنته، ولقنها ما تقوله لأبي هريرة وأبي الدرداء، إذا كلماها بالأمر.. فتتظاهر بالرضا، ولكنها تظهر خشيتها من أن تغار من زوجته أرينب، وتعصي الله فيها، فهي لا تتزوجه حتى يفارق زوجته.

وأخبر الوسيطان ابن سلام بالأمر، فأعجبه، وأرسلهما لخطبتها.

فجاء الوسيطان إليها، فقالت لهما ذلك، فاخبرا ابن سلام، فبادر إلى طلاق زوجته، وأشهدهما على ذلك.

ثم أرسلهما إلى معاوية، فأظهر معاوية كراهته من مسارعته لطلاق زوجته، وقال: لو صبر ولم يعجل لكان أمره إلى مصيره، فإن كون ما هو كائن لا بد منه، ولا محيص عنه، ولا خيرة فيه للعباد، والأقدار غالبة، وما سبق في علم الله لا بد جار فيه.

ثم كتب إلى يزيد ابنه يعلمه بما كان من طلاق أرينب بنت إسحاق.

عاد الوسيطان إلى معاوية، فأرسلهما إلى ابنته، باعتبار أنه لا يريد أن يكرهها، فذهبا إليها، وسألاها الجواب، فقالت: «جف القلم بما هو كائن، وإنه في قريش لرفيع، غير أن الله عز وجل يتولى تدبير الأمور في خلقه، وتقسيمها بين عباده، حتى ينزلها منازلها فيهم،

ويضعها على ما سبق في أقدارها. وليست تجري لأحد على ما يهوى، ولو كان لبلغ منها غاية ما شاء. الخ..».

ثم ذكرت أنها تريد أن تسأل عن ابن سلام، قالت: ومستخيرة، وإن كنت أعلم أنه لا خيرة لأحد فيما هو كائن.. وشاع الأمر في الناس، ولم يشكوا في غدر معاوية إياه.

وعاد أبو هريرة إليها، فأخبرتهم أنها سألت عنه، فوجدته غير ملائم.

فعلم ابن سلام بأنه قد خدع.

وشاع أمره في الناس وذاع ونقلوه إلى الأمصار، وتحدثوا به في الأسحار، وفي الليل والنهار.

وقال الناس: إن معاوية غدر به، لأنه يريد أن يزوجها لابنه، «فبئس من استرعاه الله أمر عباده، ومكنه في بلاده، وأشركه في سلطانه، يطلب أمرا بخدعة من جعل الله إليه أمره، ويحيره ويصرعه جرأة على الله.

فلما بلغ معاوية ذلك من قول الناس. قال: لعمري ما خدعته.

ثم أرسل معاوية أبا الدرداء إلى العراق ليخطب أرينب على ابنه يزيد، فخرج حتى قدمها، وبها يومئذٍ الحسين بن علي، وهو سيد أهل العراق، فقهاً، ومالاً، وجوداً وبذلاً.

فلم يستسغ أبو الدرداء أن يأتي العراق ولا يزور الحسين، فقدم زيارة الحسين على كل شيء. فلما رآه الحسين قام إليه، فصافحه

إجلالاً له، ومعرفة لمكانه من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وموضعه من الإسلام.

ثم قال «عليه السلام»: مرحباً بصاحب رسول الله «صلى الله عليه وآله» وجليسه. يا أبا الدرداء، أحدثت لي رؤيتك شوقاً إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، الخ..

ثم انجر الكلام إلى إخبار أبي الدرداء الحسين «عليه السلام» بما أتى به إلى العراق، فطلب منه الحسين «عليه السلام» أن يخطبها عليه وعلى يزيد، ويعطيها من المهر مثل ما أعطاها معاوية، أو يتركها تختار من تشاء.

وخطبها أبو الدرداء على يزيد، ووصفه بأنه أمير هذه الأمة، وابن الملك، وولي عهده، والخليفة من بعده. ثم خطبها على الحسين «عليه السلام»، ووصفه بأنه ابن بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله» وابن أول من آمن به من أمته وسيد شباب أهل الجنة يوم القيامة. وقد بلغكِ سناهما، وفضلهما.

فسكتت طويلاً، ثم قالت: لو أن هذا الأمر جاءني وأنت غائب عني أشخصت فيه الرسل إليك، واتبعت فيه رأيك، ولم أقطعه دونك، ثم فوضت أمرها إليه..

فأشار عليها بالحسين «عليه السلام»، فتزوجها الحسين «عليه السلام»

«وساق إليها مهراً عظيماً».

وبلغ ذلك معاوية، فساءه.

ثم إن معاوية جفا ابن سلام وقطع جميع روافده عنه، لاتهامه إياه بأنه قد خدعه، حتى خرج راجعاً إلى العراق.

وكان ابن سلام استودع أرينب، بدرات مملوءة دراً، وكان ذلك الدر أعظم ماله، وأحبه إليه. ويتوقع جحودها عليه لسوء فعله، وطلاقه إياها من غير شيء أنكره عليها..

فلما قدم العراق لقي الحسين «عليه السلام»، فذكر له أمر وديعته عندها، فعرض الحسين عليها الأمر، فاعترفت بالوديعة، ولكنها لم تكن تعرف ما هي، ولا مقدارها، لأنها لم تزل مطبوعة بطابعه.

ثم طلب منها الحسين «عليه السلام» أن يدخل ابن سلام عليها ليقبض ماله.

وأدخله عليها.. فأعطته ماله، وخرج الحسين وتركهما معاً، ففض ابن سلام خاتم بدره، وحثا لها حثيات، فرفضت أخذها، واستعبرا جميعاً حتى تعالت أصواتهما بالبكاء، أسفاً على ما ابتليا به..

فدخل الحسين عليهما وقد رق لهما، للذي سمع منهما. فقال: أشهد الله أنها طالق ثلاثاً، اللهم إنك تعلم أني لم أستنكحها رغبة في مالها ولا جمالها، ولكني أردت إحلالها لبعلها، وثوابك على ما عالجته في أمرها الخ..

ولم يأخذ مما ساق إليها في مهرها قليلاً، ولا كثيراً..

وكان ابن سلام سأل أرينب التعويض على الحسين «عليه

السلام»، فوافقت على ذلك شكراً، لما صنعه بها (1).

ونقول:

في هذه القصة أمور كثيرة تحتاج إلى بيان.. ونذكر منها:

معاوية وعلم الغيب:

إن أول ما يطالعنا في هذه القصة: أنها تظهر أن يزيد يعتقد بأن أباه يعلم الغائبات، ومنها ما يخفي صدر ولده من عشق هذه المرأة أو تلك، ثم تدعي: أن معاوية كان إذا دهمته المعضلات والمشكلات،


1) راجع: الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 166 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 215 وفي نهاية الأرب ج 6 ص 180 - 185 سماها زينب، والإتحاف بحب الأشراف للشبراوي ص 79 فما بعدها، وشرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون ص 172 - 180 وثمرات الأوراق ص 229 - 235 والإلمام ج 3 ص 160 - 168 وراجع شيخ المضيرة لمحمود أبي رية ص235 عن العقد الفريد ج6 ص 159 والنصائح الكافية ص128 فما ،بعدها، والأنوار النعمانية، ومطالع البدور للغزولي الدمشقي ص 102 - 105 ومسالك الأبصار للعدوي ج 24 ص 345 - 348 لكنه سمى الحسن وزينب، وكذا في المصادر التالية: مقتل الحسين للخوارزمي ج1 (ط الغري) ص 149 وإحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 437 - 439 وفيها: أنها بنت سهيل بن عمرو، وبين الحسين ويزيد وفي نص آخر أنها مع الحسن وهند ويزيد ومن أخلاق الإمام الحسين لعبد العظيم المهتدي ص 92 - 94

يلجأ إلى يزيد ليستعين به على استیضاح شبهاتها، واستسهال معضلاتها..

ونحن نعلم: أن يزيد كان جباراً باغياً وطاغياً، ولكن لم يكن من أهل الرأي الحصيف، ولا من الذين يحلون المشكلات، ويكشفون شبهاتها، ويستسهلون معضلاتها.. بل كان عسوفاً آثماً وظالماً، وأرعنا غاشما.

فكيف يتوهم من يكون بهذه المثابة من قصر النظر، وسقم الفكر، ورعونة الرأي أن يتوهم في أي كان من الناس - سوى الأنبياء والأوصياء - معرفتهما بما يضمره الناس من حب وبغض دون أن يكشفوه له.

فما بالك بالكامل العاقل، الأريب، هل يمكن أن يتوهم في حقه، مثل هذه الأراجيف الباطلة؟! وهل يكون يزيد عاقلاً إذا كان يشكو أباه ويتهمه بالتقصير في أمره، لعدم تزويجه بامرأة عشقها، وكتم عشقها عن أبيه حتى تزوجها ابن سلام وفاته ما كان أراد، فيسأله أبوه: فما منعك قبل الفوت من ذكره، فيقول: ما كنت أعرفه واثق به من جميل نظرك؟!

الجهد الإعلامي الأموي:

إن من يقرأ هذه القصة يخرج بانطباع لا حقيقة له عن البيت السفياني فإنها تظهر: أن هذا البيت بيت علم ودين، وحلم وقيم، وأخلاق، وبيت حكمة، وتقوى والتزام واستقامة، وعقل، ودراية.. مع

أنه بيت مغرق في الإنحراف، والإنغماس في الجريمة، خائض في بحار الجهل والضلالات، والهوى والإعتساف، والمخزيات.

كما وتظهر يزيد الفهود والقرود إنساناً مطيعاً لأبيه، وباراً به، وأنه رجل أديب عاقل، وتقي وحيي، ملتزم بأحكام الشريعة، يبحث عن المرأة الصالحة مع أنه هو الذي قتل ريحانة الرسول، وهدم الكعبة، وأباح المدينة بجيشه.

وقد وصفه الإمام الحسين «عليه السلام» بأنه فاسق فاجر، شارب الخمر، قاتل للنفس المحترمة.

بل نفس رواية أرينب تدلل على قلة الدين، وتنقض جميع المعاني من الأساس، لدلالتها على أن أهل هذا البيت يستحلون المكر والخداع بالآمنين، وبأقرب الناس إليهم، والمخلصين لهم، باعتماد أساليب شيطانية لا يقرها شرع ولا دين، ولا قيم ولا أخلاق.

وهل يجوز في الشرع والأخلاق أن يعشق مسلم امرأة متزوجة، ثم يعمل أبوه الذي يدَّعي أنه خليفة المسلمين، ويغتصب مقام سيد المرسلين، على خداع زوجها حتى يطلقها، لكي يلبي رغبة ابنه المعروف بفسقه، وفجوره، وشربه للخمر، ولعبه بالقرود والفهود؟!

روائح الجبر في كلام معاوية ويزيد:

وبعد.. فإن كلمات معاوية، وكذلك كلمات ابنته التي تضمنتها هذه الرواية تفوح منها رائحة الترويج لعقيدة الجبر الإلهي، وكأنهما يريدان أن يبررا هذا العمل المشين، بأنّه قضاء وتدبير إلهي ولا راد

له. وبذلك تقع التبعة على الله تعالى.. وليس لأحد أن يعترض عليه تعالى.

فقد أمر معاوية ولده بالصبر والكتمان، وقال: فإن البوح به غير نافعك، والله بالغ أمره. ولا بد مما هو كائن.. ثم شرع في تدبير الحيلة.

وقال حين بلغه أن ابن سلام قد طلق أرينب: «فإن كون ما هو كائن لا بد منه، ولا محيص عنه، ولا خيرة فيه للعباد، والأقدار غالبة، وما سبق في علم الله لا بدّ جار فيه».

وقالت بنت معاوية التي لم تذكر الرواية اسمها لأبي هريرة وأبي الدرداء، حين أخبراها بطلاق ابن سلام لزوجته:

«جف القلم بما هو كائن، وإنه في قريش لرفيع، غير أن الله عزّ وجلّ يتولى تدبير الأمور في خلقه، وتقسيمها بين عباده، حتى ينزلها منازلها منهم، ويضعها على ما سبق من أقدارها، وليس تجري لأحد على ما يهوى.. إلى أن قالت ومستخيرة، وإن كنت أعلم أنّه لا خيرة لأحد فيما هو كائن، ومعلمتكما بالذي يرينيه الله في أمره».

