ghaemiyeh.com
موسوعة من حياة المستبصرين
المجلد السادس
تأليف مركز الأبحاث العقائدية
مركز الأبحاث العقائدية :
إيران - قم المقدسة - صفائية - ممتاز - رقم 34
العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول ( صلى الله عليه وآله )
جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله
الموقع على الإنترنيت : www . aqaed . com
البريد الإلكتروني : info @ aqaed . com
شابك ( ردمك ) : 5 - 48 - 5213 - 600 - 978
موسوعة من حياة المستبصرين ( ج 6 )
تأليف : مركز الأبحاث العقائدية
صف الحروف واخراج : ضياء الخفّاف
الطبعة الأُولى - 2000 نسخة
سنة الطبع : 1430
الفلم والألواح الحسّاسة : تيزهوش
المطبعة : ستارة
مركز الأبحاث العقائدية :
إيران - قم المقدسة - صفائية - ممتاز - رقم 34
ص . ب : 3331 / 37185
الهاتف : 7742088 (251) (0098)
الفاكس : 7742056 (251) (0098)
العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول ( صلى الله عليه وآله )
جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله
ص . ب : 729
الهاتف : 332679 (33) (00964)
الموقع على الإنترنيت : www . aqaed . com
البريد الإلكتروني : info @ aqaed . com
شابك ( ردمك ) : 5 - 48 - 5213 - 600 - 978
موسوعة من حياة المستبصرين ( ج 6 )
تأليف : مركز الأبحاث العقائدية
صف الحروف واخراج : ضياء الخفّاف
الطبعة الأُولى - 2000 نسخة
سنة الطبع : 1430
الفلم والألواح الحسّاسة : تيزهوش
المطبعة : ستارة
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة المركز... 13
باکستان
{1} إبراهيم اللاهوري... 15
{2} أصغر عليّ شاه... 20
{3} إقبال أحمد روحاني... 29
{4} أكبر عليّ كوندل... 34
{5} أمير الدين بن محمّد مستقيم الحنفي... 40
{6} أمير حسين ساقي... 44
{7} أمير محمّد تونسوي... 48
{8} جعفر حسين باجواه... 51
{9} جنّت حسين جنّتي... 58
{10} خالد برويز خواجه... 62
{11} غوث بخش كهوكهر... 67
{12} خورشيد حسين... 71
{13} ذاكر حسين طاهري... 74
{14} ذو الفقار مسيح... 77
{15} رياض أحمد رضوي... 83
{16} رياض حسين نقوي... 90
{17} زين العابدين شاه بغدادي... 97
{18} سجاد حسين انقلاب... 102
{19} سعيد الرحمن نادر... 103
{20} صفدر حسين شاه البخاري... 110
{21} عبد الرسول صدّيقي قريشي... 114
{22} عبد الكريم حيدري بت... 119
{23} عبد العزيز الحنفي... 123
{24} عليّ محمّد فتح الدين الحنفي... 126
{25} غلام ربّاني مرزا... 130
{26} غلام نبي حسين بخش... 132
{27} فرمان عليّ أعوان... 135
{28} فضل أحمد شاه... 141
{29} فضل حسين... 146
{30} كليم الله محمّد نواز... 149
{31} محمّد إبراهيم كرم بخش القريشي... 153
{32} محمّد إسماعيل... 158
{33} محمّد أشرف كومارو... 161
{34} محمّد إقبال بهي... 175
{35} محمّد بخش قريشي... 178
{36} محمّد ذكر الرحمن خان... 183
{37} محمّد عليّ كهوكهر... 189
{38} محمّد يونس جعفري آزاد... 196
{39} مرغوب أحمد النقوي... 199
{40} مشتاق أحمد قريشي... 205
{41} معظّم عليّ معظّم... 210
{42} منظور أحمد... 215
{43} منظور حسين البخاري... 218
{44} نور حسين صابر سابوي... 221
البحرین
{45} خداش عبد القيس... 225
{46} علاء عبد الله عبد الرحمن... 229
بریطانیا
{47} برناديت كاهل (فاطمة)... 233
{48} جان آلن بادن (رضا)... 236
{49} جوزيف... 239
{50} جوليا آليس (مريم)... 249
{51} جولي كرين (مريم)... 252
{52} خالد شيلدريك الإنجليزي... 255
{53} ديفيد شبرد... 258
{54} ريانا (خديجة)... 261
{55} ساندرا تلينج (سمية)... 263
{56} مارغريت (مريم)... 267
{57} ماري كروفر (مريم آقا باب)... 269
{58} مري بليا (مريم)... 272
{59} نوئل ماهوني (حمزة) باب)... 274
{60} والتر جان (مجيد)... 277
بلجیکیا
{61} آرين ويلمز (مريم)... 279
{62} برنار وماري ليز... 282
{63} ديلوفا برينتي (علي)... 294
بلغاریا
{64} سالي ساليو... 297
{65} محرّم محرّم... 305
بنغلادش
{66} أبو جعفر مندل... 308
{67} محمّد جناب عالي ملاّ... 311
{68} محمّد شفيق الإسلام... 314
{69} محمّد عبد الجبار... 318
{70} محمّد عبد القيوم... 321
{71} محمّد معين الدين... 327
بنین
{72} أحمد أبو بكر... 330
{73} عبد المؤمن عمر... 336
{74} محمّد عبد الله... 340
بورکینا فاسو
{75} السيدي محمّد سانكارا... 345
{76} حسن سنكري... 349
{77} حسن كوني لاسينا... 354
{78} حسين سورابي... 358
{79} عبد الله ويدروغو... 360
{80} علي تراروي... 367
{81} عيسى ترنغدي... 372
بورندی
{82} شريف أحمد... 374
البوسنه والهرسک
{83} موريس جل... 377
بولندا
{84} أبوان (أبو ذر)... 381
بیرو
{85} الدكتور جيساس (علي)... 386
تایلند
{86} أنصار لمبان... 389
{87} تانجنانك بودي (فاطمة)... 395
ترکمنستان
{88} فخر الدين الماورا نهري... 398
{89} ماريا افريانوقا (مريم)... 401
{90} يوري كابيسوف (يوسف رمضان)... 405
ترکیا
{91} بهجت أفندي... 408
{92} قدري جليك... 411
{93} محمّد كوزل حسين الآمدي... 415
{94} مراد بزكين... 418
تنزانیا
{95} إدريس بن مسيب... 424
{96} أُسامة حسين سالم... 427
{97} أمير راشد شعبان... 431
{98} أيوب راشد مليلو... 435
{99} جمعة أمر يشو... 437
{100} جمعة عبد الله... 440
{101} حبيب بن بكر مساما... 445
{102} حسن عيسى مبغا... 451
{103} حسن موسى... 454
{104} راشد صادق سنرى... 457
{105} رمضان ياسين... 459
{106} سالم بن ديرا... 462
{107} سالم سعيد الراجحي... 465
{108} عبّاس مكوسبي جمعة... 468
{109} عبد الرحمن سعيد كويزي... 473
{110} عقيل بن بكار... 476
{111} عمار جمعة... 480
{112} قاسم بن ينامهوما... 482
{113} مسيمو رمضان... 485
{114} هاتيمانا تشاريز(حسين شهيد)... 488
{115} هاشم رمضان... 490
{116} ياسين أنزرونا... 492
{117} ياسين عمر... 497
{118} يوسف بكر... 500
{119} محمّد الأوّل إبراهيم... 504
{120} أبو حسن التونسي... 506
{121} أحمد الحزامي صالح... 510
{122} أحمد الرياحي... 513
{123} الأسعد بن علي... 517
{124} حامد فرحاني... 521
{125} حسن بن شقرا... 525
{126} حفيظ بالخيرية... 537
{127} حمزة بن مبارك... 540
{128} حياة ياسين... 543
{129} صالح الطيّب... 546
{130} علي أكبر مالكي... 549
{131} علي بن الفيتوري الهواري... 553
{132} مبارك بعداش... 560
فهرست المصادر... 570
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على خير البشر ، خاتم الأنبياء والرسل ، أبي القاسم محمّد ، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا .
والصلاة والسلام على أصحابه النُجباء ، الذين لم يُغيّروا ولم يبدلّوا بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وثبتوا واستقاموا على نهجه القويم وصراطه المستقيم ، وتمسّكوا بما أوصاهم به مراراً وتكراراً بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :
" إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما " (1).
والحمدُ لله على إكمال الدين وإتمام النعمة ، ورضى الربّ الإسلام ديناً لنا .
بين يديك - أيها القارئ الكريم - المجلّد السادس من هذه الموسوعة المباركة " موسوعة من حياة المستبصرين " ، رأى النور بعد جهد مشكور قام به أعضاء مركز الأبحاث العقائدية .
وهو يحتوي على مائة واثنين وثلاثين ترجمة لمن وفّقهم الباري عزّ وجلّ لركوب سفينة النجاة والسير على خطى أهل البيت (عليهم السلام) ، موزّعة على عدّة دول هي :
1) - سنن الترمذي 5 : 663 حديث 3788 .
باكستان ، البحرين ، بريطانيا ، بلجيكا ، بلغاريا ، بنغلادش ، بنين ، بوركينا فاسو ، بورندي ، البوسنة والهرسك بولندا ، بيرو ، تايلند ، تركمنستان ، تركيا ، تنزانيا ، توغو ، تونس .
علماً بأنّ هذا العدد من التراجم لا يُمثّل تراجم كافة المستبصرين في هذه الدول ، بل هو عبارة عن نماذج منهم ، نستدلّ بها على اتساع حركة الاستبصار عالمياً لتشمل كافة بلدان العالم .
وإنّي أثبت هذه الأسطر بعد أربعة أيام فقط من عودتي من زيارة المغرب العربي ، الذي شاهدت فيه ما يفرح به المؤمنون ، من انتشار مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بين أوساط الكثير من المثقفين ، الذين التقيت ببعضهم ووقفت عن قرب على حركة الاستبصار المباركة هناك .
ختاماً نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير لكلّ الأخوة الأعزاء ، أعضاء مركز الأبحاث العقائدية ، الذين ساهموا في إخراج هذا المجلّد والمجلّد السابع من الموسوعة ، ونخصّ بالذكر :
1 ) فضيلة الشيخ الأستاذ علاء الحسّون .
2 ) فضيلة الشيخ صادق الحسّون .
3 ) فضيلة الشيخ محمّد مهدي الجواهري .
4 ) السيّد مرتضى الشيرازي .
كما نتشكّر من فضيلة السيّد صالح التنكابني ، لمساهمته في اعداد ملفّات المستبصرين ، فللّه درّهم وعليه أجرهم ، والحمد لله أولاً وآخراً .
محمّد الحسّون
17 صفر 1429 ه
الملاّ " إبراهيم اللاهوري " ، ويلقّب ب " المستبصر " ، من مواليد مدينة لاهور الباكستانية ، لاقاه صاحب كتاب " دبستان مذاهب " سنة 1053 ه .
كان " الملاّ إبراهيم " صاحب بصيرة ومعرفة ، صاحب منطق وموضوعية ، أراد الحقّ فبحث عنه بأسلوب صحيح ، وبنظرة محايدة ، بعيدة عن التعصّب والانحياز ، فاستطاع أن يشقّ طريقه إلى النور والهداية ، مخلّفاً وراءه جميع الشكوك والاحتمالات ، واضعاً قدميه في ساحة اليقين والمعرفة ، معتنقاً لمذهب الحقّ دون اتّباع لتقليد أعمى أو هوى نفس .
وكان سبب استبصار " إبراهيم اللاهوري " رؤيا رأى فيها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ودعوتهم إليه إلى اعتناق مذهبهم واتباع هديهم (1).
ومن هذا المنطلق توجّه " إبراهيم اللاهوري " نحو البحث حتّى توصّل إلى القناعة التامّة بأحقّية مذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
1) - دبستان مذاهب : 244 - 245 ، طبقات أعلام الشيعة الطبقة الحادية عشر : 10 ، الذريعة 8 : 48 .
إنّ الأحلام وتفسيرها وبيان دلالاتها ، وما تحكيه من معاني وما تؤول إليه من نتائج ، كانت منذ القدم محلاًّ لتوجّه الأمم والشعوب ، وما زالت لحدّ الآن حائزة على أهميّة واسعة من قبل الناس وفي مختلف المجتمعات .
وقد اختلف العلماء الأخصّائيون أشدّ الاختلاف في تفسير وبيان الأحلام ، وكيفية نشوئها ، وبيان دوافعها ، ومدى مصداقيتها ، وصحّة نتائجها ، ومع هذا فإنّ من المُسلّم عند الأديان أنّ للأحلام نحو ارتباط بما وراء الطبيعة ، وإنّ كان لها مبادئ ومباني مادّية .
وقد حازت مسألة الأحلام على اهتمام كبير من قبل مختلف الأديان ، ومنها ديننا الإسلامي ، فقد أعطى للرؤيا حقيقة وواقعية ، فقد ذكر القرآن الكريم نماذجاً عديدة من الأحلام والرؤى . كما في سورة الأنفال ، قال تعالى : * ( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ) * (1)وفي سورة الصافات قال تعالى : * ( يَآ إبراهيمُ قدَ صَدَقتَ الرُّؤيا ) * (2)، وفي سورة الفتح قال تعالى : * ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ) * (3)وغيرها من الآيات .
وكذا الأحاديث الشريفة فإنّ كتب الحديث مملوءة بالأحاديث عن أحلام الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) والصالحين .
إنّ للرؤيا أسباب ومناشىء متعدّدة ، منها ما ذكره أبو الفتح الكراجكي في كتابه كنز الفوائد ، قال : " الرؤيا في المنام تكون من أربع جهات " :
الأولى : ما يكون من حديث النفس وكثرة التفكير في شيء .
الثانية : ما يكون من الطبائع والمزاجات فإنّ صاحب الطبع الحاد والعصبي تختلف أحلامه عن صاحب المزاج الهادئ .
الجهة الثالثة : ما يكون ألطافاً من الله عزّ وجل لبعض خلقه ، من تنبيه وتيسير وإعذار وإنذار ، فيلقي في روعه ما ينتج له تخيلات أمور تدعوه إلى الطاعة والشكر على النعمة ، وتزجره عن المعصية ، وتخوّفه الآخرة ، ويحصل له بها مصلحة وزيادة فائدة ، وفكر يحدث له معرفة .
الجهة الرابعة : ما يكون أسباباً من الشيطان ، ووسوسة يفعلها الإنسان ، ويذكره بها اُموراً تحزنه وأسباباً تغمّه إلى أن قال : وذلك مختصّ بمن عُدِم التوفيق لعصيانه وكثرة تفريطه في طاعات الله سبحانه .
ثمّ قال فأمّا منامات الأنبياء ( صلوات الله عليهم ) فلا تكون إلاّ صادقة ، وهي وحي في الحقيقة .
ومنامات الأئمّة (عليهم السلام) جارية مجري الوحي ، وإنّ لم تسمّى وحياً ، ولا تكون قط إلاّ حقاً وصدقاً ، وإذاً صحّ منام المؤمن ; لأنّه من قبل الله تعالى ، وقد جاء في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أنّه قال : " رؤيا المؤمن جزء من سبعة وسبعين جزءاً من النبوّة " ، وروي عن عليّ (عليه السلام) قال : " رؤيا المؤمن تجري مجرى كلام تكلّم به الرب عنده " .
ثمّ أشار صاحب كنز الفوائد إلى الرؤيا التي ينبغي القطع بصحّتها عند رؤية النبيّ أو أحد الأئمّة (عليهم السلام) في المنام ، وقال في وصف هذا المنام أنّه : " كلّ منام رأى فيه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أو أحد الأئمّة (عليهم السلام) وهو فاعل لطاعة أو آمر بها ، وناه عن معصية أو مبيّن لقبحها ، وقائل بالحق أوداع إليه ، أو زاجر عن باطل " .
إلى آخر كلامه رحمه الله ، ثمّ ذكر حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : " من رآني فقد رآني ، فإنّ الشيطان لا يتشبّه بي " وكذا الحديث الآخر : " من رآني نائماً فكأنّما رآني
يقظاناً " (1).
كما عرفت ممّا ذكرناه أنّ الرؤيا الصالحة هي لطف من الله تعالى لبعض خلقه ، تنبّههم وتحفّزهم على فعل الخيرات ومعرفة الحقائق ، أو تحذّرهم عن اتّباع الباطل والانغماس في الرذيلة .
فهي منبّهة ومحذّرة لا أكثر ، فعلى من رأى هكذا رؤيا ترشده إلى أمر ما أو تنهاه عنه ، فعليه أن يبحث عن واقعية وأدلّة ذلك الشئ ، ولينظر إلى معتقداته وأفعاله ومدى قربها من الواقع والحقيقة .
وهذا غير كونها حجّة ، فإنّ الحجّية معناها الدليلية والبرهان ، وهذا ما لم يثبت للأحلام على الإطلاق - طبعاً لغير الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) .
قال " الشيخ المفيد " في الفصول المختارة : " ولسنا نعتمد على المنامات ، ولكنا نأنس بما نبشّر به ونتخوّف ممّا نحذر منها ، ومن وصل إليه شيء من علمها عن ورثة الأنبياء (عليهم السلام) ميّز بين حقّ تأويلها وباطله ، ومتى لم يصل إليه شئ من ذلك كان على الرجاء والخوف (2).
وقد سُئل " السيّد الخوئي " ( قدس سره ) عن ذلك ، فأجاب : لم تثبت الحجّية بنفس الرؤيا والأمر فيها (3).
إذاً فالرؤيا غير حجّة ، ولكّنها أحد أهم طرق اللطف من قبله تعالى لإحياء روح اليقظة والتفطّن في النفوس الإنسانية ، وأحد أهم أسباب مراجعة وغربلة
المعتقدات الموروثة .
والذي يبدو من " ملاّ إبراهيم " أنّه لم يكن يستبصر على أثر الرؤيا فقط ، بل الرؤيا كانت محفزّاً له للبحث ، ولمعرفة الحقيقة وكان اعتناقه لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) بعد أن عرف الحقيقة ووقف على أدلّتها الناصعة .
ولد حوالي سنة 1334 ه ( 1916 م ) في باكستان ، نشأ وتربّى في أوساط بيئة أملت عليه العقيدة السنيّة ، فكوّن عقائده وبنى نسيجه الفكري وسط الأجواء السنّية التي عاش فيها ، فأصبح سنيّاً يعتقد بما ورثه من عقائده حول أصول الدين ولا سيّما ما يخصّ مسألة الخلافة الإسلاميّة .
يحدّثنا " عليّ أصغر شاه " - وقد صار عالماً دينياً وخطيباً وأستاذاً - عن مذهبه ومعتقده السابق في خصوص مسألة الخلافة : " كانت عقيدتي في الخلافة أنّها بدأت بأبي بكر ، وانتهت بعلي (عليه السلام) ، وأنّ الخلفاء كلّهم على حقّ "
ولكن " أصغر عليّ شاه " لم يقف عند حدود معرفته الموروثة ، بل فكّر وتدبّر في تلك العقائد وأدلّتها ، وسأل نفسه : هل تملك هذه العقائد رصيداً كافياً من الأدلّة بحيث تمنحها الشرعيّة ، وتعطيها صفة المقبولية ، ولزوم الاتباع ؟ !
وبعد التمحيص وغربلة الأقوال والأدلّة ، وبعد البحث الجاد والمطالعة الهادفة ، توصّل " أصغر عليّ شاه " عن دليل وبرهان ، إلى الحقيقة ، وكانت تلك الحقيقة هي : أنّ الطريق الصواب ، والمذهب الصحيح ، هو اتّباع الإمام عليّ (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّ هذه حقيقة لا يمكن إنكارها ، أو غض الطرف عنها ، فتذوّق " أصغر عليّ شاه " حلاوة الحقيقة ، وارتشف من رحيقها ،
واعتنق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، وأعلن تشيّعه عام 1374 ه ( 1955 م ) .
قال " عليّ أصغر شاه " بعد اعتناقه مذهب التشيّع : " أمّا الآن فأعتقد : أنّ الخليفة الحقيقي هو الإمام عليّ (عليه السلام) ، وأنّه سيّد المسلمين ، وشيخ المهاجرين والأنصار ، والسابق في الإسلام .
يقول " أصغر عليّ شاه " : السبب الباعث على اعتناقي المذهب الشيعي ، هو أنّي أمعنت النظر في الآراء المتضاربة بين الشيعة والسنّة ، فنظرت في أدلّة كلا الفريقين ، وطالعت مؤلّفاتهما المختلفة - حسب وسعي وطاقتي - فانتهت بي إلى هذه النتيجة وهي : أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الإنسان الفذ ، الذي لا يدانيه ولن يدانيه أحد من هذه الأمّة المحمدية ، ومن بعده العترة الطاهرة ، ذريّة الرسول ، فإنّهم هم خلفاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حقاً ، هداة الدين ، وقادة الإسلام ، من تمسّك بهم نجى ، هم ربّانيّوا سفينة النجاة ، والثقل الأصغر ، والأحق بالخلافة النبوية ، والحكومة الإلهية ، وبإقامة الحدود الشرعيّة وتنفيذها .
والحسد القبائلي حال دون المسلمين ، فلم تجتمع كلمتهم على اتّباع عترة نبيهم . ويضيف " أصغر عليّ شاه " بقي هذا الإفراط يتزايد يوماً فيوماً ، فحرم الناس من معرفة آل محمّد وطريقتهم ومذهبهم ، وممّا لا شكّ فيه أنّ الإنسان السعيد في مثل هذه الحالات العصيبة يعرض عن هذه الهفوات ، فيتمسّك بذيل الروايات المسلّمة بين الفريقين .
كانت نظرة " أصغر عليّ شاه " خلال بحثه العقائدي نظرة موضوعية ، بعيدة عن التعصّب الأعمى ، وكانت نظرته عقلائية دفعته إلى دراسة المسائل بصورة حيادية ، بعيدة عن الميول والرغبات التي قد تدفع الباحث إلى عدم تقبّل الحقّ ،
فيما لو كانت النتيجة مخالفة لهواه .
فعندما وجد " أصغر عليّ شاه " أمامه رؤية مذهبية جديدة ، وعقيدة مغايرة لما هو عليه ، لم يرفضها مباشرةً ، ولم يخطئ منتميها ومعتقديها ، بل تعامل معها بشكل منطقي ، وبعيد عن التعصّب أو التحجر ، كما أنّه لم يتعامل مع ما عنده من معتقدات ورؤى على أنّها ثابتة ومسلّمة غير قابلة للنقاش والنقد ، بل جعلها في معرض البحث والجدل ، وجوّز عليها الخطأ ، فرأى نفسه بين مذهبين ، كلّ منهما يدّعي أنّه على الحقّ ، وكلّ منهما يطرح أدلته وعقائده وأفكاره ، وكلّ منهما يدّعي أنّ مشروعيّته من الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ومن هذا المنطلق جعل " أصغر عليّ شاه " أقوال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) السبيل لمعرفة الحقيقة والطريق الموصل للصواب ; لأنّها أوضح دليل ، وأتّم برهان لتمييز الحقّ عن غيره ، فإنّ ما أمر به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الحقّ واليقين ، ويجب اتباعه .
قال تعالى : * ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) * (1).
وقال تعالى : * ( وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) * (2)- النساء (4) : 59 .(3).
وقال تعالى : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) * (3) .
فهذه الآيات المباركة تأمر جميع المسلمين بالانقياد لأوامر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والانصياع إليها ، ومع حصول التنازع لا بد من الرجوع إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لمعرفة حكم الله تعالى في مورد التنازع والاختلاف .
ومن أهم المسائل الخلافية والأخطر بين المسلمين ، بل والمنشأ الأوّل للاختلافات بينهم ، هي قضيّة الخلافة والإمامة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فذهب أهل السنّة إلى أن الخلافة ليست بالنصّ ، وأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يعيّن أحداً للخلافة من بعده ، وذهبت الشيعة إلى أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عيّن الإمام علي (عليه السلام) للخلافة ، وجعله إماماً على المسلمين من بعده ، وجعل الإمامة والخلافة بالنص .
وتعد مسألة الخلافة والإمامة من أهم المسائل التي كانت وما تزال الأكثر جدلاً في الساحة العلمية في الأوساط الإسلاميّة ، فعلى المنصف المحايد الذي يريد التوصّل إلى الحقيقة والصواب أن يمعن النظر في أقوال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأوامره ، فإنّ فيها الهداية ومعرفة الصواب والحقّ .
توجد أحاديث اتفق عليها أهل السنّة والشيعة ، وأكثروا من نقلها في كتبهم الروائية وغير الروائية ، أحاديث فيها نصّ جلي ، ودلالة واضحة على الخلافة ، ومن الذي يستحقّها بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بحيث من ائتمر بهذه الأحاديث وتبعها لا يبقى عنده أيّ شك ، ولا أدنى ريب في هذه المسألة المصيريّة في حياة الأمّة الإسلاميّة .
وقد نقلت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مجموعة أحاديث ، بهذه الخصوصيات ، وهذه الدلالات .
ومن جملة هذه الأحاديث " حديث الغدير " ، وهو من الأحاديث التي رواها الفريقان ، سنّة وشيعة ، وتواتر نقله عندهم ، وتعتبر واقعة الغدير من الوقائع التي حفظتها ذاكرة الأمّة ، وخطّها التأريخ بقلمه ، وثبّتها ، هي واقعة حافظت على حيويتها وطراوتها مدى العصور ، وإلى يومنا هذا ، وقد تناقلتها الأجيال كابر عن كابر ، وقلم عن قلم ، وكتاب عن كتاب ، فهي أحد أهم ركائز العقيدة الإسلاميّة ، وقد
أُلّفت حول هذه الواقعة مئات الكتب التي تناولت تداعيات وملابسات هذه الواقعة العظيمة ، فأحصت رواة حديث الغدير بأسمائهم ، وبيّنت ميّزاتهم وخصوصياتهم ، ودرست النصّ دراسة دقيقة ، موضوعية ، بيّنت فيه دلالات الحديث ، وأبعاده الشخصية والاجتماعية ، الإسلاميّة والعالمية .
فلم نَر قرن من القرون إلاّ وفيه تأليف أو أكثر عن واقعة الغدير (1).
ولكثرة ما أُلّف عن " حديث الغدير " ، ولسعة ما كتب فيه ، أُلّفت كتب مستقلّة تحصي الكتب التي أُلّفت عن " حديث الغدير " ، مثل كتاب " الغدير في التراث الإسلامي " للعلاّمة المحقق السيّد عبد العزيز الطباطبائي ، فقد أحصى الكتب المؤلفة عن " حديث الغدير " حسب القرون ، فذكر كلّ قرن وما كتب فيه عن هذا الحديث .
ومثل كتاب " الغدير في مرآة الكتب " لمحمد الأنصاري ، وقد أحصى فيه أكثر من (414) كتاباً حول " حديث الغدير " من قبل علماء السنّة والشيعة .
أمّا الكتب التي ذكرت فصلاً ، أو باباً عن " حديث الغدير " فهي كثيرة جداً ، ويصعب إحصاؤها .
ورد " حديث الغدير " في مختلف المصادر بنصوص يوجد فيها اختلافات يسيرة ، من قبيل الاختصار والتطويل ، فبعض المصادر ذكرت الواقعة بتفاصيلها وجزئيّاتها ، والبعض الآخر اقتصر على النصوص المهمّة التي تُعيّن مسير الأمّة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، مثل نص " من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه " أو مثل " من كنت وليّه فهذا وليّه " ، نكتفي بذكر نصّين للحديث ، من مصادر أهل السنّة ، ونقتصر في الباقي على ذكر المصادر ، ثمّ على الباحث المحايد الذي يريد الحقيقة والصواب
1) - راجع : الغدير في التراث الإسلامي للمحقق الطباطبائي .
المراجعة والتتبعّ .
أخرج النسائي في خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) سنده إلى زيد بن أرقم ، قال : لمّا رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من حجّة الوداع ، ونزل غدير خمّ ، أمر بدوحات فقممن ، ثمّ قال : " كأنّي قد دعيت فأجبت ، إنّي تركت فيكم ا لثقلين أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما ، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض " .
ثمّ قال : " إنّ الله مولاي ، وأنا ولي كلّ مؤمن " ، ثمّ أخذ بيد عليّ ، فقال : " من كنت وليّه ، فهذا وليّه ، اللّهم والِ من والاه ، وعاد من عاداه " .
فقلت لزيد : سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فقال : ما كان في الدوحات أحد إلاّ ورآه بعينيه ، وسمعه بأذنيه (1).
ثمّ أخرج النسائي عدّة أحاديث بهذا اللفظ أو المعنى .
وأخرج أحمد في مسنده عن أبي الطفيل ( عامر بن واثلة ) ، قال : جمع عليّ ( رضي الله تعالى عنه ) الناس في الرحبة ، ثمّ قال لهم : " أنشد الله كلّ امرئ مسلم سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول يوم غدير خمّ ، ما سمع لمّا قام " ، فقام ثلاثون من الناس ، فشهدوا حين أخذوا بيده .
فقال للناس : " أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ؟
قالوا : نعم يا رسول الله .
قال : " من كنت مولاه فهذا مولاه ، اللّهم والِ من والاه ، وعاد من عاداه " .
قال : فخرجت وكأنّ في نفسي شيئاً ، فلقيت زيد بن أرقم ، فقلت له : إنّي سمعت علياً ( رضي الله عنه ) يقول : كذا وكذا .
قال : فما تنكر ، قد سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول ذلك له " (2).
ومن جملة المصادر السنيّة المعتبرة التي روت حديث الغدير :
أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (1)، وابن أبي عاصم في السنّة (2)، والطبراني في المعجم الكبير (3)، وابن كثير في البداية والنهاية (4)، وابن حبّان في صحيحه (5)، والهيثمي في موارد الضمآن (6)، وفي مجمع الزوائد (7)، وابن المغازلي في مناقب عليّ بن أبي طالب (8)، وابن ماجة في سننه (9)، وغيرها من المصادر (10).
قال الذهبي معقّباً على أحد طرق " من كنت مولاه فعلي مولاه " : هذا حديث حسن عال جداً ، ومتنه فمتواتر (11).
قال شمس الدين الجزري في أحد طرق هذا الحديث : هذا حديث حسن من هذا الوجه ، صحيح من وجوه كثيرة ، تواتر عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) وهو متواتر أيضاً عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، رواه الجم الغفير عن الجم الغفير (12).
قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة في تصحيحه الحديث " من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهم والِ من والاه ، وعاد من عاداه " : " وجملة القول : إنّ
1) - المستدرك على الصحيحين 3 : 323 ، ح 4634 .
2) - السنّة : 630 .
3) - المعجم الكبير 5 : 166 .
4) - البداية والنهاية 5 : 150 .
5) - صحيح ابن حبان 15 : 376 .
6) - موارد الضمآن 2 : 987 ، ح 2204 ، وح 2205 .
7) - مجمع الزوائد 9 : 88 ، باب : قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) .
8) - مناقب عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) : 67 ، قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) .
9) - سنن ابن ماجة 1 : 54 ، باب فضل عليّ (عليه السلام) .
10) - للاطّلاع على مزيد من المصادر ، راجع كتاب الغدير للعلاّمة الأميني ، الجزء الأوّل .
11) - سير أعلام النبلاء 8 : 335 مؤسسة الرسالة .
12) - أسنى المطالب في مناقب سيدنا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) : 48 .
حديث الترجمة (1)حديث صحيح بشطريه ، بل الأوّل منه متواتر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يظهر لمن تتبع أسانيده وطرقه ، وما ذكرت منها كفاية " (2).
وقال الداني بن منير آل زهوي : " فحديث المولاة حديث صحيح ثابت بل هو متواتر ، كما قال الألباني في الصحيحة " (3).
هذه رواية حديث الغدير عند السنّة ، أمّا رواية هذا الحديث عند الشيعة ، فقد بلغت حدّ التواتر أيضاً ، بل تجاوزت مرحلة التواتر .
فحديث الغدير إذن تواتر نقله عن الفريقين ، سنّة وشيعة ، والحديث المتواتر هو ما قطع بصدوره عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أي : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نطق به وحدّث به جزماً .
إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أشهد المسلمين على أنفسهم بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بهم من أنفسهم ، وفي هذا إشارة إلى الآية الكريمة : * ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) * (4)ومقتضى هذه الآية أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بالمؤمنين من أنفسهم في جميع تصرّفاتهم وشؤونهم الفردية والاجتماعية ، فلمّا أقرّ الحضور بذلك فرّع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على ولايته التامّة ولاية الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : " من كنت مولاه فعلي مولاه " ، فأثبت (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) ما أثبته القرآن له (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكل من كان مؤمناً فعلي (عليه السلام) مولاه ، وأولى به من نفسه .
1) - أيّ الحديث الذي تصدّر بيان ترجمته وتوثيقه وهو حديث الغدير .
2) - سلسلة الأحاديث الصحيحة 4 : 343 - 344 .
3) - خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) للنسائي بتحقيق آل زهوي : 78 . ولمزيد من الاطلاع على من جمع حديث الغدير من علماء السنّة ، ووثّق رجاله اُنظر كتاب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في كتب أهل السنّة للشيخ حكمت الرحمة : 98 - 108 ، الفضيلة الثالثة .
4) - سورة الأحزاب (33) : 6 .
وهذا النصّ يدلّ بوضوح وبصراحة على خلافة الإمام عليّ وولايته على الناس من بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنّ من كانت هذه صفته ، كيف لا يكون الخليفة من بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ ! ! فكيف تكون القيادة والخلافة لشخص على المسلمين - بما فيهم الإمام عليّ - والإمام عليّ (عليه السلام) أولى به حتّى من نفسه ؟ ! ! فهذا ما لا يقبله العقل النزيه ، بل وترفضه الفطرة الإنسانية السليمة .
فدلالة حديث الغدير واضحة وجليّة في تعيين الخليفة الشرعي والحقيقي بعد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فهذا هو قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ودلالته واضحة بيّنة ، والقرآن يحثّنا مكرِراً ومؤكِّد على طاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال تعالى : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) * (1).
وقال تعالى : * ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ) * (2).
وهذا ما فعله " أصغر عليّ شاه " ، حيث حَكّم كلمات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأقواله ، ولم يتعدَّاها ، وحَكّم خصوص تلك الأقوال التي اتفق على نقلها السنّة والشيعة ، فعندما تمسّك بها ، تساقطت أمامه الأقنعة المزيفة التي كانت لفترة طويلة حجاباً بينه وبين الحقّ فعندما أشرقت أمامه شمس الحقيقة ، تنّور عقله ، وانشرح صدره ، فاعتنق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بعد تتبع وغربلة للأقوال عن فكر وعقيدة راسخة ، وعن دليل وبرهان .
وكم هي السعادة التي تغمر الباحث ، واللذّة التي يشعر بها ، بعد أن يرى بحثه وجهده آل إلى نتيجة يقينية ، تنزاح معها جميع الأوهام ، ولا تصمد أمامها جميع الشبهات .
الصورة
ولد عام 1372 ه ( 1953 م ) في ولاية " السند " ونشأ في أسرة حنفية بريلوية وهابية ، حصل على شهادة الليسانس في العلوم الإسلاميّة ، ثمّ عمل في مجال التدريس والتبليغ والخطابة .
وقف " إقبال أحمد " على حقيقة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) من خلال مناظراته مع بعض علماء الشيعة ، ومطالعاته الكثيرة في كتب التاريخ الإسلامي ودراسته لبعض القضايا والأحداث كقضية فدك وغيرها من الأحداث التاريخية المهمّة التي تلت وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وتعتبر قضيّة فدك إحدى القضايا التي تبرز الظلم الذي وقع على الزهراء (عليه السلام) من قبل أبي بكر وعمر ، ممّا جعلت الحقيقة جليّة واضحة أمام " إقبال أحمد " وأدّت به إلى الاعتقاد بأحقّية مذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
يقول عليّ بن أحمد الكوفي مستعرضاً ظلامة بنت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : " ثمّ إنّه (1)عمد إلى الطامّة الكبرى والمصيبة العظمى في ظلم فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ،
1) - أبو بكر .
فقبض دونها تركات أبيها ممّا خلفه عليها من الضياع والبساتين وغيرها ، وجعل ذلك كلّه بزعمه صدقة للمسلمين ، وأخرج أرض فدك من يدها ، فزعم أنّ هذه الأرض كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هي في يدكِ طعمة منه لك ، وزعم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورّت ما تركناه فهو صدقة ، فذكرته فاطمة (عليه السلام) برواية أمام أوليائه : أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد جعل لي أرض فدك هبة وهدية ، فقال لها : هات بيّنة تشهد لك بذلك ، فجاءت أم أيمن فشهدت لها ، فقال : امرأة لا نحكم بشهادة امرأة ، وهم رووا جميعاً أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : " أم أيمن من أهل الجنة " ، فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) وشهد لها ، فقال : هذا بعلك وإنّما يجرّ إلى نفسه ، وهم قد رووا جميعاً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : " عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور معه حيث دار (1)ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض هذا مع ما أخبر الله به من تطهيره لعلي وفاطمة ( عليهما السلام ) من الرجس (2)وجميع الباطل بجميع وجوهه رجس ، فمن توهّم أنّ
1) - أخرج هذا الحديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع من الحفاظ والأعلام منهم : الخطيب البغدادي في التاريخ ج 4 ، ص 321 ، بطرقه عن أم سلمة ، والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ، ص 236 ، وقال رواه البزار والحافظ ابن مردويه في المناقب ، والسمعاني في فضائل الصحابة أخرجاه عن عائشة ، وابن مردويه أيضاً في المناقب ، والديلمي في الفردوس عن عائشة أيضاً بلفظ ( الحقّ لن يزال مع عليّ وعليّ مع الحقّ لن يختلفا ولن يفترقا ) ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة ج 1 ، ص 68 ، عن محمّد بن أبي بكر عن عائشة بلفظ ( عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ ) والزمخشري في ربيع الأبرار بلفظ ( عليّ مع الحقّ والقرآن والحقّ والقرآن مع عليّ ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ) وبهذا اللفظ أخرجه أخطب الخطباء الخوارزمي في المناقب ، من طريق الحافظ ابن مردويه ، وكذا شيخ الإسلام الحموي في فرائد السمطين من طريق الحافظين أبي بكر البيهقي والحاكم أبي عبد الله النيسابوري . أقول : ورواه محبّ الدين الطبري في ذخائر العقبى : ص 37 .
2) - وذلك لمّا أطبق المفسرون على نزول قوله تعالى : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * - سورة الأحزاب : 33 - في أهل بيت النبيّ (عليهم السلام) وعليّ وفاطمة ( عليهما السلام ) لا ريب أنهما من أهل البيت (عليهم السلام) وذكره جلة علماء العامّة ، منهم محبّ الدين الطبري في ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى : ص 24 ، ط ، بيروت دار الوفاء ، وقال : أخرجه مسلم وأحمد في المناقب ، وكذلك الطبراني ، وذكر المرتضى في الشافي ، وشيخ الطائفة في تلخيص الشافي ، العديد منها ، فراجع .
علياً وفاطمة ( عليهما السلام ) يدخلان من بعد هذا الإخبار من الله في شيء من الكذب والباطل عن غفلة أو تعمّد ، فقد كذّب الله ، ومن كذّب الله فقد كفر بغير خلاف ، فغضبت فاطمة (عليه السلام) عند ذلك فانصرفت من عنده وحلفت انّها لا تكلّمه وصاحبه حتّى تلقى أباها فتشكو إليه ما صنعا بها .
فلمّا حضرتها الوفاة أوصت علياً (عليه السلام) أن يدفنها ليلاً ; لئلا يصلّي عليها أحد منهم ، ففعل ذلك ، فجاؤوا من الغد يسألون عنها ، فعرفهم أنّه قد دفنها ، فقالوا له : ما حملك على ما صنعت ؟
قال : أوصتني بذلك فكرهت أن أخالف وصيّتها ، وهم قد رووا جميعاً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : " فاطمة بضعة منّي ، من آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله عز وجل " (1)ولم يجز أن أخالف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مخالفة وصيتها .
ورووا كذلك جميعاً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لفاطمة (عليه السلام) : " يا فاطمة إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك " (2)فإذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخبر أنّ الله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها ، وأنّ من آذاها فقد آذى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن آذى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد آذى الله ، وقد دلّ دفنها بالليل من غير أن يصلي عليها أحدٌ منهم ، أو من أوليائهم ، أنّ ذلك كان منها غضباً عليهم بما إجتروا عليها وظلموها ، وإذا كان ذلك كذلك فقد غضب الله عليهم بعد أن آذوها ، فإذاً قد أذوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأذاهم إياها ، وقد آذا الله عزّ وجل بأذاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّ الله عزّ وجلّ يقول : * ( إِنَّ
1) - إنّ حديث " فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني " ، من الأحاديث المتواترة وإنّ اختلف في بعض ألفاظ المتن ، فممّن ذكره أصحاب الصحاح البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، وأحمد ، وأبو داود ، وابن حجر في الصواعق ، والكنجي في كفاية الطالب ، كلهم في باب مناقب فاطمة (عليه السلام) .
2) - رواه ابن حجر العسقلاني في ترجمة فاطمة (عليه السلام) من الإصابة ، وقال النبهاني في الشرف المؤيّد ص 59 ، إنّه رواه الطبراني وغيره بإسناد حسن ، ورواه الحافظ محيي الدين الطبري في ذخائر العقبي ص 39 .
الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) * (1)
ورووا أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لأبي بكر حين لم يقبل شهادته : يا أبا بكر ، اصدقني عمّا أسألك .
قال : قل .
قال : أخبرني لو أنّ رجلين احتكما إليك في شيء في يد أحدهما دون الآخر أكنت تخرجه من يده دون أن يثبت عندك ظلمه .
قال : لا .
قال : فممن كنت تطلب البيّنة منهما ، أو على من كنت توجب اليمين منهما .
قال : أطلب البيّنة من المدعي ، وأوجب اليمين على المنكر ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " البينة على المدعي ، واليمين على المنكر " .
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) أفتحكم فينا بغير ما تحكم به في غيرنا ؟
قال : فكيف ذلك .
قال : إنّ الذين يزعمون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : ما تركناه فهو صدقة ، وأنت ممن له في هذه الصدقة - إذا صحّت - نصيب ، وأنت فلا تجيز شهادة الشريك لشريكه ، فيما يشاركه فيه ، وتركة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بحكم الإسلام في أيدينا ، إلى أن تقوم البيّنة العادلة بأنّها لغيرنا ، فعلى من ادعى ذلك علينا إقامة البيّنة ، ممن لا نصيب له فيما يشهد به وعلينا اليمين فيما تنكره ، فقد خالفت حكم الله تعالى وحكم رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ قبلت شهادة الشريك في الصدقة ، وطالبتنا بإقامة البيّنة على ما ننكره ممّا ادعوه علينا ، فهل هذا إلاّ ظلم وتحامل ؟
ثمّ قال : يا أبا بكر ، أرأيت لو شهد عندك شهود من المسلمين المعدلين عندك على فاطمة بفاحشة ما كنت صانعاً ؟
قال : كنت والله أقيم عليها حد الله في ذلك .
1) - الأحزاب (33) : 57 .
قال له إذاً كنت تخرج من دين الله ودين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال : لم ؟
قال : لأنّك تكذّب الله وتصدّق المخلوقين ، إذ قد شهد الله لفاطمة بالطهارة من الرجس في قوله تعالى : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * (1)فقلت أنت إنّك تقبل شهادة من شهد عليها بالرجس ، إذ الفواحش كلّها رجس ، وتترك شهادة الله لها بنفي الرجس عنها .
فلمّا لم يجد جواباً قام من مجلسه ذلك وترك علياً (عليه السلام) (2).
اعتنق " إقبال أحمد " التشيّع عام 1402 ه ( 1982 م ) ، ونظم قصائد في مدح أهل البيت (عليهم السلام) جمعها في ديوان شعر ، وترجم عدّة كتب من لغة " الأرود " إلى لغة " السند " .
يقول " إقبال أحمد " : بعد التمسّك بولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأهل بيته (عليه السلام) بدأت بالتبليغ لهداية الناس ، وقد تشيّع بفضل هذه الجهود التي ما أردت بها إلاّ وجه الله تعالى العديد من الأقارب وغيرهم .
الصورة
ولد عام 1357 ه ( 1939 م ) في قضاء " مكهنا توالي " في لواء كجرات بباكستان الغربية ، درس حتّى الصف العاشر ، ثمّ عمل موظّفاً في دائرة حكومية .
يقول أكبر عليّ : السبب الباعث لي على اختيار هذا المذهب ( الشيعي الإمامي ) هو أنّي طالعت كتباً مختلفة ، وحضرت مختلف المجالس لأصحاب مختلف المذاهب والذي حصل لي واستنبطته منها هو إمكان نيل الوجاهة الدنيوية عن طريق المذهب السنيّ ، أمّا الآخرة والنجاة فلا تحصل إلاّ بالتمسّك بالأئمة المعصومين (عليهم السلام) الذين هم أفضل البرية ، والذين ضحّوا بكل ما عندهم للإسلام ، ولذلك أعلنت اعتناقي لهذا المذهب .
كنت أعتقد في الإمام عليّ ما يعتقده السنّة من أنّه الخليفة الرابع ، وعقيدتي الآن أنّه الخليفة الأوّل بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه يستحق أن يقال عند ذكره (عليه السلام) .
كنت أعتقد أنّ أمر الخلافة راجع إلى الجمهور ، وقد اختاروا أبا بكر ، وقد عرفت أنّ الخلافة منصب إلهي ، لا يجوز لأحد أن يعطيه لآخر ، والذي يختاره الجمهور يمكن أن يكون ناقصاً وعاصياً ، أمّا من يختاره الرسول بأمر من الله تعالى فإنّه لا يكون إلاّ كاملاً معصوماً .
أورد الطبري في تفسير جامع البيان في تفسير الآية السابعة من سورة البيّنَة * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * (1).
حديثاً بسنده عن أبي الجارود ، عن محمّد بن عليّ : * ( أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : " أَنْتَ يا عَليُّ وَشِيعَتُكَ " (2).
وجاء في الدر المنثور لجلال الدين السيوطي في تفسير نفس الآية :
أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال : كنّا عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقبل عليّ فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : " والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ، ونزلت : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * فكان أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أقبل عليّ قالوا : جاء خير البرية .
أخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً : عليّ خير البرية .
وأخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال : لمّا نزلت : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ : " هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين " .
وأخرج ابن مردوية عن عليّ قال : قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " ألم تسمع قول الله : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جثت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين " (3).
وأورد الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل أربعة وعشرين حديثاً في تفسير الآية المذكورة تفسر خير البرية بأنّه عليّ بن أبي طالب وشيعته وورد في حديثين منها ذكر أهل بيته (عليهم السلام) .
وهي : " . . . عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : بينا رسول الله يوماً في مسجد المدينة وذكر بعض أصحابه الجنة فقال رسول الله : إنّ لله لواءً من نور ، وعموداً من زبرجد خلقها قبل أن يخلق السماوات بألفي سنة ، مكتوب على رداء ذلك اللواء لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، آل محمّد خير البرية . صاحب اللواء إمام القوم ، فقال عليّ : الحمد لله الذي هدانا بك ، وكرّمنا بك وشرّفنا . فقال له النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا عليّ ، أمّا علمت أنّ من أحبّنا وانتحل محبّتنا أسكنه الله معنا ، وتلا هذه الآية : * ( فِي مَقْعَدِ صِدْق عِندَ مَلِيك مُّقْتَدِر ) * (1)" .
و " . . . عن ابن عبّاس في قوله : * ( أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * قال : نزلت في عليّ وأهل بيته " (2).
اختلف المسلمون في هذا الأمر ، فقال جمهور أهل السنّة تختاره الأمّة ، وقال الشيعة يختاره الله تعالى ، وقد عيّن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من الله تعالى علياً (عليه السلام) إماماً للمسلمين ، ومن بعده أولاده المعصومين (عليهم السلام) .
ونورد هنا مقطع من حديث للإمام الرضا (عليه السلام) ، يبيُن فيه هذا الأمر ، ويقطع الحجّة على من أشكل عليه هذا الأمر كما كان عليه حال الأخ " أكبر عليّ " :
روى عبد العزيز بن مسلم قال : كنّا مع الرضا (عليه السلام) بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مَقْدمنا فأداروا أمر الإمامة ، وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها ، فدخلت على سيدي (عليه السلام) فأعلمته خوض الناس فيه ، فتبسّم (عليه السلام) ثمّ قال : " يا عبد العزيز ، جهل القوم وخُدعوا عن آرائهم ، إنّ الله عزّ وجلّ لم يقبض نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى أكمل له الدين ، وأَنزلَ عليه القرآن فيه تبيان كلّ شيء ، بيّن فيه الحلال والحرام
والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملاً ، فقال عزّ وجلّ : * ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْ ) * (1)وأنزل في حجّة الوداع ، وهي آخر عمره (صلى الله عليه وآله وسلم) : * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) * (2)- الروم (30) : 56 .(3).
وأمر الإمامة من تمام الدِّين ، ولم يمض (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى بيّن لأمته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبيل الحقّ وأقام لهم عليّاً (عليه السلام) علماً وإماماً . . .
هل يعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الأمّة فيجوز فيها اختيارهم ، إنّ الإمامة أجلّ قدراً ، وأعظم شأناً ، وأعلى مكاناً ، وأمنع جانباً ، وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم ، أو ينالوها بآرائهم ، أو يقيموا إماماً باختيارهم .
إنّ الإمامة خصّ الله عزّ وجلّ بها إبراهيم الخليل (عليه السلام) بعد النبوّة والخلّة ، مرتبة وفضيلة شرّفه بها ، وأشاد بها ذكره فقال : * ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) * (4)، فقال الخليل سروراً بها * ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) * قال الله تبارك وتعالى : * ( لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالمِيِنَ ) * (5).
فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة ، ثمّ أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذرّيّته أهل الصفوة والطهارة فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرناً فقرناً حتّى ورّثها الله تعالى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) . . فكانت له خاصّة فقلّدها (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً (عليه السلام) ، بأمر الله تعالى على رسم ما فرض الله ، فصارت في ذرّيّته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان ، بقوله تعالى : * ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ) * (5) فهي في ولد عليّ (عليه السلام) خاصّة
إلى يوم القيامة ; إذ لا نبي بعد محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فمن أين يختار هؤلاء الجهال ؟ !
الإمام واحد دهره ، لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير ، مخصوص بالفضل كلّه من غير طلب منه له ولا اكتساب ، بل اختصاص من المفُضِل الوهّاب .
فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام أو يمكنه اختياره ؟ !
هيهات ! هيهات ! ! ضلّت العقول وتاهت الحلوم وحارت الألباب عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله وأقرّت بالعجز والتقصير ، وكيف يوصف بكلّه أو ينعت بكنهه أو يفهم شيء من أمره أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه ؟ ! لا ، كيف وأنّى وهو بحيث النجم من يد المتناولين ووصف الواصفين ! فأين الاختيار من هذا ؟ وأين العقول عن هذا ؟ وأين يوجد مثل هذا ؟ !
أتظنون أنّ ذلك يوجد في غير آل الرسول محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) .
رغبوا عن اختيار الله واختيار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته إلى اختيارهم والقرآن يناديهم * ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * (1).
وقال عزّ وجلّ : * ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) * (2). . .
إنّ الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم ، فيكون علمهم فوق علم أهل الزمان .
وإنّ العبد إذا اختاره الله عزّ وجلّ لأمور عباده شرح صدره لذلك وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاماً فلم يعِ بعده بجواب ، ولا يحير فيه عن
الصواب ، فهو معصوم مؤيّد مسدّد ، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار ، يخصّه الله بذلك ليكون حجته على عباده وشاهده على خلقه ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .
فهل يقدرون على مثل هذا فيختارونه أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدّمونه ؟ تعدوا - وبيتِ الله - الحقّ ، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، كأنّهم لا يعلمون " (1).
1) - الكافي 1 : 198 ، باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته ، ح 1 .
ولد في شبه القارة الهندية قبل تقسيمها في عائلة حنفية .
كان " أمير الدين " مثقّفاً بالثقافة الدينية المذهبية السنيّة ، ومتبحّراً بقراءة كتب التاريخ والرجال وعلم الحديث والتفسير ، ومضافاً إلى ولعه العلمي هذا ، كان طبيباً على نمط القدامى من الأطباء التقليديين ، وكان يعتبر من الشخصيات السنيّة الكبيرة في مدينة ( جنك ) بالباكستان .
سكن أحد علماء ( هرات ) الأفغانيين الشيعة - وهو الشيخ عبد العلي الهروي المتوفّى سنة 1342 ه / 1922 م - في مدينة ( سركوتها ) بالبنجاب ، فتوثقت بينه وبين " أمير الدين " صلة وعلاقة ودّية .
ونظراً للثقافة الواسعة التي كان يتميّز بها " أمير الدين " فقد كان مؤهّلاً للدخول مع الهروي في مناقشات مذهبيّة صريحة للوصول إلى نتائج الاختلاف بين الفرق الإسلاميّة في المسائل الاعتقادية .
ومن خلال هذه المناظرات والبحث في كتب التفسير والحديث والرجال والتاريخ انتهى المطاف بتبنّي " أمير الدين " للمذهب الإمامي ، والانتقال إليه من المذهب الحنفي ، وكان ذلك في نهاية العقد الأوّل من القرن العشرين الميلادي .
جرت بين " أمير الدين " وبين أستاذه الشيخ عليّ محمّد فتح الدين (1)حوارات طويلة انتهت بالشيخ الحافظ عليّ محمّد أن يقوم بدراسة التشيّع على أسس علمية بحتة غير خاضعة للمؤثرات المتوارثة ، وقد شرع بذلك عام 1330 ه / 1911 م ، وبعدما يقرب من العقد ( وبالتحديد في شهر رمضان سنة 1340 ه / 1921 م ) بدأ الحافظ فتح الدين بتسجيل قناعاته برجحان مذهب الشيعة في كتاب مستقل سماه ( فُلك النجاة في الإمامة والصلاة ) .
هذا ، وقد قام الحكيم " أمير الدين " بترجمة هذا الكتاب إلى لغة الأردو حيث كتبه الشيخ عليّ محمّد باللغة العربية ، وطبع الكتاب في مجلد واحد ( مكتوباً بخط اليد ) مع ترجمته باللغة الأوردية عام 1925 م ، وشملَ المجلد الأوّل على (523) صفحة ، والثاني على (276) صفحة ، وتتضمّن كلّ صفحة على ( نصيّن ) ; النص العربي ( كُتب على جهة اليمين ) ، والنص الأوردي كتب على جهة اليسار . وحاز الكتاب شهرة واسعة حال صدوره .
ويقول محقّق الكتاب في مقدّمته للطبعة الثانية من الكتاب : " أمّا مترجم الكتاب الحكيم أمير الدين فلم يكن قد نقل " نصّاً " من لغة إلى أخرى فحسب ، وإنّما أضاف إلى الكتاب إضافات كثيرة من خلال تتبّع المصادر المختلفة ، وألحق بحوث مفصّلة بين ثنايا الكتاب حقّق فيها بعض المطالب بتفصيل وأناة ، ممّا أضفى على الكتاب جهداً مضاعفاً جعله في مصاف الكتب الموسوعية النادرة " .
هذا وأصبح الكتاب مصدراً لطلاب الحقيقة من الباحثين ، وسميّ ( كتاب البركة ) نتيجة تأثيره العميق في قرّاءه من أهل السنّة ، وإحداثه بدايات التحوّل والتغيير لدى الكثير منهم .
1) - مرّت ترجمته في الجزء 3 : 111 .
يلاحظ في استبصار " أمير الدين " عدة سمات تبين عظمة شخصيّته وإخلاصه في الدين ، نذكر منها ما يلي :
1 - استبصر " أمير الدين " بعد مناقشات علمية جرت بينه وبين أحد علماء الشيعة ، أعلن بعدها تشيّعه بدون تهيّب ممّا يدلّ على إخلاصه في طلب الحقّ .
2 - كان " أمير الدين " من الوجهاء ، فهو إضافة إلى وجاهته الدينية بين أبناء قومه من المذهب السنّي ، كان يملك الكثير من الأراضي والأموال ، ولكن كلّ ذلك لم يمنعه من الانتقال إلى مذهب آل البيت (عليهم السلام) بل كان مستعدّاً للتضحية بوجاهته في سبيل الحقّ .
3 - وظّف كلّ جهوده وإمكانيّاته في الدفاع عن المذهب الحقّ بعد استبصاره ، وبدأ بالحوار مع أستاذه ، وجرت بينهما مناقشات علمية طويلة ، انتهت إلى أن قررّ أستاذه البحث بحثاً علمياً في الكتب بدون تحيّز وأحكام مسبقة ، وبالفعل بدأ بالبحث واستمرّ لمدّة عشرة سنوات ، بدأ بعدها بكتابه كتابه المشهور ( فُلك النجاة ) الذي ساعده فيه " أمير الدين " من حيث توفير المصادر ، ومن ثمّ المساعدة في الترجمة والتعليق .
قال المؤلّف فتح الدين : " ولمّا كنت لا أملك من الكتب شيئاً رجعتُ إلى عزيزي وتلميذي الأديب الأريب اللبيب الطبيب ، شريف النسب والحسب ، رفيع الرتب ، باذل النفس والمال ، في حب الله المتعال ، ذي العزّة والتمكين ، خادم آل النبيين ، الشهير في الآفاق ، المولوي الفاضل ، والحكيم الكامل ، محمّد أمير الدين أبدّه الله وأيدّه ، ونصره على حاسديه ، وأعطاه ما تمنّاه ، وجعل عقباه خيراً من أولاه ، فأعانني بالكتب المطلوبة غاية الإعانة ، وشاورني غاية المشاورة " (1).
1) - فلك النجاة في الإمامة والصلاة : 13 ، المقدّمة .
وهنا نلاحظ قوّة الروح العلمية لدى هذين العلمين ، وقوّة يقينهما باتّباع الحقّ أينما كان ، وعدم الالتفات إلى الاعتبارات الأخرى ، وخاصّة في بيئة يقوى فيها التعصّب المذهبي .
كما يلاحظ أنّ هذين العلمين كان هدفهما الدفاع عن الحقّ ، رغم التيارات المعاكسة التي واجهاها في طريق معرفة الحقّ ، بل العكس فإنّ هذه الاتجاهات المعاكسة قد خدمتهما في نشر الحقيقة .
قال المحقّق في المقدمة " إنّ الطعن بشرعية المذهب الإمامي ، والتشكيك بمصداقيته من قبل بعض التيارات السنيّة ( أحادية الاتجاه ) كالتيار السلفي حثّا العلامة المؤلّف أن يسجّل محاججاته في ( فُلك النجاة ) ذريعة لغلق أبواب التهجّم على القناعات المُغايرة . فكتابه هو في حدّ ذاته ليس فعلاً استفزازياً ، وإنّما ردُّ فعل لتيار معاكس ما زالت براثنه تنفجر هنا وهناك " .
ويتّضح هذا أيضاً بملاحظة ما قاله المؤلّف في مقدّمته للكتاب ، قال : " قد شاع الاختلاف في الفرق الإسلاميّة لا سيّما فيما بين أهل السُنَّة والجماعة وبين الشيعة الإمامية في ديارنا ، وقد قال الله عزّ اسمه * ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ) * (1). . .
وقد كنت رجلاً قصير الهمّة ، خادم القوم ، مطالعاً لكتب الفريقين فأردت أن أهذّب الروايات الموافقة لهما من كتبهما . . . لينكشف الحقّ على من اعترض علينا وسأل عنّا من سبب تبديل المذهب من ( أهل الجماعة ) إلى مذهب ( العترة ) وكنّا ندافع مرةً بعد مرة ، فلمّا أصّروا علينا أردنا أن نكتب ما فيه كفاية لمن له دراية ، ولسنا عليهم بمسيطرين ، ( وما علينا إلاّ البلاغ المبين ) " .
1) - آل عمران (3) : 103 .
الصورة
ولد " أمير حسين ساقي " عام 1391 ه ( 1972 م ) في باكستان مدينة " بهاول بور " ، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب السنّي ، ثمّ واصل دراسته الأكاديمية حتّى حصل على شهادة الدبلوم .
كان " لأمير حسين " عدد من الأصدقاء الشيعة ، وكان من الطبيعي أن يدور بينه وبينهم الحوار حول معتقدات الفريقين ، ومن هذا المنطلق تعرّف " أمير حسين " على عقائد الشيعة ، وبادر بمقارنتها مع عقائد أهل السنّة ، فتوصّل في نهاية مطاف بحثه إلى أحقّية العقائد الشيعية .
بادر " أمير حسين " بعد استبصاره بنشر الحقائق التي توصّل إليها بين أصدقائه الذين كانوا من أهل السنّة نتيجة تقليدهم الأعمى لآبائهم .
وكان يؤكّد عليهم قراءة كتب الدكتور التيجاني السماوي التي تأثّر بها في استبصاره ، وكان يبيّن لهم ما جاء في هذه الكتب ، ويدعوهم لمراجعة المصادر السنيّة التي وردت فيها ، ليتأكّدوا بأنفسهم من صحّة الحقائق المبيّنة فيها .
كان " أمير حسين " يؤكّد على أصدقائه بأن الصورة التي يحملونها عن أبي بكر خاطئة ، وبإمكانهم التعرّف على شخصيّة هذا الرجل من خلال تأمّلهم في الحقائق المذكورة في كتب أهل السنّة .
ورد في صحيح البخاري : حدّثنا نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة ، قال : كاد الخيران أن يهلكا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما رفعا أصواتهما عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قدم عليه ركبُ بني تميم . فأشار أحدُهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع ، وأشار الآخر برجل آخر قال نافع : لا أحفظ اسمه ، فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلاّ خلافي .
قال ما أردت خلافك ، فارتفعت أصواتُهما في ذلك ، فأنزل الله : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ) * الآية (1).
وذكر الدكتور التيجاني السماوي في كتابه " فاسألوا أهل الذكر " بعد ذكره لهذا الحديث ومجموعة أخرى من الأحاديث الواردة في هذا المجال : " الظاهر من خلال هذه الروايات أنّ أبا بكر وعمر لم يتأدّبا بحضرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالآداب الإسلاميّة ، وسمحا لأنفسهما بأن يُقدّما بين يدي الله ورسوله بغير إذن ، ولا طلب منهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبديا رأيهما في تأمير أحد من بني تميم ، ثمّ لم يكتفيا حتّى تشاجرا بحضرته ، وارتفعت أصواتهما أمامه من غير احترام ولا مبالاة بما تفرضه عليهما الأخلاق والآداب التي لا يمكن لأيّ أحد من الصحابة أن يجهلها ، أو يتجاهلها بعد ما قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حياته في تعليمهم وتربيتهم .
ولو كانت هذه الحادثة قد وقعت في بداية الإسلام لألتمسنا للشيخين في ذلك عذراً ، ولحاولنا أن نجد لذلك بعض التأويلات .
1) - صحيح البخاري : 6 / 46 ، كتاب تفسير القرآن ، سورة الحجرات (49) : 2 .
ولكن الروايات تثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأنّ الحادثة وقعت في أواخر أيام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ إنّ وفد بني تميم قدم على رسول الله في السنة التاسعة للهجرة ولم يعش بعدها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ بضعة شهور ، كما يشهد بذلك " (1).
قرأ " أمير حسين " قبل استبصاره بعض الكتب الشيعية ، فاطلّع من خلالها بأنّ من جملة مواقف أبي بكر بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كذّب الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء وغصب حقّها فهجرته فاطمة الزهراء (عليه السلام) ولم تكلّمه حتّى توفّيت بعد فترة قليلة من وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلمّا توفّيت دفنها زوجها الإمام عليّ (عليه السلام) ليلاً (2).
واطلع " أمير حسين " على امتناع الإمام عليّ (عليه السلام) من بيعة أبي بكر ، فجاء عمر بن الخطاب بأمر من أبي بكر إلى بيت الإمام عليّ (عليه السلام) وهدّد بإحراق البيت ، وكان في البيت الإمام عليّ (عليه السلام) وفاطمة الزهراء (عليه السلام) ومجموعة من خيرة الصحابة الذين امتنعوا عن البيعة .
واطلع " أمير حسين " بأنّ أبا بكر منع المسلمين من كتابة السنّة النبوية ، وقال : " إنّكم تحدّثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً ، فلا تحدّثوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً ، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه " (3).
وبهذا نُبذت سنة النبيّ وراء الظهور ، وهذه الخطوة مخالفة لصريح قوله تعالى * ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) * (4).
وكان ظنّ " أمير حسين " بأنّ هذه الأخبار من صنع الشيعة ، ولكنّه وجد بعد البحث بأنّها صحيحة ، ولهذا بادر بعد استبصاره ببيان ذلك إلى مَن حوله مِن أهل السنّة .
قرر " أمير حسين " بعد فترة من استبصاره الهجرة إلى مدينة قم المقدّسة لدراسة علوم ومعارف أهل البيت (عليهم السلام) فسافر إلى هذه المدينة التي تُدعى بعش آل محمّد ، ودرس مدّة أربع سنوات ونصف فيها ، ثمّ عاد إلى بلده ; لينشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وليبيّن للناس الحقائق التي يكتمها علماؤهم عنهم .
كما توجّه " أمير حسين " إلى كتابة المقالات حول المسائل الخلافية بين أهل السنّة والشيعة داعياً من أبناء مجتمعه التحرر من التقليد الأعمى لأسلافهم ، وطالباً منهم تشييد عقائدهم وفق الأسس والقواعد المتينة المبتنية على الركائز الرصينة .
الصورة
ولد عام 1331 ه ، في " باكستان " بمدينة " تونسة " وترعرع في عائلة تنتمي إلى المذهب الحنفي .
إنّ من الأمور التي أوصلت " أمير محمّد " إلى القناعة التامة بأحقّيّة مذهب الشيعة الإمامية هي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الكثيرة التي تثبت بأنّ الخليفة الشرعي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس إلاّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ولا سيّما أنّ ما ورد في كتب أهل السنّة من روايات وأخبار صحيحة عندهم يثبت ذلك بصراحة .
ولكن كما قال " أمير محمّد " إنّ العقيدة السائدة بين أهل السنّة بصحّة خلافة الثلاثة ، يتلقّاها الخلف عن السلف دون دراسة وتحقيق ، فالذي يقرأ التاريخ الإسلامي بإنصاف ، ويرجع إلى الأدلة التي يقيمها الإمامية على إثبات الخلافة الإلهية للإمام عليّ (عليه السلام) ، سيصل إلى قناعة تامّة بأنّ صحّة خلافة الثلاثة لا تستند إلى أيّ دليل شرعي . وأنّ الإمام عليّ (عليه السلام) هو الخليفة الحقّ بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فمن جملة الأدلّة التي يقيمها الشيعة على إثبات إمامة عليّ (عليه السلام) وإثبات عصمته هي آية الولاية : * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) * (1).
قال الشيخ الطوسي في معرض استدلاله بهذه الآية الكريمة : " واعلم أنّ هذه الآية من الأدلّة الواضحة على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد النبيّ بلا فصل .
ووجه الدلالة فيها أنّه قد ثبت أنّ الوليَّ في الآيّة بمعنى الأولى والأحقّ وثبت أيضاً أنّ المعنى بقوله " والذين آمنوا " أمير المؤمنين (عليه السلام) فإذا ثبت هذان الأصلان دلّ على إمامته ; لأنّ كلّ من قال : انّ معنى الولي في الآية ما ذكرناه قال إنّها خاصّة فيه . ومن قال باختصاصها به (عليه السلام) قال المراد بها الإمامة " (2).
كما قال ابن شهرآشوب حول هذه الآية : " أجمعت الأمّة أنّها نزلت في حقّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا تصدّق بخاتمه وهو راكع ، ولا خلاف بين المفسرين في ذلك ، وأكّده إجماع أهل البيت (عليهم السلام) ، فثبتت ولايته على وجه التخصيص ونفي معناها عن غيره وإنّما عنى بوليكم القائم بأموركم ومن يلزمكم طاعته وفرض الطاعة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يكون إلاّ للإمام وثبت أيضاً عصمته لأنّه تعالى إذا أوجب له من فرض الطاعة مثل ما أوجبه لنفسه تعالى ولنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) اقتضى ذلك طاعته في كلّ شيء وهذا برهان عصمته ; لأنّه لو لم يكن كذلك لجاز منه الأمر بالقبيح وفي علمنا بانّ ذلك لا يجوز عليه سبحانه دليل على وجوب العصمة " (3).
وذكر الشيخ المفيد هذه الآية الكريمة واستدلّ بها على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال : " ومن ذلك قوله تعالى : * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) * (4).
فوجه الله سبحانه بالنداء جماعة أضافهم إلى غيرهم بالولاء ، وجعل علامة
المنادي إليه إيتاءه الزّكاة في حال الرّكوع ، بقوله سبحانه : * ( وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) * ولا خلاف عند أهل اللّغة أنّ قول القائل : " جاءني زيد راكباً ، وجاءني زيد في حال ركوبه ، ورأيت عَمراً قائماً ورأيت عَمراً وهو قائم ، ورأيته في حال قيامه " ، كلّ واحد من هذه الألفاظ يقوم مقام صاحبه ويفيد مفاده . وإذا ثبت أنّ الولاء في هذه الآية واجب لمن آتى الزّكاة في حال ركوعه ، ولم يدّع أحد من أهل القبلة لأحد أنّه آتى الزّكاة في حال ركوعه ، سوى أمير المؤمنين (عليه السلام) وجب أنّه المعنيّ بقوله : [ والذين آمنوا ] وإذا ثبتت ولايته حسب ولاية الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وجبت له بذلك الإمامة (1).
يقول " أمير محمّد " من منطلق التحقيق ومعرفة الحقّ ونبذ الباطل راجعت حضرة المولى المرحوم " مولوي فيض محمّد ( مكهيالوي ) " فعقدت عنده جلسة نقاش مذهبية دار بحثنا حول الخلافة الشرعيّة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأثبت لي خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) بلا فصل .
فلزمتني الحجة في ذلك ، وكان هذا سبب استبصاري واختياري لمذهب الحقّ .
1) - المسائل العكبرية : الشيخ المفيد 49 : 51 .
ولد " جعفر حسين " سنة 1390 ه ( 1971 م ) في باكستان - ولاية البنجاب ضلع شيخو بورة ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي ، ثمّ واصل دراسته الأكاديميّة حتّى نال شهادة الثانوية العامة .
اعتنق " جعفر حسين " مذهب أهل البيت (عليهم السلام) - بعد أن نوّرت الحقيقة قلبه عام 1413 ه ( 1993 م ) ، ثمّ اتّجه لتقوية مرتكزاته العقائدية الجديدة من خلال دراسة العلوم الدينية ، فدرس أكثر من أربع سنوات حتى صار إمام جماعة في إحدى المساجد ، وهو الآن أحد دعاة مذهب التشيّع .
يقول " جعفر حسين " : كنت أدرس اللغة الإنجليزية ، وكان أستاذي شيعياً ، فأهدى لي في أحدى الأيام كتاب نهج البلاغة ، فقرأته وأعجبت بكلام الإمام عليّ (عليه السلام) الذي يأسر القلوب ويأخذ بالألباب ، وقد لفتت نظري الخطبة الشقشقية فيه ، ورفض الإمام عليّ (عليه السلام) شرعيّة الخلفاء الذين قبله ، فتأثّرت كثيراً ، وبدأت في مناقشة الأمور الدينية مع أستاذي ، فلاحظت - من خلال المناقشة والبحث - أنّ للشيعة مذهب متكامل ، فاهتديت للتشيّع ومذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، والتحقت بإحدى الحوزات العلمية الشيعية للدرس ولفهم المذهب بعمق ، وقد تأثّرت في
تشيعي بمسائل كثيرة توضّحت لي ، كقضية الإمامة ، وقضية فدك ، وظلامة الزهراء (عليه السلام) .
موقف الإمام عليّ (عليه السلام) الرافض والمعارض للخلفاء كان واضحاً وبيّناً ، فقد أعلن ذلك من خلال خطبه ، وكلماته ، ومواقفه ، وكذا موقف باقي أهل البيت (عليهم السلام) فإنّ لفاطمة (عليه السلام) عدّة احتجاجات ومناظرات مع الخلفاء ، وعامّة المهاجرين والأنصار ، أثبتت فيها حقّانية الإمام عليّ (عليه السلام) في الخلافة ، وكذا الحسن والحسين (عليهم السلام) ريحانتا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
موقف أهل البيت (عليهم السلام) هذا - وهم الذين أنزلت فيهم آية المودّة : * ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) * (1)، وآيات كثيرة أخرى ، وجاء في فضلهم الأحاديث الكثيرة التي دلّلت على علوّ شأنهم ، وسموّ منزلتهم عند الله تعالى وعند رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهم (عليهم السلام) الذين لا يشك أحد في فضلهم وكرامتهم ، وقد اتفق سائر فرق المسلمين على ذلك .
فموقفهم هذا يبعث على الاستغراب والتأمل والتسائل ، بل وعلى مراجعة الأحداث التي تلت وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والتي قبيل وفاته بصورة أكثر جدّيّة وبدراسة أكثر موضوعية ودقّة .
إنّ هناك عدّة أسئلة يطرحها الرأي العام الإسلامي الذي عرف مقام الإمام عليّ (عليه السلام) في الإسلام عندما يرى أنّ الإمام (عليه السلام) لم يبايع .
والأحرى أن نقول : هي عدّة إشكالات تحتوي في داخلها على رفض عنيف يدمر جميع الأركان التي قامت عليها خلافة الثلاثة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقبل أن تكون لنا وقفة مع هذه الأسئلة ( الإشكالات ) نتطّرق إلى إثبات
1) - الشورى (42) : 23 .
موقف الإمام عليّ (عليه السلام) الرافض لبيعة من تقدّمه .
جاء في صحيح البخاري : حدّثنا يحيى بن بكير ، حدّثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة : " أنّ فاطمة (عليه السلام) بنت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا أفاء الله عليه بالمدينة ، وفدك ، وما بقي من خمس خيبر " إلى أن قالت عائشة : " فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، فهجرته ، فلم تكلّمه حتّى توفّيت ، وعاشت بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ستة أشهر ، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً ، ولم يؤذن بها أبا بكر ، وصلّى عليها ، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة ، إلى أن قالت عائشة : " ولم يكن يبايع ( عليّ ) تلك الأشهر " (1).
ورواه مسلم في صحيحه ، قال : حدّثني محمّد بن رافع ، حدثنا حجين ، حدّثنا ليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة (2)، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (3)، وابن حبان في صحيحه (4).
نحن إذا سلّطنا الضوء على موقف الإمام عليّ (عليه السلام) الرافض لخلافة أبي بكر نجد أنّ هذا أمر مصيري ومهم ، جرى بالتدقيق والتعمّق من جهتين :
الأولى : أهمّية هذا الرفض في نظر الشريعة والتكليف الإلهي .
الثانية : أهميّة هذا الرفض من جهة الجانب الروحي والنفسي والاجتماعي للمسلمين بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
الجهة الأولى :
إنّ من تتبع كلام الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يجده قد أعطى لكلام وموقف الإمام عليّ (عليه السلام) مقاماً ومنزلة بموجبها يكون فعله (عليه السلام) ذا قيمة ووزن شرعي ، لا يمكن التنازل عنه ، ولا تصح مخالفته ; لأنّه يكون مخالفة للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .
جاء في مسند أبي يعلى الموصلي ، أنّه قال : حدّثنا محمّد بن عباد المكي ، حدّثنا أبو سعيد عن صدقة بن الربيع ، عن عمارة بن غزية ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه ، قال : كنّا عند بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في نفر من المهاجرين والأنصار ، فخرج علينا فقال : " إلاّ أخبركم بخياركم ؟ " قالوا : بلى ، قال : " خياركم الموفون المطيّبون ، إنّ الله يحب الخفيّ التّقيّ "
قال : ومرّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، فقال : " الحقّ مع ذا ، الحقّ مع ذا " (1)
ورواه ابن عساكر في تاريخه (2)، والمتقي الهندي في كنز العمال (3)، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ، وقال : " رواه أبو يعلي ورجاله ثقات " (4).
فالحق إذن مع عليّ (عليه السلام) ، فأيّ فعل فعله الإمام عليّ (عليه السلام) فهو حقّ ، ومن الأفعال التي فعلها الإمام عليّ (عليه السلام) أنّه رفض مبايعة أبي بكر ، ففعله هذا حقّ ، وهذا يعني أنّ مبايعة أبي بكر ليست بحق ، وهل غير الحقّ إلاّ الباطل ؟ !
فخلافة أبي بكر خلافة غير شرعية ، وقد تثير هذه النتيجة حفيظة البعض ، ويراها نتيجة بعيدة عن الواقع ، إلاّ أنّنا كلّ ما قمنا به هو أنّا جمعنا بين قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي رواه أهل السنّة في كتبهم وبأسانيد صحيحة ، وبين فعل الإمام عليّ (عليه السلام) وهو ما رووه أيضاً في كتبهم بأسانيد معتبرة وصحيحة ، فلم نعتمد في استدلالنا إلاّ على رواياتهم المعتبرة ، وهذا حقّ طبيعي يجب أن يمارسه كلّ إنسان
يبحث عن الحقيقة ، ويتحرّى الموضوعية في استنتاجاته ، فعندما جمعنا بين هذين الأمرين وجدنا أنّ النتيجة الطبيعة لهما أنّ خلافة أبي بكر في واد غير وادي الحقّ .
أهمية رفض الإمام عليّ (عليه السلام) لخلافة أبي بكر من الجانب النفسي والاجتماعي المسلّمين .
إذا تأمّلنا في وظائف خليفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي تكون بعهدته قيادة المجتمع الإسلامي ، نجد أنّ رفض الإمام عليّ (عليه السلام) لخلافة أبي بكر أمر طبيعي ، أعني : لا بد منه ; وذلك لأنّ المجتمع الإسلامي قد تعرّض لهزّة عنيفة من الجانب النفسي والروحي عند فقد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي اعتادت الأمّة الإسلاميّة على وجوده بينها ، فإنّه كان دائماً يبعث روح الأمل والمقاومة والاستقامة في نفوس المسلمين ، بحيث كلّما ضعفت عزائمهم وقواهم يستمدّون من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) العزم والاقتدار .
وكذا من الجانب الاجتماعي ، فقد تعرّض المسلمون لصدمة بفقده (صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّ المسلمين اعتادوا على رجل يحل لهم كلّ قضاياهم ومشاكلهم العبادية والمعاملاتية ، ويمثّل مصدراً معرفياً أصيلا بارتباطه بالسماء .
ففقد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ضربة شديدة وخسارة عظيمة للأمّة الإسلاميّة ، تلك الأمة التي تريد أن تحمل مشعل الهداية الإلهية إلى كافّة البلدان ، ولكل الأجيال على مدى التاريخ من دون تلكأ أو تعثّر ; لأنّها الرسالة الخالدة التي ختم بها الله تعالى كافّة الأديان وجميع الرسالات .
فإذا أخذنا بنظر الاعتبار هذا الدور الريادي للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) - على كافة المستويات - الذي قصدته الأمة الإسلاميّة بفقد قائدها العظيم ، وأصبح هاجساً يقلق الضمير الإسلامي الحي ، نجد من الضروري أن يكون هناك شخص هو الأقرب لصفات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الروحية والخلقية والعلمية ، وغيرها ، بحيث تتمثّل
بحركاته وسكانته أفعال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبكلماته ومواقفه يملأ الفراغ الذي خلّفه فقد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الروح الإسلاميّة .
فوجود هكذا شخصية أمر ضروري ولا بد منه ، هذا مع غض النظر عن الكثير من القضايا التي توجب وجود هكذا إنسان بهذه الصفات والكمالات والمؤهلات .
فإذا تأملّنا بالآيات القرآنية والنصوص النبوية ، نجد أنّ هكذا شخص قد بُيّن بصورة واضحة غير قابلة للشك أو الترديد ، قال تعالى في آية المباهلة : * ( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) * (1)- أحكام القرآن 2 : 18 .(2).
قال الحاكم النيسابوري : " قد تواترت الأخبار في التفاسير عن عبد الله بن عبّاس وغيره أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ يوم المباهلة بيد عليّ وحسن وحسين وجعلوا فاطمة وراءهم ثمّ قال : هؤلاء أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا فهلموا أنفسكم وأبناءكم ونساءكم ، ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " (3).
وقال الجصاص في أحكام القرآن : " فنقله رواة السير - ونقلة الأثر لم يختلفوا فيه - أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ بيد الحسن والحسين وعليّ وفاطمة - رضي الله عنهم - ثمّ دعا النصارى الذين حاجّوه إلى المباهلة " (3) .
فعلي (عليه السلام) نفس الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بنص القرآن الكريم ، فمن أولى بخلافة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه أو غيره ؟ !
إلى غير ذلك من فضائل الإمام عليّ (عليه السلام) ومناقبه التي ملأت الكتب وتناقلها العدو والصديق ، وألّقت فيها الكتب والرسائل ، فكل هذه الفضائل - غير التي نصت
وصرحت بأحقيّته بالخلافة - تؤكد أنّ الذي يمكنه أن يحافظ على الرسالة الإلهية بعد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) هو عليّ (عليه السلام) فإذا جمعنا بين وظائف ومهام من يخلف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبين الآيات القرآنية والأحاديث النبوية نجد أنّ الخلافة حقّ طبيعي وضروري للإمام عليّ (عليه السلام) ، فعندما يتصدّى شخص آخر لهذا المنصب الخطير فمن حقّ الإمام الشرعي ، بل الذي لا بدّ منه أن يبدي اعتراضه على هذا الأمر .
ومن خلال ما تقدم نخرج بنتيجة لا مفر عنها وهي :
إنّ مسألة رفض الإمام عليّ (عليه السلام) لخلافة أبي بكر ليست مسألة شخصية ، أو ذوقية ، أو رأي ارتجالي ، بل هي قضية شرعية فرضتها الآيات القرآنية والكلمات النبوية ، وضرورة اجتماعية ونفسية للأمة الإسلاميّة .
فعندما جمع " جعفر حسين " بين هذه الروايات التي رواها أهل السنّة بأسانيد صحيحة ومعتبرة وقايس بينها بنظرة جدّية وموضوعية بعيداً عن التعصب الأعمى الذي يغلق نوافذ الفكر على نور الحقيقة توصّل إلى أحقية مذهب أهل البيت (عليهم السلام) فاعتنق هذا المذهب ورأى فيه المذهب القادر على قيادة المجتمع الإسلامي إلى كمالاته وتطلعاته بصورة صحيحة من دون انتكاسات أو تلكآت وهو المذهب الذي أوصى به صاحب الرسالة محمّد الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم) .
الصورة
ولد عام 1399 ه ( 1979 م ) في باكستان بكشمير قرية بارل ، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي ، فتمسّك بمذهب آبائه من منطلق التقليد ، واستمرّ به الحال على هذه الوضعية في الصعيد الديني ، وهو غير ملتفت بصورة جادة إلى مسألة الاختلافات المذهبية ، وتعدّد الفرق في داخل الدائرة الإسلاميّة وضرورة البحث للعثور على الفرقة الناجية ، ولكنّه مع ذلك كان على اتصال جزئي بأتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ولم يكن المذهب الشيعي عنده غريباً ; لأنّ خاله كان شيعياً ، وكان بعض الأحيان يذهب مع خاله إلى مجالس الشيعة ، ولكنه لم يكن له إلمام بأبعاد الاختلافات العقائدية بين السنّة والشيعة .
كان " جنت حسين " يقدّس كثيراً شخصية الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ، وكان معتقداً بأنّه الشخصية الجامعة لكل الفضائل حسب ما كان العلماء يملون عليه .
فذهب ذات يوم مع خاله إلى إحدى المجالس الحسينيّة ، فسمع الخطيب يبيّن الأحداث التاريخية التي وقعت بعد التحاق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق لأعلى : . . . امتنع عليّ بن أبي طالب عن بيعة أبي بكر ، فبعث أبو بكر عمر إليه وإلى من كان
معه في دار عليّ ولم يبايعوا ، فجاء عمر فنادى وطلب منهم الخروج من الدار ، فأبوا ، فدعى عمر بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها .
فقيل له : يا أبا حفص ، إنّ فيها فاطمة ! فقال : وإن ! (1).
فجاءت فاطمة الزهراء خلف الباب وقالت : يا أبت يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة .
ثمّ هجم القوم على الدار ، فدفع عمر بن الخطاب الباب ، فلاذت الزهراء وراء الباب ، فعصر عمر الباب بحيث ألقت الزهراء جنينها من بطنها ، ثمّ صاح عمر : أحرقوا دارها بمن فيها ! (2).
وتجرّعت الزهراء ما تجرّعت من عمر بن الخطاب حتّى قالت له ولأبي بكر ذات يوم عندما جاءا لزيارتها : أرأيتكما إنّ حدّثتكما حديثاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تعرفانه وتفعلان به ؟
قالا : نعم .
فقالت : نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : رضى فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟
قالا : نعم ، سمعناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قالت : فإنّي أشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبيّ ، لأشكونكما إليه . . . ، ثمّ قالت لأبي بكر : والله لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة أُصلّيها (3).
يقول " جنت حسين " : لم أصدّق ما ذكره الخطيب حول مواقف عمر بن الخطاب ومواجهته مع أهل البيت (عليهم السلام) ولا سيما مع فاطمة الزهراء بهذه الصورة القاسية . فلهذا توجهّت نحو البحث ومراجعة المصادر ، وكان لي صديق شيعي فراجعته واستفسرت الأمر منه ودار بيني وبينه حوارات ومناظرات كثيرة ، وقلت له : إنّ أثبتّ لي بأنّ عمر بن الخطاب قام بهذه الأفعال فأنا سأتشيع ، وبعد فترة قصيرة وجدت أمامي كماً هائلاً من المصادر السنيّة المعتبرة المثبتة لهذه الحقيقة ، منها وجدت في كتاب " الفاروق " باللغة الأردوية ومؤلّفه الشبلي النعماني وهو أحد السنّة المتعصّبين يعترف ويقول حول ضرب عمر للزهراء : " إنّ هذا الأمر ليس بعيداً عن عمر " ، فاستغربت من كلامه هذا على رغم تعصّبه وتقديسه لعمر بن الخطاب .
فحملت هذه المصادر وذهبت إلى علمائنا في منطقتنا ، فوجدتهم يتكلّؤون أمام هذه القضايا ، ويحاولون الهروب منها وعدم البحث حولها ، بل اكتشفت أكثر من ذلك أنّ علماءنا يحاولون إخفاء الكثير من الحقائق عنّا ، ولا سيّما الأمور المرتبطة بالصحابة واختلافاتهم والمشاجرات والحروب التي وقعت بينهم .
يقول " جنت حسين " : تبلورت قناعتي الكاملة بأحقّيّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) عام 1416 ه ( 1996 م ) فاستبصرت وبقيت مدّة خمس سنوات لم أعلن استبصاري ، وقمت في هذه الفترة بالتسلح الكامل بالأدلّة والبراهين ; لأنّني كنت أعلم بأنّني سأواجه بعد الاستبصار العديد من الأسئلة العقائدية حول أدلّة استبصاري ، ولا بدّ لي من الاستعداد لتلك المرحلة ، وفي عام 2001 م أعلنت استبصاري في كشمير ، وأوقفت حياتي لخدمة مذهب التشيّع ، ونشر علوم ومعارف أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، وأوّل ما بذلت جهدي في داخل دائرة أسرتي ، فأثمر
هذا الجهد بعد فترة ، وكانت ثمرته استبصار إخوتي وعمّتي وأولاد عمّتي ، ثمّ توجّهت نحو التبليغ والدعوة ، ثمّ سافرت إلى إيران والتحقت بالحوزة العلمية لأنهل المزيد من علوم ومعارف أهل البيت (عليهم السلام) ، ولأكون على أتمّ الاستعداد لتطهير القلوب من العقائد الباطلة والأفكار المنحرفة .
ولد في باكستان بمدينة ( دادنخان ) ، وتخرّج من كلية الطب ، وعمل رئيساً لإحدى المستشفيات الرسمية .
انتقل إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بعد بحث علمي طويل وتتبع مستمر في المصادر الدينية حول مسألة الوضوء ، إذ رأى أن الاختلاف بين المسلمين في هذه المسألة يبدو غير طبيعي ، إذ أنّ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتوضأ يومياً عدّة مرات أمام صحابته ، ومع ذلك نرى الاختلاف العظيم بين المسلمين في هذه المسألة الواضحة والتي كان يجب أن لا يحدث فيها اختلاف بين المذاهب .
وكان نتيجة بحثه التوصّل إلى أنّ الحقّ مع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، وخصوصاً في مسألة مسح الأرجل ، وأنّ الشيعة هم الملتزمون بسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون غيرهم الذين يتبعون سنة خلفائهم ولو على حساب السنة النبوية الشريفة .
وبعد اطمئنانه بما توصّل إليه أعلن تشيّعه لآل البيت (عليهم السلام) ودعا والديه وزوجته وبقية أفراد عائلته إلى التشيع ، فتشيعوا أيضاً واهتدوا إلى الصراط المستقيم ، ولا زال مُبلغاً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) لا يمنعه عائق ، ولا يوقفه مانع .
أقام الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) دينَ الإسلام على أسس ثابتة وبناء راسخ ، ولم يترك في منظومة قوانين الإسلام وأحكامه خللاً أو صدعاً يمكن ان ينفذَ منه المنافقون أو المعاندون لهدم ما أسسه أو تخريب ما بناه .
وكان من شروط إتمام الرسالة ، والمحافظة على ما تمّ تأسيسه هو تعيين الخليفة والوصي الذي يقوم بدور الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته ، وقد فعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من الله وعيّن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وصياً له وخليفةً على المسلمين ليقوم بإمامة المسلمين ، ويحفظ كيان الإسلام بعد رحيل الرسول إلى بارئه من أعدائه الذين يكيدون له من الخارج والداخل .
لكن الذي وقع بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن المسلمين تركوا الوصي والخليفة الشرعي واختاروا شخصاً آخر ليتسلم مسند رئاسة المسلمين ويدعي الخلافة باطلاً بدل من عيّنه الله ورسوله خليفة للمسلمين ، فكانت النتيجة أن تضيع أركان الدين تدريجياً ، وتتهدم الشريعة الغراء حكماً فحكماً .
وكان من الأحكام التي تعرّضت للتحريف البيّن ، والاختلاف الشديد هي أحكام الوضوء التي كانت واضحة المعالم والأجزاء والتفاصيل أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كان يمارس الوضوء أمام المسلمين يومياً صباحاً ومساءاً ، حضراً وسفراً ويرشدهم إلى أحكامه ، ويصحح أخطاءهم في تطبيق أحكام الوضوء حتّى توفيّ صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ، والمسلمون على وضوء واحد كما علّمهم بدون اختلاف أو زيادة أو نقيصة .
لكن الاختلاف في الوضوء بدأ يدبّ دبيب النمل قليلاً قليلاً بعد وفاته إلى أن اتسعَ الخرقُ وصار واضحاً ملموساً لكلّ مسلم ، ففي زمان عمر بن الخطاب بدأ الانحراف عن وضوء رسول الله بأمر عمر لبعض المسلمين بالمسح على الخفين ثُمّ انتشر هذا الخلاف بين المسلمين فيما بعد وصار حكماً تتبناه المذاهب الأربعة
رغم معارضة الصحابة لعمر في هذا الأمر في وقته (1).
لكن المصيبة الأكبر كانت في زمان عثمان بن عفان الذي كان يتبنى سياسة وضوئية تحريفية متعمدة ليفتح لنفسه ولبني أمية باباً من البدعة يثبت به وجودهم مقابل السنة النبوية الشريفة ، فعثمان كان قد قبل الخلافة على أساس العمل على سيرة الشيخين لكنه في النصف الثاني من فترة حكمه رأى لنفسه شأناً ومكانة لا تقل عن مكانة الشيخين اللذين سبقاه في الحكم ، فصار يُحدث في الدين أحداثا بدعية (2)وهو يرى أنّ الحق معه في ذلك (3)كما فعل الشيخان سابقاً ، لكن الذي حصل أنّه تدخل في أمور لا تحتمل الخلاف في السنة النبوية ولم تساعده سياسته الضعيفة على تحريفها بسهولة ، وكان الوضوء من جملة الأمور التي أعمل فيها سليقته الشخصية ثُمّ نسبها إلى رسول الله (4)حيث نراه أبدل مسح الأرجل بغسلها وجعل الغسلات ثلاثية وكانت في زمان الرسول ثنائية حيث نراه أخذ جانب الإفراط في التنظيف والانقاء بينما الوضوء هو فرض إلهي وسنة نبوية تراعي أضعف المكلفين وليس الحكمة منها هو التنظيف من الأوساخ وانّما التنظف يجب أن يحصل قبل فعل الوضوء الذي هو طهارة ذات أبعاد معنوية عظيمة .
وقف الإمام علي (عليه السلام) في وجه الانحراف الذي حصل في زمان الخلفاء الذين حكموا قبله ، وذلك بالنصيحة وبيان الحق والتعريف بالسنة النبوية الصحيحة
1) - اُنظر : تفسير العياشي 1 : 297 ، ح 46 ، والدر المنثور 2 : 263 .
2) - كاتمام الصلاة في منى ، اُنظر مسند أحمد 4 : 94 ، فتح الباري 2 : 471 والغدير 8 : 98 ، وكزيادته النداء الثالث في يوم الجمعة ، اُنظر صحيح البخاري 1 : 219 ، والغدير 8 : 126 ، وكتقديمة الخطبة على الصلاة في العيدين ، اُنظر فتح الباري 2 : 376 .
3) - تاريخ الطبري 3 : 322 - 323 .
4) - اُنظر كنز العمال 9 : 436 ، حديث 26863 - 26890 .
التي لا لبس فيها ، وعندما استلم الحكم حاول محو الانحراف الذي حصل بصورة عامة ومنه محاولته تصحيح الانحراف الذي حصل في الوضوء بعمل الوضوءات البيانية التي تبين وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكذلك استدل باستدلالات تقنع الآخرين وتوصلهم إلى الحق من أقرب الطريق (1).
هذا وقد كانت فترة حكمه قصيرة انشغل فيها بمحاربة أعداء الإسلام المنافقين الذين حاولوا تحريف الإسلام من الداخل ، فلم تسمح له الفرصة إلاّ قليلاً لتصحيح ما حصل من انحراف شاسع .
ثُمّ إن بني اُمية لمّا استولوا على الحكم نصروا الانحراف العثماني في الوضوء وبذلوا الأموال الكثيرة لشراء ذمم المتفقهين لوضع الأحاديث والاستدلالات التي يراد منها تثبيت الانحراف الذي أحدثه عثمان في الوضوء ، ولم يكتفوا بذلك بل حاولوا تشويه ما ورد عن الإمام علي (عليه السلام) من تصحيح للانحراف ودفاع عن السنة النبوية وذلك بوضع الروايات المزوّرة على لسانه التي تنصر مذهبهم أو تشوه ما قام به من تصحيح وتجعله غير ذا تأثير بتكثير الاحتمالات واستعمال المرادفات اللغوية (2)لتمييع دلالات الروايات التي نقلها كما هي طريقتهم وسنتهم معه في كُلّ ما ورد عنه من فقه وأحكام وعقائد .
ثُمّ إن معاوية زاد في الطين بلةً على الانحراف العثماني في الوضوء وصار يغسل رأسه بالإضافة إلى غسل رجليه مع أنّ إجماع المسلمين وصريح دلالة آية الوضوء على مسح الرأس لكن فقهاء السوء قبلوا بغسل الرأس إكراماً لمعاوية وإن قالوا أنّه مكروه (3).
وحين استولى بنو العبّاس على حكومة المسلمين ثبتّوا الانحراف الأموي السابق واستفادوا منه في معرفة الثابتين على السنة النبوية الشريفة (1)وهم الشيعة الإمامية الذين صاروا يرون فيهم أعداءاً خطرين ومنافسين صعبين وذلك لأن أساس الدعوة العبّاسية قام على المطالبة بحق آل محمّد الذي غصبه الحكام السابقين ، لكن بعد استلام العبّاسيين للسلطة دفعوا آل محمّد الذين وصّى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسّك بهم عن الأمر وصاروا يرون حكومة المسلمين أمراً خاصاً بهم لقضاء شهواتهم وتلبية أهوائهم .
وهكذا كانت طريقة وضوء الشيعة التي هي وضوء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيلة لمحاربتهم وتصفيتهم والقضاء عليهم نتيجة هوى الحكام في إبعاد الأمة عن سنة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
1) - رجال الكشي : 312 رقم 564 وعنه في وسائل الشيعة 1 : 443 ، ح 1172 ، التهذيب 1 : 82 ح 214 ، الاستبصار 1 : 71 ح 11219 ، الإرشاد 2 : 227 .
ولد عام 1358 ه ( 1940 م ) في ( جاه حسين وآله ) بباكستان ، درس بعد استبصاره لمدة سبع سنوات في معهد ( ضلع مظفر كهر ) ، ثُمّ هاجر إلى النجف الأشرف للدراسة في الحوزة العلمية .
يقول " غوث بخش " : كانت لي رغبة قوية في طلب العلم ، وكنت أطالع الكتب الدينية بشوق واهتمام ، فوقع ذات يوم في يدي كتاب عنوانه ( تعليم الإسلام ) (1)، وهو كتاب قد وضعه مؤلفه ليدرّس في المدارس الابتدائية ، بدأت بمطالعة الكتاب فوجدت فيه تراجم مفصلة للخلفاء الثلاثة الأوائل ، وعندما تعرض الكتاب لترجمة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وجدته قد اكتفى بالنزر اليسير ، فلفت هذا الأمر انتباهي ، وتعجبت منه ، وتساءلت مع نفسي : ما الفرق بين الخلفاء الراشدين حتّى يتصرف مؤلف الكتاب بهذا الشكل ؟ فالإمام علي (عليه السلام) لا يقل عن الخلفاء الثلاثة إن لم يكن أفضل منهم بمواقفه المشهورة وبطولاته المحمودة ، ونسبه الرفيع ، فهو من بني هاشم وابن عم النبي صلّى الله عليه وآله !
1) - تأليف مفتي كفاية الله .
صادف بعد ذلك أن زارني في بيتي أحد السادة الكرام الذين ينتهي نسبهم إلى البيت العلوي الشريف ، فدار بيننا حوار حول الأمور الدينية والمذهبية فسألني ذلك العالم عن مذهبي ، فأجبته إني على مذهب الإمام أبي حنيفة ، وسألني من هو إمامك ؟ فقلت : أما إمامي الأوّل : فأبو بكر ، والثاني : عمر ، والثالث : عثمان ، والرابع : علي ، والخامس : معاوية ، والسادس : يزيد ، فتأوه السيّد وقال : يزيد قاتل الحسين (عليه السلام) سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إمامك ، ثُمّ أخذ يسرد لي جرائمه ويصف لي أحواله ، فأخذني الهم والغم ، وصرت أفكر في كلامه ، فقال لي : إن كنت تريد الجنّة ، فتمسّك بعلي (عليه السلام) وأولاده المعصومين فقط ، فهم الثقل الموازي للقرآن ، ودع عنك بني أمية وأشباههم ، ثُمّ قال لي : إذهب وحقّق الأمر بنفسك ، فستجد صحة ما أقوله لك وهو عين الصواب . وبالفعل واصلت مطالعاتي .
وجد غوث بخش بأنّ يزيد من الشجرة الملعونة في القرآن ، وهم بني أمية ، وقد قال تعالى : * ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ ) * (1)الأصل كلّه ملعون ، من الجدود إلى الأحفاد ، من أمية إلى آخر الفروع ويزيد هو الفرع الأفسد ، الغصن الأنتن ، حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - على عهدة رواية صاحب الصواعق المحرقة - : " أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية يقال له : يزيد " (2).
ويزيد هو ابن معاوية رأس الفئة الباغية ، فقد ( تواترت الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن عماراً تقتله الفئة الباغية ، وأجمعوا على أنّه قُتل مع علي بصفين ) (3)،
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه ) (1).
ويزيد حفيد ( هند ) ، وهند كانت زانية ، وذكر بعضهم أنها كانت من ذوات الأعلام (2)، لا ترد أحداً ، ولا تمنع لامساً . وذكروا : " أنّه لما كان يوم فتح مكة ، بايعت النساء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونزلت الآية : * ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ . . . ) * (3)- فأخذ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهن الشروط الواردة في هذا الآية - إلى أن قال : " ولا يزنين " ، قالت هند : " وهل تزني الحرّة ؟ فتبسم عمر بن الخطّاب . . . " (4)وهند آكلة الأكباد ، لفظ فوها كبد حمزة ، وشربت دمه ، ثُمّ قطعت أصابع يديه ورجليه ، وجدعت أنفه ، وصلمت أذنيه ، وجعلت ذلك خيط كالقلادة في عنقها (5).
وإلى هذا الموقف أشارت زينب الكبرى عقيلة بني هاشم في خطبتها عند مواجهتها ليزيد : " وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء ، ونبت لحمه من دماء الشهداء " (6).
يزيد الذي لا يعرف الإسلام ، كان كفره صريحاً فأنشد قائلاً :
لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزل (7)
وكان قد نشأ في أحضان النصارى ، عند أخواله بني كلب في ( حوّارين ) وقضى معظم أيام حياته هناك أيضاً لاهياً بشرب الخمور ، ومتشاغلاً بارتكاب الفجور ، هذا ولم يكتف يزيد بقتل الحسين (عليه السلام) وأولاده وأصحابه ، بل ارتكب من الجرائم ما
1) - ابن أبي الحديد في نهج البلاغة 4 : 32 و 15 : 176 ، تاريخ الطبري 8 : 186 .
2) - ناسخ التواريخ : 329 .
3) - سورة الممتحنة (60) : 12 .
4) - تفسير مجمع البيان 9 : 457 .
5) - عمدة القاري 17 : 143 ، شرح نهج البلاغة 15 : 12 ، عين العبرة في غبن العترة لابن طاووس : 57 ، بحار الأنوار 20 : 55 .
6) - اللهوف : 106 ، بحار الأنوار 45 : 134 .
7) - تاريخ الطبري 8 : 187 ، اللهوف : 105 .
يندى له جبين الإنسانية ، فقد انتهك حرمة رسول الله في واقعة الحرّة بالمدينة المنورة ، حيث أباح المدينة ثلاثة أيام ، فدخل القوم المدينة ، وجالت خيولهم فيها يقتلون وينهبون ويستبيحون النساء ، حيث انتهكت ألف عذراء ، وحملت سبعمائة امرأة من زنا أفراد جيش الشام ، وأُخذت البيعة من الباقين - وفيهم أولاد الصحابة من المهاجرين والأنصار - على أنهم خول ( عبيد ) ليزيد يقضي فيهم ما يشاء ، ومن رفض ضرب عنقه (1).
ثمّ بعث جنود رموا الكعبة البيت الحرام بالمنجنيق ، وحرقوها بالنار (2).
وصف عبد الله بن حنظلة ( غسيل الملائكة ) يزيد ، فقال : فوالله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء ، إنّه رجل ينكح الأمهات والبنات والأخوات ، ويشرب الخمر ، ويدع الصلاة (3).
وقال الإمام الحسين (عليه السلام) مخاطباً والي المدينة ( . . . ويزيد رجل فاسق شارب للخمر قاتل النفس المحرّمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ) (4).
ويضيف غوث بخش : تتبعت ذكر أهل البيت (عليهم السلام) في الكتب ، فوجدت أنّ علمائنا يمارسون بتر الحقيقة ، ويخفون الفضائل العظيمة لأهل البيت ، فعرفت أن الحقّ مع الشيعة في ولائهم المطلق لآل البيت (عليهم السلام) فالتحقت بركبهم ، وتمسّكت بولايتهم ، وكان ذلك في سنة 1376 ه ، وقد دفعني حبّي لمولاي الإمام علي (عليه السلام) ، أن أختار لنفسي اسم ( غلام علي ) والحمد لله على الهداية .
الصورة
ولد عام 1378 ه ( 1959 م ) ، في مدينة " سيالكوت " ، ونشأ في أسرة تنتمي للمذهب الحنفي ، ثمّ اتخذ التوظيف الحكومي عملاً له في " لاهور " .
اختار مذهب الشيعة الإمامية لعدم وجود أدلة مقنعة على صحّة خلافة الخلفاء - كما قال - وأنّ الخلافة حسب نظرية أهل السنّة ليست إلاّ رئاسة دنيوية لا صلة لها أبداً بالله تعالى ، والخلفاء ملوك كملوك الدنيا .
أمّا بحسب قول الشيعة فإنّ الإمامة يتمّ تحديدها من قبل الله تعالى ، والأئمّة هم حجج الله في الأرض .
ويقول " خورشيد حسين " وصلت من خلال الأدلّة إلى القناعة التامّة بأنّ الخلافة كالنبوة لا تثبت إلاّ بجعل من الله تعالى وتعيينه ، وأنّ الإمام يتم تنصيبه من قبل الله تعالى وليس للناس حقّ في نصبه وتعيينه ، والذي حصل في واقعة الغدير عند تنصيب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام) إماماً من بعده ليس إلاّ تبليغ ما أمره الله تعالى به .
ويضيف " خورشيد حسين " ويشترط أيضاً في الإمام العصمة ; لأنّ الإمام هو الجهة الوحيدة التي تحفظ ما جاء به الرسول ، وتصونه من التحريف والتغيير .
وعلى هذا الأساس لم يكن أحداً مؤهّلا لهذا المنصب الإلهي غير أمير
المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فهو الإمام المعصوم بالحق وخليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل ، وهذا ما دلّ عليه العقل والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة .
قال الشهيد الثاني (1)حول الأدلّة العقلية على الإمامة ، بما نصّه : " اعلم أنّ أهل السنّة أوجبوا الإمامة كالإمامية ، لكّنهم حكموا بأنّ وجوبها على الأمة سمعي لا عقلي ، وحكم المعتزلة الزيدية بأنّ وجوبها على الأمة عقلي لا سمعي ، وحكم الإمامية بأنّ تعيين الإمام واجب على الله تعالى ; لأنّها لطف واللطف واجب على الله تعالى .
أمّا أنّها لطف ، فلأن الناس إنّ كان لهم رئيس عام يمنعهم عن المعاصي ، ويحثّهم على الطاعات ، كانوا معه إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد . ولا نعني باللطف سوى ذلك .
وأمّا أنّ اللطف واجب على الله تعالى ; فلأنّ غرضه الذي هو إطاعة العباد لا يحصل إلاّ به ، فلو لم يخلق اللطف فيهم ، ولهم لكان ناقضاً لغرضه ، ونقض الغرض عبث ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
وانحصار هذا اللطف في الرئيس العام معلوم للعقلاء ، وينّبه عليه الوقوع فإنّا نجد أنّه متى تكثّرت الرؤساء في عصر كثر الفساد ، وإذا خلا الناس في قطر من الأقطار عن رئيس ظلم بعضهم بعضاً ، وانتشر الفساد والفتن بينهم .
ويؤيّد ذلك أيضاً ما روي عن عليّ (عليه السلام) قال : " لا يخلو الأرض من قائم بحجّة إمّا ظاهراً مشهوراً ، أو خائفاً مغموراً ، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته " انتهى .
فوجود الإمام لطف من الله تعالى وقد فعله سبحانه . وانّما كان هذا اللطف واجباً على الله تعالى ; لأنّ إيجاد إمام يكون عام الرئاسة والشريعة أقرب إلى
1) - وهو الشيخ زين الدين العاملي ، من أكابر فقهاء الشيعة .
الصلاح في أمور معاشهم ومعادهم ، وأبعد عن الفساد فيهما بسبب وجوده وعصمته ، وليس مقدوراً للعباد لخفائها عنهم وخصوصاً العصمة ، فلا بدّ أن يكون المعيّن له هو الله سبحانه .
وظهوره وتصرّفه لطف آخر ، وهو واجب على العباد ; لأنّه موقوف على تمكينهم له ، وقد أخلّوا به حيث أخافوه بسوء اختيارهم لغيره ورفع يده عن التصرّف الذي كان ينبغي له " (1).
ومن هذا المنطلق استحوذت عقيدة الشيعة على قلب " خورشيد حسين " ، فترك انتمائه الموروث ، وحالة الانغلاق الفكري التي كان يعيشها ويصنعها بتأثر ، وانطلق معتقداً بأحقّية مذهب أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم بحق سفن النجاة وقادة الأئمّة .
1) - حقائق الإيمان : الشهيد الثاني ص 153 - 155 .
الصورة
وُلَد سنة 1394 ه ( 1975 م ) في مدينةِ فيصل آباد بباكستان ، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي من مذاهب أهل السنة ، وقد التحق بالحوزة العلمية بعد استبصاره .
يعيشُ المسلمون شيعة وسنة في مدينة فيصل آباد أخوة متحابين - كما هو الحال في أكثر أرجاء العالم الإسلامي - على الرغم من مخططات الاستعمار الغربي في بثّ الفرقة الطائفية بين المسلمين بتقوية المذاهب الهدامة التي تفرق بين المسلمين .
وقد كان " ذاكر حسين " يعيش في محلة " الشيخ موسى " ، وكان في هذه المحلّة أيضاً شيخ شيعي اشتهر بسعة العلم ، وقوّة المناظرة ، وحلاوة الخطاب .
هذا وقد صادف أن التقى به " ذاكر حسين " وجرت بينهما مناظرة حول المسائل الخلافية بين المسلمين ولا سيما في خصوص مسألة الخلافة ، فتأثّر " ذاكر حسين " بهذا الشيخ واطلّع عن طريقه على أدلة الشيعة في هذا المقام كآيات الولاية ، والمباهلة ، والتطهير ، وغيرها وكأحاديث الغدير ، والمنزلة ، والطير ، وغيرها ، فوجد أنّ هذه الأدلة قويّة وشيّقة وقد وردت أيضاً في كتب أهل السنة
متناً وشرحاً ، وتأويلاً وتفسيراً ، فما كان منه إلاّ أن يقبل الحق ، ويترك الشك والتردّد ، ويختار ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وولاية أولاده المعصومين (عليهم السلام) على رغم المصاعب التي واجهته من فراق بعض الأهل والأحبّة الذين لم يدركوا معنى ولاية علي (عليه السلام) .
قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه المجيد : * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) * (1)- الحج (22) : 41 .(2)، فذكر أنّ الوليّ هو الله ورسوله والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون .
هذا وقد ورد في القرآن آيات متعدّدة تذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بشكل متلازم قال تعالى : * ( وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ ) * (3)، * ( وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ) * (4)، * ( وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ) * (5)، * ( الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ) * (5) ، * ( فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) * (6)، * ( أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) * (7)، وكان الإمام علي (عليه السلام) المصداق الذي تقبل الله عمله حيث تقبل صلاته
وزكاته في حال الركوع (1)لتتجسّد أجمل صورة من تلازم الصلاة والزكاة أتى بها عبدٌ من عباد الله ، والتي كان لها أثر مهم في تنصيبه لمسند الولاية الإلهية فالولي وفق الآية هو الذي آمن بإخلاص وأدى ما عليه على أفضل وجه ليكون جديراً أن يجعله الله الأولى بالتصرف ، ويجعل له ولاية من جنس ولاية الله ورسوله .
هذا وفي آية النجوى (2)التي توجّه الخطاب أيضاً بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، كان الإمام علي (عليه السلام) هو الذي عمل بمفاد هذه الآية دون غيره فقدّم بين يدي نجواه مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صدقة ، واستنكف الآخرون ، فمن هنا كان للإمام علي (عليه السلام) سابقة خالصة لوجهه تعالى في أداء الزكاة في وقت أشفق الآخرون على أموالهم .
قال الإمام علي (عليه السلام) : إنّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها بعدي آية النجوى * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ) * كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت كلّما ناجيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قدمت بين يدي نجواي درهماً ثمّ نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت * ( أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات . . . ) * (3).
1) - وردت روايات كثيرة في النصّ على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بأنّه الولي المقصود في هذه الآية ، حيث وردت من طرق العامة أربع وعشرين رواية ، ومن طرق الخاصة تسع عشرة رواية ، انظر غاية المرام وحجة الخصام 2 : 5 - 22 ، الباب الثامن والباب التاسع عشر .
2) - المجادلة (58) : 12 - 13 ، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) .
3) - اُنظر جامع البيان للطبري 28 : 27 ، ح 26169 ، أحكام القرآن للجصاص 3 : 572 ، تفسير الرازي 29 : 27 الدر المنثور 6 : 185 .
الصورة
ولد سنة 1332 ه ( 1914 م ) في باكستان في أسرة معروفة بالديانة السيخية ، وكانت أسرته قد تحولت إلى الديانة المسيحيّة تأثراً بإرساليات التبشير المسيحي إلى شبه القارة الهندية في أواخر العشرينات من القرن العشرين ، عمل موظّفاً في محطّة القطار في " وزير آباد " .
يبدو أنّ اعتناقه للمسيحية في أوائل مراهقته تبعاً لأسرته لم يشفِ غليله الديني ، ولم يبلّ هاجسه الروحي ، فالمسيحية كما يرى هو دين يوجّه اهتمامه إلى الجانب الروحي ، ويقتصر عليه فحسب حتّى يصل به الأمر إلى الدعوة إلى الترهّب والتبتّل والانقطاع عن دنيا الناس .
وبالمقابل كان يرى أنّ الدين الإسلامي - الذي توجّه له فيما بعد - دينٌ كاملٌ حافلٌ بجميع ما يحتاج إليه البشر في حياته الدينية والدنيوية ، وذلك يكون بالسير وفق تعاليم القرآن ، واتّباع سنّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والتمسّك بأهل بيته من الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ، والمودّة في قرباه عموماً من الذرّيّة الشريفة والسادة الكرام .
يقول ذو الفقار : في إحدى الأيام احترق طفلي الصغير بالنار بصورة بشعة ، وقد تألّمت لهذه الحادثة كثيراً ، ولم أدرِ ماذا أفعل لنجاة هذا الطفل الصغير ، ولكنّي فوجئت بشفاء هذا الطفل بعد فترة قصيرة على نحو الإعجاز ! فدعاني هذا إلى التأمّل في هذا الأمر لمعرفة سببه ، والإحاطة بجوانبه ، ولم أعرف سبباً له سوى أنّي كنت هُديت ووُفّقت لمساعدة امرأة علوية ( تنتمي في النسب إلى الإمام عليّ (عليه السلام) ) كانت في غاية العسر والشدّة ، فدلّتني هذه الكرامة على شرف ذرّيّة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) المنحصرة بذّريّة الإمام عليّ وفاطمة الزهراء ( عليهما السلام ) ، وعرفت مكانة هذا النسل المختار عند الله تعالى ; تكريماً لأنبيائه ، وإعزازاً لأوليائه ، وقد حدى بي هذا الأمر إلى اختيار مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، والتمسّك بولايتهم ، والفناء شوقاً في محبّتهم ومودّتهم بعد البحث والتدقيق الذي ثبت من خلاله أحقيّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه : * ( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْض وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) * (1)وذرّيّة النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) هي من هذه الذرّيّة المذكورة في القرآن بل من أشرفها وأعظمها ، فمن هذه الذرّيّة أهل البيت (عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيراً ، كما ورد في آية التطهير (2)، ومنها العترة الذين أُمر المسلمون بالتمسّك بهم مع القرآنِ ثقلين نفيسين بعد رحلة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ورد في حديث الثقلين المتواتر ، والصحيح عند جميع المسلمين ، وهو آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين وردت الصلاة عليهم
مقرونة بالصلاة على النبيّ الواردة في القرآن (1)، وهم ذوي القربى المفروضة مودّتهم في القرآن (2)أجراً على الرسالة النبويّة الشريفة ، وهم . . . وهم . . . .
فالإسلام إذن يكرِّم الذرّيّة النبويّة الشريفة لا لأنّه دين عشائري كما يزعم المنافقون عندما غمزوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه يحامي أهله وعشيرته وقومه (3)، بل لأنّ إكرامهم من محكم أمر الدين ، وهو أمر واجب على المسلمين ، وليس تفضلاً منهم ، وهذا أمر تقبله أوّل بديهيات العقل وعليه إجماع المسلمين فضلاً عن الأوامر المؤكّدة في القرآن والسنّة الشريفة ، كما أنّ مودّتهم هي لصالح المسلمين ، ورفعة للإسلام قال الله في كتابه : * ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ ) * (4)، وقال أيضاً : * ( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) * (5).
وهذا الأمر ليس مخصوصاً في ذرّيّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بل هو قانون عام يشمل جميع الصالحين والمؤمنين كلاًّ حسب قدره وصلاحه ، ففي قصّة الغلامين اليتيمين اللذين كان أبوهما صالحاً كما ذكر القرآن (6)في قصّة موسى والعبد الصالح ( عليهما السلام ) حيث أصلحا الجدار ، وحفظا الكنز كرامة لأبيهما الصالح ، فكيف لا تكرّم ذرّيّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم المصطفون وهم المصداق الأكمل الذي لا يقاس به أحدٌ من العالمين .
