الإمام الحسین علیه السلام و أصحابه جلد 3

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

الأمامُ الحسین علیه السلام واصحابهُ

تأليف العلامة الشیخ فضل على القزوینی

المتوفى سنة 1367ه

الجُزءُ الثالث

تنظيم وتحقيق

السيد احمد الحسيني

موسسه دار الکتاب الأسلامي

محرر الرقمي: علي رضا راهجو

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الأمامُ الحسین علیه السلام واصحابهُ

الأمامُ الحسین علیه السلام واصحابهُ

تأليف العلامة الشیخ فضل على القزوینی

المتوفى سنة 1367ه

الجُزءُ الثالث

تنظيم وتحقيق

السيد احمد الحسيني

موسسه دار الکتاب الأسلامي

المؤلف : العلّامة الشيخ فضل علي القزويني .

العنوان : الامام الحسين علیه السلام وأصحابه ج / 3 .

الناشر : قم دار الكتاب الاسلامى .

عدد الصفحات : 426 ص .

اللغة : العربية .

الملاحظات : التفاصيل على الموقع التالي : http://opac.nlai.ir

رقم الايداع بالمكتبة الوطنية : 4075289

جميع حقوق الطبق محفوظة ومسجلة للناشر

اسم الكتاب : الإمام الحسين الله وأصحابه / ج 3

المؤلف : العلّامة الشيخ فضل علي القزويني

الناشر : دار الكتاب الاسلامي

الطبعة : الاولى 1437 ه-. ق

المطبعة : گل وردی

عدد المطبوع : 1200 نسخة

الترقيم الدولي للمجموعة : 6-318-465-964-978

الترقيم الدولي ج 3: 6-318-465-964-978

العنوان : قم، میدان معلم، شارع سميه 22 رقم 26

تليفون 37744970 - 37730994

فاکس: 37837383

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم ومخالفيهم ومعانديهم أجمعين ، إلى يوم الدين .

وبعد:

فهذا هو الجزء الثالث من كتابنا ، تذكر فيه ترجمة عيال الإمام الحسين عليه السلام وصبيانه وأهل بيته ومن كان معه في الطف من النساء والصبيان، روحي له ولهن الفداء. ونقتصر فيه على ذكر ما جرى عليهن من خروجهن من المدينة إلى رجوعهن إلى المدينة ، من المصائب الواردة عليهن في أيام الإسارة والسبي وما يخص بكل واحدة منهن، ونذكر جملة من تاريخ حياتهن إستطراداً، على ترتيب حروف المعجم .

ونذكر مقدمةً في سبب حملهن من المدينة إلى الكوفة ، وأنه لأيّ علة حملهن سلام الله عليه وعليهن ، فنقول :

المقدمة

إن سبب حمله عليه السلام حريمه ونساءه وصبيانه معه إلى كربلاء أمور :

(الأول) ما مرّ في الجزء الأول حين اعترض عليه - روحي له الفداء ابن عباس بقوله « ما معنى حملك هذه النسوة» أجابه عليه السلام : بأن الله شاء أن يراهن سبايا (1). وقد شرحه وحققه، وأنه هو السبب الحقيقي الواقعي المعنوي ، وما نذكره إنما هو السبب العرفي العادي فراجع هناك.

( الثاني ) قال السيد في اللهوف (2): ومما يمكن أن يكون سبباً لحمل الحسين عليه السلام لحرمه معه ولعياله : أنه لو تركهن بالحجاز أو غيرها من البلاد كان يزيد بن معاوية قد أنفذ ليأخذهن إليه ، وصنع بهن من الإستيصال وسوء الأعمال ما يمنع الحسين عليه السلام من الجهاد والشهادة ، ويمتنع عليه السلام - بأخذ يزيد بن معاوية لهن عن مقام السعادة . انتهى .

( الثالث ) ما ذكره علي جلال الحسيني المصري في كتاب « الحسين » (3)، قال : رأبي أن سبب حمله عليه السلام نساءه وصبيانه معه أنه في حال سلامته يكون معه أهله وينزلون الكوفة دار إمارته ، نفسه مع نفس شيعته وأهله مع أهلهم ، كما قال في إحدى خطبه ، وفي حال الحرب لو كان أهله بالمدينة أو مكة أو أي مكان بعيد عنه ربما يتمكن خصمه من إيذائهم، كما فعل بسر بن أرطاة ، إذ ضرب في يوم واحد من أعناق الأبناء من شيعة على سبعين عنقاً .


1) بحار الانوار 364/44 ، العوالم ( الامام الحسين عليه السلام) ص 214 .

2) اللهوف 142/1 .

3) الحسين عليه السلام ص 175 .

إلى أن قال : ولو لم يحمل الحسين عليه السلام أهله معه لشغله على كل حال همُّهم عما يقصده . وكان من عادة العرب حمل النساء والصغار في الحروب معهم .

إلى أن قال : أما قول أبي الفرج أنه حين التفت عليه السلام إلى حرمه يخر من أخبيتهن جزعاً لقتل من يُقتل قال «لله درّ ابن عباس فيما أشار به» (1)، يعني نصيحته بعدم حملهن معه . فلم يكن ذلك من ندم ، لكنه أثر رؤيتهن في نفسه وهن على تلك الحال في ذلك الوقت . انتهى .

وهذا وجه وجيه عادي عرفي ، وقد مرّ شرح قول ابن عباس ورده في الجز الأول.

( الرابع ) أن من عادة العرب أنه لو كان بين قبيلة وقبيلة أخرى عداوة أو حرب بأخذ إحدى القبيلتين نساء القبيلة الأخرى وصبيانها أسراء، ويلزم على رجال القبيلة المغلوبة التسليم للعدو مراعاةً للنسوة وحفظاً للصبية . وليس ذلك عاراً عندهم ، بل العار لو قتلوا بالمحاربة ونسوتهم أسارى وصبيتهم في أيدي عدوهم .

وعلى هذه العادة لو لم يحمل عليه السلام حريمه ونساءه وصبيته فلا محالة يأخذهن يزيد أسارى، فيلزم عليه التسليم ، فتبطل نتيجة النهضة، إذ ليس في الحجاز وغيره من يحامي عنهن، فلا جرم يلزم حملهن معه حيثما كان .

ولعله من ذلك قوله عليه السلام حين أراد القوم الهجوم نحو المخيم : يا شيعة آل أبي سفيان - إلى قوله : أنا الذي أقاتلكم وتقاتلوني والنساء لا جناح عليهن ،


1) مقاتل الطالبيين ص 72 - 73.

فامنعوا - إلى آخره (1). إذ لو وصلوا إلى المخيم وأسروا النساء وهو عليه السلام حيّ يلزم عليه التسليم . ولعله لهذا حمل القوم نحو المخيم لإلزامه بالتسليم.

وكذلك السجاد عليه السلام ، لو لم يكن عليلاً يلزم عليه دفع الأعداء عن المخيم وحفظ النساء والصبية عن الأسر والسبي ، إلا أن الله تعالى شاء أن يراهن سبايا ، فصار ما صار . فتفطن فإنه دقيق .

( الخامس ) أن أمر الشهادة لا يتم إلا بالسبي والإسارة ، وهو ركن من أركان مقصده ونهضته عليه السلام، فلولا الإسارة لبطل أمر الشهادة ، إذ لهم أن ينكروا أمر الشهادة رأساً كما أنكروا قضية الغدير وهو بمرأى ومسمع مائة ألف رجل . فينكرون أصل قضية الشهادة أو يأوّلونها ويحملونها على محامل يبطل معها أثر الشهادة كما فعلوا ذلك في قضية الغدير .

فمع السبي والأسر وحملهن من كربلاء إلى الكوفة وطوفهن في سكك الكوفة بحالة تُفرح القلوب ومن الكوفة إلى الشام من بلد إلى بلد في أسر الذل والمهانة ، وطوافهن في الشام بأسوء الحالات وأشد النكال ، حتى علم الناس من المسلمين وأهل الكتاب وغيرهم أن الحسين عليه السلام نهض ودعا الناس لدين جده ، وليس له مقصداً إلا ترويج دين جده ، وفعل بنو أمية به وبأولاده وأصحابه ونسوته وصبيته وحريمه ما فعلوا ، فلا مجال لبني أمية ومن تبعهم إنكار ذلك ، وليس ذلك كله إلا من نتائج سبيهن وإسارتهن عليهن السلام .

ومع هذا كله ترى أن ابن تيمية ومن حذا حذوه - كعلي جلال المصري - أنكروا دخالة يزيد في ذلك وأن قتل الحسين لم يكن بأمره بل هو فعل ابن زياد


1) بحار الأنوار 51/45 ، العوالم ( الامام الحسين عليه السلام) ص 293 .

من عند نفسه. وسيأتي ردّهم بأحسن وجه ، ولا يمكنهم قتل ابن زياد، فلولا الإسارة لأنكروا ذلك أيضاً .

ألا ترى أنهم في كتبهم التأريخية والحديثية ذكروا قضية الطف وأمر الشهادة بإجمال، ولم يذكروا من أمر السبايا والأسارى شيئاً ، إلا أن بعضاً منهم يذكره بنحو الإقتصار وغاية الإيجاز والإختصار ، أو بنحو الإختلاط والإشتباه وإيقاع الخلاف والإختلاف. وليس مقصودهم في ذلك إلا تحقير قضية الطف وتصغير شأنها وعدم الإهتمام بها وإلقاء الخلاف فيها ، مراعاةً لأوليائهم وأئمتهم وأغراضهم الفاسدة .

ألا ترى أن هذا الأموي في مقاتل الطالبيين لم يذكر من قضايا الكوفة ومجلس ابن زياد شيئاً ، بل كلما ذكره الفريقان في مجلس ابن زياد ذكره في مجلس يزيد . فراجع إليه .

بل المسعودي في مروج الذهب _ بعد ذكره أن ابن سعد كان عازماً للخروج إلى الري مع أربعة آلاف انصرف عنه وخرج إلى الحسين بأمر ابن زياد مع أربعة آلاف ، قال : وتمام عسكر ابن سعد في وقعة الطف أربعمائة، وقتل منهم ثمانية وثمانون وقتل من عسكر الحسين ستة وثمانون .

وأعجب من ذلك أنه ذكر خروج الحسين عليه السلام من مكة سنة ستين وقال : وقتل بكربلاء سنة أربع وستين ، وذلك في نسختين مختلفتين مطبوعتين موجودتين عندي ، وذكر في سائر كتبه سنة إحدى وستين ، ولم يكن ذلك لاشتباه منه أو من النساخ ، بل إنما بناؤهم على إلقاء الخلاف .

وبالجملة ، لولا السبي والإسارة لضاعت الشهادة . فتدبر.

( السادس ) أن أمر الشهادة وإن كان أمراً عظيماً ، خصوصاً قتله - روحي له الفداء وقطع رأسه ، وليس بأمر أعظم منه - كما قال عليه السلام لابن وكيدة على

ما مرّ « إن قتلي أعظم»- إلا أن للسبي والإسارة تأثراً في قلوب العامة أشدّ تأثيراً من أمر الشهادة، فيكون هذا سبباً لتنفر العامة عن بني أمية ولعنهم وشتمهم والإعراض عنهم ، وبه يتقرَّب المؤمنُ إلى الله تعالى أكثر من أمر الشهادة. وهذا واضح جداً لا يحتاج إلى مزيد بيان .

(السابع ) لعلمه عليه السلام بما يترتب على الإسارة والسبي من المعجزات والكرامات وخوارق العادات، ويكون ظهورها سبباً لاسلام بعض اليهود والنصارى كما مر شطر من ذلك في قضايا رأسه الشريف.

هذا ما خطر بالبال من علة حمله عليه السلام النساء والأطفال ، ولعل التأمل يعطي أكثر مما ذكرنا . فليتأمل .

فلنشرع في التراجم في ضمن أبواب :

الباب الأول : من الألف إلى الزاي .

الباب الثاني : من الزاي إلى الفاء.

الباب الثالث : من الفاء إلى آخر الحروف (1).


1) حذفنا عناوين الأبواب من هذا القسم من الكتاب ليكون مسرداً للأسماء من دون تقطيع.

آمنة بنت أبي مرة الثقفية

آمنة بمد الألف ثم الميم ثم النون المفتوحة، المكناة ب-«أم ليلى»، والملقبة ب- «ليلى»، وهي أم علي المقتول ، وقد مرّ في ترجمته .

قال السبط في التذكرة : علي الأكبر قُتل مع أبيه يوم كربلاء ولا بقية له ، وأمه آمنة بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي ، وأمها بنت أبي سفيان . انتهى (1).

ويمضي في الكتب «ليلى» ، وفي جملة منها « أم ليلى»، والصحيح أن أم ليلى أو ليلى كنية أو لقب لها غلبت على الاسم . ونظيرها كثير جداً .

وفي مقاتل الطالبيين (2): وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي ،وأمها ميمونة بنت أبي سفيان . انتهى .

ومثله في الإرشاد (3)والنهاية والطبري وغيرها ، فهي عمة يزيد بن معاوية . وقد مرّ أن لهذه العلة تجنّب أهل الكوفة قتاله .

وفي بعض التواريخ : أن اسمها « أمينة » . لعله سهو أو تصحيف ، وما ذكرناه عن السبط هو الأصح .

وفي جنات الخلود: إن اسمها « ربابة » . وهو اشتباه منه ، إذ لم يذكره أحد غيره .


1) تذكرة الخواص ص 254 ، مع بعض الإختلاف.

2) مقاتل الطالبيين ص 86 .

3) الارشاد 106/2 .

وليس في كتب المقاتل المعتبرة منها ذكر في وقعة الطف . وهذا لا يدل على عدم كونها مع السبايا ، إذ ليس لكثير منهن ذكر في المقاتل ، ولم أر من صرح بعدم كونها في الوقعة ، كما أنه لم أر من صرح بكونها فيها . فما ذكره بعض المتأخرين من عدم كونها في الوقعة لا دليل له ، كما أن في جملة من مقاتل المتأخرين ، من كونها فيها لا سند له . فالأولى التوقف ولا ثمرة مهمة في ذلك.

آمنة بنت الحسين عليه السلام

آمنة بنت الحسين عليه السلام وأمها الرباب بنت أمرئ القيس . ستأتي ترجمة رباب و امرئ القيس في ترجمتها .

ومن الموارد التي غلب اللقب على الاسم ، فإن لقبها على ما صرح به جمهور المؤرخين - «سكينة» بضم السين وفتح الكاف ثم النون المفتوحة والهاء المبدلة عن التاء . قال في القاموس : سكينة كجُهَيْنَة بنت الحسين عليه السلام و . ويظهر منه أن سكينة اسمها لا لقبها - كما يفيد ذلك من ابن قتيبة - على ما ذكره السبط ، لكن الصحيح أن اسمها « آمنة » .

قال المدائني : حدثني أبو إسحاق المالكي ، قال : سكينة لقب واسمها آمنة.

قال : وهذا هو الصحيح (1).

قال أبو الفرج في الأغاني : سكينة لقب لُقبت به، واسمها أمينة بفتح الألف وكسر الميم ثم الياء ثم النون المفتوحة . قال : وروي أن رجلاً سأل عبد الله بن حسن عن اسم سكينة فقال آمنة ، فقال إن ابن كلبي يقول أميمة بضم الألف وتشديد الميم ثم الياء ثم الميم المفتوحة ، فقال : سل ابن كلبي عن أمه وسلني عن أمي . انتهى .


1) أعيان الشيعة 491/3 و 274/7 .

وفيه أيضاً : قيل : إن اسمها «أمية » بضم الألف وتشديد الميم . وقال : قال مصعب فيها أخبرني به الطوسي أن اسمها «آمنة». وهذا هو الصحيح.

ومن العجب أن بعض المؤرخين والمحدثين اشتبه عليه الأمر وقال : اسمها «فاطمة» ، لما اشتهر أن أولاده عليه السلام ذكورهم يُسمى علي وإنا تهم تُسمى فاطمة لشدة حبه لأبيه وأمه سلام الله عليهم . وهذا - وإن كان في نفسه صحيحاً - إلا أنه لا منافاة أن يُسموا بأسماء أخرى كجعفر ومحمد . على ما مرّ .

نعم ، كان للحسين عليه السلام بنت أخرى مسماة بفاطمة ، وهي أكبر من سكينة ، وكانت معه في وقعة الطف ومع الأسارى، ولها قضايا وحكايات تأتي في ترجمتها . فلهذا اشتبه على جمع من أهل المقاتل فيذكرون وقائع وينسبونها إلى سكينة مع تصريح الراوي بفاطمة ، ظناً منهم أنها هي ، وأنه ليس للحسين عليه السلام بنت سميت بفاطمة وكانت معه في وقعة الطف . ونحن نشرح ذلك إنشاء الله ، ونوضح أن للحسين عليه السلام أربع بنات فاطمة الكبرى وسكينة ورقية وكنَّ معه في الطف، وفاطمة الصغرى كانت بالمدينة. وسيأتي تفصيل ذلك عن قريب إنشاء الله .

ونذكر هنا ما يخص بسكينة من المصائب الواردة عليها ونذكر ما يخص بفاطمة الكبرى في ترجمتها ، ثم نذكر جملة من تاريخ حياتها ، ووقائع مدة عمرها إلى وفاتها استطراداً ، فنقول : لها في وقعة الطف وقائع وقضايا ومصائب :

( منها ) ما ذكره في البحار (1)، قال : وفي بعض الكتب إن الحسين عليه السلام لما نظر إلى اثنين وسبعين رجلاً من أهل بيته صرعى التفت إلى الخيمة ونادى : يا سكينة ويا فاطمة ويا زينب و يا أم كلثوم عليكن مني السلام . فنادته سكينة : يا


1) بحار الأنوار 47/45 .

أبة استسلمت للموت . فقال : كيف لا يستسلم من لا ناصر له ولا معين ؟ فقالت : يا أبة رُدّنا إلى حرم جدنا . فقال : هيهات لو ترك القطا لنام . فتصارخن النساء. فسكتهن عليه السلام . انتهى .

وقال قدس سره في جلاء الفارسي : قالت سكينة بعد أن أخذت قناعها من رأسها : يا أبة استسلمت للموت فإلى من تكلنا ؟ فقال : كيف لا يستسلم للموت من لا ناصر له ولا معين رحمة الله ونصرته لا تفارقكم في الدنيا والآخرة ، فاصبري في قضاء الله ولا تشكي ، فإن الدنيا فانية والآخرة باقية . انتهى .

ولعله أخذهما من المنتخب وأبي مخنف المطبوع الموجود ، وفيهما ما لا يخفى .

نعم ، في جملة من المقاتل المعتبرة نسبة هذا القول إلى أم كلثوم سلام الله عليها ، وسيأتي في ترجمتها مع شرح قولها « ردّنا إلى حرم جدنا» أنها ماذا أرادت بهذا الكلام فانتظر .

وقال أبو الحسن الإسفرايني (1): فلما سألته سكينة، رفعت صوتها بالبكاء والنحيب ، فضمها الحسين عليه السلام إلى صدره وقبلها ومسح دموعها بكمه، فعند ذلك بكى الحسين وجعل يقول - وفي المنتخب وأبي مخنف مثله ، وفيها : وأنشأ يقول :

سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي***منكِ البكاء إذ الحمام دهاني

لا تحرقي قلبي بدمعكِ حسرةً***ما دام مني الروح في جثماني

فإذا قُتلت فأنتِ أولى بالذي***تأتينه يا خيرة النسوان


1) موسوعة كلمات الامام الحسين عليه السلام ص 590 نقلاً عن الاسفرايني ، نور العين في مشهد الحسين عليه السلام ص 58 .

وفي مقتل الإسفرايني « تأتي به » بدل « تأتينه». ثم أردف الأبيات بأبيات أخرى إلى ثمانية أبيات، أظنها من منشآته أو من منشآت غيره، إذ يلوح من مضمون الأبيات أنها ليست من منشآت الإمام عليه السلام ، بل في كون الأبيات الثلاثة المذكورة للإمام، وأنها من منشآته أيضاً تأمل بل منع ، وإن ذكرها أرباب المقاتل - لاسيما المتأخرين منهم - وأسندوها إلى الإمام عليه السلام إذ ليس في كتب العامة والخاصة لهذه الأبيات عين ولا أثر ، وإنما ذكرها المتأخرون تبعاً للمنتخب وأبي مخنف الموجود.

( ومنها ) ماذكر في المنتخب وأبي مخنف الموجود - ولعلهما أخذاه من أبي إسحاق الإسفرايني - وتبعه جملة من المتأخرين ممن عادتهم ، نقل كل ما رأوه من غير تنقيح وتصحيح ، ويسندون ذلك إلى المعصوم ، أو من في مرتبته إتكالاً على أدلة التسامح وسيأتي مع ردّه .

قالوا : إن فرس الحسين عليه السلام تمرّغ بدمه يطلب الخيام ويصهل، فسمعت صهیله زینب سلام الله عليها ، فأقبلت على سكينة وقالت : هذا فرس أخي قد أقبل لعل معه شيئاً من الماء، فخرجت سكينة ، فلما نظرتها فإذا هي خالية عارية عن راكبها ، فهتكت خمارها ونادت : والله قتل الحسين - إلى آخر ما قالوا . ولما لم يكن في الكتب المعتمدة من العامة والخاصة ذكر لهذه القضية . تركناها ، لعدم الإعتماد بناقلها وعدم الإعتداد بنقله ، فإنه نسبة بلسان الحال .

نعم ، سيأتي في ترجمة أم كلثوم ما روي عنها في تلك الحالة . فانتظر .

( ومنها ) ما نسب إليها في ليلة الحادي عشر . روي أن فاطمة قالت : كنت واقفة عند باب الخيمة إذ شدت علينا الغارات - إلى آخر ما سيأتي . ظناً منهم أن فاطمة هى سكينة وأن بناته عليه السلام كلهن مسماة بفاطمة ولم يكن له بالطف

بنت معه تُسمى بفاطمة غير سكينة ، وسيأتي في ترجمة فاطمة بنت الحسين عليه السلام أن هذا اشتباه منهم ، وأن فاطمة غير سكينة وقضية ليلة الحادي عشر تتعلق بفاطمة دون سكينة . فانتظر .

(ومنها) مرورها بجسد أبيها . وسيأتي في ترجمة زينب تفصيل ورود الأسارى بمصرع الحسين عليه السلام ، وإنما نذكر هنا ما يتعلق بالمقام .

قال في البحار (1): ثم إن سكينة اعتنقت جسد الحسين عليه السلام، فاجتمعت عدة من الأعراب حتى جروها عنه . ومثله في الجلاء واللواعج وجملة من الكتب المعتبرة (2).

ويمضي في بعض كتب المقاتل ويشتهر في ألسنة أهل المراثى من قولهم : ثم إن سكينة إعتنقت جسد أبيها وقالت : يا أبتاه من الذي قطع وريديك ، من الذي قطع رأسك ؟ يا أبتاه خضبت شيبتك بدمك ، يا أبتاه أنظر إلى رؤوسنا المكشوفة وعماتي المسبية ، يا أبتاه إذا دجى الليل من يحمي خبانا ومن يرعانا ؟ فبكت حتى غشي عليها ، قالت : فسمعتُ وأنا مغشي عليّ من أبي صلوات الله عليه :

شيعتي ما إن شربتم***ماء عذب فاذكروني

أو سمعتم بغريب***أو شهيد فاندبوني

وأنا السبط الذي***من غير جرم قتلوني

وبجرد الخيل بعد ال***قتل عمداً سحقوني

ليتكم في يوم عاشو***را جميعاً تنظروني

كيف استسق لطفلي***فأبوا أن يرحمون


1) بحار الأنوار 59/45 ، اللهوف ص 180 ، العوالم 303/17 .

2) لواعج الأشجان ص 198.

فسقوه سهم بغي***عوض الماء المعين

یا لرزءٍ و مصابٍ***هدّ أركان الحجونِ

إلى آخر ما ذكروه بأدنى تغيير وليس في كتب المتقدمين والمتأخرين من العامة والخاصة ذكر لهذه الأبيات ، ولا لهذه القضية غير ما ذكرنا ، ولم أدر من أين أخذوها حتى صار بين المتأخرين كالمسلّم .

نعم ، في مصباح الكفعمي (1)قال : قالت سكينة لما قتل الحسين عليه السلام :

إعتنقته فأغمي علي فسمعته يقول :

شيعتي ما إن شربتم***ري عذبِ فاذكروني

أو سمعتم بغريب***أو شهيد فاندبوني

فقامت مرعوبة وهي تلطم خديها وإذا بهاتف يقول :

بكت الأرض والسماء عليه***بدموع غزيرة ودماء

يبكيان المقتول في كربلا***بين غوغاء أمّة أدعياء

منع الما وهو منه قريب***عين إبكي الممنوع شربَ الماءِ

وسيأتي في ترجمة فاطمة بنت الحسين عليه السلام، ما هو قريب من هذا.

وتمام الكلام هناك إنشاء الله تعالى .

( ومنها ) ما في رواية سهل بن سعد (2)رواها في المناقب والبحار وقد مرّ شطر منها . قال : خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام إلى قوله : ورأيت نسوةً على جمال بغير وطاء ، فدنوت من أولاهن فقلت : يا جارية من أنت ؟


1) المصباح للكفعمي ص 741 .

2) بحار الأنوار 127/45 .

فقالت : أنا سكينة بنت الحسين. فقلت لها : ألك حاجة إلي ، فأنا سهل بن سعد ممن رأى جدك وسمعت حديثه ؟ قالت : يا سعد قل لصاحب هذا الرأس أن يقدم الرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه ، ولا ينظروا إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وآله . قال سهل فدنوت من صاحب الرأس فقلت له : هل لك أن تقضي حاجتي وتأخذ مني أربعمائة دينار ؟ قال : وما هي ؟ قلت : تقدّم الرأسَ أمام الحرم . ففعل ذلك فدفعت إليه ما وعدته - إلى آخر الحديث .

( ومنها ) ما رواه الصدوق في الأمالي (1)عن حاجب عبیدالله بن زیاد ، قال : ثم أمر بالسبايا ورأس الحسين عليه السلام فحملوا إلى الشام ، إلى أن قال : فلما دخلنا دمشق أُدخل بالنساء والسبايا بالنهار مكشفات الوجوه ، فقال أهل الشام الجفاة : ما رأينا سبايا أحسن من هؤلاء ، فمن أنتم ؟ فقالت سكينة بنت الحسين : نحن سبايا آل محمد، فأقيموا على درج المسجد حيث يُقام السبايا .

( ومنها ) ما في بعض الكتب (2): أن يزيد استدعى بالحرم ، فوقفوا بين يديه ينظر إليهن ويسأل عنهن، فقيل له : هذه زينب ، هذه أم كلثوم ، هذه سكينة . فرفع رأسه إلى سكينة وقال : يا سكينة إن أباك نازعني سلطاني وأراد قطع رحمي . فبكت وقالت : يا يزيد لا تفرح بقتل أبي ، فإنه كان عبد الله فدعاه إليه فأجابه ، فاستعد يا يزيد لنفسك جواباً . فوثب إليه رجل من بني لخم فقال : يا يزيد أريد أن تهب لي هذه الجارية تكون خادمة لي . فانظمت إلى عمتها أم كلثوم فقالت : يا عمتاه أوتمت واستخدمت فقالت أم كلثوم أسكت يا لكع الرجال، قطع الله


1) الأمالي للصدوق ص 229 .

2) أنظر : بحار الأنوار 137/45 ، العوالم ( الامام الحسين عليه السلام) ص 437 .

يديك ورجليك وأخرسك وجعل النار مثواك ، إن بنات الأنبياء لا تكون خدماً للأدعياء. فما استتم كلامها حتى صرخ الملعون صرخة وعض لسانه . فقالت أم كلثوم: الحمد لله الذي عجّل عليك العقوبة في الدنيا قبل الآخرة . والمشهور أن هذه القضية كانت لفاطمة بنت الحسين عليه السلام . وقد يقال : إنها كانت لفاطمة بنت علي عليه السلام. وسيأتي تمام الكلام في ترجمة فاطمة بنت الحسين . فانتظر.

( ومنها ) قولها سلام الله عليها : ما رأيت أقسى قلباً من يزيد ولا رأيت كافراً

ولا مشركاً شراً منه ، ولا أجفى منه . هكذا في كتب أصحابنا رضوان الله عليهم. ومن العجب أن هذا الكلام نقل في كتب العامة ، أنها قالت: ما رأيت رجلاً كافراً بالله خيراً من يزيد بن معاوية . هكذا في تاريخ الطبري (1)وغيره ، وليس ذلك منهم ببعيد ، إذ ليس غرضهم إلا تطهير يزيد والدفاع عنه ألا ترى أن جلا منهم كأبي حنيفة الدينوري وابن قتيبة ومحمد بن عبد ربه في العقد الفريد وغيرهم لم يذكروا من قضايا الشام إلا محبة يزيد وتلطفه بالنسوة والصبيان ، وإظهاره الندم على فعل ابن زياد ، بناءً على أصلهم من الدفاع عن يزيد ، لئلا يسري القول إلى غيره. ولهذا زيادة بيان يأتي إنشاء الله تعالى في محله .

.

(ومنها ) ما رواه الشيخ ابن نما (2)قال : ورأت سكينة في منامها - وهي بدمشق - كأن خمسة نجب من نور قد أقبلت وعلى كل نجيب شيخ والملائكة محدقة بهم ومعهم وصيف يمشي ، فمضى النجب وأقبل الوصيف إليّ وقرب مني


1) تاريخ الطبري 355/4.

2) مثير الأحزان ص 104 .

وقال : يا سكينة إن جدك يسلم عليك ، فقلت : وعلى رسول الله السلام ، يا رسول من أنت ؟ قال : وصيف من وصائف الجنة. فقلت : من هؤلاء المشيخة الذين جاؤوا على النجب ؟ قال : الأول آدم صفي الله تعالى والثاني إبراهيم خليل الله والثالث موسى كليم الله والرابع عيسى روح الله . فقلت : من هذا القابض على لحيته يسقط مرة ويقوم أخرى ؟ فقال : جدك رسول الله . فقلت : وأين هم قاصدون ؟ قال : فإلى أبيك الحسين . فأقبلت أسعى في طلبه لأعرفه ما صنع بنا الظالمون بعده ، فبينما أنا كذلك إذ أقبلت خمسة هوادج من نور ، في كل هودج امرأة ، فقلت : من هذه النسوة المقبلات ؟ قال : الأولى حواء أم البشر ، والثانية آسية بنت مزاحم والثالثة مريم بنت عمران والرابعة خديجة بنت خويلد والخامسة الواضعة يدها على رأسها تسقط مرة وتقوم أخرى فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله أم أبيك . فقلت : والله لأخبرتها ما صنع بنا . فلحقتها ووقفت بين يديها أبكى وأقول : يا أمتاه جحدوا والله حقنا يا أمتاه بدّدوا والله شملنا ، يا أمتاه استباحوا والله حريمنا ، يا أمتاه قتلوا والله أبانا الحسين ، فقالت : كني صوتك يا سكينة ، فقد أحرقت كبدي وقطعت نياط قلبي ، هذا قميص أبيك الحسين معي لا يفارقني حتى ألقى الله به . ثم انتبهت وأردت كتمان ذلك المنام ، وحدثت به أهلي فشاع بين الناس . انتهى .

وفي اللهوف (1): قالت سكينة : فلما كان اليوم الرابع من مقامنا رأيت في المنام رؤياً طويلاً ثم ذكر مثل ما مرّ .


1) اللهوف ص 220 .

وفي البحار (1): روي في مؤلفات بعض أصحابنا مرسلاً ، قال : ونُقل أن سكينة بنت الحسين عليه السلام قالت: يا يزيد رأيتُ البارحة رؤياً إن سمعتها مني قصصتُ عليك . فقال يزيد : هاتي ما رأيتِ . قالت : بينما أنا ساهرة وقد كللت من البكاء بعد أن صليت ودعوت الله بدعوات، فلما رقدت عيني رأيت أبواب السماء قد فتحت ، فإذا أنا بنور ساطع من السماء إلى الأرض ، وإذا أنا بوصائف من وصائف الجنة - وساق الكلام إلى آخر ما مر باختلاف يسير ، وفي آخره: فبينما أنا كذلك إذا بباب قد فتح من السماء وإذا بالملائكة يصعدون وينزلون على رأس أبي . قال : فلما سمع يزيد ذلك لطم وجهه وبكى ، فقال : مالي ولقتل الحسين .

وفيه : وفي رواية أخرى : إن سكينة قالت : ثم أقبل إلي رجل دري اللون قمري الوجه حزين القلب ، فقلت للوصيف - إلى آخر ما ذكرنا باختلاف يسير ، وفي آخره: فدنوت منها فقلت لها : يا جدتاه قتل والله أبي وأوتمت على صغر سني، فضمتني إلى صدرها وبكت بكاءاً شديداً وبكين النسوة كلهن وقلن لها : يا فاطمة يحكم الله بينك وبين يزيد يوم فصل القضاء . ثم إن يزيد تركها ولم يعبأ بها (2)انتهى .

وقال أبو إسحاق الاسفرايني : ثم إن سكينة تقدمت إلى يزيد وقالت : إعلم أني رأيت البارحة في نومي قصراً من اللؤلؤ. وساق الكلام بنحو ما مر باختلاف يسير ، إلى أن قالت فاطمة : وهذا قميص الحسين معي لا يفارقني حتى آتي به ) وَسَيَعْلَمُ الذِيْنَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) (3)، وعند تمام الآية انتبهت ، فحار يزيد من كلامها وقال : أنتم أهل البيت قد خُصصتم بالحكمة ، صغيركم وكبيركم


1) بحار الأنوار 194/45 ، العوالم ( الامام الحسين عليه السلام) ص 420.

2) في المصدر : بقولها .

3) سورة الشعراء: 227 .

ذكركم وأنتاكم . انتهى .

وسيأتي في ترجمة فاطمة بنت الحسين عليه السلام ما رواه في الفصول المهمة : أن فاطمة بنت الحسين عليه السلام قالت لأختها سكينة بعد ما دخلوا المدينة : إن هذا الرجل - تعني بشير - قد أحسن إلينا ، فهل يجب أن نصله بشي ؟ فقالت سكينة : والله ما معنا من شي نصله به إلا حلينا ، فأخرجتا سوارين ودملجين لهما فبعثتا إليه واعتذرتا وردّ الجميع - إلى آخر ما سيأتي .

وسيأتي أيضاً في ترجمة فاطمة بنت الحسين : أنه لما أدخلت نساء الحسين عليه السلام وصبيانه والرأس بين يدي يزيد فجعلت فاطمة وسكينة ابنتا الحسين تتطاولان نظراً إلى الرأس، وجعل يزيد يتطاول - إلى آخر ما سيأتي .

ولها أيضاً قضية من أختها فاطمة الصغرى حين ورودها المدينة، وتأتي في ترجمة فاطمة الصغرى .

هذا ما وقفنا عليه فيما جرى عليها من وقعة الطف إلى رجوعها إلى المدينة.

( تتميم ) :

في سوانح عمرها وتاريخ حياتها بعد أبيها ، فنذكر شطراً منها : قال في الدر المنثور :

كانت سكينة سيدة نساء عصرها، ومن أجمل النساء وأظر فهن وأصونهن أخلاقاً (1).

وفي العقد الفريد : وتزوّج مصعب لما ملك العراق عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين ، ولم يكن لهما نظير في زمانهما .

وقال ابن قتيبة : ولها السيرة الجميلة والكرم الوافر والعقل التام .


1) أعيان الشيعة 274/35 .

وفى تذكرة السبط : وأول من تزوجها مصعب بن الزبير قهراً، وهو الذي أسكرها ، ثم قتل عنها ، وولدت له فاطمة ، وكانت من الأدب والجمال والظرف والسخاء بمنزلة عظيمة ، وكانت تأوي إلى منزلها الأدباء والفضلاء والشعراء،وكان مصعب بن الزبير أصدقها ستمائة ألف ، وفي رواية ألف ألف .

ويظهر من العقد الفريد وغيره : أن تزويجها من مصعب كان بعد ما ملك العراق ، وهو في حدود سنة ثمانية وستين . وهو الظاهر ، لأن بعد وقعة الطف - وهي إحدى وستون - ما اكتحلت هاشمية إلى خمس وستين. وبالجملة كان تزويجها إياه بعد سبع وستين ، فمكنت عنده خمس سنين ، لأن قتل مصعب كان في يوم الخميس للنصف من جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين .

وصرح المؤرخون - كما مرّ عن تذكرة السبط - أن تزويجها إياه كان قهراً ، كتزويج عمتها على ما سيأتي في ترجمة زينب الكبرى . وقد ولدت له فاطمة على ما في التذكرة.

وقال هشام: قد ولدت لمصعب ابنة سمتها اللباب ، وكانت فائقة الجمال لم يكن في عصرها أجمل منها ، فكانت تلبّسها اللؤلؤ وتقول : ما ألبسها إياه إلا لتفضحه . وفي رواية ابنتها الحزامي : تريد أن تفضح الحلي بحسنها لأنها أحسن منه .

وعن سعيدة بنت عبدالله بن سالم قالت : لقيت سكينة بين مكة والمدينة فقالت : قفي يا ابنة عبد الله . فوقفت ، فكشفت عن بنتها من مصعب وإذا هي قد أثقلتها بالحلي واللؤلؤ ، فقالت : ما ألبستها إلا لتفضحه .

وفي الدر المنثور : دخلت عائشة بنت طلحة على الوليد بن عبدالملك وهو بمكة ، فقالت : يا أمير المؤمنين مر لي بأعوان. فضم إليها قوماً يكونون معها، فحجت ومعها ستون بغلاً عليها الهوادج والرحائل ، وكانت سكينة بنت الحسين

في تلك السنة ، فقال حادي عائشة :

عايش ذات البغال الستين***لا زلتِ ما عشتِ كذا تحجين

فشق ذلك على سكينة ونزل حاديها وقال :

عايش هذه قرةٌ تشكوكِ***لولا أبوها ما اهتدي أبوكِ

وفي رواية :

عايشُ ذات البغال الستين***لولا أبوها لم تكن تحجين

فأمرت عائشة حاديها أن يكفّ فكفّ ، انتهى .

ويظهر منه أن الوقعة كانت بعد قتل مصعب .

وفي رواية : أن سكينة اجتمعت مع إحدى بنات عثمان بن عفان في مجلس، وافتخرت العثمانية وقالت : أنا بنت الشهيد فلم تتكلم سكينة حتى قال المؤذن « أشهد أن محمداً رسول الله » ، فقالت سكينة : هذا أبي أو أبوك ؟ فقالت العثمانية :

والله لا أفخر عليكم أبداً (1).

روي أنها سلام الله عليها حجت فأجمرت ستة جمارٍ وأسقطت السابعة من يدها ، فأجمرت بخاتمها فأتمت الجمار .

قال السبط في التذكرة (2): قال ابن أبي الدنيا : حدثنا محمد بن الحسين ، عن الحميدي، عن سفيان الثوري قال : أراد علي بن الحسين الخروج إلى الحج أو العمرة ، فاتخذت له سكينة بنت الحسين سفرةً أنفقت عليها ألف درهم وأرسلت بها إليه ، فلما كان بظهر الحرّة أمر بها ففرقت بين الفقراء والمساكين . انتهى . وكانت سلام الله عليها في وقعة مصعب وقتله في الكوفة ، فلما أرادت الرجوع إلى


1) أعيان الشيعة 492/3 .

2) أعيان الشيعة 633/1 نقلاً عن التذكرة.

المدينة بعد قتل مصعب اجتمع عليها شيوخ الكوفة وأشرافهم فسلموا عليها ، قالت : الله يعلم أني أبغضكم، قتلتم جدي علياً ، وقتلتم أبي الحسين، وقتلتم أخي علياً وزوجي مصعباً ، فبأي وجه تلقوني ، أيتمتموني صغيراً وأرملتموني كبيراً.

وفي تذكرة السبط : لما قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير خطبها فقالت : أبعد ما قتل ابن الزبير ، لا والله ، لا كان هذا أبداً (1).

قيل : إنها لم تتزوج بعد مصعب . وقيل : إنها تزوجت بعد مصعب عبدالله عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام فولدت له عثمان الذي يقال له قرير، ثم عبدالله تزوجها الأصبغ بن عبدالعزيز أخو عمر بن عبدالعزيز ، ثم فارقها قبل الدخول ، ولم تتزوج بعد .

وفي الدر المنثور : أنها تزوجت بعد مصعب بعبد الله بن عثمان ، ثم تزوجها الأصبغ وفارقها قبل الدخول ، ثم تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان ، فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها، ففعل. وفيه قيل وفي ترتيب أزواجها غير ذلك ، والأصح هو الأول .

وعن الطبري في إعلام الورى (2)في ذكر أولاد الحسن بن علي عليهما السلام : وكان عبد الله بن الحسن قد زوّجه الحسين ابنته سكينة ، فقتل قبل أن يبني بها . انتهى .

وفيه ما لا يخفى ، إلا أن يُراد بعبد الله بن الحسن قاسم بن الحسن وقد مرّ في ترجمته . فراجع .


1) أنظر: المعارف لابن قتيبة ص 213

2) اعلام الورى 418/1 ، الارشاد للمفيد 25/2

وفي الدر المنثور : وكانت سكينة تجي يوم الجمعة إلى المسجد فتقوم بأزاء ابن مطير، فإذا شتم علياً شتمته هي وجواريها ، وكان يأمر الحرس أن يضربوا جواريها.

وفيه : وكانت سكينة عفيفة ، تجالس الأجلة من قريش ويجتمع إليها الشعراء . وفيه : وقيل : إنه اجتمع في ضيافة سكينة يوماً جرير والفرزدق وكثير عَزَّة وجميل صاحب بثينة ونُصيب ، فمكثوا أياماً ثم أذنت لهم فدخلوا، فقعدت بحيث تراهم ولا يرونها وتسمع كلامهم، ثم خرجت جارية لها وضيئة قد روت الأشعار والأحاديث - إلى آخر ما ذكر - ومثله في تذكرة السبط .

وفي الأغاني : انه اجتمع يوم راوي جرير وراوي كثيرة عزة وراوي نصيب وراوي أحوص بأشعار صاحبهم واختلفوا في ذلك وتنازعوا ورضوا بحكمية سكينة لأنها أفصح وأعلم بلسان العرب وأفضلهم ، فتحاكموا إليها - إلى آخر ما فيه ، تركناها لاختلاف الأقوال فيه واختلاف القول في الشعر والشاعر والراوي وأظن أنه من المجعولات وأكاذيب الأصفهاني المرواني ، ومن أراد فليراجع إليه .

وفي الدر المنثور : ورُويت عن سكينة قضية أخرى نحو هذه ظهرت بها حذاقتها وانتقادها . وفي بعض كتب أصحابنا : إن هذه القصة والمحاكمة من مجعولات الزبير بن بكار ، وكذا الظاهر .

بقي الكلام في سنها سلام الله عليها يوم الطف .

ولم أر من صرح بذلك وتعرض له . والذي يظهر من كلامها مع أشراف الكوفة حين خروجها منها كما مر - قالت « أيتمتموني صغيراً»، ومثله قولها في رؤياها في الشام قالت لجدتها الزهراء «أيتموني صغيراً » ، وقد مرّ أنها كانت يوم قتل أبيها صغيرة.

ويدل على أنها كانت كبيرة يوم الطف، ما رواه العامة والخاصة من خطبة الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب إلى عمه الحسين ، فأخذه الحسين حتى أدخله منزله فخيّره بين ابنتيه فاطمة وسكينة ، فاستحيى - إلى آخر ما يأتي في ترجمة فاطمة بنت الحسين عليه السلام .

ويؤيد هذا بل يدل عليه - ما مر عن الطبري في إعلام الورى : من أنه زوّجها الحسين عليه السلام من ابن أخيه ، ولعل هذا هو الأصح .

ويمكن أن يُراد بقولها « أيتمتموني صغيراً » الصغر العرفي العادي لا الصغر الشرعي الذي لم تبلغ ، كما هو الظاهر المتعارف في ألسنة العرف.

أما وفاتها ، فالمشهور أنها توفيت في سنة مائة وسبعة عشر في المدينة . صرح بذلك في الطبقات .

وفي وفيات الأعيان (1): كانت وفاة سكينة بالمدينة يوم الخميس لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة سبع عشر ومائة . انتهى .

ومثله في تاريخ ابن الأثير وتاريخ المنصوري وغيرهما .

وفي الدر المنثور : كانت وفاة سكينة بمكة في ربيع الأول سنة مائة وخمس وعشرين . وقيل : سنة مائة وسبع وعشرين ، وهو الأصح .

وفي تذكرة السبط : اختلفوا في وفاتها ، قال ابن سعد : توفيت بالمدينة سنة سبع وعشرين ومائة ، وأما غير ابن سعد فيقول : إنها توفيت بمكة في هذه السنة .انتهى .

وفي زبدة الفكر في تاريخ الهجر للأمير سترس في وقائع سنة مائة وسبعة عشر .


1) وفيات الأعيان 397/2 .

قال : وفيها توفيت سكينة بنت الحسين عليه السلام.

قال السبط في التذكرة : لما توفيت سكينة كان الوالي على المدينة خالد بن عبد الله بن الحارث بن الحكم ، فقال : انتظروا حتى أصلي عليها .

وقال الأموي الأصفهاني في الأغاني كان الوالي على المدينة خالد بن عبدالملك ، فبعث إليهم أن انتظر وا حتى أصلي عليها ، فانتظروا مجيئه إلى العصر ثم إلى المغرب ثم إلى العشاء فلم يحضر ، وبعث إليهم أن انتظروا، فانتظروا إلى الصباح فلم يحضر ، فأمر شيبة بن نصاح فصلى عليها .

وفي الأغاني : فأمر علي بن الحسين عليهما السلام من جاءه بطيب، فأتي بالمجار فوضعت حول النعش . انتهى .

فهذا منه عجيب بل غلط فاحش، لأن علي بن الحسين سلام الله عليه قد توفي سنة أربع أو خمس وستين ، ولم يكن في سنة مائة وسبع عشرة قطعاً . نعم ، قد اشترى عبد الله بن الحسن بن الحسن أربعمائة دينار عوداً ، فأجمر حول نعش عمته . وقيل : محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان الملقب بالديباج ، والجمع ممكن .

وقد اختلفت الأنظار حول عدم حضور الوالي للصلاة عليها ، فالشيعي يقول : إنه أراد بذلك الاستخفاف بها وتوهينها والتعريض على بني هاشم ، حتى عدّ ذلك في القمقام من جور بني أمية وأعمالهم وظلمهم عليها . والعامة يقولون : عرض للوالي حاجة فخرج إليها ، فخافوا عليها أن تتغير فاشتر وا لها كافوراً بثلاثين ديناراً. وظاهر القضية على ما ذكرنا يؤيد الأول.

هذا تمام الكلام في إجمال تاريخها سلام الله عليها ، وستأتي نبذة منه في ترجمة أمها الرباب . فانتظر .

أم بشر بنت مسعود الأنصاري

أم بشر . في البحار عن المناقب - ومثله في جنات الخلود - أم بشير بالياء، والمشهور هو الأول بنت أبي مسعود الأنصاري، واسمه عُقبة بن عمرو . وفي جنات الخلود عقبة بن ثعلبة الخزرجية . ومثله في البحار عن المناقب . ولعل فيه إسقاطاً . والصحيح عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجية كما في الإرشاد.

عد الشيخ في رجاله (1)عُقبة بن عمرو الأنصاري المكنى بأبي مسعود، من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، ومن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله .

وكان خليفة علي في الكوفة عند خروجه إلى الحرب. فهو من الأجلة،واستخلافه عليه السلام يدل على وثاقته وجلالة شأنه .

في التنقيح (2)قال في عنوان أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين : أمه أم بشر بنت أبي مسعود الأنصاري، خرج مع عمه الحسين هو وأمه وأخوه القاسم وأختاه أم الحسن وأم الخير إلى مكة ثم إلى كربلاء .

هذا، وفي الإرشاد (3)وفي تذكرة السبط : إن أولاد الحسن عليه السلام من أم بشير زيد وأختاه أم الحسن وأم الحسين .

وفي المناقب (4): وعقيل و الحسن أمهما أم بشير بنت أبي مسعود الخزرجية .


1) رجال الطوسي ص 24 و 48 .

2) لم أجده بالعنوان المذكور .

3) الإرشاد للمفيد 20/2.

4) مناقب آل أبي طالب 34/4 .

أم الحسن

أم الحسن بنت الحسن بن علي . قد مر ذكرها .

وفي حاشية عمدة الطالب : خرجت أم الحسن بنت الحسن بن علي عليهما السلام وهي لأم ولد إلى عبد الله بن الزبير .

أم الخير

أم الخير. في بعض النسخ أم الحسين بدل أم الخير ، ولعله تصحيف .

قد مرّ ذكرها. ومنهم من أنكر ذلك وقال : إن للحسين عليه السلام بنت واحدة واسمها أم الحسن . وهذا خلاف ما أجمع عليه الفريقان .

تتميم قضية عمهم

قد كنتُ منذ زمان متفكراً في وجه الاختلاف في وفيات أئمتنا أئمتنا ومواليدهم وعدد أولادهم ذكوراً وأناثاً وزوجاتهم وزوجات أبنائهم وأزواج بناتهم وتزويج زوجاتهم وأمهاتهم، وقد اختلفوا في ذلك كله حتى ينتهي بعض إلى عشرة أقوال

وأزيد ، وليس في كل ما ذكرنا مورد يكون فيه الاتفاق ويكون القول واحداً .

وليس كذلك القول في مواليد أئمة الجور والخلفاء الراشدين وأئمة الزيدية والإسماعيلية ، بل ليس بذلك الاختلاف في غير الامامية الإثني عشرية . ولا كذلك القول في وفياتهم وأمهاتهم وأولادهم وزوجاتهم وغير ذلك ، بل نجد في غالب ما ذكرنا الاتفاق منهم ، ولو وُجد الاختلاف لكان بين قولين أو ثلاثة أقوال ، وليس كذلك في أئمتنا عليهم السلام .

وهذا الاختلاف جله بل كله إنما نشأ من كتب المخالفين أو محدثيهم ومؤرخيهم من العامة والزيدية والاسماعيلية. ويتضح ذلك لمن نظر وتتبع كتبهم خصوصاً

كتب الزيدية .

وأما أصحابنا رضى الله عنهم مع جدّهم وتصفحهم في كل ما ذكرنا إنما اختلفوا في ذلك لاستنادهم إلى بعض الروايات المصحفة عندهم أو الإسناد إلى بعض موثقي مخالفينا ومعتمديهم .

وإني كلما تأملت ونظرت وتصفحت الكتب وتتبعت لم أجد في ذلك شيئاً تطمئن إليه النفس، وربما باحثت في ذلك مع بعض من يدعي العلم بالتاريخ والحديث فلم يأت بشي أعتمد عليه.

والذي سنح لي وخطر ببالي: أن مخالفينا - خصوصاً الزيدية - إنما أوقعوا الخلاف في كل ما ذكرنا لورود النقص علينا وإلى أئمتنا بكل ما يمكن ، وإنهم لما رأوا أن الامامية يعظمون أمر المواليد والوفيات وقبور الأئمة وأولادهم وزوجاتهم وكل ما يتعلق بهم أوقعوا الخلاف والاختلاف عمداً عناداً ولجاجاً مع علمهم بالكذب، وذلك بجعل الأحاديث في ذمنا ومدح مخالفينا وأئمتهم لأغراضهم الفاسدة ، وليس الاختلاف في ذلك بأهون من سائر الاختلافات بيننا وبينهم، وإنما تعمدوا الكذب ترويجاً لمذهبهم وتنقيصاً علينا .

ألا ترى أن الشهرستاني في الملل والنحل مع اطلاعه التام على خصوصيات المذاهب قال : إن إمامنا الجواد دفن في بلدة قم ، وقيل إن الحسين عليه السلام قتل في شهر صفر ، وأمثال ذلك مما لا يخفى على كل متتبع وهي من البديهيات والمسلمات بل الضروريات في مذهبنا ، وقد مرّ بعض ذلك .

ألا ترى أن هذا الأموي المرواني الزيدي ذكر في الأغاني أموراً أستحيى من نقلها ، وقد مرّ في الجزء الأول والثاني جملة من أكاذيبه ومجعولاته ، وسيأتي في ترجمة زينب الكبرى وترجمة فاطمة بنت الحسين عليه السلام ما يصدق الذي

ذكرناه ، فإنه قد نسب إلى الحوراء وأختها وإلى بعض الأئمة ما لا يليق بما دونهم فضلاً عن الأشراف السادة والأئمة عليهم السلام ، وغير ذلك مما يأتي إنشاء الله تعالى طي هذا الكتاب ، وليس ذلك إلا من حسد الأموية وعُقد الزيدية ، ولا أقول في حقهم إلا ما قاله الصادق عليه السلام : لعن الله آل زياد وآل مروان و بني أمية قاطبة .

والعجب من أصحابنا كيف اعتمدوا على قول هذا وأضرابه . وبالجملة لم أر من تفطن إلى ذلك أو ذكر أنهم أولعوا في الكذب عمداً عناداً ولجاجاً الا حين في كتابي هذا في ترجمة أم الخير، وجدت في كتاب مطالب السؤل في مناقب آل الرسول تصنيف محمد طلحة بن الشافعي ، قال بعد ذكر أولاد الحسن بن علي عليه السلام : إن أولاده خمسة وعشرون ، وسماهم إلى أن قال : وقيل أولاده كان أقل من ذلك . وليس كذلك. وكانت له بنت واحدة تُسمى أم الحسن . وهذا محض

لجاج وعناد الذي لا يُطمع له علاج البتة . انتهى .

أم اسحاق التميمية

أم اسحاق بنت طلحة بن عبيد الله . قال السبط في التذكرة (1)في تعداد أولاده روحی له الفداء : فاطمة أمها أم اسحاق بنت طلحة بن عبيد الله .

وفي الإرشاد (2): فاطمة بنت الحسين وأمها أم اسحاق بنت طلحة بن عبيد الله ، تميمية .


1) تذكرة الخواص ص 277 .

2) الإرشاد 135/2 .

وقال ابن قتيبة في كتاب المعارف (1)في أخبار طلحة بن عبيد الله : إنه كان من المهاجرين الأولين وأحد أصحاب الشورى، وكان غائباً للتشاور، وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم أحد ، وشهد يوم الجمل، ورماه مروان بن الحكم بسهم أصاب ساقه فشكّها بجنب الفرس ومات ، وكان غلته كل يوم ألف درهم وافٍ ، ومن بناته أم ،اسحاق، وكانت تحت الحسن بن علي عليه السلام فولدت له طلحة بن الحسن وهلك وهو صغير ، ثم تزوجها الحسين بن علي عليه السلام فولدت له فاطمة وعبد الله .

أما كونها أم فاطمة بنت الحسين ذكرها جلّ المؤرخين ، وصرح به في الإرشاد وغيره، ويأتي في ترجمة فاطمة . وأما عبد الله فقد مرّ ويأتي أنه من الرباب .

وقال المرواني في الأغاني : أخبرني الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير عن صحه قال : كانت أم اسحاق بنت طلحة تزوجها الحسن بن علي قبل أخيه الحسين عليهما السلام ، فلما حضرته الوفاة دعى بالحسين فقال : يا أخي إني أرضى هذه المرأة لك فلا تخرجن من بيوتكم ، فإذا انقضت عدتها فتزوجها ، فلما توفي تزوجها الحسين عليه السلام ، وقد كانت ولدت من الحسن عليه السلام.

وفي تذكرة السبط (2)في أولاد الحسن عليه السلام قال : وطلحة لا بقية له ، وأمه أم اسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التميمي .

وفي جنات الخلود في ذكر زوجات الحسن علیه السلام قال : أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التميمي، ولدت له الحسين بن الحسن الملقب بالأثرم وفاطمة. وذكر في


1) المعارف لابن قتيبة ص 228، مع بعض التصرف والتلخيص .

2) تذكرة الخواص ص 215 .

زوجات الحسين عليه السلام أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التميمي .

وعن محمد بن حمزة بن زهرة الحسيني في غاية الإختصار في ترجمة فاطمة بنت الحسين عليه السلام قال : إن أم إسحاق بنت طلحة عبید الله بن تزوجت بعد الحسين بعبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر المعروف بابن أبي عتيق .

أم كلثوم الكبرى

أم كلثوم الكبرى . تأتي في باب الزاى إنشاء الله تعالى (1).

أم كلثوم الصغرى

أم كلثوم الصغرى تأتي في باب الزاي أيضاً .

أم محسن

سبي

أم محسن سن . في معجم البلدان (2)قال الحموي ما هذا لفظه : جَوْشَن جبل في غربي

حلب، ومنه يُحمل النحاس الأحمر، وهو معدنه ، ويُقال : إنه بطل منذ عبر عليه الحسين بن علي عليه السلام و نساؤه ، وكانت زوجة الحسين حاملاً فأسقطت هناك ، فطلبت من الصناع في ذلك الجبل خبزاً وماءً فشتموها ومنعوها ، فدعت عليهم، فمن الآن لا يربح من عمل فيه . وفي قبلي الجبل مشهد يُعرف بمشهد السقط ويُسمى مشهد الدكة ، سمي بمحسن بن الحسين عليه السلام .

وفي القمقام عنه قال : في سفح جبل جوشن قبر المحسن بن الحسين عليه السلام، يزعمون أنه سقط حينما جي بالسبي من العراق ليحمل إلى دمشق، أو


1) باسم زينب.

2) معجم البلدان 186/2 .

طفل كان معهم بحلب فدفن هناك . انتهى .

أم وهب

أم وهب بن عبد الله . قد مرّ ذكرها في ترجمة وهب بن عبد الله .

أم دبائب

أم دبائب . زوجة عبد الله بن عمر الكلبي ، قد مرّ ذكرها في ترجمته مفصلاً .

بحريه

بحريه . زوجة جنادة بن الكعب بن الحرث الأنصاري الخزرجي ، أم عمرو بن جنادة .

