سیرة الحسین علیه السلام فی الحدیث و التاریخ جلد 2

ghaemiyeh.com

هویةالکتاب

سيرة الحسين(عليه السلام)

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء الحادي والعشرون

المركز الاسلامي للدراسات

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2016م - 1437هـ

حاد

المركز الاسلامي للدراسات

لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519

البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org

المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421

محرر الرقمي: ولي رادمرد

اشارة

سيرة الإمام الحسين

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء الثاني

المركز الإسلامي للدراسات

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى

1435هـ.- 2014م.

المركز الإسلامي للدراسات

الباب الثانی:

الفصل الرابع: الختان..

اشارة

ختان المولود:

من السنّة ختان المولود في اليوم السابع من ولادته، فعن أبي عبد اللّه الصادق «علیه السلام» قال: «اختنوا أولادكم لسبعة أيام، فإنّه أطهر، وأسرع لنبات اللحم، وإنّ الأرض لتكره بول الأغلف» (1).

وعن أمير المؤمنين «علیه السلام» في حديث عن الختان، قال: «..فإنه طهور للجسد» (2).

جبرائيل لم يذكر الختان:


1) راجع: الكافي ج6 ص34 وتهذيب الأحكام ج7 ص444 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص435 وراجع: ص439 و (الإسلامیة) ج15 ص161 وراجع: ص165 وبحار الأنوار ج101 ص108 و 109 و 124 ومرآة العقول ج21 ص62 والخصال للصدوق ص538 وعيون أخبار الرضا ص28 و (ط الأعلمی) ص31 ومستدرك الوسائل ج15 ص149 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص230 وصحيفة الرضا ص82

2) الخصال ص636 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص424 و 425 و (الإسلامیة) ج15 ص153 وبحار الأنوار ج10 ص114 وج101 ص110 ومستدرك سفينة البحار ج3 ص31

ويلاحظ: أن رواية الحسين بن خالد عن الإمام الرضا «علیه السلام» المتقدّمة (1)، لم تذكر الختان في جملة الأوامر التي أبلغها جبرائيل «علیه السلام» من اللّه عز وجل إلى رسوله «صلى اللّه عليه وآله»، لكي يجريها على الحسن والحسين في اليوم السابع من ولادتهما.

وهذا يدل على أن ما يذكر عن ختان أجراه الرسول «صلى اللّه عليه وآله» على الإمام الحسين «علیه السلام» غير صحيح، لاسيما مع ما دلّ على أن الإمام «علیه السلام» يولد مختونا كما سنرى.

إلا إن كان المقصود إمرار الموسى على الموضع إجراء للسنة، وتعليماً للأمة، ولم يتناف مع المنة والتفضل والكرامة..

الختان ليس تخطئة اللّه تعالى:

وقبل أن نشير إلى بعض ما ينبغي الإشارة إليه حول ما قيل أو يمكن أن يقال عن ختان الإمام الحسين «علیه السلام»، نقول: ذكر أحمد بن أحمد بن علي الطبرسي في كتاب الإحتجاج: أن من جملة أسئلة وج5ها زنديق إلى أبي عبد اللّه الصادق «علیه السلام»، وأجابه عليها. قول الزنديق: فأخبرني هل يعاب شيء من خلق اللّه وتدبيره؟!


1) تقدّمت في الجزء الأول في أول فصل: مراسم اليوم السابع

قال: لا.

قال: فإن اللّه خلق خلقه غر لا (1)، أذلك منه حكمة، أم عبث؟!

قال: بل منه حكمة

قال: غيرتم خلق اللّه، وجعلتم فعلكم في قطع الغلفة أصوب مما خلق اللّه لها، وعبتم الأغلف، واللّه خلقه، ومدحتم الختان وهو فعلكم.

أم تقولون: إن ذلك من اللّه كان خطأ غير حكمة ؟!

قال «علیه السلام»: ذلك من اللّه حكمة وصواب، غير أنه سن ذلك وأوجبه على خلقه، كما أن المولود إذا خرجمن بطن أمه وجدنا سرته متصلة بسرة أمه، كذلك خلقها الحكيم، فأمر العباد بقطعها، وفي تركها فساد بيّن للمولود والأم.

وكذلك أظفار الإنسان أمر إذا طالت أن تقلم، وكان قادراً يوم دبر خلق الإنسان أن يخلقها خلقة لا تطول.

وكذلك الشعر من الشارب والرأس، يطول فيجز.

وكذلك الثيران خلقها اللّه فحولة وإخصاؤها أوفق، وليس في ذلك عيب في تقدير اللّه عز وجل» (2).


1) جمع الأغرل، وهو الذي لم يختن

2) الإحتجاج للطبرسي ج2 ص227 و 228 و (ط دار النعمان) ص87 و 88 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص436 و (الإسلامیة) ج15 ص163 وبحار الأنوار ج10 ص173 و 174

ولد الحسين مختونا

وحول ختان الإمام الحسين «علیه السلام» نقول:

روي ما يلي:

ألف: عن الإمام الباقر «علیه السلام» أنه قال: «ختن رسول اللّه الحسن والحسين لسبعة أيام، وحلق رؤوسهما الخ..» (1).

ب: روی عبد اللّه بن جعفر الحميري، عن الحسن بن طريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه «علیهما السلام» قال: «سمى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» الحسن والحسين «علیهما السلام» لسبعة أيام، وعق عنهما لسبع، وختنهما لسبع، وحلق رؤوسهما لسبع، وتصدق بزنة شعور هما فضة (2).


1) مكارم الأخلاق للطبرسي ص58 و 59 و (ط أخرى) ج1 ص138 وبحار الأنوار ج101 ص120 ونحوه في روضة الواعظين ص172 وراجع: فتح الباري ج10 ص289 والمعجم الصغير ص185 وذخائر العقبى ص119 عن جابر، والذرية الطاهرة النبوية للدولابي ص123 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص55 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج26 ص347 و 349 عن ابن المكندر

2) قرب الإسناد ص122 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص439 و (الإسلامیة) ج15 ص165 وبحار الأنوار ج101 ص108 ومناقب أمير المؤمنين للكوفي ص107

ج: روى الطبراني بسنده عن الخدري، عن علي «علیه السلام» قال: «أما حسن وحسين ومحسن، فإنما أسماهم رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وعق عنهم، وحلق رؤوسهم، وتصدق بوزنها، وأمر بهم فَسُرُّوا وختنوا» (1).

المراد بقوله: فسروا هو قطع حبل السرة للمولود.

د: عن جابر: أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» عق عن الحسن والحسين، وختنهما (2).

هـ: وعن محمد بن المكندر أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» ختن


1) المعجم الكبير ج3 ص29 ومجمع الزوائد ج4 ص59 وقال: وفيه عطية العوفي وهو ضعيف وقد وثق . وتاريخ مدينة دمشق ج45 ص304 وسبل الهدى والرشاد ج9 ص94 و 368 وكنز العمال ج7 ص107 و (ط مؤسسة الرسالة) ج13 ص659

2) المعجم الأوسط ج7 ص12 والمعجم الصغير للطبراني ص45 ومجمع الزوائد ج4 ص59 وذخائر العقبى ص119 وسبل «علیه السلام» ص9 للكحلاني ج4 ص97 والسنن الكبرى للبيهقي ج8 ص324 وشعب الإيمان للبيهقي ج6 ص394 و 395 وكشف الخفاء للعجلوني ج1 ص68 والدر المنثور ج1 ص114 والكامل لابن عدي ج3 ص219 وميزان الاعتدال ص85 وبغية الطلب لابن العديم ج6 ص2573 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص55 وج9 ص94 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص517 وج26 ص22 وج33 ص407

الحسين لسبعة أيام (1).

ويبدو أنهما رواية واحدة، لأن محمد بن المكندر رواها عن جابر أيضاً.

ونقول:

لنا هنا وقفات:

هل خُتن الحسنان؟!:

صرحت الروايات: بأن الحسنين قد ختنا مع أن هناك ما يدل على عدم حصول ختان لأي إمام من الأئمة الاثنى عشر، فلعل المراد به أنه أمَرَّ الموسى عليه، حيث يبدو أن عدم الحاجة للختان الطبيعي هو السمة العامة في الأنبيّاء والأئمة الطاهرين «صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين»، ويدل على ذلك النصوصالتالية:

1-: روي أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» ولد مسروراً


1) ذخائر العقبى ص119 عن الدولابي، والسنن الكبرى للبيهقي ج8 ص324 ج8 المعجم الأوسط ج7 ص12 والمعجم الصغير للطبراني ص45 وشعب الإيمان للبيهقي ج6 ص394 و 395 والكامل لابن عدي ج3 ص219 وميزان الاعتدال ص85 وبغية الطلب لابن العديم ج6 ص2573 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص55 وشرح إحقاق الحق(الملحقات) ج26 ص22

مختونا (1).

أي أن سرته الموصولة بسرة أمه مقطوعة تلقائياً، فلم يكن هناك حاجة إلى من يقطعها.

2- روى الصدوق، عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس العطار، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن محمد بن الحسين بن [یـ] يزيد، عن أبي أحمد محمد بن زياد الأزدي قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر «علیهما السلام» يقول لما


1) مناقب آل أبي طالب ج1 ص31 وبحار الأنوار ج15 ص274 و 369 والمستدرك للحاكم ص602 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج1 ص51 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج12 ص444 والطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص103 والثقات لابن حبان ج1 ص42 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص80 و 411 و 414 والمختصر في أخبار البشر (تاريخ أبي الفداء) ج1 ص110 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص27 والبداية والنهاية ج2 ص324 و 325 وإمتاع الأسماع ج4 ص57 و ج10 ص310 و 317 و 318 ودلائل النبوة للبيهقي ج1 ص114 والعدد القوية ص118 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص208 و 209 والتحفة اللطيفة للسخاوي ج1 ص7 وكفاية الطالب اللبيب في خصائصالحببيب (الخصائصالكبرى) للسيوطي ج1 ص53 وسبل الهدى والرشاد ج1 ص347 وج10 ص480 ونهاية الأرب ج16 ص71 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج1 ص9

ولد الرضا «علیه السلام»: إن ابني هذا ولد مختونا، طاهراً مطهراً، وليس من الأئمة أحد يولد إلا مختونا طاهراً مطهراً، ولكن سنمر الموسى عليه، لإصابة السنة، واتباع الحنيفية (1).

3- وجاء في حديث ولادة الإمام الكاظم «علیه السلام»: أن أبا جعفر الباقر قال للإمام الصادق «علیهما السلام» عن أم ولده موسى «علیه السلام»: خذها إليك، بارك اللّه لك فيها، محفوظ عليك فرجها وبطنها.

فوطئها أبو عبد اللّه «علیه السلام»، فولدت له موسى بالأبواء مختونا مسرورا ..الخ ..(2).

4- روى الصدوق أيضاً، عن علي بن الحسن بن الفرجالمؤذن، عن محمد بن الحسن الكرخي عن أبي هارون رجلا من أصحابنا في حديث يرتبط بالإمام الحجة «علیه السلام» قال: «وكشفت الثوب


1) كمال الدين وتمام النعمة ص433 وروضة الواعظين ص260 و (ط أخری) (ص285 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص438 و (الإسلامیة) ج15 ص164 وخاتمة المستدرك ج5 ص144 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص230 ومدينة المعاجز ج8 ص38 و 39 وبحار الأنوار ج25 ص44 وج101 ص124 وسنن النبيّ للطباطبائي ص156

2) مدينة المعاجز ج5 ص204 عن الهداية الكبرى للخصيبي (مخطوط) ص50

عنه، فوجدته مختونا، فسألت أبا محمد «علیه السلام» عن ذلك، فقال: هكذا ولد، و هكذا ولدنا، ولكنا سنُمِرُّ الموسى عليه الإصابة السنة» (1).

5- عن أبي جعفر «علیه السلام»: «للإمام عشر علامات: يولد مطهراً، مختونا الخ ..» (2).

6- وروى الصدوق «رحمه اللّه» بسنده، عن محمد بن عثمّان العمري «قدس اللّه روحه» أنه قال: ولد السيد «علیه السلام» مختونا، وسمعت حكيمة تقول: لم يُرَ بأمّه دم في نفاسها، وهكذا سبيل أمهات الأئمة «علیهم السلام» (3).

7- عن إسحاق بن جعفر: أنه سمع آباء الإمام الصادق «علیه السلام» في حديث ذكر أن الإمام «علیه السلام» حين يخرجمن بطن


1) كمال الدين وتمام النعمة ص434 و 435 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص438 و (الإسلامیة) ج15 ص164 وإعلام الورى ص220 والغيبة للطوسي ص250 والخرائجوالجرائح ص957 وحلية الأبرار ص581 وإثبات الهداة ج7 ص20 ومدينة المعاجز ج8 ص38 وبحار الأنوار ج52 ص25

2) الكافي ج1 ص388 ومدينة المعاجز ج4 ص240 وينابيع المعاجز ص49 وبحار الأنوار ج25 ص168 ومرآة العقول ج4 ص268 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص234

3) كمال الدين وتمام النعمة ص433 ومدينة المعاجز ج8 ص38 وبحار الأنوار ج51 ص16

أمه يخرجمتربعاً .. إلى أن قال: «ويقع مسروراً مختونا». إلى أن قال: «وكذلك الأنبيّاء إذا ولدوا، وإنما الأوصياء أعلاق من الأنبيّاء» (1).

8- وفي خبر الشامي: أنه سأل علیاً «علیه السلام» من خلق اللّه من الأنبيّاء مختونا؟!

فقال: خلق آدم مختونا، وولد شيث مختونا، وإدريس، ونوح، وإبراهيم، و داود، وسليمان، ولوط، وإسماعيل، وعيسى، وموسى، ومحمد «صلی اللّه علیهم أجمعین» (2).

هل ختن إبراهيم الخليل؟!

إن محمد بن قزعة (لعل الصحيح: عرفة، كما في بعض النسخ) سأل الإمام الصادق «علیه السلام» عما يزعمه بعض الناس، من أن


1) الكافي ج1 ص387 و 388 ومدينة المعاجز ج4 ص239 وبحار الأنوار ج15 ص295 و 296 و ج25 ص45 و 46 ومرآة العقول ج4 ص265 - 266 ونور الثقلين ج3 ص336 وكنز الدقائق ج8 ص222

2) علل الشرائع ج2 ص594 وعيون أخبار الرضا ج1 ص219 وبحار الأنوار ج10 ص77 وج11 ص36 و ج12 ص3 وج12 ص151 وج14 ص2 و ج15 ص296 ومستدرك سفينة البحار ج3 ص29 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ص484 ونور الثقلين (تفسير) ج3 ص514 وكنز الدقائق (تفسیر) ج9 ص127

إبراهيم قد ختن نفسه بقدوم على دَن.

فقال «علیه السلام»: سبحان اللّه ! ليس كما يقولون، كذبوا على إبراهيم «علیه السلام».

قلت: وكيف ذاك؟!

فقال: إن الأنبيّاء «علیهم السلام» كانت تسقط عنهم غلفتهم مع سُرُرهم (جمع سُرَّة) في اليوم السابع.

ثمّ ذكر أن سارة عيّرت هاجر فيما تعير به الإماء (لعل المراد: أنها عيرتها بسواد اللون، أو المملوكية، أو نتن الرائحة، أو الخفض الذي صنعته بها).

فبكت هاجر. فلما ولدت سارة إسحاق سقطت عنه سرته، ولم تسقط غلفته.

ثمّ ذكر: أن السنة جرت بالختان في أولاد إسحاق، لأن سارة عيّرت هاجر (1).

وفي علل الشرائع: فجرت السنة بالختان في الناس بعد ذلك (2).


1) الكافي ج6 ص35 و 36 وروضة المتقين ج8 ص619 والمحاسن ج2 ص7 و 8 (ط دار الكتب الإسلامیة - طهران) ص300 و 301 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص435 و 436 و (الإسلامیة) ج15 ص162 ومرآة العقول ج21 ص63 و 64

2) علل الشرائع ص505 و 506 و (ط أخری) ج2 ص220 وبحار الأنوار ج12 ص100 و 101 وراجع ص12 و 8 وج101 ص113 ومستدرك سفينة البحار ج3 ص30 والنور المبين في قصصالأنبيّاء والمرسلين للجزائري ص124 والمحاسن ص7 و 8 والكافي ج6 ص35 ح 4 ووسائل الشيعة ج21 ص435 و 436

والمراد بالقدوم في قوله: «ختن نفسه بالقدوم» أحد احتمالين:

الأول: أنه ختن نفسه في موضع يقال له: قدوم، أو القدوم. وهو يقع على ستة أميال من المدينة. أو قرية بالشام.

الثاني: أن المراد به قدوم النجار.

والمراد بالدن: الراقود العظيم، الذي لا يقعد إلا أن يحفر له. والراقود وعاء كبير، توضع فيه المائعات، كالخل، وغيره.

وعلى كل حال، فإن الشخصالمروي عنه، إن كان هو ابن عرفة، فيمكن القول باعتبار الرواية.

ذيل الرواية مردود:

لا مجال لقبول ما ذكر في آخر هذه الرواية، عن أنه تعالى قد فرض الختان على إسحاق وولده، أو على عامة الناس بسبب تعيير أم إسحاق لضرتها..

فإن اللّه تعالى يقول: (وَلا تَزرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (1). فما ذنب


1) الآية 164 من سورة الأنعام، والآية 15 من سورة الإسراء، والآية 18 من سورة فاطر، والآية 7 من سورة الزمر، والآية 38 من سورة النجم

الناس، أو ما ذنب إسحاق، أو ولد إسحاق إذا كانت أم إسحاق قد فعلت هذا الأمر؟! أليس هذا مخالفا لحكم العقل والشرع والوجدان؟!

وهل يمكن أن يصدر عن رب العزة تبارك وتعالى أمر من هذا القبيل؟!

إلا أن يقال: لعل مورد هذه الرواية: أن هذا الأمر قد جرى لإسحاق وأبنائه الذين ولدوا على عهد سارة، فإن ما فعلته مع هاجر قد نشأ عنه حالة أوجبت أن لا تسقط غلفة ذريتها المباشرة، أو القريبة إليها. أما سائر الأنبيّاء من ذريتها، فلا ندري إن كان ذلك قد حصل لهم، أم لا ..

غير أن صدر الرواية ليس فيه إشكال، وهو مؤيد بالروايات التي ذكرناها، قبلها، فقد دلت على أن الأئمة الطاهرين، ونبيّنا الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» يولدون مختونين مسرورين. وفيها: أن هذا الأمر كان جارياً في الأنبيّاء السابقين كرامة من اللّه تعالى لهم.

وكل هذا الذي قدمناه يدل على عدم صحة ما ورد في مسائل عبد اللّه بن سلام لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ومنها قوله: هل اختتن آدم أم لا.

قال: نعم يا ابن سلام ختن نفسه بيده.

قال: صدقت یا محمد (1).

إلا أن يكون المراد: أنه أمر الموسى على الموضع، لعلمه - من حيث هو نبيّ - بأن اللّه تعالى يحب ذلك.

أول من اختتن إبراهيم:

وفى حديث أسئلة الشامى لعلى «علیه السلام» عن أول من أمر بالختان.

فقال: إبراهيم (2).

فإن هذا الحديث ينافي أيضاً ما قدمناه.

إلا إن كان المراد منه: أنه أمره بختان أولاده، أو غيرهم أو .


1) بحار الأنوار ج57 ص246 ومستدرك سفينة البحار ج3 ص30

2) بحار الأنوار ج10 ص79 ج73 ص69 و ج12 ص3 و 10 ونوادر الراوندي ص23 و (ط مؤسسة دار الحديث الثقافية - قم) ص147 وعن مكارم الأخلاق ص66 وعيون أخبار الرضا ص133- 137 و (ط الأعلمی) ج1 ص222 و علل الشرائع ص197- 199 و (ط المکتبة الحيدرية) ص596 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص443 و (الإسلامیة) ج15 ص168 وراجع: دعائم الإسلام ج1 ص124 ومستدرك الوسائل ج15 ص151 والنوادر للراوندي ص147 ومستدرك سفينة البحار ج3 ص31

أمره بإمرار الموسى على الموضع.

وقد تقرأ كلمة «أمر » بفتح الهمزة وفتح الميم، وقد تقرأ بضمها وكسر الميم، والأمر في ذلك سهل.

وعن علي «علیه السلام» في رواية أخرى: أنه قيل لإبراهيم «عليه السلام» تطهر، فحلق عانته.

ثمّ قيل له تطهر، فاختتن (1).

فيمكن أن يريد به الأمر بإمرار الموسى على الموضع أيضاً.

«تولى «صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ» أمر الحسنين (عَلَيهِما السَّلَامُ) » أوضح وأصرح:

ولسنا بحاجة إلى تذكير القارئ بما تضمنته الروايات الكثيرة جداً، من أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي سمى الحسنين «علیهما السلام»، وعق عنهما، وختنهما، وحلق رؤوسهما، وتصدق بزنة شعرهما، وغير ذلك. أي أنه تولى كل الشؤون المرتبطة بهما «علیهما السلام».

بل روي عنه «صلی اللّه علیه وآله» أنه قال: إن اللّه لم يبعث نبيّاً


1) دعائم الإسلام ج1 ص124 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج22 ص115 و (الإسلامیة) ج1 ص422 ومستدرك الوسائل ج1 ص413 وج15 ص149 وبحار الأنوار ج12 ص10 وج73 ص69 و 92 ونوادر الراوندي ص148 ومكارم الأخلاق ص59 و 60 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص606

قط إلا جعل ذريته من صلبه غيري، فإن اللّه جعل ذريتي من صلب على (1).

أما أبوهما علي «علیه السلام»، فلا نكاد نسمع له ذكرا في كل هذه الأمور، وكأنه لم يكن حاضراً أصلاً .

ولا نستطيع أن نعتبر أن كل هذا كان بدافع العاطفة من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، لكونهما ابني ابنته، ولا أن نضعه في دائرة المجاملات لابنته ولصهره وابن عمه.. فإنه «صلى اللّه عليه وآله» وإن كان هو الإنسان الكامل في كل شيء، بما في ذلك البعد العاطفي، وفي العلاقات الإنسانية وغيرها، ولا يفوته شيء من البر


1) كشاف القناع للبهوتي ج5 ص32 وروضة الواعظين ص95 ومناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص61 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص77 والروضة في فضائل أمير المؤمنين لابن شاذان ص179 والفضائل لابن شاذان ص154 وإقبال الأعمال ص246 والملاحم والفتن لابن طاووس ص393 وبحار الأنوار ج23 ص144 وج37 ص132 و 210 وج43 ص101 وراجع: تفسير القمي ج2 ص338 والتفسير الصافي ج2 ص61 والبرهان (تفسير) ج2 ص233 وج5 ص194 وتفسير كنز الدقائق ج4 ص179 وقاموس الرجال للتستري ج11 ص70 والكامل ج7 ص199 وميزان الاعتدال ج2 ص586 وج4 ص398 والدر النظيم ص308 وكشف اليقين ص420 واللمعة البيضاء ص243

والخير .. ولكنه كان في نفس الوقت رسولاً للإنسانية كلها، يعرف أن كل حركة، وكل سكون سيكون موضع دراسة وتأمل من مختلف الوجوه، ولا يدخر الناس وسعاً في فهم مراميه ومغازيه.

وقد يفهم منه وجوه ومعان لها آثارها في مجال التشريع، أو في موضوع الأسوة والقدوة، أو في جهات إيمانية واعتقادية، أو فيما يرتبط بالمشاعر والأحاسيس، وغير ذلك.

ويعرف أن الناس سوف يتعاملون معها على أنها صادرة من شخص(لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).. وبذلك يتم تلقيها على أنها شرع ودين، ولها دلالات وتوجيهات يريد أن يبلغهم إياها بهذه الطريقة من موقع رسوليته..

فلو لم تكن لها هذه الصفة، ولم تحمل معها هذه المعاني، فإن إقدامه على أي تصرف أو حركة منها يكون إغراء بالجهل، بل هو إقدام على ما لم يأذن به اللّه تعالى.

وهذا ما لا يمكن صدوره منه «صلی اللّه علیه و آله»..

وهو يكفي دليلا على أن كل هذا الذي نراه ونسمعه منه «صلی اللّه علیه وآله» في مقام التعامل مع الحسنين «علیهما السلام»، أو مع أي إنسان آخر في أي مجال كان ما هو إلا في نطاق التشريع، والدعوة، وإبراز الإرادة الإلهية، وتنفيذ السياسة الربانية، وتعمد إبلاغ الأمة هذه المعانى والدلالات بطريقة مؤثرة هي أبلغ من القول، وأصرح في الدلالة، وأثبت في الوجدان.

سنمِرُّ الموسى عليه:

1- أظهر ما تقدم: أن إمرار الموسى على الموضع حين يولد الطفل الذي يكون غير محتاجإلى الختان، لا يحتاجإلى النظر والملامسة للموضع، لا سيما إذا كان الذين سوف يقومون بهذا الأمر هم أحرصالخلق على رضا اللّه، وأعرفهم بكيفيات إجراء الأمور وفق الإرادة الإلهية الواقعية في أدق الجزئيات والتفاصيل.

2- قوله «علیه السلام»: «سنُمِرُّ الموسى عليه» يشير إلى أمرين:

أحدهما: أن قوله هذا قد كان بعد الولادة، وقبل اليوم السابع.

الثاني: إن الوفاء بالوعد سيكون في اليوم السابع من مولده «علیه السلام»، لأن السنة هي أن يكون الختان في اليوم السابع كما ورد في الروايات.

الفصل الخامس: تسمية المولود..

اشارة

من حمل الوليد إلى الرسول عالية «صَلَّى اللّه علیه وآله»:

وقد صرحت بعض الروايات: أن أسماء بنت عميس هي التي جاءت بالحسين حين ولد إلى جده، ليؤدّن ويقيم في أذنيه، ويجري سائر المراسم المطلوبة عليه (1).


1) عيون أخبار الرضا ص25 و 26 و (ط مؤسسة الأعلمي سنة 1404هـ ق) ص28 و 29 وبحار الأنوار ج101 ص111 و 112 وج43 ص238- 240 وراجع: ص241 و 245 وج44 ص250 والعوالم، الإمام الحسين ص20 و 141 ومستدرك سفينة البحار ص299 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص149 و 150 وراجع: وسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص408 و (الإسلامیة) ج15 ص139 والأمالي للصدوق ص197 والأمالي للطوسي ص367 وينابيع المودة ص367 ص200 و 201 و (ط اسلامبول) ص432 وراجع: تاريخ الخميس ج1 ص117 و 118 و علل الشرائع ج1 ص137 ومعاني الأخبار ص57 وصحيفة الرضا «علیه السلام» 66- 68 وروضة الواعظين ص153 و 154 وإعلام الورى ج1 ص411 وذخائر العقبى ص120 و (ط سنة 1428هـ) ص33 و 34 وأسد الغابة (ط مصر) ج5 ص483 ونظم درر السمطين ص194 والصواعق المحرقة ص192 ومسند زيد بن علي ص466 و 467 و 468 والأنوار البهية ص85 وروضة الواعظين ص153 و 154 وجامع أحاديث الشيعة ج21 ص341 والرياض النضرة (ط الخانجي بمصر) ج3 ص164 ووسيلة المآل (مخطوط في المكتبة الظاهرية بدمشق) ص160 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص87 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص189

لكن بعض الروايات كرواية عكرمة تقول: إن فاطمة «عليها السلام» هي التي جاءت بولديها إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حينما ولدا (1).

وهناك نصثالث يقول: إن صفية بنت عبد المطلب هي التي جاءت به إلى الرسول في تلك اللحظة (2).


1) علل الشرائع ج1 ص139 ومعاني الأخبار ص57 و 58 ومدينة المعاجز ج3 ص228 و 443 وبحار الأنوار ج43 ص242 والعوالم الإمام الحسين ص27 والمصنف للصنعاني ج4 ص335 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج19 ص185 عن وسيلة النجاة (ط گلشن فيض في لكهنو) ص261 عن البغوي في الإيضاح، وابن حجر في الصواعق، و ج26 ص7 عن عيون الأخبار في مناقب الأخيار (نسخة مكتبة الفاتيكان) ص49

2) الأمالي للصدوق ص136 و (ط مؤسسة البعثة) ص198 و 199 وروضة الواعظين ص155 وعيون المعجزات ص55 وبحار الأنوار ج43 ص243 و 256 والعوالم الإمام الحسين ص12 و 13 وشجرة طوبى ج2 ص261 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص305

ونقول:

أولاً: لعل الأمر قد اشتبه على بعض الرواة، بأن يكون واقع الأمر أنه كانت هناك أكثر من مناسبة طلب النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» فيها أن يؤتى إليه بذلك الطفل، وكانت واحدة من هؤلاء النسوة تأتيه به «علیه السلام» في كل مناسبة منها، فخلط الرواة بين المناسبات، وبين آحاد هؤلاء النسوة.

فلعله قد أتى إليه «صلی اللّه علیه وآله» بالحسين مثلا: مرة حين ولادته، ومرة في يوم سابعه حين أراد تسميته، ومرة حين حلق «صلی اللّه علیه وآله» رأسه، وطلاه بالخلوق، ومرة حين أراد أن يعق عنه، أو حين أراد أن يحنكه بريقه، أو غير ذلك.

ولسنا بصدد التدقيق والتحقيق في هذا الأمر.. لأننا لا نرى أن ثمّة ثمّرة مهمة تترتب عليه.

ثانياً: إن أسماء بنت عميس لم تكن حاضرة في ولادة الإمامين الحسنين «علیهما السلام»، لأنها كانت في الحبشة مع زوج5ا جعفر، وهذا يؤكد صحة أنها تروي عن أسماء أخرى، كما ظهر من الرواية التي رواها الصدوق «رحمه اللّه» في كتابه: عيون أخبار الرضا. وقد ذكرنا ذلك في موضعه من الجزء الأول.

تسمية المولود في اليوم السابع:

دلت الأخبار والآثار على أن تسمية المولود، وحلق رأسه، والتصدق بوزن شعره فضة والعقيقة عنه، كل ذلك يكون في اليوم السابع (1).

وعن الحسين بن علوان، عن جعفر عن أبيه «عليهما السلام» قال: «سمی رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» الحسن والحسين «علیهما السلام» لسبعة أيام، وعق عنهما لسبع، وختنهما لسبع، وحلق رؤوسهما لسبع، وتصدق بزنة شعورهما فضة» (2).

وعن عمران بن سليمان: قال الحسن والحسين من أسماء أهل الجنة، لم يكونا في الجاهلية (3).


1) راجع: وسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص420 - 424 و (الإسلامیة) ج15 ص149- 153 ومستدرك الوسائل ج15 ص142- 146

2) قرب الإسناد ص122 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص439 و (الإسلامیة) ج15 ص165 وبحار الأنوار ج101 ص108

3) الصواعق المحرقة ص190 وتاريخ الخلفاء ص188 وثلاثيات مسند أحمد ص557 وتاريخ الخميس ج1 ص418 وذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي القاهرة سنة 1356هـ ق) ص119 عن الدولابي، وشرح الأخبار ج3 ص89 وأسد الغابة ص18 وتاريخ الخلفاء ص188 وبحار ص89 ج2 ص18 الأنوار ج43 ص252 عن المناقب، وبهجة المحافل ج1 ص196 وإحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص488- 491 وج19 ص183 وعن حلى الأيام ص218 وتاريخ مدينة دمشق ج13 ص171 وترجمة الإمام الحسن من طبقات ابن سعد ص35 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص56 وترجمة الإمام الحسن من تاريخ ابن عساكر ص17 وإمتاع الأسماع للمقريزي ج5 ص358 وفيض القدير ج1 ص138 والذرية الطاهرة النبوية ص100

وعن عمران بن سليمان أيضاً، قال: أهدى جبرئيل إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» اسم الحسن بن علي «علیه السلام»، وخرقة حرير من ثياب الجنة، واشتق اسم الحسين من اسم الحسن «علیهما السلام» (1).

وعن الإمام الرضا «علیه السلام» عن آبائه، عن الإمام السجاد «عليه وعليهم السلام» قال: إنه «صلی اللّه علیه وآله» سمى حسنا يوم سابعه، واشتُقَّ من اسم حسن حسين. وذكر أنه لم يكن بينهما إلا الحمل (2).


1) علل الشرايع ج1 ص139 ومعاني الأخبار ص58 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج21 ص408 و 409 و 410 و (الإسلامیة) ج15 ص141 ودلائل الإمامة ص159 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص166 وبحار الأنوار ج43 ص241 و 251 و 253، والعوالم الإمام الحسين ص28 وشجرة طوبى ص259 ومستدرك سفينة البحار ص299 وعيون أخبار الرضا ص42

2) صحيفة الرضا ص73 و (نشر مؤسسة الإمام المهدي - قم المقدسة سنة 1408هـ ق) ص250 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص88 وعيون أخبار الرضا ص42 ومسند زيد بن علي ص469

ونقول:

من أسماء أهل الجنة:

يلاحظ في رواية عمران بن سليمان ما يلي:

1- إن ما ذكره عمران ليس أمراً يعرف بالتأمل والفكر، والاجتهاد، بل يؤخذ عن المعصوم الذي يخبر عن الغيب الإلهي الذي تلقاه بالوحي عنه سبحانه. أو بأي وسيلة أخرى هيأها له، ولو بأن يكشف له عن اللوح المحفوظ. أو غير ذلك.

2- إن كون الاسمين من أسماء أهل الجنة يحتاجإلى توضيح، فإن الجنة خلقت لمن أطاع اللّه، فلعل اللّه خلق ملائكة على هيئة الحسن والحسين «علیهما السلام»، فسميا بأسمائهما في الجنة، تماماً كما ورد في روايات المعراج، من أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» قد رأى صورة علي «علیه السلام» في السماء الرابعة، فسأل جبرئيل عنه، فأوحي إليه: أن هذا ملك في صورة علي بن أبي طالب، يزوره كل يوم سبعون ألف ملك (1).

وفي نص:آخر أن الملائكة اشتاقوا إلى علي «علیه السلام»،


1) بحار الأنوار ج39 ص210 و211 وبشارة المصطفى ص196 و (ط جماعة المدرسين سنة 1420 هـ ق) ص253

فسألوا ربهم أن يكون من على صورته فيرونه (1).

ونص ثالث يقول: إن العرش اشتاق إلى رؤيته، فخلقه تعالى لينظر إليه العرش، ليسكن شوقه (2).

وهذه الروايات وإن كان فيها خفاء، إلا أنها تشير إلى أن كل الأشياء لها درجة من الشعور والإدراك، وأن لها ارتباطاً بنحو ما برواد الصلاح، والإصلاح، ورعاة مسيرة الكمال والخير في هذا الكون..

الحسن والحسین اسمان جدیدان:

1- قالوا: إن العرب ما كانوا يعرفون اسمي الحسن والحسين قبل


1) مناقب آل أبي طالب ج1 ص400 و (ط المکتبة الحيدرية) ص73 ج1 وبحار الأنوار ج39 ص98 و 109 عنه، وراجع: ج18 ص354 ونهج الإيمان ص635 وراجع: عيون أخبار الرضا ص139 والعقد النضيد والدر الفريد ص31 والجواهر السنية ص253 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص137

2) مناقب آل أبي طالب ج1 ص400 و (ط المکتبة الحيدرية) ص73 وبحار الأنوار ج39 ص97 عنه، والبرهان (تفسير) ج4 ص736 وتفسير كنز الدقائق ج11 ص349 ونهج الإيمان ص634 و635 وتأويل الآيات الظاهرة ص525 و 526 والصراط المستقيم ج1 ص244

تسمية النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» ابنيه«علیهما السلام» بهذين الاسمين. لا الذين كانوا من ولد نزار ولا اليمن، مع سعة أفخاذهما، وكثرة ما فيهما من الأسامي. وإنما يعرف فيها حَسن وحسين، على وزن سعد وسعيد فهما اسمان ادخرهما اللّه تعالى لهما (1).

2- إن هذا هو ما أشير إليه آنفاً فيما روي عن عمران بن سليمان من أن الحسن والحسين من أسماء أهل الجنة، لم يكونا في الجاهلية.

وإن جبرئيل أهدى اسم الحسن إلى الرسول، واشتق منه اسم الحسين.

وإهداء هذين الاسمين لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يشير


1) مناقب آل أبي طالب ج3 ص166 وبحار الأنوار ج43 ص252 و 253 عن المناقب، عن أبي الحسين النسابة، والعوالم الإمام الحسين عليه «علیه السلام» ص27 وتاريخ الخميس ج1 ص418 وراجع: شرح الأخبار ج3 ص89 وذخائر العقبى ص119 وشجرة طوبى ص259 ومائة منقبة لابن شاذان ص22 والذرية الطاهرة للدولابي ص100 وتاريخ مدينة دمشق ج13 ص171 ومدينة المعاجز ج3 ص226 و 227 و444 وإمتاع الأسماع ج5 ص358 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص56 وينابيع المودة ص483 وترجمة الإمام الحسن «علیه السلام» من طبقات ابن سعد ص35 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص488 وج19 ص183 وج26 ص47 وليراجع أسد الغابة أيضاً

إلى أنهما لم يكونا متداولين، وإلا فإن الهدية لاسم متداول تصبح غير ذات معنى.

3- إن هذه كرامة إلهية ظاهرة لا تختصبالحسنين «علیهما السلام»، فإن أسماء أسماء جميع أهل البيت المعصومين «عليهم السلام» لم تكن متداولة عند الجاهليين، والمنحرفين والعصاة.

وإن كان أحد قد سمى بما يشبه أسماء بعضهم، فلأنه قد سمع من أهل الدين العارفين أسماء هؤلاء الذين اختارهم اللّه، وأطلع أنبيّاءه من لدن آدم «علیه السلام» على ما أكرمهم به، وعلى ما لهم من مقام محمود عنده. فسمى بعضهم أولادهم بأسمائهم تيمنا، وتوقعا، ورجاء أن يكون من يسميه من أبنائه هو المعني بما بلغه. فينال بذلك الشرف العظيم.

4- إن ما ذكر من أن اسمي الحسن والحسين لم يكونا متداولين في الجاهلية، لا ينافي ما سيأتي من أنه «صلی اللّه علیه وآله» سماهما باسمي ابني هارون..

فأولاً: إن هارون وأبناءه كانوا من بني إسرائيل، والكلام هنا مفاده: أن هذين الاسمين لم يكونا في العرب، وهذا صحيح هنا. أما بنو إسرائيل، فليسوا من العرب.

ثانياً: إن أسماء أولاد هارون لم تكن عربية، بل كانت عبرية: شبر وشبير ومشبر . ولكن معناها في العربية هو: حسن وحسين

ومحسن.

اسم الحسين مشتق من الحسن:

1- روي عن أبي محمد «علیه السلام»، وهو الحادي عشر، قال في حديث:

«.. ولما ولد أهدى جبرئيل اسمه في خرقة حرير من ثياب الجنة. واشتق اسم الحسين من اسم الحسن» (1).

2- وعن جعفر بن محمد، عن أبيه «علیهما السلام» قال: أهدى جبرئيل «علیه السلام» إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» اسم الحسن بن علي في خرقة من حرير من ثياب الجنة.

واشتق اسم الحسين من الحسن «علیهما السلام» (2).


1) موسوعة الإمام الحسين ج20 ص206 عن دلائل الإمامة للطبري ص60 و(ط مؤسسة البعثة) ص159 ومدينة المعاجز ج3 ص228

2) علل الشرائع ج1 ص139 ح 9 ومعاني الأخبار ص58 ومدينة المعاجز ج3 ص228 و 443 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص410 ووسائل الشيعة (الإسلامیة) ج15 ص141 ومستدرك سفينة البحار ص299 وبحار الأنوار ج43 ص241 و 342 ح 11 وحلية الأبرار ج3 ص19 ح 6 والعوالم ج16 ص27 ح 9 و ج17 ص28 ح ه وج17 ص28 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج26 ص342 عن عيون الأخبار في مناقب الأخيار (نسخة مكتبة الفاتيكان) ص47

3- وعن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» سمى حسناً وحسيناً يوم سابعهما، واشتق اسم حسين من حسن (1).

4- حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثمّ العجلي، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى بن زكريا القطان قال: حدثنا بكر بن عبد اللّه بن حبيب، قال: حدثنا أبو محمد تميم بن بهلول، عن أبيه، عن عبد اللّه بن الفضل الهاشمي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده «عليهم السلام» قال:كان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ذات يوم جالساً وعنده على وفاطمة والحسن والحسين «علیهم السلام»، فقال: والذي بعثني بالحق بشيرا، ما على وج5 الأرض خلق أحب إلى اللّه عز وجل، ولا أكرم عليه منا.


1) موسوعة الإمام الحسين ج20 ص197 و 218 و 228 وترجمة الإمام الحسن «علیه السلام» لابن سعد ص33 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص34 وعلل الشرايع ج1 ص167 و (ط المکتبة الحيدرية) ج1 ص139 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص56 وشرح نهج البلاغة للمعتزلى ج16 ص9 وذخائر العقبى ص119 والسنن الكبرى ج9 ص9 ص304 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص120 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص500 وراجع: بحار الأنوار ج43 ص240 وج101 ص127 وصحيفة الرضا ص250 وعيون أخبار الرضا ص46

إن اللّه تبارك وتعالى شق لي اسماً من أسمائه، فهو محمود وأنا محمد.

وشق لك يا علي اسماً من أسمائه، فهو العلي الأعلى وأنت علي.

وشق لك يا حسن اسما من أسمائه، فهو المحسن وأنت حسن.

وشق لك يا حسين اسما من أسمائه، فهو ذو الإحسان وأنت حسين.

وشق لك يا فاطمة اسما من أسمائه، فهو الفاطر وأنت فاطمة.

ثمّ قال «صلی اللّه علیه وآله»: اللّهم إني أشهدك أني سلم لمن، سالمهم وحرب لمن حاربهم، ومحب لمن أحبهم، ومبغض لمن أبغضهم، وعدو لمن عاداهم، وولي لمن والاهم، لأنهم مني وأنا منهم (1).

5- عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لعلي بن أبي طالب «علیه السلام»: لما خلق اللّه تعالى ذكره آدم، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، وزوج5 حواء أمته، فرفع طرفه نحو العرش، فإذا هو بخمس سطور مكتوبات.

قال آدم: یا رب ما هؤلاء؟


1) معاني الأخبار ص55 و 56 وإثبات الهداة ج1 ص487 و 488 وبحار الأنوار ج37 ص47 و ج15 ص14 و 15 وموسوعة الإمام الحسين ج20 ص856 و 857 عنهم

قال تعالى: هؤلاء الذين إذا شفعوا بهم إلى خلقي شفعتهم.

فقال آدم: یا رب، بقدرهم عندك ما اسمهم؟!

فقال: أما الأول، فأنا المحمود وهو محمد.

والثاني، فأنا العالي وهذا علي.

والثالث، فأنا الفاطر وهذه فاطمة.

والرابع، فأنا المحسن وهذا الحسن.

والخامس، فأنا ذو الإحسان، وهذا الحسين.

كل يحمد اللّه تعالى (1).

6- الأعمش، قال: حدثني مورق، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: سمي الحسن حسناً، لأن بإحسان اللّه قامت السماوات والأرض، والحسن مشتق من الإحسان.

وعلي والحسن إسمان [مشتقان] من أسماء اللّه تعالى.

والحسين تصغير الحسن (2).


1) علل الشرايع ج1 ص163 و 164 و (ط المکتبة الحيدرية) ج1 ص135 ومعاني الأخبار ص56 و 57 ومدينة المعاجز ج3 ص442 و 443 ص56 وبحار الأنوار ج27 ص3 و 4 و ج15 ص14 و 15 وموسوعة الإمام ص3 الحسين ج20 ص213 عنهم

2) ماءة منقبة لابن شاذان ص21 و 22 ومدينة المعاجز ج3 ص226 و227 و 444 وشرح الشافية لابن أمير الحاجص93 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص398 و (ط المکتبة الحيدرية) ج3 ص166 وبحار الأنوار ج3 ص252 والعوالم ج16 ص25 و ج17 ص27 وموسوعة الإمام الحسين ج20 ص225 عنهم

7- عن عكرمة قال: لما ولدت فاطمة الحسن أتت به النبيّ «صلی اللّه علیه وآله»، فسماه حسنا، فلما ولدت حسيناً أتت به النبيّ «صلی اللّه علیه وآله»، فقالت: هذا أحسن من هذا، فشق له من اسمه، وقال: هذا حسين (1).

ونقول:

في هذه النصوصأمور عديدة تحتاجإلى بيان.


1) تاريخ مدينة دمشق ج13 ص171 وج14 ص119 ومختصر تاریخ دمشق ج7 ص117 وبغية الطلب ج6 ص2567 وموسوعة الإمام الحسين ج20 ص239 عنهم، وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص17 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص33 و 34 وترجمة الإمام الحسن من طبقات ابن سعد ص36 والمصنف للصنعاني ج4 ص335 وتهذيب الكمال ج6 ص224 وسير أعلام النبلاء ج3 ص248 و راجع: علل الشرائع ج1 ص139 ومعاني الأخبار ص57 و 58 ودلائل الامامة ص159 ومدينة المعاجز ج3 ص228- 229 وج3 ص443- 444 وبحار الأنوار ج43 ص242 والعوالم، الإمام الحسين ص27 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص500 و 501 وج19 ص185 وج27 21

اسم الحسين في حريرة الجنة:

إن أول ما لفت نظرنا: أن الرواية عن الإمام العسكري تصرح بأن اسم الحسين «علیه السلام»، أهداه جبرئيل «علیه السلام» في خرقة حرير من الجنة.

ويؤيد ذلك: ما ذكرناه تحت عنوان الحسن والحسين من أسماء أهل الجنة، فقد روي عن عمر بن سلمان وعمرو بن ثابت، قالا: الحسن والحسين من أسامي أهل الجنة، ولم يكونا في الدنيا .

ونقول:

إذا كان اسم الحسين «علیه السلام» قد أهداه جبرئيل في خرقة من حرير الجنة .. فإن من حقنا أن نرتاب فيما يزعمونه، من أن جبرئيل قد جاء بصورة عائشة إلى النبيّ من الجنة، لكي يغريه بأن يتزوج5ا... حيث قد يظهر لنا: أن حديث عائشة هذا قد سرق من الحسين «علیه السلام»..

وتوضيح ذلك:

أنهم يذكرون أولاً: أن عروة ابن أخت عائشة ادَّعى: أنه لما ماتت خديجة حزن عليها النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» حزنا شديدا، فبعث اللّه جبرئيل، فأتاه بعائشة في مهد، وقال: يا رسول اللّه هذه

تذهب بعض حزنك، وإن في هذه خلفاً من خديجة، ثمّ ردها الخ .. (1).

مع أن خديجة قد ماتت بعد البعثة بعشر سنوات، وهم يدعون أن عمر عائشة حين موت خديجة كان ست سنوات.

ونحن استناداً إلى الأدلة نقول:

إن عمرها حينئذٍ كان حوالي عشرين سنة، أو أقل بقليل، فما معنى أن يأتيه بها جبرئيل في مهد؟!

ويذكرون ثانياً: إنها تقول: إنه «صلی اللّه علیه وآله» رآها في المنام مرتين، وأنه أتي بها في سرقة من حرير، فأكشفها، فإذا هي أنت.

قال: فيقال: هذه امرأتك الخ . . (2).


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص78 والمستدرك للحاكم ج4 ص5 والخصائص الكبرى ج1 ص181 وعن الإجابة للزركشي ص53

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص67 و 64 وراجع: أسد الغابة ج7 ص186 والجامع الصحيح للترمذي ج5 ص704 والإستيعاب (مطبوع) مع الإصابة ) ج4 ص356 و (ط دار الجيل) ج4 ص1881 ومسند أحمد ج6 ص41 و 128 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج4 ص252 وج6 ص131 و ج7 ص220 و ج8 ص75 و 76 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج7 ص134 والسنن الكبرى للبيهقي ج7 ص85 وعمدة القاري ج17 ص35 وج20 ص120 وج24 ص150 ومسند ابن راهويه ج2 ص199 ومسند أبي يعلى ج7 ص472 وج8 ص74 والمعجم الكبير ج23 ص19 و 20 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج12 ص135 وأحكام القرآن لابن العربي ج4 ص31 وتاريخ بغداد ج3 ص46 وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ص240 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ج1 ص280 والوافي بالوفيات ج16 ص341 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص160 و 161 وإمتاع الأسماع ج11 ص235 و 236 والروض الأنف ج4 ص19 والسيرة النبوية لابن كثير ج2ص140

وعن عائشة أيضاً: «وجاءه جبرئيل بصورتي من السماء في حريرة، وقال: تزوج5ا، فإنها امرأتك» (1).

وفي نص آخر: وأري صورتي في حريرة (2).

وفي نص آخر: أتاه الملك بصورتي في كفه لينظر إليها (3).


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص63 والدر المنثور ج5 ص32 وسبل ص63 الهدى والرشاد ج11 ص178 والمحاضرات والمحاورات للسيوطي ص184 و 185 وراجع: أسد الغابة ج7 ص188 وعمدة القاري ج20 ص75

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص59

3) الإصابة ج4 ص360 و (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص234 والمعجم الكبير ص30 والطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص65 والمحاضرات والمحاورات للسيوطي ص185 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص178

وفي نص آخر عنها: إن الملك هو جبرئيل (1).

والتناقض ظاهر في هذه النصوص، فهل رآها في المنام؟! أم جاءه بصورتها في اليقظة ؟! وهل كانت صورتها في كفه؟! أم في حريرة؟! أم جاءه بنفس عائشة في مهد ؟! وهل جاءه بصورتها من السماء؟! أو في المنام؟! أو أري صورتها في حريرة؟! أم ماذا؟!

إن هذا التناقض يشير إلى أن من يريد التسويق لهذا الأمر ينسى أقواله، فتأتى متخالفة متناقضة

والظاهر: أن هذه الأحاديث قد راجت في أيام المنع من حديث رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وحينما أرسل معاوية أمرا إلى سائر البلدان يأمر الوضاعين بأن لا يبقوا فضيلة لعلي وأهل بيته، إلا جاؤوه بمثلها لمناوئيهم.. ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك. والمراجع للأحاديث يلمس هذا التشابه والظاهر أن هذا من ذاك.

صورة على جمل:

ولعل في الأمر سراً تكشفه لنا هذه الرواية:

علي بن مسهر [من رجال الصحاح الستة] عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: إني رأيتك فى المنام مرتين، أرى جملاً يحملك في سدافة من حرير، فقال:


1) الإصابة ج4 ص360 و (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص234 وبغية الطلب لابن العديم ج6 ص2856 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص178

هذه امرأتك.

فأكشفها، فإذا هي أنت» (1).

ونقول:

1- إن هذا الحديث يمثل تحذيراً لعائشة، من أن تكون هي صاحبة الجمل الأدبب التي تنبحها كلاب الحوأب، فإن رؤيا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» من الوحي.

2- صرحت الرواية: بأن هذا التحذير لها قد حصل مرتين. ربما لكي لا يتوهم أحد أن هذا مجرد منام، أو لعله يريد أن يرمز إلى أمر آخر لا ربط له بركوب الجمل في حرب الجمل.

3- واللافت هنا: أن عائشة نفسها هي التي تروي لنا هذه الرؤيا، أو فقل هذا الوحي الإلهي، ثمّ يرويه عنها اثنان من أهلها وذويها، وهما: هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه عروة، وعروة هو ابن أخت عائشة.

4- قد يحق لنا أن نشك كثيرا في أن محبي عائشة قد تنبهوا للأمر، فحذفوا كلمة الجمل من الرواية (المتقدمة ص42)، وأبقوا


1) الجمل للشيخ المفيد (ط مكتبة الداوري - قم) ص231 والكافئة في إبطال توبة الخاطئة للشيخ المفيد ص36 ووقعة الجمل لابن شدقم ص42 وبحار الأنوار ج32 ص285

بقيتها، لكي يوهموا الناس: أن هذه الصورة كانت قد جاءت النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» قبل أن يتزوجعائشة بعد موت خديجة «عليها السلام»(1).

5- ولكن الغريب في الأمر: أنهم أضافوا على الرواية عبارة - زعموا أن النبيّ قالها-: «إن يكن من عند اللّه يمضه». مع أن الإضافة مكذوبة قطعاً لسببين:

الأول: إن الملك أو جبرئيل هو الذي كان يأتيه بالصورة، فما سبب تشكيك النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» بأن تكون من عند اللّه، أو ليست من عنده.

الثاني: إن من المعلوم أن رؤيا الأنبيّاء من الوحي الإلهي، ولا يمكن أن تكون أضغاث أحلام.


1) صحيح البخاري (ط سنة 1309 هـ) ج3 ص153 وراجع: كتاب التعبير من البخاري باب 20 و 21 ومناقب الأنصار باب 44 وصحيح مسلم (ط دار الحديث سنة 1412هـ) ج4 ص1889 و 1890 وسنن الترمذي جه ص363 وأسد الغابة ج5 ص503 والبداية والنهاية ج3 ص161 والوافي بالوفيات ج16 ص342 وتاريخ الإسلام للذهبي ج4 ص246 وسير أعلام النبلاء ج2 ص140 وشرح مسند أبي حنيفة ص254 وصحيح ابن حبان ج16 ص6 ومسند ابن راهويه ج3 ص650 والمعجم الكبير للطبراني ج23 ص20 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص165 والسيرة النبوية لابن كثير ص140 ومسند أحمد ج6 في مواضع عديدة

اشتقاق اسم الحسين «علیه السلام» الثلام:

ذكرت الروايات: أن اسم الحسين مشتق من اسم الحسن. وفي بعض الروايات: أنه مأخوذ من إحسان اللّه، وأن علیاً مشتق من العالى، واسم فاطمة مشتق من فاطر. وغير ذلك.

هل المقصود الاشتقاق الكبير؟!

ويبدو لنا: أن هذه الروايات لا تتحدث عن الاشتقاق بمعناه الاصطلاحي المتداول، بل الظاهر: أن المراد به الاشتقاق الكبير، وهو كما قالوا:

الاتفاق في الحروف الأصول، مع عدم الالتزام بالترتيب، مثل: القمر، والرقم والمرق.

ومثل: الصلاة التي ينتظم من حروفها عدة صيغ، مثل: الصلة، الوصلة الوصل، الوصال، والصولة..

ويطلق على هذا الاشتقاق في علم الحروف عبارة: «حقائق الارتباط».

وهذه الحقائق يجمع بينها معنى مشترك، هو الجامع المعتبر في هذه التراكيب، الذي يعطي معنى الجمع، والتقريب، والاتباع

والتوحيد (1).

ومن الاشتقاق الكبير المضاعف الذي يلحقه الإبدال والحذف، ما هو مثل: أحسست وأحسيت، وأمليت، وأمللت، وتقضى البازي، وأصله تقضض، فلثقله بالتضعيف أعطي حكم حرف العلة ..

وأما فاطمة وفاطر الذي تتغاير فيه المادة، فهو من قبيل: نعب ونعق ونهق، فإن قلب الحروف لا يغير المعنى إلا يسيراً.

وفاطر من الفطر، وهو الشق أو الابتداء، والفطم هو الفصل، وهو مستلزم لهما. والأمثلة كثيرة.

الحسن والحسين من أسامي أهل الجنة:

1- عن ابن الأعرابي عن المفضل، أن اسمي الحسن والحسين لم يعرفا قبل تسمية الحسنين بهما. وكان في اليمن حسن وحسين كسعد وسعيد.

2- وتقدم عن عمران بن سلمان وعمرو بن ثابت قالا الحسن والحسين اسمان من أسامي أهل الجنة، ولم يكونا في الدنيا .

3- قال الطبرسي: (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) (2). لم يُسَمٌ أحد بـ «یحیی» قبله.


1) راجع: شرح فصوصالحكم لمؤيد الدين الجندي ص105

2) الآية 7 من سورة مريم

عن الصادق «علیه السلام» وكذلك الحسين «علیه السلام» لم يكن له من قبل سمي، ولم تبك السماء إلا عليهما أربعين صباحاً الخ...(1).

ونقول:

إن من التشريف والتكريم الذي حبا اللّه ورسوله به الحسن والحسين، أنه ادخر لهما اسمين لم يكونا معروفين لدى أهل الدنيا.. ليشير بذلك إلى أن هذين الاسمين لم يحملهما قبلهما من قد يكون شوههما بأفعاله ودنسهما بترهاته وأباطيله..

ثمّ زادهما تشريفاً: أن اختار لهما اسمين من أسماء أهل الجنة المطهرين المعصومين، بلا شبهة ولا ريب.

وهذا يجعل استساغة هذين الاسمين، وحضورهما في أذهان الناس أمراً ميسوراً، وقليل المؤونة تساعد عليه هذه الخصوصيات فيهما. وكما هو تكريم لهما، فإنه أيضاً تسهيل على الأمة، ومزيد


1) جوامع الجامع ص387 وكامل الزيارات ص182 و 183 ومدينة المعاجز ج3 ص444 و 445 و 446 وج4 ص145 وبحار الأنوار ج14 ص175 وج45 ص211 والعوالم الإمام الحسين ص470 و 471 وتفسير مجمع البيان ج6 ص405 وزبدة التفاسير ج4 ص162 والبرهان (تفسير) ج3 ص700 وكنز الدقائق (تفسير) ج8 ص197 وتفسير نور الثقلين ج3 ص324 وتأويل الآيات الظاهرة ج1 ص302 و303

لطف بها. كما هو معلوم.

ولعلك تقول: إن حفظ اسم محمد «صلی اللّه علیه وآله» من التشويه بالأفعال، أو بالترهات والأباطيل أولى من حفظ اسم الحسنين «عليهما السلام». وقد وجد اسم محمد في جملة ما سمّى به أهل الجاهلية أبناءهم.

ويجاب: بأن المطلوب في النبوة هو الاعتراف واليقين بالنبيّ، والإيمان بأنه يكلم من السماء. ومما يساعد على هذا اليقين هو بشارات السابقين بنبوّته وشيوع هذه البشارات، وتداولها، وتوقع ولادته. والتسمية باسمه للتيمن، أو توقع أن يكون هو هذا الطفل الذي يحمل هذا الاسم. فإن هذا يكون من أهم مفردات تكريس اليقين بنبوّته، وصحة ما جاء به.

فالمطلوب في النبيّ هو حصول اليقين القلبي بالنبوّة، وبعد ذلك يأتي الحديث عن طبيعة ما جاء به من تعاليم وأحكام. واختلال الإيمان بالنبوة يخرجمن الدين.. وعدم الإيمان بالإمامة لا يخرجمن الدين، بل يخرجمن دائرة الإيمان بالمعنى الأخص.

فلو سمّى الكافر ولده باسم محمد توقعاً أو تيمناً أو تبرّكا، ثمّ ظهر «صلی اللّه علیه وآله» ولم يؤمن به كان ذلك حجة عليه في الدنيا والآخرة..

والمعجزة للنبيّ هي دليل نبوّته، وليس السلوك ولا الطهارة ولا غيرها، بل هذه مؤيّدات وشواهد لاحقة للمعجزة.

أما فيما يرتبط بالإمام والإمامة فإن الإيمان بها من متفرعات الإيمان بالنبوة، التي تحمل معها المناهج التشريعية والأخلاقية، فالذي يؤكد معنى الإمامة في الإمام هو النصعليه من نبيّ أو من إمام منصوصعليه؛ بالإضافة إلى عصمته، وطهارته، والتزامه، وعلمه الخاص، والكرامات التي يظهرها اللّه تعالى له.

فمثلاً عليّ «علیه السلام» ولد في الكعبة، ولكن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» لم يولد فيها، وقد ادخر اللّه اسم الحسن والحسين السبطي الرسول، ولم يسمّ بهما أحد قبل ولادتهما، ولم يكن ذلك للنبيّ «صلى اللّه عليه وآله».

الفصل السادس: حديث التسمية: حدث ونقد..

اشارة

تسمية الحسين «عَلَيهِ السَّلَامُ» من اللّه تعالى:

روى الصدوق بسنده إلى الإمام السجاد «علیه السلام» قال:

لما ولدت فاطمة الحسن «علیهما السلام»، قالت لعلی «علیه السلام»: سمّه.

فقال: ما كنت لأسبق باسمه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

فجاء رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فأخرج إليه في خرقة صفراء، فقال: ألم أنهكم أن تلفوه في [خرقة] صفراء، ثمّ رمى بها، وأخذ خرقة بيضاء، فلفه فيها، ثمّ قال لعلي «علیه السلام»: هل سميته؟!