وكذلك الأمر في هذه الآية من سورة الطور : * ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْ كُلُّ امْرِئ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) * (7)
1) - الأحزاب (33) : 56 ، مسند أحمد 1 : 162 ، 3 : 47 ، 4 : 119 ، 241 و 5 : 274 .
2) - الشورى (42) : 23 .
3) - في أكثر من موضوع منها ما قالوه يوم الغدير عند انتخاب الإمام عليّ ابن أبي طالب للولاية ، اُنظر الغدير 1 : 239 وغيره .
4) - سبأ (34) : 47 .
5) - الشعراء (26) : 109 ، 127 ، 145 ، 164 ، 180 .
6) - الكهف (18) : 82 .
7) - الطور (52) : 21 .
فلا تناقض بين العمل وإلحاق الذرّيّة بالإباء إكراماً لإيمانهم فكيف الأمر برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو منبع الإيمان ، وكيف الأمر بذرّيّته وهم الذين دارت بهم رحى الإسلام . فهل آنَ للنصّاب أن يفهموا ذلك ويسلّموا له : أم لا بدّ لهم أن يخضعوا لوساوس الشيطان الذي استزلّهم ، لأنهم قومٌ لا يعقلون ; ولأنّ لهم أحساب لئيمة وآباء أساءوا العمل وعادوا أهل الدين فجرّهم ذلك إلى عداوة الطاهرين من آل البيت فكان جزاؤهم جهنّم وبئس المصير .
هذا وقد ورد عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : من آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
قال : ذرّيّته .
فقلت أهل بيته ؟
قال : الأئمّة الأوصياء .
قلت : من عترته ؟
قال : أصحاب العباء .
فقلت من أُمّته .
قال : المؤمنون الذين صدّقوا بما جاء به من عند الله عزّ وجلّ المتمسّكون بالثقلين الّذين اُمروا بالتمسّك بهما : كتاب الله عزّ وجلّ وعترته أهل بيته ، الذّين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وهما الخليفتان على الأمّة بعده (عليه السلام) (1).
كما ورد عن أبي بصير أيضاً ، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال : إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فتغشاهم ظلمة شديدة فيضجون إلى ربّهم ، ويقولون : يا ربّ اكشف عنّا هذه الظلمة ، قال : فيقبل قوم يمشي النور بين أيديهم وقد أضاء أرض القيامة .
فيقول أهل الجمع : هؤلاء أنبياء الله فيجيئهم النداء من عند الله : ما هؤلاء بأنبياء ، فيقول أهل الجمع : فهؤلاء ملائكة ، فيجيئهم النداء من عند الله : ما هؤلاء
1) - معاني الأخبار : 94 ، ح 3 أمالي الصدوق : 312 ، ح 10 ، بحار الأنوار 25 : 216 .
بملائكة فيقول أهل الجمع : هؤلاء شهداء ، فيجيئهم النداء من عند الله : ما هؤلاء بشهداء ، فيقولون : من هم ؟ فيجيئهم النداء : يا أهل الجمع ، سلوهم من أنتم ؟ فيقول أهل الجمع : من أنتم ؟ فيقولون : نحن العلويّون ، نحن ذّريّة محمّد رسول الله ، نحن أولاد عليّ وليّ الله ، نحن المخصوصون بكرامة الله ، نحن الآمنون المطمئنون . فيجيئهم النداء من عند الله عزّ وجلّ : اشفعوا في محبيكم وأهل مودّتكم وشيعتكم ، فيشفعون فيشفّعون (1).
روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : " إذا كان يوم القيامة نادى مناد : أيّها الخلائق اُنصتوا ، فإنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) يتكلّم ، فتنصت الخلائق ، فيقوم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول : يا معشر الخلائق ، من كانت له عندي يدٌ أومنّة أو معروف فليقم حتّى أُكافيه ، فيقولون : بآبائنا وأمهّاتنا أنت ، وأيّ يد وأي منّة وأيّ معروف لنا ؟ بل اليد والمنّة والمعروف لله ولرسوله على جميع الخلائق .
فيقول (صلى الله عليه وآله وسلم) : بلى من آوى أحداً من أهل بيتي ، أو برّهم ، أو كساهم من عري أو أشبع جائعهم فليقم حتّى أكافيه ، فيقوم أناس قد فعلوا ذلك ، فيأتي النداء من قبل الله تعالى : يا محمّد ، يا حبيبي قد جعلت مكافأتهم إليك فأسكنهم من الجنّة حيث شئت فيسكنهم في الوسيلة حيث لا يحجبون عن محمّد وأهل بيته صلوات الله عليه وعليهم " (2).
ونقل سبط ابن الجوزي : أنّه أحسن عبد الله بن المبارك إلى امرأة علويّة فقيرة ، فرأى في المنام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : إنّك أغثت ملهوفة من ولدي فسألت الله
تعالى أن يخلق على صورتك ملكاً يحجّ عنك كلّ عام إلى يوم القيامة (1).
حكي أنّ امرأة علويّة صالحة خرجت مع بناتها الأربع من مدينة قم في بعض السنين التّي وقعت ملحمة بقم حتّى أتت بلخ في أيام الشتاء ، فقصدت رجلاً من أكابرها المعروف بالإيمان والصلاح فرأته وأخبرته بحالها فقال : من يعرف أنّك علويّة ؟ هاتي على ذلك شهوداً ، فخرجت من عنده حزينة باكية ، وكان في مجلس ذلك الرجل مجوسيٌ .
فلمّا رأى العلويّة وما قال لها الرجل وقعت لها الرحمة في قلبه ، فقام في طلبها مسرعاً فلحقها فآواها وأدخلها منزله ، وأعدّ لها جميع ما تحتاج إليه ، فلمّا نام المجوسي رأى القيامة ، فطلب الماء من أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وهو واقف على شفير حوض الكوثر ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : إنك لست على ديننا فنسقيك .
فقال له النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا عليّ ، اسقه ، إنّ له عليك يداً ، قد آوى ابنتك فلانة وبناتها ، فسقاه (عليه السلام) .
قال الراوي : وقام الرجل من ساعته ، وأسرج الشمع ، وخرج هو وزوجته حتّى دخل على البيت الّذي تسكنه العلّوية ، وحدثها بما رآه ، فقامت وسجدت لله شكراً ، وقالت : والله ، إنّي لم أزل طول ليلتي أطلب إلى الله هدايتك للإسلام ، والحمدُ لله على استجابة دعائي فيك ، فقال لها : أعرضي عليّ الإسلام فعرضته عليه فأسلم وحسن إسلامه ، وأسلمت زوجته وجميع بناته وجواريه وغلمانه (2).
الصورة
ولد سيّد رياض عام 1401 ه ( 1981 م ) في باكستان بمدينة " بيشاور " ، ونشأ في أسرة تنتمي إلى ا لمذهب الحنفي ، واصل دراسته حتّى حصل على شهادة البكالوريوس في الفنون والآداب ، كما أنّه يجيد العديد من اللّغات منها : الأردو والبشتو والبنجاب والهندكو .
أمضى شطراً من حياته متمسّكاً بالمذهب الحنفي تبعاً لنهج آبائه ومماشاةً مع البيئة التي كانت تحيطه ، وكان شديد التعصّب لمذهبه عند مواجهته لأتباع باقي المذاهب الاسلامية .
يقول السيّد رياض : يرجع أوّل انتباهي لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) إلى زمن صِغري عندما رأيت مجموعة من الناس في مكان يسمى بالحسينية ، ولما سألت عنهم قيل لي أنّهم من الشيعة وأنّهم ينتقدون الصحابة ولا يقبلون بخلافة أبي بكر بل يقولون بأنّ الأدلة والبراهين من القرآن والسنة تثبت بأنّ الرسول نصّ من بعده على إمامة علي (عليه السلام) وأبنائه ، فلهذا لا يحقّ لأحد غصب هذه المكانة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فدفعني التعصّب لمواجهة هذه العقيدة ، ولكن سألت نفسي : ما هي دوافع وأسباب هذه العقيدة ؟
ويقول السيّد رياض : كانت والدتي معلمّة للقرآن ، وكان بعض الناشئين من منطقتنا من العوائل الشيعية أو السنيّة يأتون لبيتنا في كل أسبوع ليتعلّموا قراءة القرآن ، وفي يوم من الأيام سمعت واحداً من الناشئين ينقد الخلفاء ، فحملت عليه وضربته وأشبعته بأنواع السب والشتم وطردته من بيتنا ، ومنذ ذلك اليوم ازداد بغضي للشيعة وزاد تعصبّي ضدّ أتباع هذا المذهب .
يقول سيّد رياض مضت الأيام وذات يوم تفاجأت بخبر استبصار خالي وزوج أختي ، فلم أصدّق ذلك ، ولكنني علمت بصدق الخبر بعد البحث والتتبع .
وفي يوم من الأيام ذهبت إلى أحد المساجد التي كان يصلّي فيها الشيعة ، ورأيت في ذلك المسجد مكتبة فقصدتها وجذبني حبّ الاستطلاع إلى التعرّف عليها ، ولفت انتباهي كتاب عنوانه " ثمّ اهتديت " تأليف الدكتور التيجاني ، ففوجئت لمّا علمت بأنّ الكتاب لرجل مستبصر يروي فيه قصة تشيّعه واستبصاره .
رأيت الكتاب يشير إلى المسائل التي كانت تشغل ذهني من قبيل : الخلافة بعد النبي والسقيفة و . . . وهي المواضيع التي كنت أهملها ولا أبالي بها وأجعلها في هامش التفكير ، ولكن جذبني هذا الكتاب ورأيته كتاباً يستند في نصوصه إلى كتبنا السنية ، وهذا الأمر زاد في تعجّبي واستغرابي .
فذهبت بعدها إلى أحد علماء أهل السنة واستفسرت منه الأمر ، فحذّرني من مطالعة الكتاب ، فطلبت منه الأدلة في رد ما جاء في كتاب ثمّ اهتديت ، فلم يستجب لطلبي وبقى يشنّع على الشيعة فقط ، فطلبت منه كتب الصحاح ، فاستجاب لطلبي فأسرعت إلى مراجعة المصادر الواردة في كتاب الدكتور التيجاني وكنت واثقاً بأنّه يكذب علينا وأنّ ما ذكره غير موجود في كتبنا ، ولكن خاب ظنّي عندما راجعت هذه المصادر فوجدتها موجودة في كتبنا وأن الدكتور التيجاني صادق في
نقله فارتبكت لذلك ومن هذا المنطلق أحسست بأنّي بحاجة إلى غربلة أفكاري ومعتقداتي الدينية والاطمئنان منها وعدم الاكتفاء بالموروث العقائدي .
قررت أن اكتشف الحقيقة وما وجدت طريقاً لها إلاّ التحقيق والتدقيق في الكتاب والسنة والمراجعة إلى العقل السليم .
فعكفت بعدها على مطالعة الكتب العقائدية سواء كانت هذه الكتب سنّية أو شيعية ، لأنني كنت استهدف معرفة الحق ولم أتعصّب لجهة معينّة .
رأيت الشيعة يمتازون بالتمسّك بالعقل وما عندهم لا يتنافى مع الفطرة السليمة ، وكلّما كنت أراجع علماءنا كانوا يقولون لي بأنّي أنحرفت عن الحق ، وقد فسد عقلي وكانت إجابات هؤلاء لا تمنعني من التحقيق بل كان لها دور المحفز القوي للبحث عن الحقيقة وبذل الجهد في سبيل التحرّر من التقليد الأعمى .
وذات يوم سمعت بأنّ أحد أساتذتي في المعهد قد تشيّع ، فذهبت إليه فوجدته ماهراً في مجال العقائد ، فأرواني بالاستدلالات القوية والحجج المقنعة وبعد مضي فترة رأيت عقلي وفطرتي يدعواني إلى التمسك بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) ولم يبق لي إلاّ أن أُعلن تشيّعي ، فأعلنت بعد ذلك استبصاري واعتناقي لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
وجد السيّد رياض خلال بحثه أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعلم بنشوء الخلافة من بعده ، وكان يعلم بما سيجري من بعده من خلافات ، ولهذا صرّح بهذا المطلب في مواقف عديدة منها :
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " ليأتين على اُمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل . . . إنّ بني إسرائيل تفرّقت على اثنتين وسبعين ملّة ، وتتفرّق اُمتي على ثلاث
وسبعين ملّة كلّهم في النار إلاّ واحدة " (1)، ويرى المتتبع في السيرة والأحاديث الكثير من هذه الروايات التي تشهد شهادة قطعية على ما كان من اختلاف الأمة ، ومن هذا المنطلق لا يستطيع أحد أن يقول بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان لا يعلم بنشوء الخلاف بين أمته .
انّ هذا الموضوع يطرح سؤالاً مهماً في أذهاننا ، وهو هل قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعملية وقائية لحل الاختلافات التي أشار إليها وبيّن بأنّها ستقع من بعده في أوساط الأمة الإسلامية ؟
اختلف علماء المسلمين في جواب هذا السؤال ، فقالت الشيعة : إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصى بأمر من الله تعالى أن يكون الإمام علي (عليه السلام) هو الخليفة من بعده .
وقال أهل السنة بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يتدخّل في هذا الأمر ، وترك الاُمة بلا وصية ولا تحديد لمصير خلافتها من بعده .
ولازم هذا القول أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ترك الأمة من بعده سدى ، ولم يهتم بأن تضمحل الجهود الّتي بذلها لإقامة الدولة الإسلامية ولم يهمّه أنْ تتمزقّ الأمّة الإسلامية من بعده وتتناحر حول مسألة الخلافة من بعده والشيعة تشهد النصوص الكثيرة الدالة على وجود النص على خلافة الإمام علي (عليه السلام) من بعد الرسول منها : آية الانذار ، آية الولاية ، آية المباهلة ، حديث الراية ، حديث الغدير ، حديث الطير ، حديث المنزلة ، حديث المحبة ، آية التطهير و . . .
وأما أهل السنة : فمنهجهم هذا في الصعيد تبرير ما وقع بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإضفاء المشروعيّة عليه ، وكل ما ذكروه في هذا المجال ليس إلاّ تبريراً فاقداً للضوابط الصحيحة والقواعد الثابتة ، فتراهم تارة يقولون بالشورى ويذهبون إلى
1) - كنز العمال 1 : 92 .
أنّ أبا بكر قد اختارته الأمة والسبيل المشروع للخلافة هو اختيار الأكثرية ولكنّهم عندما يجدون بأنّ عمر لم يتمّ اختياره بهذه الطريقة وأنّه استلم أمر الخلافة بتنصيب من أبي بكر ، فيتوجهون لتبرير هذا الأمر ويتركون قاعدتهم السابقة ويحاولون إعطاء المشروعية على خلافة عمر ، وأما عثمان فقد جاء إلى الخلافة بطريقة ثالثة وهكذا يكون دأبهم تبرير الأمر والبحث عن أي دليل لإقناع اتباعهم بمشروعية من استلم الأمر من بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ولهذا نجد بأنّ منهجيتهم في هذا الأمر مضطربة وغير ثابتة ، ولا تستهدف إلاّ قبول الواقع المفروض عليهم سواء كان هذا الواقع مستنداً إلى الثوابت الشرعية أو غير مستند إلى ذلك .
والغريب في الأمر أنّ هذه المنهجيّة دفعت أهل السنّة إلى الابتعاد عن أهل البيت (عليهم السلام) ولا يخفى على أحد الاهتمام الكبير الذي قد اهتمّ به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بهؤلاء العترة الطاهرة ، وهذا الأمر هو الذي يشكّل إشكالية كبرى في تحقّق التوازن بين المبادئ التي جاء بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذه المنهجيّة نفسها هي التي دفعتهم إلى القول بعدالة جميع الصحابة في الوقت الذي يجد الباحث أنّ الصحابة قد اقتتلوا فيما بينهم وسفك بعضهم دمّ البعض وحارب بعضهم البعض ، ولهذا نجد أهل السنة يتهرّبون من طرح المشاجرات التي وقعت بين الصحابة ، ويكتفون فقط بما تملي عليهم الحكومات التي هيمنت عليهم .
وبعبارة موجزة يمكن القول بأنّ مذهب أهل السنّة مذهب حكومي دعمته الحكومات وغذّته ليكون متلائماً مع ما يحقّق لها مآربها السياسية ويجعله متماشياً مع مصالحها في هيمنتها على المجتمع .
وأمّا تمسّك أهل السنّة بمبداً الشورى فليس إلاّ وسيلة لخداع الجمهور وإلاّ فالشورى مبدأ جاءت به الشريعة الإسلامية ليتّم التمسك به في محلّه وإلاّ فلا معنى للشورى بين الناس لتحديد ما يرتبط بالصلاة والصوم والزكاة وما جاء به الله تعالى .
ويجد الباحث بأنّ الخلافة من بعد رسول الله أمر ديني يتعلّق بالإرادة الإلهية التشريعية ولهذا لا يصح فيه أمر الشورى .
إنّ إرجاع الاُمة مدى الدهر إلى قاعدة الشورى هي عين الفوضويّة ، وليس معناه إلاّ إلقاء الأمة في أعظم هوة من الخلاف لا حدّ له ولا قعر ، لأنّ لكلّ قاعدة ضوابطها وقوانينها وبما أنّ قاعدة الشورى في تعيين الخلافة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس لها سند في الكتاب والسنة ، فعدم وجود ضوابط لهذه القاعدة هو أمرٌ لا يستطيع أحد إنكاره وإذا كانت القاعدة وضوابطها غير معيّنة فيستطيع أيّ صاحب قدرة وصاحب رأي ، التدخّل في الضوابط وتغييرها لصالحه ولأجل منافعه ، فعلى هذا الأساس لا تكون هكذا قاعدة صالحة للتمسّك بها على الخصوص إذا كان الموضوع هو مسرحاً للعواطف والأغراض الشخصية والتغيرات والحكم والخلافة والرئاسة .
فلهذا لا نستطيع بالقول بأنّ قانون الشورى وتحكيم الأكثرية هو أمر مشروع ومقبول في كل المسائل والأزمان والحالات .
فلا يصح اللّجوء إلى قاعدة الشورى في مقابل النص ولا يصحّ أنْ ننسب هذه القاعدة التي لا يكون لها ضوابط إلى شخص لا ينطق عن الهوى .
ولا يخفى ضرر تشريع قاعدة الشورى واختيار الاُمة لتعيين خليفتها ، ولهذا قالت عائشة لعمر عن طريق ابنه عبد الله : " لا تدع اُمة محمّد بلا راع ، استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملاً فإنّي أخشى عليهم الفتنة " .
ولست أدري لماذا لم يشر أحد على النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنْ يستخلف أو يبيّن على الأقل طريقة الاستخلاف وضوابط الطريقة ، حتّى لا يفتنوا كما أشارت عائشة ؟
ولماذا لم يسأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذا الأمر وهم كانوا يسألونه عن الصغيرة والكبيرة ؟
والمرجّح هنا أنّه سُئل فأجاب ، ولكن التاريخ الذي دوّنه أهل السنّة هو المتّهم في إهمال مثل هذه القضايا ولكن تاريخ الشيعة لم يهمل هذا السؤال والجواب الصريح عليه .
اننّا لا نجد في الكتاب ولا في السنّة قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا التشريع لا تصريحاً ولا تلويحاً مع أنّ الدواعي متوفّرة جداً لنقل مثل هذا القول ، والقوّة والحول في صدر الإسلام إلى ما بعده في يد من يرتئي هذا الرأي ويدافع عنه ، فليس لأحد أن يدّعي أنّ هذا الأثر قد خفى علينا أو امتنع الرواة عن نقله .
إنّ علماء السنّة استدلوا بإجماع أهل الصدر الأوّل على كفاية اختيار أهل الحل والعقد بدليل بيعة أبي بكر يوم السقيفة وعندهم الإجماع حجّة لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) " لا تجتمع اُمتي على الخطأ " .
والإجماع حتّى على رأي أهل السنّة لم ينعقد في بيعة وجماعة من كبار الصحابة كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمّار والزبير وخالد بن سعيد وحذيفة اليمان وبريدة وغيرهم ولم يبايع من بايع منهم بعد ذلك إلاّ قهراً وحفظاً لبيضة الإسلام وتوحيداً لكلمة المسلمين ولا يصّح أنْ يقال هؤلاء ليسوا من أهل الحّل والعقد للاُمة الإسلامية .
وبصورة إجمالية وجد سيّد رياض بأنّ الشيعة تمتاز بامتلاكها الدليل العقلي والنقلي على معتقدها ولكن أهل السنّة تتمسّك بقاعدة ليس لها دليل في الكتاب والسنة بل قاعدة أهل السنة في مقابل النصّ ؟
ولا يخفى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : " ما اختلفت أمّة بعد نبيّها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقّها " (1).
1) - كنز العمال 1 : 183 .
الصورة
ولد سنة 1399 ه ( 1979 م ) في باكستان بمحافظة " سرحد " منطقة " منصهرة " ، واصل دراسته الأكاديمية حتّى حصل على شهادة الدبلوم ، كان معتنقاً للمذهب السنّي وفق فرقة " البريولى " ، ثمّ استبصر على أثر البحوث المقارنة التي أجراها في مجال العقيدة .
يقول السيّد رياض : تشيّع أحد أقربائنا ، فدفعني ذلك لمعرفة أسباب تركه للمذهب السنّي واعتناقه لمذهب التشيّع ، فقصدته ، وبدأت بمحاورته حول نقاط الاختلاف بين المذهب السنّي والمذهب الشيعي ، ولا سيّما حول مسألة الخلافة والإمامة ، ففتح هذا الحوار آفاق رؤيتي على حقائق كنت أجهلها فيما سبق .
كما أنّني لم اقتصر على الحوار معه ، بل طلبت منه أن يزوّدني ببعض الكتب الشيعية ، ليكون تعرّفي على هذا المذهب مبتنياً على الأسس الصحيحة ، فأعطاني بعض الكتب الشيعية ، فبدأت بقراءتها ، وكان من جملة الكتب التي لفتت انتباهي أكثر من غيرها كتب الدكتور التيجاني السماوي ; لأنّ أسماءها كانت غريبة وجذّابة وكان محتواها رائعاً من ناحية التأثير .
وقد يكمن سبب تأثير هذه الكتب في أنّ مؤلّفها كان من أهل السنّة ثمّ
استبصر ، وبدأ بنشر أدلّة استبصاره بلغة جذّابة .
قرأ السيّد رياض كتب التيجاني ، وكان من بين هذه الكتب كتاب " الشيعة هم أهل السنّة " ، وعنوان هذا الكتاب ملفت للنظر ، وذكر الدكتور التيجاني في مقدمته : " سأبيّن للقراء الكرام بأنّ الاصطلاح الذي اتّفق عليه مناوئو الشيعة وخصومهم وتسمّوا ب " أهل السنّة والجماعة " ما هي في الحقيقة إلاّ سنّة مزعومة سمّوها هم وآباؤهم ، ما أنزل الله بها من سلطان ، والنبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) منها بريء .
فكم كُذبَ على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكم مُنِعَتْ أحاديثُه وأقواله وأفعاله أن تصل إلى المسلمين بحجّة الخوف من اختلاطها بكلام الله ، وهي حجّة واهية كبيتِ العنكبوت ، وكم من أحاديث صحيحة أصبحت في سلّة المهملات ، ولا يقامُ لها وزن ولا يُعبأ بها ، وكم من أوهام وخُزعبلات أصبحت من بعده أحكاماً تنسبُ إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وكم من شخصيّات وضيعة يشهد التّاريخ بخسّتها وحقارتها ، أصبحتْ بعده سادة وقادة تقود الأمّة ويُلتمس لأخطائها الأعذار والتأويلات .
وكم من شخصيّات رفيعة يشهد التاريخ بسمُوِّها وشرف منبتها ، أصبحتْ بعدَه مهملةً لا يُعبأُ بها ولا يُلتفتُ إليها ، بل تُكفّرُ وتُلعنُ من أجل مواقفها النّبيلة ، وكم من أسماء برّاقة جذّابة تُخفي وراءها الكفر والضّلال ، وكم من قبور تُزار وأصحابها من أهل النّار .
وقد عبَّر ربّ العزّة والجلالة عن ذلك بأحسن تعبير فقال : * ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ
اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ) * (1).
وجد السيّد رياض خلال مطالعته لكتب التيجاني بأنّ هذه الكتب تبيّن حقائق تاريخية غريبة جدّاً ، ولكنّه لم يستعجل في اتخاذ القرار ، بل قرّر أن يراجع مصادر أهل السنّة ، يتثبّت في أمر صحّتها ، ومن هنا بدأت رحلة السيّد رياض في البحث ، ولم تمض فترة إلاّ وعرف السيّد رياض بأنّ تاريخ صدر الإسلام مليء بأحداث كثيرة حاول علماء أهل السنّة التعتيم عليها وغض الطرف عنها ; لأنّها تهدّد بنيان عقيدتهم حول عدالة جميع الصحابة .
يقول السيّد رياض : كان لمطالعتي كتب الدكتور التيجاني وغيرها من كتب الشيعة أكبر سبب في تغيير انتمائي المذهبي ، ومن خلال هذه الكتب تعرفّت على تاريخ صدر الإسلام ، وما جرى فيه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فتألمّت لمظلومية الزهراء ، وغصب القوم لحقوقها وإرثها ، واطلعت على خلافها مع أبي بكر ، فوجدت بعد البحث في مصادر أهل السنّة بأنّ الحقّ معها ومع بعلها الذي غصبت منه الخلافة ، وحكم عليه بالجلوس في داره ، فصبر الإمام وفي العين قذى وفي الحلق شجى يرى تراثه نهبا .
إنّ من أكبر الموانع التي جعلت السيّد رياض يتريّث في تغيير انتمائه المذهبي ، رؤيته للجمع الغفير المتّبع لمذهب أهل السنّة ، فيا ترى هل جميع هؤلاء مخطئين في انتمائهم المذهبي . ولكنه بعد البحث وجد بأنّ الأكثرية لا تمثّل الحقّ ،
1) - البقرة (2) : 204 - 206
وإذا كانت الأكثرية هي الملاك للحق ، فإنّ عدد غير المسلمين في العالم أيضاً كثير ، فهل يعني ذلك ان يترك المسلم دينه ويعتنق ديناً غير الإسلام .
ووجد السيّد رياض بأنّ الملاك في الانتماء المذهبي هو الدليل والبرهان ، وينبغي أن لا يكون للكثرة والقلّة أي دور في انتخاب العقيدة .
وجد السيّد رياض بعد تتّبعه في كتب التاريخ بأنّ السبب الأساسي لانتشار المذهب السنّي يعود لدعم السلطات لهذا المذهب ، وذلك لأنّ السلطات التي استولت على دفّة الحكم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا سيما بني أمية وبني العبّاس وجدت بأنّ المذهب السنّي هو المذهب الوحيد الذي يعد مناسباً لتحقّق أهدافها وأغراضها ، وتثبيت دعائم سلطانها وحكومتها .
وأنّ السبب الذي دفع عشرات المذاهب الأخرى إلى الانقراض يعود لعدم دعم السلطة لهذه المذاهب .
وقرأ السيّد رياض في كتاب " الشيعة هم أهل السنّة " للدكتور التيجاني السماوي : " إذا راجعنا التاريخ فإنّنا نجد مالكاً صاحب المذهب قد تقرّب إلى السلطة والحكّام وسالمهم ومشى في ركابهم ، فأصبح بذلك الرجل المهاب والعالم المشهور ، وانتشر مذهبه بوسائل الترهيب والترغيب خصوصاً في الأندلس حيث عمل تلميذه يحيى بن يحيى على موالاة حاكم الأندلس ، فأصبح من المقرّبين ، وأعطاه الحاكم مسؤولية تعيين القضاة ، فكان لا يولّي على القضاء إلاّ أصحابه من المالكيّة فقط .
كذلك نجد أنّ سبب انتشار مذهب أبي حنيفة بعد موته هو أنّ أبا يوسف والشّيباني وهما من أتباع أبي حنيفة ومن أخلص تلاميذه ، كانا في نفس الوقت من أقرب المقرّبين " لهارون الرّشيد " الخليفة العبّاسي ، وقد كان لهما الدّور الكبير في
تثبيت ملكه وتأييده ومناصرته ، فلم يسمح هارون " الجواري والمجون " لأحد أن يتولّى القضاء والفتيَا إلاّ بعد موافقتهما .
فلم ينصّبا قاضياً إلاّ إذا كان على مذهب أبي حنيفة ، فصار أبو حنيفة أعظم العلماء ، ومذهبه أعظم المذاهب الفقهية المتّبعة ، رغم أنّ علماء عصره كفّروه واعتبروه زنديقاً ، ومن هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل ، والإمام أبو الحسن الأشعري .
كما أنّ المذهب الشّافعي انتشر وقويَ بعدما كاد يندرس ، وذلك عندما أيّدته السّلطة الغاشمة ، وبعدما كانت مصر كلّها شيعة فاطمية ، انقلبتْ إلى شافعية في عهد صلاح الدّين الأيوبي الذي قتل الشيعة وذبحهم ذبح النّعاج .
كما أنّ المذهب الحنبلي ما كان ليُعرف لولا تأييد السّلطات العبّاسية في عصر المعتصم عندما تراجع ابن حنبل عن قوله بخلق القرآن ، ولمع نجمه في عهد المتوكّل " النّاصبي " .
وقوي وانتشر عندما أيدتْ السّلطات الاستعماريّة الشيخ محمّد بن عبد الوهاب في القرن الماضي ، وتعامل هذا الأخير مع آل سعود فأيّدوه فوراً وناصروه وعملوا على نشر مذهبه في الحجاز والجزيرة العربية .
وأصبح المذهب الحنبلي يعود إلى ثلاثة أئمّة أوّلهم أحمد بن حنبل الذي لم يكن يدّعي بأنّه فقيهاً ، وإنّما كان من أهل الحديث ، ثمّ ابن تيميّة الذي لقّبوه بشيخ الإسلام ، ومجدّد " السنّة " والذي كفّره علماء عصره ، لأنّه حكم على كلّ المسلمين بالشرك ; لأنّهم يتبّركون ويتوسّلون بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ جاء في القرن الماضي محمّد ابن عبد الوهاب صنيعة الاستعمار البريطاني في الشرق الأوسط .
فعمل هو الآخر على تجديد المذهب الحنبلي بما أخذه من فتاوى ابن تيميّة ، وأصبح أحمد بن حنبل في خبر كان إذ إنّ المذهب عندهم اليوم يُسمى المذهب الوهابي .
وممّا لا شكّ فيه أنّ انتشار تلك المذاهب وشهرتها وعلوّ شأنها كان بتأييد ومباركة الحكّام .
وممّا لا شكّ فيه أيضاً بأنّ أولئك الحكّام كلّهم بدون استثناء كانوا يعادون الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) ; لشعورهم الدّائم بأنّ هؤلاء يهدّدون كِيَانهم وزوال ملكهم ، فكانوا يعملون دائماً على عزلهم عن الأمة ، وتصغير شأنهم ، وقتل من يتشيّع لهم .
فبديهي أن يُنصب أولئك الحكّام بعض العلماء المتزلّفين إليهم ، والذين يفتونهم بما يتلاءم مع حكمهم ووجودهم ، وذلك لحاجة النّاس المستمرّة لوجود الحلول في المسائل الشرعيّة
ولمّا كان الحكام في كلّ العصور لا يعرفون من الشريعة شيئاً ، ولا يفهمون الفقه ، فكان لا بدّ أنْ يُنصبوا عالماً باسمهم يفتي ، ويُموّهون على النّاس بأنّ السّياسة شيء والدّين شيء آخر .
فكان الخليفة الحاكم هو رجل السّياسة والفقيه رجل الدّين كما يفعل ذلك اليوم رئيس الجمهورية في كلّ البلاد الإسلاميّة ، فتراه يُعيّن أحد العلماء المقرّبين يُسمّيه مفتي الجمهورية أو أي عنوان آخر يعبر عن ذلك ، ويُكلّفه بالنّظر في مسائل الفتيا والعبادات والشعائر الدّينيّة .
ولكنّه في الحقيقة ليس لهذا الرّجل أن يفتي أو يحكم إلاّ بما تُمليه عليه السّلطة وما يُرضي الحاكم ، أو على الأقل ما لا يتعارضُ وسياسة الحكومة وتنفيذ مشاريعها " (1).
وجد السيّد رياض بأنّ من أهم أسباب بقاء مذهب التشيّع على رغم
1) - الشيعة هم أهل السنة ، الدكتور التيجاني السماوي : 92 - 94 .
مظلوميته واضطهاده من قبل الحكومات والسلطات هو قوة أدلّته وبراهينه وتسديد الله تعالى لهذا المذهب ، والألطاف الإلهية الخفيّة والظاهرة له ، وهذا ما جعل هذا المذهب أن يتنامى ويزدهر يوماً بعد آخر .
التحق السيّد رياض بمدرسة الرسول الأعظم الشيعية ، ودرس فيها مدّة سنة ونصف حتّى أيقن بأحقيّة مذهب التشيّع ، فأعلن بعد ذلك استبصاره ، ثمّ سافر إلى إيران والتحق بالحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة ، ثمّ عاد إلى منطقته .
ويقول السيّد رياض : واجهت بعد الاستبصار العديد من المضايقات من قبل أقربائي وأصدقائي ، ولكنني لم أبال بموقفهم بعد أن تجلّت لي الحقيقة بوضوح ، بل واصلت سعيي في تبين الحقيقة للآخرين حتّى استبصر على يدي بعض أفراد أسرتنا وجملة من أصدقائي ، وأنا لا زلت داعياً أبذل قصارى جهدي لبث علوم ومعارف أهل البيت (عليهم السلام) .
ولد في باكستان في عائلة سنّية ، حفظ القرآن ، ودرس في حوزة أهل السنّة في باكستان سافر إلى الهند للتخصّص في الإفتاء في حوزة السنّة الصوفية في بريلي شريف ، وحصل على لقب ( مفتي ) .
سافر إلى بغداد ودرس في كلية الشريعة ببغداد ، درس أيضاً في المدينة المنورة وكان إماماً لمسجد البقيع ، ودرس كذلك في الأزهر بمصر لمدة خمس سنوات ، درس فيها المذاهب الخمسة ، الجعفري والمذاهب الأربعة المعروفة لأهل السنّة .
وكان مبلغ وإمام جمعة في لندن ، ومندوب لدار الافتاء للعلماء الصوفية في باكستان .
يقول المفتي زين العابدين : أيام دراستي في كلية الشريعة ببغداد الواقعة عند ضريح أبو حنيفة قرب الجسر الذي يربط الأعظمية بالكاظمية ، كنت ألتقي بالكثير من الطلاب الشيعة عند ذهابي إلى مكان دراستي كلّ يوم ، وتحدث بيننا بعض الحوارات العلمية .
بدأت بعد ذلك بعلاقة مع أحد الشيوخ الباكستانيين الشيعة الذين يدرسون
في حوزة النجف الأشرف ، وقد أخذني صديقي هذا إلى زيارة العتبات في النجف وكربلاء والكاظمية ، وقد قمنا بزيارة العلماء في مدينة النجف .
فتأثرت في زيارتي هذه بعلماء النجف روحياً ومعنوياً ، وعرفت أنّهم أهل اجتهاد واستدلال وبرهان ، ويخضعون عقائدهم لموازين العقل والنقل بغير إفراط وتفريط ، وليس من العلماء المقلّدة ، وبعد مراجعتي لتاريخ المسلمين ، ومقارنتها بالأحداث التي رأيتها في العصر الحاضر ، عرفت أنّ الحقّ وطريق الهداية هو الذي يسير عليه الشيعة أنصار مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، فاهتديت بهدى الرسول وآله وكان من المواضيع التاريخية التي هزتني واقعاً هي قضية الزهراء سلام الله عليها حيث توفيت الزهراء (عليه السلام) وهي غاضبة عليهم ، وأوصت أن لا يشهد أحدٌ ممن ظلمها جنازتها ، ولا يصلّي عليها واحد منهم ، فأثّر في هذا الكلام نفسياً ، فأخذت في البحث حوله ، فظهر لي بعد التحقيق أنّ الصديقة الطاهرة قد غضبت فعلاً عليهم (1)، وغضبها يوجب غضب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لقوله : " فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني " (2)
1 - فتاوى العلماء في تحريم تكفير المسلمين ، طبع باللغة العربية طبعة ثانية سنة 1419 ه ( 1999 م ) من قبل مؤسسة المعارف الإسلاميّة : قم ، وترجم إلى الإنجليزية والفارسية والأردو والسندية .
2 - كيف وجدت الشيعة ، باللغة العربية ، طبع في الكويت 1419 ه ( 1999 م ) .
3 - عقائد الوهابيّين في نظر المسلمين .
4 - الثورات العقائدية في البلدان الإسلاميّة ، يتحدّث فيها عن الحركة الوهابية في نجد وانتصار الثورة الإسلاميّة في إيران ، ثمّ الحنفية في أفغانستان ( المجاهدين الأفغان ) .
5 - إمام العالم في أديان العالم ، تحقيق في الإمام المهدي عجل الله فرجه عند المسلمين وأهل الكتاب والأديان الأخرى التي تنتظر المخلّص أيضاً كالهندوسية والبوذية والسيخ والزرادشتية .
6 - مظلومية الزهراء (عليه السلام) في كتب أهل السنّة .
أحسّت فاطمة الزهراء (عليه السلام) بما سيجري عليها وعلى أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته وذلك أنّه لمّا سارّها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه الذي توفيّ فيه ، وأخبرها بموته فبكت ثمّ سارّها مرّة أخرى ، وأخبرها بلحوقها به بسرعة فضحكت (1).
ثمّ إنّ فاطمة (عليه السلام) ما رؤيت ضاحكة قط منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى قبضت (2)، بل كانت باكية ليلها ونهارها ، وهي لا ترقأ دمعتها ولا تهدأ زفرتها .
حتّى " اجتمع شيوخ أهل المدينة ، وأقبلوا إلى أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) فقالوا له : يا أبا الحسن ، إنّ فاطمة (عليه السلام) تبكي الليل والنهار ، فلا أحد منّا يتهنّأ بالنوم في الليل على فرشنا ، ولا بالنهار لنا قرار على أشغالنا وطلب معايشنا ، وإنّا نخبرك أن تسألها إمّا تبكي ليلاً أو نهاراً ، فقال (عليه السلام) : حباً وكرامة .
فأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) على فاطمة (عليه السلام) وهي لا تفيق من البكاء ، ولا ينفع فيها العزاء ، فلمّا رأته سكنت هنيئة له ، فقال لها : يا بنت رسول الله ، إنّ شيوخ المدينة يسألوني أن أسألك إمّا أن تبكين أباك ليلاً وإمّا نهاراً .
فقالت يا أبا الحسن ، ما أقل مكثي بينهم وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم ، فوالله لا أسكت ليلاً ولا نهاراً أو ألحق بأبي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لها عليّ (عليه السلام) : إفعلي يا بنت رسول الله ما بدا لك .
ثمّ أنّه (عليه السلام) بنى لها بيتاً في البقيع نازحاً عن المدينة يسمّى بيت الأحزان " (1).
هذا كان حالها سلام الله عليها بعد وفاة أبيها وهو يكشف عن حزنها الشديد ، وأنّها لاقت المصائب بعد وفاة أبيها حتّى قالت :
صبت عليّ مصائب لو أنّها *** صبّت على الأيام صرن لياليا
قد كنت ذات حمى بظلِ محمّد *** لا أخشَ من ضيم وكان جماليا
فاليوم أخشع للذليل وأتقي *** ضيمي وأدفع ظالمي بردائيا (2)
لاحظ لحن الكلام في خطبتها فضلاً عما ورد في الخطبة في مجلس الصحابة عند أبي بكر عندما أجمع على منعها فدكاً : " ثمّ أنّت أنةً أجهش القوم لها بالبكاء ، ثمّ أمهلت طويلاً حتّى سكنوا من فورتهم " (3).
وقالت " يا بن أبي قحافة ! أترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئاً فرياً ، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله ، والزعيم محمّد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون ، ثمّ إنكفأت إلى قبر أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت :
قد كانت بعدك أنباء وهنبثةً *** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنّا فقد ناك فقد الأرض وابلها *** واختل قومك فاشهدهم ولا تغب
فليت بعدك كان الموت صادفنا *** لمّا قضيت وحالت دونك الكثب " (1)
ثمّ انظر ما قالت بعد أن عادها أبو بكر وعمر مخاطبة أبي بكر : والله لأدعون عليك في كلّ صلاة أصلّيها (2).
ولمّا هجم القوم على بيتها " قامت على باب الحجرة ، وقالت ، يا أبا بكر : ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله ، والله لا أكلم عمر حتّى ألقى الله " (3).
وانظر إلى كلام الإمام عليّ (عليه السلام) لمّا دفنها ، ووقف على قبرها المخفي : " إنا لله وأنا إليه راجعون ، قد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرهينة ، واُخلست الزهراء ، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله . . . سرعان ما فرّق بيننا ، وإلى الله أشكو ، وستنبؤك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها ، فأحفها السؤال ، واستخبرها الحال ، فكم غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً ، وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين " (4).
1) - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16 : 251 ، واُنظر : حديث نحن معاشر الأنبياء للمفيد : 26 ، الطرائف لابن طاووس : 265 .
2) - الإمامة والسياسة 1 : 20 .
3) - السقيفة وفدك : 52 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 57 .
4) - الكافي 1 : 459 ، أمالي الطوسي : 109 ، واُنظر : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10 : 265 .
الصورة
وردت ترجمته في ( 1 : 271 ) من هذه الموسوعة ، ونشير إلى بعض ما وقفنا عليه من معلومات لم تذكر من قبل .
مرّ " سجاد حسين انقلاب " في استبصاره بمرحلة عصيبة دفعته ليعيش حالة الصراع الداخلي بين موروثاته العقائدية ، وبين الأدلّة التي بيّنت له بطلان ما كان عليه .
يقول " سجاد " : " قلت في نفسي في خصوص هذه المرحلة التي أنهكته وتركته برهة من الزمن في الحيرة ، وجعلته أمام مرمى سهام الشك والترديد :
هل ما ورثته كان باطلاً ؟ !
هل كان آباؤك يعيشون بالباطل ؟ !
هل أنت أعلم أم علماؤك ؟ !
هل ستترك ما ألفته مدّة من الزمن " ؟ !
يقول " سجاد " في مقام الإجابة على هذه الأسئلة :
" بعد اطلاعي وإلمامي بهذه الأدلّة ، لم أجد ما يعيقني عن إعلان استبصاري سوى الصراع النفسي ، الذي كان يراودني ويدفعني عن الخضوع للحقائق التي تجلّت لي بوضوح ، ولكنّني استطعت - بحمد الله - من تخطّي هذه المرحلة والركوب في سفينة النجاة ، سفينة أهل البيت (عليهم السلام) " .
الصورة
ولد سنة 1348 ه ( 1930 م ) في باكستان في قرية ( كرام شريف ) درس في مدرسة نعيمية في " راد آباد السند " ، وتخرّج منها سنة 1366 ه ، وهو يحمل شهادة " فاضل " .
اشتغل بالتدريس في مدرسة رحمانية في " موند كرخانك - مظفر كهر " بصفة ( صدر المدرّسين ) درس الطّب عند الدكتور " بيربخش " ، وحصل على شهادة منه ، وزاول الطبابة ، وعالج المرضى ، فهو مدرّس وطبيب ، ومؤلّف وخطيب وقاض أيضاً ، ولرغبته الشديدة في التوجيه والإرشاد والخطابة ، ترك المدرسة وعيادة المرضى وصار واعظاً ومبلّغاً .
بحكم ممارسة سعيد الرحمن للوعظ والخطابة التقى بالكثير من الناس ، والعديد من العلماء ، ومنهم خطباء من الشيعة ، فجرت بينه وبينهم حوارات في العقيدة ، ونقاشات في المذهب ، وكان من الذين التقى بهم هو العلاّمة الشهير محمّد إسماعيل ، وجرى بينهما حوار طويل دام لمدّة يومين كاملين .
يقول سعيد الرحمن عن حواره مع المبلّغ الأعظم : " أتاني بحديث من
البخاري ، الكتاب الصحيح عند أهل السنّة عن عائشة : " فغضبت فاطمة حتّى ماتت " أن فاطمة (عليه السلام) ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يقسم لها ميراثها . . . فقال لها أبو بكر ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : لا نورث ما تركنا صدقة فغضبت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتّى توفيت " (1).
وتكلّم حول الحديث ثلاث ساعات ثمّ قال لي : " أيّها القاضي ، ضع الكتاب العزيز على رأسك ، وخذ البخاري في يدك ، وتوجّه إلى القبلة وقل لي : إنّ السيدة فاطمة (عليه السلام) طالبت أبا بكر بحقّها أم لا ؟ فإن كانت طالبته ، فهل لبّى طلبها أم لا ؟ فإن قبل منها ، فأين ذكر ذلك ؟ وإن لم يقبل منها فافتح البخاري وانظر إلى أنّها (عليه السلام) ماتت غاضبة عليه أم راضية ؟ فإن ماتت وهي غاضبة عليه ، فما جوابك عن حديث " رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي " (2)؟
فتنبّه سعيد الرحمن إلى خطئه ، وأعلن تشيّعه في المجلس نفسه ، وحسن ولاؤه لأهل البيت (عليهم السلام) ، وصار مبلّغاً لمذهبهم الصحيح ، الذي هو الإسلام نفسه ، واستبصر على يديه المئات من الناس ، فعرفوا طريق الحقّ ، وسلكوا سبيل النجاة .
لا يعرف الكثير من عامّة المسلمين مقام فاطمة الزهراء (عليه السلام) وعظمتها ، وهذا بعض نتائج الظلم الذي وقع عليها خاصّة ، وعلى أهل البيت (عليهم السلام) بصورة عامّة .
ومن ينظر إلى سيرة هذه الحوراء الإنسيّة يأخذه العجب من عظمتها التي لا يقاس بها عظمة أحد سوى عظمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين خلقهم الله من نور واحد ، وهي سلام الله عليها واسطة العقد فيهم ، فهم أبوها وبعلها وبنوها .
كما أنّ المتأمل في الأخبار الواردة فيها تأخذه الدهشة من مقدار العناية الربانية بها دون غيرها من النساء ، بل والرجال خلا من ذكرنا ، ممّا أثار حسد الخاملين وفجّر عداوة الناصبين .
خلقها الله من نور عظمته (1)، وكوّنَ نطفتها من ثمار جنّته (2)، تكلّم أُمّها وهي جنين في بطنها ، فتسلّيها عن وحشة وحدتها ، بعد أن تركتها نساء قريش (3); لأنّها اختارت النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعلاً لها ، وتركت شرفاء قريش وأغنيائها ، فهل رأيت أو سمعت بنتاً وأمّاً كهاتين ؟ !
لم تكن عبئاً على أبيها ، بل كانت عوناً له ، تدفع أذى المشركين عنه ، وتحنو عليه كالأم ، حتّى سمّاها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : أم أبيها (4)، فهل رأيت أو سمعت بنتاً وأباً كهذين ؟ ! وخاصّة في مجتمع يحتقر البنات ، إن لم يئدهن .
زوّجها الله سبحانه وتعالى وردّ أبوها يد الخاطبين ، وأعرض عنهم إلى أن جاء الكفؤ فزال غم الرسول ، ولولا عليّ (عليه السلام) لما كان لها كفؤ أبداً ، سُئِلَ عليّ (عليه السلام) عنها بعد اجتماعهما في بيت الزوجية : كيف وجدت أهلك ؟ ، فقال نعم العون على طاعة الله ، وسئلت هي عنه ، فقالت : خير بعل (5).
قلَّ مهرُها وحقرُ جهازُها ، وعيّرتها نساء قريش الحاسدات بفقر زوجها ، فبيّن الرسولُ فضل عليّ (عليه السلام) (6)، فكان هذا كافياً لها ، ولم تأبه لكلامهن .
قال عليّ (عليه السلام) يصف جهادها في أعمال البيت : " استقت بالقربة حتّى أثّر في
1) - الإمامة والتبصرة لابن بابويه : 133 ، علل الشرائع للشيخ الصدوق 1 : 180 ، بحار الأنوار 43 : 12 .
2) - اُنظر : أمالي الشيخ الصدوق : 546 ، التوحيد : 118 ، بحار الأنوار 8 : 119 .
3) - اُنظر : أمالي الشيخ الصدوق : 690 ، روضة الواعظين : 143 ، بحار الأنوار 16 : 80 .
4) - اُنظر : مقاتل الطالبين : 29 ، تاج المواليد للطبرسي : 20 ، مناقب آل أبي طالب 1 : 140 .
5) - مناقب آل أبي طالب 3 : 131 ، بحار الأنوار 43 : 117 .
6) - اُنظر : الإرشاد 1 : 36 ، الفصول المختارة للمرتضى : 278 ، بحار الأنوار 38 : 188 .
صدرِها ، وطحنت بالرّحى حتّى مجلت يداها ، وكسحت البيت حتّى اغبرت ثيابها ، وأوقدت النار تحت القدرِ حتّى دكنت ثيابها ، فأصابها من ذلك ضرر شديد . . . " (1).
وعندما طلبت خادماً من أبيها علمّها (صلى الله عليه وآله وسلم) التسبيح المعروف بتسبيح فاطمة فرضيت بذلك ولم تصر على طلب الخادم (2)، هذه قطرة من بحر وفائها وصبرها مع الزوج ، فهل رأيتَ أو سمعتَ زوجاً وزوجة كهذين ؟ وهل تستكثر ان يُخدِمها اللهِ مَلائكتَه ، فتدير الرّحى ، وتهز المهد (3)، عوناً لها على طاعة الله ، وجزاءً لها على صبرها وجهادها الذي لا مثيل له في الدنيا قبل الآخرة ؟
ربّت أولاداً مثل الحسن والحسين ( عليهما السلام ) ، وما أدراك ما حسن وحسين ؟ !
سيدا شباب أهل الجنة (4)، وسبطا الرسول ، بل ابناه (5)، بهما حفظ اللهُ الدينَ من كيدِ بني أميّة ، فهل رأيتَ أو سمعتَ أمّاً وبنيناً كهؤلاء ؟ !
ثمّ ربّت بنتاً مثل زينب سلام الله عليها عقيلة الهاشميين ، وبطلة كربلاء ، وما أدراك ما كربلاء ، أوصتها بنصرة أخيها في ملحمة تهدُّ الجبال ، وتفرُّ منها الرجال ، فهل رأيت أو سمعتَ بأم وبنت كهاتين ؟ !
1) - علل الشرايع 2 : 366 ، من لا يحضره الفقيه ، بحار الأنوار 43 : 82 ، 76 : 193 .
2) - اُنظر : من لا يحضره الفقيه 1 : 321 ، مكارم الأخلاق للطبرسي : 280 ، صحيح البخاري 4 : 48 ، صحيح مسلم 8 : 84 .
3) - اُنظر : بحار الأنوار 37 : 97 ، مدينة المعاجز 4 : 46 ، ح 1077 .
4) - قرب الإسناد : 111 ، أمالي الشيخ الصدوق : 112 معاني الأخبار : 124 ، أمالي الطوسي : 85 ، مسند أحمد 3 : 3 ، 62 ، سنن الترمذي 5 : 321 ، وغيرها من المصادر الكثيرة .
5) - اُنظر : الاحتجاج 1 : 195 ، مناقب آل أبي طالب 2 : 18 ، بحار الأنوار 31 : 332 و 33 : 184 .
6) - اُنظر كتاب سليم بن قيس : 298 ، الكافي 1 : 287 ، وغيرها من المصادر .
7) - اُنظر : الاختصاص للشيخ المفيد : 56 ، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2 : 81 ، وغيرها من المصادر .
ل ( نسائنا ) (1)- الخصال للشيخ الصدوق : 588 ، بحار الأنوار 81 : 345 ، ح 11 .(2)دون غيرها مع كثرة النساء حول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهل رأيتَ أو سمعتَ نساءنا ونساءً كهؤلاء ؟ ! !
هي أم الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ، ووالدة ذرّيّة الرسول المنحصرة فيها ، أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار (3)، فهل رأيتَ وهل سمعتَ أم أئمة غيرها ؟ ! وكلّ هذا لا يبلغ قطرة من بحر كوثرها ، فهل وعيتَ وهل فهمت ؟ !
يكفينا لمعرفة مظلومية الزهراء (عليه السلام) قول الإمام عليّ (عليه السلام) عندما ماتت سلام الله عليها : " اللّهم إنّي راض عن ابنة نبيّك ; اللّهم إنّها قد أوحشِت فآنِسها ; اللّهم إنّها قد هُجرت فصِلْها ; اللّهم إنّها قد ظُلمت فاحكم لها ، وأنت خير الحاكمين " (3) .
ومعلومٌ أنّها كانت مأنوسة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) زمان حياته ، وأعترتها الوحشة بعد وفاته ومعروف أنّها كانت حبيبة رسول الله وأثيرته ، لا يغفل عنها رغم أعباء الرسالة الثقيلة ، وأنّها كانت آخر من يودع عند السفر ، وأول من يزور بعد السفر (4)، ثمّ حصل الهجران لها بعد وفاته ، وهكذا حصل ظُلمُها وهتكُ حرمتها بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إذ لم يجرؤ الناصبون لها وللإسلام على أذيّتها زمان أبيها ، وإظهار حسدهم لها إلاّ في بعض فلتات اللسان ، كما هو الحال مع أبيها نفسه وزوجها عليّ (عليه السلام) . ولبيان مظلوميّتها أكثر ، ننقل الحديث عنها في احتجاجها على من ظلمها : قالت فاطمة (عليه السلام) في كلام لها حين أرادوا انتزاع فدك منها : " أنشدكم بالله أما سمعتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : " إنّ ابنتي سيّدة نساء أهل الجنّة " ؟
قالوا : اللّهم نعم ، قد سمعناها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قالت : أفسيّدة نساء أهل الجنّة تدّعي الباطل وتأخذ ما ليس لها ؟ أرأيتم لو أنّ أربعة شهدوا عليّ بفاحشة أو رجلان بسرقة ، أكنتم مصدّقين عليَّ ؟
فأمّا أبو بكر ، فسكت ! ! وأمّا عمر ، فقال : نعم ، ونوقع عليك الحدّ ! ! !
فقالت : كذبت ولؤمت ، إلاّ أن تقرَّ أنّك لست على دين محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّ الذي يجيز على سيّدة نساء أهل الجنة شهادة ، أو يقيم عليها حدّاً لملعون كافر بما أنزل الله على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ; إنّ من أذهب الله عنهم الرجس أهل البيت (عليهم السلام) وطهّرهم تطهيراً ، لا يجوز عليهم شهادة ; لأنّهم معصومون من كلّ سوء ، مطهرون من كلّ فاحشة .
حدِّثني عن أهل هذه الآية ، لو أنّ قوماً شهدوا عليهم ، أو على أحد منهم بشرك ، أو كفر أو فاحشة كان المسلمون يتبّرأون منهم ويحدّونهم ؟
قال : نعم ، وما هم وسائر الناس في ذلك إلاّ سواء .
قالت : كذبت وكفرت ، لأنّ الله عصمهم ، وأنزل عصمتهم وتطهيرهم ، وأذهب عنهم الرجس فمن صدّق عليهم يكذّب الله ورسوله . . . " (1).
وبغض النظر عن كيفية تنصيب عمر نفسه للحكم وإيقاع الحدود ، نقول : إنّه في الواقع يريد بهذا الكلام ظلم أهل البيت (عليهم السلام) الذين طهّرهم الله من الرجس ، وفرض على المسلمين مودّتهم ; فهو يريد أن يسوّي بين من رفعهم الله ورسوله وبين الآخرين الذين لا سابقة لهم كسابقة أهل البيت (عليهم السلام) ولا شهادة من الله بذكرهم بخير ، إن لم ينزل فيهم لوم وعتاب وتقريع ، وهذا هو أساس الظلم الذي تبناه القوم ، المنبىء عن نقيصتهم وحسدهم .
فالعدالة ليست هي التسوية بين المحسن والمسىء ، والإنصاف ليس هو تقييم الجميع بنفس الدرجة ، بل يجب إعطاء كلّ ذي فضل فضله ، ولا يجوز بخس
1) - كتاب سليم : 227 ، الاختصاص : 183 ، بحار الأنوار 30 : 306 .
الناس أشياءهم .
والواقع أنّ عمر نفسه لم يُسوِّ بين الناس في منزلتهم ، فنحن نراه عندما يقسم العطاء يعطي أهل بدر أكثر من غيرهم ، ويعطي أهل أحد - بعد أهل بدر - أكثر من غيرهم ، فالناس عنده على مراتب ومنازل في الشرف توجب زيادة العطاء وقلته .
ولكن عندما يتعلّق الأمر بأهل البيت (عليهم السلام) يرفع شعار العدالة لضربهم وتقليل شأنهم في أعين الناس ، وفاطمة بضعة الرسول (1)، وأهل البيت (عليهم السلام) هم من رسول الله ، ورسول الله منهم .
فهذا الظلم العظيم الذي تعرضّ له أهل البيت (عليهم السلام) ، وهذا هو الظلم الفادح لهم ، وإليه تشير كلمات الإمام عليّ (عليه السلام) : " فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا . . . " (2)- الإمامة والسياسة 1 : 20 ، تحقيق الزيني ، بحار الأنوار 28 : 357 و 29 : 627 .(3).
ويكفينا أن نعلم أنّها ماتت وهي ساخطة عليهم ولم ترض عنهم وقال رسول الله : " رضا فاطمة من رضاي وسخطها من سخطي " (3) ، ولا نحتاج لاثبات الأمور الأخرى التي صدرت منهم بحقها - وهي صادرة عنهم حقاً ولا بعد فيها أبداً - .
وأمّا من يحاول الدفاع عن القوم بنفي بعض الأمور ، فهل عميت عينه ، وزاغت بصيرته عن رؤية هذا الظلم ، وهل طابت نفسه ، ورضيت سريرته به ؟ ! !
ما لكم كيف تحكمون ؟ ! . . .
ولد سنة 1358 ه ( 1940 م ) في قضاء " بهله ون " التابع للواء " كجرات " في باكستان ، ونشأ في عائلة حنفية المذهب ، أكمل الدراسة الابتدائية في المدرسة الإسلاميّة في ( كجرات ) ، ثمّ التحق بالخدمة العسكرية مدّة أربع سنوات ، وعيّن بعد ذلك معلّماً لّلغة الفارسية في ثانوية الجمهورية في ( كنجاه ) من لواء ( كجرات ) قضى فيها ست سنوات ، ثمّ انتقل إلى مدينة ( سركودها ) ودخل مدرسة ( دار العلوم المحمدية ) بصفته معلّماً لّلغة الفارسية أيضاً ، واشتغل فيها بدراسة العلوم الدينية في نفس الوقت .
كان " صفدر حسين " يهوى مطالعة الكتب الدينية ، وقد حصل له بمرور الوقت رغبة في معرفة المذاهب الإسلاميّة ، ودراسة أقوالهم ، والتحقق من صحّة هذه الأقوال في أمّهات كتب هذه المذاهب ، وعرضها بعد ذلك على القرآن والسنّة الشريفة ; لمعرفة مدى مشروعيّتها حتّى يعتبرها ديناً يتمسّك به المسلم ويحتّج به على الله في يوم الحساب .
وكانت نتيجة تحقيقاته الاهتداء إلى صحّة مذهب شيعة أهل البيت (عليهم السلام)
الإمامي الاثنا عشري ; لأنّه المذهب الوحيد الذي يدعمه الدليل في كلّ أجزاء منظومته المتكاملة ، ويشهد عليه الوجدان الصافي ، وترتاح إليه القلوب السليمة ، ولا يمكن أن تكون نتيجة التحقيق العلمي في مثل هذه الأمور إذا رافقه صفاء النية إلاّ الاهتداء وفق المشيئة الإلهية إلى ولاء أهل بيت العصمة والطهارة ، ولا غير .
يقول " صفدر حسين " أمعنت نظري في المسائل الخلافية بين الشيعة والسنّة ، وفي الأحاديث مثل حديث القرطاس (1)الموجود في أصحّ الكتب عند السنّة بعد كلام الباري ، حيث وجدت أنّ الذين كنّا نعتقد بخلافتهم ونقتدي بآثارهم قد غضب عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في آخر ساعة من حياته وطردهم عنه قائلاً لهم : " قوموا عنّى ، فلا ينبغي عندي التنازع " .
وهكذا كان البحث في بقية المسائل الخلافية حيث وجدت الحقّ مع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، فهداني الله إلى طريق الحقّ وسواء السبيل ، فاعتنقت المذهب الجعفري الإمامي الاثني عشري .
1 - يلاحظ أنّ غضب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن وليد ساعته فقط ، وإنّما كان لغضبه على بعض صحابته أسباباً لها تاريخ طويل من مخالفات متكرّرة منهم .
2 - إنّ شفقة عمر المدعاة على الإسلام أو على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن لها وجود في موقفه من كتاب أبي بكر في مرضه الذي يوصي له فيه بالخلافة ، فقال : اسمعوا
1) - في رزيّة يوم الخميس عندما طلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه الأخير قرطاساً ودواة ليكتب كتاباً لا يضلّ المسلمون بعده فمنعه عمر ، قائلاً : إنّ رسول الله يهجر ! ، حسبنا كتاب الله . . . اُنظر صحيح البخاري 5 : 138 ، باب مرض النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ووفاته ، و 7 : 9 ، باب قول المريض : قوموا عني ، صحيح مسلم 5 : 76 ، آخر كتاب الوصية ، مسند أحمد 1 : 324 ، 336 .
وأطيعوا قول خليفة رسول الله (1)، ولم يشفق على أبي بكر بمثل شفقته المدعاة على الرسول صلوات الله وسلامه عليه .
ولنعم ما قال الشاعر :
وصى النبيّ فقال قائلهم *** قد ظلّ يهجر سيّدُ البشر
ورووا أبا بكر أصاب ولم *** يهجر وقد أوصى إلى عمر (2)
3 - إنّ قول عمر : " حسبنا كتاب الله " غير صحيح أبداً ; لأنّ القرآن نفسه صرح بالقول : * ( أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ ) * (3)- تاريخ الإسلام للذهبي 3 : 253 .(4)، وفراسة عمر بكفاية كتاب الله أراد بها منع الوصية لعلي (عليه السلام) سيّد العترة التي ورد التمسّك بها مع كتاب الله في حديث الثقلين بقرينة " لن تضلوا " التي ذكرها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الموقف وفي حديث الثقلين ، ثمّ إنّ عمر هل كان أعلم من الرسول بكفاية كتاب الله ، والرسول يريد أن يكتب كتاباً يمنع به الضلال بعده ، وهل أنّ كتاب الله نزل على رسول الله أم على عمر الذي أسلم في السنة السادسة من البعثة الشريفة (4) ، يعترف على نفسه أنّه ألهاه الصفق في الأسواق .
4 - إنّ عمر أوّل من زجر أمهات المؤمنين في هذه القضية باتهامه لهن قال عمر فقلت : " إنكن صواحبات يوسف إذا مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عصرتن أعينكنَّ ، وإذا صحَّ ركبتن عنقه " ، فقال رسول الله قوله ، وقال : " أحزنتني فإنّهن خير منكم " (5)بينما نرى اتباع عمر على طول التاريخ يتهمون الآخرين بالتنقيص من شأن أمّهات المؤمنين ! !
5 - إنّ غضب النبيّ على أصحابه وطردهم عنه لم يخرجه عن أخلاق النبوّة المملوءة بالرحمة واللطف ، فهو لم يأمر بقتلهم مثلاً أو سبهم أو ضربهم ، رغم الإساءة الشديدة التي اتهمته بالهذيان ، بينما كان يريد لهم الهداية ولا غير .
وبالمقابل كانت إساءة الأصحاب عظيمة حيث اتهموه بالهذيان ومنعوا كتابة كتاب الهداية ، وارتفعت أصواتهم عنده لكثرة لغطهم وتنازعهم ، وهو محرم عليهم كما في سورة الحجرات (1).
6 - إنّ اتباع عمر ومعذريه في أفعاله يقدّمونه على النبيّ في كثير من الأحيان من حيث يشعرون أو لا يشعرون .
1) - سورة الحجرات (49) : 2 .
ولد سنة 1332 ه ( 1914 م ) مدينة " اجناله " التابعة لولاية " أمرتسر " في الهند في أسرة حنفية المذهب ، عمل مستخدماً حكومياً في " مغلل بوره " بباكستان .
يقول " عبد الرسول " : نتيجة مطالعاتي في كتب الحديث والأخبار التي كنت مولعاً بقراءتها ، وجدت أخباراً وأحاديثاً متّفقاً عليها بين المسلمين شيعة وسنّة ، تدلُّ على أحقّيّة وفضائل أهل البيت (عليهم السلام) الذين لا يقاس بهم أحد ، ومن ذلك أنّي لاحظت أنّه بعد وفاة الرسول الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أنّ من ادّعى الخلافة من دونهم قد تصرّفوا كطلاّب دنيا ، حيث تركوا جنازة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهي بعدُ لم تغسّل ، ولم تُجهّز ، ولم تكفّن ، ولم تدفن بين يدي الإمام عليّ (عليه السلام) وبقيّة بني هاشم ، وذهبوا إلى السقيفة يتنازعون سلطانه وخلافته من دون أمر أو وصيّة لهم من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بفعل ذلك ، بل على العكس كانوا من المتخلّفين عن بعث أسامة الذي أمر الرسول بإنفاذه ، ولعن من تخلّف عنه ، هذا بالإضافة إلى فعلهم القبائح بعد تسلّم زمام الأمور من الاعتداء على حرمات آل الرسول من غصب فدك ، والاعتداء على بيت الزهراء (عليه السلام) ، واستضعاف الإمام عليّ (عليه السلام) ومحاولة إجباره على البيعة لخلافتهم
الباطلة ، رغم علمهم يقيناً بأنّه صاحب الولاية والأمر دونهم .
قال الله سبحانه وتعالى : * ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ ) * (1)- السقيفة وفدك : 102 .(2).
وقال الإمام عليّ (عليه السلام) : " حتّى إذا قبض الله رسوله ، رجع قومٌ على الأعقاب ، وغالتهم السبل ، واتكلوا على الولائج ، ووصلوا غير الرحم ، وهجروا السبب الذي أُمروا بمودّته ، ونقلوا البناء عن رصِّ أساسه ، فبنوه في غير موضعه . معادن كلّ خطيئة ، وأبواب كلّ إرب في غمرة ، قد ماروا في الحيرة ، وذهلوا في السكرة ، على سنة من آل فرعون ، من منقطع إلى الدنيا راكن ، أو مفارق للدين مباين " (3)
قالت السيّدة فاطمة الزهراء (عليه السلام) " ألئن مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمتُّم دينه ؟ ! . . . وتلك نازلة أعلن بها كتاب الله قبل موته ، وأنبأكم بها قبل وفاته ، فقال : * ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ . . . ) * " (3) .
ودلّت على هذا الانقلاب أيضاً أحاديث الحوض الواردة في كتب أهل السنّة ومنها : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " أنا فرطكم على الحوض ، مَنْ مرَّ عليّ شرب ، ومن شرب لم يظمأ أبداً .
وليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ، ثمّ يحال بيني وبينهم ، فأقول : فإنّهم منّي ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي " (4).
وهذا الانقلاب وإنْ فاجأ الكثيرين من عامّة الأصحاب إلاّ أنّهم انقادوا
لمخططيه ومنفّذيه الذين خطّطوا له من فترة طويلة نسبياً قبل وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقد حاولوا اغتيال النبيّ (1)(صلى الله عليه وآله وسلم) .
كما أنّ عمر وحزبه حالوا بين رسول الله وبين ما أراد كتابته من كتاب لا تضلّ أمّته بعده أبداً ، فيما عرف برزيّة يوم الخميس (2)، كما تخلّف هؤلاء الجماعة عن جيش أسامة بن زيد رغم إصرار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الشديد على خروجهم لإبعادهم عن المدينة ، ودفع مؤامراتهم عن وصيّه وخليفته الذي نصبه عليهم عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) (3).
ثمّ لما توفى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أدعى عمر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يمت وانّه سيأتي ويعاقب من ادعى انّه مات ، وكان هذا منه لكسب الوقت إلى حين عودة صاحبه أبي بكر من منزله في السنح خارج المدينة الذي ذهب إليه قبل وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حيث صدّق بما قاله له من أنّ رسول الله قد مات (4)! ! !
تركوا جنازة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وذهبوا إلى السقيفة .
قال أبو بكر بعد معاينة جنازة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مخاطباً أهل بيته (عليهم السلام) " دونكم صاحبكم " ! ثمّ خرج أبو بكر واجتمع المهاجرون . . . ، فقالوا : انطلقوا إلى إخواننا من الأنصار إلى آخر ما اتفقوا عليه من أمر الخلافة (5).
1) - اُنظر : مجمع الزوائد 1 : 109 ، المعجم الكبير 3 : 165 ، المسترشد للطبري الإمامي : 592 ، بحار الأنوار 21 : 229 ، 247 ، 28 : 99 .
2) - اُنظر : مسند أحمد 1 : 324 ، صحيح البخاري 7 : 9 ، 8 : 161 وغيرها من المصادر .
3) - اُنظر : عمدة القاري 18 : 76 ، الطبقات الكبرى 2 : 189 ، تاريخ مدينة دمشق 2 : 54 ، تاريخ الإسلام 2 : 713 ، واُنظر أيضاً : الخصال : 171 ، الإيضاح للفضل بن شاذان : 360 - 361 ، الإرشاد 1 : 183 ، وغيرها من المصادر .
4) - اُنظر : صحيح البخاري 4 : 194 ، السنن الكبرى 8 : 142 ، عمدة القاري 16 : 183 ، التمهيد 24 : 401 الملل والنحل 1 : 23 ، وغيرها .
5) - اُنظر : السنن الكبرى 8 : 145 ، كنز العمال 5 : 635 .
وقال الإمام عليّ (عليه السلام) : " وعقدوا لأنفسهم عقداً ضجّت به أصواتهم واختصّت به آراؤهم من غير مناظرة لأحد منّا بني عبد المطلّب ، أو مشاركة في رأي ، أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي ، فعلوا ذلك ، وأنا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، مشغول ، وبتجهيزه عن سائر الأشياء مصدود ، فإنّه كان أهمّها ، وأحقّ ما بدئ به منها ، فكان هذا يا أخا اليهود أقرح ما ورد على قلبي مع الذي أنا فيه من عظيم الرزيّة ، وفاجع المصيبة ، وفقد من لا خلف منه إلاّ الله تبارك وتعالى " (1).
وقالت فاطمة الزهراء سلام الله عليها : " ما رأيت كاليوم قط ، حضروا أسوأ محضر ، تركوا نبيّهم (صلى الله عليه وآله وسلم) جنازة بين أظهرنا ، واستبدوا بالأمر دوننا " (2).
وقال الإمام الباقر (عليه السلام) عن الإمام عليّ (عليه السلام) : " فصلّوا عليه يوم الاثنين وليلة الثلاثاء حتّى الصباح ويوم الثلاثاء ، حتّى صلّى عليه الأقرباء والخواص ، ولم يحضر أهل السقيفة ، وكان عليّ (عليه السلام) أنفذ إليهم بريدة ، وإنّما تمت بيعتهم بعد دفنه " (3).
وروى ابن أبي شيبة ، عن عروة أنّه قال : إنّ أبا بكر وعمر لم يشهدا دفن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكانا في الأنصار ، فدفن قبل أن يرجعا (4).
وعن عائشة أنّها قالت : " ما علمنا أين يدفن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى سمعنا صوت المساحي من آخر الليل ليلة الأربعاء " (5).
وروى ابن سعد تعريض الإمام عليّ (عليه السلام) بأبي بكر ، قال ابن سعد : جاء عليّ ابن أبي طالب يوماً متقنعاً متحازناً ، فقال أبو بكر : أراك متحازناً ؟ ! فقال عليّ (عليه السلام) : " إنّه عناني ما لم يعنك ! ! " ، قال أبو بكر : اسمعوا ما يقول ، أُنشدكم الله أترون أحداً
1) - الخصال : 372 ، وعنه بحار الأنوار 28 : 207 .
2) - أمالي الشيخ المفيد : 95 ، بحار الأنوار 28 : 232 .
3) - مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب : 239 ، وعنه بحار الأنوار 22 : 524 .
4) - المصنف 14 : 568 ، كنز العمال 5 : 652 .
5) - مسند أحمد 6 : 242 ، واُنظر : المصنف للصنعاني 3 : 520 ، السنن الكبرى 3 : 409 ، المغني لابن قدامة 2 : 417 ، عمدة القاري 8 : 121 ، وغيرها .
كان أحزن على رسول الله مني (1)! ! وهكذا نرى أن الفعل منهم يكذب القول على خلاف أهل البيت (عليهم السلام) الذين تركوا الدنيا وما فيها من أجل دين الله ، ولم يخالف أقوالهم أفعالهم .
1) - الطبقات الكبرى 2 : 312 ، كنز العمال 7 : 230 .
ولد في باكستان في أسرة مسلمة سنّية على المذهب الحنفي ، درس إلى الصف الثامن ، له مطالعات في كتب السير والتاريخ ، وغيرها من الكتب الدينية .
يقول " عبد الكريم " : نشأت في أجواء أسرة تعتنق المذهب الحنفي ، ولم يكن آبائي وأجدادي يعرفون أحقيّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) لكنّهم كانوا من المحبّين لهم حتّى أنّهم كانوا ينفقون أموالاً - حسب استطاعتهم - في سبيل إقامة عزاء الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) .
وكنت كثيراً ما أسمع الأشياء الغريبة والأمور العجيبة من أفواه علمائنا ، ينسبونها إلى مذهب الشيعة ، وكان هذا يثير استغرابي وتعجّبي ، ممّا حدا بي إلى الاهتمام بهذا الموضوع .
كان لي أقران من الشيعة في المدرسة ، وعندما كنت أسألهم عن مذهبهم ، أو أبحثُ معهم في المسائل الخلافية ، أو ألاحظ تصرّفاتهم ، لم ، أجد ما يتّهمهم به روّاد منابرنا من أمور ما أنزلَ الله بها من سلطان ، بل على العكس فعندما ذهبت مع أحد الشيعة من زملائي في الدراسة إلى اجتماع دوري لإحدى الجمعيات الشيعية عقد
بالقرب من مدرستنا سمعت كلاماً مدهشاً يأخذ بمجامع القلب ، يحثّ على التمسّك بالدين ، والالتزام بأحكامه .
بدأت بعد ذلك في المطالعة بجدّيّة في كتب السيرة والتاريخ وغيرها بعقل متفتح ، أبحث عن الدليل من القرآن الكريم والسنّة الشريفة على كلّ قول أو حكم ، واستمرّت مطالعتي لمدّة خمس سنوات عرفت بعدها أنّ الحقّ مع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) الإمامي الاثني عشري ، وأنّ النجاة في التمسّك بركابهم ، فآمنت بولاية الإمام عليّ (عليه السلام) وأولاده المعصومين ، وتركت كثيراً من الأهل والعشيرة ، وتحمّلت أذاهم في سبيل التمسّك بالثقلين الذين أمر الله ورسوله بالتمسّك بهما ، وأسأل الله الثبات على الهداية ، وأحمده وأشكره على جزيل النعمة ، إنّه نعم المولى ونعم النصير .
ورد في تفسير الآية السابعة من سورة البينة * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * ، أنّ خير البريّة هم عليّ وشيعته .
قال السيوطي في الدر المنثور أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال : كنا عند النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلم فأقبل عليّ فقال النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلم : والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ونزلت * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * فكان أصحاب النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلم إذا أقبل عليّ قالوا : جاء خير البرية . . .
وأخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال لمّا نزلت * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلم لعلي : هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين .
وأخرج ابن مردويه عن عليّ (عليه السلام) قال : قال لي رسول الله صلّى الله عليه
[ وآله ] : ألم تسمع قول الله عزّ وجلّ : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجلين (1).
أخرج الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل في هذه الآية أيضاً : " . . . قال حدثني يزيد بن شراحيل الأنصاري كاتب عليّ ، قال : سمعت علياً يقول : حدثني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنا مسنده إلى صدري ، فقال : يا عليّ ، أمّا تسمع قول الله عزّ وجل * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * هم أنت وشيعتك ، وموعدي وموعدكم الحوض ، إذا اجتمعت الأمم للحساب تدعون غرّاء محجّلين " .
وأخرج أحاديث أخرى عن ابن عبّاس وجابر وأبي برزة وبريدة والإمام الباقر (عليه السلام) وأبي سعيد ومعاذ تؤدّي نفس المضمون (2)
إنّ الشيعة الذين يصفهما القرآن والسنّة النبوية الشريفة بأنّهم خير البريّة نجدهم قد تعرّضوا على طول التاريخ إلى اتهامات ظالمة ، وافتراءات رخيصة سطّرتها أقلام مدفوعة الأجر في كثير من الأحيان ، أو دبّجتها يراعات مملوءة بالحقد في أحيان أخرى .
ولا ذنب للشيعة سوى أنّهم استقاموا على الحقّ ، ووقفوا في وجه الباطل ، ولم يداهنوا الطواغيت ، بل نصروا أهل البيت المعصومين (عليهم السلام) ، واعترفوا بإمامتهم التي اختارهم الله لها بنصّ من القرآن والسنّة ، ولم يحلُّ هذا الأمر في مذاق المنقلبين على الأعقاب بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأتباعهم من المتحكّمين
الغاصبين ، وعلماء السوء الفاسقين ، فاتّهموهم بكل عظيمة ، وافتروا عليهم كل سخيفة ، وهذا هو شأن المؤمنين في طول حياة البشرية ، تجدهم موضعاً للاتهام عند أهل الباطل ، فمن يقرأ تاريخ الأنبياء والصالحين يجد الدليل على كلامنا هذا ، ولا تعوزه الشواهد للتصديق به .
إنّ الشيعة الذين حملوا تراث الأنبياء ، وآمنوا بولاية أهل البيت (عليهم السلام) سائرون في دربهم اللاحب إلى أن ينصر الله العباد الصالحين بإمام منصور ، ويورثهم الأرض ، شاء من شاء ، وأبى من أبى ، ولا يهمّهم - وهم في طريق الاستقامة - أقلاماً مأجورة ويراعات حاقدة .
نعم ، إنّ الشيعة يدافعون عن الحقّ ، ويدحضون الباطل بكل ما استطاعوا من قوة ، أداءً لوظيفتهم ، وتقوية لقلوب عمرّها الإيمان ، ودفعاً لشبهات الباطل حتّى لا يغتر بها إنسان .
ولد سنة 1319 ه ( 1902 م ) ونشأ في أسرة سنيّة حنفية المذهب ، عمل موظفاً حكومياً في سيالكوت .
يقول عبد العزيز : كانت بالقرب منّا قرية تسمّى " خانبور سيدان " يسكنها الشيعة ، وكانوا يقيمون المآتم في أيام محرّم ، فكنت أحضر تلك المجالس إلى أن منعني من الحضور فيها عمي قائلاً : إنّ النظر إلى مواكبهم يوجب بطلان الزواج للرجال المتزوّجين وللنساء المتزوجات ! !
انتقلت في سنة 1345 ه ( 1927 م ) من ( جوندا ) إلى المدرسة الحكومية الثانوية في مدينة ( قصور ) ، فصادفت فيها صديقين أحدهما شيعي والآخر سنّي ، وكانا في ضمن الاستعداد للامتحان السنوي للحصول على شهادة " منشي فاضل " يتباحثان في مختلف المسائل الدينية ، فشاركتهما في بحثهما وأنست بهما .
طالعت كتابين كان لهما الأثر في فهمي بعض الأمور الدينية ، أحدهما : ( أربع مقالات ) وقد راقني من مقدمته : كلمة الله ، النبي ، الإمام ، الخلافة ، الحكومة .
وثانيهما : ( تاريخ بني أمية ) المقرّر كدرس في الجامعة ، ويشتمل على أحوال معاوية ويزيد ومروان وأضرابهم ، ومن المواضيع التي جلبت انتباهي فيه :
منع عمر بن عبد العزيز سبّ الإمام علي (عليه السلام) .
عاودت الحضور في مجالس الشيعة واستمعت إلى علمائهم ، وطالعت كتباً كثيرة حصلت عليها منهم فعرفت حقيقة مذهب السنة ، ودور الحكومات الجائرة في تشييد أركانه .
انكشف لي الحق وأعلنت تشيّعي ، وتشيّع معي أهل بيتي ، والحمد لله وأسأل الله أن يجعل عاقبة أمرنا خيراً وأن يحشرنا تحت لواء علي (عليه السلام) ويسقينا من حوضه ، إنّه خير موفق ومعين .
يُعدُّ أهل البيت (عليهم السلام) امتداداً للرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) فهم ولاة الأمر بعده الذين تجب طاعتهم ومودّتهم ، وهم عدل القرآن الكريم الذين يوضحونه ويفسرونه للناس ، ومنهم تؤخذ السنّة النبوية المباركة فهم الأمناء في حملها والعالمين بتفاصيلها .
وقد تصدّى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لمسؤولياتهم الرسالية دون أن يأخذهم في الله لومة لائم ، فحافظوا على الرسالة ، ودافعوا عن الحق في مواجهة المنحرفين والمغتصبين والمنافقين ، وأصحاب البدع ، وعلماء السوء ، وغيرهم .
هذا وقد أكّد القرآن المجيد ، والرسول الكريم على مودّتهم والصلاة عليهم قال تعالى : * ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) * (1)، وجاء في السنة النبوية المباركة إنّ الصلاة عليهم ( اللّهم صلِ علي محمّد وآل محمّد ) جزءٌ من الصلاة الواجبة .
هذا وقد عبّر الشافعي - وهو أحد أئمة المذاهب السنية الأربعة - عن ذلك بالقول :
1) - الشورى (42) : 23 .
يا آل بيت رسول الله حبّكم *** فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم الشأن أنّكم *** من لم يصل عليكم لا صلاة له (1)
هذا ولكن الذي جرى في تاريخ المسلمين أنّ أهل البيت (عليهم السلام) وأتباع مدرستهم واجهوا القتل والتشريد والسبّ والأذى طيلة قرون متواصلة على يد الأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم ، ومع ذلك كلّه لم يخمد نشاطهم ، ولم تطمس معالم مدرستهم الدينية التي هي مدرسة الإسلام ، وذلك للحماية الإلهيّة أوّلاً ، وللجهود العظيمة والخدمات الجليلة التي قام بها أهل البيت (عليهم السلام) للإسلام والمسلمين ثانياً بحيث لم يستطع الظالمون محو آثارها ، أو منع المسلمين من الانجذاب إليها .
إنّ التخلّف والتشتّت اللذّان يواجههما المسلمون اليوم يعود إلى إبعاد أهل البيت (عليهم السلام) عن أداء دورهم الحقيقي في قيادة المسلمين إلى الفلاح وإلى استبدالهم بآخرين نتيجة الانحراف ، وسوء الاختيار باتّباع الأهواء .
لقد قام أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بتربية شيعتهم على أخلاق عالية وكمالات سامية من العبادة والزهد ، والإيمان والعمل ، والإخلاص والتوكّل وطلب العلم ، فأسّسوا الحوزات العلمية التي حفظت العقيدة والشريعة في زمن غيبة المعصوم (عليه السلام) ، كما أنّ الارتباط بأهل البيت (عليهم السلام) والولاء لهم نفسه صار سبباً في حفظ هوية الشيعة الإسلامية نقية حيّة .
ومن أبرز علائم الولاء هو الشعائر الحسينية التي ربطت الشيعة الكرام بأئمتهم العظام وخاصة الإمام الحسين الشهيد الذي هو خامس آل الكساء وأبو التسعة من الأئمة المعصومين من آل البيت (عليهم السلام) .
1) - انظر الغدير 2 : 303 ، 3 : 173 .
مرت ترجمته في ( 3 : 111 ) من هذه الموسوعة ، ونشير إلى سائر ما وقفنا عليه من معلومات لم تذكر من قبل .
ألّف ( علي محمّد فتح الدين ) كتاب " فلك النجاة " وبحث فيه شتى المسائل التي سبقت الإشارة إليها في ترجمته ونشير - في هذا المقام - إلى ما ذكر المؤلّف في المقدّمة حول الأسباب التي دفعته إلى تأليف هذا الكتاب :
" يقول غني السيئات ، فقير الحسنات ، الراجي عفو ربه الرحيم ، العبدُ الأثيم علي محمّد بن فتح الدين - عفا عنهما الرب الكريم - الحنفي ، الجعفري مذهباً : قد شاع الاختلاف في الفرق الإسلامية لا سيّما فيما بين أهل السنّة والجماعة وبين الشيعة الإمامية في ديارنا ، وقد قال الله عزّ اسمه : * ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ ) * (1)، وكلّ واحد منهما يدّعي لنفسه أنّه أهل الحق وأنّه من الناجين .
وقد كنت رجلاً قصير الهمة ، خادم القوم ، مطالعاً لكتب الفريقين ، فأردت أن أهذّب الروايات الموافقة لهما من كتبهما ، وإن كان في ذلك رفض تقليد شخصي لم نؤمر به في الشارع إلاّ بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أو من ناب منابه من عترته المعصومين (عليهم السلام) ،
1) - آل عمران (3) : 103 .
لينكشف الحق على من اعترض علينا ، وسئل عنا من سبب تبديل المذهب من ( أهل الجماعة ) إلى مذهب ( العترة ) ، وكنا ندافع مرة بعد مرة ، فلمّا أصرّوا علينا أردنا أن نكتب ما فيه كفاية لمن له دراية ، ولسنا عليهم بمسيطرين ، * ( وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ ) * (1).
ولما كنت لا أملك من الكتب شيئاً رجعت إلى عزيزي وتلميذي الأديب الأريب اللبيب الطبيب ، شريف النسب والحسب ، رفيع الرتب ، باذل النفس والمال في سبيل الله المتعال ، ذي العزة والتمكين ، خادم آل النبيين ، الشهير في الآفاق المولوي الفاضل ، والحكيم الكامل ، محمّد أمير الدين ، أبده الله وأيده ونصره على حاسديه وخلّده ، وأعطاه ما تمناه وجعل عقباه خيراً من أولاه ، فأعانني بالكتب المطلوبة غاية الإعانة ، وشاورني نهاية المشاورة جزاه الله خيراً وحشره مع آل محمّد ، وكان ذلك عليه يسيراً .
فبذلت جهدي وبدأت به في شهر الصيام ; سنة أربعين بعد الألف والثلاثمائة من هجرة النبي الأميّ ( عليه وآله الصلاة والسلام ) ، وغايتي في هذا الكتاب بيان الإمامة ، والخلافة وترتيب الصلوات الخمسة ، وصلاة الجنائز لعموم البلوى بهما ، وما أريد إلاّ الاختصار .
والمرجو من الإخوان الاتفاق والاتحاد ، ورفع الشر والفساد ، لتطمئن قلوب المؤمنين ويعتبر أهل الإنصاف من المسلمين لئلا يطعن أحد على أحد ; فلا يكفّره ولا يفسّقه ولا يكرهه ولا يضيقه إلى ما عنده ، ولا ( يرفضه ) ، ولا يعزّره ولا يجلده ، ولا يبين عنه امرأته ، ولا يخرجه من مذهبه ، ولا يمنعه من مساجد الله سبحانه : * ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) * (2)ولا يترك سلامه
ولا كلامه * ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً ) * (1)بل الواجب أن يتفق الفريقان ويتمسّكا بالثقلين المباركين لإرشاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمره وتوكيده بهما حتّى يكونا على اليسر ويعملا على الأصح الأرجح . . .
وقد سميّت الكتاب ب " فُلك النجاة في الإمامة والصلاة " ويقع في مجلدين ; الأوّل منهما معروف ب " غاية المرام في معيار الإمام " ، والثاني " ترتيب الصلاة بتطبيق الروايات " .
وما أردت إلاّ الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب ، وهو حسبي ونعم الوكيل " .
وقد حظى هذا الكتاب باهتمام بالغ من العلماء ، ونشير هنا إلى بعض التقاريظ الصادرة من العلماء حول الكتاب :
الحمدُ لله على نواله ، والصلاة والسلام على خواص رجاله ، وألسنة أقواله ، ومصادر أفعاله ، وعلى أمثاله ومفاتيح أقفاله ، علل الوجود وأسرار السجود محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله (عليهم السلام) .
أمّا بعد : فقد طالعتُ شطراً وافياً من الكتاب الموسوم ب " فُلك النجاة في الإمامة والصلاة " معنى وترجمة ، فوجدته رياض حكمة ورضوان ، سيفاً قاطعاً لألسنة الزيغ والطغيان ، وبرهاناً ناطقاً لأهل الأيمان ، وشهاباً ثاقباً لشياطين الإنس والجان ، تنتعش بفهم براهينه القلوب والأبدان ، وترتاح بدرك معانيه الأرواح في عالم الإمكان ، كيف ومصنّفه بفضل الله المنّان وحيد العصر وفريد الدهر بالإيقان ، كاسر أعناق منكري الإمامة ، ومُرغم آناف المنحرفين عن طريق الاستقامة بالإعلان ، سلطان المناظرين جناب المولوي الحافظ علي محمّد ، ومترجمه ومحشيه أُسوة الأماجد الكرام وصفوة الأطائب الأعلام ، فخر المناظرين جناب
1) - النساء (4) : 94 .
المولوي محمّد أمير الدين ، لا زالا في درع الأمان من مكاره الزمان على هذا التصنيف والتأليف .
لعمري أنّهما أبدهما الله وأيدهما ، قد جهدا غاية الجهد في إحقاق الحقّ وازهاق الباطل بالبراهين والدلائل ، فللّه درّهما وعليه أجرهما ، لقد أجادا فيما أفادا فنالا المراد ، فأثابهما الله وإيّانا عن الشرع القويم جنّات النعيم ، بصاحبه وآله أدلاء عرفان القديم ، صلوات الله عليهم بأكرم تسليم ، وأهنأ تنعيم .
نمّقه عبده الأثيم خادم شرع رسوله الكريم .
علي الحائري
( من دار الشريعة - لاهور )
بسمه تعالى
الحمدُ لله ربّ العالمين ، فاطر السماوات والأرضين ، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين ، وخاتم النبيين محمّد المبعوث بالحُجج والبراهين ، وآله الطيبين الطاهرين .
أما بعد :
فهذا كتاب زينت صفحاته بالبراهين القيّمة ، ونقشت أوراقه بالدلائل المسلمة ، إني رأيت بعض مقاماته ، ونظرتُ بعض مقالاته ، فوجدته مقيداً لأهل الإسلام ، وهدى للخواص والعوام ، ومضامينه أنوار الهداية والدراية ، وبراهينه براءة من الضلالة والغواية ، وسطوره سبل النجاة والسلام ، وكلماته أقمار المعرفة والأعلام ، وجراحات للأعداء اللئام ، نقطة نجوم نكات التحقيقات ، اسمه " فُلك النجاة " ، فقد ألفه العالم الأريب ، والفاضل الأديب علي محمّد ( سلمه الله ) الصمد ، بامداد وترجمة وتحشيّة حاذق الحكماء المتأخرين ، والأطباء المتبحرين الحكيم المولوي أمير الدين ، سلّمه أحكم الحاكمين ، وأجرهما على الله ربّ العالمين :
فإنّ شئت البراءة من سعير * وأجراً من إله بالصلاةِ
فلا تُبطل صلاتك في ضلال * ودونك فاتخذ ( فُلك النجاةِ ) !
ولد سنة 1339 ه ( 1921 م ) في قرية ( اتهته الصغيرة ) ناحية ( كوجرخان ) التابعة للواء ( راولبندي ) في الباكستان ونشأ في أسرة معروفة باسم ( مغول كشمير ) ، عمل محامياً ثمّ اعتنق مذهب الشيعة الإمامية سنة 1359 ه ( 1941 م ) .
يقول غلام : تشيّعت تأثراً بعزاء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) ، إذ جَذبني فيه أجواءه الروحانية ، وهزّني تجسيده لمظاهر الظلم التي عاناها أهل البيت (عليهم السلام) وعيالهم وأطفالهم من أجل تثبيت رسالة الإسلام ، وحفظها من أعدائها الطغاة ، مما كان سبباً في معرفتي بالدور الإلهي المناط بآل البيت دون غيرهم ، فتمسّكت بهم كما هو المطلوب من جميع المسلمين التمسّك بهم أئمة للمسلمين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
إنّ أحداث قيام واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وإن وقعت في مكان محدود وزمان محصور إلاّ أنّها امتدت على طول الزمان ، واستمرت حيّة نابضة بالقيم العليا إلى يومنا هذا وسوف تستمر أيضاً إلى أن يؤخذ بثأره - وهو ثار الله - على يد
ولده الحجة صاحب الزمان الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً .
وبصورة عامة فإنّ قضية الإمام الحسين (عليه السلام) فتحت أعين الكثيرين على حقيقة الدين ، وجلت بصائر المستبصرين إلى معرفة حقيقة الولاية ، فكم من مستبصر شيّعه الإمام الحسين (عليه السلام) ، وكم من تائه هزّه نداء الإمام الحسين (عليه السلام) ، وكم من متعطش للعدل رواه الإمام الحسين (عليه السلام) .
لقد أعطى الإمام الحسين (عليه السلام) كلّ ما عنده لله فأعطاه الله كل ما عنده ، وهل ينتهي ما عند الله ، وهذا هو الفوز العظيم الذي يتمناه كل مؤمن فطوبى للحسين ولمحبيّ الحسين وليذهب أعداؤه إلى نار جهنم خاسئين ملعونين من الأولين والآخرين .
إنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة ، يهتدي بهداه من أراد الله له الهداية ، أما الذين في قلوبهم مرض فلا يهتدون بهداه .
ولد عام 1235 ه ( 1917 م ) في قرية " هوشيار نكر " التابعة للواء " أمر تسر " بنجاب الشرقية في " الهند " ، ونشأ في أسرة حنفيّة المذهب ، تعرف ب " كهوكهر " ، ثمّ توجّه إلى " باكستان " بعد الانقسام الذي حصل بينها وبين " الهند " وأصبح موظّفاً في إحدى دوائر وزارة الدفاع في معسكر " لاهور " .
إنّ مسألة عصمة الأئمّة (عليهم السلام) من المسائل المهمّة التي يقوم عليها صرح العقيدة الإمامية ، إذ إنّها تشكّل ركناً أساسياً تتقوّم به صحّة هذه العقيدة ، فبعد أن أوجب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) التمسّك بالعترة الطاهرة ، وجعلهم عدل الكتاب العزيز ، كما في حديث الثقلين ، فلا معنى لأن ننفي العصمة عن هذه العترة ، فكما أنّ القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فلا بد أن يكون عدله كذلك ، وإلاّ فلا معنى لجعلهم قرناء القرآن .
ومن جانب آخر ، فإنّ التمسكّ بهذين الثقلين هو ما يتميّز به المذهب الإمامي عمّا سواه من المذاهب الإسلاميّة ، وذلك لأنّ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) حكم بضلال كلّ من لم يتمسّك بهما معاً ، ولهذا لا تستطيع تلك المذاهب أن تثبت
للآخرين متابعتها فضلاً عن وجوبها ، بل أصبحت داخلة في ذلك الحكم القاطع للنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ويُعزى ذلك إلى أنّ غير الإمامية من أصحاب تلك المذاهب وأتباعهم ، كانوا ضحيّة ذلك التيار المعاكس الذي حرف مسير الأمّة بعد وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبعدها عن العترة الطاهرة واستمر هذا الأمر في أوساط الأمّة نتيجة تقليدها الأعمى ، وتجاهل الكثير من أبناء العامة النصوص الدينية التي تشير إلى وجوب التمسّك بأهل البيت (عليهم السلام) وترك ما سواهم ، والتي تعتبر أهم الركائز التي يستند عليها فهم الدين الإسلامي بشكله الصحيح .
وكنتيجة لمّا آل إليه هذا الابتعاد عن العترة ، أضحت تلك المذاهب عقيدة ذات مضمون خال من الصحّة .
وقد سطر علماء الشيعة الإمامية حجج وبراهين كثيرة لإثبات هذه المسألة ، وناضل كثير من علماء السنّة - من دون جدوى - لإسقاطها ، وواجهوا بذلك حكم الكتاب والسنّة والعقل !
ولم تكن مناقشتهم لفكرة " العصمة " تخضع لمعايير موضوعيّة تجعل من الباحث المنصف أن يتلقاها بالقبول ، ويستسيغها في وجدانه ، ومردُّ ذلك إلى أنّ تلك المناقشات تجاوزت حدود النصّ القرآني والروائي القاضي بثبوت " العصمة " .
وكان لحكم العقل دور مهم في إثبات العصمة للإمام ، وذلك من حيث إنّ علّة حاجة الأمّة إلى الإمام ، هي إرشادها إلى جادّة الحقّ والصواب ، فيما تختلف فيه من الأمور ; لأنّ بعض نصوص الكتاب العزيز وبعض السنّة النبوية - قولاً وفعلاً وتقريراً - يحتملان وجوهاً كثيرة من التأويل ، وكلّ فرقة تؤوّلهما على ما تحيل إليه من مذهب ، وهذا ما نشهده في الواقع الإسلامي ، منذ ارتحال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وحتّى يومنا هذا ، ولا يستطيع أحد أن ينكر ذلك وفي هذه الحالة العسيرة تكمن الحاجة إلى الإمام ، فيكون له الأثر في استبيان المعنى الصحيح الذي يعينه الباري
عزّ وجل في كتابه الكريم ، والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في سنّته ، دون ما يحتملان من التأويل ، ويكون بذلك قد حفظ الدين ، وصانه من التحريف والتلاعب .
وكلّ ذلك لا يتمّ إلاّ أن يكون الإمام معصوماً ، وإلاّ كان كالأمّة في الحاجة إلى من يرشده إلى الفهم الصحيح وهكذا حتّى يتسلسل ، وبطلان التسلسل من ضروريات حكم العقل ، فلا بدّ إذن أن ينتهى إلى شخص معصوم ترجع إليه الأمّة في أحكامها وأمورها وفيما تختلف فيه ; لكي تستطيع أن تحكم على أن ما تذهب إليه هو المطابق لحكم الله تعالى .
وتدعي الشيعة الإمامية أنّ هذه الجهة المعصومة تتمثل في الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) ، أوّلهم الإمام عليّ (عليه السلام) وآخرهم المهدي المنتظر ( عجل الله فرجه ) .
ودعوى الإمامية هذه ، قد ثبت بشكل قطعي لا مجال للخلاف فيه ، وذلك لانطواء العقل والكتاب والسنّة على ما من شأنه أن يدعم هذه الدعوى ويرقى بها إلى مستوى الثبوت .
كان لمسألة " العصمة " الّتي يتبناها الفكر الشيعي الإمامي أثرها البالغ على " غلام نبي " ، حيث ساقته الأدلة والبراهين الشيعية إلى القناعة الكاملة بأحقّية مذهب أهل البيت (عليهم السلام) دون المذاهب الأخرى .
وكذا استطاع من خلال التحقيق أن يستوحي معنى " العصمة " من خلال عدد من الآيات الكريمة النازلة في هذا الشأن ، ومن الأحاديث النبوية التي خصّها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) .
وتوصّل أيضاً من خلال ما طفح به التراث السلامي ، إلى إمامة عليّ وأولاده المعصومين (عليهم السلام) وخلافتهم بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل ، ولأجل ذلك التحق " غلام نبي " بركب أهل البيت (عليهم السلام) وعاش في ظلال بركاتهم التي تأخذ بالإنسان نحو السعادة الأبديّة .
ولد سنة 1311 ه ( 1894 م ) في " نترالي " التابعة للواء راولبندي لباكستان ، صيدلي ، ورئيس المؤسسة الإمامية الاثني عشرية في كويته بعد استبصاره ، كما عمل في مجال التبليغ الديني والخطابة الحسينيّة لمدّة أكثر من 35 سنة .
يقول " فرمان عليّ " : كانت عقيدتي في الخلافة الإسلامية أنّها تثبت بالإجماع والاختيار ، وأنّ أبا بكر هو الخليفة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بإجماع المسلمين .
وكان السبب الذي أدّى إلى إهتدائي إلى المذهب الحقّ هو أنني سافرت إلى ( الورالائي ) لزيارة خالي هناك ، فصادف أن رأيت المرحوم الكاتب بدر الدين ، وكان من المستبصرين الذين انتقلوا من المذهب السنّي إلى التشيّع ، فتباحثت معه حول المسائل المذهبية ، فكان يجيبني بأجوبة شافية من مصادر أهل السنّة ، فعرفت مكانة الإمام عليّ (عليه السلام) ، وأنّه أعلم الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّه أبلغ الناس وأفصحهم ، كما تدلّ على ذلك خطبه وكلماته في نهج البلاغة وغيره .
هذا وقد تعجّبت كثيراً كيف أنّ القوم اختاروا أبا بكر خليفةً ، وعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) موجود فيهم .
والحمد لله الذي هداني ، ومنح نفسي السكون بعد كثير من الاضطراب ، كما اهتدى خالي وزوجته أيضاً كما تشيّعت زوجتي بفضله تعالى بعد زواجي منها بعد تشيّعي ، وكانت من أقاربي ، وكانت على المذهب السنّي يوم زواجنا .
توجد عوامل عديدة تجمّعت لانحراف الناس بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن وليّهم الحقيقي ، الإمام عليّ (عليه السلام) وصيّ رسول الله وخليفته المنصوب من قبل الله تعالى ، منها .
1 - الأحقاد والضغائن :
وجد الإمام عليّ (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم وقد دمعت عيناه فقال الإمام عليّ : يا رسول الله ، ما يبكيك ؟
فقال : ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلاّ من بعدي ، أحقاد بدر وترات أحد (1).
وقالت فاطمة الزهراء سلام الله عليها في خطبتها بعد وفاة أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " وما نقموا من أبي الحسن ، نقموا والله منه نكير سيفه ، وشدّة وطأته ، ونكال وقعته ، وتنمره في ذات الله عزّ وجلّ " (2).
وروى عليّ بن الحسن بن فضال عن أبيه قال : سألت الإمام الرضا (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) كيف مال الناس عنه إلى غيره ، وقد عرفوا فضله وسابقته ومكانه
1) - كتاب سليم بن قيس : 136 ، واُنظر : المناقب للخوارزمي : 65 ، مجمع الزوائد 9 : 118 ، مسند أبي يعلى الموصلي 1 : 427 ، واُنظر تاريخ مدينة دمشق 42 : 322 ، بحار الأنوار 28 : 54 و 75 ، وغيرها من المصادر .
2) - معاني الأخبار : 355 ، واُنظر : دلائل الإمامة : 126 ، أمالي الطوسي 375 ، الاحتجاج 1 : 147 ، جواهر المطالب 1 : 166 ، السقيفة وفدك : 120 ، بحار الأنوار 43 : 158 ، بلاغات النساء لابن طيفور : 20 .
من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
قال (عليه السلام) : " إنّما مالوا عنه إلى غيره لأنّه كان قتل آبائهم وأجدادهم وإخوانهم وأعمامهم وأخوالهم وأقربائهم المحاربين لله ولرسوله عدداً كثيراً ، فكان حقدهم عليه لذلك في قلوبهم ، فلم يحبّوا أن يتولّى عليهم ، ولم يكن في قلوبهم لغيره مثل ذلك ; لأنّه لم يكن له في الجهاد بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل ما كان له ، فلذلك عدلوا عنه ، ومالوا إلى سواه " (1).
وقال أبو جعفر الإسكافي المعتزلي ( ت 220 ه ) وهو في صدد الجواب عن اختلاف الناس في الصحابة : " إنّ هذا باب قد أكثر قول القائلين فيه ، وطال اختلافهم ، وتشعبّت أهواؤهم ، وتوغرت من أجله صدورهم ، واختلف فيه ائتلافهم ، وذلك لأنّ أوّله كان على الضغن والعداوة والعصبية والحمية ، ولم يكن القول فيه على طريق الخطأ من أجل شبهة دخلت أو لبس حدث . . .
وأنّ ملوك بني أمية ، وإنّ كانت قد بادت ، فإنّ عامّتها وشيعتها فينا اليوم ظاهرة متعلّقة بما ورثوه من ملوكهم الطغاة وأسلافهم الباغية .
فبلغ من عنايتهم بخطئهم في الباب أن أخذوا معلميهم بتعليم الصبيان في الكتاتيب لينشأ عليه صغيرهم ولا يخرج من قلب كبيرهم ، وجعلوا لذلك رسالة يتدارسونها بينهم ويكتب لهم مبتدأ الأئمة أبو بكر بن أبي قحافة ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفّان ، ومعاوية بن أبي سفيان ن حتّى أنّ أكثر الأمّة منهم ما يعرف عليّ بن أبي طالب ولا نسبه ، ولا يجري على لسان أحد منهم ذكره (2).
2 - الحسد :
إنّ شخصاً عظيماً مثل الإمام عليّ (عليه السلام) الذي تجمّعت فيه المناقب دون غيره
لا بدّ أن يكون محسوداً ، لا سيما وهو أصغر سنّا من غيره الذين لم يجوزوا على شيء قليل من فضائله .
قال الإمام الصادق (عليه السلام) : نحن قوم فرض الله عزّ وجلّ طاعتنا ، لنا الأنفال ، ولنا صفو المال ، ونحن الراسخون في العلم ، ونحن المحسودون الذين قال الله * ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ) * (1)(2).
ودار بين عمر وابن عبّاس حوار طويل . . .
قال عمر : يا ابن عبّاس ، أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
قال ابن عبّاس : فكرهت أن أجيبه ، فقلت له : إنّ لم أكن أدري فإنّ أمير المؤمنين يدريني .
فقال عمر : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا ، على قومكم بجحاً بجحاً ، فاختارت قريش لأنفسهم فأصابت ووفقت . . .
وفي تتمة الخبر قال عمر لابن عبّاس : بلغني أنّك تقول : " إنّما صرفوها عنك حسداً وبغياً وظلماً " .
قال فقلت : أمّا قولك يا أمير المؤمنين ظلماً فقد تبين للجاهل والحليم ، وأمّا قولك حسداً فإن آدم حسد ونحن ولده المحسودون (3).
وقال عمر لابن عبّاس في حوار آخر : يا ابن عبّاس ما أرى صاحبك إلاّ مظلوماً ، فقلت في نفسي : والله ما سبقني إليها أحد ، فقلت : يا أمير المؤمنين فاردد إليه ظلامته .
فانتزع يده من يدي ومضى يهمهم ساعة ، ثمّ وقف فلحقته ، فقال : يا ابن
عبّاس ، ما أظنهم منعهم عنه إلاّ انّه استصغره قومه ، فقلت في نفسي هذه شر من الأولى فقلت : والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك فأعرض عني وأسرع ، فرجعت (1).
3 - حب الدنيا :
من يلاحظ تصرفات الصحابة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يجد أنّهم تصرّفوا من منطلق نظر كلّ واحد منهم إلى مصلحته الدنيوية فقط ، وكأنّهم لا يحملون همّ الإسلام عدا الإمام عليّ (عليه السلام) وأهل بيته الذين لا يقاس بهم أحد وبعض الأصحاب القلائل جداً ، وهذا طبعاً لا يعود إلى أيام وفاة الرسول فقط ، بل كان معظمهم في زمان الرسول أيضاً تلهيهم التجارة والصفق في الأسواق ، وكانوا يتخلفون كثيراً عن سوح الجهاد ، وعن أوامر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .
إنّ ترك جثمان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بين يدي أهل بيته في المسجد ، والتسابق إلى السقيفة والتشاجر من أجل السلطان ، ثمّ العودة وإرهاب الناس على البيعة ، ثمّ الاعتداء على بيت فاطمة الزهراء سلام الله عليها من الدلائل الواضحة على حبّ الدنيا ، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة (2).
كما أنّ سبب بيعة الأنصار للمتآمرين على الخلافة إخلادهم إلى الدعة والخفض ، كما صرّحت فاطمة الزهراء سلام الله عليها بذلك في خطبتها المشهورة قائلة : " ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، وأبعدتم من هو أحقّ بالبسط والقبض ، وخلوتم بالدعة ، ونجوتم بالضيق من السعة ، فمججتم ما وعيتم ، ودسعتم
الذي تسوغتم . . . " (1).
4 - قلّة الوعي :
كان كثير من الصحابة لا يدركون عمق الحكمة في تصرّفات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لذا نجدهم يعترضون كثيراً على أوامر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أو يتركونه وحيداً في الميدان أمام العدو كما حصل في كثير من المعارك مع المشركين إلاّ قلة قليلة أكثرهم من أهل بيته وفي طليعتهم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) الذي كان الرسول يعتمد عليه في المهمّات الصعبة ، ولهذا الكلام شواهد كثيرة نكتفي بواحد منها : وهو عدم درك الأنصار لحكمة إعطاء المؤلّفة قلوبهم مالاً حتّى خاطبهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : " يا معشر الأنصار ، ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها في أنفسكم . . .
فوجدتم يا معشر الأنصار ، في أنفسكم في لعاعة من الدنيا ، تألّفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ، أفلا ترضون يا معشر الأنصار ، أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعون برسول الله في رحالكم " (2).
الصورة
ولد سنة 1340 ه ( 1922 م ) " بيتاله " الباكستانية ، ونشأ في أسرة سنّية المذهب ، عمل في مجال الطبّ وكانت له عيادة خاصّة في لاهور . اعتنق مع زوجته وأولاده مذهب التشيّع سنة ( 1953 م ) .
يقول فضل أحمد : كنت أكره الشيعة ، وأتعامل معهم بشدّة ، حتّى أني كنت أعتبر الحضور في المجالس التي يقيمونها عزاءاً لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام) إثماً كبيراً لاعتقادي بأنّ مذهب الشيعة باطل من أساسه ، ثمّ شاءت الأقدار أن ألتقي بشخص يعمل في إحدى الشركات ، وكان رجلأ متحلّياً بالأخلاق الطيّبة بحيث ارتاحت له نفسي ، وسكن له قلبي ، فأوضح لي الكثير من الأمور ، وبيّن لي طريق الهداية فبادرت إلى قراءة الكتب التي هيأها لي هذا الشخص حتّى شملتني الهداية ، فتمسّكت بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأولاده المعصومين .
هذا وقد دفعني حبّي للإمامين العظيمين سبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وولدي الإمام علي (عليه السلام) ، وثمرتي فؤاد السيدة الزهراء الطاهرة (عليه السلام) الإمام الحسن والإمام الحسين ( عليهما السلام ) أن أُسمي القرية التي كنت أسكن فيها باسم ( حسنين آباد ) ، وقد اشتهر
هذا الاسم في جميع أنحاء باكستان - رغم مخالفة الكثيرين - ببركة من سميت القرية باسمهما .
قال علي بن أبي طالب (عليه السلام) : " من أحبّ الله أحبّ النبي ، ومن أحبّ النبي أحبّنا ، ومن أحبّنا أحبّ شيعتنا ، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونحنُ وشيعتنا من طينة واحدة ، ونحن في الجنة لا نبغض من يحبنا ولا نحبّ من أبغضنا " (1).
وعن ابن عباس قال : إنّ رسول الله كان جالساً ذات يوم وعنده علي وفاطمة والحسن والحسين ( عليهما السلام ) ، فقال : اللّهم إنّك تعلم أنّ هؤلاء أهل بيتي وأكرم الناس عليّ ، فأحبّ من أحبّهم وأبغض من أبغضهم ووال من والاهم وعاد من عاداهم وأعن من أعانهم وأجعلهم مطهرين من كلّ رجس ، معصومين من كل ذنب وأيّدهم بروح القدس منك . . . ثمّ رفع يده إلى السماء فقال : اللّهم إني أشهدك أنّي محبّ لمن أحبّهم ومبغض لمن أبغضهم وسلم لمن سالمهم وحرب لمن حاربهم وعدو لمن عاداهم وولي لمن والاهم (2).
وقال سلمان الفارسي ( رضي الله عنه ) : دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده الحسن والحسين يتغدّيان والنبي يضع اللقمة تارة في فم الحسن وتارة في فم الحسين ( عليهما السلام ) ، فلّما فرغا من الطعام أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الحسن على عاتقه والحسين على فخذه ، ثمّ قال لي : يا سلمان أتحبّهم ؟
قلت : يا رسول الله كيف لا أحبّهم ومكانهم منك مكانهم ؟
قال : يا سلمان من أحبّهم فقد أحبّني ، ومن أحبّني فقد أحبّ الله (1).
وعن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : " أيها الناس اسمعوا قولي واعرفوا حقّ نصيحتي ولا تخالفوني في أهل بيتي إلاّ بالذي أمرتم به ومن حفظهم فقد حفظني فإنهم حامتي وقرابتي وإخوتي وأولادي فإنّكم مجموعون ومسائلون عن الثقلين ، فانظروا كيف تخلفوني فيهم فإنّهم أهل بيتي فمن آذاهم فقد آذاني ومن ظلمهم فقد ظلمني ومن أذلهم فقد أذلني ومن أعزّهم فقد أعزّني ومن أكرمهم أكرمني ومن نصرهم نصرني ومن خذلهم خذلني ومن طلب الهدى في غيرهم فقد كذّبني ، أيّها الناس اتّقوا الله وانظروا ما أنتم قائلون إذا لقيتموني فانّي خصم لمن عاداهم وآذاهم ومن كنت خصمه فقد خصمته (2).
وعن عبد الله بن مسعود قال : كنّا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض أسفاره إذ هتف بنا أعرابي بصوت جهوري ، فقال : يا محمّد .
فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما تشاء ؟
فقال : المرء يحبّ القوم ولا يعمل بأعمالهم .
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : المرء مع من أحبّ .
فقال : يا محمّد أعرض عليّ الإسلام .
فقال : اشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأني رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحجّ البيت .
فقال : يا محمّد تأخذ على هذا أجراً فقال : لا إلاّ المودّة في القربى ، قال :
قرباي أو قرباك ، قال : بل قرباي ، قال : هلمّ يدك حتّى أبايعك ، لا خير فيمن يودّك ولا يودّ قرباك (1).
وقال الله تعالى في محكم كتابه الكريم : * ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) * (2).
وقال تعالى : * ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ ) * (3).
وقال تعالى : * ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ) * (4)- تفسير الميزان 18 : 43 .(5).
وقال تعالى : * ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ) * (6)، أي : " إلاّ أن يشاء أحد منكم أن يتّخذ إلى ربّه سبيلا أي يستجيب دعوتي باختياره فهو أجري أي لا شيء هناك وراء الدعوة أي لا أجر " (6) .
وقال الحسن بن علي ( عليهما السلام ) : " إنّا من أهل البيت الذين افترض الله مودّتهم على كل مسلم ، فقال : * ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) * " (7).
وقال الإمام الرضا (عليه السلام) في حضور المأمون وجماعة من العلماء عن هذه الآية نقلاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : " ما بعث الله عزّ وجلّ نبياً إلاّ أوحى إليه أن لا يسأل قومه أجراً إلاّ أنّ الله يوفيه أجر الأنبياء ومحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) فرض الله عزّ وجلّ مودة قرابته على أمته وأمره أن يجعل أجره فيهم ليؤدّوه في قرابته بمعرفة فضلهم الذي أحبّ
الله عزّ وجلّ لهم فإنّ المودة إنّما تكون على قدر معرفة العقل ، فلما أوجب الله ذلك ثقل لثقل وجوب الطاعة فتمسّك بها قوم أخذ الله ميثاقهم على الوفاء وعاند أهل الشقاق والنفاق والحسد وألحدوا في ذلك " (1).
وعن أبي هريرة قال : " مرّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) بنفر من قريش في المسجد ، فتغامزوا عليه ، فدخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فشكاهم إليه فخرج (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مغضب فقال لهم : أيّها الناس مالكم إذا ذكر إبراهيم وآل إبراهيم أشرقت وجوهكم وإذا ذكر محمّد وآل محمّد قست قلوبكم وعبست وجوهكم ، والذي نفسي بيده لو عمل أحدكم عمل سبعين نبيّاً لم يدخل الجنة حتّى يحب هذا أخي علياً وولده " (2).
الصورة
ولد في " باكستان " ونشأ في أسرة حنفيّة المذهب ، وعمل بعد ذلك كموظف في الحكومة .
اعتنق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بعد بحوث مستمرّة ودراسات عميقة ، استغرقت سبعة عشر عاماً ، راجع فيها أدلّة الشيعة على معتقداتهم ، واطّلع على نقاط الاختلاف بين مذهب الإمامية الاثني عشرية وباقي المذاهب السنيّة - خصوصاً مسألة الإمامة والخلافة - وقام بعد ذلك بتمحيصها في ذهنه ، حتّى تجلّى له الحقّ فاتّبعه ، ورفض مذهبه وسائر المذاهب الأخرى ، واهتدى إلى الصراط المستقيم .
ويقول " فضل حسين " : كان اعتقادي في الخلافة ما يعتقده السنّة من عدم وجود ضابط محدود لها ، فإذا وقع اختيار الأمّة على أحد فيصبح هو الخليفة ، بل لو استولى أحد على الأمّة بالقهر والغلبة والاستبداد فهو أهل للإمامة ، إذ ليس الإيمان عندهم من شرائط الإمامة .