قد مرّ ذكرها في ترجمة جنادة وابنه عمرو بن جنادة مفصلاً.

وبحرية بالباء الموحدة المفتوحة والحاء الساكنة ثم الياء المشدّدة ثم الهاء .

جارية الحسين عليه السلام

جارية الحسين عليه السلام قال علي الحسيني المصري (1)في كتاب الحسين عداد زوجاته عليه السلام: لم نعلم من أمر جارية الحسين التي أعتقها وتزوّجها غير ماكتبه إليه معاوية وما أجابه به الحسين . انتهى .

لم أقف على هذا الكتاب وجوابه ، ولعل الجارية هي التي قال السيد وغيره (2): وجاءت جارية من ناحية خيم الحسين عليه السلام ، فقال لها رجل : يا أمة الله إن


1) الحسين عليه السلام ص 125

2) اللهوف ص 180.

سيدك قتل . قالت الجارية : فأسرعت إلى سيداتي وأنا أصيح، فقمن في وجهي وصحن . انتهى .

ويمكن أن تكون هي عربية . والله أعلم .

جارية مسلم بن عوسجة

جارية لمسلم بن عوسجة . قد مرّ ذكرها في ترجمة مسلم بن عوسجة . فراجع .

حسنية

حسنية ، بفتح الحاء وكسر السين وفتح النون . أو بضم الحاء وسكون السين وكسر النون وفتح الياء المشدّدة.

قد مرّ ذكرها في ترجمة منهج مولى الحسين عليه السلام عن الزمخشري في ربيع الأبرار ، قال : كانت حسنية جارية للحسين بن علي عليهما السلام، اشتراها من نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، ثم تزوجها سهم فولد سهماً ، فهو مولى الحسين عليه السلام وهي كانت تخدم في بيت علي بن الحسين زين العابدين، إلى أن خرج الحسين من المدينة إلى العراق خرجت الجارية معه ومعها ابنها منهج حتى أتت كربلاء . انتهى .

رباب بنت امرئ القيس

رباب بنت امرئ القيس . فليعلم أن امرئ القيس أبا رباب ليس هو سليمان بن حجر الكندي أشعر شعراء الجاهلية الذي يتصل نسبه بملوك كندة من أهل نجد ، الذي قال في حقه رسول الله صلى الله عليه وآله «امرؤ القيس قائد الشعراء إلى النار » ، وهو مات على الكفر في الجاهلية . وليس أيضاً امرؤ القيس بن عابس بن

منذر الكندي من ولد امرئ القيس بن عمرو بن معاوية الأكرمين ، وهو أيضاً كان شاعراً في الجاهلية وأدرك الاسلام وعده الشيخ في رجاله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله (1).

وليس أيضاً امرؤ القيس بن أصبغ الكلبي الصحابي الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وآله على كليب .

ولكل واحد منهم قصص وحكايات مذكورة في محالها . بل هو - على ما في الأغاني والدر المنثور وغيرهما - امرؤ القيس بن عدي بن مرداس الكلبي ، كان نصرانياً فأسلم .

في الأغاني عن عوف بن خارجة المري قال : كنت عند عمر بن الخطاب زمن خلافته إذ أقبل إليه رجل أفحج أجلى أمعر (2)، فسأل عمر عن اسمه ، قال : رجل نصراني امرؤ القيس بن عدي الكلبي، فعرفه عمر وقال : أنت الذي أغرب يوم الفلج على بكر بن وائل ؟ قال : نعم . فسأله عن مجيئه ، قال : جئت لأسلم . فعرض عمر عليه الإسلام فأسلم فدعى له عمر برمح، فعقد له على من أسلم من قضاعة. فتولى قبل أن يصلي صلاة، فخرج من عند عمر ، فأدركه علي بن أبي طالب عليه السلام ومعه الحسنان وقال : يا عم أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وصهره ، وهذان ابناي من ابنته ، ونحن نرغب في مواصلتك . فقال : هذه ابنتي محياة لك يا علي بن أبي طالب، وهذه سلمى لابنك


1) رجال الطوسي ص 7 .

2) أفحج : تتدانى صدور قدميه وتتباعد عقباه . أجلى : منحسر شعر مقدم رأسه . أمعر : ليس في ناصيته شعر .

الحسن وهذه رباب لابنك الحسين . قال : وما أمسى حتى خطب إليه علي عليه السلام ابنته الرباب على ابنه الحسين ، فزوجه إياها فولدت له عبد الله وسكينة .

وقال هشام الكلبي : وكانت الرباب من خيار النساء.

ويمضي في بعض الكتب « ربابة » ، وهو غلط .

وفي تذكرة السبط (1)قال : وكان الحسين عليه السلام يحبها حباً شديداً (2)، وله فيها أشعار منها :

لعَمْرُك إنني لأحبُّ داراً***تكون بها سكينة والرباب

أحبها وأبذل جلّ مالي***وليس لعاتبٍ عندي عتابُ

قد اتفق الجميع على أن البيتين للحسين عليه السلام أنشأهما في سكينة والرباب ، واستفاضت الرواية في ذلك ، ويمكن دعوى تواترها .

وفي الاغاني مسنداً عن مالك بن أعين قال : سمعت عن سكينة بنت الحسين أنها قالت: سمعت من أبي في كلامه مع عمي الحسن عليه السلام : أن أبي قال في حق وفي والدتي « لعمرك » - البيتين .

وفيه من الغرابة ما لا يخفى ، إذ على ما ذكره لم يكن منها عند سماعها من أبيها أقل من أربع عشرة سنة ، وقد مرّ الكلام في ذلك . وسيأتي في ترجمة فاطمة أنها أكبر من سكينة في وليس لها في يوم الطف أكثر من اثنتي عشرة سنة . فانتظر .

وزاد في تذكرة السبط على البيتين :

وليس لهم وإن عتبوا مطيعاً***حياتي أو يغيبني الترابُ


1) تذكرة الخواص ص 265 .

2) الضمير في كلام السبط يعود إلى سكينة ، وفي نقل البيتين بعض الاختلاف .

وكأنه أخذه من الأغاني ، إلا أن فيه :

فلست لهم وإن غابوا مضيعاً إلى آخره .

ثم إن المشهور والمصرح به في كلام جلّ المؤرخين والمحدثين من الفريقين : أن رباب امرأة كلبية ، ويظهر من الأموي المرواني في الأغاني خلافه ، قال : رباب بنت امرئ القيس بن عدي بن كعب بن مرة بن ثعلبة بن عمران بن الحاف بن قضاعة ، وأمها هند بنت ربیع بن مسعود بن مرداس بن حصین بن كليب بن عليم بن كليب. فهي من طرف الأم كلبية لا كلبة ومن طرف الأب قضاعية ، وهو خلاف ما صرحوا به ، وسيأتي أن القضاعية أم جعفر بن الحسين . فتدبر .

ومن المتفق عليه أن رباب حملت إلى الشام مع السبايا . قال السبط في التذكرة (1): إن الرباب بنت امرئ القيس زوجة الحسين عليه السلام في مجلس ابن زياد أخذت الرأس ووضعته في حجرها وقبلته وقالت :

واحسيناً فلا نسيت حسيناً ***أقصدته أسنة الأعداء

غادروه بكربلاء صريعاً ***لا سقى الله جانبي كربلاء

(بیان) :

أقصدته من أقصد فلان أى خلفته .

وفي معجم البلدان نسب البيتين إلى عاتكة زوجة الحسين (2)، وسيأتي في ترجمتها ، والمشهور هو الأول.

وفي الأغاني وكامل التواريخ: إنها رثت الحسين عليه السلام وأنشأت :


1) تذكرة الخواص ص 260 .

2) معجم البلدان 445/4 .

إن الذي كان نوراً يُستضاء به***بكربلاء قتيلٌ غير مدفونِ

سبط النبي جزاك الله صالحُه***عنا وحبَّب خسران الموازين

قد كنتَ لي جبلاً صعباً ألوذُ به***وكنت تصحبنا بالرَّحْمِ والدينِ

من لليتامى ومن للسائلين ومن***يغني و يأوي كلَّ مسكين

والله لا أبتغي صِهْراً بصهركُمُ حتى أغيَّبَ بين الماء والطينِ قالوا : فخطبها يزيد والأشراف من قريش، فقالت : والله ما كنت لأتخذ حَمواً (1)بعد رسول الله صلى الله عليه وآله . قالوا : وعاشت بعد الحسين سنةً وماتت كمداً ، ولم تستظل بعد الحسين بسقف (2).

وفي كامل التواريخ : وقيل إنها أقامت على قبر الحسين سنة وعادت إلى المدينة فماتت أسفاً عليه . وتفرّد الكامل في ذلك ، والمشهور هو الأول.

ثم إن المشهور المصرح به في كلام جماعة من المحدثين والمؤرخين أن الكلبية زوجة الحسين عليه السلام هي رباب ، صرح بذلك في القمقام والجنات وغيرهما ، فما يظهر من المعاصر في أربعينه أنها غيرها ناشئ من عدم التتبع والاستعجال.

في الكافي : علي بن محمد ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن أحمد ، عن الحسين بن علي، عن يونس بن مصقلة الطحان ، قال : سمعت أباعبدالله عليه السلام يقول : لما قتل الحسين عليه السلام أقامت امرأته الكلبية عليه مأتماً، وبكت وبكين النساء والخدم حتى جفت دموعهن وذهبت، فبيناهي كذلك إذ رأت جاريةٌ من جواريها تبكي ودموعها تسيل ، فدعتها فقالت لها : مالك أنت من


1) الحمو : أبو زوج المرأة .

2) أنظر : الكامل لابن الأثير 88/4

بيننا تسيل دموعك ؟ قالت : إني لما أصابني الجهد شربت شربة سويق . قال : فأمرت بالطعام والأسوقة فأكملت وأشربت وأطعمت وسقت وقالت : إنما نريد بذلك أن نتقوّى على الحسين (1).

(بیان) :

الظاهر أن المراد بالسويق هنا ليس معناه اللغوي ، إذ هو على ما صرح به في القاموس - الدقيق والطحين المقلو من كل شي من الحنطة والشعير وغير ذلك ، وسويقه شرابه . وفي المجمع (2): السويق دقيق مقلو من الحنطة والشعير .

وهذا واضح جداً ، كما أنه ليس المراد به ما يُسمى في زماننا في العراق «سويقاً». وهو ما يُعمل من طحين الحنطة والشعير . وهذا أيضاً ظاهر ، بل المراد ما يُسمى سويقاً في عرف الحديث واصطلاح الأئمة عليهم السلام والمشهور في اصطلاحهم - على ما يستفاد من الأخبار. وقد ورد في الأخبار بعض الخواص في بعض الأسوقة ، كسويق الجاوري لإطلاق البطن وسويق التفاح للسع الحية والعقرب وسويق الشعير للمبرسم وأمثال ذلك ، والمناسب للمقام ما هو المتعارف من إطلاق السويق في اصطلاحهم عليهم السلام سويق العدس. عن الرضا عليه السلام عن آبائه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : عليكم بالعدس ، فإنه مبارك مقدّس يرق القلب ويكثر الدمعة، وقد بارك فيه سبعون نبياً آخرهم عيسى بن مريم (3).

وقد ورد بهذا المضمون روايات كثيرة، وفي بعضها : وقد قدسه سبعون نبياً .


1) الكافي 466/1 .

2) مجمع البحرين 457/2 .

3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 45/1، وسائل الشيعة 26/25

وقال الصادق عليه السلام : سويق العدس يقطع العطش ويقوي المعدة ، وفيه شفاء من سبعين داءً، ويطفئ الصفراء ويبرد الجوف. وكان إذا سافر لا يفارقه ، وكان يقول عليه السلام إذا هاج الدم بأحد من حشمه ، قال له : إشرب من سويق العدس، فإنه يسكن [من] هيجان الدم ويطفئ الحرارة (1).

إلى غير ذلك من الأخبار الظاهرة بل الصريحة بأن السويق المناسب للمقام هو سويق العدس بخصوصه .

ثم الظاهر أن المراد بالعدس المناسب للمقام هو ما يقابل الحمص ، وإن كان قد يُراد في كلامهم - بل يصرح به - أن المراد بالعدس في اصطلاحهم الحمص، إذ الخواص الواردة في الأخبار للحمص ينافي لما في المقام، بل يضاده على ما هو الظاهر من أخبار الحمص.

وكذا ما ذكره الأطباء من خواص العدس والحمص مما يؤيد بل يعيّن أن المراد بالعدس هو العدس المعروف لا الحمص . وتمام الكلام في محله .

وفي الكافي بالسند المتقدم عن مصقلة الطحان قال : قال أبو عبدالله عليه السلام وأهدي إلى الكلبية جَوْناً لتستعين بها على مأتم الحسين عليه السلام، فلما رأت الجون قالت : ما هذه ؟ قالوا : هدية أهداها فلان لتستعيني بها على مأتم الحسين . فقالت : لسنا في عرس فما نصنع بها ؟ ثم أمرت بهن فأخرجن من الدار فلما أخرجن من الدار لم يحس بها حس كأنها طرن بين السماء والأرض ولم يرهن بعد خروجهن [ من الدار أثر ](2).


1) الكافي 30/6 ، وسائل الشيعة 21/25 .

2) الكافي 466/1 .

(بیان) :

قال في المجمع (1): في الحديث « أهدي إلى الكلبية جَوْناً لتستعين بها على مأتم الحسين» الجون ضرب من القطا أسود البطون والأجنحة. الجون بالفتح يقال للأبيض والأسود . ومثله في الصحاح (2). والظاهر أن الجون هنا بالضم، كما صرح به في القاموس (3)، قال : الجوني بالضم بزيادة ياء النسبة قسم من القطا. وعلى هذه فحمله القياسي جُون بضمتين أو بالضم كرد . نعم لو قلنا إنه بالفتح فجمعه القياسي جُوُون كبدور.

قوله « أهدي » بجعل الباء للفاعل والتاء للمفعول ، والثاني أظهر .

ومن الغريب هنا ما وقع للمجلسي قدس سره في البحار (4)، قال : ولعل فقدهن على سبيل الإعجاز ذهب بهن إلى الجنة، ويحتمل أن يكون الآتي بهن الملائكة أيضاً . انتهى . ولا يخفى ما فيه ، وهو قدس سره أعرف بما قال منا .

ويظهر من الرواية أنه كانت لها جواري كن معها في الطف ، وقد مرّ في عُقبة بن سمعان أنه كان خادماً لها.

وفي بعض الكتب أنها بكت سنةً في المدينة لم تستظل السقف ، وكانت باكية ليلها ونهارها إلى أن ماتت وعليها ثيابها التي كانت عليها في أيام سبيها وإسارتها ، وكان ثوبها لازقاً وملصقاً ببدنها من كثرة بكائها ، فلما أرادوا غسلها وانتزاع ثيابها للغسل انتزع اللباس مع بعض جسدها وبدنها سلام الله عليها .


1) مجمع البحرين 433/1 .

2) الصحاح 2016/5.

3) القاموس المحيط 211/4 .

4) بحار الأنوار 171/45 .

هذا ما وقفنا عليه من تاريخها ، وللشيعي أن يحبها حبين : حباً لها ولذاتها ، وحباً لحب الحسين عليه السلام لها

ومن غريب ما وقع للامامي في جنات الخلود ذكر رباب أخرى وزوجة الحسين عليه السلام بنت عروة بن مسعود الثقفي. وهذا اشتباه منه أو من الناسخ ، فإن الثقفية هي آمنة المكناة بأم ليلى ، وقد مرّ ذكرها .

رقية بنت الحسين عليه السلام

رقية بنت الحسين عليه السلام. اختلفوا في عدّ بنات الحسين كما اختلفوا في عدد أولاده الذكور ، وسيأتي في ترجمة محمد بن الحسين في الخاتمة ، ما في عدد أولاده الذكور إنشاء الله تعالى .

أما عدد الأناث من أولاده فهما اثنان سكينة وفاطمة . هذا مختار المفيد في الارشاد، وبه قال الحافظ عبدالعزيز الأخضر الجنابذي: زينب وسكينة وفاطمة . وقيل ثلاثة ، قال به ابن الخشاب.

والمشهور بين علماء النسب - على ما صرح به ابن أبي طلحة - أربع . قال كمال الدين . محمد بن أبي طلحة القرشي الشافعي في مطالب السؤل في مناقب آل الرسول: كان للحسين من الأولاد عشرة ستة ذكور وأربع أناث . قال : وهذا قول مشهور . قيل : بل كان له أربع بنتين وابنين ، والأول أشهر . ثم قال : زينب وسكينة وفاطمة . وبه قال علي بن عيسى الإربلي في كشف الغمة والطبري في كامل البهائي ، وهو الخيار .

وفي درر الأصداف : إن للحسين فاطمة الصغرى وفاطمة الكبرى. قال في الحسين ما في درر الأصداف وبكل ما في مطالب السؤل والفصول المهمة. فالحاصل أنه كان للحسين أربع بنات زينب وسكينة وفاطمة الصغرى وفاطمة

الكبرى: أما سكينة فقد مرّ ذكرها ، وأما الفاطمتان فستذكران ، وأما زينب فهي التي قد اشتهرت في ألسنة أصحابنا المتأخرين والمعاصرين ، وفي جملة من مقاتل أصحابنا برقية بنت الحسين، وهي المدفونة في الشام وعليها قبة ولها مزار تزار باسم رقية. ونحن نقتني آثار المتأخرين في الاسم. وقد اشتبه على الأمين المعاصر - دامت أيام إفاداته - حيث قال: إن المدفونة في الشام رقية بنت أمير المؤمنين. وهذا منه مع طول باعه واطلاعه بالأنساب اشتباه واضح وزلل لائح.

وقد تشرفتُ بزيارتها سلام الله عليها كراراً ووجدتها من أبواب الحوائج وقد سهل لي بتوسلها جملة من المشكلات وتشفعت بها في القضايا المهمة فقضيت حوائجي ، وسهل لي مهمي في مدة عمري ، بحيث لو كتبت ما تفضل لي ربي بشفاعتها وقضاء حوائجي ، بالتوسل إليها لكان رسالة مستقلة، وسنذكر قضية واحدة في ذيل الترجمة .

وأما كيفية وفاتها فعلى ما في كامل البهائي نقلاً عن كتاب الخافية قال : إن نساء أهل بيت النبوة يخفين على الأطفال شهادة آبائهم ويقلن لهم: إن آباءكم قد سافروا إلى كذا وكذا ، وكان الحال على ذلك المنوال ، حتى أمر يزيد بإدخال النساء داره ، وكان للحسين بنت صغيرة لها أربع سنين قامت ليلة من منامها وقالت : أين أبي الحسين فإني رأيته الساعة في المنام مضطرباً شديداً . فلما سمعت النسوة ذلك بكين وبكي معهن الأطفال ، فارتفع العويل وانتبه يزيد من نومه وقال : ما الخبر ؟ فقصوا عليه الواقعة ، فأمر بأن يذهبوا برأس أبيها إليها . فأتوا بالرأس الشريف ووضعوه في حجرها، فقالت : ما هذا؟ قالوا رأس أبيك الحسين. ففزعت الصبية وصاحت فمرضت وتوفيت في أيامها بالشام (1). انتهى .


1) راجع كامل البهائي 179/2 .

وفيه ما لا يخفى ، إذ صريح كلامه أن الواقعة كانت في دار يزيد ، وأنها مرضت أياماً وتوفيت . وهذا خلاف ما عليه أصحابنا المؤرخون والمحدثون ، إذ كل من ذكر القصة قال : إنها كانت فى الخربة ، أسكنهن يزيد قبل إفراد الدار لهن، وأنها ماتت في الساعة ومن حينه . وما ذكره في الخافية كان مراعاة ليزيد وتطهيراً له كما هو دأبه ودأب أبناء نحلته كما مر . إذ ليس في كتبهم ذكر للخرابة وما فعل يزيد بهن في الشام من طوافهن في الأسواق ، وهتكهن وإهانتهن كما في كتب أصحابنا رضي الله عنهم . بل إنما ذكروا في كتبهم ملاطفة يزيد ومحبته إلى السبايا والأسارى وتبرأته عن قتل الحسين وسبي أهل بيته وغير ذلك ، حفظاً منهم لمقام الخلافة كيلا يسري إلى غيره . فتدبر .

وأما ما روي في مقاتل أصحابنا، وما هو الصحيح عندنا ويدل عليه ما سيأتي فيما وعدناك من قريب : أنه لما أدخلوا السبايا إلى الشام وطافوا بهن في الأسواق أسكنوهن في الخربة التي كانت قريباً من دار يزيد - قيل إنه كان مسجداً ليحيى بن زكريا وقد خرب - وكان للحسين طفلة صغيرة لها أربع سنين قد طلبت أباها ، وكلما كانت تطلب يقال لها : قد سافر . وفي بعض الليالي طلبت أباها طلباً شديداً ، وكلما وعدوها لم تسكن من البكاء، فبكيت بكاءاً شديداً وطلبت أباها طلباً جداً مجداً حتى نامت على تلك الحال ، فلما أفاقت من نومتها قالت : أين أبي الحسين، فإنه كان عندي الساعة. فعلمت النساء أنها رأته في المنام ، فبكين وبكي الأطفال حتى انتهى الخبر إلى يزيد ، فأمر برأس أبيها أن يذهبوا به إليها ، فأتوا بالرأس الشريف في طشت مغطى بمنديل ووضع بين يديها ، فقالت : ما هذا ؟ قالوا : رأس أبيك .

وفي بعض المقاتل : فلما رفعت المنديل علمت أنه رأس أبيها ، فبكت بكاءاً عالياً وبكين معها النساء وهي تقول : يا أبتاه من الذي خضّبك بدمائك ، يا أبتاه

من الذي قطع وريديك ، يا أبتاه من الذي أيتمني على صغر سني ، يا أبتاه من بقي بعدك نرجوه ، يا أبتاه من لليتيمة حتى تكبر .

وفي بعض المقاتل : إنها أخذت من دم أبيها وخصبت به شعرها ووجهها . ثم إنها وضعت فيها على فمه الشريف وبكت بكاءاً شديداً حتى غشي عليها ، فلما حركوها فإذا هي فارقت روحها الدنيا . فلما رأى أهل البيت ماجرى عليها أعلنوا بالبكاء واستجدوا العزاء.

وفي تاريخ سنة إحدى وستين الذي ألفه المؤرخ اعتضاد الدولة بأمر السلطان ناصر الدين شاه الغازي في وقائع سنة إحدى وستين وماجرى في العالم في خصوص هذه السنة والنسخة مطبوعة موجودة عندنا ، نقل عن تاريخ الافرنج وتاريخ الروم عن رجل نصراني كان سفيراً من ملك الروم في الشام من عهد معاوية إلى زمان يزيد وله حكايات وقصص ، قال : كنت أزدلف إلى دار يزيد وبابه في كل أسبوع مرتين ، وكان مروري إلى دار الخلافة عن خرابة كانت في الطريق، وفي بعض الأيام حين ذهابي إلى دار الخلافة مررت على الخرابة فإذا ازدحام في باب الخرابة واجتماع من الناس رجالاً ونساءاً يمدون أعناقهم إلى داخل الخرابة ويقومون على أصابعهم لينظروا إلى ما في الخرابة ، فقلت لرجل : لماذا هذا الاجتماع ؟ قال : إن طفلاً صغيراً من السبايا والأسارى قد ماتت. فنظرت إلى داخل الخرابة فإذا جنازة طفل مطروحة على الأرض وحولها نسوة وصبيان ينوحون ويبكون . فرق قلبي من هذه المنظرة ، فمضيت إلى دار الخلافة . وكان رجوعى قبل الظهر ، فمررت أيضاً بالخرابة فإذا الناس كما كانوا والنسوة يبكون حول الطفل ، فمضيت .

ويظهر منه أن يزيد لم يأذن لهم بالدفن ولم يرسل إليهن سدراً ولا كافوراً ولا

كفناً ، فدفنوها بلباسها . ويؤيد ذلك ما اشتهر عند أهل الشام وحكى لي جماعة منهم وينقلونها خلفاً عن سلف: أن في السنة التي جرى السيل في الشام وخربت محلة الخرابة خرب القبر ، فلما أرادوا تعميره فإذا بالطفلة كأنها ماتت من ساعتها وكان لباسها سوداً وكفنت بلباسها ، ولم يقدر أحد ولم يجرؤ أن يخرج الطفلة من القبر حتى يسووه ، وكان في الشام سيد جليل شريف عالم له من العمر مائة سنة فجاء وأخذ الطفلة في حجره حتى سووا القبر ، فدفنها .

وأما الذي وعدناك : فإني كنت من قديم الأيام متفكراً في أمر هذه الطفلة وأنه كيف يتصوّر طفلة لها من العمر أربع سنين كانت في عزة ونعمة تعيش مع أعمامها وأخواتها في نهاية العزة والجلال فقتل أبوها وأسرت في نهاية الذل والمهانة والجوع والعطش مع ورودها في المقتل وفي الكوفة والرؤوس على الرماح بين يديها إلى الشام وما وقع في الطريق وجرى في المنازل ثم الدخول إلى الشام بأسوء الأحوال والرؤوس أمامها ثم مجلس يزيد ثم الإسكان في الخرابة ، كيف يمكن أن لا تعلم الطفلة قتل أبيها وسراة قومه ، مع أن أطفالهم في الذكاء والفطانة غير أطفالنا . تختلج ببالي بعض الوجوه التي لا تسكن إليها النفس ، وكنت متفكراً متحيراً في ذلك حتى هداني الله إلى ذلك في بعض أسفاري من النجف إلى كربلاء حين اشتغالي بالنجف، وأظنه في سنة أربع وعشرين بعد الثلاثمائة وألف ، وكنت مسافراً مع بعض إخواني من طريق الشط والطويريج ، وبلغنا أن جماعة من الزوار سلبوهم بين خانقين وقزل رباط وكذا في طريق النجف ، وزاد في فكري أن هذه الأموال المنهوبة على من تُحسب حتى وصلنا إلى كربلاء وكانت الليلة ليلة التروية، ولما تشرفت إلى الحضرة الحسينية خطر ببالي قصة الطفلة بالشام، فبكيت عند القبر أشد البكاء وفي

نفسي التعجب من ذلك وكيف يمكن وكيف لم تعلم الطفلة ولم تطلع على قتل أبيها . وعندما رجعت إلى المنزل محزوناً باكياً وحيداً ، فلما أردت النوم تصفحتُ في المنزل على كتاب لأطالع فيه قبل النوم ، فإذا في البيت كتاب مقتل للعالم الرباني والمحقق الصمداني ملا حسن القزويني قدس سره، فإنه ألف مقتلاً في الشهادة ومقتلاً في الأسر ، ومقتل الأسر مطبوع ومقتل الشهادة غير مطبوع، وهو من أحسن المقاتل. فلما فتحت الكتاب فإذا فيه : في مقاتل بعض أصحابنا أن طفلةً للحسين عليه السلام لها أربع سنين تفقدت أباها في الخرابة ، وكلما عالجوا الإسكاتها لم تسكت إلى أن أتي لها رأس أبيها - إلى آخر ما مرّ. وفيه : إن الطفلة أخذت من حلقوم أبيها دماً طرياً وخضبت به وجهها وشعرها . فاشتد حزني وبكيت ساعةً ، فنمت في هذه الحالة وكنت بين النوم واليقظة فإذا أنا واقف على تل الزينبية - والتل عظيم ليس فيه إلا جماعة من النسوة والصبية حافيات حاسرات باكيات وإلى جنب التل خيام محروقة، وفي التل من الأشياء ما لا يحصي عددها إلا الله تعالى من الألبسة والأقمشة وأثاث البيت وأثاث السفر وما يحتاج إليه في الحضر والسفر والذهب والفضة، وكلها متميزات كومة إلى جنب كومة ، وفي وسط التل أشياء مخصوصة متميزة وباقي الأشياء حولها، وكان أكثر ما فى حول التل الذهب المسكوك والفضة المسكوكة ، وكنت متفكراً فإذا سيدتي زينب سلام الله عليها قالت : يا فلان هذه الأشياء التي تراها في التل وحوله هي الأشياء المنهوبة من زائرينا، وهذه الأموال من الفضة والذهب وغيرها هي الأموال المصروفة في زيارتنا وعزائنا ، والذي تراه في وسط التل هي الأموال المنهوبة منا في الليلة الحادية عشرة من المحرم ، وباقي الأشياء والأموال تحسب من أموالنا المنهوبة في تلك الليلة.

وكلما يصرف منا أو ينهب في زيارتنا يحسب من أموالنا المنهوبة ، وكلها مجتمعة في مكان واحد . قلت : يا سيدتي فأيها مالي المصروف فيكم ؟ فأشارت إلى كومة صغيرة فيها قليل من الذهب والفضة وقالت : هذا مالك المصروف، وكنت إذاً في حالة لا يُدرى حال سرور أو حال حزن . فبينما أنا في هذا الحال نظرت إلى جنب التل فرأيت في المذبح نسوة وصبية حول جسد بلا رأس مرمّل بالدماء وهن باكيات صارخات ومعهن صبية وكانت أقربهن إلى الجسد سيدتي ومولاتي زينب روحي لها الفداء واضعة إحدى يديها على صدر أخيها وفي حجرها طفلة صغيرة مغطاة بفاضل كمها ، وكلما تعالج الطفلة أن ترفع الغطاء وتنظر تمنعها السيدة سلام الله عليها بيدها الأخرى. ورأيت في هذه الحالة ما لا أقدر أن أكتبه ، فإذا سيدتي ومولاتي زينب قالت يا فلان هكذا صنعنا مع هذه الطفلة من كربلاء إلى الشام بحيث لم تعلم أن أباها قد قتل .

فبكيت بكاءاً عالياً ، ثم سرت مع النسوة والصبية حتى دخلنا الشام ، ورأيت أموراً لا أقدر على كتابتها مما جرى عليهن في الطريق ، فوردنا الخربة وأية خربة . وكنت مبهوتاً مما رأيت فإذا رأيت أن رأس الحسين عليه السلام بين يدي وهي تأخذ من دم أوداجه وتخضب به وجهها وشعرها وهن باكيات أشد البكاء ، و شهقت الطفلة شهقة فماتت .

كنت في هذا الحال وإذا بصاحب البيت عند الباب يصيح : يا فلان مم بكاؤك وقد أزعجتنا ببكائك وأيقظتنا من النوم . فقلت له : لرؤيا رأيتها . هذا ما رأيت في المنام ، ما نقصت شيئاً منها ولا زدت عليها . والله الموفق .

رقية الصغرى

رقية الصغرى بنت علي بن أبي طالب عليه السلام. سيأتي في ترجمة زينب

ذكر الاختلاف في عدد بناته عليه السلام.

والمتفق عليه عند أرباب السير أن له عليه السلام بنتان رقية الكبرى ورقية الصغرى.

فما في الدر المنثور عن الليث بن سعد أن له عليه السلام بنتاً من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله اسمها رقية ماتت صغيرة ولم تبلغ فهو وهم أو اشتباه .

نعم، في بعض التواريخ أن أم كلثوم التي خرجت إلى عمر بن خطاب اسمها رقية . وهو أيضاً سهو أو وهم .

أما رقية الكبرى فأمها - على ما في السير - أم حبيب الصهباء التعلبية ، كانت من سبي الذربة الذين أغار عليهم خالد بن الوليد بعين التمر ، فاشتراها على عليه السلام فأولدها عمر الأكبر ورقية ، فعمر الأكبر شقيق رقية (1).

وفي الفصول المهمة : إن عمر الأكبر ورقية الكبرى كانا توأمين (2).

وقد مرّ ما يتعلق بعمر الأكبر.

وأما رقية الصغرى فهي أيضاً أمها أم ولد.

في عمدة الطالب (3): إن رقية الصغرى بنت علي عليه السلام خرجت إلى مسلم بن عقیل .

وفي مقاتل الطالبيين (4)في ترجمة عبد الله بن مسلم بن عقيل قال : وأمه رقية بنت علي بن أبي طالب ، وأمها أم ولد.


1) الإصابة لابن حجر 219/8 ، ذخائر العقبی ص 117.

2) تاريخ دمشق 306/45 الفصول المهمة 645/1 .

3) عمدة الطالب ص 63 ( في الهامش ) .

4) مقاتل الطالبيين ص 62.

ويظهر من بعض أن التي خرجت إلى مسلم بن عقيل رقية الكبرى، وهو المسلَّم عند من لم يذكر من بناته إلا رقية واحدة . والأول هو الأصح ، خصوصاً مع تصريح جماعة بأنها رقية الصغرى . فتدبر .

في الدر المنثور عن الشعراني في الباب العاشر من مسه قال: وأخبرني الخواص أن رقية بنت الامام علي في المشهد الموجود بتكيتها المعروفة بتكية السيدة رقية بمصر. وهذه التكية في غاية الإتقان والحصة والنورانية ، وبداخلها ضريح السيدة رقية يعلوه قبة لطيفة ،الصنعة ، وهناك مساكن للصوفية وحصات للوضوء وحبيبة صغيرة ، ويعمل بها للقراء وحضرة كل أسبوع ومولد كل سنة ، وشعائر هذه التكية مقامة من أوقاف السيدة رقية التي تبلغ مقدارها ثلاثة عشر ألف قرشاً وسبعمائة قرش وثمانية عشر قرشاً واثنين وثلاثة بارة بالعملة الأميرية المصرية . انتهى .

ومما ذكرنا ظهر ما في كلام العلامة المعاصر الأمين العاملي (1)حيث صرح أن المدفونة بالشام المعروفة برقية بنت الحسين هي رقية بنت أمير المؤمنين عليه السلام، ولم يذكر سنداً ومدركاً لما ذهب إليه . ولعله اشتباه منه عرض عليه لاستعجاله في الكتابة والعهدة عليه .

وقد مرّ في ترجمة مسلم بن عقیل و محمد بن مسلم و ما جرى في منزلة زبالة ما يناسب المقام فراجع والله الموفق.

رملة بنت علي بن أبي طالب

رملة بنت علي بن أبي طالب عليه السلام . قد يمضي في بعض الكتب أن رملة


1) أعيان الشيعة 10/7 و 34 .

بنت علي بن أبي طالب خرجت إلى مسلم بن عقيل، ولعله سهو أو غفلة ، والصحيح ما مرّ .

نعم ، كان لعلي عليه السلام بنت تُسمى رملة الكبرى وأخرى رملة الصغرى . ومنهم من أثبت رملة واحدة .

قال في عمدة الطالب (1): إن رملة بنت علي عليه السلام قد خرجت إلى عبیدالله بن الحرث بن أبي سفيان .

وأما كونهما أو إحداهما كانت مع أخيها الحسين عليه السلام في وقعة الطف، مما قد يظن ، إلا أنه لم يتحقق .

رملة البجلية

رملة بنت سليل بن عبدالله البجلي زوجة الحسن بن علي بن أبي طالب أم قاسم بن الحسن وعبد الله بن الحسن .

قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين (2): أمه بنت سليل بن عبدالله أخي جرير بن عبدالله البجلي .

وفي كفاية الطالب : عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب أمه رملة بنت سليل بن عبدالله البجلي .

وفي الحدائق الوردية : أبوبكر بن الحسن وأخوه القاسم أمها رملة . وفي تذكرة السبط (3): القاسم بن الحسن وأبوبكر وعبدالله قتلوا مع الحسين يوم الطفوف، وأمهم أم ولد ولا بقية لهم . وقيل : إن اسم أمهم نفيلة .


1) عمدة الطالب ص 63 ( في الهامش ) .

2) مقاتل الطالبيين ص 93 .

3) تذكرة الخواص ص 215 .

وسيأتي في باب النون أن قاسم وعبد الله من أم واحدة واسمها نفيلة ، وأما رملة فهي أم أبي بكر بن الحسن . وقد مرّ في باب التراجم ما يناسب المقام .

زوجة جنادة الخزرجية

زوجة جنادة بن كعب بن الحرث الأنصاري الخزرجي. قد مرّ في ترجمته أنه جاء مع أهله مع الحسين عليه السلام من مكة إلى كربلاء .

زوجة عبدالله الكلبي

زوجة عبدالله بن عمير الكلبي المكناة بأم وهب . قد مرّ ذكرها في ترجمة عبد الله بن عمير .

زوجة مسلم بن عوسجة

زوجة مسلم بن عوسجة . قد مرّ ذكرها في ترجمة مسلم .

زوجة وهب بن عبدالله

زوجة وهب بن عبد الله . قد مرّ ذكرها في ترجمة وهب وأنها غير زوجة عبدالله بن عمير . فراجع .

زوجة هلال بن نافع

زوجة هلال بن نافع قد مرّ ذكرها في ترجمته.

وهؤلاء النسوة لم تسم بأسمائهن وإنما عرفناهن بعنوان الزوجة .

زینب أم كلثوم الكبرى

زينب المكناة بأم كلثوم الكبرى بنت علي عليه السلام من فاطمة سلام الله عليها .

زينب أم كلثوم الصغرى

زينب المكناة بأم كلثوم الصغرى بنت علي من فاطمة عليهما السلام .

قد أفردناهما في رسالة مستقلة، وذكرنا فيها ولادتهما ووفاتها وحياتها والاختلاف فيهما وما اخترناه فيما اختلف فيهما ، وما جرى عليها في وقعة الطف إلى رجوعهما إلى المدينة، وما جرى عليهما بعد ورودهما إلى المدينة إلى يوم وفاتهما . ومن أراد فليراجع إلى الجزء المستقل والرسالة المنفردة (1).

زینب بنت علي عليه السلام

زينب الصغرى بنت أمير المؤمنين عليه السلام من أم ولد صرح بذلك في تذكرة السبط وغيره.

وكونها مع سائر أخواتها في وقعة الطف أو عدم كونها معهن ، يتضح في تلك الرسالة . فراجع .

سكينة بنت الحسين عليه السلام

سكينة بنت الحسين عليه السلام . قد مر ذكرها مفصلاً وذكرنا أن اسمها آمنة. فراجع.

شهربانویه بنت یزدجرد

شهربانويه ، أو شاه زنان أو شاه جهان، أو جهان بانويه ، أو جهان شاه . زوجة أبي عبدالله الحسين عليه السلام أم علي بن الحسين عليه السلام. بنت یزدجرد بن شہریار بن پرویز بن هرمز بن أنوشيروان .


1) تذكر الرسالة بآخر هذا الجزء من الكتاب.

والصحيح أن اسمها شهربانو أو جهان شاه .

في الدر النظيم (1): قال لها أمير المؤمنين عليه السلام : ما اسمك ؟ فقالت : شاه زنان قال أمير المؤمنين : نه ، شاه زنان نیست بر امت محمد «ص» وهي سيدة النساست شهربانويه وأختك مرواريد بنت كسرى. قالت : آريه - بالفارسية كما

تكلم عليه السلام معها بالفارسية .

وفي رواية : سأل علي عليه السلام عن اسمها فقالت: جهان شاه. قال: شهربانو . قالت : هي أختي . قال : صدقت (2).

وبالجملة ، فما يقال أن اسمها سلافة أو غزالة أو أم سلمة أو بره أو سلامه أو خوله، فهي اسم أم علي بن الحسين المربية له بعد موت أمه شاه جهان ، كما سيأتي أنها ماتت في نفاسها ، لأن هذه الأسماء عربية والأعاجم لم يسموا أولادهم في تلك الأزمنة باسم .عربي. نعم ، برّه بتشديد الراء اسم عجمي وإن كان في اللغة العربية اسم مصدر من أبره كما في القاموس (3). ويمكن أن تكون سلامة كما في رواية الكافي (4)- بمعنى بره بالفارسية.

وقد مرّ فيما سبق شطر من تاريخها .

ولما كان الصحيح أن شهربانو بنت يزدجرد زوجة أبي عبدالله الحسين عليه السلام أم علي بن الحسين لم تكن مع النساء في وقعة الطف أعرضنا عن ترجمتها ، فاطلبها من مظانها . ولم أر من صرّح بكونها مع النساء في وقعة الطف إلا في


1) أنظر : بحار الأنوار 135/31 .

2) الخرائج و الجرائح 750/2 باختلاف يسير.

3) القاموس المحيط 370/1 .

4) الكافي 467/1 .

البحار عن المناقب .

قال في البحار (1): في رواية المناقب قال : ثم جاؤا بالحرم أسارى إلا شهربانويه ، فإنها أتلفت نفسها في الفرات . انتهى .

وما ذكره قدس سره مخالف للإجماع والسنة والعقل والعرف والعادة :

أما مخالفته للإجماع فلما قاله الحبر المتبحر في القمقام: وأما رواية ابن شهر آشوب في وقائع الطف« وجاؤا بالحرم أسارى إلا شهربانويه فإنها أتلفت نفسها في الفرات» مخالف لجميع ما رواه الفريقان العامة والخاصة (2).

و أما مخالفته للنقل والسنة لأنه قد استفاض النقل من الفريقين أن شهر بانويه بنت يزدجرد ماتت في نفاسها . نقتصر فى ذلك بذكر رواية رواها فى العيون (3)، قال : حدثنا الحاكم أبو علي الحسين بن أحمد البيهقي ، عن محمد بن يحيى الصولي ، عن عون بن محمد الكندي ، عن سهل بن القاسم البُوشَجاني ، قال : قال لي الرضا علیه السلام بخراسان : إن بيننا وبينكم نسباً . قلت : وما هو أيها الأمير ؟ قال : إن عبدالله بن عامر بن كريز لما افتتح خراسان أصاب ابنتين ليزدجرد بن شهريار ملك الأعاجم ، فبعث بهما إلى عثمان بن عفان ، فوهب إحداهما للحسن والأخرى للحسين، فماتنا عندهما نفساوين، وكانت صاحبة الحسين نفست بعلي بن الحسين ، فكفل علياً عليه السلام بعض أمهات ولد أبيه ، فنشأ وهو لا يعرف أمّاً غيرها ، ثم علم أنها مولاته ، وكان الناس يسمونها أمه وزعموا أنها زوج أمه. ومعاذ الله ، إنما زوج هذه على ما ذكرناه ، وكان سبب ذلك أنه واقع بعض نسائه ،


1) مناقب آل أبي طالب 121/4 ، بحار الأنوار 62/45 .

2) مناقب آل أبي طالب 259/3، بحار الأنوار 62/45 .

3) عيون أخبار الرضا 135/2 .

فخرج يغتسل فلقيته أمه هذه ، فقال لها : إن كان في نفسك من هذا الأمر شي فاتقي الله وأعلميني . فقالت : نعم ، وزوجها ، فقال ناس : زوّج علي بن الحسين أمه . قال لي عون: قال لي سهل بن قاسم : ما بقي عندنا طالبي إلا كتب عني هذا الحديث عن الرضا عليه السلام .

(بیان ) :

البُوشَجاني بالباء الموحدة المضمومة ثم الشين المعجمة المفتوحة. وقد يقال بوشنجي . فما في بعض الكتب «نوشنجاني» بالنون الموحدة غلط . وهو على ما في التنقیح (1)لقب رجلين من أصحابنا : الحسين بن أحمد ومحمد بن القاسم ، وعليه فهو لقب الحسين بن أحمد المذكور في صدر الرواية . أو أنه لقب محمد بن القاسم لا سهل بن القاسم ، ووقع سهل بدل محمد. فتدبر .

هذه الرواية تخالف ما في كشف الغمة (2)، قال : ولى علي بن أبي طالب حريث بن جابر الحنفي جانباً من المشرق ، فبعث بنت یزدجرد بن شہریار بن کسری ، فقال علي لابنه الحسين : دونكها ، فأولدها علي بن الحسين .

وكذا ينافي ما ذكره الزمخشري في ربيع الأبرار (3): إن قريشاً لم تكن ترغب في أمهات الأولاد حتى ولدن ثلاثة علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله ، وذلك أن عمر أتي ببنات يزدجرد بن شہریار بن کسری ، فأراد بيعهن،فقال له علي عليه السلام: إن بنات الملوك لا يبعن ولكن قوّموهن ، فأعطاه أثمانهن ،


1) تنقيح المقال 319/1 ، قال : معرب «بوشد » بليدة نزهة حصينة في وادي مشجر من نواحي هرات ، بينهما سبعة فراسخ أو عشرة .

2) كشف الغمة ،303/2 ، مثله في مناقب آل أبي طالب 56/4 .

3) ربيع الأبرار 350/3 (نشر مؤسسة الأعلمي).

فقسمهن بين الحسين بن علي و محمد بن أبي بكر وعبد الله بن عمر . انتهى .

وقد يقال غير ذلك ، والرواية تردّ كلما ذكروه . والمتتبع في التاريخ يظهر له أن الموافق للتواريخ المعتبرة ما في الرواية من أن سبيهن في خلافة عثمان لا في خلافة عمر . وتحقيق ذلك في محله .

وبالجملة ، فالرواية المروية في العيون تردّ أيضاً ما ذكره الفاضل المعاصر قدس سره في أربعينه بعد نفي كون شهربانو هذه زوجة الحسين عليه السلام ، قال : لعله كانت شهربانو زوجة الحسن. فقد عرفت في الرواية أنها أيضاً ماتت في نفاسها .

وأما احتمال أنها كانت زوجة محمد بن أبي بكر، فمع أنه ترده الرواية يرده التاريخ أيضاً ، فلا وجه لما احتمله أيضاً الفاضل المعاصر قدس سره .

وأما منافاة ما ذكره في المناقب للعقل، فلأن نشأت في في بيت السلطنة من ورُبيت في بيت الرسالة والإمامة وكانت حاملاً لأنوار القدس والهداية والإمامة ،كيف تتلف نفسَها لشدة البلاء والمحنة والجزع والفزع ، ولو جرت عليها من البلايا فوق الطاقة وفوق العادة . وكيف يقبل العقل أن مثل شهربانو تتلف نفسها لشدة الابتلاء ونهاية الأسف والحزن على الحسين عليه السلام وقد صبرت على ذلك من كانت أشفق منها عليه . وكيف يُعقل أن شهربانو تتلف نفسها مع أنها بلغت من الكمال ما لا يبلغ إليه الرجال.

وفي الإرشاد (1): أنه سأل أمير المؤمنين عليه السلام شاه زنان بنت کسری حين أُسرت: ما حفظتِ عن أبيك بعد وقعة الفيل ؟ قالت : حفظنا عنه أنه كان يقول : إذا غلب الله على أمر ذلّت المطامع دونه ، وإذا انقضت المدة كان الحتف في


1) الإرشاد للمفيد 302/1 .

الحيلة . فقال عليه السلام : ما أحسن ما قال أبوك ، تَذِلّ الأمورُ للمقادير حتى يكون الحتف في التدابير .

وأما مخالفته للعرف والعادة : فإن الفرات لم يكن قريباً للمخيَّم ، بل كان بينه وبينها بون بعيد ، على ما يظهر من الأحاديث والتاريخ. فأين الفرات وأين المخيم حتى تتلف نفسها فيه مع كونها مع النساء والأطفال وحولهن الجند والعسكر . وقد ورد أنه بعد قتل الحسين عليه السلام ونهب الأموال وحرق الخيام وكّل عمرُ بن سعد على العيال جماعةً يحفظونهن .

وصرح المحقق المعاصر النقدي في رسالته زينب الكبرى : أن قصة شهربانو وإتلافها نفسَها من مجعولات الزبير بن بكار . ولا يبعد ذلك . وبالجملة ، فما ذكره في المناقب بالنسبة إلى شهربانو أم علي بن الحسين عليه السلام كلام شعري.

والذي يمكن أن يصحَّح : أن التي أتلفت نفسها في الفرات في كربلاء أو في أثناء الطريق عند مرورهن على الفرات هي أم علي بن الحسين المربية له كما مرّ ، واسمها سلافة أو غزالة ، وقد اشتبه على الراوي اسم أمه فحسب أنها شهربانو ، كما اشتبه على جمع اسم أمه الحقيقي فقيل سلامة أو غير ذلك ، مع أنها -كما مّر-اسم لوالدته المربية له . ويؤيد ذلك ما سبق في باب التراجم . في البحار (1)عن مقتل الخوارزمي قال : وخرج غلام من تلك الأبنية وفي أذنيه درّتان وهو مَذْعورٌ ، فجعل يلتفت يميناً وشمالاً وقرطاه يتذبذبان ، فحمل عليه هاني بن تُبيت فقتله، فصارت شهربانو تنظر إليه ولا تتكلم كالمدهوشة .


1) بحار الأنوار 45/45 .

فإن شهربانو زوجة الحسين عليه السلام لا ولد لها إلا على بن الحسين ، وكان الطفل لأمه المربية له واشتبه على الراوي اسم الأم . فتدبر .

هذا، ورأيت في التاريخ الذي ألفه السيد السند السيد صادق الطهراني الطباطبائي في شرح البقاع المتبركة الواقعة في الري وأولاد الأئمة المدفونين في تلك البقاع ،والعمدة في نظره شرح حال السيد داود الذي يُسمى عندهم «امامزاده داود »في شمال الري بين طهران وطبرستان على ثمانية فراسخ من طهران، وقد تشرفتُ بزيارته كراراً وعليه آثار الجلال والجمال والنباهة، تُشدّ إليه الرحال ويُزار ، وقد ذكر وا له كرامات و خوارق عادات ليس هنا محل ذكرها ، فاطلبه مما ألفه السيد قدس سره ، والنسخة موجودة عندي . قال عند ذكر جبل قريب من زاوية الشاه عبدالعظيم الحسني المسمى عندهم «جبل بی بی شهربانو » ، قال : ورأيتُ في بعض الكتب والتواريخ : أن في يوم عاشورا لما عزم الحسين عليه السلام على قتال القوم بنفسه وودّع العيال والأطفال أقبلت شهربانو فقالت : يا سيدي إني أسرت مرة وأعرف وأعلم ما في الإسارة من الذل والهوان ولا أقدر على الإسارة ثانياً. فأخذ الحسين بيدها وقال: كوني في خراسان . فأتت شهربانو من وقتها إلى هذا الجبل وغابت فيها .

وقد ذكر السيد لها في الجبل وللبقعة التي غابت فيها آثاراً وكرامات و خوارق عادات ليس هنا مجال ذكرها ، وقد تشرفتُ بالموضع كراراً، وفيه من آثار الجلالة والنباهة ما لا يخفى على من تشرف فيه ، والعهدة عليه . والله العالم بحقائق الأمور.

صفية

صفیة .لم أر من ذكر صفية ولا عاتقة في السبايا . وليس في بنات علي وبنات

الحسن وبنات الحسين عليهم السلام من تُسمى صفية ولا عاتقة. إلا أن في بعض الزيارات غير المأثورة المنشأة من بعض العلماء «السلام على عاتقة وصفية».

وفي بعض المقاتل : إن ليلة حادي عشرة بعد ما جرى عليهن ما جرى ، تفقدت زينب العيالَ والأطفالَ والحريمَ ، فلم تر بنتين إحداهما المسماة عاتقة والأخرى صفية ، وخرجت مع أختها تتفقدان ، فإذا تحت شوكة بنتان نائمتان، فحركتها فإذاهما ميتتان من الوحشة والدهشة والعطش والخوف ،فأخذت أم كلثوم واحدةً وأختها الأخرى ، فأتيا بهما نحو بيت القتلى . والله العالم .

عاتكة

عاتكة زوجة الحسين عليه السلام .في معجم البلدان (1)في مادة «كربلاء» قال : عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفُيل كانت زوجة للحسين عليه السلام . قال : رئته زوجته عاتكة بنت زید بن عمرو بن نُفيل فقالت :

واحسينا ، فلا نسيتُ حسيناً*** أقْصَدَتْهُ أسنه الأعداء

غادروه بكربلاءَ صريعاً ***لا سقى اللهُ بعده كربلاءِ (2)

وقد مرّ في ترجمة رباب نسبة البيتين إليها وأنها رثته بهما .

وروى الجلال السيوطي في شرح شواهد المغني (3)عن صاحب الحماسة البصرية : أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفيل كانت تحت الحسين بن علي عليهما السلام، فقتل عنها. وإن أهل المدينة كلهم يقولون من أراد الشهادة


1) معجم البلدان 445/4 .

2) في المصدر « لا سقى الغيث بعده كربلاء » .

3) شرح شواهد المغنی72/1.

فليتزوج عاتكة .

وعن سعيد بن زيد أخو عاتكة وزوج فاطمة بنت عمر بن الخطاب : إن زيد بن عمرو بن نُفيل أبو عاتكة هلك حين بلغه مخرج النبي صلى الله عليه وآله ، قيل : هلك والعرس يدى الكعبة قبل المبعث بخمس سنين . فتكون عاتكة أسن من الحسين عليه السلام بإحدى وعشرين سنة أو ست عشرة سنة لو كانت ولادتها في سنة هلاك أبيها . وكانت من الصحابيات المبايعات المهاجرات .

وذكر ابن الأثير في أسد الغابة وابن حجر في الإصابة (1): أن عاتكة بنت زيد بن عمر و بن نُفيل كانت زوجة عبد الله بن أبي بكر ومات عنها ، ثم تزوجها زيد بن الخطاب ، ثم تزوجها عمر بن الخطاب ، ثم الزبير بن العوام. ولم يذكرا أنها تزوجها الحسين عليه السلام. قيل : خطبها علي فقالت : إني لأضن بك عن القتل، فلم يتزوجها.

قال علي جلال الحسيني في كتاب الحسين (2): ورأيي أنه لا يحتمل أن يكون الحسين تزوجها ، وأكاد أجزم ببطلان رواية ياقوت وصاحب الحماسة، لأنها تزوجت أربعة رجال كل منهم قتل عنها . انتهى .

وأنت خبير بأن ما ذكره من كبر السن وأنها تزوجت قبل الحسين عليه السلام بأربعة رجال لا يدل على عدم تزويج الحسين إياها . نعم ، لو ثبت أن علياً عليه السلام خطبها فأجابها -كما سبق -ولم يتزوج يمكن أن يكون دليلاً على عدم تزويجها بالحسين عليه السلام ، لأن مخطوبة الأب مكروهة على الابن، وقيل


1) أسد الغابة 497/5 ، الإصابة 356/4.

2) الحسين عليه السلام 127/2 .

بحرمتها . فتأمل .

عائشة الجعفية

عائشة بنت خليفة بن عبد الله الجعفية . قال الطبري (1)عن أبي مخنف في من قتله أصحاب المختار فرات بن زحر ، وقال : انه لما قتل فرات بعثت عائشة بنت خليفة بن عبدالله الجعفية - وكانت امرأة الحسين بن علي عليه السلام - إلى المختار تسأله أن يأذن لها أن تواري جسده ، ففعل ، فدفنته .

غزالة

غزالة أو سلافة أو سلامة أو برّه .مربية علي بن الحسين عليه السلام، واشتهرت بأم علي بن الحسين . قد مرّ ذكرها في ترجمة شهربانو .

فاطمة أم هاني

فاطمة المكناة بأم هاني [ فاختاه ] بنت علي بن أبي طالب عليه السلام . أمها أم ولد .

قال أبو الحسن العمري في المجدي (2): إنها خرجت إلى عبد الرحمن بن عقيل . وقد مرّ في ترجمته .

فاطمة بنت الحسن

فاطمة بنت الحسن بن علي بن أبي طالب المكناة بأم عبد الله ، وقيل أم عبيد ،


1) تاريخ الطبري 52/6 .

2) المجدي ص 18.

وفي مطالب السؤل كنيتها أم الحسن. زوجة علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أم الامام أبي جعفر محمد بن علي الباقر سلام الله عليهم .

فما في تذكرة السبط (1)أن أمه فاطمة أم عبد الله بنت الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، سهو منه أو من الناسخ .

وأمها أم فروة بنت قاسم بن محمد بن أبي بكر. وقد يقال : أمها أسماء بنت عبدالرحمن بن أبي بكر .

وبالجملة ، لا خلاف بأن اسمها فاطمة بنت الحسن وأن أمها من بنات ابن أبي بكر ، وهي أم أبي جعفر الباقر عليه السلام، فهي أول فاطمية بين فاطميتين وعلوية بين علويين وهاشمية بين هاشميين. وتنسب إلى أبي بكر من طرف الأم ، لأن الأصح أن أمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر وأن أمها بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر زوجة أبي جعفر أم إمامنا الصادق عليه السلام واسمها قريبة المكناة بأم فروة، وقد قال الصادق عليه السلام «لقد ولدني أبوبكر مرتين»: إحداهما من طرف أم أبيه وهي فاطمة بنت عبدالرحمن بن أبي بكر ، والأخرى من طرف أم أمه وهي قريبة المكناة بأم فروة بنت القاسم بن محمد بن

أبي بكر (2).

وبالجملة ، فجلالتها ونبالة شأنها وعظم خطرها أجلّ من أن تذكر. كيف وهي بنت الامام وزوجة الامام وأم الأئمة عليهم السلام، ولم تبلغ إلى هذه الأوصاف امرأة في العالم. فهي قريبة جدتها الزهراء سلام الله عليها .

وكانت مع عمها وزوجها وابنها في وقعة الطف، وكانت مع السبايا وأصابها


1) تذكرة الخواص ص 336 .

2) عمدة الطالب ص 195 ، بحار الأنوار 651/29 .

ما أصابهن ، وصبرت على ما لا يُصبر عليه عادة. وقد اختصت بين النسوة والأسارى في سفر الشام بحفظ الإمامين الهمامين تمرض زوجها العليل وتتولى تربية طفلها الامام الصغير ، ومع ذلك لم تترك عبادة من عباداتها الموظفة الواجبة والمسنونة كصلاة الليل وغيرها .

وقد روي لها بعد رجوعها إلى المدينة كرامات وخوارق عادات ، وروي عنها أحاديث تركناها لخروجها عن وضع الرسالة ، فاطلبها من مظانها . وكان إمامنا أبو جعفر الباقر عليه السلام يوم قُتل جده له من العمر أربع سنين أو ثلاثة .والأول أشهر، ذكره جلّ المؤرخين والمحدثين . وستأتي لما ذكرنا هنا تتمة في ترجمة الرجال الذين كانوا مع السبايا فى آخر هذا الجزء إنشاء الله تعالى .

