ghaemiyeh.com
موسوعة من حياة المستبصرين
المجلد الثامن
تأليف مركز الأبحاث العقائدية
مركز الأبحاث العقائدية :
إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤
العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول صلى الله عليه و آله و سلم
جنب مكتب آية اللّه العظمى السيد السيستاني دام ظله
الموقع على الانترنيت : www.aqaed.com
البريد الإلكتروني : info@aqaed.com
شابك (ردمك)
978-600-5213-69-0
موسوعة من حياة المستبصرين
المجلّد الثامن
تأليف : مركز الأبحاث العقائدية
الطبعة الأُولى ـ ٢٠٠٠ نسخة
سنة الطبع : ١٤٣١ ه
المطبعة :
مركز الأبحاث العقائدية :
إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤
ص . ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥
الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ ( ٢٥١ ) ( ٠٠٩٨ )
الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ ( ٢٥١ ) ( ٠٠٩٨ )
العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول صلى الله عليه و آله و سلم
جنب مكتب آية اللّه العظمى السيد السيستاني دام ظله
ص . ب : ٧٢٩
الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ ( ٣٣ ) ( ٠٠٩٦٤ )
الموقع على الانترنيت : www.aqaed.com
البريد الإلكتروني : info@aqaed.com
شابك (ردمك)
978-600-5213-69-0
موسوعة من حياة المستبصرين
المجلّد الثامن
تأليف : مركز الأبحاث العقائدية
الطبعة الأُولى ـ ٢٠٠٠ نسخة
سنة الطبع : ١٤٣١ ه
المطبعة :
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمدُ للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق اللّه أجمعين، حبيب قلوبنا ومقتدانا ونبيّنا محمّد صلى الله عليه و آله و سلم ، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين، الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. والحمدُ للّه على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الربّ لنا الإسلام ديناً، بولاية أمير المؤمنين علي بن أبى طالب وأولاده المعصومين عليهمالسلام. أسطّر هذه الكلمات بعد يومين فقط من عودتي من الزيارة الثانية إلى تايلند، والتي التقيت فيها بمجموعة كبيرة من الإخوة المستبصرين في بانكوك، ووقفت عن قرب عن الأسباب التي دعتهم لركوب سفينة النجاة وترك تراث الآباء والأجداد. وقد وجدت أنّ عدداً منهم قد بدأ بدراسة العلوم الإسلامية المبسّطة في مدارس خاصة لهم في تايلند، ليتسنّى لهم بعد ذلك الالتحاق بالحوزة العلمية والاستمرار في التزوّد من علوم أهل البيت عليهمالسلام. إنّ وجود الأعداد الغفيرة من المستبصرين في جنوب شرق آسيا: ماليزيا، اندونيسيا، تايلند، الذين التقينا بهم وتحدّثنا معهم، هو أكبر دليل على حركة الاستبصار العالمية وانتشار مذهب أهل البيت عليهمالسلام في كلّ أنحاء العالم وما هذه
الموسوعة المباركة موسوعة من حياة المستبصرين التي صدر منها لحدّ الآن سبعة أجزاء، إلاّ دليل واضح ملموس على ما نقول وإن كانت التراجم التي ذكرت فيها لا تمثّل الأعداد الواقعيّة للمستبصرين، بل هي عبارة عن نماذج منها. وهذا المجلّد الماثل بين يدي القارىء، دليل آخر على اتساع حركة الاستبصار في دول كثيرة في أنحاء العالم، فهو يعرض ثمان وتسعين ترجمة لرجال ونساء انتقلوا إلى مذهب أهل البيت عليهمالسلام ؛ لاقتناعهم بأنّه المذهب الذي يمثّل الإسلام المحمّدي الكامل الأصيل وهم من عدّة دول هي: السودان، سوريا، السويد، سويسرا، سيراليون، سيرلانكا، الصين.
علماً بأنّ العمل مستمر إن شاء اللّه في إكمال باقي أجزاء هذه الموسوعة
المباركة نسأل اللّه تبارك وتعالى التوفيق لإكمال طبعها، والحمدُ للّه ربّ العالمين.
محمّد الحسّون
٢ شوال ١٤٣٠ه
البريد الإلكتروني www.aqaed.com/Muhammad
الصفحة على الإنترنيت Muhammad@aqaed.com
ولد في السودان، ونشأ وترعرع فيه، ثُمّ هاجر إلى ألمانيا وأقام فيها، وهو على اتّصال دائم مع بلده، حيث يعمل صحفيّاً، ونشرت له مقالات عديدة في الصحف السودانيّة المعروفة مثل الرأي العام وغيرها، كماله نشاط واسع على صفحات الإنترنيت، ويغلب على مقالاته الطابع السياسي والديني، اعتنق مذهب آل البيت عليهمالسلام سنة (١٩٩٦م)، ويسعى جاهداً في الدفاع عنه بقلمه، كما يأمل في إنشاء مؤسّسات اجتماعيّة للدفاع عن آل اليبت عليهمالسلام وقضيّتهم التي هي الإسلام المحمّدي العلوّي الأصيل.
معاوية والحطّ من شأن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وأهل بيته:
يرى شوقي أنّ خطّ النيل من أهل البيت عليهمالسلام ليس جديداً في عهدنا هذا وعلى يد الفرقة الوهابيّة، بل له جذور في التاريخ الإسلامي، وخصوصاً في زمن حكومة معاوية بن أبي سفيان.
يقول شوقي إبراهيم:
إنّ الحطّ من أرومة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ومن آل بيته هو خطّ عام وقديم وتاريخي، وقد فعلته الثلاثة والعشرون بطناً قرشيّة، وخاصّة البطن الأموي منها،
وخاصّة في زمن معاوية بن أبي سفيان. فهذا الأخير سنّ سنّة تحسده عليها الماكنة الإعلامية الأمريكيّة، عندما بدأ ولايته بأمره للولاة في الأقاليم الإسلاميّة ﴿أن أكرموا كلّ من يأتي بمحدثة أو فضيلة للشيخين عمر وأبي بكر واجزلوا له العطاء فكثرت الموضوعات المكذوبة في رفع شأن عمر، وأبي بكر وفضائلهما، وكان قصد معاوية أن يدفن فضائل آل البيت عليهمالسلام، وأن يرفع قيمة الخلافة الراشدة بالمقابل في روع المسلمين السذّج ويضاهيها ببيت النبوّة والعلم. وبعد أن كثرت الأحاديث الموضوعة في فضائل الشيخين عمر وأبي بكر، وكثر الوضّاعون لنيل تلك الجوائز المالية، عندها حرّر معاوية إلى عماله وولاته الأمر التالي: انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءَه ورزقه، وشفّع ذلك بنسخة أخرى من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به واهدموا داره(1)]، فقامت حملة تطهير، وكثرت المذابح في شيعة آل البيت عليهمالسلام ومحبّيهم، ونحن لم نتراوح العام الهجري ٤١ بعد. بل صار الولاة بأمر معاوية ومن بعده من الحكّام الأمويين يسبون عليّ بن أبي طالب عليهالسلام من منابر المساجد في كلّ الأمصار سبعين عاماً. ولم نرَ في التاريخ الحديث والقديم شخصاً مورس التعتيم على فضائله وسبّه وتشويهه مثلما فعلوا مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام. وبالرغم من ذلك لم يزد إلاّ وهجاً، هو مثل الشيء إذا استطال بنفسه كما يقول فيه المتنبي في شعره عندما قيل له: لماذا لم تمدح عليّاً عليهالسلام فقال:
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١١: ٤٥، ذكر بعض ما مني به أهل البيت عليهمالسلام.
وتركت مدحي للوصي تعمّداً
وإذا استطال الشيء قام بنفسه وصفات ضوء الشمس تذهب باطلاً
أو قول الشاعر:
إذا أراد اللّه نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
عندما تدرس كلّ كتب التراث جيداً، لن تجد عمادة هذا الدين إلاّ في آل البيت عليهمالسلام، ولن تجد العلم إلاّ في آل البيت عليهمالسلام، ولن تجد الشرف إلاّ في آل البيت عليهمالسلام، ولن تنجو إلاّ بمحبّة وولاية هذا البيت حصراً، ولن تنال شفاعة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم إلا بالبراء من أعداء آل البيت عليهمالسلام، ويوم القيامة ستكون على محبّي آل البيت عليهمالسلام حصراً سيماهم.
مرّت ترجمته في ٢: ٥٣١ من هذه الموسوعة، ونشير في هذا المقام إلى معلومات أُخرى لم تذكر من قبل. أهتمّ طارق بالحقائقّ التي تجلّت له من خلال البحث والتحقيق، فقام بنشرها، وذلك من خلال تأليفه كتاب دعوة إلى سبيل المؤمنين حيث تطرّق فيه إلى أهمية العقيدة وعدالة الصحابة و . . .
بحث طارق في مقدّمة كتابه حول مدى وجوب الاهتمام بالعقيدة فقال تحت عنوان:
وجوب التحقيق في أمر العقيدة:
الحصول على اليقين أولى ما يكون في العقيدة، إذ أنّها أصل لكلّ فرع، وفساده في فسادها الذي هو موجب لكلّ فساد لا محالة، إذ العقيدة هي التي نعنيها بالتحقيق والتصحيح حتّى تبدو وقد تأسّست على الحقيقة واليقين، فلابدّ إذاً من التحقيق من سلامتها بالفحص وإعادة النظر وتقليب البصر وإعمال الفكر والتدبّر في أحوالها.
والعقيدة لا تورث حتّى ندعها للفطرة وحدها، والاتّكاء على اعتقاد الأسلاف والآباء والأجداد ممنوع وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ(1). وأرجو أن لا يظنّ أحد أنّ هذا منحصر بنقض عقائد المشركين التي ورثوها عن أسلافهم فحسب، بل يمتدّ ليشمل العقيدة التي ورثها أصحابها عن الأسلاف، ظنّاً منهم أنّها من الإسلام في شيء. والسبب في ذلك أنّ عقائد المسلمين قد تلوّنت وتقسّمت وتعدّدت وتفرّعت بسبب الاختلافات والفتن التي عصفت بالرعيل الأول من المسلمين، وما ورد على عقائدهم من عقائد الأمم والوافدين. ولو لم يكن غير هذا لكان كافياً في إيجاب النظر والبحث في ما بلغنا من اعتقاد السابقين، ولكنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم قد صرّح محذّراً أمّته إذ يقول صلى الله عليه و آله و سلم : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة(2). إذاً فالاختلاف الذي وقع بين المسلمين إلى اليوم يؤيّد ما ذهبنا إليه في وجوب التحقيق والبحث في ما بلغنا من اعتقاد، وإلاّ فكيف نطمئن على حصول السلامة وبلوغ النجاة؟ وكيف نثبت ذلك ونقيم عليه الدليل والحجّة؟ هذا أمر لا أظنّ سيستهونه مسلم ارتبط مصيره بيوم فيه حساب ثُمّ ثواب أو عقاب ولا إنسان صدّق اليوم الآخر ويرجو فيه النجاة والسلامة، فالتحقيق والبحث هو السبيل إلى بلوغ هذه الغاية والحصول على النجاة المطلوبة.
وما يجدر الإشارة إليه أنّ الذين يفجعون بالمصير السيئ والنهاية المشئومة في الحياة الأخرى هم الذين سكنت نفوسهم للموروث من العقائد، ظنّا منهم أنّه الحقّ، وتلذّذت أنفسهم بنشوة الغفلة وسوق النفس لها، ولما أصابوه من هذه الحياة. وهؤلاء إمّا أنّهم قد أطلقوا للنفس زمامها وحبلها على غاربها بالتهاون والتساهل في أمر الدين ونسيان الحياة الآخرة وعدم مراعاة أمرها بتصحيح اعتقاد أو أداء تكليف. أو أنّهم ركنوا إلى الأوهام في اعتقادهم وغاصوا في بحار التّوهم بحثاً عن اللؤلؤ، دون أن ينفطّنوا إلى أن اعتقاداً كهذا لا وجود له حتّى يأتي باللؤلؤ النفيس، فليس الوهم إلاّ عدم محض لا يوجد إلاّ في الخيال. أو أنّ هؤلاء قد استلقوا في أحضان الظنّ في أمر العقيدة، وذاقوا بهذا يسيراً من مذاق الحقيقة بعد اختلاطها بقدر جمّ من الباطل، وهم في غمرة هذا المذاق الحلو الذي يتلمظونه بين كم من المرارة، ركنوا لمذاق الباطل الذي خلطوه به ظنّاً منهم أنّ للحقّ مذاقاً كهذا، إذ أنّهم خلطوا عملاً بآخر سيئاً إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا(1). والذين يمحّصون اعتقادهم الديني ليبلغ حدّ اليقين أو قدراً من اليقين تضعف نسبة الشكّ والظنّ فيه بصورة تجعل مقدار الشكّ لا يؤدّي وجوده إلى زوال الطمأنينة في الاعتقاد، فهؤلاء أقرب من غيرهم إلى النهج الذي رسمه النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم لكي يسير عليه الناس، بل هؤلاء لا يعجزون من التماس الأدلّة والحجج القوية على اعتقادهم هذا من حيث موافقته لآيات القرآن وأحاديث النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ومسلّمات العقل وفطرياته.
1) النجم ٥٣ : ٢٨.
فهم في حقيقة الأمر يأنسون في اعتقادهم الممحّص هذا إلى التفسير السليم لنقاط الخلاف بينهم وبين الفرق الأخرى، بل يقفون على أعتاب التفسير الحكيم لهذه النقاط الخلافية دون أن تتلجلج النفوس الحرة في قبوله ودون أن يخالفه القرآن أو الحديث أو مقتضيات العقل المتوازنة. فهكذا يجب أن يكون الاعتقاد في المسائل الدينية الأصلية، ولا يتأتى ذلك إلاّ ببذل الهمم في البحث والتحقيق - كما أسلفناه - والتنائي عن العصبية والجاهلية والتقليد الأعمى﴾(1). ثُمّ تطرّق الكاتب إلى أهم المسائل التي تلقتها الأجيال من أسلافهم دون أي تمحيص وتعقّل، فقاموا يعزفون بها على أنّها التراث القيّم والنهج المستقيم، ألا وهي مسألة عدالة الصحابة، فقال طارق: إنّ مسألة عدالة الصحابة لهي من المسائل التي وضعت بصماتها بصورة جليّة في حياة المسلمين الاعتقادية والعبادية، وذلك لأنّ قول الصحابي وفعله أضحى من الأمور التي أولاها الفقهاء وعلماء الحديث والأصول أهمية أدرجتها في مصاف مصادر التشريع الإسلامي، وصارت من المقدّسات الدينية عند المسلمين. فكثير من المسائل الفقهية ترجع إلى قول الصحابي وفعله وما سنّه من سنن، حتّى وإنّ كانت هذه السنن تخالف تماماً السنّة النبوّية أو صريح القرآن، كغسل الرجل عند الوضوء دون مسحها، وسن صلاة التراويح في الجماعة، وقول:
الصلاة خير من النوم في آذان الفجر، وإلغاء زواج المتعة وتحريمه، وسن الآذان الثاني في صلاة الجمعة. وغير ذلك كثير سنّ من قبل بعض الصحابة، دون أن يوافق ما كان عليه
1) دعوة إلى سبيل المؤمنين: ١٨.
النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم . على أنّ من المسائل التي تدعو إلى التعجّب وتبعث على الحيرة، إدراج كافة الصحابة في صحيفة العدالة دون مراعاة لمدّة الصحبة ودرجتها، من حيث الملازمة للنبي صلى الله عليه و آله و سلم ومستوى أخذ الأحكام منه ودرجة الاهتمام بذلك. وفي الواقع لم يكن الصحابة من هذه النواحي سواسية، فكان منهم الذي يكتب ويسجّل الحديث. ومنهم من لم يكن يكتب. ومنهم من شغلته الصّفقات في الأسواق فيفوته الكثير ثُمّ ينقل إليه نقلاً. ومنهم مَن له أوقات خاصة مع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وقد خُصّ بالعلم دون الآخرين، فإن سأل يُعطى وإنّ سكت عن السؤال يبتدر بالعلوم. ومنهم من يسمع الحديث فلا يعيه. ومنهم من يحفظ ما يقال، ومنهم من ينساه. فالصحابة بشر بلا شكّ، فلا يمكن أن يكونوا في ذلك على وفق واحد. على أنّ الصحابة من حيث الإيمان لم يكونوا على قرار واحد، ولا في الإخلاص على وتيرة. فهذا هو التاريخ والواقع يبين هذه الحقيقة، فلماذا الغلوّ في الصحابة؟! لا شكّ أنّ وصفهم كافّة بالصحبة التي تستوجب العلم والعدالة إسراف مبغوض وتكلّف لا يطاق، إذ لا دليل ينهض بذلك ولا حجّة تقوم له. ومهما يكن صاحب هذا الرأي ومهما ينسب إليه من الأوصاف والنياشين العلميّة فهو مخطئ وعاثر في رأيه هذا، إذ أنّ الخطأ والغلط والنسيان سواء كان
عمداً أو سهواً فهو من لوازمه، فلا يؤخذ بقول كلّ من يقول ولا بكلّ ما يقول﴾(1). ثُمّ تطرّق الكاتب إلى بيان الهدف من إدراج الصحابة كافة في مسألة العدالة فقال:
إنّ فرض القول بعدالة كافة الصحابة، هو في الواقع كتم للأنفاس وتسلّط على الدين وفرض للآراء وردّ لنظر القرآن في بعض الصحابة. وخلاصة القول فهو مسلك لا ينتهي سالكوه إلاّ إلى الحيرة والاختلاف والتخبّط في الدين. والذين يصحّحون أخطاء الصحابة قد أخطأوا في معرفة مقياس صحة الأعمال، واختلط عليهم ذلك الأمر. هذا مع إحسان الظنّ بهم، وإلاّ فهم قد خضعوا لسلطان السياسة والعصبية، فهم بتصحيح أخطاء الصحابة يسعون إلى الضغط على الشرع ليتقبل هذه الأخطاء ويعطيها مكاناً عنده بعد طلائها بطلاء الشرع لتصبح بذلك مصدراً للتشريع. لقد غفل هؤلاء عن أنّ الشرع هو الذي يجب أن يكون المقياس في صحة أو بطلان أعمال الناس، سواء كانوا صحابة أو غير صحابة، وهذا واضح جداً. فكلمّا اصطدموا بخطأ صدر من أحد الصحابة يخالف به أحكام الدين وحدود اللّه يسعون بكلّ جهد إلى ليِّ أطراف الشرع وتشكيل أحكامه لصناعة قالب شرعي منه لهذه الأخطاء، وهم مع ذلك يسمعون قول النبيّ الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم :
من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ(2). فكلّ عمل لا يطابق الشرع فهو مردود مرفوض مهما كان صاحبه، ولعمري إن هذا لهو الحقّ الذي يقبله الشرع نفسه، وترتاح على جنبه العقول وتنسجم مع
أطرافه الفطرة الإنسانية﴾(1). وكذا يبيّن الكاتب بعض النماذج من انحرافات الصحابة، منها:
شرب الخمر:
بن مظعون صحابي من أهل بدر، تعاطى الخمر في زمان الفاروق، فأقام عمر بن الخطّاب عليه الحد إجراءً لحكم اللّه تعالى..(2). فماذا يضيرنا لو قلنا لابن مظعون الصحابي البدري هذا: إنّك ارتكبت إثّماً كبيراً وعصيت اللّه بذلك، فهل نصبح بهذا القول من الفاسقين الخارجين عن الدين؟! وقد يقول قائل: إنّ اللّه قد غفر لأهل بدر فليفعلوا ما يحلو لهم، فلو كان هذا الكلام صحيحاً فلماذا لم يغفر الفاروق وقد غفر اللّه لابن مظعون وأمثاله؟! غير أنّ الفاروق لم يتوان عن إقامة الحدّ على ابنه عبد الرحمن الأصغر أيضاً عندما تعاطى الخمر هو الآخر. فعمر لم يسع إلى تبرير خطأ هؤلاء الصحابة، ولم يقل: اجتهد هؤلاء في شربهم الخمر فأخطأوا ولهم أجر واحد، وإلا فعلى الدين السلام!
ثُمّ إنّ الوليد بن عقبة كان والياً على الكوفة، فشرب الخمر وقام يصلّي
بالناس صلاة الفجر، فصلاها أربع ركعات، وكان يقول في ركوعه وسجوده:
اشربي واسقني وتقيأ في المحراب، ثُمّ سلّم بعد الأربع وخاطب المصلين: هل أزيدكم(3)٠]؟! فأقام الإمام عليّ عليهالسلام عليه الحدّ الشرعي ولم تشفع له صحبته بشيء، ورغم ذلك فعلينا أن نقتدي بهم لكونهم من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم !
أرجو أن لا يعاند أحد الحقيقة المرّة ويقول: إنّ الوليد كان من المنافقين، فالرجل كان والياً على الكوفة في زمان عثمان بن عفان. ونحن على استعداد لقبول عدالة الوليد هذا لو استطاع من ينسبها لكافة الصحابة إثبات ذلك له، وهيهات.
الفرار من الزحف وشماتة البعض:
يقول ابن هشام: فلمّا انهزم الناس ورأى من كان مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم من
جفاة أهل مكّة الهزيمة، تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر! وصرخ جبلة بن حنبل: ألا بطل السحر اليوم(1)! فأبو سفيان هذا صحابي معروف، فهل يلزمنا أن نقول: إنّه من العدول؟! أم كان جبلة محقّاً في اعتقاده ببطلان دين السحر يوم حنين؟! وعلى مَن كان ضغن وحقد أبي سفيان حتّى دفعه إلى التفوّه بهذا القول وإظهار ذلك السرور عندما شاهد هزيمة المسلمين؟! على أنّه لمّا تمّت البيعة لعثمان وتولّى أمر الخلافة دخل إليه بنو أميّة، حتّى امتلأت بهم الدار ثُمّ أغلقوها عليه، فقال لهم أبو سفيان: أعندكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا. قال: يا بني أُميّة، تلقفوها [يعني الخلافة] كتلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب ولا جنّة ولا نار ولا بعث ولا قيامة(2)! وبهذا ينكشف لنا ضغن أبي سفيان، وهو الصحابي العدل ينكر البعث ويوم
الحشر. وليتنا نعلم بمن يحلف أبو سفيان، وهل بعد إنكار البعث والجنّة والنار يبقى شيء يحلف به أبو سفيان غير اللات والعزى؟! ورغم ذلك فقد نفي عنه الشكّ والخطأ والكذب وصار من عدول الأمّة! والعياذ باللّه من التقليد الأعمى . . .
سبّ الإمام عليّ عليهالسلام:
إنّ مسألة سبّ الإمام عليّ عليهالسلام على المنابر من اشهر المسائل التي شهدها القاصي والداني، وطرقت أسماع الأصم. ورائد هذا السباب واللعن هو الصحابي المشهور معاوية بن أبي سفيان، إذ أصدر أمره بذلك لعمّاله، وعاقب من الناس من لم يقدم على سباب الإمام عليّ عليهالسلام. لقد أمر معاوية عمّاله في الأمصار باتخاذ لعن الإمام عليّ سنّة يسمعونها الناس من على المنابر، ولما استاء بعض الصحابة من هذه السنّة أمر معاوية بقتلهم. كتب زياد بن أبيه والي معاوية على الكوفة كتاباً إلى معاوية يخبره أن حجراً وأصحابه قد خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب وخرجوا عن الطاعة، فأمر معاوية بقتلهم، فقتلوهم بمكان يعرف بـ(مرج عذراء)(1)، وقد قالت عائشة لمعاوية: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يقول: سيقتل بعذراء ناس يغضب اللّه لهم وأهل السماء(2). فمن هو أبو تراب الذي سنّ معاوية لعنه على منابر المسلمين، وقتل حجر ابن عدي لامتناعه عن سب أبي تراب؟ إنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم هو الذي يقول لنا بنفسه من هو أبو تراب هذا، يقول
النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : عليّ حبّه إيمان وبغضه نفاق. ويقول صلى الله عليه و آله و سلم له أيضاً: لا يحبك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق. ثُمّ من هو معاوية؟! أرسل إليه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ليأتي، فقالوا: إنّه يأكلّ، فقال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : لا أشبع اللّه بطنه(1)، وقد قال ابن عبّاس: فما شبع بطنه أبداً.
وقال الذهبي: قد كان معاوية معدوداً في الآكلة.
فما ترون في أن يأكلّ الإنسان ولا يشبع ن ويعدّ لكثرة أكله من الآكلة، فهل
في ذلك فضيلة يا أولي الألباب؟!
فهذا هو معاوية، وهذا هو رأي النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فيه، وذاك كان عليّاً، وذاك قول
النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فيه.
وأمّا طلحة والزبير. فبعد أن تمّت بيعتهما للإمام عليّ عليهالسلام، خالفاه ونقضا بيعتهما له وحارباه إلى جنب معاوية هذا . . . (2)
ولد ونشأ في السودان، وتخرّج بعد الثانوية من معهد المعلّمين العام، ومارس التدريس في المرحلة المتوسطة لمدّة خمس سنوات في مادّتي التاريخ والتربية بالإضافة إلى اللغة العربية، كما انتمى للحوزة العلمية في دمشق بعد استبصاره، حيث أنهى مرحلة السطوح وواصلَ البحث الخارج. ولديه بعض المؤلّفات التي لم ترَ النور بعد. منها: ١) التشيّع في السودان. ٢) الخمس تشريع إلهي وعمق استراتيجي. ٣) كربلاء ينبوع الإرادة وإشعاع القيم.
التناقض بين الخطاب الديني والواقع التاريخي:
يقول عبد القادر: كان تشيّعي على يديّ أخي الأكبر في مطلع التسعينات من القرن الماضي عندما قدم من إيران حيث كان يدرس هناك، حيث تأثّرت بأفكاره واتّبعت خطاه في ترك تقليد دين الآباء، والالتزام بالدين الحقّ القائم على الاجتهاد وترك الأُمور التي لا دليل عليها، والتمسّك بالأمور المهمّة التي وصّى بها النبيّ أمته، والتمسّك بتحكيم العقل فيما يمكنه أن يحكم فيه، وترك كلّ
المتناقضات التي لا يقبلها الإنسان البسيط فضلاً عن العلماء. هذا وقد لفت انتباهي الكثير من التناقضات الموجودة في الخطاب الديني لشيوخنا من أهل السنّة وبين التاريخ الصحيح لوقائع الأحداث التي مرّت على المسلمين على طول تاريخهم، وخصوصاً في عهد الخلفاء بعد وفاة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم . إنّ المتأمل في الواقع التاريخي للمسلمين يرى التصرّفات العجيبة لخلفائهم ووجهائهم التي تخالف أحكام الدين، وأخلاق المسلمين، فضلاً عن أعراف العرب، وسنن المجتمع الإنساني بصورة عامة. هذا وكان لتدريس مادّتي التربية الإسلاميّة والتاريخ في حقبة واحدة الأثر الكبير في اكتشاف تناقضات واضحة بين ما نعلّمه للأجيال في أُمور الدين، وبين الأحداث التاريخية التي مرّت على أرض الواقع.
قداسة الصحابة في الخطاب الديني:
من أوّليات العقائد التي تدرّس في كتب التربية الإسلاميّة في مدارسنا هي عدالة الصحابة جميعهم، وأنّهم هم الرواة الأمناء لحديث رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم وسنّته وسيرته، فمنهم يؤخذ الدين، ولهم القول الفصل في المسائل التي يختلف فيها المسلمون، لكنّنا عندما نلاحظ سيرة الصحابة نجد فيهم المنافقين الذين صرّح القرآن بوجودهم بين الصحابة، ولا يكفي القول أنّ المنافقين ليسوا من الصحابة، فهم غير متميّزين عن باقي الصحابة، بل أنّ بعض المنافقين لا يعلم بهم حتّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ولا يعلمهم إلاّ اللّه سبحانه(1)جميعاً؟!
1) وهو قوله تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ . . . التوبة ٩ : ١٠١.
كما إنّ من الصحابة من ثبت فسقه أو ارتداده أو لعنُ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم له أو الحكم عليه بالنار(1). وتقييد الصحابي بأنّه من مات على الإيمان يخرج أكثرهم، فكيف يمكن القول بعدالة الجميع؟! ثُمّ إنّ الصحابة تقاتلوا فسالت فيما بينهم الدماء، وفسّق أو كفّر بعضهم بعضاً، فكيف يصح الحكم بعدالة الجميع؟! إنّ القول بعدالة جميع الصحابة وغضّ النظر عن جميع الإشكالات الواردة على هذه العقيدة لا يحلّ المشكلة، فهذا الإهمال المتعمّد بدفن الرأس في الرمال كما تفعل النعامة، يورّث الأجيال التعبّد بمثل هذا الدين أو المذهب الذي يقدّس الصحابة ولو كانوا منافقين أو فسّاقاً أو ملعونين أو من أهل النار.
1) الوقائع كثيرة، ونذكر على سبيل المثال حديث رسول اللّه قاتل عمّار وسالبه في النار ، وكان قاتله أبو الغادية من الصحابة. انظر المستدرك على الصحيحين ٣: ٣٨٧.
ولد سنة ١٣٩٩ه ، (١٩٧٩م)، في الجيلي بالسودان، ونشأ في أسرة مالكيّة المذهب أكمل الدراسة الإعدادية، وانتمى إلى جامعة القرآن الكريم كلية الدعوة والإعلام. اعتنق مذهب الشيعة الإمامية سنة ١٤١٥ه ، (١٩٩٥م)، ودرس في الحوزة العلميّة لعدّة سنوات.
بداية الطريق مع الحسين عليهالسلام:
يقول الأخ عبد القادر: كان لخالي صديق شيعي، يأتي لزيارتنا في البيت بين فترة وأخرى، وكانت تدور بيننا مناقشات مطوّلة حول التاريخ الإسلامي ورموزه. وأتذكّر أنّ بداية البحوث كانت حول قضيّة الإمام الحسين عليهالسلام والظلم الذي لحق الإسلام عموماً، وأهل البيت عليهمالسلام خصوصاً باستشهاده على يد الظالمين من بني أُميّة وأتباعهم.
الحسين عليهالسلام أسقط الأصنام:
إنّ الحسين عليهالسلام رفض بيعة يزيد الذي فُرضت خلافته على المسلمين بالقهر والحيلة، حيث عبّر عن ضمير الأمّة، فمن ينظر إلى عظمة الإسلام وسموّه، وقداسة
الرسول وارتباطه بالوحي الإلهي هل يقبل بخلافة يزيد ـ شارب الخمور، وربيب العهر، والمعلن بالفجور، واللاعب بالقرود ـ لرسول اللّه؟! نعم لقد كانت الأمّة رافضة ليزيد، ولكنّها قُهرت واستُعبدت فرضخت للأمر الواقع، لكن هل كان يحقّ لمثل الحسين عليهالسلام ربيب الرسالة وسبط الرسول السكوت والبيعة لفاسق مثل يزيد؟! لقد رفض الحسين بيعة الفاسقين، لكنّهم لم يتركوه، ولم يستعملوا معه الرفق والمداراة لمكانته من رسول اللّه، ولاحترام المسلمين العظيم له، بل ألجأوه إلى الخروج عليهم رغم قلّة الناصر، وضعف المُعين، وهذا ممّا يدلّل على حقدهم على الدين الإسلامي الوليد، وسعيهم في استئصال حَمَلته وأركانه من أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله، رغم ادّعائهم خلافة الرسول، وهم الذين حاربوا الإسلام من اليوم الأوّل، فكان أبو سفيان خصم رسول اللّه، وكان معاوية خصم عليّ عليهالسلام، وكان يزيد للحسين عليهالسلام قاتلاً، ولعيالات رسول اللّه سابياً.
الصحابة وأمّهات المؤمنين:
يواصل الأخ عبد القادر الكلام: تطوّر البحث بيننا، وتناول الصحابة وأمّهات المؤمنين، وإذا كان سقوط الشجرة الأمويّة الملعونة في القرآن(1)عن الاعتبار سهلاً، لوجود الدليل النقلي، المتظافر مع حكم العقل والوجدان، فإنّ صحابة الرسول الأعظم الذين جاهدوا معه المشركين، والذين منحهم القرآن وسام
رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ(2)٠، لا يجوز سقوطهم عن الاعتبار أبداً فهو من المستحيلات، بل هو من المحرّمات التي لا يجوز الخوض فيها أصلاً فما بالك بالكلام عن أمّهات المؤمنين!! وقد أبدى خالي ـ وأنا معه ـ صلابة شديدة في ردّ الكلام عنهم، ونصحنا ضيفنا بتقوى اللّه، وخوف عقابه، ولكنّه كان يترفّق بنا،
قد ارتكب بعضهم من الجرائم والفظائع والمنكرات مما يعفُّ عنه كثير ممن تلقى أوّليات الإسلام فقط ، ممّن لم يبتلوا بحبّ الرئاسة، والتنافس على الزُخرف، كما أُبتلي الصحابة بعد وفاة رسول اللّه، فلم يخرجوا من الامتحان برؤوس مرفوعة، ومواقف مشرّفة، وقد كان هذا منهم امتداداً لمواقفهم في زمان رسول اللّه، حيث فرّ الكثير منهم في مواطن الدفاع عن الإسلام، أوجَبُن عن مواجهةِ العدوّ الكافر، ولكنّ الرسول الكريم ذو الخلق العظيم وحفاظاً منه على بيضة الإسلام، كان يتغاضى عن مخازيّهم، ويسعى للنهوض بهم إلى طي مراتب الكمال، وسلوك درجات السموّ لعلّهم يصعدون في الدنيا والآخرة. هذا وقد كان للزهراء عليهاالسلام ابنة رسول اللّه وسيّدة نساء العالمين الدور الواضح في وصف أفعال الصحابة، والكشف عن نيّاتهم المصلحية في خطبتها العصماء التي دوّت في أركان وجنبات مسجد أبيها رسول اللّه بعد اغتصاب الخلافة، واغتصاب فدك رمز الخلافة، وأمّا المدح الوارد في القرآن فهو للذين آمنوا وكان على رأسهم عليّ بن أبي طالب الذي ضحّى بكلّ ما يملك من طاقات في سبيل علوّ راية الإسلام، وثبات أمره، وقد كان رجل المهمّات الصعبة، يدفع الغوائل ويجاهد الكفّار، كما كان المصلح لما يفسده الآخرون، والبطل الذي يُنجز ما يفشل عنه المدّعون. إنّ الذي حَدَثَ بعد وفاة رسول اللّه أنّ بعض القومَ أنكروا بيعة الغدير، حيث نُصّب الإمام عليّ عليهالسلام رسميّاً لخلافة رسول اللّه، وذهب هذا البعض بدل ذلك إلى سقيفة بني ساعدة لينتخبوا من لم ينتخبه اللّه خليفة لرسول اللّه، ثُمّ فرضوا ذلك على المسلمين بالإرهاب والإرجاف، والترغيب والتطميع في الأموال والمناصب، ومن هناك حيث السقيفة المشؤومة بدأ الانفصال الرسميّ عن حقيقة الدين، والتمسّك برموز وتأويلات ما أنزل اللّه بها من سلطان أدّت إلى تشتّت المسلمين واختلاف كلمتهم وتعدّد فرقهم، وطمع المشركون في المسلمين بعد طول يأس، فنفذوا خلالهم، وتقرّبوا إلى المتسلّطين عليهم، فأعطاهم هؤلاء المتسلّطون
المناصب والأموال دعماً لسلطانهم الباطل ولم يَطُل الزمان حتّى وقعت الفتن، وهاجمت المسلمين المحن، فاختلفوا وتقاتلوا ووقعت بينهم المعارك، وسالت الدماء، وما كان ذلك ليقع لو أنّهم تمسّكوا بما أمرهم به الإسلام، ولم ينقلبوا على أعقابهم كما تنبّأ القرآن(1)إنّ المقدّسين الذين تمسّك بهم الظالمون، ورفع من شأنهم المغرضون هم في الواقع الذين داسوا على مقدّسات الإسلام فرفعوا أولاً شعار: حسبنا كتاب اللّه(2)ليضربوا به العترة وليخفوا أحاديث الرسول الشريفة التي تبيّن شأن العترة، وتصف مناقبهم، ثُمّ لمّا استقرّ لهم الحكم، وخضعت له الرقاب، بذلوا الأموال الطائلة في تحريف حديث رسول اللّه، وتشويه سيرته العمليّة، ثُمّ عرضوا هذا النتاج المحرّف والمزخرف على المسلمين وقالوا: هذه هي السنّة، ونحن أهل السنّة، ونحن المتمسّكين بها ليضربوا القرآن والعترة معاً هذه المرّة، بالسعي بالفصل بينهما، ونصب أنفسهم مفسرين لآيات القرآن كما شاءت لهم أهوائهم بدلاً من أهل البيت الذين جعلهم الرسول عِدلاً للقرآن الذين يخلفونه في إمامة المسلمين وحفظ أركان الدين بحفظ سنّته الشريفة والسير على سيرته، وهم الراسخون في العلم الذين يحقّ لهم تبيين القرآن، وتأويله وخصوصاً الإمام عليّ عليهالسلام الذي حارب القوم على التأويل، كما حاربهم رسول اللّه على التنزيل. ولقد حقّ للأخ عبد القادر أنْ ترتعش عنده الصور المقدّسة التي ثبتها في ذهنه تقليد الآباء وأخذ الدين عنهم دون تحقيق، لقد حقّ له ذلك، لأنّ للباطل جولة وللحقّ دولة، وإنّ تقنعّ الباطل بلباس الحقّ، وتظاهر المفضول بأنّه الفاضل. اعرف الحقّ تعرف أهله: بعد ارتعاش الصور المقدّسة وانتكاسها إلى الأسفل، كان لابدّ للأخ عبد
القادر أنْ ينظر في دينه، وأنْ يجدّد إسلامه بالتمسّك بمن أمر اللّه سبحانه وتعالى أن يتمسك بهم، فلقد تساءل في أعماق نفسه أنّه ورث من أبيه اتّباع مذهب مالك في الفقه، فلماذا يجب عليه اتّباعه؟ هل كان مالك من الصحابة مثلاً الذينّ تبيّن لديه أنّ كثيراً منهم قد انحرفوا عن جادّة الصواب؟! وهل أمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم باتّباعه خصوصاً؟ ولمّا لم يجد الأخ عبد القادر ما يدعم مذهب مالك بالخصوص، وعرف أنّه فقيه مثل بقية الفقهاء لا خصوصية لديه سوى أنّ مذهبه انتشر بدعم المنصور العبّاسي الذي أغدق على مالك الأموال وحمل الناس على موطأه في الحديث، ثُمّ إنّ مالك كان من تلاميذ الإمام جعفر الصادق عليهالسلام وله عبارات في مدح استاذه(1)، يعترف فيها بفضله، ويشيد بها بتقواه. فماذا لا يتبع المرء الإمام جعفر الصادق وهو من أهل بيت رسول اللّه، وهو أستاذ الكلّ، فمنه أخذ الناس أحكام الإسلام، وعنه صدر الكثير من العلماء، وإنّ المرء يحتاج أن يقلّد في دينه من هو أهلٌ يُطمئنُ إليه ويُوثق بدينه، فإذا لم يطمئن المرء إلى أهل البيت عليهمالسلام الذين أمر اللّه بالتمسّك بهم، فبمن يطمئن، وهكذا قليلاً قليلاً، ومرحلة بعد مرحلة عرف الأخ عبد القادر أنّ المرجعيّة الدينية هي لأهل البيت عليهمالسلام دون غيرهم، وأنّ الآخرين ظلموهم في التقدّم عليهم أو التخلّف عنهم. وأنّ أهل البيت هم خلفاء الرسول الحقيقيين الذين اختارهم اللّه للأمّة، والذين لا يخلو منهم عصر إلى يوم القيامة، فبهم بدأ اللّه وبهم يختم، ومَنْ غَفل عن ذلك أو رفضه فهو من الخاسرين، الظالمين لأنفسهم بعدم معرفة الحقّ أو الخضوع له بعد معرفته.
