موسوعة من حیاة المستبصرین المجلد 10

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

موسوعة من حياة المستبصرين

المجلد العاشر

تأليف

مركز الأبحاث العقائدية

مركز الأبحاث العقائدية :

إيران ـ قم المقدّسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤

العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول صلى الله عليه و آله و سلم

شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن عليه‌السلام

الموقع على الإنترنت : com . aqaed . www

البريد الإلكتروني : com . aqaed @ info

شابك (ردمك): 973-600-5213-92-8

موسوعة من حياة المستبصرين

المجلّد العاشر

تأليف : مركز الأبحاث العقائدية

الطبعة الأُولى ـ ٢٠٠٠ نسخة

سنة الطبع : ١٤٣٣ ه

المطبعة : ستارة

اشارة

مركز الأبحاث العقائدية :

إيران ـ قم المقدّسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤

ص . ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ ( ٢٥١ ) ( ٠٠٩٨ )

الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ ( ٢٥١ ) ( ٠٠٩٨ )

العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول صلى الله عليه و آله و سلم

شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن عليه‌السلام

ص . ب : ٧٢٩

الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ ( ٣٣ ) ( ٠٠٩٦٤ )

الموقع على الإنترنت : com . aqaed . www

البريد الإلكتروني : com . aqaed @ info

شابك (ردمك): 973-600-5213-92-8

موسوعة من حياة المستبصرين

المجلّد العاشر

تأليف : مركز الأبحاث العقائدية

الطبعة الأُولى ـ ٢٠٠٠ نسخة

سنة الطبع : ١٤٣٣ ه

المطبعة : ستارة

• جميع الحقوق محفوظة للمركز *

مقدّمة المركز

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمدُ للّه‌ ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق اللّه‌ أجمعين، الرسول الأعظم والنبيّ المكرّم، حبيب قلوب المؤمنين، النبيّ محمّد، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين الذين أذهب اللّه‌ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.

والحمدُ للّه‌ على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الربّ لنا الإسلام ديناً بولاية سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين عليهم السلام.

أكتب هذه المقدّمة المختصرة بعد فترة وجيزة من عودتي من سفرتي الثانية إلى سنغافورا، والتي التقيت فيها بمجموعة من المستبصرين، وألقيتُ بعض المحاضرات هناك في تجمّعات يعقدها أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

وبما أنّ سفرتي هذه كانت قريبة من رأس السنة الميلادية الجديدة، لذلك فإنّ تلك الدولة شهدت احتفالات كبيرة صاخبة، فقد زُيّنت كافة الشوارع والساحات بشتّى أنواع الزينة، وهُيّئت كلّ الفنادق ودور اللهو واللعب لاستقبال السوّاح من كلّ أنحاء العالم، فلا تخلّو منطقة من تلك الدولة من ظواهر الفرح والسرور والابتهاج.

وإلى جانب ذلك كلّه جلس مجموعة من المؤمنين في ثلاثة أماكن يُحيون ذكر أهل البيت عليهم‌السلام ويُقيمون العزاء على مصيبة الإمام الحسين عليه‌السلام.

إنّ الإنسان يقف موقف المتعجّب وهو يشاهد هذه المجموعة من المؤمنين المستبصرين، رجالاً ونساءً، قد تركوا أماكن اللهو واللعب، وكلّهم من طبقة الشباب

ومن أبناء تلك الدولة، وكلّ الظروف مهّيئة لهم لحضور مجالس الفسق والفجور، إلاّ أنّهم هجروها، وأخذوا على عاتقهم مسؤولية الدعوة للدين الإسلامي الأصيل المتمثّل بمذهب أهل البيت عليهم‌السلام.

هذه المجموعة من المؤمنين كانوا يتعبّدون اللّه‌ على المذاهب السنيّة، ومنهم من كان يتعبّد اللّه‌ على غير دين الإسلام، بل منهم من لم يكن يؤمن بخبر السماء. لكنّهم استجابوا لنداء العقل والضمير الحيّ وركبوا سفينة النجاة، سفينة علي والزهراء والحسن والحسين والتسعة المعصومين من ولد الحسين عليهم السلام، وذلك عند قيام الأدلّة والحجج القوية عندهم بوجوب اتّباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام.

نحن حينما نقول بأنّ حركة الاستبصار عالمية، وهنالك الملايين من الناس ممّن شملتهم هذه الحركة، لم نكن مبالغين في هذا القول، ولدينا على قولنا هذا من الأدلّة الكثيرة التي تثبت صحّة قولنا.

وهذا المجلّد - العاشر من «موسوعة من حياة المستبصرين» - خير دليل وشاهد على ما نقول، وهو يحتوي على ترجمة حياة بعض المستبصرين، الذين تركوا تراث الآباء والأجداد، وركبوا سفينة النجاة، وأخذوا يتعبّدون اللّه‌ تعالى وفقاً لمدرسة أهل البيت عليهم‌السلام.

ويحتوي هذا الجزء على ترجمة بعض المستبصرين من دول شتى: العراق، عُمان، غانا، غويانا، غينا - كوناكري.

ختاماً نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير لأعضاء مركز الأبحاث العقائدية الذين ساهموا في إخراج هذا المجلّد من تأليف ومراجعة وتصحيح وطباعة، والجهود مستمرة إن شاء اللّه‌ في إكمال باقي أجزاء هذه المجموعة، والحمد للّه‌ ربّ العالمين.

محمّد الحسّون

١٤ جمادى الأولى١٤٣٢هـ

www.aqaed.com/Muhammad

Muhammad@aqaed.com

{١} كواكب هادي مهيدي (حنفية / العراق)

ولدت سنة ١٣٩٩ه (١٩٧٩م) في «بغداد» عاصمة العراق، ونشأت في أُسرة سنيّة حنفيّة المذهب تخرّجت من كليّة الآداب فرع اللغة الانجليزية، هاجرت إلى السويد حيث تقيم هناك.

زوجي هداني إلى التشيّع:

تقول «كواكب»: «نشأت في عائلة سنيّة غير متعصّبة، فلم أسمع من أبي أو أُمي أنّ هناك فرق بين السنّة والشيعة، أو أنّ هناك مسائل خلافية بينهم، وربّما هذا لأنّ عائلتنا لا تتعمّق في المسائل الدينية كثيراً، رغم التزامها بالعبادات كالصلاة والصيام.

تزوّجت من رجل شيعي، وهذه دلالة أُخرى على عدم تعصّب عائلتي، ولم يكن هذا الأمر بدعاً، فهناك الكثيرون في بلدنا العراق هم من أهل السنّة أو الشيعة يتزاوجون فيما بينهم دون أن يكون الانتماء الطائفي مانعاً من ذلك.

بعد الزواج رأيت زوجي الذي كان متديّنا ورعاً ويخاف اللّه‌ كثيراً يذكر آل البيت عليهم‌السلام ويتوسّل بهم إلى اللّه‌، ويدعو بأدعية لم أسمع بها من قبل، كما يتلو في الصلاة أذكاراً عميقة المعنى، يؤدّيها بخشوع وتأنّي عميق.

فهي أذكار نابضة بالحياة وتخرج من أعماق القلب، فلمستُ كيف أنّ التقرّب

إلى اللّه‌ لابدّ أن يكون روحيّاً عميقاً وليس جافاً ميّتاً، وهذا لا يحصل إلاّ بفضل التوسّل بأهل البيت عليهم‌السلام أولياء اللّه‌ والوسيلة إليه دون غيرهم لأنّهم خيرة اللّه‌ وأصفيائه.

لم يجبرني زوجي على اختيار التشيّع أبداً، بل تركني حرّة في اختيار المذهب، بل كان يراعي في مواقف عديدة أن لا يكون تشيّعي رياءً لاسامح اللّه‌، أو يكون تشيّعي عاطفياً غير مبنيّ على أساس علمي رصين، فقد كان يحبّ أن أتمسّك بولاية أهل البيت عليهم‌السلام، ولكنّه كان على يقين أنّي إذا عرفتهم حقّ المعرفة سأتمسّك بهم وأعرف قدرهم وأتولاهم، وأجعلهم وسيلتي وأهل شفاعتي وقادتي في سبيل النجاة

والوصول إلى الجنّة إن شاء اللّه‌.

هذا هو التشيّع كما عرفته، دين قائم على المحبّة، وحسن الاختيار، وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام: «وهل الدين إلاّ الحبّ»، وهذا ما لا تجده عند كثير من أدعياء الدين الذين يثيرون الحزازات الطائفية بل يمارس بعضهم القتل والإرهاب من أجل ذلك، وهذا ليس من الدين في شيء أبداً، ولو ملأ صاحبه الدنيا صراخاً وادّعاءً بنصرة الإسلام كما يتصوّر، ونسأل اللّه‌ أن يخلّص المسلمين من شرّ

هؤلاء الأشرار وخصوصاً «العراق» الذي ابتُلي بهم في الفترة الأخيرة، فضلاً عن ابتلائه سابقاً بنار حقدهم أيّام نشوء الوهابيّة الملعونة في مهاجمة العتبات المقدّسة، وقتل زوّارها وإرعابهم.

{٢} كوسرت عبد الرحمن خوشناو (شافعي / العراق)

الصورة

H01

ولد في «أربيل» بالعراق، اهتمّ بعد مرحلة النضج بدراسة الأمور الدينيّة وفق المذهب الشافعي الذي نشأ فيه، واشترك في الكثير من الجلسات الدينيّة ولاسيّما جلسات قراءة القرآن الكريم، ثمّ تعرّف على مجموعة من الشيعة، فجرت بينه وبينهم حوارات دينيّة استمرّت فترة طويلة حتّى وصل «كوسرت» إلى القناعة التامّة بتغيير انتمائه المذهبي، فأعلن استبصاره عام ١٤١٢ه (١٩٩٢م) في أربيل.

منع تدوين سنة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم :

إنّ أوّل ما يبعث على الاستغراب عند مطالعة التاريخ الإسلامي هو كيف آل الأمر لوصول معاوية بن أبي سفيان الطليق ابن الطليق إلى منصب الخلافة، وتولّى الأمر بالقوّة والقهر وقال في خطبته في جمع من الصحابة: «إنّي ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولكن لأتأمّر عليكم، وها أنا ذا أمير عليكم»(1).

فلم يحرّك أحدٌ منهم ساكناً ولم يعترض، ثمّ ولّى ولده يزيد على المسلمين فلم يتحرّك إلاّ القليل اليسير من المسلمين، وهذا ما يدهش الباحث، ثمّ وصل الأمر بالأمراء أن يتجاهروا بالفسق والفجور كشرب الخمر والزنا واللهو بالطرب والغناء


1) تاريخ دمشق ٥٩: ١٥٠.

والرقص وحدّث ولا حرج!

ولو يدقّق الباحث النظر لمعرفة أسباب هذا الانحطاط فإنّه يجد بأنّ أوّل سبب له هو فصل الأُمّة عن حديث نبيّها صلى الله عليه و آله و سلم وهو الأمر الذي وقع في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان حيث منعوا كتابة حديث النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بل وحتّى من التحدّث به.

وورد أنّ أبا بكر جمع الناس في خلافته وقال لهم: «إنّكم تحدّثون عن رسول اللّه‌ أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول اللّه‌ شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه‌ فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه»(1).

وعمر بن الخطاب أيضاً منع الناس من التحدّث بحديث الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، قال قرظة بن كعب: لمّا سيّرنا عمر بن الخطاب إلى العراق مشى معنا، وقال: أتدرون لما شيّعتكم؟

قالوا: تكرمة لنا.

قال: ومع ذلك إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جوّدوا القرآن، وأقلّوا الرواية عن رسول اللّه‌، وأنا شريككم.

يقول هذا الرواي: فلم أنقل حديثاً قط بعد كلام عمر، ولمّا قدم العراق هرع الناس إليه يسألونه عن الحديث، فقال لهم قرظة: نهانا عن ذلك عمر(2).

ويذكر الخطيب البغدادي والذهبي في تذكرة الحفّاظ: بأنّ عمر بن الخطاب حبس في المدينة ثلاثة من الصحابة، وهم أبو الدرداء، وابن مسعود، وأبو مسعود


1) تذكرة الحفاظ للذهبي ١: ٢ و٣.

2) سنن ابن ماجه ١: ١٢.

الأنصاري بذنب الإكثار من نقل الحديث(1)، كما أنّ عمر أمر الصحابة أن يحضروا ما في أيديهم من كتب الحديث فظنّوا أنّه يريد أن يقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها كلّها بالنار(2).

ثمّ جاء عثمان فواصل المشوار وأعلن للناس كافّة أنّه «لا يحلّ لأحد أن يروي حديثاً لم يسمع به على عهد أبي بكر ولا عهد عمر»(3).

ويقول الدكتور التيجاني السماوي وهو ممّن تأثّر «كوسرت» في استبصاره بكتبه:

«لابدّ أنّ هناك سرّاً لمنع الأحاديث التي قالها رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم والتي لا تتماشى مع ما جرت عليه المقادير في ذلك العصر، وإلاّ لماذا يبقى حديث الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ممنوعاً طوال هذه المدّة الطويلة، ولا يسمح بكتابته إلاّ في زمن عمر بن عبد العزيز؟

ولنا أن نستنتج طبقاً لما سبق من الأبحاث بخصوص النصوص الصريحة في الخلافة، والتي أعلنها رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم على رؤوس الأشهاد بأنّ أبا بكر وعمر منعا من الرواية والحديث عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم خوفاً أن تسري تلك النصوص في الأقطار أو حتّى في القرى ا لمجاورة، فتكشف للناس بأنّ خلافته وخلافة صاحبه ليست شرعيّة، وإنّما هي اغتصاب من صاحبها الشرعي على بن أبي طالب عليه‌السلام(4).

وعندما يتأمّل الباحث فيما صنعه هؤلاء الخلفاء، فإنّه يرى بأنّهم ارتكبوا في حقّ الإسلام جريمة لا تُغتفر، لأنّهم حرموا الأُمّة الإسلاميّة جيلاً بعد جيل من أحاديث الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وهدايته وإرشاداته وفصلوا بين الأُمّة وبين نبيّها صلى الله عليه و آله و سلم ،


1) تذكرة الحفاظ ١: ١٢.

2) فاسألوا أهل الذكر: ٤٩ نقلاً عن الطبقات الكبرى لابن سعد.

3) الطبقات الكبرى ٢: ٣٣٦.

4) فاسألوا أهل الذكر، للتيجاني السماوي: ٤٧ - ٥٠.

فكان هذا الأمر من أسباب وقوع المسلمين في أودية الضلال والتيه.

وما يمتاز به مذهب أهل البيت عليهم‌السلام أنّه مذهب لم يتأثّر بما فعله هؤلاء الخلفاء ؛

لأنّه أخذ أحاديث الرسول صلى الله عليه و آله و سلم من أهل البيت عليهم‌السلام الذين عرّفهم الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بأنّهم سفن النجاة وأنّ من يتمسّك بهم يُعصم من الضلال.

واعتماد الشيعة على أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام هو الذي عصمهم من الانحدار في أودية الضلال التي شقّها الخلفاء لأتباعهم.

ما بعد الاستبصار:

يقول «كوسرت»: استبصرت عام (١٩٩٢م) في أربيل على يد والدي، فواجهت غضباً من قِبل أقاربي وعشيرتي وبعض الأصدقاء، ولكنّني تعاملت مع القضيّة بهدوء ومن دون إثارة، وتعاملت معهم وكاّنه لم يحدث شيئاً بل حسّنت تعاملي معهم، ثمّ إنّ والدي الذي استبصر واستبصرت أسرتنا جميعاً على يده وقف بجنبنا ودعمنا، ووفّر، لنا الحماية الماديّة والمعنويّة.

ويقول «كوسرت»: تأثّرت في استبصاري بكتب إدريس الحسيني صاحب كتاب «لقد شيّعني الحسين عليه‌السلام» وكتاب «الخلافة المغتصبة» فعندما قرأت هذه الكتب تأثّرت بها وكان لها دور كبير في استبصاري.

{٣} ليلى عثمان عبد اللّه‌ (شافعيّة / العراق)

ولدت عام ١٣٩٤ه (١٩٧٥م) في خانقين بالعراق، فأملت عليها أسرتها توجّهاتها الدينيّة وفق المذهب الشافعي، فتقّبلت المفاهيم الدينيّة المحيطة بها لإرواء عطشها وفطرتها الدينيّة، ولكنّها بعد بلوغ مرحلة النضج بدأت تتحرّر من أسر التقليد الأعمى لتصل إلى شاطئ الاعتقاد عن دليل وبرهان، فتوجّهت نحو قراءة الكتب، قرّرت أن لا تفرّق بين الكتب الدينيّة في اختيارها ولكن جعلت عقلها معياراً لتمييز الحقّ عن الباطل، لأنّها هي المسؤولة الوحيدة عن نفسها أمام اللّه‌، وهي التي ستجيب عن نفسها أمام محكمة العدل الإلهي يوم القيامة.

الانفتاح على الكتاب الشيعي:

إنّ العقليّة المنفتحة التي كانت تتمتّع بها الأخت «ليلى» هي التي دفعتها إلى عدم الاقتصار في قراءتها على كتب مذهب أسلافها، بل بادرت إلى قراءة أيّ كتاب يقع في متناول يدها بل كانت تقصد قراءة كتب المخالفين لعقيدتها، لتوسّع بذلك آفاق رؤيتها ولترى مدى متانة معتقداتها في مجال الصمود أمام الأدلّة والبراهين التي تخالفها.

ومن هذا المنطلق بدأت بقراءة الكتب الشيعيّة، كما أنّها أيضاً لم تكن ممّن تحرّم

على نفسها الاستماع إلى محاضرات من ليس على مذهبها، فلهذا كانت تسمع المحاضرات الإسلاميّة لأتباع مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ولا تأبى الحضور في المجالس الشيعيّة أو مجالس أيّ مذهب آخر تغاير معتقداته معتقدات مذهبها.

العواطف المقدّسة:

إنّ المجالس والمآتم والمواكب الحسينيّة لفتت انتباه الأخت «ليلى»، فبدأت تفكّر فيها بعمق:

من هو الإمام الحسين عليه‌السلام؟

ما هي منزلته وعظمته عند اللّه‌ عزّ وجلّ؟

لماذا لقتل الحسين عليه‌السلام حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً؟

كيف استطاعت المجالس الحسينيّة أن تجذب قلوب الناس بمختلف الطبقات إليها؟

وأسئلة أخرى تدفع كلّ إنسان متعطّش لمعرفة الحقيقة نحو البحث من أجل الحصول على الأجوبة.

قال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ اللّه‌ من أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط»(1).

وقال صلى الله عليه و آله و سلم أيضاً: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»(2).

وقال صلى الله عليه و آله و سلم حول الإمامين الحسن والحسين عليهماالسلام: هما ريحانتاي من الدنيا»(3).

وكان الرسول صلى الله عليه و آله و سلم يضمّ الامامين الحسن والحسين عليهماالسلام ويقول: «اللّهم إنّي أحبّهما فأحبّهما»(4).

ومن هنا فالحزن الذي يحزن الشيعة على مأساة الإمام الحسين عليه‌السلام ليست اعتباطيّة، وإنّما هي على إنسان عظيم وله عند اللّه‌ منزلة رفيعة جدّاً.


1) مسند أحمد ٤: ١٧٢، سسن ابن ماجة ١: ٥١.

2) مسند أحمد ٣: ٣، سنن ابن ماجة ١: ٤٤، سنن الترمذي ٥: ٣٢١.

3) صحيح البخاري ٤: ٢١٧، كتاب الفضائل، سنن الترمذي ٥: ٣٢٢.

4) مسند أحمد ٥: ٣٦٩، مجمع الزوائد ٩: ١٧٩.

ولهذا فلا لوم لمن يعيشون محنة الإمام الحسين عليه‌السلام والذين ما زالوا يعيشونها حتّى اليوم أن نجد حرارة حبّهم لمأساة كربلاء تدفعهم إلى الجزع في تفاعلهم مع مصائبه الفادحة.

فهذا نبيّ اللّه‌ يعقوب حزن على يوسف حتّى قال تعالى في وصفه: وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ(1)، مع أنّ النبيّ يوسف لم يواجه أبداً جزءاً يسيراً ممّا واجهه الإمام الحسين عليه‌السلام في واقعة الطفّ.

وكذلك النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله و سلم بكى وحزن على عمّه حمزة، وكذلك بكى على جعفر وزيد في مؤتة، فالبكاء إضافة إلى كونه أمراً طبيعيّاً إزاء فقد ومصائب الأحبّة فإنّه مشروع من الناحية الدينيّة، إذن هو مستحبّ شرعاً وعقلاً ؛ لأنّه مصداق للتعبير عن الشعور بالمحبّة لمن اصطفاه اللّه‌ عزّ وجلّ للإمامة.

وقد ورد عن أنس بن مالك: أنّ ملك القطر استأذن أن يأتي النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، فأذن له، فقال صلى الله عليه و آله و سلم لأمّ سلمة: املكي علينا الباب، لا يدخل علينا أحد.

قال: وجاء الحسين بن علي ليدخل، فمنعته، فوثب فدخل، فجعل يقعد على ظهر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وعلى منكبه وعلى عاتقه.

قال: فقال الملك للنبي صلى الله عليه و آله و سلم : أتحبّه؟

قال: نعم.

قال: إنّ أمّتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يُقتل فهي، فضرب بيده، فجاء بطينة حمراء، فأخذتها أمّ سلمة فصرّتها في خمارها.

قال ثابت: بلغنا أنّها كربلاء»(2).


1) يوسف ١٢: ٨٤.

2) مجمع الزوائد ٩: ١٨٧.

وورد أيضاً عن نجم الحضرمي أنّه سار مع علي عليه‌السلام وكان صاحب مطهرته، فلمّا حاذى نينوى، وهو منطلق إلى صفّين، فنادى علي: اصبر أبا عبد اللّه‌، اصبر أبا عبد اللّه‌، بشطّ الفرات.

قلت: وما ذاك؟

قال: دخلت على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ذات يوم، وإذا عيناه تذرفان.

قلت: يا نبيّ اللّه‌، أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟

قال صلى الله عليه و آله و سلم : بل قام من عندي جبرئيل عليه‌السلام فحدّثني أنّ الحسين يُقتل بشطّ الفرات.

قال: فقال: هل لك أن أشمّك من تربته؟

قلت: نعم.

قال: فمدّ يده، فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عينيّ أن فاضتا»(1).

وورد أيضاً: قالت أمّ سلمة: دخل الحسين على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وأنا جالسة على الباب، فتطلّعت فرأيت في كفّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم شيئاً يقبّله... فقلت: يا رسول اللّه‌، تطلّعت فرأيتك تقبّل شيئاً في كفّك، والصبي نائم على بطنك، ودموعك تسيل؟

فقال: إنّ جبرئيل أتاني بالتربة التي يُقتل عليها، وأخبرني أنّ أمّتي يقتلونه»(2).

وورد أيضاً عن عائشة قالت: قال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : يا عائشة ألا أعجبك، لقد دخل عليّ ملك آنفاً ما دخل عليّ قط، فقال: إنّ ابني هذا مقتول، وقال: إن شئت أريتك تربة يُقتل فيها، فتناول الملك بيده فأراني تربة حمراء»(3).


1) مجمع الزوائد ٩: ١٨٧.

2) مصنف ابن أبي شيبة ٨: ٦٣٢.

3) المعجم الكبير للطبراني ٣: ١٠٨.

وورد أيضاً عن أمّ سلمة قالت: «كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم في بيتي، فنزل جبرئيل فقال: يا محمّد، إنّ أمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك، وأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم وضمّه إلى صدره، ثمّ قال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : يا أمّ سلمة، وديعة عندك هذه التربة، فشمّها رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم وقال:

ويح كرب وبلاء.

قال: وقال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : يا أمّ سلمة إذا تحوّلت هذه التربة دماً فاعلمي أنّ ابني هذا قد قُتل.

قال: فجعلتها أمّ سلمة في قارورة، ثمّ جعلت تنظر إليها كلّ يوم، وتقول: إنّ يوماً تحولين دماً ليوم عظيم»(1).

والأحاديث الشريفة الواردة في هذا المجال كثيرة، حتّى ولو لم تكن هذه الأحاديث، فكلّ عاقل يعلم أنّ البكاء أمر طبيعي ينبئ عن حزن الإنسان وهضمه إزاء مصيبة معيّنة، وإذا أحبّ الإنسان شخصاً، فإنّه لا شكّ سيتفاعل معه، ويحزن لحزنه، ويفرح لفرحه.

وقد قال ابن كثير في كتابه البداية والنهاية حول البكاء على الإمام الحسين عليه‌السلام: «فكلّ مسلم ينبغي له أن يحزنه قتله رضى اللّه‌ عنه، فإنّه من سادات المسلمين وعلماء الصحابة وابن بنت رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم التي هي أفضل بناته، وقد كان عابداً وشجاعاً وسخيّاً».

فهذه عقيدة عالم من علماء أهل السنّة حول شخصيّة الإمام الحسين عليه‌السلاموهو يبيّن بإنّ البكاء على استشهاده أمر مطلوب، فكيف إذا عرف الإنسان الحقيقة وانكشف له الواقع، وتبيّن له الحقّ، وهو أنّ الإمام الحسين عليه‌السلام أرفع الشهداء درجة عند اللّه‌، ودق اقشعرّت أظلّة العرش لسفك دمه، وأنّه باب نجاة الأُمّة، وقد بكت


1) مجمع الزوائد ٩: ١٨٩.

على استشهاده السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهنّ وما بينهن.

الالتحاق بسفينة النجاة:

استطاعت ليلى بعد البحث والتنقيب أن تغيّر انتماءها المذهبي، وفي عام ١٣٧٧ه (١٩٩٧م) حسمت قرارها، وأعلنت استبصارها، ثمّ واصلت بحثها ووسّعت نطاق نشاطها الديني من أجل نشر علوم ومعارف أهل البيت عليهم‌السلام، وإنقاذ العباد من التيه والضلال، وتشجيعهم لاتّباع أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام مصابيح الهدى وسفن النجاة.

{٤} ماجد الزهروني (صابئي / العراق)

ولد سنة ١٣٨٠ه (١٩٦١م) في «البصرة» جنوب العراق، ونشأ في أُسرة صابئية. واصل الدراسة إلى المرحلة المتوسطة، اعتنق مذهب آل البيت عليهم‌السلام سنة ١٤٠٨ه (١٩٨٨م) في معسكر «برندك» بطهران.

الموقف الحرج في معسكر برندك:

يقول «ماجد»: «وقعت في الأسر في «إيران» أيّام الحرب العراقية الإيرانية وقد جيء بي إلى معسكر «برندك» قرب العاصمة طهران، مع مجموعة كبيرة من الأسرى العراقيين الذين كان أكثرهم من المسلمين بطبيعة الحال.

وكانت هذه المرّة الأولى التي أخرج فيها من محيطي الصابئي في جنوب العراق، وقد عانيت من حرج شديد من معاشرة المسلمين ؛ لأنّهم عندما كانوا يسألوني عن ديني وعقائدي كنت لا استطيع الجواب بشيء، لأنّي في الواقع لا أعرف شيئاً كثيراً عن عقائدنا، وعن طقوسنا الدينيّة.

وقد دفعني هذا الوضع الحرج إلى البحث عن العقائد الصحيحة التي يحتاجها الإنسان بفطرته، وقد هيأت لي أجواء المعسكر الوقت الكافي للقراءة والبحث والمناقشة، فطالعت العديد من الكتب الإسلاميّة، وتأمّلت فيها، وناقشت أفكارها مع زملائي في المعسكر، فحصلت لي القناعة التامّة بصحة العقائد الإسلاميّة التي أتى

بها الرسول محمّد صلى الله عليه و آله و سلم ، ثُمّ اخترت ولاء الإمام علي وأولاده المعصومين عليهم‌السلام».

من طقوس الصابئة «القوم المنسيين»:

يعيش الصابئة اليوم في جنوب «العراق»، وجنوب «إيران»، قرب أنهار دجلة والفرات والكرخة الكارون والدز ؛ وذلك لأنّ معظّم طقوسهم تجري في الماء الجاري، ومن أهمّ هذه الطقوس هي التعميد بالماء مع ذكر الأوراد والأدعية التي وردت في الكتب المقدّسة.

ويدّعي الصابئة أنّهم يقومون بهذه الطقوس التي جاء بها النبيّ يحيى عليه‌السلامالذي اشتهر بـ«يوحنا المعمّدان»، ولا يكون التعميد لمرّة واحدة كما هو عند المسيحيين، بل يتكرّر لعدّة مرات، ويقوم به روحانيّو هذا الدين كالكنزورا والترميده.

يقول أحد روحانيّي الدين الصابئي: «يعدّ التعميد ركناً من أهمّ أركان الديانة الصابئية المندائيّة(1)، ويتّم في الماء الجاري . . . كان سيّدنا يحيى يعمّد أتباعه على أحد ضفاف نهر الأردن، وسيّدنا عيسى

يعمّد أتباعه على الضفة الأُخرى . . . إنّ أهمّ عمل ديني قام به سيّدنا يحيى هو إحياء سنّة التعميد، حيث كان يعمّد الناس بالماء الجاري لكي يعلنوا التوبة، ولا يذهبوا وراء الذنوب، لذلك فقد لُقّب

سيّدنا يحيى بلقب «يوحنا المعمّدان»، وقد ورد في كتاب «تعاليم يحيى» أنّ السيّد المسيح طلب من يحيى أن يعمّده «يا يحيى عمّدني واطلق الاسم الذي تذكره عليّ بالتعميد» ومن هنا اشتهر سيّدنا يحيى بين مختلف شعوب العالم بـ«يحيى المعمّدان» أي المعمّد»(2).


1) يطلق الصابئة على أنفسهم اسم: المندائيّون أي أصحاب المعرفة، انظر الصابئة المندائيّون: ٥٠.

2) الصابئة المندائيّون: ٢٤ ـ ٢٥، عن سالم الجحيلي.

إنّ هذه الطقوس لا يعرف تفاصيلها ولا فلسفتها إلاّ رجال السلك الروحانيّ عادة الذين يكتمونها عن الآخرين، مما أدّى أن يعيش معظّم أبناء الطائفة الصابئيّة جاهلون بطقوسهم الدينيّة، ففي حالة «ماجد» الذي ينتمي إلى أُسرة روحانيّة معروفة عند الصابئة، إلاّ أنّه لا يعرف شيئاً عن دينه، لعدم كونه من الروحانيّين.

إنّ الصابئة قوم منسيّون يعيشون في مناطق مخصوصة، ويلفّ أصولهم وعقائدهم الغموض، ممّا فتح الباب على مصراعيه لاختلاف الآخرين بشأنهم فبعضهم يراهم من عبدة النجوم، والآخرون من عبدة الأصنام، وبعضهم يراهم قوماً موحدين يعدّون من أهل الكتاب، كما هو ظاهر القرآن الكريم(1).

لقد هاجر الصابئة إلى جنوب العراق وإيران من فلسطين حيث كان النبيّ يحيى الذي يعتبرونه آخر أنبيائهم، نتيجة الضغوط التي واجهوها من الأقوام المجاورة، وأتباع الديانات الأُخرى، وخاصة اليهود.

ويعاملهم المسلمون معاملة أهل الكتاب، وقد عاشوا معاً لقرون طويلة بدون احتكاك، وخاصّة أنّهم يعيشون في مناطق يسكنها الشيعة الذين هم قوم مسالمون، لا يعتدون على الآخرين من أجل العقيدة، بل يتعاطفون مع كلّ الضعفاء والغرباء والمظلومين، ويحسّون بمعاناتهم، لأنّ التاريخ سجّل طول القرون الظلم الذي وقع على الشيعة بسبب عقيدتهم.


1) ورد ذكر الصابئة ثلاث مرّات في القرآن الكريم، البقرة ٢ : ٦٢، المائدة ٥ : ٦٩، الحجّ (٢٢): ١٦.

{٥} ماجد محمّد أحمد رشيد (حنفي / العراق)

الصورة

H02

ولد «ماجد» في مدينة كركوك في العراق عام ١٣٩٠ه (١٩٧١م)، نشأ في أسرة كرديّة تنتمي إلى المذهب الحنفي، وقد واصل دراسته حتّى نال شهادة الثانويّة.

وتشرّف بالانتماء إلى مذهب أهل البيت عليهم‌السلام عام ١٤١٦ه (١٩٩٦م) في مدينة أربيل العراقيّة.

البداية:

يحتوي شمال العراق المعروف بـ(كردستان العراق) على تنوّعات عرقيّة ودينيّة كثيرة فهو يضمّ القوميّة الكرديّة والعربيّة والتركمانيّة، كما يضمّ الدين الإسلامي والمسيحي والإيزدي إضافة إلى ذلك توجد هناك تيّارات وخطوط سياسيّة مختلفة ومتضادّة أحياناً فكلّ هذا التنوّع في هذه المنطقة التي تحتوي على

موارد طبيعيّة كبيرة وخاصّة النفط، أدّى إلى أن تتحوّل منطقة كردستان العراق إلى منطقة قلقة ومضطربة، خاصّة في الثمانينات والتسعينات في القرن الماضي، فقد شهدت حروباً ضارية ومعارك عنيفة، سواء مع الدولة المركزيّة في بغداد، أم فيما بين الأحزاب الكرديّة المتنازعة فيما بينها.

إنّ كلّ هذا جعل أبناء كردستان يضطرّون إلى الانتماء لمختلف الأحزاب

السياسيّة فكان «ماجد» عضواً في أحد الأحزاب، وكانت من ضمن مهامّه حراسة المقرّات الحزبيّة، وفي أثناء القيام بواجبة تعرّف على أحد الأشخاص، يقول «ماجد» بهذا الصدد: (لَفَت نظري تديّن أحد الأشخاص وورعه ووقاره في المنطقة، فقد كان كثير الصلاة ومواظباً على صلاة اللّيل، وعرفت من طريقة صلاته وسجوده على التربة أنّه من الشيعة، كما كان ملتزماً التزاماً دقيقاً بمسائل الحلال والحرام). إنّ هذه الصورة الطيّبة التي عكسها هذا الشخص جعلته محلّ تقدير المحيطين به، رغم الاختلافات في القوميّة والمذهبية والتقاليد والثقافة، فقد صار بعلمه وسلوكه مؤثرّاً على كلّ من يحيط به.

نقطة التحوّل:

لقد كان هذا الشيعي محطّ أنظار الجميع، وكان العديد من الاخوة يوجّهون إليه مختلف الأسئلة. يقول الأخ «ماجد»: (سألتُه ذات يوم: لماذا تصلّي على هذه الحجارة «التربة» )؟

فأجابني بهدوء واتزّان: وذلك لأن الصلاة لا تجوز إلاّ على الأرض أو ما لا يؤكل ولا يُلبس من نباتها. ثمّ دخلنا في نقاشات عديدة...

السجود على التربة:

إنّ مسألة السجود على التربة ليست إلاّ ضجّة مفتعلة يحاول البعض إثارتها، والإيحاء بأنّ الشيعة يسجدون للتربة ويعبدونها. وهذا محضّ أفتراء، فإنّ من يراجع كتب الشيعة والأفكار المطروحة فيها المأخوذة من فكر أهل البيت عليهم‌السلاميجد التوحيد الخالص الذي لا تشوبه شائبة.

فحقيقة الأمر في هذه المسألة هي أنّ الشيعة يسجدون على التربة لا لها، وهناك بون شاسع بين الحالتين، كما أنّ أهل السنّة يسجدون على السجاد مثلاً لاله أضف إلى ذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم صرّح في مقولته المشهورة: (جُعلت لي الأرض

مسجداً وطهوراً)(1)بجواز السجود على الأرض، وأبرز مصداق للأرض هو التراب الذي يحوّله الشيعة إلى طين بأضافة شيء من الماء إليه، ثمّ يضعونه في قوالب خاصة ويتركونه حتّى يجف، ثمّ يسجدون عليه أثناء صلاتهم لربّ السموات والأرض.

فالأمر وبكلّ بساطة ليس إلاّ محاولة ذكيّة للجمع بين الحكم الشرعي المسلّم (السجود على التراب) وبين مقتضيات العصر التي تدعو إلى رعاية النظافة في جميع الأوقات، فإن السجود على التراب االعادي يؤدي إلى تتريب جبهة المصلّي وأنفه وانتشار الأتربة في المساجد والبيوت، وعلى أيّ حال فقد تعرّف «ماجد» على رجل شيعي لم يذكر لنا أسمه، ولكن يبدو أنّه كان من الرجال المؤمنين الذين كثر وجودهم في العراق أيّام النظام الدكتاتوري البائد، وقام النظام بقمعهم ومطاردتهم وقتلهم، فقد برزت في ذلك الوقت ثلّة من الشباب المتحمّس المؤمن الذين لا تأخذهم في اللّه‌ لومة لائم، وقد كانوا ملتزمين بأحكام الإسلام من ا لحرام والحلال، وكان الكثير منهم من أهل التهجّد وقيام اللّيل وليس هذا الأمر جديداً في المجتمع الشيعي، فقد واظب الكثير من المؤمنين وخاصّة علماء الشيعة خلال التاريخ على صلاة اللّيل وعدم تركها في أيّ حال من الأحوال، حتّى نرى منهم من واظبَ عليها ستين أو سبعين عاماً من دون انقطاع، حتّى في أيام المرض.

فضيلة صلاة اللّيل:

لقد اهتمت الرّوايات بصورة كبيرة جداً بصلاة اللّيل، فقد أورد الشيخ الحرّ العاملي في كتابه (وسائل الشيعة) عشرات الروايات الحاثّة على صلاة اللّيل وذكر فضلها وكراهيّة تركها(2)، فقد جاء في الحديث عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم عن جبرئيل:

(شرف المؤمن قيامه باللّيل)(3). وهذا يدلّ على مكانة هذه الصلاة الرفيعة وأهميّتها


1) صحيح البخاري ١: ٨٦ .

2) وسائل الشيعة ٨: ١٤٥ - ١٦٤.

3) المصدر نفسه ٨: ١٥٢ - ١٥٣.

ورد عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال: «قيام اللّيل مصحة البدن، ورضا الربّ، وتمسُّكٌ بأخلاق النبيّين، وتعرّض لرحمته»(1). كما جاء عن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام أنّه قال:

«صلاة اللّيل تبيّض الوجه، وصلاة اللّيل تطيّب الريح، وصلاة اللّيل تجلب الرزق»(2).

إذن لهذه الصلاة فوائد عديدة، وهي لا تقتصر على الجانب المعنوي والأُخروي فقط، بل تشمل الجانب المادّيّ للإنسان أيضاً، فهي تؤدّي إلى صحّة البدن، وجلب الرزق، فالرواية مطلقة ولم تخصّص الرزق بالمعنوي فيكون شاملاً للرزق المادّي من أموال أو أولاد أو جاه أو غير ذلك، وبالطبع فإنّ إعطاء كلّ ذلك يُشترط بشروط أخرى كالمصلحة، أي إنّ مجرّد المواضبة على صلاة اللّيل لا تحوّل الإنسان إلى أحد الأثرياء، بل هذه الصلاة تُعدّ عاملاً مساعداً لإعطاء الرزق وليست سبباً مستقلاً وتامّاً لذلك ؛ ولذلك قد يوجد مانع من وصول الرزق فلا يصل حتّى مع المواظبة على قيام اللّيل.

عودٌ على بدء:

استمرّت النقاشات بين «ماجد» والأخ الشيعي المؤمن مدّة تسعة أشهر، اطّلع خلالها «ماجد» على مجموعة كبيرة من الكتب والأشرطة الدينيّة، فتعرّف من خلال ذلك على ظُلامات أهل البيت عليهم‌السلام وعلى أحقيّة مذهبهم، ما أدّى في نهاية المطاف إلى اقتناعه بهذا المذهب، حيث أعلن تشيّعه مع سائر أفراد أسرته.


1) المصدر نفسه ٨: ١٥٠.

2) المصدر نفسه ٨: ١٤٩.

{٦} مازن محمّد أحمد رشيد (حنفي / العراق)

الصورة

H03

ولد عام ١٣٥٨ه (١٩٧٧م) في مدينة كركوك، فرضت عليه الأجواء التربويّة التي عاشها الانتماء إلى المذهب الحنفي.

حقائق في غياهب الكتمان، يحاول البعض الوصول إليها، وشكوك تدفعهم إلى الركون نحو معطيات تلقّاها سلف عن سلف، فهل يا ترى هو تارك لتعاليم عاش على ضوء معطياتها شطراً من الزمن؟

سؤال حاول البعض الإجابة عنه، وذلك من خلال البحث والتحقيق حول الحقيقة.

«مازن محمّد رشيد» هو أحد الأشخاص الذين حاولوا الوصول إلى شاطئ الحقيقة، وذلك من خلال البحث والتحقيق الحثيث في التراث الإسلامي الذي حمل في أحضانه الكثير من الحقائق.

يقول «مازن»: كان دأبي البحث والتحقيق حول الأمور التي تقرّبني إلى اللّه‌ أكثر فأكثر.

فمضت الأيّام وأنا أبحث عن ضالّتي المفقودة عسى أن أجدها.

وذات يوم تعرّفت على شخص شيعي، وذلك من خلال تواجده في المكتبة

التي كنت كثيراً ما أذهب إليها.

وفي يوم لفت انتباهي أنّه يقرأ الكتاب ويكرّر كلمة «لا اللّه‌ إلاّ اللّه‌»، كأنّما كان يقرأ موضوعاً يزعجه كثيراً، اقتربت منه وسألته عن الأمر الذي أزعجه فقال:

أتعجّب من ذوي الأقلام الرخيصة التي تكتب ما تشاء من دون دليل.

فقلت له: ماذا تقصد من كلامك هذا؟

فقال: إنّ صاحب هذا الكتاب يتّهم الشيعة بأنّهم يعبدون الإمام عليّاً عليه‌السلام، ويرون أنّ جبرئيل خان الأمانة الإلهيّة فأنزلها على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وأنّهم يعبدون الأحجار و...فقلت له: هكذا نعرفهم، أليست هذه عقائدهم؟!

فقال لي: إنّ الشيعة يتبرّؤن ممّن يحمل مثل هذه العقائد، وليس من الصحيح أن ترمي الفرق والمذاهب الإسلاميّة بهذه التهم، والشيعة ترى أنّ الإمام عليّاً عليه‌السلامهو الخليفة بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم ، مستندون إلى الأحاديث الكثيرة الواردة في كتب الفريقين، ويرون أنّ أهل البيت هم المرجع السياسي والديني بعد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وهم الوسيلة التي يُتقرّب بها إلى اللّه‌.

فقلت له: هل يمكن لك الاستدلال على كلامك هذا من كتبنا المعتمدة؟

فقال لي: نعم يا أخي، وأخذ يبرهن على كلامه مستنداً إلى المصادر التي نعتمد عليها، ممّا جعلني لا أملك الجواب أمامه.

تمكّنت أن أتخلّص منه وأوجل الحوار إلى وقت آخر، وعلائم الحيرة واضحة في وجهي، وكأنّي سجين وجّهت إليه العديد من التهم لا يمكنه إنكار أحدها.

عزمت بعدها إلى مواصلة البحث والتحقيق حول هذا الموضوع تاركاً خلفي عواطف وأحاسيس كلّ من يحاول التغلّب عليّ من خلال إقناعي بعدم الحاجة إلى البحث والتحقيق، ويحاول إقناعي بالركون إلى حالة التقوقع والتقليد الأعمى للآباء

والأسلاف.

تمكّنت من تخطّي هذه العقبة وبدأت بالبحث والتحقيق حول الأدلّة التي استدلّ الشيعي عليها لإثبات خلافة أهل البيت عليهم‌السلام وأنّهم الوسيلة التي يُتقرّب بها إلى اللّه‌، وسرعان ما ظهرت لي نتائج تبرهن على صحّة كلامه ممّا جعلني في موقف حرج أمام تراث تلقّيته من آبائي وعشت مدّة ليست بقليل من عمري على ضوء تعاليمه.

ولم تحسم الأحاسيس هذا الموقف فقد عزمت على ترك ما يفتقر إلى الدليل والبراهين وأحاول أن أشيّد معتقداتي على أسس لا تشوبها شائبة.

النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم والخلافة:

عجّت رؤوس الأقلام بالكتابة حول قضيّة الخلافة التي أصبحت العقبة الكبرى منذ رحيل النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم ، فقد عكّرت الأجواء على المسلمين نتيجة للسياسة التي اتّخذها المنافقون اتجاه أهل البيت عليهم‌السلام، فقد عمدوا إلى تحطيم المقام والمنزلة الرفيعة لأهل البيت عليهم‌السلام، ومن ثمّ إنكار الفضائل التي نزلت في حقّهم وإبعاد الناس منهم وذلك لتمشية أمورهم الدنيويّة.

التاريخ والخلافة:

يمكن من خلال التتبّع في التاريخ الوصول إلى نتائج تساهم في عمليّة البحث حول الحقيقة، فقد غزى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم العديد من الغزوات ولم يترك الأُمّة من دون خليفة له عندما كان يغادر المدينة، فما هو الأمر الذي ضعضع الموازين في الخلافة بعد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ؟

هل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ترك الأُمّة من دون خليفة؟

هل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم عيّن خليفة للأمّة بعده؟

سؤال نترك المجال للمسلمين أن يجيبوا عنه.

آية الولاية:

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1). تعتبر هذه الآية من الآيات الدالّة على خلافة الإمام علي عليه‌السلام، وذلك باعتراف المفسّرين بنزولها في حقّ الإمام علي عليه‌السلام، فقد ذكر الآلوسي في تفسيره «والآية عند معظم المحدثين نزلت في علي كرّم اللّه‌ تعالى وجهه...»(2).

وقال الثعلبي في تفسير «الكشف والبيان»: «قال ابن عبّاس، وقال السدي، وعتبة بن حكيم، وثابت بن عبد اللّه‌: إنّما يعني بقوله وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ الآية. علي بن أبي طالب رضي اللّه‌ عنه مرّ به سائل وهو راكع في المسجد وأعطاه خاتمه»(3).

وقال ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير في القول الأوّل: «أنّ عبد اللّه‌ بن سلام وأصحابه جاؤوا إلى رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم وقالوا: إنّ قوماً قد أظهروا لنا العداوة، ولا نستطيع أن نجالس أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقالوا: رضينا باللّه‌ وبرسوله وبالمؤمنين، وأذّن بلال بالصلاة، فخرج رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم فإذا مسكين يسأل الناس، فقال رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم:

«هل أعطاك أحد شيئاً»؟ قال: نعم. قال: «ماذا»؟ قال: خاتم فضّة. قال: «من أعطاكه»؟ قال: ذاك القائم، فإذا هو علي بن أبي طالب، أعطانيه وهو راكع، فقرأ رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عبّاس، وبه قال مقاتل. وقال مجاهد: نزلت في علي بن أبي طالب، تصدّق وهو راكع»(4).


1) المائدة ٥: ٥٥ .

2) تفسير الآلوسي ٦: ١٨٦.

3) تفسير الثعلبي ٤: ٨٠ .

4) زاد المسير ٢: ٢٩٢.

إلى ما هناك من الروايات المتضافرة في هذا المجال، فقد أخرج الحاكم بسنده إلى علي بن أبي طالب عليه‌السلام قال: «نزلت هذه الآية على رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1)، فخرج رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم ودخل المسجد والناس يصلّون بين راكع وقائم، فصلّى فإذا سائل، قال: يا سائل أعطاك أحد شيئاً؟

فقال: لا، إلاّ هذا الراكع - لعلي - أعطاني خاتماً»(2).

وكذا ذكر السيوطي في الدرّ المنثور عن الخطيب في ا لمتّفق قال: «وأخرج الخطيب في المتّفق عن ابن عبّاس قال تصدّق علي بخاتمه وهو راكع، فقال النبيّ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم للسائل: من أعطاك هذا الخاتم؟

قال: ذاك الراكع. فأنزل اللّه‌ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وأخرج عبد الرزاق وعبد الحميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عبّاس في قوله: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ...» الآية. قال: نزلت في علي بن أبي طالب.وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن عمّار بن ياسر قال: وقف بعلي سائل وهو راكع في صلاة تطوع فنزع خاتمه وأعطاه السائل، فأتى رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم فاعلمه ذلك، فنزلت على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم هذه الآية: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ...». فقرأها رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم على أصحابه ثمّ قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه.وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن علي بن أبيطالب قال نزلت هذه الآية على رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم في بيته: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ


1) المائدة ٥: ٥٥.

2) معرفة علوم الحديث: ١٠٢.

إلى آخر الآية، فخرج رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم فدخل المسجد، وجاء الناس يصلّون بين راكع وساجد وقائم يصلّي، فإذا سائل، فقال: يا سائل هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: لا، ذاك الراكع - لعلي بن أبي طالب - أعطاني خاتمه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن سلمة بن كهيل قال:

تصدّق علي بخاتمه وهو راكع فنزلت إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُالآية. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ الآية نزلت في علي ابن أبيطالب تصدّق وهو راكع.

وأخرج ابن جرير عن السدي وعتبة بن حكيم مثله. وأخرج ابن مرودويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: أتى عبد اللّه‌ بن سلام ورهط معه من أهل الكتاب نبيّ اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم عند الظهر فقالوا: يا رسول اللّه‌ إنّ بيوتنا قاصية، لا نجد من يجالسنا ويخالطنا دون هذا المسجد، وإنّ قومنا لمّا رأونا قد صدّقنا اللّه‌ ورسوله وتركنا دينهم أظهروا العداوة، وأقسموا أن لا يخالطونا ولا

يؤاكلونا، فشقّ ذلك علينا، فبيناهم يشكون ذلك إلى رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم إذ نزلت هذه الآية على رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ.

ونودي بالصلاة صلاة الظهر وخرج رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم فقال:

أعطاك أحد شيئاً؟

قال: نعم.

قال: من؟

قال: ذاك الرجل القائم.

قال: على أيّ حال أعطاكه؟

قال: وهو راكع.

قال: وذاك علي بن أبيطالب فكبّر رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عيه وسلّم عند ذلك وهو يقول: ومن يتولّ اللّه‌ ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب اللّه‌ هم الغالبون(1).

الوصول إلى الحقيقة:

يقول «مازن»: بعد معرفة هذه الحقائق عزمت على ترك الموروث العقائدي الذي تقبّلته من أسلافي دون وعي وتفكّر، ولم يكن هذا ذنبي حيث ترعرعت في أجواء فرضت عليّ تقديس تعاليم سرعان ما بدا لي زيفها وبطلانها.

عزمت بعد ذلك على تشييد معتقداتي من جديد، وبنائها على أُسس تستمدّ قوتّها من الأدلّة العقليّة، ولا تؤثّر فيها العواطف والأحاسيس، فالتحقت بسفينة النجاة سفينة أهل بيت المصطفى عليهم‌السلام.


1) الدر المنثور ٢: ٢٩٤.

{٧} مجيد قادر طه (شافعي / العراق)

ولد في أربيل شمال العراق، ونشأ في أجواء فرضت عليه الانتماء إلى المذهب الشافعي.

إنّ تعاليم وتقاليد كلّ فرد لها تأثير في تأصيل ما تلقّاه الإنسان من أسلافه، تتأرجح النتائج بين تضييع الجانب العقلي وحصر آفاق رؤيته في زاوية ضيّقة تؤدّي به في نهاية المطاف إلى الحرمان من الجوانب الأخرى للحقيقة، وبين هيمنة حالة من الركود والانغلاق عن الجانب العقلي، فيصبح الإنسان نتيجة لهذه العمليّة ضحيّة للعواطف والتحيّز والتعصّب الأعمى لدين آبائه.

حفّزت هذه الأمور «مجيداً» على البحث والتحقيق في منعطفات التاريخ، وذلك لتوسيع آفاق رؤيته في مجال العقيدة.

وبعد مدّة من تحمّل عناء البحث والتحقيق التي كان ثمارها ترك ما تلقّاه من تعاليم اُمليت عليه من قبل آبائه وأسلافه، وكان للبيئة التي عاشها التأثير البالغ في تمهيد الأرضيّة لتقبّل هذه التعاليم.

فعزم على تتبّع ما تملي عليه الأدلّة والبراهين العقليّة لتكن اُسسه العقائديّة مبتنية على عقليّة لا تؤثّر فيها العواطف والأحاسيس.

التعقّل هو الحلّ:

يسعى الإنسان في مختلف مراحل النمو إلى ارتقاء مستواه الفكري والثقافي، فيواجه العديد من العقبات في طريقه إلى تحقّق أهدافه وميوله وفق الأسس والمباني الفكريّة السليمة.

ولا يتمّ هذا الوعي إلاّ ببذل الجهود الحثيثة، لتكون النتائج واضحة لا غبار عليها.

«مجيد» هو ممّن رفض هيمنة التقاليد على حياته الدينيّة والعقائديّة، ممّا جعله يعيد النظر في أسسه العقائديّة والفكريّة، مستعيناً بالأدلّة والبراهين التي تأخذ بيد الإنسان إلى الطريق الصواب.

طريق الهداية:

يقول «مجيد»: واجهت العديد من الشكوك اتّجاه ما تلقّيته من تعاليم ورثتها سلفاً عن سلف، ولكن لم أجد ما يشفي تعطّشي لمعرفة الحقيقة، فعزمت على البحث والتحقيق لمعرفة الحقيقة.

وبعد البحث والتحقيق في منعطفات التاريخ الإسلامي الذي ضمّ بين دفّتيه العديد من الحقائق، وجدت ضآلتي المنشودة.

الخليفة بعد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم :

أخذت مسألة الخلافة حيّزاً واسعاً في تاريخ الأُمّة الإسلاميّة، ومهدّت الأرضيّة لزرع بذور الخلاف في صفوف المسلمين حتّى يومنا هذا، ممّا يجعل المسألة ذات أهمّية بالغة لدى المسلمين، فكلّ يرى أنّه على الحقّ.

فيا ترى هل الحقّ هو ما نشأ عليه المسلم في البيئة التي عاشها؟

أو أنّ الحقّ هو ما تلقّاه عبر تراث شبّ عليه آباؤه وأسلافه وعملوا على ضوء تعاليمه؟

أو أنّ الحقّ ما استند إلى دليل قاطع، وبرهان ساطع، لا تشوبه شائبة، ولا يركع إلى شبهات تحاول جعله هدفاً لمرماها؟

سؤال حاول «مجيد» الإجابة عليه من خلال تتبّعه في جذور الاختلاف بين المسلمين، أسفر عن تركه تراثاً هشّاً لا يعوّل على برهان، وتعاليم عقيمة أثبت له البحث عن مدى بطلانها وزيفها.

الخلافة بعد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم :

دعوة استمّرت خمسة وعشرون عاماً حاول فيها الرسول الأكرم تثبيت رسالته السماويّة، وتحمّل العديد من الضغوط ا لخارجيّة والداخليّة التي كانت تحاول بشتّى الطرق عرقلة هذه العملية.

وكان النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يعلم بهذا الأمر عبر الوحي الإلهي، وقد أفشل العديد من المؤامرات التي رسمتها الأيادي الخبيثة، فيا ترى هل كان النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يترك الأُمّة الإسلاميّة بعد رحيله من دون خليفة له؟!

يكمن الجواب في تقصّي المواقف التي بيّن فيها النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم الخليفة بعده، وإليك بعضها:

حديث الثقلين:

هذا الحديث هو من الأحاديث التي تناولتها كتب الفريقين، ووصلت إلى حدّ التواتر ممّا يغنينا عن البحث في سندها، وسنذكر صيغ الحديث المختلفة:

أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم قال: «قام رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم يوماً فينا خطيباً بماء يُدعى خمّاً بين مكّة والمدينة، فحمد اللّه‌ وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثمّ قال: أمّا بعد ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فُاجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب اللّه‌ فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللّه‌ واستمسكوا به، فحثّ على كتاب اللّه‌ ورغّب فيه، ثمّ قال وأهل

بيتي، أذكّركم اللّه‌ في أهل بيتي، أذكّركم اللّه‌ في أهل بيتي، أذكّركم اللّه‌ في أهل بيتي...»(1).

وأخرج الترمذي بسنده أيضاً عن زيد بن أرقم قال: «قال رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم: إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه‌ حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(2).

وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير بسنده عن زيد بن أرقم أيضاً(3).

وأخرج النسائي في السنن الكبرى بسنده إلى زيد بن أرقم قال: «لمّا رجع رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم من حجّة الوداع ونزل غدير خُمّ أمر بدوحات فقممن، ثمّ قال: كأنّي قد دُعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه‌، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض، ثمّ قال: إنّ اللّه‌ مولاي وأنا ولي كلّ مؤمن، ثمّ أخذ بيد علي فقال: من كنت وليّه فهذا وليّه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه.

فقلت لزيد: سمعته من رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم؟

قال: ما كان في الدوحات رجل إلاّ رآه بعينه وسمع بأذنه»(4).

تواتر حديث الثقلين:

يتبيّن من خلال ما ذكره المؤرّخون إنّ حديث الثقلين قد بلغ حدّ التواتر، على ما صرّح به الشيخ أبو المنذر سامي بن أنور المصري الشافعي حيث قال: «فحديث العترة بعد ثبوته من أكثر من ثلاثين طريقاً وعن سبعة من صحابة سيّدنا رسول اللّه‌


1) صحيح مسلم ٧: ١٢٢.

2) سنن الترمذي ٥: ٣٢٩.

3) المعجم الكبير ٥: ١٦٦.

4) السنن الكبرى للنسائي ٥: ٤٥.

صلّى اللّه‌ عليه وآله ورضي عنهم، وصحّته التي لا مجال للشكّ فيها يمكننا أن نقول:

إنّه بلغ حدّ التواتر...»(1).

وذكر ابن حجر الهيتمي حديث التمسّك وقال في ذيله: «ثمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابيّاً، ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشُبه، وفي بعض تلك الطرق أنّه قال ذلك بحجّة الوداع بعرفة، وفي أُخرى أنّه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أُخرى أنّه قال ذلك بغدير خمّ وفي أُخرى أنّه قاله لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف كما مرّ ولا تنافي ؛ إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة»(2).

مواجهة الحقائق:

أمضيتُ مدّة من زمن أعيش حالة من الصراع النفسي، توحي إليّ الأدلّة والبراهين ببطلان معتقدي الموروث، فأبادر إلى ترك معتقدي السابق، ولكن تمنعني العاطفة، فأحنُّ على تراث عشتُ على ضوء تعاليمه شطراً من الزمن، وكانت الشكوك هي العقبة الكبرى للتحرر من الماضي، فكان شباك الشكوك هو الآخر من نوعه في توقّفي عن اتّباع ما تملي علي الأدلّة والبراهين، وكان السؤال المهم في خضمّ

هذه التساؤلات هو: هل تذعن ببطلان ما كان عليه السلف الصالح؟

التحرّر من العصبيّة طريق النجاة:

أمضيتُ مدّة من الزمن على هذا الحال، انجذب تارة نحو تعاليم العقل، تاركاً خلفي تعاليم الأسلاف التي تبيّن لي مدى بطلانها وزيفها، وأخرى تتغلّب عليّ العاطفة فأحنّ على ما ورثته وناضلت من أجله وبذلت الكثير من الجهود في سبيله.


1) أئمّة أهل البيت في كتب أهل السنّة للشيخ حكمت الرحمة: ٦٦، نقلاً عن الزهرة العطرة في حديث العترة: ٦٩.

2) الصواعق المحرقة ٢: ٤٤٠.

وفي خضمّ هذا الصراع كان العقل هو المنتصر فيه، ولم أستسلم للعقل إلاّ بعد

التحرّر من التعصّب والتقليد الأعمى للآباء والأسلاف، كيف والقرآن الكريم يذمّ

الذين يتّبعون الآباء والأسلاف من دون دليل قائلاً:

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ(1). وقال سبحانه أيضاً: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ(2).

ومن هذا المنطلق قمت بغربلة موروثاتي العقائديّة، وتركت ما كان عليه آبائي حيث تبيّن لي فساد ما كانوا عليه، واتّبعت ما تملي عليّ الأدلّة والبراهين التي لا تشوبها شائبة، فتمسّكت بتعاليم أهل البيت عليهم‌السلام، متّبعاً ما أوصى به النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وملتحقاً بسفينة النجاة وهم أهل البيت عليهم‌السلام.


1) البقرة ٢: ١٧٠.

2) لقمان ٣١: ٢١.

{٨} محمّد إبراهيم يونس (شافعي / العراق)

ولد عام ١٣٨١ه (١٩٦٢م) في مدينة الموصل بالعراق، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب الشافعي، وكان من أهمّ الأسباب التي شجّعته على الاستبصار هي الحقائق التي تجلّت له من خلال بحثه العلمي، وحواره مع صديقه الشيعي.

السبيل إلى الاستبصار:

أدرك «محمّد إبراهيم» بأنّ الحياة الدنيا دار صراع بين الخير والشرّ، وقد كلّف اللّه‌ الإنسان في هذه الساحة ليتحلّى بالخير والفضيلة، ويتنزّه عن الشرّ والرذيلة.

وأعداء الإنسان في هذه الساحة كثيرون، ويحيطونه من كلّ حدب وصوب، منها الجهل والهوى والنفس الشيطانيّة و...

وأدرك «محمّد إبراهيم» أهميّة العلم كسلاح لمواجهة الشرّ في الحياة الدنيا، وأنّه الوسيلة الأولى التي ينبغي اكتسابها للانتفاع منها في مواجهة الشر.

ثمّ أدرك «محمّد إبراهيم» بأنّه لوحده وبمفرده غير قادر على اقتحام العقبات، ودفع كيد الشيطان ووساس النفس الأمّارة بالسوء ولابدّ في هذه الساحة من الاستعانة باللّه‌ تعالى والتوسّل إليه ؛ وذلك لأنّ التوسّل من الطرق المهمّة والمؤثّرة

التي تدفع الإنسان إلى الكمال والفلاح، وتوصله إلى قرب اللّه‌ تعالى ؛ ولذلك يعدّ

التوسّل من أهمّ المواضيع عند عموم المسلمين، وقد أكدّ الباري عزّ وجلّ على أداء هذا الأمر، ودعى كلّ المسلمين إلى التمسّك به.

وقد قال اللّه‌ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ(1).

التوسّل في اللغة والاصطلاح:

ورد في كتاب لسان العرب في معنى التوسّل: «الوسيلة المنزلة عند الملك.

والوسيلة: الدرجة. والوسيلة: القرب. ووسل فلان إلى اللّه‌ وسيلة إذا عمل عملاً

تقرّب به إليه، والواسل: الراغب إلى اللّه‌.

قال لبيد:

أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم بلى كلّ ذي رأي إلى الله واسل

وتوسّل إليه بوسيلة: إذا تقرّب إليه بعمل، وتوسّل إليه بكذا: تقرّب إليه بحرمة

آصرة تعطفه عليه. والوسيلة: الوصلة والقربى، وجمعها الوسائل.

قال اللّه‌ تعالى: أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ»(2.)وقال ابن كثير في التوسّل: «الوسيلة هي التي يتوصّل بها إلى تحصيل المقصود. والوسيلة أيضاً عَلَمٌ على أعلى منزل في الجنّة وهي منزلة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم »(3.)منشأ التوسّل:عندما نراجع الكتب الروائيّة والتأريخيّة نرى بأنّ منشأ التوسّل كان في زمن نبيّنا آدم عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام.


1) المائدة ٥: ٣٥.

2) لسان العرب ١١: ٧٢٤.

3) تفسير ابن كثير ٢: ٥٥.

توسّل آدم بالنبي محمّد صلى الله عليه و آله و سلم :قال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «لمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا ربّ أسألك بحقّ محمّد لما غفرت لي.فقال اللّه‌: يا آدم، وكيف عرفت محمّداً ولم أخلقه؟قال: يا ربّ لأنّك لمّا خلقتني بيدك، ونفخت فيّ من روحك، رفعتُ رأسيفرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلاّ اللّه‌، محمّد رسول اللّه‌، فعرفتُ أنّك لم تضف إلى اسمك إلاّ أحبّ الخلق إليك.فقال اللّه‌: صدقت يا آدم، إنّه لأحبّ الخلق إليّ، إذ سألتني بحقّه فقد غفرت لك، ولولا محمّد ما خلقتك»(1.)التوسّل في القرآن الكريم:إنّ حقيقة التوسّل بدأت من زمن نبيّنا آدم عليه‌السلام، وتداولت في كلّ العصور وكان الناس في عصر أنبيائهم يتوسّلون بهم لحلّ مشاكلهم. ومن الآيات التي تشير إلى هذه الحقيقة:١ - توسّل الناس بالنبي عيسى عليه‌السلام:قال تعالى:﴿ وٍُبْرِىُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ(2). وتكشف المصادر التأريخيّة بأنّ الناس كانوا يتوسلون بالنبي عيسى للعلاج

وحلّ المشاكلّ

٢ - توسّل أبناء يعقوب عليه‌السلام:

قال تعالى: قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا(3).


1) شفاء السقام في زيارة خير الأنام، تقي الدين السبكي: ٢٩٥.

2) آل عمران ٣: ٤٩.

3) يوسف ١٢: ٩٧.

عندما ارتكب أبناء يعقوب ما ارتكبوا في حقّ أخيهم يوسف عليه‌السلام، ثمّ طلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم عند اللّه‌، فأجاب يعقوب لأبنائه: قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(1).

آراء علماء أهل السنّة حول التوسّل:

إنّ مسألة التوسّل عند علماء أهل السنّة مقبولة وهم لا يختلفون مع الشيعة في ذلك، وقد تبيّن للباحثين أهميّة مسألة التوسّل عندهم.

يقول السبكي: «أن يطلب منه ذلك الأمر المقصود بمعنى أنّه صلى الله عليه و آله و سلم قادر على التسبّب فيه بسؤاله ربّه وشفاعته إليه فيعود إلى النوع الثاني في المعنى وإن كانت العبارة مختلفة، ومن هذا القول القائل للنبي صلى الله عليه و آله و سلم أسألك مرافقتك في الجنّة، قال:

(أعنّي على نفسك بكثرة السجود) والآثار في ذلك كثيرة أيضاً، ولا يقصد الناس بسؤالهم ذلك إلاّ كون النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم سبباً وشافعاً»(2). يقول: أبو علي الخلال شيخ الحنابلة: «ما همّني أمر فقصدتُ قبر موسى بن جعفر فتوسّلت به إلاّ سهلّ اللّه‌ تعالى لي ما أحب»(3). يقول السبكي: «إعلم إنّه يجوز ويحسن التوسّل، والاستغاثة، والتشّفع بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم إلى ربّه سبحانه وتعالى وجواز ذلك وحُسنه من الأمور المعلومة لكلّ ذي دين، المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين، وسير السلف الصالحين والعلماء

والعوام من المسلمين»(4).


1) يوسف ١٢: ٩٨.

2) شفاء السقام، تقي الدين السبكي: ٣١٣.

3) تاريخ بغداد ١: ١٣٣.

4) شفاء السقام، تقي الدّين السبكي: ٢٩٣.

الوسائل المقربة إلى اللّه‌ تعالى:

إنّ قضية التوسل لا تنحصر بالأولياء الصالحين فقط، بل أيّ شيء يرتضيه اللّه‌ ليكون الوسيلة بينه وبين العباد فإنّه يصحّ التوسّل به إلى اللّه‌، ومن أهمّ الوسائل

التي أشار إليها مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام هي:

«إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى اللّه‌ سبحانه وتعالى، الإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله، فإنّه ذروة الإسلام، وكلمة الإخلاص فإنّها الفطرة، وإقام الصلاة فإنّها الصلة، وإيتاء الزكاة فإنّها فريضة واجبة، وصوم شهر رمضان فإنّه جُنّة من العقاب، وحجّ البيت واعتماره فإنّهما ينفيان الفقر ويدحضان الذنب، وصلة الرحم فإنّها مثراة في المال، ومنسأة في الأجل، وصدقة السرّ فإنّها تكفّر الخطيئة، وصدقة

العلانية فإنّها تدفع ميتة السوء، وصنائع المعروف فإنّها تقي مصارع الهوان(1).

التوسّل عند الوهّابيّة:

صرّح الوهّابيّون بشرك وبطلان عقيدة الذين يتوسّلون بأولياء اللّه‌ الصالحين، وقال هؤلاء:

١ - إنّ دعاء الصالحين والاستغاثة بهم والتوسّل بجاههم لم يكن في دين اللّه‌ تعالى قربة ولا عملاً صالحاً فيتوسّل به أبداً، وإنّما كان شركاً في عبادة اللّه‌ محرّماً، يخرج فاعله من الدين، ويوجب له الخلود في جهنّم و[أيضاً قولهم]: يا سيّدي فلاناً ومولاي فلاناً خذ بيدي، وكن لي كذا، وادع اللّه‌ بكذا، أو أنا في حماك، وأنا بك وباللّه‌ و... من كلمات الشرك والباطل هو من الضلال...

٢ - النذور للأولياء الصالحين، الذبائح لأرواح الأولياء، العكوف حول قبور


1) نهج البلاغة خطب الإمام علي تحقيق: الشيخ محمّد عبده ١: ٢١٥، خطبة ١١٠،

الصالحين، سؤال اللّه‌ بجاه فلان، سؤال اللّه‌ تعالى بحقّ فلان، كلّ هذا ضلال وباطل وهو شرك محرّم...(1).

وأيضاً تنكر الفرقة الوهّابية مبادرة اللذين يتوسلون بروح النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أو الأولياء الصالحين ويعتقدون بأنّ هذا العمل غير مقبول عند اللّه‌.

الجواب: ادّعاء الفرقة الوهّابيّة على خلاف ما ذهب إليه كبار علماء أهل السنّة كأحمد بن حنبل وابن ماجة حيث صحّح هؤلاء الكثير من الأحاديث الشريفة الواردة حول التوسّل، منها ورد: «بأنّ رجلاً ضرير البصر أتى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فقال: ادع اللّه‌ أن يعافيني، قال صلى الله عليه و آله و سلم إن شئت دعوت لك وإن شئت صبرت فهو خير قال: فادعه، قال: فأمره، أن يتوضّأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: «اللّهم

إنّي أسالك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد نبيّ الرحمة، يا محمّد إنّي توجّهت بك إلى ربّي في حاجتي ليقضي لي، اللّهم شفّعه فيّ»(2).

ففي هذه الرواية بدل أن يدعو الرسول صلى الله عليه و آله و سلم مباشرة، يأمره أن يتوسّل به إلى اللّه‌ عزّ وجلّ وعندما توسّل الرجل بالنبي زال ضرره وعاد له بصره. قال ابن حنيف: فواللّه‌، ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضرر قطّ(3).

يقول أنس بن مالك: لمّا ماتت فاطمة بنت أسد، دخل صلى الله عليه و آله و سلم عليها فجلس عند رأسها قال: «... اللّه‌ الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأُمّي فاطمة بنت


1) عقيدة المؤمن: ٨٩ إلى ٩١.

2) شفاء السقام، تقي الدين السبكي ٣٠٠ - ٣٠١.

3) نفس المصدر: ٣٠٤.

أسد ونكبتها [أي: لقّنها] حجّتها، ووسّع عليها مدخلها، بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي فإنّك أرحم الراحمين...»(1).

يقول أبو سعيد الخدري: قال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللّهم إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك، وأسألك بحقّ ممشاي هذا، فأنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة، خرجت اتّقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، إنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت أقبل اللّه‌ عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك»(2). ويصرّح هذا الحديث بجواز التوسّل بجاه ومقام الأولياء الصالحين.

جواب شبهة مقدّرة:

إن قيل كيف يمكن أن نستغيث بالأنبياء المعصومين سلام اللّه‌ عليهم وهم ليسو على قيد الحياة؟

نقول: أن القرآن الكريم يثبت حياة الشهداء الذين يُقتلون في سبيل اللّه‌ عزّ وجلّ وطلب الشفاعة منهم.

التحرّر من التقليد الأعمى:

يقول «محمّد إبراهيم»: قبل بحثي حول مذهب التشيّع كنت من المتعصّبين ضدّ هذا المذهب، وكنت أظّنه مذهباً باطلاً يبتغي إضلال الآخرين وإبعادهم عن الحقّ، ولكن كلّ هذه التصورات كانت تنشأ من التقليد الأعمى لكبار مذهبنا ومرشدينا، حيث كانوا يحاولون تبيين صورة شنيعة حول التشيّع في أذهان الناس، ولكنّني بعون اللّه‌ تعالى وجهد صديقي الشيعي انطلقت نحو البحث والدراسة حول هذا المذهب


1) المعجم الكبير الطبراني ٢٤: ٣٥٢.

2) سنن ابن ماجة ١: ٢٥٦، حديث٧٧٨.

الذي كنت أشمئزّ منه، ودراسة عقائد التشيّع أغنتني في المجال الفكري ووسّعت آفاقي المعرفيّة، وبدأت أشعر بنشوة ولذّة، وكأنّي غائص في بحر من المعارف التي كنت أتلقّاها من هذا المذهب، وكنت أشعر بقوّة عجيبة في كياني تدفعني للمزيد من التّعرف على هذا المذهب، فبدأت البحث والدراسة بإمعان ودقّة فحصلت على المزيد من المعلومات العقائديّة المختلفة لمذهبي، هذا الأمر جعلني أن أبدأ بمقايسة

براهين مذهبي مع براهين الشيعة، فرأيت براهين الشيعة هي البراهين الحقّة والمقبولة عند اللّه‌، فاقتنعت بمذهب التشيّع وأنقذت نفسي من ظلمات الجهل. فأعلنت استبصاري عام ١٤٢٢ه (٢٠٠٣م).

{٩} محمّد كاظم عبّاس ليمي (حنفي / العراق)

الصورة

H04

ولد سنة ١٣٧٨ه (١٩٥٩م) في «المدائن» في أطراف «بغداد» عاصمة العراق، ونشأ في أُسرة سنّية حنفيّة المذهب، واصل دراسته إلى المرحلة المتوسطة، استبصر واعتنق مذهب آل البيت عليهم‌السلام سنة ١٩٨٥م في معسكر منجيل شمال إيران.

حديث الثقلين هداني إلى ولاية أهل البيت عليهم‌السلام:

يقول: «محمّد»: «هيّأت لي فترة الأسر في إيران فرصة لمراجعة النفس، وقراءة الكتب والصحف، فاطلعت على ثقافة جديدة كنت محروماً منها سابقاً، واستمعت إلى محاضرات دينيّة عن الإسلام مملوءة بالمعارف والوعظ وعلوم أهل البيت عليهم‌السلام.

هذا وقد كان لحديث الثقلين(1)الذي يرويه الطرفان من الشيعة والسنّة أثر كبير في نفسي، حيث عرفت أنّ الرسول لم يترك أمّته سدى، ولم يوكّل الأمر للأمّة تنتخب من تشاء بدون دليل، بل أوصى أمّته بأنّ هناك جماعة يعادل التمسّك بهم التمسّك بالقرآن الكريم.

فالقرآن هو الدّستور، وهم الذين يسيرون على المنهج، وعليه فهم القادة


1) مسند أحمد ٣: ١٤، ١٧، ٥٩.

والساسة لهذه الأُمّة.

ثُمّ من الواضح أنّ أهل البيت عليهم‌السلام - إذا استثنينا الرسول الكريم المتّفق عليه من الطرفين - هم فاطمة وبعلها وبنوها لا غير، أمّا سعي البعض لإدخال الآخرين معهم، أو تشويه معنى الآل بمعان ما أنزل اللّه‌ بها من سلطان، فهو سعي خائب يهزمه الدليل، ويردّه البرهان.

غصب الخلافة من آل البيت عليهم‌السلام وظلم شيعتهم:

ثُمّ إنّ تقدم الآخرين عليهم في إدارة الأمور وادّعاء الخلافة، هو غصب لمناصب عيّنها اللّه‌ لهم، وهي لا تليق إلاّ بهم لعصمتهم فالأمر هو خلافة للرسول، ولابدّ أن يكون من يخلف الرسول مثله في سياسة الأمّة، وإلاّ لحصل إفساد وعمّ الخراب، كما حصل فعلاً، رغم سعي آل الرسول عليهم‌السلام للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه وهم خارج السلطة الظاهرية.

ثُمّ إنّ الشيعة الذين والوا أهل البيت عليهم‌السلام، حاربهم المغتصبون بكلّ وسيلة، وأراقوا دمائهم بأدنى تهمة، فعاش الشيعة طوال القرون مظلومين محرومين مُطاردين، ولكنّهم استسهلوا الصعب، وركبوا الخطر من أجل بقاء الدين، ووفاءً لقادته الذين ضحوا بالنفس والنفيس من أجل سيادة الإسلام وعزّة المسلمين.

إنّ الظالمين كانوا وما زالو يحاربون الشيعة، ويتهموهم بكل شنيعة ويسبّوهم بكل دنيئة لعلّهم يفلحون في الوصول إلى مآربهم الشيطانيّة. ولكن هيهات، فشأن الشيعة هو الذي يعلو ولا يعلى عليه على مر الزمان، وأمّا أعداءهم وأعداء آل البيت فما نصيبهم إلاّ ازدياد الخزي، وتجدد العار في كلّ عصر وحين وزمان.

{١٠} محمّد جاسم اللهيبي (سنّي / العراق)

الصورة

H05

ولد سنة ١٣٨٦ه (١٩٦٧م) في مدينة «الموصل» شمال العراق، ونشأ في أُسرة سنّية المذهب، وقع في أسر القوات الإيرانية في الحرب بين «العراق» و«إيران» في ثمانينات القرن الماضي، استبصر واعتنق مذهب آل البيت عليهم‌السلام سنة ١٤٠٦ه (١٩٨٦م) في إيران.

سطوع نور الولاية يقودني إلى الهداية:

يقول «محمّد»: «عندما وقعت في الأسر في إيران، لم تذهب أيّامي هدراً كما ضاع شبابي أيّام كنت في الجيش العراقي الظالم، فقد سنحت لي الفرصة للاطلاع على الكتب المختلفة ثقافيّة ودينيّة واجتماعيّة، وتفتّحت آفاقي الذهنية على عالم جديد حُرمت منه سابقاً، كما جذبتني المحاضرات الدينيّة التي عالجت جوانب متعدّدة من مفاهيمي الدينيّة، وعواطفي النفسيّة.

كما ساهم حضوري الفعّال في النشاطات المختلفة في معسكرات الأسر في الالتقاء والتواصل مع أبناء بلدي الذين يشاركوني في الأسر، فاطلعت على أفكارهم ومشاعرهم وأسباب فرحهم وحزنهم، ممّا ولدّ لي فرصاً لاكتساب الصداقات، والتعرّف على أنماط مختلفة المزاج من البشر، والاستفادة من تجاربهم في

الحياة، وكانت النقاشات المتبادلة بيننا تشمل الأُمور الدينية والمذهبيّة، إن لم أقل

أنّها كانت في صميم همومنا وفي عمدة أفكارنا.

لقد ساهمت الأُمور السابقة في تشكيل هويّتي الدينيّة والشخصيّة الجديدة، فقد سطع نور أهل البيت عليهم‌السلام على آفاق نفسي الروحيّة التي غرّر بها الظالمون سابقاً، وساقوها إلى حرب ضروس لم أعرف لها مغزى، ولم أقف منها إلاّ على الويلات والشرور.

ثُمّ قادني هذا النور الساطع إلى الاعتقاد بمذهبهم الذي يرفع راية الحقّ التي ألقاها الآخرون جانباً، وإن كثر الادّعاء والانتساب.

المذهب الحقّ هو مذهب آل البيت عليهم‌السلام:

يريد اللّه‌ سبحانه وتعالى أن يحقّ الحقّ ويَهزمُ الباطل ؛ لأنّه على الحقّ تدور عجلة الوجود وفق حكمة اللّه‌ والحقّ هو من أسماء اللّه‌ الحسنى ولابدّ من تحققه في كلّ أرجاء الكون، شاء الظالمون أم أبوا، ورضي المجرمون أم سخطوا.

قال تعالى:. . . وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الُْمجْرِمُونَ(1). وقد سعى الأنبياء والأولياء على طول التاريخ في الدفاع عن الحقّ، ومحاربة الباطل ممّا أدّى إلى أن يقتلهم الظالمون فضلاً عن إيذائهم، قال تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا . . . »(2).

وقال عزّ من قائل: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ . . .(3).

كما انتقد القرآن الكريم الأُمم السابقة بكتمانها الحقّ، وعدم التزامها به، قال


1) الأنفال ٨ : ٧ - ٨.

2) البقرة ٢ : ١١٩.

3) البقرة ٢ : ٦١.

تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(1).

وقال سبحانه: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(2).

وقال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ . . .(3).

كما أن مجانبة الحقّ كافية في إدانة المجانبين له، قال تعالى: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ(4). وقال سبحانه: . . . الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ(5).

وعليه فإنّ الميزانَ الذي توزن به الأُمور هو الحقّ قال تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ . . .(6).

ونطق القرآن على لسان شعيب عليه‌السلام: . . . رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ(7).

هذا وجعل اللّه‌ استمرار الحقّ بعد وفاة النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله و سلم في علي عليه‌السلام الذي كان فدائيّ الإسلام الأوّل، فقال الرسول الكريم صلى الله عليه و آله و سلم : «علي مع الحقّ والحقّ مع علي»(8)،


1) البقرة ٢ : ١٤٦.

2) آل عمران ٣ : ٧١.

3) المائدة ٥ : ٧٧.

4) الأنعام ٦ : ٦٦.

5) الأنعام ٦ : ٩٣.

6) الأعراف ٧ : ٨.

7) الأعراف ٧ : ٨٩.

8) مجمع الزوائد ٧: ٢٣٥.

وقد عانى الإمام علي عليه‌السلام بشدّة كما عانى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم سابقاً حتّى قال في بعض المواقف: «صبرت وفي الحلق شجى، وفي العين قذى»(1).

وهكذا كان الأمر مع بقية أهل البيت المعصومين الذين اختارهم اللّه‌ لحمل دينه الحقّ والدفاع عنه أمام الأعداء المجرمين، أتباع الشيطان، وعبّاد الدنيا.

ثُمّ إنّ الشيعة الكرام والوا أئمّتهم على الحقّ، وتبعوهم عليه، فكانوا غرضاً لكلّ ظالم، وهدفاً لكلّ مستهتر، وقد ضحّوا بالنفوس الغالية، والنفائس النفيسة في سبيل الحقّ، خضوعاً منهم للدين الحقّ الذي يقوده من جسّم الحقّ تجسيماً، فاعطاه اللّه‌ حقّ الولاية وحقّ الوصاية.

إن الإنسان المسلم بولائه للحقّ، وبحثه عن الحقيقة، وبصبره في سبيل نيلهما، يكون قد سلك معراج الكمال ؛ وارتقى سلّم الهداية، اللذان يقودانه إلى السعادة الأبديّة، والراحة السرمديّة في جنان الخلد، بالحشر مع الأنبياء والأولياء والصالحين، وما أعظمها من سعادة لو كان الناس يفقهون ما ينفعهم وما يضرّهم حسب الواقع المغطّى بستائر كثيفة من الظلام، والتي يحتاج المرء إلى جهاد وصبر بعد الإيمان القوي ليكشف الحجب، وينال الحقائق، ويتمسّك بالحق مع أهله.


1) نهج البلاغة ١: ٣٠، الخطبة ٣، المعروفة بالشقشقية.

{١١} محمّد خزعل عزيز (حنفي / العراق)

ولد عام (١٩٦٧م) في «بعقوبة» بالعراق، وكان تاثّره بمذهب أهل البيت عليهم‌السلام نتيجة هجرته إلى إيران وتعرّفه على الشيعة عن قرب، وقراءته لكتبهم، فأعلن استبصاره في طهران عام (١٩٨٨م).

يقول «محمّد خزعل»: من أهمّ الكتب التي تأثّرت بها في الاستبصار كتاب «المراجعات» للعلاّمة شرف الدين، وكتب الدكتور التيجاني السماوي ولاسيّما كتاب «ثمّ اهتديت» وكتاب «كونوا مع الصادقين».

وأضاف «محمّد خزعل»: المراد من «جعل اللّه‌ الهداية في قلبه»، أنّ الهداية أمر بيد اللّه‌ تعالى، وعلى الإنسان السعي ليحظى بالعناية الإلهيّة ؛ لأنّ اللّه‌ إنّما يهدي من يجده لائقاً للهداية، فلا يهدي اللّه‌ القوم الظالمين ولا القوم الفاسقين.

العقائد الحقّة:

قراءة كتاب «لاكون مع الصادقين» أتاحت لمحمّد خزعل الفرصة ليتعرّف على عقائد الشيعة وعقائد أهل السنّة بصورة واضحة، ثمّ قام بالمقارنة بين هاتين العقيدتين، وكانت النتائج التي توصّل إليها هي التي أوجدت الدافع لتغيير انتمائه المذهبي.

فقال صلى الله عليه و آله و سلم : «تركت فيكم الثقلين: كتاب اللّه‌ وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً»(1). ولا يخفى بأنّ أهل البيت عليهم‌السلام كانوا أعلم الناس وأورعهم وأتقاهم وأفضلهم.

وقال تعالى: «لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ»، و«لا» هنا للنفي، و«تمسّه» تعني يدركه ويفهمه، وليس المقصود بها لمس اليد، فهناك فرق بين اللمس والمسّ، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ(2).

وقال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ(3).

فالمس هنا يتعلّق بالعقل والإدراك، لا بلمس اليد.

إذن لا يدرك معاني القرآن المكنون إلاّ نخبة من عباده الذين اصطفاهم وطهّرهم تطهيراً، والمطهّرون هم أهل البيت عليهم‌السلام الذين قال اللّه‌ تعالى حولهم: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»(4).

فقوله تعالى: «لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» معناه: لا يدرك حقيقة القرآن إلاّ الرسول وآل بيته ؛ ولذلك قال فيهم رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم :

«النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمّتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس»(5).

السنّة النبويّة عند الفريقين:

السنّة: هي كلّ ما قاله الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أو فعله أو أقرّه، وتأتي السنّة في الرتبة


1) مسند أحمد ٣: ١٤.

2) الأعراف ٧: ٢٠١.

3) البقرة ٢: ٢٧٥.

4) الأحزاب ٣٣ : ٣٣.

5) المستدرك للحاكم ٣: ١٤٩.

الثانية بعد القرآن الكريم.

ويضيف أهل السنّة النبويّة سنّة الخلفاء الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ويوجد بعض أهل السنّة يضيفون إلى سنّة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم سنّة الصحابة كلّهم، وهذا ما لا ينسجم مع العقل والمنطق والحوادث المرتبطة بالصحابة، فإنّ منهم من ارتدّ، كالذين حاربهم أبو بكر وسُمّوا بأهل الردّة وكذلك اختلف الصحابة في كثير من الأمور التي سبّبت ا لطعن، كما طعن أكثر الصحابة في عثمان حتّى قتلوه، ولعن بعضهم بعضاً كما فعل ذلك معاوية الذي أمر بلعن علي عليه‌السلام، وقتل بعضهم بعضاً كحروب

الجمل وصفين والنهروان وغيرها.

وأقيم الحدّ على بعض الصحابة لشرب الخمر والزنا والسرقة وغير ذلك.

ويقول التيجاني: وكيف يكون من يقتدي بمعاوية الخارج على إمام زمانه أمير المؤمنين في حرب للإمام علي عليه‌السلام مهتدياً، وهو يعلم أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم سمّاه إمام الفئة الباغية؟!

وكيف يكون من المهتدين من يقتدي بعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وبسر بن أرطأة وقد قتلوا الأبرياء لتدعيم ملك الأمويّين(1)؟!

وأمّا الشيعة فعقيدتهم حول السنّة الشريفة بأنّ المصدر الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه بعد رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم لمعرفة ماجاء به الرسول صلى الله عليه و آله و سلم هم أهل البيت عليهم‌السلام الذين جعلهم اللّه‌ سفينة النجاة، وأئمّة الهدى، ومصابيح الدجى، والثقل الثاني الذي يعصم من الضلالة.

القلب في ظلّ العناية الإلهيّة:

واصل «محمّد خزعل» بحثه من مختلف الطرق فقرأ العديد من الكتب، وحاور


1) انظر: لأكون مع الصادقين، التيجاني: ١٦.

العديد من الأشخاص، حتّى أملت عليه الأدلّة والبراهين أن يغيّر عقيدته ويتحوّل من المذهب الحنفي إلى مذهب أهل البيت عليهم‌السلام. وبدأ «محمّد» حياته الجديدة في ظلّ أجواء نورانيّة، منحته الشحنة ليستقيم على الصراط المستقيم، وأدرك التغيير في سلوكه وتصرّفاته، وبدأ يستمدّ القوّة من

أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام.

{١٢} محمّد طه النعيمي (حنفي / العراق)

الصورة

H06

ولد عام ١٣٨٢ه (١٩٦٣م) في مدينة «الموصل» بالعراق، ونشأ في أسرة سنّية تتبع الفقه الحنفي، وكعامّة الأولاد الذين يتّبعون آبائهم بدون أدنى تدبّر وتأمّل سار «محمّد» على خطى أبويه واتّخذ هذا المذهب معتقداً له.

الهجرة إلى إيران:

الأوضاع المتوتّرة في العراق في حكومة حزب البعث المنحل دعت «محمّد» إلى أن يأتي إلى الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، حيث أتيحت له فرصة التطلّع على أصول المذهب الشيعي وفروعه من قريب لاسماعاً عن الألسنة التي لا هدف لها سوى الاستهزاء والوقيعة بهذا المذهب.

يقول «محمّد»: عندما أتيت إلى «إيران» وتطلّعت على مذهب الشيعة، وعرفت حقيقته وما عند الشيعة من الأدلّة في القرآن والسنّة النبويّة الشريفة، حصلت لديّ القناعة التامّة على أحقّيّة هذا المذهب.

آية الولاية:

هذا وقد تأثّر «محمّد» في مراحل استبصاره بعدّة كتب أهمّها كتاب «المراجعات» للعلاّمة شرف الدين رضى‌الله‌عنه حيث أوضح له الكتاب وبترتيبه المنحصر،

وكيفيّة طرح الأسئلة والأجوبة، أوضح له بالاستدلال من كتب الفريقين أحقّية وأولويّة الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام في الولاية والخلافة الإسلاميّة، وذلك استناداً إلى آيات وروايات تحصر الولاية باللّه‌ سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه و آله و سلم وأهل البيت عليهم‌السلام منها آية الولاية إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1)(2).

معنى الولاية:

قيل: إنّ معنى «الولي» في هذه الآية هو الصديق أو المحبّ، كما قيل: إنّ معناه

هو الولاية والإمامة الإلهيّة لا غير.

ولذا ينبغي التمعّن في معنى الولي لنرى أنّه على أيّ المعنيين يدلّ.

فقد قيل إنّه يدلّ على المعنى الثاني، واستدلّ على ذلك بأمور:

أ) التبادر: إنّ كلمة الولي وإن أطلقت في اللغة على الصديق، الناصر، المحبّ وغيره، لكن المعنى الشائع والمتبادر إلى الذهن منها عند إطلاقها وعدم مجئالقرينة هو الولاية بمعنى الأولويّة في التدبير والتصرّف، فيقال لمن يملك تدبير نكاح المرأة والعقد لها وليّ المرأة، كما يوصف عصبة المقتول بأولياء دمه.

ب) قرينة الإضافة: إضافة كلمة «الولي» - التي تدل بإطلاقها على تولّي التدبير والتصرّف - إلى الناس المحتاجين إلى من يكون والياً لهم وقيّماً يدلّ على أنّ الولي يجب أن يكون في مرتبة أعلى منهم، لتكون له تلك الولاية، والصديق والمحبّ ليس أعلى شأناً من غيره.

جـ) - قرينة العطف: نظراً إلى أنّ كلمة الولي ذُكرت مرّة واحدة في هذه الآية


1) المائدة ٥: ٥٥ .

2) يقول الشيخ الطوسي رحمه‌الله في كتاب تلخيص الشافي ٢: ١٠، عند ذكره الأدلّة على إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام: فأقوى ما يدلّ عليه [أي على إمامته عليه‌السلام] هو قوله تعالى: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ».

ونسبت إلى اللّه‌ سبحانه وتعالى وإلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم والذين آمنوا... بلا تكرار، فإنّ هذا العطف يدلّ على وحدة المعطوف والمعطوف عليه في معنى العامل، وحيث أُجمع على أنّ معنى ولاية اللّه‌ سبحانه وتعالى هي الأولويّة في التدبير والتصرّف فإنّ المعطوف يجب أن تكون له هذه الميزة أيضاً.

أمّا المراد من الذين آمنوا في هذه الآية هو أمير المؤمنين عليه‌السلام وذلك بإجماع المفسّرين(1).

د) الحصر: تدلّ كلمة «إنّما» على الحصر على ما أجمع عليه علماء اللغة في كتبهم، وهذا ممّا لاريب فيه ولا شك(2).

والحصر في هذه الآية لا يدلّ إلاّ على أنّ الولاية تنحصر لهؤلاء المذكورين في الآية لا غير.

فهم الأولياء على الناس كافّة، وإلاّ فإن لم يؤخذ هذا المعنى بعين الاعتبار كان ينبغي أن لا تختصّ الولاية بهؤلاء إذ المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض بحكم


1) قال التفتازاني في كتاب شرح المقاصد ٢: ٢٨٨ عند بيانه لهذه الآية ما نصّه: إنّ قوله تعالى «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» نزلت باتّفاق المفسّرين في علي بن أبيطالب عليه‌السلام حين أعطى السائل خاتمه وهو راكع في صلاته. كما قال القوشچي الحنفي في شرحه لتحرير الاعتقاد: ٣٦٨: إنّها نزلت باتّفاق المفسّرين في حقّ علي بن أبي طالب حين أعطى السائل خاتمه وهو راكع في صلاته... والولي كما جاء بمعنى الناصر فقد جاء بمعنى المتصرّف في الأمور... وهذا هو المراد هاهنا لأنّ الولاية بمعنى النصرة تعمّ جميع المسلمين. وقال المحقّق الجرجاني شارح كتاب المواقف للقاضي عضد الدين الإيجي ما نصّه: قد أجمع أئمّة التفسير على أنّ المراد بالذين يقيمون الصلاة إلى قوله وهم راكعون، علي، فإنّه كان في الصلاة راكعاً فسأله سائل فأعطاه خاتمه فنزلت الآية، شرح المواقف ٨: ٣٦٠.

2) يقول القوشچي تاييداً لما ذُكر: كلمة «إنّما» للحصر بشهادة النقل والاستعمال. شرح تجريد الاعتقاد: ٣٦٨.

بيان القرآن(1).

هـ) - إذا فرض أنّ المقصود من «الولي» في هذه الآية هو المحبّ والناصر، وحيث أنّ مورد الخطاب هي الأُمّة الإسلاميّة جمعاء، فإنّ منحى ا لخطاب هذا يوحي إلى دخول المؤمنين المذكورين في الآية ضمن هذه الأُمّة، وذلك يلزم اتّحاد الولي والمولّى عليه، وهو باطل.

ولذا يجب القول بأنّ الولاية التي نسبت إلى اللّه‌ سبحانه وتعالى هي نفسها التي تُنسب إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم وأمير المؤمنين عليه‌السلام.

سفينة النجاة:

البحث والتحقيق حول حقيقة المذهب الشيعي، ثمّ اقتناعه وسكونه إلى معتقدات هذا المذهب، دفع «محمّداً» إلى الإعلان عن استبصاره والتحاقه بسفينة النجاة التي ما تمسّك بها أحد إلاّ نجى، وكان استبصاره عام ١٤٠٧ه (١٩٨٧م).


1) التوبة ٩: ٧١.

{١٣} محمّد كاظم محمّد الدليمي (حنفي / العراق)

الصورة

H07

ولد عام ١٣٨٢ه (١٩٦٣م) في مدينة «بغداد» عاصمة العراق، وترعرع في أسرة حنفيّة المذهب، واصل دراسته الأكاديمية حتّى تخرج من الإعدادية في قسم الأدب.

شاءت الإرادة الإلهيّة أن يهاجر «محمّد كاظم» إلى إيران حيث سنحت له الفرصة وتفرّغ لقراءة الكثير من الكتب العقائدية واستماع المحاضرات الإسلاميّة، فاتضحت له الكثير من السبل التي تُميّز الخطأ عن الصواب والحقّ عن الباطل. يقول «محمّد كاظم الدليمي»: بعد تمعُّني ودقّتي في قراءة الكتب واستماع

المحاضرات لاحظت كثيراً من الفروق بين الحقّ والباطل والخطأ والصواب . . .

حيث كُشفت لي عند تسلسلي في قراءة الرسالة الإسلاميّة الكثير من الوصايا التي أكّد فيها نبيّنا الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم على اتّباع وحبّ أهل البيت عليهم‌السلام، لأنّهم هم المعصومون وهم المطهرون عن الرجس في الآية الكريمة: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(1).

كما أكّد صلى الله عليه و آله و سلم على ولاية أمير المؤمنين عليه‌السلام وخلافته من بعده في واقعة الغدير الغراء.


1) الأحزاب ٣٣ : ٣٣.

حديث الغدير:

أحد أهمّ الأدلّة على ولاية أمير المؤمنين عليه‌السلام وخلافته الشرعيّة بعد رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم هو حديث الغدير.

وقد روى هذا الحديث علماء وحفّاظ الحديث ورؤساء أهل السنّة والجماعة، فقسم أخبت وسكن إليه، وآخر زوا عنه كلّ ريبة وشكّ وحكم بصحّة أسانيد جمّة من طرقه وحُسن طرق آخرى وقوة طائفة منها، وهناك أمّة من فطاحل العلماء حكموا بتواتر الحديث وشنّعوا على من أنكر ذلك.

كتاب «الولاية» للطبري:

لكن الأيادي الظالمة التي لم تقتصر على التطاول بالنسبة للتراث الشيعي تعدُت حتّى على التراث السنّي الذي له صلة بأمير المؤمنين عليه‌السلام وفضائله. ففُقد كتاب «الولاية» في جمع طرق حديث: «من كنت مولاه فعلي مولاه» لمحمّد بن جرير الطبري (ت٣١٠ه ) صاحب التفسير والتاريخ المعروفين، وذلك في

مطلع القرن التاسع الهجري. وقبل هذا التاريخ كان الكتاب مرجعاً لكثير من المؤرّخين والمؤلّفين حيث

ذكروه في كتبهم ورووا عنه الحديث، منهم القاضي أبو حنيفة النعمان (ت ٣٦٣ ه ) النجاشي (ت ٤٥٠ه )، الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠ه )، ابن شهر آشوب (ت ٥٨٨ه ) ابن بطريق (ت ٦٠٠ه )، ابن طاووس (ت٦٦٤ه )، الحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ه )، ابن كثير (ت ٧٧٤ه ) وابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢ه ).

وهو الكتاب الذي يقول عنه ابن كثير: «وقد رأيت له [أي للطبري] كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خمّ مجلّدين ضخمين»(1).


1) البداية والنهاية ١١: ١٦٧.

وقال ابن حجر عنه: « . . . وقد جمعه ابن جرير الطبري في مؤلّف فيه أضعاف ما ذكر وصحّحه واعتنى بجمع طرق أبو العباس بن عقدة، فأخرجه من حديث سبعين صحابياً أو أكثر»(1).

وأمّا مؤلّفه الطبري فقد ضُيّق عليه زمن حياته، ومنعوا من دفنه نهاراً بعد موته، قال ابن الأثير في تاريخه: «وفي هذه السنّة [٣١٠ه ] توفّي محمّد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ ببغداد ومولده سنة أربعة وعشرين ومأتين، ودفن ليلاً بداره لأنّ العامّة اجتمعت ومنعت من دفنه نهاراً وادّعوا عليه الرفض، ثُمّ ادّعوا عليه الإلحاد»(2).

ويقول أيضاً: « . . . ودفن في داره لأنّ بعض عوام الحنابلة ورعاعهم منعوا دفنه نهاراً ونسبوه إلى الرفض»(3). وكلّ هذا لأجل تأليفه لكتاب جمع فيه فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام وأحاديث يوم الغدير(4).

ونقتصر هنا على ذكر شذرات من أحاديث هذا الكتاب والتي نقلها عنه مؤلّفوا الحديث عند الفريقين.

فقد نقل عنه القاضي النعمان في كتابه «شرح الأخبار» قوله: «قال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم لعلي عليه‌السلام: «أمّا ترضى يا علي [أن تكون] أخي ووصيّي ووزيري ووليّي وخليفتي من بعدي»(5).


1) تهذيب التهذيب ٧: ٢٩٧.

2) الكامل في التاريخ ٨: ١٣٤.

3) البداية والنهاية ١١: ١٦٧.

4) فقد احتمل الذهبي أنّ نسبة الطبري للتشيّع جائت إثر تأليفه لهذا الكتاب، وقال: أظنّه بمثل هذا الكتاب نسب إلى التشيّع رسالة طرق من كنت مولاه فعلي مولاه: ٦٢.

5) شرح الأخبار ١: ١٢١.

وذكر بإسناد آخر رفعه إلى ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم لأمّ سلمة:

«يا أمّ سلمة! اشهدي هذا علي أمير المؤمنين، وسيّد الوصيّين، وعيبة العلم ومنار الدين، وهو الوصي على الأموات من أهلي، والخليفة على الأحياء من أُمّتي»(1). ونقل عنه ابن شهر آشوب في «مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام فقال: الطبري في «الولاية» بإسناد له عن الأصبغ بن نباتة، قال قال علي عليه‌السلام: «لا يحبُني ثلاثة، ولد زنا، ومنافق، ورجل حملت به أُمّه في بعض حيضها»(2).

وقال ابن طاووس في كتاب «اليقين باختصاص مولانا علي بإمرة المؤمنين»:

«قال أبو جعفر قال: [الطبري] حدّثنا زرات بن يعلى بن أحمد البغدادي، أخبرنا أبو قتادة عن جعفر بن محمّد، عن محمّد بن بكير، عن جابر بن عبد اللّه‌ الأنصاري، عن سلمان الفارسي، قال: قلنا يوماً: يا رسول اللّه‌ من الخليفة بعدك حتّى نعلمه؟ قال لي: [يا] سلمان: أدخل علي أبا ذر والمقداد وأبا أيّوب الأنصاري، وأمّ سلمة زوجة النبيّ من وراء الباب. ثُمّ قال: اشهدوا وافهموا عنّي: أنّ علي بن أبي طالب وصيّي ووارثي وقاضي ديني وعدتي وهو الفاروق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، والحامل غداً لواء ربّ العالمين، هو وولده من بعده، ثُمّ من الحسين ابني أئمّة تسعة هداة مهديّون إلى يوم القيامة، أشكو إلى اللّه‌ جحود أُمتي لأخي، وتظاهرهم عليه، وظلمهم له، وأخذهم حقّه.

قال: فقلنا له: يا رسول اللّه‌: ويكون ذلك؟

قال: نعم، يقتل مظلوماً من بعد أن يملأ غيضاً ويوجد عند ذلك صابراً . . . »(3).


1) شرح الأخبار ١: ١١٩.

2) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام ٣: ١٠

3) اليقين باختصاص مولانا علي بإمرة المؤمنين: ٤٨٨، وقال السيّد بن طاووس في ذيلهذا الحديث: «أقول: فهل ترى ترك النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم حجّة أو عذراً لأحد على اللّه‌ جلّ جلاله، وعليه ولو لم يرد في الإسلام إلاّ هذا الحديث المعتمد عليه لكان حجّة كافية لعلي عليه‌السلاموالنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم الذي نصّ عليه بالخلافة على الأئمّة من ذريّته.

وعن الحافظ الذهبي في «رسالة طرق حديث من كنت مولاه فعلي مولاه» قال: محمّد بن جرير الطبري، ثنا عبيد بن غنام، ثنا الأودي، أنبأنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو ذي مرّ قال: شهدت عليّاً بالرحبة ينشدهم: «أيّكم سمع رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم يقول يوم غدير خمّ ما قال»؟

فقام أناس فشهدوا أنّهم سمعوا رسول اللّه‌ يقول: «من كنت مولاه فإنّ عليّاً مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه وأحبّ من أحبّه وابغض من أبغضه وانصر من نصره»(1).

اتّباع المذهب الشيعي:

يقول «محمّد كاظم» بعد ذكر أدلّة استبصاره: « . . . كلّ هذه الأُمور جعلتني أنتهج المذهب الشيعي، مذهب أهل البيت عليهم‌السلام، المذهب الذي يفرّق بين الحقّ والباطل». وكان استبصاره عام ١٤٠٨ه (١٩٨٨م) في مدينة طهران بإيران.


1) رسالة طرق حديث من كنت مولاه فعلي مولاه: ٢٩..

{١٤} محمّد نديم الطائي (حنفي / العراق)

الصورة

H08

ولد في مدينة «الموصل» شمال العراق، ونشأ في أُسرة سنّية حنفيّة المذهب، خريج ثانوية الصناعة، اعتنق مذهب الشيعة الإمامية سنة ١٣٨١ه (١٩٦٢م) ثُمّ انتمى للحوزة العلميّة في كربلاء المقدّسة.

حبّ آل البيت عليهم‌السلام وشدّة مظلوميّتهم:

يقول «محمّد»: «رغم نشوئي في أُسرة سنّية حنفيّة تلهج بذكر الصحابة، وتعظّم الخلفاء، إلاّ أنّي وجدت في نفسي حبّاً عميقاً لآل البيت عليهم‌السلام. فمن ذا الذي يسمع ببطولات علي عليه‌السلام ولا يعشقه؟!

ومن ذا الذي يعرف فاطمة عليهاالسلام ولا يعترف بها سيّدة لنساء العالمين كما وصفها أبوها(1)؟!

ومن ذا يسمع بمناقب الحسنين عليهماالسلام السبطين اللذين أحبّهما رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ثُمّ لا يحبّهما»؟!

ويواصل «محمّد» الكلام بالقول: «صادف أن سافرت من مدينة الموصل إلى مدينة كربلاء، وهناك رأيتُ بعض مظاهر العزاء الحسيني الحماسيّة المشجية، فهزّتني


1) شرح الأخبار ٣: ٥٦.

من الأعماق، وتساءلت مع نفسي؟ لماذا قتل بنو أميّة الحسين عليه‌السلام، وهو ابن بنت رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم الحبيب إليه، والذي قال فيه: حسين منّي وأنا من حسين(1)وجرّني هذا التساؤل إلى تساؤلات أُخرى لا تكاد تنتهي»!

واقعة كربلاء نتيجة المكر القرشي والحقد الأموي:

يضيف «محمّد» إلى ما سبق: «حملت أسئلتي كالجبال على قلبي، وذهبت إلى أحد العلماء بكربلاء وسألته وسألته وسألته . . . وكان يجيبني بهدوء وتروٍّ، حيث شرح لي تاريخ الإسلام والمسلمين منذ اليوم الأوّل حيث كانت تحاصرهم قريش وتؤذيهم أشدّ الأذى، وكيف كان رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم وآل بيته يتحمّلون آذاهم ويجاهدونهم رغم قلّة الأنصار وضعف الإمكانات.

وقد ضربت خديجة زوجة النبيّ وأبو طالب عمّه أروع أمثلة التضحية والفداء في سبيل حفظ الرسالة الإسلاميّة، والدفاع عنها بكلّ ما أوتوا من مال وجاه حتّى ماتا في هذا السبيل.

وبعد هجرة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم إلى المدينة وقيام الدولة الإسلاميّة، برزت بطولات علي عليه‌السلام في الدفاع عن الإسلام، وحماية النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في الحروب، وظهر إخلاصه ولياقته علماً وعملاً، ممّا أدّى إلى حسد المنافقين وضعيفي الإيمان الذين لم يدفعوا عائلاً، ولم يقدّموا طائلاً.

أمّا النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فكان يعظّم عليّاً، ويشيد ببطولاته، ويبيّن إخلاصه وقدراته العلميّة التي تنفع في حلّ المشكلات الكثيرة التي كان يواجهها الإسلام الحديث الذي لم يصلب عوده بعد.

ثُمّ صدر الأمر الإلهي بتعيين علي عليه‌السلام واليّاً للمسلمين، ووصيّاً لرسول ربّ العالمين، ولكنّ الذي حصل بعد وفاة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم أن سارع البعض إلى السقيفة


1) مسند أحمد ٤: ١٧٢.

لحسم أمر خلافة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم لصالحهم حيث استخدموا الإرهاب والإرجاف والتهديد.

ثُمّ دافعوا عن عملهم بأنّه لمصلحة الإسلام، ولرفع الفتنة التي كان يمكن أن تقوم لو سلّمت الأُمور لعلي بن أبي طالب عليه‌السلام، إذ أن العرب لا يطيعونه، وقريش لا يستسلمون له حسب زعمهم.

وكان الجواب الحقّ لهذا الكلام قد أتى سريعاً على لسان فاطمة عليهاالسلام إذ خاطبت الصحابة في مسجد أبيها بعد أن بيّنت جهاد علي عليه‌السلام وفضله، واصفة عمل هؤلاء: «ألا في الفتنة سقطوا . . . »(1).

ثُمّ قرّعت الصحابة على سكوتهم، وتخاذلهم عن نصرة آل نبيّهم صلى الله عليه و آله و سلم وخصوصاً الأنصار منهم الذين سلّموا الأُمور للمنقلبين على الأعقاب، وصاروا من أتباعهم.

ثُمّ دارت الأيّام والإمام علي عليه‌السلام صابرٌ وفي العين قذى، وفي الحلق شجى(2)حتّى قتل الخليفة الثالث، فتوجّه المسلمون فزعين إلى الإمام علي عليه‌السلام، فأغاثهم ونبّههم وحذّرهم.

ولكنّ أيّام الانقلاب على الأعقاب فعلت فعلها، وتركت آثارها، فاجتمع على حرب علي عليه‌السلام الناكثون، والقاسطون، والمارقون إلى أن التحق بربّه مجاهداً مؤمناً، حيث اغتاله أشقى مَن على الأرض والسماء فخضّب لحيته الكريمة بدماء هامته في محراب الصلاة.

ثُمّ إنّ الإمام الحسن عليه‌السلام صالح معاوية حفاظاً على الإسلام، واشترط عليه


1) الاحتجاج ١: ١٣٧.

2) نهج البلاغة ١: ٣٠، الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية.

شروطاً عديدة منها، أن لا يولّي على الخلافة أحداً.

لكنّ معاوية نقض معاهدة الصلح وولّى ابنه يزيد السكّير خليفة على رقاب المسلمين، وخضعت له الأمّة المسكينة التي فقدت إرادتها وازدادت همّاً فوق همّ. ولم يكن سوى الحسين عليه‌السلام يعلن بكلّ صراحة أنّه لا يبايع مثل يزيد فأخرجه بنو أُميّة من مدينة جدّه رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، فذهب إلى مكّة ومنها إلى العراق، حيث دعاه أهلها لنصرته.

ولكنّهم تخاذلوا لمّا رأوا من إرهاب بني أُميّة وواليهم ابن زياد، وتركوا الحسين عليه‌السلام مع قلّة من الأنصار المخلصين الذين دافعوا عن آل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وعيالاتهم.

ولكنّ الحقد الأموي جمّع عشرات الآلاف لحرب الحسين عليه‌السلام، وسفك دمه الطاهر، وسبي عياله، فوقعت ملحمة كربلاء التي كانت يوماً عسيراً، لا يوم مثله على آل رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، وهكذا تسلسلت الأحداث من سقيفة المكر إلى كربلاء الغدر.

الهجرة إلى كربلاء:

ثُمّ يختم «محمّد» كلامه بالقول: «استمرّت مباحثاتي مع هذا العالم الجليل لمدّة سنتين، لم أترك صغيرة ولا كبيرة لي فيها إبهام، أو أنا على جهل منها إلاّ وسألته، وكان هو طويل البال، قويّ الأعصاب، يجيب على تساؤلاتي التي قد يسمج بعضها.

ولم يكن صبر هذا العالم من حظّي الحسن فقط، بل شجّعني أيضاً بعض شباب مدينة كربلاء الذين كانوا يستقبلوني بحفاوة بالغة، ويودّعوني بكرم وأخلاق نبيلة، لم أعهدها من قبل.

وكان من حُسن حظّي أيضاً أنّي اتصلت بعالم الشيعة في الموصل، واستفدت من علومه أيضاً في درب الاستبصار الشاق في تحصيل الأدلّة والبراهين، رغم

وضوح الحقّ، وحصول الهداية من اليوم الأوّل الذي عرفت به الشيعة الكرام وأوليائهم الأئمّة المعصومين العظام.

هذا وقد جذبني حُبّ الحسين الشهيد عليه‌السلام إلى الهجرة إلى مدينة كربلاء، والانتماء إلى حوزتها الشريفة، لعلّي أكون من النافرين في سبيل اللّه‌ للتفقّه والعودة إلى الأهل لإنذارهم وهدايتهم إلى طريق الإسلام الصحيح المنوّر بأنوار آل البيت عليهم‌السلام والمعطّر بدم شهيد كربلاء الذي قوّض صروح الباطل، وهزّ عروش الطغاة.

{١٥} محمود التميمي (حنفي / العراق)

الصورة

H09

ولد عام ١٣٨٨ه (١٩٦٩م) في مدينة «بغداد» ترعرع في أحضان أسرة متمسّكة بالمذهب الحنفي، فأمضى شطراً من حياته متّبعاً لنهج أسلافه وآبائه، ومتأثّراً بالبيئة التي كانت تحيطه.

التعرّف على الشيعة:

يقول «محمود»: لم يكن لي معرفة بالشيعة وعقائدهم سوى أنّهم فرقة منحرفة تعبد الإمام علي عليه‌السلام، وكان هذا الأمر هو الهاجس الذي يمنعني من الاهتمام بهذه الفرقة التي كنت معتقداً ببطلانها وبانحرافها عن الحقّ والصواب.

شاءت الأقدار الإلهية أن اطّلع على كتاب «المراجعات»، وهو كتاب يتضمّن حواراً دار بين العلاّمة عبد الحسين شرف الدين والشيخ سليم البشري رئيس جامع الأزهر في وقته، وما أن بدأت بمطالعة الكتاب حتّى جذبتني قوّة استدلال السيّد عبد الحسين شرف الدين، حيث كان كلامه مستنداً إلى البراهين والأدلّة المنطقية، وهذا ما دفعني لإعادة النظر حول الشيعة ومعتقداتهم، كما تبيّنت لي أمور لم أكن أعهدها من قبل، كمبادرة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم إلى تعيين الخليفة من بعده، وتبيين المنهج الذي يضمن

للاُمّة السعادة الدنيوية والأخروية، ومن خلال تعطّشي لمعرفة الحقائق أحببت

التعمّق في البحث، فعكفت على مطالعة الكتاب مدّة طويلة علّني أجد ما يروي غليلي.

وبالفعل كانت النتيجة باهرة لي حيث تبيّن لي وجود الكثير من الأحاديث التي أمر فيها النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم الناس باتّباع أهل بيته من بعده، كحديث الثقلين وحديث الغدير و...، فوجدت بأنّ كتب الفريقين قد تناولت هذه الأحاديث حدّ التواتر، وهذا ما أدّى بي إلى القيام بغربلة معتقداتي التي ورثتها من أسلافي من دون دليل وبرهان.

حديث الثقلين:

يعتبر حديث الثقلين من الأحاديث المشهورة التي تناولتها كتب الفريقين، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن يزيد بن حيان قال:

«انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلمّا جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم وسمعت حديثه وغزوت معه وصلّيت خلفه لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدّثنا يا زيد ما سمعت من رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم.

قال: يا ابن أخي واللّه‌ لقد كبرت سنّى وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول اللّه‌ صّى اللّه‌ عليه وسلّم ثمّ قال قام رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خمّاً بين مكّة والمدينة فحمد اللّه‌ وأثنى عليه ووعظ وذكّر ثمّ قال: «أمّا بعد ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أوّلهما كتاب اللّه‌ فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب اللّه‌ واستمسكوا به»، فحثّ على كتاب اللّه‌ ورغّب فيه ثمّ قال: «وأهل بيتي» أُذكّركم اللّه‌ في أهل بيتي أُذكّركم اللّه‌ في أهل بيتي أُذكّركم اللّه‌ في أهل بيتي...»(1).


1) صحيح مسلم ٧: ١٢٣.

وأخرجه الترمذي بلفظ آخر عن زيد بن أرقم قال:

«قال رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب اللّه‌ حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(1).

وأخرج أحمد في مسنده عن زيد بن ثابت قال:

«قال رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلّم: «إنّي تارك فيكم خليفتين كتاب اللّه‌ حبل ممدود ما بين السّماء والأرض - أو ما بين السّماء إلى الأرض - وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض»(2).

تواتر حديث الثقلين:

يتبيّن من خلال ما ذكره المؤرّخون أنّ حديث الثقلين قد بلغ حدّ التواتر على ما صرّح به الشيخ أبو المنذر سامي بن أنور المصري الشافعي حيث قال: «فحديث العترة بعد ثبوته من أكثر من ثلاثين طريقاً وعن سبعة من صحابة سيّدنا رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وآله ورضي عنهم، وصحّته التي لا مجال للشّك فيها يمكننا أن نقول: إنّه بلغ حد التواتر...»(3).

وذكر ابن حجر الهيتمي حديث التمسّك وقال في ذيله: «ثمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشر صحابياً ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه وفي بعض تلك الطرق أنّه قال ذلك بحجّة الوداع بعرفة وفي أخرى أنّه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه وفي أخرى أنّه قال


1) صحيح الترمذي ٥: ٣٢٩.

2) مسند أحمد ٥: ١٨٢.

3) أئمّة أهل البيت للشيخ حكمت الرحمة: ٦٦، عن الزهرة العطرة في حديث العترة ٦٩ - ٧٠.

ذلك بغدير خمّ وفي أخرى أنّه قاله لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف كما مرّ ولا تنافي، إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة»(1).