فاطمة بنت الحسين عليه السلام

فاطمة الكبرى أو الصغرى بنت الحسين عليه السلام. إتفق أهل السير والمغازي والمقاتل من الفريقين أن من بناته عليه السلام فاطمة ، وكانت معه ومع السبايا إلى رجوعهن إلى المدينة، وأن أمها أم الحسن بنت طلحة التميمية . وقد مرّ في ترجمتها ما يناسب المقام . واتفق الفريقان على وثاقتها وجلالة شأنها وأنها من الرواة المحدثات الموثقات ، وكانت كريمة الأخلاق حسيبة الأعراق . قال ابن حجر في التقريب : فاطمة بنت الحسين ثقة من الرابعة ، وماتت بعد المائة وقد أسنت . وأما أصحابنا رضوان الله عليهم قد اعترفوا بعدالتها ووثاقتها. قال في

التنقيح (1)بعد ذكر الرواية الآتية عن الكليني ( إن الحسين لما حضره ما حضر ) (2)إلى آخره ، قال : أقول ما تضمنه الخبر يكشف عن رتبة الوثاقة والعدالة ، حيث ائتمنها على مثل هذا الكتاب.

وبالجملة، فجلالتها وعظم شأنها أوضح من أن يحتاج إلى بيان وإقامة دليل وبرهان. وروايتها عن أبيها الحسين وعن عمها الحسن عليها السلام مع الواسطة ، ويروي عنها ابنها عبدالله بن الحسن ورواياتها مذكورة في البحار تركناها لخروجها عن وضع الرسالة . واتفق الفريقان على أن فاطمة هذه زوّج بها أبوها الحسين عليه السلام ابن أخيه الحسن بن الحسن ، صرح بذلك في الارشاد والواقدي ومحمد بن سعد ، في الطبقات وأبو الفرج في الاغاني ومقاتل الطالبيين وفي الدر المنثور وغيرها

باختلاف .

قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين (3): حدثني أحمد بن سعيد، قال حدثنا يحيى بن الحسن ، قال : حدثنا إسماعيل بن يعقوب ، قال : حدثني عبدالله بن موسى ، قال : خطب الحسن بن الحسن إلى عمه الحسين وسأله أن يزوجه إحدى ابنتيه ، فقال له الحسين عليه السلام - في الدر المنثور فقال : يابن أخي قد كنت أنتظر هذا منك ، إنطلق معي ، فخرج به حتى حتى أدخله منزله ، فخيّره بين


1) تنقیح المقتال 82/2/3.

2) الكافي 291/1 .

3) مقاتل الطالبيين ص 167 .

ابنتيه فاطمة وسكينة ، فاستحيا (كذا في الأغاني ) قال : إختر يا بنى أحبها إليك، فاستحيا الحسن ولم يحر جواباً . قال في المقاتل : فقال له الحسين : قد اخترت لك ابنتي فاطمة (1)فإنها أكثر شبهاً بأمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله . وفي الدر المنثور : كانت تشبه الحور العين لجمالها ، وكانت مع زوجها في الطف ،فلما صار من أمر الحسن ما صار -كما سبق أنه كان من الأربعة الذين لم يستشهدوا فرجع الحسن بعد مدة إلى المدينة ورجعت فاطمة وعاشا معاً حتى مات الحسن ، وولدت له عبد الله وإبراهيم وحسناً وزينب.

قالوا: ولما مات الحسن بن الحسن المثنى ضربت زوجته فاطمة بنت الحسين على قبره فسطاطاً ، وكانت تقوم الليل وتصوم النهار، فلما كان رأس السنة قالت لمواليها : إذا أظلم الليل فقوّضوا هذا الفسطاط. فلما أظلم الليل وقوّضوه سمعت قائلاً يقول : هل وجد ما فقدوا ؟ فأجابه الآخر : بل يئسوا فانقلبوا. وفي القمقام : فتمثلت فاطمة بشعر لبيد وقالت (2)

وقال :

وما بحسان يندبان لعاقل*** أخي ثقة لاعين فيه ولا أثر

فقوما وقولا بالذي تعلمانه ***ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر

إلى الحول ثم السلام عليكما ***و من يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر

:

إلى الحول ثم السلام عليكما ***ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر

وفيه : إن الحسن بن الحسن مات في المدينة وقد مضى من عمره خمسة وثلاثون .


1) في المصدر «ابنتي سكينة».

2) حكي أنه لما بلغ موت لبيد بن ربيعة غم حزام والد أم البنين ، أوصى ابنتيه بالنياحة عليه سنة

وفي الدر المنثور : إنها حلفت لزوجها أن لا تتزوج بعده ، فلما حلت أرسل إليها بن عمرو يخطبها قالت :كيف بأيماني . وأرسل إليها يقول لها : لك بكل مملوك مملوكان وعن كل شي شيئان . فعوّضها عن يمينها، فنكحته وولدت له محمداً الملقب بالديباج والقاسم .وفي تذكرة السبط : لما مات الحسن فخلف عليها عبدالله بن عمرو بن عثمان ، زوجه منه ابنها عبد الله بن الحسن بن الحسن بأمرها فولدت منه الديباج . وفي غاية الاختصار لمحمد بن حمزة بن زهرة الحسيني ، قال : لما خطب عبد الله ابن عمرو بن عثمان فاطمة بعد موت الحسن بن الحسن أن تتزوجه ، فتكلم عبد الله ابن عمرو بن عثمان عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر المعروف بابن عتيق ، وكان زوج أمها أم إسحاق بنت طلحة، فكلم ابن عتيق زوجته أم إسحاق ، فكلمت أم إسحاق إبنتها فاطمة بنت الحسين ، فأبت عليها وحلفت أن لا تبرح قائمة في الشمس حتى تأذن فاطمة في تزويج عبدالله بن عمرو فقامت ساعتين من نهارها حتى خرجت فاطمة قائمة في الشمس، فرأت قيام أمها في الشمس فأذنت في تزويجها . انتهى .

وفيه : إن في تزويج أم إسحاق بعبد الله بن محمد بن عبدالرحمن نظراً بل منعاً . وقد ذكرنا في ترجمتها أيضاً تبعاً للقوم ، وإلا فسيأتي عن قريب الكلام في أن زوجات الأئمة عليهم السلام حكمهن حكم زوجات النبي لا يحلّ لغير وصي أن ينكحن خلافاً للقوم .وتفصيل الكلام يأتي إنشاء الله تعالى . هذا ، مع أن في تزويجها بهذه الكيفية منعاً ونظراً. وأغرب من هذا وأعجب منه ما ذكره المرواني الأصفهاني عن الزبير بن بكار - وربما لا يمكن للمسلم أن ينقل مثل هذه المقالة - قال المحدث في السفينة بعد جملة

من الكلام - فظهر مما ذكرنا كذب ما نقله أبو الفرج الأصفهاني المرواني عن الزبير ابن بكار المعروف عداوته للعلويين وأولاد الأئمة : من أنها لما انقضت عدتها تزوجها عبدالله بن عمرو بن عثمان . بالتفصيل الذي لا يرضى مسلم غيور بنقله فضلاً عن من كان من أهل الايمان . ولا عجب منه في نقل ذلك ، فإن فيه عرق من عروق الأموية ومروان. انتهى.

وفي تذكرة السبط : وفاطمة هذه هي التي خطبها عبدالرحمن بن ضحاك قيس الفهري ، وكان والياً على المدينة ، فامتنعت عليه ، فضيّق عليها ، فبعثت إلى يزيد بن عبدالملك تشكوه ، فشق على يزيد ذلك وضيّق وغضب وقال : وبلغ من أمر عبدالرحمن أن يتعرض لبنات رسول الله صلى الله عليه وآله ، من يسمعني موته وأنا على فراشى هذا. ثم بعث من طاف به المدينة في جبة صوف، ثم عزله وأغرمه أمواله كلها ، ومات فقيراً. وفيه أيضاً : وكانت وفاة فاطمة بنت الحسين بالمدينة سنة سبعة عشر ومائة ، سنة وفاة أختها سكينة . وفي الدر المنثور : قال صاحب نور الأبصار عن القطب الشعراني : إن السيدة فاطمة النبوية بنت الحسين السبط مدفونة بالدرب الأحمر بمصر. وقال الشيخ عبد الرحمن الأجهوري الكبير : إن السيدة فاطمة النبوية مدفونة خلف الدرب الأحمر في زقاق يُعرف ب- « زقاق فاطمة النبوية » في مسجد جليل ، ومقامها عظيم وعليها المهابة والجلال. وفي رحلة ابن بطوطة قال : وبالقرب من هذا المسجد مغارة فيها قبر فاطمة بنت الحسين بن علي عليهما السلام ، وبأعلى القبر وأسفلها لوحان من الرخام في أحدهما مكتوب بخط بديع « بسم الله الرحمن الرحيم . الله العزة والبقاء ، وله ما ذراً

وبرأ ، وعلى خلقه كتب الفناء ، وفي رسول الله أسوة . هذا قبر أم سلمة فاطمة بنت الحسين»، وفي اللوح الآخر «صنعه ابن أبي سهل النقاش بمصر » ، وتحت ذلك هذه الأبيات :

أسكنت من كان في الأحشاء مسكنه ***بالرغم مني بين الترب والحجر

یا قبر فاطمةٍ بنت ابن فاطمةٍ*** بنت الأئمة بنت الأنجمِ الزهرِ

يا قبر ما فيك من دين و من ورع ***و من عفاف و من صون و من ضفر

وفي الدر المنثور : توفيت فاطمة المشار إليها سنة عشرة ومائة من الهجرة ودفنت في المسجد المعروف بها الآن الكائن خلف الدرب الأحمر بمصر، ومسجدها تقام الشعائر وله أوقاف دارّة من ديوان الأوقاف لغاية الآن ، ولها مولا كل سنة وحصرة في كل أسبوع يجتمع فيها رجال الطريقة والأذكار والصلوات ، تقام من المساء إلى الصباح . انتهى .

وفيه أيضاً : ومن كلام فاطمة بنت الحسين عليه السلام : والله ما نال أحد من أهل السفه بسفههم شيئاً ولا أدركوا من لذاتهم شيئاً إلا وقد نال أهل ،فاستر وا محمل ستر الله . وفيه أيضاً : ومن قولها تنعى أباها : نعق الغراب فقلت من - إلى آخر

ما سيأتي . وقيل : وهذه الأبيات لفاطمة الصغرى أختها . انتهى . وكان لها من العمر حين وفاتها سبع وستين سنة ، لأن أمها على ما مرّ كانت زوجة الامام الحسن ، وكان وفاته عليه السلام سنة تسع وأربعين أو خمسين ، وتزوجها الحسين عليه السلام بوصية أخيه في سنة خمسين ، فيكون سنها يوم ماتت قريباً من سبع وستين على رواية السبط . وعلى هذا فيكون سنها يوم قتل أبوها عشر سنين أو إحدى عشرة سنة .

ولا بُعد مع قلة عمرها يوم الطف في وفور علمها وبلوغها إلى أعلى درجة الكمال والعقل ومنتهى مراتب التوحيد ودرجات الاسلام على ما يظهر من خطبتها الآتية وسائر كلماتها ، فانها قد ارتضعت من ثدي الرسالة وربيت في حجر الامامة ، فهي - روحي فداها - من أهل بيت قد زقوا العلم زقاً ، ولها في وقعة الطف قضايا ومقامات ووقايع :

( منها ) ما روى الكليني (1)قدس سره في باب الاشارة والنص على علي بن الحسين عليهما السلام : عن محمد بن الحسين وأحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل ، عن منصور بن يونس، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن الحسين بن علي لما حضره الذي حضره دعى ابنته الكبرى فاطمة ، فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصية ظاهرة ، وكان علي بن الحسين مبطوناً معهم لا يرون إلا أنه لمابه ، فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين ، ثم صار بعد ذلك الكتاب إلينا يا زياد قال : قلت ما في ذلك الكتاب جعلني الله فداك ؟ قال : فيه ما يحتاج ولد آدم منذ خلق الله آدم إلى أن تفنى الدنيا ، والله إن فيه الحدود حتى أرش الخدش.

( ومنها ) اختصاصها بسلام التوديع عن أبيها عليه السلام على ما مرّ ، فجاء الحسين نحو المخيم فقال : يا سكينة يا فاطمة يا زينب يا أم كلثوم عليكن مني السلام. ( ومنها ) ما جرى عليها بعد قتل أبيها حين نُهبت الخيام . في البحار (2): إن فاطمة الصغرى قالت : كنت واقفة بباب الخيمة وأنا أنظر إلى أبي وأصحابي مجزرين


1) الكافي 291/1.

2) بحار الأنوار 61/45 .

كالأضاحي على الرمال والخيول على أجسادهم تجول ، وأنا أفكر فيما يقع علينا بعد أبي من بني أمية أيقتلوننا أو يأسروننا، فإذا رجل على ظهر جواده يسوق النساء بكعب رمحه وهن يلذن بعضهن ببعض ، وقد أخذ ما عليهن من أخمرة وأسورة ، وهن يصحن : واجداه ، وا أبتاه، واعلياه ، واقلة ناصراه ، واحسيناه ، أما من مجير يجيرنا ، أما من ذاب يذبّ عنا. قالت : فطار فؤادي وارتعدت فرائصي ، فجعلت أجيل نظري يميناً وشمالاً على عمتي أم كلثوم خشية مني أن يأتيني حينما أنا على هذه الحالة وإذا به قد قصدني ، ففررت منهزمة وأنا أظن أني أسلم منه ، وإذا قد تبعني فذهلت خشية منه ، وإذا بكعب الرمح بين كتفّي، فسقطت على وجهي ، فخرم أذني وأخذ قرطي ومقنعتي وترك الدماء تسيل على خدي ورأسي تصهره الشمس ، وولى راجعاً إلى المخيّم وأنا مغشي عليّ ، وإذا بعمتي عندي تبكي وهي تقول: قومي نمضي، ما أعلم ماجرى على البنات وأخيك العليل . فقمت وقلت : يا عمتاه هل من خرقة أستر بها رأسي عن أعين النظار ؟ فقالت : يا ابنتاه وعمتك مثلك ، ورأيت رأسها مكشوفة ومتنها قد اسودّ من الضرب، فما رجعنا إلى الخيمة إلا وهي قد نهب ما فيها وأخي علي بن الحسين مكبوب على وجهه لا يطيق الجلوس من كثرة الجوع والعطش والأسقام، فجعلنا نبكي عليه ويبكى علينا . ( ومنها ) إحتجاجها على أهل الكوفة فى خطبة خطبتها بعد ما وردت الكوفة ، رويت في الاحتجاج واللهوف والبحار (1)وجلّ من كتب أصحابنا عن زيد بن موسى - وفي نسخة يزيد بن موسى وهو خطأ إذ لم يكن لموسى بن جعفر


1) الاحتجاج ،27/2 ، بحار الأنوار 110/45 ، اللهوف ص 88.

عليه السلام ولد اسمه يزيد ولم يكن له ذكر في كتب الرجال - وزيد هذا هو المسمى بزيد النار، خرج بالمدينة فأحرق، وترجمته مذكورة في التواريخ وكتب الرجال، والرواية رواها في الكافي في باب ما يفصل به عن الحق والباطل من باب الامامة .

الكافي قال : حدثني أبي عن جده -كما في اللهوف وفي بعض النسخ «حدثني أبي عن آبائه عليهم السلام» قال : خطبت فاطمة الصغرى بنت الحسين عليه السلام على ما صرحت به في الخطبة ، فإنها قد تُقيّد بالكبرى لأنها أكبر من فاطمة التي كانت بالمدينة على ما سيأتي ، وقد تُقيّد بالصغرى لأنها أصغر من فاطمة بنت علي عليه السلام كما يأتي في ترجمتها ، بعد ما وردت من كربلاء فقالت :

(الحمد لله عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى ) إقتبست هذا من بعض خطب جدها علي بن أبي طالب عليه السلام، وهذا كناية عن عدم الإحصاء ، فكأنها قالت «الحمد لله عدد ما لا يحصي عددها إلا الله » .

(وأحمده وأؤمن به وأتوكل عليه ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن أولاده ذبحوا بشط الفرات) وفي بعض النسخ « وأن الطغاة ذبحوا أولاده » ، وفي بعض « وُلد » بضم الواو جمع وَلَد .

( من غير ذحل )بالذال المعجمة والحاء المهملة في المجمع : يقال «طلب بذحله» أي بثاره، وكذا الدخل الثار ، وكذا الوَثر بالفتح. والذحل: الحقد والحسد والعداوة، فتفتح فتجمع على أذحال مثل سبب وأسباب ، ويُسكن فيجمع على ذحول مثل فلس وفلوس . وقد يُقرأ بالدال المهملة والحاء المعجمة بمعنى الغش والفساد والعيب والفسق . والأصح الأول ، ويؤيده قولها : ( ولا ترات) في المجمع التراث بالضم ما يخلفه الرجل لورثته ، وأصله الواو فقلبت الواو تاءً . والمعنى قتلوه وولده من غير أن يطلبوا منه دماً أو إرثاً ، أي

لا يستحقون منهم شيئاً .

( اللهم إني أعوذ بك أن أفتريّ عليك الكذب، وأن أقول عليك خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيه علي بن أبي طالب المسلوب حقه المقتول من غير ذنب كما قتل ولده بالأمس ) الظاهر أن « ولده » بفتح الواو واللام .

(في بيت من بيوت الله تعالى )الظاهر - كما صرّح به في البحار - تعلق الظرف بالمقتول، والمراد بالبيت مسجد الكوفة ، لأنه بيت من بيوت الله عز شأنه . وعليه فسائر الأوصاف له عليه السلام. ويُحتمل تعلقه بقتل ، والمراد بالبيت كربلاء لأنها

أيضاً بيت من بيوت الله .

( فيا معشر مسلّمة بألسنتهم تعساً لرؤوسهم ) في المجمع التعس الهلاك والعثار والسقوط والسر والبعد والإنحطاط ، وتعساً لهم أي عثاراً وسقوطاً ، أو تعساً له أي ألزمه الله هلاكاً ، وتعس يتعس تعساً من باب نفع ومن باب تعب لغة : إذا عثر

وانكب على وجهه ، وهو دعاء .

( ما وقعت عنه ضيماً في حوته ) الضيم : الظلم .

( ولا عند مماته حتى قبضته إليك محمود النقيبة ) النقيبة كالسفينة ، قاله في القاموس . وفي بعض النسخ «النقية» من النقاء أي الطهر الطاهر ، والأول أصح.

( طيّب العريكة ) في المجمع (1): في الحديث «المؤمن ليّن العريكة» العريكة الطبيعة ، يقال « فلان لين العريكة » إذا كان سلساً مطواعاً منقاداً قليل الخلاف والنفور . وفي بعض النسخ « العريضة » بدل العريكة ، العريضة بمعنى الجانب كما في

المجمع ، والأول أصح.


1) مجمع البحرين 168/3 .

( معروف المناقب، مشهود المذاهب، لم تأخذه اللهم فيك لومة لائم ولا عذل عاذل ) العذل هو اللوم ، يظهر منهم أنهما مترادفان ، ولعل بينهما فرقاً بالاعتبار . (هديته يا رب للاسلام صغيراً وحمدت عاقبته كبيراً) في بعض النسخ «مناقبه » بدل عاقبته .

( ولم يزل ناصحاً لك و لرسولك صلواتك عليه وآله ، حتى قبضته إليك زاهداً في الدنيا غير حريص عليها راغباً في الآخرة ، مجاهداً لك في سبيلك ، رضيته فاخترته وهديته إلى صراط مستقيم ) .

( أما بعد ، يا أهل الكوفة ، يا أهل الغدر والمكر والخيلاء) من اختال الرجل أي مكر ، والمختال و ذو الخيلاء . والخيلاء بالضم والكسر التكبر . واختال الرجل في مشيته أي تجبّر كما يفعله المتكبرون . وفي بعض النسخ « والحيّل» جمع الحيلة

بدل الخيلاء.

(فإنا أهل بيت ابتلانا الله بكم وابتلاكم بنا ، فجعل بلاء نا حسناً ، وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا ، ونحن عيبة علمه ووعاء فهمه وحكمته ( الفهم هنا بمعنى العلم ، إذ الفهم بمعنى جودة الذهن أو ضد الغباوة، وكلا المعنيين لا يطلق على الله واستعمال الفهم على الله ، مع أن أسماءه تعالى توقيفية، فالفهم هنا يُراد منه ما يرادف العلم بأي معنى يُراد من العلم في المبدأ الأعلى. والمعنى وعاء فهمه وعيبة علمه ، وإن الأئمة عليهم السلام هم الوعاء والعيبة كما نطقت به الأخبار والخطب والزيارات .

( وحجته على الأرض في بلاده لعباده ، أكرمنا الله بكرامته ، وفضلنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله على كثير ممن خلق تفضيلاً) ومعنى الكثير هنا الجمع ، كلفظة «السائر » ، يُراد به الجميع . فتأمل بيناً أوضح من أن يُستدل عليه .

( فكذبتمونا وكفرتمونا ) الظاهر أنه بالتشديد .

( ورأيتم قتالنا حلالاً وأموالنا نهباً كأننا أولاد ترك أو كابل ، كما قتلتم جدنا بالأمس وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت ، لحقد متقدم قرَّت بذلك عيونكم وفرحت قلوبكم إفتراءاً على الله، ومكراً مكرتموه والله خير الماكرين، فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجَذَل ) بالتحريك من جذل لازم ، كفرح بمعنى الفرح.

( بما أصبتم من دمائنا ونالت أيديكم من أموالنا ، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزايا العظيمة في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ) .

( تباً لكم ) التبّ بمعنى النقص والخسران، يُقال تباً له ،وتباً مبالغة - قاله في القاموس وبمعنى القطع . وقد مرّ في خطب أبيها سلام الله عليهما ، فكأنها أخذت منه ، فانتظروا اللعنة والعذاب .

(وكأن - بالتشديد - قد حلّ بكم وتواترت من السماء نقمات فيستحكم ) من سحته وأسحته أي استأصله، يُسمى الحرام به لأنه يُعقب عذابَ الإستيصال - قاله في المجمع .

(بعذاب ، ويذيق بعضكم بأس بعض ثم تخلدون العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا ، ألا لعنة الله على الظالمين ) .

( ويلكم أتدرون أية يد قُطعت منكم ، وأية نفس نُزعت - أي اشتاقت - إلى قتالنا ، أم بأية رجل مشيتم إلينا ، تبغون محاربتنا ، قست قلوبكم وغلظت أكبادكم وطُبع على أفئدتكم وختم على سمعكم وأبصاركم ، وشوّق لكم الشيطانُ وأملى لكم وجعل على بصركم غشاوة وأنتم لا تهتدون ) .

( تباً لكم يا أهل الكوفة ، أيّ تراث لرسول الله قِبَلكَم) بكسر القاف وفتح

الباء (وذحوله لديكم ) قد سبق معنى الذحول ( بما غدرتم) من الغدر . وفي نسخة «بما عَنِدتم »من العناد .

( بأخيه علي بن أبي طالب جدي وبنيه وعترته الطاهرين الأخيار، وافتخر بذلك مفتخر فقال :

نحن قتلنا علياً وبني عليّ ***بسيوف هندية ورماحِ

وسبينا نساهُمُ سي تركٍ*** ونطحناهُم فأي نطاحِ

بفيك أيها القائل الككَث ولك الأثْلَب ) في القاموس : كثكث كجعفر وكثكث كز برج : التراب وفتاة الحجارة . وفيه : أثلب كأحمر واثلب كزبرج : التراب وفتاة الحجارة، فهما مترادفان.

( إفتخرت بقتل قوم زكّاهم الله وطهرهم وأذهب عنهم الرجس فأكظم) من كظم غيظه أي حبسه. في المجمع ( الكَاظِمِينَ الغَيْظَ) (1)أي الحابسين غيظهم المتجرّعة ، من كظم غيظه كظماً : إذا تجرعه وحبسه . والكظيم : الحابس غيظه .

المكظوم : المملوكرباً .

( وأقع كما أفْعَى أبوك) في القاموس : وأقعى الكلب أي جلس على عقبه مفترشاً رجليه وناصباً يديه . أي إحبس نفسَك أيها القائل وأقع إقعاء الكلب كما قعاً أبوك . ولا يخفى ما في «أقعى «أبوك» من اللطف . ويؤيد هذا الخطاب ما في القمقام من أنها روحي فداها لما بلغ قولها إلى «عترة النبي الطاهرين الأخيار» قام قائم وأنشأ « نحن قتلنا» إلى آخره. فقالت عليها السلام «بفيك» إلى آخره . وعليه فافتخر بذلك مفتخر » حكاية حال لا أنه من قولها . فتدبر .


1) سورة آل عمران : 134 .

( إنما لكل امرئ ما قدمت يداه ، حسدتمونا ويلاً لكم على ما فضّلنا اللهُ عليكم

فما ذنبنا أن جاشَ دَهْرُ بحورنا ***وبحرَك ساجل لا يواري الدّعامِص

البيت للأعشى ، وهو يقول :

فما ذنبنا أن جاش دهر وهو ابن عمكم

والجَوْش من «جاش الوادي» : زخر وامتدّ جداً. والساج من سجا يسجو: إذا دام وسكن واللَّيْلِ إِذَا سَجَى (1)أي سكن. والدّعامص جمع دُعمُوص كبرغوث : دويبة سوداء تغوص في الماء وتكون في العذرات ، والجمع الدعاميص كالبراغيث .

(ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ (2)﴿ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً قالَهُ مِنْ نُوْرٍ ) (3).

قال : فارتفعت الأصواتُ بالبكاء وقالوا: حسبكِ يا ابنة الطيبين، فقد أحرقتِ قلوبنا واتصحت نحورَنا وأضرمت أجوافَنا . فسكتت عليها وعلى أبيها السلام .

( ومنها ) ما رواه الطبري (4)وغيره، قالوا: ودعا يزيد أشرافَ الشام فأجلسهم حوله، ثم أدخل نساء الحسين وصبيانه والرأس بين يديه، فجعلت فاطمة وسكينة ابنتا الحسين تتطاولان لتنظرا إلى الرأس، وجعل يزيد يتطاول ليستره عنهما ، فلما رأنا الرأس صاحتا ، فصاحت نساء يزيد ووَلْوَلَت بناتُ معاوية .


1) سورة الضحى : 2.

2) سورة الحديد :21 .

3) سورة النور 40 .

4) تاريخ الطبري 464/5 ، باختلاف في النقل.

(بیان):

قوله « تتطاولان» من أطال الرجل على الشي أي أشرف وزناً ومعنىً. وتطاول : علا وارتفع ، ومنه « و تطاول عليه ليراه » - قاله في المجمع.

( ومنها ) ما رواه الطبري (1)، قال : ثم أدخل نساء الحسين على يزيد ، فصاح ما نساء آل يزيد وبنات معاوية وأهله ووَلْوَلن ، ثم إنهن أدخلن على يزيد ، فقالت فاطمة بنت الحسين - وكانت أكبر من سكينة - أبنات رسول الله سبايا يا يزيد ؟ فقال يزيد : يا ابنة أخى أنا لهذا كنتُ أكره . قالت : والله ما تركت لنا خُرْص . قال : يا بنتي ما آتٍ إليك أعظم مما أُخذ منك .

الخرص الحلقة الصغيرة من الحلي. وفي القاموس : ما تملك خرصاً أي شيئاً . وفي مثير الأحزان (2)والبحار وغيرهما : قال علي بن الحسين عليهما السلام فلما وقفنا بين يدى يزيد قلت : أنشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله لو رآنا بهذه الحالة ؟ وقالت فاطمة بنت الحسين : يا يزيد بنات رسول الله سبايا ؟ ! فبكى الناس وبكى أهل داره حتى علت الأصوات .

(بیان) :

العارف بأساليب الكلام والبلاغة يعرف أن الكلمتين أيهما أبلغ وأن أيهما جرى على مقتضى الحال ، كلام علي بن الحسين عليه السلام أو كلام فاطمة بنت الحسين روحي فداها .


1) نفس المصدر.

2) مثير الأحزان ص 98 ، باختلاف يسير ، بحار الأنوار 132/45 .

( ومنها ) ما رواه الفريقان كالشيخ واللهوف والبحار وروضة الواعظين والطبري والجزري وغيرهم باختلاف يسير ، قال الشيخ المفيد في الإرشاد (1): قالت فاطمة بنت الحسين عليه السلام : فلما جلسنا بين يدي يزيد رقّ لنا ، فقام إليه رجلٌ من أهل الشام أحمر ، فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية، يعنيني وكنت جاريةً وضيئةً ، فأرْعِدْت وظننتُ أن ذلك جائز لهم، فأخذت بثياب عمتي زينب وكانت تعلم أن ذلك لا يكون ، فقالت عمتي للشامي : كذبت والله ولؤمت ، والله ما ذلك لك ولا له . فغضب يزيد فقال : كذبت والله ، إن ذلك لي ، ولو شئت أن أفعل لفعلت . قالت : كلا والله ، ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغيرها . فاستطار يزيد غضباً وقال : أبمشهدي تستقبلين بهذا ، إنما خرج من الدين أبوك وأخوك. قالت زينب : بدين الله ودين أبي ودين أخي أهتديت أنت وأبوك وجدك إن كنت مسلماً . قال : كذبتِ يا عدوة الله قالت له : أنت أمير تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك . فكأنه إستحيا وسكت . فعاد الشامي فقال : هب لي هذه الجارية ، فقال له يزيد : أغرب وهب الله حَتْفاً قاضياً . انتهى .

وفي اللهوف (2): ثم استشار ( يزيد ) أهل الشام فيما يصنع بهم ، فقال له النعمان بن بشير : أنظر ما كان الرسول يصنع بهم فاصنعه بهم .

ونظر رجل من أهل الشام إلى فاطمة بنت الحسين عليه السلام ، فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية، فقالت فاطمة لعمتها : يا عمتاه أوتمت و أستخدم ؟ فقالت زينب : لا ، ولا كرامة لهذا الفاسق . فقال الشامي : من هذه


1) الإرشاد للمفيد 121/2 .

2) اللهوف ص 218 .

الجارية ؟ فقال له يزيد : هذه فاطمة بنت الحسين وتلك عمتها زينب بنت فقال الشامي : الحسين ابن فاطمة وعلي بن أبي طالب ؟ قال : نعم . فقال الشامي : لعنك الله يا يزيد، تقتل عترة نبيك وتسبي ذريته ، والله ما توهمت إلا أنهم سبي الروم . فقال يزيد : لألحقنك بهم ، ثم أمر به فضربت عنقه .

وقال الشيخ ابن نما (1): وكان دخل أهل الشام يهنؤون يزيد بالفتح ، فقام رجل منهم أحمر أزرق، فنظر إلى فاطمة بنت الحسين وكانت وضيئة ، فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية - إلى آخر ما مر .

وفي البحار (2)عن بعض الكتب : قالت أم كلثوم للشامي : أسكت يا لكعَ الرجال، قطع الله لسانك وأعمى عينك وأيبس يديك وجعل النار مثواك ، إن أولاد الأنبياء لا تكون [ يكونون ] خَدَمةً لأولاد الأدعياء . قال : والله فما استتم كلامها حتى أجاب الله دعاءها في ذلك الرجل ، فقالت : الحمد لله الذي عجّل لك العقوبة في الدنيا قبل الآخرة ، فهذا جزاء من يتعرّض لحرم رسول الله صلى الله عليه وآله .

وفي تذكرة السبط (3): وذكر هشام بن محمد : أنه لما دخلت النساء على يزيد ، نظر رجل من أهل الشام إلى فاطمة بنت الحسين وكانت وضيئةً ، فقال ليزيد : هب لي هذه الجارية فإنهن لنا حلال . فصاحت الصبية وارتعدت وأخذت بثوب عمتها ،زینب فصاحت زينب : ليس ذلك إلى يزيد ولا كرامة . فغضب يزيد


1) مثير الأحزان ص 100 .

2) بحار الأنوار 137/45 .

3) تذكرة الخواص ص 264 .

وقال : لو شئتُ لفعلت . فقالت زينب : صلّ إلى غير قبلتنا ودن بغير ملتنا وافعل ما شئت . فسكن غضبه .

( بيان ) :

الوضاءة الحسن والنظافة، وقد وضؤ ككرم - قاله في القاموس.

قوله « لكع الرجال» في النهاية (1): اللكع عند العرب العبد ، ثم استعمل في الحمق والذم .

وفي تذكرة السبط : قال جدي : ليس العجب من قتال ابن زياد للحسين عليه السلام وتسليطه عمر بن سعد على قتله والشمر وحمل الرؤوس إليه ، إنما العجب من خذلان يزيد وضربه بالقضيب ثناياه وحمل آل الرسول سبايا على أقتاب الجمال وعزمه على أن يدفع فاطمة بنت الحسين إلى الرجل الذي طلبها - إلى آخر ما قال.

ويأتي. عند ترجمة فاطمة بنت علي عليه السلام ما يناسب المقام .

( ومنها ) ما ذكره الفريقان وقد مرّ في ترجمة سكينة عن الفصول المهمة وفي الدر المنثور : أنه لما جهّز يزيدُ أهل البيت إلى المدينة بعد قتل الحسين عليه السلام ، أرسل معهم رجلاً أميناً من أهل الشام في خيل سيّرها صحبتهم إلى أن وصلوا إلى المدينة، فقالت فاطمة بنت الحسين لأختها سكينة : قد أحسن هذا الرجلُ إلينا فهل لك أن تصليه بشي ؟ فقالت : والله ما معنا ما نصله به إلا ماكان من هذا الحليّ. قالت فافعلي فأخرجت سوارين ودملجين وبعثنا إليه بهما، فردّهما وقال : لو كان الذي صنعته رغبةً في الدنيا لكان في هذا كفاية ، ولكني


1) أنظر : لسان العرب 324/8.

ما فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وآله .

وكانت فاطمة أكبر سناً من أختها ، وسيأتي في ترجمة زينب وأم كلثوم مثل ما ذكر ، ويمكن تعدّد الواقعة . فانتظر .

فاطمة أم كلثوم

فاطمة بنت عبدالله بن جعفر المكناة بأم كلثوم ، من زينب بنت زينب عليها السلام . سيأتي ذكرها في ترجمة زينب بنت فاطمة زوجة عبدالله بن جعفر . وقد مر ذكرها في ترجمة قاسم بن محمد بن جعفر أيضاً .

فاطمة بنت علي عليه السلام

فاطمة بنت علي بن أبي طالب عليه السلام. إتفق الفريقان على أن من بنات علي بن أبي طالب من غير الزهراء عليها السلام فاطمة .

وفي تذكرة السبط ومطالب السؤل وعمدة الطالب ومقاتل الطالبيين أن أمها أم ولد . وفي السفينة نقلاً عن المستدرك أن محمد بن أبي سعيد بن عقيل من شهداء الطف ، وزوجته فاطمة بنت أمير المؤمنين عليه السلام .

وقد مرّ في ترجمة محمد بن أبي سعيد - أو سعيد على قول أنه كان رجلاً فارساً شجاعاً . خلافاً لمن قال إنه كان صغيراً وله من العمر سبع سنين . فراجع .

وفي عمدة الطالب (1): إن فاطمة بنت علي خرجت إلى أبي سعيد بن عقيل .

وقال الشيخ أبوعلي محمد بن أحمد بن علي الفتال النيسابوري في روضة الواعظين (2): فروي عن فاطمة بنت علي عليه السلام قالت : لما جلسنا بين يدي


1) عمدة الطالب ص 63 .

2) بحار الأنوار 136/45 باختلاف يسير .

يزيد رق لنا أول شئ وألطفنا ، ثم إن رجلاً من أهل الشام أحمر أزرق قام إليه فقال له : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية ، يعنيني وكنت جارية وضيئة ، فأُرْعِبتُ وفزعتُ وظننتُ أنه يفعل ذلك، فأخذت بثياب أختي وهي أكبر مني وأعقل -

إلى آخر ما مرّ في ترجمة فاطمة بنت الحسين عليه السلام .

ومثله عن الصدوق في الأمالي والجزري في تاريخه، وإمكان تعدّد الواقعة يوهنه تقارب الألفاظ في الخطابتين ، واحتمال السقط ، وأن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، أو أن بنت الحسين بنت علي أيضاً يخالفه قولها « وأخذت بثياب أختي» . والله العالم .

وفي الأمالي (1)عن فاطمة بنت علي عليه السلام: ثم إن يزيد أمر بنساء الحسين ، فحبسن مع علي بن الحسين في محبس لا يُكِنهم من حرّ ولا برد حتى تقشرت وجوههم ، ولم يُرفع ببيت المقدس حجر عن وجه الأرض إلا وُجد تحته دم عبيط ، وأبصر الناسُ الشمس على الحيطان حمراء كأنها الملاحف المعضفرة، إلى أن خرج علي بن الحسين بالنسوة وردّ رأس الحسين إلى كربلاء .


1) الأمالي للصدوق ص 231 .

فاطمة الصغرى

(تتميم)

في الفواطم اللاتي لهن ربط بوقعة الطف

ولم تكن حاضرة فيها مع النسوة والسبايا

فمنهن فاطمة الصغرى بنت الحسين عليه السلام. قد مرّ التحقيق في أن للحسين عليه السلام بنت تُسمى بفاطمة الكبرى وأخرى تُسمى بفاطمة الصغرى.

قال المؤرخ المتبحر في الناسخ : إني كلما تصفحت في بنات الحسين عليه السلام تبين أن له بنتين : فاطمة الكبرى وهي التي كانت مع أبيها في وقعة الطف زوجها الحسن المثنى ، وفاطمة الصغرى وهي التي كانت في المدينة خلّفها أبوها بها المصالح . وفي بعض المقاتل : إنها كانت عليلة أو صارت عليلة.

و أما قصة الكتاب الذي كتبته إلى أبيها ووصل إليه في يوم عاشوراء - وإن ذكرها بعض المتأخرين - إلا أنه لا مستند صحيح لها ، ولم أر في كتب المتقدمين من الفريقين لها أثراً .

ثم الذي عليه المتقدمون والمتأخرون من الفريقين قصة الغراب المتمرّغ بدم الحسين عليه السلام .

وقد رأيتُ في مسند الشافعي في الورقة الأخيرة منه - والنسخة موجودة عندنا وهي مخطوطة بخط قديم تاريخ كتابتها سنة ستمائة وهي من النفائس - فيه

قصة الغراب المتمرّغ بدم الحسين عليه السلام بوقوفه على جدار فاطمة الصغرى بالمدينة، فرفعت رأسها فنظرت إليه وأنشأت : نَعِبَ الغراب - إلى آخره .

وأما في كتب أصحابنا : ففي البحار (1)عن المناقب عن علي بن أحمد العاصمي ، إسماعيل بن أحمد البيهقي ، عن البيهقي، عن أبيه ، عن أبي عبدالله الحافظ ، عن يحيى بن محمد العلوي، عن الحسين بن محمد العلوي، عن أبي علي الطرسوسي، عن الحسن بن علي، عن علي بن يعمر ، عن إسحاق بن عباد ، عن المفضل بن عمر الجعني ، عن جعفر بن محمد الصادق ، عن أبيه ، عن علي بن الحسين عليهم السلام قال : لما قتل الحسين بن علي جاء غراب فوقع في دمه ثم تمرغ ثم طار فوقع بالمدينة على جدار فاطمة بنت الحسين بن علي عليهما السلام وهي الصغرى، فرفعت رأسها فنظرت إليه ، فبكت بكاءاً شديداً وأنشأت تقول : نعب الغراب .. وفي الدر المنثور مثله .

وقد اختلفت الكتب والنسخ في ضبط الأبيات، فمن مقل إلى الثلاثة ومن مكثر إلى السبعة ، وكذلك الاختلاف في بعض الكلمات ، ونحن نذكر ما هو مذكور في البحار ونشير إلى موقع الاختلاف ، قال : وأنشأت تقول :

نَعِبَ الغراب فقلتُ***من تنعاه ويلك يا غراب

في بعض النسخ « نعق » بالقاف بدل نعب وكلاهما صحيحان ، إذ النَّعْب والنَّعْق كلاهما صوت الغراب، أي صاح الغراب. قال في المجمع (2): النعاب الغراب والنعيب صوته ، يقال نعب الغراب ينعب نعباً ونعيباً من باب ضرب ومن باب نفع ، لغة :


1) بحار الأنوار 171/45 .

2) مجمع البحرين 332/4 .

صاح بالبين . وقال في «نعق » : النعق صوت الغراب ، ومنه الغراب الناعق .

وفي بعض النسخ « نعي»، من نعى ينعى ، وهو أيضاً صحيح، ويؤيده قولها «تنعاه » .

وفي بعض النسخ ويحك » بدل ويلك . في المجمع (1): قد يكرَّر ويح في الكتاب « والسنة ، قيل : هي فعل بمعنى الترحم ، فويح كلمة رحمة كما أن ويل كلمة عذاب . وبعض اللغويين يستعمل كلاً منهما مكان الآخر . وعن سيبويه : وَيْحِ زَجْرُ لمن أشرف على المهلكة ، وويل لمن وقع فيها . وقال اليزيدي : هما بمعنى واحد ، تقول : ويح لزيد وويل لزيد ، فهما على الإبتلاء . وويحك وويح زيد وويلك وويل زيد على الإضافة مستفهماً بإضمار فعل .

قال الإمام فقلتُ من***قال الموفّق للصواب

إن الحسين بكربلا***بين الأسنّة والضّراب

الأسنة جمع سنان . في المجمع : وسنان الرمح يجمع على أسنة (2). والضّراب جمع ضريبة بمعنى السيف وحدته - قاله في القاموس .

وفي بعض النسخ «الحراب» بدل الضراب. والحراب : آلات الحرب، وقد يُطلق على الطعن والسنان الصغير ، وهي جمع حرب .

قابك الحسين بعبرةٍ***ترجي الإله مع الثواب

قلتُ الحسين فقال لي***حقاً لقد سكن التراب

وفي بعض النسخ تقديم هذا البيت على « إبك الحسين » ،


1) مجمع البحرين 568/4 .

2) مجمع البحرين 269/6 .

قلت الحسين فقال لي***بمقال محزون وأجاب

إن الحسين بكربلا بي-***-ن الأسنة والضراب

ثم استملَّ به الجناح***فلم يُطق ردَّ الجواب

فبكيتُ مما حلّ بي***بعد الدعاء المستجاب

وفي نسخة « بعد الرضاء المستجاب » .

في البحار (1): قال محمد بن علي : فنعته لأهل المدينة، فقالوا: قد جاء في سحر عبدالمطلب ، فما كان بأسرع أن جاءهم الخبر بقتل الحسين بن علي عليهما السلام .

قوله في البحار « ومحمد بن علي » هو محمد بن علي بن شهر اشوب السروي المازندراني مؤلف كتاب « المناقب » رضوان الله عليه .

وفي الناسخ قال : وفي رواية : إن يوم ورود على بن الحسين عليه السلام إلى المدينة أخذت أم سكينة بيد فاطمة بنت الحسين واستقبلت العيال بالبكاء والنياحة وهن باكيات نائحات .

فاطمة الكلابية

فاطمة الكلابية المكناة بأم البنين زوجة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وهي فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن بكر بن هوازن . وفي آبائها يقول لبيد للنعمان بن المنذر ملك الحيرة :

نحن بنو أم البنين الأربعة***ونحن خيرُ عامر بن صعصعه

الضاربون الهام بوسط الجمجمه


1) بحار الأنوار 171/45 .

ولم ينكر عليه ذلك أحد من العرب .

ومن قومها ملاعبُ الأسنَّة أبوبراء الذي لم يُعرف في العرب غير أمير المؤمنين عليه السلام مثله في الشجاعة .

وقصة أمير المؤمنين عليه السلام مع أخيه في تزويجها مشهورة معروفة مذكورة في كتب الفريقين ، قال علي لأخيه عقيل - وكان نسابةً عالماً بأنساب العرب وأخبارهم : أنظر إلى امرأة قد ولّدتها الفحولُ من العرب لأتزوجها فتلدلي غلاماً فارساً . فقال له : تزوج أم البنين الكلابية ، فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها ولا أفرس. فتزوجها أمير المؤمنين ، فأول ما ولدت العباس أبا الفضل ثم عثمان ثم عبد الله ثم جعفر . وقد يذكرونهم بغير هذا الترتيب ، والأصح والمشهور ما ذكرنا وذكر ذلك في ترجمتهم .

كما أن المشهور المعروف المصرح به في كتب الفريقين أنه عليه السلام تزوجها بعد أمامة التي تزوجها بوصية فاطمة عليها السلام بعد تسعة أيام من وفاتها . فما في تذكرة السبط (1)أن فاطمة أم البنين بنت كلابية تزوجها بعد فاطمة عليها

السلام ، خلاف ما صرحوا به ، وهو متفرد بهذا القول .

وجلالة قدرها وقوة إيمانها ووفور عقلها وكمالها لا يحتاج إلى تنبيه وبرهان . قال في التنقيح : ويُستفاد قوة إيمانها أن بشراً كلما نعى إليها - بعد وروده إلى المدينة أحداً من أولادها الأربعة قالت ما معناه : أخبرني عن أبي عبد الله الحسين . فلما نعى إليها الأربعة قال : قد قطعت نياط قلبي ، أولادي ومن تحت الخضراء فداء لأبي عبد الله الحسين، أخبرني عن الحسين قال : فإن علقتها بالحسين ليس إلا


1) تذكرة الخواص ص 54 .

لإمامته عليه السلام، وتهوّنها على نفسها موت مثل هؤلاء الأشبال الأربعة إن سلم الحسين يكشف عن مرتبة في الديانة رفيعة . انتهى .

وما ذكره قدس سره - وإن كان في نفسه كذلك صدقاً وحقاً - إلا أنه لم أر من المعتبرين من ذكره مثل ما ذكر . ولعله سمعه ممن يثق به.

وقريب منه ما في بعض مقاتل المتأخرين الذي لا اعتماد بنقله ولا بناقله . نعم قال المؤرخ في الناسخ في يوم ورود علي بن الحسين عليه السلام والحريم إلى المدينة : إن الناس رجالاً ونساءاً كانوا يبكون ويعجون ويضجون ضجيج الثكلى ، وانقلبت المدينة على أهلها كيوم توفي رسول الله صلى الله عليه وآله . قال : إن أم البنين أم العباس كانت تبكي وتنوح على الحسين عليه السلام، ولا يجري على لسانها اسم أحد من أولادها ، فتصيح وتقول : واحسيناه .

وفي بعض المقاتل : إنها كانت تخرج إلى البقيع وتبكي هناك على أولادها ويبكي لبكائها كل عدو وصديق، حتى قيل : إن طريد رسول الله صلى الله عليه وآله مروان بن الحكم - مع أنه كان من أعدائهم بل وأشدّ عداوةً من غيره - كان كلما يمر عليها خارج المدينة يبكي لبكائها . ولا يُعد في ذلك وقد بكى ابن سعد أيضاً ، ولا نفع لهم في ذلك .

وفي بعض المقاتل ذكرت أمور في المقام تركناها لعدم الإعتداد بنقلها ولا بناقلها. نعم، ذكر المحدث المعاصر في مفاتيحه أنه نقل عن أم البنين أبياتاً في رثاء أولادها - ورأيتُ في بعض الكتب نقلاً عن مجموعة الشهيد الأول قدس سره

الأبيات نفسها - وهي :

يا من رأى العباس كرّ***على جماهير النَّقَدْ

ورآه من أبناء حيدر***كل ليث ذي لَبَدْ

أُنبئت أن ابني أصيب***برأسه مقطوع يَدْ

ويلي على شبلى بر***أسه ضرب العَمَدْ

لوكان سيفُك في يد***يك لمادنى منه أحد

ولها أيضاً :

لا تدعونيّ وَيْكِ أمَّ البنين***تذكريني بليوث العرين

كانت بنونَ ليَ ادعىَ بهم***واليوم أصبحتُ ولا من بنين

أربعة مثلُ نُسورِ الرُّبى***قد واصلوا الموت بقطع الوتين

تنازع الخرصان أشلاهُمُ***فكلهم أمسى صريعاً طبين

باليت شعري أكما أخبروا***بأن عباساً قطيع اليمين

(بیان) :

الجماهر جمع جمهور ، وهو كعصفور من الناس : أكثرهم وجلهم كذا في المجمع.

والنقد بفتح النون والقاف : جيل من الغنم قصار الأرجل قباح الوجوه ، وبمعنى الفارة - ذكره في القاموس .

و ذو لَبَد من كنى الأسد والليث . واللَّبَد هو الشعر على كتف الأسد - قاله في القاموس .

قولها « ويكِ » مخفف ويلك أو ويحك . وقد مرّ معناهما عن قريب .

« أم البنين » قيل : من عادة العرب أن لا تُكنّي المرأة أم البنين إلا إذا كان لها عشرة أولاد فوارس شجعاناً ، أو كان لها ولد يساوي عشرة فوارس . وكان العباس عليه السلام واحداً يساوي عشرة فوارس ، ولهذا كُنيت أم بأم البنين .

العرين والعرينة : مأوى الأسد - قاله في المجمع .

ونسور جمع نسر طائر معروف سمى نسراً لديه .

وربا جمع ربوة أي المرتفع من الأرض كذا في القاموس الخرصان جمع الخرص بمعنى الدبّ كذا في القاموس

والأشلاء جمع شلوة بمعنى الجسد والبدن .

قالوا : وهي عاشت بعد الحسين عليه السلام وأولادها إلى سنة - وقيل أزيد - باكية حزينة نائحةً حتى ماتت بالمدينة ودفنت بالبقيع ولها قبر يزار .

فاطمة الهاشمية

فاطمة الهاشمية . يمضي في بعض الكتب : أن الامرأة التي آوت مسلم بن عقيل بالكوفة في الليلة التي استشهد صبحها اسمها فاطمة، وكانت هاشمية وهذا خلاف ما هو المشهور .

وقد مرّ في ترجمة مسلم أنها تُسمى طوعة أم ولد لأشعث بن قيس فأعتقها .

فضة جارية الزهراء

فضة جارية الزهراء عليها السلام جلالة شأنها وعلو قدرها وسمو مكانها أشهر من أن يذكر . كيف وهي جارية سيدة نساء العالمين، والمرباة في حجر الرسالة والإمامة . وكانت خادمة للذرية الطاهرة وملازمة للبنات الطاهرات ومع ذلك كانت بنت ملك الهند على ما رواه البرسي.

ويليق أن تكتب رسالة مفردة في تاريخ حالها وفضائلها وما سنح لها في مدة عمرها وزهدها وعبادتها . وقد استفاضت بل تواترت في كتب الفريقين ما ورد في فضلها ، ولولا مخافة الإطناب والخروج عن وضع الرسالة لذكرت جملة منها ، ولكن أقتصر على ما جرى عليها في وقعة الطف . وقد سبق ذكر ما ورد على الجسد الشريف برواية الكافي والأسد والسفينة ، فلا نعيد .

حدثني بعض من أثق به وأعتمد عليه مرسلاً : أن في عصر عاشوراء لما أغار القوم على المخيم وأضرموا النار فيها وخرجن بنات الوحي حاسرات يلذن بعضهن ببعض ، وكانت فضة تحمي الأطفال وتدافع عنهم وهم يلوذون بها وهي تدفع عنهم الضرب والسياط وتوقع عليهم نفسها لتدفع عنهم الأذى ، فضربوها بالسياط حتى اسود متنها وكسر عضدها وتأست في ذلك بسيدتها الزهراء سلام الله عليها .

ثم إن الذي في كتب الفريقين من التواريخ والأحاديث والمغازي والمقاتل أنها كانت مع النسوة في الطف ، وإن لم يسمين بأسمائهن ولم يذكر عددهن .

نعم ، ذكر في بعض الكتب أنه كانت مع زينب سلام الله عليها ستة جواري ، وهن مختصات بها . وذكروا أن في مجلس ابن زياد «حَفَّت بها إماؤها وجواريها». وكذلك كانت لكل من الخواتين إماء وجوارٍ يختصن بها. وبضميمة ما ذكرنا و ترجمنا ونترجم عن قريب إنشاء الله تعالى وسيأتي أن معهن من أخوات الحسين عليه السلام غير زينب وأم كلثوم كانت عدة يأتي ذكرها . فتكون عدة النساء في الطف ثمانين أو أزيد . وسيأتي زيادة بيان لهذا فانتظر .

فكيهة الجارية

فكيهة بفتح الفاء وضمها ، جارية الحسين عليه السلام . أم قارب بن عبدالله بن أريقط الأسلمي.

قال في الحدائق : قارب أمه جارية للحسين بن علي عليه السلام، اسمها فكيهة . كانت تخدم في بيت رباب بنت امرئ القيس ، زوجها الحسين من عبد الله بن أريقط الأسلمي ، فولدت منه قارباً ، فهو مولى الحسين ، خرج معه

من المدينة إلى مكة ومعه أمه ، ثم إلى كربلاء . وقد مرّ ذلك مفصلاً في ترجمة قارب.

وعبد الله هذا كان دليل النبي صلى الله عليه وآله لما هاجر من مكة إلى المدينة .

ليلى الدارمية

ليلى بنت مسعود الدارمية . زوجة علي بن أبي طالب عليه السلام .

وهي ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلم بن جندل بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم . كذا في مقاتل الطالبيين (1).

وهي على ما ذكره أم أبي بكر بن علي بن أبي طالب ، وقد سبقت ترجمته .

وفي الدر النظيم (2): كان لعلي بن أبي طالب من ليلى بنت مسعود الدارمية محمد الأصغر وأخوه عبدالله المكنى بأبي بكر ، خرجت مع ولديها حتى أتت كربلاء.

وقد مرّ ذكرهما .

وفي تذكرة السبط (3): ومن أولاده عليه السلام أبوبكر ، قتل مع الحسين .

ومرّ أيضاً ليلى بنت مسعود ، ومثله في مطالب السؤل . (4)

وبالجملة ، فليلى هذه من النسوة الأربعة اللاتي توفي علي عليه السلام عنهن . قال الواقدي (5): توفي أمير المؤمنين عن أربع من الحرائر : أمامة بنت العاص وليلى التميمية ، وأم البنين الكلابية ، وأسماء بنت عميس .


1) مقاتل الطالبيين ص 91 .

2) الدر النظيم 430 .

3) تذكرة الخواص ص 54 .

4) مطالب السؤل 314 .

5) أنظر : عمدة القاري 41/8 .

ومثله في مطالب السؤل في مناقب آل الرسول (1)، قال : وكان عند قتله عنده أربع حرائر أمامة، وأم البنين وأسماء ، وليلى بنت مسعود . وأمهات الأولاد ثمانية عشر .

فما في الناسخ أنه عليه السلام توفي عن ثلاث حرائر أسماء بنت عميس وأم البنين وخولة ، فهو اشتباه في اشتباه .

ويظهر من التواريخ أن عدة من أمهات أولاده كن مع النساء في الطف. والله العالم .

ميمونة

ميمونة بنت علي بن أبي طالب عليه السلام أمها أم ولد .

قال في المجدي (2): إن ميمونة خرجت إلى عبد الله الأكبر بن عقيل . وقد مرّ ترجمته .

نفيسة

نفيسة المكناة بأم كلثوم الصغرى بنت أمير المؤمنين عليه السلام . أمها أم ولد . قال أبو الحسن العمري في المجدي (3): إنها خرجت إلى عبد الله الأصغر بن عقيل . وقد مرّت ترجمته .


1) مطالب السؤل 314 .

2) المجدي ص 18 .

3) المجدي ص 18 .

السيدة زينب بنت علي عليه السلام

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة على أعدائهم ومخالفيهم إلى يوم الدين .

وبعد، فهذا هو المتمم للجزء الثالث من كتابنا في ترجمة نساء الطف وتواريخهن وما جرى عليهن، وإن شئت قسم رسالة مستقلة وجيزة منفردة في أحوال الزينبين وتاريخها ، وقد أفردناها كما وعدنا سابقاً - لأهمية تاريخهما وترجمتها وما جرى عليهما وكثرة القول فيهما . وستعرف ذلك إنشاء الله تعالى مفصلاً .

ويتم المقصود في مقدمة وبابين وخاتمة :

أما المقدمة

فاعلم أنه اتفق المسلمون أن لعلي أمير المؤمنين عليه السلام من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله بنتين إحداهما زينب والأخرى أم كلثوم. فما عن ابن سعد في الطبقات أن له منها بنتاً ثالثة تُسمى برقية . وهم وخلاف ما أجمعوا عليه.

وأضعف من ذلك تسمية أم كلثوم بنت فاطمة برقية كما في المجدي. قال العمري النسابة : أم كلثوم من فاطمة اسمها رقية .

وأضعف من ذلك ما قيل : إن رقية بنت علي هي المدفونة بالشام وقد مرّ .

وفساد قول الطبقات ظاهر ، خصوصاً على القول المشهور المعروف.

وقد تحقَّق فى محله أن فاطمة سلام الله عليها ماتت ولها من العمر ثمان عشرة سنة ، وقد أولدت لعلي عليه السلام الحسن والحسين وزينب الكبرى وأم كلثوم ومحسناً في مدة تسع سنوات. وأما على القول بأنها ماتت ولها من العمر ثمانية وعشرون سنة ، فله وجه إلا أنه لا قائل به إلا ابن سعد . وقد تفرد به وتبعه اليعقوبي في تاريخه .

وأما أم كلثوم فاسمها زينب أيضاً ، وكنيت به بحيث غلبت الكنية على اسمها . وقد ذكر جلّ من المؤرخين والمحدثين أن لعلي عليه السلام بنتين أيضاً تُسمى إحداهما أم كلثوم الصغرى وأمها أم ولد والأخرى تُسمى زينب الصغرى وأمها أم ولد أيضاً ، وستأتي ترجمتها إنشاء الله تعالى .

والذي يظهر من التواريخ والأحاديث - خصوصاً المروية عن أئمتنا عليهم السلام ، خصوصاً ما ورد في وفاة الزهراء عليها السلام بحيث يُقطع به - أن زينب

الكبرى هي التي ولدتها فاطمة عقيب ولادة الحسين .

وفي عدة من الأخبار عن علي عليه السلام أنه قال : فلما هممت أن أعقد الرداء ناديت : يا زينب ويا أم كلثوم .