1) تهذيب التهذيب ٢: ٨٩ .
مرّت ترجمته في ٣: ٦٣ من هذه الموسوعة، ونشير في هذا المقام إلى معلومات لم تذكر من قبل. أخذ عبد المنعم على عاتقه مهمّة التبليغ والدفاع عن الحقائق التي تجلّت له، وذلك بنشر المقالات والكتب، وقد أشرنا إليها في المجلد الثالث، ونضيف إلى ذلك التعريف بكتابه الجديد خطوة في عمق التشيّع. يتضمّن الكتاب قصّة حوار دار بين عبد المنعم وأحد الوهابيّين في محافظة شرق النيل بمدينة الخرطوم، كما يتضمّن بعض العقبات التي تعيق الباحث عن الوصول إلى الحقّ.
يقول عبد المنعم في مقدّمة الكتاب:
. . . إلى كلّ الأحرار وذوي النُهى سنكتب الكتاب تلو الكتاب، نسطّر للتاريخ نشهد الملائكة والأنبياء على صدق دعوانا، مستلّهمين من الرسول الأعظم محمّد بن عبد اللّه صلى الله عليه و آله و سلم صدق العزيمة وقوة الإرادة، حاملين رايته وراية الأئمّة من ذريته، الذين اصطفاهم اللّه وفضلّهم على العالمين. لقد عشت مع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وصاياه بأهل بيته عليهمالسلام وحرصه الأكيد على الأمّة
حتّى لا تضلّ من بعده، وكأنّي به وهو يصرخ في الملأ:
يا أيّها الناس إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكّتم بهما لن تضلّوا أبداً: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما . . . إذكّركم اللّه في أهل بيتي . . . إذكّركم اللّه في أهل بيتي.. إذكّركم اللّه في أهل بيتي. ولو لم يوجد في كتب المسلمين غير هذا الحديث لكفاهم حجّة وبرهاناً إن كانوا يريدون اتباع الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بصدق وإيمان. هكذا أرادها الرسول بإرادة اللّه عزّ وجلّ صرخة تجلجل لتعمّ الآفاق، ونوراً يهتدي به من أراد الهداية، أمّا مَن أبى سيسلكه سقر، وما أدراك ما سقر، لا تبقي ولا تذر. إنّه حديث عن الهداية والضّلالة، حديث عن الجنّة والنار، حتّى لا يتشدّق المتشدّقون، ولا يخوض في الحديث الجاهلون، ولا يرجّف المرجفون ويصوّرون للبسطاء من الأمّة أنّ الحديث عن الشيعة وأهل السنّة حديث ممجوج، وبحث في التاريخ لا جدوى منه في حاضرنا . . . إذاً لو كان الأمر كذلك فلنعرض عن كلّ ما يسمّى تاريخاً، وحينها يسقط التكليف وتكون الحجّة لنا على اللّه، ويصبح الحديث عن الصحابة وإثبات عدالتهم ضرباً من ضروب الحفر التاريخي، كما أنّ الاهتمام بالبخاري ومسلم وغيرهما هلوسة لا تنفع لحاضرنا، أليس كذلك؟! إنّ الدّعوى التي ينعق بها شذاذ الآفاق بعدم أهمية البحث في التاريخ إنّما هي قمّة الجهل . . . لأنّنا لم نجد شيئاً في ديننا إلاّ وارتبط بالتاريخ.. السيرة . . . الحديث . . . التفسير ويشمل ذلك الأحكام الشرعيّة في أبسط صورها، يمارس فيها الجميع البحث في التاريخ شاؤوا أم أبوا . . . !
يقول: عبد المنعم في مجال العقبات التي يواجهها الباحث عن الحقيقة:
أين تكمن المشكلة؟
لابدّ لنا من الرجوع إلى واقع الإنسان لمعرفة المشكلة.. إذ إنّ الإنسان كما أنّ له عقلاً يدفعه نحو الخير، له قوّة أُخرى تساهم بصورة مباشرة في صدوده عن الحقّ والفضيلة، يقول تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(1). ويقول جلّ شأنه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ(2). ويقول: أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ(3). ويقول: تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ(4). ويقول سبحانه: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(5). ويقول في سورة يوسف: وَمَا أُبَرِّىُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ(6). من خلال هذه الآيات نرى أنّ في مقابل العقل قوّة أُخرى تنازعه القيادة وهي النفس الأمارة بالسوء، وهذه النفس إذا نهيت عن الهوى كانت الجنّة هي المأوى، وذكرنا سابقاً أنّ العقل ما عبد به الرحمن واكتسبت به الجنان، اذاً طريق
الجنّة الحقّ، القيم، الخلق، الاستقامة، الابتعاد عن الخطأ يكمن في نهي النفس عن الهوى، وعندها يتوهّج نور العقل، وكلّما ازداد التوهّج كلّما خفت بريق الهوى وانزاحت ظلمات الجهل، وعندما نركن إلى النفس الأمّارة بالسوء ونسير على هواها تكبر عندنا مساحة الجهل ويخفت نور العقل فنرى الباطل حقاً، وكلّ ما لا تستهويه أنفسنا - وإن كان حقّاً - نراه باطلاً . . . ومن المشاكلّ المعقّدة التي تقف حجر عثرة أمام الإنسان في نقده للأفكار والمعتقدات، حبّ السلف والسابقين من العلماء والعظماء حبّاً يبعث على اتّباعهم والاتّكال عليهم، دون بحث جديد في أفكارهم لتقييمها ونبذ الأفكار الخاطئة، وتأصّل هذه العقدة عند الإنسان بسبب ميله الدائم للراحة والابتعاد عن عناء البحث والتنقيب لفرز الجيّد عن الرديء، فيركن إلى من سبقه دون محاولة منه للتحقيق فيه وإعادة النظر والتّأكد، كما أنّ فقدان الثقة يعمّق العقدة لديه فيرى نفسه دوماً دون هؤلاء العظماء (عنده) والسابقين، وإعادة النظر في ما أوصلوه إليه من فكر وثقافة يمثل سوء أدب وخروجاً عن الصراط المستقيم. وكثيراًما صادفت أمثال هؤلاء الذين تجلّت فيهم هذه العقدة فالغت شخصيتهم تماماً، ويتذرّعون بقولهم: هل من المعقول أنّ العالم الفلاني لم يصل إلى هذه الحقيقة؟! أو لماذا لم يصل السابقون من علمائنا الأفذاذ إلى ما توصلّتم إليه؟! وبهذه الطريقة نفقد الثّقة في أنفسنا وتعطّل الطاقات الجّبارة المودعة لدينا، وبالتالي نفقد القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب.. ليس المطلوب التمرّد التام على كلّ ما يطلق عليه صفة عالم وفق المنظور الديني، ولكن الهدف هو التمحيص والتدقيق حتّى لا نصبح مثل أولئك الذين ذكرهم القرآن في قوله تعالى: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا
سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا(1). إنّنا ندعو كلّ الناس للرجوع إلى عقولهم وتحكيم وجدانهم، حتّى يروا الحقّ حقّاً فيتبعوه ويروا الباطل باطلاً فيجتنبوه، وذلك بالنظر في أقوال الملل والنحل المختلفة، والتّأكد ممّا هم عليه . . . ومن الواضح أنّ المجاملة والعاطفة في مثل هذه الأُمور الحساسة لا تجدي نفعاً، فالحديث هنا في هذا الكتاب ليس انصرافيّاً ولا هامشيّاً، إنّما يرتبط بصميم المعتقد الذي بصحته تكون النجاة من النار كما تكون الحياة السعيدة في الدنيا، لأنّ الثقافة التي لا تعتمد على جذور ثابتة تمثلّها العقائد الصحيحة، تكون ثقافة مشوّهة تسيء للإسلام، فدعنا نبني الركائز السليمة لفكرنا الإسلامي بأُسس متينة تعيننا على استنباط ثقافة تواجه ما يحيط الأمّة من مكائد ومصائب داخلية وخارجيّة . . . أمّا فكر وثقافة بني أُميّة وبني العبّاس التي تسرّبت إلينا نتيجة تسلطهم على الأمّة واستلامهم لزمام الأمور فيها، فنتائجها لا تغفلها بصيرة المسلمين . . . وقد سرد عبد المنعم الأدلّة على خلافة أمير المؤمنين عليهالسلام في النقاش الذي اجراه مع أحد الوهابيّين، فقال: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(2). في هذه الآية يأمر المولى عزّ وجلّ نبيّه بإبلاغ أمر بالغ الأهمية لدرجة أنّ عدم إبلاغه يعادل عدم إبلاغ كلّ الرسالة. لقد نزلت هذه الآية على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في منصرفه من حجّة الوداع، يقول الراوي: فلمّا نزل صلى الله عليه و آله و سلم غدير خمّ (مفترق طرق) وكان في وقت الضحى والحرّ شديد، أمر بالدوحات فقممن ونادى الصلاة جامعة فاجتمعنا فخطب خطبة بالغة
ثُمّ قال: إنّ اللّه تعالى أنزل إليّ . . . يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، وقد أمرني جبرئيل عن ربّي أن اقوم في هذا المشهد، وأعلم كلّ أبيض وأسود أنّ عليّ بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي، فاعلموا معاشر الناس إنّ اللّه قد نصّبه لكم وليّاً، وفرض طاعته على كلّ أحد، ماضٍ حكمه، جائز قوله، ملعون من خالفه، مرحوم من صدّقه، اسمعوا وأطيعوا فإنّ اللّه مولاكم وعليّ إمامكم، ثُمّ الإمامة في ولده من صلبه إلى يوم القيامة . . . لا تحلّ إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره﴾. ثُمّ رفعه صلى الله عليه و آله و سلم حتّى صارت رجله مع ركبة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وقال: معاشر الناس هذا (عليّ أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على من آمن بي وعلى تفسير كتاب ربّي)(1). وفي رواية من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاده والعن من أنكره واغضب على من جحد حقه . . .. وعرفت هذه الحادثة عند المحدّثين بحادثة الغدير. أورث اللّه عزّ وجلّ من عباده في هذه الأمّة بعض المصطفين الكتاب ثُمّ أمر بطاعتهم، وحدّد ذلك بالولاية التي أعطاها للرسول ثُمّ للذين آمنوا الآية التي قال المحدثون أنّها نزلت في عليّ ثُمّ كان الإعلان العام والبيان الختامي للنبي صلى الله عليه و آله و سلم حين قربت لحظة الوداع في أعظم موقف حجّة الوداع ليسطر الوحي أهمية الأمر وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. ويعلن النبيّ في خطبة مفصلة .. فإنّ اللّه مولاكم وعلي إمامكم... ولولا ورود حديث الغدير وتواتره لظللنا في حيرة من أمر هذه الآية الكريمة، الشديدة في لهجتها، التي تجعل أمر الولاية يعادل أمر الرسالة،
1) ولحديث للغدير أسانيد معتبرة واتّفق عليه الفريقان.
وبالإضافة إلى حديث الغدير هناك كثير من الروايات التي تحدد الخليفة والولي والإمام بعد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في شخص عليّ بن أبي طالب، لكن دعني قبل ذلك أذكّر ببعض الحقائق. لقد سألني الكثير في حواراتي، وأعلم أنّ هذا السؤال يدور في خلد الكثيرين غيرهم، وهو لماذا لم تحدّد مفصّلاً مسألة الخلافة والإمامة في القرآن؟! أقول: أولاً: هذا السؤال غير واقعي، بمعنى أنّ البعض عندما تحيط به الأدلّة والبينات والحجج أيّاً كان مصدرها، يبحث عن مهرب ومتكأ ليبرر لنفسه عدم التسليم لنتائج هذه الأدلّة والبراهين، وهذه المشكلة نفسيّة ولا تجدي نفعاً، إنّ المطلوب من الإنسان اتّباع العلم والحجّة والبرهان، وفي المقام يكفي حديث واحد فقط من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم . ثانياً: إنّ الأمر في القرآن الكريم واضح جداً وكلّ حديثنا في تثبيت الحقائق التي بدأنا بها البحث من القرآن، ومع ذلك فإن تفسير النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم للقرآن يرتفع لمقام حجّية القرآن ؛ لأنّه هو المخاطب الأوّل بالقرآن، بل إن بيانه وتفسيره من مختصّاته صلى الله عليه و آله و سلم يقول تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(1). ثالثاً: إنّنا نجد في القرآن أنّ موسى عندما نصب هارون خليفة له على بني إسرائيل لم يطالبوه بأن يكون ذلك في الألواح، فهو نبي إذا أمرهم بأمر فعليهم التسليم. وكذلك قصة الملك طالوت، لقد اصطفاه اللّه وأخبر نبيّه بأن يؤتيه الملك، فكان البلاغ عن طريق بنيهم فالنبي هو الذي أخبرهم باصطفاء اللّه تعالى لطالوت وجعله حاكماً.
1) النحل ١٦ : ٤٤.
هذه هي قصص القرآن، فلماذا نحن نصرّ على أنّ اسم الخليفة والإمام لابدّ من ذكره في القرآن؟ ألا يكفينا قول النبيّ وتحديده . . . ؟ ألا تكفينا محكمات القرآن التي تحدثت عن ضرورة خلافة اللّه في الأرض وسنّة الاصطفاء والأمر بطاعة أولياء اللّه المنتجبين الذين آتاهم العلم والحكمة والملك. رابعاً: ومع كلّ ذلك فقد جلجل بها الوحي واضحة جليّة: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(1). إنّهم يقولون: إنّ اللّه لم يذكرهم صراحة، وعندما يجدون أن الآيات لا يمكن أن تكون أكثر صراحة من مثل هذه الآية يحرّفون المعنى ويحاولون إبعادها عن ظاهرها، فالقضية ليست قضية عدم وضوح، بل هي مصداق لقوله تعالى:
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ(2). إمامة أهل البيت عليهمالسلام مشكاة النور:
قريب صديقي الذي كنت أحاوره عندما تعرّضنا أثناء حوارنا لموضوع الإمامة قال لي: أنتم يا شيعة جعلتم المسألة أقرب إلى الملوكية يرثها أحفاد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وكأنّ الرسالة ملك خاص، ثُمّ رفعتم هؤلاء الأئمّة فوق البشر وجعلتموهم معصومين، وزدّتم غلوّاً فيهم فأضحوا يعلمون الغيب الذي لا يعلمه إلا اللّه. قلت له: إنّ القرآن نفسه الذي هو كلام اللّه يذكر أنّ الغيب يعلمه البعض ويطلع عليه بإذن اللّه: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن
رَّسُولٍ(1). لكن دعني أسألك كمقدمة لموضوع العصمة، هل تعتقد بعصمة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ؟ سكت قليلاً ثُمّ قال: النبيّ معصوم من ما يخصّ الدين. قلت: وما المقصود بالدين؟ دعني أسألك سؤالاً آخر، هل تعتقد بأنّ سورة عبس نزلت في النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ؟ قال: نعم. قلت: يعني تعتقد بأنّ الرسول ـ حاشاه ـ عبس وتولّى من الأعمى حتّى نزلت فيه آيات نتلوها ليل نهار تُقرّع الرسول، إذاً عن أيّ عصمة تتحدث؟! نحن الشيعة ننزّه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم الذي قال عنه المولى عزّ وجلّ: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(2)ننزّهه من كلّ خطأ بل ومن السهو والغفلة، فهو معصوم عصمة كاملة، أمّا أنتم فترونه صلى الله عليه و آله و سلم ذلك الذي عبس في وجه شخص جاء يتزكّى، وترونه ذلك الشخص الذي سُحر لمدة ستة أشهر حتّى أصبح لا يعلم ما يقوله، بل حكم في الأسرى خطأ فصححه عمر بن الخطّاب حتّى نزل وحي يؤيّد عمر ويغلّط النبيّ، وتروون في صحاحكم أنّ كلّ البشر عندما يولدون ـ بما فيهم نبيّنا محمّد صلى الله عليه و آله و سلم وكلّ الأنبياء ـ ينخسهم الشيطان نخسة ما عدا عيسى بن مريم والذي يفترض أنّ نبينا صلى الله عليه و آله و سلم أفضل وأكمل منه. قاطعني قائلاً: كلّ ذلك ورد فيه أحاديث صحيحة، وتجادلنا ساعة وهو يحاول جاهداً إثبات صحّة الأحاديث وتأكيد أنّ للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم أخطاء في حياته.
وعندما لم يقنع بكلامي حول هذه الروايات التي نعتبرها إسرائيليات تحاول النيل من مقام النبوّة في شخص النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله و سلم حينها أشهدت الحضور بخلاصة الحديث ـ وكانوا من أقربائه وأصدقائه ـ وقلت: اشهدوا، أنا أحاول جاهداً تنزيه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم والأخ مصر على خلاف ذلك، صحيح يا جماعة؟! سكتوا موافقين ولم ينبس أحدهم ببنت شفة. ثُمّ قلت: فلننتقل إلى محور آخر. قال: إنكم تسيئون للصحابة، وبدأ بعزف النغمة المعهودة. قلت له: لماذا تصرّون على وضع الصحابة في قبال أهل البيت عليهمالسلام؟! إنّ الموضوعين مختلفان، فنحن نقول بأنّ أهل البيت عليهمالسلام مختارون ومعيّنون من قبل اللّه تعالى كأئمّة لهذه الأمّة، والمقصود فئة محددة منهم وليس كلّهم أجمعين، وهؤلاء معصومون عصمة يصح معها ائتمانهم على وحي اللّه وعزائم أمره، أمّا الصحابة كمفهوم فقد ابتدع كحاجز لمنع انتقاد تصرّفات بعض الصحابة والتي تخالف ما جاء به النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم بل إنّ بعضهم بمنطوق حديث الحوض
المعروف بينما أنا فرطكم في الحوض . . .(1)، سيرد بعضهم النار. هنا ثارت ثائرة الأخ وبدأ بالدفاع المستميت عن كلّ الصحابة وكلّ أفعالهم، فما أتيت له بحادثة خالف فيها بعض الصحابة صاحب الرسالة إلاّ ونفاها وأصرّ على أنّ الصحابي المعني أكبر من المستحيل أن يقوم بذلك. قلت له: عجيب أمرك، منذ قليل كنت تصرّ على عدم عصمة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وتدّعي صحة كلّ ما ورد من أحاديث تنسب الخطأ للرسول صلى الله عليه و آله و سلم بصورة أو بأخرى، وتدافع عن صحة معتقدك في هذا الأمر، وتأتي بما تحسبه أدلّة وشواهد الواحد تلو الآخر ولا يرمش لك جفن، وعندما آتي لك بالأدلّة التي تؤكّد بأنّه ليس كلّ الصحابة عدولاً تصرّ على عكس ذلك، ممّا يدلّ على أنّ العقيدة عندك
1) صحيح البخاري ٧: ٢٠٨.
مقلوبة، فالنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم غير معصوم ويخطيء، والصحابة كلّهم عدول، والمقصود عندكم من كلمة عدول يضاهي مفهوم العصمة، ألا ترى معي ذلك؟! سكت الأخ وكأنّما أُلقم حجراً، ثُمّ استدرك. أنا لا أقول: إنّ الصحابة معصومون. قلت له: إذاً يحق لي التعرّض لسيرتهم ونقد بعض التصرفات. فسكت، فلم أشأ إحراجه أكثر من ذلك وقلت له: أرجو أن ترجع إلى نور عقلك ووجدانك، وابدأ في تقييم معتقداتك بعيداً عن قوى الضغط حينها سترى الحقّ حقّاً. نعم عزيزي القارئ، هكذا هي العقيدة المقلوبة، يلوموننا عندما نطهّر أناساً طهّرهم اللّه تعالى من الذنب، ويعيبون علينا النقد وإعمال علم الجرح والتعديل في كلّ الطبقات ابتداءً فيمن كان حول الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لنعلم من اتّبع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ومن خالفه، وهذا هو منهج القرآن الكريم. إنّ في جعبتنا الكثير الذي يدلّ على ولاية أهل البيت عليهمالسلام وإمامتهم وعصمتهم وميراثهم العلم والكتاب من رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم . أمّا التعيين للإمامة، والوصاية للخلافة، فقد بيّنا ذلك فيما سبق، ويدعم مدّعانا معطيات العقل وسيرة العقلاء كما ذكرنا، وما قرأناه من سيرة النبيّ الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم ما ذهب لغزوة إلاّ وجعل على المدينة خليفة، فكيف به إذا فارق الدنيا وهو يخلف أعظم رسالة للبشر لا تعقبها رسالة؟!
أمّا ما ذكروه من شورى لتعيين الإمامة فلا دليل عليه. أيّ شورى تلك التي يتحدّثون عنها ولم نجد لها أيّ تفصيل من رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم حتّى تخبط الناس في مفهومها، صحيح أنّ كلمة شورى وردت في القرآن، ولكن لم تكن أبداً لتعيين الخليفة.
ولد سنة ١٣٨٥ه ، (١٩٦٦م)، في مدينة كردفان بدولة السودان، وأكمل الدراسة الثانوية فيها، له نشاطات تبليغية واسعة وخاصّة بعد استبصاره. راسل مركز الأبحاث العقائدية عن طريق الإنترنيت، وكان من ضمن مراسلاته طلب الردّ على الشبهات الواردة على الحديث النبويّ الشريف: أنا مدينة العلم وعليّ بابها، وقد أجابه المركز على هذا السؤال على موقعه على الإنترنيت نورد السؤال والجواب هنا لتعميم الفائدة:
السؤال:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين والصلاة على محمّد وآله الطاهرين
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته، نرجو أن تكونوا جميعاً بخير وصحة. نرجو أنْ تمدوننا ببحث حديثيّ على ما أورده الشيخ الدهلوي (١١٥٩ ـ ١٢٣٩ه) في التحفة الاثني عشرية واختصره السيّد الآلوسي (١٢٧٣ ـ ١٣٤٢ه) من تعريب الشيخ الأسلمي، الذي أنجزه ١٢٢٧ه . إذ جاء في المختصر المعرب في الباب الخامس ص١٦٥: الحديث
الخامس: رواية جابر عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: أنا مدينة العلم وعليّ بابها. يقول الدهلوي: وهذا الخبر مطعون فيه.
قال يحيى بن معين: لا أصل له.
وقال البخاري: أنّه منكر وليس له وجه صحيح.
وقال الترمذي: أنّه منكر غريب.
وذكره ابن الجوزي في الموضوعات.
وقال ابن دقيق العبد: لم يثبتوه.
وقال النووي والذهبي والجوزي: إنّه موضوع. ويعود الدهلوي فيقول: فالتمسّك بالأحاديث الموضوعة ممّا لا وجه له. إذ شرط الدليل اتّفاق الخصمين عليه..الخ ص١٦٥ مختصر التحفة الاثني عشرية تأليف شاه عبد العزيز الإمام ولي اللّه أحمد عبد الحليم الدهلوي ـ تعريب الشيخ غلام محمّد بن محيي الدين عمر الأسلمي ـ اختصره وهذّبه السيّد محمود شكري الآلوسي (١٢٧٣ ـ ١٣٤٢ه) ـ تحقيق وتعليق محبّ الدين الخطيب ـ طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ـ الرياض ـ المملكة العربية السعوديّة ـ وقف سنة ١٤٠٤ه . ونرجو الآتي:
١ - أن يكون البحث حديثياً بحتاً لا كلاميّا إلا ما يقتضيه إيراد بحث كلامي متعلّق بعلم الحديث.
٢ - اطلعنا على تعريب عبقات الأنوار للسيّد حامد حسين اللكهنوي للسيّد الميلاني ثُمّ على الطبعة الجديدة منه بعنوان نفحات الأزهار في تعريب عبقات الأنوار في إثبات إمامة الأئمّة الأطهار للسيّد الميلاني واستوفينا الاطلاع على المجلّدات الخاصّة في الردّ على هذه الفقرة، وكذلك إفاضة الشيخ الأميني في
الغدير وإشارة السيّد شرف الدين في المراجعات وغيرها ولكن كان ما ورد في العبقات هو الأوفى ولكنّه أطنب كثيرا جدّاً بحيث يصعب علينا أن نفيد منه.
٣ - وعليه نريد منكم بحثا متخصّصا مركّزاً على ما أورده الدهلوي ويمكن أن يكون منجزاً شافيا.
٤ - الطعن في حديث مدينة العلم لم يكن في السودان قبل ظهور الوهابيّة، وأصبح ولا زال موضوعاً مهمّا عندهم لا تمرّ مدّة إلا ويتطرقون إليه في خطبهم ودروسهم مثلا: الشيخ محمّد هاشم الهدية رأس الوهابية هنا وفي ندوة في
التلفزيون في موضوع عام بدأ كلامه مذكّراً المؤمنين ببطلان حديث أنا مدينةالعلم ثُمّ رجع لكلامه في الموضوع؟؟
وفقكم اللّه مع شكري وتقديري.
مجاهد الزاكي
كردفان ـ السودان
الجواب:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد
الأخ مجاهد الزاكي المحترم
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته: بخصوص ما أوردته من إشكالات الدهلويّ حول حديث باب مدينة العلم نودّ أنْ نبيّن المسألة بشيء من التفصيل وفق قواعد الحديث والرجال:
فنقول مستعينين باللّه سبحانه وتعالى:
إنّ طرق هذا الحديث كثيرة وقد وردت عن الإمام عليّ عليهالسلام وجابر بن عبد اللّه الانصاري، وابن عبد اللّه، وغيرهم وعلى النحو الآتي: أمّا حديث الإمام عليّ عليهالسلام فله أكثر من طريق:
١ - فقد رواه ابن المغازلي في المناقب ص١١٨، ح١٢٦، من طريق محمّد ابن المطّلب، نا أحمد بن محمّد بن عيسى، نا محمّد بن عبد اللّه بن عمر بن مسلم اللاحقي، نا أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا، حدّثني أبي، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن الحسين، عن أبيه عليّ بن أبي طالب قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : يا عليّ، أنا مدينة العلم وأنت الباب، كذب من زعم أنّه يصل إلى المدينة إلاّ من قبل الباب، وهذا السند ضعفوه من أجل (محمّد بن المطّلب) واسمه محمّد بن عبد اللّه بن المطّلب، وقد ضعّفوه لا ختلاطه.
٢ - رواه ابن المغازلي أيضاً في المناقب ص١١٦، ح١٢٢، من طريق محمّد بن مصفّى، نا حفص بن عمر العدني، نا عليّ بن عمر، عن أبيه، عن جرير، عن عليّ قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : أنا مدينة العلم وعليّ بابها. وهذا السند ضعّفوه من أجل (حفص بن عمر العدني) أيضاً.
٣ - رواه العاصمي في كتابه (زين الفتى في تفسير سورة هل أتى) بسنده عن أبي أحمد داود بن سليمان الفرّاء قال: حدّثني عليّ بن موسى الرضا، عن آبائه عليهمالسلام عن عليّ عليهالسلام وقال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : أنا مدينة العلم وعليّ بابها.
٤ - رواه الكنجي وهذا الحديث ضعّفوه من قبل (داود بن سليمان الفرّاء) أيضاً الشافعي في كتابه (كفاية الطالب) بسنده عن يحيى بن بشر (بشار) الكندي، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني ،عن الحرث، عن عليّ عليهالسلام، وعن عاصم بن ضمرة عن عليّ عليهالسلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : أنا مدينة العلم وعليّ بابها.
قال الذهبي في الميزان: (يحيى بن بشار) لا يعرف. أي (مجهول). أمّا حديث جابر بن عبد اللّه الأنصاري فله عنه ثلاث طرق: الطريق الأوّل: رواها الحاكم في المستدرك٣: ١٢٧، بسنده عن أحمد بن عبد اللّه بن يزيد الحرّاني، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد اللّه بن عثمان بن خيثم، عن عبد الرحمن بن عثمان التميمي، عن جابر قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم :
أنا مدينة العلم وعليّ بابها. وهذا السند ضعّفوه من أجل أحمد بن عبد اللّه الحرّاني، فقد ضعّفوه واتّهموه. الطريق الثاني: ذكرها السيوطي في اللاليء المصنوعة١: ٣٠٧، عن كتاب خصائص عليّ عليهالسلام للمؤلّف أبي الحسن شاذان الفضلي قال: ثنا محمّد بن إبراهيم ابن فيروز الأنماطي، ثنا الحسين بن عبد اللّه التميمي، ثنا حبيب بن النعمان، حدّثني جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جابر به وهذه الرواية ضعّفوها لأجل حبيب فقد قالوا له مناكير. الطريق الثالث: ذكرها العاصمي في كتابه (زين الفتى) بسنده عن أحمد بن محمّد بن فضيل، عن زياد بن زياد، عن عبيد بن أبي الجعد، عن جابر الأنصاري به، وفي سنده مَنْ لم نهتد إليه. أمّا طريق ابن عبّاس فله عنه ثلاث طرق أيضاً: الطريق الأوّل: وهو أشهرها طريق أبي الصلت الهروي، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبّاس: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : أنا مدينة العلم وعليّ بابها. رواه الحاكم في المستدرك٣: ١٢٧، والخطيب البغدادي وغيرها. وقد تكلّم جمع من المحدثين في أبي الصلت الهروي لروايته هذا الحديث واتّهموه به بلا دليل حتّى بيّن أمام الجرح والتعديل (يحيى بن معين) أنّ أبا الصلت
الهروي ثقة لا يكذب وقال: إنّ حديث أنا مدينة العلم وعليّ بابها، صحيح وقدرواه محمّد بن جعفر الفيدي عن أبي معاوية به. فهذه متابعة تامّة لأبي الصلت الهروي تبريء ساحته من الكذب لو أنصف المحقّقون من أهل السنّة. ثُمّ تبيّن فعلاً أنّ الحديث معروف عن أبي معاوية عندما ذكر (ابن نمير) أنّ أبا معاوية قد حدّث بهذا الحديث قديماً ثُمّ كفّ عنه. (انظر كتاب تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني) ترجمة (عبد السلام بن صالح الهروي)، أبو الصلت. إذا عرفت ما تقدّم تعرف أنّ ابن عدي صاحب (الكامل في الضعفاء) قد تحامل كثيراً على هذا الحديث وأنّهم كلّ راو رواه عن أبي معاوية بأنّه سرقه من أبي الصلت الهروي. وانّ الحديث حديثه، علماً أنّ للحديث طريقين آخرين من غير طريق أبي معاوية وهما: الطريق الأوّل: رواه ابن عدي في الكامل في الضعفاء، من طريق أحمد بن حفص السعدي الجرجاني قال: حدّثنا أبو الفتح، عن الأعمش، عن مجاهد عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : أنا مدينة العلم وعليّ بابها، قال ابن عديّ: قال ابن عقدة: لا أعرف هذا، فقال ابن عديّ: لعلّ هذا من اختلاق السعدي. مع أنّ السعدي ترجمه السهمي في تاريخ جرجان وذكر أنّه صدوق فتأمّل أخي المسلم ماذا يفعل التعصّب بصاحبه. الطريق الثاني: رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق بسنده عن عليّ بن إسحاق بن زاطيا، حدّثنا عثمان بن عبد اللّه، حدّثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن مجاهد عن ابن عبّاس به. وقد اتّهم ابن عدي ابن زاطيا بوضع هذا الحديث وغيره. ولو تابع الباحث الموضوعي التحقيقات في هذا الموضوع بالذات سيصل إلى نتيجة مفادها أنّ (ابن
عدي) لو رأى البخاري ومسلماً قد رويا هذا الحديث لردّه أيضاً دفعاً لصدر الحديث ليس إلاّ. على أنّ بعض المتأخرين في القرن العشرين كالمعلمي والألباني قد شككّا في الحديث من جهة أخرى فقالا: حتّى لو كان الحديث صحيحاً عن أبي الصلت عن أبي معاوية! إلا أنّه ضعيف عن الأعمش عن مجاهد! بحجّة أنّ الأعمش وان كان ثقة إلا أنّه مدلّس وقد عنعن حديثه، فتكون الرواية ضعيفة، قلنا: فعلى هذا، لو سلّمنا بمثل هذا التشكيك، ستكون طرق هذا الحديث ضعيفة ولكن بمجموعها يتقوّى الحديث حسب ما قرره أهل هذه الصنعة، من أنّ الحديث الضعيف يتقوى بمجيئه من طرق أخر، ولهذا كان ابن حجر العسقلاني يردّ على من يقول بوضع الحديث بأن له طرقاً أقلّها أن يكون للحديث أصلاً كما في لسان الميزان٢: ١٢٣، بل أفتى بأنّ الحديث من أقسام الحسن كما سيأتي إنْ شاء اللّه تعالى.
تنبيهان:
الأوّل: الذي يظهر من كلمات بعض المحقّقين من أهل السنّة أنّ حديث أنا مدينة العلم وعليّ بابها، قد رواه الترمذي في جامعه (سنن الترمذي) فلاحظ كتاب جامع الأصول لابن الاثير الجزري٨: ٤٩٥، وفي كتاب مطالب السؤول ص٧٥ ـ ١٢٩، وفي كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطيّ ص١٧٠، وفي كتاب السيرة الشامية وغيرها، لكن عندما تبحث عن هذا الحديث في الطبعات الجديدة لا تجد لهذا الحديث أيّ أثر فتأمّل ذلك. التنبيه الثاني: ورد حديث الباب بلفظ آخر وهو أنا مدينة الحكمة وعليّ بابها ويعتبر هذا الحديث شاهداً آخر لحديث مدينة العلم كما قرّره الكثير منالمحقّقين كالعلائي وابن حجر والسيوطي وغيرهم، وله طريقان عن الإمام
عليّ عليهالسلام:
الطريق الأوّل: رواه الترمذي في سننه، عن محمّد بن عمر الرومي، عن شريك، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن الصنابحي، عن عليّ عليهالسلام قال:
قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : أنا دار الحكمة وعليّ بابها.