فقال: ما كنت لأسبقك باسمه.

فقال «صلی اللّه علیه وآله» وما كنت لأسبق باسمه ربي عزوجلّ.

فأوحى اللّه تبارك وتعالى إلى جبرئيل: أنه قد ولد لمحمد ابن، فاهبط، وأقرئه السلام، وهنئه، وقل له: إن علیاً منك بمنزلة هارون من موسى، فسمّه باسم ابن هارون.

فهبط جبرئيل «علیه السلام»، فهنأه من اللّه عز وجل. ثمّ قال: إن اللّه عز وجل يأمرك أن تسميه باسم ابن هارون.

قال: وما كان اسمه؟!

قال: شبر.

قال: لساني عربي.

قال: سمه الحسن.

فسماه الحسن.

فلما ولد الحسين «علیه السلام» أوحى اللّه عز وجل إلى جبرئيل: أنه قد ولد لمحمد ابن، فاهبط إليه وهنئه، وقل له: إن علیاً منك بمنزلة

هارون من موسى، فسمّه باسم ابن هارون

قال: فهبط جبرئيل، فهنأه من اللّه تبارك وتعالى. ثمّ قال: إن علیاًمنك بمنزلة هارون من موسى، فسمّه باسم ابن هارون.

قال: وما اسمه؟!

قال: شبير.

قال: لساني عربي.

قال سمه الحسين، فسماه الحسين (1).


1) الأمالي للصدوق ص197 و 198 و علل الشرائع ص166 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1385هـ ق) ج1 ص137 و 138 وبحار الأنوار ج ص238 و 239 و 240 وج44 ص250 و ج101 ص111 وراجع:أسد الغابة ج5 ص483 وينابيع المودة ص200 و 201 و (ط اسلامبول) 5 ص432 والجواهر السنية للحر العاملي ص238 وغاية المرام ص85 و 113 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص216 و 217 وج16 ص12 والأنوار البهية ص86 وتاريخ الخميس ج1 ص418 ومعاني الأخبار ص57 وصحيفة الرضا «علیه السلام» 66 - 68 وروضة الواعظين ص153 و 154 وإعلام الورى ج1 ص427 والأمالي للطوسي ص367 وذخائر العقبى ص120 و (ط سنة 1428هـ) ج2 ص33 و 34 ونظم درر السمطين ص194 والصواعق المحرقة ص192 ومسند زيد بن علي ص467 ومسند الإمام الرضا 149 و 150 وعيون أخبار الرضا ج2 ص25 و 26 و (ط الأعلمی سنة 1404هـ ق) ج2 ص28 و 29 والأنوار البهية ص85 وجامع أحاديث الشيعة ج21 ص340 و 343 و 344 والرياض النضرة (ط الخانجي بمصر) ج3 ص164 ووسيلة المآل (مخطوط في المكتبة الظاهرية بدمشق) ص160 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص87 و مناقب آل أبي طالب (ط الحيدرية) ج3 ص189

وقريب منه روي عن جابر أيضا (1).


1) علل الشرائع ص166 و 167 و (ط المکتبة الحيدرية سنة 1385هـ ق) ج1 ص138 وبحار الأنوار ج43 ص240 و 241 ومعاني الأخبار ص57

قال المجلسي: «قال الفيروزآبادي: شبر كبقّم، وشِبِّير كقِمِّير، ومشبر كمحدث. أبناء هارون «علیه السلام». قيل: وبأسمائهم سمى النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» الحسن والحسين والمحسَّن» (1).

أسماء أبناء هارون

ونقول:

تضمن الحديث: أن أسماء أبناء هارون كانت بالعبرية لا بالعربية وأسماء أبناء علي «علیه السلام» باللغة العربية. فلا تنافي بين القول بتسمية أبناء علي «علیه السلام» بأسماء أبناء هارون، فإنه قد سماهما بالعربية بما يحمل نفس معاني أسماء أبناء هارون العبرية، وليس المراد التسمية بنفس الاسم واللفظ، لأن ذلك لم يحصل.

ما كنت لأسبقك باسمه، وسميته حرباً:

تقول بعض نصوص حديث التسمية: إن الإمام قال لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: «ما كنت لأسبقك باسمه».

ونقول:

أولاً: إن هذا هو ما يقتضيه خلق أمير المؤمنين «علیه السلام» وأدبه مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».


1) بحار الأنوار ج37 ص37 و ج43 ص238 عن القاموس المحيط ج2 ص55 وراجع: روضة المتقين ج8 ص585

ثانياً: إنه يَرُدُّ على أية رواية تدَّعي أن علیاً «علیه السلام» قد سبق رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إلى تسمية أولاده، فسمى الحسن حرباً، أو حمزة، أو غير ذلك. ثمّ غيره رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» وسماه حسناً.

فلما ولد الحسين سماه علي «علیه السلام» حرباً.. أو غير ذلك، فغيره رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وسماه الحسين.

فلما ولد محسّن سماه علي «علیه السلام» حربا أيضاً، فغيره رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إلى محسّن.. ثمّ قال: سميتهم بأسماء أبناء هارون: شبر، وشبير، ومشبر (1).


1) مسند الإمام أحمد ج1 ص98 و 118 و تاريخ مدينة دمشق (ترجمة الإمام الحسين بتحقيق المحمودي) ص18 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص166 وج7 ص63 وتهذيب تاريخ دمشق ج4 ص204 عن أحمد، والطبراني، وابن أبي شيبة، وابن جرير وابن حبان والحاكم، والدولابي، والأدب المفرد ص121 و (ط أخری) ص177 و 245 وأسد الغابة ج2 ص10 و 18 وج4 ص308 والإصابة ج3 ص471 و (ط أخری) ج6 ص191 والمعجم الكبير للطبراني ج3 ص28 و 96 و 97 و 99 والذرية الطاهرة ص97 والإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج1 ص369 و (ط دار الجيل) ج1 ص384 ونهاية الارب 18 ص213 والرياض المستطابة ص293 وتاريخ الخميس ج1 ص418 ومنتخب كنز العمال (مطبوع (بهامش مسند أحمد)) ج5 ص108 و مختصر تاریخ دمشق ج7 ص7 و 117 ومستدرك الحاكم ج3 ص165 و 166 ومجمع الزوائد ج8 ص52 عن البزار والطبراني، في الكبير، وأحمد، وقال: رجال أحمد والبزار رجال الصحيح غير هاني بن هاني، وهو ثقة. وتلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامش المستدرك) وصححه وذخائر العقبى ص119 عن أحمد، وأبي حاتم، وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج3 ص144 وراجع، هوامشه والتبيين في أنساب القرشيين ص133 و 192 وكفاية الطالب ص208 وتذكرة الخواصص193 وشرح المواهب للزرقاني ج4 ص339 والبداية والنهاية ج7 ص332 وتاجالعروس ج3 ص389 وترجمة الإمام الحسن «علیه السلام» من القسم غير المطبوع من الطبقات الكبرى لابن سعد ص34 والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج15 ص410 وكشف الأستار عن مسند البزار ص216 وموارد الظمآن ص551 عن السيرة الحلبية ج3 ص292 وكنز العمال ج6 ص221 وج13 ص660 و 664 وتهذيب الكمال ج6 ص223 وإكمال الكمال ج7 ص254 و 255 وتاريخ مدينة دمشق ج13 ص170 وج14 ص117 و118وتاريخ الإسلام للذهبي ج5 ص94 وترجمة الإمام الحسن عليه «علیه السلام» (تحقيق المحمودي) لابن عساكر ص16 و 30 ومناقب الإمام أمير المؤمنين «علیه السلام» للكوفي ص254 و 87 و 46 ومناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص243 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص492 وج19 ص183 و 273 وج26 ص13 وج33 ص401

وقد صرحوا: بأن سند هذه الرواية من غير طرق الشيعة

صحيح.

وفي هذه الرواية مواضع للنظر، نكتفي منها بالأمور التالية:

الإساءة إلى أدب وفهم على «علیه السلام» :

إن هذا النوع من الأحاديث - التي نقطع ببطلانها - يتضمن:

أولاً: إساءة لعلي «علیه السلام»، وانتقاصا من أدبه من جهة، ومن فهمه وإدراكه من جهة أخرى، حيث لم يتعلم من المرة الأولى: أن عليه أن يرجع الأمر إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»..

علماً بأن التأدب مع الرسول مطلوب من كل أحد حتى من عامة الناس.. بل كان عامة الناس من جميع الفئات وسائر الطبقات يأتون بأبنائهم إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فيحنكهم بريقه، ويسميهم، ويبارك عليهم، ويدعو لهم. وكان الناس يتوخون بذلك هدف نيل البركة، والحصول على الكرامة عنده، والزلفى لديه.

بل كان «صلی اللّه علیه وآله» يغير الكثير من الأسماء حتى للرجال الكبار، فضلاً عن الصغار. وكان ذلك من أسباب سرورهم وابتهاجهم، وامتنناهم، وفخرهم.

ثانياً: إن روايتهم هذه تدل على أنه «علیه السلام» وهو أخو رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لم يدرك في المرة الأولى والثانية أن هذا الاسم مرفوض عند الرسول «صلی اللّه علیه وآله» الذي لا

ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فلماذا لم يلتفت إلى ذلك؟!

فهل بلغ الأمر به في الغفلة هذا الحد الذي لا يرضاه عاقل لنفسه؟!

ثالثاً: إن من يقرأ هذا النصفي رواياته المختلفة - التي نتيقن ببطلانها - لا يملك إلا أن يقف متعجباً من إصرار علي «علیه السلام» على تسمية ابنه باسم «حرب» !! ولا بد أن يتساءل عن سبب هذا الإصرار !! وعن مبررات هذه الرغبة الجامحة !!

وسوف يتوسم في علي «علیه السلام» - من خلال هذا النص المزعوم أنه رجل لا يفكر إلا بالحرب، ولا يعيش غير هواجسها، فهو يحلم بقطع الأيدي والأرجل والرؤوس، والتلذذ بسفك الدماء، وإزهاق الأرواح، وصناعة الموت، ورؤية المجتمع زاخرا بالمآسي، مفعماً بالآلام، مسكونا بالبلاء والشقاء، تسمع فيه صرخات الأيتام، وآهات الأرامل، وبكاء وعويل الأمهات. فهو لا يفكر بالعلم والدين والرقي، وحل مشاكل الناس.

وأما الخلق الرضي، والرحمة والشفقة، فكانت لا تجد إلى قلبه سبيلاً، ولم يكن يهتم لقضايا الضعفاء، والتخفيف من آلامهم، وحماية مستقبلهم، وتربيتهم، وتثقيفهم، وتدبير شؤونهم، ودفع الأذى عنهم، وسياستهم وفق أحكام الشرع والدين، والخلق الكريم. وحملهم على الصراط المستقيم.

ومن كان كذلك، لا يمكن أن يؤتمن على مستقبل الأمة، ولا يصلح لولاية أمورها .. ولا يتوقع منه أن يحفظ دماء الناس، فما بالك

بأموالهم وأعراضهم وكراماتهم، وما إلى ذلك.

رابعاً: إن ذلك يظهر البون الشاسع بين خلق النبيّ «صلی اللّه علیه وآله»، وخلق علي «علیه السلام»، فلا مجال بعدُ لادعاء الانسجام بينهما، فضلاً عن القول: بأنهما بمثابة نفس واحدة.. فلا بد من تأويل آية المباهلة التي عبرت عن علي «علیه السلام»: بأنه نفس النبيّ «صلی اللّه علیه وآله»، وأن نحملها على معاني أخرى تنسجم مع هذا الواقع.

كما أن ذلك يثير أكثر من شبهة حول دقة وصحة ما ينسب إلى علي «علیه السلام» من أنه كان يتبع النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع له كل يوم من أخلاقه علما، ويأمره بالاقتداء به.. لأن أفعال علي «علیه السلام» تناقض أقواله. فها هو يصر على أن يسمي كل واحد من أبنائه حرباً، ويصر النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» على خلافه !! فأين الاقتداء؟! وأين الانسجام؟!

خامساً: روي استحباب التسمية باسم محمد في الأيام السبعة الأولى. ثمّ بعد ذلك يمكن تغيير الاسم إلى ما يرغب به أهل الوليد.

وقد روي عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قوله: «لا يولد لنا ولد إلا سميناه محمداً، فإذا مضى سبعة أيام، فإن شئنا غيرنا، وإلا

تركنا» (1).

فلماذا يترك أمير المؤمنين الاسم المستحب ويذهب ليسمي بغيره، مثل حرب أو غير ذلك؟!

سادساً: يلاحظ:

ألف: أن الناس كانوا قبل وبعد ولادة الحسنين «علیهما السلام» يأتون بأبنائهم الذين يولدون إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ليجري عليهم مراسم الولادة، ويسميهم، ومن هؤلاء:

1- عبد اللّه بن الزبير (2).


1) الكافي ج6 ص18 وتهذيب الأحكام ج7 ص437 و 438 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص392 و (الإسلامیة) ج15 ص125 ومرآة العقول ج21 ص32 والروضة البهية للشهيد الثاني ج5 ص443 وروضة المتقين ج8 ص624 وهداية الأمة ج7 ص316 وتحفة السنية للجزائري (مخطوط) ص297 وسنن الترمذي ج5 ص345

2) المستدرك للحاكم ج3 ص548 وشرح الأزهار (المقدمة) ص26 وفتح الباري ج7 ص195 وعمدة القاري ج17 ص51 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص460 والإصابة ص309 والإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ص301 وراجع: ص302 والمعجم الكبير ج24 ص80 و 126 وكنز العمال ج13 ص478 وتاريخ مدينة دمشق ص152 و 154 ومسند ابن راهويه ج5 ص121 وسبل الهدى والرشاد ج9 ص361

2- محمد بن ثابت بن قيس بن شماس (1).

3- محمد بن طلحة بن عبيد اللّه التميمي (2).

4- سنان بن سلمة بن المحيق الهذلي (3).


1) المحلى لابن حزم ج10 ص107 والإصابة ج6 ص195 (ط دار الكتب العلمية) وسبل الهدى والرشاد ج10 ص41 وسير أعلام النبلاء ج1 ص312 وتهذيب الكمال ج14 ص552 والتاريخ الكبير ج1 ص51 والثقات لابن حبان ج3 ص364 وتاريخ مدينة دمشق ج52 ص172 و173و176 والإستيعاب (ط دار الجيل) ) ج3 ص1367 وأسد الغابة ج4 ص313 والجرح والتعديل ج7 ص215

2) المجموع ج19 ص201 و الثقات ج3 ص364 وتعجيل المنفعة ص366 ومن له رواية في مسند أحمد ص375 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص1371 والتاريخ الكبير ج1 ص264 والإصابة ج6 ص15 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص534 و 535 والتحفة اللطيفة للسخاوي ج2ص489

3) مشاهير علماء الأمصار ص75 والإستيعاب (ط دار الجيل) ص656 و657 والتاريخ الكبير ج4 ص162 وتاريخ مدينة دمشق ج13 ص297 و 298 وأسد الغابة ج2 ص358 وتهذيب الكمال ج12 ص150 وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين الدمشقي ج2 ص182 والإصابة ج3 ص202 وتاريخ الإسلام للذهبي ج6 ص74 والوافي بالوفيات ج15 ص281 و 286وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص236 و الثقات لابن حبان ج3 ص178 و 179 وإكمال الكمال ج4 ص439 وتاج العروس ج18 ص303

5- عبد اللّه بن أبي طلحة (1).

6- أبو أمامة (أسعد) بن سهل (2).


1) مواهب الجليل ج4 ص391 والمغني ج11 ص125 والشرح الكبير ج3 ص590 ونيل الأوطار ج5 ص229 ومسند أحمد ج5 ص75 وج18 ص431 و 432 و 433 ومسند أبي يعلى ج6 ص126 وتاريخ الإسلام للذهبي ج6 ص113 وإمتاع الأسماع ص215 وج12 ص23 و 24 و 25 والمجموع ج1 ص434 و 435 ومسكن الفؤاد ص68 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج6 ص216 وصحيح مسلم ج6 ص174 (دار الفكر) وسنن أبي داود ص466 وسنن البيهقي ج4 ص66 وفتح الباري ج20 ص484 وعمدة القاري ج21 ص85 ومسند أبي داود الطيالسي ص274 والأدب المفرد ص268 والأذكار النووية ص287 ورياض الصالحين ص83 وتارخ مدينة دمشق ج19 ص402 وأسد الغابة ج3 ص189 وتهذيب الكمال ج15 ص133 و منتخب مسند عبد بن حميد ص393

2) أسد الغابة ج5 ص566 وتهذيب التهذيب ج1 ص231 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج4 ص1806 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج16 ص597 و تاريخ بغداد ج13 ص431 وتاريخ مدينة دمشق ج8 ص332 والطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص440 والكامل في التاريخ ج5 ص55 والوافي بالوفيات ج11 ص231

7- عبد اللّه بن عباس (1).

8- إبراهيم بن أبي موسى الأشعري(2).

9- عبد اللّه بن مطيع بن الأسود (3).


1) ذخائر العقبى ص226 و 236 ومجمع الزوائد ج5 ص187 والمعجم الأوسط ج9 ص102 وإمتاع الأسماع ج12 ص300 وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص18 و 19 وكفاية الطالب ج2 ص119 وسبل الهدى والرشاد ج10 ص92 وج11 ص73 والسيرة الحلبية ج1 ص314

2) المجموع ج8 ص435 وشرح النووي لصحيح مسلم ج14 ص125 وتغليق التعليق ج5 ص174 والثقات ج3 ص20 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ج2 ص19 والإصابة ج1 ص96 وتهذيب التهذيب ج1 ص118 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج13 ص268 وعمدة القاري ج21 ص83 وطبقات المحدثين بأصبهان ج1 ص248 وأسد الغابة ج1 ص42 وتهذيب الكمال ج2 ص127 والإصابة ج1 ص323 والتحفة اللطيفة للسخاوي ج1 ص78 وكشاف القناع ج3 ص30 و 31 وصحيح مسلم ج6 ص175 ومسند أحمد ج4 ص399 والسنن الكبرى للبيهقي ج9 ص305 والمصنف لابن أبي شيبة ج5 ص430 ومسند أبي يعلى ج13 ص302 وشعب الإيمان للبيهقي ج6 ص390 والطبقات الكبرى لابن سعد ج4 ص107 والكامل لابن عدي ص62 وسبل الهدى والرشاد ج9 ص361

3) تهذيب الكمال ج16 ص153

10- علي بن أبي رافع (1).

11- عبد الملك بن نبيط بن جابر (2).

12- محمد بن نبيط بن جابر (3).

13- عبد اللّه بن خباب بن الأرت (4).

14- يحيى بن خلاد بن رافع الكندي (5).

15- المنذر بن أبي أسيد (6).


1) الإصابة ج3 ص65 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج5 ص53 وأمالي المحاملي ص263 و 316

2) الإصابة ج3 ص74 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) جص40 والطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص441

3) أسد الغابة ج4 ص331 والإصابة ج3 ص477 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج6 ص202 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص895

4) الإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص894 وتاريخ بغداد ج1 ص219 والإصابة (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج4 ص64

5) الإصابة ج3 ص26 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج6 ص544 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج4 ص1569 والتاريخ الكبير ج8 ص269 و 270 وأسد الغابة ج5 ص100 وتهذيب الكمال ج31 ص294 والسيرة الحلبية ص116

6) الجرح والتعديل ج8 ص241 وأسد الغابة ج4 ص417 وتهذيب الكمال ص499 وتقريب التهذيب ج2 ص212 وتهذيب التهذيب ج10 ص266 وفتح الباري ج9 ص508 وتحفة الأحوذي ج5 ص95 والتاريخ الصغير ج1 ص111 والسيرة النبوية ج2 ص103 و 104 والبداية والنهاية ج3 ص141 وسبل الهدى والرشاد ج3 ص70

إلى آخر القائمة الطويلة التي لا نرى حاجة لاستقصائها وإيرادها هنا.

فهل كان هؤلاء أشد اتباعاً لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وأكثر حرصاً على نيل بركات النبيّ «صلی اللّه علیه وآله»، من علي «علیه السلام»؟!

أو أن هؤلاء كانوا أشد توقيراً للنبيّ «صلی اللّه علیه و آله»، وأكثر تعلقا به واحتراما له من علي «علیه السلام»؟!

أم أنهم كانوا بحاجة إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وكان علي «علیه السلام» في غنى عنه ؟! أو أن علیاً كان يرى لنفسه مقاماً يوازي مقام رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فهو يقرر كما يقرر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وهو يرد على رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله» ولا يقبل منه؟!

إن هذا يخالف تماماً سيرة علي «علیه السلام»، وهو بغيره أشبه، وأولى وأليق.. وكما قيل رمتني بدائها وانسلت.

ب: إن الأمر لم يقتصر في امتثالهم أوامر النبيّ «صلى اللّه عليه وآله»، والنزول عند رغبته تسمية أبنائهم، بل تعداه إلى أسماء

الرجال حتى الذين بلغوا من الكبر عتيا، فقد روي عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم «علیه السلام»: أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كان يغير الأسماء القبيحة في الرجال والبلدان (1). ومنها المدينة التي كان اسمها يثرب، وسماها النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» طيبة (2).

وقد غيّر أسماء كثيرين، ومن هؤلاء:

1- عبد اللّه بن حكيم الضبي، الذي كان اسمه عبد الحارث (3).

2- عبد اللّه بن أبي ربيعة، كان اسمه بجيرا (4)

3- عبد اللّه بن رفيع، كان اسمه عبد عمرو (5).


1) قرب الإسناد ص45 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - قم سنة 1413هـ) ص93 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص390 و (الإسلامیة) ج15 ص124 وبحار الأنوار ج101 ص127 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص170 ومكاتيب الرسول ص705

2) راجع: النهاية لابن الأثير ج6 ص292 ولسان العرب ج2 ص90

3) أسد الغابة ج1 ص325 وج3 ص145 والإصابة (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج2 ص163 وج4 ص55 و ج5 ص141

4) أسد الغابة ج3 ص155 وجمهرة أنساب العرب ص146 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص896 وتاريخ مدينة دمشق ج11 ص437 والمنتخب من ذيل المذيل ص59 و التحفة اللطيفة ج2 ص34

5) الإصابة (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج4 ص72 وأسد الغابة ج3 ص244 (بلفظ قنيع)

4- عبد اللّه بن الحارث بن عبد المطلب، كان اسمه عبد شمس (1).

5- عبد اللّه بن سلام، كان اسمه الحصين (2).

6- عبد الرحمن بن عوف، كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو (3).


1) أسد الغابة ج3 ص138 وسير أعلام النبلاء ج1 ص259 والإصابة (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج4 ص42 و 312 والمنتخب من ذيل المذيل ص31

2) أسد الغابة ج3 ص176 والإصابة (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج4 ص102 وسير أعلام النبلاء ج2 ص413 وتذكرة الحفاظ ج1 ص26 وتهذيب الكمال ج15 ص74 وتهذيب التهذيب ج5 ص219 و 220 وتقريب التهذيب ج1 ص500 وتاريخ مدينة دمشق ج29 ص98 و 99 و 100 و 101 و 102 و 103 وج35 ص248 والمستدرك للحاكم ج3 ص414 وفتح الباري ج7 ص213 وعمدة القاري ج16 ص274 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص921 وفيض القدير ج2 ص132 وتفسير الآلوسي ج26 ص13 و الثقات لابن حبان ج3 ص228 ومشاهير علماء الأمصار ص36 والتعديل والتجريح للباجي ج2 ص900 وإكمال الكمال ج4 ص403

3) الطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص124 والثقات لابن حبان ج2 ص342 ومشاهير علماء الأمصار ص26 والتعديل والتجريح ج2 ص953 وتاريخ مدينة دمشق ج29 ص103 و ج35 ص240 و 243 و 244 و 247 و 248 وتهذيب الكمال ج17 ص324 وسير أعلام النبلاء ج1 ص68 و 69 و 74 والإصابة ج4 ص290 وتهذيب التهذيب ج6 ص290 ج6 ص221

7- أبو بكر بن أبي قحافة، كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة. وقيل: عبد اللات (1).

وهذه القائمة تطول أيضاً.

سابعاً: وذلك إن دل على شيء، فهو يدل على أن جهاد علي «علیه السلام» كان مجرد ممارسة هواية، وامتهان حرفة، ولم يكن دفاعاً عن الدين، ورغبة في التضحية والفداء في سبيل اللّه، بل هو استجابة لحالة مَرَضيَّةٍ فيه، قوامها التلذذ بآلام الآخرين، والشعور بالسعادة، بشقائهم، والأنس بآلامهم.

ولعل إلى هذا يشير النصالذي يقول: إن ما دعاه إلى الإصرار على هذه التسمية: أنه كان رجلاً يحب الحرب (2).


1) كتاب الأربعين للشيرازي ص532 عن كتاب مشارق الأنوار نقلا عن صاحب الملل والنحل وعن النسابيين، والصراط المستقيم للبياضي ج3 ص44

2) شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج26 ص5 عن عبد العزيز الشناوي في كتابه سيدات نساء أهل الجنة (ط مكتبة التراث الإسلامي - القاهرة) ص112 وراجع: موسوعة العقاد العبقريات (الإسلامیة) ص821

ثامناً: إن هذه الروايات معارضة بما هو أصح، وأشهر منها، وهي الروايات التي يرفض فيها علي «علیه السلام» أن يسبق رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بتسمية أي من أبنائه.. فضلا عن روايات تسميتهما بحمزة وجعفر، التي سنناقشها في الآتي القريب.

عاشراً: محسَّن أسقط:

1- إن مما يدل على أن قصة التسمية بحرب مخترعة: أن المحسّن لم يولد في زمن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله»، بل هو جنين أسقطته فاطمة الزهراء «علیها السلام» يوم استشهاد رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله»، بفعل ما تعرضت له من ضرب، وطعن بنعل السيف، وعصر قوي بين الباب والجدار حين الهجوم على بيتها يوم السقيفة، لأجل إجبار علي «علیه السلام» على البيعة لأبي بكر.

وكانت حينئذٍ حاملاً بجنين أخبرها النبيّ «صلی اللّه علیه و آله» أنه سيكون ذكرا، وأسماه قبل وفاته «صلی اللّه علیه وآله»، وقبل أن يولد «محسَّن».

ثمّ جرى ما جرى، وأسقط هذا الجنين المظلوم فعلا.

2- هذا الذي ذكرناه هو ما تعترف به مختلف المصادر، حتى طائفة من مصادر أهل السنة أيضاً، وصرحت به الروايات. فتحیر محبو الفريق الذي أقدم على فعل ذلك، في توجيه هذا الأمر، واضطربت كلماتهم الساعية للخروجمن هذا المأزق، فادَّعى بعضهم:

أن محسّنا أسقط في عهد الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، لا في يوم السقيفة. وقد وصف ابن شهر آشوب هؤلاء: بأنهم جماعة من السفساف حملهم العناد على هذا الادعاء، ومن ركب الباطل زلت

قدمه (1).

وادعى آخرون: أنه ولد في عهد النبيّ «صلی اللّه علیه و آله»، وسماه النبيّ «محسنا». ومعنى ذلك: أنه لم يكن جنينا أسقط حين الهجوم على بيت علي وفاطمة الزهراء«علیهما السلام».

وفريق ثالث: حاول أن يشكك في أصل وجود المحسن. يقول عمر أبو النصر: «اختلف المؤرخون في وجوده - كما قدمنا - وإن كان اليعقوبي والمسعودي وغيرهما يؤكدون وجوده» (2).

ويقول أيضاً:

«إن فاطمة (رض) أسقطت المحسن بعد وفاة رسول اللّه، ولعلها أسقطته من فرط جزعها واضطرابها» (3).

ثمّ يقول: «ينكر بعض المؤرخين وجود المحسن. ولكن غيرهم


1) مناقب آل أبي طالب ج1 ص16 و (ط المکتبة الحيدرية) ج1 ص5

2) فاطمة بنت رسول اللّه محمد «صلی اللّه علیه وآله» (صادر عن مكتب عمر أبي نصر للتأليف والترجمة والصحافة - بيروت - لبنان) ص94

3) فاطمة بنت رسول اللّه محمد «صلی اللّه علیه وآله» (صادر عن مكتب عمر أبي نصر للتأليف والترجمة والصحافة - بيروت - لبنان) ص94

يثبته، كالمسعودي وأبو الفداء» (1).

وقال المقدسي: «وكثير من أهل الآثار لا يعرفون محسنا» (2).

وفريق رابع: آثر السكوت، وحوّل الحديث باتجاه ذكر من عاش من أبناء على وفاطمة...

وفريق خامس يذكر: أن محسناً قد مات سقطأ، ولكنه يتحاشى ذكر زمان وسبب إسقاطه، وهؤلاء فيهم الشيعي، والمعتزلي، والزيدي، والإمامي، والإسماعيلي، والسني، وغيرهم (3).

وفريق سادس ذكر: أنه أسقط وصرح بسبب الإسقاط، وهؤلاء كثيرون.

3- وقد كثر القائلون: بأن محسناً مات صغيراً، ربما لأنهم وجدوا أن إنكار أصل وجوده سيجعلهم في قفص الاتهام. فرأوا أن ادّعاء موته صغيراً هو الأسلم، والأخف مؤونة، والأقل ضرراً.

وهي عبارة مبهمة، لا تثبت أنه مات في عهد رسول اللّه «صلى


1) فاطمة بنت رسول اللّه محمد «صلی اللّه علیه وآله» (صادر عن مكتب عمر أبي نصر للتأليف والترجمة والصحافة - بيروت - لبنان) ص93

2) البدء والتاريخ ج5 ص20

3) لا بأس بمراجعة كتابنا مأساة الزهراء «علیها السلام»، المجلد الثاني كله.. وحول المحسن راجع فصل «المحسن في النصوصوالآثار»

اللّه عليه وآله».

ولكنها تكفي لإثارة الشبهة في أصل الإسقاط الذي يسوق إلى اتهام فريق من الناس بالقتل المتعمد، فإثارة الشبهة في هذا الأمر تحفظ لهم ماء الوج5، وتساعدهم في كيدهم الخفي الرامي لطمس الحقيقة، وتبرئة من يحبون تبرئته، بأي ثمّن كان.

4- وعلى كل حال فإن المروي عن الإمام الصادق «علیه السلام» أنه قال: «وقد سمى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» «محسناً» قبل أن يولد (1).

وهذا مذكور عند علماء الشيعة، وبعض علماء السنة (2).


1) الكافي ج6 ص18 وعوالم العلوم ج11 ص411 وبحار الأنوار ج43 ص195 و ج10 ص112 وج101 ص128 والخصال ج2 ص634 وعلل الشرايع ص464 وجلاء العيون ج1 ص222 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البیت) ج21 ص387 و (ط دار الإسلامیة) ج15 ص121 وجامع أحاديث الشيعة ج21 ص331 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص72 وج10 ص448

2) تاج المواليد (انتشارات بصيرتي - قم) ص23 و 24 والإرشاد للمفيد ج1 ص355 وإعلام الورى ص203 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص396 وكشف الغمة ص67 وراجع: المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص140 وبحار الأنوار ج42 ص89 و 90 والإمام علي بن أبي طالب «علیه السلام» للّهمداني ص561 وراجع: العمدة لابن بطريق ص30 والتتمة في تواريخ الأئمة ص39 (ط سنة 1412 وكفاية الطالب ص413 وجلاء العيون ج1 ص193 ومرآة العقول ج5 ص318 وتراجم أعلام النساء ج2 ص321 ونوادر الأخبار للكاشاني ص183 وعلم اليقين ص686 و 688

أبناء هارون:

وقد أشارت الرواية المتقدمة إلى أن المبرر لتسمية أولاد علي الثلاثة «علیه السلام» بأسماء ولد هارون: هو أن علیاً «علیه السلام» من النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» بمنزلة هارون من موسى.

ويلاحظ:

1- تصريح النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» بأنه قد سماهم باسم ولد هارون كما ورد في روايات الشيعة أتباع أهل البيت «علیهم السلام»، وروايات أهل السنة أيضاً. وقد جاء أيضاً حتى في الرواية التي تتحدث عن إصرار علي «علیه السلام» على تسمية كل واحد من أولاده بحرب. ويصرح غير الشيعة بصحتها.

2- إن هذا يعطي: أن المطلوب والهدف له «صلی اللّه علیه وآله» هو إعطاء مصداقية تامة وراسخة لحديث: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبيّ بعدي. ويراد لهذه المصداقية أن تتجلى حتى في أسماء الأبناء أيضاً.

وهذا يؤكد على أن هذه الكلمة حين قيلت لعلي «علیه السلام» في

تبوك لم يكن المبرر لها مجرد حفظ المدينة من المنافقين. كما أنه لم يكن المطلوب في إطلاق هذا الوسام على أمير المؤمنين عليه «علیه السلام» إنشاء الكلام بهدف المجاملة، أو تطييب الخاطر لعلي «علیه السلام». مع أننا نعتقد: أنه «صلی اللّه علیه وآله» لا يجامل أحداً، ولا يلقي كلامه على عواهنه، وبلا حساب، حين يمنح الأوسمة، ويسبغ الأوصاف، بل كل ذلك محسوب بدقة، ومقصود بذاته، ويراد تطبيقه بما له من مضمون دقيق وعميق.

3- ظهر من هذا الحديث الذي يصرح حتى أهل السنة بصحته هنا: أن الذي جعل هذه المنزلة لعلي «علیه السلام» من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» هو اللّه سبحانه، وما فعله «صلى اللّه عليه وآله» هو مجرد الإبلاغ لأمر أبلغه إياه جبرئيل.

4- يلاحظ: أن اللّه تعالى أمر جبرئيل بأن يبلغ النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» بأن منزلة علي «علیه السلام» منه هي منزلة هارون من موسى، ولم يقل له: إنه بمنزلة يوشع وصي موسى من موسى مثلا، أو بمنزلة الوصي له، أو الولي للناس، أو الإمام بعده.

ولعل السبب في ذلك: أنه تعالى أراد معنى أوسع، وأشمل وأرقى من هذه المضامين، فأراد أن يشير إلى أن لعلي «علیه السلام» سائر مقامات هارون من موسى وزيادة.. ومن هذه المقامات:

ألف: مقام الإخوة أي أخوة علي «علیه السلام» لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وقد ذكر ذلك في قول موسى: (هَارُونَ

أخي) (1).

ب: الإشارة إلى موقع الشراكة - بين الأخوين: هارون وموسى - في الأمر كله وفي كل مراحله وجميع مجالاته. قال تعالى: (وَأَشْرِكْهُ فِي أمري) (2).

ج: الإشارة إلى موقع الوزارة التي تعني النيابة عنه في تدبير الأمور في مقام الإجراء العملي: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا ) (3).

د: إنه «علیه السلام» من أهل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كما كان هارون من أهل موسى (مِنْ أهْلِي) (4).

هـ: إن علیاً «علیه السلام» يشد أزر النبيّ «صلى اللّه عليه وآله»، ويقويه، وكذلك هارون، فإن اللّه قد شد عضد أخيه به.

وقد قال تعالى لموسى: (سَنشَدُّ عَصْدَكَ بِأَخِيكَ) (5). وقال: (اشْدُدْ بِهِ أَزري) (6).


1) الآية 30 من سورة طه

2) الآية 32 من سورة طه

3) الآية 29 من سورة طه

4) الآية 29 من سورة طه

5) الآية 35 من سورة القصص

6) الآية 31 من سورة طه

ولا يقتصر الأمر في هذه المنزلة، وتولي هذه المهمات على مدة حياة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، بل سيواصل علي «علیه السلام» جهده وج5اده إلى ما بعد وفاته «صلی اللّه علیه وآله» بنفس جميع هذه المنازل، وبنفس القوة.

وقد دل على هذا الامتداد إلى ما بعد وفاته قوله «صلى اللّه عليه وآله» - كما في بعض النصوص:«إلا أنه لا نبيّ بعدي» (1).

و: غير أن الفرق بين ما قبل وفاته «صلی اللّه علیه وآله» وما بعدها هو في أن علیاً «علیه السلام» يتكفل وحده بالأمور كلها بعد


1) راجع: نهجالحق في ضمن دلائل الصدق ص267 و (ط مؤسسة دار الهجرة) ص217 والإمام علي بن أبي طالب «علیه السلام» للّهمداني ص565 وفضائل الصحابة (دار الكتب العلمية) ص617 وينابيع المودة ص56 وتذكرة الخواص(ط النجف) ص23 عن أحمد في الفضائل، وصححه، وابن الجوزي، والرياض النضرة ص209 وتاريخ مدينة دمشق ج6 ص21 وكفاية الشنقيطي ص35 و 44 والثقات ج1 ص141 و 42 وراجع: الغدير ج3 ص115 والكامل لابن عدي ج5 ص35 ونظم درر السمطين ص95 وراجع: الأمالي للصدوق ص427 ومناقب آل أبي طالب ص32 و 33 وذخائر العقبى ص66 وبحار الأنوار ج3 ص334 و ج38 ص338 وكنز العمال ج13 ص140 وأنساب الأشراف ص144 والعمدة لابن البطريق ص166 والطرائف لابن طاووس ص63 وجامع أحاديث الشيعة ج23 ص252 وتحفة الأحوذي ج10 ص152

وفاة النبيّ «صلی اللّه علیه وآله».. ويكون هو المسؤول عن استمرارها، وعن صيانتها من الأخطار والأسواء. وسوف يتحمل في سبيل ذلك مختلف أنواع الأذى والبلاء في نفسه، وزوجته، وأبنائه، وشيعته ومحبيه، وكل ما له ارتباط به، من قريب، أو من بعيد. وسيتواصل هذا البلاء والعناء إلى حين ظهور الحجة من آل محمد «صلوات اللّه وسلامه عليهم».

ز: إن علیاً «علیه السلام» كان ردءاً لرسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»، وحافظاً وحارساً، ومدافعا عنه، بالقول وبالفعل.

وكان هارون ردءاً لموسى، يحميه، ويدفع عنه البلاء والأسواء التي تأتيه من قبل فرعون، أو من قبل غيره من الظالمين. قال تعالى: (فأَرْسِلْهُ مَعِيَ رَدْءًا) (1).

ح: إن هارون كان يصدق موسى (يُصَدِّقْنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُون) (2). وكذلك كان علي «علیه السلام» يصدق رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، أشد تصديق وأعلاه، حتى وصف نفسه ووصفه الرسول «صلی اللّه علیه وآله» بـ «الصديق الأكبر» (3).


1) الآية 34 من سورة القصص

2) الآية 34 من سورة القصص

3) وقد ذكرنا طائفة من النصوصحول هذا الأمر، عن عشرات المصادر في كتابنا الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» ج4 ص228- 233 وفيما يلي بعض المصادر لأحد هذه النصوص:المستدرك للحاكم ج3 ص112 وتلخيصه للذهبي (هامش نفسه الصفحة)، والأوائل ج1 ص195 وفرائد السمطين ج1 ص248 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص228 وراجع: ج1 ص30 والبداية والنهاية ج3 ص26 والخصائص للنسائي ص46 بسند رجاله ثقات، وسنن ابن ماجة ج1 ص44 بسند صحيح، وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص56 والكامل في التاريخ ج2 ص57 وذخائر العقبى ص60 عن الخلفي، والآحاد والمثاني (مخطوط في كويرلي رقم 235)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (مخطوط في مكتبة طوب قبوسراي رقم 497) ج1 وتذكرة الخواصص108 عن أحمد في المسند وفي الفضائل، وفي هوامش ترجمة الإمام علي «علیه السلام» من تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج1 ص44 و 45 عن: المصنف لابن أبي شيبة ج6 الورق 155/اً وكنز العمال (ط 2) ج15 ص107 وابن أبي عاصم في السنة، والعقيلي، وأبي نعيم، وعن العقيلي في ضعفائه ج6 الورق،139، وتهذيب الكمال للمزي ج14 الورق 193/ب وعن تفسير الطبري، وعن أحمد في الفضائل الحديث 117 وغير ذلك. ورواه في ذيل إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص369 عن ميزان الإعتدال ج1 ص417 و ص11 و 212 والغدير ج2 ص314 عن كثير ممن تقدم وعن الرياض النضرة ص155 و 158 و 127 وراجع: اللآلي المصنوعة ج1 ص321

ط: إن اللّه تعالى قد جعل لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ولأخيه علي «علیه السلام» سلطاناً وقوة وهيمنة وسيطرة على

الأمور منعت أعداء هما من أن يصلوا إليهما بسوء.. حتى حين كانا في مكة، وحين الهجرة، والنوم على فراش الرسول، ثمّ في سائر حياتهما في المدينة.

وهذا بالذات قد حصل لموسى وهارون، كما قال تعالى: (وَنَجْعَلُ لكُمَا سُلطانا فلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا) (1).

ي: لقد كان لدى النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» ما يبرر عدم إقدامه على بعض الأمور التي يحكم الشرع بلزوم إنجازها، كقتل المجرمين والمحاربين، لوجود موانع تقتضي أن لا يباشرها «صلی اللّه علیه وآله» بنفسه، فكان علي «علیه السلام» هو الذي يتولى إنجازها. فمثلاً لم يكن يقتل أحدا بيده في حرب ولا في سلم، لأن ذلك يؤثر في إثارة العصبيات، فيصعب على بعض الناس إخلاصالإيمان بنبوّته، فاحتاجإلى علي «علیه السلام» للدفاع عن الدين فكان هو الذي يعينه على دفع شر أركان الشرك وعتاته وفراعنته.

أما موسى، فقد قضى على بعض أعداء المؤمنين بيده دفاعاً عن بعض المؤمنين. فأثر ذلك على قدرته على الإفصاح بما يريد، لأنه إذا أراد أن يدعوهم إلى الإيمان سوف يواجهونه بأنه قاتل، وبأنه قد أساء إليهم فاحتاجإلى أخيه هارون، لكي يفصح عنه، فإنه يستطيع أن يقول ما يشاء، فصار بذلك أفصح لساناً وأقدر على البيان، لأنه لم


1) الآية 35 من سورة القصص

يقتل أحداً منهم.

ك: إن أتباع النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» وعلي «علیه السلام» هم الغالبون على مدى التاريخ، بالرغم من قلة عددهم، وضعف إمكاناتهم المادية. فهم الغالبون بالحجة والبرهان والدليل بجميع أنواعه، وهم المنصورون فى مختلف الأحوال، بأسباب يهيئوها اللّه لهم.

وهكذا كان حال أتباع هارون وموسى أيضا، فقد قال تعالى: (أَنْتُمَا وَمَن اتَّبَعَكُمَا الغالِبُونَ) (1).

واللافت: أن الذين يتبعون النبيّ وعلیاً «عليهما وعلى آلهما الصلاة و السلام» هم على سبيل الحصر شيعتهم. ولا ريب في ظهور حجتهم، وغلبتهم بها على من ناواهم على مر التاريخ. ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك.

الحسن: حمزة.. والحسين: جعفر:

رووا عن علي «علیه السلام» أنه قال: لما ولد لي الحسن سميته باسم عمي حمزة، ولما ولد الحسين سميته باسم أخي جعفر .

فدعاني رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فقال: إن اللّه قد أمرني أن أغير اسم هذين، فسماهما حسناً، وحسيناً (2).


1) الآية 35 من سورة القصص

2) مسند أحمد (ط دار صادر) ج1 ص159 حدیث رقم 1374 و (ط أخری) ج2 ص464 حديث رقم 1370 والمستدرك للحاكم ج4 ص277 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص116 و 117 وإمتاع الأسماع ج2 ص275 و310 وترجمة الإمام الحسين من تاريخ مدينة دمشق ص15 وترجمة الإمام الحسين من تاريخ مدينة دمشق ص15 و (ط مجمع إحياء الثقافة الإسلامیة سنة 1414هـ) ص26 وسبل الهدى والرشاد ج9 ص359 وذخائر العقبي ص120 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص166 وبحار الأنوار ج43 ص251 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص498 وج26 ص10 و 341 و ص23 وتذكرة الخواص ج2 ص5 و 6 والمعجم الكبير للطبراني ج3 ص98 والقسم غير المطبوع من الطبقات الكبرى لابن سعد ص35 رقم 29 وكشف الأستار عن مسند البزار رقم 1996 والذرية الطاهرة رقم 90 ومسند أبي يعلى ج1 ص384 وتهذيب الكمال ج6 ص399 وسير أعلام النبلاء ج3 ص247 وكنز العمال ج13 ص660

ونقول:

أولاً: إن ظاهر هذه الرواية: أن الأمر بتغيير اسميهما كان بعد ولادتهما، والفراغ من تسميتهما، فلماذا تأخر الإقدام على التغيير إلى حين ولادة الحسين «علیه السلام» حتَّى غيّر اللّه الاسمين معا ؟!

وما هي الحكمة في تداول اسم «حمزة» كل هذا الوقت الطويل الذي يعد بالأشهر، وحتى شاع هذا الاسم وذاع، وقرع الأسماع؟!

ثانياً: قد يقال: إن ظاهر الأحاديث: أن تسمية النبيّ «صلى اللّه

عليه وآله» للحسنين «علیهما السلام» قد حصلت فور ولادتهما، مع وجود تصريح بأنه سماه في اليوم السابع (1)، على أبعد تقدير يدفع هذه الرواية التي تقول: إنه انتظر إلى ما بعد ولادة الحسنين معاً حتى أقدم على تغيير اسميهما.

ثالثاً: أليس لافتا للنظر أن أحداً لا يشير إلى تسمية المولود الأول بحمزة، ولا يذكره بها بالرغم من استمرار هذه التسمية متداولة كل هذه الأشهر الطويلة. ثمّ تنفرد بها هذه الرواية عن علي «علیه السلام»؟!

رابعاً: إن ما رأيناه في سيرة النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» أنه كان يغير الأسماء المكروهة، والتى يكون لها مضامين سيئة، مثل عبد الحارث، أو عبد شمس، أو عبد عمرو، أو بجير، أو عبد اللات، أو غير ذلك.. ولكن حمزة وجعفراً ليسا من الأسماء المكروهة التي تحتاج إلى تغيير فإن كان المقرر الإلهي هو تسميتهما «علیه السلام» بهذين الاسمين، فلماذا يتأخر إظهار ذلك إلى ما بعد تسميتهما بأسماء أخرى، فإن هذا التأخير الذي أدى إلى إدخال هذا التغيير قد


1) مناقب أمير المؤمنين للكوفي ج2 ص107 وصحيفة الرضا ص73 و (نشر مؤسسة الإمام المهدي - قم المقدسة سنة 1408هـ ق) ص250 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص88 وعيون أخبار الرضا ج2 ص42 ومسند زيد بن علي ص469 وترجمة الإمام الحسين من الطبقات الكبرى لابن سعد

أعطى انطباعاً مفاده: أن هذين الاسمين الكريمين غير محببين، وغير مرغوب بهما عند اللّه تعالى.. فقد حصل هذا التغيير في جوّ يعطي الانطباع بأن النبيّ «صلی اللّه علیه و آله» كان إذا كره اسما بادر إلى تغييره. ولم يظهر للناس - من خلال الممارسة العملية - أنه قد غيّر اسما حبيباً إليه إلى اسم هو أحبّ إليه.

فالقول بأنه «صلی اللّه علیه وآله» أراد أن يكرم الحسنين «عليهما السلام» باسمين هما أحب إليه من اسمي حمزة وجعفر، يأباه

الفصل السابع: التهنئة بالمولود.. وقصة فطرس..

اشارة

تهنئة الملائكة في اليوم السابع:

روي حديث نزول جبرئيل والملائكة لتهنئة النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» بميلاد الإمام الحسين «علیه السلام» عن الأئمة الطاهرين «عليهم السلام» بالعديد من الطرق.. مثل حديث أبي حمزة الثمّالي، عن زيد بن علي، عن أبيه الإمام السجاد «علیه السلام». وحديث جابر، وابن عباس. والحديث المروي عن الإمام الرضا «علیه السلام» عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». وما روي عن الإمام الصادق «علیه السلام»، وغير ذلك (1).

ونحن نذكر هنا أيضاً بعض النصوصالواردة حول هذا الموضوع، وهي التالية:


1) راجع: على سبيل المثال: بحار الأنوار ج43 ص238 و 251 و 243 و 244 وج98 ص397 وج44 ص182 والأمالي للصدوق ص198 و 200 و 201 و علل الشرايع (ط سنة 1421هـ) ص166 و 167 وبشارة المصطفى ص270 و 271 وسائر المصادر في الهوامش التالية

1- قصة دردائيل:

روي عن ابن عباس ما ملخصه: إن ملكاً كان يقال له: دردائيل، كان له ستة عشر ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح هواء، والهواء كما بين السماء والأرض.

فجعل يوماً يقول في نفسه: أفوق ربنا جل جلاله شيء؟!

فعلم اللّه تبارك وتعالى ما قال، فزاده أجنحة مثلها، فصار له اثنان وثلاثون ألف جناح، ثمّ أوحى اللّه عز وجل إليه أن: طر، فطار مقدار خمسمائة عام، فلم ينل رأسه قائمة من قوائم العرش.

فلما علم اللّه عز وجل إتعابه، أوحى إليه: أيها الملك، عد إلى مكانك، فأنا عظيم فوق كل عظيم، وليس فوقي شيء، ولا أوصف بمكان.

فسلبه اللّه أجنحته ومقامه من صفوف الملائكة.

فلما ولد الحسين بن علي «صلوات اللّه عليهما»، وكان مولده عشية الخميس ليلة الجمعة أمر اللّه مالك خازن النيران (كرامة لهذا المولود) بإخماد النيران على أهلها، وأمر رضوان بأن يزخرف الجنان ويطيبها، وأمر الحور العين بالتزين والتزاور، وأمر الملائكة أن قوموا صفوفاً بالتسبيح والتحميد، والتمجيد والتكبير .

وأمر جبرئيل «علیه السلام» بأن يهبط بألف قبيل من الملائكة، في كل قبيل ألف ألف ملك، على خيول بلق، مسرجة ملجمة، عليها

قباب الدر والياقوت، معهم ملائكة يقال لهم: الروحانيون، بأيديهم حراب من نور..

وأمرهم بأن يهبطوا إلى الأرض لتهنئته «صلی اللّه علیه وآله» بالمولود، وأمره بأن يخبره بأن اللّه سماه الحسين، ويخبره بما لمن يقتله من عذاب .عنده.

فمر جبرئيل في هبوطه بدردائيل، فسأله هذا عن الأمر، فأخبره بأنه ذاهب لتهنئة النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» بالحسين «علیه السلام». فطلب منه أن يسأل محمداً بحق المولود أن يسأل ربه الرضا عنه، ويرد عليه أجنحته، ومقامه في الملائكة.

إلى أن تذكر الرواية: أن جبرئيل هنا النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» بالحسين «علیه السلام» وعزاه به، وأخبره بقضية الملك. فأخذ النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» الحسين، وأشار به إلى السماء، فسأل اللّه بحق هذا المولود، وبحقه عليه، وعلى جده محمد، وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب إن كان للحسين «علیه السلام» قدر عنده أن يرضى عن دردائيل، ويرد عليه أجنحته، ومقامه.

فاستجاب اللّه تعالى له دعاءه، وغفر للملك.

والملك لا يعرف في الجنة إلا بأن يقال هذا مولى الحسين بن علي ابن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

وتذكر الرواية: أنه «صلی اللّه علیه وآله» أخبر فاطمة «عليها السلام» بما جرى، وبأن ولدها يقتل، وأن الأئمة سوف يكونون من

ولده، وذكر لها أسماءهم، وقال لها:

والأئمة بعدي هم:

الهادي: على.

المهتدي: الحسن.

الناصر: الحسين.

المنصور: علي بن الحسين.

الشافع: محمد بن علي.

النفاع: جعفر بن محمد.

: موسی بن جعفر.

الأمين الرضا علي بن موسى

الفعال: محمد بن علي.

المؤتمن: علي بن محمد.

العلام: الحسن بن علي.

ومن يصلي خلفه عيسى بن مريم

فسكنت فاطمة «علیها السلام» من البكاء (1).


1) كمال الدين ج1 ص282- 284 وبحار الأنوار ج43 ص248- 250 ومدينة المعاجز ج3 ص432- 436 وكتاب الأربعين للماحوزي ص365 والعوالم، الإمام الحسين ص13- 15 وج17 ص13 ومستدرك سفينة البحار ج3 ص268 وغاية المرام ج1 ص148 و 149 وص168 و 263 وإكسير العبادات ج1 ص280 - 282 وفرائد السمطين ج2 ص151- 154 وحلية الأبرار ج3 ص105

2- حديث فطرس:

أما حديث فطرس، فله نصوصعديدة، فلاحظ ما يلي:

1- قال ابن شهر آشوب: «ذكر الطوسي في المصباح رواية عن القاسم بن أبي العلاء الهمداني حديث فطرس الملك في الدعاء» (1).

2- عن الإمام الصادق «علیه السلام» أنه لما ولد الحسين «علیه السلام» أمر اللّه عز وجل جبرئيل أن يهبط في ألف من الملائكة، فيهنئ رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» من اللّه عز وجل ومن جبرئيل.

قال: فهبط جبرئيل، فمر على جزيرة في البحر فيها ملك يقال له: فطرس كان من الحملة بعثه اللّه عز وجل في شيء، فأبطأ عليه، فكسر جناحه وألقاه في تلك الجزيرة، فعبد اللّه تبارك وتعالى فيها سبعمائة عام حتى ولد الحسين بن علي«علیهما السلام».

فقال الملك لجبرئيل: يا جبرئيل أين تريد؟!


1) مناقب آل أبي طالب ج4 ص74 وبحار الأنوار ج43 ص244 والعوالم، الإمام الحسين ص18

قال: إن اللّه عز وجل أنعم على محمد بنعمة، فبعثت أهنئه من اللّه ومني، فقال: يا جبرئيل احملني معك لعل محمداً «صلى اللّه عليه وآله» يدعو لي.

قال: فحمله.

قال: فلما دخل جبرئيل على النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» هنأه من اللّه عز وجل، ومنه، وأخبره بحال فطرس، فقال النبيّ «صلی اللّه علیه وآله»: قل له: تمسح بهذا المولود، وعد إلى مكانك.

قال: فتمسح فطرس بالحسين بن علي «علیهما السلام» وارتفع، فقال: يا رسول اللّه، أما إن أمتك ستقتله، وله على مكافاة ألا يزوره زائر إلا أبلغته عنه، ولا يسلّم عليه مسلّم إلا أبلغته سلامه، ولا يصلي عليه مصلّ إلا أبلغته صلاته. ثمّ ارتفع.

قال ابن عباس: فالملك ليس يعرف في الجنة، إلا بأن يقال: هذا مولى الحسين بن علي (1).


1) الأمالي للصدوق (ط سنة 1417هـ. ق) ص200 و 201 وكامل الزيارات ص64 و 65 وبحار الأنوار ج43 ص243 و 244 و201- 200 وج98 ص397 وج44 ص182 والجنة الواقية هامش ص544 ودلائل الإمامة ص190 وعيون المعجزات ص68 والصراط المستقيم ج2 ص179 ومناقب آل أبي طالب ج4 ص74 و (ط المکتبة الحيدرية) ج3 ص228 و 229 و مستطرفات السرائر (ط سنة 1408هـ) ص63 وراجع: مثير الأحزان لابن نما ص16 وروضة الواعظين ص155 وبشارة المصطفى ص271 والخرائج والجرائح ج1 ص252 و 253 والعوالم الإمام الحسين ص17 و 18 وج17 ص47 و 48 وإثبات الوصية ص139- 140

3- وفي نص آخر: كان فطرس من الملائكة الكروبيين، فسأل النبيّ بحق محمد وأهل بيته أن يرد على فطرس جناحه، ويجعله آية للعالمين، فلما شافاه اللّه طلب من اللّه أن يجعله عند قبر الحسين، فإذا ترحم أحد من الناس على الحسين، أو تولى أباه، أو نصره بسيفه، ولسانه انطلق إلى قبر الرسول، فيخبره. فتأتي البشارة لذلك الرجل: إن مِتَّ على هذا أنت رفيقه في الجنة (1).

وفي نص آخر: أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي أمر فطرس بلزوم أرض كربلاء، وأن يخبره بكل من يزور قبر الحسين إلى يوم القيامة (2).

4- وفي نص آخر: إن اللّه تعالى كان قد خيّر فطرس بين عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، فاختار عذاب الدنيا، فكان معلقاً، بأشفار عينيه في جزيرة، لا يمر به حیوان و تحته دخان منتن غير منقطع.

فلما شافاه اللّه عرجإلى موضعه، وهو يقول: من مثلي وأنا عتاقة


1) بشارة المصطفى ص271 و (ط جماعة المدرسين) ص338 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص145 و 146

2) عيون المعجزات ص60 ودلائل الإمامة ص190 والدر النظيم ص528

الحسين بن علي، وفاطمة وجده أحمد الحاشر ؟! (1).

والظاهر: أن المراد بكون فطرس من الحملة: أنه من حملة عرش القدرة.

وروى البزنطي حديث فطرس عن حنان بن سدير، عن الإمام الصادق «علیه السلام»، ورواه الصدوق «رحمه اللّه» عن العطار، عن أبيه، عن الأشعري، عن موسى بن عمر، عن عبد اللّه بن صباح، عن إبراهيم بن شعيب، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام».

ورواه ابن قولويه عن محمد بن جعفر الرزاز، عن ابن أبي الخطاب، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه بن القاسم، عن إبراهيم بن شعيب.

وقال في آخره: إنه بعد أن تمسح بالحسين «علیه السلام» ثمّ ارتفع، قال: يا رسول اللّه، أما إن أمتك ستقتله، وله على مكافأة، ألا يزوره زائر إلا أبلغته عنه، ولا يسلم عليه مسلم إلا أبلغته سلامه، ولا يصلي عليه مصلّ إلا أبلغته صلاته، ثمّ ارتفع (2).


1) مناقب آل أبي طالب ج4 ص74 و 75 و (ط المکتبة الحيدرية) ج3 ص229 وإكسير العبادات ج1 ص284 وبحار الأنوار ج43 ص244 و 245 عن المسألة الباهرة، والعوالم الإمام الحسين ص18 والمنتخب للطريحي ص102

2) كامل الزيارات ص66 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي سنة 1417هـ) ص140 و 141 وبحار الأنوار ج43 ص244 وج98 ص367 والعوالم الإمام الحسين ص17 و 18 والأمالي للصدوق (ط مؤسسة البعثة - قم - إيران - سنة 1417 هـ ق) ص200 و 201 وروضة الواعظين ص155 ومستدرك الوسائل ج10 ص411 والثاقب في المناقب ص338 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص228 و 229 وشجرة طوبی ج2 ص260

5- قال محمد بن مرزبان: إن محمد بن سنان شكى إلى الرضا وجع العين، فكتب «علیه السلام» إلى ولده الإمام الجواد «علیه السلام»، ودفعه إليه، فلما دفع الكتاب إلى الخادم الذي كان يحمل أبا جعفر، وضع الخادم الكتاب بين يدي أبي جعفر، فجعل «علیه السلام» ينظر في الكتاب ويرفع رأسه إلى السماء، ويقول: ناج.

قال محمد بن سنان: ففعل ذلك مراراً، فذهب كل وجع في عيني، وأبصرت بصراً لا يبصره أحد.

قال ابن سنان: قلت لأبي جعفر: جعلك اللّه شيخا على هذه الأمة، كما جعل عيسى بن مريم شيخاً على بني إسرائيل.

قال: ثمّ قلت له: يا شبيه صاحب فطرس..

إلى أن قال ابن مرزبان: فقلت لمحمد بن سنان: ما عنيت بقولك: «یا شبيه صاحب فطرس»؟!

فقال: إن اللّه غضب على ملك من الملائكة، يدعى «فطرس» فدق جناحه، ورمى به في جزيرة من جزائر البحر..

ثمّ ذكر له ابن سنان: مرور جبرائیل به، وهو في مسيره لتهنئة النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» بولادة الإمام الحسين «علیه السلام».

وكان جبرائيل صديقاً لفطرس، وحمله معه إلى الرسول، فجبر اللّه جناحه ببركة الحسين «علیه السلام»، ورده إلى منزله مع الملائكة (1).