مواجهة الحقائق:

يقول «محمود التميمي» بعد اطلاعي صحّة ما ذكره العلاّمة شرف الدين من وجود الأحاديث التي تحتّم على المسلمين اتّباع العترة الطاهرة، وتبيّن لهم المنهج الحقّ، وترسم لهم الطريق الصحيح، أصبت بخيبة أمل كبيرة إزاء النتائج الحاصلة، ولم أكن أتصوّر في بادي البحث أن تؤدّي النتائج إلى الكشف عن تراث هشّ لا يعتمد على دليل وبرهان.

وكنت أعيش حالة من الصراع النفسي توحي إليّ الأدلّة والبراهين ببطلان معتقدي الموروث، فأبادر إلى ترك معتقدي السابق، ولكن تمنعني العاطفة فأحنّ على تراث عشت على ضوء تعاليمه شطراً من الزمن، وكانت الشكوك هي العقبة الكبرى في التحرّر من الماضي، فكان شباك الشكوك هو الآخر من نوعه في توقّفي عن اتّباع ما تملي عليّ الأدلّة والبراهين، وكان السؤال المهمّ في خضم هذه التساؤلات هو هل تذعن ببطلان ما كان عليه السلف الصالح؟

التحرّر من العصبية طريق النجاة:

أمضيت مدّة من الزمن على هذا الحال، أنجذب تارة نحو تعاليم العقل تاركاً خلفي تعاليم الأسلاف التي تبيّن لي مدى بطلانها وزيفها، وأخرى تتغلّب عليّ العاطفة، فأحنّ على ما ورثته وناضلت من أجله وبذلت الكثير من الجهود في سبيله. وفي خضم هذا الصراع كان العقل هو المنتصر ومع هذا فإنّني لم أستسلم للعقل إلاّ بعد التحرّر من التعصّب والتقليد الأعمى للآباء والأسلاف، كيف والقرآن


1) الصواعق المحرقة ٢: ٤٤٠.

الكريم يذمّ اللذين يتّبعون الآباء والأسلاف من دون دليل قائلاً: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ(1).

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ(2). ومن هذا المنطلق قمت بغربلة موروثاتي العقائدية، وتركت ما كان عليه آبائي، حيث تبيّن لي فساد ما كانوا عليه، واتّبعت ما تملي عليّ الأدلّة والبراهين التي لا تشوبها شائبة، فتمسّكت بتعاليم أهل البيت عليهم‌السلام متّبعا ما أوصى به النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وملتحقاً بسفينة النجاة سفينة أهل البيت عليهم‌السلام.


1) البقرة ٢: ١٧٠.

2) لقمان ٣١: ٢١.

{١٦} محمود جاف (شافعي / العراق)

الصورة

H10

ولد عام ١٣٨٠ه (١٩٦١م) في مدينة ديالى بالعراق، نشأ في أسرة شافعيّة المذهب، ثمّ ترك وطنه لظروف خاصّة وسكن في إيران، وبمرور الزمان تعلّم اللغة الفارسيّة، وبدأ يتعرّف على العقائد والأفكار والثقافة الشيعيّة، ولكنّه حاول أن لا يتأثّر بها ؛ لأنّه كان يعتقد بأنّ المصادر التي تعتمد عليها الشيعة مغايرة لمصادر مذهبهم ؛ ولهذا لا يصحّ الاعتماد على عقائد الشيعة، ولكن مالفت انتباهه ولاسيّما عند استماعه المحاضرات الدينيّة هو استشهاد الشيعة بكتب أهل السنّة، فدفعه هذا الأمر إلى التأمّل والتأنّي.

واشتدّ دافع «محمود جاف» للاهتمام بالمسائل الدينيّة واتّجه نحو البحث ومطالعة الكتب، واستماع المحاضرات، وانتقاد الشيعة لبعض الصحابة، واستشهادهم بكتب أهل السنّة، فلم يتحمّل «محمود» هذه المرّة الأمر، فقصد الكتب ليراجع فيها أرقام المجلّدات والصفحات التي بيّنها الشيعة من أجل إثبات عقيدتهم حول الصحابة.

وكانت المفاجأة كبيرة عندما وجد «محمود جاف» صحّة ما يقوله الشيعة حول الصحابة، وبيّن له البحث بأنّ من حقّ كلّ مسلم دراسة حياة الصحابة، وإخضاعهم للجرح والتعديل ؛ لأنّ الصحابة لم يكونوا معصومين، بل فيهم العادل،

وفيهم الفاسق، وفيهم من وقف مع رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم في كلّ المواقف، وفيهم من وقف بوجه رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم في بعض الحالات، ومنهم من آذى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وتجاوز الحدود الدينيّة والاخلاقيّة أمامه، فلا داعي لرفض التاريخ والتمسّك بنظريّة يكذّبها الواقع الخارجي.

موقف الرسول صلى الله عليه و آله و سلم من الصحابة:

يستغرب الباحث عندما يجد تعصّب بعض المسلمين على عدالة جميع الصحابة، في الوقت الذي يكون لرسول اللّه‌ موقف آخر إزاء صحابته منها:

قال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «بينما أنا قائم فإذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم.

فقال: هلمّ.

فقلت: إلى أين؟

فقال: إلى النار واللّه‌.

قلت: ما شأنهم؟

قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أرى يخلص منهم إلاّ مثل همل النّعم»(1).

وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «إنّي فرطكم على الحوض، من مرّ عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثمّ يحال بيني وبينهم، فأقول: أصحابي.

فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي»(2).


1) صحيح البخاري ٧: ٢٠٨، كتاب الرقاق باب في الحوض.

2) صحيح البخاري ٨: ٨٧، كتاب الفتن، صحيح مسلم ٧: ٦٧، كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبيّنا صلى الله عليه و آله و سلم .

الصحابة والتنافس على الدنيا:

قال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «إنّي فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإنّي واللّه‌ لأنظر إلى حوضي الآن، وإنّي أُعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإنّي واللّه‌ ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها(1). ويجد كلّ متأمّل في تاريخ صدر الإسلام بأنّ الصحابة تنافسوا على الدنيا حتّى سُلّت سيوفهم في هذا المجال، وتقاتلوا، وكفّر بعضهم بعضاً.

وقد اشتهر عن بعض الصحابة بأنّهم كنزوا الذهب والفضّة، وقد ورد – على سبيل المثال - في خصوص ممتلكات الزبير:

١ - «إنّ الزبير ترك من العروض بخمسين ألف ألف درهم، ومن العين خمسين ألف ألف درهم». واقتسم مال الزبير على أربعين ألف ألف»(2).

٢ - «اقتسم ميراث الزبير على أربعين ألف ألف»(3).

٣ - عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت قيمة ما ترك الزبير أحدىً وخمسين أو اثنين وخمسين ألف ألف»(4).

٤ - «عن عروة قال: كان للزبير بمصر خطط، وبالاسكندريّة خطط، وبالكوفة خطط، وبالبصرة دور، وكانت له غلاة تقدم عليه من أعراض المدينة»(5).

٥ - كان للزبير أحد عشرة داراً بالمدينة، ودارين بالبصرة، وداراً بالكوفة وداراً بمصر»(6).


1) صحيح البخاري ٢: ٩٤، باب الجنائز ٤: ١٧٦، كتاب بدء الخلق، باب علامات النبوّة في الإسلام.

2) سير أعلام النبلاء ١: ٦٥.

3) الطبقات الكبرى، لابن سعد ٣: ١١٠.

4) المصدر نفسه.

5) الطبقات الكبرى ٣: ١١٠.

6) صحيح البخاري ٤: ٥٢.

وما ورد في خصوص ممتلكات طلحة بن عبيد اللّه‌:

١ - قال عمرو بن العاص: حُدّثت أنّ طلحة بن عبيد اللّه‌ ترك مائة بهار، في كلّ بهار ثلاث قناطر ذهب، وسمعت أنّ البهار جلد ثور»(1).

٢ - خلّف طلحة ثلاثمائة حمل من الذهب(2).

٣ - قُتل طلحة بن عبيد اللّه‌ وفي يد خازنه ألف ألف درهم ومئتا ألف درهم، وقوّمت أصوله وعقاره بثلاثين ألف ألف درهم»(3).

٤ - «كانت قيمة ما ترك طلحة بن عبيد اللّه‌ من العقار والأموال، وما ترك من الناضح ثلاثين ألف ألف درهم، ترك من العين ألفي ألف ومائتي ألف درهم ومائتي ألف دينار والباقي عروض»(4).

وما ورد في خصوص ممتلكات عبد الرحمن بن عوف:

١ - «عن عثمان بن شريد قال: ترك عبد الرحمن بن عوف ألف بعير، وثلاثة ألف شاة بالنقيع، ومائة فرس ترعى بالنقيع، وكان يزرع الجرف على عشرين ناضحاً»(5).

٢ - «إنّ عبد الرحمن بن عوف توفّي، وكان فيما ترك ذهب قطّع بالفؤوس حتّى

مجلت أيدي الرجال منه»(6).

٣ - «بلغ ثمن ماله [أي: مال عبد الرحمن بن عوف] مائة وستّين ألف درهم»(7).


1) طبقات ابن سعد ٣: ٢٢٢.

2) سير أعلام النبلاء ١: ٤٠.

3) المستدرك للحاكم ٣: ٣٦٩.

4) الطبقات الكبرى لابن سعد ٣: ٢٢٢.

5) المستدرك للحاكم ٣: ٣٠٩.

6) الطبقات الكبرى لابن سعد ٣: ١٣٦.

7) تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي ٢: ٨٩.

وما ورد في خصوص تصرّف عثمان بن عفّان ببيت مال المسلمين:

١ - «كان من جملة ما نقم به على عثمان عنه أنّه أعطى ابن عمّه مروان بن الحكم مائة ألف وخمسين أوقية، وأعطى الحارث عشر ما يباع في السوق، أي سوق المدينة، وأنّه جاء إليه أبو موسى بكيلة ذهب وفضّة فقسّمها بين نسائه وبناته، وأنّه أنفق أكثر بيت المال في عمارة ضياعه ودوره، وأنّه حمى لنفسه دون إبل الصدقة»(1).

٢ - «كان لعثمان عند خازنه يوم قّتل ثلاثون ألف ألف درهم، وخمسون ومائة ألف دينار، فانتهيت وذهبت، وترك ألف بعير بالربذة، وترك صدقات بقيمة مائتي ألف دينار»(2).

٣ - «وكان قد صار له أموال عظيمة... وله ألف مملوك»(3).

٤ - «بني في المدينة وشيدها بالحجر والكلس، وجعل أبوابها من الساج والعرعر، واقتنى أموالاً وجناناً وعيوناً بالمدينة»(4).

وعموماً تكشف هذه الوثائق لكلّ باحث حقيقة بعض الصحابة، ولو أضفنا إلى هذه الأمور مسألة سفك الدماء التي تلطّخت أيدي الكثير من الصحابة بها، فسيتكوّن لدينا انطباع مغاير تماماً لمسألة عدالة الصحابة، عندها سوف نتحرّر من الهالات المزيّفة التي حاول البعض رسمها على هؤلاء بصورة مطلقة.

نعم كان في الصحابة المؤمنون الأخيار الأتقياء، الذين بذلوا كلّ ما لديهم من غالٍ ونفيس في سبيل إعلاء كلمة الحقّ، ولكن كان فيهم أيضاً من في قلوبهم مرض ومن ختم اللّه‌ على سمعهم وأبصارهم فهم لا يعقلون. ومهمّتنا كباحثين هو إعمال قاعدة الجرح والتعديل على هؤلاء وغربلتهم من أجل معرفة من يمكننا الاعتماد عليه في معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه و آله و سلم .


1) السيرة الحلبيّة للحلبي ٢: ٢٧٢.

2) تاريخ الإسلام ٣: ٤١٦، البداية والنهاية ٧: ٢١٤.

3) دول الإسلام للذهبي ١: ٢٣.

4) مروج الذهب للمسعودي ٢: ٣٤٩.

{١٧} مروان النقشبندي (شافعي / العراق)

ولد عام ١٣٧٦ه (١٩٥٧م) في دهوك، قضاء العماديّة بالعراق، نشأ في أسرة شافعيّة المذهب، واصل دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على شهادة البكالوريوس فرع علوم الشرطة.

هاجر إلى إيران بعد انتصار الثورة الإسلاميّة نتيجة تأثّره بمبادئ هذه الثورة، ثمّ توجّه إلى البحث في الصعيد العقائدي من أجل رفع مستواه العلمي، فكانت نتيجة بحثه الاستبصار بنور معارف أهل البيت عليهم‌السلام، فأعلن استبصاره عام ١٤٠٤ه

(١٩٨٤م).

الكتب الشيعيّة التي تأثّر بها:

يقول «مروان» حول الكتب التي تأثّر بها في استبصاره: تأثّرت بكتاب (المراجعات) وكتاب (النصّ والاجتهاد) للسيّد عبد الحسين شرف الدين، وكتاب (معالم المدرستين) للسيّد مرتضى العسكري، وكتاب (فلسفتنا) و(اقتصادنا) للسيّد محمّد باقر الصدر، و(موسوعة شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد.

مقتطفات من شرح نهج البلاغة:

إنّ ابن أبي الحديد على رغم تمسكّه بمذهب أهل السنّة لكنّه بحث بصورة محايدة، وبيّن الكثير من الحقائق في كتابه شرح نهج البلاغة، منها قوله في وصف

الإمام علي عليه‌السلام:

«كان أشجع الناس وأعظمهم إراقة للدّم، وأزهد الناس وأبعدهم عن ملاذ الدنيا، وأكثرهم وعظاً وتذكيراً بأيّام اللّه‌ ومَثُلاته، وأشدّهم اجتهاداً في العبادة وآداباً لنفسه في المعاملة، وكان مع ذلك ألطف العالم أخلاقاً، وأسفرهم وجهاً، وأكثرهم بشراً، وأوفاهم هشاشة، وأبعدهم عن انقباض موحش أو خلق نافر أو تجهّم مباعد أو غلظة وفظاظة تنفر معهما نفس أو يتكدّر معهما قلب»(1).

وفي شرح كلام أمير المؤمنين عليه‌السلام في حقّ أهل البيت عليهم‌السلام حيث قال الإمام عليه‌السلام: «هم أصول الدين، إليهم يفي إلغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة، الآن رجع الحقّ إلى أهله».

يقول ابن أبي الحديد:

جعلهم كمنقب يسير في فلاة، فالغالي أي: الفارط المتقدّم، الذي قد غلا في سيره يرجع إلى ذلك المقنب إذا خاف عدوّاً، ومن قد تخلّف عن ذلك المقنب فصار تالياً له يلحق به إذا أشفق من أن يتخطّف.

ثمّ ذكر خصائص حقّ الولاية، والولاية: الإمرة ؛ فأما الإماميّة فيقولون: أراد نصّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم عليه على أولاده، ونحن [أهل السنّة] نقول: لهم خصائص حقّ ولاية الرسول صلى الله عليه و آله و سلم على الخلق.

ثمّ قال عليه‌السلام: «وفيهم الوصيّة والوراثة» أمّا الوصيّة فلا ريب عندنا [أهل السنّة ]أنّ عليّاً عليه‌السلام كان وصيّ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم وإن خالف في ذلك من هو منسوب عندنا إلى العناد، ولسنا نعني بالوصيّة النصّ والخلافة، ولكن أموراً أخرى لعلّها - إذا لمحت - أشرف وأجلّ.

وأمّا الوراثة فالإماميّة يحملونها على ميراث المال والخلافة، ونحن [أهل


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٥١.

وأمّا أصحابنا [أهل السنّة]، فلهم أن يقولوا إنّه لمّا كان أمير المؤمنين عليه‌السلام هو الأفضل والأحقّ، وعُدل عنه إلى من لا يساويه في فضل ولا يوازيه في جهاد وعلم، ولا يماثله في سؤدد وشرف... فأصحابنا [أهل السنّة] لمّا أحسنوا الظنّ بالصحابة وحملوا ما وقع منهم على وجه الصواب وأنّهم نظروا إلى مصلحة الإسلام وخافوا فتنة لا تقتصر على ذهاب الخلافة فقط، بل وتفضي إلى ذهاب النبوّة والملّة، فعدلوا عن الأفضل الأشرف الأحقّ إلى فاضل آخر دونه، فعقدوا له، احتاجوا إلى تأويل هذه الألفاظ الصادرة عمّن يعتقدونه في الجلالة والرفعة قريباً من منزلة النبوّة، فتأوّلوها بهذا التأويل(1).

وذكر ابن أبي الحديد الخلاف الذي كان بين الإمام علي عليه‌السلام وعثمان فقال: «وأمّا قوله عليه‌السلام: «قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها محمودين» فمراده أمر عثمان وتقديمه في الخلافة عليه، ومن الناس من يحمل ذلك على خلافة الشيخين أيضاً... وأمّا بيعة عثمان، ثمّ ما يجري بينه عليه‌السلام وبين عثمان من منازعات طويلة وغضب تارة... ومراسلات خشنة ولطيفة، وكون الناس بالمدينة كانوا حزبين

وفئتين: إحداهما معه عليه‌السلام والأخرى مع عثمان... ولسنا نمنع أن يكون في كلامه عليه‌السلام الكثير من التوجّد والتألّم لصرف الخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم عنه عليه‌السلام(2).

موقف الإمام علي من خلافة أبي بكر:

وحول موقف أمير المؤمنين علي عليه‌السلام من خلافة أبي بكر قال ابن أبي الحديد: «قال أبو جعفر: إنّ الأنصار لمّا فاتها ما طلبت من الخلافة قالت - أو قال بعضها: لا نبايع إلاّ عليّاً. وذكر نحو هذا علي بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير الموصلي في تاريخه(3).


1) المصدر السابق ١: ١٥٦ - ١٥٧.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٢٨٠.

3) يقصد الكامل في التاريخ ٢: ٢٢٠.

فأمّا قوله: «لم يكن لي معين إلاّ أهل بيتي فضننت بهم عن الموت» فقول ما

زال علي عليه‌السلام يقوله، ولقد قاله عقيب وفاة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم قال: لو وجدت أربعين ذوي عزم. ذكر ذلك نصر بن مزاحم في كتاب «صفين» وذكره كثير من أرباب السيرة»(1).

ويقول ابن أبي الحديد: قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز: أخبرنا أبو زيد عمر ابن شبّه، قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر عن ابن وهب، عن ابن لهيعة عن أبي الأسود قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة، وغضب علي عليه‌السلام والزبير، فدخلا بيت فاطمة عليهاالسلام، معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة منهم أُسيّد بن حُضير وسلمة بن سلامة بن وقش - وهما من بني عبد الأشهل – فصاحت فاطمة عليهاالسلام، ونا شدتهم اللّه‌، فأخذوا سيفي علي والزبير، فضربوا بها الجدار حتّى كسروها، ثمّ أخرجهما عمر يسوقهما حتّى بايعا»(2).

الخلافة المغتصبة:

«فلّما اجتمع الناس على أبي بكر قسّم قسماً (العطاء) بين نساء المهاجرين والأنصار، فبعث إلى امرأة من بني عديّ بن النجار قسمها مع زيد بن ثابت، فقالت:

ما هذا؟

قال: قسمٌ قسمه أبو بكر للنساء.

قالت: أترا شونني عن ديني! واللّه‌ لا أقبل منه شيئاً، فردّته عليه.

قلت: قرأت هذا الخبر على أبي جعفر يحيى بن محمّد العلوّي الحسيني المعروف بابن أبي زيد نقيب البصرة رحمه اللّه‌ تعالى في سنة عشر وستمائة من كتاب السقيفة

لأحمد بن عبد العزيز الجوهري قال:


1) شرح نهج البلاغة ٢: ٢٢.

2) المصدر السابق ٢: ٥٠.

لقد صدقت فراسة الحُباب، فإنّ الذي خافه وقع يوم الحَرّة وأخذ من الأنصار ثأر المشركين يوم بدر، ثمّ قال لي رحمه اللّه‌ تعالى: ومن هذا خاف أيضاً رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم على ذرّيته وأهله، فإنّه كان صلى الله عليه و آله و سلم قد وتر الناس، وعلم أنّه إن مات وترك ابنته وولدها سُوقة ورعيّة تحت أيدي الولاة كانوا بعرض خطر عظيم، فما زال يقرّر لابن عمّه قاعدة الأمر بعده، حفظاً لدمه ودماء أهل بيته ؛ فإنّهم إذا كانوا ولاة الأمر كانت دماؤهم أقرب إلى الصيانة والعصمة ممّا إذا كانوا سوقة تحت يد والٍ من

غيرهم، فلم يساعده القضاء والقدر، وكان من الأمر ما كان، ثمّ أفضى أمر ذريّته فيما بعد إلى ما قد علمت(1).

«وقال أبو بكر: وحدّثنا أبو زيد عمر بن شبّه، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي، قال: حدّثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي: قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟

فقيل: عند علي وقد تقلّد سيفه.

فقال: قم يا عمر، قم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتّى تأتياني بهما.

فانطلقا، فدخل عمر، وقام خالد على باب البيت من الخارج.

فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟

فقال: نبايع عليّاً.

فاخترطه عمر فضرب به حجراً فكسره، ثمّ أخذ بيد الزبير فأقامه ثمّ دفعه وقال: يا خالد دونكه.

فأمسكه، ثمّ قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر. فتلكّاً، واحتبس، فأخذ بيده وقال:

قم، فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير فاخرجه.

ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر، ما


1) المصدر السابق ٢: ٥٣.

أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول اللّه‌! واللّه‌ لا أكلّم عمر حتّى ألقى اللّه‌(1).

مؤامرة السقيفة:

«لمّا قبض رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم واشتغل علي عليه‌السلام بغسله ودفنه، وبويع أبو بكر، خلا الزبير وأبو سفيان وجماعة من المهاجرين بعبّاس وعلي عليه‌السلام لإجالة الرأي، وتكلّموا بكلام يقتضي الاستنهاض والتهييج.

فقال العبّاس رضي اللّه‌ عنه: قد سمعنا قولكم، فلا لقلّة نستعين بكم، ولا لظنّة نترك آراءكم فأمهلونا نراجع الفكر، فإن يكن لنا من الإثم مخرج يصرّ بنا وبهم الحقّ ضرير الجدجد، ونبسط إلى المجدأ كفّاً لا نقبضها أو نبلغ المدى، وإن تكن الأخرى، فلا لقلّة في العدد ولالوهن في الأيد، واللّه‌ لولا أنّ الإسلام قيّد الفتك لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحل العلي.

فحلّ علي عليه‌السلام حبوته، وقال: الصبر حلم، والتقوى دين، والحجّة محمّد، والطريق الصراط، أيّها اناس شقّوا أمواج الفتن... الخطبة، ثمّ نهض فدخل إلى منزله وافترق القوم.

وقال البرّاء بن عازب: لم أزل لبني هاشم محبّاً، فلمّا قبض رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عنهم، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول، مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، فكنت أتردّد إلى بني هاشم وهم عند النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في الحجرة وأتفقّد وجوه قريش... وإذا قائل يقول: القوم في سقيفة بني ساعدة، وإذا قائل آخر يقول: قد بويع أبو بكر. فلم ألبث، وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة، وهم محتجزون بالأزر الصنعانيّة لا يمرّون بأحد إلاّ خبطوه، وقدّموه فمدّوا يده فمسحوها على يد أبي


1) المصدر السابق ٢: ٥٧.

بكر يبايعه، شاء ذلك أو أبي، فأنكرت عقلي وخرجت أشتدّ حتّى انتهيت إلى بني هاشم، والباب مغلق، فضربت عليهم الباب ضرباً عنيفاً وقلت قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة.

فقال العبّاس: تربت أيديكم إلى آخر الدهر، أمّا إنّي قد أمرتكم فعصيتموني.

فما كنت أكابد ما في نفسي، ورأيت في الليل المقداد وسلمان وأبا ذر وعبادة بن الصامت وأبا الهيثم بن التيهان وحذيفة وعمّاراً، وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين وبلغ ذلك أبا بكر وعمر، فأرسلا إلى أبي عبيدة وإلى المغيرة ابن شعبة، فسألاهما عن الرأي فقال المغيرة: الرأي أن تلقوا العبّاس فتجعلوا له ولولده في هذه الإمرة نصيباً ليقطعوا بذلك ناحية علي بن أبي طالب.

فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة: حتّى دخلوا على العبّاس، وذلك في الليلة الثانية من وفاة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم .

فحمد أبو بكر اللّه‌ وأثنى عليه وقال: إنّ اللّه‌ ابتعث لكم محمّداً صلى الله عليه و آله و سلم نبيّاً و...

ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيباً، ولمن بعدك من عقبك، إذ كنت عمّ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم وإن كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ومكان أهلك، ثمّ عدلوا بهذا الأمر عنكم، وعلى رسلكم بني هاشم، فإنّ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم منّا ومنكم.

فاعترض كلامه عمر وخرج إلى مذهبه في الخشونة والوعيد وإتيان الأمر من أصعب جهاته فقال: إي واللّه‌ وأخرى: إنّا لم نأتكم حاجةً إليكم، ولكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لأنفسكم ولعامّتهم، ثمّ سكت.

فتكلّم العبّاس، فحمد اللّه‌ وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ اللّه‌ ابتعث محمّداً نبيّاً كما وصفت ووليّاً للمؤمنين، فمن اللّه‌ به على أمّته حتّى اختار له ما عنده فخلّى الناس على

أمرهم يختاروا لأنفسهم مصيبين للحقّ، مائلين عن زيغ الهوى ؛ فإن كنت برسول اللّه‌ طلبت فحقّنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين فنحن منهم، ما تقدّمنا في أمركم فرطاً، ولا حللنا وسطاً ولا نزحنا شحطا، فإن كان هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذا كنّا كارهين. وما أبعد قولك: إنّهم طعنوا من قولك إنّهم مالوا إليك! وأمّا ما بذلك لنا، فإن يكن حقّك أعطيتناه فأمسكه عليك، وإن يكن حقّ المؤمنين فليس لك أن تحكم فيه، وإن يكن حقّنا لم نرض لك ببعضه دون بعض، وما أقول هذا أروم صرفك عمّا

دخلت فيه، ولكن للحجّة نصيبها من البيان.

وأمّا قولك: إنّ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم منّا ومنكم، فإنّ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها. وأمّا قولك يا عمر: إنّك تخاف الناس علينا، فهذا الذي قدّمتوه أوّل ذلك، وباللّه‌ المستعان(1).

حصيلة البحث:

وجد «مروان» بعد اطّلاعه على تاريخ صدر الإسلام بأنّ القضايا جرت على خلاف ما كان يبيّنه علماؤهم له، وعرف بأنّ علماؤهم أخفوا عليه الكثير من الحقائق، ولم يخبروهم إلاّ ما ابتغاه حكّام الجور كبني أميّة وبني العبّاس.

ومن هذا المنطلق اهتمّ «مروان» بدراسة المذهب الشيعي الذي يأخذ علومه من معين أهل البيت عليهم‌السلام، وبمرور الزمان تعرّف على الكثير من الحقائق التي أنارت له السبيل، فأعلن بعدها استبصاره واهتمّ بنشر علوم ومعارف أهل البيت عليهم‌السلام.

واحسّ «مروان» بعد الاستبصار بطمأنينة وسكينة لم يشعر بها من قبل، وبدأ ينظر بنور اللّه‌، وبدأ يشمئزّ من الحرام، وتميل نفسه نحو الأمور التي يرتضيها اللّه‌


1) المصدر السابق ١: ٢١٨ - ٢٢١.

سبحانه وتعالى، وتحولّت حياته إلى المعيشة في روضة من رياض الجنّة.

ويقول «مروان» حول ردود أفعال أهله وأصدقائه بعد استبصاره: تعرّضتُ لبعض المضايقات لكنّني لم أبالي بها ولم أهتّم بها، وبدأت أعيش مع أهلي وأصدقائي السابقين من منطلق قاعدة «كن مع الناس ولا تكن منهم»، وبحثت لنفسي أصدقاء جُدد، أصدقاء مؤمنين وملتزمين ومهتمّين بأمر دينهم. وبدأت أغضّ الطرف عن كلام هذا وذاك، واتحاشي محاولتهم لإدخالي في حلبة الجدل والمراء والحوار العابث،

وكنت لا أتحاور إلاّ مع الذين أرى الفائدة في الحوار معهم، الذين يتحاورون ليتعلّموا لا أنهم يتحاورون ليتغلّبوا على الآخرين.

{١٨} مصطفى خلف البياتي (حنفي / العراق)

الصورة

H11

من مواليد بغداد، نشأ في أسرة حنفيّة المذهب، وكان منذ الصغر يهوى المعارف الدينيّة، ويرغب بالحضور في الجلسات القرآنيّة التي كانت تعقد في مسجد منطقتهم، وعندما بلغ سنّ الرشد توجّه إلى العمل في الحدادة، وبعد نشوء الحرب المفروضة من النظام البعثي على إيران، أجبرته الحكومة على المشاركة في جبهات القتال، وبعد فترة وقع في الأسر، فتمّ نقله إلى معسكرات الأسر، فعاش في المعسكر

أجواء دفعته إلى البحث حتّى أدّت به في نهاية المطاف إلى الاستبصار.

الاستبصار في معسكر الأسر:

يقول «مصطفى» حول استبصاره في معسكر الأسر:

الحمد للّه‌ الذي هداني إلى الاستبصار، وكان يوماً لا أنساه أبداً، وشعرت في ذلك اليوم كأنّما ولدتُ من جديد، وكان ذلك اليوم هو اليوم الذي قرّرت فيه السير على خطّ ولاية أهل البيت عليهم‌السلام، ويعود سبب شعوري هذا أنّني كنت قبل ذلك أعيش حالة الضياع والتيه في الظلمات، والجدير بالذكر أنّني عاشرت في السجن، الشيعي والسنّي والشيوعي والقومي والبعثي وشتّى أصناف المذاهب والتيّارات،

وكان كلّ واحد من هؤلاء يدعو إلى عقائده وأفكاره ويدافع عمّا يؤمن به، فكنت

أسمع وأرى وأناقش الجميع، ولم يكن هدفي البحث عن الحقيقة، وإنّما كان النقاش والجدل والحوار وسيلة للنزهة والتحيّز والتكتّل والصراع وتثبيت الأنا، كما يتعصّب المراهقون لفرق كرة القدم.

ولكن بمرور الزمان طرق سمعي من مذهب أهل البيت كلام هزّ أعماق وجودي وغرس في نفسي الصحوة ووجدت هذا المذهب كالشمس الساطعة في سماء العلم والمعرفة، ووجدت في المذهب الشيعي الدليل العقلي والمنطقي والوجداني والفطري، فدفعني هذا الأمر إلى التأمّل.

ومن جهة أخرى كان إيماني ضعيفاً، فوجدت بأنّ معارف أهل البيت عليهم‌السلامتملأ وجودي بالشحنة الإيمانيّة، وتضيء لي درب الحياة، وتشعّ عليّ كالنور علاوة على ذلك كان الشيعة الذين عشتُ معهم في الأسر أناساً مؤمنين ومهذّبين، ومتّسمين بالأخلاق الحسنة والسلوك الطيّبة، ولم يكونوا متعصّبين، وكانوا يبّينون عقائدهم بهدوء ومن منطلق الدافع الديني لا من منطلق التعصّب أو الأنانيّة أو التغلّب أو

المصالح الشخصيّة، وكانوا يحبّون أن يقدّموا الخدمة لكلّ إنسان وبالخصوص لمن يبحث عن الحقيقة.

بدأت أكتب مضامين المناظرات التي تجري بين الشيعة والسنّة حتّى اجتمعت عندي كميّة كبيرة من المعلومات، فبدأت بمرحلة غربلة هذه المعلومات، وترتيبها وكنت أراجع الطرفين من أجل سدّ الثغرات، وبعد فترة تبيّن لي بأنّ الحقّ مع الشيعة، فواجهتني الموانع النفسيّة من الاستبصار، وانهالت عليّ الضغوط

النفسيّة، كيف أترك جماعتي أهل السنّة وأنتقل إلى الفئة المقابلة والمخالفة لنا؟ ولاسيّما أنّ الأنظار كانت متوجّهة لي ؛ لأنّني كنت أكتب البحوث وكان الجميع يعلم حرصي على معرفة الحقيقة، وتراكمت عليّ الوساوس من كلّ حدب وصوب، كنت أعي قوله تعالى:الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً

وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(1). ولكن العلم شيء والمواجهة العمليّة للواقع المرّ وتحمّل المصاعب والضغوط الداخليّة والخارجيّة شيء آخر، وهناك فرق بين من يتحدّث عن الصبر والاستقامة والثبات وبين من يعيش الصبر والاستقامة والثبات، والفاصلة بين القول والعمل هي كالفاصلة بين الأرض والسماء والكثير من يطلب العلم ويحصل على المعرفة ويدرك الفرق بين الحسن والقبح، والنافع والضار، والخير والشر، ولكن الالتزام

العملي أمر صعب جدّاً، ويتطلّب من الإنسان المزيد من الجهد وتحمّل العناء والتعب لاسيّما في الخطوة الأولى ؛ لأنّ الأمور ستسير بعدها على منوالها الطبيعي، ولكنّ العقبة الأولى صعبة جدّاً، وبمرور الزمان بدأت حركة الاستبصار تظهر في المعسكرات شيئاً فشيئاً وهذا ما هوّن عليّ الخطب قليلاً، وقلّل من ضغط المخالفين ومحاربتهم لمن يخرج من صفّهم ويلتحق بالصفّ المقابل، وعموماً توكّلت على اللّه‌

وأعلنت استبصاري، فتفاجأ الجميع، وفي ليلة وضحاها أبدى الذين كنت معهم اشمئزازهم المطلق لموقفي هذا، وطردوني من جمعهم وانتشر الخبر حتّى بلغ أهلي وأقاربي في العراق، فكان موقفهم - كما كانت تصل لي الأخبار - شديداً جدّاً، وعرفت بأنّني أصبحت غريباً، ولكن كان ذكر اللّه‌ وذكر أهل البيت عليهم‌السلام وأخلاق شيعتهم يداوي جروحي ويخرجني من حالة الغربة ويهوّن عليّ المصاعب.

وانشغلت بعد ذلك بقراءة الكتب من أجل تمتين وتقوية بنيتي العقائديّة، وكان كتاب (المراجعات) للسيّد عبد الحسين شرف الدين وكتاب (ثمّ اهتديت) للدكتور التيجاني السماوي من أهمّ الكتب التي تأثّرت بها في استبصاري.


1) البقرة ٢: ٢٦٨.

تاريخنا المظلم الأسود:

قرأ مصطفى في كتاب (ثمّ اهتديت) بأنّ الدكتور التيجاني يقول:

«أذكر على سبيل المثال أنّ الأستاذ المختصّ في تدريسنا مادّة البلاغة كان يدرّسنا الخطبة الشقشقيّة من كتاب نهج البلاغة للإمام علي عليه‌السلام، واحترت كما احتار عدد من التلاميذ عند قراءتها وتجرّأت. وسألته إن كان هذا من كلام الإمام علي حقّاً؟

فأجاب: قطعاً، ومن لمثل هذه البلاغة سواه؟ ولو لم يكن كلامه كرّم اللّه‌ وجهه لم يكن علماء المسلمين أمثال محمّد عبده مفتي الديار المصريّة ليهتّم بشرحه. عند ذلك قلت: إنّ الإمام علي يتّهم أبا بكر وعمر بأنّهم اغتصبوا حقّه في الخلافة.

فثارت ثائرة الأستاذ وانتهرني بشدّة، وهدّدني بالطرد إن عدت لمثل هذا السؤال، وأضاف قائلا: نحن ندرّس بلاغة ولا ندرّس التاريخ، وما يهمّنا شيء من أمر التاريخ الذي سوّدت صفحاته الفتن والحروب الدامية بين المسلمين، وكما طهّر اللّه‌ سيوفنا من دمائهم فلنطهّر ألسنتنا من شتمهم.

ولم أقنع بهذا التعليل، وبقيت ناقماً على ذلك الأستاذ الذي يدرّسنا بلاغة بدون معان، وحاولت مراراً عديدة دراسة التاريخ الإسلامي، ولكن لم تتوفّر عندي المصادر والإمكانات لتهيئة الكتب، وما وجدت أحداً من شيوخنا وعلمائنا يهتمّ بها، وكأنّهم تصافقوا على طيّها، وعدم النظر فيها، فلا تجد أحداً يملك كتاباً تاريخيّاً كاملاً.

فلمّا سألني صديقي عن معرفة التاريخ أحببت معاندته فأجبته بـ«نعم» ولسان

حالي يقول: أعرف أنّه تاريخ مظلم أسود لا فائدة فيه إلاّ الفتن والأحقاد والتناقضات»(1).

استفاد «مصطفى خلف» من تجربة الدكتور التيجاني السماوي، ونبذ التقليد الأعمى وتخلّى عن العقائد والأفكار المزيّفة، وشقّ طريقه بنفسه من خلال البحث المستند على الأدلّة والبراهين المتينة، وبمرور الزمان تجلّت أمامه الحقيقة بوضوح، وعرف الأسباب التي دفعت وعّاظ السلاطين إلى تحريف التاريخ الإسلامي، وقام بتهذيب التاريخ والتراث حتّى توصّل إلى اللبّ فانكشفت له حقّانيّة مذهب أهل

البيت عليهم‌السلام، فأعلن استبصاره وبدأ حياته الجديدة في ظلّ الجهاد والمثابرة للدفاع عن العقائد الحقّة التي توصّل إليها بنفسه، والتي أملتها الأدلّة والبراهين والحجج عليه.


1) ثمّ اهتديت، الدكتور التيجاني السماوي: ٣٧ - ٣٨.

{١٩} مصطفى شامل عبد العزيز الخضيري (سنّي / العراق)

ولد سنة ١٣١٩ه في «العمارة» جنوب العراق، ونشأ في عائلة سنّية المذهب ولكن لها ميول شيعيّة، فهي من العوائل التي تكنّ المودّة لأهل بيت رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم .

مودّة أهل البيت عليهم‌السلام توصل إلى الهداية:

يقول «مصطفى»: «كان أبي يحدّثني في صباه عمّا لاقاه الأئمّة عليهم‌السلام من مصائب جسام، فكانت عاطفة الولاء لأهل البيت المضطهدين تغلب على أبي، فكان لا يملك نفسه من البكاء عندما يتذّكر مصائبهم الفادحة، فكانت دموعه تنهمر حتّى تخضلّ بها لحيته، ومن الطبيعي أنّ مثل هذه الحالة عندما يشاهدها الطفل من أبيه يتأثّر بها، وتأخذ منه مأخذاً كبيراً، فكانت ذات أثر بالغ في غرس مودّة أهل البيت عليهم‌السلام في قلبي.

وبعد بلوغي مرحلة الرشد في أوائل شبابي، أخذت في مطالعة كتب التاريخ الإسلامي فعرفت حقائق مهمّة عن دور أهل البيت عليهم‌السلام في حفظ الإسلام بعد وفاة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، فضلاً عن دور الإمام علي عليه‌السلام الأساسي في نصرة الإسلام زمان الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، وعرفت التضحيات التي قدّموها في هذا السبيل، والمصائب التي تعرّضوا لها بسبب مواقفهم التي لا تحيد عن الحقّ أُنملة.

هذا وكان لمحبّة أهل البيت عليهم‌السلام التي تعمر قلبي دوراً فعالاً في معرفة الحقائق الإسلاميّة النيرّة، التي تمسّكت بها بعد طول بحثي، وجعلتها منار هدىً لي بعد شدّة معاناة في تحصيلها وتهذيبها».

وقد عبّر «مصطفى» عن عقيدته في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلامبقوله:

«إنّه أفضل بشر بعد رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، وطبعاً إنّ الأفضل أحقّ بالخلافة من المفضول، وطبعاً إنّ عترة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم هم ذريّته، وما هم عليه من العلم اللامتناهي والورع والتقوى هم الأحقّ . . . ».

مودّة أهل البيت عليهم‌السلام أجر الرسالة:

قال اللّه‌ سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: «قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»(1)، حيث جعل القرآن مودّة قربى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أجراً مقابل قيام الرسول بأعباء الرسالة التي أدّاها على أفضل وجه، كما شرّع القرآن الخمس على المسلمين، تُصرف سهامٌ منه على ذي القربى: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيٍْ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ(2).

بعد أن حرّم الشرع عليهم استلام أموال الزكاة.

وقال سبحانه: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ(3).

فمن الملاحظ أنّ الإسلام قد اهتّم بقربى الرسول فطلب مودّتهم، وشرّع لهم تشريعات خاصّة ماليّة وحقوقيّة.

فهل الإسلام - لا سامح اللّه‌ - دين عشائري، يهتمّ بقبيلة خاصّة هي بني هاشم الذين يحترمهم الشيعة ويكنّون لهم المودّة، أو قريش بصورة عامّة كما يعتقد


1) الشورى ٤٢ : ٢٣.

2) الأنفال ٨ : ٤١.

3) الأسراء ١٧ : ٢٦.

معظّم أهل السنّة بأنّ الخلافة فيهم دون غيرهم، وأنّه لا يجوز للآخرين مزاحمتهم في ذلك.

والجواب: أنّ الإسلام كرّم قربى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ولاشكّ في ذلك ؛ وما كان هذا منه إلاّ إكراماً للرسول نفسه الذي بذل الغالي والنفيس في سبيل إبلاغ الرسالة ؛ وإكراماً لهم حيث بذلوا جهوداً عظيمة، وقدّموا تضحيات كبيرة لكي يقوم عمود الدين، وتُرفع رايته خفاقةً في الآفاق.

فقد حمى أبو طالب عمّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم النبيّ من كفّار قريش، وأخفى إسلامه عليهم، واستعمل التقيّة بصورة ممتازة، بحيث لازال الكثير من المسلمين إلى الآن يعتقد بأنّه توفي كافراً - والعياذ باللّه‌ - رغم اعترافهم بخدماته للإسلام والمسلمين بصورة عامّة، والرسول بصورة خاصّة.

كما جاهد أولاد أبي طالب - وخاصّة جعفر الطيّار والإمام علي عليه‌السلام – جهاداً عظيماً وقدّموا دماءهم رخيصة في سبيل الإسلام، كما دافع حمزة عمّ النبيّ عن الإسلام دفاعاً كريماً إلى أن التحق بربّه باستشهاده في معركة أحد بعد المثلة البشعة التي أمرت بها هند زوجة أبي سفيان عدوّة الإسلام، ويطول بنا المقام لو أردنا ذكر واستقصاء مواقف قربى الرسول المشرقة في صدر الإسلام، وخاصّة الإمام علي عليه‌السلام الذي قال عنه ابن أبي الحديد المعتزلي في إحدى قصائده السبع العلويات:

ألا إنّما الإسلام لولا حسامُهُ كعفطةٍ عنزٍ أو قُلامة حافرِ

ألا إنّما التوحيد لولا علومه كعرضةِ ضلّيلٍ ونهبة كافرِ(1)

وكذلك الزهراء عليهاالسلام التي جاهدت في زمان الرسول، بالاعتناء به حتّى سمّيت بأُمّ أبيها، فضلاً عن الجهاد العلمي في تعليم أحكام الإسلام للنساء، وكان دورها الأكبر بعد وفاة الرسول في فضح مغتصبي الخلافة الذين اغتصبوا فدك منها. إن


1) التنبيهات على معاني السبع العلويات: ٨٩.

الرسول وآل بيته المعصومين المصطفون الذين اصطفاهم اللّه‌ لهداية الناس كما اصطفى آل إبراهيم وآل عمران من قبل، وهم الصفوة التي اختارها اللّه‌ لخلاص البشريّة من ويلاتها، فبهم بدأ اللّه‌ وبهم يختم.

ثُمّ إنّ الإسلام وإن كرّم قرابة الرسول على الاطلاق كرامة له، لكنّه لا يتهاون مع الكافرين منهم أبداً، فهذا أبو لهب نزل في ذمّه قرآناً يقرأ ليل نهار «تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ»(1). كما أنّ مقام الإمامة والولاية لم يعط إلاّ للمعصومين، ولا ينال عهدُ اللّه‌

الظالمين أبداً، وهذا قانون شرّع من زمان إبراهيم، قال تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(2).


1) المسد ١١ : ١ - ٣.

2) البقرة ٢ : ١٢٤.

{٢٠} مصطفى شكر قادر (سنّي / العراق)

ولد عام ١٣٨٥ه (١٩٦٦م) في «خانقين» بالعراق، ثمّ دفعه حبّ أهل البيت عليهم‌السلام الناتج من معرفتهم إلى الاستبصار عام ١٤١٢ه (١٩٩٢م) في مدينة كلار بالعراق.

مودّة أهل البيت عليهم‌السلام:

إنّ مودّة أهل البيت عليهم‌السلام هي التي دفعت «مصطفى» إلى الاستبصار حسب قوله، ولا شكّ فإنّ المودّة لا تنشأ من الفراغ، بل تحتاج المودّة إلى رصيد معرفي يحرّك مشاعر الإنسان للتوجّه إلى الجهة التي يثبت له استحقاقها للمحبّة.

وهذه المحبّة الواعية هي المحبّة التي ستّتصف بالدوام والثبوت ودونها فستكون المحبّة في مهب الريح ومتأرجحة تتلاعب بها المشاعر والأحاسيس المضطربة. ومن أهمّ الأُمور المؤدّية إلى تثبيت محبّة أهل البيت عليهم‌السلام في القلوب آية المودّة الواردة في القرآن الكريم، ولا شكّ ولا شبهة في وجود الأخبار المأثورة عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم على أنّ هذه الآية نزلت في حقّ أهل البيت عليهم‌السلام(1).


1) انظر: الدر المنثور ٦: ٧، شواهد التنزيل ٢: ١٨٩، ينابيع المودّة ٣: ١٣٧.

لماذا مودّة القربى؟

استشكل البعض بأنّه لا يناسب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أن يطلب أجراً على الرسالة في مودّة قرباه، والجواب لا شكّ ليس المقصود من القربى في هذه الآية جميع أقرباء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وإنّما المقصود عترة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم الذين اصطفاهم اللّه‌ كما اصطفى آل عمران وآل إبراهيم، ومن جملة الأُمور التي اصطفى اللّه‌ آل محمّد لها أن يكونوا حجج اللّه‌ على البرية والملجأ لحفظ ما جاء به الرسول صلى الله عليه و آله و سلم .

ومن هنا ينكشف لنا بأنّ مودّة هؤلاء يؤدّي إلى تثبيت رسالة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم من بعده لأنّ من يحبّ أهل البيت عليهم‌السلام فإنّه سيندفع إلى لحاظ رضاهم وسخطهم، وحيث أنّ رضى آل محمّد هو رضى اللّه‌، وسخط آل محمّد هو سخط اللّه‌ فسيؤدّي الالتفاف حول آل الرسول عليه‌السلام إلى تمتين علاقة الإنسان بما جاء به الرسول صلى الله عليه و آله و سلم .

ومن هذا المنطلق نعرف بأنّ هذه المودّة ليست مجرّد مودّة ناشئة من مجرّد القربى، بل هي مودّة تعود فائدتها أوّلاً وبالذات للمسلمين، وإلاّ فأبو لهب أيضاً من‌أقرباء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ولهذا فإن النبيّ عندما يطلب الأجر فهو في الحقيقة يطلب ما يؤدّي إلى تثبيت رسالته والالتفاف حول الآل وهو الثقل الثاني بعد القرآن للاعتصام من الضلال وهو السبب الأساسي لحفظ ما جاء به الرسول صلى الله عليه و آله و سلم .

دلالة آية المودّة على الإمامة:

بعد ثبوت مصداق ذوي القربى والمعرفة بأنّ وجوب المودّة خاص ببعض أقرباء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وهم كما ورد عن ابن عبّاس لمّا نزلت قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(1).

قالوا: يا رسول اللّه‌ من قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودّتهم؟


1) الشورى ٤٢: ٢٣.

قال: «علي وفاطمة وابناهما»(1).

وأمّا في خصوص دلالة هذه الآية على الإمامة فإنّ هذه المودّة وردت في الآية بصورة مطلقة ومن دون تحديد بوقت أو صفة، وهذا ما يدل ّضرورة أن يكون المؤمن دائم المودّة لأهل البيت عليهم‌السلام.

والمودّة المطلقة تستلزم وجوب الاتباع، وإلاّ لم يكن لها معنى، لأنّ انفكاك المودّة في مورد واحد خلاف ما تقدّم من الوجوب مطلقاً، والإمامة ليست إلاّ وجوب الاتباع والاقتداء، إذن خلاصة القول بأنّ الهدف من التأكيد على هذه المودّة هو تعظيم أمر الدين وتركيز قواعده، والغاية من هذه المودّة المفروضة هي ضمان حياة الدين الإسلامي وصيانته من الانحراف والضياع، وهذا ما يكشف بوضوح بأنّ هذه المودّة ليست مجرّد إظهار الودّ والمحبّة، بل هذه المودّة مسألة عقائدية لا غير.

مودّة أهل البيت أجر الرسالة:

إنّ آية المودّة تكشف بوضوح بأنّ المودّة والمحبّة لأهل البيت عليهم‌السلام أجر للنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، ولا يخفى بأنّ الأجر غير محصور بالأجر المادّي وإنّما يشمل الأجر المعنوي.

والمحبّة للّه‌ ولرسوله ولأهل بيته وللمؤمنين عموماً ثابتة وقد أمرت الشريعة بها، وقد قال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(2).

فهذه الآية تكشف بأنّ محبّتنا للّه‌ وللرسول لها أجر هو مبادلتنا الحبّ مع غفران الذنوب. ولا شكّ المودّة والمحبّة أنسب أجر يقدّمه المهتدي لهاديه، علماً بأنّ المحبّة المطلقة تستلزم الاتباع المطلق والولاية المطلقة.


1) ذخائر العقبى: ٢٥، مجمع الزوائد ٧: ١٠٣.

2) آل عمران ٣: ٣١.

كما أنّ المحبّة والمودّة أمر بإمكان كلّ مكلّف القيام به، وهي واقعة في دائرة استطاعة الإنسان.

وعموماً فإنّ هذه المودّة التي طلبها اللّه‌ من العباد إزاء رسالة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أشبه ما تكون بطبيب يبذل جهده ليعيد الصحّة إلى مريضه، وبعد هذا الجهد يقول لمريضه: أجر ما بذلت من جهد أن تلتزم بالوصفة التي كتبتها لك، وهذا في الواقع ليس أجراً واقعياً يعود نفعه إلى الطبيب، بل يعود نفعه إلى نفس المريض. وما يمكن استنتاجه من آية المودّة إنّ الاهتمام بمودّة قربى رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم أشدّ عند اللّه‌ من سائر الحسنات بحيث جعلها اللّه‌ أجراً لرسالة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، ولا شكّ بيان شدّة محبّة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لقرباه ليست اعتباطاً، وإنّما الهدف منه ما ينفع رسالة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ويعود نفعه إلى العباد.

وشيّعني حبّ أهل البيت عليهم‌السلام:

يقول «مصطفى شكر قادر» حول أهمّ أسباب استبصاره: شيّعني حبّ أهل البيت عليهم‌السلام، لأنّ من يحبّ أهل البيت عليهم‌السلام فإنّه لا شكّ سيكون معهم في كلّ اختلافاتهم مع الآخرين، ويكون من مواليهم ومعهم في كلّ مواقفهم، وهذا بعينه عين التشيّع وهذا ما أراده اللّه‌ من خلال دعوته إلى مودّة أهل البيت ليهم‌السلام.

وحاول «مصطفى» بعد استبصاره التركيز في دعوته لأهل البيت عليهم‌السلام على مسألة مودّتهم، لأنّه أدرك من خلال تجربته بأنّ هذه المودّة لم يؤكّد عليها القرآن ولم تؤكّد عليها السنّة اعتباطاً، وإنّما ورد التأكيد عليها لأهمّيتها وضرورتها في حياة الإنسان المسلم.

{٢١} معروف علي الكرخي (مسيحي / العراق)

{٢١} معروف علي الكرخي(1)(مسيحي / العراق)

من مواليد المائة الثانية بعد الهجرة النبويّة الشريفة وتوفي عام ٢٠٠ه بمدينة بغداد ودفن فيها وقبره معروف هناك.

الهداية على يد الإمام الرضا عليه‌السلام:

تذكر المصادر التاريخية(2)أنّ «معروف الكرخي» نشأ في أُسرة مسيحيّة، وحين بلغ مرحلة الصبا أرسله أبواه إلى من يعلّمه الديانة النصرانية، ولكنّه كان غير ملتزم بما يلقي عليه المعلّم من تلك التعاليم.

فذات يوم وعندما قال له المعلّم: قل ثالث ثلاثة، قال: بل هو الواحد، فضربه المعلّم ضرباً مبرحاً، فهرب «معروف» ومضى إلى الإمام علي بن موسى الرضا عليه‌السلام وكانت هذه الزيارة هي المنعطف في حياته، حيث استبصر على يد الإمام، ثمّ أصبح بّواباً له عليه‌السلام.


1) وهو أبو محفوظ معروف بن فيروز العارف المعروف الذي كان للصوفية والعرفاء فيه اعتقاد عظيم.

2) يرجى المراجعة إلى المصادر التي ذكرت قصّة استبصاره، مثل كتاب الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف لابن طاووس: ٥٢٠، مناقب آل أبي طالب عليهم‌السلام ٣: ٤٧١، باب إمامة أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه‌السلام، والكنى والألقاب ٣: ١١٠.

يقول «معروف»:... فعشت زماناً ثمّ تركت كلّ ما كنت فيه إلاّ خدمة مولاي علي بن موسى الرضا عليه‌السلام.

وقد استبصر ببركة «معروف» أبواه ودخلا الدين الإسلامي الحنيف.

احتجاجات الإمام علي بن موسى الرضا عليه‌السلام:

لقد كثر الانفتاح على الأديان والملل الأخرى في عهد الإمام الرضا عليه‌السلام، ونتيجة لذلك نشأ مجال الحوار والاحتجاج بين المسلمين وغيرهم، وقد ذكرت كتب التأريخ العديد من الأحاديث في بيان احتجاجات الإمام الرضا عليه‌السلامومناظراته مع أهل الديانات الأخرى، حيث استبصر بعضهم على يديه نتيجة استدلال الإمام الرضا عليه‌السلام.

فكان المأمون يجمع أصحاب المقالات والمتكلّمين من أهل الملل والديانات الأخرى ثمّ يمتحن الإمام الرضا عليه‌السلام بمقابلتهم له ليناظرهم ويباحثهم، ناوياً بذلك استدراج الإمام الرضا عليه‌السلام ووضعه في مقام الإجابة، آملاً التزلزل منه في استدلالاته وبراهينه.

استبصار أحد المتكلّمين في مجلس المأمون:

ذكرت المصادر الحديثية الشيعية(1)احتجاجاً ومناظرة طويلة بين الإمام علي بن موسى الرضا عليه‌السلام وجمع من علماء ومتكلّمي الديانات الأخرى في مجلس المأمون.

وقد أفحم الإمام عليه‌السلام حجج جاثليق - النصراني -، ورأس الجالوت - اليهودي -، وقسطاس الرومي في هذه المناظرة، وكان هؤلاء من أشهر علماء هذه


1) ذكر هذه الرواية الشيخ الصدوق في التوحيد: ٤٣٠، وعيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢: ١٥٠، وذكرها الشيخ الطبرسي في كتاب الاحتجاج ٢: ٢١٢، كما نقلها العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار ١٠: ٣١١، ٤٩: ١٧٦، ٥٤: ٤٧ مع شرح وتوضيح.

الديانات، عندئذ توجّه عليه‌السلام إلى الناس وقال: يا قوم، إن كان فيكم أحد يخالف الإسلام وأراد أن يسأل فليسأل غير محتشم(1). فقام إليه عمران الصابي - وكان من المتكلّمين - وقال: يا عالم الناس! لولا

أنّك دعوت إلى مسألتك لم أقدم عليك بالمسائل، ولقد دخلت الكوفة والبصرة والشام والجزيرة، ولقيت المتكلّمين فلم أقع على أحديثبت لي واحداً ليس غيره قائماً بوحدانيته، أفتأذن لي أن أسألك؟

قال الرضا عليه‌السلام: إن كان في الجماعة عمران الصابي فأنت هو!

قال: أنا هو.

قال: سل يا عمران وعليك بالنصفة، وإيّاك والخطل(2)والجور!

فقال: واللّه‌ يا سيدي ما أُريد إلاّ أن تثبت لي شيئاً أتعلّق به، فلا أجوزه!

قال: سل عمّا بدالك! فازدحم الناس وانضمّ بعضهم إلى بعض.

فقال: اخبرني عن الكائن الأوّل وعمّا خلق؟

قال: سألت فافهم الجواب:

أمّا الواحد: فلم يزل كائناً واحداً، لا شيء معه، بلا حدود، ولا أعراض ولا يزال كذلك، ثمّ خلق خلقاً مبتدعاً مختلفاً، بأعراض وحدود مختلفة، لا في شيء أقامه، ولا في شيء حدّه، ولا على شيء حذاه ومثلّه، فجعل الخلق من بعد ذلك صفوة وغير صفوة، واختلافاً وائتلافاً، وألواناً وذوقاً وطعماً، لا لحاجة كانت منه إلى ذلك، ولا لفضل منزلة لم يبلغها إلاّ به، ولا رأى لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصاناً، تعقّل هذا يا عمران؟


1) الحشمة: الحياء والانقباض.

2) الخطل: المنطق الفاسد.

قال: نعم واللّه‌ يا سيدي.

قال: واعلم يا عمران! أنّه لو كان خلق ما خلق لحاجة، لم يخلق إلاّ من يستعين به على حاجته، ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق، لأنّ الأعوان كلّما كثروا كان صاحبهم أقوى.

ثمّ طال السؤال والجواب بين الرضا عليه‌السلام وبين عمران الصابي، وألزمه عليه‌السلامفي أكثر مسائله حتّى انتهت الحال إلى أن قال: يا سيدي! أشهد أنّه كما وصفت ولكن بقيت مسألة!

قال: سل عمّا أردت!

قال: أسألك عن (الحكيم) في أي شيء هو؟ وهل يحيط به شيء؟ وهل يتحوّل من شيء إلى شيء؟ أو به حاجة إلى شيء؟

قال الرضا عليه‌السلام: اخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه، فإنّه من أغمض ما يرد على المخلوقين في مسائلهم، وليس يفهمه المتفاوت عقله العازب حلمه، ولا يعجز عن فهمه أُولوا العقل المنصفون.

أمّا أوّل ذلك: فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه، لجاز لقائل أن يقول: يتحوّل إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك، ولكنّه عزّ وجلّ لم يخلق شيئاً لحاجة، ولم يزل ثابتاً لا في شيء ولا على شيء، إلاّ أنّ الخلق يمسك بعضه بعضاً ويدخل بعضه في بعض ويخرج منه. واللّه‌ جلّ وتقدّس بقدرته يمسك ذلك كلّه، وليس يدخل في شيء ولا يخرج منه ولا يؤوده حفظه، ولا يعجز عن إمساكه، ولا يعرف أحد من الخلق كيف

ذلك إلاّ اللّه‌ عزّ وجلّ ومن أطلعه من رسله وأهل سرّه والمستحفظين لأمره وخزّانه القائمين بشريعته، وإنّما أمره كلمح البصر أو هو أقرب، إذا شاء شيئاً فانّما يقول له: كن فيكون بمشيئته وإرادته، وليس شيء من خلقه أقرب إليه من شيء، ولا شيء أبعد

منه من شيء، أفهمت يا عمران؟

قال: نعم يا سيدي قد فهمت، وأشهد أنّ اللّه‌ على ما وصفت ووحدت، وأنّ محمّداً عبده المبعوث بالهدى ودين الحقّ، ثمّ خرّ ساجداً نحو القبلة وأسلم.

فلمّا نظر المتكلّمون إلى كلام عمران الصابي - وكان جدلاً لم يقطعه عن حجّته أحدٌ قط - لم يدن من الإمام الرضا أحد منهم ولم يسألوه عن شيء.

وكان عمران بعد ذلك يجتمع إليه المتكلمون من أصحاب المقالات فيبطل عليهم أمرهم حتّى اجتنبوه، وبعد مدّة ولاّه الإمام الرضا عليه‌السلام صدقات مدينة بلخ.

مدفن «معروف» الكرخي:

تذكر المصادر التأريخية أنّ «معروف الكرخي» وبعد استبصاره دخل في سلك العبّاد والزهّاد وكان على هذه الحال إلى أن توفّي عام ٢٠٠ه بمدينة «بغداد»، فدفن فيها، وقبره هناك مشهور يزار.

يقول الزهري: قبر «معروف الكرخي» مجرّب لقضاء الحوائج، كما قيل: إنّ قبره الترياق المجرّب.

ونقل عن أبي عبد اللّه‌ المحاملي أنّه قال: أعرف قبر «معروف الكرخي» منذ سبعين سنة ما قصده مهموم إلاّ فرّج اللّه‌ همّه، وذُكر أنّه من قرأ عند قبره مائة مرّة «قل هو اللّه‌ أحد» وسأل اللّه‌ ما يريد قضى اللّه‌ حاجته(1).


1) الغدير للأميني ٥: ١٩٥.

{٢٢} مقاتل بن عطيّة البكري (سنّي / العراق)

هو الأمير المؤرّخ أبو الهيجاء «مقاتل بن عطيّة البكري الحجازي»، الملقّب بـ«شبل الدولة»، وهو شاعر من بيت إمارة في البادية، رَحَل إلى بغداد وخراسان وتجوّل في البلدان، تعرّف على نظام الملك وزير السلاجقة فأصبح من خلّص أصحابه، ثُمّ تزوّج ابنته ومدحه، ثُمّ رثاه بشعره عندما قتل.

كان «شبل الدولة» من جملة الأُدباء الظرفاء، وله نظم بديع، وأشعار أُخرى كثيرة، وكان بينه وبين الزمخشريّ مكاتبات مشهورة، وظلّ في بلاد خراسان حتّى قتل بمرو في ١٢ محرم سنة ٤٨٦ه .

تشيّع على إثر المناظرة التي جرت بين علماء الشيعة والسنّة في المدرسة النظاميّة ببغداد، والتي تشيّع فيها أيضاً السلطان السلجوقي ملك شاه، والوزير نظام الملك الطوسي، وأغلب العلماء والوزراء والقادة الحاضرين في مجلس المناظرة، «وكان عددهم يقارب السبعين»، وعدد كبير من الناس على إثر سماعهم المناظرة.

مؤلّفاته:

١) «مؤتمر علماء بغداد»:

كان أوّل عهد العلماء والباحثين بهذا الكتاب، عندما عثر على نسخة مخطوطة

في مكتبة الأمير «راجا محمود آباد» في الهند بخطّ مؤلّف الكتاب سنة ١٣٠٠ه ، وقد طبع الكتاب طبعات كثيرة ومختلفة، وفي أماكن متفرقة من العالم الإسلامي. منها الطبعة المحقّقة من قبل محمّد شوقي الحدّاد، وصدرت سنة ١٤١٩ه (١٩٩٨م) عن مؤسّسة الصدّيق، وطبعة دار الإرشاد الإسلامي في بيروت سنة ١٤١٤ه (١٩٩٤م)، وطبعة مؤسّسة البلاغ في بيروت، وطبعة دار الكتاب الإسلاميّة في إيران سنة ١٣٧٧ه ش. والتي اعتمدنا عليها في درج المناظرة.

جاء في مقدّمة المناظرة:

ودخل ذات مرّة على ملك شاه، أحد العلماء الكبار واسمه «الحسين بن علي العلوي»، وكان من علماء الشيعة، وطلب إلى الملك شاه حاجة، وأرجأه ملك شاه إلى أن يأتي الوزير «نظام الملك»، ولمّا خرج هذا العالم من عند الملك غمز بعض الحاضرين.

قال الملك: لماذا غمزته؟!

قال الرجل: ألا تعرف أيّها الملك إنّه من الكفّار الذين غضب اللّه‌ عليهم ولعنهم؟

قال الملك متعجّباً: ولماذا؟! أليس هو مسلماً؟!

قال الرجل: كلا إنّه شيعيّ.

قال الملك: وما معنى الشيعي؟ أليس الشيعة هم فرقة من فرق المسلمين؟

قال الرجل: كلا، إنّهم لا يعترفون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان.

قال الملك: وهل هناك مسلم لا يعترف بخلافة هؤلاء الصحابة الأجلاّء؟

قال الرجل: نعم إنّهم هم الشيعة.

قال الملك: وإذا كانوا لا يعترفون بخلافة هؤلاء الصحابة الأجلاّء فلماذا يسميّهم الناس مسلمين؟!

قال الرجل: ولذا قلت لكم: إنّهم كفّار.

فتفكّر الملك مليّاً ثُمّ قال: لابدّ من إحضار الوزير «نظام الملك» لنرى جليّة الحال.

أحضر الملك «نظام الملك» وسأله عن الشيعة: هل هم مسلمون؟

قال نظام الملك: اختلف أهل السنّة فطائفة يقولون: إنّهم مسلمون، وطائفة يقولون: إنّهم كفّار.

قال الملك: وكم عددهم؟

قال الوزير: لا أحصى عددهم كاملاً، وإنّما قريب نصف المسلمين.

قال الملك: فهل نصف المسلمين كفّار؟!

قال الوزير: إنّ بعض أهل العلم يعتقدون أنّهم كفار وإنّي لا أكفّرهم.

قال الملك: فهل لك أيّها الوزير أن تحضر علماء الشيعة، وعلماء السنّة لنرى جليّة الحال.

قال الوزير: هذا أمر صعب، وأخاف على الملك والمملكة.

قال الملك: لماذا؟

قال الوزير: لأنّ قضيّة الشيعة والسنّة ليست قضيّة حقّ وباطل، وإنّما هي قضيّة جرت فيها الدماء، واحترقت فيها المكتبات وأُسرت فيها نساء، وأُلّفت فيها الكتب، وقامت لأجلها حروب.

تعجّب الملك الشاب لهذه القضيّة العجيبة، وفكّر فيها مليّاً وقال: أيّها الوزير، إنّك تعلم أنّ اللّه‌ أنعم عليّ بالملك العريض والجيش الكثيف، فلابدّ أن نشكر اللّه‌ على هذه النعمة، ويكون شُكرنا أن نتحرّى الحقيقة، ونرشد الضالّ إلى الصراط المستقيم، فإذا هيّأت مثل هذا المجلس بحضور العلماء من أهل السنّة والشيعة بحضور القُوّاد،والكتّاب، وسائر أركان الدولة ورأينا أنّ الحقّ مع أهل السنّة أدخلنا الشيعة في

السنّة بالقوّة.

قال الوزير: وإذا لم يقتنع الشيعة في السنّة بالقوّة.

قال الملك الشاب: نقتلهم.

قال الوزير: وهل يمكن قتل نصف المسلمين؟!

قال الملك: فما هو العلاج؟

قال الوزير: أن نترك هذا الأمر.

انتهى الحوار بين الملك والوزير، ولكنّ الملك بات تلك الليلة قلقاً ولم ينم إلى الصباح فكيف يستعصي عليه هذا الأمر المهمّ.

وفي الصباح الباكر دعا «نظام الملك» وقال له: حسناً، نحضر علماء الطرفين، ونرى نحن من خلال المجادلات - المحادثات - التي تدور بينهما أنّ الحقّ مع أيّهما، فإذا كان الحقّ مع أهل السنّة دعونا الشيعة بالحكمة والموعظة الحسنة، ونرغّبهم بالمال والجاه، كما يفعل رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم مع المؤلّفة قلوبهم، وبذلك نتمكّن من خدمة الإسلام والمسلمين.

قال الوزير: رأيك حسن، ولكنّي أتخوّف من هذا الحوار.

قال الملك: ولماذا الخوف؟

قال الوزير: إنّي أخاف أن ترجح احتجاجات الشيعة على احتجاجات السنّة، وبذلك تقع في عقيدة الناس ثُلمة، وفي المّلك خلل لا يمكن سدّه.

قال الملك: هل يمكن ذلك؟ أليس أنّ أهل السنّة على حقٍّ؟

قال الوزير: نعم السنّة هم أهل الحقّ «لكنّ الحجّة قد تعوز المحقّ».

فلم يعجب كلام الوزير الملك وقال: لابدّ من إحضار علماء الطرفين لنرى الحقّ ونُميّزه عن الباطل، فاستمهل الوزير شهراً، لكنّ الملك الشاب لم يقبل وأخيراً

قرّر أن تكون المدّة خمسة عشر يوماً.

{٢٣} مهيار بن مرزويه (مجوسي / العراق)

{٢٣} مهيار بن مرزويه(1)(مجوسي / العراق)

من مواليد المائة الخامسة بعد الهجرة النبويّة الشريفة.

مرحلة الاستبصار:

كان «مهيار بن مرزويه» مجوسيّاً من أحفاد «أنوشيروان»، وقد أسلم على يد الشريف الرضي رضى‌الله‌عنه(2)عام ٣٩٤ه ، وتتلمذ عليه في الأدب وغيره من العلوم(3).

قيل: أنّ أبا القاسم بن برهان قال له يوماً: انتقلت بإسلامك إلى النار، فقال وكيف ذلك؟ قال: لأنّك كنت مجوسيّاً فأسلمت فصرت تسبّ السلف [من الصحابة] في شعرك، فقال: لا أسبّ إلاّ من سبّه اللّه‌ ورسوله(4).

منزلته وما قيل فيه:

كان «مهيار بن مرزويه» من الذين جمع بين فصاحة العرب ومعاني العجم(5)، وكان فاضلاً، شاعراً وأديباً.


1) ذكره محمّد علي التبريزي الأنصاري في كتابه اللمعة البيضاء بعنوان مردويه بالدال بدل الزاي.

2) مستدرك سفينة البحار ٥: ٢٤٠.

3) الذريعة ١: ٣٥٢.

4) معالم العلماء: ١٤٨، وقريباً منه في اللفظ في أمل الآمل ٢: ٣٢٩.

5) معالم العلماء: ١٤٨.

ومن ميّزاته أنّه كان من المجاهدين في إبراز تشيّعه واعتقاده بولاية الرسول والأئمّة الطاهرين عليهم‌السلام.

يقول ابن خلّكان في بيان خصاله: كان جزل القول، مقدّماً على أهل وقته، وله ديوان شعر كبير يدخل في أربع مجلّدات(1).

كما يقول فيه أبو الحسن الباخرزي في دمية القصر: هو شاعر، له في مناسك الفضل مشاعر، وكاتب تجلّى كلّ كلمة من كلماته كاعب، وما في قصيدة من قصائده بيت يتحكّم فيه بلو وليت، فهي مصبوبة بقوالب القلوب، وبمثلها يتعذّر الزمان المذنب عن الذنوب ويتوب(2).

ديوان مهيار:

إنّ لـ«مهيار بن مرزويه» ديوان شعر كبير، وقد جمع فيه الكثير من مدائح أهل البيت عليهم‌السلام. ومن شعره البليغ ما أنشده في حقّ أمير المؤمنين عليه‌السلام حيث قال:

أبا حسن إن أنكروا الحقّ فضله على أنّه واللّه‌ إنكار عارف

فألاّ سعى للبين أخمص بازل وألاّ سمت للنعل أصبع خاصف

وإلاّ كما كنت ابن عمّ ووالداً وصنواً وصهراً كأن لم يقارف

أخصّك بالتفضيل إلاّ لعلمه بعجزهم عن بعض تلك المواقف(3)

وأنشد أيضاً في حقّه عليه‌السلام:

وأمّا وسيّدهم علي قوله تشجي العدو وتبهج المتواليا

لقد ابتنى شرفاً لم لو رامه زحل بباغ كان عنه نائيا


1) وفيات الأعيان ٥: ٣٦٠.

2) أمل الآمل ٢: ٣٣٢.

3) أمل الآمل ٢: ٣٣٠ نقلاً عن ديوانه.

وهب الغدير أبوا عليه قبوله بغياً فكم عدّ واسواه مساعيا

بدراً وأُحداً أختها من بعدها وحنين وقاراً بهن فصاليا

والصخرة الصمّاء أخفى تحتها ماء وغير يديه لم يك ساقيا

وتدبّروا خبر اليهود بخيبر وارضوا بمرحب وهو خصم قاضيا

وتفكّروا في أمر عمرو أولاً وتفكّروا في أمر عمرو ثانياً

أسدان كانا من فريسة سيفه ولقلّما هابا سواه مناوياً(1)

كتاب الأزهار:

لقد ألّف السيّد الجليل جمال الدين أحمد بن طاووس شرحاً أنيقاً على أحد أشعار «مهيار بن مرزويه» وهي اللاميّة المعروفة منه(2)، وقد سمّاهُ «كتاب الأزهار في شرح لامية مهيار».

وقد جاء في بعض أبيات هذه القصيدة التي تبيّن الوقائع التي جرت للعترة الطاهرة بعد رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم :

معشر الرشد والهدى حكم البغي عليهم سفاهة والضلال

ودعاة اللّه‌ استجابت رجال لهم ثمّ بدّلوا فاستحالوا

حملوها يوم السقيفة أوزاراً تخفّ الجبال وهي ثقال

ثمّ جاؤا من بعدها يستقيلو ن وهيهات عثرة لا تقال

يا لقوم إذ يقتلون علياً وهو للمحمل فيهم قتال

ويسرّون بغضه وهو لا تُقبـ ـل إلاّ بحبه الأعمال

وتحاك الأخبار واللّه‌ يدري كيف كانت يوم الغدير الحال


1) نفس المصدر.

2) الكنى والالقاب ٢: ٢٧٦.

ولسبطين تابعيه فمسموم عليه ثرى البقيع يهال

درسوا قبره ليخفى على الزوّار هيهات كيف يخفى الهلال

وشهيد بالطف أبكى السموا ت وكادت له تزول الجبال

إلى أن قال:

حبّكم كان فكّ أسري من الشر ك وفي منسكي له أغلال

كم تزملت بالمذلّة حتّى قمت في ثوب عزّكم أختال

بركات محت لكم من فؤادي ما أمل الضلال عمٌّ وخال

لكم من ثناي ما ساعد العمـ ـر فمنه الابطاء والاعجال

ويقيني أن سوف تصدق آمالي بكم يوم تكذّب الآمال(1)

وفاة «مهيار الديلمي»:

تذكر المصادر التأريخية أنّ «مهيار بن مرزويه» توفّي ليلة الخامس من جمادى الآخرة عام ٤٢٨ه(2)، وقيل ٤٢٦ه ، والأوّل هو الأصح.


1) الكنى والألقاب ٢: ٢٧٥ - ٢٧٦.

2) أمل الآمل ٢: ٣٣٢.

{٢٤} نجم آل قفطان (سنّي / العراق)

كان «نجم» من ساكني مدينة «الدجيل» في العراق، ثمّ انتقل إلى بلدة «لملوم» من مساكن خزاعة، وكان تاجراً فكان يسافر إلى بلاد عويدة لغرض التجارة.

الاختلاف مع الشيعة:

كان «نجم» كبقيّة المنتمين إلى المذهب السنّي يعتقد أنّ اللّه‌ سبحانه وتعالى سيبعث مهديّاً من آل محمّد عليهم‌السلام يملئ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.وهذا ما عليه إجماع المسلمين.

لكنّ الاختلاف مع المذهب الشيعي لم يكن في أصل ظهوره عجل اللّه‌ فرجه الشريف بل كان حول ولادته عليه‌السلام، فإنّ أهل السنّة يقولون بأنّه سيولد في آخر الزمان، خلافاً للشيعة الذين يعتقدون بانّه ولد في سنة ٢٥٥ه وهو الآن حيٌّ يرزق وله الولاية الإلهيّة على الخلق.

المهدي عليه‌السلام صاحب الأمر:

من الأحاديث التي يحتجّ بها الشيعة على من يقول أنّ المهديّ المنتظر عجل اللّه‌ تعالى فرجه لم يولد بعدُ هو الحديث الشريف الذي رواه أهل السنّة في صحاحهم

عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان(1).

يقول ابن حجر: أنّ المقصود من الأمر هو الخلافة، أي لا يزال الذي يليها قرشيّاً(2).

ويقول النووي في شرح صحيح مسلم بعد ذكر الحديث: هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أنّ الخلافة مختصّة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الاجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم(3). ومقتضى الفعل المضارع «لايزال» هو الدوام والاستمرار كما عليه علماء النحو.

فيُستنتج من ذلك أنّ مفاد الحديث هو أنّ الخلافة مختصّة بشخص قريشيّ في كلّ زمن من الأزمنة، حتّى ولو كان في العالم شخصان قرشيٌّ وغير قرشي، فإنّ القرشيّ هو صاحب الأمر والولاية على الآخر. وبعبارة أخرى: المقصود من الأمر هو الزعامة والولاية في الظاهر والباطن، وذلك لإطلاقها، وإنّ الشخص الذي يتولاها لابدّ أن يكون قرشيّاً كما يجب أن تكون له صفات وخصال الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ؛ لأنّه خليفته والنائب عنه من بعده.

فمن هذا الشخص باعتقاد أهل السنّة؟

هل هو فلان أو فلان الذي لا يستحقّ الخلافة عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فضلاً عن أن تكون له خصوصيّاته؟

فليس هذا الشخص إلاّ المهديّ المنتظر عجل اللّه‌ تعالى فرجه الذي يعتقد الشيعة بولايته وإمامته بعد الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام وبلا فصل إلى زماننا هذا


1) رواه مسلم في صحيحه ٦: ٣ اللفظ المذكور، كما رواه البخاري في صحيحه ٤: ١٥٥ بلفظ يقرب ما ذكرناه.

2) فتح الباري ١٣: ١٠٤.

3) شرح مسلم للنووي ١٢: ٢٠٠.

وإلى يوم ظهوره.

ويؤيّد عدم خلوّ الأرض من حجّة للّه‌ تعالى ما قاله ابن حجر العسقلاني: وفي صلاة عيسى عليه‌السلام خلف رجل من هذه الأمّة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة دلالة للصحيح من الأقوال أنّ الأرض لا تخلو عن قائم للّه‌ بحجة(1).

ذريّة صالحة في خدمة المذهب:

قال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له»(2).

ويعدّ آل قفطان أولاد الشيخ علي نجل «نجم المستبصر» هم مثال بارز لهذا الحديث، فإنّهم وبعد أن حّطوا الرحال في مدينة النجف الأشرف واشتغلوا بطلب العلوم الدينيّة اشتهروا في الأوساط العلميّة النجفيّة ببيت الأدب والبلاغة والبيان، وقد نبغ منهم جماعة في الفقه والأدب، وأشهرهم هو الشيخ حسن حفيد «نجم».

كما كان لهم باع طويل في حفظ التراث الشيعي، فقد قاموا بإنشاء مكتبة ثمينة ومعروفة في النجف يرجع إليها طلاّب العلم والأدب(3).


1) فتح الباري ٦: ٣٥٩.

2) المعتبر، المحقق الحلّي ١: ٣٤١.

3) أعيان الشيعة ٥: ١٩٩.

{٢٥} نجم الدين هوارمي (شافعي / العراق)

ولد عام ١٣٧٧ه (١٩٥٨م) بمدينة «السليمانية» في العراق، ونشأ في أُسرة شافعيّة المذهب، حصل على شهادة الدكتوراه في طبّ الأسنان ثُمّ عمل في هذا المجال.

لقائي مع مثقّف شيعي:

يقول الدكتور «نجم الدين»: جاءني - ذات يوم - في عيادتي شخص لعلاج أسنانه، وكان ذا سمات وظواهر تدلّ على التزامه الديني ورقيّ مستوى ورعه وتقواه. وعندّما كنت أعالجه، رأيته يهمس: يا زهراء.. يا علي..

فعرفت أنّه شيعي، وهذا ما جعلني أشعر بعدم الارتياح منه، ولكنّني لم أرتّب على شعوري هذا أيّ أثر خارجيّ، بل قمت بأداء وظيفتي الطبية بأفضل صورة ممكنة.

وفي الموعد الثاني والثالث لعلاجه توفّرت لي فرصة لتجاذب الحديث معه، فوجدته مثقّفاً جدّاً، وصاحب وعي رفيع. ومن هذا المنطلق اشتدّت علاقتنا حتّى تحوّلت إلى صداقة حميمة، وكنّا نتحدّث معاً حول الأُمور الثقافيّة والفكريّة وغير ذلك.

وبالتدريج سألته عن سبب بقائه على انتمائة الموروث، فقال: لأنّ الأدلّة فرضت عليّ ذلك فأظهرت إعجابي أن يبيّن لي هذه الأدلّة.

بداية الاهتمام بالبحوث العقائديّة:

يضيف الدكتور «نجم الدين»: تبدّل حديثنا بعد ذلك إلى الحديث العقائدي، وحيث كان مستواي العلمي ضعيفاً في هذا المجال، حاولت أن أسدّ الفراغ بقراءة الكتب، فطلبت منه بعض الكتب، فقدّم لي كتب الشهيد الصدر قدس‌سره، وكتاب «المراجعات» وغير ذلك من الكتب العقائديّة الشيعيّة.

فبدأت بقراءة هذه الكتب بدقّة، وهالني ما قرأته من تنازل شيخ الأزهر - الشيخ سليم البشري - وتشيّعه وقوّة السيّد شرف الدين في الحوار وغزارة معلوماته التي كان يأتي بها من كتب أهل السنّة، وقرأت كلّ ما كان يقوله السيّد شرف الدين، وبحثت عنه تحقيقاً في كتب أهل السنّة، فوجدّته صحيحاً.

وثاقة الرّواة الشيعة:

اطّلع الدكتور «نجم الدين» على كمّ هائل من الآيات القرآنية التي ذكرها السيّد شرف الدين في كتابه المراجعات، والتي تبيّن عظمة مقام ومنزلة أهل البيت عليهم‌السلام، ثُمّ قرأ إشكال الشيخ سليم البشري بأنّه ربّما يعترض البعض بأنّ الذين رووا نزول تلك الآيات إنّما هم رجال الشيعة، ورجال الشيعة لا يحتّج أهل السنّة بهم.

وقرأ الدكتور «نجم الدين» بعد ذلك جواب السيّد شرف الدين فوجده شافياً وكافياً، وقد جاء في جواب السيّد شرف الدين بأنّ قياس هذا المعترض باطل لفساد كلّ من صغراه وكبراه.

أمّا الصغرى وهي قوله: «إنّ الذين رووا نزول تلك الآيات إنّما هم من رجال الشيعة» فواضحة الفساد، يشهد بذلك ثقات أهل السنّة الذين رووا نزولها،

ومسانيدهم تشهد بأنّهم أكثر طرقاً من ذلك من الشيعة كما فصلّناه في كتابنا - تنزيل الآيات الباهرة في فضل العترة الطّاهرة - وحسبك غاية المرام المنتشر في بلاد الإسلام.

وأمّا الكبرى وهي قوله: «إنّ رجال الشيعة لا يحتجّ أهل السنّة بهم» فأوضح فساداً من الصغرى، تشهد بهذا أسانيد أهل السنّة وطرقهم المشحونة بالمشاهير من رجال الشيعة، وتلك صحاحهم الستّة وغيرها تحتجّ برجال من الشيعة، وصمهم الواصمون بالتشيّع والانحراف، ونبذوهم بالرفّض والخلاف، ونسبوا إليهم الغلوّ والإفراط والتنكّب عن الصراط، وفي شيوخ البخاري رجال من الشيعة نبذوا بالرّفض، ووصموا بالبغض، فلم يقدح ذلك في عدالتهم عند البخاري وغيره، حتّى احتجوا بهم في الصحاح بكلّ ارتياح، فهل يصغي بعد هذا إلى قول المعترض «إنّ رجال الشيعة لا يحتجّ أهل السنّة بهم» كلا.

وأضاف السيّد شرف الدين: لكنّ المعترضين لا يعلمون، ولو عرفوا الحقيقة لعلموا أنّ الشيعة إنّما جروا على منهاج العترة الطاهرة، واتّسموا بسماتهم، وأنّهم لا يطبعون إلاّ على غرارها، ولا يضربون إلاّ على قالبها، فلا نظير لمن اعتمدوا عليه من رجالهم في الصدّق والأمانة، ولا قرين لمن احتّجوا به من أبطالهم في الورع والاحتياط، ولا شبيه لمن ركنوا إليه من أبدالهم في الزّهد والعبادة وكرم الأخلاق، وتهذيب النّفس ومجاهدتها ومحاسبتها بكلّ دقّة آناء الليّل وأطراف النّهار، لا يبارون في الحفظ والضبط والاتقان، ولا يجارون في تمحيص الحقائق والبحث عنها بكلّ دقّة واعتدال.

فلو تجلّت للمعترض حقيقتهم - بما هي في الواقع ونفس الأمر - لناط بهم ثقته، وألقى إليهم مقاليده، لكنّ جهله بهم جعله في أمرهم كخابط عشواء، أو راكب عمياء في ليلة ظلماء، يتّهم ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني، وصدوق المسلمين محمّد بن علي بن بابويه القمي، وشيخ الأمّة محمّد بن الحسن بن علي الطوسي،

ويستخفّ بكتبهم المقدّسة وهي مستودع علوم آل محمّد صلى الله عليه و آله و سلم ، ويرتاب في شيوخهم أبطال العلم وأبدال الأرض الذين قصروا أعمارهم على النّصح للّه‌ تعالى ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه و آله و سلم ولأئمّة المسلمين ولعامّتهم.

وقد علم البرّ والفاجر حكم الكذب عند هؤلاء الأبرار والألوف من مؤلّفاتهم المنتشرة تلعن الكاذبين، وتعلن أنّ الكذب في الحديث من الموبقات الموجبة لدخول النار، ولهم في تعمّد الكذب في الحديث حكم قد امتازوا به، حيث جعلوه من مفطّرات الصائم، وأوجبوا القضاء والكفّارة على مرتكبه في شهر

رمضان، كما أوجبوهما بتعمّد سائر المفطّرات، وفقههم وحديثهم صريحان بذلك فكيف يُتّهمون بعد هذا في حديثهم، وهم الأبرار الأخيار قوّامون الليل صوّامون النّهار.

وبماذا كان الأبرار من شيعة آل محمّد صلى الله عليه و آله و سلم وأوليائهم متّهمين، ودعاة الخوارج والمرجئة والقدريّة غير متّهمين لولا التحامل الصريح أو الجهل القبيح، نعوذ باللّه‌ من الخذلان، وبة نستجير من سوء عواقب الظلم والعدوان ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه‌ العليّ العظيم.

النهاية المشرقة:

تاثّر الدكتور «نجم الدين» ممّا قرأه في كتاب المراجعات، فحوّل هذا الأمر ذهنه إلى رؤية جديدة حول الشيعة، وهكذا بدت الحيرة على مجمل وضعه، وعلم بالتّدريج بأنّ ما ورثه وقدّسه عبر سنين يهتزّ في فترة قصيرة ويفقد اعتباره، لأنّه قائم على أسس واهية، في حين رأى في الجانب الآخر صدق المقال وقوّة الاستدلال، والاستشهاد من كتب السنّة أنفسهم!

وهنا توجّه الدكتور «نجم الدين» إلى اللّه‌ تعالى أن يهديه إلى الصواب ويسدّده في مسعاه، لأنّه طالب حقيقة.

يقول الدكتور «نجم الدين»: رأيت في المنام كأنّي في البيت الحرام، والناس يقولون إنّ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم هو الذي يؤمّ المصلّين، ويقول: «صلّوا وسبّلوا أيديكم، فالتّكتّف في الصلاة حرام»! فاستيقظت فزعاً.

كنت أعلم بأنّ ما رأيته مجرّد منام ولكنّه يتضمّن إشارة خفيّة، وكانت معظم الأدلّة العقليّة تفرض عليّ التخلّي عن مذهبي السابق والالتحاق بمذهب أهل البيت عليهم‌السلام، ولم يبق سوى الجرأة في التحوّل.

وبعد فترة قرأ الدكتور «نجم الدين» كتاب «ثُمّ اهتديت» ويقول: وجدت أنّ هذا الرجل السنّي كيف تحوّل إلى شيعي، وكيف ينقل تجربته العقائديّة إلى إخوانه، وهذا ممّا دعاني إلى إعلان تشيّعي فلمّا رجعت إلى مدينتي «السليمانية» أعلنت استبصاري، وكان ذلك عام ١٤١٥ه (١٩٩٥م).

{٢٦} نصير علي الكاكائي (مُغال / العراق)

ولد عام ١٣٧٨ه (١٩٥٩م) في مدينة «بغداد»، نشأ في أوساط أسرة تعتقد بإلوهية الإمام علي عليه‌السلام، وهي فرقة يطلق عليها اسم «الغلاة»، فمضى على هذا الحال فترةً من حياته.

يقول «نصير علي الكاكائي»: منذ أن تخطّيت مرحلة المراهقة، وأصبحت مهتّماً بأُمور ديني، قمت بأداء واجبي إزاء تعاليمي الدينية التي ورثتها من آبائي، فبدأت بممارسة الطقوس التي يمارسها الغلاة وفقاً للتعاليم التي تلقّيتها.

ورغم ممارستي لهذه الطقوس التي كانت تزجّني في سراب من الحالات الروحانية، كنت لا أرى لهذه الطقوس القدرة على الإرواء الحقيقي لتعطّشي الفكري والروحي والنفسي، بل لا أراها إلاّ ممارسات للتلهية والتسلية أو الإرواء المجازي للفطرة الدينية.

كنت أعاني - مضافاً إلى هذا الفراغ - من المسائل الدينية الوراثية التي لا أجد ما يدفعني إلى تقبّلها والاعتقاد بها، والتي كنت لا أراها إلاّ تراثاً تلقّاه آبائي وأجدادي من أسلافهم وساروا على ضوء تعاليمه شطراً من الزمن، وكان عدم اهتمام والدي بأُمور الدين والعقيدة العامل الأساسي في توسيع هذا الفراغ العقائدي، فقد كنت كثيراً ما أسأله عن المبادئ التي تدفعنا إلى التمسّك بهذه التعاليم، وكنت أُردّد

عليه هذا السؤال: هل نحن نعتقد بإلوهية الإمام علي؟ فكانت الابتسامة هي الجواب في كلّ مرّة؟

وكنت لا أستطيع استيعاب معتقدات الغلاة كمسألة الحلول والتناسخ و... التي كنت أعتقد بها وفقاً لتعاليم مسلكي الديني، وهذا ما جعلني أقوم بالبحث والتحقيق حول معتقداتي الموروثة.

وبعد البحث والتحقيق الحثيث كانت نتائج البحث باهرة بالنسبة إليّ حيث واجهت العديد من الحقائق أدّت بي في نهاية المطاف إلى غربلة موروثي العقائدي.

أُسس ومبادئ الغلاة:

تعتبر مبادئ الغلاة عبارة عن خمسة أركان تتمحور في الحلول، والتناسخ، والبداء، والتشبيه، والتأويل، وكلّ الفرق الغالية تتّفق في مسألة الحلول والتناسخ كما يشير الشهرستاني في «الملل والنحل» إلى هذا الأمر حيث يقول: «والغلاة على أصنافها كلّهم متّفقون على التناسخ والحلول ولقد كان التناسخ مقالة لفرقة في كلّ ملّة تلقّوها من المجوس المزدكية والهند البرهمية ومن الفلاسفة الصابئة، ومذهبهم: أنّ اللّه‌

تعالى قائم بكلّ مكان ناطق بكلّ لسان، ظاهر في كلّ شخص من أشخاص البشر، وذلك بمعنى الحلول، وقد يكون الحلول بجزء وقد يكون بكلّ أمّا الحلول بجزء، فهو كإشراق الشمس في كوة أو كإشراقها على البلور، أمّا الحلول بكلّ فهو كظهور ملك بشخص أو شيطان بحيوان...»(1).

نظرية الحلول:

كانت عقيدة الفرق الغالية حول الحلول في بادئ الأمر تؤكّد على حلول الربّ في الأنبياء، والذي يستلزم منه هدم أُسس التوحيد، وبعد القول بإلوهيّة الأنبياء ذهب أصحاب هذه الفرقة إلى ما يلزم هدم الأُسس الأُخرى للعقيدة


1) الملل والنحل ١: ١٧٥.

الإسلاميّة وهي النبوّة، فقالوا بحلول اللّه‌ في الأنبياء إلى حلوله في الأئمّة، وفي نهاية المطاف قالوا بالحلول في أولاد الأئمّة فيلزم من ذلك هدم الركن الآخر للعقيدة الإسلاميّة وهي الإمامة.

فحركة الغلو بذلت جهودها إلى القول بما يلزم منه هدم أساس التوحيد أوّلاً وضعضعة باقي أركان وأُسس العقيدة الإسلاميّة ثانياً.

بطلان نظرية الحلول:

يمكننا من خلال تحكيم العقل في نظرية الحلول التوصّل إلى الحكم ببطلان هذه النظرية، وذلك من خلال حكم العقل ببساطة الخالق وعدم انسجامه مع أي سنخ من المخلوقات المركّبة فضلاً عن الحلول فيها.

وبداهة كون المخلوق المركّب مفتقراً إلى العلّة، والخالق البسيط هو علّة العلل فكيف يصحّ حلول العلّة في المعلول وافتقارها إلى علّة أخرى لا تكون سواها؟

ومن منطلق بداهة كون الخالق البسيط لا يوصف بأوصاف الممكنات ولا يوصف بمكان وزمان حتّى يحلّ في جسم، بل هو كما وصفه أمير المؤمنين عليه‌السلام في قوله: «إنّ ربّي لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، قبل كلّ شيء لا يقال شيء قبله، وبعد كلّ شيء لا يقال له بعد، شاء الأشياء لا بهمّة، دّراك لا بخديعة، في الأشياء كلّها غير متمازج بها ولا بائن منها، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلّ لا باستهلال رؤية، ناء لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسّم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدّر لا بحركة مريد لا بهمّامة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة، لا تحويه الأماكن، ولا تضمنه الأوقات، ولا تحدّه الصفات، ولا تأخذه السنات...»(1).


1) الكافي ١: ١٣٨ - ١٣٩، حديث ٣، باب جوامع التوحيد.

فالباري لا تحلّ فيه صفات الأعراض، ولا يتمازج مع الأشياء كما يزعم الغلاة، بل هو منزّه عن كلّ ما يحدّه بحدّ.

نظرية التناسخ:

تناسخ الأرواح من الأبدان إلى أخرى سواء كانت أبداناً أم نباتاً أم حيواناً، مبدأ بنى عليه الغلاة بنيانهم، يلزم منه هدم مبدأ المعاد، وهو الآخر من نوعه، أدّى إلى زعزعة أركان العقيدة الإسلاميّة.

لم يكتف أصحاب العقيدة الغالية إلى فكرة الحلول المؤدية إلى هدم أساس التوحيد، فأضافوا إلى مبادئهم الباطلة مبدأ التناسخ، فقالوا بأنّ روح اللّه‌ نسخت إلى آدم فكان آدم ربّاً ونبياً؟

وكانت نظرية التناسخ هي الحجر الأساسي الآخر المؤدّي إلى هدم الركن الآخر من أركان الدين وهو المعاد، وألزمهم هذا الاعتقاد أيضاً إنكار القيامة، فقالوا: «ليس قيامة ولا آخرة وإنّما هي أرواح تتناسخ في الصور فمن كان محسناً جوزي بأن تنقل روحه إلى جسد لا يلحقه فيه ضرر ولا ألم ومن كان مسيئاً

جوزي بأن تنقل روحه إلى أجساد يلحق الروح في كونه فيها الضرر والألم، وليس شيء غير ذلك وإنّ الدنيا لا تزال أبداً هكذا»(1).

بطلان نظرية التناسخ:

يكفي في بطلان نظرية التناسخ أنّه فرع من فروع الحلول، ونضيف إلى الدليل العقلي منافاة هذه النظرية مع التعاليم القرآنية، فقد ورد في الذكر الحكيم: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ(2).


1) مقالات الإسلاميين: ٤٦.

2) الرحمن ٥٥: ٢٦ - ٢٧.

موقف أهل البيت عليهم‌السلام من الغلاة:

واجه أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام تيّار الغلاة بشدّة، ونهوا أصحابهم من التعامل مع أصحاب هذا الفكر المنحرف، وحذّروهم من مقاصدهم ومآربهم ومكائدهم، وسنذكر بعضها.

أخرج الكشي بسنده عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال: «لعن اللّه‌ المغيرة بن سعيد أنّه كان يكذب على أبي فأذاقه اللّه‌ حرّ الحديد، لعن اللّه‌ من قال فينا مالا نقوله في أنفسنا، ولعن اللّه‌ من أزالنا عن العبودية للّه‌ الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا»(1).

وأيضاً قال أبو عبد اللّه‌ عليه‌السلام يوماً لأصحابه: لعن اللّه‌ المغيرة بن سعيد، ولعن اللّه‌ يهودية كان يختلف إليها يتعلّم منها السحر والشعبذة والمخاريق، إنّ المغيرة كذب على أبي عليه‌السلام، فسلبه اللّه‌ الإيمان، وأنّ قوماً كذبوا عليّ، ما لهم؟ أذاقهم اللّه‌ حرّ الحديد، فواللّه‌ ما نحن إلاّ عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضرّ ولا نفع وإن رحمنا فبرحمته، وإن عذّبنا فبذنوبنا، واللّه‌ مالنا على اللّه‌ من حجّة، ولا معنا من اللّه‌ براءة، وإنّا لميّتون، ومقبورون، ومنشرون، ومبعوثون، وموقوفون، ومسؤولون، ويلهم ما لهم؟ لعنهم اللّه‌ فلقد آذوا اللّه‌ وآذوا رسوله صلى الله عليه و آله و سلم في قبره وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمّد بن علي صلوات اللّه‌ عليهم، وها أنا ذا بين أظهركم لحم رسول اللّه‌ وجلد رسول اللّه‌، أبيت على فراشي خائفاً وجلاً مرعوباً، يأمنون وأفزع، وينامون على فرشهم وأنا خائف ساهر وجل أتقلقل بين الجبال والبراري، أبرأ إلى اللّه‌ ممّا قال فيّ... واللّه‌ لو ابتلوا بنا وأمرناهم بذلك لكان الواجب

ألاّ يقبلوه فكيف؟ وهم يروني خائفاً وجلاً، استعدي اللّه‌ عليهم وأتبرّأ إلى اللّه‌ منهم.


1) اختيار معرفة الرجال٢: ٤٨٩.

أشهدكم أنّي امرؤ ولدني رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم وما معي براءة من اللّه‌، إن أطعته رحمني وإن عصيته عذّبني عذاباً شديداً أو أشدّ عذابه»(1).

مرحلة اليقظة:

يقول «نصير علي الكاكائي»: بعد اطلاعي على عقائد الغلاة المناقضة للأدلّة والبراهين العقلية، قمت بغربلة موروثي العقائدي، وتفحّصت في المذاهب الإسلاميّة لكي أبني أُسسي العقائدية من جديد.

وبعد البحث والتحقيق الحثيث حول المذاهب الإسلاميّة وجدت المذهب الجعفري هو المذهب الحقّ، فقمت ببناء أُسس العقيدة من جديد، حيث لا يشوبها شائبة، والتحقت بركب سفينة أهل البيت عليهم‌السلام التي من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى.


1) اختيار معرفة الرجال ٢: ٤٩١ - ٤٩٢.

{٢٧} نعمة حمد البدراني (حنفي / العراق)

الصورة

H12

ولد سنة ١٣٧٨ه (١٩٥٩م) في «بغداد» عاصمة العراق، ونشأ في أُسرة حنفيّة المذهب، واصل الدراسة إلى المرحلة الإعدادية، استبصر سنة ١٤٠٣ه (١٩٨٣م) في معسكر تختي للأسرى في إيران، والتحق بشيعة آل البيت عليهم‌السلام.

معاشرة الشيعة قادتني إلى مذهب آل البيت عليهم‌السلام:

يقول «نعمة»: «وفّرت لي فترة الأسر فرصة لمراجعة النفس، ووضع الأفكار التي كنت أُؤمن بها سابقاً في الميزان، فعندما يتعرّض الإنسان للمحن يبحث عن ثوابته ليتمسّك بها، ويترك الزبد يذهب جفاءً، كما منحتني فترة الأسر الفرصة الكافية لمطالعة الكتب، وقراءة النشريات، ممّا وسّع من آفاقي الفكريّة، نضّج ما كنت أحملهُ من آراء في كلّ مجالات الحياة.

وكان الأمرُ الأكثر تأثيراً في حياتي هو التقائي بالشيعة من أبناء بلدي في معسكر الأسر الذي يسوده الجوّ الديني والثقافي، حيث النقاشات الجدّية، وتبادل الأفكار، من دون اعتداء من أحد على آخر، أو تجاوز من جماعة على جماعة، حتّى ولو أراد البعض إثارة الفتنة فهناك من يردّه عن غيّه.

في مثل هذه الأجواء التقيت بالشيعة وعرفت أخلاقهم عن قرب، ومحّصت

أفكارهم الموالية لأهل البيت عليهم‌السلام، فوجدت فيها روح الحقيقة، ونسيم الحقّ، ووجدت الأدلّة عندهم تبري وتوالي بعضها في إثر بعض ولا تعوزهم الحجّة، ولا ينقصهم البرهان، فهم مع الدليل يميلون معه أينما يميل، هواهم الحقّ، عندهم الدلالات على النجاة يوم يهلك الآخرون، فهم قد تمسّكوا بالوسيلة إلى اللّه‌، وغيرهم قد تمسّك بغيرها فهوى إلى قعر جهنّم.

أهل البيت عليهم‌السلام وشيعتهم هم الفرقة الناجية:

يتّصف الشيعة بأنّهم يبحثون عن الحقّ ويتابعونه، وهم لا يستسلمون للباطل أبداً، وهم عندما والوا أهل البيت عليهم‌السلام رأوا فيهم الحقّ المطلق الذي جعله اللّه‌ لهم في ولاية المسلمين، وإمارة المؤمنين ؛ وهو حقّ قد ثبته رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم في مناسبات عديدة، وأشار إليه القرآن الكريم بإشارات لطيفة يدركها العالمون، ويبلغ غورها الراسخون في العلم.

ويمتاز المذهب الشيعي الموالي لأهل البيت عليهم‌السلام بأنّه مذهب متكامل، لا يعتريه الخلل ولا يوهنه الضعف، فهو مذهب بذر بذرته الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم ، ورعاه الأئمّة الأطهار عليهم‌السلام، فصار شجرة باسقة تبلغ أغصانها عنان السماء، وحفرت جذورها أخاديد الأرض.

وهو اليوم شجرة طيّبة تؤتي أُكلُها كلّ حين، ينال ثمرها الصالحون ويتفيّأ في ظلالها المستضعفون، وبالمقابل يسعى الكافرون في اقتلاعها، ويأبى المنافقون إلاّ أن تزول، ولكن هيهات، فهي شجرة أرادها اللّه‌ منذ اليوم الأوّل يوم خلق آدم عليه‌السلام؛ ليرث الأرض المستضعفون الصالحون بالمنّ عليهم بظهور إمامهم الغائب الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

إنّ معالم النجاة واضحة، وسبلها لائحة، والسفينة حاضرة مهيّئة، وما على

البشريّة اليوم إلا أن تختار الاختيار الصحيح مستفيدة من نعمة الاختيار التي منحها إيّاها ربّ العالمين، ثُمّ تسليم قيادتها لربّان السفينة المنتظر منذ مدّة طويلة فيركب الناس السفينة، ليقودهم إلى اطئالأمان والراحة البشريّة المعذّبة على طول التاريخ، باختيارها مذهب آل البيت عليهم‌السلام وخضوعها وولائها للإمام المعصوم عليه‌السلام، وتخلّيها عن الآخرين الذين طالما رفعوا الشعارات البرّاقة، وتفوّهوا بالعبارات

الطنّانة، سوف تتجه بالاتّجاه الصحيح الذي يوردها مناهل الخير، ويخرج لها بركات الأرض، وهذا أمر قام عليه الدين من اليوم الأوّل، ومهّد له الأنبياء والأولياء عبر التاريخ ببشارات واضحة في الكتب المقدّسة، وبقرائن ظاهرة في كتب التاريخ بعبرها البيّنة لمن أراد أن يعتبر.

إنّ مذهباً يدعمه حديث الثقلين(1)، وحديث السفينة(2)، وحديث الاثني عشر(3)، وآية التطهير(4)وآية الولاية(5)، وآية المودّة(6)، أوّل أئمّته علي بن أبي طالب عليه‌السلام قائد الغرّ المحجّلين، وسيّد العرب والعجم أجمعين، الذي يدعم ولايته حديث الغدير(7)، وحديث الطير(8)، وحديث المنزلة(9)، وحديث الدار(10)،


1) مسند أحمد ٣: ١٤، ٤: ٣٦٦، ٣٧١، ٥: ١٨١، ١٨٩.

2) المعجم الأوسط ٥: ٣٠٦.

3) مسند أحمد ١: ٣٩٨، المستدرك ٤: ٥٠١.

4) الأحزاب ٣٣ : ٣٣.

5) المائدة ٥ : ٥٥.

6) الشورى ٤٢ : ٢٣.

7) مسند أحمد ١: ٨٤، ١١٨، ٤: ٢٨١، ٣٦٦.

8) سنن الترمذي ٦: ٣٠٠، الحديث ٣٨٠٥، كنز العمّال ١٣: ١٥٩، الحديث ٣٦٥٠١.

9) مسند أحمد ١: ١٨٤، ٣: ٣٢، صحيح مسلم ٧: ١٢٠.

10) كنز العمّال ١٣: ١٢٩.

وحديث مدينة العلم(1)، وحديث سدّ الأبواب(2)،وآية المباهلة(3)وآية الاكمال(4)،

وغيرها كثير، وآخرهم المهديّ الموعود عجل اللّه‌ فرجه الذي يختم به اللّه‌ الأمر خير ختام لحرىٌ بالاتّباع والتمسّك به، وإنّ ولاية قوم بهم بدأ اللّه‌ وبهم يختم، لأمرٌ يهفو إليه المؤمن، ويبحث عنه العاقل، فهل آن لهذه البشريّة المعذّبة أن تفيق من سباتها العميق أم لازال عليها أن تجرّب الآخرين فتذوق مرارة التجربة، وتدفع ثمن الجهل.

إنّ رحمة اللّه‌ واسعة، ولطف الأنبياء والأئمّة شامل، وبقي على البشريّة أن تختار العودة إلى فطرتها، والتخلّي عن الشيطان وأتباعه الذين يبغونها عوجاً، ثُمّ التمسّك بأهل البيت عليهم‌السلام عمود الدين وأُسّ الإسلام بالخضوع لهم والطاعة لأوامرهم والجهاد في سبيلهم سبيل اللّه‌ سبحانه وتعالى.


1) المستدرك ٣: ١٢٦.

2) مسند أحمد ٤: ٣٦٩، سنن الترمذي ٥: ٣٠٥، الحديث ٣٨١٥.

3) آل عمران ٣ : ٦١.

4) المائدة ٥ : ٣.

{٢٨} نوزاد طاهر الشريف (حنفي / العراق)

مرّت ترجمته في ١: ٥١٣ من هذه الموسوعة، ونشير في هذا المقام إلى معلومات لم تذكر في ترجمته.

يقول «نوزاد طاهر»: لم أكن أعرف الشيعة إلاّ بصورة رسمها التراث الذي ورثته من آبائي، فقد كانت هذه الصورة مشوّهة لا تستند إلى الواقع.

تعرّفت على الشيعة عندما شاهدت أحد المصلّين في المسجد يؤدّي صلاته بدون تكتّف، فدفعني حبّ الاستطلاع أن أستفسر من المصلّي عن سبب أداء صلاته بهذه الكيفيّة، وعندما سنحت لي الفرصة سألته عن سبب أدائه الصلاة بهذه الكيفيّة؟

فقال لي: نحن الشيعة نعتقد بأنّ الصلاة تكون بهذه الكيفيّة، أخذني التعجّب من جوابه فقلت له:

هل تعتقد أنّك على الدين الصحيح حتّى تنتهج تعاليمه؟

فأجابني قائلاً: ماذا تعرف عن الشيعة والتشيّع؟ وهل تعلم بأنّ الشيعة تأخذ معالم دينها من الإمام المعصوم الذي جعله النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم الأمين على رسالته من بعده؟

شعرت وكأنّي أواجه مأزقاً أمامي، لا أدري من الشيعة، ولا أعلم من الإمام، ولا أعرف ماذا يقصد بالأمين على رسالته؟

أخذت الشكوك والشبهات تواجهني، ولكن حاولت أن لا أبيّن ذلك له، فقلت: لعلّ الوقت غير مناسب، سألتقي بك لاحقاً إن شاء اللّه‌، وتواعدنا على أن يكون البحث في لقاء آخر.

عزمت على التحقيق حول الأمور التي ذكرها لي ذلك الشخص، فعكفت على قراءة التاريخ وكتب السير و...

العثور على كتاب السقيفة:

بينما كنت أتصفّح الكتب عثرت على كتاب (السقيفة) للعلاّمة الشيخ محمّد رضا المظفّر، حيث يبيّن موقف النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم من الخلافة، وهل ترك النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم الأُمّة من بعده من دون خليفة؟

فيقول الكاتب: «.. هل تجد من نفسك الميل إلى الاعتقاد بأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كان لا يعلم بما سيجري بعده من خلافات وحوادث من أجل الخلافة؟

وهل تراه كان غافلاً عمّا يجب في هذا السبيل؟

فقد قال صلى الله عليه و آله و سلم غير مرّة: «ستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة ناجية، والباقون في النّار»(1)، وأكثر من ذلك أنّه لم يستثن من أصحابه إلاّ مثل همل النعم، ثمّ هم يدخلون النار بارتدادهم بعده على أدبارهم القهقرى، أو يردون عليه الحوض فيختلجون بما أحدثوا بعده.

وفي بعض الأحاديث: «فيقال لي: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم»(2).

وأخبرهم أنّهم يتّبعون سنن من قبلهم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتّى لو دخلوا جحر ضبّ لتبعوهم.


1) عمدة القاري ١٨: ٢٢٤.

2) صحيح البخاري ٤: ١١٠.

و(الخلافة) أمر كانت تحدّثه به نفسه الشريفة، ويشير إليها أنّها ستكون ملكاً عضوضاً بعد الثلاثين سنة، وثبت أنّه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش»(1)إلى ما لا يحصى، وسيرته والأحاديث عنه – وما أكثرها - تشهد شهادة قطعيّة على ما كان من اختلاف أُمّته، وعلى أنّ الخلافة والإمامة من أُولى القضايا التي كانت نصب عينيه. وهل وضع حلاًّ للخلاف؟

إذن كان صلى الله عليه و آله و سلم عالماً بأنّ الدهر سيقلب الأُمّة صفحة مملؤة بالحوادث والفتن، والخلافات والمحن، وأن لابدّ لهم من خلافة وإمارة، فلابدّ أن نفرض أنّه قد وضع حلاًّ مرضيّاً لهذا الأمر يكون حدّاً للمنازعات، وقاعدة يرجع إليها الناس، لتكون حجّة على المنافقين والمعاندين، وسلاحاً للمؤمنين، ما دمنا نعتقد أنّه نبيّ مرسل جاء بشيراً ونذيراً للعالمين إلى يوم يبعثون، فلم يكن دينه خاصّاً بعصره، ليترك أُمّته في ذلك، ولا يصحّ من حاكم عادل أن يحكم بنجاة فرقة واحدة على الصدفة من دون

بيان وحجّة تكون سبباً لنجاتهم باتّباعهم، وسبباً لهلاك باقي الفرق بتركها.

لنفرض أنّ الحديث والتأريخ لم يسجّلا لنا الحلّ الذي نطمئنّ إليه، فهل يصحّ أن نصدّقهما بهذا الإهمال، ونوافقهما على أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ترك أُمّته سدى وفي فوضويّة لا حدّ لها، يختلفون ويتضاربون، ثمّ يتقاتلون، وتراق آلاف الدماء المسلمة، ساكتاً عن أعظم أمر مُني به الإسلام والمسلمين، مع أنّه كان على علم به؟!

ولو كنّا نصدّقها مستسلمين لكذّبنا عقولنا وتفكيرنا، فإنّ الإسلام جاء رحمة لينقذ العالم الإسلامي من الهمجيّة والجاهليّة الأولى، فكيف يقرّ تلك المجازر البشريّة في أقصى حدودها، تلك المجازر التي لم يحدّث التأريخ عن مثلها ولا عن بعض منها في عصر الجاهليين.

فما علينا إلاّ أن نتّهم التأريخ والحديث بالكتمان وتشويه الحقيقة بقصد أو بغير


1) صحيح مسلم ٦: ٣.

قصد، ولئن لم يكن محمّد نبيّاً مرسلاً يعلم عن وحي ويحكم بوحي فليكن – على الأقل - أعظم سياسيّ في العالم كلّه لا أعظم منه، فكيف يخفى عليه مثل هذا الأمر العظيم لصلاح الأُمّة، بل العالم بأسره مدى الدهر، أو يعلم به ولا يضع له حدّاً فاصلاً؟! وهل يرضى عاقل لنفسه وهو يتولّى شؤون بلده فضلاً عن أُمّة، أن يتركها تحت رحمة الأهواء واختلاف الآراء ولو لأمد محدود، وهو قادر على إصلاحها أو التنويه عن إصلاحها، إلاّ أن يكون مسلوباً من كلّ رحمة وإنسانيّة؟ حاشا نبيّنا الأكرم من جاء رحمة للعالمين، ومتمّماً لمكارم الأخلاق، وخاتماً للنبيّين، وقد قال اللّه‌ تعالى على لسانه بعد حجّة الوداع: «اليوم أكملت لكم دينكم».

وقد وجدناه نفسه لا يترك حتّى المدينة المنوّرة، إذا خرج لحرب أو غزاة من غير أمير يخلفه عليها، فكيف نصدّق عنه أنّه أهمل أمر هذه الأُمّة العظيمة بعده إلى آخر الدهر من دون وضع قاعدة يرجعون إليها أو تعيين خلف بعده... وللمعتقد أن يعتقد أنّ أبا بكر تفطّن إلى سوء عواقب هذا التشريع [نظام

الشورى] فأسرع إلى تعيين الخليفة من بعده، بالرغم على جدّة هذا التشريع الذي به كان خليفة، وعلى تركّزه في النفوس، تتوقّف صحّة خلافته، كيف لا وقد شاهد هو الموقف في بيعته يوم السقيفة، وكان أدقّ من سمّ الخياط، مع غفلة الناس يومئذ عن الأمر، وانشغالهم بفاجعة نبيّهم.

وهكذا حذا حذوه خليفته، فاخترع طريقة الشورى من ستّة أشخاص، وهي تبعد كلّ البعد عن قاعدة الرجوع إلى اختيار أهل الحلّ والعقد، على أن وجدنا هؤلاء - وهم ستة لا غير - لم يتّفقوا على رأي واحد، فلعبت دورها التحيّزات والعواطف، فصغى رجل لضغنه، ومال الآخر لصهره، على حدّ تعبير الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام، ولا شكّ لم يخف على عمر استحالة حتّى اتّفاق الجماعة الصغيرة،

فحكّم فيها الأكثريّة، وعند التساوي فالكفّة الراجحة التي فيها عبد الرحمن بن عوف، ومع ذلك حدّد لهم الوقت بثلاثة أيّام، وأعطى السلطة التنفيذيّة لغيرهم،

ليقهرهم على تنفيذ خطّته.

لماذا كلّ هذه القيود التي وضعها، مع تهديدهم بالقتل إن تأخّروا عن الموعد ولم يبرموا العهد؟ لا شكّ أنّها كانت لقصد الابتعاد عن الخلاف والنزاع الطبيعي لمثل هذا الأمر، إذا ألقى حبله على غاربه، وهنا وجدنا كيف أحكم عمر بن الخطاب وضع هذه الخطّة، اتّقاء للخلاف والنزاع على الإمارة الذي لا ينفكّ عادة عن إراقة الدماء... ولا أعجب أن يكون أبو بكر وعمر تفطّنا إلى ما في تشريع إلقاء الأمر على

عاتق اختيار الأُمّة من فساد، وما ينجم منه من جدال وجلاد، ولكن عجبي ممّن يتسرّع فينسب ذلك التشريع إلى النبيّ الحكيم الذي لا يفعل إلاّ عن وحي ولا يحكم إلاّ بوحي، ومع ذلك يدّعي الإسلام وعرفان الرسول العظيم.

ولو كان لعثمان كلمة تسمع ورأي يطاع يوم حوصر ويأس من الحياة، لما تأخّر عن تعيين من يخلفه قطعاً، ولكنّ الموقف كان أبعد من أن يتحكّم عليه بمثل ذلك، وهو محاط به ليخلع»(1).

سطوع الحقيقة:

يقول «نوزاد»: أخذت هذه الحقائق تغربل عقائدي الموروثة التي طالما كنت أعتقد بصحّتها، وعندما تبيّن لي بأنّ موروثي يفتقر إلى الدليل والبرهان، بل وجدته يستند إلى الترّهات التي لا تمسّ الواقع بصلة قرّرت الاهتداء بنور الهدى المحمّدي والسير وفق المنهج الذي رسمه لنا النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم .


1) السقيفة: ٣٢ - ٤٢.

{٢٩} نوزاد عزيز كريم (شافعي / العراق)

ولد في مدينة «أربيل» في كردستان العراق، ونشأ في أسرة تتّبع المذهب الشافعي، فعكف على اتّباع هذا المذهب نتيجة تربيته في هذه الأسرة. واصل «نوزاد» دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على شهادة البكالوريوس، وهو متخصّص في مجال البذور، والموادّ الكيمياويّة واللوازم الزراعيّة.

وإلى جانب تعلّم الموادّ الدراسيّة أخذت حياة «نوزاد» منحى آخر، فإنّه ومع ما كان يتمتّع به من النظر الجيّد والثقافة المذهبيّة أحسّ بخلأ في داخله في الجانب العقائدي، فبدأ يناقش الآخرين في هذا المجال.

وبعد مدّة من المباحثات آلت الأمور إلى مالم يكن يتصوّره «نوزاد» حيث تولّدت له قناعة بمالم يكن في الحسبان، أحسّ أنّه قد اقتنع بما يقوله شيعة أهل البيت عليهم‌السلام في التاريخ والعقائد.