ومثله أخبار أخرى، حتى أن الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء عند وداعه الآخر - على ما مر قال : يا زينب يا أم كلثوم..

فظهر من مجموع الأخبار أن زينب أكبر من أم كلثوم لسنتين، فكان في السادسة من الهجرة إن قلنا إن ولادة الحسين عليه السلام كانت في الرابعة من الهجرة كما هو المشهور المعروف، أو كانت ولادتها في الخامسة من الهجرة إن قلنا إن ولادة الحسين في الثالثة من الهجرة .

وعلى أي حال كان سنها روحي فداها يوم وفاة الزهراء عليها السلام - وهو الثاني عشرة من الهجرة سنة وفاة النبي صلى الله عليه وآله ست أو خمس سنين . وأما أم كلثوم فهي التي ولدتها بعد زينب بسنتين ، فعمرها يوم وفاة والدتها أربع

أو ثلاث سنوات . وكلتاهما ولدتا في حياة الرسول «ص».

وأما شهر ولادتهما ويوم ولادتهما ، فكلما تفحصت و تصفحت لم يتبين لي إلى الآن، وبه صرح أيضاً في التنقيح . فما ذكره العلامة النقدي في كتابه «زينب الكبرى» بقوله : كانت ولادة هذه الميمونة في خامس جمادى الأولى في السنة الخامسة أو السادسة من الهجرة على ما حققه بعض الأفاضل . قول بلا دليل بل بلا تحقيق ولم يسنده إلى رواية أو كتاب . وليس هذا إلا كقول بعض : إن ولادة العباس عليه السلام في يوم كذا وكذا ولادة علي المقتول بالطف في يوم كذا .

والعجب من الفاضل النقدي أنه ذكر بعد ذلك أقوالاً ولم يذكر قائلها ولا أسند القول بذلك ولو من الضعفاء والمجاهيل . قال : وقيل في شعبان في السنة السادسة

من الهجرة ، وقيل في أواخر شهر رمضان - إلى غير ذلك.

وليت شعري في أي كتاب ذلك ، وأي قائل قال بذلك ؟ وقد تفحصنا في جملة من كتب العامة والخاصة ولم نر لذلك عيناً ولا أثراً ولا قولاً ولا قائلاً.

ومن عجيب ما وقع أن العلامة النقدي نسب هذا القول وهو كون ولادتها في أواخر شهر رمضان من السنة التاسعة من الهجرة - ثم زيفه وقال : إنه باطل لا يمكن القول بصحته، لأن فاطمة سلام الله عليها توفيت بعد والدها في السنة العاشرة أو الحادية عشرة على اختلاف الروايات ، فكيف يمكن ولادتها في السنة التاسعة . مع أنه دام علاه ذكر مستند هذا القول وذكر الرواية التي رواها صاحب «الطراز المذهب» عن بعض الكتب وارتضاها ، واستند إلى هذه الرواية في اسمها وكناها وألقابها .

قال : لما ولدت فاطمة عليها السلام زينب جاءت بها إلى أبيها أمير المؤمنين عليه السلام وقالت له : ستم اسم هذه المولودة . فقال : ما كنت لأسبق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وكان في سفر له، فلما جاء النبي وسأله علي عن اسمها ، فقال : ماكنت لأسبق ربي تعالى . فهبط جبرئيل يقرأ على النبي السلام من الله الجليل وقال : ستم هذه المولودة زينب، لقد اختار الله لها هذا الاسم. ثم أخبره بما يجري عليها من المصائب، فبكى النبي وقال : من بكى على مصائب هذه البنت كان كمن بكى على أخويها الحسن والحسين .

ثم قال في الطراز : إنه لم يتفق سفر لرسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن معه علي إلا سفر تبوك ، وكان ذلك في التاسع من الهجرة ، وورد رسول الله في أواخر شهر رمضان من تلك السنة إلى المدينة ، وقد اشتبه عليه الأمر .

وهذه الرواية إن صح سندها تنطبق على ولادة زينب الصغرى بنت علي من

فاطمة عليهما السلام، وقد تحقق وتواترت الأخبار بأن زينب الكبرى حين وفاة أمها في السنة الحادية عشرة أو الثانية عشرة كان عمرها في السادسة أو الخامسة وزينب الصغرى كانت في السنة الثانية أو الثالثة من عمرها . وستأتي زيادة تحقيق في ذلك إنشاء الله تعالى .

وبالجملة ، فمن المتفق عليه بين الفريقين أن أول بنت ولدت لعلي من فاطمة عليهما السلام اسمها زينب وكنيت بأم كلثوم ، فلما ولدت الثانية لعلي من الزهراء سميت أيضاً بزينب وكنيت أم كلثوم ، وميزت الأولى بزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى والثانية بزينب الصغرى وأم كلثوم الصغرى، فلما اشتهرت الثانية بأم كلثوم بحيث غلبت كنيتها على اسمها تركت كنية الأولى .

ويقال لها زينب بلا كنية كما هو العادة في العرب بل مطلقاً حتى في زماننا بالنسبة إلى ذوي البيوت من الملوك والسلاطين والشيوخ والأكابر، حيث ينادون النساء المحترمات المجللات المعظمات النابغات باسمهن بلا لقب ولا كنية ، كمريم وخديجة وآسية وفاطمة وأشباههن، إشعاراً بأنهن جزن من اللقب والكنية ولا يليق بهن لقب وكنية ، ومن تأمل في العرف والعادة يصدّق ما ذكرنا .

كما أن من نظر و تأمل وتتبع كتب التواريخ والأحاديث من الفريقين خصوصاً ما ورد في ولادة زينب وأم كلثوم ووفاة الزهراء سلام الله عليها وفي مقتل أمير المؤمنين والحسن بن علي وأخبار الطف ومقتل الحسين عليه السلام - يصدق ما ذكرنا في خصوص زينب وأم كلثوم ، فإن في جلّ الأحاديث زينب بلا تقييد وفي جملة منها زينب وأم كلثوم بلا تقييد أيضاً ، وفي بعضها فقط أم كلثوم المراد بها زينب الصغرى ، وفي بعضها أم كلثوم يُراد بها زينب الكبرى، وذلك قبل

(1)

ولادة زينب الصغرى بنت فاطمة ، كالمروي عن العلل (1)في حديث عمرو بن أبي المقدام وزياد بن عبيد الله عن الصادق عليه السلام قال : أتى شقي من الأشقياء إلى فاطمة بنت محمد ، فقال لها : أما علمت أن علياً قد خطب بنت أبي جهل . إلى أن قال : فاشتدّ غم فاطمة من ذلك وبقيت متفكرة هي حتى أمست وجاء الليل ، حملت الحسن على عاتقها الأيمن والحسين على عاتقها الأيسر وأخذت بيد أم كلثوم اليسرى، ثم تحولت إلى حجرة أبيها - إلى آخر الحديث ، وقد أخذنا منه موضع الحاجة .

ومثله في ذيل الرواية، فإن الظاهر بل صريح الرواية أن القضية كانت قبل ولادة زينب الصغرى ، فلهذا أطلق على زينب الكبرى أم كلثوم. هذا مع أن في سند الرواية ودلالتها نظراً بل منعاً ، قد حقق في محله . فتدبر .

والعجب من العلامة النقدي حيث قال بعد ذكر الرواية : وأم كلثوم هذه إن كانت هي زينب عليها السلام فذلك دليل على أنها كانت كبيرة ، وإن كانت أختها فذلك دليل على أنها عليها السلام تركت زينب لسر اهتمامها في الشؤون المنزلية ، فهي كانت كبيرة .

وقد غفل دام علاه عن أن القضية - على فرض صحة الرواية - كانت قبل ولادة زينب الصغرى. مع أن في كلامه مواقع للنظر تُعرف بالتأمل في القضية .

فتحصل مما ذكرنا أن لفظ «زينب» كلما ورد في الروايات والأحاديث والتواريخ المراد به زينب الكبرى بنت فاطمة أولى بنت ولدتها لعلي عليه السلام، وكذا لفظ « أم كلثوم». فما ورد في زمن جدها رسول الله صلى الله عليه


1) علل الشرائع 177/1 .

وآله وأمها فاطمة عليها السلام يُراد بها زينب الكبرى ، لأن زينب الصغرى كان لها عند وفاة أمها من العمر سنتان لم تبلغ مبلغ سماع الحديث . ومن يخاطبها أو يعامل معها معاملة من كان له من العمر خمس أو ست سنين ، وهذا بخلاف زينب الكبرى كما عرفت .

وكذا لفظ «العقيلة » و «عقيلة بني هاشم» أو «عقيلة الطالبيين» يُراد بها أيضاً زينب الكبرى. وسيأتي أن ابن عباس كان كلما يروي عن زينب يقول «حدثتنا عقيلتنا زينب».

وأما لفظ « أم كلثوم» بعد وفاة الزهراء عليها السلام وبلوغ زينب الصغرى مبلغ من يُروى عنها أو تُخاطب مخاطبة المميزات، فإن كان يُقارن معه لفظ «زينب» كما في كثير من القضايا بلفظ زينب وأم كلثوم، فهذا واضح لاسترة فيه . وأما ما كان بلفظ « أم كلثوم» فقط ، فإن كانت معه قرينة تدل أنها زينب الكبرى فهو . ومن القرائن ما ورد في حديث أو كلام بلفظ « أم كلثوم» وروي هذا الحديث أو القول غير ذلك الناقل بلفظ «زينب». وسيأتي ذكر بعض القرائن في مطاوي كلماتنا . وإن لم تكن قرينة فيُراد بها زينب الصغرى.

الباب الأول في ترجمة زينب الکبری و تاریخها

اشارة

وهو في سبعة فصول:

الفصل الأول في فضائلها و ألقابها وكناها

أما فضائلها : فما لا يخطُّ به القلم ولا يحوي حوله الفكر. زينب وما أدراك

ما زينب.

ولها جلال ليس فوق جلالها***إلا جلالُ الله جل جلالُهُ

ولها نَوال ليس فوق نَوالها***إلا نَوالُ الله عم نوالُهُ

فإنها غصن من أغصان الولاية، ولها شأن من شؤونها .

وإن تكن النساء بمثل هذي***لفضلّت الرجال على النساء

كيف نمدح من كان الله تعالى مادحها .

قال الشيخ المحدث الشوشتري الشيخ جعفر قدس سره في تفسير سورة (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالقَمَرِ إِذَا تَليْهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشيها) (1)والنسخة موجودة عندي غير مطبوعة ، قال : المراد بالشمس هنا الحسين والمراد بالليل زينب ، كما ورد عن الصادق عليه السلام في ليلة القدر أن الليلة هي فاطمة والقدر هو الله تعالى (2). والمعبّر عنها بالليل لا يخفى لطفه .

هذا ، وقد قال السجاد عليه السلام - على ما هو المذكور في وقعة الطف ورواها الموافق والمخالف - قال لها : أنت بحمد الله عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة .

ولقد أجاد العلامة المعاصر النقدي دام علاه حيث قال : يريد أن علمها من سنخ ما منح به رجالات بيتها الرفيع، أفيض عليها إلهاماً لا بتخرج على أستاذ واحد عن شيخه ، وإن كان الحصول على تلك القوة الربانية بسبب تهذيب جدها وأبيها وأمها وأخويها وبمحض إنتمائها إليهم في الطينة .

لذاتها القدسية، فأزيحت عنها بذلك الموانع المادية وبقي مقتضى اللطف


1) سورة الشمس : 1-3.

2) أنظر : تفسير البرهان 466/4 .

الفياض وحده . وإذ كان لا يتطرّقه البخل بتمام معانيه عادت العلة لإفاضة العلم كله عليها بقدر استعدادها تامةً، فأفيض عليها بأجمعه ، إلا ما اختص به أئمة الدين عليهم السلام من العلم المخصوص بمقامهم الأسمى (1). انتهى .

وقال المحقق المعاصر في التنقيح (2): ولو قلنا بعصمتها لم يكن لأحد أن ينكر ذلك إن كان عارفاً بأحوالها في الطف وما بعده . كيف ولولا ذلك لما حملها الحسين عليه السلام مقداراً من ثقل الإمامة أيام مرض السجاد عليه السلام ، وما أوصى إليها بجملة من وصاياه ، ولما أنابها السجاد نيابة خاصة في بيان الأحكام وجملة أخرى من آثار الولاية . انتهى .

وعن الصدوق محمد ابن بابویه : كانت زينب سلام الله عليها لها نيابة خاصة من الحسين عليه السلام، وكان الناس يرجعون إليها في الحلال والحرام حتى برئ زین العابدين عليه السلام من مرضه .

وقد روى الشيخ في كتاب الغيبة والصدوق في إكمال الدين (3)مسنداً عن أحمد بن إبراهيم، قال: دخلتُ على حكيمة بنت محمد بن علي الرضا أخت أبي الحسن صاحب العسكر عليهما السلام في سنة اثنتين وستين بعد المائتين، فكلمتها من وراء حجاب، وسألتها عن دينها، فسمّت لي من تأتم بهم ، ثم قالت : والحجة ابن الحسن بن علي فسمته . فقلت لها : جعلني الله فداك معاينةً أو خبراً ؟ فقالت : خبراً عن أبي محمد عليه السلام ، كتبت به إلى أمه فقلت لها :


1) وفيات الأئمة من علماء البحرين والقطيف ص 438 .

2) تنقیح المقال 79/2/3.

3) إكمال الدين ص 459 ، الغيبة ص 230 .

فأين المولود؟ فقالت : مستور. فقلت: إلى من تفزع الشيعة ؟ فقالت : إلى الجدة أم أبي محمد . فقلت لها : أقتدي بمن وصيته إلى إمرأة ؟ فقالت : اقتداء [إقتد] بالحسين بن علي بن أبي طالب، فإن الحسين بن علي أوصى إلى أخته زينب بنت علي بن أبي طالب في الظاهر ، فكان ما يخرج عن علي بن الحسين من علم يُنسب إلى زينب بنت علي عليه السلام ستراً على علي بن الحسين. ثم قالت : إنكم قوم أصحاب أخبار ، أما رويتم أن التاسع من ولد الحسين عليه السلام يقسم ميراثه وهو في الحياة - إلى آخر الحديث وقد سبق ذكره في باب وصايا الحسين عليه السلام .

وقد ذكر أهل التواريخ والمغازي والمقاتل من الفريقين في شأنها جملاً من الكلام وبسط بعضهم القول فيها خصوصاً من العامة، تركناه لأن كل ما قيل أو يقال لا يصل إلى ما ورد فيما ذكرناه من الأحاديث في شأنها عليها السلام.

ولقد مرّ في حديث سرور المؤمنين : أن جبرئيل هبط إلى النبي صلى الله عليه وآله وأقرأه السلام من الله تعالى وقال له : ستم هذه المولودة زينب ، فقد اختار الله لها هذا الاسم.

فنقول : زينب وما زينب ، وما أدراك ما زينب .

و أما كناها فالمشهور أم كلثوم وقد مرّ ذكره . وقيل : إن من كناها أم حسن ، وسيأتى أن ذلك من كنى أختها زينب الصغرى ، أو كنية بعض أخواتها من غير أمها فاطمة .

ومن كناها التي اشتهرت بها في الأزمنة المتأخرة خصوصاً في زماننا هذا - «أم المصائب» ، وانحصرت هذه الكنية لفظاً ومعنى بها ، حتى لم تكن بها أمها الزهراء عليها السلام مع جليل مصابها وعظيم رزاياها ، لأن مصائب الزهراء وإن كانت جليلة عظيمة بل أعظم من مصائب زينب كما لا يخفى على المتأمل

المتدرّب، إلا أن مصائبها بدءاً وختماً كانت في شهرين أو ثلاثة أشهر، وأما مصائب زينب كانت من زمن وفاة جدها إلى زمان وفاتها، خصوصاً في واقعة الطف إلى أن توفيت . وهذا واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان ، ولهذا كنيت على ألسنة الشيعة بأم المصائب .

و أما ألقابها فمنها الصديقة الصغرى ، وقيد ب- « الصغرى» فرقاً بينها وبين أمها الملقبة بالصديقة الكبرى.

ومنها « العقيلة » و « عقيلة بني هاشم» و «عقيلة الطالبيين».

والعقيلة المرأة الكريمة على قومها والعزيزة في بيتها. وفي القاموس العقيلة كسفينة المرأة الجليلة المعظَّمة المستورة، والعقيلة من القوم أعزهم وأكثرهم. والعقيلة من الشئ أكرمه وأعزه والعقيلة بمعنى اللؤلؤ .

كانت زينب - روحي فداها - مشهورة بهذا اللقب في زمانها على ما يظهر من روایات ابن عباس عنها بقوله « حدثتنا عقيلتنا زينب».

قال أبو الفرج الأموي (1): زينب العقيلة هي التي يروي ابن عباس عنها كلام فاطمة في فدك ، وقال : حدثتني عقيلتنا زينب بنت علي عليه السلام.

و تفسير عقيلة في النساء السيدة كعقال للرجال يقال للسيد .

ومن ألقابها «المحدثة » بكسر الدال ، فإنها تروي عن أبيها روايات كثيرة وعن أمها وعن الحسن وعن الحسين عليهم السلام وعن أم سلمة وأم هاني وأم أيمن وغيرهن من النساء.

ومن ألقابها «المحدثة» بفتح الدالة. يروي عنها ابن عباس وعلي بن


1) مقاتل الطالبيين ص 95 .

الحسين وعبد الله بن جعفر وفاطمة بنت الحسين وغيرهم .

وقال بعض الأفاضل عند ذكر كلام السجاد عليه السلام لها « يا عمتاه أنت بحمد الله عالمة غير معلّمة وفهمة غير مفهمة » (1): إن هذا الكلام حجة على أن زينب بنت أمير المؤمنين عليه السلام كانت محدثة ، أي ملهمة ، وأن علمها كان من العلوم اللدنية والآثار الباطنية .

وسيأتي في فصل حياتها مع أبيها ما عن السيد الجزائري السيد نور الدين : أن زینب سلام الله عليها كان لها مجلس في بيتها أيام إقامتها بالكوفة وكانت تفسر القرآن - إلى آخر ما سيأتي .

وقد اشتركت في هذا اللقب مع أمها الزهراء عليها السلام، فإن من ألقابها «المحدثة » بفتح الدال .

ومن ألقابها « العالمة». وقد قال لها السجاد عليه السلام فيما رواه المخالف والموافق « أنت بحمد الله عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة». وسيأتي في الفصل السابع تفصيل القول في ذلك وأنه سلام الله عليه حمد الله تعالى أولاً ثم قال «عالمة » ، والفرق بين العلم والفهم ، وسر قوله عليه السلام كونها عالمة وفهمة في تلك الحال ، ثم بيان قولها للسجاد « ما لي أراك تجود بنفسك ، فانتظر» .

والمهم هنا معرفة الفرق بين «العالمة» و «المحدثة» بفتح الدال. فإن المحدثة من أدركت العلوم والحقائق والأخبار والآثار وما كان وما يكون بتوسط ملك أو نبي. وأما العالمة غير معلمة من أدركت الحقائق وأخذت العلوم من المبدأ الحي القيوم بلا واسطة وشدة اتصالها بالمبدأ الكلي وتفاض على قلبها العلوم بلا


1) الاحتجاج 31/2 .

واسطة ، ويُعبَّر عن هذا بالعلم اللدني.

وهذا مقام لا يحوم حوله الفكر ، بل هذا مقام الولاية المطلقة والكلية الإلهية . ولا ينا في ذلك مع كونها محدثة ، كما أن أمها الزهراء عليها السلام مع كونها عالمة بالعلم اللدني كانت محدثة أيضاً ، كما نطقت به الأخبار .

بل كذلك كان جدها رسول الله صلى الله عليه وآله ، فإنه مع كونه العقل التام وأول ما خلق الله وشدة اتصاله بالمبدأ الأعلى بحيث كان مقامه قاب قوسين أو أدنى ، كان أيضاً محدثاً نزل به الروح الأمين على قلبه ، حتى قال : ما أنا إلا بشر يوحى إلي . ولتحقيق هذا المقام مقام آخر .

وقد بُرهن في محله أن شرف الإنسان وفضيلته بالعلم ، وكلما كان أعلم كان أشرف وأفضل إلى أن يصل إلى ما لا نهاية له وعنده يكون شرفه وفضله لا نهاية له .

ومن ذلك يُعلم مقام زينب في علمها وفضلها وكمالها وشرفها ، بحيث لا ينالها الفكر ولا تصل إليها عقول البشر .

ثم لا يخفى : أن الإتصال بالمبدأ الأعلى له مراتب عديدة بمقدار اتصاله ، وأعلى مراتب الإتصال اتصال النور المحمدية ثم الأمثل فالأمثل، فليس كل من كان له علم لدني واتصال بالمبدأ مساوياً لمن كان له علم لدني، فإن الأنبياء وأوصياء الأنبياء - خصوصاً أولو العزم منهم كانوا عالمين بالعلم اللدني مع تفاوت رتبهم في الفضل والعلم. وهذا لا ينا في مقام الولاية المطلقة، فإن هذا المقام بعض آثار الإتصال . فافهم وتدبر .

ومن ألقابها « فهمة غير مفهمة » ليس المراد بالفهم هنا بقرينة « غير مفهمة » جودة الذهن أو ضد الغباوة على ما مرّ في تفسير الفهم لغة ، بل المراد الفهم الذاتي المرادف للعلم المذكور في كلامه عليه السلام فتدبر

ومن ألقابها «المظلومة». شاركت - روحي فداها - في هذا اللقب أمها الزهراء سلام الله عليها ، فإن من ألقابها « المظلومة» كما ورد في زياتها « السلام على المظلومة الممنوعة حقها » . بل إنما يتبادر من المظلومة عند عدم القرينة زينب الكبرى . وقد ذُكر في كنيتها « أم المصائب » ما يؤيد هذا .

ويمضي في بعض الكتب أنها كانت عالمة بعلم البلايا والمناياكميثم التمار ورُشَيْد الهجري وحبيب بن مظاهر . ولا غرو في ذلك بعد ما مرّ .

ومن ألقابها « الصابرة » . قد اتفق الفريقان على ذلك ، وصرحوا في كتبهم أنها قد حازت فوق مقام ،الصابرين ، وصبرت حتى عجز الصبر عن صبرها .

ومن نظر وتأمل في كتب الفريقين - خصوصاً ما يرتبط بوقعة الطف ومسيرها إلى الشام ورجوعها إلى المدينة إلى أن توفيت وما جرى عليها - يعلم أن صبرها فوق طاقة البشر ، ولم يكن ذلك إلا بعناية الله تعالى وتأييده . ومع هذه المصائب والرزايا والبلايا والمحن الواردة عليها لم تتفوه بكلمة ينافي الصبر والثبات وينافي التسليم والرضا. وسيأتي ذكر كلامها في مجلس ابن زياد حيث عيرها بقوله «الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم » (1)قالت : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه وطهرنا من الرجس تطهيراً ، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا . فقال اللعين معيّراً لها : كيف رأيتِ صنع الله بأخيك ؟ فقالت : ما رأينا إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم - إلى آخر ما سيأتي . وكذا في مجلس يزيد وسائر المواقع .

فظهر أنها عليها السلام كانت في غاية الرضا والتسليم بحيث لا يحويه الفكر


1) بحار الأنوار 115/45 ، اللهوف ص 94 .

ولا يبلغ إليه البشر ، فكان مقام صبرها و تسليمها ورضاها تالياً لمقام جدها وأبيها وأمها وأخويها عليهم الصلاة والسلام.

ومن ألقابها «صاحبة الشورى» . قال محمد علي أحمد المصري في الرسالة التي طبعها في مصر على ما حكاه العلامة النقدي: السيدة زينب هي من أجلّ أهل البيت حسباً وأعلاهم نسباً ، خيرة النساء الطاهرات - إلى أن قال : وكانت على جانب عظيم من الحلم والعلم ومكارم الأخلاق ، ذات فصاحة وبلاغة ، يفيض من يدها عون الجود والكرم ، وقد جمعت بين جمال الطلعة وكمال الطوية ، حتى أنها اشتهرت في بيت النبوة ولقبت ب- «صاحبة الشورى»، وكفاها فخراً بأنها فرع من شجرة النبوة - إلى آخر ما ذكر .

ومراده بصاحبة الشورى أنها قد بلغت من العقل والكمال مبلغاً يشاورها في مهام الأمور والقضايا العظيمة أبوها وأخواها وسراة قومها، مع النهي عن مشاورة النساء والأخذ بخلاف قولهن. ومن نظر في التاريخ - خصوصاً تاريخ الحسين عليه السلام - يصدّق أنها كانت صاحبة الشورى ، وقد شاورها في قضايا ذكرها المؤرخون تركناها إذ ليس موضع ذكرها هنا .

قال محمدرضا الإمامي في كتابه جنات الخلود عند ذكر أولاد فاطمة عليها :السلام وزينب الكبرى كانت في الفصاحة والبلاغة والزهد والعبادة والتدبير كأبيها وأمها ، وبعد شهادة أخيها كان جلّ أمور أهل البيت بل قاطبة بني هاشم بتدبيرها وتمشيتها سلام الله عليها .

ومن ألقابها «العابدة » و « عابدة أهل البيت»، فقد أذعن الموافق والمخالف بأنها كانت في العبادة كأبيها وأمها .

قال النيسابوري على ما حكاه العلامة المعاصر في رسالته العلوية : وكانت

زينب في فصاحتها وبلاغتها وزهدها وعبادتها كأبيها المرتضى وأمها الزهراء . ومثله قال غيره .

وأما أصحابنا رضوان الله عليهم فقد صرحوا بأنها كانت في عبادتها ثانية أمها الزهراء عليها السلام، وكانت تقضي عامة لياليها في التهجد وتلاوة القرآن. وقيل : إنها ما تركت تهجدها طول دهرها حتى الليلة الحادية عشرة من المحرم .

وروي عن السجاد عليه السلام أنه قال : إن عمتي زينب مع تلك المصائب والمحن النازلة بها في طريق الشام ما تركت نوافلها الليلية .

وقد سبق أن من وصايا الحسين عليه السلام إلى أخته زينب : أن لا تنسيني في نافلة الليل.

ونقل العلامة الشيخ شريف الجواهري في مثير الأحزان عن فاطمة بنت الحسين عليه السلام قالت : وأما عمتي زينب فإنها لم تزل في تلك الليلة - أي العاشرة من المحرم - في محرابها تستغيث إلى ربها .

ولقد أجاد العلامة المعاصر النقدى حيث قال : فإذا تأمل المتأمل إلى ما كانت عليه هذه الطاهرة من العبادة الله تعالى والإنقطاع إليه لم يشك في عصمتها وأنها كانت من القانتات اللواتي وقفن حركاتهن وسكناتهن وأنفاسهن الله تعالى،

وبذلك حصلن على منازل رفيعة ودرجات عالية حكت برفعتها منازل المرسلين ودرجات الأوصياء عليهم الصلوات والتحيات.

ومن ألقابها كعبة الرزايا » و « شريكة الحسين» و «شقيقة الحسين» ولا يخفى وجهها مما سبق ذكره وسيأتي

الفصل الثاني في حياتها مع جدها

قد سبق ذكر إتفاق المسلمين على أن زينب الكبرى روحي فداها ولدت في سنة خمس أو ست من الهجرة، فعاشت مع جدها خمس سنين أو ست سنين ، وكان النبي صلى الله عليه وآله يحبها حباً شديداً .

وقد ورد عن جدها الرسول - مضافاً إلى ما مر في ولادتها - روايات في فضلها وفضل أختها زينب الصغرى بنت فاطمة عليها السلام بالعموم والخصوص، سيأتي ذكرها في الباب الثاني عند ترجمة زينب الصغرى .

وفي بعض الكتب ذُكر مرسلاً : أنه لما دنت الوفاة من النبي صلى الله عليه وآله رأى كلٌّ من أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء عليهما السلام رؤيا تدل على وفاته، فأخذا بالبكاء والنحيب، فجاءت زينب إلى جدها وقالت : يا جداه رأيت البارحة رؤياً أنه انبعث ريح عاصف اسودت الدنيا وما فيها واظلمت وحركتني من جانب إلى جانب آخر ، فرأيت شجرةً عظيمةً فتعلقت بها من شدة الريح، فإذا بالريح خلعت الشجرة وألقتها على الأرض ، ثم تعلقت على غصن قوي من أغصانها فقطعتها أيضاً ، فتعلقت بفرع آخر فكسرته ، فتعلقت على أحد الفرعين من فروعها فكسرته أيضاً ، فاستيقضت من نومي . فبكى النبي صلى الله عليه وآله وقال : الشجرة جدك والفرع الأول أمك فاطمة والثاني أبوك والفرعان الآخران هما أخواك الحسنان تسود الدنيا لفقدهم وتلبسين لباس الحداد في رزيتهم .

ولقد شاهدت عليها السلام شفقة جدها لأخويها ونهاية محبته ومودته لهما

وما يعمل معهما، خصوصاً مع أخيها الحسين حيث كان يحمله على عاتقه ويركبه على ظهره ويقبل فاه ونحره وصدره وسرته وغير ذلك من أنواع الملاطفة ، فلذا في اليوم الذي وقفت على مصرعه بالطف كان أول ما قالت أن نادت : يوم على صدر المصطفى ويوم على وجه الثرى .

إن زينب شاهدت جنازة جدها بقيت على الأرض ثلاثة أيام ، صلى الله تعالى عليه والملائكة والناس. ولما وقفت على مصرع أخيها نادت : يا جداه صلى عليك مليك السماء ، هذا حسين مرمل بالدماء . إشارة إلى أن جثمان جدها بق على الأرض ثلاثة أيام للصلاة عليه ، وهذا الحسين بقي ولم يصلّ عليه أحد . وكأنها شاهدت رسول الله «ص» وعاينته فخاطبته بقولها : يا جداه هذا حسينك قد قضى ما عليه وأتى بأحسن ما يمكن أن يُؤتى به من أمر الشهادة ، فبقي عليّ ما بقي من أمر الشهادة بالسبي والإسارة.

وسيأتي البحث في أن قولها «صلى عليك مليك السماء»(1)هل هو إخبار أو إنشاء .

وقد سبق تحقيق أنه لو لا زينب بنت علي عليه السلام لما بقي للشهادة أثر ولا للاسلام اسم ولا لكلمة التوحيد رسم ، وأن السبي والإسارة تعادل أمر الشهادة . وسيأتي مزيد بيان في ذلك عند ذكر قولها لما رجعت من الشام ودخلت المدينة وأخذت بعضادة الباب ونادت « يا جداه إني ناعية بولدك الحسين (2). وسيأتي في الباب الثاني ما يناسب هذا المقام .


1) مناقب آل أبي طالب 260/3 .

2) بحار الأنوار 198/45 .

الفصل الثالث في حياتها مع أمها الزهراء عليها السلام

عاشت زينب مع أمها الزهراء عليها السلام خمس أو ست سنين وأشهر . وكانت أمها تحبها حباً شديداً.

ويمضي في بعض الكتب : أنها أوصت إليها أموراً تتعلق بالشهادة ، وأنها كانت نائبة عن أمها في وقعة الطف . وهذا يناسب المذاق العرفاني والنظر في بواطن الأمور ، ولا بعد في ذلك وإن لم يرد به نص صريح أو رواية معتبرة .

وفي بعض الكتب : إن أمها أودعت عندها أشياء مذخورة كالكافور وأشباهه كما سيذكر في الفصل الرابع ، ولا بُعد في ذلك.

وروي أن أمها سلام الله عليها أوصت إلى علي أن لا يشيع جنازتها إلا الحسنان وزينب وسلمان وأباذر والمقداد ونفراً. وكذا أوصت أن لا يعلم موضع قبرها إلا الحسنان وزينب وسلمان وأباذر والمقداد ونفراً (1).

وفي البحار (2)بعد ذكر رواية الطبري في دلائل الإمامة قال : وروي أنه لما قبضت فغسلها أمير المؤمنين ولم يحضرها غيره والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وفضة جاريتها وأسماء بنت عميس ، وأخرجها إلى البقيع في الليل ومعه الحسن والحسين ، وصلى عليها ، ولم يُعلم بها ولا حضر وفاتها ولا صلى عليها أحد من سائر الناس غيرهم ، ودفنها بالروضة - إلى آخر الحديث. ويُستفاد من هذه الرواية


1) أنظر دلائل الإمامة ص 133 .

2) بحار الأنوار 171/43 .

أن زينب كانت حاضرة عند تجهيز أمها وعالمة بموضع دفنها .

وقال الشيخ أبوعلي محمد بن أحمد بن علي الفتال النيسابوري في روضة الواعظين (1): مرضت فاطمة مرضاً شديداً. وساق الحديث إلى أن قال : ثم توفيت فاطمة سلام الله عليها فصاحت أهل المدينة. إلى أن قال: وخرجت أم كلثوم وعليها برقعة وتجرّ ذيلها متجلّلة برداء عليها وهي تقول: يا أبتاه يا رسول الله ، الآن حقاً فقدناك فقداً لا بقاء بعده أبداً - إلى آخر الحديث وأخذنا منه موضع الحاجة.

(بیان ) :

لا شبهة في أن أم كلثوم هي زينب الكبرى ، لأن زينب الصغرى كان عمرها حينذاك سنتين .

قوله « برقعة » هكذا في جميع ما بأيدينا من النسخ مع التاء ، إلا أن المذكور في كتب اللغويين « برقع » بدون تاء ، فإنه من مختصات النساء . قال في القاموس (2): برقع كقنفذ وبرقع بفتح القاف كجندب وبرقوع كعصفور : ما يستتر الوجة للنساء الأعراب. ومثله في المجمع.

وسيأتي عند ذكر خطبتها في الكوفة «وعليها برقع خزّ». ولعل التاء هنا للتفخيم أو سهو من النساخ والصحيح برقع .

وقوله « وتجر ذيلها » الضمير راجع إليها روحي فداها .

قوله « متجللة» بكسر الجيم وفتح اللام : المسدّدة. وهكذا في جملة من


1) روضة الواعظين ص 151 - 152 .

2) القاموس المحيط 4/3 .

النسخ، من قولهم جلَّل الشي تجليلاً أي عمه . والمجلل : السحاب الذي يجلل الأرض بماء المطر ، أي يعمها . والمراد هنا المستورة. وقد يُقرأ «المتحللة» بالحاء المهملة . وله وجه . والأصح ما فى بعض النسخ «متجلببة » من الجلباب بالكسر كسرداب ، أو جلباب كسمار : ثوب وسیع تلبسه النساء فوق ثيابهن بحيث يستر ثيابهن وبمعنى الخمار والمعجر - قاله في القاموس . والأنسب بالمقام معنى الأول، وهو ثوب يستر به جمیع لباسهن ، ويؤيده قوله « برداء » ، لأنه على الأولين يحتاج إلى عناية لا يخفى وجهه .

قوله «سحها » هكذا في جملة من النسخ . وأنت خبير بأنه ليس بعربي جيد إن أريد بالسح معناه اللغوي، إلا أن يريد بالتسبيح « السبحة » كما وقع في بعض النسخ ، أى سح . وكذا فسر التسبيح في بعض العبائر .

وفي بعض النسخ «وعليها نشيجها » من نشج نشجاً .في المجمع : النشيج الصوت مع ترجيع وبكاء كما يردّد الصبي بكاءه . وهذا هو الأنسب بالمقام لا ما ذكروه من التسبيح والسبحة .

وفي بعض النسخ «سحبها » من السحب بمعنى الستر . ولعله الأصح ، وعليه فعليها متعلقة بمتجلببة وجملة سحبها صفة لها . وعلى الأولين والثالث « عليها » خبر مقدَّم والسح أو السحه أو السح مبتدأ مؤخر .

ولا يخفى على العارف بأسلوب الكلام أن الأخير هو الأصح . فتدبر .

وسيأتي في الباب الثاني ما يتعلق بالمقام ويناسبه وما أوصت أمها لها ولأختها من المال .

الفصل الرابع في حياتها مع أبيها عليه السلام

عاشت زينب مع أبيها عليه السلام قريباً من أربع وثلاثين سنة في نهاية العز ومنتهى الجلال، وأعظم ما جرى عليها في حياة أبيها بعد مصابها بجدها وأمها وهي في صغرها بتزويجها بعمر بن الخطاب، وقد اختلفت الأقوال واضطربت الآراء من الفريقين في ذلك، وقلّت مسألة تاريخية اختلفوا فيها بمثل هذا الإختلاف ، بحيث يكاد يُظن أو يُقطع بعدم وقوع أصل القضية وأنها من المجعولات والأكاذيب والمفتريات . وقد صرح بذلك شيخنا المفيد قدس سره كما سيأتي .

أما العامة فبعد قطعهم بوقوع أصل القضية، إختلفوا في أنها هي زينب الكبرى أو أختها زينب الصغرى، وأن زينب الكبرى كانت متزوجة بعبد الله بن جعفر وأن المتزوّجة بعمر زينب الصغرى ، وأن زينب الكبرى كانت مع أخيها في الطف ، وأن زينب الصغرى ماتت في زمن الحسن عليه السلام.

ثم اختلفوا على القولين أنها ولدت لعمر ولداً يُسمى بزيد، أو ذكراً وإنثى تُسمى أم كلثوم ، وقيل غيرها .

ثم اختلفوا أنها ماتت في زمن الحسن عليه السلام وصلى عليها عبدالله بن عمر ، أو بقيت وكانت مع أخيها في وقعة الطف . ثم اختلفوا أنها تزوجت بعد عمر بن الخطاب بعون بن عبدالله وبعده تزوجت بغيره.

وقيل : تزوجت بعبد الله بن جعفر بعد وفاة أختها زينب . إلى غير ذلك من الأقوال والآراء التي ستعرفها .

ثم ذكروا في كيفية تزويجها بعمر بن الخطاب ما لا يناسب الخلافة بل لا يناسب العمرية كما ستذكر . ثم منهم من قال : إن ذلك كان على سبيل الاختيار ، وقيل : كان ذلك مع الاضطرار .

أما أصحابنا الامامية : فمنهم من أنكر أصل التزويج أشدّ الانكار وجعله من مجعولات الزبير بن بكار ، ومنهم من أثبته . ثم منهم من قال بأنه لم يبن بها لصغرها حتى مات، ومنهم من ذكر قضية الجنية وأن أمير المؤمنين عليه السلام بعث إلى عمر جنية يهودية كان معها حتى مات وكانت زينب مخفية حتى ممات عمر ثم ظهرت ، ومنهم من قال إنها ولدت لعمر زيداً المسمى ب- « ذي الهلالين».

ثم منهم من قال بأنها زينب الكبرى ، ومنهم من قال بأنها زينب الصغرى ، ومنهم من قال إنها أم كلثوم بنت علي من أم ولد لا من الزهراء . ومنهم من قال إنها توفيت قبل وقعة الطف، ومنهم من قال - وهم الأكثر - إنها بقيت وكانت مع أخيها وزينب الصغرى في وقعة الطف .

والمختار ما عليه أكثر أصحابنا أن الزوجة - على فرض الوقوع - هي زينب الكبرى وبقيت بعد عمر ولم تتزوج بأحد وكانت مع أخيها في كربلاء مع أختها زينب الصغرى زوجة عبد الله بن جعفر ، وتوفيت بالمدينة بعد رجوعها من الشام بعد ثمانين يوماً أو أكثر. والدليل على ذلك ما سيأتي عن قريب .

فلنبدأ أولاً بذكر الأخبار والأحاديث المروية عن أئمتنا عليهم السلام في ذلك ، ثم نتبعها بذكر ما قاله الفريقان ، ثم نذكر المختار مع دليله ، فنقول :

في بحار الأنوار عن الخرائج (1)، عن الصفار، عن أبي بصير، جذعان بن


1) الخرائج و الجرائح 825/2، بحار الأنوار 88/42.

نصر ، عن محمد بن مسعدة، عن محمد بن حمويه بن إسماعيل الأربنوئي، عن أبي عبدالله الزبيني ، عن عمر بن أذينة ، قال : قيل لأبي عبد الله عليه السلام : إن الناس يحتجون علينا ويقولون : إن أمير المؤمنين عليه السلام زوّج فلاناً ابنته أم كلثوم. وكان متكئاً فجلس وقال : أيقولون ذلك ، إن قوماً يزعمون ذلك لا يهتدون إلى سواء السبيل ولا الرشاد .. سبحان الله أما كان يقدر أمير المؤمنين عليه السلام أن يحول بينه وبينها فينقذها ، كذبوا ، لم يكن ما قالوا ، إن فلاناً خطب إلى علي ابنته أم كلثوم ، فأبى علي عليه السلام ، فقال للعباس : والله لئن لم يزوّجني لأنتزعن منك السقاية وزمزم. فأتى العباس علياً فكلمه، فأبى عليه، فألح العباس ، فلما رأى أمير المؤمنين عليه السلام مشقة كلام الرجل على العباس وأنه سيفعل بالسقاية ما قال أرسل أمير المؤمنين إلى جنية من أهل نجران يهودية يقال لها «سحيقة بنت جريرية » فأمرها فتمثلت في مثال أم كلثوم وحجبت الأبصار عن أم كلثوم، وبعث بها إلى الرجل ، فلم تزل عنده حتى أنه استراب بها يوماً فقال : ما على الأرض أهل بيت أسحر من بني هاشم . ثم أراد أن يظهر ذلك للناس، فقُتل وحوت [الجنية ] الميراث وانصرفت إلى نجران، وأظهر أمير المؤمنين أم كلثوم.

( ومنها ) ما ذكره الطريحي في مجمع البحرين (1)في مادة «أسا» قال : وعن الحسن عليه السلام : إن آسية امرأة فرعون كلما أراد فرعون أن يمسها تمثلت له شيطانة يقاربها ، وكذلك في عمر مع أم كلثوم .


1) مجمع البحرين 28/1.

( ومنها ) ما عن الكليني (1)، عن حميد بن زياد ، عن ابن سماعة ، عن محمد بن زياد ، عن عبد الله بن سنان ومعاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن علياً عليه السلام لما توفي عمر أتى إلى أم كلثوم فانطلق بها إلى بيته .

وروي نحو ذلك (2)عن محمد بن يحيى وغيره ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن هشام بن سالم ، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام.

(ومنها ) ما روى الكليني في الكافي (3)، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم وحماد، عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام في تزويج أم كلثوم ، فقال إن ذلك فرج غُصبناه .

( بيان ) :

أكثر النسخ لفظ « غُصبنا » بالصاد المهملة والباء للمجهول، ويؤيده ما روي أيضاً «إن أول فرج غُصب منا أم كلثوم». وفي بعض النسخ «غضبناه» بالضاد المعجمة والباء للفاعل . ولعله غلط أو سهو من النساخ ، وإن كان له وجه أيضاً لا يخفى.

( ومنها ) ما رواه في التهذيب (4)باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن جعفر ابن محمد القمي ، عن ابن القداح ، عن جعفر ، عن أبيه قال : ماتت أم كلثوم بنت علي عليه السلام وابنها زيد بن عمر بن الخطاب في ساعة ، لا يُدرى أيهما هلك


1) الكافي 115/6 .

2) الكافي 115/6 .

3) الكافي 346/5.

4) تهذيب الأحكام 362/9 - 363، قاموس الرجال 217/12، ذخائر العقبی ص 171.

قبل ، فلم يُورَّث أحدهما من الآخر ، وصلي عليهما جميعاً (1).

(بیان ) :

هذه الرواية وإن كان طريق الشيخ إلى محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري القمى صحيحاً لكن النظر في الرواة، فإن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران فيه بعض الكلام . قال النجاشي (2): محمد بن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران بن عبد الله بن سعد بن مالك الأشعري القمي ، أبو جعفر . كان ثقة في الحديث إلا أن أصحابنا قالوا : كان يروي عن الضعفاء ويعتمد المراسيل ولا يبالي عمن أخذ، وما عليه في نفسه طعن في شي ، وكان محمد بن الحسن بن الوليد يستثني من رواية محمد ابن أحمد بن يحيى ما رواه عن محمد بن موسى الهمداني. ثم عد ما استثني من رواياته إلى نيف وعشرين ، وقال أبو العباس بن نوح : وقد أصاب شيخنا أبوجعفر محمد ابن الحسن بن الوليد في ذلك كله ، وتبعه أبوجعفر ابن بابويه .

وتمام الكلام في محله.

وجعفر بن محمد القمي مشترك بين جعفر بن محمد بن عبد الله الأشعري القمي وجعفر بن محمد بن عيسى الأشعري القمي. قال الميرزا : الذي يروي عن ابن القداح هو الأول ، وبه قال المولى الوحيد البهبهاني . وبالجملة قال في التنقيح : لا أقل من حسنه . فعدوه من الحسان .

وأما ابن القداح فهو عبد الله بن ميمون الأسود القداح . روى الكشي (3)عن جبرئيل بن أحمد ، قال : سمعت محمد بن عيسى يقول : كان عبد الله بن ميمون يقول


1) تهذيب الأحكام 3639 .

2) رجال النجاشي 242/2 .

3) اختیار معرفة الرجال 687/2 .

بالتزيد ، أي بالزيدية . وحاله مختلف في كتب الرجال ، ولعله لهذا أعرض الكليني والصدوق عن ذكر الرواية عنه في كتبهم ، وارتضاه الشيخ في التهذيب .

وأما مدلول الرواية ، فبالنسبة إلى عدم التوارث عند الإشتباه فهو موافق لما عليه أصحابنا رضوان الله عليهم ، ومستندهم في ذلك الإجماع والأخبار الخاصة ، ولم يستندوا في الفتوى بهذه الرواية .

قال الشيخ في الجواهر (1)بعد الاستدلال على عدم التوارث بأدلة الباب ، قال «مضافاً إلى خبر القداح» يشعر تعبيره بتمريضه على ما هو اصطلاحهم في الخبر والحديث والرواية .

وأما بالنسبة إلى هلاكها في ساعة الولادة، فهو موافق لما ذكره العامة من محدثيهم ومؤرخيهم ، وسيأتي مع زيادات منهم في ذلك.

وبالجملة ، فالخبر على فرض صدوره - جرى مجرى التقية كما هو الظاهر .

والعجب من المحقق صاحب المقامع حيث سُئل عن تزويج علي عليه السلام أكبر بناته أم كلثوم بعمر ، ذكر في جوابه الخبر المروي في التهذيب ثم قال : ولعل زيد بن عمر لم يكن مع أمه في كربلاء حتى يستشهد كما استشهد ابنا عبدالله بن جعفر من زينب . الجواد قد يكبو والصارم قد ينبو .

ويحتمل أن يُراد بأنهما هلكا معاً في ساعة واحدة ، بعد رجوعها من الشام إلى المدينة . كما احتمله بعض وسيأتي بُعده.

هذا ما وصلنا من الأخبار في المقام من طريق الخاصة .

ولا شبهة أن المراد بأم كلثوم في الروايات زينب الكبرى، مضافاً إلى ما سيأتي


1) جواهر الكلام 308/39 .

من القرائن القطعية ما رواه أحمد بن حنبل في كتاب الورع المطبوع في مصر عن عطا بن السائب ، قال : حدثتني أم كلثوم ابنة علي هي زينب إذا أطلقت في لسان المحدثين، وإذا أريد غيرها قيدوا الاسم بالوسطى أو الصغرى إلى آخر ما قال .

أما من طريق العامة فقال ابن حجر في الصواعق (1)في باب فضائل أهل البيت في ذيل الآية التاسعة منه : بل صح عن عمر أنه خطب أم كلثوم من على فاعتل ، بصغرها وبأنه أعدها لابن أخيه جعفر ، فقال له : ما أردت الباءة ، ولكن سمعت

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة ما خلا ونسبي ، وكل بني أنثى عصبتهم لأبيهم ما خلا سببي ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم .

وفي رواية أخرجها البيهقي والدارقطني (2)بسند رجاله من أكابر أهل البيت : أن علياً عزل بناته لولد أخيه جعفر ، فلقيه عمر فقال له : يا أبا الحسن أنكحني ابنتك أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله «ص» ، فقال : قد حبستهن لولد أخي جعفر . فقال عمر : إنه والله ما على وجه الأرض من يُرصد من حسن صحبتها ما أرصد، فأنكحني يا أبا الحسن . فقال : قد أنكحتها. فعاد عمر إلى مجلسه بالروضة مجلس المهاجرين والأنصار فقال : هنئوني. فقالوا بمن يا أمير المؤمنين ؟ قال : بأم كلثوم بنت علي . وأخذ يحدث أنه سمع رسول الله «ص» يقول : كل صهر أو سبب أو نسب ينقطع يوم القيامة إلا صهري أو سبي أو نسبي ، وإنه كان لي صحبة فأحببت أن يكون معها سبب.

وبهذا الحديث المروي من طريقة أهل البيت يزداد التعجب من إنكار جماعة


1) الصواعق المحرقة ص 154 .

2) السنن الكبرى 114/7 ، ذخائر العقبی ص 168 ، مناقب أهل البيت للشيرواني ص 444.

من جهلة أهل البيت في أزمنتنا تزويج عمر بأم كلثوم . لكن لا عجب ، لأن أولئك لم يخالطوا العلماء ومع ذلك استولى على عقولهم جهلة الروافض فأدخلوا فيها ذلك فقلدوهم فيه ومادروا أنه عين الكذب ومكابرة للحس، إذ من مارس العلماء وطالع كتب الأخبار والسنن علم ضرورةً أن علياً زوجها له ، وأن إنكار ذلك جهل وعناد ومكابرة للحس وخبال في العقل وفساد في الدين .

وفي رواية البيهقي : أن عمر لما قال «فأحببت أن يكون لي من رسول الله سبب ونسب»، قال علي للحسنين : زوّجا عمكما ، فقالا : هي امرأة من النساء تختار لنفسها . فقام علي مغضباً ، فأمسك الحسن ثوبه وقال : لا صبر لنا على هجرانك يا أبتاه ، فزوّجاه (1).

وفي رواية : إن عمر صعد المنبر فقال : أيها الناس إنه والله ما حملني على الإلحاح على علي في ابنته إلا أني سمعت من رسول الله (ص) يقول: «كل حسب وسبب ونسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا حسبي ونسبي وسببي وصهري»، فأمر بها علي فزُينت وبعث بها إلى عمر . فلما رآها قام إليها وأجلسها في حجره وقبلها ودعا لها . فلما قامت أخذ بساقها وقال لها : قولي لأبيك : قد رضيت ، قد رضيت . فلما جاءت قال لها : ما قال لك ؟ فذكرت له جميع ما فعله وما قاله فأنكحها إياه ، فولدت له زيداً مات رجلاً .

وفي رواية : أنه لما خطبها إليه قال : حتى استأذن . فاستأذن وُلد فاطمة فأذنوا له (2)وفي رواية : إن الحسين سكت، وتكلم الحسن ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أبتاه مَن بعد عمر ، صحب رسول الله وتوفي وهو عنه راض، ثم ولي الخلافة فعدل . فقال له أبوه : صدقت ، ولكن كرهتُ أن أقطع أمراً دونكما . ثم قال لها : إنطلقي إلى أمير المؤمنين


1) السنن الكبرى /64/7 و 114 و 139 .

2) العمدة ص 299 .

فقولي له : إن أبي يقرئك السلام وهو يقول : إنا قد قضينا حاجتك التي طلبت. فأخذها عمر وضمها إليه وأعلم من عنده أنه تزوجها . فقيل له : إنها صبية صغيرة . فذكر الحديث السابق ، وفي آخره: أردت أن يكون بيني وبين رسول الله «ص» سبب وصهر . وتقبيله وضمه لها على جهة الإكرام لأنها لصغرها لم تبلغ حداً تُشتهى حتى يحرم ذلك ، ولو لا صغرها لما بعث بها أبوها ذلك .

ثم حديث عمر هذا جاء عن جماعة آخرين فمن الصحابة كالمنذر وابن عباس وابن الزبير وابن عمر ، قال الذهبي : واسناده صالح . انتهى (1).

يظهر من قوله «صح» ومن قوله أخيراً «ان اسناده صالح» أن قضية التزويج ليست من المتواترات ولا من المستفيضات التي يقطع عادةً بالوقوع. وعلى فرض إفادة القطع عادةً ليست مما يجب الإذعان به في الاسلام وأنه من المسائل الواجبة في دين الاسلام حتى يكون منكره خارجاً عن الدين ويكون دينه فاسداً .

وقد صرح أن في زمانه - وهو سنة تسعمائة واثنتان وسبعون - قد أنكر القضية جمع من أهل البيت ، ومراده بذلك جملة من السادة، ونسب إنكار ذلك إلى الرفضة ، مع أن جماعة من قدماء الشيعة كالسيد المرتضى والمتأخرين منهم إلى زماننا هذا قد أنكروا التزويج ، منهم المجلسي قدس سره في البحار والعلامة البهبهاني في المقامع وغيرهم . فكيف ينسب إليهم ما نسب ، وليس ذلك إلا من الجهل والعداوة .

هذا ، مع أن في رواياتهم إشكالاً فإنه في رواية وتناقضاً لا يمكنهم الدفع.فإنه في روایة البيهقي والدارقطني ذكر أنه بعد ما قال عمر ما قال عمر لعلي «أنكحني ابنتك» قال


1) إلى هنا منقول من الصواعق .

«أنكحتك» بلا تأمل ولا إكراه ومن دون إلحاح، وقد صرح في الأخير واعتذر عن الإلحاح والإصرار كما مرّ .

وفي رواية البيهقي : إن علياً اعتذر وأرجع الأمر إلى وُلد فاطمة فقالا : هي امرأة من النساء تختار أمرها ، فأعرض علي وقام مغضباً - إلى آخر ما ذُكر .

وهذه القضية - كما سيأتي عن قريب من أكابرهم على ما في أسد الغابة وغيره - كان في قضية تزويج زينب من عون بن جعفر لا في تزويجها من عمر .

مع أن في رواية ذكرها : إن الحسين سكت وتكلم الحسن وقال بعد الحمد والثناء : إن عمر صحب رسول الله وهو عنه راض ثم ولي الخلافة وعدل ، قال علي: صدقت. وهذا خلاف ما صرح به أكثر محدثيهم من أن علياً لم يرض بخلافة أبي بكر وعمر ، ولم يبايع علي ولا بايع بنوهاشم أبابكر إلا بعد وفاة فاطمة فبايعوا كرهاً . ولتمام الكلام محل آخر . أنظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد وغيره .

وعمدة الإشكال الذي يرد على ابن حجر وعلى محدثيهم بحيث لا مدفع له بل مما يوهن أصل قضية التزويج بل يورث الظن بل القطع بعدم الوقوع ، هو أن في رواية البيهقي وغيره أنه لما قال علي للحسنين عليهم السلام : زوّجا عمكما ، قالا له : هي امرأة من النساء تختار لنفسها. تصريح في ذلك أن أم كلثوم كانت كبيرة مختارة لنفسها ، وفي بعض رواياتهم أنها كانت صغيرة كرواية التقبيل وكشف الساق والضم إليه ، فلذا قال ابن حجر وغيره : إن تقبيله وضمه على جهة الإكرام، لأنها لصغرها لم تبلغ حداً تشتهى حتى تحرم عليه ، ولولا صغرها لما بعث بها أبوها .

وأنت خبير بفساد هذا ، وأنه توجيه بما لا يرضی ،صاحبه قد وجه به ابنُ حجر ومن تبعه حفظاً حفظاً لمقام الخلافة . كيف يقبل عمر ويضم إليه ويكشف الساق قبل وقوع العقد ، مع أنه حرام بالضرورة من الدين وبالإجماع من

المسلمين، فألجأتهم الأعمال المنقولة إلى القول بأنها كانت صغيرة ولم تبلغ حدّ التشهي.

غفل أو تجاهل ابنُ حجر ومن قال بمقالته أن التزويج على فرض وقوعه - على ما صرح به ابن الصباغ المالكي وغيره كانت في سنة سبع عشرة من الهجرة ولم تكن زينب في تلك السنة أقلّ من اثني عشرة سنة ، لما مرّ وصرحوا به أنها ولدت

في سنة خمس من الهجرة ، فكيف تكون صغيرة ولم تبلغ حداً تُشتهى.

ولو أغمضنا عن قول ابن الصباغ فلاشك أن التزويج - على ما صرحوا به - كان في زمن خلافته وهو سنة ثلاث عشرة من الهجرة ، فلاشك أنه كان في أيام خلافته بل أوائل خلافته، فسن زينب حينذاك لم يكن أقل من تسع سنين ، فكيف يعمل مع من كانت بالغة أو قريبة من البلوغ ما فعل بها الخليفة من التقبيل والضم وكشف الساق . فما وُجّه به توجیه غلط صدر عن العناد واللجاج وعدم العلم بالتاريخ ، قد أعمى الله تعالى قلبه وأعشى بصره.

فلذا قد ألجئ بعضهم إلى القول بأن المزوَّجة كانت زينب الصغرى بنت فاطمة عليها السلام . ويرد عليه ما ورد على ابن حجر على قول ابن الصباغ المالكي ، فإن سن زينب الصغرى في سنة سبع عشرة من الهجرة كان عشر سنوات ، فتكون بالغة على ما مرّ . وأما على القول بوقوع التزويج في أوائل خلافته كان لها من العمر سبع سنين أو ثمان بحيث كانت مميزة ، فلا يجري هذا التوجيه وهو وهم في وهم.

والعجب أن بعضهم فراراً عن الإشكال قال : كانت أم كلثوم من بنات علي من غير سيدتنا الزهراء عليها السلام، ووجّه السبب والنسب بأن نسب علي وسببه نسب رسول الله وسببه . وهذا غلط في غلط في غلط ، وهو مخالف لما صرحوا به وأجمعوا عليه .