6- وفي نص آخر: بسند آخر عن أحمد بن محمد بن أبي نصر،


1) راجع: إختيار معرفة الرجال ((رجال الكشي) ص487 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج2 ص849 و 850 وبحار الأنوار ج50 ص66 و 67 عنه، والأنوار البهية ص253 و 254 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج2 ص446 و 447 والفوائد الرجالية ج3 ص267 وقاموس الرجال للتستري ج9، ص311. وراجع: موسوعة مكاتيب الأئمة للنجف آبادي ج1 ص136 وقال في هامشه: اختيار معرفة الرجال ص582 ح 1092 و 583 ح 1093 بسند آخر بتفاوت و اختصار، والهداية الكبرى ص300 مرسلاً وبتفاوت يسير، ودلائل الإمامة ص402 ح361 بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: كنت أنا، ومحمد بن سنان، وصفوان، وعبد اللّه بن المغيرة عند أبي الحسن الرضا «علیه السلام»..، باختصار، ونحوه إثبات الوصيّة ص210 وبحار الأنوار ج50 ص66 ح 43 وص67 ح 44 وتنقيح المقال ج3 ص127 وإثبات الهداة ج3 ص346 ح 67 وص349- 82 عن قرب الإسناد باختصار ولم أعثر عليه، ومدينة المعاجز ج7 ص341 ح 2370 والأنوار البهيّة ص253

ومحمد بن سنان: أنهما زارا الإمام الرضا «علیه السلام» بمكة، وطلبا منه أن يكتب للإمام الجواد كتاباً معهما، فكتب إليه كتاباً، فأخرجه إليهما «الموفق» (اسم الخادم الذي كان يحمل الإمام «علیه السلام») فقرأ الكتاب.

قال محمد بن سنان «..فلما فرغ من قراءته حرك رجله، وقال: ناج، ناج.

فقال أحمد: ثمّ قال محمد بن سنان عند ذلك: «فطرسية!! فطرسية» !! (1).

والمقصود بقوله «فطرسية»: أن اللّه تعالى قد شفاه من وجع عينيه، كما جبر اللّه جناح فطرس ببركة الإمام الحسين «علیه السلام».

7- وعن أحمد بن موسى، عن محمد بن أحمد مولى حرب، عن أبي جعفر الحمامي الكوفي، عن الأزهر البطيخي، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام»: إن اللّه عرض ولاية أمير المؤمنين «علیه السلام»، فقبلها الملائكة، وأباها ملك يقال له: فطرس. فكسر اللّه جناحه.


1) إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ص488 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج2 ص850 وبحار الأنوار ج50 ص67 عنه، ومنتهى المقال ج6 ص67 و 68 والرسائل الرجالية للكلباسي ج3 ص640 ومعجم رجال الحديث ج17 ص167 و 168 وقاموس الرجال للتستري 17 ج9 ص312

ثمّ تذكر الرواية مرور جبرائيل به - وهو في طريقه مع السبعين ألف ملك - إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ليهنئه بولادة الإمام الحسين «علیه السلام»، فطلب منه فطرس أن يحمله معه، وأن يطلب من النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» أن يدعو له أن يرد عليه جناحه - فقد كانت بين جبرائيل وبين فطرس أخوة.

فعرض النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» على فطرس ساعتئذٍ ولاية أمير المؤمنين، فقبلها. فسمح له النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» بأن يتمسح بمهد الإمام الحسين «علیه السلام»، ويتمرغ فيه، ودعا له النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» فرد اللّه عليه جناحه، وعرج مع جبرائيل إلى موضعه فى السماء (1).

ج: صلصائيل (أو صرصائيل):

وتذكر رواية ابن عباس: أن الإمام الحسين «علیه السلام» ولد في شهر رجب في اثنتي عشرة ليلة خلت منه، وأوحى اللّه عز وجل


1) بحار الأنوار ج26 ص340 و 341 وبصائر الدرجات ج1 ص151 و 152 و (منشورات الأعلمي سنة 1404هـ) ص88 ومدينة المعاجز ج3 ص88 ص436- 438 وتفسير فرات ص427 و 428 وتفسير نور الثقلين ج4 ص348 وتفسير كنز الدقائق ج10 ص533 و 534 وإكسير العبادات ج1 ص283 و 284

إلى حورية اسمها لعيا، أن تهبط إلى دار الدنيا لتؤنس الزهراء «عليها السلام»، وأوحى إلى رضوان خازن الجنان أن زخرف الجنة، وزينها، وأوحى إلى الملائكة أن قوموا صفوفا بالتسبيح والتقديس، والثناء على اللّه تعالى.

وأوحى اللّه تعالى إلى جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أن اهبطوا إلى الأرض في ألف ألف ملك، فهبطوا من سماء إلى سماء، وإذا في السماء الرابعة ملك يقال له «صر صائيل»، له سبعون ألف جناح قد نشرها من المشرق إلى المغرب، وهو شاخص نحو العرش، لأنه حدث نفسه فقال:

ترى اللّه يعلم ما في قرار هذا البحر، وما يسير في ظلمة الليل، وضوء النهار !!

فعلم اللّه تعالى ما في نفسه فأوحى اللّه تعالى إليه أن أقم مكانك، لا تركع، ولا تسجد عقوبة لك لما فكرت.

(وفي نص آخر: بعثه اللّه في بعث، فأبطأ، فسلبه ريشه، ودق جناحيه، وأسكنه في جزيرة من جزائر البحر، فمر به الملائكة الذاهبون للتهنئة بولادة الإمام الحسين «علیه السلام»، فطلب منهم أن يحملوه معهم، فحملوه).

و هبطت الحورية لعيا على فاطمة «علیها السلام»، فولدت الحسين «علیه السلام» في وقت الفجر . فقبلته لعيا، وقطعت سرته، ونشفته بمنديل من مناديل الجنة،

وقبلت عينيه، وتفلت في فيه.

وهنأت الملائكة جبرائيل، وهنّى جبرائيل محمداً «صلی اللّه علیه وآله» سبعة أيام بلياليها، وفي اليوم السابع طلب جبرائيل من النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» أن يأتيهم بابنه حتى يروه.

فدخل «صلی اللّه علیه وآله» على فاطمة، وأخذ الحسين «علیه السلام»، وهو ملفوف بقطعة صوف صفراء، فأتى به إلى جبرائيل، فحله، وقبل بين عينيه، وتفل في فيه وقال: بارك اللّه فيك من مولود، وبارك اللّه في والديك يا صريع كربلاء.

ونظر إلى الحسين «علیه السلام» وبكى، وبكى النبيّ «صلى اللّه عليه وآله»، وبكت الملائكة.

إلى أن قال ابن عباس: فقال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: يا جبرائيل تهنئني وتبكي!

فأخبره جبرائيل بقتله على يد شرذمة من أمته..

فدخل النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» على فاطمة، وأخبرها أن اللّه تعالى قد سماه الحسين، وهنأها به وبكى.

فقالت: يا أبتا، تهنئني وتبكي؟!

فأخبرها بما يجري عليه، وأنه يقتل في موضع يقال له كربلاء، وبأنه يخرجمن صلبه تسعة من الأئمة، ثمّ سماهم بأسمائهم.

قال: وعرج جبرائيل وعرجت الملائكة، وعرجت لعيا، فلقيهم

الملك صرصائيل، فقال يا حبيبي، أقامت القيامة على أهل الأرض؟!

قال: لا، ولكن هبطنا إلى الأرض، فهنأنا محمداً بولده الحسين.

قال: حبيبي جبرائيل فاهبط إلى الأرض، فقل له: يا محمد اشفع إلى ربك في الرضا عني، فإنك صاحب الشفاعة.

قال: فقام النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» ودعا بالحسين «علیه السلام»، فرفعه بكلتا يديه إلى السماء، وقال: اللّهم بحق مولودي هذا عليك إلا رضيت على الملك.

فإذا النداء من قبل العرش: يا محمد، قد فعلت وقدرك عندي عظيم.

قال ابن عباس: والذي بعث محمداً بالحق نبيّاً: إن صرصائيل يفتخر على الملائكة أنه عتيق الحسين «علیه السلام»، ولعيا تفتخر على الحور العين بأنها قابلة الإمام الحسين (1).

ونقول:

إن ما ذكرته الرواية، من أن الحورية لعيا هي التي قطعت سرته،


1) راجع: مدينة المعاجز ج3 ص426- 431 والمنتخب للطريحي ص151 وحلية الأبرار ج3 ص108 وإكسير العبادات ج1 ص275- 278 و 279 وعوالم العلوم ج17 ص16 وبحار الأنوار ج43 ص258 و 259 وشجرة طوبى ج2 ص259 ومستدرك سفينة البحار ج9 ص267 وكتاب الأربعين للماحوزي ص368- 371

وهي التي كانت القابلة لأمه، فإنما هو على معنى: أنها أجرت السنة بإمرار الموسى على موضع السرة.

وأما موضوع الولادة، وأنها كانت القابلة، فهذا أمر نوكل علمه إلى اللّه.

وبعد هذا، فلا بد لنا من تسليط الضوء على الأمور التالية:

تعدد الحدث:

هناك تشابه ولو محدود بين الأحداث المنقولة في الروايات السابقة .. فقد يكون الحدث قد تعدد وتشابه.. وقد يكون فطرس ودردائيل، وصلصائيل أسماء لمسمى واحد، أو أسماء وأوصافاً وألقاباً.. وقد يكون وجود بعض الفوارق بين الروايات شاهداً على تعدد الوقائع والأشخاص.

إختلاف الروايات:

وبعد.. فهناك اختلافات بين نصوصالروايات المتقدمة، ولكن هذا الاختلاف لا يعني كذب الرواية، بل هو يعني عدم إمكان الإحتجاج بما هو مورد الاختلاف البالغ حد التناقض، إلا بعد ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى.. فإنه لو اقتصر الأمر على الاختلاف بالزيادة والنقيصة، لهان الأمر، لأن من الممكن أن يقال: إن من الممكن صدور الخصوصية الزائدة في هذه الرواية، أو تلك، لكن

الراوي نسي ذكرها، أو لم يتعلق غرضه بنقلها.

وقد يحل الإشكال أيضاً إذا احتمل تعدد الواقعة، وكان التعدد ممكناً.

أما إذا كان الاختلاف في الروايات التي تتحدث عن واقعة واحدة كبيراً، وكان غير قابل للحل.. فلا بد من الحكم بعدم صحة أحد النصين المختلفين.

فمثلاً:

1- إذا كانت روايات قصة دردائيل متناقضة، بأن كانت إحداها تقول: إنها حصلت له مع إدريس «علیه السلام»، وأخرى تقول: إنها حصلت له مع الحسين «علیه السلام».

وعلمنا أن ما حصل هو قضية واحدة لم تتكرر، فلا بد من ردّ إحداها. وتبقى رواية واحدة هي التي تحتمل الوقوع دون سواها.

2- وكذا لو كانت إحدى الروايتين تقول: إن الملك كان فى السماء الرابعة.

وأخرى تقول: إنه كان في الأرض في جزيرة من جزائر البحر.. وعلمنا: أن القصة واحدة، وليست لملكين مختلفين.

3- وهكذا يقال بالنسبة للرواية التي تقول: إن جبرئيل حمل فطرس معه إلى النبيّ «صلی اللّه علیه و آله».

مقابل الأخرى التي تقول: إنه لم يحمله إليه، بل أخبر النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» بحاله، فدعا له النبيّ «صلی اللّه علیه وآله»،

فأعتقه اللّه مما هو فيه، فحضر فطرس إلى النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» بعد شفائه.

4- ورواية تقول: إن الملك المصاب قد طلب من جبرئيل أن يعود إلى النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» ليطلب منه أن يدعو له، وكان ذلك بعد رجوع جبرئيل من التهنئة.

وأخرى تقول: بل حمله جبرئيل معه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» في حال ذهابه إلى التهنئة.

إلا إذا قيل باختلاف الواقعة، وأنها حصلت لأكثر من واحد من الملائكة.

5- كما أن إحدى الروايات تقول: إن السبب في بلاء ذلك الملك هو إبطاؤه في مهمة بعثه اللّه تعالى بها.. وأخرى تقول: بل السبب هو عدم إقراره بالولاية لعلي «علیه السلام».

6- ورواية تقول: إن اللّه كسر جناح فطرس، وألقاه في الجزيرة.

وأخرى تقول: إنه كان معلقاً بأشفار عينيه في تلك الجزيرة..

إلا أن يقال: لا مانع من الجمع بين هذين الأمرين..

إلى غير ذلك من الاختلافات التي قد يمكن التخلصمنها بالنحو الذي أشرنا إليه، وقد لا يمكن ذلك.

وللحديث بقية ترتبط بولاية أمير المؤمنين «علیه السلام» نعقد لها الفصل التالي..

«علیه السلام»

الفصل الثامن: إقرار الملائكة بولاية علي «علیه السلام»..

اشارة

الملائكة وولاية علي «علیه السلام»:

في الروايات المتقدمة في الفصل السابق إشكال ظاهر، فقد تقدم في بعضها: أن سبب ما جرى للملك هو عدم قبوله ولاية علي «علیه السلام»، أو عدم القبول بحديث أهل البيت «علیهم السلام»، وعدم الانسجام معه والإيمان به، لأن إنكاره، وعدم القبول به قد يؤدي حتى إلى الكفر باللّه العظيم، والعياذ باللّه، فكيف لا تقر به الملائكة والأنبيّاء؟!

فقد روي أيضاً عن عبد اللّه بن عيسى، عن أخيه، عن عبد الرحمان بن محمد، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن سدير الصيرفي، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال: «إن أمركم هذا عرض على الملائكة، فلم يقرّ به إلا المقربون (1).

زاد في نص آخر: وعرض على الأنبيّاء، فلم يقر به إلا المرسلون. وعرض على المؤمنين، فلم يقرّ به إلا الممتحنون (2).


1) بصائر الدرجات ج1 ص150 و (منشورات الأعلمي سنة 1404هـ) ص46 و 47 وبحار الأنوار ج26 ص340

2) بصائر الدرجات ج1 ص150 و 73 و 75 و 76 و 70 و 72 وراجع ص62- 72 و 74 و (منشورات الأعلمي سنة 1404هـ) ص46 و 47 87 وبحار الأنوار ج2 ص185 و 185 و 26 ص274 و 340 وتفسیر فرات ص427 و 428 ح 564 ومعاني الأخبار ص407 ح83ومختصر بصائر الدرجات ص128 و 129

وروي نحو هذا عن أبي جعفر «علیه السلام» (1)، فكيف يمكن فهم هذه الأخبار .. مع الاعتقاد بعصمة الأنبيّاء والملائكة ؟!

أسئلة حول الملائكة والأنبيّاء:

ونوضح ما نرمي إليه من هذا التساؤل على النحو التالي:

أولاً: هل الملائكة مطالبون بالإقرار بولاية أمير المؤمنين «علیه السلام»، وولاية أبنائه الأئمة الطاهرين «صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين»؟!

وهل هو «علیه السلام» إمام لهم، وأبناؤه أئمة لهم، كما هم أئمة لأهل الأرض من الإنس والجن؟!

وهل النبيّ مبعوث للملائكة أيضاً، كما هو مبعوث للإنس والجن؟!


1) بصائر الدرجات ج1 ص150 و (منشورات الأعلمي سنة 1404هـ) ص46 والخرائج والجرائح ج2 ص793 و 794 ومختصر بصائر الدرجات ص126 وبحار الأنوار ج2 ص197 والدر النظيم ص615 و 616

ثانياً: إن ما نعرفه عن الملائكة «علیهم السلام»: أنهم معصومون عن أي ذنب، وأنهم (عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (1).

فما معنى أن يغضب اللّه تعالى على بعضهم، ويعاقبه بكسر جناحه، ويلقيه في جزيرة من جزائر البحر، ويحرمه من مقامه الذي هو فيه؟!

ألا ينافي ذلك ما دل على عصمتهم، وطهارتهم؟!

وما معنى أن يصبح ذلك جزءاً من تاريخ الإمام الحسين «علیه السلام»، وأن يقرأ فى مجالس العزاء، وهو يخالف الثوابت والمسلمات ؟! وهل يمكن الوثوق بهذه المجالس، وما يقرأ فيها ؟!

ثالثاً: ما معنى أن يقال: إن الملائكة لم يقروا بولاية علي «علیه السلام»، فما أقر بها إلا المقربون، وإذا كان الجميع، أو أكثرهم لم يقروا بالولاية، فلماذا لم يعاقب منهم إلا فطرس، ودردائيل، وصلصائيل؟!

وكيف نحكم بعصمة جميع الملائكة المقربين وغيرهم؟!

رابعاً: إذا كان لم يقر بهذا الأمر إلا المرسلون من الأنبيّاء، فلماذا لم يعاقب ما عدا المرسلين منهم ؟! وكيف نحكم بعصمة جميع الأنبيّاء، سواء في ذلك من كان من المرسلين، أو من لم يكن من المرسلين؟!


1) الآيتان 26 و 27 من سورة الأنبيّاء

ولماذا اقتصرت العقوبة على آدم ويونس؟! فقد روي: أن ما جرى لآدم كان لأجل أنه لم يقبل ولم يرفض ولاية علي «علیه السلام»، ولهذا قال تعالى: (وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا) (1).

كما أن يونس «علیه السلام» قد ابتلي بالحوت، لأنه لم يقبل ولاية علي «علیه السلام»، ولم يخرجمن بطنه حتى قبلها.

أجوبة مقبولة ومعقولة:

ويمكن أن يجاب عن الأسئلة المتقدمة بعد استثناء الروايتين المذكورتين آنفاً عن أبي عبد اللّه، وفيهما قوله إن أمركم هذا عرض على الملائكة، فلم يقرّ به إلا المقربون». وقوله: وعرض على الأنبيّاء، فلم يقر به إلا المرسلون. وعرض على المؤمنين، فلم يقرّ به إلا الممتحنون.

والسبب في هذا الإستثناء: أنهما ليستا صريحتين بأن المراد بـ «أمركم هذا» هو ولاية علي «علیه السلام». بل في بعض الروايات: أن المراد به حديثهم «عليهم السلام».

أما بالنسبة لسائر الروايات، فيمكن أن يجاب عنها بما يلي:

«علیه السلام»


1) الآية 115 من سورة طه

الجواب الأول:

1- لا ريب في أن الملائكة «علیهم السلام» مطالبون بالطاعات، وببذل الجهد، ونيل المراتب، وقد باهى اللّه بعلي ملائكته، حين بات على فراش رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ليلة الغار، بهدف حثهم على بذل المزيد، ولإظهار فضله «علیه السلام»..

2- ولكن لابدّ من الإجابة على سؤال: هل يمكن أن تصدر من الملائكة معصية؟!

ونقول في الجواب:

فيما يرتبط بالمعصية فإن كانت تستند إلى الجحود بربوبيته تعالى، أو إلى الاستخفاف بأمره سبحانه، فهي من مفردات تجسيد الكفر، وأما المعصية انقياداً للّهوى، واستجابة لداعي الشهوة، وإغواء وتضليل الشيطان، فلا تتصور في حق الملائكة الذين لا شهوات لديهم، ولا سبيل للشيطان عليهم، لأنهم لا يستجيبون إلا للخير.

والمعصية هي التمرد على أمر المولى، وهتك حرمته، والطغيان عليه. وأما الإبطاء في تنفيذ أمر المولى - كما ورد في الأخبار المبيّنة للسبب الذي أوجب حصول المشكلة لذلك الملك - فغايته هو حصول التسويف للوقت لأجل رغبة النفس في الرفاهية، أو التلذذ ببعض الأمور، أو بسبب الغفلة عن خصوصية الإلزام في الأمر، أو لعدم النظر في العواقب، أو لقلة التدبر.

فلا يعني ذلك كله التمرد على الأمر، ولا هتك الحرمة، أو

الطغيان على المولى.. بل يعني التفريط وفوات المنفعة على من يبطئ، ولو عن غير عمد، كما لو تعرض لإعاقة من طرف ثالث، أو لأن أمراً من الأمور قد عرض له أوجب له الغفلة عن متابعة واجبه..

فمثلاً لو أن شخصاً يستطيع حمل ألف رطل شرط المثابرة على العمل الكذائي، وكان يأخذ على حمله أجرة كبيرة، فإذا أصبح عاجزاً عن حمله، أو لم يفعل ذلك لغلبة النوم عليه مثلا، أو لمرض عرض له، أو لأي سبب آخر .. فإنه لا يكون عاصياً، ولا متمرداً، ولا يعاقب، بل يكون قد حرم نفسه من هذه المنفعة.

كما أن من يجيد تدريس مادة علمية يتقاضى عليها أجراً، فإذا ابتلي بالنسيان، فإن المدرسة تستغني عن خدماته، لأنه لم يعد قادراً على القيام بما يطلب منه. وهذا الاستغناء ليس عقوبة له، بل لأنه لم ينجز ذلك العمل ليستحق ذلك الأجر.

وفطرس، وكذلك دردائيل وصلصائيل حين قصّروا في العمل الذي أشير إليه فقدوا القدرة على الطيران، أو تلاشت وسيلته التي كانت في حوزتهم، وهي ما يسمى بالجناح، فلم يعد الواحد منهم قادراً على الارتفاع من المحل الذي هو فيه حتى إلى سماء الدنيا، فضلاً عن أن يصل إلى الرابعة، أو إلى ما فوقها.

ولذلك نرى: أن جبرئيل حين المعراجبلغ مع النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» إلى موضع بعينه، ثمّ توقف وقال للنبيّ «صلى اللّه عليه

وآله»: لو تقدمت على هذا الموضع قيد أنملة لاحترقت (1)، وذلك لأن جبرئيل وتسبيحه، وتمجيده وعباداته لربه قد أوصلته إلى هذا الموضع فقط. فلم يكن لديه ما يمكّنه من الوصول إلى ما هو أعلى.

كما أن فطرس الذي بلغ به عمله وعباداته إلى أن صار من حملة العرش. قد بلغ به التقصير والإهمال إلى حد لم يعد قادراً على الوصول حتى إلى سماء الدنيا، بل لم يعد يمكنه أن يرتفع عن الأرض، وفقد أجنحته، أو فقد فيها القوة.

ولذا احتاجإلى من يحمله ويضعه في حضرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»، فدعا له.

وكان دعاء النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» له، وتمسحه بمهد الحسين «علیه السلام» قد أنعش قواه، وأعطاه نفحة قوة استعاض بها عما كان قد فقده بسبب تقصيره، فعاد إلى مكانه الأول، واستعاد موقعه من جديد، فتبارك اللّه أحسن الخالقين.

وهكذا يقال بالنسبة للملك الذي كان له ستة عشر ألف جناح، فإن فقدانه لأجنحته قد كان بسبب فقدانه مقومات بقائها.


1) مناقب آل أبي طالب ج1 ص187- 189 و (ط المکتبة الحيدرية) ج1 ص154 و 155 وبحار الأنوار ج18 ص382 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص23 و ج10 ص154 وتفسير الرازي ج2 ص234 وج25 ص161 وج28 ص291 وتفسير ابن عربي ج2 ص148 و 233 و 276 والدر النظيم ص104 و

والأعمال العبادية للملائكة هي التي تمنحهم هذه الأجنحة، وتعطيهم الطاقات والقدرات، وبها يبلغون إلى السماء الدنيا، أو التي بعدها.

والخلاصة: أن اللّه تعالى قد يوكل ملكا بالشجر، أو بالماء أو بالهواء، أو بالمطر، أو بقبض الأرواح، أو كتابة أعمال العباد، أو يجعله من حملة العرش، أو غير ذلك. فإذا قصر في عباداته، فإنه يفقد القدرة على القيام بما أوكل إليه.

فكسر الجناح لا يعني العقوبة على ذنب يختزن التمرد على اللّه سبحانه، ومخالفة أمره الإلزامي. بل معناه عدم قيام ذلك الملك بما يحفظ له القوة في جناحه، بحيث يرفعه عن الأرض إلى السماء الدنيا، أو الرابعة .. أو لا يعود قادراً على أن يكون من حملة عرش القدرة، فإن الجناح كالشجرة التي تحتاجإلى ماء، أو المخلوق الذي يحتاجفي بقائه إلى غذاء، فإذا فقد ذلك الماء، أو الغذاء فقد الحياة والبقاء.

وكذا لو كان لدى شخصقطعة نقود فمزقها، أو شجرة فقطعها، أو معه قلم فكسره، فإن ذلك لا يعد عقوبة من الغير له، لأنه لم يعتد على ذلك الغير، ولم يتمرد عليه، ولم ينتهك حرمته، بل هو الذي حرم نفسه من الانتفاع بنقوده، أو بشجرته، أو قلمه.

الجواب الثاني:

علينا أن نذكر هذا الجواب ضمن النقاط التالية:

1- هناك أمور تتوافق العقول على إدراكها، وتأكيد حسنها، وتلزم المخلوقات العاقلة بها، مثل وجوب شكر المنعم، وحسن الإحسان وحسن العدل أو تتوافق على قبحها، ولزوم اجتنابها، مثل:

الظلم، وكفران النعمة، ومقابلة الإحسان بالإساءة، وما إلى ذلك.

كما أن العقول تلزم بحب الخير وأهله، وقبح الشر، وتلزم باجتنابه، وبمجانبة أهله.

فلو أن الملائكة لم يحبوا أهل الخير والصلاح، والطاعة اللّه، ولم ينصروا المظلومين، وأعانوا أو والوا أهل البغي والطغيان.. لكانوا موضع مقت اللّه، واستحقوا الطرد من ساحة رضوانه. ولم يكونوا أهلاً لإكرامه وإحسانه.

كما أن الجاهل: إذا ادعى لنفسه التقدم والفضل على العالم، أو إذا نازع اللئيم الكريم، وتجرأ العبد على سيده، وهتك حرمته، ونازعه مقامه، واغتصب حقه.. فلا ريب في أنه يستحق الطرد والحرمان والعقوبة.

2- هناك أمور يجب فعلها أو يحرم، ولكن العقول لا تستطيع أن تدرك ذلك، لأنه مرتبط بأسرار التكوين، وبأمور غيبية لا سبيل للعقول إليها، فتحتاج إلى تعليم وتوقيف من قبل الخالق والجاعل .. فلا يستطيع الملك أن يدرك بمحض عقله أن على المرأة الحائض أن تترك الصلاة والصوم أيام الحيض، ثمّ عليها بعد ذلك أن تقضي الصوم دون الصلاة، مع أن الصلاة عمود الدين.

كما أن العقول لا تستطيع أن تدرك أن دية قطع الإصبع الواحدة عشرة دنانير، ودية الأصبعين عشرون، ودية الثلاثة ثلاثون. أما دية قطع أربعة أصابع، فعشرون ديناراً.

ولا تستطيع العقول أن تدرك: أن صلاة المغرب ثلاث ركعات، وصلاة العشاء أربع ركعات، وما إلى ذلك. فلا بد من أخذ ذلك من اللّه تعالى بواسطة أنبيّائه وأوصيائهم.

فالملائكة يحتاجون إلى التعلم من هؤلاء هذا النوع من الأحكام، لأنه مرتبط بأسرار لا علم لهم بها.

ولأجل ذلك تفاوتت مراتب الملائكة فيما بينهم في الفضل والكرامة، تبعاً لتفاوت معارفهم

3- كما أن الملك الذي هو معصوم عن الذنب بلا ريب ليس معصوماً عن الخطأ فيما لا علم له به.. بل هو يخطئ ويصيب، فإن عدم وجود شهوات وغرائز لدى الملائكة إنما يحصنهم من التمرد على المولى، انقياداً لشهواتهم وأهوائهم...

ولكنه لا يحصنهم من الخطأ فيما لم يعرفوه، ولم تكشف لهم أسراره وخفاياه.

4- ونستطيع أن نقدم شاهداً على هذا حديث جعل اللّه الخليفة في الأرض، حيث يبدو:

ألف: أن الملائكة قد رأوا أن الإنسان الذي خلقه اللّه تعالى على

هذه الصفة التي هو فيها لن يكون قادراً على إعمار هذا الكون وفق الأهداف الإلهية السامية، كما قال تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (1).

ولن يوصل كل ما فى هذا الوجود إلى كماله المنشود.

فإن من يملك شهوات، وغرائز، وأهواء، ويملك قدرات وطاقات، ولديه عقل جبار، وهائل القدرات، يمكنه أن يسخره في خدمة غرائزه وشهواته، وتلبية طلباتها، ويكون مختاراً في جميع أفعاله وتروكه. وتوضع بين يديه الأموال والثروات، ويتقلب بين الحسناوات، ويرى من حوله المغريات، ويستطيع أن يملك السلطة والجاه، وتدفعه الغريزة، وتدعوه الشهوة، وتحركه أهواؤه وطموحاته. ويستطيع أن يستفيد من كل ما حوله، وما تصل إليه يده في سبيل نيل شهواته، وتلبية متطلبات غريزته.

نعم.. إن من تكون هذه حاله، لا يتوقع منه الخضوع الطوعي المجرد الأوامر والنواهى، ويتخلى عن طموحاته، ويخالف أهواءه، ويكبت شهواته، ويصدُّ غريزته بصورة تبرعية وطوعية، ومن دون أي إكراه أو إجبار، بل لمجرد الاستجابة لوعود لا يرى منها أي أثر في المنع والردع إلا من خلال رضاه، واختياره وانصياعه لقراره المخالف لكل هذه المحفزات، والمغريات. مع أن قراره هذا لا يصل


1) الآية 61 من سورة هود

إليه، ولا يحصل عليه، إلا من خلال صور ذهنية تحاول استدراجه المواجهة ضغوطات غريزية طاغية، وشهوية عارمة.. لها من قوة التأثير عليه ما ينقض الهمم، ويفسخ العزائم.

من أجل ذلك، نجد: أن اللّه تعالى قال للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَة). فلما عرفوا طرفاً من طبيعة هذا المخلوق الجديد، وأنه مخلوق عاقل، قادر على الإصلاح والإفساد، ولديه قدرات وطاقات وشهوات وغرائز، قد تقوده إلى أن يسيء الاستفادة من قدراته، فيفسد ولا يصلح، ويسفك الدماء بدل أن يحقنها ويحفظها، قالوا متعجبين مذهولين: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) ؟! (1). فإن التنافس لنيل الشهوات وتصادم الرغبات يؤدي عادة إلى سفك الدماء.

كما أن المعيار إذا كان هو مصالح ورغبات، وتلبية شهوات الأشخاص، لا بد أن يؤدي إلى الإفساد في الأرض.

ب: ثمّ قدموا أنفسهم كبدائل عن هذا الخليفة، مبررين تصرفهم هذا بأنهم محض عقل رحماني، وموجود روحاني غير خاضع لغريزة أو لشهوة، لعدم وجود أي منهما فيهم. وهذا يعني: أن الاستفادة من هذا العقل ستكون لمحض تحقيق الغرض الإلهي، وهو إعمار


1) الآية 30 من سورة البقرة

الكون، وإيصال كل مخلوقاته إلى كمالها، لتحقق الغرض الأمثل والأفضل، والأقصى من خلقتها وتكوينها.

واستدلوا على ذلك:

أولاً: بعقد سلبي يفيد عدم صلاحية هذا الإنسان - الذي يخلد إلى الأرض، ويميل إلى الفساد - لإعطاء الكمال للموجودات، بل هو يفسدها. كما أنه سوف يتصادم مع أبناء جنسه تصادماً يؤدي إلى تلاشي وفناء هذا الذي كلف فيه بالإصلاح والإعمار.

ثانياً: واستدلوا أيضاً بعقد إيجابي، فإنهم سوف يدبرون أمور هذه الموجودات بالاعتماد على عقلهم - الذي يدرك تنزيه اللّه تعالى عن كل نقص، وج5ل، وضعف - بالاستناد إلى أفعاله التي اظهرت علمه وكرمه، وقدرته وتدبيره، وحكمته، وواجديته لسائر صفات الكمال والجلال والجمال.

ويكون هذا التدبير ملابساً لتقديس كل ما ينتسب إلى اللّه تعالى وتطهيره، وإعطائه صفة القداسة والمباركية، وجعله خالصاً من كل الشوائب والنقائص، والأدران، لأن للوسائل قدسيتها وطهرها، وصفاءها ونقاءها، كما هو الحال بالنسبة لغاياتها، وأهدافها.

وهذا يدلل على رجحان استبدالهم بذلك الخليفة البشري، الذي لن يكون أهلا لتحقيق مثل هذه النتائج. بل سيأتي على عكس ما يراد، حيث سيقوم بسفك الدماء، وإشاعة الفساد..

ج- وبعد أن ألمح اللّه تعالى لهم: بأن في الأمر سرا اقتضى ذلك،

حيث قال لهم: (إنّي أعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (1)، ثمّ لما (..عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثمّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (2). وتبين للملائكة عجزهم وج5لهم، وقدرة وعلم آدم، الذي أنبأهم بتلك الأسماء، أدرك الملائكة: أن عليهم أن يعترفوا بأنهم إنما عرضوا هذا الاستبدال مع اعترافهم بأن من المعقول جدا أن يكون اللّه تعالى قد اختار البشر للخلافة لحكمة جهلوها، أو لأمر علمه اللّه سبحانه دونهم، ولذلك قالوا مؤكدين لا بإن المخففة، بل بإنَّ الثقيلة، وبالجملة الأسمية، مع التصريح بضمير الخطاب، بعد،كاف الخطاب في قوله: (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (3).

فإن تعليم آدم للأسماء، ثمّ عرض مسمياتها على الملائكة، قد عرَّف الملائكة بأن ما يطلبه تعالى من هذا المخلوق البشري لا يستطيع أحد سواه أن يقوم به.

فإن المطلوب ليس هو مجرد التسبيح بالحمد، والتقديس للّه تعالى، كما أن وقوع الفساد في الأرض من البشر، وحصول سفك الدماء، ليس بالأمر المهم إذا قيس بالفوائد والعوائد التي سوف تحصل على يد هذا الخليفة المتمثل بمحمد «صلی اللّه علیه وآله» وبالصفوة من أهل


1) الآية 30 من سورة البقرة

2) الآية 31 من سورة البقرة

3) الآية 32 من سورة البقرة

بيته «علیهم السلام» الذين اختارهم اللّه تعالى للقيادة والريادة، والتدبير للموجودات، وليهيمنوا على مسيرتها، وليشهدوا عليها.

وكان آدم هو المؤهل لمعرفة الأسماء، لأن مسمياتها سيكونون في صلبه، وهم الأخيار من ذريته. ولم يكن ثمّة ما يحتم معرفة الملائكة بتلك الأسماء، لأن الملائكة لا يتولد منهم أمثال الأنبيّاء والأوصياء، ولاسيما محمد، وأهل بيته الطاهرين «صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين»..

فلاجل ذلك عرفها آدم ، ولو بعد معاناة كبيرة، - أوضحناها في كتابنا: «براءة آدم» - وج5لتها الملائكة.. لأنهم لا يمكنهم معرفة حقائق محمد وأهل بيته، لأنهم لا يتولدون منهم.

ومما يدل على أن مسميات تلك الأسماء هم من الأحياء العقلاء قوله تعالى: (ثمَّ عَرَضَهُمْ)، وقوله: (أنبئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ) (1). فَإِن كلمة هم في (عَرَضَهُمْ)، وكلمة هؤلاء إنما يستعملان للدلالة على الموجودات العاقلة..

د- ولو وجد من الملائكة موجود، فإنه لن يخرجفي حقيقته عن صفات الملائكة. أي أنه محض موجود روحاني عاقل، ومن دون شهوة أو غريزة..

مع أن الغرائز والشهوات نعمٌ من اللّه تعالى على هذه المخلوقات.


1) الآية 31 من سورة البقرة

وهي من أسباب رقيّ الإنسان، وحصوله على المزيد من مراتب القرب والزلفي من اللّه تعالى، فإن مجاهدة النفس وترويضها، لها ثوابتها، ولها آثارها في صلابة الإنسان أمام الهزاهز، وفي مواجهته وتحديه للمصاعب، وبهذه المجاهدة يصير الإنسان المؤمن الطاهر، المعصوم أفضل من الملائكة العظام، بل يصير الملائكة العظام من خدامه، ويضعون له أجنحتهم ليطأها بأقدامه.

فما رأى فيه الملائكة سبب ضعف ونقصوسقوط هو سبب القوة والكمال والرقي، ونيل المقامات عند اللّه تعالى، ولأن ذلك من دواعي طلب العلوم والمعارف التي بها يخشى اللّه.. (إِنَّمَا يَخْشَى اللّه مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ) (1).

وبهذا العلم تذلل الصعاب، وتعرف أسرار الكتاب، ويطلع على ملكوت رب الأرباب.

الجواب الثالث:

فيما يرتبط بطبيعة العلاقة الإعتقادية، والطاعة والانقياد التي يريدها اللّه تعالى بين الملائكة من جهة وبين النبيّ والأئمة الطاهرين «صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين» من جهة أخرى، فإن ثمّة شواهد ودلالات في النصوص تستطيع أن ترسم لنا ملامحها، وتظهر


1) الآية 28 من سورة فاطر

حدودها إلى حد بعيد، فإن الملائكة مطالبون - كالجن والإنس - باتباع نبيّنا الأعظم «صلی اللّه علیه وآله»، والأئمة الطاهرين من آله «عليهم السلام»، وبطاعتهم، والكون في خدمتهم، وبغير ذلك من أمور.

فلاحظ على سبيل المثال النصوص التالية:

1- روي عن أبي بصير، عن أبي جعفر «علیه السلام» في قوله تعالى: (يُنزِّلُ الْمَلائِكَةُ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)(1)

قال:

جبرئيل الذي نزل على الأنبيّاء. والروح تكون معهم، ومع الأوصياء، لا تفارقهم تفقههم، وتسددهم من عند اللّه، وأنه لا إله إلا اللّه، محمد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وبهما عبد اللّه عز وجل، (واستعبد الخلق. وعلى هذا الجن، والإنس والملائكة).

ولم يعبد اللّه ملك، ولا نبيّ،، ولا إنسان، ولا جان، إلا بشهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه، وما خلق اللّه عز وجل خلقا إلا للعبادة (2).

فقد دل هذا الحديث الشريف على أن قوام عبادة الملائكة يكون


1) الآية 2 من سورة النحل

2) بصائر الدرجات ص377 و (منشورات الأعلمي سنة 1404هـ ق) ص483 ومختصر بصائر الدرجات ص3 و 4 وينابيع المعاجز ص74 وبحار الأنوار ج25 ص63 والبرهان (تفسير) ج4 ص428

بشهادتهم الشهادتين، أي الشهادة للّه بالوحدانية، ولمحمد «صلى اللّه عليه وآله» بالنبوة.

ولعلك تقول: إن الرواية تدل على أن الروح أفضل من الأنبيّاء والأوصياء لأنه يسددهم ويفقههم..

ويجاب:

بأن الروح مجرد حامل رسالة من اللّه إلى رسوله، أو إلى وصيّه، ولا دليل على أن حامل الرسالة أفضل من المرسل إليه، وقد يختار اللّه أفضل ملائكته ليكون رسوله إلى نبيّه، تكريماً وإجلالاً منه تعالى لنبيّه. فحامل الرسالة مجرّد مبلغ، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه

وقد كان جبرئيل يبلغ النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» عن اللّه، ولكنه كان يتعلّم من النبيّ ومن علي «علیه السلام».

2- إن الملائكة وعلى رأسهم جبرئيل، يحبون الخير، ويتقربون إلى اللّه تعالى بمحبة أهله، وبالطاعات والعبادات، ويحبون أن يتقربوا من أنبيّاء اللّه تعالى، لينالوا درجات القرب بطاعتهم، وخدمتهم، ومحبتهم.

وكان جبرئيل يتقرب إلى الرسول بشدة، حتى إنه حين قال النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» عن علي «علیه السلام» في حرب أحد: إن

علیاً مني وأنا منه قال جبرئيل وأنا منكما (1).

وكان جبرئيل يتعلم من أمير المؤمنين «علیه السلام»، ويعترف له بحق التعليم، فقد روي: أن اللّه تعالى سأل جبرئيل، فقال له: من أنا ومن أنت؟!


1) الكافي ج8 ص110 و 321 ودعائم الإسلام ج1 ص374 والخصال ص556 وعلل الشرائع ج1 ص7 وعيون أخبار الرضا ج1 ص81 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج1 ص475 و 477 و 478 و480 و 486 و491 وشرح الأخبار ج1 ص94 و 286 والمسترشد للطبري ص302 والإرشاد للمفيد ج1 ص85 والأمالي للطوسي ص271 و 335 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص316 والعمدة لابن البطريق ص 200 والطرائف لابن طاووس ص66 وبحار الأنوار ج20 ص55 و 71و85 و 95 و 105 و 107 و 108 و 112 و 113 و 129 وج30 ص426 وج38 ص188 و 319 وج39 ص111 وج42 ص64 و 66 و 129 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج10 ص182 وج7 ص219 وج13 ص261 وج14 ص251 وج56 ص256 والرياض النضرة ج3 ص131 ونظم درر السمطين ص120 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج13 ص143 و 144 وتفسير القمي ج1 ص116 والبرهان (تفسير) ج1 ص683 و ج2 ص719 ونور الثقلين (تفسير) ج3 ص433 والكامل لابن عدي ج6 ص373 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص76 وج60 ص168 والعثمّانية للجاحظ ص324 وتاريخ الأمم والملوك ص197 والكامل في التاريخ ص154

فتحير، فظهر له أمير المؤمنين في عالم الأنوار، وعلمه الجواب، وقال: قل: أنت ربي الجليل، واسمك الجميل. وأنا العبد الذليل، واسمي جبرئیل (1).

وكان جبرئيل يجلس بين يدي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ويطلب منه أن يعلمه، فكان «صلی اللّه علیه وآله» يجيب طلبه (2).

3- هناك ما يدل على أن جبرئيل أول من يبايع القائم (3).

4- إن الملائكة - كما ورد في الروايات - تأتي الأئمة في وقت كل صلاة لتصليها معهم عليهم «علیه السلام» (4).


1) راجع: مستدرك سفينة البحار ج2 ص23 عن صاحب بستان الكرامة

2) بحار الأنوار ج56 ص260 ومسند أحمد ج1 ص319 ومجمع الزوائد ج1 ص38 والدر المنثور ج1 ص93 و 170

3) كمال الدين ج2 ص608 و (ط جماعة المدرسين سنة 1405هـ ق) ص671 باب 58 ح 18 وتفسير العياشي ج2 ص275 و 276 و (ط المكتبة العلمية الإسلامیة - طهران) ج2 ص254 والبرهان (تفسير) ج4 ص428 و 429 و (ط مؤسسة البعثة - قم) ج3 ص404 و 405 وتفسير نور الثقلين ج3 ص38 وتفسير كنز الدقائق ج7 ص176 وبحار الأنوار ج 52 ص285 و 286 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص178 وج2 ص24 وج10 ص515

4) بصائر الدرجات ج1 ص199 و 200 و (منشورات الأعلمي سنة 1404هـ ق) ص113 و 114 و 115 ومدينة المعاجز ج6 ص73 وينابيع المعاجز ص78 وبحار الأنوار ج26 ص356 وج108 ص376 ومستدرك سفينة البحار ج9 ص432

5- وفي الروايات: أن الأئمة «علیهم السلام» هم المعنيون بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللّه ثمّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلَا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) (1)» (2).

فالملائكة تتنزل عليهم، وتطأ فرشهم. ويقولون لهم: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

6- وروي عن أبي الصباح الكناني، عن أبي جعفر عليه «علیه السلام» قال: سمعته يقول: واللّه إن في السماء لسبعين صنفا من الملائكة، لو اجتمع عليهم أهل الأرض كلهم، يحصون عدد كل صنف منهم، ما أحصوهم، وإنهم ليدينون بولايتنا (3).


1) الآيتان 30 و 31 من سورة فصلت

2) بصائر الدرجات ج1 ص192- 200 و (منشورات الأعلمي سنة 1404 هـ ق) ص111- 114 الأحاديث: 3 و 4 و 15 و 16 و 18 و 19 وبحار الأنوار ج26 ص352 و 353 و 356 و 357 والبرهان (تفسير) ج7 ص53 و (ط مؤسسة البعثة - قم) ج4 ص787 ومختصر بصائر الدرجات ص96 وتفسير نور الثقلين ج4 ص546

3) الكافي ج1 ص437 وبصائر الدرجات ج1 ص149و150 (منشورات الأعلمي سنة 1404هـ ق) ص87 وبحار الأنوار ج26 ص340 ومرآة العقول ج5 ص164 و 165

7- عن حماد بن عيسى قال: سأل رجل أبا عبد اللّه «علیه السلام»، فقال: الملائكة أكثر، أو بنو آدم؟!

فقال: والذي نفسي بيده، لملائكة اللّه في السماوات أكثر من عدد التراب، وما في السماء موضع قدم إلا وفيه ملك يقدس له.. إلى أن قال: وما منهم أحد إلا ويتقرب إلى اللّه في كل يوم بولايتنا أهل البيت، ويستغفر لمحبينا، ويلعن أعداءنا، ويسأل اللّه أن يرسل عليهم من العذاب ارسالا (1).

8- عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال: إن الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الأول، جعلهم اللّه خلف العرش، لو قسم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم.

ثمّ قال: إن موسى «على نبيّنا وآله وعليه الصلاة علیه السلام» لما سأل ربه ما سأل، أمر واحداً من الكروبيين، فتجلى للجبل، فجعله دكا (2).


1) بصائر الدرجات ج1 ص153 و (منشورات الأعلمي سنة 1404هـ ق) ص88 و 89 وبحار الأنوار ج56 ص176 وج26 ص339 وج68 ص78

2) بصائر الدرجات ج1 ص154 و (منشورات الأعلمي سنة 1404 هـ ق) ص89 وبحار الأنوار ج13 ص224 وج26 ص342 وج56 ص184 ومستدرك سفينة البحار ج9 ص85 ومستطرفات السرائر ص569 والبرهان (تفسير) (ط مؤسسة البعثة - قم) ص584

9- عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال: سمعناه يقول: ما جاورت ملائكة اللّه تبارك وتعالى في دنوها منه إلا بالذي أنتم عليه. وإن الملائكة ليصفون ما تصفون، ويطلبون ما تطلبون. وإن من الملائكة ملائكة يقولون: إن قولنا في آل محمد مثل الذي جعلتهم عليه (1).

وهناك روايات أخرى يمكن الاستشهاد بها على هذا الأمر، فراجع (2).

10- عن أمير المؤمنين «علیه السلام» في حديث ذكر فيه نعم اللّه عليه، قال: .. أن جعلني ملكاً مالكاً لا مملوكاً. وأن سخر لي سماءه وأرضه وما فيهما وما بينهما من خلقه (3).


1) بصائر الدرجات ج1 ص152 و (منشورات الأعلمي سنة 1404 هـ ق) ص88 وبحار الأنوار ج26 ص341

2) راجع على سبيل المثال كتاب المحتضر ص113

3) الأمالي للطوسي ص492 ومناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحيدرية) ج2 ص178 وحلية الأبرار ج2 ص421 وبحار الأنوار ج40 ص175 وج67 ص21 ومستدرك سفينة البحار ج9 ص419 وج10 ص98 ونهج السعادة ج1 ص25 والبرهان (تفسير) (ط مؤسسة البعثة - قم) ج3 ص287 وج4 ص377 و 378 وتفسير نور الثقلين ج4 ص214 وتفسير كنز الدقائق ج10 ص263 و 264 وقضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «علیه السلام» ص98 و 99 و عجائب أحكام أمير المؤمنين ص174

فالملائكة أيضاً هم من هذا الخلق المسخر والمطيع له «علیه السلام».

11- وفي دعاء الإمام السجاد «علیه السلام»: «والْحَمْدُ للّه الَّذِي اختَارَ لَنَا مَحَاسِنَ الخَلْق، وأجْرَى عَلَيْنَا طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ. وَجَعَلَ لَنَا الفَضِيلة بِالمَلَكَةِ عَلَى جَمِيعِ الخَلْقِ، فَكُلُّ خَلِيقَتِه مُنْقَادَةٌ لَنَا بِقُدْرَتِه، وصَائِرَةٌ إلى طَاعَتِنَا بِعِزَّتِه» (1).

والمراد بالملكة - محركة بالفتح - القدرة والسلطنة..

12- دلت الروايات على أنه تعالى قد عرض ولايتهم «عليهم السلام» على جميع المخلوقات - على الأرض، والجبال، والأشجار، والمياه والحيوانات-، فقبلها بعضها، فصار عذباً وأباها بعض آخر، فصار مالحا. والأرض الطيبة قبلتها، والخبيثة أبتها. وكذا الحال بالنسبة للثمّار الصالحة، والثمّار المرة، وأباها بعض الجن، والإنس، وقبلها بعضهم. وهكذا يقال بالنسبة للملائكة (2).


1) الصحيفة السجادية، الدعاء الأول

2) راجع: مستدرك سفينة البحار، مادة: ملك. وراجع: مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحيدرية) ج2 ص141 و 142 وبحار الأنوار ج23 ص281 و 282 وج 27 ص283 و ج41 ص245 و ج43 ص320 وج61 ص47 وج63 ص480 والبرهان (تفسیر) ج4 ص501 و 502 ومدينة المعاجز ج1 ص420 وتفسير كنز الدقائق ج9 ص410 والكافي ج6 ص390 ومستدرك الوسائل ج16 ص413 والاختصاص للمفيد ص249 ومستطرفات السرائر ص575 ومدينة المعاجز ج1 ص420 و 421 والغارات للثقفي ج2 ص844 وفرحة الغري ص56.

ولكن قبولها وإباءها بالنسبة للملائكة يكون - كما قلنا - بمعنى قدرته على تحمّل هذا الأمر، واستيعابه وعجزه عن ذلك، وهذا لا ينافي الطاعة والعصمة.

فانقياد المخلوقات لهم «عليهم السلام» يدل على لزوم طاعتهم، وعلى أنهم مأخوذون بأمرهم ونهيهم.

13- وفي حديث عن الإمام الباقر «علیه السلام» يقول فيه: «وما من نبيّ ولا ملك إلا وكان يدين بمحبتنا» (1).

14- في حديث عن حبة العرني قال: قال أمير المؤمنين«علیه السلام»:

إن اللّه عرض ولايتي على أهل السماوات وعلى أهل الأرض.. أقر بها من أقر، وأنكرها من أنكر.. أنكرها يونس، فحبسه اللّه في بطن الحوت حتى أقرَّ بها (2).


1) بحار الأنوار ج14 ص371 وج26 ص284 ومستدرك سفينة البحار ج3 ص350 وج9 ص515 عن قصصالأنبيّاء (مخطوط)، وقصصالأنبيّاء للراوندي ص230

2) بصائر الدرجات ج1 ص165 و (ط الأعلمی) ص95 و 96 وبحار الأنوار ج14 ص391 وج46 ص39 وج26 ص282 وراجع ص333 و 334 و 350 ومدينة المعاجز ج2 ص34 و 35 وج4 ص301 والبرهان (تفسير) (ط مؤسسة البعثة - قم) ج4 ص631 وتفسير نور الثقلين ج4 ص433 وتفسير كنز الدقائق ج11 ص180 وراجع: تفسير فرات ص264 عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، والمحتضر للحسن بن سليمان

وليس المراد بإنكار الولاية رفض الاعتراف بها، بل المراد أنها لما عرضت عليه، ورأى بعض ما لعلي «علیه السلام» من مقامات، وما أعطاه اللّه إياه من تفضلات وقدرات، وتصرفات عجز عن فهم كثير منها.

فعلى سبيل المثال: لعله لم يكن من السهل عليه أن يرى علیاً «علیه السلام» يسرى به إلى السماوات، أو يغوصفي باطن الأرض فی حرب الجن، وفيها الصخور وسواها من الموانع.

وقد يصعب عليه أن يرى كل هذه الأجسام الصلبة بمثابة السراب أو العهن المنفوش الذي تخترقه الأجسام، كما قال تعالى: (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا) (1)، وكما قال تعالى أيضا: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ المَنْقُوش)(2)، هذا فضلا


1) الآية 20 من سورة النبأ

2) الآية 4 و 5 من سورة القارعة

عن الانة الحديد لداود، وغير ذلك..

وكل ذلك وسواه يحصل لعلي «علیه السلام» بقدرة اللّه تعالى، إكراما له.

فإن يونس إذا عجز عن فهم أمثال هذا، فإنه سيكون أعجز عن فهم المقامات الأرقى لعلي وأهل البيت «عليهم السلام».. وما أكثر وأجلّ تلك المقامات، والذي أنقذ يونس هو أنه كان ينزه اللّه عن كل نقصأو جهل أو عجز وما سوى ذلك.. وهذا التنزيه هو الذي دله على أن قدرات اللّه غير محدودة، وعلى أنه تعالى حكيم عليم، قادر مدبّر متفضل. فكان هذا التنزيه هو الباب الذي انتهى بيونس إلى حلّ هذه المشكلات، وحقق عنده معنى الولاية، واستحق الخروجمن بطن الحوت. قال تعالى: (فلولا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * للبث فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (1).

وهذا نظير ما جرى للملائكة الذين حيّرهم أمر هذا الإنسان، إذ كيف يمكن لبشر لديه شهوات وغرائز أن يكون له هذا المقام، وأن يطلعه اللّه على أسرار الملكوت، ويجعله قادراً على التصرف، حتى في الأمور الكونية إلى هذا الحدّ؟ وكيف يمكن أن يكون أفضل من الملائكة الذين هم عقل بلا شهوة، وهم محض طاعة اللّه تعالى؟!

وكان يونس وآدم«علیهما السلام» - بحكم ما يواجهانه من


1) الآية 143 و 144 من سورة الصاقات

تحديات وما أو كله اللّه تعالى لهما من مهمات - بحاجة إلى معرفة أرقى بواقع وحقيقة علي وأهل بيته «عليهم السلام». فابتلى اللّه تعالى آدم بالخروج من الجنة، وابتلى يونس بالحوت.

فلما ترقت معرفتهما «علیهما السلام» بالابتلاءات التي مرا فيها، وعرفا شيئاً من مقام على وأهل البيت.

وترقى يونس في تنزيهه اللّه عن كل نقصوعجز وج5ل وعبث على النحو الذي ذكرناه.. بقرينة قوله تعالى: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ)، وعرف أن ما أعطاه اللّه لعلي من مقامات كان وفق الحكمة والعلم، وعرف أن جلال اللّه وعظمته وحكمته، أكبر من جميع عقول البشر، وأدرك أن عليه أن لا يقيس علیاً على نفسه، وأن هناك من هو أرقى منه بدرجات قد لا يمكن لعقله المحاصر أيضاً بكثير من الموانع والعوائق، كما أنه لم يستفد من موجبات الرقي في المعرفة و الكشف.

وهذا ليس من الدورة التدريبية المرفوضة، بل هو صناعة إلهية وتربية ربانية.

نعم.. لما عرف يونس - وكذلك آدم - ذلك كله وأقرّ بالفضل لأهل الفضل، أطلقه اللّه من بطن الحوت ليمارس دوره من موقع الكفاءة المستندة إلى العلم والشعور والطمأنينة، على قاعدة: (قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ

قالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلبي) (1).

وبعبارة أخرى: إن اليقين العقلي قد يحصل للإنسان. ولكن السكينة القلبية قد لا تحصل بذلك، بل تحتاجإلى المعاينة والمشاهدة، «علیه السلام» كان على يقين من أن اللّه يحيي الموتى، فإبراهيم «علیه السلام» ولكنه كان يريد الحصول على طمأنينة القلب: (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) سؤال عن القناعة العقلية.. (قال بلى)، ثمّ قال: (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلبي).. استدراك لتحصيل السكينة والطمأنينة بالمشاهدة والمعاينة.

أي أن العقل قد يقهر إذا واجه دليلا معينا، ولكن الطمأنينة قد تحتاج إلى جهد آخر ..

ويتجلى ذلك في قصة أمير المؤمنين «علیه السلام» في تقسيم الجمال، فقد رووا: أنه جاء علیاً «علیه السلام» ثلاثة رجال، يختصمون في سبعة عشر بعيراً: أولهم يدعي نصفها، وثانيهم ثلثها،

وثالثهم تسعها. وكان على كل منهم الكسر.

فقال «علیه السلام»: أترضون أن أضع بعيرا مني فوقها وأقسمها بينكم؟!

قالوا: نعم.

فوضع واحدا فوقها من نفسه، فصارت ثمّانية عشر بعيراً، فأعطى الأول تسعة، والثاني ثلثها ستة، والثالث اثنين.


1) الآية 260 من سورة البقرة

وبقي بعيره «علیه السلام» له (1).

ويتجلى ذلك أيضاً في قصة تقسيم الدراهم، فيما روي عن ابن محبوب عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سمعت ابن أبي ليلى يحدث أصحابه، فقال: قضى أمير المؤمنين «علیه السلام» بين رجلين اصطحبا في سفر، فلما أرادا الغداء أخرج أحدهما من زاده خمسة أرغفة، وأخرج الآخر ثلاثة أرغفة فمرّ بهما عابر سبيل، فدعواه إلى طعامهما، فأكل الرجل معهما حتى لم يبق شيء.

فلما فرغوا أعطاهما ثمّانية دراهم ثواب ما أكله من طعامهما، ومضى. فقال صاحب الثلاثة أرغفة لصاحب الخمسة أرغفة: اقسمها نصفين بيني وبينك.

وقال صاحب الخمسة: لا بل يأخذ كل واحد منا من الدراهم على عدد ما أخرجمن الزاد.

قال: فأتيا أمير المؤمنين «علیه السلام» في ذلك، فلما سمع مقالتهما قال لهم اصطلحا، فإن قضيتكما دنية.


1) قضاء أمير المؤمنين «علیه السلام» للتستري (ط مؤسسة الأعلمي) ص126 عن شرح بديعية ابن المقرى. والتكامل في الإسلام (الطبعة الثانية - مطبعة الآداب - النجف الأشرف) ج4 ص159 عن مشكلات العلوم للنراقي

فقالا: اقض بيننا بالحق.

قال: فأعطى صاحب الخمسة أرغفة سبعة دراهم، وأعطى صاحب الثلاثة أرغفة درهما، وقال (لهما - يب): أليس أخرج أحدكما من زاده خمسة أرغفة، وأخرج الآخر ثلاثة (أرغفة - كا)؟!

قالا: نعم.

: قال أليس (قد) أكل معكما ضيفكما مثلما أكلتما ؟!

قالا: نعم.

: قال أليس (أكل - كا) كل واحد منكما ثلاثة أرغفة غير ثلثها.

قالا: نعم.

قال: أليس أكلت أنت يا صاحب الثلاثة ثلاثة أرغفة إلا ثلثا، وأكلت یا صاحب الخمسة ثلاثة أرغفة غير ثلث، وأكل الضيف ثلاثة أرغفة غير ثلث؟!

أليس (قد - يب) بقي لك يا صاحب الثلاثة ثلث رغيف من زادك، وبقي لك يا صاحب الخمسة رغيفان وثلث، وأكلت ثلاثة أرغفة غير ثلث؟!

فأعطاها لكل ثلث رغيف درهما، فأعطى صاحب الرغيفين وثلث سبعة دراهم، وأعطى صاحب (ثلث رغيف) در هما (1).


1) وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج27 ص285 و (ط الإسلامیة) ج18 ص209 و 210 وجامع أحاديث الشيعة ج18 ص303 وج25 ص131 والكافي ج7 ص427 وتهذيب الأحكام ج6 ص290 والإرشاد للمفيد ج6 ص117 والإختصاصص107 وإحقاق الحق (الملحقات) ج32 ص128 و 129 والإمام علي بن أبي طالب لمحمد رضا (ط دار الكتب العلمية) ص19 ومختصر المحاسن المجتمعة (ط دار ابن كثير - دمشق وبيروت) ص179 والمعاملات في الإسلام (ط مؤسسة الإيمان، ودار الرشيد - بيروت ودمشق) ص30

15- وهناك الحديث الذي يدل على أن الملائكة إنما تعلمت التسبيح من أهل البيت «عليهم السلام»، وبهم اهتدوا إلى معرفة توحيد اللّه، وتسبيحه وتهليله، وتحميده، وتمجيده (1).