ثقافة السبّ والافتراء:

إحدى ا لأمور التي يتعجّب منها الباحث عند التعمّق في قراءة التاريخ الإسلامي هي ثقافة السبّ والافتراء على أهل البيت عليهم‌السلام الذين خصّهم اللّه‌ في آية التطهير بقوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ

تَطْهِيرًا»(1.)وبرزت هذه الظاهرة بوضوح عندما تولّى معاوية الحكم حيث جعل سبّ الإمام علي عليه‌السلام مرسوماً، وأبلغه إلى ولاته وأمراءه في أطراف البلاد الإسلاميّة، وأمرهم أن يسبّوه عليه‌السلام جهاراً ويفتروا عليه في الخطابات والمراسيم الرسميّة.وقد أنباً أمير المؤمنين عليه‌السلام عن هذه الظاهرة قبل وقوعها، وقال: «أمّا إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب الحلقوم، مندحقّ البطن، يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد فاقتلوه، ولن تقتلوه! ألا وإنّه سيأمركم بسبّي والبراءة منّي...»(2. وكما قال أمير المؤمنين اتّضحت بوادر هذه الظاهرة بعد صلح الإمام الحسن عليه‌السلام وتولّي معاوية الحكم، فكان من جملة شروط الصلح أن لا يسبّ معاوية عليّاً، يقول ابن الأثير:... فلم يجبه [معاوية] إلى الكفّ عن سبّ علي، فطلب الحسن أن لا يشتم عليّاً وهو يسمع، فأجابه إلى ذلك ثمّ لم يف له به(3). ويذكر الطبري في تاريخه حول ظاهرة السبّ هذه، أنّ معاوية بعدما ولىّ)المغيرة بن شعبة الكوفة، قال له فيما قال: أمّا بعد... ولست تاركاً إيصائك بخصلة، لا تحجم عن شتم علي وذمّه، والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب علي(4.)كما يقول ابن عبد ربّه: [إنّ معاوية] لعنه [أي عليّاً] على المنبر، وكتب إلى عمّاله يلعنوه على المنابر، ففعلوا(5.)واستمرّت هذه الظاهرة السيّئة إلى أن تولّى عمر بن عبد العزيز الحكم، فأمر


1) الأحزاب ٣٣ : ٣٣.

2) نهج البلاغة ١: ١٠٥.

3) الكامل في التاريخ ٣: ٤٠٥.

4) تاريخ الطبري ٤: ١٨٨.

5) العقد الفريد ٥: ١١٤.

أمّا فقهاء العامّة فقد ذكروه ضمن الصحابة حيث قالوا بكفر أو فسق من سبّ الصحابة.فينقل عن الماوردي قوله: من سبّ الصحابة أو لعنهم أو كفّرهم فهو فاسق(1. وكذلك القاضي أبو علي قال: الذي عليه الفقهاء في سبّ الصحابة، إن كان مستحلاًّ لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلاًّ فسق(2).)فنقول: بما أنّ عليّاً عليه‌السلام هو أوّل الصحابة إسلاماً وأفضلهم وأورعهم وأعلمهم فيكون سابّه كافراً فاسقاً على أساس هذه الفتاوى. إن كان هذا حكم من فعل هذه الكبيرة، فما هو حكم من سنّ هذه الجريمةوجعلها جزءاً من عبادة الناس؟! أليس يتحمّل من سنّ هذه السنّة وزر الآلاف من المسلمين الذين عملوا بها؟ ألم يقل رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : من سنّ سنّة سيّئةً كان عليه مثل وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء(3؟!)الاستبصار:بعد البحث والتحقيق اتّخذ «نوزاد» قراره المهم واعلن استبصاره، وكان ذلك عام ١٤١٠ه (١٩٩٠م.)


1) مغني المحتاج محمّد الشربيني ٤: ٤٣٦.

2) نقلاً عن الغدير ١٠: ٢٦٨.

3) راجع مسند أحمد ٤: ٣٦١، سنن الدارمي ١: ١٣٠.

## {٣٠} هلال جميل الخيلاني (شافعي / العراق)الصورة![H13](/storage/sources/28/library/books/4/506604/images/H13.jpg "image title")ولد سنة ١٣٨٠ه (١٩٦١م في «ديالى» بالعراق، ونشأ في أُسرة سنّية شافعيّة المذهب، واصل دراسته إلى المرحلة المتوسطة، استبصر واعتنق مذهب آل البيت عليهم‌السلام سنة ١٤٠٨ه (١٩٨٨م) في معسكر الأسرى بمدينة «قوجان» الإيرانية.)فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام جعلتني من شيعته:يقول «هلال»: «حصلت لي صداقة عميقة مع أحد الإخوة من الشيعة في معسكر الأسر، وأخذنا نتحدّث عن كلّ شيء، ولم يكن لواحد منّا سرٌّ يخفيه عن الآخر.وكان صديقي هذا يعرّفني بآل بيت الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، ويحكي لي عن عظمتهم، ويبيّن لي بعض مناقبهم، فيعجبني ذلك ويسرّني سماع المزيد عنهم، لأنّي وجدت فيهم النماذج الإنسانية الكاملة التي اختارها اللّه‌ للبشريّة لكي تهتدي بهم، وتسير على خطاهم.وأمّا الآخرين الذين عظّموهم لنا، فبان لي زيفهم، وزال بريقهم المصطنع، فلا أحد يمكن أن يقارن أهل البيت عليهم‌السلام في الفضائل والمناقب، وخصوصاً علي بن أبي طالب عليه‌السلام الذي لا نظير له في الخلق سوى النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله و سلم الذي يفضله بالنبوّة.

إنّ الإنسان حينما ينظر في فضائل الإمام علي عليه‌السلام أو يسمع بها يطمئن قلبه، وترتاح نفسه إلى أنّه وجد الصراط المستقيم، بعد أن ضيّعته السُبل، هذا وقد حُورب هذا الإمام عليه‌السلام طيلة حياته، فأخفت أعداؤه فضائله حسداً وأولياؤه خوفاً، وظهر من بين ذين وذين ما به ملأ الخافقين(1.)النظر إلى علي عليه‌السلام عبادة:فضائل الإمام علي عليه‌السلام لا تعدُّ ولا تُحصى، لأنّه وليّ اللّه‌ وخالصته، وكلّ من جعله اللّه‌ مخلصاً له، فقد وهبه من نعمه مالا ينتهي ولا يزول. فقد قال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم النظر إلى علي عبادة(2.)هذا الحديث عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم يبيّن عظمة علي عليه‌السلام فالنظر إليه عبادة للّه‌ عزّ وجلّ، فما أروع هذا الاتصال، وما أجلّه، يفيض على الناس بفضل العبادة بمجرد النظر إليه. وهو يدلّ على أنّ عليّاً عليه‌السلام هو الإيمان المجسّم، والمؤمن الحقيقي الذي يشعّ نوراً، فتتلقّاه الأبصار فيُحسب لها عبادة، فكلّ ما يصدر عن علي هو لوجه اللّه‌ ومن اللّه‌ وفي اللّه‌ وإلى اللّه‌، فهل هناك عظمة مثل هذه، وهل ورد لأحدٍ مثل هذا الكلام الذي يقتلع الصخر من مكانه؟!علي الذي كان يمكنه أن يفعل ما يجلب رضى الناس، لكنّه لم يفعل ذلك لأنّه ذاب في حبّ اللّه‌، لا تهمّه نفسه إذا لم يكن في ذلك رضىً للّه‌. صغّرت قريش مكانته، وكان بإمكانه أن يخضّعها له ويسود عليها، ولكنّ رضى قريش لم يكن يهمّه، كما اهتمّ به الآخرين، فأرداهم إلى نار جهنّم.


1) ينسب هذا القول لمحمّد بن إدريس إمام الشافعية، انظر: الروضة في فضائل أمير المؤمنين لابن شاذان: ١٩.

2) مناقب الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام، للكوفي ١: ٢٤٦، الباب الثالث والعشرون.

وقد أعجب الناس دهاءُ معاوية، فقال علي عليه‌السلام: وما معاوية بأدهى منّي، ولكنّه يغدر ويفجر(1. وهيهات هيهات أن يغدر علي أو يفجر»، فهذا هو علي عليه‌السلام الذي يطمئن القلب بموالاته، وتسعد الروح بطاعته وقد خسر من استبدل الذي هو أدنى بالذي خير.)


1) نهج البلاغة ٢: ١٨٠، الخطبة ٢٠٠.

## {٣١} وهب بن وهب وأُمّه (مسيحي / العراق)كان نصرانيّاً أسلم على يدي الحسين عليه‌السلام هو وأُمّه، فاتّبعوه إلى كربلاء، فركب فرساً، وتناول بيده عود الفسطاط، فقاتل وقتل من القوم سبعة أو ثمانيّة، ثُمّ استُؤسِر، فأتي به عمر بن سعد لعنه اللّه‌ فأمر بضرب عنُقه، فضربت عنقه، ورُمي به إلى عسكر الحسين عليه‌السلام، وأخذت أمّه سيفه وبرزت، فقال لها الحسين عليه‌السلام: يا أُمّ وهب، أجلسي فقد وضَع اللّه‌ الجهاد عن النساء، إنك وابنك مع جدّيمحمّد صلى الله عليه و آله و سلم في الجنّة(1. وروي في حديث آخر أنّها شدّت بعمود الفسطاط، فقتلت رجلين، فقال لها)الحسين عليه‌السلام: ارجعي يا أُمّ وهب أنت وابنك مع رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، فإنّ الجهاد مرفوع عن النساء، فرجعت وهي تقول: إلهي لا تقطع رجائي، فقال لها الحسين عليه‌السلام: لا يقطع اللّه‌ رجاءك يا أُمّ وهب(2.)وورد في البحار: ثُمّ برز من بعده وهب بن عبد اللّه‌ بن حباب الكلبي، وقد كانت معه أُمّه يومئذ، فقالت: قم يا بني فانصر ابن بنت رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم فقال: أفعل


1) أمالي الصدوق: ٢٢٥.

2) بحار الأنوار ٤٥: ١٧.

يا أُمّاه ولا أُقصّر، فبرز وهو يقول:إن تنكروني فأنا ابن الكلب سوف تروني وترون ضربيوحملتي وصولتي في الحرب أدرك ثأري بعد ثأر صحبيوأدفع الكرب أمام الكرب ليس جهادي في الوغى باللعبثُمّ حمل، فلم يزل يقاتل حتّى قتل منهم جماعة، فرجع إلى أُمّه وامرأته فوقف عليهما، فقال: يا أُمّاه أرضيت؟ فقالت: أو تقتل بين يدي الحسين عليه‌السلام.فقالت: امرأته: باللّه‌ لا تفجعني في نفسك.فقالت أُمّه: يا بني لا تقبل قولها وارجع فقاتل بين يدي ابن بنت رسول اللّه‌، فيكون غداً في القيامة شفيعاً لك بين يدي اللّه‌، فرجع قائلاً:إنّي زعيم لك أُمّ وهب بالطعن فيهم تارة والضربضرب غلام موقن بالربّ حتّى يذيق القوم مرّ الحربإنّي امرء ذو مرّة وعصب ولست بالخوار عند النكبحسبي إلهي من عليم حسبيفلم يزل يقاتل حتّى قتل تسعة عشر فارساً واثنى عشر راجلاً، ثُمّ قطعت يداه، فأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي وأُمّي، قاتل دون الطيّبين، حرم رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، فأقبل كي يردّها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه فقالت: لن أعود أو أموت معك، فقال الحسين عليه‌السلام: جزيتم من أهل بيت خيراً، ارجعي إلى النساء رحمك اللّه‌، فانصرفت وجعل يقاتل حتّى قتل رحمه اللّه‌.قال فذهبت امرأته تمسح الدم عن وجهه، فبصر بها شمر، فأمر غلاماً له فضربها بعمود كان معه وشدخها وقتلها، وهي أوّل امرأة قتلت في عسكر الحسين عليه‌السلام.

ثُمّ قال في البحار: ورأيت حديثاً، أنّ «وهب» هذا كان نصرانياً فأسلم هو وأُمّه على يد الحسين عليه‌السلام، فقتل في المبارزة أربعة وعشرين راجلاً واثنى عشر فارساً، ثُمّ أخذ أسيراً، فأتي به عمر بن سعد لعنه اللّه‌ فقال: ما أشدّ صولتك، ثُمّ أمر فضربت عنقه ورمي برأسه إلى عسكر الحسين عليه‌السلام، فأخذت أُمّه الرأس فقبّلته ثُمّ رمت بالرأس إلى عسكر ابن سعد لعنه اللّه‌ فأصابت به رجلاً فقتلته، ثُمّ شدّت بعمودالفسطاط فقتلت رجلين، فقال لها الحسين عليه‌السلام: ارجعي يا أُمّ وهب أنت وابنك مع رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، فإنّ الجهاد مرفوع عن النساء، فرجعت وهي تقول: إلهي لا تقطع رجائي، فقال لها الحسين عليه‌السلام: لا يقطع اللّه‌ رجاءك يا أم وهب(1.)وأمّا أبو مخنف ذكر قضيّة شهادة «وهب» هكذا: وبرز الغلام الذي أسلم هو ووالدته على يد الحسين عليه‌السلام وأنشأ يقول:إن تنكروني فأنا ابن الكلب عبل(2الذراعين شديد الضرب)أنا غلام واثق بربّي حسبي به مولاي فهو حسبيلا أرهب الموت بذات الحرب أفوز بالجنّة يوم الكربثُمّ حمل على القوم، ولم يزل يقاتل حتّى قتل من القوم خمسين رجلاً، فوقعت به سبعون ضربة وطعنة ونبلة، وجعلوه وجواده كالقنفذ من كثرة النبل والسهام فانجدل صريعاً يخور في دمه، ثُمّ احتزوا رأسه ورموا به إلى عسكر الحسين عليه‌السلام، فوقع بين يدي أُمّه فوضعته في حجرها وجعلت تمسح الدم عن وجهه وتقول: الحمد للّه‌ الذي بيّض وجهي وأقرّ عيني بشهادتك عند ابن بنت رسول اللّه‌، ثُمّ إنّها بكت بكاءً شديداً وقالت: الحكم للّه‌ يا أُمّة السوء، أشهد أنّ اليهود في بيعها، والمجوس في قناديلهاخيراً منكم، وأخذت الرأس ورمت به إلى القوم فاصابت به رجلاً فقتلته(3.)


1) البحار ٤٥: ١٦..

2) عبل الذراعين: ضخمهما.

3) ذكرت القصة في المقتل المتداول لأبي مخنف مع اختلاف كبير: ١٢٣.

## {٣٢} ياقوت الدهان (سنّي / العراق)من مواليد «العراق»، عاش في القرن الثالث عشر، روى العالم الجليل المولى علي الرشتي . . .قال: رجعت مرّة من زيارة أبي عبد اللّه‌ عليه‌السلام عازماً للنّجف الأشرف من طريق الفرات، فلمّا ركبنا في بعض السفن الصغار التي كانت بين كربلاء وطويريج، رأيت أهلها من أهل الحلّة - وطويريج منطقة الفارق بين طريقي الحلّة والنّجف - واشتغل الجماعة باللهو والّلعب والمزاح، رأيت واحداً منهم لا يدخل في عملهم، عليه آثار السكينة والوقار، لا يمازح ولا يضاحك، وكانوا يعيبون على مذهبهويقدحون فيه، ومع ذلك كان شريكاً في أكلهم وشربهم، فتعجّبت منه إلى أن وصلنا إلى محلّ كان الماء قليلاً فأخرجنا صاحب السفينة فكنّا نمشي على شاطئالنهر. فاتّفق اجتماعي مع هذا الرجل في الطريق، فسألته عن سبب مجانبته عن أصحابه، وذمّهم إيّاه، وقدحهم فيه.فقال: هؤلاء من أقاربي من أهل السنّة، وأبي منهم وأُمّي من أهل الإيمان، وكنت أيضاً منهم، ولكنّ اللّه‌ منّ عليّ بالتشيّع ببركة الحجّة صاحب الزمان عجل اللّه‌ تعالى فرجه.فسألته عن كيفيّة إيمانه، فقال: اسمي «ياقوت» وأنا أبيع الدّهن عند جسر

الحلّة، فخرجت في بعض السنين لجلب الدّهن، من أهل البراري خارج الحلّة، فبعدت عنها بمراحل، إلى أن قضيت وطري من شراء ما كنت أريده منه وحملته على حماري ورجعت مع جماعة من أهل الحلّة، ونزلنا في بعض المنازل ونمنا، وانتبهت فما رأيت أحداً منهم وقد ذهبوا جميعاً، وكان طريقنا في بريّة قفر، ذات سباع كثيرة، ليس في أطرافها معمورة إلاّ بعد فراسخ كثيرة.فقمت وجعلت الحمل على الحمار، ومشيت خلفهم فضلّ عليّ الطريق، وبقيت متحيّراً خائفاً من السباع والعطش، فأخذت أستغيث بالخلفاء والمشايخ وأسألهم الإعانة وجعلتهم شفعاء عند اللّه‌ تعالى، تضرّعت كثيراً فلم يظهر منهم شيء، فقلت في نفسي: إنّي سمعت من أُمّي أنّها كانت تقول: إنّ لنا إماماً حيّاً يكنّى أبا صالح يرشد الضالّ، ويغيث الملهوف، ويعين الضعيف، فعاهدت اللّه‌ تعالى إن استغثت به فأغاثني أن أدخل في دين أُمي.فناديته واستغثت به، فإذا بشخص في جنبي، وهو يمشي معي وعليه عمامة خضراء قال (رحمه اللّه‌: وأشار حينئذ إلى نبات حافّة النهر، وقال: كانت خضرتها مثل خضرة هذا النبات.)ثُمّ دلّني على الطريق وأمرني بالدخول في دين أُمّي، وذكر كلمات نسيتها، وقال: ستصل عن قريب إلى قرية أهلها جميعاً من الشيعة.فقلت: يا سيّدي أنت لا تجئمعي إلى هذه القرية؟فقال ما معناه: لا، لأنّه استغاث بي ألف نفس في أطراف البلاد أريد أن اُغيثهم ثُمّ غاب عنّي.فما مشيت إلاّ قليلاً حتّى وصلت إلى القرية، وكانت في مسافة بعيدة، ووصل الجماعة إليها بعدي بيوم، فلمّا دخلت الحلّة ذهبت إلى سيّد الفقهاء السيّد مهدي القزويني (طاب ثراه، وذكرت له القصّة، فعلّمني معالم ديني(1).)


1) بحار الأنوار ٥٣: ٢٩٢.

## {٣٣} يحيى بن هرثمة (حشوي / العراق)ورد في كتاب الخرائج والجرائح:روي عنه قال: دعاني المتوكّل، فقال: اختر ثلاثمائة رجل ممّن تريد واخرجوا إلى الكوفة فخلّفوا أثقالكم فيها، واخرجوا إلى طريق البادية إلى المدينة، فأحضروا علي بن محمّد بن الرضا إلى عندي مكرّماً معظّماً مبجّلاً.قال: ففعلت، وخرجنا وكان في أصحابي قائد من الشراة(1، وكان لي كاتب يتشيّع، وأنا على مذهب الحشويّة، وكان ذلك الشاري يناظر ذلك الكاتب وكنت أستريح إلى مناظرتهما لقطع الطريق.)فلمّا صرنا إلى وسط الطريق قال الشاري للكاتب: أليس من قول صاحبكم علي بن أبي طالب أنّه ليس من الأرض بقعة إلاّ وهي قبر أو سيكون قبراً؟ فانظر إلى هذه البريّة أين من يموت فيها حتّى يملأها اللّه‌ قبوراً كما يزعمون؟قال: فقلت للكاتب: أهذا من قولكم؟قال: نعم.قلت: صدق أين يموت في هذه البريّة العظيمة حتّى تمتلئقبوراً؟! وتضاحكنا


1) أي: من الخوارج.

ساعة إذا انخذل الكاتب في أيدينا.قال: وسرنا حتّى دخلنا المدينة فقصدت باب أبي الحسن علي بن محمّد بن الرضا عليه‌السلام فدخلت إليه فقرأ كتاب المتوكّل، فقال: انزلوا، وليس من جهتي خلاف.قال: فلمّا صرت إليه من الغد وكنّا في تموز أشدّ ما يكون من الحرّ، فإذا بين يديه خيّاط وهو يقطع من ثياب غلاظ خفاتين له ولغلمانه. ثُمّ قال للخيّاط: اجمع عليها جماعة من الخيّاطين، واعمد على الفراغ منها يومك هذا وبكرّ بها إليّ في هذا الوقت، ثُمّ نظر إليّ وقال: يا يحيى اقضوا وطركم من المدينة في هذا اليوم واعمل على الرحيل غداً في هذا الوقت.قال: فخرجت من عنده، وأنا أتعجّب من الخفاتين، وأقول في نفسي: نحن في تموز وحرّ الحجاز، وإنّما بيننا وبين العراق مسيرة عشرة أيّام فما يصنع بهذه الثياب؟!ثُمّ قلت في نفسي: هذا رجل لم يسافر، وهو يقدّر أنّ كلّ سفر يحتاج فيه إلى مثل هذه الثياب، وأتعجّب من الرافضة حيث يقولون بإمامة هذا مع فهمه هذا.فعدت إليه في الغد في ذلك الوقت، فإذا الثياب قد أُحضرت، فقال لغلمانه: ادخلوا وخذوا لنا معكم لبابيد وبرانس، ثُمّ قال: أرحل يا يحيى.فقلت في نفسي: هذا أعجب من الأوّل، أيخاف أن يلحقنا الشتاء في الطريق حتّى أخذ معه اللبابيد والبرانس؟فخرجت وأنا أستصغر فهمه! فسرنا حتّى إذا وصلنا إلى موضع المناظرة في القبور ارتفعت سحابة واسودّت، وأرعدت، وأبرقت حتّى إذا صارت على رؤوسنا أرسلت علينا برداً مثل الصخور، وقد شدّ على نفسه وعلى غلمانه الخفاتين ولبسوا اللبابيد والبرانس.قال لغلمانه ادفعوا إلى يحيى لبّادة وإلى الكاتب برنساً، وتجمّعنا والبرد يأخذنا حتّى قتل من أصحابي ثمانين رجلاً، وزالت ورجع الحرّ كما كان.

فقال لي: يا «يحيى» أنزل من بقي من أصحابك ليدفن من قد مات من أصحابك، فهكذا يملأ اللّه‌ هذه البريّة قبوراً.قال: فرميت بنفسي عن دابّتي وعدوت إليه وقبّلت ركابه ورجله، وقلت: أنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه‌، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّكم خلفاء اللّه‌ في أرضه، وقد كنت كافراً، وإنّني الآن قد أسلمت على يديك يا مولاي.قال «يحيى»: وتشيّعت ولزمت خدمته إلى أن مضى(1.)


1) الخرائج والجرائح ١: ٣٩٣.

## {٣٤} يزداد الطبيب النصراني (مسيحي / العراق)ورد في كتاب بحار الأنوار:عن محمّد بن جرير الطبري بإسناده، قال: حدّثني أبو الحسن محمّد بن إسماعيل بن أحمد القهقلي الكاتب بسرّ من رأى سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة قال: حدّثني أبي قال: كنت بسرّ من رأى أسير في درب الحصا، فرأيت «يزداد الطبيب النصراني» تلميذ بختيشوع وهو منصرف من دار موسى بن بغا، فسايرني وأفضى الحديث إلى أن قال لي: أترى هذا الجدار؟ تدري من صاحبه؟قلت: ومن صاحبه؟قال: هذا الفتى العلوي الحجازي - يعني علي بن محمّد بن الرضا عليه‌السلام – وكنّا نسير في فناء داره.قلت ليزداد: نعم فما شأنه؟قال: إن كان مخلوق يعلم الغيب فهو.قلت: فكيف ذلك؟قال: أخبرك عنه بأعجوبة لن تسمع بمثلها أبداً ولا غيرك من الناس، ولكن لي اللّه‌ عليك كفيل وراع أن لا تحدّثنّ به أحداً فإنّي رجل طبيب، ولي معيشة أرعاها

عند السلطان، وبلغني أنّ الخليفة استقدمه من الحجاز فرقاً منه لئلا ينصرف إليه وجوه الناس فيخرج هذا الأمر عنهم، يعني بني العباس.قلت: لك عليّ ذلك فحدّثني به، وليس عليك بأس إنّما أنت رجل نصراني لا يتّهمك أحد فيما تحدّث به عن هؤلاء القوم.قال: نعم أعلمك، إنّي لقيته منذ أيّام وهو على فرس أدهم وعليه ثياب سود، وعمامة سوداء، وهو أسود اللون، فلمّا بصرت به وقفت إعظاماً له، وقلت في نفسي: لا وحقّ المسيح ما خرجت من فمي إلى أحد من الناس، قلت في نفسي: ثياب سوداء، ودابة سوداء ورجل أسود، سواد في سواد في سواد، فلمّا بلغ إليّ نظر إليّ وأحدّ النظر.وقال: قلبك أسود ممّا ترى عيناك من سواد في سواد في سواد.قال أبي (رحمه اللّه‌: فقلت له: أجل فلا تحدّث به أحداً، فما صنعت وما قلت له؟)قال: أسقطت في يدي فلم أحر جواباً، قلت له: فما أبيض قلبك كما شاهدت؟قال: اللّه‌ أعلم.قال أبي: فلمّا اعتلّ يزداد بعث إليّ فحضرت عنده.فقال: إنّ قلبي قد ابيضّ بعد سواده فأنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه‌ وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم وأن علي بن محمّد حجّة اللّه‌ على خلقه، وناموسه الأعظم ثُمّ مات في مرضه ذلك، وحضرت الصلاة عليه (رحمه اللّه‌(1).)


1) بحار الأنوار ٥٠: ١٦١، الحديث ٥٠.

## {٣٥} يعقوب النصراني (مسيحي / العراق)ورد في كتاب «دار السلام»:كان رجلاً نصرانيّاً من أهالي الإفرنج، مقيماً في «بغداد» عرض له مرض الاستسقاء، فرجع إلى الأطباء فلم ينفعه علاجهم واشتدّ به المرض وصار نحيفاً ضعيفاً إلى أن عجز عن المشي.قال وكنت أسأل اللّه‌ تعالى الشفاء أو الموت إلى أن رأيت ليلة في المنام - وكان ذلك في حدود الثمانين بعد المأتين والألف، وكنت نائماً على السرير – سيّداً جليلاً نورانيّاً طويلاً حضر عندي فهزّ السرير.وقال: إن أردت الشفاء فالشرط بيني وبينك أن تدخل بلد الكاظمين عليهماالسلام وتزور، فإنّك تبرء من هذا المرض، فانتبهت من النوم وقصصت رؤياي على أُمّي.فقالت: هذه من الشيطان وأتت بالصليب والزنار وعلّقتهما عليّ.ونمت ثانياً فرأيت امرأة منقّبة عليها إزارها فهزّت السرير وقالت: قم فقد طلع الفجر ألم يشترط معك أبي أن تزوره فيشفيك؟!فقلت: ومن أبوك؟قالت الإمام موسى بن جعفر عليهماالسلام.

فقلت: ومن أنت؟قالت: أنا المعصومة أخت الرضا عليه‌السلام.فانتبهت متحيّراً في أمري ما أصنع؟ وأين أذهب؟فوقع في قلبي أن أذهب إلى بيت السيّد الراضي البغدادي الساكن في محلّة الرواق منه، فمشيت إليه فلمّا دققت الباب نادى: من أنت؟فقلت: افتح الباب.فلمّا سمع صوتي نادى بنته افتحي الباب، فإنّه نصراني يريد أن يدخل الإسلام.فقلت له بعد الدخول: من أين عرفت ذلك؟فقال: اخبرني جدّي عليه‌السلام في النوم.فذهب بي إلى الكاظمين وأدخلني على الشيخ الأجل عبد الحسين الطهراني، فحكيت له القصّة فأمرني أن أذهب إلى الحرم المطهّر، فذهبوا بي إليه وأطافوا بي حول الشبّاك ولم يظهر لي أثر، فلمّا خرجت منه تأمّلت هنيئة وعرض لي عطش، فشربت الماء فعرض لي اختلاط، فوقعت على الأرض فكأنّه كان على ظهري جبل فحطّ عنّي، وخرج نفخ بدني، وبدّل اصفرار وجهي إلى الحمرة، ولم يبق فيّ أثر منالمرض، فرجعت إلى بغداد لأخذ مؤنتي من مالي فاطّلع أهلي وأقاربي فأخذوني واذهبوا بي إلى بيت فيه جماعة فيها أُمّي.فقالت لي: سوّد اللّه‌ وجهك ذهبت وكفرت.فقلت: ترين ما بقي من مرضي أثر.فقال: هذا من السحر.ونظر سفير الدولة الانجليزية إلى عمّي، وقال: أإذن لي أن أؤدّبه فإنّه قد كفر اليوم وغداً يكفّر جميع طائفتنا، فأمر بي فجرّدوني وأضجعوني وضربوني بالآلة

المعروفة بقرباج وهو مشتمل لشعب من السيم الموضوعة على رأسه شبه الأبر، فجرى الدم من أطراف بدني ولكن لم يؤثّر فيه من جهة الوجع والألم إلى أن أوقعت أختي نفسها عليّ فكفّوا عنّي،.وقالوا لي: اقبل على شأنك.فرجعت إلى الكاظمين عليهماالسلام ودخلت على الشيخ المعظم، فلقّنني الشهادتين وأسلمت على يديه، كان وقت العصر بعث المتعصّب العنيد والي بغداد نامق باشا رسولاً إلى الشيخ ومعه كتاب فيه إنّ رجلاً أتى إليك ليسلم وهو من رعايانا وتبعة الافرنج فلابدّ أن يسلّم عند القاضي، فأجابه بأنّ الذي ذكرته أتى عندي، ثُمّ ذهب لشأنه، وأخفاني وبعثني إلى كربلاء واختتنت هناك وزرت المشهد الغروي ورجعت،ثُمّ بعثني مع رجل صالح من أهل اصطهبانات من توابع شيراز إلى العجم، وكنت في القرية المذكورة سنة، ثُمّ رجعت إلى العتبات(1.)


1) دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام ٢: ١٦٩.

## {٣٦} يوحنّا بن سراقيون (مسيحي / العراق)ورد في كتاب «بحار الأنوار»:عن أبي المفضّل، عن الفضل بن محمّد بن أبي طاهر، عن محمّد بن موسى الشريعي، عن أبيه موسى بن عبد العزيز، قال: لقيني «يوحنّا بن سراقيون» النصراني المتطبّب في شارع أبي أحمد، فاستوقفني وقال لي بحقّ نبيّك ودينك من هذا الذي يزور قبره قوم منكم بناحية قصر ابن هبيرة؟ من هو من أصحاب نبيّكم؟قلت: ليس هو من أصحابه هو ابن بنته، فما دعاك إلى المسألة لي عنه؟فقال: عندي حديث طريف.فقلت: حدّثني به.فقال: وجّه إليّ سابور الكبير الخادم الرشيدي في الليل فصرت إليه فقال: تعال معي، فمضى وأنا معه حتّى دخلنا على موسى بن عيسى الهاشمي فوجدناه زائل العقل، متّكئاً على وسادة، وإذا بين يديه طست فيها حشو جوفه، وكان الرشيد استحضره من الكوفة.فأقبل سابور على خادم كان من خاصّة موسى فقال له: ويحك ما خبره؟فقال له: أخبرك إنّه كان من ساعته جالساً وحوله ندماؤه، وهو من أصحّ

الناس جسماً وأطيبهم نفساً، إذ جرى ذكر الحسين بن علي عليه‌السلام.قال «يوحنّا»: هذا الذي سألتك عنه فقال موسى: إنّ الرافضة ليغلون فيه حتّى أنّهم فيما عرفت يجعلون تربته دواء يتداوون به. فقال له رجل من بني هاشم كان حاضراً: قد كانت بي علّة عليلة، فتعالجتلها بكلّ علاج فما نفعني حتّى وصف لي كاتبي أن خذ من هذه التربة، فأخذتها فنفعني اللّه‌ بها وزال عنّي ممّا كنت أجده.قال: فبقي عندك منها شيء؟قال: نعم.فوجّه فجاءه منها بقطعة فناولها موسى بن عيسى فأخذها موسى فاستدخلها دبره استهزاءً بمن تداوى بها، واحتقاراً وتصغيراً لهذا الرجل الذي هي تربته – يعني الحسين عليه‌السلام - فما هو إلاّ أن استدخلها دبره، حتّى صاح: النار النار الطست الطست فجئناه بالطست فأخرج فيها ما ترى.فانصرف الندماء، وصار المجلس مأتماً فأقبل على سابور فقال: انظر هل لك فيه حيلة؟ فدعوت بشمعة فنظرت فإذا كبده وطحاله وريّته وفؤاده خرج منه في الطست فنظرت إلى أمر عظيم.فقلت: ما لأحد في هذا صنع إلاّ أن يكون لعيسى الذي كان يحيي الموتى.فقال لي سابور: صدقت، ولكن ههنا في الدار إلى أن يتبيّن ما يكون من أمره، فبتّ عندهم وهو بتلك الحالة ما رفع رأسه، فمات في وقت السحر.قال محمّد بن موسى: قال لي موسى بن سريع: كان «يوحنّا» يزور قبر الحسين وهو على دينه، ثُمّ أسلم بعد هذا وحسن إسلامه(1.)


1) بحار الأنوار ٤٥: ٤٠٠، الحديث ١٠.

## {٣٧} يوسف غسّان الجبوري (سنّي / العراق)ولد سنة ١٤١١ه (١٩٩١م في مدينة «المحمودية» قرب العاصمة «بغداد» في العراق، ونشأ في عائلة سنّية الأب وشيعيّة الأُم واصل الدراسة إلى المرحلة المتوسطة، ثُمّ هاجر إلى خارج العراق.)الإسلام بين التشيّع والتسنّن:يقول «يوسف»: «لم أكن أعرف التشيّع على حقيقته رغم أنّ والدتي كانت شيعيّة نظراً للأجواء الخانقة التي كانت تحكم العراق أيّام النظام البعثي السابق، فكانت عائلتنا تبدو سنّية تماماً أمام الناس، وفي المناسبات الدينيّة، والاجتماعية، حيث إنّ النظام السابق لم يكن يسمح للشيعة بأداء مراسيمهم الدينيّة، فكان يشدّد عليهم في طقوسهم الدينيّة، كزيارات مراقد الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام، وكإقامة المجالسالحسينيّة، أو يمنعها تماماً في بعض الأزمنة الخاصة، أو في بعض الأماكن المحدّدة، كما كان يعاقب الناس على إقامة العزاء الحسيني الذي لا يخلو من المظاهر الحماسيّة التي تبيّن الظلم الذي واجهه آل البيت عليهم‌السلام على طول التاريخ، أو تعظّم شأنهم وتحفظ قدسيّتهم كما هو اللائق بهم عليهم‌السلام».ويتابع «يوسف» كلامه قائلاً: «دفعتنا الظروف الصعبة في العراق إلى مغادرة البلد، فذهبنا أولاً إلى الأردن، ومنها إلى سوريا حيث استقرّ بنا المقام في العاصمة

«دمشق»، وهناك كنّا نذهب إلى زيارة مرقد الحوراء زينب بنت الإمام علي عليه‌السلام، ونحضر المجالس الدينيّة التي تقام في الحرم أو في أطرافه ممّا نوّر أفكاري الدينيّة، وأفكار أفراد أُسرتي جميعاً، ومهّد الطريق أمامي وأمام أُسرتي للتشرّف بنيل ولاية أهل البيت عليهم‌السلام والبراءة من أعدائهم.شيّعني الحقّ المبين، والحجّة الدامغة للباطل:يضيف «يوسف» القول: «منذ الطفولة كان يداعبني هاجس البحث عن الحقّ، ويثير فضولي معرفة حقائق الدين، رغم أنّ مسألة التشيّع والتسنّن لم تكن متناولةً في أُسرتنا بشكل حاد، فقد كانت والدتي تؤدّي صلاتها وفروضها الأُخرى وفق فقه المذهب الشيعي، إلاّ أنّها كانت متوافقة مع أبي في كلّ الأُمور، ولم تكن مسألة المذهب من المسائل التي قد تثير خلافاً بينهما، نعم كان يحصل بعض المزاح الشبيه بالجدّ في بعض المسائل الخلافية الموجودة بين الطرفين ثُمّ شبّ معي هذا الهاجس أيّام المراهقة والشباب، وساقني للسؤال والاستفسار عن هذه المسائل كي يمكنني تشكيل هويتي الدينيّة بشكل واضح لايلفّه الغموض.وأشكر اللّه‌ كثيراً وأحمده متصّلاً على أن تهيّأت لي فرصة معرفة أهل البيت عليهم‌السلام وأنا في مقتبل الشباب، وعنفوان العمر، حيث حصلت لي رؤية واضحة لحقّهم الذي أعطاه اللّه‌ لهم، وبيّنه واسّسه الرسول الكريم صلى الله عليه و آله و سلم لهم في أكثر من مناسبة، وفي العديد من الأحاديث المتواترة المستفيضة التي نقلها المسلمون على اختلاف مذاهبهم في كتبهم المعتبرة عندهم.لقد وفّر لي المذهب الشيعي الموالي لأهل البيت عليهم‌السلام أجوبة على كلّ التساؤلات التي وردت في خاطري، وقدّم جواباً وافيا شافياً لكلّ الإشكالات التي كانت تؤرّق ذهني في بعض الأحيان، فهو مذهب لا يلزمك بالخضوع للمقدّسات

الدينيّة بدون فهم، وخاصّه في المسائل المشكلة التي تحتاج إلى استدلال واضح، وبيان يبعّد الشُّبه والأوهام.سيرة المعصومين عليهم‌السلام :يعرف القاصي والداني أنّ سيرة المعصومين عليهم‌السلام يسودها اللّطف والرحمة في التعامل مع الآخرين، فهم أهل الفضائل والمناقب، ولم يكن تعاملهم مع المؤمنين أو الموالين لهم حسناً فقط، بل شمل لطفهم حتّى المخالفين لهم، فكانوا يترفّقون بهم، ويسعون في هدايتهم قدر الإمكان حتّى لا يدخلوا النّار بسبب عنادهم وجهلهم من دون إتمام الحجّة، وتبيين معالم الدين أمامهم.كما أنّ لطف المعصومين عليهم‌السلام لم يختصّ بالمسلمين فقط، بل شمل الآخرين من غيرهم، وخصوصاً من أهل الكتاب الذين يؤمنون باللّه‌ وبالأنبياء السابقين وكتبهم السماويّة التي أنزلها اللّه‌ هداية للناس.وهنا يقول «يوسف»: «لقد أعجبني تعامل المعصومين عليهم‌السلام مع غير المسلمين بكلّ معنى اللّطف لا القسوة وخصوصاً الإمام علي عليه‌السلام، وكانت هذه المسألة قد خطرت على بالي بعد هجرتنا إلى السويد، حيث إنّ العلاقات بين المسلمين والمسيحيّين - خصوصاً - مورد بحث ونقاش وتبادل في وجهات النظر، فكان لي أن افتخر أنّ من أُواليهم في أُمور ديني، وأُسلّمهم مقاليد أُموري هم القدوة العظمى،والأُسوة الحسنة في هذا المجال، كما أنّهم السابقون السابقون دائماً في كلّ مجالات الخير والشّرف والفخر.فقد نقل عنهم وخاصة عن الإمام علي عليه‌السلام مناقب كثيرة في هذا المجال، ومنها أنّه: «مرَّ شيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام: ما هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين نصراني، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام: استعملتموه حتّى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال»(1.)


1) الوسائل ١٥: ٦٦، الباب ١٩ من ابواب الجهاد، الحديث الأوّل.

الصورة![H14](/storage/sources/28/library/books/4/506604/images/H14.jpg "image title")

الحفصيّة: الذين قالوا بإمامة حفص بن أبي المقدام، ولحفص أفكار شاذّة وغاية في الكفر! ويناقض بعضها بعضاً.قال حفص: إنّ بين الشرك والإيمان معرفة اللّه‌ تعالى وحدها، فمَن عرفه ثمّ كفر بما سواه من رسول أو جنّة أو نار أو عمل بجميع المحرّمات من قتل النفس واستحلال الزنا..، فهو كافر لكنّه برئمن الشرك.وزعمت الحفصيّة أنّ عليّاً عليه‌السلام هو الذي أنزل اللّه‌ تعالى فيه: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ»(1. وأنّ عبد الرحمن بن ملجم هو الذي أنزل اللّه‌ فيه: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ»(2).)ثمّ قالوا بعد هذا كلّه: إنّ الإيمان بالكتب والرسل متّصل بتوحيد اللّه‌ عزّ وجلّ، فمَن كفر بعد ذلك فقد أشرك باللّه‌ عزّ وجلّ، وهذا نقيض قولهم: إنّ الفصل بين الشرك والإيمان معرفة اللّه‌ تعالى وحدها، وإنّ مَن عرفه فقد برئ من الشرك وإن كفر بما سواه من رسول أو جنّة أو نار(3.)الحارثيّة: أتباع حارث بن مزيد الإباضي، خالف الإباضيّة في قوله بالقدر على مذهب المعتزلة، وفي الاستطاعة قبل الفعل، وفي إثبات طاعة لا يراد بها اللّه‌ تعالى.واكفرّهم سائر الأباضيّة في ذلك ؛ لأنّ جمهورهم على قول أهل السنّة في أنّ اللّه‌ تعالى خالق أعمال العباد، وفي أنّ الاستطاعة مع الفعل(4.)


1) البقرة: ٢: ٢٠٤.

2) البقرة ٢: ٢٠٧.

3) الفَرق بين الفِرق: ١٠٤.

4) انظر: الملل والنحل ١: ١٣٦.

اليزيديّة: أصحاب يزيد بن أنيسة، وقد قالو بتولّي الأزارقة، والتبرّي بعدهم إلاّ الإباضيّة ؛ فإنّه يتولاّهم، وزعم أنّ اللّه‌ سيبعث رسولاً من العجم، وينزل عليه كتاباً جملة واحدة، أي غير منجّم كما هو حال القرآن الكريم، ويكون - أي النبيّ الجديد - على ملّة الصابئة المذكورة في القرآن، وليست هي الصابئة التي عليها الناس اليوم الموجودة بحرّان وواسط.وتولّى يزيد مَن شهد لمحمّد صلّى اللّه‌ عليه وآله بالنبوّة من أهل الكتاب، وإن لم يدخلوا في دينه ولم يعملوا بشريعته، وزعم أنّهم بذلك مؤمنون، ومن الإباضيّة مَن وقف فيه، ومنهم من برئ منه، وجلّهم تبرّأ منه(1(2).)التعرّف على التشيّع:يقول «وليد»: كان للجلسات العقائديّة التي عقدتها مع المستبصرين الدور الكبير في تعرّفي على التشيّع، كما كان لقراءتي كتاب «ثمّ اهتديت» للدكتور التيجاني الأثر الكبير في استبصاري، وذلك لمّا اطّلعت على الأدلّة التي يذكرها في كتابه وكانت سبباً لاستبصاري.وقد بيّن الدكتور التيجاني بأنّ الأدلّة التي كانت سبباً في استبصاره كثيرة جدّاً أهمّها:١ - النصّ على الخلافة:وهي كثيرة، أبرزها قوله صلى الله عليه و آله و سلم : «مَن كنتُ مولاه فهذا عليّ مولاه» وكان ذلك بعدما انصرف صلى الله عليه و آله و سلم من حجّة الوداع، فعقد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لعلي موكباً للتهنئة حتّى أنّ أبا بكر نفسه وعمر كانا من جماعة المهنّئين للإمام علي عليه‌السلام وقالا له: بخ بخ لك يابن


1) انظر: مقالات الإسلاميين: ١٠٣.

2) للمزيد راجع كتاب الخوارج أصول وعقائد، تأليف: حبيب طاهر الشمّري.

ابى‌طالب أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة»(1.)وهذا النصّ مُجمع عليه عند الشيعة والسنّة، وأمّا الإجماع المدّعى على انتخاب أبي بكر يوم السقيفة ثمّ مبايعته بعد ذلك في المسجد فإنّه دعوى بدون دليل ؛ إذ كيف يكون الإجماع وقد تخلّف عن البيعة علي والعبّاس وسائر بني هاشم، كما تخلّف أسامة بن زيد، والزبير، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود وعمّار بن ياسر وحذيفة بن اليمان، وخزيمة بن ثابت، وأبو بريدة الأسلمي، والبراءابن عازب، وأُبي بن كعب وسهل بن حنيف، وسعد بن عبادة، وقيس بن سعد، وأبو أيّوب الأنصاري، وجابر بن عبد اللّه‌ وخالد بن سعيد وغير هؤلاء كثيرون(2فأين الإجماع المزعوم يا عباد اللّه‌؟!)٢ - خلاف فاطمة عليهاالسلام مع أبي بكر:وهذا الموضوع أيضاً مجمع على صحّته من الفريقين، فلا يسع المنصف العاقل إلاّ أن يحكم بخطأ أبي بكر، إن لم يعترف بظلمه وحيفه على سيّدة النساء ؛ لأنّ يتتبَّع هذه المأساة، ويطّلع على جوانبها، يعلم علم اليقين أنّ أبا بكر تعمّد إيذاء الزهراء وتكذيبها ؛ لئلاّ تحتجّ عليه بنصوص الغدير وغيرها على خلافة زوجها وابن عمّها علي عليه‌السلام.ولو كان أبو بكر مخطئاً عن حسن نيّة أو على اشتباه لأقنعته فاطمة الزهراء، ولكّنها غضبت عليه، ولم تكلّمه حتّى ماتت، بل لم تأذن له بحضور جنازتها حسب وصيّتها لزوجها الذي دفنها في الليل سراً(3.)


1) مسند أحمد ٤: ٢٨١.

2) راجع تاريخ الطبري ٢: ٤٤٤، حوادث سنة١١.

3) انظر: صحيح البخاري ٥: ٨٣ كتاب المغازي، باب غزوة خيبر.

٣- علي أولى بالاتّباع:يقول الدكتور التيجاني: ومن الأسباب التي دعتني للاستبصار وترك سنّة الآباء والأجداد هي الموازنة العقليّة والنقليّة بين علي بن أبي طالب وأبي بكر.وقد فتّشت في كتب الفريقين فلم أجد إجماعاً إلاّ على علي بن أبي طالب، فقد أجمع على إمامته الشيعة والسنّة في ما ورد من النصوص ثبّتتها مصادر الطرفين، بينما لا يقول بإمامة أبي بكر إلاّ فريق من المسلمين.٤ - الأحاديث الواردة في علي عليه‌السلام توجب اتّباعه:من الأحاديث التي أخذتُ بها ودفعتني للاقتداء بالإمام علي عليه‌السلام تلك التي أخرجتها صحاح أهل السنّة والجماعة، وأكّدت صحّتها، والشيعة عندهم أضعافها، ومن هذه الأحاديث:أ قال صلى الله عليه و آله و سلم : «أنا مدينة العلم وعلي بابها»(1).)ب قال صلى الله عليه و آله و سلم : «يا علي أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»(2).)جـ قال صلى الله عليه و آله و سلم : «من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وادر الحقّ معه حيث دار»(3).)د قال صلى الله عليه و آله و سلم : «علي منّي وأنا من علي، ولا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو علي»(4).)هـ حديث الدار، قال صلى الله عليه و آله و سلم مشيراً إلى عليّ: «إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي)


1) المستدرك للحاكم ٣: ١٢٦.

2) صحيح البخاري ٥: ١٢٩ كتاب المغازي باب غزوة تبوك.

3) حديث الغدير حديث متواتر صحيح صرّح بكثرة طرقه الذهبي في تذكرة الحفّاظ ٢: ٧١٣.

4) مسند أحمد ٤: ١٦٥.

من بعدي، فاسمعوا له واطيعوا»(1.)علي شاطئ الهداية:وجد «وليد» بأنّ الأدلّة أخذت بيده إلى شاطئ الهداية، ووجد بأنّه كلّما ازداد بحثاً ازداد يقيناً بأحقّية مذهب أهل البيت عليهم‌السلام. وهكذا اجتمعت العلل الناقصة في البحث وشكلّت العلّة التامّة التي أدّت فينهاية المطاف إلى بلورة القناعة التامّة عند «وليد»، فاندفع إلى إعلان استبصاره، واهتمّ بعد ذلك بنشر علوم ومعارف أهل البيت عليهم‌السلام.هذا هو حال كلّ باحث إسلاميّ منصف يتّجه نحو البحث العقائدي بموضوعيّة تامّة، ويشقّ طريقه في البحث بعيداً عن التعصّب والتقليد الأعمى.


1) تاريخ الطبري ٢: ٦٢.

## {٤٠} أبو بكر موسى (مالكي / غانا)ولد في «والى والي» بغانا، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب المالكي، ثمّ استبصر عام ١٤١٧ه (١٩٩٧م في «شمالى» بغانا، وبيّن بأنّ سبب استبصاره هو قراءة كتب الدكتور التيجاني السماوي.)أبو بكر وعمر ومنع تدوين السنّة النبويّة:من أهمّ البحوث التي تناولها الدكتور التيجاني السماوي في كتابه «فاسألوا أهل الذكر» هو مبحث منع أبي بكر وعمر تدوين السنّة، وبيّن بأنّ الباحث إذا قرأ كتب التاريخ وأحاط ببعض الخلفيّات التي توخّتها حكومة الخلفاء الثلاثة، علم عِلم اليقين بأنّهم هم الذين منعوا كتابة الحديث النبوي الشريف وتدوينه، بل منعوا حتّى التحدّث به ونقله إلى الناس ؛ لأنّهم بلا شك علموا بأنّه لا يخدم مصالحهم أو على الأقل يتعارض ويتناقض مع الكثير من أحكامهم، وما تأوّلوه حسب اجتهاداتهم،وما اقتضته مصالحهم.وبقي حديث النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم والذي هو المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، بل هو المفسّر والمبيّن للمصدر الأوّل ألا وهو القرآن الكريم، بقي ممنوعاً ومحرّماً على عهدهم

؛ ولذلك اتّفقت كلمة المحدّثين والمؤرّخين على بداية جمع الحديث والتدوين في عهد عمر بن عبد العزيز أو بعده بقليل وورد في أخبار أهل السنّة: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم فاكتبه، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا يقبل إلاّ حديث النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وليفشوا العلم ـ وليجلسوا حتّى يُعلَّم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلكُ حتّى يكون سراً(1.)وخطب أبو بكر في الناس بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قائلاً: إنّكم تحدّثون عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بينننا وبينكم كتاب اللّه‌، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه(2.)ويضيف الدكتور التيجاني: عجيب واللّه‌ أمر أبي بكر! ها هو وبعد أيّام قلائل من ذلك اليوم المشؤوم الذي سُمِّي برزيّة يوم الخميس، يوافق ما قاله صاحبه عمر ابن الخطاب بالضبط عندما قال: إنّ رسول اللّه‌ يهجر وحسبنا كتاب اللّه‌ يكفينا! وها هو يقول: لا تحدّثوا عن رسول اللّه‌ شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه‌ فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه.والحمد للّه‌ على اعترافه صراحة بأنّهم نبذوا سنّة نبيّهم وراء ظهورهم وكانت عندهم نسياً منسيّاً!والسؤال هنا إلى أهل السنّة والجماعة الذين يدافعون عن أبي بكر وعمر ويعتبرونهما أفضل الخلق بعد رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، فإذا كانت صحاحكم كما تعتقدون تروي بأنّ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم قال: «تركت فيكم خليفتين، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا


1) صحيح البخاري، كتاب العلم ١: ٣٣.

2) تذكرة الحفاظ للذهبي ١: ٣.

أبداً: كتاب اللّه‌ وسنّتي» - على فرض أنّنا سلّمنا بصحّة هذا الحديث - فما بال أفضل الخلق عندكم يرفضان السنّة، ولا يقيمان لها وزناً، بل ويمنعان الناس من كتابتها والتحدّث بها؟!عمر بن الخطاب ومنع تدوين السنّة النبويّة:هذه كانت سياسة أبي بكر في منع الحديث، حتّى وصل به الأمر أن أحرق المجموعة التي جمعت على عهده وهي خمسمائة حديث ؛ لئلاّ تتفشّى عند الصحابة وغيرهم من المسلمين الذين كانوا يتعطّشون لمعرفة سنّة نبيّهم صلى الله عليه و آله و سلم .ولمّا ولي عمر الخلافة بأمر من أبي بكر، كان عليه أن يتوخّى نفس السياسة ولكن بأسلوبه المعروف بالشدّة والغلظة، فلم يقتصر على حظر ومنع تدوين الحديث ونقله فحسب، بل تهدّد وتوعّد وضرب أيضاً، واستعمل فرض الحصار هو الآخر.روى ابن ماجة في سننه: قال: عن قرظة بن كعب، بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة، وشيّعنا فمشى معنا إلى موضع صرار، فقال: أتدرون لم مشيتُ معكم؟قال: قلنا: لحقّ صحبة رسول اللّه‌، ولحقّ الأنصار.قال: لكنّي مشيتُ معكم لحديث أردتُ أن أحدّثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم، إنّكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم أزيز كأزيز المرجل، فإذا رأوكم مدّوا إليكم أعناقهم وقالوا: أصحاب محمّد! فأقلّوا الرواية عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، ثمّ أنا شريككم(1.)فلمّا قدم قرظة بن كعب قالوا: حدّثنا، قال: نهانا ابن الخطاب(2.)


1) سنن ابن ماجة ١: ٢٥، ح٢٨، تذكرة الحفاظ للذهبي ١: ٧.

2) المستدرك ١: ١٠٢، وقال الحاكم بعد ذكر الحديث: هذا حديث صحيح الإسناد له طرق تُجمع ويذاكر بها.

وروى مسلم في صحيحه بأنّ عمر هدّد أبا موسى الأشعري بالضرب من أجل حديث رواه عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم .قال أبو سعيد الخدري: كنّا في مجلس عند أُبي بن كعب، فأتى أبو موسى الأشعري مغضباً، حتّى وقف فقال: أنشدكم اللّه‌ هل سمع أحد منكم رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم يقول: الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلاّ فارجع؟قال أُبي: وما ذاك؟قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرّات، فلم يؤذن لي، فرجعت، ثمّ جئته اليوم فدخلت عليه، فأخبرته أنّي جئتُ بالأمس فسلّمت ثلاثاً ثمّ انصرفت، قال: قد سمعناك ونحن حينئذٍ على شغل، فلو ما استأذنت حتّى يؤذن لك.قلت: استأذنت كما سمعتُ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، قال: فواللّه‌ لأوجعنّ ظهرك وبطنك أولتأتينَّ بمن يشهد لك على هذا.فقال أُبي بن كعب: فواللّه‌ لا يقوم معك إلاّ أحدثنا سنّاً، قم يا أبا سعيد، فقمت حتّى أتيتُ عمر، فقلت: قد سمعت رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم يقول هذا(1. وروى البخاري هذه الحادثة، ولكنّه كعادته بترها وحذف منها تهديد عمر بضرب أبي موسى حفاظاً على كرامته(2)، مع أنّ مسلماً في صحيحه زاد قول أُبي بن)كعب لعمر: يابن الخطاب فلا تكن عذاباً على أصحاب رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم .وروى الذهبي عن أبي سلمة قال: قلت لأبي هريرة: أكنت تحدّث في زمان عمر هذا؟ فقال: لو كنت أحدّث في زمان عمر مثل ما أحدّثكم لضربني بمخفقته(3.)كما أنّ عمر بعد منع الحديث والتهديد بالضرب، أقدم هو الآخر على حرق ما


1) صحيح مسلم، كتاب الآداب ٦: ١٧٨.

2) انظر صحيح البخاري ٦: ١٧٨، في كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثاً.

3) تذكرة الحفّاظ ١: ٧.

دوّنه الصحابة من الأحاديث، فقد خطب الناس يوماً قائلاً: أيّها الناس، إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبّها إلى اللّه‌ أعدلها وأقومها، فلا يبقيّن أحد عنده كتاباً إلاّ أتاني به فأرى فيه رأيي، فظنّوا أنّه يريد النظر فيها ليقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار(1.)كما أخرج ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله، أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنّة، ثمّ بدا له أن لا يكتبها، ثمّ كتب إلى الأمصار من كان عنده شيء فليمحه(2.ولمّا أعيته الحيلة ورغم تهديده ووعيده ومنعه وتحريمه، وحرقه كتب الأحاديث، بقي بعض من الصحابة يحدّثون بما سمعوا من رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم عندما يلتقون في أسفارهم خارج المدينة بالناس اللذين يسألونهم عن أحاديث)النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فرأى عمر أن يحبس هؤلاء النفر في المدينة، ويضرب عليهم حصاراً وإقامة جبريّة.فقد روى ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن عوف، قال: واللّه‌ ما مات عمر حتّى بعث إلى أصحاب رسول اللّه‌ فجمعهم من الآفاق: عبد اللّه‌ بن حذيفة، وأبي الدرداء، وأبي ذر الغفاري، وعقبة بن عامر فقال: ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول اللّه‌ في الآفاق، قالوا: تنهانا؟ قال: لا، أقيموا عندي، لا واللّه‌ لا تفارقوني ما عشت(3.)عثمان بن عفان ومنع تدوين السنّة النبويّة:عندما جاء عثمان إلى سدّة الحكم، اتّبع نفس طريق أبي بكر وعمر، فصعد على المنبر وأعلن بصراحة قوله:


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ٥: ١٨٨، سير أعلام النبلاء للذهبي ٥: ٥٩.

2) كنز العمّال ١٠: ٢٩٢، ح٢٩٤٧٦.

3) كنز العمال ١٠: ٢٩٣، تاريخ مدينة دمشق ٤٠: ٥٠٠.

لا يحلّ لأحد أن يروي حديثاً عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم لم أسمع به في عهد أبي بكر وعمر(1.)وهكذا دام الحصار طيلة حياة الخلفاء الثلاثة وهي خمسة وعشرون عاماً، وياليته كان حصاراً في تلك المدّة فحسب، ولكنّه تواصل بعد ذلك، وعندما جاء معاوية للحكم صعد المنبر هو الآخر وقال: إيّاكم وأحاديث إلاّ حديثاً كان في عهد عمر...(2.)ونهج الخلفاء الأمويّون على هذا المنوال، فمنعوا أحاديث الرسول الصحيحة، وتفنّنوا في وضع الأحاديث المزوّرة والمكذوبة على رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم حتّى ابتلي المسلمون في كلّ العصور بالمتناقضات وبالأساطير والخرافات التي لا تمتّ للإسلام بشيء.وكتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمّة ممَّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته (يقصد علي بن أبي طالب، فقام الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يلعنون عليّاً ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته(3).)يقول «أبو بكر موسى»: كانت لكتب الدكتور التيجاني الدور الأساسي في استبصاري وتحوّلي من المذهب المالكي إلى مذهب أهل البيت عليهم‌السلام. ومن ممّيزات قراءة الكتب عند البحث العقائدي أنّ الإنسان يشعر أنّه بعيد عن نطاق التحدّي أو الصراع أو الغلبة مع جهة مقابلة، بل يجد نفسه باحثاً يتعرّف على أدلّة وبراهين لم يطلّع عليها من قبل، فيضيف إلى معلوماته شيئاً جديداً ويواصل البحث حتّى تدفعه هذه المعلومات إلى التمسّك بالمذهب الحقّ.


1) الطبقات لابن سعد ٢: ٣٣٦، كنز العمال ١٠: ٢٩٥، ح٢٩٤٩٠.

2) صحيح مسلم كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة.

3) فاسألوا أهل الذكر، الدكتور التيجاني السماوي: ٢٨٤ - ٢٩٢ بتصرّف يسير.

كما أنّ الاستبصار لا يتحقّق للباحث المتعصّب أبداً، وإنّما هو هبة إلهيّة للباحث الموضوعي الذي يبحث عن الحقّ بإخلاص، والذي يوطّن نفسه لقبول الحقّ مهما كانت نتائجه.وهناك فرق بين باحث يبحث ليجمع الأدلّة حول ما تهواه نفسه، ويبرّر الأدلّة المتناقضة، ويتمسّك بالمتشابهات، وبين باحث يترك النتيجة للبحث، ويهيّئ نفسه لقبول الحقّ سواء كان الحقّ مع أسلافه أو مع غيرهم.ولم يتمكّن «أبو بكر موسى» من الاستبصار إلاّ بعد تطهير نفسه من الشوائب، وتطهير قلبه من الأدران، فلمّا تجلّت له الحقيقة تقبّلها بشوق، واعتنقها وتمسّك بها بكلّ ما يمتلك من قوّة. ثمّ بدأ بنشرها لتعمّ الفائدة.

## {٤١} أحمد إبراهيم عبد المؤمن (وهّابي / غانا)ولد عام ١٣٩٧ه (١٩٧٧م بمدينة (إنسوام) في غانا، درس في المدارس الأكاديميّة حتّى أكمل المتوسّطة، وبعدها دخل في المرحلة الإعدادية.)وفي أثناء دراسته في المرحلة الإعدادية التحق بالمدرسة الإسلاميّة التي كانت تروّج الفكر الوهّابي ؛ لذا نشأ وهّابيّاً متشدّداً، وترعرع في أوساط هذه البيئة.وقد شكّل هو ومجموعة من رفاقه جمعيّة (التبليغ الإسلامي التي تدعو الناس في المدن والقرى إلى اعتناق الفرقة الوهّابيّة.)بداية التعرّف على الشيعة:في أحد الأيام قصد «أحمد» مدينة (أكم عفواس لزيارة عمّه، وكان عمّه هذا مثقّفاً ومدرّساً في مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام الشيعيّة، فبقي في بيت عمّه ثلاثة أيّام، ولم يسمع إلى ذلك الحين باسم الشيعة قط، فاصطحبه عمّه إلى مسجد الشيعة لأجل الصلاة.)فرأى أموراً غريبة، فوضوء هؤلاء مختلف عمّا يعرفه، والتربة التي يسجدون عليها، وإسبال أيديهم في الصلاة.

وكذلك استغرب من أنّه لم يسمع إلاّ نفسه يقول: آمين بعد قراءة سورة الفاتحة. يقول أحمد: «ظننت أنّ هؤلاء قد نسوا كلمة «آمين» في الركعة الأولى، وإذا بهم لم يلفظوها في الركعة الثانية أيضاً، فعرفت أنّ هؤلاء يختلفون معنا في أُمور أُخرى غير هذه، فما هي يا ترى»؟قول: «آمين» في الصلاة:إنّ لفظة «آمين» لم ترد على لسان النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم في الصلاة بعد الحمد بطريق معتبر، ولمّا كانت الصلاة من الأُمور التعبّديّة، والتي يشترط في تحقّقها قصد القربة، وهي من الأُمور التوقيفية، بمعنى أنّها موقوفة على إذن الشارع وما يرد عنه، فيجب الاقتصار بما صدر عن الشارع المقدّس خاصّة.وعليه، لو أتى بها المصلّى - والحال أنّها لم ترد من الشارع - فلا يخلو الأمر: إمّا أن يأتي بها بقصد الجزئية - كما يفعله أهل السنّة - أو لا.فإن قصد بها الجزئية فتكون صلاته باطلة ؛ لدخوله تحت عنوان البدعة ؛ لأنّ البدعة: هو إدخال ما ليس من الدين في الدين بقصد أنّه من الدين.وإن لم يقصد بها الجزئيّة، وأتى بها بقصد الدعاء أو سهواً أو تقيّة فلا بأس بها.وأمّا لو لم يقصد بها الدعاء وأتى بها عمداً من غير تقيّة وإن لم يقصد بها الجزئيّة، فتكون صلاته باطلة ؛ لإتيان جزء زائد في الصلاة، وقد اتّفق أعلام الإماميّة على أنّ الكلام الزائد في الصلاة يبطلها(1.)وأطبق الجمهور على استحبابها(2؛ لقول أبي هريرة: إنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم : «إذا)


1) منهاج الصالحين ١: ١٩٣ بتصرّف.

2) تذكرة الفقهاء ٣: ١٦٢ - ١٦٣ المسألة: ٢٤٥.

قال الإمام: «غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ»، فقولوا: «آمين»(1.)ونمنع صحّة الرواية ؛ فإنّ عمر شهد على أبي هريرة بأنّه عدوّ اللّه‌ وعدوّ المسلمين، وحكم عليه بالخيانة، وأوجب عليه عشرة آلاف دينار ألزمه بها بعد ولايته البحرين، ومثل هذا لا يسكن إلى روايته، ولأنّ ذلك من القضايا الشهيرة التي يعمّ بها البلوى فيستحيل انفراد أبي هريرة بنقلها(2.)فالإماميّة انفردت بأنّ قول: «آمين» يقطع الصلاة، سواء كان ذلك سرّاً أو جهراً، في آخر الحمد أو قبلها، للإمام والمأموم على كلّ حال، خلافاً لمدرسة الخلفاء حيث يذهبون إلى استحباب الإتيان بقول: «آمين» بعد الحمد.وأمّا دليل الإماميّة في ترك قول: «آمين» في الصلاة:أوّلاً: إجماع الفرقة، فإنّهم لا يختلفون في أنّ ذلك يبطل الصلاة، وأيضاً لا خلاف أنّه إذا لم يقل ذلك فصلاته صحيحة ماضية. واختلفوا إذا قال ذلك، فينبغي العمل على الاحتياط بتركه(3.)ثانياً: لا خلاف في أنّ هذه اللفظة ليست من جملة القرآن، ولا مستقلّة بنفسها في كونها دعاءً وتسبيحاً، فجرى التلفّظ بها مجرى كلّ كلام خارج عن القرآن والتسبيح(4.)ثالثاً: من أنّ قول: «آمين» بدعة كما تقدّم.رابعاً: هناك جملة من الصحابة نقلوا صفة صلاة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، منهم أبو


1) صحيح مسلم ١: ٢٥٤، ح٤٠٤.

2) تذكرة الفقهاء ٣: ١٦٢ - ١٦٣ المسألة: ٢٤٥.

3) الخلاف ١: ٣٣٢ - ٣٣٤ المسألة ٨٤ بتصرّف.

4) الانتصار: ١٤٤ بتصرّف.

حميد الساعدي قال: أنا أعلمكم بصلاة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم .قالوا: أعرض علينا، ثمّ وصف إلى أن قال: ثمّ يقرأ ثمّ يكبّر... ولم يذكر بعد الحمد شيئاً سوى التكبير، وإلاّ لو كان واجباً أو مستحبّاً لكان عليه ذكره كما ذكر التكبير الذي يعدّ مستحبّاً.خامساً: ما روي عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «إنّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنّما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن»(1.)ومن الواضح أنّ قول: «آمين» من كلام الناس، مضافاً إلى حصر الصلاة في خصوص التسبيح والتكبير والتهليل، وقراءة القرآن ؛ لأنّ كلمة «إنّما» تفيد الحصر.سادساً: ومن طريق الخاصّة فقد وردت روايات كثيرة تمنع من قول: «آمين» في الصلاة.فقد روى الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه‌ عليه‌السلام أقول إذا فرغت من فاتحة الكتاب: آمين؟ قال: «لا»(2.)سابعاً: ثمّ على تقدير ورود روايات عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم ، - والتي نقلت أكثرها عن أبي هريرة - فهي تعارض روايات أُخرى تحدّثت عن صفة صلاة النبيّ، ولم يرد فيها التأمين، كما مرّ في رواية أبي حميد الساعدي، وعليه يسقط طرفا المعارضة من الحجّية، والحكم بعدم اعتباره كما هو المقرّر في علم الأصول.فالنتيجة: لا دليل قطعي على القول بآمين في الصلاة، بل هناك أدلّة على عدم اعتباره، وعليه كيف يمكن الحكم بحكم شرعي اتّجاه الصلاة - وهي أهمّ عبادة،


1) صحيح مسلم ١: ٣١٨ - ٣١٩، ح٥٣٧. كنز العمال ٧: ١٩٩، ح١٩٩١١.

2) الاستبصار ١: ٣١٨، ح١١٨٦، و ح١١٨٥.

وأنّها عمود الدين، وأوّل ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من الأعمال، وأوّل ما يسأل عنه العبد بعد المعرفة، فإن قبلت قبل ما سواها، وإن ردّت ردّ ما سواها- أن نضيف إليها شيئاً لم يثبت اعتباره؟!الدافع نحو البحث:وبعد فراغ «أحمد» من أداء الصلاة في مسجد الشيعة، وفي أثناء عودته إلى بيت عمّه أخذ يسأل عمّه عمّا شاهده في المسجد ممّا رآه من أمور غريبة عليه من وضوئهم المختلف عمّا يعرفه، والتربة التي يسجدون عليها، وإسبال أيديهم، وغير ذلك من الأمور التي لم يأنسها من قبل.فأخذ عمّه يعرّفه بالشيعة وبمعتقداتهم، ومن أين يأخذون مذهبهم ودينهم، وما هو مصدر تشريعهم، وكان عمّه قد اعتنق مذهب أهل البيت عليهم‌السلام من قبل ولكن لم يجهر بذلك.وهكذا دار الحوار حول مذهب التشيّع، تعرّف من خلاله «أحمد» على صورة مجملة عن الشيعة التي كانت خافية عليه. وطلب من عمّه أن يبيّن له المزيد من جوانب العقائد الشيعيّة وبنحو أعمق وأفضل، فأخذه إلى أحد طلبة الحوزة في غانا ليعرّفه أكثر فأكثر.والتقى بهذا الطالب، وجرت بينهما حوارات كلاميّة كان هذا الشيعي كلّ ما يستدلّ به على مذهبه من مصادر أهل السنّة ومن كتبهم ممّا جعل «أحمد» يشكّ في صدقه، وظنّ أنّه يزوّر الأحاديث ويتحدّث كذباً عن مصادرهم.فعاد إلى مدينته (إنسوام، وأخذ يفكّر بما سمعه من هذا الطالب الشيعي من الأدلّة التي كان يستدلّ بها، وبما رآه من أمور غريبة عليه.)

الشيوخ وكتمان الحقيقة:وحال وصوله بادر بالاستفسار من مشايخه وأساتذته، فأجابه أحدهم بقوله:«إنّ هؤلاء الشيعة ليسوا من المسلمين، أي إنسان يقترب منهم سيتغيّر وينقلب إلى شيعي من حيث لا يشعر». فوجد «أحمد» أنّ هذه الأجوبة غير علميّة، ولا يرمي أستاذه إلاّ إبعاده وصرف ذهنه لا أكثر.فقرّر السؤال من شيخ آخر، فأجابه هذا بالقول: «إنّ الشيعة مسلمون لكن عقائدهم باطلة».لماذا يتهرّبون من الأجوبة، ويخفون الحقائق؟ولماذا هذا الكتمان عن الحقيقة، فيشملهم عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ(1). فإنّ أهل الكتاب كانوا يكتمون ما أنزله اللّه‌ من الآيات الواردة في التوراة والإنجيل من بشارات في حقّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ويخفونها عن الناس، والسكوت في مواضع يجب فيها البيان قد يكون من صاديق كتمان الحقّ، ولذا يجب تبيين الحقائق في هذه الحالة.

فقد روى العياشي في تفسيره في ذيل هذه الآية عن حمران عن أبي جعفر عليه‌السلام:


1) البقرة ٢: ١٥٩.

«يعني بذلك نحن واللّه‌ المستعان».

وقيل لأمير المؤمنين عليه‌السلام: مَن خير خلق اللّه‌ بعد أئمّة الهدى ومصابيح الدجى؟

قال: «العلماء إذا صلحوا».

قيل: فمَن شرّ خلق اللّه‌ بعد إبليس وفرعون وثمود، وبعد المتسّمين بأسمائكم، وبعد المتلقّبين بألقابكم، والآخذين لأمكنتكم، والمتأمّرين في ممالككم؟

قال: «العلماء إذا فسدوا، هم المظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقائق، وفيهم قال اللّه‌ عزّ وجلّ: أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ(1).

وروى عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «أيّما رجل آتاه اللّه‌ علماً فكتمه، وهو يعلمه، لقي اللّه‌ عزّ وجلّ يوم القيامة ملجماً بلجام من نار»(2).

حين ينتهج الإنسان خطّ العناد واللجاج، فإن إعراضه عن الحقيقة لا حدّ له، ينكر أبسط المسلّمات، ويرفض أوضح الواضحات. وبذلك يكتمون حقيقة واضحة لها ارتباط بإيمان الناس ومعتقداتهم ؛ ولذلك يصف القرآن هؤلاء الذين يكتمون الحقائق بأنّهم أظلم الناس: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ»(3)؛ لأنّه لا ظلم أكبر من كتمان الحقائق عن الناس عمداً، وجرّ الآخرين

إلى طريق الضلال.

وأيّة خيانة للعالم أكبر من محاولة العلماء كتمان الحقائق المودعة عندهم من أجل مصالحهم الشخصيّة وتضليل الناس عنها؟!


1) الاحتجاج ٢: ٢٦٥.

2) الأمالي: ٣٧٧، ح٨٠٨ .

3) البقرة ٢: ١٤٠.

إنّ كتمان الحقائق من المسائل التي عانت منها المجتمعات البشريّة على مرّ التاريخ، وكان لها دوماً آثار سيّئة عميقة استمرّت قروناً وأعصاراً، ويتحمّل تبعة هذه المساوئ دون شكّ أولئك العلماء الذين يعلمون الحقائق ويكتمونها.لعلّ القرآن لم يهدّد ويذمّ فئة كما هدّد وذمّ هذه الفئة الكاتمة للحقائق، ولم لا؟ فإنّ عمل هؤلاء يجرّ أجيالاً متعاقبة إلى طريق الضلال والفساد، كما أنّ شر الحقائق يدفع بالأمم إلى طريق الهداية والصلاح.

والبشريّة تميل للحقائق بفطرتها، وكتمان الحقائق عنها يعني صدّ البشريّة عن طريق تكاملها الفطري المرسوم لها.

نقطة التحوّل:

وصمم «أحمد» على الرجوع مرّة أخرى إلى ذلك الشيعي - الذي دارت بينهما حوارات كلاميّة - والدراسة عنده، لكن دون أن يعتنق مذهبه. وشرع بالدراسة والمحاورة معه، وإثارة الإشكالات المختلفة عليه، وكان يجيبه بدقّة فائقة ومن مصادر أهل السنّة، وكذلك كان يرشده إلى المصادر التاريخيّة والتفسيريّة، وبعض الكتب العقائديّة ككتاب (المراجعات) للسيّد شرف الدين، وكتب التيجاني وغيرها.

وهكذا مرّت الأيام إلى ما يقارب ستة أشهر يبحث عن الحقيقة، فعاد إلى مدينته ليزور أهله وأصدقاءه، فجرت مناقشات مع زملائه وطرح بعض الأسئلة التي كان يطرحها عليه الشيعي، ممّا أثار غضبهم، ومقاطعته والمضايقة عليه لمجرّد السؤال منهم بالرغم أنّه ما زال وهّابياً، يسلك مسلكهم وينهج منهجهم.

هذا ممّا جعله ينظر في أمره، وإلى أصدقائه وزملائه، ممّن يأخذ دينه ومذهبه،

فعاد مرّة أخرى إلى صاحبه ذلك الطالب الشيعي - الذي ربطته به رابطة أخرى غير الدراسة، وهي الصداقة - وواصل معه الدراسة والتحقيق حول مذهب أهل البيت عليهم‌السلام، وبقي يتتلمذ على يديه حتّى أكمل سنة كاملة - وهو بالرغم من ذلك لم يتشيّع - بعدها أشار عليه صديقه بالذهاب إلى مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام في العاصمة ليكمل دراسته فيها.

وبالفعل انتقل إلى تلك المدرسة، وهناك تكاملت لديه صورة مذهب أهل البيت عليهم‌السلام، وعرف منزلة العترة الطاهرة عند اللّه‌ حيث يقول تعالى في حقّهم: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(1). وقال تعالى: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(2).

وقال تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (3).

وقال تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيًما وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا(4).

وكذلك عرف حقّ أهل البيت عليهم‌السلام ومنزلتهم عند النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم حيث وردت روايات كثيرة تبيّن مقامهم.

منها ما روي عن ابن عبّاس عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم قال: «مَثَل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا، ومن تخلّف عنها غرق»(5).


1) الأحزاب ٣٣ : ٣٣.

2) الشورى ٤٢: ٢٣.

3) الرعد ١٣: ٤٣.

4) الإنسان ٧٦: ٨ - ٩.

5) الهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ١٦٨، والسيوطي في الجامع الصغير ٢: ٥٣٣، ح٨١٦٢، والمتّقي الهندي في كنز العمال ١٢: ٩٤، ح٣٤١٤٤.

فالمراد من «أهل بيتي» هم: فاطمة وعلي وابنيهما وبنيهما أهل العدل والديانة.

وفي شرح هذا الحديث قال محمّد عبد الرؤوف المناوي في كتابه فيض القدير:

ووجه التشبيه: أنّ النجاة ثبتت لأهل السفينة من قوم نوح، فأثبت المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم لأُمّته بالتمسّك بأهل بيته النجاة، وجعلهم وصلة إليها، ومحصوله الحثّ على التعلّق بحبّهم وحبلهم وإعظامهم شكراً لنعمة مشرّفهم، والأخذ بهدي علمائهم.

فمن أخذ بذلك نجا من ظلمات المخالفة وأدّى شكر النعمة المترادفة، ومن تخلّف عنه غرق في بحار الكفران وتيار الطغيان، فاستحق النيران ؛ لما أنّ بغضهم يوجب النار كما جاء في عدّة أخبار، كيف وهم أبناء أئمّة الهدى ومصابيح الدجى الذين احتجّ اللّه‌ بهم على عباده، وهم فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم وبرّأهم من الآفات، وافترض مودّتهم في كثير من الآيات،

وهم العروة الوثقى ومعدن التقى(1).

فقرر «أحمد» ترك المذهب الذي كان يعتقد به، وتشرّف بمذهب أهل البيت عليهم‌السلام الذي أمر اللّه‌ ورسوله بالأخذ به حيث يقول: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(2).

وقال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا(3).

وقال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم في حقّهم: «إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا بعدي، الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه‌ حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»(4).


1) فيض القدير شرح الجامع الصغير ٢: ٦٥٨ - ٦٥٩، ح٢٤٤٢.

2) النجم ٥٣: ٢ - ٥.

3) الحشر ٥٩: ٧.

4) مسند أحمد بن حنبل ٣: ٥٩.

فكان التمسّك بحبلهم تمسّكاً بالعروة الوثقى التي أمرنا اللّه‌ التمسّك بها:

وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ(1). وهكذا إذا أحبّ اللّه‌ عبداً هداه إلى الحقّ وطريق الهداية: «ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ»(2).

فالذين اهتدوا، فإنّ اللّه‌ يزيدهم هدى وإيماناً، فإذا طوى الإنسان درجة في الهداية، فإنّ اللّه‌ يأخذ بيده ويرفعه إلى درجات العُلا، فالمهتدون يرتقون كلّ يوم درجة أعلى في ظلّ الإيمان والأعمال الصالحة التي يعملونها: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى(3).


1) آل عمران ٣: ١٠٣.

2) الأنعام ٦: ٨٨ .

3) مريم ١٩: ٧٦.

{٤٢} جنيد عبّاس (مالكي / غانا)

ولد عام ١٤٠١ه (١٩٨١م) في «كوماسي» - غانا، ونشأ في أسرة مالكيّة المذهب، ثمّ استبصر عام ١٤٢٠ه (٢٠٠٠م) في «أكرا» عاصمة غانا، وكان سبب استبصاره أنّه واصل دراسته بعد أخذ الشهادة الثانويّة في معهد أهل البيت عليهم‌السلام، وهذا المعهد عبارة عن حوزة علميّة تابعة للمذهب الشيعي الاثنى عشري، وفي أثناء دراسته تعرّف على مجموعة من المستبصرين، فبدأ يحاورهم حول أدلّة استبصارهم، وبمرور الزمان تجلّت له الحقيقة، فالتحق بركب أهل البيت عليهم‌السلام.

تعرّفه على مركز الأبحاث العقائدية:

لم يقتصر «جنيد» في بحثه على مطالعة الكتب فحسب، بل بدأ يبحث في شبكة الإنترنيت على المواقع الشيعيّة التي تغنيه من الناحية العقائديّة، فتعرّف على موقع مركز الأبحاث العقائديّة، وبدأ يتواصل مع هذا المركز ويشارك في قسم الأسئلة والأجوبة، ثمّ أرسل له المركز مجموعة من الكتب منها: المراجعات، عقائد الإماميّة، المأتم الحسيني، الشيعة هم أهل السنّة للدكتور التيجاني (باللغة الإنجليزيّة)، عيد الغدير في الإسلام، الوهّابيّة وأصول الاعتقاد، عدم تحريف القرآن، كتاب حديث الدار، ومن هذا المنطلق بدأ «جنيد» يرفع مستواه العلمي والعقائدي.

وأمّا كتابَي «عدم تحريف القرآن» و«حديث الدار» فهما عبارة عن مجموعة سلسلة الندوات العقائديّة التي يعقدها المركز بين الحين والآخر ولا سيّما في شهر رمضان المبارك، ثمّ تأخذ هذه الندوات بعد كتابتها وتحقيقها واستخراج مصادرها طريقها إلى الطبع ثمّ النشر في جميع أنحاء العالم.

حديث الدار:

يعدّ حديث الدار من جملة الأحاديث المستدلّ بها على إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام، ولا يخفى بأنّ الأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة الدالّة على إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام كثيرة لا تُحصى، ويعد حديث الدار من جملة هذه الأحاديث.

وقضيّة حديث الدار أنّه لمّا نزل قوله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»(1دعا رسول اللّه‌ رجال عشيرته إلى الإسلام، وهذه القضيّة مذكورة في كتب التاريخ والسيرة والتفسير والحديث أيضاً.ْ)

النصوص المبيّنة لهذا الخبر:

روى محمّد بن إسحاق، عن عبد الغفّار بن القاسم، عن المنهال بن عمر، عن عبد اللّه‌ بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب، عن عبد اللّه‌ بن عبّاس، عن علي بن أبيطالب قال: «لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» دعاني رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم فقال: يا علي، إنّ اللّه‌ يأمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أنّي متى أباديهم بهذا الأمر أرى

منهم ما أكره، فصمت عليها، حتّى جاءني جبرائيل، فقال لي: يا محمّد إلاّ تفعل ما تؤمر يعذّبك ربّك، فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عسّاً من لبن، ثمّ اجمع لي بني عبد المطّلب حتّى أبلّغهم ما أمرت به.


1) الشعراء ٢٦: ٢١٤.

ففعلت ما أمرني به، ثمّ دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعبّاس وأبو لهب.

فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعته، فجئتهم به، فلمّا وضعته، تناول رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم جذبة من اللحم، فشقّها بأسنانه، ثمّ ألقاها في نواحي الصفحة. ثمّ قال: خذوا بسم اللّه‌، فأكل القوم حتّى مالهم بشيء حاجة، وأيم اللّه‌ أن كان الرجل الواحد منهم يشرب مثله. فلمّا أراد رسول اللّه‌ أن يكلّمهم بدره أبو لهب فقال: سحركم صاحبكم، فتفرّق القوم ولم يكلّمهم رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم .

فقال في الغد: يا علي، إنّ هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول، فتفرّق القوم قبل أن أكلّمهم، فأعد لنا من الطعام مثل ما صنعت ثمّ اجمعهم. ففعلت ثمّ جمعت، فدعاني بالطعام فقرّبته، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا وشربوا، ثمّ تكلّم رسول اللّه‌ فقال: يا بني عبد المطّلب، إنّي قد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه‌ تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوآزرني على أمري هذا ويكون أخي ووصيّي

وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها جميعاً.

فقلتُ - وأنا أحدثهم سنّاً - : أنا يا نبيّ اللّه‌، أكون وزيرك عليه. قال: فأخذ برقبتي وقال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لعلي

وتطيع»(1).

وقد ورد هذا الخبر في العديد من الكتب منها: كنز العمّال(2)، تفسير ابن أبي حاتم(3)مسند أحمد(4)، سنن النسائي(5)، مجمع الزوائد للهيثمي(6)و...

دلالة حديث الدار:

لا يخفى بأنّ الإمامة والخلافة ليست إلاّ وجوب الطاعة ووجوب الاقتداء، ووجوب الأخذ ووجوب التمسّك بالشخص، وأيّ نصّ أصرح من هذا في إمامة أمير المؤمنين علي عليه‌السلام.

ويتضمّن هذا الحديث بعض الخصوصيّات منها:

أولاً: صدر هذا الحديث عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم في بداية دعوته النبويّة ممّا يدلّ على أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم كان مأموراً بإبلاغ ثلاثة أمور في وقت واحد، وهي: مسألة التوحيد والدعوة إلى اللّه‌، ومسألة رسالته، ومسألة خليفته الثابتة لعلي عليه‌السلام. (أي التوحيد والنبوّة والإمامة).

ثانياً: موقف أبي لهب وقوله لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع وتطيع لابنك علي، يؤيّد هذا الاستنتاج من هذا الحديث بأنّ الحضور عرف بأنّ الرسول نصّب عليّاً إماماً مطاعاً من بعده لعموم الناس.

ثالثاً: استدلال أمير المؤمنين عليه‌السلام بهذا الخبر، وذلك في جواب مَن قال له:


1) معالم التنزيل ٣: ٤٠٠.

2) كنز العمّال ١٣: ١٣١، رقم٣٦٤١٩.

3) تفسير ابن أبي حاتم ٩: ٢٨٢٦، رقم١٦٠١٥.

4) مسند أحمد ١: ١١١، رقم٨٨٥.

5) سنن النسائي ٦: ٢٤٨.

6) مجمع الزوائد ٩: ١١٣.

كما أنّه حذف من الحديث: قام القوم يضحكون وقالوا لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع وتطيع لعلّي والغاية من هذا الحذف واضحة، والهدف واضح أيضاً وهو بتر الحديث وتحريفه.

والجدير بالذكر أنّ الكاتب المشهور «محمّد حسنين هيكل» عندما نشر هذا الحديث في كتابه «حياة محمّد» قامت القيامة ضدّه، حتّى أجبروه أن يحذف هذا الحديث في الطبعة الثانية وخلاصة القول فإنّ كلّ مَن يطّلع على كتاب حديث الدار المنشور من قِبَل مركز الأبحاث العقائديّة ضمن سلسلة الندوات العقائديّة رقم٩، فإنّه يستنتج من هذه الندوة أنّ حديث الدار حديث متّفق عليه بين الطرفين، قطعيّ

الصدور، وواضح الدلالة، وليس للمخالفين أيّ كلام معقول في الجواب عن هذا الاستدلال(1).

الحوار مع المستبصرين:

يقول «جنيد»: إنّ حواري مع المستبصرين في معهد أهل البيت عليهم‌السلام أرشدني إلى الكثير من الحقائق، فنوّرت هذه الحقائق أمامي الطريق قادتني إلى الصراط المستقيم، فوجدت بعد الاستبصار أنّني قد تحرّرت من قيود التقليد الأعمى وأصبحت أشعر بالحريّة ؛ لأنّ عقيدتي أصبحت عقيدة قائمة على الأدلّة والبراهين.

وبعد التحاقي بالمستبصرين أصبحنا معاً مجموعة مؤمنة، تتواصى بالحقّ، وتتواصى بالصبر، وبدأ أحدنا يعين الآخر في تلقّي العلم والمعرفة من الينابيع الصافية، وكنّا نتذاكر معاً فضائل أهل البيت وأحاديثهم عليهم‌السلام، وأصبح المعهد الجوّ المناسب لنا، لارتقاء مستوانا الديني والعقائدي والمعرفي والثقافي.


1) للمزيد راجع: حديث الدار، السيّد علي الحسيني الميلاني، سلسلة الندوات العقائديّة رقم٩.

وكان من ممّيزات مجموعة المستبصرين في المعهد أنّها تبحث عن الحقّ والحقيقة بإخلاص، ولم يكن هدفها الجدل أو المماراة أو الغلبة أو التعصّب الأعمى، وهذا ما أدّى إلى انجذاب الكثير من الطلبة والباحثين إليهم والإصغاء إلى أدلّتهم في أجواء ملؤها الهدوء والاستقرار.

وكان كلّ واحد منّا يعيش حالة السعادة ؛ لأنّ كلّ واحد منّا يجد نفسه يؤدّي واجبه الديني بإخلاص ويعمل لنصرة الدين الحنيف والإسلام المحمّديّ الأصيل.

{٤٣} الحسن بابو (مالكي / غانا)

ولد في مدينة «سافلغو» بغانا، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب المالكي وأمّا الأمر الذي شجّعه على اعتناق التشيّع هو التعرّف على عقائد هذا المذهب خلال دراسته في مدرسة أهل البيت في آكرا - غانا - وهذه الدراسة دفعته إلى غربلة معتقداته من الشوائب والأدران وأعلن استبصاره عام ١٤١٥ه (١٩٩٥م).

الاهتمام بكلام رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم :

ينبغي علينا أن نضع كلام رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم في طليعة حياتنا، ونسير في حياتنا وفق كلامه لكي نستطيع أن نشقّ طريق السعادة والخير والأمل والرجاء، ونصل إلى رضوان اللّه‌ تعالى الذي هو من أكبر طموحات المؤمنين في حياتهم الدنيوية والأخروية فإذا أردنا أن نحقّق في حياتنا الأهداف التي خلقنا اللّه‌ من أجلها فإنّه يجب علينا أن نتّبع الطريق الصحيح لتحقّق هذا الهدف السامي، وعلينا أن نتحرر من التقاليد العمياء وندخل في إطار البحث والدراسة ونتكلّم بالدليل والبرهان.

والملفت للنظر أننا عندما نراجع سيرة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم نرى بأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كان يهتم بأمير المؤمنين علي عليه‌السلام بصورة ملفتة للنظر جداً ويفضّله دائماً على الجميع. ومن

جملة ما قال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم حول الإمام علي عليه‌السلام:

١ - قال صلى الله عليه و آله و سلم لعلي عليه‌السلام: «أمّا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه ليس نبي بعدي»(1).

٢ - حينما بايع وآخى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم الناس وترك علياً، وبقي آخر الناس فقال علي عليه‌السلامللنبي: يا رسول اللّه‌ آخيت بين أصحابك وتركتني؟ فقال صلى الله عليه و آله و سلم : إنّما تركتك لنفسي، أنت أخي، وأنا أخوك فإن حاجّك أحد فقل: إني عبد اللّه‌ وأخو رسوله، لا يدّعيهمابعدك إلاّ كذّاب»(2).

٣ - طرق الإمام علي عليه‌السلام الباب على رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم في بيت أم سلمة، حيث أمرها صلى الله عليه و آله و سلم في فتح الباب له معلقاً بأنّ الطارق رجل يحبّ اللّه‌ ورسوله ولمّا دخل، قال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «يا أم سلمة أتعرفينه؟ قالت: نعم يا رسول اللّه‌، هذا علي بن أبي طالب، قال: صدقت، سيّد أحبّه، لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو عيبة بيتي اسمعي واشهدي، وهو قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين من بعدي، فاسمعي واشهدي وهو قاضي عداتي فاسمعي واشهدي وهو واللّه‌ يحيي سنّتي، فاسمعي واشهدي، لو أن عبداً عبد اللّه‌ ألف عام، بعد ألف عام، وألف عام بين الركن والمقام ثمّ لقي اللّه‌ مبغضاً لعلي بن أبي طالب وعترتي أكبّه اللّه‌ على منخريه يوم القيامة في نار جهنم»(3).

٤ - قال رسول اللّه‌: «إن عليّاً منّي وأنا من علي، وهو ولي كلّ مؤمن بعدي لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو علي»(4).


1) صحيح البخاري ٥: ١٢٩، صحيح مسلم ٧: ١٢٠.

2) كنز العمّال ١٣: ١٤٠.

3) تاريخ دمشق ٤٢: ٤٧١.

4) مسند أحمد ٤: ١٦٤ - ١٦٥.

٥ - في مسند أحمد عن عدّة طرق: أمر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بسدّ الأبواب إلاّ باب علي عليه‌السلاموقال للناس حول هذا الأمر: «أمّا بعد فإني أمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب علي، فقال فيه قائلكم، إنّي واللّه‌ ما سددت شيئاً ولا فتحته ولكنّي أمرت بشيء فاتّبعته»(1).

سراج الحقّ:

حينما انطلقت نحو البحث والدراسة حول مذهب أهل البيت عليهم‌السلام في مدرستي عرفت بأن مذهب أهل البيت هو المذهب الحقّ الذي يحرر الإنسان من التناقض في معتقداته، ويرفع مستوى وعيه بالحقائق، ويحفّزه نحو التأمل في معارفه، والابتعاد عن التقليد الأعمى. ويضيف «الحسن بابو»: الأدلّة دفعتني إلى قبول مذهب التشيّع برحابة صدر والحمد للّه‌ الذي منحني هذه الفرصة القيّمة، وعرّفني على معارف أهل البيت عليهم‌السلام كي أحصل على رضوان اللّه‌ عزّ وجلّ.


1) كنز العمال ١١: ٥٩٨.

{٤٤} سعيد زكريا علي (مالكي / غانا)

الصورة

H15

مرّت ترجمته في ١: ٢٨٥ من هذه الموسوعة، ونشير هنا إلى مالم يذكر سابقاً.

لقد تأثّر «سعيد» بكتب ومصادر أهل السنّة نفسها في جولة البحث التي قام بها، والتي أدَّت في نهاية المطاف إلى استبصاره. هذه إحدى طرق تقصِّي الحقائق وتفتح وقائع التاريخ، فإنّها ومهما كانت

خفيّة ومستورة لأسباب عدّة كإتلافها عمداً، أو تزويرها، أو إخفائها والسكوت عن التدوين تحت الضغوط، إلاّ أنّها لو جمعت وقورنت ببعضها يصل الباحث إلى النتيجة المطلوبة.

دراسة حديث الغدير:

على سبيل المثال عندما يقوم الباحث بدراسة موضوع الغدير، ويجمع المصادر التي ذكرت هذه الواقعة في أبعادها المختلفة يحصل على الكمّ الهائل من الطرق التي ذكرت الواقعة من مختلف الجوانب.

فقد ألَّف في هذا المجال من علماء السنّة محمّد بن جرير الطبري – صاحب التاريخ والتفسير - كتاباً سمّاه «الولاية في طرق حديث الغدير»، يقول عنه الذهبي:

«رأيت مجلّداً من طرق الحديث لابن جرير فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق»(1).

كما ألّف الحافظ ابن عقدة كتاباً سمّاه أيضاً بـ«الولاية في طرق حديث الغدير»، يذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب ويقول: «صحّحه واعتنى بجمع طرقه أبو العبّاس ابن عقدة فأخرجه من حديث سبعين صحابيّاً أو أكثر»(2). وأفرد الحافظ شمس الدين الذهبي لطرق حديث الغدير رسالة سمّاها: «رسالة طرق حديث من كنت مولاه فعلي مولاه»، وقد ذكرها في تذكرة الحفّاظ، ترجمة الحاكم النيسابوري، فقال: «وأمّا حديث الطير فله طرق كثيرة جدّاً، وقد أفردتها بمصنّف ومجموعها هو يوجب أن يكون الحديث له أصل، وأمّا حديث «من كنت مولاه» فله طرق جيّدة وقد أفردت ذلك أيضاً»(3).

وغيرهم من علماء أهل السنّة. كما قام بعض محقّقينا(4)باستخراج طرق حديث الغدير فجمعها وحقّقها

وخرّجها من مصادر معتبرة عند العامّة وذلك في مجلّدين وبرواية كلّ من ابن أبي شيبة الواسطي المتوفّى عام٢٣٥هـ ، حيث رواه من عشرة طرق، تسعة منها في كتاب «المصنّف»، وواحدة رواها عنه ابن أبي عاصم وابن عدي.

وأحمد بن حنبل المتوفّى عام ٢٤١هـ ، حيث أخرجها في كتابيه «مسند أحمد» و«فضائل الصحابة».

وأبي بكر بن أبي عاصم الشيباني المتوفّى سنة ٢٨٧هـ ، الذي يصفه شمس الدين الذهبي بأنّه «حافظ كبير، إمام بارع، متتبّع للآثار، كثير التصانيف»(5).


1) تذكرة الحفاظ للذهبي ٢: ٧١٣.

2) تهذيب التهذيب ٧: ٢٩٨.

3) تذكرة الحفاظ ٣: ١٠٤٣.

4) وهو الأستاذ أمير النفدمي المعصومي.

5) سير أعلام النبلاء ١٣: ٤٣٠.

والحافظ الشهير ابن عساكر المتوفّى عام ٥٧١هـ ، الذي أخرج لهذا الحديث الشريف أكثر من ١٣٠ طريقاً، وذلك في مؤلَّفه المعروف: «تاريخ مدينة دمشق».

هذا، وإنّ الأكثر اعتماداً في ضبط هذه الواقعة العظمى والأدق في نقله واستقصاءه للمصادر هو العلاّمة الشيخ الأميني رحمه‌الله في موسوعته موسوعة الغدير، فمن يستقرئ هذه الموسوعة يجدها موسوعة علميّة دقيقة شاملة للتاريخ والحديث والتفسير والرجال والأدب والعقيدة والفرق والمذاهب وقد عالجت هذه الواقعة بموضوعيّة تامّة ونظرة واقعيّة غير منحازة.

{٤٥} سليمان أحمد نادي (سنّي / غانا)

الصورة

H16

ولد عام ١٣٩٢هـ (١٩٧٣م) بمدينة «أكرا» في «غانا»، وبعد بلوغه سن الرشد هيأ اللّه‌ تعالى له الأجواء المناسبة للتعرّف على حقائق الدين الإسلامي الحنيف حيث حظى باهتمام أستاذه «أحمد بابا» الذي بعثه إلى معهد أهل البيت عليهم‌السلاملطلب العلوم الإسلاميّة. في أجواء هذا المعهد تعرّف «سليمان» على عقائد مذهب أهل البيت عليهم‌السلام، وبما أنّه كان يعير اهتماماً بالغاً للعقيدة بادر إلى دراسة تحليليّة للمقارنة بين العقائد الشيعيّة والسنيّة، فأكثر من السؤال في هذا المجال وقام بمناقشة عقائد الطرفين.

حديث المنزلة ومحاولات في ردّ الحديث:

إحدى الوقائع التي اتّفق عليها الشيعة وأهل السنّة هي رواية حديث المنزلة في حقّ الإمام علي أمير المؤمنين عليه‌السلام. فقد روى هذا الحديث - من العامّة - البخاري في صحيحه فقال: حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى عن شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه: أنّ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم خرج إلى تبوك واستخلف عليّاً، فقال [علي عليه‌السلام]: أتخلفني في الصبيان والنساء، قال صلى الله عليه و آله و سلم : ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه ليس

نبي بعدي(1).

كما رواه أصحاب الصحاح وغيرهم من أئمّة الحديث(2)، حتّى قال عنه ابن عبد البر في الاستيعاب(3)والمزّي في تهذيب الكمال(4): أنّه من أثبت الآثار وأصحّها.

إلاّ أنّ المغرضين من القوم لمّا رأوا في هذا الحديث الشريف دلالة على أفضليّة أمير المؤمنين عليه‌السلام على غيره - وهو ما يغاير ما بنوا عليه معتقداتهم - التجأوا إلى التشكيك فيه من جهات فشكّكو أوّلاً في نفس الدلالة على أفضليّة الإمام علي عليه‌السلام وإمامته بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم ، وعندما انتبهوا إلى سقوط تلك التشكيكات(5)قاموا ثانية بالقدح في سنده وإن كان متّفقاً عليه بين أرباب الصحاح وغيرهم.


1) صحيح البخاري ٥: ١٢٩، وقد ذكر الحديث أيضاً في ٤: ٢٠٨ من الكتاب إلاّ أنّه لم يذكر الفقرة الأخيرة منه.

2) راجع: صحيح مسلم ٧: ١٢٠، ١٢١، مسند أحمد بن حنبل ١: ١٧٥ و١٨٤، ٣: ٣٣٨، النسائي في السنن الكبرى ٥: ٤٤، ١٠٨، ١٢٠، فضائل الصحابة: ١٣، ١٤، وخصائص أمير المؤمنين ٤٨، ٦٤، سنن الترمذي ٥: ٣٠٢، ٣٠٤، سنن ابن ماجة ١: ٤٣، ٤٥، السنن الكبرى للبيهقي ٩: ٤٠، مسند أبي داود: ٢٨، مسند الحميدي ١: ٣٨، مسند أبي يعلى ١: ٢٨٦، ٢: ٥٧، صحيح ابن حبان ١٥: ١٦، ٣٦٩، التاريخ الكبير للبخاري ٧: ٣٠١ المستدرك على الصحيحين ٢: ٣٣٧، ٣: ١٠٩، المصنّف للصنعاني ٥: ٤٠٦، ١١: ٢٢٦، المصنف لابن أبي شيبة ٧: ٤٩٦، الطبراني في المعجم الكبير ١: ١٤٦، ٢: ٢٤٧، المعجم الاوسط ٢: ١٢٦ والمعجم الصغير ٢: ٢٢، الطبقات الكبرى ٣: ٢٣، الإصابة لابن حجر ٤: ٤٦٨، الاستيعاب ٣: ١٠٩٧، الجامع الصغير للسيوطي ٢: ١٧٧، وغيرها. هذا وقد ذكر صاحب نفحات الأزهار أشهر رواة حديث المنزلة عبر القرون المختلفة والبالغ عددهم ٨٨ راوياً. راجع نفحات الأزهار ١٧: ٢٣.

3) الاستيعاب ٣: ١٠٩٧.

4) تهذيب الكمال ٢٠: ٤٨٣.

5) راجع: نفحات الأزهار للسيّد علي الميلاني ١٨: ٦٥، فقد ذكر الشبهات الواردة في دلالة الحديث ثمّ أجاب عنها بشكل كامل ووافي.

وهناك من رأى أن لا جدوى في الطعن في سند الحديث ودلالته، فعمد إلى التحريف ووضع أحاديث بنفس السياق، إلاّ أنّه تصرّف في المشبه تارة والمشبه به تارة أخرى.

التحريف في المشبّه:

قام بعض المدلّسين في الحديث ومن الذين ضحّوا بدينهم وآخرتهم في سبيل الحماية عن الشيخين بوضع حديث المنزلة في حقّهما.

فقد جاء في كتاب الكامل لابن عدي: ثنا محمّد بن نوح بن عبد اللّه‌ الجنديسابوري، ثنا جعفر بن محمّد بن عيسى الناقد، ثنا عمّار بن هارون المستملي، ثنا قزعة بن سويد، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم [في حديث]: أبو بكر وعمر منّي بمنزلة هارون من موسى(1).

وذكر هذه الفقرة أيضاً الخطيب البغدادي باسناده، فقال: أخبرنا الطاهري، أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن بن علي بن زكريا الشاعر، حدثنا أبو جعفر محمّد ابن جرير الطبري، حدثنا بشر بن دحية حدّثنا قزعة بن سويد، عن أبن أبي مليكة، عن ابن عبّاس عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : الحديث(2).

ويمكن تسليط الضوء على هذين الحديثين من جهتين:

١ - من جهة الرواة الذين وقعوا في السند.

٢ - من جهة أقوال العلماء في الحديثين.

أمّا من وقع في سند الحديث - بسنديه - فإنّ فيهم الضعفاء والمتروكين


1) الكامل لابن عدي ٥: ٧٥.

2) تاريخ بغداد ١١: ٣٨٣.

وسارقي الحديث ما يورث الاطمينان في أنّ هذا الحديث موضوع من قبلهم في سبيل عدم انحصار اتصاف أمير المؤمنين عليه‌السلام بهذه المزيّة. فقد وقع في سند «الكامل» عمّار بن هارون المستملي، وعمّار هذا غير مرضي عند علي بن عبد اللّه‌ المديني(1)، وقد قال فيه الرازي: سألته [أي أبي] عنه فقال:

متروك الحديث وترك الرواية عنه(2)، كما نقل عن ابن عدي أيضاً أنّه قال: عامّة ما يرويه غير محفوظ، كان يسرق الحديث(3)، ولذا ضعّفه ابن حجر في تقريب التهذيب(4).

كما أنّ في سند الخطيب علي بن زكريا الشاعر الذي اتّهمه ابن الجوزي بوضع هذا الحديث(5)، وفيه أيضاً بشر بن دحية الذي كذّبه الذهبي في ميزان الاعتدال(6). وأمّا الذين وقعا في كلا السندين فهما قزعة بن سويد وابن أبي مليكة الذي انتهى به السند إلى ابن عبّاس.

وقد ذكر النسائي قزعة هذا في كتابه «الضعفاء والمجروحين» ضمن الضعفاء(7)، كما ضعّفه يحيى بن معين(8)ونقل الرازي عن أحمد بن حنبل أنّه قال:

قزعة بن سويد مضطرب الحديث(9)، وأمّا ابن حبّان فقد قال عنه: كان كثير الخطأ،


1) ضعفاء العقيلي ٣: ٣١٩.

2) الجرح والتعديل ٦: ٣٩٤.

3) ميزان الاعتدال للذهبي ٣: ١٧١.

4) تقريب التهذيب ١: ٧٠٨.

5) العلل المتناهية ١: ١٩٩.

6) ميزان الاعتدال ٣: ١٧١.

7) كتاب الضعفاء والمتروكين: ٢٢٨.

8) ضعفاء العقيلي ٣: ٤٨٧.

9) الجرح والتعديل ٧: ١٩٣.

فاحش الوهم، فلمّا كثر ذلك في روايته سقط الاحتجاج بأخباره(1)، ونُقل عن أبي داود والغبري أنّهما قالا: إنّه ضعيف(2). والراوي الآخر الذي أنهى السند إلى ابن عبّاس هو ابن أبي مليكة، ويكفي في

سقوطه أنّه كان قاضياً لابن الزبير ومؤذّناً له(3). نعم، هذا السند الضعيف هو سند الحديثين الذين طالما افتخر بهما وتمسّك بكلماتهما علماء السلفيّة لاسيّما ابن تيميّة وابن روزبهان.

أمّا رأي علماء السنّة من السلف في هذين الحديثين:

فقد قال ابن الجوزي بعد ذكر الحديث بسند الخطيب: هذا حديث لا يصحّ، والمتّهم به الشاعر(4).

وقد أورد الذهبي الحديث في ترجمة «قزعة بن سويد» وقال: له حديث منكر عن ابن أبي مليكة عن ابن عبّاس مرفوعاً، ثمّ ذكر الحديث(5).

وذكره في موضع آخر وحكم بكذبه فقال بعد ذكر نصّ الحديث: هذا كذب، قال ابن عدي: ثنا ابن جرير الطبري، ثنا بشر بن دحية، ثنا قزعة نحوه، قلت [والقول للذهبي]: ومن بشر؟!

قال ابن عدي: قد حدّث به أيضاً مسلم بن إبراهيم عن قزعة، قلت: وقزعة ليس بشيء(6).


1) كتاب المجروحين ٢: ٢١٦.

2) راجع تهذيب التهذيب ٨: ٣٣٦.

3) تهذيب التهذيب ٥: ٢٦٨.

4) العلل المتناهية ١: ١٩٩.

5) ميزان الاعتدال ٣: ٣٩٠.

6) نفس المصدر ٣: ١٧٢.

وذكره ثالئاً فقال: علي بن الحسن بن علي الشاعر، عن محمّد بن جرير الطبري بخبر كذب هو المتّهم به، متنه: أبو بكر منّي بمنزلة هارون من موسى(1).

التحريف في المشبه به:

لقد سعى بعض النواصب إلى تحريف لفظ الحديث من حيث المشبّه به، فقالوا: إنّ في الحديث الوارد عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم شُبِّهَ الإمام علي عليه‌السلام بقارون لا بهارون عليه‌السلام. وواضع هذه الفريّة هو «حريز بن عثمان» الشهير بالنصب والعداء الشديد لأمير المؤمنين عليه‌السلام. يقول إسماعيل بن عياش: سمعت حريز بن عثمان يقول: هذا الذي يرويه الناس عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال لعلي: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» حقّ، ولكن أخطأ السامع قلت: فما هو؟ قال: إنّما هو «أنت منّي بمنزلة قارون من موسى»، قلت:

عمّن ترويه؟

قال: سمعت الوليد بن عبد الملك يقوله وهو على المنبر(2).

ولم يكتف حريز بنقل هذه الأراجيف التي لم يتجرأ على قولها أحدٌ من أسياده السلف فضلاً عن غيرهم، بل أبرز نصبه وعداءه أكثر من ذلك، فقال في منقصة أمير المؤمنين عليه‌السلام: إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لمّا أراد أن يركب بغلته جاء علي بن أبيطالب فحلّ حزام البغلة ليقع النبيّ(3)!!

وحريزٌ هذا قال عنه عمرو بن علي: كان ينتقص علياً وينال منه، وقال جرير: إنّ حريزاً كان يشتم عليّاً على المنبر.


1) نفس المصدر ٣: ١٢٢.

2) تهذيب التهذيب ٢: ٢٠٩.

3) تهذيب التهذيب ٢: ٢٠٩، نقلاً عن كتاب الضعفاء للأزدي.

وأمّا ناقل الحديث عنه إسماعيل بن عياش فإنّه قال: عادلت حريز بن عثمان من مصر إلى مكّة فجعل يسبّ عليّاً ويلعنه، وقال الضحّاك بن عبد الوهاب: هو متروك متّهم.

وقيل ليحيى بن صالح: لِم لَم تكتب عن حريز؟ فقال: كيف أكتب عن رجل صليت معه الفجر سبع سنين، فكان لا يخرج من المسجد حتّى يلعن عليّاً سبعين مرّة.

وقال ابن حبّان: كان يلعن عليّاً بالغداة سبعين مرّة، وبالعشيّ سبعين مرّة، فقيل له في ذلك، فقال: هو القاطع رؤوس آبائي وأجدادي(1). ورجلٌ كهذا لا ينبغي أن يقال بحقّه شيء إلاّ أنّه كافراً ومنافق، وذلك لما جاء في مصادر أهل السنّة المعتبرة عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال لعلي عليه‌السلام: لا يحبّك إلاّ مؤمن،

ولا يبغضك إلاّ منافق(2)، وجاء عنه صلى الله عليه و آله و سلم أيضاً: لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ كافر أو منافق(3). وقال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : من أبغض عليّاً فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض اللّه‌(4).

والعجب كلّ العجب ممّن يدّعي الإسلام والإيمان بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم كأحمد بن حنبل - وهو الذي نقل الرواية في أن لا يبغض عليّاً إلاّ منافق - أن يقول بحقّ هذا الناصبي أنّه: ثقة ثقة(5)!!


1) راجع: ترجمة «حريز بن عثمان» في تهذيب التهذيب ٢٠٩ وتاريخ الإسلام للذهبي ١٠: ١٢٣.

2) راجع: صحيح مسلم ١: ٦١ ومسند أحمد ١: ٩٥، ١٢٨.

3) تاريخ دمشق ٤٢: ٢٧٠.

4) المعجم الكبير ٢٣: ٣٨٠، وتاريخ دمشق ٤٢: ٢٧١.

5) تهذيب الكمال ٥: ٥٧٣، وتاريخ الإسلام ١٠: ١٢١.

اجتياز العقبات:

بعد أن دقّق «سليمان» النظر في عقائد الشيعة وأهل السنّة، وقام بمناقشة عقائدالطرفين حصل صراع نفسي في داخله ما أدّى في نهاية المطاف إلى الإعلان عن تحوّله مذهبياً، فأعلن استبصاره ثمّ بدأ بالدعوة لإتّباع مذهب أهل البيت عليهم‌السلام، وكان ذلك عام ١٤٠٩ه (١٩٨٩م).

وفي هذا المجال كتب مقالة علميّة ذكر فيها أنّ الاستبصار وتغيير الانتماء المذهبي لا يحصل إلاّ باجتياز العديد من الموانع والعقبات، وهذا ما لا تتجرّأ عليه إلاّ الشخصيّة المتكاملة الشجاعة.

{٤٦} سليمان يعقوب بنداغوا (سني / غانا)

الصورة

H17

ولد «سليمان يعقوب» بمدينة (أكرا) في غانا، ونشأ في أسرة سنّية حبّذت أن توفّر له الأجواء المناسبة لتلقّي العلوم والمعارف الإسلاميّة، فلمّا بلغ أشدّه أرسله أبوه إلى المدرسة الشيعيّة لتعلّم العلوم الإسلاميّة وتمتاز هذه المدرسة بعمق علومها الإسلاميّة، ومتانة أدلّتها في مختلف المعارف الإسلاميّة ممّا أدّى إلى استبصار «سليمان» وتشرّفه بمذهب أهل البيت عليهم‌السلام، وذلك سنة (١٤٠٥ه) ١٩٨٥م.

تعرّفه على مذهب أهل البيت عليهم‌السلام:

عندما بلغ «سليمان» سنّ الرشد أصبح أبوه أمام طريقين، وهو إمّا أن يرسل ولده إلى المدرسة لأكاديميّة التي كانت تدرّس الطلاب باللغة الإنجليزية، وكانت الثقافة الحاكمة عليها هي الثقافة الغربية، وإمّا أن يرسله إلى المدارس التقليديّة، والتي كانت على قسمين: منها تابعة لمذهب أهل السنّة، ومنها تابعة لمذهب أهل البيت عليهم‌السلام أمّا المدارس التابعة لمذهب أهل البيت عليهم‌السلام فكانت أقدر من غيرها على

ارتقاء المستوى العلمي لطلبتها لما فيها من مواصفات عالية، إلاّ أنّها تخالف مذهبه السنّي في العديد من القضايا العقائديّة والفكريّة.

ومع ذلك أرسل ابنه «سليمان» إلى المدرسة الشيعيّة، ولكنّه كان يحذّره من الانخداع بأفكارهم وعقائدهم، وغاية ما أراد من ولده أن يتلقّى من هذه المدارس العلم والمعرفة الخاصة المبتنية على الأسس والبراهين الرصينة فحسب، دون الاقتداء بمذهبهم.

من هذا المنطلق التحق «سليمان» بمعهد أهل البيت عليهم‌السلام، وبقي أبوه يخشى من فساد عقيدته، وكان يسأله دائماً عمّا يقال في هذا المعهد، ويحاول أن يصحّح أفكاره.

وكان يقول: إنّه سمع أنّ الأُمّة الإسلاميّة ستفترق إلى فرق متعدّدة، لكن ما هو عليه الآن هو الصحيح، وعهد على نفسه أن لا يبدّل دينه مادام حيّاً.

أسباب استبصاره:

وبعد فترة وجيزة من دراسة «سليمان» في المدرسة الشيعيّة سمع عن أمور غريبة لم يسمعها من قبل، فبدأ يناقش أساتذته في مسائل كثيرة من قبيل حديث الثقلين والأئمّة الاثنا عشر والمسائل المتعلّقة بالصحابة وغيرها، فانكشفت له حقائق كانت خافية عليه سابقاً.

يقول «سليمان»: إنّ نورانيّة كلام أهل البيت عليهم‌السلام أخذت بمجامع قلبي، ودفعتني إلى الانجذاب إليهم، والاتّجاه نحو اتّباعهم. كما أنّني لم أجد المذهب السنّي قادراً على درء الشبهات الموجّهة إليه، ولاسيّما القضايا المرتبطة بعدالة الصحابة وغيرها.

عدالة الصحابة:

الصحابي لغة: بمعنى المصاحبة والمعاشرة(1)، ويدلّ على مقارنة شيء


1) لسان العرب ١: ٥١٩.

ومقاربته(1).

وقال بعض اللغويين: إنّ الصاحب لا يقال في العرف إلاّ لمن كثرت ملازمته، ويقال: للمالك للشيء هو صاحبه، وكذلك لمن يملك التصرف فيه(2)، وإلاّ فلو جالس الشخص أحداً مرّة أو مرّتين، لا يقال: إنّه صاحبه أو أنّهما تصاحبا.

الصحابي في الاصطلاح: إنّ المدرسة السنّية تُعرّف الصحابي بأقوال مختلفة منها: «من صحب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه»(3). أو «من لقي النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم مؤمناً به ومات على الإسلام»(4). أو «فهو كلّ من جالس النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ولو ساعة، وسمع منه ولو كلمة فما فوقها، أو

شاهد منه صلى الله عليه و آله و سلم أمراً يعيه، ولم يكن من المنافقين الذين عرف نفاقهم، واشتهر حتّى ماتوا على ذلك»(5). وعن سعيد بن المسيّب إنّه كان لا يعدّ في اصحابه إلاّ من أقام مع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم سنة فصاعداً أو غزا معه غزوة فصاعداً(6). وترى هذه المدرسة عدالة جميع الصحابة كلّهم، وترجع إلى جميعهم في أخذ

معالم دينها.

قال ابن الأثير: «والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ في الجرح


1) معجم مقاييس اللغة ٣: ٣٣٥.

2) مفردات غريب القرآن: ٢٧٥.

3) صحيح البخاري ٤: ١٨٨.

4) الإصابة في تمييز الصحابة ١: ٨.

5) الإحكام في أصول الأحكام ٥: ٦٦٣.

6) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٧: ٣.

والتعديل ؛ فإنّهم كلّهم عدول لا يتطرّق إليهم الجرح»(1).

وقال ابن حجر: «اتّفق أهل السنّة على أنّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة»(2).

وروي عن أبي زرعة أنّه قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم فاعلم أنّه زنديق، وذلك أنّ الرسول حقّ، والقرآن حقّ، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى ذلك إلينا كلّه الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة(3).

فهذا هو الرأي السائد عند مدرسة الخلفاء في عدالة الصحابة حيث ذهبت إلى عدالة جميع الصحابة وأنّهم فوق قواعد الجرح والتعديل، ولا تنالهم يد الجرح والتعديل أصلاً وأبداً.