ولكن تبيّن أنّ الإمام خليفة الله ، وخليفة رسوله في الأرض ، فأيّ دخل للأمّة في تنصيبه ؟ على أنّ نصب الخليفة إنّما يكون بأمر من الله تعالى ، وليس
للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه صلاحية فضلاً عن الأمّة وعوام الناس .
وإنّ إبراهيم الخليل (عليه السلام) لمّا نال منصب الإمامة ، سأل الله تعالى أن يبقي هذا الشرف في ذرّيّته ، فأجاب تعالى قائلاً : * ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) * ، مشيراً بذلك إلى أنّ الظلم ينافي هذا العهد العظيم ، فإنّ الذي يتولّد من الكافر ، ويبقى كافراً إلى نصف حياته تقريباً لا يحق له استلام منصب الإمامة ; لأنّ الكفر ظلم ، والظلم ينافي الإمامة .
قال تعالى * ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) * (1).
تعتبر آية العهد من الآيات الكريمة التي يستدلّ بها الشيعة الإمامية على أنّ الإمامة مقام إلهي يشترط فيه العصمة وهو منصب لا يتم باختيار العباد ، وإنّما يحدّد بالنص والتعيين الإلهي .
وقال يوسف بن حاتم الشامي حول هذه الآية وقوله : " * ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) * فقال إبراهيم (عليه السلام) من عظيم خطر الأمر عنده : * ( وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) * .
وفي خبر : أنّه قال : مَن الظالم من ولدي ؟ قال : من سجد لصنم من دوني .
قال الفرّاء : أي لا يكون إماماً من أشرك .
قال إبراهيم : * ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ ) * وقد ثبت أنّ النبيّ والاثني عشر (عليهم السلام) ما عبدوا الأصنام ، فانتهت الدعوة إليهما ، فصار محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيّاً وعليّ (عليه السلام) وصيّاً .
ولمّا قال : * ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) * صار العهد في الصفوة * ( وَوَهَبْنَا لَهُ
1) - البقرة (2) : 124 .
إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ ) * إلى قوله * ( عابدين ) * فلم تزل في ذرّيته يرثها بعض عن بعض حتّى ورثها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال : * ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ ) * ، فكانت له خاصّة ، فقلّدها عليّاً (عليه السلام) بأمر الله تعالى على رسم ما فرضها الله ، فصارت ذرّيّته الأصفياء الذين أوتوا الإيمان والعلم .
وقول إبراهيم (عليه السلام) : * ( وَمِن ذُرِّيَّتِي ) * " ومن " للتبعيض ليُعلم أنّ فيهم من يستحقّها وفيهم من لا يستحقّها ، ومستحيل أن يدعو إلاّ لمن هو مثله في الطهارة لقوله : * ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) * .
وقال * ( فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) * ، يجب أن يكونوا معصومين ، ولمّا سأل الرزق * ( وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ ) * سأل عامّاً ، ولمّا سأل الإمامة سأل خاصّاً قال * ( وَمِن ذُرِّيَّتِي ) * .
قال الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله * ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) * : أي الإمامة إلى يوم القيامة .
قال السدي : عقبه آل محمّد " (1).
يقول " فضل حسين " إنّ ما توصّلت إليه خلال سبعة عشر عاماً حول موضوع الإمامة هو أنّها منصب إلهي ، دلّت عليه آيات القرآن الكريم والنصوص الصحيحة عند المسلمين ، وقد صرّح النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في أخبار كثيرة بلغت حدّ التواتر أنّ وصيّه وخليفته من بعده هو أمير المؤمنين علي (عليه السلام) .
ولأجل هذا تركت ما كنت عليه ، واخترت ما كان عليه عليّ (عليه السلام) ، ولقد كان من منن الله تعالى عليّ وعلى زوجتي أن وفقنا ببركة الإمام الحسين (عليه السلام) لاعتناق المذهب الحقّ .
1) - الدر النظيم ، يوسف بن حاتم الشامي ، 274 - 275 .
ولد عام 1379 ه ( 1960 م ) في باكستان بمظفر كار ، كان معتنقاً لمذهب أهل السنّة ، ثمّ تعرّف على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) عن طريق حضوره في المجالس الحسينيّة التي كان يقيمها الشيعة ، وكان ذلك محفّزاً له للبحث في مجال تثبيت عقائده الدينية .
وجد كليم الله محمّد نواز بأنّ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) تتضمّن أبعاد مختلفة ، وقد تجلّت فيها حقائق كثيرة كشفت اللبس عن نفوس الكثير من الناس على مرّ العصور ، وأنّ هذه النهضة لها صلة مباشرة بالأحداث الخطيرة التي وقعت بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّ الإمام الحسين (عليه السلام) لم ينهض إلاّ لتعميق المنهج المحمّدي في نفوس الأمّة ، وإرجاعهم إلى الصراط المستقيم الذي بدأ انحرافه بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وأنّ يزيد بن معاوية لم تصل إليه الخلافة إلاّ من خلال تمهيدات الخلفاء السابقين الذين وقفوا بوجه أهل البيت (عليهم السلام) ، وفسحوا المجال للأمويين والطلقاء للتسرّب في الحكم .
ومن هنا نشأت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) لتغربل الأمة ، وتميّز بين الحقّ والباطل ، وتكشف للناس - على مرّ العصور - الحقائق التي كانت خافية عنهم .
إنّ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن مجرّد حدث تاريخي مختص بزمن وقوعه فقط ، بل أصبحت هذه النهضة قضيّة حيّة تمدّ الناس - على مرّ العصور - بالعطاء والقوة والعزيمة ، وقد تركت هذه النهضة التي امتزج باللوعة والمأساة أثراً كبيراً في أعماق وجدان الأمّة الإسلاميّة ولا سيما الشيعة ، فدفعهم هذا الأمر إلى إحياء هذه المناسبة دائماً ، وأيّام محرم وصفر بوجه خاص .
وأصبحت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) - من هذا المنطلق - مدرسة ترفد أبناء المجتمع بعلوم ومعارف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) .
ولهذا تأثّر الكثير من الذين كانوا في غفلة عن منزلة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وكانوا في غفلة عمّا جرى عليهم .
يقول " كليم الله محمّد نواز " : كان لقضية عاشوراء وتضحية الإمام الحسين (عليه السلام) في ذلك اليوم أثراً بليغاً في نفسي ، ومن خلالها تفتّحت آفاق رؤيتي ، فطالعت التاريخ لأتعرّف على بدء الانحراف الذي دفع الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل إصلاحه .
ومن هذا المنطلق تبيّن لي منشأ الفتنة التي ابتليت الأمّة بها بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
يضيف " كليم الله محمّد نواز " : واصلت الحضور في المجالس الحسينيّة
فتعرّفت في هذه المجالس على شخصيات شيعية واعية ، ففتحت معهم أبواب الحوار ، وكنت في كلّ يوم أجلس معهم ، وأصغي إلى الحقائق التاريخية التي كانوا يبيّنونها لي بالأدلة والبراهين الموثّقة .
وبمرور الزمان تبلورت قناعة " كليم الله محمّد نواز " بأحقيّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، ولكنّه وجد أمامه الكثير من الموانع النفسية والاجتماعيّة التي كانت تمنعه من تغيير انتمائه المذهبي .
ولكنه فكّر ذات يوم بأنّ اعتناق الحقّ يتطلّب التضحية ، ولا بدّ له من مواجهة أهوائه النفسية بقوة . فأحدث في نفسه ثورة كبيرة لتطهير ذاته من الجهل ، والموروث العقائدي والرذائل النفسية .
تمكّن " كليم الله محمّد نواز " بعد مجاهدة لنفسه أن يتغلّب على أهوائه النفسية ، وأن يعلن التزامه بالمذهب الحقّ ، فأعلن استبصاره في شهر محرّم الحرام عام 1422 ه ، والتحق بركب أتباع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، ولم يهتم بما سيقول ، عنه أصدقاؤه وأقرباؤه ; لأنّه وجد نفسه بأنّه قد عرف الحقّ ، ويحتّم عليه التكليف الشرعي التمسّك بهذا الحقّ .
وجد " كليم الله محمّد نواز " بعد الاستبصار ، بأنّه ينبغي أن يبيّن للآخرين الأدلّة التي دفعته للاستبصار ; لينقذهم من الجهل الذي هم عليه ، وليذيقهم حلاوة طعم الحقّ كما ذاقه هو ، فبدأ بزوجته وأولاده فعقد لهم العديد من الجلسات ، وبيّن لهم الأدلة والبراهين التي دفعته إلى الاستبصار ، ودعاهم إلى البحث .
فلم تمض فترة إلاّ واستبصرت زوجته وأولاده الخمس ، وكان من أهم الأمور التي دفعتهم لتقبّل كلامه بعد البحث والوصول إلى القناعة ، أنّهم وجدوا بأنّ
شخصية " كليم الله محمّد نواز " تغيّرت نحو الأفضل والأكمل بعد الاستبصار ، فعرفوا بأنّ المذهب الشيعي يحتوي على رؤية كونية مبتنية على الأسس والقواعد الرصينة القادرة على إضفاء الكمال على منتميه .
لم يترك " كليم الله محمّد نواز " البحث بعد الاستبصار ، بل واصل بحثه في الصعيد الديني ، وبدأ بقراءة كتب أحاديث وأقوال أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، وركّز اهتمامه على كتاب نهج البلاغة .
وبهذا شعر كليم الله أنّه يزداد يوماً بعد آخر معرفة تقرّبه إلى الله تعالى ، وتعبّد له الطريق للوصول إلى رضوانه .
يقول كليم الله : أنا آمل أن يهتم جميع المسلمين بدينهم ، فيخصصوا لأنفسهم وقتاً لطلب العلم ومعرفة الحقّ ، وأن لا يبقوا في دينهم مجرّد مقلّدين في الأصول العقائدية والأسس الفكرية ليقودهم الآخرون وهم في غفلة يعمهون .
الصورة
ولد سنة 1338 ه ( 1920 م ) في " تلوندي بندران " التابع للواء سيالكوت في باكستان ، ونشأ في أسرة حنفية المذهب ، كان بعد استبصاره متكلّماً بارعاً ومناظراً قوياً ، أفحم العلماء ، وأذهل رجال الدولة ، وقد هدى جماعة كبيرة من الناس إلى مذهب التشيع بالحجة الناصعة ، والتفكير المنطقي السليم .
يقول محمّد إبراهيم : رغم اعتقادي المتوارث ، كانت مسألة الخلافة ذات إشكالات كثيرة لديّ ، فكانت أفكاري تضطرب ، وعقيدتي تتزلزل بين فترة وأخرى ، ولمّا راجعت علمائنا في ذلك لم أجد جواباً شافياً لإشكالاتي ، وبدلاً من ذلك قالوا لي : لا ينبغي لأمثالك التدخّل في مثل هذه المسائل الدقيقة ، فانّ الخوض في مسألة الخلافة والتفكير في نتائجها يؤدي إلى تزحزح الايمان وضعف اليقين !
يقول محمّد إبراهيم أستاجرت حانوتاً في السوق الصغير في ( تلوندي بندران ) ، وأنا أبغض الشيعة ومذهبهم وراثة ، وقد اتفق أن جاء يوماً الشيخ عنايت
حسين وكان الوقت ظهراً فأخذ يتكلّم حول موضوع الخلافة ، فقلت له مبادراً : أيّها الشيخ ، لماذا لا تعتقد الشيعة بخلافة الثلاثة ؟
فقال : تعتقد الشيعة بأنّ الخلافة بالنص ولا يحق لأحد الإعراض عن النص والعمل حسب هوى نفسه ، وهنا أذّن المؤذّن ، فقمنا معاً إلى الصلاة ، ولحق بنا جاري الشيخ غلام حيدر وكان حانوته محاذياً لحانوتي ، ولمّا وصلنا المسجد شرعت في الوضوء ، فقال لي الشيخ عنايت حسين : إنّ وضوءك هذا يخالف نص القرآن ، فعظم ذلك عليّ وقلت له : ما هو دليلك على ما تقول ؟ ثمّ أخذت القرآن وأخرجت آية الوضوء في سورة المائدة وتأمّلت فيها ، فشككت في وضوئي ، هل هو يخالف القرآن ؟ !
وهناك قال لي جاري الشيخ غلام حيدر وكان شيعياً أيضاً : إنّ الوضوء شرط في صحة الصلاة وفساد الشرط يستلزم فساد المشروط ، فينبغي لك التحقيق حول هذه المسألة كي يمكنك إتيان الصلاة صحيحة بشرائِطها . فعزمت حينئذ على مراجعة علمائنا لأرى ما هو الحلّ لديهم ، فكان أمراً آخراً لم أجد فيه حلاًّ ناجحاً .
استمرت مناقشاتي مع جاري الشيخ غلام حيدر ، واستمر بنا الحال هكذا لمدّة خمس سنوات وكنت في كل مناقشة يضاف لدي إشكال آخر لا أجد له جواباً مقنعاً ، وكنت قد ناقشت الكثير من علماء مذهبنا ، وقد أبلغوا والدي بأنّ ولدك هذا سيتشيع ! !
نقل والدي محلّ عملي من السوق الصغير إلى السوق الكبير ، وسلّم حانوتي إلى أخي محمّد إسماعيل .
كان السوق الكبير أكثر ازدحاماً ، وأوفر زبائناً ، وكنت أعمل تحت نظر أبي في دكانه وكان كلّما يرد علينا أحد العلماء ، كان أبي - هذه المرة - هو الذي يسأله عن مسائل الخلاف لعلّه يردّني إلى ما كنت عليه سابقا ، وكنت أنا أحاور هؤلاء العلماء بين يدي والدي حتّى تكاملت معرفتي ، وأيقنت بأحقية مذهب التشيّع ،
فقرّرت تصحيح صلاتي عند جاري السابق الشيخ غلام حيدر ، وكنت أتعبد في الخفاء خوفاً من الوالدين والأقرباء والأصدقاء ، ولم يعجبني هذا الوضع ، وكنت أقول لنفسي : لو قامت القيامة وذهب عنك الأقارب والأصدقاء فبماذا تجيب ، وهل ينفعك هذا الخوف منهم ؟ قم وأعلن استبصارك على رؤوس الأشهاد !
وهكذا كان فأعلنت تشيّعي ، ووقفت في المسجد أمام الجميع وتوضأت كما يتوضأ الشيعة وصلّيت كما يصلون ، فانتشر الخبر ووصل إلى أهلي ، ودخلت الدار وإذا الجميع يقولون تبعاً للوالد : اُخرج من البيت فقد كفرت ! وكلّما حاولت التوضيح لهم ، كان الجواب قاطعاً : أخرج ، يا كافر ! خرجت من الدار ، وبلغ الخبر إلى صديقي وجاري الشيخ غلام حيدر ، فجاءني مسرعاً وتلاقينا في الطريق وكنت مع عيالي وأطفالي فقال : ما الخبر ، قلت وأنا متأثّر جداً : اليوم انقطعت القرابات ، قال مسلّياً : لا تخف فانّ قرابة الدنيا لا تنفع في الآخرة ، وأخذني إلى داره ، وهيأ لي مالاً للبدء في الكسب والعمل من جديد .
يضيف محمّد إبراهيم : استمرت قطيعتي مع أهلي لمدة سنة ونصف إلى أن أشارت والدتي على والدي في ضرورة إرجاعي إلى البيت قائلة له : نحن أخرجناه تهديداً لعلّه يرجع إلى المذهب ، ولكن هذا لم ينفع ، ثمّ هو ولدنا الأكبر ولا تتّم الأمور البيتية إلاّ بوجوده ، فلا بدّ لنا من إرجاعه ، فقبل والدي على مضض لعلّه يجد طريقاً آخر لإرجاعي إلى ما كنت عليه .
رجعت إلى البيت وأنا صحيح الإيمان ، صلب العقيدة ، وأخذت أبيّن عقائدي لأهلي فقال لي والدي ذات يوم : أطلب منك أن تتناظر مع الشيخ ( الحافظ رحيم بخش ) فان غلبك إرجع إلى المذهب السني الذي نشأت عليه فوافقت وقلت له : وان ظهر عجزه عن جوابي فعليكم أن تقبلوا مذهب الشيعة ، فقال إخوتي
كلّهم إن عجز الحافظ عن الإجابة على أسئلتك فنحن معك على ما أنت عليه من التشيّع .
جاء الحافظ إلى دارنا وبدأنا في الكلام :
خاطبني الحافظ قائلاً : يا ولدي ، ما الذي أوجب إعراضك عن الخلفاء الثلاثة ؟
قلت له : أمن العدل أن نترك علياً (عليه السلام) الذي قال الرسول الأعظم في حقه : انه نفسي ولحمي (1)، ونتمسّك بأبي بكر ؟
قال الحافظ : إن الله هو الذي أمر بخلافة أبي بكر في القرآن الكريم .
قلت : وأين هذا في الكتاب العزيز ؟
قال : ألا ترى في آية الهجرة حيث جعله صاحباً للنبي ، فلو لم يكن المقصود إعطائه هذا الشرف لم يكن ليصحبه النبي معه ! !
قلت : أيّها الحافظ ، أين تذهب ؟ بحثنا حول الخلافة لا حول الصحبة ، ثمّ ألا ترى أن النبي لما ترك علياً في فراشه في تلك الليلة ، ليلة الهجرة - وهو يواجه خطر الموت - مدحه الله سبحانه وتعالى بقوله : * ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ ) * (2)، أليس هذا شرفاً ما بعده شرف .
يقول محمّد إبراهيم : استمر بنا الحديث وذكرت له الآية * ( بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) * (3)، والآية * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) * (4)، وناقشته في مضامينها الشريفة فظهر العجز على الحافظ وقال لوالدي : لا يوجد أمل في رجوع ولدك إلى طريق
الحق ! ثمّ ذكرتُ حديث الغدير بالتفصيل ، فانبهر الحافظ وقال : مما لا شك فيه أن علياً كان أفضل من الخلفاء الثلاثة في العلم والعمل .
قلت : إذا اعترفت بأفضليته ، فأي شيء تريده أفضل من هذا كدليل على خلافته ؟
لما سمع هذا الكلام إخوتي تشيّع منهم أخي : محمّد صديق ، وأخي عبد الواحد ، وتبعهما على ذلك ابن عمي شريف حسين .
ويضيف محمّد إبراهيم : الحمد لله على ظهور الحق ، ونصرة ولاية أمير المؤمنين ، والحمد لله ثانيا ودائماً على صفاء الجو في الأسرة حيث لم يعد أحد يعارض تمسكنا بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) .
ولد في باكستان ، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي ، كما كانت لهم ميول نحو التصوّف .
وكان " محمّد إسماعيل " محبّاً للعلم والمعرفة منذ صغره ، وهذا ما دفعه لتلقّي العلم حتّى غدى في كبره خطيباً ومبلّغاً ومدرّساً وواعظاً .
يقول " محمّد إسماعيل " : كان في جوارنا رجل من الشيعة كثير المناظرة والبحث ، فقصدته يوماً لأناظره في الصعيد العقائدي ، فوجدته عالماً عارفاً بكتب أهل السنّة ، ولا يتكلّم اعتباطاً ، ويدعم دائماً أقواله بالمصادر السنيّة الموثوقة .
إستحرّت المناظرة بين " محمّد إسماعيل " وذلك الرجل الشيعي لفترة مديدة ، خاض فيها العديد من المباحث ، منها القضاء والقدر ، ومسألة فدك ، وموضوع الإمامة والخلافة ، ومسألة المسح على الرجلين في الوضوء ، وكان " محمّد إسماعيل " يشعر في كلّ مرّة أنّ الأدلّة والبراهين التي يقدّمها له ذلك الرجل الشيعي أقوى من أدلّته وبراهينه ، ولكنّه مع ذلك لم يشعر أبداً بالهزيمة أو الانكسار ; لأن المنهج الذي اتّبعه معه ذلك الرجل الشيعي منهج موضوعي مبتن على الحوار العلمي والبنّاء ، وكان ذلك الرجل الشيعي يقول له دائماً : أنا وأنت
عندما نتحاور فإنّنا في الواقع في ساحة حرب ، ولكن في هذه الساحة أنا وأنت لسنا في مواجهة الآخر ، ولا يكون نهاية كلّ حوار أحدنا المنتصر والآخر هو المهزوم ، بل نحن في هذا الحوار جنباً إلى حنب وعدونا العقيدة الباطلة ، وأنا وأنت في جبهة واحدة ، يساعد أحدنا الآخر لمعرفة الحقيقة الضائعة ، ويحب أن يساعد أحدنا الآخر لمعرفة هذه الحقيقة .
ومن هذا المنطلق لم يشعر " محمّد إسماعيل " خلال حواره مع ذلك الرجل الشيعي أنّه يواجه خصماً وعدواً يحاول الإطاحة بعقيدته بل وجده ناصراً ومعيناً يساعده للتمييز بين الحقّ والباطل ، ولهذا استمّر الحوار بينهما في ظلال أجواء هادئة وودّية وموضوعية .
توصّل " محمّد إسماعيل " خلال البحث بأنّ أهل السنّة تركوا أهل البيت (عليهم السلام) وجعلوا البديل لتلقّي ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الصحابة ، وهذا ما دعاهم إلى القول بعدالة جميع الصحابة ، ولكنّه وجد خلال مطالعته لحياة الصحابة بأنّ من المستحيل أن يكون جميع الصحابة عدول ، وفيهم من قتل بعضهم البعض ، وسبّ بعضهم البعض ، وفيهم من دخل الإسلام بإجبار ، وهذا ما يحتّم على الباحث أن يتأنّى في تلقّي المعارف الدينية من الصحابة ، وأن يجري قواعد الجرح والتعديل عليهم ، لئلا يوقع نفسه في الهلاك .
وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه : " . . . إنّي لست أخش عليكم أن تشركوا بعدي ، ولكنّي أخش عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها ، وتُقتلوا ، فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم " (1).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً لأصحابه : " لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب
1) - صحيح مسلم 4 : 1796 .
بعض " (1).
أضف إلى ذلك توجد روايات عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تؤكّد وجود النكوص والانقلاب على الأعقاب من قبل الصحابة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) منها :
قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : " أنا فرطكم على الحوض ، وسأنازع رجالاً فأغلب عليهم ، فلأقولن ربِّ أصيحابي أصيحابي ! فيقال لي : انك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (2).
واصل " محمّد إسماعيل " بحثه ودرس حياة أهل البيت (عليهم السلام) فوجدهم ذريّة اصطفاها الله تعالى وسدّد خطاها ، وصانها من الخطأ والسهو ، وجعلهم أوصياء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وحفظة ما جاء به (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ومن هذا المنطلق أعلن " محمّد إسماعيل " استبصاره عام 1940 م ، وصمد بوجه جميع العقبات التي وجدها أمامه قبل وبعد الاستبصار حيث عمد أقرباء زوجته إلى تطليقها بموجب فتوى أحد علماء أهل السنّة ، ثمّ وصل الأمر إلى التهديد بالقتل ، ولكن الله تعالى أبعد عنه السوء وحفظه من فتنتهم .
بادر " محمّد إسماعيل " عام 1383 ه بتأسيس مدرسة باسم " درس آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) " في مدينة " لائل بور " لتعليم المناظرة والاحتجاج والحوار ، وبدأ بنشر علوم ومعارف أهل البيت (عليهم السلام) فيها ، وواصل نشره لعقيدة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) من منطلق قوله تعالى : * ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) * (3).
الصورة
ولد عام 1382 ه ( 1963 م ) في ولاية السند بباكستان ، ونشأ في أسرة سنّية بريلوية ، درس الأكاديمية وحاز على شهادة الليسانس في الاقتصاد ، اعتنق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) سنة 1412 ه ( 1992 م ) ، ثمّ صار مبلّغاً ، وله العديد من النشاطات في الساحة الاجتماعية .
وجد " محمّد أشرف " - بعد مطالعاته الحثيثة ومتابعاته الجادّة لكتب الشيعة أنّ بين المذهب الشيعي والمذهب السنّي اختلافات كثيرة في شتى الأصعدة الفقهيّة أو العقائدية ، فكان هذا الأمر محفّزاً له على البحث والتنقيب من أجل توسيع آفاق رؤيته الدينية ; ليتمكّن من خلال غربلة موروثه العقائدي ومقايسته مع عقائد المذاهب الأخرى أن يكوّن لنفسه رؤية دينية مبتنية على الأدلة والبراهين المقنعة .
وبالفعل وجد " محمّد أشرف " الكثير من الحقائق التي كانت غائبة عن ذهنه ، فأتاح له هذا الأمر الفرصة للنظر إلى مذهبه الموروث من خارج دائرة المذهب .
توصّل " محمّد أشرف " بعد المقارنات ومقايسة الأدلّة إلى قناعة لا يخالجها الشك ، وإلى يقين لا يصمد أمامه أيّة شبهة ، وتوصّل إلى أحقّيّة مذهب التشيّع الإمامي الاثني عشري .
ويقول " محمّد أشرف " : كنت متأثّراً بالفكر الصوفي ، ولي اتصالات مع الكثير من فرقها ، وأكثرهم يحترمون أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، فصرت أقرأ عنهم ، وصار هذا الأمر محفّزاً لي للتعرّف على التشيّع ، والسؤال عن مذهبهم ودراسة أفكارهم ومعتقداتهم .
وقد لاحظتُ اختلاف الشيعة عن السنّة في الوضوء والصلاة وموعد الإفطار في الصوم ، وغيرها من مسائل العبادات ، كما وجدت الاختلاف بعد التحقيق في العقائد والتاريخ كمسألة الخلافة والإمامة وولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وعزاء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) .
فقرأت الكثير من كتب السنّة والشيعة حتّى عرفت بأنّ الحقّ مع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فتمسّكتّ بنهجهم وأخذت عنهم ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لهداية البشرية .
تطرّق " محمّد أشرف " إلى عدّة قضايا كانت محل اختلاف بين الشيعة والسنّة ، فتوصّل من خلال بحثه وتتبّعه إلى حقّانيّة الشيعة في هذه المسائل ، ونحن نستعرض ، قضية واحدة من تلك القضايا وهي ولاية أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) .
فإنّ للشيعة أدلّة عديدة على ولاية الإمام عليّ (عليه السلام) ، وأنّه الخليفة - بلا فصل - بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، منها أدلّة قرآنية ومنها روائية ومن الأدلّة القرآنية قوله تعالى : * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) * (1).
1) - المائدة (5) : 55 .
والكلام عن هذه الآية يكون في شأن نزولها ، وأخرى في وجه دلالتها .
اتفقت الشيعة على أنّ الآية نزلت في الإمام عليّ (عليه السلام) يوم تصدقّه بالخاتم وهو راكع .
ونقلت مصادر أهل السنّة هذه الحادثة أيضاً ، فقد دلّت أقوال الصحابة والتابعين والعلماء من أهل التفسير والحديث والكلام على أنّ هذه الآية في الإمام عليّ (عليه السلام) يوم تصدّقه وهو في حالة الركوع .
قال الثعلبي في تفسيره " الكشف والبيان " : " قال ابن عبّاس ، وقال السدي ، وعتبة بن حكيم ، وثابت بن عبد الله : إنّما يعني بقوله * ( وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ) * الآية ، عليّ بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) مرّ به سائل وهو راكع في المسجد وأعطاه خاتمه " (1).
وقال الثعلبي أيضاً : أبو الحسن محمّد بن القاسم بن أحمد ، أبو محمّد عبد الله ابن أحمد الشعراني ، أبو عليّ أحمد بن عليّ بن رزين قال : المظفر بن الحسن الأنصاري ، قال : حدثنا السري بن عليّ الوراق ، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الجماني ، عن قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، عن عبادة بن الربعي ، قال : بينا عبد الله ابن عبّاس جالس على شفير زمزم إذ أقبل رجل متعمّم بالعمامة فجعل ابن عبّاس لا يقول قال رسول الله ، إلاّ قال الرجل : قال رسول الله ؟ فقال ابن عبّاس : سألتك بالله ، من أنت ؟
قال : فكشف العمامة عن وجهه ، وقال : يا أيّها الناس ، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري ، أبو ذر الغفاري ، سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بهاتين وإلاّ صمّتا ، ورأيته بهاتين وإلاّ فعميتا ، يقول : عليّ قائد البررة ،
1) - تفسير الكشف والبيان 4 : 80 .
وقاتل الكفرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله ، أمّا إنّي صلّيت مع رسول الله يوماً من الأيام صلاة الظهر ، فدخل سائل في المسجد فلم يعطه أحد فرفع السائل يده إلى السماء ، وقال : اللّهم اشهد أنّي سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً ، وكان عليّ (عليه السلام) راكعاً فأومى إليه بخنصره اليمنى ، وكان يتختم فيها ، فأقبل السائل حتّى أخذ الخاتم من خنصره ، وذلك بعين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلمّا فرغ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من الصلاة فرفع رأسه إلى السماء وقال : " اللّهم أن أخي موسى سألك ، فقال : * ( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ) * (1)الآية . فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً * ( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا ) * (2)اللّهم وأنا محمّد نبيّك وصفيك فاشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، وأجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به ظهري . . . .
قال أبو ذر : فوالله ، ما استتمّ رسول الله الكلمة حتّى أنزل عليه جبرئيل من عند الله ، فقال : يا محمّد ، إقرأ ، فقال : وما أقرأ ؟
قال : إقرأ * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ ) * إلى * ( رَاكِعُونَ ) * (3).
قال الآلوسي في روح المعاني - بعد أن ذكر الآية - : وغالب الأخباريين على أنّها نزلت في عليّ كرم الله تعالى وجهه ، فقد أخرج الحاكم وابن مردويه وغيرهما عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنه بإسناد متّصل ، قال : " أقبل ابن سلام ونفر من قومه آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا : يا رسول الله ، إنّ منازلنا بعيدة ، وليس لنا مجلس ولا متحدّث دون هذا المجلس ، وإنّ قومنا لمّا رأونا آمنا بالله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصدّقناه رفضونا ، وآلوا على نفوسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا
ولا يكلّمونا ، فشقّ ذلك علينا ، فقال لهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّما وليّكم الله ورسوله ، ثمّ إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج إلى المسجد ، والناس بين قائم وراكع ، فبصر سائل ، فقال : هل أعطاك أحد شيئاً ؟
فقال : نعم ، خاتم من فضّة .
فقال : من أعطاكه ؟
فقال : ذلك القائم ، وأومأ إلى عليّ كرّم الله تعالى وجهه ، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : على أيّ حال أعطاك ؟
فقال : وهو راكع ، فكبّر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ تلى هذه الآية "
فأنشأ حسّان ( رضي الله تعالى عنه ) يقول :
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي *** وكلّ بطيء في الهدى [ الهوي ] ومسارع
أيذهب مدحي المحبر ضائعاً *** وما المدح في جنب الإله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً *** زكاة فدتك النفس يا خير راكع
فأنزل فيك الله خير ولاية *** وأثبتها في محكمات الشرائع (1).
قال ابن كثير : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدّثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الأحول ، حدّثنا موسى بن قيس الحضرمي ، عن سلمة بن كهيل ، قال : " تصدّق عليّ بخاتمه ، وهو راكع ، فنزلت * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) * (2).
وقال أيضاً : وقال ابن جرير : حدثني الحارث ، حدّثنا عبد العزيز ، حدثنا غالب بن عبد الله ، سمعت مجاهداً يقول في قوله * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ ) * الآية فنزلت في عليّ بن أبي طالب ، تصدّق وهو راكع (1).
ثمّ ذكر ابن كثير عدّة روايات مسندة بهذا المضمون .
قال السيوطي في الدر المنثور : أخرج الخطيب في المتفّق عن ابن عبّاس ، قال : تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع ، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) للسائل من أعطاك هذا الخاتم ؟
قال : ذاك الراكع ، فأنزل الله تعالى * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ ) * (2).
ثمّ ذكر السيوطي عدّة روايات بهذا المضمون .
قال ابن عساكر في تاريخه : أخبرنا خالي أبو المعالي القاضي ، نا أبو الحسن الخلعي نا أبو العبّاس أحمد بن محمّد الشاهد ، نا أبو الفضل محمّد بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن الحارث الرملي ، نا القاضي حملة بن محمر ، نا أبو سعيد الأشح ، نا أبو نعيم الأحول ، عن موسى بن قيس ، عن سلمة ، قال : " تصدّق عليّ (عليه السلام) بخاتمه ، وهو راكع ، فنزلت * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) * (3).
وروى حديثاً آخر بسند آخر بهذا المضمون .
وقد نقل القاضي عبد الرحمن الأيجي في المواقف - عند عرضه لأدلّة الخصم على إمامة الإمام عليّ (عليه السلام) - إجماع المفسّرين على أنّ الآية نزلت في عليّ (عليه السلام) ، وعند ما كان في مقام الجواب لم يناقش في ذلك (4)
وكذا الجرجاني في شرح المواقف (1)، والتفتازاني في شرح المقاصد (2).
وهناك مصادر كثيرة أثبتت أنّ الآية نزلت في عليّ (عليه السلام) ، كما لا يخفى على المتتبّع .
قد عرفنا إلى الآن أنّ المتصدّق وهو راكع في صلاته ، هو الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، وأنّه ولي ، فما معنى الولاية التي ثبتت للإمام (عليه السلام) ؟
حصرت هذه الآية المباركة الولاية في ثلاثة ، لله سبحانه وتعالى ، وولايته تعالى معروفة وواضحة ، فله تعالى التصّرف بالأشياء وهو الأولى بذلك .
ثمّ عطفت الآية بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو ولي ، وولايته (صلى الله عليه وآله وسلم) معروفة أيضاً ومشخصّة ، قال تعالى : * ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) * (3)فهو أولى منهم بالتصرّف بكل شؤونهم .
ثمّ عطفت الآية المباركة بالمؤمنين من تصدّق بخاتمه وهو الإمام عليّ (عليه السلام) فعلى ما يقتضيه وحدة السياق في الآية المباركة أنّ ولاية الإمام عليّ (عليه السلام) فهو أولى بالتصرّف من غيره في شؤون المؤمنين والأمّة الإسلاميّة .
ومن ثبت له هذا الحقّ هو الإمام بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والخليفة الشرعي .
أشكل على دلالة هذه الآية المباركة على إمامة الإمام عليّ (عليه السلام) بعدّة إشكالات :
الإشكال الأوّل :
أنّ لفظ " وليكم " في هذه الآية لا بدّ من حمله على الناصر والمحب ، وهذا المعنى نستكشفه من وحدة سياق الآيات ، فإنّ الآية التي قبل هذه الآية هي * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء ) * (1)، فمعناها لا تتخذوهم أحبّاء وناصرين ، ولا معنى أن يقال : لا تتخذوهم أئمّة متصرّفين في شؤونكم ، فعندما نهى تعالى عن هذه الولاية أمر بولاية أخرى ، لا بدّ أن تكون من نسخ الولاية المنهي عنها لوحدة السياق .
وأمّا الآية التي بعد آية " إنّما وليكم . . . " هي * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء ) * (2)وهذه أيضاً لا يصح حملها على الأولوية بالتصّرف ، بل معناها النصرة والمحبة .
الجواب عن هذا الإشكال يشتمل على عدّة أمور :
الأمر الأوّل :
أنّ الولاية في هذه الآية لا يمكن حملها على ولاية النصرة في النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلا يصح أن نقول : إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ناصر للمؤمنين ; وذلك لأنّ النصرة التي يذكرها الله تعالى في القرآن الكريم في كثير من الآيات هي النصرة في الدين ، فيصحّ أن يقال : إنّ الدين لله بمعنى أنّه مشرعه وجاعله ، فيكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ناصراً لله وكذا المؤمنون ، وهذا لا إشكال فيه ، قال تعالى : * ( قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ) * (3)، وكذا يصحّ أن يقال إنّ الدين للنبي ; لأنّه صاحب الشريعة ومبلّغها ، فيكون المؤمنون ناصرين له (صلى الله عليه وآله وسلم) قال تعالى : * ( وَعَزَّرُوهُ
وَنَصَرُوهُ ) * (1)وقال تعالى : * ( وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) * (2).
ويصحّ أن يقال : إنّ الدين للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وللمؤمنين بمعنى أنّهم المكلّفون بشرائعه وأحكامه ، فيكون الله ناصرهم ، قال تعالى : * ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ ) * (3).
ولكن لا يصحّ أن يفرد الدين للمؤمنين خاصّة ويكونوا هم الأصل ، والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بمعزل عن ذلك ; لأنّه ما من فضيلة إلاّ والرسول مشاركهم فيها على أحسن وجه ، فلا يصحّ أن يكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ناصراً للمؤمنين (4)، قال السيّد العلاّمة في الميزان : ولذلك لا نجد القرآن يعدّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ناصراً للمؤمنين ولا في آية واحدة (5)فإذا لم يصح ان يكون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ناصراً ، فإن سياق الآية الذي ادعاه المستشكل قد اختل ولا يمكن الاعتماد عليه .
الأمر الثاني في ردّ الإشكال :
أنّ الآية حصرت بكلمة ( إنّما ) الولاية في الله تعالى والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ (عليه السلام) ، فلا يصحّ أن نحمل الولاية في هذه الآية على النصرة والمحبّة ; لأنّ النصرة عامّة ومطلوبة من كلّ المؤمنين ، قال تعالى : * ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض ) * (6)، ففي هذه الآية تحمل كلمة ( أولياء ) على النصرة والمحبّة ، وأمّا قوله تعالى : ( أنّما وليكم . . ) فالحصر يمنع تفسير الولاية فيها بمعنى النصرة والمحبّة .
الأمر الثالث في ردّ الإشكال :
إنّ هذه الآية قيّدت في ذيلها الولاية بحال الركوع ( وهم راكعون ) فلو كانت
هي ولاية النصرة فستكون مقيّدة مع أنّ النصرة مطلوبة على كلّ حال سواء في حال الركوع أو غيره ، حتّى لو فسرّنا الركوع بمعناه اللغوي : الخشوع ، فإنّ النصرة مطلوبة حتّى في غير حال الخشوع .
فالولاية في هذه الآية هي ولاية التصرف ، وهي ولاية محصورة ومقيّدة .
الإشكال الثاني : على دلالة الآية :
أنّ الألفاظ في هذه الآية جاءت بصيغة الجمع : * ( وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) * ، فكيف يكون المقصود عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وهو مفرد ؟
توجد عدّة أجوبة لهذا الإشكال :
الأوّل : جواب الزمخشري صاحب الكشّاف ، وهو من كبار علماء السنّة ، ما ملخّصه : إنّ الفائدة في مجيء اللفظ بصيغة الجمع هي ترغيب الناس في مثل فعل عليّ (عليه السلام) ، وأن يكون المؤمنون حريصين على مساعدة الفقراء والمساكين حتّى في حال الصلاة (1).
الجواب الثاني : أنّ الله تعالى أراد ان يعظّم هذه الفضيلة لعلي (عليه السلام) فجاء بلفظ الجمع .
الجواب الثالث : هناك آيات كثيرة وردت بلفظ الجمع مع أنّه أُتفق على أنّها نزلت في المفرد ، من قبيل آية المباهلة فإنّها وردت بصيغة الجمع مع الاتّفاق على أنّها نزلت في مفرد ، فقوله تعالى : * ( وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ) * ، مع أنّ المراد هو عليّ (عليه السلام) ، وقوله * ( وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ ) * ، مع أنّ المقصود فاطمة الزهراء (عليه السلام) .
وقوله : * ( أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ ) * مع أنّ المقصود الحسن والحسين ( عليهما السلام ) ، وهذا لا
خلاف فيه بين المفسّرين .
1) - تفسير الكشاف 1 : 636 .
والآية الأخرى التي جاءت بلفظ الجمع مع أنّ المقصود منها هو المفرد هي الآية التي قبل آية الولاية ، قال تعالى * ( يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ) * ، فقال المفسرون : المقصود هو عبد الله بن أبي ، فهو القائل .
وهناك نظائر كثيرة في القرآن الكريم في كلام العرب بصورة عامّة لهذا الإطلاق وهذا الاستعمال .
الجواب الرابع : وهذا جواب ذكره السيّد العلاّمة في الميزان ، قال : " إنّه فرق بين إطلاق لفظ الجمع وإرادة الواحد واستعماله فيه ، وبين إعطاء حكم كلّي أو الإخبار بمعرف جمعي في لفظ الجمع لينطبق على من يصحّ أن ينطبق عليه ، ثمّ لا يكون المصداق الذي يصّح أن ينطبق عليه إلاّ واحداً فرداً ، واللغة تأبى عن قبول الأوّل دون الثاني " (1).
الإشكال الثالث على دلالة الآية :
إنّ استدلال الشيعة على إمامة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بهذه الآية يلزم منه نفي إمامة من تأخّر عن عليّ (عليه السلام) من باقي الأئمّة الاثني عشر ; لأنّهم قالوا : إنّ الآية حصرت الولاية في الله تعالى والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ (عليه السلام) ، وهذا معناه نفي الإمامة عن الباقين ، فتنفي إمامة من تقدّم على عليّ (عليه السلام) ولكن هذا كما ينفي إمامة من تقدّم على عليّ (عليه السلام) ، كذلك ينفي إمامة من تأخّر عنه .
جواب الإشكال :
مقتضى الحصر في الآية أنّه مع وجود الإمام عليّ (عليه السلام) وحين حياته لا تصحّ إمامة غيره ، أمّا بعد وفاته فالآية ساكتة عن ذلك ، والخلفاء الثلاثة حكموا في حياته (عليه السلام) ، فحكومتهم باطلة بمقتضى الحصر ، وأمّا إمامة باقي الأئمّة الاثني
عشر (عليهم السلام) فإنها كانت بعد حياته (عليه السلام) ، وبعد وقت إمامته ، فلا تعارض بين إمامته (عليه السلام)
1) - تفسير الميزان 6 : 9 .
وإمامتهم (عليه السلام) .
وبعبارة أخرى : أنّ الحصر في الآية بنفي الإمامة العرضية لأمامة الإمام عليّ (عليه السلام) لا ينفي الإمامة الطولية .
الإشكال الرابع على دلالة الآية :
وهذا الإشكال يتفرّع نوعاً ما على الجواب المتقدّم وهو :
إذا كانت ولاية الإمام عليّ (عليه السلام) مطلقة فهذا يعني انّه (عليه السلام) إمام وولي حتّى مع وجود رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا ما لا يلتزم به أحد ، وإذا جاز أن تكون إمامته متأخّرة ومقيّدة بزمان دون زمان فيجوز أن تكون إمامته بعد من تقدّمه من الثلاثة .
جواب الإشكال :
الجواب عن هذا الإشكال بعدّة أمور :
الأمر الأوّل :
أنّ وجود حقّ لشخص لا يعني إعمال ذلك الحقّ ، فمن الجائز أن يكون حقّ لشخص ولكنّه لا يستخدم ذلك الحقّ ولا يفعله ، فإنّ نائب الرئيس له صلاحيات الرئيس ، فله إعمالها مع عدم حضور الرئيس ، أمّا مع حضوره فالنائب له هذا الحقّ وهذه الصلاحيات ، ولكن لا يعملها ولا يفعلها .
فالإمام عليّ (عليه السلام) ولي وله حقّ التصّرف ، ولكن مع وجود الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعمل ذلك الحقّ ولا يفعله ، أمّا بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يكون حقّ التصرف مباشرة للإمام وبلا فصل ، وهذا مقتضى الحصر .
وبعبارة أخرى : أنّ المنفي في زمن الخطاب هو الولاية " الفعلية الاستقلالية " لا " الانشائية " الثابتة بمقتضى الآية .
الأمر الثاني في ردّ الإشكال :
الجواب : لو تنازلنا ، وقلنا : إنّ ولاية الإمام عليّ (عليه السلام) مقيّدة بزمان دون زمان
لأنّها لم تكن زمن حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فهذا لا يجوّز أن يتقدم على الإمام (عليه السلام) غيره
بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ; وذلك لأنّ الآية حصرت الولاية في الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام عليّ (عليه السلام) ومعنى الحصر نفي الإمامة عن الغير ، فإمامة من تقدّم على عليّ (عليه السلام) منفية بمقتضى الحصر ، فكيف يجوّز تقدّم الثلاثة عليه بحجة أنّ ولايته مقيّدة بزمان دون زمان ؟ !
وبعبارة أبسط : إذا كانت الولاية منحصرة في الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام عليّ (عليه السلام) ومقتضى الحصر نفي الولاية عن غيرهما ، فمع وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن تكون الولاية ؟
والجواب عن هذا السؤال واضح وبيّن للمنصف المحايد ، وأنّ الولاية للإمام عليّ (عليه السلام) بعد الرسول بلا فصل ، ولا يكابر في ذلك إلاّ معاند أعمت العصبية قلبه ، أو جاهل سدّ التقليد نوافذ فكره وعقله .
الأمر الثالث في ردّ الإشكال :
وهو ما ذكره الشريف المرتضى في الشافي ، قال : " أمّا الذي يدلّ على اختصاصه بموجب الآية في الوقت الذي ثبت له (عليه السلام) الإمامة فيه عندنا ، فهو أنّ كلّ من أوجب بهذه الآية الإمامة على سبيل الاختصاص أوجبها بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل " (1).
الإشكال الخامس على دلالة الآية الكريمة :
إنّ الآية * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ . . . ) * خطاب إلى الأمّة ، والأمّة كانت تعلم أنّ الله تعالى هو الأولى بالتصرّف ، فلا معنى لأن يجبرهم الله تعالى بذلك ، فلا بدّ أن يكون المعنى أنّه ناصرهم ، حتّى يثبّت قلوبهم ولا يتّخذوا اليهود والنصارى أولياء .
جواب الإشكال :
أوّلاً : أنّ الأمّة كما تعلم أنّ الله تعالى هو الأولى بالتصّرف ، كذلك تعلم أنّه
1) - الشافي في الإمامة 2 : 234 .
تعالى هو الناصر ، وقد وردت آيات قرآنية عديدة تثبت هذا المعنى ، قال تعالى : * ( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) * (1).
ثانياً : هناك معاني عديدة تعلمها الأمة ، مع ذلك تكرّر ذكرها في القرآن ، كما في صفاته تعالى ، فإنّ الله غفور ، رحيم ، كريم ، عليم ، رازق ، فهذه أمور تعلمها الأمّة ، فهل يلزم من تكريرها إشكال ؟ !
ثالثاً : أنّ الآية لم تثبت أمراً معلوماً فقط ، بل أثبتت وبيّنت أمراً جديداً ، من خلال ربطه بالأمر المعلوم ، فإنّ الله تعالى هو الولي المتصّرف ، وهذا معلوم ، ثمّ عطفت الآية بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى تعطيه هذا المقام وهذه الخصوصية ، ثمّ عطفت بالمؤمنين الذين يؤتون الزكاة وهم في حال الركوع ، وهو عليّ (عليه السلام) حتّى تثبت له هذا المقام وهذه المنزلة .
فكما نرى هذا الإشكال وغيره من الإشكالات المتقدمة في غاية الوهن والضعف ، وهناك إشكالات أخرى ، أضعف من هذه الإشكالات ، لم تنطرق لوضوح بطلانها ، وليست هي إلاّ جهد العاجز ، والذي يريد أن يحاجج بلا بيّنة ولا برهان .
أمّا " محمّد أشرف " فإنّه كان يمتلك نظرة موضوعية للأمور ، ولم يترك للعصبية والتحجر منفذاً إلى ذهنه وفكره ، بل أراد الحقيقة كما هي ، ناصعة مشرقة ، فإنّه عندما قرأ هذه الآية المباركة واطّلع على وجوه الاستدلال بها ، اطمأنّت نفسه لها ، وانقاد عقله إلى نورها وضيائها ، فأصبحت له دليلاً أو طريقاً إلى الحقّ .
فتمسّك " محمّد أشرف " بالمذهب الإمامي الاثني عشري ، معلناً ذلك للجميع بكل شجاعة واطمئنان .
وكيف لا يطمئنّ إلى عقيدته من قادته الأدلّة الواضحة والبراهين الساطعة إلى ذلك ؟ !
1) - الروم (30) : 47 .
ولد عام 1333 ه ( 1915 م ) في " فيروز بور " ونشأ في أوساط أسرة حنفيّة المذهب ، تعرف ب " راجوت بهي " .
التحق بالشيعة الإمامية بعد أن ثبت لديه بالدليل القاطع بطلان ما يذهب إليه أهل السنّة من أنّ الخلافة تثبت بالشورى وباختيار المسلمين ، وذلك لأنّ الخلافة والإمامة من الأمور العظيمة ، فلا يجوز أن تسند إلى اختيار العباد وإرادتهم كما أنّ الإمام يجب أن يكون أفضل أهل زمانه ، ولا يُعلم هذا إلاّ بالنصّ من الله تعالى .
يقول ابن زهرة الحلبي في بيان وجوب كون الإمام (عليه السلام) أفضل من رعيّته : على أنّ الأُمّة ليست معصومة ، على ما سنبيّنه في موضعه إنّ شاء الله تعالى .
" ويجب في الإمام أن يكون أفضل من كلّ واحد من رعيّته فيما هو إمام لهم فيه ، لما نعلمه ضرورة من قبح تقديم المفضول على الفاضل فيما كان أفضل منه فيه .
وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون أعرفهم بالتدبير والسّياسة ; لأنّ ذلك ممّا لا تنفك منه الرئاسة ، وأعلمهم بالشريعة إذا ورد التعبّد بها وجعل الإمام حاكماً فيها
ومنفذاً لها .
وأن يكون أشجعهم إذا كان متعبّداً بالجهاد ، بل شجاعاً لا يجوز عليه الانهزام ; لأنّه فيه يفزع إليه ، فلو جاز عليه ذلك لأدّى إلى فساد لا يتلافى .
ويجب عليه أن يكون أفضل رعيّته عند الله تعالى في باطنه ، وأكثرهم ثواباً ، لأنا قد دللنا على وجوب عصمته وكلّ من قال بذلك قطع على كونه أكثر ثواباً فالقول بوجوب عصمته وأنّه مفضول في الثواب ، خروج عن الإجماع .
وأيضاً فالمعلوم أنّه (عليه السلام) يستحقّ على رعيّته من التعظيم ما لا يستحقّه أحدٌ منهم عليه ، ولا يستحقّه بعضهم على بعض ، وذلك يدلّ على كونه أكثر ثواباً ; لأنّ التعظيم كاشف عن استحقاق الثواب .
ويدلّ أيضاً على وجوب كون الإمام عالماً بجميع الشرع أنّه حافظ لجميعه لا حافظ له سواه ، فلو كان غير عالم بجميعه لم يبق لنا طريق إلى العلم بجملته ، وذلك لا يجوز .
ولا يجوز تقديم المفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه فيه لعلّة ، كما ادّعته المعتزلة ; لأنّ هذه التقديم قبيح في العقل .
ووجه قبحه ، كونه تقديماً للمفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه ، ومع ثبوت وجه القبح لا يحسن ، كما لا يحسن الظلم ، وإنّ عرض فيه وجه من وجوه الحسن ، بأن يكون نفعاً للغير ، وهذا أصل مقرّر بيننا وبينهم فكيف تناسوه هاهنا ؟ !
ولو جاز أن يقدّم المفضول على الفاضل لعلّة ، لجاز أن يقدّم المتظاهر بالفسق بل الكفر على المؤمن العدل ، لعلة وهذا ممّا لا يجيزونه " (1).
انتهى محمّد اقبال بعد البحث والتحقيق إلى أحقّيّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ،
1) - غنية النزوع لابن زهرة الحلبي 2 : 155 - 157 .
وكون الإمام قد عُيّن من قبل الله تعالى ، وبلّغه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الأمّة ، وما حصل من أمر الخلافة بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس له أي صبغة شرعية .
يقول " محمّد إقبال " وأعتقد الآن بعد البحث والتحقيق أنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) هو الخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل ، وأنّه الإمام الحقّ ، وأنّ خلافته قد نصّ عليها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقد غيّر لقبه بعد التحاقه بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) إلى " إقبال حسين " .
الصورة
ولد سنة 1322 ه ( 1905 م ) في " دهولري - لائل بور " بباكستان ، ونشأ في أسرة سنيّة .
كان من أتباع محمّد حسين شاه الصوفي ، وقطب على شاه الصوفي ، وشير محمّد شاه ، والبابا فريد الدين ، حيث قضى أكثر من عشرين عاماً من عمره في التصّوف .
وبعد انفصال باكستان عن الهند انتقل إلى لواء " جهنك " الذي يسكنه الشيعة ، فأسّس هناك مركزاً لترويج المذهب السنّي ، وكان السكرتير العام فيه ، كما أسّس جمعية باسم " جمعية قريش " ، وكان رئيسها ، وأسّس لها فروعاً كثيرة في مختلف أنحاء البلاد .
يقول محمّد بخش : اطلّعت أيام البحث والدراسة على حقائق لم أر علماءنا يذكرونها ، بل كانت هذه الحقائق تخالف الكثير ممّا يذكرونه في مجالسهم ، ولذلك ألّفت كتاباً في فضائل أهل البيت (عليهم السلام) جمعت فيه ما ذكره أصحاب الصحاح الستة
من فضائل أهل البيت (عليهم السلام) .
كما أنّي كنت أحضر مجالس الشيعة في كثير من الأوقات ، وأستمع فيها إلى خطب علمائهم ومحاضراتهم ، ثمّ أرجع فيها إلى الكتب التي يذكرونها كمصادر فأجد ما يقولونه مطابقاً لمّا في كتبنا .
فتأثّرت بهذه المجالس واعتقدت بصحّة كثير ممّا يقوله علماء الشيعة وخطبائهم على رغم تسنّني ، وقد بدا لي الحقّ واضحاً مع الشيعة في مواقف عديدة ، غير أنّي لم أكن أظهر هذا بين الناس مداراة لهم ، وحفاظاً على مناصبي الكثيرة .
كانت هذه طريقتي مع الناس حتّى وقع ذات يوم حدث دعاني إلى إظهار ما أعرف من الحقّ بكلّ وضوح وكان ذلك الحدث سبباً في تشيّع كثير من الناس .
قررّت جمعية أهل السنّة والجماعة - التي كنت السكرتير العام لها - عقد احتفال كبير في غيابي ، ودعت المولى نور الحسن شاه بخاري رئيس جمعيّة تنظيم أهل السنّة للخطابة ، فلمّا آن وقت احتفال السنّة اجتمع السنّة والشيعة في الجامع ، وابتدأ المولى نور الحسن بالخطاب ، وفي الأثناء سبّ الشيعة وشتمهم ، فلمّا انتهت الخطبة جاء الشيعة إليّ وقالوا : إنّ المسجد مشترك بين الفريقين ، فما معنى السبّ فيه ؟ فذهبت إلى بيت الخطيب ، وهم معي ، وأخبرته بواقع الأمر .
فقال : إنّ المسجد وإنّ كان مشتركاً إلاّ أنّي لا أترك مذهبي والدعوة إليه ، ثمّ قال : وإنّ أبيتم إلاّ التسامح فإنّي أحتاط بعد ذلك ، فلمّا صعد المنصّة في اليوم الثاني تكلّم بكلام أفظع من الأوّل .
فاعترض الشيعة بشدّة ، فتحيّرت ، وأتيت بيت المولى ثانية ودعوته إلى الوحدة الإسلاميّة ، فغضب الخطيب ، وقال : إنّ الشيعة تسبّ الصحابة ، وتشتم
الخلفاء ، ونحن نداريهم ، وإلاّ فالمذهب يجوزّ لنا أن نقابلهم بالمثل ، ونسب علياً كسبّهم للخلفاء .
فغضبت من كلامه هذا ، وقلت : لعن الله مذهباً يجوّز لعن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وسبّه ، ولآن لزم عليك أن تحضر عند الأستاذ محمّد إسماعيل للبحث حول الموضوع ، وإلاّ فنحن لا نخلّي سبيلك ، فلمّا سمع هذا الكلام تحيّر وأخذ يفكّر كيف يتخلّص من هذه الأزمة إلاّ أنّي ألزمته ذلك ، فلم يجد بدّاً من القبول .
وقال : أحضر غداً صباحاً للمباحثة معه ، فلمّا أسفر ظلام الليل ، وطلعت الشمس ، وحان وقت حضوره بلغنا أنّ الخطيب هرب ليلاً خوفاً من عجزه وفشله .
فذهبت إلى الحفل الذي أقامه الشيعة ، وذكرت حديث فرار الخطيب ، وأعلنت أنّي اعتنقت المذهب الجعفري ، فالتفّ الناس حولي ، وأخذوا يدخلون في دين الله أفواجاً ، فتشيّعتْ سبعون أو ثمانون أسرة سنيّة ، وعدد كبير منهم ، وحدث انقلاب عظيم في لواء ( كثرة مهاراجه ) ونقلت ذلك مجلّة ( رضا كار ) و ( در نجف ) وذلك عام 1952 م .
ورد اللعن في القرآن الكريم ، قال تعالى : * ( إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ) * (1)، وقال أيضاً : * ( أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ) * (2)- المائدة (5) : 64 .(3)، وقال سبحانه : * ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ ) * (4)، وقال : * ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ ) * (4) ، وقال : * ( وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ
الدِّينِ ) * (1)، وقال : * ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ ) * (2).
حيث نجد ان الله سبحانه وتعالى قد لعن الكافرين واليهود والشيطان وبني أمية ( وهم الشجرة الملعونة ) وغيرهم ، واللعن من الله هو الطرد من رحمته ، والله سبحانه عندما يلعن أحداً يلعنه بسبب الكفر أو أذية الله والرسول ، أو غير ذلك ، وهو حكيم في أفعاله ، أمّا الناس فلعنهم هو إنشاء لا قيمة له إلاّ أن يقع موافقاً لمّا يريده الله سبحانه ، فيكون كالإخبار والتصديق ، أو يكون دعاءً بايقاع اللعنة على المدعو عليه ، فاللعنة لا تقع على الملعون من قبل الناس إلاّ برضا الله سبحانه .
هذا وقد ورد اللعن كثيراً على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كان يلعن الكفار وقادتهم ، وخصوصاً كفار مكّة الذين حاربوا الرسول وحاولوا اطفاء نور الإسلام في مهده ، وقد كان نصيب بني أمية كأبي سفيان وأولاده .
إنّ السبّ الذي استدلّ له المولى شاه بخاري الناصبي حيث جوّز سبّ الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) باتهام الشيعة بأنّهم يسبّون الصحابة ويشتمون الخلفاء هو من الجهل الفظيع الذي لا يمكن الدفاع عنه ، لذا نرى أنّه اختار الفرار في ليلة ظلماء بدل القرار والمواجهة مع الحقّ .
وبني أميّة هم الذين شرعوا سبّ الإمام عليّ (عليه السلام) على المنابر ، وسمّوه سنّة ، ودام هذا السب منهم أعواماً كثيرة بعد وفاته (عليه السلام) ولم يستطع أحد من المسلمين أن يغيّر ذلك عليهم ، مع أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه قد نهى عن سبّ الإمام عليّ (عليه السلام) بشكل خاص حيث قال : " لا تسبوا علياً فانّه ممسوس في ذات الله " (3).
إنّ الذين يسبّون الإمام عليّ (عليه السلام) هم في الواقع يسبّون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ورد
في الحديث الشريف عن الرسول بنقل الجماعة من الصحابة (1).
وإذا كانت حجّة بني أميّة أنّهم عادوا بني هاشم على الإسلام في مجتمع قبلي - وإنّ كانت حجّة مدحوضة تصرّح بكفرهم - فما حجّةُ النواصب في عداءهم لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ؟ ! إلاّ التمسكّ بأذيال سبّ الصحابة ، وكأنّ علياً ليس من الصحابة مع أنّه أفضلهم بل هو نفس الرسول كما ورد في آية المباهلة (2).
الصورة
ولد في باكستان ، وترعرع في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي
قال " محمّد ذكر الرحمن " : إنّ أوّل من اعتنق مذهب الشيعة الاثني عشري من بيتنا هو أخي الكبير الحافظ " فضل الرحمن " ، وكان سبب تشيّعه أنّ أصدقاءه من الشيعة أصروا عليه أن يطالع كتب الشيعة والسنّة ، ويقارن بينهما على ضوء الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل السليم ، فبدأ بمطالعة كتب الفريقين ، وأمعن النظر فيها وبدأ بالبحث والتحقيق حولها ، فكانت النتيجة أن استبصر وتشيّع ، كما هو حال كثير من أهل السنّة الذين استبصروا والتحقوا بركب أهل البيت (عليهم السلام) .
وعلى إثر ذلك تشيّع أيضاً جميع أفراد عائلته ، وكنت آنذاك في التاسعة من العمر ، وكنت مشتغلاً بدراسة القرآن الكريم وحفظه في إحدى المدارس التابعة للمذهب السنّي .
فوصل خبر تشيّعنا جميعاّ إلى طلاب المدرسة ومعلّميها ، فعظم ذلك عليهم ، فأخذوا يطعنون علي بأنواع المطاعن ، ويؤذونني بألوان الأذى فضعفت العلاقات الودّية التي كانت بيني وبينهم ، فضاقت عليَّ الحياة المدرسية بما رحبت .
وكانوا يوردون عليَّ ما يورد السنّة على الشيعة من إشكالات وشبهات ، وحيث كنت غير قادر على ردّها لعدم اطّلاعي على عقائد الشيعة وأصولها تماماً بمقتضى السن ، راجعت أهل العلم والمعرفة من الشيعة وأخذت منهم الأجوبة الشافية ، وقدّمتها إليهم ردّاً على إشكالاتهم واعتراضاتهم .
وكانت من جملة المواضيع التي طرحت فيما بيننا آية المودة التي تأثرت بها كثيراً ، ومن خلالها ازداد تعلقي بأهل البيت (عليهم السلام) .
قال تعالى في محكم كتابه الكريم : * ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) * (1).
قال الثعلبي في تفسيره لهذه الآية الكريمة :
" وقال بعضهم : معناه إلاّ أن تودّوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم ، وهو قول سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب " (2).
ثمّ قال : " ثمّ اختلفوا في قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين أمر الله تعالى بمودّتهم ، أخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه الثقفي العدل ، حدّثنا برهان بن عليّ الصوفي . . . ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس ، قال : لمّا نزلت * ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) * ، قالوا : يا رسول الله ، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم ؟
قال : " عليّ وفاطمة وأبناؤهما " (3).
ثمّ قال الثعلبي : " ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو منصور الجمشاذي ، قال : حدثني أبو عبد الله الحافظ . . . ، عن زيد بن عليّ بن حسين ، عن أبيه ، عن جدّه عليّ
ابن أبي طالب رضي الله عنه ، قال : " شكوت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حسد الناس لي " فقال : " أمّا ترضى أن تكون رابع أربعة ، أوّل من يدخل الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمالنا ، وذرّيتنا خلف أزواجنا وشيعتنا من ورائنا " (1)ثمّ قال : " حدّثنا أبو منصور الجمشاذي ، حدّثنا أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد . . . ، عن أم سلمة ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لفاطمة (عليه السلام) : " إئتيني بزوجك وابنيك ، فجاءت بهم ، فألقى عليهم كساءً فدكياً ، ثمّ رفع يديه عليهم ، فقال : اللّهم هؤلاء آل محمّد ، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمّد ، فإنّك حميد مجيد " .
قالت : فرفعت الكساء لأدخل معهم فاجتذبه ، وقال : " إنّك على خير " (2).
ثمّ قال : " والدليل على صحّة مذهبنا فيه ، ما أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن حامد الأصبهاني . . . ، عن جرير بن عبد الله البجلي ، قال : قال رسول لله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " من مات على حبّ آل محمّد مات شهيد .
ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له .
ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً .
ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان .
ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشرّه ملك الموت بالجنة ، ثمّ منكراً ونكيرا .
ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله تعالى زوّار قبره ملائكة الرحمن .
ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره بابان من الجنّة .
ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس
من رحمة الله .
ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافراً .
ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشم رائحة الجنّة " (1).
ان آية المودّة وغيرها من الآيات والفضائل التي ملئت بها كتب الفريقين ، جعلت " محمّد ذكر الرحمن " يراجع حساباته وموروثاته العقائدية ، وذلك لاستكشاف مدى تطبيقه لهذه الآية الكريمة ، وهل أنّه حقّاً يودّ آل البيت (عليهم السلام) ؟ وهل محبّتهم (عليهم السلام) خالصة وثابتة في أعماقه وروحه ؟ فكانت الإجابة بالطبع هي النفي ; لأنّ محبّة أهل البيت (عليهم السلام) لا تتمّ إلاّ بالبراءة من أعدائهم ومبغضيهم ، إذ كيف تكون محبّة المسلم لأهل البيت (عليهم السلام) خالصة لهم ، وهو يوالي من ظلمهم وآذاهم وسلب حقوقهم ؟ !
فمسألة مظلومية أهل البيت (عليهم السلام) من قبل الخلفاء ومن تبعهم من ملوك بني أميّة وبني العبّاس واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار ، فتاريخ المسلمين يطفح بالفضائح والفظائع التي اقترفها مناوؤا أهل البيت (عليهم السلام) بحقّهم وبحق أتباعهم وشيعتهم .
غير أنّ هذا التاريخ يفتقر إلى من ينظر إليه نظرة فاحص وباحث عن الحقّ والحقيقة ، ويكون ذا وعي يرتفع به إلى مستوى فهم التاريخ الإسلامي وملابساته على واقعه وحقيقته .
فهذا التاريخ يكشف لنا المواقف المؤلمة والفظيعة التي اتخذها الخلفاء ومن تبعهم ضدّ أهل البيت (عليهم السلام) .
1) - الكشف والبيان ، الثعلبي 8 : 34 ، دار إحياء التراث .
عائشة بنت أبي بكر ، هي التي حاربت إمام زمانها عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) بكل ما أوتيت من قوّة ، وسفكت دماء المسلمين من دون مبرّر شرعي يرتضيه الإسلام ، هذا وقد روي عن رافع مولى عائشة ، أنّه قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " عادى الله من عادى عليّاً " (1).
وقد روى أحمد في مسنده ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة : " أنّ عائشة أخبرته ، قالت : أوّل ما اشتكى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيت ميمونة ، فاستأذن أزواجه أن يمرّض في بيتها ، فأذنّ له ، قالت :
فخرج ، ويدٌ له على الفضل بن عبّاس ، ويدٌ له على رجل آخر ، وهو يخطّ برجليه في الأرض ، قال عبيد الله ، فحدّثت به ابن عبّاس ، فقال : أتدرون من الرجل الآخر الذي لم تُسمِّ عائشة ، هو عليّ (عليه السلام) ، ولكن عائشة لا تطيب له نفساً " (2).
وقد صحّح لألباني هذا الخبر في " إرواء الغليل " فقال : " وسنده صحيح " (3)، فإنّ قول ابن عبّاس : " ولكن لا تطيب له نفساً " يدلّ على كره عائشة للإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) .
هذا وقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) : " قال عليّ : والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة : إنّه لعهد النبيّ الأمي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليَّ : أن لا يُحبَّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق " (4).
فإنّ هذه الأفعال والمواقف التي صدرت من عائشة كمحاربتها إيّاه في معركة الجمل ، وما قاله ابن عبّاس في حقهّا ، وغير ذلك من الأمور ، لا تتّفق بحال
من الأحوال مع القول بأنّ عائشة كانت تودّ قربى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وأمّا " معاوية بن أبي سفيان " ، فيكفي في إثبات بغضه لآل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، رفضه خلافة عليّ (عليه السلام) ومحاربته له في معركة صفّين وكثير من أفعاله الشنيعة ضد أهل البيت (عليهم السلام) وعلى كلّ حال ، فإنّ مسألة محبّة أهل البيت (عليهم السلام) ليست قضية هامشية في الدين الإسلامي ، بحيث إذا تركها أحد ما ، أو تسامح بها يمكن أن نوجد له مبرّرات غير موضوعية ولا مقبوله ، من أجل أن نحافظ على قدسيّته ومكانته في نفوس المسلمين ، ويكون ذاك على حساب الدين والعقيدة .
فإنّ المودّة في القربى ، مسألة أساسية في الإسلام ، يدور عليها رحى الإيمان وعدمه ، وذلك بشهادة الأخبار والروايات المستفيضة في كتب المسلمين .
يقول " محمّد ذكر الرحمن " : ومرّت الأيّام ومضت الأعوام ، وعقيدتي بأحقيّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) تزداد رسوخاً واستحكاماً يوماً بعد يوم ، واستعنت في هذا السبيل بالعلوم العقلية والنقلية ، وبعد التفحّص والتحقيق الكاملين ، ثبت عندي أنّ مذهب الشيعة الإمامية هو المذهب الحقّ .
ويضيف أيضاً :
أنّ الله تعالى خلق ذوات المعصومين المقدّسة ، لهداية الخلق واصلاح البشر ، وأوجب مودّتهم على عباده في كتابه العزيز بقوله : * ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) * ، فهل يعقل بعد ذلك أن يتمسّك الإنسان بغيرهم ، ويتّبع سواهم ، ويطلب الهداية والنجاة في غير حبّهم وطاعتهم .
الصورة
ولد عام 1331 ه ( 1913 م ) في قرية " كهائي " التابعة للواء " لاهور " ، ونشأ في أوساط مخالفة لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، ثمّ عمل موظّفاً في محكمة الدفاع في باكستان .
أجرى " محمّد عليّ " دراسة شاملة حول المعتقدات الإمامية ، والبحث عمّا يدعمها من أدلّة وبراهين ، وخصوصاً مسألة الإمامة الإلهيّة وما يرتبط بها من عصمة وقيادة دينيّة ودنيويّة ، وتعرّف من خلال بحثه على نمط جديد من التفكير الإسلامي الذي لم يعهده من قبل ، فرآه قائماً على أسس متينة وقواعد رصينة ، لا تهزّها معارضة من عارض ، ولا حُكم مَن حكم من أهل الأهواء على بطلان هذا المذهب ، الذي ينتمي لأهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ورأى أنّ أحكامهم عليه تصطدم مع واقع الأدلّة التي تثبت أحقّية الشيعة والتشيّع .
تجاوَز " محمّد عليّ " مرحلة البحث وغربلة الموروثات إلى مرحلة الانتماء والاعتقاد بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، وما ينطوي عليه من عقائد جليّة وجليلة مؤيّدة بالكتاب والسنّة الصحيحة والعقل .
وكان من جملتها ، الاعتقاد بإمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، وعصمته وخلافته المباشرة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبلا فصل .
وكان لمسألة " العصمة " وصحّة ثبوتها للإمام عليّ والأئمّة من ولده (عليهم السلام) ، الأثر المهم في ارتفاع رصيد المذهب الإمامي لدى تفكير " محمّد عليّ " ، وذلك لأنّ الاعتقاد بعصمة الأئمّة (عليهم السلام) يجعل المسلم على سكينة وطمأنينة في حياته الدينيّة والدنيويّة ، وعلى كافة الأصعدة ، عقائديّاً وفقهيّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً وغيرها .
وما ذلك إلاّ لأنّ الذي يرشده في هذه الحياة ، أئمّة معصومون ومنزّهون من قِبل الباري عزّ وجلّ عن الرجس والرذيلة ، بحيث يغدو المسلم قاطعاً بأنّ ما يصل إليه من عترة الرسول صلوات الله عليهم هو نفسه الذي جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا زيادة ولا نقصان .
وما يتمنّى المسلم أفضل من هذه الحياة التي يستطيع أن يصف فيها نفسه ، بأنّه مسلم متّبع للرسول حقّاً ، بلا شكّ ولا ارتياب .
إذا رجع المسلم السنّي إلى نفسه ، وأعمل عقله ، وجد أنّ ما يتلقّاه من أصول الدين وفروعه راجع في الحقيقة إلى ما يتوصّل إليه فهم علماء المذهب ، ومصادر هؤلاء إمّا القياس والاستحسان ، أو ما يرويه صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين يعتقد فيهم علماء السنّة بأنّهم قد يخطؤون في نقل السنّة النبويّة من جهة ولكنُهم يحكمون بعدالة جميعهم من جهة أخرى .
مِن هنا يمكن لنا أن نسأل من يقول بعدالة جميع الصحابة : بأنّه على فرض أنّ كل الصحابة عدول ، ويمكن لنا أن نأخذ السنّة النبويّة منهم ، ولكن إذا كان الخطأ يتطرّق إليهم في كلّ حين ، فما الدليل على أنّ ما يروونه هو فعلاً من السنّة النبويّة ؟
فإنّه من المحتمل أن يكون هذا الصحابي قد أخطأ في فهم الحديث الذي تلقاه عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيكون ما نقله ناقصاً ، وعلى غير ما قصده (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا يوجد
دليل ينفي هذا الاحتمال .
هذا وقد نقل لنا التراث الإسلامي العديد من الاختلافات العقائديّة والفقهيّة لدى الصحابة ، فكلٌّ يدّعي أنّ سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنده !
ومن المحتمل أيضاً أن يكون هذا الصحابي - باعتباره معرّض للخطأ والاشتباه والنسيان - قد فاته حديث عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ونسي أن يذكره بل قد ينفيه لنفس الأسباب المذكورة ، ولا يوجد مرجِّح - حسب الفرض - لصحابي على آخر يدعونا للالتزام بقوله ، فهذا يقول : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وذاك يقول : لم يقل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك ، فأين الملجأ ؟ !
هذا كلّه على فرض القول بعدالة جميع الصحابة ، أمّا إذا كان بطلان هذه النظريّة قد حكم عليها واقع التاريخ الإسلامي الذي لا يستطيع أن ينكره عاقل ، فتلك مصيبة عظمى ، وإرباك لأُسس الفكر السنّي ، وأزمة يواجهها القائلون بعدالة جميع الصحابة ولا يستطيعون الخروج منها .
إنّ نظرة واحدة يلقيها الباحث المنصف على التاريخ الإسلامي تكفيه لأن يجده مملوءاً بالخلافات بين الصحابة ، حيث فسقّ بعضهم بعضاً ، وكفّر بعضهم بعضاً ، بل قتل بعضهم بعضاً ، فهل يحصل هذا وكلّهم محقّون وعادلون : مالكم كيف تحكمون ؟
فهذا عمرو بن العاص البارع في صناعة الانحراف الديني ، والذي هرب من الحكومة العادلة للإمام عليّ (عليه السلام) إلى أحضان معاوية بن أبي سفيان ، وخرج على الخليفة الراشد وباع آخرته بدنياه ، ثمّ قاتل إمامه إلى جانب معاوية في معركة صفّين ، ومع ذلك يحكم عليه علماء السنّة بأنّه من الصحابة الأجلاّء !
وها هو " عمرو بن العاص " يقول في مرضه الذي مات فيه :
" أصلحت من دنياي قليلاً ، وأفسدت من ديني كثيراً ، فلو كان الذي
أصلحت هو الذي أفسدت ، والذي أفسدت هو الذي أصلحت لفُزتُ ، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت ، ولو كان ينجيني أن أهرب هربت ، فصرت كالمنحنق بين السماء والأض ، لا أرقى بيدين ، ولا أهبط برجلين ، فعظني بعضة أنتفع بها يا ابن أخي .
فقال له ابن عبّاس : هيهات يا أبا عبد الله ، صار ابن أخيك أخاك ، ولا تشاء أن أبكي إلاّ بكيت ، كيف يؤمن برحيل من هو مقيم ؟
فقال عمرو : على حينها من ابن بضع وثمانين سنة - تقنطني من رحمة ربِّي اللّهم إنّ ابن عبّاس يقنطني من رحمتك ، فخذ منّي حتّى ترضى .
قال ابن عبّاس : هيهات يا أبا عبد الله ، أخذت جديداً ، وتعطى خلقاً .
فقال عمرو : مالي ولك يا ابن عبّاس ، ما أرسل كلمة إلاّ أرسلت نقيضها " (1).
إنّ الذي ينظر إلى موقف ابن عبّاس من عمرو بن العاص يجده موقفاً غير مطمئن له ، ومعنى ذلك أنّ أفعال عمرو بن العاص كانت على درجة من القبح ، بحيث يستبعد ابن عبّاس معها أن يرضى عنه الباري عزّ وجلّ .
وهناك نموذج آخر وهو الصحابي " أبو الغاديّة الجهني " (2)، الذي قتل الصحابي الجليل " عمّار بن ياسر " ، وكان أبو الغاديّة في صفوف جيش معاوية ، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في صحيح البخاري :
" ويح عمّار ، تقتله الفئة الباغية ، عمّار يدعوهم إلى الله ، ويدعونه إلى النار " (3).
وقال أيضاً : " قاتل عمّار وسالبُه في النار " (4).
فمن هم الذين يدعون عمّاراً إلى النار ؟ ، أليس معاوية وعمرو بن العاص وأبو الغاديّة الجهني وغيرهم ؟ وهؤلاء من الصحابة ، فكيف يتّصف من يدعو إلى النار ومَن في النار بالعدالة ؟ !
وأمّا دعوى علماء السنّة بأنّ بعض الصحابة " اجتهدوا فأخطأوا " فما هي إلاّ تضليل للمسلمين ، وتزييف للحقيقة ، وخروج عن الصراط المستقيم ، ولا دليل عند مدّعيها بأنّهم اجتهدوا فتلك المؤامرات التي يحكيها لنا التاريخ ، والتي خطّط لها وأحكمها بعض صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ضدّ البعض الآخر ، والتي أدّت إلى سفك دماء عشرات الآلاف من المسلمين ، هل كانت نابعة من اجتهاد خاطىء ؟ ! أم حبُّ الدنيا واتّباع الهوى على حساب الإسلام والمسلمين .
ولو تنزّلنا وقلنا بأنّهم اجتهدوا فهل كان من حقّهم الاجتهاد في أمر لا يجوز فيه الاجتهاد ؟ ! فبعد أن بايع المسلمون عليّاً (عليه السلام) ، وأصبح خليفة عليهم ، كيف يحقّ لعائشة وطلحة والزبير بالاجتهاد والخروج لقتال عليّ (عليه السلام) في معركة الجمل ؟
فهل الصحابة العدول الذين يحملون على عاتقهم مسؤوليّة حفظ الإسلام والمسلمين ، والذين جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الدين الإسلامي أمانة في أعناقهم ، يكون اجتهادهم سبباً لقتل آلاف المسلمين ، أليس هذا تحطيم للإسلام ، وتفريق لكلمة المسلمين ؟ فأيّ صحابي عادل يجتهد هكذا اجتهاد ؟ !
ثمّ إنّ هذه الهالة القدسيّة التي يحيطها أهل السنّة والجماعة بجميع الصحابة ، هل لها أساس في القرآن الكريم والسنّة النبويّة الصحيحة ؟ أم أنّها وُضعت لتبرئة الظلمة الذين اهتضموا حقّ آل محمّد صلوات الله عليهم ، وإيجاد الطريق للدفاع عنهم والاعتذار لهم ، وكذا إغلاق الباب بوجه كلّ من يريد أن يستخرج دفائن التاريخ ; ليعرف حقيقة ما جرى بلا تضليل ولا تشويه .
هذا وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال :
" أنا فرطكم على الحوض ، أنتظركم ليرفع لي رجال منكم ، حتّى إذا عرفتهم اختلجوا دوني ، فأقول : ربِّ أصحابي ، ربِّ أصحابي ! فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (1).
وبعد هذا كلّه نستنتج بأنّ الصحابة الذين لا يُستأمنون على دماء عشرات الآلاف من المسلمين من أجل دنياهم وزخرفها ، كيف يُستأمنون على سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ ، وكيف يسلم هو وأحاديثه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الوضع والتزوير حفظاً للمآرب والمصالح الشخصيّة والسياسيّة ؟ !
أكّد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على أمتّه ليتمسّكوا بعترته وأهل بيته الطيّبين الطاهرين فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين :
" إنّي تارك فيكم ما إنّ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يتفرّقا حتّى يردا عليَّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما " (2).
وفي هذا الحديث الشريف دلالة واضحة على عصمة أهل البيت (عليهم السلام) ; لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قرنهم بالكتاب العزيز ، وحكم بأنّهما لن يتفرّقا ، ومعنى ذلك أنّ أهل البيت (عليهم السلام) لا يفارقون القرآن ولا يخالفونه مثقال ذرّة وهذا معنى " العصمة " وكذا فإنّ حكم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدم ضلالة من يتبعهم دليل على العصمة أيضاً ; لأنّهم لو كانوا يخطؤون ويذنبون بأقوالهم وأفعالهم لضلَّ من تبعهم ، وما دام الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : " لن تضلّوا " فإنّه يعني أنّهم معصومون .
إذن فالمسلم الذي يريد أن تكون عقيدته مطابقة لمّا أنزله الله تعالى على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتكون أقواله وأفعاله وعباداته ومعاملاته مطابقة لأحكام الشريعة
الإسلاميّة ، فلا مناص له من اتّباع عترة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين يحملون السنّة الحقيقيّة والصحيحة للنبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبذلك يكون قد أبرء ذمّته أمام الله تعالى يوم القيامة ، وحظي بالسعادة في الدنيا والآخرة .
تعرّف " محمّد عليّ " من خلال الآيات الكريمة والأخبار الصحيحة المروية في كتب الفريقين ، أنّ لأئّمة أهل البيت (عليهم السلام) مكانة سامية ومقام عظيم عند الباري عزّ وجلّ ، يتمثّل بمنصب " الإمام المعصوم " ، ويجب على ا لأمّة أن تتّبعهم وتتمسّك بهديهم امتثالاً لأمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين ، الذي قرنهم بالقرآن الكريم وبيّن بأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض .
يقول " محمّد عليّ " ثبت لي بالطريق الصحيح أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) هو الإمام الحقّ ، وخليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن بعده أولاده الأحد عشر خلفاؤه وأوصياؤه .
ولذا اعتنقت مذهب الشيعة عام 1377 ه ( 1958 م ) ، وأنّي لعلى يقين تام بأنّ هذا المذهب هو الطريق الأوحد للنجاة يوم القيامة .
الصورة
ولد عام 1357 ه ( 1939 م ) في مدينة " لائل بور " ، ونشأ في عائلة سنيّة ثرية ومعروفة .
اعتنق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بعد معرفة الطريق الصحيح الذي يسير عليه أتباع أهل البيت (عليهم السلام) .
وكان ذلك بعد تحقيق واسع وتأمّل عميق في عقيدة المذهب الشيعي وآرائه ونظريّاته ، والتي يستمدّها من الكتاب العزيز والسنّة النبوية الصحيحة ، فتوصّل بعد ذلك إلى أحقّيّة هذا المذهب وصحّته ، وأنّه يمثّل الإسلام الصحيح الذي جاء به الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين المذاهب الإسلاميّة الأخرى ، فسارع إلى اعتناقه والاعتقاد به محقّقاً بذلك الالتحاق بسفن النجاة وأعلام الهدى (عليهم السلام) .
أدرك " محمّد يونس " أنّ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ليس حزباً قد وضعه الواضعون ، ولا هو وليد اليوم والأمس ، فإنّ نسبة المذهب إلى أهل البيت (عليهم السلام) ، هي أوّل دليل على أصالته وأهميّته في الإسلام ، فإنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخاصّته ، وهم الثقل الآخر الذي تركه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لنا نحن
المسلمين (1).
فإنّ الكتاب العزيز وأهل البيت (عليهم السلام) هما المصدر لكل ما يتعلّق بالمذهب الشيعي من أصول دينية كالتوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد ، وأحكام شرعية كالصلاة والصوم والزكاة والحج والخمس و . . . ، فإنّهما منبع لأصول المذهب وفروعه ، لذلك أمكن القول بأنّ أتباع أهل البيت (عليهم السلام) هم في الواقع أهل السنّة وأتباعها .
إنّ ما ذكرناه من تبعيّة الشيعة للكتاب العزيز والسنّة النبوية الصحيحة ، نجده مختلفاً عما هو في المذاهب الإسلاميّة الأخرى ، فإنّها تنسب فروع الدين إلى مجموعة محدودة من العلماء ، استخرجوا الأحكام الشرعيّة من أدلّتها ، معتمدين في ذلك إمّا على فهمهم الخاص للكتاب العزيز وروايات السلف ، وإمّا على القياس والاستحسان .
وأمّا في أصول الدين ، فإنّ تلك المذاهب تعتمد على ما يرويه العلماء والرواة عن السلف - صحابة وتابعين - في تأصيل الأصول .
مع أنّ الصحابة افترقوا وتحاربوا ، بل قتل بعضهم البعض ، معتمدين في ذلك إمّا على فهمهم الخاص للسنّة ، أو اتباع الهوى وسبيل الدنيا وزخرفها ، وأدّى هذا الأمر إلى ضياع الكثير من الأمور الدينية التي جاء بها الإسلام ، وعدم تمييز الصحيح من الخطأ فيها .
وتفادياً لهذه المشكلة العويصة ، ودفعاً للإشكالات والشبهات التي أوقعت علماء المذاهب في مأزق ، اضطرّوا إلى وضع نظرية " عدالة الصحابة " ، وغضّوا الطرف عن كلّ ما فعلوه واقترفوه بحق السنّة النبويّة وبحق بعضهم البعض ، وساووا
1) - اُنظر : صحيح الجامع الصغير ، الألباني : ح 2458 .
بين العادل والفاسق والظالم والمظلوم والقاتل والمقتول ، وأخذوا بروايتهم جميعاً .
أمّا أتباع المذهب الشيعي - كما قلنا - فقد أخذوا دينهم - أصوله وفروعه - عن أهل البيت (عليهم السلام) ، الذي أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمّته بأن يتمسّكوا بهم مع الكتاب العزيز .
وكذا اعتقدوا بإمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، الذي نصّ عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعا أمّته إلى موالاته ونصرته في العديد من المواقف ، والتي كان أبرزها في غدير خم .
فإنّ هذه الأمور ، بالإضافة إلى فضائل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) التي اختصّ وتميّز بها عن سائر أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أضفت على قلب " محمّد يونس " شوقاً للالتحاق بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) والتراجع عن معتقداته الموروثة .
الصورة
ولد عام 1330 ه ( 1912 م ) في " لاهور " ، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي ، وشغل عدّة وظائف حكومية ، منها : رئاسة شعبة لجنة السكك الحديدية في باكستان الغربية .
اختار مذهب الشيعة الإمامية بعد دراسة وتحقيق حول المذاهب المختلفة أصولاً وفروعاً .
كانت بداية انتقال " مرغوب أحمد " في الصعيد المذهبي عندما أعلمه أحد أصدقائه بأنّ الصحابة قد أغضبوا فاطمة الزهراء (عليه السلام) في منعهم حقّها في فدك وتهديدهم إيّاها بإحراق بيتها إنّ لم يبايع عليّ (عليه السلام) أبا بكر ، بل بلغ الأمر إلى ما تهتزّ له المشاعر عندما تمّ إحراق بيتها بأمر عمر بن الخطاب .
شعر " مرغوب أحمد " بالإحباط لدى سماعه لهذه الوقائع المؤلمة ، فعزم على البحث في مجريات هذه الأحداث ، ودراسة الظرف التاريخي الذي أنشأ الصراع بين الذين استولوا على دفّة الحكم بعد الرسول وبين آل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فتجلّى لديه الحقّ في استحقاق الشيخين غضب ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ورأى بأنّ ما
فعلاه في حقّ فاطمة (عليه السلام) لا ينسجم مع ما يعتقده أهل السنّة من فضلهما .
ورد في صحيح البخاري ، وفي كتاب الخمس ما نصّه : " فغضبت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتّى تُوفّيت " (1).
وكذا جاء في كتاب الفرائض : " فهجرته فاطمة ، فلم تكلّمه حتّى ماتت " (2).
فلو سلّطنا الضوء على تلك الحقبة الزمنية من تاريخ الإسلام - أي : الزمن الذي تلا وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) - نجدها ملأى بالأحداث والمؤامرات التي حيكت من قبل الطامحين إلى الخلافة ضدّ البيت الهاشمي !
وتهدف هذه المؤامرات إلى إقصاء آل البيت (عليهم السلام) عن الخلافة التي خصّهم الله تعالى بها ، ومن ثمّ الاستيلاء عليها ، ولا سيما أنّ الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) - زعيم البيت الهاشمي - هو المنصوص الوحيد من قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لاستلام الخلافة الإسلاميّة .
وأغلب الظن أنّ إصرار أبي بكر وعمر على انتزاع فدك من الزهراء (عليه السلام) كان من أجل إضعاف أمير المؤمنين (عليه السلام) مالياً ، وبالتالي عدم استطاعته للانتفاع من عائدات فدك من أجل الدفاع عن حقّه في الخلافة .
وإذا تجرّدنا عن المرتكزات ، ووضعنا العواطف جانباً ، وشرعنا بتقيم موقف أبي بكر اتّجاه الزهراء (عليه السلام) ، وتسلّطه على أموالها بغير حقّ فإنّنا سنواجه تساؤلات كثيرة منها : أنّ أبا بكر كان قريب العهد بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهل نسي أحاديثه بفضل ابنته فاطمة الزهراء (عليه السلام) ، وعظم شأنها عند الباري عزّ وجلّ ، وهل نسي وصاياه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعترته وأهل بيته الطاهرين خيراً ؟ بل وعيده لظالميهم بالعذاب
والنكال !
أم كان أبو بكر يعتقد بأنّ الزهراء (عليه السلام) ليس من أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أو ليست من عترته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أو يظن أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد اشتبه عليه الوحي عندما تكلّم بفضائلها وعلِّو شأنها ، وأنّها " سيدة نساء هذه الأمّة " (1)بل " سيدة نساء العالمين " (2).
ألم يعلم أنّ فاطمة الزهراء (عليه السلام) كانت إذا دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قام إليها ، فقبّلها ، ورحّبَ بها ، وأخذ بيدها ، فأجلسها مجلسه (3)!
هذا ، والزهراء (عليه السلام) قد ذكّرته والقوم في خطبتها المعروفة التي أرادت منها إلقاء الحجّة على الأمة ، وإيضاح الحقّ والبيان فيما اغتصبوه ، فقالت : " هذا ، والعهد قريب والكلم رحيب والجرح لمّا يندمل والرسول لمّا يقبر " ، وقالت في موضع آخر من خطبتها : " معاشر النقيبة وأعضاد الملة وحصون الإسلام ! ما هذه الفترة في حقّي والسنة عن ظلامتي ؟ أما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبي يقول : المرء يحفظ في ولده " (4).
فبعد هذا يمكننا القول بأنّ أبا بكر قد مرَّ بامتحان عسير مع الزهراء (عليه السلام) ، وكانت نتيجته أنّها (عليه السلام) توفيّت وهي غاضبة عليه !
1) - اُنظر : صحيح البخاري 7 : 142 طبعة دار الفكر - بيروت ، صحيح مسلم 7 : 143 ، وغيرها .
2) - المستدرك ، الحاكم 3 : 1422 ح 4800 ، وقال عنه : هذا إسناد صحيح ، وقال الذهبي : صحيح .
3) - المستدرك على الصحيحين ، الحاكم 3 : 1426 ح 4814 وقال : هذا حديث صحيح .
4) - اُنظر تفاصيل الخطبة في : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16 : 251 ، بلاغات النساء لابن طيفور : 14 ، الاحتجاج 1 : 137 ، وغيرها من المصادر .
ورد في صحيح البخاري عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما لفظه : " فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني " (1).
يدلّ هذا الحديث الشريف على وجود مقام عظيم تتمتّع به الزهراء (عليه السلام) ، وهو مقام " العصمة " ، ويمكن أن نثبت ذلك من خلال أمور :
الأمر الأوّل : ( عصمتها من جهة الغضب - وهو الوارد في الحديث - ) :
إنّ مقتضى إطلاق كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، هو أنّ الزهراء (عليه السلام) لا تغضب إلاّ للحق ، وأنّ آثار غضبها (عليه السلام) كآثار غضبه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولو كان غير ذلك ، لوضع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قيداً في كلامه يدلّ على أنّ غضبها كغضبه فيما إذا كان على الحقّ فقط ، وما دام هذا القيد منتفياً ، فيكون الحديث دالاً على أنّ غضب الزهراء (عليه السلام) لا يكون إلاّ للحق ، هذا من ناحية العصمة في الغضب .
الأمر الثاني : ( عصمتها من الذنوب والآثام ) وبيانه :
إنّ هذا الحديث يدلّ على أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى للزهراء (عليه السلام) مقام ( من يغضب لغضبه ) ، وهذا ثابت لها - بما أنّها فاطمة الزهراء (عليه السلام) لا بما أنّها مؤمنة فقط - طيلة حياتها ، ولا تخلو لحظة من وجودها (عليه السلام) إلاّ والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يغضب لغضبها ، وهنا يأتي السؤال :
إذا افترضنا أنّ الزهراء (عليه السلام) ممن يقترف الذنب ، فهل يستمرّ انطباق الحديث عليها ، ويبقى مقامها مقام من يغضب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لغضبه ، وهي في حال فعل المعصية ، أولا ؟
فإن قلنا باستمرارية الانطباق ، ننتهي إلى نتيجة معلومة البطلان وهي ، أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يغضب لغضب إنسان حتّى وهو في حالة يعصي فيها الله تعالى !
1) - صحيح البخاري 4 : 210 ، وفي صحيح مسلم 7 : 141 ، ورد " إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها " .
وإنّ قلنا بعدم استمرارية الانطباق ، فقد ينطبق عليها إذا لم تكن في حال المعصية ، وقد لا ينطبق فيما إذا كانت في حال المعصية ، فنقول : إنّ هذا خلاف إطلاق الحديث ، فإنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقيّد غضبه بحالة معيّنة من حالات الزهراء ، وحينئذ لا بدّ أن ننتهي إلى أنّ الزهراء (عليه السلام) معصومة من كلّ ذنب ، وذلك لإطلاق الحديث ، ولإستمرارية الانطباق .
وممّا تقدم يتجلّى لدينا أنّ نتائج غضبها (عليه السلام) وآثاره مهولة ، ولا سيّما أنّها توفّيت وهي غضبى على أبي بكر وعمر ، وقد شعرا بذلك عندما زاراها وطلبا إرضائها حيث قالت لهما : " فإني أشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لأشكونّكما إليه .
فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة " (1).
وقول أبي بكر هذا يدلّ على أنّه كان يعلم مدى خطورة إيذاء فاطمة (عليه السلام) وأنّه ينتهي إلى غضب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالتالي غضب الله تعالى ، وإذا رجعنا إلى الآية الشريفة نجدها تصرح ب * ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) * (2)، وقد قام أبو بكر وعمر بمحاولات يائسة في طلب استرضاء الزهراء (عليه السلام) وعفوها ، ولكن باءت جميعها بالفشل ، وهذا من عواقب فعلتهم وتبعات أعمالهم .
والجدير بالذكر ، أنّ أبا بكر وعمر لو كانا يستحقّان العفو والرضا من الزهراء (عليه السلام) ، لمّا توانت لحظة واحدة في إصدار العفو عنهما ، كيف وهي صاحبة القلب الكبير ، ورمز الحنان والعطف ، حتّى أنّ أباها (صلى الله عليه وآله وسلم) قد وصفها ب " أم أبيها " (3)، وكيف ، وهي بنت الدعوة المحمديّة ، وقد بُعث أبوها رحمة للعالمين .
ولكنهما لم يكونا جادّين في طلب الرضا والعفو ، وإلاّ فهل تقبل توبة
غاصب يستولي على كلّ شيء ثمّ يقول سامحوني ؟ ! فهل رجع الحقّ إلى صاحبه الشرعي ، وهل عوقب على هتك البيت الطاهر الذي كان يقف على بابه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلّ يوم ولمدة ستة أشهر ، يسلّم على أهله ويقرأ عليهم الآية الشريفة : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * (1)(2)، ولكنهما أرادا إظهار الأمر وكأنّه مشكلة عادية تنتهي بالاعتذار ، وبذلك يكتسبان الشرعيّة لاغتصاب الخلافة وفدك من أهلها ، ويتم إعادة الاعتبار لهما ، وكأن شيئاً لم يكن .
ثمّ إنّ الزهراء (عليه السلام) أرادت إلاّ تُلقى ظلامتها ، واغتصاب حقّها في مهملات التاريخ ، ولئلا يمرّوا أصحابه على حادثتها مرور الكرام .
وأرادت بذلك أن تنير درب الأمّة وترشدها إلى طريق الحقّ والصراط المستقيم لكي لا تقع من بعدها في الضلال ، وتُعلمها أنّ من استحق غضب الله تعالى وغضب رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بغضبها ، لا يحق له أن يكون خليفة ، وقد قال تبارك وتعالى : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) * (3).
اجتاز " مرغوب أحمد " مصاعب الوسوسة الفكرية في انتقاله من مذهب كان ينتمي إليه نتيجة التقليد الأعمى إلى مذهب مسلّح بنصوص تدعم صحّته وأحقّيّته ، حيث يقول : تأمّلت في أصول المذاهب المختلفة وفروعها على ضوء العقل ، فاتّضح لي أنّ المذهب الذي يطابق العقل السليم هو مذهب الإمامية الاثني عشرية ، فاخترته ، وكانت عقيدتي فيه تزداد رسوخاً وثباتاً مع الأيام منذ سبع وثلاثين سنة ، وأسأل الله تعالى أن يختم لي بهذا الاعتقاد .
الصورة
ولد عام 1340 ه ( 1922 م ) في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي ، وترعرع فيها متعلّماً من أصول مذهبها وفروعه ، ثمّ التحق بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) عام 1371 ه ( 1952 م ) .
من الدوافع المهمّة التي جعلت " مشتاق أحمد " ينتقل إلى المذهب الحقّ هي الفضائل الكثيرة للإمام عليّ (عليه السلام) ، التي امتلأت بها كتب المسلمين من السنّة والشيعة ، ويشهد بذلك ما نقله ابن حجر في فتح الباري حيث قال : " قال أحمد (1)وإسماعيل القاضي والنسائي وأبو عليّ النيسابوري : " لم يرد في حقّ أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر ممّا جاء في عليّ " (2).
يقول " مشتاق أحمد قريشي " : قارنت بين فضائل الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وفضائل الصحابة على ضوء الأحاديث الواردة في كتب السنّة ، واطّلعت
على التفاسير الراجعة إلى آيات الكتاب العزيز ، والأحاديث النبويّة الشريفة ، فوجدت بينهما بعداً شاسعاً كبعد المشرقين .
ويضيف أيضاً : رأيت عليّاً (عليه السلام) أشرفهم حسباً ونسباً ، فإنّه ولد من أب وأم هاشميين ، ولد في بيت الله الحرام ، قبلة الأنام ومحل عبادة المسلمين ، وقد مصَّ لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فياله من بيت طاهر ، وأب طاهر ، وبطن طاهرة ، ووليد طاهر ، ومغذٍّ طاهر .
إنّ من الآيات القرآنية التي لفتت انتباه " مشتاق أحمد " قوله تعالى * ( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) * (1)، فأدرك أنّ دلالة هذه الآية المباركة على المقام الشامخ والفضل العظيم لأهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا سيّما أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من أوضح الأمور وأبينها ، وذلك من حيث نفس الحدث الهام الذي تثبت به عظمة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وصحّة نبوّته ، وتقوم به دعائم رسالة الإسلام وإثبات أحقّيتها على كافة الأديان والمذاهب ، فإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) اختار لهذا الأمر العظيم والحسّاس ( المباهلة ) صفوة خلق الله تعالى وأفضلهم على عباده ، وهذا ممّا يدلّ على المكانة السامية لأهل البيت (عليهم السلام) عنده عزّ وجلّ ، ولأجل ذلك أمر رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو فاطمة وعليّ والحسن والحسين (عليهم السلام) .
وكذا من حيث الفضيلة التي امتاز بها أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) على سائر الخلق وهي كونه " نفس " رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال الفخر الرازي في التفسير الكبير : " روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا أورد الدلائل على نصارى نجران ، ثمّ إنّهم أصرّوا على جهلهم ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : " إنّ الله أمرني إنّ لم تقبلوا
1) - آل عمران (3) : 61 .
الحجّة أن أباهلكم " فقالوا : يا أبا القاسم ، بل نرجع فننظر في أمرنا ، ثمّ نأتيك ، فلمّا رجعوا قالوا للعاقب : وكان ذا رأيهم ، يا عبد المسيح ، ما ترى ؟ فقال : والله لقد عرفتم يا معشر النصارى ، أنّ محمّداً نبيّ مرسل ، ولقد جاءكم بالكلام الحقّ في أمر صاحبكم ، والله ما باهل قوم نبياً قطّ فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ، ولئن فعلتم لكان الاستئصال ، فإن أبيتم إلاّ الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم ، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج وعليه مرط من شعر أسود ، وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ، وفاطمة تمشي خلفه ، وعليّ رضي الله عنه خلفها ، وهو يقول : إذا دعوت فأمّنوا ، فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى ، إنّي لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها ، فلا تباهلوا فتهلكوا ، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، ثمّ قالوا : يا أبا القاسم ، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرّك على دينك ، فقال صلوات الله عليه : فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا ، يكن لكم ما للمسلمين ، وعليكم ما على المسلمين ، فأبوا ، فقال : فإنّي أناجزكم القتال ، فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة ، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا ، على أن نؤدّي إليك في كلّ عام ألفي حلة : ألفاً في صفر ، وألفاً في رجب ، وثلاثين درعاً عادية من حديد ، فصالحهم على ذلك ، وقال : والذي نفسي بيده ، إنّ الهلاك قد تدلّى على أهل نجران ، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ، ولا ستأصل الله نجران وأهله ، حتّى الطير على رؤوس الشجر ، ولمّا حال الحول على النصارى كلهم حتّى يهلكوا ، وروي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا خرج في المرط الأسود ، فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله ، ثمّ جاء الحسين رضي الله عنه فأدخله ثمّ فاطمة ، ثمّ عليّ رضي الله عنهما ، ثمّ قال : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * (1)، واعلم أنّ هذه الرواية
1) - الأحزاب (33) : 33 .
كالمتّفق على صحّتها بين أهل التفسير والحديث " (1).
وقال الجصّاص في " أحكام القرآن " : " فنقل رواة السير ونقلة الأثر لم يختلفوا فيه أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ بيد الحسن والحسين وعليّ وفاطمة رضي الله عنهم ، ثمّ دعا النصارى الذين حاجّوه إلى المباهلة ، فاحجموا عنها ، وقال بعضهم لبعض : إنّ باهلتموه اضطرم الوادي عليكم ناراً ، ولم يبق نصراني ولا نصرانية إلى يوم القيامة " (2).
وعلى هذا فإنّ أصحاب المباهلة هم : " رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) " ، وذلك باتفاق المسلمين كافّة .
(( وأنفسنا وأنفسكم )) :
إنّ الأمر المهم والملفت للنظر في هذه الآية الكريمة هو أنّ الإمام عليّ (عليه السلام) " نفس " رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد أخبرنا الله تعالى بذلك من خلالها ، فينبغي للمسلم أن يتأمّل في ما يترتّب على ذلك من معاني جليلة ، وفضائل عظيمة ، ومقام سامي لأمير المؤمنين (عليه السلام) .
فإنّ وصف الإمام عليّ ب " نفس " رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، - وليس المقصود بذلك كما هو واضح أنّه نفسه حقيقة ، وإنّما أقرب المجاز إلى الحقيقة - ، ينتهي بنا إلى أنّ عليّاً (عليه السلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم (3)بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهذا هو معنى " الإمامة " ، وأنّه (عليه السلام) معصوم من كلّ ذنب ورذيلة كالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّه (عليه السلام) أفضل من سائر الصحابة ، بل الخلق جميعاً ، كما أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل خلق الله تعالى ، وإلى غير ذلك ممّا يتّصف به الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) من صفات .
بيد أنّ ما يختصّ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من صفات ككونه " خاتم الأنبياء
والمرسلين ، وأنّه لا نبي بعده " ، وكونه أفضل ما خلق الله تعالى بمن فيهم عليّ (عليه السلام) ، وما إلى ذلك من مختصّاته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لا كلام فيه بين المسلمين سواء من السنّة أو الشيعة .
فيثبت إذن للإمام عليّ (عليه السلام) ما هو المطلوب في مقامنا من كونه (عليه السلام) ذا فضائل كثيرة وعظيمة ، التي منها " الإمامة " و " العصمة " وأفضليّته على البشر عدا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وغير ذلك .
ولد سنة 1381 ه ( 1962 م ) في باكستان ، بمدينة " جهلم " ، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب السنّي ، وكان أبوه من المتعصّبين لمذهبه الذي ورثه من آبائه ، وكان يبغض مذهب التشيّع ، ويكثر من النيل منهم والإطاحة بهم .
يقول " معظّم عليّ " : سمع أبي ذات يوم بأنّ أخيه غيّر انتماءه المذهبّي ، وترك المذهب السنّي ، واعتنق مذهب التشيّع ، فغضب عند استماعه لهذا الخبر ، وحلف بأنّه سيقتل أخوه !
ولكنه سرعان ما عرف بأنّ أخاه سافر إلى مدينة أخرى خشية أن يصيبه السوء ممن ساءهم استبصاره .
يضيف " معظّم عليّ " : استمرّ ابتعاد عمّي عنّا مدّة ثلاث سنوات ، فلم يتحمل أبي ذلك ، وقرر السفر إلى المدينة التي يتواجد فيها أخيه ليقتله ويتخلّص من شرّه ، ويطهّر أسرتنا من هذا العار الذي لحق بها .
فشدّ أبي رحاله ، وسافر إلى تلك المدينة ، وقصد أخيه فلمّا التقى به ، قال له : وجب عليّ أن أسفك دمك ; لأنّك هجرت مذهب السنّة والجماعة ، واعتنقت
مذهب التشيّع .
قال له أخيه : كيف تجوّز لنفسك قتلي وأنا مسلم ؟ ويحتّم عليك الإنصاف أن تصغي إلى الأدلّة والبراهين التي دفعتني إلى الاستبصار ، وما يدريك لعلّ هذه الأدلّة والبراهين تدفعك أيضاً إلى الاستبصار !
فصرخ أبي بوجهه وقال : أنا مستعد أن أصبح يهودياً أو مسيحياً ، ولكن من المستحيل أن أصبح شيعياً ; لأنّ عقلي لا يسمح لي بالتعرّض للخلفاء الراشدين ، وضميري لا يجيز لي تنقيص مكانة الصحابة ولا سيما الخليفة أبي بكر وعمر بن الخطاب .
فقال له أخيه : قد تكون صادقاً ، ولكنك تنظر إلى الحقائق من زاوية معيّنة ، ومن خلال ما ورثته من آبائنا ، وما سمعته من العلماء المحيطين بك ، وأنا اُنظر إلى الأمور من زاوية أخرى ; لأنّ البحث كشف لي عن حقائق لم أكن مطّلعاً عليها من قبل ، وأنا أيضاً كنت مثلك لا أسمح لأحد أن يقوم بتنقيص أي صحابي ، ولكنني اطلعت على حقائق غيّرت وجهة نظري ، ورجائي منك أن تسمح لي بأن أبيّن لك ما تعرّفت عليه ، فإذا لم تقتنع فأنت مخيّر ، وبإمكانك أن تصنع بي ما شئت .
وهنا بقي والد " معظّم عليّ " غاضباً ، ومتوتّراً ينتظر ما يريد أن يبيّنه له أخيه .
ثمّ لم يتحّمل ، وقال لأخيه : هات ما عندك !
قال له أخيه : ما رأيك بفاطمة الزهراء ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
قال له : وما صلة هذا ببحثنا ؟
قال له أخيه : إنّ له صلة كبيرة جدّاً ; لأنّ فاطمة الزهراء (عليه السلام) فارقت هذه الحياة الدنيا وهي ساخطة على أبي بكر وعمر !
قال له : ومن قال لك بهذا ، وانّما هذا الكلام من مخترعات الشيعة ، ومن أكاذيبهم التي يريدون بها تشويه سمعة أبي بكر وعمر .
قال له أخيه : وأنا أيضاً كنت أفكّر كما تفكّر الآن ، ولكنّي سألت علماءنا ،
وبحثت في الكتب ، فوجدت صدق هذا الكلام ، وبإمكانك أن تسأل العلماء في هذا المجال .
فقال له : أنا سأذهب ، وسأسأل العلماء ، فإذا كان الكلام كما تقول فسأتركك لشأنك ، وإلاّ فسأعود ، وأعاقبك على الافتراءات التي تنسبها لأبي بكر وعمر بن الخطاب .
يقول " معظّم عليّ " : بدأ أبي بعد ذلك بالبحث ، وسأل العالم السنّي الذي كان يثق به ويعتمد عليه في مكان عمله ، حيث كان أبي ضابطاً في الجيش .
فقال له العالم : اترك هذه الأمور ، فإنّها قضايا تاريخية ، وعليك أن تهتم بتهذيب نفسك ، وأداء واجباتك العبادية ، وينبغي أن لا تشغل نفسك بأمور لا تعنيك .
فقال له أبي : كيف لا تهمّني هذه الأمور ، وهي تبيّن موقفي من الخليفة أبي بكر وعمر بن الخطاب ، أليس من حقّي أن أعلم بأنّ أبا بكر هل أسخط ابنة رسول الله أم لا ، وهل كان محقّاً في ذلك أم لا ؟
وإذا لم تتّضح لي هذه المسائل ، فستشكّل شبهة تؤرّق بالي ، وتسلب استقراري ، وسيبقى موقفي من الخلفاء موقفاً متزلزلاً ، وسيبعدني هذا الأمر من تعصّبي لهم .
قال له العالم : ألم أقل لك اترك هذه الأمور ، فأنت بدأت تشكّك في مكانة الخلفاء الراشدين ، ولم يتّضح بعد لك الأمر .
فنهض أبي من مكانه ، وأحضر القرآن الكريم ، ووضعه بين يدي العالم ، وقال له : أقسم عليك بهذا الكتاب إلاّ ما بيّنت لي الحقيقة .
فقال العالم : إذا كان لا بد من بيان ذلك ، فإنّ الأمر كما تقول الشيعة ، وأنّ أبا
بكر وعمر بن الخطاب تعاملا بقسوة مع فاطمة الزهراء ، وهجم عمر بن الخطاب على بيت الزهراء ، وأحضر الحطب ليحرق البيت (1)، ولمّا سمعت الزهراء أصوات عمر ومن جاء معه نادت بأعلى صوتها : " يا أبت ، يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة " (2).
ثمّ منع أبو بكر وعمر فاطمة الزهراء من إرث أبيها ، وسلبا منها " فدك " التي كانت أرض أهداها الرسول إليها في زمن حياته (3).
وورد أنّ فاطمة قالت لأبي بكر وعمر : " أرأيتكما إنّ حدّثتكما حديثاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تعرفانه وتفعلان به ؟
قالا : نعم .
قالت : نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : " رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟
قالا : نعم ، سمعناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قالت : فإني أُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبيّ لأشكونكما إليه . . .
ثمّ قالت الزهراء لأبي بكر : والله لأدعون الله عليك في كلّ صلاة أصليها ! " (4)
وقد ورد في صحيح البخاري : " فغضبت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت . . . " (5).
وورد أيضاً في صحيح البخاري أيضاً : " فوجدت [ أي : غضبت ] فاطمة على
أبي بكر . . . فهجرته ، فلم تكلّمه حتّى توفّيت ، وعاشت بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ستة أشهر ، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ (عليه السلام) ليلاً ، ولم يؤذن بها أبا بكر ، وصلّى عليها " (1).
يقول " معظّم عليّ " تفاجأ أبي بعد أن تعرّف على الحقّ وبعد معرفته لشخصية أبو بكر وعمر ، ثمّ ترك الصلاة والصوم والعبادات ، وقال بأنّي أيقنت بطلان مذهب أهل السنّة ، وأمّا اتباعي لمذهب الشيعة ، فإنّ نفسي لا تسمح لي بذلك .
وبقي أبي على هذه الحالة لفترة طويلة ، حتّى شاهد ذات ليلة في عالم الرؤيا أحد الصلحاء ، وهو يقول له : أرسلتني فاطمة الزهراء إليك ; لأقول لك لماذا تجحد الحقّ وأنت تعرفه ؟ !
فاستيقظ أبي فزعاً ، ثمّ قرّر الاستبصار ، ثمّ أعلن تشيّعه ، وعاد إلى أداء تكاليفه الشرعيّة .
فلمّا عرفت أمّي ذلك أخبرته بأنّها تشيّعت قبله ، ولكنّها لم تعلن ذلك خشية أن يصيبها سوء منه ، ومن هذا المنطلق أعلنّا جميعاً إستبصارنا .
يقول " معظّم عليّ " : تعرّف أبي - بعد استبصاره - على أحد علماء الشيعة الأخيار ، واقترح هذا العالم على أبي أن يرسلني لطلب العلم ، فقبل أبي ، فسجلت اسمي في مدرسة هذا العالم ، وشرعت بتلقّي علوم ومعارف أهل البيت (عليهم السلام) ، ثمّ سافرت سنة 1401 ه ( 1981 م ) إلى مدينة قم المقدّسة وانتسبت إلى الحوزة العلمية ، ودرست فيها أكثر من عشرين سنة ، وكنت بين حين وآخر أعود إلى منطقتنا لنشر علوم أهل البيت (عليهم السلام) .
وسافرت خلال هذه الفترة إلى العديد من الدول ; لنشر مذهب التشيّع .
1) - صحيح البخاري 5 : 177 .
الصورة
ولد عام 1340 ه ( 1922 م ) في " وزير آباد " ، وهو ينتمي لأسرة حنفية المذهب تُدعى ب " كورهي " .
اختار مذهب الشيعة الإمامية بعد أن توصّل إلى القناعة التامّة بأنّ الخلفاء الشرعيين لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، وذلك لوجود الأحاديث النبوية الصحيحة التي أمرت باتّباعهم والتمسّك بهم ومن هذه الأحاديث ، حديث الثقلين (1).
قال " العلاّمة الحلي " ما نصه : " ما رواه الجمهور من قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) " إنّي تارك فيكم ما إنّ تمسّكتم به لن تضلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض " وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) " مَثَلُ أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح ، من ركبها نَجَا ومن تخلّف عنها غرق " وهذا يدلّ على وجوب التمسّك بقول أهل بيته ، وسيّدهم عليّ (عليه السلام) ، فيكون واجب الطاعة على الكلّ ، فيكون هو الإمام دون غيره
1) - اُنظر : مسند أحمد 5 : 181 - 182 ، طبعة دار صادر - بيروت ، وخصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، للنسائي : 150 ، والمستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري 3 : 19 ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه وغيرها من المصادر .
من الصحابة " (1).
كما استدلّ " أبو الصلاح الحلبي " بهذا الحديث على الإمامة والعصمة ، حيث قال : " ومن ذلك : ما اتّفقت الأمّة عليه من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " إنّي مخلّف فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، ما إنّ تمسّكتم بهما لن تضلّوا " .
فأخبر (صلى الله عليه وآله وسلم) بوجود قوم من آلِهِ مقارنين للكتاب في الوجود والحجّة ، وذلك يقتضي عصمتهم ، ولأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بالتمسّك بهم ، والأمر بذلك يقتضي مصلحتهم ، لقبح الأمر بطاعة من يجوز منه القبح مطلقاً ، ولأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حكم بأمان المتمسّك بهم من الضلال ، وذلك يوجب كونهم ممّن لا يجوز منه الضلال ، وإذا ثبتت عصمة المذكورين في الخبر ، ثبت توجّه خطابه إلى أئمّتنا (عليهم السلام) ، لعدم ثبوتها لمن عداهم ، أو دعواها له ، وذلك يقتضي إمامتهم من الوجهين المذكورين " (2).
واستدل " الشهيد الأول ( قدس سره ) " بهذا الحديث على وجوب اتباعهم والتمسّك بهم فقال : " انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قرنهم بالكتاب العزيز الذي يجب اتّباعه ، فيجب اتّباعهم قضية للعطف وللتصريح به أيضاً ، وذلك مشهور نقله الشيعة تواتراً .
ورواه مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم ، قال : قام فينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : " أمّا بعد ، أيّها الناس فإنّما أنا بشر يُوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله عزّ وجلّ واستمسكوا به " فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ، ثمّ قال : " وأهل بيتي أُذكّركم الله عزّ وجلّ في أهل بيتي " - ثلاث مرات - " .
ورواه غيره من العامة بعبارات شتّى ، تشترك في وجوب التمسّك بالكتاب
وأهل البيت (عليهم السلام) (1).
من هذا الحديث وغيره من الأحاديث الكثيرة التي تفرض على المسلم اتّباع منهج أهل البيت (عليهم السلام) ، والتمسّك به اختار " منظور أحمد " مذهب الشيعة الإماميّة ; لكونه المذهب الحقّ الذي يجب ان يتّبع والطريق الوحيد للنجاة يوم القيامة .
ويقول " منظور أحمد " أصبحتُ الآن معتقداً بإمامة الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) وأوّلهم الإمام عليّ (عليه السلام) ، وأنّهم هم الخلفاء حقّاً بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
1) - ذكرى الشيعة للشهيد الأول 1 : 57 - 58 .