فتراها قد خلطت بين الأفعال الاختيارية للبشر، وبين التصرف الإلهي في الأمور، فأنكرت تأثير الاستخارة في قرارها، وأنكرت أن تكون قادرة على اتخاذ أي قرار نفيا أو إثباتاً، لأن الجبر الإلهي حاكم عليها. وهذا هو الخطأ الفاحش.

وحين علم ابن سلام أيضاً برفضها له تكلم بما لا يبتعد كثيراً عن هذه المعاني أيضاً..

الأمر الذي يثير الريب في المنحى الذي تريد هذه الرواية تكريسه..

داود العاشق القاتل:

والأعجب والأغرب: أن نجد هذه الرواية تقول: إن معاوية قال ليزيد: أين حجاك، ومروءتك وتقاك؟! فأجابه يزيد: «لو كان أحد ينتفع فيما يبتلى به من الهوى بتقاه، أو يدفع ما أقصده بحجاه، لكان أولى الناس بالصبر داود «عليه السلام»، وقد خبرك القرآن بأمره».

وهذا يشير إلى أن يزيد يتهم نبي الله داود «عليه السلام» بعشق امرأة أوريا، وأن داود قد أمر قائد عسكره بأن يقدم أوريا أمام التابوت لكي يقتل، فقتل. ثم تزوج داود امرأته.

وهذه رواية خبيثة، ولعلها مأخوذة من بعض أهل الكتاب. وقد تصدّى الأئمة لتكذيبها بصراحة وحزم. ويكفي أن نذكر في تكذيبها رواية الصدوق بسنده عن أبي الصلت الهروي، فقد قال:

سأل الرضا «عليه السلام» عليَّ بن محمد بن الجهم، فقال: ما يقول من قبلكم في داود «عليه السلام»؟!

فقال: يقولون: إن داود «عليه السلام» كان في محرابه يصلّي، إذ تصور له إبليس على صورة طائر أحسن ما يكون من الطيور، فقطع داود صلاته، وقام ليأخذ الطير، فخرج الطير إلى الدار، فخرج في أثره، فطار الطير إلى السطح، فصعد في طلبه، فسقط الطير في دار أوريا بن حنان، فاطلع داود «عليه السلام» في أثر الطير، فإذا بامرأة

أوريا تغتسل، فلما نظر إليها هواها، وكان قد أخرج أوريا في بعض غزواته، فكتب إلى صاحبه أن قدم أوريا أمام الحرب.

فقدم، فظفر أوريا بالمشركين، فصعب ذلك على داود، فكتب إليه ثانية: أن قدمه أمام التابوت.

فقدم، فقتل أوريا «رحمه الله»، وتزوج داود بامرأته.

قال: فضرب «عليه السلام» بيده على جبهته، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد نسبتم نبياً من أنبياء الله «عليهم السلام» إلى التهاون بصلاته حين خرج في أثر الطير، ثم بالفاحشة، ثم بالقتل؟!

فقال: يا ابن رسول الله، فما كانت خطيئته؟!

فقال «عليه السلام»: ويحك، إن داود «عليه السلام» إنما ظن أن ما خلق الله عز وجل خلقاً هو أعلم منه، فبعث الله عز وجل إليه الملكين، فتسورا المحراب فقالا : (خَصْمَانِ بَغْيِ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَدًا أخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَة وَلِيَ نعْجَة وَاحِدَةً فَقالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي في الخطاب) (1).

فعجل داود «عليه السلام» على المدعى عليه فقال: (لقدْ ظُلمَكَ بسؤال نَعْجَتِكَ إِلى نِعَاجِه) (2).


1) الايتان 22 و 23 من سورة ص

2) الآية 24 من سورة ص

ولم يسأل المدعي البينة على ذلك، ولم يُقْبل على المدعى عليه، فيقول له: ما تقول؟!

فكان هذا خطيئة حكم، لا ما ذهبتم إليه. ألا تسمع الله عز وجل يقول: (يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَة فِي الأرْض فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) ؟! (1).

فقال: يا ابن رسول الله، فما قصته مع أوريا؟!

قال الرضا «عليه السلام»: إن المرأة في أيام داود كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج بعده أبداً، وأول من أباح الله عز وجل أن يتزوج بامرأة قتل بعلها داود «عليه السلام».

فتزوج بامرأة أوريا لما قتل وانقضت عدتها منه، فذلك الذي شق على أوريا (2).


1) الآية 26 من سورة ص

2) راجع: بحار الأنوار ج 14 ص 23 - 24 وج 11 ص73 والأمالي للصدوق ص 152 وعيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 1 ص 171 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 93 و 94 والتفسير الصافي ج 4 ص 295 والبرهان (تفسير) ج 4 ص 649 ونور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 445 والنور المبين للسيد نعمة الله الجزائري ص 12 و 344

للتوضيح فقط:

للتوضيح فقط:

إن هذه الرواية المباركة بيّنت أن الإمام «عليه السلام» ذكر لعلي بن الجهم: أن ما يدعونه على داود هو اتهام بالتهاون بصلاته، ثم بالفاحشة، ثم بالقتل.. وهذا لا يمكن نسبته إلى نبي من الأنبياء.. وما جرى لا يعدو كونه تدبيراً ربانياً يهدف إلى إظهار عظمة داود، واستحقاقه للجائزة العظمى، حين نجح في الامتحان التي هي مقام الخلافة في الأرض، ليحكم بين الناس بالحق.

وبيان المراد يحتاج إلى الحديث عن عدة مراحل.

الأولى: داود في ملكاته وسماته:

قد ذكرت الآيات التي في سورة «ص» أولاً: أن داود «عليه السلام» كان صاحب أيد، وقوة. ولم يبين تعالى المراد بالقوّة، هل هي قوة الإرادة والعزيمة، والصبر في المواضع التي تحتاج إلى الصبر؟! أو المراد القوة الجسدية؟! أو القوة في الملكات، والصفات الأخلاقية، والتكوين الإنساني في كل حالالته وسماته؟! أو المراد القوة بالعلم والمعرفة؟! أو المراد القوة في العبادة والتسبيح، حتى إن الطير والجبال كانت تسبح معه، وتردد تسبيحه؟! أو المراد القوة بالملك والجيوش، والعساكر، والأموال، والسلطان، والجاه العريض، وما إلى ذلك؟!

أو المراد ما يشمل جميع ذلك وسواه، وحيث أطلق كلمة «الأيد»، يعلم أن المطلوب هو التعميم، ولا مجال للتخصيص الاقتراحي، من

دون شاهد ودليل.

وذكرت ثانياً : أنه «عليه السلام» كان أواباً . أي كثير اللجوء إلى الله سبحانه.

الثانية: العطاء الإلهي:

وذكرت الرواية: أن الله سبحانه - بعد أن قرر أن داود كان ذا أيد، وأنه أواب - بيَّن أنه تعالى قد أعطاه ثلاثة أمور، هي:

1 - إنه شد ملكه وقواه، وأمده بالأسباب الموجبة للثبات في وجه العواصف والأزمات، وأقدره على مواجهتها.

2 - إنه تعالى: آتاه الحكمة التي هي وضع كل شيء في موضعه، الذي اقتضاه التكوين والسنن التي توصله إلى كماله، وتمكنه من تأدية وظائفه في موقعه التي إذا انضمت إلى ما سواها، فإنها تفضي بالكون كله إلى الأهداف الكبرى، حيث يصبح كل شيء خاضعاً له تعالى، ويتحرّك في السياق والمسار الصحيح، نحو الأهداف الإلهية..

وطبيعي أن هذه الحكمة تحتاج إلى علوم ومعارف هائلة، تؤدي إلى انكشاف الحقائق الراهنة، والوقوف على أسرار الخلقة والتكوين، ومعرفة سائر العلائق الواقعية فيما بينها. وهذا يحتاج إلى طاقات وملكات عالية جداً لدى داود «عليه السلام».

3 - ثم أعطاه أيضاً فصل الخطاب.. الشامل لكل خطاب يحتاج إليه. فلا يرى فيه أحد خللاً، ولا نقصاً، ولا انحرافاً عن المسار، ولا يرى أحد لنفسه معه أي خيار.

الثالثة: الكشف والبيان:

وهي مرحلة الكشف والبيان الذي تقتضيه الحكمة والرحمة الإلهيه للبشر، في سياق تسهيل وصولهم إلى الغايات الكبرى. فإن حاجتهم إلى القائد والرائد، والهادي والراعي، والمدبر من موقع المعرفة والحكمة، والرحمة، والمحبة تكون أظهر وأكد..

فتفضل الله على البشر بقادة هداة ، علماء حكماء، معصومين. هم الأنبياء وأوصياؤهم..

كما أن الرحمة والحكمة قد اقتضت أن يكون البشر مختارين فيما يقولون ويفعلون، فكان ذلك لهم أيضاً.

بل لا يختص أمر القيادة والهداية الإلهية، والاختيار بالبشر، بل قد يظهر من الأحاديث أن هذه الأمور الثلاثة تعم سائر الموجودات، كالسماء والأرض والجبال والطير ، والخيل، وحتى الماء والشجر، والنبات والحجر، وما إلى ذلك.. فللجميع اختياره، وهو الذي يملك قراره، وله هداياته المناسبة له بحسب طبيعة خلقته، وإن لم ندرك نحن ذلك.. وفي القرآن والروايات ما يعسر عده مما يدل على هذه الحقيقة.

ثم إن من ينال هذه المعارف، ثم يتعامل مع الناس عن قرب، يدرك أن أحداً لا يملك المعارف التي يملكها. وهذا الإدراك قد يعطيه شعوراً بالزهو، أو بالفضل والتميز عليهم.

أو على الأقل هذا ما يظنه الناس فيه، فيتهمونه بالتكبّر والعجب،

وما إلى ذلك، ثم يحسدونه ويبغضونه، فكان لا بد من معالجة إلهية لهذه المعضلة التي تصد الناس عن قبول دعوة الحق منه.

وهذا ما حصل بالفعل، من خلال قصة الملكين، التي عرَّفت الناس بأن داود «عليه السلام» يستحق هذا الملك، وهو أهل لأن يجعل الله تعالى له الخلافة العظمى، والحاكمية المطلقة على الناس، وأنّه وإن كان يعرف أنه لا يوجد أحد في الخلق أعلم منه، فإن علمه لا يخرجه عن دائرة الإنقياد، والعمل بمرضاة الله فيهم، وفي كل مقام ومقال، فإنه أواب إليه..

فقد دخل الملكان على داود في محرابه، وقعدا بين يديه في اليوم الذي خلا فيه بنفسه، ومنع الناس من الدخول إليه، لكي يتفرغ للعبادة، ففزع داود منهما، ثم طلبا منه أن يحكم بينهما.. والمراد بالفزع هنا التحرز، المقتضي للتهيؤ للاحتمالات عند ظهور أمارات تحقق مكروه يخشى من عواقبه.

فلما ذكر له الملك حديث نعجته ونعجات أخيه، قال له داود «علیه السلام»: (لقدْ ظَلمَكَ بِسُؤَال نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِه) (1).

وقد قال ذلك قبل أن يلتفت الى المدعى عليه ويقول له: ما تقول فيما يدعيه أخوك؟!

هذا يدل على أن قول داود «عليه السلام»: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤال


1) الآية 24 من سورة ص

نعْجَتِكَ إلى نِعَاجِه) ليس هو الحكم القضائي. بل هو تقرير وتصريح بلوازم قول المدعي.. فكأنه «عليه السلام» قال: إذا صح قولك، فيكون أخوك قد ظلمك بسؤال ضم نعجتك إلى نعاجه..

ولعل أخاه حين ينطق بحجته يثبت لداود أن النعجة ليست لذلك المدعي، وإنما هي مسروقة منه، وأن نعاجه كانت مئة نعجة.