وفي مقابل ذلك فقد نسب بعض أصحاب الملل إلى فرقة المسلمين يقال لهم الكامليّة بكفر جميع الصحابة ؛ إذ فوّضوا الأمر إلى أبي بكر، وكفّروا علياً عليه‌السلام حيث لم يحارب أبا بكر(4). وأمّا مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ترى تبعاً للقرآن الكريم والسنّة الشريفة من أنّ أصحاب رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم لم يكونوا على نسق واحد حتّى يحكم بعدالة جميعهم، فكان منهم المؤمن الصالح، ومنهم المنافق الذي لم يدخل الإيمان في قلبه، ومنهم مجهول لا


1) أسد الغابة ١: ٣.

2) الإصابة في تمييز الصحابة ١: ١٣١.

3) الإصابة في تمييز الصحابة ١: ٢٢.

4) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي: ٧٥، الفرق بين الفرق: ٥٤، بداية الفرق نهاية الملوك: ٨٧.

يعلم حاله، فيجب علينا أن ننظر إلى كلّ واحد منهم، ونجري قواعد الجرح والتعديل في حقّهم مثل بقيّة الرواة، فمن كان منهم عادلاً وجب تعظيمه واحترامه والاقتداء به، ومن ثبت نفاقه وانحرافه ونكثه وجب رفضه والبراءة منه، ومن لم يعلم حاله نتوقف في أمره، فباب النقاش في الصحابة غير مسدود وهو حقّ لكلّ فرد يطلب المعرفة والحقيقة.

ونذكر بعض ما جاء في القرآن الكريم في حقّ بعض الصحابة:

١ - في قلوبهم مرض: قال تعالى: «فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ»(1).

٢ - المرجفون: قال تعالى: لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا(2).

٣ - المخلّفون: قال تعالى: قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ(3).

سَيَقُولُ الُْمخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ(4). فَرِحَ الُْمخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ(5). ٤ - الخوالف: قال تعالى: رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ


1) لاحظ: سورة البقرة ٢: ١٠، المائدة ٨: ٥٢، الأنفال : ٤٩، التوبة : ١٢٥، الحجّ : ٥٣، النور : ٥٠، الأحزاب : ١٢، ٦٠، محمّد : ٢٠، ٢٩، المدثر : ٣١.

2) الأحزاب ٣٣ : ٦٠.

3) الفتح ٤٨: ١٦.

4) الفتح ٤٨: ١٥.

5) التوبة ٩: ٨١.

لاَ يَفْقَهُونَ»، وفي آية أخرى «لاَ يَعْلَمُونَ(1). ٥ - المعذّرون: قال تعالى: وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(2).

٦ - يبتغون الفتنة: قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ(3).

٧ - ارتابت قلوبهم: قال تعالى: إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ(4).

٨ - السمّـاعون: قال تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ(5). لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ(6).

٩ - الذين يؤذون النبيّ: قال تعالى: يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ(7).

١٠ - القاعدون: قال تعالى: وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ»(8) وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ(9).


1) التوبة ٩: ٨٧، ٩٣.

2) التوبة ٩: ٩٠.

3) آل عمران ٣: ٧.

4) التوبة ٩: ٤٥.

5) المائدة ٦: ٤١.

6) التوبة ٩: ٤٧.

7) التوبة ٩: ٦١.

8) التوبة ٩: ٤٦.

9) التوبة ٩: ٨٦.

١١ - الكاذبون: قال تعالى: «وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ»(1)، «وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ»(2).

١٢ - الصادّون: قال تعالى: «رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا»(3)، «اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ»(4)، «وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ»(5).

١٣ - العدو: قال تعالى: «هُمُ الْعَدُوُّ»(6).

١٤ - الماردون: قال تعالى: «وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ»(7). إلى غير ذلك من الصفات المذكورة في حقّ بعضهم. كان هذا من جهة الآيات الكريمة، وأمّا الأخبار:

فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال: «بينما أنا قائم فإذا زمرةُ حتّى إذا عرفتهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم.

فقال: هلمّ.

فقلت: أين؟

قال: إلى النّار واللّه‌.

قلت: وما شأنهم؟


1) التوبة ٩: ١٠٧.

2) الحشر ٥٩: ١١.

3) النساء ٤: ٦١.

4) المنافقون ٦٣: ٢.

5) المنافقون ٦٣: ٥ .

6) المنافقون ٦٣: ٤.

7) التوبة ٩: ١٠١.

قال: إنّهم ارتدّوا بعدك أدبارهم القهقرى.

ثمّ إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم.

فقال: هلمّ.

قلت: أين؟

قال: إلى النّار واللّه‌.

قلت: ما شأنهم؟

قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النّعم»(1).

وقال العيني في توضيح همل النّعم: «وهو ما يترك مهملاً لايتعهد ولا يرعى حتّى يضيع ويهلك، أي: لا يخلص منهم من النار إلاّ قليل»(2).

عن أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه‌ عنها قالت: قال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : «إنّي على الحوض حتّى أنظر من يرد عليّ منكم، وسيؤخذ ناس من دوني، فأقول: يا ربّ منّي ومن أمّتي.

فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ واللّه‌ ما برحوا يرجعون على أعقابهم».

فكان ابن أبي مليكة يقول: اللّهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا(3).


1) صحيح البخاري ٧: ٢٠٨.

2) عمدة القاري في شرح البخاري ٢٣: ١٤٣.

3) صحيح البخاري ٧: ٢٠٩.

وعن ابن المسيّب أنّه كان يحدّث عن أصحاب النبيّ أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال: «يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي، فيحلّؤون عنه، فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى»(1). وعن سهل بن سعد قال: قال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : «إنّي فرطكم على الحوض، من مرّ عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردّن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثمّ يحال

بيني وبينهم».

قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عيّاش، فقال: هكذا سمعت من سهل؟

فقلت: نعم فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها.

«فأقول: إنّهم منّي.

فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.

فأقول: سحقاً سحقاً لمَن غيّر بعدي»(2).

وعن أبي هريرة أنّه كان يحدّث أنّ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم قال: «يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي، فيجلون عن الحوض.

فأقول: يا ربّ أصحابي.

فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى»(3).

وعن عبد اللّه‌ عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال: «أنا فرطكم على الحوض، وليُرفعنّ رجال


1) صحيح البخاري ٧: ٢٠٧ - ٢٠٨.

2) صحيح البخاري ٧: ٢٠٨.

3) صحيح البخاري ٧: ٢٠٨.

منكم، ثمّ ليختلجُنّ دوني، فأقول: يا ربّ أصحابي. فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»(1).

وعن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس رضى‌الله‌عنه عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال: «... وإنّ أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال. فأقول: أصحابي أصحابي.

فيقال: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم.

فأقول: كما قال العبد الصالح: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيٍْ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)(3).

وعن عبد اللّه‌ بن عمر عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في خطبة حجّة الوداع قال: «لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»(4). وعن أبي سعيد الخدري عن أبيه رضى‌الله‌عنه قال سمعت رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم يقول على المنبر: «... وإنّي أيّها الناس فرطكم على الحوض، فإذا جئت، قام رجال. فقال هذا: يا رسول اللّه‌ أنا فلان، وقال هذا: يا رسول اللّه‌ أنا فلان، وقال هذا: يا رسول اللّه‌، أنا فلان. فأقول: قد عرفتكم، ولكنّكم أحدثتم بعدي، ورجعتم القهقرى».

وقال الحاكم بعد ذكره للحديث: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه(5). وعن العلاء بن المسيّب عن أبيه قال: لقيت البرّاء بن عازب رضى‌الله‌عنه فقلت: طوبى


1) صحيح الخباري ٧: ٢٠٨.

2) المائدة ٥: ١١٧ - ١١٨.

3) صحيح البخاري ٤: ١١٠.

4) صحيح البخاري ٨: ٣٥.

5) المستدرك على الصحيحين ٤: ٧٤ - ٧٥.

لك صحبت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وبايعته تحت الشجرة فقال: يا بن أخي إنّك لا تدري ما أحدثناه بعده(1).

وهذه شهادة من صحابي كان على الأقل صريح مع نفسه ومع النّاس، وهي مؤكّدة لما قاله اللّه‌ فيهم: أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ(2). والبرّاء بن عازب من الصحابة ومن السّابقين الأوّلين الذين بايعوا النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم تحت الشجرة، يشهد على نفسه وغيره من الصحابة بأنّهم أحدثوا بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كي لا يغترّ بهم النّاس، وأوضح بأنّ صحبة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ومبايعته تحت الشجرة لا تمنعان من ضلالة الصحابي وارتداده بعده صلى الله عليه و آله و سلم .

النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يلعن جماعة:

ما ورد في مرض موته صلى الله عليه و آله و سلم حيث قال: «جهّزوا جيش أسامة، لعن اللّه‌ من تخلّف عنه»(3).

وعن أبي الطفيل في غزوة تبوك أمر رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم منادياً فنادى أن لا يرد الماء أحد قبل رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، فورده رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، فوجد رهطاً قد وردوه قبله، فلعنهم رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم يومئذٍ(4).

وقال الحافظ أبو بكر الهيثمي بعد ذكره لهذا الحديث: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح(5).


1) صحيح البخاري ٥: ٦٥ - ٦٦.

2) آل عمران ٣: ١٤٤.

3) الملل والنحل ١: ٢٣.

4) مسند أحمد بن حنبل ٥: ٤٥٤.

5) جامع الزوائد ومنبع الفوائد ٦: ١٩٥.

فالنتيجة: ممّا تقدّم من أنّ رأي الشيعة الإماميّة في الصحابة أنّه أوسط الآراء، حيث لم تفرّط فيهم تفريط بعض الغلاة الذين كفّروهم جميعاً، ولا أفرطوا إفراط أهل السنّة الذين وثّقوهم أجمعين.

أمّا دليل الشيعة فهو: إنّ الصحبة بمجردها وإن كانت فضيلة، لكنّها بما هي غير عاصمة، فالصحابة كغيرهم من الرجال فيهم العدول، وفيهم البغاة على الوصي، وأخي النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وفيهم أهل الجرائم من المنافقين، وفيهم مجهول الحال. أمّا العدول منهم فيقتدى بهم، ويحتجّ بحديثهم، وأمّا البغاة منهم، فلا كرامة لهم، ولا وزن لحديثهم، وأمّا مجهول الحال منهم يتوقّف فيهم حتّى يتبيّن أمرهم.

إلاّ أنّ أهل السنّة بالغوا في تقديس وتعظيم كلّ من يسمّونه صحابيّاً حتّى خرجوا عن حدّ الاعتدال، فاحتجّوا بهم أجمعين أكتعين أبصعين الغث منهم والسمين، وأنكروا على كلّ من يخالفهم في هذا الرأي أشدّ الإنكار، وما أشدّ إنكارهم على الشيعة الإماميّة حين يردّون حديثاً من الصحابة مصرّحين بجرحهم أو بكونهم مجهولي الحال، عملاً بالواجب الشرعي في تمحيص الحقائق الدينيّة، والبحث عن الصحيح من الآثار النبويّة، فيتّهمونهم بالكفر والزندقة رجماً بالغيب، ولو رجعوا إلى قواعد العلم، لعلموا أنّ أصالة العدالة في الصحابة ممّا لا دليل عليه، ولو تدبّروا القرآن الحكيم والأخبار المرويّة في الصحاح وغيرها لوجدوا فيهما ذكراً للمنافقين كما تقدّم جملة من ذلك.

التحوّل المذهبي:

وبعد فترة وجيزة توصّل «سليمان» من خلال المعلومات التي كان يبيّنهما له أساتذته إلى أحقّية مذهب أهل البيت عليهم‌السلام، فتفاعل مع عقائد الشيعة، وأدّى ذلك إلى

تشرّفه بمذهب أهل البيت عليهم‌السلام، وشجّع والده أيضاً على اعتناق هذا المذهب.

ثمّ بدأ بتشجيع أقرباءه وأصدقاءه على قراءة الكتب الشيعيّة، والتعرّف على علوم ومعارف أهل البيت عليهم‌السلام.

يقول «سليمان» في نهاية المطاف: إنّ معظّم أهل السنّة لا يعرفون حقيقة مذهب التشيّع، وأنا على يقين بأنّهم لو اطّلعوا على عقائد هذا المذهب، فإنّهم سيستبصرون بكلّ سهولة، ولتسابقوا إليه، ولكنّ المشكلة هي عدم المعرفة الصحيحة بعقيدة الشيعة، بل ممّا يؤسف له هي الصورة المشوّهة التي يبيّنها علماء أهل السنّة عن المذهب الشيعي، والتهم والافتراءات التي يلصقها البعض بهذا المذهب، ولكنّني على أمل بفضل الجهود المباركة التي يبذلها علماء الشيعة في مختلف أنحاء العالم أن يتعرّف جميع أبناء العالم على جميع علوم ومعارف أهل البيت عليهم‌السلام. سائلين اللّه‌ تعالى أن يوفّق الجميع إلى خدمة تراث العترة الطاهرة عليهم‌السلام وإحياء آثارها، إنّه سميع مجيب.

الصورة

H18

يسبق الأحداث، فسوف يعرف عبّاس الحقيقة عاجلاً أم آجلاً).

ولمّا رجعا من سفرهما أقنع الحاج عثمان ولده الفتى أن يذهب إلى العاصمة ويلتحق بمدرسة أهل البيت عليهم‌السلام. فاقتنع الولد والتحق بها، وتعرّف فيها على الكثير من الشباب الذين كانوا قد سبقوه إليها، ومنهم من اعتنق المذهب الجعفري، فأخذ يناقشهم في سبب استبصارهم وهم يرشدونه إلى بعض الكتب التي كان لها الأثر الأكبر في استبصارهم.

في المكتبة:

هناك مكتبة كبيرة في المدرسة وفيها أنواع الكتب الفقهيّة والعقائديّة والأخلاقيّة، وكذلك فيها الكتب الخلافيّة أي التي تقارن بين الشيعة وسائر الفرق الإسلاميّة، وفيها أيضاً كتب لبعض المستبصرين، فقام عبّاس يتردّد عليها كثيراً، وأخذه شوق المعرفة إلى أن يقرأ أكثر فأكثر، فانفتحت بصيرته على حقائق لم تكن تخطر على باله.

ومن جملة الكتب التي جلبت انتباهه هي كتب المستبصرين وعلى رأسهم كتاب «ثمّ اهتديت» للباحث الدكتور محمّد التيجاني السماوي.

وهنا لابدّ من التعريف بهذا الكتاب القيّم.

يقول المؤلّف عن كتابه في صفحة الإهداء: كتابي متواضع لا تكلّف فيه، هو قصّة رحلة، قصّة اكتشاف جديد، ليس اكتشافاً في عالم الاختراعات التقنيّة أو الطبيعيّة، ولكن في دنيا المعتقدات، في خضمّ المدارس المذهبيّة والفلسفات الدينيّة.

فالكتاب كما أوضح المؤلّف عبارة عن قصّة انتقال كاتبه من معتقده السابق أي المذهب المالكي إلى مذهب أهل البيت عليهم‌السلام، ولعلّ السبب الذي جعل عبّاساً ينشدّ إليه هو أن المؤلف كان على مذهب عبّاس نفسه.

ذكر المؤلّف في كتابه هذا كيفيّة تعرّفه على الشيعة، وتحدّث عن سفره إلى المدن الشيعيّة (النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة) إذ التقى هناك بكبار علماء الشيعة منهم آية اللّه‌ العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي رحمه‌الله زعيم الحوزة العلميّة وأكبر مراجع الطائفة، وآية اللّه‌ العظمى السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر رحمه‌الله المرجع والمفكّر الكبير، وسألهما عن بعض المسائل الخلافيّة بين الشيعة والسنّة، منها الشهادة الثالثة في الأذان، والتفضيل بين الصحابة، والسجود على التربة، والمأتم الحسيني، وزيارة القبور، واستمع إلى إجوبة الشيعة التي هي مدوّنة في كتبهم، ولكن مع الأسف أنّ علماء أهل السنّة يحولون بين الكتاب الشيعي وبين القرّاء من أهل السنّة ؛ لما يعرفون من أنّ ما في الكتب الشيعيّة كلّه ثابت بالأدلّة اليقينيّة الموافقة للكتاب والسنّة والعقل، فلو أنّ المؤلّف كان قد قرأ كتاباً واحداً لأهل الشيعة لكفاه مؤونة السؤال.

حصل بعد ذلك على كتب كثيرة منها كتاب «عقائد الإماميّة»، و«أصل الشيعة وأصولها»، وكتاب «المراجعات»، فقرأها عند وصوله إلى تونس، واستحسن كتاب «المراجعات» كثيراً ويقول عنه: ما إن قرأت منه بضع صفحات حتّى استهواني الكتاب وشدّني إليه شدّاً فكنت لا أتركه إلاّ غصباً... وأدهشني

الكتاب بما حواه من صراحة العالم الشيعي، وحلّه لما أشكل على العالم السنّي شيخ الأزهر.

ويستمرّ قائلاً: وجدتُ في الكتاب بغيتي ؛ لأنّه ليس كالكتب التي يكتب فيها المؤلّف ما يشاء بدون معارض ولا مناقش، فالمراجعات هو حوار بين عالمين من مذهبين مختلفين يحاسب كلّ منهما صاحبه على كلّ شاردة وواردة، على كلّ صغيرة وكبيرة، متوخّين في ذلك المرجعين الأساسيين لكافّة المسلمين وهما القرآن الكريم والسنّة الصحيحة المتّفق عليها في صحاح السنّة، فكان الكتاب بحق يمثّل دوري

كباحث يفتّش عن الحقيقة ويقبلها أينما وُجدت ؛ وعلى هذا كان الكتاب مفيداً جدّاً، وله فضل عليّ عميم.

قضيّة تقشعرّ منها الجلود:

قرأ التيجاني في كتاب «المراجعات» عن رزيّة يوم الخميس، فتعجّب كثيراً ويقول: وقفتُ مبهوتاً عندما كان يتكلّم [السيّد شرف الدين] عن عدم امتثال الصحابة لأوامر الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، ويسوق لذلك عدّة أمثلة منها رزيّة يوم الخميس إذ لم أكن أتصوّر أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب يعترض على أمر رسول اللّه‌ ويرميه بالهَجْر، وظننتُ بادئ الأمر أنّ الرواية هي من كتب الشيعة، وازدادت دهشتي

وحيرتي عندما رأيت العالم الشيعي ينقلها من صحيح البخاري وصحيح مسلم، وقلتُ في نفسي: إن وجدتُ هذا في صحيح البخاري فسيكون لي رأي...

وجعل يبحث في كتاب البخاري عن هذه القضيّة، وكان يتمنّى أن لا يعثر عليها وكان يقول: ورغم أنفي وجدتها وقرأتها مرّات عديدة، فكانت كما نقلها السيّد شرف الدين، وحاولت تكذيب الحادثة برمّتها، واستبعدتُ أن يقوم سيّدنا عمر بذلك الدور الخطير، ولكن أنّى لي تكذيب ما ورد في صحاحنا، وهي صحاح أهل السنّة والجماعة التي ألزمنا أنفسنا بها وشهدنا بصحّتها...

ويستمر التيجاني قائلاً: لو كان العالم الشيعي ينقل من كتبهم ما كنتُ لأصدّق أبداً، وأمّا أن ينقل من صحاح أهل السنّة فلا مجال للطعن فيها وقد أخذنا على أنفسنا بأنّها أصحّ الكتب بعد كتاب اللّه‌، فيصبح الأمر ملزماً، وإلاّ لزم الشك في هذه الصحاح وعند ذلك لا يبقى معنا من أحكام الإسلام شيء نعتمده...

فأخذ التيجاني على نفسه عهداً وهو يدخل هذا البحث الطويل العسير أن لا يعتمد إلاّ على الأحاديث الصحيحة التي اتّفق عليها السنّة والشيعة، وأن يطرح

الأحاديث التي ينفرد بها فريق دون آخر ؛ فهذا هو الأسلوب الوحيد المعتدل الذي يكون فيه الباحث بعيداً عن المؤثّرات العاطفيّة، والتعصّبات المذهبيّة، والنزعات القوميّة أو الوطنيّة، وبهذا يكون الباحث قد قطع طريق الشكّ ليصل إلى الحقّ والحقيقة(1).

فأخذ التيجاني يدرس تاريخ الإسلام من جديد وبدون قداسة لأحد ؛ كي يصل إلى الحقيقة، فالقداسة هي المانع الأساس للكشف عن الحقيقة ؛ لأنّ الإنسان لمّا يقرأ تاريخ شخص ما وهو يقدّسه مسبقاً سوف يبرّر أفعاله مهما خالفت العقل والشرع والفطرة.

فقام التيجاني بمراجعة قراءته لتاريخ الصحابة ؛ إذ كان لهم الدور الأساسي في تاريخ الإسلام، فالبحث في حياة الصحابة هو الحجر الأساس في كلّ البحوث التي تقود إلى الحقيقة ؛ لأنّهم - على حدّ قول التيجاني - عماد كلّ شيء وعنهم أُخذ الدين، وبهم يستضاء في الظلمات لمعرفة أحكام اللّه‌(2).

أمّا بالنسبة إلى خطورة دور الصحابة في المجتمع الإسلامي فيقول المؤلف: فالمسلمون لم ينقسموا ولم يختلفوا في شيء لولا الصحابة، وكلّ خلاف نشأ وينشأ إنّما يعود إلى اختلافهم في الصحابة، فالربّ واحد، والرسول واحد، والقبلة واحدة، وهم متّفقون على ذلك، وبدأ الخلاف والاختلاف في الصحابة من اليوم الأوّل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في سقيفة بني ساعدة، واستمرّ إلى يوم الناس هذا، وسيستمرّ إلى ما شاء اللّه‌(3)...

واستنتج التيجاني من خلال بحثه مع علماء الشيعة أنّهم يقسّمون الصحابة إلى


1) ثمّ اهتديت: ٨٧ - ٨٨ .

2) ثمّ اهتديت: ٨٩ .

3) ثمّ اهتديت: ٩٠ - ٩١.

ثلاثة أقسام:

١ - الصحابة الأخيار الذين عرفوا اللّه‌ ورسوله حقّ المعرفة.

٢ - الصحابة الذين اعتنقوا الإسلام إمّا رغبةً أو رهبةً وكثيراً ما كانوا يؤذون رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم بتصرّفاتهم...

٣ - المنافقون الذين صحبوا الرسول صلى الله عليه و آله و سلم للكيد له. ثمّ أضاف قسماً آخر فقال: وهناك قسم خاص - وإن كانوا من الصحابة - فهم يتميّزون على غيرهم بالقرابة وبفضائل خلقيّة ونفسيّة وخصوصيّات اختصّهم اللّه‌ ورسوله بها لا يلحقهم فيها لاحقّ، وهؤلاء هم أهل البيت عليهم‌السلامالذين أذهب اللّه‌ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً(1)...

ثمّ تصفّح التاريخ فوجده ملى‌ء بأمور كثيرة تستحقّ الوقوف عندها والتأمّل فيها، كتصرّف بعض الصحابة مع رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم والتي غطّت عليها هالة القداسة المصطنعة إذ التصرّف نفسه لو قام به أحدٌ في زماننا هذا قِبال صحابي للصقت عليه تهمة النفاق ولربّما يصل به الأمر إلى الحبس أو القتل أحياناً. وذكر التيجاني في كتابه جملة من هذه الحوادث بالتفصيل، ونحن نذكر منها على سبيل الاختصار:

١) موقف الصحابة في صلح الحديبيّة واعتراضهم على المعاهدة، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب حيث قال مقولته المشهورة: ما شككتُ منذ أسلمتُ إلاّ يومئذٍ(2)...

٢) الصحابة ورزيّة يوم الخميس، وملخّص الحادثة أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لمّا مرض وعِلمَ بدنوّ أجله أمر أصحابه الذين كانوا جنبه أن يحضروا له كتفاً ودواةً


1) ثمّ اهتديت: ٩٠.

2) المعجم الكبير ٢٠: ١٤. وتاريخ مدينة دمشق ٥٧: ٢٢٩.

ليكتب لهم كتاباً يعصمهم من الضلالة، فاختلف الصحابة في إجابة نبيّهم، فقال عمر: إنّ رسول اللّه‌ قد غلب عليه الوجع وعندنا القرآن(1)... وكثر النزاع بينهم، ولم يرعوا حرمة نبيّهم، ولا أحسّوا بالخجل ؛ إذ كان مريضاً فكان عليهم أن يتصرّفوا بما يوافق آداب العيادة التي أدّبهم بها نبيّهم، ولكن هيهات من تلك العصابة التي لم تتعلّم ولم تتخلّق بأخلاق الرسول صلى الله عليه و آله و سلم حتّى أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم نهاهم عن النزاع وطردهم من جنبه.

وكلّ مَن يقرأ هذه الحادثة يقف مبهوتاً ومتعجّباً من هذا التصرّف اللا أخلاقي مع أكبر شخصيّة على وجه الأرض، ويقول المؤلّف: وإنّي لأعجب لمَن يقرأ هذه الحادثة ويمرّ بها وكأنّ شيئاً لم يكن مع أنّها من أكبر الرزايا. وعجبي أكبر من الذين يحاولون جهدهم الحفاظ على كرامة صحابي وتصحيح خطئه ولو كان ذلك على حساب كرامة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم وعلى حساب الإسلام ومبادئه. ولماذا نهرب من الحقيقة ونحاول طمسها عندما لا تتماشى مع أهوائنا؟! لماذا لا نعترف بأنّ الصحابة بشر مثلنا لهم أهواء وميول وأغراض ويخطئون ويصيبون(2)؟!

فهذه الأسباب وغيرها أثّرت على التيجاني وجعلته يعيد حساباته من جديد وكذلك الحال بالنسبة إلى «عبّاس عثمان» الذي راح يقرأ كتب السيرة والتاريخ، فانفتحت بصيرته، وعرف - كما عرف التيجاني من قبله – أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم كان قد ابتلي بقوم كما ابتلي الرسل والأنبياء من قبله، فهجر عبّاس


1) مسند أحمد ١: ٣٣٦. وفي بعض الروايات أنّه قال: إنّ الرجل ليهجر.

2) ثمّ اهتديت: ١٠٠.

معتقده الذي كان عليه، وبدأ حياته العقائديّة مع أهل البيت عليهم‌السلام، فأخذ يناقش أصدقاءه وأهل منطقته ويعرّفهم بالحقيقة التي وصل إليها ويريد المغرضون إخفاءها، فانزعج منه كبار أهل السنّة في منطقته، وطلبوا من أبيه أن يخرجه من مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ويوقفه عند حدّه كي لا يؤثّر على أولادهم، ولكن تفاجأوا بالرد القاطع لأبيه بل وبإعلان استبصاره هو الآخر إذ قال: فأنّا شيعيٌ أيضاً.

و«عبّاس عثمان» من الذين أراد اللّه‌ بهم خيراً إذ أرشده بهذه الطريقة إلى طريق أهل البيت عليهم‌السلام كما قال الإمام الصادق عليه‌السلام: «فإذا أراد اللّه‌ به - أي بعبدٍ - خيراً عرّفه أمرنا»(1).

فهم بحقّ سفن النجاة كما وصفهم رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم إذ قال: «مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق»(2).


1) شرح الأخبار ٣: ٤٥٤.

2) المستدرك على الصحيحين ٢: ٣٤٣.

{٤٨} عبد الجليل عيسى ناوي (مالكي / غانا)

الصورة

H19

مرّت ترجمته في ١: ٣٦٥ من هذه الموسوعة، ونشير هنا إلى مالم يُذكر سابقاً.

يعتقد «عبد الجليل» المستبصر عام ١٤٠٤ه (١٩٨٤م) أنّ على المتمسّكين بمذهب أهل البيت عليهم‌السلام أن يوصلوا نداء الفطرة والإسلام الصحيح إلى سائر الناس، ويقول: «إنّ لمذهب أهل البيت عليهم‌السلام مستقبل مشرق في أفريقيا وخاصّة «غانا»، ولكنّ ذلك يحتاج إلى دعم وعمل وحركة حتّى يصل صوت أهل البيت عليهم‌السلام إلى الناس، إنّهم لو علموا من هم أهل البيت عليهم‌السلام لكانوا أسبق الناس إليهم، ولو علموا

حقيقتهم لما تمسّكوا بغيرهم».

وبذلك يقول الإمام الرضا عليه‌السلام: «رحم اللّه‌ من أحيى أمرنا»، فقيل له: وكيف يُحيي أمركم؟

قال: «يتعلّم علومنا ويعلّمها الناس، فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا»(1).


1) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢: ٢٧٥.

تجاوز التعصّب والتقليد الأعمى:

كما يوجّه «عبد الجليل» نداءً أخويّاً إلى اتّباع المذاهب الإسلاميّة، ويدعوهم إلى «أن يكونوا أحراراً في أفكارهم وأن يكونوا موضوعيين». فإنَّه إذا انفكّ ذهن الإنسان عن العصبيّة العمياء واتّباع ما اتّبع الآباء بلا دليل وبرهان تفتح له آفاق فكريّة واسعة يمكن له من خلالها بحث المواضيع بموضوعيّة ورؤية شموليّة أكبر وبلا انحياز.

يقول الأستاذ علاء الحسون حول التقليد الأعمى، صعوبته وطرق تجاوزه للوصول إلى رؤية واقعيّة: «يستصعب الكثير من الناس مخالفة المفاهيم التي ورثوها من آبائهم وأسلافهم ولو تبيّن لهم الحقّ واضحاً كالشمس في رابعة النّهار.

وليس ذلك إلاّ نتيجة الوقوع في أسر التقليد الأعمى في الانتماء المذهبي، لأنّ التقليد في العقائد يدفع الإنسان إلى تقديس الموروث، ويخلق العديد من الحواجز النفسيّة التي تمنع الباحث من النظر في أدلّة انتمائه.

ولكن الواقع يفرض أن يتحدّى الباحث لجج الموروث، وأن يكسّر أغلاله، وأن يتمرّد على سننه في ضوء البراهين الساطعة والحجج القاطعة. وعلى الباحث أن يعي بأنّ الآباء لو جانبوا الصواب أو اجتهدوا فأخطأوا، وتبيّن لنا خطأهم بالدليل والبرهان، فلا داعي لاتّباع نهجهم والسير على خطاهم،

بل علينا أن نتّبع الحقّ ولو كان ذلك مخالفاً لأفكارنا ومعتقداتنا الموروثة»(1).

كما يذكر الحسّون «التعصّب» كمانع آخر يقف أمام رؤية الحقّ ويقول: «إنّ التعصّب يعدّ من الموانع الأخرى التي تحول بين المرءوبين إذعانه واتّباعه للحقّ، لأنّ


1) التحول المذهبي: ١٩٥.

التعصّب يدفع صاحبه إلى الجمود على فكرة معيّنة وعدم السماح لنفسه بتغيير معتقداته مهما بلغت الأدلّة والبراهين المثبتة لبطلان ما هو عليه. والتعصّب يدفع صاحبه إلى التشبث بآراء طائفة معيّنة مصرّاً على أنّها دون غيرها هي الحقّ الذي يجب اتباعه. ومن آثار هذا الداء العضال أنّه يصدّ صاحبه عن الإصغاء إلى دليل المخالف أو الاهتمام بما يذكر من أدلّة لأنّه يكون دائماً مسيى‌ء الظن بكلّ من يخالفه في الرأي، فيؤدّي به ذلك إلى أن يعيش حالة الحرمان من الرؤية المتروّية والمتّزنة لأفكار من

يخالفه في الرأي، ومن ثمّ يندفع هكذا شخص إلى عدم قبول الحقّ حين ثبوته موافقاً لما يذهب إليه الآخر.

ولهذا يكون المتعصّب محروماً من معرفة الحقّ وإن جُعلت الحقيقة أمام بصيرته»(1).


1) نفس المصدر: ٢١٢.

{٤٩} عبد السلام عبد الحميد بنسي (وهّابي / غانا)

من أهالي مدينة «أكرا» عاصمة غانا، كان وهّابياً، لكن بعد أن تعرّف على المذهب الحقّ، وبعد مقارنته مع ما كان يعتقده، ترك الفرقة الوهّابيّة وتمسّك بمذهب أهل البيت عليهم‌السلام.

ولموقعيّته الاجتماعيّة العالمية ونشاطه الواسع، أصبح «عبد السلام» من أكبر الشخصيّات الشيعيّة في غانا، فهو إمام الجمعة والجماعة في مسجد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم ، وهذا المسجد هو المسجد الوحيد للشيعة هناك.

الوهّابيّة وموقفها من آل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم :

خالفت الوهّابيّة كثيراً من أحكام الشريعة الثابتة عن طريق الآيات الصريحة والروايات الصحيحة.

ومن تلك المخالفات معارضتهم لتقديم واحترام آل بيت الرسول صلى الله عليه و آله و سلم : فهذا ابن تيميّة في ردّه على مَن قال: إنّ أهل بيت الرسول أحقّ من غيرهم بالولاية، يقول: لم يقل أحد قط: إنّي أحقّ بهذا الأمر من أبي بكر، ولا قاله أحد في

أحد بعينه: إنّ فلاناً أحقّ بهذا الأمر من أبي بكر، وإنّما قال مَن فيه أثر جاهليّة عربيّة أو فارسيّة أنّ بيت الرسول أحقّ بالولاية ؛ لأنّ العرب كانت تقدّم أهل بيت الرؤساء، وكذلك الفُرس يقدّمون أهل بيت الملك(1).

فهو بكلامه هذا تهجّم على كبار الصحابة وفي مقدّمتهم الإمام علي بن أبيطالب عليه‌السلاموفاطمة الزهراء عليهاالسلام وجميع بني هاشم وكثير من صحابة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم الذين كانوا يرون أنّ الإمام عليّاً عليه‌السلام أحقّ بخلافة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم من أبي بكر، والتاريخ يشهد بذلك، ولا ينكره إلاّ المعاند.

فأيّ من هؤلاء فيه أثر جاهليّة؟!

فهذا الإمام علي عليه‌السلام يصرّح في خطبه أنّه كان أحقّ من غيره بالخلافة، منها ما جاء في خطبته المعروفة بالشقشقيّة، قال في مستهلّها:

«أمّا واللّه‌ لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحا»(2).

اضاقه إلى ذلك فالقارئ للتاريخ يعلم أنّ كلام ابن تيميّة هذا يرد على أبي بكر وعمر أيضاً ؛ لأنّهما احتجّا على الأنصار يوم السقيفة أنّهم أولياء النبيّ وعشيرته‌وأحقّ الناس بأمره(3).

ثمّ لنعرض كلامه على الكتاب والسنّة، فهو مخالف للآيات المحكمة التي فضّلت أهل بيت بعض الأنبياء، ومنها ما خصّت بيت الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، نذكر منها لا على الحصر:


1) منهاج السنّة ٣: ٣٨٤.

2) نهج البلاغة، الخطبة ٣، ص٢٦.

3) تاريخ ابن خلدون ٢ القسم الثاني: ٦٤.

قال تعالى: إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(1).

وقال ابن عبّاس في تفسير هذه الآية: هم المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمّد(2).

وهناك آية أخرى أكثر صراحة لوجوب تقديم واحترام آل بيت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وهي قوله تعالى: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(3).

فهذه الآية جعلت مودّة آل البيت عليهم‌السلام أجراً للرسول صلى الله عليه و آله و سلم إزاء تعبه في إبلاغ رسالة ربّه، من أجل سعادة البشريّة، فقد وصف مشقّته في ذلك قائلاً: «لقد أوذيتُ في اللّه‌ وما يؤذى أحد»(4).

واحترام أهل بيت الرسول وتقديمهم ومودّتهم هي - بالحقيقة أقلّ ما يمكن تقديمه له إزاء معاناته وتعبه في تبليغه رسالة ربّه.

فالعرب وبفضل رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم وإبلاغه الدين الحنيف، دين الإنسانيّة والعدل، ودين الفطرة والحقّ، فتحوا البلاد وأذلّوا العباد، وأصبحت الحضارة الإسلاميّة رائدة التغيير الجذري في تاريخ الإنسانيّة، وتمّ كلّ ذلك في فترة وجيزة جدّاً.

ولولا رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم لبقي العرب في جاهليّتهم المقيتة التي يسودها قانون الغاب، يأكل القويّ منهم الضعيف، ويدسّ البعض منهم أطفاله في التراب، وليس


1) آل عمران ٣: ٣٣.

2) صحيح البخاري ٤: ١٣٨.

3) الشورى ٤٢: ٢٣.

4) الجامع الصغير جمع الجوامع ٦: ٤٣ - ح١٧١٤٦.

لهم أيّ كلمة مسموعة، ويحتقرهم القريب والبعيد.

أفلا يستحقّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أن يُكرم بأهله وذريّته؟!

أفلا يستحقّ أن يُكرم بحفظ وصاياه؟!

فكم أوصى بأهل بيته خيراً. نذكر هنا بعض وصاياه صلى الله عليه و آله و سلم : عن زيد بن أرقم قال: قال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «إنّي تارك فيكم الثقلين... – إلى أن قال صلى الله عليه و آله و سلم - أذكّركم اللّه‌ في أهل بيتي، أذكّركم اللّه‌ في أهل بيتي، أذكّركم اللّه‌ في أهل بيتي»(1).

ومثله قوله صلى الله عليه و آله و سلم : إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه‌ حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(2). وقال صلى الله عليه و آله و سلم أيضاً: «أحبّوا أهل بيتي لحبّي»(3).

وجاء في توبيخ بعض أصحابه قوله صلى الله عليه و آله و سلم : «ما بال أقوام يتحدّثون، فإذا رأوا الرجل من أهل بيتي قطعوا حديثهم؟! واللّه‌ لا يدخل قلب رجل الإيمان حتّى يحبّهم للّه‌ ولقرابتهم منّي»(4).

وبعد هذا التأكيد من رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم في أهل بيته يأتي شيخ السلفيّة ابن تيميّة بكلامه الذي ذكرناه سابقاً الذي فيه إهانة صريحة للرسول صلى الله عليه و آله و سلم وأهل بيته وبني هاشم قاطبة وكبار الصحابة الذين كانوا يرون أن عليّاً عليه‌السلام أحقّ من غيره بالخلافة.


1) صحيح مسلم ١٥: ١٧٥، ومسند أحمد ٤: ٣٦٧.

2) سنن الترمذي ٦: ١٢٥.

3) سنن الترمذي ٦: ١٢٦.

4) سنن ابن ماجة ١: ٥٠.

ولا عجب من هذا الشيخ ومن كلامه ؛ إذ هو ليس إلاّ خلف لسلفه الذين عاصروا الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وسمعوا كلامه وفهموا مراده، ولكن ما إن أغمض عينيه من هذه الدنيا حتّى أصبح عندهم كخبر كان، فمالوا على أهل بيته بألوان المصائب.

فها هي ابنة الرسول الوحيدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام ماذا رأت من أمّة أبيها، إذ تحدّثنا الكتب التاريخيّة عن مظلوميّتها في حرمانها من إرث أبيها، وغصب فدكها، وإحراق باب دارها، وإسقاط جنينها، وغيرها من المصائب حتّى توفّيت إثر الجراحات التي أصيبت بها، فكانت أوّل من لحق بالرسول صلى الله عليه و آله و سلم من أهل بيته كما وعدها أبوها صلى الله عليه و آله و سلم . وكانت حتّى آخر عمرها غضبى على أبي بكر وعمر، إلى حدّ أنّها أوصت زوجها الإمام علي بن أبيطالب عليه‌السلام أن يدفنها سرّاً ولا يعلمهما بوفاتها.

وينبغي للقارئ أن يقارن بين كلام رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم الذي يقول فيه: «فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني»(1). وبين خبر عائشة التي تقول فيه: فهجرت فاطمة أبا بكر فلم تكلّمه حتّى ماتت(2).

واستمرّ هذا الحقد على بيت رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم حتّى وصل إلى قمّته سنة إحدى وستّين للهجرة حيث اجتمعت كلمة الأُمّة على قتل ابن بنت رسول اللّه‌ وريحانته الإمام الحسين عليه‌السلام سيّد شباب أهل الجنّة. ولم يكن لهم أيّ عذر في ذلك، فلمّا سألهم عن سبب مقاتلتهم إيّاه وهم


1) صحيح البخاري، باب مناقب قرابة الرسول ٤: ٤٧٠.

2) صحيح البخاري، كتاب الفرئض ٤: ٢٦٤.

يعرفون حسبه ونسبه أجابوه بأجوبة واهية، فتارة يقولون له أنّهم يقاتلونه طاعة للأمير عبيد اللّه‌ بن زياد وهم يعرفون أنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وتارة يقولون إنّهم يقاتلونه بغضاً لأبيه، والكلّ يعرف أن بغض علي عليه‌السلامعلامة النفاق، لما ورد عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم قوله لعليّ عليه‌السلام: «لا يبغضك إلاّ منافق»(1).

ولا يخفى على الباحث الطالب للحقيقة موقف ابن تيميّة وأتباعه من علي عليه‌السلام وأولاده، والمطالع لكتبهم وآرائهم يرى بغضهم الجلي لأهل هذا البيت. ولا يبقى في نفسه ذرّة شكّ في نفاق هذه الفرقة الموسومة بالوهّابيّة.

الالتحاق بركب أهل البيت عليهم‌السلام:

لمّا عرف «عبد السلام» حقيقة الأمر، وتوضّح له عداء الوهابيّة للرسول صلى الله عليه و آله و سلم وأهل بيته عليهم‌السلام، تيقن أنّ الصواب هو ما يقوله أهل البيت عليهم‌السلام. فقرّر أن ينجي نفسه من تلك الفرقة الهالكة التي تخالف جميع المذاهب الإسلاميّة، ويلتحق بركب الفرقة الناجية، مذهب أهل البيت عليهم‌السلام الذين وصفهم

الرسول بسفينة النجاة.


1) مسند أحمد بن حنبل ١: ٩٥، سنن الترمذي ٥: ٣٠٦، سنن النسائي ٨: ١١٦.

{٥٠} عبد الكريم باته باري (مالكي / غانا)

الصورة

H20

ولد عام ١٣٨٦ه (١٩٦٦م) بمدينة (تاجيما) في غانا، في أسرة مالكيّة تيجانيّة، ودرس في المدارس الأكاديميّة حتّى أكمل الدبلوم، ثمّ تأثّر بالفكر الوهّابي. اعتنق مذهب الشيعة الإماميّة عام ١٩٨٦م، ودرس في الحوزة العلميّة حتّى أكمل السطوح.

التعرّف على الشيعة:

في أحد الأيام التقى «عبد الكريم» ببعض الشيعة في بلده غانا، ورأى أنّ وضوئهم وصلاتهم تختلف عمّا هو المتعارف عنده، فسألهم عن سبب اختلافهم، فشرحوا له أسباب الاختلاف، واستدلّوا له على معتقدهم بالكتاب والسنّة.

الوضوء:

فالوضوء عبارة: عن إيقاع أفعال في أعضاء مخصوصة من البدن على وجه مخصوص يستباح به الدخول في الصلاة(1).

وأمّا كيفيّته: النيّة، وغسل الوجه مرّة واحدة، وغسل كلّ واحدة من اليدين،


1) الاقتصاد: ٢٤٠ - ٢٤١.

ومسح الرأس، ومسح كلّ واحدة من الرجلين كذلك.

فالنّية مقارنة لحال الوضوء.

والابتداء في غسل الوجه من قصاص شعر الرأس إلى محادر شعر الذقن طولاً، وما دارت عليه الإبهام والوسطى عرضاً.

وغسل اليدين من المرفق إلى أطراف الأصابع.

ومسح مقدّم الرأس ببلّة ا لوضوء.

ومسح الرجلين من رؤوس الأصابع إلى الكعبين ببلّته أيضاً.

والترتيب على ما رتّبه اللّه‌ تعالى.

والموالاة: وهي أن يوالي بين غسل الأعضاء، ولا يؤخّر بعضها عن بعض بمقدار ما يجفّ ما تقدّم(1).

تاريخ الوضوء:

من الواضح أنّ المسلمين كانوا يتوضّؤون كما كان النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يتوضّأ بكيفيّة واحدة، ولم يقع بينهم أي اختلاف يذكر، وأنّه لو وجد أي اختلاف لوصل إلينا ما يشير إليه، ولتناقلته كتب الحديث والسير والأخبار ؛ إذ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كان بين ظهرانيهم، وهو بصدد التعليم والإرشاد لأمّته الحديثة العهد بالإسلام، فمن البعيد حدوث الخلاف بينهم مع كون الجميع يرجعون إلى شخص واحد للأخذ منه، حيث أمر اللّه‌ سبحانه وتعالى الناس بالرجوع إلى النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم في صورة حدوث نزاع في شيء: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيٍْ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(2).


1) الوسيلة: ٥٠ بتصرف.

2) النساء ٤: ٥٩.

هذا، مضافاً إلى مشاهدتهم لفعله صلى الله عليه و آله و سلم الذي هو السنّة والرافع لكلّ لبس وإبهام قد يخالطان البعض. بل أنّ الخلاف في كثير من الأمور بين الأُمّة إنّما هو وليد العصور المتاخّرة التي جاءت بعد عهده الشريف(1).

فإنّ التاريخ لم ينقل لنا خلافاً بين المسلمين في الوضوء في عهد الخليفتين أبي بكر وعمر، وأنّه لو كان لبان، بل التحقيق عدمه ؛ إذ أنّ حكم الوضوء لم يكن كغيره من الأحكام الشرعيّة ممّا يمكن تجاهلها أو التغاضي عن فهم حكمها، لعدم الابتلاء بها كثيراً، وعدم تلك الأهميّة الموجودة في مثل الوضوء ؛ إذ أنّ الوضوء فعل يمارسه المسلم عدّة مرّات في اليوم الواحد، وتتوقّف عليه أهم الأمور العباديّة، وأنّ

الاختلاف في أمر كهذا مثير للدهشة والاستغراب، وتزداد الغرابة إذا ما تصوّرنا وقوعه مع عدم وجود دليل أو نصّ روائي شرعي يدلّ عليه(2).

مَن هو البادئ بالخلاف في الوضوء؟

على ما يبدو أنّ عثمان بن عفّان كان الوحيد من بين الخلفاء الثلاث الأوائل قد حكى صفة وضوء رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم .

١ - أخرج مسلم بسنده عن ابن شهاب: إنّ عطاء بن يزيد الليثي أخبره أنّ حمران مولى عثمان أخبره، أنّ عثمان بن عفان: دعا بوضوء - فتوضّأ - فغسل كفّيه ثلاث مرّات، ثمّ مضمض واستنثر، ثمّ غسل وجهه ثلاث مرّات، ثمّ غسل يده اليمنى إلى المرافق ثلاث مرّات، ثمّ غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثمّ مسح رأسه، ثمّ غسل


1) وضوء النبيّ ١: ٣٠ بتصرف.

2) وضوء النبيّ ١: ٣٣ - ٣٦ بتصرف.

رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرّات، ثمّ غسل اليسرى مثل ذلك، ثمّ قال: رأيت رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم توضّأ نحو وضوئي هذا(1).

٢ - وأخرج المتّقي الهندي، عن أبي مالك الدمشقي، قول: حُدّثتُ أنّ عثمان بن عفان اختلف في خلافته في الوضوء، أذن للناس فدخلوا عليه...(2).

٣ - وأخرج مسلم في صحيحه بسنده، عن حمران مولى عثمان، قال: أتيت عثمان بن عفان بوضوء، فتوضّأ ثمّ قال: إن ناساً يتحدّثون عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم بأحاديث، لا أدري ما هي! إلاّ إنّي رأيت رسول اللّه‌ توضّأ مثل وضوئي هذا ثمّ قال: من توضّأ هكذا غفر له ما تقدّم من ذنبه(3).

هذه النصوص توقّفنا على أمور:

أوّلاً: هذه النصوص تنبئ على حدوث الخلاف في الوضوء في عهد عثمان، واختلاف المسلمين في الوضوء وانشقاقهم إلى خطّين: وضوء عثمان، ووضوء الناس من المسلمين.

وكلّ واحد منهما يكتسب مشروعيّة عمله بانتساب فعله إلى رسول اللّه‌، فهؤلاء الناس كما قال الخليفة يتحدّثون عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم لقوله: «إنّ ناساً يتحدّثون عن رسول اللّه‌ بأحاديث»، أمّا الخليفة فنراه يقول: «إلاّ إنّي رأيت رسول اللّه‌ توضّأ مثل وضوئي هذا»!!

ثانياً: إنّ الخلاف في الوضوء قد حدث في عهد الخليفة عثمان، لقول أبي مالك: «حُدّثتُ أنّ عثمان بن عفان اختلف في خلافته في الوضوء»، وأنّ ذلك يتضمّن الإشارة إلى عدم وجود الاختلاف قبل عهده.


1) صحيح مسلم ١: ١٧٣، ح٢٢٦.

2) كنز العمّال ٩: ١٩٤، ح٢٦٨٩٠.

3) صحيح مسلم ١: ١٧٤ - ١٧٥، ح٢٢٩.

ثالثاً: إنّ عبارة الخليفة: «إنّ ناسا يتحدّثون» تؤكّد مشروعيّة فعل هؤلاء الناس باعتباره مروياً عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، ولم يكذب الخليفة روايتهم لصفة وضوء رسول اللّه‌، وبذلك يكون وضوؤهم هو وضوء رسول اللّه‌، حيث لا يعقل أن يتحدّثوا بشيء ولا يفعلونه، وخصوصاً أنّهم في خلاف مع خليفة المسلمين فيه. أمّا (الناس) فكانوا لا يقبلون بوضوء الخليفة، ولا يعتبرون ذلك هو وضوء رسول اللّه‌!!

رابعاً: إنّ جملة: «إنّ ناساً»، أو «لا أدري ما هي؟» ظاهرة في استنقاص الخليفة لـ(الناس) وأنّهم صحابة مجهولون.

فهل حقّاً كانوا كذلك؟ أم أنّ الخليفة قال بمثل هذا لمعارضتهم إياه وأنّ طبيعة المعارضة تستوجب الاستنقاص(1)؟!

مسح الأرجل مكان غسلها:

إنّ الآية الدالّة على وجوب الوضوء وكيفيّته هي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ(2).

أمّا بالنسبة إلى المسح على الأرجل فإنّ المذهب الإمامي يقول: بوجوب المسح لا الغسل ؛ لأنّ ظاهر الآية تبيّن أنّ هناك وظيفتين في الوضوء إحداهما «الغسل»، والأخرى «المسح».

والغسل يكون للوجه واليدين لظاهر قوله تعالى: فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ، وأمّا المسح يكون للرأس وللرجلين أيضاً لظاهر قوله تعالى:


1) وضوء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ١: ٤٠ - ٤٢ بتصرّف.

2) المائدة ٥: ٦.

وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ. بخلاف المذهب السنّي حيث ذهب إلى لزوم غسل الأرجل، وذلك بعطف:

وَأَرْجُلَكُمْ على قوله تعالى: فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ. ويمكن مناقشة ذلك: أوّلاً: فلو أننا عرضنا هاتين الآيتين على أي عربي أصيل، وهو غير عارف بمذهب فقهي خاص، ولا مطّلع على موقف اجتهادي معيّن، وطلبنا منه أن يبيّن لنا المراد من هاتين الآيتين، وأن يوضحّ ما فهمه منهما، لقال من دون توقّف: إنّ هاتين الآيتين تبيّنان وظيفتين وعملين للمكّلف، أحدهما: الغسل للوجه واليدين، والآخر: المسح للرأس والرجلين.

ثانياً: من حيث القواعد العربيّة، لابدّ من أنّ لفظة «وَأَرْجُلَكُمْ» أن تكون معطوفة على كلمة «بِرُؤُوسِكُمْ» فتكون النتيجة هي مسح الأرجل. ولا يصحّ عطفها على الجملة السابقة عليها، وهي قوله تعالى: فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ... وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ، فتكون نتيجة ذلك غسل الأرجل ؛ لأنّ العطف على «وَأَيْدِيَكُمْ»، يستلزم الفصل بين المعطوف، وهو «وَأَرْجُلَكُمْ»، والمعطوف عليه، وهو «وَأَيْدِيَكُمْ» بجملة معترضة، وهي قوله تعالى: «وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ» وهذا غير صحيح من حيث القواعد النحويّة، ويوجب الالتباس في المقصود.

ثالثاً: مضافاً إلى ما تقدّم هناك روايات عن أهل البيت عليهم‌السلام، كثيرة تحكي عن كيفيّة الوضوء، بل أنّ هناك أخباراً في نفس مصادر أهل السنّة تحكي الوضوء خلاف ما روي عن عثمان بن عفان.

فقد روى زرارة عن أبي جعفر عن علي عليه‌السلام قال: قال: «ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم »؟

فقلنا: بلى، فدعا بقعب فيه شيء من ماء فوضعه بين يديه، ثمّ حسر عن ذراعيه، ثمّ غمس فيه كفّه اليمنى، ثمّ قال: «هكذا إذا كانت الكفّ طاهرة»، ثمّ غرف ملأها ماء، فوضعها على جبهته، ثمّ قال: «بسم اللّه‌»، وسدله على أطراف لحيته، ثمّ أمرّ يده على وجهه وظاهر جبهته مرّة واحدة، ثمّ غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها، ثمّ وضعه على مرفقه اليمنى فأمرّ كفّه على ساعده حتّى جرى الماء على أطراف أصابعه، ثمّ غرف بيمينه ملأها فوضعه على مرفقه اليسرى فأمر كفّه على ساعده حتّى جرى الماء على أطراف أصابعه، ومسح مقدّم رأسه، وظهر قدميه، ببلّة يساره، وبقيّة بلّة يمناه.

قال: وقال أبو جعفر عليه‌السلام: «إنّ اللّه‌ وتر، يحبّ الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه، واثنتان للذراعين، وتمسح ببلّة يمناك ناصيتك، وما بقي من بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى»(1).

وقد روى الحميدي باسناده عن ابن عبد خير عن أبيه قال: رأيت علي بن أبيطالب يمسح ظهور قدميه، ويقول: «لولا إنّي رأيت رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم مسح على ظهورهما لظننت أن بطونهما أحقّ»(2).

وعن عبد الرحمن بن مالك، عن يزيد بن أبي زيادة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: رأيت عليّاً رضي اللّه‌ عنه توضّأ فمسح رأسه، ثمّ مسح قدميه. وقال: «هكذا رأيت النبيّ توضّأ»(3).

فالشيعة الإماميّة تقول بأنّ لفظ الأرجل معطوف على الرؤوس سواء قرئ بالجرّ، فيكون معطوفاً على لفظ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ، أو بالنصب فيكون معطوفاً


1) وسائل الشيعة ١: ٣٨٧ - ٣٩٠، ح٢ ١٠٢١، وبهذا المضمون روايات أخرى في نفس الباب ح٩ - ١٠٢٨-، و ح٢٤ -١٠٤٣-.

2) مسند الحميدي ١: ٢٦، ح٤٧.

3) لسان الميزان ٣: ٤٢٨.

على المحل ؛ لأنّ الرؤوس مفعول ومحله النصب، فكلتا القراءتين مطابقتين للقواعد العربية، وعليه يجب المسح على كلتا القراءتين.

وأمّا السنّة القائلون بالغسل فقد وقعوا في ورطة عجيبة في تفسير القراءتين حتّى اعترف قسم كبير منهم بأنّ ظاهر الآية هو المسح وذلك: بما أنّهم يقولون بغسل الأرجل فقد مالوا يميناً وشمالاً في تفسير قراءتي الجرّ والنصب فقالوا: على قراءة الجرّ فهو مجرور بالجوار - مكان القول بأنّه معطوف على لفظ الرؤوس - نظير قول الشاعر: «جحر ضب خرب».

فلفظ «خرب» خبر يجب أن يرفع لكنّه صار مجروراً لوقوعه في جوار «ضب» المجرور، وعلى قراءة النصب فهو منصوب ؛ لأنّه معطوف على «وَأَيْدِيَكُمْ» في الجملة المتقدّمة.

والتأمّل في التفسير يثبت بطلان النظرين. أمّا الجرّ: فالتفسير الصحيح أنّه معطوف على الرؤوس، لا الجرّ بالجوار ؛ وذلك أنّ الجرّ بالجوار أمر شاذ في لغة العرب، وربّما تدعو الضرورة إلى هذا النوع

من الجرّ، ولا يصحّ لنا تفسير كلام اللّه‌ على ضوء تلك القاعدة الشاذّة. مضافاً إلى أنّ الجرّ بالجوار إنّما يصحّ إذا لم يكن هناك التباس كما في البيت ؛ إذ من المعلوم أنّ الخرب وصف للجحر لا للضب. بخلاف الآية فإنّ الجرّ بالجوار يوجب الالتباس ؛ إذ القارئ يتصوّر أنّه معطوف واقعاً على الرؤوس، فتكون النتيجة هو المسح عليها مع أنّ الفرض أنّها معطوفة على الأيدي .

وأمّا قراءة النصب: فالإشكال أوضح، فأهل السنّة يذهبون إلى أنّها معطوفة على الأيدي الواردة من الجملة المتقدّمة مكان العطف على الرؤوس التي هي بجنب وَأَرْجُلَكُمْ.

وهذا شيء لا يرضى به الخبير بأساليب اللغة العربيّة، فمثلاً إذا قال: «أكرمت

زيداً وعمراً». ثمّ قال: «ضربت بكراً وخالداً».

فهل يخطر ببال أحد أنّ «خالداً» عطف على «عمراً»، بل الجميع يقولون: إنّه عطف على «بكراً».

وفي الآية فعلان: أحدهما: «اغسلوا» وله مفعولان: الوجوه والأيدي.

والثاني: «فامسحوا» وقد جاء بعده أمران: الرؤوس والأرجل.

أفيصح أن نقول بأنّ الأرجل ليست معطوفة على الرؤوس؟ بل معطوفة على الأيدي مع أنّه وقع بين المعطوف والمعطوف عليه جملة معترضة يغاير فعلها «فامسحوا» مع فعل الجملة الأولى: «اغسلوا».

والعجب أنّك طرقت كلّ باب إلاّ باب القرآن، فما رجعت إليه حتّى تأخذ حكم اللّه‌ من الآية المباركة(1).

المرحلة الحاسمة:

يقول «عبد الكريم» أنّه بعد ما التقى ببعض الشيعة أخذ منهم بعض الكتب الشيعيّة، وطالعها بدّقة، فتأثّر بها.

ثمّ يضيف «عبد الكريم» قائلاً: «بعد ذلك التحقت بالمدرسة الشيعيّة في العاصمة لأتحقّق من المذهب، وأقارنه بنفسي بالمذاهب الأُخرى عن علم ودراية، وقد وجدت أنّ الشيعة يستدلّون بما ورد في صحاحنا وكتبنا، وكذلك وجدت تقارباً ونقاطاً مشتركة بين الشيعة والطريقة التيجانيّة في مقابل الوهّابية التي تحرّم وتضلّل كلّ من يخالفها.

وقد كان لكلام أهل البيت عليهم‌السلام وأدعيتهم كالصحيفة السجاديّة الأثر الأكبر في معرفتهم ومعرفة التشيّع الذي هو الإسلام الواقعي بالنسبة لي».


1) رسائل ومقالات: ٤٠٨ - ٤١٠.

الدعاء:

فالدعاء يعدّ وسيلة وغاية، للعبد كي يتصل باللّه‌ تعالى، فإنّه يكشف لدى اللّه‌ تعالى كلّ طموحاته وآماله، واحتياجاته. وفي قلب كلّ أحد طريق إلى اللّه‌، وباب يوصله إليه تعالى، حتّى أكثر البشر شقاءً وانحطاطاً وعصياناً، فإنّه في ساعات المحن والشدائد العصبية، حين تضيق بوجهه الدنيا، يلتجيء إلى ا للّه‌، وهذه الحالة من الميول الفطريّة المودعة في كيان الإنسان، ولكن تسترها أحياناً حجب المعاصي

والذنوب، ولكن في المحن والأزمات تنكشف هذه الحجب والستائر قليلاً، ويتحرّك نحو ذلك الميل الفطري.

فالدعاء مخُّ العبادة وجوهرها(1)، ولا يهلك مع الدعاء أحد(2)، ومن لم يدع اللّه‌ غضب اللّه‌ عليه(3)، ولذا جعله القرآن الكريم مرادفاً للعبادة «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ»(4)، فجعل الدعاء هنا ممثلاً للعبادة ومترجماً لها.

عن معاوية بن عمّار قال: قال: قلت لأبي عبد اللّه‌ الصادق عليه‌السلام: رجلين افتتحا الصلاة في ساعة واحدة، فتلا هذا القرآن فكانت تلاوته أكثر من دعائه، ودعا هذا أكثر، فكان دعاؤه أكثر من تلاوته، ثمّ انصرفا في ساعة واحدة، أيّهما أفضل؟

قال: «كلّ فيه فضل، كلّ حسن.

قلت: إنّي قد علمت أنّ كلاً حسن، وأنّ كلاً فيه فضل.

فقال: «الدعاء أفضل، أمّا سمعت قول اللّه‌ عزّ وجلّ: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ هي واللّه‌


1) وسائل الشيعة ٧: ٢٧، ح٩ ٨٦١٥.

2) كنز العمال ٢: ٣١، ح٣١٥٦.

3) كنز العمال ٢: ٣١، ح٣١٥٧.

4) غافر ٤٠: ٦٠.

العبادة، هي واللّه‌ أفضل، هي واللّه‌ أفضل أليست هي العبادة؟! هي واللّه‌ العبادة، هي واللّه‌ العبادة، أليست هي أشدهنّ؟! هي واللّه‌ أشدهنّ، هي واللّه‌ أشدهنّ(1).

وهذا هو الذي يفسّر لنا النصوص الواردة عن المعصومين التي تفيد بأنّ أفضل العبادة هو الدعاء ؛ ذلك أنّ غاية العبادة هي التقرّب إلى اللّه‌ تعالى بمعرفة حقّه.

وفي النهاية يقول: «عبد الكريم» ركبت سفينة النجاة وتمسّكت بالثقلين والحمد للّه‌ ربّ العالمين.


1) تهذيب الأحكام ٢: ١٠٤، ح١٦٢ ٣٩٤.

{٥١} عبد اللطيف سليمان (سنّي / غانا)

ولد «عبد اللطيف» في مدينة أُكيم عفواسي إحدى مدن غانا، أكمل دراسته الأكاديميّة حتّى دخل الجامعة، لفتت انتباهه بعض الكتب الشيعيّة المترجمة إلى الإنجليزيّة، وهذه كانت بداية تعرّفه على المذهب الحقّ.

بداية المعرفة:

لمّا عثر «عبد اللطيف» على كتب الشيعة، أخذ يقرأها بشوق ولهفة ؛ لأنّه كان يسمع بمذهب اسمه «التشيّع» ولكن لا يعرف عنه أيّ شيء، وكان يسمع بأهل بيت الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ولكن لا يعلم عنهم سوى أسماء بعضهم.

فأخذ يقرأها بدقّة مع شيء من الحذر ؛ لأنّه كان قد سمع من مشايخ أهل السنّة وهم ينالون من التشيّع، ولكن لم تمنعه هذه التهويلات من بحثه عن الحقيقة.

مظلوميّة أهل البيت عليهم‌السلام:

ومن جملة تلك الكتب التي جلبت انتباهه هي التي تختصّ بتاريخ وسيرة أهل البيت عليهم‌السلام، فتعجّب لكثرة المصائب والآلام التي انصبّت على بيت الرسول صلى الله عليه و آله و سلم من أمّته والعجب كلّ العجب أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم كثيراً ما كان يوصي بأهل بيته خيراً، فلم

تعر الأُمّة أيّ اهتمام بأهل بيت نبيّها ولا حتّى بوصاياه صلى الله عليه و آله و سلم . فما تركوا مظلمة إلاّ وارتكبوها بحقّهم.

وفي ذلك قول الناسي:

كأنّ رسول اللّه‌ أوصى بقتلكم

فأجسادكم في كلّ أرض توزّع

ومثله قول السيّد صالح القزويني:

وجدّهم لو كان أوصى بقتلهم

إليكم لما زدتم على ما فعلتم

وقد رأى أهل بيت العصمة من أمّة جدّهم ألوان العذاب: من غصب، ولعن وسبّ، وطرد، وسجن، وقتل و... ولا عجب من هذه الحوادث ؛ لأنّ الذين ظلموا أهل البيت عليهم‌السلام هم الذين جرّعوا الرسول صلى الله عليه و آله و سلم غصصاً في حياته.

فهذا عمر بن الخطاب وجماعة من الصحابة الذين يعتبرهم أهل السنّة كلّهم عدول وكلّهم يهدون إلى الحقّ لمّا أراد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أن يكتب لهم كتاباً في مرضه كي لا يضلّوا بعده، قالوا: إنّه قد غلبه الوجع، وإنّه يهجر. فغضب الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وطردهم من عنده(1).

ومواقفهم المخزية هذه مع رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم نفسه تظهر ما يضمر هؤلاء في أنفسهم اتّجاه الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، فهذه حادثة واحدة من مئات الحوادت التي دوّنها أصحاب السير والتاريخ، وهي تكفي لمعرفة الحقّ لمَن أراد أن يطلبه، أمّا المعاند فلا يؤمن للحقّ ولو رآه متجسّماً أمام عينيه، فهؤلاء قد وصفهم اللّه‌ في كتابه الكريم وذلك قوله تعالى: وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي


1) صحيح البخاري ١: ٣٧ و٤: ٣١ و٥: ١٣٧ و٧: ٩ و٨: ١٦١، وصحيح مسلم ٥: ٧٥، ومسند أحمد ١: ٣٢٤.

وقال عنه الرسول صلى الله عليه و آله و سلم : «أفضلكم علي بن أبيطالب، أقدمكم إسلاماً، وأوفركم‌إيماناً، وأكثركم علماً، وأرجحكم حلماً، وأشدّكم للّه‌ غضباً، وأشدّكم نكاية في العدّو، فهو عبد اللّه‌ وأخو رسوله، فقد علّمته علمي، واستودعته سرّي وهو أميني على أمّتي»(1.)ولذا أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وبأمر من اللّه‌ سبحانه وتعالى أشخص الخلفاء من بعده وقال في كثير من المواطن والمواقف: «إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب اللّه‌ حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»(2.)فأهل البيت عليهم‌السلام وعلى رأسهم الإمام علي بن أبيطالب عليه‌السلام هم الذين يستطيعون أن ينقذوا الأُمّة من الهلاك والضياع والظلام، فهم بحقّ سفن النجاة كما وصفهم رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم حيث قال: «أهل بيتي فيكم كسفينة نوح في قومه مَن دخلها نجا ومَن تخلّف عنها هلك»(3.)غصب الخلافة:بعد كلّ ما ذكرناه في مسألة خلافة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم والأدلّة العقليّة والنقليّة التي تنصّ على أهل البيت عليهم‌السلام، فهم خلفاء الرسول صلى الله عليه و آله و سلم حقّاً على الدين والأُمّة ولكن ما إن توفّي رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم وقبل دفنه تواطأ الحزب القرشي بزعامة عمر وأبي بكر


1) شواهد التنزيل ٢: ٣٥٧.

2) مسند أحمد ٣: ١٤.

3) المعجم الأوسط ٥: ٣٠٦.

على انحراف مجرى الخلافة، ولكنّهم كانوا يفتقرون إلى الدعم المعنوي ؛ حيث ليس هناك أيّ نصّ نبوي على أيّ منهم.لذا اختلقوا حديثاً ونسبوه للرسول صلى الله عليه و آله و سلم : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم(1.)فهم حتّى لا يعرفون كيف يزوّرون القول ؛ إذ جاءوا بكلام لا يقبله أبسط الناس فلو قلنا هذا الكلام لراعي الإبل في الصحراء لسخر منه، إذ هو يعلم أن لابدّ له إذا أراد الهداية عن طريق النجم فعليه أن يتّبع نجماً واحداً، وهو النجم الثابت الذي لا يتغيّر مساره طوال السنّة، وأمّا النجوم الأخرى فليس لها أن تهدي ؛ لأنّ مكانها يختلف يوميّاً.وكذلك الذين نصّبوا أنفسهم على رقاب المسلمين لم يكونوا أعلم الناس ولا أفضلهم وذلك بشاهدتهم أنفسهم. فهذا أبو بكر يقول: إنّي قد ولّيت عليكم ولستُ بأخيركم(2. وقال عمر: كلّ الناس أفقه منّي(3).)فأين هذا من علي عليه‌السلام الذي شهد رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم بأفضليّته وأعلميّته، وأقرّ بذلك العدّو قبل الصديق.ولكن مع ذلك أنّ أغلبيّة الناس أغمضوا أعينهم عن هذه الحقائق واتّبعوا أهوائهم، وذلك قول عمر لابن عبّاس: أنّ العرب كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة. فقال له ابن عبّاس: جاء في القرآن ﴿بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ(4)(5).


1) المبسوط ١٦: ٨٣، المغني لابن قدامة ٣: ٥٣٥، كشاف القناع ٢: ٥٣٨.

2) السنن الكبرى ٦: ٣٥٣.

3) نفس المصدر ٧: ٢٣٣.

4) محمّد ٤٧ : ٩.

5) الكامل في التاريخ ٣: ٦٣.

فأُقصي الإمام علي عليه‌السلام عن الخلافة لمدّة ما يقارب خمسة وعشرين سنة وفي هذه المدّة استطاع أعداء الإسلام الأوائل الذين طالما كانوا في مقدّمة محاربي الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ودعوته استطاعوا أن يصلوا إلى أعلى مراتب الحكم، خصوصاً في خلافة عثمان الذي أمّر بنو أميّة على رقاب المسلمين، فولّى الوليد بن عقبة على الكوفة، فشرب الوليد الخمر وصلّى بالناس وهو سكران صلاة الصبح أربعاً وأخذ

يقرأ بصوت عال:

علق القلب الربابا بعدما شابت وشابا(1)

ولكن الطامّة الكبرى هي لمّا شكوا ذلك لعثمان أخذ يدافع عن صاحبه وضرب بعض الشهود أسواطاً. والحادثة مشهورة لا حاجة في ذكر تفاصيلها وتعاقبت الأحداث وتراكمت زلاّت عثمان وعمّاله، إلى أن انتهى الأمر بمقتله، ولم يجد المسلمون لهم ملجأً سوى علي بن أبيطالب عليه‌السلام فبايعوه.

الأمير المظلوم من قِبَل رعيّته:

لمّا كرهت العرب أو (قريش) أن تجتمع النبوّة والخلافة في بني هاشم - كما قال عمر لابن عبّاس - كانت الأُمّة الخاسر الحقيقي في ذلك ؛ لأنّ الإمام علي عليه‌السلام لم تزده الخلافة إلاّ المتاعب والغصص. فكان يصفها بعفطة عنز(2). وما أن مَسَك الإمام زمام الأمور حتّى ثارت عليه الأحقاد بحجج واهية، وأوّل مَن خرج عليه هو أوّل مَن بايعه، حيث تذكر المصادر التاريخيّة أنّ أوّل مَن بايع عليّاً عليه‌السلام طلحة ثمّ الزبير، ولكن سرعان ما نكثا بيعتهما واتّفقا مع عائشة أن يخرجوا على إمام زمانهم، فتوجّهوا نحو البصرة.


1) شرح نهج البلاغة ١٧: ٢٣٠.

2) نهج البلاغة ١: ٣٦.

فأتبعهم الإمام وكانت وقعة الجمل، واشتهرت بهذا الاسم ؛ لكون عائشة كانت على جمل تحرّض الناس على القتال. وهي بذلك خالفت أمر ربّها إذ أمرها أن تقرّ في بيتها، وخالفت إمام زمانها التي انعقدت له البيعة الصحيحة من المسلمين، فبقى هذا العار عليها إلى يوم القيامة. وانتقدها كثير من المسلمين وألّفت في ذلك كتب جمّة منها «أمّ المؤمنين تأكل أولادها».

ويذكر المؤرّخون: أن أمّ أوفى دخلت على عائشة بعد وقعة الجمل، فقالت لها: يا أمّ المؤمنين، ما تقولين في امرأة قتلت ابناً لها صغيراً؟

قالت: وجبت لها النار.

قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفاً في صعيد واحد(1)؟!

فكانت هذه الحرب هي الفتنة الأولى في خلافة أمير المؤمنين ؛ إذ خفي الحقّ، لأنّ في المعسكر كان الإمام علي عليه‌السلام الخليفة الشرعي المعروف لدى كلّ المسلمين ولا ينكره أحد، وفي المعسكر المقابل كانت عائشة أم المؤمنين والزبير ابن عمّة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وطلحة من كبار الصحابة وآخرين.

ولذا نرى أنّ بعض المسلمين تجنّب الدخول في هذه الحرب.

فقال أحد لأمير المؤمنين عليه‌السلام أتظنّ أنّ طلحة والزبير وعائشة اجتمعوا على باطل؟!

فأجابه الإمام بقاعدة كليّة وهي درس لكلّ الأجيال، قال له: «إعرف الحقّ


1) قاموس الرجال ١٢: ١٩٢.

تعرف أهله»(1).

وقعة صفّين:

ما إن خمدت نار حرب الجمل لصالح أمير المؤمنين عليه‌السلام حتّى جاءت وقعة صفّين وكان سببها تمرّد معاوية الطليق ابن الطليق على أوامر إمام زمانه، حيث عزله الإمام من منصبه فامتنع، فوقعت حرب بينهما في مكان يسمّى بصفّين واشتهرت به، وذلك سنة ٣٧ه .

واستشهد فيها بعض كبار الصحابة، منهم عمّار بن ياسر الذي كان في جيش الإمام علي عليه‌السلام. وكان عمّار مناراً لتشخيص الحقّ من الباطل. إذ المسلمون كانوا قد سمعوا رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم يقول له: «إيه عمّار تقتلك الفئة الباغية»(2).

هذا، ومع أنّ الحقّ لا يضيع بين الإمام علي عليه‌السلام ومعاوية ؛ إذ لا يقاس أحدهم بالآخر ولكن نرى بعض المسلمين قعدوا عن نصرة إمامهم مثل أبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقّاص وقال الأخير للإمام عليه‌السلام لمّا طلب منه نصرته قال: أعطني سيفاً له لسان وشفتان يعرف المؤمن من الكافر(3).

ولمّا شارف جيش الإمام علي على الانتصار قام عمرو بن العاص بحيلة رفع المصاحف فأوقع بذلك الخلاف بين جيش الإمام عليه‌السلام، وفي النهاية أُجبر الإمام عليه‌السلام على قبول الحكميّة.

وعمرو بن العاص هذا خبير في التخلّص من الشدائد حيث استطاع قبل ذلك وبواسطة كشف عورته أن يفرّ من القتل المحتّم عند مبارزته الإمام علي عليه‌السلام .


1) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢١٠.

2) مسند أحمد ٣: ١٦١.

3) كتاب الفتوح ٢: ٤٤٢.

حرب النهروان:

لم يكن الإمام علي عليه‌السلام موافقاً على أصل الحكميّة بل أُجبر عليها، وأُجبر أيضاً على قبول مَن يمثّله في ذلك، لمّا عيّن عبد اللّه‌ بن العبّاس ورفضه الناس وأصرّوا على أن يعيّن أبا موسى الأشعري. وكان أبو موسى رجلاً بسيطاً فاستطاع أن يخدعه عمرو بن العاص وذلك بأنّه قال له: ليخلع كلٌّ منّا صاحبه ونترك الأمر للناس ليختاروا ما يشاؤون. وفي المسجد قدّم عمرو بن العاص أبا موسى ليصعد المنبر.

وقال أبو موسى: إنّي خلعت عليّاً. ثمّ صعد عمرو بن العاص وقال: إنّي نصّبت معاوية(1).

فتشاتما بينهما، ورفض المسلمون هذه الحكميّة، ولكن البعض منهم حمّلوا الإمام عليّاً عليه‌السلام ذلك الخطأ، وطلبوا منه الاستغفار والتوبة. وكلّما حاججهم الإمام لم ينفع بهم، فتركهم أحراراً لم يمنعهم من دخول

المسجد وكانوا يفسدون خطبه. حتّى وصل بهم الحدّ أن صاروا قطّاعي طرق، فتجاوزوا على أموال الناس وأعراضهم ودمائهم، ومن جملة الذين تعرّضوا له ابن خبّاب صاحب رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم إذ قتلوه وعقروا بطن زوجته التي كانت حبلى وقتلوا جنينها.

فعندها قرّر الإمام أن يوقفهم عند حدّهم، فطالبهم بقاتل ابن خبّاب، وقالوا: إنّهم كلّهم قتلوه.

فأمر بمقاتلتهم فوقعت حرب النهروان سنة ٣٩ هجرية، وكانت النتيجة لصالح


1) تاريخ الطبري ٤: ٥٢ باختصار.

أمير المؤمنين عليه‌السلام كما أوعده رسول اللّه‌ من قبل. فقال الإمام عليه‌السلام واللّه‌ ما كذبتُ ولا كُذّبت(1).

استشهاده عليه‌السلام:

وهكذا كان الإمام عليه‌السلام يكابد الأُمّة التي يسودها الجهل. وتكاثرت عليه المحن والمصائب، فوبّخهم في كثير من الموارد ولكن دون جدوى وقال عليه‌السلام: «ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحتُ أخافُ ظلم رعيّتي»(2)، وكان هذا التخوّف في محلّه، إذ اغتاله أحد الخوارج عند صلاة الصبح في شهر رمضان سنة ٤٠ للهجرة.

فياله من أمير مظلوم، ظلمته رعيته.

فلمّا اطّلع «عبد اللطيف» على حياة الإمام علي عليه‌السلام، هذا الرجل الذي كان أوّل من آمن باللّه‌ ورسوله وما لاقى في نصرة دين اللّه‌، رأى أن يقف بجانبه وإن كان تأخّر عنه زماناً، فمسير الإمام عليه‌السلام، باقٍ ما بقي الإسلام والحقّ.

ولذا ترك ما كان عليه وتمسّك بمذهب علي عليه‌السلام وأولاد علي عليهم السلام.


1) مسند أحمد ١: ١٣٩، المستدرك ٢: ١٥٤.

2) نهج البلاغة، خطبة رقم٩٧.

{٥٢} عبد المؤمن لامجام (وثني ثمّ سنّي / غانا)

الصورة

H21

ولد في قرية تقع في الشمال الشرقي في غانا.

كانت أسرته وثنيّة، ولمّا جاء المبشّرون يبلّغون للمسيحية، اعتنق أهل القرية الدين المسيحي إلاّ القليل منهم، ثمّ جاء أحد المسلمين وجعل يدعو الناس إلى الإسلام فأسلم بعض أهل القرية ومن جملتهم أُسرة «عبد المؤمن»، ثمّ جاءهم رجل دين آخر فعرّفهم على المذهب الشيعي فتشيّع كلّ من اقتنع بهذا المذهب ومنهم عبد المؤمن وأسرته.

البحث عن الحقيقة:

خُلق الإنسان وخُلقت معه غرائزه، ومن جملة غرائز الإنسان هو حبّ الكمال والبحث عن الحقّ والحقيقة.

فالإنسان الهادف الذي عرف هدفه ويسير ليصل لهدفه الذي خُلق من أجله يجب أن يعرف الطريق الذي يؤدّي إلى غايته المنشودة.

وليس عيباً أن ينتقل الإنسان من وجهة نظر إلى أخرى، بل العيب كلّ العيب أن يتبيّن له خطأ عقيدته ويبقى مستمرّاً عليها، ويسمّى ذلك الفرد متعصّباً وهو ملام

عند العقلاء، بل العقلاء متّفقون على وجوب اتّباع الطريق الأكمل (ديناً كان أم غيره) وعلى الإنسان أن يكون دائماً في البحث ؛ فلربّما يتبيّن له زيف الطريق الجديد ويعثر على الطريق الأصلي.

وأراد نبيّ اللّه‌ وخليله إبراهيم عليه‌السلام أن يعلّم قومه على هذا النوع من البحث ولنسميّه البحث التدريجي، حيث يتدرّج الفرد فيه من مرحلة إلى مرحلة أكمل، كالذي يصعد بالسلّم إلى الأعلى، وذكر اللّه‌ عزّ وجلّ حوار خليله في ذلك حيث جاء في سورة الأنعام قوله: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(1).

وهذا ما حدث لعبد المؤمن لامجام حيث كان وثنيّاً يعبد الأصنام، ثمّ تدرّج في طريق التوحيد حتّى هداه اللّه‌ إلى المذهب الحقّ، وهو النور الذي يهدي إليه اللّه‌ من يشاء.

طريق ذات الشوكة:

يقول «عبد المؤمن»: لمّا تمسّكت منطقته بمذهب أهل البيت عليهم‌السلام بدأت الضغوطات عليهم من قبل المسيحيين والوهّابيين، وبأساليب متعدّدة. فتارة يحاصرونهم اقتصاديّاً، وتارة يحاربونهم سياسيّاً، ولمّا رأوا أنّ هذه لم تنفع ضيّقوا دائرة الخناق فقاموا بعمليّات خطف وقتل الشيعة.

ونحن لمّا سمعنا منه ما جرى عليهم في حبّهم لأهل البيت عليهم‌السلام استذكرنا الوقائع


1) الأنعام ٦ : ٧٥ - ٧٩.

التاريخيّة الأليمة التي حلّت بشيعة أهل بيت الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، التي هي استمرار لمحنة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم نفسه في دعوته الإلهيّة.

فما أشبه اليوم بالأمس، وما أشبه الوهّابيّة بأسلافهم (آل أُميّة )الذين وقفوا بوجه الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ورسالته من أوّل يوم، وكان قائدهم في زمن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أبو سفيان، ثمّ ورث نهجه ولده معاوية الطليق ابن الطليق، وخصوصاً بعدما استقوى بأبي بكر وعمر الذي أعطياه الشام وما فيها، حتّى جاء دور يزيد الفاسق ليظهر للملأ حقيقة ما كان يضمره أبو سفيان ومعاوية من حقدهم للإمام والمسلمين وحتّى للرسول صلى الله عليه و آله و سلم نفسه وبني هاشم عامّة.

وكان هذا العداء في زمن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، فما أن التحق النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بالرفيق الأعلى حتّى انهالوا على بيته بألوان العذاب، منها أنّهم استغلّوا الفرصة وذلك لمّا كان الإمام علي عليه‌السلام مشغولاً بتجهيز الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ودفنه قاموا بغصب الخلافة وذلك في حادثة السقيفة المعروفة، ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بجمع الحطب على أعتاب باب فاطمة عليهاالسلام وأرادوا أن يحرقوه وإن كانت فاطمة فيه، كما قالوا، فترفّع الإمام عليه‌السلام عن ذلك امتثالاً لوصيّة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم .

وحفظاً لآل الإسلام، فجلس في داره ما يقارب خمسة وعشرين سنة.

وسنتعرض بعض الشواهد التاريخيّة لوحشيّة آل أُميّة الذين يقدّسهم اليوم ويعتبرونهم من الصحابة الذين هم كالنجم بأيّهم اقتدوا اهتدوا.

استشهاد حمزة سيّد الشهداء:

بعد انتصار المسلمين في معركة بدر الكبرى، ومقتل كبار المشركين فيها، جمع المشركون قواهم ليأخذوا ثأرهم من الرسول صلى الله عليه و آله و سلم والمسلمين، وكانت واقعة أُحد، ومن جملة المتحمّسين بل من كبار المتعطّشين لدماء المسلمين هي هند زوج أبي

سفيان وأم معاوية وجدّة يزيد (وإنّما أذكر الأسماء لأبيّن حقيقة هذا البيت الذي كلّ أحد منهم كان في وجه واحد من بيت الرسالة). فهند هذه طلبت من وحشي أن يقتل أحد الثلاثة (إمّا رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، وإمّا الإمام علي عليه‌السلام، وإمّا حمزة عمّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أسد اللّه‌ وأسد رسوله).

فاعتذر من قتل الرسول والإمام، وواعدها بأن يغتال حمزة، فوقعت الحرب، واستشهد حمزة غيلة، ولكن الشاهد من ذكر هذه الواقعة هو ما قامت به هند بعد المعركة من التمثيل بجثمان حمزة الطاهر. فشقّت بطنه وأكلت من كبده، وقطّعت أعضاءه وجعلت منها قلادة، حتّى أنّ زوجها اشمئزّ منها لمّا رآها على تلك الحالة. وأمّا الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لمّا رأى عمّه بذلك الحال شهق من البكاء.

حقيقة أبي سفيان:

بعدما تعرّفنا على هند العجوز جدّة بني أُميّة أسلاف الوهابيّة، الآن نذكر شيئاً من حياة أبي سفيان والتي تكشف عن حقده الباطني للإسلام، حيث لم يؤمن منذ كفر.

منها إقراره بالكفر وذلك عند تولّي عثمان الحكم فقال أبو سفيان: يا بني عبد مناف تلقفوها تلقّف الكرة، فما هناك جنّة ولا نار(1).

فمن أنكر المعاد والجنّة والنار فقد كفر وهذا ما أجمع عليه علماء الإسلام. ومنها لمّا دخل على عثمان بعدما عمي فقال: هل هنا أحد؟

فقالوا: لا.

فقال: اللّهم اجعل الأمر أمر جاهليّة، والملك ملك غاصبيّة، واجعل أوتاد


1) تاريخ الطبري ٨: ١٨٥.

الأرض لبني أميّة(1).

ومنها وقوفه على قبر حمزة سيّد الشهداء فقال أبو سفيان: رحمك اللّه‌ أبا عمارة لقد قاتلتنا على أمر صار إلينا.

وجاء إلى قبر حمزة مرّة أخرى فركله برجله، ثمّ قال: يا حمزة إن الأمر الذي كنت تقاتلنا عليه بالأمس قد ملكناه اليوم، وكنّا أحقّ به من تيم وعدي(2). وكان ذلك عند تولّي عثمان الحكم.

وهنا ينبغي الإشارة إلى نقطة مهمّة ألا وهي أنّ الحزب الأموي وعلى رأسهم أبو سفيان أحسّ أنّه انتصر على الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لمّا تولّى عثمان الحكم، فليس المهم عندهم من الذي يحكم من بني أُميّة، ولكن المهم هو استبعاد بني هاشم عن هذا المنصب.

ولا ننسى كيف استدرجت الأمور حتّى وصلت إلى عثمان، فاتّفق الكلّ في السقيفة على مخالفة اللّه‌ ورسوله في غصبهم الخلافة من أمير المؤمنين علي عليه‌السلام.

عداء معاوية للإسلام والمسلمين:

لمّا تظاهر أبو سفيان بقبول الإسلام خالفه ولده معاوية، ولكن أقنعه أبو سفيان فيما بعد خصوصاً بعد ما شرح له ما يدور في رأسه وما يخطّط له.

ودار الزمان كما كان يخطّط له الثعلب العجوز حتّى تمكّن من الاستيلاء على قطعة ثمينة من البلاد الإسلاميّة، ألا وهي الشام ذات الموقع الجغرافي الحسّاس والأراضي الخصبة، والمعادن الثريّة، والرعيّة المطيعة. وذلك في أيّام حكومة عمر بن الخطاب وقد أعطى معاوية بن أبي سفيان ولاية الشام، وترّسخ حكم الأمويين في


1) تاريخ مدينة دمشق ١٣: ٤٧١.

2) النزاع والتخاصم: ٨٧ .

الشام في حكم عثمان بن عفان وكان موقف معاوية مع الإمام علي عليه‌السلام مرهون بولاية الشام، حيث امتنع معاوية من بيعة الإمام إلاّ إذا أقرّه على ولاية الشام، ولكنّ الإمام عليه‌السلام الذي لا تأخذه في اللّه‌ لومة لائم ما قبل هذا العرض ؛ كي لا تكون سنّة للآخرين.

ثمّ إنّ الحزب الأموي جاءوا بحيلة للمحافظة على ملكهم، فقال المغيرة إلى أمير المؤمنين: إنّ معاوية من قد عرفت، وقد ولاه الشام من قد كان قبلك، فولّه أنت كيما تتسّق الأمور ثمّ اعزله إن بدا لك.

فقال الإمام عليه‌السلام: أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه؟

قال المغيرة: لا.

فقال الإمام عليه‌السلام: لا يسألني اللّه‌ عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبداً، وما كنتُ متّخذ الظالمين عضداً(1).

وبهذا الحوار تبيّنت للكلّ حقيقة معاوية، ولكن إذا أصرّ أحد على عناده فليستمع لمعاوية نفسه حيث خطب بأهل العراق فقال: ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلّوا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، قد علمتُ أنّكم تفعلون ذلك، ولكن إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، فقد أعطاني اللّه‌ ذلك وأنتم كارهون(2).

ولنذكر بعض جرائم معاوية وهي قطرة من بحر، إذ الحكومة آنذاك كانت تمنع من تدوين الكثير من الجرائم التي ترتكبها بحقّ المسلمين، ومع ذلك نرى أنّ التاريخ مملوء من هذه الصفحات السوداء.

والذي يقرأ التاريخ من أجل الوصول إلى الحقيقة، ولأخذ العبرة منه


1) أمالي الشيخ الصدوق: ٨٧ .

2) تاريخ مدينة دمشق ٥٩: ١٥٠.

سيندهش لمّا يطّلع على جرائم بني أُميّة، ودهشته ستكون أعظم لما يقارن بين اليوم والأمس وبين بني أُميّة وأحفادهم الوهّابيّين.

جرائم بسر بن أبي أرطأة:

بعث معاوية إلى بسر بن أبي أرطاة وجهّز له جيشاً من ثلاثة آلاف مقاتل وقال له: سر حتّى تمرّ بالمدينة، فاطرد الناس، وأخف من مررتَ به وانهب أموال كلّ من أصبت له مالاً ممّن لم يكن يدخل في طاعتنا، فإذا دخلت المدينة فأرهم أنّك تريد أنفسهم، وأخبرهم أنّه لا براءة لهم عندك ولا عذر، حتّى إذا ضنّوا أنّك موقع بهم فاكفف عنهم، ثمّ سر حتّى تدخل مكّة، ولا تعرض فيها لأحد، وأرهب الناس

فيما بين المدينة ومكّة واجعلهم شردات...(1). وهذا هو عين إظهار الفساد في الأرض.

وسار بسر بجيشه وكان إذا قرب من منزل، تقدّم رجل من أصحابه حتّى يأتي أهل الماء فيسلّم ويقول: ما تقولون في هذا المقتول بالأمس أي: (عثمان)؟

إن قالوا: قُتل مظلوماً، لم يعرض لهم.

وإن قالوا: كان مستوجباً للقتل، قال: ضعوا السلاح فيهم.

فقام بقتل كلّ من كان على رأي علي بن أبيطالب عليه‌السلام، وهذا يذكّرنا بما يجري في العراق الآن إذ في بعض المناطق يُسأل الشخص عن مذهبه فإذا كان على مذهب أهل البيت عليهم‌السلام يُقتل.

فسار بُسر حتّى قدم المدينة فصعد منبر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وقال: يا أهل المدينة واللّه‌ لا أدع في المسجد مخضوباً إلاّ قتلته، ثمّ قال لأصحابه: خذوا بأبواب المسجد. وهو يريد أن يستعرضهم فقام إليه عبد اللّه‌ بن الزبير وأبو قيس فطلبا إليه حتّى كفّ


1) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٩٧.

عنهم.

ولكن جعل يستعرض بيوت أصحاب الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فأحرق دوراً كثيرة لمخالفي معاوية منها دار أبي أيوب الأنصاري والي المدينة من قِبَل أمير المؤمنين علي ابن أبيطالب عليه‌السلام، وخرج من المدينة قاصداً مكّة فقتل في طريقه رجالاً ونهب أموالهم، فجاء قوم من قريش ليستقبلوه، فشتمهم ثمّ قال: أمّا واللّه‌ لو تركتُ ورأيي فيكم لما خلّيتُ فيكم روحاً تمشي على الأرض.

ثمّ دخل مكّة فشتم أهلهاوأنّبهم، ثمّ خطب فيهم قائلاً: الحمد للّه‌ الذي أعزّ دعوتنا، وجمع ألفتنا، وأذلّ عدوّنا بالقتل والتشريد. ثمّ طلب منهم أن يبايعوا معاوية وأن لا يجعلوا على أنفسهم سبيلاً.

ووجّه رجلاً من قريش إلى تبالة (وهي موضع في بلاد اليمن) وفيها قوم من شيعة علي عليه‌السلام وأمره بقتلهم.

ثمّ أخذ بُسر ابني عبيد اللّه‌ بن العبّاس وهما غلامان فذبحهما.

فقالت له امرأة: هذه الرجال تقتلها، فعلام تقتل الولدان؟! واللّه‌ ما كانوا يُقتلون في الجاهليّة ولا في الإسلام، واللّه‌ إنّ سلطاناً لا يشتدّ إلاّ بقتل الضرع الضعيف والشيخ الكبير، ورفع الرحمة وقطع الأرحام لسلطان سوء.

فقال بُسر: واللّه‌ لهممتُ أن أضع فيكنّ السيف.

قالت: واللّه‌ إنّه لأحبّ إليّ إن فعلته.

ثمّ ذهب بُسر إلى أهل نجران فقتل عبد اللّه‌ بن المدان وابنه مالكاً.

وهدّد أهل نجران بقوله: يا معشر النصارى، وإخوان القرود، أمّا واللّه‌ لئن بلغني عنكم ما أكره لأعودنّ عليكم بالتي تقطع النسل وتهلك الحرث، وتخرب الديار فمهلاً مهلاً.

ثمّ دخل بُسر صنعاء بعد ما قتل عمرو بن أراكة الثقفي وكان من أصحاب الرسول صلى الله عليه و آله و سلم . وقتل من أهل صنعاء من كان موالياً للإمام علي عليه‌السلام، وأتاه وفد من مأرب فقتلهم.

ووقعت هذه المأساة في خلافة الإمام علي عليه‌السلام، فدعا الإمام على بُسر قائلاً: اللّهم إن بسراً باع دينه بدنياه، اللّهم فلا تمته حتّى تسلبه عقله.

فلم يلبث بسر بعد ذلك حتّى وسوس وذهب عقله، فكان يهذي بالسيف ويقول: أعطوني سيفاً أقتل به. لا يزال يردّد ذلك حتّى اتّخذ له سيفاً من خشب، وكانوا يدنون منه المرفقة فلا يزال يضربها حتّى يغشى عليه، فلبث كذلك إلى أن مات.

إن كان معاوية يفعل هذه الوحشيّة قبل تمسّكه بالسلطة رسميّاً، فما عساه أن يفعل إذا ملك زمام الأمور؟!

نذكر هنا بعض جرائم معاوية التي ارتكبها ضدّ الأبرياء في أيّام حكمه.

استشهاد الصحابي عمرو بن الحمق الخزاعي:

بعد أن استولى معاوية على الحكم ولّى زياد بن أبيه على الكوفة، فلمّا دخل زياد الكوفة خطب خطبة لم يحمد اللّه‌ فيها ولم يصلّ على محمّد، وتوعّد فيها وتهدّد.

ثمّ بلغه أنّ شيعة علي عليه‌السلام يجتمعون فيتكلّمون ويذكرون مساوئ معاوية وزياد، ويحرّضون الناس، فوجّه شرطة إليهم، فأخذ جماعة منهم فقُتلوا.

أمّا عمرو بن الحمق الخزاعي خرج مع بعض أصحابه من الكوفة إلى الموصل، فأخذوا امرأته وهي الصحابيّة آمنة بنت الشريد وأرسلوها إلى معاوية فحبسها في دمشق، وكان معاوية أول من حبس النساء بجرائر الرجال.

وهذا ما نشاهده الآن في الأنظمة القمعيّة الديكتاتوريّة أمثال حكم صدام في

العراق.

ولمّا استقرّ عمرو بن الحمق في الموصل وكان عامل معاوية عليها آنذاك عبد الرحمن ابن أم الحكم، فبلغ إليه مكان عمرو ورفاعة بن شدّاد فوجّه في طلبهما، فخرجا من الموصل ولمّا كان في بعض الطريق لدغته حيّة فقال: اللّه‌ أكبر قال لي رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : يا عمرو يشترك في قتلك الجنّ والأنس. ثمّ قال لرفاعة: إمض لشأنك فإنّي مأخوذ ومقتول.

ولحقه رسل عبد الرحمن فأخذوه وضربوا عنقه، ونصب رأسه على رمح وطيف به فكان أوّل رأس طيف به في الإسلام. فلمّا جئبرأسه إلى معاوية بعث به إلى زوجته في الحبس فوضعوه في حجرها.

فقالت: أبلغوا معاوية ما أقول: طالبه اللّه‌ بدمه، وعجّل له الويل من نقمه، فلقد أتى أمراً فريّاً، وقتل برّاً نقيّاً(1).

استشهاد حُجر بن عدي الكندي:

لمّا أمر معاوية بلعن وسبّ الإمام علي عليه‌السلام أخذ زياد بن أبيه والي الكوفة بعض الشيعة من جملتهم حُجر بن عدي الكندي وثلاثة عشر رجلاً من أصحابه، وأرسلهم إلى معاوية، وكتب فيهم أنّهم خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب. وحُجر بن عدي هذا من أفاضل الصحابة - كما في الاستيعاب وأسد الغابة - وكان حامل راية الرسول صلى الله عليه و آله و سلم .

فلمّا صاروا بمرج عذراء من دمشق على أميال، أمر معاوية بإيقافهم هناك، وهذه المنطقة قد فُتحت على يد حّجر بن عدي نفسه، فوجّه إليهم معاوية من يضرب أعناقهم، فكلّمه قوم في ستّة منهم فوقف عنهم، وقتل السبعة الباقين من


1) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٣٢.

ضمنهم حُجر بن عدي.

فطلب حُجر من قاتله أن يصلّي ركعتين قبل استشهاده، فصلّى ركعتين خفيفتين، وقال لهم: ادفنوني بثيابي كي أخاصم معاوية يوم القيامة وأنا ملطّخ بدمي. وبعدها ضربت عنقه بعدما استشهد ابنه همام، وكان ذلك سنة ٥٢ه . تأثّر المسلمون لاستشهاد حُجر لما يعرفوه منه من التقوى والورع والزهد

والفضل ؛ ولذا قالت عائشة لمعاوية حين حجّ: يا معاوية أقتلتَ حُجراً وأصحابه؟!

أمّا إنّي سمعتُ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم يقول: يُقتل بمرج عذراء نفر يغضب لهم أهل السماوات.

وكان معاوية يقول: ما قتلتُ أحداً إلاّ وأنا أعرف فيم قتلته، ما خلا حُجراً فإنّي لا أعرف بأيّ ذنب قتلته(1).

وحشيّة يزيد بن معاوية:

ما إن هلك معاوية وتنفّس المسلمون منه تنفّس الصعداء حتّى ابتلوا بولده الفاسق يزيد الذي ما ترك كبيرة إلاّ وفعلها، فما أن مسك بزمام الحكم حتّى أمر بقتل كلّ من لم يبايعه وإن كان ذلك الحسين عليه‌السلام ريحانة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، فاستشهد سلام اللّه‌ عليه إثر ذلك. ولسنا بصدد ذكر واقعة الطف وإن كانت هي أكبر الموبقات التي ارتكبها يزيد. ولكن نريد أن نلقي الضوء على جرائمه الأخرى التي هي بحق صفحات سوداء في التاريخ الإسلامي الذي يمجّده السلفيوّن.


1) تاريخ مدينة دمشق ١٢: ٢٣١.

وقعة الحرّة:

في سنة ٦٣ه ذهب وفد من المدينة المنوّرة إلى يزيد بن معاوية وكان كبيرهم عبد اللّه‌ بن حنظلة فرأوا تجاهره بالفسق والفجور وتركه الصلاة والواجبات فأنكروا ذلك، وخلعوه.

وأمّا يزيد لمّا سمع بذلك أرسل إليهم مسلم بن عقبة المري في جيش كبير يبلغ عدده ٢٧ ألف، وأمره بما أمر معاوية بُسر بن أبي أرطأة من قبل، وكان مسلم بن عقبة ليزيد وما عمل بالمدينة في وقعة الحرّة كما كان بُسر بن أبي أرطأة لمعاوية وما عمل في الحجاز واليمن.

وفي ذلك قول الشاعر:

نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثل ما فعلوا(1)

ولمّا توجّه الجيش نحو المدينة وسمع به أهلها تهيّأوا لمجابهته في منطقة خارج المدينة يقال لها الحرّة، فوقعت الحرب، وانكسر الجيش المدني، وقتل عبد اللّه‌ بن حنظلة الذي كان أبوه استشهد يوم أُحد ورأى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أن الملائكة تغسّله وسمّي بغسيل الملائكة.

ثمّ دخل الجيش الشامي إلى المدينة المنوّرة التي قال عنها الرسول صلى الله عليه و آله و سلم : من أخاف أهل المدينة أخافه اللّه‌ وعليه لعنة اللّه‌ والملائكة والناس أجمعين»(2). ولكن الجيش الشامي فعلوا بها ما أمرهم به حاكمهم الفاسق حيث قتلوا من الأنصار والمهاجرين والنساء والأطفال ما يقاب ١٢ ألف واستباح المدينة ثلاثة


1) شرح نهج البلاغة ١: ١٩.

2) المحلى لابن حزم ٧: ٢٨٢.

أيّام نهباً وقتلاً ولم يكتفوا بذلك فقاموا بالاعتداء على نساء المسلمين، فافتضّوا فيها ألف عذراء.

وحملت منهم ثمانمائة حرّة وولدن، وكان يقال لأولئك الأولاد (أولاد حرّة).

يقول جابر بن عبد اللّه‌: كنّا نمتحن أولادنا في وقعة الحرّة بحبّ علي بن أبيطالب عليه‌السلامفمن أحبّه علمنا أنّه من أولادنا، ومن أبغضه تبرّأنا منه(1). يقول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ما معناه: لم يكن في الإسلام أشنع ولا أفحش من وقعة الحرّة(2).

وقال القرطبي: جالت الخيل في المسجد النبوي، وبالت وراثت بين القبر والمنبر، وخلت المدينة من أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي(3). ثمّ قام مسلم بن عقبة يجمع أعيان المدينة لأخذ البيعة منهم ليزيد، ولم يرض إلاّ أن يبايعوه على أنّهم عبيد يزيد بن معاوية، فمن تلكّأ ضرب عنقه(4). وهذه الواقعة عظمت عند الناس من فعل يزيد ؛ ولذا قيل لأحمد بن حنبل:

أتكتب الحديث عن يزيد؟

قال: لا، ولا كرامة، أليس هو الذي فعل بأهل الحرة ما فعل(5).

وحشيّة عبد الملك بن مروان:

تعاقبت الحوادث التاريخيّة حتّى وصل الحكم لعبد الملك بن مروان وذلك بعد


1) شواهد التنزيل ١: ٤٤٩.

2) شرح نهج البلاغة ١٥: ١٧٨.

3) فيض القدير شرح الجامع الصغير ١: ٥٨.

4) معجم البلدان ٢: ٢٤٩.

5) رأس الحسين لابن تيميّة: ٢٠٥.

معارك طاحنة وقعت بين المسلمين، قُتل فيها الكثير منهم عبد اللّه‌ بن الزبير أوّل مولود في الإسلام فخطب عبد الملك بن مروان في المدينة بعد مقتل ابن الزبير سنة ٧٥ه وقال بعد التهديد والتخويف: ألا وإنّي لا أداوي أدواء هذه الأُمّة إلاّ بالسيف حتّى تستقيم لي قناتكم - ثمّ قال - : واللّه‌ لا يأمرني أحد بتقوى اللّه‌ بعد مقامي إلاّ ضربتُ عنقه(1).

ثمّ إنّ عبد الملك قام بتولية الحجّاج على المسلمين، والحجّاج بن يوسف الثقفي كان شديد القسوة فلا توجد ذرّة رحمة في قلبه ؛ ولذا أصبح يضرب به المثل في ذلك إلى يومنا هذا.

ولذا قال السيوطي: لولم يكن من مساوئ عبد الملك إلاّ الحجّاج وتوليته على المسلمين والصحابة يهينهم ويذلّهم قتلاً وشتماً وحبساً وقد قتل من الصحابة مالا يحصى فضلاً عن غيرهم، وختم عنق أنس بن مالك وغيره من الصحابة ختماً يريد بذلك ذلّهم(2).

وقال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كلّ أمّة بخبيثها وجئنا بالحجّاج لغلبناهم(3). وقد أحصي من قتله الحجّاج صبراً سوى من قُتل في حروبه فبلغ ١٢٠ ألفاً ومات في حبسه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة منهنّ ١٦ ألف مجرّدات(4). وهو الذي ضرب الكعبة بالمنجنيق فأحرق استارها وهدمت للمرّة الثانية


1) الكامل في التاريخ ٤: ٣٩١.

2) الاستيعاب ٢: ٦٦٤، أسد الغابة ٢: ٣٦٦.

3) تاريخ مدينة دمشق ١٢: ١٨٦.

4) الكامل في التاريخ ٤: ٥٨٧.

وكانت قد هدمت في حكم يزيد من قبل(1).

ونذكر نماذج من الذين قتلهم الحجّاج، ونذكر سيرتهم وذنبهم الذي استوجبوا به القتل.

استشهاد سعيد بن جبير:

أوّل كاتب في التفسير وكان العبّاد والعلماء، تتلمذ عند ابن عبّاس ووثقّه لأهل الكوفة لمّا أتوه يسألونه فقال: أليس فيكم سعيد بن جبير، فترجعوا إليه(2)؟! وقال خصيف ما معناه: أعلمهم بالطلاق والحجّ والحلال والحرام والتفسير سعيد بن جبير(3).

قال عمرو بن ميمون عن أبيه: مات سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلاّ وهو محتاج إلى علمه.

وكان يقرأ القرآن كثيراً حتّى أنّه يختمه في ليلتين. وقتله الحجّاج من غير شيء تعلّق به عليه إلاّ العبادة(4).

استشهاد كميل بن زياد:

من أصحاب الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام وشهد معه صفين، وكان شريفاً مطاعاً ثقة عابداً، وكان من جملة العبّاد الثمانية المشهورين في الكوفة(5). أمّا التهمة الموجّهة إليه والتي استحقّ بها أن يقتل فهي أنّ كميلاً طلب من


1) تهذيب التهذيب ٢: ١٨٥.

2) تذكرة الحفاظ ١: ٧٦.

3) تاريخ الإسلام ٦: ٣٦٩.

4) تاريخ الإسلام ٦: ٣٦٨.

5) الطبقات الكبرى ٦: ١٧٩.

عثمان بن عفان القصاص من لطمة لطمها إيّاه، فلمّا أمكنه عثمان من نفسه عفا عنه.

فنقم منه الحجّاج وقال له: أو مثلك يسأل من أمير المؤمنين القصاص؟!

وذكر الحجّاج عليّاً عليه‌السلام فنال منه، فصلّى عليه كميل.

فقال له الحجّاج: واللّه‌ لأبعثنّ إليك من يبغض عليّاً أكثر ممّا تحبّه أنت، فأرسل إليه ابن الأدهم فضرب عنقه(1).

استشهاد قنبر مولى أمير المؤمنين عليه‌السلام:

قال الحجّاج ذات يوم: أحبّ أن أصيب رجلاً من أصحاب أبي تراب.

فقيل له: ما نعلم أحداً كان أطول صحبة لأبي تراب من قنبر مولاه.

فبعث في طلبه، فأتي به فقال له أنت قنبر؟

قال: نعم.

قال الحجّاج: أنت مولى علي بن أبيطالب؟

قال: اللّه‌ مولاي، وعلي بن أبي طالب وليّ نعمتي.

قال الحجّاج: ابرأ من دينه.

قال: إذا برئتُ من دينه أتدلّني على دين غيره أفضل منه.

قال الحجّاج: إنّي قاتلك فاختر أيّ قتلة أحبّ إليك؟

قال: قد صيّرت ذلك إليك.

قال الحجّاج: ولِمَ؟

قال: لأنّك لا تقتلني قتلة إلاّ قتلتك مثلها. وقد أخبرني أمير المؤمنين عليه‌السلام إنّ


1) البداية والنهاية ٩: ٥٧.

ميتتي تكون ذبحاً ظلماً بغير حقّ. فأمر الحجّاج به فذُبح(1).

وتواصوا بالصبر:

نعم ها هو طريق الحقّ وهؤلاء الصادّين عنه، ولا يخلو زمان منهم، فهذه مشيّة اللّه‌ حيث جعل ابليس (الشيطان الأكبر) وأحفاده الشياطين الصغار من الجنّ والإنس يوسوسون في صدور الناس إلى يوم القيامة.

والذي يتصفّح التاريخ يرى أن جند الشيطان هم الأكثريّة، بخلاف المؤمنين الذين هم المستضعفون في الأرض، ولكنّ اللّه‌ وعدهم أن يجعلهم أئمّة ويرثهم الأرض، بشرط أن يستقيموا على الصراط وأن يتواصوا بالحقّ، ويتواصوا بالصبر. ونحن بدورنا نشدّ على يد «عبد المؤمن لامجام» ونذكّره بالمصائب التي لحقت بأتباع أهل البيت عليهم‌السلام وهي بالتأكيد أقلّ بكثير من المصائب التي صبّت على آل

الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أنفسهم، ونحن إذا نظرنا لمصائب العترة الطاهرة تهون علينا مصائبنا.

وفي ذلك قال الشاعر:

أنست رزيّتكم رزايانا التي سلفت وهوّنت الرزايا الآتية


1) شجرة طوبى ١: ٩٣.

{٥٣} علي طاهر لِمَان (مالكي / غانا)

الصورة

H22

ولد في دولة غانا بمدينة «تمالي»، نشأ في أسرة تعتنق المذهب المالكي، ولكنّه لم يقتصر على تقليد آبائه، بل حاول أن يبحث بنفسه عن الحقّ، وكانت النتيجة أنّه أعتنق مذهب أهل البيت عليهم‌السلام، وذلك سنّة ١٩٨٩م في قرية «تينسون» الواقعة في شمال شرق دولة غانا.

يقول «علي طاهر»: عندما فرغت من دراسة المرحلة الابتدائية في قرية «تينسون» أخذ أبي بيدي إلى العاصمة «تمالي» وأودعني عند أحد رجال الدين يدعى الشيخ إسماعيل داود، فلمّا وجد الشيخ إسماعيل قابليتي للدراسة أرسلني إلى أحد من هو أعلى منه في المستوى العلمي وهو الشيخ محمّد لاغسي كاروما، فبقيت عنده وكان معي ما يقارب خمسين طالباً، وكنّا جميعاً ضيوفاً عند الشيخ، ولم يكن

المستوى المعيشي لاستاذنا بالشكل المطلوب، بل كانت حالته المادّية ضعيفة، كما أنّه لم يكن له المكان الواسع ليسكننا فيه، فكنّا جميعاً نسكن في غرفتين، كان قد استأجرهما الشيخ ولم يجمعنا في هذا المكان سوى محبّة طلب العلم.

فكنّا نتحمّل الجوع والمضايقات، وباعتبار عدم وجود الطعام كنّا نحاول

الصوم في أكثر الأيّام، وصادف بعض الأيّام إننا كنّا نفطر بالماء.

وبقينا على هذه الحالة مدّة عشرة أشهر حتّى وسّع على شيخنا الأستاذ، فاشترى أرضاً وبناها مدرسة سمّاها بمدرسة «فتح المبين لعلوم أهل البيت عليهم‌السلام»، فانتقلنا بعد ذلك إليها، والدراسة فيها.

ولكن لم تمض فترة إلاّ ووقعت اشتباكات حادّة وحرب طاحنة بين بعض قبائل منطقتنا، خلالها حاول بعض الوهّابيين الذين كانوا يكنّون العداء والحقد في قلوبهم لشيخ محمّد لاغسي نتيجة نشاطاته لنشر مذهب أهل البيت عليهم‌السلام قتله وقتل تلامذته في خضّم الاشتباكات ليضيع دمهم بين هذه الأجواء المتأزّمة، ممّا حدى بهم أن يغادروا العاصمة «تمالي» إلى منطقة أخرى حفاظاً على أرواحهم.

وبمرور الأيّام هدئت الأوضاع فعاد الأستاذ مرّة أخرى إلى المدرسة وواصل تدريسه لعلوم أهل البيت عليهم‌السلام.

لمحات من حياة مؤسّس الوهّابية:

الوهّابية فرقة منسوبة إلى محمّد بن عبد الوهّاب بن سليمان النجدي، المولود سنة ١١١١ أو ١١١٥ه ، والمتوفّي سنة ١٢٠٦ ه .

وكان هذا في ابتداء أمره من طلبة العلم يتردّد على مكّة والمدينة، وقد أخذ شيئاً من العلوم الدينيّة عن علمائهما، كما كان مولعاً بمطالعة كتب التفسير والحديث والعقائد وأخبار مدّعي النبوّة كمسيلمة الكذّاب وسجاح والأسود العنسي وطليحة الأسدي وأضرابهم، فظهر منه أيّام دراسته زيغ وانحراف كبير، ممّا دعا والده وسائر مشايخه إلى تحذير الناس منه، فقالوا فيه: سيضلّ هذا أو يضلّ اللّه‌ به من أبعده

وأشقاه.

وكان ابتداء ظهور دعوة محمّد بن عبد الوهّاب إلى مذهبه الجديد سنة

١١٤٣ه ، ولكن وقف بوجهه والده ومشايخه، فأبطلوا أقواله، ممّا أدّى إلى نشوب نزاع بينه وبين أبيه من جهة، وبينه وبين أهل نجد من جهة أخرى، ولم تلق أفكاره رواجاً حتّى توفّي والده سنة ١١٥٣ه .

وبعد وفاة والده جدّد دعوته بين البسطاء والعوام، واشتهر أمره، فتابعه جماعة من الناس، ورفضه آخرون فثاروا عليه أهل بلده وهمّوا بقتله، ففرّ إلى (العيينة)، وهناك تقرّب إلى أمير العيينة، وتزّوج أخت الأمير، ومكث عنده يدعو إلى نفسه وإلى بدعته، فضاق أهل العيينة منه ذرعاً فطردوه من بلدتهم، فخرج إلى (الدرعية) شرقي نجد عام ١١٦٠ه ، وهذه البلاد كانت من قبل بلاد مسيلمة الكذاب التي انطلقت منها أحزاب الردّة. فراجت أفكار محمّد بن عبد الوهّاب في هذه البلاد،

واتّبعه أميرها محمّد بن سعود مجبراً أهلها على متابعة ابن عبد الوهّاب(1).

محمّد بن عبد الوهّاب ونهجه الانحرافي:

وكان محمّد بن عبد الوهّاب يتصرّف وكأنّه صاحب الاجتهاد المطلق، فهو لا يعبأ بقول أحد من أئمّة الاجتهاد لا من السلف ولا من المعاصرين له، هذا ولم يكن هو على الحقيقة ممّن يمتّ إلى الاجتهاد بصلة(2).

وابتدع من الزيغ والضلال الذي أغوى به الجاهلين، وخالف فيه أئمّة الدين، وتوصّل بذلك إلى تكفير المؤمنين، فزعم أنّ زيارة قبر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، والتوسل به وبالأنبياء والأولياء والصالحين وزيارة قبورهم شرك، وأنّ نداء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم عند التوسل به شرك، وكذا نداء غيره من الأنبياء والأولياء والصالحين عند التوسل بهم


1) لاحظ: فتنة الوهّابية: ٣ - ٤، الفجر الصادق: ١٧، الوهّابية في صورتها الحقيقية: ١٣ - ١٥، الوهّابية في الميزان: ٢١.

2) الوهّابية في صورتها الحقيقة: ١٤.

شرك، وأن من أسند شيئاً لغير اللّه‌ ولو على سبيل المجاز العقلي يكون مشركاً، نحو: نفعني هذا الدواء، أو هذا الولي عند التوسل به(1).فكان يضمر في نفسه دعوى النبوّة إلاّ أنّه لم يتمكّن من إظهارها، وكان

يسمّي جماعته من أهل بلده الأنصار، ويسمّي متابعيه من الخارج المهاجرين.

وكان يأمر من حجّ حجّة الإسلام قبل اتّباعه أن يحجّ ثانية قائلاً: إنّ حجّتك الأولى غير مقبوله ؛ لأنك حججتها وأنت مشرك. ويقول لمن أراد أن يدخل في دينه: اشهد على نفسك أنّك كنت كافراً، واشهد على والديك أنّهما ماتا كافرين، واشهد على فلان وفلان، ويسمّي له جماعة من أكابر العلماء الماضين أنّهم كانوا كفّاراً، فإن شهد بذلك قِبَله وإلاّ أمر بقتله، وكان يصرّح بتكفير الأُمّة منذ ستمائة سنة،

ويكفّر كلّ من لا يتبعه وإن كان من أتقى المسلمين، ويسمّيهم مشركين، ويستحلّ دماءهم وأموالهم، ويثبت الإيمان لمن اتّبعه وإن كان من أفسق الناس وكان عليه ما يستحقّ من اللّه‌(2).

وكان ينتقص من النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم كثيراً بعبارات مختلفة منها قوله فيه أنّه: (طارش)، وهو في لغة العامّة بمعنى الشخص الذي يرسله أحد إلى غيره، والعوام لا يستعملون هذه الكلمة فيمن به حرمة عندهم.

ومنها قوله: إنّي نظرت في قصّة الحديبية فوجدت فيها كذا وكذا من الكذب إلى غير ذلك من الألفاظ الاستخفافية.

حتّى أن أتباعه كانوا يفعلون مثل ذلك أيضاً ويقولون: مثل قوله: بل أقبح ممّا


1) فتنة الوهّابية: ٤ - ٥ .

2) الفجر الصادق: ١٧ - ١٨.

يقول: ويخبرونه بذلك، فيظهر الرضا وربّما أنّهم قالوا ذلك بحضرته: فيرضى به حتّى أن بعض أتباعه كان يقول: عصاي هذه خير من محمّد ؛ لأنّها ينتفع بها في قتل الحيّة ونحوها، ومحمّد قد مات ولم يبق فيه نفع أصلاً(1).