قال الترمذي: هذا حديث غريب، روى بعضهم هذا الحديث عن شريك ولم
يذكروا فيه الصنابحي، ولا نعرف هذا الحديث عن أحدٍ من الثقات غير شريك، في
الباب عن ابن عبّاس. وهذا هو نصّ كلام الترمذي على هذا الحديث حسب ما نقله أكثر المحقّقين كما سيأتي إنْ شاء اللّه تعالى، بل نصّ بعضهم على أنّه قال: حسن غريب كالمحبّ الطبري وغيره. وأمّا ما نقله الدهلويّ وغيره من أنّه قال: منكر غريب، فمردود من وجوه سيأتي بيانها فيما بعد. وقد تكلّم بعض المحقّقين في سند هذا الحديث بحجّة أنّ شريك سيء الحفظ ، فضعّف الحديث لأجل ذلك. فنقول: هذا صحيح، ولكن له شاهد من طريق آخر. رواه: ابن مردويه من طريق الشعبي عن عليّ عليهالسلام مرفوعاً به. وفي سنده ضعيف أشار إلى ذلك صاحب كتاب الفوائد المجموعة، وعليه إذا ضمّ حديث مدينة الحكمة إلى حديث مدينة العلم يزداد قوّة ومتانة. وممّا تقدّم تعلم أنّ كلام الدهلوي على هذا الحديث فيه شيء من المغالطة والتهويل لغرض التشكيك بالحديث ليس إلا، فهو لم ينقل آراء العلماء بشكل دقيق، وإنّما كان غرضه الحشو كعادة المشكّكين وإليك تفصيل ذلك: أوّلاً: ما نقله عن يحيى بن معين من أنّه قال: لا أصل لهذا الحديث فهو ممّا يضحك الثكلى، ويعدّ منه مغالطة صريحة ؛ لأنّ ابن معين يعتبر أوّل المصحّحين
لهذا الحديث بلا خلاف بين المحدّثيين، والمسألة مفصّلة في كتاب تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني في ترجمة عبد السلام بن صالح الهروي. وإنّما قال ابن معين: لا أصل له، من رواية عمر بن إسماعيل بن مجالد الذي ادّعى أنّه سمع الحديث من أبي معاوية في بغداد، فكذّبه ابن معين لأجل ذلك على اعتبار أنّ أبا معاوية لم يحدّث بهذا الحديث في بغداد كما هو موضّح في ترجمة عمر بن إسماعيل بن مجالد في كتاب تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني. ثانياً: بخصوص ما نقله عن الترمذيّ أنّه قال: إنّ الحديث منكر غريب، فهو مردودٌ ؛ لأنّ المعروف بين أهل العلم أنّ حكم الترمذي على بعض الاحاديث يختلف باختلاف النسخ المخطوطة لأصل سنن الترمذي، وقد اختلف قول الترمذي هنا على ثلاثة أقوال:
١ - إنّه قال: إنّ هذا الحديث غريب، نقل ذلك أكثر المحقّقين كالشيخ صلاح الدين العلائي (انظر اللآلئالمصنوعة ١: ٣٠٥) والخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح٣: ١٧٢١، وشمس الدين ابن الجزري في كتاب أسنى المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب، وكذا العلاّمة المناوي في كتاب فيض القدير شرح الجامع الصغير٣: ٦٠.
٢ - القول الثاني: إنّ الترمذي قال: حسن غريب، نقل ذلك المحبّ الطبري في الرياض النضرة٣: ١٣٧.
٣ - القول الثالث: ما نقل أنّه قال منكر غريب. فبعض الطبعات خصوصاً المطبوعة فى الدار السلفيّة اكتفت بهذا القول دفعاً لصدر الحديث، وإلا لو كان محقّقوا هذه الكتب أكثر موضوعيّة لأشاروا إلى اختلاف الأقوال في النقل عن الترمذيّ، وأنّ المنقول عنه هو أنّه قال: حديث غريب كما عليه أكثر المحقّقين من أهل السنّة، مع ملاحظة أنّ اختلاف الأقوال هنا إنّما أريد بها حديث أنا مدينة
الحكمة لا على حديث مدينة العلم فتأمّل ذلك. ثالثاً: أنّ الدهلوي لم ينقل آراء المصحّحين لهذا الحديث، وهم من الجهابذة الذين يعتمد على تصحيحاتهم (كابن معين) وهو إمام الجرح والتعديل كما مرَّ آنفاً وكذا تصحيح المفسّر الكبير محمّد بن جرير الطبري كما في كتابه تهذيب الآثار، وقد قال السيوطي: كنت أجيب بهذا الجواب دهراً إلى أنّ وقفت على تصحيح ابن جرير لحديث عليّ في تهذيب الآثار مع تصحيح الحاكم لحديث ابن عبّاس فاستخرتُ اللّه تعالى وجزمت بارتقاء الحديث عن مرتبة الحسن إلى مرتبة الصحّة كما في اللآلئالمصنوعة ١: ٣٠٦، وكتاب خلاصة عبقات الأنوار ج١٠ ص٢٣٦ / ٣٢٧، بل إنّه لم ينقل رأي الحافظ العلائي أو الشيخ ابن حجر العسقلاني من أنّ الحديث حسن لا صحيح ولا موضوع، نقل ذلك محمّد بن يوسف الشامي في أسماء رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم حرف الدال، ونقله السيوطي في اللآلئ١: ٣٠٦. وبوسعكم الرجوع إلى كتاب فتح الملك العليّ بصّحة حديث باب مدينة العلم عليّ للمحقّق أحمد بن الصديق الغماري، ففيه ما يغنيكم ان شاء اللّه تعالى. وللفائدة الأكثر: أرجع إلى صفحتنا تحت عنوان (الاسئلة العقائدية / حديث مدينة العلم).
ودمتم في رعاية اللّه.
مرّت ترجمته في٣: ٣٠٩ من هذه الموسوعة، ونشير هنا إلى معلومات أخرى لم تذكر من قبل. تعرّض المحامي محمّد على المتوكل في أحدى فصول كتابه ودخلنا التشيّع سجّداً إلى مدى اهتمام أمير المؤمنين عليهالسلام بالإصلاح الجذري في الحكومة والمجتمع الإسلامي وبيّن بأنّ هذا الإصلاح كان من أولى برامجه عليهالسلامبعد تولّيه الخلافة الإسلاميّة.
أمير المؤمنين عليهالسلام والإصلاح الجذري:
شكّل أمير المؤمنين عليهالسلام جهازاً ـ كخطوة اُولى في برنامجه الإصلاحي ـ قويّاً لإدارة الحكومة الإسلاميّة قوامه العناصر التي لم تكن العهود في الخوالي قد نالت منها، فأبعد كلّ الولاة الذين استعملهم عثمان وأقام بدلاً عنهم رجالاً من خواصّه وأهل ثقته، وقام بعزل معاوية عن إمارة الشام ممّا دفع الأخير إلى التمرّد على الإمام عليهالسلام، الأمر الذي أدّى إلى نشوب حرب صفّين فيما بعد. كما همّ عليهالسلام بردم الاختلاف الطبقي العميق القائم بين ثلّة قليلة من الموالين للخليفة وعامّة المسلمين، حيث كان قطّاع عريض من الناس يعيش الظلم والفقر
والحرمان إلى جانب أقلّية مستغلّة ومستأثرة ترى البلاد بطولها وعرضها بستاناً لها، وبيت المال مخزناً لأموالها. فقرّر أن يردّ إلى بيت المال كلّ قطائع عثمان التي اقتطعها للطلقاء وأبنائهم وأفراد حزبه من قريش، كما قرّر أن يسوّي بين الناس في العطاء مع عدم اعتبار اللون والعرق والجاه، تاركاً سياسة عمر حيث صنف الناس وفق تلك المعايير مقدّماً العرب على الموالي، والقرشيء على سائر العرب، والسابقين من قريش على المتأخّرين، والموالي الصريح منهم على غيره و . . . . وفي مواجهة هذه السّياسات قامت بعض الفئات المسلمة من أصحاب المصلحة، والتي اعتادت على الأوضاع القديمة ونظّمت حياتها على أساسها، قامت بعتاب أمير المؤمنين عليهالسلام على تسويته لهم بغيرهم، كما خاف بعض المخلصين عليه نقمة قريش فنصحوه أن يبقي الأُمور كما كانت عليه حتّى يستتبّ له الأمر، فردّ عليهم بقوله: لو كان المال لي لسوّيت بينهم، فكيف وإنّما المال مال اللّه، ألا وإنّ عطاء اللّه في غير حقّه تبذير وإسراف وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة(1). وحيث لم يجد الإمام عليهالسلام أذناً صاغية لطلباتهم قاموا بتشكيل جبهات مضادّة له عليهالسلام وأشعلوا فتيل الفتنة بين المسلمين، فرفعت عائشة قميص عثمان مدّعيةً الأخذ بثأره من أمير المؤمنين عليهالسلام وتزعّمت صراعاً أدّى إلى إراقة دماء جمع كبير من المسلمين، كما قام معاوية بحشد جيش في الشام وواجه أمير المؤمنين عليهالسلام في منطقة صفّين.
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٨: ١٠٩.
ولد عام ١٣٩٧ه ، (١٩٧٧م)، في السودان بمدينة أمدم حاج أحمد، نشأ في أُسرة مالكيّة المذهب، حفظ١٧ جزءاً من القرآن الكريم، كانت أُسرته عائلة دينيّة تمثّل مشيخة في الطريقة التيجانية، وكان جميع أفراد الأُسرة يحظون بمقام اجتماعي وروحي رفيع، توجه محمّد النّور نحوالتبليغ والدعوة، وكان قبل استبصاره من المبلّغين النشطين في منطقته.
الكتب التي تأثّرت بها:
يقول محمّد النّور: كان عمّي السيّد مجاهد أحمد النّور أوّل من استبصر من أُسرتنا، وكان استبصاره عام ١٤٠٦ه ، (١٩٨٦م)، وبواسطته تشيّع عمّي منتصر وأخي أحمد وآخرون من أُسرتنا. وفي سنة ١٤١٠ه ، (١٩٩٠م)، بدأت بقراءة الكتب الشيعيّة، فقرأت كتاب
المراجعات للعلامة شرف الدّين، وكتاب أئمّة أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف للشهيد الصدر ومجموعة كتب التيجاني السماوي، وليالي بيشاور، وبعض أجزاء موسوعة الغدير تأليف العلاّمة الأميني، وكتاب التشيّع للسيّد الغريفي، فصارت عندي معرفة عامّة حول نقاط الخلاف بين الشيعة والسنّة.
وعندما قرأت كتاب معالم المدرستين للسيّد العسكري، وكتاب أصول العقائد في الإسلام تأليف السيّد اللاّري، بلغت مرحلة اليقين بأحقّية مذهب أهل البيت عليهمالسلام فتشهّدت بأنّ لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّداً رسول اللّه وأنّ علياً وليّ اللّه.
إعجابي بكتاب أصول العقائد:
يضيف محمّد النّور: يُعدّ كتاب أصول العقائد من أهمّ الكتب التي أدّت قراءتها إلى بلورة قناعتي التامّة بأحقّية مذهب أهل البيت عليهمالسلام.
ومن أهمّ البحوث التي تأثّرت بها في هذا الكتاب هو الأصل الرابع المتضمّن لمبحث الإمامة، وقد جاء فيه:
الرسول ومستقبل الإسلام:
إنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم ، كان خبيراً بأنّ الاُمّة بعد وفاته سوف تفقد محور وحدتها، وتسقط في خضم أمواج الاختلاف والتشتّت. إنّ المجتمع الإسلامي الجديد يومذاك كان مشكّلاً من المهاجرين بما فيهم بنو هاشم وأُمّية وقبائل عدي وتيم، والأنصار من الأوس والخزرج، وبوفاة شخصيّة رسول اللّه ثارت نيران الفتن في الرؤوس، وكان كثير منهم لا يفكّرون في ما يصلح للإسلام، بل في سبيل الحصول على زعامة المسلمين وتبديل القيادة الإلهيّة بحكومة مركزيّة قويّة مقتدرة وأن الأماني والآمال والاتجاهات المختلفة لم تدع رباطاً دينيّاً أصيلاً وقويّاً، وقد نوّه بذلك رسول اللّه لأصحابه فقال:
افترقت أُمّة موسى على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت أُمّة عيسى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أُمّتي هذه على ثلاث وسبعين، فرقة واحدة ناجية، وسائر الفرق في النار(1).
1) انظر: سنن ابن ماجه ٢: ١٣٢٢ حديث٣٩٩٢.
إنّ أقوى الصدمات التي أصابت اتّحاد المسلمين بعد وفاة رسول الإسلام، وبذرت فيهم بذور التفرقة، لهي اختلاف أنظارهم حول الحاكم الإسلامي، الذي جرّ إلى إثارة نيران الحروب والصراع والفتن فيهم، وشقّ عصاهم، وفرّق صفوفهم.
حقّاً لو كان النبيّ لم يفكّر في علاج هذا الدّاء الموحش الذي كان يتنبأ به، ولم يدّبر لوقاية الأُمّة من آثار الفراغ الكبير الذي يصيبهم بفقدهم القائد الأوّل، والمخاطر التي بإمكانها أن تصيب المجتمع الإسلامي بعده، فيترك الساحة بدون أيّ تدبير لمصيرها، ألم يكن هو قد خلق لها تلك المشاكلّ الكبرى الناتجة من إهمال مسؤوليّة الحكومة وإدارة الأمور؟! بينما كانت مخاطر المستقبل ممّا يتنبأ بها حتّى من دون أيّة علاقة بالوحي والغيب؟ كيف لنا أن نصدّق بأنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم الذي لم يترك أيّة نقطة من رسالته لم يبيّنها لهم، لم يكن ملتفتاً إلى مسيرة الإسلام في المستقبل وضرورة حراسة موضع الحقّ فيه؟ بل ضرورة حفظ كيان الدّين وموجوديّة الأُمة، فيدع مسؤوليّة صيانة الرسالة إلى أحوال المستقبل وما تدبّره لها يد التقدير؟! الذين يقولون: إنّ النبيّ لم يصوّر لأُمته أيّة صورة عن شكل الحكم بعده، وإنّه التزم السكوت في ذلك، وإنّه ترك أمّته بلا تكليف في ذلك، هؤلاء كيف يجرؤون على نسبة هذه المسامحة والسكوت في غير موضعه إلى ساحة من كان يمثّل العقل الأوّل في البشر؟! ولاسيّما بعد التوجّه إلى أنّ وفاته لم تقع فجأة، بل كان هو صلى الله عليه و آله و سلم يخبر عن ذلك بقوله: يوشك أن أُدعى فأجيب، بل أعلن للناس ذلك في حجّة الوداع، وأنّه سوف لا يراهم في موسم الحجّ القابل. إنّ الإسلام، ذلك الغرس الناشيء الذي كان أمامه إلى أن يثمر درب طويل،
تعيين الخليفة حقّاً ولذلك حدّد الشورى في ستّة أشخاص. وأمّا أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام فإنّه رضي بالأمر الواقع خوف فتنة الناس وعودتهم للجاهلية.
ومع هذا فكيف غضّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم الطرف عن هكذا مسألة حسّاسة للغاية، والخطر العميق المحدق بالرسالة، والناس قريبوا عهد بالجاهليّة، ولم يتقدّم إلى المسلمين بأطروحة لسلامة الأُمّة من تلك الأخطار المرتقبة بعد وفاته؟! حقّاً ليس بإمكاننا أن نجد أيّ توجيه أو تفسير نتقبّله لاتّخاذه هذا الموقف السلبيّ، ولعدم اهتمام رسول الإسلام بهذا الأمر، ولا نستطيع أن نتصوّر أنّه لم يكن يعني بأمر الدعوة بعده، ولم يكن يهتمّ بما يجري عليها بعد وفاته!
بل إنّ رسول اللّه كان - وهو في فراش الموت وآلام الأسقام تؤلمه بشدّة - يفكّر في الرسالة والأُمّة قلقاً على مستقبلها، بل كان هذا هو كلّ ما يشغل باله آنذاك، وفي تلك اللّحظات الحسّاسة التي كان كلّ الحاضرين - ومنهم عمر بن الخطّاب - يغطّون في حالة من البُهت والاضطراب العميق قال: ائتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لن تضلّوا به بعدي أبداً(1). إنّ محاولة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم هذه والتي اتّفق الفريقان على نقلها وصحّتها لهي خير شاهد على أنّ رسول اللّه في اللحظات الأخيرة من حياته كان يَحسّ بالمسؤوليّة عن مستقبل الإسلام، وأنّه كان يفكّر في الأخطار بعد وفاته، وأنّه لحفظ أُمّته من الانحراف ووقاية لها من الانحطاط حاول أن يريها الدّرب للمستقبل، إذ كان هو أكثر البشر فهماً وأعمقهم دركاً. وهنا ينبغي الالتفات إلى مسألة الوصاية والخلافة في الأديان والشرائع السابقة، فالرسل جميعاً وكثير من الأنبياء كانوا يختارون لأنفسهم أوصياء من
1) المستدرك على الصحيحين ٣: ٤٧٧.
بعدهم، وحيث يقضي القرآن الكريم بعدم تغيير سنّة اللّه في خلقه، كان على رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم - وهو من المرسلين - أن يعمل بهذه السنّة الإلهيّة.
فيعرّف الأُمّة بوصيّه وخليفته من بعده، وكذلك كان. فإنّه بأمر ربّه وبمقتضى رسالته واستمراراً لها اختار خليفته ووصيّه وعيّن تكليف أُمّته من بعده، وإنّ هذه العقيدة بالوصاية لهي من صلب كتاب اللّه وصميم أحكام الإسلام، ولاسيّما بالنظر إلى ما يتّسم به من الكمال والتمام(1).
اقتطاف ثمار البحث:
واصل محمّد النّور قراءته لكتاب أصول الاعتقاد ومن هذا المنطلق وصل إلى القناعة التامّة بأحقّية مذهب أهل البيت عليهمالسلام فأعلن استبصاره وكان ذلك عام ١٤١١ه ، (١٩٩١م)، ثُمّ هاجر إلى مدينة قم المقدّسة ودرس في الحوزة العلميّة بقم، وواصل دراسته حتّى أخذ شهادة البكالوريوس في فرع التاريخ الإسلامي، وأخذ شهادة الماجستير في فرع الأديان والمذاهب، ثُمّ تخصّص في الفلسفة والعرفان، ثُمّ درس الفقه والإصول إلى مرحلة البحث الخارج.
العودة إلى الوطن:
عاد محمّد النّور إلى بلده السودان محمّلاً بعلوم ومعارف أهل البيت عليهمالسلام، وتصدّى لرئاسة رابطة سفينة النجاة الثقافية الإسلاميّة، ومهمّة هذه الرابطة رفع الوعي والمعرفة الدينيّة بين الشيعة السودانيّين، فقرّر القيام بدورة دراسيّة قصيرة مستهدف بها أبناء الشيعة بالسودان لتعريفهم بالمسائل الهامّة على مستوى العقيدة والأحكام المبتلى بها.
ويقول محمّد النّور حول ضرورة الدورة التي تقيمها هذه الرابطة والهدف
1) أصول العقائد ٣: ١٩ - ٢٢.
المتوخّى منها: تتوقّع الرابطة أن تسهم هذه الدورة بشكل كبير ومؤثّر في تعريف أبناء الشيعة والمستبصرين الجدد بعقائد ومعارف أهل البيت عليهمالسلام، وتصحيح عباداتهم والأحكام عندهم، وتحصينهم أمام الهجمات الوهابيّة المستعرة ضدّ التشيّع، وإشعارهم بإحساس العالم الشيعيّ بهم وباحتياجاتهم، والتأكيد على دورهم المنتظر في نشر مذهب أهل البيت عليهمالسلام وتعريف الناس بهم وبمقامهم ومظلوميّتهم صلوات اللّه عليهم.
وتتأكّد ضرورة هذه الدورة وبشكل أساسي إضافة لما ذكرنا، في سعيها للحؤول دون حدوث أيّ تصرّفات من قبل الشيعة تؤدّي إلى إثارة الآخرين ضدّهم، خصوصاً مع حالة الاستعداد التي يمارسها الوهابيّون على المجتمع ضدّ
الشيعة والتشيّع.
يضاف لذلك تعريف الأُخوة بالمسائل السياسيّة من حولهم على كلّ المستويات، سواء في السودان أو في المنطقة والعالم ككلّ، ممّا يسهم في تنمية معرفتهم وعدم انجرارهم وراء أطروحات بعض الجهات والأحزاب التي تمثّل خطراً على دينهم وأُمتهم وعلى التشيّع في السودان، كما تسهم في تذكيرهم بمحاسن الأخلاق ووصايا أهل البيت عليهمالسلام للشيعة في كيفيّة التعايش مع غيرهم، كما تأمل أن يكون ربط الناس بالجوّ الروحي للتشيّع وأدعيّة الأئمّة عليهمالسلام من ثمار هذه الدورة.
مرّت ترجمته في٣: ٤٥٩ من هذه الموسوعة، ونشير إلى آخر ما حصلنا عليه من معلومات لم تُدرج من قبل.
بعد تجلي الحقائق وإزالة الستائر عن أبصار معتصم قام بدوره في نشر ذه الحقائق من خلال مناقشاته وحوارته مع الوهابية في السودان، وقد ألّف كتاباً سرد فيه الحوارات التي جرت بينه وبين علماء الوهابية في السودان تحت عنوان
حوارات، ومن تلك الحوارات ما يلي: مع الوهابية في أركان النقاش:
دارت في الساحة الفكرية في مدينة عطبرة أحداث ساخنة، بعد أن سيطر الطرح الشيعي على مستوى المناظرات وأركان النقاش، خاصة بين طلبة جامعة وادي النيل، فكان حديث الساعة الشيعة والتشيّع حتّى في الأماكن العامة، هذا ممّا أشعل نار الحقد الوهابي، فكثّفوا هجومهم على الشيعة فى كلّ منابرهم.
وعندما علموا أنّ مصدر التشيّع في المدينة هو جامعة وادي النيل، عملوا على حجز دار الطلاب - وهي دار كبيرة تقام فيها نشاطات الطلاب الثقافية والسياسية - لمدةّ يومين، وهما الخميس والجمعة، وكان برنامجهم يشتمل على
معرض كتاب وملصقات وعرض فيديو، كلّها تعرّف بالشيعة، بالإضافة إلى محاضرة في اليوم الأول بعنوان وجاء دور المجوس وكان المحاضر مستعار من مدينة أخرى وهي (مدني) جنوب الخرطوم، وفي اليوم التالي كان ركن النقاش بعنوان (هذا أو الطوفان)، ويختلف ركن النقاش عن المحاضرة بأنّه يغلب عليه طابع النقاش والجدال والحدّية أكثر من المحاضرة.
وكان قصدهم من هذا الجهد هو تشديد الضربة على الشيعة، حتّى ينتهي وجودهم في المدينة، أو على الأقل يحدثوا قطيعة بين الشيعة والمجتمع . . . (1). حينها تقدّم المتحدّث وشرع في حديثه، وكان يحتوي على الأمور التالية: * اختلف المسلمون إلى مذاهب عديدة، وهذا مصداق لحديث رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى اثني وسبعين فرقة، وستفترق أُمتّي إلى ثلاثة وسبعين فرقة، كلّها في النار إلاّ واحدة، وقيل: من هم يا رسول اللّه؟ قال: ما كنت عليه أنا وأصحابي. وهذا الحديث نصّ صريح على أن طريق النجاة هو الأخذ بمنهج السلف الصالح، فهم الذين فهموا الدين ونقلوه، وحفظوا القرآن وفسّروه، ولا يجوز أن نقدّم رأينا على كلامهم، بل نتمسّك بهم ونعضّ على سنّتهم بالنّواجذ.
إنّ الشيعة عندما أرادوا أن يطعنوا في الدين طعنوا في الصحابة، والطعن في الناقل هو الطعن في المنقول، فشككوا في عدالة الصحابة وجرّحوهم، مع أنّ الجرح والتعديل لا يجوز في حقّهم ؛ لأنّهم وثقّهم اللّه ورسوله.
إنّ فرقة الشيعة ابتكرتها اليهودية، ولذلك نجد أنّ مؤسّسها يهودي اسمه عبد اللّه بن سبأ، وهو دخيل على الإسلام، وما كان يقصد إلاّ الفتنة، فغلوا جماعته في عليّ وألّهوه حتّى أحرقهم بالنار، وهذا دليل كافي على أن عليّاً بريءٌ
1) حوارات: ٣٣.
منهم . . . . ولم يخرج كلامه من هذه النقاط، وبعد أن ختم حديثه، وزّع جماعته قطعاً ورقيةً حتّى تكتب فيها الأسئلة، ولكنّها طريقة غير مجدية في حقّنا، فرفعت يدي وطلبت أن أسأل مباشرةً، فوافق على ذلك.
وبعد أن أمسكت بلاقطة الصوت، شكرته على إتاحته الفرصة لنا، وقلت له:
إنّ لي ملاحظات على كلّ كلامك، ولكن أن أسألك وأنت تُجيب فهذه مسألة غير منصفة، فأخيّرك بين أمرين: إمّا تعقد معي مناظرة، وإمّا أن تسمح لي بالكلام حتّى أعقّب على كلّ المحاضرة، فأيهما تختار؟ سكت مدّة من الزمن وقال: أسمح لك بخمس دقائق.
قلت: لا تكفي.
قال: عشرة دقائق. أيضاً لا تكفي، وأنا أرى أن تكون مناظرة، حتّى لا تكون محدّدة بزمن، ونحن مستعدون أن نجلس معك أسبوعاً كاملاً ونطرح كلّ العقائد الشيعية من الألف إلى الياء.
تكلّم براحتك.. وكأنه هاربٌ من المناظرة!! وبعدما فسح لي المجال للتحدّث، رأيت أنّه من الأنسب أن لا أعتمد على منهجيّة الردّ وحسب، وإنّما أقوم بتوضيح عام لمفهوم التشيّع، ونشوئه التاريخي ومصادره، بمثابة مقدّمة تأصيلية.
فقلت: إنّ التشيّع ليس وليد اللحظة، ولا وليد حالة تاريخيّة معيّنة كما يقول البعض: إنّ التشيّع نشأ بعد حرب الجمل، أو كما يقال: إنّ التشيّع أصبح خطاً في الأمّة الإسلاميّة بعد حادثة كربلاء الأليمة التي ولدت تياراً عاطفياً عنيفاً في نفوس المسلمين ممّا جعلهم يتبنّون أهل البيت عليهمالسلام باعتبارهم قيادةً للمسلمين.
وليس كما يقول المجحفون إنّ التشيّع وليد الذهنيّة اليهودية التي تمثّلت في شخصية عبد اللّه بن سبأ.
إن الناظر إلى التشيّع بروح موضوعية، يرى أنّه ضارب جذوره في عمق الرسالة المحمّدية، فهو كمفهوم واضح من خلال النصّ القرآني والأحاديث النبوّية، فإنّه لا يتجاوز أن يكون نظرة عميقة في سنن اللّه سبحانه وتعالى، التي نستخلص منها ضرورة اصطفاء أئمّة وقادة ربّانيين يتكفّلون بقيادة البشريّة إلى نور الهداية، فالضرورة العقلية تحتّم وجود إمام من قبل اللّه ليقود هذه الأمّة، وتؤيّد هذه الضرورة العقلية النصوص الشرعيّة التي نجدها ظاهرة في تنصيب الأئمّة واصطفاء القادة، فما من مجتمع بشري مرّ على تاريخ الإنسانية إلاّ وكان فيه قيادة إلهيّة تمثّل حجّة اللّه على العباد، فقد أرسل اللّه مائة وأربع وعشرين ألف نبيّ كما في بعض الروايات، ولكلّ نبي وصيّ يحفظ خطّ الرسالة من بعد النبيّ.
وما لاقته الأمّة الإسلاميّة من تمذهب وفرقة ما كان إلاّ لفقدان المرجعية الواحدة، المصطفاة من قبل اللّه، وممّا ثبت بالضرورة إنّ فترة وجود الرسول صلى الله عليه و آله و سلم كان المسلمون كياناً واحداً لوجود رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم بينهم، وكذلك إذا فرضنا وجوده صلى الله عليه و آله و سلم إلى اليوم لكانت الأمّة الإسلاميّة جسداً واحداً، فيتّضح بذلك أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم كان يمثّل صمّام أمان لهذه الأمّة، فمجرّد ما انفلت صمّام الأمان أنفلت الوضع من بعده، فماذا كان يمثّل رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ؟!
كان يمثّل المرجعية المعصومة والقيادة الواحدة، فيثبت من ذلك أنّ الطريق الوحيد لعصمة الأمّة هو وجود قيادة إلهية معصومة. وهذا ما تتبنّاه الشيعة، ومن هنا كان من الضروري أن يُنصب اللّه ورسوله إماماً لقيادة المسلمين، والذي ينكر هذا التنصيب - بمعنى أنّ اللّه لم يعيّن إماماً - يكون بذلك نسب سبب الضلالة إلى اللّه ورسوله.
فهذا هو مفهوم الإمامة، ولا أتصوّر أنّ أحداً من المسلمين ينكر الإمامة
كضرورة ومفهوم، ولكنّ الخلاف كلّ الخلاف في مصاديق الإمامة الخارجية، فإنّ الشيعة تعتقد أنّ الإمامة جارية في ذرية رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم وأهل بيته عليهمالسلام، ولم يكن هذا مجرّد افتراض جادت به قريحة الشيعة، وإنّما هو نصّ قرآني وحديث نبوي.
قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم كما جاء في الحاكم: أُوحي إلي في عليّ ثلاثة: أنّه سيّد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغرّ المجلين.
وحديث جابر بن عبد اللّه قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم وهو آخذٌ بضبععليّ بن أبي طالب عليهالسلام وهو يقول: هذا إمام البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله.
وقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : مرحباً بسيّد الموحدين وإمام المتقين.
وعن عليّ بن أبي طالب عليهالسلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : الأئمّة من ولدي، فمن أطاعهم فقد أطاع اللّه، ومن عصاهم فقد عصى اللّه، هم العروة الوثقى، والوسيلة إلى اللّه جلّ وعلا، ومئات الأحاديث، فما ذنب الشيعة بعد ذلك إذا والوا عليّ بن أبي طالب، وأخذوا دينهم منه، فهو المسار الطبيعي للرسالة، ولولاه لم يعرف للدين معنى.
ولذلك نجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أكّد كثيراً على ضرورة الإمامة وإمامة عليّ بن أبي طالب عليهالسلام بالذات، وهذا هو التشيّع.
فهل لكم معنى آخر للتشيع حتّى تنسبونه إلى عبد اللّه بن سبأ؟! بل كلمة الشيعة نفسها لم تكن مصطلحاً غريباً على الأمّة الإسلاميّة، فقد عمل رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم على تثبيت هذا المصطلح وتأصيله في ذهنية الأمّة الإسلاميّة، كما جاء في حديث جابر قال: كنّا عند النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فأقبل عليّ عليهالسلام فقال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة فأنزل
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(1). وكما جاء عن ابن عبّاس قال: لما أنزل اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم لعلي عليهالسلام: هم أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي عدوك غضاباً مقمحين. وغير هذه الروايات الواضحة في تحديد مسار الأمّة بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ، لذلك نجد أنّ لهذه الروايات مصاديق وترجمة خارجية من مجموعة من الصحابة كسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمّار بن ياسر، والمقداد، حتّى أصبح لفظ الشيعة لقباً لهم. ذكر أبو حاتم في كتابه الزينة: إنّ أوّل اسم لمذهب ظهر في الإسلام هو الشيعة، وكان هذا لقب أربعة من الصحابة: أبو ذر، عمّار، والمقدادوسلمان الفارسي.
هذا بالإضافة لوجود كثير من الآيات والأحاديث التي توجب اتباع أهل البيت خاصّة وأخذ الدين عنهم، كقوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(2). من الضروري أن لا يكون اللّه طهّرهم من الذنوب عبثاً، وإنّما تطهيرهم مقدّمة لاتّباعهم وأخذ الدين منهم، كما جاء في الحديث: إنّي تارك فيكم الثقلين ما إنّ تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، إنّ العليم الخبير أنبأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض(3)٩]. وهذا يدل على أنّ البعد عن الضلالة لا يتحقّق إلاّ باتّباعهم وأخذ الدين منهم، حتّى السلف - الصالح - لا يسمّى صالحاً إلاّ إذا أخذ دينه عن أهل البيت عليهمالسلام.
فبأيّ حجّة بعد ذلك تقول: إنّ أخذ الدين لابدّ أن يكون عن طريق السلف؟ وأيّ سلف تقصد؟ هل الذين لم يتفقوا في أبسط الأحكام الفقهية، كاختلافهم في قطع يد السارق، فهل تُقطع من أصل الأصابع، كما قال بعض الصحابة، أو من الكف، أو من المرفق، أو من الكتف كما قال آخرين.
فمن الضروري أن يكون رسول اللّه قد بلغّ حكماً واحداً لا أحكاماً متعدّدةٌ، وهذا يدلّ على أنّ الصحابة هم الذين أخطأوا، فكيف نعتمد على قولهم وندين اللّه تعالى باتباعهم؟! فإذاً ليس كما ذهبت أنّ الطريق هو متابعة كلّ السلف الذين اقتتلوا وكفّروا بعضهم، وإنّما يؤخذ الدين عن شريحة خاصة كفل اللّه عصمتهم من الاختلاف، وهم أهل البيت عليهمالسلام الذين تواترت الروايات في حقّهم ووجوب اتباعهم.
أسألك باللّه إن كنت صادقاًً فما تقول، أن تثبت لي دليلاً واحداً يقتضي بوجوب اتباع السلف؟! واستدلالك ببعض الآيات كقوله تعالى: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى(1)، فإنّها لا يمكن أن تحمل على مطلق السلف، وإنّما هي عامّة، وتخصيصها يحتاج إلى دليل، ولا توجد قرائن تخصّصها إلاّ ما جاء في حقّ أهل البيت عليهمالسلام، ولا يمكن أن تحملها على مطلق السلف كما ثبت من وقوع الاختلاف بينهم.
ولا نقبل استدلالك بقوله تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ . . .(2)، فإنّها لا تتجاوز أن تكون مدحاً، وإن تنازلنا وسلّمنا بظهورها فيما تدعي، فإن الظهور لا يقابل النصوص الواضحة القاطعة بوجوب اتباع أهل البيت عليهمالسلام.
ونحن ندري أنّ مشكلتكم ليست الأدلّة والبراهين الواضحة في وجوب اتباع أهل البيت عليهمالسلام، وإنّكم لم تكونوا سلفيين بمحض إرادتكم، وإنّما هذا ما ورثتموه من التاريخ الجائر للحكمين الأموي والعباسي، الذي عمل جهده حتّى يورث الأمّة تياراً يواجه أهل البيت عليهمالسلام، وإلاّ ما كرّرت أنت نفس مالاكه علماؤك الأقدمين، الذين صنعتهم السلطات الجائرة، ليشوّهوا صورة التشيّع.
باللّه عليك، هل هناك عاقل له قليل إطلاع بالمذهب الشيعي يكون صادقاً مع نفسه إذا نسبه إلى عبد اللّه بن سبأ؟ نعم قد يكون الجاهل معذوراً، ولكن ما عذر من يكرّر الجهل ويتبنّاه من غير دراية وتحقيق، ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين، فكيف تتحدّثون عن الشيعة، وكأنّهم مخلوق غريب لا ارتباط لهم بالإنسانية، ويعيشون في كوكب غير كوكبنا.
عزيزي، إنّ الوسائل قد تغيّرت، فاتركوا ما ورثتموه عن سلفكم، ابحثوا عن وسائل جديدة في الردّ على الشيعة، فزمنهم غير زمنكم، فقد تعددت وسائل المعارف، فهذه الكتب الشيعية متوفّرة في كلّ مكان، فاطلعوا على براهينهم، وهذه البلاد الشيعية زوروها وقفوا على أحوالهم، ولا تقولوا كما قال محمّد بن عبد الوهاب: إنّ الشيعة إذا ماتوا تحولوا إلى قردة وخنازير.
وكان بإمكاني أن لا أردّ على ما ذكرت، لأنّه لا يرقى إلى مستوى الفكري والنقاش، ولكن تنازلاً أعقّب على ما ذكرته في حديثك.
أولاً: إنّ نسبة الشيعة إلى عبد اللّه بن سبأ، يرجع إلى ما رواه الطبري، وهو أول راوي لذلك، أمّا بقيّة المؤرخين فإنّهم أخذوا منه، وروى الطبري ذلك عن سيف بن عمر، وسيف معروف قدره عند علماء الجرح والتعديل(1)، فإنّه رجل
1) قال يحيى بن معين ت٢٣٣ه: ضعيف الحديث فلسٌ خير منه. وقال أبو داود (ت٢٧٥ه): ليس بشيء كذاب. وقال النسائي صاحب الصحيح (ت٣٠٣ه): ضعيف ومتروك الحديث ليس بثقة ولا مأمون. وقال ابن حاتم (٣٢٧ه): متروك الحديث. وقال ابن عدي (٣٦٥ه): يروي الموضوعات عن الأثبات، أتهم بالزندقة، وقال: قالوا كان يضع الحديث. وقال الحاكم (٤٠٥ه): متروك، وقد أتهم بالزندقة. وهاهُ الخطيب البغدادي، ونقل ابن عبد البر عن بن حيان أنّه قال فيه: سيف متروك، وإنّما ذكرنا حديثه للمعرفة، ولم يعقب بن عبد البر عليه، وقال الفيروز آبادي، صاحب توالف، وذكره مع غيره وقال عنهم: ضعفاء. وقال ابن حجر بعد ايراد حديث ورد في سنده اسمه: فيه ضعفاء أشدهم سيف. وقال صفي الدين ضعفوه، وروى له الترمذي فرد حديث. تهذيب الكمال ١٢: ٣٢٦.