الصورة
ولد عام 1345 ه ( 1927 م ) في " اجناله - لواء سركودها " وينتمي لأسرة حنفية المذهب ، عمل مدرّسا في المدارس الحكومية ، كما أنّه مؤلّف ومدير مجلّة " المبلّغ " التي تصدر في دار " العلوم المحمدية " في سركودها .
اعتنق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) نتيجة تأثّره بقضية " فدك " وما جرى على الزهراء (عليه السلام) من جور وظلم في تلك الحقبة المظلمة من تاريخ المسلمين .
يقول " منظور حسين " : إنّ أهم ما دعاني إلى تغيير عقيدتي ، هي مسألة فدك ، التي بان فيها ظلم أبي بكر وعمر لابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وانتهاك حرمتها وحرمة أبيها ، والاستخفاف بتعظيم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لشأنها ، وما قال في حقّها (عليه السلام) ، وهي المعصومة بنص القرآن الكريم ، والتي كانت أعزّ الناس إلى أبيها .
قال العلاّمة الحلّي حول مسألة فدك : " ومنع أبو بكر فاطمة (عليه السلام) إرثها ، فقالت له : يا بن أبي قحافة ، أترث أباك ولا أرث أبي .
والتجأ في ذلك إلى رواية انفرد بها - وكان هو الغريم لها ; لأنّ الصدقة تحلّ له - أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة ، على ما
رووه عنه : والقرآن يُخالف ذلك ; لأنّ الله تعالى قال : * ( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ . . . ) * (1)- تاريخ بغداد الخطيب البغدادي 14 : 321 ، واُنظر : ما في معناه : مسند أبي يعلى 2 : 318 ، تاريخ دمشق 42 : 449 ، مجمع الزوائد 7 : 235 ، وغيرها .(2)، ولم يجعل الله تعالى ذلك خاصّاً بالأمّة دونه (صلى الله عليه وآله وسلم) وكذّب روايتهم فقال تعالى : * ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ . . . ) * (3)، وقال تعالى عن زكريّا : * ( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) * (4)ولمّا ذكرت فاطمة (عليه السلام) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهبها فدكاً ، قال لها : هاتِ أسود أو أحمر يشهد لك بذلك ! فجاءت بأمّ أيمن فشهدتْ لها بذلك ، فقال : امرأة لا يُقبل قولها ! وقد رووا جميعاً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : " أُمُّ أيمن امرأة من أهل الجنّة " .
فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) فشهد لها ، فقال : " هذا بعلُك ، يجرّهُ إلى نفسه ، ولا نحكم بشهادته لك " ! وقد رووا جميعاً أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : " عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور معه حيث دار ، لن يفترقا حتّى يردا عَلي الحوض " (4) ، فغضبت فاطمة (عليه السلام) عند ذلك وانصرفتْ وحلفتْ لا تكلّمه ولا صاحبه حتّى تلقى أباها وتشكو إليه ، فلمّا حضرتها الوفاة أوصتْ عليّاً أن يدفنها ليلاً ولا يدع أحداً منهم يصلّي عليها (5).
وقد رووا جميعاً أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : " يا فاطمة ، إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك " ورووا جميعاً أنّه قال : " فاطمة بضعة منّي ، من آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله " (6).
ولو كان هذا الخبر (1)حقاّ ، لما جاز له ترك البغلة التي خلّفها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيفه وعمامته عند أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ولما حكم به له لمّا ادّعاها العبّاس . ولكأن أهل البيت الذين طهّرهم الله تعالى في كتابه عن الرجس مرتكبين ما لا يجوز ; لأنّ الصدقة عليهم محرّمة .
بعد ذلك جاء إليه مال البحرين ، وعنده جابر بن عبد الله الأنصاري ، فقال له : إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لي : إذا أتى مال البحرين حثوتُ لك ثمّ حثوت لك - ثلاثاً - فقال له : تقدّم فخُذ بعدّتها ، فأخذ من مال بيت المسلمين من غير بيّنة ، بل لمجرّد الدعوى (2)(3).
يقول : " منظور حسين " : من أهم ما دعاني إلى اعتناق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، هو وصوله إلينا من النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بواسطة المعصومين (عليهم السلام) ، وهذا بخلاف بقيّة المذاهب ، فإنّها قد انقطعت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بفصل غيرهم .
ويضيف أيضاً : وقد علمت بالتحقيق أنّ الطريق الوحيد للنجاة يوم القيامة هو ما عليه أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم ، وأسأل الله تعالى أن يميتنا على محبّتهم ، ويحشرنا معهم يوم اللقاء .
عاش في مدينة جهنك الباكستانية وتوفّي فيها سنة 1364 ه ( 1945 م ) كان حاصلاً على شهادة الدكتوراه ، ومنتمياً للمذهب الحنفي استبصر واهتدى لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) نتيجة تحقيقاته في المذاهب الإسلاميّة ، وقد كان محقّقا فاضلاً ، حيث ألّف كتباً عديدة ، منها :
1 - مذهب الشيعة
2 - الأنوار الجعفرية
3 - أنوار القرآن
4 - البراهين القرآنية في الرد على فتح الرحمن وأدلّة القرقاني .
5 - أدلّة الشيعة على مذهب أبناء العامّة
6 - تحفة الأحناف في الردّ على تحفة الإنصاف
7 - خاتم النبوة
8 - الفتوى الصابرية في الردّ على الفتوى القطبية
9 - الولي نعم الوصي في الرد على الصدّيق نعم الرفيق
10 - وقائع الغدير
11 - ظهور المهدي (عليه السلام)
بشّر القرآن الكريم البشرية بانتصار الإسلام في آخر الزمان ، وزَرَع الآمال في دربها بقيام دولة العدل الإلهي لتمتلأ الدنيا منه بعدما ملئت ظلماً وجوراً ، على يدي إنسان معصوم من العترة الطاهرة ، لتتجلّى معيّة القرآن والعترة اللذين أمرنا بالتمسّك بهما معاً دون غيرهما في هذه الدنيا حيث إنّهما صنوان لا يفترقان أبداً - حتّى يردا حوض الكوثر - ويرد كلّ المؤمنين بهما معهم ، حيث السعادة والهناء ، والارتواء الذي لا ظمأ بعده .
قال تعالى * ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) * (1).
وقال الإمام عليّ (عليه السلام) " لتعطفنّ الدنيا علينا بعد شماسِها عَطْفَ الضروس على ولدها ، وتلا (عليه السلام) عقيب ذلك : * ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ . . . ) * " (2).
وقال أيضاً : " المستضعفون في الأرض ، المذكورون في الكتاب ، الذين يجعلهم الله أئمة : نحن أهل البيت ، يَبعث الله مهديَّهم فيعزُّهم ويذلُّ عدوهم " (3).
وقال تعالى : * ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) * (4)، وجاء في تفسير مجمع البيان للطبرسي عن الإمام عليّ بن الحسين ( عليهما السلام ) : أنّه قرأ الآية وقال : " هم والله شيعتنا أهل البيت ، يفعل الله ذلك بهم
على أيدي رجل منّا ، وهو مهديُّ هذه الأُمّة " (1).
وقال تعالى : * ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) * (2).
وورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال : هم أصحاب المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان (3).
وقال تعالى : * ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون ) * (4).
وورد عن عباية أنّه سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول : * ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ . . . ) * ، أظَهَرَ بعد ذلك ؟ قالوا : نعم . قال (عليه السلام) : كلا فوالذي نفسي بيده حتّى لا تبقى قرية إلاّ وينادى فيها بشهادة أن لا إله إلاّ الله بُكرةً وعشياً (5).
وقال تعالى : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِم ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) * (6).
وورد عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) : " أنّ صاحب هذا الأمر محفوظ له أصحابه ، لو ذهب الناس جميعاً أتى الله له بأصحابه وهم الذين قال الله : * ( فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ) * (7).
وهم الذين قال الله فيهم : * ( فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ ) * (1)" .
وقال تعالى : * ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ) * (2).
وورد عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) : الآيات الأئمة ، والآية المنتظرة القائم (عليه السلام) فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف وان آمنت لمن تقدّمه آبائه (عليهم السلام) (3).
ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : " بعث طلحة والزُّبير رجلاً من عبد القبس يقال له : خداش إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، وقالا له : إنّا نبعثك إلى رجل طال ما كنّا نعرفه وأهل بيته بالسحر والكهانة ، وأنت أوثق من بحضرتنا من أنفسنا من أن تمتنع من ذلك ، وأن تحاجّه لنا حتّى تقفه على أمر معلوم ، واعلم أنّه أعظم الناس دعوى فلا يكسرنّك ذلك عنه ، ومن الأبواب الّتي يخدع الناس بها الطعام والشراب والعسل والدُّهن وأن يخالي الرّجل ، فلا تأكل له طعاماً ، ولا تشرب له شراباً ، ولا تمسّ له عسلاً ولا دهناً ولا تخل معه واحذر هذا كلّه منه .
وانطلق على بركة الله ، فإذا رأيته فاقرأ آية السخرة ، وتعوَّذ بالله من كيده وكيد الشيطان . فإذا جلست إليه فلا تمكّنه من بصرك كلّه ولا تستأنس به ، ثمّ قل له : إنَّ أخويك في الدين وابني عمّك في القرابة يناشدانك القطيعة ، ويقولان لك :
أما تعلم أنّا تركنا الناس لك وخالفنا عشائرنا فيك منذ قبض الله عزّ وجلّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) فلمّا نلت أدنى منال ضيّعت حرمتنا وقطعت رجاءنا ، ثمّ قد رأيت أفعالنا فيك وقدرتنا على النأي عنك ، وسعة البلاد دونك ، وإنَّ من كان يصرفك عنّا وعن صلتنا كان أقلّ لك نفعاً وأضعف عنك دفعاً منّا ، وقد وضح الصبح لذي عينين ،
وقد بلغنا عنك انتهاك لنا ودعاء علينا ، فما الذي يحملك على ذلك ؟ ! فقد كنّا نرى أنّك أشجع فرسان العرب ، أتتّخذ اللّعن لنا ديناً ، وترى أنّ ذلك يكسرنا عنك .
فلمّا أتى خداش أمير المؤمنين (عليه السلام) صنع ما أمراه ، فلمّا نظر إليه علي (عليه السلام) - وهو يناجي نفسه - ضحك وقال : هنا يا أخا عبد قيس - وأشار له إلى مجلس قريب منه - فقال : ما أوسع المكان ، اُريد أن اُؤدي إليك رسالة .
قال : بل تطعم وتشرب وتحلُّ ثيابك وتدهن ثمّ تؤدّي رسالتك ، قم يا قنبر فأنزله .
قال : ما بي إلى شيء ممّا ذكرت حاجة .
قال : فأخلو بك ؟
قال : كلّ سرّ لي علانية .
قال : فأنشدك بالله الذي هو أقرب إليك من نفسك ، الحائل بينك وبين قلبك ، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، أتقدّم إليك الزبير بما عرضت عليك ؟
قال : اللّهم نعم .
قال : لو كتمت بعد ما سألتك ما ارتدّ إليك طرفك ، فأنشدك الله هل علّمك كلاماً تقوله إذا أتيتني ؟
قال : اللّهم نعم .
قال عليّ (عليه السلام) : آية السخرة ؟
قال : نعم .
قال : فاقرأها فقرأها وجعل عليّ (عليه السلام) يكرّرها ويردّدها ويفتح عليه إذا أخطأ حتّى إذا قرأها سبعين مرّة .
قال الرجل : ما يرى أمير المؤمنين (عليه السلام) أمره بترددها سبعين مرّة ؟
ثمّ قال له : أتجد قلبك اطمأن .
قال : إي : - والذي نفسي بيده -
قال : فما قالا لك ؟ فأخبره .
فقال : قل لهما : كفى بمنطقكما حجّة عليكما ، ولكنّ الله لا يهدي القوم الظالمين ، زعمتما أنّكما أخواي في الدين وابنا عمّي في النسب ، فأمّا النسب فلا اُنكره وإن كان النسب مقطوعاً إلاّ ما وصله الله بالاسلام .
وأمّا قولكما : إنّكما أخواي في الدين ، فإنّ كنتما صادقين فقد فارقتما كتاب الله عزّ وجلّ ، وعصيتما أمره بأفعالكما في أخيكما في الدين ، وإلاّ فقد كذبتما وافتريتما بادّعائكما أنكما أخواي في الدين .
وأمّا مفارقتكما الناس منذ قبض الله محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ كنتما فارقتماهم بحقّ فقد نقضتما ذلك الحقّ بفراقكما إيّاي أخيراً ، وإن فارقتماهم بباطل فقد وقع إثم ذلك الباطل عليكم مع الحدث الذي أحدثتما ، مع أنّ صفقتكما بمفارقتكما الناس لم تكن إلاّ لطمع الدنيا ، زعمتما وذلك قولكما : " فقطعت رجاءنا " لا تعيبان بحمد الله من ديني شيئاً وأمّا الذي صرفني عن صلتكما ، فالذي صرفكما عن الحقّ وحملكما على خلعه من رقابكما كما يخلع الحرون لجامه وهو الله ربّي لا اُشرك به شيئاً فلا تقولا : " أقلّ نفعاً وأضعف دفعاً " فتستحقّا اسم الشرك مع النفاق .
وأمّا قولكما : إنّي أشجع فرسان العرب ، وهربكما من لعني ودعائي ، فإنّ لكلّ موقف عملاً إذا اختلفت الأسنّة وما جت لبود الخيل وملأ سحراكما أجوافكما ، فثمّ يكفيني الله بكمال القلب ، وأمّا إذا أبيتما بأنّي ادعوا لله فلا تجزعا من أن يدعو عليكما رجل ساحرٌ من قوم سحرة زعمتما ; اللّهم أقعص الزبير بشرّ قتلة واسفك دمه على ضلالة وعرّف طلحة المذلّة وادّخر لهما في الآخرة شرّاً من ذلك ، إن كانا ظلماني وافتريا عليَّ وكتما شهادتهما وعصياك وعصيا رسولك فيَّ ، قل : آمين ، قال خداش : آمين .
ثمّ قال خداش لنفسه : والله ما رأيت لحية قطُّ أبين خطأ منك ، حامل حجّة ينقض بعضها بعضاً لم يجعل الله لها مساكاً ، أنا أبرأ إلى الله منهما .
قال علي (عليه السلام) : ارجع إليهما وأعلمهما ما قلت .
قال : لا والله حتّى تسأل الله أن يردّني إليك عاجلاً وأن يوفّقني لرضاه فيك ، ففعل فلم يلبث أن انصرف وقتل معه يوم الجمل رحمه الله (1).
1) - الاُصول من الكافي 1 : 343 ، باب ، ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة ، الحديث الأوّل .
ولد سنة 1397 ه ( 1977 م ) في " المنامة " عاصمة البحرين ، ويحمل شهادة الدبلوم العالي من أحد المعاهد .
يقول علاء : ولدت في أسرة معتدلة التديّن ، وبحكم معيشتي في البحرين فقد كنت أعرف عن المذهب الشيعي ، لأنّ أغلب سكان البحرين من الشيعة ، ولكن لم أكن أعرف عن المذهب الشيعي الكثير ، وكنت أحتك مع أبناء الشيعة في المدرسة والمعهد ، ولكن لم أكن أناقشهم في الدين ، ولكنّي كنت أستمع إليهم أثناء نقاشهم مع السنّة ، ومن استماعي إلى المناقشات بدأت أستنتج أن هناك نقص في المذهب السنّي ، ومنذ ذلك اليوم بدأت أسأل عن أسباب الاختلاف بين المذهبين وأيهما على الحق ، وقد كنت أدخل في نقاشات عنيفة مع شقيقي الأكبر في أمور عدّة ، مثل زيارة القبور ، وخصوصا قبر أُمّي ; لأنّه كان متأثراً بالفكر الوهابي .
وفي خضم هذه الأمور تعرفت على أحد الشيعة البحرينيين فاستبشرت خيراً ، وذلك لاعتداله في الدين وانفتاحه على المجتمع وتميزه بالذكاء ، فقد كانت فرصة لي بأن أتعرّف على المذهب الشيعي بصورته الحقيقية البعيدة عن التعصّب والجهل . . . ، وبدأت أسأل صديقي عن المذهب الشيعي ، وقد كانت أجوبته منطقية
وواضحة يقبلها العقل والقلب ، وقد كنت استمع إليه في مناقشاته مع السنّة ، وأرى بيان حجّته وانتصارها على العقول المتحجرة وتقبّله الانتقاد بصدر شرح ، عكس أصدقائنا السنّة ، وذلك لثقته بأنّه على الحقّ ، وكنت أسأله بعد انتهاء مناقشاته في خلوتنا عن بعض الأمور التي لم أستوعبها أثناء النقاش ، وكنت ارتاح لإجابته .
وفي أحد الأيام ذهبت معه لزيارة أحد رجال الدين السنّة ، ودار نقاش بين صديقي الشيعي والشيخ السنّي في مسجد للسنّة ، وقد كان الشيخ السنّي يقع في إشكالات كثيرة يعجز في تقديم إجابة مقنعة ، مثل تفسير بعض الأحاديث ، وتوضيح الاختلافات بين السنة نفسهم ، وعدالة الصحابة ، وبعد تلك المناقشة بعدّة شهور زرنا أحد الشيوخ الشيعة في منطقة الجفير ، وقد كان معنا بعض الأصدقاء السنة ، ورأيت منطق عذب في كلامه ووضوح الجواب ونبرة صوت منخفض ، عكس الشيخ السنّي .
وبعد تلك الجلسة انتظرت أن يمشي الجميع إلى منازلهم ، فصارحت صديقي الشيعي بإستبصاري ، وقد طلب منّي الكتمان حتّى أكون على بينة من أمري ، وقد أطلعني على بعض الكتب مثل ( ثمّ اهتديت ، بنور فاطمة اهتديت ، المتحولون . . . ) وأنا الآن 1427 ه ( 2007 م ) قد أشهرت تشيعي لأهل البيت (عليهم السلام) .
تحترم الإنسانية كلّها الموتى ، وتُجري لهم مراسم خاصة تبيّن فيها اعتزازها بمن فقدتهم وفارقتهم ، وهذا أمرٌ فطري مركوز في النفس الإنسانية ، جرت عليه الأُمم ، واحترمته القوانين والشرائع .
ولم نَر على طول التاريخ أُمّة خرجت عن هذا الأمر ، أو طائفة أرادت نسيان ذكريات أعزائها ، لكن الدهر لا يخلو من العجائب ، والإنسانية لا زالت تشاهد تناقضات بعض أبنائها الذين انطمست فطرتهم ، وتاهت عقولهم فقد ظهر
في أواخر القرن السابع الهجري وأوائل القرن الثامن شخص يُدعى ابن تيمية ، فادّعى فهم الإسلام دون غيره ، وأنّه يتبع السلف من الصحابة والتابعين والصالحين من أبناء القرون الثلاثة الأُولى بعد الهجرة الشريفة ، فأصدر حكماً بحرمة زيارة القبور (1)، وحرّم على الناس السفر أو شدّ الرحال إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع نيّة زيارة قبره الشريف باعتباره سفر معصية (2)، بحجة البعد عن تقليد أهل الكتاب ، ورغبة في التمسّك بالسنّة النبوية الشريفة ! ! !
ولكنّه في الواقع لم يتمسّك بالسنّة ، وإنّما تمسك بفهمه الخاطى الناتج من اتباع الهوى ، جاهلاً أو متجاهلاً أنّ الله لم يترك الناس سدئ ، وأنّه جعل للدين أئمة من أهل البيت (عليهم السلام) يهدون الناس ، ويصلحون ما فسد من أُمور دينهم ، فالدين كلّه لله ، ولله بيت يأتيه الناس ، وللبيت أهل أُمرنا بطاعتهم ، بيت بناه إبراهيم وإسماعيل وفيه آثارهم ، بيت فيه مقام إبراهيم وحجر إسماعيل ، بيت فيه الحجر الأسود أُمر الناس أن يأتوه ويقبّلوه طاعة لله .
فلم تكن الكعبة عند الله وثناً ، ولم يكن مسعى هاجر (عليهم السلام) وموطأ أقدامها صنماً ، بل على العكس ، عظّم الله شأن هذه الآثار ، وخلّد سيرة الأنبياء والأولياء فيها ، وجعلها من مراسم الدين ، ففرض على الناس الحجّ إليها ، والتمسّح بأعتابها .
إنّ الدين لا يخالف الفطرة السليمة ، قال تعالى : * ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) * (3).
والدين لا يمنع زيارة المرء قبر أُمّه مثلاً ، ولقد زار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قبر أُمّه فبكى وأبكى من حوله (4)، ولكنّ الوهابيون وأسلافهم يمنعون مثل هذه الزيارة ويمنعون مثل هذا البكاء .
إن الحيّ عندهم ولو كان كافراً أفضل من الميّت المؤمن ، فالحيّ يضرّ وينفع والميّت انقطع عمله ، ولا تأثير له في هذا الكون أبداً على فهمهم الخاطئ .
إنّهم يرون الموت قاطعاً شديداً ، وفاصلاً كبيراً بين الحياة الدنيا ، والحياة الآخرة ، فهذا هو بعض فهمهم الخاطئ للمعاد ، فضلاً عمّا تقدّم من الفهم الخاطئ للتوحيد والرسالة ناهيك عن الإمامة ، فهم لا يفهمون أصول الدين فضلاً عن فروعه ، ولكن لديهم ادعاءاتهم الفارغة ، وتهويلاتهم السقيمة وقد قال تعالى : * ( مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ ) * (1)- دمعة على التوحيد : 143 .(2).
إن الوهابية في هذا العصر التي ورثت ( حشوية ) الحنابلة و ( سلفية ) ابن تيمية ، اختصرت الإسلام العظيم في محاربة القبورية الوثنية - كما تدّعي - فسوّل لها الشيطان اتهام الناس بالكفر وقتلهم ، كما سوّل لها الاعتداء على مشاهد العظماء من الأئمّة والصالحين ، فضلاً عن محاولة هدم قبة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كما اعترفت به بعض كتبهم (2) .
إنّ الوهابية مذهب باطل طمس فيه أصل الفطرة وشوهت فيه أُصول الدين ، وإن زيارة القبور أمر يوافق الفطرة والدين شاءَ الوهابيون أم أبوا .
ولدت في بريطانيا ، حاصلة على شهادة عالية في دراستها الجامعية ، نشأت في أسرة مسيحية ، ثمّ تعرّفت على الإسلام عن طريق أحد المبلّغين ، فلفت الإسلام انتباهها ، فدفعها هذا الأمر إلى البحث ، ثمّ الاستبصار .
عرفت " برناديت " من خلال دراسة الدين الإسلامي بأنّ الإنسان يحتاج في حياته إلى منهج شامل وكامل يعبّد له طريق وصوله إلى السعادة الدنيوية والأخروية .
ولا يستطيع الإنسان الوصول إلى هذا المنهج الكامل إلاّ عن طريق الاستعانة بالله ; لأنّه تعالى لم يخلق العباد عبثاً ، وهو أعرف بمصالحهم ومنافعهم .
ولهذا يصطفي الله تعالى خيرة خلقه ليبعثهم إلى الناس بالرسالات والشرائع والفرائض العبادية .
ومن خصائص الأنبياء أنّهم يتمتّعون بأمور خارقة للعادة من أجل إثبات اتّصالهم بالله تعالى ، ومن أكبر شواهد صدق نبوّة النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو القرآن الكريم الذي تحدّى الله تعالى الجن والإنس أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك .
قرأت " برناديت " القرآن الكريم بدقّة وتأمّل ، وتدبّرت في مضامينه ، فوجدته كتاب هداية وكتاب إرشاد وكتاب يأخذ بيد الإنسان إلى الحياة الطيّبة .
ثمّ توجّهت " برناديت " في ظلّ إرشادات المبلّغ الديني الذي تعرّفت عليه بقراءة كتب أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) فتفتّحت آفاقها الفكرية على معلومات جديدة أنارت قلبها ، ومنحتها البصيرة والهداية .
تعرّفت برناديت خلال دراستها للتاريخ الإسلامي على شخصية فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فتأثّرت بشخصيتها وزهدها وتقواها وإيمانها وكيفية سلوكها وتصرّفاتها ومنهجيّة تعاملها مع الآخرين .
ولهذا عندما أعلنت " برناديت " استبصارها ، سمّت نفسها " فاطمة " ، ليذكّرها هذا الاسم بسيّدة نساء العالمين ، ويكون هذا التذكار سبباً يدفعها لإستذكار المعاني المعنوية والمفاهيم الروحانية ، ويدعوها دائماً إلى التمسّك بالأعمال التي تقرّبها إلى الله تعالى .
كانت تظن " برناديت " بأنّ الالتزام بالفرائض والشرائع الإسلامية عمل شاق وعسير جداً ، ولكّنها وجدت بعد فترة من الاستبصار والتزامها الكامل بالإسلام ، بأنّ الصعوبة تكمن في البداية فقط لعدم اعتياد الإنسان عليها ، ولكن بمرور الزمان يتحوّل هذا الالتزام إلى ملكات ترسخ في نفس الإنسان بحيث يستوحش الإنسان من تركها .
وعرفت " برناديت " بأنّ منشأ خوفها من صعوبة الالتزام الديني هو الشيطان ، وكان هذا التخويف فعل شيطاني حاول أن يصدّها عن الاستبصار ،
فشكرت الله تعالى أن ساعدها وأعانها لاجتياز هذه العقبة والموانع الأخرى التي اعترضت طريقها وحاولت صدّها عن الاستبصار .
كما شكرت " برناديت " ربّها أن عرّفها على حججه في الأرض بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويسّر لها سبيل التمسّك بالثقلين كتاب الله وعترة الرسول لتعصم بذلك نفسها من الضلال والضياع والانحراف .
من مواليد بريطانيا ، حاصل على شهادة الليسانس في التجارة والاقتصاد ، غذّته البيئة التي ترعرع فيها بعقائد الكنيسة ، لكنّه منذ الصغر وجد أنّ بعض الأفكار التي تمليها الكنيسة على أبناء المجتمع أفكار ضيّقة الآفاق ، فانفعل ذات مرّة نتيجة الوضعية المتردّية التي تعيشها الكنيسة ، فثار شعوره الديني على القضايا المبهمة التي يقدّمها رجال الدين المسيحي بألفاظ غامضة ، وانتهى به المطاف - بعد بحث وجدل وتأمّلات - إلى رفض المسيحية ، فبلغت حيرته حينئذ أشدّها ، ولكن لم يتطرّق اليأس إلى نفسه أبداً ; لأن له عرف إذا لم يجد الهداية في المسيحية ، فليس معنى ذلك أنّه لن يجدها مطلقاً .
فواصل بحثه وهو على أمل أن يجد السبيل إليها ، فاستمرّت دراسته مدّة طويلة ، حتّى وجد ضالّته المشودة في الدين الإسلامي فعندئذ أحسّ أنّه قد وصل إلى شاطئ الأمان ، وأنّه اجتاز مرحلة التوتر النفسي وقلق المعرفة التي كان يعاني منها ، فمن هذا المنطلق اعتنق الدين الإسلامي الحنيف ، ووفّر لنفسه الأجواء المناسبة التي تفسح له المجال لترعرع الفضائل في نفسه ، وتمنحه القدرة على الالتزام بالشريعة الإلهية التي قد تعرّف عليها .
وجد " جان آلن " خلال دراسته للإسلام إعلان مضاد جدّاً ضدّ الإسلام في الدول الغربية ، ووجد بأنّ العديد من الجهات السياسية وغير السياسية تحاول وضع العقبات والموانع أمام أبناء المجتمع لئلاّ يدنو من الإسلام ، وأبرز سلاح لوضع هذا المانع هو استخدام وسائل الإعلام بمختلف أنماطها في هذا السبيل .
ومن الذرائع التي يتمسّك بها الغرب وتجعلها وسيلة للإطاحة بالإسلام هي مسألة حقوق الإنسان .
ولكن وجد " جان آلن " بعد دراسته لحقوق الإنسان في الإسلام بأنّ هذا الإعلام المضاد من وسائل الإعلام الغربية إنّما هو ردّة فعل منهم إزاء الدول الإسلامية التي ترفض الخضوع لهيمنتهم ، كما أنّ علماء الديانات المحرّفة استغلّوا هذه المسألة الحسّاسة لمآربهم التبشيرية .
ولكن عندما يتحرّر الإنسان من طوق هذا الإعلام ، ويدخل في دائرة البحث عن الحقيقة يجد بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلن عن المساواة بين البشر .
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " يا أيّها الناس إنّ ربّكم واحد ، وإنّ أباكم واحد ، ونبيّكم واحد ، ولا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا أحمر على أسود ، ولا أسود على أحمر إلاّ بالتقوى " (1).
وقال الإمام علي (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر : " وأشعر قلبك الرحمة للرعية . . ولا تكونن عليه سبعاً ضارياً تغتنم أكلُهم ، فإنّهم صنفان : إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق " (2).
ولو يلقي الإنسان نظرة إجمالية على رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين (عليه السلام) فإنّه سيجد الرؤية الإسلامية الشمولية لحقوق الإنسان العامّة ،
والاجتماعية ذات الصبغة القانونية ، والاجتماعية ذات الصبغة الأخلاقية .
لم يتمكّن " جان آلن " من الاستبصار إلاّ بعد معرفته للإسلام من الطرق الصحيحة ، فإنّه لم يكتف بما يقوله الأعداء حول الإسلام ، ولو كان مقتنعاً بكلامهم لم يعرف حقيقة الإسلام ، ولكنّه بحث حول الإسلام من المصادر الموثّقة ، وسأل حول الإسلام من الأشخاص المعتمد عليهم ، فلهذا تمكّن في نهاية مطاف بحثه من معرفة الحق والالتزام بهدي الإسلام .
قصة استبصار " جوزيف " نقلاً عن مجلة نور الإسلام ، بقلم : قمبر أسدي : صادف في إحدى جولاتي التبليغية ، أنني ألقيت سلسلة من المحاضرات عن حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في قاعة قرب مسجد الجمعة الكبير في بلدة تريشنوبولي في بريطانيا .
وهناك دخلت في حوار صريح مع أستاذ جامعي كنت أعرفه منذ زمن وقد نشأت بيننا صداقة ، وفي سياق الحوار قال الصديق غير المسلم : ما هو برهانك على نبوّة محمّد ، ولكن خارج إطار القرآن الكريم ؟
فسألته : إذا كان يحمل نسخة من الكتاب المقدّس ، فأعطاني إياها . وهكذا بدأت أقرأ على مسامعه :
الإصحاح الثالث :
" وقال موسى . . . يبعث الله ربكم برسول من إخوتكم يكون مثلي " [ 22 ] .
" وكل نفس لا تتبع هذا الرسول سيقضى عليها " [ 13 ] .
الإصحاح السابع :
" هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل سوف يرسل الله بعدي رسولاً من إخوتكم وسوف تصغون إليه كما تصغون إلي " [ 37 ] .
وينقل يوحنا [ 14 ] عن موسى (عليه السلام) قوله :
" سأصلّي للأب وهو سوف يرسل لكم من يريحكم على أن يظل معكم إلى الأبد " [ 16 ] .
" الحق أقول لكم إنّه من الأفضل لكم أن أمضي ، لأنّني إن لم أفعل لن يأتي من يريحكم ، ولكن إذا ذهبت فسوف أرسله لكم " [ 26 - 27 ] .
" لا يزال لدي الكثير . . إلاّ أنكم غير قادرين على سماعه الآن " [ 16 - 12 ] .
" عندما يأتي روح الحقيقة ، فسوف يرشدكم إلى الحقيقة ، لأنّه لن يتحدّث عن نفسه . . . لكنّه سيحدثكم عن أشياء ستأتي في ما بعد " [ 16 - 13 ] .
فقرأ الصديق المقاطع ملياً ثمّ قال :
ولكن النبوءة تتحدث عن المسيح !
فابتسمت وقلت :
إقرأ مرة أخرى بتأن ، ألا تقول الآيات إن الله سيبعث برسول مثل موسى (عليه السلام) ، أي أنّه سيكون رجلاً مولوداً من أب وأم مثل موسى (عليه السلام) ، وليس كالمسيح المولود من الأم فقط ، وأنتم تسمون المسيح ابن الرب ، وهو نبي مثل موسى ، ولقد كان موسى نبياً مكلفاً بتبليغ الرسالة ، وينبغي على الرسول الذي يتحدّث عنه أن يكون كذلك أيضاً ، في حين أن المسيح (عليه السلام) كان يدعو إلى إطاعة القوانين القائمة كالوصايا العشر التي حملها موسى (عليه السلام) إلى ذلك ، فعلى المرء أن يتنكر للحسّ السليم ولمنطق العقل حتّى يدّعي أن عيسى (عليه السلام) عندما كان يتحدّث عن قدوم نبي آخر فإنّما كان يتحدّث عن نفسه .
ولقد شعرت أن هذه الأجوبة المستندة إلى ( الكتاب المقدس ) أوجدت لديه انطباعاً حسناً عن مدى اطلاع المسلمين على الأديان الأُخرى ، وعن مدى إيمانهم بوحدانية الله .
ثمّ سألني الصديق : هل تدرسون كل الديانات الأُخرى قبل اعتناق
الإسلام ؟
قلت : لا ، لأننا نولد من أبوين مسلمين ومع ذلك فإننا مأمورون من الله تعالى بأن نبحث عن الحق ونقارنه بغيره ، أي أن نقابل بين الإسلام وكل العقائد الأخرى ، ومن ثمّ نكوّن قناعاتنا السليمة الخاصة التي يرتضيها الله تعالى ، إذ إنّ أي اتّباع أعمى لأي عقيدة يجعل الإنسان مقصّراً ومسؤولاً أمام الله ، بل لا بدّ أن يحصل ذلك بعد بذل الجهد في البحث . . . وقد ذمّ القرآن الكريم في آيات كثيرة أولئك الذين يتبعون آباءهم ويقلّدونهم بدون تفكّر وتدبّر .
وهنا انتقل إلى السؤال التالي :
هل تؤمن بأن الكتاب المقدّس كتاب سماوي ؟
فطلبت منه أن يجيبني على الأسئلة التالية :
هل الكتاب الذي بين يديك هو الكتاب الذي أوحى به الله تعالى إلى المسيح (عليه السلام) ؟
وهل يمكن أن يكون هناك ابن لأي كان من دون زوج ؟ وهل يمكن لأي كان حتّى أنت يا صديقي الذي يؤمن ببنوة المسيح (عليه السلام) ، أن يتخيل أن مريم العذراء (عليه السلام) قد اتخذها الله سبحانه زوجة له ، فحملت بعيسى (عليه السلام) ؟
دعنا نستعذ بالله من شر مثل هذه الأفكار ، فتعبير البنوة إذا استخدم في الإنجيل لا يمكن أن يعني سوى أن هذا المخلوق أو الشخص قد وهبه الله الحياة ، وإلاّ ماذا تقول عندما يتحدّث المسيح (عليه السلام) عن نفسه بوصفه ابن الإنسان :
" لقد جاء ابن الإنسان ، يأكل ويشرب . . . " [ لوقا - 7 : 34 ] .
" ليشعر ابن الإنسان بالخجل . . . " [ لوقا - 9 : 26 ] .
" قائلاً يجب أن يسلم ابن الإنسان إلى الناس الذين ارتكبوا الخطايا " [ لوقا 24 ] .
كذلك يقول إنجيل يوحنا : " ابن الإنسان سوف يعطيكم " [ 6 : 27 ] .
إن المسيح (عليه السلام) قد خاطب الله تعالى قائلاً يا أبتي ، ولكنّه قال أيضاً يا أبانا . الأمر الذي يعني أن الله هو أب للمسيح (عليه السلام) كما هو أب ( خالق ) لأي منّا . وبالتالي فإنّ بنوّة المسيح تعني مخلوق الله ، وكلمة ابن التي استخدمها المسيح (عليه السلام) إنّما هي بمعنى عبد الله ، فالمسيح يقول عن نفسه : إنّه عبد الله .
ثمّ طلبت منه أن يجيبني على سلسلة من الأسئلة التي أجاب عنها جميعاً بالنفي :
هل طلب المسيح (عليه السلام) أو أصدر أمراً بكتابة الإنجيل ؟
هل كُتب الإنجيل في خلال حياة المسيح (عليه السلام) ؟
هل كُتب الإنجيل بعد موت المسيح (عليه السلام) مباشرة ؟
فصمت لحظة ثمّ قال : ولكن الإنجيل هو كلمة الله التي حفظها وكتبها تلامذة المسيح .
فابتسمت وقلت :
يا سيّد جوزيف : لو كان الإنجيل كتاب المسيح وتلامذته ، فكيف تفسر الاختلافات بين الأناجيل ؟
ألا تحتوي النسخ الكاثوليكية على فروقات عن مثيلاتها البروتستانتية ؟
وذكّرته أيضاً أن الأناجيل تختلف حتّى في رواياتها عن الأنبياء المعصومين (عليه السلام) .
فسألني : ماذا ؟
هل يؤمن المسلمون بأنبياء معصومين إضافة إلى محمّد ؟
فرددت عليه بتلاوة بعض آيات القرآن الكريم : * ( قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِّنْهُمْ ) * (1).
1) - آل عمران (3) : 84 .
ثمّ بدا أنّه كاد يقتنع بما قدّمت له من إيضاحات ، ولذلك رحّب بمتابعة الحوار . . . فسألته إن كان يقدر أن يجيبني على سؤال آخر : هل المسيح هو ابن الله أم الله نفسه ؟
فأجاب : المسيح بحسب الدين المسيحي هو الله نفسه وقد تجسّد في ابنه .
فقلت : هل يمكنك أن تقنع أحداً أنّ الربّ الباقي الأبدي هو في الوقت نفسه غير باق ( إنسان ) يمكن أن يقع في قبضة غيره من البشر الذين يعذّبونه حتّى الموت ؟ هل يمكن لأي شيء أن يكون في الوقت نفسه عالياً ومنخفضاً ؟ أبيض وأسود ؟ وهل يمكن أن يكون هناك ظلام ونور في الوقت نفسه ؟ أي فلسفة هذه ؟
وهل فكّرت مرّة أن هناك سؤالاً يواجه كلّ من يؤمن بعقيدة التثليث لا بدّ له من الإجابة عليه وهو : إذا كانت ثلاثة كيانات مختلفة هي في الوقت نفسه كيان واحد بالمعنى الكلي للتوحيد ، فما الذي يجعلها تبقى كذلك ؟ هل هناك عامل أو ظاهرة غير مفهومة تحدث هذا التأثير العجيب ؟ فإذا كان هناك مثل هذه الظاهرة فهذه القوة التي تسيطر على العدد والوحدة ستكون هي الله ، وليس أيّ من هذه العناصر الثلاثة الخاضعة لسيطرة العامل الخارجي .
ثمّ إنّ هناك إشكاليةً أُخرى لا بدّ لأيّ مؤمن بالتثليث أن يجيب عليها أيضاً ، وهي : من الذي يحدّد عند انقسام الواحد إلى ثلاثة ، أي قسم منه هو الأهم ؟ أو لماذا انقسموا إلى ثلاثة وليس أكثر ؟ لا بدّ أن يكون هناك سبب ما أو عامل ما هو الذي أدّى إلى هذا التأثير ، وهذا العامل السببي الذي يملك القوة المسيطرة على الكيانات الثلاثة لا بدّ أن يكون الله وليس أيّاً من الثلاثة ; لأن كلاً منها ليس أكثر من معلول هذا العامل السببي .
1) - البقرة (2) : 285 .
لا يمكن لأي إنسان مهما كانت الظروف أن يؤمن بأنّ هناك حدثاً ما يحدث دون وجود عامل مسبب ومؤثر أدّى إلى حدوثه ، وهكذا فإن التثليث ظاهرة أحدثتها الكنيسة المسيحية ، ولا يمكن لأي منطق أن يبرهن على صحتها .
وأريد منك يا سيّد جوزيف أن تفكر قليلاً في المعتقد الذي يقول : إنّ المسيح هو الله نفسه ، أو هو ابن الله ، كيف يصمد هذا أمام كلام المسيح على الصليب كما توردون أنّه قال : " ربي ربي هل تخليت عني " [ متى 27 : 47 ] .
أي فلسفة هذه إذا كان المسيح هو الله نفسه ؟ فهل يعني ذلك أن الله قد تخلى عن الله ؟
وهل يمكن أن يشعر الله باليأس وأن يطلب من أحد أن يساعده ؟
إن إنجيلكم نفسه - سيّد جوزيف - يقول : إنّ ابن الله قد تخلّى عنه الأب ، وبالتالي فإنّ هذا الابن قد فقد بشكل آلي وفوري ما يميزّه كابن ، وكذلك فهو قد فقد أيضاً كابن علاقته بأبيه . وبالتالي هل يمكن أن تقول لي يا سيّد جوزيف ما الفائدة بالتعلّق بابن تخلى عنه أبوه ؟
فلم يجد جوزيف شيئاً يقوله ، وسكت وكأن على رأسه الطير .
وهنا سألني : كيف إذاً توفقّ بين العنف الذي لجأ إليه نبيّ الإسلام وبين كونه نبيّاً مرسلاً من الله ؟
فأجبته على الفور : أريد منك أن تذكر لي حادثة واحدة في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يظهر فيها أنّه ارتكب أي اعتداء مستفزّ ، أو أنّه بادر إلى الهجوم على أي شخص . فكل معركة قادها وسمح بها إنّما كانت دفاعاً عن النفس . ولو لم يدافع كما فعل لكن مجيؤه إلى هذا العالم والحقائق التي علمها عن حقيقة الله والتي تعلّمها العالم من خلال رسالته المجيدة مذكورة فقط في كتب التاريخ وعرضة للتغيّرات والتزويرات .
الإنجيل لا يدعو إلى الدفاع عن النفس ، هذا صحيح فهو يدعو إلى
الاستسلام إلى درجة التخلّي عن كلّ ما يملكه المرء إلى المعتدي عليه ، فهل هناك أيّ قوة مسيحية تتبع ذلك ؟ وحتّى لو كنّا نتحدّث عن التاريخ السياسي للأُمم المسيحية في أوروبا ألا تذكر الطرق اللا إنسانية التي لجأ إليها المسيحيون لنشر عقيدتهم ؟
فأجابني من خلال طرح سؤال آخر : إنّ هذا هو مبدأ التطهّر من الخطايا بواسطة دم المسيح ، فهو - أي المسيح - دفع ثمن الخطايا التي ارتكبها بنو الإنسان ، أي أنّ الناس المؤمنين هم الذين طهّرهم المسيح (عليه السلام) وخلّصهم ، فهل لديكم شيء مماثل في الإسلام ؟
فابتسمت وأجبت : يا صديقي ، إنّ أعظم هدية من الله للإنسان هي الحسّ السليم ، فإن تخلّى الإنسان من تلقاء نفسه عن هذه الملكة فإنّه لا شيء يمكنه أن يساعده ، دعني أولاً أحاول أن أرى : إذا كان هذا المبدأ الذي ذكرت يتماشى مع الحسّ السليم ، لنفترض أن زيداً وهو شخص مسيحي يؤمن بالمسيح كمخلّص ، نهب منزل عمرو ، فهل أنّ المنطق أو الحسّ السليم يفترضان أن لا يعاقب زيد انطلاقاً من حكم القانون ، وخصوصاً القانون الإلهي العادل لمجرّد أن زيداً يعتبر المسيح مخلّصاً له ؟ !
كلا .
فواصلت حديثي قائلاً : هناك وجه خطير جداً للمبدأ الذي تحدّثت عنه والقاضي بالتطهّر بعد فداء المسيح (عليه السلام) للخطايا بدمه : عندما ندفع ثمن شيء ما ، يصبح هذا الشيء ملكا لنا ، والمالك السابق له يتخلّى عن كلّ حق له به ، نظراً لأن الثمن قد دُفع أليس كذلك ؟
أجل .
إذا كانت خطايا البشر قد دُفع ثمنها وافتديت ، فلن يكون لله الحقّ في معاقبة أي خاطىء ، وكلّ من يرتكب معصية من المؤمنين بالمسيح يملك الحرية في أن
يفعل ما يريد وما تدفعه إليه شهواته الوحشية ، فليس لله تعالى أي حقّ حتّى في مساءلة أي خاطىء ، إذ إن المسيح قد دفع الثمن مسبقاً عن الجميع . . . هل يمكن أن يكون هذا منطقياً ؟ وهل يمكن لهذا المبدأ أن يساعد في استمرار الحياة على الأرض في سلام وأمن ؟
وأكملت حديثي قائلاً : تذكّر أن الإسلام يريد من كلّ فرد أن يبقى خاضعاً لضرورة المحاسبة ، وأن يتحمّل مسؤولية شخصية عن أعماله الخيّرة والشريرة ، وذلك لمصلحته الشخصّية في حياته هو ، ولمصلحة حياة المجتمع ككل الذي هو جزء منه ولمصلحة البشرية وكلّ مخلوقات الله .
الإسلام يدعو دائماً ويحض الإنسان على أن يكون مستقيماً ، واعداً إياه بالجنّة ، ويحذره من المعاصي ، مذكّراً إياه بالعواقب ، فالقرآن الكريم يحذّر دائماً بقوله : * ( وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْس شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ) * (1)- الحجرات (49) : 13 .(2).
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) * (2) .
( مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) * (3).
تهديد الإنسان بعقاب شديد جزاء ما يفعل من شرّ ، يكشف القرآن به عن مدى رحمة الله اللا نهائية ، والذي لا يريد للإنسان مهما كان مرتكباً للمعاصي أن يقنط من رحمة ربه . والشرط الوحيد لعفو الله هو توبة الخاطىء عن ارتكاب الشرّ والمعاصي مصحوباً بنية في تغيير سلوكه في المستقبل ، وأن يتوجّه من كلّ قلبه إلى
طاعة الله وشكره على نعمته .
وبالله عليك قل لي : أيهما في رأيك أقرب إلى العقل والمنطق ، أهو أن نجعل الإنسان لا يأبه لما يرتكبه من شرور ، أي أن نجعله واثقاً من أنّ الثمن قد دُفع سلفاً ، أو أن نحذّره دائماً من عواقب أعماله وعقاب الله العادل له على أي عمل فيه معصية لله ؟
وهنا أبدى اعتقاده بصحة ما قدّمته من آراء وأفكار وأظهر إعجابه بالإسلام وأراد شكري على ذلك ، فقلت له : عليك فقط أن تشكر الله تعالى على نعمته بتحقيقه للوعد الذي قطعه لكلّ باحث مخلص عن الحقيقة ، فالله الرحمن الرحيم قد حقّق وعده بهداية الناس إلى يوم القيامة كما جاء في إنجيل يوحنا عن النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ولقد تحقّق أيضاً وعد الله ، بأن يخلفه (صلى الله عليه وآله وسلم) 12 وصياً من نسل إسماعيل (عليه السلام) ، هم الأئمّة الاثنا عشر أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :
" وأما بالنسبة إلى إسماعيل فقد سمعته ولقد باركته ولسوف أجعل له ذرية كبيرة ، وسيكون له أجر ولسوف أجعل له أمّة عظيمة " [ سفر التكوين 18 : 20 ] .
لقد كان جميع هؤلاء الأئمّة ذوي خُلُق عظيم ومرتبة علمية سامية على الرغم من أنّهم لم يتلقّوا تعليماً من أي إنسان آخر في هذا العالم ، فإنّهم نهلوا من معين العلم الإلهي لكي ينيروا هذا العالم بالمعرفة الحقيقية بربّ هذا الكون .
ولقد عاش أحد عشر إماماً من الأئمّة الاثني عشر حياتهم كنماذج للإنسانية الطاهرة في استسلام كامل للمشيئة الإلهية ، واستشهدوا جميعاً . وإذا كان أحد يريد أن يرى نموذجاً حقاً لما يعنيه الاستسلام لإرادة الله تعالى وتحمّل المعاناة في سبيل ذلك كأقصى ما يمكن أن يعانيه أحد من آلام ومصاعب ، فيجب أن ينظر إلى الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء ، فهو لم يطلب من ربّه أن يرفع عنه هذه الكأس ، ولا تساءل إن كان ربّه قد تخلّى عنه ، بل حمد الله تعالى وأقام الصلاة فيما
كان يتم اضطهاده وذبحه وآله بأبشع طريقة ممكنة .
ولم يمض غير وقت قصير على هذا الحوار المثمر حتّى نضجت فكرة اعتناق الإسلام لدى صديقي أستاذ الرياضيات الجامعي البريطاني ، فلقد انشرح صدره له إثر اطّلاع مجمل له على عقائده ومفاهيمه وبعض تشريعاته وأخلاقياته ، وهكذا نطق بالشهادتين وأعلن إسلامه وباشر الالتزام بموجباته وعباداته ، وما لبث أن صار داعياً متحمّساً لنشره ، وقد بدأ محاولاته هذه مع والده الذي كان رجلاً مؤمناً وملتزماً بديانته السابقة ، فنجح في إقناعه وهدايته إلى طريق الحق بعد محاورات هادئة معه . .
وإنني في المناسبة لأدعو كلّ من يمتلك معرفة ودراية بالفكر الإسلامي والفكر المقارن ، ويلّم - في الوقت نفسه - بطريقة التفكير الغربية ، وعلى الأخصّ المتواجدين في بلاد الغرب ، أن لا يدعوا أيّ فرصة لهم للتعرّف والاحتكاك بأمثال صديقي هذا ، فإنني مطمئن بأنّهم سيجدون آذاناً صاغية ، وقلوباً منفتحة ، وصدوراً رحبة راغبة في الحوار الهادف والتعرّف على معالم ديننا وقيمه ، كما أنّهم من جهة ثانية يمكنهم المساعدة على نطاق أوسع في زوال الصورة المشوّهة في أذهان الغربيين عن الإسلام والمسلمين . . . والله وليّ التوفيق هو هادي العاملين الصابرين (1).
1) - مجلة نور الإسلام ، العددان 53 و 54 : 41 - 43 ، والعددان 55 و 56 : 54 - 47 بتصرف يسير .
من مواليد بريطانيا ، حاصلة على شهادة الليسانس في اللغة الألمانية ، كانت تعتنق الدين المسيحي ، وهو الدين الذي أنشأ ردود فعل في وسط منتميه ، فوّلد بإفراطه لديهم حالة التفريط .
فترعرعت جوليا في أجواء هذا التفريط ، وفي وسط الحياة المادية البحتة ، فوجدت نفسها تعيش في ظلّ هذه الأجواء حياة قلقة ، بلا طموح سامي ولا هدف رفيع ، فلهذا حبّذت أن تعود إلى الدين والإيمان الذي يعيد التوازن وحالة الاعتدال في كيان الإنسان ، لكّنها لم تحبّذ أن تعود إلى الديانة المسيحية الجافّة ، فتوجّهت إلى ا لبحث حتّى تعرّفت على الإسلام فوجدته ديناً يوفّر لمنتميه الحياة السعيدة في ظلّ توجيهاته التي تحقّق حالة الاعتدال في النفس البشرية ، فلهذا توجّهت إلى هذا الدين واختارته لنفسها ديناً تعمل وفق شريعته الربانية .
من أهم الأُمور الملفتة للنظر في الدين الإسلامي لعامة النساء هي مسألة تأكيد الإسلام على مسألة تحلّي المرأة بالعفّة ظاهراً وباطناً ، وليس الحجاب في الدين الإسلامي إلاّ وسيلة لوقاية المرأة من عدم الانزلاق في أودية الفساد
والطغيان .
كما أنّ الإسلام اهتّم بترويج الأخلاق التي من شأنها أن تمنح المرأة من داخل النفس القوة لمواجهة الأهواء النفسية لئلا تنجرف المرأة مع هذه الأهواء فتفقد بذلك المناعة أمام المغريات الخارجية .
كما اهتم الإسلام بمحافظة المرأة على حيائها حين تعاملها مع الرجال وحفظ كرامتها ومقامها ، ليكون هذا الحياء وسيلة لوقايتها من تخطّي الخطوط الحمراء التي وضعها الإسلام في خصوص علاقة المرأة بالرجال .
من الأُمور الأُخرى الملفتة للنظر في الدين الإسلامي هي مسألة اهتمام هذا الدين بالأسرة والتأكيد على حفظها وتقوية بنيتها ، في الوقت الذي نجد الغرب يسير طريقاً يؤدي إلى تضعيف هذه البنية .
ففي المجتمع الذي يعتبر الجمال هو المقياس لمكانة المرأة ومقامها ففي هذا المجتمع من دون شكّ ستفقد المرأة مكانتها بمجرّد ارتفاع سنّها .
ولكن في الدين السلامي عندما يرتفع سنّ المرأة فإنّها - بصورة عامة - تتحوّل إلى أُم ، وكم جعل الإسلام مقاماً رفيعاً للأُم ، كما أنّ الإسلام لم يكتف بالظواهر ، ولم يعتبر جمال المرأة مقياساً لقيمتها ، بل جعل قيمة كلّ إنسان بمقدار تقرّبه إلى الله تعالى ، ولا فرق بين الرجل والمرأة في هذا الصعيد ، بل المجال للجميع مفتوح ، وكلّ إنسان ينال هذه المرتبة بمقدار الجهود التي يبذلها في هذا المجال .
إنّ الدين الإسلامي دين يجعل الإنسان دائم الاتصال بالله تعالى عن طريق الصلاة المتواصلة التي يصلها الإنسان أوّل ووسط وآخر كلّ يوم ، وهذا الاتصال
يمنح الإنسان الروحانية والمعنوية التي ثمرتها الطمأنينة والسكينة والشعور بالراحة ، وهذا ما شدّ الإنسان بالله تعالى ويجعله أكثر شوقاً للتقرّب إلى الله تعالى .
وهذا الشعور هو الذي دفع " جوليا " إلى ا لإستبصار ، كما وجدت " جوليا " عند قراءتها لأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) أثراً عميقاً في نفسها وشعرت بأنّ كلام هؤلاء نور يضي لها الدرب في حياتها ، فتمسّكت به وسارت بهداه على الصراط المستقيم .
ولدت في بريطانيا ، حاصلة على شهادة جامعية ، كانت منتمية إلى الدين المسيحي لكنّها وجدت أنّ هذه الديانة بمفاهيمها المعقدّة لم تمنحها سوى التخبّط والفوضى والقلق في الصعيد الفكري ، فاستمرّت على هذه الحالة حتّى لاحت بصيرتها نور الإسلام ، فتوجّهت إلى البحث حول هذا الدين حتّى ثبت لها قدرة الإسلام على انقاذها من الحياة اللاهية العابثة الفاقدة للقيم الربانيّة ، فلهذا انجذبت إليه واختارته لنفسها ديناً يضمن لها سعادة الدارين .
إنّ الإسلام يعرّف الإنسان بأنّه خليفة الله في الأرض ، وهو المخلوق المكرّم الذي فضّله الله على سائر مخلوقاته .
قال تعالى : * ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) * (1).
وجعل الله تعالى الحياة الدنيوية فرصة لتكامل الإنسان عن طريق العبادة
1) - الإسراء (17) : 70 .
لله تعالى .
ولاحظ الباري عزّ وجلّ طاقة الإنسان وقدراته فلم يكلّفه فوق نطاق وسعه .
قال تعالى : * ( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ) * (1)- الخصال ، الشيخ الصدوق : 417 ، باب التسعة .(2).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " رفع عن أمتي تسعة : الخطأ ، والنسيان ، وما أكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطرّوا إليه ، والحسد ، والطيرة ، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة " (2) .
ومن هنا نستنتج بأنّ العقيدة الإسلامية لاحظت عوامل الضعف في الإنسان والهدف من الفرائض الدينية والأعمال العبادية تكامل الإنسان لا إرهاقه وإتعابه أو دعوته إلى الرهبانية والسير على خلاف فطرته وطبيعته .
إنّ الإنسان بطبيعته قد يخضع لأهوائه وغرائزه وشهواته ، وقد لاحظ الإسلام هذا الأمر في الإنسان ، وتعامل معه برفق ولين ومداراة ، ولم يغلق الأبواب بوجهه ولم يدفعه إلى اليأس والقنوط ، بل دعاه إلى الرحمة الإلهية الواسعة .
ولم يسمح الإسلام للإنسان أن يعيش حالة الشعور بالخطيئة ، ويعذّب نفسه من خلال مداومة تأنيب الضمير ، بل دعاه إلى التوبة والاستغفار والإنابة والعودة إلى الله تعالى ، والله تعالى ستّار العيوب .
إنّ الإله الذي تعرّفت عليه " جولي " خلال دراستها للإسلام كان إلهاً حياً عطوفاً رحيماً بخلاف الإله الذي كانت الكنيسة تدعو إليه ، وهذا ما جعلها تتفاعل
مع الدين الإسلامي وتنجذب إليه يوماً بعد آخر حتّى وجدت نفسها مسلمة مؤمنة بالله الواحد الأحد الرحمن الرحيم .
وعندما بدأ قلب " جولي " ينبض بمحبة الله تعالى ، لانت جميع جوارحها وخضعت بسهولة وبساطة إلى أوامر الله تعالى ، ووجدت " جولي " بأنّ الأعمال العبادية الإسلامية تحوّلت إلى غذاء لروحها ، ولا يمكنها الابتعاد عنها والقصور فيها ; لأنّها بدأت تحتاج إلى هذا الغذاء وتتلهّف إليه ، ولا يمكنها العيش دونه ، بل الحياة دونه تتحوّل إلى غربة وكآبة وحرمان .
من أهالي بريطانيا ، عاش في القرن الرابع عشر ، اعتنق الإسلام عام 1320 ه ( 1903 م ) ثمّ توجّه إلى نشره عن طريق الصحف والمجلاّت .
ورد في كتاب التكامل في الإسلام حول خالد شيلدريك :
منذ اعتناقه الدين الإسلامي قام بواجبه في بثّ الدعاية الإسلامية في إنجلترا وفرنسا وكندا .
وهو يقول : إنّ المبشّرين في الصين بذلوا أموالهم وأنفسهم ونساءهم لتبليغ المسيحية في الأيام الماضية ، ولكن لم يتّبعهم سوى عدد قليل جدّاً إزاء الجماهير التي تعتنق الإسلام ، وأمّا أتباع المسيحية فلرغبة في المال ، أو الوظائف أو النساء اللاتي يردن على المبشّرين في حين لآخر .
والدكتور خالد منهمك اليوم بتصنيف الكتب والمقالات الإسلامية على طريقة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في جرائد الهند الإنجليزية (1).
تعتبر الحرية في اختيار المبدأ من أهم الأمور التي دعا إليها الإسلام ،
1) - التكامل في الإسلام 5 : 192 ، رقم 41 .
والمعنى الصحيح لهذا المفهوم هو أن يدرس الإنسان مختلف الأديان ; فإذا عرف الحقّ تمسك به .
وأمّا أن يلتزم الإنسان بدين آبائه من منطلق التقليد الأعمى ، وإذا قيل له : ما هو سبب إنتمائك لهذا الدين ؟ فيقول : أنا حرّ في اختيار ديني ، واخترت هذا الدين تقليداً للسلف ، فلا يعني هذا الأمر الحرية في اختيار المبدأ ، بل هذا الشخص وأمثاله هم أسراء بيد أهوائهم ، وهم عبيد الكسل والخمول .
إنّ الإسلام يدعو الإنسان إلى البحث لتشييد معتقداته على أُسس متينة ، ولا يرضى الإسلام أن يكون الإنسان مستضعفاً ليملي عليه الآخرون المبادئ ، فيتقبلّها من دون طلب دليل أو برهان ، ويدعى لها من منطلق التقليد الأعمى .
إنّ من أبرز الشواهد على التزام الإسلام بالحرية الدينية أنّه في معركة مع أعدائه عندما كان يفتح مدينة أو قرية فإنّه لم يجبرهم على اعتناق الدين الإسلامي ، بل كان يعرض عليهم الإسلام ويترك لهم الاختيار الكامل .
كما أن الإسلام لم يمنع أصحاب بقيّة الديانات من إجراء شعائرهم وممارساتهم الدينية ، بل فسح لهم المجال للتمسّك بدينهم حتّى بشكل علني .
وأمّا هدف المسلمين من الحروب فإنّه كان بهدف نشر التعاليم الإسلامية الحقّة بين الناس ، وتحرير المستضعفين من أيدي المستكبرين ، وتوفير الأجواء المناسبة للتقرّب إلى الله تعالى .
والإسلام لا يدعو أبناءه أبداً إلى الاستيلاء على البلدان الأخرى بهدف السيطرة أو كسب المطامع وتحقيق الأغراض غير السليمة ، بل هدف الإسلام إعلاء كلمة الله ، ونشر الحقائق ، ودعوة الناس إلى الهداية ، والسير على الصراط المستقيم .
ويعود سبب هذا المبدأ إلى رؤية الإسلام لهذا العالم ; لأنّ الدنيا وفق الرؤية الإسلامية دار اختبار وامتحان ، وليست دار قرار وخلود ، ولهذا فوظيفة المؤمن فيها الالتزام بأوامر الله تعالى ، وبذل الجهد لتحقّق الغرض الذي من أجله خلق الله هذا العالم ، وهذا الغرض هو عبودية الإنسان لله تعالى ; لأنّ هذه العبودية هي السبيل الذي بها يتكامل الإنسان ويصل إلى أسمى مراتب الكمال ، وبها ينال المنزلة العليا عند الله ، وبها يحدّد مصيره في دار الخلود .
من مواليد دولة بريطانيا ، حاصل على شهادة الليسانس في فرع الفيزياء ، غذّته البيئة التي ترعرع فيها بعقائد الكنيسة ، لكّنه لمّا بلغ سنّ الرشد ، وجد أنّ الديانة التي عليها لا تسدّ حاجاته الروحية والفكرية ، فلهذا اندفع إلى البحث عن ديانة تمدّه بالعطاء والغذاء الروحي بحيث يترك ذلك أثره في سلوكه وتصرّفاته وتوجّهاته ، فتعرّف على ديانات مختلفة لكّنه لم يجد كالإسلام ديناً متكاملاً منحه الرؤية الشمولية للكون والحياة ، ديناً يدعو إلى السموّ والتكامل والارتقاء بمنهجه وشريعته التي أنزلها الله على خاتم رسله محمّد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وعندما ذاق " ديويد " حلاوة المبادئ والمعارف الإسلامية لم يبتغ منهجاً وديناً غيرها ، ومن هذا المنطلق اعتنق الإسلام وسلك طريقاً قد ارتضاه الله تعالى لعباده ، ليكون سبيلاً للتقرّب إليه والوصول إلى رضواته .
وجد " ديويد " بأنّ الإسلام حرّر الإنسان من الاستبداد والعبودية للآخرين ، وتعدّ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) أبرز ثورة استهدفت تحرير الإنسان من الظلم والاستغلال والوقوع في أودية الكفر والضلال والانحراف .
كما حرّر الإسلام البشرية من نظريات التمييز بين إنسان وآخر سواء كان
ذلك في اللون أو المال أو الجنس أو القوّة ، وجعل معيار التفاضل هو الإيمان والتقوى .
قال تعالى : * ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) * (1).
وقال الإمام علي (عليه السلام) : " أيّها الناس إنّ آدم لم يلد عبداً ولا أمّة ، وإنّ الناس كلّهم أحرار " (2).
ومن جهة أخرى فإنّ الإسلام لم يطلق العنان للإنسان ليتصرّف كيفما يشاء ، بل جعل لحريته ضوابط وقواعد تمنعه من الوقوع في الفوضى وتقف بوجه طغيانه وخروجه عن حدّ الاعتدال .
فوازن الإسلام بين الحرية والوقوع في أسر الأهواء والشهوات ، ليعيش الإنسان في حالة الاعتدال وليقي نفسه من فقدان التوازن .
ومن هذا المنطق نجد التأكيد الكثير على مسألة تهذيب النفس والتحلّي بالفضائل الحميدة ، منها : ما ورد في عهد الإمام علي (عليه السلام) للأشتر عندما نصّبه والياً على مصر : " هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر . . . أمرهُ بتقوى الله ، وإيثار طاعته . . . وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات . . . فإنّ النفس أمارة بالسوء إلاّ ما رحم الله . . . فاملك هواك ، وشحَّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك ، فإنّ الشُّحَّ بالنفس الإنصاف منها فيما أحبَّت أو كرهت . . . " (3).
وجد " ديويد " أنّه بعد معرفة الحق لا يسعه التغلّب على أهوائه النفسية ، واتّخاذ قرار تغيير انتمائه الديني إلاّ عن طريق تهذيب نفسه وسحق شهواته
والوقوف بوجه أنانياته ، كما أنّه عرف أنّه بمفرده لا يطيق تحمّل هذه المسؤولية ، ولا بدّ من الاستعانة بالله في هذا الطريق ، ومدّ يد الدعاء إليه ، وطلب العون منه .
وبهذا تمكّن " ديويد " أن يستبصر ويستقيم على الصراط المستقيم .
ولدت في بريطانيا ، ونشأت في أُسرة تعتنق الديانة المسيحية ، ولكّنها حاولت بعد ذلك أن ترفع مستوى وعيها الديني ، وأحبّت أن تكون على بصيرة في أمر دينها ، فوجدت أنّ حبّ الاستطلاع في الأُمور الدينية بحاجة إلى فكر ينفتح ويتسع في آفاق البحث ليتحرّر من حالة التقليد الأعمى والجمود والاحترام للمقدّسات الزائفة .
انطلقت " ريانا " بقوّة في بحثها لتتحدّى كلّ العقبات التي تعتري حركتها باتجاه وصولها إلى الحقيقة التي يطمئن إليها القلب ، فوجدت الأمر يتطلّب منها كبت أهوائها وتهذيب نفسها وتطهير قلبها من أدران الميول والرغبات ، فبادرت إلى تحقيق حالة التوازن في كيانها ليسعها بعد ذلك أن تصل إلى الرؤية الواضحة في تقييمها للمدارس الفكرية المتضاربة ، فجاهدت نفسها في هذا السبيل حتّى شرح الله تعالى قلبها للإسلام ، فغمر كيانها النور واستضاءت بصيرتها ، فاعتنقت بعد ذلك الإسلام وتمكّنت بذلك أن تحرّر نفسها من الأزمة الفكرية التي كانت تعاني منها طيلة دراستها الموضوعية لمعرفة الحقيقة .
إنّ من أهم الأسباب التي دفعت " ريانا " إلى الاستبصار ، أنّها وجدت في التزامها بالتعاليم الإسلامية الواردة عن أئمة أهل البيت الشعور بالراحة والاستقرار والطمأنينة وعرفت بأنّ الإسلام أكثر قدرةً على تعميق صلتها بالله تعالى .
وهذه الطمأنينة هي التي كانت بمثابة الغذاء الروحي الذي حفّز " ريانا " على الاستبصار ، ومكّنتها من اجتياز العقبات بسهولة ، ودفعتها لقبول الحقّ على رغم وجود التيارات المخالفة العديدة التي حاولت أن تصرفها عن عزمها في الصعيد العقائدي .
واجهت " ريانا " بعد التزامها الديني بالصعوبة في الصعيد العملي على الرغم من ارتياحها النفسي لاختيارها الواعي ، ولكّنها عرفت بعد مضي فترة بأنّ هذه الصعوبة موقّتة وناشئة نتيجة الملاكات السلبية التي كانت راسخة في نفسها من البيئة السابقة ، وعرفت أنّها بمثابة شجرة اجتثت من أرضية غير صالحة ، وغُرست من جديد في أرضية صالحة ، فالشجرة من دون شكّ ستعاني في بداية الأمر وقد تذبل قليلاً ، ولكّنها بمرور الزمان تعتاد على الأجواء الجديدة وتزدهر عشرات الأضعاف أكثر مّما لو بقت في الأرضية غير المناسبة .
وعرفت " ريانا " أنّ الجهود التي تبذلها محفوظة عند الله تعالى ، وأنّ ثمنها الجنّة ، والغربة التي تعاني منها زائلة ، وأنّ ما يبقى هو عملها الصالح الذي تقوم به بعد تشييد عقائدها وفق الأُسس الصحيحة والقواعد المبرئة للذمّة .
ومن هذا المنطلق واصلت " ريانا " استقامتها على الصراط المستقيم ، ثمّ بدأت بتثقيف صديقاتها وتوعيتهن ورفع مستواهن العلمي ، لتكوّن بذلك في مجتمعها مجموعة تتعاون وتتعاضد فيما بينها حول محور التقوى ، وتتواصى بالحقّ وتتواصى بالصبر .
من مواليد بريطانيا ، حاصلة على شهادة الدبلوم ، أحبّت أن تبحث عقيدتها وأصول إيمانها لتصل إلى الحقيقة ، فتعيش في ظلالها هادئة النفس ومطمئنة القلب ، فعاشت ساعات التأمّل والنقاء متضرّعة إلى بارئها داعية ليأخذ الباري بيدها إلى سبيل الرشاد ، فاستجاب لها الباري دعاؤها ، فوفر لها أرضية تعرّفت فيها على كتابه الذي أنزله على خاتم رسله النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكان ذلك سبباً لاستضاءة عقلها بنور الإسلام ، ثمّ التقت بإحدى الشخصيات العلمية ، فأكمل لها السبيل للسير على الصراط المستقيم ، فعرّفها على مقام ومكانة أهل البيت (عليهم السلام) فعندئذ استضاء عقلها بنور الإيمان ، واعتنقت مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، وتوجّهت إلى العمل وفق ما أمرتها الشريعة الإسلامية الأصيلة ، لتزيل بذلك الأدران التي كانت عالقة بفطرتها ، والتي كانت سبباً لحجب بصيرتها عن رؤية نور الحق ، ثمّ سمّت نفسها " سمية " باسم أوّل شهيدة في الإسلام ، ضحّت بنفسها في سبيل إعلاء كلمة الحق .
من أهم الأمور التي لفتت نظر " ساندرا " خلال دراستها للدين الإسلامي أنّها وجدت بأنّ المنهج التربوي الإسلامي منهج واقعي يلاحظ بدقّة الطبيعة
البشرية فلا يغيّرها ولا يلغيها ، وإنّما يتعامل معها بصورة دقيقة ومدروسة .
والأصول النفسية للتربية عبارة عن التهيّؤ النفسي بمعنى تمهيد الأرضية قبل القيام بأيّ عمل تربوي ; لأنّ قلب الإنسان مضطرب ، وقد يكون في بعض الحالات غير مستعد لتقبّل النصيحة ، وقد قال الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) : " إنّ للقلوب إقبالاً وإدباراً ونشاطاً وفتوراً ، فإذا أقبلت بصرت وفهمت ، وإذا أدبرت كلّت وملّت ، فخذوها عند إقبالها ونشاطها ، واتركوها عند إدبارها وفتورها " (1).
والأصل الثاني الذي يهتم به الإسلام في منهجه التربوي هي مسألة التعقّل ، وتعدّ الدعوة إلى التعقّل في الإسلام من أساسيات المنهج التربوي ; لأنّ العقل هو الأساس للنجاح في جميع مراحل التربية .
قال الإمام الصادق (عليه السلام) : " دعامة الإنسان العقل ، والعقل منه الفطنة والفهم والحفظ والعلم ، وبالعقل يكمل وهو دليله ومبصره ومفتاح أمره ، فإذا كان تأييد عقله من النور كان عالماً حافظاً ذاكراً فطناً فهماً ، فعلم بذلك كيف ولم وحيث ، وعرف من نصحه وغشّه ، فإذا عرف ذلك عرف مجراه وموصوله ومفصوله ، وأخلص الوحدانية لله ، والإقرار بالطاعة ، فإذا فعل ذلك كان مستدركاً لما فات ، ووارداً على ما هو آت ، يعرف ما هو فيه ، ولأيّ شيء هو هاهنا ، ومن أين يأتيه ، وإلى ما هو صائر ، وذلك كلّه من تأييد العقل " (2).
وقال الإمام علي (عليه السلام) : " من استعان بالعقل سدّده " (3).
والأصل الثالث الذي يهتم به الإسلام هو التعلّم ولا سيّما في مرحلة الطفولة ; لأنّ العلم يوسّع آفاق الرؤى ، ويؤدّي إلى نضوج العقل ، وينير الدرب للإنسان نحو الاستقامة الفكرية والعاطفية السلوكية .
والعلم كالمصباح ينير الطريق للإنسان ، ولهذا قال الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) : " الحمد لله الذي جعل العلم لنا مصباحاً في ظلم الدجى " (1).
وتكمن أهمية العلم في أنّه السبيل الوحيد الذي يرشد الإنسان نحو الطريق الصحيح ، وقد قال الإمام علي (عليه السلام) : " اعلموا أنّ كمال الدين ورأس الطاعة لله طلب العلم والعمل به " (2).
كما أنّ الذي يعمل بما يعلم فستشمله الرعاية والعناية الربانية ، وتزيده نوراً إلى نور ما كان يعلم .
قال الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) : " من عمل بما يعلم ، علّمه الله ما لا يعلم " (3).
أمّا الإنسان الذي لا يعمل وفق علمه ، فإنّ عمله سرعان ما سيزول .
قال الإمام علي (عليه السلام) : " العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلاّ ارتحل " (4).
والذي لا يعمل بما يعلم ، فسيكون حسابه عسيراً يوم القيامة ; لأنّ العلم سيكون حجّة عليه ، ولا يكون له عذر في عدم العمل بما كان يعلم .
والأصل الرابع من أصول التربية الإسلامية هي الجدّ والاجتهاد ; لأنّ التربية ليست مجرّد مفاهيم يختزنها الإنسان في ذهنه ، بل التربية عملية إصلاحية تتطلّب الجدّ والاجتهاد والعمل الدؤوب والمثابرة في طريق الاستقامة .
قال الإمام علي (عليه السلام) : " روّضوا أنفسكم على الأخلاق الحسنة " (5).
لم تصل " ساندرا " إلى مرحلة الاستبصار إلاّ من خلال هذه الأصول
التربوية ، ولولا التهيّؤ النفسي والتعقّل والتعلّم والجدّ والاجتهاد لم تتمكّن " ساندرا " أبداً من اجتياز الموانع والعقبات ، ولم تصل إلى الحق ، ولكّنها همّت وعزمت وشاءت وأرادت وتقدّمت فساعدها الله في هذا السبيل ، وأخذ بيدها إلى شاطئ السلام .
من مواليد دولة إسكتلاندا ، حاصلة على شهادة الدبلوم في السكرتارية ، كانت تنتمي إلى الديانة المسيحية ، لكنّها بعد أن تعرّفت على الإسلام وجدته ديناً خالياً من التعقيدات ، وتبيّن لها أنّه دين يدخل القلب ويهيمن على العقل من دون أن يصدّها مانع ; لأنّه يتضمّن المفاهيم العالية ويدفع الإنسان إلى التحلّي بالأخلاق الرفيعة ، فلهذا قرّرت أن تنقذ نفسها من عقائد الكنيسة الغامضة التي كانت لا تزيدها الإحاطة بها إلاّ تيه وحيرة ، فتوجّهت إلى دراسة الإسلام ، فلمّا بلغت مرتبة الاقتناع الكامل به تخلّت عن معتقداتها السابقة وتحلّت بمفاهيم الإسلام السامية ، ثمّ أعلنت اعتناقها لهذا الدين الحنيف .
إنّ الاشخاص الذين تأثرت بهم " مارغريت " في اعتناقها للإسلام كانوا من أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، والكتب التي قرأتها - في بداية الأمر - كانت كتباً شيعية ، ولكنّ عندما قررت " مارغريت " اعتناق الإسلام ، وجدت أمامها مجموعة مذاهب كلّ واحدة منها تدّعي أنّها على الحقّ وغيرها على باطل ، وهنا حاولت " مارغريت " التريث في الأمر وقرّرت توسيع دائرة بحثها قليلاً ، لتبرئ ذمتها في هذا المجال .
وكانت تعلم " مارغريت " بأنّ الجهد الذي تبذله في هذا الصعيد مطلوب ; لأنّ المسألة ترتبط بمصيرها الأُخروي ، وهي التي ضحّت بكل شيء ، وتركت دينها السابق ، وتقبلّت كل العناء وتحملّت المصاعب ، فعليها أن تتأنّى لتختار المذهب الحقّ من بين مختلف المذاهب الإسلامية .
وخلال البحث لفتت بعض الأمور أنظار " مارغريت " إليها ، ومنها تبلورت عنها القناعة بأحقيّة مذهب أهل البيت لما يمتاز به هذا المذهب دون غيره .
إنّ ما يمتاز به مذهب التشيّع هو استقلال علماء الدين فيه وعدم اعتمادهم على السلطات في المجال المالي ، فالعالم ومرجع التقليد يدير شؤونه من خلال " الخمس " ، وهذا ما يجعله مستقلاً في عمله وغير خاضع لجهة معيّنة ، بخلاف علماء باقي المذاهب الإسلامية فإنّهم يستلمون رواتبهم من الدولة ، وهذا ما يجعلهم أن يكونوا من وعّاظ السلاطين أكثر من غيرهم .
أضف إلى ذلك أنّ مذهب التشيّع يؤمن بالاجتهاد ولم يغلق باب الاجتهاد في الفقه ، بخلاف المذاهب الإسلامية الأُخرى ، وهذا الأمر هو الذي جعله قادراً على مواكبة العصر وجعله أكثر عقلانية وأكثر قدرة على حلّ المسائل المستجدة ، بخلاف المذاهب الأُخرى التي علقت باب الاجتهاد ، وتحوّلت نتيجة ذلك إلى مجموعة طقوس غير قادرة على تكييفها مع المتغيّرات الزمنية .
وبصورة عامة وجدت " مارغريت " بأنّ التشيّع أكثر حجّة في إقناعها ، وهو المذهب الوحيد الذي يعتقد بعدم انقطاع الصلة بين الأرض والسماء حيث إنّه يعتقد بوجود حجّة الله وإمام حي في هذا الزمان ، وهذا ما يجعل الإنسان أكثر اطمئناناً بوجود الرعاية الإلهية إليه .
وعندما وصلت قناعة " مارغريت " الحد الأعلى في أحقيّة التشيّع ، أعلنت استبصارها ، والتزمت بكل ما يقرّبها إلى الله تعالى وانتهت عما يبعدها عنه تعالى .
ولدت في بريطانيا ، ونشأت في أوساط أسرة مسيحية ، حصلت على شهادة الماجستير ، ثمّ اهتمت بتشييد معتقداتها وأفكارها وفق الأسس الصحية ، وقررت التعمّق في معرفة هدف وجودها في هذه الحياة .
دققت " ماري " في خزين معتقداتها وأسباب انتمائها إليها ، فوجدت أنّها موروثة من الأجواء المحيطة بها ، ولا قيمة لها من الناحية العلمية ، ولا بدّ من إجراء دراسات علمية شاملة وعامة توصلها إلى مرحلة اليقين في بلورتها لرؤيتها الكونية ورأت " ماري " بأنّ الضرورة العقلية تحتّم عليها الاتّجاه نحو البحث وطلب العلم ; لأنّ الإنسان العالم يكون أقدر من غيره على طلب الخير ووقاية نفسه من الشر .
من أكبر المشاكل التي واجهتها " ماري " في البحث عدم تفاعل من حولها معها في طريق البحث ، فكانت عندما تتحدّث مع صديقاتها حول النتائج العلمية التي توصّلت إليها تواجه استغراباً منهن واستهزاءً بها إزاء اهتمامها بالأمور
العلمية .
كانت الأجواء المحيطة ب " ماري " تفرض عليها اللهو واللعب والاهتمام بالأمور الدنيوية والحديث عن زينتها وزخرفها ، ولكن " ماري " كانت تعيش في عالم آخر لا يتفاعل معه من كان حولها .
وهذا ما دفع " ماري " أن تشعر بالغربة وهي في بداية طريق بحثها وتحقيقها العلمي .
عرفت " ماري " بأنّ كلّ إنسان يحصد ما زرع ، وكلّ إنسان مكلّف بأعماله ، والذين يتجهون نحو السبل الخاطئة فإنّهم لا يضرّون إلاّ أنفسهم ، والذين يبذلون الجهد في سبيل معرفة الحق والحقيقة ، فإنّهم أيضاً سينالون ثوابهم .
ومن هنا قرّرت " ماري " تحمّل كلّ المتاعب والمشقّات في طريق البحث ، وواصلت بحثها ، فتحوّلت إلى إنسان هي " مع الناس " ولكن ليست " من الناس " ، تعيش معهم بجسدها ، ولكن روحها وذهنها وفكرها في مكان آخر يبحث عن الحقيقة .
أوّل عقيدة آمنت بها " ماري " عن وعي ووفق ما فرضت عليها الأدلة والبراهين هي عقيدة التوحيد ، فآمنت بالله تعالى ، وآمنت بوحدانيّته ولزوم عبوديته ، وآمنت أنّه سميع بصير ، وعليم بذات الصدور ، فطلبت منه المساعدة ، وتضرّعت إليه ، والتجأت نحوه بخشوع وخضوع ، وطلبت منه أن ينجيها من الظلام المحيط بها ، ويأخذ بيدها نحو النور ، فاستجاب الله تعالى دعاءها ، وهيّأ لها ظروف التعرّف على رجل دين مؤمن ومتقي وورع اختصر لها طريق البحث ، وساعدها في معرفة الحقيقة ، وعرفّها برسول الله وأهل بيته (عليهم السلام) ، وأعطاها جملة من الكتب
الدينية ولا سيما كتب أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) .
وبعد فترة قصيرة ، أعلنت " ماري " استبصارها ، والتزمت بشكل كامل بالفرائض الدينية ، وارتدت الحجاب ، وبدأت تراعي سلوكها وتصرّفاتها ، وتراقب نفسها لئلا يصدر منها ما يسخط الله تعالى ، وبدأت تحاول دائماً القيام بالأعمال العبادية المرضية لله تعالى .
ولم تبال " ماري " بالاعتراضات التي صدرت من أقربائها وصديقاتها ، بل حاولت أن تواجه هذه الاعتراضات بهدوء ، وسعت أن تبيّن للآخرين الأسباب التي دفعتها لتغيير معتقداتها وأنكارها والانتماء إلى الدين الإسلامي الحنيف .
من مواليد بريطانيا ، حاصلة على شهادة الديبلوم في السياسة ، غذّتها البيئة التي عاشت فيها بعقائد الديانة المسيحية ، فتبلور في ذهنها رؤية كونية منسجمة مع أفكار ورؤى الكنيسة ، لكّنها في لحظة من لحظات استغراقها في حالة التأمّل وجدت أنّ ما عندها من مخزون فكري لا يتلاءم مع موازينها الفطرية ، وتوصّلت إلى هذه النتيجة بأنّ الكنيسة إنطلاقاً من اتجاهها الفكري الضيّق استغرقت في الأُمور التجريدية ، فغفلت عن الوجود المادي للإنسان ، فسنّت قوانيناً ترتبط ببُعد واحد من أبعاد الإنسان وهو البعد الروحاني ، فلهذا بدأت الكنيسة تدعو إلى الرهبانية والانعزال والتقوقع ، وهذا ما أثار ردّة فعل ضدّها ودفع بالمجتمع إلى الإفراط ونبذ الجانب المعنوي بتاتا والتوجّه إلى المادية البحتة .
ومن هذا المنطلق بدأت " مري " تبحث عن المنهج الديني السوي ، فكانت ثمرة بحثها أنّها وجدت الإسلام الدين الإلهي الوحيد الذي يحمل نظرة شمولية للكائن البشري ، فلهذا توجّهت لتعيد النظر في الرؤى التي كانت تحملها ، فقامت بعملية غربلة فكرية لتطرح أفكارها الرديئة وتعوّضها بالأفكار والرؤى الإسلامية السامية التي تدفع صاحبها إلى ارتقاء مستواه في كافة الجوانب المرتبطة به .
من أهم العوامل التي دفعت " مري " إلى معرفة الإسلام بصورة مناسبة التقاؤها بأحد رجال الدين وحوارها معه حول الإسلام ومعرفتها عن طريقه بالإسلام بصورة زرعت القناعة في قلبها بأنّ الإسلام هو الدين الوحيد المتمكّن من منحها الرؤية الكونية الصحيحة والكاملة والشمولية للعالم .
ومن أهم الأُمور التي دفعت " مري " إلى الوثوق بكلام ذلك العالم أنّها وجدته القدوة في الصعيد الأخلاقي ، والنموذج الكامل في التزامه بتعاليم أهل البيت (عليهم السلام) التي كان يدعوا الآخرين إليها .
وبعد فترة من إلمام " مري " بالعقائد الإسلامية ، وجدت بأنّ مجرّد اعتقادها بأحقية الإسلام غير كاف لإعلان تحولّها ; لأنّ هذا الإعلان سيكلّفها كثيراً في الصعيد الاجتماعي ، ويتبعه استهزاء الآخرين بها وإلصاق عناوين التخلّف والجنون والإرهاب بها .
ومن هنا عرفت " مري " بأنّ تغييرها لإنتمائها العقائدي يتطلّب منها مجاهدة النفس وإرغامها والهيمنة عليها وتهيئتها للتضحية في سبيل التزام الحق .
كانت " مري " تتصوّر بأنّها بعد الاستبصار ستواجه مشاكل لا تُطاق ، ولكّنها بعد إعلانها للاستبصار وجدت بأنّ الله تعالى منحها قوّة صَغُرت أمامها كلّ المشاكل التي واجهتها .
وبمرور الزمان قلّت اعتراضات صديقاتها لها ، بل تقبّلناها بقبول حسن ، وأصبح أمر إسلامها أمراً اعتيادياً وطبيعياً وغير ملفت للنظر .
ومن هنا عرفت " مري " بأنّ الله تعالى يعين عباده الصالحين ، وهو معهم أينما كانوا يرعاهم ويشملهم بلطفه ورحمته الخاصة .
عاش في بيئة بعيدة عن الأجواء الدينية وغير ملتزمة بأوامر الله تعالى وشرعه ، ولكن قلبه الطيّب بدأ يشعر بالضيق من هذه الأجواء ، فدفعه هذا الأمر إلى البحث للوصول إلى رؤية كونية مبتنية على البراهين والأدلة .
واتجه " نوئل " بفطرته نحو الكمال ، وشعر أنّه يحبّ التسامي والوصول إلى الكمال ، ويكره الانحطاط والتسافل .
ورأى " نوئل " بأنّ الأجواء التي يعيش فيها لا تتلاءم مع روحه ، وأحسّ بتنازع وصراع في نفسه بين فطرته السليمة المندفعة نحو الكمال وبين نفسه الأمّارة بالسوء والتي تغذيها الأجواء المحيطة بها .
ووجد " نوئل " بأنّه يتجه في الأزمات الصعبة التي يمرّ بها نحو الباري عزّ وجلّ وأنّه يعتقد بأنّه لم يُخلق عبثاً ، وإنّما خلق لأهداف سامية يجدر به البحث عنها ومعرفتها لئلا يقع في دائرة الخسران الأبدي .
ومن هنا وجد " نوئل " في نفسه المحفّز للبحث من أجل إشباع تعطشه المعنوي ، ومن أجل التحرّر من الضياع الفكري الذي يعاني منه .
يقول " نوئل " : صادف أن شاركت ذات يوم في المجالس الحسينية التي يقيمها الشيعة في بريطانيا ، فتأثرت كثيراً بما سمعت من الأحداث التي وقعت في النهضة الحسينية ، ورأيت مدى تأثّر الناس بها ، وما فيها من آثار وبركات عظيمة من شأنها إعادة التوازن في الصعيد الاجتماعي .
تتضمّن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) النموذج الأسمى للقيم الأخلاقية التي ينبغي أن يّتبعها كلّ إنسان ، فقد جسّد الإمام الحسين (عليه السلام) كلّ القيم السامية في مقابل الرذائل والانحرافات التي تجسّدت في أعدائه .
وقد كان غريباً على المسلمين آنذاك أن يرو شخصاً يجسّد هذا النوع من القيّم الأخلاقية السامية مضحيّاً بحياته وكلّ ممتلكاته ; لأنّ أبناء المجتمع آنذاك كانوا منغمسين في ملذّات الحياة الدنيويّة وكان الخمول مهيمناً عليهم ، ولهذا كانوا بعيدين عن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكان هذا الأمر نتيجة السياسة التي اتبعها معهم معاوية بن أبي سفيان بحيث جعلهم يتبعون السلطان ولو كان السلطان شخصاً معروفاً بالفسق والفجور وشرب الخمر وملاعبة القردة .
ومن هنا قست قلوب الناس بحيث لم يصعب عليهم ارتكاب الجرائم الكبرى ، ولهذا قتلوا ابن بنت نبيّهم بسهولة ، وهذا ما يبيّن فداحة الانحطاط الأخلاقي وغير الإنساني الموجود في تلك الحقبة الزمنية المظلمة .
رأى " نوئل " بأنّ من أبرز معطيات النهضة الحسينية هي التضحية من أجل العقيدة ، وأنّ الإمام الحسين (عليه السلام) عندما توفّرت له الفرصة المناسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصورة مسلّحة ، لم يتردّد في ذلك لحظة واحدة ، بل نادى
بصوت عال أمام الناس : " ألا ترون أنّ الحق لا يُعمل به ، وأن الباطل لا يُتناهى عنه ! ليرغب المؤمن في لقاء الله مُحقاً ، فإنّي لا أرى الموت إلاّ شهادة ، ولا الحياة مع الظالمين إلاّ بَرَما " (1).
فوجد " نوئل " أنّ هذا الدين الذي ضحّى من أجله الإمام الحسين (عليه السلام) يستحقّ هذا الاهتمام منه ، فتوجّه بكلّ وجوده إلى معرفة هذا الدين في ضوء دراسة التاريخ ومعرفة الدين الحقّ .
وبعد مضيّ مدّة من البحث وجد " نوئل " بأنّ هذا الدين هو الدين الحقّ وأنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم طريق النجاة ، فوجد بأنّ الإمام الحسين (عليه السلام) كما ورد في الحديث الشريف " مصباح الهدى وسفينة النجاة " (2)، فأضاء " نوئل " حياته المظلمة بنور هذا المصباح الإلهي والتحق بسفينة الإمام الحسين (عليه السلام) ، فأعلن استبصاره عام 1420 ه ( 2000 م ) .
وأصبح " نوئل " بعد ذلك من المبلّغين الداعين إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في جامعة لندن التي كان يدرس فيها العلوم السياسية وتحمّل كافة المصاعب في سبيل إعلاء كلمة الحقّ ، وغدا ناصراً لدين الله في تلك الأوساط التي يحيطها الظلام الدامس من كلّ جانب ، فرفع اسم الإمام الحسين (عليه السلام) ليضيىء به ذلك المكان عسى أن يوجد من يهتدي إلى سواء السبيل .
من مواليد بريطانيا ، حاصل على شهادة الليسانس في الإدارة ، كان معتنقاً للديانة المسيحية ، لكنه اجتهد أن يزيل عن نفسه غيوم العصبية وغبار الجهل ليتمكّن من إزالة الموانع التي تسلب منه إمكانية رؤية الحقيقة ، فكان ذلك سبباً لمعرفته أنّ الديانة المسيحية ليست سبباً لإيصاله إلى القرب الإلهي ، فبحث عن الصراط المستقيم فوجده متجلّياً في الدين الإسلامي ، فلهذا أراح ضميره واعتنق هذا الدين الحنيف ، وتمسّك بشريعته السمحاء التي أرشدته إلى سبيل الهداية والرشاد .
إنّ من أهم الأمور التي لفتت انتباه " والتر " في الدين الإسلامي أنّه دين عقلاني حرّر الإنسان من الأساطير والخرافة ، ودفع الإنسان ليستخدم عقله في الحياة .
وجعل الإسلام مكانة كبيرة للعقل ، واعتبره دعامة الدين ، والأساس لمعرفة الحق .
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " . . . ولكلّ شيء دعامة ، ودعامة الدين العقل " (1).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : " من كان عاقلاً كان له دين ، ومن كان له دين دخل الجنّة " (2).
وفي هذا السياق أكّد الإسلام على نبذ التقليد الأعمى ، وبيّن القرآن بأنّ مجرّد الاعتماد على ما وجده عليه الإنسان آباءه لا يعدّ حجة أو دليل ذات قيمة ، وكان عبّاد الأوثان يقولون للأنبياء : * ( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ) * (3).
وكان هؤلاء المشركون يقولون أيضاً للأنبياء : * ( أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا ) * (4).
ولكّن الأنبياء أرادوا تحرير الإنسان من التقليد الأعمى ، وكان يدعون الناس إلى التفكّر والتأمّل والتعقّل ، ليكون ملاك قبول العقائد هو الدليل والبرهان لا التقليد الأعمى الموروث * ( قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ ) * (5).
عندما سلك " والتر " سبيل التفكّر والتأمّل والتعقّل وجد نفسه يقترب إلى الإسلام بصورة تدريجية ، فاستسلم للعقائد والأفكار التي كانت حصاد اجتهاده في البحث والتحقيق ، وعندما بلغ القناعة الكاملة بأحقّية الإسلام ، أعلن إسلامه وتمسّكه بالثقلين ، ثمّ بدأ ينقل تجربته الدينية إلى كلّ شخص يلتقي به ويجد فيه المؤهّلات لقبول الحقّ .
ولدت في بلجيكا ، واصلت دراستها الأكاديمية ، ثمّ دخلت الجامعة فرع الأديان " معرفة الدين الإسلامي " حتّى نالت شهادة الماجستر في هذا التخصّص .
أدّت دراستها للدين الإسلامي إلى إحاطتها بهذا الدين ومبادئه وأسسه الرفيعة ، وهذا ما دفعها إلى التخلّي عن الدين المسيحي واعتناق الدين الإسلامي .
وجدت " آرين " بأنّ العقيدة الإسلامية تبلور للإنسان رؤيته الكونية ، وتبني الإنسان في مختلف الأصعدة الفكرية والاجتماعية والنفسية والأخلاقية .
يحرّر الإسلام في الصعيد الفكري معتنقيه من الاستبداد السياسي ، ومن الشهوات النفسية ، والانغماس في الملذّات الدنيوية ، وبهذا يصون العقل من التأثيرات السلبية ، ويفتح أمامه آفاق معرفية واسعة .
ومن جهة أخرى فإنّ تأكيد الإسلام على مسألة طلب العلم والمعرفة فإنّ من عواقبها تنمية الوعي والتحرّر من التقليد الأعمى .
يدعو الإسلام الإنسان في الصعيد الاجتماعي إلى التجارة مع الله تعالى ، ومن هذا المنطلق يدفع الإنسان إلى مساعدة الآخرين ولحاظ مصالحهم ، والتحرّر من التقوقع في دائرة الذات الضيّقة والأنانيات المقيتة .
ومن منطلق التجارة مع الله تعالى تنمو عند الإنسان خصائص الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين ، وتنمية روح الإيثار والتضحية ، واندفاعه للاهتمام بمصالح الآخرين ، وعدم الانتصار لمصالح نفسه .
كما أنّ الإسلام لم يفّرق على أساس اللون أو المال أو الجنس ، بل اعتبر التقوى هو المائز بين الناس .
وأخرج الإسلام الناس من دائرة الصراع والتناصر إلى دائرة الائتلاف والتعاون ، ودعاهم إلى تشكيل أمّة واحدة تلتف حول محور توحيد وعبودية الله تعالى .
ونبذ الإسلام التفرقة والاختلاف والتناحر والتحزّب ، ودعا الناس إلى الوحدة والائتلاف والانسجام والتضامن .
إنّ العقيدة الإسلامية تساهم بشكل بديهي وواضح في شعور الإنسان بالسكينة والطمأنينة والارتياح والاستقرار النفسي .
وقد حاولت الحضارات المادية بكلّ وسائلها المتطوّرة والحديثة أن تخفّف مصائب الإنسان وتمنحه الراحة والسكينة ، ولكنّها عجزت عن ذلك .
والأمور المادية قد تكون قادرة على تحذير وتسكين آلام الإنسان لفترات قصيرة ، ولكن الدين هو الذي يمنع الإنسان الراحة والسكينة من الداخل ومن الباطن ، ويمنح الإنسان قوّة الاستقامة ومواجهة المصاعب والابتلاءات ، وقدرة
كبح جماح الشهوات ، وبهذا يعيش الإنسان حالة السعادة في الصعيد النفسي .
يدعوا الإسلام الإنسان وفق أسس تستتبع الثواب والعقاب ، ولا يدعو الإنسان إلى مجرّد قوانين إرشادية لا تتضمّن المسؤولية . كما يؤكدّ الإسلام على مسألة الرقابة الإلهية ومسؤولية الإنسان أمام الله تعالى الذي يراه ويسمع كلامه وهو أقرب إليه من حبل الوريد .
ومن هنا يندفع الإنسان إلى الاستقامة في الصعيد الأخلاقي ، والتعامل مع نفسه ومع الآخرين .
إنّ الأدلة والبراهين التي توصلّت إليها " آرين " دفعتها في نهاية المطاف إلى اعتناق الدين الإسلامي والتمسّك بشرائعه والعمل بفرائضه ، وكانت السعادة التي تشعر بها " آرين " خلال تمسّكها بالدين الإسلامي هي المحفّز للثبات على هذا الدين والانجذاب إليه من جميع الجوانب .
قصة استبصار برنار وزوجته ماري ليز ، نقلاً من مجلّة " نور الإسلام " بقلم جهاد يوسف : كان ذلك في صيف عام 1402 ه ( 1982 م ) حين اجتاحت إسرائيل لبنان ووصلت جحافلها إلى عاصمتنا بيروت وحاصرتها لمدة تزيد عن الشهرين ، حاولنا أن نبقى صامدين في بيوتنا مع القلة التي بقيت ، إلاّ أنّ المدينة تحولت إلى جحيم بفعل الحصار الذي يشتد خناقه يوماً بعد يوم ، وكان لا بدّ من القرار الصعب : الرحيل .
انتهزنا فرصة وقف مؤقت لإطلاق النار لنخرج من الملاجىء ، ونلقي نظرة أخيرة على منزلنا وعلى المخازن التجارية التي كنا نملكها ، كان كُلّ شيء مدمراً ، أخذت القرار بالسفر ، للراحة أولاً ثمّ لمحاولة تأسيس أعمال جديدة في الخارج ، كان الطريق الوحيد للخروج من لبنان هو عن طريق سوريا ، ومن مطار دمشق ركبت الطائرة متوجهاً إلى بروكسل عاصمة بلجيكا ، هذا البلد الذي طالما ترددت عليه سابقاً بسبب الأعمال التجارية ، وحيث كان يقيم عدد من أقاربي .
وصلت إلى بروكسل ظهيرة يوم الجمعة ، وتوجّهت إلى منزل أحد أقاربي
الذي كانت تربطني به مودة كبيرة ، فوجدته يتهيأ مع عائلته للذهاب إلى شاطىء البحر في منطقة تبعد حوالي المائة كيلومتر عن العاصمة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع ، رحبوا بي أشد الترحيب وحمدوا الله على خروجي بالسلامة من جحيم بيروت ، وأخذت الأسئلة تنهال عليّ عن الأوضاع في الوطن وأحوال الناس والأهل والأقارب .
لقد كانت الاتصالات مقطوعة مع لبنان ، وكانوا يريدون معرفة كل التفاصيل ، وقد كان قريبي ، ويدعى سعيد ، طبيباً جرّاحاً أتمّ علومه في بلجيكا ويعمل في أحد أكبر مستشفياتها ، كان متزوجاً من سيّدة لبنانية مسلمة وله منها ولدان ، وهو يتميز بذكاء حاد ونبوغ ومهارة في مهنته ، وكان يتحلّى بأخلاق رفيعة وسمعة حسنة وتعلّق بالعادات الشرقية رغم السنين الطويلة التي قضاها في بلاد الغرب ، إلاّ أنّ عيبه الوحيد الذي كان يحزنني هو عدم تديّنه ، وعدم تقيده بالتعاليم الإسلامية ، والسبب يعود إلى أنّه ورغم سلامة فطرته ، كان يعاني من جهل فظيع في أمور الدين ناتج عن عدم اختلاطه بالمسلمين وعدم سعيه للمعرفة نظراً للانشغال الدائم في مهنته ، والانخراط بحكم العادة ، في روتين الحياة الغربية .
بعد أن أخذت قسطاً من الراحة وأديت صلاة الظهر ، دعاني سعيد لأن أذهب معهم لقضاء يومين على شاطىء البحر حيث تكون هناك فرصة لإراحة النفس والأعصاب بعد الأيام العصيبة التي قضيتها في بيروت ، فاعتذرت منه عن تلبية رغبته ودعوته لأن يتابع برنامجه المعدّ مع عائلته دون التقيد بوجودي ، فأنا سأقضي هذين اليومين في الراحة والتجوّل في أسواق بروكسل والمطالعة ، وليس عليه أن يغيّر برنامجه من أجلي .
استغرب سعيد موقفي مع ما يعلمه عني من حبي للسباحة ، وقد كان لنا فيها صولات وجولات في أنهار لبنان أيام الصبا الأولى ، وألحّ عليّ بالذهاب معهم وأنّه لا يمكن أن يتركني أقضي هذه الأيام وحدي مهما كلف الأمر .
اعتذرت مجدداً بحزم وإصرار وأعلمته بأن المشكلة ليست في أنّي لا أحب السباحة فإنّي لا أزال أعشقها ، إلاّ أن الذهاب إلى شاطىء البحر مع وجود النساء السافرات العاريات مخالف لتعاليم الدين ، وهذا ما لا يمكن أن أقوم به طوعاً ، وقد دام النقاش بيننا أكثر من ساعة إلى أن رضخ في النهاية مع شيء من الاستهجان ، وطلب مني أن أقترح مشروعاً بديلاً لقضاء العطلة ، ثمّ خطرت في رأسه فجأة فكرة فقال : ما رأيك أن نذهب سوياً إلى أحد أصدقائي وهو طبيب يعمل معي في المستشفى ويملك " فيلا " مع حديقة وبركة للسباحة في مدينة تبعد ثلاثين كيلومتراً عن بروكسل اسمها " لوفان " فنقضي نهاية الأسبوع عنده في السباحة والترفيه حيث لا نساء ولا ما شابه ؟
رحبّت بالفكرة نزولاً عند رغبتي قائلاً أن لا مانع عندي من الذهاب إن كان الأمر كما يقول ، فبادر على الفور إلى الاتصال بصديقه الدكتور برنار وأعلمه بذلك ، فرحب الدكتور برنار بالأمر وقال : إنّه في الانتظار .
كان لا يزال عليّ أن أحلّ مشكلة الطعام ، وقد كان من عادات الغربيين أنهّم إذا إستضيفوا إلى منزل أحد الأصدقاء أن يأخذوا معهم هدية كبادرة عن حسن الذوق ، كأن يأخذوا مثلاً باقة من الورد أو قالباً من الحلوى أو ما إلى ذلك ، فارتأيت أنا أن تكون هديتنا مقداراً من اللحم الحلال ، فأكون بذلك قد أصبت عصفورين بحجر واحد ، والأهم أنّي أكون قد أبعدت عني الإحراج بقضية الطعام مدّة يومين ، وهكذا كان ، فابتعت كمية كافية من اللحم من أحد الجزارين المسلمين ، وتابعنا المسير حتّى وصلنا إلى مدينة لوفان الجميلة على بعد ثلاثين كيلومتراً إلى الجنوب من بروكسل .
استقبلنا الدكتور برنار بالترحاب الشديد ، إذ إنّ أهل الغرب يعانون من
الوحدة في حياتهم ، ونادراً ما تحصل عندهم لقاءات ذات طابع عائلي حميم بعيدة عن أصول البروتوكول الدقيق ، مما يجعلهم يعيشون معظم حياتهم في كآبة .
الفيلا جميلة وأنيقة ، مكوّنة من طابقين ، تحيط بها حديقة واسعة مزروعة بالأزهار والورود ، وفي ركن من أركانها بركة كبيرة للسباحة على شكل L وإلى جانبها غرفة لتغيير الملابس ، كان المكان جميلاً ومريحاً للغاية ، وما شعرنا بأنفسنا إلاّ ونحن في ثياب السباحة ، أنا وسعيد ، نغطس في المياه الصافية نغسل فيها ساعات من تعب الأعصاب والمحنة والخوف ، وما لبث الدكتور برنار أن انضمّ إلينا وقد كان السرور بادياً عليه ، وما قمنا نتمدد على العشب الأخضر ، نتنعم بأشعة الشمس الدافئة حتّى لاحت مني التفاتة ناحية المنزل ويا لهول المفاجأة ! !
امرأة جميلة في لباس البحر تهبط سلم المنزل بإتجاهنا وعلى محياها علامات البشر ، لقد كانت زوجة الدكتور برنار ، أسقط في يدي وقد كان فاتني تماماً أن أسأل سعيد في خضم نقاشنا حول الموضوع في بروكسل إن كان الدكتور برنار متزوجاً أو يعيش مع امرأة على عادة معظم أهل الغرب ، لقد كان لهذه المفاجأة وقعها الكبير عليّ وشعرت بأنّ الأمور ستسوء .
في خلال لحظات كانت السيّدة على بعد خطوات مني ، فقد جاءت مستبشرة ضاحكة للترحيب بضيفهم العزيز القادم إليهم من بلاد بعيدة ، صاح زوجها يعرّفني قائلاً : هذه زوجتي ماري ليز ، وهذا جهاد قريب صديقنا الدكتور سعيد ، والسيّدة تتقدّم ، وهي تمدّ يدها إلى أن أصبحت أمامي واقتربت مدنية وجهها لمعانقتي على عادة أهل تلك البلاد مع الأصدقاء الحميمين ، لقد كان من عادتي في زياراتي المتكررة إلى بلاد الغرب لأعمالي التجارية ، حين أتوقع مقابلة سيّدة ما ، مديرة شركة أو بنك أو مصنع أو غيره أن أعلمها مسبقاً بأنّ من تقاليد المسلمين الملتزمين عدم مصافحة الرجال للنساء ، وذلك منعاً للإحراج ، فكان معظمهن ينصاعن باستغراب ، إلاّ أن هذه المرة كان الأمر مفاجئاً ولم يكن
هناك وقت للتوضيح .
تراجعت من أمام ماري ليز وحدت عنها ضاماً يدي إلى صدري معتذراً عن عدم مصافحتي لها قائلاً بتلعثم وخفر إنّها ليست من عاداتي ، حدث ذلك في لحظة ، وسط ذهول الحاضرين ، احمرّ وجه السيدة ، تراجعت إلى الوراء خطوة ثمّ قفلت عائدة إلى المنزل وعلامات الغضب الشديد على محياها ، وما لبث زوجها أن تبعها بصمت وهو ينظر إليّ شذراً ، خيّم الصمت لوهلة ثمّ انفجرت العاصفة ، قام قريبي سعيد ينتصر لكرامة أصدقائه المهدورة وهو يصيح في وجهي : ما هذا التخلّف ، ما هذا التحجّر ، ما هذا التزمّت ، ما هذا التطرّف ! ! ، أي دين هذا الذي يهدر كرامة الناس ، هؤلاء من علية القوم . . . هو جرّاح مشهور وهي دكتورة في علم النفس ، وتدرّس في الجامعة ، وأنت تأتي لتستخف بهما وتهينهما . . . ما كنت أتصوّر بأنّك تصل إلى هذا الحدّ ، مع ما أعرفه عنك من لياقة وحسن تصرّف ، وما كنت أتوقّع أن يكون الدين الإسلامي منفّراً إلى هذا الحد ، وانهمرت علي نعوت ما أنزل الله بها من سلطان .
أخذت أهدّىء من روع صديقي وأحاول تخفيف وقع الأمر عليه قائلاً : لم تتركوا لي الوقت لتوضيح الموقف ، أنا لا يمكن أن أرتكب المحرّم ولو على قطع رأسي ، على كلّ أرجو أن تستدعيهما للاعتذار وتوضيح الأمر ، ومن ثمّ أترككم في أمان الله وأذهب في حال سبيلي .
ماذا ينفع الاعتذار ؟ وأي توضيح تريد بعد الذي فعلته ؟ إنّها إهانة لي بالإضافة إليهما .
إني أعتذر إليك ، وأرجوك أن تستدعيهما لمثل ذلك .
بعد إلحاح وإصرار قام ودخل المنزل ، وبعد مضي وقت ليس بقصير عاد ومعه الدكتور برنار وحده ، فقد رفضت زوجته المجيء فقلت له : أرجوك رجاءً حاراً أن تستدعي زوجتك أيضاً ، فهي المعنية مباشرة بالموضوع ، وأرغب
بالاعتذار إليكما ومحاولة توضيح موقفي ، أو إذا سمحت لي يمكن أن أدخل عليها واُحدّثها في الداخل .
أنا أستغرب موقفك أشدّ الاستغراب ، ولا أدري كيف يمكنك التوضيح وقد أهنتنا في الصميم ، ورفضت مصافحة زوجتي ومعانقتها ، علماً أنّك تعرف أنّنا نحافظ على النظافة بالاستحمام اليومي ! !
أرجوك أن لا تستبق الأمور ، وأنا أصرّ أن تستدعي زوجتك ، فأنا كفيل بايضاح الأمر لكما .
دخل بعد لأي إلي المنزل وغاب فترة طويلة قبل أن يعود ، وزوجته أمامه وعلامات الغضب لا تزال على وجهها ، فقمت إليها وبادرت بالاعتذار عن الإزعاج الذي سببته لها ، والذي نتج عن سوء الفهم ، ودعوتها وزوجها إلى الجلوس قليلاً للحديث .
حوار :
شعرت بأنّ غضبها قد خف بعض الشيء ، وجلست وزوجها إلى جانبها وهي تقول : هل لاحظت عليّ أني وسخة فلم تصافحني ولم تعانقني ، ثمّ هب أني كذلك ، فإنّك ضيفي وفي منزلي واللياقة تقتضي بأن تصافحني ، أو أنك تعتبرنا كفارا إذ ان الدكتور سعيد أخبرني الآن أنّك مسلم متشدد ؟
فقلت : لا علاقة للأمر بالوساخة أو النظافة ولا بالكفر أو الإيمان ، وقد كنت صافحت زوجك قبلك بدون أي تردد ، وهو على ملتك .
فكرّت في نفسي بأنّ خير وسائل الدفاع هو الهجوم وسألت الله العون فقلت :
لا بد للتطور العلمي من أن يترك أثره في السلوك الاجتماعي للبشر ، خاصة أنّ كلاكما متعلّم ومثقف بدرجة عالية ، فلم تكلّفا نفسيكما عناء السؤال عن سبب تصرّف قمت به ، بل واجهتماني بردّة فعل عنيفة على أمر أعتبره أنا في غاية البساطة ، ولا يستحق كلّ هذا الغضب ، وهنا يتبيّن لي أنّ مفهوم الحضارة والتخلّف لا علاقة له بالعلم أو بالجهل ، ولا بالفقر أو بالغني ، ولا بالعالم الثالث أو العالم الأول .
لقد كان لكلامي هذا وقعٌ مفاجىء عليهما ، فجلس ومعهما الدكتور سعيد وزوجته وكأنّ على رؤوسهم الطير ، ينتظرون تتمة حديثي وهم مرتبكون ، فكيف لرجل جاء يعتذر عما اعتبروه خطأً كبيراً تجاههم ، فإذا به يتابع هجومه ويكاد يتهمهم بالتخلف ، فتركتهم تحت وقع المفاجأة وتابعت حديثي بسرعة متوجهاً إلى الدكتور برنار قائلاً :
يا دكتور ، لمن تعود ملكية هذه الفيلا الجميلة وهذه الحديقة التي نحن فيها الآن ؟
إنها لي ولزوجتي .
ما رأيك أن أستولي أنا على جزء منها ، وأدخله في ملكيتي ، وأتصرف فيه كيفما أشاء بلا قيد أو شرط فهل تقبل ؟
هذا كلام هراء ، كيف لي أن أقبل أن تتصرف في ملك هو لي وحدي .
لو كانت شريعة الغاب هي السائدة لأمكنني أن أفعل ذلك دون أن تتمكن من معارضتي في شيء ، إلاّ أن هناك قوانين وأنظمة تحدد علاقات البشر بعضها ببعض ، ( قلت هذا وأنا أعرف ما تعني الأمور المادية وأمور الملكية الخاصة في العقل الغربي ، وهو الباب الذي أردت أن أنفذ منه للنقاش معهم ودعوتهم للإسلام ) .
إلى أين تريد أن تصل من قولك هذا ؟
إن كنت لا تقبل أن أشاركك في ملكية منزلك ، فكيف تقبل أن أشاركك
في ملكية زوجتك ؟ إنّ زوجتك امرأة جميلة ، وأيّ رجل يرغب في أن يصافحها ويعانقها ، بل وأكثر من ذلك ، وأنا أيضاً لو تركت الأمر لغريزتي وأهوائي أن تتحكم بي لفعلت ، إلاّ أنّ الأمر عندي محكوم من خلال أنظمة وقوانين موضوعة من قبل خالق البشر وموجودة تفاصيلها في الدين الذي أعتنقه وهو الإسلام .
ثمّ أردفت قائلاً : هل دخلت يوماً محلاً لبيع الجواهر ؟
قال : نعم .
هل وجدت الجواهر الثمينة مرمية في أي زاوية كيفما اتفق ، يمكن لأي داخل أن يراها ويقلّبها ويلمسها كيفما يشاء ، أم أن صاحب المحل يحافظ عليها بأن يضعها في مكان مغلق مرتفع بحيث لا يسمح لأحد أن يلمسها على هواه ؟ كذلك المرأة عندنا نحن المسلمين فإنّها جوهرة البشر ، لا يسمح لأي كان أن يلمسها ويدنّسها ، ولا لأعين الخيانة أن تحدّق بها ، أو تخترق قدسيتها ، كما هو الحال عندكم في الغرب ، حيث فقدت المرأة كامل أنوثتها فتحولت إلى سلعة تشرى وتباع وتستعمل للرذيلة والفجور ، ونُزع منها أي احساس بأنها تنتمي إلى عالم الإنسان ، وجمعيات حقوق المرأة ومساواتها بالرجل الموجودة في بلادكم إلاّ غطاء لكلّ ذلك .
كنت أتكلّم وهم في صمت مطبق يحدّقون في ذهول ، فهذا منطق جديد لم يسمعوا به من قبل ، وتحوّل غضبهم إلى بدايات إعجاب بمجرى الحديث وهم ينتظرون الكلمة التي ستلي ، فتابعت قائلاً :
ألا ترون أنّكم في أعماقكم ، ونتيجة لفطرة الجنس البشري ترفضون كلّ
ذلك لكنّكم لا تتجّرأون على اعلانه خوفاً من أن تتهموا بالتخلّف ، متمسكين بقشور تعتبرونها حضارة ، وما هي إلاّ مظاهر زائفة ، بل هي التخلّف بعينه ؟
هل من الطبيعي أن تتخذ كلّ زوجة خديناً لها أو أكثر ، مع ما يؤدي ذلك إلى تهتّك وفجور واختلاط في النسل ؟
أم أن تبقى الفتاة عندكم تعدّ الأيام والليالي حتّى إذا بلغت الخامسة عشر من عمرها تخلّت عن مسكنها الأسري - إن وجد - لتذهب وتبحث عن حياتها الخاصة تمثلاً بما سمعته أو رأته أو شاهدته ؟
أم أن مئات المراكز التي تأوي أطفالاً لقطاء ثمار الشهوة المحرّمة والتهتّك هي الحضارة ، ولديكم من الاحصاءات حول هذه الأمور ما يذهل الألباب ؟
أم أنّ آلاف العجزة الذين يموتون في بيوتهم لا يُعرف بموتهم إلاّ بعد أيام من خلال رائحة الجثث التي تفوح على الجيران ، وذلك لأنّ مفهوم الأسرة والعائلة أصبح من مخلّفات الماضي ! ! أهذه هي الحضارة ؟ ! !
وبقيت على هذا المنوال لمدّة تزيد عن الساعتين إلى أن قاطعتني ماري ليز بسؤال على استحياء : لكن ألا تعتقد بأنّ المسلمين متشدّدون كثيراً بموضوع النساء ، فيمنعونهن من الخروج والعمل ، ويجبرونهن على ارتداء الحجاب ؟ ثمّ ماذا عن تعدّد الزوجات أليس هذا من مخلفات القرون الوسطى ؟
أجبتها بهدوء : إنّ الإسلام لا يمنع المرأة والرجل إلاّ مما يؤدي إلى ما وصلت عليه مجتمعاتكم اليوم ، وكلّ ما عدا ذلك فهو مباح .
فالحجاب هو الرادع الأساسي لصون المرأة نفسها من غرائز الرجال ، ولصون الرجال من نتائج إثارة غرائزهم ن مما سيؤدي إلى تهتك المجتمع .
أمّا مع المحافظة على الحجاب فالإسلام لا يمنع المرأة من الخروج ، ولا من العمل ولا من المشاركة في شتى النشاطات الفكرية والعلمية والاجتماعية ، ولنا في تاريخنا وحاضرنا الأمثلة الكثيرة .
أمّا ما عدا ذلك فكلّ ممنوع على النساء ممنوع على الرجال ، وما بداية المشكلة بيننا إلاّ بسبب امتناعي عن مصافحتك امتثالاً لأمر ديني ، فإنّ المنع جار عليّ كما على المرأة .
أما موضوع تعدّد النساء المباح في الإسلام بشروط ، فإنّ فيه حّلاً لحالات كثيرة اجتماعية وغيرها ممّا وقع فيها مجتمعكم ، والمنصفون من مفكريكم بدأوا يعترفون بذلك ، ففي تشريعات الإسلام الحلول الناجعة لجميع مشاكلكم الحضارية والاجتماعية ولا توجد حلول وسطى .