وأعجب من ذلك ما في تذكرة السبط (1): أن عمر في زمن خلافته خطب أم كلثوم من علي عليه السلام، فامتنع وقال : إنها صغيرة قد اتخذتها لابن أخي جعفر . فشق ذلك على عمر ، وقال العباس لعلي : زوّجها منه فقد بلغني عنه كلام ، فلا جرم أنكحها علي كرهاً . ثم نقل عن جده أنه نقل في كتاب المنتظم أن علياً أرسل أم كلثوم إلى عمر لينظر إليها ، وكشف عمر عن ساقها ولمسها . ثم قال السبط : إن هذا العمل القبيح لا يصدر من الخليفة أبداً ، فإن لمس الأجنبية حرام بإجماع المسلمين فكيف ينسب هذا إلى عمر . ثم قال : والذي يصحح ذلك أن عمر خطب أم كلثوم إلى أبيها علي ، فقال : إنها صغيرة . فقال : إبعث بها إلي . فقال علي : أنا أبعثها إليك ، فإن رضيتها فقد زوجتكها . فبعث بردة فقال لها : قولي له هذا البرد الذي قلت لك عليه ، فقالت ذلك لعمر ، فقال لها : قولي قد رضيت رضي الله عنك . فوضع يده عليها ، فقالت له : لولا أنك أمير المؤمنين لكسرت أنفك . ثم جاءت أباها وأخبرته وقالت : بعثتني إلى شيخ سوء ، لقد صوّب النظر إلي حتى كدت أن أضرب بالثوب أنفه. وفي رواية : لأخذت عينه ثم أنكحها علي وأرسلها إلى عمر ، فولدت له زيداً - إلى آخر ما قال .

ومقصود السبط مما ذكر إنكار التقبيل واللمس والضم وكشف الساق الحفظ مقام الخلافة وأنه لا تصدر هذه الأفعال من دني فكيف بالخليفة. وفيه ما قد عرفت، فإن إنكار ذلك يلازم إنكار أصل التزويج ، لأنها لم تكن صغيرة بلا إشكال، وإنكار ما فعل إنكار للروايات الواردة فى هذا الباب المثبتة لأمر التزويج.


1) تذكرة الخواص ص 321، مع اختلاف في بعض الألفاظ .

وفي الدر المنثور وغيره - ولعله مأخوذ من أسد الغابة - مثل ما ذكره السبط من أمر البردة . وأنت خبير بأن ما نسبوه إلى عمر وعلي من أمر البردة ونظيرها وغير ذلك مما مر في كلام ابن حجر ورواياته لا يصدر من بدوي ولا من معيدي فكيف بالخليفة وعلى. وهذا وأشباهه مما يورث الظن بكذب أصل القضية كما أنكرها جمع من المحدثين والمؤرخين.

هذا ما في رواياتهم وأقوالهم، وقد وقفنا على أكثر من ذلك في كتبهم ورواياتهم تركناها لعدم الفائدة في ذكرها ، والعمدة في ما ذكروه هو ما نقلناه باختلاف يسير قد أغمضنا عن ذكره ، وقد عرفت ما ذهب إليه العامة في أمر التزويج.

وأما ما يتعلق بالزيدية كأبي الفرج وأمثاله فقد سلكوا مسلك العامة واتبعوهم على ذلك ، وكذا في عمدة الطالب ومن تبعه من النسابين .

وأما أصحابنا الإمامية الاثنا عشرية : فمنهم من أنكر أصل التزويج أشد الإنكار كشيخنا المفيد ومن تبعه ، ومنهم من أثبته كالسيد المرتضى ومن تبعه على اختلاف بينهم من أمر الجنية وغيره ، فننقل أولاً كلام الشيخ قدس سره ثم نتبعه بما ذكره غيره ، فنقول :

قال المفيد في جواب المسائل السروية (1): إن الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر لم يثبت وطريقه من الزبير البكار ولم يكن موثوقاً به في النقل ، وكان متهماً فيما يذكره من بغضه لأمير المؤمنين عليه السلام، وغير مأمون. والحديث في نفسه مختلف : فتارة يُروى أن أمير المؤمنين عليه السلام تولّى العقد له على ابنته ، وتارة يُروى عن العباس أنه تولى ذلك ،


1) المسائل السروية ص 86 - 90 ، بحار الأنوار 106/42.

وتارة يُروى أنه لم يقع العقد إلا بعد وعيد من عمر وتهديد لبني هاشم، وتارة يُروى أنه كان عن اختيار وإيثار . ثم بعض الرواة يذكر أن عمر أولدها ولد أسماه زيداً ، وبعضهم يقول : إن لزيد بن عمر عقباً ، ومنهم يقول : قتل ولا عقب له ، ومنهم من يقول : إنه وأمه قتلا ، ومنهم من يقول : إن أمه بقيت ، ومنهم من يقول : أمهرها أربعة آلاف درهم، ومنهم من يقول : كان مهرها خمسمائة درهم. وهذا الإختلاف مما يبطل الحديث . انتهى .

وقد مرّ الاختلاف أكثر مما ذكره قدس سره ، وسيُذكر الاختلاف في مهرها .

وقد سبق أن هذا الاختلاف بكثرة مما يوهن أصل التزويج بل يبطله كما صرح به الشيخ .

قال الذهبي (1): إن الحافظ أحمد بن علي السليماني عد الزبير بن بكار من الوضاعين للحديث ، ولا يوجد لحديثه أثر في الصحيحين .

وقال العلامة المعاصر النقدي بعد ما نقل عن الاستيعاب أن عبد الله بن جعفر لا يرى في سماع الغناء بأساً ، قال : أقول إتهام عبدالله بن جعفر بالغناء واجتماع الشعراء عند سكينة بنت الحسين عليه السلام ومحاكمتها وطلاق عبدالله بن جعفر زوجته زینب بنت أمير المؤمنين عليه السلام وأكثر الحكايات الطاعنة في بني هاشم بعد التتبع وجدناها من وضع الزبير بن بكار ، ولماكان عليه من النصب قدّمه النواصب من العباسيين، فولوه القضاء بمكة المشرفة ، كما قدموا الناصبي مروان بن أبي حفصة على الشعراء.

وروى الشيخ الصدوق (2)أنه استحلف الزبير بن بكار رجل من الطالبيين على


1) سير أعلام النبلاء 311/12.

2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 243/1 .

شي بين القبر والمنبر ، فحلف وبرص .

وأبوه بكار ظلم الرضا عليه السلام في شي ، فدعا عليه ، فسقط في وقت دعائه عليه السلام من قصره ، فاندقت عنقه .

قال المحدث المعاصر قدس سره في كتاب الكنى والألقاب (1): وروى ابن الأثير في الكامل (2)عند ذكر سيرة المعتصم : عن أحمد بن سليمان بن أبي شيخ أنه قدم الزبير بن بكار العراق هارباً من العلويين لأنه كان ينال فيهم فتهدّدوه ، فهرب منهم وقدم على عمه مصعب بن عبد الله بن الزبير ، وشكا إليه حاله وخوفه من العلويين، وسأله إنهاء حاله إلى المعتصم ، فلم يجد عنده ما أراد وأنكر عليه حاله ولامه . قال أحمد : فشكا إلي ذلك وسألني مخاطبة عمه في أمره ، فقلت له في ذلك وأنكرت عليه إعراضه عنه ، فقال لي : إن الزبير فيه جهل وتسرع ، فأشر عليه أن يستعطف العلويين ويزيل ما في نفوسهم منه ، أما رأيت المأمونَ ورفقه بهم وعفوه عنهم وميله إليهم . قلت : بلى وهذا أمير المؤمنين ، والله على مثل ذلك أو فوقه ولا أقدر أن أذكرهم بقبيح ، فقل له ذلك حتى يرجع عن الذي هو عليه من ذمهم .

ثم قال المحدث المعاصر (3)قدس سره بعد ذكر ما عن الكامل : أقول إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لا إعتبار بما رواه أبو الفرج الأصفهاني المرواني في مقاتل الطالبيين عن الزبيري المذكور في تزويج عبدالله بن عمر بن عثمان بفاطمة بنت الحس


1) الكنى والألقاب 291/2 .

2) الكامل لابن الأثير 526/6 .

3) الكنى والألقاب 292/2 .

بما لا یرضی به مسلم غيور فكيف بمن كان من أهل الإيمان. ولا غرو من أبي الفرج في نقل ذلك وأمثاله ، فإنه عرفت ما فيه من عروق أموية ومروانية . انتهى .

وقد مرّ غير مرة القدح في أبي الفرج الأموي، خصوصاً ما ينقله عن الزبير بن بكار .

وقال العلامة النقدي: وأول من آوى الزبير بن بكار ودرّ عليه المعاش هوالمتوكل ، وعداوته لعلى وأولاده معلومة ظاهرة ، ففي تاريخ الخطيب (1)عن حفظة البرمكي قال : إستأذن الزبير بن بكار على محمد بن عبدالله بن طاهر وأنا بحضرته ، فلما دخل أكرمه محمد وعظمه وقال : لئن باعدت بيننا الأنساب لقد قربت بيننا الآداب ، وإن أمير المؤمنين - يعني المتوكل - ذكرك واختارك لتأديب ولده وأمر لك بعشرة آلاف درهم وعشرة تخوت من الثياب وعشرة إبل تحمل عليها رحلك إلى حضرته بسر من رأى . فشكره ذلك وقبله . انتهى .

وتمام الكلام في ترجمته أطلبه من المنقولات . وإنما أوردنا ذلك مع خروجه عن وضع الرسالة تأييداً لما عليه شيخ الطائفة طاب مضجعه .

والعجب من التنقيح حيث عدّه إمامياً وعدّ أحاديثه من الحسان ، وليس ذلك إلا من عدم التتبع والإستعجال في الكتابة.

عود إلى بدء:

ومن أصحابنا الإمامية من أثبت التزويج ، وقال به أبو محمد النوبختي قدس سره، إلا أنه قال في كتاب الإمامة - على ما في البحار (2): إن أم كلثوم كانت


1) تاریخ بغداد 470/8 .

2) بحار الأنوار 91/42 .

صغيرة ومات عمر قبل أن يدخل بها ، وأنه خلف على أم كلثوم بعد عمر عون بن جعفر ثم محمد بن جعفر ثم عبد الله بن جعفر . وقد مرّ فساد هذا القول بما لا مزيد عليه ، وسيأتي بطلان تأويل كلامه أيضاً .

وقال الشيخ الأجل ترجمان القرآن أبو علي الطبرسي صاحب مجمع البيان قدس سره في كتابه إعلام الورى (1): وأما أم كلثوم فهي التي تزوجها عمر بن الخطاب ، وقال أصحابنا : إنه عليه السلام إنما زوّجها بعد مدافعة كثيرة وامتناع شدید و اعتلال عليه بشي بعد شي، حتى ألجأت الضرورة إلى ردّ أمرها إلى العباس بن عبد المطلب ، فزوجها إياه . انتهى .

عمر

وفي البحار (2)عن الكافي ومجالس المفيد : وأما أم كلثوم فهي التي تزوجها ، وقال أصحابنا : إنه إنما زوجها منه بعد مدافعة كثيرة وامتناع شديد و اعتلال عليه بشي بعد شي ، مثل أنها صبية صغيرة وإني أعددتها لابن أخي جعفر ، فهدّده الرجل بأنه يقيم عليه شاهدين فتقطع يمينه ولا يدع لهم مكرمة إلا هدمها ، فألجأته الضرورة إلى ردّ أمرها إلى العباس ، فزوجها . انتهى .

ومثل هذا ما رواه غير واحد ، وسيأتي كلامهم عن قريب .

وتحقيق المقال في هذا المقام بما يرفع الغواشي عن الأوهام : ان العامة - المحدثين منهم والمؤرخين على ما عرفت من الإختلاف في أقوالهم وأحاديثهم وكتبهم التاريخية إتفقوا على وقوع التزويج اختياراً وعن طيب نفس ، وأرادوا بذلك الاعتراض على الإمامية، وأصحابنا الامامية المنكرون والمثبتون بعد التنزل أجمعوا على أن


1) إعلام الورى 397/1 .

2) بحار الأنوار 91/42 .

التزويج - على فرض وقوعه كان باضطرار وإلجاء وكره وتهديد. وحاصل اعتراضهم على الإمامية : أن تزويج علي ابنته لعمر الخطاب بن يكشف عن كمال المحبة والمودة والصداقة بينهما ، وأن علياً كان يحب عمر أشد الحب وإلا لما زوّج ابنته منه . وهذا ينافي ما عليه الإمامية من إثبات العداوة والبغضاء لمثل هذا الرجل الصالح العادل الذي زوجه إمامهم بنته ، وإن كان الأمر

كما ذكر تم من عدم صلاحية الرجل في دينه كيف تزوّج المسلمة من غير مسلم .

ونلخص الجواب عن ذلك ونقول : إن من القواعد المسلمة بين الفريقين بل في جميع الأديان بل عند العقلاء قديماً وحديثاً أن «الضرورات تبيح المحذورات » ، وقد أمضى الاسلام هذه القاعدة. وهذا التزويج - على فرض وقوعه - وقع عن اضطرار ،وإكراه، ونحن نقول بتزويج المسلمة بالذمي والوثنى والمرتد عند الإضطرار والإجماع على عدم تزويج المؤمنة بالكافر مطلقا عند عدم الإضطرار ، كما صرح به فقهاؤنا رضوان الله تعالى عليهم.

قال شيخنا المفيد (1): وأمير المؤمنين عليه السلام كان مضطراً إلى مناكحة الرجل لأنه هدده وتواعده، فلم يأمنه على نفسه وشيعته، فألجأه إلى ذلك ضرورة ، كما أن الضرورة تبيح إظهار كلمة الكفر ، وليس ذلك بأعجب من قول لوط ( هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) (2)فدعاهم إلى العقد عليهم لبناته وهم كفار ضُلال قد أذن الله تعالى في هلاكهم . انتهى .


1) المسائل السروية ص 92 .

2) سورة هود 78 .

وقال المرتضى قدس سره في كتاب الشافي (1): وأما تزويجه بنته فلم يكن ذلك عن اختيار . تم ذكر الأخبار الدالة على الإضطرار. ومثله ما ذكره غيرهما .

ولو تنزلنا عن الإضطرار فنقول : إن الرجل - وإن كان في حقه ما نقول وفوق ذلك - إلا أنه بحسب الظاهر كان يظهر الاسلام . قال شيخنا المفيد : ثم إنه لو صح لكان له وجهان لا ينافيان مذهب الشيعة : أحدهما الاضطرار وقد مر ، وثانيهما أن النكاح إنما هو على ظاهر الاسلام الذي هو الشهادة والصلاة إلى الكعبة والإقرار بجملة الشريعة ، وهذا لا ينا في ضلال المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام.

وقال المرتضى (2)قدس سره : على أنه لو لم يجر ما ذكرناه من الاضطرار لم يمتنع أن يجوّزه عليه السلام ، لأنه كان على ظاهر الاسلام والتمسك بشرائعه ، وهذا حكم يرجع إلى الشرع فيه وليس مما تخاطره العقول. إلى أن قال : وفعل أمير المؤمنين عليه السلام عندنا حجة في الشرع ، فلنا أن نجعل ما فعله أصلاً في جواز مناكحة من ذكروه، فليس لهم أن يلزموا على ذلك مناكحة اليهود والنصارى وعباد الأوثان، لأنهم إن سئلوا عن جوازه في العقل فهو جائز ، وإن سئل عنه في الشرع فالإجماع يمنعه . انتهى كلامه .

وقال المجلسي في البحار (3)ونعم ما قال : أقول بعد إنكار عمر أقول بعد إنكار عمر النص الجلي وظهور عداوته لأهل البيت يشكل القول بجواز مناكحته من غير ضرورة وتقية ، إلا أن يقال بجواز مناكحة كل مرتد عن الاسلام ، ولم يقل به أحد من أصحابنا . ثم


1) الشافي 272/3.

2) الشافي 273/3 .

3) بحار الأنوار 109/42 .

قال : ولعل الشيخ والسيد إنما ذكرا ذلك استظهاراً على الخصم ، وكذا إنكار المفيد أصل الواقعة إنما كان لبيان أنه لم تثبت من طريقهم، وإلا فبعد ورود ما مرّ من الأخبار إنكار ذلك عجيب . انتهى .

وعلى هذا فما ذكره المفيد والمرتضى وتبعهما غيرهما ليس في محله ، والوجه هو الأول ، وهو وقوع العقد إضطراراً وإكراهاً .

فإن قلت : هذا العقد إن وقع صحيحاً يلزم العمل على صحته، فلا مورد لاختيار الجنية ، وإن وقع باطلاً فلا وجه لإرسالها إلى بيت عمر وبقاؤها عنده إلى أن قتل .

قلت : هذا العقد وقع باطلاً ، لما صرحوا به في باب عقد المكره في صدق الإكراه والإضطرار عدم التفصي بعد التورية وعدم المندوحة في صدق الإكراه والإضطرار. ولا شك أن التفصي والمندوحة يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والموارد.

قال الشيخ أستاد المتأخرين (1)في عقد المكره : والإنصاف أن وقوع العقد عن إكراه لا يتحقق إلا مع العجز عن التفصي بغير التورية . إلى أن قال : ولكن الأولى أن يفرق بين إمكان التفصي بالتورية وإمكانه بغيرها ، بتحقيق الموضوع في الأول دون الثاني . ثم نسب ذلك إلى الأصحاب إلى أن قال : والحاصل إن التلازم بين امتناعه ووقوع الضرر المتوعد عليه الذي هو الغير في صدق الإكراه موجود مع التمكن من التورية لا مع التمكن بغيرها . انتهى .

ويدل على ذلك وأن في الإكراه تعتبر على عدم إمكان التفصي، وقد تفصى


1) المكاسب للشيخ الأنصارى 314/3 - 316 .

أمير المؤمنين عليه السلام في المورد وإن العقد وقع باطلاً رواية الصفار المتقدمة عن أبي بصير : قيل لأبي عبد الله عليه السلام : إن الناس يحتجون علينا ويقولون : إن أمير المؤمنين زوّج ابنته أم كلثوم فلاناً . وكان متكئاً فجلس وقال : أيقولون ذلك ، إن قوماً يزعمون ذلك لا يهتدون إلى سواء السبيل ، سبحان الله ماكان يقتدر أمير المؤمنين أن يحول بينه وبينها فينقذها ، كذبوا لم يكن ما قالوا . إلى أن قال : فلما رأى أمير المؤمنين مشقة كلام الرجل على العباس وأنه سيفعل بالسقاية ما قال أرسل أمير المؤمنين إلى جنية من أهل نجران فتمثلت في مثال أم كلثوم وحجبت الأبصار عن أم كلثوم وبعث بها إلى الرجل ، فلم تزل عنده - إلى آخر ما مر من الرواية.

فهذه الرواية صريحة في بطلان العقد والتفصي بإرسال الجنية وإخفاء أم كلثوم إلى أن مات الرجل .

ويؤيد بل يدل على ذلك أيضاً سائر ما ورد في إرسال الجنية ، خصوصاً مرسلة الطريحي. وعلى هذا فما ورد في رواياتهم وما ذكروه في تواريخهم من التناكح والتناسل وأنها ولدت لعمر ولداً ذكراً يُسمى بذي الهلالين آدمية تُسمى بأم كلثوم وأنها ماتت مع ولدها في ساعة واحدة. من المجعولات والأكاذيب وضعها الزبير بن بكار ومن حذا حذوه تثبيتاً للازدواج المزعوم ووقوعه صحيحاً، وتبعهم على ذلك من هو متهم في نقله كأبي الفرج الأموي وغيره اعتماداً عليه من غير تأمل وتتبع .

وعلى هذا فما ورد في أحاديثنا مما ورد وقوعه صحيحاً من قوله عليه السلام «أول فرج غصبناه أم كلثوم» أو « لما توفي عمر أتى علي أم كلثوم فانطلق بها إلى بيته وأمثال ذلك، إنما ورد على ضرب من التقية كما لا يخفى .

قال المجلسي قدس سره في البحار (1)بعد ذكر رواية زرارة عن أبي عبدالله عليه في تزويج أم كلثوم« إن ذلك فرج غصبناه » : هذه الأخبار لا تنافي ما مرّ في قصة الجنية ، لأنها قضية مخفية اطلع عليها خواصهم ولم يكن يتم بها الإحتجاج على المخالفين، بل ربما كانوا يحترزون عن إظهار تلك الأمور لأكثر الشيعة أيضاً لئلا تقبله عقولهم ولئلا يغلوا فيهم ، فالمعنى غُصبناه ظاهراً ويزعمه الناس، إن صحت تلك القصة . انتهى . ولقد أجاد قدس سره .

ومما ذكرنا ظهر فساد ما في المقامع للبهبهاني ، حيث حكم بصحة العقد وعدم اشتراط الإيمان في بدء الاسلام والإكتفاء بظاهر الاسلام وحمل أخبار الجنية على التقية من حمقاء الشيعة ، وأن هذا التزويج لا ينافي مقام الامامة والولاية ، وليس بأعظم من غصب الخلافة وقتل الحسين عليه السلام.

وأنت خبير بما فيه من وجوه . فتدبر .

نعم ، صرح قدس سره بأن أم كلثوم ما تزوجت بعد عمر بأحد ، وقد صرح بذلك غيره ، بل عليه أصحابنا الإمامية رضوان الله عليهم خلافاً للعامة والزيدية كأبي الفرج الأصفهاني ، ومثله في عمدة الطالب، وتبعهم بعض أصحابنا إتكالاً على تواريخهم ، وقد غاب عنهم أن العامة أرادوا بذلك التشنيع على الأئمة والطعن على الإمامية .

ومما يدل على أن العامة ليس مقصودهم إلا النقص على الأئمة والطعن على الشيعة ما ذكره علي جلال المصري في كتاب الحسين تحت عنوان « أبوه يزو


1) بحار الأنوار 106/42 .

أخته يتيماً » ، قال : روى ابن الأثير في أسد الغابة (1)في ترجمة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب قال : لما تأيمت أم كلثوم عن عمر بن الخطاب دخل عليها الحسن والحسين أخواها فقالا : إنك ممن عرفت سيدة نساء المسلمين وبنت سيدتهن ، وإنك والله إن أمكنت علياً من رُمَّتكِ لينكحنك بعض أيتامه، ولئن أردت أن تصيبي بنفسك مالاً عظيماً لتصيبنه . فوالله ما قاما حتى طلع علي يتكئ على عصاه ، فجلس فحمد الله وأثنى عليه وذكر منزلتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وقال : قد عرفتم منزلتكم عندي يا بني فاطمة وآثرتكم على سائر ولدي لمكانكم من رسول الله وقرابتكم منه . فقالوا : صدقت رحمك الله ، فجزاك الله عنا خيراً . فقال : أي بنية إن الله عز وجل قد جعل أمرك بيدك ، فأنا أحب أن تجعليه بيدي . فقالت : أي أبة إني امرأة أرغب فيما يرغب فيه النساء وأحب أن أصيب مما تصيب النساء من الدنيا ، وأنا أريد أن أنظر في أمر نفسي . فقال : لا والله يا بنية ، ما هذا من رأيك ، ما هو إلا رأي هذين . ثم قام فقال : والله لا أكلم رجلاً منهما أو تفعلين . فأخذا بثيابه فقالا : إجلس يا أبه ، فوالله ما على هجرتك من صبر ، إجعلى أمرك بيده . فقالت : قد فعلت . فقال : فإني قد زوّجتك من عون بن جعفر وإنه لغلام. وبعث لها بأربعة آلاف درهم وأدخلها عليه . أخرجه أبو عمر .

ثم قال علي جلال الحسيني بعد تفسير الرُّمة بالجملة من قولهم رمه اى يحمله : فكأن الحسن والحسين قالا لأختهما : إن أمكنت أباك من رقبتك . والظاهر أن التعبير في قولها « لعلي » بغير تعظيم من كلام الراوي كعبارة سائر الخبر . ويجوز أن


1) أنظر : أسد الغابة 615/5 .

تكون تلك عبارتهما .

ثم قال : وروى هذا الخبر ابن حجر في الإصابة ، وليس في روايته ذكر «علي» باسمه ولا « الرمة » وفيها : لا أكلم واحداً منهما أو تفعلين .

ثم قال المصري : وليس في هذا الخبر سوى أن الحسن والحسين رأيا أن أباهما سيزوج أختها يتيماً من أقاربه لا مال له بعد أن كانت زوج الخليفة ، فدعاهما الشباب إلى أن يوعزا عليها بما قالت ، وصدق ظنهما ، لكن أباهما فهم ما اتفقوا عليه وكان على غير رأي ابنيه .

ثم قال : ولولا أن الحادثة بين أهل البيت ما وصلت إلينا ، لأن مثل هذا يقع كثيراً بين الأقارب ولا يلتفت إليه . انتهى . أنظر أيها المنصف المجانب للاعتساف الناظر بعين الإنصاف المتحرّر عن العصبية والعداوة المطلع على أخلاق علي وأولاده وبناته عليه وعليهم السلام هل تجد من نفسك إسناد هذه القضية إلى علي والحسن والحسين وأم كلثوم ، ولا يصدر هذا من بدوي ولا دني من الناس فكيف بهم عليهم السلام ثم الإعتذار بما يُعلم أنه صدر عن تعصب وعداوة بأنهم كسائر الناس ولا يلتفت إلى ما نسب إليهم.

هذا ، مع اختلاف الرواية في ذلك. وقد مرّ أن القضية كانت في تزويج عمر أم كلثوم ومشاورة علي مع الحسنين وقول الحسن ذلك لأبيه ، وقد مرّ أيضاً أنه كذب وافتراء .

مع أن ابن الأثير لم يذكر من الذي يروي عن الحسن بن الحسن وأن الحسن بن الحسن عمن يروي ، ولم يكن الحسن في تلك الواقعة مولوداً ولا موجوداً . وقد سبق أنهم أخذوا ذلك من الزبير بن بكار وهو من مجعولاته وموضوعاته،

فتلقوه عنه بالقبول توهيناً لمقام الأئمة عليهم السلام وطعناً على الإمامية . وليس هذا أول قارورة كُسرت في الإسلام، مع دأبهم وديدنهم على ذلك ، وكم له من نظير ، ومن أعبى قلبه أعمى بصره.

وذُكرت في الدر المنثور هذه القضية بعينها ، وفي آخرها : وبقيت أم كلثوم مع عون حتى مات عنها قتلاً في وقعة كربلاء وهي مع أخيها الحسين.

هذا، وقال ابن قتيبة فى المعارف (1): إن أم كلثوم تزوجها عمر وأولد منها بنتاً اسمها رقية ، وزوّجها عمر بابراهيم بن نُعيم النحّام ، فتوفيت عنده . ( وتزوجها بعد قتل عمر محمد بن جعفر بن أبي طالب، وتزوجت بعد محمد بن جعفر بعون بن جعفر ، وماتت أم كلثوم في حياة عون بن جعفر ) .

ولا يخفى بطلان كلامه وفساده من وجوه، من وجوه، خصوصاً خصوصاً تزويج عمر ابنته من إبراهيم في حياته . أنظر أيها المنصف المتتبع كيف حال مؤرخيهم ومحدثيهم ، فمنهم من قال : إن عمر تزوج بأم كلثوم ولم يبنِ بها لصغر سنها، ومنهم كابن الصباغ المالكي يقول : خطب عمر في السابعة عشرة من الهجرة في شهر ذي القعدة وبنا بها في ذلك الشهر ، ومنهم كابن قتيبة يقول : ولدت لعمر بنتاً وزوجها عمر حياته بإبراهيم ، مع اتفاقهم بأن عمر قتل في العشرين من الهجرة ، إلى غير ذلك

مما سبق .

ومن غريب ما ذهبوا إليه أن أم كلثوم هذه تزوّجها عبدالله بن جعفر بعد وفاة محمد بن جعفر ، وأن عبدالله قد طلق زينب الصغرى ثم تزوج بأم كلثوم . وقيل : إن زينب الصغرى ماتت عند عبد الله بن جعفر ثم تزوج أم كلثوم بعد موت أختها .


1) المعارف ص 185 ، وبين القوسين ليس من كلامه .

قال محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤل (1): وأما أم كلثوم فتزوج بها عمر بن الخطاب فولدت له ولدين فلما قتل عمر تزوج بها بعده عون بن جعفر فلم تلد له فلما مات تزوجها بعده محمد بن جعفر فولدت له، فلما مات عنها تزوجها عبدالله بن جعفر بعد موت زينب أختها لم تلد له وماتت عنده . انتهى . وهذا منه عجيب .

وقد مرّ أن هذه الخصوصية من موضوعات الزبير بن بكار وأكاذيبه . والحق الحقيق اللائق بالتحقيق ما عليه أصحابنا الإمامية رضوان الله عليهم أنها ما تزوجت بعد عمر بأحد حتى ماتت . وقد مرّ أن الزيدية قد سلكوا في ذلك مسلك العامة وأخذوا بأقوالهم ، ومنهم صاحب عمدة الطالب وشواذ من الإمامية تقليداً لهم كأبي الفرج الأموي من غير تحقيق وتتبع . وسيأتي ما يدل على ما ذكرنا في حياتها مع أبيها ومع أخويها ، مضافاً إلى تصريح جمع من محدثينا ومؤرخينا ، بل الإجماع منهم وإرسال ذلك إرسال المسلمات.

ومن العجيب ما وقع من المؤرخ المتبحر الفاضل الأديب في القمقام حيث ذهب تبعاً لبعض العامة إلى أن أم كلثوم زوجة عمر توفيت مع ولدها في ساعة واحدة في حياة الامام الحسن عليه السلام ، وذكر رواية الشيخ الحر العاملي في الوسائل (2)، ثم قال : إن أم كلثوم التي كانت في كربلاء هي بنت علي عليه السلام من غير فاطمة . ثم ذكر ما روي أن من بناته عليه السلام من غير فاطمة أم كلثوم . وسيأتي عند شرح حياتها مع أخيها الحسن عليه السلام بطلان هذا القول


1) مطالب السؤل ص 47 .

2) وسائل الشيعة 128/3 .

وفساده بأحسن وجه ، كما سيذكر الجواب عن خبر الوسائل وإثبات ضعفه سنداً ودلالةً . فانتظر .

فتلخص من جميع ما ذكرنا أن أم كلثوم المنتسبة إلى زوجية عمر هي زينب الكبرى أكبر بنتي الزهراء عليها السلام، ولم تتزوج بأحد بعد عمر ، وكانت مع أخيها في واقعة الطف إلى أن رجعت إلى المدينة وتوفيت بها .

ومما يؤيد بل يدل على ما ذكرنا قضية سفير ملك الروم كنستانتين سلطان جميع ممالك الإفرنج شرقاً وغرباً ، واسم السفير «سرتس» أي الشخص الأول ، وفي نسخة الطراز المذهب اسمه «پرتکوس» أي العالم الكبير . وإجمال هذا التفصيل : أنه أرسل كنستانتين ملك الروم إلى عمر بهدايا إلى أم كلثوم بعد ما أرسلت أم كلثوم لزوجة قيصر ، ثم أرسل قيصر إلى معاوية ذلك الرجل بقصد الصلح، وبقي ذلك الرجل في الشام إلى عهد يزيد ودخول السبايا إلى مجلسه، وعرف ذلك الرجل أم كلثوم في هذا المجلس . وسيأتي نقل تمام القصة والإختلاف فيها في حضور زینب مجلس یزید.

والذي يناسب المقام واتفقوا على ذلك ماعن ابن الأثير في الكامل (1)في وقائع سنة ثمان وعشرين، وتفصيل ذلك : أن غلبة المسلمين على مصر وفتحها برئاسة عمرو بن العاص صار موجباً لاضطراب هراكيلوس قيصر الروم ، ولما كان بين سيروس رئيس النصارى في مصر وبين عمرو الفاتح علقة وارتباط تام كتب إلى هراكيلوس قيصر الروم : إنك إن زوجت بنتك عمر فأنا أقدر على أن أسترجع مصر وأصلح ذات البين . فأجاب هراكيلوس بأن عمر له زوجة مثل


1) الكامل في التاريخ 96/3 ، وليست فيه التفاصيل المذكورة هنا .

أم كلثوم فكيف يرضى بمصاهرتي . ولما اشتهر هذا الخبر بالمدينة قال عمر لأم كلثوم أن تبعث لزوجة قيصر ببعض الهدايا ، ولما وصلت الهدايا إليها أرسلت زوجة قيصر أيضاً مع هذا السفير الكبير عقداً مرصعاً بالجواهر له قيمة كبيرة .

قال ابن الأثير : لما وصلت هدايا زوجة قيصر وفيه العقد الفاخر الذي له قيمة كبيرة دخل عمر المسجد وأمر المنادي بإحضار عامة الناس، ولما اجتمع أعيان المهاجرين والأنصار قص عليهم ما جرى من أمر الهدايا وسألهم أنها لمن هي؟ فقالوا جميعاً : إنها لأم كلثوم لأنها بأزاء ما أرسلت إليها من الهدايا ولا نظر لزوجة قيصر ملك الروم فى إهدائها إلا من ابتدأت بالإرسال وليست ذمية يحتمل أن يكون لها غرض في الخليفة ولا وجه لاشتراك المسلمين فيها . قال عمر : ليس الصواب ما ذهبتم إليه، فإن الرسول رسول المسلمين والبريد بريدهم والمسلمون عظموها صدرها . فأمر بإلحاق الهدايا بأموال المسلمين وجعلها في بيت المال ودفع إلى أم كلثوم قيمة الهدايا . انتهى .

قال العلامة المحقق الطهراني في مقدمات مقتل له غير مطبوع والنسخة موجودة عندنا إلى هنا جفّ قلمه الشريف : ولا يخفى على ذوي النهى أن هذا الصنيع من عمر بن الخطاب أمر محبوب جاذب ، كاشف عند العامة عن غاية التقوى والزهد ، وبمثل هذه الأفعال جلس ذلك المجلس ورقى منبر رسول الله صلى الله عليه وآله . ولكن عند الخبير يدل هذا العمل على العكس فإن كون الهدايا لأم كلثوم من الواضحات التي يدركها من كان له مسكة ، فإن خفى مجلسه هذا الأمر الخفى فالأمر واضح. مع أنه على ذلك التقدير لا يجوز له مخالفة الصحابة فما اتفقوا عليه من أنها لأم كلثوم وجعلها لغيرها ، كما صنع في فدك والعوالي .

ثم إن إحضار عامة المسلمين لاستكشاف مثل هذا الأمر الواضح لا وجه له إلا

إظهار العظمة والجلالة والنسك والزهادة عند العامة ، وإلا فسبيل رفع الشبهات إنما هو سؤال العلماء من الصحابة من المهاجرين والأنصار لا العامة . وما أشبه هذا الظلم ما ظُلم بها أمها سيدة نساء العالمين عليها السلام.

والإستدلال بأن البريد بريد المسلمين وأنهم عظموها. واضح الفساد، فإن بريد المسلمين إنما يستحق أجرة عمله ، وهي ترجع إلى المسلمين . انتهى كلامه .

ولعمري إنه قد أجاد فيا أفاد وجاء بما هو فوق المراد . ونزيده اعتراضاً : أن ما أرسلت زوجة قيصر إنما هو بعنوان الهدية : إما لأم كلثوم كما هو رأي الصحابة وأفتوا به ، وإما للمسلمين كما هو رأي عمر . وعلى الوجهين من المسلّم بل المتفق عليه أن الهدايا قبل وصولها إلى يد المهدى إليه ملك للمهدي، وبعد وصولها إلى يد المهدى إليه يكون ملكاً له . وهذا هو الفارق بين الهبة والهدية ، فإن الهبة تصير ملكاً للموهوب له من أول الأمر ويجوز للواهب أن يجعلها ملكاً له بعد ماكان ملكاً لغيره. وحينئذ إن حصلت الهدايا بيد أم كلثوم صارت ملكاً لها ، فلا يجوز تبديلها بغير إذنها ، وإن لم تحصل بيدها لا يجوز تبديلها لأنها ملك زوجة قيصر.

هذا رأي الصحابة ومنهم علي بن أبي طالب ، وقد خالف الخليفة علياً مع أنه إليه في المسائل المعضلة ويقول «قضية لا أبا الحسن لها». وإن کان يرجع لم يكن علي بن أبي طالب حاضراً فله أن يرجع إليه حتى لا يقول «لولا علي لهلك عمر » (1).

وأما على رأى عمر فلا وجه لتبديل الهدايا وإعطاء قيمتها لأم كلثوم إلا مراعاة الإحتياط والجمع بين رأيه ورأي الصحابة ، ومقتضى الاحتياط أن يعطي


1) الكافي 424/7 .

الهدايا لأم كلثوم وجعل القيمة في بيت المال ، لا العكس كما لا يخفى وجهه على أحد إلا على عمر، وبه يحصل غرضه من التنسك والزهد وإظهار العظمة والجلالة.

وقال العلامة المتقدم ذكره : وكان هذا السفير حاضراً في مجلس يزيد حين دخول أهل البيت عليهم السلام في ذلك المجلس، وكان يشاهد . إلى أن قال : فالتفت يزيد إلى السفير وقال له : هل أنت تعرف زوجة عمر بن الخطاب بنت علي ؟ قال : نعم كانت في ذلك الزمان أجل من زوجة قيصر ملك الروم. وسيأتي تمام قضية السفير عند ذكر مجلس يزيد وخطبة زينب سلام الله عليها . وفي ما ذكرناه كفاية على الدلالة على جملة مما ذكرنا .

رجعنا إلى ماكنا فيه من حياتها مع أبيها سلام الله عليه .

روى العلامة النقدي مرسلاً : أنها في طفولتها كانت عايشة في حجر أبيها ، وهو عليه السلام يلاطفها بالكلام فقال لها : يابنتي قولي «واحد». فقالت : واحد . فقال لها قولي «اثنين». فسكتت . فقال لها : تكلمي يا قرة عيني . فقالت : يا أبتاه ما أطيق أن أقول «اثنين » بلسان أجريته بالواحد . فضمها صلوات الله عليه إلى صدره وقبلها بين عينيها .

ثم قال العلامة المذكور : ولكن الذي رأيته في كتاب مصابيح القلوب للشيخ الأجل أبي سعيد الحسن بن الحسن السبزواري المعاصر للشهيد الأول : إن هذا السؤال من أمير المؤمنين كان لولده العباس وأنه لما سكت قال له أبوه : لم لم تقل «اثنين» ؟ فقال : إني استحيى أن أقول «واحد» ثم أقول «اثنين». ففرح أمير المؤمنين بهذا الكلام وقبله بين عينيه . انتهى .

ويمكن تعدّد الواقعة .

وقال العلامة النقدي : وإن زينب عليها السلام قالت لأبيها : أتحبنا يا أبتاه ؟ فقال عليه السلام : وكيف لا أحبكم وأنتم ثمرة فؤادي . فقالت : يا أبتاه إن الحب الله تعالى والشفقة لنا . وهذا الكلام روي عنها متواتراً ، وإذا تأمله المتأمل رأى فيه

علماً جماً .

وعن الفاضل السيد نور الدين الجزائري في كتابه الخصائص الزينبية : إن زینب سلام الله عليها كان لها مجلس في بيتها في أيام إقامة أبيها بالكوفة ، فكانت تفسر القرآن، وفي بعض الأيام كانت تفسر (كهيعص) إذ دخل أمير المؤمنين عليه السلام فقال لها يا نور عيني سمعتك تفسرين (كهيعص ) . فقالت : نعم . فقال عليه السلام : هذا رمز بمصيبة تصيبكم عترة الرسول صلى الله عليه وآله . ثم شرح لها المصائب، فبكت بكاءاً عالياً .

في البحار (1)عن الإرشاد وكشف الغمة عن مناقب الخوارزمي عن إسماعيل بن زیاد قال : حدثتني أم موسى - كانت خادمة علي عليه السلام وهي حاضنة فاطمة ابنته - قالت: سمعت علياً يقول لابنته أم كلثوم : يا بنية إني أراني قلّ ما أصحبكم . قالت : وكيف ذلك يا أبتاه ؟ قال : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في منامي وهو يمسح الغبار عن وجهي وهو يقول : يا علي لا عليك ،قد قضيت ما عليك . قالت : فما مكتنا إلا ثلاثاً حتى كانت تلك الضربة . فصاحت أم كلثوم ، فقال : يا بنية لا تفعلي، فإني أرى رسول الله صلى الله عليه وآله يشير إليّ بكفه ويقول : يا علي هلّم إلينا فإن ما عند الله هو خير لكم .

والظاهر بل المتعيّن أن أم كلثوم في قضايا شهادة أميرالمؤمنين هي زينب


1) بحار الأنوار 35/42.

الكبرى لا زينب الصغرى زوجة عبدالله بن جعفر ، ويدل على ذلك جملة من الأخبار الآتية ، يعني إن أم كلثوم في الليلة التاسعة عشرة من شهر رمضان هي زينب الكبرى ، لأن الأصح كما يظهر من الأحاديث والتواريخ - أنه أفطر في هذه الليلة في منزلها .

وفي الإرشاد (1)عن فضل بن دكين، عن عثمان بن المغيرة ، قال : لما دخل شهر رمضان كان أمير المؤمنين عليه السلام يتعشى ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبدالله بن العباس. ومثله في روضة الواعظين وفي رواية : وليلة عند عبدالله بن جعفر ، بل عبد الله بن عباس لأجل زينب بنته صرح بذلك جمع منهم لسان المؤرخين .

والصحيح أن ليلة شهادته كان في منزله عليه السلام.

في البحار (2): قالت أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام : لما كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان قدّمتُ إليه عند إفطاره طبقاً فيه قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها لبن وملح جريش ، فلما فرغ من صلاته أقبل على فطوره فلما نظر إليه وتأمله حرك رأسه وبكى بكاءاً شديداً عالياً ، وقال : يا بنية ما ظننتُ أن بنتاً تسوء أباها كما قد أسأتِ أنت إلي . قالت : وماذا يا أباه ؟ قال : أتقدمين إلى أبيك ادامين في فرد طبق واحد ؟ أتريدين أن يطول وقوفي غداً بين يدي الله عز وجل . إلى أن قال : والله لا آكل حتى ترفعين أحد الادامين . فلما رفعته تقدم إلى الطعام فأكل قرصاً واحداً بالملح الجريش - إلى آخر


1) الإرشاد للمفيد 14/1.

2) بحار الأنوار 276/42 .

الرواية التي يظهر منه أنه عليه السلام كان من أول الإفطار في بيته وأن أم كلثوم هي ابنته الكبرى .

في آخر الرواية : فرجع الحسن عليه السلام بعد ما أمره أبوه بالرجوع، فوجد أخته أم كلثوم خلف الباب تنتظره ، فدخل وأخبرها بذلك وجلسا يتحادثان وهما محزونان . الحديث .

وفي البحار عن الخرائج (1): روي عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن حمق ، قال : دخلت على علي عليه السلام حين ضُرب الضربة بالكوفة ، فقلت : ليس عليك بأس، إنما هو خدش . قال عليه السلام : لعمري إني مفارقكم . ثم قال : إلى السبعين ملاء - قالها ثلاثاً . قلت : فهل بعد البلاء رخاء . فلم يجبني و عليه، فبكيت عليه أم كلثوم، فلما أفاق قال : لا تؤذيني يا أم كلثوم ، فإنك لو ترين ما أرى لم تبك ، إن الملائكة من السماوات السبع بعضهم خلف بعض والنبيون يقولون : إنطلق يا علي فما أمامك خير لك مما أنت فيه . الحديث .

وفيه عن الأمالي (2)باسناده عن حبيب بن عمر مثله باختلاف يسير .

وفي حديث زائدة رواه الشيخ الفقيه أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه في كامل الزيارة (3)عن قدامة بن زائدة عن أبيه قال : قال علي بن الحسين : بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبدالله الحسين . وساق الحديث إلى أن قال عليه السلام:


1) الخرائج و الجرائح 178/1 ، بحار الأنوار 120/4 .

2) الأمالي للصدوق ص 396.

3) كامل الزيارات ص 445 . وهو من الحديث المضمن إلى الكتاب .

قالت زينب : فلما ضرب ابن ملجم أبي ورأيت عليه آثار الموت منه قلت له : يا أبه حدثتني أم أيمن بكذا وكذا ، وقد أحببت أن أسمعه منك . فقال : يا بنتي الحديث كما حدثتك أم أيمن ، وكأني بك وبنساء أهل بيتك بهذا البلد أذلاء خاشعين تخافون أن يتخطفكم الناس ، فصبراً صبراً ، فو الذي خلق الحبة وبرأ النسمة ما الله على الأرض يومئذ ولي غيركم وغير محبيكم وشيعتكم الحديث أخذنا منه موضع الحاجة.

في البحار (1): ثم غمض صلوات الله عليه عينيه ومد يديه ورجليه وقال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله . قال : وعند ذلك صرخت زينب وأم كلثوم وجميع نسائه وقد شقوا الجيوب ولطموا الخدود وارتفعت الصيحة في القصر ، وعلموا أهل الكوفة أن أمير المؤمنين قد قضى . إلى أن قال : قال محمد بن الحنفية : ثم أخذنا في جهازه ليلاً، وكان الحسن يغسله والحسين يصب الماء عليه ، وكان عليه السلام لا يحتاج إلى من يقلبه بل كان يتقلب كما يريد الغاسل ، وكانت رائحته أطيب من رائحة المسك والعنبر . ثم نادى الحسن بأخته زينب وأم كلثوم وقال : يا أختاه هلمي بحنوط جدي رسول الله. فبادرت زينب مسرعةً حتى أتته به . قال الراوي : فلما فتحت فاحت الدار وجميع الكوفة وشوارعها لشدة رائحة ذلك الطيب.

قال العلامة النقدي بعد ذكر الحديث هكذا : « ونادى بأخته زينب أم كلثوم» بدون الواو ، قال : في نسخ البحار «زينب وأم كلثوم»، وما نقلناه أصح بقرينة «هلمي» بلفظ المفرد وبقرينة « فبادرت زينب». ومن هذا يُعلم أن أم كلثوم


1) بحار الأنوار 179/45 .

الوارد ذكرها مكرراً في هذه الرواية هي زينب . انتهى .

نعم، ما استفاده دامت إفاداته من أن أم كلثوم في الرواية هي زينب حسن بل متعين لو أفرد به كما مرّ أن النسخ مطبوعها وغير مطبوعها زينب وأم كلثوم بالواو العاطفة ، والذي أوقعه في الوهم كلمة « أخته » وفي غير واحد من النسخ «أختيه » بدل أخته .

هذا مع أن «زينب كلثوم» هنا بدون واو العاطفة ليس بعربي جيد ، وهو دام ظله أهل اللسان . فتفطن .

وفي البحار عن فرحة الغري (1)عن الصدوق باسناده عن موسى بن سنان الجرجاني ، عن أحمد بن علي المقري ، عن أم كلثوم بنت علي عليه السلام ، قالت : آخر عهد أبي إلى أخوي أن قال : يا بني إذا أنا مت فغسلاني ثم نشفاني بالبردة التي نشفتم بها رسول الله صلى الله عليه وآله وفاطمة ، ثم حنطاني وسجياني على سريري، ثم انظرا حتى إذا ارتفع لكما مقدم السرير فاحملا مؤخره قالت : فخرجت أشيع جنازة أبي حتى إذا كنا بظهر الكوفة وقدمناه بظهر الغري ركز المقدم فوضعنا المؤخر ، ثم برز الحسن بالبردة التي نشفت بها رسول الله صلى الله عليه وآله وفاطمة وأمير المؤمنين عليهما السلام ، ثم أخذ المعول فضربه ضربة فانشق القبر عن ضريح ، فإذا هو بساجة مكتوب عليها سطران بالسريانية «بسم الله الرحمن الرحيم . هذا قبر قبره [ ادخره ] نوح النبي لعلي وصي محمد قبل الطوفان بسبعمائة عام». قالت أم كلثوم : فانشق الأرض، فلا أدري أنبش سيدي في الأرض - وفي نسخة : أغار سيدي في الأرض - أم أسري به إلى السماء ،


1) فرحة الغري ص 63 . بحار الأنوار 216/42 .

إذ سمعت ناطقاً لنا بالتعزية وهو يقول : أحسن الله لكم العزاء في سيدكم وحجة الله على خلقه .

قال المجلسي طاب مضجعه : قوله « ثم برز الحسن بالبردة» أي مرتدياً بها .

وفي البحار (1): قال أبو مخنف : فلما رجع الحسن عليه السلام دخلت عليه أم كلثوم وأقسمت عليه أن لا يترك الملعون في الحياة ساعةً واحدةً ، وكان قد عزم على تأخيره ثلاثة أيام، فأجابها إلى ذلك. إلى أن قال : قال أبو مخنف : فلما فرغوا من هلاكهم وقتلهم - أي هلاك قطام وهلاك الرجلين اللذين تحالفا مع ابن ملجم - أقبل الحسن والحسين إلى المنزل فالتفتت بهم أم كلثوم وأنشدت تقول «ألا يا عين جودي واسندينا » . فيظهر منه أن الأبيات لأم كلثوم .

قال أبو الفرج الأموي في مقاتل الطالبيين (2): قال أبو مخنف ، قال أم الهيثم بنت الأسود النخعية « ألا يا عين ويحك فاسعدينا » الأبيات . ونسب جماعة الأبيات إلى أبي الأسود الدئلي . وقيل : بعض الأبيات لأم كلثوم وبعضها لأم الهيثم وبعضها لأبي الأسود . ولما لم تصح النسبة إلى زينب تركناها .

وفي مقتل علي عليه السلام أمور أخرى منسوبة إلى زينب الكبرى وأختها زينب الصغرى تذكر في الباب الثاني إنشاء الله تعالى .

بقي أمران :

(الأول) قال العلامة النقدي: حدث يحيى المازني قال : كنت في جوار أمير المؤمنين عليه السلام في المدينة مدة مديدة وبالقرب البيت الذي تسكنه


1) بحار الأنوار 296/42 .

2) مقاتل الطالبيين ص 55 .

زينب ابنته ، فلا والله ما رأيت لها شخصاً ولا سمعت لها صوتاً ، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدها رسول الله صلى الله عليه وآله تخرج ليلاً والحسن عن يمينها والحسين عن شمالها وأمير المؤمنين أمامها ، فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين فأخمد ضوء القناديل، وسأله الحسن عن ذلك مرة ، فقال : أخشى أن ينظر شخص إلى أخته زينب . انتهى .

هذا الحديث لم نجده في الكتب المعتبرة ، ولم يسنده دامت إفاداته إلى كتاب ولا إلى راوٍ . ويحيى المازني مجهول لم يذكره أصحابنا في كتبهم، وليس هو يحيى بن سليمان المازني الذي روى عنه عبدالرحمن بن سعيد المكي فضل زيارة الرضا عليه السلام على ما في الكافي والتهذيب، مع أن هذا أيضاً مجهول لم يذكره الأصحاب في الرجال كما صرح بذلك في التنقيح .

( الثاني ) قال العلامة النقدي أيده الله : نقل بعض المتتبعين للآثار أن بعض النساء تلقت من أختها كتاباً أثناء وقعة الجمل وفيه :

ما الخبر ما الخبر***إن علياً كالأشقر

إن تقدم عقر***وإن تأخر نحر

فجمعت هذه المرأة نساء قومها وصرن يضربن بالدفوف ويردّدن هذا الكلام فأخبرت زينب بذلك، فعمدت إلى توبيخهن فقالت أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وآله : أنت ابنة أمير المؤمنين وعقيلة آل أبي طالب ، قري في مكانك ودعيني أخرج إليهن وأو بخهن . فأبت إلا أن تخرج بنفسها إليهن ، وتزيت بزي الجواري وخرجت تحفّ بها الإماء ومعها أم سلمة وأم أيمن حتى دخلت على النسوة ، فلما رأتها المرأة استحيت وفرقت النساء وقالت لها : إنهن قلن هذا بجهل. فقالت لها زينب : إن تظاهرتما على أبي فقد تظاهرتما على رسول الله صلى الله عليه وآله من قبل . وعادت إلى بيتها .

قال : ونقل شيخنا المفيد هذه الرواية في كتاب النصرة في حرب البصرة ، قال فيه : فلما بلغها نزول أمير المؤمنين عليه السلام بذي قار كتبت إلى الأخرى : أما ،بعد ، فلما نزلنا البصرة نزل علي بذي قار والله داق عنقه كدق البيضة في الصفا بمنزلة الأشقر ، إن تقدم نحر وإن تأخر عقر . فلما وصلها الكتاب استبشرت بذلك ودعت الصبيان وأعطت جواريها دفوفاً وأمرتهن أن يضربن بالدفوف ويقلن :

ما الخبر ما الخبر***علي في دفر

إن تقدم نحر***وإن تأخر نفر

فبلغ أم سلمة اجتماع النسوة على ما اجتمعن عليه ، فبكت وقالت : أعطوني ثيابي حتى أخرج إليهن وأقع بهن فقالت أم كلثوم بنت علي : أنا أنوب عنك ، فإني أعرف منك بهن . فلبست ثيابها وتنكرت وتحقرت واستصحبت جواريها متحفزات، فجاءت و دخلت عليهن كأنها من النظارة ، فلما رأت ما هن فيه من العبث والسفه كشفت نقابها وأبرزت لها وجهها ثم قالت : إن تظاهرت وأختك على أمير المؤمنين فقد تظاهرتما على أخيه رسول الله من قبل فأنزل الله قبلكما ما أنزل ، والله من وراء برحكما . فأنكرت تلك المرأة المكتوب إليها وأظهرت خجلاً وقالت : إنهن فعلن هذا بجهل، وفرقتهن في الحال وانصرفت من المكان . انتهى .

وفي البحار (1)عن أبي مخنف قريباً من ذلك باختلاف يسير، إلا أنه لم يذكر أم سلمة وأم أيمن ، بل ذكر أم كلثوم بنت علي فقط ، ثم قال: وذكر المفيد في «الكافئة في ردّ توبة الخاطئة » بيتين آخرين مثل ما ذكره أبو مخنف . ولم يحضرنا كتاب النصرة في حرب البصرة - على فرض صحة النسبة إلى المفيد حتى ننظر إليه .


1) بحار الأنوار 90/32، مناقب أهل البيت للشيرواني ص 473 .

ولعلّ ما ذكره أبو مخنف هو الصحيح ، لتصريح جملة من المؤرخين والمحدثين من الفريقين على أن أم سلمة كانت فى تلك الفترة بمكة ، كما أن عائشة أيضاً كانت بمكة ، فلما حجت خرجت إلى المدينة ، فسمعت في الطريق قتل عثمان وخلافة علي عليه السلام رجعت إلى مكة من بين الطريق، فلحق بها طلحة والزبير وخرجت معهما إلى البصرة .

ولعائشة مع أم سلمة قصة طلبت منها الخروج معها ، فمنعتها أم سلمة عن الخروج فلم تمتنع من ذلك ، فكاتبتها عائشة فأجابتها بالكتابة . والقصة مذكورة في التاريخ والحديث .

وأما أم كلثوم فالظاهر أنها ليست أم كلثوم المسماة بزينب بنت الزبير ، فإن من بناته عليه السلام من أمهات شتى أم كلثوم وزينب على ما سبق ، فإن أم كلثوم وزينب بنت فاطمة - على ما صرح به العلامة النقدي - كانت مع علي عليه - السلام ، وبقية أخواتها وعشيرتها حين الخروج إلى البصرة .

قال أيده الله : الأسفار التي سافرتها زينب هي ثلاث، وعلى قول النسابة العبيدلي أربعة أسفار : الأولى كانت مع والدها أمير المؤمنين عليه السلام لما هاجر من المدينة إلى الكوفة ، سافرت هذه السفرة وهي في غاية العز ونهاية الجلال والإحتشام، يسير بها مركب فخم من مواكب المعالي والمجد محفوفة بأبهة الخلافة محاطة بهيبة النبوة، مشتملة على السكينة والوقار فيه أبوها الكرار أمير المؤمنين عليه السلام وأخواها الحسنان سيدا شباب أهل الجنة وحامل الراية العظمى محمد بن الحنفية - إلى آخر ما قال.

قال : وعلى هذا فلم تكن أم كلثوم بنت الزهراء يومئذ في المدينة، إذ الكتاب الذي كتبته عائشة إلى حفصة - على ما صرح به المحدثون والمؤرخون من الفريقين كتبتها وعلي عليه السلام بذي قار ، وذو قار قريب من البصرة ، ورجع علي بعد وقعة الجمل

إلى الكوفة ، ولم يذكر أحد أنه رجع إلى المدينة ثم منها إلى الكوفة .

وعلى ما ذكرنا فما عن الشيخ والعلامة النقدي محل نظر بل منع، خصوصاً في ذكر أم سلمة وأم أيمن. وأما أم كلثوم فقد مر أنها بنت علي من أم ولد فاطمة . والله أعلم .

الفصل الخامس في حياتها مع أخيها الحسن عليه السلام

عاشت زينب مع أخيها الحسن عليه السلام قريباً من خمس وأربعين سنة ، وكان عليه السلام يحبها حباً شديداً ويكرمها إكراماً بليغاً ، وكان يشاورها في أمور مهمة وقضايا معضلة . كيف وهما قد رضعا من ثدي واحد ولبن واحد ورتيا في حجر واحد وعلمهما من منبع واحد .

ومن عجيب ما وقع في المقام من الأعلام كصاحب المقامع والقمقام وغيرهما من أصحابنا الامامية تبعاً لبعض العامة القول بأنها توفيت في زمن أخيها الحسن عليه السلام :

أما العامة فقد اختلفوا في ذلك يُظن بل يقطع بكذب التوالد والتناسل بين عمر افي وأم كلثوم : فمنهم من أنكر التناكح بعد القول بأصل النكاح لصغرها ، ومنهم من قال بالتوالد وأنها ولدت لعمر ولدين ذكراً يُسمى بزيد وبنتاً زوجها عمر في حياته من إبراهيم ، ومنهم من اقتصر على ولد واحد . ثم منهم من قال أنه مات وكان رجلاً ، كما صرح به ابن حجر .

وقال ابن قتيبة في المعارف (1): وأما زيد بن عمر بن الخطاب فرمي بحجر في


1) المعارف ص 188 .

حرب كان بين بني عُوَيج وبني رزاح فمات ولا عقب له . ويقال : إنه مات هو وأمه أم كلثوم في ساعة واحدة ، فلم يرث واحد منهما من صاحبه .