وتعجيل داود «عليه السلام» ببيان لوازم قول المدعي، وإن لم يكن حراماً، ولكنه قد يترك أثراً سلبياً على المدعى عليه، فيربكه، أو يجعله يظن أن الحكم سيكون على هذه الصورة.

ولعل هذا هو المقصود بما ورد في الرواية التي عن الإمام الرضا «عليه السلام»: «فكان هذا خطيئة حكم». أي مخالفة لرسم الحكم، ولآدابه غير الإلزامية.

قصة نساء داود:

أما القول بأن المراد بالتسع والتسعين والنعجة الواحدة التعريض بنساء داود الذين بلغوا ذلك العدد الضخم، وطمعه بامرأة أوريا، فأرسله إلى الحرب، وقدمه فيها ليقتل، فقتل، فهي من نسج الخيال.. لما يلي:

أوّلاً: لا يمكن لنبي جعله الله خليفة في الأرض، ولا يعمل إلا بأمر الله ونهيه، وهو كثير الرجوع إلى الله في كل ما يهمه - لا يمكن - أن يكون زير نساء، فضلا عن أن يتهاون بصلاته، لأجل طائر صغير جميل يلوح له.

كما لا يمكن أن يصعد سطوح أبنية الناس، ويشرف على دورهم المصونة.

ولا يمكن أن يكون قاتلاً..

وثانياً: قد أوضحت الرواية عن الإمام الرضا «عليه السلام»: أن المرأة كانت في أيام داود إذا مات بعلها أو قتل، لا تتزوج بعده أبدأ، وأول من أباح الله عز وجل له أن يتزوج بامرأة قتل بعلها داود «عليه السلام»..

فتزوج بامرأة أوريا لما قتل، وانقضت عدتها منه..

فذلك الذي شق على أوريا..

فيظهر من هذه الفقرات:

أولاً: أن أوريا قد علم قبل موته بما أحله الله الداود من تزوج النساء اللواتي مات أو قتل أزواجهن، فأزعجه ذلك غيرة منه على امرأته.

ثانياً: إن داود قد طبق هذا الحكم الشرعي بعد موت أوريا، لكي يكسر هذا العرف الذي أبطله الله بهذا التشريع.

وهذا نظير تزويج الله تعالى زينب بنت جحش لرسوله «صلی الله عليه وآله»، ليكسر العرف الجاهلي الذي يجعل الابن المتبنّى بمنزلة الابن الصلبي. فأبطل الله هذا العرف الجاهلي بصورة عملية، بواسطة هذا التزويج.

لماذا كان هذا من داود؟!:

والذي نظنه: أن الله سبحانه هو الذي حجب بعض لطفه عن داود في لحظة قوله للملك: (لقدْ ظَلمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (1)، لاقتضاء لطف الهي أعظم كان هو السبب لهذا الحجب، كان لحكمة بالغة، وهدف عظيم.. وقد ظهرت آثار ذلك في نفس اللحظة..

بيان ذلك: أنه تعالى أراد بهذا الحجب أن يظهر الأمور التالية:

1 - إن داود «عليه السلام» بشر كسائر الناس، فلا يجوز لأحد أن يغلو فيه، فإن الناس كانوا يغلون في ملوكهم، وغيرهم حين يرون فيهم بعض ما يفقدونه في أنفسهم..

وهذا نظير ما قاله الصدوق «رحمه الله»، من أن من الممكن أن يسهي الله نبيه في الصلاة لمصالح ترتبط بالعباد، ومنها منع حدوث الغلو فيه، وادعاء الربوبية أو الألوهية له..

2 - إن آثار حجب هذا اللطف بلطف أعظم.. قد ظهرت في داود «علیه السلام»، قال تعالى: (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) (2). و«ظن» هنا بمعنى علم من قرائن الأحوال، مثل دخول الملكين عليه من غير


1) الآية 24 من سورة ص

2) الآية 24 من سورة ص

الطريق العادي، حيث تسوروا المحراب الذي كان تسوره غير ميسور للناس عادة، ولاسيما إذا كانت الأبواب موصدة، والحرس منتشراً حولها ، وحول المبنى أيضاً.

ولأجل ذلك فزع داود «عليه السلام» منهم، فقالوا: (لا تَخَفْ) (1). فقد دله هذا على أن هؤلاء ليسوا من البشر.. وإذا كانوا من الملائكة، فإن الملائكة معصومون عن الذنب، فإن وقعوا في خطأ، فبسبب قصور معرفتهم، لا لتعمدهم الجرأة على الله.

ولعل هذا كان من دواعي قول داود «عليه السلام» للمدعي: (لقد ظُلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعَاجِه وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلطاء ليَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (2)، فإنهما إذا كانا من الملائكة، فبيان هذه الحقيقة يكفي للانتباه إلى الحكم الشرعي.. ويستغني بذلك عن إصدار الحكم من الأساس.

ومن هذه الآثار: شعور داود «عليه السلام» بأنه سيكون في معرض الامتحان الإلهي، فإن من شأن هذا أن يزيد من يقظته، ومن مراقبته لنفسه وهذا ولا شك يمنح داود «عليه السلام» أولاً مثوبة وأجراً على هذه الرقابة الدقيقة والجهد..

وهو يعطي ثانياً طمأنينة وسكينة في قلوب الذي يكون داود


1) الآية 22 من سورة ص

2) الآية 24 من سورة ص

مسؤولاً عن رعايتهم، وهدايتهم، وتربيتهم، وإحقاق حقوقهم، ويزيدهم ثقة به، واعتماداً عليه وتسليماً له.

3 - ومن هذه الآثار: أن داود «عليه السلام» أدرك أنه بحاجة إلى الاستغفار، وطلب الستر منه تعالى على كل ما هو ضعف تقتضيه طبائع البشر، أو قصور فرضه ناموس الخلقة، أو حاجة اقتضاها نظام التكوين.

4 - وانطلاقاً من هذا الشعور، ولكي ينجح داود «عليه السلام» في سائر الأمور التي سيسأله الله عنها كان عليه أن يدرك أنه بحاجة لبذل المزيد من الجهد في العبادة، والتقرب إلى الله، لكي يكون باستمرار في موقع رضاه، ومستحقاً لرعايته، ونيل ألطافه سبحانه..

ولذلك لجأ إلى العبادة، فقد خر راكعاً، تمهيداً للسجود الذي يكون فيه في أقصى درجات القرب إليه تعالى..

5 - كما أنه صار يشعر أنه بحاجة إلى الإنابة والرجوع إلى الله تعالى في كل ما ينوبه، من كبير الأمور وصغيرها، وألا يقول ولا يفعل إلا بعد العود إليه، وأخذ الإذن منه سبحانه.

6- إن جميع ما ذكرنا عن حال داود «عليه السلام» لا بد أن يعود بالنفع على سائر الناس الذين كان داود مسؤولاً عنهم، ولكن هناك فائدة وعائدة أخرى خصهم الله بها من خلال داود «عليه السلام»، وهي من اللطف الإلهي بهم، الذي اقتضى حجب درجة من اللطف الذي كان حجبه سبباً في حصولها..

فقد ظهر لهم: أن داود «عليه السلام» كان مصيباً فيما قاله وقرره، حتى بعد حجب اللطف عنه، حيث لم يراع رسم طريقة الحكم التي يحسن مراعاتها في الأحوال العادية. وهذا التوفيق للحق حتى في مثل هذه الحالة يزيد من طمأنينة وسكينة الناس، ويدفعهم للتسليم له، والرضا بقضائه، مهما كان شاقاً عليهم.

وقد بين «عليه السلام» للناس دقائق وحقائق ثابتة لا مجال للنقاش فيها، وهي:

1 - أن من يطلب من أخيه نعجة لا يملك أخوه غيرها، ويشدد عليه في الطلب ليضمها إلى تسع وتسعين نعجة لتكتمل بها المئة عنده.. إن هذا الإنسان ظالم بطلبه هذا.

2 - إن هذا الظلم يصدر في الغالب من الخلطاء.

3 - إن سبب جنوحهم إلى هذا الظلم هو البغي.

4 - إن المانع من البغي هو الإيمان، والاعتقاد..

5 - إن الإيمان الذي يمنع من الظلم ليس مجرد الاعتقاد، والتبني للتوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد. وغير ذلك.. فإن هذا الاعتقاد قد يكون مؤثراً، وقد لا يكون. والمانع من الظلم هو الاعتقاد المؤثر الذي يبلغ حد تحريك المعتقد للعمل الصالح..

6 - إن الذين يبلغ اعتقادهم هذا الحد هم قلة قليلة، ولأجل ذلك ظهرت كثرة البغي في الخلطاء، حتى من المؤمنين.

مكافآت الله لداود «عليه السلام»:

وقد ظهر من جميع ما قدمناه: أن الله تعالى قد أعطى داود «عليه السلام»: الحكمة، وفصل الخطاب.. يفصل بين الحق والباطل، ويميز هذا عن ذاك. وأنه كان ذا أيد، وكان أواباً.

ثم ذكر تعالى قصة امتحان الملائكة له، فظهر: أنه قد ثبت أنه «عليه السلام» مستحق لجميع هذه الأمور الأربعة التي ذكرناها، وأنه لم يحد عنها قيد أنملة.

وهنا تبدأ المكافآت، وهي:

1 - المكافأة الأولى: أن حجب اللطف عنه ليحل محله لطف أعظم بركة منه، ولم يخرجه حجب اللطف الأول عن جادة الصواب، بل أثبت أنه لا ينطق إلا بالحكمة، وأنه يفصل بين الحق والباطل في خطابه.. وهذه مكافأة كبرى له أيضاً.

2 - المكافأة الثانية: وحيث الظاهر، هو: أن استغفار داود «عليه السلام» كان لشعوره بحجب درجة من اللطف عنه أراد «عليه السلام» أن يصون نفسه حتى من هذا المقدار بالعبادة والتوبة والأوبة إلى الله، وهذا هو سبب استغفاره، وهو مضمونه الحقيقي.. لأنه يريد الطمأنينة للرعاية الإلهية في كل لحظات حياته، حتى يطمئن إلى ما يصدره من أحكام، حفظاً لحقوق الناس، وإمعانا في النصيحة لهم.

ولأجل ما ذكرناه قال تعالى: (فَغْفَرْنَا لهُ ذلِكَ) (1)، بإضافة كلمة (ذلِكَ). ربما لبيان هذا المعنى الذي أشرنا إليه.

3 - المكافأة الثالثة: إنه نال المزيد من الزلفى والحظوة عند الله. فلو كان قد أخطأ، أو كان عشق النساء المتزوجات، وقتل أزواجهن فى سبيل نيل شهوته، فلا يستحق الحظوة بذلك.

4 - المكافأة الرابعة: إنه نال حسن المآب عند الله.

ويلاحظ: أنه تعالى قد جاء بكلمتي: (زُلفى) و (حُسْنَ مَآبٍ) (2)منكرتين، ربما ليفيد التفخيم، وليذهب الوهم في تصور هذه الفخامة، وتلك الكرامة، والحظوة كل مذهب..

المكافأة الخامسة: هي أنه تعالى جعل له مقام الخلافة في الأرض.

ويلاحظ هنا أمران:

أولهما: أنه تعالى قد بين لنا: أنه هو جاعل الخلافة لداود، ولكن جعله خليفة له كما يرجح بعض العلماء (3).

أو أنه يخلف الذين سبقوه في إعمار الأرض، والحكم فيها بشرع الله، كالأنبياء وأوصيائهم..


1) الآية 25 من سورة ص

2) الآية 25 من سورة ص

3) الميزان (تفسير) (ط الأعلمي) ج 17 ص 195

كلاهما محتمل، وليس ثمة ما يدل على ترجيح أي من الاحتمالين..

الثاني: أنه تعالى قال: (فِي الْأرْض) (1)من دون تقييد. مما يعني: أن حكم داود نافذٌ وسارٍ على جميع البلاد والعباد الذين هم على وجه الأرض من دون استثناء.