كاذب ومدلّس ولا يؤخذ برواياته، وللمزيد ارجع إلى كتاب عبد اللّه بن سبأ وأساطير أخرى للعلاّمة مرتضى العسكري.
ثانياً: حتّى لو سلّمنا بهذه الروايات، فإنّها لا تقول بأنّ عبد اللّه بن سبأ هو مؤسّس الشيعة، فكلّ ما فيها أنّ هذا الرجل ادّعى أنّ لكلّ نبي وصي ووصي محمّد صلى الله عليه و آله و سلم هو عليّ عليهالسلام، وهذا ليس من مبتكرات عبد اللّه بن سبأ، وإنّما صرّح به رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم من قبل، فإذا كان قول الشيعة مطابق لقول ابن سبأ، فما هو وجه الملازمة بين هذا وبين أن يكون هو مؤسّس الشيعة؟ فما هو وجه الشبه حتّى تربط بين الأمرين؟! ولعمري إنّها لسخافة في الرأي.
أمّا تأليه عليّ عليهالسلام وأنّ عليّاً أحرق أتباعه بالنار، فإن الشيعة لا تؤمن بذلك، وإنّما نعتقد أنّ عليّاً عليهالسلام عبدٌ صالح من عباد اللّه الصادقين، أختاره اللّه لحمل رسالته من بعد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم .
ثالثاً: ما كانت هذه الفرية إلاّ حلقة من مسلسل الوضع على الشيعة، كما قال طه حسين: ابن سبأ شخص ادّخره خصوم الشيعة للشيعة ولا وجود له في الخارج.
وتستهدف هذه المحاولة تشويه عقائد الشيعة التي تنبع من القرآن والسنّة، مثل الوصية والعصمة، فلم يجد أعداؤهم طريقاً إلاّ ربط هذه العقائد بجذر
يهودي،كون بطلها شخصاً خيالياً اسمه عبد اللّه بن سبأ، فيلقى اللوم بذلك عليه وعلى الذين أخذوا منه، وهذا بالإضافة إلى تعديل صورة الصحابة وتنزيههم عن اللوم والعتاب، بما جرى بينهم من فرقة واختلاف انتهت بقتل عثمان، وحرب الجمل التي تعتبر أكبر فاجعة بعد حادثة السقيفة، حيث راح ضحيتها آلاف من الصحابة.
وما هذه القصة المفتعلة عن ابن سبأ إلاّ تغطية على تلك الفترة الزمنية الحرجة، فألقوا مسؤولية ما حدث على هذه الشخصية الوهمية وأسدلو الستار، ومن غير ذلك يكون الصحابة أنفسهم مسؤولين عما حدث، من انشقاق الأمّة وتفرّقهم إلى مذاهب ومعتقدات شتى.
ولكن هيهات، فكيف يتسنى لهذا الدخيل أن يعبث حتّى غيّر تاريخ الإسلام العقائدي، ولاصحابة شهود على ذلك؟!! فإذا لم يكن الصحابة قادرين على قيادة الأمّة إلى برّ الأمان في حياتهم، فكيف يقودوا الأمّة بعد وفاتهم، فالذي فشل في حياته كيف ينجح بعد مماته؟!
وعندما كنت أتحدّث كان بعض الوهابية يصيحون الزمن الزمن، ولكن المحاضر صامتاً وكأنّ على رأسه الطير ولم يتفوّه بكلمة واحدة، وشعرت بأنّه يطلب المزيد(1).
ومن خلال هذه الحوارات والنقاشات استطاع معتصم أن يفحم المحاضر الوهابي.
ولا يزال معتصم يواصل نشاطاته في مواجهة هذا التيار المنحرف رغم
كلّ الصعوبات التي تواجهه سعياً منه في إبراء ذمّته أمام اللّه تبارك وتعالى إزاء المسؤولية التي تقع على كاهله.
1) حوارات: ٣٥ - ٤٦.
ولد عام ١٤٠٦ه (١٩٨٦م) في السويد نشأ في أُسرة مسيحيّة، ثُمّ شملته العناية الإلهيّة فاستبصر. يقول إسماعيل بليكشة حول استبصاره: اندفعت للبحث حول الإسلام ولاسيّما التشيّع نتيجة كثرة الأخبار التي كانت ترد على أسماعي حول إيران بعد انتصار الثورة الإسلاميّة فيها.
واستمرّت مطالعاتي لمدّة سنة واحدة، حتّى أيقنت بأحقّية الإسلام، لكنّني استصعبت ترك معتقداتي التي طالما عشت معها، والتي بذلت في سبيلها الكثير من وقتي ومالي وعواطفي ومشاعري، ولكنّني في نهاية مطاف الصراع النفسي الذي عشت فيه أحبّبت إنهاءه باتّباع العقل والتحرّر من مشاعر العاطفة والأحاسيس.
مواجهة مشكلة تعدّد المذاهب:
يضيف إسماعيل بليكشة: واجهت بعد إسلامي مشكلة تعدّد المذاهب فيه، فحبذت الانتماء إلى الأكثريّة، فاخترت مذهب أهل السنّة، وطالعت عنه مدّة ثلاث سنوات من أجل رفع مستواي الديني والعلمي.
وكنت نتيجة تغيير انتمائي العقائدي معرّضاً للسؤال ممّن حولي، فلهذا كنت أحاول البحث حول الإسلام على الدوام من أجل الاستعداد للإجابة على الأسئلة
المحتملة التي قد أواجهها من قبل الآخرين. وكانت من الأسئلة التي خشيت أن أُسأل عنها هو معرفة التشيّع كفرقة إسلاميّة لها أتباع قاموا بثورة كبيرة في دولة إيران.
ومن هنا بدأت بحثي حول التشيّع، فراسلت بعض المراكز والمؤسّسات الدينيّة الموجودة في إيران والمتعهدّة بإرسال وإهداء الكتب إلى خارج البلد، وذلك بعد استفساري وحصولي على عناوينهم.
وبهذه الطريقة حصلت على بعض الكتب الشيعية، منها كتاب المراجعات للعلاّمة شرف الدين، وكتب أخرى حتّى تبيّن لي أنّ التشيّع هو الإسلام الحقيقي دون باقي المذاهب الإسلاميّة، وذلك لأنّه يتلقّى علمه من عترة الرسول الذين أمر الرسول باتّباعهم، والتمسّك بهديهم، والاعتصام بهم وبالقرآن لصيانة النفس من الضلال.
مقام ومنزلة أهل البيت عليهمالسلام:
قرأ إسماعيل بليكشة في كتاب المراجعات نصوصاً مستندة كلّها، تدل بقاطعيّة على وجوب اتّباع أهل البيت عليهمالسلام بعد الرسول ومن هذه النصوص:
قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي، فليوال عليّاً من بعدي، وليوال وليّه، وليقتد بأهل بيتي من بعدي، فإنّهم عترتي، خلقوا من طينتي ورزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذّبين بفضلهم من أُمّتي القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم اللّه شفاعتي.
وقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أيضاً : من أحبّ أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنّة التي وعدني ربّي، وهي جنّة الخلد، فليتولّ عليّاً وذريّته من بعده، فإنّهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم باب ضلالة.
وكذلك حديث عمّار بن ياسر قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : أوصي من آمن بي
وصدّقني بولاية علي بن أبي طالب، فمن تولاّه فقد تولاّني، ومن تولاّني فقد تولّى اللّه، ومن أحبّه فقد أحبّني، ومن أحبّني فقد أحبّ اللّه، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبعض اللّه عزّ وجلّ(1). وورد عن عمّار أيضاً: قال صلى الله عليه و آله و سلم : اللّهم من آمن بي وصدّقني، فليتولّ علي ابن أبي طالب، فإنّ ولايته ولايتي، وولايتي ولاية اللّه تعالى(2).
وخطب رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم مرّة فقال: يا أيها الناس إنّ الفضل والشرف والمنزلة والولاية لرسول اللّه وذريّته، فلا تذهبنّ بكم الأباطيل(3). وقال صلى الله عليه و آله و سلم : في كلّ خلف من أُمّتي عدول من أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالّين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين(4). وقال صلى الله عليه و آله و سلم : فلا تقدموهم فتهلكوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم(5). وقال صلى الله عليه و آله و سلم : واجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، ولا يهتدي الرأس إلاّ بالعينين(6).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : الزموا مودّتنا أهل البيت، فإنّه من لقيّ اللّه وهو يوّدنا، دخل الجنّة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده، لا ينفع عبداً عمله إلاّ بمعرفة حقّنا(7).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : معرفة آل محمّد براءة من النار، وحبّ آل محمّد جواز على الصراط، والولاية لآل محمّد أمان من العذاب(8).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : لا تزول قدم عبد ـ يوم القيامة ـ حتّى يسأل عن أربع، عن عمره فيما أفناه وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله فيما أنفقه ومن أين اكتسبه، وعن
1) راجع مصادر هذه الأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة: المراجعات، العلاّمة شرف الدين ٧٩ ـ ٨٠ المراجعة ١٠.
2) راجع مصادر هذه الأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة: المراجعات، العلاّمة شرف الدين: ٨١ ـ ٨٢، المراجعة ١٠.
3) راجع مصادر هذه الأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة: المراجعات، العلاّمة شرف الدين: ٨١ ـ ٨٢، المراجعة ١٠.
4) راجع مصادر هذه الأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة: المراجعات، العلاّمة شرف الدين: ٨١ ـ ٨٢، المراجعة ١٠.
5) راجع مصادر هذه الأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة: المراجعات، العلاّمة شرف الدين: ٨١ ـ ٨٢، المراجعة ١٠.
6) راجع مصادر هذه الأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة: المراجعات، العلاّمة شرف الدين: ٨١ ـ ٨٢، المراجعة ١٠.
7) راجع مصادر هذه الأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة: المراجعات، العلاّمة شرف الدين: ٨١ ـ ٨٢، المراجعة ١٠.
8) راجع مصادر هذه الأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة: المراجعات، العلاّمة شرف الدين: ٨١ ـ ٨٢، المراجعة ١٠.
محبّتنا أهل البيت عليهمالسلام(1).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : فلو أنّ رجلاً صفن ـ صفّ قدميه ـ بين الركن والمقام، فصلّى وصام، وهو مبغض لآل محمّد دخل النار(2). ولم تثبت هذه المنازل للعترة الطاهرة لو لا أنّهم حجج اللّه البالغة، ومناهل شريعته السائغة، والقائمون مقام رسول اللّه في أمره ونهيه، والممثّلون له بأجلى مظاهر هديه، فالمحبّ لهم بسبب ذلك محبّ للّه ولرسوله، والمبغض لهم مبغض لهما وقد قال صلى الله عليه و آله و سلم : لا يحبّنا [أهل البيت] إلاّ مؤمن تقيّ، ولا يبغضنا إلاّ منافق شقيّ(3).
ولذلك قال فيهم الفرزدق:
من معشر حبّهم دين وبغضهم كفرو قربهم منجئ ومعتصمُ إن عُدَّ أهل التقى كانوا أئمّتهم أوقيل من خير أهل الأرض قيل هم(4)
وكان أمير المؤمنين عليهالسلام يقول: إنّي وأطائب أرومتي، وأبرار عترتي، أحلم الناس صغاراً، وأعلم الناس كباراً، بنا ينفي اللّه الكذب، وبنا يعقر اللّه أنياب الذئب الكلب، وبنا يفكّ اللّه عنتكم، وينزع ربق أعناقكم، وبنا يفتح اللّه ويختم(5)وحسبنا إيثارهم على من سواهم، إيثار اللّه عزّ وجلّ إيّاهم، حتّى جعل الصلاة عليهم جزءاً من الصلاة المفروضة على جميع عباده، فلا تصحّ بدونها صلاة أحد من العالمين، صدّيقاً كان أو ذا نور أو نورين أو أنوار، بل لابدّ لكلّ من عبد اللّه بفرائضه، أن يعبده في أثنائها بالصلاة عليهم، كما يعبده بالشهادتين، وهذه منزلة عنت لها وجوه الأمّة، وخشعت أمامها أبصار من ذكرتم من الأئمّة.
قال الإمام الشافعي:
1) راجع مصادر هذه الأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة: المراجعات، العلاّمة شرف الدين: ٨١ ـ ٨٢، المراجعة ١٠.
2) راجع مصادر هذه الأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة: المراجعات، العلاّمة شرف الدين: ٨١ ـ ٨٢، المراجعة ١٠.
3) راجع مصادر هذه الأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة: المراجعات، العلاّمة شرف الدين: ٨١ ـ ٨٢، المراجعة ١٠.
4) راجع مصادر هذه الأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة: المراجعات، العلاّمة شرف الدين: ٨١ ـ ٨٢، المراجعة ١٠.
5) راجع مصادر هذه الأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة: المراجعات، العلاّمة شرف الدين ٨٥، المراجعة ١٠.
يا أهل بيت رسول اللّه حبّكم فرض من اللّه في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم الفضل أنّكم من لم يصلّ عليكم لا صلاة له(1)
إعجابي بشخصيّة الحرّ بن يزيد الرياحي: يقول إسماعيل بليكشة: واصلت بحثي في دائرة العلوم الدينيّة ولمّا تعرّفت على منازل أهل البيت عليهمالسلام، وتعرّفت على دورهم في صيانة الإسلام من أيدي حكّام الجور، انتميت إلى مذهبهم، واخترتهم حصنا التجئ إليه ليحفظني من التيّارات المزيّفة التي تنسب نفسها إلى الإسلام لتحقّق بذلك مآربها الدنيويّة التي تهدف أن تصل إليها.
وتحملت كلّ المصاعب تأسّياً بالإمام الحسين عليهالسلام، وأهل بيته، وأصحابه، الذين تحملّوا المصاعب للحفاظ على الإسلام. ويضيف إسماعيل بليكشة: تعرّفت على واقعة كربلاء، فانجذبت نحو شخصيّة الحرّ بن يزيد الرياحي، واتّبعت سبيله، فتبت إلى اللّه كما تاب الحرّ، والتحقت بركب أهل البيت عليهمالسلام، وجاهدت بين يديهم، وبذلت كلّ ما عندي من أجل نشر علومهم ومعارفهم.
1) راجع مصادر هذه الأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة: المراجعات، العلاّمة شرف الدين ٨٥، المراجعة ١٠.
من مواليد دولة السويد، حاصل على شهادة الماجستير، كان منتمياً للدين المسيحي وفق المذهب البروتستاني الذي أسّسه الراهب مارتين لوثر باسم الإصلاح الديني للكنيسة.
التفت اولف ذات يوم إلى ما عليه من انتماء، فوجده انتماءً لا يروي ظمأ فطرته المتعطشة للتقرّب إلى اللّه سبحانه وتعالى، فتوجّه إلى البحث حول الأديان، حتّى تعرّف على الدين الإسلامي الحنيف، فلم تمض فترة من البحث حتّى اقتنع قناعة كاملة بهذا الدين العظيم فاعتنقه، ثُمّ سمّى نفسه باسم ابن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم الإمام الحسين عليهالسلام.
أسباب ثورة الإصلاح الديني للكنيسة:
تعد ثورة مارتين لوثر (متوفي عام ١٥٤٦م) أهمّ نهضة في حياة الكنيسة لبروتستانتية حيث سعى (لوثر) من خلالها إلى إصلاح الكنيسة وتجديد الفكر الديني فيها.
ولكن ماذا وراء تلك الثورة؟ هل كان سببها منحصراً في سوء الأوضاع الداخليّة واستبداد رجال الكنيسة وفسادهم الديني والأخلاقي أم توجد أسباب
أخرى؟! إذا كان هذا هو السبب، فلماذا لم تتحقّق تلك الثورة قبل القرون الوسطى وفي الأزمنة التي انتشر فيها الظلم والفساد الكنيسي دون رادع؟!
إذن لابدّ من البحث عن أسباب أخرى جعلت تلك الثورة أو الصحوة - كما يحلو لبعض مؤرخي الفكر الغربي تسميتها بذلك - تحدث في ذلك الوقت بالذات ولم تحدث قبله.
لعلّ أحد أسباب تلك النهضة في ذلك الزمان بالذات - كما اقتنع به جملة من المحقّقين - هو دخول الفكر الإسلامي عقيدة وفكراً إلى الغرب.
ومع أنّنا نفتقد إلى شهادة تاريخيّة صريحة في هذا المجال إلاّ أنّ مضمون الإصلاحات الدينية التي حصلت حينها كانت تبتعد بمرور الزمن عن فكر الكنيسة، وتلتقي في جوانب كثيرة مع العقلانيّة الإسلاميّة.
ويشهد على ذلك التطور الواضح في الارتباط بين المسيحية بمختلف فرقها والإسلام، فقد ترجم القرآن إلى اللغة اللاتينية عام ١١٤٣م، ثُمّ تلا بعد ذلك بعدّة أعوام إخراج معجم لاتينيّ - عربي مكّن علماء المسلمين من ترجمة الكتب التي تبيّن وجهة نظر الإسلام في كافة المجالات، فانتشرت العلوم الإسلاميّة بسرعة فائقة وخاصّة بعد اختراع آلات الطباعة وانتشارها، وازداد مع ذلك الإقبال على تعلّم اللغة العربية ودراسة التاريخ الإسلامي فصار الإسلام وخلال بضع سنين محركاً للعقل الأوروبي بعد أن أيقظه من سبات دام طوال عصور مظلمة.
وأمام هذا الوضع كان على رجال الفكر النصارى أن يختاروا أحد أمرين: إمّا أن يدخلوا الدين الإسلامي من أوسع أبوابه، وهذا يعني خروجهم عن حماية الكنيسة ورجالها، وهو الأمر الذي منعهم خوفهم وعنادهم منه.
وإمّا أن يخترعوا نظاماً فكرّياً لملٔالفراغ الموجود في الكتب المقدّسة،
وذلك بتأسيس مبان تتسم بالعقلانية أكثر من المباني الكاثوليكية التقليديّة. وهو الأمر الذي ركّز عليه لوثر حسب دعوته الإصلاحيّة ضدّ سلطة الكنيسة، حيث سمح للقساوسة بالزواج، وقال بأنّ الطلاق أمر شرعيّ لابدّ منه أحياناً.
وأكد أن الإيمان هو وحده الرابطة التي تربط اللّه والمؤمنين، وأنّ الكهانة وصكوك الغفران منتفية في المسيحية وغيرها من المبادئالتي تتفق مع الشريعة الإسلاميّة، الأمر الذي يؤيد استيحاء هذه المبادئ من الدين الإسلامي الحنيف.
إلى جانب ذلك أقدمت الكنيسة البروتستانتية على تقوية رجالها للوقوف أمام المدّ الإسلامي، وإيجاد الشبهات في مبانيه ومعتقداته حتّى أنّ بعضهم تجرأ على معارضة القرآن في محاولات بائسة لإثبات عدم إعجازه، كما حاول الكثير منهم خلق الافتراءات حول شخصيّة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم .
وكلّ هذا يدلّ على أنّ هؤلاء كانوا يهتمون بالإسلام ليس اهتمام تقدير، بل
خوفاً منه لما فيه من قوّة حجّة ودليل على أنّه الحقّ من عند اللّه سبحانه وتعالى.
العقلانيّة الإسلاميّة:
لعلّ من أهم أدلّة استبصار اولف لئوباتريك (حسين) العقلانيّة الموجودة في الدين الإسلامي الحنيف.
صحيح أن المذهب البروتستاني كان يتسم بالعقلانيّة أكثر من سائر الفرق المسيحية، إلاّ أنّه لم يكن بالحدّ الذي يروي ظمأ فطرة البحث المتعطشة، والتي ما برحت تبحث عمّا يرويغليلها حتّى تعرّفت على الدين الإسلامي ومبادئه العقليّة، فوجدت فيه ما يروي ظمأها ويطفئلهيبها، فتقبّلته بصدر رحب، واتّخذته منهجاً وسبيلاً.
صحفي سويسري أسلم عام ١٣٨١ه (١٩٦٢م)، وبعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران اندفع نحو دراسة مذهب أهل البيت عليهمالسلام، وهذا ما أدّى به في نهاية مطاف البحث إلى إعلان استبصاره وتأثّره بمذهب أهل البيت عليهمالسلام.
مؤامرة الآيات الشيطانية:
تعرّض أحمد هوبر عدّة مرّات للانتقاد والإخراج نتيجة أفكاره الإسلاميّة ودفاعه عن فتوى الإمام الخميني حول ارتداد سلمان رشدي وجواز سفك دمه.
وسلمان رشدي هو من ألّف كتاب تحت عنوان الآيات الشيطانية واستهدف في كتابه هذا تشويه صورة الإسلام النقية، والمبادرة إلى انتهاك حرمات اللّه، والاستهزاء بمقدّسات المسلمين، والاستخفاف برسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ، وتحريف القرآن، والتجرّأ على اللّه والأنبياء والملائكة والمؤمنين. أهداف الجريمة:
يقول السيّد علي الحسيني الإشكوري في كتابه الفتوى الخالدة حول الأهداف الموجودة وراء مؤامرة الآيات الشيطانية:
من السذاجة بمكان أن يتصوّر أحد أنّ مبادرة رشيدي مبادرة عفوية، صوّرها خيال كاتبها، وأن تحسب جريمته هذه مسألة عاديّة قام بها مجرم وقحٌ متجرّأ على معتقدات ومقدّسات الآخرين.
فنظرة فاحصته لمنظّمات هذا العمل تُمكّن أي متتّبع يبحث عن الحقيقة أن يسجّل الملاحظات التالية:
أولاً: وقوف القوى الاستكباريّة والأنظمة العميلة في العالم إلى جانب المجرم وذلك بالدفاع الشديد عنه تحت عنواين مختلفة كالدفاع عن حرّية التعبير وحقوق الإنسان وإدانة الإرهاب و . . .
ثانياً: أن مؤسسة النشر المذكورة التي قامت بنشر الكتاب دفعت مبلغاً قدره ٨٥٠ ألف جنيه استرليني لرشدي مقدّماً ليكتب هذا الكتاب.
ثالثاً: التحرّك الواسع نحو ترجمة الكتاب إلى سائر اللغات.
وعموماً فمسألة كتاب الآيات الشيطانية عمل منظّم ومخطّط له ليضرب أساس الدين والتديّن وعلى رأس ذلك الإسلام والعلماء، وباليقين أقطع لو تمكّن الاستكبار لحرق اسم وأساس العلماء، ولكن اللّه لا يزال حامي وحافظ هذا المشعل المقدّس وسيبقى كذلك إن شاء اللّه(1).
أبعاد المؤامرة:
يقول الشيخ محمّد علي التسخيري في كتابه حول كتاب الآيات الشيطانية: تتجلى أبعاد هذه المؤامرة إذا لاحظنا:
١ - الجهد الضخم الواسع الذي بذلته الأوساط الغربية الصهيونية لإعداد هذا الكتاب وترجمته إلى مختلف اللغات، ونشره بسرعة في أقصى نقاط الأرض، والدعم المالي السخي الذي لاقاه من قبل الكثير من الرأسماليين الكبار.
1) الفتوى الخالدة، علي الحسيني الإشكوري: ١٣ - ٢١ بتصرف.
٢ - الجوائز التي منحت له في الدول الغربية، ومنها اعتباره كتاب العام في بريطانيا لسنة ١٩٨٨م.
٣ - الوقوف السياسي والإعلامي لدول المجموعة الأوربية وكلّ المعسكر الغربي خلف هذا الكتاب، وعدم استماعها لكلّ أنماط الاحتجاج ضدّه، واتخاذ شتّى الاجراءات البوليسية والسياسية والإعلامية والتهديد باتخاذ الاجراءات القضائية والاقتصادية ضد كلّ من يدين هذا الكتاب ويعلن حكم اللّه تعالى فيه.
٤ - تجنيد العشرات من دور النشر والكتاب للعمل على الدفاع عن الكاتب تحت شعار حريّة الرأي وإدانة كلّ ما يقال حوله(1).
خلاصة الآيات الشيطانية:
سعى المرتد سلمان رشدي لتشويه الإسلام والطعن بمقدساته من خلال روايته القذرة الشيطانية، وتعرّض فيها لكلّ المقدّسات، وانتهك فيها جميع الحرمات، ولم يستثن باستهانته وسخريته أحداً من رموز الإسلام وحرماته، بدءاً بالرسل العظام والملائكة الكرام ومروراً بالكتب السماوية الخالدة وانتهاءً بزوجات الرسول صلى الله عليه و آله و سلم .
لقد تعرّض هذا المرتد إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم بالسب الفاحش والكلام الجارح البذيء ؛ الذي يأنف منه صاحب أدنى خلق وركّز على أنّ القرآن الكريم ليس كتاباً سماوياً ووحّياً إلهياً، بل هو من مختلقات النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وقد عمل أحد أصحابه الذي هو سلمان الفارسي على تحريفه وكلّ ذلك كان بمسمع ومرأى من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كما هو صريح في روايته التافهة.
ويبتدئ المرتد الفصل بذكر مكّة المكرمة التي يسميها المدينة الجاهلية ثُمّ يتطرّق إلى طبيعة الحياة فيها مدعياً أنّ أحد تجارها ويدعى ماهوند قد
1) حول كتاب الآيات الشيطانية، محمّد علي التسخيري: ٧.
ادّعى النبوّة، وقام بتأسيس دين جديد له في تلك المدينة.
ثُمّ يتطرّق إلى العلاقة بين الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم وبين أحد أصحابه الأجلاء وهو سلمان الفارسي واصفاً تلك العلاقة بأنّها علاقة مزيّفة نابعة عن خبث طويّة عند سلمان، وعن لا مبالاة وعدم اكتراث عند الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، واصفاً سلمان بأنّه كان سكّيراً معاقراً للخمرة، وكان يتعاطاها بكثرة في جميع أوقاته.
ولا يكتفي المجرم بذلك، بل يدّعى أن سلمان كان يعمل على تحريف ما يلقيه إليه الرسول صلى الله عليه و آله و سلم من آيات توحى إليه، فكان سلمان يكتبها بالشكل الذي يريده، ويستمر سلمان بعمله هذا في التحريف، والأدهى من ذلك أن الكاتب يستغفل نفسه حينما يحاول استغفال الآخرين مدعياً أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم كان على علم بالتحريفات التي كان يجريها سلمان على قوانينه ولكنّه كان يتغافل عن ذلك، بل قد يضحك بعض المرّات . . . !
ويدعى المجرم أن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم لم يكن غير رجل غارق في الشهوة والجنس من خلال علاقته مع النساء التي تتعدّى الأمّهات إلى البنات، وأنّه صلى الله عليه و آله و سلم كان متسلّطاً جباراً في بيوته، وكان لا يرغب في أن تناقشه زوجاته، وأنّه صلى الله عليه و آله و سلم كان غالباً يلتقي بالمرأة التي يرغب، وقد عملت النساء على ابيضاض نصف لحيته خلال سنة، وينفي أن يكون الرسول صلى الله عليه و آله و سلم نبياً رسولاً، بل يدعي أنّه ملك متغطرس يفرض القوانين الظالمة والصارمة على أتباعه، ويكره نساءه على طاعته والإذعان له من خلال تلك القوانين التي يسنّها ويشرّعها. ويصف سلمان الفارسي، وبلال الحبشي، وخالد بن الوليد في إحدى تعابيره بأنهم يشكّلون مثلثاً من الوساخة والقيء.
بعدما يصل الأمر إلى زوجات النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فيبتدى قصّة جديدة هي قصّة
بعل والحجاب وبعل هذا هو الشاعر المختلف الذي جعل المرتد له علاقة مع
سلمان، والحجاب إسم لأشهر بيوت الدعارة في المدينة الجاهلية، وأنّه كان يدار من قبل امرأة فاجرة تدعى سيدة الحجاب التي كان صوتها يمتزج بالكفر ويقابل صوت ماهوند المقدّس المحترم، كما هو تعبير المرتد الذليل. لقد كان هذا الحجاب يضمّ بين جدرانّه فتيات فاجرات حاول المجرم أن يجعل منهن نموذج لزوجات النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم وأن يجعل من بعل شخصيّة مقابلة لشخصيّة الرسول الطاهرة، مفترضاً أنّ عدد فتيات الحجاب هو نفس عدد زوجات النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم مقارناً بين كبراهن وبين أمّ المؤمنين خديجة الكبرى عليهاالسلام، وأوكل إليهنّ دور تمثيل زوجات النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم حتّى لقد غرقت هؤلاء الفتيات في أدوارهن بحيث نسين شخصيّاتهنّ السابقة، وأصبحن يمثّلن زوجات الرسول الذي يمثّله بعل الشاعر الفاجر. وعندما عرف ماهوند أن فاجرات الحجاب أطلقن على أنفسهن أسماء زوجاته، أمر بإغلاق كافة مراكز الرذيلة واعتقال تلك النساء، وتنتحر سيدة الحجاب ويلقى القبض على الفاجرات الاثنتي عشرة كافّة، ومعهن بعل وتوضع الفاجرات في كيس، ثُمّ يرجمن بالحجارة، ويأتون ببعل إلى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فيأمر بضرب عنقه، وعندما خرج الجنود به لضرب عنقه هتف ماهوند الفاجرات والكتّاب أناس لا تتمكّن من الصفح عنهم، فرد عليه ماهوند: أنا لا أرى فرقاً بين الكتّاب والفاجرات.
وهذه العبارة الأخيرة يشير من خلالها المرتد إلى أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أصبح يعتقد بأنّ لا فرق بين سلمان وبين أولئك الفاجرات، فكما عملت الفاجرات على تشويه سمعة زوجاته فقد عمل سلمان على تحريف قوانينه ورسالته(1).
1) المصدر السابق : 13-8 (بتصرف يسير)
موقف هوبر من الآيات الشيطانية:
تحمّس هوبر بعد استبصاره في مسألة مواجهة مؤامرة الآيات الشيطانية، وكلّفه هذا الأمر كثيراً وأدّى إلى إخراجه من العمل عدّة مرّات، ولكنّه قاوم جميع التيّارات المضادّة بقوّة، وقدّم الكثير من التضحيات في سبيل عقيدته، ولم يبالي بالضغوط التي كانت ترد عليه، والمشاكل التي كان يواجهها، لأنّه أدرك بعد الاستبصار بوضوح بأنّ الدنيا دار بلاء وليست دار راحة، ولهذا ينبغي أن يكون الإنسان فيها كالمجاهد في ساحات الحرب في سبيل اللّه، ويبيع نفسه وماله للّه والعاقبة للمتقين.
ولدت في سويسرا، نشأت في أسرة مسيحيّة، ثُمّ خاضت رحلة في رحاب العقيدة انتهت إلى استبصارها واعتناقها لمذهب أهل البيت عليهمالسلام.
وفيما يلي الحوار الذي أجرته مجلّة نور الإسلام معها، ويبيّن هذا الحوار بصورة مفصّلة قصّة استبصار أريان ديتفلير وأسباب ودوافع تغييرها للانتماء
العقائدي:
لقد منّ اللّه تعالى عليك بالهداية للإسلام وأنت في مقتبل العمر، فهل لك أن تحدّثينا عن شيء من ظروف حياتك قبل الإسلام؟
أنا امرأة سويسرية أدعى أريان ديتفلير خليل، أبلغ من العمر حاليا عشرين عاماً، أكملت دراستي الثانوية عام ١٤١٢ه (١٩٩٢م) ثُمّ عملت في مكتبة للحصول على بعض المال، بعدها دخلت الجامعة لشهر واحد لدراسة القانون، ولكنّني سرعان ما اكتشفت أنّ هذا الاختصاص ليس مرامي، ولقد أحببت العمل في المكتبة لأنّني كنت ألتقي فيها بنوعيات مختلفة من الناس.
ويمكن اعتبار بداية فترة مراهقتي عاديّة، حيث كنت أذهب إلى المدرسة مثل كلّ التلميذات، وكنت استمتع بأوقات فراغي، لكنّي كنت أحس أنّني مختلفة
بمفهوم الحرية الغربية. وهل ظلّ موقفك سلبيّاً من الدين؟
اكتشفت أنّ الدين بالنسبة إلي كان شيئاً موروثاً، وأنّ معظّم الناس ينتمون إلى دين معيّن لمجرد أنّهم ولدوا في بلد يتوارث فيه الناس هذا الدين، وليس عبر الاقتناع الناتج من دراسة هذا الدين والتعمّق في مفاهميه. لذلك فقد تضاءل إيماني فعلاً، إذ رأيت نفسي أنّني مسيحيّة بالمصادفة، فأنا أعيش في بلد مسيحي وأهلي مسيحيّون، وورثت أو أخذت منهم القناعة بالمسيحيّة، كما أنّني كنت مقتنعة بأنّ الديانات الخمس الكبرى في العالم (المسيحية، اليهودية، الإسلام، البوذية والهندوسية) كانت جميعها صحيحة، ما أفضى إلى تشوش ذهني لديّ، وحرمني من فرصة التعمّق في الدراسة الدينيّة، الأمر الذي دفعني في النهاية أيضاً إلى أن أفقد إيماني كما أشرت.
ما الذي أنقذك من هذا التشوش والارتباك؟
لقد ازداد هذا الارتباك عندما التقيت بزوجي في سويسرا، لقد كان مسلماً
عن اقتناع بخلافي أنا تماماً، على الرغم من أنّه لم يكن يمارس شعائر الإسلام
بشكل كامل، كان يدافع عن وجهة نظره كلّما سنحت له الفرصة، وإنّ لم يكن ذلك بطريقة تتيح لي أن استفيد منها، نظراً إلى صعوبة التفاهم آنذاك لاختلاف اللغات
من ناحية، ولعدم قدرتي على تحمّل المناقشات المطوّلة في هذا الموضوع، على الرغم من محاولتي التغلّب على نفسي بعدما لمست مدى حماسه وإيمانه بما يقول، لدرجة أنّني بتّ أرى فيه إنسانا متزّمتاً ويكاد يكون متعصّباً. ومع ذلك استمرّت علاقتنا الطبيعية بعد أن قررّنا عدم الخوض في مناقشات حادةّ دون التوصّل إلى نتيجة واضحة.
وماذا حصل بعد ذلك؟
بعد ستّة أشهر ذهب إلى الكويت لمدّة سنتين، إلا أنّني عدت والتقيت به مرّتين في قبرص، حيث تزوّجنا في المرّة الثانية، وكنت قد بلغت التاسعة عشرة
من عمري، وكنت لا أزال متمسّكة بمسيحيتي على حالة التشوش التي شرحتها، وعندما عدنا إلى سويسرا، ولاحظت مدى اهتمامه بتأدية شعائره الدينيّة، أحسست بأنّني خدعت، لاّنّنا كنّا قد اتّفقنا على التغاضي عن الهوة الدينيّة التي
تفصل بيننا، ولا أنكر أنّني عندما رأيته يصلّي للمرّة الأولى حدث شيء غريب في داخلي، لم استطع أن أجد له تفسيراً، ولم استطع أن أتحمله، فشعرت - كردّة فعل غريبة أيضاً - بالحزن واليأس، ولم يكن هناك شيء يمكن أن يهدئمن روعي.
وهل ساءت العلاقة بينكما أكثر؟
لم تتعكر العلاقة ظاهراً بيننا، بل كان هناك عاملان يتصارعان في داخلي، وكان قلبي ممزّقا بينهما، حتّى أنّني وصلت إلى وقت تمنّيت فيه أن اموت لكي أتخلّص من حيرتي ومن ألمي.
لقد دام هذا المخاض أيّاماً عدّة، انعكس في خلالها الألم الداخلي على وضعي الصحّي، فقد غدوت عصبيّة جدّاً، لا أعرف ما إذا كان ينبغي أن أسخر من هذه الحياة التي بدت أحياناً سخيفة جدّاً، أو أن أبكي لأنّني لا أدرك معناها الحقيقي.
ثُمّ شاء اللّه العزيز القدير أن يرفع عنّي هذا البلاء في إحدى الليالي، وانفلقت بذرة الإسلام في داخلي، فلقد غمرني اللّه برحمته وأرشدني إليه.
كيف حصل ذلك؟
كنت في البيت مع زوجي عندما قلت له فجأة: أريد أن اعتنق الإسلام، ولم أعد أريد أن أخرج من دون حجاب!
استغرب زوجي الأمر، ولم يستطع أن يفهم ما حدا بي إلى مثل هذا التغيير
أنا نفسي لم أكن أعرف ما هو سرّ هذا التغيير، على الرغم من أنّني كنت متأكّدة تماماً من شعوري وموقفي، وكانت تلك هي المرّة الأولى في حياتي التي اتخذ فيها قراراً مهمّاً دون أن أكون قد أمعنت النظر فيه من قبل.
لقد كان ذلك الشعور الذي انتابني لفترة، وذلك الصراع الداخلي والمخاض العسير هو الطريق الوحيد الذي أوصلني إلى الإسلام، لقد بقي عقلي مغلقاً، ولم يكن مستعدّاً لتحليل أيّ معطيات بشكل موضوعي، بل شعرت وشعر زوجي بأنّي
دفعت دفعا إلى ذلك، ولهذا السبب ساورته شكوك حول مدى جديّة نواياي، فقال:
إنّه لن يقبل أن يكون التغيير بسببه أكّدت له أنّ الأمر يتعلّق برغبتي الشخصيّة وبكامل اختياري وملء إرادتي في أن أصبح مسلمة، وأنّني أصبحت مقتنعة بذلك تماماً، فترك الخيار لي دون أن يقوم بمنعي إذا كنت متأكّدة تماماً ممّا أفعله. بل
قال: إنّ من واجبه أن يساعدني على اتّخاذ الخطوة الأولى على طريق الإسلام، فعلّمني النطق بالشهادتين بعد أن تأكّد من قناعتي واعتقادي.