وقال في أسد الغابة (1): وتوفيت أم كلثوم وابنها زيد في وقت واحد ، وكان زيد أصيب في حرب كانت بين بني عدي، خرج ليصلح بينهم ، فضربه رجل منهم في الظلمة فشجّه وصرعه ، فعاش أياماً ثم مات هو وأمه وصلى عليهما عبدالله بن عمر ، قدمه حسن بن علي عليهما السلام.

وقال جمع منهم : أنها زُوّجت بعد عمر بمحمد بن جعفر ثم بعون بن جعفر وماتت عنده ، وذهب جماعة منهم أنها كانت مع أخيها في كربلاء وتوفيت بالمدينة بعد رجوعها من الشام بثمانين يوماً ، كما عليه أصحابنا رضوان الله عليهم.

وقد مرّ شطر من ذلك ، وسيأتي مفصلاً عند ذكر وفاتها صلوات الله عليها .

أما ما أوقع بعض أصحابنا في ذلك الوهم - مضافاً إلى تبعية بعض مؤرخي العامة - روايتان : إحداهما - رواية القداح ، وقد ذكرت فيما سبق مع التعليق عليها .بما لا مزيد عليه .

الثانية - ما رواه في الوسائل (2)مرسلاً قال : وروى الشيخ في الخلاف (3)عن عمار بن ياسر قال : أخرجت جنازة أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر ، وفي الجنازة الحسن والحسين وعبدالله بن عمر بن عمر وعبدالله عباس وأبوهريرة، بن فوضعوا جنازة الغلام مما يلي الإمام والمرأة وراءه وقال : هذا هو السنة .


1) أسد الغابة 615/5 .

2) وسائل الشيعة 128/3 .

3) الخلاف 723/1.

وفيه : مع ضعف الرواية بالإرسال وعدم إسناده إلى الإمام وعدم وجودها في الكتب الثلاثة المعروفة المشهورة بل ولا في الكتب المعتبرة بل ولا في كتب الشيخ غير الخلاف، أنه على ذلك كان وفاتها في زمن علي عليه السلام، لأن عماراً استشهد في حرب صفين. ويظهر من الرواية أنه كان حاضراً في الواقعة ، فكيف يقال : إن وفاتها كانت في زمن الحسن عليه السلام . مع أن لفظ « الغلام» يدل على أن زيداً لم يبلغ مبلغ الرجال، وزمن الحسن عليه السلام كان بعد الأربعين من الهجرة .

ومع كل ذلك لم يذكر في الرواية كرواية القداح المتقدمة - أن المصلي عليها عبدالله بن عمر مع وجود الحسن والحسين وابن عباس كما فى أسد الغابة . فالرواية على فرض صدورها تخرج مخرج التقية لموافقتها لبعض العامة .

والحكم بوضع جنازة الغلام مما يلى الإمام والمرأة وراءه - وإن كان صحيحاً وعليه إجماع أصحابنا رضوان الله عليهم وجوباً أو استحباباً - لكن مستنده أخبار أخرى ذكرت في الوسائل وغيره .

هذا ، مع أن في متن الرواية إضطراباً ، ففي نسخة الجواهر (1)« أخرجت جنازة أم كلثوم» بدون بنت علي ، وفي بعض النسخ « زيد بن يحيى» ، وفي بعض النسخ «زيد بن عمر» بدون «ابن الخطاب»، وفي بعض النسخ «زيد بن عمرو» لا عمر.

وبالجملة، فالإستدلال بمثل هذه الرواية على مسألة تاريخية أو الاستشهاد بها ، ليس له وجه فضلاً عن المسألة الفرعية .فالاستدلال برواية عمار بن ياسر


1) جواهر الكلام 80/12 .

وأنه كان حاضراً عند وفاة أم كلثوم في زمن الحسن عليه السلام، مما تضحك به الثكلى.

وقد يذكر في حياة زينب مع أخيها الحسن عليه السلام أمور لا مستند لها ، ترکناها لعدم الاعتماد بناقلها .

وسافرت روحي لها الفداء مع أخويها الحسنين عليهما السلام وعشيرتها بعد صلح الحسن مع معاوية ، من الكوفة إلى المدينة في موكب فخم في منتهى العز والجلال.

الفصل السادس في حياتها مع أخيها الحسين عليه السلام

عاشت زينب مع أخيها الحسين عليه السلام نحواً من خمس وخمسين سنة ، وكان يحبها الحسين حباً شديداً مفرطاً بحيث يضرب به المثل ، وكان يكرمها إكراماً بليغاً . قيل : كان الحسين إذا زارته زينب يقوم إجلالاً لها ويجلسها في مكانه .

وكان عليه السلام في واقعة الطف أكثر توجهه ومكالمته ومخاطباته مع أخته زينب على ما يظهر من الأحاديث والتواريخ.

وقد مرّ عند ذكر خروجه عليه السلام من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى كربلاء ، وفي كربلاء إلى انقضاء أمره وشهادته وما جرى على بدنه ورأسه وبدن أصحابه ورؤوسهم، ما جرى على أخته زينب الكبرى منذ أول الواقعة إلى آخرها ، فلا نعيدها ، ومن أراد فليراجع.

وقد ذكروا أموراً تتعلق بها تركناها لعدم الإعتداد بها واعتبارها إلزاماً منا من أول الأمر بذكر ما ورد في الأصول المعتمدة والتواريخ المنتشرة عند العامة والخاصة والكتب التي صح استنادها إلى مؤلفيها وكان مؤلفها ممن يُعتمد عليه

ويوثق به وجيهاً موجهاً عند العامة والخاصة مشهوراً معروفاً بين الجميع .

وبعض الكتب المؤلفة في زماننا أو ما يقرب من زماننا ، فيها ما لا أصل له ولا سند يُعتمد عليه ، بل نقطع بكذب جملة منها ، ذكروا فيها ما سمعوه من الذاكرين وأخذوها من أشعار الرائين ، وجملة منها لسان حال أو موضع مقال فحسبوها رواية أو حديثاً ، فأدرجوها في كتبهم تقليداً من دون تتبع وتحقيق وتأمل.

هذا الخلط زاد حتى أصبح التميز بين الصحيح والسقيم منها والغث والسمين والمروي من المجعول والحقيقة عن المجاز مشكلاً في زماننا .

وكثيراً ما اعترضتُ على الذاكرين في نقل كلام أو حديث أو مصيبة ، فكان الجواب : رأيته في كتاب حزن المؤمنين أو محرق القلوب أو روضة الشهداء أو آتشكده أو في مجموعة والدي وغير ذلك. فصار الأمر في زماننا أشكل . فلذا اقتصرنا في كتابنا هذا على الروايات الصحيحة من الكتب المعتبرة المعروفة . ولعل الآخذ بذلك والناقل عنه كان مثاباً مأجوراً ومعذوراً. وما توفيقي إلا بالله وهو الهادي إلى سواء السبيل.

الفصل السابع في حياتها بعد أخيها الحسين عليه السلام

نذكر ما جريات حوادث حياة زينب بعد أخيها الحسين عليه السلام طي أمورستة :

( الأمر الأول ) فيما جرى عليها بعد أخيها الحسين عليه السلام :

في البحار (1)عن المناقب ومحمد بن أبي طالب : فلما نظرت إخوةُ الحسين


1) بحار الأنوار 60/45 .

وبناته وأهلُه إلى الفرس ليس عليه أحد، رفعن أصواتهن بالبكاء والعويل، ووضعت أم كلثوم يدها على أم رأسها ونادت : وامحمداه، واجداه، وانبياه، وا أبا القاسماه ، واعلياه، واجعفراه، واحمزتاه واحسناه ، هذا حسين بالعراء ، صريع بكربلاء مجزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء. ثم غشي عليها .

وفي روضة الصفا : وكانت زينب بنت علي على أشدّ بكاء وحزن ، وكانت تلطم خدها ونادت : وامحمداه - إلى آخره باختلاف يسير ومثله في غيره.

وفي المناقب(1): وعن محمد بن أبي طالب : فأقبل أعداء الله حتى أحدقوا بالخيام ومعهم شمر عليه اللعنة ، فقال : أدخلوا واسلبوا زينتهن، فدخل القوم وأخذوا ما كان في المخيم حتى أفضوا إلى قرط كان في أذن أم كلثوم أخت الحسين عليه السلام، فأخذوه وخرموا أذنها ، حتى كانت المرأة لتنازع ثوبها على ظهرها حتى تُغلب عليه .

وقال المحقق المعاصر في أربعينه : في المناقب وقصد شمر إلى الخيام، فنهبوا ما وجدوا حتى قطعت أذن أم كلثوم الحلقة كانت فيها (2).

وقال الاسفرايني في مقتله : قال عمر بن سعد : سعد : دونكم والخيام إنهبوها فدخلوها وجعلوا يسلبون ما على الحريم والأطفال من اللباس ، ثم قطعوا الخيام بالسيوف ، فخرجت أم كلثوم وقالت : يا بن سعد ، الله يحكم بيننا وبينك ، ويحرمك شفاعة جدنا ، ولا يسقيك من حوضه كما فعلت بنا .

وقالت زينب أخت الحسين : كنا ذلك الوقت جلوساً في الخيام إذ دخل علينا


1) بحار الأنوار 60/45 نقلاً عن المناقب .

2) مناقب آل أبي طالب 259/3 .

رجالٌ وفيهم رجل أزرق العيون أخذ كل ماكان في خيمتنا التي كنا مجتمعين فيها ، ثم نظر إلى علي الصغير ابن الحسين وهو مطروح على قطعة من الأديم ، فجذبها من تحته ورماه الأرض ، ثم أخذ قناعي عن رأسي ، ونظر إلى قرط كان في أذني فعالجه فخرم أذني وجعل الدماء تسيل على ثيابي ، ثم نظر إلى خلخال كان في رجلي فاطمة الصغرى، فجعل يعالجها حتى كسرهما وأخرج الخلخال منها، فقالت له : تسلبنا وأنت تبكي . فقال : أبكي لما حلّ بكم يا أهل البيت . قالت زينب : فخنقتني العبرة من وجع أذني وبكاء فاطمة، فقلت له : قطع الله يدك ورجلك وأذاقك الله النار في الدنيا والآخرة .

قال : وقال الراوى : فما كان إلا قليل حتى ظهر المختار ، فاستجاب الله دعوتها بيد المختار . انتهى .

وقد مرّ في ترجمة فاطمة بنت الحسين مثله باختلاف يسير .

وفيه : قال الراوي: ثم أقبلوا على على بن الحسين عليهما السلام وهو ضعيف وأرادوا قتله، فلما رأتهم أم كلثوم أقبلت وهي حاسرة الوجه وطرحت نفسها عليه ونادت واهتيكتاه ، وا قلة ناصراه، يا قوم إن كان ولابد من قتله فاقتلوني معه . فقال بعضهم : هذا ضعيف لا يحلّ قتله .

وقال القرماني في أخبار الأول : وهم شمر بقتل علي الأصغر وهو مريض، فخرجت زينب بنت علي بن أبي طالب وقالت : والله لا يُقتل حتى أقتل . فكفّ عنه . ومثله في غيره.

وفي تاريخ الطبري (1)قال : قال أبو مخنف : حدثني سليمان بن أبي راشد ، عن


1) تاريخ الطبري 453/5.

حميد بن مسلم ، قال : إنتهيت إلى علي بن الحسين بن علي الأصغر - وهو منبسط على فراش له وهو مريض ، وإذا شمر بن ذي الجوشن في رجالة معه يقولون : ألا نقتل هذا ؟ قال : فقلت : سبحان الله أنقتل الصبيان، إنما هو صبي . قال : فما زال ذلك دأبي أن أدفع عنه كل من جاء ، حتى جاء عمر بن سعد فقال : ألا لا يدخلنّ بيت هؤلاء النسوة أحد ، ولا يَعْرِضَنَّ لهذا الغلام المريض ، ومن أخذ من متاعهم شيئاً فليردّ عليهم . قال : فوالله ما ردّ أحد شيئاً .

وفي روضة الصفا : ثم أقبل شمر بن ذي الجوشن مع جماعة على نهب الخيام، فأخذوا ما فيها من القليل والكثير والنقير والقطمير (1)، فدخل شمر على علي بن الحسين وهو مريض متكئ على فراشه وسلّ شمر سيفه ليقتله ، فمنعه محمد بن ، مسلم فكفّ عنه ، وقال له : أما تستحي من الله في قتل هذا الغلام العليل ؟ قال شمر : إن الأمير عبيد الله بن زياد أمر بقتل أولاد الحسين كلهم، فمنعه عن ذلك عمرُ بن سعد وبالغ في منعه حتى كفّ عنه ، وأمر بإحراق خيام أهل البيت .

ومثله في رواية الأزدي باختلاف يسير .

وفي الارشاد (2)ومثله في روضة الواعظين باختلاف يسير : وجاء عمر بن سعد لعنه الله ، فصاحت النساء في وجهه وبكين ، فقال لأصحابه : لا يدخل أحدٌ منكم بيوت هؤلاء النسوة ولا تعرّضوا لهذا الغلام المريض، وسألته النسوة أن يسترجع ما أخذ منهن ليتسترنّ به ، فقال : من أخذ من متاعهن شيئاً فليردده عليهن ، فوالله ما ردّ أحد منهم شيئاً . فوكل بالفسطاط وبيوت النساء وعلي بن الحسين جماعةً ممن كانوا معه ، وقال : إحفظوهم كانوا معه ، وقال : إحفظوهم لئلا يخرج منهم أحد


1) أي كل حقير وثمين .

2) الإرشاد للمفيد 113/2 .

ولا تسيتُنَّ إليهم . ثم عاد إلى مَضْربه .

قال المحقق المعاصر في أربعينه : لم تُضرم النار في جميع الفساطيط ، وبقيت بقية دخلت النسوة فيها محبوسةً للأسر والسبي، ولأجله أمر بحفظهن . أو أنه لما عاد إلى مضربه لم يطعه هؤلاء الأجلاف الكفار ، كما أنه لما أمرهم بردّ ما أُخذ منهن لم يسمع منه أحد ولم يطيعوه . انتهى .

وفيه ما لا يخفى ، فإن من المتفق عليه بين أهل السير والمغازى والمقاتل من ما الفريقين واتفقت كلمتهم بنهب الأموال وسلب النساء والأطفال وإضرام الخيام وإحراقها . ولعله كما يظهر من بعض المقاتل بل صرح به جماعة - أنه بقي بعد إضرام النار وإحراق الخيام في بعض الخيم المحترقة شئ أو جملة يمكن أن يُجلس تحته ويُستتر به . ولعله على ما يظهر من بعض المقاتل - الخيمة التي كان فيها علي بن الحسين عليه السلام، وقد جمعت زينب الأطفال والنساء تحت تلك الخيمة المحترقة وأجلستهن عند علي بن الحسين، وباتوا تلك الليلة بحالة فجيعة ، أية حالة لا يمكن أن نتصورها فضلاً عن نقلها وكتابتها ، وهى روحي فداها بل سائر النسوة لم يتركن في هذه الحالة عباداتهن الموظفة المرتبة من صلاة الليل وغيرها، وإن كان أفضل عباداتها وأكملها في تلك الليلة كفالة الأيتام وكفاية أمر الصبيان وتمريض المريض والإقدام بحوائجهن وكفاية شر الأعادي عنهن، وهن يلذن بعضهن ببعض والمنادي ينادي «أحرقوا بيوت الظالمين » ، وفرارهن من خيمة إلى خيمة ومن خباء إلى خباء كما روي عن السجاد عليه السلام.

ونقتصر هنا على نقل ما ذكره الشيخ ابن نما في كتابه مثير الأحزان (1)، قال : ثم


1) مثير الأحزان ص 76 .

اشتغلوا بنهب عيال الحسين عليه السلام ونسائه ، حتى تُسلب المرأة مقنعتها من رأسها أو خاتمها من إصبعها أو قرطها من أذنها وحجلها من رجلها ، وجاء رجل من سُنبس إلى ابنة الحسين عليه السلام ، وانتزع ملحفتها من رأسها وبقين عرايا تراوحهنّ رياح النوائب وتعبث بهن أكفّ المصائب، قد غشيهن القدر النازل وساورهن الخطب الهائل . ولما بلين بكل كفور سفاك وظلوم فتاك وغشوم أفاك حسن الاستشهاد بشعر الحسن بن الضحاك :

ومما شجا قلبي وكَفَكَفَ عبرتي (1)***محارم من آل النبي استحلّتِ

و مهتوكة بالطف عنها سجوفها (2)***كعاب كقَرْن الشمس لما تبدّتِ

إذا حفزتها وَزْعَةٌ من منازع***لها المزطُ عادت بالخضوع ورنّتِ (3)

و سرب ظباء من ذُؤابة هاشمٍ***هتفن بدعوى خير حت و ميت

أردّ يداً منى إذا ما ذكرتُه***على كبدٍ حرّى و قلب مفتتِ

فلابات ليلاً شامتين بغبطةٍ***ولا بلغت آمالُها ما تمنّتِ

ولما رأت امرأةٌ من بكر بن وائل وقد توزّعوا سَلَبَ النساء قالت : يا آل بكر بن وائل أتسلب بنات رسول الله ، لا حكم إلا لله ، يا لثارات المصطف. فردها زوجها .

وخرجن بنات سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وقرة عين الزهراء حاسرات مبديات للنياحة والعويل يندبن على الشباب والكهول، وأضرمت النار في الفسطاط ، فخرجن هاربات وهن كما قال الشاعر :


1) كفكف : أسال العبرة وأجراها .

2) السجوف جمع السجاف : الستر المرخى .

3) المرط : الثوب غير المخيط .

فترى اليتامى صارخين بعَوْلةٍ***تحثو التراب لفقد خير أنام

وتقمن ربّات الخدور حواسراً***يَسِّحْن عرض ذوائب الأيتام

و ترى النساء أراملاً و ثواكلاً***يبكين كل مهذَّبِ و همامِ

ومررن على جسد الحسين عليه السلام وهو معفّر بدمائه مفقود من أحبائه ، فندبت عليه زينب بصوت مشج وقلب مقروح : «يا محمداه صلى عليك مليك السماء ، هذا حسين مرمل بالدماء مقطع الأعضاء ، وبناتك سبايا ، إلى الله المشتكى وإلى علي المرتضى وإلى فاطمة الزهراء وإلى حمزة سيدالشهداء، هذا حسين بالعراء تسفى عليه الصبا، قتيل أولاد الأدعياء، واحزناه، واكرباه ، اليوم مات جدي رسول الله ، يا أصحاب محمداه ، هذا ذرية المصطفى يُساقون سوق السبايا»، فأذابت القلوب القاسية وهدّت الجبال الراسية . انتهى .

(بیان) :

قد ذكروا في قضايا تلك الليلة أموراً كسحق طفل صغير المسلم بن عقيل وقتله تحت سنابك الخيل وأقدام الرجالة عند تسابق القوم على نهب الأموال - ذكره في الذخيرة، وكموت طفلين للحسين من العطش على ما ذكره في الإيقاد عن مقتل ابن العربي ما مضمونه : إن الحسين عليه السلام عند وفاته أوصى إلى أخته زينب بجمع العيال بعد حرق الخيام، وبعد حرقها تفرّق الأطفال فذهبت زينب الجمعهم ففقدت طفلين لأخيها فذهبت تطلبها فرأتهما معتنقين نائمين على الأرض ، فلما حركتهما فإذا هما ميتان عطشاً ، فلما سمع العسكر ذلك قالوا لابن سعد : رخص لنا في سقي الماء للأطفال، فلما جاؤا بالماء كان الأطفال يُعرضون عن الشرب ويقولون : كيف نسق وقد قتل ابن رسول الله عطشاناً - إلى غير ذلك ، تركناها لعدم مستند صحيح لها .

تنبیهان :

( الأول ) هل الإحراق وإضرام النار في الخيم كان قبل نهب الأموال وسلب النساء كما يظهر من بعض المتأخرين أو كان ذلك بعد النهب والسلب كما صرح به في روضة الشهداء ونسب ذلك إلى اللهوف وسيأتي ما فيه .

ويظهر من بعض المؤرخين وصرح بذلك لسان المؤرخين : أن إحراق الخيام كان في اليوم الحادي عشر حين أرادوا الرحيل إلى الكوفة ، قال : فلما أرادوا الرحيل في عصر الحادي عشر من المحرم جاء ابن سعد مع جماعة لحرق الخيام وأمر النساء بالخروج والرحيل فلما خرجوا أمر بإحراق الخيام، فأحرقوها جميعاً . انتهى .

والأصح على ما يُستفاد من مجموع الروايات ومن جملة من التواريخ والمقاتل : أن الفساطيط كانت قريباً من مائة فسطاط وثلاثين فسطاطاً ، جملة منها للحسين عليه السلام وأهل بيته ورجاله وأثقاله وجملة منها للأصحاب، فلما تسابق القوم على نهب الخيام أخذوا ما فيها من الذرة إلى الدرة ، فأمر ابن سعد بإحراق الخيام بعد النهب وقبل السلب، فأحرقوا الخيام إلا الخيمة التي كان فيها على بن الحسين، واجتمعت النساء والصبيان حوله، فأمر شمر بسلب النساء وخروجهن من تلك الخيمة ، فامتنعن من ذلك ، فأخرجوهن عنفاً وجراً ثم أحرقوا تلك الخيمة .

وهذا هو الظاهر من كلام السيد في اللهوف ، حيث قال بعد نقل تسابق القوم على نهب الأموال : قال الراوي : ثم أخرج النساء من الخيمة وأشعلوها بالنار .

وفي رواية حميد بن مسلم المروية في البحار (1)وسائر الكتب قال بعد ذكر


1) بحار الأنوار 58/45 .

تسابق القوم على نهب بيوت آل النبي صلى الله عليه وآله وقرة عين الزهراء البتول عليها السلام : ثم أخرجوا النساءَ من الخيمة وأشعلوا بالنار، فخرجن حواسر مسلَّبات حافيات باكيات يمشين سبايا في أسر الذلة .

و في بعض المقاتل : إنهم أحرقوا الخيام كلها إلا خيمة كان الحسين عليه السلام يصلى فيها تُسمى « خيمة الصلاة»، فاجتمعت النساء والصبيان في تلك الخيمة ، وأمر شمر بإحراق تلك الخيمة فأحرقوها ، فخرجن بنات الوحي منها بأية حالة .

وقد ذكرنا في ترجمة فاطمة بنت الحسين عليه السلام جملةً من وقائع هذه الخيمة وشطراً من وقعة سلب النساء ، فراجع.

(الثاني) المستفاد من مجموع ما جاء في كتب المقاتل والتواريخ والروايات وما يُعرف من رذالة أهل الكوفة وأخلاقهم الفاسد وطبعهم الكاسد ، أنه لم يبق في الخيام ولا عند النسوة والأطفال بعد نهب الأموال والأثقال والرحال وسلب النساء شي يسترن به الوجوه بل ما تركوا معهن نقيراً ولا قطميراً ، وما ذكره في إعلام الورى من عدم نهب جميع الأموال وسلب جميع ما على النسوة والأطفال، حتى قال : يمكن أن يقال : إنه كان مع السبايا في سفر الشام بقايا من أموالهم وأثقالهم لتسيعنوا به في سفر الشام . لعله ليس في محله ، بل المتعيَّن خلافه .

وإنما أوقعهم في الوهم ما روي في الخطبة الآتية عن زينب سلام الله عليها قولهم « وعليها برقع خز » وما ورد من «إعطائها بشر بن حذلم سوارين» وأمثال ذلك، وليس ذلك ببعيد . ولا ينا في هذا ما ذكرناه من السلب والأخذ ، لأن المستفاد من التاريخ والأخبار أن لزينب سلام الله عليها خصوصية في ذلك وأنهم كانوا يراعونها ويكرمونها في الجملة بعد المعرفة بأنها كانت زوجة عمر - ولعله لهذا السبب بقي عندها شي من الأموال كالبرقع والسوار .

ولقد حدثني بذلك مرسلاً بعض أكابر المحدثين رضوان الله عليه ، وهذا من هوان الدنيا أن زينب تكرّم لأنها زوجة عمر ولم يراع فيها وسائر أهل البيت حرمة الرسول صلى الله عليه وآله والبتول عليها السلام. ولعل هذا هو السر في قبول أمير المؤمنين عليه السلام في تزويج ابنته بعمر بحسب الظاهر على ما مر . هذا ، مع أن في رواية فاطمة بنت الحسين المتقدمة أنها قالت: «فرأيت رأسها مكشوفاً ومتنها قد اسود من الضرب».

رجعنا إلى ماكنا فيه :

اتفق الفريقان على مرورها سلام الله عليها على جسد أخيها وندبتها له ، ثم اختلفوا في كيفية مرور الآل على المصرع ، فالذي صرّح به بعض المؤرخين : أنه عند ما أرادوا الرحيل إلى الكوفة أمر ابن سعد بإحراق الخيام، وذلك في منتصف اليوم الحادي عشر ، فخرجن النساء حافيات حاسرات سافرات على الخدود لاطمات وبالعويل داعيات وإلى المصرع مبادرات ، فبرزن إلى المصرع.

وقيل (1): إن القوم مروا بهن على مصرع الحسين عليه السلام عمداً وعداوة لإحراق قلوبهن . ولعل القائل بذلك أخذه من الشيخ ابن نما حيث قال : فمروا بهن على جسد الحسين . وفي النسخة الصحيحة الموجودة عندنا : فمررن على جسد الحسين وهو معفّر بدمائه . والصحيح ما في اللهوف والبحار وجملة من الكتب المعتبرة أنه كان باستدعائهن ، قال في اللهوف (2): وقلن بحق الله إلا ما مررتم بنا على مصرع الحسين . ومثله في البحار (3)وغيره .


1) مثير الأحزان ص 59 .

2) اللهوف ص 78 .

3) بحار الأنوار 58/45 .

وقال الإسفرايني : وقالت زينب لابن سعد : بالله عليك إلا ما مررت بنا على مصرع الحسين حتى نودعه .

وقد ذكروا في المقام عند ورودهن على المصرع أموراً بعضها مقطوع الكذب وبعضها مظنونه وبعضها محتمل الصدق والكذب . ومن أراد فليراجع إلى الطراز المذهب ، وقد جمع فيه من كتب المتأخرين والمعاصرين كحزن المؤمنين ولسان الواعظين ومصائب المعصومين وبيت الأحزان وبحر المصائب ومبكي العيون وأمثال ذلك من المصنفات .

ويا ليت مؤلف الطراز المذهب اقتصر على المنتخب ومقتل أبي مخنف المطبوع ولم يذكر ما ينقص قدره وقدر مؤلّفه وهو من أفاضل المؤرخين . ونحن نقتصر في ذلك على ما جاء في اللهوف والبحار والارشاد والطبري وأضرابهم ، وهم وإن اختلفوا زيادةً ونقيصةً باختلاف يسير إلا أننا نذكر ما في الطبري ونشير إلى بعض الاختلافات ، فنقول :

قال الطبري (1): ثم أمر ابن سعد حميد بن بكير الأحمري، فأذن في الناس بالرحيل إلى الكوفة ، وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومن كان معه من النساء والصبيان وعلي بن الحسين مريض .

قال أبو مخنف (2): فحدثني أبوزهير العبسي، عن قرة بن قيس التميمي ، قال : نظرت إلى تلك النسوة لما مررن بالحسين وأهله وولده صحن ولطمن وجوههن . قال : فاعترضتُهن على فرسي فما رأيت منظراً من نسوة قط كان


1) تاريخ الطبري 455/5 .

2) مقتل الحسين عليه السلام ص 203 .

أحسن من منظر رأيته منهن ذلك اليوم والله لهن أحسن من مَهَا يَبرين . قال : فما نسيت من الأشياء فلا أنسى قول زينب ابنة فاطمة حين مرت بأخيها الحسين صريعاً وهي تقول : يا محمداه ، يا محمداه ، صلى عليك ملائكة السماء ، هذا الحسين بالعراء ، مرمّل بالدماء، مقطع الأعضاء ، يا محمداه وبناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفى عليها الصبا . قال : فأبكت والله كل عدو وصديق . انتهى .

(بیان) :

قوله «من مهايبرين» قال في القاموس (1): المهو بفتح الأول اللؤلؤ . ويبرين بفتح الياء وكسر الراء ، ويقال أبرين بالألف بدل الياء : رمل لا يُدرك أطرافه عن يمين مطلع الشمس من حجر اليمامة، وبلدة قرب حلب. وقد يقال في الرفع

يبرون . كذا في القاموس (2). فالمعنى : لهن حسن أحسن من لؤلؤ المتلألئ .

قال السيد في اللهوف (3): فلما نظرت النساء إلى القتلى صحن وضربن وجوهن . قال : فوالله لا أنسى زينب بنت علي عليه السلام وهي تندب الحسين وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب : يا محمداه .

وفي البحار (4)وجملة من الكتب « وا» بدل « يا » ، ولعله أحسن وأنسب . قال في القاموس : « وا» مخصوص بالنداء مع البكاء والعويل ، ويكون اسماً بمعنى أعجب كقول الشاعر :

وا بأبي أنت وفُؤك الأشعبُ***كأنما دُرّ عليه الزَرْنَبُ


1) القاموس المحيط 392/4 .

2) القاموس المحيط 163/2 .

3) اللهوف ص 180 .

4) بحار الأنوار 58/45 .

وفي بعض النسخ «جداه » بدل محمداه .

صلّى عليك ملائكة السماء » وفي البحار (1)وكثير من الكتب والنسخ «مليك السماء» بدل ملائكة السماء، ولعله أصح. وعليه فيُحتمل أن يكون الكلام إنشاء ودعاءً ، لاستحباب الصلاة أو وجوبها عند ذكر النبي صلى الله عليه وآله باسمه أو وصفه الخاص. ويُحتمل أن يكون إخباراً تنادى جدها وتخاطبه بأن الله تعالى وملائكته أفواجاً أفواجاً والناس جماعةً جماعةً - على ما في الروايات - صلوا عليك ولم يصلّ على الحسين أحد . ويؤيد الثاني رواية « ملائكة السماء».

وقولها «مرمل بالدماء» في المجمع : رمله بالدم فترمل أي لطخه فتلطخ . وفي القاموس (2): رمّل الثوب أي تلطخ بالدم ويحتمل أن يكون اللطخ بالرمل والدم كالطين ، أي الملطَّخ بالتراب مع الماء . ولعله أنسب .

وفي جملة من الكتب والنسخ كلواعج الأشجان (3)«هذا حسينك مرمل بالدماء». وعليه فالاضافة للتعريف لا للتسويف والتخصيص حتى يقال لا يجوز إضافة الأعلام لكونها معرفة . وقد صرّح بجواز إضافة الأعلام نجم الأئمة في شرح الكافية واستشهد بقول الشاعر:

علا زيدُنا يوم اللقا رأسَ زيدكم***بأبيض ماضِ الشَّفرتين بمان

وقد أضيف العلم في موضعين. ويمكن قصد التنكير بالمضاف والتعريف بالمضاف إليه وقد اكتسب المضاف من المضاف إليه التعريف والتخصيص . ولا


1) بحار الأنوار 58/45 .

2) القاموس المحيط 387/3 .

3) لواعج الأشجان ص 197.

يخفى ما فيه في المقام من البلاغة. وعلى الوجهين فالإضافة بتقدير «من»، ولا يخفى لطفه أيضاً .

إنما الكلام في فائدة الخبر مع أنه من الوضوح بمكان ولابد من الفائدة في الخبر ، والذي يختلج بالبال وجهان :

أحدهما : أن العالمة غير المعلمة إنما ندبت بهذه الكلمات وقد أحاطت بهن القوم وفيهم زعماؤهم كما هو المصرح في رواية ابي مخنف وصرح به المحدثون والمؤرخون - وهم ربما سمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وآله في سبطه الحسين عليه السلام « ستقتلك الفئة الباغية » (1)وأمثال ذلك عن جبرئيل عن الله تعالى ، وأنه صلى الله عليه وآله قد أصر بذلك فبل ستين سنة ، وكان الإخبار بذلك من الملاحم، فأرادت زينب إظهار صدق قول جدها وأن ما أخبر به وقع وكان صادقاً وعالماً بما سيقع، وأنه أخبر بذلك عن الله تعالى، وما نطق عن الهوى. وبذلك يُستدل على النبوة والتوحيد ، وأي دليل أقوى من هذا في إثبات التوحيد والرسالة . وعليه فالكلام جرى مجرى «إياك أعني واسمعي يا جاره» .

وثانيهما : أنها عليها السلام خاطبت جدها وأخبرته بأن الحسين عليه السلام قد قضى ما عليه وجاء بما هو فوق المراد في مقام إثبات التوحيد وإبقائه وترويج الدين وتشييد بنائه وترسيخ عماد الإسلام وبقي ما علينا من حفظ هذا الأثر ، ونحن قائمات بذلك وموطنات أنفسنا بما جرى علينا من الظلم والجور والسبي والأسر والمحنة في مقام حفظ هذا الأثر وإعلان كلمة التوحيد ، وبالملازمة يجري الكلام مجرى «إياك أعني » أيضاً .


1) الخرائج والجرائح 125/1 ، بحار الأنوار 119/18 .

وهناك وجه ثالث يأتي عن قريب .

هذا بحسب ظاهر الكلام، وإلا فيمكن بحسب الواقع أنها رأت جدها النبي بعينه وشخصه وندبت إليه واشتكت ما جرى على أخيها الحسين وعليهن وصبر أخيها وصبرها وسائر النسوة على ما أصابهن في وجه الله تعالى لإثبات ركائز التوحيد والنبوة . فتفطن .

ويحتمل أن يكون الكلام إنشاءً بتقدير همزة الاستفهام للتعجب ، فيكون ما بعده واقعاً وفاعله طابعاً . وتؤيده كلمة (( وا محمداه» وتبعده كلمة «بناتك سبايا » . فتأمل .

«مقطع الأعضاء ، وبناتك سبايا ، إلى الله المشتكى ، وإلى محمد المصطفى ، وإلى علي المرتضى ، وإلى حمزة سيدالشهدا» . لا يخفى ما في هذا الكلام من البلاغة من الإلتفات إلى الغيبة مع الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة بقولها « يا محمداه هذا حسين بالعراء» (1)بالفتح كسماء الفضاء - قاله في القاموس. وفي بعض النسخ «وا محمداه » .

«تسفي عليه الصبا» من سَفَت الريح التراب أي ذرّ عليه - قاله في القاموس. وفيه أيضاً : الصباريح مهبها من الربا إلى بنات النعش .

«قتيل أولاد البغايا يا حزناه، يا كرباه ، اليوم مات جدي رسول الله» يحتمل أن يُراد بموت الجد موت دين الجد وأن الحسين عليه السلام حياته كحياة جده في ترويج الدين وتشييد مباني الاسلام وإعلاء كلمة التوحيد فموته كموت رسول الله صلى الله عليه وآله .


1) بحار الأنوار 59/45 .

ويحتمل أن يُراد به ظاهر اللفظ ، وهو أن الحسين لما كان نفس رسول الله صلى الله عليه وآله فمهما كان حياً كان رسول الله غير ميت وعند موته يكون موت جده . ويحتمل أن يُراد أن المصيبة والحزن والشجون في هذا اليوم كاليوم الذي مات

فيه رسول الله صلى الله عليه وآله .

«يا أصحاب محمداه ، هذه ذرية المصطفى يساقون سوق السبايا» يحتمل أن يُراد بالأصحاب أصحابه الماضين ، فإنها كما تندب رسول الله تندب أصحابه . ويحتمل أن يُراد بالأصحاب الذين كانوا في الجند والعسكر والذين أحاطوا بهم في تلك الحالة ، فإن فيهم الصحابي والتابعي كما سيأتي في تراجمهم ، وقد سبق ذكر جملة منهم . ويؤيده ما في بعض المقاتل أن الكلمة ندبت بها بعد ما أركبوهن على المطايا وقرَّبوهن من المصرع.

قال السيد وغيره (1): وفي رواية « يا محمداه ، بناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفى عليهم ريح الصبا ، وهذا حسين محزوز الرأس من القفا». المحزوز بالحاء المهملة والزاي المعجمة بمعنى القطع . وفي بعض النسخ «مجزوز» بالجيم بمعنى القطع أيضاً . وفي بعضها «مجذوذ» بالجيم والذال المعجمتين أي القطع أيضاً . صرح بذلك في المجمع ، والكل صحيح . ولعل بين الألفاظ فرقاً كما يظهر منه ومن القاموس ، فإنه قال فيه : الجدّ القطع مع العجلة. وفي المجمع : إن الجد مختص بالنخل والج--ز بالجيم فيه وفي الزرع والصوف والشعر والأنسب بالمقام هو «الجذ» بالجيم والذال كما لا يخفى.

«مسلوب العمامة والرداء». العمامة بكسر العين واحدة العمائم، وهي على


1) اللهوف ص 181 .

ما في القاموس المغفَر أو شي يُلقُ على الرأس. وفي المنجد : العمامة بكسر العين ما يُلف على الرأس، شي زُوّد بنسيج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة. وفسر في المجمع المغفر بذلك.

فليس المراد بالعمامة هنا ما هو المتعارف في زماننا ، بل ولا في الأزمنة السابقة كما فسره بعض المترجمين . بل وليس المراد المغفر أيضاً ، إذ لم يظهر من الأخبار والتواريخ أنه عليه السلام لبس المغفر في ذلك اليوم . بل المراد منه الشي الذي يلفّ على الرأس تحت القلنسوة والبُرْنُس.

وقد سبق أيضاً أنه عليه السلام لما ضربه مالك بن بسر على رأسه امتلأ البرنس دماً ، فجاء نحو الخيام واستدعى شيئاً فشدّه على رأسه ولف به. والأظهر أن هذا هو المراد بالعمامة ، وهو أدنى وأرذل من الثوب والسراويل والقميص . ففي سلب العمامة إشارة أو كناية عن جميع ما تلبس به حتى تركوه عريانا ، فإنهم ما تركوا عليه شيئاً حتى أنهم سلبوا مالفه على رأسه تحت البرنس . وقد مرّ أنه أخذ العامة أخنس بن علقمة الحضرمي أو جابر بن يزيد الأودي.

وبالجملة ، ليس المراد من العمامة ما في بعض كتب المترجمين أو ما على ألسنة الذاكرين ، كما أن المراد بالرداء أيضاً ليس ما هو المتعارف والمتبادر المرادف للعباءة كما في ألسنة الراثين والمفسّر به في كتب المترجمين ، ولا ما هو المذكور في القاموس مرادفاً للحمائل ، وهو شي من الأديم المرصّع يُطرح من الكتف الأيمن إلى الجنب الأيسر ومن الكتف الأيسر إلى الجنب الأيمن كالحمائل. ولا ما ذكره الفقهاء في صلاة الإستسقاء استحباب لبسه . بل المراد به ما يلبس فوق الثياب صرح به في بعض كتب اللغة .

«بأبي من عسكره في يوم الاثنين نهباً». في القاموس العسكر: الجمع

والكثير من كل شي ، فارسي . يقال «إنجلت عنه عساكر الهموم» وهو المراد هنا ، لا العسكر بمعنى الجند على ما تذهب إليه الأذهان وفُسر به في بعض الكتب بقرينة النهب ، فإن النهب على ما صرح به في اللغة لا يُستعمل إلا في الأموال ، وإرادة القتل منه مجازاً لا يُصار إليه لبعده جداً .

والمراد بيوم الاثنين يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله الذي من هذا اليوم وقع ما وقع وجرى ما جرى ، وكان يوم الاثنين على ما يشهد به التتبع في موارد استعماله في ألسنتهم عليهم السلام وفي اصطلاح أهل البيت بحيث يُضرب به المثل هو ذلك اليوم .

وقد أتعب بعضُ المعاصرين نفسه في توجيه ذلك وتطبيقه على اليوم الذي ندبت زينب عليها السلام ، ولم يأت بشي بين متين أعرضنا عنه .

وقد سبق القول في معنى « بأبى» و مورد استعماله ، فراجع. وألف «نهبا » ألف الإطلاق تأتي في القوافي والأسجاع ، كما في «أطعنا الله وأطعنا الرسولا».

«بأبي من فسطاطه مقطع العُرى». العرى بمعنى العروة كما في القاموس. والمراد به أطناب الخيام، لأنها بمنزلة العروة. وفي جملة من الكتب : إن القوم لما تسابقوا إلى النهب والغارة قطعوا أطناب الخيم بالسيف .

« بأبي من لا غائب فيرتجى». وفي بعض النسخ بزيادة « هو » قبل لا وبعضها بعد لا ، والأول هو الأصح والأفصح كما لا يخفى

ولا جريح فيداوى بأبي من نفسي له الفدا، بأبي المهموم حتى قضى». في . بعض النسخ « من له الهموم ، والأول أصح وأفصح .

بأبي العطشان حتى مضى». وفي بعض النسخ «من هو العطشان».

«بأبي من شيبته تقطر بالدماء». وقد رأته روحي لها الفداء كذلك حين توجهه عليه السلام إلى الخيمة بعد ضرب مالك بن البسر وامتلاء البرنس بالدم ، وعند حضورها لدى جسد علي بن الحسين الأكبر ، وفي شهادة علي الرضيع وغير ذلك من الموارد المتقدمة .

«بأبي من جده محمد المصطفى ، بأبي من جده رسول إله السماء ، بأبي من هو سبط النبي الهدى . بأبي محمد المصطفى ، بأبي خديجة الكبرى ، بأبي علي المرتضى بأبي فاطمة الزهراء سيدة النساء بأبي من رُدَّت عليه الشمس حتى صلى». المعنى : بأبي من هو محمد المصطفى نفسه نفسه وهو هو ، وكذا علي المرتضى . فكان الحسين هو نفس رسول الله وعين علي المرتضى والخديجة الكبرى وفاطمة الزهراء ، بقتله قتلوا محمداً وعلياً وخديجة وفاطمة عليهم السلام.

وفي هذا الكلام من البلاغة مالا يخفى، وقد سبق نقل نظيره من قول أبي الفضل :

نفسي لنفس المصطفى الطهر وقا

وكان نفس الحسين نفس المصطفى وهو هو في هذا الكلام بل في جميع الكلمات المندوبة تعريض وتنبيه وموعظة للقوم الذين أحاطوا بهن ، وتذكير لهم بأنهن لسن من أولاد الترك ولا من الخوارج، بل إنهن من أولاد الرسول وأولاد الزهراء، ليتم به الحجة عليهم ، حتى لا يقولوا إنا لا نعرفهم (لِيُهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) (1).

وقد مر مثله في خطب أخيها سلام الله عليه .


1) سورة الأنفال : 42 .

وفي آخر الرواية « فأبكت والله كلَّ عدةٍ وصديقٍ». والمراد به كلُّ من حضر ، إذ ليس لهن في ذلك الجمع صديق ، فكأنه من الأمثال ، يقال «بكى عليه كلُّ عدو وصديق » يعني به كل من حضر أوكل من سمع .

وفي بعض المقاتل «حتى جرى دموع الخيل على سنابكها» ، ولا بعد في ذلك .

ونظيره ما مرّ من بكاء فرسه وبكاء ناقته، وقد عدّوا باقي بكاء الحيوانات والوحوش والطيور عليه عليه السلام.

ثم إن المصَّرح به في جملة من المقاتل والمستظهر به من الأحاديث والروايات : أن ورودها روحي فداها مع من معها من النساء والأطفال إلى المصرع بعد ما حملوهن على الجمال ، فلما وردن المصرع ومررن به طرحن أنفسهن من أقتاب الجمال وسقطن على الأرض تقدمهن زينب عليها السلام ، حتى وقفن على جسد الحسين وأحطن به وهن حافيات حاسرات سافرات باكيات نادبات وبالعويل داعيات .

فما في بعض المقاتل : أن زينب ندبت أخاها وهي راكبة على الناقة أمرها علي بن الحسين أن ودّعت أخاها وهي على هذه الحالة . فليس بصحيح ولا مستند له.

كما أن ما في بعض المقاتل أن النساء لما مررن على القتلى دنت كلُّ امرأة إلى شقيقها وأخذت كل واحدة منها قتيلها من الأغلاط المشهورة والأكاذيب المجعولة ، تفرد به بعض من لا يُعتنى بمتفرداته .

نعم ، الذي يُستفاد من الروايات - خصوصاً رواية قدامة بن زائدة وصرح به أرباب المقاتل - أن علي بن الحسين عليه السلام كان على بعير بغير وطاء ، قال كما في حديث قدامة : لما أصابنا في الطف ما أصابنا وقتل أبي ومن كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب يُراد بنا الكوفة،

فجعلت أنظر إليهم صرعى ولم يواروا ، فعظم ذلك في صدري ويشتد لما أرى منهم قلقي فكادت نفسي تخرج ، فتبينت ذلك في عمتي زينب بنت علي الكبرى ، فقالت : مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي . فقلت: وكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مصر عين بدمائهم مرملين بالعراء مسلَّبين ، لا يكفنون ولا يوارون ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر ، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر . فقالت : لا يجز عنك ما ترى ، فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله إلى جدك وأبيك وعمك ، وقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات ، إنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف عَلَماً لقبر أبيك سيدالشهداء لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدنّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهوراً وأمره وإلا علواً. الحديث أخذنا منه موردالحاجة ، وهو من الروايات المعتبرة ، ولعل الله يوفقنا لشرحه في رسالة مفردة.

(بیان) :

قوله « أهلع» من الهلع وهو حس الجزع كما في القاموس (1). وعليه فالتقدير : ولا أهلع.

قوله « ولا يعرج عليهم أحد» بمعنى الإقامة، أي لا يقيم عليهم أحد في المجمع التعريج على الشئ الإقامة ، يقال عرج فلان على المنزل : إذا حبس عليه مطيته وأقام . قوله « ولا يقربهم بشر » من أقر بالمكان أي سكن ، والقرار السكون واللبث في المكان . ويحتمل أن يكون من «قرب» إذا دنى . وفي بعض النسخ « بشير » بدل


1) القاموس المحيط 100/3 ، مجمع البحرين 431/4 .

بشر . ولعله سهو من النساخ .

قوله « لا يجز عنّك » من أجزعه : إذا أوقعه في الجزع.

ثم الظاهر بل المتعيَّن أن الحديث إنما حدثتها روحي فداها بطوله بعد ركوبها ، حدثته وهي على الناقة ، إذ من المستبعد أن يمهلوهن ويتركوهن بمقدار هذا الحديث بطوله وسائر ما جرى عليها . والله العالم . :قالوا : ثم إن عمر بن سعد أمر بالرحيل إلى الكوفة ، فأزعجوهن وأبعدوهن بالزجر والعنف بحالة لا يمكن تصورها ، وأركبوهن على أحلاس أقتاب الجمال ، وذلك في اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر .

قال السيد في اللهوف (1): وحمل نساؤه صلوات الله عليه على أحلاس أقتاب الجمال بغير وطاء ولا غطاء، مكشفات الوجوه بين الأعداء وهن ودائع خير الأنبياء ، وساقوهن كما يُساق سبي الترك و الروم في أسر المصائب و الهموم.

وفى البحار (2)وغيره مثله ، بل عليه أصحابنا رضوان الله عليهم مؤرخوهم ومحدثوهم .

وأما العامة فأكثرهم لم يتعرّض إلى ما جرى عليهن بعد قتل الحسين عليه السلام وما جرى بهن في حملهن إلى الكوفة وبأية حالة مُملن ، بل لم يذكروا ما جرى عليهن في الكوفة عند مسيرهن ولا ما جرى عليهن في مجلس ابن زياد، حتى أن الأموي الاصفهاني لم يتعرض في مقاتل الطالبيين لكيفية ورودهن إلى الكوفة وبأية حالة حملوهن إليها وكيفية دخلوهن إلى مجلس ابن زياد وما جرى


1) اللهوف ص 189 .

2) بحار الأنوار 107/45 ، الفصول المهمة 830/2 (في الهامش ) .

في مجلس يزيد . وهذا منه اشتباه أو تعمد . والله العالم .

ومن العامة من تعرّض لكيفية حملهن كما جاء في اللهوف ، كما ذُكر في تذكرة السبط، وفي كتاب الحسين لعلي جلال المصري حملن على أقتاب الأجمال. ومنهم كالدينوري وأصحابه محافظةً منهم لمقام الخلافة والولاية وخلافاً للخاصة وبعض العامة قالوا : حملوهن على الأجمال مستورات محترمات وهن في المحامل . قال أحمد بن داود الدينوري في الأخبار الطوال (1): وأمر عمر بن سعد بحمل نساء الحسين وأخواته وبناته وجواريه وحشمه في المحامل المتسترة على الإبل. وهذا منه ومن أضرابه ليس ببعيد .

والعجب من بعض معاصرينا حيث تبعه مستدلاً برواية مرسلة عن مسلم الجصاص ، وسيأتي عن قريب ما فيها .

والحق الحقيق اللائق بالتدقيق ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في بيان حال النسوة والصبيان في خصوص الكوفة ، حيث يُستفاد منه فوق ما ذكره أصحابنا، ففي رواية قدامة بن زائدة (2): قالت زينب : قلت: يا أبه حدثتني أم أيمن بكذا وكذا وقد أحببت أن أسمعه منك . فقال : يا إبنتي الحديث كما حدثتك أم أيمن ، وكأني بك ونساء أهلك سبايا بهذا البلد أذلاء خاشعين ، تخافون أن يتخطفكم الناس ، فصبراً صبراً .

(بیان) :

كما لم يكن في حديث أم أيمن ذكر للسبي والأسر بل اقتصر فيه على ذكر


1) الأخبار الطوال ص 259 .

2) بحار الأنوار 60/28 .

الشهادة، أضاف عليه السلام على الشهادة الإسارة والسبي وأمرها بالصبر عليها مؤكداً ، ولم يكتف بذكر السبي فقط مع ما هو المعروف في أحوال السبايا والأسارى ، بل أضاف الذلة والخشية والخوف من الخطف . قال في المجمع :( إِلَّا مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ ) (1)أي اختلس خلسة ، وخطف الشئ أي اختطفه ، ومنه قوله ( وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) (2).

وبالتأمل في هذا الكلام يظهر أن كيفية سبيهن وأسرهن كانت فوق سبايا الروم وإسارة الديلم والخزر. مضافاً إلى غاية الخشوع ونهاية الذلة التي أصابتهن .

وقد سبق أن المخاطب بها زينب الكبرى، وهي التي كانت مع أخيها ومع الصبايا ، وصبرت على ما لا يمكن صبره وفوق طاقة البشر ، كل ذلك إمتثالاً لأمر أبيها وأخيها . بل يُعدّ صبرها من كراماتها ومعاجزها ، إذ هو فيها من خوارق العادة.

قال المؤرخون وجملة من المحدثين : إرتحل عمر بن سعد ومعه زعماء القوم بعد دفن جنائزهم بعد الزوال من يوم الحادي عشر ، وأمر بارتحال النسوة والصبايا سبايا أسارى ، فوردوا الكناسة وباتوا تلك الليلة بها في المجمع : الكناسة بضم الكاف موضع في الكوفة صُلب فيها زيد بن علي بن الحسين عليه السلام.

وأخبر عبيد الله بن زياد بدخول آل البيت في الكوفة، فأرسل ابن زياد الرؤوس سوى رأس الحسين إلى عمر بن سعد وأمر أن تجعل أمام النساء وبين


1) سورة الصافات: 10.

2) سورة العنكبوت : 67 .

المحامل، وأمر بعبورهن على تلك الحالة في السكك والشوارع لتخويف الناس وإرهابهم ، وأمر كما ذكر كمال الدين في روضة الأحباب - أن لا يخرج أحد مع السلاح وآلات الحرب، وأمر عشرة آلاف من الخيالة والرجالة أن يأخذوا السكك والشوارع مخافة الفتنة، فلما أصبح الصباح أمر ابن سعد بالرحيل إلى الكوفة .

قال الشيخ ابن نما (1): واجتمع الناس للنظر إلى سبي الرسول .

وفي اللهوف (2): فلما قاربوا الكوفة اجتمع الناس للنظر إليهن .

قالوا : والناس عند ذلك صنفين : منهم من خرج مسروراً مستبشراً ضاحكاً مصافحاً في لباس جديد كيوم العيد ، ومنهم من خرج حزيناً كئيباً باكياً جزعاً في لباس الحزن والمأتم .

وقال السيد في اللهوف (3): وأشرفت امرأة من الكوفيات فقالت : من أي الأسارى أنتن ؟

فقلن : نحن أسارى محمد صلى الله عليه وآله ، فنزلت المرأة من سطحها فجمعت لهن ملاءاً وأزراً ومقانع فأعطتهن فتغطين . انتهى . ومثله في البحار (4)وغيره .

(بیان) :

قوله « ملَّا» بفتح الميم وتشديد اللام من ملّا الثوب ، وقد يُقرأ ملاءًا . في المنجد : الملا والملاءة ثوب يلبس على القميص . وفي القاموس : الملاءة كثمامة


1) مثير الأحزان ص 85 .

2) اللهوف ص 190 .

3) اللهوف ص 190 .

4) بحار الأنوار 108/45 .

الخيار ، وهي ما تغطي به المرأة، والستر عموماً . والازار كل ما يستر.

وفي بعض المقاتل : إن المرأة أشرفت عليهن في الطريق بين الكناسة والكوفة . ثم الظاهر أن هذه المرأة هي المسماة « أم حبيبة» ذكرها جملة من المتأخرين كالمجالس السنية وغيره ، قالوا باختلاف يسير : إنها كانت أمةً للحسن بن علي بن أبي طالب، زوّجها لا بن وكيدة أو عبد الله بن رافع، ولم تتمكن من المسير مع الحسن عليه السلام إلى المدينة وبقيت في الكوفة إلى أن أشرفت على الأسارى فتكلمت مع سيدتها زينب سلام الله عليها . فما في بعض المقاتل من ذكرها بعد ما ذكره في اللهوف اشتباه .

وفي بعض المقاتل : إن القوم أخذوا من الأسارى ما أعطتهن المرأة وليس ببعيد . وسيأتي توضيح ذلك في حديث الجصاص .

قال السيد وغيره : فجعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون .

في الدر المنثور قال : وفي نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار للعالم الفاضل الشيخ مؤمن الشبلنجي عن الحافظ في كتاب البيان كما في الطراز عن أبي اسحاق عن خذيمة الأسدي، قال: دخلتُ الكوفة سنة إحدى وستين، فصادفت منصرف علي بن الحسين بالذربة من كربلاء بالكوفة ، ورأيت نساء الكوفة يومئذ قياماً يندبن مستهلكات الجيوب ، وسمعت علي بن الحسين يقول : يا أهل الكوفة أتبكون علينا ، فمن قتلنا ، ورأيت زينب بنت علي - وذكر الخطبة إلى آخرها .

في الأمالي بسنده إلى حذلم بن كثير قال : قدمت الكوفة - إلى آخر ما يأتي . وقال العلامة النقدي: قد تواترت الروايات عن العلماء وأرباب الحديث بأسانيدهم عن حذلم بن كثير قال - إلى آخر الخطبة

قد عرفت روايه الخطبة عن خزيمة الأسدي، وفي الإحتجاج عن خذيم بن كثير أو شريك ، وفي نسخة عن حذام الأسدي، وفي اللهوف قال بشير بن خزيم الأسدي ، وفي البحار عن بشير بن خزيم الأسدي ، وفي نسخة حذام بن بشير . وليس لهذه الأسماء فى كتب أصحابنا الرجاليين عين ولا أثر ، ولعل الراوي هذا من رواة العامة، إلا أن في التنقيح (1)وغيره قال : حديم بن شريك الأسدي، عده الشيخ فى رجاله من أصحاب السجاد عليه السلام (2)، وظاهره كونه إمامياً ، إلا أن حاله مجهول. وضبطه بالحاء المهملة والذال المعجمة .

وفي المنهج (3): حذيم بكسر المهملة وسكون الذال المعجمة وفتح الياء التحتانية . وحذلم كجعفر . وبشير كزبير .

وبالجملة ، مضافاً إلى إتفاق الفريقين من إسناد الخطبة إلى العالمة غير المعلمة . نفس الخطبة تدل على أنها صدرت من لسان الوحي والتنزيل وخرجت من فم من ربّته يد النبوة والرسالة والتنزيل ورضعت قائلتها من ثدي العصمة والتأويل ، يا لها من خطبة ما أشبهها بخطب جدها وأمها ، بل هي هي .

قال الراوي : ونظرتُ إلى زينب بنت علي يومئذ ولم أر والله خَفِرَة قط أنطق منها . قال في المجمع : خَفَر خَفْراً وخفارةً استحيى أشد الحياء ، فهو خَفِرٌ وهي خفر وخفرة ومخفار . وفي القاموس : خَفَر بفتحتين شدة الحياء .

«كأنها تنطق» في اللهوف «تفرغ»، وفي البحار « تنطق وتفرع» بالعين المهملة ،


1) تنقيح المقال 211/1 .

2) رجال الطوسي ص 88 .

3) منهج المقال ص 94.

من أفرعتُ الجبل صعدته ، وفرعت الجبل صعدته ، ويقال : « منا فرعت به » أي إبتدأت . انتهى . ويحتمل أن يكون الفزع من «فَرَّعتُ من هذا الأصل مسائل» . أي استخرجتها ، أي كأنها إستخرجت من لسان أمير المؤمنين عليه السلام. ويحتمل أن يكون بمعنى الإنحدار ، ومنه « فَرع من الجبل» انحدر ونزل ، أي كأنها تنحدر وتنزل من لسان أمير المؤمنين عليه السلام .

قال في البحار وفي بعض النسخ « تفرغ » بالغين المعجمة ، من الإفراغ بمعنى السكب . قال : وهو الأظهر .

وعليه فيكون الفرغ بالغين المعجمة والفرع بالمهملة كلاهما بمعنى الإنحدار والإنزال ، إلا أن الفرغ بمعنى السَّكب يحتاج إلى عناية ولا يحتاج في الإنحدار والنزول كما لا يخفى فيكون الفرع بالمهملة أظهر وأنسب، ويؤيده رواية الدر المنثور «تنزع» من النزع.

«من لسان أمير المؤمنين علي عليه السلام» على ما في اللهوف، وفي البحار «على» بدل من، وفي الدر المنثور وغيره عن لسان أمير المؤمنين». والكل صحيح . والأصح والأنسب بالفرغ والفرع على ما مرّ من لسان أمير المؤمنين» كما لا يخفى.