طال الوقت واعتذرت من الحاضرين على إطالة الكلام ، وسألت إن كان اعتذاري مقبولاً لديهم ، طالباً الإذن بالانصراف ، وأنا أعلم بأنّ شيئاً ما تغيّر في عقولهم وتفكيرهم ، فقام الدكتور برنار يرجوني المبيت عندهم ، كما كان برنامجنا قبل المشكلة ، فاعتذرت وطلبت من سعيد مفتاح منزله وهممت بالخروج لأستقل القطار المتوجه إلى بروكسل ، وإذا بالدكتور برنار وزوجته يلحقان بي طالبين لإذن باللقاء معي مرة أخرى للتعرف على جوانب أخرى من الإسلام ، والإجابة على مجموعة أسئلة تدور في ذهنهما ، فرحّبت بذلك أشدّ ترحيب قائلاً : إني باق في بلجيكا لعدة أيام أخرى ، ولا عمل لدي ، وإني سأكون في خدمتهما أي وقت يشاآن .
وهكذا كان ، فما مر اليوم الثاني إلاّ وتلقيت اتصالاً منهما يطلبان موعداً للحضور ، فقلت : انّي بإنتظارهما ، ودارت نقاشات مفصلة حول كل الأمور التي تجول في خلدهما ، فعاد إلى السؤال عن الأمور التي تتعلّق بالمرأة حتّى أشبعناها نقاشاً ودراسة ، ثمّ حول مفهوم التثليث ، وضرورة وجود الدين ، والمعاد ، وأفضت عليهما بسرد قصص المسلمين الأوائل منذ بعثة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وحياة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، وقد استمرت جلساتنا عشر ليال في كلّ ليلة عدة ساعات إلى أن جاء ذلك اليوم الأغر .
أنهى الدكتور برنار عمله باكراً في المستشفى ذاك النهار ، فاتصل بي قائلاً : إنّه سيحضر إليّ مع زوجته ، وفي حال حضوره فاجأني بسؤاله المفرح : جهاد ، كيف يمكن للإنسان أن يصبح مسلماً ؟
أجبته بتأثر : لا شيء ، لا عمادة ولا مناولة ولا اعتراف ، إنّه تحوّل قلبي وشهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً رسول الله .
فأجاب مستغرباً : هذا كل شيء ؟
قلت : نعم .
فصاح بصوت عال : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله ، ثمّ تبعته زوجته ماري ليز .
طلبت منهما الإعادة ; لأن اللكنة كانت فرنسية والأحرف غير واضحة ، ففعلا فباركت لهما وعانقت الدكتور برنار ومددت يدي على سبيل المداعبة لمصافحة ماري ليز ، فتراجعت وعيناها مغروقتان بالدموع ، ثمّ طلبا مني تعلّم كيفية ممارسة الشعائر فعلّمتهما أحكام الغسل والوضوء والصلاة والصوم والفروع الأخرى ، ووعدت بارسال كتب لهما لا يضاح كل هذه الأمور .
ثمّ استمرت لقاءاتنا عدة أيام قبل عودتي إلى لبنان كانا خلالها يتزودان بشغف من المعرفة بالدين الجديد ، وفي يوم سفري ذهبنا سوية إلى السوق حيث ابتعت فستاناً فضفاضاً ومجموعة حجابات شرعية قدّمتهم هدية إلى ماري ليز ، ومن وقتها ارتدت اللباس الإسلامي ولم تخلعه أبداً ثُمّ علمت فيما بعد أنّهما أخذا على عاتقهما مهمّة الدعوة إلى الدين الإسلامي في كلّ وقت وكلّ حين ، وقد عانت ماري ليز من مضايقات كثيرة في الجامعة بسبب ارتدائها الحجاب ، إلاّ أنّها لم
1) - سورة النصر : 1 .
تتراجع أبداً ، بل أخذت تدافع عن نفسها بكلّ قوة وشجاعة ، ثمّ بعد هجرتهما إلى أميركا أخذت ماري ليز تبث الأفكار الإسلامية إلى تلاميذها من خلال الدروس والمحاضرات وبدعوتهم إلى ندوات جانبية بهدف تعريفهم بالإسلام أكثر .
وبعد هذه القصة المثيرة ، فإنّي أدعو إخواني المؤمنين بأن لا يخجلوا بمعتقداتهم أينما كانوا بل ليمارسوا شعائهم بكل فخر واعتزاز ، * ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) * (1)(2).
الصورة
من مواليد بلجيكا ، حاصل على شهادة الليسانس في اختصاص الإلكترونيك ، كان منتمياً للدين المسيحي ، طالع الأناجيل الأربعة فوجدها لا تنسجم مع المبادئ التي يدّعيها رجال الدين المسيحيين ، وهذا ما دفعه إلى الابتعاد عن الدين .
وجد " ديلوفا " نفسه ذات يوم قريباً من كتاب القرآن الكريم ، فدفعه حبّ الاستطلاع على أخذ القرآن والتعرّف عليه بصورة إجمالية ، أحبّ أن يعرف ما هو سرّ هذا الكتاب الذي جذب إلى نفسة الملايين من الناس في هذه الكرة الأرضية .
وبعد أن قرأ " ديلوفا " مجموعة من الآيات وجد تغيّراً في حالته النفسيّة من خلال تأثرّه بمضامين تلك الآيات .
حاول " ديلوفا " بعد ذلك أن يحصل على نسخة من القرآن ، ثمّ بدأ يقرأه بتدّبر وتامّل وبدقّة ، وبعد فترة وجد " ديلوفا " دموعه تنهمر خلال قراءة هذا الكتاب المقدّس .
وبمرور الزمان انجذب قلب " ديلوفا " نحو مفاهيم ومضامين القرآن ، فدفعه
هذا الأمر إلى التعرّف على الإسلام .
من أهم الأمور الملفتة للنظر في الدين الإسلامي هي أنّ الإسلام يرى بأنّ الإنسان يولد طاهراً مطهراً بخلاف الدين المسيحي الذي يرى بأنّ الإنسان يولد وهو حامل لخطيئة آدم .
وجد " ديلوفا " بانّ الإسلام يقول حول الإنسان : * ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) * (1).
ثمّ أرسل الله تعالى أنبياءه ورسله لهذا الإنسان ليبذلوا غاية جهدهم لهدايته ، وتحمّل الأنبياء أشد المعاناة في سبيل هداية الإنسان ، ولكنهم مع ذلك لم يبأسوا ولم يفتروا في هذا الطريق .
سأل رجل الإمام علي (عليه السلام) عن حبّه للقاء الله تعالى ، فقال : بماذا أحببت لقاءه ؟
قال (عليه السلام) : " لمّا رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله وأنبيائه ، علمت أنّ الذي أكرمني بهذا ليس ينساني ، فأحببت لقاءه " (2).
تعرّف " ديلوفا " خلال دراسته للتاريخ الإسلامي على شخصية الإمام علي (عليه السلام) ، فبدأ يقرأ أحاديثه وكلامه ، فتأثرّ به أشدّ التأثير ، وتأسّف على ترك المسلمين في صدر الإسلام لهذه الشخصية بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإعراضهم عنه ، والتفافهم حول غيره ، وعدم عودتهم إليه إلاّ بعد فوات الأوان .
واستغرب " ديلوفا " كيف قدّم البعض كطلحة والزبير وزوجة النبي عائشة ومعاوية بن أبي سفيان مصالحهم الشخصية على الإسلام وقاموا بمحاربة الإمام علي (عليه السلام) عندما اتّفق الجميع على خلافته .
ومن هنا عرف " ديلوفا " بأنّ الذين كانوا حول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الصحابة فيهم الصلحاء وفيهم الطلحاء ، ولا يمكن أخذ ما جاء به الرسول إلاّ من الصلحاء ، وهذا ما يحتّم على الإنسان دراسة حياة الصحابة ومعرفة العدول منهم ، وأخذ الشريعة من العدول فقط .
وعرف " ديلوفا " أيضاً بأنّ دين الله تعالى لا يعرف بالرجال ، بل ينبغي للإنسان أن يعرف الحق أوّلاً ليعرف بعد ذلك أهل الحق والمتمسكيّن به .
الصورة
ولد عام 1391 ه ( 1972 م ) في بلغاريا بمدينة " كُبرات " ، ترعرع في أوساط مجتمع ينتمي للمذهب الحنفي المعتقد بالطريقة العلويّة البكتاشية ، وهي مسلك يهتم بتهذيب الباطن أكثر من اهتمامه بالعبادات والفرائض الإسلامية .
واصل سالي دراسته في المجال الأكاديمي حتّى حصل على شهادة البكالوريوس في علم الأحياء فرع معرفة الأشجار ، ولكنّه نتيجة رغبته بالعلوم والمعارف الدينية واصل دراسته بعد ذلك في المعهد الإسلامي للصوفية في العاصمة " صوفيا " ، وكان التدريس فيها يتمّ عن طريق إلقاء المحاضرات من قبل الأساتذة ، ولم يكن لهم كتب دراسية يدرسون على ضوئها .
يقول " سالي " : عندما كنت علوياً كنت أحترم كثيراً أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الاثنا عشر ، ولكنّني وجدت بعض الطلبة يستصغرون قدرهم ويحطون من شأنهم ، وهذا ما دفعني لدراسة حياتهم وسيرتهم والتعرّف الكامل على شخصيتهم ، فقررت البحث العلمي لمعرفة الأئمّة الاثني عشر ، فراجعت بعض الأشخاص الشيعة وطلبت منهم أن يزوّدونني ببعض الكتب التي تساعدني في بحثي هذا .
ومن هنا أسفر بحثي بعد مدّة طويلة على نتائج لم أكن أتوقعها من قبل .
وهذه النتائج هي التي دفعتني لاعتناق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
عرف سالي من خلال دراسته لما يرتبط بأهل البيت (عليهم السلام) بأنّ هذه العترة شملها الاصطفاء الإلهي ، كما اصطفى الله تعالى آل عمران وآل إبراهيم وقال تعالى : * ( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْض وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) * (1)- المائدة (5) : 3 .(2).
وتبعاً لهذا الاصطفاء منح الله تعالى هؤلاء العترة العلم والتسديد وكلّ ما يحتاجون إليه في مهمتهم التي تتمثّل في كونهم الحبل المتصل بين الأرض والسماء .
وقد يتصوّر البعض بأنّ الإمامة يعني خلافة الرسول في أمر إدارة الشؤون السياسية للاُمة فحسب ، والإمام هو الحاكم السياسي فقط ، ولكنّ الإمامة في واقع أمرها أعظم من هذا ، وليست القيادة السياسية إلاّ جزء من مهام الإمام المعصوم .
قال الإمام الرضا (عليه السلام) : " إنّ الله عزّ وجلّ لم يقبض نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى أكمل له الدين ، وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كلّ شيء ، بيّن فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام ، وجميع ما يحتاج الناس إليه كملا ، فقال عزّ وجلّ : * ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْ ) * (3)، وأنزل في حجّة الوداع ، وهي آخر عُمره (صلى الله عليه وآله وسلم) * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) * (3) .
وأمر الإمامة من تمام الدين ، ولم يمض (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى بين لأمته معالم دينهم ، وأوضح لهم سبُله وتركهم على قصد الحقّ ، وأقام لهم عليّاً (عليه السلام) علما وإماماً ، وما ترك شيئاً تحتاج إليه الأمّة إلاّ بينه ، فمن زعم أنّ الله عزّ وجلّ لم يكمل دينه فقد رد
كتاب الله عزّ وجلّ ، ومن ردّ كتاب الله عزّ وجلّ فهو كافر .
هل يعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الامّة ، فيجوز فيها اختيارهم ؟
إنّ الإمامة أجلّ قدراً ، وأعظم شأناً ، وأعلى مكاناً ، وأمنع جانباً ، وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم ، أو ينالوها بآرائهم ، أو يقيموا إماماً باختيارهم .
إنّ الإمامة خصّ الله عزّ وجلّ بها إبراهيم الخليل (عليه السلام) بعد النبوّة والخلّة مرتبة ثالثة ، فضيلة شرفه الله بها ، فأشاد بها ذكره ، فقال عزّ وجلّ : * ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) * (1)- الروم (30) : 56 .(2).
فقال الخليل (عليه السلام) سروراً بها : * ( وَمِن ذُريَّتِي ) * .
قال الله تبارك وتعالى : * ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) * (3).
فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصّفوة ، ثمّ أكرمه الله بأن جعلها في ذرّيّته أهل الصّفوة والطّهارة ، فقال عزّ وجلّ : * ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) * (4).
فلم تزل في ذرّيته يرثها بعض عن بعض قرناً فقرناً ، حتّى ورثها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال جل جلاله * ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) * (5)، فكانت له خاصّة فقلّدها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً (عليه السلام) بأمر الله عزّ وجلّ على رسم ما فرض الله ، فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله عزّ وجلّ : * ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالاْيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ) * (5) ، فهي في ولد عليّ (عليه السلام) خاصّة إلى يوم القيامة ، إذ لا نبيّ بعد
محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فمن أين يختار هؤلاء الجهال أنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء ؟
إنّ الإمامة خلافة الله عزّ وجلّ وخلافة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومقام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وميراث الحسن والحسين ( عليهما السلام ) إنّ الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين .
إنّ الإمامة أُسّ الإسلام النامي وفرعه السامي .
بالإمام تمام الصلاة ، والزّكاة ، والصيام ، والحجّ ، والجهاد ، وتوفير الفيء ، والصدقات ، وإمضاء الحُدود والأحكام ، ومنع الثُغور والأطراف .
الإمام يُحل حلال الله ويُحرم حرام الله ، ويُقيم حدود الله ، ويذب عن دين الله ، ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة والحُجة البالغة .
الإمام كالشمس الطالعة للعالم ، وهي في الاُفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار .
الإمام البدر المنير ، والسراج الزاهر ، والنور الساطع ، والنجم الهادي في غياهب الدُجى والبلد القفار ولجج البحار .
الإمام الماء العذب على الظمأ ، والدالّ على الهُدى ، والمنجي من الرّدى .
الإمام النار على اليفاع ، الحارّ لمن اصطلى به ، والدليل على المسالك ، من فارقه فهالك .
الإمام السحاب الماطر ، والغيث الهاطل ، والشمس المضيئة ، والأرض البسيطة ن والعين الغزيرة ، والغدير والروضة .
الإمام الأمين الرفيق ، والوالد الرقيق ، والأخ الشفيق ، ومفزع العباد في الداهية .
الإمام أمين الله في أرضه ، وحُجّته على عباده ، وخليفته في بلاده ، والداعي
إلى الله ، والذابّ عن حرم الله .
الإمام المطهر من الذنوب ، المبرّأ من العيوب ، مخصوص بالعلم ، موسوم بالحلم نظام الدين ، وعزّ المسلمين ، وغيظ المنافقين وبوار الكافرين .
الإمام واحد دهره ، لا يدانيه أحدٌ ، ولا يعادله عالمٌ ، ولا يوجد عنه بدل ، ولا له مثل ولا نظير ، مخصوص بالفضل كُلّه من غير طلب منه له ولا اكتساب ، بل اختصاص من المفضل الوهّاب .
فمن ذا الذي يبلُغ معرفة الإمام أو يمكنه اختياره ؟
هيهات هيهات ، ضلّت العقول ، وتاهت الحلوم ، وحارت الألباب ، وحسرت العيون ، وتصاغرت العظماء ، وتحيّرت الحكماء ، وتقاصرت الحلماء ، وحصرت الخطباء ، وجهلت الألبّاء ، وكلّت الشعراء ، وعجزت الأدباء ، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله ، فأقرت بالعجز والتقصير ، وكيف يوصف أو ينعت بكنهه ، أو يفهم شيء من أمره ، أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناءه .
لا ، كيف وأنّى وهو بحيث النجم من أيدي المتناولين ووصف الواصفين ، فأين الاختيار من هذا ، وأين العقول عن هذا ، وأين يوجد مثل هذا ؟
أظنّوا أنّ ذلك يوجد في غير آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
كذّبتهم والله أنفسهم ، ومنّتهم الأباطيل ، وارتقوا مرتقاً صعباً دحضاً ، تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم ، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة ، وآراء مضلّة ، فلم يزدادوا منه إلاّ بعداً ، قاتلهم الله أنّى يؤفكون ، لقد راموا صعباً ، وقالوا إفكاً ، وضلوا ضلالاً بعيداً ، ووقعوا في الحيرة ، إذ تركوا الإمام عن بصيرة ، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل وكانوا مستبصرين .
رغبوا عن اختيار الله واختيار رسوله إلى اختيارهم ، والقرآن يناديهم :
وقال عزّ وجلّ : * ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) * (2).
وقال عزّ وجلّ : * ( مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُم أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ ) * (3).
وقال عزّ وجلّ : * ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا ) * (4)، أم طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون أم * ( قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لاَّسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ) * (5)، و * ( قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ) * (6)، بل هو * ( فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) * (7).
فكيف لهم باختيار الإمام ، والإمام عالم لا يجهل ، راع لا ينكل ، معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة ، مخصوص بدعوة الرسول ، وهو نسل المطهرة البتول ، لا مغمز فيه في نسب ، ولا يدانيه ذو حسب ، في البيت من قريش ، والذروة من هاشم ، والعترة من آل الرسول ، والرضا من الله ، شرف الأشراف ، والفرع من عبد مناف ، نامي العلم ، كامل الحلم مضطلع بالإمامة ، عالم بالسياسة ، مفروض الطاعة ، قائم بأمر الله ، ناصح لعباد الله ، حافظ لدين الله .
إنّ الأنبياء والأئمّة يوفقهم الله عزّ وجلّ ويؤتيهم من مخزون علمه وحلمه مالا يؤتيه غيرهم ، فيكون علمهم فوق كلّ علم أهل زمانهم في قوله عزّ وجلّ : * ( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) * (1).
وقوله عزّ وجلّ : * ( وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) * (2).
وقوله عزّ وجلّ في طالوت : * ( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) * (3).
وقال عزّ وجلّ لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : * ( وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) * (4).
وقال عزّ وجلّ في الأئمّة من أهل بيته وعترته وذريته (عليهم السلام) : * ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ) * (5).
وإنّ العبد إذا اختاره الله عزّ وجلّ لأمور عباده ، شرح صدره لذلك ، وأودع قلبه ينابيع الحكمة ، وألهمه العلم إلهاماً ، فلم يعي بعده بجواب ، ولا يحير فيه عن الصواب ، وهو معصومٌ مؤيّد موفقٌ مسدّد ، قد أمن الخطايا والزلل والعثار ، وخصّه الله بذلك ليكون حجّته على عباده ، وشاهده على خلقه ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .
فهل يقدرون على مثل هذا فيختاروه ، أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدّموه ؟
تعدّوا وبيت الله الحقّ ، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنّهم لا يعلمون ،
وفي كتاب الله الهدى والشفاء ، فنبذوه واتبعوا أهواءهم ، فذمهم الله ومقتهم وأتعسهم ، فقال عزّ وجلّ : * ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) * (1).
وقال عزّ وجلّ : * ( فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ) * (2).
وقال عزّ وجلّ : * ( كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبَّار ) * (3)(4).
يقول " سالي " : بعد معرفتي لعظمة مكانة أهل البيت (عليهم السلام) ، وتعميقي للأدلّة المثبتة أحقية إتّباعهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلنت استبصاري ، وكان ذلك عام 1416 ه ( 1996 م ) في العاصمة صوفيا .
ويضيف " سالي " : من جملة الكتب التي تأثّرت بها هي كتاب " نهج البلاغة " ، وكتاب " الصحيفة السجادية " ، وكتب الدكتور التيجاني السماوي المترجمة إلى اللغة التركية .
وشرعت بعد إعلان استبصاري بمهمة التبليغ ونشر معتقدات وأفكار مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، كما قمت بترجمة كتاب " الشيعة في الإسلام " للعلاّمة الطباطبائي .
ولد سنة 1401 ه ( 1981 م ) في مدينة " دولفو " ببلغاريا في عائلة علوية بكتاشية ، أكمل الدراسة المتوسطة ، ثمّ هاجر للدراسة في الحوزة العلمية وساهم في تعليم القرآن بعد استبصاره .
يقول " محرّم " : هداني الله إلى التمسّك بالثقلين عن طريق التبليغ الصحيح والهادف لمذهب آل البيت (عليهم السلام) الذي قام به بعض إخواننا الذين سبقونا بالاهتداء إليه والذين درسوا في الحوزات العلمية ، حيث وضّحوا لنا معالم الدين ، وبيّنوا لنا التاريخ الواقعي للمسلمين ، فعرفنا الحق من الباطل ، فشكراً لهؤلاء الإخوان الذين تجشّموا عناء التبليغ في القرى البعيدة والمساجد النائية .
هذا وقد أعلنت استبصاري في قرية جرنيك من توابع مدينة دولفو .
قال تعالى : * ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ) * (1).
1) - الأحزاب (33) : 39 .
( هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ) * (1).
( فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) * (2).
إنّ التبليغ الديني الصحيح عملٌ شريف لا يقوم بأعبائه إلاّ الأنبياء ومن يقوم مقامهم ، وهو عمل واسع وثقيل يأخذ على المبلّغ معظم مناحي الحياة ، وهو عمل يحتاج إلى الفعل قبل القول ، وإلى الاهتداء قبل الهداية ، كما أنّه يتقوّم بالإيمان الراسخ بالرسالة الإلهية المراد تبليغها إلى الناس ليتعظوا ويتذكروا ويهتدوا ، ويستلزم الثبات على المبدأ ، والتضحية في سبيل الهدف .
وقد قام الرسول الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بواجبه في التبليغ على أحسن وجه ، أُنظر إلى حواره مع عمّه أبي طالب حين ضايقته قريش :
" ولمّا اشتدت قريش على أبي طالب ، وأنذرته بالحرب إن هو لم يردع محمّداً عن آلهته ، وعرضوا عليه أن يملّكوه عليهم ، ويُشاطروه أموالهم ، ويُقدّموا له ما يشاء إذا تراجع عن موقفه ، جاءه أبو طالب ، وقال له : يا ابن أخي أبق عليّ وعلى نفسك ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق ، فظنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه بدا لعمه أن يتراجع إلى حد ما عن موقفه المتصلّب إلى جانبه ، وأنّه قد ضعف عن نصرته ، قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا عمّاه والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته " (3).
ورغم هذه الصلابة النبوية فتبليغ النبي كان بالطرق السلمية ولم يشتمل على القوة أو الإكراه ، وقال تعالى : * ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) * (4)، وقال عزّ وجلّ : * ( ادْعُ إِلِى
سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) * (1).
وهكذا ينبغي أن يسير المبلّغ الذي يقوم بعمل الأنبياء في إيصال المفاهيم الحقّة والأحكام الواضحة إلى الناس ، فيجب أن يتّصف بالصفات الخلقية العالية ، وأن يتوفرّ على العلم الواسع ، حتّى يتمكّن من ممارسة هذا العمل الشريف وأن يعبر هذا الطريق بأمان دون أن ينقلب عمله إلى عمل مضاد للتبليغ الحقيقي .
هذا وقد حثّ القرآن الكريم المؤمنين على طلب العلم ومن ثمّ القيام بالواجب التبليغي لخصوص أقوامهم ، فقال تعالى : * ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) * (2)، كما حثّ الرسول الكريم على الهداية والتبليغ فقال لعلي (عليه السلام) : " يا علي ، لأن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك ممّا طلعت عليه الشمس " (3).
وبالمقابل دعا القرآن المؤمنين بالاستجابة للنبي وكذلك المبلّغين فقال : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ) * (4).
وقال الإمام الكاظم (عليه السلام) لهشام بن الحكم : " ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله ، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة ، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً وأكملهم عقلاً أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة " (5).
وهكذا كان " محرّم محرّم " من المستجيبين للتبليغ الصحيح ، فهداه الله إلى صراطه المستقيم .
الصورة
ولد عام 1368 ه ( 1949 م ) في مدينة " بغلورا " في بنغلادش ، نشأ في أسرة أملت عليه المذهب الحنفي ، فشبَّ حنفي المذهب تبعاً لأسلافه .
طرق سمع " مندل " مصطلح مذهب الشيعة بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ، فأحبّ التعرّف على هذا المذهب .
زار " مندل " ذات يوم الملحق الثقافي العلمي في مدينة " دكا " واستفسر منهم حول مذهب الشيعة .
يقول " مندل " وجّهت بعض الأسئلة لهم حول الشيعة والتشيّع ، فبيّنوا لي أهم عقائد الشيعة ، والملفت للنظر أنّهم كانوا يستشهدون لإثبات عقائدهم من كتب صحاحنا ومسانيدنا ، فكنت أراجع هذه الكتب في ما يقولون ، فكنت أتفاجأ عندما أرى صحّة ما يقولون .
يقول " مندل " : بعد البحث والتفحّص وجدت ضالتي في كتاب " نهج البلاغة " حيث دلّني هذا الكتاب على حقائق ، وكشف لي وقائع لم أحط بها علماً
من قبل ، وقد جاء في هذا الكتاب :
عندما رأى أمير المؤمنين (عليه السلام) إعراض القوم عن الإسلام المحمّدي الأصيل ، ورأى قلّة وجود الناصر للتصدّي قبال الانحراف الذي تفشّي في الأُمّة الإسلامية ، أخذ يحذّر الناس بين الحين والآخر من فداحة الضلال الذي وقعوا فيه ، فقام (عليه السلام) ذات يوم في خلافته خطيباً بين الناس للتنبيه على ضلالة القوم واتمام الحجّة على الناس ، فخطب خطبته المعروفة بالشقشقيّة .
تعتبر الخطبة الشقشقيّة من الخطب الملفتة للنظر والتي تركت الأثر البالغ على عامة المسلمين قديماً وحديثاً .
ومن أهم مقاطع هذه الخطبة : " أما والله لقد تقمّصها فلان [ ابن أبي قحافة ] ، وأنّه ليعلم أن محلّي منها محلّ القطب من الرحى ، ينحدر عن السيل ولا يرقى إليّ الطير ، فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا " .
فبدأ الإمام علي (عليه السلام) كلامه ببيان الأمر المهم الذي عقب وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو غصب الخلافة التي جعلها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من الله تعالى له (عليه السلام) ، لكن مع الأسف الشديد انقلب أكثر الناس على أعقابهم ، واجتهدوا برأيهم مقابل النصّ ، فكشف الإمام علي (عليه السلام) في هذه الخطبة عن الكثير من الحقائق لتوعية الحاضرين وتوعية أجيال المستقبل .
من الوقائع التاريخية المهمة التي تكشف أحقية الإمام علي (عليه السلام) بالخلافة بعد الرسول ، ما رواه نصر بن مزاحم في كتاب صفّين أنّه : كتب معاوية لمحمّد بن أبي بكر : " فقد كنا وأبوك معاً في حياة نبيّنا نرى حق عليّ بن أبي طالب لازماً لنا ، وفضله مبرزاً علينا ، فلمّا اختار الله لنبيّه ما عنده ، وأتمّ له ما وعده . . . فكان أبوك
وفاروقه أوّل من ابتزّه وخالفه على ذلك . . . فإن يكن ما نحن فيه صواباً فأبوك أوّله ، وإن يكن جوراً فأبوك أسّسه " (1).
تجلّت الحقائق ل " مندل " بعد البحث والتحقيق ، فوجد لزوم اتباع ما أملت عليه الأدلّة والبراهين ، فعزم على نبذ معتقداته الموروثة وتشييد عقائده على أساس من الوعي الكامل والأدلّة المؤدية إلى بلورة القناعة في نفسه ، فأعلن تشيّعه عام 1404 ه ( 1984 م ) .
أخذ " مندل " على عاتقه بعد الاستبصار مهمّة التبليغ ، فاستبصر على يديه مجموعة من أقربائه وأصدقائه ، ثمّ أدّى استبصاره إلى مواجهته لبعض المصاعب منها ايذاء الوهابيين له ، حيث هجموا على بيته ، وأحرقوا مكتبته ، ولكن لم يوثّر تصرّفهم هذا قيد أنمله في عقيدته ، بل رسّخ هذا الأمر إيمانه وواصل دربه في تبليغ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
1) - وقعة صفيين : 121 .
ولد عام 1355 ه ( 1937 م ) في دولة بنغلادش ، وترعرع في أُسرة ملتزمة تنتمي إلى المذهب الحنفي .
تعرَّف على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) خلال حجّه لبيت الله الحرام في العام الذي هجم جلاوزة النظام السعودي على الحجّاج الإيرانيين ، فحفَّزه هذا الأمر على معرفة خلفيات الهجوم ومعرفة هويّة التشيّع .
ومن هذا المنطلق توّجه إلى البحث والتحقيق ، وكانت ثمرة بحثه بعد مدّة سبع سنوات اقتناعه بالأدلّة والنصوص الصريحة الدالّة على ولاية أهل البيت (عليهم السلام) فأعلن استبصاره عام 1405 ه ( 1985 م ) .
يقول " محمّد جنابعالي ملاّ " : كنت أتمنى ومنذ صغري أن أؤدي فريضة حجّ بيت الله الحرام ، إلى أن وفّقني الله تعالى في إحدى السنوات لأداء هذه الفريضة ، وما أثار دهشتي في تلك السفرة أني رأيت جلاوزة النظام السعودي يقمعون زواراً اجتمعوا لأداء مراسم البراءة من المشركين ، فأخمدوا تلك المسيرة بصورة قاسية جدّاً ، وسفكوا دماء العديد من الحجاج الأبرياء ! وأسقطوهم قتلى رمياً بالرصاص ! استغربت من هذه الأفعال القبيحة والشنيعة التي قام بها جلاوزة النظام
وفكّرت في نفسي : لماذا قتلوا هؤلاء الحجّاج ؟
ألا يتشهد هؤلاء بالشهادتين ؟
أليس سفك المسلم لدم أخيه المسلم من أكبر المحرّمات ؟
هل التنديد بأمريكا وإسرائيل حلّل سفك دماء هؤلاء الأبرياء ؟
وغيرها من الأسئلة والاستفسارات التي لم أجد لها الأجوبة المقنعة .
عرفت بعد ذلك أنّ هؤلاء الحجّاج كانوا من المسلمين الشيعة ، فدفعني هذا الأمر إلى البحث والاستفسار مع زملائي وأقربائي حول أُصول معتقدات الشيعة وأفكارهم ، واستمرت بحوثي وتحقيقاتي مدّة سبع سنوات حتّى اقتنعت كاملة بالأدلّة والنصوص الواضحة الدالّة على أحقيّة مذهب التشيّع .
لم تكن هذه المواجهة أول مواجهة ضدّ أتباع أهل البيت (عليهم السلام) ، بل سبقتها مواجهات عنيفة عديدة على مرّ العصور منذ وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى يومنا هذا .
فكان حكّام الظلم والجور ينصبون عمّالهم وأياديهم على المدن والقرى الشيعية ، وهم بدورهم كانوا يقتلون الشيعة ويعذّبونهم بشتى أنواع العذاب ولأسباب واهية ، فطالما قتلوا الشيعة صبراً وشرّدوهم قسراً وسجنوهم وقطعوا أيديهم وأرجلهم ، حتّى وصل الأمر بهم إلى دفن الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) أحياءً وسط أعمدة المباني .
يقول ابن أبي الحديد : " استعمل معاوية زياد بن سمية على الكوفة وضمَّ إليه البصرة ، فكان يتتبّع الشيعة وهو بهم عارف ، لأنّه كان منهم أيام علي (عليه السلام) ، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر ، وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشرّدهم عن العراق ، فلم يبق بها معروف منهم " (1).
1) - شرح نهج البلاغة 11 : 44 .
وأمّا يزيد فلم يكتفِ بصنعة أبيه مع الشيعة ، بل لم يكتفِ بما فعله هو من المجازر في كربلاء المقدّسة والمدينة المنورة ومكة المكرمة ، حتّى ولّى عبيد الله ابن زياد على الكوفة ، ليمثّل الدور الذي مثّله أبوه زياد مع البقية الباقية من الشيعة ، فسجن ما طاب له وقتل وصلب وقطع الأيدي والأرجل .
لم يأمن من القتل والتنكيل والإيذاء حتّى الشيعة من أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقُتل حجر بن عدي صحابي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّه أبى أن يشتم علياً (عليه السلام) .
وصُلِبَ رشيد الهجري وقطعوا يديه ورجليه ولسانه ; لأنه أبى لعن الإمام علي (عليه السلام) .
وذُبح قنبر مولى أمير المؤمنين (عليه السلام) ; لأنّه لم يتبرّأ من الإمام (عليه السلام) .
كما قُتِلَ وهُجِّر الكثير من الصحابة والتابعين كسعيد بن جبير ، كميل بن زياد و . . . لتشيعهم وموالاتهم وتبعيّتهم لأهل البيت (عليهم السلام) .
ومن هذا المنطلق ، ونظراً للأدلّة الساطعة من الكتاب والسنّة ، اتّخذ " محمّد جنابعالي ملاّ " قراره النهائي وأعلن استبصاره عام 1405 ه ( 1985 م ) متمسّكاً بحبل الله المتين المتمثل بالنبيّ المصطفى وأهل بيته الطيبين الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
الصورة
ولد سنة 1387 ه ( 1968 م ) في " منشي غنج " في دولة " بنغلادش " ، أكمل الدراسة الإعدادية ، وحاز على شهادة الدبلوم ، له جملة من النشاطات الاجتماعية والسياسية ، وهو نشط في التبليغ الديني وخاصة بعد استبصاره ، له كتاب حول دور الأئمّة (عليهم السلام) في إحياء الدين .
يقول " محمّد " : كان لي صديق اهتدى إلى مذهب آل البيت (عليهم السلام) صار من الشيعة الموالين للرسول وآله من المعصومين صلوات الله عليهم .
ثمّ دعاني إلى دراسة مذهب الشيعة ، والتعرّف على آل البيت المعصومين (عليهم السلام) .
ومن هذا المنطلق جرت بيننا حوارات طويلة ، ثمّ حضرت معه الجلسات الدينية التي كان يعقدها أصدقاؤه الشيعة ، وبحثت معه العديد من المسائل الخلافية ، فشوّقني البحث إلى اكتشاف حقائق جديدة لم يسبق لي التعرّف عليها ثمّ راجعت هذه البحوث في كتب الشيعة والسنة ، واستفدت من كتب المستبصرين فتبيّن لي بعد فترة من الزمن أنّني كنت مقصّراً في حقّ آل البيت المعصومين (عليهم السلام)
الذين دعانا الرسول للتمسّك بهم مع القرآن ، فما كان مني إلاّ أن أُعلن ولائي المطلق لهم دون غيرهم ; لأنّهم قوم لا يقاس بهم أحد ، لهم العصمة ، والإمامة بعد الرسول وهم بعدُ أهل الفضائل والمناقب والكرامات ، ثمّ أعلنت استبصاري سنة 1993 م في " نماز يبور " .
قام الدين الإسلامي وحافظ على وجوده بفضل جهود آل البيت (عليهم السلام) ، فهم العمود الفقري الذي حمل هموم الإسلام ، وهم الصفوة المختارة التي اصطفاها الله تعالى ، وهم الكلمة الباقية في نسل إبراهيم ، أسّس الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الإسلام وكان علي (عليه السلام) إلى جانبه من اليوم الأوّل يدافع عنه بكل ما أوتي من قوة .
قالت فاطمة الزهراء (عليه السلام) حول أهل البيت (عليهم السلام) وهي تخاطب الصحابة في خطبتها المشهورة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " . . . فاتّقوا الله حقّ تقاته ، ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون ، ولا تتولّوا مدبرين ، وأطيعوه فيما أمركم ونهاكم ، فإنّما يخشى الله من عباده العلماء ، فاحمدوا الله الذي بعظمته ونوره ابتغى من في السماوات ومن في الأرض إليه الوسيلة ، فنحن وسيلته في خلقه ، ونحن آل رسوله ، ونحن حجّة غيبه ، وورثة أنبيائه " .
ثمّ قالت وهي تشيد بجهود أبيها وبعلها في خدمة الإسلام ، وتصف حال الصحابة في تلك الأيام الصعبة : " أنا فاطمة وأبي محمّد ، أقولها عوداً على بدء ، وما أقول إذ أقول سرفاً ولا شططاً * ( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) * (1).
إن تعزوه تجدوه أبي دون نسائكم وأخا ابن عمي دون رجالكم ، بلغ النذارة ، صادعاً بالرسالة ، ناكباً عن سنن المشركين ، ضارباً لأثباجهم ، آخذاً
1) - التوبة (9) : 128 .
بإكظامهم ، داعياً إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، يجذ الأصنام ، وينكت الهام ، حتّى أنهزم الجمع ، وولّوا الدبر ، وحتّى تفرّى الليل عن صبحه ، وأسفر الحقُّ
عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وهدأت فورة الكفر ، وخرست شقاشق الشيطان ، وفهمت بكلمة الإخلاص .
وكنتم على شفا حفرة من النار ، فأنقذكم منها نبيّه ، تعبدون الأصنام ، وتستقسمون بالأزلام ، مذقة الشارب ، ونهزة الطامع ، وقبسة العجلان ، وموطئ الأقدام ، تشربون الرنق ، وتقتاتون القدة ، أذلّة خاشعين ، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم فأنقذكم بنبيّه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد اللتيا والتي ، وبعد ما ميني ببهم الرجال ، وذؤبان العرب ، * ( كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ ) * (1)، أو نجم قرن الضلالة ، أو فغرت فاغرة المشركين قذف أخوه في لهواتها ، لا ينكفيء حتّى يطأ صماخها بأخمصه ، ويخمد لهبها بحده ، مكدوداً في ذات الله ، قريباً من رسول الله ، سيداً في أولياء الله ، وأنتم في بلهنية آمنون ، وادعون فرحون ، تتوكفون الأخبار ، وتنكصون عند النزال على الأعقاب ، حتّى أقام الله بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) عمود الدين " (2).
وبعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واصل علي (عليه السلام) نهجه رغم تغلّب أهل الباطل على السلطة ، فصبر ومنع المنافقين من استغلال الفرصة في القضاء على أصل الإسلام مثل أبي سفيان الذي كان رأس الكفر ، ثمّ صار من رؤوس المنافقين حيث جاء إليه (عليه السلام) ، اقترح عليه أن يكون معه فيما لو أراد أن يعيد حقه المغصوب في الخلافة (3).
ثمّ عادت الخلافة الظاهرة إلى الإمام علي (عليه السلام) فجاهد الناكثين والقاسطين
والمارقين ، وعلّم الناس حقيقة التأويل بعد أن بيّن الرسول محكم التنزيل .
وهكذا كان دور الإمام الحسن (عليه السلام) في الصلح مع معاوية بعد أن تبيّن ضعف المسلمين عن الجهاد ضدّ بني أُميّة الشجرة الملعونة في القرآن ، حيث حافظ على الإسلام والمسلمين بهذا الصلح الذي لولا انعقاده لقضى معاوية على أصل الدين كما ظهرت نيّته على ذلك في بعض فلتات لسانه (1).
وأما ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) فقد أوضحت نهج الإسلام عندما يكون على أمة وال مثل يزيد بن معاوية بن أبي سفيان يشرب الخمور وينتهك الحرمات .
فبمثل هؤلاء حفظ الله الإسلام .
وواصل بقية الأئمّة من آل البيت (عليهم السلام) النهج الإسلامي نفسه بتبيين الأحكام ، وهداية الناس ، وتهيئة الناس لانتظار الفرج .
ثمّ إن لله وعداً أن يرث المستضعفون الأرض ، وأن تملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً على يد الحجّة بقية الله من آل البيت (عليهم السلام) .
فبأهل البيت (عليهم السلام) بدأ الله وبهم يختم ، وهم خيرته وموضع رسالته ، فمن لحق بهم نجى ، ومن تخلّف عنهم هوى كائناً من كان ، صحابياً كان أو تابعياً ، من المتعبّدين كان أو من المجاهدين ، فبدون ولايتهم تحبط أعماله ، وبدون الصلاة عليهم يضيع دينه .
مواجهة الواقع :
وجد " محمّد " أنّ من يستبصر فإنّما يستبصر لنفسه ، ومن يهتدي بآل البيت (عليهم السلام) فإنّما يهتدي لنفسه ، فكان من جميل التوفيق له ، أن تعرّف على المعصومين الأربعة عشر وهم آل البيت (عليهم السلام) واهتدى بهديهم ، ثمّ سعى في تبليغ ذلك للناس حتّى اهتدى بهديه العشرات وتمسّكوا بحبل الله ، وركبوا سفينة النجاة .
1) - راجع شرح نهج البلاغة 5 : 129 .
الصورة
ولد عام 1395 ه ( 1976 م ) في مدينة " راجشاهي " ، واصل دراسته حتّى حصل على شهادة الماجستير في المعارف الإسلامية من جامعة راجشاهي - بنغلادش ، كما أنّه درس العلوم الدينية في إحدى مدارس أهل السنة ، عمل بمدّة تسع سنوات داعية إسلامي ، وكان إمام جماعة في عدّة مدارس ، وهو يجيد أربع لغات : العربية ، البنغلادشية ، الإنجليزية والفارسية .
الاستبصار على أثر مطالعة الكتب :
يقول " محمّد عبد الجبار " استغرق بحثي المقارن بين السنة والشيعة مدّة عشرة سنوات ، وبدأت البحث بمعيّة صديقي محمّد عبد القيوم ، وكان معظم اعتمادنا على قراءة كتب الفريقين .
وواصلنا البحث حتّى التقينا بمبلّغ شيعي وافد من إيران ، فعقدنا معه جلسات عديدة للبحث والحوار حول المسائل الخلافية ولا سيّما حديث الغدير ، وحديث العشرة المبشّرة بالجنّة ، ومسألة عدالة الصحابة ، وإيمان أبي طالب ، وآية الوضوء و . . .
حذّرونا علماؤنا من الحوار مع الشيعة :
يضيف " محمّد عبد الجبار " لقاءاتنا مع المبلّغ الشيعي أدّت إلى نوع من الحساسية ، وأثارت هذه المسألة العديد من التساؤلات حولنا حتّى حذّرنا علماء منطقتنا من كثرة الاحتكاك بهذا العالم الشيعي .
ولكننا تعجّبنا من تحذيرهم ، وقلنا لعلمائنا : ما هو الداعي لعدم التعرّف على عقائد من يخالفوننا في العقيدة ؟ ! ولماذا تخشون علينا ونحن بجواركم ؟ ! فإذا واجهنا شبهة فسنعود إليكم لتزيلوها عنّا .
وانّما يُخاف على من يلتقي بمن يخالفه في العقيدة وليس بجنبه عالم يرشده إلى الطريق الصحيح ، فيلتبس عليه الأمر ، ويقع في شرك الشبهات ، فيضلّ عن دينه .
كما أنّنا لسنا بعيدين عن الساحة العلمية ، بل نحن من طلبة العلوم الدينية ، درسنا المذهب السني أكثر من عشرة سنوات ، وعملنا في مجال الدعوة الإسلامية فترة طويلة ، وبحثنا في العقائد كثيراً ، فنحن أحقّ من غيرنا لمعرفة الفرق الإسلامية الأخرى للردّ عليها ، ومعرفة أسباب انحرافها عن جادّة الحقّ ، وما يدريكم لعلّنا هدينا هذا المبلغ الشيعي ، وجعلناه من أتباع أهل السنة !
ولكن بيّن علماؤنا لنا بأنّ المدّ الشيعي يتّسع يوماً بعد آخر ، وقد استبصر الملايين في السنوات الأخيرة ، وألّفوا العديد من الكتب في هذا المجال ، ولكننا لم نجدّ شيعياً واحداً أصبح من أتباع أهل السنة كاملة ، وألّف كتاباً في مجال تغيير انتمائه المذهبي !
تراكم الإشكالات العقائدية :
كان المبلّغ الشيعي يطرح الأسئلة والإشكالات على " محمّد عبد الجبار " ويطلب منه الأجوبة والحلول ، ويعطيه المجال الواسع والوقت الكافي للعثور على
الأجوبة ، وكان " محمّد عبد الجبار " يأخذ الأسئلة والإشكالات إلى أساتذته وكبار علماء أهل السنة فلا يسمع منهم سوى التحذير من الحوار مع الشيعي .
ومن هذا المنطلق تراكمت الإشكالات عند " محمّد عبد الجبار " وصديقه مما دفعهما هذا الأمر إلى البحث بأنفسهم في بطون كتب أهل السنة .
ولكن كانت النتيجة في نهاية المطاف أن أعلن " محمّد عبد الجبار " استبصاره مع صديقه عام 1995 م ، ثمّ سافرا إلى إيران معاً ، والتحقا بالحوزة العلمية في مدينة قم لينهلوا من علوم ومعارف أهل البيت (عليهم السلام) .
مؤلفاته بعد الاستبصار :
توفّرت ل " محمّد عبد الجبار " بعد الاستبصار فرصة الحديث مع أقربائه وأصدقائه للتعريف بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) فتأثّر بكلامه البعض وابتعد عنه البعض الآخر ، ففكّر " محمّد عبد الجبار " بتدوين الأدلة التي دفعته للاستبصار لينشرها في كتاب ، ويتمكّن من إيصال صوت الحق إلى أكبر عدد ممكن من الناس .
الكتب التي ألّفها :
1 - حياة رسول الله منذ الطفولة إلى ما قبل الهجرة .
2 - حاجة المجتمع إلى وجود الإمام .
3 - الصلاة والسلام في المجتمع .
وترجم " محمّد عبد الجبار " الكتب التي اعتقد بقدرة تأثيرها على أبناء بنغلادش ، منها :
1 - تفسير القرآن ، محسن قراءتي .
2 - التبليغ ، محسن قراءتي .
3 - دور الأئمّة في إحياء الدين ، مرتضى العسكري .
ولا يزال " محمّد عبد الجبار " مستمر في عملية ارتقاء مستواه العلمي من جهة ، ونشر علوم محمّد وآل محمّد من جهة أخرى .
الصورة
ولد عام 1378 ه ( 1959 م ) ببلدة " نوابكنج " في " بنغلادش " ، ثمّ عاش في أجواء أملت عليه الانتماء إلى المذهب الشافعي ، فتأثّر بهذه الأجواء المحيطة به ، ويقي متّبعاً عقيدة أسلافه حتّى أملت عليه الأدلّة تغيير إنتمائه المذهبي وتحوّل إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
لمحة عن نشاطه العلمي :
واصل " محمّد " دراسته حتّى حاز على شهادة الماجستير في المعارف الإسلامية ، كما واصل دراسته الدينية حتّى تخرّج من الجامعة العالية في بنغلادش ، وحاز على شهادة " البكالوريوس " .
واصل " محمّد " نشاطه الديني في الصعيد الاجتماعي ، ومارس دوره بالتبليغ في المساجد ، ويصلّي صلاة الجمعة لمدّة 9 سنوات في أحد المساجد .
يقول " محمّد " : كان لأحد المستبصرين اللذين مَنَّ الله عليهم بنور الهداية المحمدية نشاط بارز في بلدتنا ، حيث كان يجمع الشباب ويطرح عليهم جملة من المسائل العقائدية ويوجّه لهم العديد من الأسئلة ويحفّزهم على البحث عن إجابتها ، ثمّ يعينهم في وصولهم إلى الإجابة .
فكانت هذه الأسئلة تدفعنا إلى الاستفسار من أساتذتنا وعلمائنا ، ولكنّنا كنّا نواجه منهم التعامل الشديد والمواجهة الحادّة والتحذير من مجالسة اللذين يزرعون الشكوك والشبهات في نفوسنا إزاء معتقدات أسلافنا .
ومن هنا شعر " محمّد " بأن أسسه العقائدية تفتقر إلى الدليل والبرهان ، وأنّها لا تستطيع النهوض في مقابل الأسئلة الموجّهة إليها ، فانكشف له ضعف معتقداته ، وهذا ما دفعه إلى البحث والتحقيق في المجال العقائدي ، فاستمر في البحث لمدة عشر سنوات ; لأنّه وجد بأنّ الأُسس العقائدية تستحق أكبر قدر ممكن من العناء والاهتمام ، فسلك هذا الطريق وسعى جاهداً في إنقاذ نفسه من التيه والتخبّط في الصعيد العقائدي .
فانهالت عليه الشكوك كلما تهاون عن بعضها ووجد ما هو أعظم فيها ، ولكنّه تمكّن خلال البحث من العثور على الإجابة الصحيحة والتخلّص من اجتياز الموانع التي واجهته في طريق البحث ، ومن هنا عرف بأنّ أُسس عقائده كانت غير مبنية على الأدلّة والبراهين الصحيحة .
ومن جملة المسائل التي اهتم بها " محمّد " خلال بحثه هي مسألة عدالة الصحابة التي تعتبر عند أهل السنة من المسائل التي تحيطها حالة من القداسة لا يمكن المساس بها والتي لا يشوبها شائب .
عدالة الصحابة حقيقة أم ترهات :
بدأ " محمّد " في دراسة معمّقة في تاريخ الصحابة لعله يجد مفراً من حيرته ويجد ما يُرجع له توازنه الفكري المفقود لكنّه رجع يجر أذيال الخيبة عندما شاهد في التاريخ حقائق عن الصحابة غيرت نظريته عنهم ، وتبعاً لذلك سلبت منه قيمة المذهب الذي كان ينتمي إليه ، وعرف تباين آراء المذهبين حول عدالة الصحابة ورأى بأنّ مذهب أتباع أهل البيت (عليهم السلام) يذهب إلى عدالة من استقام في طريقه ولم
يتبع الهوى في حياته ، وذهب جمهور أهل السنة إلى عدالة كلّ صحابي كائناً من كان حيث يقول ابن حجر العسقلاني في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة ما لفظه " . . . للصحابة رضي الله عنهم أجمعين خصّيصة ، وهي أنّه لا يُسأل عن عدالة أحد منهم ، وذلك أمرٌ مسلّم عند كافة العلماء ; لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الشرع ومن الكتاب والسنّة " (1).
لكننا عندما نتأمل في القرآن والسنّة نجد مدى صحّة ما يدعيه ابن حجر ، فمن الآيات النافية لعدالة الصحابة المطلقة قوله تعالى : * ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم ) * (2)، فقد أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والطبراني في الأوسط ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، وابن عبّاس في تفسير الآية الكريمة قال : قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الجمعة خطيباً فقال : " قم يا فلان أخرج فإنّك منافق . . . فأخبرهم بأسمائهم ففضحهم " (3).
ومنها قوله تعالى : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) * (4)، فقد ذكر جُلّ المفسرين أنّها نزلت في الوليد بن عقبة ، منهم القرطبي نقلاً عن سعيد عن قتادة .
أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث الوليد بن عُقبة مصدقاً إلى بني المصطلق ، فلمّا أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم - في رواية لاحنة كانت بينه وبينهم - ، فرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره أنّهم قد ارتدّوا عن الإسلام .
فبعث نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خالد بن الوليد وأمره أنّ يتثبّت ولا يعجل ، فانطلق خالد
حتّى أتاهم ليلاً ، فبعث عيونه فلمّا جاؤوا أخبروا خالداً أنّهم متمسّكون بالإسلام ، وسمعوا أذانهم وصلاتهم ، فلمّا أصبحوا أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه ، فعاد إلى نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره ، فنزلت هذه الآية ، فكان يقول نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " التأني من الله والعجلة من الشيطان " .
وفي رواية : أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعثه إلى بني المصطلق بعد إسلامهم ، فلمّا سمعوا به ركبوا إليه ، فلمّا سمع بهم خافهم ، فرجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله ، ومنعوا صدقاتهم فهمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بغزوهم ، فبينما هم كذلك إذ قدم وفدهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا : يا رسول الله ، سمعنا برسولك فخرجنا إليه لنكرمه ، ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة ، فاستمر راجعاً وبلغنا أنّه يزعم لرسول الله أنا خرجنا لنقاتله ، والله ما خرجنا لذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وسمي الوليد فاسقاً أي كاذباً (1).
وكذا ذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة ما نصهُ :
" الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف الأمويّ ، أخو عثمان بن عفان لأمّه ، أُمهما أروى بنت كريز ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ، وأمُها البيضاء بنت عبد المطلب ، يكنى أبا وهب .
قُتل أبوه بعد الفراغ من غزوة بدر صبراً ، وكان شديداً على المسلمين ، كثير الأذى لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ; فكان مّمن أُسر ببدر ، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتله ; فقال : يا محمّد ، من للصبية ! قال : " النار " ، وأسلم الوليد وأخوه عمارة يوم الفتح ، ويقال : إنّه نزل فيه : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا . . . ) * (2).
قال ابن عبد البر : لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن أنّها نزلت فيه ;
وذلك أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعثه مصدقاً إلى بني المصطلق ، فعاد ، فأخبر عنهم أنهم ارتدُوا ومنعوا الصدقة ، وكانوا خرجوا يتلقونه وعليهم السلاح ، فظنّ أنّهم خرجوا يقاتلونه ، فرجع ، فبعث إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خالد بن الوليد فأخبره بأنّهم على الإسلام ; فنزلت هذه الآية .
قال مصعب الزبيري : وكان من رجال قريش وسراتهم ، وقصةُ صلاته بالناس الصبح أربعاً وهو سكران مشهورة مخرجة ، وقصةُ عزله بعد أن ثبت عليه شرب الخمر مشهورة أيضاً مخرجة في الصحيحين ، وعزله عثمان بعد جلده عن الكوفة ، وولاها سعيد بن العاص " (1).
وكذا أخرج البخاري عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال : خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : " . . . يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله . . . إلاّ وأنّه يجاء برجال من أمتي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا ربّ أصيحابي فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك " .
فأقول كما قال العبد الصالح : * ( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) * (2).
فيقال : إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم " (3).
الاستبصار بعد تجلي الحقيقة :
عندما تجلّت الحقائق ل " محمّد " نتيجة غربلته لمعتقداته الموروثة ، وعرف زيف ما يدعيهم علماؤهم ، وكيف أنّهم رغم وجود الأدلّة الهائلة التي توضح لهم الطريق أزاحوا الناس عن الصراط المستقيم تلبية لأهوائهم ومطامعهم ومصالحهم الشخصية و . . .
وعندما أنزاحت الستائر عن أبصار " محمّد " وأضاء الله بصره بنور الإيمان وانتهل منه ما يروي ضمأه المتعطش ، التحق بركب آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وسار في ظل رايتهم نحو الأهداف الدينية السامية .
الصورة
ولد عام 1389 ه ( 1970 م ) في بنغلادش بمدينة " وإلاّ " ، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي ، واصل دراسته حتّى نال شهادة الماجستير في الرياضيات .
منطلق البحث العلمي :
يقول " محمّد معين الدين " : كنت منتمياً لإحدى الأحزاب الإسلامية في بلادي ، فشغل بالي ذات فترة أسباب ابتعاد المسلمين عن الإسلام ، فسألت علماء بلادنا عن هذه المسألة ، فأجابوني بأجوبة لم اقتنع بها ، وبقي فكري مشغولاً بها فترة طويلة من الزمن ، حتّى صادف مجيء شخص شيعي إلى منطقتنا لعمل تجاري ، فالتقيت به وجرى الحديث بيننا في هذا المجال .
يضيف " محمّد معين الدين " : من خلال حواري مع الشيعي تعرّفت على حقائق تاريخية وعقائدية لم أسمع بها من قبل أبداً ، فاهتزّ وجودي من الأعماق ، وعرفت بأنّني ضحية التحريف والتزوير الذي تلاعب بالحقائق على مرّ العصور ، فقرّرت البحث بنفسي والتنقيب عن الحقائق لوحدي ، ومن هنا بدأت رحلتي في البحث عن الحقيقة .
أسباب ابتعاد المسلمين عن الإسلام :
بقي " محمّد معين الدين " بعد لقائه بذلك الشخص الشيعي متعطّشاً لمعرفة الحقّ ، فواصل دراسته انطلاقاً من التساؤل الأوّل الذي طرأ على باله ، وهو : ما هي أسباب ابتعاد المسلمين عن الإسلام .
بذل " محمّد معين الدين " غاية جهده في هذا الصعيد حتّى تبيّن له بأنّ من أهم أسباب ضعف العالم الإسلامي هو مخالفة المسلمين لأوامر الله تعالى في خصوص اتباع الثقلين اللذين تركهما رسول الله من بعده ليكون الالتزام بهما سبباً لعدم الوقوع في أودية الضلال ، وهذان الثقلان هما القرآن والعترة .
وعرف " محمّد معين الدين " بأنّ الله تعالى لم يترك الأُمّة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سُدى ، ولم يحرم الناس من وجود حُجّة بينه وبينهم ، إلاّ أن يحرم الناس أنفسهم منها .
وقد أشار أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إلى هذه الحقيقة ، فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) : " إنّ الله عزّ وجلّ أجلّ وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام " (1).
بداية تعرّفي على أئمة أهل البيت (عليهم السلام) :
عرف " محمّد معين الدين " خلال بحثه عن أسباب ابتعاد المسلمين عن الإسلام بأنّه يحتاج إلى معرفة الإسلام ليعرف أولاً هل المسلمون التزموا بالإسلام ومع ذلك وقعوا في دائرة الحرمان الحضاري ، أم أنّهم لم يلتزموا به فكانت نتيجتهم التخلّف والانهيار ؟
ومن هنا بحث " محمّد معين الدين " عن الضمانات التي تركها رسول الله من بعده والتي يؤدّي التمسّك بها إلى عدم الانحراف عن جادة الصواب ، فتوصّل إلى هذه النتيجة ، بأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أكدّ كثيراً على التمسّك من بعده بالأئمّة الاثني عشر من أهل بيته ، ولكن المسار الذي سار عليه المسلمون والحكومات الجائرة
1) - بصائر الدرجات : 485 ، ح 3 .
التي استلمت دفّة الحكم بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لا سيما بني أُميّة وبني العبّاس حاربوا أئمّة أهل البيت ، وأوجدوا العديد من الحواجز والموانع بينهم وبين المسلمين .
لماذا اهتم رسول الله بأهل بيته :
أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة ، باب الناس تبعاً لقريش ، بسنده عن حصين ، عن جابر بن سمرة قال : دخلت مع أبي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعته يقول : " إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيها اثنا عشر خليفة " .
قال : ثمّ تكلّم بكلام خفي علي ، قال : فقلت لأبي ما قال ؟
قال : " كلّهم من قريش " (1).
وقال ابن حجر الهيتمي في " صواعقه " : وجاء من طرق كثيرة يقوّي بعضها البعض . . . " ألا أنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه ، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق . . . " (2).
يقول " محمّد معين الدين " من الأُمور الأُخرى التي حفّزتني على البحث ، أنّني واجهت العديد من أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الدالة على انقسام الأُمة من بعده إلى العديد من الفرق التي لا ينجو منها إلاّ واحدة ، فعرفت خطورة الأمر الذي أنا فيه ، وعرفت أن المشكلة الحقيقية ليست البحث عن أسباب ابتعاد المسلمين عن الإسلام ، بل الأهم من ذلك أنّ المسلمين - كما بيّن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - انقسموا إلى ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلاّ واحدة ! ! (3)
ثمرة البحث :
إنّ البحث الذي بدأه " محمّد معين الدين " عن أسباب ابتعاد المسلمين عن الإسلام ، أخذ بيده للبحث عن الفرقة الناجية ، ومن هنا وجد " محمّد " نفسه يدنو خطوة خطوة نحو التمسّك بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، وتكاملت الأسباب حتّى أعلن استبصاره عام 1412 ه ( 1992 م ) .
الصورة
ولد سنة 1392 ه ( 1973 م ) في مدينة " بوكو " في دولة بنين الإفريقية ، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب المالكي ، درس في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في غانا ، ثمّ درس في الحوزة العلمية بقم بعد استبصاره .
في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) :
يقول " أحمد " : سافرت إلى الكثير من البلدان الإفريقية ، وتعرّفت على العديد من الأشخاص ، وكان يهمّني دائماً الحضور في المساجد والمجالس الدينية .
وفي إحدى السفرات ، ذهبت إلى مدينة " باكو " والتقيت بعدد من الشيوخ الذين درسوا في الحوزة العلمية في قم المقدسة ، فجرى بيننا حوارات شيّقة فنالت بحوثهم إعجابي ، فلّما رأوا اشتياقي إلى الإلمام بالعلوم والمعارف التي يعرضونها ، اقترحوا عليّ الدراسة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، فقبلت ذلك .
وفي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) درست وطالعت العديد من الكتب ، وكانت هذه الكتب كلّها جديدة عليّ لم يسبق لي قراءتها ، أو التفكير بمضامينها ، ثمّ تعرّفت من خلال هذه الكتب على تاريخ الإسلام ، ومختلف عقائد المذاهب الإسلامية ، وخاصة المذهب الجعفري الذي لم نسمع به من قبل في بيئتنا ، لكن كنّا قد سمعنا
بعض الشيء عن الإمام علي (عليه السلام) وبعض الأئمّة من ولده (عليهم السلام) .
وكان ما قرأته في هذه الكتب محكماً ومستدلاًّ عليه من القرآن الكريم والسنة الشريفة ، وإن كان مختلفاً في كثير من الأحيان مع معتقداتي وتصوراتي عن الإسلام التي تلقيتها من بيئتي التي عشت فيها سابقاً ، ولكنني بدأت بالدراسة الجدّية للأمر ، فاتّضحت لي الكثير من الحقائق التي لم أجد أحداً من علمائنا يشير إليها ولو على نحو الإجمال .
لقد عرفت من خلال مطالعاتي ودراستي أنّ الكثير من الحقائق التاريخية كتبت بصورة مقلوبة وأنّ العديد من الشخصيات الدينية وصفت بالعظمة والقداسة وهي لا تستحق إلاّ اللعن ، أمثال معاوية ويزيد .
كما أطّلعت على أهم المسائل الخلافية بين المسلمين كالإمامة ، وكذلك الخلافات الفقهية كالوضوء وغيره ، وفهمت استدلال كلّ فرقة فيها ، ساعياً في ذلك مطالعة الكتب الأصلية لهم ، فتبيّن لي بعد البحث أنّ مذهب العترة هو المذهب الصحيح لوصية الرسول بالتمسّك بالقرآن والعترة معاً في حديث الثقلين .
ومن هذا المنطلق أعلنت استبصاري وأشهرت ولايتي للأئمة المعصومين (عليهم السلام) عام 1993 م ، في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وتبعني في ذلك أفراد أُسرتي والعديد من أصدقائي بعد مناقشات جرت بيني وبينهم ، بيّنت لهم من خلالها معالم الحق وأركان الدين .
من الذي يكتب التاريخ :
يقال : إنّ التاريخ يكتبه الفاتحون .
وهذه المقولة صادقة في كثير من حقب التاريخ ، كما يذعن بها الباحثون في التاريخ .
ولا تصدُق هذه المقولة كما صدقت على تاريخ صدر الإسلام ، حيث كُتب
هذا التاريخ وفق أهواء قريش وخاصة بني أمية الذين حاربوا الإسلام من أوّل يوم ، لكن المفارقات المبكية المضحكة ، والمخازي العظيمة التي ارتكبها أعداء الإسلام من قريش وأتباعهم جعلت الإسلام المنتصر ملعبة بيد أعدائه يحرّفونه كما يشاؤون ، ويملكون الناس باسمه .
ولولا جهاد آل البيت (عليهم السلام) لما بقي للإسلام بقية ، حيث فضحوا مؤامرات أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين الذي لبسوا الإسلام لبس الفرو مقلوباً ، كما حافظ أهل البيت (عليهم السلام) على أصل الدين الإسلامي مقابل كيد أعدائه حيث كلّفهم ذلك التضحيات الجسام كالقتل والتشريد والسجون و . . .
لكنّ الأمر الذي زاد في الطين بلّة هو أنّ قريش وخاصة بني أُمية ادّعوا الإسلام واتخذوه وسيلة لنيل مآربهم الدنيئة بعد أن ضيّع المسلمون ولاتهم الحقيقيين ، فدين عظيم كالإسلام لا بدّ أن يقوده من عيّنه الرسول العظيم من أولي السابقة فيه ، لا أبناء الطلقاء الذين عفا عنهم الرسول الكريم ، وأنفق الأموال الطائلة لتآلفهم وتثبيتهم على الدين .
لكنّ الذي حصل بعد وفاة الرسول الكريم هو السيطرة على الحكم من قبل من لم يختاره الله سبحانه ولم يعيّنه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وزعمت هذه الفئة المتغلّبة الحفاظ على مصلحة الإسلام ، فكانت النتيجة أن يستلم معاوية قيادة المسلمين بعد ثلاثين سنة من وفاة الرسول ليسعى في هدم الإسلام عروة عروة وليكتب تاريخ الإسلام كما يحلو له ، وليضع الأحاديث كما تشاء أهواؤه ، فيرفع من لأفضلية له ، ويسعى في الحطّ من شأن أصحاب المناقب .
لكنّ الدين دين الله بقي خالداً بجهود حماته من آل البيت (عليهم السلام) صفوة الله ، وذهبت قريش وبنو أُمية بالمخازي إلى نار جهنم ، لكن من المؤسف أنّهم تركوا أذناباً جعلوا الدفاع عن بني أُمية ديناً لهم ، والنصب لأهل البيت (عليهم السلام) وسيلة لضرب الإسلام الأصيل باسم الإسلام ، يخرجون في كلّ جيل من الناس ، فيعبثون في
الأرض الفساد ، ويهلكون الحرث والنسل ، فهم داء دويّ أعدّه الشيطان اللعين لمحاربة الإسلام والمسلمين إلى أن يشاء الله سبحانه أن يرث الأرض المستضعفون على يد الحجّة المنتظر (عليه السلام) فيهلكهم ويبيدهم عن آخرهم في الدنيا قبل عقاب الآخرة .
شخصية معاوية الحقيقية :
عندما ظهر الإسلام وبادر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الدعوة ، كان معاوية من جملة المحاربين للإسلام ، فهو من أبناء الجاهلية ، ومن بني أُمية الشجرة الملعونة في القرآن ، وابن أبي سفيان قائد قريش المعادي للإسلام ، وابن هند التي لاك فوها كبد حمزة عمّ النبي الشهيد في حرب أحد ، فمثل هذا الشخص صار بعد ذلك أمير المؤمنين ، وخالاً لهم ، كاتباً للوحي بقلم من ذهب أنزله جبرئيل (1)! ! وصار من أصحاب الفضائل ، وكتبت في شأنه كتباً تصفه بالحلم والدهاء والكرم و . . . ولكّنه كان سفيهاً من أهل الغدر والفجور ، وصعلوكاً لا مال له وعندما هيمن على بيت مال المسلمين بدأ يعطي هذا وذاك ليصل إلى التأمر على الناس .
إنّ حلم معاوية المدّعى له لم يكن حلماً في الواقع ، وإنّما كان تصنّعاً منه لسياسة الناس واستجلاب طاعتهم ، وكان معاوية يستخدم الإرهاب ، ومن نماذج إرهابه أنّه أرسل قواده لإخافة أهل المدينة وأهل اليمن وأهل العراق بارتكاب المجازر ، وسفك الدماء المحرمة ، فقُتل من الصحابة أشرافهم في الحرب اغتيالاً وصبراً ، كعمّار بن ياسر الذي قال عنه النبي : " تقتله الفئة الباغية " (2)، وكحجر بن عدي الكندي الذي قتله صبراً وتعذيباً في أيام تسلّطه على الناس بعد انتهاء الحروب ومع ذلك نجد اليوم من يترحّم على معاوية ، ويتولاّه ويصف مخازيه
بالبطولات ، أو نجد من يدافع عنه ويتأوّل له نصباً لأهل البيت (عليهم السلام) الممتحنين ، أو تعصباً لمذاهب ما أنزل الله بها من سلطان .
وقد اعترف معاوية في أكثر من موطن بأنّه ارتكب ما ارتكب من أجل الاستيلاء على الحكم ، وقد اعترف بلسانه أنّه لا حلم له وإنّما يتصنّعه تصنّعاً .
روي عنه أنّه لما قدم المدينة حاجّاً ، فسمع الصوت في دار عثمان : " يا أمير المؤمنيناه ، يا أمير المؤمنيناه .
فقال : ما هذا ؟
قالوا : بنت عثمان تندب عثمان .
فصرف الناس " ، ثمّ ذهب إليها فقال : يا ابنة عم ، إنّ الناس قد بذلوا لنا الطاعة على كره ، وبذلنا لهم حلماً على غيظ ! ! ، فإن رددنا حلمنا ردّوا طاعتهم ، ولأن تكوني بنت أمير المؤمنين خير من أن تكوني واحدة من عرض الناس ، فلا سمعناك بعد اليوم ذكرت عثمان " (1).
فهذا اعتراف منه أنّه كان يظهر الحلم وباطنه يغلي غيظاً ، أظهر الحلم ونسي عثمان الذي ادعى أنّه يطلب دمه ، فاشتهر في الناس قميص عثمان للحجّة الكاذبة ، والشعار المزيّف ، لكنّه وجّه حقده بعد تمكّنه من السلطة إلى كلّ إنسان شريف ، فحارب الشيعة ومحى أسماءهم من الديوان وهم أهل الدين ، وعنوان الشرف ثمّ أمر ولاته بقتل الشيعة في كل مصر ، وضيقوا عليهم العيش والسبل ، فأين كان حلمه المدعى ؟ !
هذه هي خصال معاوية وأمثاله كثير في صدر الإسلام ، تولاّهم الناس جهلاً منهم وهم يظنوا بذلك أنّهم يوالون الدين وأهله ، ويلزمون الحقّ وأنصاره ، وما علموا أنّ سياسيات الملوك تقتضي ما تقتضي ولو كان كفراً يظهرونه على أنّه الدين أو خزياً يظهرونه على أنّه الفضيلة ، وهكذا تربّت الأجيال مخدوعة ، وهكذا مرّت
1) - أمير المؤمنين معاوية بن سفيان لابن تيميّة : 49 .
المئات من السنين والحقّ مطمور بلفائف الباطل وأحابيل الشيطان ولكن رغم هذا الكم الهائل من التضليل ، فقد جعل الله تعالى الحق واضحاً لمن يسعى ويجاهد من أجل الوصول إليه .
وكان " أحمد أبو بكر " ممّن جاهد في هذا السبيل ، ولهذا وفّقه الله تعالى لمعرفة الحق والتمسّك بالولاية التي هي حصن الدين ، من تمسّك بها أمن من عذاب الله ودخل جنته .
الصورة
ولد عام 1387 ه ( 1968 م ) في " عيس - صد " بدولة بنين ، درس في المدرسة الأكاديمية إلى مرحلة الإعدادية ، ثمّ التحق بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) الواقعة في مدينة " باراكو " ، فتتلمذ عند الأستاذ الشيخ داود إبراهيم ، والشيخ عبد العزيز عيس ، والشيخ السيوطي ، وكان هؤلاء الأساتذة ممّن درسوا مدّة تسع سنوات في إيران ، في مدينة قم ، الدروس الدينية ، وكانوا من خريجي الحوزاة العلمية .
يقول " عبد المؤمن عمر " : التحقت بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بغية طلب العلم ، ولم تكن لديّ أية معرفة بالاختلاف العقائدي والفقهي الموجود بين مختلف المذاهب الإسلامية ، ولا سيما بين المذهب السنّي والشيعي .
كلّ ما كنّا نعرفه ، أنّ الله تعالى خلقنا ، وبعث لنا النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ليهدينا ، وعلينا اتّباع شريعته ، والاقتداء بسنّته ، ولهذا دخلنا المدارس الدينية لنطلب العلوم التي تقرّبنا إلى الله تعالى ، ولكنّني تفاجأت بكم هائل من الاختلافات بحيث خشيت أن يؤدي استغراقي في حلّ هذا الاختلاف إلى الابتعاد عن أصل حقيقة عبودية الله تعالى ، ولكنني قررت البحث بتأنّي ، وبنيّة خالصة ، وبتوجّه نزيه عن الرذائل ولا سيما التعصب ، فكانت النتيجة أن هداني الله تعالى لاتباع أهل البيت (عليهم السلام) .
آية الولاية :
يقول " عبد المؤمن عمر " : تُعدّ أية الولاية من أهم أسباب استبصاري .
قال تعالى : * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) * (1).
اتفق جميع علماء التفسير والحديث من أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وكثير من مفسّري السنّة ، على أنّ هذه الآية نزلت في الإمام علي (عليه السلام) عندما تصدّق بخاتمه على المسكين وهو يصلّي في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال السيوطي في الدر المنثور : أخرج الخطيب في المتفق عن ابن عبّاس ، قال : تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع ، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : " من أعطاك هذا الخاتم ؟ قال : ذاك الراكع .
فانزل الله : * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) * (2).
ويقول الشيعة : بأنّ هذه الآية تبيّن بأن يكون الإمام والخليفة بعد رسول الله هو الإمام علي (عليه السلام) حيث قرن الله تعالى ولايته بولايته وولاية رسوله .
دلالات آية الولاية :
المراد من الولي في آية الولاية هو الأولى بالتصرّف ; لانّ لفظ " إنّما " في صدر هذه الآية تفيد الحصر باتفاق أهل اللغة العربية ، فتكون الولاية محصورة بهم .
وأمّا سبب استعمال لفظ الجمع في خصوص الإمام علي (عليه السلام) فإنّ أهل اللغة متعارف عندهم استخدام لفظ الجمع للواحد على سبيل التعظيم والتفخيم .
وجد " عبد المؤمن عمر " بأنّ علماء أهل السنّة يصرّون على أن معنى الولي في هذه الآية هو المحبّ والناصر .
فلو سلّمنا بذلك ، فسيكون المقصود من الآية أنّ المسلمين ملزمون بمحبّة الإمام علي ونصرته ، وموقف الإمام علي من خلافة أبي بكر بعد وفاة الرسول واضح ، وقد امتنع الإمام من بيعة أبي بكر ، وطلب العون والنصرة من المهاجرين والأنصار ، وجلس في داره مخالفاً لخلافة أبي بكر ، معترضاً عليها .
فلو سلّمنا بأنّ آية الولاية تأمر المسلمين بمحبّة الإمام علي (عليه السلام) ونصرته ، فأين كانت محبتهم ونصرتهم له عندما امتنع عن بيعة أبي بكر ، وقال : " ووالله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين " (1).
وقال الإمام علي (عليه السلام) بعد أن أتيح له مجال إبداء الرأي : " أما والله لقد تقمّصها فلان ( ابن أبي قحافة ) ، وهو يعلم أن محلّي منها محل القطب من الرحى ، ينحدر عني السيل ، ولا يرقى إليّ الطير ، فسدلت دونها ثوباً ، وطويت عنها كشحا ، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه ، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا أرى تراثي نهبا ، حتّى مضى الأول لسبيله ، فأدلى بها إلى فلان بعده . . .
فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشدّ ما تشطرا ضرعيها ، فصيّرها في حوزة خشناء ، يغلظ كلامها ، ويخشن مسها ، ويكثر العثار فيها ، والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة ، إن أشنق لها خرم ، وإن أسلس لها تقحّم ، فمني الناس - لعمر الله - بخبط وشماس ، وتلوّن واعتراض ، فصبرت على طول المدّة ، وشدّة المحنة ، حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم .
فيا لله وللشورى ! متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم ، حتّى صرت أقرن
1) - نهج البلاغة : 1 : 124 ، رقم 74 .
إلى هذه النظائر . . . " (1).
وإذا كان الأوائل قد التبس عليهم الأمر ، أو أعمت الفتنة أعينهم ، فاتّبعوا البعض على غير هدىً ، فلماذا نتبعهم بعد انكشاف الأمر لنا ؟
ومسألة الإمامة ليست مسألة خلافة زمنية فحسب ، ليقول أحد : هل يؤدّي محنتكم حول الخلافة إلى عودة التاريخ واستبدال الخليفة الحقّ مكان الخليفة الباطل ، بل المسألة مسألة معرفة المصدر الذي يعتمد عليه الإنسان لمعرفة ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأهل البيت أولى الناس بمعرفة الوحي الذي نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّهم أهل البيت ، وأهل البيت أدرى بما في البيت .
ولكن مع الأسف غُصبت منهم المرجعية الدينية وأعطيت للصحابة ، كما غُصبت منهم المرجعية السياسية واُعطيت للخلفاء .
وكلّ واحد منّا مسؤول يوم القيامة عن المصدر الذي يعتمد عليه في معرفة ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يخفى أنّ أهل السنّة يعتمدون على الصحابة في هذا المجال ، ولهذا يؤمنون بعدالة جميع الصحابة ، ولكن الواقع التاريخي يكشف أنّ الصحابة سبّ بعضهم البعض ، بل قاتل بعضهم البعض ، ومن أعظم من طلحة والزبير وهما من العشرة المبشرة في الجنّة ومن أعظم في الصحابة من عائشة وهي الملقبة بأمّ المؤمنين ، ولكن هؤلاء خرجوا على إمام زمانهم وقاتلوه وأدوا إلى سفك دماء الأبرياء ، فمن هو المسؤول عما قاموا به ؟ !
ويا ترى بعد معرفة هذه الأُمور من الأفضل معرفة ما جاء به الرسول : أهل البيت (عليهم السلام) أو الصحابة ؟ !
ومن هنا عرف " عبد المؤمن عمر " الحقّ ، فأعلن تشيّعه واستبصاره عام 1990 م في مدينة باركو ، وبدأ بنشر علوم ومعارف أهل البيت (عليهم السلام) .
1) - نهج البلاغة 1 : 30 ، رقم 3 ، الخطبة الشقشقيّة .
الصورة
ولد سنة 1402 ه ( 1982 م ) في دولة " بنين " مدينة " باكو " ، ونشأ في أُسرة تنتمي إلى المذهب المالكي ، أكمل دراسته الابتدائية ، ثمّ أرسله والده إلى مدرسة دينية وهابية .
يقول " محمّد " : كان لي صديقاً منذ أيام الطفولة ، قضيت معه فترة طويلة ، حتّى انتهى بنا المطاف إلى الافتراق ، وحيث كان صديقي شيعياً فلهذا ذهب إلى مدرسة الشيعة في بلدتنا تعرف بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، وحيث كان والدي وهابي المعتقد فلهذا ألحقني بمدرسة دينية وهابية ، لتتسع معرفتي بالمذهب الوهابي .
وبعد فترة التقيت بصديقي الشيعي ، وكان هذا اللقاء مباركاً ; لأنّه حفّزني للمزيد من التعقّل وترك التعصب الجاهلي .
اللقاء المستمر بين الصديقين :
يقول " محمّد " رأيت صديقي يتوضئ بصورة تختلف في بعض أجزائها عمّا تعلمنّاه من علمائنا ، فاستغربت فاعترضت عليه وقلت له : وضوؤك هذا باطل !
فابتسم صديقي ، ثمّ بدأ يبيّن لي وبكل هدوء الأدلّة التي دفعته للوضوء بهذه الصورة ، فلمّا أصغيت إلى أدلتّه لم يكن لي جواباً أقدّمه إليه ، ولكنني كنت واثقاً بأنّ
علمائنا أعرف بالحقّ من صديقي ، ولكي لا أصاب بالهزيمة أمام صديقي ، قلت له بأنّي سأبيّن لهم وسأتيك بالجواب .
وفي اليوم الثاني ذهبت إلى المدرسة وكتبت آية الوضوء على لوحة الصف ، قال الله تعالى : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ ) * (1).
طلبت من الأستاذ أن يشرحها ويبيّن كيفية الاستدلال بها ، فأجابني وفق ما تعلمناه سابقاً ، فاعترضت عليه بتلك الأدلّة التي واجهني بها صديقي ، فرد الأُستاذ بأدلّة ضعيفة جداً ، فبينّت له وجه ضعفها ، لكنه تذمّر ، وحاول التهرّب من البحث ومن هنا بدأت الشكوك تتسربّ في عقيدتي ، وبدأت أقتنع بادلّة صديقي .
والذي زاد في دهشتي أنّه كيف يقع الاختلاف في الوضوء الذي مارسه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مدى حياته ، وما هو منشأ وزمان هذا الخلاف وما هو الحق ؟ !
وعندها التقيت بصديقي الشيعي مرة أُخرى ، وشرحت له ما جرى بيني وبين الأُستاذ ، وقلت له بأنّني لم أصل مع الأستاذ إلى النتيجة المطلوبة . لكني مع ذلك أسعى للكشف عن الحقيقة !
فقال لي : ما رأيك أن تأتي لمدرستنا ولو لمدّة شهر واحد ، عسى أن يكون هذا الأمر محفّزاً لك في معرفة الحقيقة التي تسعى للبحث عنها ؟
فقبلت إقتراحه وذهبت إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، وبدأت بالتحقيق حول موضوع الوضوء والمواضيع الأُخرى بشوق هائم وتعطش لمعرفة الحقيقة .
أضواء على تاريخ منشأ الخلاف في الوضوء :
لم ينقل لنا التاريخ وقوع أيّ اختلاف في صدر الإسلام في خصوص مسألة الموضوع ، فلهذا نستنتج بأنّ وضوء المسلمين آنذاك كان وفق وضوء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ،
1) - المائدة (5) : 6 .
فيا ترى من أين حصلت هذه التلابسات والإبهامات حول هذا الموضوع ؟
فلا بد من تتبع ما عقب وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في زمان الخلفاء والثلاث لكي يتضح ما هو الحق في المسألة .
الوضوء من عهد أبي بكر وعمر :
لم نعثر في عهد أبي بكر على وقوع الخلاف أنذاك بين المسلمين في الوضوء ، فمن الواضح أنّهم لم يغيروا السنّة بعد في هذا المجال ، مع العلم بأنّهم حرّفوا ما حرفّوا منها ، ولكن لسنا في صدد بيان التحريفات الواقعة أنذاك وكذا لم نعثر على ما يكشف لنا نشوء الاختلاف في عهد عمر بن الخطاب إلاّ في بعض أجزاء الوضوء وهي المسح على الخفين .
الوضوء في عهد عثمان بن عفان :
قد تبين من خلال المراجعة للكتب المعتبرة عند مذهب أهل السنّة أن الاختلاف قد نشاء في زمان الخليفة الثالث ، فيعتبر هو الذي قام بالتحريف في السنّة النبوية الشريفة في خصوص الوضوء .
فقد أخرج البخاري ومسلم بسندهما عن ابن شهاب : أنّ عطاء بن يزيد الليثيّ أخبره أنّ حمران مولى عثمان أخبره ، أنّ عثمان بن عفّان بن عفّان ( رضي الله عنه ) دعا بوضوء - فتوضّأ - فغسل كفّيه ثلاث مرّات ، ثمّ مضمض واستنثر ، ثمّ غسل وجهه ثلاث مرّات ، ثمّ غسل يده اليمنى إلى المرافق ثلاث مرّات ، ثمّ غسل يده اليسرى مثل ذلك ، ثمّ مسح رأسه ، ثمّ غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرّات ، ثمّ غسل اليسرى مثل ذلك ، ثمّ قال : رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) توضّأ نحو وضوئي هذا ، ثمّ قال رسول الله : " من توضّأ نحو وضوئي هذا ، ثمّ قام فركع
ركعتين ، لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدّم من ذنبه " (1).
أخرج المتّقيّ الهنديّ ، عن أبي مالك الدمشقيّ قوله : " حُدثت أنّ عثمان بن عفّان اختلف في خلافته في الوضوء " (2).
أخرج مسلم في صحيحه ، عن قتيبة بن سعيد وأحمد بن عبدة الضبي قالا : " حدّثنا عبد العزيز - وهو الدراوردي - عن زيد بن أسلم ، عن حمران مولى عثمان قال : أتيت عثمان بن عفّان بوضوء ، فتوضّأ ثمّ قال : إن ناساً يتحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأحاديث ، لا أدري ما هي ! ألا إنّي رأيت رسول الله توضّأ مثل وضوئي هذا ثمّ قال : " من توضّأ هكذا غفر له ما تقدّم من ذنبه " (3).
الأحاديث تحت المجهر :
الملفت للنظر في خصوص الأحاديث الواردة حول الوضوء أنّها تتضمّن العديد من الإشارات الواضحة التي تبيّن لنا حقائق نشير إليها :
أولاً : ما رواه البخاري أنّ عثمان بين لنا كيفيّة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
كيف أن عثمان مع أنّه لم يروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سوى 146 حديثاً ، يروي لنا في كيفيّة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر من 20 حديثاً ، مع أن أبا هريرة المعروف عنه أنّه لم يترك شاردةً ولا واردة إلاّ رواها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي روى 5374 حديثاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لم يذكر هذا النوع من الوضوء ، حتّى لم تنقل عنه ورواية واحدة في هذا المضمون ؟ ! !
ثانياً : قول المتقي الهندي في كنز العمال : إنّ عثمان اختلف في خلافته في الوضوء !
كيف يحق لعثمان أن يختلف في الوضوء الذي كان يمارسه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مدى
حياته ؟ ! ! يا ترى هل كان وضوء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) غير صحيح أم أنّ اجتهادات عثمان كانت في مقابل النصّ ؟ !
ثالثاً : ما رواه مسلم في قول عثمان : إنّ أناساً يتحدثون بأحاديث لا أدري ما هي . . . ؟ ! !
يظهر جلياً لنا من خلال هذا النصّ أنّ عثمان لم يكن يعرف أحكام الوضوء بصورة كاملة ، فكيف مع عدم علمه كما يصرح بأنّه لا يدري يطرح نوعاً من الوضوء ويخضع الناس إلى هذا النوع من الكيفية الخاصة في الوضوء ؟ ! !
الحقيقة تتجلى :
يقول " محمّد " بعد البحث والتحقيق الذي بذلت فيه قصارى جهدي توصّلت إلى النتائج التالية :
1 - أنّ وضوء الشيعة هو الوضوء الصحيح ، وأنّهم اتبعوا الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه .
2 - أنّ الشيعة هم المستمسّكون بالسنّة الصحيحة .
بعد معرفة هذه الحقائق رفضت المذهب الذي كنت أعتنقه ، والتحقت بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وأعلنت تشيعي وسرت على منهجهم .
ولد عام 1398 ه ( 1978 م ) في دولة بوركينا فاسو ، وترعرع في أُسرة مالكية المذهب تيجانية الطريقة ، وكان والده يدير إحدى الجلسات التيجانية في منطقته ، وكان " السيدي محمّد " متأثّراً بوالده ، فتلقى منه جميع علوم الطريقة التيجانية حتّى تأهّل للنيابة عنه حال غيابه .
وبعد فترة عُيّن " السيدي محمّد " معاوناً لإحدى المدارس الدينية في منطقة ( كوكا ) فبدأ عمله بإتقان ، وكان يحاول دائماً الارتقاء والتسامي في جميع الأصعدة .
بداية تعرّفه على التشيّع :
وجد " السيدي محمّد " الرغبة في نفسه لدراسة المذاهب الإسلامية والتعرّف على معتقداتهم ، فبدأ رحلته في البحث ، ولمعرفة التشيّع التحق بمدرسة الوحدة الإسلامية ودرس فيها عامين حتّى نال إعجابه المذهب الشيعي ، فتعمّق في دراسة مبادئه وأكثر من قراءة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) حتّى توصّل إلى القناعة الكاملة بترك مذهبه الموروث واعتناق مذهب التشيّع .
محبّة أهل البيت (عليهم السلام) :
وجد " السيدي محمّد " خلال دراسته في صعيد التاريخ الإسلامي وعلوم الحديث بأنّ أهل البيت (عليهم السلام) يحظون بأهمية كبرى في الكتاب والسُنّة ، وهناك آيات وأحاديث كثيرة تؤكّد وتأمر المسلمين بالالتفاف حول أهل البيت (عليهم السلام) ، ومن الآيات الملفتة للنظر في هذا الصعيد قوله تعالى : * ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) * (1).
ذكر القرطبي في تفسير هذه الآية في رواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس : لما أنزل الله عزّ وجلّ : * ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) * ، قالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين نودّهم ؟ قال : " علي وفاطمة وأبناؤهما " (2).
وعندما لم يجد البعض سبيلاً لسلب هذه الفضيلة عن أهل البيت (عليهم السلام) قالوا بأنّ هذه الآية منسوخة ! ! فأجابهم القرطبي : " كفى قبحاً بقول من يقول : إنّ التقرب إلى الله بطاعته ومودّة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته منسوخ ، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : " من مات على حب آل محمّد مات شهيداً ، ومن مات على حب آل محمّد جعل الله زوار قبره الملائكة والرحمة ، ومن مات على بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنّة . . . " (3).
وذكر الآلوسي في تفسير القربى : " . . . عن ابن عبّاس قال : لما نزلت هذه الآية * ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ . . . ) * ، قالوا : يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت مودّتهم ؟ قال : علي وفاطمة وولدها . . .
وأخرج ابن جرير عن أبي الديلم قال : لما جئ بعلي بن الحسين رضي الله عنهما أسيراً ، فاُقيم على درج دمشق ، قام رجل من أهل الشام فقال : الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم .
فقال له علي رضي الله عنه : أقرأت القرآن ؟
قال : نعم .
قال : أقرأت آل حم ؟
قال : نعم .
قال : ما قرأت * ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) * ؟
قال : فإنكم لأنتم هم ؟
قال : نعم .
وإلى هذا أشار الكميت في قوله :
وجدنا لكم في آل حم أيةً * تأوّلها منا تقي ومعرب
وأضاف الآلوسي : " والخطاب على هذا القول لجميع الأُمّة لا للأنصار فقط .
وإن ورد ما يوهم ذلك ، فإنّهم كلّهم مكلّفون بمودّة أهل البيت (عليهم السلام) ، فقد أخرج مسلم والترمذي والنسائي عن زيد بن أرقم : " إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : اُذكّركم الله تعالى في أهل بيتي "
وأخرج الترمذي - وحسنّه الطبراني - والحاكم والبيهقي في الشعب عن ابن عبّاس قال : قال عليه الصلاة والسلام : " أحبّوا الله تعالى لما يغذوكم به من نعمة ، وأحبّوني لحبّ الله تعالى ، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي " .
وأخرج ابن حبّان والحاكم عن ابن سعيد قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلاّ أدخله الله تعالى النار " .
إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة من الأخبار . .
وأنا أقول قول الشافعي . . .
يا راكباً قف بالمحصّب من منى * واهتف بساكن خيفها والناهض
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى * فيضاً كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضاً حبُّ آل محمّد * فليشهد الثقلان أنّي رافضي
انتهى كلام الآلوسي (1)
توصّل " السيدي محمّد " من خلال قراءته للنصوص المهتمة بأهل البيت (عليهم السلام) ، بأنّ اهتمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأهل بيته لم يكن بداع عاطفي أو شخصي ، وإنّما كان هذا الاهتمام لأنّ أهل البيت هم امتداد الرسالة ، وتؤدّي مودّتهم إلى الالتحاق بركبهم وأخذ سنّة الرسول منهم ، وهذا هو المطلوب .
ومن هنا تبلورت قناعة " السيدي محمّد " بأحقيّة مذهب التشيّع ، وبمرور الزمان تحوّلت هذه القناعة إلى عقيدة دفعته إلى التخلّي عن عقائده الموروثة ، فأعلن استبصاره ، وبدأ يدعوا الآخرين إلى معرفة الحقائق الجديدة التي توصّل إليها .
ولم تمض فترة إلاّ واستبصر على يد " السيدي محمّد " أبوه واُسرته والعديد من الطلبة والأساتذة وتمكن والده عن طريق الجلسة التيجانية التي يرأسها أن يدعوا الكثير إلى معرفة أهل البيت (عليهم السلام) بصورة صحيحة وكاملة .
هذا وما زال " السيدي محمّد " يواصل دراسته الدينية ، كما يعمل على نشر مذهب التشيّع بين أبناء مجتمعه .
1) - روح المعاني 13 : 22 - 23 .
الصورة
ولد سنة 1383 ه ( 1964 م ) في مدينة " نينانو " بجمهورية " بوركينا فاسو " ، وبعد طيّه مراحل طلب العلم تصدى لإدارة مدرسة " منهاج الهدى " الدينية في مدينة " غارنغو " .
سبب استبصاره :
يقول الأخ " حسن " : " اهتديت إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) سنة 1410 ه ( 1990 م ) ، وذلك عندما التقيت ببعض الطلاّب المتخرّجين من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في غانا حيث وضّحوا لي بعض المسائل الخلافية ، وبيّنوا لي الحقّ فيها ، كما أهدوني بعض الكتب العقائدية الشيعية ، وكان منها كتاب " أصل الشيعة وأصولها " للعلاّمة المرحوم الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء ، حيث تأثّرت به كثيراً ، ولست فيه معنى الحقّ والإنصاف ، وعرفت أنّ الثقل في الميزان مع الشيعة ، والأرجحيّة والوفاء بالمكيال مع مكيالهم ، فما كان منّي إلاّ أن أتّبع الحقّ ، والحقّ أحقّ أن يُتّبع " .
نشأة التشيّع ، وانتشاره :
إنّ التشيّع ليس مذهباً لقيطاً ، ولا هو نحلةٌ مبتدعة ، بل هو اتباع لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) بطل الإسلام ، ووصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخليفته على أُمّته ، ولم يأت هذا الاتّباع له المزّين بالمودّة الصادقة عن هوىً أعمى ، بل أمر به الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لا ينطق عن الهوى ، وامتثل أمره عدد من الصحابة فهاموا في حبّه ، واختصّوا به حتّى عرفوا بشيعة علي (1)في زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال الشيخ كاشف الغطاء : " إنّ أوّل من وضع بذرة التشيّع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة الإسلامية ، يعني أنّ بذرة التشيّع وضعت مع بذرة الإسلام ، جنباً إلى جنب ، وسواء بسواء ، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية حتّى نمت وأزهرت في حياته ، ثمّ أثمرت بعد وفاته " (2).
وقد أخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال : " لمّا نزلت * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * (3)، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) : " هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين " (4).
وقال علي (عليه السلام) : " إنّه لعهد النبي الأمّي إليّ : أن لا يحبّني إلاّ مؤمن ، ولا يبغضني إلاّ منافق " (5).
وفي حديث الطير : " اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك " (6).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً : " عليٌّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ حيث كان " (7).
ولمّا توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بايع علي (عليه السلام) أبا بكر بعد إبطاء يوضّحُ : أنّ خلافة أبي بكر كانت باطلة ، لكنه بايع حفاظاً على أصل بقاء الدين الإسلامي ، ولئلا يعود الناس إلى جاهليتهم الجهلاء ، وتابعه على ذلك شيعته ومحبّوه .
قال الشيخ كاشف الغطاء : " ثمّ لمّا ارتحل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الدار إلى دار القرار ، رأى جمع من الصحابة أن لا تكون الخلافة لعليّ : إمّا لصغر سنّه ! ! أو لأنّ قريشاً كرهت أن تجتمع النبوّة والخلافة لبني هاشم ، زعماً منهم أنّ النبوّة والخلافة إليهم يضعونها حيث شاؤوا ! ! والأُمور اُخرى لسنا بصدد البحث عنها ، ولكنّه باتّفاق الفريقين امتنع عن البيعة ، بل في صحيح البخاري - في باب غزوة خيبر - : أنّه لم يُبايع إلاّ بعد ستة أشهر (1)، وتبعه على ذلك جماعة من عيون الصحابة ، كالزبير وعمّار والمقداد وآخرين .
ثمّ لمّا رأى أنّ تخلّفه يوجب فتقاً في الإسلام لا يُرتق ، وكسراً لا يُجبر . . . بايع وسالم ، وأغضى عمّا يراه حقّاً له ، محافظة على الإسلام أن تتصدّع وحدته ، وتتفرق كلمته . . . وبقى شيعته منضوين تحت جناحه ، ومستنيرين بمصباحه " (2).
ثمّ لمّا بايع الناس الإمام علي (عليه السلام) على الخلافة ، ورفض معاوية بيعته ، وخرج عليه كان لا بدّ للإمام (عليه السلام) أن يقمع الباطل ، وينصر الإسلام لوجود الناصر .
وقد تبيّن الحقّ من الباطل بوضوح خاصّة بعد وفاة الإمام علي (عليه السلام) ، حيث سيطر معاوية على الاُمور بعد سمّ الإمام الحسن (عليه السلام) (3)، فسار بسيرة الأكاسرة ، وخلع رداء الزهد والورع - الذي سار عليه من تقدّمه اعتقاداً أو شعاراً - وصار الغدر والقهر هما الشعار ، والترغيب والترهيب هما الوسيلة لحفظ السلطان ، ثمّ قهر الأُمة على بيعة يزيد ، وما أدراك ما يزيد !
قال الشيخ كاشف الغطاء : " ومن ذلك اليوم - أعني خلافة معاوية ويزيد - انفصلت السلطة المدنية عن الدينية ، وكانت مجتمعة في الخلفاء الأوّلين ، فكان الخليفة يقبض على إحداهما باليمين وعلى الأخرى بالشمال ، ولكن من عهد معاوية عرفوا أنّه ليس من الدين على شيء ، وأنّ الدين له أئمة ومراجع هم أهله وأحقّ به ، ولم يجدوا من توفّرت فيه شروط الإمامة - من : العلم ، والزهد ، والشجاعة ، وشرف الحسب والنسب - غير علي (عليه السلام) وولده .
ضُمَّ إلى ذلك ما يرويه الصحابة للناس من كلمات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقِّهم ، والإيعاز إلى أحقّيتهم ، فلم يزل التشيّع لعلي (عليه السلام) وأولاده - بهذا وأمثاله - ينمو ويسري في جميع الأمّة الإسلامية سريان البُرء في جسد العليل ، خفيّاً وظاهراً ، ومستوراً وبارزاً " (1).
ثمّ إنّ يزيد بن معاوية قتل الحسين (عليه السلام) في كربلاء ; لأنّه رفض هذه البيعة الظالمة قائلاً : " فإنّ مثلي لا يعطي بيعته سراً " (2)، نعم ، ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يبايع يزيد الخمور والفجور والقرود والفهود ، فقتله بنو اُمّية ذبحاً وروّعوا أطفاله وعياله ، ولم يراعوا فيه ذمّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وكان هذا ممّا زاد في انتشار التشيّع ، ومحبوبية أهل البيت (عليهم السلام) ; لأنّهم ظلموا وهم في الإسلام أصله ، وفي الشرف سنامه .
وبعد زوال ملك بني اُمّية ، جاء العبّاسيون فظلموا آل البيت (عليهم السلام) أيضاً رغم ادّعائهم أنّهم قاموا لإزالة الظلم حتّى قال الشاعر :
تا الله إنْ كانت اُميّةُ قد أتَتْ * قتلَ ابنَ بنتِ نبيّها مَظلُوما
فلقد أَتتهُ بنو أبيه بِمثلِهِ * هذا لَعمرك قبرهُ مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شارَ * كوا في قَتلِهِ فَتَتَبَعُوه رميما (1)
إذن هكذا كان أمر التشيّع ، غرسه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحاول السلاطين الظلمة قلع شجرته ، ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون .
1) - اُنظر تاريخ الخلفاء لليسوطي : 347 .
الصورة
ولد سنة 1391 ه ( 1972 م ) في مدينة ( بسافاني ) في جمهورية بوركينا فاسو ، تخرّج من المدرسة الإعدادية ، ودرس في المدارس الدينية ، كما كان له نشاط تبليغي ديني قبل الاستبصار .
سبب استبصاره :
يقول " حسن " : كان حبّ أهل البيت (عليهم السلام) في مجتمعنا كالدين الفطري ، فلا يبتدأ شخص بعمل ما إلاّ ويقول : ( اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد ) كباراً وصغاراً ، لكن مع ذلك لم أسمع أنا - على الأقل - بكلمة الشيعة في طفولتي وسمعت بها في مقتبل الشباب ، فاتصلت ببعض مراكزهم ومؤسساتهم وحصلت منهم على بعض الكتب ، فأعجبني الطابع العلمي التوثيقي فيها ، واستنادها إلى الكتب وروايات أهل السنّة في مقام الاحتجاج في المسائل الخلافية بين الطرفين .
كما أعجبني اُسلوب الخطاب الشيعي الهادئ الرزين ، على خلاف الخطاب الوهابي المنتشر في منطقتنا والذي يتم بالكراهية والتكفير والجمود ، ممّا جعل أبناء منطقتنا ينفرون منهم فطرياً .
وقال " حسن " : " التحقت بعد ذلك بإحدى المدارس الدينية الشيعية في
غانا ، فتوّضحت لي الكيثر من المسائل العقائدية والتاريخية والفقهية ، وآمنت أنّ مذهب آل البيت (عليهم السلام) هو الدين الذي يحقق النجاة ، وهو الدين الذي أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسك به حين أمر بالتمسك بالثقلين ، فأعلنت استبصاري في عاصمة بلزي واغاووغو ، والحمدُ لله على ركوب سفينة النجاة ، وخاصة بعد أن التحق بي أفراد اُسرتي وبعض أصدقائي " .
الوهابية وكراهية الناس لهم :
أَسّس المذهب الوهّابي محمّد بن عبد الوهاب الذي وُلد في نجد سنة 1111 ه ، ودعا إلى مذهبه منذ سنة 1143 ه (1)، وكان محمّد عبد الوهاب رجلاً ذا شخصية منفورة حذّر منه أبوه وشيوخه ، كما كان أخوه أوّل من ردّ على بدعته (2).
انتشرت الدعوة الوهابية في نجد وحواليها بعد أن حصل اتفاق بين ابن عبد الوهاب وابن سعود أمير الدرعية ، وقد اتسمت هذه الدعوة منذ يومها الأوّل بالعنف والاعتداء على القبائل ، وسرقة أموالها ومواشيها ، وقتل أمرائها ، والسيطرة عليها بالقوة وفرض الضرائب المالية التي ما أنزل الله بها من سلطان (3).
ولم تكتفِ الدعوة الوهابية بالاعتداء على القبائل النجدية وفرض السيطرة عليها ، بل صعّدت من اعتداءتها فشملت الحجاز والعراق والشام ، كما ارتكبت مجزرة فضيعة بحق الحجاج من اليمن ، وحصلت لها اعتداءات ومناوشات مع الحجاج من بقية البلدان كمصر والشام والعراق فمنعتهم من الحج أو أرعبتهم فيه ، وضايقتهم في المشاعر المقدسة (4).
وكان للعراق النصيب الأوفر من اعتداءات الوهابية حيث اعتدى الوهابيون
على الحرم الطاهر لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام) سبط الرسول الأعظم وريحانته في مدينة كربلاء المقدسة ، كما هجموا عدّة مرات على مدينة النجف الأشرف بغية الاعتداء على الحرم الطاهر للإمام علي (عليه السلام) ، لكنّهم فشلوا ولم يوفقوا في اقتحام المدينة (1).
رفض المسلمون الدعوة الوهابية عند ظهورها ولا زالوا يرفضونها لتكفيرها الناس ، واعتدائها عليهم ، ولفرض بدعها بالقوة والعنف رغم تفنيد علماء المسلمين لهذه البدع بالدليل النقلي ، والمنطق العقلي ، وجرّدت الدولة العثمانية وأمير مصر محمّد علي باشا حملات كبيرة ومتعدّدة لمحاربتها وإخمادها (2).
إنّ الدعوة الوهابية التي تدّعي الانتماء إلى المذهب الحنبلي ، نفخت في رماد الأحاديث الحشوية والتجسيمية التي ابتلى بها هذا المذهب ، كما أعادت الحياة المريضة لأفكار ابن تيمية التي تدّعي اتباع السلف - والسلف الصالح منها براء - من تحريم زيارة القبور ، وإقامة المساجد عليها ، والصلاة فيها ، و . . .
تكفير من يتوسل بالعباد الصالحين إلى الله ، أو يتبرك بآثارهم ، باعتبار أنّ ذلك شرك بالله ، وعبادة للوثن .
ومن التناقض العجيب أن تدّعي هذه الحركة أنّها حركة توحيدية جاءت لمحو آثار الوثنية الجاهلية ، وهي مبتلاة بالتجسيم البغيض لذات الله سبحانه وصفاته ، فهل يتفق التوحيد الخالص كما يدّعون مع التجسيم الصارخ يجعل الله سبحانه وتعالى ذا لحية وأعضاء و . . .
كما أنّه من العجب الذي لا دليل معهم لرفعه مبادرتهم إلى قتل الناس والاعتداء عليهم بحجّة أنّهم كفّار ; لأنهم لم يتبعوا دعوة ابن عبد الوهاب ولم يهاجروا إلى دار هجرتهم ، فشابهوا بذلك الخوارج المارقين عن الدين الذين
عرفوا بالوحشية في سفك دماء المسلمين رغم تديّنهم الظاهري المتشدّد الذي لا يرضى بقتل الذبابة .
ومن هنا يحقّ للمسلمين أن ينفروا من الدعوة الوهابية التي جمعت الجهل والعنف والوحشية والغلوّ ، والتكفير والتبديع للمسلمين ، كما يحقّ لهم أيضاً نبذهم وطردهم ومحاربتهم لإخماد فتنتهم ، وكسر شوكتهم ; لأنّهم قوم ما عرفوا الله حقاً فشككوا في عقائد المسلمين وآذوهم ، ونصبوا العداوة لأئمة المسلمين من آل البيت (عليهم السلام) وشيعهم الأبرار ، حيث لا يزال الدم الحرام يسفك بيد أزلام الوهابية في بلاد المسلمين وخاصة في العراق ، حيث الانفجارات المروعة ، والمفخخات الغادرة التي لا ترحم الصغير ولا الكبير ، ولا المرأة أو الشاب أو الطفل ، لا لشيء سوى التنفيس عن الحقد الذي ملأ قلوبهم السوداء نتيجة أفكارهم البليدة ، وعقائدهم التافهة التي يحاولون التستر عليها بإظهار الشدة الكاذبة ، وادعاء الدعوة الإسلامية الصادقة ، ولكن هيهات فقد ظهرت فضائحهم ، وبان ارتباطهم بأعداء المسلمين الذين مدّوهم بالسلاح وأجازوا لهم صرف المليارات من أموال النفط لنشر دعايتهم وسفك الدماء المصونة .
هذا ولكن - كما قدّمنا - فإنّ حبل الكذب قصير ، وجولة الباطل زائلة ، وإن الأرض لله يرثها عباده الصالحون ولو كره الكافرون .
مرتّ ترجمته في ( 1 : 201 ) من هذه الموسوعة ، ونشير إلى معلومات أُخرى لم ندرجها سابقاً .
التعرّف على مذهب الشيعة :
من أهم الدوافع التي ساعدت " حسين " في تغيير أنتمائه ، هي التعرّف الصحيح على مذهب الشيعة عن طريق معتقديه ، وبهذا تمكّن " حسين " أن يتحرّر من الصورة المشوّهة التي أملاها عليه المخالفون والمغرضون حول مذهب الشيعة .
ومن هذا المنطلق انجذب " حسين " نحو الإلمام الكامل والتعمّق بهذا المذهب ، فتعرّف خلال بحثه على مجموعة كتب أعانته في بحثه عن الحقّ من قبيل كتاب " ثمّ اهتديت " و " لأكون مع الصادقين " للدكتور التيجاني السماوي .
وبمجرد أن طالع " حسين " تلك الكتب تجلّت له حقائق قلبت له الموازين ، وزلزلت معتقداته الموروثة التي تلقاها من دون فحص وتمحيص .
وواجه " حسين " العديد من التساؤلات التي دفعته يتلهف بفارغ الصبر إلى حلها والعثور عل إجاباتها .
ووجد " حسين " بأنّ أفضل سبيل للوصل إلى الإجابات الشافية والحلول
الوافية لأسئلته هو الالتحاق بحوزة أهل البيت (عليهم السلام) من أجل أرواء تعطشه العلمي الذي كان يزداد يوماً بعد آخر .
فانتسب إلى هذه الحوزة ودرس فيها مدة ثلاث سنوات .
لكنه وجد بعد هذه المدّة من الدراسة في هذه الحوزة بأنّها غير قادرة على ملىء فراغاته العقائدية ، لقلة تضمّنها المصادر التي كان يفتقر إليها ، فترك بلده متّجهاً إلى إيران للإلمام الكامل بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
وبعد التحاق " حسين " بالحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة ، توفرّت له أجواء مناسبة أتاحت له الفرصة للبحث والتحقيق .
وتوصّل " حسين " بعد الدراسة الجادة بأن مذهب التشيّع هو المذهب الحقّ وأنّ الصورة المطروحة في مجتمعه عن التشيّع صورة منحرفة ومزيفة .
وعندها وجد " حسين " بأن الوظيفة الشرعية تُحتّم عليه إصلاح المجتمع الذي يعيش فيه ، فرجع إلى بلاده وأصبح من المبلغين لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
الصورة
ولد عام 1363 ه ( 1944 م ) في بلدة " وغادغو بوركينا فاسو ) ، وترعرع في أحضان أسرة مالكية المذهب ، فسار وفق نهج آبائه وأسلافه .
واصل دراسته حتّى حصل على الشهادة الثانوية .
يقول " عبد الله ويدروغو " : كنت لا أعرف مذهب التشيّع من قبل ، وذات يوم وجدت عنوان مركز إسلامي واقع في الدولة الإسلامية في إيران ، فراسلت المركز ، فأرسلوا إلي الكتب ذات الصلة بالتشيع وفهمت قليلاً من التشيّع وعن حياة أهل البيت (عليهم السلام) ، ومن أهم الأُمور التي تعرّفت عليها :
1 - آية التطهير التي نزلت في حقّ أهل البيت (عليهم السلام) .
2 - مظلوميّة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليه السلام) .
الدوافع لمعرفة الحقيقة :
كان " عبد الله ويدروغو " مسروراً بمطالعة الكتب التي قرأها لأنّها فتحت له آفاقاً جديدة دفعته إلى التغير في الصعيد الفكري والعقائدي .
ومن أهم الأُمور التي زلزلت أركان عقائده الموروثة مسألة مظلومية الزهراء (عليه السلام) ، ووصيتها بأنّ تدفن ليلاً !
سأل " عبد الله ويدروغو " العلماء عن مظلوميّة الزهراء (عليه السلام) فوجدهم يقرّون بما وقع ن ولكنّهم يحاولون الاجتناب عن الخوض في النزاعات التي وقعت بين الصحابة !
ولكن يقول " عبد الله ويدروغو " : فلم اقتنع بهذه الأجوبة ، لأنني كنت أعلم بضرورة وجود حقّ وباطل بين المتنازعين ، ولا يمكن الجمع بين النقيضين .
مظلومية الزهراء (عليه السلام) :
من أهم الاُمور التي بيّنها التاريخ هي ظلم أبي بكر للصديقة الطاهرة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليه السلام) ، والعجب أن تحدث هذه المظلومية بعد وفاة الرسول بأيام ! ! وهذا ما ينبئ عن الحسد والحقد الذي كان يضمره بعض الصحابة لآل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد صرّحت الصديقة الزهراء بذلك ، عندما خاطبتهم :
" فلمّا اختار الله لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) دار أنبيائه ، ومحل أصفيائه ، ظهرت حسيكة (1)النفاق ، وأنسمل (2)جلباب (3)الدين ، وأخلق (4)عهده ، وانتقض عقده ، ونطق كاظم ، ونبغ (5)خامل (6)، وهدر فنيق الباطل ، يخطر في عرصاتكم واطلع الشيطان رأسه من معرسه ، صارخاً بكم ، فألفاكم لدعوته مصيخين . . . "
تاريخ فدك (7):
أخرج الطبري ، عن ابن إسحاق " . . . وحاصر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل خيبر في
حصنهم ، الوطيح والسلالم ، حتّى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم ويحقن لهم دمائهم ، ففعل ، وكان رسول الله قد حاز الأموال كلّها ، الشق ونطاة والكنيبة ، وجميع حصونهم إلاّ ما كان من ذنيك الحصنين ، فلمّا سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسألونه أن يسيّرهم ويحقن دمائهم لهم ، ويخلوا له الأموال ، ففعل ، وكان ممن مشى فلمّا نزل أهل خيبر على ذلك ، سألوا رسول الله أن يعاملهم بالأموال على النصف ، وقالوا ا نحن أعلم بها منكم ، وأعمر لها ، فصالحهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم ، وصالحه أهل فدك على مثل ذلك ، ، فكانت خيبر فيئاً للمسلمين ، وكانت فدك خالصة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنّهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب . . . " (1).
وقد ورد في مصادر الفريقين ، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى فدك لبضعته الطاهرة فاطمة الزهراء (عليه السلام) في حياته .
فقد ذكر السيوطي في الدر المنثور ، في تفسير الآية الكريمة : * ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) * (2)، أنّه روى ابن عبّاس وأبو سعيد الخدري وغيرهما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّهم قالوا : لمّا نزلت هذه الآية ، دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة (عليه السلام) فأعطاها فدك (3).
وما جاء في كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف قال : " بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلته السماء ، فشحت عليها نفوس القوم وسخت عنها نفوس آخرين ، ونعم الحكم الله . . . "
في القضية المعروفة عن موقف عمر بن عبد العزيز والمأمون في ردّ فدك إلى ولد الزهراء (عليه السلام) ذكر الجوهري : وروي أنّه ردّها بغلاّتها منذ ولي ، فقيل له نقمت
على أبي بكر وعمر فعلها ، فطعنت عليها ونسبتهما إلى الظلم والغصب ، وقد اجتمع عنده في ذلك قريش ومشايخ أهل الشام من علماء السوء .
فقال عمر بن عبد العزيز : قد صح عندي وعندكم أنّ فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ادعت فدك وكانت في يدها ، وما كانت لتكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع شهادت علي وأم أيمن وأم سلمة ، وفاطمة عندي صادقة فيما تدعي ، وان لم تقم البيّنة ، وهي سيدة نساء أهل الجنّة ن فأنا اليوم أردها على ورثتها أتقرب بذلك إلى رسول الله ، وأرجو أن تكون فاطمة والحسن والحسين يشفعون لي في يوم القيامة لو كنت بدل أبي بكر ، وأدعت فاطمة كنت أصدّقها على دعوائها ، فسلّمها إلى محمّد ابن علي الباقر (عليه السلام) . . . " (1).
غصب أبي بكر لفدك :
يبيّن التاريخ أن فدك كانت نحلة لبضعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فاطمة الزهراء (عليه السلام) وأنّ القوم كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) وشحت نفوس القوم " وغصبوها .
عندما غصب أبو بكر الخلافة ، أخرج وكلاء الزهراء (عليه السلام) من فدك ، فهناك شواهد تدلّ على أن أبا بكر ظلم الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليه السلام) منها :
1 - أنّ فدك كانت في يد الزهراء (عليه السلام) ، فعلى هذا تكون صاحبة اليد ، وصاحب اليد لا يطالب بالبيّنة ، وعند ما طلب أبو بكر الشهود ، جاء أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أبي بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والأنصار ، فقال : يا أبا بكر لم منعت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حقّها وميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد ملكته في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
فقال أبو بكر : هذافيء للمسلمين ، فإن أقامت شهوداً أنّ رسول الله جعلها لها وإلاّ فلا حقّ لها فيه ! !
1) - السقيفة وقدك للجواهري : 146 .
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : يا أبا بكر ، أتحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى من المسلمين ؟
قال : لا .
قال : فإنّ كان يد في المسلمين شيء يملكونه ، ثمّ ادعيت أنا فيه ، من تسأل البينة ؟
قال : إياك كنت أسأل البيّنة .
قال : فما بال فاطمة سألتها البيّنة على ما في يدها ؟ وقد ملكته في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبعده ولم نسأل المسلمين بيّنة على ما ادعوه شهوداً ، كما سألتني على ما ادعيت عليهم ؟
فسكت أبو بكر .
فقال عمر : يا علي دعنا من كلامك فإنّا لا نقوى على حجّتك . . . " (1).
فقلت في نفسي ، يا عجباً من خليفة المسلمين فتارة يريد البيّنة من المدعي ، وتارة يريدها من صاحب اليد ! !
2 - لقد نزلت الآية الكريمة بإذهاب الرجس عن الزهراء (عليه السلام) وطهارتها من الدنس وإقامة البراهين على أنّها صدّيقة ، ومن له تلك الخصال لا يحتاج إلى بيّنة .
فقد ذكر القرطبي في الاستيعاب في معرفة الأصحاب في فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : وحدثنا محمّد بن حميد ، حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق ، عن يحيى بن عبادة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : ما رأيت أحداً كان أصدق لهجةً من فاطمة ; الاّ أن يكون الذي ولدها (صلى الله عليه وآله وسلم) " (2).
هذا وقد ثبت في الصحاح أنّ أبا بكر أعطى من ادعى من الصحابة ما ادعوه من دون بيّنة فقد ذكر البخاري في كتاب الشهادات بالإسناد عن جابر بن عبد
الله ( رضي الله عنه ) ، قال : لمّا مات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء لأبي بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي ، قال أبو بكر : من كان له على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دين أو كانت له قبله عدة فليأتينا .
قال جابر : فقلت : وعدني رسول الله أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا فبسط يده ثلاث مرات قال جابر : فعد في يدي خمسمائة ثمّ خمسمائة ثمّ خمسمائة (1).