وهكذا كتب زوجي الشهادتين بالعربيّة مرّة، وبأحرف لا تينيّة مرّة أخرى، وكنت قد أصبحت إلى حدّما قادرة على قراءة النصوص العربيّة، أحسست بسعادة غامرة وأنا اتلفّظ بالشهادتين، معلنة إسلامي للّه على الرغم من أنّني لم أكن أعلم أيّ مستقبل ينتظرني!
ما كان تأثير اعتناقك الإسلام في محيطك، وما هي المشاكلّ التي واجهتك؟
قبل كلّ شيء، كان أصدقائي يعرفون أنّني تغيّرت. ولقد تقبلوا ذلك بعد أن تحدثوا معي حول أسباب هذا التغيير. ولقد أبقوا على صلتهم بي. ولذا شعرت بسعادة أكبر لانّني أمتلك أصدقاء حقيقين لا يغيّرون موقفهم، ويقبلونني كما أنا وليس كما يرغبون.
وعندما علم أخي بالأمر (وهو أصغر منّي بعمامين) أخذ يهزأ من خوفي من أن أبلغ أهلي وأواجههم بالحقيقة. فرغم قناعتي تهيّبت الأمر، مع أنّني كنت أعيش في بيت مستقلّ مع زوجي. علم والدي بإسلامي، فقال أبي بلهجة فيها امتعاض وتسليم بالأمر الواقع: كنت أعلم منذ البداية أنّك سوف تتغيّرين؟!
لم يكن سعيداً، لأنّه كان من النوع المتشائم، وبدأ يتخيل حدوث بعض المآسي، كأن يطلّقني زوجي، ويأخذ الأطفال، وما إلى ذلك.
ثُمّ تقبّل والدي الأمر، ولا يزالان حتّى الآن على استعداد لمساعدتي، ولكنّ المشكلة كانت محصورة عند جدّي وجدّتي الايطاليين، فقد انزعجا كثيراً من هذه الخطوة.
ما هي التغيّرات الإيجابية الملموسة التي حدثت لك بعد اعتناقك الإسلام؟
الإسلام غيّر حياتي على الصعيدين الشخصي والاجتماعي. فقد صرت أفكر أكثر في عواقب أيّ عمل أقوم به أو أقدم عليه، وصرت اهتمّ بالحياة الآخرة، ولقد أحسست بالسعادة ؛ لأنّني على الطريق الصحيح. وبعدما اعتنقت الإسلام أخذت أقرأ عنه أكثر، فما كان يبدو غير منطقي في البداية أصبح منطقيّاً جدّاً ومقنعاً الآن.
على الصعيد الاجتماعي بصراحة، لا يمكنني القول إنّ الحياة الاجتماعيّة التي عرفتها مع المسلمين هي حياة أفضل، لأنّ معظّم المسلمين لا يطبّقون الإسلام في ممارساتهم كما ينبغي. ولو كانوا هم السبب لتحوّلي إلى الإسلام لكننت بقيت على ما كنت عليه قبل الإسلام.
وماذا عن وسائل دعوة غير المسلمين إلى الإسلام بحسب خبرتك الشخصيّة؟
لم أقم إطلاقاً حتّى الآن بالتوجّه إلى الناس بشكل مباشر لأقول لهم: إنّ الإسلام هو الدين الصحيح وهو الدين الحقّ، لأنّهم سيفهمون الأمر بشكل خاطئ ويخيّل لهم أنّني مجنونة، وذلك لأنّني أرى براهيني غير كافية لأقنع غيري حتّى الآن، فلا يمكنننا أن نقول لمن لا يؤمن بالقرآن - بل ويمكن أن لا يكون مؤمنا بدينه هو - أنّ هناك آيات تحدّد المسألة بوضوح، فسيظنّون أنّنا نمارس نوعاً من الاستعلاء.
وأعتقد أيضاً أنّ الناس عندنا لن يتقبّلوا في البداية الدعاة الأجانب (كالعرب والإيرانيين)، إذ سيذكّرهم ذلك بممارسات البعثات التبشيريّة المسيحيّة التي كان رجالها يرتكبون الكثير من الأخطاء في الخارج، ويجبرون الناس على التحوّل إلى المسيحيّة باسم الدين وهكذا، فإنّهم سيخافون منهم، ويخشون من أن يمارسوا معهم ممارسات المبشّرين البغيضة. مع أنّه ينبغي تعريف الناس بالإسلام.
فالكثيرون لا يعرفون ما هو الإسلام؟
وماذا يريد من الجنس البشري أن يفعل؟
وما هو هدفه الذي عليه أن يناضل في سبيل تحقيقه؟
ولملء هذا الفراغ ينبغي أن نبدأ بالظهور في المؤسّسات العامّة، ونقوّي من دعوتنا بأن تكون لدينا منظّمة كبيرة تنسق كلّ الأنشطة، وأن يكون لها فرع واحد على الأقلّ في كلّ بلد مع عالم مبلّغ على الأقل أيضاً. وهذا أمر مهم جدّاً ؛ لأنّ الناس الذين يتوقون إلى المعرفة لا تتاح لهم غالبا الفرصة للاطّلاع عليها إلا بمثل هذه الوسائل، كما علينا أن نوضّح للأوربيين الفرق بين الإسلام وبين الممارسات التي يلصقها بعض المسلمين بالإسلام سلوكاً وممارسة، فذلك ممّا يشوّش الرؤية لدى البعض من الناس. كذلك ينبغي أن يعرف المسلمون دينهم بشكل أعمق، لكي يتمكّنوا من إعطاء فكرة أفضل عنه.
ما هو الدور الذي تقومين أو تنوين القيام به من خدمة الدعوة الإسلاميّة؟
قبل أن أخدم عليّ أن أعرف الإسلام بما فيه الكفاية، وهذا ما حدا بي للمجيء إلى لبنان. هناك العديد من السويسريين الذين اعتنقوا الإسلام، ولا يزالون يجهلون الكثير عنه، لذلك أنا أخطّط لتنظيم محاضرات وإعطاء دروس للآخرين، لكي يتعرّفوا أكثر فأكثر على الإسلام، وأظنّ أنّ مكاني في المستقبل القريب هو سويسرا، لأنّني أعرف هذا البلد، وأعرف سكّانه، وأعرف حقوقي وواجباتي، وهناك أقدر أن أعمل في سبيل الدعوة على أفضل وجه. فأنا الآن مثلاً أعدّ استمارة توزع على التلاميذ الذين يتخرجون من المرحلة الثانوية تتناول مستوى اطّلاع الشباب السويسري المتعلّم على الإسلام ومعرفته به.
ما هي آفاق الدعوة الإسلاميّة في بلدك؟ الدعوة الإسلاميّة لا تزال ضعيفة لدينا، وتحتاج إلى مزيد من الدعاة وإلى المزيد من الجهود. فبعض المؤسّسات الإسلاميّة مثلا تهتم بالرجال أكثر من اهتمامها بالنساء، فضلاً عن عدم وجود برامج إسلامية مختصّة لديها، وذلك عائد لانشغال القيّمين عليها بأعمالهم الحياتية الخاصّة، والاقتصار على اللقاءات الإسبوعية.
ومشكلة بعض المؤسّسات الإسلاميّة أنّها تأخذ طابعاً تنظيميّاً حزبياً أو تتبع انتماءً سياسياً، والناس يفضّلون أن يتعرفوا على الإسلام من مصادر حياديّة، ولذلك أرى من المفيد إيجاد مؤسّسات تبليغية محضة تهتم بالجانب التبليغي والتثقيفي دون غيره.
هل كوّنت فكرة عن حال المسلمين اليوم خاصّة المرأة؟ بشكل عام التقاليد والأعراف ما زالت تلقي بثقلها على تطبيق الإسلام،
وعلى سلوك المسلمين. فهناك أمور تحدث باسم الإسلام وهي غير إسلاميّة أساساً، كحال المرأة في المجتمع الإسلامي، فالنساء لا يعرفن الكثير عن حقوقهن أو واجباتهن، بينما ينبغي أن يبذلن المزيد من روح المبادرة. وعلى الرجال أن يمنحوا النساء فرصة العمل في سبيل الدعوة إذا رغبن في ذلك.
وأخيراً أودّ أن أطلب من كلّ المسلمين أن يتحلّوا بالصبر الذي أظهره الإمام الحسين عليهالسلام لتحقيق هدفه.
وعليهم أيضاً أن يكونوا منفتحين ومنطقيين وعقلانيين، وبكلام آخر فأنا أدعو المسلمين للتعاون مع غير المسلمين في محاولة لإيجاد النقاط المشتركة بين كلّ الأديان. وأرى أنّ عليهم الاستفادة من كلّ من يقدّم لهم شيئاً حسناً، حتّى ولو
كان كافراً، ولكن عليهم بداية أن يكونوا أكثر ثقة ومعرفة بأمور دينهم(1).
1) نور الإسلام، العددان: ٥٣ ـ ٥٤ السنة الخامسة بتصرّف يسير.
ولد في سويسرا، حاصل على شهادة الماجستير في علم الجيولوجيا، نشأ في عائلة مسيحية، حتّى منّ اللّه تعالى عليه بالهداية إلى الصراط المستقيم، فتعرّف على مجموعة من شيعة أهل البيت عليهمالسلام فشاهد خطّهم ونهجهم الفكري والعبادي، فتعرّف من طريقهم على الدين الإسلامي الأصيل، فبادر إلى دراسته بروح بنّاءة ومنهجيّة موضوعيّة حتّى اقتنع به واستضاء قلبه بنور الإيمان، فأعلن اعتناقه للدين الإسلامي، وانتماءه لمذهب أهل البيت عليهمالسلام ثُمّ سمّى نفسه باسم الإمام الأوّل علي بن أبي طالب عليهالسلام.
مكانة الإنسان في العقيدة الإسلاميّة:
وجد الكساندر بأنّ العقيدة الإسلاميّة ترى للإنسان مكانة ومنزلة رفيعة،
وقد قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً(1).
والإنسان خليفة اللّه في أرضه، وقد قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
1) الإسراء ١٧ : ٧٠.
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ(1) الإنسان والخطيئة:
من أهمّ الأُمور التي يجدها الباحث عند قيامه بالدراسة المقارنة بين الدين الإسلامي والدين المسيحي هي أنّ العقيدة الإسلاميّة تعتبر الخطيئة أمراً طارئاً على وجود الإنسان وليس أمراً ذاتيّاً، بخلاف العقيدة المسيحية حيث ترى أنّ الإنسان يولد وهو حامل للخطيئة التي ارتكبها آدم عليهالسلام.
والأمر الآخر أنّ العقيدة الإسلاميّة ترى أنّ الإنسان قادر - متى ما شاء - على أن يتوب من الذنوب التي اقترفها ولا يوجد في الإسلام كرسي للاعتراف كما هو موجود عند أتباع الديانة المسيحية، بل يحاول الإسلام أن يشجّع الناس على ستر ذنوبهم، وعدم الإشهار بالمعاصي التي يرتكبونها.
وقد ورد في الحديث الشريف: أتى رجل أمير المؤمنين الإمام علي عليهالسلام فقال: يا أمير المؤمنين إنّي زنيت فطهّرني، فأعرض أمير المؤمنين عليهالسلام بوجهه عنه،
ثُمّ قال له: اجلس، فأقبل علي عليهالسلام على القوم فقال:
أيعجز أحدكم إذا قارف هذه السيئة أن يستر على نفسه كما ستر اللّه عليه(2) الإسلام وتحريره للإنسان من أسر الرذائل:
وجد الكساندر بأنّ العقيدة الإسلاميّة تؤدّي إلى تحرير الإنسان من الاستبداد والوقوع في فخّ الطبقيّة الاجتماعية، والعبوديّة للأهواء والميول والشهوات، وتأخذ بيده ليعيش في رحاب عبوديّة اللّه تعالى فحسب لأنّها تمنحه منتهى العزّة والكمال والاقتدار وبهذه العبودية يحصل الإنسان على الاستقرار
والسكينة والطمأنينة.
إنّ هذه الصفات الحميدة هي التي حفّزت الكساندر للمزيد من التمسّك بالدين الإسلامي، وكان يشعر الكساندر عند قراءته لأحاديث أئمّة أهل البيت عليهمالسلامبأنّها تفيض عليه النور والهداية، وتطّهر ذاته من الشوائب، وتمكنّه من الأخذ بزمام أُموره وعدم الانحراف وراء التيّارات النفسيّة المضادّة.
وهذه المعنويّة التي كان يحصل عليها الكساندر نتيجة تقرّبه للمذهب الشيعي هي التي دفعته في نهاية المطاف إلى أن يستبصر ويلتحق بركب أئمّة أهل البيت عليهمالسلام.
ولد عام ١٣٧٨ه (١٩٥٩م) في فيفا بسويسرا، نشأ في أُسرة مسيحيّة وفق المذهب البروتستاني، حاصل على شهادة البكالوريا، أي: نهاية الثانويّة العامّة.
بداية إسلامي:
يقول بوساز: تزوّجت من امرأة مغربيّة مسلمة وفق المذهب السنّي، فتعرّفت من خلالها على الإسلام، فقبلت عقيدتها بصورة عامّة، وتبلورت عندي القناعة بأحقيّة الإسلام، فأعلنت إسلامي لكن بقيت عندي بعض الأسئلة والاشكالات لم أجد لها حلاً، وكانت هذه الأسئلة مصدراً لإزعاجي فنصحتني زوجتي أن أذهب إلى المسجد وأستعين بإمام المسجد لحّل اشكالاتي العقائديّة، فقصدت مجموعة من المساجد، والتقيت بأئمّة الجماعات، وتحاورت معهم في خصوص العديد من الاشكالات العقائدية العالقة بذهني، فلم يقدّم لي أحد منهم الإجابات الشافية.
يضيف بوساز: بقيت مدّة سنتين على هذه الحالة، وكان شيخ جامع منطقتنا من الإخوة الجزائريّين، فرافقته طيلة هذه المدّة ولكنّه كان يملي عليّ
أشياء من دون بيان الدليل المقنع أو المستند العلمي لها، فكنت أتظاهر بقبولها، ولكنّني لا أشعر بالقناعة بها.
فاقترحوا عليّ الاستماع فقط وعدم طرح الأسئلة، وقالوا: إنّ أسئلتك بدأت تزرع الشكّ في نفوس شباب المنطقة، فقبلت اقتراحهم.
تعرّفي على عائلة عراقية:
يقول بوساز: بعد مدّة عامين من اعتناقي للإسلام عن طريق زوجتي تعرّفت على عائلة عراقيّة شيعيّة، ومن خلال طبيعة اهتمامي بالكلام الديني بدأت استفسر منهم بعض الحقائق الدينيّة، فبيّن لي صديقي الشيعي الجديد الكثير من الحقائق التاريخيّة والدينيّة، ومن خلال هذا الصديق عرفت بوجود المذاهب في الإسلام فمذهب يُدعى مذهب أهل السنّة والجماعة، ويشكلّ هذا المذهب أكبر مذهب إسلامي وأغلبّية المسلمين ينتمون إليه، ومذهب يُدعى مذهب أهل البيت عليهمالسلاموعدد منتميه أقلّ من المذهب السنّي، ولكن بيّن لي صديقي بأنّ الأكثريّة والأقليّة ليست معياراً لمعرفة الحقّ، ثُمّ بدأ يكشف لي أدلّة الشيعة على معتقداتهم.
وبعد فترة وجدت الإجابة الشافية لأسئلتي، وكنت أنقل هذه الأسئلة إلى زوجتي، وبمرور الزمان تبلورت لدينا القناعة بأحقيّة مذهب أهل البيت عليهمالسلام.
وكان صديقي الشيعي يزوّدنا دائماً بالكتب الدينية الشيعية المؤلّفة باللغة الفرنسية، وبعد فترة أعلنت أنا وزوجتي استبصارنا، وكان ذلك عام ١٤١٤ه
(١٩٩٤م)، في مدينة لوزان.
فلمّا علم أهل السنّة بذلك غضبوا وانفعلوا من عملنا هذا، ووجّهوا إلينا سهم النقد اللاذع، بل التشنيع، ولكنّنا لم نبالي بموقفهم، لأنّنا لم نعتنق الإسلام لأجلهم حتّى نترك استبصارنا نتيجة تشنيعاتهم، بل كان عملنا للّه تعالى، ولهذا فنحن نحاول أن نعيش حالة الاستقامة مادمنا نعلم بأنّ اللّه تعالى راضٍ عنّا.
واستمرّت حوارات بوساز مع المسلمين السنّة، ولكن لم يكن هذه المرّة مستفسراً عن جهل، بل كان ناقداً عن وعي، وبدأ يبيّن لهم أسباب عجزهم عن تقديم الإجابات الشافية لأسئلته وإشكالاته وكشف لهم بأنّ ما يمتاز به المذهب الشيعي هي العقلانية والقدرة على الإقناع المنطقي بخلاف المذهب السنّي الذي غلق باب الاجتهاد وترك أتباعه في دائرة التقليد الأعمى للسلف.
من مواليد سويسرا، حاصل على شهادة الدبلوم في التّجارة والاقتصاد، أمضى فترة طويلة من حياته معتنقاً للديانة المسيحية ومتّبعاً لتعاليم الكنيسة حتّى تعرّف على الدين الإسلامي، فقرأ القرآن الكريم فوجده كتاب هداية يهدى إلى سبيل الرشاد، فاندفع بشوق للإلمام بالمعارف الإسلاميّة، فطالع بعض الكتب الإسلاميّة حتّى توصّل إلى هذه النتيجة بأنّ الدين الإسلامي هو أكمل وأتمّ وأفضل الأديان السماويّة، وهو الدين الذي أنزله الباري على خاتم رسله محمّد المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم .
ومن هذا المنطلق اعتنق جوزه هذا الدين الحنيف، وكانت أوّل ثمرة حصل عليها بعد اعتناقه للإسلام أنّه بدأ يشعر في نفسه حالة الطمأنينة والهدوء والاستقرار، وهذا ما جعله يزداد تعلّقاً بالدين الإسلامي.
اهتمام الإسلام بالعقل:
من أهمّ الأُمور الملفته للنظر في الدين الإسلامي هي اهتمام هذا الدين بمكانة العقل، ومنزلته، واعتباره الدليل لمعرفة الحقّ، وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم :
لكلّ شيء دعامة ودعامة الدين العقل(1)ومن هذا المنطلق أوّل ما سعى إليه الإسلام هو تحرير عقول الناس من التقليد الأعمى، وتشجيع الناس نحو البحث والتمسّك بالعقائد المبتنية على الأدلّة والبراهين والحجج القاطعة ذات القيمة العلميّة والمنطقيّة. وأوّل خطوة دعى إليها الإسلام من أجل تحرير الإنسان من التقليد الأعمى هي الالتفات والتدبّر في الكون والحياة والتأمّل في آيات اللّه الموجودة في الآفاق والأنفس.
قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لاِّ ٔوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(2).
وقال الإمام علي عليهالسلام: ولو فكّروا في عظيم القدرة، وجسيم النعمة، لرجعوا إلى الطريق، وخافوا عذاب الحريق، ولكنِ القلوب عليلة، والبصائر مدخولة، ألا ينظرون إلى صغير ما خلق، كيف أحكم خلقه، وأتقن تركيبه، وفلق له السمع والبصر، وسوّى له العظم والبشر؟!
انظروا إلى النملة في صغير جثّتها، ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا بمستدرك الفكر، كيف دبّت على أرضها وصبّت على رزقها . . . ؟ ولو فكّرت في مجارى أكلها، وفي علوها وسفلها، وما في الجوف من شراسيف بطنها، وما في الرأس من عينها وأذنها، لقضيت من خلقها عجباً، ولقيت من وصفها تعباً . . . فانظر إلى الشمس والقمر . . . وتفجّر هذه البحار، وكثرة هذه الجبال،
وطولهذه القلال، وتفرّق هذه اللغات، والألسن المختلفات. فالويل لمن أنكر المقدِّر، وجحد المدبّر، زعمو أنّهم كالنبات مالهم زارع! ولا لاختلاف صورهم صانع! ولم يلجؤوا إلى حجّة فيما ادّعوا، ولا تحقيق لما أدعوا. وهل يكون بناء من غير بانّ؟! أو جناية من غير جانٍ(1)؟!
وقد قال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ(2). ومن الأُمور الأُخرى المؤدّية إلى تحرّر الإنسان من الغفلة، هي النظر في سنن التاريخ بتأمّل وبرؤية شموليّة من أجل معرفة أسباب تدهور المجتمعات السابقة، وانهيار الحضارات، والاعتبار منها، وقد قال تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ(3).
وقال تعالى: أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ(4).
وقال تعالى: قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ(5).
فالدين يسعى ليتحلّي الناس بالنظرة الواعية، ويسعى ليحرّرهم من النظرة
الساذجة، وقد ورد في الأحاديث الشريفة النصوص الكثيرة المؤكّدة على أهميّة التفكّر والتدبّر في الكون وفي السنن الماضية.
قال الإمام علي عليهالسلام: تدبّروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء . . . فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة والأهواء مؤتلفة.. فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أُمورهم حين وقعت الفرقة، وتشتّت الأُلفة، واختلفت الكلمة والأفئدة، وتشعبّوا مختلفين، وتفرّقوا متحاربين، قد خلع اللّه عنهم لباس كرامته، وسلبهم غضارة نعمته، وبقى قصص أخبارهم فيكم عبراً للمعتبرين(1).
وقال أيضاً الإمام علي عليهالسلام لولده الحسن عليهالسلام:
أي بني إنّي وإن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم، وفكّرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم، حتّى عدتُ كأحدهم، بل كأنّي بما انتهى إليّ من أُمورهم قد عمرّت مع أوّلهم إلى آخرهم(2).
البحث عن الدليل والبرهان:
من أهمّ الأُمور الأخرى التي أراد الإسلام بها أن يحرّر عقل المسلم هي دعوته لعدم قبول أيّ عقيدة إلاّ وأن تكون مقرونة مع الأدلّة والبراهين المؤدّية إلى تأسيس القناعة.
قال أبو عبد اللّه عليهالسلام لرجل من أصحابه: لا تكونن إمعة تقول: أنا مع الناس وأنا كواحد من الناس(3).
الاهتمام بطلب العلم والمعرفة:
من الأُمور الأُخرى التي اهتمّ بها الإسلام كثيراً، وشجّع الناس عليها هي مسألة كسب العلم والمعرفة.
قال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الاْ ٔلْبَابِ(1).
وقال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(2). ومن هذا المنطلق حذّر اللّه تعالى الذين يكتمون علومهم ولا يبادرون إلى نشرها وقال تعالى: وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ(3).
وقال الإمام علي عليهالسلام لكميل بن زياد النخعي:
يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق، وصنيع المال يزول بزواله.
يا كميل بن زياد، معرفة العلم دين يدان به، به يكسب الإنسان الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه.
يا كميل، هلك خزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة(4).
الحياة الجديدة:
عمل جوزه بتوصيات الدين الإسلامي، وبذلك تمكّن أن يحرّر عقله من شوائب عقائده الموروثة، ومن هذا المنطلق انتهى المطاف به إلى الاستبصار، فأعلن استبصاره، وبدأ حياته الجديدة المملوءة بالنفحات القدسيّة والأجواء المعنويّة. وشعر كلّ أقارب وأصدقاء جوزه بعد ذلك بالتغيّر الإيجابي الواضح في سلوك وتصرّفات جوزه، فكان هذا الأمر محفزّاً لهم لمعرفة هذا الدين الجديد الذي ترك هذا التأثير الكبير والرائع على شخصيّة صاحبهم.
من مواليد سويسرا، نشأ في أُسرة مسيحيّة، واصل دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على الشهادة في فرع الطبّ، فأصبح طبيباً.
لماذا استبصرت؟:
يقول رين هارد حول أسباب استبصاره: كانت لي رغبة للعمل في المجال الإعلامي إضافة إلى عملي في مجال الطبّ، فلمّا علمت بعض الجهات الإعلاميّة هوايتي هذه اقترحوا عليّ السفر إلى إسرائيل لإعداد التقارير السياسيّة حول الوضع الموجود في إسرائيل، ولاسيّما في خصوص النزاع الموجود بين اليهود والعرب.
قبلت هذا المهمّة وسافرت إلى إسرائيل فاتّضحت لي الكثير من الحقائق، وتجلّى لي بوضوح عدوان الصهاينة ومظلوميّة الشعب الفلسطيني، ثُمّ عدت إلى بلدي وواصلت عملي وبدأت أعمل في إحدى المختبرات الجامعيّة فرع البيولوجيا.
الرغبة في تعلّم اللغة العربية:
يقول رين هارد: تبلورت عندي بعد فترة من عودتي إلى سويسرا الرغبة
في تعلّم اللغة العربية من أجل التعرّف على عقائد وثقافة وأفكار المسلمين الذين يشكّلون كمّيّة لا يستهان بها في العالم، فخصّصت لنفسي وقتاً لتعلّم اللغة العربية والإلمام بالثقافة الإسلاميّة. ويضيف رين هارد: تبلور الصلة بيني وبين العالم الإسلامي دفعني على الرغم من كوني مسيحياً بأن أقوم بتأسيس المركز الإسلامي في جنو من أجل تعريف الإسلام لعامّة الناس.
وبعد فترة سافر رين هارد إلى إيران، وفي مدينة مشهد وجد رين هارد نفسه على أعتاب الاستبصار، ولم يبق له سوى إعلان ذلك فتشرّف بزيارة الإمام الرضا عليهالسلام وبجوار ضريح الإمام عليهالسلام نطق بالشهادتين والشهادة الثالثة وأعلن استبصاره، وكان ذلك في عام ١٤٢٣ه (٢٠٠٣م).
التحاق الزوجة بزوجها:
يقول رين هارد: كانت زوجتي كارملا كلوك معي في هذا السفر المعنوي، فلمّا رأت منّي هذه المبادرة، أبدت استعدادها لتغيير انتمائها العقائدي معي، فقلت لها: بأنّني لا أرضى أن تغيّري انتماءك العقائدي إلاّ عن وعي ومعرفة وقناعة، ولا أحبّذ أن يتّبع الإنسان غيره في المجال العقائدي.
فقالت: نعم، أعرف ذلك، وأنا مستعدّة لتغيير عقيدتي عن وعي وقناعة، فإنّ لي الأسباب العقليّة والمعرفيّة التي تدفعني إلى القيام بهذا الأمر.
فأعلنت زوجته أيضاً إسلامها واستبصارها وأسمت نفسها زهراء كما أسمى رين هارد نفسه أحمد علي بعد الاستبصار. تقول كارملا كلوك والتي أصبحت بعد استبصارها زهراء كلوك: أشعر في هذه الأيّام بأنّني ولدت من جديد.
الحياة الطيّبة بعد الاستبصار:
عاد رين هارد دودولف مع زوجته كارملا كلوك إلى بلدهما وهما
يشعران بغاية السرور والسعادة.
وواصل رين هارد عمله في المركز الإسلامي، ولكن كان نشاطه في هذه المرّة مختلفاً عن السابق ؛ لأنّه كان في السابق يعرّف الناس بالإسلام كدين من الأديان، ولكن الآن يعرّف الناس بالإسلام بلهفة وشوق ورغبه في إنقاذهم من الضلال والجهل والتيه، ولهذا كان يبذل قصارى جهده ويتحدّث من أعماق وجوده، وكان يحاول إنذار الناس وتبشيرهم بما جاء في القرآن الكريم(1).
1) انظر: جريدة جمهوري إسلامي العدد ٦٧٦٤.
ولد عام ١٣٥٩ه (١٩٤١م) في سويسرا، ونشأ في أُسرة يهوديّة، وأصبح فنّاناً عالميّاً مشهوراً، وله نشاط عالمي ملحوظ عبر لوحاته التي يعرضها في المعارض الدوليّة في أنحاء العالم.
بداية تحوّله الديني:
تنبّه يورج للنشاط الصهيوني منذ نعومة أظفاره، لكن تلك الأفكار كانت مخيّبة لآماله، فاتّجه نحو الفكر الماركسي.
زار يورج إسرائيل مع عائلته، فلم يرق له العيش هناك! لما لاحظه من التمييز الطبقي والعنصري!
وحيث كانت الثورة الإسلاميّة في إيران قد فتحت آفاق المعرفة حول الإسلام بظهوره كقوّة استثنائيّة في هذا العالم، استهوته الأفكار الجديدة التي سمع بها وطفق يقرأ عنها ما يقع بيده من الكتب والصحف، واستطاع أن يكوّن فكرة ممتازة عن الفكر الإسلامي الشيعي.
ومن الأمور التي زادت يورج حماسةً في اعتناقه لمذهب أهل البيت عليهمالسلام الفكر الثوري العظيم المتمثّل بثورة الإمام الحسين عليهالسلام ومرجعيّة صاحب الزمان
القائمة التي تمثّل أمل المستضعفين في هذه الأرض.
ثُمّ إنّه قد يتساءل؟ كيف يحقّ لشخص والده من الصين وأمّه برتغاليّة تحولت من ديانتها إلى اليهوديّة، كيف يحقّ لهذا الشخص أن يصبح إسرائيليّاً ويهاجر إلى إسرائيل حسب قانون العودة؟
ولما قامت إسرائيل بنقل الشباب من يهود أثيوبيا وتركت الشيوخ والعجائز؟ هل لأنّهم سيستعبدون لسوق العمل والحرب كما حصل مع سكّان أفريقيا السوداء؟!
هل أنّ معسكر آشوتر اليهودي كان السبب وراء خلق إسرائيل، وهذا يعني أنّ هتلراً هو الذي خلق إسرائيل بدلاً من هرتزل؟!
وعموماً فمن منطلق عثور يورج على السلبيّات الموجودة في إسرائيل والإيجابيات التي تعرّف عليها في إيران انجذب نحو التعرّف على عقائد مذهب أهل البيت عليهمالسلام.
وبعد أن اكتملت عنده الصورة الحقيقية للمذهب، وجد بأنّ معارف أهل البيت عليهمالسلام تركت أثراً أيجابيّاً على روحه ونفسه، فجذبه هذا الأثر الإيجابي لطلب المزيد حتّى دفعه الأمر في نهاية المطاف إلى تغيير انتمائه الديني بشكل كامل.
وطبع يورج شهادته باعتناق الإسلام واشهاره على المذهب الشيعي عام ١٤٠٤ه (١٩٨٤م) في مدينة برن، كما استبصرت معه زوجته وابنه دافيد السومايدا شولدهس وهو الآخر من مواليد بازل في سويسرا وقد درس في إسرائيل، ثُمّ قضى عدّة أعوام في كيبوتز، فرزق بابنه البكر في عام ١٤٠٥ه (١٩٨٥م) فأسماه حسيناً.
وحاول يورج بعد الاستبصار أن يوظّف فنّه لخدمة مبادئه الدينيّة، فرسم
بعض اللوحات الفنّية المعبّرة عن المفاهيم الدينيّة.
وبهذه الطريقة استطاع يورج أن يترجم أحاسيسه وعواطفه التي وقعت في دائرة تحكّم العقل إلى لوحات فنيّة قادرة على غرس المفاهيم الحقّة في نفوس الآخرين(1)
1) انظر: مجلة الموسم، العددان ٣٣ ـ ٣٤، ص٢٧٧ ـ ٢٧٨.
ولد عام ١٣٦٤ه (١٩٤٥م) في سيراليون غرب أفريقيا، حصل على شهادة الثانويّة، وتلقّى الدراسة الدينيّة في غينيا، فدرس القرآن وتفسيره.
يقول هارون: بعد إنهاء دراستي الأوليّة في اللغة العربيّة والإنجليزيّة أرسلني أبي إلى غينيا لأواصل دراستي في القرآن واللغة العربية، وبعد انتهاء الدورة رجعت لأواصل دراستي الإنجليزية، وبعد وصولي إلى الصفّ الرابع في الثانويّة أرسلني أبي إلى المعهد الإسلامي في وسط سيراليون التابع للأزهر، ودرسنا على أيدي المصريّين.
بعد تكميلي الدورة لمدّة ثلاث سنوات حصلت على شهادة للتدريس، وعيّنت مدّرساً في أوّل مدرسة إسلاميّة ثانويّة في العاصمة فريتون، حيث كنت أدرّس تاريخ الإسلام والعلوم الإسلاميّة الأوليّة باللغة العربية والإنجليزية، وبعد التدريس بمدّة أربع سنوات حصلت على منحة دراسيّة في لبنان، فسافرت إلى لبنان ودرست فيها عدّة سنوات، ثُمّ سافرت إلى مدينة قم المقدّسة بلد العلم والمعنويات وتلمّذت على أيادي العلماء الأفاضل.
وبعد تخرّجي سافرت إلى لندن لأواصل الدراسة الإنجليزية هناك عدّة سنوات، ثُمّ رجعت إلى بلدي واشتغلت بالتبليغ، وأصدرت مجلّة باسم بلال، ثُمّ
أنشأت جمعيّة باسم جمعيّة التوحيد للشباب المسلم، وكان من أبرز مهام هذه الجمعيّة إقامة المراسم الحسينيّة، والتبليغ، وتدريس عقائد الإمامية، ونشر معارف أهل البيت عليهمالسلام، ولدينا مشروعاً لتوسيع نشاطاتها كإنشاء مكتبة، وبناء حسينية.
أسباب تشيّعي:
يقول هارون يوسف باري: كان والدي رجلاً متدّيناً ومحترماً بين الناس ومتعصّباً لمذهبه المالكي، وكان يريد منّي أن أكون مثله، ولكنّني كشفت الحقائق وتمكّنت من تمييزها عن الخرافات، ولهذا تمكّنت من تحرير نفسي من التقاليد الفاسدة الرائجة، ولاسيّما ما يرتبط بعاشوراء.
رؤيتنا الخاطئة ليوم عاشوراء:
يقول هارون: كنّا نعتقد بوجوب ملء بطوننا في ليلة عاشوراء وإذا لم نفعل ذلك فسيملأ اللّه تعالى بطوننا ناراً يوم القيامة!! وكنّا نعتقد أيضاً بضرورة وضع وجوهنا فوق الماء المغسول من الأرز، وأثر ذلك هو التنبّأ وليكون الإنسان سعيداً في السنّة المقبلة.
وأيضاً كنّا نعتقد بلزوم الذهاب إلى النهر للاغتسال صباحاً يوم عاشوراء، وكان يقول لنا علماؤنا: إنّ هذا العمل واجب! ويؤدّي إلى غسل أنفسنا من الذنوب! كما كنّا نعتقد بأنّ يوم عاشوراء يوم عيد! فكنّا نخرج فيه ونذهب لزيارة الأهل والأقارب، وغيرها من الخرافات التي كانت سائدة في بيئتنا.
وبعد دراستي في لبنان وقم فهمت بأنّ كلّ ما كان يبثّه أساتذتنا حول عاشوراء ويقولونه في هذا المجال، كلّه غذاء علمي مسموم، وكان الهدف منه أبعادنا عن أهل البيت عليهمالسلام.
وكان أساتذتنا يحذّرونا دائماً من رجال الدين الشيعة، ولاسيّما أصحاب العمائم السود والبيض، وكانوا يقولون لنا: إنّ الشيعة ليسوا بمسلمين ويجب الابتعاد عنهم!!>
وكان كلام أساتذتنا يترك أثره في نفوسنا بحيث كنّا إذا رأينا صورة رجل دين شيعي فإنّنا نبادر بسرعة إلى تمزيق هذه الصورة أو رميها عرض الحائط بكلّ اشمئزاز وتنفّر.
ولكنّني عرفت بعد إلمامي بالحقائق أنّني كنت ضحيّة عندما كان أساتذتنا يمنعوننا من السفر إلى لبنان ودراسة المذهب الشيعي، والضحايا في هذا السبيل كثيرون.
يقول هارون: أكبر أسباب تشيّعي والتي تركت في نفسي أثراً كبيراً كانت عندما حضرت لأوّل مرّة في حياتي في مجلس عزاء الإمام الحسين عليهالسلام الذي عقده اللبنانيّون في ليلة من ليالي عاشوراء، وعندما ذكر الخطيب مصائب فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم . بكيت كثيراً مع الباكين من الرجال والنساء، وتركت هذه الحادثة وبكائي أثراً كبيراً في نفسي.
وفي يوم عاشوراء حضرت مشهد تمثيل مقتل الإمام الحسين عليهالسلام، ولمّا وصل المشهد إلى قتل الرضيع، أجهشت بالبكاء . . . رفع الإمام الحسين عليهالسلام يده وبيده ولده عبد اللّه الرضيع وله ستّة أشهر، وطلب من القوم أن يسقوه بالماء، فأمر عمر بن سعد حرملة أن يقطع نزاع القوم، فرمى حرملة ابن الإمام الحسين عليهالسلام بالسهم، وذبحه من الوريد إلى الوريد وهو في حضن أبيه.
بقيت حزيناً لعدّة أيّام بعد رؤيتي لهذه الحادثة، وفقدت شهيّتي لتناول الطعام، وتركت هذه الفاجعة أثراً في ضميري ووجداني.