وهذا أمر طبيعي جدا، لأنه يحكم في البلاد والعباد بما أراه الله، لا بالرأي المستنبط، ولا بالهوى، لأن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله، وسبيل الله هو الحق.. فمضمون هذه الآية هو نفس مضمون قوله تعالى: (فَمَادًا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ) (2).

العصمة لا تمنع من الاختيار:

ولعلك تقول: إذا كان داود معصوماً، فكيف يقول الله تعالى له: (وَلا تَتَّبع الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) ؟!(3).

ويجاب:

أولاً: إن الله تعالى إذا كان يخاطب الأنبياء، فإنما يريد أن يرسم للبشرية من خلالهم أحكام شرعهم، ويبين لهم أحكام دينهم في السياسة والحكومة والقضاء، وكل شيء.. ولذلك يقول لنبيه: (لئِنْ


1) الآية 26 من سورة ص

2) الآية 32 من سورة يونس

3) الآية 26 من سورة ص

أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلَكَ) (1)، وما إلى ذلك.

ثانياً : إنه تعالى يخاطب الأنبياء من دون أن يأخذ عصمتهم بنظر الاعتبار، لأن المعيار هو قدرتهم واختيارهم، وليس المعيار عصمتهم، فإن العصمة لا توجب سلب الاختيار.

قال العلامة الطباطبائي: «ولولا توجه التكليف إلى المعصوم، لم يتحقق بالنسبة إليه واجب ومحرم، ولم تتميز طاعة من معصية. فلغى معنى العصمة التي هي المصونية عن المعصية» (2).

جمال أرينب:

وقد ادَّعت الرواية أن أرنيب كانت مثلا في أهل زمانها في جمالها، وتمام كمالها وشرفها، وكثرة مالها.

ولا ندري كيف خفي هذا الأمر عن المؤرخين، والأدباء والشعراء والكتاب، فلم يذكروها في أشعارهم، ولا في تواريخهم، وقصصهم، ورواياتهم، واقتصر أمر كشف هذه الدرة الفاخرة على هذه الرواية التي تفقد كل مقومات الحياة، فهي عمياء صماء، بكماء، كسحاء، بتراء.. وهلم جرّا.. فلا يمكن تصحيح شيء منها، مهما كان..

ولماذا لم نسمع شيئاً عن خُطَّابها من أعيان البلاد بالرغم من صفاتها الفريدة، وتميزها بالجمال والكمال؟! وبالرغم من الأموال


1) الآية 65 من سورة الزمر

2) الميزان (تفسير) (ط الأعلمي) ج 17 ص 196

الهائلة التي تملكها، والتي تتلهف لها النفوس، ويطمع فيها الغني والفقير.

ولو أن هؤلاء المؤلفين، والكتاب، والأدباء، والشعراء، والرواة غفلوا عن التنويه بجمالها. وشغلهم كمالها الباطن عن جمالها الظاهر، فلماذا غفلوا عن التنويه بكمالاتها، وصفاتها الباطنية؟!

وإذا كانوا يرون أن الكاملات من النساء كثيرات، فلماذا غفلوا عن التنويه بشرفها، وعزتها ومكانتها؟!

وإذا كانوا أيضاً قد غفلوا عن ذلك لسبب أو لآخر. فلماذا يتحدثوا عن مالها الكثير؟! وأين عنها الشعراء الذين يرتزقون بأشعارهم؟ وأين هم الطامعون بالأموال، والتجار الذين يرغبون في مشاركة نظرائهم، لتثمر هذه المشاركات ما هو أكبر وأكثر؟! ولماذا لم نسمع شيئاً عن كرمها وسخائها على المعوزين والمديونين؟!

معاوية يطري نفسه:

وقد أطرى معاوية نفسه، وأعطاها مقامات وصلاحيات لا تليق بغير الأنبياء ،وأوصيائهم، وبعضها لا يليق بغير رسول الله محمد «صلى الله عليه وآله»، أو بمن نص القرآن على أنه نفس محمد «صلى الله عليه وآله».

فلاحظ قوله عن نعم الله عليه: «فحباني بأعز الشرف»، فإنه وصف لا يليق ولا ينطبق على غير رسول الله «صلى الله عليه

وآله»..

ثم قال: «وسمو السلف» وأي سلف سام مرضي عند الله حباه الله تعالى به.. وقد كتب إليه علي «عليه السلام»:

«..وأما قولك: إنا بنو عبد مناف، فكذلك نحن، ولكن ليس أمية کهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا الصريح كاللصيق، ولا المحق كالمبطل، ولا المؤمن كالمدغل، ولبئس الخلف خلف يتبع سلفاً هوى في نار جهنم.

وفي أيدينا [بعد] فضل النبوة، التي أذللنا بها العزيز، وأعززنا بها الذليل» (1).

ثم تقول الرواية على لسان معاوية: إن الله تعالى حباه «بأفضل


1) صفين للمنقري ص 469 - 471 وكنز الفوائد ج 2 ص 44 و 45 و (نشر مكتبة المصطفوي سنة 1369 هـ ش) ص 200 و 201 وبحار الأنوار ج 32 ص 611 و 612 وج 33 ص 104 - 105 و 415 و 416 وعن مروج الذهب ج 3 ص 21 و 22 والأخبار الطوال ص 186 و 187 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 103 و 104 و (تحقیق الشيري) ج 1 ص 137 و 138 والمناقب للخوارزمي ص 255 - 256 و 240 ونهج البلاغة بشرح عبده ج 3 ص 16 و 17 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 4 ص 45 و 46 ونهج السعادة ج 4 ص 269 - 271 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 15 ص 121 - 123 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 31 ص 377 و 378

الذكر». وهذا إنما كان لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأوصيائه، وأهل بيته.

وتضيف: «وأغدق اليسر، وأوسع علي في رزقه».

ونقول:

لا يمكن أن يكون ما في يدي معاوية مما حباه الله إياه، بل هي أموال المسلمين احتجنها لنفسه، وأخذها بالقهر والغلبة والسلب والسرقة.

والأهم من هذا وذاك: ادعاء الرواية: أنه قال: «وجعلني راعي خلقه».

ولا يمكن أن يكون هذا صحيحاً، فإن الله تعالى جعل النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» وعليا والحسن والحسين «عليهم السلام» بهذا المقام على لسان رسوله، و نزلت فيهم آيات. ثم كان معاوية من الساعين لسلب هذا المقام منهم بكل حيلة ووسيلة، ثم بسفك الدماء، في حرب صفين، وما جرى بعدها مع علي «عليه السلام» ومع الإمام الحسن، والإمام الحسين «صلوات الله عليهما».

كما أن الله تعالى لم يجعله «أمينه في بلاده» كما تدَّعيه الرواية، بل كان هو الغاصب والمضيع للبلاد والعباد..

ولست أدري، كيف تقول الرواية: إنه طلب من الله عظيم الأجر، ونحو ذلك؟! فهل قاتِل عشرات الألوف من المسلمين، ومنهم: عمار بن ياسر، وذو الشهادتين، وهاشم المرقال، والإمام الحسن «عليه

السلام» - هل يمكن أن يكون مأجوراً، أم هو مأزور؟!

صاحب رسول الله «صلّي الله عليه الله» وكاتبه:

أما ما نسبته الرواية من ثناء لأبي الدرداء، وأبي هريرة على معاوية بادِّعاء: أن معاوية أولى الناس برعاية نعم الله وشكرها، «لأنه صاحب رسول الله «صلى الله عليه وآله» وكاتبه».

فهو عجيب أيضاً، فأولاً: لماذا يكون معاوية أولى الناس بهذه الرعاية، مع أن الصحبة لرسول الله «صلى الله عليه وآله» لم تكن خاصة به، بل كان أصحاب الرسول - كما يقولون - قد تجاوزوا في حجة الوداع العشرات إلى مئات الألوف، ومنهم: أبو هريرة، وأبو الدرداء اللذان قالا له هذا الكلام.

ثانياً: إن كتاب الرسول كانوا يعدون بالعشرات أيضاً، ومنهم: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعلي بن أبي طالب، بل منهم من ارتد، وأهدر النبي «صلى الله عليه وآله» دمه يوم فتح مكة، مثل: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فكان عثمان هو الذي منع النبي «صلى الله عليه وآله» من قتله (1).


1) الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 918 والمغازي للواقدي ج 2 ص 855 وراجع نيل الأوطار ج 8 ص 85 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص362 والغدير ج 8 ص 280 وسنن أبي داود ج 1 ص 607 وج 2 ص 329 وسنن النسائي ج 7 ص 106 والمستدرك للحاكم ج 3 ص 45 والسنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 40 ومجمع الزوائد للهيثمي ج 6 ص 169 وفتح الباري ج 6 ص 112 وج 11 ص 8 و عون المعبود ج 7 ص 249 وج 12 ص 9 والسنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 303 ومسند أبي يعلى ج 2 ص 102 وشرح معاني الآثار ج 3 ص 330 والتمهيد لابن عبد البر ج6 ص176 وتخريج الأحاديث والآثار للزيلعي ج 3 ص 114 وج 4 ص 212 وكنز العمال ج 10 ص 518 وتفسير الميزان ج 17 ص322 وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 472 وزاد المسير ج 6 ص 202 وتفسير القرطبي ج7 ص 40 و ج 15 ص 303 وتفسير الثعالبي ج 5 ص 110 والدر المنثور جه ص 349 وفتح القدير ج 4 ص 487 وتفسير الآلوسي ج 11 ص 174 وشرح السير الكبير للسرخسي ج 2 ص 504 وتاريخ مدينة دمشق ج29 ص 34 وأسد الغابة ج 3 ص 173 والكامل في التاريخ ج 2 ص 249 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 553 والوافي بالوفيات ج 17 ص101 والبداية والنهاية ج 4 ص 340 و 342 والعبر وديوان المبتدأ والخبر لابن خلدون ج 2 ق 2 ص 44 وإمتاع الأسماع للمقريزي ج 13 ص111 وعيون الأثر ج 2 ص 195 والسيرة النبوية ج 3 ص 563 و 566 وسبل الهدى والرشاد ج 10 ص 418 وج 11 ص 387

فالصحبة والكتابة لا تعطي ميزة إذا لم تقترن بالصلاح والاستقامة، والتقوى، والابتعاد عن الآثام.

شيوع غدر معاوية بابن سلام:

وتدعي الرواية: شيوع وذيوع هذا الأمر في الناس، «ونقلوه إلى الأمصار، وتحدثوا به في الأسمار، وفي الليل والنهار».

وسؤالنا هو: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يذكر المؤرخون، والرواة والمؤلفون والأدباء والشعراء هذه القضية؟!

ولماذا غفل عنها الطبري، وابن الأثير ، والذهبي، وابن كثير، وابن إسحاق، واليعقوبي، والواقدي والمسعودي و.. و.. إلى آخر القائمة ؟!

لعمري ما خدعته:

وبالرغم من كل هذه التفاصيل التي ساقتها الرواية لعملية الغدر التي تقول الرواية: إن معاوية حبك خيوطها، نرى معاوية يقول: لعمري ما خدعته..

فأولاً: إن لم يكن كل هذا الذي جرى خداعاً، فما هو الخداع بنظر معاوية يا ترى؟! إلا أن يريد أن يدعي: أن الله هو الذي فعل ذلك، بناءً على نظرية الجبر الإلهي التي كانوا يروجون لها لتبرير موبقاتهم.. وقد برر قتله للحسين «عليه السلام» بأن الله هو الذي فعل ذلك، وكذلك فعل غيره.

ثانياً: لا ندري كيف نوقق بين ما تذكره الرواية من أمر معاوية ولده بالتقوى، وكذلك ما يدَّعيه هو لنفسه من نعم حباه الله بها، ومقامات إلهية منحه الله إياها، وسعيه لشكر الله، وابتغائه الأجر العظيم منه، وغير ذلك.. كيف نوفق بين هذا وبين هذا الكذب الصراح الذي يصر عليه من يدعي لنفسه التقوى والقرب من الله تعالى.

فإن ما ذكرته الرواية في تفصيل ما جرى لا يدع مجالاً للشك في

خداع معاوية لهذا الرجل الذي كان من المخلصين له، كما تقدم التصريح به.