فلماذا إذا لم يطالب أبو بكر البيّنة من جابر ويطالبها من بضعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على رغم أنّها صادقة ؟ أو جابر أبرّ من فاطمة الزهراء (عليه السلام) ؟ ! أو أنّ الحقد على آل النبي أدّى به إلى هذا الصنيع ؟ !
وعلى فرض أنّ فاطمة (عليه السلام) تحتاج إلى بيّنة ، فلماذا لم يضمّ أبو بكر الشهادة الناقصة كما ادعاه إلى اليمين والشاهدة ليكمل النصاب ؟ ! كما فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أنّ رسول الله قبل شهادة الرجل الواحد ورجع لها في قضية ذو الشهادتين بمنزلة شهادة رجلين .
وهذا ينبي عن سوء سريرته ; لأنّه لم يكن همّه إلاّ أن يغصب فدك .
ومثل هذه الإفعال ليست بمستبعدة لمن عرف حسب ونسب أبي بكر ابن أبي قحافة ، وقد استغرب أبوه يوم بويع ابنه للخلافة وقال له : كيف ارتضاك الناس يا بني مع خمول بيتك ، وانحطاط منزلتك ، لا بقدم سابق في فخر ، ولا بعلم ، ولا بشجاعة ، ولا بكرم ولا بعبادة . . . " (2).
اُنظر إن كان أبوه يتعجب لاستخلافه بنعته بهذا الصفات فمن يكون ابن أبي قحافة " ! !
فعرفت حقيقة الأمر وإن الصحابة لا سيما أبو بكر قد ظلموا بضعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآذوهما وغصبوا حقها فيا ترى أي عقل سليم بل غير سليم يحكم أن مثل هذا الشخص يكون خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ ! !
فهذه أمور قبحها معلوم بالوجدان فمن ينكرها وينكر قبحها كمن لا وجدان له .
فتنور قلبي بنور الإيمان والحقيقة وأخرجني الله من الظلام والضلالة والتحقت بسفينة النجاة سفينة آل محمّد (عليهم السلام) حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق " (1)، والحمد لله ربّ العالمين .
1) - أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه 12 : 91 ، والحاكم في المستدرك 3 : 151 وصححه نقلاً عن الغدير .
الصورة
ولد سنة 1390 ه ( 1961 م ) في " بوبو جو لاسو " في جمهورية بوركينا فاسو الإفريقية ، وأكمل الدراسة الإعدادية في المعهد الديني الثانوي ، ودخل الجامعة في فرع الشريعة والدراسات الإسلامية ، وحصل على شهادة الليسانس فيها من جامعة قطر سنة 1990 م ، وتفرّغ بعد ذلك للدعوة الوهابية في بلاده ، وصار ممثّلاً لهيئاتها لمدّة خمس سنوات ، مثل : هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية ( السعودية ) ، وجمعية إحياء التراث الإسلامي ( الكويتية ) ، ولجنة مسلمي أفريقيا ( الكويتية ) .
سبب استبصاره :
يقول الأخ " تراروي " : " نشأت وترعرعت على أيدي الوهابيين ، وقطعت مراحل التعلّم في المدارس والمعاهد والجامعات الوهابية في دولة قطر في مدّة استغرقت عشر سنوات .
وطبيعة نشأتي هذه جعلت منّي وهابياً متشدّداً ومتعصّباً ، لا سيّما ضدّ الشيعة الذين لم أتعلّم عنهم - خلال هذه السنوات الطويلة - إلاّ شبهات متمثّلة في الزعم بوجود قرآن آخر غير القرآن الذي يعرفه المسلمون ، وكذلك الزعم بنبّوة الإمام علي (عليه السلام) ! ! ولعن أمين الوحي جبرائيل (عليه السلام) الذي خان الأمانة وخان الإمام
عليّ (عليه السلام) بتسليم الرسالة إلى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه توجد صور على الجدران الخارجية لمعظم البيوت في إيران ، بغرض الوقوف أمامها كلّ صباح للّعن ورمي القاذورات ! ! وكذلك الزعم بإباحة الزنا ( المتعة ) وإعارة الفروج و . . .
محصّلة هذه الشبهات حملتني إلى اتّخاذ موقف عدواني مفرط تجاه الشيعة الذين وفدوا على جامعة قطر من المنطقة الشرقية السعودية ، ووصلت بي العداوة إلى حدّ كنت رافضاً لردّ السلام عليهم ، ممتنعاً لدخول دورة المياه المشتركة بيننا
وخلال عملي التبليغي الداعي إلى الانحراف الوهابي ، تركّزت جهودي على ترويج المذهب بأساليب مختلفة ، فتمكّنت من إدخال فوج كبير من المسلمين ( الأبرياء ) في الوهابية ، وكان للمشاريع الخيرية - التي كنت منفّذاً لها ، ومشرفاً عليها - الدور الإيجابي في ذلك ، وكانت مكانتي الاجتماعية متميّزة ، وكنت متمتعاً بوضع اقتصادي ممتاز ، ممّا سهّل لي الإنفاق على الجمعيات الصغيرة للنهوض بمستواها ، ومن ثمّ إدراجها تحت الراية الوهابية .
على هذا المنوال كان وضعي قبل التشيّع ، وهكذا جرت معي الأُمور قبل سنة 1416 ه .
وذات يوم وبينما أنا على مائدة الغداء ، إذ دخل علي صديقي الأخ مسعود من دولة ساحل العاج المجاورة لبلدي ، حاملاً نسخة قديمة ذات حجم كبير من كتاب " المراجعات " (1)، وبعد تناولنا طعام الغداء ، استأذنت منه في تصفّح الكتاب ففتحته عشوائياً على المراجعة المعالجة لموضوع ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) انطلاقاً
1) - كتاب يحتوي على محاورات علميّة جرت بين العالم الشيعي السيّد عبد الحسين شرف الدين ، والعالم السنّي شيخ جامع الأزهر سليم البشري في موضوع الخلاف الرئيسي بين الفريقين وهو الإمامة .
من الآية الشريفة * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ . . . ) * (1).
استعرت منه الكتاب لمدّة ثلاثة أيام بعد أن أصبت بحالة شديدة من الرعب والاضطراب ، فقرأتها من الجلد إلى الجلد ، ووقفت على حقائق شجّعتني على المضيّ قدماً في البحث ، ثمّ حصلت لي استفسارات قادتني إلى الأخ نادر فواز ( أحد الأخوة اللبنانين المقيمين في مدينتي على رأس مصنع للأحذية ) فاسعفني بالكتب الأربعة ( ثمّ اهتديت ، لأكون مع الصادقين ، فاسألوا أهل الذكر ، الشيعة هم أهل السنة ) للدكتور التيجاني السماوي ) (2).
وما أن أتممت قراءة هذه الكتب حتّى تحولّت من وهابي أعمى إلى شيعي مستبصر متمسّك بالعروة الوثقى .
وما أن أعلنت تشيّعي ، حتّى اُتّهمت بالكفر وبإرادة الفتنة بين المسلمين ، وأنّه يجب طردي من المدينة ، وتمّ فصلي من المناصب الوهابية ( إمامة الجماعة - الممثلية - التدريس عضوية الجمعية - الوعظ والإرشاد . . . ) ، وهجرني الأصدقاء ، وتراجع وضعي الاقتصادي ، ولكن والحمد لله لم يؤثّر فيّ ذلك كثيراً ، حيث كنت قد هيّأت نفسي لمثل هذا المصير .
وبدأت - مع بعض الإخوة - حركة شيعية نشطة في مدينتي ( بوبو جو لاسو ) أدّت إلى انتشار مذهب أهل البيت (عليهم السلام) انتشاراً سريعاً في ربوع المدينة ومحيطها ، لما لمذهبهم (عليهم السلام) - وهو الإسلام في الواقع - من نصاعة الحقّ ، وقوّة المنطق والتعقّل ، ووجود الحلول المناسبة لمشاكل العصر بالاستناد إلى القرآن الكريم والسنّة الشريفة .
أهمّية الحوار بين علماء المسلمين :
يدعو القرآن الكريم الإنسانية جمعاء إلى التعارف والحوار ، قال تعالى : * ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا . . . ) * (1).
كما يدعو القرآن أيضاً للحوار بين الأديان والمذاهب ، قال تعالى : * ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ . . . ) * (2)- المائدة (5) : 19 .(3)، وقال سبحانه أيضاً : * ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَة مِّنَ الرُّسُلِ . . . ) * (3) .
إنّ الحوار والتفاهم بين الناس والحضارات والأديان المختلفة مندوب إليه شرعاً وعقلاً ، وعلى هذا الأمر أجمع عقلاء العالم ، وقامت سيرتهم ، وسار منهجهم ، فيكون من الأولى أن يقع الحوار ، ويتواصل التفاهم بين أبناء الدين الواحد الذين يعبدون ربّاً واحداً ، ويؤمنون بنبيّ واحد وكتاب واحد ، ويتوجّهون في الصلاة إلى قبلة واحدة .
إنّ الحوار بين المسلمين محبّذٌ بصورة عامة ، وهو ضروري بين علمائهم ونخبهم الثقافية بصورة خاصة ، وهو السبيل الأفضل - إن لم يكن الوحيد - للحلّ الجذري لمشاكل المسلمين وخلافاتهم ، وهو الذي يعيد للأُمّة عزّها ، ويهديها إلى الطريق الصحيح في البناء الحضاري المنشود ، القائم على العدل والإنصاف .
من هنا نجد أنّ المحاورات العلمية الهادئة ، والبعيدة عن مؤثّرات الأهواء ، وهيجانات التغالب الكاذبة يمكنها أن تقدّم دفعاً قوّياً لمسيرة الأمّة نحو الهداية والتقدّم والاتّحاد ، وهكذا كان الأمر في هذه المراجعات العلمية التي جرت في موضوع شائك قسّم الأُمّة لمدّة أربعة عشر قرناً ، سالت على أثره الدماء ، وقامت عليه الأحقاد ، قال الشهرستاني في الملل والنحل : " ما سُلّ سيف في الإسلام على
قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمان " (1).
إنّ هذه المراجعات العلمية التي جرت بعيداً عن الأضواء قد أدّت فيما بعد إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية ، وسيادة روح الوحدة بين أبنائها ممّا جرّ إلى إصدار شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت فتوىً يجيز بها التعبّد وفق المذهب الجعفري - وهو على رأس مؤسسة سنيّة لها تاريخ وكيان قديم - وهو بذلك يكون قد رفع ظلماً مارسته المؤسسات الدينية الرسمية ضدّ هذا المذهب على طول التاريخ .
إنّ الاعتراف بالآخر ، واحترام عقائده يعدُّ من أرقى وسائل التفاهم التي تقود الأُمّة إلى وراثة الأرض ، وتحكيم الدين الإلهي الذي يضمن سعادتها ، ويحققّ آمالها .
قال العلاّمة شرف الدين في مقدّمة كتابه : " كان مما اتّفقنا عليه أنّ الطائفتين - الشيعة والسنّة - مسلمون يدينون حقّاً بدين الإسلام الحنيف " .
ثمّ يضيف : " ونحن لو محّصنا التاريخ الإسلامي ، وتبينّا ما نشأ فيه من عقائد وآراء ونظريات ; لعرفنا أنّ السبب الموجب لهذا الاختلاف إنّما هو ثورة لعقيدة ، ودفاع عن نظرية أو تحزب لرأي . . .
وقد طبعت الأجيال المختلفة في الإمامة على حبّ هذه العصبية وألّفت هذه الحزبيّة ، بدون تدبّر وبدون رويّة ، ولو أنّ كلاً من الطائفتين نظرت في بيّنات الأخرى نظر المتفاهم لا نظر الساخط المخاصم ، لحصحص الحقّ وظهر الصبح لذي عينين " .
إذن هكذا يجب أن يكون الحوار بين المسلمين ، وعلى هذا المنوال تقوم حضارتهم ويسود دينهم ، قال تعالى : * ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) * (2).
الصورة
ولد عام 1390 ه ( 1971 م ) في دولة بوركينا فاسو ، واصل دراسته الأكاديمية في علم النفس والاجتماع والدراسات التاريخية والفلسفة الإسلامية ، ثمّ توجّه إلى الدراسة الدينية فدرس الفقه المالكي ، والتحق بأشهر الحوزات العلمية الموجودة في غرب أفريقيا حتّى حصل على إجازة تفسير الصاوي على تفسير الجلالين من قبل علماء أهل السنة ، ثمّ توجّه إلى الوعظ والإرشاد والتدريس وتفسير القرآن .
مسار دراستي الدينية :
يقول " عيسى " : حُبّاً مني للعلوم والمعارف الإسلامية سافرت إلى العاصمة " اكرا " في غانا لأواصل دراستي في مدارسها الدينية ، فالتحقت في البدء بمدرسة الوهابيين ، فدرست فيها مدّة سنة واحدة ، ثمّ خلال بحثي وتتبعي عن الحقيقة تعرفت على المنهج الصوفي التيجاني ، فتوجّهت نحوه لفترة ما ، ثمّ مواصلة لدراستي الدينية سمعت بمدرسة شيعية فالتحقت بها ، وكان أوّل تعرّفي على كلمة " الشيعة " كفرقة من الفرق الإسلامية هو عن طريق مطالعة كتاب مؤتمر علماء بغداد ، ولكنني كنت حائراً بين الأفكار والرؤى الإسلامية التي كنت أتلقّاها من هنا وهناك ، فقررت أن أبذل قصارى جهدي لأصل إلى الإسلام الذي دعا إليه رسولنا
الكريم ، فشمّرت عن ساعد الجد ، وكانت النتيجة أنّني وجدت مذهب أهل البيت (عليهم السلام) هو المذهب الوحيد السائر على الصراط المستقيم .
وكان لبعض الكتب من قبيل العقائد الإمامية للشيخ المظفّر ، وكتاب الباب الحادي عشر للعلامة الحلّي ، وكتب التيجاني السماوي أكبر دور في معرفتي للحقيقة .
نشاطه الديني بعد الاستبصار :
يضيف " عيسى ترنغدي " : أعلنت استبصاري واعتناقي لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) بعد البحث الجاد والتّتبع والدراسة المتواصلة عام 1991 م ، وذلك في غانا بالعاصمة اكرا حينما كنت أدرس في الحوزة العلمية التي بقيت فيها مدّة أربع سنوات .
ثمّ بذل " عيسى ترنغدي " جهده لتبليغ مذهب التشيّع ، فعاد إلى بلده ، وأسس جمعية أهل البيت (عليهم السلام) ومدرسة الإمام المهدي (عليه السلام) ، وتصدّى لمسؤولية خدمة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، ولم تمض فترة حتّى التحق بمدرسته مائة طالب وطالبة .
يقول " عيسى ترنغدي " : " كان هدفي من تأسيس مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام) هو أن يتخرّج منها مجموعة من الطلبة ليحملوا على عاتقهم مهمّة الدعوة إلى أهل البيت (عليهم السلام) ، وكان هدفي من تأسيس جمعية أهل البيت (عليهم السلام) هو الاهتمام بشؤون التبليغ ، وعقد مجالس المناظرات مع علماء الأديان والمذاهب الأخرى والتعريف بمذهب التشيّع وإحياء المناسبات المتعلّقة بالعترة الطاهرة ، من قبيل : مواليدهم ووفياتهم ، كما كان من الأهداف الرئيسية لهذه الجمعية الدعوة إلى كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة ، ورصّ الصفوف ، والتقريب بين المذاهب .
وإنّني جعلت حياتي ونفسي ونفيسي وقفاً لتبليغ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ونشر معارف الأئمّة في غرب أفريقيا ، وأسأل الله تعالى أن يجعل محياي محيا محمّد وآل محمّد ، ومماتي ممات محمّد وآل محمّد ، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت ، وإليه أنيب .
مرّت ترجمته في ( 1 : 295 ) من هذه الموسوعة ، ونشير إلى سائر ما حصلنا علية من معلومات لم تذكر من قبل .
أجرى " شريف أحمد " العديد من الحوارات مع أصدقائه قبل استبصاره ، وكانت حوارتهم في مسجد أنصار السنة وكان في إحدى تلك الحوارات حديثهم حول أهل البيت (عليهم السلام) .
يقول " شريف أحمد " وبينما كنّا نتحدّث حول الموضوع دخل شخصٌ وجلس بقربنا ، فلم نعتني به ، وواصلنا حديثنا ، وبعد فترة أحببت أن يشاركنا هذا القادم ، فاستمحت عذراً من أعضاء الجلسة وتشاورت معهم في هذا المجال فقبلوا ذلك فالتفت إلي ذلك الشخص ، وقلت له : هل ترغب أن تشاركنا في البحث ؟
فقال : نعم ، وبكل ترحاب .
فقلت له : ماذا تعرف عن منزلة أهل البيت (عليهم السلام) .
فقال : أعتقد أنّ أهل البيت (عليهم السلام) قد ظُلموا منذ ارتحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتحاقه بالرفيق الأعلى ، وأنّ حقّهم قد غُصب ، ولا يزال الناس لا يعرفونهم ولا يعلمون منزلتهم ، مع أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أكّد على اتباعهم والأخذ بنهجهم ، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " أني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي " .
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " إنّ مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق " .
فقاطعته قائلاً : وهل ما تقوله موجود في كتبنا .
فرد عليّ قائلاً : نعم راجع كتب الصحاح وغيرها ، وبيّن لي المصدر ، فإنّ هذه الأحاديث اتفق عليها قاطبة علماء المسلمين .
فاستغربت من كلامه ، وقلت في نفسي : لا بدّ لي من مراجعة المصادر التي ذكرها لمعرفة مدى صحة ما يقوله هذا الشخص .
نتائج غير متوقّعة :
يقول " شريف " : بعد مراجعتي للمصادر التي ذكرها ذلك الشخص وجدت أنّ ما قاله صحيح ، والذي زاد في دهشتي اعتراف علمائنا بصحة هذه الأحاديث ؟
فقد ذكر مسلم حديث الثقلين ونصّه :
قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكر ، ثمّ قال : " أما بعد أيّها الناس فإنما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم الثقلين : أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به " فحثّ على كتاب الله ورغب فيه ، ثمّ قال : " وأهل بيتي ، اُذكّركم الله في أهل بيتي ، اُذكّركم الله في أهل بيتي ، اُذكّركم الله في أهل بيتي " (1).
وذكر القندوزي في ينابيع المودّة ، قال رسول لله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تركها غرق " (2).
وبعد كشف الحقائق ل " شريف أحمد " عزم على ترك معتقداته السابقة
والأخذ بمنهج أهل البيت (عليهم السلام) ، فأعلن تشيّعه ، وأخذ على كاهله مهمّة التبليغ ، وأصبح من المدافعين عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، وقد أثار الوهابيّون المشاكل أمامه ، لكنه تمكّن من تخطي هذه العقبات والاستمرار في دفاعه عن العقيدة الحقّة .
الصورة
ولد عام 1388 ه ( 1969 م ) في مدينة متيس في فرنسا ، ونشأ في أسرة حنفية المذهب ، واصل دراسته حتّى حصل على شهادة الثانوية ، ثمّ هاجرت عائلته إلى البوسنة فدرس في المدارس الدينية في " سراييفو " بالبوسنة ، وتخّرج منها مبلّغاً وخطيباً .
لقاؤه بالشيعة :
يقول " موريس " : كنت مغرماً بالشرق ، وأحبّ السفر إليه ، ولم أكن أعرف الشيعة قبل مجيئي إلى دول الشرق ، وكان من جملة الدول التي زرتها إيران ، فالتقيت بها بالشيعة ، وتعرّفت على مذهبهم الذي كان جديداً عليّ فشغفت بالبحث عنه والتحقيق حوله .
بدأت بالبحث والسؤال ، وكنت أكتشف كلّ يوم شيئاً جديداً لم أسمع به من قبل ، وراجعت الكتب السنية والمصادر الأساسية فوجدت إمكان إثبات الكثير مما يذكره الشيعة من خلال الكتب والمصادر السنية .
ومن هذا المنطلق عرفت مظلومية أهل البيت (عليهم السلام) ، وكيف حاولت السلطات الجائرة إخفاء مناقبهم ، وجعل الحواجز بينها وبين المسلمين ، ولكنني بعد الاطلاع
على هذه المناقب قرّرت التحرّر من موروثاتي العقائدية ، والانتماء إلى مذهب يفرض نفسه عليّ بالدليل والبرهان ، ولهذا لم تمض فترة بعد البحث إلاّ وجدت نفسي من أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، فأعلنت استبصاري عام 1997 م في إيران ، ثمّ بقيت فيها لطلب المزيد من علوم ومعارف أهل البيت (عليهم السلام) .
الصعوبات التي واجهتها :
يقول " موريس " : قد يظنّ البعض أنّ عملية الاستبصار سهلة ويسيرة ويمكن اجتيازها ببساطة ، ولكن الأمر ليس كذلك .
وأمّا بالنسبة إلى تجربتي فإنّني كنت شيخاً ومدرّساً ومبلّغاً في المدرسة الدينية في " سراييفو " لمدّة ست سنوات ، وفي " البوسنة " لمدّة أربع سنوات ، وفي " ألمانيا " لمدّة سنتين ، ولم يكن من السهل عليّ تحطيم كلّ تلك المكانة التي إمتلكها ، والبقاء في أرض الغربة من أجل الدفاع عن العقيدة ، ولكنه تعالى يسّر لي هذا الأمر ووفقني إليه ومنحني القوّة لمواجهة كلّ العقبات التي اعترت طريقي حين وبعد الاستبصار .
لماذا ترك مدرسة الخلفاء :
وجد " موريس " بأنّ تقديسه للخلفاء قبل الاستبصار كان من منطلق الاتّباع الأعمى لموروثه العقائدي ، ولكن عندما اتّضحت له الأمور بعد البحث والتحقيق ، وعرف الحجم الحقيقي للخلفاء ، وجد من السهل الإعراض عنهم والالتحاق بركب أهل البيت (عليهم السلام) ولا سيّما اتّباع الإمام علي (عليه السلام) بدل اتّباع غيره .
ومن أهم الأمور الملفتة للنظر في خصوص معرفة مقام الإمام علي (عليه السلام) هي كيفية تعامل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معه (عليه السلام) ، والفضائل التي بيّنها (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من الله تعالى لمن يريد معرفة المصدر الذي يمكن الوثوق به بعد التحاق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق الأعلى .
حديث المنزلة :
يعدّ حديث المنزلة من أبرز الأحاديث المبيّنة لمكانة الإمام علي (عليه السلام) ، ولا يخفى أنّ هذا الحديث من الأحاديث المتّفق عليها بين الشيعة وأهل السنّة وقد ورد في الصحيحين .
وجاء في هذا الحديث أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال للإمام علي (عليه السلام) : " أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي " (1).
ولا يخفى أنّ من أبرز منازل هارون من موسى هي الخلافة ، حيث قال هارون لموسى * ( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) * (2).
ومنها : الوزارة ، حيث قال موسى في دعائه : * ( قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) * (3).
وقال تعالى : * ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً ) * (4).
والحديث الشريف الوارد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكشف بوضوح ثبوت كلّ هذه المنازل للإمام علي (عليه السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما كانت ثابتة لهارون .
ولا يخفى بأنّ وفاة هارون قبل موسى لا يضرّ في دلالة هذا الحديث ; لأنّ الحديث عام ولو كان هارون حيّاً بعد موسى لكان هو الخليفة من بعده .
كما ظنّ البعض بأنّ هذا الحديث ورد فقط في غزوة تبوك عندما خلف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام علي (عليه السلام) في المدينة فقال له هذا الحديث ، ودلالته هو الخلافة الموقّتة على المدينة فترة غياب الرسول عنها ، ولكن هذا الحديث غير مختص
بغزوة تبوك ، بل قاله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في موارد متعددة ، منها : قاله لأمّ سلمة (1)، ويوم سدّ أبواب دور الصحابة إلاّ باب دار الإمام علي (عليه السلام) (2)، ويوم المؤاخاة (3)، و . . .
ومن هنا نستنتج بأنّ هذا الحديث من الأحاديث الدالة بوضوح على أحقّية الإمام علي (عليه السلام) بالخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأحقّية اتّباعه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ومن أبرز الأدلة هذا الحديث على مقام سام للإمام علي (عليه السلام) أنّ معاوية بن أبي سفيان أمر سعد بن أبي الوقاص بسبّ الإمام علي (عليه السلام) وهذا الحديث من أبرز الأدلّة التي تدل على مقام الإمام عليّ (عليه السلام) السامي أن معاوية فامتنع سعد من ذلك .
فقال له معاوية : ما منعك أن تسب أبا تراب ؟
فقال : أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلن أسبّه ، لأن تكون لي واحدة منهن أحبّ إلي من حمر النعم ، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه ، فقال له علي : خلفتني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي (4). . .
الأدلة مقنعة :
عندما وجد " موريس " الأدلة المقنعة التي تفرض عليه اتّباع الإمام علي (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام) لم يتردد أبداً في الاستبصار ، ولم يتمهّل في هذا الأمر ليفسح للشيطان المجال لوسوسته وصرفه عن اتّخاذ قرار تغيير انتمائه المذهبي .
وفي عام 1416 ه ( 1997 م ) أعلن " موريس " استبصاره ، ثمّ التحق بالحوزة العلمية ليكتسب المزيد من علوم آل محمّد (عليهم السلام) ، وليوسّع آفاق معرفته الدينية ، وليكون بعد ذلك قادراً على دعوة الآخرين إلى الحق والحقيقة .
ولد أبوان في المملكة البولندية عام ( 1330 ه ) ، من أبوين مسيحيين ، وبعد مضي فترة من عمره دخل إحدى المدارس ، ثمّ سافر إلى روسيا لإكمال دراسته فيها ، وقد شاهد أنّ النظام التدريسي يعارض الدين ، فقرّر ترك المدرسة .
الهجرة الصعبة إلى إيران :
غادر " أبوان " البلاد الروسية قاصداً إيران للبحث عن عمل ، إلاّ أنّ سفره لم يكن بصورة قانونية ، فقبض عليه حرس الحدود وأودعوه السجن ، بقي في الحبس مدة (19) يوماً ، وتعرّف خلال هذه الفترة على سجينين مسلمين ، أحدهما شيعي إيراني والآخر سنّي تركي ، وقد كان يستمع لما يدور بينهما من أحاديث حول وضع الإسلام والمسلمين ، وكذلك حول نقاط الاختلاف بين الفريقين ، ممّا وفّر له فرصة - مجانية وسانحة - مكّنته من الاطلاع على بعض معتقدات الطرفين .
وقد كانت من أشد نقاط الاختلاف التي تناظر فيها هذين السجينين هي مسألة الخلافة ، يقول " أبوان " : رأيت المسلم السنّي يتحامل على المسلم الشيعي ، وينسبه إلى المروق من الدين ، فعجبّت من ذلك ، وقلت في نفسي : كيف ينسبه إلى ذلك ، وهما سيّان في العقيدة ؟ !
سألت الشيعي عن سبب ذلك ، فقال : إنّنا معاشر الإمامية نقول بخلافة رجل هو صهر نبيّنا ، وابن عمّه ، وهو الخليفة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل ، وهو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وهذا - السنّي - ينفي خلافته ، وهذا سبب تحامله عليّ ، ونسبته لي إلى المروق من الدين .
وقد دارت أحاديث أُخرى بينهما بهذا الخصوص ، وهكذا عرف " أبوان " منزلة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في قبال غيره من الصحابة ، لا سيما الذين غصبوا الخلافة منه .
التعرّف على شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام) :
أطلع " أبوان " على عظمة شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام) وعلو مقامه وسموّه وفضله ، وعرف وجود تيار في أوساط المسلمين يحاول جاهداً إخفاء هذه الفضائل ، وذلك لما أضمروا من حقد وحسد له .
فقد ورد في شواهد التنزيل في تفسير الآية الكريمة * ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ) * (1).
بإسناده عن العبّاس بن هشام عن أبيه قال : حدّثني أبي قال : نظر خزيمة بن ثابت إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، فقال له علي (عليه السلام) : أما ترى كيف أحسد على فضل الله بموضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما رزقنيه الله من العلم فيه [ كذا ] ؟
فقال خزيمة :
رأو نعمت الله ليست عليهم * عليك وفضلاً بارعاً لا تنازعهُ
من الدين والدنيا لك المنى * وقوف المنى أخلاقه وطبايعهُ
فعضوا من الغيظ الطويل أكفهم * عليك ومن لم يرضى فالله خادعه (2)
وعن أحمد بن حنبل في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) بإسناده عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال : شكوت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حسد الناس إياي فقال : أما ترضى أن تكون رابع أربعة ؟ أول من يدخل الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيمان وعن شمائلنا وذرارينا خلف أزواجنا وشيعتنا من ورائنا (1).
حتّى تحول هذا الحسد إلى ظاهرة علنية ، وبدأ المسلمون يسبّون الإمام علي (عليه السلام) على المنابر تبعاً للسياسة التي اتخذها معاوية ، وإنجرفوا إلى المتاهة التي صار ضحيتها أهل الشام وغيرهم من المسلمين آنذاك ، بل حتّى وفي زماننا هذا ، وهذا لأنّهم إعتادوا على متابعة أقوال السلطة والحاكمة بدلاً من أتباع ما يملي عليهم الدين والنصوص الواضحة والواردة في مصادر السنّة المعتبرة .
ومنها ما ورد في صحيح مسلم بسنده إلى علي بن أبي طالب ، قال : " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأمّي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليّ ، أن لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق " (2)ولو تحرر المسلمون من أوهام قداسة كلّ الصحابة وما فعلوه لما طال بهم المطاف إلى ما هم عليه الآن .
مواقف معاوية في سب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) :
ذكر ابن أبي الحديد في كتابه شرح نهج البلاغة فصل : " فيما روي من سبّ معاوية وحزبه لعلي " قال : إنّ معاوية أمر الناس بالعراق وبالشام وغيرهما سب علي (عليه السلام) والبراءة منه ، وخطب بذلك على منابر الإسلام وصار ذلك سنّة . . . "
وذكر أبو عثمان أيضاً أنّ هشام بن عبد الملك لما حجّ خطب بالموسم فقام إليه إنسان ، فقال : يا أمير المؤمنين إن هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب . . . " .
وكذا روى أبو عثمان أيضاً أنّ قوماً من بني أمية قالوا لمعاوية : يا أمير المؤمنين أنّك قد بلغت ما أملت فلو كففت من لعن هذا الرجل ! فقال : لا والله حتّى يربو عليه الصغير ، ويهرم عليه الكبير ، ولا يذكر له ذاكر فضلاً (1).
لماذا فعل معاوية ذلك ؟
رأى " أبوان " أنّ لكلّ هذه الوقائع التاريخية جذوراً عريقةً نشأت فيها هذه الأباطيل ، وأنها لم تكن اُموراً وقعت في ليلة وضحاها . فسعى " أبوان " في معرفة الحقيقة المختزنة في الماضي فتبين له من خلال البحث الشاق الذي بذله إلى معرفة جذور الخلافات ، وأنّ القوم بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سعوا في دفن فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وذلك تلبية لمآربهم التي كانوا يسعون من ورائها ، مهملين كلّ القيم الإنسانية والدينية والأخلاقية .
أمير المؤمنين (عليه السلام) الهادي والحجّة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :
بعد تخطي هذه العقبات واجتيازها عثر " أبوان " على نصوص تدل على أتباع أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وأنّه الهادي بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّ عدم اتباعه يدفع الأُمة نحو الجاهلية الجهلاء .
فقد ذكر صاحب مستدرك الصحيحين بسنده عن عبّاد بن عبد الله الأسدي ، عن علي (عليه السلام) * ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد ) * (2).
قال علي (عليه السلام) : " رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المنذر وأنا الهادي " قال وهذا حديث صحيح الإسناد (3).
وذكر محبّ الدين الطبري في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أنس بن مالك
رضي الله عنه قال : كنت عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرأى أنّ علياً مقبلاً ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) " يا أنس " فقلت : لبيك ، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : " هذا المقبل حجّتي على أُمتي يوم القيامة " (1).
وأيضاً عن أنس بن مالك قال : كان عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طير ، فقال " اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير " فجاء علي بن أبي طالب فأكل معه (2).
مرحلة الهداية :
رأى " أبوان " ضرورة اتّباع أهل البيت (عليهم السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولزوم اجتياز العقبات التي جعلها المغرضون من السلطة وإخفائهم للحقائق ووجدهم كما قال عنهم أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته المعروفة بالشقشقية كأنّهم لم يسمعوا قول الله تعالى * ( تِلْكَ الدَّارُ الآْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأْرْضِ وَلاَ فَسَاداً ) * (3)، بلى والله لقد سمعوها ووعوها لكنّهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها . . . " (4).
فأطاحت الدنيا بهم من حيث لا يشعرون ، فأصبحوا ينكرون فضائل أهل البيت (عليهم السلام) ويخبئون حقائق لم تكن تقبل التستر وهل يمكن ستر الشمس عن تلألؤها .
فمنّ الله على قلب " أبوان " بالولاية وجعله ممن المتمسكين بها والناجين يوم القيامة .
الصورة
ولد في دولة " بيرو " الواقعة في أميركا الجنوبية ، حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة ، نشأ في أسرة مسيحية ، ثمّ تعرّف على الفلسفة الإسلامية ، فقارن بينها وبين الفلسفة الغربية حتّى دفعه هذا الأمر إلى الاهتمام بدراسة الدين الإسلامي ، ومن هنا تعرّف " جيساس " على حقائق أنارت له الدرب ودفعته إلى الاستبصار .
المقارنة بين الفلسفة الغربية والفلسفة الإسلامية :
توصّل " جيساس " خلال دراسته بأنّ الفلسفة الغربية اعتمدت على العقل البشري وحده لتخوض في مجالات خارجة عن نطاق قدرته ، وهذا ما دفعها للوصل إلى نتائج خاطئة ومتناقضة تؤدّي إلى الحيرة والاضطراب أكثر من حلّها للمشاكل الفكرية .
ولكن الفلسفة الإسلامية اعتمدت على العقول المتنوّرة بالشريعة السماوية ، واعتمدت في مقدّماتها على الحقائق الغيبية الواردة من المصادر الدينية المعتبرة ، وهذا ما جعلها غنيّة ومفيدة وأكثر تلبية للإحتياجات الفكرية البشرية .
نطاق قدرة العقل في معرفة الأمور الغيبية :
عرف " جيساس " بأنّ قدرة البشر محدودة ، وهذا العقل غير قادر على معرفة الغيب ، والسبيل الوحيد لمعرفة الغيب هم الأنبياء ، وأنّ الفلسفة لوحدها غير قادرة على تبيين رؤية كونية كاملة وشاملة .
ومن هنا توجّه " جيساس " إلى التعمّق في دراسة الديانة المسيحية ، وقام بموازاة ذلك بدراسة الدين الإسلامي .
ومن خلال هذه المقارنة توصّل " جيساس " إلى أحقيّة الدين الإسلامي وأكمليته وأفضليته ، فلهذا اتّخذ قراره النهائي ، وعزم على تغيير انتمائه الديني .
عقبات في طريق الاستبصار :
عندما اتّخذ " جيساس " قراره في اعتناق الدين الإسلامي ، وتمكّن من اجتياز العقبات النفسية والاجتماعية واجه مشكلة تعدّد المذاهب في داخل الدائرة الإسلامية .
ووجد " جيساس " أمامه العديد من الفرق الإسلامية بحيث تدّعي كلّ واحدة أنّها على الحق وغيرها على الباطل ، فتحيّر في بداية الأمر ، ولكنّه عرف بأنّ الإسلام في أصوله وأسسه أحق من الأديان الأخرى .
المرحلة الجديدة في البحث :
بدأ " جيساس " بعد اعتناقه للإسلام مرحلة جديدة من البحث في دائرة المذاهب الإسلامية ، فدرس عقائد مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وعقائد مذهب أهل السنّة ، فأجرى دراسة مقارنة في مجال التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة والمعاد .
وبعد فترة من بحثه توصّل إلى أحقّية مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، وأهم ما لفت نظرة مظلومية الشيعة والتشيّع على مرّ العصور .
ومن منطلق البحث عن مظلومية أهل البيت (عليهم السلام) ، وأتباعهم عرف
" جيساس " بأنّ الطريق الوحيد لمعرفة ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هم أهل البيت (عليهم السلام) .
وكتب أهل السنّة ومصادرهم المعتبرة مليئة بذكر فضائل أهل البيت (عليهم السلام) ، وفي هذا دلالة على أحقيّة منهج هؤلاء وصحّة اتّباعهم والالتحاق بركبهم .
توجّه " جيساس " بعد الاستبصار إلى تعميق دراسته الفلسفية ، فدرس الفلسفة الإسلامية بدقّة وتأمّل ، ثمّ بدأ ينشر فكر أهل البيت (عليهم السلام) بين أقربائه وأصدقائه وزملائه ، وبدأ بتبيين تجربته إلى الآخرين ليتمّ عليهم الحجّة ، ويقدّم لهم الحق كهدية لعلّهم ينتفعون منها .
الصورة
ولد عام 1398 ه ( 1978 م ) في تايلند بمدينة باتالوم ، ونشأ في عائلة حنفية المذهب .
يقول " أنصار لمبان " : درست القرآن الكريم في مسجد منطقتنا عند أحد الأساتذة ، وبعد ثلاث سنوات من تتلمذي تشيّع هذا الأستاذ وبدأ يدعونا للبحث عن الحقّ ويبين لنا أدلة أحقيّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
فاستغرب جميع الطلبة من تغيير الأستاد لانتمائه العقائدي ، وادعائه ما يلزم أنّه الوحيد على الحقّ وجميع من في منطقتنا على باطل !
وانصرف البعض عن الحضور في درس الأستاذ ، ولكنّني كنت ممّن واصل المشاركة في جلساته التعليمية ، لأنّني كنت واثقاً بعدالة الأستاذ ومستواه العلمي ، وكنت على يقين بأنّ الأستاذ لم يغيّر انتماءه المذهبي ولم يتحمّل المصاعب التي واجهته بعد الاستبصار لأغراض دنيويّة أو لمصالح شخصية ، وإنّما يسير من منطلق القناعة التي توصّل إليها بالأدلة والبراهين ومن منطلق ورعه وتقواه الذي يفرض عليه الالتزام العملي بالأدلة العلمية التي يتوصّل إليها .
لماذا ظُلمت الزهراء (عليه السلام) :
يقول " أنصار لمبان " : من الأُمور التي لفتت انتباهي خلال مطالعتي لتاريخنا الإسلامي هو أسلوب تعامل أبي بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطّاب مع سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها .
وطرأ هذا التساؤل في ذهني : لماذا " لما توفيّت ( فاطمة ) (عليه السلام) دفنها زوجها علي (عليه السلام) ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر أن يصلّي عليها " (1).
ومن منطلق هذا البحث توصّلت إلى حقائق غيّرت رؤيتي الدينيّة ، وعرفت بأنّني كنت فيما سبق اتّبع أهل السنّة من منطلق التقليد الأعمى فحسب ، وأنّ الأدلة تفرض عليّ أن أُعيد النظر في انتمائي المذهبي .
الهجوم على بيت الزهراء (عليه السلام) :
عندما توفى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اجتمع القوم في سقيفة بني ساعدة وجثمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يُغسّل ولم يدفن بعد ؟ !
فتشاجروا في أمر الخلافة ، ثمّ تمّت مبايعة أبي بكر فلتةً (2)، وخرج التكتل السياسي الغالب يزفّ خلافة أبي بكر ، ويهرّج لها ويدعوا الناس إليها ، " فسمع العبّاس وعلي التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " (3).
وبما إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بيّن في العديد من المواقف النصّ الإلهي على خلافة الإمام علي (عليه السلام) فلهذا لم يبايع أمير المؤمنين (عليه السلام) ومجموعة من الصحابة أبا بكر :
وذكر أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي في العقد الفريد أسماء الذين لم
يبايعوا أبا بكر ، " وقعدوا في بيت فاطمة حتّى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة ، وقال له : إن أبوا فاقتلهم !
فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار ، فلقيته فاطمة فقالت : يا بن الخطاب ، أجئت لتُحرق دارنا ؟ قال : نعم . . . " (1).
وذكر ابن قتيبة في كتابه الإمامة والسياسية :
إنّ أبا بكر تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليّ (عليه السلام) ، فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم وهم في دار علي ، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها .
فقيل له : يا أبا حفص ، إن فيها فاطمة ؟
فقال : وإن . . .
فوقفت فاطمة (عليه السلام) على بابها ، فقالت : " لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم ، تركتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جنازة بين أيدينا ، وقطعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا ، ولم تردوا لنا حقّاً " .
فأتى عمر أبا بكر ، فقال له : ألاّ تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة ؟
فقال أبو بكر لقنفد وهو مولى له : اذهب فادع لي علياً .
قال : فذهب إلى علي ، فقال له : " ما حاجتك " ؟
فقال : يدعوك خليفة رسول الله .
فقال علي : " لسريع ما كذبتم على رسول الله " .
فرجع فأبلغ الرسالة ، قال : فبكى أبو بكر طويلاً .
فقال عمر الثانية : لا تمهل هذا المتخلّف عنك بالبيعة .
فقال أبو بكر لقنفد : عد إليه ، فقل له : خليفة رسول الله يدعوك لتبايع .
فجاءه قنفد ، فأدى ما أمر به .
1) - العقد الفريد 5 : 13 ، الذين تخلفوا عن بيعة .
فرفع علي صوته فقال : " سبحان الله لقد ادعى ما ليس له .
فرجع قنفد ، فأبلغ الرسالة ، فبكى أبو بكر طويلاً ، ثمّ قام عمر ، فمشى معه جماعة ، حتّى أتوا باب فاطمة ، فدقوا الباب ، فلمّا سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة .
فلمّا سمع القوم صوتها وبكائها ، انصرفوا باكين ، وكادت قلوبهم تنصدع ، وأكبادهم تنفطر ، وبقي عمر ومعه قوم ، فأخرجوا علياً ، فمضوا به إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايع .
فقال : " إن أنا لم أفعل فمه " .
قالوا : إذاً والله الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك .
فقال : " إذاً تقتلون عبد الله وأخا رسوله " .
ثقال عمر : أمّا عبد الله فنعم ، وأمّا أخو رسوله فلا ، وأبو بكر ساكت لا يتكلّم ، فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ؟
فقال : لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه ، فلحق علي بقبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصيح ويبكي ، وينادي : " يا بن أم إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني " .
فقال عمر لأبي بكر : انطلق بنا إلى فاطمة ، فإنا قد أغضبناها ، فانطلقا جميعاً ، فاستأذنا على فاطمة ، فلم تأذن لهما ، فأتيا علياً فكلّماه ، فأدخلهما عليها ، فلمّا قعدا عندها ، حولت وجهها إلى الحائط ، فسّلما عليها ، فلم ترد عليهما السلام .
فتكّلم أبو بكر فقال : يا حبيبة رسول الله ! والله إنّ قرابة رسول الله أحبّ إلي من قرابتي ، وإنّك لأّحب إلي من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أنّي مت ، ولا أبقى بعده ، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله ، إلاّ أني سمعت أباك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : " لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة " .
فقالت : " أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تعرفانه وتفعلان به " ؟
قالا : نعم .
فقالت : " نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول : رضى فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني " ؟
قالا : نعم سمعناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قالت : " فإنّي أُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه " .
فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ، ثمّ انتحب أبو بكر يبكي ، حتّى كادت نفسه أن تزهق ، وهي تقول : " والله لأدعون الله عليك في كلّ صلاة أصليها " (1).
وذكر المسعودي ، صاحب كتاب تاريخ مروج الذهب في الحوادث التي أعقبت وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :
عندما لم يبايع أمير المؤمنين (عليه السلام) أبا بكر " فانصرف عنهم فأقام أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن معه من شيعته في منزله بما عهد إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فوجهوا إلى منزله فهجموا عليه ، وأحرقوا بابه ، واستخرجوه منه كرهاً وضغطوا سيّدة النساء بالباب حتّى أسقطت ( محسناً ) وأخذوه بالبيعة فأمتنع . . . " (2).
وقال القاضي النعماني المتوفي سنة 363 ه في أرجوزته المختارة :
فاقتحموا حجابها فأعولت * فضربوها بينهم فأسقطت
حتّى قال :
وقتلهم فاطمة الزهراءِ * أضرم حرّ النار في أحشائي (3)
واعترف أبو بكر بهجومه على دار فاطمة (عليه السلام) وقال عندما جاءته المنية :
" فأمّا الثلاث التي فعلتهن ووددت أنّي لم أكن فعلتها ، فوددت أنّي لم أكن اكشف عن بيت فاطمة . . . " (1).
نعم ، كشف أبو بكر عن بيت فاطمة وهو يعلم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها " (2).
ويروي البخاري : أنّ فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . . . هجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت (3).
يقول " أنصار لمبان " : عندما جمعت بين هذه الحقائق توصّلت إلى أحقيّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، فأعلنت استبصاري ، وبدأت بتوسيع نطاق معلوماتي الدينية فالتحقت بإحدى المدارس الشيعية الموجودة في بلدنا ، ودرست فيها لمدّة ثلاث سنوات ، ثمّ هاجرت إلى مدينة قم المقدسة في إيران لطلب العلم .
وها أنا الآن أشعر بالارتياح نتيجة اتباعي لعقائد توصلت إلى أحقيتها بنفسي نتيجة البحث والدراسة .
1) - السقيفة وفدك ، الجوهري : 42 ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 5 : 202 ، وذكره الطبراني في المعجم الكبير 1 : 62 ، وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال 3 : 109 .
2) - صحيح مسلم ، باب فضائل الصحابة ، باب فضائل فاطمة بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ح 6258 ، 94 ، 62 .
3) - صحيح البخاري 4 : 42 باب دعاء النبي ، واُنظر مسند أحمد : 1 : 6 ، مسند أبي بكر .
ولدت عام 1395 ه ( 1976 م ) في تايلند ، ونشأت في أُسرة بوذية ، ثمّ سافرت إلى اليابان بحثاً عن فرصة للعمل واستقرت هناك ، وعملت في مجالات مختلفة .
هواية البحث :
كانت تهوى " تانجنانك " قراءة الكتب والبحث حول الرؤية الكونية ، وهذا ما دفعها إلى قراءة مختلف الكتب منها الكتب الإسلامية .
وبمرور الزمان تحولّت هذه الهواية إلى هدف ; لأنّها تعتقد بوجود خالق حكيم ومدبّر لهذا العالم ، وهذا الحكيم لم يخلقنا عبثاً بل خلقنا لغاية ، وقد جاء 124000 نبي ادّعوا أنهم من الله وحذروا الناس من جهنم وبشّروهم بالجنّة .
وهذا ما يدفع الإنسان إلى التأمّل والانتباه إلى عظمة الخطر الذي يهدّده بعد الموت ، ومن هنا بدأت " تانجنانك " بحثها بصورة جادة .
اهتمام الإسلام بالأُمور العقائدية :
اهتم الإسلام بالعقائد ، واعتبر التوحيد الأصل الأوّل من أُصول الدين ، وهو الإيمان بالله وتفرّده بالوحدانية .
ومن هنا نبذ الإسلام الشرك ، وكشف بأنّ المستحق الوحيد للعبودية هو الله تعالى فحسب .
قال تعالى : * ( إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) * (1).
فالله تعالى هو المعبود الوحيد الذي يستحق العبادة ، ولا يجوز الاستنكاف عن عبادته وهو المعبود الوحيد الذي يستحقّ الخضوع والخنوع لتفرده بالعظمة الحقيقية .
ولهذا ردّ الله تعالى على من يعبدون غيره ، كمن يعبدون المسيح عيسى بن مريم أو عبدة الملائكة الذين كانوا يعبدون السيّد المسيح ويعبدون الملائكة ويستنكفون من عبادة الله بأنّه : * ( لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً ) * (2).
مستلزمات الإيمان بالله :
إنّ الإيمان بالله تعالى يستلزم الإيمان بالملائكة والإيمان برسل الله كلّهم وما جاؤوا من كتب سماوية والإيمان باليوم الآخر ، ولهذا قال تعالى : * ( قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) * (3).
الرسالات السماوية :
قارنت " تانجنانك بودي " بين الديانة البوذية وبين الديانات السماوية ،
فرأت بأنّ الديانة البوذية لا تعتمد على مستند علمي ومحكم يكشف رضى الله تعالى ، بخلاف الديانات السماوية المحرز ثبوتها ونزولها من قبل الله تعالى .
وهذا ما دفع " تانجنانك بودي " إلى دراسة الأديان السماوية ، ومن خلال هذه الدراسة كشفت " تانجنانك " بأنّ الديانة الإسلامية أكمل الديانات ، كما أنّه خلال سفرها إلى إيران تعرّفت على المذهب الشيعي ، فقامت بمقارنة هذا المذهب مع المذاهب الإسلامية الأخرى حتّى توصلت إلى أحقيّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) فأعلنت استبصارها عام 2002 م في إيران .
كان يسكن في بلاد ما وراء النهر ، وكان منتمياً لمذهب أهل السنة حتّى توفّرت له ظروف دفعته إلى الاستبصار واعتناق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، ثمّ هاجر إلى مدينة قم لرفع مستواه العلمي والمزيد من التعرّف على معارف أهل البيت (عليهم السلام) ، ودرس عند المولى محمّد ظاهر القمي ، ثمّ تمكّن من تأليف بعض الكتب الدينية من قبيل ، شرح توحيد المفضّل ، شرح حديث الغمامة في معجزة مولانا علي (عليه السلام) ، ثمّ توفيّ في أواخر دولة السلطان شاه عبّاس الثاني (1).
معرفة الله في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) :
من أهم الأمور التي لفتت انتباه فخر الدين في المذهب الشيعي هي مسألة التوحيد ، ولهذا كان أوّل كتاب ألّفه بعد الاستبصار هو شرح توحيد المفضّل .
ومن خصائص ومميزات التوحيد في المذهب الشيعي أنّه يوازن بين العقل والقلب في معرفة الله تعالى .
ولا يوجد في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) إفراط في مجال تعدّي العقل عن حدوده ودخوله في نطاقات خارجة عن نطاقات قدرته كما فعل بعض الفلاسفة ،
1) - اُنظر : رياض العلماء 4 : 331 .
ولا يوجد إفراط في مجال المعرفة القلبية بحيث يهمل جانب التعقّل كما فعل بعض المتصوّفة .
وكلام أهل البيت (عليهم السلام) في مجال التوحيد نور ، يضيء بصيرة الإنسان ، ويبيّن له سبيل معرفة الله تعالى .
وقد حذّرت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) كثيراً عن التفكير في ذات الله تعالى ، وقال الإمام الباقر (عليه السلام) : " تكلّموا في خلق الله ، ولا تتكلّموا في الله ، فإنّ الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلاّ تحيّراً " (1).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : " من نظر في الله كيف هو هلك " (2).
وقال الإمام الباقر (عليه السلام) : " إياكم والتفكرّ في الله ، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته فاُنظروا إلى عظيم خلفه " (3).
مراحل معرفة الله تعالى :
إنّ المرحلة الأولى التي يتمكّن من خلالها الإنسان التعرّف على الله تعالى هي العقل ، والمعرفة عن طريق المفاهيم الذهنية .
وبهذه الطريقة يحصل الإنسان على الأدلة والبراهين العقلية لإثبات وجود الله ووحدانيّته وصفاته .
والمرحلة الثانية لمعرفة الله تعالى هي المعرفة القلبية ، وتأتي هذه المرحلة بعد المرحلة الأولى التي يصل فيها الإنسان إلى القناعة بوجود الله تعالى ، ثمّ يثبت له وجود النبي من قبل الله تعالى ، فيدفعه هذا الأمر إلى التزام العمل ومجاهدة الأهواء للاستقامة في تطبيق الشريعة الإلهية ، ومن يسلك هذا السبيل فسيعينه الله تعالى ، ويرزقه المعرفة القلبية التي لها أبلغ الأثر في وجود الإنسان .
قال تعالى : * ( يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ) * (1).
أي : يجعل في قلوبكم نوراً تفرّقون به بين الحقّ والباطل ، ولهذا النور يهتدي الإنسان إلى معرفة الله القلبية .
1) - الأنفال (8) : 29 .
ولدت عام 1401 ه ( 1981 م ) في مدينة " كاكا " بجمهورية تركمنستان ، ونشأت في أُسرة حنفية المذهب ، التحقت بالجامعة في كلية إدارة البنوك ، وهي تجيد عدّة لغات منها : الروسية والتركمانية والفارسية .
بداية تعرّفها على التشيّع :
تعرّفت " ماريا " ذات يوم على شاب إيراني طلب منها الزواج ، ولما قامت " ماريا " بالبحث عنه عرفت أنّه ينتمي إلى عقيدة تختلف عن العقيدة التي ورثتها من آبائها ، ولكنّها لم تهتم بهذا الاختلاف لعدم اهتمامها بشؤونها الدينية فقبلت الزواج منه ، ولكن بعد الزواج أحبّت التعرّف على المذهب الذي ينتمي إليه زوجها .
قرأت " ماريا " بعض الكتب عن الإمام علي (عليه السلام) باللغة الروسية فتأثّرت بها ، كما أعادت قراءتها للقرآن الكريم ، فازداد وعيها الديني ، وهذا ما دفعها إلى ارتداء الحجاب بعد أن لم تكن تهتم به ، ثمّ جاءت إلى إيران مع زوجها ، وبمرور الزمان تبلورت عندها القناعة بأحقية مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، فأعلنت تشيّعها ، ثمّ واصلت مطالعتها للكتب الدينية ، ومتابعتها للبرامج المذهبية التي كانت تعرض عبر القنوات
الفضائية ، وهذا ما دفعها إلى اكتساب الآفاق الواسعة في عالم العلم والمعرفة الدينية .
إنبهارها بشخصية الإمام علي (عليه السلام) :
وجدت " ماريا " بأنّ الإمام علي (عليه السلام) شخصية عظيمة حارت فيها العقول ، وتاهت فيها الأحلام ، فبين غال مُفرط يعتقد فيه الربوبية ، وبين ناصب له العداوة - مُفرط أيضاً - يعتقد فيه الابتعاد عن الإيمان ، وبين قوم مفرطين ضيعوا قدره فساووه بغيره ممّن لا يلحق أن يرى غبار بطولاته ، أو يسمع رعيد صولاته .
وقليل هم شيعته الحقيقيون الذين سلكوا منهجه في دروب الحياة ، فأسهروا عيونهم بالبكاء ، وانحنت قاماتهم من القيام ، وخمصت بطونهم من الصيام ، فكانوا عمش العيون ، صفر الوجوه كما وصفهم الإمام علي (عليه السلام) .
أمّا محبّوه فكثيرون ، وهل يوجد إنسان سويّ لا يعشق البطولة المجسمة فيه ، ولا تهزّه مناقبه التي لا تعدّ ولا تحصى ، وهل يوجد مسلم لا تبهره كراماته ، من الولادة في الكعبة الشريفة إلى استشهاده في محراب العبادة .
ومن العجائب أن أحبّه ومجدّه ناس هم على الديانة المسيحية ، لكنّ هذا لم يمنعهم من إنشاد القصائد الغراء في ذكر فضائله أو تأليف الكتب في تمجيد خصائصه ، ومن هؤلاء عبد المسيح الأنطاكي ، وبولس سلامة ، وخليل فرحات ، وجبران خليل جبران ، وميخائيل نعيمة وشبلي شميل ، وجرجي زيدان ، وسليمان كتّاني ، وفيليب حتّى ، وأنطون بارا ونصري سلهب ، وجورج جرداق ، وسعيد عقل ، وجوزيف الهاشم ، وأمين الريحاني ، وغيرهم الذين كتبوا حول الإمام علي (عليه السلام) نتيجة تأثّرهم بشخصيته العظيمة . (1)
1) - لمعرفة ما كتبه هؤلاء ، اُنظر الإمام علي في الفكر المسيحي المعاصر لمؤلفه راجي أنور هيفا .
كان علي (عليه السلام) ولا يزال بطل الإسلام ، وولي المسلمين ، يُمتحنُ به الناس في كلّ عصر ، فمن تمسّك بولايته نجى ، ومن تمسّك بولاية غيره هوى ، من عرفه حسنت عاقبته ، ومن جهله ضيع آخرته وإن أفنى عمره في العبادة ، فعلي (عليه السلام) هو قسيم الجنّة والنار (1)، وهو ساقي حوض الكوثر ، وهو حامل اللواء (2)في عرصات القيامة .
وكيف لا يستبصر به من سلمت فطرته ، أنّى ولا يهتدي به من طابت سريرته .
صبرُه أخجل صبر أيوب النبي .
وشجاعته جدّلت الأبطال ، كعمرو بن عبد ود ، ومرحب اليهودي ، وغيرهم آلافاً مؤلفة .
وعلمه استقاه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة ، فهو باب مدينة علم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد علّمه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ألف باب من العلم ، ينفتح له من كل باب ألف باب (3).
وكان الإمام علي أخلص الناس قلباً وحناناً وعملاً لله وللرسول صلوات الله عليه وآله ، لم يتكلّم في حضرته وهو إمام البلاغة ، وربّ الفصاحة وتكلّم الآخرون ، وكان (عليه السلام) الوحيد الذي دفع الصدقة في مناجاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) (4)
وبخل الآخرون ، أقام الصلاة وآتى الزكاة حتّى زكّى بخاتمه في ركوع الصلاة وتقبل الله منه فذكر الله تعالى موقفه هذا في محكم كتابه ليتلى على مدى
1) - اُنظر : بصائر الدرجات : 434 ، الباب 18 : أنّه قسيم الجنّة والنار ، أمالي الشيخ الصدوق : 442 ، ح 590 ، كنز العمال 13 : 151 ، ح 36475 .
2) - اُنظر بحار الأنوار 39 : 211 ، باب أنّه (عليه السلام) : ساقي الحوض وحامل اللواء .
3) - الخصال : 643 ، ح 23 .
4) - مستدرك الوسائل 5 : 218 ، ح 6 ، باب 30 ، مناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) 1 : 187 .
العصور (1)، وزكّى الآخرون بخواتيم كثيرة طلباً لنزول القرآن فلم ينزل .
وبات الإمام علي (عليه السلام) على فراش الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) رغم هالة الموت المخيمة عليه باختيار الرسول نفسه له لهذه المهمة ولم يختر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) غيره ، وكان مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلّ مواطن الخطر يدفع عنه الكرب ، ويجلي عنه الشدائد .
ثمّ أختبر الله تعالى عباده بولاية هذا الشخص ، فعرف قدرها البعض فسعدوا بها ، وجهلها الكثيرون فمادت بهم السبل ، وتاهت عنهم الأحلام والعقول ، فساءت عاقبتهم رغم السابقة لبعضهم مثل الزبير الصحابي الذي طالما جلى سيفه الكرب عن الرسول بتعبير علي نفسه (2).
كلمة أوّد تقديمها لكلّ المسلمين :
تقول " ماريا " : كان الناس فيما سبق عندما يسمعون عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) لا يسعهم الوصول إلى المعرفة الصحيحة عن معتقدات هذا المذهب ، وكان لعلماء السوء القدرة على تشويه هذا المذهب نتيجة ضعف نشر المعلومات والقدرة على التعتيم ، ولكننا في يومنا هذا نعيش في رحاب فضاء واسع ، فسح المجال لكلّ إنسان أن يتعرّف عبر وسائل الإعلام الحديثة كالإنترنت والقنوات الفضائية والمذياع على عقائد ورؤى من يخالفه في العقيدة والفكر ، وهذا ما يتيح له مجال الاستماع إلى الأقوال واتّباع أحسنها بعد التأمّل وإمعان النظر فيها ، فعلينا انتهاز هذه الفرصة والتحرّر من التقليد الأعمى لموروثاتنا العقائدية .
الصورة
ولد عام 1373 ه ( 1954 م ) بمدينة مرو في جمهورية تركمنستان درس في معهد هندسة الكهرباء ، كما درس في جامعة الإمام الشافعي الإسلامية بمدينة بنج قلعة في داغستان لمدّة سنة واحدة ، وعمل نائباً لمفتي المسلمين في جمهورية استياي الشمالية في روسيا ، وكان عضواً في مجلس تنسيق الدوائر الدينية للمسلمين في روسيا .
ترجم بعض الكتب من اللغة الفارسية إلى اللغة الروسية وبالعكس ، دوّن بعض المقالات الإسلامية .
في مدينة قم المقدّسة :
حصل " يوري كابيسوف " على منحه للدراسة الدينية في إيران ، فسافر إلى مدينة قم ، وانتسب إلى حوزتها العريقة ، وفيها جرت له حوارات مفصّلة وعميقة مع الأساتذة والطلبة وخاصة الذين سبقوه في الاستبصار ، كما قرأ بعض الكتب العقائدية المبيّنة للمسائل الخلافية ، فعرف من خلال ذلك أحقية مذهب آل البيت (عليهم السلام) ووجوب اتّباعه والتمسّك به لدعوته إلى التمسّك بالقرآن والعترة ، كما أمر الرسول الأعظم في حديث الثقلين بحيث تكون المرجعية والإمامة لهم بعد
وفاة الرسول الكريم فأعلن استبصاره سنة 1998 م ، ثمّ قام بتبليغ العقائد الحقة بعد مراحل متعددة من البحث العميق ، فاهتدى على يديه الكثيرون من أبناء اُسرته وأصدقائه الذي أعلنوا ولاءهم للأئمة الأطهار .
إمامة أهل البيت (عليهم السلام) :
بلّغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رسالة ربّه بأكملها ، ولم يقصّر في أدائها ، وكانت مسألة الولاية من بعده من المسائل المهمّة التي لا يعقل أن يتركها عاقل فضلاً عن النبي المعصوم المرسل من قبل ربّ العالمين .
اختار الله سبحانه وتعالى الإمام علي بن أبي طالب وليّاً للمسلمين ، وكلّف الرسول العظيم بأداء هذه الرسالة إلى المسلمين ، وخشي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من إبلاغ هذا الأمر للناس من دون تمهيد مسبق لها ; لأنّه توقّع مخالفة العرب - وخاصة قريش - لهذا الأمر - وهو الخبير بهم إذ مارس معهم التبليغ المستمر لمدة 23 سنة متواصلة - فخاف أن يتّهمه الناس بمحاباة ابن عمه ، واحتمل أن يستغل الكفّار والمنافقون هذا الأمر فيرجفون بالناس ويهيجونهم ضدّ الرسول العظيم ، وفي هذه الظروف الصعبة جاء النداء الإلهي : * ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) * (1)، فما كان من الرسول الأكرم إلاّ أن يجمع المسلمين وهم عائدون من الحجّ - في غدير خمّ ويبلّغهم الأمر الإلهي بولاية علي بن أبي طالب فقال لهم : " من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه " (2)، فأعلن بصراحة وبشكل رسمي ولاية علي (عليه السلام) ، ثمّ قال : " اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه " (3)، وطلب الرسول بذلك نصرة المسلمين للإمام علي
وطاعته ، ثمّ قام المسلمون بمبايعة علي (عليه السلام) على ولايته ، وهنؤوه بالأمر .
لكن الذي تخوّف منه الرسول ظهر جزء منه في يوم الغدير نفسه ، إذ جاء أحد الصحابة وأتهم الرسول بتولية ابن عمّه من تلقاء نفسه ومن دون أن يأتي أمر إلهي بذلك فتدخلت اليد الإلهية على نحو الإعجاز ، وأمطرت هذا المتمرّد بالحجر من السماء فقتلته في مكانه (1)، فخمدت الفتنة التي أراد أن يثيرها هذا الصحابي .
وبعد وفاة الرسول - بحوالي سبعون يوماً - قرّر بعض الصحابة الاستيلاء على خلافة رسول الله ، ومنع علي (عليه السلام) من تصدّيه لولاية المسلمين ، وزعم هؤلاء أنّهم يخافون الفتنة ، فأجابتهم فاطمة الزهراء (عليه السلام) بنت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : " ألاّ في الفتنة سقطوا " (2).
وصدقت نبوءتها - وهي الصادقة المصدّقة - فكانت فتنة كبرى ، ضيّع المسلمون فيها ولاية آل البيت (عليهم السلام) ، واستبدلوها بولاية علماء السوء ، وهكذا بيع الدين بثمن بخس ، وساد الناس أراذلهم وتتابعت الفتن كقطع الليل المظلم ، واحتلب المسلمون عاقبة أعمالهم دماً عبيطاً لم تنقطع إلى يوم الناس هذا .
كانت إمامة آل البيت (عليهم السلام) نعمة عظيمة ورحمة مهداة وأمان من الفرقة ، لكنّ الناس لم يختاروا من اختاره الله فظلموا أنفسهم ، وضيّعوا حظّهم ، وتفرقوا شذر مذر فسحقاً للقوم الظالمين .
ولد عام 1288 ه في مدينة " زنكه زور " الواقعة بين تركيا وقفقاز ، كان منتمياً إلى مذهب الحنفية ، حتّى شرح الله صدره للإيمان ، فتعرف على أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وسموّ شأنهم ، وعلّو مقامهم ، وجلالة قدرهم فانتمى إلى مذهبهم (1).
إرواء التعطّش :
بدأ " بهجت أفندي " ، بتلقّي العلوم والمعارف الإسلامية من الينبوع الصافي بعد تعرّفه على أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، ثمّ ألّف كتاباً باللغة التركية تحت عنوان " تاريخ آل محمّد " ، وهو الكتاب الذي ترجمه فيما بعد السيّد ميرزا مهدي التبريزي إلى اللغة الفارسية ، وترجمه الشيخ ميرزا علي القمشئي إلى اللغة العربية .
سبب قلّة وجود أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) في مصادر أهل السنّة :
إنّ من أهم الأمور التي وجدها " بهجت أفندي " في أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) والتي لفتت انتباهه ، أنّهم يعتمدون في تلقّي ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) .
1) - كنجينة دانشمندان ( باللغة الفارسية ) 5 : 347 .
ولم يكن هذا الأمر بالنسبة إلى " بهجت أفندي " غريباً بعد معرفته لمقام أهل البيت (عليهم السلام) وعظمة شأنهم ، وتأكيد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على التمسّك بهم واتّباعهم والأخذ بهديهم ، ولكن ما أثار الاستغراب عنده إعراض أهل السنّة عن هذه الأحاديث .
ومن هنا بدأ " بهجت أفندي " بالبحث ، فكانت النتيجة أنّه عرف دور السياسة والأمراء والملوك الجائرين في هذا المجال .
وتبين له أنّ أُمراء الجور حرّفوا الكثير من حقائق الدين لمصالحهم الشخصية ، وأوّلوا الكثير من النصوص وفقاً لأهوائهم الفاسدة وسياستهم الظالمة وقد واجه الكثير ممن حاولوا إيصال أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) إلى الناس أنّماطاً مختلفة من القتل والتعذيب والتشريد والتهجير .
ويكفي للباحث مطالعة تاريخ العصر الأموي والعبّاسي لمعرفة ما فعل هؤلاء في حقّ أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم .
ولم يكن إعراض علماء أهل السنّة عن نقل أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) في مصادرهم إلاّ تمشية مع أهواء هذه السلطات .
دور بني أمية وبني العبّاس في محاربة أهل البيت (عليهم السلام) :
إنّ أبرز ما قام به معاوية بن أبي سفيان في محاربته لأهل البيت (عليهم السلام) أنّه أمر بسبّ الإمام علي (عليه السلام) على المنابر ، ناهيك عن مخالفته لأوامره والمبادرة إلى مقاتلته .
وكان سبّ الإمام علي من قبل معاوية من الخطوات المدروسة لإطفاء نور أهل البيت (عليهم السلام) وكتب معاوية إلى عمّاله : " اُنظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاؤه ورزقه واشتد الأمر بحيث كان بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه علي قتلوه ، ومن كان موالياً للإمام علي (عليه السلام)
نكلوا به وهدموا داره " (1).
وبلغ الأمر أنّ قوماً من بني أميّة اعترضوا على معاوية فعله هذا ، فقال معاوية : " لا والله حتّى يربو عليه الصغير ، ويهرم عليه الكبير ، ولا يذكر له ذاكر فضلاً " (2).
واستمر الاضطهاد لأهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم حتّى بلغ ذروته في واقعة الطف ، ثمّ استمر في فترات حكم بقية سلاطين بني أميّة ، والتاريخ يشهد على ذلك . أمّا بنو العبّاس فاتّبعوا منهجية بني أميّة في محاربة أهل البيت (عليهم السلام) ، وذلك لوجود الاشتراك بين بني أميّة وبني العبّاس في المصالح والمآرب السياسية .
ويكفي للباحث مراجعة التاريخ ليطلّع على ما قام به خلفاء بني العبّاس (3).
البحث عن الحقيقة :
واصل " بهجت أفندي " بحثه لاكتشاف أسباب هذا العداء ، وعندما اتّضحت له أسباب ذلك ، عرف بأنّ المذهب الذي كان منتمياً إليه مذهب حكومي نال اعتباره من السلطات الجائرة ، وتبلور وفق مصالحهم ومآربهم الشخصية .
ولكن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) مذهب حافظ على ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على رغم الاضطهاد الذي واجهه على مرّ العصور ، وهو المذهب الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه .
مواصلة النشاط العلمي :
إنّ المعلومات التي توصّل إليها " بهجت أفندي " واستفاد منها في تغيير انتمائه المذهبي كانت معلومات كثيرة ، ورأى " بهجت " أن ينشر هذه المعلومات بطرق مختلفة من قبيل بيانه للآخرين بصورة شفاهية أو كتبية .
وألّف " بهجت " بعد الاستبصار العديد من الكتب ، أهمها : كتاب " مائة يوم في واقعة صفين " ، وكتاب " الإرشاد الحمزوي " ، و " حجر بن عدي " ، و " الحقوق الإرثية " .
الصورة
ولد عام 1384 ه ( 1965 م ) في مدينة " دياربكر " بتركيا ، وتعرّف على الدين الإسلامي خلال نشاطه السياسي ، ثمّ استبصر عام 1405 ه ( 1985 م ) وهاجر في هذه السنة إلى مدينة قم المقدسة لتوسيع آفاق رؤيته الدينية .
موجز حياته العلمية :
يقول " قدري جليك " جئت عام 1405 ه ( 1985 م ) إلى مدينة قم ، وقد تعرّفت قبل ذلك على أفكار الإمام الخميني ( رحمهم الله ) والثورة الإسلامية في تركيا ، وبعد مجيئي إلى قم ، انتسبت إلى مدرسة الحجتية ، وعملت تزامناً مع الدارسة في منظمة الإعلام الإسلامي ومؤسسة " في طريق الحق " ومركز " البعثة " ، وكان عملي في هذه المراكز في المجال العلمي والثقافي ، كما عملت كمترجم ومقدّم برامج في الإذاعة ، وفي نفس الوقت توجهت إلى ترجمة الكتب .
وبعد أن أكملت دراسة " اللمعة الدمشقية " عدت إلى تركيا ، ولكننّي لم أترك الترجمة أبداً ، وارتبطت بالمراكز العلمية والثقافية المختلفة للعمل في مجال التحقيق والتأليف والترجمة .
ثمّ أسستُ بعد ذلك مركزاً للنشر تحت عنوان " انتشارات الحمد " ونشرتُ خمسة كتب منها " الأربعون حديثاً " للإمام الخميني ( رحمهم الله ) .
ومن جملة نشاطي ، أنّني جمعت أسئلة الناس واستفساراتهم حول الثورة الإسلامية الإيرانية ، وأجبت عليها ثمّ طبعتها في 800 صفحة .
أسّستُ بعد ذلك مركزاً آخراً للنشر باسم " النشر العالمي " استمر عمله إلى عام 1419 ه ( 1999 م ) ، وطبعت من خلاله ما يقارب 34 كتاباً ، ثمّ أصدرت مجلّة باسم " المرأة العالمية " استمرت إلى عشرين عدداً ، وكنت أنا صاحب امتياز هذه المجلة ، ثمّ عدت إلى إيران توجّهت إلى ترجمة القرآن الكريم ونهج البلاغة ، فترجمت نهج البلاغة بصورة كاملة .
أهمية ترجمة المتون الدينية :
يدرك الجميع الأهمية القصوى للترجمة في نقل التراث الفكري والثقافي بين الأُمم ، ومالها من أثر في ازدهار المعرفة الإنسانية والدينية عبر التاريخ .
والترجمة : جهد ذهني وفكري وعملية لغوية لنقل المفاهيم من لغة إلى أخرى تتطلّب إبداعاً ممّن يقوم بها ، فالمترجم لا بدّ له أوّلاً من استيعاب النصّ الذي يودُّ ترجمته بحيث يتعدّى الشكل والأُسلوب إلى المضامين والأفكار ، وهذا أمر يتطلّب مهارة لغوية وفكرية عالية .
كما ينبغي له نقل النصّ إلى لغة أُخرى تختلف في التركيب النحوي ومجال الدلالات والمعاني ، نقلاً يضمن فهم النص بكل دلالاته ومعانيه ، ويشمل أيضاً إطاره الديني والثقافي والتاريخي ، ويحتاج هذا العمل أيضاً إلى دقّة النظر في القواعد النحوية والبيانية إضافة إلى الإلمام بالعلوم والمعارف الدينية لتلك اللغة .
يقول " قدري جليك " : الترجمة بصفتها عملاً ثقافياً فهي ذات أهمية كبيرة ، فالمترجم وقبل ترجمته للنصّ يجب أن يفهمه بكلّ حذافيره ويحقّق في مفاهيمه ، ثمّ يقدم على الترجمة ، ومن ثمّ الترجمة إحدى الطرق المؤدية إلى التأليفات التحقيقية .
وفي سنة 1406 ه ( 1986 م ) عندما لم يكن الانترنت في متناول الأيدي ، عندما كنت أريد أن أفهم معنى كلمة ذات أهمية بالنسبة لي ، كنت أبحث عنها ساعات وساعات وكان هذا الأمر مُحَفَّزاً لارتقاء مستوى دقّة العمل .
الترجمة الدينية :
تعتبر ترجمة المفاهيم الدينية إحدى أنواع الترجمة ، وتُعدُّ هذه الترجمة من أصعب الترجمات ; لأنّها إضافة إلى معرفة اللغتين تتطلّب الإحاطة الإجمالية بالمعتقدات والعبادات والأخلاق والقيم الدينية ، ولا يتسنّى نقل هذه المعاني إلى اللغة الأُخرى إلاّ بعد الإلمام بقواعد وأُصول المعارف الدينية ، كعلم المنطق والفلسفة وعلم الاجتماع .
وتتضح صعوبة الترجمة الدينية أيضاً عند ترجمة النصوص المقدّسة - كالقرآن الكريم ونهج البلاغة - إلى اللغات الأُخرى ، فلا يستطيع المترجم نقل معانيها بدقة ; لصعوبة نقل بعض المعاني إلى اللغات الأُخرى ، حيث لا يفهم أهل اللغة المنقول إليها ما يفهم من النصّ العربي ، ولذلك يجب على المترجم عدم الاقتصار على الترجمة اللفظية والحرفية لمعاني هذه النصوص المقدّسة ، بل عليه القيام بترجمة معانيها ومضامينها .
يقول " قدري " أعتقد إمكان انتقال المفاهيم الدينية من لغة إلى أُخرى ، ولكن يجب معرفة منهجية هذا الانتقال ، فتارةً يتمّ الانتقال بالترجمة الحرفية - بأن يترجم النصّ كلمة كلمة - وبهذا النوع من الانتقال يتعسر إيصال المعاني والمفاهيم بدّقة .
وتارة تكون الترجمة مفهومية ، بأن يؤخذ النصّ ويُترجم مفهومياً ، وهذه الترجمة أفضل من غيرها وأحسن لإيصال المعاني إلى مخاطبي اللغة الأُخرى .
إنّ هذه الموانع والصعوبات أدّت إلى قلّة عدد المترجمين في هذا المجال ،
ولعلّ أحد عوامل انحسار الثقافية الإسلامية وعدم إطّلاع الشرق والغرب عليها بالشكل المطلوب ، هو دنوّ المستوى المطلوب في مجال الترجمة .
من ناحية أُخرى تصدّى قساوسة الكنيسة ورجال الدين المسيحي واليهودي في البداية ومن ثمّ المستشرقون - وعبر قراءتهم وتفسيرهم للمتون الدينية والإسلامية - لمهمّة نشر الثقافة الإسلامية عالمياً في قالب خاص يعكس رؤيتهم - والتي نعتقد أنها مشوّهة ومنقوصة في كثير من جوانبها - ومع الأسف ، أضحت تلك الرؤية بالمواصفات المذكورة ، الصورة التي يعرفها العالم عن الإسلام والمسلمين في زماننا هذا .
ولذا يجب على المسلم الواعي ، أن يعي أهمية ترجمة المتون الدينية إلى اللغات الأُخرى ، خصوصاً اللغات الحيّة التي تحظى بعدد كبير من المتكلّمين بها .
من هذا المنطلق ونظراً لاحتياجات المجتمع الإسلامي ، يعمل " قدري جليك " ومنذ سنوات في مجال الترجمة ، وقد ترجم لحد الآن 136 كتاباً من اللغة العربية والفارسية إلى اللغة التركية الإسطنبولية ، ومن الكتب التي قام بترجمتها القرآن الكريم ( قيد الترجمة ) ، نهج البلاغة ، ميزان الحكمة ، الأربعون حديثاً ، آداب الصلاة ، تفسير سورة الحمد ، شرح حديث جنود العقل والجهل ( الإمام الخميني ( رحمهم الله ) ) كلام الوحدة ( لعلي شريعتي ) ، نور الولاية ( لجعفر السبحاني ) و . . .
ومن مؤلّفاته باللغة التركية : أنا تومي الثورة الإسلاميّة ، الإسلام والعرفان ، رسالة الإلهيات ، الكلمات القصار ، الثقافة الفارسية .
مرّت ترجمته في 3 : 401 من هذه الموسوعة ، ونشير إلى معلومات جديدة حول نشاطاته العلمية .
ما بعد الاستبصار :
بعد أن عرف " محمّد كوزل " الحقائق المنيرة التي أخرجته من الظلام ، سعى في توسيع آفاق رؤيته ، ولكي يكون له الإلمام الكامل بهذه العقيدة ترك بلده متجها إلى إيران ليدرس فيها علوم أهل البيت ليكون ، قادراً على بناء عقائده على أسس رصينة لا يشوبها شائبة .
وبعد مجيئه إلى إيران التحق بإحدى الحوزات العلمية ، وبذل قصارى جهده في هذا المجال ، فشرع في تأليف الكتب ، منها كتاب " علي ميزان الحق " ، الذي أورد فيه العقائد الصحيحة وبيّن بطلان ما تدعيه بقية المذاهب .
كتاب " علي ميزان الحقّ " :
جاء في مقدّمة هذا الكتاب : " لا شكّ في أنّ معرفة الدين الإلهي متوقفة على معرفة الذين جاءوا به ، فالإنسان تابع في دينه لمن اقتبسه منه ; فإنّ أخذ دينه من المؤمنين ، فيكون تابعاً لهم ، وإن أخذه من المنافقين ومرضى القلوب فهو تابع لهم
وإن خُيّل له أنّه تابع لدين الله الأصيل .
ولذا يكون البحث في ميزان الحقّ بحثاً عن معرفة أهل الحقّ وعلامات حقيقتهم ، ومعرفة الباطل وإمارات بطلانهم وضلالتهم . . . " .
ثمّ بيّن المصنّف زيف وبطلان القول بعدالة جميع الصحابة وأيّد مذهب الحقّ الذي يدّعي عدالة بعض الصحابة الذين لم ينحرفوا عن الطريق عقيب ارتحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى .
ثمّ شرع المؤلّف ببيان مقام وفضل أمير المؤمنين (عليه السلام) ، حيث رأى أنّ بعض ذوي النفوس المريضة ، التي كان همّها إخفاء تلك الفضائل للنيل من رغباتهم ومطامعهم ، حتّى وصل الأمر إلى إثبات تلك الفضائل إلى غير مستحقيها .
فجعل المؤلّف هذه الفضائل الثابتة للإمام علي (عليه السلام) في خمسة عشر فصلاً :
الفصل الأوّل : في أنّ علياً (عليه السلام) ميزان لمعرفة المؤمن من المنافق .
الفصل الثاني : في أنّ علياً (عليه السلام) ميزان لمعرفة حبيب الله من بغيضه .
الفصل الثالث : في أنّ علياً (عليه السلام) ميزان لمعرفة الذين يؤذون الله ورسوله .
الفصل الرابع : في أنّ علياً (عليه السلام) ميزان لمعرفة سابّ الله ورسوله .
الفصل الخامس : في أنّ علياً (عليه السلام) ميزان لمعرفة المطيع لله تعالى من العاصي .
الفصل السادس : في أنّ علياً (عليه السلام) ميزان لمعرفة الملازم لدين الله من المفارق .
الفصل السابع : في أنّ علياً (عليه السلام) ميزان لمعرفة المسالم لدين الله من المحارب .
الفصل الثامن : في أنّ علياً (عليه السلام) ميزان لمعرفة وليّ الله من عدوه .
الفصل التاسع : في أنّ علياً (عليه السلام) ميزان لمعرفة حماة دين الله من البغاة والدعاة إلى النار .
الفصل العاشر : في أنّ علياً (عليه السلام) ميزان لمعرفة الحقّ من الباطل .
الفصل الحادي عشر : في أنّ علياً ميزان للهداية ومبيّن لحقية الوحي بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
الفصل الثاني عشر : في أنّ علياً (عليه السلام) ميزان للوصول إلى حقيقة الوحي . . علي باب علم الوحي .
الفصل الثالث عشر : في أنّ علياً (عليه السلام) هو صاحب الأذن الواعية لعلم الوحي .
الفصل الرابع عشر : في ذكر شيء آخر ممّا ورد حول علم علي (عليه السلام) .
الفصل الخامس عشر : في أن الأمر أعظم من جميع ما ذكر ، ومثل علي (عليه السلام) كمثل الكعبة .
بيّن المصنف أنّ هذه الفضائل كلّها ثابتة في الكتب المعتبرة عند أهل السنّة .
رأى " محمّد كوزل " أنّ الوظيفة الشرعية تحتّم عليه إبلاغ هذه الحقائق لأبناء مجتمعه ، فأصبح من المبلّغين لدين أهل البيت (عليهم السلام) بحيث استبصر على يده ما يزيد عن عشرين شخصاً من بلدة ديار بكر ، ولا يزال " محمّد كوزل " يبذل قصارى جهده في تعريف المذهب الحقّ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
ولد سنة 1399 ه ( 1979 م ) في مدينة بالوم بتركيا ، ونشأ في عائلة شافعية المذهب ، درس لمدة سنتين في مدرسة مولانا الدينية في مدينة الازغ بعد إكماله مرحلة الدراسة المتوسطة ، وكانت له نشاطات دينية في إقامة صلاة الجماعة وتعليم القرآن .
كما انتمى للحوزة العلمية بعد استبصاره .
كيفية معرفتي للتشيّع :
يقول " مراد " : التقيت في مدرسة مولانا الدينية السنية بعدد من المستبصرين الشيعة ، فحدّثوني عن آل البيت (عليهم السلام) ومظلوميتهم فدفعني ذلك إلى البحث عن كلّ ما يخصّ آل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم ، فأخذت اُتابع لفترة طويلة بعض القنوات الشيعية لعدم وجود الكتب الشيعية لدي في ذلك الوقت فتأثرت بها كثيراً مقارناً لها بما تبثه القنوات التلفزيونية في بلادنا - مع الأسف - من أفكار علمانية بعيدة عن الدين ، وبما تروج له من أنواع الفساد الذي لا حدّ له ولا حصر .
ويضيف " مراد " : دعاني أصدقائي للاستبصار ، والاهتداء إلى مذهب آل البيت (عليهم السلام) ، فأخذت أقلّدهم في صلاتي ووضوئي وبعض الأمور الأخرى بالتدريج حتّى أعلنت استبصاري سنة 1995 م .
وسافرت بعد ذلك إلى إيران للدراسة في الحوزة العلمية في قم ، حيث تعرّفتُ على المسائل الدينية المختلفة ، وخصوصاً التي اختلف فيها المسلمون من الشيعة والسنّة ، وعرفت أنّ الحقّ فيها مع آل البيت (عليهم السلام) واكتشفت قلّة إلمامي بحقيقة مذهب أهل السنّة .
من هم أهل السنّة :
أهل السنّة طائفة كبيرة من المسلمين ، اختلفت على مذاهب عديدة في العقيدة والفقه ، كفرّ بعضهم بعضاً أو ضلّله أو فسّقه ، ويجمعهم أنّهم خالفوا أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الصريح بتنصيب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ولياً للمسلمين يوم الغدير ، واعتقدوا بإمامة أبي بكر الذي تمّ تنصيبه في سقيفة بني ساعدة .
ثمّ اختلفوا بعد ذلك هل أنّ أبا بكر كان الفاضل أو المفضول ، أو أنّ المسلمين وفقوا لاختياره لوجود نصّ من الرسول كما قالت البكرية (1)، أو أنّ الاختيار كان صحيحاً للسبق والغلبة أو ما ادعوه من الشورى .
وقد صحّح بعضهم خلافة أبي بكر باختيار واحد من أهل الحّل والعقد وهو عمر (2)، وإن كان عمر نفسه قد صرّح بأنّ بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه (3).
فمذهب أهل السنّة قائمٌ إلى اليوم على اتقاء شرّ هذه الفلتة الباطلة واتباع سلاطينهم في قتل من خالفهم ، وخاصّة الشيعة الذين تمسّكوا بالسنّة النبوية في تنصيب علي وآل بيته أئمة للمسلمين .
وتطوّر مذهب أهل السنّة بعد ذلك - عملاً ثمّ عقيدةً - اتباع كلّ سلطان متغلّب غير منصوص عليه ، كائناً من كان ، قرشياً كان أومن غيرهم ، عربياً كان أو
أعجمياً ، فهم قد اتبعوا سلاطينهم في كلّ ما سنّوه لهم من بدع من تغيير في الصلاة والوضوء والأذان والحجّ والزكاة والنكاح وغيرها ، ثمّ أدّعوا أنّ هذه البدع هي سنّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولكنّها في الواقع سنّة أشياخهم ، وأهواء سلاطينهم .
فقد صرّح عمر أنّه يخالف السنّة النبوية في متعة النساء ومتعة الحج (1)، والقول بحي على خير العمل في الأذان وإضافة التثويب ( قول : الصلاة خير من النوم ) إليه (2)، كما قال عن صلاة التراويح التي ابتدعها نعمت البدعة هذه ، ومع ذلك نرى أنّ ( أهل السنّة ) يتّبعون هذه البدع إلى يومنا هذا ويرون أنّها بدع حسنة ، لأنّهم يتبعون الرجال الذين خالفوا علياً (عليه السلام) ولا يتبعون السنّة ويصحّحون ما وقع بتأويله وتبريره أنّهم عرفوا الحق فاتبعوه ، على خلاف ما يقوله الإمام علي (عليه السلام) : " أعرف الحقّ تعرف أهله " (3)، وعلى ذلك فهم يقولون بعدالة كلّ الصحابة وهم يتعدّون 140 ألفاً ، رغم تكفير الصحابة بعضُهم بعضاً ونشوب الحروب فيما بينهم .
وقد صححوا ذلك بحديث موضوع أو ضعيف أخذوه على إطلاقه وهو : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم (4)، رغم تصريح القرآن بوجود المنافقين فيهم ، وأنّه سيكون منهم المنقلبين على الأعقاب (5)، وتصريح الرسول بانحراف أكثرهم كما في أحاديث الحوض (6)، وقد سمّى منهم الناكثين والقاسطين والمارقين الذين حاربوا علياً (عليه السلام) .
فعلى هذا فمذهب أهل السنّة مذهب يجمع المتناقضات ، ويؤلّف الأهواء في
1) - مسند أحمد 3 : 324 ، كنز العمال 16 : 521 .
2) - موطأ مالك 1 : 72 ، واُنظر بحار الأنوار 30 : 358 و 31 : 43 ، كتاب الصلاة ، رقم 8 .
3) - أمالي المفيد : 5 ، أنساب الأشراف : 239 .
4) - اُنظر تحفة الأحوذي 10 : 155 .
5) - آل عمران (3) : 144 .
6) - مسند أحمد 3 : 28 و 281 ، 5 : 48 و 393 و 400 ، صحيح البخاري 4 : 110 ، صحيح مسلم 68 .
محاربة السنّة الصحيحة التي اتّبعها علي (عليه السلام) وأولاده المعصومين ، وهم في الواقع فرق كثيرة من أشاعرة ومعتزلة ومرجئة وقدرية وصفاتية ومعطلة ومشبهة ومجسمة وسلفية ووهابية ، وأهل الحديث ، وأهل الرأي ، وأهل التأويل وأهل الظاهر ، وحنفية ومالكية وشافعية وحنبلية ، وأوزاعية ، وسفيانية ، و . . و . . .
ولكن عندما تراجع كتب الفرق (1)التي ألّفوها تراهم يقسمون غيرهم إلى فرق عديدة ، ويرون أنّهم هم الفرقة الوحيدة الناجية ، وهم الفرقة المنصورة المؤيّدة .
إنّ هذه التناقضات لا يمكنها أن تنطلي على الناس ، وهي قد سببت مآسي كبيرة للمسلمين ، وجرّتهم إلى التخلّف والاندحار .
إن أهل السنّة اليوم لا خلاص لهم إلاّ بقبول مرجعية أهل البيت (عليهم السلام) ، ورفض كلّ هذا التراث المتراكم من البدع التي ربّاهم عليها سلاطينهم وخصوصاً الشجرة الملعونة من بني أميّة (2)الذين أظهروا الإسلام نفاقاً ثمّ استخدموه وسيلة لانتزاع السلطان والتأمر على الناس .
إنّ مرجعية أهل البيت (عليهم السلام) لها أدلّة واضحة في القرآن وما تبقى من السنّة النبوية لدى المسلمين ، كما أنّ أهل البيت المعصومين لا تهمهم سوى مصلحة الإسلام ، وليسوا هم طلاّب سلطان أو تأمر أو سمعة ، وهم المطهرّون الذين طهرهم الله من كلّ رجس ، وقد دللّوا على ذلك بسيرتهم العطرة وأخلاقهم العالية .
إنّ الإمام علي (عليه السلام) قد صبر على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان حفظاً للإسلام وصلاحاً للمسلمين ، لكنّه حارب الناكثين وأزال بدعتهم ، وحارب القاسطين من بني أُمية واتباعهم أشّد القتال وصرح بنفاقهم بل كفرهم ، كما حارب المارقين وفقأ عين فتنتهم ، لكنّه كان يرى أنّ فتنة بني أُميّة شرّ منهم وأخطر على الإسلام
والمسلمين (1).
إنّ أهل السنّة اليوم مدعوين لنفض الغبار الاُموي عن دينهم ، وهذا الأمر يحتاج إلى جهاد علمي عظيم ، وولاية خالصة لأهل الولاية المعصومين لا غيرهم .
1) - في قوله (عليه السلام) : لا تقتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه ( بنو أمية ) ، نهج البلاغة 1 : 108 .
ولد في تنزانيا ب " بكغوما اجيج " ، نشأ في أسرة سنيّة المذهب ، ثمّ أعلن استبصاره ، وقال في رسالة بعثها إلى بعض المراكز الإسلامية ، اعتنقت مذهب أهل البيت (عليهم السلام) لأنّني رأيت الحق معهم ، وذلك لتظافر الأدلّة على أحقيّتهم ، منها قوله تعالى في سورة الأحزاب * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * (1).
من هم المطهرّون ؟
ورد في تفاسير أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) أنّ آية التطهير نزلت في أهل البيت خاصة ، وأيضاً جاء في تفاسير أهل السنّة بأنّ هذه الآية نزلت في أهل البيت (عليهم السلام) ولكن البعض من أهل السنّة يشارك مع أهل البيت (عليهم السلام) نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ولكن إذا دقّق الباحث النظر في هذه الآية يجد أنّ الله تعالى خاطب نساء النبي (عليه السلام) بضمير التأنيث ، ولمّا أراد الله تعالى أن يُذهب الرجس عن أهل البيت (عليهم السلام) أتى بضمير التذكير ، فقال تعالى : * ( عنكم ) * و * ( يطهركم ) *
فلو كان المراد الإلهي في هذه الآية نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جميعاً لأنّث الضمير
1) - الأحزاب (33) : 33 .
ولقال تعالى : " انّما يريد الله ليذهب عنكن الرجس أهل البيت ويطهركن تطهيراً " .
وقد ورد في تفسير علي بن إبراهيم عن زيد بن علي (عليه السلام) أنّه قال : إنّ جهالاً من الناس يزعمون أنّه إنّما أراد الله بهذا أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد كذّبوا وأثموا ، وأيم الله لو عني بها أزواج النبي لقال : " عنكن الرجس ويطهركن تطهيرا " ولكن الكلام مؤنّثا ، كما قال * ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ ) * (1)، و * ( لا تبرجن ) * (2)و * ( لَسْتُنَّ كَأَحَد مِّنَ النِّسَاء ) * (3)(4).
كما أنّ من الأدلّة على عدم صحة قصد نساء النبي في آية التطهير ، أنّ الله تعالى هدّد نساء النبي قبل آية التطهير بقوله عزّ وجلّ : * ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لاَّزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآْخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيماً * يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَة مُّبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ) * (5).
كما هدّد الله تعالى نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله تعالى : * ( اِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَات مُّؤْمِنَات قَانِتَات تَائِبَات عَابِدَات سَائِحَات ثَيِّبَات وَأَبْكَاراً ) * (6).
وتكشف هذه الآية بأنّ نساء النبي اللاتي نزلت هذه الآية بحقهن لم يكنّ وقت نزول هذه الآية بمؤمنات ولا قانتات ولا تائبات ولا عابدات ولا سائحات و . . .
فكيف يريد الله أن يذهب عنهن الرجس ويطهرّن تطهيرا ! !
وعموماً كان لآية التطهير أثراً بالغاً في نفس " إدريس بن مسيب " ، ومن منطلق هذه الآية توجّه إدريس للبحث عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) حتّى توصّل إلى نتائج دفعته إلى تغيير انتمائه المذهبي .
الصورة
مرّت ترجمته في ( 1 : 95 ) من هذه الموسوعة ، ومن الأُمور الملفتة للنظر التي لم تذكر سابقاً ، أنّ " أسامة " تأثّر بكتب التيجاني السماوي ، وكان الموضوع الذي تمّ تسليط الضوء عليه في ترجمته السابقة هو موضوع : السجود على التربة الحسينية .
ويقول الدكتور التيجاني السماوي في هذا المجال : أجمع علماء الشيعة على القول بأفضلية السجود على الأرض لما يروونه عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قول جدّهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " السجود على الأرض أفضل " (1).
وفي رواية أُخرى : " لا يجوز السجود إلاّ على الأرض أو ما أنبتت الأرض غير مأكول ولا ملبوس " (2).
وقد روى صاحب وسائل الشيعة عن محمّد بن علي بن الحسين ، بإسناده عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : " السجود على الأرض أفضل ; لأنّه أبلغ في التواضع ، والخضوع لله عزّ وجلّ " (3).
وفي رواية أُخرى عن محمّد بن الحسن ، بإسناده عن إسحاق بن الفضل ، أنّه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن السجود على الحصر والبواري المنسوجة من القصب ، فقال : " لا بأس ، وأن يسجد على الأرض أحب إليّ ، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحب ذلك ، وأن يمكّن جبهته من الأرض ، فأنا أحبّ لك ما كان يحبّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " (1).
أمّا علماء أهل السنّة والجماعة ، فلا يرون بأساً في السجود على الزرابي والفرش ، وإن كان عندهم أفضلية في الحصر .
وهناك بعض الروايات التي يخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما تؤكّد أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت له خُمرة مصنوعة من سعف يسجد عليها ، فقد أخرج مسلم في صحيحه ، عن عائشة قالت : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " ناوليني الخُمرة من المسجد . . . " (2).
وهذا ممّا يدّلنا على أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحبّ السجود على الأرض .
وما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعتكف في العشر الأواسط من رمضان ، فاعتكف عاماً حتّى إذا كان ليلة إحدى وعشرين - وهي الليلة التي يخرج صبيحتها من اعتكافه - قال : " من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر ، وقد رأيت هذه الليلة ثمّ أنسيتها ، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها ، فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها بكل وتر ، فمطرت السماء في تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد ، فبصرت عيناي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على جبهته أثر الماء والطين من
صبح إحدى وعشرين (1).
ومن الأدلّة الأُخرى الدالّة على أنّ الصحابة أيضاً كانوا يفضلّون السجود على الأرض ، وذلك بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ما أخرجه النسائي في سننه قال : أخبرنا قتيبة ، قال : حدّثنا عبّاد ، عن محمّد بن عمرو ، عن سعيد بن الحرث ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كنّا نصلّي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر ، فآخذ قبضة من حصى في كفي أبرّدهُ ثمّ أحوّله في كفّي الآخر ، فإذا سجدت وضعته بجبهتي (2).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً : " جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا " (3).
وهذا ما يدعو إلى الاستغراب عندما نجد تعصّب بعض المسلمين ضدّ الشيعة ; لأنّهم يسجدون على الأرض بدلاً من السجود على الزرابي ؟ !
وكيف يصل بهم الأمر إلى تكفيرهم والتشنيع عليهم وقذفهم زوراً وبهتانا بأنّهم عبّاد الأصنام ؟
وكيف يواجهونهم بعنف في بعض البلدان الإسلامية لمجرّد وجود التربة في جيوبهم أو في حقائبهم ؟ ! (4)
فتأثّر " أُسامة حسين سالم " بكلام الدكتور التيجاني ، إضافة إلى ما بحثه واستفاد منه خلال قراءته للكتب الأُخرى ، وكانت النتيجة رجحان كفّة العقيدة الشيعية على غيرها .
واجتمعت العلل الناقصة فكوّنت العلّة التامة التي دفعت " أُسامة " في نهاية المطاف إلى الاستبصار واعتناق مذهب التشيّع .
ونشر " أُسامة " ما حصل عليه من معلومات عقائدية جديدة بصور مختلفة ،
منها تأليف الكتب ، وكتابة المقالات ، وإلقاء المحاضرات ، والحديث مع الذين يجد فيهم التأهل لاستماع ما يخالف عقيدتهم وعدم التعصّب إزاء ما يغايرها لمجرّد مخالفتها لموروثهم العقائدي .
ولد في تنزانيا في قرية " باميل كغوما " ، يقول في رسالة كتبها لتبيين أسباب استبصاره : اخترت بعد البحث والتتبع مذهب الشيعة الاثني عشرية ، وتركت مذهب معاوية لعنة الله عليه ، وأشكر الله تعالى حالياً حيث إنّه أيقظني من الغفلة التي كنت عليها ، وكان أوّل ما نبّهني إلى أحقيّة اتّباع عترة الرسول قوله تعالى : * ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) * (1).
فهذه الآية صريحة في أن نكون أوّلاً محبّين لآل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأن نتّبع خطاهم ثانياً ; لأنّ المحبّة هي السبيل لاتّباع المحبّ ، وأنا الآن من الشيعة الاثني عشرية المنتمين لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
رأي الشيعة في الصحابة :
أشاع بعض علماء أهل السنّة بأنّ الشيعة يعادون الصحابة أو يسبّونهم وما شابه ذلك ، وليس هذا القول إلاّ لتشويه سمعة الشيعة ، وخلق الاشمئزاز في نفوس الآخرين إزاءهم ، والحقيقة أنّ الشيعة لا تنظر إلى الصحابة بعين واحدة ، بل الصحابة عندهم ينقسمون إلى عدّة أقسام :
1) - الشورى (42) : 23 .
القسم الأوّل : الصحابة الذين مدحهم القرآن ، وهؤلاء :
أوّلاً : السابقون الأوّلون :
قال تعالى : * ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَان رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) * (1).
ثانياً : المهاجرين :
قال تعالى : * ( لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) * (2).
ثالثاً : أصحاب الفتح :
قال تعالى : * ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) * (3)
القسم الثاني : من الصحابة وهم المنافقون الذين جاء وصفهم في القرآن الكريم :
أوّلاً : المنافقون المعروفون :
قال تعالى : * ( اِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) * (4).
ثانياً : المنافقون المجهولون :
قال تعالى : * ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى
النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم ) * (1).
ثالثاً : أصحاب القلوب المريضة :
قال تعالى : * ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ) * (2).
رابعاً : المذنبون :
قال تعالى : * ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * (3).
ومن هنا فلا ينبغي إعطاء حكم واحد وتعميمه على جميع الصحابة ، ولهذا لا يصح الحكم بعدالة جميع هؤلاء ، بل ينبغي البحث عن تاريخ كلّ صحابي نريد أن نعتمد عليه في أخذ ما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لنرى هل يمكن الوثوق به والاعتماد عليه ؟
إذن الشيعة لا تكره الصحابة مطلقاً ، وإنّما هم لا يفرطون في عدالة جميعهم ، بل يؤمنون بعدالة من كان عادلاً ، ويفسق من كان فاسقاً ، وينافق من كان منافقاً منهم .
ومع هذا كلّه ، فأفضل طريق لمعرفة ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هم أهل البيت (عليهم السلام) ; لأنّهم الثقل الثاني بعد القرآن الكريم ، التمسّك بهما يعصم الإنسان من الضلال .
ولكن الصحابة فمنهم كما روى أبو حازم قال : سمعت سهلاً يقول سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : " أنا فرطكم على الحوض ، من ورد شرب ، ومن شرب لم يظمأ أبداً ، وليردن عليّ الحوض أقوام أعرفهم ويعرفونّي ، ثمّ يُحال بيني وبينهم .
قال أبو حازم : فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا أحدّثهم هذا الحديث ، فقال : هكذا سمعت سهلاً يقول ، قال : فقلت : نعم ، قال : وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيقول :
" إنّهم منّي فيقال : إنّك لا تدري ما عملوا بعدك ، فأقول : سُحقاً سُحقاً لمن بدّل بعدي " (1).
وورد هذا الحديث في صحيح البخاري ; قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض ، فأقول : يا ربّ أصحابي ! فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى " (2).
ولد في تنزانيا حاصل على الشهادة الثانوية ، تعرّف على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) من خلال محاضرات سمعها من أحد الأخوة المبلّغين الوافدين إلى قرية " كيداهو كجوما " في تنزانيا ، فاستنار قلبه لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، ثمّ توجّه إلى البحث والتنقيب عن الأدلّة والبراهين حتّى وصل إلى درجة اليقين بأحقيّة هذا المذهب .
مقام الإمامة :
كان يظنّ " أيوب راشد " أنّ الإمامة عبارة عن الخلافة السياسية فحسب ، وأنّها مسألة تاريخية فات أوانها ، ولا يترتب عليها آثار عملية فيما لو اختلف المسلمون حول أحقيّة من جاء بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ولكن بعد أن قام " أيوب " بتوسيع نطاق معلوماته العقائدية عرف بأنّ الإمامة أعظم شأناً وأعلى مقاماً من أن يدركها الناس بعقولهم ، والإمامة هي المقام الذي نالها النبي إبراهيم بعد تصدّيه لمقام النبوّة .
قال تعالى : * ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاً يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) * (1).
1) - البقرة (2) : 124 .
ومعنى ذلك أنّ إبراهيم (عليه السلام) كان نبيّاً وبعد مُضي سنوات مرّ بامتحانات عسيرة ، منها عزمه على ذبح ولده إسماعيل ، وبعد اجتيازه لهذه الاختبارات بنجاح اصطفاه الله تعالى لمقام الإمامة .
ثمّ طلب النبي إبراهيم (عليه السلام) هذا المقام لذرّيته فاستجاب الله دعاءه للصالحين من نسله وذرّيته دون الظالمين منهم .
والدليل على استجابة دعائه قوله تعالى : * ( فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيماً ) * (1)- بحار الأنوار 23 : 221 ، باب أنّ من اصطفاه الله من عباده وأورثه كتابه هم الأئمّة (عليهم السلام) ، ح 23 .(2).
وقال الإمام الباقر (عليه السلام) : " نحن الناس المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة دون خلق الله أجمعين " (4).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " ما بال أقوام إذا ذكروا آل إبراهيم وآل عمران استبشروا ، وإذا ذكروا آل محمّد اشمأزّت قلوبهم " ؟ ! (4) .
معرفة الحق والتعريف بالحق :
عندما فرضت الأدلّة والبراهين على " أيوب راشد " الإذعان بلزوم اتّباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، وثبت له بالدليل القاطع بأنّ أتباع أهل البيت (عليهم السلام) هم الفرقة الناجية ، أعلن استبصاره أمام الآخرين ، ثمّ تصدّى لمهمة التبليغ ، فسافر بهدف نشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام) إلى العديد من الدول ، منها : يوغندا ، رواندا ، بروندي ، زامبيا ، بوتسوانا ، آنغولا وزائير .
وتكفّل " أيوب " بعد ذلك العديد من المسؤوليات في قريته ، منها : رئاسة لجنة مسجد كيداهو ، ومديرية المدارس الإسلامية .
ولد في تنزانيا ، وهو حالياً مقيم في قرية " أمكيرا - كيغوما " ، استبصر على أثر تعرّفه الكامل بشخصية الإمام علي (عليه السلام) وفضائله وسيرته .
قال " جمعة " في رسالة بعثها إلى الحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة : " الحمد لله الذي هدانا بنعمة الإسلام ، وأصلّي وأسلّم على من بعث لنا رحمة وشافع يوم الندامة ، صلّى الله وسلامه عليه وعلى آله أولي الأمر الذين عصمهم الله وطهّرهم ليكونوا خير قيادة ومراجع للأمة ورضوان الله عليهم أجمعين ومن تبع منهجهم القويم .
قال الله تعالى : * ( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) * (1).
وقال تعالى أيضاً : * ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات ) * (2).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " أنا مدينة العلم وعلي بابها " (3).
وقال الرسول أيضاً لعلي : " هذا علي أخي في الدنيا والآخرة ، وخليفتي في
أهلي ووصيّي في أمتي ، ووارث علمي . . . " (1).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : " من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه " (2).
هذه الأدلّة هي التي ألزمتني اتّباع أهل البيت (عليهم السلام) والاقتداء بهم بعد أن بحثت أقوال مذهب أهل السنّة ومذهب الشيعة .
والحمد لله الذي أراني الحقّ ورزقني اتباعه ، وجعلني ممن عرف أهل البيت (عليهم السلام) ، وأكون في ركابهم وفي خدمتهم .
حديث مدينة العلم :
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد المدينة فليأت الباب " (3).
إنّ هذا الحديث الشريف من الأحاديث الثابتة عند أرباب الحديث قاطبة ، وقد ورد في كتب السنّة والشيعة ، وتواتر نقله عن الصحابة والتابعين .
وقد بيّن الإمام علي (عليه السلام) في العديد من المواقف مدى سعة علمه ، فقال : " أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني ، فلأنا بطرق السماء أعلم منّي بطرق الأرض " (4).
ويدلّ حديث مدينة العلم بوضوح على لزوم اتّباع الإمام علي (عليه السلام) في معرفة ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والجدير بالذكر أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يمنح هذه المهمّة لأحد من الصحابة ، وإنّما أعطاها للإمام علي (عليه السلام) خاصة ، وهذا ما يدل على المنزلة العلمية العظيمة التي كان يمتلكها الإمام علي (عليه السلام) دون غيره .
وبعد هذا هل يصح لأحد أن يطلب العلم من غير الإمام علي (عليه السلام) ؟ ! ومن
دون شك فإنّ الذي يرجع للإمام علي (عليه السلام) لمعرفة علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه سيكون من أتباعه وشيعته ، وهذا ما عليه أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
ومن هنا وجد " جمعة " لزوم اتّباعه للإمام علي (عليه السلام) والالتحاق بشيعته ، فأعلن استبصاره ، وجنّد كلّ طاقاته لطلب علوم أهل البيت (عليهم السلام) ، ونشرها بين من يسعه إيصال صوت الحق إلى أسماعهم .
ولد في قرية " باميلا " قرب مدينة " كغوما " في جمهورية تنزانيا الإفريقية ، وهو شيخ القرية ، وإمام الجمعة والجماعة فيها ، كان على مذهب العامة ، ثمّ عرف الحقّ ، فاهتدى إلى مذهب آل البيت (عليهم السلام) ، فكان ذلك سبباً لإستبصار حوالي 3000 نسمة من أبناء قريته التي يبلغ سكانها حوالي 5000 نسمة ، وهو إلى الآن يواصل نشاطه التبليغي في تعليم القرآن ، وتبيين الأحكام ، وترسيخ العقائد الشيعية الصحيحة .
النصوص قادتني إلى مذهب آل البيت (عليهم السلام) :
يقول الأخ " جمعة " : اخترت مذهب آل البيت الطاهرين عن بصيرة ، وتمسّكت بحبلهم خضوعاً لأوامر النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) في التمسّك بهم ، حيث صرّح في أكثر من حديث وأعلن في أكثر من موقف ، أنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم قادة الدين ، وأئمة المسلمين ، وأنّ من والاهم نجا ، ومن عاداهم هلك .
لقد أدّى الرسول الكريم دوره التبليغي على أفضل وجه ، فنبّه المسلمين إلى دور أهل البيت العظيم في مصير هذه الأمة ، فهم الصراط المستقيم ، وسفينة النجاة ، وولاة المسلمين الذين اختارهم الله وطهرّهم .
كما أنّ القرآن الكريم قد صرّح بطهارتهم من الرجس في آية التطهير ،
وأعلى ولايتهم في آية الولاية وغيرها .
آية الولاية مفتاح الهداية :
قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز : * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) * (1)- أسباب نزول الآيات : 133 .(2).
وأجمعت الروايات على أنّ الآية قد نزلت في حقّ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) عندما تصدّق بخاتمه وهو راكع في الصلاة ، وقد ذكر ذلك الكثيرون من الحفاظ ، منهم : ابن جرير الطبري (3)، وأبو بكر الجصّاص الرازي (4)، والحاكم النيسابوري (5)، وأبو الحسن الواحدي النيسابوري (5) ، وجار الله الزمخشري (6).
هذا وقد امتدح القرآن كثيراً إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، فذكر هاتين الفريضتين معاً في آيات عديدة ، قال تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) * (7).
( الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الاْرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ . . . ) * (8).
( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ . . . أُولَئِكَ
الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) * (1)- المجادلة (58) : 12 .(2).
إنّ الإمام علي (عليه السلام) قد ضرب المثل الأعلى في جميع جوانب الامتثال بأوامر الدين ، ففدى الرسول بنفسه ، وضحّى في سبيل الإسلام بماله ، فكان المصداق الوحيد في إعطاء الصدقة عند مناجاة الرسول ، قال تعالى : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً . . . ) * (2) .
وكان هو وأُسرته يتصدّقون على المسكين واليتيم والأسير بإفطارهم في أيام متوالية وهم في جوع شديد قربة إلى الله تعالى ، فأنزل الله سبحانه قرآناً يُتلى إناء الليل والنهار في الإشادة بهم ، قال تعالى : * ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ) * (3).
وهكذا اختار الله لمقام الولاية من المؤمنين أفضلهم ، واصطفى لإمامة المسلمين أخلصهم ، وهو الذي إذا أقام الصلاة كانت له مع الله حالات لا يعرفها غيره ، يتململ تململ السليم في محراب العبادة ، وهو الذي إذا آتى الزكاة آتى بها على أحسن وجه يريده الله سبحانه وتعالى حتّى جمع بين الفريضتين في آن واحد وفي مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فتقبلهما الله منه وأشاد بذلك في القرآن ، وجعله المثل الأعلى بين المؤمنين ليقتدوا به وليكون لهم ولياً وإماماً .
إنّ الله سبحانه وتعالى لا يختار من يختاره دون حساب ، ولا يصطفي من يصطفيه بدون ميزان ، فالله هو الحكيم وهو العليم فلا يصدر منه إلاّ الأمر الحكيم ، وعليه فمن حباه الله بالعصمة لم يحبه بها للقرابة من أحد ، بل رآه أهلاً فمنحه ما منحه ، فأهل البيت (عليهم السلام) أعطاهم الله الولاية على الناس ; لأنّهم الأفضل والأخلص
والأولى في قيادة الناس وفق المعايير الآلهية .
فإذا اختارهم الناس من حيث أنّ الله سبحانه هو الذي اختارهم نالوا فلاحهم ، وأصابوا حظّهم ، وإلاّ فإنّ الله عزيز جبّار لا يكون إلاّ ما يريد ، وهو يمهل ولا يهمل .
هذا وقد اختار طواغيت القوم بعد وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من اختاروا ، فكانوا مصداقاً للآية الكريمة : * ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) * (1)، حيث استخفوا أقوامهم واسترهبوهم فأطاعهم الناس ، وضاع الدين وحلّ البوار بدنيا المسلمين فضلاً عن دينهم ، وبان ذلك واضحاً بعد برهة من الزمن .
إنّ الولاية الإلهية التي فرضها الله لأئمة المسلمين أمر من صميم الدين ، ضيعه المسلمون بطاعتهم من عاند هؤلاء الأولياء ، وزاحمهم في ولايتهم التي أنعم الله بها على المسلمين .
إنّ الأخ " جمعة عبد الله " بتمسّكه بولاية آل البيت (عليهم السلام) يكون من المؤمنين الذين أطاعوا الله سبحانه ، وأطاعوا الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو قد أصاب حظّه من الدين ، حيث اختار من حيث اختار الله ، فأخذ مفتاح الهداية وفتح به المغاليق عن قلبه ، وقلوب قومه حيث اهتدى بهداه الآلاف ، فركبوا سفينة النجاة لتخلصهم من الطوفان وتوصلهم إلى بر الأمان في جنّات عدن إن شاء الله .
إنّ ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم تأته لأنّه ابن عم الرسول ، بل أتته باختيار الله سبحانه له لأنّه الأفضل ، والفضل لا يأتي هباءً ، بل يأتي بطاعة مستمرة ، وإخلاص عظيم ، وهذا ما فهمه حسّان بن ثابت شاعر النبي ، حيث قال :
فأنت الذي أعطيّت إذ أنت راكع * فدتك نفوس القوم يا خير راكعِ
بخاتمك الميمون يا خير سيّد * ويا خير شار ثمّ يا خير بايع
1) - إبراهيم (14) : 28 .
فأنزل فيك اللهُ خيرَ ولاية * وبيَّنها في محكمات الشرائع (1)
وهكذا هو أمر الموالين لا تأتيهم نعمة التمسك بالولاية هباءً ، ولا تستقر عندهم عبثاً ، بل يختارهم الله لهذا الأمر بعد أن يراهم أهلاً لذلك ، ولا يسلبها منهم إلاّ بارتكاب الذنوب المهلكة لا سمح الله .
1) - مناقب الخوارزمي : 265 ، تذكرة الخواص : 181 .
ولد في مدينة كغوما في دولة تنزانيا ، ونشأ في اُسرة سنيّة المذهب ، وأتيحت له الفرصة في التعرّف على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، فاطلّع على أدلّتهم ، وعرف أئمتهم ، فوجد نفسه أنّه كان يسدر في ضلال ، ويسير في عماية ، فما كان منه إلاّ أن يتعلّق بحبل النجاة ، ويتبع أنوار الهدى ; حيث إنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم المرجع للمسلمين بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد صرّح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في أحاديث مختلفة ، وفي مواطن عديدة بذلك .
منها الحديث المعترف بصحته لدى جميع فرق المسلمين ، فضلاً عن كثرة طرقه واستفاضته إن لم نقل بتواتره ، حيث نقله علماء الأُمّة بطرق مختلفة تصل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في جميع القرون السالفة ، وهو حديث الثقلين : " إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " (1)، الذي عرف معناه الأخ حبيب بفطرته السليمة ، وفكره الصافي ، في حين نجد كثيراً من المتعلّقين بأذيال أهل العلم يحاولون النأي بأنفسهم التي استحوذ عليها الشيطان عن الالتزام بدلالة هذا الحديث الشريف ، أو السعي في تضعيف سنده ، بغضاً منهم لأهل البيت (عليهم السلام) أهل الحقّ ، وسنام الإسلام ، وتوجيهاً منهم لاتّباعهم لغيرهم ممّن لا يقاس بهم .
1) - مسند أحمد 3 : 14 ، 17 ، كتاب السنّة : 630 ، بصائر الدرجات : 433 .
دلالات حديث الثقلين :
كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يبيّن وظيفة الأُمّة قرب وفاته ، حيث صرّح برحلته في بداية الحديث " إنّي اُوشك أن اُدعى فأجيب " (1)، فهو ينبّه المسلمين إلى القضايا المهمة التي سعى طيلة حياته الشريفة إلى تثبيتها ، وكان يدعوا المسلمين إلى التمسّك بها ، والاهتمام بشأنها ، فهل من المعقول أن يجاهد الرسول الكريم على امتداد رسالته العظمى في تبليغ الأحكام الإلهية ، ثمّ يترك الأُمّة سدىً دون اهتمام بما جاهد في سبيله ، أو دون توضيح معالم ما يسيرون عليه بعد التحاقه بربّه ؟ هل يجوز هذا على الله ورسوله ؟ حاشاهما عن ذلك .