ومن هذا المنطلق توجّهت نحو البحث، فازداد شوقي لمذهب أهل البيت عليهمالسلام وأحببت الالتحاق بمدرسة أتعلّم فيها علوم ومعارف العترة من أهل البيت عليهمالسلام، وسمعت بمدينة قم، فتلهّف قلبي لها، وازداد شوقي لها، ولاسيّما بعدما عرفت أنّها مركز علوم آل محمّد عليهمالسلام، فبذلت غاية جهدي للحصول على منحة دراسيّة في إحدى حوزاتها العلمية، وكنت أشعر بأنّ هذه المدينة كالمغناطيس وأنا
كالحديد أنجذب إليها بلا اختيار، فوفّقني اللّه تعالى للحصول على منحة دراسيّة في هذه المدينة المقدّسة.
وعندما جئت إلى إيران وسكنت في مدينة قم، أعجبني شعبها المتّحد والمنسجم والمتكاتف والمتعاضد، وبعد تخرّجي عدت إلى بلدي شيعيّاً وأنا محمّلاً بعلوم ومعارف آل محمّد عليهمالسلام.
نشاطاته بعد الاستبصار:
استبصر هارون عام ١٣٩٩ه (١٩٧٩م) في إيران في مدينة قم، ثُمّ ألّف كتابين:
الأوّل: عاشوراء.
الثاني: كيف تشيّعت.
وبعد عودتي إلى بلدي ضايقني الوهّابيون وحاربوا نشاطي بشتّى الوسائل، ولكنّني صمدت وقاومت تيارهم المعاكس، وواصلت بذل الجهد لنشر علوم ومعارف أهل البيت عليهمالسلام.
فاستبصر على أثر ذلك إخوتي وأخواتي والعديد من أعضاء جمعيّة التوحيد للشباب المسلم.
وحاولت أن أعرّف الآخرين بالكتب التي تأثّرت بها، وأبرز الكتب التي تأثرت بها هي تفسير كتاب نهج البلاغة جمع الشريف الرضي، عقائد الإمامية تأليف محمّد رضا المظفر، الباب الحادي عشر تأليف العلاّمة الحلّي، فلسفتنا واقتصادنا للشهيد محمّد باقر الصدر، وكتاب المراجعات للعلاّ مة شرف الدين.
كما أنّني تأثّرت بكتب العلاّمة محمّد جواد مغنية، وكان الاستبصار خيراً كثيراً وفقني اللّه تعالى لنيله، وأرغب أن أقدّم هذا الخير لأحبّائي وإخواني الذين
أريد لهم الخير والكمال.
الحوزة- إلى دراسة تاريخ صدر الإسلام وما جرى فيه من حوادث عظام غيّرت وجه التاريخ، وأسست الفرق والمذاهب الإسلاميّة المختلفة بعد وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم . حيث حاولت دراسة أسباب اختلاف المسلمين ومعرفة المسائل الخلافية التي فرّقتهم، كالإمامة التي تمسّك الشيعة بالقرآن والسنّة في إثباتها لأهل البيت عليهمالسلام، وتمسّك أهل السنّة بأحداث السقيفة وآراء الرجال في تثبيتها لمن تولّى اُمور المسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم .
وكانت محصّلة بحوثي، وخلاصة تفكيري الإيمان بولاية أهل البيت عليهمالسلام والتمسّك بهم مع القرآن الكريم سبيلاً للنجاة، وديناً في الحياة، يقودان إلى جنات عدن التي جعلها اللّه لآل بيته ولشيعتهم.
الحسين عليهالسلام ثار اللّه:
لم يكن الحسين عليهالسلام شخصاً مجهولاً لا يعرفه خواص المسلمين، أو فرداً مغموراً لا يشخصه عامّة الناس. فهو ابن بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ، وكان الرسول يحبّه حباً جمّاً، ويشيد به كثيراً، يبرز حبّه له ولا يكتمه، يطيل السجود في الصلاة إذا ارتحله الحسين وهو طفل صغير، ويترك المنبر والخطابة إذا تعثرت أمامه أقدام الحسين!
وهو ابن الإمام علي عليهالسلام، بطل الإسلام وخليفة المسلمين الذي كان يهتم بشأنه كثيراً. يقدّمه للخطابة، والجواب على أسئلة الناس، ويحافظ عليه من الأخطار ليحفظه ذخيرة للمسلمين في أداء دوره الإلهي الذي سيناط به في الحفاظ على الإسلام في زمان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي سليل الشجرة الملعونة التي أرادت هدم الإسلام ومحو شعائره وآثاره.
هذا هو الحسين المعصوم ابن المعصوم صفوة اللّه وخيرته، أشاد به القرآن
في آية التطهيّر(1)، وآية المباهلة(2)، وآية المودّة(3)، وسورة هل أتى(4).
هذه هي عظمة الحسين عليهالسلام، رجل ارتبط بالسماء أكثر ممّا ارتبط بالأرض، رجل أرادته السماء لهداية البشر والحفاظ على الإسلام من أعدائه المتربصين به الدوائر لإطفاء نوره، وإخماد جذوته.
هذا الرجل بهذه العظمة تآمر عليه بنو أُمية، وهم في الواقع يتآمرون على الإسلام. فرفض بيعتهم، وأبى أن يرضخ لهم، ورفع راية الإسلام خفاقة في وجه ظلمهم واستبدادهم، فكانت نهضته العظيمة نبراساً للأجيال المسلمة، تهديهم الطريق، وتبين المعالم.
لقد اعتدى هؤلاء الظلمة على حرمات الرسول صلى الله عليه و آله و سلم باعتدائهم على الحسين، بل تعدوا في الواقع على حرمات اللّه سبحانه، فقد هتكوا دينه، وهان عليهم هدم الكعبة المشرّفة بعد قتلهم الحسين عليهالسلام.
لقد أراد الحسين عليهالسلام إصلاح دين جدّه الذي سعى المنافقون في تخريبه، والتضييق على معتنقيه، فبذل دماءه ودماء أهل بيته رخيصة في سبيل الإسلام، وسبيت عياله وتشرّدت أطفاله من أجل الدين.
ولقد أعطى الحسين عليهالسلام كلّ ما عنده للّه، فكان حقّاً على اللّه أن يجعله ثأره الذي يطالب به من أجل إعلاء كلمة دينه، ونصرة المستضعفين الذين ظلموا على طول التاريخ، هذا الثأر الذي سيتحقّق على يد ابن الإمام الحسين، بقية اللّه في
أرضه، الإمام المهدي عليهالسلام الذي سيخرج ويسند ظهره إلى الكعبة الشريفة وينادي:
قُتل جدّي الحسين عطشانا(5)!!
فويل يومئذ للظلمة وأبناء الظلمة.
إنّ الشيعة الكرام والموالين المحبين عندما يقيمون عزاء الحسين لا يقيمونه عبثاً، وهم لا يريدون إحداث بدعة أو الإصرار على ضلالة لاسمح اللّه.
كما يتهمهم أعداؤهم من النواصب، بل إنّ الشيعة بإحيائهم شعائر الإمام الحسين عليهالسلام يحيون شعائر الإسلام ويدافعون عن حريمه.
إنّ قتل الحسين كان انتهاكاً صارخاً لحرمات اللّه ورسوله، واعتداءً فظيعاً على الدين وأهله، وهي قضية لم تنته بقتله عليهالسلام، بل ما زال الحاقدون على الإسلام المتسمّين باسمه يحاولون طمس الدين وتشويه سمعته بأعمالهم الهوجاء، وتصريحاتهم الخرقاء.
إنّ تجديد ذكرى الحسين عليهالسلام هو الوفاء المتجدد لأهل البيت عليهمالسلام الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل الإسلام، والذين أمرنا اللّه بمودّتهم والتمسّك بهديهم، هذا الوفاء الذي يغيظ الحاقدين ويقرص الأذناب من أتباعهم، فتراهم لا تمرّ ذكرى عاشوراء الحسين إلاّ وفجروا المفخّخات الغادرة، وسلقوا الشيعة بألسنة حداد تنم عن الحقد، وتشكف عن الخبث.
إنّ عزاء الحسين عليهالسلام سيدوم ما كان للشيعة اسم، وللموالين راية، فليكف أعداء اللّه عن أغراضهم في إطفاء نور الحسين عليهالسلام الذي هو من نور اللّه، هذا النور الذي يهتدي به الكثيرون فيعرفون الحقّ ويستبصرون فيه رغم اُنوف النواصب الحاقدين، وإذلالاً لاتباع الشياطين.
لقد ظنّ الظالمون -ويالحماقتهم- أنّهم بقتل الحسين عليهالسلام سيقتلون الدين، ولم يعلموا أنّ الحسين هو ثار اللّه، انتقم له من الأسلاف، وسينتقم من الأحفاد.
ولد في سيلان، وهي جزيرة صغيرة وقديمة جدّاً، وقد ورد ذكرها في كتب التواريخ باسم سرنديب، واسمها الحديث سيرلانكا. وقد دخل الإسلام إلى هذه الجزيرة عن طريق التجار المسلمين، فتلقّته القلوب المتعطّشة إلى الحقّ بلهفة، وهكذا استمرّ الأمر حتّى أخذ الإسلام ينمو ويزدهر في تلك الربوع.
كان الدكتور بيتر من الذين تأثّروا بالإسلام في العقد الأوّل من القرن الخامس عشر للهجرة، وكان مسيحياً فتعرّف على الإسلام عن طريق عالم ديني شيعي، فلمّا جذبته العقيدة الجديدة خصّص لها وقتاً للمطالعة، وعلى الرغم من انشغالاته المكثّفة، حيث كان حاملاً لشهادة الدكتوراه في فيزياء الذّرة، وكان يعمل في هذا المجال، لكنّه فرّغ لنفسه وقتاً خاصّاً للبحث والمطالعة.
تعميق التوجّه الديني:
بعد أن استمع بيتر إلى الأحاديث الدينيّة من ذلك العالم الديني، بدأ يشعر بحالة التعطّش لإرواء فطرته، وبدأ يهتم بالبحث عن حقيقة مبدئه ومعاده والغاية
من وجوده ومن أين جاء؟ وإلى أين سينتهي به الأمر؟ وما هي الحكمة من وجوده؟
وتبلورت أيضاً عنده أسئلة دينيّة كثيرة حفّزته نحو البحث ليعثر لها عن إجابات شافية، ولكي يتّخذ على ضوئها الموقف الصحيح في حياته ويحدّد سلوكه وتصرفاته وفق المنهجيّة الصالحة.
بحث بيتر إجابات هذه الأسئلة في العقائد الوضعيّة، وتعرّف على نظريّة الصدفة والمزاعم الأُخرى المنسوبة إلى المادّة العمياء والتفسيرات الواهية المنسوجة حولها، فلم يجد فيها أيّ نفع أو فائدة.
راجع بيتر العقائد الدينيّة المسيحيّة فوجد إجاباتها باهتة ومشوّهة، وملامح التلاعب البشري فيها واضح جداً، فلهذا أعرض عنها وتوجّه نحو معرفة العقيدة الإسلاميّة، وهنا تحقّق التحوّل عند بيتر ؛ لأنّه وجد إجابة الإسلام إجابة بمنتهى الصدق والعمق، ومن هنا عرف بيتر بأنّ له ربّاً خالقاً حكيماً قادراً لا تدركه الحواس وليس له شبيه، وقد خلقنا اللّه تعالى لهدف سامي وهو الوصول إلى أرفع درجات الكمال عن طريق عبادة اللّه تبارك وتعالى.
ووجد بيتر بأنّ هذه العقيدة تركت في نفسه عواطف وأحاسيس إيجابيّة مكّنته من السيطرة على أحاسيسه السلبيّة التي كانت تدفعه نحو الطغيان والتكبّر والتمرّد و . . .
ووجد بيتر بأنّ النظام الإسلامي نظام متكامل وغنّي في جميع أبعاده العلميّة والفكريّة والثقافيّة، وهو قادر على بناء الفرد والمجتمع، وتكوين الشخصيّة المتمتّعة بالعقليّة الهادفة ذات السلوك القويم والاتّجاه الصحيح.
ووجد بيتر بأنّ الإسلام مكّنه ومنحه القدرة على أن يحرّر نفسه من الأهواء والشهوات التي كان في أسرها.
وأمّا في الصعيد الاجتماعي فعندما طالع بيتر التاريخ الإسلامي، وجد أنّ العقيدة الإسلاميّة ليست مجرّد عقيدة نظريّة، بل هي عقيدة مكّنت معتنقيها من اقتحام ميادين الجهاد والعمل ومنحتهم القوّة الفاعلة والمتحرّكة التي بها غيّروا مجرى التاريخ وبدّلوا معالم وسمات الحضارة، وحقّقوا انتصارات هائلة في مختلف الميادين الفكريّة والثقافيّة والعسكريّة، وهذه العقيدة هي التي مكّنت القلّة المستضعفة في مكّة من الصمود الذي جعل ما تمسكوا به الآن منتشراً في جميع أنحاء العالم، وإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على عظمة هذه العقيدة وفعاليتها وأثرها على أرض الواقع.
وبعد مضيّ فترة من البحث وجد بيتر بأنّ الأدلّة العقليّة كلّها تدعوه إلى اعتناق الإسلام، فجاهد هواه، وتقبّل أن يضحّي بكلّ كيانه وسمعته ومكانته الدنيويّة من أجل اكتساب رضوان اللّه تعالى ولم يسمح لهواه أن يمنعه من ذلك.
فكانت النتيجة أن تغلّب على هواه، واعتنق الإسلام، ثُمّ أعلن ذلك أمام الملأ ليكون حجّة على الذين لا يتنازلون عن معتقداتهم الخاطئة التي ورثوها من آبائهم خوفاً وخشية من فقدان سمعتهم ومكانتهم الاجتماعيّة.
حاول بيتر بعد الاستبصار أيضاً أن ينشر الحقائق التي تعرّف عليها للآخرين، ليُتمّ عليهم الحجّة وليكون عاملاً بوظيفته الشرعيّة.
ولدت عام ١٣٩٧ه (١٩٧٧م) في سيرلانكا، نشأت في أُسرة شافعيّة المذهب، ثُمّ سافرت إلى السعوديّة لرعاية الأطفال في البيوت، فصادف أن عملت في بيت كان أهله من أتباع مذهب أهل البيت عليهمالسلام، فتأثّرت بهم، وطلبت منهم أن يشرحوا لها المزيد عن مذهب الشيعة، وواصلت البحث حتّى تبلورت عندها القناعة بأحقيّة مذهب أهل البيت عليهمالسلام فأعلنت استبصارها عام ١٤٢٣ه (٢٠٠٣م).
الانطلاقة الأولى نحو البحث:
إنّ الأجواء الإيمانيّة التي عاشتها خيريّة في المكان الجديد، أثارت فطرتها وحفزتها على طلب المزيد من العلم، ومن خلال قراءة الكتب الشيعيّة تأثّرت جداً بكلام وأحاديث أئمّة أهل البيت عليهمالسلام فوجدت بأنّ هذه الأحاديث شاملة وكاملة لإيصال الإنسان إلى الحقّ والحقيقة.
الحقوق في الإسلام:
من أهمّ سمات أحاديث أئمّة أهل البيت عليهمالسلام، أنّها مصدر علميّ غنيّ قادر
على تلبية جميع طلبات الناس الفرديّة والاجتماعيّة والروحيّة والنفسيّة و . . .
ومن أبرز الأُمور التي يجدها الباحث في أحاديث أئمّة أهل البيت عليهمالسلام هي الاهتمام بمسألة الحقوق، ومن أهمّ الحقوق التي وردت الإشارة إليها في القرآن الكريم والسنّة الشريفة الواردة عن عترة أهل البيت عليهمالسلام:
١ - حقّ الحياة:
قال تعالى: مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا(1). ومن شدّة اهتمام الإسلام بحياة الإنسان أنّه أكّد الانتباه إلى ما يحدّث به الإنسان لئلاّ يؤدّي ذلك إلى سفك دم بريء.
فقد ورد في الحديث الشريف عن الإمام الباقر عليهالسلام: إنّ الرجل ليأتي يوم القيامة ومعه قدر محجمة من دم، فيقول: واللّه ما قتلت ولا شركت في دم، فيقال: بلى ذكرت عبدي فلاناً، فترقّى ذلك حتّى قُتل، فأصابك من دمه(2). وهذا الحديث يشير إلى وجوب كتمك السرّ عند احتمال الضرر في إفشائه.
٢ - حقّ الكرامة:
قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً(3).
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(4). ومن الأحاديث الشريفة الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهمالسلام في الاهتمام
بكرامة الإنسان والنهي عن سبّ أحدهم للآخر.
ورد عن الحسين بن خالد، قال: قلت للرضا عليهالسلام: يابن رسول اللّه إنّ الناس يروون أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قال: إنّ اللّه خلق آدم على صورته!
فقال: قاتلهم اللّه، لقد حذفوا أوّل الحديث، إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم مرّ برجلين يتسابّان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه، قبح اللّه وجهك ووجه من يشبهك، فقال: يا عبد اللّه لا تقل هذا لأخيك، فإنّ اللّه عزّ وجلّ خلق آدم على صورته(1)
٣ - حقّ التعليم:
قال تعالى: وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ(2).
وقال الإمام علي عليهالسلام في تفسير هذه الآية:
ما أخذ اللّه ميثاقاً من أهل الجهل بطلب تبيان العلم، حتّى أخذ ميثاقاً من أهل العلم ببيان العلم للجهال(3). وقال الإمام الصادق عليهالسلام: إنّ العالم الكاتم علمه يُبعث أنتن أهل القيامة ريحاً، تلعنه كلّ دابة حتّى دواب الأرض الصغار(4). وجاء في رسالة الحقوق للإمام زين العابدين عليهالسلام: أمّا حقّ رعيتك بالعلم، فأن تعلم أنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما جعلك قيّماً لهم فيما آتاك اللّه من العلم، وفتح لك من خزائنه، فإنّ أحسنت في تعليم الناس ولم تخرق بهم ولم تضجر عليهم، زادك اللّه من فضله، وإن أنت منعت الناس علمك وخرقت بهم عند طلبهم العلم، كان حقّاً
على اللّه عزّ وجلّ أن يسلبك العلم وبهاءه، ويسقط من القلوب محلّك(1).
٤ - حقّ التفكير والتعبير:
ومن أبرز شواهد هذا الحقّ هو منح الإمام علي عليهالسلام للخوارج حرّية التعبير عن معتقداتهم مالم يؤدّ ذلك إلى إراقة الدماء(2)
٥ - حقّ الأمان:
وقد أوجب اللّه تعالى في محكم كتابه على المسلمين احترام مواثيق الأمان حتّى مع الكافرين، فقال تعالى: فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ(3). وقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم يسعى بذّمتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم(4). وسئل الإمام الصادق عليهالسلام عن معنى قوله صلى الله عليه و آله و سلم : يسعى بذمّتهم أدناهم؟
فقال: لو أنّ جيشاً من المسلمين حاصروا قوماً من المشركين، فأشرف رجل منهم، فقال: أعطوني الأمان حتّى ألقى صاحبكم أناظره، فأعطاه أدناهم الأمان، وجب على أفضلهم الوفاء به(5).
٦ - حقّ الاعتقاد:
ومعنى ذلك أنّ الإسلام لا يجبر أحداً على أن يكون مسلماً، ولهذا قال تعالى: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ(6).
٧ - حقّ المساواة وحقّ التمتّع بالعدل:
قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(1). ومن أبرز الشواهد التاريخيّة التي تجسّد لنا العدل الاجتماعي هي القصّة المعروفة بين الإمام علي عليهالسلام وبين أخيه عقيل، عندما طلب منه زيادة في عطائه من بيت المال، فامتنع الإمام علي عليهالسلام من تجاوز الحقّ وأعطى لأخيه عقيل درساً ليؤكّد له أسباب تمسّكه بالعدل والمساواة(2).
الهداية لمذهب الحقّ:
بعد أن عرفت خيريّة عبد الحميد عظمة أهل البيت عليهمالسلام ونورانية كلامهم، لان قلبها نحو عترة الرسول ثُمّ بدأت تشعر بالبراءة من أعداء هذه العترة، وبمرور الزمان وجدت أنّ الحقائق التي اكتشفتها تفرض عليها التخلّي عن عقيدتها السابقة والتمسّك بمذهب أهل البيت عليهمالسلام.
ومن هذا المنطلق استبصرت وأعلنت ذلك عام ١٤٢٣ه (٢٠٠٣م) وهي في السعوديّة، وبما أنّ لغتها الأصليّة كانت لغة التاميل فلهذا طلبت من الأسرة السعوديّة الشيعية التي كانت تعمل عندها أن تراسل المراكز الإسلاميّة في مختلف أنحاء العالم ليرسلوا لها بعض الكتب الشيعية المؤلّفة أو المترجمة بلغة التاميل. وبهذا حصلت خيريّة على بعض الكتب النافعة في هذا المجال، وتمكّنت أن تعمّق دراستها وبحثها وهي تتمنّى عند العودة إلى بلدها أن تقوم بمهمّة نشر مذهب أهل البيت عليهمالسلام فيه، وأن تقوم بتوعية أقربائها وصديقاتها تكشف لهنّ الحقائق التي تعرّفت عليها وتُبيّن لهنّ الطريق الصحيح والمذهب الحقّ.
أفريقي الأصل، من مواليد دولة سيرلانكا، حاصل على شهادة الهندسة في الكهرباء، كان معتنقاً للديانة المسيحيّة، لكنّه ما إن تعرّف على الدين الإسلامي وجده ديناً أكمل وأفضل وأشمل من الديانة التي هو عليها، لأنّه وجد المعارف الإسلاميّة التي تعرّف عليها تركت أثرها الإيجابي في وجدانه وضميره، ومنحته الوعي في عقله، وجعلت بصيرته نافذة، فواصل تلقيّه لهذه المعارف.
والأمر الجدير بالذكر وجد ساموئل بأنّ القرآن الكريم اهتم بالسيّد المسيح عليهالسلام وأشار إلى دعوته ونبوّته وموقف الناس من دعوته، حيث قسّم القرآن موقف الناس من دعوة السيّد المسيح عليهالسلام إلى قسمين:
القسم الأوّل: الذين كفروا بالسيّد المسيح:
ويقول اللّه تعالى عنهم: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ
إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ(1). وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(2).
وقال تعالى: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ(3).
قال تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(4).
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ(5).
وقال تعالى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ(6).
وقال تعالى: إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ
الرَّازِقِينَ قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ(1). وقال تعالى أيضاً حول أتباع السيّد المسيح عليهالسلام: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ(2).
الاقتراب إلى سبيل الرشاد:
وجد ساموئل نفسه بمرور الزمان يقترب إلى سبيل الرشاد، حيث وجد الدين الإسلامي قد قدّم له الأجوبة المقنعة للأسئلة والاستفسارات التي كان يعاني منها فيما سبق، فلمّا اطمأنت نفسه لهذا الدين، ووجد عنده الأدلّة والبراهين الساطعة بادر إلى اعتناقه والالتزام به، فامتلأ قلبه نوراً، وشعر أنّه يمتلك القدرة على تخطّي كافّة الحواجز والعقبات التي وقفت بوجهه لتصرفه عن السير باتّجاه الحقيقة، فواصل سيره هادئالنفس، قوي الحجّة، ثابت الجنان، من أجل نيل أسمى مراتب السموّ والكمال.
ولد عام ١٣٨٠ه (١٩٦١م) في كولومبو عاصمة سيرلانكا واصل دراسته الأكاديمية حتّى نال شهادة البكالوريوس، لكنّه لشدّة رغبته بالدراسات الدينية واصل دراسته بعد ذلك في هذا المجال.
كان ظافر مدني شافعي المذهب، فالتحق بجامعة النظيمية الإسلاميّة الموجودة في بيروالا بسيرلانكا، فدرس فيها سبع سنوات، وكان من جملة الكتب التي درسها كتاب الأم للإمام الشافعي وكتب الإمام النووي.
العمل الإعلامي والدعوة إلى الاسلام:
ارتقت مكانة ظافر العلميّة، فأصبح مديراً لمركز الدراسات الإسلاميّة التابع للجامعة النظيمية، وكان معظم نشاط هذا المركز دعوة النصارى والبوذيين والهنود إلى الإسلام، وقد استطاع هذا المركز خلال عمله بمدّة عشرة سنوات أن يحوّل ثلاثة آلاف شخص إلى الإسلام.
كتب تأثّرت بها:
يقول الأستاذ ظافر: قرأت خلال أبحاثي ومطالعاتي الدينية مجموعة من الكتب الشيعية منها كتب الشهيد مطهري والدكتور علي شريعتي والعلاّمة جعفر سبحاني والسيّد مجتبى الموسوي اللاري، وقرأت تفسير الميزان للعلاّمة
الطباطبائي، فتأثرت بهذه الكتب كثيراً.
آية التطهير في تفسير الميزان:
من أهمّ الآيات القرآنية التي أشارت إلى مقام شامخ لأهل البيت عليهمالسلام هي
آية التطهير، أي: قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(1).
وجاء في تفسير الميزان حول تفسير هذه الآية: كلمة إنّما تدلّ على حصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير وكلمة أهل البيت سواء كان لمجرّد الاختصاص أو مدحاً أو نداء يدل على اختصاص إذهاب الرجس والتطهير
بالمخاطبين بقوله: عنكم.
ففي الآية - في الحقيقة - قصران قصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير، وقصر إذهاب الرجس والتطهير في أهل البيت عليهمالسلام.
المراد من أهل البيت وإذهاب الرجس:
ليس المراد بأهل البيت نساء النبيّ خاصّة لمكان الخطاب الذي في قوله:
عنكم، ولم يقل: عنكنّ. وأمّا إذهاب الرجس إذا كان المراد منه مجرّد التقوى الديني بالاجتناب عن النواهي وامتثال الأوامر فيكون المعنى أنّ اللّه لا ينتفع بتوجيه هذه التكاليف إليكم، وإنّما يريد إذهاب الرجس عنكم وتطهيركم على حدّ قوله: مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ(2). وهذا المعنى لا يلائم شيئاً من معاني أهل البيت السابقة لمنافاته البيّنة
لاختصاص المفهوم من أهل البيت لعمومه لعامّة المسلمين المكلّفين بأحكام الدين.
وإن كان المراد بإذهاب الرجس والتطهير، التقوى الشديد البالغ ويكون المعنى: أنّ هذا التشديد في التكاليف المتوجّهة إليكن أزواج النبيّ وتضعيف الثواب والعقاب ليس لينتفع اللّه سبحانه به، بل ليذهب عنكم الرجس ويطهّركم، ويكون من تعميم الخطاب لهنّ ولغيرهنّ بعد تخصيصه بهنّ، فهذا المعنى لا يلائم كون الخطاب خاصّاً بغيرهن وهو ظاهر، ولا عموم الخطاب لهنّ ولغيرهنّ، فإنّ الغير لا يشاركهن في تشديد التكليف وتضعيف الثواب والعقاب.
لا يقال: لم لا يجوز أن يكون الخطاب على هذا التقدير متوجّهاً إليهنّ مع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وتكليفه شديد كتكليفهنّ.
لأنّه يقال: إنّه صلى الله عليه و آله و سلم مؤيّد بعصمة من اللّه وهي موهبة إلهيّة غير مكتسبة بالعمل، فلا معنى لجعل تشديد التكليف وتضعيف الجزاء بالنسبة إليه مقدّمة أو سبباً لحصول التقوى الشديد له امتناناً عليه على ما يعطيه سياق الآية، ولذلك لم يصرّح أحد من المفسرين بكون الخطاب متوجهاً إليهنّ مع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وإنّما احتملناه لتصحيح قول من قال: إنّ الآية خاصّة بأزواج النبي صلى الله عليه و آله و سلم .
وإن كان المراد إذهاب الرجس والتطهير بإرادته تعالى ذلك مطلقاً لا بتوجيه مطلق التكليف، ولا بتوجيه التكليف الشديد، بل إرادة مطلقة لإذهاب الرجس والتطهير لأهل البيت خاصّة بما هم أهل البيت كان هذا المعنى منافياً لتقييد كرامتهنّ بالتقوى سواء كان المراد بالإرادة الإرادة التشريعيّة أو التكوينيّة.
وبهذا الذي تقدّم يتأيّد ما ورد في أسباب النزول أنّ الآية نزلت في النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وعلي وفاطمة والحسنين عليهمالسلام خاصّة لا يشاركهم فيها غيرهم.
وهي روايات جمّة تزيد على سبعين حديثاً يربو ما ورد منها من طرق أهل
السنّة على ما ورد منها من طرق الشيعة فقد روتها أهل السنّة بطرق كثيرة عن أمّ سلمة وعائشة وأبي سعيد الخدري وسعد وواثلة بن الأسقع وأبي الحمراء وابن عبّاس وثوبان مولى النبيّ وعبد اللّه بن جعفر وعلي والحسن بن علي عليهماالسلام في قريب من أربعين طريقاً.
وروتها الشيعة عن علي والسجاد والباقر والصادق والرضا عليهمالسلام وأمّ سلمة وأبي ذر وأبي ليلى وأبي الأسود الدؤلي وعمر بن ميمون الأودي وسعد بن أبي وقاص في بضع وثلاثين طريقاً.
فإنّ قيل: إنّ الروايات إنّما تدلّ على شمولها الآية لعليّ وفاطمة والحسنين عليهمالسلام، ولا ينافي ذلك شمولها لأزواج النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كما يفيده وقوع الآية في سياق خطابهنّ ويضيف العلاّمة الطباطبائي: قلنا: إنّ كثيراً من هذه الروايات وخاصّة ما رويت عن أمّ سلمة - وفي بيتها نزلت الآية - تصرّح باختصاصها بهم وعدم شمولها لأزواج النبيّ.
فإنّ قيل: هذا مدفوع بنصّ الكتاب على شمولها لهنّ كوقوع الآية في سياق خطابهنّ، قلنا: إنّما الشأن كلّ الشأن في اتّصال الآية بما قبلها من الآيات فهذه الأحاديث على كثرتها البالغة ناصّة في نزول الآية وحدها، ولم يرد حتّى في رواية واحدة نزول هذه الآية في ضمن آيات نساء النبيّ ولا ذكره أحد، حتّى القائل باختصاص الآية بأزواج النبيّ كما ينسب إلى عكرمة وعروة. فالآية لم تكن بحسب النزول جزءاً من آيات نساء النبيّ ولا متّصله بها، وإنّما وضعت بينها إمّا بأمر من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أو عند التأليف بعد الرحلة، ويؤيّده أنّ آية وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ(1)، على انسجامها واتّصالها لوقدّر ارتفاع آية التطهير من بين جملها، فموقع آية التطهير من آية وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّكموقع آية الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ
1) الأحزاب ٣٣ : ٣٣.
كَفَرُواْ(1)من آية محرّمات الأكل من سورة المائدة. وبالبناء على ما تقدّم تصير لفظة أهل البيت اسماً خاصاً -في عرف القرآن- بهؤلاء الخمسة وهم النبيّ وعلي وفاطمة والحسنان عليهمالسلام ولا يطلق على غيرهم، ولو كان من أقربائه الأقربين، وإن صحّ بحسب العرف العام إطلاقه عليهم. المقصود من الرجس في آية التطهير:
الرجس -بالكسر فالسكون- صفة من الرجاسة، وهي القذارة، والقذارة هيئة في الشيء توجب التجنّب والتنفّر منها، وتكون بحسب ظاهر الشيء كرجاسة
الخنزير، قال تعالى: أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ(2)، وبحسب باطنه -وهو الرجاسة والقذارة المعنوية- كالشرك والكفر وأثر العمل السيء، قال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ(3).
وقال تعالى: وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ(4).
وأيّاما كان فهو إدراك نفساني وأثر شعوري من تعلّق القلب بالاعتقاد بالباطل أو العمل السيء وإذهاب الرجس -واللام فيه للجنس- إزالة كلّ هيئة خبيثة في النفس تخطئحقّ الاعتقاد والعمل، فتنطبق على العصمة الإلهية التي هي صورة علميّة نفسانية تحفظ الإنسان من باطل الاعتقاد وسيء العمل.
على أنّك عرفت أنّ إرادة التقوى أو التشديد في التكاليف لا تلائم اختصاص الخطاب في الآية بأهل البيت عليهمالسلام وعرفت أيضاً أنّ إرادة ذلك لا تناسب مقام النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم من العصمة.
فمن المتعيّن حمل إذهاب الرجس في الآية على العصمة، ويكون المراد
بالتطهير في قوله: وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا -وقد أكّد بالمصدر- إزالة أثر الرجس بإيراد ما يقابله بعد إذهاب أصله، ومن المعلوم أن يقابل الاعتقاد الباطل هو الاعتقاد الحقّ فتطهيرهم هو تجهيزهم بإدراك الحقّ في الاعتقاد والعمل، ويكون المراد بالإرادة أيضاً غير الإرادة التشريعية لما عرفت أنّ الإرادة التشريعيّة التي هي توجيه التكاليف إلى المكلّف لا تلائم المقام أصلاً.
والمعنى أنّ اللّه سبحانه تستمر إرادة أن يخصّكم بموهبة العصمة بإذهاب الاعتقاد الباطل وأثر العمل السيء عنكم أهل البيت وإيراد ما يزيل أثر ذلك عليكم وهي العصمة(1).
نشاطه بعد الاستبصار.:
يقول ظافر مدني كانت رحلتي العقائدية شاقّة وصعبة للغاية، ولكنّني وجدت نفسي مخيّراً بين الجنّة والنار، فقلت: العار ولا النار، فأعلنت استبصاري، وتوجّهت إلى نشر علوم ومعارف أهل البيت عليهمالسلام، فنشرت جملة من المقالات دفاعاً عن التشيّع في بعض المجلات والجرائد الحكوميّة، وترجمت بعض المقالات الشيعية إلى لغة بلدنا، ونشرتها في الصحف، وهكذا واصلت عملي التوجيهي حتّى تشيع على يدي الكثير وأملي أن يوفقني اللّه للمزيد من خدمة مذهب أهل البيت عليهمالسلام.
1) الميزان في تفسير القرآن، العلاّمة الطباطبائي ١٦: ٣٠٩ ـ ٣١٣ بتصرّف يسير.
ولد في سيرلانكا، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الأشعري في العقيدة، والمذهب الشافعي في الفقه والأصول، وبقي على انتمائه الموروث حتّى استبصر أحد أصدقائه في المدرسة، فاستغرب محمّد من استبصار صديقه، فأسرع إليه ليصرفه عن تغييره في الصعيد المذهبي، ولكنه واجه أمامه شخصاً لا يمتلك تلك الشخصية السابقة ؛ لأنّه قد تحوّل إلى شخصية واعية، ومثقّفة ومتزنة، تفهم ما تقول، وتجيد أسلوب محاورة الآخرين.
تعجّب محمّد من تغيير شخصية صديقه، وارتقاء مستواها إلى هذا الحد من التسامي والعلو، وعرف أنّ السر الكامن وراء هذا التغيير في الصعيد السلوكي هو التغيير في الصعيد الفكري والعقائدي، فاشتاق أن يتعرّف على الأفكار الجديدة التي انتمى إليها صديقه، ولم يشك محمّد قط بأنّه لن يترك مذهب أسلافه، ولن ينتمي إلى مذهب التشيّع أبداً، ولكّنه أحبّ أن يتعرّف على أصول ومبادئهذا المذهب ليدرك كيف استطاع هذا المذهب أن يجذب صديقه إلى نفسه.
بداية الانعتاق من الانغلاق الفكري:
بدأ محمّد بعد ذلك يأخذ الكتب العقائدية من صديقه ويقوم بقراءتها ليطّلع على الفكر الشيعي، وبمرور الزمان شعر محمّد أنّه بدأ يتحرّر من الانغلاق
الفكري والنظر من زاوية واحدة إلى الحقائق، ورأى بأنّ نظرته بدأت تتسم بالشمولية نتيجة اتّساع أفاق رؤيته إلى الأُمور، ثُمّ بدأ بأمر المقارنة والمقايسة بين أصول ومبادئ المذهبين، وشعر بالصعوبة البالغة في بداية الأمر ؛ لأنّ عقله لم يتعوّد من قبل على التفكير في الصعيد العقائدي، وكانت مهمته فيما سبق حفظ ما يلقى عليه من أمور ومسائل عقائدية من دون المبادرة إلى إعمال العقل فيها أو المبادرة إلى تحليلها وتفكيك أجزائها والوثوق من وجود الانسجام بينها وبين الثوابت العقلية، وهذا الجمود في الصعيد الفكري لفترة سنوات مديدة أدّى
بـمحمّد إلى مواجهة الصعوبة في غربلته للمفردات العقائدية التي ورثها، ومقايستها مع المعتقدات الجديدة التي بدأ يتعرّف عليها من خلال قراءة الكتب الشيعية.
وصف الإنسان بالخالقية:
إنّ من أهم الأُمور التي لفتت انتباه محمّد هي مسألة إيمان أتباع مذهب أهل البيت عليهمالسلام بإمكانية نسبة الخلق إلى غير اللّه تعالى، فاستغرب محمّد في بداية الأمر ؛ لأنّه كان يعتقد بأنّ إثبات الخالقية لغير اللّه يستلزم الاعتقاد بوجود شريك للّه في الخالقية، واللّه سبحانه وتعالى منزّه عن الشريك في الخلق.