1) روضة المتقين ج5 ص455 والمحتضر ص79 و 202 و 286 والبرهان (تفسير) ج4 ص634 و 684 والإختصاصص91 وبحار الأنوار ج18 ص345 وج24 ص88 و 89 و ج25 ص1 و 21 و 24 وج26 ص335 و 336 و 343 و 344 و 345 و 346 و 350 وج27 ص131 و ج35 ص29 و ج37 ص80 وج46 ص284 وعلل الشرايع ج1 صه وعيون أخبار الرضا ج1 ص237 وكمال الدين ص255 والهداية الكبرى للخصيبي ص240 ونوادر المعجزات للطبري ص82 و 83 والإختصاصللمفيد ص90 و 91 وغوالي اللآلي ج4 ص122 وحلية الأبرار ج1 ص10 و 14 و ص398 ومدينة المعاجز ج2 ص372 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص131 وج8 ص215 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص78 وتفسير كنز الدقائق ج11 ص192 و 193 و 266 وج14 ص529 والدر النظيم ص109 وكشف الغمة ص85 وتأويل الآيات الظاهرة ج2 ص501 و 502 و 877 وينابيع المودة ج3 ص378 واللمعة البيضاء للتبريزي ص214 وجامع الأخبار ص9 وإرشاد القلوب ص215 و 216

16- وسئل «صلی اللّه علیه وآله»: علي أفضل، أم الملائكة المقربون؟!

فقال «صلی اللّه علیه وآله» وهل شرفت الملائكة إلا بحبها لمحمد وعلي، وقبولها لولايتهما ؟! إنه لا أحد من محبي علي «علیه السلام» نظف قلبه من قذر الغش والدغل والغل ونجاسة الذنوب إلا كان أطهر وأفضل من الملائكة.

وهل أمر اللّه الملائكة بالسجود لآدم إلا لما كانوا قد وضعوه في نفوسهم: أنه لا يصير في الدنيا خلق بعدهم إذا رفعوا هم عنها، إلا وهم - يعنون أنفسهم - أفضل منهم في الدين فضلا، وأعلم باللّه وبدينه علماً ؟!

فأراد اللّه أن يعرفهم أنهم قد أخطأوا في ظنونهم واعتقاداتهم، فخلق آدم وعلمه الأسماء كلها، ثمّ عرضها عليهم، فعجزوا عن معرفتها، فأمر آدم أن ينبئهم بها، وعرفهم فضله في العلم عليهم.

ثمّ أخرج من صلب آدم ذرية، منهم الأنبيّاء والرسل، والخيار من عباد اللّه، أفضلهم محمد ثمّ آل محمد، ومن الخيار الفاضلين منهم

أصحاب محمد، وخيار أمة محمد، وعرف الملائكة بذلك أنهم أفضل من الملائكة الخ.. (1).

17- عن الصادق «علیه السلام»: لما خلق اللّه العرش خلق ملكين، فاكتنفاه، فقال: اشهدا أن لا إله إلا أنا فشهدا.

ثمّ قال: اشهد أن محمداً رسول اللّه، فشهدا.

ثمّ قال: اشهدا أن علیاً أمير المؤمنين، فشهدا (2).

18- وقد صرح الشيخ الصدوق «رحمه اللّه» بأن آدم كان نبيّا للملائكة، فقد قال:

«هذا كله يوجب تفضيل آدم على الملائكة، وهو نبيّ لهم لقول اللّه عز وجل له: (أنبئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) (3).


1) الإحتجاج للطبرسي ج1 ص62 وبحار الأنوار ج21 ص227 وج26 ص338 و 339 وج57 ص304 وتفسير الإمام العسكري ص383 والبرهان (تفسير) ص809 ونور الثقلين (تفسير) ج1 ص578 وج3 ص189 و 190. وكنز الدقائق (تفسير) ج3 ص597 وج7 ص454 ذكر أربعة أسطر من الرواية فقط

2) اليقين لابن طاووس ص232 والجواهر السنية للحر العاملي ص169 وبحار الأنوار ج16 ص364 وج26 ص342 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص84

3) الآية 33 من سورة البقرة

ثمّ يستدل على أن آدم أفضل من الملائكة بأن اللّه أمرهم بالسجود له، فلو لم يكن أفضل لما أمرهم بالسجود له.

إلى أن قال: وقال النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» أنا أفضل من جبرئيل، وميكائيل، وإسرافيل، ومن جميع الملائكة المقربين، وأنا خير البرية وسيد ولد آدم (1).

غير أننا نقول:

مع التسليم بأفضلية آدم على الملائكة إلا أن الاستدلال على أفضلية آدم على الملائكة بأمرهم بسجودهم له «علیه السلام».. في غير محله، فإن جعله قبلة لهم لا يعني أفضليته، كيف وقد روي: أن المؤمن أعظم حقا (حرمة) من الكعبة (2). وكان أشرف المخلوقات،


1) الإعتقادات للصدوق ص104 و 105 و (ط دار المفيد سنة 1414هـ) ص89 و 90 وبحار الأنوار ج26 ص347 و 348

2) المؤمن للحسين بن سعيد الكوفي ص42 ح 95 والإختصاصللمفيد ص28 وأعلام الدين للديلمي ص441 وبحار الأنوار ج64 ص71 وج65 ص16 وج68 ص16 وج7 ص323 و ج50 ص225 وج98 ص112 ومستدرك الوسائل ج9 ص39 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص204 و ج2 ص271 و 346 وألف حديث في المؤمن للنجفي ص170 و 177 وروضة المتقين ج13 ص103 والخصال للصدوق ص27 وروضة الواعظين ص386 ومشكاة الأنوار ص155 و 337 و 338 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج1 ص164 و ص292 وتفسير نور الثقلين ج3 ص188 وتفسير كنز الدقائق ج7 ص452 ومسند الرضا لداود بن سليمان الغازي ص109 ومشكاة الأنوار للطبرسي ص155 وكامل الزيارات ص273 وكتاب الأربعين للماحوزي ص377 وراجع: وفيات الأعيان ج3 ص288 وفوات الوفيات ج2 ص642 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج1 ص267

وهو رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يجعل الكعبة قبلته أيضاً. وروي: أن المؤمن أفضل من الكعبة (1). مع أن الكعبة قبلة لكل المؤمنين.

19- وفي حديث جرى بين رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وعلي «علیه السلام» يقول فيه «صلی اللّه علیه وآله»:

«وأنا وأنت من شجرة واحدة، ولولانا لم يخلق الجنة والنار، ولا الأنبيّاء، ولا الملائكة.

قال: قلت: يا رسول اللّه، فنحن أفضل من الملائكة؟!

فقال: يا علي، نحن أفضل، نحن خير خليقة اللّه على بسيط الأرض، وخيرة ملائكة اللّه المقربين، وكيف لا نكون خيراً منهم، وقد


1) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ج6 ص364 وقوت القلوب لأبي طالب المكي ج1 ص378 وإحياء علوم الدين للغزالي ج12 ص185 والمحجة البيضاء ج7 ص262

سبقناهم إلى معرفة اللّه وتوحيده، فبنا عرفوا اللّه، وبنا عبدوا اللّه، وبنا اهتدوا السبيل إلى معرفة اللّه» (1).

20- عن الإمام الصادق «علیه السلام»، عن آبائه، عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قال: معاشر الناس، والذي بعثني بالنبوة واصطفاني على جميع البرية، ما نصبت علیاً علماً لأمتي في الأرض حتى نوه اللّه باسمه في سماواته، وأوجب ولايته على ملائكته (2).

21- وعن ابن عباس، عن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله»: إن الملائكة تتقرب إلى اللّه بمحبته (3).


1) كفاية الأثر ص157 و 158 وبحار الأنوار ج36 ص337 عنه، وج26 ص349 و 350 عن المحتضر، وغاية المرام ج1 ص46 و 47 وتفسير الصراط المستقيم ج5 ص170

2) الأمالي للصدوق ص76 و 77 و (ط مؤسسة البعثة) ص188 وروضة الواعظين ص103 وبحار الأنوار ج39 ص92 و 93 والإمام علي بن أبي طالب للّهمداني ص104 وبشارة المصطفى ص49 و 50 وغاية المرام ج1 ص84 و 173 و 316 و ص193 و ج3 ص340 وج5ص236 و 237 وكشف المهم في طريق خبر غدير خم ص174

3) الأمالي للصدوق ص147 و (ط مؤسسة البعثة) ص187 و 343 وبحار الأنوار ج39 ص93 و ج4 ص98 وبشارة المصطفى ص49 وموسوعة وج43 الإمام علي بن أبي طالب ج11 ص236 وغاية المرام ج1 ص246 وج5 ص101 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص227 وج7 ص383

22- وعن الإمام الحسين عن علي «علیهما السلام»: وإن الملائكة لتتقرب إلى اللّه - تقدس ذكره - بمحبتك وولايتك. واللّه، إن أهل مودتك في السماء لأكثر منهم في الأرض (1).

فتلخص مما تقدم: أن حال الملائكة مع الأنبيّاء والأئمة «صلوات اللّه عليهم أجمعين» ابتداءاً من آدم «علیه السلام» أول الأنبيّاء، وانتهاءاً بقائم آل محمد «علیه وعليهم السلام»، وهو خاتم الأوصياء، حال الجن والإنسان، وسائر المخلوقات، فإنهم مطالبون بطاعتهم، وبالإقرار بولايتهم. وهم يصلون خلفهم، ويتعلمون منهم، ويتبركون بهم، ويحبونهم، ويعظمونهم، ويبايعونهم، ويجاهدون معهم عدوهم، ويفرحون لفرحهم، ويحزنون لحزنهم.

ويمارسون ما كلفهم اللّه تعالی به وفق استعداداتهم، وحسب ما يناسب طبيعة خلقتهم، وما جهزهم اللّه تعالى به من قدرات، وما منحهم إياه من إمكانات.

ولعلك تقول: إن هذا لا يتوافق مع قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ


1) الأمالي للصدوق ص147 و (ط مؤسسة البعثة) ص411 وبحار الأنوار ج39 ص93 وج40 ص53 وتفسير أبي حمزة الثمّالي ص159 وبشارة المصطفى ص97 وينابيع المودة ج1 ص370 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ج11 ص236 وغاية المرام ج1 ص177 و 178 وج2 ص201 وج5 ص122 وج6 ص167

وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون) (1). فلو كان الملائكة مكلفين بالعبادة لأضافهم إلى الإنس والجن.

ويجاب:

بأن هذه الآية تتحدث عن الجن والإنس، الذين توج5 إليهم التكليف، ولكن شهواتهم، ووسوسة الشياطين لهم قد تخرجهم عن الهدى إلى الضلال، وعن الطاعة إلى المعصية. فهم بحاجة إلى مزيد

من الرعاية، وبذل كثير من الجهد لحفظهم من الزلل والخطل، والشرور. أما الملائكة فهم لا يفكرون إلا بالخير، ويندفعون إليه بحسب طبعهم. كما هو معلوم.

عصمة الملائكة:

ونحن نعتقد، استناداً إلى بعض الآيات والروايات: بأن الملائكة معصومون عن المعاصي. ولكنهم ليسوا سواء في العلم والفضل، فبعضهم أفضل وأعلم من بعض. كما أنهم قد يخطئون في ظنونهم، بسبب قصور معرفتهم، وقلة خبرتهم.

فالملائكة ظنوا أنهم أفضل وأعلم بالدين من البشر، ولأجل ذلك عرض عليهم المسميات لكي ينبئوه بأسمائها. لكي يعرفهم بخطئهم هذا .. كما دلت عليه بعض النصوص(2).


1) الآية 56 من سورة الذاريات

2) بحار الأنوار ج26 ص338 و 339 و ج11 ص136 عن الاحتجاج ص31 و (ط دار النعمان) ج1 ص62 وعن التفسير المنسوب للإمام العسكري «علیه السلام» ص153 و (ط مهر - قم المقدسة سنة 1409هـ ق) ص383

ويشهد لما قلناه من أن الملائكة قد يخطئون في ظنونهم أن جبرئيل «علیه السلام» حين رأى إسرافيل «علیه السلام» منحطاً من مكانه، قاصداً رسول اللّه «صلی اللّه علیه و آله» ظن أنه جاء بقيام الساعة، ثمّ ظهر له أنه قد أخطأ في ظنه هذا (1).

وحين سأل اللّه تعالى: جبرئيل من أنا، ومن أنت؟! تحير جبرئيل، ولم يعرف الجواب، حتى أصبح محتاجاً إلى التعلم، فتمثل له علي «علیه السلام»، فعلمه الجواب (2).

وتقدم، وسيأتي: أنهم قد تعلموا التسبيح من أهل بيت النبوة (3). وتعلموا منهم غير التسبيح أيضاً.


1) راجع: تفسير القمي ج2 ص28 وبحار الأنوار ص258 وج16 ص292 وج56 ص250 و 251 وراجع ج18 ص258 ومستدرك سفينة البحار ج5 250 ص25 والبرهان (تفسير) ج3 ص594 و 595 وتفسير نور الثقلين ج3 ص227 و 228

2) راجع: مستدرك سفينة البحار ج2 ص23 عن صاحب بستان الكرامة

3) راجع: المحتضر ص79 و 286 وبحار الأنوار ج24 ص88 و 89 وج25 ص44 وج26 ص345 وج27 ص131 و ج35 ص29 والبرهان (تفسير) ج4 ص634 ومصادر أخرى تأتي في الرواية 13 من الجواب الثالث

وكل ذلك يدلنا على أن الملك قد يخطئ في فهمه للأمور، وقد يقصر فهمه عن بعضها، فيقع في التردد والحيرة.. وأنهم يتعلمون من غيرهم.

وقد يحتاجون لتوضيح بعض الأمور لهم إلى تعريضهم لبعض الإمتحانات. كما جرى لهم حين أمرهم اللّه تعالى بالسجود لآدم، وعرفهم أن الذين سوف يتولون إعمار الكون هم محمد وآل بيته الطاهرون. وأنهم أخطأوا حين ظنوا أنهم هم القادرون على القيام بهذه المهمة.

وهذا كله يدلنا على أن ما جرى لفطرس ودردائيل، وصلصائيل قد يكون سببه هو عجزه، أو خطؤه في فهم بعض الأمور، فلم يعرف مثلاً سبب اختصاص علي «علیه السلام» بهذه الكرامات العظمى، حتى إن ولايته تصبح فرضاً على جميع المخلوقات، ويصير هو صاحب الولاية والتصرف في مختلف الأشياء.. كما أن ما جرى لآدم ويونس، قد يكون ناشئاً عن نفس هذه الحالة، فإن آدم ويونس كانا يحتاجان في مهماتهما إلى المعرفة اليقينية بولاية أمير المؤمنين «علیه السلام»، فابتلي آدم بالخروج من الجنة، وواجه يونس المشكلة في بطن الحوت التي عرّفته ما لم يكن يعرفه، فلما أقرّ بولاية أمير المؤمنين أخرجه اللّه تعالى من هذا البلاء، قال تعالى: (قُلُوْلا أَنَّهُ كَانَ

مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) (1). الذين ينزهون اللّه سبحانه عن العبث، والجهل والنقص والعجز والضعف، وكل اختلال في تدبيره، وفي خلقه، (للبث فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (2).

فإن عجز يونس عن نيل هذه المعرفة أكد حاجته إلى الابتلاء ببطن الحوت، حتى عرف مقام أمير المؤمنين «علیه السلام»، فنجاه اللّه تعالى من ذلك البلاء لحصوله على هذه المعرفة ..

وهكذا يقال أيضاً بالنسبة لما جرى لفطرس وغيره..

كما أن بعض الملائكة قد تقصر أفهامهم عن معرفة بعض الحقائق المرتبطة بالذات الإلهية، فيحدّث نفسه بما يوجب فقده لبعض النعم والقدرات، والحالات، فلا تعود إليه إلا بعد أن تكتمل معرفته، ويستقيم اعتقاده وفهمه للأمور على جادة الحق والصواب.

ولعل فطرس قد ظن أن المقام الذي هو فيه، قد حصل عليه عن استحقاق منه، ولم يكن يدري أن اللّه تعالى قد أعطاه إياه على سبيل التفضل والإرفاق، ولكنه ليس عطاء بلا شرط، بل هو مرهون بعدم ظهور قصور هذا الملك.

فلما ظهر منه أمام أهل السماء ما دل على حجم إدراكه، وأنه لا


1) الآية 143 من سورة الصافات

2) الآية 144 من سورة الصافات

يتناسب مع المقام الذي خوله اللّه إياه كان لا بد من أجل ترقّيه إلى هذا المقام من ترقية معارفه، ومضاعفة جده واجتهاده في التسبيح والتقديس.. فكان من الراجح حجب بعض التفضلات عنه، ليدرك أنه بحاجة إلى المزيد من الجهد، والمعاناة، وليضاعف سعيه لنيل ما يؤهله للوصول إلى المقامات التي يطمح للوصول إليها.

وكان حمله إلى النبيّ «صلی اللّه علیه و آله» وتمسحه بمهد الإمام الحسين «علیه السلام»، الذي ولد للتوّ اعترافاً عملياً بأن في المخلوقات البشرية، الذين لديهم غرائز، وقوى شهوية، من هو أفضل وأقرب إلى اللّه منه، مع أنه من حملة العرش.

وليكون في ذلك موعظة وعبرة له ولجميع الملائكة، وتجسيد عملي للفرق بينهم حتى الأماثل منهم، وبين أصغر مولود من أهل البيت عليهم «علیه السلام».

وليكون انصراف حملة العرش من الملائكة لخدمة زوار قبر الإمام الحسين خير، شاهد، ودليل على هذه الحقيقة التي جهلها الملائكة المقربون «صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين».

الفصل التاسع: قیمة المولود..

اشارة

اهتمام الإسلام بمناسبة المولد:

هناك من يقول: «إن الإسلام لم يعتبر مناسبة الميلاد قيمة، يمكن أن يحتفل بها» و «إن الإسلام بشكل عام لا يهتم بمناسبة المولد».

بل هو يقول: «إن الاحتفال بالمولد النبوي - كتقليد - جاءنا من الغرب، كمرور مئة سنة على ولادة فلان. أما في الإسلام، فليس لدينا مثل هذا التقليد».

وقال: «إن تاريخ الإنسان يبدأ من،دوره لا من ولادته (1).

ونقول:

أولاً: إن ما ذكره، من أن الاحتفال بمناسبة المولد جاء من الغرب، غير صحيح، فإنهم يقولون:

ألف: إن أول من احتفل بالمولد النبوي الشريف هو الأمير أبو


1) راجع: مجلة فكر وثقافة، بتاريخ 27- 7- 1996م

سعيد مظفر الدين الأربلي، المتوفى سنة 630 هـ (1)، ثمّ تواصلت إقامة هذا العيد بعد ذلك (2).

ب: قيل: إن الخلفاء الفاطميين هم الذين أبدعوا الاحتفال بالمولد النبوي (3).


1) راجع: الحضارة (الإسلامیة) في القرن الرابع الهجري ج2 ص299 عن الزرقاني ج1 ص164 وراجع: التوسل بالنبيّ وجهلة الوهابيين ص115 ورسالة حسن المقصد ((مطبوع مع النعمة الكبرى) على العالم) ص80 و 75 و 77 والبداية والنهاية ج13 ص137 و 136 ولم يصرح بالأولية، والسيرة النبوية لدحلان ج1 ص24 ومنهاج الفرقة الناجية ص110 والإنصاف فيما قيل في المولد ص45 و 46 و 50 و 57 و تاریخ ابن الوردي ج2 ص228 وجواهر البحار ج3 ص337 والسيرة الحلبية ج1 ص83 و 84

2) راجع: وفيات الأعيان (ط سنة 1310هـ. ق) ج1 ص436 و 437 وشذرات الذهب ج5 ص139 و 140 عنه، وعن ابن شهبة، وراجع:140 السيرة النبوية لدحلان ج1 ص24 و 25 والتوسل بالنبيّ وجهلة الوهابيين ص16 عن مرآة الزمان، وحسن المقصد (مطبوع مع النعمة الكبرى) ص76 والبداية والنهاية ج13 ص137 وجواهر البحار ج3 ص337 و338 والإنصاف فيما قيل في المولد ص50 و 51 عن الحاوي للسيوطي

3) راجع:القول الفصل ص18 و 68 عن كتاب أحسن الكلام للشيخ محمد بخيت المطيعي ص44 و 45 وعن المحاضرات الفكرية - المحاضرة العاشرة ص84 وعن الإبداع في مضار الإبتداع ص126 وعن كتاب المعز لدين اللّه ص284 وراجع:الحضارة الإسلامیة في القرن الرابع الهجري ج2 ص299 وراجع:الخطط للمقريزي ج1 ص490 ومنهاج الفرقة الناجية ص110

وثمّة أقوال أخرى (1).

وكتابنا: المواسم والمراسم قد تضمن طائفة كبيرة من النصوص، حول أمثال هذه الموضوعات، فيمكن الرجوع إليه.

ثانياً: ذكرنا أن الأحاديث التي وردت حول مولد الإمام الحسين «علیه السلام»، بالإضافة إلى وجود طائفة من الأدعية والزيارات للأئمة الطاهرين «عليهم السلام» في مناسبات المولد، مثل الخامس عشر من شعبان.

والثالث عشر من رجب.

واليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول، وهو يوم ولادة الرسول «صلی اللّه علیه وآله».

وما ورد في كتب الأحاديث والأدعية فيما يرتبط بيوم ولادة الإمام الحسن في الخامس عشر من شهر رمضان.

وما جاء في تيمن النبيّ بيوم مبعثه، ويوم ولادة علي «عليه


1) راجع:القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل ص205 عن الفتاوى ص4

السلام» (1).

وقوله «صلی اللّه علیه وآله» حين سئل عن صوم يوم الإثنين: ذلك يوم ولدت فيه في إشارة منه إلى رجحان صيامه.

إن ذلك كله لا يدع مجالاً للشك في أن الإسلام يهتم بمناسبة المولد، ويرى أن لها قيمة كبيرة، ويوليها اهتماماً بالغاً.

ثالثاً: قول ذلك البعض: إن تاريخ الإنسان يبدأ من دوره، لا من ولادته، فهو غير صحيح أيضاً، لأن تاريخ الأوصياء كما الأنبيّاء يبدأ قبل أن يولدوا، فإن إرهاصات بعثتهم، أو إمامتهم تظهر قبل ولادتهم، حيث تبدأ الإخبارات عنهم، والتوقع لميلادهم قبل ميلادهم بمئات بل بألوف السنين.

وتظهر لهم الكرامات، أثناء الحمل بهم، وحين ولادتهم.

وتظهر لهم المعجزات حتى في حال طفولتهم.

ويكون انشقاق جدار الكعبة، ليتم وضعهم في جوف الكعبة جزءاً من تاريخهم المشرق، الذي يهدي الأمة إليهم، وما إلى ذلك.


1) راجع:بحار الأنوار ج39 ص328 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص379 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص115 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب «علیه السلام» في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص75 وج9 ص133

قيمة المولد:

ادَّعى البعض: أن «الإسلام لا يعتبر للمولد قيمة في الخط التربوي، ولا في الواقع الاجتماعي، ولا يهتم بهذه المناسبة».

ونقول:

إن هذا الكلام غير صحيح، وذلك لما يلي:

1- قال ابن أبي الحديد المعتزلي: «روي: أن السنة التي ولد فيها علي «علیه السلام» هي السنة التي بدئ فيها برسالة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فأسمع الهتاف من الأحجار والأشجار، وكشف عن بصره، فشاهد أنواراً وأشخاصاً، ولم يخاطب فيها بشيء.

وهذه السنة هي السنة التي ابتدأ فيها بالتبتل والانقطاع، والعزلة في جبل حراء. فلم يزل به حتى كوشف بالرسالة، وأنزل عليه الوحي.

وكان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يتيمّن بتلك السنة، وبولادة علي «علیه السلام» فيها، ويسمّيها سنة الخير والبركة» (1).

2- سئل «صلی اللّه علیه وآله» عن صوم يوم الإثنين، فقال: «ذلك يوم ولدت فيه» (2). فكأنه «صلی اللّه علیه وآله» اكتفى بهذه


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص115 وبحار الأنوار ج39 ص328 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص380

2) مسند أحمد جه ص297 و 299 و المنتقى ج2 ص195 عن أحمد، ومسلم وأبي داود، وصحيح مسلم ج3 ص166 و (ط دار الفكر) ج3 ص168 والمدخل لابن الحاج ج2 ص29 ونيل الأوطار ج4 ص335 وبحار الأنوار ج86 ص280 والسنن الكبرى للبيهقي ج4 ص286 و300 والمصنف للصنعاني ج4 ص296 والسنن الكبرى للنسائي ج2 ص147 ومسند أبي يعلى ج1 ص134 وصحيح ابن خزيمة ج3 ص299 وج8 ص404 ورياض الصالحين للنووي ص515 ونصب الراية ج3 ص19 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج8 ص560 و 618 وأضواء البيان للشنقيطي ج8 ص163 و 383 والكامل لابن عدي ج6 ص214 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص43 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج2 ص348 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص25 والبداية والنهاية ج2 ص319 و ج3 ص10 ودلائل النبوة للبيهقي ج1 ص72 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص198 و 392 وسبل الهدى والرشاد ج1 ص333 و 372 و ج2 ص226 وج9 ص261 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج1 ص93

الكلمة ليدل على مشروعية، أو رجحان صوم اليوم الذي ولد فيه.

3- أن ورود دعاء يقرؤه الناس في كل يوم يصادف تاريخه يوم ولادة الإمام الحسين «علیه السلام»، على مر العصور والدهور إلى يوم القيامة، يدل على أهمية وقيمة إحياء هذا اليوم، والالتفات إلى ما فيه من خير وبركة، والاتعاظ به، والاستفادة منه، فقد روي: أن الإمام الصادق «علیه السلام» كان يدعو في اليوم الثالث من شعبان بالدعاء الذي سيأتي ذكره وشرحه في فصل مستقل، وأوله:

«اللّهم إني أسألك بحق المولود في هذا اليوم، الموعود بشهادته قبل استهلاله وولادته، بكته السماء ومن فيها..».

إلى أن قال: «اللّهم وهب لنا في هذا اليوم خير موهبة، وأنجح لنا فيه خير طلبة، كما وهبت الحسين لمحمد جدّه، وعاد فطرس بمهده، ونحن عائدون بقبره من بعده..» (1).

إننا نقول هذا، بالرغم من أن لنا مناقشة في استحباب صوم يومي الإثنين والخميس، إذ لا مانع من صوم يوم الإثنين وحده بنيّة كونه يوم ولادته «صلی اللّه علیه وآله»، إذا صح أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد ولد فيه.. وإن لم يثبت، فيمكن أن يؤتى به رجاء..

4- وفي ليلة النصف من شعبان، دعاء ذكره الشيخ والسيد جاء فيه:

«اللّهم بحق ليلتنا هذه ومولودها وحجتك وموعودها، التي قرنت إلى فضلها فضلاً..».

إلى أن يقول: «الغائب المستور، جلّ مولده، وكرم محتده،


1) راجع: مصباح المتهجد للشيخ الطوسي ص826 و (ط أخری) ص758 ومختصر بصائر الدرجات ص34- 35 والمزار الكبير لابن المشهدي ص397- 399 وبحار الأنوار ج98 ص347 و 348 وراجع: المصباح للكفعمي ص544 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج3 ص304

والملائكة شُهده، واللّه ناصره ومؤيّده» (1).

5- وهناك ما روي في ليلة ميلاد الإمام الحسن «علیه السلام» الخامس عشر من شهر رمضان المبارك.

6- وهناك الزيارات المأثورة في يوم ميلاد النبيّ «صلى اللّه عليه وآله» في السابع عشر من شهر ربيع الأول.

فقد روى المفيد والشهيد في مزاريهما، والسيد ابن طاووس في: الإقبال: أن الإمام الصادق «علیه السلام» قد زار أمير المؤمنين «علیه السلام» في يوم السابع عشر من شهر ربيع الأول زيارة خاصة . وقد علمها لمحمد بن مسلم الثقفي أيضاً.

وقال العلامة المجلسي «رحمه اللّه» في زاد المعاد عن هذه الزيارة: إنها من أحسن الزيارات لفظاً ومعنى. وهي منقولة بسند في غاية الاعتبار.

7- وأخيراً .. فهناك الأعمال والزيارات المشروعة والمستحبة في ليلة النصف من شعبان، يوم ولادة الإمام الحجة «صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آبائه»..

وفي فضل هذه الليلة أحاديث كثيرة جدا، تبيّن أهميتها وعظمتها


1) راجع: مصباح المتهجد ص842 والمزار لابن المشهدي ص410 وإقبال الأعمال ج3 ص330 والمصباح للكفعمي ص546 و 547 والنجم الثاقب ج2 ص541 والبلد الأمين للكفعمي ص187

وخصوصيتها.

التهنئة بالمولود «الحسين»:

عن أبي نضرة، عن جابر أنه دخل على فاطمة «علیها السلام» ليهنّئها بمولودها «الحسين»، فإذا بيدها صحيفة (لوح خ.ل.) بيضاء، دُرَّة.

فسألها عنها، فأخبرته أن فيها أسماء الأئمة من ولدها، وأنها قد نهيت عن أن تمكّن أحدا من أن يمسّها، إلا نبيّ،، أو وصيّ، أو أهل بيت نبيّ..

ولكنه مأذون أن ينظر إلى باطنها من ظاهرها، فنظر إليها، وقرأ.. ثمّ ذكر ما قرأ (1).

ونقول:


1) عيون أخبار الرضا ج1 ص40 و 44 و 46 و (ط الأعلمی) ص47 و52 والإختصاص ص210 والأمالي للطوسي ج1 ص297 و478 وكمال الدين ص305 و 313 و 269 و 311 والعدد القوية ص70 و71 والإحتجاج للطبرسي ج2 ص136 والصراط المستقيم ج2 ص110 وبحار الأنوار ج36 ص193 و 194 و202ومرآة العقول ج6 ص227 و 228 وراجع: وسائل الشيعة (آل البیت) ج16 ص243 و 244 و 245 و (الإسلامیة) ج11 ص490 و 491 والكافي ج1 ص32 والخصال ج2 ص477 ومن لا يحضره الفقيه ج4 ص180 وروضة الواعظين ص261 وخاتمة المستدرك ج5 ص418 والإرشاد ج2 ص346 والإستنصار للكراجكي ص18 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص255 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص237 وإعلام الورى ج2 ص166 وكشف الغمة ج3 ص246 و 310 والنجم الثاقب ج1 ص521

يمكن أن نستفيد من هذا النصأموراً نذكر منها:

1- إنه يدل على أن التهنئة بالمولد كانت مرسومة ومرضية في بيوت الأنبيّاء ومن قبل أصحابهم أيضاً.

2- إن جابراً كان يدخل على السيدة الزهراء «علیها السلام»، ويكلمها وتجيبه، فلولا أنه قد كان من الخيار المرضيّين، الذين يراعون أحكام الشريعة بدقة، لما سمحت له بذلك.

3- يفهم من سياق الحديث: أن ذلك اللوح أو تلك الصحيفة - كانت بالغة النقاء والصفاء، حتى إن باطنها يقرأ من ظاهرها - وكانت قطعة متميزة، قد لا يكون لها نظير في تلك العصور ..

4- بل إن منع الناس من مسّها إلا لنبيّ،، أو وصيّ، أو أهل بيت نبيّ،، يدل على أن لها قدسية فائقة..

5- إن المقصود بأهل بيت النبيّ ليس كل من ينتسب إلى النبيّ مهما كان حاله وسلوكه ومآله، بل المقصود هو: أن يكون من أهل بيت النبوة بما لكلمة النبوة من معنى إيماني، وعلمي، واعتقادي، وسلوكي، إلى حدّ العصمة عن الخطأ والذنب، وعن كل رجس

ونقص، وأن يكون جامعاً لصفات الفضل والعلم والكمال بأن يكون كفاطمة الزهراء «علیها السلام» نفسها .

6- لا شك في أن هذه الصحيفة حجة على من قرأها، أو بلغه خبرها بنحو صحيح.. وهي تحمل بلا ريب اسم الحسن والحسين، وتسعة آخرين من ولد الحسين «عليهم السلام»، وقد عاش جابر بن عبد اللّه، وعاصر، وكلم، وشاهد، ورأى من هؤلاء أربعة من ولد الزهراء «علیها السلام»، وقرأ أسماءهم في تلك الصحيفة..

وهذه معجزة وكرامة، لا محيصلمن يراها من البخوع لها، والخضوع لمضمونها، والإيمان بما فيها .. ثمّ العمل بما يقتضيه هذاالإيمان.

وجاء في المحاورة التي جرت بين يهودي من أحبار أهل الشام، وبين علي «علیه السلام» سعى فيها ذلك اليهودي للتشكيك بفضائل ودرجات رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ما يلي:

«قال اليهودي: فإن يعقوب «علیه السلام» أعظم في الخير نصيبه، إذ جعل الأسباط من سلالة صلبه، ومريم ابنة عمران من بناته.

قال له علي «علیه السلام»: لقد كان كذلك، ومحمد «صلی اللّه علیه وآله» أعظم في الخير نصيباً منه، إذ جعل فاطمة «علیها السلام» سيدة نساء العالمين من بناته، والحسن والحسين من

حفدته (1).

ونقول تعليقاً على هذا النصما يلي:

صرحت الروايات الكثيرة: بأن الحسن والحسين «علیهما السلام» هما سبطا هذه الأمة (2).


1) الإحتجاج للطبرسي ج1 ص497- 536 وراجع: إرشاد القلوب ج2 ص217- 226 وبحار الأنوار ج16 ص341- 352

2) کتاب سليم بن قيس ص134 و 358 والخصال ص412 وشرح الأخبار ص412 ج1 ص118 و 123 و ج3 ص26 و 510 والمسترشد للطبري ص580 و 613 والإرشاد ج1 ص37 والأمالي للطوسي ص155 وبحار الأنوار ج36 ص308 و 312 و 370 وج37 ص42 و 48 و 66 وج38 ص11 و ج39 ص353 و ج43 ص98 و ج45 ص138 وج51 ص76 و 79 و 91 وكتاب الأربعين للماحوزي ص188 و 189 والعوالم الإمام الحسين ص438 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص436 ونهج الإيمان ص229 و 528 وكفاية الأثر ص63 وغاية المرام ج5 ص314 وج6 ص6 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج2 ص231 والغيبة للطوسي ص191 ومناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص106 والعمدة لابن البطريق ص267 والطرائف لابن طاووس ص134 وكتاب الأربعين للشيرازي ص51 ومجمع الزوائد ج9 ص165 و 166 والمعجم الأوسط ج6 ص327 والمعجم الصغير ج1 ص37 والمعجم الكبير ج3 ص58 وعقد الدرر للمقدسي ص152 وتفسير نور الثقلين ج4 ص347 وتفسير كنز الدقائق ج10 ص532 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص130 وتنزيه الشريعة ج1 ص404 وفضائل أمير المؤمنين لابن عقدة ص25 عن مصباح الأنوار ص17 وكشف الغمة ج1 ص152 و ج3 ص268 و ج3 ص283 وكشف اليقين ص270 والفصول المهمة لابن الصباغ ج2 ص1114 وينابيع المودة ص210 و ج3 ص264 و 269 و 389 والنجم الثاقب ج1 ص334 و 355 و 361

وسبطا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله») (1).


1) الخصال ص479 وعيون أخبار الرضا ج1 ص58 وكمال الدين ص337 وتاريخ الأئمة للكاتب البغدادي (المجموعة ) ص28 والفضائل لابن شاذان ص83 وبحار الأنوار ج22 ص497 و ج35 ص251 وج36 ص312 و 397 وج37 ص76 وج43 ص73 و 74 والتبيان للطوسي ج1 ص481 وتفسير مجمع البيان ج1 ص404 والمنتخب من تفسير القرآن لابن إدريس الحلي ج1 ص19 وإمتاع الأسماع ج6 ص18 والفتوح لابن أعثمّ ج3 ص24 وأساس البلاغة للزمخشري ص418 والنهاية في غريب الحديث ج2 ص334 ولسان العرب ج7 ص310 ومجمع البحرين ج4 ص251 وتاجالعروس ج10 ص273 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص322 و 638 وج19 ص257 و 258 وج26 ص147 ومجمع الزوائد ج9 ص28 وفتح الباري ج8 ص226 وعمدة القاري ج18 ص236 والمعجم الكبير ج3 ص60 وتفسير فرات الكوفي ص464 وتفسير الثعلبي ج1 ص283 وتفسير البغوي ج1 ص120 وتفسير البحر المحيط ج1 ص569 وتفسير الآلوسي ج1 ص395 والتذكرة الحمدونية ج9 ص154 وإمتاع الأسماع ج6 ص18 ومطالب السؤول ص327 وكشف الغمة ج2 ص140 وإرشاد القلوب ج2 ص421 والفصول المهمة ج2 ص692

وسبطان من الأسباط (1).

وفسر بعضهم الأسباط بأبناء الأنبيّاء (2).

وقيل أيضاً: السبط: ولد الابن والابنة، أو ولد البنت، والجمع أسباط. وهو في بني إسرائيل بمعنى قوم خاص. فالسبط عندهم بمنزلة القبيلة عند العرب (3).


1) شرح الأخبار ج3 ص88 وبحار الأنوار ج43 ص306 والمعجم الكبير ج3 ص32 و ج22 ص274 ومسند الشاميين ج3 ص184 والجامع الصغير ج1 ص575 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج12 ص116 و 119و 129 و ج13 ص662 وفيض القدير ج3 ص513 والتاريخ الكبير ج8 ص415 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص150 والبداية والنهاية ج8 ص224 وإمتاع الأسماع ج2 ص218 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص120 وسبل الهدى والرشاد ج9، ص370 وج11 ص57 و 73 وينابيع المودة ج1 ص11 و ج2 ص91 عن البخاري في الأدب، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم عن يعلى بن مرة، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص635 و 637 وج11 ص266 و 269 و 272 و273 وج19 ص258 و 391 وج26 ص146 و 147 وج27 ص73 و76و79 وج33 ص409 والصواعق المحرقة ص192

2) مستدرك سفينة البحار، مادة: سبط

3) الميزان (تفسير) ج1 ص291 و (ط جماعة المدرسين) ج1 ص285

يقول السيد الطباطبائي - ومضمون كلامه موجود في لسان العرب وغيره -: «الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل. والسبط كالقبيلة: الجماعة يجتمعون على أب واحد. وقد كانوا اثنتى عشرة أسباطاً أمماً، وكل واحدة منهم تنتهي إلى واحد من أولاد يعقوب، وكانوا اثني عشر. فخلف كل واحد منهم أمة من الناس.

فإن كان المراد بالأسباط الأمم والأقوام، فنسبة الإنزال (أي إنزال الكتب) إليهم لاشتمالهم على أنبيّاء من سبطهم.

وإن كان المراد بالأسباط الأشخاصكانوا أنبيّاء أنزل إليهم الوحي، وليسوا بإخوة يوسف، لعدم كونهم أنبيّاء» (1). انتهى.

وقال أيضاً: إن قوله تعالى في سورة آل عمران الآية 84: (قُلْ آمَنَّا بِاللّه وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنبيّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا تفرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون ) (2)يشعر بأن المراد بالأسباط هم الأنبيّاء من ذرية يعقوب، أو من أسباط بني إسرائيل، كداود، وسليمان، ويونس، وأيوب وغيرهم (3).


1) الميزان (تفسير) ج1 ص307 و (ط جماعة المدرسين) ج1 ص312

2) الآية 84 من سورة آل عمران

3) الميزان (تفسير) ج3 ص386 و (ط جماعة المدرسين) ج3 ص336 و337

ولكن ابن الأعرابي يقول: الأسباط خاصّة الأولاد، والمُصاص منهم.

وفي الحديث: الحسَنُ والحُسَينُ سِبْطا رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» ورضي عنهما، ومعناه: أي طائفتان وقطعتان منه.

وقيل: الأسباط خاصة الأولاد.

وقيل: أولاد الأولاد.

وقيل: أولاد البنات.

وفي الحديث أيضاً: الحسين سبط من الأسباط، أي أُمَّة من الأمم في الخير، فهو واقع على الأمَّة، والأمَّة واقعة عليه (1).

السبط والحفيد:

وقد علم مما ذكرناه آنفاً:

1- أن السبط يطلق على الحفيد، حيث فُسِّر الحفيد بالسبط أيضا (2).

2- وقد روى العياشي، عن عبد الرحمن الأشل قال: قال أبو عبد اللّه «علیه السلام» عن قول اللّه: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ


1) لسان العرب ج6 ص154 و نشر أدب الحوزة سنة 1405هـ ق) ج7 ص310

2) راجع: مفردات الراغب، مادة: حفد

وَحَفدَة) (1).

قال: الحفدة بنو البنت: ونحن حفدة رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» (2).

3- وأطلق الحفيد على ابن الابن أيضاً، فيما روي عن الإمام الصادق «علیه السلام» حيث قال يقتل [من] حفدتي بأرض خراسان مدينة يقال لها: طوس من زاره إليها عارفاً بحقه، أخذته بيدي يوم القيامة، وأدخلته الجنة (3).

والمقصود بالحفيد هنا: الإمام الرضا «علیه السلام».


1) الآية 72 من سورة النحل

2) تفسير العياشي ج2 ص264 وبحار الأنوار ج101 ص106 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص324 وتفسير نور الثقلين ج3 ص68 والتفسير الأصفى ج1 ص656 والتفسير الصافي ج3 ص146 وتفسير الميزان ج12 ص309

3) الأمالي للصدوق ص183 وعيون أخبار الرضا ج2 ص290 وروضة الواعظين ص235 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج14 ص554 و (الإسلامیة) ج10 ص435 ومدينة المعاجز ج6 ص32 و 33 وبحار الأنوار ج99 ص35 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص324 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص148 والمحجة البيضاء ج4 ص48 ومن لا يحضره الفقيه ج2 ص548

4- وفي رواية عن الإمام الكاظم «علیه السلام»، حين قال اليهودي لعلي «علیه السلام»: فإن يعقوب «علیه السلام» أعظم في الخير نصيبه، إذ جعل الأسباط من سلالة صلبه، ومريم ابنة عمران من بناته.

قال له علي «علیه السلام»: لقد كان كذلك، ومحمد «صلی اللّه علیه وآله» أعظم في الخير نصيباً منه، إذ جعل فاطمة «عليها السلام» سيدة نساء العالمين من بناته، والحسن والحسين من حفدته (1).

الأسباط من سلالة صلب يعقوب:

وبعدما تقدم نقول:

ألف: يفهم من كلام ذلك اليهودي: أنه لا يقصد بالأسباط أبناء يعقوب المباشرين، بل يقصد أبناء أبنائه، ولذا قال: إن اللّه «جعل الأسباط من سلالة صلبه»، ولم يقل: إنه جعلهم من صلبه مباشرة ..

لكن أمير المؤمنين «علیه السلام» قد اعتبر أن ما فضل اللّه تعالی به رسوله محمداً «صلی اللّه علیه وآله»، هو نفس جعل فاطمة بنتا له، والحسن والحسين من حفدته.. والبون شاسع بين حال يعقوب،


1) الاحتجاجج1 ص497- 536 و (ط دار النعمان) ج1 ص314- 335 وبحار الأنوار ج10 ص28- 49 و ج17 ص273- 297 وج11 ص139 و 277 وج12 ص2 باختصار، وحلية الأبرار ج1 ص287

وحال نبيّنا «صلی اللّه علیه وآله» في هذه الناحية، وذلك بملاحظة ما يلي:

1- إن مريم بنت عمران «علیها السلام» لم تكن بنت يعقوب لصلبه، بل كانت من حفدته حيث تفصل بينها وبينه عشرات الوسائط. فيكون حالها معه، من حيث كثرة الوسائط حال آدم معها تقريباً.

بينما نجد أن الزهراء «علیها السلام» هي بنت النبيّ «صلى اللّه عليه وآله» لصلبه بلا فصل...

2- إن مريم بنت عمران عليها «علیه السلام» لها فضلها ومقامها بل هي سيدة نساء عالمها، أما الزهراء «علیها السلام» فهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين.

ويلاحظ: أن ذلك اليهودي لم يصرح حتى بأن مريم سيدة نساء عالمها، بل اكتفى بالإشارة الى مجرد امتيازها في الفضل.

ولكن علیاً «علیه السلام» قد صرح بسيادة فاطمة «عليها السلام» على نساء العالمين جميعاً.

3- إن اليهودي لم يجعل لأبناء يعقوب أي دور، ولم يشر إليهم بشيء، ربما لأنه يعلم بما ارتكبوه في حق نبيّ اللّه يوسف «علیه السلام»، وفي حق أبيهم، وغير ذلك.. فلم ير إلى الافتخار بهم سبيلا، فانتقل إلى أبنائهم..

لكن أمير المؤمنين «علیه السلام» اكتفى بكون الحسن والحسين

«عليهما السلام» أسباطاً وحفدة لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، واكتفى بهما عن سائر من عداهما، فكيف إذا ضم إليهما الأئمة من ذرية الحسين أيضاً.

4- إن أبناء الأبناء الذين ذكرهم الحبر اليهودي لا قيمة لهم بما هم جماعات كثيرة، فالكثرة مذمومة في أكثر أحوالها في القرآن، ولا يصح الافتخار بها، فهي لا تعد امتيازاً ليعقوب «علیه السلام»، خصوصاً مع وجود الصالح والطالح، والعالم والجاهل، والمؤمن والكافر، والذكي والغبي، وما إلى ذلك، في تلك الذرية.

5- إن الحسن والحسين هما سبطا هذه الأمة المرحومة، كما أن الأئمة من ذريتهما أسباط هذه الأمة، وهما وأبناؤهما الأئمة أفضل من يعقوب ومن جميع أسباطه المباشرين، أو أسباطه بما هم أقوام وجماعات.. وهذا هو حال باقي الأئمة من ذرية الحسين «عليه وعليهم السلام» بالنسبة إلى أسباط يعقوب.

ولأجل ذلك لم يجد ذلك اليهودي أي منفذ أو ثغرة يمكنه أن يسجل عليه من خلالها تحفظا، أو أن يدعي أنه يوازي في الفضل والكرامة - ولو على سبيل التوهم أو الافتراض - الحسن والحسين «عليهما السلام».

الفصل العاشر: يوم خالد بالصوم والدعاء..

اشارة

الصوم والدعاء يوم ولادة الحسين «علیه السلام»:

قال الشيخ الطوسي «قدس اللّه روحه» في كتابه مصباح المتهجد:

خرج إلى القاسم بن العلاء الهمداني وكيل أبي محمد «علیه السلام»: أن مولانا الحسين «علیه السلام» ولد يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان فصمه، وادع فيه بهذا الدعاء:

«اللّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ الْمَوْلُودِ فِي هذا اليَوْمِ الْمَوْعُودِ بِشَهَادَتِهِ قبْلَ اسْتِهْلالِهِ وَوَلادَتِهِ بَكَتْهُ السَّمَاء وَمَنْ فِيها وَالأَرْضُ وَمَنْ عَلَيْها وَلَمَّا يطاً لا بَيْتها (عليها).

قتِيل العَبْرَةِ وَسَيِّدِ الأَسْرَةِ المَمْدُودِ بِالنُّصْرَةِ فِي يَوْمِ الكَرَّةِ المُعَوّض مِنْ قَبْلِهِ أَنَّ الأَئِمَّة مِنْ نَسْلِهِ وَالشَّفاءَ فِي تُرْبَتِهِ وَالفَوْزُ مَعَهُ فِي أَوْبَتِهِ وَالْأَوْصِياء مِنْ عِتْرَتِهِ بَعْدَ قائِمِهِمْ وَغَيْبَتِهِ حَتَّى يُدْرِكُوا الأوتار وَيَتْأَرُوا الدَّارَ وَيُرْضُوا الجَبَّارَ وَيَكُونُوا خَيْرَ أَنْصارِ، صَلَّى اللّه عَلَيْهِمْ مَعَ اخْتِلافِ الليْلِ وَالنَّهار .

اللّهمَّ فَيحَقِّهِمْ، إِلَيْكَ أتَوَسَّلُ وَأَسْأَلُ سُؤالَ مُقْتَرِفٍ مُعتَرفِ مُسيء

إلى نَفْسِهِ، مِمَّا فَرَّطْ فِي يَوْمِهِ وَأَمْسِهِ، يَسْأَلُكَ العِصْمَة إِلى مَحَلِّ رَمْسِهِ.

اللّهمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعِتْرَتِهِ وَاحْشُرْنا فِي زُمْرَتِهِ وَبَوِّلْنَا مَعَهُ دارَ الكَرامَةِ وَمَحَلَّ الإقامة.

اللّهمَّ وَكَما كَرَّمْتَنا بِمَعْرِفَتِهِ فَأَكْرِمْنا بزُلْفَتِهِ وَارْزُقْنَا مُرافقتَهُ وَسابقتَهُ وَاجْعَلْنا مِمَّنْ يُسَلِّمُ لأَمْرِهِ وَيُكْثِرُ الصَّلاةَ عَلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَعَلَى جَمِيعِ أَوْصِيائِهِ وَأَهْل أَصْفِيائِهِ المَمْدُودِينَ مِنْكَ بِالْعَدَدِ الاِثْنَي عَشَرَ النُّجُومِ الزُّهَرِ وَالحُجَجعَلى جَميعِ البَشَرِ.

اللّهمَّ وَهَبْ لنا في هذا اليَوْمِ خَيْرَ مَوْهِبَةٍ وَانْجِحْ لنا فِيهِ كُلَّ طَلِبَهِ كَما وَهَبْتَ الحُسَيْنَ لِمُحَمَّدٍ جَدِّهِ وَعادَ فُطْرُسُ بِمَهْدِهِ فَنَحْنُ عَائِدُونَ بِقَبْرِهِ مِنْ بَعْدِهِ نَشْهَدُ تُرْبَتَهُ وَنَنْتَظِرُ أَوْبَتَهُ آمِينَ رَبَّ العالمينَ» (1).

ونقول:

نحب تسجيل بعض النقاط هنا، من دون إطالة، ولا استقصاء، وهي التالية:


1) مصباح المتهجد للشيخ الطوسي ص826 و (ط أخرى) ص758 ومختصر بصائر الدرجات ص34- 35 والمزار الكبير لابن المشهدي ص397- 399 وبحار الأنوار ج98 ص347 و 348 وراجع: المصباح للكفعمي ص544 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج3 ص304

1- الإحتفاء والاحتفال بمولد الأئمة «علیه السلام» :

ذكرنا في فصل مستقل أن الاحتفاء بالمولود المبارك. أعني الحسين بن علي «علیه السلام» قد بدأ في السماوات قبل الأرض، وذكرنا فيه نزول وفود الملائكة بأمر من اللّه تعالى لتهنئة الرسول به «علیه السلام». وهذا يعطي: أن الاحتفاء، بل والاحتفال بمناسبة مواليد الأئمة «علیهم السلام».. ليس فقط أمراً مشروعاً، بل هو أمر محبوب ومطلوب أيضاً.

وقد جاءت التشريعات لتؤكده، وترسخه، وتبقيه حيا في وجدان الأمة إلى يوم القيامة..

فإن تشريع الدعاء والصوم في يوم ولادة الإمام الحسين يجعل هذا اليوم مرصودا من قبل كل مؤمن يسعى لنيل رضا اللّه تعالى، ليحصل فيه على الجوائز والمثوبات بالعمل بما جاء الأمر بالعمل به في هذا اليوم.

2- زيادة ركعات الصلاة حين ولادة الحسين «علیه السلام»:

وقد صرحت بعض النصوص:بأن الصلاة اليومية قد فرضت على الناس حين المعراج ركعتين ركعتين في جميع الأوقات، فلما ولد الحسنان«علیهما السلام». زاد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» سبع ركعات شكراً للّه: ركعة في صلاة المغرب، وركعتين ركعتين في

صلوات الظهر والعصر، والعشاء، فأجاز اللّه له ذلك.

وإنما لم يزد على صلاة الفجر شيئاً لضيق وقتها. ولأنها تحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار .

فلما امره اللّه بالتقصير في السفر، وضع عن أمته ست ركعات، باستثناء المغرب، فإنه لم ينقصمنها شيئاً.

«وإنما يجب السهو فيما زاد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فمن شك في أصل الفرض في الركعتين الأولتين استقبل صلاته» (1).

وهناك روايات عديدة، طائفة منها صحيحة السند، ذكرت زيادة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» هذه الركعات، وإن لم تشر إلى أن السبب هو الشكر للّه تعالى عند ولادة الحسنين «علیهما السلام»، فراجع: (2).


1) راجع الحديث في: الكافي ج3 ص487 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج4 ص47 و 46 و 50 و 82 و 83 وج8 ص189 وج17 ص4 و 5 وراجع: ص325 و ج10 ص487 و (الإسلامیة) ج3 ص35 وج5 ص301 وبحار الأنوار ج43 ص258 عن الكافي، ومرآة العقول ج15 ص480

2) راجع: من لا يحضره الفقيه ج1 ص128 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج8 ص187 و 188 و (الإسلامیة) ج5 ص300 ومستطرفات السرائر ص74 وج4 ص49 و 53 و 54 والكافي ج4 ص266 و 267 وعن ج3 ص273 وعيون أخبار الرضا ص107 و 108 و 112 و 113 وعلل الشرائع (ط مؤسسة الأعلمي سنة 1408هـ) ص304 باب 182 ونور الثقلين ج5 ص280 و 281

وقال ابن شهر آشوب عن الحسنين «علیهما السلام»: «من كثرة فضلهما، ومحبة النبيّ إياهما: أنه جعل نوافل المغرب، وهي أربع ركعات، كل ركعتين منهما عند ولادة كل واحد منهما» (1).

ونقول:

أولاً: إن هذا التشريف والتكريم للإمامين الحسنين «علیهما السلام» لا يعني أن تكون زيادة هاتين الركعتين في الصلاة، وتشريع نوافل المغرب، بلا فائدة ولا عائدة، فإنك إذا أهديت صديقاً أو حبيباً طبقاً من الحلوى، أو أهديته ساعة أو كتاباً تكريماً له.. فلا يعني ذلك: أن يضع طبق الحلوى جانباً، ولا يأكل هو، أو لا يطعم أحداً منه.. أو أن لا يقرأ الكتاب، أو لا يعطيه لمن يقرؤه ويستفيد منه، أو أن لا يحمل الساعة ويضبط بها وقته، أو أن لا يهديها لأخيه، أو لأبيه ليستفيد منها.

ولأجل ذلك نجد الروايات قد ذكرت أيضاً فوائد أخرى لهاتين الركعتين المزيدتين، ففي رواية الفضل بن شاذان، عن الرضا «علیه السلام» قال:


1) مناقب آل أبي طالب ج3 ص395 و (ط المکتبة الحيدرية) ج3 ص164 وبحار الأنوار ج43 ص292

«ثمّ علم رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، أن العباد لا يؤدون هاتين الركعتين بتمام ما أمروا به وكماله، فضم إلى الظهر والعصر والعشاء الآخرة، ركعتين، ركعتين، ليكون فيها تمام الركعتين الأولتين.

ثمّ علم أن صلاة المغرب يكون شغل الناس في وقتها أكثر للإنصراف إلى الإفطار، والأكل، والوضوء، والتهيئة للبيت، فزاد فيها ركعة واحدة، ليكون أخف عليهم، ولأن تصير ركعات الصلوات في اليوم والليلة فرداً.

ثمّ ترك الغداة على حالها، لأن الإشتغال في وقتها أكثر، والمبادرة إلى الحوائجفيها أعم، ولأن القلوب فيها أخلى من الفكر، لقلة معاملة الناس بالليل، وقلة الأخذ، والإعطاء، فالإنسان فيها أقبل على صلاته منه في غيره من الصلوات، لأن الفكرة أقل، لعدم العمل من الليل» (1).

ثانياً: قد يقال: هذا التشريف الإلهي قد جاء فريداً من نوعه.. فقد


1) عيون أخبار الرضا «علیه السلام» (ط سنة 1408 هـ) ج1 ص107 و 108 و 112 و 113 و 114 و علل الشرائع (ط مؤسسة الأعلمي سنة 1408هـ) ص304 الباب 182 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج4 ص53 و 54 و (الإسلامیة) ج3 ص38 وبحار الأنوار ج6 ص69 وج79 ص271 و 272

تعودنا أن يكون التشريف والتكريم في مناسبة ميلاد الأنبيّاء والأوصياء، بأمور آنية، يقصد بها الدلالة على معنى الاعتزاز والاستبشار، والسرور بالمولود الجديد.

وحين ولادة الإمام الحسين «علیه السلام» - كما دلت عليه الروايات - أرسل اللّه تعالى جبرئيل على رأس جموع عظيمة من الملائكة إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» للتهنئة به، كما أن الجنان قد زينت، وطيبت، وأمر الحور العين بالتزين والتزاور، وقام الملائكة صفوفاً بالتحميد، والتسبيح، والتمجيد، واخمدت النيران، وغير ذلك مما كان.

فما معنى أن يزاد على ذلك فرض ركعات في الصلاة اليومية التي يؤديها كل فرد فرد في الأمة، بحيث لو لم يؤدوها لبطلت صلواتهم، وتعرضوا للعقوبة والعذاب.

فما ذنب الأمة حتى تتحمل هذا العبء، وتتعرض لهذا الأذى والعقوبة؟!

ونجيب بما يلي:

أولاً: ليس المطلوب مجرد دلالة الأمة وتعريفها بموقع الحسنين «عليهما السلام» من هذا الدين، وبما لهما عند اللّه سبحانه من مقام.. بل المطلوب ما هو أبعد وأعمق من ذلك.. إنه تعالى يريد أن يتواصل هذا الارتباط مع اللّه، ومع الناس، ويتنامى، ويتحول إلى وعي وفكر،

وعطاء، وسلوك، وممارسة حية ومستمرة، وتربية وصناعة للخصائصالإنسانية والإيمانية، وتأكيد ميزات، وترسيخ سمات وصفات..

ثانياً: اللّه تعالى هو الذي بدأ هذا التكريم والتعظيم ورسمه، وندب إليه، وأمر به.. ولكن هذا الشكر يجب أن يتحول، ليصبح شكرا تكون الأمة هي المسؤولة عن القيام به، وتأدية فروضه.

وسبب ذلك: أن هذين الإمامين، الحسن والحسين، قد امتن اللّه تعالى بهما على هذه الأمة، ليكونا هما النقطة الشديدة الإشراق والتألق، والمعرفة في البذل والعطاء على مر العصور والدهور.

فالحسنان هما مشعل الهداية الذي ينير طريق الأمم، وقادة، وحماة ورعاة الأجيال في مسيرها ومصيرها.

وقد كان الحسن «علیه السلام» هو الذي تجرع مرارة ما يسمى بالصلح مع معاوية، الذي كان اشد عليه من ضرب السيوف، وورود الحتوف.

ثمّ كان الإمام الحسين «علیه السلام» هو الباذل نفسه، وأبناءه وإخوته وأهله، وأحباءه، وأصحابه.. وكان نساؤه سبايا في سبيل اللّه والمستضعفين.

ثمّ كانا معاً المعين الذي لا ينضب للمعرفة، والعلم، والدين والإيمان، وللمزايا الحميدة والفريدة، والأخلاق الرشيدة، والخير العميم، والألطاف، والبركات الإلهية التي تغمر الأرواح والقلوب، وكل هذا

الوجود بالعطاء المتواصل إلى يوم القيامة لكل البشر، بل لكل ما خلقه اللّه تعالى.

فكل فرد فرد من هذه الأمة مدين لهما «علیهما السلام» في كل حياته، وكل وجوده، وفي جميع أحواله، فلماذا لا تؤدى لهم فروض التعظيم والتكريم، كعبادة اللّه تعالى، لا ريب في أن عوائدها الزاكية تعود على كل مؤمن. وهي تكريم لهما في الظاهر، لكنها في الباطن منه إليه.

ثالثاً: إن هذا الحديث ذكر: أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» قد أضاف الركعات السبع في الصلوات اليومية شكراً للّه تعالى على ولادة الإمامين الحسنين «علیهما السلام».

وفي هذا دلالة على أن للنبيّ «صلی اللّه علیه وآله» الحق في التشريع لبعض الأحكام، وهو ما يسمى بالولاية على التشريع.

ولا يقتصر بيان هذه الحقيقة على هذا الحديث، فهناك عشرات الأحاديث التي تدل على هذا الأمر، وعدد منها صحيح السند.. بل إن كثرتها البالغة حد التواتر تغني عن البحث في سندها من حيث الصحة وعدمها. وقد ذكرنا طائفة كبيرة من هذه الروايات في كتابنا: «الولاية التشريعية»، فراجع.

رابعاً: إن الولاية على التشريع أمر مفهوم، وهو لا يمثل انتهاكاً لأي مسلمة من المسلمات، لأن المقصود به أن اللّه تعالى يطلع نبيّه

على واقع المصالح والمفاسد، ويفسح له المجال لأن ينشئ الحكم وفق ما تقتضيه في الوقت الذي يحتاجالأمر فيه إلى الإنشاء والجعل..