الجبر الإلهي المكيدة العتيدة:

1 - وتعود الرواية لتقرر معنى الجبر من جديد حتى على ألسنة الناس عامة، وهم يوجهون اللوم لمعاوية، ولكنه لوم رفيق وأنيق وماكر، لأنه يعطي معاوية حقاً إلهيا بالحكم والحاكمية، ويعترف له به تحت ستار هذا الجبر الإلهي بالذات.

فهم يقولون - بحجة لوم معاوية، وإظهار الانزجار من فعله -: «فبئس من استرعاه الله أمر عباده».

وسؤالنا لهم: متى؟! وما الدليل؟ ومن أين علمتم؟! ومن قال لكم؟! وأي نبي أو قرآن دلكم على أن الله تعالى قد استرعى معاوية أمر عباده؟!

أليس هذا من الافتراء على الله تعالى؟! ومن الخداع للناس بصورة مبطنة، وذكية، ومدروسة بعناية فائقة؟!

2 - تقول الرواية: إن الناس قالوا عن معاوية: إن الله تعالى «مكنه في بلاده».

ونقول:

متى مكن الله معاوية من البلاد؟!

أليس معاوية هو الذي سفك دماء الناس، وقتل عشرات الألوف،

وأزهق الأرواح، واشترى ضمائر الناس بأموال بيت المال، التي استولى عليها بالقهر والقوة، وقهر الناس بسلطانه وبغيه، ومكن لنفسه بوسائل إجرامية، وأحابيل شيطانية؟!

3 - ثم تقول الرواية عن معاوية، على لسان الناس: إن الله تعالى: «أشركه في سلطانه».

وهذا ما لم يكن ليخطر على بال عاقل، فقد سمعنا أن بعض التعساء قد ادَّعى لمعاوية النبوة، ولكننا لم نسمع أن أحداً ادَّعى أنه شريك الله في سلطانه تعالى الله عما يقوله الجاهلون والمشركون علواً كبيراً ..

سيد أهل العراق:

وقد صرحت الرواية: بأن أبا الدرداء قدم العراق، فبدأ بزيارة الحسين بن علي «عليه السلام»، «وهو سيد أهل العراق فقهاً، ومالاً، وجوداً، وبذلاً».

ونقول:

أولاً: سيأتي: أن أبا الدرداء مات إما في خلافة عثمان، أو في خلافة أمير المؤمنين «عليه السلام».

ولنفترض جدلاً: أنه مات في آخر خلافة علي «عليه السلام»، فذلك يعني: أن علياً كان حين قدم أبو الدرداء العراق على قيد الحياة، فيكون هو «عليه السلام» سيد أهل العراق، في الفقه وفي غيره، ثم الإمام الحسن، ثم الإمام الحسين «عليهما السلام».

فلماذا تدعي الرواية : أن الحسين «عليه السلام» كان سيد أهل العراق؟!

ثانياً: سلمنا: أن الإمام الحسين «عليه السلام» كان سيد أهل العراق فقهاً، ولكن ما معنى أن يكون سيدهم مالاً؟! هل كان «عليه السلام» من أثرياء العراق، ومن جامعي الأموال؟! فإننا لم نسمع بهذا الأمر إلا ما ورد في هذه الرواية، فإن كان هذا صحيحاً، وهو ليس بصحيح، فلماذا أخفى المؤرخون، والرواة، والكتاب ذلك عنا؟!

على أن من الطبيعي أن يتساءل الناس، عن مصدر المال الذي جمعه الإمام الحسين «عليه السلام»، وعن مصير هذا المال بعد استشهاده «عليه السلام».

وإذا كان سيد أهل العراق جوداً، وبذلاً، فكيف بلغ هذا المال عنده هذه الكثرة ؟!

ونحن نعلم: أن الأموال الحلال كانت تأتي إلى الإمام الحسين «عليه السلام» وإلى سائر الأئمة من زراعاتهم، ومن الخمس وغيره، ولكنهم سرعان ما كانوا يفرقونها على الفقراء والمعوزين.

وفاة أبي الدرداء قبل البيعة:

إن إحدى شخصيات هذه الرواية هو أبو الدرداء، وإذا رجعنا إلى تاريخ وفاة أبي الدرداء فإننا نجد أنه لا يساعد على الحكم بصحة هذه الرواية.

فأولاً: يقولون: إنه توفي قبل عثمان بسنتين، قيل توفي سنة ثلاث، أو اثنتين، أو أربع، وثلاثين بدمشق. وقيل: توفي في صفين سنة ثمان أو تسع وثلاثين.

والأصح والأشهر ، والأكثر عند أهل العلم وأهل الحديث: أنه توفي بعد خلافة عثمان، بعد أن ولاه معاوية قضاء دمشق (1).

واستدل ابن الأثير على أصحية موته في خلافة عثمان بقوله: «لو بقي لكان له ذكر بعد مقتل عثمان، إما في الاعتزال، وإما في مباشرة القتال، ولم يسمع له بذكر فيهما البتة» (2).

وهذا الاستدلال غير دقيق، فإن من مؤيدات بقاء أبي الدرداء إلى سنة ثمان، أو تسع وثلاثين، ما رواه ابن أعثم، ونصر في صفينه،


1) راجع: الإصابة في تمييز الصحابة ج 3 ص 460 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج 4 ص 621 و 622 وأسد الغابة ج 5 ص 185 و 186 والإستيعاب هامش الإصابة ج 3 ص 17 و 18 وج 4 ص 60 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 1229 والثقات لابن حبان ج 3 ص 285 والأعلام للزركلي ج 5 ص 98 وفتوح البلدان ج 1 ص 167 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 299 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 59 والكامل في التاريخ ج 3 ص 186 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 155 وتاريخ الخلفاء ص 172 وراجع السنن الكبرى للبيهقي ج10 ص 87 و التحفة اللطيفة ج 2 ص 363 و 364

2) أسد الغابة ج 4 ص 160

والدينوري في الأخبار الطوال، من أن معاوية أرسل أبا الدرداء، وأبا أمامة الباهلي إلى علي، يطلب منه أن يسلّم إليه قتلة عثمان.

فأقبلا إلى علي فأخبراه بذلك، فاعتزل من عسكره زهاء عشرين ألف رجل، فصاحوا جميعاً: «نحن قتلنا عثمان».

فخرج أبو الدرداء، وأبو أمامة، فلحقا ببعض السواحل، ولم يشهدا شيئاً من تلك الحروب (1).

ثانياً: وعلى أي حال، سواء اعتمدنا هذا القول، أو اعتمدنا القول الآخر، فإن هذه الحادثة غير متصورة تاريخياً، لأن صريح الرواية: أن قصة أرينب وقعت بعد البيعة ليزيد بولاية العهد، أي بعد سنة 49 التي توفي فيها الإمام الحسن «عليه السلام» (2)، أي بعد مضي سنوات عديدة على وفاة أبي الدرداء، فكيف يكون أبو الدرداء أحد أبطالها؟!

بل صرح المسعودي: بأن البيعة ليزيد بولاية العهد كانت في سنة


1) راجع الفتوح لابن أعثم (ط الهند) ج 3 ص 93 - 95 و (ط دار الأضواء) ج 3 ص 61 - 63 وصفين للمنقري ص 190 والأخبار الطوال ص170 وراجع: الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 96 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 128 وقاموس الرجال (طبعة أولى) ج 7 ص 255 و 256

2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 228 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 150 و 151 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 196 و 197

59 هجرية (1).

وعلى هذا تكون وقائع هذه الرواية قد حصلت في وقت لا يعلم فيه إن كان أبو هريرة على قيد الحياة أيضاً، أم لا. فقد قيل: إنه مات سنة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وخمسين (2).

يزيد كان طفلاً أيضاً:

إذا كانت وفاة أبي الدرداء هي ما ذكرنا، وإذا كانت ولادة يزيد


1) مروج الذهب ج 3 ص 27

2) الإصابة ج 4 ص 210 و 211 و (ط دار الكتب العلمية) ج 7 ص 362 وأسد الغابة ج 5 ص 317 وراجع المستدرك للحاكم ج 3 ص 507 و 508 وشرح صحيح مسلم للنووي ج 1 ص 67 و 68 وعمدة القاري ج1 ص 124 وج 18 ص 35 و مسند ابن راهويه ج 1 ص58 وصحيح ابن حبان ج 10 ص 463 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 4 ص 1771 وإكليل المنهج للكرباسي ص 554 و 555 والطبقات الكبرى لابن سعد ج4 ص 340 والتعديل والتجريح للباجي ج 3 ص 1477 وتاريخ خليفة بن خیاط ص 172 وطبقات خليفة بن خياط ص 192 والتاريخ الصغير للبخاري ج 1 ص 125 والتاريخ الكبير للبخاري ج 3 ص 502 وج 4 ص 176 وج 6 ص 132 و الثقات لابن حبان ج 4 ص277 ومشاهير علماء الأمصار ص 34 وتاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 303 و 308 و 387 و 388 و 389 390 و وج 21 ص 142 و 143 وج 29 ص 271 وتهذيب الكمال ج 34 ص 378 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 448

نفسه سنة 31 على ما يقوله المسعودي (1)وغيره. أو في سنة 27، أو 26، أو 25 كما يقوله آخرون (2)، فإن ابن سنة واحدة، أو أربع أو خمس، أو اثنتي عشرة سنة على اختلاف النسب والأقوال لا يكون مؤهلا لما أهلته له هذه الرواية من ذلك العشق المضني، والهوى الجارف، ولا يكون مؤهلاً أيضاً لتلك النقاشات القوية، التي جرت بينه وبين أبيه معاوية، اللهم إلا إذا كان قد أوتي الحكم صبياً! وهذا ليس يزيد بلا ريب.

ولا يكون مؤهلا أيضاً لأن يكون مستشاراً ومفزعاً لأبيه في المعضلات، والأمور العظام، حسبما نصت عليه هذه الرواية.


1) راجع: مروج الذهب ج 3 ص 53 ويؤيده كلام ابن حزم في (نقط العروس) المقتضي لكون يزيد تولى الخلافة، وعمره ما بين العشرين والثلاثين سنة على ما ذكره في مآثر الإنافة ج 1 ص 116 وراجع: الاختصاص للمفيد ص 131

2) راجع تاريخ الخلفاء ص 205 ومآثر الإنافة ج 1 ص117 والبداية والنهاية ج 8 ص 226 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 156 وج 9 ص 76 وتاريخ الخلفاء ص 224 وتاريخ بغداد ج 10 ص 387 و تاريخ مدينة دمشق ج37 ص 118 و ج 65 ص 397 و 398 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص310 والكامل في التاريخ ج3 ص86 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص313 ونهاية الأرب ج 19 ص 430 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك جه ص 322 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 652

ابن سلام شخصية وهمية:

وذكرت هذه الرواية بطلاً آخر لا بد من ملاحظة دوره هنا، وهذا البطل هو: «عبد الله بن سلام»، وذكرت: أنه كان والياً على العراق من قبل معاوية.

ونقول:

1 - لقد راجعنا العديد من كتب التاريخ، فلم نجد فيمن استعملهم معاوية على العراق، ولا على غيره من الأمصار طيلة فترة حكمه، رجلاً يحمل اسم: عبد الله بن سلام، رغم عناية المؤرخين الفائقة في ذكر المعزولين، والمولين، عاماً فعاماً على مختلف الولايات والأمصار.

2 - هذه الرواية تنص عل أن عبد الله بن سلام كان واليا على العراق من قبل معاوية.. وكلنا يعلم أن العراق لم يدخل في حكم معاوية إلا في سنة 41 هـ، أي بعد صلحه مع الإمام الحسن «عليه السلام» وبعد وفاة أبي الدرداء بمدة طويلة.. فهل قام أبو الدرداء بدوره بعد موته؟!