إن ترك الثقلين - وهما الكتاب والعترة - في الأُمّة يدلّ على جعلهما خليفتين للرسول ، وقائمين مقامه بتلازمهما وعدم افتراقهما ، وقد ورد التعبير في بعض الأخبار : " إنّي تارك فيكما خليفتين " (2)، أو " قد خلّفت فيكم الثقلين " (3)، وهذا يدلّ على مرجعية أهل البيت (عليهم السلام) السياسية في الأُمّة ، فضلاً عن المرجعية العلمية ، فإقترانهم بالقرآن يبيّن شأنهم الموازي له ، وهو شأن لا يدانيهم فيه أحدٌ من الأُمّة ، فهم المبيّنون للقرآن كما كان رسول الله المبيّن له ، كما أنّ تركهم مع القرآن خلفاء يدلّ على مرجعيتهم السياسية وأنّ الأمر والحلّ والعقد إليهم من حيث هم خلفاء للرسول الذي كان له القيادة من جميع الجهات .
بيّن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وجوب التمسّك بالقرآن والعترة كليهما ، فالتمسك بأحدهما دون الآخر لا يصح ، إذ أنّ مورد الأمر التمسّك بهما لا بأحدهما فقط ، فالتمسّك بالقرآن فقط بحجّة قطعية صدوره وترك التمسّك بأهل البيت (عليهم السلام) لا يكون تمسكاً كاملاً بالقرآن ; إذ أنّ آياته ترشد إلى وجوب مودّتهم ووجوب
طاعتهم ووجوب ولايتهم ، فأحدهما منبىء عن صاحبه وموافق له .
وكذلك لا يجوز التمسّك بالعترة دون القرآن ; لأنّ العترة دعت إلى التمسّك بالقرآن وجعلته معيار الحقّ فيما اختلفت فيه الأخبار ، واعتبرته المرجع في تمييز الصحيح من السقيم من الأخبار ، كما رغّبوا في قراءة القرآن وتلاوته والتأمل فيه .
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) : " واعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش ، والهادي الذي لا يُضلّ ، والمحدث الذي لا يكذب ، وما جالس هذا القرآن أحدٌ إلاّ قام عنه بزيادة أو نقصان : زيادة في هدى ، أو نقصان من عمىً . . . واعلموا أنّه شافع مُشفَّع ، وقائل مُصدَّق ، وأنّه من شفع له القرآن يوم القيامة شُفِعَ فيه ، ومن محّل به القرآنُ يوم القيامة صدّق عليه " (1)
التعبير بالثقلين يدلّ على أن القرآن والعترة من أنفس ما في هذا الوجود وأعلاه ، ويدلّ على مقام القرآن العظيم ، وعلى شأن أهل البيت الشريف .
والقرآن هو أعظم كتاب إلهي منزل ، وهو المعجزة الخالدة ، والوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
وكذلك أهل البيت (عليهم السلام) لا يقاس الآخرون بهم في المناقب والعلم والفضل ; لأنّهم حُجج الله على خلقه ، وهم خيرته وصفوته ، وقد قال فيهم أمير المؤمنين (عليه السلام) : " إنّهم موضع سرّه ولجأ أمره ، وعيبة علمه ، وموئل حكمه ، وكهوف كتبه ، وجبال دينه ، بهم أقام انحناء ظهره ، وأذهب ارتعاد فرائصه . . . لا يقاس بآل محمّد من هذه الأُمّة أحد ، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً ، هم أساس الدين ، وعماد اليقين إليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصاية والوراثة " (2).
إنّ المراد بالعترة هم أخص الأقارب (1)، وجعلهم عدل القرآن الكريم لا يساعد على التعميم ، وهم أهل البيت (عليهم السلام) الذين نصّ القرآن الكريم على طهارتهم ، وهم الأئمّة الطاهرون المعصومون ، قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة : " وقد بيّن رسول الله عترته من هي لمّا قال : " إنّي تارك فيكم الثقلين " ، فقال : " وعترتي أهل بيتي " . وبيّن في مقام آخر مَنْ أهل بيته حين طرح عليهم الكساء وقال - حين نزلت * ( أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ . . . ) * الآية : " اللّهم هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب الرجس عنهم " (2)، القرآن حبل الله ، كما قال الله تعالى : * ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ) * (3).
وهكذا العترة حبل الله ; لأنّها عدل القرآن ، ولتصريح الروايات (4)أيضاً بذلك ، ومنه يستفاد أنّ الواجب في تحقّق اتحاد المسلمين هو التمسّك بهما معاً ، وعدم جواز التساهل في أمرهما ; لأنّ الله جعلهما مداراً لتمسك المسلمين ، ولم يجوز التفرّق عنهما .
فإذا أراد المسلمون اليوم أن تكون لهم كلمة واحدة في وجه أعدائهم فلا بدّ لهم من التمسّك بهذين الحبلين دون غيرهما ، وإلاّ فإنّ الفشل هو مصير يواجهه كل من يدعو إلى التوحّد ولا يراعي هذا المعيار الإلهي .
ورد في هذا الحديث الشريف : " ألا وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض " .
وهذا إخبار غيبي من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بخلودهما إلى يوم القيامة ، حين بشّر المسلمين بعدم خلو الزمان منهما ، فكما أنّ القرآن معجزة خالدة فكذلك العترة .
قال الإمام الحسن (عليه السلام) : " ولا تخلو الأرض منهم ، ولو خلت لا نساخت بأهلها " (1).
وقال ابن حجر في صواعقه : " وفي أحاديث الحثّ على التمسّك بأهل البيت وإشارة إلى عدم انقطاع مستأهل منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة ، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك ، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض " (2)، وهكذا يستفاد لزوم وجود الإمام في كلّ عصر .
يضمن الحديث عدم الضلالة في تبعية القرآن وأهل البيت ممّا يدّل على عصمتهما ، إذ أنّ عدم الضلال لا يصح إلاّ بعصمتها ، ولو كان احتمال الخطأ وارداً عليهما لاحتمل الضلال ، بينما نرى الحديث يصرّح : " ما إن أخذتم به لن تضلوا " (3).
وهذا فضل لا يقارنه فضل ، فجاز القول أن أهل البيت لا يقاس بهم أحد .
وهو يدلّ على ارتباط أهل البيت (عليهم السلام) مع الله ، وأنهم مؤيّدين بإمدادات غيبية من الله سبحانه ، وعليه فإمامتهم ليست مثل خلافة الخلفاء في الرئاسة والزعامة الظاهرية ، بل هم كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المرجعية السياسية والدينية معاً ، ويختلفون عن النبي في عدم الوحي ، حيث إنّه يجب طاعتهم ، وقد صرّح مضافاً إلى ما تقدّم بالقول : " فلا تقدموهما ولا تقصروا عنهما " (4)، وهذا لا يكون إلاّ في الإمامة الكبرى التي كانت لرسول الله ، ولا يصح بعد هذا القول بأن التمسّك أو الأخذ هو الاحترام أو المودة فقط .
يدلّ الحديث أيضاً على إمامة أهل البيت (عليهم السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بدون فصل ،
كما يقول الشيعة في أنّ الإمام بعد رسول الله هو الإمام علي بلا فصل من تمسّك بالقرآن والعترة فهو المهتدي بشهادة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الحديث الصحيح المجمع عليه ، فلا يضرّه بعد ذلك رميه بالرفض أو البدعة أو الضلالة ; لأنّ شهادة الرسول لا اشتباه فيه ولا خطأ ، وهي مقدّمة على شهادة غيره ، كائناً من كان .
ومن هنا حق للأخ " حبيب " أن يسعد بالتحاقه بركب شيعة أهل البيت (عليهم السلام) من رواية حديث الثقلين الثقيلة على أعداء الإسلام ; لأنّها تجمع المسلمين على التمسّك بالقرآن والعترة ، وهو جمع لا يمكن تفريقه أبداً .
ولد سنة 1373 ه ( 1954 م ) في تنزانيا ، وبعد أن أكمل المدرسة الابتدائية ، واصل الدراسة عند الشيوخ في المساجد ، وصار معلّماً للقرآن في مدينته والقرى المجاورة .
طلب الحقّ سبيل النجاة :
يقول الأخ حسن : " كان هدفي في الحياة - ولا زال - طلب الحقّ ، ومنهجي في التديّن البحث عن الحقيقة ، فأنا لا اُصمُّ مسامعي عن الكلام الصحيح كائناً من كان قائله ، ولا اُغلق نواظري عن رؤية محاسن الدين كائناً من كان حامله ، ولم أقنع لنفسي برأي شخص واحد ، ولم أُلزمها على الانغلاق في مذهب متفرّد .
كانت هذه هي خصالي - التي اخترتها لنفسي - وأنا في مذهب أهل السنّة والجماعة ، وكان من حسن حظّي أنّي سمعت شيئاً من البيان الذي يأخذ بمجامع القلوب من كلام أهل البيت (عليهم السلام) ، فهشت نفسي له ، وسالت دموعي تجري على خدّي ، سبحانك اللّهم ، هل هذا من كلام البشر ، إنّه كلام يجري مجاري القرآن ، ويسلك مسالك أنفاس الرحمن تنبّهت بضيائه عن غفلتي ، وصحوت برنينه من نومي ، كلام أنار قلبي ، وأزال حجب الظلمات عن نفسي " .
هداية الله في مذهب آل البيت (عليهم السلام) :
يتابع الأخ " حسن " القول : " بحثتُ طويلاً ، وفكرّت كثيراً ، فعرفت بعون الكريم الرحيم أنّ الخير كلّه في اتّباع المعصومين (عليهم السلام) الذين أعطاهم الله الولاية على العباد ، وجعلهم ساسة للبلاد ، بهم يهتدي الناس إلى طاعة الرحمن ، ويجوزون على الصراط المستقيم وهم صفوة الله ، وهم خيرته ، أعطاهم ما أعطاهم ; لأنّهم صدقوا صدقوا الله وصدقوا رسوله في دينهم ، فلم يعصوا الله ، ولا خالفوا رسوله طرفة عين ، ولا خطر لهم على بال أن يهمّوا بباطل ، كيف وقد قال - جلّ من قائل - بشأنهم : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * (1)، كيف لا يحبّهم من عرفهم ، ولا يودّهم من سمع بهم ، وهم قربى رسول الله ديناً ونسباً ، هو النبي وهم الأئمّة ، هو مدينة العلم ، وهم أبوابها ، من ركب سفينتهم نجا ، ومن تخلّف عنهم غرق .
سفينة الاثنا عشر :
" تصوّر نفسك - أخي المسلم - على شاطىء تريد السفر ، وأمامك ثلاث وسبعون سفينة ، كلّها ستغرق إلاّ واحدة ستصل بأمان ، وكلّ أصحاب السفن ينادون : نحن الناجون ، وأثناء حيرتك جاءك خبير السفن - وكنت تعرف صدقه - وقال لك : إذا ركبت السفينة رقم اثني عشر نجوت ، وإذا تخلّفت عنها غرقت ، بعد هذا هل ستترك السفينة رقم اثني عشر ، وتعدل إلى غيرها ؟ ! ! لا أعتقد أنّ أحداً يفعل ذلك .
ونحن هنا في سفينة الحياة يحدّد لنا سيّد الخلق السفينة الناجية من بين ثلاث وسبعين سفينة .
نعم ، أنت لم تقبل العدول عن السفينة اثني عشر ; لأنّ خبير السفن نصحك
1) - الأحزاب (33) : 33 .
بركوبها ، ولكن هذا رسول الله قد حدد لنا السفينة الناجية ونصحنا بركوبها فما لنا لا نقبل إرشاده ونصحه ؟ ! ألا يريد أحد النجاة " ؟ ! (1).
يقول ابن حجر : " ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم ، وعظمهم شكراً لنعمة مشرّفهم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمات المخالفات ، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم ، وهلك في مفاوز الطغيان " (2).
" وهذا الحديث يدلّ ضمناً على أنّ الخلافة في آل البيت (عليهم السلام) فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل النجاة بركوب سفينة آل البيت ، وكلّ سفينة لا بدّ لها من قائد ( قبطان ) ، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو القائد لسفينة الإسلام ، وحين مات عهد لآل بيته (عليهم السلام) بقيادتها ، كما في حديث السفينة .
ولمّا كان التعبير بالسفينة تعبيراً مجازياً يعبّر عن مسيرة الحياة ، علمنا أنّ آل بيته (عليهم السلام) هم خلفاء المسلمين في هذه الدنيا " ! ! (3).
فأئمة أهل البيت (عليهم السلام) هم خلفاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهم سفينة النجاة ، فمن أراد النجاة فليركبها ، وإلاّ فإنّه سيغرق ولا يعصمه جبل ولا غير جبل .
تبغي النجاة ولم تسلك مسالكها * إنّ السفينة لا تجري على اليبس
ولد في تنزانيا بمدينة " كغوما اجيج " ، كان معتنقاً لمذهب أهل السنّة حتّى من الله عليه بمعرفة الحقّ والهداية إلى سواء السبيل .
يقول " حسن " حول أسباب استبصاره : " . . . التحقت بمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية ; لأنّني رأيت هذا المذهب أحقّ المذاهب ، وذلك لأنّه المذهب الوحيد الذي يتمسّك بأهل البيت (عليهم السلام) ويتّبعهم ، وقد قال تعالى في محكم كتابه : * ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) * (1).
فتأمّلت في هذه الآية ، وقلت في نفسي من هم أهل الذكر ؟
توجّهت بعد ذلك نحو البحث حتّى تبيّن لي بأنّ أهل الذكر هم أهل البيت (عليهم السلام) الذين اصطفاهم الله تعالى ليكونوا السبيل إليه ، والمسلك إلى رضوانه ، وحفظة شريعته ، وحججاً على برّيته ; ولهذا اخترت لنفسي هذا المذهب ، وتمسّكت به وبالقرآن لأكون عن طريق ذلك عاصماً نفسي من الضلال الذي يحرف معه الذين لا عاصم لهم بعد تركهم التمسّك بالقرآن والعترة .
1) - النحل (16) : 43 .
شهادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأعلمية علي (عليه السلام) :
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " لمّا صرت بين يدي ربّي كلّمني وناجاني ، فما علمت شيئاً إلاّ علّمته عليّاً ، فهو باب علمي " (1).
عن ابن عبّاس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " هذا علي بن أبي طالب ، لحمه من لحمي ، ودمه من دمي ، وهو منيّ بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي "
وقال : يا أم سلمة ، اسمعي واشهدي ، هذا علي أمير المؤمنين ، وسيّد المسلمين وعيبة علمي ، وبابي الذي اُوتى منه ، وأخي في الدنيا ، وخدني في الآخرة ، ومعي في السنام الأعلى " (2).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : " أعلم أمتّي من بعدي علي بن أبي طالب " (3).
وقد كشف التاريخ أفضلية الإمام علي (عليه السلام) وأعلميته ، ومدى احتياج الخلفاء إليه بحيث قال أبو بكر : " أقيلوني فلست بخيركم " (4).
وكان عمر بن الخطاب يتعوّذ بالله من معضلة ليس فيها أبو الحسن .
وقال : عمر : " اللّهم لا تنزلن شدّة إلاّ وأبو الحسن إلى جنبي " (5).
وقال عمر : " أقضانا علي " (6).
وعندما تتضح هذه الحقائق للإنسان المسلم فإنّه سيندفع من دون شك إلى اتّباع الإمام علي (عليه السلام) والانجذاب نحوه ولا سيّما إذا علم بأنّ الإمام علي (عليه السلام) عاداه بنو أميّة وبنو العبّاس ، وظلموا أتباعه أشدّ الظلم .
وليس بنو أميّة وبنو العبّاس إلاّ الجهة التي تركت أكبر الأثر على التراث
الإسلامي ، ومن هنا يستنتج الإنسان المسلم بأنّ ما ورد إلينا عن طريق أهل البيت (عليهم السلام) أحقّ بالاتباع مما أمضاه وأيّده بنو أميّة وبنو العبّاس .
ومن هذا المنطلق أعلن " حسن موسى " استبصاره ، وأعلن تمسّكه بأهل البيت (عليهم السلام) ، وبدأ يشق طريقه في ظلّ إرشاداتهم وهديهم .
ولد عام 1399 ه ( 1979 م ) في تنزانيا بمدينة " كيغوما " ، ونشأ في أوساط عائلة شافعية المذهب ، أكمل الدراستين الابتدائية والمتوسطة ، ثمّ درس في المدارس الدينية الشافعية لمدّة ثلاث سنوات ، ثمّ درس في مدارس الوهابية لمدّة سنة واحدة .
دور أبي في توعيتي الدينية :
لا يخفى على أحد دور ربّ الأسرة في توعية أفراد عائلته ، وكان الحاج صادق راشد والد راشد من المستبصرين الذين أخفوا تشيّعهم حتّى عن عوائلهم ، ويبيّن هذا الأمر مدى الصعوبات التي يواجهها هؤلاء نتيجة اعتناقهم لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
ومن هذا المنطلق حاول الحاج صادق أن يبيّن الحقائق الدينية لزوجته وأولاده بصورة تدريجية ، وأن لا يفاجئهم بالأمور الدينية التي توصّل إليها والتي غيّرت مجرى حياته العقائدية .
يقول " راشد " كان في عائلتنا خمسة أبناء يدرسون في المدارس الشافعية ، وقد تعمّد أبي إدخالنا في هذه المدارس ، لكي نتعرّف بأنفسنا على معتقدات كلّ فريق ، ليعيش مع أتباعه - ولا سيّما المتديّنين - عن قرب .
ثمّ أخرجنا أبي من هذه المدرسة ونقلنا إلى مدرسة وهابية بذريعة اهتمامها بدروس القرآن ! ولكن كان هدفه معرفة الفرقة الوهابية عن قرب وتفنيد أقوالهم .
الالتحاق بالمدرسة الشيعية :
لم يكن " الحاج صادق سنرى " الوالد يترك أبناءه فريسة للعقائد الباطلة ، بل كان يعمل على توجيههم وتحصينهم من الجهة العقائدية من خلال الإجابة على أسئلتهم واستفساراتهم ومناقشة العقائد التي يدرسونها ، وعندما وجدهم يلهجون ببعض المصطلحات من قبيل : البدعة ، الشرك ، الكفر ، و . . . بادر إلى تبيين الحقيقة لهم في هذا المجال ، ومناقشة الأدلّة التي يلّقنها المدرسين لأولاده .
وعندما اطمأن الوالد أنّه أبطل كلّ العقائد المنحرفة التي كان ينقلها أولاده إليه من أساتذتهم ، نقلهم إلى مدرسة شيعيّة .
يقول " راشد " نقلنا أبي إلى مدرسة شيعية تُدعى " دار الهدى " ، وفي هذه المدرسة وجدنا الفارق بين المذهب السني والمذهب الشيعي ، كما أنّنا بدأنا نتعرّف على أهل البيت (عليهم السلام) ، وعرفنا عظمة شأنهم ، وعلو مقامهم ، وجلالة قدرهم .
عرفنا أهل البيت (عليهم السلام) فاستبصرنا :
من منطلق معرفتنا لأهل البيت (عليهم السلام) تعطّشنا لمعرفة أقوالهم ومنهجهم ومبادئهم ، فلّما اطّلعنا على سيرة حياتهم وقع حبّهم العظيم في قلوبنا ، وتبلورت في أذهاننا القناعة باتّباعهم .
وعندما أردنا إخبار أبينا بعزمنا وإتخاذنا قرار تغيير إنتمائنا المذهبي خشينا وخفنا ردود أفعاله ، ولكننا عندما أخبرناه بهذا الأمر ، رأينا الابتسامة على وجهه ، ثمّ عانقنا وقبّل جبهتنا ، وبارك لنا هذا التغيير ، ودعا لنا بالخير والموفقيّة ، وقال : كنت أودّ أن تستبصروا ، وأحببت أن أدعوكم إليه ، ولكنني تعمّدت في إدخالكم مختلف المدارس لتتعرفوا بأنفسكم على الحقّ ، ولتتخذوا القرار بأنفسكم في اختيار مذهبكم الديني .
ولد في قرية " ملأت " في تنزانيا ، انضوى تحت راية أهل البيت (عليهم السلام) حوالي عام 1414 ه ( 1994 م ) ، وقد جاء في رسالة رمضان إلى من تعرّف عن طريقه على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) : " الحمد لله الذي هداني لهذا وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله .
نعم ، يا أخي الشيخ عبد الواحد لقد شوّقتني لأن أكون تابعاً لأهل البيت (عليهم السلام) ، وقد تبيّن لي كيف ترك الناس وصيّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أهل بيته (عليه السلام) حيث يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) : " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق " (1).
وقد شوّقتني يا أخي إلى العقيدة الشيعية بعد ما بيّنت لي النصوص والأحاديث التي تثبت أحقيّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
الشيعة هم الفرقة الناجية :
لا يخفى على أحد قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : " وتفترق أمتّي على ثلاث وسبعين ملّة ، كلّها في النار إلاّ ملّة واحدة " (2).
ثمّ بيّن الرسول ملامح وخصائص الفرقة الناجية بوضوح ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : " إنّي
أوشك أن أدعى فأجيب ، وإنّي تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ، وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض ، فانظروني بم تخلّفوني فيهما " (1).
كما أنّ تشبيه أتباع أهل البيت (عليهم السلام) بسفينة النجاة - كما مرّ في الحديث - هو أبرز دليل على أنّ أتباع أهل البيت (عليهم السلام) هم الفرقة الناجية .
ويعود سبب أحقيّة الشيعة أنّهم اعتمدوا في مصادر معرفة ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على أهل البيت (عليهم السلام) بخلاف بقية المذاهب الإسلامية الذين اعتمدوا في مصادر معرفة ما جاء به الرسول على عامة الصحابة من دون القيام بعملية الجرح والتعديل عليهم أو معرفة العادل وغير العادل .
ومن هنا فالعمل بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) يبرء الذمة من دون ريب ، وقد أفتى بذلك العديد من علماء أهل السنّة ، منهم : الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر حيث أفتى : في شأن جواز التعبّد بمذهب الشيعة الإمامية :
" أوّلاً : إنّ الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه اتّباع مذهب معيّن ، بل نقول : إن لكلّ مسلم الحقّ في أن يقلّد بادىء ذي بدء أيّ مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحاً ، والمدوّنة أحكامها في كتبها الخاصة .
ولمن قلّد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره - أيّ مذهب كان - ولا حرج عليه في شيء من ذلك .
ثانياً : إنّ مذهب الجعفريّة المعروف بمذهب الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة ، مذهب يجوز التعبّد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنّة .
فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك ، وأن يتخلّصوا من العصبيّة بغير الحق لمذاهب معيّنة فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب ، أم مقصورة على
1) - المستدرك على الصحيحين 2 : 343 .
مذهب ، فالكلّ مجتهدون مقبولون عند الله تعالى ، يجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررون في فقههم ، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات " (1).
1) - صدرت الفتوى في ( 7 - تموز - 1959 م ) ، راجع العدد الثالث من رسالة الإسلام السنة الحادية عشر .
مرّت ترجمته في ( 1 : 24 ) من هذه الموسوعة ، ونشير هنا إلى سائر ما وقفنا عليه من معلومات لم تذكر من قبل .
تقبّل الحقيقة مهما كانت :
ساعدت عدّة عوامل على تغيير الانتماء المذهبي ل " سالم " ، ويعتبر العامل الأساسي لغربلة معتقداته الموروثة هو تقبّل الحقيقة التي تجلّت له من خلال دراسة التاريخ والتعمق فيه ، فلم يكن " سالم " ممّن يتقبّل التناقضات في معتقداته ، فالتاريخ يختزن الحقائق ويبيّن ما هو واقع .
ومن هذا المنطلق نرى في إطار حوار " سالم " مع أُستاذه إشارة إلى هذه التناقضات فإنّ الأُستاذ يقول : إنّ من الصحابة من انحرف بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتاريخ شهد بذلك ، لكننّا نعتقد بأنّ الصحابة كلّهم عدول ولا ينبغي الشك في هذا الأمر ؟ ! !
نرى بوضوح أن المحفّز المهم لدى " سالم " هو تقبّل الحقيقة ونبذ المعتقدات المتناقضة فهذه هي المرحلة التي استطاع " سالم " من اجتيازها ، بينما نرى أُستاذه مع إلمامه الكامل لمادة التاريخ وعلمه بهذه الحقائق المدفونة في أعماق التاريخ لم يجتاز هذه المرحلة العصيبة ، وقبل بالتناقضات التي أُمليت عليه من قبل أسلافه .
مواجهة التيار المخالف :
يقول " سالم " بعد تجلّي الحقائق التاريخية بالأدلّة والبراهين : حملت الحقائق مبتهجاً لأبشّر أصدقائي وأستاذي وكلّ من يلوذ بي ، لكن وبكل أسى واجهني أصدقائي بشدة ، ونهرني أُستاذي واتهمني بالكفر ! وطردني والدي من البيت !
فتألّمت كثيراً وبالخصوص على والدي ، لم يكن تألّمي وحزني على ما فعله أبي ، بل لحرمانه من النجاة في يوم القيامة : * ( يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْب سَلِيم ) * (1).
ولكن هذه المواجهات لم تثبط عزم " سالم " بل دعته ليسعى في إعادة المياه إلى مجراها ، ولا سيما مع والده ، فبادر إلى إرسال رسالة إلى والده جاء فيها :
إلى أبي العزيز :
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) : " أنت وشيعتك في الجنّة " (2).
وقال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) : " إنّ هذا - يعني علياً - أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا " (3).
يا والدي العزيز ، ألم يقول الله تبارك وتعالى * ( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) * (4).
إنّ هذه الروايات ليست من مخترعات الشيعة ، بل هي روايات متواترة ثبتت في الصحاح وغيرها من الكتب المعتبرة عند أهل السنّة ، وهي كلام الرسول
الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) * ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) * (1).
اُحببت أن أخطّ لك هذه الكلمات لأذكر لك أمرين :
الأوّل : إنّ القيامة إن قامت لا يسأل الله والد عن ولده كما قال تبارك وتعالى * ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ) * (2).
وأني أدعوك إلى التفكّر في عاقبة أمرك ، ولكي تكون من السعداء في يوم المحشر الذي لا ينفع المرء إلاّ عمله .
الثاني : أن تشيّعي لا يُخرجك عن مقامك وشأنك الرفيع ، فستبقى أبي وسأبقى ابنك . . .
وما عساي إلاّ أن أقول محتسباً ما قاله الإمام الصادق (عليه السلام) " اللهم أغفر لي ولوالدي وأرحمهما كما ربياني صغيرا واجزهما بالإحسان إحساناً وبالسيئات غفراناً " (3).
ومن الله التوفيق .
يقول " سالم بن ديرا " : حينما تسلّم والدي هذه الرسالة تراجع عن موقفه السلبي إزاء اعتناقي مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، ودعاني للعودة إلى البيت ، وأجريت معه ومع إخوتي عدّة حوارات أسفرت عن تشيّع أخي ، وأمل أن يمنّ الله على قلب والدي بنور الإيمان ونعمة الولاية لأهل البيت (عليه السلام) .
الصورة
ولد عام 1390 ه ( 1971 م ) في زنجبار ، حاصل على شاهدة الثانوية ، درس في المدارس الدينية التابعة للأباضية " مدرسة الاستقامة " ، ثمّ قام بالتدريس في مدرسة حمام في زنجبار وبعض المدارس الأُخرى .
عقيدة الأباضية :
يقول " سالم " إنّ الأباضية فرقة منشقة من الخوارج ، والأباضية لا يعادون الإمام علي (عليه السلام) ويتبرأون من الخوارج ، وهم أتباع عبد الله الأباضي الذي لم يحارب الإمام علي (عليه السلام) ، كما أنّ الأباضية يكرهون عثمان ، ولا يعتقدون بعدالة جميع الصحابة ، والخلافة عندهم بالشورى ، وعقيدتهم بالإمام علي (عليه السلام) أنّه صحابي قد يُخطىء .
انتمائي إلى مذهب أهل السنّة :
يقول " سالم " : إحتواني أهل السنّة في زنجبار ، وشجّعوني على الدراسة في مدرسة أماني فقبلت ذلك ، وكثر تأثّري بالوهابية ، وبعد اتّساع اطلاعي بمعتقداتهم عرفت بأنّهم لا يمتلكون شيئاً ، وأنّهم يهتمون بالإعلام أكثر من المضمون العلمي ، وكانوا يدعوننا إلى التبليغ لا التعليم ، فلمّا رأو الجد والاجتهاد في طلبي العلم
نقلوني إلى تنزانيا منطقة عروشا ، فذهبت للدراسة هناك ، ولكنني لم أجد المكان مناسباً ، وعاملني الخواجة معاملة سيّئة ، ثمّ بدأوا يتعاملون معي كمشرف على قراءة القرآن في المساجد ، ولا يسمحون لي بالحوار العلمي ، وعندما وجدت منهم الكثير من المضايقات تركتهم وعدت إلى زنجبار .
جاء الأباضيون ودعوني إلى المذهب الأباضي واقترحوا عليّ عمل ، فرفضت ذلك .
في المدرسة الشيعية :
استفسرت عن مدرسة فيها حرّية في البحث ، بحيث يستطيع الطالب طرح شبهاته بطلاقة والمناقشة بسهولة وبيان ما يجول في خاطره من أمور علمية .
فقال لي أصدقائي : إذهب إلى المدرسة الشيعية ، ولكن إحذر أن لا يخدعوك ، فذهبت إلى المدرسة الشيعية ، وقلت لهم بأنّي أودّ التعرّف على المذهب الشيعي ، فأعطوني كتب الدكتور التيجاني السماوي .
رآني أحد الأباضيين وأنا في المدرسة الشيعية ، فقال لي : مشكلتك أنّك تظنّ بأنّك أصبحت من العلماء ؟
قلت له : لماذا ؟
قال : لا يحقّ لك التعرّف على مختلف العقائد ما لم تصل مرحلة يُعتد بها في العلم ؟
قلت له : أنا طلبت العلم ، ولكنكم منعتموني من طلبه ، وحجبتم العلم عني بذريعة كوني لست بمستوى الفهم !
فقال لي : عموماً ، أحذّرك من الشيعة !
بعد فترة جاءت لجنة من إيران إلى منطقتنا بحثا عن المتطوّعين لدراسة علوم أهل البيت (عليهم السلام) فسجّلت اسمي ، وتمّ قبولي ، وانتبهت ذات يوم إلى نفسي فوجدت نفسي طالباً في الحوزة العلمية في مدينة قم ، واستمرت دراستي فيها مدّة
سبع سنوات ، وفي إحدى العطل الصيفية عدت إلى بلدي ، فواجهني الأباضية بشدّة ، ولكنّني تعاملت معهم بأدب ، وقابلت إساءاتهم بإحسان ، ولكّنهم اتحدّوا ضدّي .
وأما أهل السنّة فكانت ردود أفعالهم أشدّ وأقسى ، ولكنّني تجاهلت إساءاتهم ، وأغمضت عيني وكأني لا أشعر بسوء تصرّفاتهم .
وصليت ذات يوم في مسجد أهل السنّة جماعة ، فاستهزؤوا بي ، ثمّ دعوني للمناظرة وأرادوا اختباري ، فلم أجبهم ، وقال عالم المسجد : هل تشيّعت حقيقةً أم أنّك تتظاهر بالتشيّع لتلفت أنظارنا إليك ؟
فابتسمت ، وقلت له : لست بحاجة إلى إلفات أنظار الآخرين إلى نفسي عن طريق إعراضهم عنّي ومحاربتهم لي وإساءتهم إلي ، وانّما تحمّلت كلّ هذا العناء لأنّ الأدلّة فرضت عليّ اتباع الشيعة .
قال : شيعة من ؟
قلت : شيعة أهل البيت (عليهم السلام) .
قال : نحن أيضاً من شيعة أهل البيت (عليهم السلام) ومن محبيهم .
قلت : إذا كنت من شيعة أهل البيت (عليهم السلام) ، فأخبرني أين قبر فاطمة الزهراء بنت رسول الله ؟ ! وكم لديك معرفة عن تراث أهل البيت (عليهم السلام) ؟ !
قال : أنا قلت للناس : لا فائدة النقاش معك !
قلت : لماذا ؟
قال : لأنّك قرأت الفلسفة ، وأفسدك الشيعة ، وأنت خطير جداً ، وينبغي أن نمنعك لئلا تفسد شبابنا !
قلت له : أنا كنت أباضياً ولكنّني لم أواجه منكم هذا الموقف المتشدّد فلماذا ازداد تعصّبكم عندما اخترت مذهب الشيعة ؟
قال لجماعته : اتركوه لشأنه ، لا فائدة للكلام معه .
واستمرت ردود أفعال أهل السنّة والأباضية ضدّي ، ولكنّني تعاملت معهم بهدوء ، ولم أفعل ما يثير سخطهم أو يزيد في تعصّبهم .
ولد في قرية " كتومبي " قرب مدينة " كيغوما " في تنزانيا ، ونشأ في عائلة سنيّة المذهب ، وتوفّق للاهتداء إلى مذهب آل البيت (عليهم السلام) سنة 1424 ه ، ودرس العلوم الدينية لعدّة سنوات بعد استبصاره .
آية التطهير دليل الهداية :
قال الله تعالى في كتابه الكريم : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * (1).
ويقول الأخ " عبّاس " : " عرفت أنّ المذهب الحقّ الذي يجب أن يُتّبع دون غيره من المذاهب هو مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ; لأنّهم الطاهرون المطّهرون ، وهم الذين يريد الله أن يُذهب عنهم الرجس بكلّ أشكاله ، ممّا يدل على علوّ شأنهم ، وسموّ أخلاقهم ، وصدق طريقتهم " .
إنّ اهتمام الحقّ سبحانه تعالى بأمرهم بهذا الشكل الفريد الذي لا يشاركهم فيه أحد ، يدلّ على مكانتهم الشريفة عنده ، وخطرهم العظيم لديه ، فهم أهل بيته ، بيت الرسالة والإمامة ، وبيت الهداية والولاية ، اختارهم الله وطهّرهم ، واصطفاهم
1) - الأحزاب (33) : 33 .
وأذهب عنهم الرجس ، حتّى يهدوا الناس إلى خير درب ، وتهفو إليهم النفوس بدون ريب ، لا يصدّهم عن الإرشاد عناد المعاندين ، ولا يمنعهم عن الإبلاغ إرجاف المرجفين .
المطهّرون هم أهل الكساء :
عيّن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مصاديق هذه الآية حسماً للخلاف المتحمل على هذا الشرف العظيم ، وكأنّه - نفوس العالمين له الفداء - ينظر إلى الغيب بستر رقيق .
عن أُم سلمة " رضي الله عنها " أنّها قالت : " في بيتي نزلت هذه الآية * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) * قالت : فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى علي وفاطمة والحسن والحسين - رضوان الله عليهم أجمعين - فقال اللّهم هؤلاء أهل بيتي ، قالت أُم سلمة : يا رسول الله ما أنا من أهل البيت ؟
قال : إنّك أهلي خير ، وهؤلاء أهل بيتي " (1).
ورغم هذا التفسير النبوي الواضح لهذه الآية ، إلاّ أنّ البعض يعاند ولا يسلّم أمره إلى الرسول الكريم - وهو المبيّن للقرآن - ويدّعي إنّ الآية وردت في سياق الخطاب مع زوجات النبي ، فهنّ المقصودات بهذه الآية ، فهو هنا يرد حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ! ، وكذلك يدّعي لنفسه أنّه يفهم من القرآن ما لم يفهمه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ! !
هذا وقد أكدّ النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الأمر لمدّة طويلة ، حيث نجده يأتي باب فاطمة كلّما خرج إلى الصلاة ، لمدة ستّة أشهر [ وقيل أكثر من ذلك ] (2)، ويقول ، الصلاة يا أهل البيت ، * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * (3).
وقال بعضهم : يروي هذا الخبر بأسانيده في ثلاثمائة من الصحابة ، منهم قال : ثمانية أشهر ، ومنهم من قال عشرة أشهر " (1).
إذن في مثل هذا الحديث المتواتر - أو المستفيض في الحدّ الأقل - ، يجادل المعاندون مع الرسول ، ومن ثمّ يدّعون أنّهم علماء المسلمين ، وسادة المتدينين ! !
وهم يعرفون القرآن ، ويفقهون الحديث .
وهذا خطاب القرآن مع نساء النبي في الآيات السابقة ، فلاحظ شدته وقوة تعريضه : * ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لاَّزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ) * (2)، * ( يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَة مُّبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ) * (3)، * ( يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ) * (4)، * ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الاُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) * (5).
ثمّ يأتي الخطاب العظيم ، بتذكير الضمائر : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * (6).
ومن هنا يظهر أنّ الخطابات السابقة لنساء النبي " من أوامر وزواجر هو إذهاب الرجس عن هذا البيت وتطهيره ، فإنّ الحفاظ على قدسيّة بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومهبط الوحي ، ومختلف الملائكة ضرورة لا بدّ منها " (7).
" وبتعبير آخر : إذهاب الرجس عن أهل البيت علّة لإرادة الله سبحانه من
زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يفعلن كذا ، أو يتركن كذا " (1).
" فالله إنّما يأمر وينهى نساء النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّ مخالفاتهن سوف تنعكس سلباً على أهل بيت الرسالة أنفسهم ، فأهل البيت هم الأهم ، ولا يريد الله سبحانه أن ينالهم أدنى رجس أو هنات ، حتّى لو كان ذلك الرجس صادراً ممّن ينسبون إلى ذلك البيت نسبة مجازية . . .
وهذا هو غاية الاهتمام بأهل البيت ، وهو يقع في سياق شمولهم بالعنايات والألطاف الإلهية ، والتوفيقات الربانية " (2).
وعليه إنّ توجيه الخطاب لأهل البيت الذين هم أهل الكساء ليس فيه مخالفة للسياق القرآني ، بل هو موافق له ، ومنسجم معه ، دون أدنى لبس ، أو شبهة " (3).
ولو كانت الآية في الأزواج ، لما روت الزوجات أنفسهن عدم إدخالهن تحت الكساء ، بل لأقمن الدنيا ولم يقعدنها افتخاراً وزهواً ، وخاصة عائشة التي حاربت الإمام علي (عليه السلام) وكانت في حاجة ماسة لمثل هذه الآية في الحرب الدعائية ضدّ الإمام .
هذا وقد جرى للعلامة الأميني رحمه الله حوار مع بعض علماء السنّة ، فبادره ذلك العالم بسؤاله عن آية التطهير ، فيمن نزلت ؟ أفي زوجات النبي ؟ أم في غيره ؟
أجابه العلامة الأميني بسؤال مفاده :
إنّه لو كانت آية التطهير قد نزلت في الزوجات ، ولهن أدنى نصيب ، فهل ترى أنّ اُم المؤمنين عائشة تترك هذا الأمر ، فلا تكتبه على جبهة جملها " عسكر " الذي
ركبته في حرب الجمل ، حيث كانت تحرّض الناس على القتال ضدّ علي (عليه السلام) فأجاب ذلك السائل بالايجاب .
وهكذا يتضح بما لا يقبل الشكّ أنّ أهل الكساء هم المطهّرون من الأرجاس ، وهم المعصومون الذين يجب على الناس طاعتهم والتمسّك بهم ، ومن لا يقبل ذلك فقد تاه في الضلال ، وماج في الظلمات .
هذا وقد تمسّك الشيعة بولاية أهل البيت (عليهم السلام) وهاموا في حبهم ، ودفعوا الأثمان غالياً في سبيل ذلك باعتراف الخصوم ، فهنيئاً لهم هذه المحبة وهذا الولاء ، وهنيئاً لمن يلتحق بهم من المسلمين وغيرهم في التمسّك بالأطهار ، وترك الأشرار .
وهكذا يوفق الله من صفت نيّته ، وطهرت طينته في موالاة خيرته وصفوته ، أمّا من يدّعي العلم وهو يجادل النبي والقرآن ساعياً في تحريف الكلم عن مواضعه ، فله جهنم وبئس المصير .
من مواليد تنزانيا ، يسكن حالياً في قرية بهنغوا ، الواقعة قرب مدينة " مغامبوا " ، استبصر عام 1414 ه ( 1994 م ) على يد المبّلغ حسن بن أحمد الذي جاء إلى قريتهم للتبليغ ، ثمّ أصبح إمام الجمعة في قريتهم وتصدّى لإدارة مدرستها التي يدرس فيها ثلاثمائة طالب وطالبة .
من هم الشيعة ؟
عرف " عبد الرحمن " بأنّ سبب عدم رغبة الكثير في التعرّف على التشيّع يعود للإعلام المضاد والشائعات والتهم والافتراءات المنسوبة إلى هذا المذهب ، وقد قام الأعداء والمخالفون يخلق هذه الموانع لصدّ الناس عن التأمّل في هذا المذهب .
وبمجرد أن يتمكّن الإنسان من تحرير نفسه من هذه القيود فانّه سينجذب إلى هذا المذهب من دون إرادة ; لأنّ كلام أهل البيت (عليهم السلام) نور ، والأدلّة التي يعتمد عليها الشيعة محكمة ورصينة ، وليست الشيعة فرقة شاذة ووليدة عصور متأخرة ، بل هي الفرقة التي اتّبعت الإمام علي (عليه السلام) بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تلبية لأمره ، وقد أطلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اسم " الشيعة " عليهم ، وقد جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله قال : كنّا عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقبل علي ، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : " والذي نفسي بيده إنّ
هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة " (1).
تأكيد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على وصاية الإمام علي (عليه السلام) :
إنّ الشيعة لم تؤمن بولاية الإمام علي (عليه السلام) إلاّ نتيجة لتأكيد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في مواطن متعدّدة على هذا الأمر ، منها .
الموطن الأوّل : بدء البعثة ، وعندما نزل قوله تعالى : * ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاْقْرَبِينَ ) * (2).
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأقربائه بعد أن أطعمهم في بيته :
" إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصييّ وخليفتي فيكم ؟
فأحجم القوم عنها جميعاً إلاّ الإمام علي (عليه السلام) ، وعندها التفت الرسول إلى الحاضرين وقال لهم : إنّ هذا أخي ووصييّ وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا " (3).
الموطن الثاني : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام علي (عليه السلام) في غزوة تبوك وفي غيرها : " يا علي : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي " (4).
وهذا الحديث يدل بوضوح أنّه كما كان هارون (عليه السلام) المعيّن ليكون الوصي المباشر ومن دون فصل لموسى ، فكذلك تمّ تعيين الإمام علي (عليه السلام) من قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليكون الوصي المباشر له .
الموطن الثالث : في السنة العاشرة من الهجرة وعند عودة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من حجّة الوداع ، حيث قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في منطقة غدير خمّ وأمام جمع غفير جدّاً :
ألست أولى بكم من أنفسكم ؟
قالوا : بلى .
فقال الرسول : " من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه " (1).
وبهذا أفهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ قصده من " المولى " هو الأولى بكم من أنفسكم ، فاختار (صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام علي (عليه السلام) لتكون له الولاية عليهم .
وبصورة عامة فالأدلّة على ثبوت ولاية الإمام علي (عليه السلام) كثيرة ، وإذا توجّه الإنسان إلى البحث عنها سيصل إليها بكلّ سهولة ، لكن مشكلة الكثير هي الاكتفاء بالتقليد حتّى في العقائد وعدم الرغبة للبحث ، وهذا ما جعلهم أتباع وفريسة للعلماء المغرضين ووعّاظ السلاطين .
1) - اُنظر : مسند أحمد 4 : 370 ، المستدرك على الصحيحين 3 : 109 .
ولد في مدينة " كيغوما " من بلاد تنزانيا ، في عائلة سنّية المذهب .
سبب استبصاره :
يقول الأخ عقيل في رسالة وجّهها إلى مركز إسلامي شيعي :
" اهتديت إلى مذهب آل البيت (عليهم السلام) ، واتّخذته منهاجاً ومسلكاً ابتغاءً لمرضاة الله سبحانه ، واتّباعاً للرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أدّى الأمانة وأوصى الاُمّة بولاية أهل بيته الكرام ، سفينة النجاة ، وقادة الهداية .
قال تعالى : * ( بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) * (1).
وقال سبحانه : * ( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) * (2).
وقال عزّ من قائل : * ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) * (3).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب " (4).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً : " من سره أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويسكن جنّة عدن التي غرسها ربّي فليوال علياً من بعدي وليوال وليّه ، وليقتد بأهل بيتي من بعدي " (1).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) عن علي (عليه السلام) : " هذا علي أخي في الدنيا والآخرة وخليفتي في أهلي ووصيي في أُمّتي ووارث علمي وقاضي ديني " (2).
والشيعة يأخذون مذهبهم من آل البيت (عليهم السلام) ، ويوالونهم دون غيرهم ، ويهيمون في حبّهم ، ويلهجون بذكرهم ، فالتحقت بركبهم عسى أن أكون من خير البرية ، سائلاً الله أن يحشرني في زمرتهم الأبرار ، ويرزقني طاعة آل البيت (عليهم السلام) في الدنيا ، وشفاعتهم في الآخرة " .
سَلوُني قبلَ أن تَفْقِدوني :
أخذ علي (عليه السلام) علمه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حيث ربّاه الرسول صغيراً ، واتّخذ الرسول أخاً له كبيراً ، يزقّه العلم زقّاً ويدعو له بالحفظ وعدم النسيان ، فكان عليّ الأُذن الواعية التي أحسنت السمع ، ووعت ما سمعت ، وفهمت ما تلقّت .
ولم يكن أحدٌ من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مثله ، بل هو من بيت لا يقاس بهم أحد ، وهذه آثاره تدلُّ عليه ، رغم محاولتهم طمسها وسعيهم في إعفائها ، وليس لأحد منهم مثل آثاره ، رغم نفخ أتباعهم في الرماد ، لكن لا نار ولا جمر .
كان يحمل علماً جمّاً ، يبحث له عن حملة من المسلمين - غير ابنيه المعصومين - فلا يجد ، أراد أن يؤدّي وظيفته في نشر العلم وقد فعل قدر ما استطاع ، ولكن ماذا يفعل إذا كان المسلمون في غفلة وسبات ، اسمعه يقول : " إنّ هاهنا لعلماً جمّاً ( وأشار إلى صدره ) لو أصبت له حَمَلَة ، بلى أصبت لقناً غير مأمون
عليه ، مستعملاً آلة الدين للدنيا ، ومستظهراً بنعم الله على عباده ، وبحججه على أوليائه ، أو منقاداً لحَمَلَةِ الحقّ لا بصيرة له في أحنائه ، ينقدحُ الشك في قلبه لأوّل عارض من شبهة ، ألا لاذا ولا ذاك " (1)
( 2 - 3 ) - التوحيد : 305 - 306 ، باب 43 ، ح 1 .
.لم يعرف أبناءُ عصره قدره حين كان يخاطبهم : " سلوني قبل أن تفقدوني " (2) .
حيث كان يريد منهم أن يستفيدوا من بحار علومه ما دام موجوداً بينهم ، ولم يكن يهدف أبداً - لا سامح الله - إلى تبجّح ، أو مماراة مع أحد ، لكن لم يفهمه بعض من عاصره ، ولم يتحمّل منه ذلك ، وظنَّ أنّه مثل بقية الناس ، فسعى في إحراجه قائلاً : " لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة ، لأخجلنّه اليوم لكم في مسألتي إياه فقال : يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك ؟
قال : ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي أعبد ربّاً لم أره .
قال : فكيف رأيته ؟ صفه لنا .
[ فوصف الإمام (عليه السلام) ربّه بكلمات لم يُسمع بها من قبل ] ، فخرَّ ذعلب مغشياً عليه ، ثمّ قال : تالله ما سمعت بمثل هذا الجواب والله لا عدتُ إلى مثلها " (3) .
لقد كان هو في واد ، والناس في واد آخر ، لا يعرفون ما يقول ولا يهتدون إلى ما يريد .
قال (عليه السلام) : " ولو تعلمون ما أعلم ممّا زوي عنكم غيبه إذن لخرجتم إلى الصّعدات ، تبكون على أعمالكم ، وتلتدمون على أنفسكم ولتركتم أموالكم لا حارس لها ، ولا خالف عليها ، ولهمّت كُلّ امرئ منكم نفسه ، لا يلتفتُ إلى غيرها ، ولكنّكم نسيتم ما ذكرتم ، وأمنتم ما حذرتم ، فتاه عنكم رأيكم ، وتشتت عليكم
1) - نهج البلاغة 4 : 36 ، الحكمة 147 .
أمركم " (1).
ولقد كان (عليه السلام) يتمنّى أن يفارق قومه ، وهو أميرهم ! ! ، وهذا من الاُمور التي لا سابق لها ولا لاحق ، قال (عليه السلام) : " ولوددت أنّ الله فرق بيني وبينكم ، وألحقني بمن هو أحقّ بي منكم ; قومٌ والله ميامين الرأي ، مراجيح الحلم ، مقاويلُ بالحقّ ، متاريك للبغي ، مضوا قدماً على الطريقة ، وأوجفوا على المحجّة ، فظفروا بالعقبى الدائمة والكرامة الباردة " (2).
هذا ، وقال سعيد بن المسيب : " لم يكن أحدٌ من الصحابة يقول : سلوني إلاّ علي بن أبي طالب " (3).
وما ادّعى أحدٌ العلم ، وقلّد أمير المؤمنين في قوله : " سلوني قبل أن تفقدوني " (4)، إلاّ فضحه الله كرامة لأمير المؤمنين (عليه السلام) الذي قال : " لا يقولها بعدي إلاّ مدع أو كذّاب مفتر " (5).
فقد ادّعى ذلك أمثال مقاتل (6)وقتادة (7)وإبراهيم المخزومي القرشي (8)، ففضحهم الله على رؤوس الأشهاد .
من هنا يحقّ لمثل " عقيل بن بكار " أن يتمسّك بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل بيته الكرام (عليهم السلام) ، ويترك ولاية غيرهم ، لأنّهم لا يمثلّون شيئاً يعتدُّ به أمام عظمة من اختارهم الله .
ولد " عمار جمعة " عام 1394 ه ( 1975 م ) بمدينة كيغوما في تنزانيا ونشأ شافعياً في أوساط عائلة تعتنق هذا المذهب .
لقاء من شخص شيعي :
يتمتع " عمار " بعقلية متفتّحة ، بعيدة عن التعصّب والانغلاق ، وهذا ما جعله يطّلع على كثير من عقائد الأديان والفرق الإسلامية وغير الإسلامية من خلال القراءة والمطالعة تارة ، ومن خلال أصحاب هذه العقائد تارة أخرى .
وذات يوم التقى " عمار " بشخص شيعي في تنزانيا ، ودار بينهما حوار حول المذاهب عموماً ، وحول مذهب أهل البيت (عليهم السلام) على وجه الخصوص ، فعرف خطوط المذهب العريضة ونقاط الخلاف الرئيسية بين الفريقين ، إلاّ أنّ لقاءً واحداً لم يكن كافياً للمعرفة والإحاطة التامّة بالشيعة والتشيّع .
نشأة التشيّع :
ولأجل معرفة هذا المذهب الذي يشكلّ أتباعه ثلث مسلمي العالم تقريباً ، قام " عمار جمعة " بالاستفسار عن نشوء هذا المذهب فقام الشخص الشيعي بشرح البداية التي ظهر فيها مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، فالتشيّع نشأ على عهد رسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقد كان جماعة من الصحابة النجباء التفوا حول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، أمثال سلمان الفارسي ، وأبي ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود ، وعمّار بن ياسر ، و . . . ، كما التزم هؤلاء بتأييده بعد وفاة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حتّى أنّ قسماً منهم استشهد بين يديه ، مثل عمّار بن ياسر ، ومنهم من استشهد مع ولده (عليه السلام) ، كحبيب بن مظاهر الأسدي الذي استشهد في معركة الطف مع الإمام الحسين (عليه السلام) .
في حين أنّ بقية المذاهب نشأت بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعشرات السنين ، فكلّها ظهرت في القرن الثاني الهجري ، فالتشيّع هو أس الإسلام ، وهو سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
نقطة التحول :
بعد أن عرف " عمّار " شيئاً حول نشأة التشيّع ، قام بمراجعة المصادر كي يتحقّق مما سمع ، فوجد بالإضافة إلى ذلك حقائق أخرى هزّته ، كحديث الثقلين ، وحديث السفينة . . . ، التي تبيّن وزن أهل البيت (عليهم السلام) وثقلهم .
ولم يكتف بذلك ، بل أخذ بالتتبع طول سبعة أشهر ليكون على بيّنة من أمره ، فراجع كتب التفسير والحديث والتاريخ والفقه والعقائد ، فوجد أنّ كفّة مذهب العترة هي الأرجح والأولى بالاتّباع ، فسار باتّجاهها وهجر معتقده السابق ، ليكون أحد الراحلين باتّجاه الثقلين .
ولد في تنزانيا بمحافظة كيغوما ، قرية " إملاتي " ، شملته العناية الربانية ، فأخذت بيده إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
يقول " قاسم " حول كيفية استبصاره في رسالة كتبها إلى دار الهدى والمركز الإسلامي في تنزانيا : " اقتنعت بالأدلّة والنصوص الصريحة الدالة على ولاية أهل البيت (عليهم السلام) ومحبّتهم والاقتداء بهم ، واكتفيت بها .
ومن الأدلّة آية التطهير ، حيث يقول تعالى : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * (1).
وقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق " (2).
وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : " إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " (3).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً : " أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي " (4).
فيا معشر المسلمين ، بهذه الأدلّة الصريحة والصحيحة والثابتة عند الفريقين رأيت أنّ الواجب يحتّم عليّ محبّة وإطاعة أهل البيت (عليهم السلام) الذين أورثهم الله الكتاب والإمامة .
وأسأل الله أن يجعلني من المدافعين عن حقوقهم الشريفة والخادمين لهم ، وأن يرزقني شفاعتهم يوم القيامة لأنّي قد اخترت مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية طريقاً ومسلكاً أقتدي به " .
حديث السفينة :
ورد هذا الحديث في العديد من كتب ومصادر أهل السنّة ، وأجمع علماء الإسلام على صحّته وكونه من الأحاديث المستفيضة التي أوشك بلوغها حدّ التواتر .
وقال ابن حجر في كتابه " الصواعق المحرقة " :
" ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات ، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم ، وهلك في مفاوز الطغيان " (1).
كما أيّد الإمام الشافعي حديث السفينة ، وقد نسب إليه العجيلي في ذخيرة المآل الأبيات التالية :
ولمّا رأيت الناس قد ذهبت بهم * مذاهبهم في أبحر الغيّ والجهل
ركبت على اسم الله في سفن النجا * وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل
وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهم * كما قد أُمرنا بالتمسّك بالحبل
إذا افترقت في الدين سبعون فرقة * ونيف كما قد جاء في محكم النقل
ولم يك ناج منهم غير فرقة * فقل لي بها يا ذا التفكّر والعقل
1) - الصواعق المحرقة 2 : 446 .
أفي الفرق الهلاك آل محمّد * أم الفرق اللاّئي نجت منهم قل لي
فإن قلت في الناجين فالقول واحد * وإن قلت في الهلاك حدث عن العدل
إذا كان مولى القوم منهم فإنّني * رضيت بهم لا زال في ظلّهم ظلّي
فخلّوا عليّاً لي وليّاً ونسله * وأنتم من الباقين في أوسع الحلّ (1)
1) - لماذا اخترت مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ؟ ، محمّد مرعي الأمين الأنطاكي : 59 .
من مواليد تنزانيا ، تلقّى دروسه الدينية في المملكة العربية السعودية ، ثمّ عاد إلى بلده في مدينة " كيغو " ، فنال مكانة رفيعة بين الناس ، فالتفت حوله جموع غفيرة للاستفادة من علومه الدينية ، ثمّ شغل سمة إمامة الجمعة والجماعة في المسجد الجامع لمدينة " كيغو " ، وكان نشطاً في عمل التبليغ والدعوة لمذهب الوهابية بحيث تمكّن من التأثير الكبير على أبناء مجتمعه في هذا المجال ، لكّنه لمّا أعلن تشيّعه واعتناقه لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، تلقّى التيار الوهابي المنتشر في المنطقة ضربة قويّة ، فضعفت جبهته في تلك المنطقة ، إذ إنّ " الشيخ مسيمو " سارع إلى تنظيم جلسات مكثّقة لدعوة الناس إلى التشيّع ، فاستبصر على يده الكثير من أبناء منطقته ، ثمّ تبرّع أحد الأثرياء ببناء مسجد لهم ، فكان يقيم كافّة نشاطاته للدعوة إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك المسجد لا سيّما في شهر رمضان وفي المناسبات الدينية .
التوسّل بغير الله :
كان " مسيمو " يعتقد قبل استبصاره بأنّ الشيعة جعلوا مع الله شريكاً في طلب الحاجات والتوسّل بغير الله تعالى ، وكلّ من يجعل واسطة بينه وبين الله سبحانه فهو مشرك ، ولكن وجد " مسيمو " بأنّ هذا التعريف للشرك من التصوّرات
الخاطئة لعلماء الوهابية ; لأنّ القرآن الكريم صرح بجواز التوسّل وطلب الحاجات من غير الله .
مثال ذلك نبي الله سليمان (عليه السلام) : * ( قَالَ يَا أَيُّهَا المَلاَ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ . . . ) * (1).
وقال السيّد محمّد الموسوي في كتابه ليالي بيشاور :
" من الواضح أنّ الإتيان بعرش بلقيس من ذلك المكان البعيد ، بأقل من لمحة بصر ، لم يكن هيناً ، وليس من عمل الإنسان العاجز الذي لا حول له ولا قوّة ، فهو عمل خارق للعادة ، وسليمان مع علمه بأنّ هذا العمل لا يمكن إلاّ بقدرة الله تعالى وبقوّة إلهية ، مع ذلك ما دعا الله سبحانه في تلك الحاجة ولم يطلبها من ربّه عزّ وجلّ ، بل أرادها من المخلوقين ، واستعان عليها بجلسائه العاجزين .
فهذا دليل على أنّ الاستعانة بالآخرين في الوصول إلى مرادهم ، وطلب الحوائج من الناس لا ينافي التوحيد وليس بشرك ، فإنّ الله سبحانه وتعالى جعل الدنيا دار أسباب ومسببات وعالم العلل والمعلولات " (2).
كما ورد في كتب أهل السنّة كصحيح البخاري : " إنّ عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعبّاس بن عبد المطلب ، فقال : اللّهم إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقنا ، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا ، قال : فيسقون " (3)
التمييز بين الحق والباطل :
إنّ البحوث التي أجراها " مسيمو " في مختلف المواضيع العقائدية والتاريخية والفقهية أثبتت له أحقيّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ولزوم اتّباعهم ، فلهذا أعلن استبصاره وبذل غاية جهده لتغيير معتقدات الذين كانوا متأثّرين بالوهابية من خلاله ، وتمكّن " مسيمو " أنّ يغيّر عقيدة أبناء منطقته بسرعة نتيجة قوّة الأدلّة الشيعية التي كان يبيّنها للناس .
ولد " هاتيمانا " في جمهورية تنزانيا عام 1397 ه ( 1977 م ) ، نشأ في أُسرة مسيحية ذات أصل رواندي ، ثمّ اعتنق الدين الإسلامي وغير اسمه إلى " حسين شهيد " .
بين المسيحية والإسلام :
درس " هاتيمانا " مدة أربع سنوات في المدارس الدينية المسيحية الكاثوليكية ، اطلّع خلالها على مبادئ الدين وعقائده وكتابه " المقدّس " لا سيما العقد القديم ، ولأنّ المدارس المسيحية في إفريقيا - على ما يبدو - منكفئة على اعتقاداتها فقط وبدون استعراض ومقارنة مع بقية الأديان ، فقد بقي " هاتيمانا " جاهلاً بالإسلام ولا يعرف عنه إلا الشيء القليل .
وشاءت القدرة الإلهية ان يلتقي بشخصين تنزانيين مسلمين في رواندا جاءا لغرض التبليغ والدعوة للإسلام - على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) - فدارت بين الطرفين أحاديث حول كلّ من الديانتين ، واستمرت اللقاءات والمناقشات وإذا به يصل إلى الأمور التالية :
1 - إنّ التوحيد في الإسلام واضح لا تشوبه شائبة ، أمّا في المسيحية فهو مثلث وتفسيره غير واضح ومتأرجح بين الشرك والوحدانية .
2 - إنّ طبيعة المسيح (عليه السلام) في القرآن الكريم معلومة وصريحة ، أمّا عند أهل الكنيسة فهي محل اختلاف .
3 - إنّ كتاب المسلمين واحد وغير متعدّد منذ بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبينما أناجيل المسيحيين جاءت في أزمنة مختلفة ، وفيها من التناقض والافتراق ما هو جلي ، بل إنّ محاورها اُعيدت كتابتها في مراحل مختلفة ، وما إلى ذلك من الفوارق بين الإسلام وما يتبناه ويدعو إليه وبين النصرانية وما تقدّم عليه .
مواصلة البحث واتّباع الفرقة الناجية :
كلّ هذه الأمور وغيرها جعلت " هاتيمانا " يراجع وضعه الديني ، فقرّر اعتناق الإسلام ، فبدأ بأخذ تعاليمه من الينبوع الصافي ، من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة .
ولجعل الصورة واضحة أمامه فقد أخبره زميلاه أنّ الإسلام فيه فرق ومذاهب وهذه فيما بينها يوجد فرق ، وكان هذا الأمر حافزاً له في المطالعة والدراسة لبقية الفرق ، وأخذ يقارن ويستحصل النتائج ، فكانت سفينة نوح - وهم أهل البيت (عليهم السلام) (1)كما عبّر عنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - المركب الذي اختاره ليصل إلى شاطئ الأمان ثُمّ درس " هاتيمانا " الدراسة الإسلامية في تنزانيا أربع سنوات وفي رواندا سنتين وكانت في مجالات الفقه والعقائد والقرآن .
كما أنّه يحسن اللغات التالية : السواحيلية ، الفرنسية ، العربية ، الفارسية ، البرتغالية .
وقد تمكّن بفضل الله تبارك وتعالى من هداية أخيه وأخته إلى الإسلام ، وكذلك أربعة من أصدقائه .
1) - المستدرك على الصحيحين 2 : 343 .
الصورة
ولد " هاشم رمضان " بمدينة كيغوما عام 1399 ه ( 1979 م ) في تنزانيا ، نشأ وترعرع في أوساط عائلة شافعية .
دخل بعد تخرّجه من الابتدائية في المدارس الدينية الشافعية ، ودرس فيها لمدّة سنة واحدة .
تعرّفه على أستاذ شيعي :
في الفترة التي كان فيها " هاشم " طالباً في المدرسة الشافعية الدينية ، تعرّف على أحد أساتذتها وكان شيعي المذهب ن وهو تنزاني اسمه جعفر رمضان ، وجرى بينهما حديث حول مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بداية نشوئه وآثاره في مسيرة الإنسانية عموماً والإسلام على وجه الخصوص ، وتوالت الأحاديث ومناقشات للوقوف عن كثب على حقيقة الأمر ، وفي أحد الأيام دعاه الأستاذ إلى مدرسة دار الهدى - وهي مدرسة شيعية - لأخذ بعض الدروس ومعايشة الشيعة من قرب .
الانتقال إلى مدرسة شيعية :
وتقدّم " هاشم " بطلب رسمي للقبول في مدرسة دار الهدى فقُبل فيها ، وكان في بادئ الأمر يستمع ولا يناقش ليكوّن فكرة عامة عن هذا المذهب ، ومن ثمّ بدأ
بطرح الأسئلة والاستفسارات والتعقيب على الإجابة - إن وجد - ، ومضت فترة حتّى شرع بالنقاش ، وكانت مسألة الصحابة وعدالتهم من المسائل الأولية في بحثه ، ثمّ الوضوء والكيفيّة التي يتوضّأ بها الشيعة ، ثمّ بقية المعتقدات .
تصحيح النظرة إلى الصحابة :
وبعد أخذ وردّ مع الأساتذة في المدرسة حول صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجد أنّ تلك النظرة القدسية لأكثر هؤلاء بدأت بالانهيار ، لا سيّما الثلاثة " أبو بكر ، عمر ، عثمان " ، ومواقفهم التي أثّرت في مسيرة المسلمين فيما بعد !
فهذا أبو بكر ، كان مشروعه الأوّل للخلافة ، أنّه أحرق كل أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) التي كتبها هو شخصياً ، كما أنّه نهى الناس عن نشر حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حيث قال : " إنّكم تحدّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً ، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً ، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله " (1).
فما معنى هذه الحساسيّة اتجاه أحاديث وآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) !
وعندما آلت الخلافة إلى عمر ، بانت اجتهادات الرجل مقابل النص القرآني الكريم ، والنص النبوي الشريف ، بل شرّع أموراً ما أنزل الله بها من سلطان مثل ( تحريم زواج المتعة ، ومتعة الحج ، وإقامة صلاة التراويح ، وحذف حيّ على خير العمل من الآذان . . . ) .
أمّا فترة عثمان فقد كانت عامرة بإيواء من نبذهم وطردهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما أنّها شهدت ظهور الطبقية في المجتمع الإسلامي ، أضف إلى ذلك انتهاكه لحرمة كتاب الله العزيز ، من خلال حرقه ، بحجّة جمعه على نسخة ونسق واحد ، و . . .
ومن هذا المنطلق عرف " هاشم رمضان " الكثير من الحقائق المخفية ، فاعتزلهم وما يعبدون ، وإنظم إلى سفينة النجاة التي أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالركوب فيها .
1) - تذكرة الحفّاظ للذهبي 1 : 3 ، ترجمة أبي بكر .
من مواليد دولة تنزانيا ، تصدّى لإمامة الصلاة في مسجد قرية " مكونغور كغوما " بعد إكمال دراسته الدينية ، وهو يؤدّي عمله التبليغي الإسلامي الشريف في هذه القرية .
سبب استبصاره :
يقول الأخ ياسين : " أخذت بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) لأنّي عرفت أنّ هناك أدلة كثيرة من الآيات والروايات توجب الأخذ به والتمسّك بولاته المعصومين (عليهم السلام) ، وتركتُ تقليد المذاهب الأربعة لأنّه لا دليل من النصوص على الأخذ بها .
إنّ المذهب الشيعي يدعو للتمسّك بالثقلين : القرآن الكريم ، والعترة الطاهرة ، كما دعا إلى ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (1)، وقد دعا القرآن الكريم نفسه للتمسّك بأهل البيت (عليهم السلام) ، ببيان عظمتهم ورفعة شأنهم .
قال تعالى في آية التطهير : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
1) - في حديث الثقلين الذي رواه السنّة فضلاً من الشيعة ، اُنظر : حديث الثقلين تواتره ، فقهه ، علي الحسيني الميلاني .
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * (1).
وقال سبحانه أيضاً في آية الموّدة : * ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) * (2).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً : " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق " (3).
فهم سفينة النجاة التي تجوب الأمواج العاتية ، وتعبر البحور المتلاطمة لتصل بركابها المؤمنين إلى شاطئ الأمان والرحمة في جنان الخلد التي هيّأها الله لعباده العارفين المخلّصين " .
المذاهب الأربعة بين الدليل الشرعي وواقع المسلمين :
تأخذ الأكثرية من المسلمين في الأحكام الفقهية بمذاهب الأئمّة الأربعة :
أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وابن حنبل ، ولكنّك لو سألت عن الدليل الشرعي الذي يدعو للأخذ بهذه المذاهب دون غيرها ، لم يأتك الجواب الشافي الذي يمكن أن تجعله دليلاً تدين الله به ، ولم تجد الحجّة البالغة التي يمكنك أن تحتجّ بها في يوم الحساب .
ماذا قال أئمة المذاهب الأربعة ؟
وقد صرّح الأئمّة الأربعة أنفسهم بالنهي عن تقليدهم ، قال أبو حنيفة :
" لا يحلّ لمن يفتي من كتبي أن يفتي حتّى يعلم من أين قلت " (4).
وقيل لأبي حنيفة : " إذا قلت قولاً وكتاب الله يخالفه ؟ قال : اتركوا قولي
بكتاب الله ، فقيل له : إذا كان خبر الرسول يخالفه ، قال : اتركوا قولي بخبر الرسول " (1).
وقال أيضاً : " قولنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه ، فمن جاءنا بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منّا " (2).
وقال مالك : " إنّما أنا بشر أُخطئ وأصيب ، فاُنظروا في رأيي فكلّ ما وافق الكتاب والسنّة فخذوه ، وكلّ ما لم يوافق الكتاب والسنّة فاتركوه " (3).
وقال الشافعي : " إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقولوا بسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعوا ما قلت " (4).
وقال أحمد بن حنبل : " لا تقلّدني ، ولا تقلّد مالكاً ، ولا الشافعي ، ولا الأوزاعي ، ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا " (5).
عقبات في طريق تقليدهم :
1 ) الأئمّة الأربعة قد ماتوا منذ زمن بعيد فكيف يجوز تقليدهم الآن ؟ !
2 ) لم يعاصر الأئمّة الأربعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهم لم يشاهدوه ولم يسمعوا منه مباشرة ، وبينهم وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر من مائة سنة .
3 ) إنّ الخلاف شديدٌ بين المذاهب الأربعة ، والخلاف ناشب بين فقهاء المذهب الواحد ، وحكم الله واحد لا يتعدّد ، ولم يكن الخلاف نظرياً فقط ، بل تعدّاه إلى المعارك والفتن (6).
4 ) لا يمكن اختيار مذهب دون غيره من هذه المذاهب بمرجح شرعي ، كما أنّ هذه المذاهب نفسها لا مرجحّ لها على غيرها .
5 ) السياسة هي التي رجحّت هذه المذاهب ، ولو رجّحت السياسة مذاهب اُخرى فكانت هي السائدة الآن (1).
6 ) الأئمّة الأربعة خالفوا السنّة ولو عن غير قصد ، مثل : طلاق الثلاث بلفظ واحد ، فقد حسبوه ثلاث طلقات خلافاً لسنّة الرسول (2)، وغير ذلك كثير (3).
حيرة الزمخشري مع المذاهب الأربعة :
كان الزمخشري المفسّر المعروف صاحب تفسير " الكشّاف " يخفي مذهبه ، ولا يبرزه أمام الناس ، وهذا يعبّر عن معاناته مع هذه المذاهب ، وعدم استقرار قلبه على قبولها ، ثمّ هو يطلب السلامة من لوم الناس وتعبيره بسقطات هذه المذاهب ، ممّا يعبّر عن الصراع العنيف بين فقهاء هذه المذاهب الذي سرى إلى عوام الناس .
وقد عبّر عن ذلك بقوله :
إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به * وأكتمه وكتمانه لي أسلمُ
فإنّ حنفياً قلتُ قالوا بأنّه * يبيحُ الطلا وهو الشرابُ المحرَّمُ !
وإن مالكياً قلت قالوا بأنّني * أبيحُ لهم أكل الكلاب وهم همُ !
وإن شافعياً قلت قالوا بأنّني * أبيحُ نكاح البنت والبنت تحرمُ !
وإن حنبلياً قلت قالوا بأنّني * ثقيل حلولي بغيض مجسِّمُ ! (4)
من هنا نجد أنّ الدليل الشرعي لتقليد هذه المذاهب غير موجود ، وأنّ أئمة المذاهب الأربعة دعوا الناس إلى عدم تقليدهم ، ووجدنا أنّ هناك موانع تمنع من
التمسّك بهذه المذاهب ، ولا يجوز لعاقل أن يتخطّاها ، كما لا يصح لمسلم أن يتغافل عنها .
وهكذا نجد أنّ الأخ " ياسين " كان محقّاً في ترك هذه المذاهب التي لا يعلم مصير من تعلّق بها ، على العكس من مذهب آل البيت (عليهم السلام) الذي يدعمه الدليل ويقبله الوجدان ، فالتمسّك به نجاة ، وورود على حوض الكوثر مع النبي وآله .
ولد في تنزانيا ، وهو يعيش حالياً في قرية " امكيرة " ، كتب رسالة إلى دار الهدى والمركز الإسلامي في تنزانيا جاء فيها : " . . . اتّبعت عترة النبي والأئمّة ومالي سبيل سوى اعتناق مذهب الشيعة الإمامية ، وهنالك أدلة واضحة لأحقيّة هذا المذهب ، وقد ثبت عندي أنّ الشيعة يوالون أهل البيت (عليهم السلام) الذين أوصى الله بهم ، ولكن الظالمين يكتمون الحق وهم يعلمون .
فيا إخواني علينا باتّباع وحبّ أهل البيت (عليهم السلام) إذ لولاهم لما اهتدينا لما يريد منّا ربّنا ، ولا عرفنا رضاه .
وأسأل الله الهادي أن لا يجعلنا ممن لا يبصرون نوره ولا يخافون أمره ، وأن يحشرنا في زمرة الناجين " .
الصلاة على آل محمّد (عليهم السلام) :
إنّ اهتمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأهل بيته لم يكن ناشئاً من رغبته النفسية ، بل كان ذلك بأمر من الله الذي اصطفى هؤلاء كما اصطفى آل عمران وآل إبراهيم .
وقد تجسّد هذا الاهتمام في موارد عديدة ، منها : لزوم الصلاة عليهم بعد الصلاة على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في مقام تعليمه المسلمين كيفية الصلاة عليه : " لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء " ، فسألوه كيف نصلّي عليك يا رسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ فقال : قولوا : " اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد " (1).
ولهذا قال الشافعي في أبياته المعروفة :
يا أهل بيت رسول الله حبّكم * فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر أنّكم * من لم يصلّ عليكم لا صلاة له (2)
دور الأكثرية والأقلية في التقييم العقائدي :
وجد " ياسين عمر " بعد أن أملت عليه الأدلة والبراهين التمسّك بالتشيّع ، بأنّه لا يمكن معرفة الحقّ وتميزه عن الباطل من خلال كثرة الأتباع وقلّتهم .
والشيعة وإن كانوا أقل عدداً من عدد بعض أتباع المذاهب الإسلامية ، ولكن لا ينبغي أن يكون لهذا الأمر دور في تقييم معتقداته .
ولهذا أكدّ القرآن على هذه الحقيقة فذّم القرآن الكريم الأكثرية في أغلب الأحيان ، منها :
قال تعالى : * ( وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) * (3).
وقال تعالى : * ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) * (4).
ولهذا قال الإمام علي (عليه السلام) للحرث بن حوط الليثي عندما سأله عن كثرة مخالفيه في حرب الجمل ، فقال : أترى أنّ طلحة والزبير وعائشة اجتمعوا على باطل ؟ !
فقال الإمام علي (عليه السلام) : " يا حار ، أنت ملبوس عليك ، إنّ الحقّ والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال ، وبإعمال الظن ، أعرف الحقّ تعرف أهله ، واعرف الباطل
تعرف أهله " (1).
ومن هنا يجب على كلّ إنسان البحث بصورة علمية ، وأن يضع نصب عينه قوله تعالى : * ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) * (2).
ومن هذا المنطلق تمكّن " ياسين عمر " من اجتياز العقبات التي واجهها في الاستبصار ، وتسلّح بالعلم حتّى أنار هذا العلم له الدرب فتمكّن من التمييز بين الحقّ والباطل ومعرفة الصراط المستقيم .
ولد في مدينة كغوما في تنزانيا ، في عائلة سنية المذهب .
سبب استبصاره :
يقول الأخ يوسف : " توفّقت للاهتداء إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) لوجود الأدلة من القرآن الكريم ، والأحاديث الشريفة على صحّة هذا المذهب ، الذي هو الدين الإسلامي في الواقع ، فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي نصّب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لولاية المسلمين في يوم الغدير ، وهو الذي حثّ المسلمين على محبّة أهل البيت (عليهم السلام) وجعله أجر الرسالة ، كما قال تعالى : * ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) * (1)، وكما قال (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث صريح : " يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش " (2).
وتركت مذهبي الذي لا يقول بالإمامة الإلهية ، حيث جعلوها باختيار الناس وهو مذهب باطل - وإن كان الواقع العلمي لهم أنّهم فرضوا على الناس من اختاروا فرضاً - وقد أدّى ذلك إلى أن تصل الخلافة إلى مثل معاوية ويزيد اللذين ولغوا في دماء المسلمين - وخصوصاً عترة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) - باسم خلافة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
الأئمّة المعصومون المصداق الوحيد لحديث الخلفاء الاثنا عشر :
حدّد حديث الاثني عشر عدد الخلفاء أو الأمراء أو الأوصياء أو الحجج أو القيّمين الذين يخلفون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في إمامة هذه الأُمّة إلى قيام الساعة ، وقال الإمام علي (عليه السلام) : " إنّ الأئمّة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة غيرهم " (1).
وهذا يدلُّ على أنّ الإمامة قضية لم تترك لاختيار الناس ، بل إنّ سلسلة الأئمّة الاثني عشر منظومة إلهية مصطفاة من لدنه سبحانه ، ولها ارتباط بدعوة إبراهيم الخليل (عليه السلام) ، حيث طلب من الله سبحانه وتعالى أن تكون الإمامة في ذريّته بعد اختيار الله سبحانه وتعالى له إماماً للناس ، قال تعالى : * ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) * (2).
حيرة علماء مدرسة الخلفاء في تفسير الحديث :
واجه علماء أهل السنّة حيرة شديدة في تفسير الحديث وفق الواقع العملي لمن تسمّى بالخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما هو ديدنهم في تصويب ما جرى في تاريخ المسلمين .
قال ابن العربي المالكي : " إذا عددنا منهم اثني عشر انتهى العدد بالصورة إلى سليمان [ بن عبد الملك ] ، وإذا عددناهم بالمعنى كان معنا منهم خمسة ، الخلفاء الأربعة وعمر بن العزيز ، ولم أعلم للحديث معنى " (3).
وقال السيوطي : " وقد وجد من الاثني عشر خليفة الخلفاء الأربعة ، والحسن ومعاوية ، وابن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز ، هؤلاء ثمانية ، ويحتمل أن
يضمّ إليهم المهتدي من العبّاسيين ; لأنّه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية ، وكذلك الظاهر ; لما أوتيه من العدل ، ويبقى الاثنان المنتظران أحدهما المهديّ ; لأنّه من آل بيت محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) " (1).
وقال ابن كثير : " فهذا الذي سلكه البيهقي وقد وافقه عليه جماعة ، من أنّ المراد بالخلفاء الاثني عشر المذكورين في هذا الحديث هم المتتابعون إلى زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق الذي قدّمنا الحديث فيه بالذم والوعيد ، فإنّه مسلك فيه نظر ، وبيان ذلك : أنّ الخلفاء إلى زمن الوليد بن يزيد هذا أكثر من اثني عشر على كلّ تقدير . . .
وعلى كلّ تقدير فهم اثنا عشر قبل عمر بن عبد العزيز ، فهذا الذي سلكه على هذا التقدير يدخل في الاثني عشر يزيد بن معاوية ، ويخرج عمر بن عبد العزيز الذي أطبق الأئمّة على شكره وعلى مدحه ، وعدّوه من الخلفاء الراشدين . . .
فإن قال : أنا لا أعتبر إلاّ من اجتمعت الأُمّة عليه ، لزمه على هذا القول أن لا يعدّ عليّ بن أبي طالب ولا ابنه [ الإمام الحسن (عليه السلام) ] ; لأنّ الناس لم يجتمعوا عليهما ، وذلك أنّ أهل الشام بكمالهم لم يبايعوهما " (2).
ويضاف إلى ذلك أقوال اُخرى واهية ردّها علماء السنّة أنفسهم ، ومن هنا يتبيّن مدى الضعف في تفسير هذا الحديث لدى علماء أهل السنّة ، ويظهر واضحاً عدم الاتّفاق فيما بينهم على تفسير مقبول لديهم ، وهذا ممّا يدل على أنّ جميع تفاسيرهم للحديث لا تملك نصيباً من الصحة ، وهذا هي نتيجة معاندتهم في قضية الإمامة التي هي أساس انحرافهم عن الدين الصحيح .
وعليه فقد اقتضى ذلك أن يتبعوا سياسة الإخفاء والكتمان والحذف والتحريف ، والاختلاق والجعل والتأويل والتضعيف والاحراق والنهي عن كتابة
السنّة الشريفة و . . . و . . .
ولكن يأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ، ويذيع الحقّ ولو على لسان المعاندين ; لأنّ الأمر أمر دين ، وليحيى من حيَّ عن بينة ، وليهلك من هلك عن بينة .
قال ابن طاووس في ربيع الشيعة :
" وإذا كانت الفرقة المخالفة قد نقلت أحاديث النصّ على عدد الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) كما نقلته الشيعة الإمامية ، ولم تنكر ما تضمَّنه الخبر فهو أدل دليل على أن الله تعالى سخرهم لروايته وإقامة لحجته ، وإعلاء لكلمته ، وما هذا الأمر إلاّ كالخارج للعادة ، والخارج عن الأُمور المعتادة ، لا يقدر عليه إلاّ الله سبحانه الذي يذلل الصعب ، ويقلب القلب ، ويسهّل العسير ، وهو على كلّ شيء قدير " (1).
وقال الشيخ كاشف الغطاء :
" ولعمري ، إنّ هذه الأخبار إن لم تكن من المتواترة على كثرتها ، وكثرة رواتها وكثرة الكتب التي نقلت فيها لم يكن متواتر أصلاً ثمّ إن لم تكن متواترة فهي من المحفوفة بالقرائن ، وإنّما حفّت بلطف الله وكان مقتضى الحال إخفاءها ; لإخلالها بدينهم المؤسس بالسقيفة المودع في ضمن تلك الصحيفة ومخالفتها لهوى الأُمراء ، فظهورها - مع أنّ المقام يقتضي إخفاءها - قرينة على أنّ الجاحد لا يمكنه إنكارها ، كما أنكر كثيراً من إضرابها " (2).
ومن هنا توجّه الأخ يوسف إلى أنّ الدليل العلمي مع أهل البيت المعصومين المؤيّدين من قبل الله سبحانه وتعالى ، فاختار مذهبهم الذي ينصره الدين وترك مذهبه الذي لا إمام له مختارٌ من قبل الله ، وإنّما اختارهم الناس ! ! والأمر أمر دين تابع لله .
من مواليد مدينة توغو ، نشأ في بيئة أملت عليه عقائد مذهب أهل السنّة ، وعندما التحق بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لطلب العلم ، لم يكن وقت دخوله للمدرسة يفرّق بين مذهب أهل السنّة ومذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، وإنّما كان هدفه مجرّد طلب العلم .
وبعد فترة تعرّف على أستاذ اسمه " سليمان " ، فدار بينهما حوار حول الأمور العقائدية وكان الأستاذ سليمان وهابي المسلك ، فلّما تكلّم " محمّد الأوّل " في المجال العقائدي اعترض " سليمان " عليه بشدّة واتّهمه بالضلال والانحراف .
وقال سليمان لمحمّد : إنّ سبب وقوعك في الضلال أنّك انتسبت إلى مدرسة شيعية ، فقال له محمّد : إنّ ما أقوله مُدعم بالأدلّة والبراهين ، ويمكنك تغيير معتقداتي فيما لو بيّنت لي الأدلة المحكمة في هذا المجال .
أدلّة في مقابل أدلّة :
من هنا توجّه " محمّد الأوّل إبراهيم " للبحث بجدّ واجتهاد ، وبدأ بدراسة مقارنة بين المذهب الشيعي والمذهب السنّي .
وكان " سليمان " يقدّم أدلته لمحمّد ، ثمّ يبيّن " محمّد " أدلته لسليمان ، وبعد
فترة كشف " محمّد " بأنّه كان على مذهب أهل السنّة انتساباً إلى أبيه ، ولكنه بعد دخوله لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أملت عليه الأدلّة والبراهين أن يكون شيعياً من دون الالتفات إلى هذا التغيير ، ولكنه اشتدّ التزامه بالتشيّع بعد معرفته بأهم الاختلافات العقائدية الموجودة بين الشيعة وأهل السنّة وبعد اطلاعه على أدلّة الطرفين .
المقصود من الشيعة :
عرف " محمّد الأوّل " بعد إلمامه بوجود الاختلافات بين المذاهب الإسلامية أنّ الشيعة في اللغة تعني الاتباع ، وورد في القرآن الكريم : * ( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لاَبْرَاهِيمَ ) * (1)، أي أنّه من أتباع نوح إبراهيم .
والشيعة في اصطلاح المسلمين تعني فرقة إسلامية تعتقد بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عيّن بأمر من الله تعالى الإمام علي (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام) للمرجعية الدينية والمرجعية السياسية من بعده .
ويطلق مصطلح الشيعة على شيعة الإمام علي (عليه السلام) لالتزامهم بأمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والتفافهم حول الإمام علي (عليه السلام) بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وأوّل من أطلق هذا المصطلح هو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال : كنّا عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقبل علي فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : " والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة " (2).
وأمّا ادّعاء البعض بأنّ الشيعة والتشيّع وليد عصور متأخرّة فهو ادّعاء واه وفاقد للدليل والبرهان ، ولا يخفى أنّ التشيّع كان المذهب الذي واجه أشدّ الهجمات من سلاطين الجور والطغاة ، ولكنه على رغم كلّ هذه الضغوطات تمكّن أن يصمد أمام كلّ التيارات المعاكسة ، ويزداد أتباعه - ولله الحمد - يوماً بعد آخر .
ولد عام 1388 ه ( 1969 م ) في تونس ، حاصل على شهادة الثانوية ، كان منذ صغره مولعاً بمطالعة الكتب والمجلات والحديث مع الآخرين في المجالات الثقافية والعلمية .
ومن هذا المنطلق حصل أبو حسن على خزين علمي تمكّن من خلاله أن يتحرّر من موروثاته العقائدية ، ويشيّد لنفسه عقيدة مبتنية على الأدلّة والبراهين ، وكان استبصاره عام 1407 ه ( 1987 م ) .
دين الله لا يعرف بالرجال :
يقول " أبو حسن " حول تقييمه لمذهب أهل السنّة : أهم إشكالية موجودة في إخواننا أهل السنّة أنّهم لا يفصلون بين الإسلام كدين سماوي وبين سيرة الخلفاء ، ويعتبرون أنّ الخلفاء هم الإسلام ، أي : إذا أشكلت على الخلفاء فأنت تشكل على الإسلام !
وأهم ما يستدل به أهل السنّة على مشروعية خلافة أبي بكر بأنّها لو كانت مخالفة لما يريده الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قبلها أكثرية الصحابة ، ولكنّهم لا يلتفتون إلى هذه الحقيقة بأنّ الصحابة قد يغفلون عن حقائق كثيرة ، كما أنّ الأنصار طالبوا بالخلافة وهم يعلمون بأنّ الخلافة في قريش من خلال حديث الرسول
الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .
الانفتاح على الآخر :
يقول " أبو حسن " في مساهمة أرسلها إلى موقع مركز الأبحاث العقائدية على الانترنت ، جاء فيها : إخوتي الكرام نحن لا نخشى مثل هذه الشبهات ، لماذا ؟ لأنّنا أصحاب دليل وأصحاب منطق ، ولقد زرت أحد الأخوة من بلدتي ، وطلبت منه أن يأتيني بكتاب شيعي ولو كتاباً واحداً ، ولكن لم يكن عنده ذلك .
قلت له : هذا هو الفرق بين الشيعة وبين أهل السنّة ، اذهب إلى كلّ بيت شيعي تجد فيه كتب أهل السنّة ، وهذا عظيم ، الانفتاح على الآخر ، ومعرفته ماذا يطرح ؟ وماذا يريد ؟
عظمة شأن أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) :
تعتبر واقعة عاشورا من الوقائع المتضمنّة للكثير من الدروس والعبر التي تمدّ الإنسان بالعطاء الروحي والغذاء المعنوي ، وتحفّز الطاقات للعمل في ساحة الخير والصلاح .
والكثير من أهل السنّة الذين يقتربون إلى الاستبصار يجدون بأنّ هذا الأمر يستدعي منهم التضحية ولهذا يكون أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) أسوة لهؤلاء فيتلقّوا منهم درس الإيثار والتضحية . وحول عظمة شأن أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) ينقل لنا " أبو حسن التونسي " قصّة طريفة ن وهي : شكّك أحد الأشخاص ذات يوم في دلالة قول الإمام الحسين (عليه السلام) : " فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا أخير من أصحابي ، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي " (1).
وحاول بهذا التشكيك في الدلالة أن يشكّك في صدور هذا الحديث من
1) - الكامل في التاريخ 4 : 570 .
الإمام الحسين (عليه السلام) ، وكان يقول في تشكيكه : بأنّ أصحاب الإمام الحسين لم يقوموا بعمل خارق للعادة ، بل كان عملهم أمراً طبيعياً يفعله كلّ إنسان في تلك الظروف التي أظهر العدو أقصى الخسة والوضاعة ; لأنّ الإمام الحسين (عليه السلام) سبط النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وريحانته ، وهو ابن علي (عليه السلام) والزهراء (عليه السلام) ، وهو إمام عصره فمن الطبيعي أن ينصره الإنسان المسلم .
ويقول هذا الشخص : رأيت في عالم الرؤيا بعد بيان تشكيكي هذا ، وكأنّي حاضر في واقعة الطف فأعلنت للإمام الحسين (عليه السلام) استعدادي لنصرته ، فقبل الإمام الحسين (عليه السلام) ذلك ، ولمّا حان وقت الصلاة قال الإمام (عليه السلام) : نحن نريد إقامة الصلاة فقف أنت هنا كي تحول بيننا وبين سهام العدو حتّى نؤدّي الصلاة .
فقلت : أفعل يا بن رسول الله ، فشرع (عليه السلام) بالصلاة ، ووقفت أمامه ، وبعد لحظات رأيت سهماً ينطلق نحوي بسرعة ، فلمّا اقترب طأطأت رأسي دون إرادتي فإذا بالسهم يصيب الإمام (عليه السلام) ، فقلت : ما أقبح ما فعلت ، لن أسمح بعد هذا بتكرار مثله ، أي : بوصول سهم إلى الإمام (عليه السلام) .
وبعد قليل أتى سهم ثان فحدث منّي ما حدث في المرّة الأولى ، وأصيب الإمام ثانية بسهم آخر ، وتكررت الحالة ثالثة ورابعة ، والسهام تصيب الإمام أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا لا أمنعها من الوصول إليه .
ثمّ حانت منّي التفاتة فرأيت الإمام ينظر إليّ مبتسماً ، ثمّ قال : " فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا أخير من أصحابي " (1).
فاستيقظت من منامي وعرفت أنّ الله تعالى أراد أن ينقذني من هذه الغفلة والجهالة ، وعرفت أنّنا ينبغي أن نكون من أصحاب العمل ، ولا نكون أهل قول مجرد عن العمل .
1) - الكامل في التاريخ 4 : 57 .
التأثّر بواقعة الطف :
يقول " أبو حسن " حول واقعة الطف : كان في السابق يمرّ علينا محرّم ، ونحن نعيش البعد عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكنّا في تونس نعتبر عاشوراء عيد ، ومن هنا نفهم أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) لا يعرفه الكثير من العامة وحتّى العلماء معرفة جيّدة ; لأنّ الدور الأموي على مستوى تجهيل الأمّة وإبعاد الناس عن الإسلام الأصيل دور فعّال .
يقول " أبو حسن " : كنت جالساً في بيتي وأنا أشاهد بعض الفضائيات الشيعية أيام محرّم الحرام ، وإذا بمجموعة من الأخوة في الجنوب وفي الشمال اتّصلوا بي ، وقدّموا لي التعازي بمناسبة شهر محرّم ، فاستغربت وقلت في نفسي : هذه تونس كانت لا تعتني بمحرم ، ولكنها اليوم على رغم جهود الوهابية حصل هذا التحوّل في وطني الغالي ، وبدأ الناس في تونس يلبسون السواد ، ويضعون بعض الرايات على منازلهم ، ومكتوب فيها : " يا حسين ، يا مظلوم " ، " يا حسين ، يا غريب " ، " يا حسين ، يا شهيد " .
ويضيف " أبو حسن " : لقد أدخل الإمام زين العابدين (عليه السلام) كربلاء إلى عمق الشعور عند المسلم فجعلها جزءً من كلّ مفردة من مفردات حياتهم ، فإذا أكلوا تذكّروا جوع الإمام الحسين (عليه السلام) وإذا شربوا تذكّروا عطش الإمام الحسين (عليه السلام) ، وإذا خلدوا إلى الراحة تذكروا تعب الإمام الحسين (عليه السلام) ومعاناته ، وبذلك تحوّلت كربلاء بفعل الإمام السجاد (عليه السلام) وطريقته الخاصّة إلى أسلوب حياة لدى قسم كبير من أبناء الأمّة الإسلامية .
وبهذا يستلهم الإنسان دائماً من ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ما ينير له الدرب في حياته ، ويمنحه الاستقامة في كلّ الساحات التي تتطلّب الجهاد والمقاومة .
ولد " أحمد الحزامي صالح " بمدينة مارث ، 1392 ه ( 1973 م ) في تونس ، ونشأ معتنقاً للمذهب المالكي ; باعتبار أنّّ عائلته تعتنق هذا المذهب ، وتجدر الإشارة إلى أنّه كان مبلّغاً للمالكية في الضواحي والقرى التابعة لمدينته .
قال : أنا شيعي فسخرت منه !
يروي " أحمد الحزامي صالح " قصّة استبصاره فيقول : في عام 1405 ه ( 1985 م ) تقريباً كنت أجالس أحد المؤمنين ، وصادف ذلك في عشرة شهر محرّم ، فسخر البعض من أحد الشيعة لحزنه في هذه الأيام - ولم أكن سمعت شيئاً في السابق عن الشيعة - فدفعني هذا الأمر للاستفسار ، فسألت أخي فقال ، الشيعة هم الذين يعبدون الإمام عليّ بن أبي طالب ، فتعجّبت من ذلك وتألّمت ، وقلت في نفسي : هل يوجد من يعتقد بهذه الخرافات ؟ ! فصرت أنفر منهم وأتجنّبهم .
في عام 1987 م تحسّنت علاقة أخي بهذا الشيعي ، ومن خلال هذه العلاقة استطاع أن يؤثّر على أخي ، ويقنعه بأحقيّة مذهب التشيّع خلال أشهر ، وخلال تلك الفترة كنت أمارس التبليغ للمذهب المالكي فرأيت كتاب عنوانه " الخلفاء الراشدون " عند أخي ، فسألته عن ذلك الكتاب ، فأجابني : أنا شيعي ، فسخرت منه ، وذكرّته بكلامه السابق ، فأخذ يشرح لي وقائع ، ويعرّفني بأمور لم يكن هو نفسه
عالماً بها ، فغضبت منه ، وحاولت مناقشته بأحقيّة الخلفاء - لا سيّما أبي بكر وعمر - وأقمت دليلي على ذلك بالاستناد إلى الحديث المروي عن طريق أهل السنّة : " لو وضع إيمان أمتي في كفّة وإيمان أبي بكر في كفّة أُخرى لرجح إيمان أبي بكر " ، فأثبت لي أخي بالأدلّة أنّ هذا الحديث موضوع ، كما أثبت لي شرب أبي بكر للخمر (1)وارتكابه للذنوب ، في حين أنّ الإمام علي (عليه السلام) لم يشرك في حياته ، ولكننا لم نصل إلى نتيجة في تلك الليلة " .
إلاّ أنّ الأمر لم ينته بهذا الحد ، بل سلك أخوه طريقاً آخر من أجل جذبه وهدايته لمذهب الحق .
مع صديقي الشيعي :
قام شقيق أحمد بترتيب لقاء بين كلّ من أخيه وصديقه الشيعي لغرض طرح المسألة بعمق وشمول أوسع ، يقول " أحمد " : " التقيت بذلك الشيعي في دكّان أخي ، وحاولت التهرّب منه ، إلاّ أنّه عاملني بلطف وخلق ، وأخذ يشرح لي مشاكل ومعاناة الأمّة الإسلامية وأرجع كلّ تلك المشاكل لرزية يوم الخميس ، ويوم السقيفة ، فدخلت معه في المناقشة ولم أقبل منه ذلك ولمته لقدحه بالصحابة ، وعدّت فذكرت له حديث إيمان أبي بكر ، فأبطله بما قاله أخي من قبل ، بل وزاد على ذلك بأنّ عمر اعترف أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين من شرّها ، وأنّ عمر يقتُل من عاد لمثلها ، وذهب فوراً إلى منزله وجاءني بالمصدر ، فتعجّبت لذلك ، ثمّ استشهد بحديث الثقلين ، وآيات من القرآن الكريم لإثبات عصمة أهل البيت (عليهم السلام) ، لكنّي لم أقتنع بذلك " .
وعلى أثر هذا الجدال توجّه " أحمد " إلى أحد المشايخ ، وقصّ عليه ما جرى ، فأجابه : بأنّ هؤلاء الشيعة لا يجوز الحديث معهم وقراءة كتبهم ! ، فلم يقبل
1) - مجمع الزوائد 5 : 51 ، باب تحريم الخمر .
منه ذلك وأجابه : بأنّ الدين الإسلامي دين البرهان والدليل ، فردّ عليه الشيخ : بأنّ الشيعة لهم أسلوب خاص في التشكيك .
لكنّه لم يتعقّل هذه الإجابة ، فقد عرف أنّها مجرد تملّص لا أكثر ! !
الدخول إلى مرحلة الاحتياط في الدين :
وبقيت محاولات أخيه مستمرة ، وطلب منه أن يواصل البحث في كتب الفريقين ، وأن يجعل الموضوعية والدقّة من الموازين المهمّة في بحثه ، ليتمكّن من التمييز ، ثمّ إنّ الصديق الشيعي قام بإعطائه كتاب ( ثمّ اهتديت ) .
يقول " أحمد الحزامي " : " أعطاني الشيعي كتاب ( ثمّ اهتديت ) فطالعته وأعجبت به ، وإن بقيت بعض الشبهات عالقة في ذهني ، كالتهجّم على الصحابة ، وبعدها أعطاني كتاب ( المراجعات ) ، وهذا الكتاب درسته بتعمّق ، وهنا وقعت في حيرة ! !
وبدأت احتاط في عباداتي ، ففي الصلاة - مثلاً - آتي بكلتا الصورتين ، وقس على ذلك ، وقد بدأت أوقن أنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم الأفضل لكنّي لم أقبل مع ذلك بالبراءة من الصحابة المنحرفين .
ثمّ تعرّفت على شيعي آخر ، وحصلت منه على محاضرات إسلامية مسجّلة للشيخ الوائلي والشيخ المالكي ، فتبلورت الفكرة في ذهني أكثر فأكثر ، ثمّ طالعت كتاب ( مؤتمر علماء بغداد ) فزاد يقيني ، ودامت هذه الفترة حدود ستة أشهر ، وهكذا اعتنقت مذهب التشيّع ، وأيقنت أنّه هو المذهب الحقّ ، وبمرور الأيام بدأت الشبهات العالقة في فكري تنحل وتزول ، فغيّرت مسلكي في التبليغ ، حيث كنت أروّج للمذهب المالكي ، بينما أصحبت اليوم أدعو لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
ولد عام 1400 ه ( 1980 م ) في تونس ، يدرس حالياً في المرحلة الثانوية ، له رغبة خاصة بالبحوث العقائدية ، وهذه الرغبة هي التي دفعته في نهاية المطاف إلى تغيير انتمائه المذهبي واعتناق مذهب التشيّع .
دين الرسول قبل بعثته :
من أهم الأسئلة التي اهتم " أحمد " للوصول إلى إجابتها معرفة دين الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل بداية الوحي ، وهل كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يمارس بعض الطقوس الدينية ؟
فأجابه أحد علماء الشيعة بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان على دين الحنيفية دين جدّه إبراهيم الخليل (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان آباؤه وأمهاته صلوات الله عليهم أيضاً على دين الحنيفية .
وقد سئل الإمام الباقر (عليه السلام) عن الحنيفية ، فقال : الحنيفية هي الفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ، قال (عليه السلام) : فطرهم على المعرفة به (1).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : " كانت شريعة إبراهيم (عليه السلام) التوحيد والإخلاص
1) - الكافي ، الشيخ الكليني 2 : 12 .
وخلع الأنداد ، وهي الفطرة التي فطر الناس عليها وهي الحنيفية ، وأخذ عليه الميثاق أن لا يعبد إلاّ الله ، ولا يشرك به شيئاً ، وأمره بالصلاة ، والأمر والنهي ، ولم يحكم عليه أحكام فرض المواريث ، وأمره ببناء البيت ، والحج ، والمناسك ، فهذه كلّها شريعته " (1).
وقد كان العرب قبل الإسلام يعملون ببعض الأعمال التي هي من الحنيفية ، وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : " إنّ العرب لم يزالوا على شيء من الحنيفية يصلون الرحم ، ويقرون الضيف ، ويحجّون البيت ، ويقولون : اتّقوا مال اليتيم فإنّ مال اليتيم عقال ، ويكفّون عن أشياء من المحارم مخافة العقوبة . . . " (2)، هذا هو الرأي الأوّل .
وهناك من يرى أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتعبّد على دين الإسلام الذي جاء به فيما بعد إلاّ أنّه لم يؤمر بتبليغ تلك الأحكام إلى الناس حتّى بلغ الأربعين ، وهذا هو الرأي الثاني .
وهناك من يرى أنّ نبيّنا لم يكن متعبّداً بشريعة من تقدّم من الأنبياء ، ولكن وافقت شريعته شريعة إبراهيم ، فلذلك قال تعالى : * ( فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ) * (3).
ولهذا قال الإمام الباقر (عليه السلام) : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " دينه ديني " وسنته سنتي ، وأنا أفضل منه ، وفضلي من فضله ، وفضله من فضلي " (4).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : " إنّ الحنيفية هي الإسلام " (5).
وذكر جعفر مرتضى العاملي في الصحيح من السيرة :
" إنّ إيمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتوحيده قبل بعثته يعتبر من المسلّمات ، ولكن الاختلاف وقع في أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) هل كان متعبّداً بشرع أحد من الأنبياء قبله أو لا ؟
وهل هو متعبّد بشرع نوح أو إبراهيم أو عيسى أو بما ثبت أنّه شرع ؟ أو لم يكن متعبّداً بشرع أحد ؟ ذهب إلى كلّ فريق . . . " (1).
وقال العاملي في موضع آخر " ما نستطيع نحن الجزم به هو أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مؤمناً موحّداً يعبد الله ، ويلتزم بما ثبت له أنّه شرع الله تعالى مما هو من دين الحنيفية شريعة إبراهيم (عليه السلام) ، وبما يؤدّي إليه عقله الفطري السليم ، وأنّه مؤيّداً ، وأنّه كان أفضل الخلق وأكملهم خلقاً وخُلقاً وعقلاً ، وكان الملك يعلّمه ويدلّه على محاسن الأخلاق .
كما أنّنا نجدهم ينقلون عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يلتزم بأمور لا تعرف إلاّ من قبل الشرع ، وكان لا يأكل الميتة ، ويلتزم بالتسميّة والتحميد إلى غير ذلك مما يجده المتتبع لسيرته صلوات الله عليه " (2).
ثمّ قال العاملي : " وقد حرصت الآيات القرآنية العديدة على ربط هذه الأمّة بإبراهيم (عليه السلام) ، فلاحظ قوله تعالى : * ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ ) * (3).
وقال تعالى : * ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ) * (4).
وقال تعالى : * ( قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ) * (5).
وقال تعالى : * ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ ) * (6).
وقال تعالى : * ( وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) * (1)- النحل (16) : 123 .(2).
ثمّ نجد القرآن يصرّح أيضاً بأنّ النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) شخصياً كان مأموراً أيضاً باتّباع ملّة إبراهيم (عليه السلام) ، فقد قال سبحانه : * ( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) * (2) .
وقال في موضع آخر : * ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ) * (3).
وهذا ، وإن كان ظاهره أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أمر بذلك بعد البعثة وبعد نزول الوحي عليه ، لكنه يثبت أيضاً أنّه لا مانع من تعبّده (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل بعثته بما ثبت له أنّه من دين الحنيفية ، ومن شرع إبراهيم (عليه السلام) ، وليس في ذلك أيّة غضاضة ولا يلزم من ذلك أن يكون نبي الله إبراهيم أفضل من نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإنّ التفاضل إنّما هو في ما هو أبعد من ذلك (4).
اقتطاف ثمار البحث :
واصل " أحمد " بحثه المقارن بين مذهب أهل السنّة ومذهب التشيّع ، ولم يقتصر بحثه في الأمور الخلافية فحسب ، بل وسّع دائرة بحثه ، حتّى أوصله البحث إلى لزوم اتّباع أهل البيت (عليهم السلام) ، وأخذ معالم الدين منهم ، فأعلن استبصاره ، وبدأ يدعو من يعرفهم إلى الحقائق الجديدة التي توصّل إليها .
الصورة
مرّت ترجمته في هذه الموسوعة ( 2 : 129 ) ونشير إلى سائر ما وقفنا عليه من معلومات لم تذكر من قبل .
تعتبر دراسة التاريخ الطريق الصحيح الذي يمكن من خلاله الوصول إلى الحقائق التاريخية ، ولكن السلطات الجائرة بذلت غاية وسعها لتحريف الوقائع لمصالحها ومآربها ، وهذا ما يحتم علينا دراسة التاريخ بصورة شاملة ، ووضع الوقائع تحت المجهر لمعرفة مدى صحتها أو سقمها .
ومن هذا المنطلق تبلور اهتمام " الأسعد " في مجال تتبّع الأحداث التاريخية في تأليفه كتاب " صلح الإمام الحسن (عليه السلام) من منظور آخر " حيث سلط فيه الأضواء على هذه الواقعة التاريخية منبّهاً على ضرورة دراسة التاريخ حيث يقول في المقدمة .
ليست دراسة التاريخ ترفاً فكرياً واستغراقاً في الماضي يحجب عنا الواقع وأسئلته ، والحاضر ومشكلاته ، بل الوعي التاريخي مقدمة لبناء الذات ونحت المجتمعات وتحقيق النهضة ، والتغيّر يستند إلى جملة عوامل من ، بينها الفهم العميق للتاريخ ، والرؤية المتوازنة للماضي .
صحيح أنّنا لا نتحمل مسؤولية ما قام به الأوّلون ، ولكن قطعاً ما قاموا به
يشّكل الأرضية والقاعدة لأيّ فعل جديد ، فقراءة التاريخ والسير في آثار الماضين ، يوفّر دروساً مهمةً للاتعاظ والاعتبار من ( السلف ) ومن تاريخ الشعوب والأمم * ( أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) * (1)، * ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) * (2).
والعودة إلى التاريخ تمنحنا الفرصة للكشف عن نواميسه وقوانينه التي تحكم صعود الحضارات ونزولها ونهضة الشعوب وتقهقرها ، وقيام الثورات وسقوطها ، وظهور الدول وأصولها * ( سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) * (3)، * ( فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) * (4)، * ( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ ) * (5)، * ( يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ) * (6).
هذا التأمل في التاريخ يمنح الفرد منّا عمراً تأريخياً يختزن من خلاله كلّ تجارب السابقين ، فيتحرك عن بصيرة وإحاطة وخبرة .
يقول الإمام علي (عليه السلام) في وصيته لابنه الحسن (عليه السلام) :
" أي بنيّ ، إني لو لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي ، فقد نظرت في أعمالهم ، وفكّرت في أخبارهم ، وسرت في آثارهم حتّى عدت كأحدهم ، بل كأنّي بما انتهى إليّ من أُمورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم ، فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره " (7).
فإذا كان للتاريخ ودراسته هذه الأهمية ، فكيف بقراءة سيرة الرسول والأئمّة
الأطهار (عليهم السلام) ، وهم القادة الربّانيون الذين لا تمثّل حياتهم جزءاً عظيماً وفصلاً منيراً من تاريخ الأمة فحسب ، وإنّما تعبّر عن دينها وشريعتها ومرجعياتها العقائدية والسلوكية ، فهم مهبط الوحي ومعدن العلم والسبيل إلى الله تعالى .
ولكنّ الباحث حينما يرجع إلى مصادر التاريخ وكتب السير ، يواجه عوائق عديدة تحول دون الاستفادة القصوى من هذا المعين المهم في نحت ثقافة المؤمن وبناء وعيه الديني والتاريخي .
فالسيرة جزء من التاريخ ، والتاريخ تحكّم في كتابته السلاطين والدول التي سادت ثمّ بادت . فهو خاضع أولاً وبالذات للأهواء والعصبيات ، لا للميزان العلمي والموضوعية والتجرد " .
إنّ المواقف المبدئية والخطّ الرباني الذي اعتصم به أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فرفضوا الظلم ونبذوا الانحراف وندّدوا بالجور ، جعلهم وجهاً لوجه مع مختلف الأنظمة الطاغوتية التي تحكّمت في تاريخ المسلمين ، من أمويين وعباسيين وغيرهم . . .
فالأئمة كانوا دوماً جبهة المعارضة : العلنية أحياناً ، والخفية أحياناً أُخرى ، وقد لاقوا لأجل ذلك شتّى أنواع التنكيل والتعذيب والتشريد . والسلطات الجائرة لم تقنع بما أصاب أهل البيت (عليهم السلام) من ويلات ، فدسّت في صفوفهم - إمعاناً في الإيذاء - من يشوّه تعاليمهم ويضع الأحاديث والأكاذيب ، بل في صفوف المسلمين جميعاً . . .
فضاع جزء كبير من الحقيقة بين مؤرّخ يسعى لإرضاء السلطان فيحطّ من شأن المعارضة ويهمّشها كما هو ديدن الكتّاب المتاجرين في كلّ عصر ، وبين واضع مدلّس كاذب يفتعل الأقاصيص ويختلف الروايات ليشوّه صورة الأئمّة (عليهم السلام) الناصعة ، وبين ناقل هذا وذاك دون نقد وتمحيص . . .
وما يكتب حديثاً عن سيرة الأئمّة لا يخرج في الغالب عن كونه ترديداً لما
ذكر في المراجع القديمة ، وهذا يحول أيضاً دون استفادة المؤمن المعاصر من تاريخ الأئمّة (عليهم السلام) وربط حياتهم بواقعه ، فكلّ دراسة أو قراءة للتاريخ هي ناظرة إلى مرحلتها وزمانها ونمط تفكير أبنائها ومستوى وعيهم . . فلا يمكن أن نقرأ اليوم سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أو سيرة الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) كما قرأها القدامى ، فقراءتهم كانت استجابة لحاجاتهم وأسئلة عصرهم . . .
هذه بعض العوائق التي تواجهنا في كتابة السيرة .
وحينما نريد التعاطي مع سيرة الحسن (عليه السلام) تبرز إلى جانب كلّ ذلك مشكلة جديدة ; إنّها مظلمة التحريف والتزييف ، ونحن نعلم أنّ جلّ الأئمّة لم يسلموا من تشويه واتهام ، فالحسين (عليه السلام) قتل بسيف جدّه ؟ ! ! والرضا (عليه السلام) بقبوله ولاية العهد أعطى الشرعية للعباسيين الظالمين ! والإمام علي (عليه السلام) أمضى بيعة الخلفاء وتنازل عن حقّه الشرعي ! إلى آخره من تفسيرات تتنافى مع عصمتهم ، وسلامة خطهم .
ولكن سيرة الحسن (عليه السلام) تواجه ما لا تواجهه سيرة أيّ إمام آخر من التأويلات الباطلة والتشويهات المقصودة " .
ويتضمن الكتاب " صلح الإمام الحسن من منظور آخر " أربعة فصول ، وهي :
الفصل الأوّل : الإمام الحسن (عليه السلام) من المهد إلى اللحد .
الفصل الثاني : معاهدة الصلح البنود والسياق التاريخي .
الفصال الثالث : أبعاد الصلح وأسراره .
الفصل الرابع : شبهات حول الصلح .
وجعل في الختام الدروس المستلهمة من هذا الصلح تحت عنوان " صلح الحسن وخيارات الأمة الراهنة " حيث يقول : " وصلح الإمام الحسن (عليه السلام) بالذات يؤسّس لجملة من القواعد لا بدّ للأُمة عموماً والعاملين خصوصاً الاستفادة منها . . . "
ولد عام 1346 ه ( 1982 م ) في تونس ، فأملت عليه الأجواء المحيطة به الانتماء إلى المذهب السني ، لكنه بعد بلوغ مرحلة النضج الفكري والعلمي ، بدأ يبحث بدقّة ليؤسس عقائده وفق الأدلّة والبراهين .
استفاد " حامد " من الانترنت كثيراً في بحثه ، وراسل العديد من المراكز والمؤسسات ، وأصغى إلى مختلف الآراء ليتّبع أحسنها ، حتّى جذبه مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، ودفعه البحث في نهاية المطاف إلى الاستبصار .
بشارة الكتب السماوية بالإسلام ومذهب أهل البيت (عليهم السلام) :
قرأ " حامد " ذات يوم موضوع حول إشارة الكتب السماوية إلى أهل البيت (عليهم السلام) ، فبحث حول هذه المسألة حتّى توصّل بأنّ أحد المتخصّصين بالأديان وأهل الكتاب " عودة مهاوش الأردني " ذكر في كتابه " الكتاب المقدّس تحت المجهر " بعض الإشارات في العهدين القديم والجديد ، منها :
" وإبراهيم سيكون أمّة كبيرة ومقتدرة ، ويتبارك به جميع أمم الأرض ، وقد علمت أنّه سيوصي بنيه وأهله من بعده بأن يحفظوا طريق الربّ ليعملوا بالبرّ
والعدل حتّى ينجز لإبراهيم ما وعده " (1).
وكذلك ورد : " ويتبارك في نسلك جميع عشائر الأرض " (2).
وبيّن هذا النسل المبارك والكثير بقوله : " وأمّا إسماعيل فقد سمعت قولك فيه ، وها أنذا أباركه وأنميّه وأكثره جدّاً جدّاً ، ويلد اثني عشر رئيساً ، وأجعله أمّة عظيمة " (3).
فربطها المؤلف مع نص في الإنجيل ينص على البشارة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبقائه مع المؤمنين إلى الأبد ، فقال المسيح : " وأنا أسأل الأب فيعطيكم معزياً آخر ليقيم معكم إلى الأبد " (4).
فبقاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " المعزي " مع المؤمنين إلى الأبد يقصد منه ما نصّ عليه العهد القديم من ذرية إسماعيل المباركة ، وهم أولاده الاثني عشر رئيساً .
فهؤلاء الأئمّة الاثني عشر من أهل بيت النبي هم امتداد وبقاء ذلك المعزي الخاتم من بعده وإلى يوم القيامة أو بالأحرى وحتّى نزول عيسى المسيح (عليه السلام) إلى الأرض والصلاة خلف آخرهم .
وقال ابن تيمية وتلميذه ابن كثير : بأنّ اليهود حينما يسلمون فإنّهم يصبحون شيعة اثنا عشرية ; لأجل هذه الفقرة التي تبشّر بالأئمة الاثني عشر (5).
كما وردت بعض الإشارات في الكتب السماوية عن الإمام الحسين (عليه السلام) ومن ينتقم له من قتلته وهو الإمام المهدي (عليه السلام) والنص هو : " أعدوا المجن والترس ، وتقدّموا للحرب ، أسرجوا الخيل ، واصعدوا أيّها الفرسان وأنتضبوا بالخوذ ، أصقلوا الرماح ، البسوا الدروع . . الخوف حواليهم يقول الربّ ، الخفيف لا ينوص والبطل لا
1) - الكتاب المقدّس تحت المجهر : 151 ، نقلاً عن تكوين 18 : 18 - 19 .
2) - الكتاب المقدّس تحت المجهر 151 ، نقلاً عن أعمال الرسل 3 : 25 .
3) - الكتاب المقدّس تحت المجهر : 152 ، نقلاً عن تكوين 17 : 20 .
4) - الكتاب المقدّس تحت المجهر : 150 ، نقلاً عن يوحنا : 14 - 16 .
5) - البداية والنهاية 6 : 183 ، الإخبار عن الأئمّة الاثني عشر الذين كلّهم من قريش .
ينجو ، في الشمال بجانب نهر الفرات عثروا وسقطوا ، من هذا الصاعد كالنيل كأنهار تتلاطم أمواجها " .
ثمّ يقول : " اصعدي أيّتها الخيل وهيّجي المركبات ولتخرج الأبطال ، كوش وفوط القابضان المجن واللوديون القابضون القوس ، فهذا يوم للسيّد ربّ الجنود يوم نقمة للانتقام من مبغضيه فيأكلّ السيف ويشبع ويرتوي من دمه ، ثمّ تذكر التوراة أنّ السبب في هذا الانتقام من الأعداء هو : " لأنّ للسيّد ربّ الجنود ذبيحة في أرض الشمال عند نهر الفرات " (1)
وقد أورد صاحب كتاب " البحث عن الحقيقة " ص 49 بالإنجليزية هذا النص أيضاً كأحد أدلّة التوراة على خروج صاحب الزمان وقتل أعداء الله .