3- صوم يوم ولادة الحسين «علیه السلام»:

لقد أمر الإمام «علیه السلام» بصيام يوم ولادة الإمام الحسين «علیه السلام»، وقد يفهم من الأمر بالصيام ما يلي:

1- إن الصوم في هذا اليوم المبارك يمكن أن يثير في نفس الصائم معنى الشكر اللّه تعالى، على أن من على الأمة بهذا المولود. الذي كان لوجوده أعظم البركات، ولاستشهاده أجل العوائد وأسناها، وأروع الفوائد وأبهاها، وأغلى الفرائد وأسماها. وهي فوائد وعوائد باقية نامية في الأمة وعليها إلى يوم القيامة.

فشهادته ومظلوميته على هذا النحو الواضح والصريح قد رسخ النفوس معاني جليلة وجميلة فيما يرتبط بمقام الإمامة، وبالقيادة والزعامة، التي لا تبخل بنفسها وبروحها، وأرواح الأبناء والأهل والأحبة، حين يكون البذل في سبيل اللّه، وفي سبيل المستضعفين، ولا يثنيها عن نصرة الحق سبي نساء أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة من بلد إلى بلد. مهما كان هذا الأمر مرا، ومؤلماً.

ومن الطبيعي أن يستحضر الصائم في هذا اليوم، تلك المعاني النبيّلة التي جسدها الإمام الحسين «علیه السلام» في حياته، وباستشهاده، حيث لم تعد معاني التضحية والشهامة، والإباء والكرامة. مجرد نظريات وشعارات، يلتذ الإنسان بمجرد تخيلها، أو

استحضارها في عالم التصور والافتراض.

كما أنه «علیه السلام» قد رسخ معنى القيمة والسمو للقيم الإنسانية، ولقضايا الإيمان والإسلام، وأعطى المثل الحي للالتزام بأحكام الشرع والدين.

فضلاً عن أن هذا الصيام يذكر الناس بمعاناة الإمام الحسين وبآلامه، في أيام المواجهة العاشورائية، ولا بد أن يتذكروا كظة الظمأ التي لفحته «علیه السلام» في حر الهجير، والتي طالت حتى نساءه وأطفاله، وسائر أصحابه، ومن معه.

وهذا الصيام الذي يتواصل ليوم كامل.. لابد أن يترك أثراً من نوع ما على النفس والروح والجسد، ويبعث في الوجدان درجة من الرضا والسكينة، وشعوراً بشراكة وانسجام، وعلاقة تواصل بين الصائم وبين الحسين «علیه السلام» على صعيد الروح والقلب، هي أكثر من علاقة التزام إيماني، يتمثل بعقد القلب على إمامته، لتصبح بداية لعملية انصهار في المشروع وفي النهجوفي الرؤية، وفي الأهداف والتطلعات الحسينية بمختلف حالاتها، ومجالاتها.

ولو أن الأمر قد اتخذ منحى آخر، بأن أمر بإظهار الفرح في يوم الولادة، أو أمر بأداء صلاة ركعتين مثلا، فإن ذلك وإن كان لابد أن يكون له أثر إيجابي أيضاً، ولكنه قد لايصل في عمقه ومداه إلى التزام صوم هذا اليوم من أوله إلى آخره.

إنه في هذا الصيام يتذكر الحسين الذي كانت ذكرى شهادته من أهم وسائل حفظ الدين، ونشر أعلامه، وتعليم الناس حقائقه وشرائعه وأحكامه.

وفيها يتربى الناس على خصال الخير، وتصان أخلاقهم، وتتم توعيتهم السياسية، والاجتماعية، ويتم الربط على القلوب، وتربية المشاعر الصالحة، ونسج العلاقات الحميمة بين مختلف الفئات. إلى آخر ما هنالك من فوائد وعوائد.

4- الأمر بالدعاء:

وقد جاء الأمر الثاني ليشرع للبشرية كلها دعاء في هذا اليوم، تطلب به المثوبة والرضا الإلهى.. فدلنا ذلك على أن للأزمنة آثارها وامتيازاتها، وعلى أن بعضها أفضل، وأولى بالاهتمام من بعض، وعلى أن لبعض الأدعية المخصوصة فيها آثاراً في الدنيا وفي الآخرة يُهّمُّ الخلق كلهم الحصول عليها .. مما يعني أن هذا اليوم هو من الأيام المباركة التي تمتاز عن كثير من الأيام الأخر، وأن سبب ذلك هو ولادة هذا المولود المبارك فيه..

كما أن هذا الدعاء قد حمل لنا طائفة من الأمور التربوية والاعتقادية، والمعارف، وغيرها.. ليذكرنا بها، ويجعلنا نعيشها بروحية المعترف، وفي أجواء انفعال روحي تنصهر فيه المشاعر بالحالة الإيمانية والاعتقادية، لكي تؤتي ثمّارها ارتباطاً خاصاً بهذا المولود.. فيه الكثير من الدفء، و السلام والمحبة والرضا.. ولينتج

فينا، وفي حياتنا كلها سلوكاً طاهراً، ونقياً، ومفعماً بالأمل والرجاء..

ونذكر هنا بعض ما أشارت إليه مضامين هذا الدعاء، وهي كما يلي:

مضمون دعاء يوم الولادة:

يلاحظ:

أولاً: أن التأمل فى مضمون هذا الدعاء يدلنا على مدى أهميته لكل مسلم، فقد تضمن بيانا تقريرياً يذكر الداعي بالعديد من الإعتقادات والحقائق الدينية التي تهمّه في حياته الإيمانية.

وهذا يعطينا درساً في التأكيد على الأهمية البالغة لقضايا الاعتقاد في مسير الإنسان إلى مصيره، فإن أهميتها هي التي اقتضت جعلها مضموناً للدعاء في هذه المناسبة.

ثانياً: إن هذا يعطي: أن من الضروري أن يبقى الإنسان المؤمن على حالة تواصل مستمر، واستحضار أكيد للمضامين الاعتقادية، وأن استحضارها الدائم مطلوب ومحبوب للّه تعالى، لأنه ضمانة الثبات و السلامة في الفكر والوعي، والممارسة والموقف.

تلخيص وإيضاح:.

ونستطيع تلخيصما ورد في الدعاء، مع بعض الإيضاحات، على النحو التالي:

القسم بحق المولود:

يقول الدعاء ما يلي:

إن لهذا المولود حقاً عظيماً يرعاه اللّه تعالى له، ويمكن أن يقسم به الداعي على اللّه تعالى، لكي يستجيب اللّه تعالى دعاءه.. لأن هذا الحق لا بد من رعايته وحفظه، ولا يمكن التفريط به. لأن معنى القسم في هذا المورد: هو أن يجعل بقاء وحفظ ما تقسم به مرهونا بالاستجابة لما يطلبه الداعي.

وهل هنا شيء أولى بالحفظ والصون من حفظ حق الإمام المعصوم، الذي ضحى بكل ما لديه في سبيل اللّه، وفي سبيل المستضعفين، ومن أجل الحق والدين وأهل الدين إلى يوم القيامة؟!

الإخبار بالاستشهاد قبل الولادة:

يقول الدعاء: إن اللّه تعالى قد أخبر عن استشهاد هذا المولود قبل ولادته. وهذا خبر لا يرتبط بشخص الإمام الحسين «علیه السلام» وينتهي عنده؛ إذ لو كان كذلك، فلا داعي لأن يخبر اللّه سبحانه به رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وأمه وأباه «عليهما السلام»، والأمة بأسرها.. إذ ما أكثر الشهداء الذين يسقطون في ميادين الجهاد في سبيل اللّه، ولم يخبر اللّه تعالى عنهم.. فلو لم يكن قتله هذا سيترك آثاراً على الأمة بأسرها، وهي آثار تهمُّ الأنبيّاء، وترتبط بمهماتهم الرسالية العامة، وهي تعني كل فرد فرد، وكل موجود لم يكن هناك

حاجة لإخبار اللّه أنبيّاءه وملائكته، وسائر أهل الأرض وأهل السماء به حتى قبل ولادة هذا الشخص.

الباكون على الشهيد:

وذكر أيضاً: أن السماء والأرض قد بكتا هذا الشهيد.

وهذا يدلنا:

أولاً: على أن للسماء والأرض درجة من الشعور والإدراك، بحيث تميز بين الأمور، وعلى أن لها إرادة، وهي تقبل وتمتنع، كما أشير إليه في آيات كثيرة، كتلك التي ذكرت خشوع وخشية الجبال، في قوله تعالى: (لو أنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللّه) (1).

وقال: (وَقالُوا اتَّخَدُ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لقدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذًا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفطَرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَن وَلَدًا) (2).

وقال: (ثمّ اسْتَوَى إِلى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانُ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالتَا أَتَيْنَا طَائِعِين) (3).


1) الآية 21 من سورة الحشر

2) الآيات 88- 91 من سورة مريم

3) الآية 11 من سورة فصلت

ثانياً: إن السماء والأرض تتفاعلان بمدركاتهما، وتتأثران بها.

ثالثاً: إن هذا التفاعل مرتبط بالمشاعر والأحاسيس والعواطف، وبالفرح والحزن.

رابعاً: إن هذا الحزن يصل إلى حد البكاء، ولا يقتصر على مجرد الانفعال المشاعري أو الانقباض النفسي.

خامساً: إن للسماء والأرض بكاءً، وإن كنا لا ندري كيف يكون، وما هي طبيعته ولكننا نعلم أن اللّه تعالى قد أشار إلى هذا البكاء بقوله: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضِ ) (1).

سادساً: إن هذا يدل على أن استشهاد هذا المولود يمثل للسماء والأرض خسارة أو ضرراً، أو يحدث اختلالاً أو نقصاً فيهما من نوع ما .. وإن لم نعرف حقيقته بالتحديد ..

وربما نجد في الروايات إشارات مختلفة إلى أن للإمام تأثيراً حقيقياً في الأرض، مثل ما روي من أنه لولا الحجة «علیه السلام» لساخت الأرض بأهلها (2). وغير ذلك.. بل في بعض الآيات: أن


1) الآية 29 من سورة الدخان

2) راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج4 ص37 رقم الحديث 147 والإرشاد ج1 ص228 والخصال ص187 والأمالي للصدوق ص253 والأمالي للطوسي ص21 وكمال الدين ص139 و 207 و 291 و 292 و 293 و 294 والأمالي للمفيد ص250 وبصائر الدرجات ص506 ورسائل في الغيبة للمفيد ج2 ص12 والإحتجاج للطبرسي ج2 ص48 و 49 وج1 ص3 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص211 وبحار الأنوار ج23 ص6 و48 و49 وج52 ص92 ونهج السعادة ج1 ص495 وج8 ص21 وعيون الحكم والمواعظ ص541 ودستور معالم الحكم لابن سلامة ص84 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج10 ص263 وتاريخ مدينة دمشق ج50 ص255 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص206 والمعيار والموازنة ص81 ونزهة الناظر للحلواني ص57 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج18 ص347 وإعلام الورى ج2 ص228 وينابيع المودة ج1 ص75 وج3 ص360 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص205 والغيبة للنعماني ص32 و 136 وتفسير القمي ج1 ص359 وتفسير نور الثقلين ج2 ص484

بعض الأقاويل قد تكون لها تأثيرات هائلة، فقد تقدم أنه تعالى يقول:

(وَقَالُوا اتَّخَدُ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَقطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولدًا) (1).

سابعاً: إن بكاء الأرض على هذا الشهيد حتى قبل أن يطأ عليها، يدل على إدراكها لعظمة وخطورة أثر هذا الاستشهاد عليها وعلى سائر المخلوقات.

ثامناً: إن بكاء جميع من في السماوات على هذا الشهيد، وكذلك


1) الآيات 88- 91 من سورة مريم

جميع من على الأرض يدل على أن أمر هذه الشهادة وآثارها، وما ينشأ عنها، لا يختص بالبشر، بل يشمل جميع المخلوقات العاقلة، كالجن، والملائكة، وغير العاقلة - بحسب الظاهر - وأنها كلها معنية بهذا الحدث الكبير والخطير، وتلحقها آثاره.. كما تقدم.

قتيل العبرة:

ثمّ ذكر الدعاء: أن لقتل هذا الشهيد ميزة أخرى، وهي أنه «قتيل العبرة»، لأن قتله يثير عبرة كل مؤمن، فلا يذكر ما جرى له عند مؤمن إلا استعبر وبكى، بل هو يثير عبرات السماء والأرض، وما ومن فيهما. كما تقدم.

فإن قتله وجميع ما جرى له وعليه من أعدائه، قد جمع كل عناصر الإثارة العاطفية، وهو مما ترفضه الفطرة، ولا يرضاه العقل السليم. فإن كل عاقل أريب، منصف، منسجم مع نفسه، ومع وجدانه يعرف أنهم قد قتلوا رجلاً ليس على وج5 الأرض ابن بنت نبی غیره، وكل من عرفه يدرك كم هو يتمنى الخير لكل البشر حتى لأعدائه، والكمال والسعادة، و«علیه السلام»ة والرقي لكل المخلوقات.

وهو أشرف وأقدس مخلوق، وهو الرجل الذي لا نظير له.

وهو العالم التقي، والورع الوفي، والصادق الأبي، والإمام المعصوم، الجامع لكل صفات الكمال، والحاوي الكريم الخصال، وهو الذي كانت تذهب نفسه حسرات لما يراه من انحراف في الأمة، وما فيها من ظلم وعدوان، وانتهاك للحرمات، وإفساد للسنن..

وبكلمة جامعة: هو المخلوق الأسمى، والنموذجالأرقى، والمثال الأسمى للخير والبر..

وقد قتل على يد أشر خلق اللّه تعالى، طغام لئام. أبادوا عترته، وقتلوا أبناءه وإخوته، وسائر أصحابه، وأطفاله، وهم عطاشى إلى جانب نهر الفرات، ثمّ سبوا عياله، وأوطأوا الخيل صدره وظهره، وحملوا رأسه ورؤوسهم، وطافوا بها البلاد ليذلوا العباد.

وحديث كربلاء، وتلمس ما حصل من مآس وآلام، يغني عن الوصف. وكل عاقل أريب، وذي فطرة سليمة، ووجدان حي، لا يملك، عبرته، ولا يستطيع أن يكف دمعته، إلا إذا لم يكن بشرا سويا، بل كان حجراً في صورة بشر ..

وكيف يملك عبرته وهو يرى أن تلك الفظائع والجرائم قد ارتكبت في حق أقدس موجود على وجه الأرض، لا لذنب أتاه، بل كل ذنبه أنه هو الإمام الذي افترض اللّه طاعته، ويريدون التخلص منه، ليصفو لهم ولذريتهم الجو فيما ظنوا. وحرموا بذلك كل الأمة، وكل المخلوقات من نعمة وجود الإمام، ومن البركات والألطاف الربانية التي يفيضها اللّه تعالى على الموجودات بسببه، ومن أجله، وباؤوا بغضب من اللّه تعالى.

سيد الأسرة:

ثمّ يقول الدعاء عن هذا الإمام «علیه السلام»: «إنه سيد

الأسرة»، ليدل على أن موقعه «علیه السلام» هو موقع الإمامة العظمى، فإن من يكون في زمانه سيد الأسرة التي اختارها اللّه تعالى من بين خلقه لقيادة الخلق، وإيصالهم إلى اللّه، لا يمكن إلا أن يكون أفضل وسيد وإمام الخلق أجمعين.

خصوصاً بملاحظة لام العهد في الأسرة، وإلا لقال مثلاً: سيد أسرته.

إنه الإمام الذي يهتدي بالهدى الإلهي، والموعود بالنصر الرباني على أعدائه في الدنيا قبل الآخرة..

فظهر بهذا البيان الذي أشير إليه بقوله: «سيد الأسرة»: أن المقصود بها هو تقديم الاستدلال على إمامته العظمى «صلوات اللّه وسلامه عليه»، من حيث إن الأرض لا تخلو من حجة، والحجة على الخلق لا يكون إلا سيد أسرة ذوي القربى، الذين أمر اللّه تعالى بمودتهم في قوله تعالى: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي القُرْبَى) (1). وأخبر عن عصمتهم وطهارتهم في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُريدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (2).

الرجعة:

ثمّ ذكر هذا الدعاء الرجعة قبل يوم القيامة لأناس بعد موتهم.


1) الآية 23 من سورة الشورى

2) الآية 33 من سورة الأحزاب

والرجعة هي من الأمور الاعتقادية المهمة التي يتم فيها العدل الإلهي في البشر، في الدنيا والآخرة، وتكريسه في وجدان الأمة، بعد تحقق الوعد الإلهي بالنصرة للمؤمنين، وظهور دولة الحق في الدنيا على يد حجة آل محمد «صلی اللّه علیه وآله». وبالرجعة أيضاً يتبلور معنى الجزاء العادل، وشفاء صدور المؤمنين قبل يوم القيامة، وفقا لقوله: تعالى (وَتْرِيدُ أَنْ َنمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْض وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّة وَنَجْعَلَهُمُ الوَارثِين وَثمّكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (1). وآيات عديدة أخرى.. ومنها - كما أشارت إليه بعض الروايات -: (وَعَدَ اللّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسقون) (2).

وآيات أخرى ذكرت الرجعة تصريحاً أو تلميحا، كما في قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا) (3). وغير ذلك.


1) الآيتان 5 و 6 من سورة القصص

2) الآية 55 من سورة النور

3) الآية 83 من سورة النمل

وهذا ما أشار إليه قوله في هذا الدعاء: «الممدود بالنصرة يوم الكرة»، وقد دلت الروايات على أن الإمام الحسين «علیه السلام» سوف يرجع بعد غيبة الإمام قائم آل محمد «علیه السلام»، ويرجع من يجب إدراك الأوتار منهم.

إدراك الأوتار:

وقد صرح هذا الدعاء: بأن إدراك الأوتار في الرجعة، والثأر من المعتدين، وإنزال الجزاء بهم، فيه رضى اللّه تعالى.

وهو عمل بالوظيفة الشرعية، وطاعة اللّه تعالى، لكي لا يفهم موضوع إدراك الأوتار على أنه مجرد تشفّ وانتقام للأشخاصمن واتريهم، والمعتدين عليهم.

بل أساس القضية هو إجراء العدالة الإلهية. فإن المطلوب هو أن يتجسد هذا العدل أمام أعين الناس، كواقع حي، ليكون من موجبات كمال النفوس البشرية، حين ترى وتلمس تحقق الوعد الإلهي، فإن هذه الرؤية ترتقي بالنفس البشرية إدراكيا، إلى مراتب من الشعور بالعدل الإلهى، وبالقرب من اللّه، بما يفوق كل وصف.

الأئمة من نسل المولود:

وذكر الدعاء: أن اللّه تعالى قد عوض هذا المولود عن قتله بأن جعل الأئمة «صلوات اللّه وسلامه عليهم» من نسله.. ولكن لا لمجرد المكافأة له كشخص، بل لأن في هذا التعويض مصلحة للأمة، فإنه من

موجبات تكاملها روحياً، وإيمانيا وإنسانياً، لأن ذلك يشعرها: بأن الشهادة لا تعني خسارة الحياة في الدنيا، مقابل لذة شخصية ينالها في الجنة في الآخرة. بل الشهادة حياة في الدنيا والآخرة معاً.

وهي باب من أبواب الاستزادة في الخير، واستدراج العطايا الإلهية، والمنح الربانية.

إن هذه المكافأة تمثلت بأمور، منها: أن الأئمة من نسل هذا المولود، فدل ذلك:

أولاً: على وجود أئمة.

ثانياً: دل على أن الأئمة سيكونون من ذرية رجل واحد، وهو هذا المولود.

ثالثاً: إن جعل الأئمة «صلوات اللّه وسلامه عليهم» من نسل الإمام الحسين «علیه السلام» يساعد على إبقاء الحسين وتضحياته وج5اده حيا في وجدان أهل الإيمان ليستفيدوا منه الدروس والعبر، ولينالوا به المثوبات.

ولتكون ما تثيره هذه الذكرى من مشاعر ولاء، ونفحات روحية، بمثابة شحن، روحي، وتهيئة وإعداد تربوي وعقائدي، ومن أسباب زيادة معرفة الناس بحقائق الدين، وتأكيد علاقتهم به وبرموزه، وبقيمه، وما إلى ذلك.

الشفاء في تربته:

ثمّ ذكر الدعاء: أن من جملة ما عوض اللّه الحسين «علیه السلام» من قتله أن «جعل الشفاء في تربته».

وهذا يجعل الارتباط به «علیه السلام» ارتباطاً عملياً، له ثمراته في السلوك والممارسة، وفي العلاقات، وفي الواقع العملي كله، ولا يقتصر على الولاء والحب، والقلب والاعتقاد، والمشاعر بل هو متمازج مع هذه الأمور كلها.. مع نفحةٍ غامرة من التقديس والفيوضات الروحية، والهينمات (1)الإيمانية، النابعة من ضمير الغيب الإلهي، والمفعم بالسمو الروحي، لاستنزال الكرامة الإلهية، التي تصنع المعجزة، التي تجعل حتى تراب قبره «علیه السلام» دواءً وشفاءً، وبركة ورحمة ..

الرجعة لمحبي المولود:

ثمّ يأتي دور التحفيز، والتوثب للفوز الكبير، بأن يكون الداعي في جملة من ينال شرف الأوبة مع الإمام الحسين «علیه السلام» في الرجعة، التي هي القيامة الصغرى.

الأمر الذي يجعل الداعي أمام مسؤولية الإعداد والإستعداد، وتهيئة الجو، وبلورة وتطوير وتطهير السلوك من الشوائب، وإيجاد التحولات اللازمة، والتي تجعل هذا الداعي في عداد من يستحق نيل


1) الهينمة: الكلام الخفي

هذا المقام.

وقت الرجعة الملائمة:

وقد حدد الدعاء وقت الرجعة، وأنها ستكون بعد غيبة الإمام «علیه السلام»، وبعد ظهوره، وانقضاء أيام حكمه، والدخول في نطاق إرهاصات يوم القيامة، والتي ستكون الرجعة من جملتها.

رجعة الأئمة من ذريته:

ثمّ ذكر هذا الدعاء: أن الأوصياء من عترة وذرية الإمام الحسين «علیه السلام» ستكون لهم أوبة بعد زمان قائمهم، ليدركوا الأوتار، ويثأروا الثار، ويرضوا الجبار، ويكونوا خير أنصار اللّه ولرسوله، ولهذا الإمام المظلوم الشهيد.

التوسل بالأشخاص:

ثمّ أشار الدعاء إلى التوسل بالأئمة الطاهرين «عليهم السلام»، ليؤكد مشروعية هذا الأمر من خلال ممارسته العملية، وجعله ضمن الدعاء الذي يعلمه الإمام المعصوم للخلق أجمعين، ليتوسل الداعون بهم «صلوات اللّه عليهم» إلى اللّه، وينالوا من خلالهم رغائبهم.

الدعوى مع دليلها:

وقد ذكر الدعاء نفسه الدليل على صحة هذا التوسل، وعلى ضرورة حصوله، حين جعل السؤال المعلق عليه - أي على التوسل

سؤال مقترف للذنوب، ومعترف بها ..

فدلنا بذلك: على أن المذنب يحتاجإلى وسيلة ومساعدٍ وشفيع، إذ ليس من المفهوم أن تعصي أمر اللّه تعالى، وتتمرد عليه، ثمّ تطلب منه حاجتك من دون أن يرف لك جفن، إذ من المفترض أن يرد طلبك والحال هذه، تأديباً لك، وليشعرك بأن عليك أن تلزم حدك، وتعترف بذنبك، وأن تخجل به.

وإلا فإن تلبية حاجتك بسهولة، سوف يزيدك جرأة على المعصية، ويغريك بالعودة لارتكاب الذنب، حيث يفسح لك المجال لتوهم: أنك قادر على أن تعيش على هواك، وتعمل بما تشتهي، وستلبي طلباتك بلا توقف. ولا ينقصك، ولا يتغير عليك شيء.

وحين تجد نفسك بحاجة إلى التوسل إليه تعالى بمن يحب، فإنك ستجد نفسك بحاجة إلى إرضاء من تجعله وسيلتك إليه، لأنك تعلم أنه لن يرضى منك بأن تعود إلى الذنب، لأن ذلك يحرجه، ويعتبره نوعاً من الاستخفاف به، والتفريط بماء وجهه أمام ربه، وهذا يُعدُّ من الإساءة إليه أيضاً.

المقترف المعترف:

كما أن سؤال المقترف للخطايا المعترف بها إنما يكون مع إظهار الانكسار والتذلل وهو من موجبات الشفقة، والرحمة، والاستجابة.

يضاف إلى ذلك: أن سؤال المقترف يتضمن الاعتراف بإدراك قبح ما صدر منه، ويدلل على أنه لم يفقد مقوماته الإنسانية بصورة

تامة، وان ما صدر منه قد بقي في حدود النزوة العارضة، ولم يتجاوزها إلى الإضرار بحالاته، وبخصائصه وميزاته.

الذنب يضر المذنب فقط

وتصريح الداعي: بأن ذنبه إنما يمثل إساءة منه إلى نفسه، اعتراف منه بأنه قد دل بفعله على جهله، وقلة عقله، وإلا فإنه أذل وأحقر من أن ينال من مقام العزة الإلهية، أو أن ينتقص قدرته، أو يضر بملكه تعالى.

وإذا كان اللّه تعالى لم يعاجله بالعقوبة، فليس ذلك لعجزه عنه، بل لحلمه عليه، ورأفته به، ولمنحه الفرصة للتوبة والندم، والاستغفار.

الحشر والقيامة:

وطلب الداعي من اللّه تعالى: أن يبوّئه دار الكرامة، ومحل الإقامة، وأن يحشره مع محمد وعترته، اعتراف بالحشر، والنشر، وبوجود جنة ونار، وعقوبة ومهانة، ومثوبة وكرامة.

طلب العصمة:

تضمن الدعاء أيضاً: طلب الداعي العصمة من اللّه تعالى، ليدل على أن الإنسان، وإن كان مختاراً، ولكن ذلك لا يعني أنه مستغن عن اللّه تعالى، وعن ألطافه وتوفيقاته، وتسديداته، بل هو بحاجة دائمة إليه.

فضلاً عن أن اللّه تعالى هو الذي يفيض الوجود عليه وعلى كل كيانه، وعلى جوارحه، ولولا هذا الفيض المتواصل لحظة بلحظة فإن أيا من تلك الجوارح لا يتحرك، ولا يعمل، ويستوي في ذلك يده، وعينه، ولسانه، وأذنه، ورجله، وعقله، وقلبه، وجميع جوارحه، وكل كيانه.

العلوم والمعارف من اللّه:

ثمّ اشار هذا الدعاء الشريف إلى أن هدايات اللّه تعالى للداعي هي التي عرفته بالنبيّ وبالأوصياء، وسهلت له الحصول على سائر المعارف في كل مجال.

وهذا أمر يغفل الناس عنه عادة وينسبونه غالباً إلى أنفسهم، وإلى براعتهم، وحذقهم، وذكائهم..

وأشار أيضاً إلى أن مرافقة الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، والانصياع لأوامره ونواهيه، والحصول على درجة السبق إليه، ونيل درجات القرب منه - كل ذلك - يحتاجإلى توفيقات إلهية، والطاف ربانية.

التسليم للرسول:

ولكن الأهم من ذلك كله: هو أن يبلغ الإنسان درجة التسليم لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وهذا يحتاج أيضاً إلى توفيق وتسديد. كما أن الإكثار من الصلاة عليه، يعبّر عن الرغبة في رفع

مقامه «صلی اللّه علیه وآله»، وهي درجة تكون فوق درجة التسليم، تدل على حب الداعي له «صلی اللّه علیه وآله» والرضا به، والرغبة في نشر دعوته، وإشاعة حبه وذكره.

فإذا حصل هذا بالفعل، فإنه سيكون له الأثر الكبير في نشر الخير والصلاح، والسداد والرشاد، فإذا سرى هذا الحب والرضا والتسليم وسواه مما ذكرناه إلى جميع أوصيائه «صلی اللّه علیه وآله»، بل جميع أصفيائه كما قال تعالى: (تم لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (1). وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلَّمُوا تَسْلِيمًا ) (2). فإن ذلك يكون هو تمام النعمة، ومنتهى الفضل، وغاية الفوز والنجاح والسعادة والفلاح.

الحجج على البشر:

إن الأئمة الاثني عشر «عليهم السلام» هم الحجج على البشر، وليسوا - كما يحاول البعض أن يصورهم - مجرد قادة سياسيين، ولا مجرد أناس أتقياء أبرار، وعلماء أخيار، يمكن الاستفادة من علومهم، والتخلق بأخلاقهم وانتهى الأمر.

إن هذه الحجية تعني: لزوم الانقياد المطلق لهم، لأن أدنى مخالفة


1) الآية 65 من سورة النساء

2) الآية 56 من سورة الأحزاب

لهم تستتبع المؤاخذة، وأقل انحراف عن خطهم، ونهجهم معناه: الضياع والضلال، والهلاك والزوال، فلا بد من مطالبة الناس بتطبيق كل أقوالهم، ومواقفهم، وكل حركتهم على أقوالهم وأفعالهم «عليهم السلام».

الحسين هبة إلهية:

ثمّ أشار الدعاء إلى أمور ثلاثة:

الأول: أن الحسين «علیه السلام» كان موهبة من اللّه تعالى لجده محمد «صلی اللّه علیه وآله».

الثاني: أن جده محمداً «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي طلبه من اللّه تعالى.

الثالث: أن الإمام الحسين «علیه السلام» كان أفضل، وأجلّ وخير موهبة لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

وإنما نفهم هذه الأمور الثلاثة، إذا أخذنا بنظر الاعتبار: أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كان يعرف نفسيات قومه، ويتوقع موقفهم السلبي منه ومن أهل بيته، وقد أظهرت ذلك كلماته الأمير المؤمنين «علیه السلام» وللزهراء «علیها السلام» عما سيجري عليه وعلى ذريته، وعلى سائر أهل بيته منهم.

وكان يتلمس مدى خطورة ذلك على الدين وأهله، وقد أبلغه اللّه تعالى بكثير من جزئيات ما يجري من طريق الوحي الإلهي.

وكان أهل السماوات يعرفون ذلك أيضاً مما ظهر لهم في لوح المحو والإثبات..

فأراد «صلی اللّه علیه وآله» أن ينال هو، وينيل ذريته مثوبة حفظ هذا الدين، وصيانة مصلحة الأمة، وحفظ جهود الأنبيّاء بهذه التضحية الجليلة.

ولعله «صلی اللّه علیه وآله» يريد أن يعرفنا أن هذا الأمر لن يكون في معرض البداء الإلهي، فقد طلب «صلی اللّه علیه وآله» من ربه أن يحتّم هذا القضاء ويبرمه، لينال وينيل الأئمة الطاهرين «عليهم السلام» هذا الشرف الباهر، ويصلوا إلى هذا المقام العظيم باختيار وسعي حثيث، وإصرار منهم.

ونحن نعلم أن اللّه تعالى لا يرد لنبيّه طلباً .

أو أن الإرادة الإلهية هي التي اقتضت أن تكون إرادتهم واختيارهم في سلسلة العلل لتعلق المشيئة الإلهية بهذا الأمر. وقد حصل هذا بالفعل، فكان من النبيّ،، ومن علي وفاطمة الرضا والطلب، فأراد اللّه أن يجيب طلبهم، فأعطى ووهب.

قصة فطرس:

ثمّ أشار الدعاء إلى أمر آخر، يعطي الأمل بإجابة التوسل بهذا المولود المبارك، لأن ثمّة سابقة تدل على ذلك. وهي قصة فطرس «علیه السلام» الذي كان من الملائكة، فابتلي بما احتاجمعه إلى

التوسل بمهد الإمام الحسين «علیه السلام» حين ولادته، فعافاه اللّه من البلاء الذي هو فيه كرامة للحسين «علیه السلام».

وهذه الإشارة تضمنت:

أولاً: إن الملائكة، وإن كانوا معصومين عن الذنوب، ولكنهم فيما يرتبط بعلمهم، وبمعارفهم، وجهدهم وسعيهم لنيل المقامات، ليسوا في مرتبة واحدة، فقد يقع بعضهم في التقصير في العمل والجهد، فيفقد بعض الميزات والخصائص التي كانت له. لأن تلك الميزات تكون مرهونة بمستوى من الجهد الذي لم يبذله هذا الملك.

فمثلاً، إذا كان هذا الملك بسبب عباداته، وقيامه بمهماته قادراً على أن يبلغ إلى السماء، الرابعة، حيث البيت المعمور، فإن تقصيره أعماله قد يقصر به حتى عن بلوغ السماء الدنيا، وقد يزداد تقصيره حتى يصير وحيداً فريداً في جزيرة من جزائر البحر، وإن بقي على عصمته، ولم يقدم على أي ذنب.

وبذلك يكون هذا الدعاء قد عرَّفنا بعض حالات الملائكة من خلال إشارته إلى قصة هذا الملك.

ثانياً: إن الدعاء قد ألمح إلى أن فطرس الملك قد استعاض عن العمل الشاق الذي يعيد له مقامه الأول، والذي قد يرى فطرس نفسه عاجزاً عن القيام به - استعاض عنه - بالتوسل والتمسح بمهد الإمام الحسين، متبركا به، وملتمساً به هذا التعويض، فحصل على ما أراد.

الإستعاذة بالقبور، ليست عبادة لها:

ثمّ أشار هذا الدعاء الشريف إلى أن بإمكان الإنسان أن يتعلم من الملك، ما دام هذا الملك معصوماً، ولا سيما إذا كان ما يريد أن يتعلمه منه هو مما تقبله العقول.

فقد نبهنا إلى أن قصة فطرس تفتح لنا باب الاستعاذة بقبر الحسين الشهيد «علیه السلام»، وأن ذلك جائز، وهو عبادة اللّه تعالى، وليس شركاً .. استناداً إلى معادلة عقلية صحيحة، وهي أنه إذا كانت الاستعاذة بمهد الحسين تعطي هذه النتيجة الباهرة، وليس فيها ما يغضب اللّه تعالى، فإن الاستعاذة بقبر الحسين «علیه السلام» لا بد أن تعطي نفس النتيجة، أو ما هو أعظم منها .

وقد أرشدنا قوله: «فنحن عائدون بقبره من بعده» إلى جواز اللجوء إلى القبر الشريف، والاستعاذة به، وسيحصل زائره والعائذ به على ما يريد: إن كان صادقاً، ولم يكن محذور في إجابة طلبه، وكانت الإجابة لمصلحته.

الباب الثالث: النشأة: شمائل وأحوال..

اشارة

الفصل الأول: الحضانة والرضاع..

اشارة

جبرئيل يناغي الحسين «علیه السلام»:

عن طاووس اليماني: أن جبرئيل «علیه السلام» نزل يوماً إلى الأرض، فوجد الزهراء نائمة، والحسين في مهده يبكي، على جاري عادة الأطفال مع أمهاتهم.

فجلس جبرئيل عند الحسين، وجعل يناغيه، ويسكته عن البكاء، ويسليه.

ولم يزل كذلك، حتى استيقظت فاطمة عليها «علیه السلام» من منامها، فسمعت إنساناً يناغي الحسين، فالتفتت إليه، فلم تر أحدا، فأعلمها أبوها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: أن جبرئيل كان يناغي الحسين «علیه السلام» (1).

ونقول:

لعل اللّه سبحانه ألقى على الزهراء النعاس حتى نامت، وجعل ولدها يبكي، لكي تظهر لها وله هذه الكرامة الإلهية، ويطلع عليها


1) المنتخب للطريحي ص204 ومدينة المعاجز ج4 ص46 والعوالم ج17 ص43 وبحار الأنوار ج44 ص187 و 188

الناس، ليعرفوا مقام الأم والابن، ومنزلتهما عند اللّه سبحانه.

وببيان آخر نقول:

1- إن الأم تكون عادة شديدة العلاقة بولدها، مرهفة الحس تجاهه، ويفترض أن تستيقظ بمجرد شروعه بالبكاء، وقبل أن يأتى جبرئيل، ويحاول أن يسكته، ويسليه، ويناغيه.

2- إن هبوط جبرئيل إلى الأرض يفترض أن يكون بإذنه تعالى.

3- ثمّ إن تولي الملائكة تسكيت طفل يبكي ليس أمرا عاديا. بل هو حادث كبير وجليل، فكيف إذا كان يتولى هذه المهمة أفضل الملائكة جبرئيل «علیه السلام»؟!

4- إن هذه كرامة للطفل، ويدل على مزيد اهتمام به، فلا يرضى جبرئيل ببكائه، ولا يعمل على إيقاظ أمه لتتولى هي أمره، بل يبادر هو إلى مناغاته، وتولي إسكاته وتسليته.

5- وهو أيضا كرامة للأم، ومزيد اهتمام بها، ويدل على معرفة الملائكة بما لها من مقام عند اللّه، حتى جبرئيل هو الذي يبادر إلى القيام بالمهام التي ترتبط بها. والعمل على إرضاء خاطرها، وتوفير مزيد من الراحة لها. فلا تحتاج حتى إلى إسكات طفلها، إذا كانت بحاجة إلى قسط من الراحة.

6- إن نفس أن يجعل جبرئيل نفسه في موضع الخدمة للزهراء «علیها السلام»، ويبادر إلى قضاء حوائجها، حتى تلك التي لا تطلب

هي من أحد أن يتولاها، ويكون هدف جبرئيل بذلك القرب والزلفي من اللّه تعالى، إن ذلك يدل على ما لها «عليها السلام» من مقام عند اللّه تعالى..

7- إن سياق الرواية يدل على أن الزهراء «علیها السلام» لم تفاجأ ولم تذعر حين لم تر المتكلم، فقد كان بيتها بيت النبوة ومختلف الملائكة، فكانوا يترددون إلى بيتها حباً بأهل ذلك البيت، وطلباً للمثوبة.

8- إن الزهراء «علیها السلام»، وكذلك الناس قد عرفوا أن الذي كان يناغي الإمام الحسين «علیه السلام» كان ملكا، وأنه هو جبرئيل بالذات - قد عرفوا ذلك - من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» الذي لا يقول ولا يفعل شيئاً من عند نفسه، بل بإعلام ووحي من اللّه تعالى، وبإذن منه، فلا مجال بعد للتكهن، والتوهم، ولا سبيل إلى طرح أي احتمال خارجهذا السياق الطبيعي والصحيح.

9- إن لهذا الإخبار الذي لا مجال لأحد للريب فيه، آثاره الإيجابية في تنمية المعرفة الاعتقادية للناس، وترسيخ الارتباط الروحي بالزهراء والحسنين «عليهم السلام».

وهذا ما كان النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» يعمل من أجله، ليقيم الحجة على الناس. وتوفير سبيل الهداية لهم إلى الحق وأهله، الذين هم حفظة الدين، وهو يفيد فى تربية وجدانهم وإيمانهم، وترسيخ ارتباطهم بمصدر هدايتهم، ورمز نجاتهم في الدنيا والآخرة.

مشاركة حتى الرضع!!

قال ابن شهر آشوب: قال الصادق «علیه السلام»: «كان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كثيراً ما يتفل يوم عاشوراء في أفواه الأطفال المراضع من ولد فاطمة من ريقه، ويقول: لا تطعموهم شيئاً إلى الليل، وكانوا يروون من ريق رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»..» (1).

ونقول:

1- إن هذا يدل على أنه «صلی اللّه علیه وآله» كان قد عرف الناس بأن يوم عاشوراء هو يوم له خصوصيّته، ولعله أخبرهم أنه يوم استشهاد الإمام الحسين «علیه السلام».

2- ويدل على أنه «صلی اللّه علیه وآله» كان يهتم بهذا اليوم، وقد خصّص له مراسم خاصة منها أنه يتفل في أفواه الأطفال في هذا اليوم في كل سنة.

3- ويدل أيضاً على أنه كان يشرك الناس في هذه المناسبة، حتى الرضع.. ومن الرضع: أولاد فاطمة المباشرين، كالحسنين «عليهما


1) تهذيب الأحكام ج4 ص333 ومناقب آل أبي طالب ج4 ص87 و ط المكتبة الحيدرية ج3 ص239 وسائل الشيعة (آل البیت) ج10 ص458 و (الإسلامیة) ج7 ص338

السلام»، وزينب، وأم كلثوم..

4- وكان يمنع عنهم الطعام والشراب في هذا اليوم، ويعوضهم عنه بريقه الشريف. وهذا يعطي درساً بلزوم الاهتمام بعاشوراء حتى على مستوى الأطفال والرضع أيضاً.

النبيّ «صَلَّى اللّه عليه وآله» يمضغ الطعام للحسنين «علیهما السلام»:

قال جعفر، عن أبيه، عن علي «علیهم السلام»: إن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» كان يمضغ الطعام للحسن والحسين، ويطعمهما وهو صائم (1).

ونقول:

1- هذه مفردة من المفردات التي حفلت بها نشأة الإمام الحسين «علیه السلام» في محيطها الطبيعي، وهي تدل على أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» كان يتعامل مباشرة مع أدق تفاصيل مسار حياة الإمامين الحسنين «علیهما السلام»، حتى إنه «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي يتولى مضغ الطعام لهما.

2- إن صومه «صلی اللّه علیه وآله» لم يمنعه من مضغ الطعام لهما «علیهما السلام»، مع أن الصائم يحاول عادة أن يتحاشى هذا الأمر، لأكثر من سبب


1) النوادر للراوندي ص209 وبحار الأنوار ج3 ص277 ومستدرك الوسائل ج7 ص343 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص409

مثل أنه يخشى: أن يسبق شيء من الطعام إلى جوفه.

ويخشى أيضاً: أن تختلط أجزاء من الطعام بريقه، الذي قد لا يمكن التحرز من وصوله إلى الجوف.

ويخشى ثالثاً: أن يراه السذجوالبسطاء، أو الناشئة وهو يمضغ الطعام، فيتجرأون على ما هو أكثر من ذلك.

أو ربما تنتابهم أوهام سقيمة، يجب تحاشي حدوثها.

3- إنه «صلی اللّه علیه وآله» يريد أن يصل ريقه الشريف إلى جوف الحسن والحسين «علیهما السلام» ليكون هو الغذاء والدواء للروح وللجسد، ويكون منه البركة والنماء، والزيادة والعطاء في وجود الإمام كله..

الحسين «علیه السلام» وتمر الصدقة:

هناك أحاديث كثيرة تقول:

1- عن أبي هريرة قال: أتي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بتمر من تمر الصدقة، فأمر فيه بأمره، فحمل الحسن أو الحسين على عاتقه، فجعل لعابه يسيل عليه، فنظر إليه فإذا هو يلوك تمرة من تمر الصدقة، فحرك خده وقال ألقها يا بني، أما شعرت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة (1).


1) مسند أحمد ص406 و 467 و تاريخ بغداد ج1 ص435 وكشف الغمة ج2 ص150 والمجموع للنووي ج6 ص227 وبحار الأنوار ج43 ص305 ومسند ابن راهويه ج1 ص130 وشرح الأخبار ج2 ص486 وصحيح البخاري (ط (دار الفكر) ج2 ص134 وإمتاع الأسماع ج7 ص322 و 323 وج13 ص83 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص376 وترجمة الإمام الحسن من طبقات ابن سعد ص51 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج24 ص269 وج33 ص132

2- قال القاضي: النعمان وقد رووا عنه صلوات اللّه عليه»: أنه نظر إلى الحسين بن على «علیه السلام» وهو طفل صغير، وقد أخذ تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه.

فاستخرجها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» من فيه بلعابها، وردها في تمر الصدقة حيث كانت، وقال إنا أهل بيت، لا تحل لنا الصدقة (1).

3- سئل الحسين «علیه السلام»: ما تعقل عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»؟!

قال: صعدت غرفة، فأخذت تمرة، فلكتها في فيّ، فقال النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» ألقها، فإنها لا تحل لنا الصدقة (2).


1) دعائم الإسلام ج1 ص246 ومستدرك الوسائل ج7 ص119 وبحار الأنوار ج93 ص76

2) مسند أحمد ج1 ص201 و 200 وعمدة القاري ج9 ص80 والمعجم الكبير ج3 ص86 والذرية الطاهرة للدولابي ص113 و 114 وصحيح ابن خزيمة ج4 ص60 والتمهيد لابن عبد البر ج3 ص90 والكفاية للبغدادي ص75 والتراتيب الإدارية ج1 ص412 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص129 وبشارة المصطفى ص412 وترجمة الإمام الحسن من طبقات ابن سعد ص55

والأحاديث في ذلك كثيرة (1)، فنكتفي بما ذكرناه.

ونقول:

1- لعل المراد بالصدقة هنا هو الصدقة المستحبة للناس، فإنها حلال حتى لبني هاشم، ولكنها حرام على خصوص المعصومين الأربعة عشر .

أما الصدقة الواجبة، وهى الزكاة، فهي حرام على بني هاشم دون استثناء.

2- إن قول النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» لولده: «أما شعرت أن آل محمد «صلی اللّه علیه وآله» لا يأكلون الصدقة» يشير إلى أنه «صلی اللّه علیه وآله» يفترض بولده هذا الذي يراه الناس طفلاً: أن يكون عارفاً بهذا الحكم الشرعي، مع أنه لا يتوقع من الأطفال الذين هم بمثل سن الحسن والحسين «علیهما السلام» أن يكونوا عارفين بالأحكام إلى هذا الحد.


1) راجع: صحيح البخاري ج1 ص366 وجمل من أنساب الأشراف ج3 ص359 وأنساب الأشراف ج3 ص143 وكنز العمال ج6 ص610

3- إنه «صلی اللّه علیه وآله» حسب الرواية الأولى لم يقل لولده: أما علمت: بل قال له: «أما شعرت أن آل محمد «صلى اللّه عليه وآله» لا يأكلون الصدقة».

فاختيار هذا التعبير قد يكون سببه أنه «صلی اللّه علیه وآله» يفترض بالإمام الحسن «علیه السلام» أن يعرف هذا الحكم من دون حاجة إلى تعليم صريح، أو فقل من دون إعلام وتصريح له به..

فربما يختلف الناس في فهم هذا الأمر، لأنهم أحد رجلين:

أحدهما: من لا يعتقد بالإمامة وحالاتها وشؤونها، فإنه يفسر ذلك بأنه «صلی اللّه علیه وآله» يريد من ولده أن يفهم الحكم من خلال مراقبته للأمور، فإنه إذا رأى أن جده وأباه، وأمه وأخاه لا يتناولون من تمر الصدقة شيئا، فلا بد أن يعرف أن ثمّة مانعاً شرعياً منعهم، وليس هو إلا مرجوحية الاستفادة من الصدقات بالنسبة إليهم.

الثاني: من يعتقد بالإمامة والإمام، فإنه يفسر ذلك بالاستناد إلى ما عرفه من شؤون الإمامة، وحالات الأئمة، والأنبيّاء عن كيفيات تلقيهم للمعارف، وفق ما سمعه وعرفه، ورآه الناس من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. فإن الأئمة «علیهم السلام» محدثون وملهمون، وينكت في قلوبهم، ويرفع لهم أعمدة من نور يرون فيها ما هو غائب عنهم، ويسددهم اللّه تعالى بأنواع من التسديد، ويفتح بصيرتهم على أسرار، ودقائق، وشؤون، وحقائق بطرق مختلفة، يمكن بمراجعة الأحاديث، فهم كثير منها.

والمثال القريب: أنهم «عليهم السلام» تعرض عليهم أعمال الخلائق، وهو شاهدون على الخلق، وإذا أحبوا أن يعرفوا شيئاً يرون في معرفته مصلحة الدين، عرفهم اللّه إياه.

فربما يكون قوله «صلی اللّه علیه وآله»: «أما شعرت» إشارة إلى ذلك، أو بعضه.

4- لسنا بحاجة إلى تذكير القارئ: بأن من الجائز والقريب جداً أن يكون اللّه سبحانه قد ألهم الإمام الحسين «علیه السلام» ليتناول هذه التمرة، ويرى ويسمع الناس من النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» هذا الموقف الواضح والصريح.. ليعرفوا أن ثمّة أحكاما تختصبأهل بيته الطاهرين المعصومين تختلف عن الأحكام التي جعلها اللّه لسائر عباده، فإنهم أهل بيت لا يقاس بهم أحد (1). كما ورد في بعض


1) راجع:علل الشرائع ج1 ص177 وعيون أخبار الرضا «علیه السلام» ج1 ص71 ومعاني الأخبار ص179 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج10 ص312 و (الإسلامیة) ج7 ص226 وشرح الأخبار ص202 ونوادر المعجزات ص124 والإختصاصللشيخ المفيد ص13 وعيون المعجزات ص73 وذخائر العقبى ص17 ومدينة المعاجز ج4 ص430 وج5 ص121 وبحار الأنوار ج22 ص406 و 407 وج26 ص269 وج46 ص278 وج65 ص45 وكتاب الأربعين للماحوزي ص351 ومستدرك سفينة البحار ج3 ص435 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص133 وكنز العمال (ط حيدر آباد الدكن) ج13 ص90 و (ط مؤسسة الرسالة) ج12 ص104 والدرجات الرفيعة ص237 وإحقاق الحق (الأصل) ص207 وغاية المرام ج7 ص158 ودلائل الصدق ج6 ص429 وإحقاق الحق (الملحقات) ج9 ص304 و 3788 وج18 ص443 وج22 ص523 و 524 وج24 ص581 و 582 وج33 ص143 وذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي) ص17 و منتخب کنز العمال (بهامش مسند أحمد)ج5 ص94 وكنوز الحقائق للمناوي ص165 وينابيع المودة ص178- 181 و 152 و (ط دار الأسوة) ج1 ص459 وص68 و 83 و 114و 117 وأرجح المطالب ص330 وعن مفتاح النجا للبدخشي وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج30 ص211 و 361 ومناقب ص211 علي بن أبي طالب لابن مردويه ص213 وكشف الغمة ج1 ص31 وكشف اليقين ص191 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص7

النصوص.

5- يلاحظ: أن ثمّة اختلافاً في مضامين روايات هذا الحدث، وأنه تارة ينسب إلى الحسين «علیه السلام»، وتارة ينسب إلى الحسن «علیه السلام».

فإن لم نقل: إن سبب اختلاف النسبة هو تقارب رسم الخط لكلمتي: الحسن، والحسين مع عدم وجود النقط، أو قلة الاهتمام بمراعاته في تلك الأزمنة.. فإنه يحق لنا أن نحتمل أن تكون الحادثة قد تكررت أكثر من مرة، ولاسيما بملاحظة الاختلافات الأخرى في

الروايات، فترى إحداها تقول: إنه كان يحمله على عاتقه، وإذا لعابه يسيل فينظر إليه، فإذا هو يلوك تمرة، فأمره بإلقائها.

وأخرى تقول: إنه «صلی اللّه علیه وآله» استخرجها من فيه بلعابها، وردها في تمر الصدقة.

الحضانة وتولي الأمور:

قرأنا فيما سبق حديث رؤيا أم أيمن التي هالتها، فلم تنم ليلتها، ولم تزل تبكي حتى أصبحت، فأخبر جيرانها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بأمرها، فبعث إليها فأتته، فسألها، فأخبرته أنها رأت رؤيا يعظم عليها أن تتكلم بها، فأمرها بأن تقصها عليه، فإن الرؤيا ليست على ما ثرى.

فقالت: رأيت في ليلتي هذه كأن بعض أعضائك ملقى في بيتي.. فقال لها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: «نامت عينك يا أم أيمن، تلد فاطمة الحسين، فتربينه وتلينه، فيكون بعض أعضائي في بيتك» (1).


1) الأمالي للصدوق ص142 ح 144 وبحار الأنوار ج43 من 242 والعوالم، الإمام الحسين ص22 و 23 وروضة الواعظين ص171 ومناقب آل أبي طالب ج4 ص70 عن الإمام الصادق «علیه السلام»، وعن ابن عباس نحوه

ونقول:

قد أشرنا في الجزء الأول إلى بعض ما يرتبط بهذا النص. وكان لا بد من إعادة بعضه في هذا الموضع، لتضمنه الإشارة إلى أكثر من موضوع، نحتاج إلى الوقوف عنده، مثل تولي أم أيمن تربية الإمام الحسين «علیه السلام»، وتوليها من شؤونه «علیه السلام» ما يفترض أن يوكل للآخرين وما إلى ذلك، وسنحاول توضيح ذلك ضمن العناوين التالية:

الرؤيا وتعبيرها:

إن رؤيا أم أيمن هي التي مهدت لإخبار النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» بأمر غيبي، يدل على العناية الإلهية بهذا المولود المبارك، فأخبر «صلی اللّه علیه وآله» ببعض تفاصيل ما يجري له.

وإخبار النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» بها، حتى قبل ولادة هذا المولود، لا بد أن يكون له أثره في تقوية إيمان الناس وترسيخ اعتقادهم به «علیه السلام»، وبرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ويؤكد لهم معرفته «صلی اللّه علیه وآله» بالأمور الغائبة التى هى رهن اختيار البشر، وأسيرة حركة الزمان.

الرؤيا ليست على ما ترى:

لقد قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لأم أيمن مطمئناً لها «إن الرؤيا ليست على ما ثرَى..».

أي أن ما يراه النائم ليس بعينه هو الذي يتحقق في الواقع الخارجي.

ويشهد لذلك: أن يوسف «علیه السلام» فسّر البقرات العجاف - وهن المتناهيات في الضعف، وهي تأكل البقرات السمان - بسنوات القحط التي يستنفد فيها ما كان قد جُمِعَ من طعام ومال في سنوات الخصب والرخاء.

كما أنه «علیه السلام» قد فسر الخبز الذي كانت الطير تأكل منه،

وهو فوق رأس حامله: بأن حامل ذلك الخبز سوف يصلب، وتأكل الطير من رأسه.

وقد فسَّر أكل اللحم بالرؤيا: بالغيبة المحرمة، لقوله تعالى: (أَيُحِبُّ أحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ) ؟! (1).

وفسرت الحجارة في الرؤيا: بالقسوة، لقوله تعالى: (ثمّ قَسَتْ قلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشدُّ قَسْوَة)؟! (2).

وغير ذلك كثير (3).

وقد روي عن الإمام الصادق «علیه السلام» أنه قال: الرؤيا على


1) الآية 12 من سورة الحجرات

2) الآية 74 من سورة البقرة

3) راجع: مستدرك سفينة البحار ج7 ص70

ثلاثة وجوه: بشارة من اللّه للمؤمن، وتحذير من الشيطان، وأضغاث أحلام (1)

وتفسير نور الثقلين ج2 ص429 وتفسير كنز الدقائق ج6 ص318 والتفسير الصافي ج3 ص23 و 24 والدرر النجفية ج2 ص267 و 268

.

وعن موسى بن جعفر عن آبائه «عليهم السلام»، عن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله»: الرؤيا ثلاثة: (رؤيا) بشرى من اللّه، و (رؤيا) تحذير (تحزين) من الشيطان، والذي (ورؤيا) يحدث به (بها) الإنسان نفسه، فيراه (فيراها) في منامه (2).

وعن معمر بن خلاد قال: سمعت أبا الحسن «علیه السلام» يقول: ربما رأيت الرؤيا، فأعبرها، والرؤيا على ما تُعبَّر (3).


1) الكافي ج8 ص90 وبحار الأنوار ج58 ص180 والفصول المهمة للحر العاملي ج1 ص689 وج3 ص277 ومرآة العقول ج25 ص205 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص38 والبرهان (تفسير) ج5 ص317

2) غوالي اللآلي ج1 ص79 وبحار الأنوار ج58 ص191 وج109 ص174 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص38 وراجع: مسند أحمد ج2 ص507 وتأويل مختلف الحديث ص324 و علل الدارقطني ج10 ص34 ومجمع البحرين ج1 ص169

3) الكافي ج8 ص335 وبحار الأنوار ج58 ص173 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج6 ص502 و (الإسلامیة) ج4 ص1068 وهداية الأمة للحر العاملي ج3 ص198 ومرآة العقول ج26 ص490 و 491 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ص467

وقد ورد النهي عن أن يقصأحد رؤياه إلا على مؤمن، خلا من الحسد والبغي (1).

وعن أبي جعفر «علیه السلام»: أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كان يقول: إن رؤيا المؤمن ترف بين السماء والأرض على رأس صاحبها، حتى يعبرها لنفسه، أو يعبرها له مثله، فإذا عبرت لزمت الأرض، فلا تقصوا رؤياكم إلا على من يعقل (2).

وعن الامام الصادق «علیه السلام»: إذا كان العبد على معصية اللّه عز وجل، وأراد اللّه به خيراً أراه في منامه رؤيا تروعه، فينزجر بها عن تلك المعصية، وإن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءاً من النبوة (3).


1) الكافي ج8 ص336 وبحار الأنوار ج58 ص174 وج109 ص173 وتحفة السنية (مخطوط) ص319 ومرآة العقول ج26 ص492 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص40

2) الكافي ج8 ص336 وبحار الأنوار ج58 ص173 وتحفة السنية (مخطوط) ص319 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص118 ومرآة العقول ج26 ص492

3) الإختصاصص148 و (ط دار المفيد سنة 1414خـ) ص241 وبحار الأنوار ج58 ص167 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص201 والدرر النجفية للمحقق البحراني ص269

نامت عينك يا أم أيمن:

ولأن الإنسان الخائف يكون عادة متوتراً، ومتيقظاً وحذراً، ولأن النوم التام والمستغرق، والهنيء إنما يكون للمطمئن، الفارغ البال، فقد قال «صلی اللّه علیه وآله» لأم أيمن: نامت عينك.

وعلى هذا المعنى يقال للنائم المطمئن: نم قرير العين.

ولعل المبرر للتأكيد على قرار العين في حين أن السمع أيضاً ينام، والقلب ينام، وكذلك سائر الجوارح: أن العين ليست كسائر الأعضاء، فإن آثار الهلع، والخوف، أكثر ما تظهر في العين، وطبيعة حركتها، وحالتها، حيث تتسع تاره وتنقبض أخرى، وتسرع حركة سوادها أو تبطئ، وتتحرك بسرعة، وتسكن، وتستقر، وتبرز، وتتضاءل، وقد تفيض بالدموع، وقد تغيض. إلى غير ذلك من حالات تنتابها، وفق إيقاع حركة الانفعالات، والمشاعر، التي تنتاب الإنسان، وتهيمن على كيانه، قوة وضعفا، ومداً، وجزراً، وفي حالات الهيجان والركود.

أم أيمن تربي الوليد وتليه:

وقد يتساءل المرء عن سبب إيكال أمر تربية الإمام الحسين «علیه السلام» إلى أم أيمن، مع وجود أمه سيدة النساء، وبضعة الرسول، وأفضل نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنة !!

ألم يكن الأولى أن تتولى هي «علیها السلام» تربية ولدها، وتكون هي التي تغمره بحنانها، وتفيض عليه من أدبها ومعرفتها، وتبث فيه من أخلاقها، وتحوطه بكل الأجواء الغامرة بالألطاف الإلهية، والعامرة بالرعاية الربانية، من خلال أعرف مخلوقات اللّه تعالى بما يريده اللّه سبحانه؟!

ولماذا يوكل أمر تربيته إلى امرأة من سائر الناس لا يمكن قياسها بفاطمة الزهراء «علیها السلام» في العلم، والأدب، والأخلاق، والحنان، والمشاعر، والمحبة، والعارفة باللّه، وبما حباها اللّه به، وأوقفها عليه من أسرار، وحقائق التكوين؟!

ويمكن أن يجاب:

بأن الإمام الحسين «علیه السلام»، بل كل إمام من الأئمة الاثني عشر، وكذلك النبيّ الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» هم أعظم، وأفضل عند اللّه تعالى، وأجمع للفضائل والكمالات من سائر الأنبيّاء بما فيهم عيسى بن مريم صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى أمه». وقد قال اللّه تعالى حكاية عنه وعنها: (فأَشارَتْ إِلَيْهِ قالوا كَيْفَ تُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قالَ إِنِّي عَبْدُ اللّه آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نبيّا * وَجَعَلْنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ

أمُوتُ وَيَوْمَ أَبْعَثُ حَيًّا ) (1).

فلا يحتاج الإمام الحسين «علیه السلام» حتى من حين ولادته إلى أن يتعلم من أم أيمن أدباً، أو أن يكتسب علماً، أو أن يستفيد حكمة، أو أن يرشد إلى صلاح، فهو الأعلم والأعقل، والأفضل في كل الميزات والخصائصالتي يتفاضل البشر فيها..

والإمام «علیه السلام» ينشأ في اليوم ما ينشأ غيره في الجمعة، وينشأ في الجمعة ما ينشأ غيره في السنة (2).