محمّد بن عبد الوهّاب وتصدّي المسلمين له:

وقد انبرى علماء الإسلام على مختلف مذاهبهم وأفكارهم في ردّ ودحض أباطيل محمّد بن عبد الوهّاب وشبهاته الواهية، وكتبوا في ذلك كتباً ورسائلاً كثيرة. وهذا أخوه الشيخ سلمان بن عبد الوهّاب، وهو أعرف الناس به، وقد الّف كتاباً في إبطال دعوة أخيه والردّ على ما أحدثه من البدع والعقائد الزائغة وإثبات زيفها، وممّا جاء فهي عبارة موجزة وجامعة في التعريف بالوهّابية ومؤسسها، قال فيها: «اليوم ابتلى الناس بمن ينتسب إلى الكتاب والسنّة ويستنبط من علومهما، ولا يبالي من خالفه، وإذا طلبت منه أن يعرض كلامه على أهل العلم لم يفعل بل يوجب على الناس الأخذ بقوله وبمفهومه، ومن خالفه فهو عنده كافر.

هذا وهو لم يكن فيه خصلة واحدة من خصال أهل الاجتهاد ولا - واللّه‌ - عشر واحدة، ومع هذا فراج كلامه على كثير من الجهّال، فإنّا للّه‌ وإنّا إليه راجعون. الأُمّة كلّها تصيح بلسان واحد، ومع هذا لا يردّ لهم في كلمة، بل كلّهم كفار أو جهّال، اللّهم اهد الضال، وردّه إلى الحقّ»(2).

وممّن ردّ على محمّد بن عبد الوهاب أحد أشياخه، وهو الشيخ محمّد بن سليمان الكردي صاحب حواشي شرح مختصر بأفضل، ومن جملة ما قاله في الرسالة التي ردّ


1) الدرر السنية في الردّ على الوهّابية: ٤٢، الفجر الصادق: ١٨.

2) الصواعق الإلهية: ٤، وقريب منه في كتابه فصل الخطاب: ٢٥ - ٢٦.

العظيم مفهماً بالآيات الناطقة بأنّ من يعبد غير اللّه‌ تعالى فهو مشرك، جعل الموحدين جميعهم مشركين بسبب تلك الأمور، وكفّروا جميع المسلمين ممّن خالفهم وجعلوا بلادهم بلاد حرب، فهدروا دماءهم(1).

والوهّابية لا تعتقد بكون المسلمين موحّدين إلاّ من تبعهم فيما يقولون، فصاروا هم الموحّدون على زعمهم، وأقلّ من كلّ قليل كان محمّد بن عبد الوهّاب الذي ابتدع هذه البدعة يخطب للجمعة في مسجد الدرعية ويقول في كلّ خطبة: ومن توسّل بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم فقد كفر(2).

من أشهر مسائلهم التي يكفّرون بها المسلمين: (يا رسول اللّه‌)، فكلّ من تلفّظ بهذا الكلام فهو عندهم مشرك كافر، وحجّتهم على تكفيره زعمهم أن فيه نداء الأموات، ونداء الأموات عندهم شرك(3).

فهذه جرأة غريبة من هذا الرجل واتباعه فقد كفّروا مئات الملايين من أهل السنّة فضلاً عن الشيعة، وحصر الإسلام في أتباعهم خاصّة.

فيرى محمّد بن عبد الوهّاب أنّه الشخص الوحيد الذي عرف معنى التوحيد دون غيره من العلماء بل زعم أنّ أحداً قبله لم يعرف معنى لا إله إلاّ اللّه‌ حيث يقول: «فمن زعم من علماء الأرض أنّه عرف معنى لا إله إلاّ اللّه‌، أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت، أو زعم عن مشايخه عن أحد عرف ذلك، فقد كذب وافترى، ولبس على الناس، ومدح نفسه بما ليس فيه، فاتّقوا اللّه‌ عباد اللّه‌، ولا تكبروا على


1) الفجر الصادق: ٤٢.

2) لاحظ: الدرر السنية في الردّ على الوهّابية: ٣٩، الوهّابيون والبيوت المرفوعة: ٩٥، التوسل بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم وجهلة الوهّابيين: ٢١٥.

3) التوسل بالنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وجهلة الوهّابيين: ٢١٥.

ربّكم ولا نبيكم، واحمدوه سبحانه الذي منّ عليكم، ويسّر لكم من يعرفكم بدين نبيكم»(1).

مناظرات مع محمّد بن عبد الوهّاب:

كان أخوه سليمان بن عبد الوهّاب من أهل العلم، فكان ينكر عليه إنكاراً شديداً في كلّ ما يفعله أو يأمر به، ولم يتبعه في شيء ممّا ابتدعه. وقال له يوماً: كم أركان الإسلام يا محمّد؟ فقال: خمسة، فقال له: أنت جعلتها ستة، السادس من لم يتبعك فليس بمسلم، هذا عندك ركن سادس للإسلام؟

قال له رجل يوماً: كم يعتق اللّه‌ كلّ ليلة في رمضان؟

فقال له: يعتق في كلّ ليلة مائة ألف، وفي آخر ليلة يعتق مثل ما أعتق في الشهر كلّه.

فقال الرجل: لم يبلغ من اتّبعك عشر عشر ما ذكرت، فمن هؤلاء المسلمون الذين يعتقهم اللّه‌ تعالى، وقد حصرت المسلمين فيك وفيمن اتبعك؟

فبهت!

وقال له رجل آخر، وكان رئيساً على قبيلة لا يقدر أن يسطو عليه، ما تقول: إذا أخبرك رجل صادق ذو دين وأمانة، وأنت تعرف صدقه بأنّ قوماً كثيرين قصدوك وهم وراء الجبل الفلاني، فأرسلت ألف خيال ينظرون القوم الذين وراء الجبل، فلم يجدوا أثراً، ولا أحداً منهم، بل ما جاء تلك الأرض أحد منهم؟

أتصدق الألف أم الواحد الصادق عندك؟


1) السعوديون والحل الإسلامي ٩٥ - ٩٦.

فقال: أصدق الألف.

فقال له الرجل: إنّ جميع المسلمين من العلماء الأحياء والأموات في كتبهم يكذبون ما أتيت به ويزيفونه، فنصدقهم ونكذبك. فلم يعرف جواباً لذلك.

وقال له آخر: هذا الدين الذي جئت به متّصل أم منفصل؟ فقال له: حتّى مشايخي ومشايخهم إلى ستمائة سنة كلّهم مشركون. فقال له الرجل: إذن دينك منفصل لا متصل فعمّن أخذته؟ فقال: وحي إلهام كالخضر. فقال له: إذن ليس ذلك محصوراً فيك، كلّ أحد يمكنه أن يدّعي وحي الإلهام الذي تدّعيه(1).

الوهّابية وهدمهم لقبور المؤمنين:

ذكر صاحب كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد في أحداث سنة ١٢١٧ه : «فلمّا فرغ سعود والمسلمون من الطواف والسّعي، فرّق أهل النواحي يهدّمون القباب التي بنيت على القبور والمشاهد الشّركية، وكان في مكّة من هذا النوع شيء كثير، في أسفلها وأعلاها ووسطها وبيوتها»(2).

وهدّموا ما في المعلى من القبب، وهي كثيرة، ثمّ هدّموا قبه مولد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، ومولد أبي بكر وعلي، وقبّة السيّد خديجة. وفي تاريخ الجبرتي أنّهم هدّموا أيضاً قبّة زمزم والقباب التي حول الكعبة

والأبنية التي هي أعلى من الكعبة. وتتبّعوا جميع المواضع التي فيها آثار الصالحين فهدّموها وهم عند الهدم


1) الدرر السنية في الردّ على الوهّابية ٣٩ - ٤٠، التوسل بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم وجهلة الوهّابيين: (٢٤٦) ٢٤٧.

2) عنوان المجد في تاريخ نجد ١: ٢٢٠.

يرتجزون ويضربون الطبل ويغنون ويبالغون في شتم القبور ويقولون: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا(1)حتّى قيل إن بعضهم بال على قبر السيّد المحجوب. وأمّا أهل مكّة فمشوا معهم خوفاً، فما مضى ثلاثة أيّام إلاّ ومحوا تلك الآثار(2).

الهجوم على كربلاء ونهب ضريح الإمام الحسين عليه‌السلام:

يقول صاحب عنوان المجد: «ثمّ دخلت سنة ١٢١٦ ه وفيها سار سعود بالجيوش المنصورة، والخيل العتاق المشهورة من جميع حاضر نجد وباديها والجنوب والحجاز وتهامة وغير ذلك، وقصد أرض كربلاء، ونازل أهل بلد الحسين، وذلك في ذي القعدة، فحشد عليها المسلمون وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوة، وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت، وهدّموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها على قبر الحسين، وأخذوا ما في القبة وما حولها، وأخذوا النصيبة التي وضعوها على القبر، وكانت مرصوفة بالزمرد واليواقيت والجواهر، وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد من أنواع الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضّة والمصاحف وغير ذلك ما يعجز عنه الحصر، ولم يلبثوا فيها إلاّ ضحوة، وخرجوا منها قرب الظهر بجميع تلك الأموال، وقتل من أهلها قريب ألفي رجل.

ثمّ إنّ سعوداً ارتحل منها على الماء المعروف بالأبيض، فجمع الغنائم، وعزل أخماسها، وقسّم باقيها في المسلمين غنيمة للراجل سهم وللفارس سهمان، ثمّ ارتحل قافلاً إلى وطنه»(3).


1) النجم ٥٣ : ٢٣.

2) كشف الارتياب: ٢٧.

3) عنوان المجد في تاريخ نجد ١: ٢١٧.

وقد عاود هجومهم على كربلاء عدة مرّات منها سنة ١٢٢٣ه حيث توجّه جيش سعود إلى بلد الحسين فوجدهم محصنين بلدهم بسور عظيم، وجنود جمعوها، فحشد المسلمون على السور بالسلالم، ووقع عنده رمي وقتل شديد، ولم يتمكنوا من دخولها(1).

هجوم الوهّابيين على الحجاز وفظائعهم في الطائف سنة ١٣٤٣ه - ١٩٢٤م:

ففي أوائل هذه السنّة هجم الوهابيون على الحجاز وحاصورا الطائف ومعهم الشريف خالد بن لؤي من أشراف مكّة المعادين للملك حسين وأحد عمّال السلطان ابن سعود، ثمّ دخلوها عنوة واعملوا في أهلها السيف، فقتلوا الرجال والنساء والأطفال حتّى قتلوا منها ما يقرب من ألفين بينهم العلماء والصلحاء،

واعملوا فيها النهب، وعملوا فيها من الفظائع ما تقشّعر له الأبدان، وتتفطّر القلوب نظير ما عملوه في المرة الأولى.

وممّن قتلوا من المعروفين الشيخ عبد اللّه‌ الزواوي مفتي الشافعية بصورة فظيعة، وقتلوا جملة من بني شيبة سدنة الكعبة المكرّمة كانوا مصطافين في الطائف، وجاءت الأخبار بارتكابهم فظائع لا يليق ذكرها وأن السلطان ابن سعود لما سئل عنها لم ينكر وقوعها لكنه اعتذر بما وقع من خالد بن الوليد يوم فتح مكّة وقول النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : «اللّهم إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد»(2). ثمّ أخذوا ما وراء الطائف من المعاقل الحصينة وأهمّها الهدى وكرى.


1) عنوان المجد في تاريخ نجد ١: ٢٤٧.

2) صحيح البخاري ٥: ١٠٧.

وأيضاً لمّا دخل الوهّابيون إلى الطائف هدّموا قبة ابن عبّاس كما فعلوا في المرة الأولى، ولمّا دخلوا مكّة المكرمة هدّموا قباب عبد المطلب جد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وأبي طالب عمّه، وخديجة أم المؤمنين عليهاالسلام، وخربوا مولد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، ومولد فاطمة الزهراء عليهاالسلام، ولمّا دخلوا جدّة هدّموا قبة حواء عليهاالسلام وخربوا قبرها، كما خربوا قبور من ذكر أيضاً، وهدّموا جميع ما بمكّة ونواحيها والطائف ونواحيها وجدة ونواحيها من القباب والمزارات والأمكنة التي يتبرّك بها.

ولمّا حاصروا المدينة المنورة هدّموا مسجد حمزة ومزاره ؛ لأنّهما خارج المدينة وشاع أنّهم ضربوا بالرصاص على قبة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ولكنّهم أنكروا ذلك، ولمّا استولوا على المدينة المنوّرة هدّموا جميع ما بالمدينة ونواحيها من القباب والأضرحة والمزارات، فهدّموا قبّة أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام بالبقيع ومعهم العبّاس عمّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وجدرانها وأزالوا الصندوق والقفص الموضوعين على قبورهم، وهدموا قباب عبد اللّه‌ وآمنة أبوي النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وأزواجه وعثمان بن عفان وإسماعيل بن جعفر الصادق

ومالك إمام دار الهجرة وغير ذلك.

وبالجملة هدموا جميع ما بالمدينة ونواحيها وينبع وغيرها من القباب والمزارات والأضرحة وكانوا قبل ذلك هدموا قبة حمزة عمّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وشهداء أحد، وتريثوا خوفاً من عاقبة الأمر عن هدم قبة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وضريحه التي حالها عندهم كحال غيرها أو أشد لشدة تعلق المسلمين بذلك وتعظيمهم لها وأدلّتهم وفتواهم لا تستثني قبة نبي صلى الله عليه و آله و سلم ولا غيره(1).


1) كشف الارتياب: ٥٥ - ٥٦.

مستقى الفكر الوهّابي:

إنّ محمّد بن عبد الوهّاب ليس أوّل مبتدع في آرائه وأفكاره بل سبقه بذلك ابن تيميّة الحراني وتلميذه ابن القيّم الجوزيّة، ومن قبلهما الحشويّة من الحنابلة. قال الشيخ محمّد أبو زهرة في تاريخ المذاهب الإسلاميّة في تعريف السلفية:

«نقصد بالسلفيين أولئك الذين نحلوا أنفسهم ذلك الوصف، وإن كنّا سنناقش بعض آرائهم من حيث كونها مذهب السلف، وأولئك ظهروا في القرن الرابع الهجري، وكانوا من الحنابلة، وزعموا أنّ جملة آرائهم تنتهي إلى الإمام أحمد بن حنبل الذي أحيا عقيدة السلف وحارب دونها، ثمّ تجدد ظهورهم في القرن السابع الهجري، أحياه شيخ الإسلام ابن تيميّة وشدّد في الدعوة إليه، وأضاف إليه أموراً أخرى قد بعث إلى التفكير فيها أحوال عصره، ثمّ ظهرت تلك الآراء في الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر الهجري، أحياها محمّد بن عبد الوهّاب في الجزيرة العربيّة، وما زال الوهّابيون ينادون بها»(1).

واتّبع الوهّابية في ذلك قدوتهم وباذر بذور مذهبهم أحمد بن تيميّة وتلميذه ابن القيم الجوزية التي عنه أخذ وبه اقتدى، ولذا نرى ابن القيّم يصرّح في كتابه بوجوب هدم القبور: «أنّه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً ؛ فإنّها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتّة.

وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثاناً وطواغيت تعبد


1) الوهّابية والتوحيد: ١٨٣، نقلاً عن تاريخ المذاهب الإسلاميّة لمحمد أبي زهرة.

من دون اللّه‌، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرّك والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركاً عندها وبها واللّه‌ المستعان».

«جواز صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد والطواغيت في الجهاد ومصالح المسلمين، فيجوز للإمام بل يجب عليه أن يأخذ أموال هذه الطواغيت التي تساق إليها كلّها ويصرفها على الجند والمقاتلة ومصالح الإسلام...»(1).

لذا لمّا عزموا على هدمها أرادوا أن يظهروا مبرراً وعذراً لعملهم في هدم قباب أئمّة المسلمين وقبورهم، وإنكار فضلها وفضل أهلها، وإهانة من أوجب اللّه‌ تعظيمه واحترامه حياً وميّتاً بإهانة قبره من نبيّ أو ولي أو صدّيق أو شهيد عملاً بشبهتهم الواهية من أنّ تعظيمها عبادة لها، وأنّها صارت كالأصنام تعبد من دون اللّه‌ تعالى، وأنّه تعالى نهى عن البناء على القبور فأرسلوا قاضي قضاتهم المسمى الشيخ

عبد اللّه‌ بن بليهد إلى المدينة المنورة في شهر رمضان سنة ١٣٤٤ه ، وبعد دخوله المدينة وجّه إلى علمائها هذا السؤال: «ما قول علماء المدينة زادهم اللّه‌ فهماً وعلماً في البناء على القبور، واتّخاذها

مساجد هل هو جائز أم لا؟ وإذا كان غير جائز بل ممنوع منهي عنه نهياً شديداً فهل يجب هدمها ومنع

الصلاة عندها أم لا؟


1) زاد المعاد في هدى خير العباد ٣: ٤٤٣ - ٤٤٤.

وإذا كان البناء في مسبلة كالبقيع وهو مانع من الانتفاع بالمقدار المبني عليها، فهل هو غصب يجب رفعه لما فيه من ظلم المستحقين ومنعهم استحقاقهم أم لا؟

وما يفعله الجهال عند هذه الضرائح من التمسح بها ودعائها مع اللّه‌ والتقرب بالذبح والنذر لها وإيقاد السرج عليها هل هو جائز أم لا؟

وما يفعل عند حجرة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم من التوجّه إليها عند الدعاء وغيره والطواف بها وتقبيلها والتمسّح بها وكذلك ما يفعل في المسجد من التحريم والتذكير بين الأذان والإقامة، وقبل الفجر ويوم الجمعة هل هو مشروع أم لا؟

أفتونا مأجورين وبينوا لنا الأدلّة المستند إليها لا زلتم ملجأ للمستفيدين».

وقد أجاب علماء أهل المدينة ما هذا نصّه: «وأمّا البناء على القبور فهو ممنوع إجماعاً لصحّة الأحاديث الواردة في منعه ؛ ولهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه مستندين على ذلك بحديث علي أنّه قال لأبي الهيّاج: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه‌ أن لا تدع تمثالاً إلاّ طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته»(1). ورواه مسلم.

وأمّا اتّخاذ القبور مساجد، والصلاة فيها، وإيقاد السرج عليها، فممنوع لحديث ابن عبّاس: «لعن اللّه‌ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج»(2). رواه أهل السنن.

وأمّا ما يفعله الجهال عند الضرائح من التمسّح بها، والتقرّب إليها بالذبائح والنذور، ودعاء أهلها مع اللّه‌ فهو حرام ممنوع شرعاً لا يجوز فعله أصلاً.


1) صحيح مسلم ٣: ٦١، مسند أحمد بن حنبل ١: ٩٦، المستدرك ١: ٣٦٩.

2) كنز العمّال ١٦: ٣٨٨، ح٤٥٠٣٨، الجامع الصغير ٢: ٤٠٨، ح٧٢٧٦، صحيح ابن حبّان ٧:٤٥٢.

وأمّا التوجّه إلى حجرة النبيّ عند الدعاء، فالأولى منعه، كما هو معروف من معتبرات كتب المذهب، ولأنّ أفضل الجهات جهة القبلة. وأمّا الطواف، والتمسّح بها، وتقبيلها، فهو ممنوع مطلقاً. وأمّا ما يفعل من التذكير والترحيم والتسليم في الأوقات المذكورة، فهو محدث. هذا ما وصل إليه علمنا»(1). ويمكن بطلان هذه الفتوى:

أمّا الإجماع من أنّه قائم على المنع من البناء على القبور فممنوع إجماعاً ؛ لاستمرار سيرة المسلمين عليه من جميع المذاهب، في كلّ الأعصار والأزمان، عالمهم وجاهلهم، سنّيّهم وشيعيّهم، قبل ظهور الوهّابية بدون منع ولا إنكار، والسيرة تعدّ من الإجماع العملي يشملها كلّ ما دلّ على حجّية الإجماع.

أمّا حديث أبي الهيّاج فهو ضعيف سنداً ودلالة.

ففي سنده رجال ضعّفهم الرجاليون من أهل السنّة، بالنسبة إلى «وكيع» وهو مع كثرة ما مدحوه به قال في حقّه أحمد بن حنبل: أنّه أخطأ في خمسمائة حديث(2). وبالنسبة إلى «سفيان الثوري» وهو مع كثرة ما مدحوه به أيضاً قال عنه ابن مبارك: حدّث سفيان بحديث فجئته وهو يدلّسه، فلمّا رآني استحى(3).

وبالنسبة إلى «حبيب بن أبي ثابت» قال عنه ابن حيان: كان مدلّساً(4)، وقال


1) كشف الارتياب: ٢٨٧، الردّ على الوهّابية: ٤٠.

2) تهذيب التهذيب ١١: ١١٠.

3) تهذيب التهذيب ٤: ١٠٢.

4) تهذيب التهذيب ٤: ١٥٧.

عنه قطان: لا يتابع عليه وليس بمحفوظة.

وبالنسبة إلى «أبي وائل» فإنّه كان من المنحرفين عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبيطالب عليه‌السلام، فكيف يعتمد على هكذا نماذج من الأشخاص ممّن ينصبون العداء والبغضاء له عليه‌السلام، وقد ورد عن علي عليه‌السلام قال: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النبيّ الأمي إليّ أن لا يحبّني إلاّ مؤمن، ولا يبغضني إلاّ منافق»(1).

أضف إلى جميع ذلك أنّه شاذ حيث انفرد به أبو الهيّاج، فإنّ السيوطي قال في شرح سنن النسائي: أنّه ليس لأبي الهيّاج في ا لكتب إلاّ هذا الحديث الواحد(2). وأمّا بالنسبة إلى الدلالة: لابدّ من ملاحظة مشرفاً وسوّيته في لغة العرب.

فالمراد بالمشرف: العلو، والمكان العالي(3)والمطل على غيره(4).

فالشرفة: أعلى الشيء. والشرف: كالشرفة(5).

العلو والمكان العالي، ومن البعير: سنامه(6).

ومن التسوية يراد منها تسوية المعوج يقال سوّى الشيء: جعله سويّاً، ويقال: سوّيت المعوج فما استوى: أي أقمته فما استقام، صنعه مستوياً(7).


1) صحيح مسلم ١: ٦١، سنن ابن ماجة ١: ٤١، ح١١٤، سنن الترمذي ٥: ٣٠٦، ح٣٨١٩، سنن النسائي ٨: ١١٦، وقريب منه ما في كنز العمّال ١١: ٦٢٢، ٣٣٠٢٨، شواهد التنزيل ١: ٤٢٧.

2) شرح سنن النسائي ٤: ٨٩.

3) الصحاح ٤: ١٣٧٩.

4) المنجد في اللغة: ٣٧٣، مادة شرف.

5) لسان العرب ٩: ١٧٠ مادة شرف.

6) القاموس المحيط ٣: ١٥٧، مادة شرف.

7) المنجد في اللغة: ٣٦٥، مادة سوي.

على ذلك فمن المحتمل أن يكون معنى سوّيته تسوية القبر بتسطيح سنامها، لا هدم القبر من أساسه.

أولهما: تسطيح القبور وجعلها متساوية برفع سنامها، ولا نظر في الحديث إلى علوها، ولا تشبث فيه بلفظ المشرف ؛ فإنّ (المشرف) إن ذكر أنّه بمعنى العلو، فقد ذكر أنّه من البعير سنامه، كما في القاموس وغيره، فيكون معنى (المشرف) في الحديث هو: القبر ذو السنام، ومعنى تسويته: هدم سنامه.

وثانيهما: أن يكون المراد: القبور التي يجعل لها شرف من جوانب سطحها، والمراد من تسويته أن تهدم شرفه ويجعل مسطحاً أجم، كما في حديث ابن عبّاس: أمرنا أن نبني المدائن شرفاً والمساجد جماً(1).

وعلى كلّ حال، فلا يمكن في اللغة والاستعمال أن يراد من التسوية في الحديث أن يساوى القبر مع الأرض، بل لابدّ أن يراد منه أحد المعنيين المذكورين(2).

الوهّابية وأساليبهم في التعامل:

وكانت فتنة الوهّابية من المصائب التي أصيب بها أهل الإسلام ؛ فإنّهم سفكوا كثيراً من الدماء، وانتهبوا كثيراً من الأموال، وعمّ ضررهم، وتطاير شررهم. كانت الوهّابية في عصره لا يتجاوز عددهم نحو المائة ألف، وأهل نجد الحجاز الذي هو وطنه لم يأخذ أكثرهم بعقيدته في حياته، وإنّما كان الناس يخافون منه لما علموا من سيرته ؛ لأنّه كان يسفك دماء من لم يتبعه.


1) النهاية في غريب الحديث ١: ٣٠٠، ج٢، ص٤٦٣، لسان العرب ٩: ١٧١.

2) الانتصار للعاملي ٥: ٨٩، وللمزيد راجع كشف الارتياب: ٢٨٨ - ٣١٣، الوهّابية في الميزان: ٣٥.

وكانوا يمنعون من قراءة دلائل الخيرات المشتملة على الصلاة على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وعلى ذكرها كثير من أوصافه الكاملة، ويقولون: إنّ ذلك شرك. ويمنعون من الصلاة عليه على المنابر بعد الأذان حتّى أن رجلاً صالحاً كان أعمى، وكان مؤذّناً وصلّى على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بعد الأذان بعد أن كان المنع منهم، فأتوا به إلى ابن عبد الوهّاب فأمر به أن يقتل فقتل. ولو تتّبعت لك ما كانوا يفعلونه من أمثال ذلك لملأت الدفاتر(1).

في النهي عن تكفير المسلمين:

فإنّ تكفير أهل القبلة أمر مرفوض كتاباً وسنّة وفتوى بين فقهاء المسلمين.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا(2).

فقد ورد عن ابن عبّاس قوله: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا(3). قال: قال: ابن عبّاس كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون.

فقال: السلام عليكم.

فقتلوه، واخذوا غنيمته، فأنزل اللّه‌ في ذلك يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا... تلك الغنيمة(4).


1) فتنة الوهّابية: ٢٠، التوسل بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم وجهلة الوهّابيين: ٢٤٤.

2) النساء ٤: ٩٤.

3) النساء ٤: ٩٤.

4) صحيح البخاري ٥: ١٨٢.

وعن ابن عبّاس قوله: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا. قال: حرّم اللّه‌ على المؤمنين أن يقولوا لمن شهد أن لا إله إلاّ اللّه‌ لست مؤمناً، كما حرّم عليهم الميتة، فهو آمن على ماله ودمه، ولا تردوا عليه قوله(1). وأيضاً هناك أحاديث كثيرة وردت عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم تنهى عن تكفير

المسلمين أو الظنّ بهم الذين أقروا بالشهادتين، نشير إلى بعضها:

١ - عن واثلة بن الأسقع عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «لا تكفّروا أهل ملّتكم، وإن عملوا الكبائر»(2).

٢ - وعن عائشة عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «لا تكفّروا أحداً من أهل القبلة بذنب وان عملوا الكبائر»(3).

٣ - وعن ابن عمر عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «أيّما رجل مسلم كفّر رجلاً مسلماً، فإن كان كافراً، وإلاّ كان هو الكافر»(4).

٤ - وعن ابن عمر أيضاً عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»(5).

٥ - وعن ابن عمر أيضاً عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «من كفّر أخاه، فقد باء بها أحدهما»(6).


1) جامع البيان ٥: ٣٠٥.

2) كنز العمّال ١: ٢١٥، ح١٠٧٧.

3) كنز العمّال ١: ٢١٥، ١٠٧٨، مجمع الزوائد ١: ١٠٧، نصب الراية ٢: ٣٦.

4) كنز العمّال ٣: ٦٣٥، ح٨٢٦٧، مجمع الزوائد ١: ١٠٧.

5) مسند أحمد بن حنبل ٢: ١١٢.

6) مسند أحمد بن حنبل ٢: ١٤٢، كنز العمّال ٣: ٦٣٧، ح٨٢٨٢ .

٦ - عن ابن عمر أيضاً عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «أيّما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال: وإلاّ رجعت عليه»(1).

٧ - وعن ابن عمر أيضاً عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «إذا قال: الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما، إن كان الذي قيل له كافر فهو كافر، وإلاّ رجع إلى من قال»(2).

٨ - وعن ابن عمر أيضاً عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «بني الإسلام على خصال: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه‌، وأنّ محمّداً رسول اللّه‌، والإقرار بما جاء من عند اللّه‌، والجهاد ماضٍ منذ بعث رسله إلى آخر عصابة تكون من المسلمين... فلا تكفّروهم بذنب، ولا تشهدوا عليهم بشرك...»(3).

٩ - وعن ابن عمر أيضاً قال: قال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «كفّوا عن أهل لا إله إلاّ اللّه‌، لا تكفّروهم بذنب، من أكفر أهل لا إله إلاّ اللّه‌، فهو إلى الكفر أقرب»(4).

١٠ - وعن أبي سعيد عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «ما أكفر رجل رجلاً قط إلاّ باء بها أحدهما»(5).

١١ - وعن أبي سعيد أيضاً عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «ما شهد رجل على رجل بكفر إلاّ باء بها أحدهما، إن كان كافراً فهو كما قال: وإن لم يكن كافراً، فقد كفر بتكفيره إياه»(6).


1) صحيح مسلم ١: ٥٧ .

2) مسند أبي داود الطيالسي: ٢٥٢، كنز العمّال ٣: ٦٣٧، ح٨٢٧٩ .

3) كنز العمّال ١: ٢٩، ح٣٠.

4) كنز العمّال ٣: ٦٣٥، ح٨٢٧٠، مجمع الزوائد ١: ١٠٦.

5) كنز العمّال ٣: ٦٣٦، ح٨٢٧٣، الجامع الصغير ٢: ٤٨٦، ح٧٨٣٢.

6) كنز العمّال ٣: ٦٣٧، ح٨٢٨٠ .

١٢ - وعن عمران بن حصين عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فهو كقتله»(1). وزاد الطبراني في معجمه: «ولعن المؤمن كقتله»(2).

١٣ - وعن أبي الزبير عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «بني الإسلام على ثلاث: أهل لا إله إلاّ اللّه‌ لا تكفّروهم بذنب، ولا تشهدوا لهم بشرك...»(3).

١٤ - عن أبي ذر عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلاّ ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك»(4).

١٥ - عن ثابت بن الضحاك، عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : «... ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقاتله، ومن قتل نفسه بشيء عذّبه اللّه‌ بما قتل به نفسه يوم القيامة»(5).

١٦ - عن أسامة ابن زيد قال: بعثنا رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم سرية إلى الحرقات، فنذروا بنا فهربوا فأدركنا رجلاً فلمّا غشيناه. قال: لا إله إلاّ اللّه‌، فضربناه حتّى قتلناه، فعرض في نفسي من ذلك شيء. فذكرته لرسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم .

فقال: «من لك بلا إله إلاّ اللّه‌ يوم القيامة»؟

قال: قلت يا رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم إنّما قالها مخافة السلاح والقتل.

فقال: «ألا شققت عن قلبه حتّى تعلم من أجل ذلك قال أم لا، من لك بلا إله إلاّ اللّه‌ يوم القيامة»؟


1) مجمع الزوائد ٨: ٧٣.

2) كنز العمّال ١: ٢٧٧، ح١٣٧٠.

3) المعجم الكبير ١٨: ١٩٤.

4) صحيح البخاري ٧: ٨٤، مسند أحمد بن حنبل ٥: ١٨١، مجمع الزوائد ٨: ٧٣.

5) سنن الترمذي ٤: ١٣٢، ح٢٧٧٣.

قال: فما زال يقول ذلك حتّى وددت أنّي لم أسلم إلاّ يومئذٍ(1).

١٧ - لما خاطب رجل لرسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم بقوله أعدل، ثارت ثائرة من كان في المجلس ومنهم خالد بن الوليد قال: يا رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ! ألا أضرب عنقه؟

فقال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «فلعلّه يكون يصلّي؟».

فقال: إنّه ربّ مصل يقول بلسانه ماليس في قلبه.

فقال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «إنّي لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشقّ بطونهم»(2).

١٨ - وعن الزهري عن محمود بن الربيع قال: سمعت عتبان بن مالك يقول:

غدا عليّ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم .

فقال رجل: أين مالك بن الدخشن؟

فقال رجل منّا: ذلك منافق، لا يحبّ اللّه‌ ورسوله.

فقال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : «ألا تقولوه يقول: لا إله إلاّ اللّه‌، يبتغي بذلك وجه اللّه‌».

قال: بلى.

قال: «فإنّه لا يوافي عبد يوم القيامة بها إلاّ حرّم اللّه‌ عليه النار»(3).

١٩ - وعن عبيد اللّه‌ بن عدي بن الخيار أخبره إنّ المقداد بن عمرو الكندي - وكان حليفاً لبني زهرة، وكان ممّن شهد بدراً مع رسول اللّه‌ - أخبره أنّه قال: يا رسول اللّه‌ أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفّار فاقتتلنا، فضرب إحدى يديّ بالسيف فقطعها، ثمّ لاذ منّى بشجرة. فقال: أسلمت للّه‌. أقتله يا رسول اللّه‌ بعد أن قالها؟


1) مسند أحمد بن حنبل ٥: ٢٠٧، سنن أبي داود ١: ٥٩٥، ح٢٦٤٣، السنن الكبرى للبيهقي ٨: ١٩، السنن الكبرى للنسائي ٥: ١٧٧، مسند أبي داود الطيالسي: ٨٧، كنز العمّال ١: ٣٠٩، ح١٤٦٠ و١٤٦١، وقريب منه في صحيح البخاري ٨: ٣٦.

2) صحيح البخاري ٥: ١١١، صحيح مسلم ٣: ١١١، مسند أحمد بن حنبل ٣: ٤.

3) صحيح البخاري ٨: ٥٤، عمدة القاري ٢٤: ٩٢.

فقال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «لا تقتله».

فقال يا رسول اللّه‌: إنّه إحدى يديّ، ثمّ قال ذلك بعد ما قطعها.

فقال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «لا تقتله، فإن قتلته ؛ فإنّه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنّك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال»(1).

٢٠ - وعن أبي هريرة أنّ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم قال: «إياكم والظنّ ؛ فإنّ الظنّ أكذب الحديث»(2).

٢١ - وعنه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «إنّ اللّه‌ حرّم من المسلم دمه وعرضه، وأن نظنّ به ظنّ السوء»(3).

وغيرها من الأخبار الواردة في الصحاح وغيرها من كتب المسانيد مشحونة

بهذه السنن ومضمونها دلالة واضحة من أنّه لا يحلّ لمسلم أن يكفّر مسلماً من غير دليلٍ بمجرد أن يخالف معتقده، أو يرميه بالكفر والشرك لأدنى ذنب. ومن أقوال علماء المسلمين في النهي عن تكفير المسلمين.

قال ابن حزم حيث تكلم فيمن يكفّر ولا يكفّر وذكر مجموعة من أقوال علماء أهل السنّة إلى أن يقول: «وذهبت طائفة إلى أنّه لا يكفّر ولا يفسّق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا، وأنّ كلّ من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنّه الحقّ، فإنّه مأجور على كلّ حال: إن أصاب فأجران، وإن أخطأ فأجر واحد.

هذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي


1) صحيح البخاري ٨: ٥٤، عمدة القاري ٢٤: ٩٢.

2) صحيح البخاري ٣: ١٨٨، و٦: ١٣٦، و٧: ٨٨، صحيح مسلم ٨: ١٠، مسند أحمد بن حنبل ٢: ٢٤٥، سنن أبي داود ٢: ٤٦٠، ح٥٦، الموطأ ٢: ٩٠٨، ح١٥.

3) تخريج الأحاديث والآثار ٣: ٣٤٢، ح١٢٣٩، تفسير القرطبي ١٦: ٣٣٢.

رضي اللّه‌ عن جميعهم، وهو قول كلّ من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة رضي اللّه‌ عنهم، لا نعلم منهم خلافاً في ذلك أصلاً»(1). وقال القاضي الإيجي: «جمهور المتكلّمين والفقهاء على أنّه لا يكفّر أحد من أهل القبلة»(2).

وقال المناوي: «فمخالف الحقّ من أهل القبلة ليس بكافر مالم يخالف ما هو من ضروريّات الدين كحدوث العالم وحشر الأجساد»(3).

قال الشافعي: «فأعلم رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وسلم أن فرض اللّه‌ أن يقاتلهم حتّى يظهروا أن لا إله إلاّ اللّه‌ فإذا فعلوا منعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها»(4). وعن أبي حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ يقول: سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لمّا قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري رحمه اللّه‌ في داري ببغداد دعاني فقال: «اشهد على أنّي لا أكفّر أحداً من أهل هذه القبلة ؛ لأنّ الكلّ يشيرون إلى معبود واحد، وإنّما هذا اختلاف العبارات»(5).

ويقول الذهبي بعد نقله لكلام الأشعري قلت: «وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيميّة في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفّر أحداً من الأُمّة»(6).


1) الفصل في الملل والأهواء والنحل ٣: ٢٤٧.

2) المواقف ٣: ٥٦٠.

3) فيض القدير ٥: ١٢.

4) الأم ٧: ٣١١..

5) السنن الكبرى للبيهقي ١٠: ٢٠٧، ومعرفة السنن والآثار ٧: ٤٣٠، تاريخ الإسلام ٢٤: ١٥٧.

6) سير أعلام النبلاء ١٥: ٨٨ .

قال القاضي عياض من علماء العامّة: «اختصاص عصم النفس والمال بمن قال لا إله إلاّ اللّه‌، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان أو أن المراد بهذا مشركوا العرب وأهل الأوثان ومن لا يوحد، وهم كانوا أوّل من دعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأمّا غيرهم ممن يقرّ بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله لا إله إلاّ اللّه‌، إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده، ولذلك جاء في الحديث الاخر: وأنّي رسول اللّه‌، ويقيم

الصلاة ويؤتي الزكاة»(1).

إلى غيرها من كلمات أعلام الأُمّة من أهل السنّة الذين صرّحوا بهذا ونحوه، فلا وجه إذن لتكفير المسلمين بأدنى كلمة يقولها أو عمل يعمله. فإنّ اللّه‌ عزّ وجلّ يقول: «اِءنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»(2).

وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : «ذمّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً، فعليه لعنة اللّه‌ والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل»(3).

وعن عائشة قال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «ذمّة المسلمين واحدة ؛ فإن جازت عليهم جائزة، فلا تخفروها ؛ فإنّ لكلّ غادر لواء يعرف به يوم القيامة»(4).

الميزان في الإسلام والكفر:

ما هو المقوّم للإسلام، وكيف يدخل الإنسان إلى حظيرة الإسلام، فالروايات


1) شرح مسلم للنووي ١: ٢٠٧، بحار الأنوار ٦٥: ٢٤٣..

2) الحجرات ٤٩: ١٠.

3) صحيح البخاري ٨: ١٢٨، ج٢، ص٢٢١، مسند أحمد بن حنبل ١: ١٢٦.

4) المستدرك ١: ١٤١.

مختلفة، تارة أقتصرت على أنّ الإسلام هو الإقرار بالشهادتين والتصديق بالتوحيد والرسالة، وأخرى أضافت إليهما إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحجّ وصوم رمضان، فالأخبار على طائفتين:

الطائفة الأولى: وهي ما اقتصر على إظهار الشهادتين:

١ - عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم قال: «يوم خيبر لأعطينّ هذه الراية رجلاً يحبّ اللّه‌ ورسوله، يفتح اللّه‌ على يديه».

قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلاّ يومئذٍ.

قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها.

قال فدعا رسول اللّه‌ علي بن أبيطالب، فأعطاه إياها.

وقال: «امش ولا تلتفت حتّى يفتح اللّه‌ عليك».

قال: فسار علي شيئاً، ثمّ وقف ولم يلتفت، فصرخ: «يا رسول اللّه‌ على ماذا أقاتل الناس»؟

قال: «قاتلهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه‌، وأنّ محمّداً رسول اللّه‌، فإذا فعلوا ذلك، فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على اللّه‌»(1).

٢ - وعن أبي هريرة أيضاً أنّ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم قال: «لا أزال أقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ اللّه‌، فإذا قالوها، فقد عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على اللّه‌ عزّ وجلّ»(2).


1) صحيح مسلم ٧: ١٢١، السنن الكبرى ٥: ١١١، ح٨٤٠٦، خصائص أمير المؤمنين للنسائي ٥٧ - ٥٨، كنز العمّال ١: ٦٨، ح٣٦٥، ج١٠، ص٤٦٨، ح٣٠١٣٠، تاريخ دمشق ٤٢: ٨٢، ٨٣، ٨٥ ..

2) سنن النسائي ٧: ٧٧، سنن الكبرى ٢: ٢٨٠، ح٣٤٣٣، ومعرفة السنن والآثار ٦: ١٣٥، ٤٧٨٩، ص٥١٨، ح٥٣٣٢، المعجم الأوسط ٦: ٢٩٩، اختلاف الحديث: ٥٠٩.

٣ - وعن شريك المفضل، قال: سمعت أبا عبد اللّه‌ عليه‌السلام يقول: «الإسلام يحقن به الدم، ويؤدي به الأمانة، ويستحل به الفرج، والثواب على الإيمان»(1).

٤ - وعن سماعة قال: قلت لأبي عبد اللّه‌ عليه‌السلام: أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان؟

فقال: «إنّ الإيمان يشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان».

فقلت: فصفهما لي.

فقال: «الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ اللّه‌، والتصديق برسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس، والإيمان الهدى، وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام، وما ظهر من العمل به، والإيمان أرفع من الإسلام بدرجة، إنّ الإيمان يشارك الإسلام في الظاهر، والإسلام لا يشارك الإيمان في الباطن، وإن اجتمعا في القول والصفة»(2).

الطائفة الثانية: الأخبار التي ذكرت أضافة إلى إقرار الشهادتين أمور أخرى:

٥ - ما أخرجه البخاري عن عبد اللّه‌ بن عمر عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم قال: قال: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه‌، وأن محمّداً رسول اللّه‌، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجّ، وصوم رمضان»(3).

٦ - ما تضافر عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ اللّه‌، فإذا قالوها، وصلّوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على اللّه‌»(4).


1) المحاسن ١: ٢٨٥، ح٤٢٣، الكافي ٢: ٢٤.

2) الكافي ٢: ٢٥.

3) صحيح البخاري ١: ٨، صحيح مسلم ١: ٣٩.

4) صحيح البخاري ١: ١٠٢، صحيح مسلم ١: ٣٦، مسند أحمد بن حنبل ١: ١١، ج٢، ص٣٧٧، ٤٢٣، ٢٧٥، ٥٠٢، ٥٢٧، ج٣، ص٣٠٠، ٣٣٢، ٣٣٩، سنن أبي داود ١: ٥٩٤، ح٢٦٤٠، سنن الترمذي ٤: ١١٧، ح٢٧٣٣، و٢٧٣٤، ج٥، ص١١٠، ٣٣٩٩، سنن النسائي ٦: ٤، ٧، و ج٧، ص٧٧، ٧٩، ٨٠ .

٧ - وعنه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه‌، وأنّ محمّداً رسول اللّه‌، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام، وحسابهم على اللّه‌»(1).

٨ - وعن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر عليه‌السلام في حديث طويل يقول فيه: «فلمّا أذن اللّه‌ لمحمّد في الخروج من مكّة إلى المدينة بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه‌، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وحجّ البيت، وصيام شهر رمضان، وأنزل عليه الحدود، وقسمة الفرائض...»(2).

٩ - وعن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال: «بُني الإسلام على خمس: الصلاة، والزكاة، والحجّ، والصوم، والولاية، ولم تناد بشيء ما نودي بالولاية». وزاد فيها عبّاس بن عامر: فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه يعني (الولاية)(3).

١٠ - وعن زرارة، عن أبي عبد اللّه‌ عليه‌السلام قال: «بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة، والحجّ، والصوم، والولاية».

قال زرارة: فأي ذلك أفضل؟

فقال: الولاية أفضلهنّ ؛ لأنّها مفتاحهنّ، والوالي هو الدليل عليهن...»(4).

الهداية إلى النور:

يقول «علي طاهر»: عندما كنت أدرس في مدرسة فتح المبين لعلوم أهل


1) صحيح البخاري ١: ١١، صحيح مسلم ١: ٣٩.

2) الكافي ٢: ٢٨ - ٣١.

3) الكافي ٢: ١٨، ح٣، المحاسن ١: ٢٨٦، ح٤٢٩.

4) الكافي ٢: ١٨، ح٤، المحاسن ١: ٢٨٦، ح٤٣٠.

البيت عليهم‌السلامبدأت أبحث عن الحقيقة، وأطالع كتب التاريخ عن كثب حتّى أصل إلى الحقّ والحقيقة، فقرأت بعض كتب المستبصرين كالتيجاني مثل كتاب «ثمّ اهتديت»، «الشيعة هم أهل السنّة» «واتقوا اللّه‌»، «فسألوا أهل الذكر»، وغير ذلك. وبهذه الطريقة تعرّفت على مذهب التشيّع وغيرها من المذاهب الإسلاميّة، والمقارنة بين ذلك حتّى اكتملت صورة التشيّع في ذهني، فلم أجد بدّاً بعدها سوى الانتماء إلى التشيّع، مذهب محمّد وآل محمّد، فقررت بعدها أن أعتنق هذا المذهب وكان ذلك عام ١٩٨٩م. ثمّ صار بعد ذلك مبلّغاً للتشيّع في منطقته.

{٥٤} محمّد دار الحكمة (مالكي / غانا)

الصورة

H23

ولد عام ١٣٩٩ه (١٩٧٩م) في مدينة «كوماسي) بغانا، ونشأ في أسرة مالكيّة المذهب فتأثّر بها وخاصّة بوالده الذي كان أحد أئمّة المساجد، وكان يقيم الجلسات ويدرّس العلوم الدينيّة والفقه المالكي.

بعد أن أنهى «محمّد» دراسته الأكاديميّة بدأ بدراسة العلوم الدينيّة عند أبيه، وواصل دراسته حتّى توصّل إلى مرحلة ارتأى أبوه - لأجلها - أن يذهب «محمّد» إلى مدرسة تابعة للتيّار الوهّابي، فالتحق بهذه المدرسة عام ١٤١٤ه ، واستمرّت دراسته هناك ما يقارب خمس سنوات.

التبليغ والتدريس:

بعد تخطّيه مرحلة التعلّم قام «محمّد» بتبليغ العلوم الدينيّة وفق الأفكار التي كان ينتمي إليها، كما بدأ بالتدريس في المدرسة التي كان قد أسّسها أبوه ومدرسة أخرى للنساء، فعلى هذا صار «محمّد» ذا وجهة محترمة عند الناس، وخاصّة عند العلماء هناك.

الفقه السنّي وكثرة الاختلافات:

كان «محمّد» - ومنذ الصغر - ملتزماً بالصلاة في مسجد والده، ومنذ ذلك الحين كانت تدور عدّة تساؤلات في ذهنه في المجال الشرعي، وكان يسمع آراء مختلفة في المسائل الفقهيّة عند مختلف تيّارات مدرسة الصحابة(1)ممّا كان سبباً في حدوث بعض التساؤلات في ذهنه، حيث دفعته هذه التساؤلات إلى البحث والتحقيق.

يقول «محمّد» عن صراع الحقّ والباطل في داخله:... وأتذكّر أنّي كلّما جائني سؤال من هذا القبيل أثيرت فطرتي قائلة: اذهب وابحث عن الحقيقة، وفي ا لمقابل ينهاني الشيطان وأتباعه عن التساؤل بأن: لا تسأل عن هذا، هذا هو دين اللّه‌!! ومع استمرار الصراع الداخلي، رأى «محمّد» أن يتلقّى بعض التعاليم من أستاذ شيعي هناك ليتعرّف أيضاً على الرؤية الشيعيّة بالنسبة للقرآن الكريم والسنّة

الشريفة.

فبدأ هو وبعض أصدقائه بالتتلمذ عند ذلك الأستاذ، ومن الأمور التي دار البحث حولها بينهم وبين الأستاذ هي آية الولاية، حيث كانت تناقَش هذه الآية على كلّ ما بدى للطلبة من الشبهات.

يقول «محمّد» حول هذه المادّة: «نِعم المادّة كانت... ومن هنا بدأنا بالبحث في كتب التفسير والفقه وما إلى ذلك».


1) للتعرّف على هذه الاختلافات الفقهيّة غير القليلة يُرجى مراجعة كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة» لعبد الرحمن الجزيري في ثلاث مجلّدات.

أخلاق أهل البيت عليهم‌السلام:

من الكتب التي تأثّر بها «محمّد» ضمن تحقيقاته التي قام بها هو كتاب «أخلاق أهل البيت عليهم‌السلام» للسيّد مهدي الصدر، حيث بحث الكتاب محاسن الأخلاق ومساوئها وأشار إلى الأحاديث التي تبيّن خصال أهل البيت عليهم‌السلام ومن ضمنها تحلّيهم بالمحاسن الخلقيّة والحثّ عليها، والتخلّي والنهي عن مساوئ الأخلاق.

ويحتوي هذا الكتاب على قسمين، يذكر المؤلّف في القسم الأوّل الأخلاق العامّة ضمن أسلوب لطيف، حيث يقوم بتعريف الصفة الأخلاقيّة أوّلاً، ثمّ يذكر الشواهد القرآنيّة والروائيّة، كما يستشهد ببعض القصص والمستطرفات التي وقعت في زمن العترة الطاهرة عليهم‌السلام.

فإحدى هذه الصفات - مثلاً - هي صفة العصبيّة، والتي كانت دارجة في الصدر الأوّل من الإسلام، وكانت تشكّل أخطر النزعات في تسيّب المسلمين وتفريق شملهم، وإضعاف طاقاتهم الروحيّة والمادّية.

فقد كان بعض الصحابة يفتخرون بآبائهم وقبائلهم وانتصاراتهم في الجاهليّة وشعرائهم في العهود الماضية، وقد حارب الإسلام هذه الصفة، ونهى عنها بشدّة.

منها ما روي عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «مَن كان في قلبه حبّة خردل من عصبيّة بعثه اللّه‌ تعالى يوم القيامة مع أعراب الجاهليّة»(1).

وقال صلى الله عليه و آله و سلم أيضاً: «إنّ اللّه‌ تبارك وتعالى قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهليّة وتفاخرها بآبائها ألا إنّ الناس من آدم، وآدم من تراب وأكرمهم عند اللّه‌


1) الكافي ٢: ٣٠٨، أمالي الصدوق: ٧٠٤.

أتقاهم»(1).

وكذلك روي أنّه... جلس جماعة من أصحاب رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ينتسبون ويفتخرون، وفيهم سلمان.

فقال عمر: ما نسبك أنت يا سلمان وما أصلك؟!!

فقال: أنا سلمان بن عبد اللّه‌، كنت ضالاً فهداني اللّه‌ بمحمّد، وكنت عائلاً فأغناني اللّه‌ بمحمّد، وكنت مملوكاً فأعتقني اللّه‌ بمحمّد، فهذا حسبي ونسبي يا عمر. ثمّ خرج رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، فذكر له سلمان ما قال عمر وما أجابه، فقال رسول اللّه‌: «يا معشر قريش إن حسب المرء دينه، ومروءته خُلقه، وأصله عقله، قال اللّه‌ تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(2).

ثمّ أقبل على سلمان فقال له: «إنّه ليس لأحد من هؤلاء عليك فضل إلاّ بتقوى اللّه‌ عزّ وجلّ، فَمن كنت أتقى منه فأنت أفضل منه»(3). وأمّا القسم الثاني من الكتاب فقد خصّصه المؤلّف بالحقوق والواجبات، ومنها حقوق اللّه‌ سبحانه وتعالى، حقوق الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم ، الأئمّة الهداة عليه‌السلام،

العلماء، الوالدين، الأصدقاء، وغيرهم.

آية المودّة:

وقد ذكر ضمن حقوق الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم بالنسبة للمسلمين مودّة أهل بيته الطاهرين التي فرضها اللّه‌ في كتابه، وجعلها أجر الرسالة وحقّاً مفروضاً الطاهرين


1) من لا يحضره الفقيه ٤: ٣٦٣.

2) الحجرات ٤٩ : ١٣.

3) الكافي ٨: ١٨٢، أمالي الطوسي: ١٤٧.

التي فرضها اللّه‌ في كتابه، وجعلها أجر الرسالة وحقّاً مفروضاً من حقوقه صلى الله عليه و آله و سلم فقال تعالى: «قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»(1).

فعندما نزلت هذه الآية قيل للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم : يا رسول اللّه‌: مَن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: «علي وفاطمة وابناهما»(2).

لكنّ المتامّل في التاريخ الإسلامي يرى أنّ مفعول وتأثير هذه الآية الشريفة لم يستمرّ طويلاً حتّى نساها المسلمون أو تناسوها بعد بضعة أيّام من وفاة الرسول، فأغضبوا ابنته، وغصبوا ميراثها وأضرموا النار بباب بيتها، فرضُّوا ضلعها وأسقطوا جنينها، وزحزحوا الحقّ عن مكانه وساروا بخليفة رسول اللّه‌ الشرعي إلى المسجد مقيّداً مرغماً على البيعة.

محنة الزهراء عليهاالسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم من طرق السنّة: نقتصر هنا على إثبات محن الصديقة الطاهرة ومصائبها من بعض كتب أهل السنّة والجماعة:

فأمّا غضب الزهراء عليهاالسلام وسخطها على الشيخين فممّا لا ينكره أحد، فقد جاء في صحيح البخاري: «... فغضبت فاطمة بنت رسول اللّه‌ فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت»(3)وجاء فيه أيضاً: «... فهجرته فلم تكلّمة حتّى ماتت»(4).


1) الشورى ٤٢ : ٢٣.

2) راجع: مجمع الزوائد ٧: ١٠٣ و٩: ١٦٨، المعجم الكبير ٣: ٤٧ و١١: ٣٥١، شواهد التنزيل ٢: ١٩٤ وذيل الآية الكريمة في كلّ من تفسير الرازي ٢٧: ١٦٦، تفسير الثعلبي ٨: ٣٧، تفسير ابن أبي حاتم ١٠: ٣٢٧٦، وأيضاً في تفسير الكشّاف ٣: ٤٦٧، وروى بعده حديثاً عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم جاء فيه: «حرّمت الجنّة على مَن ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي». الحديث.

3) صحيح البخاري ٤: ٤٢، مسند أحمد ١: ٦، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٣٠١.

4) صحيح البخاري ٨: ٣، وجاء في صحيح مسلم ٥: ١٥٤: «... حتّى توفّيت».

النظر والتجنّب عن الخوض في مثل هذه المسألة ؛ وما ذلك إلاّ لأنّها تؤدّي إلى تضعيف ونقض الأسس التي بنوا عليها مبانيهم الاعتقاديّة، في مسألة عدالة الصحابة بأجمعهم. لكن المتدبّر في كلماتهم قد يجد بعض الإشارات إلى تلك الحوادث المؤلمة بعد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم والتي سلمت عن التحريف وأهواء االمحرّفين!

فقد جاء في أنساب الأشراف حول تهديد عمر بإحراق دار الزهراء عليهاالسلام: أن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة فلم يبايع، فجاء عمر ومعه قبس، فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا بن الخطاب أتراك مُحرقاً عليّ داري؟ قال: نعم(1).

كما جاء في تاريخ الطبري أنّ عمر قال للإمام علي عليه‌السلام ومن في الدار: واللّه‌ لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة(2). وأورد ابن أبي شيبة في المصنّف عن الزهراء عليهاالسلام أنّها قالت لأمير المؤمنين

علي عليه‌السلامبعد تهديد عمر: «... تعلمون أنّ عمر قد جائني وقد حلف باللّه‌ لئن عُدّتم ليحرقنّ عليكم الباب، وإيمّ اللّه‌ ليمضينّ لما حلف عليه»(3)، وذكر نظيره المتّقي الهندي في كنز العمّال(4).

ولم يكتفِ عمر بالتهديد والوعيد، وإنّما أحرق الباب، وأقدم على تلك الفاجعة العظمى التي تُبكي العيون وتقرح الجفون، فقد جاء في «إثبات الوصيّة» للمسعودي صاحب مروج الذهب: «... فوجهوا إلى منزله [أي علي عليه‌السلام]فهجموا عليه، وأحرقوا بابه، واستخرجوه منه كرهاً وضغطوا سيّدة النساء بالباب حتّى


1) نقلها عنه الشريف المرتضى في الشافي في الإمامة ٣: ٢٤١.

2) تاريخ الطبري ٢: ٤٤٣.

3) المصنّف ٨: ٥٧٢، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢: ٤٥.

4) كنز العمّال ٥: ٦٥١.

أسقطت محسناً»(1).

وجاء في سير أعلام النبلاء(2)وميزان الاعتدال(3)للذهبي في ترجمة أحمد بن محمّد بن السري، قال محمّد بن أحمد الكوفي الحافظ - بعد أن أرّخ موت أحمد بن محمّد - : كان مستقيم الأمر عامّة دهره، ثمّ في آخر أيّامه كان أكثر ما يُقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه: «إنّ عمر رفس فاطمة حتّى أسقطت محسناً».

وذكر «الصفدي» في ترجمة النظّام المعتزلي أنّه قال: «إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت المحسن من بطنها»(4). كما ذكر «الشهرستاني» في الملل والنحل في أفكار وعقائد النظام أنّ منها أنّه

كان يعتقد بأنّ «عمر ضرب باب فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح أحرقوا دارها بمَن فيها»(5).

والنّظام هو إبراهيم بن يسار المعتزلي الذي يقول فيه الخطيب البغدادي: «كان أحد فرسان أهل النظر والكلام على مذهب المعتزلة، وله في ذلك تصانيف عدّة»(6).

ويصفه ابن حزم بأنّه: «أكبر شيوخ المعتزلة ومقدّمهم»(7).

كما يذكره ابن خلّكان فيقول عنه: «المتكلّم المعتزلي»(8).


1) إثبات الوصيّة: ١٤٦.

2) سير أعلام النبلاء ١٥: ٥٧٨.

3) ميزان الاعتدال ١: ١٣٩.

4) الوافي بالوفيّات ٦: ١٥.

5) الملل والنحل ١: ٥٧.

6) تاريخ بغداد ٦: ٩٤.

7) نقلاً عن تاريخ الإسلام للذهبي ١٦: ٤٧٠.

8) وفيات الأعيان ٧: ٩٨.

وقد ذكر ابن أبي الحديد عقب ذكره الرواية التي بيّنت إباحة دم هبّار بن الأسود من قبل رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم لأنّه روّع ابنته زينب، قال: «وهذا الخبر أيضاً قرأته على النقيب أبي جعفر، فقال: إذا كان رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم أباح دم هبّار بن الأسود لانّه روّع زينب فألقت ذابطنها، فظهر الحال أنّه لو كان حيّاً لأباح دم من روّع فاطمة حتّى ألفت ذا بطنها»(1)(2).

مذهب أهل البيت عليهم‌السلام مذهب الفطرة:

بعد البحث والتحقيق في كتب الفريقين أعلن «محمّد» استبصاره والتحاقه بركب شيعة أهل البيت عليهم‌السلام وكان ذلك في دولة «غانا» عام ١٤٢١ه . يرى «محمّد» أنّ مذهب أهل البيت عليهم‌السلام هو مصداق الفطرة الصادقة التي فطر اللّه‌ الناس عليها، ويقول في إجابته عن سؤال حول استبصاره: الكلام حول قصّة

استبصاري ليس بطويل جدّاً، وذلك لأنّي وجدت في أعماق وجودي أنّ مذهب أهل البيت عليهم‌السلام هو مصداق لقوله سبحانه وتعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا(3).

وفطرة اللّه‌ هي التوحيد(4)فقد جاء في روايات عديدة أنّ اللّه‌ تعالى فطر الناس على التوحيد، وعن تعيين حدود التوحيد فقد روي عن الإمام الباقر عليه‌السلام في قوله تعالى «فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا» أنّه قال: «هي لا إله إلاّ اللّه‌، محمّد


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٤: ١٩٣.

2) للإطلاع على العديد من المصادر من كتب مدرسة الصحابة يرجى مراجعة كتاب «محنة فاطمة بعد رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم » للشيخ عبد اللّه‌ الناصر، و«إحراق بيت فاطمة عليهاالسلام في الكتب المعتبرة عند أهل السنّة» للشيخ حسين غيب غلامي.

3) الروم ٣٠ : ٣٠.

4) التفسير الكبير للفخر الرازي ٢٥: ١١٩.

رسول اللّه‌، علي أمير المؤمنين ولي اللّه‌، إلى هاهنا التوحيد»(1).

وأمّا عن مرحلة ما بعد الاستبصار، فقد قام «محمّد» فيها بعدّة نشاطات تبليغيّة، كما يقوم حاليّاً بإدارة «مركز الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم لشباب أهل البيت عليهم‌السلام في غانا»، وهذا المركز رسمي ومجاز من قبل الدولة هناك.


1) الروم ٣٠: ٣٠، تفسير البرهان ٧: ٤٤١.

{٥٥} محمّد كراووما لاغيسا (وثني، مسيحي، ثمّ سنّي / غانا)

الصورة

H24

مرّت ترجمته في ١: ٤٧٧ من هذه الموسوعة ونشير هنا إلى مالم يُذكر سابقاً.

لطالما كانت تدور في ذهن «محمّد» أسئلة حول الطائفة الشيعيّة بعد أن اتّخذ الإسلام ديناً واتّبع المذهب السنّي، فكان يبحث عن سبب إصرار الوهّابية على مهاجمة الشيعة وتكفيرهم بأنواع التهم والأسباب المصطنعة والوقوف أمام كلّ ما ينتمي اليهم.

هذا مع ما كان يراه في كتب الشيعة - مثل كتابي المراجعات وليالي بيشاور الذين تأثّر بهما - من الإنصاف والاستدلال القويم، إضافة إلى إتّباع آداب البحث والمجادلة كاحترام صاحب الرأي الآخر وعدم أخذ اعتقاداته بعين الاستهزاء والسخريّة.

دعوة إلى استيعاب الآخر:

من الضروريات التي ينبغي على كلّ مسلم التحلّي بها، الاتّصاف بصفة التسامح والوداعة واحترام الآخرين. فهو الخُلق الذي دعا إليه القرآن وحثّت عليه الشريعة الإسلاميّة، فقد اعتبر القرآن حُسن خُلُق الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أحد البواعث

الرئيسيّة لاتّباع الناس له والتفافهم حوله، وأنّه لو ترك تلك الأخلاق لتركه الناس وانفضّوا من حوله، قال تعالى: «وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ»(1)، كما امتدح تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه و آله و سلم وقال: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»(2)، إنّ هذا يدعونا إلى التأسّي بهذا الخُلُق السامي لنبيّنا صلى الله عليه و آله و سلم والذي جعل أسوة لنا: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»(3)، وأُمرنا بالسير على خُطاه. ومن أهمّ الأمور

وأكثرها خطراً هو اتّباعُهُ في أخلاقه الطيّبة وسلوكه الرائع الذي علّم الانسانيّة الخُلُق النبيل والخصال السامية.

ولا أدري ماذا دهى قوماً ظهروا في عصرنا أخذوا على عاتقهم مجابهة الشيعة ومقارعتهم أينما وجدوا، وكأنّ لا همّ لهم سوى التعرّض لهذه الطائفة الكريمة من المسلمين. فبدأوا بتكفيرهم، وبذلك استحلّوا منهم كلّ محرّم، فصار الدم الشيعي يُراق بدم بارد تطبيقاً لفتاوى وإعلانات تصرّح بتكفير الشيعة، مع أنّهم يشاهدون بأُمّ أعينهم أن أتباع هذه الطائفة يشهدون الشهادتين ويمارسون كلّ طقوس الإسلام

من صلاة وصوم وحجّ وزكاة، مثلهم في ذلك مثل سائر المسلمين. كما أنّهم يقرأون القرآن ويعظّمون الكعبة المشرّفة ويتبارون للوصول إليها ورؤيتها، حتّى يُعتبر من زار الكعبة ورآها ذا كرامة خاصّة ومنقبة نادرة يتباهى ويتفاخر بها طوال عمره عن طريق حمله للقب (الحاجّ).

إنّهم يشاهدون كلّ هذا الإحساس الصادق بالانتماء إلى الإسلام والاعتزاز بهذا الانتماء، ومع ذلك يجهرون بتكفيرهم والإفتاء بإباحة حرماتهم، وكأنّهم نسوا تأنيب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لأسامة بن زيد على قتله ذلك الرجل الذي شهد بالتوحيد، فقد


1) آل عمران ٣ : ١٥٩.

2) القلم ٦٨ : ٤.

3) الأحزاب ٣٣ : ٢١.

تذرّع أسامة بأن تلك الشهادة ظاهرية وأنّها جاءت نتيجة الخوف من الموت، لكن هذه الذريعة لم ترق للنبي صلى الله عليه و آله و سلم ولامه على ذلك(1). لكن اتّباع هذا الفكر يصرّون على تكفير الشيعة رغم كلّ ذلك، ويفتعلون لذلك أسباباً وتهماً مصطنعة، مثل تهمة سب الصحابة التي يتّهمون بها الشيعة، والتي يتبرأ منها الشيعة، وينسبون من يسب ويشتم ويكلّم بالبذئمن الكلام إلى عدم التربية وقلّة الحياء. إنّها في الحقيقة مجرّد تهمة ناشئة من محاولة خلط الأوراق، فلو كان بعض عوام الشيعة وجهّالهم يقومون بهذا العمل المرفوض، لكن لا يعني أن ننسب هذا العمل إلى قاطبة الشيعة، فنحن نرى مثلاً إنّ الكثير من فسّاق المسلمين - من جميع الطوائف بلا استثناء - يشربون الخمر المحرّم صريحاً في شريعة الإسلام، لكن هذا يُعدّ مبرّراً لنسبة شرب الخمر إلى قاطبة المسلمين.

فلنرجع ونقرأ التاريخ، فإنّه يحدّثنا أنّ بني أميّة - والتحديد معاوية – سنّوا للمسلمين سنّة سيّئة وهي سبّ ولعن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبيطالب عليه‌السلام من على منابر المسلمين في صلوات الجمعة والعيدين وغيرها، فقد كان يُلعن عليه‌السلام في المسجد الحرام في مكّة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة وفي مساجد ومنابر البصرة والكوفة والشام ومصر وخراسان وغيرها من الأمصار الإسلاميّة،

كلّ ذلك أمام الملأ من المسلمين - الذين كان أكثرهم من غير الصحابة، حتّى لا يقال إنّ الصحابة محصّنون من الكفر - وكانوا يؤمّنون على ذلك اللعن. وقد استمرّت هذه الظاهرة البغيضة عقوداً من الزمن، وتلوّث بارتكابها أكثريةُ المسلمين.

فهل يجرأ أحد من هؤلاء الذين يكفّرون المسلمين الشيعة بسبب سبّهم الصحابة - على فرض ثبوت هذه التهمة - على تكفير كلّ أولئك المسلمين - وهم


1) عمدة القاري، العيني ١٧: ٢٧١.

يمثّلون الأكثريّة من المسلمين في ذلك العصر - الذين كانوا يتقرّبون إلى اللّه‌ تعالى بسبّ ولعن أمير المؤمنين وإمام المسلمين ورابع الخلفاء الراشدين من جهة نظر أكثر المسلمين، والذي بايعه المهاجرون والأنصار، وقاتلوا تحت رايته التي هي في الحقيقة راية رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ؟!

عندما يصل السؤال إلى هذه النقاط الحرجة نراهم يتملّصون من الأجابة أو يحاولون تلمّس الأعذار الواهية لتبرير لعن أوّل المسلمين، لكنّهم لا يترددون لحظة واحدة في تكفير الشيعة لأجل تهمة لم تثبت بعد، ويبالغون في نصب العداء لهم والوقيعة فيهم، مستشهدين بقوله تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ(1)، وكأنّهم نسوا قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا(2).

فهذه الآية تدعو إلى الوحدة وتناسي الخلافات بين أتباع الأديان المختلفة، فَلِمَ لا يجعلون هذه الآية نصب أعينهم ويحاولون التأكيد على مشتركاتهم مع الشيعة الذين ينتمون إلى نفس دينهم وهو الإسلام الحنيف. فإنّ المشتركات بينهم تبلغ أضعاف أضعاف خلافاتهم معهم.

نعم بإمكانهم تناسي الخلافات، وتوجيه كلّ اهتمامهم إلى الخطر المشترك الذي دَهَم بلاد المسلمين سواء من ناحية الهجوم الثقافي الغربي، والذي يسعى جاهداً لنشر الثقافة الغربيّة بين الشباب المسلم، أم من ناحية الخطر الإسرائيلي الذي لو استوى عوده وفُسحت أمامه الفرصة لأتى على الأخضر واليابس ولم يكن يترك كرامة للمسلمين سنّةً وشيعة.


1) الفتح ٤٨ : ٢٩.

2) آل عمران ٣ : ٦٤.

لقد كان يأمل «محمّد» في أن يُعامل من قبل المحيطين به باحترام، باعتبار أنّه إنسان اتّبع ما أملاه عليه الدليل والمنطق الذي كان مقنعاً بالنسبة إليه شخصيّاً، فإنّ إنسان كهذا جدير بكلّ تقدير واحترام، ولو كان على خطأ في النتيجة التي توصّل إليها فعلى الآخرين أن يرشدوه إلى نقاط الضعف في تفكيره، وذلك بالمنطق السليم والدليل المقنع، لا أن يوجّهوا إليه التّهم بالارتداد والكفر.

هداية المجتمع:

عندما استقرّ النوى بـ«محمّد كراووما» في سفينة أهل البيت عليهم‌السلام وبعد التغلّب على ما أحاط به من مخالفة الآخرين، أخذ بتعميق مطالعاته وتنويع دراساته لأجل خدمة المذهب، وقد وفق في هداية الكثيرين لمذهب أهل البيت عليهم‌السلام.

{٥٦} محمّد مرتضى البرا (شافعي / غانا)

الصورة

H25

ولد سنة ١٣٩٣ه (١٩٧٣م) في غانا، واصل دراسته الأكاديميّة إلى حدّ المتوسّطة، ثمّ اتّجه نحو التدريس، فغدا مدرّساً في مدرسة نور الإسلام التابعة لوالده عبد اللّه‌ البرا، كان شافعيّ المذهب، ثمّ استبصر عام ١٤١٢ه ١٩٩٢م في غانا بالعاصمة «آكرا».

التعرّف على الشيعة:

يقول الأخ «محمّد»: «كان لي صديق يمتاز بشخصيّة واعية ومثقّفة، متعطّشاً للعلم والمعرفة، يقضي معظم أوقاته في البحث والتتبّع والدراسة، واستمرّ على هذه الحالة حتّى دفعه البحث إلى ترك انتمائه المذهبي السابق واعتناق التشيّع والالتحاق بمدرسة أهل البيت عليهم‌السلام في غانا.

فلمّا تشيّع قصدته لأستفسر منه سبب ذلك، فبيّن لي في جلسات عديدة أسباب استبصاره بالأدلّة والبراهين، وبيّن لي الكثير من الحقائق التي كنت غير ملتفت إليها». وممّا تأثّر به وأدّى إلى استبصاره آية التطهير وحديث الثقلين.

آية التطهير:

قوله تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»(1).الاستدلال بالآية في نقطتين. النقطة الأولى: المراد بأهل البيت في آية التطهير: فالأهل في اللغة: أهلُ الرجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به، وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام(2).

فيكون مفهوم أهل البيت في اللغة هم الذين لهم صلة وطيدة بالبيت، وأهل الرجل من له صلة به بنسب أو سبب أو غيرهما، فيشمل كلّ من له صلة بالرجل والبيت صلة وطيدة من غير فرق بين الزوجة والأولاد وغيرهم. وأمّا أهل البيت في الآية، هل أريد منه كلّ من انتمى إلى البيت من أزواج وأولاد، أم يراد به جماعة خاصّة من المنتمين إلى البيت؟

وفي المقام احتمالات بل أقوال:

الأوّل: أنّه عنى الإمام أمير المؤمنين والزهراء والحسن والحسين عليهم‌السلام، قاله أبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعائشة، وأم سلمة.

الثاني: أنّه عنى أزواج النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم خاصّة، قاله عكرمة.

الثالث: أنّها في الأهل والأزواج، قاله الضحّاك(3).

الرابع: يشمل الأهل وبعض المسلمين(4).


1) الأحزاب ٣٣ : ٣٣.

2) العين ٤: ٨٩.

3) النكت والعيون ٤: ٤٠١.

4) قد ورد في ذيل هذه الآية أنّ النبيّ بعد نزول الآية قال: «اللّهم هؤلاء أهلي اللّهم أهلي أحقّ». قال واثلة قلت: يا رسول اللّه‌ وأنا من أهلك؟ قال: «وأنت من أهلي». قال واثلة رضى اللّه‌ عنه: إنّها لمن أرجى ما أرجو» السنن الكبرى ٢: ١٥٢.

أمّا القول الأول: إنّ هناك قرائن تدلّ على أنّ المراد من أهل البيت في الآية جماعة خاصّة منتمين إلى البيت النبوي، لا كلّ المنتمين إليه، وإليك تلك القرائن(1):

القرينة الأولى: اللام في «أهل البيت» للعهد لا الجنس أو الاستغراق، لأنّ لام الجنس إنّما يناسب إذا أراد المتكلّم بيان الحكم المتعلّق بالطبيعة، ومن المعلوم أنّ الآية الكريمة ليست بصدد بيان حكم طبيعة أهل البيت.

كما لا يصح أن يحمل على العموم، أي: جميع البيوت في العالم، أو بيوت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وإلاّ لناسب الإتيان بصيغة الجمع فيقول: أهل البيوت، كما أتى به عندما كان في صدد إفادة ذلك، وقال في صدر الآية: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ»(2).

فتعيّن أن يكون المراد هو الثالث، أي البيت المعهود، فالآية تشير إلى إذهاب الرجس عن أهل بيت خاص، معهود بين المتكلّم والمخاطب، وحينئذٍ يقع الكلام في تعيين هذا البيت المعهود، فما هو هذا البيت؟ هل هو بيت أزواجه، أو بيت فاطمة وزوجها والحسن والحسين عليهم‌السلام؟

لا سبيل إلى الأوّل ؛ لأنّه لم يكن لأزواجه بيت واحد حتّى تشير اللام إليه، بل تسكن كلّ واحدة في بيت خاص، ولو أريد واحداً من بيوتهنّ لاختصّت الآية بواحدة منهم، وهذا ما اتّفقت الأُمّة على خلافه.

هذا كلّه على أنّ المراد من البيت هو البيت المبني من الأحجار والأخشاب، وأمّا لو قلنا بأنّ البيت، مثل قول القائل: «بيت النبوّة» و«بيت الوحي» تشبيهاً لهما على المحسوس، فلا محيص أن يراد منه المنتمون إلى النبوّة والوحي بوشائج معنوية خاصّة على وجه يصحّ - مع ملاحظتها - عدّهم أهلاً لذلك البيت، وتلك الوشائج عبارة عن النزاهة في الروح والفكر، ولا يشمل كلّ من يرتبط ببيت النبوّة عن


1) مفاهيم القرآن ١٠: ١٣٤ بتصرّف.

2) الأحزاب ٣٣ : ٣٣.

طريق السبب أو النسب فحسب، وفي الوقت نفسه يفتقد الأواصر المعنوية الخاصّة.

القرينة الثانية: تذكير الضمائر:

نرى أنّه سبحانه عندما يخاطب أزواج النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يخاطبهنّ حسب المعتاد بضمائر التأنيث، ولكنّه عندما يصل إلى قوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ... يغير الصيغة الخطابية في التأنيت ويأتي بصيغة التذكير، فما هو السر في تبديل الضمائر لو كان المراد أزواج النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ؟

وما وجه هذا العدول إذا كان المراد نساء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ؟!

أوَليس هذا يدلّ على أنّ المراد ليس نساءه؟!

القرينة الثالثة: الإرادة تكوينية لا تشريعية:

فإنّ من سمات أهل البيت كونهم معصومين من الذنب، وذلك بدليل كون الإرادة في قوله: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ...» هي الإرادة التكوينية التي لا ينفك المراد فيها عن الإرادة، ويكون متحقّقاً وثابتاً في الخارج.

وبما أنّ المراد هو إذهاب الرجس وإثبات التطهير وتجهيزهم بالأسباب والمعدّات المنتهية إلى العصمة، فلا يصحّ أن يراد من أهل البيت أزواج النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ؛ إذ لم يدّع أحد من المسلمين كونهنّ معصومات من الذنب ومطهّرات من الزلل.

فلا مناص عن تطبيقه على جماعة خاصّة من المنتمين إلى البيت النبوي الذين تحقّق فيهم تعلّقهم بالأسباب والمقتضيات التي تنتهي بصاحبها إلى العصمة، ولا ينطبق هذا إلاّ على الإمام علي وزوجته والحسنين عليهم‌السلام ؛ لأنّ غيرهم مجمع على عدم اتّصافهم بهذه الأسباب.

القرينة الرابعة: إنّ الآيات المرتبطة بأزواج النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم تبتدئ من الآية ٢٨ وتنتهي بالآية ٣٤، وهي تخاطبهنّ تارة بلفظ «الأزواج»، ومرتين بلفظ «نساء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم الصريحين في زوجاته، فما هو الوجه في العدول عنهما إلى لفظ «أهل

البيت»؛ فإنّ العدول قرينة على أنّ المخاطب به غير المخاطب بهما.

أضف إلى ذلك أخبار الفريقين في تعيين المراد من «أهل البيت» من أنّ الآية نزلت في النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وعلي وفاطمة والحسنين عليهم‌السلام خاصة لا يشاركهم فيها غيرهم. وهي روايات كثيرة تزيد على سبعين حديثاً، والأخبار الواردة من طرق أهل السنّة أكثر ممّا ورد من طرق الشيعة، فقد رواها أهل السنّة بطرق كثيرة عن أمّ سلمة، وعائشة، وأبي سعيد الخدري، وسعد ووائلة بن الأسقع، وأبي الحمراء، وابن

عبّاس، وثوبان مولى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وعبد اللّه‌ بن جعفر، وعلي والحسن بن علي في قريب من أربعين طريقاً.

وروتها الشيعة عن علي والسجّاد والباقر والصادق والرضا عليهم‌السلام، وأم سلمة، وأبي ذر، وأبي ليلى، وأبي الأسود الدؤلي، وعمرو بن ميمون الأودي، وسعد بن أبي وقاص في بضع وثلاثين طريقاً(1).

الطائفة الأولى: التصريح بأسمائهم:

عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية في خمسة فقرأها وسمّاهم: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ... في رسول اللّه‌ وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات اللّه‌ عليهم(2).

الطائفة الثانية: إدخالهم تحت الكساء أو «مرط أو ثوب» أو «عباءة أو قطيفة»: أخرج الطبري عن عائشة قالت: خرج النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ذات غداة وعليه مرط مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله معه، ثمّ جاء علي فأدخله معه، ثمّ قال:

إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ...(3).


1) الميزان في تفسير القرآن ١٦: ٣١١ بتصرّف.

2) شواهد التنزيل ٢: ٤٠، ح٦٦٠. وبهذا المضمون روايات أخرى.

3) جامع البيان ٢٢: ٩، ح٢١٧٢٨. وبهذا المضمون روايات أخرى.

عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال: لمّا نزلت هذه الآية على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ...» في بيت أم سلمة، فدعا فاطمة وحسناً وحسيناً، فجلّلهم بكساء، وعلي خلف ظهره، فجلّله بكساء. ثمّ قال «اللّهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».

قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي اللّه‌؟

قال: «أنت على مكانك وأنت على خير»(1).

أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: خرج النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم غداة وعليه مرط مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمّ جاء الحسين فدخل معه، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء علي فأدخله، ثمّ قال إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ...(2).

ويقول الرازي تعقيباً على هذه الرواية: إنّها كالمتّفق على صحّتها بين أهل التفسير والحديث(3).

الطائفة الثالثة: تعيينهم بتلاوة الآية على بابهم:أخرج الترمذي: عن أنس بن مالك: أنّ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم كان يمرّ بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر يقول: «الصلاة يا أهل البيت إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ...»(4). فإن قيل: إنّ الروايات إنّما تدلّ على شمول الآية لعلي وفاطمة والحسنين عليهم‌السلام،ولا ينافي ذلك شمولها لأزواج النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كما يفيده وقوع الآية في سياق خطابهنّ.

قلنا: إنّ كثيراً من هذه الروايات وخاصّة ما رويت عن أم سلمة - وفي بيتها


1) سنن الترمذي ٥: ٣٠ - ٣١، ح٣٢٥٨. وبهذا المضمون روايات أخرى، لاحظ سنن الكبرى ٢: ١٤٩.

2) صحيح مسلم ٧: ١٣٠.

3) التفسير الكبير ٨: ٨٥ .

4) سنن الترمذي ٥: ٣٠ - ٣١، ح٣٢٥٩.

نزلت الآية - تصرّح باختصاصها بهم وعدم شمولها لأزواج النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم .

فإن قيل: هذا مدفوع بنصّ الكتاب على شمولها لهنّ كوقوع الآية في سياق خطابهنّ.

قلنا: إنّما الشأن كلّ الشأن في اتّصال الآية بما قبلها من الآيات، فهذه الأحاديث على كثرتها البالغة ناصّة في نزول الآية وحدها، ولم يرد حتّى في رواية واحدة نزول هذه الآية في ضمن آيات نساء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، كما ينسب إلى عكرمة وعروة، الآية لم تكن بحسب النزول جزء من آيات نساء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ولا متصلة بها، وإنّما وضعت بينها إمّا بأمر من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، أو عند التأليف بعد الرحلة(1). أمّا القول الثاني: فإنّه ذهب إليه عكرمة مولى عبد اللّه‌ بن العبّاس وعروة بن الزبير ومقاتل بن سليمان.

أمّا عكرمة فكان يصرّ على أنّ الآية نازلة في خصوص أزواج النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم حتّى أنّه كان يمشي في الأسواق ويقول هذا الرأي، ويخطّئ الناس فيما كان الناس يعتقدون باختصاص الآية في خصوص أهل البيت عليهم‌السلام، فإنّه كان ينادي في السوق ويقول: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ...، نزلت في نساء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم خاصة(2). وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: من شاء باهلته أنّها نزلت في أزواج النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم (3). وفي الدر المنثور كان يقول: ليس بالذي تذهبون إليه، إنّما هو نساء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم (4).

وأمّا مقاتل بن سليمان فقد قال في تفسيره أنّ المراد بأهل البيت في الآية نساء


1) الميزان في تفسير القرآن ١٦: ٣١١ - ٣١٢.

2) جامع البيان ٢٢: ١٣٤، ح٢١٧٤٠.

3) الدر المنثور ٥: ١٩٨.

4) الدر المنثور ٥: ١٩٨.

النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، ويعلّل ذلك بقوله: لأنّهنّ في بيته(1).

وأمّا عروة بن الزبير أنّه قال: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا قال: يعني أزواج النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم نزلت في بيت عائشة(2). وقد نسب البعض هذا القول إلى آخرين كابن عبّاس وسعيد بن جبير والكلبي وعطاء(3).

مناقشة هذا القول:

أمّا عكرمة:

أوّلاً: إنّه في نفس كلامه ما يدلّ على أنّ رأى العام أنذاك كان نزول الآية في حقّ أهل البيت عليهم‌السلام خاصة دون غيرهم، لذا كان يمشي في الأسواق وينادي بقوله: ليس ما تذهبون إليه، وإنّما هو نساء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم .

ثانياً: هذا الرجل كان من المنحرفين فكرياً وعقائدياً، وكان من المعادين لأهل البيت عليهم‌السلام، ومن دعاة الخوارج.

وقد نقل الذهبي جملة من كلمات علماء السنّة في حقّه: عن خالد بن أبي عمران، قال: كنّا بالمغرب وعندنا عكرمة في وقت الموسم، فقال: وددت أن بيدي حربة. فأعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً. وعن يعقوب الحضرمي، عن جدّه، قال: وقف عكرمة على باب المسجد، فقال: ما فيه إلاّ كافر.

وعن حمّاد بن زيد عن عكرمة، قال: إنّما أنزل اللّه‌ متشابه القرآن ليضلّ به.

وعن الفضل السيناني عن رجل، قال: رأيت عكرمة قد أقيم قائماً في لعب


1) تفسير مقاتل بن سليمان ٣: ٤٥.

2) الطبقات الكبرى ٨: ١٩٩.

3) تحفة الأحوذي ٩: ٤٨.

النرد(1). وعن سماك قال: رأيت في يد عكرمة خاتماً من ذهب(2). وعن ابن عبّاس قال: قد جاء الخبيث(3).

وأمّا مذهبه(4)فقد روي عن ابن لهيعة وعلي بن المديني: كان عكرمة يرى رأي نجدة الحروري.

وعن أبي الأسود قال: كنت أوّل من سبب لعكرمة الخروج إلى المغرب، وذلك أني قدمت من مصر إلى المدينة، فلقيني عكرمة، وسألني عن أهل المغرب، فأخبرته بغفلتهم، قال: فخرج إليهم، وكان أوّل ما أحدث فيهم رأي الصفرية.

وعن عطاء قال: كان عكرمة إباضياً.

وعن أبي مريم قال: كان عكرمة بيهسياً.

وقد نصّ كثير من أئمّة السنّة أنّه كان كذّاباً(5).

عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال إنّه: كذّاب.

وعن عبد اللّه‌ بن الحارث قال: دخلت على علي بن عبد اللّه‌ فإذا عكرمة في

وثاق عند باب الحش، فقلت له: ألا تتقي اللّه‌! فقال: إنّ هذا الخبيث يكذب على أبي.

ويروى عن ابن المسيّب أنّه كذّب عكرمة.

قال محمّد بن سيرين: ما يسوءني أن يكون من أهل الجنّة، ولكنّه كذّاب.

وعن ابن المسيّب أنّه قال لمولاه برد: لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن


1) ميزان الاعتدال ٣: ٩٣ - ٩٧، برقم ٦٥٧١.

2) الطبقات الكبرى ٥: ٢٩٢، برقم٩٠٤.

3) فتح الباري بشرح صحيح البخاري مقدّمة: ٤٢٥.

4) سير أعلام النبلاء ٥: ٢٠ - ٢١.

5) ميزان الاعتدال ٣: ٩٣ - ٩٧، برقم ٦٥٧١.

عبّاس. وعن ابن أبي ذئب يقول: رأيت عكرمة، وكان غير ثقة. قال محمّد بن سعد: وليس يحتجّ بحديثه، ويتكلّم الناس فيه. ولذا نجد أنّ مسلم تجنب الحديث عنه، وروى له قليلاً مقروناً بغيره، وأعرض عنه مالك وتحايده إلاّ في حديث أو حديثين(1). ومع تكذيب مجاهد وابن سيرين ومالك لعكرمة إلاّ نفس الذهبي توقّف فيه(2). وبعد هذه الكلمات المتظافرة من أعلام السنّة ومن أئمّة الجرح والتعديل

كالذهبي وغيره في انحراف الرجل عن الحقّ، وتكفيره للمسلمين، وارتكاب المحرّمات، كيف يمكن الاعتماد على كلامه، والأخذ بقوله؟

أمّا مقاتل بن سليمان:

قال ابن المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة.

وعن يحيى قال: ليس حديثه بشيء.

وقال أبو حنيفة: أفرط جهم في نفى التشبيه، حتّى قال: إنّه تعالى ليس بشيء.

وأفرط مقاتل - يعني في الإثبات - حتّى جعله مثل خلقه.

وقال وكيع والنسائي: كان كذّاباً.

وقال الجوزجاني: كان دجّالاً جسوراً.

وقال البخاري: قال سفيان بن عيينة: سمعت مقاتلاً يقول: إن لم يخرج الدجّال

في سنة خمسين ومائة فاعلموا أنّي كذّاب.

وقال العبّاس بن مصعب في تاريخ مرو: كان مقاتل لا يضبط الإسناد، وكان


1) ميزان الاعتدال ٣: ٩٣، برقم ٦٥٧١.

2) المغني في الضعفاء ٢: ٦٧، برقم ٤١٦٩.

يقصّ في الجامع بمرو، فقدم جهم فجلس إلى مقاتل، فوقعت العصبية بينهما، فوضع كلّ واحد منهما على الآخر كتاباً ينقض على صاحبه. وعن أبي اليمان يقول: قدم ها هنا فأسند ظهره إلى القبلة، وقال: سلوني عمّا دون العرش - وحدّثت أنّه قال مثلها بمكّة - فقام إليه رجل، فقال: أخبرني عن النملة أين أمعاؤها؟ فسكت. وقال ابن حبّان: كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان يشبّه الربّ بالمخلوقات، وكان يكذب في الحديث. وقال أبو معاذ الفضل بن خالد المروزي: سمعت خارجة بن مصعب يقول: لم أستحلّ دم يهودي، ولو وجد مقاتل بن سليمان خلوة لشققت بطنه(1).

قال ابن حجر عنه: كذّبوه وهجروه ورمي بالتجسيم(2). وقال ابن حجر عن إبراهيم الحربي: مات الضحاك قبل أن يولد مقاتل بأربع سنين. قال: ولم يسمع من مجاهد شيئاً، ولم يلقه.

قال أبو حنيفة: أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطّل، ومقاتل مشبّه.

وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أخرجت خراسان ثلاثة لم يكن لهم في

الدنيا نظير - يعني في البدعة والكذب - جهم ومقاتل وعمر بن صبح.

وقال خارجة بن صعب: كان جهم ومقاتل عندنا فاسقين فاجرين.

وقال خارجة أيضاً: لم استحلّ دم يهودي ولا ذميّ، ولو قدرت على مقاتل ابن سليمان في موضع لا يرانا فيه أحد لقتلته.

وقال أبو يوسف بخراسان: صنفان ما على الأرض أبغض إليّ منهم: المقاتلية،


1) ميزان الاعتدال ٤: ١٧٣ - ١٧٥، برقم ٨٧٤١، ولاحظ: سير أعلام النبلاء ٧: ٢٠١ - ٢٠٢، برقم ٧٩.

2) تقريب التهذيب ٢: ٢١٠، برقم ٦٨٩٢.

والجهمية.

وقال البخاري: منكر الحديث سكتوا عنه، وقال في موضع آخر: لا شيء البتّة.

وقال الدارقطني: يكذب، وعدّه في المتروكين(1).

وعن هارون بن أبي عبيد اللّه‌، عن أبيه: قال لي المهدي: ألا ترى إلى ما يقول هذا - يعني مقاتلاَ؟ قال: إن شئت وضعت لك أحاديث في العبّاس. قال: قلت: لا حاجة لي فيها.

وعن أبي عبيد اللّه‌، قال: قال لي أمير المؤمنين المهدي: لما أتانا نعي مقاتل اشتد ذلك عليّ، فذكرته لأمير المؤمنين أبي جعفر، فقال: لا يكبر عليك فإنّه كان يقول لي: أنظر ما تحبّ أن أحدّثه فيك حتّى أحدّثه(2). وذكره الذهبي(3)وابن الجوزي(4)والعقيلي(5)والدارقطني(6)وابن عدي(7)في كتاب الضعفاء.

أمّا عروة بن الزبير:

وكان عروة بن الزبير ممّن جعلهم معاوية من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه‌السلام، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلاً يرغب في مثله.


1) تهذيب التهذيب ١٠: ٢٤٩ - ٢٥٤.

2) تهذيب الكمال ٢٨: ٤٤٦.

3) المغني في الضعفاء ٢: ٤٢٧، برقم ٦٤٠١.

4) كتاب الضعفاء والمتروكين ٣: ١٣٦ - ١٣٧، برقم ٣٤٠٢.

5) الضعفاء الكبير للعقيلي ٤: ٢٣٨، برقم ١٨٣٣.

6) كتاب الضعفاء والمتروكين: ١١.

7) الكامل في ضعفاء الرجال ٦: ٤٣٥، برقم ١٩١٤.

وممّا رواه عروة عن عائشة قالت: كنت عند رسول اللّه‌ إذ أقبل العبّاس وعلي، فقال: يا عائشة، إن هذين يموتان على غير ملّتي، أو قال ديني(1). وروايته عن عائشة فقال: يا عائشة، إن سرك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار، فانظري إلى هذين قد طلعا، فنظرت، فإذا العبّاس وعلي بن أبيطالب(2).

وقد تظاهرت الرواية عن عروة بن الزبير أنّه كان يأخذه الزمع عند ذكر علي عليه‌السلامفيسبّه ويضرب بإحدى يديه على الأخرى، ويقول: وما يغنى أنّه لم يخالف إلى ما نهى عنه، وقد أراق من دماء المسلمين ما أراق(3)! عن محمّد بن شيبة قال: شهدت مسجد المدينة، فإذا الزهري وعروة بن الزبير

جالسان يذكران عليّاً عليه‌السلام، فنالا منه، فبلغ ذلك علي بن الحسين عليه‌السلام، فجاء حتّى وقف عليهما، فقال: «أمّا أنت يا عروة، فإن أبي حاكم أباك إلى اللّه‌، فحكم لأبي على أبيك، وأمّا أنت يا زهري، فلو كنت بمكة لأريتك كبر أبيك»(4).

وقد روي من طرق كثيرة أنّ عروة بن الزبير كان يقول: لم يكن أحد من أصحاب رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم يزهو(5)إلاّ علي بن أبيطالب وأُسامة بن زيد(6). وعن يحيى بن عروة، قال: كان أبي إذا ذكر عليّاً نال منه(7). وأمّا ما نسب إلى سعيد بن جبير والكلبي، فهو يخالف ما روي عنهم في عدم

شمول نساء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في الآية(8).


1) شرح نهج البلاغة ٤: ٦٣ - ٦٤.

2) شرح نهج البلاغة ٤: ٦٣ - ٦٤.

3) شرح نهج البلاغة ٤: ٦٩ - ٧٠.

4) شرح نهج البلاغة ٤: ١٠٢.

5) أي يفتخر ويتكبر، الصحاح ٦: ٢٣٧.

6) شرح نهج البلاغة ٤: ١٠٢.

7) شرح نهج البلاغة ٤: ١٠٢.

8) تحفة الأحوذي ٩: ٤٨.

وابن عبّاس نقل عنه بطريقين: تارة عن طريق سعيد بن جبير، وأخرى عن طريق عكرمة(1).

وقد عرفت حال عكرمة، فيكون النقل عنه ليس بثابت، بل نقل عنه خلاف ذلك قال: شهدنا رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم تسعة أشهر يأتي كلّ يوم باب علي بن أبيطالب رضي اللّه‌ عنه عند وقت كلّ صلاة فيقول: «السلام عليكم ورحمة اللّه‌ وبركاته أهل البيت: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ...» الصلاة رحمكم اللّه‌ كلّ يوم خمس مرّات»(2). وقريب منه روى ابن مردويه عن سعيد بن جبير(3). أضف إلى ذلك هذا القول يعرض الأخبار الصحيحة المعتبرة المعتمدة المتّفق عليها بين المسلمين، فلا يمكن الركون إلى هذا القول.

وأمّا القول الثالث: من أنّها في الأهل والأزواج، نُسب إلى الضحّاك(4)، وإن كان هذا الرأي السائد الآن في المدرسة السنّية، والدليل على ذلك هو سياق الآية ؛ إنّ الآيات المرتبطة بأزواج النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم تبتدئ من الآية ٢٨ وتنتهي بالآية ٣٤، يث إنّ الآيات تبيّن أحكام أزواج النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في صدر آية التطهير والآيات السابقة عليها واللاحقة عليها.

الضحّاك بن مزاحم:

وأمّا الضحّاك بن مزاحم فقد وقع الخلاف في توثيق هذا الرجل بين أعلام


1) الدر المنثور ٥: ١٩٨.

2) الدر المنثور ٥: ١٩٩.

3) الدر المنثور ٥: ١٩٩.

4) لاحظ زاد المسير ٦: ١٩٨، النكت والعيون ٤: ٤٠١.

الرجاليين من السنّة: قال الذهبي: الضحّاك بن مزاحم البلخي المفسّر، أبو القاسم. ويروى أنّ الضحّاك حملت به أمّه عامين. قال ابن عدي: رواياته عن ابن عبّاس وأبي هريرة، وجميع من روى عنه ففي

ذلك كلّه نظر. وينكر شعبة وعبد الملك بن ميسرة ومشاش أن يكون الضحّاك لقى ابن عبّاس قط.

وقال يحيى بن سعيد: الضحّاك ضعيف عندنا(1). وذكره الذهبي(2)، وابن الجوزي(3)، والعقيلي(4)، وابن عدي(5)في كتاب الضعفاء. وعليه لا يمكن الركون إلى هذا الرجل في إخباره.

وحدة السياق:

أمّا ما يرتبط بدعوى وحدة السياق، من أنّ الآية وردت في ثنايا الآيات المرتبطة بنساء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بحيث الآية التي قبلها وبعدها بل حتّى صدر نفس آية التطهير راجعاً إليهنّ، ومعه كيف يمكن أن تكون هذه الآية راجعة إلى أهل البيت عليهم‌السلام ؛ فإنّ وحدة السياق تقتضي على أنّ الكلّ راجع إلى موضوع واحد، وإرجاعها إلى غير نسائه يستلزم التفكيك بين أجزاء آية واحدة.

نعم، لو كانت آية التطهير آية مستقلّة لا جزء آية كان الإشكال أضعف، إلاّ أنّها جزء من آية واحدة نزلت في نساء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم .

والجواب: لا شكّ أنّ السياق من الأمارات الظنّية المعتبرة عرفاً، ومن الأمور


1) ميزان الاعتدال ٢: ٣٢٥ - ٣٢٦، برقم ٣٩٤٢.

2) المغني في الضعفاء ١: ٤٠٤، برقم ٢٩١٢.

3) كتاب الضعفاء والمتروكين ٢: ٦٠، برقم ١٧١٤.

4) الضعفاء الكبير ٢: ٢١٨، برقم ٧٥٨.

5) الكامل في ضعفاء الرجال ٤: ٩٥، برقم ٩٤٤.

التي تستدلّ بها على كشف المراد، وجعل صدر الكلام ووسطه وذيله قرينة على المراد، هذا بشكل عام، إلاّ أنّه في خصوص القرآن حيث إنّ نظمه لم يجر على أساس التسلسل الزمني في النزول، فربّ آية مكّية وضعت بين آيات مدنية وبالعكس، فضلاً عن إثبات أنّ الآيات المتسلسلة كان نزولها دفعة واحدة.

ومع تولدّ هذا الاحتمال لا يبقى مجال للتمسّك بوحدة السياق، وأيّ سياق يصلح للقرينية مع احتمال التعدّد في أطرافه وتباعد ما بينها في النزول ؛ لأنّ من شرائط التمسّك بوحدة السياق أن يعلم وحدة الكلام ليكون بعضه قرينة على المراد من البعض الآخر، ومع احتمال التعدّد في الكلام لا مجال للتمسّك بها بحال من الأحوال.

ووقوع هذه الآية أو هذا القسم منها ضمن ما نزل في زوجات النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، لا يدلّ على وحدة الكلام. ولو سلّم بوجود السياق إلاّ أنّه لابدّ من رفع اليد عنه لوجود روايات كثيرة في تعيين أهل البيت عليهم‌السلام تزيد على سبعين حديثاً، والأخبار الواردة من طرق أهل السنّة أكثر ممّا ورد عن طرق الشيعة، فلابدّ من رفع اليد عن وحدة السياق وقرينيته، لدليل ونصّ أقوى من السياق.

مضافاً إلى ذلك أنّ هناك دلائل قطعية تفيد على أنّ آية التطهير آية مستقلّة

نزلت كذلك، ووقعت في ثنايا آيات نسائه لمصلحة كان صاحب الشريعة أعرف بها: منها: تذكير الضمير في آية التطهير وتأنيث بقية الضمائر في الآيات السابقة عليها واللاحقة لها ؛ إذ وحدة السياق تقتضي اتّحاداً في نوع الضمائر. منها: أنّ الظاهر من روايات أمّ سلمة - وهي التي نزلت في بيتها هذه الآية -

أنّها نزلت منفردة، كما توحي به مختلف الأجواء التي رسمتها رواياتها لما أحاط بها

من جمع أهل البيت عليهم‌السلام، وادخالهم في الكساء، ومنعها من مشاركتهم في الدخول إلى ما هنالك.

والحقّ الذي يتراءى من مجموع ما ذكر من نزول الآية وحرص النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم على عدم مشاركة الغير لهم فيها، واتّخاذه الاحتياطات بإدخالهم تحت الكساء، ليقطع بها الطريق على كلّ احتمال.

ثمّ تأكيده هذا المعنى خلال تسعة أشهر في كلّ يوم خمس مرّات يقف فيها على باب علي وفاطمة، كلّ ذلك ما يوجب القطع بأنّ للآية شأناً يتجاوز المناحي العاطفية، وهو ما يتنزّه عنه مقام النبوّة لأمر يتّصل بصميم التشريع من إثبات العصمة لهم، وما يلازم ذلك من لزوم الرجوع إليهم والتأثر والتأسّي بهم في أخذ الأحكام(1).

ومضافاً إلى جميع ما تقدّم، فإنّ هذا القول يتنافى مع أقوال بعض أمّهات المؤمنين، كأمّ سلمة وعائشة وزينب، حيث إنّهنّ لم تدّعينّ نزول الآية في حقّهم ؛ وبذلك ممّا روي عنهنّ من عدم إدخال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لهنّ تحت الكساء.

عن إسماعيل بن عبد اللّه‌ بن جعفر الطيار، عن أبيه قال: لما نظر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم إلى الرحمة هابطة من السماء قال: من يدعو؟ - مرّتين - فقالت زينب: أنا وذكر مثله، وقال: حسناً عن يمناه وحسينا عن يسراه وعليّاً وفاطمة وجاهه، ثمّ غشاهم كساءً خيبرياً، ثمّ قال: وذكر مثله إلى [قوله:] فقال رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم . مكانك فإنك إلى خير إن شاء اللّه‌(2).


1) الأصول العامة للفقه المقارن: ١٥٨.

2) شواهد التنزيل ٢: ٥٤، ح٦٧٤.

النقطة الثانية: دلالة الآية على العصمة:

أمّا معنى الرجس ففيه أقوال(1).

أحدها: الإثمّ، قاله السدي.

الثاني: الشرك، قاله الحسن.

الثالث: الشيطان، قاله ابن زيد.

الرابع: المعاصي.

الخامس: الشكّ.

السادس: الأقذار.

إنّ دلالة هذه الآية على عصمة أهل البيت عليهم‌السلام تكون على النحو التالي: إنّ تعلّق إرادة اللّه‌ الخاصّة بطهارة أهل البيت عليهم‌السلام من أي نوع من أنواع الرجس يلازم عصمتهم من الذنوب والمعاصي ؛ لأنّ المقصود من تطهيرهم من «الرجس» في الآية هو تطهيرهم من أي نوع من أنواع القذارة الفكرية والروحية، والعملية التي من أبرزها المعاصي والذنوب.

وحيث إنّ هذه الإرادة تعلّقت بأفراد مخصوصين لا بجميع الأفراد، فإنّها تختلف عن إرادة التطهير التي تعلّقت بالجميع بدون استثناء. إنّ إرادة التطهير التي تشمل عامّة المسلمين إرادة تشريعيّة، وما أكثر الموارد التي تتخلّف فيها هذه الإرادة، ولا تتحقق بسبب تمرد الأشخاص، وعدم إطاعتهم للأوأمر والنواهي الشرعيّة، في حين أنّ هذه الإرادة إرادة تكوينية لا تخلّف فيها المراد والمتعلّق (وهو العصمة عن الذنب والمعصية) عنها أبداً.


1) النكت والعيون ٤: ٤٠٠ - ٤٠١.

والجدير بالذكر أن تعلّق الإرادة التكوينيّة الإلهيّة بعصمة أهل البيت عليهم‌السلام لا توجب سلب الاختيار والحريّة عنهم تماماً، كما لا يوجب تعلّق الإرادة التكوينية الإلهية بعصمة الأنبياء سلب الاختيار والحرية عن الأنبياء أيضاً(1).

نقطة التحوّل:

وأخيراً فإنّ «محمّد مرتضى»: اقتنع بكلام صديقه، واندفع للالتحاق بمدرسة أهل البيت عليهم‌السلام لمواصلة دراسته، وتلقّي علوم ومعارف عترة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم . يقول: «فبقيت مدّة ثلاثة سنوات في هذه المدرسة حتّى أكمّل صورة التشيّع في ذهني، فلم أجد بدّاً بعدها سوى الانتماء إلى التشيّع، ثمّ أعلنت تشيّعي، وكان ذلك عام ١٤١٢ه ، ١٩٩٢م في غانا بالعاصمة «آكرا».

ثمّ عدت إلى منطقتنا «تمالي» وهناك أيضاً التحقت بمدرسة الفتح المبين لأهل البيت عليهم‌السلام، وهي مدرسة شيعية. ودرست فيها أيضاً مدّة ثلاث سنوات، وبعد تخرّجي أصبحت مدرّساً فيها، وتوجّهت خلال ذلك أيضاً إلى التبليغ، فكنت أدعوا كلّ من أجد فيه أمل الاهتداء إلى مذهب أهل البيت عليهم‌السلام.

وقد وفقّت في هذا السبيل، وقد استبصر بعون اللّه‌ جملة من أصدقائي وتلاميذي على يدي، وهناك الكثير أؤمّل استبصارهم في القريب العاجل إن شاء اللّه‌».


1) العقيدة الإسلاميّة على ضوء مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام: ٢٠٤ - ٢٠٥.

{٥٧} نور محمّد (مالكي / غانا)

ولد «نور محمّد» ١٣٩٥ه ، (١٩٧٦م) في مدينة (آكرا) من دولة غانا في أسرة تنتمي إلى المذهب المالكي، ودرس في المدارس الحكومية إلى المرحلة الثانوية، وقد اهتمّ في بلاده بقراءة الكتب الشيعيّة المترجمة إلى الانجليزيّة، والتي أثارت في ذهنه تساؤلات عدّة، ما أدّى به في نهاية المطاف إلى إعلان استبصاره عام ١٤١٩ه ، (١٩٩٩م).

قصّة الاستبصار:

يحدّثنا «نور محمّد» عن قصّة استبصاره، فيقول: كنتُ في بادئ الأمر سنّياً مالكياً، وعضواً فاعلاً في مجتمعي، وذلك من خلال النشاطات التبليغية والدعوية التي كنت أمارسها بكلّ نجاح، فقد أصبحتُ رئيساً لجمعيّة الشباب الإسلاميّة للدعوة والتبليغ. ومن حُسن الصُدف أننا قمنا - كجمعيّة - بمراسلات بعض

المؤسّسات الإسلاميّة في إيران، ومنها مؤسسة تابعة للسيّد الموسوي اللاري، الذي

كان يرسل إلينا كُتباً مترجمة إلى الانجليزيّة، وأحيانا كتباً عربيّة، وما كنّا نعير أهميّة

تذكر لهذه الكتب، بل كنّا نركمها مع سائر الكتب المهملة.

نتائج أولية حول صدق ما يقوله الشيعة، وصار عندي ميل شديد لهذا المذهب، ولكن لم أصل إلى قناعة نهائيّة لإعلان استبصاري، إلى أن قدمتُ إلى مدينة قم المقدّسة، حيث توفّرت لي فرصة ممتازة لأكمال دراستي للمذهب، وآلت في النهاية إلى إعلان استبصاري على الملأ وانتمائي إلى مذهب أهل البيت عليهم‌السلام.

الإمامة نصّ أم شورى:

طُرحت بعد وفاة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم رؤيتان حول حقيقة الإمامة، فقد أكّدت إحداها على أنّ الإمامة لا تعدو أن تكون قيادة للأمّة تعنى بتنظيم شؤونها، والدفاع عن حياضها، وتأمين الأمن الداخلي، إلى غير ذلك من الواجبات التي تمارسها أيّ حكومة.

وبهذا يكون اختيار الإمام أمراً يسيراً لا يتطلّب جهداً كبيراً، فقد يحصل اختياره بتعيين أهل الحلّ والعقد أو الإرث ؛ لأنّ هناك الكثيرين في كلّ أمّة ممّن يتمكّنون من القيام بالوظائف المذكورة آنفاً، ويمكن لمن يمتلك شيئاً من الخبرة أن يعرفهم ويعيّنهم.

ومن جهة أخرى يمكن أن يكون الإمام - وفقاً لهذه المواصفات – جبّاراً ظالماً وأنّ يتسلّط على رقاب المسلمين بالقوّة والإكراه، فما دام أنّه يتمكّن من تنظيم شؤون الأُمّة والدفاع عنها أمام الأخطار الداخليّة والخارجيّة، فيمكن أن يكون إماماً وخليفة. وأمّا الرؤية الأخرى فترى الإمامة مقاماً إلهياً رفيعاً وخلافةً لرسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم بحقيقة معنى الكلمة، بحيث ينبغي أن يتوفّر في الإمام صفات تمكّنه من أن يصبح هادياً للأمّة إلى كما لها الذي خُلقت من أجله.

ومن أهمّ الصفات التي ينبغي أن يتّصف بها الإمام العلم، فهو من الصفات

التي لاغنى للإمام عنها ؛ إذ بدونها لا يؤمن من أن يتحوّل الإمام من هادي للأمّة إلى مضلّ لها، من حيث يشعر أو لا يشعر، فيملك ويهلك من اتّبعه، فالجاهل لا يتمكّن من ممارسة دور الهداية مهما بلغ حرصه على الدين.

ومثال ذلك ليس بعزيز، فهؤلاء الخوارج أمامنا، فقد أدّى بهم جهلهم المطبق والمختلط بحرص ظاهري على الدين إلى الوقوع في مطبّات والدخول في متاهات لا نهاية لها، فتحّولوا إلى ضالين مضلّين، كلّ ذلك بسبب الجهل وفقدان الوعي الصحيح الذي كان مسيطراً عليهم.

وممّا ينبغي أن يتّصف به الإمام أيضاً صفة «العصمة» من المعاصي والأخطاء، وهي صفة ضرورية في الإمام الهادي، فبدونها لا يؤمن عليه الانحراف وتجاوز القواعد العامّة للسلوك ا لصحيح، ويؤدّي بالتالي إلى إدخال الأُمّة التي تسير على خطاه في مسارات مظلمة لا تحمد عقباها.

وقد عانت الأُمّة الإسلاميّة الأمرّين جرّاء فقدان شرط العصمة في قادتها الذين تسلّموا زمام أمورها، فقد شهد التاريخ الإسلامي عبثيّة جارفة واستهتاراً منقطع النظير بدين الناس ودمائهم وأعراضهم، ورسمت بذلك صفحات ملأى بالظلم والظلام يندى لها الجبين.

فهذه وغيرها هي أهمّ الصفات التي ينبغي أن يتوفّر عليها القائد، لكي يتمكّن من قيادة دفّة الأُمّة والوصول بها إلى شاطئ الأمان. ولكن من يتمكّن من تحديد الشخص الذي يتمتّع بهذه الصفات بصورة

حقيقيّة، بحيث يمتلك القدر الكافي من العلوم والعصمة والحرص على سلامة الدين، وغير ذلك من الصفات التي يتحتّم توفّرها في الإمام؟

لقد أثبتت التجربة التاريخيّة أنّ الأُمّة كلّها وحتّى أصحاب النظر الثاقب في

المجتمع قد يخطئون في تحديد الشخص المناسب لمنصب الإمامة، وعلى فرض تمكّنهم من تحديد الشخص المناسب، لكن لا توجد أي ضمانة تضمن بقاءه على نفس الحال التي كان عليها بعد مرور عدّة سنوات، فإنّ غير المعصوم لا يمكن ضمان سلامته إلى الأبد، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى أنّ المعصوم لا يمكن التعرّف عليه على وجه الدقّة ؛ فإنّ العصمة صفة نفسانيّة داخليّة، لا يمكن معرفتها وتحديدها بالدّقة. إذن لابدّ من الرجوع إلى بارئ الإنسان، العالم بضمائر البشر وخفايا ما تطوي صدورهم، فهو الوحيد القادر على تعيين ذلك الشخص وتعريفه للناس، وهو لا يتمّ إلاّ عن طريق النصّ الإلهي الذي يمكننا الاطلاع عليه عن طريق النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، الذي يشكّل الواسطة بيننا وبينه جلّ وعلا.

إذن لا يصح اعتبار الإمامة شورى بين المسلمين، فهي ليست مجرّد قيادة سياسيّة بسيطة، بل هي هداية وتعريف بالحقّ ودعوة إلى الكمال، فلا يمكن أن تكون إلاّ عبر إنسان منصّب من قبل اللّه‌ تعالى.

لقد أثارت هذه الرؤية - والتي تمثّل خلاصة رؤية الشيعة الإماميّة – عقل «نور محمّد»، فأخذ يبحث وينقّب في الكتب ويسأل ويتباحث مع أصحاب الفكر، حتّى توصّل إلى قناعة فكريّة كاملة بصحّة الفكر الشيعي ككُل الأمر الذي دعاه إلى إعلان استبصاره وركوبه سفينة النجاة، سفينة علي وأهل بيته الكرام عليهم السلام.

{٥٨} هارون كمغتي (مالكي / غانا)

الصورة

H26

ولد بمدينة (بولي) في غانا، نشأ في أحضان أسرة تنتمي للمذهب المالكي، درس في المدارس الأكاديميّة حتّى أكمل المتوسطة، وبعدها دخل في المدارس الدينية، وحضر عند علماء السنّة، وخلال دراسته تعرّف على بعض الشيعة، وتعرّف أيضاً على أرائهم ومعتقداتهم، ثمّ بدأ بالمقايسة والتحقيق بين المذهبين، ممّا جعله يتشرّف إلى مذهب أهل البيت عليهم‌السلام، واستبصر سنة ٢٠٠٠م في مسقط رأسه.

في رحاب كلام العترة الطاهرة:

يقول «هارون»: «لازلت أذكر ذلك اليوم الذي حصلت فيه على نسخة من كتاب مفاتيح الجنان للشيخ عبّاس القمّي، فتصفّحته وطالعت بعض فقراته، فوجدته كتاباً قيّماً رائعاً، فيه أدعية نالت إعجابي، بحيث إنّني أحسست من خلال قراءتها والتفكّر في مضامينها أثر الصفاء الروحي، والتأثّر المعنوي في نفسي، ومن جانب آخر وجدته كتاباً يغذّي الجانب العلمي والعقلي، مضافاً إلى الجانب الروحي.

وازداد تعلّقي وانجذابي بهذا الكتاب حين علمت بمصادره ومنابعه، من أنّ هن الكتاب يحتوي على أدعية صادرة من النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم وأهل بيته عليهم‌السلامالكرام

الذين أذهب اللّه‌ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً».

فقد ورد في زيارة الجامعة في وصف كلامهم «كلامكم نور وأمركم رشد، ووصيتكم التقوى، وفعلكم الخير، وعادتكم الإحسان، وسجيتكم الكرم، وشأنكم الحقّ والصدق والرفق، وقولكم حكم وحتم، ورأيكم علم وحلم وحزم»(1). فإنّ هذه الأدعية صادرة من بيت كلامهم نور، وعلم وهداية من اللّه‌ تبارك وتعالى.

ومن الأدعية التي تدهش الإنسان وتحيّره: دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه‌السلام: حيث يدعو اللّه‌ تعالى بكلام هو بحقّ دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق: «اللّهم يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلّجه، وسرّح قطع الليل المظلم بغياهب تلجلجه، واتقن صنع الفلك الدوار في مقادير تبرجه، وشعشع ضياء الشمس بنور تاججه، يا من دلّ على ذاته بذاته وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته، وجل عن ملاءمة كيفياته، يا من قرب من خطرات الظنون، وبعد عن لحظات العيون، وعلم بما كان قبل أن يكون...»(2).

فلا يمكن أن يصدر هذا الكلام إلاّ من شخص مرتبط باللّه‌، ومستقياً من بيت الوحي، ومن باب مدينة العلم. فهذا الدعاء في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة، فانظر إلى أوّل فقرة منه: «اللّهم يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه». أو انظر إلى قوله: «يا من دل على ذاته بذاته» كيف يشير إلى دلائل وجود

اللّه‌ تبارك وتعالى. وهذا نظير ما ورد في كلمات الإمام زين العابدين عليه‌السلام حيث يقول: «بك


1) من لا يحضره الفقيه ٢: ٦٠٩، ح٣٢١٣.

2) بحار الأنوار ٨٤: ٣٣٩، ج١٩.

عرفتك، وأنت دللتني عليك، ودعوتني اليك، ولولا أنت لم ادر ما أنت»(1).

فإنّ أدعيتهم، تمتاز بأساليبها الرائعة، فقد بلغت الذروة في بلاغتها وفصاحتها، فليس في أيّ فقرة من فقراتها، جملة أو كلمة، يمجّها الطبع، وينفر منها الذوق، فقد نظمت في أرقى أسلاك البلاغة والفصاحة.

رسالة العقل والعاطفة:

يضيف «هارون» قائلاً: عندما كنت اطالع في كتاب مفاتيح الجنان وأتفكّر في حالة الارتباط بين الإنسان وربّه، فهمت بأنّ الارتباط مع اللّه‌ عزّ وجلّ ليس من نوع الارتباط الجاف الذي يجب أن يقوم العبد فيه بمجموعة من الاوأمر والتكاليف والأعمال اتّجاه ربّه خالية عن كلّ عاطفة وأحاسيس، ولم يكن الدين الإسلامي والرسالة المحمّدية برنامجاً خاصّاً غير متناسب مع روح الإنسان وأحاسيسه، بل هو برنامج لتنظيم العقل والعاطفة بنظام الدين، وإنّ الارتباط العاطفي مع اللّه‌ عزّ وجلّ ورسوله صلى الله عليه و آله و سلم وأهل بيته عليهم‌السلام هو جزء من الدين، ومن الناحية العقليّة لا ينكر المفكّر بأنّ للعاطفة دوراً كبيراً في مسألة الاتّباع، ولا يمكن الأمر بطاعة شخص بدون وجود ارتباط عاطفي قويم، وأحاسيس قويّة بين الشخص والناس. فمسألة المحبّة هي من المسائل المهمّة الدينيّة.

قال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(2).

فمن أحبّ اللّه‌ أحبّه اللّه‌، ومن أحبّه اللّه‌ عزّ وجلّ كان من الآمنين(3).


1) إقبال الأعمال ١: ١٥٧.

2) آل عمران ٣ : ٣١.

3) الأمالي للصدوق: ٩٢، ح٥ ٦٥.