ولكنه اقتنع بعد الإلمام بعقيدة أتباع مذهب أهل البيت عليهمالسلام بأنّ الاشتراك اللفظي لا يستلزم الشرك ؛ لأنّ الإنسان يشترك مع اللّه تعالى في بعض الأوصاف المشتركة في اللفظ من قبيل العلم، فنقول: اللّه عالم، ونقول: فلان شخص عالم، ولا يعني ذلك الشرك في العلمية ؛ لأنّنا نعتقد بأنّ علم اللّه تعالى مطلق، ولا حدّ له، ولكن علم الإنسان محدود، ولا يعلم الإنسان إلاّ باذن اللّه.
والمثال الآخر هو القدرة، فنقول: اللّه تعالى قادر، ونقول أيضاً: فلان شخص قادر، ولا يعترض أحد ؛ لأنّنا نعلم بوجود الفرق بين القدرة الإلهية وقدرة الإنسان
؛ لأنّ قدرة اللّه تعالى مطلقة، ولكن قدرة الإنسان محدودة.
ومن هذا القبيل مسألة الخلق، فلا يوجد مانع أن نقول: بأنّ اللّه تعالى خالق، وأن نقول: بأنّ فلان شخص أيضاً خالق، وذلك مع الاعتقاد بأنّ اللّه تعالى يخلق بالاستقلالية، ولكن الإنسان لا يخلق إلاّ بإذن اللّه تعالى.
نسبة الخلق إلى الإنسان في القرآن الكريم:
إنّ من الشواهد القرآنية الدالة على إمكانية نسبة الخلق إلى الإنسان هي
قوله تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(1)، فهذه الآية تثبت بصراحة بأنّ اللّه تعالى خالق، وغيره أيضاً خالق، ولكنه تعالى أحسن الخالقين.
والآية القرآنية الأخرى التي بيّنت هذه الحقيقة هي قوله تعالى لعيسى بن
مريم: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ(2)، فهذه الآية صريحة في نسبة الخلق إلى عيسى عليهالسلام، ولهذا ورد على لسان عيسى عليهالسلام في آية أخرى أنّه قال لقومه: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا(3).
ومن هنا يتبيّن بأنّ نسبة الخلق إلى الإنسان لا تستلزم الشرك في الخالقية الإلهية، وإنّما الشرك يتحقّق فيما لو اعتقد الإنسان بوجود خالق مستقل غير اللّه، له القدرة على الخلق من دون إذن اللّه تعالى، ولكن الاعتقاد بأنّ الإنسان قادر على الخلق بإذن اللّه، وفي إطار القدرة التي أقدره اللّه تعالى عليها، فهو أمر طبيعي، وهوما تدلّ عليه الآيات القرآنية بصراحة.
المفاجأة غير المتوقّعة:
عرف محمّد بعد اطّلاعه على معظّم عقائد مذهب أهل البيت عليهمالسلام بأنّ
الصورة التي يمتلكها التشيّع على خلاف الصورة التي كان قد صوّرها له علماء مذهبهم، فتفاجأ من هذا الأمر الذي لم يتوقّعه أبداً، ووجد محمّد على خلاف ما كان ينسب إلى مذهب التشيّع أنّه مذهب عقلاني وموزون ومستند، وبمرور الزمان تبلورت قناعته بأفضلية المذهب الشيعي، ثُمّ دفعته هذه القناعة إلى تغيير انتمائه المذهبي والتحوّل إلى مذهب أهل البيت عليهمالسلام.
ولد في مدينة ايراوور بدولة سيرلانكا، نشأ في أسرة شافعيّة المذهب، واصل دراسته حتّى المرحلة الجامعيّة، ثُمّ اهتمّ بالدراسات الدينيّة، ومن هذا المنطلق تفتّح ذهنه على حقائق غيّرت مجراه الفكري ودفعته نحو التحوّل المذهبي.
ويرى محمّد سفير بأنّ اهمّ طريقة تركت الأثر في استبصاره هي المناظرة، بحيث تمكّن من خلالها أن يتعرّف على الكثير من الحقائق الدينية.
المظلوم والظالم:
يقول محمّد سفير: أهمّ المواضيع التي تأثّرت بها هي ما يرتبط بسيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء والإمام الحسين عليهماالسلام.
ومن خلال الإلمام بمظلوميّة فاطمة الزهراء ومظلوميّة الإمام الحسين بحث
محمّد سفير حول معرفة الظالم، فكشفت له البحوث التي أجراها والمناظرات التي دارت بينه وبين الشيعة حقائق لم يتوقّع لها وجوداً خارجياً على أرض الواقع قط. فلمّا اصطدم بالحقيقة تفاجأ لها، فأربكت الحقائق الجديدة توازنه الفكري
ودفعته نحو المزيد من البحث والتحقيق.
فاطمة الزهراء وموقفها من خلافة أبي بكر:
وجد محمّد سفير بأنّ فاطمة الزهراء جنّدت كلّ قواها -بعد وفاة أبيها ووقوع الخلافة بيد غير أهلها- للدفاع عن الإمامة الإلهية، ويشهد بذلك خطبتيها المعروفتين والتي قالت في أحداهما مخاطبة لجمهور المسلمين:
فوسمتم غير إبلكم، ووردتم غير شربكم، هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لمّا يندمل، إنّما زعمتم خوف الفتنة أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ(1).
أما لعمر اللّه لقد لقحت فنظرة ريثما تحلب، ثُمّ احتلبوها طلاع القعب دماً عبيطاً هنا يخسر المبطلون ويعرف التالون غبّ ما أسّس الأوّلون، ثُمّ طيبوا عن أنفسكم نفساً، وابشروا بسيف صارم، وهرج شامل، واستبداد من الظالمين، يدع فيئكم زهيداً، وجمعكم حصيداً، فيا حسرة عليكم.
ويقول الشهيد محمّد باقر الصدر تعليقاً على هذا المقطع من الخطبة:
لئن كان الصدّيق وصاحباه يشكّلون حزباً ذا طابع خاص فمن العبث أن ننتظر منهم تصريحاً بذلك أو نتوقع أن يعلنوا عن الخطوط الرئيسية لمنهاجهم ويبرروا بها موقفهم يوم السقيفة، ومع هذا فلابدّ من مبرر . . .
ولابدّ من تفسير . . .
فقد ظهر في ذلك الموقف تسرّعهم إلى إتمام البيعة لأحدهم، وتلهفّهم على المقامات العليا تلهّفاً لم يكن منتظراً بالطبع من صحابة على نمطهم ؛ لأنّ المفروض فيهم أنّهم اُناس من نوع أكمل، وعقول لا تفكر إلاّ في صالح المبدأ، ولا تعبأ إلاّ بالاحتفاظ له بالسيّادة العليا. أمّا الملك الشخصي وامّا اقتناص الكراسي فلا ينبغي
1) التوبة ٩ : ٤٩.
أن يكون هو الغاية في حساب تلامذة محمّد صلى الله عليه و آله و سلم .
أحسّ الحاكمون بذلك وأدركوا أنّ موقفهم كان شاذّاً على أقل تقدير، فأرادوا أن يرقّعوا موقفهم بالأهداف السامية والخوف على الإسلام من هبوب فتنة طاغية تُجهز عليه، ونسوا أن الرقعة تفضح موضعها، وأنّ الخيوط المقحمة في الثوب تشي بها.
ولذا دوّت الزهراء بكلمتها الخالدة:
زعمتم خوف الفتنة أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ(1). نعم أنّها الفتنة ثُمّ هي أمّ الفتن بلا ريب.
ما أروعك يا بضعة النبيّ حين تكشفين القناع عن الحقيقة المُرّة وتتنّبئين لاُمّة أبيك بالمستقبل الرهيب الذي تلتمع في افقه سحب حمراء!
ماذا أقول..؟ بل أنهار من دم تزخر بالجماجم وهي تنعى على سلفها الصالح فعلهم وتقول: ألا أنّهم في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم لمحيطةٌ بالكافرين.
الفتنة الكبرى:
كانت العمليّات السياسيّة يومئذٍ فتنة وكانت أمّ الفتن.
كانت فتنة في رأي الزهراء -على الأقل- لأنّها خروج على الحكومة الإسلاميّة الشرعيّة القائمة في شخص علي هارون النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم والأولى من المسلمين بأنفسهم.
ومن مهازل القدر أن يعتذر الفاروق عن موقفه ؛ بأنّه خاف الفتنة وهو لا يعلم أنّ انتزاع الأمر ممّن أراده له رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم باعتراف عمر هو الفتنة بعينها المستوعبة لكلّ ما لهذا المفهوم من ألوان.
1) التوبة ٩ : ٤٩.
وأنا لا أدري ما منع هؤلاء الخائفين من الفتنة الذين لا مطمع لهم في السلطان إلاّ بمقدار ما يتّصل بصالح الإسلام أن يسألوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم عن خليفته، أو يطلبوا منه أن يعيّن لهم المرجع الأعلى للحكومة الإسلاميّة من بعده؟ وقد طال المرض به أيّاماً متعدّدة، وأعلن فيها مراراً عن قرب أجله، واجتمع به جماعة من أصحابه فسألوه عن كيفيّة غسله وتفصيلات تجهيزه، ولم يقع في أنفسهم مطلقاً أن يسألوه عن المسألة الأساسيّة، بل لم يخطر في بال أولئك الذين أصرّوا على عمر بأن يستخلف ولا يهمل الأمّة وألحّوا عليه في ذلك خوفاً من الفتنة أن يطلبوا نظير هذا من رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم !
فهل ترى أنّهم كانوا حينذاك في غفلة عن أخطار الموقف بالرغم من إنذار النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بفتن كقطع الليل المظلم؟! حتّى إذا لحق سيّد البشر بالرفيق الأعلى توهّجت مشاعرهم بالغيرة على الدين، وملأ قلوبهم الخوف من الفتنة والانعكاسات السيّئة. أو تعتقد معي أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كان قد اختار للسفينة ربّانها الأفضل ولذلك لم يسأله السائلون!!
دع عنك هذا واختلق لهم ما شئت من المعاذير، فإنّ هؤلاء الغيارى على الإسلام لم يكتفوا بترك السؤال، بل منعوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم من مقاومة الخطر المرتقب حينما أراد أن يكتب كتاباً لا يضلّ المسلمون بعده أبداً(1). والفتنة ضلال، وإذن فلا فتنة بعد ذلك الكتاب أبداً، فهل كانوا يشكّون في صدق النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ؟! أو يرون أنّهم أقدر على الاحتياط للإسلام والقضاء على الشغب والهرج من نبيّ الإسلام ورجله الأوّل!
وخليق بنا أن نسأل عمّا عناه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بالفتن التي جاء ذكرها في مناجاته لقبور البقيع في اُخريات أيّامه إذ يقول: ليهنكم ما أصبحتم فيه قد أقبلت الفتن
1) إشارة إلى قول الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم في مرضه الأخير: أئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده... ، صحيح البحاري ١: ٣٧١ كتاب العلم ـ باب كتابة العلم.
كقطع الليل المظلم(1). ولعلّك تقول: إنّها فتن المرتدّين، وهذا تفسير يقبل على فرض واحد وهو: أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كان يتخوّف على موتى البقيع من الارتداد، فأمّا إذا لم يكن يخشى عليهم من ذلك -كما هو في الواقع- لأنّهم على الأكثر من المسلمين الصالحين، وفيهم الشهداء فلماذا يهنّئهم على عدم حضور تلك الأيّام؟ وإذن فتلك الفتن التي عناها النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لابدّ أن تكون فتناً حادثة بعده مباشرة، ولابدّ أيضاً أن تكون أكثر اتصالاً بموتى البقيع لو قدّرت لهم الحياة من فتن الردّة والمتنبّئين.
وهي إذن عين الفتنة التي عنتها الزهراء بقولها: أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ(2)(3). يقول محمّد سفير، واصلت دراستي في معهد منبع الهدى للدراسات الإسلاميّة حتّى توصّلت إلى بطلان معتقداتي الموروثة وأحقيّة مذهب أهل البيت عليهمالسلام، فأعلنت استبصاري والحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه.
الأولى من دراسته في إيران، دعاني إلى السفر إلى إيران والدراسة فيها، فقبلتُ، وسافرت للدراسة هناك، وكنت جدّياً في دراستي، وبعد سنتين عدتُ إلى بلادي وأنا محتفظ بمذهبي السنّي، وبقيت في بلدي لمدّة ستة أشهر، ثُمّ عاودني الحنين بعدها للدراسة، فعدت للدراسة مرة اخرى في إيران، وتفتحت أمامي آفاق جديدة علمياً ودينياً واجتماعياً فقد اطلعت على معارف أهل البيت عليهمالسلام، وعرفت شأنهم، ودورهم العظيم في الحفاظ على الدين الإسلامي، كما أطلعت على المسائل الخلافية بين الشيعة والسنّة كمسألة الإمامة، وبحثت فيها بعمق، كما اُعجبت بعلماء الشيعة من حيث سعة علمهم، وشدّة احتياطهم في الفتيا، وارتحت كثيراً للمظاهر الإسلاميّة المطبّقة في إيران كالالتزام بالحجاب، واحترام الشعائر الإسلاميّة التي هزتني كثيراً، كشعائر الإمام الحسين عليهالسلام التي تبيّن مظلوميته، ومظلومية أبناء الرسول الأعظم بصورة عامة على يد الطغاة الذين تسموا أنّهم خلفاء رسول اللّه!!
لكن الذي آلم ضميري، وأقرح عيوني بالبكاء هو مأساة الزهراء عليهاالسلام، التي لم أكن أعرف عنها شيئاً قبل ذلك، فقد راعني أمر الاعتداء عليها، والهجوم على بيتها، واغتصاب فدك منها، واختفاء قبرها إلى يومنا هذا، وقد كانت قضيّتها السبب الرئيسي في إزالة الغشاوة عن عيني في أمر من كنت أعتقد أنّهم صحابة رسول اللّه وخلفاءه الذين لا يعتريهم الريب!!
لقد هدتني الزهراء عليهاالسلام بظلامتها إلى التمسّك بولاء أهل البيت عليهمالسلام دون غيرهم، لأنّهم عمود الإسلام الذي قام عليه، ولأنّهم قدّموا أنفسهم رخيصة في سبيل اللّه، فكم عانى أبوها وبعلها وبنوها من أجل الدفاع عن دين اللّه، وقد كانت لهم ظلامات كثيرة لو أطلّع عليها المسلمون بشكلها الواقعي لذابت نفوسهم وجداً عليهم، ولنادت ألسنتهم: ألا لعنة اللّه على القوم الذين عادوهم وظلموهم.
ظلامات الزهراء عليهاالسلام في شعرها:
كانت السيّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام خطيبة مفلّقة، تشهد لها الخطبتان اللتان خطبتهما بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : الأولى: أمام المسلمين في المسجد النبوي الشريف، والأخرى أمام النساء في بيتها.
كما كانت فصيحة الكلام، ومبيّنة في الخطاب في محاكمتها لأبي بكر وصاحبه عمر في قضية اغتصاب فدك.
هذا وقد حزنت الزهراء عليهاالسلام حزناً شديداً على فقدان أبيها، فبكت الليل والنهار على رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ، حتّى اشتكى أهل المدينة من بكائها، فبنى لها الإمام علي عليهالسلام بيتاً في البقيع خارج المدينة آنذاك سُمّي بيت الأحزان، بكت فيه أباها رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم .
وللزهراء عليهاالسلام سابقة في البكاء على الشهداء، وتعظيم شأنهم، فقد كانت تزور قبورهم في حياة أبيها، تبكي عليهم وتذكر فضلهم، وخصوصاً سيّد الشهداء عمّ أبيها حمزة بن عبد المطلب، فلم يكن بُكاء الزهراء عليهاالسلام عَبرةً فقط، بل كان عبرةً وعِبرةً، فيه الوفاء للشهداء، وفيه التذكير بالآخرة، وفيه معانٍ سامية كثيرة يقف عليها المتأمّل في مواقفها، والمحقّق في سيرتها.
إنّ عواطف الزهراء الجياشة في بكائها على رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قد تبلورت في بعض المواقف على شكل أشعار رقيقة عذبة تهزّ المشاعر، وتذوب الروح عند سماعها، خصوصاً عند محبيها، كما تعرّضت ضمن وصفها لحالها بعد وفاة رسول اللّه لظالميها أو في الواقع الظالمين للأمّة الإسلاميّة جمعاء باغتصاب ولاية أهل البيت عليهمالسلام الذين عيّنهم رسول اللّه هداةً للأمّة وقادة للمسلمين، فكان هذا الاغتصاب منهم، ثُمّ الاعتداء على حرمات الرسول بالاعتداء على أهل البيت، وتضييع حقوقهم وتصغير منزلتهم التي جعلها اللّه لهم خسارة عظيمة للأُمّة، وتضييع
للرحمة المهداة لها.
قالت الزهراء سلام اللّه عليها:
قلّ صبري وبان عنّي عزائي بعد فقدي لخاتم الأنبياءِ
عينُ يا عين اسكبي الدمع سحّاً ويك لا تبخلي بفيض الدماءِ
يا رسول الإله، يا خيرة اللّه وكهف الأيتام والضعفاءِ
قد بكتك الجبال والوحش جمعاً والطير والأرض بعد بكي السماءِ
وبكاك الحجون والركن والمشعر يا سيدي مع البطحاءِ
ِوبكاك المحراب والدّرس للقرآن في الصبح معلناً والمساء
وبكاك الإسلام إذ صار في النّا سِ غريباً! من سائر الغرباءِ
لو ترى المنبر الذي كنت تعلو ه علاه الظلام! بعد الضياءِ
يا إلهي عجّل وفاتي سريعاً فلقد تنغّصت الحياة! يا مولائي(1)
1) بحار الأنوار ٤٣: ١٧٤ ـ ١٨٠.
وقالت عليهاالسلام في رثاء الرسول الكريم صلى الله عليه و آله و سلم :
قد كانَ بعدك أنباء وهنبثةٌ لو كنت شاهدها لم تكثر الخطبُ
إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها واختلّ قومك! فاشهدهم ولا تغبُ
فليت قبلك كان الموت صادفنا لما نعيت وحالت دونك الكتبُ
تجهمنا رجال فاستخف بنا! مذ غبت عنّا وكلّ الخير قد غصبوا!
سيعلم المتولي ظلم جانبنا! يوم القيامة أنّي كنت أنقلبُ
أبدت رجال لنا فحوى صدورهم! لما فقدت وكلّ الإرث قد غصبوا!(1)
وقالت عليهاالسلام في رثاء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم :
قل للمغيب تحت أطباق الثرى إن كنت تسمع صرختي وندائيا
صُبّت عليّ مصائب لو أنّها صُبّت على الأيام صِرنَ لياليا!
قد كنت ذات حمىً بظلّ محمّد لا أخش من ضيمٍ وكان جماليا
فاليوم أخضع للذليل وأتقي ضيمي وأدفع ظالمي بردائيا!
فإذا بكت قمرية في ليلها شجناً على غصنٍ بكيتُ صباحيا
فلأجعلن الحزن بعدك مؤنسي ولأجعلن الدمع فيك وشاحيا
1) ديوان فاطمة الزهراء: ٢٩ ـ ٣١، قافية الباء.
ماذا على من شمّ تربة أحمد أن لا يشم مدى الزمان غواليا(1)
آهات الزهراء عليهاالسلام فضيحة الظالمين:
مثلما طلبت الزهراء من مولاها أمير المؤمنين عليهالسلام أن يخفي قبرها، ليكون ذلك علامة سؤال كبرى تواجه المسلمين عند زيارة البقاع الشريفة، تفتح أمامهم العشرات من علامات السؤال الأخرى والتي تقودهم بالتالي إلى التوصّل إلى نتائج مخالفة لما يقال لهم من قبل أجهزة الدعاية الرسمية التابعة للحكام الظالمين، مثل هذا الطلب من حيث النتائج كان بكاؤها وآهاتها وحزنها حيث يتساءل المرء السوي، ما الذي حدث؟
وهل أنّه مجرّد بكاء لفقد عزيز؟
أم هو بكاء لفقد عزيز مركب مع أمر آخر مثل الظلم الشديد لهذا العزيز بظلم أهل بيته السائرين على خطّه، والرافعين راية الإسلام بأمر من اللّه ورسوله؟!
إنّ بكاء الزهراء عليهاالسلام وشعرها دليل واضح وصريح على إدانة الظالمين رغم ادعائهم أنّ شيئاً غريباً لم يحدث بعد وفاة رسول اللّه، وأنّهم ساروا على المنهاج الصحيح الذي كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يسير عليه، حيث يدّعون أنّهم اتبعوا سنتّه وحكّموا شريعته، وأنّ أهل البيت عليهمالسلام كانوا على وفاق تام مع صحابة الرسول العظام! وأنّ الرافضة هم الذين يدّعون كذباً حدوث الاختلاف بينهم! أو أن الصحابة وخصوصاً الخلفاء غصبوهم حقاً هو لأهل البيت عليهمالسلام خصوصاً دون غيرهم!
لكن فات هؤلاء أنهم مهما فعلوا، ومهما مكروا -مع أنّ مكرهم تزول منه الجبال- لا يستطيعون إطفاء نور اللّه وهو الإسلام والقرآن المقترن بآل البيت عليهمالسلام أئمّة له ومفسرين دون غيرهم ؛ لأنّ غيرهم عيال عليهم، وتابعين لهم ومهتدين بهم
1) مناقب آل أبي طالب ١: ٢٩٩ ـ ٣٠٠.
-إن كانوا مهتدين- قال تعالى أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(1). إنّ الزهراء عليهاالسلام في بعض هذه المقطوعات الشعرية المتقدّمة، تصرّح بغربة
الإسلام في قولها: وبكاك الإسلام إذ صار في الناس غريباً، وتعلن أنّ منبر رسول اللّه قد علاه الظلام بعد أن كان يعلوه الضياء -وهو الرسول فمن هو الظلام؟!- قالت عليهاالسلام مخاطبة الرسول:
لو ترى المنبر الذي كنت تعلو ه علاه الظلام! بعد الضياءِ
فهل هناك تصريح أكثر من هذا، أم على قلوب أقفالها؟! سلام اللّه عليك يا سيّدة نساء العالمين يوم ولدت، ويوم وقفت تبكين الشهداء، ويوم وقفت تبكين أباك، ويوم فضحت القوم الظالمين بخطابك الذي أخرسهم، ويوم شهادتك إذ طلبت من الولي المظلوم أن يخفي قبرك!! بينما نراهم يقحمون أنفسهم على قبر الرسول ظلماً.
1) يونس ١٠ : ٣٥.
ولد عام ١٣٩٩ه (١٩٧٩م) في دولة سيرلانكا، ونشأ في أُسرة مسلمة شافعية المذهب، واصل دراسته الأكاديمية حتّى حصل على شهادة البكالوريوس، وإلى جانب ذلك تلقّى التعاليم الدينيّة في معهد منهج الهدى باللغة العربية وتخرج منه عام ١٩٩٨م.
يقول مولوي فيروز حول مرحلة ما بعد استبصاره وهدايته إلى سبيل الرشاد إنني أبلغ مذهب أهل البيت عليهمالسلام على قدر الاستطاعة ؛ أسرتي بالدرجة الأولى، زملائي وغيرهم.
وحيث إنّي معلم في المرحلة الثانوية، فعندما أدرّس الطلبة أحاول أن أوضح لهم الحقائق مع أدلّتها أثناء الدرس.
إلى جانب ذلك قمت بترجمة عدّة كتب حول أهل البيت عليهمالسلام إلى اللغة التاميلية ضمن نشاطاتي التبليغية، خصوصاً في مجال الإمامة.
الأدلّة العقليّة على وجوب النصّ على الإمامة:
ذهب الشيعة الإمامية إلى أنّ الإمامة لا تكون إلاّ بالنص من قبل اللّه سبحانه وتعالى، لا بالتعيين من جانب الناس ولا مبايعة أهل الحل والعقد.
وقالت العباسية: إنّ الطريق إلى تعيين الإمام النصّ أو الميراث.
وقالت الزيدية: تعيين الإمام بالنص أو الدعوة إلى نفسه. وأمّا باقي المسلمين فقد قالوا بأنّ الطريق إنّما هو النص أو اختيار أهل الحلّ والعقد(1).
والأدلّة على ما ذهب إليه الإمامية عديدة منها:
الدليل الأوّل: يجب أن يكون الإمام معصوماً، وإلاّ صحّ منه فعل الحرام، وباتباعه من جهة الجمهور ينتقض الغرض من إقامته وهو إصلاح الأمّة وردعها عن المحرّمات، وإذا كان الإمام معصوماً والحال أنّ العصمة أمرٌ خفيّ، لزم أن يكون النصّ عليها من جانب اللّه سبحانه لأنّه وحده يعلمها.
الدليل الثاني: يجب أن يكون الإمام أعلم من غيره، والأعلمية أيضاً من الأُمور الخفيّة، ولو فرض لبعض الناس الاطلاع عليها، فإنّ الاختلاف بينهم في تعيين الواجد لها غير مأمون، وفي ذلك أيضاً نقض للغرض الذي من أجله يحتاج إلى الإمام وهو هدايتهم بعلمه الكامل.
الدليل الثالث: لقد ثبت بالعقل والنقل أنّ شفقة اللّه بعباده وهدايتهم إلى طريق
السداد وإرشادهم إلى ما فيه صلاح معاشهم بلا حدّ ولا غاية.
فقد ورد في السنّة الشريفة في عدّة مواضع ما يدلّ على كمال رأفته ونهاية شفقته بالعباد، فلم يهمل حتّى بيان كيفية الأعمال الجزئية كحلاقة الشعر وقص الشارب وكيفية الدخول لقضاء الحاجة والخروج منه والاستنجاء وغيرها من الأُمور الجزئية التي أوردها على لسان الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بالتفصيل ليُفهمها سائر العباد.
فإذا كان هذا حدّ اللطف منه تعالى فمن الواضح أنّ تعيين الخليفة بعد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ليظهر ضبط الشريعة ونسق قاعدة الدين والملّة ويحفظ الناس من الشر
1) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ٤٩٥.
والفساد ويرشدهم لما فيه صلاح الدنيا والآخرة أولى بعدّة مراتب، فإنّ إهمال هذه الأُمور الجزئية قبيح عليه تعالى، فكيف بمثل هذا الأمر الخطير الذي هو أعظم أركان الدين؟!
وبهذا يتضّح أن الإمامة لا تكون بالبيعة ولا بالشورى . . .
ومن العجب أنّ أهل السنّة يقولون بتفويض أمر الإمامة إلى الأمّة(1)، ثُمّ يقولون بأنّها تثبت ببيعة أهل الحلّ والعقد(2)، ثُمّ يقولون بأنّ الواحد والاثنين من أهل الحلّ والعقد كافٍ كـعقد عمر لأبي بكر وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان(3)، فكيف يجب على مَن يؤمن باللّه واليوم الآخر في شرق الأرض كان أو غربها أن يتّبع من لم ينصّ اللّه عليه ولا رسوله ولا اجتمعت الأمّة عليه وإنّما بايعه نفراً ونفرين!
التبليغ: استبصر مولوي فيروز أثر التبليغ المتواصل للمبلغين الشيعة في
سيرلانكا، وبعد اقتناعه بالمذهب الشيعي واصل قراءته للكتب التي تبيّن وجهة نظر أهل البيت عليهمالسلام في سائر مسائل أُصول الدين وفروعها، وهو الآن أحد المبلّغين عن المذهب الشيعي هناك.
جينغ غانغ من أهالي الصين، لا نعلم عن حياته شيئاً سوى قصّة استبصاره وذلك عن لسانه في مجلّة أو جريدة فارسيّة. يقول جينغ غانغ: إنّ أغلب المسلمين في العالم لا يعتبرون الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام خليفة بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم مباشرة، لأسباب كثيرة، منها عدم سماع بعضهم بحادثة الغدير أصلاً بل أكثرهم كذلك.
إخفاء واقعة الغدير:
واقعة الغدير من أهم الحوادث التاريخية التي وقعت بعد ما قضى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم مناسكه وانصرف راجعاً إلى المدينة، ووصل إلى غدير خم من الجحفة، وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجّة السنة العاشرة نزل عليه جبرئيل الأمين عن اللّه، وأمره أن يقيم عليّاً علماً للناس ويبلّغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة على كلّ أحد إلاّ أنّ هذه الواقعة خفيت على كثير من المسلمين لأسباب عدّة منها الخوف من الحكّام والسلاطين، لأنّ المؤرّخين وأصحاب المسانيد والصحاح كانوا لا يسجّلون حديثاً أو واقعة إلاّ ما يتوافق مع هوى الحاكم، وينسجم مع ميوله، ويخدم مصالحه، مهما كان ذلك مخالفاً للواقع، ولما يعتقده المحدّث
والمؤرّخ نفسه، ويميل إليه.
فإن كان المؤرّخ أو المحدّث ينقل حديثاً أو واقعة لا تلائم هوى الحاكم، فقد كان يعرّض نفسه للمؤاخذة من قبل الحكّام، ولذا أنّ كثيراً من الرواة وأصحاب المسانيد لم ينقلوا واقعة الغدير الكبرى حتّى أنّ في كثير من الأوقات يكون اعتبار الكتاب بقلّة ما ينقله من أحاديث في شأن أهل البيت عليهمالسلام، وكثرة حذفها.
وهذا البخاري ومسلم في صحيحيهما لم ينقلا من فضائل أمير المؤمنين عليهالسلام وأهل بيته، كما ورد ذكرها في بقية الصحاح الستّة والمصادر المعتبرة لدى أهل السنّة، وهي من الحوادث التاريخية الثابتة والمسلّمة، وهي ممّا أجمع عليه علماء المسلمين، مثل: حديث الغدير، آية التطهير، حديث الطائر المشوي، حديث سدّ الأبواب، وحديث أنا مدينة العلم وعلي بابها، وغير ذلك.
فقد روي عن عطيّة العوفي أنّه قال: أتيت زيد بن أرقم فقلت له: إنّ خَتَناً لي [أي صهراً] حدّثني عنك بحديث في شأن علي يوم غدير خم، فأنا أحبّ أن أسمعه منك.
فقال: إنّكم معشر أهل العراق، فيكم ما فيكم.
فقلت له: ليس عليك منّي بأس.
قال: نعم، كنّا بالجُحفة...(1).
هنا نجد أنّ زيد بن أرقم يخشى من الناس ان يتحدّث عن واقعة غدير خم، إلاّ بعد أن اطمأنّ منه.
وأيضاً عن عطيّة العوفي قال: رأيت ابن أبي أوفى، وهو في دهليز له، بعد ما ذهب بصره، فسألته عن حديث، فقال: إنّكم يا أهل الكوفة، فيكم ما فيكم.
قال: قلت: أصلحك اللّه إنّي لست منهم، ليس عليك منّي عار.
1) مسند أحمد بن حنبل ٣٢: ٢٨، ح١٩٢٧٩.
قال: أيّ حديث؟
قلت: حديث علي يوم غدير خم...(1).
في هذا الحديث أيضاً نجد إنّ ابن أبي أوفى يكتم الحديث ولا ينقله إلاّ بعد أن يطمئن من السائل.
وعن سعيد بن المسيّب قال: قلت لسعد بن أبي وقّاص: إنّي أريد أن أسألك عن شيء، وإنّي أتّقيك.
قال: سل عمّا بدا لك فإنّما أنا عمّك.
قال: قلت: مقام رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فيكم يوم غدير خم؟
قال: نعم...(2).
انظر إلى الظروف المحيطة بقضيّة الغدير، وكيف كانوا يريدون التوصّل إليها، مع المخاطر المحدقة بهم.
فيرى جينغ غانغ: أنّ تعيين النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم الإمام عليّاً للإمامة لم يكن من تلقاء نفسه بل هو أمر من اللّه تبارك وتعالى، فهو لم يصنع لنفسه ولا لأولاده حياة مريحة ومرفّهة، ولا عيشاً رغداً، ولا أمناً يطمئنّ به، بل كان دائماً يتحمّل هموم وآلام الناس ويشاركهم في أحزانهم.
فكان همّه وفكره سعادة المسلمين، ولأجل إكمال هذه السعادة عيّن عليّاً خليفة له.
الإمامة الإلهية:
ما كان أمر الإمامة من عند النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم بل هو أمر إلهي، حيث أمره اللّه
تعالى أن يبلّغه إلى المسلمين، وذلك بعد ما قضى مناسكه وانصرف راجعاً إلى المدينة ومعه من كان من الجموع، ووصل إلى غدير خم من الجُحفة التي تتشعّب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين، وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجّة، نزل عليه جبرئيل الأمين عن اللّه بقوله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(1).
وأمره أن يقيم عليّاً علماً للناس، ويبلّغهم ما نزل فيه من الولاية، وفرض الطاعة على كلّ المسلمين، وكان أوائل القوم قريباً من الجُحفة، فأمر رسول اللّه أن يردّ من تقدّم منهم، ويحبس من تأخّر عنهم في ذلك المكان، حتّى إذا نودي بالصلاة، فصلّى بالناس، فلمّا انصرف من صلاته قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الإبل وأسمع الجميع رافعاً عقيرته، فقال:
أيّها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم قالوا: اللّه ورسوله أعلم.
قال: إنّ اللّه مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم: فمن كنت مولاه فعلي مولاه.
ثمّ قال: اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبّه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار، ألا فليبلّغ الشاهد الغائب(2). فكان أمر الإمامة من اللّه حيث أمر رسوله بأن يبلّغ ما أنزل إليه من ربّه في ولاية علي عليهالسلام، وإن لم يفعل وترك تبليغه، فكأنّه لم يبلّغ شيئاً من رسالات ربّه،
ووعده اللّه بالعصمة من الناس من أن ينالوه بسوء.
وجاء في الجوامع عن ابن عبّاس وجابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما: إنّ اللّه تعالى أمر نبيّه صلى الله عليه و آله و سلم أن ينصب عليّاً عليه الصلاة والسلام للناس ويخبرهم بولايته، فتخوّف أن يقولوا: حامى ابن عمّه، وأن يشقّ ذلك على جماعة من أصحابه، فنزلت هذه الآية، فأخذ بيده يوم غدير خم، وقال صلى الله عليه و آله و سلم : من كنت مولاه فعلي مولاه(1). ثمّ يضيف جينغ غانغ قائلاً: اعتقادنا بالإمامة أنّها ليست حكماً ظاهريّاً ماديّاً فحسب، بل هي مقام عالي روحاني ومعنوي لهداية البشر في أمر دينهم ودنياهم.ْ
وعليه يكون مقام الإمامة مقاماً ومنصباً إلهيّاً، وهذا لا يتحقّق لغير المعصوم، ولا يمكن الوصول إليه ؛ لأنّ غير المعصوم له قابليّة الذنب، والذنب يوجب زوال الحقّ، وعدم اعتماد الناس عليه.
في الحقيقة لا شيء يمكن أن يكمل الرسالة، ويعدّ إتماماً للنعمة، وعدلاً للرسالة سوى الإمامة، فلماذا لا يسلّمون بقول رسول اللّه ويعملون بكلامه؟!
الإمامة إتمام للنعمة:
بعد أن عيّن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم عليّاً عليهالسلام علماً للناس نزل أمين وحي اللّه - وهم لم يتفرّقوا بعد - بقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا(2). فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم : اللّه أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الربّ برسالتي، والولاية لعليّ من بعدي.
ثمّ طفق القوم يهنّئون أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه وممّن هنّأه في مقدم الصحابة: الشيخان أبو بكر وعمر كلّ يقول: بخ بخ لك يابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.
وقال ابن عبّاس: وجبت - واللّه - في أعناق القوم(1).
فقال حسّان: إئذن لي يا رسول اللّه أن أقول في علي أبياتاً تسمعهن.
فقال: قل على بركة اللّه.
فقام حسّان فقال: يا معشر مشيخة قريش أتبعها قولي بشهادة من رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم في الولاية ماضية ثمّ قال:
يناديهم يوم الغدير نبيّهم بخمّ فاسمع بالرسول مناديا
فقال: فمَن مولاكم ونبيّكم فقالوا: ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهكَ مولانا وأنت نبيّنا ولم تلقَ منّا في الولاية عاصيا
فقال له: قم يا علي فإنّني رضيتك من بعدي إماماً وهادياً
فمن كنت مولاه فهذا وليّه فكونوا له أتباع صدقٍ مواليا
هناك دعا اللّهم وال وليّهُ وكُن للذي عادى عليّاً معاديا(2)
فبهذا اليوم أكمل اللّه للبشريّة دينهم، وأتمّ عليهم نعمته، ورضي لهم الإسلام ديناً، فما مرّ على المنافقين يوم أشدّ عليهم من يوم الغدير.
حكم مَن يعصي اللّه عزّ وجلّ أو النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أو المعصوم عليهالسلام:
اللّه تبارك وتعالى أمرنا بالرجوع إلى النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم حيث يقول: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا(3). هذه من جهة، ومن جهة أخرى
عصم اللّه رسوله من الخطأ بقوله: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(1).