وهذا يدل على أن أمره «علیه السلام» يختلف عن أمر سائر الأولاد. وقد تجلت بعض سمات هؤلاء الصفوة، بما عاينه الناس من أمور خارقة للعادة في كثير من مفاصل حياتهم، ونشأتهم، فلاحظ ما قالوه عما جرى في يوم ميلاد الرسول، وفي نشأته، فقد وصفوا الأحوال التي تغيرت حين كان في قبيلة بني سعد بما يدل على أن أمره لم يكن يشبه أمور سائر الناس في نشأته في تلمس بركات وجوده، وفي ظهور الرعاية الإلهية له.

وظهر ذلك أيضاً حين انشق جدار الكعبة لفاطمة بنت أسد، حين


1) الآيات 29- 33 من سورة مريم

2) دلائل الامامة للطبري ص501 ومدينة المعاجز ج8 ص25 و 36 وبحار الأنوار ج51 ص20 و 27 والنجم الثاقب ج1 ص154 والهداية الكبرى للخصيبي ص357

جاءها الطلق بعلي «علیه السلام»، فدخلت إلى جوف الكعبة، وأطبق الجدار عليها، فوضعت مولودها الميمون فيها، ثمّ خرجت بعد ثلاثة أيام، وهو على يدها..

ثمّ ظهرت دلائل ذلك في ولادة الزهراء «علیها السلام»، وما ظهر لنا من كرامات حين ولدت.. فضلاً عن أنها «علیها السلام» كانت تحدث أمها، وهي في بطنها . ثمّ في نشأتها، حيث كانت «عليها السلام» تنمى في اليوم، كما ينمى الصبي في الشهر، وتنمى في الشهر كما ينمى الصبي في السنة (1). فحالاتها «علیها السلام» في هذا الأمر تشبه حالات الأئمة الطاهرين عليهم «علیه السلام».

أما فيما يرتبط بتربية الإمام الحسين «علیه السلام»، لجهة تنمية معارفه وتأديبه وتهذيبه، وغرس المزايا الإنسانية، والأخلاقية، والصفات الحميدة في عمق وجوده، وصياغة مشاعره، والإشراف


1) الأمالي للصدوق ص475 ح 1 مجلس 87 و (ط مؤسسة البعثة سنة 1417هـ) ص692 وروضة الواعظين ص144 وبحار الأنوار ج16 ص81 وج43 ص3 و 10 وشجرة طوبى ج2 ص248 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص242 والدر النظيم ص455 والعدد القوية ص224 وغاية المرام ج2 ص211 ودلائل الإمامة ص79 والثاقب في المناقب ص287 والخرائج والجرائح ص525 والمحتضر ص58 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج3 ص119

على حركته، والرعاية لكل ما يرتبط بالمشاعر والأحاسيس، والانفعالات، وهيمنة المثل العلیاً، والقيم والمعاني الإيمانية على كل وجوده - أما هذا - فقد ظهر من الآيات التي ذكرناها حول عيسى «علیه السلام»: أن الإمام الحسين «علیه السلام»، كان في غنى عن المؤدب والمعلم والمربي بهذا المعنى.

وإذا كان للإمام مزايا النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» وخصائصه، باستثناء ما استثني، وكان اللّه تعالى كما يقول الشافعي، والزجّاج، وغيرهما قد أعطى نبيّنا الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» كل فضيلة كانت لنبيّ من الأنبيّاء السابقين عليهم «علیه السلام» (1).

فتكون نتيجة ذلك: أن مزايا عيسى كانت ثابتة للإمام الحسين «علیه السلام»، وأنه كان في القمة فيها، ولم يكن بحاجة إلى جهود أم أيمن وغيرها.

يضاف إلى ذلك: أن أدنى تواصل بينه «علیه السلام»، وبين أبيه وأمه كان كافياً لارتشاف كل ما يبتغيه، ويغنيه إلى ما شاء اللّه تعالى.

وهذا يدلنا على أن ما كانت تتولاه أم أيمن لا يزيد على الكون


1) عمدة القاري ج15 ص144 راجع: رسائل في حديث رد الشمس للشيخ المحمودي ص108 وتفسير البغوي ج1 ص236 وتفسير البحر المحيط ج2 ص283 وتفسير السمعاني ج1 ص255 وكفاية الطالب اللبيب في خصائص الحببيب (الخصائص الکبری) للسيوطي ص179

بالقرب منه «علیه السلام»، فربما احتاجإلى تقريب شيء إليه، أو إبعاده عنه، لتأكيد معنى البشرية فيه، بملاحظة مظاهر النشأة في سياق التدرج السنّي، وإبراز بعض وجوه الشبه في تلك المظاهر لسائر الناس الذين هم في هذا العمر.

وربما تتولى أيضاً معونته في الوصول إلى ما يريد الوصول إليه، أو حمله إلى المكان الذي يفترض أن ينتقل إليه على هيئة المحمول.. وقد يحتاج إلى أن يكون في ساتر له من الشمس، أو أن يكون محمياً من البرد، أو نحو ذلك.

فتكون أم أيمن هي التي تتولى ذلك وأمثاله، منه «علیه السلام».

وهذا يزيدها قرباً من اللّه وينيلها الثواب الجزيل عنده. ولا يتضمن أي معنى سلبي فيما يرتبط بالتربية والتولية.

ولعل أم الفضل قد حاولت بعد مجيئها من مكة إلى المدينة - وكان الحسين «علیه السلام» قد كبر وترعرع - أن تهتم أحيانا بشيء من أموره، وتلبية بعض حاجاته.

ولعل صفية أيضاً قد اهتمت به «علیه السلام» على النحو الذي وصفناه، وكذلك أم سلمة (1)، ولكن الأمور ضخمت بصورة غير


1) الإمامة والتبصرة ص51 و 52 وعلل الشرائع ج1 ص206 وبحار الأنوار ج25 ص254 و ج43 ص245 والعوالم الإمام الحسين ص23 و 24 والبرهان (تفسير) ج5 ص40 وتفسير نور الثقلين ج5 ص12 وتفسير كنز الدقائق ج12 ص184

عادية بالنسبة لأم الفضل، دون أم سلمة وصفية وأم أيمن. فهل كان ذلك بإيعاز وتشجيع من قبل العباسيين؟! أم ماذا ؟!

إرضاع الحسين اللّه بلبن قثمّ:

وأما رواية إرضاع أم الفضل للإمام الحسين «علیه السلام» بلبن قثم بن العباس، فقد تقدم في الجزء الأول من هذا الكتاب: أنه يصطدم بأمور:

أحدها: الشك الذي يثيره قول البعض: إن قثم بن العباس ليست له صحبة للرسول أصلا (1).

الثاني: أن أم الفضل كانت في مكة مع زوجها العباس. وإنما هاجر العباس إلى المدينة بعد فتح مكة.. وقد قال «صلی اللّه علیه وآله»: لا هجرة بعد الفتح.

واتهام بعض العباسيين بإشاعة أمثال هذه المطالب، لإظهار أن لهم منزلة قريبة من عترة الرسول، وأن لهم فضلا على ذرية علي «علیه السلام»، وإن كان يحتاج إلى تأييد وتشييد، وإثبات بالشاهد والدليل.. إلا أن النهج الظالم لبني العباس وجرأتهم على ارتكاب


1) راجع: الإصابة ج3 ص227 و (ط دار الكتب العلمية) سنة 1415هـ) ج5 ص320

الموبقات في حق آل علي «علیه السلام» قد يدعو بعض الباحثين للبحث في جذور هذه الروايات، وسيجد نفسه أمام مفاجآت كثيرة في هذا الاتجاه، وسيكون تزويرهم للحقائق، هو أهون جرائمهم وموبقاتهم، ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك.

أسئلة حرجة حول الإرضاع:

ونضيف إلى ما تقدم أمراً ثالثاً، نقدمه إلى القارئ الكريم بصورة أسئلة، وهي التالية:

إن المعونة على تربية الطفل ليست بمستنكرة، ولكن لماذا الحرص على إرضاع الطفل من امرأة أخرى؟! ولماذا لا يدعونه يرضع من لبن أمه؟!

ولماذا يكفي لبن هذه المرأة لولدها ولغيره، ولا يكفي لبن أم الطفل المسترضع لطفلها حتى تحتاج إلى استرضاعه لدى امرأة أخرى؟!

أم أن القضية ليس لها ارتباط بغزارة اللبن عند امرأة، وشُحِّهِ عند أخرى. فإن كان الأمر كذلك، فلنا أن نسأل ماذا كانت تصنع أم الطفل المسترضع بلبنها ؟! هل كانت تستخرجه من ثدييها، ثمّ تهريقه في التراب؟! أم كانت تعمل على تجفيفه منهما بالطرق التي يعرفها النساء؟!

وما هو الغرض من هذا التجفيف ؟! هل هو استعادة الرشاقة

والجمال؟! أم الغرض الاستعداد للحمل بطفل آخر مباشرة، وبلا فصل سوى أيام يسيرة تفصل بين الوضع ثمّ الحمل؟!

ولماذا هذه العجلة يا ترى؟!

وهل سائر الأئمة كانوا يسترضعون أبناء هم لدى نساء أخريات؟! وهل استرضع النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» أيا من أبنائه لدى أي من النساء غير أمهاتهم اللائي ولدنهم؟ ومن هن تلك النسوة يا ترى؟! وهل فعل النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» وعلي «علیه السلام» ذلك مع غير الحسنين «علیهما السلام»؟! ولماذا ؟!

وهل فعل ذلك أحد منهم بالنسبة لأي من البنات، ابتداءً من فاطمة الزهراء «عليها السلام» نفسها، ثمّ زينب، ثمّ أم كلثوم، ثمّ سائر بنات علي «علیه السلام»، وبنات الحسنين «علیهما السلام»، وغيرهن؟! وهل ذكروا أن أحداً من بني هاشم، أو غيرهم قد استرضع ابنته لدى امرأة أخرى؟!

وهل كان المسلمون يسترضعون أبناءهم لدى نساء أخريات؟!

فما بالنا لا نجد أسماء هؤلاء بين أيدينا، ولماذا تجاهل التاريخ هذه الظاهرة؟!

والأهم من هذا وذاك: أن هناك نصوصاً شرعية تؤكد على فوائد حليب الأم، وأنه الأفضل للطفل من كل ما عداه، فلماذا لا يهتم حملة الشريعة وحفظتها بالعمل بهذه التوجيهات ؟ أليسوا أولى من كل أحد بالعمل بها؟ وأين أصبح مفهوم الأسوة والقدوة الذي قرره القرآن

الكريم، وأكده النبيّ العظيم؟!

إلى غير ذلك من الأسئلة التي لا تجد لها الجواب المقبول أو المعقول !!

هل هذه صدفة؟!:

ونضيف هنا أمراً رابعاً أيضاً، فنقول:

ما هذه الصدفة التي جعلت أم الفضل ترى نفس الرؤيا التي رأتها أم أيمن، ثمّ تكون النتيجة هي نفسها، وتأويل الرؤيا هو ذاته في النص الذي يقول: «فولدت الحسين، فكفلته أم الفضل»؟!

وإذا كانت رواية كفالة أم أيمن لهذا المولود صحيحة، فكيف يمكن كفالة طفل واحد من قبل امرأتين، ثمّ يعيش في بيتين مختلفين، ويتلقى الرعاية في زمان واحد؟!

جفاف ثدي الأم:

وتضيف بعض الروايات أمراً خامساً، وهو:

أن فاطمة «علیها السلام» لما ولدت الحسين «علیه السلام» اعتلت، وجف لبنها، فطلب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» مرضعا، فلم يجد، فكان يأتيه فيلقمه إبهامه فيمصها. وجعل اللّه في إبهام رسول اللّه ما يغذوه.

ويقال: بل كان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يدخل لسانه في

فيه، فيغره كما يغر الطير فرخه، فيجعل اللّه له في ذلك رزقا، ففعل ذلك أربعين يوماً وليلة، فنبت لحمه من لحم رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» (1).

والسؤال هو: أين كانت عنه أم الفضل التى يدعى أنها أرضعته بلبن ولدها قثمّ؟! (2).

تأثير اللبن في المولود:

والأمر السادس، والأهم من ذلك كله: أن الروايات عن أهل البيت «عليهم السلام» تحدثت عن تأثر المولود باللبن الذي يرتضعه، فلاحظ على سبيل المثال:

1- عن علي «علیه السلام»: تخيروا للرضاع كما تتخيرون


1) مناقب آل أبي طالب ج4 ص50 و (ط المکتبة الحيدرية) ج3 ص209 عن الغرر لأبي الفضل بن خيرانة، ومدينة المعاجز ج3 ص493 وبحار الأنوار ج43 ص254 والعوالم الإمام الحسين ص21 و 22 وشجرة طوبى ص262

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص278 والمعجم الكبير ج3 ص23 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص144 والإصابة ج8 ص450 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص18 و 19 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج11 ص308 وج27 ص84

للنكاح، فإن الرضاع يغير الطباع (1).

2- وفي حديث الأربعمئة: وتوقوا على أولادكم لبن البغيّ من النساء والمجنونة، فإن اللبن يعدي (2).

3- وفي قرب الإسناد عن عبد اللّه بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر الكاظم «علیه السلام»، قال: سألته عن الرجل المسلم، هل يصلح له أن يسترضع اليهودية والنصرانية، وهن يشربن الخمر ؟!

قال: امنعوهن من شرب الخمر ما أرضعن لكم (3). وما لا يحل


1) قرب الإسناد ص45 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث سنة 1413هـ) ص93 وبحار الأنوار ج100 ص323 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص468 و (الإسلامیة) ج15 ص188 وهداية الأمة للحر العاملي ج7 ص330 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص144

2) الخصال للصدوق ج2 ص405 و (ط جماعة المدرسين) ص615 وبحار الأنوار ج100 ص323 وج10 ص193 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص144 وميزان الحكمة ج2 ص1088

3) قرب الإسناد ص78 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ص275 ووسائل الشيعة (آل البيت ) ج21 ص464 و 465 و (الإسلامیة) ج15 ص187 وبحار الأنوار ج100 ص323 وراجع:الكافي ج6 ص42 و 43 و 44 وتهذيب الأحكام ج8 ص110

مثل لحم الخنزير. ولا يذهبن بولدك إلى بيوتهن (1).

4- وسئل «علیه السلام» عن المرأة ولدت من زنا، هل يصلح يسترضع بلبنها؟!

قال: لا، ولا التي ابنتها ولدت من زنا (2).

وعن علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن «علیه السلام» قال: سألته عن امرأة ولدت من الزنى، هل يصلح أن يسترضع بلبنها ؟!

قال: لا يصلح، ولا لبن ابنتها التي ولدت من الزنا (3).

والظاهر: أنه لا فرق بين هاتين الروايتين، فإن المراد فيهما: أن لبن المرأة التي زنت وولدت لا يصلح للرضاع. كما أن ابنتها التي


1) من لا يحضره الفقيه ج3 ص308 و (ط جماعة المدرسين سنة 04 140هـ) ج3 ص479 وتهذيب الأحكام ج8 ص116 و 109 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص465 و (الإسلامیة) ج15 ص186 وشجرة طوبى ج1 ص29

2) قرب الإسناد (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث سنة 1413هـ) ص275 والكافي ج6 ص44 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص465 و (الإسلامیة) ج15 ص187 وبحار الأنوار ج100 ص323

3) مسائل علي بن جعفر ص282 والكافي ج6 ص44 ومن لا يحضره الفقيه ج3 ص478 والإستبصار ج3 ص321 وتهذيب الأحكام ج8 ص108 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص462 و (الإسلامیة) ج15 ص184 ومرآة العقول ج21 ص77 وميزان الحكمة ص1088

هي بنت زنا لا تسترضع أيضاً، حتى وإن كان زواجها صحيحاً، وولدها ابن حلال.

5- وعن الرضا «علیه السلام» عن آبائه «علیهم السلام»: قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: لا تسترضعوا الحمقاء، ولا العمشاء، فإن اللبن يعدي (1).

6- وعن علي «علیه السلام»: لا تسترضعوا الحمقاء، فإن اللبن يغلب الطباع (2).

7- وعن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله»: لا تسترضعوا الحمقاء،


1) الكافي ج6 ص43 وعيون أخبار الرضا ج2 ص34 و (ط الأعلمی سنة 1404هـ) ج2 ص37 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص467 و (الإسلامیة) ج15 ص188 وبحار الأنوار ج100 ص323 و 324 ومرآة العقول ج21 ص77 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج2 ص278 وصحيفة الرضا ص9 وراجع: من لا يحضره الفقيه ج3 ص478 وتهذيب الأحكام ج8 ص110 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص237

2) الكافي ج6 ص43 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص467 و (الإسلامیة) ج15 ص188 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص272 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص237 وبحار الأنوار ج100 ص324 ومرآة العقول ج21 ص77 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج8 ص147 وميزان الحكمة ج2 ص1088

فإن الولد يشب عليه (1).

8- عن عبيد اللّه الحلبي: قلت لأبي عبد اللّه «علیه السلام»: امرأة ولدت من الزنا، أتخذها ظئراً ؟!

قال: لا تسترضعها، ولا ابنتها ؟ ! (2).

9- عن علي «علیه السلام»: انظروا من يرضع أولادكم، فإن الولد يشب عليه (3).

10- عن أبي جعفر «علیه السلام» قال: قال رسول اللّه «صلی


1) الكافي ج6 ص43 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص467 و (الإسلامیة) ج15 ص188 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص272 و (منشورات الشريف الرضي سنة 1392هـ) ص237 وبحار الأنوار ج100 ص324 ومرآة العقول ج21 ص77 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج8 ص147 وميزان الحكمة ج2 ص1088 وراجع: نوادر الراوندي ص13

2) الكافي ج6 ص42 والإستبصار ج3 ص321 وتهذيب الأحكام ج8 ص108 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص463 و (الإسلامیة) ج15 ص184 و 185 ومرآة العقول ج21 ص75 وروضة المتقين ج8 ص577

3) الكافي ج6 ص44 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص466 و 467 و (الإسلامیة) ج15 ص188 ومرآة العقول ج21 ص77 وروضة المتقين ج8 ص578

اللّه عليه وآله»: لا تسترضعوا الحمقاء، فإن اللبن يعدي، وإن الغلام ينزع إلى اللبن. يعني إلى الظئر في الرعونة والحمق (1).

11- عن زرارة، عن أبي جعفر «علیه السلام» قال: «عليكم بالوضاء من الظؤورة، فإن اللبن يعدي (2).

خلاصة وبيان:

فظهر مما تقدم: أن الرضاع يؤثر في المولود رعونة، وحمقاً، ووضاءة، ويتأثر بالأخلاق الرديئة، والأعمال السيئة، وبما تشربه أو تأكله مرضعته.


1) الكافي ج6 ص43 ومن لا يحضره الفقيه ج3 ص307 و (ط جماعة المدرسين سنة 1404هـ) ج3 ص478 وتهذيب الأحكام ج8 ص110 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص467 و (الإسلامیة) ج15 ص188 ومرآة العقول ج21 ص77 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج3 ص224 وج10 ص18 و مسند محمد بن قيس البجلي (تحقيق بشير المازندراني) ص73

2) الكافي ج6 ص44 ومن لا يحضره الفقيه ج3 ص307 و (ط جماعة المدرسين سنة 1404هـ ) ج3 ص478 وتهذيب الأحكام ج8 ص110 ج3 ص478 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج21 ص468 و (الإسلامیة) ج15 ص189 ومرآة العقول ج21 ص78 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج10 ص19

وهو يغير الطباع، ويعدي، ويؤثر الجنون جنوناً، وينتج الحمق حمقا، وحتى العمش إذا كان في الظئر، فإنه ينتقل إلى المترضع. والعمش: مرض يصيب العين، فلا تزال تسيل دموعاً، حتى لا يكاد الأعمش يبصر بها.

وإنه لا بد من التخير للرضاع كما يتخير للنكاح.

ليس للصبي خير من لبن أمه:

ونضيف هنا أمراً سابعاً، وهو ما رواه الصدوق بالأسانيد الثلاثة عن الإمام الرضا «علیه السلام»، قال: قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ليس للصبي لبن خير من لبن أمه (1).

يشير «رحمه اللّه» بقوله: «بالأسانيد الثلاثة» إلى ثلاثة أسانيد ذكرها في الرواية التي سبقت روايته هذه.

وفي نص آخر عن الإمام الصادق «علیه السلام» قال: قال أمير المؤمنين «علیه السلام»: ما من لبن يرضع به الصبي أعظم بركة


1) عيون أخبار الرضا ج2 ص38 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص468 و (الإسلامیة) ج15 ص188 ومستدرك الوسائل ج15 ص156 وبحار الأنوار ج100 ص323 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج2 ص278 وميزان الحكمة ج2 ص1088 وتفسير نور الثقلين ج1 ص228 وتفسير كنز الدقائق ج2 ص356 وصحيفة الرضا «علیه السلام» ص101

عليه من لبن أمه(1).

ماذا عن حليمة السعدية إذن؟!

وهذا وسواه يجعلنا نشك في أن يكون النبيّ «صلى اللّه عليه وآله» قد رضع من ثويبة بنت أبي لهب، أو من حليمة السعدية..

وإن كان «صلی اللّه علیه وآله» قد ذهب إلى منازل قوم حليمة، وعاش بينهم مدة، لعلها قصرت أو طالت. ولكن ذلك لا يعني أنه ارتضع منها بالفعل.


1) الكافي ج6 ص40 ومن لا يحضره الفقيه ج3 ص305 و (ط جماعة المدرسين سنة 1404هـ) ج3 ص475 وتهذيب الأحكام ج8 ص108 وسائل الشيعة (آل البيت) ج21 ص452 و (الإسلامیة) ج15 ص175 ومرآة العقول ج21 ص71 وشجرة طوبى ج1 ص29 و 30 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج4 ص228

الفصل الثاني: غذاء الحسين «علیه السلام» بلبن أمه..

اشارة

الحسين لم يرتضع من أنثى:

والأمر الثامن: تصريح روايات عديدة عن الأئمة «علیهم السلام»: بأن الإمام الحسين «علیه السلام» لم يرتضع من أنثى، فكيف يدعون: أن أم الفضل أرضعته «علیه السلام» بلبن قثم؟!

فلاحظ النصوص التي نقلناها عن موسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» مع بعض التلخيص، وسنضيف على مصادره ما تيسر لنا أيضاً، وذلك كما يلي (1):

ألف ما روي عن الأئمة «علیهم السلام»:

1- عن محمد بن عمر الزيات، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه الصادق «علیه السلام»: ولم يرضع الحسين «علیه السلام» من فاطمة، ولا من أنثى. ولكنه كان يؤتى به النبيّ،، فيضع إبهامه في فيه، فيمص منها ما يكفيه اليومين والثلاثة، فينبت لحم الحسين من


1) موسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج1 ص174 و 175

لحم رسول اللّه، ودمه (1).

2- عن عبد الرحمان بن كثير الهاشمى، عن الصادق «علیه السلام»: وكان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يأتيه في كل يوم، فيضع لسانه في فم الحسين، فيمصه حتى يروى.

فأنبت اللّه لحمه من لحم رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ولم يرضع من فاطمة «عليها السلام» ولا من غيرها لبناً قط (2).

3- عن أبي الحسن الرضا «علیه السلام»: أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» كان يؤتى به الحسين (3)، فيلقمه لسانه، فيمصه، فيجتزئ


1) الكافي ج1 ص465 وبحار الأنوار ج44 ص198 و 233 ومدينة المعاجز ج3 ص448 والعوالم، الإمام الحسين ص24 و 115 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص305 وج4 ص145 وتفسير كنز الدقائق ج12 ص185 وتفسير نور الثقلين ج5 ص14 والبرهان (تفسير) ج5 ص40 وتأويل الآيات الظاهرة ج2 ص580 ومرآة العقول ج5 ص365 وكامل الزيارات ص124

2) الإمامة والتبصرة ص182 و (ط مدرسة الإمام المهدي سنة 1404هـ) ص51 و 52 و علل الشرائع (ط المکتبة الحيدرية سنة 1385) ج1 ص206 وبحار الأنوار ج25 ص254 و 255 و 43 ص245 والعوالم الإمام الحسين «علیه السلام» ص23 و 24 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص300 والبرهان (تفسير) ج5 ص40 وتفسير كنز الدقائق ج12 ص184

3) كذا في المصدر. والظاهر: أن الصواب هو: «كان يؤتي بالحسين «عليه السلام»..». والإجتزاء هو الإكتفاء

به، ولم يرتضع من أنثى (1).

4- عن الحسين بن زيد عن آبائه «عليهم السلام»: فلما وضعته وضع النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» لسانه في فيه فمصه، ولم يرضع الحسين «علیه السلام» من أنثى حتى نبت لحمه ودمه من ريق رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» (2).

ب: روايات عن غير الأئمة الطاهرين:

ونضيف إلى الروايات المتقدمة: ما روي عن غير الأئمة الطاهرين «علیهم السلام» ما يلي:

5- عن برة بنت أمية الخزاعي، قالت: لما حملت فاطمة «علیها السلام» بالحسن خرج النبيّ في بعض وجوهه، فقال لها: إنك ستلدين غلاماً قد هنأني به جبرئيل، فلا ترضعيه حتى أصير إليك.

قالت: فدخلت على فاطمة حين ولدت الحسن وله ثلاث ما


1) الكافي ج1 ص465 ومدينة المعاجز ج3 ص448 وبحار الأنوار ج44 ص198 ومرآة العقول ج5 ص365 و 366 والعوالم الإمام الحسين ص25

2) تأويل الآيات الظاهرة ج2 ص579 وبحار الأنوار ج23 ص272 والبرهان (تفسير) ج5 ص42 وتفسير كنز الدقائق ج12 ص181

أرضعته، فقلت لها: أعطنيه حتى أرضعه.

فقالت: كلا ثمّ أدركتها رقة الأمهات فأرضعته، فلما جاء النبيّ قال لها: ماذا صنعت؟!

قالت: أدركني عليه رقة الأمهات فأرضعته.

فقال: أبى اللّه عز وجل إلا ما أراد.

فلما حملت بالحسين قال لها: يا فاطمة، إنك ستلدين غلاماً قد هناني به جبرئيل، فلا ترضعيه حتى أجيء إليك، ولو أقمت شهراً.

قالت: أفعل ذلك.

وخرج رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في بعض وجوهه، فولدت فاطمة الحسين «علیه السلام»، فما أرضعته حتى جاء رسول اللّه، فقال لها: ماذا صنعت؟!

قالت: ما أرضعته. فأخذه، فجعل لسانه في فمه، فجعل الحسين يمص، حتى قال النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» إيها حسين!! إيها حسين !!(1)

ثمّ قال: أبى اللّه إلا ما يريد، هي فيك وفي ولدك - يعني الإمامة (2).


1) إيها: كلمة تستعمل للأمر بالكف، وللحث على الاستمرار، فهي من الأضداد. وظاهرها هنا الأول بقرينة كلمة «حتى قال..»

2) مناقب آل أبي طالب ج4 ص50 و (ط المکتبة الحيدرية) ج3 ص209 ومدينة المعاجز ج3 ص493 و 494 والعوالم الإمام الحسين ص22 وشجرة طوبى ج2 ص262 وبحار الأنوار ج43 ص254

6- اعتلت فاطمة «علیها السلام» لما ولدت الحسين «علیه السلام»، وجف لبنها ؛ فطلب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» مرضعا، فلم يجد . فكان يأتيه فيلقمه إبهامه، فيمصها، ويجعل اللّه له في إبهام رسول اللّه رزقاً يغذوه (1).

وقفة مع الأحاديث المتقدمة:

وإذا رجعنا إلى النصوصالأربعة المروية عن الإمام الصادق والرضا، والسجاد «علیهم السلام»، فسنجد أموراً يحسن لفت النظر إليها.

فنقول:

1- إيهام الاختلاف:

قد يتوهم الناظر إلى هذه الروايات: أن بينها اختلافاً، يجعل من الاعتماد عليها أمراً يرغب عنه، فقد ذكرت الرواية الأولى: أنه كان


1) مناقب آل أبي طالب ج4 ص50 و (ط المکتبة الحيدرية) ج3 ص209 عن كتاب الغرر، لابن خيرانة، ومدينة المعاجز ج3 ص493 والعوالم، الإمام الحسين ص21 وشجرة طوبى ج2 ص262 وبحار الأنوار ج43 ص254

يؤتى بالحسين إلى النبيّ «صلی اللّه علیه وآله»، فيضع إبهامه في فمه، فيمص منه ما يكفيه، لكن سائر الروايات تقول: إن النبيّ «صلى اللّه عليه وآله» نفسه كان يأتيه، فيضع لسانه في فمه.

ويمكن أن يقال: إن فاطمة «علیها السلام» كانت تأتيه بابنها أولاً، فيضع إبهامه في فمه، فيمص منه ما يكفيه، ثمّ صار هو يقصدهم ويأتيهم، ويضع لسانه في فم الحسين، فيمصه حتى يروى.

أما حين الحاجة إلى الطعام فكان «صلی اللّه علیه وآله» يلقمه إبهامه، فيمصمنه ما يكفيه اليومين والثلاث.

وقد ظهر جواب هذا الاختلاف مما قلناه آنفاً..

وثمّة وجه آخر، وهو: أنه «صلی اللّه علیه وآله» ربما كان يأتي إلى بيت الزهراء «علیها السلام»، ويكون الإمام الحسين «علیه السلام» مع أم أيمن، أو مع فضة في نفس البيت، أو في مكان آخر. فإذا عرفوا بمقدم الرسول «صلی اللّه علیه وآله» جاؤوه به، فيضع لسانه في فمه.

2- لم يرتضع من أنثى:

ويلاحظ هنا أن رواية عبد الرحمان بن كثير الهاشمي عن الإمام الصادق «علیه السلام» تصرح: بأن الإمام الحسين «علیه السلام» لم يرضع من فاطمة، ولا من غيرها لبنا قط. أي في حياته كلها .. وهذا هو ظاهر، بل صريح الرواية عن الامام الرضا «عليه

السلام».

أما رواية الحسين بن زيد عن آبائه، فقد يفهم منها: أن ارتواءه من لسان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قد استمر إلى أن نبت لحمه ودمه من ريقه «صلی اللّه علیه وآله»..

ثمّ تسكت الرواية عما كان يجري بعد ذلك، فهل استمر في الفترة اللاحقة على هذه الوتيرة، أم رضع من ثدي امرأة أخرى؟! لم تصرح الرواية بشيء من ذلك..

3- جفاف اللبن هو السبب:

وقد ذكرت الرواية رقم [6]: أن سبب رضاع الحسين «علیه السلام» من إبهام رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: أن فاطمة «علیها السلام» لما ولدت الحسين «علیه السلام» وجف لبنها طلب الرسول «صلی اللّه علیه وآله» له مرضعا، فلم يجد، فكان «صلی اللّه علیه وآله» يأتيه فيلقمه إبهامه الخ..

ومعنى هذا: أن اللّه تعالى هو الذي هيأ الظرف المناسب لإرضاع الحسين «علیه السلام» من إبهام الرسول، وامتصاصه من لسانه «صلی اللّه علیه وآله»، ولعل ذلك لما يلي:

ألف: إن نفس جفاف اللبن سوف يثير الاهتمام، ويوجد حالة من الخوف على المولود الجديد.

ب: ثمّ إذا كان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي

يتصدى للبحث عن مرضع له، فإن ذلك سيزيد من اهتمام الناس بهذا الأمر، وسيندفع بعضهم للمساعدة علىه، لأن ذلك سيرضي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

ج: إذا كان الرسول «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي يلقم هذا المولود إبهامه الشريف.. فإنه قد لا يثير استغراب أحد، لأن الناس قد يعمدون إلى إلهاء أطفالهم وإسكاتهم بهذه الوسيلة. ولكن إذا أوجب هذا الامتصاص شبع وارتواء ذلك الوليد الجائع والعطشان، وظهرت أمارات ذلك عليه، ولم يعد بحاجة إلى طعام أو شراب.. فإن ذلك سيكون بمثابة صدمة كبرى لمن يشاهد ذلك..

د: إن حدوث أمر كهذا سيدفع الناس إلى تناقله، وانتشاره بشكل أسرع.

4- الإمامة في ولد الحسين:

وذكر النص المتقدم برقم [5] عن ابن شهر آشوب: أنه «صلی اللّه علیه وآله» حين جعل لسانه في فم الحسين «علیه السلام» جعل يمصه، حتى قال النبيّ «صلی اللّه علیه وآله»: إيها حسين !! إيها حسين!! ثمّ قال: أبى اللّه إلا ما يريد. هي فيك وفي ولدك - يعني الإمامة..

ونقول:

قلنا في الجزء الأول من هذا الكتاب: أن هذا النص وإن تضمن أمراً لا تصح نسبته إلى النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» والزهراء. ولكن

ذلك لا يمنع من أن يكون في النصفقرات صحيحة لم تتعرض لأي تصرف. ولا مانع من الأخذ بها..

غير أن سؤالاً يطرح نفسه هنا، وهو: ما هو الرابط بين موضوع امتصاص لسان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وبين أن تكون الإمامة في الحسين وفي ولده عليهم «علیه السلام».

وقد يجاب:

بأن الرواية قد تضمنت: أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» طلب من الزهراء «علیها السلام» حين نفست (أي وضعت) بالإمام الحسن: أن لا ترضعه حتى يجيء إليها .. ولكنها بعد ثلاثة أيام من غيبته «صلی اللّه علیه وآله» أشفقت على المولود الصغير، فأرضعته.

فلما حملت بالإمام الحسين التزمت «علیها السلام» بما أمرها به، ولم ترضعه حتى كان هو الذي أمصه لسانه الشريف. ثمّ قال كلمته التي تقدمت.

وهذا يعطي: أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» يريد أن يمهد لإعلان هذا الأمر، بطريقة ربط الفكرة بالحدث، والقضية بحركة الواقع، وتحديد موقعها فيه، لكي تختزنه الذاكرة، وليمكن المواءمة بين عناصر الفكرة، وعناصر الحدث التي يحتويها .. لأن هذه هي

الطريقة الأمثل والأفضل لبقاء الحدث أطول مدة في الذاكرة. وهي الطريقة المؤثرة في حفظه وصيانته من أي تحريف أو تبديل أو انتهاك عفوي أو عمدي.. وهي طريقة تعطي القدرة على التأثير، والتفاعل معه بصورة أعمق وأتم.

فبشر «صلی اللّه علیه وآله» الناس، كل الناس بأمر الإمامة الحافظة لمقام النبوة، وأطلقها من مكمنها الغيبي في يوم تنصرف فيه النفوس عادة إلى الاحتفاء بالمولود، والاهتمام بإشاعة مظاهر البهجة في نفحاتها الرائعة، وتجلياتها البديعة، ليعيش الناس واقعهم، الذي يتلمسونه في الحبور والسرور، والتهاني. وما إلى ذلك..

وإذ بالنبيّ «صلی اللّه علیه وآله» ينقل الناس من هذا الحال إلى ما هو أسمى وأرقى، ويطلق كلمته التي تثير الكثير من الأسئلة التي

تهدف إلى إزالة ما يمكن إزالته من إبهاماتها .. حيث قال: «أبى اللّه إلا ما يريد».

فإن كل من يسمع هذه الكلمة سوف يعرف أن ثمّة أمراً يرتبط بهذا المولود كان يمكن أن يجري في سياق بعينه، ولكن الإرادة الإلهية حولته إلى سياق آخر. فما هو الأمر، وما هو السياق الذي كان فيه، لولا أن اللّه سبحانه حوله إلى غيره.

ثمّ هو يضيف كلمة أخرى يحتاجالناس أيضاً إلى تداول الحديث عنها وفيها، لكشف إبهاماتها، وهي قوله: «هي فيك وفي ولدك».

فإن أحداً لا يشك في أن هذه الكلمات اليسيرة قد تضمنت إخباراً غيبيا عن شأن كبير وخطير، له ارتباط بهذا المولود، ويمس الأمة بأسرها أيضاً..

كما تضمنت إخباراً آخر عن أنه سوف يكون لهذا المولود ذرية يتشاركون في هذا الأمر الخطير الذي يلامس مصير الأمة، وأنهم ليسوا أناساً عاديين.

وهذا يعني: أنه «صلی اللّه علیه وآله» يلمح إلى أمر خطير موغل في الامتداد في عمق المستقبل.

وأن هذه الولادة هي بداية مسيرة تحمل معها ما يصعب الوقوف على حجمه وآثاره، ولا مجال لاستكناه أسراره.

هل خالفت الزهراء «علیها السلام» أمر النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» ؟!:

ولو أردنا أن نربط هذا الذي جرى للنبيّ «صلی اللّه علیه وآله» مع الحسين «علیه السلام»، بذلك الذي جرى له «صلى اللّه عليه وآله» مع الحسن «علیه السلام» فإن علينا أن نقرّ - بعد افتراض صحة كل فقرات الرواية -: بأن إرضاع الزهراء «علیها السلام» للإمام الحسن «علیه السلام»، قبل مجيء النبيّ «صلى اللّه عليه وآله» من الوجه الذي كان فيه. ربما جاء على سبيل التصرف الإلهي في وجودها المقدس، ولم يكن بالأمر الذي اندفعت هي «عليها

السلام» إليه. ولعل قوله «صلی اللّه علیه وآله» و «أبى اللّه إلا ما ير يد» يشير إلى هذا التصرف الإلهي.

تماماً كما يبتلى اللّه تعالى بعض أنبيّائه بمرض ما ليثيبه عليه.

أو ليظهر ما يبطنه أهل النفاق تجاه ذلك النبيّ..

ويدخل في هذا المعنى: ما قاله الشيخ الصدوق «قدس سره» عن موضوع إسهاء اللّه لنبيّه، لكي لا يؤلهه الناس مثلا.

علما بأن الزهراء «علیها السلام» هي بضعة من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فلا ضير في أن ترضع ولدها، ولن يأخذ من لبنها إلا أسمى الصفات، وأفضل الميزات ولبنها هو الأصفى والأطهر، والأبقى والأنقى من لبن أي أنثى على وجه الأرض.

ولكن المطلوب هو ارتضاع العلم والقداسة، وسائر الميزات التي تحمل معها معنى الإمامة والخلافة لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

وليبقى ذلك ساريا في الأعقاب والأصلاب، ابتداءً من هذا المرتضع، وانتهاءً بالإمام الثاني عشر الذي سيرث جهود الأنبيّاء، ويعز اللّه به الأولياء، ويذل الأعداء.

رضيع الإمام الحسين؟!:

ويذكر هنا أيضاً: أن هناك أشخاصاً وصفهم البعض بقوله: «رضيع الحسين»، أو أنه أخو الحسين من الرضاعة، أو نحو ذلك.

ومن هؤلاء:

1- عبد اللّه بن بقطر (1)- بضم الباء،، كعصفر (2)، وإن كانت


1) راجع موسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج16 ص388 - 391 عن كثير من المصادر، ونذكر منها، ونضيف إليها غيرها ما يلي: تاريخ الكوفة ص103 و 322 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص244 والأمالي لابن الشجري ج1 ص172 وتسمية من قتل مع الحسين ص152 والحدائق الوردية ج2 ص121 وذخيرة الدارين ج1 ص283 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص77 وجمل من أنساب الأشراف ج3 ص379 وتاريخ الأمم والملوك ج5 ص398 و (ط الأعلمی) ج4 ص359 والإرشاد للمفيد ج2 ص71 و 72 وروضة الواعظين ص152 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص228 و 229 وج2 ص203 و 47 والكامل في التاريخ ج3 ص278 و 303 وج4 ص93 ونهاية الأرب ج20 ص414 والفصول المهمة لابن الصباغ ص189 و 197 و 198 والمنتظم ج5 ص340 والفتوح لابن أعثم ج5 ص77 والثقات لابن حبان ج2 ص310 والعوالم ج17 ص333 والإختصاص ص78 ورجال الطوسي ص76 ونقد الرجال للتفرشي ص210 ومنتهى المقال ج4 ص258 وإعلام الورى ص228 والبداية والنهاية ج8 ص168 و 189 ومناقب آل أبي طالب ج4 ص77 والخرايج والجرايح ج2 ص550 والإصابة ج3 ص58 ورجال ابن داود ص17 وبحار الأنوار ج44 ص199

2) راجع: رجال ابن داود ص217 و قاموس الرجال ج6 ص666 وراجع:إبصار العين للسماوي ص52 و 53 وذخيرة الدارين للحائري ج1 ص284 عن الكامل في التاريخ

ياء كما قيل، فهو بفتحها (1). واسم أم عبد اللّه بن بقطر هذا ميمونة، قالوا: إنها ولدته قبل ولادة الإمام الحسين «علیه السلام» بثلاثة أيام (2)..

2- ابن أبي عقب، وهو عبد اللّه بن بشار، بن أبي عقب. زعموا أيضاً: أنه كان رضيع الإمام الحسين بن علي «علیهما السلام» (3).

3- وزعموا: أن أم الفضل، زوجة العباس، قد أرضعت الحسين بلبن أحد أبنائها أيضاً.

لكن جميع ما تقدم يدل: أن أحداً لم يكن رضيعاً للإمام الحسين «علیه السلام»، لا ابن العباس، ولا ابن بقطر، ولا ابن أبي عقب، ولا غير هؤلاء.. وإنه «علیه السلام» لم يرتضع من أمهات هؤلاء، ولا من غيرهن، بل ارتضع من أمه الزهراء «علیها السلام»، كما تدل


1) خلاصة الأقوال للعلامة (ط حجرية) ص51 ومنهج المقال ص214 وذخيرة الدارين ج1 ص283 و 284 وراجع: قاموس الرجال ج6 ص666 وإبصار العين ص52 و 53

2) راجع: ذخيرة الدارين ج1 ص283 ووسيلة الدارين ج1 ص216 و 217

3) راجع: شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج11 ص433 و 434 عن أسماء المغتالين (ط القاهرة) ص173

عليه بعض الروايات (1)، ومن إبهام الرسول «صلی اللّه علیه و آله»، كما أنه قد ارتشف من ريقه الشريف.

ولكن ذلك لا يمنع من أن تكون بعض النسوة كن يكثرن الدخول على السيدة فاطمة الزهراء «صلوات اللّه وسلامه عليها»، ولعلهن حاولن مساعدتها في بعض الشؤون التي ترتبط بالحسن «علیه السلام» تارة، وبالحسين أخرى، فأطلق بعض الناس على هذه أو تلك عنوان حاضنة للإمام الحسن، أو للحسين«علیهما السلام».

هل الهدف تغيير القرار الإلهي؟!

ونلفت النظر أخيراً إلى أنه لا مجال لقبول ما يقال: من أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» أراد بمنعه للسيدة الزهراء «علیها السلام» من إرضاع الإمام الحسن «علیه السلام» أن يرضعه هو من إبهامه، ليجعل الإمامة في صلبه.

بينما أراد اللّه تعالى أن تكون الإمامة في صلب الإمام الحسين «علیه السلام».

ولذا قال النبيّ عندما عرف أن السيدة الزهراء قد أرضعت الإمام الحسن: «أبى اللّه عز وجل إلا ما أراد». وكأن هذه العبارة تشير إلى أن النبيّ كان يخطط لأمر على خلاف الإرادة الإلهية مع علمه بما


1) المعارف لابن قتيبة ص158

يريد اللّه تعالى!!

ولا يمكن القول بأن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» يمكن أن يسعى ويخطط لأمر على خلاف الإرادة والمشيئة الإلهية.

نعم لا مجال لقبول هذا القول، لأنه «صلی اللّه علیه وآله» حين قال: «أبى اللّه عز وجل إلا ما أراد» لم يصرّح بما أراده اللّه تعالى، وليس في الرواية ما يدلّ على أنه «صلی اللّه علیه وآله» كان يعلم بمراده تعالى، وحديثه عن الإمامة كلام جديد ومستأنف.

يضاف إلى ذلك أن الإرضاع من الابهام ليس هو السبب في أن تكون الإمامة في ولد الراضع، ولا تكون في ولد غيره. لأن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» كان يعرف الأئمة قبل خلق الخلق، وكان الأنبيّاء يعرفونهم بأسمائهم. وإنما يريد «صلی اللّه علیه وآله» أن يظهر للناس أمر الإمامة بهذا النحو وبأنحاء أخرى على سبيل التدرّج في البيان.

الفصل الثالث: تعاويذ وتمائم..

اشارة

التمائم والتعاويذ:

ونقصد بالتميمة: العوذة التي تعلق على الإنسان.

وبالعوذة: الرقية التي يرقى بها الإنسان، من فزع أو خوف، أو غير ذلك. وقد سميت بذلك لأنها تبدأ بكلمة: أعوذ، ونحو ذلك.

1- قال ابن عمر كان للحسن والحسين تعويذان، حشوهما من زغب جناح جبرئيل.

وفي رواية: فيهما من جناح جبرئيل (1).


1) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحيدرية) ج3 ص162 وبحار الأنوار ج3 ص263 و 291 وج56 ص177 والخصال ص67 وتفسير نور الثقلين ج4 ص346 وتفسير كنز الدقائق ج10 ص531 وميزان الاعتدال ج1 ص37 و ج3 ص395 والأغاني ج16 ص359 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص528 وج19 ص342 وج26 ص267 ونظم درر السمطين ص212 وتاريخ مدينة دمشق ج13 ص225 وج14 ص172 وترجمة الإمام الحسن لابن عساکر ص112 و 113 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص192 والدر النظيم ص777 والخصائص الكبرى ج2 ص265 والكشف الحثيث ص35 ولسان الميزان ج1 ص66 وراجع:توضيح الدلائل لشهاب الدين الشافعي (مخطوط في المكتبة الوطنية بفارس) ص356 وعن إبانة العكبري، وخصائص النطنزي، وأربعين المؤذن، ومعالم العترة للجنابذي

2- وعن أم عثمّان، أم ولد لعلي «علیه السلام» قالت: كانت لآل محمد «صلوات اللّه وسلامه عليهم» وسادة لا يجلس عليها إلا جبرئيل، فإذا قام عنها طويت فكان إذا قام انتفض من زغبه، فتلتقطه فاطمة، فتجعله في تمائم الحسن والحسين (1).

3- عن عبد الرحمان بن عوف قال: قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يا عبد الرحمان، ألا أعلِّمك عوذة كان يعوّذ بها إبراهيم ابنيه إسماعيل وإسحاق، وأنا أعوّذ بها ابني الحسن والحسين؟! قل: كفى بسمع اللّه واعياً لمن دعا، ولا مرمى وراء أمر اللّه لرام رمى(2).


1) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحيدرية) ج3 ص162 وبحار الأنوار ج43 ص291 والدر النظيم ص777 وكشف الغمة ج2 ص172 وشرح الأخبار ج3 ص98 و 99 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص529 وج26 ص268 وذخائر العقبى ج2 ص97 و (ط مكتبة القدسي بمصر) ص134 والذرية الطاهرة النبوية ج1 ص87 و (ط الدار السلفية - الكويت) ص123 وعن وسيلة المآل ص165

2) بحار الأنوار ج43 ص301 وذخائر العقبى ص96 و ط مكتبة القدسي بمصر) ص134 والاستذكار لابن عبد البر ج8 ص272 وكشف الغمة ج2 ص146 و 168 والتمهيد لابن عبد البرج24 ص442 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص526 والفردوس للديلمي ج5 ص382 ومجمع الزوائد ج10 ص188 والبحر الزخار ج3 ص261 ومسند البزار ج3 ص262 وعن وسيلة المآل (مخطوط في المكتبة الظاهرية بدمشق)

4- علي، عن أبيه، عن بعض أصحابه عن القداح، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال: قال أمير المؤمنين «علیه السلام»: رقا النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» حسناً وحسيناً، فقال: أعيذكما بكلمات اللّه التامة، وأسمائه الحسنى كلها عامة، من شر السامة والهامة، ومن شر كل عين لامة، ومن شر كل حاسد إذا حسد.

ثمّ التفت النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» إلينا، فقال: هكذا [كان] يعوذ إبراهيم إسماعيل وإسحاق عليهم «علیه السلام» (1).

5- وروي نحو ذلك عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (2).

ص165 .


1) الكافي ج2 ص569 وبحار الأنوار ج43 ص306 ومستدرك الوسائل ج4 ص316 وعدة الداعي ص265 ومرآة العقول ج12 ص437 وتفسير نور الثقلين ج5 ص400 وتفسير كنز الدقائق ج6 ص339 وج13 6 ص398 و ج14 ص549 ودعائم الإسلام ج2 ص139

2) راجع: مسند أحمد ج1 ص236 و 270 والمستدرك للحاكم ج3 ص167 236 وصحيح ابن حبان ج3 ص291 والتمهيد لابن عبد البر ج2 ص272 والدر المنثور ج3 ص40 والمصنف لابن أبي شيبة ج5 ص443 وج7 وج7 ص78 ومسند ابن راهويه ج5 ص35 و 36 والسنن الكبرى للنسائي ج4 ص411 وج6 ص250 وتفسير الرازي ج1 ص75 وج32 ص189 و 190 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص437 وتاريخ مدينة دمشق ج6 ص452 وحياة الحيوان الكبرى ج2 ص511 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص62 وينابيع المودة ج2 ص208 وشرح الأخبار ج3 ص89 ومناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحيدرية) ج3 ص155 وبحار الأنوار ج43 ص282 وج91 ص196 وراجع: صحيح البخاري ج4 ص119 وسنن ابن ماجة ج2 ص1165 وسنن أبي داود ج2 ص421 وسنن الترمذي ج3 ص267 والمستدرك للحاكم ج3 ص167 وعمدة القاري ج15 ص264 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص28 و 29 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص519 وج26 ص205 و401 وج27 ص29

وحسب نصأحمد بن عبد اللّه الطبري: «أعوذ بكلمات اللّه التامة، من كل شيطان وهامّة، ومن كل عين لامَّة»، ويقول: هكذا كان يعوذ إبراهيم ابنيه: إسماعيل وإسحاق عليهم «علیه السلام» (1).

وروي نحو ذلك عن الإمام الصادق أيضاً: وأنه «صلى اللّه عليه وآله» كان يجلس الحسن على فخذه اليمنى، ويجلس الحسين على


1) ذخائر العقبى ص65 و (ط مكتبة القدسي القاهرة) ص134 و 135 عن أبي سعيد في شرف النبوة وغيره. وفي هامشه أشار إلى مصادر كثيرة

فخذه اليسرى، ثمّ يقول: أعيذكما الخ..(1).

6- عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللّه ، وعن ابن عمر قال: كل واحد منا كنا جلوساً عند رسول اللّه، إذ مر به الحسن والحسين وهما صبيان ، فقال: هات ابني أعوذهما بما عوذ به إبراهيم ابنيه إسماعيل وإسحاق.

فقال: أعيذكما بكلمات اللّه التامة، من كل عين لامة، ومن كل شيطان وهامّة (2).

7- وجاء في أكثر التفاسير: أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» كان يعوذهما بالمعوذتين، ولهذا سمّيتا المعوذتين.

وزاد أبو سعيد الخدري في الرواية، ثمّ يقول «صلی اللّه علیه وآله»: هكذا كان إبراهيم يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق. كان يتفل عليهما.


1) بحار الأنوار ج60 ص18 عن دعائم الإسلام

2) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحيدرية) ج3 ص155 وبحار الأنوار ج3 ص282 والمعجم الكبير ج10 ص72 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج10 ص66 ومجمع الزوائد ج5 ص113 وتاريخ مدينة دمشق ج13 ص224 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص112 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص524 و ج19 ص188 و 289 وج26 ص201 ومختصر تاريخ دمشق (ط دار الفكر) ج7 ص18 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص29

ومن كثرة عوذ النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» قال ابن مسعود وغيره: إنهما عوذتان للحسنين، وليستا من القرآن الكريم (1).

8- وذكر عبد الكريم بن محمد بن المظفر السمعاني في كتابه: أن جبرئيل «علیه السلام» نزل على النبيّ «صلی اللّه علیه و آله» فرآه مغتماً، فسأله عن غمه.

فقال له: إن الحسنين «علیهما السلام» أصابتهما عين.

فقال: له يا محمد العين حق، فعوذهما بهذه العوذة، وذكرها (2).


1) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحيدرية) ج3 ص155 وبحار الأنوار ج43 ص282 وج82 ص42 و 61 و 62 ومسند أحمد ج5 ص130 وتأويل مختلف الحديث ص30 والميزان (تفسير) ج12 ص125 وفقه الرضا ص36 وذكرى الشيعة للشهيد الأول ج3 ص357 والحبل المتين (ط.ق) للشيخ البهائي ص229 والحدائق الناضرة ج8 ص231 والإيضاح لابن شاذان ص56 و 229 والمسترشد للطبري ص166 ومجمع الزوائد ج7 ص149 وفتح الباري ج8 ص571 وعمدة القاري ج16 ص237 وج20 ص10 و 11 وصحيح ابن حبان ج10 ص274 وموارد الظمآن ج5 ص431 وتفسير السمعاني ج6 ص309 والجامع لأحكام القرآن ج1 ص53 والإتقان في علوم القرآن ج1 ص213 و 214 والدر المنثور ج6 ص416 وفتح القدير ج5 ص517 وتفسير الآلوسي ج30 ص279 والتفسير الحديث لمحمد عزة دروزة ج1 ص71 و 97 وج2 ص57

2) بحار الأنوار ج60 ص18 ص132 عن زبدة البيان، وجنة الأمان، عن عبد الكريم بن محمد، بن المظفر، السمعاني في كتابه، وراجع: المجتنى من دعاء المجتبى لابن طاووس ص93 وحديث خيثمّة ص204 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج10 ص108 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص439 وتاريخ مدينة دمشق ج24 ص460 و 461 والمحاضرات والمحاورات للسيوطي ص106 ونهاية الأرب ج5 ص321 وشرح ه إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص525 وج26 ص203

ونقول:

الهامّة: كل ذات سم يقتل.

السامّة: ما يسمّ ولا يقتل كالعقرب، والنحلة.

اللامّة: هي العين التي تصيب الإنسان بسوء. من: ألمّ، يلمّ.

تأثيركلمات العوذات:

لقد ورد في النصوص ما يدل على تأثير الكلمات المعينة المكتوبة تارة، والملفوظة أخرى في شفاء بعض الأمراض، وفي حدوث بعض الآثار المادية، التي يمكن مشاهدتها.

ونلخص ما نرمي إليه على النحو التالي:

1- إن تأثير الألفاظ في إيجاد ما يقصد منها أمر مشهود، وغير قابل للإنكار، فالصلاة معراج المؤمن، مع أنها مجرد ألفاظ وأصوات وحركات تحمل مضامين معينة.

وقد ألزم الشارع بهذه الألفاظ بعينها، وبما لها من أصوات وألفاظ

تناسبها، بحيث لو أخل بها، ولو بأن يأتي بترجماتها مثلاً لما تحققت آثارها، ولا سقط واجب الصلاة عن المكلف، ولم يعف من العقوبة.

2- إن رسم القرآن بالمصحف لا يعدو كونه أشكالاً ورسوما اصطلح عليها أنها تعبر عن لفظ ذي نبرات صوتية محددة. وهي كما ترسم بها الألفاظ الحاملة لمضامين القرآن ترسم مضامين أخرى صحيحة وباطلة، مقبولة أو مرفوضة، محبوبة أو مبغوضة، ولكن حين تصبح حاملة لألفاظ القرآن، فإنها تصبح ذات أحكام خاصة، وآثار خاصة أيضاً.

فقد جعل الشارع للقرآن المكتوب أحكاماً، وهو حرمة تنجيسه، وحرمة ملامسته لغير المتوضئ، ويحرم وضعه في مواضع المهانة، ويحرم الوطء عليه بالأقدام.. مع أنه لا يعدو كونه حبراً على ورق.

3- إن كثرة النصوص الدالة على تأثير الكلام والكتابة في الشفاء، وفي قضاء الحاجات، أو بلوغ المرادات لا تدع مجالاً للشك في حصول هذا التأثير..

وهي إن لم يكن بعضها متواتراً لفظاً، يقطع بصدوره عن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» والأئمة الطاهرين «علیهم السلام»، فهو متواتر على سبيل الإجمال على أقل تقدير، بمعنى أنه يتعذر الحكم على جميعه بالسقوط، للقطع بصدور بعضه، وإن لم يمكن الجزم به بالتحديد..

بل إن بعض من ينكر هذه الأمور بشدة يعود فيعترف بما قلناه، فيقول: «قد يحصل الشفاء لبعض المرضى نتيجة التوسل اللّه، بنبي، أو ولي، أو بسبب دعاء، أو عمل عبادي في جو نفسي معين، قد لا ينسجم مع التفسير النفسي العلمي» (1).

ولكن ليت شعري كيف يكون التفسير علمياً، والواقع ينقضه؟!

التعوذ في آيات القرآن:

إن توضيح ما نرمي إليه يحتاجإلى ملاحظة بعض النقاط التي لها نوع ارتباط بالموضوع، وذلك كما يلي:

ألف: لقد تحدث سبحانه عن الاستعاذة فى كثير من آياته من الشرور، ومصادرها، فقد استعاذ أنبيّاؤه باللّه، وأمر سبحانه عباده بالاستعاذة به في كثير من الموارد، فقد قال تعالى: (إِنِّي عُدْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّر لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) (2).

وقال: (وَإِنِّي عُدْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُون) (3).

وقال: (قالَ أَعُودُ باللّه أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (4).

وقال: (إنّي أعُودُ بكَ أنْ أسألك مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) (5).


1) راجع: كتابنا خلفيات مأساة الزهراء، م 2 ج5 (الطبعة الخامسة) ص328

2) الآية 27 من سورة غافر

3) الآية 20 من سورة الدخان

4) الآية 67 من سورة البقرة

5) الآية 47 من سورة هود

وقال: (قالت إنّي أعُودُ بالرَّحْمَن مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) (1).

وقال: (وَإنّي أعِيدُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطانِ الرَّحِيمِ) (2).

وقال: (مَعَادُ اللّه إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) (3).

وقال: (قالَ مَعَادُ اللّه أنْ ناخُذ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنا عِنْدَهُ) (4).

ب: الأوامر الإلهية بالاستعاذة في مواقع معينة، مثل:

قوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُودُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُون) (5).

وقوله تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَعْنَكَ مِنَ الشَّيْطان نزغ فاسْتَعِدْ بِاللّه) (6).

وقوله تعالى: (بسم اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قُلْ أَعُودُ بِرَبِّ الفلق * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ الثَّقَاثَاتِ فِي العُقدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذا حَسَدَ) (7).


1) الآية 18 من سورة مريم

2) الآية 36 من سورة آل عمران

3) الآية 23 من سورة يوسف

4) الآية 79 من سورة يوسف

5) الآيتان 97 و 98 من سورة المؤمنون

6) الآية 200 من سورة الأعراف، والآية 36 من سورة فصلت

7) آيات سورة الفلق

وقوله تعالى: (بسم اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قُلْ أَعُودُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسوسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) (1).

وقوله تعالى: (فَاسْتَعِد باللّه مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ) (2).

وقوله تعالى: (فَاسْتَعِدْ باللّه إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (3).

ج: هناك الاستعاذات المرفوضة والمذمومة في منطق القرآن، فلاحظ:

قوله تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُودُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقَا) (4).

ونستطيع أن نحشد الكثير الكثير من الشواهد، والدلائل الحديثية، ومن الآيات القرآنية التي تدل على حصول هذا التأثير والتأثر لهذه الاستعاذات، وإن الاستعاذة بآيات القرآن تلاوة، وكتابة، وتعويذا، ورقية، وغير ذلك مؤثرة بصورة يقينية وقاطعة، ونشير على سبيل المثال لا الحصر إلى قوله تعالى:

(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنَا سُيِّرَتْ بهِ الْجِبَالُ أَوْ قَطَعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلَّمَ بِهِ


1) آيات سورة الناس

2) الآية 98 من سورة النحل

3) الآية 56 من سورة غافر

4) الآية 6 من سورة الجن

الْمَوْتَى بَلْ للّه الْأَمْرُ جَمِيعًا) (1).

وقال تعالى: (لو أنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللّه) (2).

وقال تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَذَا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَن وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذُ وَلَدًا) (3).

وقال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (4).

وقال عن القرآن: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ) (5).