3 - ولقد راجعت عددا من كتب الرجال والتاريخ، فلم أجد ذكرا إلا لثلاثة رجال باسم عبد الله بن سلام، اثنان منهما زمانهما متأخر عن تلك الفترة، لكونهما ممن عاش في القرن الثاني، والثالث هو عبد الله بن سلام الحبر اليهودي وهذا الأخير لا يمكن أن يكون مرادا لعدة أمور:

فأولاً : هو ليس قرشياً، بل هو إسرائيلي أنصاري، وكان من بني قينقاع. والرواية تنص على قرشية بطلها المذكور.

وثانياً إن هذا الإسرائيلي قد توفي سنة 41، حسب قول أبي ريه (1)، وسنة 43 حسب قول آخرین (2)، فحينئذ نقول فيه نفس ما قدمناه، ومن أن البيعة ليزيد إنما كانت سنة تسع وخمسين.

ثالثاً: إن سن عبد الله بن سلام الإسرائيلي كان في هذه الفترة عالياً، لا يتناسب مع ما توحي به هذه الرواية من الغرام المتبادل بينه وبين زوجته أرينب، التي كانت في ريعان الصبا، والتي عشقها يزيد، قبل أن يتزوجها عبد الله!


1) أضواء على السنة المحمدية ص150

2) البداية والنهاية ج 8 ص 27 وأسد الغابة (ط دار الكتاب العربي) ج3 ص 177 والإستيعاب (هامش الإصابة) ج 2 ص 382 (ط دار الجيل) ج3 ص 921 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 200 وتاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 102 وتهذيب الكمال ج 15 ص 75 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص27 وتقريب التهذيب ج 1 ص 500 وتهذيب التهذيب ج 5 ص 220 وإسعاف المبطأ ص 58 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 76 والتحفة اللطيفة ج 2 ص 41 وعمدة القاري ج 16 ص 274 وتحفة الأحوذي ج 7 ص 158 والإصابة ج 2 ص 320 و (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 104 نقلاً عن الطبري، والهيثم بن عدي، وابن سعد، وأبي عبيد، والبغوي، وأبي أحمد العسكري، وغيرهم..

وكيف تقدم فتاة يضرب بجمالها المثل، وتسير به الركبان على الاقتران بشيخ كبير، ثم تغرم بحبه، حتى تفضله على كل أحد حتى على ولي عهد المسلمين؟! بل هي تختاره حتى على سيد شباب أهل الجنة، وخير خلق الله في زمانه..

رابعاً: لا نعلم أن هذا الحبر اليهودي قدم العراق أصلاً، وليس فيما بأيدينا من كتب التاريخ والرجال ما يشير إلى ذلك.. فضلا عن أن يكون قد تولى العراق لمعاوية .

الإمام الحسين «عليه السلام» يثني على أبي الدرداء:

وتحدثت الرواية عن أن الإمام الحسين «عليه السلام» قام لأبي الدرداء وصافحه إجلالاً له، ومعرفة منه لمكانه من رسول الله، وموضعه من الإسلام، ولأنه صاحب رسول الله «صلى الله عليه وآله» وجليسه.

وذكر «عليه السلام»: أن رؤية أبي الدرداء أحدثت له شوقاً إلى الرسول «صلى الله عليه وآله».

ونقول:

إن ذلك كله لا مجال لقبوله..

أولاً:

1 - تقدم أن معاوية أرسل فى صفين أبا الدرداء، وأبا أمامة إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» يطلب منه أن يقيده من قتلة عثمان حتى

يبايعه. فخرج عشرون ألفاً، وقالوا: كلنا قتله.

فرجعا، ولم يشهدا شيئاً من القتال (1).

فإذا كان أبو الدرداء جليس الرسول، فمن المفترض أن يكون قد سمع منه قوله: «علي مع القرآن، والقرآن مع علي»، أو «علي مع الحق، والحق مع علي، يدور معه حيث دار»، وعرف بأن علياً «عليه السلام» هو ممن نزلت فيه آية التطهير.

فاعتزال أبي الدرداء هذا يدل على أنه، إما ليس ممن يميز بين الحق والباطل، فتلك مصيبة، وإما أنه يعرف الحق، ولكنه يتعامل معه كما يتعامل مع الباطل، فالمصيبة أعظم.

2 - إن أبا الدرداء قد تولى قضاء دمشق لمعاوية (2).


1) راجع الفتوح لابن أعثم (ط الهند) ج 3 ص 93 - 95 و (ط دار الأضواء) ج 3 ص 61 - 63 وصفين للمنقري ص 190 والأخبار الطوال ص170 وراجع الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 96 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 128 وقاموس الرجال (طبعة أولى) ج 7 ص 255 و 256

2) راجع الإصابة في تمييز الصحابة ج 3 ص 460 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج 4 ص 621 و 622 وأسد الغابة ج 5 ص 185 و 186 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 17 و 18 وج4 ص60 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 1229 و الثقات لابن حبان ج 3 ص 285 والأعلام للزركلي ج 5 ص 98 وفتوح البلدان ج 1 ص 167 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 299 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 59 والكامل في التاريخ ج 3 ص 186 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 155 وتاريخ الخلفاء ص 172 وراجع السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 87 والتحفة اللطيفة ج 2 ص 363 و 364

3 - أما مكانة أبي الدرداء في الإسلام، وموقعه من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فيكفي أن نذكر:

ألف: ما روي في تفسير قوله تعالى: (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولى) (1). فقد قالوا: إن النبي «صلى الله عليه وآله» قال لأبي الدرداء: إن فيك جاهلية.

قال: جاهلية كفر، أم جاهلية إسلام ؟!

قال : جاهلية كفر (2).

ب: وقد أثنى معاوية على أبي الدرداء، فقال عنه - كما روي -: «ألا إن أبا الدرداء أحد الحكماء» (3).


1) الآية 33 من سورة الأحزاب

2) راجع: تفسير الكشاف ج 3 ص 537 وقاموس الرجال للتستري ج 11 ص 318 عنه، وتخريج الأحاديث والآثار ج 3 ص 107 والفتح السماوي للمناوي ج 3 ص 933 وجامع البيان للطبري ج 22 ص7 و 8 وتفسير البيضاوي ج 4 ص 373 و 374 وتفسير أبي السعود ج 7 ص103 وتفسير البحر المحيط ج 7 ص 224

3) الإصابة ج 3 ص 316 و (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 483 والطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 2 قسم 2 ص 115 و (ط دار صادر) ج2 ص 358 وتهذيب التهذيب ج 8 ص 394 وتهذيب الكمال ج 24 ص 192 وتاريخ مدينة دمشق ج 50 ص 169 والتراتيب الإدارية ج 2 ص 426

ج: وقد أثنى يزيد بن معاوية على أبي الدرداء، وقال: «إن أبا الدرداء من الفقهاء العلماء، الذين يشفون من كل داء» (1).

4 - ما يزعم، من أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء لا يصح.. لأن سلمان «رحمه الله» إنما أسلم بين أحد والخندق. وقد قال الواقدي: «إن العلماء ينكرون المؤاخاة بعد بدر، ويقولون: قطعت بدر المواريث» (2).

ولعل غرضهم هو رفع شأن أبي الدرداء، ليصبح في مصاف سلمان، خدمة لأهداف معاوية الذي جعل أبا الدرداء قاضياً على دمشق.

وبعد ما تقدم نقول:

من يكون هذا حاله كيف يمكن تصديق ما يذكر من إجلال


1) الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 4 ص 60 و (ط دار الجيل) ج 4 ص 1647 والجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي ج 7 ص 27 وتاريخ بغداد ج 4 ص 317 وتاريخ مدينة دمشق ج 47 ص 123 و 131 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 25 والتراتيب الإدارية ج 2 ص 427 و 428

2) أنساب الأشراف ج 1 ص 271 وقاموس الرجال للتستري ج 11 ص318 وراجع: فتح الباري ج 4 ص 183 وعمدة القاري ج 11 ص 80 والطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 4 قسم 1 ص 60 و (ط دار صادر) ج 4 ص 84 وسبل الهدى والرشاد ج 3 ص 368

الحسين «عليه السلام» له، والثناء عليه؟!

ثانياً : إن من تكون فيه جاهلية كفر، فأية مكانة تكون له من رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!

ومن لم يميز بين الحق والباطل، ولم يتفاعل مع ما جرى يوم الغدير، ولا يقاتل الفئة الباغية، فذلك يعني أنه لم ينتفع بمجالسته لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولا أثرت فيه صحبته، ولم تثمر فيه أقواله، ولا استفاد من مواقفه وأفعاله.

ثالثاً: لا ندري ما هو الموقع الذي كان لأبي الدرداء في الإسلام؟! هل كان وصياً أو وزيراً، أو كان مجاهداً، أو ناصراً للحق، أو مقاتلا للفئة الباغية؟! أم ماذا؟!

وما عدا ذلك، فإن ما يذكر من ثناء عليه، فإنما هو إما من معاوية، وإما من يزيد «لعنه الله»، أو ممن مالأوا معاوية ويزيد، وكانوا في صف الظالمين لعلي وأهل بيته «عليهم السلام»، والمتسترين على استلاب حقوقهم.

رابعاً: قلنا: إن الصحبة والمجالسة بمجردها لا تجدي إذا تقترن بالتقوى والعمل الصالح، ونصرة أهله.

أرينب لا تثق بالنبي «صلى الله عليه وآله» وتثق بأبي الدرداء:

وقد ذكرت الرواية: أن أرينب بعد أن سمعت من أبي الدرداء: أن الحسين «عليه السلام» هو ابن بنت الرسول «صلى الله عليه وآله»، وابن أول من آمن وهو سيد شباب أهل الجنة يوم القيامة، تصر أن

يكون أبو الدرداء هو الذي يخبرها بالأصلح منهما.. وقالت: إن هذا الأمر لو جاءها وهو غائب لأشخصت فيه الرسول إليه..

ولست أدري كيف لم تصدق هذه المرأة قول رسول الله «صلى الله عليه وآله» في الإمام الحسين «عليه السلام»، ولم تأخذ به، ثم تبقى حائرة، ولا تستطيع أن تعرف من هو الأصلح بين الحسين الذي عرفت حاله، وبين يزيد الفاسق الفاجر، الشارب للخمر، وقاتل النفس المحترمة؟!

الخلوة بالأجنبي:

وفي الرواية: أن الحسين «عليه السلام» أدخل الأجنبي - وهو ابن سلام - على زوجته، ولم يرض بأن يأتيه هو بالأمانة منها. ثم نراه يخرج ويخلي لهما المكان.

فكيف يمكن أن يفعل الإمام الحسين «عليه السلام» أمراً نهى الشارع عنه؟! فإنه لا يخلو رجل بامرأة أجنبية إلا كان الشيطان ثالثهما.

أرينب طالق ثلاثاً:

والأعجب من ذلك، والأغرب: أن تدَّعي الرواية: أن الإمام الحسين «عليه السلام» يطلق أرينب طلاقاً شرَّعه عمر بن الخطاب، ولم يزل موضع اعتراض أهل البيت وشيعتهم، وهو أنه «عليه السلام» قال: أشهد الله أنها طالق ثلاثاً.

وهذا هو الطلاق الذي اعتبر عمر أن الناس قد استعجلوا فيه، فلنمضه عليهم، فأمضاه.

أردت إحلالها لبعلها:

والذي يزيد الطين بلة، قول الرواية: إن الإمام الحسين «عليه السلام» قال: «اللهم إنك تعلم أني لم أستنكحها رغبة في مالها ولا جمالها، ولكني أردت إحلالها لبعلها».

فإن هذا الإحلال إنما يكون إذا كان زوجها قد طلقها ثلاث طلقات، تخللتها رجعتان. أما قول الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، فيدور أمره بين احتمالين:

1 - إما أن يكون باطلاً، إذا كانت كلمة ثلاثا قيدا في الايقاع والقصد: بأن قصد إيقاع ثلاث طلقات بنفس هذه العبارة.