فالآية تشير إلى أنّ الحبّ ليس بالعلاقة القلبيّة فحسب، بل يجب أن تظهر آثاره في عمل الإنسان وسلوكه.

إنّ من يدّعي حبّه للّه‌ تعالى إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ، فعليه أن يتّبع رسوله «فَاتَّبِعُونِي»، فإنّ اللّه‌ يخاطب نبيّه بأن يقول للمسلمين: إنّ حبّه يلازم حبّ نبيّه ؛ لأنّ من آثار الحبّ الطبيعيّة انجذاب المحبّ نحو المحبوب والاستجابة له، والسعي في تحقيق طلباته، وإتيان جميع أوامره كاملة منها اتباع رسوله ؛ فكيف يمكن لإنسان أن يعشق اللّه‌ ويعصي أوامره وتعاليمه؟! فإن عصى، فذلك دليل على أنّ حبّه غير حقيقي.

وأمّا ما ورد في أخبار أهل البيت عليهم‌السلام من أهميّة المحبّة، قول أبي جعفر عليه‌السلام: «وهل الدين إلاّ الحب»، أو قوله عليه‌السلام: «الدين هو الحبّ، والحبّ هو الدين»(1). وعن أمير المؤمنين عليه‌السلام في أنّ الدين يقوم دعائمه على محبّة اللّه‌: «ثمّ إنّ هذا الإسلام دين اللّه‌ الذي اصطفاه لنفسه، واصطنعه على عينه، وأصفاه خيرة خلقه، وأقام دعائمه على محبّته»(2).

وكلّما كانت رابطة الحبّ أكثر قوّة، كانت هذه الجاذبيّة قويّة أكثر، فهذا الارتباط العاطفي هو يشدّ المؤمن إلى الصراط المستقيم، من خلال الأجواء العاطفيّة التي تشدّه بينه وبين ربّه، فشملته العناية الإلهيّة، والفيوضات الربّانية. فقد ورد عن الإمام الحسين عليه‌السلام في دعاء يوم عرفة قوله يناجي ربّه: «أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتّى عرفوك ووحدوك، وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبّائك حتّى لم يحبّوا سواك، ولم يلجأوا إلى غيرك، أنت المونس لهم حيث أوحشتهم العوالم، وأنت الذي هديتهم حيث استبانت لهم المعالم، ماذا


1) المحاسن ١: ٢٦٢ - ٢٦٣، ح٣٢٧.

2) نهج البلاغة ٢: ١٧٤، خطبة ١٩٧.

وجد من فقدك، وما الذي فقد من وجدك، لقد خاب من رضى دونك بدلاً، ولقد خسر من بغى عنك متحوّلاً، كيف يرجى سواك، وأنت ما قطعت الاحسان، وكيف يطلب من غيرك وأنت ما بدّلت عادة الامتنان...».

ويقول «هارون»: كلّ ما أقرأ من دعاء أو زيارة كنت أشعر بالتقرّب من اللّه‌ تعالى، وأحسّ بحقيقة العبادة وجوهرها وحقيقتها، التي تتجلّى في إقبال العبد المحتاج إلى المعبود الغني يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ(1). وانظر إلى هذا الدعاء الوارد عن الإمام السجّاد عليه‌السلام المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي كيف يعدّد أنعم اللّه‌ تعالى لعباده: «سيّدي أنا الصغير الذي ربيته، وأنا الجاهل الذي علّمته، وأنا الضالّ الذي هديته، وأنا الوضيع الذي رفعته، وأنا الخائف الذي آمنته، والجايع الذي اشبعته، والعطشان الذي ارويته، والعاري الذي كسوته، والفقير الذي اغنيته، والضعيف الذي قوّيته، والذليل الذي اعززته، والسقيم الذي شفيته، والسائل الذي اعطيته، والمذنب الذي سترته، والخاطئ الذي اقلته، وأنا القليل الذي كثرته، والمستضعف الذي نصرته، وأنا الطريد الذي آويته...»(2).

وهذا الإقبال إلى اللّه‌ هو التعبير الحي عن الصلة بين الخالق والمخلوق، ومدّ للجسور بين المولى وعبده، وعن شعور الإنسان بحاجته الدائمة إلى ربّه تبارك وتعالى في جميع أموره، وهذه العلاقة التي تستدرّ الفيوضات والبركات الإلهيّة لتنثال على المؤمن وتغسل أدران نفسه.

تشرّفه بمذهب أهل البيت عليهم‌السلام:

إنّ «هارون» عند دراسته للعلوم الدينيّة عند علماء السنّة، خاض دراسة


1) فاطر ٣٥ : ١٥.

2) مصباح المتهجّد: ٥٨٢.

حرّة حول عقائد الشيعة الإماميّة وآرائهم، حتّى امتلأ رصيده الفكري من معارف أهل البيت عليهم‌السلام، ومن ثمّ بدأ بالمقايسة بين المذهبين، وبعد البحث والتفكّر والتحقيق عثر على الأجوبة الصحيحة للأسئلة المختلفة التي كانت تختلج في ذهنه، ممّا جعل رؤيته تنفتح على عالم آخر، واستضاف قلبه أحاسيس جديدة تدعوه إلى التحرّر من الانقياد الأعمى، وتشجّعه على الالتحاق بموكب السعادة والكمال، وتدفعه للخروج من ركب التيه والضلال فما كانت النتيجة إلاّ أن تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت عليهم‌السلام الذين أذهب اللّه‌ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وجعلهم عدلاً للقرآن، وسفناً للنجاة، وأماناً لأهل الأرض، وأوجب طاعتهم وحبّهم ومودّتهم، وأعلن استبصاره عام ١٤٢٠ه (٢٠٠٠م) في مسقط رأسه مدينة (بولي).

{٥٩} أمونا ريجاردز (عفيفة محمّدي) (مسيحيّة / غويانا)

في سنة ١٣٩٩ه (١٩٧٨م) ولدت أمونا ريجاردز في أمريكا الجنوبيّة (غويان ليندن)، ونشأت في عائلة مسيحيّة، واعتنقت الإسلام في سنة ١٤١٦ه (١٩٩٥م) وذلك بسبب أخيها الذي كانت تربطه علاقة مع المسلمين فعرّفها على بعض المسلمين هناك.

تتحدّث «عفيفة» عن كيفيّة معرفتها على الإسلام والمسلمين فتقول: في البدئ تعرّف أخي على بعض المسلمين، واشتدّت علاقته بهم، وأخذ يتردّد عليهم كثيراً، وفي إحدى زياراته لهم اصطحبني معه، وكان المجلس عبارة عن حفل للمسلمين، وأوّل ما لفت انتباهي هو فصل النساء عن الرجال، فذهبتُ إلى

القسم المخصّص للنساء، وهناك تعرّفتُ على إحدى المسلمات والتي تبيّن لي لاحقاً أنّ أباها رجل دين، فصادقتها وتكلّمنا بعض الشيء عن الإسلام والمسلمين، فبقينا في ذلك المجلس حتّى آخر فقرة منه، وقد أعجبني جدّاً، حتّى وددتُ أن تدوم ساعاته.

وبعد ذلك اليوم أخذتُ أكثر من اتصالاتي بصديقتي الجديدة فصرتُ أزورها

بين الحين والآخر، وفي أحد الأيّام دعتني إلى حضور صلاة الجمعة، ففرحتُ كثيراً ؛ إذ سأتعرّف على بعض طقوسهم الدينيّة. فذهبتُ معها، واستمعتُ إلى الخطيب الذي أعجبني كلامه المنطقي والفطري

فقرّرتُ أن اتعرّف على الإسلام أكثر فأكثر ؛ لذا طلبتُ من صديقتي المسلمة أن ترشدني إلى بعض الكتب الإسلاميّة فأهدتني بعض الكتب باللغة الإنجليزيّة فازداد إعجابي بالمسلمين.

الفرقة الحقّة:

بينما أنا أطالع كتب المسلمين تبيّن لي أنّ الإسلام كسائر الديانات ينقسم إلى عدّة فِرَق ومذاهب، فقرّرتُ وأنا في أوّل طريقي لمعرفة الإسلام أن أنتهج الطريق الأصح ؛ كي لا يذهب تعبي هباءاً، ولمّا طالعتُ أدلّة المذاهب الإسلاميّة وجدتُ أنّ مذهب أهل بيت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أقوى من المذاهب الأخرى ؛ ولا عجب في ذلك إذ هم أقرب إلى منبع الإسلام، فأهل البيت أدرى بما في البيت.

علاوة على ذلك فإنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم نفسه صرّح في كثير من المواطن والمواقف أن لابدّ للأمّة أن تتمسّك بهذا البيت وبالقرآن الكريم. ولكن «أمونا ريجاردز» تعجّبت من إعراض الأُمّة عن وصيّة نبيّها وذلك قبل أن يوارى الثرى.

أمّا هي فأخذت تطالع كتب المذهب الشيعي ؛ لأنّة هو الإسلام الذي جاء به الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، أمّا المذاهب الأخرى ليست هي إلاّ آراء لبعض رجالات المسلمين، والتي يمكن أن تتعارض مع الإسلام المحمّدي، وهذه نعمة من اللّه‌ تعالى عليها فهي عرفت الحقّ قبل دخولها الإسلام الذي اعتنقته في عام ١٩٩٥م، وواجهت المتاعب والصعوبات، وتحمّلت الضغوطات في ذلك. ولكن استعانت باللّه‌ سبحانه وتعالى،

فكلّما واجهت مشكلة تصوّرت الجنّة التي وعدها اللّه‌ لعباده المؤمنين واللّه‌ لا يخلف وعده.

أهمّية الإعلام:

هناك تأثير كبير لوسائل الإعلام في إبلاغ وإيصال الأفكار إلى المخاطبين، ومن وسائل الإعلام التي استخدمها الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في إبلاغ رسالته هي الخطابة. ولأهميّة الخطابة في نشر الإسلام شرّعت صلاة الجمعة والعيدين التي فيها خطبتين واجبتين هما جزء من هذه العبادة ؛ وفي سبب وجوب صلاة الجمعة يقول الإمام الرضا عليه‌السلام: «فبما أنّ الجمعة مشهد عام فأراد أن يكون الإمام سبباً لموعظتهم

وترغيبهم في الطاعة، وترهيبهم عن المعصية، وتوقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم، ويخبرهم بما ورد عليه من الأوقات ومن الأحوال التي لهم فيها المضرّة والمنفعة»(1).

وكذلك اتّخذ أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام الخطابة طريقاً لنشر الوعي الإسلامي وإيصال كلمتهم لمحبّيهم وربط أتباعهم بهم، وكانوا يحثّون على إقامة المجالس التي يذكر فيها محاسن كلامهم ويذكّرون الناس بما جرى عليهم من جور وظلم من قِبل الحكومات الغاصبة لحقّهم، وبالأخصّ ذكر واقعة الطفّ الأليمة.

فلهذه المجالس تأثير كبير على نفوس السامعين ؛ ولذا نرى أنّ أمثال «أمونا ريجاردز» يتأثّرون بما يسمعونه من أفواه الخطباء ولربّما يقتنع السامع ويترك عقيدته السابقة وينتمي إلى الإسلام.

الغدير أساس التشيّع:

من أهمّ المسائل التي تبتلى بها الأمم هي مسألة خليفة الحاكم.


1) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ١: ١١٨.

فالحاكم الحاذق هو الذي يحسم هذه المسألة قبل رحيله ؛ كي لا تقع الأُمّة في بلبلة تهدر فيها الدماء وتستباح الأعراض.

وبما أنّ الدين ربّاني، واللّه‌ سبحانه وتعالى هو الذي يختار لدينه من يشاء، فيرسل الرسل ويبعث الأنبياء، فهو أيضاً يختار أوصياء الأنبياء وخلفائهم، فالأمّة كما ليس لها حقّ في اختيار الرسول والنبيّ فهي كذلك ليس لها أن تقرّر من سيخلفهما. فاللّه‌ سبحانه وتعالى عيّن خليفة رسوله صلى الله عليه و آله و سلم ، وكلّف رسوله صلى الله عليه و آله و سلم أن يشخصّه للناس وذلك من أوّل أيّام دعوته العلنيّة ؛ ولذا نرى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في يوم الدار الذي دعا عشيرته إلى رسالة اللّه‌ عزّ وجلّ أعلمهم أنّ عليّاً عليه‌السلام وزيره وخليفته

من بعده، وأخذ يثبّت هذا الأمر في أذهان المسلمين حتّى جاءت حجّة الوداع، وجمع المسلمين في غدير خُم وخطب فيهم خطبة مفصّلة بعد ما نزل عليه الأمين جبرئيل يتلو عليه قول اللّه‌ تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ(1)وكان الأمر الذي كلّف الرسول بتبليغه هو تنصيب أمير المؤمنين عليه‌السلام خليفة من بعده وأخذ البيعة له.

وهذا الأمر في غاية الأهمّية إلى حد أن اللّه‌ سبحانه وتعالى وصفه بإبلاغ الرسالة الإلهيّة كلّها وذلك في قوله: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا(2).

هذه هي بعض أدلّة الشيعة في تمسّكهم بالثقلين كتاب اللّه‌ وعترة رسوله، وهي كما يُلاحظ طاعة لأوامر اللّه‌ سبحانه وتعالى وعملاً بوصايا الرسول صلى الله عليه و آله و سلم . وهذا هو الإسلام حقيقة إذ قال اللّه‌ سبحانه في محكم كتابه العزيز: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ


1) المائدة ٥ : ٦٧.

2) المائدة ٥ : ٣.

﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا(1). أمّا الذين تخلّفوا عن أوامر اللّه‌ ورسوله إنّما اتّبعوا أهواءهم، فها هو صاحبهم عمر بن الخطاب يعلّل سبب إعراض الناس عن اتّباع الإمام علي عليه‌السلام، ويقول: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة...(2).

فمن يقرأ أدلّة مذهب أهل البيت المدعوم بالآيات والروايات الصريحة والصحيحة ويقارنها مع أدلّة مدرسة الخلفاء لا يبقى له أيّ شكّ في وجوب اتّباع أهل بيت النبوّة عليهم‌السلام ؛ ولذا نرى الأخت أمونا ريجاردز «عفيفة محمّدي» وأمثالها بمجرّد اطّلاعهم على هذه الأدلّة يميلون إلى الإسلام المحمّدي الأصيل وهو ليس إلاّ مذهب أهل البيت عليهم‌السلام. فها هي تقول: من الأمور التي دفعتني للتشيّع هو حديث

الغدير والآيات القرآنيّة النازلة في حقّ علي بن أبيطالب عليه‌السلام.


1) الأحزاب ٣٣ : ٣٦.

2) تاريخ الطبري ٣: ٢٨٩.

{٦٠} سالم عبد القادر (سنّي / غويانا)

الصورة

H27

ولد في غويانا التعاونيّة من القارّة الأمريكيّة الجنوبيّة سنة ١٣٩٥ه (١٩٧٦م) في أسرة سنّيّة المذهب، ودرس في المدارس الحكوميّة حتّى نال الشهادة الثانويّة.وقد تابع والده في الإنتماء إلى المذهب الشيعي وعمره أربعة أعوام فقط، وذلك في سنة ١٤٠٠ه (١٩٨٠م)، وهذا يعني ان تشيّعه عريق وقديم، وأنّه عندما وصل إلى سنّ التميز ومن ثمّ البلوغ كان شيعيّاً محضاً.

ثمّ إنّه عندما أدرك تابع مطالعات والده التي قادته إلى التشيّع عن يقين وبصيرة، وأستطاع أن يصل إلى قناعة شخصيّة وبالدليل على أحقيّة هذا المذهب وتجسيده للإسلام. ويعدّ «عبد القادر» - والد سالم - من وجهاء مدينة (ليندن) أحد أهم مدن غويانا التعاونيّة، ومن الشخصيّات المحترمة عند الجميع حتّى من قبل أهل السنّة، وله إلمام بالمعارف الدينيّة، والتبليغ، وتدريس الأحكام. وقد تأثّر كثيراً بالإمام

الخميني رحمه‌الله والدولة الإسلاميّة، الأمر الذي دعاه إلى الانتماء إلى مذهب أهل البيت عليهم‌السلاموإعلان تشيّعه.

وقام «عبد القادر» بإنشاء (مركز معلومات غويانا الإسلامي) والذي تقام فيه العديد من النشاطات الثقافيّة والدينيّة، كما تقام فيه صلاة الجمعة والجماعة، يعينه على ذلك ولده «سالم» وقد كان لهذا المركز دور هامّ في اجتذاب الكثيرين الذين وجدوا طريقهم إلى مذهب أهل البيت عليهم‌السلام.

أهميّة التبليغ ونشر المعارف الدينيّة:

إن من يحمل رسالة ويرغب في أن يتعرّف الآخرون عليها، لا يسعه أن يجلس جانباً ويتوقّع أن يأتيه الناس لينتهلوا من عطائه، بل عليه أن يخرج إلى المجتمع ويختلط بالآخرين، يعيش كما يعيشون ويشعر بما يشعرون، وبذلك يتمكّن من إيصال رسالته بواسطة أقواله وسلوكه إلى الناس، فإن وقعت أقواله وكلماته في قلوبهم موقعها، بحيث لم تتناف مع فطرتهم وعقلهم، وإن طابق سلوكه أقواله، اتّبعوه،

وإلاّ أعرضوا عنه وتركوه.

وبطبيعة الحال، إنّ تحقيق هذا الهدف يتطلّب الشيء الكثير من الصبر والجلد والقدرة على مواجهة مختلف أنواع الصعاب والمتاعب، فإن تغيير المجتمع أمر شاق وفي غاية الصعوبة، إذ لا يمكن إقناع كلّ أحد بتغيير سلوكه وطريقة تفكيره التي درج عليها وأشتدّ عوده وهو متمسّك بها ؛ ولذلك يرفض الكثيرون ترك طريقتهم القديمة تعنّتاً، حتّى لو اقتنعوا في قرارة قلبهم بكلام صاحب الرسالة، وقد أشار

القرآن الكريم إلى هذه الظاهرة فقال: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا(1).

ولهذا قد يدوم عمل الرسالي سنوات مديدة، من دون أن تكون نتيجة عمله قطعيّة، فقد يتمكّن من تغيير المجتمع وقد لا يتمكّن. فهذا النبيّ نوح عليه‌السلام استمرّ في


1) النمل ٢٧ : ١٤.

دعوته مئات السنين(1)، من دون أن يتمكّن من تغيير أحد إلاّ النزر اليسير من القلوب القاسية في مجتمعة(2). وهذا بالطبع لا يحطّ من قيمة عمله ونشاطه عليه‌السلام، فهو قد بذل ما كان ينبغي عليه ولم يقصّر في دعوته، لكن الناس المتمسكّين بعاداتهم الموروثة أمتنعوا من قبول دعوته وأصرّوا على ضلالهم.

ولقد حثّ الكتاب العزيز على التبليغ والحركة من أجل تعلّم المعارف الرساليّة وإيصالها إلى البشريّة، فقد دعى إلى قيام مجموعة من كلّ مجتمع بالتعلّم والتفقّه في الدين، لكي يتمكّنوا من إيصال رسالة الدين إلى قومهم ويقوموا بالتغيير المطلوب في مجتمعاتهم، قال تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(3).

ثمّ إنّه ينبغي على المبلّغ أن تتوفّر فيه صفات كثيرة، نذكر منها: أولاً: العلم والمعرفة: ينبغي على المبلّغ ان يعرف ما يدعو إليه ويعيه وعياً تامّاً، فإن الجاهل يقع في متاهات لا نهاية لها، ويؤدّي إلى وقوع من يتّبعه في المهالك ؛ ولهذا يتحتّم على المبلّغ أن يدرس ويتعلّم الفكر والعقيدة التي يريد أن ينشرها بين

الناس، حتّى يتمكّن من نشرها بصورة صحيحة، ومن الردّ على الإشكالات التي قد يتعرّض لها من قبل المعارضين.

ثانياً: الإيمان: إنّ رسوخ إيمان المبلغ بالرسالة التي تدعو إليها تجعله ثابتاً كالجبل لا يتزلزل، فلا تهزّه الأزمات والمصاعب والمعوّقات التي يضعها المخالفون أمام طريقه، ولا تزعزع كيانه الإغراءات التي تُقدّم إليه مقابل تنازله عن رسالته ودعوته، كما نرى رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم صبر أمام جميع المصاعب والهموم التي واجهها


1) العنكبوت ٢٩ : ١٤.

2) هود ١١ : ٤٠.

3) التوبة ٩ : ١٢٢.

أثناء دعوته، كالحصار القاتل في الشعب الذي عانى فيه رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم أشدّ المعاناة، لكنّه صبر ولم يتوان عن الاستمرار في بثّ رسالته المقدّسة، وأيضاً نراه صلى الله عليه و آله و سلم صبر وثبت أمام الإغراءات المثيرة التي قدّمها إليه رجالات قريش، والتي كانت واحدة منها كافية لتغري غيره بكلّ سهولة، كي يتنازل عن مطالباته ونشاطه، فقد عرضوا عليه أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكّة، ويزوّجوه ما أراد من النساء(1)، لكنّه أعرض عنها ورفضها رفضاً تامّاً إن كلّ ذلك الثبات ناشيء من إيمانه صلى الله عليه و آله و سلم الراسخ بدعوته، الأمر الذي حوّله إلى شخصيّة صلبه وقويّة لا يضعضعها شيء.

ثالثاً الاستعداد للتضحية: يجب على المبلّغ أن يكون مستعدّاً للتضحية بكلّ ما يملك من فكر وطاقات جسديّة ووقت وأموال وأسرة، وقد يتطلّب الأمر منه أحياناً أن يضحّي بحياته من أجل المبدأ الذي يؤمن به ويحاول إيصاله إلى الآخرين.

والحسين عليه‌السلام أفضل قدوة في هذا المجال، فقد ضحّى صلوات اللّه‌ عليه بكلّ ما يملك من أهل أصحاب ولم يكتف بذلك بل ضحّى بدمه الطاهر في سبيل أهدافه السامية وغاياته المقدّسة. وهكذا ينبغي أن يكون المبلّغ الحقيقي، فإنّ المبلّغ الضعيف والمتواني يهرب من المعركة عند أوّل مواجهة، ولا يتمكّن بذلك من النجاح في مهمّته، والرقي بمستوى عمله. وبطبيعة الحال إنّ الناس مختلفون في مستويات تحمّلهم

وطاعتهم، ولا يُتوقّع من الجميع أن يبذلوا ويضحّوا بنفس المقدار، ولكن ينبغي على كلّ مبلّغ أن يعرف مدى طاقته ويشخّص حدود قدراته، فلا يرد مورداً يتطلّب تضحيات جسام، لا يقدر عليها.

إنّ ما يقوم به «سالم» ووالده عبد القادر عمل مقدّس وجدير بكلّ إكبار


1) تاريخ الطبري ٢: ٧٤ - ٧٥.

وإجلال، فهما مستمرّان في مهمّتهما بكلّ جدّ وعزم، والأمل يحدوهما في أن يعمّ الحقّ والحبّ والوئام في بلادهم (غويانا)، وفي أرجاء القارّة الأمريكيّة الجنوبيّة، بل والعالم أجمع.

وينبغي على الجهات المسؤولة عدم ترك هذا النوع من المبلّغين الناشطين بمفردهم، بل يجب دعمهم بمختلف الوسائل الماديّة والمعنويّة، حتّى يتمكّنوا من رفع مستوى عملهم التبليغي، وتعزيز قدراتهم الفاعلة في مجتمعهم.

{٦١} لطيف علي (سنّي / غويانا)

ولد في غويانا التعاونيّة في أسرة سنّية، ثمّ انتمى إلى مذهب الشيعة الإماميّة.

ويحدّثنا «لطيف علي» عن سبب تشيّعه فيقول: وقع في يدي صدفة كتاب (المعجزة الإلهيّة) فتأثّرت به وتعرّفت على المذهب الشيعي من خلاله، فصرت أبحث عن هذا المذهب لأتبيّن حقيقته، إلى أن حصلت على كتاب (المراجعات) و(ليالي بيشاور)، فعرفت أنّ الحقّ مع التشيّع، وبهذا قرّرت الانتماء إلى هذا المذهب، والتمسّك بطريق أهل البيت المعصومين عليهم‌السلام الذي هو طريق الهداية والفلاح.

وقد اهتدى معي الكثير من أصدقائي وأهلي، ونحن نقيم مجالس الفرح أيّام ولادة المعصومين، ومجالس العزاء أيّام وفاتهم وذكر أهل البيت في المناسبات المنسوبة إليهم سلام اللّه‌ عليهم أجمعين.

الاحتفال بالمناسبات الدينيّة:

يبرز بين الحين والآخر من بين أبناء كلّ أمة رجالٌ نادرون أفذاذ، يظهرون فجأة ويتركون بصماتهم في المجتمع، ثمّ يرحلون تاركين وراءهم امّة تعشقهم وتتلهّف إليهم، وتتمنّى لو يعود بها الزمن لتشهد أولئك العظماء وما قاموا به من أعمال جليلة.

إنّ الأُمّة ترى نفسها عاجزة عن تأدية حقّ ذلك العظيم الذي أنار لها درب الحياة ؛ وأوضح لها معالم الهداية، فإذا مرّت ذكرى يوم مرتبط بذلك العظيم، مثل يوم حربٍ انتصر فيها، أو اختراع أبدعه، أو كتاب نشره، وحتّى يوم ولادته ووفاته، تتداعى إلى ذاكرة الأُمّة الصورة المشرقة لتلك الشخصيّة وأثرها الذي تركته في التاريخ، فتستعاد إلى الذاكرة تلك الأيّام بحلوّها ومرّها، فإنّ تذكّر الناس حدثاً سعيداً منها فرحوا به، وإن تذكّروا حدثاً حزيناً عَلاهم الهم والغم.

وقد تتبدّى هذه الظاهرة بصورة مجالس احتفاليّة أو مؤتمرات أو أعداد خاصّة لبعض المجلاّت، وغير ذلك من مظاهر الاحتفاء وإبداء الاهتمام بتلك الشخصيّة، الأمر الذي يعكس مدى تقدير الأُمّة لها والاعتناء بالفكر الذي قدّمته، كما قد يتحوّل هذا الاهتمام إلى فرصة لنشر تعاليم وأفكار تلك الشخصيّة، لكي تتربّى الأجيال على مائدتها المليئة بأنواع الأفكار النافعة.

إنّ كلّ هذا الاهتمام قد يتمّ بالنسبة إلى شخصيّة عاديّة قامت بعمل فيه نوع من التميّز، فكيف إذا كانت تلك الشخصيّة هي رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم أو أهل بيته الميامين عليهم‌السلام أو أحد عظماء الإسلام الذين ما فتئوا يبذلون الغالي والنّفيس في سبيل إعلاء كلمة الحقّ وهداية الناس إلى طريق الصواب.

إن إحياء ذكراهم والاحتفال بها وتعظيمها هو أقلّ ما يمكن للأمّة الإسلاميّة أن تؤدّيه تجاههم، فإنّها مدينة لهم بكلّ ما تملكه من تراث وثقافة ومجد.

وليس هناك في الحقيقة أيّ مانع من تذكّر هذه الأيّام والاحتفال بها، فقد أمر اللّه‌ تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه و آله و سلم في أكثر من موضوع بأن يذكر الأنبياء الماضين، وما كانوا يمتلكونه من صفات، والأعمال التي قاموا بها.

فقد جاء في الذكر الحكيم: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا(1).

وأيضاً: وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الْأَخْيَارِ(2).

كما أمر اللّه‌ تعالى نبيّه موسى عليه‌السلام أن يذكّر بني إسرائيل بأيّام اللّه‌، فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ(3)، وقد ذكر المفسّرون أنّ أحد معاني «أَيَّامِ اللّهِ» هي الأيّام التي أنعم اللّه‌ تعالى فيها على بني إسرائيل بنعم كثيرة، مثل إنقاذهم من يد فرعون وقومه بعد كلّ ما عانوه منهم من عذاب مهين، وإغراق فرعون في اليمّ، إلى غير ذلك(4).

فإن كان ذلك فإنّ أيّام ولادات ووفيات الشخصيّات الإسلاميّة، وحتّى بعض الأيّام التي حدثت فيها وقائع هامّة في زمنهم - مثل وقعة بدر أو فتح مكّة - يمكن اعتبارها من أيّام اللّه‌ التي يؤدّي تذكّرها إلى تقوية القلوب واستعادة الثقة بالنفس وتثبيت الإيمان.

ومن جهة أُخرى، إنّ عدم وجود هذه المظاهر الاحتفاليّة التي نراها اليوم بين المسلمين في الصدر الأوّل من الإسلام، لا يدلّ على رفضها وعدم إمضائها من جانب الشريعة الإسلاميّة، بل بالعكس فإنّ معرفتنا بالإسلام تهدينا إلى أنّه لا يمانع من القيام بكلّ ما يؤدّي إلى ظهور الخيرات في المجتمع الإسلامي، وإحياء ذكرى شخصيّات الإسلام لا يوجد فيه إلاّ الخير والقرب إلى اللّه‌ تعالى.


1) مريم ١٩ : ٤١.

2) ص ٣٨ : ٤٨.

3) إبراهيم ١٤ : ٥.

4) راجع بهذا الصدد: جامع البيان، الطبري ١٣: ٣٩، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩: ٣٤١.

إضافة إلى وجود الآيات العامّة المتقدّمة التي تحثّ على تذكّر الشخصّيات الهامّة وإحياء ذكرى أيّام اللّه‌ والأيّام الهامّة والمصيريّة في تاريخ الأُمّة الإسلاميّة، كلّ هذا يدّل على موافقة الإسلام على هذه المظاهر وعدم ممانعته منها.

لقد أحبّ «لطيف علي» وأهلُه ورفاقه أن يحيوا مناسبات النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وأهل بيته المعصومين عليهم‌السلام ليستنير بهديهم ويسيروا على هداهم، متقرّبين بذلك إلى اللّه‌ تعالى، وبذلك تبقى شعلة الإيمان متوقّدة في قلوبهم ولا تنطفئ ما دام هذا الارتباط العاطفي والفكري قائماً بينهم، وبين أولئك العظماء الذين شادوا صرح الإسلام والإيمان.

{٦٢} إبراهيم أحمد باه (مالكي / غينيا - كوناكري)

الصورة

H28

ولد إبراهيم في مدينة كونا كري عاصمة جمهوريّة غينيا سنة ١٣٩١ه (١٩٧٢م)، وينتمي أكثر سكّان غينيا إلى المذهب المالكي، وقد نشأ إبراهيم كسائر مسلمي بلاده في أسرة مالكيّة. وبقي على هذا المذهب إلى أن انتهى به البحث إلى إعلان انتمائه لمذهب أهل البيت عليهم‌السلام، وذلك سنة ١٤١٢ه (١٩٩٢م).

البداية:

أدخله والده - الذي كان يعمل بالتجارة - في دورة تعليميّة تأهيليّة عند أحد المشايخ لقراءة القرآن الكريم، وبعد انتهائه منها، واصل دراسته في المدارس الأكاديميّة.

وشاءت الأقدار أن يغادر بلده إلى السيراليون المجاورة، حيث أقام فيها قرابة سبع سنوات، وواصل دراسته هو ووالده الذي كان يدرس ويتاجر في الوقت نفسه. وقد أدّى اضطراب الأوضاع السياسيّة في السيراليون إلى عودتهم لبلدهم الأصلي، فكان إبراهيم قد تكوّنت لديه حصيلة ثقافيّة وخبرة اجتماعيّة تؤهّله لأخذ دور مناسب في مجتمعه، فاشتغل معلّماً في إحدى المدارس الابتدائيّة في العاصمة.

تعرّفه على الشيعة:

كان إبراهيم قد سمع ما تتداوله الألسن حول الشيعة والشبهات المثارة حولهم، ولذلك قرّر استغلال وجوده في العاصمة كوناكري للتعرّف عليهم عن قُرب، حيث كان عدد منهم يقطن هناك.

ومن خلال تدريسه أخذ يتعرّف شيئاً فشيئاً على طلاّبه، فعلم أنّ منهم من ينتمي إلى المذهب الشيعي، فبدأ بسؤالهم والإستفسار منهم حول هذا المذهب، لكنّ إجاباتهم لم تكن وافية بسبب صغر سنّهم وقلّة معلوماتهم، فقرّر الإتصال بأولياء أمورهم.

وتمّ له ذلك عندما وطّد علاقته بأحد الآباء، وكان هذا الشخص يمتلك حظّاً وافراً من المعلومات والثقافة في مجال المذهب الشيعي، الأمر الذي جعل إبراهيم يتردّد عليه بصورة مستمرّة، فيطرح عليه أسئلته ويحصل على الجواب منه، كما كان يستعير منه بعض الكتب الهامّة مثل كتب الأستاذ التيجاني وكتب التاريخ والتفسير.

فانكشفت له بذلك حقائق كثيرة، طالما حاول المتعصّبون إخفاءها، حتّى انّ أباه - الذي تأثّر بالإشاعات التي تُثار حول الشيعة - كان يوصيه بعدم التأثّر بالفكر الشيعي، لكن إبراهيم وجد في هذا الفكر خلاف ما يقال حوله، فقرّر البحث والتأمّل فيه، إلى أن أقتنع تماماً به فأعلن انتمائه إلى مذهب أهل البيت عليهم‌السلام.

الدعوة إلى عدم سماع كلام الشيعة:

كان النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله و سلم يدعو الناس إلى الحقّ والهدى بأسلوب مرن وجميل، يجذب القلوب المهيّئة لقبول الحقّ بكلّ يُسر وسهولة، فترى الشخص يقبل كلامه ويؤمن به ما أن يسمعه، وذلك لأنّ دعوته صلى الله عليه و آله و سلم موافقة للعقل والفطرة السليمة.

وقد حاول أعداؤه من المشركين أن يقفوا بوجهه، فتوسّلوا بمختلف الوسائل من ترغيب

وترهيب وغير ذلك، لكنّهم لم يتمكّنوا من منع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وإيقافه من التقدم في مسيرته المقدّسة، كما عجزوا عن معارضة فكره المتعالي بفكر آخر يتمكّن من معارضته وإقناع الناس بعدم الميل إليهم ؛ ولذا أخذوا يدعون الناس - الذين لم يسمعوا بدعوة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وكانت لديهم قلوب مهيّئة لتقبّل دعوته - إلى عدم سماع كلامه، وإثارة الضوضاء والضجيج عند بدئه بالكلام، حتّى لا يتمكّن الناس من سماعه: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ»(1)، لكنّهم عجزوا في نهاية الأمر عن الوقوف في وجه هذا السيل الإلهيّ الهادر، الذي أخذ يجرف معه القلوب واحداً بعد الآخر، ويأخذ بها نحو طريق الهداية.

ويتكرّر هذا المشهد مع الشيعة، فنرى أنّ البعض يدعوا الناس إلى عدم قراءة كتب الشيعة، ويصنّفها تحت عنوان: (كتب الضلال)، وإلى عدم أستماع محاضرات علمائهم، وعدم مشاهدة فضائيّات الشيعة، وعدم الدخول إلى مواقعهم على الإنترنيت. ولو أمكنهم منع نشر هذه الكتب، ومنع هؤلاء العلماء من إلقاء محاضراتهم في بلد من البلدان لفعلوا، كما لو تمكّنوا من تعطيل بثّ فضائيّات الشيعة وضرب مواقعهم لما تردّدوا في ذلك.

كلّ ذلك بسبب متانة أدلّة الشيعة وحقانيّتهم وعدم وجود جواب من علمائهم لما يطرحه الشيعة في الردّ على الوهّابيّة. فلم يكتفوا بذلك، بل أخذوا يبثّون الإشاعات حول الشيعة، ويقدّمون معلومات غير واقعيّة عنهم، حتّى يؤدّي ذلك إلى نفور باقي المسلمين منهم. وهذا هو جهد العاجز.فقد عجزوا عن مجابهة الفكر الشيعي الذي يتميّز بالعقلانيّة والعمق، ولهذا


1) فصّلت ٤١ : ٢٦.

ترى كتبهم مُلأت بالسباب والشتيمة وعبارات تدلّ على حقد أسود وضغينة بغيضة.

وعندما عجز مشركوا مكّة عن مقابلة فكر الإسلام بفكر مثله لجاؤا إلى السباب والاتّهام والسخرية، فوصفوا الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم بالجنون والسحر، كما برزت ظاهرة المستهزئين الذين كانوا يستهزؤن بالنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم (1).

ولكن لم ينفع أولئك، ولن ينفع هؤلاء أن يبذلوا قصارى جهدهم للوصول إلى مآربهم، فإنّ نور الحقّ لا يطفى يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(2)، لقد تمكّن «إبراهيم» من كسر هذا الجدار الإعلامي، والدخول إلى الفكر الشيعي، فتأمّل فيه، فوجده فكراً منطقيّاً موافقاً للعقل والفطرة، وبذلك أعلن انتمائه إليه.

ولم يكتف بذلك، بل أخذ يعرّف أباه وباقي أسرته على هذا الفكر، حتّى أقنعهم، فتشيّع أبوه، كما أعلنت خالتاه تشيّعهما. وكان أيضاً سبباً - بالتعاون مع بعض الشبّان الواعين والمؤمنين - في التاثير على عدد من السكّان في الانتماء إلى مذهب أهل البيت عليهم‌السلام.


1) السيرة النبويّة، ابن هشام ١: ٢٣٧، ٢: ٢٧٧.

2) الصف ٦١ : ٨.

{٦٣} أبو بكر صدّيق سيلا (مالكي / غينيا - كوناكري)

الصورة

H29

ولد عام ١٣٩١ه (١٩٧٢م) في مدينة «فارينا وبركيا» بغينيا كوناكري، وذلك في أسرة تنتمي إلى المذهب المالكي، فاتّبع هذا المعتقد كغالب الأبناء الذين يتّبعون أسرهم في العقائد.

واصل «أبو بكر» دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على إجازة في مادّة الاجتماع من قسم اللغة الفرنسيّة في مدرستة، إلى جانب ذلك كان يلتقي - وباستمرار – بكبار علماء السنّة في المدينة.

يقول «أبو بكر» كنّا نجتمع في المدارس والمساجد مع كبار علماء السنّة والجماعة ونزور المراكز الإسلاميّة فنأخذ منهم الكتب ونطالعها. كما كان يقوم بدوره بتبليغ الأفكار الوهّابية مقابل الرواتب التي كانت تقدّم إليه وذلك في المجتمعات الصغيرة ومع الفئة الناشئة والشيوخ.

استبصار الأب:

استمرّت نشاطات «أبي بكر» في هذا المجال إلى أن التقى أبوه - وهو عالم كبير في المدينة - ذات يوم بجمع من علماء الشيعة القادمين من مدينة «قم المقدّسة»، فقام

بطرح الأسئلة والإشكالات عليهم حول حقيقة المذهب الشيعي، لكنّه فوجئ بإجابات لا يتخلّلها ريب وشك، حيث استدلّوا له على أحقية المذهب الشيعي بالكتب المعتبرة عند أهل السنّة، الأمر الذي كان مؤثراً ومقنعاً للأب. ولانّه كان ممّن ينصاع إلى الحقّ دون نزعة عصبية وطائفية استبصر وتمسّك بالعترة الطاهرة عليهم‌السلام وبدأ يشترك في المؤتمرات ويبلّغ للمذهب الشيعي.

بوادر الهداية عند الإبن:

كان يدرس «أبو بكر» آنذاك في إحدى المدارس الفرنسيّة، فلمّا أكملها وجّهه أبوه للدراسة في حوزة كانت تنتمي إلى أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام فاتّبع هذه التوجيهات فدخل تلك الحوزة وتابع دراسته فيها حتّى تعرّف على حقيقة المذهب الشيعي الاثنا عشري.

منع تدوين السنّة وتقليب الحقائق:

كان يقوم «أبو بكر» خلال حضوره كطالب في حوزة أهل البيت عليهم‌السلام بقراءة الكثير من الكتب العقائدية، إلاّ أنّه من الصعب على المتتبّع لهذه الكتب أن يميز الغث من الروايات الموجودة فيها والسمين منها، وذلك لعدة أسباب من أهمّها منع كتابة السنّة وتدوينها في صدر الإسلام وخاصة بُعيد وفاة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، وذلك بأمر من الخلفاء أنفسهم.

فقد كان لهذا المنع نتائج سلبيه كبيرة انعكست سلباً على الفكر الإسلامي والعقيدة الدينية لدى المسلمين، وكذلك كان لها أثرها الفاعل على مجريات التاريخ وتغيير أحداثه، وتشويه حقائقه، وتغيير السنّة النبوية المطهّرة وتشويهها، ويمكن إجمال هذه النتائج بالنقاط الآتية:

١) إخفاء أحاديث رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم الصحيحة، والخاصّة بفضائل أهل

الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(1)واتّساع هذا الباب بعد وفاته صلى الله عليه و آله و سلم . ٥) غياب النصّ (الحديث النبويّ) المدوّن، والمرجع الأساسي للناس، سنين عديدة، فنقل إلينا مشافهة، فضاع أكثره، وحرّف النصّ عمّا كان عليه زمن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم .

٦) تغيير النصّ (الحديث النبويّ) لعدم كتابته وجمعه، وخاصّة بعد وفاة جمهور الصحابة، الذين كانوا يحفظونه في صدورهم عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم .

٧) تحريف معاني القرآن الكريم ؛ لغياب السنّة المفسّرة له، والمؤوّلة لمعانيه، وترك ذلك للآراء والاجتهادات الشخصية، والميول والأهواء.

٨) ضياع سنّة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم الحقيقيّة، واختلاط الصحيح منها بالضعيف والمكذوب على رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، حتّى ضاعت معالمها الأساسية.

٩) ظهور سنن جديدة، اسمها: سنّة الخلفاء، وسنّة الحكّام، وسنّة الأمراء، وكلّها على حساب سنّة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، وكأنّ الدين بقي ناقصاً، وقد فوّض اللّه‌ هؤلاء بإكماله.

١٠) الاختلاف الشديد، والتناقض الواضح، في السنّة المروية والمجموعة بعد مئات السنين، والتي دوّنت وجمعت ؛ لطول فترة منعها، وبعد عصر التدوين عن عصر النبوّة، ووصول هذه الأحاديث والسنن متناقضة، ومشكّكاً فيها، فالتبست الأمور على كثيرين، وضلّ بسبب ذلك كثيرون.

١١) نشوء المذاهب والاختلافات الفقهية نتيجة اختلاف تلك السنّة وتلك الأحاديث في الشكل والمضمون، وقد اعتمد كلّ فريق على ما وجده صحيحاً أو


1) النجم ٥٣ : ٣ - ٤.

مناسباً له، واقتنع به، من وجهة نظره.

١٢) فتح الباب أمام اليهود ممّن اندسّوا في الإسلام، وأعلنوا دخولهم في الدين الجديد بعد فتح مكّة، لأهداف كثيرة، وأطماع ومغانم مادية، فأدخلوا في الحديث والسنّة كثيراً من الفكر الإسرائيلي والخوارق المنافية للدين الجديد وللقرآن الكريم وللسنّة المطهّرة، وأصبحت بعد مرور السنين محسوبة من التراث الإسلامي، ومن السنّة التي بنى عليها بعضهم معتقداتهم، حتّى لقد لجأ كثير من المسلمين إلى هؤلاء الإسرائيليين في أخذ الفتاوي الدينية عنهم، وكذلك التأثّر بعقائدهم، مثل كعب الأحبار الذي أصبح المفتي والمرجع الأوّل في مجالس الخليفة عثمان بن عفان، وكان سبب طرد أبي ذر الغفاري، وكعب هذا متّهم من قبل كثيرين، حتّى أن معاوية ابن أبي سفيان اتّهمه بذلك على الرغم من عدم مبالاته بهذا الأمر، فقد روى البخاري: عن حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدّث رهطاً من قريش بالمدينة،

وذكر كعب الأحبار فقال: «إنّه كان من أصدق هؤلاء المحدّثين الذين يحدّثون عن أهل الكتاب، وإن كنّا مع ذلك لنبلوا عليه الكذب»(1).

١٣) اختراع الأحاديث المؤيّدة للسلاطين والملوك، كجعل سلطة الحاكم والخليفة من اللّه‌، وتأويل بعض الآيات لخدمة هذه الفكرة كقوله تعالى: أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ(2)، وقد خدمت هذه الفكرة العديد من حكومات الجور والضلال، وكذلك فكرة الصلاة وراء كلّ برّ وفاجر، والصلاة خلف المبتدع، وذلك حتّى لا يتعرّض أحد للحاكمين وإن كانوا بهذه الصفات.

١٤) التعتيم سنين عديدة على مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام، التي حفظت الدين،


1) صحيح البخاري ٨: ١٦٠.

2) النساء ٤ : ٥٩.

وحفظت السنّة والحديث النبويّ الشريف، وتحدّث بذلك التاريخ، ولوجود أئمّة أهل البيت بين ظهرانيّ شيعتهم، ولوجود الجفر، ومصحف فاطمة، ومصحف عليّ، التي حوت ميراث النبوّة وعلوم الإسلام وتفسير القرآن الكريم المأثور عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم .

١٥) محاربة مدرسة أهل البيت، وقتل أئمّتها، بدءاً من أمير المؤمنين علي بن أبيطالب عليه‌السلام، وانتهاء بالإمام الحسن العسكري عليه‌السلام، واستشهادهم إمّا بالسيف أو بالسمّ، وسجن بعض منهم، ومنع الناس من اللقاء بهم، كلّ ذلك لإبعاد الناس عن روح الإسلام ومعدن العلم والنبوّة المتمثّل بأهل البيت الذين أذهب اللّه‌ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، ولأنهم كانوا يشكّلون خطراً داهماً يدكّ عروش الظالمين،

ومن أجل تشويه فكر أهل البيت وحقيقتهم، وشيعتهم، وذلك بسبب منع الحديث المتعلّق بإمامتهم وفضائلهم، ومكانتهم بين المسلمين، والتي تدلّ على وجوب التمسّك بهم، والسير على نهجهم.

١٦) ظهور أحاديث ملفّقة تسيء إلى شخصية الرسول الأكرم من أجل تغيير رؤية المسلمين، وإبطال قداسة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، كلّ هذا من أجل قبول كلّ ما يصدر عن خلفاء الجور والضلال وقبول زندقتهم وفسقهم وفجورهم، كأحاديث بوله قائماً، وتعرّيه في الجاهلية، ولعبة مع عائشة وتسابقهما أمام الجيش وغير ذلك.

١٧) تشكيل فكر جديد في الإسلام ما أراده المغرضون والكذّابون، وساعدوا على نشوئه، وكما خطط ورسم له بنو أميّة، وأعداء محمّد وآل محمّد صلى الله عليه و آله و سلم ، وهذا الفكر هو مزيج من الحديث المكذوب والحديث الصحيح. وكذلك ما حفظته ذاكرة الرواة، وما اختلط معها من أفكار إسرائيلية.

١٨) انقسام جمهور المسلمين ما بين مؤيّد لخليفة دنيوي حاكم كبني أميّة، وبني

العبّاس وحزبهم وأتباعهم المستفيدين منهم، والسائرين وراءهم دون هدى ولا كتاب منير، وبين مؤيّد لإمام عادل ووصي طاهر، يمثّل رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، يرث الكتاب والنبوّة، وهو الحامل النوعي للرسالة بجناحيها العظيمين: القرآن والسنّة، وتواتر هذا العلم، وذلك التسديد من اللّه‌، إماماً عن إمام، وجيلاً عن جيل، وقد تمسّك أتباع هؤلاء الأئمّة بكتاب اللّه‌ وسنّة نبيّه المطهّرة، وأهل بيت نبيّه عصمة من الضلال، فنقلوا الدين والسنّة مكتوبة ومحفوظة جيلاً عن جيل، منذ عصر الرسالة(1).

الإقتناع بمبادئ الشيعة:

بعد الاقتناع بمبادئ شيعة أهل البيت عليهم‌السلام العقائدية في المدرسة الشيعيّة أعلن «أبو بكر صديق» استبصاره والتحاقه بهذا المذهب وكان ذلك عام ١٤١٢ه (١٩٩٢م) في «غينيا - كوناكري».


1) للمزيد راجع: لا تضيّعوا السنّة: ٢٠٩.

{٦٤} أبو جعفر عثمان (مالكي / غينيا - كوناكري)

ولد سنة ١٣٩٤ه (١٩٧٤م) في العاصمة الغينيّة (كوناكري) في أسرة تنتمي للمذهب المالكي، نشأ وواصل دراسته في بلده إلى أن نال شهادة الثانويّة، كما كانت له دراسة دينيّة في إحدى المدارس الدينيّة التابعة لمدرسة أهل البيت عليهم‌السلام التي تعرّف فيها على مذهب التشيّع ممّا أدى إلى تشرفه بمذهب أهل البيت عليهم‌السلاموذلك سنة ١٩٩٣م.

تعرّفه على الشيعة وأسباب استبصاره:

يقول «أبو جعفر عثمان»: بعد إكمالي للثانويّة جاءني ابن أخت لي وعرض عليّ أن أذهب إلى المدرسة التي يدرس فيها، وهي مدرسة يديرها شيعة أهل البيت عليهم‌السلام، ممّا جعلني أفكّر في الموضوع، والتشاور مع أحد أساتذتي في المدرسة الثانويّة وسألته عن الشيعة الإماميّة؟ فأجاب عنهم أنّهم على باطل ولكن لا مانع من الدراسة في مدرستهم والاطّلاع على مذهبهم.

وبعدها ذهبت مع ابن أختي إلى تلك المدرسة، وبدأت الحوار والمناقشة مع أساتذة المدرسة وإلقاء الشبهات الموجودة عندي، وكانوا يجيبون عنها بكلّ رحابة

صدرّ وكانت إجاباتهم منطقيّة وضمن الحوار الهادئ، من غير تكفير الجانب الآخر أو التنقيص منه أو النيل منه، خلالها كنت ألتقي بأستاذي السابق وأطرح عليه ما يقوله الشيعة وأذكر له استدلالاتهم حول الصحابة، وموّدة أهل البيت عليهم‌السلام، وبقيّة المسائل الخلافيّة بين المدرستين ممّا أدّى بأستاذي السابق إلى دراسة مذهب الشيعة، والتحقيق فيه.

أدب المناظرة والحوار والنقاش عند المدرسة الإماميّة:

تتميّز مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام في احتجاجاتها ومناظراتها ومناقشاتها بميزان القوّة العاقلة، والنشاط السامي في التفكير، والدقّة التامّة في التحقيق، والغور في المسائل النظريّة، وتمييز الحقّ عن الباطل، وقد اشتهروا بذلك حتّى إذا رأى الناس أحداً يدققّ في المسائل الدينيّة حكموا عليه بأنّه رافضي.

فقد روى الخطيب البغدادي عن سليمان بن أبي شيخ، قال: كان أسد بن عمرو على قضاء واسط. فقال: رأيت قبلة واسط رديّة جدّاً، وتبيّن ذاك لي، فتحرّفت فيها.

فقال قوم من أهل واسط: هذا رافضي، فقيل لهم: ويلكم هذا من أصحاب أبي حنيفة، كيف يكون رافضياً(1)؟

وكذلك من ميزات الشيعة الإماميّة فطانتهم ويقظتهم في المسائل الدقيقة والحسّاسة، وإحاطتهم بكتب مخالفيهم وعقائدهم فهم لا يخدعون، ولا يُخدعون، بسبب إحاطتهم بكتب وعقائد مخالفيهم، فهو يفحم خصمه ولا يفحم، ويغلبه ولا يُغلب.

وكذلك من ميزاتهم إنصافهم في البحث، وتحرّيهم الحقّ في الجدل والنقاش، لا يريدون في ذلك غير إظهار الحقّ وكشف الواقع.


1) تاريخ بغداد ٧: ١٨.

ومن مميّزاتهم الانتقاد على حكّام الظلم والجور، وعدم السكوت والتسليم لهم، قد ذكر ابن جرير وغيره عن حجر بن عدي وأصحابه أنّهم كانوا ينالون من عثمان، ويطلقون فيه مقالة الجور، وينتقدون على الأمراء، ويسارعون في الإنكار عليهم، ويبالغون في ذلك، ويتولّون شيعة علي، ويتشدّدون في الدين(1)، خلافاً لأهل السنّة حيث يركنون إليهم.

وكيف لا يكونوا كذلك من دقّتهم وتدبّرهم وغورهم في المسائل، وتحرّيهم الحقائق، وتجنّبهم عن الباطل، وتحلّيهم بالصبر والحلم والإنصاف، واهتمامهم بالمسائل الدينيّة، وإحاطتهم وتبحّرهم بعقائد مخالفيهم، فهؤلاء قد اكتسبوا هذه الفضائل من بيت الوحي، وتعلّموها من مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام، وصاروا من حملة علومهم، وتحلّوا بفضائلهم، وتخلّوا عن الرذائل، وارتووا من منهلهم العذب الروي، متمسّكين بأحاديث الغدير والثقلين والسفينة والمنزلة وغيرها.

مناظرة الشيخ المفيد رحمه‌الله مع بعض المخالفين في فضيلة أمير المؤمنين عليه‌السلام:

سئل الشيخ المفيد رحمه‌الله في مجلس الشريف أبي الحسن أحمد بن القاسم العلوي المحمّدي، فقيل له: ما الدليل على أنّ أمير المؤمنين علي بن أبيطالب عليه‌السلامكان أفضل الصحابة؟

فقال: الدليل على ذلك قول النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : «اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر».

فجاء أمير المؤمنين عليه‌السلام، وقد ثبت أنّ أحبّ الخلق إلى اللّه‌ سبحانه وتعالى أعظمهم ثواباً عند اللّه‌، وأنّ أعظم الناس ثواباً لا يكون إلاّ لأنّه أشرفهم أعمالاً،


1) البداية والنهاية ٨: ٥٩.

وأكثرهم عبادة للّه‌ تعالى، وفي ذلك برهان على فضل أمير المؤمنين عليه‌السلام على الخلق كلّهم سوى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم .

فقال له السائل: وما الدليل على صحّة هذا الخبر؟ وما أنكرت أن يكون غير معتمد ؛ لأنّه إنّما رواه أنس بن مالك وحده، وأخبار الآحاد ليست بحجّة فيما يقطع على اللّه‌ تعالى بصوابه.

فقال الشيخ المفيد: هذا الخبر وإن كان من أخبار الآحاد على ما ذكرت من أنّ أنس بن مالك رواه وحده، فإنّ الأُمّة بأجمعها قد تلقّته بالقبول، ولم يروو أنّ أحداً ردّه على أنس، ولا أنكر صحّته عند روايته، فصار الإجماع عليه هو الحجّة في صوابه، ولم يخل ببرهانه كونه من أخبار الآحاد كما شرحناه.

مع أنّ التواتر قد ورد بأنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام احتجّ به في مناقبه يوم الدار فقال: أنشدكم باللّه‌ هل فيكم أحد قال له رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم : «اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكلّ معي من هذا الطائر»، فجاء أحد غيري؟

فقالوا: اللّهم لا.

فقال: اللّهم اشهد.

فاعترف القوم بصحّته ولم يك أمير المؤمنين عليه‌السلام بالذي يحتج بباطل لاسيّما وهو في مقام المنازعة والتوسّل بفضائله إلى أعلى الرتب التي هي الإمامة والخلافة للرسول صلى الله عليه و آله و سلم وإحاطة علمه بأنّ الحاضرين معه في الشورى يريدون الأمر دونه مع قول النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : «علي مع الحقّ، والحقّ مع علي، يدور حيثما دار»، وإذا كان الأمر على ما وصفناه دلّ على صحّة الخبر حسبما بيّناه»(1).


1) الفصول المختارة: ٩٦ - ١٠٢.

مناظرة هشام بن حكم مع عمرو بن عبيد في مسجد البصرة:

ذكر الكليني بإسناده عن يونس بن يعقوب قال: كان عند أبي عبد اللّه‌ عليه‌السلام جماعة من أصحابه منهم: حمران بن أعين، ومحمّد بن النعمان، وهشام بن سالم، والطيار، وجماعة فيهم هشام بن الحكم وهو شاب.

فقال أبو عبد اللّه‌ عليه‌السلام: «يا هشام، ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد، وكيف سألته»؟

فقال هشام: يا ابن رسول اللّه‌ إنّي اجلّك وأستحييك، ولا يعمل لساني بين يديك.

فقال أبو عبد اللّه‌: «إذا أمرتكم بشيء فافعلوا».

قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة، فعظم ذلك عليّ، فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة، فأتيت مسجد البصرة، فإذا أنا بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد، وعليه شملة سوداء متّزر بها من صوف، وشملة مرتد بها، والناس يسألونه، فاستفرجت الناس، فأفرجوا لي، ثمّ قعدت في آخر القوم على ركبتي، ثمّ قلت: أيّها العالم، إنّي رجل غريب تأذن لي في مسألة؟

فقال لي: نعم.

فقلت له: ألك عين؟

فقال: يا بنيّ، أيّ شيء هذا من السؤال؟ وشيء تراه كيف تسأل عنه؟

فقلت: هكذا مسألتي.

فقال: يا بنيّ سل، وإن كانت مسألتك حمقاء.

قلت: أجبني فيه.

قال لي: سل.

قلت: ألك عين؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع بها؟

قال: أرى بها الألوان والأشخاص.

قلت: فلك أنف؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أشمّ به الرائحة.

قلت: ألك فم؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أذوق به الطعم.

قلت: فلك أذن؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع بها؟

قال: أسمع بها الصوت.

قلت: ألك قلب؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أميّز به كلّما ورد على هذه الجوارح والحواس.

قلت: أوليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟

فقال: لا.

قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة.

قال: يا بنيّ، إنّ الجوارح إذا شكّت في شيء شمّته، أو رأته، أو ذاقته، أو سمعته، ردّته إلى القلب، فيستيقن اليقين، ويبطل الشكّ.

قال هشام: فقلت له: فإنّما أقام اللّه‌ القلب لشكّ الجوارح؟

قال: نعم.

قلت: لابدّ من القلب وإلاّ لم تستيقن الجوارح؟

قال: نعم.

فقلت له: يا أبا مروان، فاللّه‌ تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماماً يصحّح لها الصحيح، ويتيّقن به ما شك فيه، ويترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم وشكّهم واختلافهم، لا يقيم لهم إماماً يردّون إليه شكّهم وحيرتهم، ويقيم لك إماماً لجوارحك تردّ إليه حيرتك وشكّك؟!

قال: فسكت ولم يقل لي شيئاً. ثمّ التفت إليّ فقال لي: أنت هشام بن الحكم؟

فقلت: لا.

قال: أمن جلسائه؟

قلت: لا.

قال: فمن أين أنت؟

قال: قلت: من أهل الكوفة.

قال: فأنت إذاً هو، ثمّ ضمّني إليه، وأقعدني في مجلسه، وزال عن مجلسه، وما

نطق حتّى قمت.

قال: فضحك أبو عبد اللّه‌ عليه‌السلام وقال: «يا هشام من علّمك هذا»؟

قلت: شيء أخذته منك وألّفته.

فقال: «هذا واللّه‌ مكتوب في صحف إبراهيم وموسى»(1).

فلاحظ أدب الحوار الذي أجراه هشام مع خصمه بكلّ هدوء، كما هو يتوقّع من كلّ مسلم هو أن يحفظ الأدب، وأن يصون لسانه، ويبتعد عن التشاجر والنزاع، وتحلّيه بالحلم والإنصاف، وتحرّي الحقّ وقبوله، لا توجيه ما وقع وتبريره.

أدب النقاش والمناظرة عند بعض أهل السنّة مع مخالفيهم:

نلاحظ حين ما يناظر أهل السنّة سواء في مجال الحوار أو في مجال مناقشة آراء الآخرين ممّن يخالفونه في الرأي، فيتحاملون عليه بشدّة وقسوة في الردّ على آرائهم.

فقد نقل الصفدي في كتابه الوافي بالوفيّات عن ابن تيميّة سمعته يقول: عن نجم الدين الكاتبي المعروف بدبيران - بفتح الدال المهملة وكسر الباء الموحدة – وهو الكاتبي صاحب التواليف البديعة في المنطق فإذا ذكره لا يقول: إلاّ دبيران – بضم الدال وفتح الباء - ، وسمعته يقول: ابن المنجّس يريد ابن المطهّر الحلّي(2)، وهكذا كان دأبه عند مناقشة المذاهب الكلاميّة وغيرهم.

وأيضاً عند تعرّضه إلى الشيعة الإماميّة قوله: «وقد ذكر أهل العلم أن مبدأ الرفض إنّما كان من الزنديق عبد اللّه‌ بن سبأ ؛ فإنّه أظهر الإسلام، وأبطن اليهوديّة، وطلب أن يفسد الإسلام، كما فعل بولص النصراني الذي كان يهودياً في إفساد دين


1) الكافي ١: ١٦٩ - ١٧١.

2) الوافي بالوفيات ٧: ١٣.

النصارى. وأيضاً فغالب أئمّتهم زنادقة ؛ إنّما يظهرون الرفض. لأنّه طريق إلى هدم الإسلام»(1).

ونرى الخطيب البغدادي عندما يذكر ترجمة الشيخ المفيد يعبّر عنه أنّه: شيخ الرافضة، والمتعلّم على مذاهبهم، صنف كتباً كثيرة في ضلالاتهم، والذبّ عن اعتقاداتهم ومقالاتهم، والطعن على السلف الماضين من الصحابة والتابعين، وعامّة الفقهاء المجتهدين، وكان أحد أئمّة الضلال. هلك به خلق من الناس إلى أن أراح اللّه‌ المسلمين منه(2).

وعندما نلاحظ كلام البخاري حول الشيعة حيث يقول: «ما أبالي صلّيت خلف الجهمي أم صلّيت خلف اليهودي والنصارى، ولا يسلّم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم»(3).

وكذا قال عبد الرحمن بن مهدي: «هما ملّتان: الجهميّة، والرافضيّة»(4).

وعن الشافعي: «لم أر أحداً من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة»(5)!

ونرى ابن عبد ربّه الأندلسي عندما يعرّف الشيعة يقول: «فأمّا الرافضة فلها غلوّ شديد في عليّ، ذهب بعضهم مذهب النصارى في المسيح، وهم السبئية أصحاب عبد اللّه‌ بن سبأ، عليهم لعنه اللّه‌»(6).

قال الشعبي عن الشيعة: «إنّي درست الأهواء كلّها فلم أر قوماً أحمق من


1) مجموع الفتاوى ٢٨: ٤٨٣.

2) تاريخ بغداد ٣: ٤٥٠.

3) خلق أفعال العباد: ١٣.

4) خلق أفعال العباد: ١٣.

5) السنن الكبرى ١٠: ٢٠٨، الكافية في علم الدراية: ١٥٤، لسان الميزان ١: ١٠، ميزان الاعتدال ١: ٢٨، سير أعلام النبلاء ١٠: ٨٩.

6) العقد الفريد ٢: ٢٤٥.

الرافضة، فلو كانوا من الدواب لكانوا حميراً، أو كانوا من الطير لكانوا رخماً». ثمّ قال: أحذّرك الأهواء المضلّة شرّها الرافضة، فإنّها يهود هذه الأُمّة، يبغضون الإسلام، كما يبغض اليهود النصرانيّة، ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من اللّه‌، ولكن مقتاً لأهل الإسلام وبغياً عليهم»(1).

ومن طرق تعاملهم في العصر الحديث ما نقله التيجاني من مشاهداته في البقيع حيث قال: «زرت البقيع، وكنت واقفاً أترحّم على أرواح أهل البيت عليهم‌السلام، وكان بالقرب منّي شيخ طاعن في السنّ يبكي، وعرفت من بكائه أنّه شيعي، واستقبل القبلة وبدأ يصلّي وإذا بالجندي يأتي إليه بسرعة وكأنّه كان يراقب تحرّكاته وركله بحذائه ركلة وهو في حالة سجود، فقلبه على ظهره، وبقي المسكين فاقد الوعي

بضع دقائق، وانهال عليه الجندي ضرباً وسبّاً وشتماً، ورقّ قلبي لذلك الشيخ وظننت أنّه مات، ودفعني فضولي وأخذتني الحميّة وقلت للجندي: حرام عليك لماذا تضربه وهو يصلّي؟ فانتهرني قائلاً: أسكت أنت ولا تتدخّل حتّى لا أصنع بك مثله. ولمّا رأيت في عينيه الشرّ تجنّبته وأنا ساخط على نفسي العاجزة عن نصرة المظلوم، وعلى السعوديّين الذين يفعلون بالناس ما بدا لهم بدون رادع ولا وازع ولا من ينكر عليهم، وكان بعض الزائرين حاضراً فمنهم من حوقل ومنهم من قال: إنّه يستحقّ ذلك ؛ لأنّه يصلّي حول القبور وهو محرّم، فلم أتمالك وانفجرت على هذا المتكلّم قائلاً: من قال لك أن الصلاة حول القبور حرام؟ أجابني: قد نهى رسول اللّه‌ عن ذلك. فقلت بدون وعي: تكذبون على رسول اللّه‌، وخشيت أن يتألب علي الحاضرون أو ينادوا الجندي فيفتك بي، فتلطّفت قائلاً: إذا كان رسول اللّه‌ صلّى اللّه‌ عليه وآله قد نهى عن ذلك فلماذا يخالف نهيه الملايين من الحجّاج والزوّار


1) العقد الفريد ٢: ٢٤٩.

ويرتكبون حراماً ؛ لأنهم يصلون حول قبر النبيّ وقبر أبي بكر وقبر عمر في المسجد النبوي الشريف، وفي مساجد المسلمين في كلّ العالم الإسلامي، وعلى افتراض أنّ الصلاة حول القبور حرام، أفبهذه الغلظة والشدّة نعالجها؟ أم باللين واللطف.

وتأثّر بعض الحاضرين عند سماع القصّة فاختلى بي أحدهم إلى جانب وسألني: من أين أنت: قلت من تونس: فسلّم عليّ وقال: يا أخي باللّه‌ عليك أن تحفظ نفسك ولا تتكّلم مثل هذا هنا أبداً. أنصحك لوجه اللّه‌. وازددت بغضاً وحنقاً على هؤلاء الذين يدّعون أنهم حماة الحرمين ويعاملون ضيوف الرحمن بهذه القسوة، ولا يقدر أحد أن يبدي رأيه أو يروي أحاديث لا تتّفق وما يروونه، أو يعتقد غير ما يعتقدونه»(1).

هدايته إلى الحقّ:

يقول «أبو جعفر»: بعد حصول المحاورات والنقاش بين أساتذتي من جهة وبيني وبين أستاذي السابق من جهة أخرى ولاحظنا دقّة الشيعة وتدبّرهم وغورهم في المسائل الدقيقة، وتحرّيهم الحقائق، وتجنّبهم عن الباطل، واهتمامهم بالمسائل الدينيّة، وإحاطتهم بعقائد مخالفيهم، ممّا جعلنا نواصل التحقيق في كتب

الشيعة خصوصاً المستبصرين منهم، والتأثّر بالفكر الشيعي، وأحقّية مذهبهم، فتركنا مذهبنا السابق والتحقنا بمذهب أهل البيت عليهم‌السلام.


1) ثمّ اهتديت: ٨٢ - ٨٤.

{٦٥} آلفا عمر باه (مالكي ثمّ وهابي / غينيا - كوناكري)

الصورة

H30

مرّت ترجمته في ١: ١٢٧ من هذه الموسوعة، ونشير هنا إلى مالم يذكر سابقاً.

يقول «آلفا عمر» حول أهمّ أسباب تغيير انتمائه المذهبي والتحاقه بالركب الشيعي: «أكثر ما دفعني لاعتناق مذهب أهل البيت عليهم‌السلام هو مظلوميّة أهل البيت عليهم‌السلاموغصب الخلافة من أمير المؤمنين عليه‌السلام».

نعم، لقد أوصى النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم بأهل بيته خيراً من أوّل البعثة وإلى اللحظات الأخيرة من عمره الشريف، كما أوصى كراراً بأن يكون أمير المؤمنين علي عليه‌السلام بعده إماماً على الأُمّة يهديها من الضلال ويرشدها إلى الصراط المستقيم.

رزيّة الخميس:

إحدى المساعي التي قام بها رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم في الإيصاء لعلي بن أبي طالب عليه‌السلامصادفت آخر يوم خميس من عمره الشريف حيث كان الرسول صلى الله عليه و آله و سلم على فراشه مريضاً، وذلك بعد أن شاهد ما كان من أمر عرقلة جيش أسامة وتباطؤ بعض الصحابة وتقاعسهم عن الالتحاق به طمعاً للدنيا.

فما الذي كان ينبغي فعله؟

عدم أخذ أمر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بعين الاعتبار يدعو إلى تدبير آخر سريع لإتمام الأمر...

لم يجد الرسول بعد هذا خيراً من أن يكتب لهم كتاباً فاصلاً لا يضلّون بعده أبداً ؛ لأنّه سيكون أمراً ثابتاً لا يقبل التأويل والنكران والتناسي وستتناوله الأجيال يداً بيد، لا كالكلام الذي لا يحفظ إلاّ في الصدور التي لا تسلم من الدخل والتصرّف.

فقال لهم وهو على فراشه: «ايتوني بدواة وبياض أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعدي أبداً»(1).

فأيّة فرصة غالية هذه يجب أن يقتنصها الحاضرون لهم ولجيلهم وللأجيال اللاحقة حتّى الأبد، وأيّة نعمة كبرى هذه لا تعادلها نعمة... أمّا كان على المسلمين أن يستغلّوها أعظم غنيمة فيسرعوا إلى تلبية هذا الطلب ليخلد لهم الهدى ما بقوا؟


1) راجع موسوعة عبد اللّه‌ بن عبّاس حبر الأمّة وترجمان القرآن ١: ٣٣١ - ٤٦٩ للعلاّمة السيّد محمّد مهدي الموسوي الخرسان الذي ذكر في موسوعته صور الحديث من كتب أهل السنّة على لسان أربعة من الصحابة المعروفين. يقول المؤلّف: «لقد ورد الحديث بصور متعدّدة تبلغ الثلاثين أو تزيد وهذا رقم قد يبعث على الدهشة، حديث واحد عن واقعة واحدة، يرويها أربعة من شهودها، وهم: (١) الإمام أمير المؤمنين علي بن أبيطالب عليه‌السلام. (٢) الخليفة عمر بن الخطاب بطل المعارضة. (٣) جابر بن عبد اللّه‌ الأنصاري. (٤) عبد اللّه‌ بن عبّاس. المصدر ١: ٢٤٥. ثمّ يعدّد خمسة وعشرين صورة من صور الحديث بعبارات مختلفة، ويقول: هذه هي الصور التي وقفت عليها، ولا شكّ أنّه فاتني كثير من غيرها» (المصدر ١: ٢٩٠). ثمّ يذكر رواة الحديث من القرن الأوّل إلى القرن العاشر، وأخيراً يبيّن أقوال عدد من علماء التبرير ممّن ذكر احتمالاتٍ واهية في توجيه فعل عمر بن الخطاب، كمن زعم الشفقة من عمر على الدين، أو أنّ الأمر اشتبه على عمر فهو لم يدر هل كان قول النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم من شدّة المرض أو من أقواله المعروفة! وغير ذلك من التبريرات التي لا تكاد تكون أوهى من بيت العنكبوت.

فأيّ شيء كان يؤخّرهم عن انتقاص هذه النعمة؟

أوليس عمر بن الخطاب حال دون هذا التبرير، فأوهى... منه عقدته المحكمة، فقال: «ان رسول اللّه‌ قد غلبه الوجع - أو ليهجر - وعندكم القرآن وحسبنا كتاب اللّه‌»!

فاختلف الحضور وأكثروا اللغط والنقاش، منهم من يقول قرّبوا يكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده، ومنهم من يقول: ما قال عمر.

فما ترى نبي الرحمة صانعاً بعد هذا؟ أيكتب الكتاب وهو في زعم بعضهم على حال مرض غالب «حاشا النبيّ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى»، فكيف إذن يهتدون به ولا يضلّون بعده أبداً، وقد وقع فيه الخلاف من الآن، وطعن بتلك الطعنة النجلاء التي لا سبر لها ولا غور. فلم يجد صلى الله عليه و آله و سلم إلاّ أن ينهرهم وينبّههم على خطأهم فقال: «قوموا. ولا ينبغي عند نبي نزاع» لتبقى هذه الحادثة حجّة على مرور القرون.

حقّاً إنّها لرزيّة من أعظم الرزايا سبّبت كلّ ضلال وقع ويقع بعد النبيّ. وحقّ لابن عبّاس حبر الأُمّة أن يبكي عند تذكرها حتّى يخضب دمعه الحصباء ويقول: «إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب».

وليفكر المفكر أي شيء كان يدعو عمر ليقول هذه المقالة القارصة في حقّ النبيّ المختار، وما ضره لو كان يكتب هذا الكتاب ليعصم الخلق من الضلالة أبد الدهور وسجيس الليالي؟

أكان لا يحب أن يبقى الخلق على هدى لا يضلّون؟

أم كان يعتقد حقيقة أن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ليهجر؟

أم ماذا؟

التاريخ يجلي الحقائق:

الغوص في التاريخ الإسلامي يجلي الكثير من الحقائق التي طالما أخفاها من لا يريدون أن يفتحوا صفحات التاريخ لكي لا يتّضح ما أملوه على متّبعيهم من تعاليم وعقائد تخالف الشريعة الإسلاميّة.

وهذا ما قام به «آلفا عمر»، فإنّه قام بتحليل الوقائع التاريخيّة التي وقعت في الصدر الأوّل من الإسلام بشتّى جوانبها، ما كان سبباً في اتّضاح الصورة لديه، وهو ما دفعه إلى البحث والتحقيق بصورة أوسع، حتّى توصّل إلى أنّ الإسلام المحمّدي الأصيل هو ما وصل إلينا عن طريق العترة الطاهرة عليهم‌السلام.

{٦٦} جرنو إبراهيم باه (مالكي / غينيا - كوناكري)

الصورة

H31

مرّت ترجمته في ١: ١٧٣ من هذه الموسوعة، ونشير هنا إلى مالم يذكر سابقاً.

من الكتب التي حصل عليها «جرنو إبراهيم» بعد تزلزل عقائده بالنسبة للمذهب المالكي كان كتاب المراجعات للعلاّمة السيّد عبد الحسين شرف الدين رحمه‌الله، حيث أنّه ركن إلى استدلالاته القاطعة وبراهينه الساطعة مطمئن القلب بعد فترة من العيش بين الشكوك والتناقضات، ما جعل منه مبلّغاً متميّزاً للمذهب الشيعي.

يقول «جرنو إبراهيم»: بعد مطالعتي لهذا الكتاب اقتنعت به، واشتهرت عندها بالدفاع عن الشيعة في المعهد الذي كنت أدرُسُ فيه، فكنت أجيب أسئلة بعض الطلاب الذين كانوا يتسائلون عن سبب تشيّعي كما كانت أسئلتهم تدفعني للبحث عن إجابة تلك الأسئلة.

المراجعات:

يحتوي كتاب «المراجعات» على عدّة رسائل تراسلها السيّد عبد الحسين شرف الدين والشيخ سليم البشري شيخ الأزهر حينها على شكل أسئلة وأجوبة. وأمّا المبحث الأساسي الذي قام المؤلّف بتسليط الضوء عليه في رسائله هذه

فهو مبحث الإمامة، حيث استدل في القسم الأوّل منها على إمامة المذهب وفي القسم الثاني على الإمامة العامّة، وهي الخلافة عن رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم ، الاستدلال الذي أقنع شيخ الأزهر ودعاه إلى أن يفتي بجواز التعبّد وفق المذهب الجعفري(1).

ويرجئ المؤلّف بحث موضوع الإمامة إلى أهمّية هذا المبحث ؛ لأنّه أعظم خلاف وقع بين الأُمّة الإسلاميّة، ولم تسلّ السيوف في تاريخ المسلمين على شيء كما سلّت على الإمامة.

كما يشير العلاّمة شرف الدين إلى الأهداف التي دعته والشيخ البشري إلى تبادل هذه المراسلات فيقول: «نحن لو محصّنا التاريخ الإسلامي وتبيّنا ما نشأ فيه من عقائد وآراء ونظريات لعرفنا أن السبب الموجب لهذا الاختلاف إنّما هو ثورة الأُمّة لعقيدة ودفاع عن نظرية أو تحزّب لرأي، وأن أعظم خلاف وقع بين الأُمّة، اختلافهم في الإمامة ؛ فإنه ما سُلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة، فأمر الإمامة إذاً من أكبر الأسباب المباشرة لهذا الاختلاف، وقد طبعت الأجيال المختلفة في الإمامة على حب هذه العصبية، وألفت هذه الحزبية، بدون تدبر وبدون روية، ولو أن كلاّ من الطائفتين نظرت في بينات الاُخرى نظر المتفاهم لا نظر الساخط المخاصم، لحصحص الحقّ وظهر الصبح لذي عينين.

وقد فرضنا على أنفسنا أن نعالج هذه المسألة بالنظر في أدلة الطائفتين، فنفهمها فهماً صحيحاً، من حيث لا نحس إحساسنا المجلوب من المحيط والعادة والتقليد، بل نتعرّى من كلّ ما يحوطنا من العواطف والقومية، ونقصد الحقيقة من طريقها المجمع على صحّته، فنلمسها لمساً، فلعل ذلك يلفت أذهان المسلمين، ويبعث الطمأنينة في نفوسهم، بما يتحرّر ويتقرّر عندنا من الحقّ، فيكون حدّاً ينتهى إليه إن شاء اللّه‌ تعالى.


1) راجع: مع رجال الفكر للسيّد مرتضى الرضوي: ٤١، نشأة التشيّع: ٧٦.

لذلك قررنا أن يتقدم هو بالسؤال خطّاً عمّا يريد، فأقدم له الجواب بخطّي على الشروط الصحيحة، مؤيّداً بالعقل أو بالنقل الصحيح عن الفريقين، وجرت بتوفيق اللّه‌ عزّ وجلّ على هذا مراجعاتنا كلّها»(1).

ومن يقرأ هذه المراسلات يجدها حقّاً مليئة بالاستدلالات المتقنة والجّليّة، والتي تأثّر بها علماء أهل السنّة قبل غيرهم.

وخير شاهد على ذلك ما في المراجعة ١١١ وهي آخر مكتوبة أرسلها شيخ الأزهر إلى السيّد شرف الدين، وقال فيها: «أشهد أنّكم في الفروع والاصول، على ما كان عليه الأئمّة من آل الرسول، وقد أوضحت هذا الأمر فجعلته جليّاً، وأظهرت من مكنونه ما كان خفيّاً، فالشكّ فيه خبال، والتشكيك تضليل، وقد استشففته فراقني إلى الغاية، وتمخرت ريحه الطيبة فأنعشني قدسيّ مهبّها بشذاه الفيّاح، وكنت - قبل أن أتصل بسببك - على لبس فيكم لما كنت أسمعه من إرجاف المرجفين، وإجحاف المجحفين، فلمّا يسر اللّه‌ اجتماعنا أويت منك إلى علم هدى ومصباح دجى، وانصرفت عنك مفلحاً منجحاً، فما أعظم نعمة اللّه‌ بك عليّ، وما أحسن عائدتك لديّ، والحمد للّه‌ رب العالمين»(2).


1) المراجعات: ٥١.

2) المراجعات: ٤٢٣.

{٦٧} جمال الدين كامارا (وهّابي / غينيا - كوناكري)

الصورة

H32

ولد سنة ١٣٩٥ه (١٩٧٥م) في مدينة (ماسانتا) في غينيا، نشأ وواصل دراسته في بلده إلى أن نال شهادة الثانويّة، كما كانت له دراسة دينيّة لمدّة أربع سنوات في إحدى المدارس الوهّابية، لكن شاءت الأقدار أن يتعرف على بعض الشيعة ومن خلالهم تعرّف على مذهب أهل البيت عليهم‌السلام فاعتنقه سنة ١٩٩٦م.

يقول «جمال الدين»: «بعد إكمالي الدراسة الثانوية، سافرت إلى ساحل العاج، وهناك انتميت إلى إحدى المدارس الوهّابية، وكان الأساتذة كثيراً ما يذكرون الشيعة وعلمائهم بسوء، وصادف في أحد الأيّام التقيت ببعض اللبنانيين الموجودين هناك، وعرفت أنّهم من الشيعة، فسألتهم عن دينهم؟ فذكروا أنّهم

مسلمون، يؤمنون باللّه‌ ورسوله والأئمّة الأطهار عليهم‌السلام الذين أوصى بهم النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وحدّثوني عن قصّة كربلاء، وعن الإمام الحسين عليه‌السلام، وما جرى عليه وعلى أهله وأصحابه من القتل والأسر وغير ذلك، فتعجّبت من كلامهم كثيراً»!!

ثورة الحسين عليه‌السلام:

إنّ ثورة الحسين عليه‌السلام في كربلاء الدامية، التي شقّت ظلامة بني أميّة، وعرت

نظامهم الحاكم بوجهه الحقيقي أمام البشريّة جمعاء، حتّى انقدح أوّل شرارة يقظة في قلوب المسلمين من جور الظالمين، وتلتها ثورات متعاقبة، ولقد سجّل التاريخ عشرات الثورات والانتفاضات، ولكنّ التاريخ لم يحدّث لنا عن ثورة في تاريخ الشعوب والأمم أنّها عاشت كما عاشت مثل ثورة الحسين عليه‌السلام الخالدة، وكان لها تلك الضجّة في زمانها بل في كلّ زمان ومكان، وأعطت وقدّمت للإنسانيّة من المنجزات والقيم والمثل العليا مالم تعطه أيّة ثورة أخرى، وما زالت حيّة في ضمير الإنسانيّة.

وإنّها الثورة الوحيدة من بين جميع الثورات والانتفاضات التي وقعت في تاريخ البشريّة دفعت الأُمّة نحو التحرّر من الاستغلال والاستعباد والتسلّط، وأسهمت ولا تزال تسهم بدور هام في تكوين الشخصيّة الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة لدى المسلمين، بل في العالم بأسره، بعد أن كان المسلمون يوم ذاك

يفقدون حريّتهم وروحهم النضاليّة، وحتّى وجودهم جرّاء سياسة حكّام بني أميّة.

لذا نجد هذه الثورة كانت الوهج الساطع الذي أضاء المسلك لمن أراد المسيرة بالإسلام في طريقه الصحيح، والمرآة الصافية ترسم لنا طريقاً نحو مستقبل أفضل، ومجتمع أرقى، وهو الوقوف بجانب الحقّ وعون المظلوم وإن قلّ أنصاره وضعفت شوكته، والثورة على الظلم والظالمين.

سبب خروج الحسين عليه‌السلام:

بيّن الإمام الحسين عليه‌السلام أهدافه من ثورته في وصاياه وخطبه التي ألقاها في مسيره.

قال في وصيّته لأخيه محمّد بن الحنفيّة: «إنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا ظالماً، ولا مفسداً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبيطالب عليه‌السلام، فمن

قبلني بقبول الحقّ، فاللّه‌ أولى بالحقّ، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي اللّه‌ بيني وبين القوم بالحقّ، وهو خير الحاكمين»(1).

ولأجل هذه الأهداف النبيلة نرى الإمام الحسين عليه‌السلام خرج على طاغية زمانه يزيد وفجّر ثورته الخالدة، فهو لم يخرج أشراً ولا بطراً، ولم يخرج لأجل مصالح ماديّة له أو لأسرته، ولم يخرج لأجل الإفساد أو الظلم على الآخرين، وإنّما خرج على حكّام الظلم والجور والطغيان، يريد أن يقيم الإصلاح في أمّة جدّه ما أفسده فرعون زمانه، وأن يبسط العدل بين الناس، وإحقاق الحقّ وإماتة الباطل، أن يسير على منهاج جدّه وأبيه، لا على منهاج أيّ أحد من الخلفاء.

ومن هنا نجد الإمام الحسين عليه‌السلام يدعو الأُمّة إلى الالتفاف حوله كي تطالب بحقوقها، وتصون كرامتها وعزّتها التي سلبت من قِبَل حكّام بني أميّة، وإذا لم تستجب الأُمّة لنصرته فإنّه سيواصل مسيرته النضاليّة وحيداً بصبر وثبات في مقارعة الظالمين والمعتدين، حتّى يحكم اللّه‌ بينه وبينهم بالحق ّن وهو خير الحاكمين.

مقارعة الطغاة:

ومن الأسباب والعوامل التي حفّزت الإمام على الثورة والخروج على النظام الأموي الفاسد إدراكه لما يمثّله هذا النظام من انحرافات ومخالفات لأحكام الدين، واستباحة كلّ المحرّمات، ومخالفة كتاب اللّه‌ وسنّة نبيّه صلى الله عليه و آله و سلم حيث قال في خطبة له عليه‌السلام لأصحاب الحرّ في منطقة يقال لها البيضة: «أيّها الناس إنّ رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم قال: «من رأى سلطاناً جائراً مستحّلاً لحرم اللّه‌، ناكثاً لعهد اللّه‌، مخالفاً لسنّة رسول اللّه‌ صلى الله عليه و آله و سلم يعمل في عباد اللّه‌ بالإثم والعدوان، فلم يغيير عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على اللّه‌ إن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن،


1) بحار الأنوار ٤٤: ٣٢٩.

وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام اللّه‌، وحرّموا حلاله...»(1).

لقد حاولت السلطة الأمويّة في اضطهاد الناس، والتحكّم بمصير الأُمّة، ونهب ثرواتها ؛ ولذا ثار الإمام لينقذ هذه الأُمّة من أيدي الظالمين ويعيد كرامتها.

وقد أكّد على ذلك أيضاً في خطبته التي خطبها في ذي حسم قائلاً: «إنّه قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها، واستمرت جدّاً فلم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون أنّ الحقّ لا يعمل به، وأنّ الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء اللّه‌ محقّاً، فإني لا أرى الموت إلاّ سعادة، ولا الحياة مع الظالمين إلاّ برماً»(2).

وزاد في تحف العقول: «إنّ الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معائشهم، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون»(3).

الإباء والكرامة:

ومن الصفات التي اتّسم بها الإمام الحسين عليه‌السلام هي الإباء، وعدم الخنوع للظالم والوضيع، فهو الذي رفع شعار الكرامة الانسانية، ورسم طريق العزّة والشرف، وآثر الموت تحت ظلال الأسنة والسيوف والرماح على الحياة في الدنية، والعيش ظلّ في الذل حيث احتجّ عليه‌السلام على أهل الكوفة بكربلاء قائلاً: «تبّاً لكم أيتها الجماعة، وترحاً وبؤساً لكم! حين استصرختمونا ولهين، فأصرخناكم موجفين... ألا

وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد تركني بين السلّة والذلّة، وهيهات له ذلك منّي! هيهات منّا


1) تاريخ الطبري ٤: ٣٠٥، الكامل في التاريخ ٤: ٤٨، بحار الأنوار ٤٤: ٣٨٢.

2) تاريخ الطبري ٤: ٣٠٥، تاريخ الإسلام ٥: ١٢.

3) تحف العقول: ٢٤٥.

الذلّة! أبى اللّه‌ ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجور طهرت وجدود طابت، أن يؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام»(1). وقد وصف ابن أبي الحديد المعتزلي مواقف الإمام الحسين عليه‌السلام بقوله: «سيّد

أهل الإباء، الذي علّم الناس الحميّة والموت تحت ظلال السيوف، اختياراً له على الدنيّة، أبو عبد اللّه‌ الحسين بن علي بن أبيطالب عليه‌السلام، عرض عليه الأمان وأصحابه، فأنف من الذلّ، وخاف من ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان، إن لم يقتله، فاختار الموت على ذلك»(2). يقول فيه مصعب ابن الزبير: «واختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة»(3). وقال عليه‌السلام: «موت في عزّ خير من حياة في ذلّ»(4).

وممّا أنشأه عليه‌السلام في يوم قتله: عندما حمل على الميمنة قال:

الموت خير من ركوب العار والعار أولى من دخول النار

ثمّ حمل على الميسرة وقال:

أنا الحسين بن علي أحمي عيالات أبي

آليت أن لا أنثني أمضي على دين النبيّ(5)

وقد رثى السيّد حيدر الحلّي الإمام الحسين عليه‌السلام بقوله:

فأبى أن يعيش إلاّ عزيزاً أو تجلّى الكفاح وهو صريح

(1) الاحتجاج ٢: ٢٥.

(2) شرح نهج البلاغة ٣: ٢٤٩.

(3) مقتل الحسين عليه‌السلام لأبي مخنف: ٢٤٧، تاريخ الطبري ٤: ٣٦٤، الكامل في التاريخ ٤: ٩٨.

(4) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام ٣: ٢٢٤.

(5) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام ٣: ٢٥٨.

فتلقّى الجموع فرداً ولكنّ كلّ عضو في الروع منه جموع

زوّج السيف بالنفوس ولكنّ مهرها الموت والخضاب النجيع(1)

وهكذا يعلّمنا أبو الأحرار نبل الإباء والتضحية، وأروع الدروس عن الكرامة وعزّة النفس وشرف الإباء والمنعة من أن ينزل على حكم بني أميّة، قائلاً:«لا واللّه‌ لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد»(2).

نهاية المطاف:

يقول «جمال الدين»: «بعد ما عدت من ساحل العاج التي قضيت فيها تسعةأشهر إلى بلدي غينيا التقيت ببعض شيوخ الشيعة، وعرضت عليهم بعض الشبهاتالتي كانت تدور في ذهني، فأجابوا عنها بكلّ رحابة صدر، وزوّدوني ببعض الكتبالتي تحتوي على عقائد الشيعة، وبعض أشرطة الكاسيت المحتوية على معارف أهلالبيت عليهم‌السلام فطالعت تلك الكتب بدقّة، واستمعت إلى الأشرطة بتمعّن، فهداني اللّه‌ إلى

الرشد، وعلمت أنّ الحقّ مع شيعة أهل البيت عليهم‌السلام، فآمنت بمذهب عترة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وقد أوصى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في الحديث المتواتر بين الفريقين بالتمسكّ بهما، ومن الواضحأنّ قوله صلى الله عليه و آله و سلم حجّة بلا إشكال.

فحمدت اللّه‌ الذي وفّقني للتمسكّ بعروة أهل بيت نبيّه المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم ووصيّهالمرتضى عليه‌السلام، والأئمّة من بنيه.


1) ديوان السيّد حيدر الحلّي ١: ٣٦.

2) الإرشاد ٢: ٩٨.

{٦٨} داود سيسي (مالكي / غينيا - كوناكري)

ولد عام ١٣٧٨ه (١٩٥٩م) في مدينة «متوتو» بغينيا، ونشأ في أسرة مالكيّة المذهب، فسار على خطى أسرته وذلك، كغالب أبناء المجتمع الذين يتّبعون أسرهم في الانتماءات المذهبيّة.

واصل «داود» دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على شهادة تخصّصيّة في القانون العام.

رؤية اللّه‌ سبحانه وتعالى بين النفي والإيجاب:

كان «داود» كثير المطالعة في المجال الديني، وخاصّة في مجال المقارنة بين أحكام ومعتقدات مختلف المذاهب الإسلاميّة، وقد فتحت هذه المطالعة لديه آفاق اعتقاديّة جديدة، فتعرّف على أفكار ومعتقدات كانت تختلف عمّا كان نشأ عليه من قبل.

ومن هذه الاختلافات الموجودة بين التوجّهات الإسلاميّة المعروفة والتي يتأثّر بها المحقّق عند تأمّله فيها هي مسألة رؤية اللّه‌ سبحانه وتعالى سواء في هذه الدنيا أو في الآخرة.

فقال(عليه السلام): ويلك ما كنت أعبد ربّاً لم أره!! فقال ثانية: وكيف رأيته؟ قال: ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان. الحديث(1)، إلى غير ذلك من الروايات(2).

كما ويستدلّ على ذلك بالأخبار الواردة في كتب السنّة، فقد رووا عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما سئل: هل ترى ربّك؟ أنّه قال: «سبحان الله وأنّى أراه»(3).

وذكر الطبري في تفسيره عن عائشة أنّها قالت: من قال: إنّ أحداً رأى ربّه فقد أعظم الفريّة على الله، قال الله: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ(4).

وقال ابن عبّاس: إنّا أوّل من يؤمن أنّه لا يراك شيء من خلقك(5).

وقال أيضاً لأحد المسلمين: إنّك لن تراه ولن تناله، فقال الرجل: ولا في الآخرة؟ قال: ولا في الآخرة(6).

إضافة إلى ذلك فقد استدلّ الشيعة على استحالة رؤيته سبحانه وتعالى بأمور كثيرة لا تعدو أن تكون وجوهاً وتقريرات مختلفة لأمر واحد وهو تلازم الرؤية مع الجسميّة تلازماً ذاتياً بالمعنى الأخص، وغير قابل للانفكاك، وهذا مالا ينكره أحد من العقلاء.

وحيث أن الجسميّة تتنافى مع غنى الله سبحانه وتعالى عن الزمان والمكان لاحتياج الجسم إلى بعضه وإلى حيّز يكون فيه، وأنّ الله تعالى منزّه عن هذه الأمور،


1) التوحيد للصدوق: ١٠٨.

2) راجع الكافي ١: ٩٧، ٩٨، ١٣٨، أمالي الصدوق: ٣٢٥، توحيد الصدوق: ٣٠٥.

3) الجامع الصحيح: ٣٢٤.

4) تفسير جامع البيان ٧: ٣٢٩.

5) تفسير جامع البيان للطبري ٩: ٧٤.

6) الجامع الصحيح: ٣٢١.

فإنّ الطائفة الشيعيّة قالت باستحالة الرؤية ولوازمها من جهة العقل أيضاً.

وأمّا عن معتقد أهل السنّة في الرؤية فإنّهم، وكما قال البغدادي (ت٤٢٩هـ): «أجمعوا على أنّ الله تعالى يكون مرئيّاً للمؤمنين في الآخرة، وقالوا بجواز رؤيته في كلّ حال، ولكلّ حي من طريق العقل، ووجوب رؤيته للمؤمنين خاصّة في الآخرة من طريق الخبر، وهذا خلاف قول من أحال رؤيته»(1).

ويقول الأشعري في بيان مختلف التوجّهات الموجودة عند أهل السنّة: «فقال قائلون: يجوز أن نرى الله بالأبصار في الدنيا... وأجاز كثير ممّن أجاز رؤيته في الدنيا ومصافحته وملامسته ومزاورته إيّاهم، وقالوا: إنّ المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا أراد ذلك، حكي ذلك عن بعض أصحاب «مضر» و«كهمس»... وقد قال قائلون. إنّا نرى الله في الدنيا في ا لنوم، فأمّا في اليقظة فلا، وروى عن عقبة بن مصقلة أنّه قال: رأيت ربّ العزة في النوم. وقال: لأكرمَنَّ مؤواه... وامتنع كثير من القول: «إنّه يُرى في الدنيا» ومن سائر ما أطلقوه، وقالوا: إنّه يرى في الآخرة»(2).

وقد استند علماء أهل السنّة في أقوالهم هذه إلى الآيات الكريمة التي تدلّ بظاهرها على الرؤية المباشرة، أظهرها في ذلك قوله تعالى في وصف المؤمنين يوم القيامة: وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(3)من أنّ النظر بلا قرينة يدلّ على النظر بالعين المباشرة(4).


1) الفرق بين الفِرَق: ٣٣٥.

2) مقالات الإسلاميين للأشعري: ٢١٣ - ٢١٥.

3) القيامة -٧٥- : ٢٢ - ٢٣.

4) ذكر الصدوق في توحيده: ١١٦ عن الإمام الرضا(عليه السلام) أنّه قال في بيان هذه الآية (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) يعني مشرقه تنتظر ثواب ربّها. وقال ابن عبّاس فيها: إنّ أولياء الله تنضر وجوههم يوم القيامة وهو الإشراق، ثمّ ينظرون إلى ربّهم متى يأذن لهم في دخول الجنّة بعد الفراق من الحساب. الجامع الصحيح ٣٢٢. ويؤيّد هذا المعنى ما قابلها في وصف أصحاب النار حيث قال تعالى: (تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) كما جاء قبل الفقرتين: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَّاضِرَةٌ) وقابلها (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ).

كما جاء في أصحّ صحاحهم عن أبي سعيد الخدري: إن أناساً في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة... إلى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): حتّى إذا لم يبق إلاّ من كان يعبد الله من برّ أو فاجر أتاهم ربّ العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها، فيقال: ماذا تنتظرون؟ تتبع كلّ أمّة ما كانت تعبد، قالوا: فارقنا الناس في الدنيا على أفقر ما كنّا إليهم ولم نصاحبهم ونحن ننتظر ربّنا الذي كنا نعبد، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئاً مرّتين أو ثلاثاً حتّى أن بعضهم ليكاد ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها، فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق... ثمّ يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أوّل مرة، فقال أنا ربّكم، فيقولون أنت ربّنا...»(1).

وروى أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي هريرة: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يجمع الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثمّ يطلع عليهم ربّ العالمين... إلى قوله: ويبقى المسلمون، فيطلع عليهم ربّ العالمين فيقول: ألا تتبعون الناس، يقولون: نعوذ بالله منك، الله ربنا، وهذا مكاننا حتّى نرى ربّنا، وهو يأمرهم ويثبتهم، ثمّ يتوارى، ثمّ يطلع فيقول: ألا تتبعون الناس، فيقولون: نعوذ بالله منك، نعوذ بالله منك، الله ربّنا وهذا مكاننا حتّى نرى ربنا، وهو يأمرهم ويثبتهم... ثمّ يتوارى ثمّ يطلع، فيعرّفهم نفسه، أنا ربّكم، فيقول: أنا ربكم اتبعوني، فيقوم المسلمون ويوضع الصراط... ويبقى أهل النار... حتّى إذا أودعوا فيها وضع الرحمن عزّ وجلّ قدمه فيها وزوى بعضها


1) راجع صحيح البخاري ٥: ١٧٩، صحيح مسلم ١: ١١٥، مسند أبي داود: ٢٨٩.

إلى بعض ثمّ قالت: قط، قط، قط...»(1).

إلى غير ذلك من الروايات الواردة عن طرقهم(2).

ويمكن ردّ هذه الأحاديث - وإن كنّا مستغنين عن ردّها ; لأنّها أخبار آحاد، وأخبار الآحاد لا تفيد شيئاً في باب الأصول والعقائد - كما يمكن طرحها وضربها عرض الجدار بصريح الآية الكريمة لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ(3)وتعتضد الآية بالعقل القويم والروايات الواردة في أنّ الله تعالى غني عمّا سواه فإنّ الرؤية البصريّة لا تقع إلاّ أن يكون المرئي في جهة ومكان، وكلاهما من عوارض الجسم، والجسميّة منافية للغنى المطلق فإنّ الجسم محتاج إلى زمان ومكان وأجزاء(4).

المقارنة والنتيجة:

بعد البحث في المصادر الدينيّة للشيعة وأهل السنّة ومقارنتها مع بعضها البعض توصّل «داود» إلى أنّ الدين الصحيح الذي دعى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سائر الخلق إلى اتّباعه والالتزام به هو النهج الذي يسير عليه شيعة أهل البيت(عليهم السلام)فأعلن استبصاره والتحاقه بهذا المذهب عام ١٤١٧هـ (١٩٩٧م).


1) مسند أحمد ٢: ٣٦٨.

2) راجع عقائد الشيعة وأهل السنّة في أصول الدين، الكلام في الرؤية لعلاء الدين القزويني.

3) تفسير جامع البيان ٧: ٣٢٩.

4) للمزيد راجع: رؤية الله في ضوء الكتاب والسنّة والعقل الصريح للشيخ جعفر السبحاني.

{٦٩} شريف إبراهيم (سنّي / غينيا - كوناكري)

ولد في غينيا في أسرة تنتمي إلى أهل السنّة، لم يكن له مذهب معيّن من المذاهب الإسلاميّة الدارجة من الحنيفية والشافعية والحنبلية والمالكية، إلاّ أنّه تأثّر بالفكر الوهّابي ودعاياتهم، ودرس العلوم الدينية، وتعرّف على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) من خلال الفكر الوهّابي، ولكن بعد صراع طويل مع نفسه اختار مذهب الشيعة الإماميّة.

قبل استبصاره:

يقول: «شريف إبراهيم» عن مذهبه قبل استبصاره من أنّه: «قبل استبصاري - يعني لما كنت سنّياً - وما كنت أدري أيّ إمام لأهل السنّة أقلّد، الإمام مالك أقلّد، أم الإمام ابن حنبل، أم الإمام الشافعي، أم الإمام أبي حنيفة؟ حتّى كنت جاهلاً عن التفرقة في مذاهب أهل السنّة، المهم يطلق عليّ بأنني سنّي»(1).

تعرّفه على الشيعة من خلال الدعايات الوهّابية:

يقول: «شريف إبراهيم» في هذا المجال: كنت أعتقد بأنّه لا يوجد مذهب آخر


1) تحدّث «شريف إبراهيم» عن حياته في مجلّة الكوثر العدد ٥، جمادي الثانية١٤١٧هـ .

غير المذاهب الأربعة، وعندما سمعت بمذهب جديد وهو مذهب الشيعة استغربت جدّاً، وكنت أسمع بعض الخرافات حول هذا المذهب من أنّهم كفّار، وأنّ منشأهم من إيران، وأنّ لهم قرآن غير الذي بأيدينا، ويقولون بتحريف هذه القرآن، ويعتقدون بوجود سورة في القرآن باسم الإمام علي(عليه السلام)، وأنّ جبرائيل أخطأ في نزوله على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ الذي كان يستحقّ النبوّة هو الإمام علي(عليه السلام) ،ولذا بعد فراغهم من الصلاة يرفعون أيديهم إلى السماء ويقولون ثلاث مرّات: «خان الأمين» بدل التكبيرات الثلاث التي هي في نهاية الصلاة.

وأنّهم بعد الصلاة يلعنون الصحابة، ولا يحبّون من الصحابة إلاّ الإمام علي(عليه السلام)حتّى أنّ بعضهم يعبده ويعتقد بألوهيته.

ولذا صرت أبغض عليّاً حتّى صرت لا أفضّله على معاوية وابنه يزيد.

ويحذفون اسم الصحابة من الصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

وأنّهم غيّروا سنته(صلى الله عليه وآله وسلم) وأدخلوا في دينه مالم يكن فيه، كالسجود على الحجر والخشب ما شابه ذلك، وأنّهم أباحوا الزنا ويسمّونه بالمتعة، وحذفوا بعض الأشياء من الأذان كالصلاة خير من النوم، وأضافوا فيه الشهادة الثالثة وحيّ على خير العمل، إلى غير ذلك من الشبهات حول مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ممّا جعلتني ابتعد عن هذا المذهب.

النقاش مع الأستاذ:

ويذكر «شريف إبراهيم» عن حياته أنّه كان يدرس عند أستاذ اسمه «عمر دياكتي» - الذي كان من المستبصرين - يتعلّم عنده بعض الدروس العربية والعقلية، وكان مع صديق له اسمه «سلمان سيسي»، وأحياناً كان يصطحب معه بعض الكتب الوهّابية ككتاب «بلوغ المرام» ليدرسها عند أستاذه، فكان الأستاذ يشرح

لهما روايات الكتاب ويبيّن ضعفها وتناقضاتها الموجودة فيها، ولم يكن يقنع هو وصديقه لكلامه، فكانا يحملان ما يقوله هذا الأستاذ على مذهبه، لكونه شيعياً، وأنّه مشرك بالله حيث يسجد على الحجر لذا يضعّف أخبارها، ويناقض بعضها ببعض لكي لا نعمل بها، ونبتعد عنها.

ومهما حاول جاهداً أن يفهمهما بعض المسائل الخلافية، وتبين الحقائق، وإزالة الشبهات، لم يقتنعا بذلك، وما يطرحه من أفكاره ; لأنّ الأستاذ كان يذكر من الأدلّة من غير أن يُرى الكتب لنا ; لأنّه ما كان يملك تلك الكتب والمصادر.

النقاش مع الصديق:

ويضيف «شريف إبراهيم»: كنّا على هذا الحالة إلى أن سافر صديقي إلى (آكرا) عاصمة غانا للتعليم في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، وكنت أخاف عليه من التشيّع، وأنبّهه وأحذّره كثيراً من ذلك، وطلبت منه فعل كلّ ما يريدونه إلاّ أن يتبع دينهم، وإن كانوا أكثر علماً وفهماً ودقة من علماء السنّة.

ومرّت الأيّام إلى أن رجع صديقي من غانا، فصرت أراقبه وأوّل شيء رأيته في صلاته هو سجوده على التربة، ثمّ القنوت، وبعد ما انتهى من الصلاة قلت له: ما صنعت في صلاتك؟ هل غيّروا عقلك؟

فأجاب: أنّ السجود على التربة جائز ; لأنّ النبيّ كان يفعل ذلك ; وذلك لما روي عن ابن عبّاس.

فقلت له: في أيّ كتاب موجودة هذه الرواية؟

قال: في المستدرك على الصحيحين.

طلبت منه أن يريني تلك الرواية؟ وأن يقرأها لي؟

فأراني تلك الرواية مع غيرها من الروايات التي تثبت جواز السجود على

الأرض.

قال: روي عن عكرمة، عن ابن عبّاس أنّه قال: «إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) سجد على الحجر».

وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(1).

ومن ثمّ حدث نقاش بيني وبين صديقي في مسائل كثيرة التي وقع النزاع فيها بين مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ومدرسة الخلفاء، منها أنّهم لماذا يجمعون بين الصلاتين؟ وما الدليل على ذلك؟ هل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو أصحابه كانوا يفعلون ذلك؟

قال: الرواية موجودة في صحيح مسلم وغيره.

فقد روي في صحيح مسلم وغيره عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد جمع بين الصلاتين بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير عذر من مطر أو خوف أو مرض أو غير ذلك من الأعذار.

عن سعيد ابن جبير عن ابن عبّاس قال جمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر».

في حديث وكيع قال: قلت لابن عبّاس: لم فعل ذلك.

قال: كي لا يحرج أمّته.

وفي حديث أبي معاوية قيل لابن عبّاس: ما أراد إلى ذلك.

قال أراد أن لا يحرج أمّته(2).


1) المستدرك على الصحيحين ١: ٤٧٣.

2) مسند أحمد بن حنبل ١: ٢٢٣، ٣٤٦، ٣٥٤، صحيح مسلم ٢: ١٥١ - ١٥٣، سنن أبي داود ١: ٢٧٢ ح١٢١١، سنن الترمذي ١: ١٢١ ح١٨٧، السنن الكبرى ٣: ١٦٧، مسند أبي يعلى ٥:١٨٠ ح٢٦٧٨.

مضافاً إلى ما ورد من أنّه جمع بين الصلاتين في السفر كما في غزوة تبوك(1)، أو يوم غزا بني المصطلق(2)، أو جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة(3).

فنلاحظ من أنّ العلّة في تشريع الجمع إنّما هي التوسع على الأُمّة بنحو مطلق، وعدم إحراجها بسبب التفريق رأفة بهم، فحملها على المطر والمرض والسفر من غير دليل، أو بأدلّة واهية وتأويلات باطلة لا مبرر لها.

وممّا جرى النقاش بيننا عن كيفية الوضوء، لماذا يختلفون عنّا من مسح الرجل بدل غسله؟

قال: إقرأ آية الوضوء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ(4).

لاحظ الآية حيث تقول: وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ; فإنّها تصرّح بالمسح على الرأس والأرجل ; لأنّ: وَأَرْجُلَكُمْ معطوف على: بِرُؤُوسِكُمْ، فمقتضى العطف تشريك الحكم بين المعطوف عليه - بِرُؤُوسِكُمْ - والمعطوف - وَأَرْجُلَكُمْ - ، ومجىء حكم المعطوف عليه على المعطوف وهو المسح.

وعلى تقدير نصب أرجلكم وَأَرْجُلَكُمْ كما يقرأها البعض فهي معطوفة على محل رؤوسكم باعتبار كون (ب) بِرُؤُوسِكُمْ زائدة غير عاملة، فهي في الأصل منصوبة، فعطفة وَأَرْجُلَكُمْ على محل رؤوسكم.

ثمّ استدل برواية رفاعة بن رافع، أنّه كان جالساً عند النبيّ صلّى الله عليه


1) مسند أحمد بن حنبل ٢: ٢٠٤، ٣: ٣٤٨، صحيح مسلم ٢: ١٥٢، السنن الكبرى ٣: ١٦٢، ١٦٧، صحيح ابن خزيمة ٢: ٨١ .

2) مسند أحمد بن حنبل ٢: ٢٠٤، ٣: ٣٤٨.

3) مسند أحمد بن حنبل ٥: ٢٠٢.

4) المائدة -٥-: ٦.

وسلم فقال: «إنّها لا تتمّ صلاة لأحد حتّى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى: يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين»(1).

وهكذا حصلت مناقشات عديدة ومع ذلك لم يحصل عندي اليقين من كلامه، وكنت أتصوّر أنّه يدافع عن مذهبه الذي يدين به، إلاّ أنّه بمرور الأيّام بدأ يتّضح لي بعض الشيء، وفهم بعض النكات، وحلّ بعض الشبهات، وفك بعض الألغاز.

المنازعة مع النفس:

وهكذا حصلت مناقشات عديدة مع صديقه «سلمان سيسي» إلاّ أنّه لا زال يتردّد الشكّ في نفسه، ولم يحصل له الاطمئنان من كلامه، فكان عليه أن يحققّ بنفسه، ويكشف الحقيقة، كي يرفع اللبس والإبهام عن الواقع.

فيقول: «شريف إبراهيم»: ثمّ بحثت عن معنى الشيعة ووجدت أنّ معناها أتباع أهل البيت(عليهم السلام)، وجماعة علي(عليه السلام)، وقبل ذلك كنت أرى هذه الكلمة خبيثة جدّاً بسبب الدعايات التي كانت حول هذا المذهب، ولكن بعد حصول هذا النقاش مع صديقي حصل لي خلاف ما كنت أعتقده، وبدأت أبحث في كتب السنّة على الأخبار التي تذكر فضائل علي(عليه السلام)، ورأيت بعض هذه الفضائل مختصّة بأمير المؤمنين دون من سواه من الصحابة. فقلت في نفسي: كيف يقول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لشخص له هذا الفضائل: إنّه مع القرآن أومع الحقّ، مع ذلك لانتبعه، فالذي معه الحقّ حيث يدور، مهما يكن الأمر فهو على الحقّ.

وقد رأيت من فضائله ما لا يحصى، فقد روي عن زيد بن أرقم قال: نزل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين مكّة والمدينة عند شجرات خمس دوحات عظام، فكنس الناس ما تحت الشجرات، ثمّ راح رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عشيّة فصلّى، ثمّ قام خطيباً فحمد الله


1) سنن ابن ماجة ١: ١٥٦، ح٤٦٠.

وأثنى عليه، وذكّر ووعّظ. فقال: ما شاء الله أن يقول: ثمّ قال أيّها الناس إنّي تارك فيكم أمرين: لن تضلوا أن اتبعتموهما، وهما كتاب الله، وأهل بيتي عترتي، ثمّ قال: أتعلمون إنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثلاث مرات. قالوا: نعم. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من كنت مولاه فعلي مولاه».

وحديث بريدة الأسلمي صحيح على شرط الشيخين(1).

وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ عليّاً منّي، وأنّا منه، وولي كلّ مؤمن» هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه(2).

وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «علي مع القرآن، والقرآن مع علي، لن يتفرّقاً حتّى يردا عليّ الحوض». هذا حديث صحيح الإسناد وأبو سعيد التيمي هو عقيصاء ثقة مأمون ولم يخرجاه(3).

وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «علي مع الحقّ، أو الحقّ مع علي حيث كان»(4).

وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب وهو يقول: «هذا أمير البررة، قاتل الفجرة، منصور من نصره مخذول من خذله»، ثمّ مدّ بها صوته، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(5).

وروي عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب».

وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.


1) المستدرك على الصحيحين ٣: ١١٠.

2) المستدرك على الصحيحين ٣: ١١١.

3) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٤.

4) مجمع الزوائد ٧: ٢٣٥.

5) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٩.

ويذكر الحاكم هذا الحديث بطرق متعددة(1).

وعنه أيضاً قال: نظر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى علي فقال: «يا علي أنت سيّد في الدنيا سيّد في الآخرة، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، والويل لمّن أبغضك بعدي» صحيح على شرط الشيخين(2).

وعن أبي ذر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي بن أبي طالب: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاك فقد عصاني». هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(3).

وعن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من يريد أن يحيى حياتي، ويموت موتي، ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي، فليتول علي بن أبي طالب، فإنّه لن يخرجكم من هدى، ولن يدخلكم في ضلالة» هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(4).

ومع وجود هذه الفضائل والمقامات لأمير المؤمنين(عليه السلام) كيف لا نتبعه، ولا نسير بهديه ونهجه.

وهناك من الأخبار ما تثبت وجوب أتباع عترة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كحديث الثقلين وحديث السفينة وغيرهما من الأخبار.

عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حجّته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم


1) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٦.

2) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٨.

3) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٨.

4) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٨.

من ]ما[ إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي»(1).

وروى ابن عبّاس عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا، ومن تخلّف عنها غرق»(2).

فالمراد من «أهل بيتي» هم: فاطمة وعلي وابنيهما وبنيهما أهل العدل والديانة.

ووجه التشبيه: أنّ النجاة ثبتت لأهل السفينة من قوم نوح، فأثبت المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)لأمّته بالتمسّك بأهل بيته النجاة، وجعلهم وصلة إليها، ومحصوله الحثّ على التعلّق بحبّهم وحبلهم وإعظامهم شكراً لنعمة مشرفهم، والأخذ بهدي علمائهم.

فمن أخذ بذلك نجا من ظلمات المخالفة وأدّى شكر النعمة المترادفة، ومّن تخلّف عنه غرق في بحار الكفران وتيار الطغيان، فاستحق النيران ; لما أنّ بغضهم يوجب النار كما جاء في عدّة أخبار، كيف وهم أبناء أئمّة الهدى ومصابيح الدجى الذين احتجّ الله بهم على عباده، وهم فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب عنهم الرجس وطهّرهم وبرّأهم من الآفات، وافترض مودّتهم في كثير من الآيات، وهم العروة الوثقى ومعدن التقى(3).

وممّا اطلعت عليه من الأخبار التي تثبت تخلّف الصحابة عن أوامر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عن جيش أسامة وطلبه(صلى الله عليه وآله وسلم) الدواة والقلم ومنع عمر ذلك.

فقد ورد في المصادر التاريخية إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الناس بالتهيؤ لغز


1) سنن الترمذي ٥: ٣٢٨، ح٣٨٧٤، وقريب منه حديث مسلم ٧: ١٢٢، فضائل الصحابة: ١٥، ٢٢، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٨، السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٣٠، ح١٠، ١٤.

2) الهيثمي في مجمع الزوائد: ٩: ١٦٨، والسيوطي في الجامع الصغير ٢: ٥٣٣، ح٨١٦٢، والمتقي الهندي في كنز العمال ١٢: ٩٤، ح٣٤١٤٤.

3) فيض القدير شرح الجامع الصغير ٢: ٦٥٨ - ٦٥٩، ح٢٤٤٢.

و الروم، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة فيهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم بن حريش، فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين فغضب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)غضباً شديداً(1)، فجعل يقول: أنفذوا بعث أسامة، لعن الله من تخلّف عنه، وكرر(2).

وروى البخاري باسناده عن ابن عبّاس أنّه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس؟ ثمّ بكى حتّى خضب دمعه الحصباء فقال: اشتدّ برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه يوم الخميس. فقال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً». فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبيّ تنازع. فقالوا: هجر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). قال: «دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه»(3).

فيقول «شريف إبراهيم» أستغربت كثيراً من هذا القول كيف منع عمر من أن يؤتوا بالكتاب والدواة حتّى قال: هجر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)!! سبحان الله من هذا القول، وبدأت أفهم أن بعض الصحابة لم يكونوا يعملوا بأوامر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى كنت أؤمن بروايات أبي هريرة، وبعدها قرأت شيئا من تاريخه فهمت أنّه لم يكن ذا إمانه تامة، وما لازم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ لأجل شبع بطنه فقد روي عنه إنّ الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة، وإنّي كنت الزم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بشبع بطني حتّى لا آكلّ الخمير ولا البس الحبير ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني، وكان أخير


1) الطبقات الكبرى ٢: ١٨٩.

2) شرح نهج البلاغة ٦: ٥٢.

3) صحيح البخاري ٤: ٣١.

الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتّى أن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فيشقها فنلعق ما فيها»(1).

وهكذا كنت أبحث كثيراً عن الآيات المتعلّقة بالصحابة في القرآن، فقد قسمت الصحابة إلى طائفة تمدحهم من المؤمنين، وأخرى تذمّهم من المنافقين في وقائع كثيرة.

قال تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ(2).

قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيًما(3).

فالناكث هالك من الصحابة إلاّ الذين لم يبدّلوا ولم يحدثوا في الدين إلى غير ذلك من الآيات التي تصفهم بالذين في قلوبهم مرض، والمرجفون، والمرجون، والخوالف، والناكثون بعدما عاهدوا الله، والذين يؤذون الرسول، ويقولون: هو أذن، والمخلّفون بمقعدهم، والذين ارتابت قلوبهم، والذين يبتغون الفتنة إلى غير ذلك من الأوصاف في ذمّهم.

وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: بينا أنا قائم فإذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمّ.

فقلت: أين؟

قال: إلى النار والله.


1) صحيح البخاري ٤: ٢٠٩.

2) آل عمران -٣- : ١٤٤.

3) الفتح -٤٨- : ١٠.

قلت: وما شأنهم؟

قال: إنّهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى... فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم»(1).

الهداية إلى النور:

وهكذا أدّت هذه المناقشات والمباحثات الطويلة بين «شريف إبراهيم»، وصديقه «سلمان سيسي» من جهة، وبين أستاذه «عمر دياكتي» من جهة أخرى، إلى غربلة الأفكار واتّضاح الرؤى، وكشف الحقائق، والوصول إلى الصواب، ومعرفة ما كان مجهولاً أصلاً، كلّ ذلك من مصادر نفس أهل السنّة.