شروط الرقية:

والنصوص التي بين أيدينا، وإن كانت قد أجازت العوذة والرقية، وأجازت أيضاً كتابة بعض الأحراز، والآيات، وقراءتها للشفاء ولغيره من الحاجات، ولكنها قد وضعت شروطاً لهذا الأمر، فلاحظ ما يلي:


1) الآية 31 من سورة الرعد

2) الآية 21 من سورة الحشر

3) الآيات 88- 91 من سورة مريم

4) الآية 82 من سورة الإسراء

5) الآية 44 من سورة فصلت

1- سيأتي عن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» نهي الناس عن الرقى بغير كتاب اللّه عز وجل (1).

2- عن عبد اللّه بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى «علیه السلام» قال: سألته عن المريض يكوى، او يسترقي!!

قال: لا بأس إذا استرقى بما يعرفه (2).

قال العلامة المجلسي «رحمه اللّه»: «أي بما يعرف معناه، من القرآن والأدعية والأذكار، لا بما يعرفه من الأسماء السريانية، والعبرية والهندية، وأمثالها»، وقال: «أو المعنى: ما يعرف حسنه بخبر أو أثر ورد فيه» (3).

3- وعن الإمام الصادق «علیه السلام»: لا بأس بالرقى من العين والحمى والضرس وكل ذات هامة لها حمة، إذا علم الرجل


1) بحار الأنوار ج60 ص18

2) قرب الإسناد ص128 و (مؤسسة آل البيت لإحياء اليراث) ص213 وبحار الأنوار ج59 ص68 وج92 ص6 و ج10 ص282 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج6 ص239 و (الإسلامیة) ج4 ص879 ومسائل علي بن جعفر ص179 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص185

3) بحار الأنوار ج59 ص68 و 69 ومستدرك سفينة البحار (الطبعة الأولى سنة 1412هـ) ج4 ص181

ما يقول. لا يدخل في رقيته وعودته شيئاً لا يعرفه (1).

الرقى: جمع رقية، وهي العوذة.

الهامة: ما له سم كالحية.

الحمة - كتبة -: الإبرة يضرب بها الزنبور، والحية، ونحو ذلك، أو يلدغ بها.

4- عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال: سألته عن رقية العقرب، والحية، والنشرة، ورقية المجنون، والمسحور الذي يعذب.

قال: يا ابن سنان، لا بأس بالرقية والعوذة، والنشر، إذا كانت من القرآن، ومن لم يشفه القرآن، فلا شفاء له.. وهل شيء أبلغ في هذه الأشياء من القرآن؟ أليس اللّه يقول: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (2).

أليس يقول تعالى ذكره، وجل ثناؤه: (لو أنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللّه) (3).


1) بحار الأنوار ج92 ص4 عن طب الأئمة ص48

2) الآية 82 من سورة الإسراء

3) الآية 21 من سورة الحشر

سلونا نعلمكم، ونوقفكم على قوارع القرآن لكل داء (1).

5- وعن زرارة قال: سألت أبا جعفر «علیه السلام» عن المريض، هل يعلق عليه تعويذ، أو شيء من القرآن؟!

فقال «علیه السلام»: نعم، لا بأس به، إن قوارع القرآن تنفع، فاستعملوها (2)

6- عمر بن عبد اللّه التميمي، عن حماد بن عيسى، عن شعيب العرقوقي، عن الحلبي قال: سألت جعفر بن محمد، فقلت: یا ابن رسول اللّه، هل نعلق شيئاً من القرآن والرقى على صبياننا ونسائنا؟!

فقال: نعم، إذا كان في أديم تلبسه الحائض. وإذا لم يكن في أديم لم تلبسه المرأة (3).

7- وعن شعيب بن زريق، عن فضالة والقاسم معاً، عن أبان بن عثمّان، عن عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه، وهو ابن سالم، قال:

سألت أبا عبد اللّه عن المريض، هل يعلق عليه شيء من القرآن، أو التعويذ؟!


1) بحار الأنوار ج92 ص4 عن طب الأئمة ص48

2) بحار الأنوار ج89 ص203 و ج92 ص5 وطب الأئمة ص48 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج6 ص237 و (الإسلامیة) ج4 ص878

3) بحار الأنوار ج92 ص5 وطب الأئمة ص49 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج6 ص238 و (الإسلامیة) ج4 ص878 وهداية الأمة للحر العاملي ص84

قال: لا بأس.

قلت: ربما أصابتنا الجنابة؟!

قال: إن المؤمن ليس بنجس. ولكن المرأة لا تلبسه إذا لم يكن في أديم. وأما الرجل والصبي، فلا بأس (1).

ولعل حاجة المرأة إلى وضع التعويذة في أديم هو حالة حيضها، أو نفاسها، حيث لا يتم التحاشي عن النجاسات بصورة كافية بحسب العادة.

8- وعن إسحاق بن عمار عن الصادق «علیه السلام»: في الرجل يكون به العلة، فيكتب له القرآن فيعلق عليه، أو يكتب له، فيغسله ويشربه؟!

فقال: لا بأس به كله (2).

9- وعن الصادق «علیه السلام»: لا بأس بالتعويذ أن يكون للصبي والمرأة (3).


1) بحار الأنوار ج92 ص5 وطب الأئمة ص49

2) بحار الأنوار ج92 ص5 وطب الأئمة ص49 وهداية الأمة للحر العاملي ج3 ص84 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج6 ص237 و (الإسلامیة) ج4 ص878

3) بحار الأنوار ج92 ص5 وطب الأئمة ص49 وهداية الأمة للحر العاملي ج3 ص84 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج6 ص238 و (الإسلامیة) ج4 ص878

التمائم للحسنين الا دليل مشروعية:

إن الزهراء معصومة، وعملها حجة عند الشيعة الإمامية، ومع غض النظر عن ذلك، فإننا نقول لمن لا يعتقد بعصمتها:

إن نفس أن تتخذ الزهراء «علیها السلام» - وهي المرأة المعصومة - التمائم للحسنين «علیهما السلام» بمرأى ومسمع، أو موافقة من رسول اللّه «صلی اللّه علیه و آله»، يكفي في إثبات مشروعية هذا الأمر على نحو الإجمال.

فإن كان ثمّة إشكال على التمائم، فلا بد أن يكون له منشأ آخر غير أصل اتخاذها، كأن يكون فيها ما لا يجوز، أو ما يعطي معنى الشرك، أو إذا كانت تنطلق من ذهنية شركية، كما سنرى.

وهذا ما لا يحتمل حصوله في حق أهل بيت النبوة «صلوات اللّه وسلامه عليهم». فإنهم معدن التوحيد وخالصته، وحقيقته، ومصاصه.

في كثير من التمائم شرك:

وفي النصوص ما يشير إلى أن بعض ما يصنع من تمائم شرك، وقد حذر الأئمة «علیهم السلام» من أمثالها، وأرشدوا إلى الأخذ بما هو سليم من ذلك منها، فقد روي:

1- عن أحمد بن محمد بن مسلم، سألت أبا جعفر محمد الباقر «علیه السلام»: أيُتعوذ بشيء من هذه الرقي؟!

قال: لا، إلا من القرآن، فإن علیاً «علیه السلام» كان يقول: إن كثيراً من الرقى والتمائم من الإشراك (1).

2- جعفر بن عبد اللّه السعدي، عن النضر بن يزيد عن القاسم: قال أبو عبد اللّه «علیه السلام»: إن كثيراً من التمائم شرك (2).

فلا بد من الحذر، ومن التدقيق في الأمر.

فنحن فيما يرتبط بالسبب الذي يجعل الرقى والتمائم من الشرك، نجد أنفسنا أمام أحد احتمالين:

أولهما: أن يكون المشار إليه هو ما قد يقال عن العرب: أنهم كانوا يعلقون التمائم على أبنائهم، ويرقونهم لدفع العين عنهم، لأنهم أرادوا دفع المقادير المكتوبة عليهم بهذه التصرفات، لأنها - باعتقادهم الفاسد - تغلب مقادير اللّه سبحانه وتعالى.


1) بحار الأنوار ج92 ص5 وطب الأئمة ص48 ووسائل الشيعة آل البيت ج6 ص237 و (الإسلامیة) ج4 ص878 وهداية الأمة للحر العاملي ج3 ص83

2) بحار الأنوار ج92 ص5 وطب الأئمة ص48 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج6 ص237 و (الإسلامیة) ج4 ص878

الثاني: إن هذه الرقى والتمائم كانت تتضمن دعوة لبعض القوى للتدخل لإبطال الإرادة الإلهية، لأنهم يرون أنها شريكة اللّه في التأثير والتدبير.

ولأجل ذلك جاءت الدعوة في الأحاديث إلى عدم استعمال رقية أو عوذة أو تميمة تتضمن كلاما غير مفهوم، أو تتضمن أسماء هندية، او سريانية، أو غيرها .. فإن هذا يدخل الإنسان في الشرك من حيث لا

يشعر.

أما إذا كانت التمائم مجرد آيات قرآنية أو أدعية وأذكار مأثورة عن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» وعن الأئمة الطاهرين «عليهم السلام»، فلا ريب في سلامتها وصحتها، ولا غبار عليها، ولذلك قال «علیه السلام»: إن كثيراً من التمائم أو الرقى شرك، ولم يقل: إن جميع الرقى شرك.

ولعل هذا هو ما قصده الشهيد «قدس سره» حين عدَّ من المحرمات: الأقسام والعزائم بما لا يفهم معناه، ويضر بالغير فعله (1).

وهذا هو السبب في نهي النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» عن الرقى بغير كتاب اللّه عز وجل (2).


1) الدروس الشرعية في فقه الإمامية للشهيد الأول ج3 ص164 وبحار الأنوار ج59 ص70 وج60 ص30 و 31 وجواهر الكلام ج22 ص79

2) بحار الأنوار ج60 ص18 ودعائم الإسلام ص141 ومستدرك الوسائل ج4 ص316 وج13 ص113 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص184

ولأجل ذلك أيضاً طلب الشارع من المكلف أن يدقق بما يعوذ به، أو بما يسترقي به.

وقد روي عن علي بن جعفر، عن أخيه الإمام الكاظم «علیه السلام» سألته عن المريض يكوى ويسترقي؟!

قال: لا بأس إذا استرقى بما يعرفه (1).

وتقدم عن الإمام الصادق «علیه السلام»: لا يدخل في رقيته وعوذته ما لا يعرفه فراجع.

زغب جبرئيل في التمائم:

ومما يدل على جواز تعليق التمائم، ما صرحت به الروايات المتقدمة: من أن فاطمة «علیها السلام» كانت تجعل وسادة لجبرئيل لا يجلس عليها غيره، فإذا قام عنها طويت.

فكان إذا قام انتفض من زغبه، فتلتقطه فاطمة «علیها السلام»، فتجعله في تمائم الحسنين«علیهما السلام».


1) قرب الإسناد ص128 وبحار الأنوار ج59 ص68 وج92 ص6 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج6 ص239 و (الإسلامیة) ج4 ص879 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص185 ومسائل علي بن جعفر ص179

ونود أن نشير هنا إلى أمرين يحتاجان إلى جواب:

الأول: أنه قد يدور بخلد البعض: أنه إذا كان جبرئيل مخلوقاً نورانيا وروحانيا، وقد أطلق عليه أنه روح في بعض الآيات القرآنية، فهل للنور، أو للروح زغب ينفصل عن جسمه، ثمّ يجمع، ويجعل في التمائم؟!

الثاني: إن هذا النص لا يدل على أن فاطمة كانت ترى جبرئيل، وتحضر في المجلس الذي هو فيه، بل يدل على أنها ترى وتلمس الزغب الذي يتساقط منه.. وإن كانت «علیها السلام» ترى جبرئيل، فقد يقال: هناك روايات تقول: إن من رأى جبرئيل غير رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» طمست عيناه.

ونجيب عن السؤال الأول بما يلي:

أولاً: إن النورانية والروحانية لا تعني عدم الجسمية، ليقال: إن الملائكة ليست أجساماً، وليس لها زغب، فإن الجان مثلا مخلوق من مارجمن النار، والمارج نار لا دخان لها - كما قال الجوهري. وقيل: هو الشعلة الساطعة، ذات اللّهب الشديد.

وكونه من نار، ولا يشاهد لا يعني أنه ليس جسما، وأنه لا يكون له زغب ، وريش أو صوف، ونحو ذلك. ولكنه زغب، أو صوف يناسب حاله. فإن الزغب إنما هو جزء من هذا المخلوق من النور، ومن شؤون النشأة والخلق الجديد الذي صير النور ملكا عاقلاً كاملاً عابداً، مكلفاً بمهمات.

فإن الخلق الجديد لا يعنى أن لا تكون للمخلوق الحادث خصائص تختلف عن خصائصالمخلوق منه. فالجان مثلاً مخلوق من النار، ولكنه لا يحرق من مسه.. والإنسان مخلوق من طين لازب. ولكن في الإنسان دم وعظم، وعصب، وروح، وعقل، و.. و.. وهو يأكل ويشرب و.. و.. ولا يوجد ذلك في التراب والطين!

ثانياً: إن الملك والجن، وجبرئيل قد يكون في مكان فيراه بعض الحاضرين دون بعض. وهذا من خصوصيات نشأته الجديدة، مع أن النور له ظهور وحضور أينما وجد، وليس حاله حال الملك، ولا يتوافق النور مع الملك في كل خصوصياته وحالاته. ولذا نلاحظ أن الوحي كان ينزل على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فيرى «صلی اللّه علیه وآله» جبرئيل، ويسمع صوته، ولا يسمعه أو يراه سائر من حضر، حتى من يجلس بجانب رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»، مباشرة.

وقد يرى بعض الناس بعض الجن، ولا يراهم غيره من الذين هم معه في نفس المجلس أيضاً .. فالزغب والعقل والحركة الإختيارية والتصرف العقلائي، والسير في السماوات هو من خصوصيات هذه النشآت العارضة لذلك النور، وليست من خصوصيات النور نفسه.

ونجيب عن السؤال الثاني ضمن ما يلي من نقاط:

1- ذكرت بعض الروايات: أن جبرئيل «علیه السلام» كان

يظهر فى صورة رجل اسمه دحية، ويراه بعض المسلمين بهذه الصورة، ثمّ يخبرهم النبى «صلی اللّه علیه وآله» بأن هذا ليس بدحية، بل هو جبرئيل.

وقد كان هذا في أكثر من مناسبة، ولا حاجة إلى تتبع الروايات، بل لقد رآه جماعات من المسلمين حين خرج رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إلى بني قريظة، ليزلزل بهم، ويرعبهم (1).

ويقول حارثة بن النعمان: رأيت جبريل من الدهر مرتين: يوم الصورين، ويوم موضع الجنائز، حين رجعنا من حنين (2).


1) جوامع السيرة النبوية ص152 وراجع: السيرة الحلبية 2 ص332 والإكتفاء ج2 ص177 ومجمع الزوائد ج6 ص137 ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص14 و 19 و 11 ومجمع البيان ج8 ص351 وبحار الأنوار ج20 ص210 عنه، وص266 و 233 و 434 وتفسير فرات (ط سنة 1460 وص266 هـ. ق) ص174 وتفسير القمي ج2 ص189 و 190 ومناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج1 ص251 والثقات ج1 ص274 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص245 وعيون الأثر ج2 ص69 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص247 والبداية والنهاية ج4 ص118 و 123 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص237 و 226 و 227 و 228 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص254 و 255 والمصنف للصنعاني ج5 ص370

2) راجع: المغازي للواقدي ص498 و 499 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص488 وسير أعلام النبلاء ج2 ص378 وراجع: إمتاع الأسماع ج1 ص242 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص8 و 9 و 11 ولم يذكر قول حارثة الأخير، وكذا في المصادر التالية: تاريخ الخميس ج1 ص493 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص14 والسيرة الحلبية ص333

2- إن النصوصالمشار إليها آنفاً تدل على أن الكثيرين قد رأوا جبرئيل «علیه السلام».

مع أنهم يروون: أن من رأى جبرئيل يصاب بالعمى، ويقولون:

إن ابن عباس رأه عند الرسول، فسأله عنه، فقال «صلی اللّه علیه وآله»: ذلك جبرئيل. أما إنك ستفقد بصرك. فعمي بعد ذلك في آخر عمره (1).

وفي نص آخر: أما إنه ما رآه أحد إلا ذهب بصره، إلا أن يكون نبيّا الخ.. (2).

وروي: أن ابن عباس أنشد شعراً في قصة عماه بسبب رؤيته جبرئيل، وما أخبره النبيّ «صلی اللّه علیه وآله»، فقال:


1) الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج2 ص356 وقاموس الرجال ج6 ص50 عنه، وراجع: المعجم الكبير ج10 ص292 ومجمع الزوائد ج9 ص276 عنه، وسير أعلام النبلاء ج3 ص340 ومختصر تاريخ دمشق ج12 ص299

2) تاريخ بغداد ج14 ص435 وقاموس الرجال ج6 ص50 عنه، وتاريخ مدينة دمشق ج69 ص171

إن يأخـذ اللّه مـن عينـيَّ *** ففي لساني وقلبي منهما نور

قلبي ذكي وعقلي غير ذي *** وفي فمي صارم كالسيف (1).

ولكننا لا نجد في هذا الشعر: أن سبب عماه هو رؤيته جبرئيل «علیه السلام»!!

وفي نص آخر: أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» أخبر العباس نفسه: بأن ولده قد رأى جبرئيل، وقال له: «لن يموت ولدك حتى يذهب بصره، ويؤتى علماً» (2).

3- إن ظاهر الروايات أن سبب عمى البعض هو رؤية الناس لدحية بحسب الظاهر، مع أنه ليس بدحية، بل هو جبرئيل في واقع الأمر.

والسؤال هو:


1) الإستيعاب بهامش الإصابة ج2 ص356 وقاموس الرجال ج6 ص50 عنه

2) سير أعلام النبلاء ج3 ص340 ودلائل النبوة (ط دار الكتب العلمية) ج6 ص478 والخصائص الكبرى ج2 ص145 وسبل الهدى والرشاد ج10 ص111 والمعجم الأوسط ج4 ص142 والبداية والنهاية ج6 ص264 وج8 ص328 وإمتاع الأسماع ج12 ص247 وج14 ص155 ومجمع الزوائد ج9 ص277 وقال: رواه الطبراني بأسانيد ورجاله ثقات. وراجع: بحار الأنوار ج18 ص126 وإعلام الورى ج1 ص96

أولاً: إن جبرئيل كان يأتي إلى النبيّ «صلی اللّه علیه و آله»، ويؤدي إليه الوحي وحوله أصحابه، ولا يرى أحد منهم جبرئيل في تلك الساعة.. وهذا ما دلت عليه النصوص أيضاً.. فما الحاجة إلى أن يأتيه بصور دحية في المرات الأخرى، حين لا يكون الناس حوله؟! ولماذا لا يأتيه بصورته الملائكية التي يعرفها فيه؟!

ثانياً: صرحت بعض النصوص:بأن جبرئيل لم يكن يأتيه على صورته الحقيقية، وأنه لم يره على صورته الحقيقية سوى مرتين(1).

وعن شريح بن عبيد: أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» لما صعد إلى السماء رأى جبريل في خلقته، منظوم أجنحته بالزبرجد، واللؤلؤ، والياقوت.


1) البرهان (تفسير) ج7 ص354 و (ط مؤسسة البعثة) ج5 ص199 عن كتاب عمر بن إبراهيم الأوسي، عن ابن عباس، وتفسير الثعلبي ج10 ص142 وتفسير البغوي ج4 ص454 وراجع: التوحيد للصدوق ص263 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص67 وبحار الأنوار ج4 ص33 وج18 ص247 و 289 وج55 ص49 وج56 ص246 وج90 ص102 و 135 ونور البراهين ج2 ص75 والاحتجاج الطبرسي ج1 ص362 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج6 ص50 وسنن الترمذي ج5 ص6 وزبدة التفاسير ج3 ص567 وج6 ص503 وتفسير نور ج3 ص567 وج6 الثقلين ج5 ص158

قال: فخيل إلي أن ما بين عينيه قد سد الأفق، وكنت أراه قبل ذلك على صور مختلفة، وأكثر ما كنت أراه على صورة دحية الكلبي. وكنت أحيانا أراه كما يرى الرجل صاحبه من وراء الغربال (1).

وعن ابن شهاب: أن رسول اللّه سأل جبرئيل أن يتراءى له في صورته.

فقال جبرئيل: إنك لن تطيق ذلك.

قال: إنى أحب أن تفعل.

فخرج رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إلى المصلى في ليلة مقمرة، فأتاه جبرئيل في صورته، فغشي على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حين رآه، ثمّ أفاق وجبرئيل مسنده وواضع إحدى يديه على صدره، والأخرى بين كتفيه (2).

وعلى هذا الأساس نقول:


1) بحار الأنوار ج56 ص258 وتنوير الحوالك ص15 والدر المنثور ج1 ص91 و 92 وج6 ص124 والروض الأنف ج2 ص157 والخصائص الكبرى ج1 ص121 وإمتاع الأسماع ج3 ص44 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج1 ص408

2) بحار الأنوار ج56 ص259 وتخريجالأحاديث والآثار ج3 ص146 والدر المنثور ج1 ص92 وزبدة التفاسير ج5 ص460 وتفسير الميزان ج17 ص10 و 11 وتفسير الثعلبي ج8 ص97 وتفسير أبي السعود ج7 ص141

إذا كان الأمر كذلك، فلا حاجة إلى أن يتصور جبرئيل لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بصورة أي كان من الناس. لا دحية، ولا غير دحية.

ثالثاً: لنفترض أن المطلوب هو التزيي بزي البشر، فلا داعي لأن يرى هذا البشر أحد من الناس، فلماذا لا تنحصر رؤيته بالنبيّ «صلی اللّه علیه وآله»؟!

رابعاً: لماذا انحصر تزيي جبرئيل بصورة البشر بدحية، ولا يتزيا بصورة أحب الخلق إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كعلي «علیه السلام»، أو سلمان، أو أي رجل آخر؟!

بل لماذا لا يتزيا له بصورة أعرابي غير معروف؟!

خامساً: إن دحية لم يكن فيما يظهر من أهل السابقة، بل قد يقال: إنه كان على غير الصراط السوي، حيث يقال: إنه بقي إلى زمان معاوية، ولكنه بقي مغموراً، لم نر له ذكرا ولا حضوراً، في حروب الجمل، وصفين والنهروان.

كما أنهم لم يعدوه من أصحاب علي «علیه السلام» (1).

على أننا لم نسمع أن الناس كانوا يهتمون بدحية، ولم نر أحداً اهتم بإقامة علاقة معه، أو اهتم بالاتصال به.


1) قاموس الرجال ج4 ص272

سادساً: إننا نستغرب كثيراً أن يصاب الناس بالعمى لرؤيتهم دحية الكلبي، مع أنهم لا يعرفون أنه جبرئيل.. فإن كان هذا العمى قد أصابهم على سبيل العقوبة لهم، فأي جرم اقترفوه ليصح إنزال هذه العقوبة بهم؟! وإن لم يكن على سبيل العقوبة، فما هو المبرر له؟!

سابعاً: لماذا هذا الاستدراجللناس ؟! ولماذا هذا التلبيس علىهم، وخداعهم بإظهار صورة شخص لهم، ثمّ معاقبتهم إذا وقع نظرهم عليه؟!

ثامناً: إن هذه الرؤية عفوية، بل هي قهرية وغير اختيارية، إذ لا مجال لتجنبها .. فهل يعاقب الإنسان على ما يسقط عليه من السماء، أو على الأمور القهرية التي لا سبيل لاجتنابها، ولا معرفة له بها؟! أليس هذا مصداقا لقول الشاعر:

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له *** إياك إياك أن تبتل بالماء

تاسعاً: إذا أخذنا بما ذكروه عن بني قريظة، فإنه يفترض أن يكون العمى قد أصاب طوائف كثيرة وكبيرة جداً من المسلمين، وليس لدينا ما يدل على شيء من ذلك.

عاشراً: يضاف إلى ذلك رؤية الأقوام السابقة لجبرائيل، كقوم موسى حيث مشوا خلفه عندما شق البحر، وهناك من أخذ من التراب الذي كان يدوس عليه فرسه، ولم يرو لنا التاريخ أن قوم موسى قد أصيبوا بالعمى بسبب ذلك..

إلا أن يقال: أن الإصابة بالعمى خاصة بالمسلمين وبأمّة محمد

«صلی اللّه علیه وآله». وهذا خلاف كون هذه الأمة هي الأمة المرحومة.

عائشة ترى جبرئيل ولا تصاب بالعمى:

وقد صرحت الروايات المتقدمة: أن كل من ليس بنبيّ، فإنه يصاب بالعمى إذا رأى جبرئیل «علیه السلام»، حتى لو رآه بصورة دحية الكلبي، ولم يعرف أنه ليس بدحية ..

غير أن ما يدعو للدهشة: أن هؤلاء أنفسهم يقولون: إن عائشة قد رأت جبرئيل أيضاً .. ولا أحد يدعي: أنها أصيبت بالعمى في جميع أيام حياتها إلى أن ماتت.

فعن عائشة: سلم علينا رجل، ونحن في البيت، فقام رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فزعاً. فقمت في أثره، فإذا بدحية الكلبي.

فقال: هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة.

قالت: فكأني برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يمسح الغبار عن وجه جبرئيل «علیه السلام» (1).


1) راجع: عمدة القاري ج17 ص192 وفتح الباري ج7 ص318 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص8 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص254 والجامع لأحكام القرآن ج7 ص394 وسيرة ابن إسحاق ج5 276 ودلائل النبوة ج4 ص11

أو قالت: بينا هو عندي إذ دق الباب (أو: سمع صوت رجل) فارتاع لذلك رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ووثب وثبة منكرة، وخرج، وخرجت في أثره، فإذا رجل على دابة، والنبيّ «صلی اللّه علیه وآله» متكي على معرفة الدابة يكلمه فرجعت..

فسألته عن ذلك الرجل، فأخبرها أنه جبرئيل (1).

ونحن نرتاب في صحة الروايات عن عائشة، وذلك لما يلي:

أولاً: هي مضطربة ومتنافرة إلى حد كبير، ونشير إلى موردين فقط من موارد التنافر والاختلاف هما:

1- أن عائشة تذكر: أنها خرجت في أثر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله»، فرأته «صلی اللّه علیه وآله» متكئاً على معرفة دابة جبریل، فرجعت فلما دخل النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» سألته عنه، فأخبرها.

لكن في رواية أخرى تقول عائشة: كأني أنظر إلى جبريل من


1) راجع: عيون الأثر ج2 ص68 والبداية والنهاية ج4 ص117 عن البيهقي ودلائل النبوة للأصبهاني ص437 ومجمع الزوائد ج6 ص141 عن الطبراني في الأوسط، وسبل الهدى والرشاد ج5 ص8 وراجع: تاريخ الخميس ج1 ص493 والسيرة النبوية لدحلان ص13 والسيرة الحلبية 493 ص333 ودلائل النبوة للبيهقي ج2 ص8 و 10 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص225 و 226

خلل الباب، قد عصب رأسه العنان (الغبار ) (1).

وفي نص ثالث: كأني أنظر إلى رسول اللّه يمسح الغبار عن وجه جبريل، فقلت: هذا دحية الكلبي يا رسول اللّه؟!

فقال: هذا جبرئيل (2).

2- قالت الرواية: إنه كان في بيت عائشة ساعتئذٍ، وهي تغسل رأسه وقد غسلت شقه، فجاءه جبرئيل (3).

ونقول:

أولاً: إن في الروايات: أنه «صلی اللّه علیه وآله» غسل رأسه واغتسل، ودعا بالمجمر ليجمر، وقد صلى الظهر، فأتاه جبرئيل.

وفي نص ثالث: أنه وضع لامته واغتسل واستجمر (4).


1) الوفا ص694 و 697 والبداية والنهاية ج4 ص117 و 118 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص13 وفتح الباري ج7 ص318 وراجع: مسند أبي عوانة ج4 ص171 وأنساب الأشراف ج1 ص347

2) سيرة ابن إسحاق ص397

3) تاريخ الخميس ج1 ص493 وراجع: ابن سعد ج2 ص75 و 76 وفيه: أنه نادى في الناس: أن ائتوا حصن بني قريظة، ثمّ اغتسل فأتاهم عند الحصن

4) المصنف للصنعاني ج5 ص369 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص438 والمعجم الأوسط ج8 ص135 والمعجم الكبير ج19 ص80 ومسند الشاميين ج4 ص131 ومجمع الزوائد ج6 ص140 عن الطبراني، وسبل الهدى والرشاد ج5 ص8 و 9 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج10 ص447 وتفسير القرآن للصنعاني ج1 ص85 والكامل لابن عدي ج6 ص446 وأسد الغابة ج4 ص292 والإصابة ج6 ص254

ثانياً إننا نعرف أن الذي استثناه رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» من البلاء بالعمى هو خصوص الأنبيّاء «علیهم السلام» - حسب رواياتهم -.. ولا تستطيع عائشة أن تدعي لنفسها، أو أن يدعي أحد أنها من الأنبيّاء.

فلماذا سلمت من هذا البلاء طيلة حياتها، ولم يسلم منه أحد غيرها، ممن قيل: إنهم رأوا جبرئيل؟!

من أدلة الإمامة الإلهية:

صرحت الروايات الكثيرة جداً: بأن الزهراء «علیها السلام» والحسنين، وعلیاً، وسائر الأئمة «علیهم السلام» كانوا يرون الملائكة ويكلمونهم، ويجالسونهم، ولو أردنا جمع أمثال هذه النصوص لكانت كتاباً كبيراً قد يصل عدد صفحاته إلى المئات.

ونكتفي هنا بإيراد بضعة روايات للتيمن والتبرك، وهي:

1- قال النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» لعلي «علیه السلام»: «إنك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى غير أنك لست بنبيّ» (1).


1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج2 ص137- 160 (الخطبة القاصعة) رقم 192 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج2 ص28 والطرائف لابن طاووس ص415 وشرح مئة كلمة لأمير المؤمنين لابن ميثمّ ص220 والصراط المستقيم ج2 ص65 وكتاب الأربعين للشيرازي ص223 وبحار الأنوار ج14 ص476 وج18 ص223 و ج38 ص320 و ج60 ص264 وجامع أحاديث الشيعة ج1 ص68 والغدير ج3 ص240 وسنن النبيّ للطباطبائي ص403 ومكاتيب الرسول ج1 ص407 ونهج السعادة ج7 ص33 و 145 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص197 وخصائص الوحي المبين ص28 ونهج الإيمان ص532 وينابيع المودة ج1 ص209 ومشارق أنوار اليقين ص173

فنلاحظ أنه «صلی اللّه علیه وآله» لم يستثن شيئاً، حتى جبرئيل مما يراه ويسمعه علي «علیه السلام».

2- وتذكر رواية: أن يونس بن ظبيان دخل على الإمام الصادق «علیه السلام»، فوجد أموراً عظيمة يصعب فهمها، فقد رأى أقواماً لم يفهم سر وجودهم، ولم يستطع تفسير أحوالهم، فسأل الإمام عنهم، ثمّ سأله عن الذين كانوا في الدار منهم، فقال له «علیه السلام»: هؤلاء أصحاب القائم من الملائكة.

قال: قلت: فهذان؟

قال: جبرئيل وميكائيل نزلا إلى الأرض (1).


1) دلائل الإمامة ص270 و 271 ومدينة المعاجز ج5 ص443 و 444 وبحار الأنوار ج56 ص196 و197

3- روي: أن جبرئيل كان جالسا عند النبيّ «صلى اللّه عليه وآله»، فدخل علي «علیه السلام»، فقام له جبرئيل توقيراً وتعظيماً، وقال: إن ذلك حق تعليمه حين خلقه اللّه (1).

ثمّ ذكرت الرواية ما كان قد تعلمه جبرئيل من علي «علیه السلام».

4- وقال يوماً على منبر البصرة: أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني، اسألوني عن طرق السماء، فإني أعرف بها من طرق الأرض.

فقام إليه رجل من وسط القوم، فقال له: أين جبرئيل «علیه السلام» في هذا (هذه) الساعة؟!

فرمق بطرفه إلى السماء، ثمّ رمق إلى المغرب، ثمّ لم يخل موضعاً، فالتفت إليه، فقال له: يا ذا الشيخ، أنت جبرئيل.

فصفق طائراً من بين الناس.

فضج من ذلك الحاضرون، وقالوا: نشهد أنك خليفة رسول اللّه حقاً حقاً (2).


1) مستدرك سفينة البحار ص21 عن صاحب بستان الكرامة

2) الروضة في فضائل أمير المؤمنين لابن شاذان ص33 و 34 وبحار الأنوار ج39 ص108 عنه، وعن الفضائل لابن شاذان ص98 ومدينة ص8 المعاجز ج1 ص112 عن البرسي

ولا أدري إن كان هؤلاء الناس الذين رأوا جبرئيل قد أصيبوا جميعاً بالعمى، أم لا؟!

5- عن هبيرة بن يريم، عن ابن عباس قال: رأيت الحسين قبل يتوجه إلى العراق على باب الكعبة، وكف جبرئيل في كفه، وجبرئيل ينادي: هلموا إلى بيعة اللّه عز وجل (1).

فإن كان ابن عباس قد عمي في آخر عمره، لأنه رأى جبرئيل، فإن الإمام الحسين «علیه السلام» قد بقي صحيحاً سالماً إلى أن استشهد.

6- عن ابن عباس: أن علیاً «علیه السلام» دخل على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فإذا رأسه في حجر دحية الكلبي، ثمّ خاطبه دحية بإمرة المؤمنين وذكر له فضائل عديدة، ثمّ أوكل إليه رأس رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فانتبه «صلی اللّه علیه وآله»، فسأله عن الهمهمة التي سمعها، فأخبره، فقال: لم يكن دحية، بل كان جبرئيل الخ.. (2).


1) مناقب آل أبي طالب ج3 ص211 ومدينة المعاجز ج3 ص503 وبحار الأنوار ج44 ص185 والعوالم الإمام الحسين ص41 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص460

2) الأمالي للطوسي ص604 والروضة في فضائل أمير المؤمنين لابن شاذان ص66 و 67 والفضائل لابن شاذان ص114 واليقين لابن طاووس ص129 و 162- 163 و 440 - 441 والعقد النضيد ص96 وكتاب الأربعين للشيرازي ص81- 82 و 89 وبحار الأنوار ج18 ص267 وج37 ص295 و 296 وج39 ص96 و ج56 ص192 و 193 وکتاب الأربعين للماحوزي ص245 وتفسير كنز الدقائق ج5 ص243 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص63 والمناقب للخوارزمي ص322 و 323 والدر النظيم ص286 و 287 وكشف الغمة ج1 ص350 و 356 ونهج الإيمان ص469 وكشف اليقين ص271 وإرشاد القلوب ج2 ص237 وتأويل الآيات الظاهرة ج1 ص183 وغاية المرام ج1 ص63 و 74 و ج5 ص111 وج6 ص61 وج7 ص38 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص22 وج15 ص63

7- وقد يستشهد على عدم صحة ما ورد في بعض الروايات، من أن العمى يصيب كل من رأى الملك، بقوله تعالى عن مريم «علیها السلام»: (فأَرْسَلْنا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) (1). وهذا الروح هو جبريل، كما يقال(2).

ولعلك تقول: تدل بعض الروايات على رؤية الناس لبعض الملائكة، فكيف تكون رؤيتهم من خصائص أهل البيت «عليهم السلام»؟!


1) الآية 17 من سورة مريم

2) راجع: البرهان (تفسير) ج5 ص112 ومجمع البيان، وتفسير الميزان، وغير ذلك

ويجاب بأن الناس كانوا يرون جبرائيل أو الملائكة عندما كانت تظهر لأهل البيت «علیهم السلام»، ولم يروا الملائكة في الأسواق والطرقات، أو في بيوتهم بدون وساطتهم «علیهم السلام»، بل كانوا يرونهم في بيوت أهل البيت «علیهم السلام» أو في أماكن تواجدهم، كما في رواية الأمير عندما كان على منبر البصرة.

وبعدما تقدم نقول:

إن رؤية الأئمة الطاهرين والزهراء «علیهم السلام» لجبرئيل تدل على أن لهم خصوصية ليست لسائر الناس، وهي خصوصية لا تكون إلا للأنبيّاء أو من هم بمنزلتهم في المسؤولية الإلهية، فإذا أضيفت هذه الخصوصية إلى خصوصية العصمة التي دلت علىها آية التطهير وسواها.. ودل عليها أيضاً: أن اللّه تعالى يغضب لغضبهم، ويرضى لرضاهم.

وأضيفت إلى خصوصية كثرة الحديث عن أهل البيت عليهم «علیه السلام» في القرآن، وكثرة الإخبارات النبوية بما جعله اللّه تعالى لهم من علم خاص، ليس لسائر البشر حظ منه، وأضيف إلى سائر الخصائص الثابتة لهم بالنص المتواتر.

نعم.. إننا إذا ضممنا ذلك بعضه إلى بعض، فإننا نخرجبحقيقة أن رؤية الأئمة للملائكة ولجبرئيل كان من الأمور العادية المعروفة عنهم.. فدل ذلك على أن لهم خصوصية ظهور الملائكة لهم بصورة

طبيعية، وهذا يدل على أن لهم حكم الأنبيّاء، وإن لم يكونوا أنبيّاء، ونحن نعلم: أن من يشارك الأنبيّاء في ميزاتهم وخصائصهم، باستثناء خصوصية الوحي، هم الأوصياء والحججعلى الخلق من بعدهم.

وليكن هذا أيضاً من دلائل إمامتهم عليهم «علیه السلام»

الزغب المبارك:

قد يحاول البعض إثارة سؤال حول مدى تأثير زغب جبريل في دفع العين، أو غيرها عن حامله، وهل هو إلا بمثابة ريش طائر، أو شعر على زند إنسان، أو قطرة عرق على جبين متعب في يوم حار، أو ما إلى ذلك؟!

ونجيب:

بأن الأمر أكبر، وأسمى وأهم من ذلك، فإن الصحابة «رضوان اللّه تعالى عليهم» كانوا يتبركون بشعر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» (1)، وبعرقه، فقد كان «صلی اللّه علیه وآله» يقيل عند أم سليم،


1) نيل الأوطار ج1 ص69 و 70 وصحیح مسلم ج4 ص82 وسنن أبي داود ج1 ص441 والسنن الكبرى للبيهقي ج2 ص427 وفتح الباري ج1 ص239 وعمدة القاري ج3 ص38 و ج10 ص62 ومسند أبي يعلى ج5 ص211 وصحيح ابن حبان ج4 ص206 والتمهيد لابن عبد البر ج7 ص267 وتاريخ مدينة دمشق ج19 ص413 والإصابة ج2 ص503 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص707 وعيون الأثر ص348 وج8 ص478 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة)ج3 ص328 والمغازي للواقدي ص1108 وإمتاع الأسماع ج2 ص115 و 116 وج10 ص50 وسبل الهدى والرشاد ج8 ص478

فكانت تسلت العرق عنه وتجمعه عندها في قارورة (1).

وكانوا يتبركون بريقه الذي كان يحنك به أطفالهم(2)، وبكل ما


1) مسند أحمد ج3 ص226 و 230 و 287 وصحيح البخاري ج7 ص140 وسنن النسائي ج8 ص218 والسنن الكبرى للبيهقي ج1 ص254 ونيل الأوطار ج1 ص69 وفتح الباري ج11 ص59 وعمدة القاري ج22 ص263 ومسند أبي داود ص276 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص506 ومسند أبي يعلى ج6 ص409 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص342 ونظم درر السمطين ص58 وفيض القدير ج5 ص102 والطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص428 وسير أعلام النبلاء ج2 ص308 وربيع الأبرار ج2 ص398 والبداية والنهاية ج6 ص29 والمستطرف للأبشيهي ص458 وسبل الهدى والرشاد ج7 ص357

2) المستدرك للحاكم ج3 ص639 و 548 والاستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص931 و 906 ومناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحيدرية) ج1 ص118 والمجموع للنووي ج8 ص443 وبحار الأنوار ج18 ص42 ومسند أحمد ج3 ص181 وج6 ص347 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج4 ص259 وج6 ص216 وصحيح مسلم ج6 ص176 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص204 وعمدة القاري ج17 ص51 وج20 ص203 و ج21 ص84 والمصنف لابن أبي شيبة ج5 ص430 وج8 ص460 والآحاد والمثاني ج1 ص412 و 413 وكتاب الأوائل لابن أبي عاصم ص53 و 67 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج20 ص103 ج20 ص3 والأذكار النووية ص286 والرياض النضرة ج4 ص291

وصلت إليه أيديهم مما يعود إليه، أو يلامس جسده الشريف.

بل كان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يتبرك بعرق على «علیه السلام» (1).

وما أكثر النصوص الدالة على ذلك. وقد جمع العلامة الجليل الشيخ علي الأحمدي «قدس سره» طائفة وافرة منها في كتابه: «تبرك الصحابة والتابعين بآثار الأنبيّاء والصالحين».


1) راجع: مستدرك الوسائل ج17 ص335 ومناقب أمير المؤمنين «عليه «علیه السلام» للكوفي ج1 ص394 والمسترشد للطبري ص602 ومائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي (ابن شاذان( ص58 والتحصين للسيد ابن طاووس ص555 واليقين للسيد ابن طاووس ص179 و 196 و 197 و 243 و 367 وبحار الأنوار ج37 ص300 و 324 وج38 ص2 وج40 ص15 و 82 و 315 وج89 ص91 وكتاب الأربعين للشيرازي ص55 وحلية الأبرار ص446 وكتاب الأربعين للماحوزي ص249 ومناقب أهل البيت «علیهم السلام» للشيرواني ص116 والغدير ج8 ص87 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص194 و 381 والإمام علي «علیه السلام» للّهمداني ص92 و 148 وتفسير فرات ص406 والمناقب للخوارزمي ص85 وكشف الغمة ج1 ص112 وكشف اليقين ص266 وتأويل الآيات ج1 ص185 وتنبيّه الغافلين ص28

وقد لفتنا النظر في أكثر من مناسبة إلى أن الحجر الموجود في الصحراء لا يجوز التبرك به ما دام حجراً في صحراء، أما إذا أتى به، وجعل جزءاً من الكعبة، أو من المسجد صارت له حرمة وشأن، وصار منشأ للبركات، ومصدراً للآثار، فلا يجوز لأحد تنجيسه، ولا إهانته.

وكذلك الحال بالنسبة لجلد البقر، أو رق الغزال مثلا، فإنه لا يتبرك به، ولكنه إذا أصبح ورقاً يكتب عليه المصحف، أو صار غلافاً للقرآن، فإنه يصبح ذا حرمة، يكتسبها من الحرمة التي للقرآن نفسه، فلا يجوز الوطء عليه بالأقدام، ويحرم تنجيسه، ويتبرك به المؤمنون.

وكذلك الحال بالنسبة للتربة المأتي بها من كربلاء، فإنها ما دامت في بساتينها تكون لها أحكام تختلف عن الأحكام التي تثبت لها بعد أن تصبح تربة يسجد عليها طلباً لبركات ساكن كربلاء «علیه السلام». وزغب جبرئيل مبارك، وله آثار جليلة وجميلة، لأنه مأخوذ من أعظم وأفضل ملك خلقه اللّه.

تأثير العين في الحسنين:

تقدم: أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» كان مغموما، فسأله جبرئيل عن السبب، فقال: إن الحسنين أصابتهما عين.

فقال جبرئيل: يا محمد، العين حق، فعوّذهما بكذا وكذا.

ونقول:

قد يدور في خلد البعض التشكيك في صحة الرواية، لتشكيكه في إمكانية تأثير العين في النبيّ، والإمام، وإلا فلماذا ننكر أن يكون «صلی اللّه علیه وآله» قد تأثر بالسحر الذي صنعه له لبيد بن الأعصم ؟!

وهل يمكن أن تكون شخصية الإمام ضعيفة إلى هذا الحد؟!

ويمكن أن يجاب:

أولاً: إن العين وسواها ما هى إلا سبب من جملة الأسباب التي توجد مسبباتها حين حصولها، فكما أن الهواء البارد المفاجئ قد يوجب النزلة الصدرية، بلا فرق بين أن يكون من يتعرض لذلك عالماً أو جاهلاً، كبيراً أو صغيراً، غنياً أو فقيراً، أبيض أو أسودَ، مطيعاً أو عاصياً، مؤمناً أو كافراً، نبيّاً أو وصياً، أو إنساناً عادياً. فكذلك إصابة العين، فإن النظرة الحاسدة، التي تتمنى سلب النعمة عن ذي النعمة، لها آثارها المعينة في عالم المادة، تماماً كتذكر الحامض مثلا الذي يثير الريق، فيتدفق في حنايا الفم، وكما يوجب الخوف صفرة في الوجه، والخجل حمرة فيه، وهكذا بالنسبة لسائر الإنفعالات الروحية، والحالات النفسية، فإن لها آثارها المادية التي يراها الناس، فلماذا لا يكون لهذه النظرة اللئيمة أثرها في الأجساد والأجسام، والنفوس والأقوام؟!

وتأثير الأمور المتغايرة في بعضها أمر مشهود، ولا يمكن إنكاره.

ومن أمثلة ذلك أيضاً:

أن التثاؤب إذا حصل من شخص، فإنه يستدعي تثاؤب الآخرين ممن حوله.

واللون الأحمر إذا طال مكث الإنسان فيه، فإنه يزيده تحفزاً وميلا للعنف.

كما أن التركيز في النظر إذا صاحبته بعض الحركات، أو الأوضاع ضمن نظام معين، فإنه ينتهي بالطرف الآخر إلى أن يصبح تحت السيطرة. وهو ما يسمى بالتنويم المغناطيسي.

والتظاهر بالنوم يهيئ الطرف الآخر لاستقبال حالة النعاس.

والنظر إلى الخضرة يعطي البهجة في النفس.

والنظر إلى الماء والسماء يجلو البصر.

والجماع عارياً قد يؤثر في الولد، فيخرجقليل الحياء.

والنظر إلى فرجالمرأة حال الجماع يورث عمى الولد.

بل إن من تزوجوالقمر في برجالعقرب لم ير الحسني.

والكلام حال الجماع يورث خرس الولد.

والجماع في أيام المحاق يوجب سقط الولد.

كما أن مجامعة الرجل امرأته بشهوة امرأة غيره، من موجبات التخنث والخبل في الولد.

وقد أشارت الآيات القرآنية أيضاً في عدة آيات إلى هذه الآثار، فقد قال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللّه لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقا فِي قُلُوبهمْ إلى يَوْمِ يَلْقُوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللّه مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُون) (1).

وقال تعالى: (تُمَّ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللّه وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ) (2).

وقال تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَس) (3).

وتتبع الموارد التي يظهر تأثير الأمور غير المتجانسة بعضها في بعض وحصرها غير، ميسور، ولا مقدور، والحر تكفيه الإشارة.

ولم يستثن اللّه سبحانه أحداً من الناس من ظهور الآثار فيهم، إذا كانت من هذا القبيل..

ثانياً: إن أثر العين في من يتعرض للإصابة بها ليس من الأمور التي لا يصح أن تصيب الأنبيّاء، وليس حاله حال السحر والشعبذة.. فإن السحر الذي لا يصيب الأنبيّاء والأوصياء هو السحر الذي يؤثر


1) الآيات 75- 77 من سورة التوبة

2) الآية 10 من سورة الروم

3) الآية 275 من سورة البقرة

على عقل وإدراك وتوازن النبيّ، والوصي، إذ لا يصح أن يتصرف النبيّ أو الوصي تصرفاً لا يريده، أو لا يلتفت إليه، ولا يصح أن يرى نفسه يفعل شيئاً، وهو لا يفعله.

وقد كدّب القرآن دعوى مسحورية رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. كما في قوله تعالى: (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِنَّا رَجُلَا مَسْحُورًا) (1).

ولكن قد يستفيد الساحر من شياطين الجن لإيذاء النبيّ والوصي في جسده، فيرهقونه ويتعبونه كما قال: أيوب: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) (2).

كما أن شياطين الإنس قد يؤذونه في جسده بالجرح أو بالقتل، أو بغير ذلك من وسائل الأذى التي لا تخل في عقله، وفي توازنه كما قلنا.

والنظرة الحاسدة لا ربط لها بالعقل والتوازن، وإنما تصيب الجسد، فتوجب له الموت، أو الأذى والتعب والخمول، أو تعطيل آلة أو جارحة، أو انشطار صخرة، أو ما إلى ذلك.

وليس هذا من الممتنع حصوله للأنبيّاء والأوصياء. بل هو من


1) الآية 47 من سورة الإسراء

2) الآية 41 من سورة ص

قبيل العدوان على الجسد، الذي قد يكون بآلة، كسوط أو سيف، وقد يكون بتأثير حالة في النفس الإنسانية، تتمحور حول معنى واحد، وهو تدمير النعمة التي يراها في غيره.

العوذات الواردة في النصوص:

تقدم التصريح من النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» بأنه يعوّذ الحسن والحسين «علیهما السلام» بالعوذة التي كان إبراهيم «علیه السلام» يعوذ بها ولديه إسماعيل وإسحاق.

وقد لفت نظرنا:

أولاً: إنه «صلی اللّه علیه وآله» ذكر لهذه الرقية نصين مختلفين، وكلاهما دعاء.

ونحن لا نرى ذلك من تناقض الروايات، إذ لا نرى مانعاً من أن يكون إبراهيم «علیه السلام» قد عوذ ولديه تارة بهذه، وأخرى بتلك، بحسب ما اقتضته حالتهما في الموضعين.

ثانياً: ذكرت الرواية المتقدمة برقم: [7]: أنه «صلى اللّه عليه وآله» قد عوَّذ الحسنين «علیهما السلام» بسورتي المعوذتين، ثمّ قال: هكذا كان إبراهيم يعوذ ابنيه: إسماعيل وإسحاق.

وهذا يشير إلى أن للمعوذتين وظيفة أخرى في منع الشرور عمن يعوذ بهما، تتناسب مع المعاني الجليلة التي تضمنتها هاتان السورتان.

والناظر في سياق آياتها يجد أنها قد استوعبت كل ما يخاف

ويحذر، ويجب التوقي منه في هذه الحياة.

موجز لمضمون المعوذتين:

وقد يطرح هنا سؤال حول تعويذ الحسنين «عليهما السلام» بالمعوذتين، والحال أن سورة الناس قد ركزت على الاستعاذة من شر الوسواس الخناس، مع أن المفروض: أن الوسواس الخناس لا يتمكن من الوصول إلى الحسنين «علیهما السلام» لكي يوسوس لهما. فإنه ليس له سلطان على المعصوم، فكيف يعوذهما من شيء هما في مأمن منه؟!

ويجاب:

بأن سياق السورة لا يدل على أنه يعوّذهما من وسوسته، بل هو يستعيذ باللّه من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس، فقد يوسوس للناس بدعوتهم للتآمر على الإمام أو على النبيّ،، بابتكار الحيل للإضرار به جسدياً، للحيولة دون انتشار دينه ودعوته، والمنع من التمكين لها في الأرض. لاسيما مع تصريح الآيات الكريمة بأنه ليس للشيطان سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.

فيسعى مع هؤلاء لإبطال جهود الأنبيّاء والأوصياء من خارجذواتهم بالوسوسة للأشرار والفجار، ويأتي لغيرهم من جهة الوسوسة المباشرة لهم.

أما سورة الفلق، فتضمنت الاستعاذة أولاً من شر كل ما خلقه اللّه،

ثمّ نصت آياتها على فئات من هذه المخلوقات، لعلها بالترتيب التصاعدي أشد خطرا من غيرها، فأمره بالاستعاذة أولاً برب الفلق من شر من يتخفى وراء السواتر الطبيعية، كالذي يحاول الاستفادة من الغسق، ليكيد الغافلين ويمكر بالأبرياء.

وقد اختلفوا في معنى الغسق، فقيل غسق الليل حين يطخطخ - أي يبدأ بالإظلام - بين العشائين.

وقال ابن شميل: غسق الليل دخول أوله. يقال: أتيته حين غسق الليل. أي حين يختلط، ويعتكر، ويسد المناظر. وعن الحسن «علیه السلام»: الغاسق أول الليل (1).

وقد يتمكن الإنسان من اكتشاف هذا الغاسق، ولو من خلال الأصوات التي يحدثها، أو يرى خياله، أو يشعر بأنفاسه، أو تكون لديه عوائق، أو تحصينات تمنع من وصوله إلى مبتغاه..

فترقى ثانياً في الآية التالية إلى ما هو أخفى من ذلك، فقال: (وَمِنْ شَرِّ النَّقَاثَاتِ فِي الْعُقد) وهو الشر الذي يأتي من قبل سحر تمارسه نساء يصعب على الرجال الاطلاع على أحوالهن ونواياهن، وما يدبرنه في الخفاء.

ولعل بعضهن لا يمكن التعرف عليها، بل قد يكون المسحور في الشرق، وتلك الساحرة التي تكيد له في الغرب، أو في صحراء، أو


1) لسان العرب، مادة غسق ج10 ص289

كهف، أو غابة لا تخطر له على بال.

والعمل الذي تقوم به تلك النساء لحل العقد، ونقض العهود، والتفريق بين الناس، وإشاعة التباغض والشك فيما بينهم، هو عمل خفي يمكن القيام به من بعيد، بلا حاجة إلى حضور، ولا إلى مواجهة، أو ارتباط وتواصل من أي نوع كان.

فمكر وكيد هؤلاء النسوة أخطر من مكر وكيد الغاسق، إلا إذا تمكن من اختراق الحجب، وبلغ إلى موضع المواجهة..

ثمّ ترقى سبحانه وتعالى عن ذلك ليصل إلى المرتبة الثالثة، وهي الأخطر والأدهى، ولا سبيل لاكتشافها بصورة يقينية، بل أقصى ما يمكن الوصول إليه هو التخمين، والحدس، والرجم بالغيب الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

وهذه المرتبة هي مرتبة الحسد الذي يجعل في نفس الحاسد قدرة على التأثير السلبي الذي يصل إلى حد التدمير للمحسود، وإنزال الضربة القاضية به دون أن يعرف كيف، ولا من أين، وما السبب؟!

وهو قول اللّه تعالى: (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذا حَسَدَ) (1).

الربط الوثيق بين نبيّنا «صلی اللّه علیه وآله» وإبراهيم «علیه السلام»:

ويبقى هنا سؤال عن هذا الربط بين نبيّ اللّه إبراهيم «علیه


1) الآية 5 من سورة الفلق

السلام» وولديه: إسماعيل وإسحاق، وبين نبيّنا الأعظم «صلی اللّه علیه وآله»، وسبطيه الحسن والحسين «علیهما السلام»، في أكثر الأمور، حتى في التعويذ، فضلاً عما عداه، فلماذا لا يربط النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» هذا الأمر بالأنبيّاء الأقرب إليه زمانا، مثل موسى وعيسى«علیهما السلام»، فإنهما أيضاً من أولي العزم.

لاسيما وأن التعامل في الآتي من الأيام سيكون مع الذين ينسبون أنفسهم إليهما، وهم اليهود والنصارى، فلعل هذا الربط - لو حصل - يخفف من الشدة والحدة في العلاقة مع أتباع هذه الديانات، ويفسح المجال أمام الحوار والتعامل القريب، ليصبح بمرور الأيام طبيعياً وهادئا إلى أبعد الحدود؟!

ونجيب:

أولاً: إن صاحب الشريعة العامة والمبعوث لجميع البشر قبل نبيّنا «صلی اللّه علیه وآله» هو إبراهيم «علیه السلام». أما موسى وعيسى«علیهما السلام»، فهما أنبياء لخصوص بني إسرائيل. كما دلت عليه آيات الكتاب.

والذي يفرض أن يكون النبيّ من أولي العزم، أو لا يكون هو شدة التحدي لمسار الدعوة، الذي يحتاجإلى المزيد من الثبات والعزم الراسخ، ولاسيما إذا كان هناك سلطان جائر يرى أن من مصلحته طمس الحق وتبديده، وتشييد الباطل وتأييده.

يضاف إلى ذلك: خصوصيات يمتاز بها الشعب الإسرائيلي، ذكر

اللّه تعالى في كتابه طائفة وافرة منها، تزيد الأمر تعقيداً وخطورة.

ونذكر من هذه الصفات والحالات على سبيل المثال لا الحصر:

1- قسوة قلوب بني إسرائيل، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، فلا تنفع معهم موعظة، ولا يرق قلبهم لمظلوم، ولا يرحمون أي ضعيف.

2- ادّعاؤهم: أنهم هم دون سواهم أبناء اللّه وأحباؤه، فلا يتقبلون الهداية، ولا النقد من أحد، بل هم فوق كل نقد، ومصدر كل هداية بزعمهم، ولا يحق لأحد، حتى لو كان خاتم الأنبيّاء أن يطالبهم بأي شيء.. بل عليه أن يكون بأمرهم، وفي خدمة مصالحهم.

3- إنهم أحرصالناس على حياة مهما كانت تافهة وحقيرة، ومخزية.

4- إنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فلا يؤمنون على حق، ولا يتحرجون من الدخول في أي باطل.

5- إنهم يقولون ليس علينا في الأميين من سبيل، مهما قتلوا وظلموا وبغوا.

6- إنهم يكتبون الكتاب بأيديهم، ويقولون هو من عند اللّه، وما هو من عند اللّه.

إلى غير ذلك من الموبقات والمهلكات، التي تجعل من أية دعوة على خلاف هواهم ومصالحهم غير ذات معنى، ولا بد من وأدها في مهدها.

فظهر: أن اليهود الذين كانت ولا تزال هذه هي حالهم، وصفاتهم، سيكونون أشد شراسة على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» من أية فئة أخرى، لأنهم سيعتبرونه منافساً قوياً لهم، وخطرا محققاً على مستقبلهم.. فهم يرون أنفسهم ملزمين بتكذيبه، وصدّه، والافتراء عليه بكل حيلة ووسيلة.

كما أن ذلك يجعل حركته محدودة بحدود، ومقيدة بقيود القبيلة، والعرف والديانة، ولا يكون للعالمين نذيراً، بل هو نذير لخصوص بني إسرائيل.

وأما إبراهيم «علیه السلام» فلم يكن يهودياً ولا نصرانيا، كما قال تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (1).

فالتلاقي والارتباط به ارتباط وتلاق بالعالم كله، وبالفئات كلها، لاسيما وأنه هو الأقدس والأفضل من بين سائر الأنبيّاء قبل نبيّنا «صلی اللّه علیه وآله»، فما بالك بغيرهم؟!


1) الآية 67 من سورة آل عمران

الفصل الرابع: شبيه الرسول «صلی اللّه علیه وآله»..

اشارة

شمائل الحسين «علیه السلام»:

وكان الحسين رضي اللّه عنه ربعة، ليس بالطويل ولا بالقصير، كشأن جده «صلی اللّه علیه وآله»، أبيض اللون، مشرباً بحمرة، واسع الجبين، كثّ اللحية، واسع الصدر، عظيم المنكبين، ضخم الكراديس، رحب الكفين، كبير القدمين، رجل الشعر، متماسك البدن، جميل الصوت، في صوته غنة وحنة (1).

وقال ابن عيينة: وحدثني شهاب بن خراش، عن رجل من قومه: قال كنت في الجيش الذين بعثهم عبيد اللّه بن زياد إلى الحسين، وكانوا أربعة آلاف يريدون الديلم، فصرفهم عبيد اللّه إلى الحسين، فلقيت حسينا، فرأيته أسود الرأس واللحية، فقلت له: «علیه السلام» عليك يا أبا عبد اللّه، فقال: وعليك «علیه السلام»، وكانت فيه غنة.

قال شهاب: فحدثت به زيد بن علي، فأعجبه قوله، وكانت فيه


1) علموا أولادكم محبة آل بيت النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» لمحمد عبده يماني ص134 و 135

غنة (1).

وقال علي فكري: وبالجملة كان الحسين في غاية الجمال، كما قال عبد القادر البغدادي: ما رأيت أحداً قط أحسن ولا أملأ للعين من الحسين (2).

إن فيك كبراً:

عن محمد بن العباس، عن أبي الأزهر، عن الزبير بن بكار، عن بعض أصحابه قال: قال رجل للحسن (في بحار الأنوار للحسين) «علیه السلام»: إن فيك كبراً.

فقال: كلاف الكبر اللّه وحده، ولكن فيَّ عزة، قال اللّه تعالى: (وَللّه العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (3)» (4).