2 - وإما أن يقع طلقة واحدة إذا اعتبرت مجرد زيادة على الجملة التي قصد الطلاق بها، وهي عبارة: «أنت طالق»، ثم بعد إيقاع الطلاق بهذه الجملة أراد اعتبار هذا الذي وقع ثلاث طلقات، فتكون كلمة ثلاثاً بنظره بمثابة إعادة للإنشاء المستقل للطلاق. فإن الذي يقع في مثل هذه الصورة هو طلاق واحد فقط وهو الذي أنشأه بكلمة: «أنت طالق»، وتكون كلمة «ثلاثاً» بلا معنى ولا يتحقق بها إنشاء أصلاً.

ولا تحرم المرأة على زوجها في كلا الحالتين، إلا إذا سبق الطلاق الذي أوقعه ابن سلام في الشام طلاقان أعقبهما رجوعان.

وهذا أول الكلام. فإنه لا دليل على حصول شيء من ذلك.

قصة هند بنت سهيل:

إن جميع ما قدمناه يرتبط بقصة أرينب بنت إسحاق، التي سماها البعض زينب.

وقد رووا ما هو قريب من هذا - باختصار - ولكنهم قالوا: إن القضية كانت مع هند بنت سهيل بن عمرو، وزوجها عبد الله بن عامر بن كريز. وقد زعموا تارة أن القضية حصلت مع الإمام الحسن «عليه السلام» (1).

وزعموا أخرى: أنها حصلت مع الإمام الحسين «عليه السلام»..

والرواية هي التالية، والنص للخوارزمي:

يحيى بن عبد الله بن بشير الباهلي، حدثنا ابن المبارك أو غيره - شكّ الباهلي - قال: بلغني أنّ معاوية قال ليزيد: هل بقيت لدّة من الدنيا لم تنلها ؟!

قال: نعم، أمّ أبيها هند بنت سهيل بن عمرو، خطبتها، وخطبها عبد الله بن عامر ابن كريز، فتزوّجته وتركتني.

فأرسل معاوية إلى عبد الله بن عامر، وهو عامله على البصرة، فلما قدم عليه قال: أنزل عن أمّ أبيها لوليّ عهد المسلمين يزيد.


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 150 و 151 وإحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 439

قال: ما كنت لأفعل.

قال: أقطعك البصرة ، فإن لم تفعل عزلتك عنها .

قال: وإن.

فلمّا خرج من عنده قال له مولاه: امرأة بامرأة، أتترك البصرة بطلاق امرأة؟!

فرجع إلى معاوية، فقال: هي طلاق.

فردّه إلى البصرة، فلمّا دخل تلقته أمّ أبيها، فقال: استتري.

فقالت: فعلها اللعين، واستترت.

قال: فعدّ معاوية الأيّام حتى إذا انقضت العدّة وجه أبا هريرة يخطبها ليزيد، وقال له: أمهرها بألف ألف.

فخرج أبو هريرة، فقدم المدينة، فمر بالحسين بن عليّ «عليهما السلام»، فقال: ما أقدَمَكَ الْمَدِينَة يا أَبا هُرَيْرَةَ؟!

قال: أريد البصرة، أخطب أمّ أبيها لوليّ عهد المسلمين يزيد.

قال: فتَرى أَنْ تَدْكْرَني لها.

قال: ان شئت.

قال: قَدْ شِئْتُ.

فقدم أبو هريرة البصرة، فقال لها: يا أمّ أبيها، إنّ أمير المؤمنين يخطبك لوليّ عهد المسلمين يزيد، وقد بذل لك في الصداق ألف ألف، ومررت بالحسين بن عليّ، فذكرك.

قالت: فما ترى يا أبا هريرة؟!

قال: ذلك إليك.

قالت: فشفة قبّلها رسول الله «صلى الله عليه وآله» أحبّ إليّ.

:قال فتزوجّت الحسين بن عليّ «عليهما السلام»، ورجع أبوهريرة، فأخبر معاوية.

قال: فقال له: يا حمار! ليس لهذا وجّهناك.

قال: فلمّا كان بعد ذلك حجّ عبد الله بن عامر، فمرّ بالمدينة، فلقي الحسين بن عليّ «عليهماالسلام»، فقال له: يا ابن رسول الله! تأذن لي في كلام أمّ أبيها.

فقال: إذا شِئْتَ.

فدخل معه البيت، واستأذن على أمّ أبيها، فأذنت له، ودخل معه الحسين «عليه السلام»، فقال لها عبد الله بن عامر: يا أمّ أبيها! ما فعلت الوديعة التي استودعتك ؟!

قالت: عندي، يا جارية! هاتي سفط كذا .

فجاءت به، ففتحته، وإذا هو مملوء، لآلئ وجوهر يتلألأ ، فبكى ابن عامر.

فقال الحسين «عليه السلام»: ما يُبْكيكَ؟!

فقال: يا ابن رسول الله! أتلومني على أن أبكي على مثلها في ورعها، وكمالها، ووفائها.

قال «عليه السلام»: يا ابْنَ عامر! نِعْمَ المُحَلّلُ كُنتُ لكُما هِىَ طَلاقٌ. فحجّ، فلمّا رجع تزوّج بها (1).

ونقول:

لعل ما ذكرناه حول رواية «أرينب» يكفي في إسقاط هذه الرواية عن أي اعتبار، لوجود العديد من الموارد التي ترد عليها مؤاخذات ذكرناها في جولتنا تلك..

غیر أننا قبل أن ننتقل إلى الحديث عن مفردات أخرى في السيرة الحسينية، نحب أن نسهم في لفت نظر القارئ الكريم إلى بعض ما في هذه الرواية المكذوبة من عناصر ضعف مثل:

1 - اهتمام معاوية بأن ينال ولده جميع لذائذ الدنيا. بدل أن ينال التقوى والدين، والزهد والحكمة، والعلم والفضائل، والقيم، والأخلاق، والأدب، وما إلى ذلك.

2 – ظهر: أن يزيد بالرغم من موقعه لم يكن ذلك الإنسان الذي يرغب الناس بالقرب منه، فحتى النساء اللواتي يحببن زينة الحياة الدنيا تزهدن فيه، وترفضن الاقتران به وتقترن بغيره.

3 - الأسلوب الوقح ، والمخالف لكل الأخلاق، والقيم، والآداب،


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 149 و 150 واحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 437 - 439 عنه، ومن أخلاق الحسين لعبد العظيم المهتدي البحراني ص 92 - 94 وجمال الخواطر ج 2 ص 75

والشرع، والدين، والأعراف التي انتهجها معاوية في إخضاع ابن عامر لما يريد. ولاسيما قوله له: انزل عن أم أبيها لولي عهد المسلمين.

4 - استعماله الرشوة لإنجاز هذا الأمر المخالف للأخلاق والشرع، ولكنها ليست رشوة من مال معاوية، بل هي ولاية وحاكمية على بلد مسلم، وإقطاع يتضمن إطلاق يد ابن عامر، ليتحكم، وليعيث فساداً في أعراض ودماء، وأموال جميع من يعيش في ذلك البلد.

5 - كان الرسول في هذه الرواية أبا هريرة، مع أنه لا مجال لإثبات أنه كان على قيد الحياة بعد البيعة ليزيد بولاية العهد سنة تسع وخمسين.

6 - إن معاوية قد تكرم ومنح أبا هريرة وسام «حمار»، ورضي أتباع النهج البعيد عن أهل البيت «عليهم السلام» أن يتقلد أبو هريرة هذا الوسام، ما دام أن معاوية هو الذي منحه إياه.

7 - هناك الحديث عن طلاق ابن عامر ورضى الحسين «عليه السلام» بأن يكون المحلل، مع عدم ثبوت كون ابن عامر قد طلقها ثلاثاً، إلا إذا كان على النحو الذي أمضاه عمر، وقلنا: إن قول القائل لزوجته: أنت طالق ثلاثاً، ليس من موجبات التحريم، ليحتاج إلى التحليل.

8 - وفي الرواية أيضاً: أنه أوقع الطلاق بصيغة: «هِيَ طلاق»، وليس هذا من الصيغ الصحيحة.

من دوافع الوضع والتزوير:

إننا من جميع ما قدمناه حول رواية أرينب وسواها نفهم جملة من أهداف وضع هذه الرواية، مثل:

1 - الترويج لبعض العقائد الباطلة التي تبث اليأس في نفوس الناس، وتدعوهم للاستسلام لإرادة أهل الباطل، وتثير الشعور بالعجز في نفوسهم.. مثل عقيدة الجبر.

2 - إن عقيدة الجبر التي يسوِّقون لها تفيدهم أيضاً في تبرئة يزيد وبني أمية مما ارتكبوه في حق الحسين وأهل بيته، وتهون عليهم أولاً، وعلى الناس ثانياً ما سوف يرتكبونه من جرائم وموبقات، ما دام أن فاعلها هو الله سبحانة..

3- إنها ترسم لمعاوية ولولده يزيد وكل من هم على شاكلتهما صورة رضية ومقبولة، عليها سمات التقوى، والحكمة والحنكة.

4 - إنها تهيئ الفرصة للتلاعب ببعض المفاهيم، وتحويل الرذائل إلى فضائل، وكذلك العكس. فتصبح الخديعة وفاءً، والكذب صدقا، والحق باطلاً.

5 - إنها تمنح معاوية وكل طاغ وباغ، ومتغلب شرعية، وقبولاً الهياً، ورضى ربانياً .

6 - إنها ترفع من مقام الخليفة إلى ما يتجاوز مقام أشرف الأنبياء.

7 - بل هي تجعل الخليفة شريكاً لله، والعياذ بالله..

8- إنها تظهر دهاء معاوية، وحسن دراية يزيد الذي جعلته روايتهم المزعومة أهلاً لأن يستشيره أبوه في المعضلات، ويستعين به على الملمات.

9 - نضيف إلى ذلك: إرادة تخفيف حدة اللوم الذي يتوجه إلى يزيد بقتله الإمام الحسين استناداً إلى ادّعاء وجود إحن وأحقاد قديمة، كان الحسين «عليه السلام» - بزعمهم - هو السبب فيها، لاسيما وأن ما أقدم عليه الحسين «عليه السلام» كان بمثابة صدمة عاطفية، وطعنة نجلاء في صميم قلب يزيد، الذي برح به الهوى، وألظ به الشوق والجوى..

وواضح: أن لذلك أثراً في تخفيف فظاعة الجريمة، ومضاعفة عقابها.

وبعد ذلك يأتي الحديث الذي ثبت عند ابن كثير - حسب دعواه -: «إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال أول جيش من أمتي يغزو مدينة قيصر مغفور لهم»! (1).


1) البداية والنهاية ج 8 ص 229 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 36 و 251 وج 6 ص 248 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 3 ص 232 والمستدرك للحاكم ج 4 ص 557 وعمدة القاري ج 14 ص 198 والأحاد والمثاني ج 6 ص 98 والمعجم الكبير ج 25 ص 133 ومسند الشاميين ج 1 ص 257 والجامع الصغير ج 1 ص 431 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 4 ص 301 و 455 و ج 11 ص 124 و 125 وتاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 93 وتهذيب الكمال ج 35 ص 342 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 395 وإمتاع الأسماع ج 12 ص 215 ودلائل النبوة ج 6 ص 452 والخصائص الكبرى ج 2 ص 111 و 112

وكان على رأس هذا الجيش - كما يدعونه كذباً - يزيد بن معاوية، قاتل الحسين، وهادم الكعبة، ومبيح المدينة ثلاثة أيام، واللاعب بالقرود، وشارب الخمر، وتارك الصلاة و.. و.. الخ..

فيزيد هذا إذن مغفور له يدخل جنة الخلد، وينتهي الأمر. عجيب! وألف عجيب!

هذا.. بالإضافة إلى أمور أخرى ذكروها زعموا أنها من المعاملة الحسنة التي عامل بها يزيد «لعنه الله» أهل بيت الحسين «عليه السلام»، ولولا أن المقام يطول لتعرضنا إلى جانب منها، وبينا خطله وفساده..

لا نقول هذا جزافاً:

وقد يبدو هذا الذي جعلناه من دوافع وضع هذه الرواية: أنه يصعب قبوله والتسليم به..