وعليه يجب إطاعة الرسول في جميع أوامره، فإذا ثبت أنّ الرسول وبأمر من اللّه نصّب عليّاً أميراً للمؤمنين يجب التسليم له في ذلك ومن لم يسلّم بما أمر اللّه فسيشمله قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(2).
وقوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(3).
وقوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(4). وفي النهاية يقول جينغ غانغ: يا إلهي أشكرك على نعمة الهداية. جئت من الصين ليهديني اللّه إلى دينه الكامل، وعلمت أنّ الدين اكتمل بواسطة أمير المؤمنين عليهالسلام. ومن العجب أنّ الغدير الذي هو عيد للمسلمين بمناسبة اكتمال الدين، ولكن للأسف إنّ الناس به جاهلون؟!
ولد في دولة الصين، ونشأ، في أسرة حنفيّة، فاتّبع هذا المذهب تبعاً لأسرته، وبعد أن بلغ صالح مرحلة الرشد انضمّ إلى جمعيّة شباب المسلمين بشمال الصين، وأصبح داعية لمذهبه، وألّف بعض التأليفات في هذا المجال.
نتيجة مهمّة:
عندما كان صالح ماتوجونك يدرس المذاهب الإسلاميّة وصل إلى نتيجة مهمّة وهي أنّه وجد أسس مذهب أهل البيت عليهمالسلام قد بنيت على التعبّد للخالق في الأمور الدينيّة، خلافاً لبقيّة المذاهب فمن ضمن اعتقادات هذا المذهب أنّ الباري سبحانه وتعالى قد اصطفى بعد رسوله لهذه الأُمّة أئمّة علم منهم الوفاء بعهده، فجعلهم خزّاناً لعلمه، وحفظةً لشريعة نبيّه، فعصمهم من الخطأ والسهو والنسيان ليكونوا حججاً على عباده، وسبباً لصيانة دينه ؛ ذلك ولئلا يفسح المجال لتحريف الشريعة النبويّة عِبر القياس العقلي والاستحسان الذوقي.
القياس ومخالفيه:
إن إحدى المبادئ التي اتّخذها بعض أهل السنّة مصدراً للتشريع الإسلامي
هو العمل بالقياس لتحصيل الحكم الشرعي. وقد خالفهم بذلك علماء الإماميّة - تبعاً لأهل البيت عليهمالسلام - وأبطلوا العمل به، كما خالفهم من العامّة: الظاهريّة وأصحاب داود بن خلف، والمذهب الحنبلي الذي لم يقم للقياس وزناً.
السير التاريخي للقياس:
كان القياس غير واضح المعالم عند من كان يأخذ به من الصحابة والتابعين، وأوّل من توسّع في العمل بالقياس وركّز عليه وجعله أصلاً هو أبو حنيفة رأس القيّاسين حيث نشط هو وأصحابه في هذا المجال في القرن الثاني، واتّبعتهم الشافعيّة والمالكيّة بذلك، وقد بالغ جماعة منهم فقدّموه على الإجماع، وقام آخرون بردّ الحديث النبوي بالقياس، بل وتجاوز بعضهم على القرآن الكريم فأوّلوا آياته به.
ولئلا يُتّبع هذا المنهج بدون قاعدة وأصول انبرى جماعة من علماء الدولة العبّاسية التي كانت تساند القياس لتحديد معالمه، وتوسيّع أبحاثه، ووضع القيود والاستدراكات له.
وعرّفوه بأنّه: إثبات حكم في محل بعلّة لثبوته في محلّ آخر بتلك العلّة.
وفي الحقيقة إنّ القياس عمليّة من المستدل (القائس) لغرض استنتاج حكم شرعي لمحلّ لم يرد فيه نصّ بحكمه الشرعي وذلك للعلّة المشتركة بين الحكمين، وتوجب هذه العمليّة عنده الاعتقاد يقيناً وضنّاً بحكم الشارع.
أهمّ أدلّة حجّية القياس:
إذا تصفّح القارئ أقوال الحنفيّة والقائلين بالقياس يجد أنّ الإجماع هو أهم دليل عندهم لإثبات حجّيته، ويقصدون إجماع الصحابة.
ويجب الاعتراف بأنّ بعض الصحابة استعملوا الاجتهاد بالرأي وأكثروا، بل
حتّى فيما خالف النصّ القرآني، حيث تصرّفوا في الشريعة باجتهاداتهم الشخصيّة، إلاّ أنّ هذه الاجتهادات لم تكن واضحة المعالم عندهم، هل أنّها على نحو القياس؟ أو الاستحسان؟ أم كانت تأويلاً للنصوص؟ أم جهلاً بها؟ أم استهانة بها؟
وفي الحقيقة تطوّر البحث عن الاجتهاد بالرأي وأنواعه وخصائصه - كما قلنا - حصل في القرن الثاني، فميّزوا بين أنواع الاجتهاد بالرأي من القياس والاستحسان والمصالح المرسلة و... .
وإن سلّمنا أنّ بعض الصحابة أيّد القياس والقول بالرأي كما حمل مؤيدوا
القياس قول عمر بن الخطاب: واعرف الأشياء والأمثال وقس عليها على ذلك، إلاّ أنّ ذلك لا يكشف عن موافقة الجميع لذلك.
إضافة إلى الروايات التي صحّحتها العامّة في تفنيد القول بالرأي والقياس، كالحديث الذي رواه مالك الأشجعي عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: تفترق أمّتي إلى بضع وسبعين فرقة، أعظمهم فتنة على أمّتي قوم يقيسون الأمور بآرائهم، فيحلّون الحرام ويحرّمون الحلال(1).
وكما صحّحوا عن عمر قوله: اتهموا الرأي على الدين، وإنّ الرأي منّا هو الظنّ والتكلّف(2). وعن ابن مسعود: .. سأقول فيها بجهد رأيي، فإن كان صواباً فمن اللّه وحده، وإن كان خطأً فمنّي ومن الشيطان، واللّه ورسوله بريء(3).
هذا من جهة الاستدلال النقلي وأمّا من الجهة العقليّة، فإنّا نسأل القائس:
هل كلّ قياس قسته حقّ؟ أم فيه حقّ وباطل؟
فإن قال: كلّ قياس حقّ. فذلك محال ؛ لأنّ المقاييس تتعارض ويبطل بعضها بعضاً، ومن المحال أن يكون الشيء وضدّه من التحريم والتحليل محقّاً معاً، وليس هذا مكان نسخ أو تخصيص كالأخبار المتعارضة التي ينسخ بعضها بعضاً، ويخصّص بعضها ببعض.
وإن قال: منها حقّ ومنها باطل. فنقول: فعرّفنا بماذا تعرف القياس الصحيح من الفاسد؟ ولا سبيل لعرفانه أبداً وإذا لم يوجد دليل على تصحيح الصحيح من القياس من الباطل منه فقد بطل كلّه، وصار دعوى بلا برهان.
فإن قال: إنّ اللّه يشبّه في كتابه شيئاً بشيء، وإنّه قضى وحكم بأمر كذا من أجل أمر كذا.
قلنا إنّ ما قاله اللّه منه فهو حقّ، لأنّه تعالى عالم بالمصالح والمفاسد كما لا يحلّ لأحد العمل خلافه لأنّه نصّ، ولكن ما تريد أن تشبهه في الدين وتقيسه بنفسك لم ينصّ عليه اللّه ورسوله صلى الله عليه و آله و سلم .
الملجأ الحصين:
لمّا وجد صالح ماتوجونك الملجأ الحصين الذي يسعه أن ينتهل منه المعارف الدينيّة النقيّة ومن دون أيّ دخل للأهواء فيها، سارع إلى الالتجاء إليه فاستبصر بهدي العترة الطاهرة عليهمالسلام.
ففي مذهب أهل البيت عليهمالسلام الملجأ لتلقّي المعارف بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم هم أئمّة أهل البيت عليهمالسلام، وهم الذين لم يقيسوا الدين برأيهم، بل قولهم هو: قال أبي عن جدّي عن رسول اللّه عن جبرئيل عن ربّ العالمين.
تسكن مدينة شاندونغ في الصين ومتزوّجة من شخص شيعي وهو أحد أساتذه اللغة الانجليزية في مدينتها. قامت هونج وانج بسفرة إلى الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانية وتعرّفت فيها على بعض مبادئ المذهب الشيعي عن قرب، والتقت برجال الدين المعروفين في محافظة خوزستان.
لماذا دُفنت الزهراء عليهاالسلام ليلاً؟
أحد الأمور التأريخيّة الذي يؤثّر عادة على المسلم الباحث عن الحقيقة، ويوجّهه إلى الاستبصار وانتخاب المذهب الشيعي، هو سبب الغموض الموجود حول دفن بضعة رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم وفلذة كبده فاطمة الزهراء عليهاالسلام ليلاً، وإخفاء قبرها، وهي التي كان الرسول صلى الله عليه و آله و سلم يجلّلها ويبيّن علوّ شأنها في حياته، حتّى قال لها في مرضه الذي توفّي فيه: يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين وسيّدة نساء هذه الأُمّة، وسيّدة نساء المؤمنين(1)؟!
1) ذكره الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٦، ثمّ قال: هذا إسناد صحيح ولم يخرجاه هكذا.
إنّها المأساة بعينها أن تُدفن بنت الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ليلاً ويُخفى قبرها.
لماذا؟ وعلى ما ذا يدلّ إبصاؤها لأمير المؤمنين عليهالسلام أن تدفن إذا نامت العيون وهدأت الأصوات؟ وما الذي يجسّد عملها هذا؟
وإلى متى سيبقى هذا اللغز مجهولاً لدى المسلمين؟
وفي ذلك قول الشاعر:
ولأيّ الأمور تدفن ليلاً بضعة المصطفى ويعفى ثراها
كلّ هذه الأسئلة وغيرها تدور في ذهن الباحث المسلم، ولا يجد لها الإجابة الوافية إلاّ بعد مراجعة كتب التأريخ.
هذا وقد أغمضت أكثر كتب الحديث والتاريخ عند أتباع مدرسة الصحابة عن ذكر سبب دفنها عليهاالسلام ليلاً وإخفاء قبرها، مكتفية بسرد الحادثة، ولم تقف عليها وقفة تأمّل ودقّة!!
فقد روى البخاري في صحيحه بعد أن ذكر وجد وغضب فاطمة الزهراء عليهاالسلام على أبي بكر: ... فلمّا تُوفّيت دفنها زوجها علي ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر(1)(2)، ولم يتطرّق البخاري إلى ذكر السبب.
إلاّ أنّ كتب الحديث الشيعيّة ذكرت سبب ذلك في عدّة روايات، فقد روى الشيخ الصدوق في أماليه عن ابن نباتة، قال: سُئل أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب عليهالسلام عن علّة دفنه لفاطمة بنت رسول اللّه عليهاالسلام ليلاً، فقال عليهالسلام: إنّها كانت
1) صحيح البخاري ٣: ٨١.
2) وذكر الطبري في تاريخه ٢: ٤٤٨، عن عائشة أنّها قالت فيما قالت:... فهجرته فاطمة - أي أبا بكر - ولم تكلمّه في ذلك حتّى ماتت، ودفنها علي ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر. ونقل البيهقي في سننه ٦: ٤٨٩ نفس المضمون بعبارة أخرى راوياً عن عائشة: ... فغضبت فاطمة رضي اللّه عنها - علي أبي بكر - وهجرته، فلم تكلّمه حتّى ماتت، فدفنها علي رضي اللّه عنه ليلاً.
ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها الحديث(1).
وجاء في علل الشرائع عن ابن البطائني عن أبيه، قال: سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام: لأيّ علّة دُفنت فاطمة عليهاالسلام بالليل ولم تُدفن بالنهار؟
وروي عن ابن عبّاس أنّه قال: أوصت فاطمة أن لا يعلم - إذا ماتت - أبو بكر ولا عمر ولا يصلّيا عليها... فدفنها علي ليلاً ولم يعُلمهما بذلك(2).
ويقول ابن أبي الحديد المعتزلي في هذا المجال: والصحيح عندي أنّها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر، وأنّها أوصت ألاّ يصلّيا عليها(3).
التيمّن بالاسم المبارك:
بعد التعرّف على المذهب الشيعي واقتناعها به أعلنت هونغ وانغ استبصارها ونطقت بالشهادتين عند أحد رجال الدين في خوزستان، واختارت لنفسها اسم فاطمة، تيمّناً وتبرّكاً باسم سيّدة نساء العالمين عليهاالسلام.
وكان تاريخ استبصارها يوم مولد الزهراء البتول عليهاالسلام عام ١٤٢٩ه .
من مواليد الصين، ولدت في جزيرة هونكونغ، نشأت في أوساط عائلة تعتنق الديانة المسيحيّة، لكنّها بعد أن سمى وعيها أحبّت أن تكون على بصيرة من أمر دينها فدرست المسيحية، فلم تزدد إلاّ شكاً في أمر دينها، ولم تعجبها المسيحية لأنّها وجدت الكنيسة تعلّمها أشياء لا يحترمها العقل الواعي، فتوجّهت إلى دراسة الإسلام لعلّهم تجد إجابة لتساؤلاتها التي كانت عالقة بذهنها، وكانت النتيجة أنّها وجدت الإسلام يمنحها الرؤية الشموليّة إلى الكون والحياة.
عقيدة الإسلام حول قتل السيّد المسيح:
وجدت وايلن بأنّ الإسلام إضافة إلى امتلاكه الرؤية الشموليّة للحياة ؛ فإنّ رؤيته للمسيحيّة أفضل وأصحّ من نفس رؤية المسيحيّة لنفسها.
ووجدت وايلن بأنّ الإسلام لا يعتقد بأنّ السيّد المسيح صُلب، بل قال تعالى: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(1).
الكتب السماويّة:
واصلت وايلن قراءتها للقرآن، فرأت بأنّ القرآن يؤيّد التوراة والإنجيل
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦: ٥٠.
باعتبارها كتب هداية، قال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ(1).
وقال تعالى: وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ(2).
لكنّ الإسلام يعتقد بأنّ الدين اليهودي والمسيحي نُسخ وأنزل اللّه القرآن بالحق مصدّقاً لما بين يديه من الكتب السماوية السابقة ومهميناً عليها.
قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ(3).
كما قال تعالى: إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ(4).
ويكشف القرآن عن هذه الحقيقة بأنّ اللّه تعالى بشّر في التوراة والإنجيل بمجيء النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله و سلم وقال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(5).
أضف إلى ذلك فإنّ القرآن الكريم بنفسه معجزة إلهيّة بحيث قال تعالى عنه: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(6).
وقال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(7).
القرآن الكريم.
١ أبو هريرة، السيّد عبد الحسين شرف الدين الموسوي (ت١٣٧٧ه)، انتشارات أنصاريان ـ قم.
٢ أجوبة مسائل جار اللّه، السيّد شرف الدين الموسوي العاملي (ت١٣٧٧ه)، تحقيق: السيّد عبد الزهراء الياسري، المجمع العالمي لأهل البيت ـ قم، الطبعة الأولى ١٤١٦ه .
٣ الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبد اللّه بن عبد البرّ القرطبي (ت٤٦٣ه)، تحقيق وتعليق: علي محمّد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية ـ بيروت، الطبعة الأولى سنة١٤١٥ه .
٤ أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الاثير (ت٦٣٠ه)، دار الكتاب العربي ـ بيروت. ٥ الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢ه)، تحقيق وتعليق: عادل عبد الموجود وعلي محمّد معوض، دار الكتب العلمية ـ بيروت، الطبعة الثانية ١٤٢٣ه .
٦ أصول التشيّع، هاشم معروف البدراني، منشورات الشريف الرضي ـ قم الطبعة الأولى ١٤١٤ه .
٧ أصول العقائد في الإسلام، السيّد مجتبى الموسوي اللاري، الدار الإسلاميّة ـ بيروت، لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠٨ ه .
٨ إعلام الورى بأعلام الهدى، أبو عليّ الفضل بن الحسن الطبرسي (ت٥٤٨ه)، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت عليهمالسلام لإحياء التراث ـ قم الطبعة الأولى ١٤١٧ه .
٩ أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين (ت١٣٧١ه)، تحقيق: حسن الأمين، دار المعارف للمطبوعات ـ بيروت.
١٠ الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني (ت٣٥٦ه)، إعداد: مكتب تحقيق دار إحياء التراث العربي، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، الطبعة الأولى.
١١ إفادات من ملفات التاريخ، محمّد سليم عرفة، مركز الأبحاث العقائدية ـ قم الطبعة الأولى ١٤٢٧ه .
١٢ إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب، الشيخ اليزدي الحائري، عليّ بن زين العابدين (ت١٣٣٣ه)، تحقيق: سيّد علي عاشور.
١٣ الأمالي، الشيخ الصدوق (ت٣٨١ه)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسسة البعثة ـ قم، الطبعة الأولى ١٤١٧ه .
١٤ الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، أسد حيدر، مكتبة الصدر ـ طهران، الطبعة الرابعة ١٤١٣ه .
١٥ الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري (ت٢٧٦ه)، تحقيق: علي شيري، منشورات الشريف الرضي ـ قم، الطبعة الأولى ١٤١٣ه .
١٦ أوائل المقالات، محمّد بن النعمان المفيد (ت٤١٣ه)، دار المفيد ـ بيروت الطبعة الثانية ١٤١٤ه .
١٧ إيمان أبي طالب، أبو علي فخار بن معد الموسوي (ت٦٣٠ه)، تحقيق: محمّد بحر العلوم، دار الزهراء للطباعة والنشر ـ بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٨ه .
١٨ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، محمّد باقر المجلسي (ت١١١١ه)، دار الكتب الإسلاميّة ـ طهران، الطبعة الرابعة ١٣٦٢ش.
١٩ البداية والنهاية، إسماعيل بن كثير (ت٧٧٤ه)، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧ه .
٢٠ بصائر الدرجات، محمّد بن الحسن الصفار (ت٢٩٠ه)، تصحيح وتعليق: ميرزا حسن كوجه باغي، منشورات الأعلمي ـ طهران ١٤٠٤ه .
٢١ بين التصوّف والتشيّع، هاشم معروف الحسني، دار القلم ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٩٧٩م.
٢٢ تاريخ ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون (ت٨٠٨ه)، دار إحياء التراث العربي -بيروت، الطبعة الرابعة.
٢٣ تاريخ الإسلام، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت٧٤٨ه)، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي ـ بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٧ه .
٢٤ تاريخ الخلفاء، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت٩١١ه)، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني، القاهرة، الطبعة الثالثة ١٣٨٣ه .
٢٥ تاريخ الطبري، محمّد بن جرير الطبري (ت٣١٠ه)، تحقيق: نخبة من العلماء الأجلاّء، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت، الطبعة الرابعة ١٤٠٣ه .
٢٦ تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب المعروف باليعقوبي (ت٢٨٤ه)، تعليق: خليل المنصوري، دار الكتب العلمية ـ بيروت الطبعة الأولى ١٤١٩ه .
٢٧ تاريخ بغداد، أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت٤٦٣ه)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية ـ بيروت، الطبعة الثانية ١٤٢٥ه .
٢٨ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر (ت٥٧١ه)، تحقيق: علي شيري، دار الفكر ـ بيروت ١٤٢١ه .
٢٩ تذكرة الحفّاظ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت٧٤٨ه)، تحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٩ه .
٣٠ تفسير القرآن الكريم، السيّد عبد اللّه شبّر (ت١٢٤٢ه)، الناشر: السيّد مرتضى الرضوي، الطبعة الثالثة ١٣٨٥ه .
٣١ التفسير الكبير، الفخر الرازي (ت٦٠٦ه)، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥ه .
٣٢ تلبيس إبليس، عبد الرحمن بن الجوزي البغدادي (ت٥٩٧ه)، تحقيق: محيي الدين محمّد بعيون، دار ابن زيدون ـ بيروت، الطبعة الأولى.
٣٣ تهذيب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢ه)، دار الفكر ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٤ه .
٣٤ تهذيب الكمال في أسماء الرجال، أبو الحجاج يوسف المزّي (ت٧٤٢ه)، تحقيق: أحمد علي عبيد وحسن أحمد آغا، دار الفكر ـ بيروت ١٤١٤ه .
٣٥ التوحيد، الشيخ الصدوق (ت٣٨١ه)، تحقيق: السيّد هاشم الحسيني الطهراني، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم، الطبعة السابعة ١٤٢٢ه .
٣٦ الجامع الصغير، عبد الرحمن السيوطي (ت٩١١ه)، دار الفكر ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠١ه .
٣٧ الجامع الكبير المعروف بسنن الترمذي، أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذي (ت٢٧٩ه)، عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الفكر ـ بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٣ه .
٣٨ الحاوي للفتاوي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمّد السيوطي، (ت٩١١ه)، دار الكتب العلمية ١٤٠٨ه .
٥٠- الرياض ا لنضرة في مناقب العشرة، محبّ الدين الطبري (ت٦٩٤ه)، المحقق: عيسى بن عبد اللّه الحميدي، دار الغرب الإسلامي ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٦م.
٥١- السقيفة وفدك، أحمد بن عبد العزيز الجوهري (ت٣٢٣ه)، تحقيق: محمّد هادي الأميني، شركة الكتبي ـ بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٣ه .
٥٢ سلسلة الأحاديث الصحيحة، محمّد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف ـ الرياض ١٤١٥ه .
٥٣- سنن ابن ماجة، محمّد بن يزيد القزويني (ت٢٧٣ه)، بشرح السندي (ت١١٣٨ه)، تحقيق: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة ـ بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٢٠ه .
٥٤- سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني (ت٢٧٥ه)، تحقيق: صدقي محمّد جميل العطار، دار الفكر ـ بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٨ه .
٥٥- سنن الدراقطني، علي بن عمر الدارقطني (ت٣٨٥ه)، تحقيق: مجدي بن منصور سيّد الشوري، دار الكتب العالمية ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧ه .
٥٦- السنن الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت٤٥٨ه)، تحقيق: محمّد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤٢٠ه .
٥٧- سير أعلام النبلاء، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت٧٤٨ه)، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٩ه .
٥٨- السيرة الحلبية في سيرة الأمين والمأمون، نور الدين الحلبي الشافعي (ت١٠٤٤ه)، تحقيق: عبد اللّه محمّد الخليلي، دار الكتب العلمية ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٢ه .
٥٩- السيرة النبوية، ابن كثير (ت٧٧٤ه)، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة للطباعة والنشر ـ بيروت ١٣٩٦ه .
٦٠- شجرة طوبى، الشيخ الحائري، محمّد مهدي (ت١٣٦٩ه)، المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، الطبعة الخامسة ١٣٨٥ه .
٦١ شرح المواقف، علي بن محمّد الجرجاني (ت٨١٦ه)، منشورات الشريف الرضي ـ قم، الطبعة الثانية ١٤١٥ه .
٦٢- شرح تجريد العقائد، علاء الدين علي بن محمّد القوشجي (ت٨٧٩ه)، منشورات رضي بيدار عزيزي، الطبعة الحجريّة.
٦٣- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد (ت٦٥٦ه)، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، الطبعة الثانية ١٣٨٥ه .
٦٤- صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان، علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (ت٧٣٩ه)، تحقيق: شعيب الأرنوؤط، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٤ه .
٦٥ صحيح البخاري، محمّد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦ه)، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤٢٠ه .
٦٦- صحيح الجامع الصغير وزياداته، محمّد ناصر الدين الألباني، جمعية إحياء التراث الإسلامي ـ بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٢١ه .
٦٧- صحيح مسلم، مسلم بن الحجّاج النيسابوري (ت٢٦١ه)، دار ابن حزم ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٦ه .
٦٨- الصحيفة السجادية، علي بن الحسين بن أبي طالب عليهالسلام (ت٩٤ه)، تحقيق ونشر: مؤسسة الإمام المهدي عجل اللّه فرجه ـ قم، الطبعة الأولى ١٤١١ه .
٦٩ الصلاة البتراء، السيّد محمّد هاشم المدني، مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلاميّة ـ قم، الطبعة الأولى ١٤٢٨ه .
٧٠- الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة، ابن حجر الهيتمي (ت٩٧٣ه)، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد اللّه التركي وكامل محمّد الخرّاط، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧ه .
٧١- الطبقات الكبرى، محمّد بن سعد (ت٢٣٠ه)، دار صادر ـ بيروت.
٧٢- علي إمامنا وإمامكم أبو بكر، محمّد علي الرضوي.
٧٣- العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت١٧٥ه)، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، مؤسسة دار الهجرة ـ إيران، الطبعة الثانية، سنة ١٤٠٩ه .
٧٤- عيون أخبار الرضا عليهالسلام، الشيخ الصدوق (ت٣٨١ه)، تصحيح وتعليق: الشيخ حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ١٤٠٤ه .
٧٥- الغدير في الكتاب والسنّة والأدب، عبد الحسين الأميني (ت١٣٩٢ه)، دار الكتاب العربي ـ بيروت، الطبعة الرابعة ١٣٩٧ه .
٧٦- فاسألوا أهل الذكر، الدكتور محمّد التيجاني السماوي، مؤسسة أنصاريان ـ قم.
٧٧- فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢ه)، دار الكتب العلمية ـ بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٢١ه .
٧٨- فتنة الوهابية، أحمد بن زيني دحلان (ت١٣٠٤ه)، الطبعة الأولى، مكتبة الحقيقة، اسطنبول، تركيا.
٧٩- الفتوى الخالدة، علي الحسيني الاشكوري، مطبعة إسماعيليان ـ قم، الطبعة الأولى ١٤١٤ه .
٨٠- فدك في التاريخ، السيّد محمّد باقر الصدر (ت١٤٠٠ه)، تحقيق: عبد الجبّار شرارة، مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة.
٨١- الفرق بين الفرق، عبد القاهر بن طاهر البغدادي التميمي (ت٤٢٩ه)، تحقيق: محمّد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية ـ بيروت ١٤١٩ه .
٨٢- فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل (ت٢٤١ه)، تحقيق: وصي اللّه محمّد عبّاس، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٣ه .
٨٣- فضائل سيّدة النساء، عمر بن شاهين (ت٣٨٥ه)، تحقيق: أبو إسحاق الجويني أو الأثري، مكتبة التربية الإسلاميّة ـ القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١١ه .
٨٤- فلسفتنا، محمّد باقر الصدر، الناشر: دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت، الطبعة الخامسة عشر ١٤١٠ ه .
٨٥- فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير، محمّد عبد الرؤوف المناوي، تحقيق: أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية ـ بيروت١٤٢٢ه .
٨٦ القاموس المحيط، محمّد بن يعقوب الفيروز آبادي (ت٨١٧ه)، مؤسسة الرسالة ـ بيروت.
٨٧- الكافي، محمّد بن يعقوب الكليني (ت٣٢٩ه)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة ـ طهران، الطبعة السادسة، سنة ١٣٧٥ش.
٨٨- كامل الزيارات، أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي، تحقيق نشر الفقاهة، ناشر: دار السرور ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ه .
٨٩- الكامل في التاريخ، علي بن محمّد بن الأثير (ت٦٣٠ه)، دار صادر ـ بيروت ١٣٨٥ ه .
٩٠- كتاب الشريعة، محمّد بن الحسين الآجري (ت٣٦٠ه)، تحقيق: عبد اللّه ابن عمر الدميجي، دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٨ ه .
٩١- كتاب سليم، سليم بن قيس الهلالي (ت٧٦ه)، تحقيق: محمّد باقر الأنصاري.
٩٢- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، جار اللّه الزمخشري (ت٥٣٨ه)، تصحيح: محمّد عبد السلام شاهين، دار الكتب العلمية ـ بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٢٤ه .
٩٣- كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، العلاّمة الحلّي (ت٧٢٦ه)، تحقيق: آية اللّه حسن زادة الآملي، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم، الطبعة السابعة ١٤١٧ه .
٩٤- كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، علي المتّقي بن حسام الدين الهندي (ت٩٧٥ه)، تحقيق: محمود عمر الدمياطي، دار الكتب العلمية ـ بيروت، الطبعة الثانية ١٤٢٤ه .
٩٥- لماذا اخترت مذهب أهل البيت؟ الشيخ محمّد مرعي الأنطاكي (ت١٣٨٣ه)، تحقيق: عبد الكريم العقيلي، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤١٧ه .
٩٦- اللهوف على قتلى الطفوف، ابن طاووس (ت٦٦٤ه)، أنوار الهدى ـ قم، الطبعة الأولى ١٤١٧ه .
٩٧- مجلة نور الإسلام، نشر: مؤسسة الإمام الحسين عليهالسلام ـ بيروت.
٩٨- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (ت٨٠٧ه)، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤٠٨ه .
٩٩- المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء، محسن الكاشاني (ت١٠٩١ه)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٣ه .
١٠٠- المراجعات، السيّد عبد الحسين شرف الدين (ت١٣٧٧ه)، تحقيق: حسين الراضي، المجمع العالمي لأهل البيت عليهمالسلام، الطبعة الأولى ١٤٢٢ه .
١٠١- المستدرك على الصحيحين، أبو عبد اللّه الحاكم النيسابوري (ت٤٠٥ه)، تحقيق: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة ـ بيروت.
١٠٢- مسند أبي يعلى الموصلي، أحمد بن علي بن المثنى التميمي (ت٣٠٧ه)، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث ـ دمشق، الطبعة الأولى ١٤٠٤ه .
١٠٣- مسند أحمد بن حنبل، أحمد بن حنبل (ت٢٤١ه)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، الطبعة الثانية ١٤٢٠ه .
١٠٤- المصنّف في الأحاديث والآثار، عبد اللّه بن أبي شيبة الكوفي (ت٢٣٥ه)، تعليق: سعيد محمّد اللحام، دار الفكر ـ بيروت ١٤٢٠ه .
١٠٥- مطالب السؤول في مناقب آل الرسول، محمّد بن طلحة الشافعي، تحقيق: ماجد العطية.
١٠٦- معالم المدرستين، السيّد مرتضى العسكري، قسم الدراسات الإسلاميّة مؤسسة البعثة ـ طهران، الطبعة الثالثة ١٤٠٩ه .
١٠٧- معاني الأخبار، الشيخ محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالصدوق (ت٣٨١ه)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم، الطبعة الرابعة ١٤١٨ه .
١٠٨- المعجم الأوسط، سليمان بن أحمد الطبراني (ت٣٦٠ه)، تحقيق: محمّد حسن الشافعي، دار الكتب العلمية ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٠ه .
١٠٩ المعجم الصغير، سليمان بن أحمد الطبراني (ت٣٦٠ه)، دار الكتب العلمية ـ بيروت.
١١٠- المعجم الكبير، سليمان بن أحمد الطبراني (ت٣٦٠ه)، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، الطبعة الثانية.
١١١- معرفة السنن والآثار، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت٤٥٨ه)، تحقيق: سيّد كسروي حسن، دار الكتب العلمية ـ بيروت.
١١٢- معرفة ما يجب لآل البيت النبوي، أحمد بن علي المقريزي (ت٨٤٥ه)، تحقيق: عبد المحسن السراوي، منشورات السراوي، الطبعة الأولى ١٤١٨ه .
١١٣- المغازي، محمّد بن عمر الواقدي (ت٢٠٧ه)، عالم الكتب للطباعة والنشر، الطبعة الأولى ٢٠٠٦م.
١١٤- مقتل الحسين عليهالسلام، الموفق بن أحمد بن محمّد المكّي الخوارزمي (ت٥٦٨ه)، تحقيق: محمّد السماوي، أنوار الهدى ـ قم، الطبعة الأولى ١٤١٨ه .
١١٥- مقدّمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمّد بن خلدون (ت٨٠٨ه)، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٩ه .
١١٦- الملل والنحل، محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت٥٤٨ه)، تحقيق: محمّد سيّد
كيلاني، دار المعرفة ـ بيروت.
١١٧- من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، تحقيق: السيّد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلاميّة ـ طهران ١٤١٠ه .
١١٨- مناقب آل أبي طالب، محمّد بن علي بن شهرآشوب (ت٥٨٨ه)، المطبعة الحيدريّة، النجف الأشرف ١٣٧٦ه .
١١٩- مناقب الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام، أبو الحسن بن المغازلي (ت٤٨٣ه)، دار الأضواء ـ بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٢٤ه .
١٢٠- المناقب، الموفق بن أحمد الخوارزمي (ت٥٦٨ه)، تحقيق: مالك المحمودي، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم، الطبعة الثانية ١٤١٤ه .
١٢١- مؤتمر علماء بغداد، مقاتل بن عطيّة، المحقق: السيّد مرتضى الرضوي، الطبعة الأولى، المطبعة خورشيد ١٣٧٧ش، الناشر: دار الكتب الإسلاميّة ـ طهران.
١٢٢- الموسم، مجلة شيعيّة تصدر عن المركز الوثائقي لتراث أهل البيت عليهمالسلام، الطبعة الثالثة للعدد الأوّل ١٤١٤ه .
١٢٣- الموطأ، مالك بن أنس (ت١٧٩ه)، جمعية إحياء التراث، الضاحية ـ الكويت، الطبعة الأولى ١٤١٩ه .
١٢٤- ميزان الاعتدال في نقل الرجال، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت٧٤٨ه)، تحقيق: علي محمّد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٦ه .
١٢٥- الميزان في تفسير القرآن، السيّد محمّد حسين الطباطبائي (ت١٤٠٢ه)، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت الطبعة الثالثة ١٤١٩ه .
١٢٦- النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير الجزري (ت٦٠٦ه)، خرّج أحاديثه: صلاح بن محمّد عويضة، دار الكتب العلمية ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ه .
١٢٧- نهج البلاغة، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام، تعليق: فارس الحسّون، مؤسسة دار الهجرة ـ قم، الطبعة الأولى ١٤١٩ه .
١٢٨- نهج البلاغة، ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام، تحقيق: محمّد عبده، دار الذخائر ـ قم، المصورة على طبعة دار المعرفة ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٢ه .
١٢٩- وركبت السفينة، مروان خليفات، مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة الطبعة الأولى ١٤١٨ه .
١٣٠- وسائل الشيعة إلى تحصل مسائل الشريعة، محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (ت١١٠٤ه)، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ـ قم، الطبعة الثانية ١٤١٤ه .
١٣١- ومن الحوار اكتشفت الحقيقة (من بيروت كانت البداية)، هشام آل قطيط، دار المنتظر ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢١ه .
١٣٢ يا ليت قومي يعلمون، ياسين المعيوف البدراني، مؤسسة العارف للطباعة والنشر ـ بيروت.
١٣٣- ينابيع المودّة لذوي القربى، سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (ت١٢٩٤ه)، تحقيق: سيّد علي جمال أشرف الحسيني، دار الأسوة ـ قم، الطبعة الأولى ١٤١٦ه .
مقدمة المركز.... 11
{١} شوقي إبراهيم عثمان (مالكي / السودان).... 13
{٢} طارق زين العابدين (مالكي / السودان).... 16
{٣} عبد القادر الإدريسي (سنّي / السودان).... 26
{٤} عبد القادر الصقري (سنّي مالكي / السودان).... 29
{٥} عبد المنعم حسن (مالكي / السودان).... 35
{٦} مجاهد أحمد النور الزاكي (سنّي / السودان).... 46
{٧} محمّد عليّ المتوكل (سلفي وهابي / السودان).... 56
{٨} محمّد النّور الزاكي (مالكي / السودان).... 58
{٩} معتصم سيّد أحمد (شافعي / السودان).... 65
{٧٦} إسماعيل بليكشة(مسيحي / السويد).... 436
{٧٧} اولف لئوياتريك (حسين)(مسيحي / السويد).... 441
{٧٨} أحمد هوبر(سني / سويسرا).... 444
{٧٩} أريان ديتفلير(سني / سويسرا).... 450
{٨٠} الكساندر موجون (علي)(سني / سويسرا).... 459
{٨١} بوساز جين(سني / سويسرا).... 462
{٨٢} جوزه لوبز (رضا)(سني / سويسرا).... 465
{٨٣} رين هارد دودولف(سني / سويسرا).... 471
{٨٤} يورج شيمون شولدهس(سني / سويسرا).... 474
{٨٥} هارون يوسف باري(مالكي / سيراليون).... 477
{٨٦} بخاري محمّد آدم(شافعي / سريلانكا).... 481
{٨٧} بيترماسه كوراله (رضا)(مسيحي / سيرلانكا).... 485
{٨٨} خيريّة عبد الحميد(مسيحي / سيرلانكا).... 488
{٨٩} ساموئل تامبيا (جعفر) (مسيحي / سيرلانكا).... 493
{٩٠} ظافر مدني (مسيحي / سيرلانكا).... 496
{٩١} محمّد أشرف (مسيحي / سيرلانكا).... 502
{٩٢} محمّد سفير (مسيحي / سيرلانكا).... 506
{٩٣} محمّد عبد الحليم لبي (مسيحي / سيرلانكا).... 511
{٩٤} مولوي فيروز (مسيحي / سيرلانكا).... 518
{٩٥} جينغ غانغ (بوذي / الصين).... 521
{٩٦} صالح ماتوجونك (بوذي / الصين).... 528
{٩٧} هونغ وانغ (بوذي / الصين).... 532
{٩٨} وايلن ونغ (ليلى) (بوذي / الصين).... 535
فهرست المصادر.... 537