1) تاريخ الإسلام للذهبي ج5 ص11 والمعرفة والتاريخ ج3 ص325 والبداية والنهاية لابن كثير ج8 ص183 وتاريخ مدينة دمشق لإبن عساكر، وأحسن القصصلعلي فكري ج4 ص222 والنهاية لابن الأثير ج3 ص390

2) أحسن القصص لعلي فكري ج4 ص222

3) الآية 8 من سورة المنافقون

4) بحار الأنوار ج24 ص325 وج44 ص198 والعوالم، الإمام الحسين ص65 والبرهان (تفسير) ج5 ص389 وكنز الدقائق (تفسير) ج13 ص270 وتأويل الآيات الظاهرة ج2 ص695

ونقول:

يلاحظ هنا ما يلي:

1- إن هذا السؤال لم يستفز الإمام الحسين «علیه السلام»، ولم يغضبه، بل اعتبره سؤالاً طبيعياً، يحتاج إلى جواب مقنع ومقبول.

2- إنه «علیه السلام» اعتبر أن السائل لم يكن ذا غرض، أو نية سيئة، بل هو شخص اختلطت المفاهيم لديه، ولم يكن قادراً على التمييز بينها..

فبادر «علیه السلام» إلى التوضيح والتصحيح، من موقع الأب المسؤل، والرؤوف الرحيم. فبين لذلك السائل: أنه قد خلط بين مفهوم الكبر، ومفهوم العزة، وعرفه «علیه السلام» أن الكبر لا يكون إلا للّه وحده، وكل من تجلبب بالكبر يكون قد نازع اللّه رداءه، واتخذ لبوساً ليس له.. لأن الكبر في الإنسان هو حالة تنشأ عن الإعجاب بالنفس، حتى يرى نفسه أكبر من غيره، وهذا يدعوه إلى الترفع عن الانقياد.

والكبر لا يكون إلا للّه سبحانه، فقد روي عن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» في الحديث القدسي: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن ينازعني في واحد منهما قصمته ولا أبالي (أدخلته ناري) (1).


1) بحار الأنوار ج70 ص192 وعون المعبود ج3 ص89 والجامع الصغير ج2 ص240 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج3 ص526 وكشف الخفاء ص106 وإعانة الطالبين ج1 ص156 ونهاية المحتاج ج1 ص461 والوافي ج1 ص161 وملاذ الأخيار ج5 ص59 وروضة المتقين ج4 ص48 ومستدرك الوسائل ج12 ص31 وشرح نهج البلاغة لابن ميثمّ ج4 ص236 ومسند أحمد ج2 ص248 و 376 و 414 و 427 وسنن ابن ماجة ج2 ص1397 وسنن أبي داود ج2 ص268 والمستدرك للحاكم ج1 ص61 ومسند الحميدي ج2 ص486 ومسند ابن راهويه ج1 ص305 وصحيح ابن حبان ج2 ص35 و ج12 ص486 ومسند الشهاب ج2 ص331 وشعب الإيمان ج6 ص281 ومعرفة السنن والآثار ج7 ص576

ولعل السبب في ذلك: أن الذي هو أكبر من كل شيء، ولا ينقاد لغيره هو اللّه وحده.

وكل من عدا اللّه سبحانه وتعالى هو مخلوق لا يختلف عن غيره من المخلوقات في ذات نفسه.. إلا بمقدار طاعته للّه والإنقياد له.. فامتياز البشر وسائر المخلوقات إنما هو بهذا الانقيادهم.

فإذا كان أي منهم يأبى الانقياد، فإنه يكون قد خرج عن طوره، ونازع اللّه فيما هو له، ومن مختصاته..

وقد قال «علیه السلام» لذلك الرجل: «ولكن فيّ عزة»، والعزة هي الرفعة والامتناع، وهي من صفات المؤمنين، حيث لا يرضون بالذل، والصغار، بل يريدون الرفعة والامتناع.

3- ونود لفت نظر القارئ الكريم إلى أن الخلط بين المفاهيم من

أهم أسباب نشوء الشبهات، والأضاليل، وبها يتم إغواء البسطاء والسذج، وإغراؤهم.

يهتدى إليه لبياض نحره ووجهه:

وقد جاء في النصوص:أن الحسين «علیه السلام» كان إذا قعد في موضع مظلم، يهتدى إليه، لبياض جبينه، ووجهه، ونحره (1). وكان أبيض اللون (أو شديد البياض) (2).

ونقول:

1- ليس غريباً أن يكون الإمام الحسين «علیه السلام» أبيض اللون، كأن عنقه إبريق فضة، فقد قلنا: إنه كان شبيه جده محمد «صلی اللّه علیه وآله»، فإنه كان أبيض اللون أيضا (3). وقال أبو


1) لباب الأنساب لابن فندق ج1 ص346 وراجع: شرح الأخبار للقاضي النعمان ج3 ص112 وبحار الأنوار ج44 ص194 و187و188 ومناقب آل أبي طالب ج4 ص75 والعوالم ج17 ص29 و 30 والحدائق الوردية ج1 ص110 ومدينة المعاجز ج4 ص46 والمنتخب للطريحي ج4 ص204

2) موسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج18 ص142 عن الإفادة لأبي طالب الزيدي ص56 و عن مجد الدين في التحف ص57 ولباب الأنساب ج7 ص346 والحدائق الوردية ج1 ص110

3) بحار الأنوار ج16 ص144

طالب في وصف رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»:

وأبيض يستسقى الغمام *** ثمّال اليتامى عصمة للأرامل

بل هناك من يروي عن عائشة أنها قالت: «كنت أسلك الخيط في سم الخياط، في الليلة المظلمة، من نور وجه فاطمة، فلذلك لقبت بالزهراء» (1).

2- لست أدري إن كان من عبر بكلمة: «شديد البياض» سيئ النية، من حيث إنه يريد أن يدَّعي أن شدة بياضه «علیه السلام» تصل إلى حد تنفر منه الطباع، كبياض البرصمثلاً، أو أنه يريد أن يبالغ في إظهار الحالة الجمالية للإمام الحسين «علیه السلام».

أو أنه كان يريد إظهار أن بياضه كان فيه إشراق يصل إلى حد أنه يجعل الآخرين يرون نوره حتى في الظلمة.

فإن البياض المنير في الظلمة يكون في غاية الجمال والبهاء، إن لم نقل: إنه نور الكرامة الإلهية، إذ لم نعهد بياضاً يرى حتى في الظلمة.

ليس في لسان الحسين رتّة:

قال الزمخشري: «وكان في لسان الحسين بن علي «رضي اللّه


1) نخبة اللآلي شرح بدأ الأمالي للريحاوي ص85 وعن هداية السعداء (مخطوط)

عنهما» رتّة، فقال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: ورثها من عمه موسى» (1).

ونقول:

إن هذا الكلام ساقط عن الاعتبار لأكثر من سبب، فلاحظ ما يلي:

1- ذكر أهل اللغة أن الرُّتّة - بالضم -: عَجَلة في الكلام، وقلة أناة، وقيل: هو أن يقلب اللام ياء.

قال أبو عمرو: الرتّة رَدَّة قبيحة في اللسان من العيب؛ وقيل: هي العُجمة في الكلام، والحكلة فيه.

الأرَتُّ: الذي في لسانه عُقدة وحُبْسة، ويَعْجَلُ في كلامه، فلا يُطاوعه لسانه (2).

2- إننا مع علمنا بأن الذين حاربوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» طيلة حوالي عشرين سنة، ولم يستطيعوا إطفاء نور اللّه قد تابعوا مسيرتهم العدائية لأهل بيته، فحاربوا علیاً «علیه السلام»، ودسوا السم إلى الإمام الحسن، ثمّ قتلوا الحسين، وكان من أحب الأشياء إليهم أن يجدوا فيه مغمزاً، يتنقصونه به، إننا لم نجد أحداً من


1) الكشاف للزمخشري ج2 ص535 وتفسير الآلوسي ج16 ص183 وتخريج الأحاديث والآثار ص352

2) لسان العرب ج5 ص129 و (ط (دار الفكر) سنة 1414هـ) ج2 ص34

أعدائه، وأشياعهم، وأتباعهم، قد تنقصه بنسبة هذا الأمر إليه. وقد كانوا مهتمين جدا بتوهين أمره ، بكل حيلة ووسيلة. ولاسيما بعد تصريح أهل اللغة بأن الرتة من العيب، وبأنها ردة قبيحة في اللسان.

3- لقد رد أبو بكر شهادة أم أيمن في أمر فدك: بأنها امرأة أعجمية لا تفصح، ولو كان في لسان الإمام الحسين عجمة، أو كان يقلب اللام ياء، لكان أبو بكر قد رد شهادته بفدك أيضاً بسبب العجمة، وبسبب القربى في النسب، فإن ذلك أقوى لأبي بكر في الحجة.

4- روي: أن الإمام الحسين بن علي «علیه السلام» دخل يوماً على معاوية، ومعه مولى له يقال له: ذكوان، وعند معاوية جماعة من قريش، فيهم ابن الزبير.

فرحب معاوية بالحسين، وأجلسه على سريره، وقال: ترى هذا القاعد - يعني ابن الزبير - فإنه ليدركه الحسد لبني عبد مناف.

فقال ابن الزبير لمعاوية: قد عرفنا فضل الحسين وقرابته من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، لكن إن شئت أعلمك فضل الزبير على أبيك أبي سفيان فعلت.

فتكلم ذكوان مولى الحسين بن علي «علیهما السلام»، فقال: يا ابن الزبير ! إن مولاي ما يمنعه من الكلام أن لا يكون طلق اللسان، رابط الجنان، فإن نطق نطق بعلم، وإن صمت صمت بحلم، غیر أنه

كف الكلام وسبق إلى اللسان، فأقرت بفضله الكرام (1).

5- وقد خطب علي «علیه السلام»، فكان مما قال: «ألا وإنَّ اللسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الإِنْسَان، فلا يُسْعِدُه القَوْلُ إِذا امْتَنَعَ، ولا يُمْهله النُّطْقُ إذا اتَّسَعَ، وإِنَّا لأمَرَاءُ الكَلامِ، وفِينَا تَنَشبَّبَت عُرُوقَهُ، وَعَلَيْنَا تَهَدَّلت

غُصُونُه» (2).

6- سيأتي: أن ما جرى بين الحسين «علیه السلام» ومعاوية ما رواه موسى بن عقبة، من أنه قيل لمعاوية: إن الناس قد رموا أبصارهم إلى الحسين «علیه السلام»، فلو قد أمرته يصعد المنبر ويخطب، فإن فيه حصراً أو في لسانه كلالة.

فقال لهم معاوية: قد ظننا ذلك بالحسن، فلم يزل حتى عظم في أعين الناس وفضحنا، فلم يزالوا به حتى قال للحسين: يا أبا عبد اللّه لو صعدت المنبر فخطبت.


1) العقد الفريد ج4 ص15 وجمهرة خطب العرب لأحمد زكي صفوت ج2 ص159

2) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج2 ص226 من كلام له رقم 233 وشرح نهج البلاغة لابن ميثمّ ج4 ص112 وبحار الأنوار ج34 ص224 وج68 ص292 ومستدرك سفينة البحار ج9 ص249 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص12 وأعلام الدين ص321 واختيار مصباح السالكين لابن ميثمّ ص424

فصعد الحسين «علیه السلام» على المنبر، وخطب خطبة عصماء اضطر معاوية أن يقطع كلامه (1).

7- لقد نص النبيّ «صلی اللّه علیه وآله»: على أن الحسين «علیه السلام» إمام قام أو قعد، وقال له ولأخيه: «أنتما الإمامان، ولأمكما الشفاعة، ونحو ذلك.

وقد قامت الأدلة والشواهد والنصوصعلى أن الإمام مبرء من كل عيب ونقص، وأهل اللغة يقولون: إن الرتّة عيب، وهي قبيحة في المرء.. فلا بد أن يكون الحسين «علیه السلام» منزهاً عن الرتّة وغيرها من العيوب.

ويشهد لما نقول:

ألف: ما روي عن علي «علیه السلام» أنه قال في وصف الإمام: «مطهر من الذنوب، مبرء من العيوب» (2).

ب: في نص آخر عن الكليني: محمد بن يحيى، عن ابن


1) الإحتجاج ج2 ص22 وبحار الأنوار ج44 ص205 و 206 والعوالم، الإمام الحسين ص83

2) مشارق أنوار اليقين ص177 وبحار الأنوار ج25 ص171 عنه، وتحف العقول ص439 ومصباح البلاغة (مستدرك) نهج البلاغة ج1 ص197 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج28 ص624 وإلزام الناصب ج1 ص28

عيسى(1)، عن عن إسحاق بن غالب، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» في خطبة له يذكر فيها حال الأئمة «علیهم السلام» وصفاتهم، فقال: إن اللّه عز وجل أوضح بأئمة الهدى من أهل بيت نبيّنا عن دينه، وأبلج بهم عن سبيل منهاجه.

إلى أن قال في وصف الإمام: مبرءاً من العاهات، محجوباً عن الآفات، معصوماً من الزلات، مصونا عن الفواحش كلها الخ.. (2).

والمراد بالعاهات: العيوب في البدن، والتشويهات في الخلقة، والأمراض التي تنفر منها الطباع، كالجذام والبرص.

ج: عن الإمام الرضا «علیه السلام» في حديث طويل قال: «الامام المطهر من الذنوب، والمبرأ عن العيوب، المخصوص بالعلم، المرسوم بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين، وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين.


1) في نسخة الكمباني، والكافي: ابن عيسى عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن غالب

2) الغيبة للنعماني ص19- 20 و (نشر أنوار الهدى سنة 1422هـ) ص231- 233- بحار الأنوار ج25 ص152 عنه، والكافي ج1 ص203- 205 مع اختلاف، وينابيع المعاجز ص190 - 192 ومرآة العقول ج2 ص400 - 406 وينابيع المودة ج1 ص81 و ج3 ص361 وغاية المرام ج3 ص42- 43

الإمام واحد، دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل، ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له، ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب» (1).

7- ونقول: حبذا لو أتحفونا بسند هذا الزعم الرديء، وقالوا لنا: لماذا تأخروا في اكتشاف هذه الحقيقة لنا إلى زمن الزمخشري والآلوسي؟! ولماذا لم يرد له ذكر على ألسنة الرواة، ولو على سبيل الاستملاح لهذه الحالة في الإمام الحسين «علیه السلام».

8- وآخر ما نقوله هنا: إن ما زعمته الرواية، من أن الحسين قد ورث هذه الرتّة من عمه موسى، فنحب أن نقول:

إن الآيات التي وردت في كتاب اللّه لا تدل على أن موسى كان


1) بحار الأنوار ج25 ص124 والكافي ج1 ص198- 203 والأمالي للصدوق 399- 402 (ط مؤسسة البعثة) ص773- ص779 وكمال الدين 380 - 383 (ط جماعة المدرسين) ص675- ومعاني الأخبار 33 و 34 و (ط جماعة المدرسين) ص96- 101 والغيبة للنعماني 16- 19 (نشر أنوار الهدى سنة 1422هـ) ص225- 231 والإحتجاج للطبرسي 231 237- 240 و (ط دار النعمان) ج2 ص228- 230 وتحف العقول ص436- 442 والفصول المهمة للحر العاملي ج1 ص384 وينابيع المعاجز ص186- 190 ومرآة العقول ج2 ص376- 399 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص96- 101 والبرهان (تفسير) ج4 ص282- 1 ج4 ص282 - 286 وعيون أخبار الرضا ص120 - 123

يعاني من عقدة في لسانه، تمنعه من النطق السليم، ومن التعبير عن مراداته بسهوله.

ويشهد لذلك:

ألف: ما روي عن أسماء بنت عميس قالت: «رأيت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بإزاء ثبير (1)وهو يقول: أشرق ثبير، أشرق ثبير، اللّهم إني أسألك بما سألك أخي موسى، أن تشرح لي صدري، وأن تيسر لي أمري، وأن تحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي، وأن تجعل لي وزيراً من أهلي، علیاً أخي، أشدد به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبحك كثيراً، ونذكرك كثيراً، إنك كنت بنا بصيرا» (2).

ب: عن ابن عباس قال: أخذ رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بيد علي بن أبي طالب، وبيدي، ونحن بمكة (3)، وصلى أربع ركعات، ثمّ رفع يديه إلى السماء، وقال: اللّهم إن نبيّك موسى بن عمران سألك، فقال: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْري) (4).

«وأنا محمد نبيّك، أسألك أن تشرح لي صدري، وتيسر لي


1) ثبير من أعظم جبال مكة راجع: معجم البلدان ج2 ص72

2) البرهان (تفسير) ج3 ص31 و (ط أخری) ج5 ص170 وتأويل الآيات جه الظاهرة ج1 ص310 ونور الثقلين (تفسير) ج3 ص376

3) يبدو أن هذا كان في حجة الوداع

4) الآيتان 25 و 26 من سورة طه

أمري، وتحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي علي بن أبي طالب أخي، أشدد به أزري، وأشركه في أمري».

قال ابن عباس: فسمعت منادياً ينادي، يا أحمد قد أوتيت ما سألت (1).

فهل كان نبيّنا الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» مبتلى حقاً بعقدة في لسانه تمنعه من الإفصاح عن مراده أيضاً، كما كان الحال بالنسبة لموسى بن عمران «علیه السلام»؟!

أم أن المقصود هو عقدة من نوع آخر، هي من نفس نوع العقدة التي كان موسى يعاني منها، وهي أن موسى كان قد قتل من قوم فرعون رجلاً طاغياً وباغياً، وكافراً، فكان قوم فرعون يسعون في قتل موسىانتقاما منهم لصاحبهم، ولم يكونوا على استعداد للاستماع إلى كلام موسى، ولا إلى القبول منه، مهما كلفهم ذلك.

فدعا موسى ربه أن يرسل معه أخاه هارون ردءا. أي حاجزاً


1) بحار الأنوار ج36 ص126 وج38 ص145 و 146 وج39 ص290 ومناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحيدرية) ج2 ص256 وتفسير فرات الكوفي ص248 و 249 وخصائص الوحي المبين ص240 والبرهان ص240 ج5 ص170 و 171 (تفسیر) ج3 ص762 وشواهد التنزيل ج1 ص56 وتأويل الآيات الظاهرة ج1 ص310 ومنهاجالكرامة ص144 وغاية المرام ج6 ص154 ودلائل الصدق ج5 ص409 و 410 وشرح إحقاق 5 409 الحق (الملحقات) ج14 ص702 وج20 ص129

يمنعهم من إيصال الأذى إليه، إذ لا مشكلة بينهم وبين هارون، فهارون قادر على أن يقول ما يشاء، وأن يقلب لهم وجوه الحجج، ويوصلهم إلى ما يريد. إن صغت قلوبهم، وانقادت نفوسهم إلى الحق.

وكلمة «ردءاً» في قوله تعالى: (فأرسلهُ مَعِيَ رِدْءًا) (1). هي القرينة على ما نقول.. فإن هذا هو ما كان يحتاجه موسى من هارون، أكثر من أي شيء آخر.

ولأجل ذلك أيضاً قال تعالى لموسى: (سَنْشُدُ عَصْدَكَ بِأَخِيكَ) (2). أي لئلا يفكروا بإيذائك، ثمّ تتطور الأمور باتجاه العنف الذي لا ينتج إلا صمم الآذان عن سماع الحق، والإيغال في التشدد في المواجهة والتحدي..

ويشهد لما نقول:

أنه تعالى قال في سورة طه: (وَاحْلُلْ عُقْدَةَ مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَولِي) (3). حيث دلت هذه الآية على أن المشكلة ليست في إيصال الأقوال إلى الأقباط قوم فرعون، وسماعهم لها كأصوات، وحروف، وكلمات ذات مضامين. فإن هذا سوف يحصل سواء من موسى، أو


1) الآية 34 من سورة القصص

2) الآية 35 من سورة القصص

3) الآيتان 27 و 28 من سورة طه

من هارون، أو من أي شخص آخر.

ولكن المشكلة هي في فقههم ووعيهم في فقههم ووعيهم للمضمون.

وبعبارة أخرى: لا مشكلة فى صدور الكلام من قائله وفق المطلوب، ولكن المشكلة تاتي بعد صدور هذا الكلام، وهي مشكلة تمنع السامعين من تعقل معنى ما سمعوه، وتمنعهم من التفاعل معه، ومن فهم أبعاده، والتدبر فيها، والحصول على النتائج المتوخاة منها.

فظهر: أن موسى كان لا يستطيع أن يصرح للأقباط بما عنده، لأن ذلك سوف يثيرهم، ويغضبهم، ولن يتعقلوا معانيه ومراميه، كما يجب، لأن لهم مشكلة مع موسى نفسه.

ولكن لو قال شخصآخر نفس تلك المضامين لهم، فلن يكون لهم نفس موقفهم منها حين يقولها لهم موسى.. وهذا هو ما حتم إشراك هارون في الأمر.

ولكنه إشراك لرجل له شراكة مع موسى في صفة النبوة، لأنه لو كان يقول لهم ما يقوله موسی بعنوان کونه مجرد مبلغ عنه، وناقل لكلامه، فإن موقفهم سيكون سلبيا أيضاً، تماماً كما لو كان نفس موسى هو الذي قاله لهم. وهذا من فوائد قول موسى: (وَأَشْرِكْهُ فِي أمري) (1).


1) الآية 32 من سورة طه

شبه الحسين «علیه السلام» برسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»:

وقد وردت روايات عديدة، خصوصاً من طرق أهل السنة عن شبه الإمام الحسين «علیه السلام» برسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»...

ونحن نذكر هنا نموذجاً منها:

1- ما روي عن علي «علیه السلام»:

ألف: روى الترمذي عن هاني بن هاني عن علي «علیه السلام» الحسن أشبه برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ما بين الصدر إلى الرأس. والحسين أشبه به «صلی اللّه علیه وآله» ما كان أسفل من ذلك (1).

وفي نص آخر: «من وجهه إلى سرته» بدل: «الصدر إلى الرأس» (2).


1) سنن الترمذي ج5 ص660 و (ط الصادي بمصر) ج10 ص196 ومسند أحمد ج1 ص213 ح 774 وموارد الظمآن ص553 وكنز العمال ج13 ص660 وصحيح ابن حيان ج15 ص430 وبحار الأنوار ج43 ص301 رواه عن مصادر أهل السنة، وإعلام الورى ج1 ص413 وكشف الغمة ج2 ص148 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص536

2) تهذيب الكمال (ط مؤسسة الرسالة) ج6 ص225 ومسند الطيالسي ص20 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص536 عن مقتل الحسين للخوارزمي (ط الغري) ص90 وج26 ص323 عن تهذيب الكمال (نسخة مصورة من مكتبة أنقرة) ج3 ص190

ب: عن هبيرة بن يريم، عن علي «علیه السلام»: من سره أن ينظر إلى أشبه الناس برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ما بين عنقه إلى وج5ه [ ثغره]، فلينظر إلى الحسن بن علي.

ومن سره أن ينظر إلى أشبه الناس برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ما بين عنقه إلى كعبه خلقاً، ولوناً، فلينظر إلى الحسين بن علي «علیه السلام» (1).

ج:عن هبيرة بن يريم، عن علي «علیه السلام»: من أراد أن ينظر إلى وجه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» من رأسه إلى عنقه، فلينظر إلى الحسن «علیه السلام».

ومن أراد أن ينظر إلى ما لدن عنقه إلى رجله «صلى اللّه عليه وآله» فلينظر إلى الحسين «علیه السلام». اقتسماه (2).


1) المعجم الكبير ج3 ص95 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج13 ص659 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص45 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص125 و 126 وفيه بدل «وجهه» «ثغره»، ونظم درر السمطين ص194 ومعارج الوصول ص86 وراجع 72 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص539 وج19 ص189 و274 و275 وج26 ص221 وج27 ص33

2) المعجم الكبير ج3 ص95 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج13 ص659 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص538 وج26 ص324

ب: عن أنس: كان الحسن والحسين «علیهما السلام» أشبههم برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله») (1).

د: عن كليب قال: رأيت النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» في المنام، فذكرته لابن عباس، فقال: ذكرت حسين بن علي «علیه السلام» حين رأيته؟!

قلت: نعم، واللّه! ذكرت تكقيه حين رأيته يمشي.

قال: إنا كنا نشبهه بالنبيّ (2).

هـ: عن محمد بن الضحاك بن عثمّان الحزامي: كان جسد الحسين شبه جسد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» (3).


1) الإصابة (ط مصطفى محمد بمصر) ج1 ص331 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج2 ص68 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص534 عنه

2) التاريخ الكبير ج2 ص381 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص38 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص121 وبغية الطلب لابن العديم ج6 ص2569 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج27 ص495 و 32 عن مختصر تاريخ دمشق (دار الفكر) ج7 ص117

3) المعجم الكبير ج3 ص115 ومجمع الزوائد ج9 ص185 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص127 والبداية والنهاية ج8 ص150 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج11 ص417 وج27 ص31 و 37

و: عن أبي هريرة: دخل الحسين بن علي «علیه السلام»، وهو معتم، فظننت أن النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» قد بعث (1)

وفي نص آخر: الحسن، بدل الحسين (2).

ونلاحظ هنا:

أن هذا الحديث الأخير مروي عن أبي هريرة، ويبدو لنا: أنه مأخوذ من مصادر أهل السنة أيضا، لأن الشيعة لا يثقون بروايات أبي هريرة لأسباب عديدة.

وقال محمد بن جریر بن رستم الطبري: عن الإمام الحسين «علیه السلام»: كان أشبه الناس بالنبيّ «صلی اللّه علیه وآله» ما بين الصدر إلى الرجلين». ونحو هذا عن المفيد (3).

والظاهر: أنهما أيضاً قد أخذا هذا الوصف من مصادر أهل


1) بحار الأنوار ج43 ص294 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص345 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص396 و 397

2) مناقب آل أبي طالب ج4 ص20 و (ط الكتبة الحيدرية) ج3 ص185

3) دلائل الإمامة ص159 و 178 والإرشاد للمفيد ج2 ص27 والخرائج والجرائح ج2 ص889 وبحار الأنوار ج43 ص275 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص302 و ج5 ص345 والدر النظيم ص525 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص153 وإعلام الورى ج1 ص425

السنة، فإن هذا التقسيم للشبه بين الحسنين «علیهما السلام» قد روي من طرقهم، وحفلت به مجاميعهم الحديثية..

وعلى كل حال، نقول:

هناك عدة أمور تستوقفنا في النصوص المتقدمة، فلاحظ ما يلي:

اختلاف الروايات:

لاحظنا وجود اختلافات بين روايات تحديد الشبه، فقد حددت

الروايات التي تنسب إلى علي «علیه السلام» موضع شبه الحسين «علیه السلام» برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» تارة: بأنه فيما هو أسفل من الصدر، وتارة فيما هو أسفل من السرّة..

وأخرى حددته: بأنه ما بين العنق إلى الكعب: خلقاً ولوناً.

ورابعة: بأنه ما بين العنق إلى الرجل.

أما محمد بن الضحاك، فحدد الشبه بالجسد، وأن جسد الحسين «علیه السلام» كان كجسد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»..

ولكن محمد بن جرير بن رستم الطبري، قد جعل الشبه ما بين الصدر إلى الرجلين.

وهذا الاختلاف يلقي بظلال الشبهة على صحة هذا التحديد. ودقته، ولاسيما في الروايات المنقولة عن شخص واحد، كروايات علي «علیه السلام»..

فإننا إذا استطعنا أن نوفّق بين قوله «علیه السلام»: إن الشبه هو من السرة فما دون.. وقوله: إنه من الصدر فما دون، باعتبار أنه لا منافاة بينهما، لأن المقصود بقوله من الصدر هو نهايته من الجهة السفلى، فيكون قريباً من موضع السرة ..

فكيف يمكن الجمع بين القول: بأن الشبه هو من السرة فما دون.. وبين قوله «علیه السلام»: إن الشبه هو ما بين عنقه إلى كعبه، أو إلى رجله.. أو الرجلين.. فلا بد من الحكم على إحدى الروايتين بعدم الصحة.

فلينظر إلى الحسين «علیه السلام»:

وتستوقفنا أيضاً الصيغة التي يطرح فيها هذا الشبه، فإن صيغة رواية هبيرة بن رويم، هكذا: «من سره [أو من أراد ] أن ينظر إلى أشبه الناس برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ما بين عنقه إلى كعبه

«[ورجله]: خلقاً ولوناً، فلينظر إلى الحسين «علیه السلام»..».

فأولاً: إن كان المراد بالسرور بالنظر إلى هذه المواضع من جسد الإمام «علیه السلام» هو التلذذ برؤية هذا الشبه، والتأمل فيه، ليكون ذلك من أسباب تنمية إيمانه.

فمن المعلوم: أن ملاحظة هذا الشبه ورؤيته غير متيسرة للناس، لأن الحديث هو عن مواضع تكون مستورة بالثياب، ولا يتوقع من الإمام أن يكشف عنها لأي كان من الناس، كما أن الناس أنفسهم سوف يتحرجون كثيراً من طلب كشفها ..

وحتى لو تجرأ بعضهم، وطلب ذلك منه «علیه السلام»، فقد تأتي هذه الجرأة من شخصأو شخصين أو ثلاثة أو بضعة أشخاص. إلا هذا لا يبرر إطلاق هذا النداء بصيغة: من سره أن ينظر إلخ..

وإن كان المراد بهذا النداء: هو أن يرى الناس الإمام الحسين نفسه، وأن يكون النظر إليه تبركاً وتيمناً به، لوجود هذا الشبه فيه، وهو من موجبات إجلاله وإكباره واحترامه، وتفخيم أمره وتعظيمه، فهو إحالة على أمر غائب، قد لا يكون له أثر كبير، إلا على من تم إيمانه، وترسخ يقينه بعلي والحسين «عليهما السلام».

ثانياً: حتى لو رأى الناس جسد الحسين «علیه السلام»، فإنهم سوف لا يدركون فيه ما يميزه عن سائر الأجساد.. ولا سيما ما بين السرة أو ما بين الصدر إلى الكعب، أو إلى الرجل..

نعم.. لو كان الشبه في تكوين تقاسيم الوجه، لكان الأمر مقبولاً ومعقولاً، وقابلا للتصور، وإدراك الميزات الجمالية، والنورانية التي تظهر في وجهه الشريف أمر ميسور لكل أحد.

ثالثاً: إن ما يثير عجبنا: أننا في حين نرى مجاميع أهل السنة حافلة بالروايات عن هذا الشبه للحسين «علیه السلام» برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وبهذه الصيغ بالذات. وكثير منها مروي عن علي «علیه السلام»، وغيره من الصحابة وأهل البيت..

فإننا لا نرى في مجاميع الحديث المروي من طرق شيعة أهل

البيت أثراً أو خبراً عن أهل البيت عليهم «علیه السلام» أنفسهم، مروياً بالطرق المعتبرة عندهم.

وعمدة ما ورد في مجاميعهم الحديثية، خصوصاً لدى المتأخرين هو ما استعاروه من كتب أهل السنة، مما رووه بطرقهم.

خلقاً، ولوناً:

وقد لفت نظرنا: أن بعض نصوصحديث هبيرة بن يريم عن علي «علیه السلام» تحدد الشبه الجسماني للحسين «علیه السلام» برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بأنه شبه بالخلق الذي هو التكوين، وباللون...

مع أن الشبه بالخلق - بفتح الخاء - لا يكاد يشعر به الإنسان العادي إذا كان من الصدر أو من السرة، فما دون ذلك إلا إذا كان يقصد الحجم والمقدار.

وأما اللون.. فربما يمكن إدراك التشابه فيه، ولكنه ليس بالأمر الذي يحظى بكثير من الاهتمام عند الناس، إلا إذا كان لوناً ينفرد ويتميز به لكونه نادر الوجود.. أو إذا انضم إلى وجوه شبه أخرى، يتكامل معها، ويظهر بنحو أتم.

وما أحوجنا إلى استذكار ما قاله الإمام الحسين «علیه السلام» في كربلاء عن شبه ولده على الأكبر برسول اللّه «صلی اللّه علیه و آله»، حيث قال:

«اللّهم اشهد على هؤلاء القوم، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً ومَنطقاً برسولك. وكنا إذا اشتقنا إلى رسولك نظرنا إليه» (1).

رواية كليب لا ربط لها بالموضوع:

وملاحظة أخرى نضيفها هنا، وهي: أن كليب (الجرمي) يقول لابن عباس: إنه حين رأى النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» في المنام، ذكر الحسين «علیه السلام» وهو يتكفأ في مشيته، لأنه يشبه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في هذا الأمر.

ولكن هذه الرواية لا ربط لها بالشبه الجسدي لرسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»، بل هي من الشبه في حالة من الحالات، ووصف لحركة من حركات المشي. إلا إذا كانت المشية الخاصة للإنسان ناتجة عن تركيبة جسده الخاصة.

أما ما روي عن أنس، وعن أبي هريرة، وعن محمد بن الضحاك بن عثمّان الحزامي، فلا يعدو كونه كلاماً عاماً، لا يقدم ولا يؤخر في


1) راجع: بحار الأنوار ج45 ص42 و 43 والعوالم الإمام الحسين ص285 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص345 و 346 والفتوح لابن أعثمّ ج5 ص114 واللّهوف لابن طاووس ص67 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص242 و 264

فهم أي معنى محدد.

هل العكس صحيح؟!:

قال ابن شهر آشوب: «الإرشاد والروضة، والأعلام، وشرف النبيّ (المصطفى) «صلی اللّه علیه و آله»، وجامع الترمذي، وإبانة العكبري من ثمّانية طرق. رواه أنس، وأبو جحيفة: أن الحسين كان يشبه النبيّ «صلی اللّه علیه وآله» من صدره إلى رأسه، والحسن يشبه به من صدره إلى رجليه» (1).

فترى أن هذا النصقد جعل الحسن مكان الحسين، وعكسه، فهل هو اشتباه وقع من نساخ نسخة المناقب ؟ أم أن الأمر سليم عن الغلط والاشتباه؟! أو أن المصادر التي كانت في حوزة ابن شهر آشوب قد ذكرت الشبه على هذا النحو، فإن كان قد حصل تغيير بعد ذلك، فقد حصل هذا التغيير في فترة تقدمت على تلك المصادر ؟!

الشبه في أحاديث أهل البيت «علیهم السلام»:

وإذا رجعنا إلى أحاديث أهل البيت «علیهم السلام»، فسنرى:

1- أنها ذكرت شبه الإمام الحسين «علیه السلام» بنبيّ اللّه موسى بن عمر ان «عليه وعلى نبيّنا وآله الصلاة و السلام».


1) مناقب آل أبي طالب ج3 ص396 و (ط المکتبة الحيدرية) ج3 ص165 وبحار الأنوار ج43 ص293 والعوالم، الإمام الحسين ص29

فعن عبد الملك بن بشير، عن أبي الحسن الأول (الكاظم) «علیه السلام»، كان الحسن «علیه السلام» أشبه الناس بموسى بن عمران «علیه السلام»، ما بين رأسه إلى سرته. وإن الحسين «علیه السلام» أشبه الناس بموسى بن عمران «علیه السلام» ما بين سرّته إلى قدمه (1).

2- إنه «علیه السلام» كان أشبه الناس بأمه الزهراء «عليها السلام»، فعن محمد بن الحنفية، عن الحسن بن علي «علیه السلام»: كان الحسين بن علي «علیه السلام» أشبه الناس بفاطمة «عليها السلام». وكنت أنا أشبه الناس بخديجة الكبرى (2).

الشبه بموسى«علیه السلام»:

أما بالنسبة للحديث الذي رواه عبد الملك بن بشير، فنقول:

أولاً: إن سند الحديث ضعيف.

ثانياً: إن ما قدمناه من مناقشات ومآخذ على الأحاديث السابقة وارد على هذا الحديث، فلا حاجة إلى الإعادة.


1) الكافي ج8 ص233 ح 307 ومرآة العقول ج26 ص171

2) مناقب آل أبي طالب ج4 ص2 و (ط المکتبة الحيدرية) ج3 ص170 وبحار الأنوار ج24 ص316 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص389 وتفسير نور الثقلين ج5 ص522 وتفسير كنز الدقائق ج14 ص165

شبه الحسين بالرسول أم بفاطمة؟!

وأما بالنسبة لحديث ابن الحنفية، فنقول:

أولاً: مع غض النظر عن موضوع السند، لا يرد عليه ما يرد على سابقه، لأن من الطبيعي أن يشبه الولد أمه. فإذا كانت أمه تشبه وهو رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، كما دل عليه قول أم أباها، سلمة «رحمها اللّه»:

كانت فاطمة «عليها السلام» بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» أشبه الناس وجها وشبها برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» (1).

وروي عن عائشة أنها قالت: ما رأيت أحدا أشبه سمتاً وهدياً ودلا برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. (2).


1) راجع:كشف الغمة ج2 ص100 وبحار الأنوار ج43 ص55 عنه، وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج1 ص192 والمحجة البيضاء ج4 ص207

2) راجع: سنن الترمذي ج5 ص361 وفضائل الصحابة للنسائي ص77 و 78 والمستدرك للحاكم ج4 ص272 وفتح الباري ج8 ص103 و ج10 ص425 وتحفة الأحوذي ج8 ص26 ونصب الراية ج6 ص156 ومطالب السؤول ص36 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص96 وسنن أبي داود ج2 ص522 وينابيع المودة ج2 ص55 وبحار الأنوار ج37 ص71 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص250 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص251 عن الخمسة، والطبراني، وابن حبان، والحاكم

فتكون النتيجة هي: أن الحسين يشبه جده رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. لأنه يشبه أمه، وأمه تشبه جده، لأن المساوي للمساوي مساوٍ.

ثانياً: لدينا دليل صريح من كتب أهل السنة على هذه المساواة، فقد روي ما يلي:

ألف: عن خلاد بن أسلم، عن النضر بن شميل، عن هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين، أن أنس بن مالك قال: «كنت عند ابن زياد، فجيء برأس الحسين، فجعل يقول [يدخل] بقضيب له في أنفه، ويقول: ما رأيت مثل هذا حسناً.

قال: قلت: أما إنه كان من أشبههم برسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله».

قال: أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب (1).


1) الجامع الصحيح للترمذي (نشر دار سحنون، ودار الدعوة) ج5 ص659 و (ط دار الفكرسنة 1403هـ) ج5 ص325 وبحار الأنوار ج44 ص194 عنه، وصحيح ابن حبان ج15 ص429 والمعجم الكبير ج3 ص125 وموارد الظمآن ص554 و (ط أخرى) ج7 ص200 و 201 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص126 و 127 وبغية الطلب لابن العديم ج6 ص2632 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص48 و 49 وتحفة الأحوذي ج10 ص191 و 192 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج11 ص417 وج27 ص33. وراجع: فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص541 وفي هامشه عن: وتهذيب التهذيب ج2 ص299 وتهذيب الكمال ج6 ص400 والبداية والنهاية ج8 ص207 وفتح الباري (المقدمة) ص474 وج7 ص94 ومسند أبي يعلى ج5 ص228 وراجع ص61 وذخائر العقبى ج2 ص66

ب: روى البخاري، عن محمد بن الحسين بن إبراهيم قال: حدثني حسین بن محمد، حدثنا جرير، عن محمد، عن أنس بن مالك «رضى اللّه عنه»: أتِيَ عُبَيْدُ اللّه بن زيادٍ برأس الحُسَيْن بن عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَجُعِلَ في طست، فجَعَلَ يَنكُتُ، وقال فِي حُسْنِهِ شَيْئًا.

فقال أَنَسٌ: كَانَ أَشْبَهُهُمْ بِرَسُولِ اللّه «صلى اللّه عليه وسلم». وكانَ مَحْصُوبَاً بالوَسْمَةِ (1).


1) راجع: صحيح البخاري، فضائل أصحاب النبيّ، باب 22 ط دار سحنون، ودار الدعوة وط دار الفكر) ج4 ص216 ومسند أحمد ج3 ص261 وعمدة القاري ج16 ص240 وكشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي ج3 ص275 وأسد الغابة ص20 وبغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ج6 ص2577 ومرآة الجنان وعبرة اليقظان ج1 ص8 ص108 والبداية والنهاية ج8 ص206 وكشف الغمة ص221 والعمدة لابن البطريق ص396 و397 و401 ومطالب السؤول ص378 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج27 ص32 و 33 وج33 ص701 وذخائر العقبى ص128 و المحجة البيضاء ج4 ص230 والأحاد والمثاني ج1 ص307

وليلاحظ تصرفات البخاري في الحديث، حيث أبهم الكلام، ولم يذكر الوسيلة التي جعل ينكت بها، فهل جعل ينكت بإصبعه؟! أو بعصاه؟! أو بأي شيء كان في يده؟! أم ماذا؟!

كما أنه لم يحدد الشيء الذي كان ينكته، هل كان ينكت الأرض، أم الحائط، أم الرأس الشريف، أم الشفتين؟!

مع أن رواية الترمذي وغيره قد حددت كلا الأمرين، حيث ذكرت: أنه جعل ينكت. أي يضرب بقضيبه في أنفه «علیه السلام»، والنكت هو الضرب المؤثر .

وللبخاري تصرف آخر في الرواية، وهو قوله: وقال في حسنه شيئا، مع أن الترمذي وغيره قالوا: إنه قال: ما رأيت مثل هذا حسنا (1)


1) راجع: سنن الترمذي ج5 ص325 وفتح الباري ج7 ص75 وعمدة القاري ج16 ص241 وتحفة الأحوذي ج10 ص192 وصحيح ابن حبان ج15 ص429 والمعجم الكبير ج3 ص125 وموارد الظمآن ج7 ص201 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص126 وتهذيب الكمال ج6 ص400 وبغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ج6 ص2632 والبداية والنهاية ج8 ص206 و 207 وترجمة الإمام الحسين من تاريخ ابن عساكر ص48 وينابيع المودة ج3 ص10 و 25 و 26 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج11 ص417 وج27 ص32 و 33 و 36 و 37 والصواعق المحرقة ص198 وذخائر العقبى ص128

فتصرف البخاري هذا يخفف من وهجهذه الكلمة، وينقص من معناها.

أبو بكر والإمام الحسن «علیه السلام»:

تقدمت الدلائل والشواهد على أن الحسين «علیه السلام» كان أشبههم خَلقا وخُلقا ولَوناً برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

ولكن يبدو لنا: أن السياسة كانت تقضي بإنكار شبه الحسين «علیه السلام» به «صلی اللّه عليه وآله» منذ البداية. ولعل السبب في ذلك: هو ما سمعه هؤلاء من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بصورة متكررة ومتواترة.. مما دل على أنه سوف يقتل في دفاعه عن دين اللّه، وأن قاتله سيكون من فئة يلتقي معها كثيرون في الأماني والأهداف، والسياسات.

فنلاحظ هنا حديثاً ذكره عقبة بن الحارث، عن أبي بكر: أنه رأى الإمام الحسن «علیه السلام» يلعب مع الصبيان، فحمله على عاتقه. ثمّ قال ما يدل على شبه الإمام الحسن «علیه السلام» برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، لا بعلي «علیه السلام»، ففيه العديد من الإشارات والدلالات.

فأولاً: ما ذكر في الرواية من الشعر الدال على شبه الإمام الحسن

«علیه السلام» بالنبيّ «صلی اللّه علیه و آله»، لا بعلي «علیه السلام» لا يمكن قبوله على ظاهره، فإن شبهه بالنبيّ «صلی اللّه علیه وآله» لا يعني أنه لا يشبه علیاً «علیه السلام». ولست أدري إن كان هذا القول من أبي بكر قد جاء رداً على فاطمة الزهراء «علیها السلام»، حيث يروى أنها كانت ترقص الحسن «علیه السلام» وتقول:

اشبه أباك يا حسن *** واخلع عن الحق الرسن

واعبد إلهاً ذا منن *** ولا توال ذا الإحن

وقالت للحسين «علیه السلام»:

أنت شبيه بالنبيّ *** لست شبيهاً بعلي (1)

وعبارة الترقيص ليست في محلها، والأولى القول: بأنها كانت تداعبه وتناغيه.

قال المجلسي «رحمه اللّه»:

قولها «علیها السلام»: «واخلع عن الحق الرسن» الحق - بفتح


1) مناقب آل أبي طالب ج3 ص494 و (ط المکتبة الحيدرية) ج3 ص159 ومدينة المعاجز ج7 ص385 وبحار الأنوار ج50 ص55 و 56 وج43 ص286 والعوالم الإمام الحسين ص29 وشجرة طوبى ج2 ص257 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص473

الحاء - فيكون كناية عن إظهار الأسرار - أو بضمها -: بأن يكون جمع حقة، بالضم أو بالكسر، وهو ما كان من الإبل ابن ثلاث سنين، فيكون كناية عن السخاء والجود، أو عن التصرف في الأمور والاشتغال بالأعمال، فإن تسريح الإبل تدبير لها، وموجب للاشتغال بغيرها (1).

وفي مسند الموصلي: أنه كان يقول أبو بكر للحسن «عليه السلام» وأباه [يسمع]:

أنت شبيه بنبی *** لست شبيهاً بعلی

وعلي يتبسم.

وكانت أم سلمة تربي الحسين وتقول:

بأبي ابن علیّ *** أنت بالخير مليّ

کن كأسنان حلیّ *** كن ككبش الحوليّ

أسنان الحلي تضاريسه، والتشبيه في الاستواء والحسن (2).

وكانت أم الفضل امرأة العباس تربي الحسين وتقول:

یا ابن رسول اللّه *** یا ابن كثير الجاه


1) بحار الأنوار ج43 ص287 و 288

2) بحار الأنوار ج43 ص287 و 288

فرد بلا أش بلا أشباه

أعــاذه إلهـــی *** مـن أمـم الــدواهي (1)

فالزهراء «علیها السلام» كانت بصدد إثبات شبه الحسن بأبيه.

أما أبو بكر فكان بصدد نفي ذلك عنه.

ثانياً: إن الرواية تنسب إلى عقبة بن الحارث: أن أبا بكر رأى الإمام الحسن يلعب مع الصبيان..

وهذا يدل على أن عقبة هو الذي استظهر من وجود الإمام الحسن «علیه السلام» بين الصبيان أنه كان يلعب معهم، جرياً منه على ما كان مرتكزا عنده من أن اجتماع الصبيان إنما يكون عادة اجتماع لهو ولعب.

غير أن من الواضح: أن النفي القاطع للأئمة اللّهو واللعب عن أبنائهم يدلنا على أن وجود الإمام بين الصبيان لا بد أن يكون لهدف صحيح، بأن يحدثهم فيما يناسب حالهم، أو أنه يهيء معهم الجو للدخول في أجواء تمكنه من إسداء النصائح النافعة لهم.


1) مناقب آل أبي طالب ج3 ص494 و (ط المکتبة الحيدرية) ج3 ص159 وبحار الأنوار ج43 ص287 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص473

هذا لا يشبهني:

عن الصادق «علیه السلام»: «إن اللّه تبارك وتعالى إذا أراد أن

يخلق خلقاً جمع كل صورة بينه وبين آدم ثمّ خلقه على صورة إحديهن، فلا يقولن أحد لولده: هذا لا يشبهني، ولا يشبه شيئاً من آبائی (1).

وعن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قال: إنه ليس من أحد إلا بينه وبين آدم تسعة وتسعون عرقا، كلها تضرب في النسب، فإذا وقعت النطفة في الرحم اضطربت تلك العروق تسأل اللّه الشبه لها، فهذا من تلك العروق التي لم تدركها أجدادك ولا أجداد أجدادك ..» (2).

وعنه «صلی اللّه علیه وآله»: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها اللّه كل نسب بينها وبين،آدم فركب خلقه في صورة من تلك الصور. أما قرأت هذه الآية في كتاب اللّه: (فِي أي صُورَةٍ مَا شَاءَ


1) راجع: من لا يحضره الفقيه ج3 ص484 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص504 و 505 و (الإسلامیة) ج15 ص219 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص221 وغوالي اللآلي ج3 ص309 و 419 وبحار الأنوار ج57 ص340 وج101 ص93 و 103

2) راجع: الكافي ج5 ص561 و 562 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج21 ص503 و 504 و (الإسلامیة) ج15 ص218 و 219 وغوالي اللآلي ج3 ص419 وتفسير نور الثقلين ج1 ص312 وتفسير كنز الدقائق ج3 ص30

رَكَّبَك) (1). من نسبك ما بينك وبين آدم(2).

عنه «صلی اللّه علیه وآله»: أنا أشبه الناس بآدم «علیه السلام»، وإبراهيم «علیه السلام» أشبه الناس بي خلقة وخلقة (3).

للتوضيح والبيان:

وفيما يرتبط بالرواية الأخيرة نشير إلى أمرين:

الأول: إنه «صلی اللّه علیه وآله» في هذا النص الأخير: لم يقل: إنني أشبه جدي إبراهيم به، بل جعل نفسه أصلا، ثمّ قرر شبه إبراهيم، بالرغم من أنه جعل في الفقرة الأولى آدم أساسا، ثمّ قرر الشبه بينه وبينه.

بالرغم من أن إبراهيم أفضل من آدم «علیه السلام».


1) الآية 8 من سورة الإنفطار

2) بحار الأنوار ج57 ص385 وكنز اللعمال (ط مؤسسة الرسالة) ج2 ص45 والدر المنثور ج6 ص323

3) تاريخ مدينة دمشق ج3 ص363 ودلائل النبوة للبيهقي ج1 ص306 والخصال للصدوق ص425 و علل الشرائع ج1 ص128 ومعاني الأخبار ص51 وبحار الأنوار ج16 ص92 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص344 وميزان الحكمة ج4 ص3186 وراجع: مقاتل الطالبيين ص127 وذكر أخبار إصبهان ج2 ص56 وتفسير مقاتل بن سليمان ج2 ص248

ولعل الفرق بينهما أن آدم «علیه السلام» كان أبا البشر، ومنه كان امتداد النسل، فالشبه في الخلق - بفتح الخاء - طبيعي ومقبول ومتوقع.. ولا يوحي بأي معنى آخر سوى الشبه في التكوين والخلق. لكن الشبه بإبراهيم يجعل إبراهيم هو المحور والأساس، ويصبح نبيّنا الأعظم «صلی اللّه علیه و آله» تابعاً له، ومتفرعاً عليه، ورشحة من رشحاته.. مع أن إبراهيم وسائر الخلق.. آدم فمن دونه من الأنبيّاء كانوا يرون الأنوار الطاهرة لمحمد وأهل بيته مطيفة بالعرش. فكان التشبه بهم هو أعز الأمنيات لديهم، وأقصى الغايات لهم.

وكل نبيّ كان يسعى، لأن يحاكيهم «صلوات اللّه وسلامه عليهم»، ويسير بسيرتهم، ويتمثل خصائصهم، ويتمنى أن يكون على مثالهم وفي عدادهم، فأن يكون هو «صلی اللّه علیه وآله» محور التشبيه هو الأنسب بالواقع، والمتناغم مع الوقائع.

الثاني: إنه حين ذكر شبهه «صلی اللّه علیه وآله» بآدم لم يصرح بوجه الشبه، ربما ليكون القدر المتيقن هو المرجع في تحديد ذلك. وهذا القدر المتيقن، والمتبادر - كما تقدم - هو الشبه الجسدي، وإن كان لا ينفي وجود شبه في الخلق - بضم الخاء واللام- أيضاً. ولكنه ربما كان شبها في أصول المعاني الأخلاقية والمنطلقات، دون أن يصل إلى أعلى الدرجات، وأرقى المستويات فيها.

لماذا هذا التشبه برسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»: ؟!

إن الحسين «علیه السلام» كان أشبههم برسول اللّه «صلى اللّه

عليه وآله». أي في الشكل، وفي تقاسيم الوجه، وفي اللون، والتكوين الجسدي العام، كما تقدم. وكان يشبهه أيضا في حركته، وفي تكفّيه في مشيته.

والأهم من ذلك: أنه «علیه السلام» كان يتشبه بالرسول «صلی اللّه علیه وآله» في السلوك والممارسة، إلى حد أنه كان يتحرى محاكاته وتقليده، حتى في حدود ومواضع خضابه، فلا يتجاوز المواضع التي كان «صلی اللّه علیه وآله» يبلغها في خضابه.

فقد ذكرت الروايات: أنه «علیه السلام» كان يخضب بالسواد، ويدع العنفقة وسبب ذلك: أنه «علیه السلام» كان يتشبه برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في ذلك.

وتجسيد هذا المعنى وتجليه بصورة واقعية درس عملي للناس في علاقتهم بنبيّهم، وشدة اهتمامهم بتطبيق كل تصرفاتهم، وكل حياتهم في أدق تفاصيلها، وجزئياتها على أقواله وأفعاله «صلی اللّه علیه وآله». وليكون هذا هو محور اهتمامهم ومحط أنظارهم، ومنتهى آمالهم.

ولينطلقوا في ذلك كله من الأشكال والحركات والكيفيات إلى المضامين امين المان . ال. اف - المشاص

الفهارس

الفهرس الإجمالي:

الفصل الرابع: الختان...5

الفصل الخامس: تسمية المولود...25

الفصل السادس: حديث التسمية حدث ونقد...51

الفصل السابع: التهنئة بالمولود.. وقصة فطرس...85

الفصل الثامن: إقرار الملائكة بولاية علي «علیه السلام»...105

الفصل التاسع: قيمة المولد...147

الفصل العاشر: يوم خالد بالصوم والدعاء...167

الباب الثالث: النشأة: شمائل وأحوال...199

الفصل الأول: الحضانة والرضاع...201

الفصل الثاني: غذاء الحسين «علیه السلام» بلبن أمه...235

الفصل الثالث: تعاويذ وتمائم...251

الفصل الرابع: شبيه الرسول«صلی اللّه علیه وآله »...305

الفهرس التفصيلي

الفصل الرابع: الختان:... 5

ختان المولود:...7

جبرائيل لم يذكر الختان:...8

الختان ليس تخطئة اللّه تعالى:...8

ولد الحسين مختونا:...10

هل ختن الحسنان؟!:...12

هل ختن إبراهيم الخليل ؟!:...16

ذيل الرواية مردود:...18

أول من اختتن إبراهيم:...20

تولى عبد اللّه أمر الحسنين اللّه» أوضح وأصرح:...21

ستمر الموسى عليه:...24

الفصل الخامس: تسمية المولود:...26

من حمل الوليد إلى الرسول«صلی اللّه علیه وآله »:...28

تسمية المولود في اليوم السابع:...31

من أسماء أهل الجنة:...33

الحسن والحسين آسمان جدیدان:...34

اسم الحسين مشتق من الحسن:...37

اسم الحسين في حريرة الجنة:...42

صورة على جمل:...45

اشتقاق اسم الحسين «علیه السلام»:...48

هل المقصود الاشتقاق الكبير ؟!:...48

الحسن والحسين من أسامي أهل الجنة:...49

الفصل السادس: حديث التسمية: حدث ونقد:...54

تسمية الحسين الثلاه من اللّه تعالى:...56

أسماء أبناء هارون:...59

ما كنت لأسبقك باسمه وسميته حرباً:...59

الإساءة إلى أدب وفهم علي «علیه السلام»:...62

عاشراً: محسّن أسقط:...74

أبناء هارون:...78

الحسن حمزة.. والحسين: جعفر:...85

الفصل السابع: التهنئة بالمولود.. وقصة فطرس:...89

تهنئة الملائكة في اليوم السابع:...91

1- قصة دردائيل:...92

2- حديث فطرس:...95

ج: صلصائيل (أو صرصائيل):...102

تعدد الحدث:...106

إختلاف الروايات:...106

الفصل الثامن: إقرار الملائكة بولاية على (علیه السلام):...111

الملائكة وولاية علي «علیه السلام» :...113

أسئلة حول الملائكة والأنبيّاء:...114

أجوبة مقبولة ومعقولة:...116

الجواب الأول:...117

الجواب الثاني:...120

الجواب الثالث:...128

عصمة الملائكة:...151

الفصل التاسع: قيمة المولد:...156

اهتمام الإسلام بمناسبة المولد:...158

قيمة المولد:...162

التهنئة بالمولود «الحسين»:...166

السبط والحفيد:...173

الأسباط من سلالة صلب يعقوب:...175

الفصل العاشر: يوم خالد بالصوم والدعاء:...178

الصوم والدعاء يوم ولادة الحسين «علیه السلام»:...180

1- الإحتفاء والاحتفال بمولد الأئمة «علیه السلام»:...182

2- زيادة ركعات الصلاة حين ولادة الحسين«علیه السلام»:...182

3- صوم يوم ولادة الحسين «علیه السلام»:...189

4- الأمر بالدعاء:...191

مضمون دعاء يوم الولادة:...192

تلخيصوإيضاح:...192

القسم بحق المولود:...193

الإخبار بالاستشهاد قبل الولادة:...193

الباكون على الشهيد:...194

قتيل العبرة:...197

سيد الأسرة:...199

الرجعة:...200

إدراك الأوتار:...201

الأئمة من نسل المولود:...202

الشفاء في تربته:...203

الرجعة لمحبي المولود:...203

وقت الرجعة الملائمة:...204

رجعة الأئمة من ذريته:...204

التوسل بالأشخاص:...204

الدعوى مع دليلها:...205

المقترف المعترف:...205

الذنب يضر المذنب فقط:... 206

الحشر والقيامة:...206

طلب العصمة:...206

العلوم والمعارف من اللّه:...207

التسليم للرسول:...208

الحججعلى البشر:...208

الحسين هبة إلهية:...209

قصة فطرس:...211

الإستعاذة بالقبور، ليست عبادة لها:...212

الباب الثالث: النشأة: شمائل وأحوال... 213

الفصل الأول: الحضانة والرضاع:...215

جبرئيل يناغي الحسين «علیه السلام»:...217

مشاركة حتى الرضع !!:...220

النبيّ الا اللّه يمضغ الطعام للحسنين «علیهما السلام»:...221

الحسين «علیه السلام» وتمر الصدقة:...222

الحضانة وتولي الأمور:...228

الرؤيا وتعبيرها:...229

الرؤيا ليست على ما ترى:...229

نامت عينك يا أم أيمن:...233

أم أيمن تربي الوليد وتليه:...233

إرضاع الحسين «علیه السلام» بلبن قثمّ:...239

أسئلة حرجة حول الإرضاع:...240

هل هذه صدفة ؟!:...242

جفاف ثدي الأم:...242

تأثير اللبن في المولود:...243

خلاصة وبيان:...248

ليس للصبي خير من لبن أمه:...249

ماذا عن حليمة السعدية إذن؟!:...250

الفصل الثاني: غذاء الحسين «علیه السلام» بلبن أمه:...252

الحسين لم يرتضع من أنثى:...254

ألف: ما روي عن الأئمة «علیهم السلام»:...254

ب: روايات عن غير الأئمة الطاهرين:...256

وقفة مع الأحاديث المتقدمة:...258

1- إيهام الاختلاف:...258

2- لم يرتضع من أنثى:...259

3- جفاف اللبن هو السبب:...260

4- الإمامة في ولد الحسين:...261

هل خالفت الزهراء «علیها السلام» أمر النبيّ «صَلَّى اللّه علیه وآله»:...264

رضيع الإمام الحسين؟:...265

هل الهدف تغيير القرار الإلهي؟!:...268

الفصل الثالث: تعاويذ وتمائم:...271

التمائم والتعاويذ:...273

تأثير كلمات العوذات:...279

التعوذ في آيات القرآن:...281

شروط الرقية:...284

التمائم للحسنين الا دليل مشروعية:...289

في كثير من التمائم شرك:...289

زغب جبرئيل في التمائم:...292

عائشة ترى جبرئيل ولا تصاب بالعمى:...302

من أدلة الإمامة الإلهية:...305

الزغب المبارك:...311

تأثير العين في الحسنين:...315

العوذات الواردة في النصوص:...319

موجز لمضمون المعوذتين:...320

الربط الوثيق بين نبيّنا اللّه وإبراهيم «علیه السلام»:...323

الفصل الرابع: شبيه الرسول «صَلَّى اللّه علیه وآله»:...327

يهتدي إليه بياض نحره ووجهه:...329

ليس في لسان الحسين ريَّة:...334

شبه الحسين «علیه السلام» برسول اللّه «صَلَّى اللّه علیه وآله»:...345

اختلاف الروايات:...349

فلينظر إلى الحسين «علیه السلام»:...350

خلقا، ولونا:...352

رواية كليب لا ربط لها بالموضوع:...353

هل العكس صحيح؟:...354

الشبه في أحاديث أهل البيت «علیهم السلام»:...355

الشبه بموسى «علیه السلام»:...356

شبه الحسين بالرسول أم بفاطمة؟!:...356

أبو بكر والإمام الحسن «علیه السلام»:...360

هذا لا يشبهني:...364

للتوضيح والبيان:...366

لماذا هذا التشبه برسول اللّه ؟!:...367

الفهارس:...370