ولكن ما يسهل على القارئ البخوع له: أننا نرى كاتباً إسلامياً مشهوراً، - كالأستاذ العقاد - بعد أن أرجع أسباب التنافس بين الحسين ويزيد إلى الترات الموروثة. فالسياسة، فالعاطفة الشخصية! فإلى اختلاف الخليقة، والنشأة، والتفكير، كتب يقول تحت عنوان: زواج

الباب الخامس الفصل الثاني: أرينب بنت إسحاق..

الحسين:

«..وكأنما كانت هذه المنافسة المؤصلة الجذور لا تكفي قُصَّاص التاريخ، فأضاف إليها أناس من ثقاتهم! قصة منافسة أخرى، هي وحدها كافية للنفرة بين قلبين متآلفين، وهي قصة زواج الحسين رضي الله عنه، من التي كان يهواها يزيد هوى أدنفه وأعياه..».

وبعد أن ساق قصة أرينب، قال: «فإن صحت هذه القصة، وهي متواترة في تواريخ الثقات!! فقد تم ما نقص من النفرة والخصومة بين الرجلين» (1)

ويلاحظ هنا: أنه يريد أن يوحي للقارئ بصحة هذه الرواية. وبذلك يضمن العقاد صحة استفاداته واستنتاجاته منها!

.

وطبعاً يريد العقاد أن يقول، ويستنتج من ذلك أن هذه النفرة والخصومة هي السبب في الذي جرى في كربلاء..

ولا نستغرب على العقاد مثل هذه الاستنتاجات الباردة، لاسيما وأننا رأيناه يحاول تبرير حرب الجمل التي أهريق فيها دماء الآلاف الكثيرة من المسلمين الأبرياء - يحاول تبريرها - بما يرجع إلى أسباب عاطفية هي العداء بين أم المؤمنين (رض) وبين علي «عليه السلام»، استناداً إلى أنه عليه السلام كان قد أشار على النبي «صلى الله عليه وآله» في قضية الإفك بطلاقها..


1) أبو الشهداء الحسين بن علي للعقاد ص37 و 39

وإذن، فمن الطبيعي - بنظر العقاد - أن تحقد عليه أم المؤمنين بسبب هذه المشورة غير الموفقة - على حد تعبيره (1)- ولا يكون ثمة أية غضاضة فى وقوفها ضده، بعد أن تكتمل الدواعي، وتتعاضد الأسباب لذلك.

وليقتل من يقتل بعد هذا، ولتهدم أركان الدولة الإسلامية، كرمى لعين أم المؤمنين!!


1) راجع کتاب: الصديقة بنت الصديق للأستاذ العقاد

الفهارس

الفهارس

1 - الفهرس الإجمالي

2 - الفهرس التفصيلي

الفهرس الإجمالي

الفصل الخامس: لا يلعب المعصوم ... 5

الفصل السادس مفردات.. سميت لعباً ... 29

الفصل السابع : أيهما أحسن خطأ؟! ... 49

الباب الرابع مفردات من الحياة الخاصة ... 81

الفصل الأول: الخضاب ... 83

الفصل الثاني: نقش الخواتيم: سياسة معتمدة ... 117

الفصل الثالث: على هامش نقش الخواتيم ... 159

الفصل الرابع: لباس الحسين «عليه السلام»: الخز والإبريسم ... 187

الفصل الخامس: من لباس الحسين «عليه السلام» أيضاً ... 205

الباب الخامس: الزوجات والأولاد ... 233

الفصل الأول: حديث الزوجات ... 235

الفصل الثاني: أرينب بنت إسحاق ... 275

الفهارس ... 335

الفهرس التفصيلي

الفصل الخامس: لا يلعب المعصوم ... 5

الحسنان يلعبان والبرقة تضيء: ... 7

الكرامة الإلهية: ... 8

اللعب مع الصبيان: ... 11

أحاديث أخرى عن لعب الحسنين: ... 12

لعب الإمام «عليه السلام»: ... 22

الفصل السادس: مفردات.. سميت لعباً ... 30

الحسنان «عليهماالسلام» على ظهر الرسول «صلي الله عليه و آله» في الصلاة: ... 32

المصارعة بين الحسنين «عليهماالسلام»: ... 32

أبو الحسن موسى «عليه السلام» والعناق المكية: ... 33

بأبي من لا يلهو: ... 34

الإمام الصادق «عليه السلام» واللعب بالعصا: ... 35

حديث العامري: ... 36

الإمام الحسين «عليه السلام» ومداحي أبي ومداحي أبي رافع: ... 36

المأمون.. والإمام الجواد «عليه السلام»: ... 37

البحر العجاج بين السماء والهواء: ... 40

الإمام الحجة «عليه السلام» ورمانة الذهب: ... 43

هل هذا لعب صبيان؟!: ... 44

التعامل مع هكذا نصوص: ... 45

هل لعب الحسين «عليه السلام»؟! ... 46

الشاهد الصادق: ... 46

الفصل السابع: أيهما أحسن خطاً؟! ... 51

الحسين «عليه السلام» يذهب إلى الكَتَّاب: ... 53

يتنافسان في حسن الخط والزهراء تحكم بينهما: ... 56

تمييز الخط الحسن عن الأحسن: ... 61

كرهت أن تؤذي أحدهما: ... 63

حديث القلادة: ...65

لفت نظر: ... 66

دعاء النبي « صلي الله عليه و آله» على قاتل الحسين «عليه السلام»: ... 67

التصارع لا يليق بكما: ... 67

لا ملازمة بين حسن الخط، وبين قوة الجسد: ... 68

النبي الأمي لا يعرف الخط: ... 69

النبي يعرف القراءة والكتابة: ... 70

النصراني صديق سلمان: ... 79

تهافت ومقارنة: ... 80

النتيجة والخاتمة: ... 81

الباب الرابع: مفردات من الحياة الخاصة.. ... 84

الفصل الأول: الخضاب ... 88

الحسين والخضاب: ... 88

الخضاب بالكتم: ... 92

ليس كما ترون: ... 94

الخضاب بالسواد قوة على العدو: ... 97

الخضاب من سمات الشيعة: ... 102

الخضاب بين المد والجزر: ... 105

وسائل الإعلام الحربي: ... 106

من فوائد الخضاب: ... 107

علي «عليه السلام» لم يخضب لحيته: ... 112

النبي «صلي الله عليه وآله» خضب مرة واحدة: ... 114

الفصل الثاني: نقش الخواتيم: سياسة معتمدة ... 121

نقش خاتم الحسين «عليه السلام»: ... 123

الحديث الأخير موضع ريب: ... 126

هدية الزهراء «عليهاالسلام»: ... 128

نقوش خواتيم الإمام الحسين «عليه السلام»: ... 128

الشعار في خدمة الهدف: ... 130

خاتم الإمامة: ... 130

التوحيد الخالص: ... 131

كلمة التوحيد عدة للقاء الله: ... 137

الملك الحق المبين: ... 138

رؤيا الإمام صادقة بلا ريب: ... 139

لماذا عيسى «عليه السلام»؟!: ... 141

الله الملك الحق المبين: ... 143

حسبي الله: ... 149

الهلال والوردة لماذا ؟!: ... 151

أول من اتخذ الهلال شعاراً: ... 153

الحمد لله: ... 154

إن الله بالغ أمره: ... 156

لكل أجل كتاب: ... 158

علمت فاعمل: ... 161

عقلت فاعمل: ... 164

الفصل الثالث: على هامش نقش الخواتيم.. ... 166

الخاتم المسلوب في كربلاء: ... 168

خاتم الإمامة لم يسلب: ... 169

فائدة خاتم العقيق وسائر الأحجار الكريمة: ... 172

هل تختم الحسنان باليسار؟!: ... 178

هل هذه رواية محرفة؟!: ... 181

التختم باليمين هو السنة: ... 190

هل هذا تدليس؟!: ... 190

الفصل الرابع: لباس الحسين «عليه السلام»: الخز والإبريسم ... 195

الخز والسندس، والأبريسم: ... 197

إيضاحات: ... 200

الخز ليس حريراً: ... 202

لماذا الحرير في الحرب؟!: ... 204

الخز حيوان مائي: ... 207

قميص خز وطوق من ذهب!!: ... 208

الفصل الخامس: من لباس الحسين «عليه السلام» أيضاً.. ... 214

الحلة التي اشتراها الحسين «عليه السلام»: ... 216

مجاناً أو بثمن؟!: ... 217

الإجحاف في قيمة الحلة: ... 217

لمن الحلل؟! ولماذا يطلب الحسين إحداها؟!: ... 218

ما شأن الحسين «عليه السلام» وهذه الحلة؟!: ... 219

التشنيع على أمير المؤمنين بولده!!: ... 223

كيف رضي على «عليه السلام» بإعطاء الحلة؟!:... 224

عمامة الحسين «عليه السلام» سوداء: ... 225

العمامة السوداء ليست حزناً: ... 227

عمامة الحسين «عليه السلام» في الرجعة سوداء: ... 227

هل كانت خطبة صلاة الجمعة؟!: ... 227

جمة ظاهرة: ... 228

لفت نظر: ...232

القميص: ... 233

ثياب العيد للحسنين «عليهماالسلام»: ... 236

الزهراء «عليهاالسلام» صادقة قطعاً: ... 237

الحسنان «عليهماالسلام» لا يطلبان زينة العيد: ... 238

تزویر مفضوح: ستار على الباب، وقلب الفضة للحسنين: ... 238

الباب الخامس : الزوجات والأولاد ... 243

الفصل الأول: حديث الزوجات ... 245

الزوجات: ... 247

نساء تزوجهن الحسين «عليه السلام» وولدن: ... 248

1 - الرباب: ... 248

2 - أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله: ... 250

3 - أم جعفر القضاعية: ... 250

4 - شهربانو بنت یزدجرد: ... 251

5 - ليلى بنت أبي مرة بن مسعود الثقفي: ... 252

ليلى أم على الأكبر: ... 253

ليلى في كربلاء: ... 253

بين ليلى والرباب: ... 261

نساء تزوجن بعد الحسين «عليه السلام»: ... 262

1 - عاركها، فنكحها: ... 273

2 - ما فعلته عاتكة ممقوت عند الله: ... 274

لا تطلب حمواً بعد رسول الله «صلي الله عليه و آله»: ... 278

كيف نزوجك على فقرك: ... 278

من هو الحسين: ... 280

مئة جارية مع كل جارية ألف دينار: ... 281

بسط ونمارق في بيت الحسين: ... 280

الفصل الثاني: أرينب بنت إسحاق ... 289

قصة أرينب: ... 291

معاوية وعلم الغيب: ... 298

الجهد الإعلامي الأموي: ... 299

روائح الجبر في كلام معاوية ويزيد: ... 300

داود العاشق القاتل: ... 302

للتوضيح فقط: ... 305

الأولى: داود في ملكاته وسماته: ... 305

الثانية: العطاء الإلهي: ... 306

الثالثة: الكشف والبيان: ... 307

قصة نساء داود: ... 309

لماذا كان هذا من داود؟!: ... 311

مكافآت الله لداود «عليه السلام»: ... 315

العصمة لا تمنع من الاختيار: ... 317

جمال أرينب: ... 318

معاوية يطري نفسه: ... 319

صاحب رسول الله «صلي الله عليه و آله» وكاتبه: ... 322

شیوع غدر معاوية بابن سلام: ... 323

لعمري ما خدعته: ... 324

الجبر الإلهي المكيدة العتيدة: ... 325

سيد أهل العراق: ... 326

وفاة أبي الدرداء قبل البيعة: ... 327

يزيد كان طفلاً أيضاً: ... 330

ابن سلام شخصية و همية: ... 332

الإمام الحسين «عليه السلام» يثني علي أبي الدرارة: ... 334

أرينب لاتثق بالنبي «صلي الله عليه و آله» و تثق بأبي الدرارة: ... 308

الخلوة بالأجنبي: ... 339

أرينب طالق ثلاثاً: ... 339

أردت إحلالها لبعلها: ... 340

قصة هند بنت سهيل: ... 341

من دوافع الوضع و التزوير: ... 346

لا نقول هذا جزافاً: ... 348

الفهرس الإجمالي ... 353

الفهرس التفصيلي ... 354