وقد أومأت إلى الناس كذا في اللهوف، وفي البحار (1)وغيره «وقد أشارت».

«أن اسكتوا» في البحار وغيره « أن انصتوا»، وفي بعض النسخ «بأن أنصتوا»، وفي الدر المنثور مثل ما في اللهوف « أن اسكتوا» .


1) بحار الأنوار 108/45 ، الاحتجاج 29/2 .

«فارتدت الأنفاسُ وسكنت الأجراسُ » هكذا في جملة من النسخ ، وفي الدر المنثور «فسكتت الأنفاسُ وهدأت الأجراسُ». الهدء بمعنى السكون. والأجراس جمع جَرَس بفتحتين ، وهو جسم مجوّف من حديد أو نحاس يُضرب بدقة فيُسمع له صوت. وفي المجمع (1): الجرس الذي يعلّق في عنق البعير .

في جملة من كتب المعاصرين أن ارتداد الأنفاس وسكون الأجراس بأمر الهي وإظهاراً لخرق العادة والتصرف والإعجاز من العالمة روحي فداها . بل هو أمر عادي طبيعي، فإن الناس لكثرة اشتياقهم إلى سماع كلامها وفهم مقالها سكتوا وأسكتوا الأجراس ، فإن النفوس مجبولة في مثل هذا المقام إلى استماع الكلام وفهم مرام المتظلم .

والمراد بالإرتداد والسكوت هو السكون والإسكان وعليه فحمل الكلام على ضرب من المبالغة، وفيه من البعد ما لا يخفى. وأبعد من ذلك حذف المضاف من الأجراس ويُراد به ذي الأجراس ، أي الحمولة والبعائر ، ويُراد بسكون ذي الأجراس إسكاتهن ، فيكون معنى «وسكنت الأجراس» أسكتوا الناس ذوي الأجراس .

هذا ، مع أنه في تلك الحالة وفي ذلك الجمع الذي اجتمع فيه خمسون ألف المتفرجين بل أزيد وفيهم عشرة آلاف من الرجالة والخيالة وفيهم نسوة وصبيان وأطفال ومنهم حيارى ومنهم باكون ومنهم من ينظر إلى الرؤوس ومنهم من ينظر إلى النسوة والصبيان ومنهم من يفرح ويلعب ويتفرج ومنهم من يتكلم ومنهم متعجب مع ما فيهم من الأبواق والأصوات كيف يمكن سكوتهم وإسكاتهم وتوجههم إلى شخص واحد بالإشارة والإيماء ، بل لا يمكن إلا بصوت عال لا بمرة واحدة بل مراراً ، ولا يسمع


1) مجمع البحرين 362/1 .

ذلك إلا من يكون حول المتكلم أو قريباً منه كما هو المشاهد في المجامع العامة .

وكيف يمكن إسماع الناس بأجمعهم بحيث سمع من في آخر القوم ، وكان الراوي بعيداً بحيث التفت إلى الإشارة والإيماء ، وكان بجنب شیخ قد بكى حتى اخضلّت لحيته . قال : وكان الناس حيارى يبكون وضعوا أيديهم في أفواههم.

وبالجملة ، فلا يمكن إسكان هذا الجمع وإسكات هذه الجملة بهذه الحالة، مع أن المتكلم أيضاً كان في حالة البكاء والعبرة إلا بأمر إلهي وتصرف ولائي. فتفطن . والله العالم .

«ثم قالت : الحمد لله، والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الأخيار » هكذا في جملة من النسخ، فإنها روحى فداها عرفت نفسها من أول الخطبة أنها بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وأن السبايا من آل الرسول لا من الخوارج ولا من سائر الأعراب . وقد اقتبست ذلك من أمها الزهراء عليها السلام حيث قالت في خطبتها وكانت ابنتها زينب حاضرةً معها « إعلموا أنى فاطمة بنت رسول الله (1). والعجب من بعض العامة كمؤلف الدر المنثور وغيره أنهم ذكروا الخطبة بعين ما ذكرها الخاصة ، إلا أن في المقام قالوا : قالت «والصلاة على سيد المرسلين أو والصلاة على رسول الله » ، مع أنه قد عقد ابن حجر باباً في صواعقه في أن أولاد فاطمة أولاد رسول الله وأبناؤه وبناتها بناته ، وقد أورد في ذلك أحاديث وقال : هذا مختص برسول الله وأولاد فاطمة لا غير.

«أما بعد، يا أهل الكوفة يا أهل الختل» بفتح الخاء المعجمة وسكون التاء : الخدعة (2).


1) شرح الأخبار 34/4، بحار الأنوار 223/29.

2) لسان العرب 199/11 - 200 .

«الغدر» من غدر غَدْراً ، أي خانه و نقض عهده .

وفي بعض النسخ « والخذل » من خذل خذلاناً ، أي ترك نصرته وإعانته . و «المكر» أي الخدعة والألفاظ متقاربة.

وقد ذمتهم روحي فداها وعيّرتهم بأنهم مع أنهم خارجون عن حدود الديانة خارجون عن حدود الإنسانية لوجود هذه الأوصاف الشائنة فيهم ، وفي الأمثال «الكوفي لا يوفي».

ورأيت في كتاب نزهة القلوب للمؤرخ حمد الله المستوفي القزويني المؤلّف في حدود سنة الستمائة قال : لما كانت الكوفة من أرض عطب مقتضاه عدم الوفاء . ولقد راجعت في كلامه هذا إلى جملة من الأعاظم فلم يأتوا بشي بين ولا مبين . ولعل هذا من القواعد التي يُعرف بها صفاتُ أهل البلدان ، كما أنني رأيت شخصاً بعرف صفات أهل البلد من لون تراب الأرض وألوانه ويخبر بذلك ، وقد جربته كثيراً فوجدت صحة ما يقوله .

وقد وقفت على رواية في ذلك رواها المجلسي في كتاب السماء والعالم من البحار .

وقد عقد أعلامنا رضوان الله عليهم باباً في ذم البلدان ومدحها واختلاف الأخبار في ذلك وحمل بعض الأخبار على مدح الأرض وذم الأهالي وبالعكس.

ألا تبكون فقد رَقَأت الدمعة » (1)وفي بعض النسخ «العبرة»، وبعضها «سكنت». والمعنى فيها واحد . في المجمع : رقأ الدمع والعرق جفّ والدم سكن .

« ولا هدأت الزفرة» وفي بعض النسخ « الرنّة» بدل الزفرة ، والمعنى واحد .


1) بحار الأنوار 109/45.

هدأ يهدأ من باب منع يمنع : السكون . الزفرة (1): التنفس مع مد النفس . والمعنى : إنكم يا أهل الكوفة تبكون وتظنون أن بكاءكم يسكن دمعتنا ويجفّها ويسكن دمنا وتسكن زفرتنا . فلا ، ولا يسكن هذا الدمع والدم والزفرة إلا بعد أخذ الثار

ا وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَاناً ) (2).

دلّ الكلام على أن البكاء والزفرة والعزاء على الحسين عليه السلام لا يسكن ولا يُترك بطول الزمان ومرور الأيام - وإن فعلوا في سكونه ما فعلوا وما يفعلون بعد حين - إلا بأخذ الثار بوجود الناصر . هذا منها عليها السلام من الملاحم . وإنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّةٍ أنكاثاً». قال الميداني (3)« أخرق من ناكثة غزلها» ويقال «من ناقضة غزلها»، وهي أن امرأة كانت من قريش يقال لها « أم رَيْطَة بنت كعب بن سعد بن تيم بن مرة ، وقيل بنت سعد بن تيم، وهي التي قيل فيها «خرقاء وجدت صوفاً» وفي رواية «حمقاء» أو خضراء»، وكانت هذه المرأة تغزل ولها جوارى يأمرهن بالغزل ثم تنقض وتأمرهن أن ينقضن ما فتلن وما غزلن ، ولا يزال ذلك دأبها ، فضرب بها المثل في الخرق ، قال الله تعالى ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّتى نَقَضَتْ غَزْهَا مِنْ بَعْدَ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً )(4).

ألزمت روحي فداها أهل الكوفة أنهم في عهودهم وبيعتهم كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة ، فإنهم بايعوا علياً وعاهدوا معه فنقضوا، ثم بعده بايعوا وعاهدوا مع الحسن فنقضوا ، ثم بايعوا وعاهدوا مع مسلم بن عقيل فنقضوا ، ثم


1) لسان العرب 325/4 .

2) سورة الإسراء : 33 .

3) مجمع الأمثال 255/1.

4) سورة النحل : 92 .

بايعوا الحسين عليه السلام وعاهدوه فنقضوا .

ويحتمل أن يُراد النقض في إيمانهم ودينهم بعد ما آمنوا .

ويحتمل هذا أيضاً في قولها« تتخذون إيمانكم دَخَلاً بينكم» إن قرئ بالكسر ، وإن قرئ بالفتح فهو جمع ايمان بمعنى العهد واليمين. والدَّخل بفتحتين : الجناية والدغل والمكر . وفي التفسير هو النفاق، والمنافق من كان باطنه على خلاف ظاهره.

« ألا وهل فيكم إلا الصَّلَف» صَلِف صَلَفاً تمدّح بما ليس فيه، وتصلّف أي تملق . وفي المجمع : في المثل « رُبَّ صَلِفٍ بحبّ الراعِدَة » ، يُضرب للرجل يتوعّد ثم لا يقوم به . وعن الخليل : التصلف مجاوزة قدر الطرف والإدعاء فوق ذلك إعجاباً

وتكبراً.

وفي اللهوف «الصلف النطف والصدر الشنف». وفي الدر المنثور «ألا وإن فيكم الصلف والصفف وداء الصدر الشنف » . والصفف الضعف - قاله في القاموس .

« والعُجب والشنف والكذب » الشنف بفتح الشين والنون : النقص والعداوة . وفي المنجد : شَنَّف الكلام أي زيّنه . وفي بعض النسخ « النطف» بعد العجب ، وهو بفتحتين : الملطَّخ بالعيب .

.

(ومَلَق الإماء ) ملقه ملقاً وملق له ومالقه : تودَّد إليه وتذلل له وأبدى له بلسانه من الإكرام والودّ ما ليس في قلبه . ولعل هذا في الإماء أكثر كما يُستفاد من قولها روحي فداها .

( وغَمْر الأعداء ) الغمر بفتح الغين المعجمة وفتح الميم ثم راء مهملة : الحقد . والغمر بكسر الغين المعجمة ثم الميم الساكنة : الحقد أيضاً. وفي بعض النسخ «الغمز »بالزاي المعجمة . وغَمَز بالرجل وعليه : طعن عليه وسعى إليه بالشر .

( أو كمَرْعَى على دِمنَة ) وفي بعض النسخ باسقاط « أو » ، والأول هو الأصح ، عطف على المثل . بعد إثبات كونهم كالمرأة التي نقضت غزلها بوجود هذه الأوصاف من الصلف والشنف والنطف والكذب والملق وإقرارهم على ذلك بعد قولها « ألا هل فيكم إلا كذّابا هيبه» والإستفهام بهل التي مفادها الثبوت، لأن الإستفهام إنكاري وما بعده واقع وصاحبه ملزم ، إذ هو بمعنى ما النافية لوقوع الإستثناء بعده . والمعنى ألا ما فيكم إلا هذه الأوصاف ، ثم قالت : « أو مثلكم كمرعى على دمنة » . الدمنه بالكسر ما يدمنه الإبل والغنم بأبوالها وأبعارها . في المنجد ومن البعير المكان بعر ، وتدمّن المكان سقطت فيه أبعار الإبل والغنم . في المجمع (1): الدمنة هي المنزل الذي ينزل فيه أخيار العرب ويحصل فيه بسبب نزولهم تغيير في الأرض بسبب الاحداث الواقعة منهم ومن مواشيهم ، فإذا أمطرت أنبت نباتاً حسناً شديد الخضرة والطراوة لكنه مرعى وَبِيْلُ للابل مضرُّ بها .

شبّهتهم روحي فداها بهذه الدِّمنة ، إما لدناءة أصلهم وعدم الانتفاع بهم مع حسن ظاهرهم وخبث باطنهم، أو لأضرارهم وفسادهم كما يضرّ النبات بالابل أو لأن عهدَهم كهذا النبات قليل المكث سريع الفساد. والله العالم .

(أو كفِضَّةٍ على ملحودة) في أكثر ما بأيدينا من النسخ «فضة» بالفاء والضاد المعجمة، وهو المعروف . ووجه التشبيه أن الفضة على الميت مما لا ينفع ولا ينتفع به، لا ينتفع به الميت ولا ينتفع به الناس، وهو شئي منين لا ينتفع ولا ينتفع به شبهت أهلَ الكوفة وعهودَهم وإيمانَهم وأيمانَهم بتلك الفضة ، ولا كذلك الذهب ، فإنه ينفع وينتفع به ولو بعد حين ، إذ التراب لا تأكله ولا تفسده، بخلاف الفضة ، فإنه تأكله الأرض والتراب .

قال ابن الأثير في النهاية : « قُصة » بضم القاف وسكون الصاد المهملة . قال :


1) مجمع البحرين 56/2 .

ومنه حديث زينب بنت علي « أو كقصة على ملحودة » ، ووجه التشبيه أن القصة هي الجص ، فشبهتهم بالقبور المجصَّصة ، ظاهرها غير باطنها، ظاهرها النور وباطنها الظلمة ، ظاهرها لطيف وباطنها كثيف.

ولا يخفى أن هذا يحتاج إلى عناية، إذ التشبيه بالجص والقص لا بالقبور المقصَّصة المجصَّصة . فتدبر .

والعجب من السيد المعاصر أيده الله في اللواعج حيث ضبطه بالفاء والضاد المعجمة وفسره بميتة موضوعة في اللحد. وليس فيها بأيدينا من كتب اللغة استعمال الفضة بمعنى الميتة . ولعله دامت إفاداته أخذه من القصة بالقاف والصاد المهملة بمعنى القطع والإنقطاع واستعملت في الميتة لانقطاعها وقطعها. وعليه فوجه الشبه ،واضح ، فإنهم أحياء ميتون الجهلهم وعدم العمل بعلمهم ، يحسبون أنهم أحياء وهم أموات .

وفي بعض الكتب بالضاء والصاد المهملة ،وفسره بالخاتم في يد الميتة الملحودة ، ووجه الشبه أن الخاتم في يد الميت يتحرك ويتقلب بلا إرادة من الميت ، فكأن أهل الكوفة هم المتحرِّكون بلا إرادة منهم ، يميلون مع كل ناعق . ولا يخفى أن كل ما ذكروه يحتاج إلى عناية أو استعمال مجازي أو سبك المجاز من المجاز، والأولى والأحسن والأنسب بل المتعيّن أن يُقرأ بالقاف والضاد المعجمة ، وهي صغار الحصى أو المتفرق والمتشتت منه على المضجع . قال في القاموس : القضة بالقاف والضاد المعجمة التراب . قال : وأقضَ المضجعُ أي تلطح بالتراب . وعليه فوجه الشبه أوضح .فشبهتهم وعهودهم وإيمانهم وأيمانهم، فهم يميلون مع كل ريح وينتشرون في الهواء كأن لم يكن . وهذا وجه وجيه لاعانته فيه ولا مجاز .

ومما ذكرنا ظهر ما في كلام المجلسي قدس سره في البحار (1)حيث قال : شبهتهم بفضة تزين بها القبور ، في أنهم زينوا بلباس الأحياء (2)وهم كالأموات ، لا ينتفع بهم الأحياء ولا يُرجى منهم الكرم والوفاء.

(ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب هم خالدون) اقتبست عليها السلام بذكر هذه الآية مع حذف صدرها لوضوحها ، وهو قوله تعالى ( تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِيْنَ كَفَرُوا ) (3)إشعاراً وإثباتاً بأنهم تولوا بني أمية ويزيد وأتباع بني أمية فساء ما قدمت لهم أنفسهم وسخط الله عليهم، ولا ينفعهم البكاء والنحيب ولا يوفّقون للتوبة ولا تفيدهم، بل هم في العذاب، والآية هكذا (لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ هُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ) (4) ، وهكذا قانون الاقتباس كما بُرهن في محله .

الآية الكريمة وإن وردت ظاهراً في أهل الكتاب ، إلا أن تأويلها وتفسيرها وتنزيلها في أهل الكوفة وإن الله تعالى قد سخط عليهم وفي العذاب هم خالدون ، ولقد حقّت عليهم كلمةُ العذاب .

وبهذا وأشباهه يخصَّص ما ورد في ثواب البكاء على الحسين عليه السلام وعلى سائر العترة الطاهرة، فلا تنفع أهلَ الكوفة بكاؤهم مثقال ذرّة ولا يخفّف ببكائهم من عذابهم شي . مضافاً إلى أن التخصيص عقلي أيضاً كما لا يخفى .

ويؤيد ما ذكرناه بل يدل عليه قولها ( أتبكون وتنتحبون أخي )كذا في النس


1) بحار الأنوار 150/45 .

2) في المصدر : الأحباء.

3) سورة المائدة: 80.

المصححة : أتبكون وتنتحبون اى أجل والله ( فابكوا ) ، وفي جملة من النسخ بعد فابكوا فانكم والله أحرياء بالبكاء » ، وفي بعضها فابكوا فانكم والله أحق بالبكاء».

( فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً) هذا أيضاً اقتباس من آية ﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (1)نزلت الآية في المنافقين المتخلِّفين عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، ذمّهم ووبخّهم بقوله تعالى (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيْلاً) في دار الدنيا ، لأن الدنيا قليلة الأمد منقطعة الآخر ( وَلْيَبْكُوا كَثِيراً ) في الآخرة التي لا آخر لها . ذمتهم ووبختهم وقالت لهم : إن هذا البكاء والنحيب على أخي_ مع أنه لا يفيدكم بشي - قليل ، وإنما بكاؤكم في الآخرة التي لا آخر لها ، ويدوم فيها بكاؤكم جزاءَ ما كنتم تكسبون بأيديكم.

( فقد بُليتم بعارها ) في القاموس (2): العار كلما يلزم منه العيب . وفي المجمع : عيّرتُه به أي قبّحته ونسبته إلى القبح. وهل هو من عَوّر أو غير لم أتحقق ، والظاهر منهما أنه من عير.

( ومُنيتم بشنارها ) المنى من منوته أو منيته : إذا ابتليته والشنار العار وأقبح العيب ،في البحار واللهوف (3)«لقد ذهبتم بعارها وشناره».والضمائر راجعة إلى الأمة والأزمنة، والأولى رجوعها إلى القضية أو المصيبة أو الفئة المدلول عليها الكلام. فافهم.

( ولن تَرْحَضُوها أبداً )وفي جملة من النسخ «يغسل بعدها أبداً». في القاموس (4): رَحَضَه من باب منع غسله . وعلى هذا فذكر الغسل بعد الرَّحْض لا


1) سورة التوبة : 82.

2) القاموس المحيط 97/2 .

3) بحار الأنوار 109/45 ، اللهوف ص 87.

4) القاموس المحيط 331/2 .

يناسب إلا على التجريد ، وهو باب واسع . وفي بعض النسخ « تدحضوها » ، وهو بالدال المهملة بمعنى الزوال، ولعله أصح وأنسب بيغسل بعدها . و « أبداً » تأكيد للتأبيد المستفاد من «لن». وقد ثبت في محله جواز تأكيد الحرف بالاسم .

ثم بيّنت روحي فداها عدم إمكان الغسل والدحض والرحض بقولها : وأنّى ترحضون و تدحضون وتغسلون ( قَتلَ سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة ) كما في جملة من النسخ المعتبرة (وسيدِ شباب أهل الجنة ) وفي بعض النسخ «إنما » بدل أنّى ،والأول أصح وأنسب، إذ الكلام في سياق الإستفهام الإنكاري وأن ما بعده غير واقع ومدعيه كاذب، وأنّى للإستفهام بمعنى كيف وأنّى يكون ذلك ، أي لا يكون .

(وملاذِ حيرتكم) من لاذ يلوذ لوذاً ولواذاً - مثلثة اللام - ولياذاً بالجبل : استتربه واحتصن والتجأ إليه. والحيرة بفتح الياء والحيرة بالسكون من الشي: إذا يقوم الأفضل ، والمعنى واضح.

وفي بعض النسخ «حيرتكم »من التحيّر ، وهو الأنسب . وفي جملة منها «حزبكم». وفي بعضها« حربكم » بالراء المهملة . والكل محتمل ، والأخير أنسب .

وفي بعض الروايات بعد ملاذ حيرتكم ( ومعاذ حربكم ومقرّ شملكم وأساس كلمتكم ومفزع نازلتكم والمرجع إليه عند نازلتكم ومدر حججكم ومنار محجتكم ). وفي اللهوف والبحار بعد ملاذ حيرتكم (ومفزع نازلتكم ومنار حجتكم) المنار بضم الميم : عَلَم الطريق . والمدرة بالكسر : زعيم القوم والمتكلم فيهم عنهم والذي يرجعون إلى رأيه . وفي بعض النسخ « والمرجع عند مقالتكم».

( ألا ساء ما تزرون ) كذا في اللهوف والبحار (1)جملة من النسخ ، وفي بعضها


1) بحار الأنوار 109/45 .

«ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم» و «ساء ما تزورن ليوم بعثكم» (1). قد اقتبست من قوله تعالى (قَدْ خَسِرَ الَّذِيْنَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةٌ قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُوْنَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ) (2)فكأن الآية فسرت أو نزلت في أهل الكوفة . والوزر من وَزَرَ يَزِرُ وِزْراً : الشي حمله على ظهره. وفي نسخة «ما تذرون ليوم بعثكم» بالذال المعجمة ، أي تتركون والأول أصح.

(وبُعداً لكم وسُحقاً ) كذا في اللهوف والبحار (3). والبعد بضم الباء وسكون العين : الهلاك واللعن، وبعُداً له : دعاء عليه ، وهو مفعول مطلق لفعل محذوف ، أي أبعدكم الله بُعداً . وكذا «سُحقاً». وهذا أيضاً اقتباس من قوله تعالى (فَسُحقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ ) (4). في المجمع : سُحقاً أي بُعداً، وأسحقه سُحقاً أي أبعده بُعداً، وأسحقه أهلكه.

وفي بعض النسخ « فتَعْساً تَعْساً ونُكْساً نُكْساً»، وهما بمعنى واحد، وهو السقوط والهلاك ، إلا أن التعس السقوط على الوجه والنكس السقوط على الرأس.

( فلقد خاب السعيُ وبُتّت الأيدي ) البتّ بمعنى الهلاك ، والأيدي استعملت مجازاً في النفس . أو أن البتّ بمعنى القطع والأيدي بمعناه . وبتّ الأيدي كناية عن هلاك النفس . ( وخسرت الصَّفْقَة وبُؤْتم بغضب من الله ) في المجمع (5): الصفقة يقال صَفَقْتُ


1) بحار الأنوار 163/45 .

2) سورة الأنعام: 31.

3) بحار الأنوار 109/45 .

4) سورة الملك : 11 .

5) مجمع البحرين 617/2.

بالبيعة صَفْقاً أي ضربت بيدي على يده، ثم استعملت الصفقة في العقد، وفي الحديث «من نكث صفقة الامام» أي بيعته ،وأهل صفقتك : أي أهل عهدك وميثاقك . والكل هنا محتمل . وخيرها أوسطها بقرينة خسرت .

و «ُبؤتم» من باء يبوء بَؤءاً : أي رجع بالذنب. وهذا اقتباس من قوله تعالى (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّهُ أَيْنَ مَا تُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاؤُا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِك بَأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (1).

( وضُربت عليكم الذلة والمسكنة ) بضمير الخطاب ، كأن الآية نزلت فيهم وفُسرت بهم .

( ويلكم يا أهل الكوفة ، أتدرون أيَّ كبد لرسول الله فَرَيْتم ) كذا في اللهوف والبحار (2). وفي بعض النسخ بالتقديم والتأخير وإبدال «رسول الله » بمحمد صلى الله عليه وآله . والفَرْي من فَرَا بَفْري أي قطعه وشقه .

وفي بعض النسخ ولعله الأصح «فرثتم» بالثاء المثلثة، من الفرث بمعنى الإنتشار والتبدّد والنشر . قال في المجمع (3): إنفرثت كبده انتشرت ، ومنه حديث أم كلثوم بنت علي عليه السلام وقد قالت لأهل الكوفة «أتدرون أي كبد فرثتم الرسول الله »أي بددتم ونشرتم . وفي النهاية بعد ذكر نفس الحديث : الفرث تفتيت الكبد بالغم والأذى (4). وفي المنجد : فرث فرثاً وفرت كبده ضربها


1) سورة آل عمران : 112.

2) بحار الأنوار 163/45 .

3) مجمع البحرين 375/3 .

4) بحار الأنوار 151/45.

ولعل هذا المعنى هو الأصح والأنسب .

وقد مرّ في مقتله عليه السلام ما تواتر : أنه أتاه سهم محدَّد مسموم له ثلاث شعب فوقع في قلبه ولُبَّته . فكأنها روحي فداها أشارت إلى أن أهل الكوفة فرثوا كبده عليه السلام وضربوها وهو حیُّ . ولا شبهة ولا شك أن كبدَه كبدُ رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهو الظاهر أيضاً من كلمة « أيّ » و « ألا » ، فلو أريد فرت کبد رسول الله بالهم والغم فحق العبارة أن يقال « وكبد رسول الله فريتم» وأمثال ذلك لا بأيّ الإستفهامية . فتدبر .

وبالجملة ، لما كان الكبد منبع حياة الإنسان ومادة الحياة شُبه الحسين عليه السلام بكبد رسول الله وكبده بكبده، فكأن الحسين هو نفس الرسول وحياته وأن الرسول نفس الحسين وحياته ، فهو هو وهو هو «حسين مني وأنا من حسين».

(وأيَّةَ كريمة له أبرزتم ) كريمة الرجل بنته ، والمراد بها هنا نفسها الزكية الزاكية . ( وأيَّ دم له سفكتم) قد تظافرت الأخبار الواردة في مولد الحسين عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله لبّا بريقه وكان يُدخل لسانه في فمه ، فجعل الله له رزقاً حتى نبت لحمه من لحمه ودمه من دمه وعظمه من عظمه ونفسه من نفسه ، وهو منه وهو منه .وسفكتم من سفك سفكاً أي صبّ . ( وأيَّة) حرمة له انتهكتم )كذا في بعض النسخ، وفي اللهوف والبحار (1)« هتكتم »بدل انتهكتم . وهو الصحيح ، لأن الإنتهاك مضارع الهتك والهتك هو الفضيحة . والأولى أن يُراد هنا هتك الستر ، أي تمزيقه وخرقه_ كذا في المجمع.

وفي اللهوف ( وأيَّ خلف له ضيعتم، لقد جئتم شيئاً إدّاً)«الإدّ» بالكسر


1) بحار الأنوار 163/45 .

والتشديد :الأمر الفضيع والداهية العظمى .اقتبست هذا من قوله تعالى (وَقَالُوا أَتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُم شَيْئاً إِدّاً * تَكادُ السَّماوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ الأَرْضُ وَتَخِرُ الجِبَالُ هَدّاً ) (1)، لقد جئتم بها .

(صلعاء ) مؤنث أصلع الداهية، ومرجع الضمير الجماعة أو الفئة أو المصيبة مثل ما مر .

(عنقاء ) بفتح العين : الداهية .

( شَوْهاءَ ) من شوّه وجهه : قبّحه . وفي بعض النسخ « السواء» بالسين المهملة من السوء أي القبيح ، الفاحشة القبيحة ، الاسوأ اسم تفضيل . وفي بعض النسخ «السوتاء» بالتاء المنقطة الفوقانية ، وهو تصحيف أو غلط . ومثله ما في بعض النسخ «شوّاء» بالشين المعجمة . والأصح ما ذكر .

( فَقهاء ) العظيمة ، يقال تفاقم الأمر أي عظم. في القاموس (2): فُقُم بضمتين الفم، ومن الأمور الإعوجاج.

( خَرْقاءَ ) كذا في الدر المنثور. في المجمع (3): في الحديث « الخَرْق شُومٌ والرفق يُمنٌ» (4)هو من قولهم خرق خرقاً من باب تعب : إذا عمل شيئاً فلم يرفق به ، فهو أخرق والأنثى خرقاء كأحمر وحمراء ، والاسم الخرق بالضم والسكون. والخزُق أيضاً الحمق وضعف العقل . والخُرق الجهل .

وفي بعض النسخ بين الأوصاف « لقد هاديا خيراً»، والأصح ما ذكر .


1) سورة مريم : 88 90 .

2) القاموس المحيط 160/4 .

3) مجمع البحرين 639/1 .

4) الجامع الصغير 636/1 ، كنز العمال 520/3 .

(كطلاع الأرض) في المجمع :وطلاع الأرض فلذها.

(وملاء السماء ) الملء ما يأخذ الإناء إذا امتلأ ، كناية عن عدم الحدّ وعدم الانتهاء . والمعنى : يا أهل الكوفة قد جئتم وأتيتم بفتنة عجيبة وداهية قبيحة عظيمة مشؤمة لا حدّ لها ولا نهاية.

( أفعجبتم أن مطرت السماءُ دماً ) في البحار « فطرت السماء دَماً » . يظهر منه أن أهل الكوفة رأوا أن السماء مطرت دماً ، وقد مرّ القول في ذلك مستوفىِّ .

( ولعذاب الأخرى وأنتم لا تبصرون) اقتباس، والآية (وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ) (1). وفي بعض النسخ « ولعذاب» والأول أصح ، والمعنى : ويحكم يا أهل الكوفة لما رأيتم آية من آيات الله في قتل أخي - وهي إمطار السماء دماً وقطره - وأنتم تنظرون بذلك نزول العذاب عليكم في الدنيا فلا تعجبون من ذلك ، ولعذاب الآخرة أخزى وأشق وأصعب من بلاء الدنيا وأنتم في الآخرة لا تُنصَرون .

( فلا يستخفنَّكم المهَل )الاستخفاف بالشي : الإهانة والتحقير. في المجمع: استخفّ قومه أي حملهم على الخفة والجهل ، واستخف بدينه : إذا أهانه ولم يعبأ به، وفي الحديث« إن شفاعتَنا لا تنال مستخفاً بالصلاة» (2)أي مستهيناً بها « محقراً لها.

و «المَهْل » من أمهله ومهله : أنظره ،المهْل والمَهَل بالفتح ثم السكون أو الفتح مصدران: الرّفْق . في القاموس (3): المُهْلة بالضم ثم السكون : الرفق والسكينة .


1) سورة فصلت : 16 .

2) وسائل الشيعة 25/4 .

3) القاموس المحيط 52/4 .

والمعنى : فلا يوقعنّكم في الاستخفاف والاستهزاء والإهانة والجهالة بتأخير العذاب والمهلة والرفق بكم من الله تبارك وتعالى.

( فإنه عز وجل لا يحفره البدار) في جملة من النسخ «خفر » بالخاء المعجمة ثم الفاء ، وهو تصحيف أو غلط ، والصحيح «حفره » بالحاء المهملة ثم الفاء ثم الراء. من حفر عن الأمر أعجله ، يقال «استحفر في منيّته» أي استعجل . والبدار : الإسراع ، بدر إليه أي أسرع إليه . وفي رواية الإحتجاج (1)« فإنه عز وجل من لا يحفره البدار». وفي القاموس : حفره يحفره من باب منعه دفعه . وهذا المعنى هو الأنسب بل المتعيَّن هنا ، فالمعنى : فإن الله تعالى لا يدفعه ولا يمنعه مانع ودافع عن الإسراع لو أراد الإسراع .

( ولا يخاف فوتَ الثار ) اتفقت كلمة اللغويين باستعمال الثار في الدم، لكن لا مطلقاً بل الدم الذي يفيض منه . وعليه فاللام للعهد الذكري المذكور في الخطبة ، أو الذهني. والمراد دم الحسين عليه السلام وأصحابه، فإن دمهم دمه صلوات الله عليه .

والضمير في « لا يخاف» راجع إلى الله تعالى. و «فوت» منصوب بنزع الخافض ، والتقدير : ولا يخاف الله من فوت الدم وهدره وإبطاله .

وصّرح جماعة من أهل اللغة بأن «الثار » طالب الدم وآخذه . وعليه فالمعنى: ولا يخاف الله من فوت من طلب الدم وأخذه ، فيطلبه ويأخذه ولو بعد حين . وللفاضل المحقق في كتابه شفاء الصدور في تفسير « السلام عليك يا ثار الله و ابن ثاره »كلام وتحقيقات تركناها لخروجها عن مقصدنا ، ومن أراد فليراجع إليه .

وفي بعض النسخ « ولا يخاف عليه»، ولعله مأخوذ من نسخة الإحتجاج،


1) الاحتجاج 31/2 .

ففيها « ولا يخشى عليه فوت الثار » (1)، وعليه « ويخاف »على البناء للمفعول ، كما أن « يخشى» أيضاً على البناء للمفعول . ولا يخفى ما فيه من الغرابة بل الحزازة ،بحيث يخرج الكلام عن الفصاحة والبلاغة ولا يصلحه شي من العناية . والصحيح ما ذكرناه كما في اللهوف والبحار وأكثر النسخ . فتدبر .

( إن ربَّكم لبالمرصاد ) كذا في اللهوف والبحار (2)وجملة من الكتب. وفي الاحتجاج «كلا إن ربك لنا ولهم لبالمرصاد » ، ومثله في بعض المقاتل، وهو اقتباس من قوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (3). قال في مجمع البيان (4): أي على طريق العباد ، فلا يفوته شي من أعمالهم ، لأنه يسمع ويرى جميعَ أعمالهم وأفعالهم وأحوالهم .

وفي اللهوف والبحار والاحتجاج والدر المنثور وسائر الكتب : قال الراوي : والله رأيتُ الناسَ يومئذ حيارى يبكون قد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخاً واقفاً إلى جنبي - وفي الدر المنثور : قد دنا منها - وهو يبكي حتى اخضلّت لحيته وهو يقول :بأبي أنتم وأمي ،كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب ، ونساؤكم خير النساء ، ونسلكم خير النسل ، لا يخزى ولا يبرا أبداً .

وفي بعض النسخ بضمير الغيبة ، وفي أخرى «نسلهم كريم وفضلهم عظيم »، وفي بعض المقاتل : وهو يقول : كهولهم خير الكهول ونسلهم إذا عدّ نسل لا يبور ولا يخزى ، أي لا يُقهر ولا يُغلب .

إلى هنا تمت الخطبة برواية اللهوف والبحار وأكثر كتب المؤرخين والمحدثين ،


1) الاحتجاج 31/2.

2) بحار الأنوار 109/45.

3) سورة الفجر : 14 .

4) مجمع البيان 351/10 .

إلا أن في رواية الإحتجاج (1)بعد قولها «إن ربكم لبالمرصاد»: ثم أنشأت تقول :

ماذا تقولون إذ قال النبيُّ لكم ***ماذا فعلتم وأنتم آخر الأممِ

بأهل بيتي وأولادي و تكرمتي*** منهم أسارى ومنهم ضُر جوا بدمِ

ما كان ذاك جزائي إذ نصحتُ لكم*** أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمي

إني لأخشى عليكم أن يحلّ*** بكم مثلُ العذاب الذي أودى على إرمِ

ثم ولّت عنهم . قال : قال :حذلم فرأيتُ الناس حيارى - إلى آخر ما سبق .

قال : فقال علي بن الحسين : يا عمة أسكتي ، ففي الباقي عن الماضي اعتبار ، وأنتي بحمد الله عالمةٌ غير معلَّمة وفهمة ٌغير مفهَّمة ، إن البكاء والحنين لا يردان من قد أباده الدهر. فسكتت . ثم نزل عليه السلام، فضرب فسطاطه وأنزل نساءه ودخل الفسطاط . انتهى .

ولا يخفى عليك أن كلَّ من ذكر هذه الخطبة مرسلاً كما في اللهوف والاسفراينى والدر المنثور أو مسنداً كابن نما عن إسحاق السبيعي وأمالي الشيخ ومجالس المفيد وغيرهم عن محمد بن عمران عن أحمد بن محمد الجوهري عن محمد بن مهران عن موسى بن عبدالرحمن عن عمر بن عبد الواحد عن إسماعيل بن راشد عن حذلم بن بشير ، كلهم أسندوا هذه الخطبة إلى رجل واحد اختلف في ضبط اسمه كما مرّ ، وقد ذكروا الخطبة باختلاف يسير قد سبق ذكره . ولم يذكر أحد من العامة والخاصة الأبيات المذكورة منتسبة إلى زينب عليها السلام إلا الطبرسي في الإحتجاج، ولعله اشتباه منه قدس سره. ففي كامل


1) الإحتجاج للطبرسي ص 27 .

ابن الأثير وكشف الغمة (1)والفصول المهمة وجماعة آخرين أن هذه الأبيات لأم نعمان بنت عقيل بن أبي طالب، قالتها لما سمعت بنعي الحسين عليه السلام (2).

نعم ، في الدر المنثور عن ابن الأنباري قال : إنها - أي زينب سلام الله عليها - لما قتل أخوها أخرجت رأسها من الخباء وأنشدت رافعةً صوتها «ماذا تقولون» إلى آخر الأبيات .

وأما قول علي بن الحسين عليه السلام لعمته « يا عمه أسكتي » فقد ذكره جملة من المحدثين والمؤرخين .

وأما قول الراوي «ثم نزل فضرب فسطاطه» فهو مذكور في ترجمة الامام علي بن الحسين عليه السلام.

وقد مرّ اختلاف النسخ في ضبط عبارات الخطبة ، ومنشأه النقل بالمعنى . وربما ذكرت نقلاً بالمعنى متقاربة الألفاظ والمعاني بحيث اشتبه الأمر على بعض الفحول كابن نما في مثير الأحزان وتبعه السيد في اللهوف والمجلسي في البحار (3)، فحسبوا أن الخطبة خطبتان من زينب وأختها أم كلثوم، قالوا: وخطبت أم كلثوم بنت علي ، ولم يسندوا ذلك إلى أصل أو رواية أو تاريخ.

ويظهر من النهاية لابن الأثير ومجمع البحرين فيما تقدم من عبارتهما أن أم كلثوم هذه هي زينب الكبرى التي خطبت الخطبة المتقدمة ، قالوا : «وراء ملكتها وقد غلب عليها البكاء». وليس لفظ «كلها » في رواية الإسفرايني. وفي


1) كشف الغمة 125/4 ، ثلاثة أبيات باختلاف يسير .

2) وفي بعض المصادر ذكروا نسبة الأبيات إلى الإمام زين العابدين عليه السلام أو إلى أبي الأسود الدئلي.

3) مثير الأحزان ص 68. بحار الأنوار 112/45 ، اللهوف ص 91 .

جملة من الكتب « فقالت يا أهل الكوفة»، وسيأتي تمام الكلام في ذلك في الباب الثاني .

هذا بعض الكلام في خطبتها روحي فداها . ومن تأمل فيها ونظر إليها يعرف كمال فصاحتها ونهاية بلاغتها وعلمها بالتفسير والتاريخ ، كيف وهي عقيلة العرب .

قال الراوي : فضجّ الناس بالبكاء والنحيب والحنين والنوح، ونشر النساء شعورَهن ووضعن التراب على رؤوسهن وخمشن وجوههن وضربن خدودهن ودعون بالويل والثبور ، وبكى الرجال فلم يُرَ باكيةً وباك أكثر من ذلك اليوم .

عود إلى بدء:

قال العلامة المجلسي في البحار (1): رأيت في بعض الكتب المعتبرة روى مرسلاً عن مسلم الجصاص . قد يقال : إنه قدس سره أخذه من المنتخب للطريحي . وهو بعيد ، لأن عصر المجلسي المتوفى سنة 1111 وإن كان بعد الطريحي المتوفى سنة 1085 ، إلا أن المنتخب لم يكن عنده أو لم يكن معتبراً عنده، إذ لم يرمز في الكتب التي نقل عنها للمنتخب رمزاً ، ولم نر في كل مجلدات البحار رواية منقولة عن المنتخب ، ولو كان معتبراً عنده للزم النقل عنه ولو رواية واحدة في المقتل ، مع اشتمال المنتخب على روايات لا يُعمل بها لتفرده بنقلها .

وأعجب من ذلك استناد رواية المنتخب إلى رواية أبي إسحاق الإسفرايني، فإنه وإن ذكر خبر مسلم الجصّاص لكن نقله يخالف رواية المجلسي بكثير كما ستعرف . فكل من ذكر في كتابه رواية الجصاص إنما ذكرها اعتماداً على نقل المجلسي واقتفاءاً لأثره . ونحن نذكر أيضاً تبعاً له ولهم قدس الله أسرارهم ، ولكن


1) بحار الأنوار 114/45 .

لا يمكن الاستدلال بها في الأحكام والمسائل الفقهية لإرسالها . ومسلم الجصّاص مجهول بالمعنى اللغوي، إذ لا ذكر له في كتب الرجال، وليس مجهولاً بالمعنى الإصطلاحي الذي هو كون الشخص معلوماً بشخصه لكن لم يرد فيه مدح أو ذم أو ورد و تعارض ، بل ولا يُعتمد بما تفرّد به أيضاً . مع معارضة نقل المجلسي مع ما نقله الاسفرايني.

وقد بالغ الفاضل المعاصر في أربعينه في تكذيب هذا الخبر لاشتماله على ما لا يقول به وانتهاء سنده إلى الإسفرايني، ونحن نذكر أولاً رواية الإسفرايني ثم نرد فيها برواية المجلسي قدس سره .

قال الإسفرايني بعد قوله مكرراً « قال الراوي» : وقال الراوي : فأمر ابن سعد بحمل النساء، قال مسلم الجصّاص : كنت في ذلك اليوم دُعيت لأجصص دار ابن زياد فبينما أنا اشتغل وإذا بالأصوات قد رفعت في جوانب الكوفة ، فسألت خادماً عن ذلك ، فقال : سيأتي إلينا رأسُ خارجي . فقلت : ما اسم صاحبه ؟ فقال لي : الحسين . فلما سمعت بذلك تركته حتى خرج ، ثم لبست عمامتي وثيابي بعد أن غسلت وجهي ويدي ورجلي ، فخرجت من القصر فوصلت الرؤوس وأنا على بكاء عظيم ، فرأيت أهل الكوفة لابسين الثياب الفاخرة وهم يرتقبون رأس الحسين عليه السلام عند دخوله، وإذا قليل وقد أقبلت الجمال وعليها حريم الحسين والشهداء وهم بغير وطاء ولا غطاء، وزين العابدين راكب على بعير وهو ضعيف، ورأيت أفخاذهم تشخب دماً . ولما رأى زين العابدين أهلّ الكوفة مرتقبين دخولهم مع رأس ابن بنت سيد المرسلين بكى بكاءاً عظيماً ، ثم أنشأ وجعل يقول : يا أمة الشر - الأبيات.

ثم قال : قال الراوي : فصار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين في المحامل

الخبز ، فصاحت أم كلثوم : يا أهل الكوفة حجر في رأس من تصدق علينا . ثم أخذت ما أعطوا للأطفال ورمته عليهم ، فعند ذلك ضجّ الناس بالبكاء ، فنظرت إليهم أم كلثوم وقالت : غضوا أبصاركم عنا . فلما سمع النساء في الربوع بكين عليهن ، فقالت : ويلكم تقتلن رجالكم وتبكي علينا عيونكم ،الله يحكم بيننا وبينكم ، فوالله ما احتبست عنا نصرةُ الله في الدنيا إلا لاكتساب نعيم الآخرة بارتفاع مقامنا في الآخرة ، وأنتم فسوف تردون إلى جهنم .

ثم قال : قال بشر الأسدي - وساق الخطبة المتقدمة نحو ما ذكرنا باختلاف يسير ، إلى أن قال :

قال الراوي : فاذاهم بالكلام وإذا ضجة قد ارتفعت والرؤوس طلعت من فوق الرماح يقدمهم رأس الحسين وهو أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رآهم علي زين العابدين سكت من شعره وبكى. انتهى كلام الإسفرايني.

وما أبعد بين رواية الجصاص ورواية راوي الإسفرايني وبين ما ذكره في البحار.

قال في البحار (1):روى مرسلاً عن مسلم الجصاص قال : دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة بالكوفة ، فبينما أنا أجصص وإذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة، فأقبلت على خادم كان معنا فقلت : مالي أرى الكوفة تضحّ ؟ قال : الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد. فقلت : من هذا الخارجي ؟ قال : الحسين بن علي . قال : فتركت الخادم حتى خرج، ولطمت وجهي حتى خشيت على عيني أن تذهب ، وغسلت يدي من الجص وخرجت


1) بحار الأنوار 114/45.

من ظهر القصر وأتيت إلى الكناسى ، فبينما أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرأس إذ قد أقبلت نحو أربعين شقة تحمل على أربعين جملاً فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمة ، وإذا علي بن الحسين على بعير بغير وطاء وأوداجه تشخب دماً، وهو مع ذلك يبكي ويقول: «يا أمة السوء لاسقياً لربعكم» الأبيات المذكورة في ترجمته .

قال : وصار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التمر والخبز والجوز ، فصاحت بهم أم كلثوم وقالت : يا أهل الكوفة إن الصدقة علينا محرمة. وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم وترمي به إلى الأرض.

قال : كل ذلك والناس يبكون على ما أصابهم .

ثم إن أم كلثوم أطلعت رأسها من المحمل وقالت لهم : صه يا أهل الكوفة ، يقتلنا رجالكم ويبكينا نساؤكم ، فالحكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء.

فبينما هي تخاطبهن إذا ضجة قد ارتفعت وإذا هم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين عليه السلام ، وهو رأس زهري قمري أشبه الخلق برسول الله صلى الله عليه وآله ولحيته كسواد السبج قد اتصل به الخضاب ووجهه كأنه دائرة قمر طالع ، والريح يلعب بها يميناً وشمالاً . فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها ، فنطحت جبهتها بمقدم المحمل حتى رأيت الدم يخرج من تحت قناعها ، وأومأت إليه بحرقة وجعلت تقول :

يا هلالاً لما استتم كمالا***غاله خسفه فأبدى غروبا

ما توهّمتُ يا شقيقَ فؤادي***كان هذا مقدراً مكتوبا

يا أخي فاطمة الصغيرة كلّمها***فقد كاد قلبها أن يذوبا

يا أخي قلبك الشفيق علينا***ماله قد قسى وصار صليبا

يا أخي لوترى علياً لدى***الأسر مع اليتم لا يطيق جوابا

كلما أوجعوه بالضرب ما***ذاك بذل يفيض دمعاً سكوبا

يا أخي ضُمّه إليك وقربه***وسكّن فؤاده المرعوبا

ما أذل اليتم حين ينادي***بأبيه فلا يراه مجيبا

انتهى ما في البحار .

( بيان ) :

قوله «الزعقات» بالزاى المعجمة ثم العين المهملة ثم القاف، من زَعَق يزعق أي صاح .

قوله « جنباته» جنب جنبه ، وهي الجانب والناحية .

قوله « أربعين شقة » الشقة بكسر الشين : القطعة من الخشب أو اللوح، ويكون بمعنى السقف من كل شي - قاله في القاموس . وعلى الأول يُراد به القتب . وهو - على ما في المجمع (1)- رحل البعير صغير على قدر السنام ، وعلى الثاني يراد بها سقف المحامل والمحامل المسكره. وتفسيره بالمحمل على ما في بعض الكتب غلط .

قوله «وطاء» الوَطاء بالفتح والوطاء بالكسر : ما تفرشه . وفي القاموس الوطاء كسحاب خلاف اللبس أي العريان نقله عن الكسائي.

قوله « وأوداجه » جمع وَدَج بفتح الدال : عرق في العنق ينتفخ عند الغضب .

في المجمع (2): في الحديث «رجل ذبح شاةً فاضطربت وأوداجها تشخب دماً » (3)


1) مجمع البحرين 455/3.

2) مجمع البحرين 481/4.

3) الكافي 6/3 .

الأوداج العروق المحيطة بالعنق التي يقطعها الذابح، واحدها وَدَج بفتحتين كسبب ،وأسباب والكسر لغة . وقيل : الودجان عرقان غليظان يكتنفان بالحلقوم، وهو مجرى النَّفَس. فقوله « أوداجه تشخب دماً» يمكن حمله على الحقيقة على الأول وعلى المجاز على الثاني، بأن يُراد بصيغة الجمع الاثنين على المشهور في المجازية - انتهى .

قوله « تشخب» من شَخَب اللبن وانشخب أي سال . وفي رواية الإسفرايني عن الجصاص « وأفخاذهم تشخب دماً».

قوله « وصار أهل الكوفة» الظاهر أن هذا من قضايا الكوفة أنهم كانوا يناولون الأطفال الخبز والتمر لا أنهم يناولون وهم في المحامل، إذ لا يمكن عادة الأخذ من أيدي الأطفال وهم في المحامل وأم كلثوم في محملها ولم يكن معها في المحمل طفل .

نعم، في بعض المقاتل : إن في حجرها وهي في محملها طفل صغير له من العمر أربع سنين ، وقد سبق ذلك في ترجمة رقية .

ثم إن في خبر الاسفرايني «الخبز » فقط ، وفي رواية المجلسي «الخبز والتمر » ، وفي نسخة «والجوز». وفي رواية الاسفرايني «إنها رمته إليهم»، وفي رواية المجلسى (1)« انها ترمى به إلى الأرض».

قوله «وقالت أم كلثوم : يا أهل الكوفة إن الصدقة علينا محرَّمة»، وفي رواية الاسفرايني « فصاحت أم كلثوم : يا أهل الكوفة حجر في رأس من تصدق علينا ».

ولم أر من تمسك بخبر الجصاص المرسل على حرمة الصدقة الواجبة أو مطلقاً


1) بحار الأنوار 114/45 .

على بني هاشم وإن ورد في ذلك أخبار متواترة. نعم قال الشيخ قدس سره في مسألة حرمة الزكاة على بني هاشم وأن الحرمة مخصوصة بالصدقات الواجبة لا مطلقاً ، قال : واشتهر منع سيدتنا زينب وأم كلثوم السبايا عن أخذ الصدقات من أهل الكوفة متعلّلين بكونها صدقة . والمراد من الشهرة في كلامه قدس سره الشهرة في ألسنة الراثين والذاكرين في زمنه ، لا الشهرة المصطلحة التي تعدّ من الأدلة المفيدة للظن النوعي بالحكم الشرعي، ولا الشهرة في الرواية ، إذ لم يُعهد شهرة هذه الحكاية قبل زمنه قدس سره ، ولا اشتهار الرواية قبل زمن المجلسي بل ولا بعده ، إذ كثير من المتأخرين أعرضوا عن ذكر الرواية والحكاية في كتبهم ومقاتلهم كاللواعج والقمقام والأربعين، بل صرحوا بكذب الرواية . ولم يرجع الشيخ قدس سره إلى مدرك الاشتهار في زمنه وأنه خبر الجصاص المرسل مع الجهل بالمرسل والمرسل كما تقدم. وقد مرّ أن مثل هذه الرواية لا تكون مدركاً للأحكام الشرعية .

ثم إنه قدس سره بعد بيان التعارض بين هذه الحكاية والأخبار الدالة على جواز الصدقة المستحبة على بني هاشم ، قال : ويمكن حملها على الكراهة والحرمة إذا كانت الصدقة على وجه المهانة . والحمل على الكراهة بعد فرض التعارض صحيح ، إلا أن القول بالحرمة إذا كانت الصدقة على وجه الإهانة فيه إشكال ، فإن الإهانة - وإن كانت في نفسها محرمة - إلا أن أكل الصدقة حرمته للآخذ غير معلوم . ولم أر من صرح بأن الأكل إذا كان المستعطي بقصد الإهانة كان حراماً . وربما يُستأنس ذلك من بعض أرباب المقاتل .

هذا، مع أن المورد ليس من ذلك القبيل، إذ أهل الكوفة لم يعرفوا في تلك الساعة أنهم ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يكن قصدهم بالتصدق

الإهانة . فتأمل .

وقد حمل بعض الأكابر طاب ثراه - وهو المحقق المحدث النوري - ذلك على الصدقة الواجبة بالنذر ، فإن أهل الكوفة نذروا وعاهدوا على التصدق وبناء المساجد إذا تم الفتح ليزيد وابن زياد، ومن ذلك بناء محمد بن أشعث مسجداً

وبنى ضرار مسجداً سمي ب- «مسجد ضرار » ، وكذلك بناء غيرهما من المساجد .

وفيه ، أن المشهور من الصدقة المحرَّمة هي الصدقة الواجبة بالذات لا بالعرض. وتمام الكلام في محله . وقد أفتوا بأن الإحتياط ترك الصدقة الواجبة بالعرض .

وكيف كان ، فحمله على كراهة الأخذ أو استحباب الترك وجه وجيه ، خصوصاً في المورد. وإن مقصودها روحي فداها التعريض بأهل الكوفة والتعريف بأنهم أهل بيت الرسالة وليسوا من الخوارج كما يزعمه الأعداء . فتدبر جيداً.

وأما الأخذ من أفواه الأطفال وأيديهم وهم صغار لا تكليف لهم، فلما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من طريق العامة كما في المدارك - أنه قال : وروى العامة أن الحسن عليه السلام أخذ تمراً من تمر الصدقة فقال له النبي : «كخ كخ » ليطرحها ، قال : ألا شعرت أنا لا نأكل الصدقة .

قوله « ثم إن أم كلثوم أطلعت رأسها من المحمل» هذا مع أنه ينا في كل ما ورد أنها وسائر السبايا مكشفات سافرات على الأقتاب بلا فراش ، ينا في صدر الخبر كما عرفت من تفسير «الشقة».

قوله « فإذاهم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين » (1)وهذا أيضاً ما سبق من الروايات أن ابن زياد لما سمع وصول السبايا إلى الكناسة أرسل الرؤوس إلى


1) بحار الأنوار 115/45 .

ابن سعد وأمره أن يأتي بالرأس مع السبايا بين الأجمال. اللهم إلا أن يقال: إن اللعين أرسل الرؤوس إلى ابن سعد إلا رأس الحسين ، فلما سمع بخطبة ام كلثوم وانقلاب الناس أرسل إليها رأس الحسين ليسكتها به . هذا الوجه وجيه على فرض صحة الخبر.

قوله «كسواد السُّبَج » بضم الأول كساء أسود - قاله في القاموس (1). وقيل : فارسي معرَّب . وفي بعض النسخ « الشيح » بكسر الشين المعجمة ثم الياء المثناة ثم الحاء المهملة ، وهو نبات - قاله في القاموس .

قوله « ونطحت من نطحه نطحاً : أصابه بقرنه - قاله في المجمع (2). »

قوله «حتى رأيت الدم يخرج من تحت قناعها». وفي بعض النسخ «ورأينا الدم». يظهر منه أن لها روحي فداها قناعاً. وفي بعض الروايات « ان لها برقعة من خز أدكن»، وهذا يوافق ما رواه العامة على أصلهم من حفظ ولاتهم ورعاية جانبهم إنهن كن مستورات في المحامل المستورة لا مكشفات حتى قيل بل نسب إلى مناقب ابن شهر آشوب أنها قالت لحامل الرأس : ويلك خذ هذه ألف درهم إليك واحمل رأس الحسين أمامنا واجعلنا على الجمال وراء الناس يشتغل الناس إلى رأس الحسين عنا. وهذا كله ينافي ما في روايات أصحابنا ومقاتلهم وكتبهم، بل هو من المجعولات، وأظنها من موضوعات الزبير بن بكار، وقد مضى بعض الكلام في ذلك .

نعم ، قد يُستشكل بل ربما يُنكر النطح وجريان الدم ، بأن هذا ينا في مقام الصبر


1) القاموس المحيط 193/1.

2) مجمع البحرين 328/4.

المحمود شرعاً، خصوصاً من الصديقة العقيلة العالمة ، وعلى الأخص مع أمر أخيها بالصبر ، وخصوصاً مع أمر أبيها بالصبر في قضايا الكوفة ، وقد مرّ أنه عليه السلام قال لها في الليلة التي توفي بها بعد سؤالها عن حديث أم أيمن « وكأني بك وبنساء أهلك سبايا بهذا البلد أذلاء خاشعين تخافون أن يتخطفكم الناسُ ، فصبراً صبراً».

الجواب عن هذا : أنه وأمثاله من اللطم والعويل والبكاء العالي والندبة لا تنافي مقام الصبر ، بل هو راجح ومأمور به، خصوصاً في عزاء الحسين عليه السلام . وإنما المحرَّم التعزي بعزاء الجاهلية . وقد سبق القول فيه .

نعم الإشكال في أن الجرح والنطح والكسر والإدماء أذية للنفس، والإيذاء بالنفس حرام ولا يصدر من مثل الصديقة الصغرى .

وفيه : إن في العزاء الحسيني يجوز مالا يجوز في غيره، ولا ينطبق بعض ما جرى في الطف على القواعد العامة ، بل يجوّزون في أمر الحسين عليه السلام ما يحرمونه في غيره ألا ترى أن المجمع عليه بين الفريقين أن السفر مع خوف الضرر حرام ، و لو سافر الشخص مع الخوف يجب عليه الإتمام في الصلاة وأداء الصوم في شهر رمضان، ودلّ عليه - مضافاً إلى الإجماع - الكتاب والسنة المتواترة. ومع هذا فقد ذهب غير واحد من المحققين وأصحابنا إلى جواز زيارة الحسين عليه السلام مع تحقق الخوف والضرر ، لإطلاق النصوص والأخبار الخاصة الدالة على ذلك .