ومن خلالها اتّضح دفع الشبهات التي كانت ترد حيال مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، والذين أوجب الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) اتباعهم في الكتاب والسنّة حيث يقول: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(2).

ومن الواضح أنّ المودّة هي نهاية المحبّة، وهي لا تتحققّ إلاّ بالاتباع قال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(3).

وما ورد في أنّ النجاة لا تتحقّق إلاّ بالتمسّك بالثقلين كتاب الله والعترة الطاهرة، فكان التمسّك بحبلهم تمسّكاً بالعروة الوثقى الذي أمرنا الله التمسّك بها:


1) صحيح البخاري ٧: ٢٠٨.

2) الشورى -٤٢- : ٢٣.

3) آل عمران -٣- : ٣١.

وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ(1). وهكذا بفضله ولطفه هداه إلى الحقّ وطريق الهداية: ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ(2).


1) آل عمران -٣- : ١٠٣.

2) الأنعام -٦- : ٨٨ .

{٧٠} عبد الله جوغوباه (مالكي / غينيا - وناكري)

الصورة

H33

ولد في غينيا سنة ١٩٦٨م في أسرة تنتمي إلى المذهب المالكي، درس حتّى نال شهادة البكالوريوس (الليسانس) في مجال الهندسة الميكانيكيّة، وتعلّم أيضاً قراءة القرآن وطالع كُتب الفلسفة والعقيدة وأصبح أستاذاً في الكيمياء والفيزياء والرياضيّات.

يقول «عبد الله» عند عودة الإخوة الذين قاموا بإدخال التشيّع إلى غينيا من هجرتهم الدراسيّة سنة ١٩٩٠م، وشروعهم بالعمل التبليغي حيث أسّسوا حوزة أهل البيت(عليهم السلام)، كنت وقتها طالباً في الجامعة، وتعرّفت عليهم، فكنت أحضر محاضراتهم وأستعير الكتب منهم.

وبعد التخرّج ذهبت للعمل إلى مكان بعيد عن العاصمة (كوناكري)، وانقطع ارتباطي بحوزة أهل البيت(عليهم السلام)، لكنّ هذا الانقطاع لم يدم طويلاً، فقد عدتُ بعد ستّة أشهر إلى كوناكري، وطُلب منّي القيام بتدريس الدروس الأكاديميّة في الحوزة، بعد أن فرضت الحكومة تدريسها إلى جانب الدروس الدينيّة.

وقد كانت هذه فرصة ذهبيّة بالنسبة إليّ لكي أتمكّن من التعرّف أكثر على

مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فبدأت بالبحث والتأمّل، وقد شدّني أكثر من أيّ شيء قوّة منطق الشيعة، واعتمادهم العقل في الاستدلال.

حجج الشيعة ومنطقهم القوي:

إنّ دعوة الإسلام إلى التدبّر والتعقّل، وحثّه للمسلمين عليه، أدّى إلى ظهور التفكير العقلي بقوّة بين المسلمين حول مختلف المسائل الهامّة، سواء كانت مرتبطة بالدين أو الحياة العامّة وغير ذلك، وقد زاد في هذا الأمر دخول الأمم الأخرى في الإسلام حيث دخلت معهم مختلف الشُبه والإشكالات، الأمر الذي أضطرّ المسلمين إلى التفكير والتأمّل في سبيل العثور على إجابات مناسبة لتلك الشُبه. وممّا عمّق ذلك ظهور الخلافات المذهبيّة بين المسلمين أنفسهم ومحاولة أبناء كلّ مذهب إقامة الأدلّة والبراهين لتقوية موقف مذهبهم الخاص، فظهرت المناظرات ومجالس النقاش العلمي التي كان المتكلّمون يهتمّون بعقدها والمشاركة فيها.

وقد تألّق متكلّمو الشيعة ومناظروهم في هذه المجالس، من أمثال هشام بن الحكم ومؤمن الطاق وعلي بن إسماعيل الميثمي وغيرهم، وذلك بسبب ما كانوا يمتلكون من ذكاء متوقّد وعبقريّة نادرة، استمّدت قوّتها وألقها من تعاليم أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) الذين كانوا يمدّون أصحابهم بأساليب البحث والمناظرة، فيأخذ أصحابهم تلك التعاليم ويصوغونها بصياغتهم الخاصّة.

فمن يطالع مناظرات الشيعة واحتجاجاتهم يعرف مدى قدراتهم الفائقة على استعمال الأدلّة العقليّة، فقد كانوا قمّة في العقليّات، كما كانوا ملمّين بكتب المخالفين وآرائهم إلماماً تامّاً، وكانوا يراعون الإنصاف في البحث وتحرّي الحقيقة.

ولنذكر هنا بعض مناظراتهم لنتعرّف أكثر على مدى نباهتهم وذكائهم.

مناظرة هشام بن الحكم مع عمرو بن عبيد:

قال هشام وهو يتحدّث مع الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): بلغني ما كان في عمرو ابن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة، فعظم ذلك عليّ، فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة، فأتيت مسجد البصرة، فإذا أنا بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد وعليه شملة سوداء متّزر بها من صوف وشملة مرتد بها والناس يسألونه، فأستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثمّ قعدت في آخر القوم على ركبتيّ، ثمّ قلت: أيّها العالم، إنّي رجل غريب، تأذن لي في مسألة؟

فقال لي: نعم.

فقلت: ألك عين؟

فقال: يا بُنيّ، أي شيء هذا من السؤال؟ وشيءٌ تراه كيف تسأل عنه؟!

فقلت: هكذا مسألتي.

فقال: يا بُنيّ، سل، وإن كانت مسألتك حمقاء.

قلت: أجبني فيها.

قال لي: سل.

قلت: ألك عين؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع بها؟

قال: أرى بها الألوان والأشخاص.

قلت: فلك أنف؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أشمّ به الرائحة.

قلت: ألك فم؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أذوق به الطعم.

قلت: فلك أذن؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع بها؟

قال: أسمع بها الصوت.

قلت: ألك قلب؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أميّز به كلّ ما ورد على هذه الجوارح والحواسّ.

قلت: أوليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟

فقال: لا.

قلت: وكيف ذلك، وهي صحيحة سليمة؟!

قال: يا بُني، إن الجوارح إذا شكّت في شيء شمّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته، ردّته إلى القلب، فيستيقن اليقين ويبطل الشك.

قال هشام: فقلت له: فإنما أقام الله القلب لشكّ الجوارح؟

قال: نعم.

قلت: لابدّ من القلب، وإلاّ لم تستيقن الجوارح؟

قال: نعم.

فقلت له: يا أبا مروان، فالله تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماماً يصحّح لها الصحيح، ويتيقّن به ما شكّ فيه، ويترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم وشكّهم واختلافهم، لا يقيم لهم إماماً يردّون إليه شكّهم وحيرتهم، ويقيم لك إماماً لجوارحك تردّ إليه حيرتك وشكّك؟!

قال: فسكت، ولم يقل لي شيئاً(1).

مناظرة الشيخ المفيد مع علي بن عيسى الرمّاني:

خاض الشيخ المفيد(رحمه الله) هذه المناظرة في شبابه، وهي تدلّ على سرعة بديهة ونباهة نادرة، وقد ذكر الشيخ المفيد(رحمه الله) هذه المناظرة ودخوله على الرمّاني المتكلّم، فقال:... فدخلتُ عليه والمجلس غاصّ بأهله، وقعدت حيث انتهى بي المجلس، وكلّما خفّ الناس قربتُ منه، فدخل إليه داخل فقال: بالباب إنسان يؤثر الحضور بمجلسك، وهو من أهل البصرة.

فقال: أهو من أهل العلم؟

فقال: الغلام، لا أعلم إلاّ أنّه يؤثر الحضور بمجلسك.

فأذن له، فدخل عليه، فأكرمه وطال الحديث بينهما، فقال الرجل لعليّ بن عيسى: ما تقول في يوم الغدير والغار؟

فقال: أمّا خبر الغار فدراية، وأمّا خبر الغدير فرواية، والرواية لا توجب ما توجب الدراية.


1) الكافي ١: ١٧٠.

قال: فانصرف البصريّ، ولم يحر جواباً يورد عليه.

قال المفيد(رحمه الله): فتقدّمت، فقلت: أيّها الشيخ، مسألةٌ.

فقال: هات مسألتك.

فقلت: ما تقول فيمن قاتل الإمام العادل؟

فقال: يكون كافراً، ثمّ أستدرك فقال: فاسقاً.

فقالت ما تقول في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)؟

فقال: إمام.

قلت: فما تقول في يوم الجمل، وطلحة والزبير؟

قال: تابا.

قلت: أمّا خبر الجمل فدراية، وأمّا خبر التوبة فرواية.

فقال لي: أكنت حاضراً وقد سألني البصريّ؟!

فقلت: نعم.

قال: رواية برواية، ودراية بدراية(1).

إنّ هذه المناظرة الممتعة تدلّ على سرعة بديهة الشيخ المفيد(رحمه الله) وقدرته الفائقة على النقض، فهو لم يكن يعلم بما سيدور بين الرمّاني والرجل البصريّ من كلام، لكنّه ما أن سمع بكلامهما حتّى استطاع بذكائه المتوقّد أن يستخرج نقضاً عجز الرمّاني عن إجابته.

إن «عبد الله جوغوباه» شخصيّة أكاديميّة متعلّمة ; ولذلك كان أوّل ما جذب انتباهه هو القدرة الكبيرة للشيعة على البرهان وإقامة الدليل العقليّ الواضح على صحّة ما يقولونه ومطابقته للواقع ; ولذلك اقتنع بهذا الفكر العميق وتغلغل في أعماق وجوده وعقله.


1) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورّام) ٢: ٣٠٢.

{٧١} فودي جالو (مالكي / غينيا - كوناكري)

الصورة

H34

ولد سنة ١٣٩٧هـ (١٩٧٧م) في غينيا في أسرة تنتمي للمذهب الشافعي، ونشأ في العاصمة كوناكري، وواصل دراسته الأكاديميّة حتّى نال شهادته الثانويّة، ودرس العلوم الإسلاميّة، وخلالها تبيّن له أنّ أئمّة المذاهب الإسلاميّة درسوا عند أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ممّا أدى إلى استبصاره عام ١٤١٣هـ (١٩٩٣م) بالعاصمة «كوناكري».

تعرّفه على أهل البيت(عليهم السلام):

يقول الأخ «فودي»: «كان هناك شيخ يدرّس في أحد المساجد فحضرت درسه، ففي أحد الأيّام صادف أن ذكر في درسه أنّ أئمّة المذاهب الإسلاميّة قد درسوا عند بعضهم البعض، وأوّلهم درس عند الإمام الصادق(عليه السلام). فيمكن القول بأنّ أئمّة المذاهب وخصوصاً الأئمّة الأربعة الكبار عند مدرسة أهل السنّة هم من تلامذة الإمام الصادق(عليه السلام) ولو بالواسطة».

من هو الإمام الصادق(عليه السلام)؟

هو الإمام السادس من أئمّة الشيعة الاثني عشرية، وهو أبرز شخصيّة في عصره، وأعلم الأُمّة على الإطلاق حيث ازدهر العلم في زمانه، ومدرسته تعدّ

جامعة إسلامية خلّفت ثروة علميّة هائلة، وخرّجت عدداً كبيراً من رجالات العلم، وأنجبت مفكّرين وفلاسفة، وقد عدّه بعضهم إلى أنّ تلامذته تجاوزوا الأربعة آلاف رجلاً.

فقد ذكر جملة من علماء الأُمّة الإسلاميّة ورؤساء المذاهب وحفّاظ الحديث وكبار المؤرّخين من القدماء والمعاصرين في شخصية الإمام الصادق(عليه السلام).

فقال عنه أبو جعفر المنصور: «يا بن مهاجر اعلم أنّه ليس من أهل بيت النبوّة إلاّ وفيهم محدّث، وإنّ جعفر بن محمّد محدثنا اليوم»(1).

وقال عنه أبو حنيفة: «لولا السنتان لهلك النعمان»(2).

إشارة إلى السنتين اللتين درس فيهما عند الإمام الصادق(عليه السلام) فكان معتزّاً بهما.

وقال مالك بن أنس: «فما كنت أراه إلاّ على ثلاث خصال: إمّا مصلّ، وإمّا صائم، وإمّا يقرأ القرآن، وما رأيته يحدّث إلاّ على طهارة»(3).

وقال في موضع آخر: «ما رأت عين، ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد الصادق علماً وعبادةً وورعاً»(4).

وقال النسائي في الجرح والتعديل: «ثقة»(5).

وقال الشهرستاني: «جعفر بن محمّد الصادق، وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد أقام


1) بصائر الدرجات: ٢٦٦.

2) مختصر التحفة الاثنى عشرية: ٨ .

3) تهذيب التهذيب ٢: ٨٩ .

4) مناقب آل أبي طالب ٣: ٣٧٢.

5) تهذيب التهذيب ٢: ٨٩ .

بالمدينة مدّة يفيد الشيعة المنتمين إليها، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم»(1).

وقال الذهبي: «جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين الهاشمي، أبو عبد الله أحد الأئمّة الأعلام، برّ صادق كبير الشأن»(2).

وقال محمّد بن طلحة الشافعي: «الإمام جعفر الصّادق(عليه السلام) هو من عظماء أهل البيت وساداتهم(عليه السلام)، ذو علوم جمّة، وعبادة موفّرة، وأوراد متواصلة، وزهادة بيّنة، وتلاوة كثيرة، يتتبع معاني القرآن الكريم، ويستخرج من بحره جواهره، ويستنتج عجائبه، ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات، بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكر الآخرة، واستماع كلامه يزهد في الدنيا، والاقتداء بهديه يورث الجنّة، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوّة، وطهارة أفعاله تصدع أنّه من ذرّية الرسالة.

نقل عنه الحديث، واستفاد منه العلم جماعة من الأئمّة وأعلامهم مثل: يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريح، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، وأيّوب السجستاني، وغيرهم رضي الله عنهم، وعدوا أخذهم عنه منقبة شرفوا بها وفضيلة اكتسبوها»(3).

وقال الإربلي: «الإمام السادس جعفر الصادق بن محمّد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب(عليهم السلام)...»(4). ثمّ يذكر كلام محمّد بن طلحة الشافعي إلى آخره.

وقال ابن حبّان: «جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم، كنيته: أبو عبد الله يروي عن أبيه، وكان من سادات أهل البيت


1) الملل والنحل ١: ١٦٦.

2) ميزان الاعتدال ١: ٤١٤، رقم ١٥١٩.

3) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول(عليهم السلام): ٤٣٥ - ٤٣٦.

4) كشف الغمة ٢: ٣٦٧ - ٣٦٨.

فقهاً وعلماً وفضلاً.

روى عنه الثوري، ومالك وشعبة والناس»(1).

وقال ابن أبي الحديد: «وجعفر بن محمّد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه.

ويقال: أنّ أبا حنيفة من تلامذته، وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب، ولذلك نسب سفيان إلى أنّه زيدي المذهب، وكذلك أبو حنيفة»(2).

وقال أبو نعيم الأصفهاني: «جعفر بن محمّد الصادق ومنهم الإمام الناطق، ذو الزمام السابق، أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادق، أقبل على العبادة والخضوع، وآثر العزلة والخشوع، ونهى عن الرئاسة والجموع»(3).

وعن عمرو بن أبي المقدام قال: «كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمّد علمت أنّه من سلالة النبيين»(4).

تلامذته والرواة عنه(عليه السلام):

تعدّ مدرسة الإمام الصادق(عليه السلام) جامعة إسلامية خلّفت ثروة علميّة هائلة، وخرّجت عدداً كبيراً من رجالات ا لعلم، وأنجبت مفكّرين وفلاسفة، وقد عدّه بعضهم إلى أنّ تلامذته تجاوزوا الأربعة آلاف رجلاً من مختلف الأقطار الإسلاميّة.

لابدّ من الإشارة إلى البعض منهم مقتصرين على ذكر أسمائهم ممّن اشتهروا بالعلم وخرّج أحاديثهم البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من أصحاب السنن،


1) الثقات ٦: ١٣١.

2) شرح نهج البلاغة ١٥: ٢٧٤.

3) حلية الأولياء ٣: ٢٢٥، رقم ٢٣٦.

4) سير أعلام النبلاء ٦: ٢٥٧، تهذيب الكمال ٥: ٧٨، الكامل ٢: ١٣٢، تهذيب التهذيب ٢: ٨٧، مناقب آل أبي طالب ٣: ٣٧٣.

وأصبحوا من رؤساء الطوائف وأئمّة المذاهب كأبي حنيفة نعمان بن ثابت (ت١٥٠هـ)، رائد مدرسة القياس التي حرّمها أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ومالك بن أنس (ت١٧٩هـ)، وسفيان الثوري (ت١٦١هـ)، وسفيان بن عيينة (ت١٩٨هـ)، المشهور بمحدث مكّة، شعبة بن حجاج (ت١٦٠هـ)، فضيل بن عيّاض (ت١٨٧هـ)، وحاتم ابن إسماعيل (ت١٨٠هـ)، وحفصة بن غياث (ت١٩٤هـ)، وزهير بن محمّد التميمي (ت١٦٢هـ)، وغيرهم(1).

وأمّا ما رواه المحدّثون عنه منهم ابنه موسى الكاظم(عليه السلام)، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن عبد الله بن الهاد وهما أكبر منه، وأبو حنيفة، وأبان بن تغلب، وابن جريج، ومعاوية ابن عمّار الدهني، وابن إسحاق في طائفة من أقرانه، وسفيان، وشعبة، ومالك، وإسماعيل بن جعفر، ووهب بن خالد، وحاتم بن إسماعيل، وسليمان ابن بلال، وسفيان بن عيينة، والحسن بن صالح، والحسن بن عياش أخو أبي بكر، وزهير بن محمّد، وحفص بن غياث، وزيد بن حسن الأنماطي، وسعيد بن سفيان الأسلمي، وعبد الله بن ميمون، وعبد العزيز بن عمران الزهري، وعبد العزيز الدراوردي، وعبد الوهاب الثقفي، وعثمان بن فرقد، ومحمّد بن ثابت البناني، ومحمّد ابن ميمون الزعفراني، ومسلم الزنجي، ويحيى القطّان، وأبو عاصم النبيل، وآخرون(2).

علمه(عليه السلام):

وأمّا علمه فقد قال عنه ابن خلّكان: «أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم


1) الإمام الصادق(عليه السلام) والمذاهب الأربعة ١: ٦٩ - ٧٣.

2) سير أعلام النبلاء ٦: ٢٥٦.

أجمعين، أحد الأئمّة الاثني عشر على مذهب الإماميّة، وكان من سادات أهل البيت، ولقّب بالصادق: لصدقه في مقالته، وفضله أشهر من أن يذكر، وله كلام في صنعة الكيمياء والزجر والفأل، وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيان الصوفي الطرسوسي قد ألّف كتاباً يشتمل على ألف ورقة تتضمن رسائل جعفر الصادق، وهي خمسمائة رسالة»(1).

وعن عمرو بن أبي المقدام قال قد رأيته واقفاً عند الجورة يقول: «سلوني، سلوني»(2).

وعن صالح بن أبي الأسود، سمعت جعفر بن محمّد يقول: «سلوني قبل أن تفقدوني ; فإنّه لا يحدّثكم أحد بعدي بمثل حديثي»(3).

محاورات الإمام الصادق(عليه السلام):

جرت محاورات بين الإمام الصادق(عليه السلام) وبين جمع من أئمّة المذاهب الإسلاميّة: منها ما روي عن حسن بن زياد قال: سمعت أبا حنيفة، وسئل: من أفقه من رأيت؟

قال: ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمّد، لمّا أقدمه المنصور الحيرة، بعث إليّ.

فقال: يا أبا حنيفة إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمّد، فهيّئ له من مسائلك الصعاب.

فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ أتيت أبا جعفر، وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت بهما، دخلني لجعفر من الهيبة مالا يدخلني لأبي جعفر، فسلّمت وأذن لي،


1) وفيات الأعيان وأبناء الزمان ١: ٣٢٧.

2) سير أعلام النبلاء ٦: ٢٥٧، تهذيب الكمال ٥: ٧٩، الكامل ٢: ١٣١.

3) سير أعلام النبلاء ٦: ٢٥٧، تهذيب الكمال ٥: ٧٩، الكامل ٢: ١٣١.

قال: «يا نعمان هل قست رأسك بعد»؟

قال: كيف أقيس رأسي؟!

قال: «ما أراك تحسن شيئاً، هل علمت ما الملوحة في العينين، والمرارة في الأذنين، والحرارة في المنخرين، والعذوبة في الشفتين»؟

قال: لا!

قال: «ما أراك تحسن شيئاً»؟

قال: «فهل علمت كلمة أوّلها كفر وأخرها إيمان»؟

فقال ابن أبي ليلى: يا ابن رسول الله أخبرنا بهذه الأشياء التي سألته عنها.

فقال: «أخبرني أبي، عن جدّي أنّ رسول الله قال»: «إنّ الله تعالى بمنّه وفضله جعل لابن آدم الملوحة في العينين ; لأنّهما شحمتان، ولولا ذلك لذابتا.

وإنّ الله تعالى بمنّه وفضله ورحمته على ابن آدم جعل المرارة في الأذنين حجاباً من الدواب ; فإن دخلت الرأس دابّة والتمست إلى الدماغ، فإذا ذاقت المرارة التمست الخروج.

وإنّ الله تعالى بمنّه وفضله ورحمته على ابن آدم جعل الحرارة في المنخرين يستنشق بهما الريح، ولولا ذلك لأنتن الدماغ.

وإنّ الله تعالى بمنّه وكرمه ورحمته لابن آدم جعل العذوبة في الشفتين يجد بهما استطعام كلّ شيء ويسمع الناس بها حلاوة منطقه».

قال: فأخبرني عن الكلمة التي أوّلها كفر وأخرها إيمان؟

فقال: «إذا قال العبد لا إله فقد كفر، فإذا قال: إلاّ الله فهو إيمان».

ثمّ أقبل على أبي حنيفة فقال: «يا نعمان حدّثني أبي عن جدي أنّ رسول الله قال»: «أوّل من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال: الله تعالى له اسجد لآدم فقال:

أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّار وَخَلَقْتَهُ مِن طِين(1). فمن قاس الدين برأيه، قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس ; لأنّه اتّبعه بالقياس».

زاد ابن شبرمة في حديثه: ثمّ قال جعفر: «أيّهما أعظم قتل النفس أو الزنا»؟

قال: قتل النفس.

قال: «فإنّ الله عزّ وجلّ قبل في قتل النفس شاهدين، ولم يقبل في الزنا إلاّ أربعة»؟!

ثمّ قال: «أيّهما أعظم الصلاة، أم الصوم»؟

قال: الصلاة.

قال: «فما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة. فكيف؟ ويحك يقوم لك قياسك، اتق الله، ولا تقس الدين برأيك»(2).

وعن أبأنّ بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟

قال: «عشرة من الإبل».

قلت: قطع اثنين؟

قال: «عشرون».

قلت: قطع ثلاثاً؟

قال: «ثلاثون».

قلت: قطع أربعاً؟


1) الأعراف -٧- : ١٢.

2) حيلة الأولياء ٣: ٢٢٩ - ٢٣٠، ح٣٧٩٧.

قال: «عشرون».

قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً ويكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا - ونحن بالعراق - فنبرأ ممّن قال ونقول: الذي جاء به شيطان.

فقال: «مهلاً يا أبان، هذا حكم رسول الله، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبأنّ إنك أخذتني بالقياس، وإنّ السنّة إذا قيست محق الدين»(1).

وروي أنّه جاء أبو حنيفة من أهل العراق يوماً إلى أبي عبد الله جعفر بن محمّد(عليه السلام)ليستمع منه، وخرج أبو عبد الله(عليه السلام) يتوكأ على عصا.

فقال له أبو حنيفة: يا بن رسول الله ما بلغت من السن ما تحتاج منه إلى العصا.

قال: «هو كذلك، ولكنها عصا رسول الله صلّى الله عليه وآله أردت التبرك بها».

فوثب أبو حنيفة إليه، وقال: اقبلها يابن رسول الله.

فحسر أبو عبد الله جعفر بن محمّد(عليه السلام) عن ذراعيه، وقال له: «والله لقد علمت أن هذا من بشرة رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأن هذا من شعره فما قبلته وتقبل عصا»(2).

صفته في لبسه(عليه السلام):

عن سفيان قال: دخلت على جعفر بن محمّد وعليه جبّة خزّ دكناء، وكساء


1) الكافي ٧: ٢٩٩ - ٣٠٠، ح٦.

2) شرح الأخبار ٣: ٢٩٩ ح١٢٠٢، مناقب آل أبي طالب ٣: ٣٧٢.

خزّ، أيدجاني فجعلت أنظر إليه متعجّباً؟

فقال: «مالك يا ثوري»؟

قلت: يا ابن رسول الله، ليس هذا من لباسك، ولا لباس آبائك.

فقال: «كان ذاك زماناً مقتراً، وكانوا يعملون على قدر إقتاره وإفقاره، وهذا زمان قد أسبل كلّ شيء فيه عزاليه».

ثمّ حسر عن ردن جبته، فإذا فيها جبّة صوف بيضاء، يقصر الذيل عن الذيل.

وقال: «لبسنا هذا لله، وهذا لكم، فما كان لله أخفيناه، وما كان لكم أبديناه»(1).

روى يحيى بن أبي بكير عن هياج بن بسطام قال: «كان جعفر بن محمّد يطعم حتّى لا يبقى لعياله شيء»(2).

من حِكَمه(عليه السلام):

سئل الإمام الصادق(عليه السلام) عن الربا: لِمَ حرم الله الربا؟ قال: «لئلا يتمانع الناس المعروف»(3).

وعن هشام بن عباد، سمعت جعفر بن محمّد(عليه السلام) يقول: «الفقهاء أمناء الرسل، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السلاطين فاتّهموهم»(4).

وعن الأصمعي قال: قال جعفر بن محمّد(عليه السلام): «الصلاة قربان كلّ تقيّ، والحجّ جهاد كلّ ضعيف، وزكاة البدن الصيام، والداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر، واستنزلوا الرزق بالصدقة، وحصّنوا أموالكم بالزكاة. وما عال من اقتصد، والتقدير


1) سير أعلام النبلاء ٦: ٢٦١ - ٢٦٢، تهذيب الكمال ٥: ٨٦، كشف الغمّة ٢: ٣٦٩.

2) سير أعلام النبلاء ٦: ٢٦٢، تهذيب الكمال ٥: ٨٦.

3) سير أعلام النبلاء ٦: ٢٦٢، تهذيب الكمال ٥: ٨٨ .

4) سير أعلام النبلاء ٦: ٢٦٢، تهذيب الكمال ٥: ٨٨ .

نصف العيش، وقلة العيال أحد اليسارين، ومن أحزن والديه فقد عقّهما، ومن ضرب بيده على فخذه عند مصيبة فقد حبط أجره، والصنيعة لا تكون صنيعة إلاّ عند ذي حسب أو دين، والله ينزل الصبر على قدر المصيبة وينزل الرزق على قدر المؤونة، ومن قدر معيشته رزقه الله، ومن بذر معيشته حرمه الله»(1).

ومن وصاياه لابنه موسى بن جعفر(عليه السلام): «يا بنيّ من قنع بما قسم له، استغنى، ومن مدّ عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيراً، ومن لم يرض بما قسم له اتّهم الله في قضائه، ومن استصغر زلّة غيره استعظم زلّة نفسه، ومن كشف حجاب غيره انكشفت عورته، ومن سلّ سيف البغي قتل به، ومن احتفر بئراً لأخيه أوقعه الله فيه، ومن داخل السفهاء حقّر، ومن خالط العلماء وقّر، ومن دخل مداخل السوء اتّهم.

يا بنيّ إيّاك أن تزري بالرجال فيزرى بك، وإيّاك والدخول فيما لا يعنيك فتذلّ لذلك، يا بنيّ قل الحقّ لك وعليك، وتستشار من بين أقربائك: كن للقرآن تالياً، وللسلام فاشياً، وللمعروف آمراً، وعن المنكر ناهياً، ولمن قطعك واصلاً، ولمن سكت عنك مبتدئاً، ولمن سألك معطياً، وإياك والنميمة ; فإنّها تزرع الشحناء في القلوب، وإياك والتعرض لعيوب الناس، فمنزلة المتعرض لعيوب الناس كمنزلة الهدف.

إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه ; فإنّ للجود معادن، وللمعادن أصولاً وللأصول فروعاً، وللفروع ثمراً.

ولا يطيب ثمر إلاّ بفرع، ولا فرع إلاّ بأصل، ولا أصل إلاّ بمعدن طيب.

زر الأخيار، ولا تزر الفجّار ; فإنّهم صخرة لا يتفجّر ماؤها، وشجرة لا


1) سير أعلام النبلاء ٦: ٢٦٢ - ٢٦٣، تهذيب الكمال ٥: ٨٩ .

يخضرّ ورقها، وأرض لا يظهر عشبها»(1).

عن عائذ بن حبيب قال: قال جعفر بن محمّد: «لا زاد أفضل من التقوى، ولا شيء أحسن من الصمت، ولا عدو أضرّ من الجهل، ولا داء أدوأ من الكذب»(2).

وعن يحيى بن الفرات قال: أنّ جعفر الصادق(عليه السلام) قال: «لا يتمّ المعروف إلاّ بثلاثة: بتعجيله، وتصغيره، وستره»(3).

وعن عنبسة الخثعمي قال سمعت جعفر بن محمّد(عليه السلام) يقول: «إياكم والخصومة في الدين ; فإنّها تشغل القلب، وتورث النفاق»(4).

أخباره مع سلطان زمانه:

عن الفضل بن الربيع، عن أبيه قال: دعاني المنصور فقال: إنّ جعفر بن محمّد يلحد في سلطاني، قتلني الله إن لم أقتله.

فأتيته فقلت: أجب أمير المؤمنين. فتطهّر ولبس ثياباً. أحسبه قال: جدداً، فأقبلت به، فاستأذنت له.

فقال: أدخله، قتلني الله إن لم أقتله.

فلمّا نظر إليه مقبلاً قام من مجلسه، فتلقاه وقال: مرحباً بالنقيّ الساحة، البريء من الدغل والخيانة، أخي وابن عمّي.

فأقعده معه على سريره، وأقبل عليه بوجهه، وسأله عن حاله، ثمّ قال: سلني عن حاجتك.


1) سير أعلام النبلاء ٦: ٢٦٣، وقريب منه في تهذيب الكمال ٥: ٨٩ - ٩٠.

2) سير أعلام النبلاء ٦: ٢٦٣، تهذيب الكمال ٥: ٩٠ - ٩١.

3) سير أعلام النبلاء ٦: ٢٦٣، تهذيب الكمال ٥: ٩١.

4) سير أعلام النبلاء ٦: ٢٦٤، تهذيب الكمال ٥: ٩٢.

فقال: «أهل مكّة والمدينة قد تأخر عطاؤهم فتأمر لهم به».

قال: أفعل.

ثمّ قال: يا جارية ائتني بالتحفة. فأتته بمدهن زجاج فيه غالية فغلفه بيده وانصرف.

فاتبعته، فقلت: يا ابن رسول الله ; أتيت بك ولا أشكّ أنّه قاتلك، فكان منه ما رأيت، وقد رأيتك تحرك شفتيك بشيء عند الدخول فما هو؟

قال: قلت: «اللّهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفي بركنك الذي لا يرام، واحفظني بقدرتك عليّ، ولا تهلكني وأنت رجائي. ربّ كم من نعمة أنعمت بها عليّ قلّ لك عندها شكري، وكم من بلية ابتليتني بها قلّ لها عندك صبري؟! فيا من قلّ عند نعمته شكري فلم يحرمني، ويا من قلّ عند بليته صبري فلم يخذلني. ويا من رآني على المعاصي فلم يفضحني، وياذا النعم التي لا تحصى أبداً، وياذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً، أعني على ديني بدنيا، وعلى آخرتي بتقوى، واحفظني فيما غبت عنه، ولا تكلني إلى نفسي فيما خطرت. يا من لا تضرّه الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، اغفر لي مالا يضرك، وأعطني مالا ينقصك، يا وهّاب أسألك فرجاً قريباً.وصبراً جميلاً، والعافية من جميع البلايا، وشكر العافية»(1).

الاهتداء إلى نور الهداية:

يقول الأخ «فودي» وممّا أثار تعجبّي أنّه «ذكر ضمن الدرس أنّه توجد مسألة في موطأ مالك بجواز أكل لحم الكلب، فتعجّبت من كلامه، فرجعت إلى البيت لإطالع الموطأ، فوجدت كما ذكره الأستاذ صحيحاً.


1) سير أعلام النبلاء ٦: ٢٦٦ - ٢٦٧، تهذيب الكمال ٥: ٩٥.

فذهبت في الليل إلى بيت الأستاذ وطلبت الدراسة عنده، فرحّب بذلك، وشرع لي درساً في الفقه المقارن حيث كان يعرض أقوال المذاهب الإسلاميّة، ويطلب منّا التحقيق في المسألة، واختيار المذهب الصحيح.

بعد ذلك افتتح ذلك الشيخ مدرسة ودعاني إليها وقال: إنّها مدرسة على مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ولم أكن أعرف مذهباً بهذا الاسم، ولم يطرق سمعي من قبل مذهب الشيعة أو الإماميّة.

ومن ثمّ دخلنا في مبحث حول الصحابة وما فعلوه بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وما جرى من أحداث في السقيفة وما بعدها، فسألت الاُستاذ كيف يفعل الصحابة ذلك وهم المؤمنون الأوائل بالرسول، وعنهم وصلنا الدين؟

فقال: انظر إلى تاريخ الطبري(1)فإنّه ذكر ذلك، فرجعت إليه فوجدت كما قال، وهكذا كان الأمر في المسائل الأخرى كشورى الخلافة وحديث أصحابي كالنجوم، فلمّا بحثناها واعترضنا على أستاذنا أجابنا بمراجعة المصادر والتثبّت بأنفسنا من الأمور.

وعرضت كلام أستاذي على أبي وكان إمام جامع ومن الخطباء المشهورين فقال: إنّ التحدّث بمثل هذه الأمور حرام.

فعدت إلى أستاذي ونقلت له ما قاله أبي فقال: إنّ هذا الكلام روّجه الظلمة لستر عيوب الصحابة.

وهكذا في كلّ مرّة أرى قوّة استدلال الشيعة وأنّهم يستندون إلى كتب السنّة في ذلك ممّا تأثّرت به وأدّى إلى استبصاري وإعلان تشيّعي وتمسّكي بولاء أهل البيت(عليهم السلام)».


1) تاريخ الطبري ٢: ٤٥٤.

{٧٢} كرفالا بنجوى (مالكي / غينيا - كوناكري)

ولد عام ١٣٦٩هـ (١٩٥٠م) في مدينة «كويا» بغينيا كوناكري في أسرة مالكية المذهب فاتّبع أسرته في السير على هذا المعتقد.

واصل «كرفالا» دراسته الأكاديمية حتّى تخرّج من الجامعة برتبة دكتوراه في مادة الكيمياء.

إلى جانب دراسته الأكاديمية كان «كرفالا» ممّن يتابع قراءة الكتب الإسلاميّة المترجمة إلى اللغة الفرنسية، وقد كان لقراءة هذه الكتب الدور الرئيسي في فتح آفاق فكرية جديدة لدى «كرفالا» قادته في نهاية المسير إلى تغيير انتماءه المذهبي.

متاهات وأفخاخ في مسير البحث:

قد يقع الباحث في المجال الإسلامي في متاهات يصعب في كثير منها الخروج بنتائج سليمة، إلاّ من خلال التعمّق في التاريخ الإسلامي والأحاديث النبويّة الشريفة.

ومن هذه المتاهات التي قد تكون فخّاً للكثير من غير المسلمين الذين يرتئون البحث عن الشريعة الإسلاميّة ويرغبون باعتناقها، هي الأبحاث حول

مدى مصداقية الشخصيات التي كان لها دور فاعل في التاريخ الإسلامي، فهل يستحقّ بعضها هذا المدح والثناء الذي أُدرج في الكتب، أم أنّها لم تكن ممّن يستحقها بل افتعلتها هي ومناصريها؟

فبعض أولئك كان لا ينتهي حتّى عن المحرّمات المسلّمة في الشريعة الإسلاميّة، ومع ذلك يدّعي لنفسه مكانة النيابة والخلافة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

معاوية والخمر:

من الأمور المنهيّة والمنكرة في الشريعة الإسلاميّة تعامل الخمر، تعاطيها والإدمان عليها.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(1).

وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لعنت الخمر وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاصرها، ومعتصرها، وآكلّ ثمنها»(2).

وقال: «الخمر أمّ الخبائث»(3).

كما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «شارب الخمر كعابد وثن»(4)، وفي لفظ: «مدمن الخمر كعابد وثن»(5).

وعدّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مدمن الخمر ممّن حرمت عليه الجنّة(6)، وأنّه لا يدخلها أبداً(7).


1) المائدة -٥- : ٩٠.

2) مسند أحمد ٢: ٧١، السنن الكبرى للبيهقي ٨: ٢٨٧، المعجم الكبير للطبراني ١٠: ٩٢، الكامل لابن عدي ٥: ٢٤٨.

3) المبسوط للسرخسي ٢٤: ٣.

4) المغني لابن قدامة ٢: ٣٠٢، المبسوط للسرخسي ٢٤: ٣، عمدة القاري ٢١: ١٦٥.

5) سنن ابن ماجة ٢: ١١٢٠، المصنّف للصنعاني ٩: ٢٣٧، نيل الأوطار للشوكاني ٩: ٥٥.

6) مسند أحمد ٢: ٦٩، الجامع الصغير للسيوطي ١: ٥٤٠.

7) الجامع الصغير ١: ٤٥٤.

وروي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «من شرب خمراً أخرج الله نور الإيمان من جوفه»(1).

و«من شرب الخمر قليلاً أو كثيراً سقاه الله من حميم جهنم يوم القيامة»(2).

وجاء في مصادر أهل السنّة عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «كلّ مسكر حرام، إنّ على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال»، قالوا: يا رسول الله، وما الخبال؟

قال: «عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار»(3)، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في الترهيب عن هذا الرجس والمنكر.

إلاّ أنّ البعض كمعاوية بن أبي سفيان، ومن يصفه أهل السنّة بخال المؤمنين وكاتب الوحي، ويدرجون له الفضائل والسجايا، فيسمع سامعهم هاتفاً ينادي على جبل الشام: من أبغض معاوية سحبته الزبانية إلى جهنّم الحامية، يُرمى به في الحامية الهاوية(4).

معاوية هذا كان يتعاطى الخمور ويشربها، ولا عجب! فإنّه حذا بذلك حذو أبيه أبي سفيان، فإنّه كان من الزناة وشاربي الخمور(5).

ولعلّ في الناس من يحسب أنّ سلسلة الاستهتار بمعاقرة الخمور مبدؤة بيزيد ابن معاوية، لكن هناك أخباراً وروايات جلية تتّضح من خلالها رؤية تعامل أبيه معاوية مع الخمور وشربها، تعلمنا أنّ هاتيك الخزاية كانت موروثة له من أبيه


1) المعجم الأوسط للطبراني ١: ١١٠، والجامع الصغير ٢: ٦١٢.

2) تذكرة الحفاظ ٢: ٤٩٩.

3) صحيح مسلم ٦: ١٠٠، مسند أحمد ٣: ٣٦١، سنن النسائي ٨: ٣٢٧.

4) البداية والنهاية ٨: ١٤٩.

5) كما جاء في خبر أبي مريم السلولي الخمّار بالطائف، فإنّه عندما نزل أبو سفيان عنده، وشرب الخمر، ثمّ طلب بغياً ليزني بها! فاقترح أبو مريم عليه سميّة، فقبل، ثمّ زنى بها. راجع: تاريخ مدينة دمشق ١٩: ١٧٣، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٦: ١٨٧.

الماجن المشيع للفحشاء في الذين آمنوا، حامل الخمور على القطارة تارة وعلى حماره أخرى بملأ من الأشهاد، ونصب أعين المسلمين.

أمّا عن شرب معاوية للخمور، فقد أخرج أحمد بن حنبل ذلك في مسنده، من طريق عبد الله بن بريدة، قال: دخلت أنا وأبي على معاوية، فأجلسنا على الفرش، ثمّ أُتينا بالطعام فأكلنا ثمّ أُتينا بالشراب، فشرب معاوية، ثمّ ناول أبي، ثمّ قال: ما شربته مذ حرّمه رسول الله. الحديث(1).

كما أنّ لمعاوية بيتين من الشعر يذكر فيهما شربه للخمر، ويقول:

شربت الخمر حتّى صرت كلاً على الأدنى ومالي من صديق

وحتّى ما أوسّد من وساد إذا أنشو سوى الترب السحيق(2)

وأمّا عن اتّجاره بالخمور، فقد ذكرت المصادر التاريخية في ذلك عدّة أخبار:

١) ما روي عن عبيد بن رفاعة عن أبيه أنّه قال: مرّ على عبادة بن الصامت(3)وهو في الشام قطارة تحمل الخمر، فقال: ما هذه؟ أزيت؟ قيل: لا، بل: خمر تُباع لفلان، فأخذ شفرة من السوق، فقام إليها فلم يذر فيها راوية إلاّ بقرها، وأبو هريرة إذ ذاك بالشام، فأرسل فلان إلى أبي هريرة يقول له: أمّا تُمسك عنّا أخاك عبادة؟ أمّا بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمّة متاجرهم، وأمّا بالعشيّ فيقعد في المسجد ليس له عمل إلاّ شتم أعراضنا أو عيبنا فأمسك عنّا


1) مسند أحمد ٥: ٣٤٧، وقال الهيثمي بعد ذكر الحديث: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، وفي كلام معاوية شيء تركته!! (مجمع الزوائد ٥: ٤٢).

2) تاريخ مدينة دمشق ٢٧: ٣١٢.

3) وهو من الذين بايع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالعقبة على السمع والطاعة وأن لا يخاف في الله لومة لائم، كما أنّ شهد المشاهد كلّها مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) (راجع: سير أعلام النبلاء ٢: ٥ - ٧، الثقات لابن حبان ١: ١٠٦).

أخاك.

فأقبل أبو هريرة يمشي حتّى دخل على عبادة، فقال له: يا عبادة مالك ولمعاوية؟ ذره وما حمل، فإنّ الله يقول: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ(1).

قال: يا أبا هريرة لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه ممّا نمنع منه أنفسنا، وأزواجنا، وأهلنا، ولنا الجنّة، فهذه بيعة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) التي بايعناه عليها، فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما بايع عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي الله له بما بايع عليه نبيّه، فلم يكلّمه أبو هريرة بشيء(2).

والملفت للنظر في هذه الرواية أنّ الراوي لم يذكر اسم معاوية أوّلاً، بل قال: «خمر تباع لفلان» إلاّ أنّه أعرض عن ذلك في وسط الرواية فقال: «... يا عبادة! مالك ولمعاوية؟! ذره وما حمل»، فيظهر أنّ معاوية هو نفس «فلان» إلاّ أنّ الراوي لم يذكره صريحاً في صدر الرواية، ولعلّ فعل الراوي هذا جاء نتيجة للضغوط الأمويّة الحاكمة آنذاك.

٢) جاء في تاريخ مدينة دمشق من طريق عمرو بن قيس أنّه قال: إنّ عبادة أتى حجرة معاوية وهو بأنطرطوس(3)، فألزم ظهره الحجرة وأقبل على الناس


1) البقرة -٢- : ١٣٤.

2) تاريخ دمشق ٢٦: ١٩٧، سير أعلام النبلاء ٢: ٩.

3) انطرطوس: بلد من سواحل بحر الشام، وهي آخر أعمال دمشق من البلاد الساحلية وأوّل أعمال حمص. معجم البلدان ١: ٢٧٠.

بوجهه وهو يقول: بايعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا أُبالي في الله لومة لائم، ألا إنّ المقداد ابن الأسود قد غلّ بالأمس حماراً، قال: وأقبلت أوسق من مال، فأشارت الناس إليها فقال عبادة: أيها الناس ألا إنّها تحمل الخمر، والله ما يحلّ لصاحب هذه الحجرة أن يعطيكم منها شيئاً، ولا يحلّ لكم أن تسألوه، وإن كانت معبلة(1) - يعني سهماً - في جنب أحدكم، قال: فأتى رجل المقداد بن الأسود(2)، وفي يده قرصافة، فجعل يتلّ الحمار بها(3) وهو يقول: يا معاوية هذا حمارك، شأنك به، حتّى أورده الحجرة(4).

ولعله جرّاء هذه المكافحات والكشف عن عورات الرجل كتب معاوية إلى عثمان بالمدينة: أنّ عبادة قد أفسد عليّ الشام وأهله، فإمّا أن تكفّه اليك وإمّا أن أخلّي بينه... وبين الشام. فكتب إليه عثمان: أن أرحل عبادة حتّى ترجعه إلى داره من المدينة، فبعث بعبادة حتّى قدم المدينة، فدخل على عثمان في الدار وليس فيها إلاّ رجل من السابقين أو من التابعين الذين قد أدركوا القوم متوافرين، فلم يفج عثمان به إلاّ وهو قاعد في جانب الدار، فالتفت إليه وقال: ما لنا ولك يا عبادة؟ فقام عبادة بين ظهراني الناس فقال: إنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أبا القاسم يقول: «إنّه سيلي أُموركم بعدي رجال يعرّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى، فلا تضلّوا بربّكم»، فوالذي نفس عبادة بيده إنّ فلاناً ٠ يعني معاوية - لمن أُولئك، فما راجعه عثمان بحرف(5).

٣) ذكرت المصادر التاريخية أنّ عبد الرحمن بن سهل الأنصاري غزا في زمن

(1) المعبلة: نصل عريض طويل. لسان العرب ٧: ٤٨.

(2) جاء في الحاشية: بعدها ثمّة نقص في الكلام، وتمام العبارة في المطبوعة: فأخبره الذي قال عبادة بن الصامت، فقام المقداد بن الأسود في يده قرصافة.

(3) أي يقتاده.

(4) تاريخ مدينة دمشق ٢٦: ٢٠٠.

(5) تاريخ مدينة دمشق ٢٦: ١٩٧.

عثمان، ومعاوية أمير على الشام، فمرّت به روايا خمر فقام إليها برمحه فبقر كلّ راوية منها، فناوشه الغلمان حتّى بلغ شأنه معاوية، فقال: دعوه فإنّه شيخ قد ذهب عقله. فقال: كلاّ والله ما ذهب عقلي، ولكن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نهانا أن ندخل بطوننا وأسقيتنا خمراً، وأحلف بالله لئن بقيت حتّى أرى في معاوية ما سمعت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لأبقرنّ بطنه، أو لأموتنّ دونه(1)(2).

يظهر من سياق هذه الرواية أنّ روايا الخمر هذه كانت لمعاوية، ولذا عُدّ معنيّاً بها عند الغلمان، فابلغوه ببقرها من قبل عبد الرحمن بن سهل.

كما يدل على ذلك أيضاً إيقاع عبد الرحمن بن سهل بمعاوية الذي أنكر عمله، واستدلاله في ردّ معاوية بنهي الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).

وأمّا كلام معاوية حيث قال: «دعوه فإنّه شيخ قد ذهب عقله»! فإنه لا يشمّ منه إلاّ رائحة سخرية الصحابي الذي استند في حكم التحريم إلى قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبذلك فقد استهزء معاوية بصاحب الشريعة والشريعة التي جائت به أيضاً.

التشيّع سبيل النجاة:

بعد البحث والتدقيق في الكتب الإسلاميّة، وتأثّره بعدّة محاضرات دينية


1) تاريخ مدينة دمشق ٣٤: ٤٢٠، الإصابة ٤: ٢٦٤، كنز العمّال ٥: ٤٩٣، كما ذكره ملخّصاً ابن عبد البر في الاستيعاب ٢: ٨٣٦ .

2) يقصد عبد الرحمن بن سهل بذلك أنّه إن بقى حياً حتّى يرى معاوية على منبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لينفّذنّ فيه أمر النبيّ وليبقرنّ بطنه وهذا من الأدلّة على صحّة الحديث النبوي: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه، أو فابقروا بطنه، أو فارجموه» الذي نقله كلّ من الطبري في تاريخه ٨: ١٨٦، عبد الله بن عدي في الكامل ٢: ١٤٦، ٢٠٩، ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٩: ١٥٥ - ١٥٦، الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣: ١٤٩ وميزان الاعتدال ١: ٥٧٢، ٢: ٦١٣، ابن حجر في تهذيب التهذيب ٢: ٣٦٩. وغيرهم من أئمّة الحديث بصيغ متقاربة.

للمثقفين الشيعة أعلن «كرفالا» استبصاره وسلوكه لسبيل النجاة، سبيل الرسول وعترته الطاهرة(عليهم السلام)، وكان ذلك عام ١٤١٦هـ (١٩٩٦م) في مدينة «كويا» بغينيا كوناكري.

وقد قام «كرفالا» بعدة نشاطات تبليغية بعد استبصاره، وهو يؤمّ الناس في مسجد سفينة النجاة هناك.

{٧٣} محمّد الطوري (مسلم / غينيا)

ولد عام ١٣٧٤هـ (١٩٥٥م) في قرية «تامبالا» في منطقة «كوبيا» بغينيا، وبعد إتمامه سن السابعة بدأ بالدراسة، وكان يقرأ الدروس في الألواح الخشبية حيث لم تتوفّر لديه الكتب المدرسية.

كما أنّه - وبتوصية والده - بدأ بدراسة القرآن الكريم عند خاله، وتمكّن من قراءة القرآن من أوّله إلى أواسطه.

إلاّ أنّ نفسيّة الباحث إذا لم تكن مقتنعة بالاعتقادات الوراثيّة التي تنتقل من المجتمع والأسرة إليها فإنّها لا محالة تقرّر الرحيل والبحث عمّا يروي غليلها في المجال الديني.

بعد سنّ الخامسة عشر قرّر «محمّد» الرحيل، فسافر إلى عدّة بلدان، وفي أثناء سفره استقرّ في كلّ من السنغال، غامبيا، مالي، سيراليون، إلى أن انتهى به المسير إلى المحطّة المؤثّرة في حياته وهي سوريا، وكان ذلك بعد عشرين عاماً من الرحلات المستمرّة، فحطّ الرحال فيها مندفعاً للبحث عن الحقيقة.

تعرّف «محمّد» في سوريا على الحوزة العلميّة الزينبيّة للشيعة الاثنى عشريّة،

فقرّر الدراسة فيها، وكانت دراسته في هذه المدرسة المنفذ الذي تعرّف «محمّد» من خلاله على العقائد الشيعيّة، فقرّر الاستبصار والانتماء إلى هذا المذهب، وأعلن استبصاره رسميّاً عام ١٤١٠هـ (١٩٩٠م) هناك.

كما أنّه ألّف كتاباً ذكر فيه أسباب استبصاره وتغيير انتماءه المذهبي.

لماذا اعتنقت التشيّع؟

يذكر «محمّد» في كتابه «لماذا اعتنقت التشيّع» الأمور التي دفعت به إلى الاستبصار واعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ويثبت أحقّية هذا المذهب من كلّ من القرآن الكريم السنّة النبويّة، العقل والاجماع.

يقول «محمّد»: لقد ثبت عندي وبالأدلّة القويّة، والبراهين القاطعة، والحجج الدامغة الرصينة الواضحة التي هي كالشمس في رابعة النهار لا تغطيها السحب، أحقية مذهب أهل البيت(عليهم السلام) في الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، وأنّه هو المذهب الحقّ الذي أخذه الشيعة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، عن جدّهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، عن جبرئيل عن الربّ الجليل، وليس فيه دخل، ولن يرضون عنه بدلاً إلى يوم البعث، ولا يختلف آخرهم عن أولهم في ذلك، وهذا ليس من باب التعصب وإنّما الدليل والحجّة والبرهان.

ما ورد في كتاب الله:

أمّا الكتاب فقوله تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ(1)، فإن حبل الله هم أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) الاثنى عشر، وهم سلسلة واحدة تتصل بالنبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)فقد روى الحافظ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي، وهو من كبار علماء العامّة حيث قال: أخرج الثعلبي بسنده عن أبان بن تغلب عن جعفر الصادق(عليه السلام) قال:


1) آل عمران -٣- : ١٠٣.

«نحن حبل الله الذي قال الله عزّ وجلّ: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ(1).

وقال أيضاً: أخرج صاحب كتاب المناقب، عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: كنا عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ جاء أعرابي فقال: يا رسول الله سمعتك تقول: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ فما جعل الله الذي نعتصم به؟ فضرب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بيده في يد على، وقال: تمسكوا بهذا هو حبل الله المتين(2).

وقوله تعالى: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(3).

حيث أن القرآن الكريم في هذه الآية الشريفة يأمر بمودتهم، فقد اتّفق المفسرون من الشيعة أن هذه الآية نزلت بحق أهل البيت(عليهم السلام)، وهي تخصّهم فقط، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومين من أولاد الحسين(عليهم السلام).

ومن مثل هذا جاء في كتب أهل السنّة والجماعة وصحاحهم ومسانيدهم في تفسير هذه الآية المباركة، واعترافهم بأنّها نزلت في حقّ العترة الطاهرة من أهل البيت(عليهم السلام).

قال الزمخشري: روي أنّها لما نزلت هذه الآية قيل يا رسول الله: من هم قرابتك الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «علي وفاطمة وابناهما»(4).

ورواه عنه كذلك الفخر الرازي في تفسيره حيث قال: فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم، ويدلّ عليه وجوه:

١) قوله تعالى: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، إذ أن نفي النفي إثبات ويفيد هنا الحصر.


1) ينابيع المودّة ١: ٣٥٦.

2) ينابيع المودّة ١: ٣٥٦.

3) الشورى -٤٢-: ٢٣.

4) تفسير الكشاف ٣: ٤٦٧.

٢) لاشك أن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يحب فاطمة(عليها السلام) حيث قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها»(1).

وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه كان يحب عليّاً والحسن والحسين، وإذ ثبت ذلك وجب على الأمّة مثلة، لقوله تعالى: وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(2).

ولقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ(3).

٣) أن الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة وهو قوله: (اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد وارحم محمّداً وآل محمّد) وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل فكل ذلك يدلّ على أن حب آل محمّد واجب.

يقول الإمام محمّد بن إدريس الشافعي:

يا أهل بيت رسول الله حبّكم فرض من الله في القرآن أنزله *** كفاكم من عظيم القدر أنّكم من لم يصلّ عليكم لا صلاة له(4)

وأورد الحافظ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي حيث قال: أخرج أحمد في مسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: لما نزلت الآية: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(5)، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت لنا مودّتهم قال: «علي وفاطمة والحسن والحسين»(6).


1) صحيح مسلم ٧: ١٤١، مسند أحمد ٤: ٥.

2) الأعراف -٧- : ١٥٨.

3) النور -٢٤- : ٦٣.

4) التفسير الكبير للفخر الرازي ٢٧: ١٦٦.

5) الشورى -٤٢-: ٢٣.

6) ينابيع المودّة ١: ٣١٥.

وأخرج ابن المؤيد موفق بن أحمد الخوارزمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «والذي نفسي بيده لا يزول قدم عبد يوم القيامة حتّى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله ممّ كسبه وفيما أنفقه وعن حبّنا أهل(1)البيت.

أقول: الحب هنا بمعنى الطاعة، إذ لو لم يكن هنا هذا المعنى لما كان للوجوب فائدة، وهذا يعني أن على الأُمّة الإسلاميّة برمّتها وجوب الطاعة لأهل البيت(عليهم السلام)وبصورة مطلقة من دون استثناء بمعنى: أنّه كما تجب الطاعة لله ولرسوله، كذلك هي مقرونة بأهل بيته(عليهم السلام) أيضاً، إذ هم من نور واحد.

وأمّا السنّة الشريفة:

فلقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أيها الناس إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بها لن تضلوا بعدي أبداً فإنّ اللطيف الخبير أخبرني وعهد إلى انهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».

إن كثيراً من علماء العامة نقلوا هذه الرواية إلى حد يبلغ عدد ورودها {٦٦} مرة وأمّا في الكتب المعتبرة، فقد ورد في مسند أحمد عن الركين بن الربيع(2)، وفي صحيح مسلم عن طريق ابن عليّة(3)وصحيح الترمذي عن سلمان الأعمش(4).

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إن أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف


1) ينابيع المودّة ١: ٣٣٦.

2) مسند أحمد ٥: ١٨١.

3) صحيح مسلم ٧: ١٢٢.

4) سنن الترمذي ٥: ٣٢٩.

عنها هلك»(1). واستجابة لقول النبيّ الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) علينا أن لا نتخلّف عن هذه السفينة التي توصّلنا إلى شاطئ الأمان، لأن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يحذّرنا هنا من التخلّف عنها، لأن التخلف نتيجته الحتمية الهلاك والضلال وهو واضح من الرواية، فعلينا أن نركب تلك السفينة، ونتمسك بحبل الله المتين، لنحصل على النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، إذ لا بديل لمن لا يركب هذه السفينة المعطاء، ومن لا يهتدي بنورها لا محال له من الضلال والهلاك.

إذ لا سبيل آخر لنجاته، وطريق النجاة هو التمسّك بحبل الله المتين وركوب تلك السفينة المباركة، سفينة أهل البيت(عليهم السلام)، فوجه التشبيه هنا الهلاك للذين تركوا سفينة نوح ولم يركبوها، إذ هلكوا ولم يبق أحد منهم، ولم يبق ذكر ولا أثر لهم وخسروا الدنيا والآخرة، وهكذا أيضاً من ترك سفينة أهل البيت(عليهم السلام) سوف يكون مصيره الهلاك، ولم يحصد شيء في الدنيا وفي الآخرة. وسيكون مصير أعداء آل محمّد الحسرة والندامة والخيبة والخذلان لاشك في هذا ولا ريب حيث ورد في صحيح البخاري وكنز العمّال عن ابن عمر قال: قال أبو بكر: «ارقبوا محمّداً في أهل بيته»(2).

وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به - حثّ على كتاب الله ورغب فيه - ثمّ قال: وأهل بيتي: أذكركم الله في أهل بيتي»(3).

إذن لا انفكاك بين العترة الطاهرة من أهل بيت النبوة(عليهم السلام) وبين كتاب الله


1) راجع: المستدرك على الصحيحين٢: ٣٤٣، المعجم الكبير٣: ٤٥، المعجم الأوسط٤: ١٠.

2) صحيح البخاري ٤: ٢١٠، كنز العمّال ١٣: ٦٣٨.

3) صحيح مسلم ٧: ١٢.

العزيز، لأنهم(عليهم السلام) لا ينطقون إلاّ عن وحي القرآن، ولا يدلّون إلاّ عليه، فالاعتصام بهم لا ينفك عن الاعتصام بالقرآن، فهما معاً طريق الهداية وسبيل النجاة، وما هما إلاّ دعامتان قام عليهما سقف الشريعة الإسلاميّة السمحاء.

وأمّا العقل:

إن العقلاء وأصحاب النظر السليم يحكمون بتقديم العالم على الجاهل، والسابق على المسبوق، والعاقل على المجنون، والقادر على المقدور عليه وهكذا، وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام): وهو يخاطب الناس في مسجد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في المدينة المنورة وفي زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان: أتعلمون أن الله عزّ وجلّ فضل في كتابه السابق على المسبوق في غير آية، ولم يسبقني أحد من الأُمّة في الإسلام(1).

ولأن الوحي نزل في بيتهم، وأهل البيت أدرى وأعرف بما في البيت من غيرهم، فجدير بالعقل المتدبّر أن لا يترك ما صحّ لديه من الأدلّة منهم، ويأخذ من الآخرين والدخلاء، وأن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أرجع أمّته إلى أهل بيته(عليهم السلام) إذا اختلفوا في الرأي، فأمرهم أن يأخذوا برأيهم(عليه السلام)، وهذا دليل على أنهم طريق الهدى والصواب، وبهم يهتدي الناس إلى الأصلح لهذه الأُمّة، ومن خالفهم فهو في ضلال وعمى.

ومن هذا وقع في نفسي شيء من الشك والريب في المذاهب الأربعة الأخرى،حيث خالف أصحاب هذه المذاهب رأي أهل البيت(عليهم السلام)، واعتمدوا بشكل أساسي في الكثير على آرائهم الخاصّة، وهذا سبب وقوعهم في الخلافات فيما بينهم في


1) ينابيع المودّة ١: ٣٤٦.

الأحكام وبشكل واضح وملموس، حيث رأيت البعض يحللون مسألة وآخرين يحرمونها وبعضهم يكرهون وآخرين يسنّنون، فمن باب المثل نرى أن الشافعي يقول: لمس المرأة الأجنبية يوجب الوضوء، والحنفي يقول بخلافه، ويخالفهما مالك حيث يقول: إن اللمس إذا كان بشهوة أو عن عمد وجب الوضوء وإلاّ فلا.

وأيضاً الشافعي يجيز نكاح البنت من الزنا وخالفة الثلاثة(1).

والحنفي يقول: بوجوب الوضوء لمن خرج الدم من بدنه ولو قليلاً وخالفه الثلاثة(2).

ويجيز مالك أكلّ لحم الكلاب على قول وخالفه الثلاثة(3).

ويجيز الشافعي أكل لحم الضبع والجري والثعلب، ويحرم أبو حنيفة أكلها ويحلل الشافعي القنافذ بينما يحرمها الآخرون(4). هذا جزء من كثير من هذه الخلافات الواقعة بينهم من أوّل الفقه إلى آخره.

والأعجب من ذلك كلّه أنّه قد اشتدت الخلافات بينهم حتّى وصل الأمر إلى أن كفّر بعضهم بعضاً، ورمى بعضهم الآخر بالفسق، فمثلاً أن أصحاب أبي حنيفة، وابن حزم وغيرهم يطعنون في الإمامين مالك والشافعي، وأصحاب الشافعي مثل إمام الحرمين، والإمام الغزالي وغيرها يطعنون في أبي حنيفة ومالك وابن الجوزي، فقد جاء في المنتظم: اتّفق على الطعن في أبي حنيفة ومن جهات عديدة، حيث قال


1) الفقه على المذاهب الأربعة ٤: ١١٦.

2) نفس المصدر ١: ٨٦.

3) المجموع للنووي ٩: ٨ .

4) الفقه على المذاهب الأربعة ٣: ٢.

البعض منهم: أنّه ضعيف العقيدة متزلزل فيها.

وقال آخرون: إنّه ضعيف في ضبط الرواية وحفظها، وقالوا فيه: أنّه صاحب رأي وقياس وأن رأيه غالباً مخالف لأحاديث الصحاح، هذا ما ورد في كلام ابن الجوزي(1).

وجاء في كتب العامّة عن الإمام مالك أنّه قال: ما ولد في الإسلام أشأم من أبي حنيفة(2)وقال الشافعي «نظرت في كتب أصحاب أبي حنيفة وإذا فيها مائة وثلاثون ورقة خلاف الكتاب والسنّة»(3).

وقال الإمام الغزالي الشافعي في كتابه (المتحول في الأصول): فأمّا أبو حنيفة فقد قلب الشريعة ظهراً لبطن، وشوش مسلكها وغيّر نظامها(4)، ثمّ أردف جميع قواعد الشرع بأصل هدم به شرع محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ يستمر بالطعن في أبي حنيفة وبشكل مفصّل.

وأمّا الخطيب البغدادي وهو من علماء العامّة يقول في كتابه تاريخ بغداد قال يوسف بن أسباط: رد أبو حنيفة على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أربعمائة حديث أو أكثر(5)، وحكى عن يوسف أيضاً: ان أبا حنيفة كان يقول: لو أدركني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لأخذ بكثير من قولي(6).


1) راجع المنتظم ٥: ١٨٧.

2) تاريخ بغداد ١٣: ٤٠١، ترجمة أبي حنيفة.

3) نفس المصدر ١٣: ٤١٢.

4) المتحول في الأصول للغزالي: ٦١٣.

5) تاريخ بغداد ١٣: ٣٩٠.

6) نفس المصدر ١٣: ٣٨٦.

نعم هكذا رأينا هؤلاء كيف يطعن بعضهم البعض يا سبحان الله!! أفهل كانت الشريعة ناقصة لم تتم حتّى أتوا بما أتوا به من خلافات دارت رحاها بينهم؟ فهذا يحلل وذاك يحرم، والآخر يجيز وذاك بالعكس، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة»(1). ألم يقل الله تبارك وتعالى في قرآنه الكريم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا(2).

وفي آية أخرى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(3).

وحسب هذه الآية إن هؤلاء لم يؤمنوا بالله واليوم الآخر، لأنهم لم يردوا نزاعهم إلى كتاب الله وسنة رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم).

فإن كانوا مؤمنين لما تخلفّوا عن أهل البيت(عليهم السلام) ولم يردوا نزاعهم إلى الله وأهل بيته(عليهم السلام) ويمتثلوا لأمر الله جل وعلا؟

وأمّا الإجماع:

فقد اتّفقت جميع فرق المسلمين بأن حبّ آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) من الواجبات، ولقد أشرنا سابقاً أن معنى الحبّ هو الطاعة: أي أداء الطاعة لأهل البيت(عليهم السلام) في جميع الأمور، وشؤون الحياة والعمل بأوامرهم والانتهاء بنواهيهم.


1) راجع سنن الدارمي ١: ١١٥، كنز العمّال ١: ١٩٦.

2) المائدة -٥- : ٣.

3) النساء -٤-: ٥٩.

ذكر الفخر الرازي في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ أنّ (أولي الأمر منكم): هم أمراء الحقّ الذين على سبيل الجزم أن يكونوا معصومين(1)، وجاء في الكشاف للإمام جار الله محمود بن عمر الزمخشري هذا المعنى مع اختلاف يسير(2).

وقد فسرت لنا الروايات أنّ (أولي الأمر) هم الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام)(3).

فقد جاء أيضاً عن الشيخ الحافظ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي ما يؤيد هذا التفسير، حيث يقول: بعد ذكر السند أنّ: «أولوا الأمر هم الأئمّة من أهل البيت»(4).

وفي قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ(5).

فقد ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، إنهم مسؤولون عن ولاية علي بن أبي طالب(عليه السلام)هذا وأخرج سبط بن الجوزي حيث قال: ومنها: في سورة الصافات في قوله تعالى وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ قال: قال مجاهد: عن حبّ علي(عليه السلام)(6).

وروى العلاّمة البحراني، عن أبي بكر الشيرازي في كتابه، عن معاوية الغرير، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله مالكاً أن يسعّر النيران السبع، وأمر رضوان أن يزخرف الجنان


1) تفسير الرازي ١٠: ١٤٤.

2) راجع: الكشاف للزمخشري ١: ٥٣٥ .

3) راجع الروايات التي وردت في ذيل الآية الكريمة في تفسير البرهان ٣: ١٣٤ - ١٥١.

4) ينابيع المودّة ١: ٣٤١.

5) الصافات -٣٧- : ٢٤.

6) تذكرة الخواص لابن الجوزي ١: ١٩٠.

الثمان، ويقول: يا ميكائيل مدّ الصراط على متن جهنم، ويقول: يا جبرائيل أنصب ميزان العدل تحت العرش، وينادي يا محمّد قرّب أمّتك للحساب. ثمّ يأمر الله أن يعقد على الصراط سبع قناطر، طول كلّ قنطرة سبعة عشر ألف فرسخ وعلى كلّ قنطرة سبعون ألف ملك قيام، فيسألون هذه الأُمّة نسائهم ورجالهم على القنطرة الأولى يسألون عن ولاية أمير المؤمنين وحبّ أهل بيت محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فمن أتى به جاز على القنطرة الأولى كالبرق الخاطف، من لم يحب أهل البيت سقط على أم رأسه في قعر جهنم ولو كان معه من أعمال البر عمل سبعين صدّيقاً، وعلى القنطرة الثانية فيسألون عن الصلاة، وعلى الثالثة يسألون عن الزكاة، وعلى الرابعة عن الصيام، وعلى الخامسة عن الحجّ، وعلى السادسة عن الجهاد، وعلى السابعة عن العدل، فمن أتى من ذلك، جاز على الصراط كالبرق الخاطف، ومن لم يأت عذب، وذلك قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ.

يعني: معاشر الملائكة قفوهم: يعني: العباد على القنطرة الأولى (فسألوهم) عن ولاية علي وحبّ أهل البيت(1)(2).

دعوة لعلماء العامة:

وفي خاتمة المطاف يقول «محمّد» إني أوجه الدعوة إلى علماء العامّة في النظر إلى معتقدات الشيعة الأصلية، ومراجعة أصول العقائد والفقه والرجوع إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فإن هناك كتب ومؤلفات ثرية في مناقشة جميع الآراء، ومن خلالها يتمكّن الباحث من الوصول إلى الحقيقة التي غطّتها السحب عبر هذه القرون


1) غاية المرام ٣: ٨٧ .

2) مقتبسات من كلمات المستبصر (مع تصرّف يسير).

الطويلة، فبعض علماء السنّة يتّبعون بعض أسلافهم في إثارة التهم والافتراء والأكاذيب على الشيعة بغير حقّ ولا تحقيق ومن غير تدبر وسلطان مبين.

إنّي أدعو علماء العامّة إلى التفكير والتعمق في معتقداتهم، وأطلب منهم بالحاح في أن يحققوا في المسائل الخلافية بينهم وبين الشيعة، فيعرفوا دلائلهم لعلّهم يجدوا الحقّ فيتّبعوه، والحقّ أحقّ أن يتّبع.

كما أنني أؤكد لهم أن يمروا بفتاوى أئمّة المذاهب الأربعة، ليجدوا فيها ضعف الرأي وغريب النظر من قبيل جواز نكاح الأم، ونكاح الولد الأمرد في السفر، أو المسح على العمامة والخفين في الوضوء بالنبيذ أو السجود على العذرة اليابسة، وإلى غيرها من الفتاوى والأغرب من هذا تسليم سائر علماء العامّة لتلك الآراء وعدم نقضها، ولكنهم يطعنون في رأي أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ويتجرؤن على الرد عليهم والتجاسر على مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ويتّهمونهم بالكفر والشرك، معاذ الله، وربما أفتوا بجواز قتل الشيعة وإباحة أموالهم.

وبهذه الآراء والأعمال يضعفون مذهب الحقّ ويضيعون الإسلام الحقيقي جانباً، ويعبّدون الطريق للأعداء، ومنهم اليهود والنصارى ليتسلطوا على رقاب المسلمين وبلادهم.

نسأل الله تعالى أن يوحد بين المسلمين، ويؤلف قلوبهم ويلقي بيننا المودّة والإخاء إنّه سميع مجيب.

فالحنفية منعوا الجمع فيما عدا جمعي عرفة والمزدلفة بقول مطلق.

وأمّا الشافعية والمالكية والحنبلية فأجازوه في السفر على خلاف بينهم، فيما عداه من الأعذار كالمطر والطين والمرض والخوف، وعلى تنازع في شروط السفر المبيح له.

فقد تواترت الأخبار في أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الصلاتين، ظهراً وعصراً، ومغرباً وعشاءً، جمع تقديم وجمع تأخير، في الحضر وبدون عذر في الصحاح وغيرها من المسانيد والسنن، وكتب الأحاديث والتفاسير والتاريخ.

سوف نشير إلى بعض ما ورد في الصحيحين من جواز الجمع بنحو مطلق، فقد أخرج مسلم في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر قال:

١) حدّثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن ابن الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: صلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، في غير خوف ولا سفر.

٢) وحدّثنا أحمد بن يونس... عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: صلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر جميعاً بالمدنية في غير خوف ولا سفر. قال أبو الزبير فسألت سعيداً لم فعل ذلك؟ فقال سألت ابن عبّاس كما سألتني، فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمّته.

٣) وعن يحيى بن حبيب الحارثي... سعيد بن جبير حدثنا ابن عبّاس: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال سعيد: فقلت لابن عبّاس: ما حمله على ذلك؟ فقال: أراد أن لا يحرج أمّته.

٤) وعن معاذ قال: خرجنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك فكان يصلّي

الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً.

٥) وعن معاذ بن جبل أيضاً قال: جمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء. قال فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: فقال: أراد أن لا يحرج أمّته.

٦) وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب... سعيد ابن جبير عن ابن عبّاس قال: جمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر. (في حديث وكيع) قال: قلت لابن عبّاس: لم فعل ذلك؟ قال كي لا يحرج أمّته.

وفي حديث أبي معاوية قيل لابن عبّاس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمّته.

٧) عن جابر بن زيد عن ابن عبّاس قال: صليت مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً.

قلت: يا أبا الشعثاء أظنّه أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء.

قال: وأنا أظنّ ذاك.

٨) حدّثنا حمّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر والمغرب والعشاء.

٩) وعن عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عبّاس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة، فقال ابن عبّاس أتعلّمني بالسنة!

لا أمّ لك.

ثمّ قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء.

قال: عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدّق مقالته.

١٠) وحدّثنا ابن أبي عمر حدّثنا عمران بن حدير عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: قال رجل لابن عبّاس: الصلاة، فسكت، ثمّ قال: الصلاة فسكت، ثمّ قال: الصلاة، فسكت، ثمّ قال: لا أمّ لك أتعلمّنا بالصلاة وكنّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)(1)!

١١) وأخرج البخاري في صحيحه قال: حدّثنا حمّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر والمغرب والعشاء(2).

١٢) حدّثنا آدم، قال: حدّثنا شعبة قال: حدّثنا عمرو ابن دينار، قال: سمعت جابر بن زيد عن ابن عبّاس قال: صلّى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) سبعاً جميعاً وثمانياً جميعا(3).

١٣) ويؤيّد ما روي عن عبد الله بن مسعود قال: جمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين الأولى والعصر وبين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك فقال: صنعت هذا لكي لا تحرج أمّتي(4).

١٤) وعن عمرو بن شعيب قال: قال عبد الله: جمع لنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مقيماً غير مسافر بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقال: رجل لابن عمر: لم ترى


1) صحيح مسلم ٢: ١٥١ - ١٥٣.

2) صحيح البخاري ١: ١٣٧.

3) صحيح البخاري ١: ١٤٠.

4) المعجم الأوسط ٤: ٢٥٢، مجمع الزوائد ٢: ١٦١.

النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فعل ذلك؟ قال: لأن لا يحرج أمّته إن جمع رجل(1).

مضافاً إلى ما ورد من أنّه جمع بين الصلاتين في السفر كما في غزوة تبوك(2)، أو يوم غزا بني المصطلق(3)، أو جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة(4).

ومضافاً إلى ما ورد عن طريق أهل البيت(عليهم السلام) من الأخبار التي تجوّز الجمع بين الصلاتين(5).

فنلاحظ ما في الأخبار من أنّ العلّة في تشريع الجمع إنّما هي التوسعة على الأُمّة بنحو مطلق، وعدم إحراجها بسبب التفريق رأفة بهم، فحملها على المطر والمرض والسفر أو من المظنونّ أنّه أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء، فكل ذلك لا دليل عليه، فإنّه على أقلّ التقادير يوجب الظنّ، والظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً قال تعالى: وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ(6).

أقوال علماء أهل السنّة في تأويل هذه الأخبار:

فقد اختلفت المدرسة السنّية في تأويل هذه الأخبار إلى أقوال مختلفة:

فقال أيّوب: لعلّه في ليلة مطيرة(7).


1) كنز العمّال ٨: ٢٤٦، ح٢٢٧٦٤، المصنّف ٢: ٥٥٦، ح٤٤٣٧.

2) صحيح مسلم ٢: ١٥٢، السنن الكبرى ٣: ١٦٢، ١٦٧، صحيح ابن خزيمة ٢: ٨١.

3) مسند أحمد بن حنبل ٢: ٢٠٤، ٣: ٣٤٨.

4) مسند أحمد بن حنبل ٥: ٢٠٢.

5) وسائل الشيعة ٤: ٢١٨، الباب ٣١ - ٣٢، جواز الجمع بين الصلاتين في وقت واحد جماعة وفرادى لعذر ولغير عذر.

6) يونس -١٠- : ٣٦.

7) صحيح البخاري ١: ١٣٧.

قال مالك: أرى ذلك كان في مطر(1)، ووافقه عليه الشافعي(2)، وغيره اختار المطر الكثير والمستدام(3).

وجوّز جماعة في صورة إذا كان غيم.

وجوّز جماعة في أنّه جمع صوري، ومال إليه ابن حجر، واستحسنه القرطبي، ورجّحه قبله إمام الحرمين، وجزم به من القدماء ابن الماجشون والطحاوي وغيرهم(4).

وقال جماعة: الجمع بعذر المرض، وقوّاه النووي.

وجوّزوا الجمع بشرط أن لا يتّخذ ذلك عادة، اختاره ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفال الكبير والخطابي(5).

وفي المقام نلاحظ هنا ما علّق النووي على هذه الأقوال بقوله: «وأمّا حديث ابن عبّاس فلم يجمعوا على ترك العمل به، بل لهم أقوال:

منهم: من تأوّله على أنّه جمع بعذر المطر، وهذا مشهور عن جماعة من الكبار المتقدّمين، وهو ضعيف بالرواية الأخرى: «من غير خوف ولا مطر».

ومنهم: من تأوّله على أنّه كان في غيم فصلّى الظهر، ثمّ انكشف الغيم وبان أن وقت العصر دخل فصلاها. وهذا أيضاً باطل ; لأنّه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر لا احتمال فيه في المغرب والعشاء.

ومنهم: من تأوّله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاّها فيه، فلمّا فرغ


1) الموطّأ ١: ١٤٤.

2) شرح الزرقاني ١: ٤١٧.

3) شرح الزرقاني ١: ٤١٧.

4) فتح الباري ٢: ١٩.

5) فتح الباري ١: ١٩.

منها دخلت الثانية فصلاّها، فصارت صلاته صورة جمع. وهذا أيضاً ضعيف أو باطل ; لأنّه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل، وفعل ابن عبّاس الذي ذكرناه حين خطب واستدلاله بالحديث لتصويب فعله وتصديق أبي هريرة له وعدم إنكاره صريح في ردّ هذا التأويل.

ومنهم: من قال هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه ممّا هو في معناه من الأعذار، وهذا قول أحمد بن حنبل والقاضي حسين من أصحابنا، واختاره الخطابي والمتولّي والروياني من أصحابنا، وهو المختار في تأويله لظاهر الحديث، ولفعل ابن عبّاس، وموافقة أبي هريرة، ولأنّ المشقّة فيه أشدّ من المطر.

وذهب جماعة من الأئمّة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتّخذه عادة، وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن أبي إسحاق المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر.

ويؤيّده: ظاهر قول ابن عبّاس أراد أن لا يحرج أمّته فلم يعلّله بمرض ولا غيره، والله أعلم»(1).

وقد ردّ ابن حجر هذه الأقوال من قول مالك من احتمال المطر أو غيم السماء، فصلّى الظهر ثمّ انكشف الغيم مثلاً فبان أنّ وقت العصر دخل فصلاها، ومنها ما قواه النووي للمرض: «وجوز بعض العلماء أن يكون الجمع المذكور للمرض وقواه النووي، وفيه نظر ; لأنّه لو كان جمعه(صلى الله عليه وآله وسلم) بين الصلاتين لعارض المرض لما صلّى معه إلاّ من به نحو ذلك العذر، والظاهر أنّه صلّى الله عليه وسلم جمع بأصحابه، وقد صرّح بذلك ابن عبّاس في روايته»(2).


1) شرح مسلم للنووي ٥: ٢١٨ - ٢١٩.

2) فتح الباري ٢: ١٩.

ثمّ مال هو إلى القول بالجمع الصوري بقوله: «... لكن يقوي ما ذكره من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلّها ليس فيها تعرّض لوقت الجمع، فأمّا أن تحمل على مطلقها فتستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإمّا أن تحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإخراج، ويجمع بها بين مفترق الأحاديث والجمع الصوري أولى والله أعلم»(1).

وردّ القسطلاني وغيره(2)الجمع الصوري بقوله: «وتأوّله آخرون على الجمع الصوري بأن يكون آخر الظهر إلى آخر وقتها، وعجّل العصر في أوّل وقتها، وضعف لمخالفته الظاهر»(3).

وبعد ما نلاحظ ما في هذه الأقوال ووجوهها، يتّضح من أنّه لا وجه لحملها على خصوص المطر أو المرض أو السفر أو الجمع الصوري، بعد بطلان تلك الوجوه من هذه الأقوال من نفس علماء أهل السنّة، مضافاً إلى الأخبار الدالّة من الفريقين بجواز الجمع مطلقاً من غير عذر، بالأخص إذا لاحظنا بعين الاعتبار مصلحة التسهيل على الأُمّة.

ومن خلال هذا اتّضح حقيقة المسألة من أنّه لا محيص إلاّ عن القول بجواز الجمع بين الصلاتين بعد وجود أدلّة قاطعة على ذلك، وأنّ طريق أهل البيت(عليهم السلام) هو الطريق الوحيد للسعادة الدنيوية والأخروية، والسبيل المنحصر لأحكام الله، والكاشف الحقيقي لحقائق دين الله، والمنار لهداية خلق الله، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.


1) فتح الباري ٢: ٢٠.

2) شرح مسلم للنووي ٥: ٢١٨.

3) إرشاد الساري ٢: ٢٢٢.

{٧٥} محمّد بيلو باري (مالكي / غينيا - كوناكري)

الصورة

H35

مرّت ترجمته في ١: ٤٥٣ من هذه الموسوعة، ونشير هنا إلى مالم يذكر سابقاً.

إحدى الاستفسارات والأسئلة التي كانت تدور في ذهن «محمّد» بعد مطالعته لكتب التاريخ هي علل وأسباب تخلّف الأُمّة الإسلاميّة عن أهل البيت(عليهم السلام) والتخلّي عنهم وتقديم غيرهم، مع أنّ أفضليّتهم(عليهم السلام)واضحة وجليّة يقرّ بها المؤالف والمخالف.

هذا الإشكال وغيره أوجد في دخيلة «محمّد» حالة من الاضطراب، فبدأ بطرح أسئلته على أبيه، لكنّه لم يقتنع بالإجابات.

عندئذ لم يجد «محمّد» سبيلاً سوى الخوض والتعمّق في التاريخ الإسلامي وسيرة أهل البيت(عليهم السلام) أكثر من قبل، فتوصّل إلى نتائج كانت تختلف عن معتقداته الموروثة.

سيرة أهل البيت(عليهم السلام):

وجد «محمّد» بعد اطّلاعه على سيرة أهل البيت(عليهم السلام) بأنّ هؤلاء العترة خير قدوة للبشريّة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وسيرتهم عليهم السلام خير شاهد على وجود دعم لهم من السماء واصطفائهم من قبل الله عزّ وجلّ.

وعندما يدقّق الباحث النظر في كلّ جانب من جوانب حياة أهل البيت يلمس النور بوضوح، ويكون بإمكانه الاهتداء إلى الحقّ بهذا النور الساطع.

وأوّل سيرة ملفتة للنظر من سيرة أهل البيت(عليهم السلام) هي سيرة الإمام علي(عليه السلام)الذي حاز شرف النشوء في حجر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والتأدّب به.

وكان أوّل من آمن بالله عزّ وجلّ وبرسوله صلّى الله عليه وآله، وكان أوّل ذكر دعاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الإسلام فأجاب، ولم يزل ينصر الدين ويجاهد المشركين ويقتل أهل الزيغ والطغيان، وينشر معالم السنّة والقرآن، ويحكم بالعدل ويأمر بالإحسان.

فكان مقامه مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد البعثة ثلاثاً وعشرين سنة، منها ثلاث عشرة سنة بمكّة قبل الهجرة مشاركاً له في محنه كلّها، متحمّلاً عنه أكثر أثقاله، وعشر سنين بعد الهجرة بالمدينة يكافح عنه المشركين، ويجاهد دونه الكافرين، ويقيه بنفسه من أعدائه في الدين، إلى أن قبضه الله تعالى إلى جنّته، ورفعه في عليّين، فمضى(صلى الله عليه وآله وسلم)ولأمير المؤمنين(عليه السلام) يومئذ ثلاث وثلاثون سنة.

فاختلفت الأُمّة في إمامته يوم وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالت شيعته وهم بنو هاشم وسلمان وعمّار وأبو ذر والمقداد وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وأبو أيّوب الأنصاري وجابر بن عبد الله الأنصاري وأبو سعيد الخدري وأمثالهم من أجلّة المهاجرين والأنصار ; إنّه كان الخليفة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام ; لفضله على كافّة الأنام بما اجتمع له من خصال الفضل والرأي والكمال، من سبقه الجماعة إلى الإيمان ، والتبريز عليهم في العلم بالأحكام، والتقدّم لهم في الجهاد، والبينونة منهم بالغاية في الورع والزهد والصلاح، واختصاصه من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في القربى بما لم يشركه فيه أحد من ذوي الأرحام.

ثمّ لنصّ الله على ولايته في القرآن، حيث يقول جلّ اسمه: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1).

ومعلوم أنّه لم يزكّ في حال ركوعه أحد سواه عليه السلام، وقد ثبت في اللغة أنّ الولي هو الأولى بلا خلاف.

وإذا كان أمير المؤمنين(عليه السلام) - بحكم القرآن - أولى الناس من أنفسهم، لكونه وليّهم بالنصّ في التبيان وجبت طاعته على كافّتهم بجلّى البيان.

وفي يوم الدار إذ جمع رسول الله بني عبد المطلب - خاصّة - للإنذار، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«من يؤازرني على هذا الأمر يكن أخي ووصيّي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي، فقام إليه أمير المؤمنين(عليه السلام) من بين جماعتهم وهو أصغرهم سنّاً فقال: «أنا أوازرك يا رسول الله».

فقال له الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): اجلس فأنت أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي»(2).

ويكشف هذا الحديث بوضوح النصّ على إمامة الإمام علي(عليه السلام) واستخلافه بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً لأمير المؤمنين عند توجّهه إلى تبوك: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»(3).

فأوجب له الوزارة، والتخصّص بالمودّة، والفضل على الكافّة، والخلافة


1) المائدة -٥- : ٥٥.

2) راجع الغدير ٢: ٢٨٢.

3) راجع: مسند أحمد ١: ١٧، صحيح البخاري ٥: ١٢٩، صحيح مسلم ٧: ١٢٠ وغير ذلك.

عليهم في حياته وبعد وفاته ; لشهادة القرآن بذلك كلّه لهارون من موسى(عليهما السلام).

قال تعالى مخبراً عن موسى: وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى(1).

فثبت لهارون(عليه السلام) شركة موسى في النبوّة، ووزارته على تأدية الرسالة، وشدّ أزره به في النصرة.

وقال في استخلافه له: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ(2).

فثبت له خلافته بمحكم التنزيل.

ولكن رغم وجود النصّ على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) كانت إمامته بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ثلاثين سنة، منها أربع وعشرون سنة وأشهر ممنوعاً من التصرّف على أحكامها، مستعملاً للتقيّة والمداراة، ومنها خمس سنين وأشهر ممتحناً بجهاد المنافقين من الناكثين والقاسطين والمارقين، مضطهداً بفتن الضالين كما كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ثلاث عشرة سنة من نبوّته ممنوعاً من أحكامها خائفاً ومحبوساً وهارباً ومطروداً لا يتمكّن من جهاد الكافرين ولا يستطيع دفعاً عن المؤمنين، ثمّ هاجر وأقام بعد الهجرة عشر سنين مجاهداً للمشركين ممتحناً بالمنافقين إلى أن قبضه الله تعالى إليه وأسكنه جنّات النعيم.

وكانت وفاة أمير المؤمنين(عليه السلام) ليلة الجمعة ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة.

وكان الإمام(عليه السلام) يعلم ذلك قبل أوانه ويخبر به الناس قبل زمانه، وتولّى غسله


1) طه -٢٠- : ٢٩ - ٣٦.

2) الأعراف -٧- : ١٤٢.

وتكفينه ابناه الحسن والحسين عليهما السلام بأمره، وحملاه إلى الغري من نجف الكوفة، فدفناه هناك وعفيا موضع قبره، بوصيّة كانت منه إليهما في ذلك ; لما كان يعلمه(عليه السلام) من دولة بني أميّة من بعده، واعتقادهم في عداوته، وما ينتهون إليه بسوء النيّات فيه من قبيح الفعال والمقال بما تمكّنوا من ذلك، فلم يزل قبره(عليه السلام) مخفيّاً حتّى دلّ عليه جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) في الدولة العبّاسيّة(1).

وعموماً فكلّ من ينظر في سيرة الإمام علي(عليه السلام) ويتأمّل فيها فانّه سيرى بوضوح مظلوميّة أمير المؤمنين، فإن كان صادقاً في إيمانه فسيتبرّأ من أعداء الإمام علي(عليه السلام) وهذا التبرّي هو المؤدّي إلى التحوّل المذهبي في داخل الدائرة الإسلاميّة.

«محمّد» والتشيّع:

بعد أن بذل «محمّد» قصارى جهده في البحث والتحقيق قرابة عامين، وبعد أن تجلّت عنده الصورة واطمأنّ قلبه لما قرأ وحقّق في التاريخ الإسلامي وجد نفسه مشايعاً وموالياً لأهل البيت(عليهم السلام)، فقرّر أن لا ياخذ علمه من سواهم ولا ينهل إلاّ من منهلهم الصافي.

وقد قام «محمّد» بعدّة نشاطات في سبيل الثقافة الشيعيّة بعد استبصاره فترجم الكثير من الكتب الدينيّة إلى اللغة الفرنسيّة والفولانيّة ومن تلك الكتب كتاب الفتاوى الميسّرة لآية الله العظمى السيّد السيستاني الذي ترجمه إلى اللغة الفولانية.


1) مقتطفات من كتاب مقدّمة الإرشاد للمفيد ١: ١٠.

{٧٦} محمّد بيلو جالو (سني / غينيا - كوناكري)

من سكنة «كوناكري» العاصمة.

وهو أحد المئات المثقّفين الذين تحرّروا من الحصار الفكري الضيّق، وقاموا بالبحث الجادّ في العقائد السائدة عندهم، فغيّروا انتماءهم الطائفي وأعلنوا استبصارهم وسيرهم على خطى أهل البيت(عليهم السلام).

بعد مرحلة الاستبصار قام «محمّد» بتبليغ الدين الإسلامي وفق الرؤية الشيعيّة، الرؤية التي ارتآها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للجوامع الإسلامية في سائر العصور.

الولد للفراش وللعاهر الحجر:

إحدى القوانين التي سنّها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لثبات المجتمعات الإسلاميّة وحفظ كيان الأسرة، هي قاعدة أن «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، أي أنّ الابن يلحق الأم الذي وُلد منها، ولا يحقّ للعاهر الذي زنى بالأم أن يدّعي أبّوة ذلك الولد، كما لا يحقّ للولد أن يدّعي بنوّة العاهر، ولاصلة بينهما شرعاً.

ومستند هذه القاعدة عدّة روايات، أهمها الرواية الواردة عن رسول

الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في الصحاح الستّة(1)، حيث قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «الولد للفراش وللعاهر الحجر».

كما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال في خطبة له بمنى: «لعن الله من ادّعى إلى غير أبيه، أو تولّى غير مواليه، الولد للفراش وللعاهر الحجر»(2).

وقد عدّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من ادّعى إلى غير أبيه ممّن لم يرح رائحة الجنّة(3)، وأنّ عليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة(4).

ومع كلّ هذه التأكيدات من قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقعت مأساة الاستلحاق في العام الرابع والأربعين للهجرة، أي بعدما يقارب {٣٣} عاماً من وفاة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك نصب أعين المسلمين، ومن قبل الطبقة الحاكمة التي تدّعي الخلافة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

استلحاق زياد بأبي سفيان:

ولد زياد على فراش عبيد مولى ثقيف من أمة تُسمّى «سميّة»، وسميّة هذه كانت من البغايا المشهورات بالطائف ذات راية، وقد زنى بها العديد، ومنهم أبو سفيان عندما نزل ضيفاً عند أبي مريم السلولي الخمّار بالطائف فطلب بغياً، جيء بسميّة، فزنى بها(5).

وأمّا زياد، فكان يقال له قبل الاستلحاق: زياد بن عبيد الثقفي(6)، وفي زمن


1) صحيح البخاري ٣: ٥، صحيح مسلم ٤: ١٧١، مسند أحمد ٤: ١٨٧، سنن الترمذي ٢: ٣١٣، سنن النسائي ٦: ١٨٠، سنن ابن ماجة ١: ٦٤٧.

2) مسند أحمد ٤: ١٨٦.

3) سنن ابن ماجة ٢: ٨٧٠.

4) سنن أبي داود ٢: ٥٠٣.

5) راجع تاريخ مدينة دمشق ١٩: ١٧٣، تاريخ اليعقوبي ٢: ٢١٩.

6) كما جاء ذلك في إحدى الرسائل التي بعثها معاوية له، فقال له في مطلعها: من أمير المؤمنين! معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن عبيد، راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٦: ١٨٢.

حكومة معاوية رأى أن يلحق نسبه بأبي سفيان الذي كان قد زنى بأمّه في الجاهلية، ويتقرّب بذلك من السلطة الحاكمة.

أخرج الطبري في تاريخ: أن زياداً لمّا قدم الكوفة، قال: قد جئتكم في أمر ما طلبته الا لكم، قالوا: أُدعُنا إلى ما شئت، قال: تلحقون نسبي بمعاوية، قالوا: أمّا بشهادة الزور فلا(1).

إلاّ أن زياداً لم يقتصر على ذلك، وبعد بيعته مع معاوية ومصالحته «فارس» على ألفي الف، تواطأ مع مصقلة بن هبيرة الشيباني وضمن له عشرين ألف درهم ليقول لمعاوية: إنّ الأموال التي أخذتها من زياد وصالحته عليها قليلة جدّاً، وهذا ما سبب الشائعات في فارس!

وعندما يسأل معاوية عنها أن يقول له: قد شاع هناك أنّ زياداً بن أبي سفيان، ففعل مصقلة ذلك.

ورأى معاوية أن يستميل زياداً، ويستصفي مودّته باستلحاقه، فاتّفقا على ذلك، وأحضر الناس وحضر من يشهد لزياد، وكان فيمن حضر أبو مريم السلولي، فقال له معاوية: بم تشهد يا أبا مريم؟

فقال: أنا أشهد أنّ أبا سفيان حضر عندي وطلب منّي بغيّاً، فقلت له: ليس عندي إلاّ سميّة.

فقال: ائتني بها على قذرها ووضرها فأتيته بها فخلا معها، ثمّ خرجت من عنده وإنّ إسكتيها ليقطران منيّاً.

فقال له زياد: مهلاً أبا مريم إنّما بُعثت شاهداً ولم تُبعث شاتماً، فاستلحقه


1) تاريخ الطبري ٤: ١٦٣.

معاوية(1).

ولمّا بلغ أبا بكرة أخا زياد لأمه سميّة أن معاوية استلحقه وأنّه رضي بذلك آلى يميناً أن لا يكلمه أبداً، وقال: هذا زنّى أمّه وانتفى من أبيه(2).

عبد الرحمن بن الحكم وواقعة الاستلحاق:

لمّا ادّعى معاوية زياداً دخل عليه بنو أميّة وفيهم عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان، فاعترض على معاوية فعله، وقال: لولم تجد إلاّ الزنج لاستكثرت بهم علينا قلّة وذلة!!

فغضب معاوية ثمّ طلب من مروان أن يقرأ الأشعار التي ذكرها عبد الرحمن فيه وفي زياد، والتي كانت قد وصلت إلى سمعه، فقال مروان:

ألا أبلغ معاوية بن صخر لقد ضاقت بما تأتي اليدانِ

أتغضب أن يقال أبوك عف وترضى ان يقال: أبوك زانِ

فاشهد أن رحمك من زياد كرحم الفيل من وُلد الأتانِ

وأشهد أنّها حملت زياداً وصخرٌ من سمية غيرُ دانِ(3)

فقال معاوية: والله، لا أرضى عنه حتّى يأتي زياداً فيترضاه ويعتذر إليه، وبعد مدّة أتاه عبد الرحمن يستأذن عليه معتذراً فلم يأذن له، فأقبلت قريش على


1) راجع: الكامل في التاريخ ٣: ٤٤٤، مروج الذهب ٣: ١٦، تاريخ اليعقوبي ٢: ٢١٩، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٦: ١٨٧.

2) الاستيعاب ٢: ٥٢٦، وفيات الاعيان ٦: ٣٥٨.

3) راجع: الاستيعاب ٢: ٥٢٦، تاريخ مدينة دمشق ٣٤: ٣١٤، وفيات الأعيان ٦: ٣٥٩، مروج الذهب ٣: ١٧. الوافي بالوفيات ١٥: ٧.

عبد الرحمن، فلم يدعوه حتّى أتى زياداً، فلمّا دخل وسلم عليه نشاوس(1)له زياد بعينه، وكان يكسر عينه، فقال له زياد: أنت القائل ما قلت؟

فقال عبد الرحمن: وما الذي قلت؟

فقال: قلت ما لا يقال.

فقال عبد الرحمن: أصلح الله الأمير إنّه لا ذنب لمن اعتب، وإنّما الصفح عمّن أذنب. فاسمع منّي ما أقول.

قال: هات. فأنشأ يقول:

إليك أبا المغيرة تبتُ ممّا جرى بالشام من جور اللسانِ

وأغضبتُ الخليفة فيك حتّى دعاه فرط غيظ أن لحاني

وقلت لمن لحاني في اعتذاري إليك الحقّ شأنك غير شاني

عرفت الحقّ بعد خطاء رأيي وما ألبسته غير البيانِ

زيادٌ من أبي سفيان غصنٌ تهادى ناضرٌ بين الجنانِ

أراك أخاً وعمّاً وابن عمٍّ فما أدري بعين ما تراني

وأنت زيادةٌ في آل حرب أحبّ إليّ من وسطى بناني

ألا أبلغ معاوية بن حرب فقد ظفرت بما تأتي اليدانِ

فقال له زياد: أراك أحمقاً مترفاً شاعراً صنع اللسان، يسوغ لك ريقك ساخطاً ومسخوطاً، ولكنّا قد سمعنا شعرك وقبلنا عذرك، فهات حاجتك.


1) من شاس، أي نظر بمؤخّر عينه تكبّراً.

قال: كتاب إلى أمير المؤمنين بالرضا عنّي.

قال: نعم، فكتب كتاباً أخذه ومضى حتّى دخل على معاوية، ففضّ الكتاب ورضي عنه وردّه إلى حاله وقال: قبّح الله زياداً ألم ينتبه له إذ قال: وأنت زيادة في آل حرب(1).

أقوال العلماء في واقعة الاستلحاق:

بعد أن استلحق معاوية زياداً ولم يكترث لحكم الشريعة الإسلاميّة بحرمة مثل ذلك الإلحاق، كثرت أصداء ذلك العمل الشنيع في الوسط الديني.

فقال له يونس بن عبيد الثقفي: يا معاوية، قضى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقضيت أنت أنّ الولد للعاهر وأنّ الحجر للفراش، مخالفة لكتاب الله تعالى، وانصرافاً عن سنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بشهادة أبي مريم على زنا أبي سفيان.

فقال معاوية: والله يا يونس لتنتهين أو لأطيرن بك طيرة بطيئاً وقوعها(2).

ويقول سعيد بن المسيّب: أوّل قضيّة ردّت من قضاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) علانية قضاء فلان في زياد(3).

كما قال ابن نجيح: أوّل حكم ردّ من أحكام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الحكم في زياد(4).

وقال ابن بحجة: أوّل داء دخل على العرب قتل الحسين سبط النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)


1) الاستيعاب ٢: ٥٢٩، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٦: ١٩٠.

2) مروج الذهب ٣: ١٧.

3) تاريخ مدينة دمشق ١٩: ١٧٩.

4) نفس المصدر.

وادّعاء زياد(1).

وقال الحسن البصري: أربع خصال كنّ في معاوية لم لم يكن فيه منهنّ إلاّ واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأُمّة بالسفهاء حتّى ابتزّها أمرها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة. واستخلافه ابنه بعده سكّيراً خمّيراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير. وادّعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الولد للفراش وللعاهر الحجر». وقتله حُجراً(2).

وقال الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) لزياد في حضور من معاوية وعمرو بن العاص ومروان بن الحكم: «وما أنت يا زياد وقريشاً؟ لا أعرف لك فيها أديماً صحيحاً ولا فرعاً نابتاً، ولا قديماً ثابتاً، ولا منبتاً كريماً، بل كانت أُمّك بغيّاً تداولها رجال قريش، وفجّار العرب، فلمّا ولدت لم تعرف لك العرب والداً، فادّعاك هذا - يعني معاوية - بعد ممات أبيه، ما لك افتخار، تكفيك سميّة ويكفينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأبي علي بن أبي طالب سيّد المؤمنين الذين لم يردّ على عقبيه، وعمّي حمزة سيّد الشهداء، وجعفر الطيّار، وأنا وأخي سيّد شباب أهل الجنّة(3).

نشاطات تبليغية:

بعد مرحلة الاستبصار قدم «محمّد» إلى الجمهورية الإسلاميّة الإيرانية، ودرس العلوم الدينية في مدينة قم المقدّسة، وبعد إغناء رصيده الديني عاد إلى بلده،


1) راجع: المصنّف لابن أبي شيبة ٨: ٣٤٠، المعجم الكبير ٣: ١٢٣، تاريخ مدينة دمشق ١٩: ١٧٩.

2) راجع: تاريخ الطبري ٤: ٢٠٨، الكامل في التاريخ ٣: ٤٨٧، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢: ٢٦٢.

3) المحاسن والمساوئ للبيهقي: ٦٥.

وقام - ضمن نشاطه التبليغي - بإدارة «جمعية أهل البيت(عليهم السلام) لنشر الإسلام».

وتُقدّم هذه الجمعية عدّة خدمات للجالية الشيعيّة في «كوناكري» فإنّها تقوم بإحياء ذكريات المعصومين(عليهم السلام) ولادةً ووفاةً، كما تقيم دورات تبليغية لأئمّة الجمعة والجماعات والأساتذة المتشيعين، وقد أجرت عدة لقاءات حوارية مع أتباع المذاهب الأخرى، كما قدّمت كتب المذهب إلى المثقفين.

{٧٧} محمّد حبيب سو (وهّابي / غينيا - كوناكري)

الصورة

H36

ولد عام ١٣٨٩هـ (١٩٦٧م) في قرية (كمبيا) التابعة لمحافظة (لابي) في غينيا، تلقّى دروسه الأوّلية على يد والده الذي كان مدرّساً ومثقّفاً، وقد جهد أبوه خلال هذه الفترة وما بعدها لرفع مستوى ثقافة ابنه، فأرسلهُ إلى العاصمة كوناكري ليواصل دراسته، وكذلك ليتعلم اللغتين العربيّة والفرنسيّة.

وفي أثناء دراسته تأثّر بالفكر الوهّابي قليلاً ممّا جعله يروّج لها، وكان من الدعاة إلى الفكر الوهّابي في منطقته وفي العاصمة بالذات، إلاّ أنّ الظروف قادته إلى التحقيق والتشرّف بمذهب أهل البيت(عليهم السلام).

في سجون السعودية كانت البداية:

كان الأخ «محمّد» يتنقل بين البلدان لطلب العلم، وكان من عادته الرجوع إلى بلده خلال العطلة لتدريس ما تعلّمه، ويبثّ ما حصل عليه من معلومات بين أبناء بلده.

لا يخفى على أحد من أنّ الدعاية الكاذبة التي تروّجها الوهّابية لتمرير مخطّطاتهم الشيطانيّة قد تنطلي على كثير من المسلمين، لأسباب كثيرة: قسم منهم لا

يعرف الكثير من المسائل العقدية المرتبط بدينه، لانعدام الوسائل المتاحة للتعليم والتعلم بسبب الفقر الساري في كثير من البلدان خصوصاً الدولة الأفريقية، أو لا يهتم بالأمور الدينية كثيراً، أو يصدّق ما يسمع بخبر أو يقرأ في كتاب أو مجلّة أو جريدة من دون تحقيق أو تكليف للنفس عناء البحث لمراجعة هذه المعلومات ممّا جعلهم تنطلي عليهم الأفكار المنحرفة، وإلحاق الضرر بكثير من المسلمين.

فاستغل الوهّابيون هذه الفرص للاصطياد في الماء العكر، وترويج أفكارهم بما يملكون من قوة من خلال إرسالهم للمبلغين وإعطاء الكتب المجانية والقنوات الفضائية وغير ذلك.

فجعلت الدعاية التوحيدية وغيرهم من مسائل التوسل والشفاعة التي تتمسك بها الوهّابية تبهر الأبصار لأوّل وهلة، وإن كان سرعان ما ينكشف زيفها وخداعها، والوجه الكالح لهذه الفرقة، إلاّ إنّه تأثّر بها كثير من الشباب منهم الأخ «محمّد حبيب»، وصار من دعاة الوهّابية في منطقته.

ويقول في هذا الصدد: «تأثّرت بالفكر السلفي مثل كثير من شباب منطقتنا، وصرت من دعاة الوهّابية في منطقتنا وفي العاصمة بالذات - لكنني مع ذلك كنت مشككّاً - وسافرت إلى السعودية للتعرّف أكثر على هذا المذهب، وقضيت هناك عدّة أشهر مع هؤلاء، إلاّ أنّهم زجوني في السجن حيث قضيت فيه ثلاثة أشهر، تعاملوا خلالها بقساوة ووحشية، فهم أوحش من الخوارج الذين خرجوا على الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، أو الخمير الحمر في كمبوديا».

فرأى «محمّد حبيب» - في هذه المدّة التي أقامها معهم - هؤلاء - أي الوهّابييون يوزعون صكوك التكفير على أهل القبلة كيفما شاؤا، في حين يتركون أعداء الإسلام في منأى عن حرابهم.

فهذه تعدّ واحدة من آلاف الشهادات الحيّة بحقّ هذه الفرقة الممزقة لوحدة المسلمين.

أوجه الشبه بين الخوارج والوهّابية:

فقد بليت الأُمّة الإسلاميّة بفرقة تسمّى نفسها بالوهّابية، وتعتقد بأنّها هي الفرقة الناجية، وأمّا سائر المسلمين فهم مشركون لا حرمة لدمائهم وذراريهم وأموالهم، ودارهم دار حرب وشرك، ويعتقدون أنّ المسلم لا تنفعه شهادة أن (لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله) ما دام يعتقد بالتبرّك بمسجد الرسول - مثلاً - ويقصد زيارته ويطلب الشفاعة منه، ويقولون: إنّ المسلم الذي يعتقد بهذه الأمور فهو مشرك، وشركه أشدّ من شرك أهل الجاهليّة من عبدة الأوثان والكواكب ومن جرى مجراهم.

فالوهّابية تتبع في نهجها نهج الخوارج في تعاملها مع المسلمين ; فإنّ من يقرأ سيرة الخوارج وأفكارهم المتحجّرة، وفهمهم الخاطئ للإسلام، وموقفهم اتّجاه المسلمين من تكفيرهم واستحلال دمائهم وأموالهم، لرأى النهج الوهّابي استمراراً وامتداداً للنهج الذي اتّبعته الخوارج.

وفيما يلي نستعرض بعض أوجه الشبه بين الخوارج والوهّابية:

أوّلاً: إنّ شعار الخوارج هو (لا حكم إلاّ لله)، وهي كلمة حقّ يراد بها باطل فإنّ أمير المؤمنين علي(عليه السلام) قال: «ويحكم إنّها كلمة حقّ يراد بها باطل! إنّهم ما رفعوها أنّهم يعرفونها ويعملون بها، ولكنّها الخديعة والوهن والمكيدة! أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحقّ مقطعه، ولم يبق إلاّ أن يقطع دابر الذين ظلموا»(1).


1) شرح نهج البلاغة ٢: ٢١٦.

فهي كلمة حقّ لأنّها تتطابق مع قوله تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ، يراد بها باطل، وهو أنّه لا إمارة لأحد، ولا يجوز التحكيم في الأمور الدينيّة، وفرّعوا عليه إنّ التحكيم الذي كان بصفين كان معصية وكفراً.

مع أنّ التحكيم قد جاء في الشريعة الإسلاميّة بقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا(1).

وقال تعالى في جزاء الصيد:يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْل مِّنكُمْ(2).

كذلك الوهابيّيون شعارهم: لا دعاء إلاّ لله، لا شفاعة إلاّ لله، لا توسّل إلاّ بالله، لا استغاثة إلاّ بالله، ونحو ذلك.

كلمات حقّ يراد بها باطل ; لأنّ المدعو والمتوسّل به حقيقة لدفع الضر وجلب النفع، والمغيث الحقيقي ومالك أمر الشفاعة هو الله. يراد بها باطل وهو منع تعظيم من عظّمه الله بدعائه والتوسّل به ليشفع عند الله تعالى ويدعوه لنا، وعدم جواز التشفّع والاستغاثة والتوسّل بمن جعله الله شفيعاً مغيثاً، وجعل له الوسيلة.

وهي كجملة من كلماتهم المزخرفة كقولهم: لمن يقول يا محمّد ويا فلان ويا فلان، هل الله أعطاك القوّة أو محمّد؟ فلابدّ أن يقول الله، فيقولون له: لم لا تدعو الله وتدعو محمّداً؟!

وهذا تمويه وتضليل يراد به باطل ; إذ لا يوجد أحد يعتقد أنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) أو غيره بيده الأمر أصالة، وإنّما هو التوسّل وطلب الشفاعة ممّن له الوسيلة والشفاعة، واعتراضهم هذا هو بالحقيقة اعتراض على الله الذي جعل الشفاعة لمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإلاّ فمتى جعلها له فعلينا أن نطلبها منه.


1) النساء -٤- : ٣٥.

2) المائدة -٥- : ٩٥.

ولو صحّ اعتراضهم هذا لتوّجه على من يسأل الدعاء من الغير فيقال له: الله الذي يجيب دعاءك أو أخوك المؤمن؟ فلابدّ أن يقول: الله، فيقال له: لم لا تدعو الله وتطلب من أخيك أن يدعو لك؟ وكقولهم لمن يقبّل ضريح النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو المنبر الموضوع في مسجده وفي مكان منبره إنّما تقبّل حديداً أو خشباً جيء به من بلاد الإفرنج، ولم يعلموا أنّه كما يحترم جلد الشاة بعمله جلداً للمصحف، والورق والمداد بكتابة المصحف عليه وبه، كذلك يحترم الحديد والخشب الذي وضع على قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أو في مسجده وفي مكان منبره(1).

لاشكّ أنّ الله تعالى فاوت بين مخلوقاته في الفضل، فجعل بعضها أفضل من بعض من الأزمنة والأمكنة، والأحجار والآبار، والحيوانات وبني آدم وغير ذلك.

ففي الأزمنة فضّل شهر رمضان على سائر شهور السنة، وجعل فيه ليلة القدر،وجعلها خيراً من ألف شهر، وجعل من أشهر السنة الاثني عشر، أربعة حرماً، حرّم فيها القتال، وفضّل يوم الجمعة على سائر الأيّام، وفضّل ساعة منه على سائره.

وفي الأمكنة فضل الكعبة على سائر بقاع الأرض، وتعبّد الناس بالحجّ إليها، والطواف حولها، ومكّة والمقام، وحجر إسماعيل، والمسجد، والمساجد الأربعة، والمسجد الحرام منها على غيرها.

وفي الأحجار فضّل الحجر الأسود على غيره، وتعبّد الناس باستلامه وتقبيله.

وفي الآبار فضّل بئر زمزم على غيره.

وفي الحيوانات فضّل الخيل على غيرها، وأمر بارتباطها وإكرامها، وجعل الخير معقوداً بنواصيها، وجعل بعض دم الغزال مسكاً، وفي ذلك يقول الشاعر:


1) كشف الارتياب في أتباع محمّد بن عبد الوهاب: ١١٢.

فإن تفق الأنام وأنت منهم فإنّ المسك بعض دم الغزال

وفي بني آدم فضّل الأنبياء على غيرهم، ومحمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) على سائر الأنبياء، والشهداء على غيرهم، والعلماء على الشهداء وعلى بعض الأنبياء.

بل الشيء الواحد له فضل في حال دون حال، فالكنيف لا فضل له، وهو منتهى الخسة، فإذا جعل مسجداً صار معظّماً عند الله، وحرّم تنجيسه، ووجب تعظيمه.

وجلد الشاة يجعل نعلاً وحذاءً، فيكون في منتهى الإهانة، ويعمل جلداً للقرآن الكريم، فيكون في منتهى الإكرام والإعظام كما قال الشاعر:

أو ما ترى نوع الأديم فإنّه منه الحذاء ومنه جلد المصحف

والرجل يكون كسائر الناس، فيبعثه الله بالنبوة، فتجب إطاعة أمره ونهيه، أو ينصبه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعده خليفة، أو المسلمون، فيدخل في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ(1).

ومن هذا القبيل البقعة من الأرض تكون كسائر البقاع، فيدفن فيها نبيّ أو ولي، فتكسب شرفاً وفضلاً وبركةً بدفنه لم تكن لها من قبل، ويجب احترامها، وتحرم إهانتها لحرمة من فيها، ومن احترامها قصدها لزيارة من فيها، وبناء القباب عليها، والحجر حولها، لتقي زائريها من الحرّ والبرد، وعمل الأضرحة لها التي تصونها عن كلّ إهانة، وإيقاد المصابيح عندها لانتفاع زائريها واللاجئين إليها، وجعل الخدمة والسدنة، وتقبيلها والتبرك بها، ووضع الخلع عليها، والمعلقات فوقها وغير ذلك.

ومن إهانتها هدمها، وهدم ما فوقها من البناء، وتسويتها بالأرض، وجعلها معرضاً لوقوع القاذورات، ووطئ الدواب والكلاب والآدميين، وترويث وبول


1) النساء -٤- : ٥٩.

الدواب والكلاب وغير ذلك.

وهل يشك في ذلك عاقل وهو يرى أنّ الله تعالى جعل احتراماً لصخرة صماء بسبب وقوف إبراهيم الخليل(عليه السلام) عليها حين بنى البيت فقال عزّ من قائل: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى(1). أفيجعل الله احتراماً لمقام رجل خليله، ولا يجعل احتراماً لمدفن جسده، أو مدفن جسد سيّد أنبيائه؟!

وإذا كان له هذا الاحترام، فلماذا حرّم تقبيله، والطواف والتبرّك به، والصلاة عنده، ودعاء الله تعالى كما يصلّى عند مقام إبراهيم(عليه السلام) ويدعى؟ فإن كان لتوهم أنّه عبادة له كعبادة الأصنام، فهو توّهم فاسد ; لأنّ احترام من جعل الله له حرمة احترام لله، وعمل بأمر الله، وعبادة وإطاعة لله، فهو كتقبيل الحجر الأسود، وتعظيم الكعبة، والحرم والمقام، والمساجد، والتبرّك بماء زمزم، وسجود الملائكة لآدم(2).

ثانياً: كما أنّ الخوارج متصلّبون في الدين مواظبون على الصلوات وتلاوة القرآن والعبادة حتّى اسودّت جباههم من طول السجود، متمسّكون بظواهر القرآن والسنّة قشرين، حتّى أنّه ورد أنّ إنساناً منهم ضرب خنزيراً برّياً بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض، والتقط أحدهم تمرة من الطريق فوضعها في فمه، فبادر آخر وطرحها من فمه.

فهم أكثر المسلمين عبادة ومحافظة على الصلاة، حتّى عرفوا بأهل الجباه السود من كثرة السجود، ومع ذلك كانوا لا يتورّعون عن سفك الدماء، ونهب الأموال، والإخلال بالأمن، وكان من جملة من قتلوه عبد الله بن خباب صاحب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أسروه وامرأته معه، وهي حامل فقالوا: من أنت؟ قال: أنا عبد الله


1) البقرة -٢- : ١٢٥.

2) كشف الارتياب في أتباع محمّد بن عبد الوهاب: ١٠٩ - ١١٠.

ابن خباب صاحب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّكم قد روعتموني. فقالوا: لا بأس عليك، حدثنا ما سمعت من أبيك فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي».

فاقتادوه بيده، فبينما هو يسير معهم، إذ لقي بعضهم خنزيراً لبعض أهل الذمّة، فضربه بعضهم، فشقّ جلده. فقال له آخر: لم فعلت هذا، وهو لذمي؟ فذهب إلى ذلك الذمي، فاستحلّه وأرضاه، وبينا هو معهم إذ سقطعت تمرة من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فمه. فقال له آخر: بغير إذن ولا ثمن؟ فألقاها ذاك من فمه، ومع هذا قدموا عبد الله بن خباب فذبحوه، وجاؤوا إلى امرأته فقالت: إني امرأة حبلى، ألا تتقون الله، فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها، فلمّا بلغ الناس هذا من صنيعهم خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام واشتغلوا بقتال أهله أن يخلفهم هؤلاء في ذراريهم وديارهم بهذا الصنع، فخافوا غائلتهم، وأشاروا على علي(عليه السلام) بأن يبدأ بهؤلاء، ثمّ إذا فرغ منهم ذهب إلى أهل الشام بعد ذلك والناس آمنون من شرّ هؤلاء فاجتمع الرأي على هذا وفيه خيرة عظيمة لهم ولأهل الشام أيضاً، فأرسل علي(عليه السلام) إلى الخوارج رسولاً من جهته وهو الحرث بن مرّة العبدي، فقال: أخبر لي خبرهم، وأعلم لي أمرهم واكتب إليّ به على الجلية، فلمّا قدم عليهم قتلوه، ولم ينظروه، فلمّا بلغ ذلك علياً(عليه السلام)عزم على الذهاب إليهم أوّلاً قبل أهل الشام(1).