.لا إكراه في الدين :
من الأسئلة الأخرى التي شغلت ذهن " حامد " كيفية الجمع بين قوله تعالى * ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) * (2)، وما قام الإسلام من فتوحات .
فعرف بعد البحث أنّ صاحب الميزان يقول حول هذه الآية : " أن الإسلام لم يبتن على السيف والدم ، ولم يفت بالإكراه والعنوة على خلاف ما زعمه عدّة من الباحثين من المنتحلين وغيرهم أنّ الإسلام دين السيف ، واستدلّوا عليه بالجهاد الذي هو أحد أركان هذا الدين .
وذكرنا في موضوع سابق أنّ القتال الذي ندب إليه الإسلام ليس لغاية إحراز التقدّم وبسط الدين بالقوّة والإكراه ، بل لإحياء الحقّ والدفاع عن أنفس متاع للفطرة وهو التوحيد ، وأمّا بعد انبساط التوحيد بين الناس وخضوعهم لدين النبوّة ولو بالتهوّد والتنصّر فلا نزاع لمسلم مع موحّد ولا جدال فالإشكال ناش من
عدم التدبّر " (1).
وقال العلاّمة الطباطبائي في موضوع آخر : " إنّ القرآن يبيّن أنّ الإسلام مبني على قضاء الفطرة الإنسانية التي لا ينبغي أن يرتاب أنّ كمال الإنسان في حياته هو ما قضت به وحكمت ودعت إليه ، وهي تقضي بأنّ التوحيد هو الأساس الذي يجب بناء القوانين الفردية والاجتماعية عليه ، وأنّ الدفاع عن هذا الأصل بنشره بين الناس وحفظه من الهلاك والفساد حقّ مشروع للإنسانية يجب استيفائه بأيّ وسيلة ممكنة ، وقد روعي في ذلك طريق الاعتدال ، فبدأ بالدعوة المجرّدة والصبر على الأذى في جنب الله ، ثمّ ، الدفاع عن بيضة الإسلام ونفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم ، ثمّ القتال الابتدائي الذي هو دفاع عن حقّ الإنسانية وكلمة التوحيد ، ولم يبدأ بشيء من القتال إلاّ بعد إتمام الحجّة بالدعوة الحسنة كما جرت عليه السنّة النبوية ، قال تعالى : * ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) * (2)، والآية مطلقة .
وقال تعالى : * ( لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَة وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) * (3).
وأمّا ما ذكروه من استلزامه الإكراه عند الغلبة فلا ضير فيه بعد توقّف إحياء الإنسانية على تحميل الحقّ المشروع على عدّة من الأفراد بعد البيان وإقامة الحجّة البالغة عليهم ، وهذه طريقة دائرة بين الملل والدول ، فإنّ المتمرّد المتخلّف عن القوانين المدنية يُدعى إلى تبعيتها ، ثمّ يحمل عليه بأيّ وسيلة أمكنت ، ولو انجرّ إلى القتال حتّى يطيع وينقاد طوعاً أو كرهاً " (4).
الصورة
ولد " حسن بن شقرا " عام 1358 ه ( 1940 م ) في مدينة قابس ، منحدراً من عائلة محافظة عريقة الجذور ، ونشأ في ظروف أقل ما يقال عنها إنّها استثنائية ، بالنظر إلى الاستعمار الفرنسي الذي كان جاثماً على البلاد ، وتلقّى تعليمه الابتدائي والثانوي في مسقط رأسه قبل أن يتحوّل إلى تونس العاصمة ، ومن ثمّ قرر السفر إلى فرنسا بعد ما أتمّ المرحلة الثانوية باللغة الفرنسية .
اشتغل " حسن " موظّفاً في إحدى شركات التأمين ، ثمّ خبيراً في مجال التأمين بعد أن كسب خبرة طويلة في ذلك المجال .
مفاجأة غيّرت مصير حياتي :
يقول " حسن " متحدّثاً عن قصّة استبصاره : عندما كنت أحزم أمتعة السفر إلى باريس لم يدر بخلدي في ذلك اليوم أنّه سيكون لي طريق آخر غير الذي اخترته لنفسي ومهدّت له وعلّقت عليه آمالاً لا ترتقي إلى شيء سوى اللهث وراء الدنيا وزينتها ، كجُلّ خلق الله الذين لم تنفتح بصائرهم على سرّ الوجود وحقيقته ، وحتمية الانتقال بين العوالم الثلاثة " الدنيا ، البرزخ ، الآخرة " .
ولم يكن إعدادي لرحلتي تلك من قبيل الإعداد لرحلتي القادمة ، بل لعلّها لم تدخل في حساباتي ، ولم يكن ذلك كلّه صادراً عن سوء نيّة منّي ، ولا تطاولاً
على مقام الربوبية من عبد آبق كلّ على مولاه ، ولكنه كان نتيجة طبيعية لتداخل الخطوط المنتسبة للدين الإسلامي ، وصورة واقعية لمجتمعات إسلامية بطم طميمها خضعت أجيالها راغبة أو راهبة لمنطق الأسلمة الذي انتهجته طوابير الأنظمة المنحرفة التي تعاقبت على رقابها ، ولا فريداً في ذلك الزبد نتيجة للعوامل التي ذكرتها .
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه ، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ، ألا وهي القلب " (1).
أيقنت أنّ المضغة التي بين أضلعي صالحة بفضل الله تعالى ، وقد اختبرتها في مواضع الخوف والرجاء فوجدتها مستجيبة لأمره تعالى داخلة في ميثاق طاعته .
لم أتوقّع في يوم من الأيام وأنا أخطط لأشياء كنت أراها من الزاوية التي كان يرى بها مجتمعي الذي أنتمي إليه وجيلي الذي يعاصرني ضرورة وأساسية أن أصدق عن ذلك التحقيق وأحال عنه إلى بحث آخر وتخطيط آخر وحياة أُخرى ، عرّفتني المعنى الحقيقي للحياة فلسفة ووجوداً ، والسبب الذي من أجله خلقنا الله تبارك وتعالى ، ولعل أبلغ ما قاله سيّد البلغاء وغمام الفصحاء أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا الإطار ما نقل عنه من أنّه سئل : " بم عرفت ربك ؟ فقال : عرفت ربي بفسخ العزائم ونقض الهمم ، لما هممت حيل بيني وبين همّي ، ولما عزمت خالف القضاء والقدر عزمي علمت أنّ المدبّر غيري " (2).
وأكرم وأنعم به من صرف وتخيير وهداية وتسخير يحال فيها المرء من وجهته الدنيوية المادية إلى التجارة التي لا تبور والطريق إلى مرضاة الله تعالى .
عندما كنت أغادر وطني ومسقط رأسي ومرتع صباي ومخزون ذكرياتي ،
كان الأمل الذي يحدوني متعلّق بخيوط واهية لا تتجاوز الزينة التي أخرج الله لعباده ، لم يكن في حسابي أن أجد بعناية الله تعالى بينها خيطاً يوصلني إلى ما وراء ذلك الزائل ، ليوقفني على الحقيقة التي أخذت بيدي إلى الإسلام المحمّدي الأصيل ، وقيّض الله لي التمسّك بحبله المتين ، وأخذني إلى عروته الوثقى ، وأبدلني من ألطافه ما يعجز القلب عن أداء شكر تلك النعم والمنن ، ولولاه لكنت من * ( الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) * (1).
ولقد رأيت من خلال ما مررت به من تجربة وأنا في تأمّلاتي وبحوثي الدينية أن أعزم على كتابة هذه التجربة ، وأن أضعها بين يدي كلّ باحث عن الإسلام الحق ، الذي لم تدنّسه جاهلية الطغاة بأدناسها ، ولا أثّرت فيه أيدي العابثين من زمر المنافقين والمشركين ، من أدعياء التسلط على رقاب المسلمين ، غايتي من ذلك إنارة قلوب المسلمين البعيدين عن الرياء والتعالي ، المتبرّئين من الكبر والمستكبرين ، الواضعين أنفسهم موضع العبودية لله تعالى وحده .
لم يكن شغفي بالمطالعة يقف عند حدّ ، ولا يكتفي بصنف من الكتب ، صحيح أنّ ثقافتي باللغة الفرنسية كانت تدفعني بداية إلى اقتناء المؤلّفات المكتوبة بها غالباً ، ولكن ذلك لم يمنعني من قراءة بعض الكتابات العربية .
السبيل لمعرفة الحقّ :
ذات يوم جاءني أحد الأصدقاء يحمل معه كتاباً بعنوان : " la Bible Coranet la Science " ، لمؤلّفه موريس بوكاي ، فقرأته في وقت قياسي ، لما لمست فيه من جدّية في تناول الفكر الديني وعلاقته بالعلم ، فقد كان الرجل دقيقاً في تحصيل المعاني الصحيحة للمصطلحات القرآنية ، وإيصالها كما هي إلى عقول قرّائه ، بينما أساء عدد من المترجمين المسلمين وغيرهم ترجمة تلك المصطلحات فلم تؤدّ
1) - الكهف (18) : 104 .
معناها المقصود ، بل كانت بعيدة كلّ البعد عن الحقيقة العلمية ، وهو ما حاول المؤلّف أن يقرن به تلك المصطلحات ، فصحح ترجمة " العلق " " ودحو الأرض " التي أساء ترجمتها غيره بما يتعارض والمدلول العلمي الذي أراده الله تعالى معناً إعجازياً في عصر يفتقد أبسط أبجديات العلوم التطبيقية والنظرية .
ومن طريف القول أنّ موريس بوكاي لم يأنس لمعنى " دحى " الذي حاول البعض إقناعه به ، فسافر إلى البلاد العربية سعياً منه للوقوف على بعض آثار اللغة العربية التي كادت تندثر مع هجمة الأعداء عليها ، وتفريط أصحابها فيها ، فوجد أنّ معنى " دحى " لا زال الليبيون يستعملونه في تسمية البيض ، فيطلقون على الواحدة : " دحيّة " ، وهي مشتقاة من " دحى يدحو دحواً " ، أي : جعلها كالبيضة ، وبمعنى آخر فإنّ الأرض ليست كروية الشكل بقدر ما هي بيضوية ، فلم يسبقه في هذا الخصوص مترجم غيره .
ومن خلال ملامستي لأسلوب موريس بوكاي في البحث بكلّ تجرّد وبصيرة وأناة ، أثّر ذلك بالنسبة لي في النظر إلى كلّ مسألة ، وحصلت لديّ قناعة تمثلت في أنّ الحقيقة لا تدرك إلاّ بالمعرفة والعلم والتجرّد في البحث ، فالرجل أعطاني المثال الذي يجب أن يحتذى في طريقة البحث وتتبع الحقيقة .
يقول بوكاي : " لقد قمت أوّلاً بدراسة القرآن الكريم ، وذلك دون أيّ فكر مسبق ، وبموضوعية تامّة باحثاً عن درجة إتقان القرآن ومعطيات العلم الحديث ، وكنت أعرف قبل هذه الدراسة ، وعن طريق الترجمات أنّ القرآن الكريم يذكر أنواعاً كثيرة من الظواهر الطبيعية ، ولكن معرفتي كانت وجيزة ، وبفضل الدراسة الواعية للنصّ العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت منها أنّ القرآن لا يحتوي على أيّة مقولة قابلة للنقد من جهة نظر العلم في العصر الحديث ، وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل .
وأمّا بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من
الكتاب الأوّل ، أي : سفر التكوين ، فقد وجدّت مقولات لا تمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخاً في عصرنا .
وأما بالنسبة للأناجيل فما تكاد تفتح الصفحة الأولى منها حتّى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة ، ونعني بها شجرة أنساب المسيح ، وذلك أنّ نصّ إنجيل متى يتناقض بكلّ جلاء مع إنجيل لوقا ، وأنّ هذا الأخير يقدّم لنا صراحة أمراً لا يّتفق مع المعارف الحديثة الخاصّة بقدم الإنسان على الأرض " .
ودفعني حبّ الاطّلاع والتأكّد من صحّة كلام بوكاي ، إلى تصفّح عدد من الأناجيل المنسوبة للنبي عيسى (عليه السلام) ، وهو منها براء ، فوجدّت فيها كثيراً من التناقضات ، التي تؤكّد على أنّ تلك الكتب هي مختلقة من أناس لم يرثوا تعاليم الأنبياء (عليهم السلام) ، ولا كانت معارفهم إلهية ، سوى نزر يسير من الأخلاق التي ضمّنوها كتبهم للتمويه على الناس ، واختلاف الأناجيل كان لفظاً ومعنى ، فلا الواحد يشبه الآخر في شيء سوى العنوان ، ولم يعد هناك ذكر للنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) سوى ما ذكره برنابا في إنجيله مستبدلاً اسم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمصطلح الفرقليط ، أي : راكب الجمل .
أهم سبب وجود الاختلاف بين الناس :
لم يكن تحريف الكتب السماوية سببه تقصير الأنبياء (عليهم السلام) في أداء عهدتهم ، ولا هو نقص حاصل في تشريعاتهم ، بل العلّة كامنة في انحراف أممهم عن المسار المرسوم لهم ، ومخالفتهم للنهج الذي تركهم عليه أنبياؤهم (عليهم السلام) ، قال تعالى : * ( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) * (1).
وحصلت لديّ قناعة بأنّ منشأ اختلاف الناس سياسي ، ومدار صراعه السلطة والحكم ، ولم يكن الدين في ذلك إلاّ ضحيّة تلك الصراعات ، وكان تحريف الأحكام وتأويلها على غير حقيقتها السلاح الذي استعمله البغاة من أجل تضليل
1) - آل عمران (3) : 19 .
أممهم .
لم تكن فترة إقامتي بفرنسا تكتسي أهمية ، ولا حصل لي فيها تطوّر أو تغيير عقائدي ، فالمهم بالنسبة لي حصل بعد انتقالي من فرنسا إلى سويسرا ، وتحديداً أثناء فترة إقامتي بها .
هناك تطوّرت علاقاتي وتنوّعت بشكل نوعي على وجه الخصوص ، فالغربة عامل مهم في صقل الوجدان ، وسبب من أسباب انطلاق الروح والعقل إلى فضاءات متنوّعة من المعرفة والتأمّل .
علّمتني الغربة الاعتماد على نفسي في كلّ صغيرة وكبيرة ، والصبر على كلّ حال ، وبذل الجهد في الظفر بصديق يكون رفيق الدرب ، وحافظ السر ، ومعين النوائب .
وقد كنت محظوظاً في جميع ذلك ، فقد وفّقني الله تعالى إلى الكثير من مننه وعطاياه ، وخصوصاً قلباً منفتحاً على الخير وأهله ، وعقلاً مرناً يقبل النقاش ويتعامل بالمنطق السليم .
وباعتبار أنّ المغترب يسعى دائماً إلى التقرّب من بني جلدته وأهل ملّته ; لأنّهم ملاذه في الشدائد ، وأهل السلوى والمواساة عند المصائب ، فعرفت الكثيرين في أماكن متفرقة من سويسرا .
وفكّرت في أداء مناسك العمرة استعداداً لأداء فريضة الحج على أحسن الوجوه ، ولمّا عرضت عليّ فكرة السفر إلى الحجاز مع عدد من الإخوة وافقت فوراً على مرافقتهم للعمرة .
السفر إلى الحجاز :
حان موعد السفر إلى بلاد الحجاز ، وكان الشوق يكاد يطير بي إلى تلك الربوع قبل أن تطير الطائرة ، إنّها منّة من منن الباري تعالى في أن ألتحق بالأماكن
المقدّسة لأداء فريضة العمرة ، وزيارة مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فالشكر له أوّلاً وأخيراً .
امتطينا الطائرة ، وتحرّكت بنا إلى الحجاز في أجواء روحية منعشة ، ورغم طول السفرة فلم أشعر بالزمن يمر ، وكنت بين تفكّر وذكر وشوق .
وحطّت الطائرة في مطار جدّة ومنه إلى مدينة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) على متن طائرة أُخرى ، وفي يثرب مكثنا ثمانية أيام في ضيافة سيّد الأوّلين والآخرين (صلى الله عليه وآله وسلم) ، تلك المدينة التي ما تزال تحتفظ بطابعها القديم في الاحتفاء والفرح بضيوف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وفي مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأمام مقامه الشريف ، شهدت تطاولاً عليه وانتهاكاً لحرمته ، وتعدّياً صارخاً على المسلمين الذين جاؤوا ليسلّموا عليه ، ويتكرر المشهد مع كلّ الذين يحاولون الاقتراب من شبّاك الحجرة الشريفة صيحات الجلاوزة الذين انتصبوا على جانبي الحجرة : القبلة من هنا . . ابتعد يا مشرك . . ذلك ما تعلّموه من مؤسس ضلالتهم محمّد بن عبد الوهاب الذي قال : عصاي هذه أنفع من محمّد (1)، لذلك فالوهابية يرون أنّ التوسّل والاستشفاع بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وطلب الحاجات عنده من البدع والضلالات والشرك الذي يخرج عن الإسلام ، وبناء على ذلك الاعتقاد فهم يتعاملون مع ضيوف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في منتهى القسوة والفظاظة .
وسمعت الكثير عن تلك الانتهاكات بحقّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وضيوفه من الحجاج والزوّار والمعتمرين ، لكنني لي أصدّق كلّ ما كان يقال ، مستبعداً أن يقدم أحد من المسلمين مهما كانت درجة استهتاره على التعدّي على حرمة خاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وتقدّمت إلى الحجرة الشريفة لأسلّم وأدعوا ، وقد تملّكتني أحاسيس ، وغمرت كياني مشاعر اختلطت فيها الهيبة بوجود النبي ، والفرح بزيارته ولقائه ،
1) - الصحيح من سيرة النبي الأعظم 1 : 32 .
أردت أن أعبّر له عن ولائي المطلق الذي لا قيد له ، لم أملك نفسي أن بكيت وأنا اقترب من الحجرة الشريفة ، فأوقفني الحرّاس المكلّفون بالحجرة الشريفة ، ونهرني أحدهم بغلظة قائلاً : " القبلة من هنا " ولمّا قلت له : إنّني أريد أن أتوّجه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأزوره ، قال لي : ذلك شرك لا يجوز أن تتوجّه للنبي - قال ذلك بدون صلاة عليه - التوّجه إنّما يكون لله .
أحسست بالحرقة والغبن ، وتملّكني حزن عميق على ذلك التصرّف الذي لا مبرر له ، والذي يعتبر انتهاكاً لحرمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، واستخفافاً بشخصه الكريم ، أردت أن أدافع عن حقّي في أداء واجبي تجاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لكن أحد المرافقين أسرّ إليّ بأنّ أتراجع عن موقفي ، خشية تطوّر الأمر إلى الايقاف والإيذاء ، فقد حصل ذلك مع عدد من المسلمين الذين أصرّوا على إمضاء زيارتهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما تجب الزيارة .
قلت له : أليس هؤلاء على المذهب المالكي السني كما هي الحال بالنسبة لنا ؟
فقال لي : لا ، هؤلاء مختلفون عنّا في عدد من المسائل ، والتي بموجبها نسبوا بقيّة المسلمين إلى الشرك بالله ، واستحلوا دماءهم وأموالهم وأعراضهم .
لم يكن هناك من بدّ سوى أن أسلّم سلاماً مختصراً ، ومجرّداً عمّا كنت أريده ، تفادياً لتطوّر الخلاف مع أولئك الوهابية الغلاظ .
وعدّت من تلك العمرة إلى سويسرا ، وعندي قناعة ثابتة بالدليل المادي تقول : إنّ الوهابية هي مذهب أسسه عميل المخابرات البريطانية ابن عبد الوهاب ، ومنحدر من ضلال ابن تيمية الحنبلي ، لا تمثّل في نظري إلا طريق من طرق الانحراف عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ودينه الخاتم .
الحيرة بين الآراء المختلفة :
في بداية صيف 1987 م وبينما كنت في قضاء شأن من الشؤون الخاصة في مدينة " منترو " السويسرية اعترضت طريقي عائلة ظهر من زيّها التقليدي أنّها عربية ، فشعرت وأنا أرمقهم بالفخر والاعتزاز ، عرب مسلمون يتنقلون إلى بلاد الغرب بأزياء تعبّر عن هويّتهم بلا عقد ، أعجبت بالموقف ، وبقيت أرقب تنقّلات تلك العائلة ، وإذا هي تدخل إلى قصّاب سويسري مسيحي لا شتراء اللحم ، فصدمت لذلك التصرّف ، واقتربت من المحل ، وانتظرت لحين خروج ربّ العائلة ، وكان شيخاً في الستين من عمره ، فحييته وسلّمت عليه ، ثمّ ابتدرته سائلاً : لقد رأيتك تشتري لحماً ؟
فقال : نعم .
فقلت له : لكنّك اشتريته من قصّاب مسيحي ، ليس عنده لحم مذبوح على الطريقة الإسلامية .
فقال : ما فيه مشكلة ، سنغسل اللحم بالماء وسوف يطهر .
صعقت من ذلك الجواب ، وتساءلت وقتها عن صحّة ما قاله الرجل ، وهل غسل الميتة بالماء يعتبر تذكية ؟
وهل تصح تلك التذكية ؟
ومع قلة إلمامي بالفقه وقتها ، لم أصدّق شيئاً مما قاله ذلك الرجل العربي .
ودفعني الاطّلاع إلى شراء كتاب من المكتبة العربية ، عنوانه فقه المذاهب الأربعة ، فلم يرفع حيرتي في ما أنا فيه ، ولا وجدت فتاوى تجيب عن إشكالات العصر ، وتجد حلولاً لها .
وبينما أنا منهمك ذات يوم داخل البيت في مطالعة بعض المصادر الروائية ، إذ رنّ جرس الهاتف ، فأخذت السمّاعة ، فإذا أنا بصوت رجل شرقي يكلّمني ويودّ التعرّف عليّ ، فوافقت على لقائه وأعطيته عنواني على أن أنتظره أمام مقرّ سكناي ،
وجاء الرجل على متن سيارة ، نزل منها وسلّم عليّ وعرّفني نفسه قائلاً : " عدنان " من الكويت . وبأدلته بنفس التحيّة والترحيب وقدّمت له نفسي ، طلب منّي الأخ " عدنان " ، بعد أن ركبت معه في السيارة قائلاً : أنا أريد أن أشتري اللحم المذبوح على الطريقة الإسلامية ، فهل ذلك ممكن في هذه الديار ؟
فقلت له : نعم ، ذلك ممكن ، ولكن يحتاج إلى التنقل مسافة للحصول عليه ، ولكن لماذا لا تشتري اللحم الذي يبيعه المسيحيون كما فعل ذلك الرجل ؟
ورويت له قصّة الرجل .
فاستعاذ الأخ " عدنان " من ذلك السلوك وقال : أنا مختلف تماماً عن ذلك الرجل ، ولست مستعداً للقيام بما قام به حتّى لو قضيت مدّة إقامتي في سويسرا بدون لحم ، وسألني بعد ذلك عن تديّني ومذهبي ، فقلت له : إنّني لا أعرف من الإسلام إلاّ القليل ، وأنا الآن في بداية اطّلاعي وبحثي وتعرّفي ، فنصحني بأنّ أقرأ وأبحث عن الحقيقة وسط هذا الركام الذي وصل إلينا من قنوات مختلفة وعلى مدى أربعة عشر قرناً مبيّناً لي بأنّ الأمّة منقسمة إلى طائفتين ومذاهب عدّة ، مستدلاً بحديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حول انقسام الأمّة الإسلامية إلى ثلاث وسبعين فرقة ، واحدة ناجية والباقون في النار (1).
دللت الأخ " عدنان " في الأثناء على الطريق إلى إحدى الضياع لاختيار خرفان ، وتكفّل أحد الإخوة المسلمين بذبحهم ، وكنت قد طلبت منه مساعدتنا على ذلك ، فكان من لطفه وكرمه أن أعطاه الأخ " عدنان " أجره ، وأهدى إلينا خروفين ، فشكرته على ذلك وودّعته .
ثمّ تعددت اللقاءات مع الأخ " عدنان " وفي كلّ مرّة اكتشف من خلاله الإسلام من نبعه الصافي ، وهم أهل البيت (عليهم السلام) الذين عرفتهم عن طريق سلوكه وكلامه وشخصه ، وعرّفني بعد ذلك على عائلته الكريمة ، من خلال دعوة
1) - المستدرك على الصحيحين 1 : 128 .
وجّهها إليّ لزيارته في محلّ إقامته ، وانبهرت بالالتزام الذي يعيشه الأخ " عدنان " في وسطه العائلي ، وبالروح الإسلامية التي تتحلّى بها العائلة بكافّة أفرادها ، فزاد في ذلك اندفاعي إلى اعتناق خط أهل البيت (عليهم السلام) ، وتبنّي إسلام الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً .
وتعهّدني ذلك الأخ الكريم ، وأحاطني إحاطة لم أعهدها من قبل أن تصدر من إنسان مسلم غيره ، وكان في ذلك مقايسة بالنسبة لي بين ذلك الذي تبيح له عقيدته المنحرفة أكل لحم الميتة لمجرد غسله بالماء .
قال لي الأخ " عدنان " في أحد الأيام هل سمعت يوماً بالدكتور التيجاني السماوي التونسي ؟
فقلت له : لا ، لم أسمع بهذا الاسم من قبل .
فقال : هذا الرجل قد أعلن تشيّعه منذ مدّة ، وقد كانت له في إطار تعرّفه على إسلام أهل البيت (عليهم السلام) ، سفرات وأبحاث ولقاءات أدّت به إلى اعتناق الإسلام الشيعي الاثني عشري . وقدّم لي كتاباً قائلاً : وهذا واحد من كتبه بعنوان " ثمّ اهتديت " .
أخذت من أخي وصديقي الكتاب شاكراً له اهتمامه الكبير بي ، ثمّ خلوت بنفسي لمطالعة الكتاب الذي التهمته بسرعة قياسية ، فكان بحق الانطلاقة الحقيقية نحو التشيّع ، والإقلاع الصحيح نحو فضاءات أئمة الهدى ، والوجهة التي طالما بحثت عنها للخروج من دوّامة التعبّد العشوائي بلا إمامة ولا قيادة ولا بيعة ، تاركاً وراء ظهري إسلام بني أميّة الذين لا يزال الناس يتعبّدون به إلى اليوم على أساس أنّه الإسلام الصحيح ، ولو خرجوا منه واطّلعوا عليه لوجده خليطاً غير متجانس من أحكام وعقائد لا يمكن أن تبنى بها أمّة الإسلام .
ومع ما كان الأخ " عدنان " يمدّني به من كتب ، كان يتعهّدني كذلك بالحديث والإجابة على أسئلتي وإستفساراتي ، ولم يتركني إلاّ وقد ثبتت روحي على
المنهاج المحمّدي الصافي الذي عليه المسلمون الشيعة الإمامية الاثني عشرية ، وكانت هدايتي على يديه ، مدعومة بكتاب " ثمّ اهتديت " للدكتور التيجاني السماوي ، فالحمد لله على نعمة الهداية ، وله الشكر على بلوغ درجة اتّباع أهل الولاية وصراطهم المستقيم .
ولد عام 1381 ه ( 1962 م ) في تونس ، دفعته الرغبة في طلب العلم إلى إعادة النظر في معتقداته الموروثة وغربلتها ومقارنتها مع عقائد بقية المذاهب الإسلامية ، وكانت النتيجة ترك مذهبه الموروث واعتناقه لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
واصل " حفيظ " مراسلته مع مركز الأبحاث العقائدية للعثور على الإجابات الشاملة لأسئلته العقائدية ، ومن جملة الأسئلة التي وجّهها للمركز وحصل على إجابتها ما يلي :
السؤال الأوّل : لماذا يشكل الشيعة على بعض اجتهادات عمر بن الخطاب خلال خلافته ؟
الجواب : أساس النزاع في المسألة هو عدم شرعية خلافة عمر ، ولكن نضيف فنقول : إنّ الوالي الشرعي ليس له أن يجتهد في مقابل النصّ ، بل إنّ اجتهاده يجب أن يبقى في نطاق النص .
وما صدر عن عمر - فضلاً على عدم شرعية خلافته - لم يعتبر من الاجتهاد المسموح ، بل كان تصدّياً للنصّ بصراحة وصلافة حين ما اعترف بإباحة هذا المورد في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ حكم بتحريمه ، وأين هذا من اجتهاد مجتهد في إطار معترف به : إمّا لتطبيق النصّ ، أو لحلّ تعارض النصوص ، أو حتّى لملئ الفراغ
الحاصل من فقد النصّ الخاص .
السؤال الثاني : في حديث الثقلين وردت جملة " لن يفترقا " مع أنّ علوم ذريّة نبينا قد انقطعت منذ ألف سنة ، مع أنّ الحديث يؤكّد على تلازمهما في الوجود إلى يوم القيامة ، وما الشأن في هذا المقام للحديث الذي يقول : " يأتي على أُمّتي كلّ مائة سنة من يجدد دينها " ؟
الجواب : حديث الثقلين يؤكّد تلازم الثقلين وجوداً ، وأمّا انقطاع العلوم عنّا فهذا أمر آخر لا يرتبط بذلك التلازم المذكور ، فالحديث يحثّ المسلمين على التمسّك بأهل البيت (عليهم السلام) حتّى يكونوا على اتّصال بهذين المصدرين في طريق الهداية .
على أنّنا لا نتّفق معك في موضوع الانقطاع حتّى بالنسبة إلينا ، فهذه الأحاديث المتوفّرة لدينا يربوا عددها عن الآلاف ، والتي تعطينا القطع واليقين بصدور مجموعة كبيرة منها عن المعصومين (عليهم السلام) خير دليل على استمرارية عطاء أهل البيت (عليهم السلام) .
وأمّا الرواية التي ذكرتها : " يأتي على أُمّتي . . . " لم ترد عن طريق الخاصة ، بل جاءت في مصادر العامة بسند غير نقي ، وإنّما اشتهرت عند كلّ فرقة وطائفة لمصالح اقتضت عندهم في تطبيقها على من يشاؤون .
وحتّى مع قبول هذه الرواية ، فإنّها بصدد التعبير عن العلماء الذين هم في القمة ، وتكون لهم مميّزات فريدة تفرزهم عن الآخرين ، وليس كلّ تجديد يعني التغيير في الأساس ، بل معنى الرواية - بالشكل الذي يتلاءم مع باقي النصوص - هو : أنّ في كلّ عصر من يذب عن الدين والشريعة بعد ما يريد الباطل أن ينسيه أو يتناساه .
السؤال الثالث : ألا تؤدّي نظرية ولاية الفقيه إلى تعارض بين ولايته مع ولاية الإمام ؟
الجواب : إنّ صلاحيات الفقيه قد خوّلت إليه من قبل الإمام (عليه السلام) ، أي أنّه وكيل في التصرّف ، أو بمعنى أوضح هو نائب عن الحجّة (عليه السلام) ، فلا مجال لتوهّم معارضة ولايته مع ولاية الإمام (عليه السلام) ، فإنّ دائرة عمل الوكيل ليست بالأصالة بل بالنيابة وتكون في حالة غياب الموكّل والمنوب عنه .
ولد 1397 ه ( 1977 م ) في تونس ، نشأ في أسرة سنيّة المذهب حتّى أرشده البحث إلى الاستبصار ، ولم يقتصر " حمزة " في بحثه على المذهبين السنّي والشيعي ، بل وسّع بحثه ، ولكن كانت النتيجة رجوع اختياره الواعي إلى اعتناق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
هل يدخل أهل الكتاب في الجنّة ؟
قرأ " حمزة " خلال بحثه الواسع قوله تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) * (1).
فطرأ في باله هذا السؤال : هل يمكن أن نفهم من هذه الآية أنّ أهل الكتاب سيدخلون الجنّة أيضاً ؟
وتوصّل " حمزة " إلى هذه الإجابة بأنّ العلاّمة الطباطبائي يقول في تفسير الميزان حول هذه الآية : " تكرار الإيمان ثانياً وهو الاتّصاف بحقيقته كما يعطه السياق يفيد أنّ المراد بالذين آمنوا في صدر الآية هم المتّصفون بالإيمان ظاهراً
1) - البقرة (2) : 62 .
المتّسمون بهذا الاسم فيكون محصّل المعنى أنّ الأسماء والتسمّي بها ، مثل : المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين لا يوجب عند الله تعالى أجراً ، ولا أمناً من العذاب كقولهم : لا يدخل الجنّة إلاّ من كان هوداً أو نصارى .
وإنّما ملاك الأمر وسبب الكرامة والسعادة حقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح .
ولذلك لم يقل من آمن منهم بإرجاع الضمير إلى الموصول اللازم في الصلة لئلا يكون تقريراً للفائدة في التسمّي على ما يعطيه النظم كما لا يخفى ، وهذا مما تكررت فيه آيات القرآن أنّ السعادة والكرامة تدور مدار العبودية فلا اسم من هذه الأسماء ينفع لمتسمّيه شيئاً ، ولا وصف من أوصاف الكمال يبقى لصاحبه وينجيه إلاّ مع لزوم العبودية ، الأنبياء ومن دونهم فيه سواء ، فقد قال تعالى في أنبيائه بعدما وصفهم بكلّ وصف جميل : * ( وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) * (1).
وقال تعالى في أصحاب نبيّه ومن آمن معه مع ما ذكر من عظم شأنهم وعلو قدرهم : * ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) * (2).
فأتى بكلمة " منهم " ، وقال في غيرهم ممن أوتي ذلك من الآيات الناصّة على أنّ الكرامة بالحقيقة دون الظاهر " (3).
تقييم شخصية عمر بن عبد العزيز :
إنّ من الأسئلة الأخرى التي اهتم " حمزة " للوصول إلى إجابتها هي الاستفسار عن سيرة الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز حيث يذهب الكثير إلى اعتباره خليفة راشد حكم بالعدل ، ويذهب البعض الآخر إلى حدّ نسج قصص خيالية حوله .
فتوصّل إلى هذه الإجابة بأنّ عمر بن عبد العزيز لا يختلف عن حساب غيره من الخلفاء الذين تبوّؤا منصب الخلافة ، وهو منصب مقصور على أصحابه الشرعيين من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) .
فالجلوس في هذا المكان بحدّ ذاته يعدّ ذنباً عظيماً وإثماً كبيراً تهون عنده الذنوب الأخرى جميعها ، بل يعد اغتصاب الخلافة الشرعية من أصحابها الشرعيين أس الذنوب الذي دارت عليه رحى الكبائر والموبقات إلى يوم القيامة .
وهذا الكلام لا يتمّ فهمه متكاملاً إلاّ بعد الرجوع إلى مباحث الإمامة الإلهية ودورها في ترسيخ القيم والمبادئ الصحيحة في المجتمع ، وأيضاً إذا عرفنا دور الإمام المعصوم في قيادة الأمة والسير بها إلى سبيل الهداية والرشاد ، وأنّ منصب الإمامة منصب إلهي يتكفّل باختيار الإمام الباري عزّ وجلّ ، ولا يكون للناس دخل فيه .
إلاّ أنّ لعمر بن عبد العزيز بعض المواقف التي كانت موضع التقدير ، منها : إرجاعه فدك إلى أهل البيت (عليهم السلام) ، ورفع السبّ والشتم عن الإمام علي (عليه السلام) .
معنى " قدّس سره " و " دام ظلّه " :
من الأسئلة الأخرى أحبّ " حمزة " التعرّف عليها هي المقصود من عبارة " قدّس الله سرّه " وعبارة " دام ظلّه " التي يردفها الشيعة بعد ذكر اسم مراجع تقليدهم وعلمائهم ، فعرف أنّ السبب هو تقديس الحالة التي بلغها المرجع أو العالم ، والتي كانت نتاج التقوى والعمل الدؤوب في مجالي طلب العلم والعبادة لله تعالى .
وأمّا عبارة " دام ظلّه " فهي استعارة تخيلية لأمر محسوس وهو الفيء البارد الذي يلجأ إليه الإنسان هروباً من الحرّ ، وظلّ العالم هو ذلك الكنف المبارك الذي هو محل هداية الناس ورعايتهم .
وعبارة " دام ظلّه " إنّما هي دعاء في سياق الخبر ، والمراد : نسأل الله دوام ظلّ فلان ، ودوام ظلّ العالم ، يعني دام بقاء هدايته للناس ورعايتهم .
ولدت عام 1380 ه ( 1961 م ) في عاصمة تونس ، ، وترعرعت في أسرة تنتمي إلى المذهب السني ، لكنّها لم تكن ملتزمة به ، ولم تعرف - حسب قولها - من الإسلام سوى الصوم والشهادتين .
تزوّجت عام 1417 ه ( 1997 م ) من زوج لبناني شيعي ، لكنّها لم تقتنع باعتقاداته الدينية ، ثمّ واجهت عام 1419 ه ( 1999 م ) قضايا مؤثّرة دفعتها إلى الاستبصار .
حوّلتني واقعة عاشوراء :
تقول " حياة " كانت بداية استبصاري عند زيارتي للبنان عام 1419 ه ( 1999 م ) ، ومنها ذهبت إلى سوريا ، زرت هناك - مع زوجي - مرقد السيدة زينب (عليه السلام) ولم تكن زيارتي للثواب ، بل كانت لمجرد حبّ الاستطلاع ، ثمّ ذهبنا إلى الجامع الأموي بدمشق ، وما لم أكن أتوقّع رؤيته هناك مشاهدتي لمجموعة من النساء الإيرانيات وهنّ يبكين في جانب الجامع يقال أنّه مدفن رأس الحسين (عليه السلام) (1)
وهناك أقوال اُخرى تقول بعضها : أنّه دفن عند قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف الأشرف ، وبعضها تؤيد دفنه عند قبر اُمّه الزهراء (عليه السلام) في المدينة المنورة .
والأقوال عند أهل السنة تختلف أيضاً ، يقول سبط بن الجوزي : حكى ابن أبي الدنيا قال : وجد راس الحسين (عليه السلام) في خزانة يزيد في دمشق ، فكفنوه ودفنوه بباب الفردايس - والظاهر أنّه هو الموضع المعروف الآن في مقام راس الحسين (عليه السلام) بجانب المسجد الأموي بدمشق - وقيل أنّ الخلفاء الفاطميين نقلوه من باب الفراديس إلى عسقلان ثُمّ إلى القاهرة بمصر ودفنوه هناك ، وشيدوا له مشهداً عظيماً وقيل أيضاً : أنّه دفن في مسجد الرقّة في المدينة المنورة .
والقول المشهور بين علماء الشيعة أنّه مدفون مع الجسد المقدّس ، حيث أنّه أعيد إلى كربلاء بعد أن طيف به في البلاد ، أو أنّ الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) ردّه إلى المضجع الشريف .
وهناك أقوال أخرى تقول بعضها : إنّه دفن عند قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف الأشرف ، وبعضها تؤيّد دفنه قند قبر اُمّه الزهراء (عليه السلام) في المدينة المنورة ، والأقوال عند أهل السنّة تختلف أيضاً ، يقول سبط ابن الجوزي : حكى ابن أبي الدنيا قال : وجد رأس الحسين في خزانة يزيد بدمشق ، فكفّنوه ودفنوه بباب الفراديس - والظاهر أنّه هو الموضع المعروف الآن بمقام رأس الحسين (عليه السلام) بجانب المسجد الأموي بدمشق - وقيل أنّ الخلفاء الفاطميين نقلوه من باب الفراديس إلى عسقلان ثمّ إلى القاهرة بمصر ودفنوه هناك ، وشيّد واليه مشهداً عظيماً وقيل : أيضاً إنّه دفن في مسجد الرقّة بالمدينة المنورة .
، فاستهزئت بهنَّ في قلبي ودفعني الفضول إلى التقرّب منهن لمعرفة1) - اختلفت الروايات والأقوال في مكان دفن الرأس الشريف بعد استشهاد سيّد الشهداء (عليه السلام) : والقول المشهور بين علماء الشيعة إنّه مدفون مع الجسد المقدس ، حيث إنّه أعيد إلى كربلاء بعد أن طيف به في البلاد ، أو أنّ الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام) رده إلى المضجع الشريف .
ما في داخل الشباك ، فتقرّبت حتّى مسكت الشباك ونظرت في داخله فاندهشت كثيراً عندما رأيت فيه صورة لرأس مقطوع ، فصرخت من أعماق وجودي وطلبت الاستغاثة من زوجي الذي كان خارج الجامع ، فجاء وأخرجني من الجامع .
ثمّ عدنا إلى لبنان فكنت أقضي يومي ليلاً ونهاراً بالبكاء وأحسَّ بحزن عميق في داخلي ، ولكنّي لم أكن أعرف سببه ، استمرَّت هذه الحالة يومين حتّى أول ليلة من محرّم الحرام ، حيث رأيت رؤياً عجيبةً حول قصة كربلاء وشهادة الإمام الحسين (عليه السلام) ، ففزعت وأنا أبكي ، فظننت أنّه كابوساً ، لأنيّ لم أكن أسمع قبل ذلك هذه الأسماء .
وفي الليلة الثانية رأيت نفس الرؤيا ، ففزعت من النوم الثانية وبكيت بكاءً شديداً ، وأخبرت زوجي عمّا رأيت في المنام ، فطلب مني أن أذهب إلى عالم شيعي في بعلبك .
فذهبنا صباح اليوم التالي إلى " الشيخ محمّد حسين عبيد " ورويت له الرؤيا ، فبكى الشيخ ، ثمّ فسرّ لي تلك الرؤيا ، وبعدها أعطاني كتباً عن أهل البيت (عليهم السلام) وعاشوراء .
الاعتصام بأهل البيت (عليهم السلام) :
ونظراً للنتائج المقنعة التي وصلت إليها " حياة ياسين " نتيجة تأثّرها الروحي في مشهد رأس الحسين (عليه السلام) والقناعة الاستدلالية التي حصلت بالتمعّن والنظر في الآيات والروايات ، أعلنت استبصارها عام 1419 ه ( 1999 م ) وتمسّكت بمنهج الحقّ وتحجّبت ، وبذلك فتحت صفحة جديدة من حياتها ، حيث قامت بتعديل أفكارها ومعتقداتها وفق المذهب الشيعي الاثني عشري .
الصورة
ولد عام 1387 ه ) 1968 م ) في تونس ، نشأ في أسرة مالكية المذهب ، واصل دراسته الأكاديمية حتّى حصل على شهادة البكالوريوس ، ونال شهادة الإجازة في الفلسفة .
كان نشطاً في الجامعة قبل الاستبصار ، وكان يقوم بإلقاء بعض الدروس الأخلاقية في المسجد كما كان يقوم بعض الأحيان بإلقاء المحاضرات .
استبصر " صالح " عام 1414 ه ( 1994 م ) في سوريا ، ثمّ التحق بحوزة أهل البيت (عليهم السلام) التابعة للرابطة الإسلامية العالمية ، وكان ذلك عام 1415 ه ( 1995 م ) .
قصّة استبصاره :
يقول " صالح " حول قصّة استبصاره : خرجت من تونس في بداية التسعينات متّجهاً إلى المغرب ، ثمّ سافرت إلى موريتانيا ، وأكملت دراستي الجامعية هناك ، ثمّ رجعت مرّة أخرى إلى المغرب ، والتحقت بإحدى المصانع بحثاً عن عمل يؤمّن لي حياة مستقلة وهنيئة ، وكان المصنع عبارة عن ورشة تصليح سيارات .
أحببت مواصلة دراستي ، وكانت لي رغبة في رفع مستواي العلمي والثقافي ، فاقترح عليّ صديق عزيز لي - كان يدرس في الحوزة العلمية في مدينة
قم بإيران - أن أسافر إلى إيران لمواصلة الدراسة ، وللتعرّف على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، فقبلت ذلك ، وسافرت إلى سوريا لانتقل منها إلى إيران ، لكن عرضت موانع دفعتني إلى الاستسلام والبقاء في سوريا ، فتعرّفت فيها على شخص شيعي أرشدني إلى قراءة الكتب خلال فترة بقائي في سوريا ، ودلّني على مكتبة كنت أذهب إليها صباحاً ، فقرأت كتاب المراجعات ، النص والاجتهاد والفصول المهمّة ، وكلّها للعلاّمة شرف الدين ، ثمّ قرأت كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، واستغرقت مطالعتي لهذه الكتب مدّة شهر ، ثمّ رغبت في الالتحاق بالحوزة العلمية في السيّدة زينب بدمشق ، وكان هدفي مواصلة الدراسة ، وتوسيع آفاق معرفتي الدينية .
وفي الحوزة تبيّن لي خلال الدراسة بأنّ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) على الحقّ ، فأعلنت استبصاري .
الإمام علي (عليه السلام) بمنزلة الكعبة :
عرف " صالح " عند قراءته للكتب بأنّ للإمام علي (عليه السلام) مكانة عظيمة لا يهتمّ علماء أهل السنّة بذكرها ، وتسليط الضوء عليها ، فلمّا تعمق في قراءة التاريخ عرف الأسباب السياسية التي حرمت الأمّة من الحقائق الكثيرة .
إنّ النصوص الواردة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ الإمام علي (عليه السلام) تبيّن للإمام علي (عليه السلام) منزلة رفيعة لا يمكن تصوّرها بالنسبة إلى أيّ صحابي آخر ، منها : قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام علي (عليه السلام) : " أنت بمنزلة الكعبة ، تُؤتى ولا تأتي . . . " (1).
أضف إلى ذلك : تواترت الأخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدت الإمام علي (عليه السلام) في جوف الكعبة (2).
وقد ورد في الفصول المهمّة حول الإمام علي (عليه السلام) : " ولد رضي الله عنه بمكة داخل البيت الحرام يوم الجمعة الثالث عشر من رجب الحرام ، سنة ثلاثين من عام الفيل قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة ، وقيل : بخمس وعشرين ، وقبل المبعث باثنتي عشرة سنة ، وقيل : بعشر سنين ، ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه " (1).
ثمّ كان الإمام علي (عليه السلام) أوّل من أسلم ، وأوّل من آمن بالنبي (عليه السلام) (2)، وبلغ الإمام علي (عليه السلام) في الإيمان درجة بحيث قال عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " لو أنّ السماوات والأرض موضوعات في كفّة وإيمان علي (عليه السلام) في كفة ، لرجح إيمان علي " (3).
انكشاف الحقيقة :
إنّ من أهم الأمور التي دعت " صالح الطيّب " إلى الاستغراب هو إعراض بعض الصحابة عن الإمام علي بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والتفافهم حول من هم دونه في جميع الأمور .
ومن هذا المنطلق واصل " صالح " بحثه فتبيّنت له حقائق كثيرة دفعته في النهاية إلى ترك مذهبه الموروث ، والالتحاق بالمذهب الحقّ ، وهو مذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
ولد عام 1388 ه ( 1969 م ) في تونس ، واصل دراسته حتّى بلغ رتبة تدريس الأدب العربي ، كان سنيّاً ، ثمّ أعلن استبصاره .
يقول " علي " حول أهم أسباب استبصاره : " البحث المتواصل ، وقراءة الكتب ، أهمها : المراجعات ، بحث في الولاية ، ومعالم المدرستين ، وأنا أحبّ الإمام علي (عليه السلام) " .
الاجتهاد في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) :
قرأ " علي " في كتاب معالم المدرستين للعلاّمة مرتضى العسكري مبحث الاجتهاد :
أوّلاً : الاجتهاد في اللغة :
قال ابن الأثير : " الاجتهاد بذل الجهد في طلب الأمر ، وهو افتعال من الجهد : الطاقة " (1).
وفي هذا المعنى ، استعمل على عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه إلى آخر القرن الأوّل ، فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :
1) - مادّة جهد من النهاية في غريب الحديث 1 : 308 .
أ - أمّا السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم (1).
ب - صلّوا عليّ واجتهدوا في الدعاء (2).
ج - فضل العالم على المجتهد مائة درجة (3)، أي : المجتهد في العبادة . وعن محمّد القرظي : " كان في بني إسرائيل رجل فقيه عالم ، عابد مجتهد " (4).
وفي حديث طلحة عن رجلين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " كان أحدهما أشدّ اجتهاداً من الآخر ، فغزا المجتهد منهما فاستشهد . . . " (5).
وعن أبي سعيد : " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا حلف واجتهد في اليمين ، قال . . . " (6).
وفي خبر عبد الله بن أبي في غزوة بني المصطلق : " فاجتهد بيمينه ما فعل " (7).
وفي سؤال الصحابية أمّ حارثة من شأن ابنها حارثة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " إن كان في الجنّة صبرت ، وإن كان غير ذلك اجتهد عليه في البكاء " (8).
نعرف من هذه الموارد والكثرة الكاثرة من نظائرها ، أنّه كان المتبادر من الاجتهاد في القرن الأوّل ، هو بذل الجهد ، ثمّ تطوّر مدلول الاجتهاد لدى المسلمين ، وأصبح يدلّ في اصطلاحهم على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية .
1) - صحيح مسلم 1 : 292 ، كتاب الصلاة باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود حديث 479 .
2) - سنن النسائي 3 : 49 ، باب كيف الصلاة عن النبي .
3) - سنن الدارمي 1 : 100 .
4) - موطأ مالك 1 : 154 ، كتاب الجنائز ، ح 43 .
5) - سنن ابن ماجة 2 : 1293 ، كتاب الفتن ، ح 3925 .
6) - مسند أحمد 3 : 33 .
7) - مسند أحمد 4 : 373 .
8) - مسند أحمد 3 : 260 و 283 .
الاجتهاد في مصطلح مذهب أهل البيت (عليهم السلام) :
" الاجتهاد : هو استفراغ الوسع في النظر فيما هو من المسائل الظنيّة الشرعية ، على وجه لا زيادة فيه .
ولا يصحّ في حقّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقوله تعالى : * ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ) * (1).
ولأنّ الاجتهاد إنّما يفيد الظنّ ، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) قادر على تلقّيه من الوحي .
ولأنّه كان يتوقّف في كثير من الأحكام حتّى يرد الوحي ، ولو ساغ له الاجتهاد لصار إليه .
ولأنّه لو جاز له ، لجاز لجبرئيل (عليه السلام) .
وذلك يسدّ باب الجزم ، بأنّ الشرع الذي جاء به محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) من الله تعالى .
ولأنّ الاجتهاد قد يخطئ وقد يصيب ، فلا يجوز تعبّده (صلى الله عليه وآله وسلم) به ; لأنّه يرفع الثقة بقوله .
وكذلك لا يجوز لأحد من الأئمّة (عليهم السلام) الاجتهاد عندنا ; لأنّهم معصومون ، وإنّما أخذوا الأحكام بتعليم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأما العلماء فيجوز لهم الاجتهاد ، باستنباط الأحكام من العمومات ، في القرآن والسنّة ، وبترجيح الأدلّة المتعارضة .
أمّا بأخذ الحكم من القياس والاستحسان فلا " (2).
ونرى أنّ علماء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) حين استعملوا مصطلح الاجتهاد والمجتهد لم يتركوا اصطلاح الفقه والفقيه ، بل جمعوا بين الاصطلاحين كما فعل ذلك جمال الدين صاحب المعالم ، فإنّه قال في أول كتابه " الفقه في اللغة الفهم وفي الاصطلاح : هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية " .
وعقد بعد ذلك فصلاً لتعريف الاجتهاد ، وقال في فصل آخر : " الاجتهاد في اللغة : تحمّل الجهد . . وأمّا في الاصطلاح : فهو استفراغ الفقيه وسعه في تحصيل
الظنّ بحكم شرعيّ . . . " (1).
امتياز استمرار الاجتهاد عند الشيعة :
توصّل " علي أكبر المالكي " إلى أنّ الاجتهاد عند الشيعة من أبرز الأمور التي مكّنتهم من مواكبة العصر ، وحلّ المشاكل العلمية الحديثة عن طريق استنباطها من النصوص الدينية ، وهذا بخلاف المذاهب الأخرى التي غلقت باب الاجتهاد ، وهذا ما جعلها في دائرة ضيّقة وغير قادرة على تلبية المتطلّبات المعاصرة .
1) - معالم الدين وملاذ المجتهدين : 238 .
ولد عام 1372 ه ( 1953 م ) في تونس ، مدينة قابس ، يمتلك رغبة كبيرة في طلب العلم ، وهذا ما دفعه إلى البحث وأدى به في نهاية المطاف إلى الاستبصار عام 1397 ه ( 1977 م ) ، له نشاط واسع على مواقع الانترنت ، وله مساهمات كثيرة منها :
المساهمة الأولى : يا ليتنا كنّا معكم فنفوز فوزاً عظيما :
منذ أن عرفت أهل البيت (عليهم السلام) ولو بالقدر المتاح عندي من الإدراك والمعرفة ، وما سبرت من معالمهم القدسية من سنن حياتية وحكم ومواعظ وأدعية ومناهج تربوية . . فهم الملاذ وهم الباب والملتجأ ، ما كنت أقف مبهوراً عند أحكامهم ومناظراتهم واستنباطهم . . فهم معادن العلم وينابيع الحكمة ومحطّ الرسالة الخاتمة ، ولكن كلّ ذلك يهون عند هذا المقطع من ا لزيارة : " فيا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً " .
هذه الكلمات المعدودة والتي تتكرّر في كلّ زمان ومكان ، ورغم كثرة سماعها ، لم يمنحني الاستئناس ، بل كلّما جرّت على لساني كانت تتلجلج وتأبى الإنسياب ، وعندما ينشط العقل والضمير والوجدان يأتي الصوت من الأعماق وتتبعه تساؤلات :
مالك وهؤلاء حتّى تدّع الانتساب إليهم أو تتمنّى يا ليت أن تكون معهم ؟
ألا تعلم بأنّ المرتبط بالحسين (عليه السلام) مرتبط بالله . . والمتصل به متصل بالله ؟ فأولئك هم أولياء الله فأين أنت منهم ؟
ولكن وإن لم تبلغ مراتبهم العالية ، يبقى الأمل والرجاء ولهذا نقول : يا ليتنا كنا معكم ، ولكن مع شي من الاستحياء ولنتباكى على ما فرّطنا في جنب الله وفي حقّ أنفسنا ، عسى أن يرحمنا ، فيلهمنا خشوع الخاشعين ، فتكون دموع التوبة النصوحة ، ويحقّ لي الادعاء بأنّي من شيعة وأنصار أولئك الصفوة الذين ركلوا حطام الدنيا بأقدامهم .
اللّهم ارزقنا شفاعة الحسين يوم الورود ، وثبّت لي قدم صدق عندك مع الحسين (عليه السلام) وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين (عليه السلام) .
المساهمة الثانية : مفهوم الولاء والتبرّي :
تاه المسلمون مع أهوائهم يوم توزّعوا على أنفسهم شيّعاً ، ويوم تركوا ما أُمروا به من أمر الله تعالى ووصايا رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ اتسعت المتاهات لتنجب فرقاً ومذاهب كثير الخصومات ، وتعريها المطامع والنعرات .
أعجب . . وأنا البسيط علماً ممّن يعتقد بعدل الله تعالى وكمال خلق رسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) القوام لله بالقسط والشهد على الناس بالحقّ . . كيف يظنّ ظنّ السوء بأنّهما تركا خير أُمّة أخرجت للناس هملا بلا دليل ولا راع ولا منهاج قويم . . وتاهت بهم السبل بعد تركهم حكم الولاء لأهل العصمة الحقّة وما اختاره الله لهم وارتضاه رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) الصادق في قوله والحكيم في فعله بعد أن وضع بين أيديهم مناهج النجاة ومصابيح الهداية وعرّفها لهم وأمرهم بالولاء لها مراراً وتكراراً وأمرهم بالسير على هديها والاعتصام بحبل مودّتها .
ولكّنهم هجروا ما أمروا بمودّته ، وابتغوا من دونهم أولياء ممّن سوّلت لهم
أنفسهم وأهواءهم ، وكان أغلبهم في ذلك للحقّ كارهين حيث شيّدوا مبدأ النقيض ، واغتصبوا ما لغيرهم مع عقيدة القياس - ليصبح خليفة المرء ، خير من رسوله - وكان للاجتهاد في مقابل النصّ صولات وجولات ، حتّى قدّموا القبيح على الحسن بعدما أجازوا ولاية الفاجر عوضاً عن الإمام العادل . . ما أقاموا فيكم الصلاة .
وقد نقل الفرّاء عن الإمام أحمد بن حنبل قوله : " ومن غلبهم بالسيف حتّى صار خليفة وسُمّي أمير المؤمنين فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما عليه ، برّاً كان أو فاجراً فهو أمير المؤمنين ! ! (1).
" ولا يخرج على الأمراء بالسيف وإن جاروا " (2).
وبمثل هذه الفتاوى المبتدعة أخضعوا رقاب الأُمّة .
وبين بيعة الفلتات وجنود العسل وسيف الحجاج ضاعت أعظم أحكام التشريع الإسلامي ، ومن بينها مفهوم الموالاة والتبرّي وما وجوبها على الفرد والمجتمع المسلم ، ومع ضياع المفهوم لهذا الحكم ، تاهت بنا السبل بين حالات الذلّ والتشرذم والتباغض والهوان .
ولن يكون لنا ملاذ عزّ وسعادة دون معرفة مفهوم الولاء وتمسّك بأهله (عليه السلام) والتبري ممن ناوئهم أو عاداهم أو ترك نصرتهم عبر العصور والأيام ، والتي وضع أسسها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) عبر مراحل عمره الشريف : أعرف الحق تعرف أهله .
وممّا تؤاخذ عليه الفرقة الجعفرية من الشيعة الإمامية مسألة الولاء والتبرّي اتجاه بعض الصحابة وما يرونه ويعتقدونه من حرمة لأحدهم إلاّ بالاعتماد على آيات الله تعالى وسنّة رسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) الموثقة بحكم الإجماع والعقل السليم في حقّ كلّ منهم ، لذلك تابعتهم الألسن والأقلام عبر العصور والأيام بالإساءة
والطعن في معتقداتهم .
والشيعة من ناحيتهم آثروا أن يدفعوا بالحسنة السيئة ، وبالمودّة الجفاء ، وبالمحبّة البغض ، وليت الآخرين اتخذوا عوض المعادات والبغض والتهويل سبل البحث والمناظرة وفهم الغاية من حكم الولاء والتبري وإدراك إعراض ما أوجسوا منه خيفة ، ولكن بين المصالح الدنيوية والجهل المستطاب والتقليد الأعمى . . وعلى قدر قوّة الدين يكون خلوص النية .
لذلك مسألة الصحبة والصحابة . . بين من رأى بعدالتهم كلّهم والولاء لهم والتبرّي ممّن يتناولهم بجرح أو تعديل ، بل واعتقدوا بعصمتهم وجعلوا منهم نجوما يُهتدى بها ، وبأيّهم اقتديتم اهتديتم .
في حين رأى الآخرون ومعهم الشيعة بأنّ الصحبة لا تجيز لصاحبها العصمة ولا الموالاة إلاّ لمن أوتى الضمانة من كتاب الله تعالى أو سنّه رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لا ما شيدت يدّ الوضع والافتراء من طواحين ابن هند وسمرة بن جندب وابن عمر وما دون ذلك فهم بشر يقع منهم ما يقع من غيرهم ، ويعززون حكمهم هذا بما جاء به تاريخ الصحابة من رزايا وبلايا رغم الإنذارات والتلميحات من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم : " لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " (1).
ولكن لمعرفة الحقيقة في اتخاذهم أو عدمه بتلكم الوصايا المقدّسة يتجلّى لمن تدبّر وتفكّر فيما جاء به من حديث الحوض من الصحيحين ، وهذا نصّ البخاري :
عن أبي هريرة ، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : " بينما أنا قائم فإذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل بينهم وبيني ، فقال : هلم .
قلت : أين ؟
قال : إلى النار والله .
1) - صحيح البخاري 1 : 38 ، كتاب العلم .
قلت : وما شأنهم ؟
قال : إنّهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ؟
فلا أرى ينجوا منهم إلاّ مثل همل النعم " (1).
فمن يا ترى الرجل الذي يقف بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والزمرة من أصحابه ليأخذهم إلى النار ؟
كم يكون عدد الهمل من النعم في أقصى الحالات ؟
سؤالان ينتظران الإجابة ؟
وبعد قد نبحث على النجوم التي تهدينا في عتمة ليالينا التي طال أمدها ، وتخرجنا من طوامير التقليد الأعمى التي ألزمونا بها أصحاب المصالح واتّباع الموروث من عقيدة ابتداء ما ورث الآباء .
وهذا يعتبر دليل إلزام ، فتكون بعده مسألة الولاء والتبري مسألة سعادة أو شقاء ، ونعيم أو جحيم ، وتكون معرفة اللذين أشار لهم الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) بهمل النعم واجب عيني لمن أراد لنفسه النجاة حتّى نواليهم ونقتدي بهديهم ونكون معهم يوم الفزع الأكبر حيث يحشر المرء مع من أحبّ .
لنجتهد ونبحث عن سبل النجاة وطرق الهداية والصراط المستقيم ، وحتماً أنّ الله يحكم عدله ولطفه ، ورسوله يحكم خلقه وكرمه ، لن يتركا الأمّة هملاً كما يعتقد السفهاء ، بل تلك بصائر من ربّك لمن أراد السمع وهو بصير ، نلتمسها واضحة المعالم مشرفة الزوايا تنير دروب السالكين بين آيات بيّنات وسنن عطرة وهذه مصابيح منها لظلمة القبر وينابيع زلال ليوم العطش الأكبر لمن شاء ان يتخذ إلى ربّه سبيلا .
1) - صحيح البخاري 7 : 208 ، كتاب الرقاق .
المساهمة الثالثة : نشأة عقيدة أهل السنّة :
إنّ عقيدة أهل السنّة في واقعها جاءت من رحم سقيفة بني ساعدة ، ثمّ كانت المرضعة لها الدّرة العمرية وعنجهيته حتّى تدرّجت بين أحضان شعراء الجن (1)، وجنود العسل (2)، ثمّ نطقت على لسان المنصور : " لا يفتى ومالك في المدينة " (3).
وهكذا كانت حياتها ومنذ نشأتها الأُولى في أحضان الساسة ، والتي سهر أربابها أن يجعلوا منها الكفيل والضمانة في الحفاظ على عروشهم ، بعد أن وشجوها بدعاوي أضاليل لتكون دعامة لبقائهم وتسلّطهم : " لو ولّى عليك عبداً حبشيا فاسمع وأطع " .
وهكذا وضعت عقيدة أهل السنّة في مقام عال بعيداً أن ينال منها أحد ، بل اعتبرت امتداداً لما إرادة الله تعالى وجاء به رسوله الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) من منهج للحياة وسبل النجاة .
فمن التزم بها كان من الناجين من النار ومن السلطان .
ومن خالفها كان مع الهالكين وأصحاب دار البوار .
ذلك ما سوّلت لهم أنفسهم ، وما أوحت لهم شياطين السلف الغابر ، فصار الوهم حقيقة ، والسراب يقينا .
وأدّعوا أنهم الفرقة الناجية ، واستدلوا على هذيانهم هذا بأحاديث المخمورين التي يفندها العقل السليم والفطرة النقية قبل الجرح والتعديل وعلم الرجال .
وكان أوّلها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين
المهديين عضّوا عليها بالنواجذ " (1).
والفرية الثانية : " خير القرون قرني ، ثمّ الذين يلونهم ، ثمّ الذين يلونهم . . . " (2).
وبهاتين الفريتين شيّدوا صرح عقيدتهم ، وبها وضعوا رصيدهم التاريخي باعتبار أنّهم الفئة الوحيدة التي تلتزم سنن الخلفاء الثلاثة الأوائل ، وإن ادعوا بأنّهم يتبعون علياً (عليه السلام) أيضاً فسيرتهم تفنّد ذلك ، وهكذا تمسّكوا ببدعهم وتأويلاتهم ، وحتّى التابعين لهم بإحسان .
وأمّا الحديثان واستدلالهما فسنأخذ المسألة بالعقل ونسأل أولياءهم : هل كانت سنّة الخلفاء متمّمة لسنّة الرسول الأكرم حيث لم يُتم شريعته في حياته ، فأوصى لهم بإتمامها ؟
وإذا نظرنا في سنن الخلفاء تلك نجدها متضاربة ومتناقضة ، ابتداء من حكم الفيي ، حتّى الحكم عن مانع الزكاة ، وصولاً إلى بدع الثالث منهم مما أدّى إلى نحره ودفنه في مقابر اليهود بحش كوكب .
وأمّا الحديث الثاني فيكفيكم عاراً وشناراً ما جاء في عصره الأوّل من مجزرة البطاح إلى قتل الخليفة الثاني والثالث والرابع ؟ وبين الجمل وصفّين والنهروان ، ثمّ كربلاء والحراء ونصب المنجنيق لهدم الكعبة المشرفة ، فإن كانت هذه خير أيامكم فتعساً لكم ولها !
وحتّى لا أطيل في توضيح الواضحات ، فعموماً عقيدة أهل السنّة مرتبطة بالحكام الرابطة المصيرية التي كتبت لها الدوام إلى يوم القيامة ، فلا أهل السنّة سوف يستغنون عن الحكّام ولا الحكّام يستغنون عن أهل السنّة .
مرّت ترجمته في ( 1 : 431 ) من هذه الموسوعة ، ونشير إلى ما حصلنا عليه من معلومات لم تذكر من قبل .
بعد أن ظفر الشيخ " مبارك بعداش " بالحقائق الساطعة والمنيرة سعى في نشرها في أقطار العالم .
فواصل نشاطه العلمي عن طريق نشر المقالات في الانترنت ، كما تلقى دعوة من مركز الأبحاث العقائدية ، فلبّى الدعوة وشارك في جمله من الندوات التي عقدها المركز ، ونذكر فيما يلي بعض ما جاء في ندواته :
مكانة أهل البيت (عليهم السلام) في تونس :
قال الشيخ " مبارك بعداش " : لا تخلو الجلسات التي تعقد في تونس بين عامة الناس عن ذكر أهل البيت (عليهم السلام) ، فإنّهم يُمثلون المكارم الرفيعة للأخلاق والشجاعة .
ويكون الإمام علي (عليه السلام) هو الشخصية البارزة والتي اعتمد عليها الإسلام ، حيث أنّه قام على سيفه كما أنّ فاطمة الزهراء (عليه السلام) هي الرمز للنساء ; لما لها من مقام ومنزلة رفيعة أبرزها أنّها سيّدة نساء العالمين .
وكذا يكون الكلام حول سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسن والحسين ( عليهما السلام )
وترى القلوب تنجذب نحوهم ; وذلك لأن الله تبارك وتعالى جعل مودّتهم في قلوب الناس .
وتترك هذه المودّة أثرها العملي البالغ في حياة الناس ، بأنّ كلّ رجل يولد له أوّل مولود ذكر فإنّه يسميه " محمّد " أو " علي " ، وذلك لحبهم لهذه الرموز .
ومع الأسف الشديد تنتهي المعرفة إلى هذا الحدّ ، ولا توجد هناك أية نافذة لمزيد من المعرفة حول أهل البيت (عليهم السلام) .
وتبقى التسائلات المطروحة في الساحة من دون جواب ؟
تسائلات :
عند حلول شهر محرّم الحرام يحتفل الناس في تونس بحلول هذه المناسبة ، ويقيمون مراسم العزاء يقرأون أناشيد مثيرة وكأنّها نياحة .
ولكن يبقى السؤال حيران من الذي قتل الحسين (عليه السلام) وكيف يُقتل سيّد شباب أهل الجنّة على أيدي المسلمين آنذاك ؟ ! !
ترهات حول شخصية أبي طالب :
أبو طالب ذلك العبقري الذي دافع عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان يسرد في مدحه الأشعار تجد البعض يزعم بإنّه في النار بل ، ليس في النار فقط بل تحت قدميه جمرتان تغليان .
وعندما نراجع التاريخ نرى أعظم من هذه الترهات ينسبونها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا لا ينسبونها إلى تابعي التابعي ، وذلك لما تبتني عليه مصالحهم التي يكتمونها من وراء ذلك .
الترهات حول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصحاح :
يذكر البخاري حديثاً عن محمّد بن أبي وقاص عن أبيه ، قال : " استأذن عمر
ابن الخطاب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته ، فلمّا استأذن عمر قمن فبادرن الحجاب ، فأذن له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يضحك .
فقال عمر : أضحك الله سنك يا رسول الله .
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : عجبت من هؤلاء اللاتي كنّ عندي ، فلمّا سمعن صوتك ابتدرن الحجاب .
فقال عمر : فأنت يا رسول الله كنت أحق أن يهبن .
ثمّ قال عمر : يا عدوات أنفسهن أتهبني ولا تهبن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فقلن : نعم ، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أيها يا ابن الخطاب ، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجأ قط إلاّ سلك فجاً غير فجك " (1).
ويذكر مسلم عن عائشة قالت : كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه ، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحالة ، فتحدث ، ثمّ استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ، ثمّ استأذن عثمان فجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسوّى ثيابه به . . . فدخل وتحدث فلمّا خرج قالت عائشة : دخل أبو بكر فلم تهنش ولم تباله ، ثمّ دّخل عمر فلم تهنش ولم تباله ، ثمّ دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك .
فقال : ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة (2).
ترى كيف يمكن تصديق هذه الخرافات ؟ وهل أن الملائكة لا تستحي من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتستحي من عثمان ؟ ! ! لقد جئت شيئاً فريا .
الرجوع إلى التاريخ :
هذه التسائلات لا يمكن حلّها إلاّ من خلال الرجوع إلى التاريخ ودراسته دراسة كاملة ، وعندها يتجسد لنا الفراغ العقائدي الذي نعيشه ونعلم ببطلان وزيف معتقداتنا .
بالحوار نتعارف وبالمعرفة نتآلف :
أيها الإخوة الكرام في وضعكم الحالي وضع فرسان التقريب يعقبه التوحيد للأمة الإسلامية ، أنتم في وضع ترميم بل بناء ما وقع هدمه في قرون الغفلة ، أنتم في وضع تنطلقون من حقائق ملموسة أوضحتها الأيام وكشفتها وجسمتها رجال أوهبهم الله وأعدهم لنصرة دينه ، صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا فبعملكم هذا تشاركونهم في البناء والجهاد والأجر إن شاء الله فلا نكون كالذين يتبارون بالكلمات الفضفاضة ويتواجدون في الندوات لتبديل الأجواء ، ثمّ يعودون إلى قواعدهم سالمين ، وتتلاشى الأفكار وتنسيها الأيام ، وهكذا عام بعد عام ، فلا أثر لهم بين الناس ولا وزن لهم عند الله ، فلا المطلوب منا الإتيان بشيء جديد ولا ابتكار مثال للتنفيذ وإنّما الرجوع لأصلنا لعقيدتنا لديننا لربنا لرسولنا لعزتنا ، ويحتاج هذا إلى مقدمات أوضحها من نثق بهم ، وجربتهم الأيام فكانوا خير خلف لأصدق سلف فإنشاء المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب وتبنيه من طرف الجمهورية الإسلامية في إيران ، لأجل جمع أوصال ما تشتت من الأمة الإسلامية ، ولأم صدع ما تفرق من أبنائها ولحم ما جمع أوصال ما تشتت من الأمة الإسلامية ولأم صدع ما تفرق من أبنائها ولحم ما تشظى من كيانها فالوحدة الإسلامية شرط ضروري ولازم لعودة المسلمين إلى ما كانوا عليه من قوة ومنعة ومكانة موحدة في مواجهة الكفر والاستكبار العالمي وهذه القضية تحتاج إلى عناصر ومقومات إذا عرفنا الداء سهل الدواء .
الحوار : فبدونه لا يمكن أن يفهم أحدنا الآخر ويتفهّم بعضنا بعضاً وهو مفهوم يحرك التواصل الإنساني وبه يكون الإنسان اجتماعيا فالقرآن الكريم هو كتاب حوار والحوار الأوّل الذي سجله كان حوار الله سبحانه وتعالى ، حاور إبليس فإبليس رفض السجود لآدم لكنه لم يرفض فرصة الحوار مع الله وقد عبر عما في نفسه وقدم طلبه : * ( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) * (1).
فأجابه الله تعالى بعد ذلك : * ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) * (2)، يعطينا فكرة أن المخلوق حتّى لو كان متمرداً فالله يعطيه الفرصة ليتحدث عما في نفسه ليس هناك شخص مرفوض في الحوار ، فبإمكانك أن تحاور أي إنسان مهما كانت درجة سقوطه الإنساني والديني أو الاجتماعي والسياسي .
فمن هو الذي يتجاوز موقع إبليس في الشر ، لا سيّما أننا نعلم أن الحوار لا يعني الاعتراف بالآخر ، أي اعتباره حالة شرعية ولكنه اعتراف بوجود الآخر . . كما أعطانا تجربة ثانية وهي حوار الله مع الملائكة هنا حوار مع رمز الخير وهناك حوار مع رمز الشر لقد أدار الحوار مع الملائكة حول هذا الإنسان الذي يجعله خليفة وترك الملائكة أن يعلقوا على الموضوع وليس اعتراضا منهم لأنّهم : * ( لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) * (3)، ولكن من أجل أن يكون الحوار فرصة للمعرفة ، وكذلك نجد أن أول حوار بين الإنسان وبين الشيطان كان في الجنّة عندما أراد الله أن يدخل آدم تجربة حية واقعية وعليه أن لا يقبل الأمور بظواهرها بل عليه أن يتعمق وأن لا يكون إنسانا ساذجا بسيطا . . وأيضاً دخل في حوار مع الملحدين مع المشركين . . ومع أهل الكتاب والمنافقين كما أراد أن يدخل الإنسان في حوار مع نفسه ، وأراد للإنسان ان يملك المعرفة فيما يحاور فيه ، وهكذا نجد
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يحاور الآخرين وينهي الحوار في حالة ، ويفتحه في حالة أخرة : * ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُّبِين ) * (1)، ولم يكن كما يقول المتحاورون : " رأيي صواب يحتمل الخطأ ، ورأي غير خطأ يحتمل الصواب " ، وان هناك شكا مشتركا وأن الطرفين يريدان أن يحركا هذا الشك في طريق اليقين ، حتّى يلتقيا بالحقيقة ، إذ يجعل فكراً يحاور فكراً لا ذاتا تحاور ذاتاً .
أتصور أن من الضروري تبسيط هذه المسألة وأن لا نجعل منها شيئا ضخماً وأن أصحاب المذاهب قد يخلصون للرموز أكثر من إخلاصهم لله ، وأكثر من إخلاصهم للإسلام ككل . . .
إنّ هذا النوع من الانغلاق النفسي ، قبال الآخر ، هو الذي يمنع حيوية الحوار وحركيته ، ويحوله إلى عملية وقت ضائع ، وجهد ضائع ، " حوار الطرشان " لأنّ الأطرش يهمه أن يتكلم من دون أن يسمع ليتكلم الآخر من دون أن يسمع .
وعندما نريد للحوار أن يكون إسلامي فيما بين السنّة والشيعة ، أن يكون حواراً إسلامياً داخل السنة أنفسهم وداخل الشيعة أنفسهم ، ويكفوا عن الاعتقاد بأنهم يملكون الحقيقة المطلقة ، حتّى يبحثوا عقائدهم ، ويبحثوا تاريخهم ، وشرائعهم ، وأحكامهم بطريقة جديدة ، وإن كان القدامى قد فكروا واستنتجوا فليس من الضروري ان يكون فكرهم هو نهاية الفكر في العالم ، فبإمكاننا أن نفكر معهم ، ونقارن بين أفكارنا وأفكارهم ، وربما نتجاوزهم ( هم رجال ونحن رجال ) وربما نتجاوز الأخطاء التي فرقت بيننا بسبب ما كنا نعتقده صوابا ، وأظهرت تجارب الأيام غلطه ، ونريد أن نتحرك على الأرض الإسلامية في القضايا المصيرية العامة فقضية فلسطين ليست قضية شيعية بالمعنى التقسيمي الطائفي ، أو قضية سنية ، بل نجد ان المسلمين التقوا عليها ، فاحتلال السوفيات لأفغانستان والبوسنة والهرسك والشيشان وغيرها ، من القضايا الإسلامية الكبرى ، نجد شعوراً
1) - سبأ (34) : 24 .
وحدوياً سياسياً إسلامياً ، ان العلاقة التي تشد المسلمين إلى بعضهم البعض ليست بوجودهم كأمة بل مشاعر عاطفية مغلفة بضباب كثيف انفعالات هادرة ، واحتجاجات طارئة سرعان ما تتلاشى صرخاتها في الهواء وصدق من قال : " وتفرقوا شيعا فكل قبيلة فيها أمير المؤمنين ومنبر " .
الوحدة تحت المجهر :
1 - ينظر إلى الشيعة بأنهم خارجون عن الإسلام فيما ينسب إليهم من عقائد الغلو والشرك وتحريف القرآن ، يقولون لا معنى لطرح قضية الوحدة معهم التي يجب أن تطرح مع المسلمين لا مع المنحرفين عن خط الإسلام وهذا الاتجاه يتمثل في الأغلب بالطريقة السلفية الوهابية التي عملت على تعميق الهوة بين السنّة والشيعة بمختلف الأساليب الإعلامية من تشويه صورة الشيعة لدى المسلمين وغير المسلمين حتّى رأينا القائمين عليها يتسامحون مع الاتجاهات الكافرة بما لا يتسامحون فيه مع الشيعة لأنّهم يرون أن الكفر المقنع التي تمثله الشيعة هو أكثر خطورة من الكفر الصريح وعملوا على عزل شباب المسلمين السنّة عن شباب المسلمين الشيعة .
2 - منهم من لا يرى في الشيعة هذا الرأي بل يرى أنهم مسلمون في ما يرتكز عليه الإسلام عقيدة وشريعة وإن الخلافات معهم كالخلافات بين السنّة أنفسهم .
3 - يؤمنون بوحدة المسلمين من عقائد ومفاهيم وشريعة والخلافات لا تضرّ بهذه الوحدة وهذا الاتجاه في الحركات الإسلامية الواعية غير الخاضعة لعقلية الأنظمة المرتبطة بالاستعمار ، والقاعدة السليمة التي تزيل كلّ الترسبات هي أن تلزم الشق المقابل بما ألزم به نفسه وإلا تصبح المناقشة مشاكسة والتحجيج تهريج .
لقد كان للإمام علي (عليه السلام) موقف واضح وهو أنّ مصلحة وجود الإسلام وقوته تعلوا على كلّ مصلحة أخرى الأمر الذي استبان له (عليه السلام) . . .
" فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً ، تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم التي انّما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب وكما ينقشع السحاب فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق واطمأن الدين وتنهنه " (1).
لقد نهض (عليه السلام) بمسؤوليته وابتعد عن الموقف السلبي فتحول إلى الموقف الإيجابي وتحدى الواقع المضاد والقوى المضادة المتحركة في ساحته ، كما قام بحل المشاكلّ الفكرية والمسائل الفقهية .
وكان يجد نفسه مسؤولاً عن سلامة الإسلام والمسلمين خارج نطاق الحكم بالمستوى نفسه الذي يعيش فيه عن سلامة الحكم الإسلامي وهو على رأسه واستخدم (عليه السلام) العنصر الروحي في تهيئة الأجواء للانطلاق بالمعركة بعيداً عن الاتجاه المرسوم لها في ذهن الخليفة قائلا : " واننا كنا نقاتل بالنصر والمعونة لا بالكثرة " ، وكان ينفتح على جميع القضايا باعتبارها متصله بالوجدان الرسالي لا بالحالة الذاتية وكان يدفع بهذا الأسلوب ليتعرف الناس عليه ويفكروا به ويعملوا وفق منهجه ليرتفعوا إلى آفاق الله الواسعة من خلاله قائلا : " اللّهم انك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادك وتقام المعطلة من حدودك ، اللّهم اني أول من أناب وسمع وأجاب " (2).
وهذا ما ظهر جلياً في مسألة خلافه مع الخوارج حول قضية التحكيم فقد
دخل معهم في حوار طويل من أجل مواجهة الموقف بالحجّة كما كان الحال مع طلحة والزبير ومعاوية ، ولم يكن القتال معهم قتالاً بسبب الاختلاف في الخط الفكري بل كان قتالاً استهدف فرض النظام في المجتمع الإسلامي وحمايته من الانقسام الداخلي والفوضى العامة ، وفي نهاية أيامه قال : " لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه " (1)، ومنهجه كان قطب الرحى في تناول مسألة الموقف من الخلافة .
فالمسألة الملحة إذا صدقت النوايا وراقبنا الله في هذه الأمّة وهذا الدين لا بد من فرز القضايا التي يختلف فيها المسلمون عن القضايا التي يتفقون عليها ثمّ البدء - بعد ذلك - بالوقوف على مواقع اللقاء ليلتقي المسلمون فيها على القاعدة الفكرية والروحية التي تجمعهم في منطلقات الأهداف الكبرى فإذا عاشوا بعض الخطوات العملية المشتركة في هذه الأجواء أمكنهم أن يلتقوا إلى القضايا الخلافية على أساس الشعور بمسؤوليتهم عن حماية آفاق الوفاق نحن لا نريد محو الخلافات بل السيطرة عليها فالماضي أصبح تاريخا ولكنه لا يزال حاضرا فينا ويفعل فعله الكبير لأننا لا زلنا أمة بعيدة من أن تحكمها المبادئ الرسالية وإنّما يحكمها الشخص وتأسرها صورة الباطن وصراعنا لمن لا نحبهم ونختلف معهم أصبحت الشتائم هي خبزنا اليومي في المساجد والنوادي السياسية والساحات الاجتماعية وعندما لا تتحمل أن تسب مقدساتك فإنّ عليك أن لا تسب مقدسات الآخرين * ( وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ ) * (2)- أتدرون من هم الذين يدعون من دون الله ؟ إنهم عبدة الأصنام المشركون - * ( فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّة عَمَلَهُمْ ) * ، فكيف يرضى الله لك أن تسب الذين يعبدون الله ولكنهم
مختلفون معك في بعض تفاصيل العبادة فهل تكون أكثر غيرة من الله على المبادئ ؟
1 - إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب ، أبو الحسن علي المسعودي ( ت 346 ه ) مؤسسة أنصاريان ، قم ، 1417 ه .
2 - الاحتجاج ، أحمد بن علىّ الطبرسي ( ت 548 ه ) ، تحقيق : السيد محمّد باقر الخرسان ، دار النعمان للطباعة والنشر ، النجف الأشرف ، 1386 ه .
3 - الأحكام السلطانية ، أبو يعلي محمّد بن الحسين الفراء الحنبلي ( ت 458 ه ) ، تصحيح : محمّد حامد الفقي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1403 ه .
4 - أحكام القرآن ، أحمد بن علي الرازي الجصّاص ( ت 370 ه ) ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، 1417 ه .
5 - الاختصاص ، الشيخ أبو عبد الله محمّد بن النعمان العكبري البغدادي المعروف بالشيخ المفيد ( ت 413 ه ) ، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد ، الطبعة الأولى 1413 ه .
6 - اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي ، الشيخ أبو جعفر محمّد ابن الحسن بن علي الطوسي ( ت 460 ه ) .
7 - الأرجوزة المختارة ، القاضي النعمان ، تحقيق : إسماعيل قربان حسين بونا والا ، معهد الدراسات الإسلامية ، مونتريال ، الطبعة الأولى 1970 م .
8 - إرشاد القلوب ، الحسن بن أبي الحسن محمّد الديلمي ، من أعلام القرن الثامن ، تحقيق : السيد هاشم الميلاني ، دار الأسوة ، الطبعة الأولى 1417 ه .
9 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ، الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان البغدادي المشهور بالمفيد ( ت 413 ه ) ، تحقيق : مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد ، قم ، الطبعة الأولى ، سنة 1413 ه .
10 - إرواء الغليل ، محمّد ناصر الدين الألباني ، نشر المكتب الإسلامي ، بيروت ، الطبعة الثانية 1405 ه .
11 - أسباب نزول الآيات ، الواحدي النيسابوري ، أبو الحسن علي بن أحمد ( ت 468 ه ) ، مؤسسة الحلبي ، القاهرة ، 1388 ه .
12 - الاستبصار فيما اختلف من الأخبار ، الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ( ت 460 ه ) ، صححه وعلق عليه : علي أكبر الغفاري ، دار الحديث للطباعة والنشر ، الطبعة الأولى 1380 ش .
13 - الاستغاثة من بدع الثلاثة ، علي بن أحمد المعروف بأبي القاسم الكوفي ( ت 352 ه ) ، مؤسسة الأعلمي ، طهران ، الطبعة الأولى 1373 ش .
14 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب ، يوسف بن عبد الله بن عبد البرّ القرطبي ( ت 463 ه ) ، تحقيق وتعليق : علىّ محمّد معوض وعادل أحمد عبد الموجود ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى ، سنة 1415 ه .
15 - أسد الغابة في معرفة الصحابة ، ابن الأثير ( ت 630 ه ) ، دار الكتاب العربي ، بيروت .
16 - أسنى المطالب في مناقب سيّدنا علي بن أبي طالب شمس الدين محمّد بن محمّد ( ت 833 ه ) ، تحقيق : محمّد هادي الأميني ، مكتبة الإمام أمير المؤمنين ، أصفهان .
17 - الإصابة في تمييز الصحابة ، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ( ت 852 ه ) ، تحقيق وتعليق : عادل عبد الموجود وعلي محمّد معوض ، دار
الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الثانية 1423 ه .
18 - أصل الشيعة وأصولها ، الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء ( ت 1373 ه ) ، تحقيق : علاء آل جعفر ، مؤسسة الإمام علي (عليه السلام) ، الطبعة الأولى 1415 ه .
19 - أعلام الدين في صفات المؤمنين ، الشيخ الحسن بن أبي الحسن الديلمي ، من أعلام القرن الثامن الهجري ، تحقيق وتفسير : مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، الطبعة الثانية 1414 ه .
20 - الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد ، الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي ( ت 460 ه ) ، جمعية منتدى النشر ، النجف الأشرف ، 1399 ه .
21 - الأمالي ، الشيخ أبو عبد الله محمّد بن النعمان العكبري البغدادي المعروف بالشيخ المفيد ( ت 413 ه ) ، الطبعة الأولى 1413 ه .
22 - الأمالي ، الشيخ الصدوق ( ت 381 ه ) ، تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة ، مؤسسة البعثة ، قم ، الطبعة الأولى 1417 ه .
23 - الإمامة والتبصرة من الحيرة ، الفقيه المحدّث أبو الحسن علي بن الحسين بن بابويه القمي والد الشيخ الصدوق ( ت 329 ه ) ، تحقيق : مدرسة الإمام المهدي ، قم ، دار المرتضى ، بيروت ، الطبعة الأولى 1985 م .
24 - الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة الدينوري ( ت 276 ه ) ، تحقيق : علىّ شيري ، منشورات الشريف الرضي ، قم ، الطبعة الأولى 1413 ه .
25 - أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ، ابن تيمية ( ت 728 ه ) ، تحقيق : محمّد مال الله ، مكتبة ابن تيمية ، الطبعة الأولى 1410 ه .
26 - الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ، ابن عبد البر ( ت 463 ه ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
27 - أنساب الأشراف ، أحمد بن يحيى البلاذري ( ت 279 ه ) ، تحقيق
وتعليق : محمّد باقر المحمودي ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، الطبعة الأولى 1394 ه .
28 - أهل البيت في آية التطهير ، جعفر مرتضى العاملي ، دار الأمير للثقافة والعلوم ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1413 ه .
29 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، محمّد باقر المجلسي ( ت 1111 ه ) ، دار الكتب الإسلامية ، طهران ، الطبعة الرابعة 1362 ش .
30 - البداية والنهاية ، إسماعيل بن كثير ( ت 774 ه ) ، تحقيق : علي شيري ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الأولى 1417 ه .
31 - بشارة المصطفى لشيعة المرتضى ، محمّد بن الحسن أبي القاسم الطبري ، تحقيق : جواد القيّومي ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ، الطبعة الأولى 1420 ه .
32 - بصائر الدرجات ، محمّد بن الحسن الصفار ( ت 290 ه ) ، تصحيح وتعليق : ميرزا حسن كوجه باغي ، منشورات الأعلمي ، طهران 1404 ه .
33 - بلاغات النساء ، أبو الفضل بن أبي طاهر المعروف بابن طيفور ( ت 380 ه ) ، مكتبة بصيرتي ، قم .
34 - تاج المواليد ، محمّد بن علي بن أبي طالب الطبري ، ( ت 548 ه ) ، طبع ضمن مجموعة نفيسة في قم .
35 - تاريخ الإسلام ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي ( ت 748 ه ) ، تحقيق : عمر عبد السلام تدمري ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، الطبعة الثانية 1417 ه .
36 - تاريخ الخلفاء ، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ( ت 911 ه ) ، تحقيق : محمّد محيي الدين عبد الحميد ، مطبعة المدني ، القاهرة ، الطبعة الثالثة 1383 ه .
37 - تاريخ الطبري ، محمّد بن جرير الطبري ( ت 310 ه ) ، تحقيق : نخبة من العلماء الأجلاّء ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، الطبعة الرابعة 1403 ه .
38 - تاريخ المدينة ( المنورة ) ، عمر بن شبّة النمري ( ت 262 ه ) ، تحقيق : فهيم محمّد شلتوت ، دار الفكر ، قم ، الطبعة الثانية 1410 ه .
39 - تاريخ بغداد ، أحمد بن علي الخطيب البغدادي ( ت 463 ه ) ، تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الثانية 1425 ه .
40 - تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر ( ت 571 ه ) ، تحقيق : علي شيري ، دار الفكر ، بيروت ، 1421 ه .
41 - التبيان في تفسير القران ، محمّد بن الحسن بن علي بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسي ( ت 460 ه ) ، تحقيق : أحمد حبيب قصير العاملي ، مكتبة الإعلام الإسلامي ، الطبعة الأولى 1409 ه .
42 - تحفة الأحوذي المبارك فوري ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1410 ه .
43 - تحفة النظّار في غرائب الأمصار ( رحلة ابن بطوطة ) ، ابن بطوطة ، أبو عبد الله محمّد بن عبد الله ( ت 779 ه ) ، شرح : طلال حرب ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الثانية 1423 ه .
44 - تذكرة الحفّاظ ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي ( ت 748 ه ) ، تحقيق : زكريا عميرات ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأُولى 1419 ه .
45 - تذكرة الخواص من الأُمّة بذكر خصائص الأئمّة ، يوسف بن قزغلي بن عبد الله التركي المعروف بسبط ابن الجوزي ( ت 654 ه ) ، تحقيق : حسين تقي زاده ، المجمع العالمي لأهل البيت ، قم ، الطبعة الأولى 1426 ه .
46 - تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة ، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ( 852 ه ) دار الكتاب العربي ، بيروت .
47 - تفسير العياشي ، محمّد بن مسعود بن عياش ( ت 320 ه ) ، تحقيق : سيّد هاشم الرسولي المحلاتي ، المكتبة العلمية الإسلامية ، طهران .
48 - تفسير القرآن العظيم ، ابن كثير الدمشقي ( ت 774 ه ) ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الأُولى 1420 ه .
49 - تفسير القمي ، علي بن إبراهيم القمي ( من أعلام قرني 3 و 4 ه ) تصحيح وتحقيق : السيد طيب الموسوي الجزائري ، مؤسسة دار الكتاب ، قم ، الطبعة الثالثة 1404 ه .
50 - التفسير الكبير ، الفخر الرازي ( ت 606 ه ) ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الأُولى 1415 ه .
51 - تفسير فرات الكوفي ، فرات بن إبراهيم الكوفي ( ت 352 ه ) ، تحقيق : محمّد كاظم ، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ، طهران ، الطبعة الأولى 1410 ه .
52 - تفسير مجمع البيان ، الفضل بن الحسن الطبرسي ( ت 548 ه ) مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، الطبعة الأولى 1415 ه .
53 - تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي ( ت 447 ه ) ، تحقيق : فارس الحسّون ، سنة 1417 ه .
54 - التكامل في الإسلام ، أحمد أمين ، دار النعمان للطباعة والنشر ، النجف الأشرف .
55 - التمهيد ، ابن عبد البر ( ت 463 ه ) ، تحقيق : مصطفى بن أحمد العلوي ، محمّد عبد الكبير البكري ، المطبعة والناشر : وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية ، سنة الطبع 1387 ش .
56 - تهذيب التهذيب ، أحمد بن علىّ بن حجر العسقلاني ( ت 852 ه ) ، دار الفكر ، بيروت ، الطبعة الأولى 1404 ه .
57 - التوحيد ، الشيخ الصدوق ( ت 381 ه ) ، تحقيق : السيّد هاشم الحسيني الطهراني ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ، الطبعة السابعة 1422 ه .
58 - جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، محمّد بن جرير الطبري ( ت 310 ه ) ، ضبط وتوثيق وتخريج : صدقي جميل العطار ، دار الفكر ، بيروت ، الطبعة الأولى 1421 ه .
59 - الجامع الصغير ، عبد الرحمن السيوطي ( ت 911 ه ) ، دار الفكر ، بيروت ، الطبعة الأولى 1401 ه .
60 - الجامع الكبير المعروف بسنن الترمذي ، أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذي ( ت 279 ه ) ، عبد الوهاب عبد اللطيف ، دار الفكر ، بيروت ، الطبعة الثانية 1403 ه .
61 - جامع بيان العلم وفضلة ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1398 ه .
62 - الجامع لأحكام القرآن ، محمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي ( ت 671 ه ) ، تحقيق : سالم مصطفى البدري ، دار الكتب العلمية ، الطبعة الأولى 1420 ه .
63 - جواهر المطالب في مناقب الإمام علي ، ابن الدمشقي ( ت 871 ه ) ، تحقيق : الشيخ باقر المحمودي ، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية ، قم ، الطبعة الأولى 1415 ه .
64 - حقائق الإيمان ، زين الدين بن علي الشهيد الثاني ( ت 966 ه ) ، تحقيق : مهدي الرجائي ، مكتبة السيد المرعشي ، قم ، الطبعة الأولى 1409 ه .
65 - الخرائج والجرائح ، قطب الدين الراوندي ( ت 573 ه ) ، مؤسسة النور ، بيروت ، الطبعة الثانية 1411 ه .
66 - خصائص الأئمّة ، الشريف الرضي ، تحقيق : محمّد هادي الأميني ، مجمع البحوث الإسلامية ، الآستانة الرضويّة المقدسة ، مشهد ، 1406 ه .
67 - خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، أحمد بن شعيب النسائي ( ت 303 ه ) ، تحقيق : حمزة النشرتي وعبد الحفيظ فرغلي وعبد الحميد مصطفى ، المكتبة القيمة ، القاهرة .
68 - الخصال ، الشيخ الصدوق ( ت 381 ه ) تحقيق : علي أكبر الغفاري ، جامعة المدرسين ، قم ، 1403 ه .
69 - دبستان مذاهب ، كيخسرو اسفنديار بن اذر كيوان ، كتابخانه طهوري ، طهران ، الطبعة الأولى 1462 ش .
70 - الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي ( ت 911 ه ) ، دار المعرفة ، بيروت .
71 - الدر النظيم ، يوسف بن حاتم بن فوزي الشامي العاملي ( ت 664 ه ) ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم .
72 - الدرر ، ابن عبد البر ( ت 463 ه ) .
73 - دلائل الإمامة ، الشيخ أبو جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطبري الصغير من أعلام القرن الخامس الهجري ، تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية لمؤسسة البعثة ، قم ، الطبعة الأولى 1413 ه .
74 - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ، محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري ( ت 694 ه ) ، دار المعرفة للطباعة والنشر ، بيروت .
75 - ذكر الشيعة في أحكام الشريعة ، محمّد بن مكي العاملي الشهيد الأول ( ت 786 ه ) مؤسسة آل البيت ، قم ، الطبعة الأولى 1419 ه .
76 - رسائل الجاحظ ، عمرو بن بحر بن محبوب الملقّب بالجاحظ ( ت 255 ه ) ، تقديم وتبويب وشرح : علي أبو ملحم ، دار ومكتبة الهلال ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1995 م .
77 - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، محمود
الآلوسي البغدادي ( ت 1270 ه ) ، تصحيح : علىّ عبد الباري عطية ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1415 ه .
78 - روضة الواعظين ، الفتّال النيسابوري ( ت 508 ه ) ، تحقيق وتقديم : سيّد محمّد مهدي السيد حسن الخرسان ، منشورات الشريف الرضي ، قم .
79 - الروضة في فضائل أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ، سديد الدين شاذان بن جبرائيل القمي المعروف بابن شاذان ( ت 660 ه ) ، تحقيق : علي الشكرجي ، مكتبة الأمين ، قم ، الطبعة الأولى 1423 ه .
80 - الرياض النضرة في مناقب العشرة ، محب الدين الطبري ( ت 694 ه ) ، تحقيق : عيسى بن عبد الله الحميدي ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، الطبعة الأولى 1996 م .
81 - السقيفة وفدك ، أحمد بن عبد العزيز الجوهري ( ت 323 ه ) ، تحقيق : محمّد هادي الأميني ، شركة الكتبي ، بيروت ، الطبعة الثانية 1413 ه .
82 - سلسلة الأحاديث الصحيحة ، محمّد ناصر الدين الألباني ، مكتبة المعارف ، الرياض ، 1415 ه .
83 - السنّة ، عمرو بن أبي عاصم الشيباني ( ت 287 ه ) تحقيق : محمّد ناصر الدين الألباني ، المكتبة الإسلامية ، بيروت ، الطبعة الرابعة 1419 ه .
84 - سنن ابن ماجة ، محمّد بن يزيد القزويني ( ت 275 ه ) ، بشرح السندي ت 1138 ه ، تحقيق : خليل مأمون شيحا ، دار المعرفة ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1420 ه .
85 - سنن الدارمي ، عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي ( ت 255 ه ) ، مطبعة الاعتدال ، دمشق ، 1349 ه .
86 - السنن الكبرى ، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ( ت 458 ه ) ، تحقيق : محمّد عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1420 ه .
87 - السنن الكبرى ، أحمد بن شعيب النسائي ( ت 303 ه ) ، تحقيق : عبد الغفار سليمان البنداري وسيّد كسروي حسن ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأُولى 1411 ه .
88 - سير أعلام النبلاء ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي ( ت 748 ه ) ، تحقيق : بشار عواد معروف ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، الطبعة الثانية 1419 ه .
89 - الشافي في الإمامة ، الشريف المرتضى ( ت 436 ه ) تحقيق : السيد عبد الزهراء الحسيني ، مؤسسة الصادق ، طهران ، الطبعة الثانية 1410 ه .
90 - الشرح الكبير ، عبد الرحمن بن قدامه ( ت 682 ه ) ، دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع ، بيروت لبنان .
91 - شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد ( ت 656 ه ) ، تحقيق : محمّد أبو الفضل إبراهيم ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الثانية 1385 ه .
92 - الشرف المؤبد لآل محمّد ، يوسف بن إسماعيل بن يوسف النبهاني ( ت 1350 ه ) ، المطبعة الأدبية ، بيروت ، 1309 ه .
93 - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت (عليهم السلام) ، عبيد الله بن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني من أعلام القرن الخامس ، تحقيق : الشيخ محمّد باقر المحمودي ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، الطبعة الأولى 1393 ه .
94 - الشيعة هم أهل السنة ، محمّد التيجاني السماوي ، الناشر : مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر ، قم .
95 - صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان ، علاء الدين علي بن بلبان الفارسي ( ت 739 ه ) ، تحقيق : شعيب الأرنؤوط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، الطبعة الثانية 1414 ه .
96 - صحيح البخاري ، محمّد بن إسماعيل البخاري ( ت 256 ه ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1420 ه .
97 - صحيح الجامع الصغير وزيادته ، محمّد ناصر الدين الألباني ، جمعية إحياء التراث الإسلامي ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1421 ه .
98 - صحيح مسلم ، مسلم بن الحجّاج النيسابوري ( ت 261 ه ) ، دار ابن حزم ، بيروت ، الطبعة الأُولى 1416 ه .
99 - الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله ، السيد جعفر مرتضى العاملي ، دار الهادي ، بيروت ، دار السيرة ، بيروت ، الطبعة الرابعة 1415 ه .
100 - الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم ، علىّ بن يونس البياضي ( ت 877 ه ) ، تحقيق محمّد باقر البهبودي ، المكتبة الرضوية ، الطبعة الأولى 1384 ه .
101 - صراط النجاة ، الميرزا جواد التبريزي ، مطبعة : سلمان الفارسي ، الطبعة الأولى 1416 ه .
102 - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة ، ابن حجر الهيتمي ( ت 973 ه ) ، تحقيق : عبد الرحمن بن عبد الله التركي وكامل محمّد الخرّاط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، الطبعة الأولى 1417 ه .
103 - الطبقات الكبرى ، محمّد بن سعد ( ت 230 ه ) دار صادر ، بيروت .
104 - الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف ، علي بن موسى بن طاووس ( ت 664 ه ) ، مطبعة الخيام ، قم ، الطبعة الأولى 1399 ه .
105 - عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي ، أبو بكر محمّد بن عبد الله المعروف بابن العربي المالكي ( ت 543 ه ) ، وضع حواشيه : جمال مرعشي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1418 ه .
106 - العقد الفريد ، أحمد بن محمّد بن عبد ربه الأندلسي ( ت 328 ه ) ، تحقيق : عبد المجيد الترحيني ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأُولى 1417 ه .
107 - علل الشرائع ، الشيخ الصدوق ( ت 381 ه ) ، تقديم : السيّد محمّد صادق بحر العلوم ، منشورات المكتبة الحيدرية ، النجف الأشرف ، 1385 ه .
108 - عمدة القاري شرح صحيح البخاري ، بدر الدين العيني ( ت 855 ه ) ، تحقيق : عبد الله محمود محمّد عمر ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1421 ه .
109 - عوالي اللئالي محمّد بن علي بن إبراهيم الأحسائي ( ت 880 ه ) تحقيق : الحاج مجتبى العراقي ، الطبعة الأولى 1405 ه .
110 - عين العبرة في غبن العترة ، السيد أحمد آل طاووس ( ت 677 ) ، دار الشهاب ، قم .
111 - عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ، الشيخ الصدوق ( ت 381 ه ) ، تصحيح وتعليق : الشيخ حسين الأعلمي ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، 1404 ه .
112 - عيون الحكم والمواعظ ، علي بن محمّد الليثي الواسطي ، من أعلام القرن السادس الهجري ، تحقيق : حسين البيرجندي ، دار الحديث ، قم ، الطبعة الأولى .
113 - غاية المرام وحجّة الخصام ، السيد هاشم البحراني الموسوي التوبلي ، تحقيق : السيد علي عاشور ، مؤسسة التاريخ العربي ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى ، 1422 ه .
114 - الغدير في التراث الإسلامي ، السيد عبد العزيز الطباطبائي ، دار المؤرخ العربي ، بيروت ، الطبعة الأولى 1414 ه .
115 - الغدير في الكتاب والسنّة والأدب ، عبد الحسين الأميني ( ت 1392
ه ) ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، الطبعة الرابعة 1397 ه .
116 - غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع ، حمزة بن علي بن زهرة الحلبي ( ت 585 ه ) ، تحقيق : الشيخ إبراهيم البهادلي ، مؤسسة الإمام الصادق ، قم ، الطبعة الأولى 1418 ه .
117 - الغيبة ، محمّد بن إبراهيم بن جعفر المعروف بالنعماني ( ت 360 ه ) تحقيق : فارس حسون كريم ، أنوار الهدى ، قم ، الطبعة الأولى 1422 ه .
118 - الفائق في غريب الحديث ، جار الله الزمخشري ( ت 538 ه ) ، وضع حواشيه : إبراهيم شمس الدين ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1417 ه .
119 - فتح الباري شرح صحيح البخاري ، ابن حجر العسقلاني ( ت 852 ه ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1421 ه .
120 - فسئلوا أهل الذكر ، الدكتور محمّد التيجاني السماوي ، مؤسسة أنصاريان قم .
121 - الفصول المختارة ( ضمن مصنّفات الشيخ المفيد ) ، الشيخ المفيد ( ت 413 ه ) ، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد ، الطبعة الأولى 1413 ه .
122 - الفصول المهمّة في معرفة الأئمة ، علي بن محمّد بن أحمد المالكي ( ت 855 ه ) ، انتشارات الأعلمي ، طهران ، الطبعة الأُولى 1375 ه .
123 - فضائل الخمسة من الصحاح الستّة ، سيّد مرتضى الحسيني النيروز آبادي ، الجزء الأوّل ، تحقيق : المجمع العالمي لأهل البيت ، الطبعة الأولى 1422 ه .
124 - فضائل الصحابة ، أحمد بن حنبل ( ت 241 ه ) ، تحقيق : وصي الله محمّد عباس ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، الطبعة الأُولى 1403 ه .
125 - فلك النجاة في الإمامة والصلاة للمولوي الحافظ محمّد فتح الدين
الحنفي ، المحققّ : الشيخ ملاّ أصغر علي محمّد جعفر ، مؤسسة دار الإسلام في لندن الطبعة الثانية 1418 ه .
126 - قرب الإسناد ، الشيخ أبو العباس عبد الله بن جعفر الحميدي ، من أعلام القرن الثالث الهجري ، تحقيق ونشر : مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، قم ، الطبعة الأولى 1413 ه .
127 - القول المفيد في أدلّة الاجتهاد والتقليد ، محمّد بن علي الشوكاني ( ت 1250 ه ) ، مطبعة الزمان ، بغداد .
128 - الكافي ، محمّد بن يعقوب الكليني ( ت 329 ه ) ، تحقيق : علي أكبر الغفاري ، دار الكتب الإسلاميّة ، طهران ، الطبعة السادسة ، سنة 1375 ش .
129 - الكامل في التاريخ ، علىّ بن محمّد بن الأثير ( ت 630 ه ) ، دار صادر ، بيروت ، 1385 ه .
130 - الكتاب المقدس تحت المجهر ، عودة مهاوش الأردني ، مؤسسة أنصاريان ، قم ، الطبعة الأولى 1412 ه .
131 - كتاب سليم ، سليم بن قيس الهلالي ( ت 76 ه ) تحقيق : محمّد باقر الأنصاري .
132 - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل ، جار الله الزمخشري ( ت 538 ه ) تصحيح : محمّد عبد السلام شاهين ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1424 ه .
133 - كشف الارتياب في أتباع محمّد بن عبد الوهاب ، السيد محسن الأميني ( ت 1371 ه ) ، تحقيق : حسن الأمين ، مكتبة الحرمين ، قم .
134 - كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء ، جعفر كاشف الغطاء ( ت 1228 ه ) تحقيق : مكتب الأعلام الإسلامي ، فرع خراسان ، الطبعة الأولى 1422 ه .
135 - كشف الغمّة في معرفة الأئمة ، علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي ( ت 693 ه ) ، دار الأضواء ، بيروت ، الطبعة الأُولى 1421 ه .
136 - الكشف والبيان ( تفسير الثعلبي ) ، أبو إسحاق أحمد الثعلبي ( ت 1035 ه ) تحقيق : ابن عاشور ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الأولى 1422 ه .
137 - كفاية الأثر ، الخزاز القمّي ( ت 400 ه ) ، تحقيق : سيّد عبد اللطيف الحسيني الكوهكمري الخوئي ، انتشارات بيدار ، مطبعة الخيام ، قم ، 1401 ه .
138 - كمال الدين وتمام النعمة ، الشيخ الصدوق ( ت 381 ه ) ، تصحيح : علىّ أكبر الغفّاري ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ، 1405 ه .
139 - كنجينه دانشمندان ، محمّد شريف الرازي ، كتاب فروشي إسلامي ، طهران 1393 ش .
140 - كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال ، علي المتّقي بن حسام الدين الهندي ( ت 975 ه ) ، تحقيق : محمود عمر الدمياطي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الثانية 1424 ه .
141 - كنز الفوائد ، محمّد بن علي الكراجكي ( ت 449 ه ) ، تحقيق : عبد الله نعمة ، دار الأضواء ، بيروت ، 1405 ه .
142 - لأكون مع الصادقين ، محمّد التيجاني السماوي ، المؤسسة الجامعيّة للدراسات الإسلامية ، 1993 م .
143 - الإيضاح ، الفضل بن شاذان النيسابوري ( ت 260 ه ) ، تحقيق : السيد جلال الدين الحسيني الأرموي المحدّث ، منشورات جامعة طهران ، 1363 ش .
144 - لماذا اخترت مذهب أهل البيت ، الشيخ محمّد مرعي الأنطاكي ( ت 1383 ه ) ، تحقيق : عبد الكريم العقيلي ، مكتب الإعلام الإسلامي ، الطبعة
الأولى 1417 ه .
145 - الّلهوف في قتلى الطفوف ، ابن طاووس ( ت 664 ه ) ، أنوار الهدى قم ، الطبعة الأولى 1417 ه .
146 - ليالي بيشاور ( مناظرات وحوار ) ، السيد محمّد الموسوي الشيرازي ، تعريب وتحقيق وتعليق : سيّد حسين الموسوي ، مؤسسة الثقلين للثقافة ، بيروت .
147 - مبادئ الوصول إلى علم الأصول ، العلامة الحلي ( ت 726 ه ) تحقيق وتعليق : عبد الحسين محمّد علي البقال ، مكتب الإعلام الإسلامي ، الطبعة الثالثة 1404 ه .
148 - متشابه القرآن ومختلفة ، محمّد بن علي بن شهرآشوب ( ت 588 ه ) انتشارات بيدار ، قم ، الطبعة الثالثة 1410 ه .
149 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي ( ت 807 ه ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت : 1408 ه .
150 - المحاسن ، أحمد بن محمّد بن خالد البرقي ( ت 274 ه ) ، تحقيق : جلال الدين الحسيني ، دار الكتب الإسلاميّة ، طهران ، الطبعة الأولى 1370 ه .
151 - محاضرات في الإلهيات ، الشيخ جعفر السبحاني ، تلخيص : علي الرباني الكلبايكاني ، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ، قم ، الطبعة الأولى 1418 ه .
152 - المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء ، محسن الكاشاني ( ت 1091 ه ) ، تصحيح وتعليق : علي أكبر الغفاري ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، الطبعة الثانية 1403 ه .
153 - مدينة المعاجز ، السيد هاشم البحراني ( ت 1107 ه ) ، مؤسسة المعارف الإسلامية ، قم ، الطبعة الأولى 1414 ه .
154 - المسائل العكبرية ، الشيخ المفيد ( ت 413 ه ) تحقيق : علي أكبر
الإلهي الخراساني ، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد ، الطبعة الأولى 1413 ه .
155 - مستدرك الوسائل ، ميرزا حسين النوري ( ت 1320 ه ) ، الجزء الأول ، تحقيق : مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، الطبعة الأولى 1408 ه .
156 - المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري ( ت 405 ه ) ، إشراف : يوسف عبد الرحمن المرعشلي .
157 - المستدرك على الصحيحين ، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ( ت 405 ه ) ، تحقيق : محمّد مطرجي ، دار الفكر ، بيروت ، الطبعة الأُولى 1421 ه .
158 - المسترشد في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، محمّد بن جرير بن رستم الطبري الإمامي ( ت القرن الرابع ) تحقيق : أحمد المحمودي ، مؤسسة الثقافة الإسلامية ، قم ، الطبعة الأولى 1415 ه .
159 - مسند أبي داود الطيالسي ، سليمان بن داود الطيالسي ( ت 204 ه ) ، دار المعرفة ، بيروت .
160 - مسند أبي يعلى الموصلي ، أحمد بن علي بن المثنى التميمي ( ت 307 ه ) ، تحقيق : حسين سليم أسد ، دار المأمون للتراث ، دمشق ، الطبعة الأولى 1404 ه .
161 - مسند أحمد بن حنبل ، أحمد بن حنبل ( ت 241 ه ) ، تحقيق : شعيب الأرنؤوط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، الطبعة الثانية 1420 ه .
162 - المصنف ، عبد الرزاق بن همام الصنعاني ( ت 211 ه ) ، تحقيق : أيمن نصر الدين الأزهري ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1421 ه .
163 - معالم الدين وملاذ المجتهدين ، الشيخ حسن نجل الشهيد الثاني ( ت 1011 ه ) تحقيق : لجنة التحقيق ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم .
164 - معاني الأخبار ، الشيخ محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالصدوق ( ت 381 ه ) ، تحقيق : علي أكبر الغفاري ، مؤسسة النشر
الإسلامي ، قم ، الطبعة الرابعة 1418 ه .
165 - المعجم الأوسط ، سليمان بن أحمد الطبراني ( ت 360 ه ) ، تحقيق : محمّد حسن الشافعي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1420 ه .
166 - معجم البلدان ، أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي ( ت 126 ه ) ، إحياء التراث العربي ، بيروت ، 1399 ه .
167 - المعجم الكبير ، سليمان بن أحمد الطبراني ( ت 360 ه ) ، تحقيق : حمدي عبد المجيد السلفي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الثانية .
168 - معرفة علوم الحديث ، محمّد بن عبد الله الحافظ المعروف بالحاكم النيسابوري ( ت 405 ه ) دار الآفاق ، بيروت ، الطبعة الرابعة 1400 ه .
169 - المعيار والموازنة ، محمّد بن عبد الله المعتزلي المعروف بابي جعفر الإسكافي ( ت 220 ه ) تحقيق : الشيخ محمّد باقر المحمودي ، الطبعة الأولى 1402 ه .
170 - مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج ، محمّد بن أحمد الشربيني ت 977 ه ) ، در إحياء التراث العربي ، بيروت ، 1377 ه .
171 - المغني ، عبد الله بن قدامة ( ت 620 ه ) ، دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع ، بيروت .
172 - مقاتل الطالبيين ، أبو الفرج الإصفهاني ( ت 356 ه ) مؤسسة دار الكتاب ، النجف ، الطبعة الثانية 1385 ه .
173 - مكارم الأخلاق ، الشيخ الطبرسي ( ت 548 ه ) ، منشورات الشريف الرضي ، الطبعة السادسة 1392 ه .
174 - الملل والنحل ، محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني ( ت 548 ه ) ، تحقيق : محمّد سيّد گيلاني ، دار المعرفة ، بيروت .
175 - من لا يحضره الفقيه ، الشيخ الصدوق ، تحقيق : السيّد حسن
الموسوي الخرسان ، دار الكتب الإسلامية ، طهران 1410 ه .
176 - مناقب آل أبي طالب ، محمّد بن علىّ بن شهرآشوب ( ت 588 ه ) ، المكتبة الحيدرية ، النجف الأشرف ، 1376 ه .
177 - مناقب الإمام علىّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، أبو الحسن بن المغازلي ( ت 483 ه ) ، دار الأضواء ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1424 ه .
178 - المناقب ، الموفق بن أحمد الخوارزمي ( ت 568 ه ) ، تحقيق : مالك المحمودي ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ، الطبعة الثانية 1411 ه .
179 - منهاج الكرامة في معرفة الإمامة ، الحسن بن يوسف العلامة الحلي ( ت 726 ه ) عبد الرحيم مبارك ، انتشارات تاسوعا ، قم .
180 - المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ، الإمام محيي الدين النووي ( ت 676 ه ) ، تحقيق وتخريج : الشيخ خليل مأمون شيما ، دار المعرفة ، بيروت ، الطبعة السادسة ، 1420 ه .
181 - موارد الضمآن إلى زوائد ابن حبان ، علي بن أبي بكر الهيثمي ، تحقيق : شعيب الأرنؤوط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، الطبعة الأولى 1414 ه .
182 - المواقف في علم الكلام ، عبد الرحمن بن أحمد الإيجي ( ت 756 ه ) ، مكتبة المتنبي ، القاهرة .
183 - الموّطأ ، مالك بن أنس ( ت 179 ه ) ، جمعية إحياء التراث ، الضاحية الكويت ، الطبعة الأولى 1419 ه .
184 - ميزان الاعتدال في نقل الرجال ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي ( ت 748 ه ) ، تحقيق : علي محمّد معوض وعادل أحمد عبد الموجود ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأُولى 1416 ه .
185 - الميزان في تفسير القرآن ، السيّد محمّد حسين الطباطبائي ( ت 1402 ه ) ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1419 ه .
186 - ناسخ التواريخ ( فارسي ) ، محمّد تقي لسان الملك سبهر ( ت 1216 ه ) ، كتاب فروشي إسلامي طهران .
187 - النهاية في غريب الحديث والأثر ، ابن الأثير الجزري ( ت 606 ه ) ، خرّج أحاديثه : صلاح بن محمّد عويضة ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1418 ه .
188 - نهج البلاغة ، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، تعليق : فارس الحسّون ، مؤسسة دار الهجرة ، قم ، الطبعة الأولى 1419 ه .
189 - الوافي بالوفيات ، صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي ( ت 764 ه ) ، تحقيق : أحمد الأرنؤوط وتركي مصطفى ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الأُولى 1420 ه .
190 - وركبت السفينة ، مروان خليفات ، مركز الغدير للدراسات الإسلامية ، الطبعة الأولى ، 1418 ه .
191 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ، محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ( ت 1104 ه ) ، تحقيق ونشر : مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ، قم ، الطبعة الثانية 1414 ه .
192 - ينابيع المودّة لذوي القربى ، سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي ( ت 1294 ه ) ، تحقيق : سيّد علىّ جمال أشرف الحسيني ، دار الأسوة ، قم ، الطبعة الأولى 1416 ه .