وعن حميد بن هلال قال غزا عمارة بن فرض الليثي غزاة له فمكث فيها ما شاء الله، ثمّ رجع حتّى إذا كان قريباً من الأهواز سمع صوت الأذان فقال: والله مالي عهد بصلاة بجماعة من المسلمين منذ ثلاث، وقصد نحو الأذان يريد الصلاة، فإذا هو


1) البداية والنهاية ٧: ٣١٨ - ٣١٩.

بالأزارقة. فقالوا: له ما جاء بك يا عدو الله. فقال: ما أنتم إخواني. قالوا أنت أخو الشيطان لنقتلنك. قال: أمّا ترضون منّي بما رضي به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قالوا: أيّ شيء رضي به منّك؟ قال: أتيته وأنا كافر فشهدت أن لا إله إلاّ الله، وأنّه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فخلّى عنّي. فأخذوه فقتلوه. رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله رجال الصحيح(1).

وأيضاً روي أنّ الخوارج قطعوا الطريق على العالم المعروف واصل بن عطاء، ورفقة معه، ولمّا أرادوا قتلهم لا لشيء إلاّ لأنّهم مسلمون. قال لهم واصل: نحن مشركون ممّن قال الله فيهم: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ(2)فنجوا، ولكن بعد أن اعترفوا على أنفسهم بالشرك، ولو قالوا للخوارج: نحن مسلمون، وأخوتكم في الدين لقتلوهم كما قتلوا الصحابي عبادة.

ولا يختلف الوهابيّة عن الخوارج في هذا الصعيد متصلّبون في الدين، يؤدّون الصلاة لأوقاتها، ويواظبون على العبادة، ويطلبون الحقّ وإن أخطأوه، ويتورّعون عن المحرّمات، كانت الوهّابية لا تكفّر بعض الصحابة، وتستحلّ دماءهم كما هي الحال عند الخوارج، ومهما يكن، فإنّ الإسلام في مفهوم الوهّابية ضيق جدّاً، بخاصّة فيما يتعلّق بالتوحيد، فإنّهم يفسرّونه تفسيراً ضيّقاً لا ينطبق إلاّ عليهم وحدهم، حيث يربطون به هدم القبور، وما بني عليهم من المساجد، حتّى قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتحريم الصلاة والدعاء عندها، ويحرّمون زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتبغ والتصوير الفوتغرافي، وما إلى ذاك، أمّا وضع الستائر على الروضة الشريفة، وقول المسلم سيّدنا محمّد، وحقّ محمّد، ويا محمّد، فبدعة وضلالة.. هذا هو الإسلام في مفهومهم(3).


1) مجمع الزوائد ١: ٢٦.

2) التوبة -٩- : ٦.

3) هذه هي الوهّابية: ٦٩ - ٧١ (بتصرّف).

عند صومه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية... إلى أنّ يقول قيل: يا رسول الله ألهم آية أو علامة يعرفون بها؟ فقال: نعم، التسبيد فيهم فاش(1).

وقال أحمد زيني دحلان: عن السيّد عبد الرحمن الأهدل مفتي زبيد يقول: لا حاجة إلى التأليف في الردّ على الوهّابية بل يكفي في الردّ عليهم قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) سيماهم التحليق، فإنّه لم يفعله أحد من المبتدعة غيرهم(2).

خامساً: كما أنّ الخوارج يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان كما أخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم بما رواه البخاري: «قوم يقرؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أنا أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد»(3).

كذلك الوهّابييون يقتلون أهل الإسلام وحدهم، ولم ينقل عنهم أنّهم حاربوا أحداً سوى المسلمين، هل وجدت ثمة دعوة إلى الجهاد أو غزى الوهّابية اليهود والصهاينة الذين احتلّوا بلاد المسلمين واستعمروها.

فقد قتلوا جملة من المسلمين من أهل الحجاز والطائف والبلدان المجاورة بلا ذنب، وغزوهم بلاد الإسلام المجاورة لهم كالعراق واليمن وشرقي الأردن وغيرهم، وقتلهم أهل كربلاء سنة ١٢١٦هـ ، وقتلهم من ظفروا به من المسلمين، وعدم غزوهم للمستعمرين أو الصهيونيّين وتوجيه بأسهم وحربهم كله إلى المسلمين والعرب أقوى شاهد على ذلك(4).

هاك العراق فهو خير شاهد على ما نقوله، تصلنا أنباء عمّا أرتكبه هؤلاء القوم من أعمال قاسية ووحشيّة، ذهب ضحيتها الآلاف من المدنيين العزّل من


1) الفائق في غريب الحديث ٣: ٢٣٤.

2) فتنة الوهّابية ١٩.

3) صحيح البخاري ٤: ١٠٨، صحيح مسلم ٣: ١١٠.

4) لمزيد راجع عنوان المجد في تاريخ نجد في جزئين.

النساء والشيوخ والصبيان، خلال مجازر وحشيّة، وانفجارات للسيارات المفخّخة في وسط الأسواق والأزقّة قلّ أن شهد لها التاريخ نظيراً، سوى أنّهم يتبعون أهل البيت(عليهم السلام)، بحجّة مقاومة الاحتلال ولكنّهم لم يقتلوا من القوات المحتلة إلاّ النادر على سبيل الصدفة، وكلّ ذلك يتحقّق بفتوى كبار علماء الوهّابية، وسيدفع هؤلاء المجرمون الثمن غالياً لفعلتهم الشنعاء هذه، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُونَ(1).

فهذه مجمل نقاط الالتقاء بينهم وبين الخوارج، وهناك أوجه شبه أخرى لم نذكرها روماً للاختصار(2).

نقطة التحوّل:

يقول «محمّد حبيب»: «إنّ الوهّابية سجنوني ثلاثة أشهر كنت أنتقل خلالها من زنزانة إلى زنزانة أخرى، وقد اتعبوني كثيراً، وهناك لمست حقيقة الوهّابية الغليظة والمتحجّرة، وقرأت كتبهم، واستمعت إلى أحاديثهم، وعرفت انطباعاتهم، فقارنت كلّ ذلك مع ما يحمله فكر أهل البيت(عليهم السلام)، ومع نهج أتباعهم، وعطائهم العلمي والإنساني الجهادي، فوجدت الفرق الشاسع، والبون بين المسلكين، وعندها اتّخذت القرار الحاسم، وهو اعتناق مذهب الحقّ، ونبذ الوهّابية، وذكرياتهم المرّة، وعندما غادرت السجن بعدها رجعت إلى بلادي غينيا، وفور وصولي أعلنت تشيّعي على رؤوس الإشهاد، وطلبت الماء، وتوضأت أمام الوهّابيين، ومسحت على رجلي، فاغتاظوا منّي، وهكذا منّ الله تعالى عليّ بالنجاة من الهلكة، وعرّفني سبيل الهداية، وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ(3)


1) الشعراء -٢٦- : ٢٢٧.

2) للمزيد راجع كشف الارتياب في أتباع محمّد بن عبد الوهّاب: ١٠٩ - ١١٠.

3) الإسراء -١٧- : ٩٧.

{٧٨} محمّد رمضان جالوا (مالكي / غينيا - كوناكري)

ولد عام ١٤٠٥هـ (١٩٨٥م) بمدينة (بتمى) في غينيا في أسرة مالكيّة تتبع النهج الأشعري في العقيدة، حيث دخل في سلك طلب العلوم الدينيّة، ودرس فيها مدّة عشر سنوات، إلاّ أنّه تعرّف على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عن طريق والده، ثمّ وبعد صراع طويل مع نفسه اعتنق مذهب الشيعة الإماميّة في الشام (في منطقة السيّدة زينب(عليها السلام) وذلك عام ٢٠٠٣م.

تعرّفه على الشيعة:

يقول محمّد رمضان: «إنّ من أسباب تعرّفي على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) هو أنّ والدي الشيخ محمّد بيلو جالوا سافر إلى دمشق بقصد دراسة المذهب الشيعي، ودرس في إحدى الحوزات العلميّة هناك، واعتنقه عن إرادة وقناعة تامّة بأنّه هو المذهب الخالي من الشوائب والملابسات، وعندما عاد إلى غينيا في زيارة قصيرة تحدّث إليّ وإلى عائلتي عن مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وتكرّرت جلساتي معه، ولكنّ قلبي ما كان ليقتنع ويميل إلى كلامه، فقد كنت أتتلمذ على يد الشيخ جرن محمّد عمر ابن جرن من علماء المالكيّة في منطقتنا منذ عشرة أعوام، وكان يحيطني بمحبّة ورعاية خلال تلك السنين».

المنازعة مع النفس:

يقول «محمّد رمضان»: «كنت أفكّر في كلام والدي كيف يسرد لنا أدّلة حول أحقّية أهل البيت(عليهم السلام) في الخلافة، ونهجهم في كيفيّة الوضوء والصلاة حيث كانت صلاتهم ووضوئهم مطابقاً لوضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول كما في حديث مالك ابن الحويرث: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي»(1)، والروايات الواردة في حقّهم من حديث الثقلين والغدير والسفينة وغيرها».

ويضيف قائلاً: «وشاءت الأقدار أن افترقت عن أستاذي لأعود إلى العاصمة، ولمّا عدت للمنزل وصلتني رسالة من أستاذي يطلب منّي عدم تغيير مذهبي، ويلحّ بالطلب، وهذا ما زاد استغرابي، ومن جانب آخر كان أبي يحاول أقناعي بشتّى الوسائل لركوب سفينة النجاة، وقد أخذتني الحيرة بين أن أتّبع أستاذي وبين أن أستمع وأقرّ باستدلالات والدي؟

وعاد والدي إلى سوريا، وبعد مضيّ أشهر أرسل إليّ رسالة يطلب منّي الحضور لسوريا لأدرس معه في الحوزة، فرفضت ذلك، وكرّر طلبه، وألحّ عليّ، فقلت في نفسي: أسافر إلى سوريا (دمشق) لعلّني أتمكّن من أنّ أكمل دراستي في المذهب المالكي، وإذا لم أتمكّن من ذلك أعود إلى بلدي غينيا.

وبالفعل توجّهت إلى دمشق حاملاً أحلاماً ورؤى عن متابعة دراسة مذهبي، ولمّا وصلت، التقيت بوالدي، وطلبت منه أن يعرّفني على الأماكن والمعاهد التي تقوم بتدريس المذهب المالكي في دمشق، فطلب منّي أن أريح نفسي بعض الوقت، ومن ثمّ يساعدني، فوافقت، وأقمت معه في البيت الذي أستأجره، وكان يزوره العديد من المشايخ والسادة من الشيعة الإماميّة، ويتباحثون في مسائل وجدت أنّي في


1) السنن الكبرى ٢: ٣٤٥.

البداية أعرفها كمواد تاريخيّة، ولكنّ معرفتي كانت ظاهريّة، وليست معمّقة، كما هم يتحدّثون فيها، وفكّرت أن أعود لبلدي غينيا، ولكنّ والدي ألحّ عليّ أن أبحث عن الحقّ جيّداً، وأترك التعصّب جانباً، وهذه هي الفرصة المناسبة لمعرفة الحقيقة، واستغلّ وجودي في دمشق حيث المكتبات التاريخيّة الكبيرة التي ربمّا لا تحصل عليها في بلدنا.

وبالفعل صرت أتوجّه وأشارك بالحديث مع أصدقاء والدي شيئاً فشيئاً، وكانوا يصرّون عليّ أن أتأكّد من حقيقة كلامهم بالعودة للمصادر السنّية المختلفة، وأخذت أقارن الأحاديث باستدلالات الشيعة، فرأيت استدلالهم قويّ وحجّتهم دامغة، وحتّى أنّي حضرت مناظرة جرت بين أحد السادة وأحد المشايخ السنّة، وكنت أرى السنّي يلتزم كثيراً من الصمت في الموارد الهامّة والمصيريّة مثل مسألة السقيفة، ومسألة الهجوم على بيت السيّدة الزهراء(عليها السلام)، وأرى الشيعي يصول ويجول، ويقدّم الدليل تلو الدليل، وكيف يتناول المسائل الخلافيّة بين الشيعة والسنّة من قبيل اعتقاد الشيعة بعدالة الله من أنّه عادل غير ظالم، بمعنى أنّه يقوم بالقسط، وأنّه لا يجور، ولا يظلم، فلا يجوز في قضائه، ولا يحيف في حكمه، يثيب المطيعين، وله أن يجازي العاصين، ولا يكلّف عباده ما لا يطيقون، ولا يعاقبهم زيادة على ما يستحقّونه».

الله عادل لا يجور:

إنّ مفهوم العدل في اللغة بمعنى ما قام في النفوس أنّه مستقيم، وهو ضدّ الجور والحكم بالحق، أو السويّة والاستقامة، أو المرضي من الناس قوله وحكمه(1).


1) لاحظ العين ٢: ٣٨، القاموس المحيط ٤: ١٣، لسان العرب ١١: ٤٣٠، تاج العروس ١٥: ٤٧١ - ٤٧٣.

وفي العرف العام استعمل بمعنى رعاية حقوق الآخرين، إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه ولكن أحياناً هكذا يعرف بأنّ العدل: وضع الشيء في موضعه وعلى وفق هذا التعريف، يكون العدل مرادفاً للحكمة، والفعل العادل مساوياً للفعل الحكيم(1).

إذن فيمكن أن يتصوّر للعدل المعاني التالية:

الحكم بالحق والسويّة وهو ضدّ الجور، أو رعاية حقوق الآخرين، أو إصدار الفعل على وجه الحكمة.

وعلى ضوء ذلك، فلا يلازم العدل، القول بالتسوية بين البشر جميعاً، أو بين الأشياء كلّها، وكذلك فإنّ مقتضى الحكمة والعدل الإلهي لا يعني خلق المخلوقات بصورة متساوية فيخلق - مثلاً - للإنسان القرون، أو الأجنحة أو غيرها بل إن مقتضى حكمة الخالق وعدله أن يخلق العالم الإلهي أن يكلّف كلّ إنسان بمقدار استعداده وقابلّيته، وأن يقضي ويحكم فيه على حسب قدرته وجهده الاختياري، وأن يجازيه ثواباً أو عقاباً بما يتلاءم مع أفعاله(2).

وأمّا بالنسبة لله تعالى فإنّ العدل من أبرز مصاديق صفاته الثبوتيّة الكماليّة من أنّه عادل غير ظالم، بمعنى أنّه يقوم بالقسط، وأنّه لا يجور، ولا يظلم، فلا يجور في قضائه، ولا يحيف في حكمه، يثيب المطيعين، وله أن يجازي العاصين، ولا يكلّف عباده ما لا يطيقون، ولا يعاقبهم زيادة على ما يستحقّونه.

وقد أستدلّ على عدله بالكتاب والسنّة والعقل:

قال تعالى: شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ(3)


1) نظرة حول دروس في العقيدة الإسلاميّة: ٩٢.

2) نظرة حول دروس في العقيدة الإسلاميّة: ٩٢.

3) آل عمران -٣- : ١٨.

قال تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة(1).

قال تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا(2).

قال تعالى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ(3).

مضافاً إلى حكم العقل، حيث يحكم بوضوح بالعدل الإلهي ; لأنّ العدل صفة كمال، والظلم صفة نقص، والعقل يحكم بأنّ الله تعالى مستجمع لجميع صفات الكمال، منزّه عن كلّ عيب ونقص في مقام الذات وفي مقام الفعل.

فلو كان يفعل الظلم والقبح - تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً - فإنّ الأمر في ذلك لا يخلو عن أربع صور:

١) إمّا أن يكون جاهلا بالأمر، فلا يدري أنّه قبيح.

٢) وإمّا أن يكون عالماً به، ولكنّه مجبور على فعله وعاجز عن تركه.

٣) وإمّا أن يكون عالماً به، وغير مجبور عليه، ولا يحتاج إليه، فينحصر في أن يكون فعله له تشهياً وعبثاً ولهواً، فهو لا يبالي بإتيان الأفعال الظالمة رغم علمه بقبحها، ورغم قدرته على القيام بالعدل(4).

ومن البديهي أنّه لا سبيل لأيّ واحد من هذه الصور إلى الذات الإلهيّة المقدّسة، وكلّ هذه الصور محال على الله تعالى، وتستلزم النقص فيه، وهو محض الكمال ; فيجب أن نحكم أنّه منزّه عن الظلم، وكلّ ما هو قبيح، ومنزّه عن الجهل، والعجز، وعن الاحتياج والسفه ; ولهذا فإن جميع أفعاله تتّسم بالعدل والحكمة.


1) النساء -٤- : ٤٠.

2) يونس -١٠- : ٤٤.

3) غافر -٤٠- : ٣١.

4) عقائد الإماميّة: ٤٠.

غير أنّ بعض المسلمين جوّز عليه تعالى فعل القبيح، تقدّست أسماءه، فجوّز أن يعاقب المطيعين، ويدخل الجنّة العاصين بل الكافرين، وجوّز أن يكلّف العباد فوق طاقتهم، وما لا يقدرون عليه، ومع ذلك يعاقبهم على تركه، وجوّز أن يصدر منه الظلم والجور والكذب والخداع، وأن يفعل الفعل بلا حكمة وغرض، ولا مصلحة، متمسّكين بقوله تعالى: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(1).

ومرجع الخلاف بين العدليّة وغيرهم في نقطة مركزية ومحوريّة أساسيّة، وهي قبول مسألة الحُسن والقبح العقليّين وإنكارها، فإنّ الشيعة والمعتزلة في رأيهم حول موضوع العدل الإلهي يطلق عليهما بمصطلح الكلامي (العدليّة) مقابل الأشاعرة، ولأجل أهميّة هذا الموضوع، اعتبر من المواضيع الرئيسيّة في علم الكلام، وممّيزات المذهب الكلامي للشيعة والمعتزلة.

فقد أنكر الأشاعرة الحُسن والقبح العقليّين، واعتقدوا بأنّ الحُسن في الأمور التكوينيّة هو ما يفعله الله، وأمّا في الأمور التشريعيّة فالحُسن ما يأمر به الله، وليس الفعل في ذاته حسناً ; ولأجل ذلك يفعله الله، أو يأمر به بخلاف العدليّة، فيعتقدون بأنّ الأفعال تتّصف في ذاتها بالحُسن والقبح بغضّ النظر عن انتسابها التكويني والتشريعي لله تعالى، ويمكن للعقل - إلى حدّ ما - أن يدرك جهات الحُسن والقبح في الأفعال.

قال المحقّق نصير الدين الطوسي قدّس سرّه في شرح قواعد العقائد: «الأفعال تنقسم إلى حسن وقبيح، وللحُسن والقبح معان مختلفة:

فمنها: أن يوصف الفعل الملايم أو الشيء الكامل بالحُسن والناقص بالقبح.

وليس المراد هنا هذين المعنيين، بل المراد بالحُسن في الأفعال ما لا يستحقّ


1) الأنبياء -٢١- : ٢٣.

فاعله بسببه ذمّاً أو عقاباً، وبالقبح ما يستحّقها بسببه.

وعند أهل السنّة: ليس شيء من الأفعال عند العقل بحسن ولا بقبيح، وإنّما يكون حسناً أو قبيحاً بحكم الشرع فقط.

وعند المعتزلة: أنّ بديهة العقل تحكم بحُسن بعض الأفعال، كالصدق النافع، والعدل، وقبح بعضها كالظلم، والكذب الضارّ، والشرع أيضاً يحكم بهما في بعض الأفعال، والحسن العقلي ما لا يستحقّ فاعل الفعل الموصوف به الذمّ، والقبيح العقلي ما يستحقّ به الذمّ، والحسن الشرعي ما لا يستحقّ به العقاب، والقبيح ما يستحقّ به، وبإزاء القبح الوجوب، وهو ما يستحقّ تارك الفعل الموصوف به الذمّ والعقاب.

ويقولون: إنّ الله تعالى لا يُخلّ بالواجب العقلي، ولا يفعل القبيح العقلي البتّة، وإنّما يُخلّ بالواجب ويرتكب القبيح بالاختيار، جاهل أو محتاج.

واحتجّ عليهم أهل السنّة: بأنّ الفعل القبيح كالكذب مثلاً، قد يزول قبحه عند اشتماله على مصلحة كلّية عامّة، والأحكام البديهيّة ككون الكلّ أعظم من الجزء، لا يمكن أن يزول بسبب أصلاً»(1).

فمحلّ النزاع في الحُسن والقبح العقليّين بين العدليّة والأشاعرة وغيرهم من أهل الخلاف هو حكم العقل باستحقاق فاعل العدل للمدح، وباستحقاق فاعل الظلم للذميّ، فالعدليّة والمعتزلة أثبتوه، بخلاف الأشاعرة، وأمّا حُسن الملائم وقبح المنافر، أو حُسن الكامل وقبح الناقص، من معاني الحُسن والقبح، فلا خلاف فيه، بل كلّهم اتّفقوا على حكم العقل بهما.

وأمّا الإماميّة والمعتزلة فقد ذهبتا إلى أنّ حكم العقل في ذلك بديهيّ في بعض الأفعال كحُسن الصدق النافع، والإحسان والعدل، وقبح الكذب الضارّ والإساءة


1) كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد: ٢٤٥.

والظلم، ونظري في بعض آخر كقبح الصدق الضار، أو حسن الكذب النافع، كما أنّه لا حكم له في قسم ثالث من الأفعال كالعبادات والمخترعات الشرعيّة، بل يحتاج في تشخيص حسنها أو قبحها إلى الشرع الكاشف عنهما، فدعوى الحُسن والقبح والعقليّين بلا واسطة الشرع في بعض الأفعال لا جميعها(1).

فالنتيجة في ذلك كلّه: من أنّ الله عزّ وجلّ عادل كريم، خلق الخلق لعبادته، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وعمّهم بهدايته، بدأهم بالنعم، وتفضّل عليهم بالإحسان، لم يكلّف أحداً إلاّ دون الطاقة، ولم يأمره إلاّ بما جعل له عليه الاستطاعة، لا عبث في صنعه، ولا تفاوت في خلقه، لا قبيح في فعله، جلّ عن مشاركة عباده في الأفعال، وتعالى عن اضطرارهم إلى الأعمال، لا يعذّب أحداً إلاّ على ذنب فعله، ولا يلوم عبداً إلاّ على قبيح صنعه، لا يظلم مثقال ذرّة ; فإنّ تكُ حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجراً عظيماً.

وعلى هذا القول جمهور أهل الإماميّة، وبه تواترت الآثار عن آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإليه يذهب المعتزلة بأسرها إلاّ ضراراً منها وأتباعه، وهو قول كثير من المرجئة، وجماعة من الزيديّة والمحكّمة، ونفر من أصحاب الحديث، وخالف فيه جمهور العامّة، وبقايا ممّن عددناه، وزعموا أنّ الله تعالى خلق أكثر خلقه لمعصيته، وخصّ بعض عباده بعبادته، ولم يعمّهم بنعمته، وكلّف أكثرهم ما لا يطيقون من طاعته، وخلق أفعال جميع بريّته، وعذّب العصاة على ما فعله فيهم من معصيته، وأمر بما لم يرد، ونهى عمّا أراد، وقضى بظلم العباد، وأحبّ الفساد، وكره من أكثر عباده الرشاد. تعالى عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً(2).


1) بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإماميّة ١: ١٠٧.

2) أوائل المقالات: ٥٨.

اتّباع سبيل الحقّ:

ويقول «محمّد رمضان»: أنّه في أحد الأيّام حضرت أحد الدروس التي كان والدي يتلقّاها في الحوزة العلميّة، فازادت دهشتي وأعجابي بما يطرح من دروس، فهذه الدروس تختلف تماماً عمّا ألفناه من مشايخنا أتباع المذهب السنّي، كان هناك المنطق هو السائد، والاستدلال بالعقل والنقل، وليس كما يفعل أهل السنّة من أخذ الحديث الغث والسمين، الصحيح أو الضعيف يعتبرونه حجّة، ورأيت أنّ صحيح البخاري ليس هو إلاّ كتاب جمع بين دفّتيه ما أمره سلاطين الظلم من وضعه، وإخفاء الكثير من فضائل العترة الطاهرة(عليهم السلام)».

يقول أيضاً: «إنّ من أسباب استبصاري والتزامي بمنهج الحقّ هو والدي حيث مهّد لي الطريق للوصول إلى الحقّ، وبعد بحث طويل وشاق اهتديت إلى مذهب محمّد وآل محمّد، وأعلنت استبصاري في منطقة السيّدة زينب(عليها السلام)، واتّبعت أوامر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسكّ بالثقلين كتاب الله وعترته أهل بيته، فالحمد لله الذي جمعنا على الولاء لأهل بيت النبوّة الأطهار(عليهم السلام)، والتبرّي من أعدائهم».

{٧٩} محمّد علي جلّو (مالكي / غينيا - كوناكري)

الصورة

H37

مرّت ترجمته في ١: ٤٦٧ من هذه الموسوعة، ونشير هنا إلى سائر ما حصلنا عليه من معلومات لم تذكر من قبل.

إحدى الأمور التي توصّل إليها «محمّد» بعد قرائته للمصادر الحديثيّة والتاريخيّة عند أهل السنّة هو وهن الاعتقاد بعدالة كلّ الصحابة، وهو ما يدّعيه من يسمّون أنفسهم بأتباع الصحابة، حيث شاهد نماذج كثيرة من الأخبار التي تذكر عدم التزام بعض الصحابة بالقرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة.

نظريّة عدالة الصحابة:

قد يتسائل البعض حول سبب إصرار الشيعة على التطرّق الدقيق لأفعال الصحابة ومعتقداتهم واستقراءها استقراءً تامّاً من مصادر التاريخ.

ما ينبغي أن يقال في هذا المجال هو أنّ الحرص على أصالة الدين وعدم انحرافه والتحقيق فيمن يأخذ المسلمون دينهم منهم يحتّم إيلاء هذه الحقيقة الاهتمام البالغ والبحث المستفيض، وذلك لكشف حقيقة الصحابة والتابعين ولكي تنجلي الغبرة ويتّضح من كان منهم عادلاً مستقيماً في دينه وكلامه ليؤخذ به، ومن علم فسقه

أو أسقطه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)من خلال التحذير منه أو من خلال لعنه ومن بدرت منه دلائل النفاق ليترك ولا يتّبع في معتقد وعمل.

إلاّ أنّ الصعب في هذا المجال هو جمع القرائن والآثار لكي يصل الباحث إلى النتيجة المطلوبة، لاسيّما بعدما علمناه من إحراق السنّة وتعطيل رواياتها لعقود طويلة ممّا أتاح فرصة الدسّ والتزوير لمن يحاول جاهداً تجاهل تلك الدلائل والقرائن وإثبات فكرة عدالة جميع الصحابة.

ولا يخفى أنّ فكرة كون الصحابة من العدول تشكّل الأرضية المناسبة لكلّ تحريف في الدين، وذلك بالثقة التي تمنحها لمن ليس أهلاً لها، فيوضع الصحابي فوق المساءلة ويُسدّ بذلك الباب أمام الباحثين، دون الاجتهاد في التمييز بين الغثّ والسمين فيما يصدر ويروى عنهم.

بين طلحة وعائشة:

إحدى الوقائع التاريخيّة التي تصرّف فيها بعض مصنّفي أهل السنّة ساعين بذلك إبعاد الصحابة عن موضع التهمة وإيذاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هي مورد نزول الآية الكريمة: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيًما(1).

فقد ذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى عن أبي بكر بن محمّد بن عمرو في قوله تعالى: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ الآية، أنّه قال: نزلت في طلحة بن عبيد الله لأنّه قال: إذا توفّي رسول الله تزوّجت عائشة(2).

إلاّ أنّ بعض المصادر تجنّبت عن ذكر اسم «طلحة» لكي لا تُنال مكانته


1) الأحزاب -٣٣- : ٥٣.

2) الطبقات الكبرى ٧: ٢٠١، وذكر نحوه السيوطي في الدّر المنثور ٥: ٢١٤.

السامية عند أهل السنّة وهم الذين حدّثوا أنّه أحد العشرة المبشّرين بالجنّة(1)ورووا في فضله روايات عديدة، فاكتفت هذه المصادر بقول: قال رجل من أصحاب النبيّ(2)، الحديث.

كما سعى بعض آخر ممّن ألّف في تراجم الصحابة إلى ذكر شخص آخر بنفس الاسم وقالوا إنّ هذا الآخر أيضاً سُمّي بطلحة الخير، ولم ينقلوا عنه أيّ واقعة إلاّ أنّهم قالوا: أنّه صحابي أيضاً، وقيل أن الذي نزلت فيه الآية هو طلحة هذا(3).

إلاّ أنّ هذا القول يعارض المصادر التي ذكرت أطراف القصّة وأوصاف بطلها والتي تُثبت أنّ هذا الشخص هو طلحة المعروف، حيث نقل عن ابن عبّاس أنّه قال: «قال رجل من سادات قريش من العشرة الذين كانوا مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على حرام نفسه: لو توفّي رسول الله لتزوّجت عائشة وهي بنت عمّي»(4).

وذكر الواحدي النيسابوري هذه الواقعة فقال: «قال ابن عبّاس في رواية عطاء: قال رجل من سادة قريش: لو توفّي رسول الله لتزوّجت عائشة، فأنزل الله تعالى ما أنزل»(5).

فمن هو طلحة هذا المتّصف بأنّه من سادة قريش وكبرائها وأنّه من العشرة الذين كانوا مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) غير طلحة صاحب الزبير؟!

وقد قال ابن كثير في تفسيره(6)بعد ذكر الرواية: «قال مقاتل بن حيان وعبد


1) سنن أبي داود ٢: ٤٠١، سنن الترمذي ٥: ٣١٢.

2) راجع: السنن الكبرى ٧: ٦٩، زاد المسير لابن الجوزي ٦: ٢١٣، تفسير القرطبي ١٤: ٢٢٨ وتفسير الثعلبي ٨: ٦٠.

3) راجع: اسد الغابة ٣: ٦٢، الإصابة ٣: ٤٣٣.

4) تفسير القرطبي ١٤: ٢٢٨، وذكر نحوه المقريزي في إمتاع الأسماع ١٠: ٢٥٧.

5) أسباب نزول الآيات: ٢٤٣.

6) تفسير ابن كثير ٣: ٥١٣.

الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السدي: إنّ الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه حتّى نزل التنبيه على تحريم ذلك»(1).

ويؤيّد ذلك ما ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة حيث ذكر أنّ عمر بن الخطّاب بعد طعنه من قبل أبي لؤلؤة جمع ستّة من كبار الصحابة ومن بينهم طلحة، ثمّ أقبل عليهم واحداً واحداً يذكّرهم بخصالهم التي لم تلق له، إلى أن أقبل على طلحة، فقال له: أقول أم أسكت؟ قال: قل، فإنّك لا تقول من الخير شيئاً، قال: أمّا إني أعرفك منذ أصيبت إصبعك يوم أحد وائياً(2)بالذي حدث لك، ولقد مات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب.

ثمّ يقول ابن أبي الحديد: قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ رحمه الله تعالى: الكلمة المذكورة أنّ طلحة لمّا أنزلت آية الحجاب قال بمحضر ممّن نقل عنه إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):ما الذي يعنيه حجابهنّ اليوم! وسيموت غداً فننكحهنّ(3).

كما ذكر في مكان آخر عن عمر أنّه قال في نفس الواقعة: «وأمّا أنت يا طلحة! فقلت: إن مات محمّد لنركضنّ بين خلاخيل نساءه كما ركض بين خلاخيل نساءنا»(4).

وروي خبر تكلّم طلحة مع عائشة عن ابن عبّاس بنحو أكثر تفصيلاً في كلّ


1) وقال النحاس في معاني القرآن ٥: ٣٧٣: «قال معمر: قال هذا «طلحة» لعائشة»، وذكر لفظ «طلحة» هكذا لا يتبادر منه إلاّ طلحة المعروف بين المسلمين.

2) أي: غاضباً.

3) شرح نهج البلاغة ١: ١٨٥.

4) نفس المصدر ٩: ٥٦.

من لباب النقول والدرّ المنثور للسيوطي(1)وفتح القدير للشوكاني(2)، وفيه أنّ ابن عمّ بعض أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) جاءها وكلّمها، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) له: «لا تقومنّ من المقام بعد يومك هذا»، ودار بينهما الكلام حتّى مضى الرجل، ثمّ قال: يمنعنى(3)من كلام ابنة عمّي لأتزوّجنّها من بعده!! فأنزل الله هذه الآية.

وأمّا المصادر الشيعيّة فقد تناقلت هذه الرواية أيضاً باختلاف يسير، وقد جاء فيها: «كان سبب نزولها - أي هذه الآية - أنّه لمّا أنزل الله: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ(4).

وحرّم الله نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على المؤمنين، غضب طلحة فقال: يحرّم محمّد علينا نساءه ويتزوّج هو نساءنا! لئن أمات الله محمّداً لنركضنّ بين خلاخيل نساءه كما ركض بين خلاخيل نساءنا!! فأنزل الله عزّ وجلّ: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ الآية(5).


1) لباب النقول: ١٦٣، الدرّ المنثور ٥: ٢١٤.

2) فتح القدير ٤: ٣٠٠.

3) في تفسير الآلوسي ٢٢: ٧٤ جاء لفظ «عنّفني» بدل «يمنعني».

4) الأحزاب -٣٣- : ٦.

5) راجع: تفسير الصافي ٤: ١٩٩، تفسير البرهان ٨: ٦٩، نقلاً عن تفسير القمي، بحار الأنوار ٢٢: ١٩٠ وغير ذلك.

{٨٠} محمّد مداني باه (مالكي / غينيا - كوناكري)

ولد عام ١٣٥٨هـ (١٩٤٠م) بمدينة «مامون» في «غونياكوناكري»، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب المالكي ما جعله يحذو حذو أسرته في اتّباع هذا المعتقد.

بعد مضيّ عدّة أعوام وبعد أن توصّل إلى مرحلة يستطيع فيها التمييز والمقايسة بين معتقده الذي نشأ عليه وبين بقيّة المعتقدات، عكف «محمّد» على دراسة عدّة كتب من تأليفات أتباع مدرسة آل البيت(عليهم السلام)، فقرئها ووضعها موضع المقايسة في الميزان ليرى مدى صحّتها بالنسبة لما بنى عليه مبانيه الاعتقاديّة سابقاً، وهو مذهب إمام المالكيّة مالك بن أنس.

من هو مالك؟

ولد أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي عام ٩٣ للهجرة، وذلك عن حمل طالت به أمّه ثلاث سنين!!

ذكر الذهبي في «تاريخ الإسلام» عن معن بن عيسى والواقدي ومحمّد بن الضحّاك هذا القول(1)، كما قال محمّد بن عمر: سمعت مالك بن أنس يقول: قد يكون


1) تاريخ الإسلام ١١: ٣١٩.

الحمل ثلاث سنين، وقد حُمِل ببعض الناس ثلاث سنين، يعني نفسه(1).

عايش مالك بن أنس زوال الدولة الأمويّة وقيام الدولة العباسيّة، وكانت له روابط وثيقة مع أمراء هذه الدولة، حتّى أنّه ألّف كتابه «الموطأ» بناءً على طلب المنصور العباسي له.

يذكر المؤرّخون أنّ مالك بن أنس مات عام ١٧٩ للهجرة عن عمر ناهز الخمسة والثمانين عاماً في المدينة المنوّرة.

وأمّا خصائص مالك فنشير هنا إلى مقتطفات منها:

الأخذ برأي الخوارج:

إحدى المواقف التي اتّخذها مالك وخالف بها رأي المسلمين حينها هو الأخذ بقول الخوارج.

يذكر ابن أبي الحديد المعتزلي هذا الأمر قائلاً: ومن المشهورين برأي الخوارج...

مالك بن أنس الأصبحي الفقيه، يروى عنه أنّه كان يذكر عليّاً(عليه السلام) وعثمان وطلحة والزبير فيقول: والله ما اقتتلو إلاّ على الثريد الأعفر(2).

ويذكر ابن عبد البرّ رأي مالك هذا ضمن الآراء التي أشكل لأجلها عدّةٌ من علماء المسلمين عليه، ويقول: وعابه ]أي مالكاً[ قوم في كلامه في عثمان وعلي(3).


1) صفوة الصفوة لابن الجوزي ٢: ٥٠٣، ويضيف المصنّف عن قول محمّد بن عمر: وسمعت غير واحد يقول حمل بمالك ثلاث سنين.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٥: ٧٦، العقد الفريد ٢: ٩٩.

3) جامع بيان العلم وفضله ٢: ١٦١.

ترك الرواية عن أمير المؤمنين(عليه السلام) وعدم ذكر مناقبه:

نظراً لاعتقادات مالك الباطلة بشأن أمير المؤمنين(عليه السلام) ترك مالك الرواية عنه(عليه السلام) في كتابه «الموطّأ»، وقد أثار هذا الأمر استغراب الخليفة هارون العباسي، فاستفسره عن سبب ذلك، فقال معتذراً لفعله: لم يكن ببلدي ولم ألق رجاله(1)!!

هذا مع أنّه لم يقتصر على الرواية عن غيره(عليه السلام) كمعاوية بن أبي سفيان وعبد الملك بن مروان بل استند إلى آرائهم أيضاً.

كما روى عن بعض الكذّابين كهشام بن عروة مراراً، مع أنّه يقول: هشام بن عروة كذّاب(2).

وقد نبض عرق النصب عنده أيضاً فلم يذكر في كتبه اي منقبة للإمام علي(عليه السلام).

يقول ابن حبّان: لست أحفظ لمالك ولا للزهري فيما رويا من الحديث شيئاً من مناقب علي(3).

التدليس في سند الروايات:

من الأمور التي تعتبر تدليساً في علم الرواية والحديث هو التصرّف في السند بحذف بعض الرواة بدون الإشارة إلى ذلك.

وممّن نسبت إليه هذه الطريقة مالك بن أنس، فقد جاء في ذكر أخبار المدلّسين عن بعض الرجاليين أنّ ما رواه مالك بن أنس عن ثور بن زيد عن ابن عبّاس كان ثور يرويه عن عكرمة عن ابن عبّاس، وكان مالك يكره الرواية عن عكرمة فأسقط اسمه من الحديث وأرسله.


1) تنوير الحوالك شرح على موطّأ مالك: ٧.

2) تاريخ بغداد ١: ٢٣٩.

3) المجروحين لابن حبّان ١: ٢٥٨.

ثمّ يقول مصنّف الرواية في علم الدراية: وهذا لا يجوز، وإن كان مالك يرى الاحتجاج بالمراسيل ; لأنّه قد علم أنّ الحديث عمّن ليس بحجّة عنده، وأمّا المرسل فهو أحسن حالة من هذا ; لأنّه لم يثبت من حال من أرسله عنه أنّه ليس بحجّة(1).

الغناء والتغنّي:

تناقلت المصادر التاريخيّة والأدبيّة عن مالك بن أنس أنّه كان ممّن يتغنّى بالآلات.

هذا وقد نهى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن ضرب بالدفّ والطبل وصوت الزمارة، وقد رووا عنه أنّه قال: استماع الملاهي معصية والجلوس عليها فسق، والتلذّذ بها كفر(2).

يذكر «الخطيب» في تاريخ بغداد أنّ إسماعيل بن زهري عندما قدم العراق، أكرمه هارون وأظهر برّه، ودار بينهما حديث، وكان ممّا سئل الخليفة أنّه سأل عن مذهب مالك بن أنس في الغناء.

فنقل إبراهيم - في جواب الخليفة - عن أبيه أنّ جماعة اجتمعوا في مدعاة كانت في بني يربوع ومعهم دفوف ومعازف وعيدان يغنّون ويلعبون، ومع مالك دفّ مربّع وهو يغنيهم:

سليمى أجمعت بينا فأين لقاؤنا أينا

وقد قالت لأتراب لها زهر تلاقينا

تعالين فقد طاب لنا العيش تعالينا


1) الكافية في علم الرواية، فصل في ذكر شيء من أخبار بعض المدلّسين: ٤٠٣.

2) نيل الأوطار للشوكاني ٨: ٢٦٤.

فضحك هارون ووصله بمال عظيم(1).

كما نقل عن ابن دحمان الأشقر أنّه قال: كنت بالمدينة، فخلا لي الطريق وسط النهار، فجعلت أتغنّى:

ما بال أهلكِ يا ربابُ خُزراً كأنّهُمُ غضاب

فإذا خوخة(2)قد فتحت، وإذا وجه قد بدا تتبعُه لحية حمراء، فقال: يا فاسق أسأت التأدية... ثمّ اندفع يغنيه... فقلت له: أصلحك الله! من أين لك هذا الغناء؟

قال: نشأت وأنا غلام حدث أتّبع المغنّين وآخذ عنهم، فقالت لي أمّي: يا بنيّ إنّ المغنّي إذا كان قبيح الوجه لم يُلتفت إلى غنائه، فدع الغناء واطلب الفقه، فإنّه لا يضرّ معه قبح الوجه فتركتُ المغنيّن واتّبعتُ الفقهاء... فقلت له: فأعد جعلتُ فداك! قال: لا ولا كرامة! أتريد أن تقول: أخذته عن مالك بن أنس! وإذا هو مالك بن أنس ولم أعلم(3).

الروابط المتقابلة بين مالك والحكومة:

يعكس التاريخ الإسلامي حالة من التعاطي المزدوج بين الحكومة العباسيّة من جهة وبين مالك بن أنس من جهة أخرى.

فقد كان مالك يدخل على السلاطين(4)ويؤيّد حكمهم وإن كانوا ظلاّماً


1) تاريخ بغداد ٦: ٨٢، كما نقل هذه الواقعة أبو الفرج الأصفهاني في اغانيه ٢: ٤٨٦، عن إبراهيم بن سعد أنّه حلف للرشيد أنّه سمع مالكاً يغنّي: سلمى أزمعت بينا *** فأين تقولها أينا في عرس رجل من أهل المدينة يكنّى أبا طلحة.

2) الخوخة: البويب، أو الباب الصغير في الباب الكبير.

3) الأغاني ٤: ٤٠٩.

4) راجع العلل لأحمد بن حنبل ١: ٥١١.

جائرين استولوا على أموال المسلمين بالقهر والغلبة، كما يبيّن ذلك قول عبد الرحمن ابن صالح صاحب مالك، فإنّه قال: قيل لمالك: إنّك تدخل على السلطان، وهم يظلمون ويجورون؟! قال: يرحمك الله فأين التكلّم بالحق(1)!! ولم يَرَ غير هذا التوجيه لفعله هذا.

ويسرد مالك نفسه قصّة طويلة يذكر فيها دخوله على الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور في منى(2).

ومن الطبيعي حينئذ أن يحاول العباسيّون أن يجعلوا منه مرجعاً عامّاً للأمّة في الفتوى مهما كلّف ذلك من مخالفات ; لأنّ الأُمّة بذلك تبتعد عن المسير الذي رسمته العترة الطاهرة(عليهم السلام)، وتخضع لسيطرتهم أكثر من ذي قبل، وإذا اجتمع الأمران وهدأ الناس وأخمدت ثوراتهم ببعض الفتاوى كالقول: بوجوب إطاعة الله، والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وأولي الأمر وهم الحكّام، فسيستطيب الحكم للخلفاء، ولا يقف أيّ كان أمام سطواتهم وتجبّرهم.

وفي هذا السياق ينقل لنا التاريخ أنّ منادي السلطة كان ينادي بالمدينة: ألا لا يفتي الناس إلاّ مالك بن أنس(3).

كما طلبوا من مالك أن يؤلّف لهم كتاباً يجمعوا الناس عليه، فقد قال المنصور الدوانيقي لمالك في حديث دار بينهما: والله لو بقيت لأكتبنّ قولك كما تكتب المصاحف


1) تاريخ الإسلام ١١: ٢٣٧.

2) راجع الإمامة والسياسة: ٢٠١.

3) أضيفت إلى هذا الجملة عبارة «وعبد العزيز بن أبي سلمة» في تاريخ بغداد ١٠: ٤٣٦، تذكرة الحفاظ ١: ٢٢٢ وغيرها، كما أضيفت عبارة «وابن أبي ذئب» في ما رواه الأكابر عن مالك: ٦١، تاريخ الإسلام ١١: ٣٣١ ومصادر أخرى.

والأبعثنّ به إلى الآفاق فاحملهم عليه(1)... وآمرهم أن يعملوا بما فيه، ولا يتعدّوا إلى غيره(2).

وعندما قال له مالك: إنّ أهل العراق لا يرضون علمنا، ولا يرون في عملهم رأينا، أجابه المنصور بكل غطرسة: يُحملون عليه وتُضرب عليه هاماتهم بالسيف، ونقطع طيّ ظهورهم بالسياط(3).

ثمّ في زمن الخليفة هارون أراد هارون أن يعلّق الموطأ على الكعبة ويحمل الناس على ما فيه(4).

كما نقل عن المأمون العباسي أنّه عندما أراد السفر قال لمالك: تعال معنا، فإنّي عزمت أن أحمل الناس على الموطأ كما حمل عثمان الفاس على القرآن(5).

وبهذا نفهم كيف انتشرت المذاهب التي ابتدعتها السلطات الحاكمة تحت تغطيات دينيّة وسمّتها بمذاهب أهل السنّة والجماعة.

كما قد حظي مالك بعطاء الأمراء الذين قلّما ينفقون منه على غير متّبعيهم ومُشيّدي سياستهم، فكانت الدنانير تدرّ عليه بكثرة.

فأمر له المنصور مرّة بألف دينار عيناً ذهباً، وكسوة عظيمة، ولابنه أيضاً بألف دينار(6).


1) تاريخ الإسلام ١١: ٣٢٤.

2) كشف الظنون ٢: ١٩٠٨، الإنتقاء: ٤١.

3) راجع: الإمامة والسياسة: ٢٠٢.

4) كشف الظنون ٢: ١٩٠٨.

5) تاريخ مدينة دمشق ٣٢: ٣٥٦.

6) الإمامة والسياسة: ٢٠٣.

وأعطاه هارون أخرى ألف دينار له وألفاً لابنه(1).

كما وهبه المأمون ثلاثة الآف دينار(2).

وعندما قدم المهدي العباسي إلى المدينة بعث إلى مالك بألفي أو ثلاثة آلاف دينار(3)، كما انه عندما رأى المهدي كتب الموطأ مدوّنةً أمر له بأربعة آلاف دينار ولابنه بألف دينار(4).

ومن الطبيعي أن لا يُعامل غيره هذه المعاملة ولم يمتز بكلّ هذا العطاء، فقد قدم ابن جريح مرّة على المنصور وقال له: إنّي قد جمعت حديث جدّك عبد الله بن عبّاس وما جمعه أحد جمعي، فلم يعطه شيئاً(5).

الجهل بالمسائل الشرعيّة:

عُرف مالك بن أنس في أوساط مجتمعه وعند من ترجم له بكثرة الاستفادة من كلمة «لا أدري» و«لا أحسن» تهرّباً عن الإجابة.

ومع هذا لا يُدرى كيف وبأيّ ذريعة وضع مالك نفسه موضع الإفتاء بين الناس!

فقد جاءه رجل من مسيرة ستّة أشهر حاملاً معه مسئلة من أهل بلاده، فما أن سأله عنها حتّى أجاب مالك: «لا أحسن»(6).


1) العقد الفريد ١: ٢٣١، وقال: فلقد مات مالك وتركها لورّاثه في مزود.

2) تاريخ مدينة دمشق ٣٢: ٣٥٦.

3) تاريخ الإسلام ١١: ٣٢٤.

4) الإمامة والسياسة: ٢٠٣.

5) العلل لأحمد بن حنبل ٢: ٣١٢.

6) راجع تاريخ الإسلام ١١: ٣٣٠.

والأخبار بذلك كثيرة منها ما نقله خالد بن خداش حيث قال: قدمت على مالك من العراق بأربعين مسألة، فسألته عنها فما أجابني إلاّ في خمس(1).

ويقول الهيثمي بن جميل: شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة قال في اثنين وثلاثين منها: «لا أدري»(2).

الفتوى بالرأي وبكاؤه لأجلها:

يعدُّ خبر بكاء مالك لأجل الفتوى بالرأي من الأمور المشهورة بين المؤرّخين فقد نقل هذا الخبر ابن وهب قائلاً: سمعت مالكاً يقول: لقد حدّثتُ بأحاديث وددتُ أنّي ضربت بكلّ حديث منها سوطين ولم أحدّث بها(3).

ثمّ إنّه كان يبكي في مرضه الذي مات فيه على عمله هذا... ومن أحقّ منه بالبكاء؟! وأنّى تنفع الندامة وقد عمل بما قاله برأيه جمع وماتوا على ذلك...؟!

قال حدث القعنبي: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلّمت عليه ثمّ جلست، فرأيته يبكي، فقلت: يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟

فقال لي: يابن قعنب! ومالي لا أبكي؟! ومن أحقّ بالبكاء منّي؟! والله لوددت أنّي ضربت لكلّ مسألة أفتيت فيها برأيي بسوط سوط، وقد كانت لي السعة فيما سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي(4).

وقد أنذره الليث بن سعد على هذا الأمر وعدّد عليه عدّة مسائل كلّها مخالفة لسنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن التي قال فيها مالك برأيه.


1) الانتقاء: ٢٠.

2) الانتقاء: ١٩.

3) تاريخ الإسلام ١١: ٣٢٥، معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري: ٦١.

4) وفيات الأعيان ٤: ١٣٧، شذرات الذهب ١: ٤٦٨.

يقول الليث بن سعد: أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلّها مخالفة لسنّة النبيّ ممّا قال فيها مالك برأيه، ولقد كتبت إليه في ذلك(1).

تكلّم الأعلام فيه:

وهذا... وقد تكلّم في مالك وعابه جماعة من أعلام الأئمّة:

فقد قال فيه سفيان الثوري: مالك ليس له حفظ(2).

وقال ابن عبد البرّ: تكلّم ابن أبي ذؤيب في مالك بن أنس بكلام فيه جفاء وخشونة كرهت ذكره، وهو مشهور عنه(3).

وقال أيضاً: كان إبراهيم بن سعد يتكلّم فيه ]أي في مالك[ ويدعو عليه(4).

كما تكلّم في مالك عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن أبي يحيى وابن أبي الزناد، وأعابوا أشياء من مذهبه(5).

وقد سأل سنديّ مالكاً عن مسألة فأجابه، فقال ]سنديّ[: أنت من الناس أحياناً تخطئ وأحياناً لا تصيب! قال: هكذا الناس(6).

وقال ابن مبارك عن مالك: لم أره علماً(7).

وقد نقل الخطيب عن بعض العلماء: أنّ مالكاً عابه جماعة من أهل العلم في


1) جامع بيان العلم وفضله ٢ك ١٤٨.

2) تاريخ بغداد ٩: ١٦٤.

3) جامع بيان العلم وفضله ٢: ١٦٠.

4) نفس المصدر ٢: ١٦١.

5) نفس المصدر.

6) تاريخ الإسلام ١١: ٣٢٦، ٣٣١.

7) جامع بيان العلم وفضله ٢: ١٥٧.

زمانه(1)، وعن عبد الله بن منافع: كان ابن أبي ذؤيب وعبد العزيز الماجشون وابن أبي حازم ومحمّد بن إسحاق يتكلّمون في مالك بن أنس، وكان أشدّهم فيه كلاماً محمّد بن إسحاق(2).

مقتطفات من معاملاته الشاذّة مع الناس:

•

جاء رجل إلى مالك بن أنس وأنا - يحيى بن خلف - شاهد، فقال له: يا أبا عبد الله، ما تقول في رجل يقول: القرآن مخلوق؟ قال: كافر زنديق خذوه فاقتلوه! قال: إنّما أحكي لك كلاماً سمعته، قال: لم أسمعه من أحد، إنّما سمعته منك(3)!

•

دخل عبد الله بن عمر بن الرمّاح على مالك، فقال له: يا أبا عبد الله ما في الصلاة من فريضة وما فيها من سنّة؟ فقال مالك: هذا كلام الزنادقة! أخرجوه(4).

•

كان مالك جالساً فساله رجل عن (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كيف استواءه؟ فأجابه مالك باختصار ثمّ قال: أنت رجل سوء صاحب بدعة، أخرجوه، فأخرج الرجل(5).

•

قال إسماعيل الفزاري: دخلت على مالك وسألته أن يحدّثني، فحدّثني اثنى عشر حديثاً ثمّ أمسك، فقلت: زدني أكرمك الله، وكان له سودان قيام على رأسه فأشار إليهم فأخرجوني من داره(6).


1) تاريخ بغداد ١: ٢٣٩.

2) نفس المصدر.

3) نفس المصدر ٢: ٣٧٧.

4) تاريخ الإسلام ١١: ٣٢٦، سير أعلام النبلاء ٨: ١١٤.

5) راجع: تاريخ الإسلام ١١: ٣٢٨.

6) الانتقاء: ٤٢.

ويبعث سلوك مالك هذا على التساؤل عن سبب بخل مالك واقتناعه بما ينفع الناس من أحاديث نبويّة وإرشادات تربويّة، وعن سبب نفاد صبره وكلماته المسيئة للسائل؟!

هذا... وإنّ قاطبة الأُمّة تتّبع العلماء في دينها وسلوكها، فما هو المتوقّع منها بعدئذ؟!

المقارنة بين المذهبين:

بعد أني تعرّف «محمّد» على الكتب الدينيّة للمذهب الجعفري، وقارنها بكتب المذهب المالكي توصّل إلى أنّ عقائد المذهب الشيعي تنطبق والمسير الذي ارتآه الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين، ولكنّ الغالبيّة ولأسباب شتّى انحرفت عن ذلك المسير.

فقرّر «محمّد» الاستبصار، وأعلن ذلك عام ١٤١٣هـ (١٩٩٣م) في الحوزة العلميّة الشيعيّة في مدينة «كوناكري».

٩ - اعتقادات فِرَق المسلمين والمشركين، فخر الدين محمّد بن عمر الرازي، ضبط، تقديم، وتعليق: محمّد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ .

١٠ - إقبال الأعمال، رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاووس (ت٦٦٤هـ)، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني، المطبعة مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ .

١١ - الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي (ت٩١١هـ)، تحقيق: سعيد المندوب، دار الفكر لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ .

١٢ - الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي (ت٥٤٨هـ)، تحقيق: السيّد محمّد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر، النجف الأشرف١٣٨٦هـ .

١٣ - الإحكام لابن حزم (ت٤٥٦هـ)، مطبعة العصمة - القاهرة.

١٤ - الأربعين في إمامة الأئمّة الطاهرين، محمّد طاهر محمّد حسين الشيرازي القمي (ت١٠٩٨هـ)، تحقيق: السيّد مهدي الرجائي، مطبعة الأمير، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ .

١٥ - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان البغدادي المشهور بالمفيد (ت٤١٣هـ)،تحقيق: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)لإحياء التراث، المؤتمر العالمي لألفيّة الشيخ المفيد، قم - الطبعة الثانية ١٤١٤هـ .

١٦ - الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، الشيخ أبو جعفر محمّد بن حسن الطوسي (ت٤٦٠هـ)، صححه وعلق عليه: السيّد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلاميّة - طهران.

١٧ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبد الله بن عبد البرّ القرطبي (ت٤٦٣هـ)، تحقيق: علي محمّد البجاوي، دار الجيل - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٢هـ .

١٨ - الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)، تحقيق وتعليق: عادل عبد الموجود وعلي محمّد معوض دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الثانية ١٤٢٣هـ .

١٩ - الأصول العامة للفقه المقارن، العلاّمة محمّد تقي الحكيم، مؤسسة آل البيت للطباعة والنشر، الطبعة الثانية ١٩٧٩م.

٢٠ - الاقتصاد، أبو جعفر بن الحسن الطوسي (ت٤٦٠هـ)، مطبعة الخيام - قم، سنة الطبع ١٤٠٠هـ .

٢١ - الأمالي، الشيخ الصدوق (ت٣٨١هـ)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسسة البعثة، دار الثقافة - قم الطبعة الأولى ١٤١٤هـ .

٢٢ - الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، أسد حيدر، مكتبة الصدر - طهران الطبعة الرابعة ١٤١٣هـ .

٢٣ - الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري (ت٢٧٦هـ)، تحقيق: علي شيري، منشورات الشريف الرضي - قم الطبعة الأولى ١٤١٣هـ .

٢٤ - الانتصار، الشريف المرتضى علم الهدى علي بن الحسين الموسوي البغدادي (ت٣٥٥هـ)، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدّسة، سنة الطبع ١٤١٥هـ ، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي.

٢٥ - الانتصار، العاملي الكوراني، دار السيّدة، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ .

٢٦ - الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة الفقهاء، ابن عبد البر (ت٤٦٣هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت.

٢٧ - الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، الشيخ زين الدين العاملي البناطي البياضي (ت٨٧٧هـ)، تصحيح: محمّد باقر البهبودي مطبعة الحيدري.

٢٨ - إمتاع الأسماع بما للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، تقي الدين أحمد بن علي المقريزي (ت٨٤٥هـ)، تحقيق وتعليق: عبد الحميد النميسي، دار الكتب العلمية - بيروت.

٢٩ - أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في كتب أهل السنّة، الشيخ حكمت الرحمة، تحت إشراف: مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلاميّة، الناشر مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلاميّة، الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ .

٣٠ - أبو بكر جابر الجزائري، المكتبة العصرية - بيروت الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ .

٣١ - أسباب نزول الآيات أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري (ت٤٦٨هـ)، مؤسسة الحلبي للنشر والتوزيع - القاهرة، سنة الطبع: ١٣٨٨هـ .

٣٢ - أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير (ت٦٣٠هـ)، دار الكتاب العربي - بيروت.

٣٣ - أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين (ت١٣٧١هـ)، تحقيق: حسن الأمين، دار المعارف للمطبوعات - بيروت.

٣٤ - أمل الآمل، محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (ت١١٠٤هـ)، تحقيق: أحمد الحسيني، مطبعة الآداب - النجف الأشرف.

٣٥ - أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى البلاذري (ت٢٧٩هـ)، تحقيق وتعليق: محمّد باقر المحمودي، مؤسسة الأعلمي - بيروت الطبعة الأولى ١٣٩٤هـ .

٣٦ - أوائل المقالات، الشيخ المفيد (ت٤١٣هـ)، تحقيق: إبراهيم الأنصاري، دار المفيد، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية ١٤١٤هـ .

٣٧ - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، محمّد باقر المجلسي (ت١١١١هـ)، تحقيق: محمّد باقر البهبودي الطبعة الثالثة المصحّحة ١٤٠٣هـ دار إحياء التراث العربي - بيروت.

٣٨ - بدائع الصنائع، أبو بكر الكاشاني (ت٥٨٧هـ)، الطبعة الأولى، المكتبة الحيدرية - باكستان.

٣٩ - بداية الفِرَق نهاية الملوك، محمّد رضا الحكيمي، توثيق وتعليق: شاكر الإبراهيمي، دار الفردوس، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ .

٤٠ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، محمّد بن أحمد بن رشد الأندلسي الشهير (بابن رشد الحفيد) (ت٥٩٥هـ)، تنقيح وتصحيح خالد العطّار، دار الفكر - بيروت ١٤١٥هـ .

٤١ - بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإماميّة، السيّد محسن الخرازي، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الخامسة ١٤١٨هـ .

٤٢ - البداية والنهاية، إسماعيل بن كثير (ت٧٧٤هـ)، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ .

٤٣ - البرهان في تفسير القرآن، المحدّث السيّد هاشم البحراني (ت١١٠٧هـ)، حقّقها قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسسة البعثة، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤٢١هـ .

٤٤ - بلاغات النساء، أبو الفضل بن أبي طاهر المعروف بابن طيفور (ت٣٨٠هـ)، مكتبة بصيرتي - قم.

٤٥ - تاج العروس من جواهر القاموس، محمّد مرتضى الزبيدي (ت١٢٠٥هـ)، تحقيق: علي شيري، دار الفكر - بيروت ١٤١٤هـ .

٤٦ - تاريخ ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون (ت٨٠٨هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الرابعة.

٤٧ - تاريخ ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون (ت٨٠٨هـ)، مؤسسة الاعلى للمطبوعات، بيروت - لبنان سنة الطبع ١٣٩١هـ .

٤٨ - تاريخ الإسلام، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت٧٤٨هـ)، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة الثانية ١٤١٧هـ .

٤٩ - تاريخ الخلفاء، لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت٩١١هـ)، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد الطبعة الثالثة ١٣٨٣هـ مطبعة المدني - القاهرة.

٥٠ - تاريخ السنّة النبوية، ثلاثون عاماً بعد النبيّ، صائب عبد الحميد.

٥١ - تاريخ الطبري، محمّد بن جرير الطبري (ت٣١٠هـ)، تحقيق: نخبة من العلماء الأجلاء، مؤسسة الأعلمي - بيروت الطبعة الرابعة ١٤٠٣.

٥٢ - التاريخ الكبير، محمّد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ)، المكتبة الإسلاميّة، ديار بكر - تركية.

٥٣ - تاريخ اليعقوبي، أحمد بن إسحاق اليعقوبي (ت٢٨٤هـ)، دار صادر، بيروت - لبنان.

٥٤ - تاريخ أبي الفداء المسمّى بالمختصر في أخبار البشر، عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن علي بن محمود (ت٧٣٢هـ)، المعلق والمحشي: محمود ديّوب، دار الكتب العلمية - بيروت المطبعة الأولى ١٤١٧هـ منشورات محمّد علي بيضون.

٥٥ - تاريخ بغداد، أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الثانية ١٤٢٥ هـ .

٥٦ - تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر (ت٥٧١هـ)، تحقيق: علي شيري، دار الفكر - بيروت ١٤٢١هـ .

٥٧ - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي محمّد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري (ت١٣٥٣هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١٠هـ .

٥٨ - تحف العقول، ابن شعبة الحراني (ت٤هـ)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم الطبعة الثانية ١٤٠٤هـ .

٥٩ - تحفة النظار في غرائب الأمصار (رحلة ابن بطوطة)، ابن بطوطة، أبو عبد الله محمّد بن عبد الله (ت٧٧٩هـ)، شرح: طلال حرب، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الثانية ١٤٢٣هـ .

٦٠ - التحول المذهبي، الشيخ علاء الحسّون، قلم الشرق الطبعة الأولى ١٤٢٦هـ .

٦١ - تخريج الأحاديث والآثار، جمال الدين الزيلعي (ت٧٦٢هـ)، تحقيق: عبد الله ابن عبد الرحمن السعد، دار ابن خزيمة - الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ .

٦٢ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، جلال الدين السيوطي، تحقيق: عرفات العشاء حسونة، دار الفكر - بيروت ١٤٢٠هـ .

٦٣ - تذكرة الحفاظ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت٧٤٨هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.

٦٤ - تذكرة الخواص من الأُمّة بذكر خصائص الأئمّة، يوسف بن قزاوغلي بن عبد الله التركي المعروف بسبط ابن الجوزي (ت٦٥٤هـ)، تحقيق: حسين تقي زاده، نشر المجمع العالمي لأهل البيت - قم الطبعة الأولى ١٤٢٦هـ .

٦٥ - تذكرة الفقهاء، الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلاّمة الحلّي (ت٧٢٦هـ)، تحقيق: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث، مطبعة مهد - قم الطبعة الأولى ١٤١٤هـ .

٦٦ - تصحيح اعتقادات الإماميّة، محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت٤١٣هـ)، تحقيق: حسين درگاهي، دار المفيد للطباعة والنشر، بيروت - لبنان الطبعة الثانية ١٤١٤هـ .

٦٧ - تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد، الشيخ محمّد بخيت الحنفي (ت١٣٥٠هـ)، مكتبة أيشيق، اسطنبول - تركية سنة الطبعة ١٣٩٦هـ .

٦٨ - التعديل والتجريح، سليمان بن خلف الباجي (ت٤٧٤هـ)، تحقيق: أحمد البزّار، المطبعة والناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة - مراكش.

٦٩ - تفسير ابن أبي حاتم، ابن أبي حاتم الرازي (ت٣٢٧هـ)، تحقيق: أسعد محمّد الطيّب، المكتبة العصرية - صيدا.

٧٠ - تفسير الآلوسي (روح المعاني)، الآلوسي.

٧١ - تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمّد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م.

٧٢ - تفسير البغوي المعروف بمعالم التنزيل، أبو محمّد الحسين بن مسعود أبو الفداء البغوي الشافعي (ت٥١٦هـ)، تحقيق: خالد عبد الرحمن العك، مروان سوار، دار المعرفة - بيروت الطبعة الخامسة ١٤٢٣هـ .

٧٣ - تفسير الثعلبي، الثعلبي (ت٤٢٧هـ)، تحقيق: أبي محمّد بن عاشور، مراجعة: نظير الساعدي دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ .

٧٤ - تفسير السمعاني، للسمعاني (ت٤٨٩هـ)، تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عبّاس، دار الوطن الرياض - السعودية الطبعة الأولى ١٤١٨هـ .

٧٥ - تفسير الصافي، الفيض الكاشاني (ت١٠٩١هـ)، صححه وقدم له وعلق عليه: الشيخ حسين الأعلمي، مطبعة مؤسسة الهادي - قم المقدّسة، الناشر: مكتبة الصدر - طهران الطبعة الثانية ١٤١٦هـ .

٧٦ - تفسير القرآن العظيم، ابن كثير الدمشقي (ت٧٧٤هـ)، تقديم: يوسف عبد الرحمن المرعشلي دار المعرفة - بيروت ١٤١٢هـ .

٧٧ - تفسير القرطبي المسمى بالجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م.

٧٨ - تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي (من أعلام القرن الثالث والرابع)، تصحيح وتعليق وتقديم: السيّد طيّب الموسوي الجزائري، الناشر: مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، قم - إيران الطبعة الثالثة ١٤٠٤هـ .

٧٩ - التفسير الكبير، الفخر الرازي (ت٦٠٦هـ)، الطبعة الثالثة.

٨٠ - تفسير زاد المسير، ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ)، تحقيق: محمّد بن عبد الرحمن عبد الله، دار الفكر - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ .

٨١ - تفسير مجمع البيان، الفضل بن الحسن الطبرسي (ت٥٤٨هـ)، مؤسسة الأعلمي - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .

٨٢ - تفسير مقاتل بن سليمان، مقاتل بن سليمان (ت١٥٠هـ)، تحقيق: أحمد فريد، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ .

٨٣ - تقريب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الثانية ١٤١٥هـ .

٨٤ - تلخيص الشافي، محمّد بن الحسن بن علي بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسي (ت٤٦٠هـ)، تعليق: السيّد حسن بحر العلوم، مؤسسة انتشارات المحبّين - قم الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ .

٨٥ - التنبيهات على معاني السبع العلويات، ابن أبي الحديد المعتزلي (ت٦٥٦هـ)، شرح: ابن أبي الرضا العلوي البغدادي (من أعلام القرن الثامن)، تصحيح: طالب السنجري، مكتبة آية الله العظمى الشيرازي العامّة - مشهد المقدّسة الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ .

٨٦ - تنبيه الخواطر ونزهة النواظر، أبو الحسين ورّام بن أبي فراس المالكي الأشتري (ت٦٠٥هـ)، مؤسسة الأعلمى للمطبوعات، بيروت - لبنان.

٨٧ - تنقيح المقال في علم الرجال، الشيخ عبد الله المامقاني (ت١٣٥١هـ)، تحقيق واستدراك: محيي الدين المامقاني، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث - قم الطبعة الأولى ١٤٢٧هـ .

٨٨ - تنوير الحوالك شرح على موطّأ مالك، جلال الدين السيوطي (ت٩١١هـ)، ضبط وتصحيح: محمّد عبد العزيز الخالدي، منشورات محمّد علي بيضون، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٨هـ .

٨٩ - التوحيد، الشيخ الصدوق (ت٣٨١هـ)، تحقيق: السيّد هاشم الحسيني الطهراني، مؤسسة النشر الإسلامي - قم الطبعة السابعة ١٤٢٢هـ .

٩٠ - التوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وجهلة الوهابيّين، أبو حامد بن مرزوق، الناشر: مكتبة أيشيق، اسطنبول - تركية سنة الطبع ١٣٩٦هـ .

٩١ - تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت٤٦٠هـ)، تحقيق وتعليق: السيّد حسن الموسوي الخرسان، مطبعة خورشيد الطبعة الثالثة ١٣٦٤ش.

٩٢ - تهذيب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)، دار الفكر - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ .

٩٣ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، أبو الحجاج يوسف المزّي (ت٧٤٢هـ)، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٣هـ .

٩٤ - ثمّ اهتديت، محمّد التيجاني، مؤسسة الفجر - لندن.

٩٥ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمّد بن جرير الطبري (ت٣١٠هـ)، ضبط وتوثيق وتخريج: صدقي جميل العطار، دار الفكر - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .

٩٦ - الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، ضبطه وخرج أحاديثه: محمّد إدريس، راجعه وقدم له: عاشور بن يوسف، دار الحكمة، بيروت - دمشق الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .

٩٧ - الجامع الصغير، عبد الرحمن السيوطي (ت٩١١هـ)، دار الفكر - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠١هـ .

٩٨ - الجامع الكبير المعروف بسنن الترمذي، أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذي (ت٢٧٩هـ)، تحقيق: عبد الرحمن محمّد عثمان، دار الفكر - بيروت الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ .

٩٩ - جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر (ت٤٦٣هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت سنة الطبع ١٣٩٨هـ .

١٠٠ - الجرح والتعديل، أبو محمّد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت٣٢٧هـ)، المطبعة: مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد - الهند، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الأولى ١٣٧١هـ .

١٠١ - جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، محمّد بن أحمد الدمشقي الباعوني الشافعي (ت٨٧١هـ)، تحقيق: محمّد باقر المحمودي، المطبعة: دانش، مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة، قم - إيران الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .

١٠٢ - الحقائق الإسلاميّة في الرد على المزاعم الوهّابية بأدلّة الكتاب والسنّة النبوية ، حاج مالك بن الشيخ داود، مكتبة الحقيقة، اسطنبول - تركية سنة الطبع ١٤٠٧هـ .

١٠٣ - حلية الأبرار في أحوال محمّد وآله الأطهار، السيّد هاشم البحراني، تحقيق: الشيخ غلام رضا مولانا البروجردي مطبعة بهمن - قم الطبعة الأولى ١٤١١هـ .

١٠٤ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم الأصفهاني (ت٤٣٠هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الثانية ١٤٢٣هـ .

١٠٥ - الخرائج والجرائح، قطب الدين الراوندي (ت٥٧٣هـ)، تحقيق: مؤسسة الإمام المهدي، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ ، المطبعة العلمية، مؤسسة الإمام المهدي.

١٠٦ - خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، أحمد بن شعيب النسائي (ت٣٠٣هـ)، تحقيق: وتصحيح الأسانيد: محمّد هادي الأميني، مكتبة نينوى الحديثة - طهران.

١٠٧ - خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، للحافظ أبي عبد الرحمن أحمد ابن شعيب النسائي (ت٣٠٣هـ)، تحقيق: ابن منير آل زهوي، سنة الطبع ١٤٢٦هـ ، المكتبة العصرية، بيروت - لبنان.

١٠٨ - الخصال، الشيخ محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالصدوق (ت٣٨١هـ)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، جماعة المدرسين - قم ١٤٠٣هـ .

١٠٩ - خلافة الرسول بين الشورى والنص، مركز الرسالة، المطبعة مهر - قم الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .

١١٠ - الخلاف، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت٤٦٠هـ)، تحقيق: جمع من المحققين، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المشرفة سنة الطبع ١٤٠٧هـ .

١١١ - الخلافة المغتصبة، إدريس الحسيني المغربي.

١١٢ - خلق أفعال العباد، محمّد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ)، مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ .

دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الأولى ١٣٧١هـ .

١١٣ - دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام.

١١٤ - داعية أهل البيت(عليهم السلام)، الراحل السيّد علي البدري (ترجمة السيّد علي البدري)، السيّد سامي البدري.

١١٥ - الدر المنثور في التفسير المأثور، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت٩١١هـ)، دار المعرفة - بيروت.

١١٦ - الدرر السنية في الرد على الوهّابية، أحمد بن زيني دحلان (ت١٣٠٤هـ)، الناشر: مكتبة ايشيق، اسطنبول - تركية سنة الطبعة ١٣٩٦هـ .

١١٧ - دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي (ت٥٩٧هـ)، تحقيق وتقديم حسن السقاف، دار الإمام النووي، عمان الأردن الطبعة الثالثة مزيدة ومنقحة ١٤١٣هـ .

١١٨ - دقائق التفسير، ابن تيميّة محمّد بن عبد الحليم (ت٧٢٨هـ)، تحقيق: محمّد السيّد الجليذ، مؤسسة علوم القرآن - دمشق الطبعة الثانية ١٤٠٤هـ .

١١٩ - دور المنبر الحسيني في التوعية الإسلاميّة، الشيخ باقر المقدسي، المطبعة: سليمان زادة ١٤٢٤هـ .

١٢٠ - ديوان السيّد حيدر الحلّي، السيّد حيدر الحلّي (ت١٣٠٤هـ)، تحقيق: علي الخاقاني.

١٢١ - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، محبّ الدين أحمد بن عبد الله الطبري (ت٦٩٤هـ)، سنة الطبع ١٣٥٦هـ ، مكتبة القدسي - القاهرة.

١٢٢ - الذريعة إلى تصانيف الشيعة، الشيخ آقا بزرك الطهراني (ت١٣٨٩هـ)، دار الأضواء - بيروت الطبعة الثالثة ١٤٠٣هـ .

١٢٣ - راس الحسين(عليه السلام)، ابن تيميّة الحراني (ت٧٢٨هـ)، تحقيق: الدكتور السيّد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ .

١٢٤ - الرافضة وطهارة المولد، محمّد مال الله، مكتبة ابن تيميّة، الطبعة الأولى ١٤١١هـ .

١٢٥ - الرد على الوهّابية، الشيخ محمّد جواد البلاغي (ت١٣٢٨هـ)، تحقيق: السيّد محمّد علي الحكيم، مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث.

١٢٦ - رسائل الشريف المرتضى، علي بن الحسين بن موسى المعروف بالشريف المرتضى (ت٤٣٦هـ)، أعداد: السيّد مهدي الرجائي - قم دار القرآن الكريم ١٤٠٥هـ .

١٢٧ - رسائل ومقالات، الشيخ جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق، قم - إيران.

١٢٨ - الرسالة السعدية، العلاّمة الحلي (ت٧٢٦هـ)، تحقيق: عبد الحسين محمّد علي البقال، الطبعة الأولى محققة سنة ١٤١٠هـ المطبعة بهمن - قم.

١٢٩ - رسالة طرق حديث من كنت مولاه فعلي مولاه، شمس الدين محمّد بن أحمد الذهبي (ت٧٤٨هـ)، تحقيق وتعليق: السيّد عبد العزيز الطباطبائي إعداد مكتبة المحقق الطباطبائي، الطبعة الأولى ١٤٢١هـ .

١٣٠ - رسالة في آل أعين، أبو غالب الزراري (ت٣٦٨هـ)، شرح: السيّد محمّد علي الموسوي الموحد الأصفهاني، مطبعة رباني، سنة الطبع ١٣٩٩هـ .

١٣١ - رسالة في حديث الوصية بالثقلين، السيّد علي الميلاني، مطبعة ياران - قم الطبعة الأولى ١٤١٨هـ .

١٣٢ - الروضة في فضائل أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب(عليه السلام)، سديد الدين شاذان ابن جبرائيل القمي المعروف بابن شاذان (ت٦٦٠هـ)، تحقيق: علي الشكرجي، مكتبة الأمين - قم الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ .

١٣٣ - الرياض النضرة في مناقب العشرة، محب الدين الطبري (ت٦٩٤هـ)، المحقق: عيسى بن عبد الله الحميدي، دار الغرب الإسلامي - بيروت الطبعة الأولى ١٩٩٦م.

١٣٤ - زاد المسير في علم التفسير، أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي (ت٥٩٧هـ)، تحقيق: محمّد عبد الرحمن عبد الله، دار الفكر، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ .

١٣٥ - زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية، تحقيق وتخريج وتعليق: شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية ١٤٢١هـ .

١٣٦ - الزهرة العطرة في حديث العترة، أبو منذر سامي بن أنور المصري الشافعي، دار الفقيه - القاهرة.

١٣٧ - الزيارة والتوسل، صائب عبد الحميد، المطبعة: ستارة - قم الطبعة الأولى ١٤٢١هـ ، الناشر: مركز الرسالة.

١٣٨ - سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، محمّد بن يوسف الصالحي الشامي (ت٩٤٢هـ)، تحقيق وتعليق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمّد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١٤هـ .

١٣٩ - السعوديون والحل الإسلامي، محمّد جلال كشك، المطبعة الفنية - القاهرة الطبعة الرابعة ١٤٠٤هـ .

١٤٠ - السقيفة، الشيخ محمّد رضا المظفر (ت١٣٨١هـ)، تقديم: الدكتور محمود المظفر، الناشر مؤسسة أنصاريان المطبعة: بهمن الطبعة الثانية ١٤١٥هـ .

١٤١ - السقيفة وفدك، أحمد بن عبد العزيز الجوهري (ت٣٢٣هـ)، تحقيق: محمّد هادي الأميني، شركة الكتبي - بيروت الطبعة الثانية ١٤١٣هـ .

١٤٢ - سلسلة الأحاديث الصحيحة، محمّد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف - الرياض ١٤١٥هـ .

١٤٣ - السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين، محبّ الدين الطبري، علق عليه: عبد المجيد طعمة حلبي، دار المعرفة - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٨هـ .

١٤٤ - سنن ابن ماجة، محمّد بن يزيد القزويني (ت٢٧٥هـ)، تحقيق وترقيم وتعليق: محمّد فؤاد عبد الباقي دار الفكر للطباعة والنشر.

١٤٥ - سنن الدارقطني، علي بن عمر الدارقطني (ت٣٨٥هـ)، تحقيق: مجدي بن منصور سيّد الشوري، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .

١٤٦ - سنن الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي (ت٢٥٥هـ)، مطبعة الاعتدال - دمشق ١٣٤٩هـ .

١٤٧ - السنن الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت٤٥٨هـ)، دار الفكر، بيروت - لبنان.

١٤٨ - السنن الكبرى، أحمد بن شعيب النسائي (ت٣٠٣هـ)، تحقيق: عبد الغفار سليمان البنداري وسيّد كسروي حسن، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ١٤١١هـ .

١٤٩ - سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني (ت٢٧٥هـ)، تحقيق وتعليق: سعيد محمّد اللحّام، دار الفكر - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٠هـ .

١٥٠ - سير أعلام النبلاء، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت٧٤٨هـ)، تحقيق: إبراهيم الزيبق، اشراف وتخريج: شعيب الأرنؤوط، الطبعة التاسعة ١٤١٣هـ ، مؤسسة الرسالة - بيروت.

١٥١ - السيرة الحلبية في سيرة الأمين والمأمون، نور الدين الحلبي الشافعي (ت١٠٤٤هـ)، دار المعرفة - بيروت ١٤٠٠هـ .

١٥٢ - السيرة النبويّة، عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري (ت٢١٨هـ)، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة محمّد علي صبيح - القاهرة ١٣٨٣هـ .

١٥٣ - الشافي في الإمامة، الشريف المرتضى (ت٤٣٦هـ)، مؤسسة: إسماعيليان - قم الطبعة الثانية ١٤١٠هـ .

١٥٤ - شبهة الغلو عند الشيعة، عبد الرسول الغفار، الطبعة الأولى دار المحجّة البيضاء، بيروت - لبنان.

١٥٥ - شجرة طوبى، الشيخ محمّد مهدي الحائري (ت١٣٦٩هـ)، منشورات المكتبة الحيدرية، الطبعة الخامسة ١٣٨٥هـ .

١٥٦ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ابن العماد الحنبلي (ت١٠٨٩هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٩هـ .

١٥٧ - شرح أصول الكافي، محمّد صالح المازندراني (ت١٠٨١هـ)، تعليق: الميرزا أبو الحسن الشعراني، تصحيح السيّد علي عاشور، دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الأولى ١٤٢١هـ .

١٥٨ - شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار، القاضي النعمان بن محمّد المغربي (ت٣٦٣هـ)، المحقق: السيّد محمّد الحسيني الجلالي، مؤسسة النشر الإسلامي - قم الطبعة الثانية ١٤١٤هـ .

١٥٩ - شرح الزرقاني على موطّا مالك، محمّد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المالكي (ت١١٢٢هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان ١٤١١هـ .

١٦٠ - شرح المقاصد في علم الكلام، سعد الدين التفتازاني (ت٧٩٣هـ)، دار المعارف النعمانية - باكستان الطبعة الأولى ١٤٠١هـ .

١٦١ - شرح المنام، الشيخ المفيد، تحقيق: الشيخ مهدي نجف، دار المفيد للطباعة والنشر - بيروت الطبعة الثانية ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م.

١٦٢ - شرح المواقف، علي بن محمّد الجرجاني (ت٨١٦هـ)، مطبعة السعادة - مصر الطبعة الأولى ١٣٢٥هـ - ١٩٠٧٠م.

١٦٣ - شرح تجريد الاعتقاد، تأليف: علاء الدين محمّد القوشجي (ت٨٧٩هـ)، منشورات رضي - بيدار - عزيزي.

١٦٤ - شرح سنن النسائي، جلال الدين السيوطي (ت٩١١هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.

١٦٥ - شرح مسلم المسمى بالمنهاج لمحيي الدين النووي (ت٦٧٦هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان سنة الطبع ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.

١٦٦ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد (ت٦٥٦هـ)، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الثانية ١٣٨٥هـ .

١٦٧ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض (ت٥٤٤هـ)، دار الفكر، بيروت - لبنان سنة الطبع ١٤٠٩هـ .

١٦٨ - شفاء السقام في زيارة خير الأنام، تقي الدين السبكي (ت٧٥٦هـ)، الطبعة الرابعة ١٤١٩هـ .

١٦٩ - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت(عليهم السلام)، عبيد الله ابن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني من أعلام القرن الخامس، تحقيق: الشيخ محمّد باقر المحمودي، الطبعة الأولى عام ١٤١١هـ - ١٩٩٠م، مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة - قم المقدّسة.

١٧٠ - شواهد الحقّ في الاستغاثة بسيّد الخلق(صلى الله عليه وآله وسلم)، يوسف بن إسماعيل النبهاني (ت١٣٥٠هـ)، اعتنى بطبعه طبعة جديدة بالأوفست، حسين حلمي بن سعيد الاسطنبولي.

١٧١ - شيخ المضيرة أبو هريرة، المؤلف: محمود أبو ريّة (ت١٣٨٥هـ)، منشورات الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان.

١٧٢ - الصابئون في حاضرهم وماضيهم، سيّد عبد الرزاق الحسني، المكتب العربي - بغداد الطبعة الثامنة ١٤٠٣هـ .

١٧٣ - الصابئة المندائيون، سليم برنجي، ترجمة: جابر أحمد، دار الكنوز الأدبية - بيروت الطبعة الأولى ١٩٩٧م.

١٧٤ - الصحاح، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين بيروت - لبنان الطبعة الرابعة ١٤٠٧هـ .

١٧٥ - الصحوة «رحلتي إلى الثقلين»، صباح علي البياتي، المطبعة: ليلى، الطبعة الأولى ١٤٢٦هـ ، مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام).

١٧٦ - صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان، علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (ت٧٣٩هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة الثانية ١٤١٤هـ .

١٧٧ - صحيح ابن خزيمة، أبو بكر محمّد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري (ت٣١١هـ)، تحقيق وتعليق وتخريج وتقديم: محمّد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي سنة الطبع ١٤١٢هـ .

١٧٨ - صحيح البخاري، محمّد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ)، دار الفكر، سنة الطبع ١٤٠١هـ - ١٩٨١م.

١٧٩ - صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت٢٦١هـ)، دار الفكر - بيروت.

١٨٠ - الصحيفة السجادية الإمام زين العابدين(عليه السلام) تحقيق: محمّد باقر الموحد الأبطحي، المطبعة نمونة - قم الناشر: مؤسسة الإمام المهدي، مؤسسة أنصاريان - قم الطبعة الأولى ١٤١١هـ .

١٨١ - الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، الشيخ زين الدين العاملي النباطي البياضي (ت٨٧٧هـ)، تصحيح: محمّد باقر البهبودي مطبعة الحيدري.

١٨٢ - صفوة الصفوة، جمال الدين ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ)، ضبطه وخرّج آياته وأحاديثه وعلّق عليه: عبد الرحمن اللادقي، وحياة شيحا اللادقي، دار المعرفة، بيروت - لبنان الطبعة الرابعة ١٤٢٢هـ .

١٨٣ - الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة، السيّد القاضي نور الله التستري الشهيد في سنة ١٠١٩هـ تصحيح: السيّد جلال الدين المحدّث، مطبعة: نهضت - طهران.

١٨٤ - الصواعق الإلهية في الرد على الوهّابية، سليمان أخ محمّد بن عبد الوهاب (ت١٢١٠هـ)، مكتبة أيشيق، اسطنبول - تركية الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ .

١٨٥ - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة، ابن حجر الهيتمي (ت٩٧٣هـ)، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الله التركي وكامل محمّد الخرّاط مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .

١٨٦ - ضعفاء العقيلي، أبي جعفر محمّد بن عمرو العقيلي الملكي، تحقيق وتوثيق: عبد المعطى أمين قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الثانية ١٤١٨هـ .

١٨٧ - الطبقات الكبرى، محمّد بن سعد (ت٢٣٠هـ)، دار صادر - بيروت.

١٨٨ - الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، علي بن موسى بن طاووس (ت٦٦٤هـ)، مطبعة الخيام - قم الطبعة الأولى ١٣٩٩هـ .

١٨٩ - العثمانية، للجاحظ (ت٢٥٥هـ)، تحقيق وشرح: عبد السلام محمّد هارون، دار الكتاب العربي - مصر.

١٩٠ - عقائد الإماميّة، الشيخ محمّد رضا المظفر (ت١٣٨١هـ)، تقديم: حامد حفني داود، انتشارات أنصاريان، قم - إيران.

١٩١ - العقد الفريد، أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي (ت٣٢٨هـ)، تحقيق: عبد المجيد الترحيني، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .

١٩٢ - العقيدة الإسلاميّة على ضوء مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، الشيخ جعفر السبحاني، نقله إلى العربية: جعفر الهادي، مطبعة: اعتماد، قم - إيران الطبعة الأولى ١٤١٩هـ .

١٩٣ - عقيدة المؤمن، أبو بكر الجزائري المكتبة العصرية - بيروت الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ .

١٩٤ - علل الدارقطني، الدارقطني (ت٣٨٥هـ)، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله السلفي دار طيبة - الرياض الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ .

١٩٥ - علل الشرائع، الشيخ الصدوق (ت٣٨١هـ)، تقديم: السيّد محمّد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الحيدريّة - النجف الأشرف ١٣٨٥هـ .

١٩٦ - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، تحقيق: خليل الميس، الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ .

١٩٧ - العلل ومعرفة الرجال، أحمد بن محمّد بن حنبل (ت٢٤١هـ)، تحقيق: وصي الله ابن محمود عبّاس، المكتب الإسلامي - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ

١٩٨ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني (ت٨٥٥هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت.

١٩٩ - عنوان المجد في تاريخ نجد، عثمان بن بشير النجدي الحنبلي، تحقيق وتعليق: د. محمّد بن ناصر الشتري، دار الحبيب - الرياض الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ .

٢٠٠ - عيون أخبار الرضا(عليه السلام)، الشيخ الصدوق (ت٣٨١هـ)، تصحيح وتعليق: الشيخ حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي - بيروت ١٤٠٤هـ .

٢٠١ - الغدير في الكتاب والسنّة والأدب، عبد الحسين الأميني (ت١٣٩٢هـ)، دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة الثالثة ١٣٨٧هـ .

٢٠٢ - الغيبة، الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي (ت٤٦٠هـ)، تحقيق: عبد الله الطهراني، مؤسسة المعارف الإسلاميّة - قم الطبعة الأولى ١٤١١هـ .

٢٠٣ - الغيبة، أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم المعروف بالنعماني (ت٣٦٠هـ)، تحقيق: فارس حسون كريم، أنوار الهدى، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ .

٢٠٤ - الفائق في غريب الحديث، العلاّمة جار الله الزمخشري (ت٥٨٣هـ)، وضع حواشيه: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .

٢٠٥ - فاسألوا أهل الذكر، الدكتور محمّد التيجاني السماوي، مؤسسة الفجر - لندن.

٢٠٦ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)، دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت الطبعة الثانية.

٢٠٧ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، محمّد بن علي ابن محمّد الشوكاني (ت١٢٥٠هـ).

٢٠٨ - فتنة الوهّابية، أحمد زيني دحلان (ت١٣٠٤هـ)، حسين حلمي بن سعيد اسطنبولي، الناشر: مكتبة الحقيقة، اسطنبول - تركية الطبعة الأولى.

٢٠٩ - الفجر الصادق في الرد على منكري التوسل والكرامات والخوارق، جميل صدقي الزهاوي (ت١٣٥٤هـ)، الناشر: مكتبة ايشيق، اسطنبول - تركية سنة الطبع ١٩٨٤م.

٢١٠ - الفَرق بين الفِرَق، عبد القاهر بن طاهر البغدادي الإسفرائيني، تحقيق: محمّد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية بيروت سنة الطبع ١٤١٩هـ .

٢١١ - فصل الخطاب، سليمان أخ محمّد بن عبد الوهاب (ت١٢١٠هـ)، الطبعة الرابعة محققة ومخرّجة ومفهرسة تحقيق: لجنة من العلماء.

٢١٢ - الفصل في الملل والأهواء والنحل، أبو علي محمّد علي بن أحمد بن حزم.

٢١٣ - الفصول المختارة، الشريف المرتضى (ت٤١٣هـ)، تحقيق: السيّد نور الدين جعفريان الأصفهاني، الشيخ يعقوب الجعفري، الشيخ محسن الأحمدي، دار المفيد، بيروت - لبنان الطبعة الثانية ١٤١٤هـ .

٢١٤ - فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ)، تحقيق: وصي الله محمّد عبّاس، مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ .

٢١٥ - فضائل الصحابة، أحمد بن شعيب المعروف بالنسائي (ت٣٠٣هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت.

٢١٦ - الفقه على المذاهب الأربعة، عبد الرحمن الجذيري (ت١٣٨٤هـ)، مكتبة الحقيقة، اسطنبول - تركية ١٤١٤هـ .

٢١٧ - فيض القدير شرح الجامع الصغير، محمّد عبد الرؤوف المناوي (ت١٠٣١هـ)، تصحيح: أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .

٢١٨ - قاموس الرجال، الشيخ محمّد تقي التستري (ت١٤١٥هـ)، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي، المطبعة مؤسسة النشر الإسلامي الطبعة الأولى ١٤٢٥هـ .

٢١٩ - القاموس المحيط، محمّد بن يعقوب الفيروزآبادي (ت٨١٧هـ)، مؤسسة الرسالة - بيروت.

٢٢٠ - الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ)، تحقيق: أحمد عمر هاشم، دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ .

٢٢١ - الكافي، محمّد بن يعقوب الكليني (ت٣٢٩هـ)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، دارا لكتب الإسلاميّة - طهران الطبعة الخامسة ١٣٦٣ش.

٢٢٢ - كامل الزيارات، أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي، تحقيق: نشر الفقاهة، ناشر: دار السرور، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١٨هـ .

٢٢٣ - الكامل في التاريخ، علي بن محمّد بن الأثير (ت٦٣٠هـ)، دار صادر - بيروت ١٣٨٥هـ .

٢٢٤ - الكامل في ضعفاء الرجال، أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني (ت٣٦٥هـ)، تحقيق: سهيل زكار، قراءة وتدقيق: يحيى مختار عزاوي، دار الفكر، بيروت - لبنان الطبعة الثالثة ١٤٠٩هـ .

٢٢٥ - كتاب الأغاني لأبي الفرج الاصفهاني (ت٣٥٦هـ)، اعداد مكتب تحقيق دار إحياء التراث العربي، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان الطبعة الثانية.

٢٢٦ - كتاب الأم محمّد بن إدريس الشافعي (ت٢٠٤هـ)، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت - لبنان الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ .

٢٢٧ - كتاب الثقات، محمّد بن حبّان بن أحمد أبي حاتم التميمي البستي (ت٣٥٤هـ)، المطبعة: مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد - الهند الطبعة الأولى ١٣٩٣هـ .

٢٢٨ - كتاب الضعفاء والمتروكين، أحمد بن علي بن شعيب النسائي (ت٣٠٣هـ)، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ .

٢٢٩ - كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت١٧٥هـ)، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، مطبعة الصدر الطبعة الثانية ١٤١٠هـ .

٢٣٠ - كتاب الفتوح، أبو محمّد أحمد بن أعثم الكوفي (ت٣١٤هـ)، تحقيق: علي سيّدي، دار الأضواء الطبعة الأولى ١٤١١هـ .

٢٣١ - كتاب المجروحين من المحدّثين والضعفاء والمتروكين، محمّد بن حبّان التميمي البستي (ت٣٥٤هـ)، تحقيق: محمود إبراهيم زايد.

٢٣٢ - الكتاب المقدّس (العهد الجديد)، الكنيسة، الناشر: دار الكتاب المقدّس سنة الطبع١٩٨٠م.

٢٣٣ - كتاب سليم بن قيس الهلالي، سليم بن قيس الهلالي (ت٧٦هـ)، تحقيق: محمّد باقر الأنصاري الزنجاني.

٢٣٤ - كشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس البهوتي الحنبلي (ت١٠٥١هـ)، تحقيق: أبو عبد الله محمّد حسن محمّد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٨هـ .

٢٣٥ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، جار الله الزمخشري (ت٥٣٨هـ)، سنة الطبعة ١٣٨٥هـ ، الناشر: شركة ومكتبة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده - مصر.

٢٣٦ - كشف الارتياب في أتباع محمّد بن عبد الوهاب، السيّد محسن الأمين، تحقيق وتخريج: حسن الأمين، الناشر: مكتبة الحرمين - قم الطبعة الثانية ١٣٨٢هـ .

٢٣٧ - كشف الجاني محمّد التيجاني في كتبه الأربعة، عثمان بن محمّد الخميس، دار الأمل - القاهرة الطبعة الثالثة مزيدة ومنقّحة.

٢٣٨ - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، حاجي خليفة (ت١٠٦٧هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت.

٢٣٩ - كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي (ت٦٩٣هـ)، دار الأضواء - بيروت الطبعة الأولى ١٤٢١هـ .

٢٤٠ - كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد، المحقق الطوسي والعلاّمة الحلّي، تحقيق وتعليق: الشيخ حسن مكّي العاملي، دار الصفوة، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١٣هـ .

٢٤١ - كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي (ت٧٢٦هـ)، تحقيق: حسين الدرگاهي، طهران - إيران الطبعة الأولى ١٤١١هـ .

٢٤٢ - كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق (ت٣٨١هـ)، تصحيح: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي - قم ١٤٠٥هـ .

٢٤٣ - كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، علي المتقي بن حسام الدين الهندي (ت٩٧٥هـ)، ضبط وتفسير: الشيخ بكري حياني، تصحيح: الشيخ صفوة السقا، سنة١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م، مؤسسة الرسالة - بيروت.

٢٤٤ - الكنى والألقاب، الشيخ عبّاس القمي (ت١٣٥٩هـ)، تقديم: محمّد هادي الأميني، مكتبة الصدر - طهران.

٢٤٥ - لا تضيّعوا السنّة، مصطفى خميس، مطبعة الغدير، بيروت - لبنان الطبعة الأولى.

٢٤٦ - لأكون مع الصادقين، الدكتور محمّد التيجاني السماوي، الناشر: المؤسسة الجامعيّة للدراسات الإسلاميّة، تاريخ الطبع ١٩٩٣م.

٢٤٧ - لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام، علي الشيخ، الطبعة الأولى.

٢٤٨ - لباب النقول في أسباب النزول، جلال الدين السيوطي (ت٩١١هـ)، ضبط وتصحيح: أحمد عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.

٢٤٩ - لسان العرب، ابن منظور الأفريقي المصري (ت٧١١هـ)، نشر: أدب الحوزة، قم - إيران سنة الطبع ١٤٠٥هـ .

٢٥٠ - لسان الميزان، شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان الطبعة الثانية ١٣٩٠هـ .

٢٥١ - لقد شيّعني الحسين، إدريس الحسيني، الاعتصام الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .

٢٥٢ - لماذا أنا شيعي، الشيخ محمّد حسين الفقيه الناشر: الغدير للدراسات والنشر - بيروت ١٤١٦هـ .

٢٥٣ - اللهوف في قتلى الطفوف، ابن طاووس (ت٦٦٤هـ)، أنوار الهدى - قم الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .

٢٥٤ - ما رواه الأكابر عن مالك، محمّد بن مخلّد المروزي (ت٣٣١هـ)، تحقيق، عواد الخلف، مؤسسة الريان - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٦هـ .

٢٥٥ - المبسوط، شمس الدين السرخسي (ت٤٨٣هـ)، دار المعرفة، بيروت - لبنان سنة الطبع ١٤٠٦هـ .

٢٥٦ - مجلة الكوثر، نصف سنويّة تصدر عن المؤسسة الإسلاميّة العامّة للتبليغ والإرشاد، قم - إيران.

٢٥٧ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (ت٨٠٧هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٨هـ .

٢٥٨ - المجموع شرح المهذب، أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي (ت٦٧٦هـ)، دار الفكر - بيروت.

٢٥٩ - مجموع فتاوى ابن تيميّة، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمّد النجدي الحنبلي وابنه محمّد الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ .

٢٦٠ - مجموعة الفتاوى، تقي الدين أحمد بن تيميّة الحراني، اعتنى بها وخرج أحاديثها: عامر الجزار وأنور الباز، دار الجيل الطبعة الأولى ١٤١٨هـ .

٢٦١ - المحاسن، أحمد بن محمّد بن خالد البرقي (ت٢٧٤هـ)، تحقيق: جلال الدين الحسيني دار الكتب الإسلاميّة - طهران الطبعة الأولى ١٣٧٠هـ .

٢٦٢ - المحاسن والمساوئ، لإبراهيم بن محمّد البيهقي (ت بعد سنة٣٢٠هـ)، وضع حواشيه: عدنان علي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ .

٢٦٣ - المحلّى في شرح المجلّى، أبو محمّد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (ت٤٥٦هـ)، دار الفكر.

٢٦٤ - مخالفة الوهّابية للقرآن والسنّة، عمر عبد السلام، دار الهداية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١٦هـ .

٢٦٥ - مختصر التحفة الاثنى عشرية، عبد العزيز غلام حكيم الدهلوي، تعريب: الحافظ غلام محمّد بن محيي الدين الأسلمي، اختصره: السيّد محمود شكري الألوسي، مكتبة ايشيق، اسطنبول - تركية ١٣٩٩هـ .

٢٦٦ - مدينة المعاجز، السيّد هاشم البحراني (ت١١٠٧هـ)، مؤسسة المعارف الإسلاميّة - قم الطبعة الأولى ١٤١٤هـ .

٢٦٧ - مروج الذهب ومعادن الجوهر، أبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي (ت٣٤٦هـ)، الطبعة الأولى، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ١٤٢١هـ .

٢٦٨ - مستدرك سفينة البحار، الشيخ علي النمازي الشاهرودي (ت١٤٠٥هـ)، تحقيق وتصحيح: الشيخ حسن بن علي النمازي، سنة الطبع ١٤١٩هـ ، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المشرّفة.

٢٦٩ - المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري (ت٤٠٥هـ)، إشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي.

٢٧٠ - المستصفى للغزالي (ت٥٠٥هـ)، تصحيح: محمّد عبد السلام عبد الشافي، سنة الطبع: ١٤١٧ - ١٩٩٦م، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت.

٢٧١ - مسند الحميدي، أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميد (ت٢١٩هـ)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ .

٢٧٢ - مسند أبي داود الطيالسي، سليمان بن داود الطيالسي (ت٢٠٤هـ)، دار المعرفة - بيروت.

٢٧٣ - مسند أبي يعلى الموصلي، أحمد بن علي بن المثنى التميمي (ت٣٠٧هـ)، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث - دمشق الطبعة الثانية ١٤١٢هـ .

٢٧٤ - مسند أحمد بن حنبل، أحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ)، دار صادر، بيروت - لبنان.

٢٧٥ - مشرق الشمسين، الشيخ البهائي العاملي (ت١٠٣١هـ)، منشورات مكتبة بصيرتي - قم.

٢٧٦ - مصباح المتهجّد، الشيخ الطوسي (ت٤٦٠هـ)، مؤسسة فقه الشيعة، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١١هـ .

٢٧٧ - المصنف، عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت٢١١هـ)، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي.

٢٧٨ - المصنف في الأحاديث والآثار، عبد الله بن أبي شيبة الكوفي (ت٢٣٥هـ)، تعليق: سعيد محمّد اللحّام، دار الفكر - بيروت ١٤٢٠هـ .

٢٧٩ - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول، كمال الدين أحمد بن طلحة الشافعي (ت٦٥٢هـ)، تحقيق: ماجد ابن أحمد العطية.

٢٨٠ - معالم العلماء في فهرست كتب الشيعة وأسماء المصنفين منهم قديماً وحديثاً (تتمة كتاب الفهرست للشيخ الطوسي)، الحافظ محمّد بن علي بن شهرآشوب المازندراني (ت٥٨٨هـ)، طبع على نفقة محمّد كاظم الكتبي، منشورات المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف.

٢٨١ - معاني الأخبار، الشيخ محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالصدوق (ت٣٨١هـ)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي - قم الطبعة الرابعة ١٤١٨هـ .

٢٨٢ - معاني القرآن الكريم، أبو جعفر النحاس (ت٣٣٨هـ)، تحقيق: محمّد علي الصابوني، الناشر جامعة أم القرى - مكّة المكرمة الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ .

٢٨٣ - المعتبر، المحقق الحلّي (ت٦٧٦هـ)، تحقيق: عدّة من الأفاضل تحت إشراف ناصر مكارم الشيرازي، سنة الطبع ١٣٦٤ش، مؤسسة سيّد الشهداء(عليه السلام).

٢٨٤ - المعجم الأوسط، سليمان بن أحمد الطبراني (ت٣٦٠هـ)، تحقيق: قسم التحقيق بدار الحرمين سنة ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م، الناشر: دار الحرمين للطباعة والنشر.

٢٨٥ - معجم البلدان، أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي (ت٦٢٦هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٣٩٩هـ .

٢٨٦ - المعجم الصغير، سليمان بن أحمد الطبراني (ت٣٦٠هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت.

٢٩٧ - المفردات في غريب القرآن، الحسن بن محمّد المعروف بالراغب الأصفهاني (ت٥٠٢هـ)، دفتر نشر الكتاب الطبعة الثانية ١٤٠٤هـ .

٢٩٨ - مقالات الإسلاميين، علي بن إسماعيل الأشعري (ت٣٢٤هـ)، تصحيح: هلموت ريتر، إصدار: جمعية المستشرقين الألمانية الطبعة الثالثة ١٤٠٠هـ .

٢٩٩ - مقتل الحسين(عليه السلام)، أبو مخنف الازدي (ت١٥٧هـ)، تعليق: حسين الغفاري المطبعة العلمية - قم.

٣٠٠ - الملل والنحل، محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت٥٤٨هـ)، تحقيق: محمّد سيّد گيلاني، دار المعرفة - بيروت.

٣٠١ - ممتن العقيدة النونية، العلاّمة ابن القيم، الناشر: مكتبة ابن تيميّة - القاهرة الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .

٣٠٢ - مناقب آل أبي طالب، محمّد بن علي بن شهرآشوب (ت٥٨٨هـ)، المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف ١٣٧٦هـ .

٣٠٣ - مناقب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، محمّد بن سليمان الكوفي (ت٣٠٠هـ)، تحقيق: محمّد باقر المحمودي، مجمع ضياء الثقافة الإسلاميّة - قم الطبعة الأولى ١٤١٢هـ .

٣٠٤ - المناقب، الموفق بن أحمد الخوارزمي (ت٥٦٨هـ)، تحقيق: مالك المحمودي، مؤسسة النشر الإسلامي - قم الطبعة الثانية ١٤١١هـ .

٣٠٥ - من أقطاب الكذابين أحمد بن تيميّة الحراني، محمّد الرضي الرضوي.

٣٠٦ - المنتظم في تواريخ الملوك والأمم، تأليف: جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي (ت٥٩٧هـ)، تحقيق: الاُستاذ الدكتور سهيل زكار، دار الفكر - بيروت ١٤٢٠هـ .

٣٠٧ - المنجد في اللغة، دار المشرق، بيروت - لبنان طبع ١٩٦٦م الطبعة الخامسة والثلاثون.

٣٠٨ - المنخول من تعليقات الأصول، أبي حامد محمّد بن محمّد الغزالي (ت٥٠٥هـ)، تحقيق محمّد حسن هيتو، دار الفكر - بيروت الطبعة الثالثة ١٤١٩هـ .

٣٠٩ - من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم المقدّسة الطبعة الثانية ١٤٠٤هـ .

٣١٠ - منهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، لأبي العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن تيميّة الحراني الدمشقي (ت٧٢٨هـ)، وضع حواشية وخرجه: عبد الله محمود محمّد عمد، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ .

٣١١ - منهاج الصالحين، السيّد أبو القاسم الخوئي (ت١٤١٣هـ)، مهد - قم الطبعة الثامنة والعشرون ١٤١٠هـ .

٣١٢ - المواقف، الأيجي (ت٧٥٦هـ)، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .

٣١٣ - موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن، السيّد محمّد مهدي الموسوي الخرسان، المطبعة: ستارة، الطبعة الأولى ١٤٢٨هـ .

٣١٤ - الموطّأ، مالك بن أنس (ت١٧٩هـ)، تصحيح وتعليق: محمّد فؤاد عبد الباقي، سنة ١٤٠٦، دار إحياء التراث الإسلامي.

٣١٥ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت٧٤٨هـ)، تحقيق: علي محمّد البجاوي الطبعة الأولى ١٣٨٢هـ ، دار المحرق - بيروت.

٣١٦ - ميزان الحكمة، محمّد الريشهري، تحقيق: دار الحديث، المطبعة: دار الحديث الطبعة الأولى.

٣١٧ - الميزان في تفسير القرآن، السيّد محمّد حسين الطباطبائي (ت١٤٠٢هـ)، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية - قم المقدّسة.

٣١٨ - النزاع والتخاصم، المقريزي (ت٨٤٥هـ)، تحقيق: السيّد علي عاشور.

٣١٩ - نسيم الرياض في شرح الشفا للقاضي عياض، أحمد شهاب الدين الخفاجي، دار الفكر.

٣٢٠ - نشأة التشيّع، السيّد طالب الخرسان، انتشارات الشريف الرضي الطبعة الأولى ١٤١٢هـ .

٣٢١ - نصب الراية، الزيلعي (ت٧٦٢هـ)، اعتنى به: أيمن صالح شعبان مطبعة الوفاء - المنصورة الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .

٣٢٢ - النص والاجتهاد، السيّد شرف الدين (ت١٣٧٧هـ)، تحقيق وتعليق: أبو مجتبى، مطبعة سيّد الشهداء(عليه السلام) - قم الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ .

٣٢٣ - نظرة حول دروس في العقيدة الإسلاميّة، عبد الجواد الإبراهيمي، مؤسسة أنصاريان - قم الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .

٣٢٤ - نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين، جمال الدين محمّد بن يوسف الزرندي الحنفي المدني (ت٧٥٠هـ)، الطبعة الأولى ١٣٧٧هـ .

٣٢٥ - نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار، السيّد علي الميلاني، مطبعة مهر الطبعة الأولى ١٤١٤هـ .

٣٢٦ - النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد (ت٤١٣هـ)، تحقيق: رضا المختاري، دار المفيد للطباعة والنشر، بيروت - لبنان الطبعة الثانية ١٤١٤هـ .

٣٢٧ - النكت والعيون تفسير المارودي، أبو الحسن علي بن محمّد بن حبيب المارودي البصري مراجعة وتعليق: بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.

٣٢٨ - النهاية في غريب الحديث والأثر ابن الأثير الجزري (ت٦٠٦هـ).

٣٢٩ - نهج البلاغة، ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، تحقيق: محمّد عبده، دار الذخائر - قم المصورة على طبعة دار المعرفة - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٢هـ .

٣٣٠ - نيل الأوطار من أحاديث سيّد الأخيار شرح منتقى الأخبار، محمّد بن علي ابن محمّد الشوكاني (ت١٢٥٥هـ)، دار الجيل، بيروت - لبنان سنة الطبع ١٩٧٣م.

٣٣١ - الوافي بالوفيات، صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (ت٧٦٤هـ)، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ .

٣٣٢ - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (ت١١٠٤هـ)، تحقيق: ونشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - قم الطبعة الثانية ١٤١٤هـ .

٣٣٣ - الوسيلة إلى نيل الفضيلة، عماد الدين محمّد بن علي الطوسي المعروف بابن حمزة (ت٥٦٠هـ)، تحقيق: الشيخ محمّد الحسون، طبع: مطبعة الخيام - قم الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ .

٣٣٤ - الوضّاعون وأحاديثهم الموضوعة، الشيخ الأميني (ت١٣٩٢هـ)، إعداد وتقديم: السيّد رامي يوزبكي المطبعة: محمّد الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة.

٣٣٥ - وضوء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، السيّد علي الشهرستاني، المطبعة: ستارة - قم الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .

٣٣٦ - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أحمد بن محمّد بن خلكان (ت٦١٨هـ)، تحقيق: إحسان عبّاس، دار الثقافة - بيروت.

٣٣٧ - ومن الحوار اكتشفت الحقيقة، هشام آل قطيط، دار المنتظر - بيروت الطبعة الأولى ١٤٢١هـ .

٣٣٨ - الوهّابيون والبيوت المرفوعة، الشيخ محمّد علي الهمداني السنقري (ت١٣٧٨هـ)، تحقيق: لجنة من العلماء، الطبعة الثانية محقّقة ومفهرسة ١٤١٨هـ .

٣٣٩ - الوهّابية في الميزان، الشيخ جعفر السبحاني، مؤسسة الفكر الإسلامي الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .

٣٤٠ - الوهّابية في صورتها الحقيقية، مركز الغدير، المطبعة: باقري الطبعة الأولى ١٤١٥هـ ، الناشر مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة.

٣٤١ - الوهّابية والتوحيد، الشيخ علي الكوراني العاملي، دار السيّدة - بيروت الطبعة الثانية ١٤١٩هـ .

٣٤٢ - هبة السماء رحلتي من المسيحية إلى الإسلام، علي الشيخ، الطبعة الأولى ١٤٢٠ - ٢٠٠٠م، دار الصادقين للطباعة والنشر - قم.

٣٤٣ - هذه هي الوهّابية، محمّد جواد مغنيه (ت١٤٠٠هـ).

٣٤٤ - هويّة التشيّع، الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، دارا لصفوة، بيروت - لبنان الطبعة الثالثة ١٤١٤هـ .

٣٤٥ - اليقين باختصاص مولانا علي(عليه السلام) بإمرة المؤمنين، السيّد رضي الدين علي ابن طاووس الحلي (ت٦٦٤هـ)، تحقيق: الأنصاري، المطبعة: نمونة الطبعة الأولى ١٤١٣هـ الناشر: مؤسسة دار الكتاب.

٣٤٦ - ينابع المودّة لذوي القربى، سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (ت١٢٩٤هـ)، تحقيق: سيّد علي جمال أشرف الحسيني دار الأسوة - قم الطبعة الأولى ١٤١٦هـ .

دلیل الکتاب

مقدّمة المركز.... 11

{١} كواكب هادي مهيدي (حنفية / العراق).... 13

{٢} كوسرت عبد الرحمن خوشناو (شافعي / العراق).... 15

{٣} ليلى عثمان عبد اللّه‌ (شافعيّة / العراق).... 19

{٤} ماجد الزهروني (صابئي / العراق).... 25

{٥} ماجد محمّد أحمد رشيد (حنفي / العراق).... 28

{٦} مازن محمّد أحمد رشيد (حنفي / العراق).... 33

{٧} مجيد قادر طه (شافعي / العراق).... 40

{٨} محمّد إبراهيم يونس (شافعي / العراق).... 46

{٩} محمّد كاظم عبّاس ليمي (حنفي / العراق).... 54

{١٠} محمّد جاسم اللهيبي (سنّي / العراق).... 56

{١١} محمّد خزعل عزيز (حنفي / العراق).... 60

{١٢} محمّد طه النعيمي (حنفي / العراق).... 65

{١٣} محمّد كاظم محمّد الدليمي (حنفي / العراق).... 69

{١٤} محمّد نديم الطائي (حنفي / العراق).... 74

{١٥} محمود التميمي (حنفي / العراق).... 79

{١٦} محمود جاف (شافعي / العراق).... 84

{١٧} مروان النقشبندي (شافعي / العراق).... 89

{١٨} مصطفى خلف البياتي (حنفي / العراق).... 99

{١٩} مصطفى شامل عبد العزيز الخضيري (سنّي / العراق).... 104

{٢٠} مصطفى شكر قادر (سنّي / العراق).... 108

{٢١} معروف علي الكرخي( ) (مسيحي / العراق).... 112

{٢٢} مقاتل بن عطيّة البكري (سنّي / العراق).... 117

{٢٣} مهيار بن مرزويه( ) (مجوسي / العراق).... 122

{٢٤} نجم آل قفطان (سنّي / العراق).... 126

{٢٥} نجم الدين هوارمي (شافعي / العراق).... 129

{٢٦} نصير علي الكاكائي (مُغال / العراق).... 134

{٢٧} نعمة حمد البدراني (حنفي / العراق).... 140

{٢٨} نوزاد طاهر الشريف (حنفي / العراق).... 144

{٢٩} نوزاد عزيز كريم (شافعي / العراق).... 149

{٣٠} هلال جميل الخيلاني (شافعي / العراق).... 153

{٣١} وهب بن وهب وأُمّه (مسيحي / العراق).... 156

{٣٢} ياقوت الدهان (سنّي / العراق).... 159

{٣٣} يحيى بن هرثمة (حشوي / العراق).... 161

{٣٤} يزداد الطبيب النصراني (مسيحي / العراق).... 164

{٣٥} يعقوب النصراني (مسيحي / العراق).... 166

{٣٦} يوحنّا بن سراقيون (مسيحي / العراق).... 169

{٣٧} يوسف غسّان الجبوري (سنّي / العراق).... 171

{٣٩} وليد بن حمود (إباضي / عمان).... 183

{٤٠} أبو بكر موسى (مالكي / غانا).... 189

{٤١} أحمد إبراهيم عبد المؤمن (وهّابي / غانا).... 196

{٤٢} جنيد عبّاس (مالكي / غانا).... 207

{٤٣} الحسن بابو (مالكي / غانا).... 214

{٤٤} سعيد زكريا علي (مالكي / غانا).... 217

{٤٥} سليمان أحمد نادي (سنّي / غانا).... 220

{٤٦} سليمان يعقوب بنداغوا (سني / غانا).... 228

{٤٧} عبّاس عثمان شعبان (مالكي / غانا).... 241

{٤٨} عبد الجليل عيسى ناوي (مالكي / غانا).... 249

{٤٩} عبد السلام عبد الحميد بنسي (وهّابي / غانا).... 252

{٥٠} عبد الكريم باته باري (مالكي / غانا).... 258

{٥١} عبد اللطيف سليمان (سنّي / غانا).... 269

{٥٢} عبد المؤمن لامجام (وثني ثمّ سنّي / غانا).... 279

{٥٣} علي طاهر لِمَان (مالكي / غانا).... 296

{٥٤} محمّد دار الحكمة (مالكي / غانا).... 326

{٥٥} محمّد كراووما لاغيسا (وثني، مسيحي، ثمّ سنّي / غانا).... 336

{٥٦} محمّد مرتضى البرا (شافعي / غانا).... 341

{٥٧} نور محمّد (مالكي / غانا).... 360

{٥٨} هارون كمغتي (مالكي / غانا).... 365

{٥٩} أمونا ريجاردز (عفيفة محمّدي) (مسيحيّة / غويانا).... 371

{٦٠} سالم عبد القادر (سنّي / غويانا).... 376

{٦١} لطيف علي (سنّي / غويانا).... 381

{٦٢} إبراهيم أحمد باه (مالكي / غينيا - كوناكري).... 385

{٦٣} أبو بكر صدّيق سيلا (مالكي / غينيا - كوناكري).... 389

{٦٤} أبو جعفر عثمان (مالكي / غينيا - كوناكري).... 396

{٦٥} آلفا عمر باه (مالكي ثمّ وهابي / غينيا - كوناكري).... 407

{٦٦} جرنو إبراهيم باه (مالكي / غينيا - كوناكري).... 411

{٦٧} جمال الدين كامارا (وهّابي / غينيا - كوناكري).... 414

{٦٨} داود سيسي (مالكي / غينيا - كوناكري).... 420

{٦٩} شريف إبراهيم (سنّي / غينيا - كوناكري).... 426

{٧٠} عبد الله جوغوباه (مالكي / غينيا - وناكري).... 439

{٧١} فودي جالو (مالكي / غينيا - كوناكري).... 445

{٧٢} كرفالا بنجوى (مالكي / غينيا - كوناكري).... 460

{٧٣} محمّد الطوري (مسلم / غينيا).... 468

{٧٤} محمّد بشير سوما (مالكي / غينيا - كوناكري).... 481

{٧٥} محمّد بيلو باري (مالكي / غينيا - كوناكري).... 489

{٧٦} محمّد بيلو جالو (سني / غينيا - كوناكري).... 494

{٧٧} محمّد حبيب سو (وهّابي / غينيا - كوناكري).... 502

{٧٨} محمّد رمضان جالوا (مالكي / غينيا - كوناكري).... 514

{٧٩} محمّد علي جلّو (مالكي / غينيا - كوناكري).... 523

{٨٠} محمّد مداني باه (مالكي / غينيا - كوناكري).... 528

المصادر.... 541