قال المحقق المعاصر الأميني دامت إفاداته في تعليقة له على كامل الزيارة : ولعل التاريخ يملى علينا دروساً من عمل الأصحاب على عهد الأئمة عليهم السلام متضمنة بتقريرهم له، أنه يؤكد ما اختاره المحققون ، ولقد حمل إلينا عن أولئك

أنهم ما صدّهم عن قصد مشهد الحسين ماكابدوه من المثلة والتنكيل والعقوبة بحبس وقطع يد وهتك حرمة . ثم ذكر الأحاديث الواردة في الجواز وعمل أصحاب الأئمة عليهم السلام مثل ابن بكير ومحمد بن مسلم وهشام بن سالم وحسين الليثي الكوفي وأمثالهم من العدول الموثقين ، وساق الأخبار في ذلك. ومن أراد فليراجع إليه ، ولتمام الكلام محل آخر .

وبالجملة ، لا إشكال عندنا تبعاً للمحققين في جواز السفر مع الخوف ويقصّر المسافر ويفطر، وهذا مخصوص بزيارة الحسين عليه السلام. ولعل فعل الصديقة الصغرى - على فرض صحة الرواية - يعدّ من أدلة الجواز . بل يتعدى بذلك في غير السفر أيضاً من إقامة عزاء الحسين والإبكاء بكل ما يورث الحزن والبكاء عليه . وعلى هذا فلا مانع من اللطم الشديد بحيث يسود البدن ، بل يُدمي ، بل ولو كان بآلة كالحديد وأمثال ذلك . بل ولا مانع من جرح الرأس والبدن بآلة إذا كان المقصود التعزي وإظهار الحزن والحسرة والإبكاء فتدبر وللكلام مقام آخر .

هذا، ولكن الشأن في صحة رواية مسلم الجصاص بحيث يصح الركون والإعتماد عليها ، إذ النطح وجريان الدم من تحت قناعها ليس إلا في هذه الرواية ، وقد عرفت ما فيها . بل في بعض الكتب المعتبرة المؤلفة قريباً من عصرنا جاءت الرواية إلى : فالتفتت زينب إلى رأس أخيها ، قال : ولطمت خدها وشقت جيبها ونادت وامحمداه واعلياه، ولم يذكر النطح ولا الأبيات.

وأما الأبيات فلم يظهر من خبر الجصاص أنها من منشئاتها أو منشداتها ، فإنه قال « وأومأت إليه بحرقة وجعلت تقول : يا هلالاً ...». والظاهر أن الأبيات من لسان حالها كما صرح بذلك بعضُ الأعاظم ، وقد نظمها بعض الشعراء وألحقها بخبر الجصاص، ولعله من صنع المرسلِ عنه - يشهد بذلك مضامين الأبيات غير

اللائقة بحال العقيلة ولا تناسب مقامها . بل الأبيات خارجة عن الفصاحة والبلاغة بالنسبة إلى صاحبة الخطبة المتقدمة التي هي في غاية الفصاحة والبلاغة ، كما لا يخفى على من له ذوق ومعرفة بأساليب الكلام .

وبالجملة ، فنسبة الأبيات كلها إلى العقيلة مشكلة ، بل محل منع . ويؤيده ذكر الأبيات في بعض المقاتل بنحو يُقطع بعدم إنشائها من العقيلة سلام الله عليها ، وهي :

يا هلالاً لا غاب بعد طلوعه***فمن فقده أضحى نهاري كليلي

وهي من قصيدة أولها :

*لم أنس أخت السبط زينب إذ هوت *

وقصارى ما يمكن أن يسند إليه البيتان الأولان ، بل البيت الأول كما صرح بذلك بعض الأعاظم .

قوله « يا هلالاً لما استتم كمالا» الخ ، قد اشتهر في ألسن المعاصرين أن وجه تشبيه الرأس بالهلال أنه لما اعتاد الناس أن يشيروا إلى الهلال بأصابعهم ويدلوا عليه بأناملهم فكذلك أهل الكوفة أشاروا إلى الرأس الشريف بأصابعهم وقال بعضهم لبعض : هذا المشار إليه رأس الحسين أو رأس الخارجي، فلذلك شُبّه الرأس بالهلال.

هذا وجه ظاهري، والذي يختلج بالبال في وجه التشبيه : أن الهلال - على ما صرح اللغويون - مأخوذ من أهل إذا ظهر، وتهلل وجه الرجل أي استنار وظهر ، فأول الليالي الثلاث من الشهر أول ظهور النور وابتداء ظهوره بعد الظلمة والمحاق ، فبهذا النور ترتفع الظلمة الواقعة من جهة المحاق . فشُبّه الرأس الشريف بهذا النور الذي أول ظهوره وابتداء بروزه بعد الظلمة الواقعة في العالم باضمحلال الدين ووقوع المحاق من بني أمية ، وكأنها قالت: يا من بقتله ظهر الدين بعد اضمحلاله واليوم

أول بروزه وظهوره وترويجه بعد إلحاقه من بني أمية وأعوانهم .

قوله « «غاله خسفه» من غال : إذا هلك ، وفي الحديث «أعوذ بك من أن اغتال من تحتى » أي أهلك بالخسف - قاله في المجمع (1).

قوله : ما تو همت یا شقيق فؤادي***كان هذا مقدراً مكتوبا

قد يفسر كما في ألسنة المعاصرين بجعل « ما » نافية و « الوهم» بمعنى التخيل ، أي ما تخيلت بكون هذا الأمر من القتل والسبي مقدَّراً مكتوباً .

وفيه مالا يخفى، إذ لا يناسب هذا بمقام الصديقة الصغرى عقيلة العرب، والأولى بل المتعيّن أن يجعل «ما» موصولة و «الوهم» بمعنى الظن ، كما نص عليه أهل اللغة. والمعنى : الذي ظنته ووطنت نفسي عليه كان كما ظننته مقدراً مكتوباً . وهذا الكلام كثيراً ما يقال في مقام التسليم والرضا وتوطين النفس .

( الأمر الثاني ) فيما جرى عليها في مجلس ابن زياد .

اتفق الفريقان على ورود السبايا وزينب سلام الله عليها إلى مجلس ابن زياد ، إلا أن الأموي الاصفهاني لم يذكر في مقاتل الطالبيين في قضايا الكوفة ومجلس ابن زیاد شيئاً ، وإنما ذكر بعض ما في الكوفة والشام ومجلس يزيد .

والذي يظهر من مجموع الروايات والتواريخ: إن في صبيحة اليوم الثاني عشر حملوا السبايا والرؤوس من الكناسة ودخلوا الكوفة وأطافوا بهن السكك والشوارع والأزقة إلى العصر ، وأمر ابن زياد إدخالهن المحبس، وباتوا الليلة في المحبس.

وفي رواية الصدوق في الأمالي (2)عن حاجب ابن زياد قال : ثم أمر ابن زياد


1) مجمع البحرين 340/3 .

2) الأمالي للصدوق ص 229.

بعلي بن الحسين فعل وحمل مع النسوة والسبايا إلى السجن وكنت معهم ، فما مررنا بزقاق إلا وجدناه ملاءاً رجالاً ونساءاً يضربون وجوههم ويبكون ، فحبسوا في سجن وضيّق عليهم. وفي نسخة « فطبق عليهم» ، وفي بعض المقاتل «حبسوا في مطمورة، وهي الحفيرة تحت الأرض تخبأ فيها الحبوب والجنس. وفي بعض المقاتل « حبسوا في خرابة » ، وفي البعض «حبسوا في خان جنب المسجد » .

قال السيد في اللهوف (1): فحملوا إلى دار جنب المسجد الأعظم.

وأظنه المكان الذي يُسمى اليوم « دار علي بن أبي طالب» ، ويمكن أن يكون داره عليه السلام في هذا المكان المعروف بداره. أمر ابن زياد بحبسهن في هذا الدار حقداً وعداوةً وظلماً وشماتة حبسوهم رجالاً ونساءً في محبس واحد وطبّق عليهم بحيث لا يدخل عليهم أحد ولا يخرج منهم أحد ، وضيّق عليهم في الأكل والشرب، وأقيم عليهم الحرس .

في اللهوف (2): فقالت زينب بنت علي عليه السلام : لا يدخلن علينا عربية إلا أم ولد أو مملوكة ، فإنهن سبين كما سبينا ، والظاهر على قراءة « يُدخلن» من باب الافعال . إن الحبس من أدنى المجالس وأشدها ويختص بأدنى الناس وأراذلهم كالمملوكة وأم الولد ولا يحبس الأشراف والعربيات. وعلى قراءة المجرد فالمعنى : إن الحبس ممنوع الدخول فيه إلا للأراذل من الناس كالمماليك والإماء .

قال الشهيد الفقيه أبو علي محمد بن أحمد بن علي الفتال النيسابوري في روضة الواعظين (3): وأرسل ابن زياد أم كلثوم بنت الحسين فقال : الحمد لله الذي قتل


1) اللهوف ص 202 .

2) اللهوف ص 95 ، أنظر : لواعج الأشجان ص 211 ، أعيان الشيعة 614/1.

3) روضة الواعظين ص 190.

رجالكم ، فكيف ترين ما فعل الله بكم ؟ فقالت : يا بن زياد لئن قرت عينك بقتل الحسين فطالما قرت عين جده صلى الله عليه و آله به ، وكان يقبله ويلثم شفتيه ويضعه على عاتقه ، يابن زياد أعِدَّ جواباً لجده ، فإنه خصمك غداً . انتهى .

ولعل في العبارة تصحيفاً ، إذ لم يعهد ولم يذكر أحد أنه كان للحسين عليه السلام بنت تُسمى أم كلثوم، والصحيح أن تكون العبارة : أخت الحسين أو بنت علي . ويمكن أن يقال : إن فاطمة بنت الحسين كانت تكنى بأم كلثوم، وليس ذلك ببعيد.

وأما كيفية دخول السبايا إلى مجلس ابن زياد ومكالمته مع الصديقة وأجوبتها إياه ، فقد اختلفت كلماتهم واضطربت رواياتهم : من العامة كالجزري والطبري وتذكرة ابن الإسفرايني والدر المنثور وروضة الصفا وغيرهم، ومن الخاصة كابن نما والسيد والشيخ وغيرهم . ونحن نذكر ما رواه الشيخ المفيد في الإرشاد ونشير إلى مواضع الإختلاف زيادة أو نقيصةٌ . ولعلهم أخذوا ذلك من الشيخ لقرب عباراتهم من عباراته ، وقد نقلوا بالمعنى أو الاختصار وزادوا فيه أو نقصوا منه ، فنقول :

قال الشيخ في الإرشاد (1): ولما وصل رأس الحسين ووصل ابن سعد من غد يوم وصوله ومعه بنات الحسين وأهله ، جلس ابن زياد للناس في قصر الإمارة ، وأذن للناس إذناً عاماً وأمر بإحضار الرؤوس . إلى أن قال: وأدخل عيال الحسين على ابن زياد ، فدخلت زينب أخت الحسين في جملتهم متنكرة وعليها أرذل ثيابها . وفي مثير الأحزان واللهوف مثله .


1) الإرشاد للمفيد 114/2 .

وفي تاريخ الطبري (1)عن أبي مخنف : فلما دخلوا علی ابن زیاد لبست زينب ابنة فاطمة أرذل ثيابها وتنكرت . ومثله عن الجزري وكذا في الدر المنثور .

وقيل : إنها نزعت ثيابها ولبست ثيابَ بعض إمائها وتنكرت لئلا يعرفها ابن زیاد .

وهذا غلط واضح ، وإن كان يُستظهر ذلك من كلام الطبري والجزري (2)، إذ قد صرح جملة من أعيانهم كالسبط في التذكرة وابن حجر في الصواعق وغيرهما أنهم حملوهن على الأقتاب مكشفات الرؤوس والوجوه . أنظر تصريحهم بكشف الرؤوس مضافاً إلى كشف الوجوه . وقد مرّ أيضاً أخذهم قناع النساء.

وفي منتخب الطريحي ومقتل أبي مخنف المطبوع المتداول بعد القول « وعليها أرذل ثيابها » : وتستر وجهها بكمها لأن قناعها أخذ منها .

وقال الاسفرايني : وكانت زينب حاسرة الوجه تتجنب لئلا يراها أحد.

قال الشيخ في الإرشاد (3): فمضت حتى دخلت ناحية من القصر وحفٌ بها إماؤها .

قال الإسفرايني: ثم أدخلوا النساء والسبايا على ابن زياد وأوقفوهم بين يديه، فقال علي : سوف نقف وتقفون ونُسأل وتسألون ، فأي جواب تردّون وبخصام جدنا لكم إلى النار تقادون . فسكت ابن زياد ولم يرد له جواباً. وفي المنتخب مثله .

وفيه : وهي تتخفّى بين النساء واجتازت على الناس فجلست في ناحية . وفيه : قال بعضُ من حضر : رأيت ناراً قد خرجت من القصر كادت تحرقه ،


1) تاريخ الطبري 457/5 .

2) البداية والنهاية ،210/8 ، تاريخ الطبري 349/4 .

3) الارشاد 115/2 .

فقام ابن زياد عن سريره ها رباً ودخل بعض بيوته . كل ذلك ولم يرتدع عن غيه وشقاوته ، ثم التفت إلى السبي.

قال الشيخ : فقال ابن زياد من هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها ؟ فلم يجبه أحد ، فأعاد ثانية وثالثة يسأل عنها . فقالت له بعض إمائها : هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ومثله في الطبري والبحار ومثير الأحزان وجملة من الكتب .

وقال الإسفرايني : فنظر إليها ابن زياد، فسأل حاجبه عنها ، فقال : هذه زينب أخت الخارجي . فصاح بها : يا زينب .

قال الشيخ : فأقبل عليها ابن زياد وقال : الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم. وفي اللهوف والطبري والجزري والدر المنثور والبحار ومثير الأحزان مثله (1).

وفي روضة الواعظين (2)وأكذب أحاديثكم وأحاديث جمع أحدوثة كما في القاموس وغيره، لا جمع حديث وفي القاموس: أحاديث جمع الحديث بمعنى الخبر شاذ، وقال الفراء أحاديث جمع حديث على خلاف القياس والأحدوثة بضم الأول كالأعجوبة : ما يُتحدث به كما صرح بذلك في القاموس والمجمع (3).

وقال في شرح القاموس : الأحدوثة هي التي يُعبر عنها بالفارسية بأفسانه . وسئل الصادق عليه السلام عن القصاص أيحل الإستماع لهم ؟ فقال : لا .


1) الإرشاد للمفيد 115/2 ، الكامل في التاريخ 81/4 ، مثير الأحزان ص 71 بحار الأنوار 115/45 ، لواعج الأشجان ص 209 تاريخ الطبري 349/4 ، اللهوف ص 94 .

2) روضة الواعظين ص 190.

3) مجمع البحرين 471/1.

وعنه : إن أمير المؤمنين عليه السلام رأى قاصاً في المسجد ، فضربه وطرده وقد أفردوا باباً في القُصّاص.

قال الشيخ : فقالت زينب : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وطهرنا من الرجس تطهيراً ، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا والحمد لله . فقال ابن زياد كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك - في مثير الأحزان «صنع الله » بدل فعل الله - قالت : كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتختصمون عنده . في الطبري وروضة الواعظين مثله .

وفي مثير الأحزان (1)قالت: ما رأينا إلا جميلاً ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم ، فانظر لمن يكون الفلج ويلك يا بن مرجانة (2). ومثله في اللهوف والبحار .

وفي رواية قالت : وإن لك يابن زياد موقفاً فاستعد له جواباً وأنّى لك ، فانظر لمن الفلج .

الفلج بالفاء والجيم : الظفر والفوز. وفي جملة من النسخ «الفلح» بالحاء المهملة ، وهو واضح .

قال الشيخ : فغضب ابن زياد واستشاط . ومثله في الطبري في المجمع : شاطت القِدْر : إذا احترقت ، واستشاط كأنه التهب في غضبه .

وفي روضة الواعظين واللهوف والبحار (3): وهم بها . وفي نسخة : وكأنه همّ بها.


1) مثير الأحزان ص 90.

2) في المصدر : هبلتك أمك يابن مرجانة .

3) روضة الواعظين ص 190 ، بحار الأنوار 154/45 ، لواعج الأشجان ص 209.

وفسر في الناسخ والطراز وبعض المقاتل : أي هم بقتلها . وفي بعض المقاتل: هم بضربها . وفي روضة الصفا : هم بايذائها . والكل محتمل .

قال الشيخ : فقال عمرو بن حريث : أيها الأمير إنها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشي من منطقها ولا تذم على خطابها . وفي نسخة : على خطائها . ومثله في اللهوف والبحار ومثير الأحزان .

وفي الطبري (1): إنها لا تؤاخذ بقول ولا كلام على خَطَل الخطل بالخاء المعجمة ثم الطاء المهملة المفتوحتين : الحمق والكلام الفاسد .

قال الشيخ : فقال لها ابن زياد : لقد شفى الله نفسي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك. ومثله في الطبري وجملة من المقاتل. وفي بعضها «قلبي»بدل نفسي . وفي الدر المنثور « غيظي » . وفي بعض النسخ «شفانا الله »

بدل شقى الله .

قال الشيخ : فرقت زينب وبكت، فقالت : لقد قتلت كهلي وأبرتَ أهلي وقطعت فرعي واجتثئت أصلي، فإن كان هذا شفاءك فقد اشتفيت. ومثله في الطبري واللهوف والبحار ومثير الأحزان وسائر كتب المقاتل .

في القاموس (2): الكَهْل من وَخَطه الشيبُ ورأيت له بجالة ، أو من جاوز الثلاثين إلى إحدى وخمسين . والكهول بالضم : الضحاك والكريم .

وفي أمالي الصدوق (3)عن حاجب عبیدالله قالت زينب : يابن زياد حسبك ما ارتكبت منا، فقد قتلت رجالنا وقلعت أصلنا وألجأت [أبحت ] حريمنا


1) تاريخ الطبري 350/4 .

2) القاموس المحيط 47/4 .

3) الأمالي للصدوق ص 229.

وسبيت نساءنا وذرارينا ، فإن كان ذلك للاستشفاء فقد اشتفيت .

وفي مقتل الاسفرايني والمنتخب وأبي مخنف المطبوع الموجود بعد ذكر ما ذكر عن الشيخ وابن نما واللهوف باختلاف يسير ، قال ابن زیاد یا زینب ارأیت صنعَ الله بك وبأخيك، يريد الخلافة من يريد يهتم بها آماله فخيب الله منها رجاءه وقطع أمله وأمكننا الله تعالى منه . فقالت زينب : يا ويلك يابن مرجانة ، إذا كان أخي طلب الخلافة فهي ميراث أبيه وجده ، أما أنت يابن زياد فاستعد لنفسك جواباً إذا كان القاضي الله والخصم جدي محمد صلى الله عليه وآله والشهود الملائكة والسجن جهنم .

قال الشيخ وابن نما والسيد في اللهوف والطبري والبحار (1)وغيرهم : فقال ابن زياد : وهذه سجّاعة ، ولعمري لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً . وفي نسخة «أبوك » بدل أبوها .

قالت زینب : یابن زياد ما للمرأة والسجاعة . وقال ابن نما والطبري وغيرهما قالت : إن لي عن السجاعة لشغلاً ، وفي الطبري : ولكن تعنى ما أقول . وفي رواية : ولكن صدري نفت بما قلت .

ثم الظاهر أن لفظ «السجّاعة» بالسين المهملة ، من سجع أو سجّع : قال أو كتب كلاماً مقنّى له فواصل قاله في المجمع . وعليه أكثر النسخ وصرح به الفاضل الأديب في القمقام ، يدل عليه قوله « أبوك سجاعاً شاعراً» وقولها «ماللمرأة والسجاعة» وقولها «إن لي عن السجاعة لشغلاً». ولا يخفى بأساليب الكلام وأنه مقتضى المقام .


1) بحار الأنوار 116/45 ، اللهوف ص 94 ، الإرشاد للمفيد 116/2.

وقد يقرأ بالشين المعجمة : من شجع شجاعة ، وهي شدة القلب عند البأس.

وله وجه ، إلا أنه يحتاج إلى عناية ويأباه الذوق السليم. ويؤيد ما ذكرنا بل يدل عليه ما في مثير الأحزان والطبري «قد كان أبوها شاعراً سجّاعاً» بتقديم شاعراً .

وفي مثير الأحزان (1)بعد قولها «إن لي عن السجاعة لشغلاً» قالت: وإنى لأعجب ممن يشتفي بقتل أئمته ويعلم أنهم منتقمون منه في آخرته .

وفي بعض المقاتل والتواريخ : قالت سلام الله عليها لابن زياد : يابن زياد إن كان قرّت عينك بقتل الحسين فقد كان عين رسول الله صلى الله عليه وآله تقرّ برؤيته ، وكان يقبله ويمص شفتيه ويحمله هو وأخوه على ظهره ، فاستعد غداً للجواب . ولعله أخذه من الإسفرايني .

قال الشيخ وغيره : والتفت ابن زياد إلى علي بن الحسين . مذكور في ترجمة السجاد عليه السلام وجه الالتفات إليه واختلاف الكلمات في مكالمته معه وجوابه إياه .

ونكتفي برواية عمار الدُّهني عن أبي جعفر عليه السلام، فإنها أصح ما في الباب ، لأن عمار الدهني من أصحابنا الإمامية ومن ثقاتهم، بل هو المتفق على وثاقته من العامة والخاصة ، ويروي عن السجاد والباقر والصادق عليهم السلام ، وهو عمار بن حباب أبو معاوية البجلي الدهني. والدهني بضم الدال المهملة والهاء الساكنة والنون والياء، نسبة إلى بني دُهْن حيّ من بني بجيلة، وله قصة مع أبي ليلى قاضي الكوفة معروفة .


1) مثير الأحزان ص 71 .

قال الطبري (1): فحدثني زكريا بن يحيى الضرير ، قال : حدثنا أحمد بن جناب المصيصي ، قال : حدثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القسري ، قال : حدثنا عمار الدهني ، قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : حدثني بمقتل الحسين

عليه السلام حتى كأني حضرته . قال : فأقبل الحسين بن علي .

وساق الكلام إلى أن قال عليه السلام : وسرّح عمرُ بنُ سعد بحرمه وعياله إلى عبيد الله ولم يكن بقي من أهل بيت الحسين إلا غلام كان مريضاً مع النساء ، فأمر به عبید الله ليُقتل فطرحت زينب نفسها عليه وقالت : والله لا يُقتل حتى تقتلوني فرق لها فتركه وكفّ عنه . أخذنا منه موضع الحاجة وسيذكر تمام الكلام في محله .

وفي الأمالي (2)عن حاجب ابن زياد : ثم أمر ابن زياد بردّهم إلى السجن .

وفي اللهوف (3): ثم أمر ابن زياد بعلي بن الحسين وأهله فحملوا إلى دار جنب المسجد الأعظم.

وفي روضة الواعظين (4)مثل ما في الأمالي .

وفي روضة الصفا بعد أن ذكر غضب ابن زياد قال : قال لأعوانه وحجابه : أخرجوهم عن القصر وخلصوني عن ألسنتهم وإبرامهم واحبسوهم في الخان الفلاني . فأخرجوهن وحبسوهن في ذلك الخان.

ويظهر من بعض المقاتل أنهم حُبسوا في محبس آخر غير المحبس الذي كانوا في الليلة الأولى. وبه يجمع بين الروايات في اختلاف الحبس. ولكن الظاهر


1) تاريخ الطبري 347/5 .

2) الأمالي للصدوق ص 230.

3) اللهوف ص 95 .

4) روضة الواعظين ص 190.

رجوعهن إلى المحبس الأول ، كما يظهر من عبارة اللهوف وغيره كما أن الظاهر على ما مرّ أن تناول أهل الكوفة الخبز والتمر إلى الأطفال كان عند مرورهن من القصر إلى المحبس ، كما يظهر من رواية الأمالي المتقدمة ، وكان الحبس الثاني في الليلة الثانية أو الثالثة عشر من المحرم ، وهي الليلة التي دفن فيها بنو أسد جسدَ الحسين وأصحابه على ما يظهر من الرواية الواردة في الرد على الواقفية : أن السجاد عليه السلام كان في محبس ابن زياد وأتى إلى كربلاء فدفن أباه ، كما هو مذكور في ترجمة السجاد .

(بیان ) :

إعلم أن مجلس ابن زياد كمجلس يزيد من المجالس التأريخية في الاسلام بل في العالم ، كيف وقد برز الإيمان كلَّه في مقابل الكفر كله في المجلسين ، وكون أيهما ، أعظم وأشد وأقرح للقلوب سيأتي إنشاء الله تعالى. وذلك أن ابن زياد بعد ما صنع ما صنع وفعل ما فعل أراد إظهار مقصده ومقصد يزيد ومرامه وإنكار التوحيد والرسالة وأنه لا خبر جاء ولا وحي نزل ، وأن كل ما جاء به النبي كذب وقصة وأحدوثة ، وأنه لا مبدأ ولا معاد، وأن ما قال الحسين ودعاه إلى القتال والشهادة كذب ، وما دعاه إلى ذلك إلا طلب الرئاسة والخلافة لا إثبات التوحيد وترويج الدين وإقامة الحدود وحفظ نواميس الشرع، كما أفاد في خطبه ومواعظه ، وأن ذلك كله أحدوثة. فهيّأ اللعين لذلك مجلساً وجلس في القصر وأذن إذناً عاماً ، فدخل إلى مجلسه من الأراذل و الأشراف والشيوخ والبر والفاجر والصغير والكبير وأرباع الكوفة ورؤساء الجند وشيوخ القبائل ورؤسائهم حتى امتلأ القصر وهم زهاء عشرين ألف بل أكثر ، فإن القصر الموجود والمشاهد في زماننا وبقيت أركانه وجدرانه على ما كان في ذلك الزمان

إلى الآن يجتمع فيه أزيد من عشرين ألف .

فلما اجتمعوا واكتمل المجلس وفاض بأهله وتهيأ لهم الطعام وأمر اللعين بإطعامهم كما هو الظاهر من رواية البحار وغيره : أن مختاراً بعث رأس ابن زياد إلى محمد بن الحنفية وبعثه إلى علي بن الحسين عليه السلام على ما يأتي تفصيله في محله إنشاء الله تعالى، فأدخل الرأس على علي بن الحسين وهو يتغدى ، فسجدوشكر الله تعالى وقال : الحمد لله الذي أدرك لي ثاري من عدوي وجزى الله المختار خيراً ، أُدخلتُ على عبيد الله بن زياد وهو يتغدى ورأس أبي بين يديه ، فقلت : اللهم لا تمتني حتى تريني رأس ابن زياد .

وبعيد كل البعد أن يأكل اللعين وحده في ذلك المجلس مع تكبره وعتوه . ويظهر من بعض التواريخ أيضاً ما ذكرنا من أنه هيأ الطعام لكل من حضر فأمرهم بالإطعام.

ثم أمر اللعين بإدخال الرؤوس والسبايا فأدخلوهن ، وكان يعرف زينب حق المعرفة ومع ذلك يسأل عنها وقال : من هذه المتكبرة أو المتنكرة الجالسة في ناحية المجلس بدون إجازتي وحفت بها إماؤها ، إظهاراً للشأن والجلالة والعظمة. فقيل له : هذه زينب . فجرى بينه وبينها مبارزة علمية ، فأول كلامه معها أنه أنكر النبوة والرسالة وكل ما جاء به النبي ، وجعل كل ذلك قصة وأحدوثة مع إقراره صورةً ولفظاً بالتوحيد خوفاً من الناس ، فقال :

«الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم»، فجعل النبوة والدين والأحكام كلَّها كذباً ، واستدل على ذلك بقتلهم وسبيهم، و جعل القتل والسبي فضيحةً ودليلاً على الكذب.

فلما سمعت زينب ذلك ردت عليه وأجابت عنه و عن استدلاله بأحسن

جواب بمنع الصغرى والكبرى حتى ألزمته وأفحمته وألجمته ، فقالت «الحمد لله» إلى آخر ما مر . أما منع الصغرى فنقضاً وحلاً، أما النقض فإن الله تعالى أكرمنا بالنبوة والرسالة ، ومن كان الله يكرمه بالنبوة لا يفضحه. وأما الحل فبأن الافتضاح للفاسق والفاجر، وأهل البيت بريئون من الفسق والفجور، وأن الفاسق والفاجر غيرهم. واستشهدت لذلك بذكر أبيه وأمه بقولها « يابن زياد» وقولها « يابن مرجانة». قالت ما قالته في مجمع الناس ومشهدهم وهم زهاء عشرين ألف ولم ينكره أحد، وهم يعرفون أن زياداً قد ادعى فيه خمسة زناة كل يدعي أنه ابنه حتى ألحقه وألصقه معاوية بأبي سفيان على ما هو المعروف بين الناس في ذلك الزمان . وأما مرجانة فهي من العاهرات الزانيات ، وكانت ذات علم على ما يأتي تفصيله في محله .

كان كل من حضر في القصر يعرف حق المعرفة أبا عبيد الله وأمه ، فلم يقدر ابن زياد أن يتكلم فى ذلك ، وأثبتت زينب أن القتل والشهادة والسبي والإسارة ليست فضيحة ، بل الفضيحة لابن زياد ويزيد وأعوانه ومتابعيه بفسقهم وفجورهم.

وأما منع الكبرى فبأن القتل والشهادة لا تدلان على كذبهم ، فإن الكذب رجس وقد طهرهم الله عن الرجس والكذب تطهيراً. وقد عرف كل من حضر في القصر بأن آية التطهير وردت فيهم وفي بيتهم ولم ينكره أحد ممن حضر لا ابن زياد ولا غيره .

فثبت أن كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله ليس كذباً ولا قصةً ولا أحدوثةً ، بل كلها حق وصدق ، وكل من قتل منهم وسُبي إنما قتل وسبي حفظاً على ماجاء به النبي وترويجه و تشييده ، وما ذكره صلى الله عليه وآله في خطبه ومواعظه حق وصدق .

هذا ، والناس كلهم سكوت يسمعون كلامها وجوابها واستدلالها ، ولم يجبها أحد من الحاضرين ولا أنكروا ما قالته ، فأفحم اللعين بذلك وألجم .

وحاصل الجواب : إن مع الإقرار بالتوحيد بقول «الحمد لله » يجب الإقرار بالقرآن، وبتصديق القرآن يجب تصديق تطهيرهم من الكذب والرجس، وبتصديقه يجب التصديق بأن ما قالوه وجاء به النبي حق وصدق .

ولو استدل بذلك على عصمة زينب الكبرى لقولها « وطهرنا من الرجس تطهيراً» لدخولها في «طهرنا » لم يكن بذلك البعد . فافهم وتأمل .

فغضب ابن زياد وأنكر التوحيد رأساً وقال مستهزئاً بالله «كيف رأيت صنع الله بأخيك». وإنما قال ذلك لعله يستمع من زينب كلاماً يأخذ بها، فقالت «الحمد لله ما رأينا إلا جميلاً»، فأظهرت سلام الله عليها منتهى الشكر والصبر وأنهم قتلوا في سبيل الله ولترويج الدين وتشييد أساس الاسلام وبقاء التوحيد .

ثم تمسكت مقابل استهزاء ابن زياد بالله تعالى وإنكاره التوحيد ببرهان الامانة والاعتناء بأنه برهان عقلي على إثبات الصانع والتوحيد كما برهن في محله ، وما نطق به القرآن هو ( الَّذي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ ) (1)و (هُوَ يُحْيِي وَيُمِيْتُ ) (2)وأمثال ذلك إشارة إلى حكم العقل وإرشاده إليه ، فقالت «هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل» إلى آخره، وأردفت إثبات المبدأ بإثبات المعاد وقالت « وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم » إلى آخر كلامها .

عند سماع هذا الكلام من زينب اشتد غضب ابن زياد، فهم أن يقتلها نجاةً من


1) سورة الملك : 2 .

2) سورة يونس : 56 .

برهانهم وخلاصاً من إبرامهم ، كما سبق ذكره من كلام روضة الصفا .

وأما عمرو بن حريث فهو - على ما يظهر من التواريخ كابن زياد أو أشد عداوة منه لآل الرسول صلى الله عليه وآله ، وإنما منع ابن زياد عن قتلها لا لحب الحسين أو الأخذ بجانبها بل لأنه لما رأى الاحتجاجات منها وأنها فدت نفسها لاثبات التوحيد والنبوة والمعاد وترويج الدين في مشهد من الناس واجتماعهم ، رأى أن قتلها حينئذ أشد تأثيراً في قلوب الحاضرين والغائبين من قتل أخيها الحسين وأوفى وأبلغ وأشد تأثيراً في إعلاء كلمة التوحيد وآثار النبوة وأحكام الدين من المقتولين بالطف ، لأنها امرأة واجدة لا ذنب لها إلا أنها في مقام إعلاء الحق وإثبات حقية ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله في مقابل من قال إنه أحدوثة ، وقتلها وهي بهذه الحالة يُفضح بني أمية وأعوانهم وأتباعهم، فمنع ابن زياد من قتلها .

أتى اللعين بكلمة هي أشد من القتل وأقرح بقلب زينب وقلب شيعتها من السيف والسنان، فانها خراجة في القلب والسنان، وقال «هي امرأة والمرأة لا تؤخذ بشيء من منطقها»، ففهم ابن زياد ما أراده عمرو بن حريث، فصرف الكلام من وجهه وسياقه وجعل القضية شخصية فقال «قد شفى الله قلبي بطاغيتك الحسين فإنه أراد الخلافة وما نال».

فلما رأت زينب أن القضية انقلبت شخصية وأن ابن زياد في مقام توهين الحسين عليه السلام بشخصه ، رقت وبكت وصبرت وقالت «إن كان هذا شفاء لك فقد اشتفيت» إلى آخر ما مرّ .

ثم التفت ابنُ زياد إلى علي بن الحسين عليه السلام، فرآه كعمته في مقام الإحتجاج وإثبات التوحيد بقوله « الله يتوفى الأنفس حين موتها » إشتد غضبه .

أثرت كلمات زينب روحي فداها واحتجاجها مع ابن زياد في الحاضرين في القصر أثراً عظيماً ، والتفت إلى الناس فرأى بعضهم ينظر إلى بعض وهم حيارى يبكون ، فخاف وأمر بإخراج السبايا وحبسهن في المحبس. فقام من وقته وساعته - على ما صرح به بعض المحدثين والمؤرخين - وجاء إلى المسجد الأعظم ورقى المنبر لاسكارت الناس.

وقصة عبد الله بن عفيف مما ذكرها الفريقان العامة والخاصة ، ولم أر من تعرض لذكره في كتب الرجال مع أنه من كبار التابعين ولعله ممن لم يُرو عنه.

قال الشيخ وابن نما والسيد والطبري والاسفرايني وروضة الصفا وغيرهم واللفظ للطبري (1): قال أبو مخنف : قال حميد بن مسلم : لما دخل عبيد الله القصر ودخل الناس نودي « الصلاة جامعة » ، فاجتمع الناس في المسجد الأعظم ، فصعد ابن زياد المنبر فقال : الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي وشيعته .

فلم يفرغ ابن زياد من مقالته حتى وثب إليه عبدالله بن عفيف الأزدي ثم الغامدي ثم أحد بني والبة ، وكان من شيعة علي كرم الله وجهه، وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع علي ، فلما كان يوم صفين ضُرب على رأسه ضربةً وأخرى على حاجبه فذهبت عينه الأخرى، فكان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف .

قال : فلما سمع مقالة ابن زياد قال : يابن مرجانة إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك والذي ولاك وأبوه ، يابن مرجانة أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بكلام


1) تاريخ الطبري 458/5 .

الصديقين . فقال ابن زياد : علي به .

قال : فوثبت عليه الجلاوزة (1)فأخذوه . قال : فنادى بشعار الأزد «يا مبرور». قال: وعبدالرحمن بن مخنف الأزدي جالس، فقال: ويح غيرك، اهلكت نفسك وأهلكت قومك . قال : وحاضر الكوفة يومئذ من الأزد سبعمائة مقاتل ، قال : فوثب إليه فتية من الأزد فانتزعوه فأتوا به أهله ، فأرسل إليه من أتاه به ، فقتله وأمر بصلبه في السَّبَخة ، فصلب هنالك . انتهى .

وفى مثير الأحزان (2)لابن نما قال : فلما أتى منزله قال ابنُ زياد : إذهبوا إلى أعمى الأزد أعمى الله قلبه فأتوني به. فلما بلغ الأزد ذلك إجتمعوا وقبائل اليمن معهم ، فبلغ ذلك ابن زیاد فجمع قبائل مضر وضمهم إلى ابن الأشعث وأمره بالقتال ، فاقتتلوا وقتل منهم جماعة ، ووصل أصحاب عبید الله إلى دار عبدالله بن عفيف ، فكسروا الباب واقتحموا عليه ، فصاحت ابنته : أتاك القوم من حيث تحذر . فقال : لا عليك ، ناوليني سيفي ، فناولته ، فجعل يذبّ به عن نفسه ويقول :

أنا ابن ذي الفضل عفيف الطاهر***عفيفُ شيخي و ابن أم عامر

کم دارع من جمعكم وحاسر

فقالت ابنته : يا ليتني كنت رجلاً أخاصم بين يديك هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة والقوم محدقون ، كلما جاؤه من جهة أشعرته، وهو يذبّ عن نفسه ويقول :

أقسم لو فرّج لي عن بصري***ضاق عليكم موردي ومصدر


1) جمع الجلواز ، وهو الشرطي.

2) مثير الأحزان 92/3 .

فتكاثروا عليه فأخذوه فقالت ابنته واذلاه ، يحاط بأبي وليس له ناصر . وأدخلوه على عبيد الله ، فقال : الحمد لله الذي أخزاك . فقال : يا عدو الله فماذا أخزاني،

و الله لو فرّج لي عن بصري***ضاق عليكم موردي ومصدري

فقال : يا عدو الله ما تقول في عثمان ؟ فقال : يا عبد بني علاج يابن مرجانة ما أنت وعثمان أساء أم أحسن فقد لقي ربه وهو ولي خلقه يقضي بينهم بالعدل، ولكن سلني عن أبيك وعن يزيد وأبيه . فقال له : والله لا سألتك عن شي حتى تذوق الموت عطشاً . فقال : الحمد لله رب العالمين ، أما إني كنت أسأل الله ربي أن يرزقني الشهادة قبل أن تلدك أمك، وسألته أن يجعلها على يدي ألعن خلقه وأبغضهم إليه ، فلما كفّ بصري يئست من الشهادة، والآن فالحمد لله الذي رزقنيها بعد اليأس منها . فأمر ابن زياد فضرب عنقه فصلب في السبخة . انتهى .

ومثله في الإرشاد واللهوف (1)باختلاف يسير .

وقال الإسفرايني : فلما دخلوا عليه كان له إبنة صغيرة ، فقالت : يا ابه قد هجم عليك عسكر ابن زياد . فقال لها : ايتيني بالسيف وقفي ورائي وقولي يمينك وشمالك بين يديك . ففعلت ما أمرها وأوقفته في مضيق وجعل يقاتل حتى قتل منهم ثلاثاً وعشرين رجلاً. إلى أن قال : ولم يزل كذلك حتى قتل منهم سبعة وعشرين رجلاً ، فلما رأى القوم أنه قتل منهم خمسين رجلاً فارساً حملوا عليه فأخذوه . إلى آخر ما في مثير الأحزان ، ومثله في روضة الصفا باختلاف يسير وزيادة ، ومن أراد فليراجع إليه .


1) الإرشاد 117/2 ، اللهوف ص 98.

أنظر أيها المدعي للتشيع إلى ثبات قدم هذا البطل الشجاع في الدين وبذل نفسه في مرضاة الله تعالى ومجاهدته في سبيل الله وإحياء كلمة التوحيد والذب عنها . وهو - رضوان الله عليه - حجة على أهل الكوفة بل على أهل العالم، ولا ينقص مقامه

مع شهادته عطشاناً عن بعض الشهداء في الطف . بل هو منهم ومعهم . رزقنا الله تعالى شفاعتهم والفوز معهم . وأضرابه كثير . وفقنا الله لمرافقتهم في يوم النشور .

الأمر الثالث في مسيرها من الكوفة إلى الشام وما جرى عليها إلى ورودها مجلس يزيد .

إعلم أن محدثي العامة والخاصة ومؤرخيهم إتفقوا على أنه بعد ما أمر ابن زياد بحبس أهل البيت جهزهم وحملهم إلى يزيد بلا مهلة ولا انتظار . صرح بذلك الكفعمي وشيخنا البهائي والمحدث الكاشاني وجملة من أصحابنا، ومن العامة أبوريحان في الآثار الباقية وأعثم الكوفي، وكل من صرح بأن ورود السبايا إلى الشام كان في أول شهر صفر ، وكل من قال بورود أهل البيت إلى كربلاء في يوم عشرين من صفر .

يظهر ذلك كله من الشيخ والصدوق في الأمالي وابن نما والطبري والجزري وغيرهم ، إلا أن الطبري بعد ذكره رواية عمار الدهني وأبي مخنف أنه بعد ما كفّ ابن زياد عن علي بن الحسين وبعد ما نصب رأس الحسين بالكوفة ، دعا زحر بن قيس فجهزهم وحملهم إلى يزيد .

قال : قال هشام أما عوانة بن الحكم الكلبي فإنه قال : لما قتل الحسين وجيء بالأثقال والأسارى حتى وردوا بهم الكوفة إلى عبيد الله فساء القوم محبسون إذ وقع حجر في السجن ومعه كتاب مربوط وفي الكتاب : خرج البريد بأمركم في

يوم كذا وكذا إلى يزيد بن معاوية ، وهو سائر كذا وكذا يوماً وراجع في كذا وكذا ، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل وإن لم تسمعوا تكبيراً فهو الأمان إنشاء الله .

قال : فلما كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذ وقع حجر قد ألقي في السجن ومعه كتاب مربوط وموسى وفي الكتاب : أوصوا واعهدوا فإنما ينظر البريد يوم كذا وكذا .

وجاء البريد ولم يسمع التكبير ، وجاء كتاب : بأن سرح الأسارى .

إلى أن قال : فدعی عبیدالله بن زیاد محصر بن ثعلبة - الى آخر ما سيأتي .

وهذا هو الذي أوقع بعض محدثينا ومؤرخينا في الوهم، حتى أن المحدث المعاصر القمي وشيخه العلامة النوري أنكرا رجوعهم إلى كربلاء من العشرين من شهر صفر ، وكذا لسان المؤرخين في الناسخ وتبعه ابنه في الطراز المذهب ومعهما غيرهما .

قال : مدة ذهاب البريد إلى الشام وإيابه بعد مشورة يزيد في أمر السبايا لا ينقص من شهر ، فصار تجهيز ابن زياد المسيرهم إلى الشام يوم السابع عشر من صفر وورود كربلاء في عشرين من صفر مع ورود جابر من المدينة ، ثم حملوا بعد أيام من كربلاء إلى الشام .

وهذا الذي أوقع المحدث الطبرسي في الوهم حتى قال : إن ورود السبايا إلى الشام كان في السابع عشر من ربيع الأول ، وكذا في كامل البهائي وغيره من معاصرينا . كل ذلك نشأ من متابعة رواية عوانة من غير تدبر وتفكر بل مجرد تقليد وقبول لما قيل ، فوقعوا فيما وقعوا .

فلابد أولاً من ترجمة عوانة بن الحكم ثم ذكر ما يرد عليه وعليهم، فنقول :

قال ابن حجر في لسان الميزان (1): عوانة بن الحكم بن عوانة بن عياض الأخباري المشهور الكوفي ، يقال : كان أبوه خياطاً وأمه أمة ، وهو كثير الرواية عن التابعين ، قلّ أن روى حديثاً مسنداً ، وأكثر المدائني عنه ، وقد روى عن عبد الله بن المعتز عن الحسن بن عليل الفهري عن عوانة بن الحكم أنه كان عثمانياً يضع الأخبار لبني أمية ، مات سنة ثمان وخمسين ومائة . انتهى .

أنظر كيف يمكن الركون والاعتماد على من كان عثمانياً كذاباً وضاعاً يضع الحديث لصالح بني أمية. وإني كلما تصفحت وتفحصت وتأملت في كتب الأحاديث والتواريخ وجدت أن ما يُروى عن عوانة والزبير بن بكار يلوح عليها أثر الكذب والوضع، خصوصاً ما ينقل عن عوانة في واقعة الطف والسبي . وهذا هو القائل بأن السبايا كن مستورات في المحامل المستورة ، وقال : إن أم كلثوم رفعت رأسها من المحمل وعليها برقعة خز، وهو القائل بإكرام يزيد السبايا غاية الإكرام، وطهر يزيد عن دم الحسين عليه السلام وجعل الوزر على ابن زياد .

قال في ذيل هذه الرواية : قال يزيد لفاطمة بنت الحسين : يا ابنة أخي ما أتى إليك أعظم مما أخذ منك . ثم أخرجن فأدخلن دار يزيد بن معاوية ، فلم تبق امرأة من آل يزيد إلا أنهن أقمن المآتم ، وأرسل يزيد إلى كل امرأة : ماذا أخذ لك ، وليست امرأة تدعى شيئاً بالغاً ما بلغ إلا قد أضعفه ، ثم جهزهم وأعطاهم مالاً وسرحهم إلى المدينة . إلى غير ذلك من الأكاذيب والموضوعات التي ليست في كتب أصحابنا منها عين ولا أثر .

نعم ، قد تبع عوانة في مجعولاته وأكاذيبه بعض مؤرخي العامة كالدينوري في


1) لسان الميزان 386/4 .

تواريخ والمغازي والسير . هذا كله مع أن يزيد قد أمر ابن زياد بارسال السبايا والأثقال إليه من أول الأمر ، وكان بينهما مكاتبة في كل يوم ، وقد كتب يزيد إلى ابن زياد من يوم ورود ابن زياد إلى الكوفة إلى يوم قتل الحسين عليه السلام خمسين كتاباً ، فأمره بقتل الحسين وإرسال السبايا والأثقال إليه.

قال المؤرخ الماهر في روضة الصفا عند ذكر وقعة المختار ومحاربة ابن زياد وذكر مكالمة ابن زياد مع مروان بن الحكم في الخلافة حيث قال مروان : إن اللائق بالخلافة هو خالد بن یزید، قال عبیدالله بن زیاد : صدقت يا مروان إلا أني أخاف أنه كأبيه يزيد أنه لا وفاء له ولا يراعي الحقوق، بل هو كأبيه من الكذابين ، ألم تعلم يا مروان أن أباه يزيد قد كتب إلي أزيد من خمسين كتاباً في قتل الحسين، فلما أطعت أمره تبرأ وقال : ما كنت راضياً بقتل الحسين وإنما فعل ما فعل ابن زياد من عنده من غير أمر مني - إلى آخر ما قال.

و ممن ذكر كتاب ابن زياد إلى يزيد في أمر السبايا والرؤوس وكتاب يزيد إليه

بالارسال، السيد في اللهوف والاقبال ، ومثله في البحار . قال في اللهوف (1): قال الراوي: كتب عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية يخبره بقتل الحسين وخبر أهل بيته إلى أن قال : وأما يزيد بن معاوية فإنه لما وصل إليه كتاب عبيدالله بن زياد ووقف عليه أعاد الجواب إليه يأمره فيه بحمل رأس الحسين ورؤوس من قتل معه ويحمل أثقاله ونسائه وعياله إليه . وقبله قاله الإسفرايني.

والظاهر أن الراوي لذلك هو عوانة بن الحكم، إذ ليس في الكتب الموجودة عندنا من كتب الفريقين إلا رواية عوانة ، وقد عرفت حاله ، ولم ينقل أحد ذلك غيره.

والذي ينبغي أن يقال بل هو الظاهر لمن نظر وتدبر في كتب الأحاديث والتواريخ من الفريقين بل هو المتعين المصرح به في بعض كلماتهم وبه يرفع الإشكال ويجمع بين الأقوال ويندفع به التناقض في كلمات الأعلام هو أن ابن زياد قد كتب إلى يزيد يخبره بما جرى ووقع حسب وظيفته وذلك مقتضى العادة والطبيعة ، وأجابه يزيد آمراً بإرسال الرؤوس والسبايا ، فكان ابن زياد جهزهم وحملهم قبل وصول الجواب إليه، وذلك لما رأى انقلاب أهل الكوفة ونهضتهم عليه ، خصوصاً بعد قتل عبدالله بن عفيف من قبيلة أزد وكان فيهم سبعمائة فارساً ، وكذا سائر العشائر . وقد مر فى الجزء الأول أن نحو خمسين رجلاً ، من أهل الكوفة ممن بايع مع مسلم قد اختلفوا ولحقوا بالحسين عليه السلام واستشهدوا، وهؤلاء جلهم من كبراء العشائر وأجلائهم، واجتمعوا وازدحموا على ابن زياد بأخذ السبايا والرؤوس منه ، وخاف من إثارة الفتنة ونهضة القوم


1) اللهوف ص 207 .

عليه وأخذهم السبايا والرؤوس، فضيّق السجن على السبايا ووكل بهم جماعة،فأخذوا أطراف السجن لئلا يتخطفهم الناس ولا يختلسونهم. وقد أشار إلى ذلك أمير المؤمنين عليه السلام في حديث أم أيمن «أذلاء خاشعين تخافون أن يتخطفكم الناس» أي يختلسكم إختلاساً . وقد سبق ذلك في محله .

أمر ابن زياد أن يُطاف برأس الحسين عليه السلام وسائر الرؤوس بين القبائل إظهاراً للأبهة ، وبعث البشائر إلى النواحى إعلاماً بأن القضية قد انتهت وكان النصر مع ابن زياد لتخويف الناس ، وبعث الرسل والكتب إلى الأطراف ترغيباً وإرهاباً وتوعيداً لهم.

فلما رأى أن القوم يقصدون أخذ السبايا والرؤوس، جهزهم وحملهم إلى الشام في الثالث عشر أو الرابع عشر من محرم قبل إرسال الرؤوس بيومين، فلما خرجوا من الكوفة وابتعدوا عنها أرسل الرؤوس وأمرهم أن يجدوا في السير ، فلحقوا بالسبايا بعد مرحلتين عن الكوفة . وسيأتي لهذا زيادة بيان ومزيد توضيح .

(رجعنا إلى ما كنا فيه )

قال الباقر عليه السلام في رواية الدهني : بعد ما كف ابن زياد عن علي بن الحسين عليه السلام في مجلسه ، قال : فجهزهم وحملهم إلى يزيد .

قال الشيخ ابن نما (1): ثم إن ابن زياد أمر بنساء الحسين وصبيانه فجهزوا، وأمر بعلي بن الحسين بغل فعل إلى عنقه وسرح بهم مع محفّز بن ثعلبة بن مرة العائذي - من عائدة قريش ومع شمر بن ذي الجوشن وأصحابهما .

وقال السيد في اللهوف : فاستدعى ابن زیاد بمحفز بن ثعلبة العائذي ، فسلم


1) مثير الأحزان ص 96 .

إليه الرؤوس والأسارى والنساء، فسار بهم محفّز إلى الشام كما يُسار بسبايا الكفار ، يتصفح وجوههن أهل الأقطار .

قال الطبري(1): قال أبو مخنف : ثم دعى ابن زياد زَحْرَ بن قيس فسرح معه برأس الحسين ورؤوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية ، وكان مع زحر أبوبُردة بن عوف الأزدي وطارق بن أبي ظبيان الأزدي إلى أن قال : وأمر بنساء الحسين وصبيانه فجهزن ، وأمر بعلي بن الحسين فغل بغل إلى عنقه ، ثم سرح بهم مع محفز ابن ثعلبة العائذي عائدة قريش - ومع شمر بن ذي الجوشن.

وقال الدينوري في الأخبار الطوال (2): ثم إن ابن زياد جهز علي بن الحسين ومن كان معه من الحرم ووجّه بهم إلى يزيد بن معاوية مع زخر بن قيس ومخفر بن ثعلبة وشمر بن ذي الجوشن.

وقال الاسفراینی : استدعى ابنُ زیاد بخولی بن يزيد وشَبَث بن ربعي وصَحْر ابن الحصين ، وضم إليهم الرؤوس والحريم والأطفال وأمرهم أن يسيروا إلى يزيد بدمشق وأن يشهروا ما معهم في سائر البلدان ، فساروا بهم كما يسير سبايا الروم، وهم على أقتاب الجمال بلا وطاء ولا غطاء ، وهم باكيات ذليلات والرؤوس على الرماح مرقعات .

ومثله ما ذكر في جملة من المقاتل باختلاف يسير .

(بیان) :

الظاهر بل المصرح في جملة من العبائر أن حملة الرؤوس إلى الشام غير حملة النساء والصبيان، وهم قد يجتمعون في الطريق وقد يفترقون ، ومع كل من حاملي


1) تاريخ الطبري 351/4.

2) الأخبار الطوال ص 260 .

الرؤوس والسبايا جماعة من الجند والعسكر ، فلا منافاة . وقد مرّ أن المشهور بينهم أن الرؤوس الحقت بالسبايا بعد يومين ومرحلتين عن الكوفة .

قوله « فغلّ في عنقه» وفي رواية « في يديه ورقبته » .

قوله « محفر » في الكامل لابن الأثير (1): بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الفاء المكسورة وآخره راء.

قوله «زحر» بالزاى المعجمة والحاء المهملة ثم الراء. وفي بعض النسخ « زجر » بالجيم ، وهو غلط .

ويأتي عن قرب معنى التصفّح في شرح الخطبة .

قالوا : فأخرجوهن من السجن وأركبوهن على أقتاب الأجمال وهن بحالة وأية حالة ، وأحاط بهن الجند والعسكر حتى أخرجوا من الكوفة .

وأما المنازل التي مرّوا بها من الكوفة إلى الشام وترتيبها وكيفية السفر وأن السير كان من الطريق الأعظم والجادّة المعروفة في تلك الأزمنة أو من طريق البر أو الملفّق بينهما والحوادث الواقعة في الطريق، فغير مذكورة في الكتب المعتبرة المعتمدة، وقد ذكرنا بعض الوقائع المتعلقة بالرأس الشريف في بعض المنازل المعروفة من الكرامات الباهرة والمعجزات الظاهرة أخذناها من الكتب المعتبرة والتواريخ المعتمدة ، ومن أراد فليراجع إليها .

وفي بعض المقاتل ومؤلفات المتأخرين ذكرت أمور وقضايا وحوادث في طريق الشام أعرضنا عن نقلها لعدم الاعتداد بها والاعتماد بناقلها ، لعدم استنادهم إلى مدرك صحيح وسند يُعتمد عليه .


1) الكامل في التاريخ 84/4 .

ولا يهمنا البحث في شرح المنازل وترتيبها ، لعدم أثر عملي ولا علمي ولا تاريخي على ذكرها ، مع اختلافهم في أصل المنازل وترتيبها غاية الاختلاف بحيث لا يمكن الجمع بين الأقوال بوجه . وقد يذكرون منزلاً يُسمى باسم خاص لم يكن له ذكر في الكتب المعتمدة كمعجم البلدان والمراصد وغيرهما . وقد يذكرون ورود السبايا إلى منزل كذا ثم منزل كذا وهو على خلاف الترتيب الذي ذكره آخر ، بل على خلاف الترتيب المذكور في الكتب. وأظن أنهم ذكروها حسب الظن والتخمين أو بحسب عصرهم أو سفرهم وأمثال ذلك . وهذا كله من مرورهم على الطريق الأعظم.

وفي كامل البهائي : إن حاملي الرأس الشريف كانوا يخافون من قبائل العرب أن يخرجوا عليهم ويأخذوا الرأس منهم، فكانوا يتركون الطريق المعروف المسلوك ويأخذون غير الطريق ، وكانوا كلما وصلوا إلى قبيلة طلبوا منهم العلوفة وقالوا معنا رأس خارجى.

والذي ذكر المنازل مرتباً فيما رأيتُ من الكتب أبو مخنف في مقتله الموجود المطبوع وأبو اسحاق الإسفرايني والمنتخب والمحدث البرغاني في مفتاح البكاء . وعدد المنازل على ما ذكره أبو مخنف أربعة وعشرون منزلاً ، وعلى ما ذكره الإسفرايني ثمانية عشر منزلاً ، وعلى ما ذكره الطريحي في المنتخب تسعة منازل ، وعلى ما ذكره المحدث البرغاني عشرون منزلاً . وقد يقال غير ذلك أيضاً .

والمشهور في الألسنة أن بين الكوفة والشام أربعين منزلاً . والمصرَّح به في جنات الخلود وغيره أن المسافة بين الكوفة ودمشق بحسب الفراسخ نحواً من مائتي فرسخ بالخط المستقيم ، ويصير بحسب العادة والمتعارف في مسير البعير كل يوم ثمانية أو عشرة فراسخ، فيكون نحواً من عشرين منزلاً أو أربعة وعشرين

بحسب السير المتعارف في كل عصر كما صرح في جنات الخلود بأن المنازل بين الكوفة والشام ودمشق خمسة وعشرون منزلاً.

هذا بحسب السير العادي المتعارف ، وأما السير الإضطراري فهو بمقدار جدّ السائر في السير . وقد ورد في التاريخ أن مالك الأشتر لما سمع بمجيء علي عليه السلام إلى الكوفة - وكان أشتر مقيماً بالشام - سافر وجد في السير فوصل إلى الكوفة في عشرة أيام .

وقد أمر ابنُ زياد زَحْراً وشمر بن ذي الجوشن ومن كان معهما - وهم على ما صرح الإسفرايني ألف فارس وخمسمائة راجل - بالجد في السير وهم يجدون بأمره مع خوفهم من القبائل والعشائر في الطريق أن يأخذوا منهم الرؤوس والأسارى ، وكان جدهم في المسير بحيث يسيرون في يوم واحد ثلاثة منازل أو أزيد ، بل يظهر من بعض التواريخ أنهم كانوا يسيرون ليلاً ونهاراً ولا ينزلون إلا بقدر الاضطرار.

وعلى ما ذكرنا فلا استبعاد من وصولهم إلى الشام في أول شهر صفر على ما صرحوا به ، بل هو المتعين بعد كون خروجهم من الكوفة في الرابع عشر من المحرم كما لا يخفى . بل ولا استبعاد في ورودهم كربلاء في عشرين من صفر بعد خروجهم من الشام في العاشر منه وستأتي زيادة بيان في ذلك إنشاء الله .

وأما ما جرى عليها روحى فداها من المصائب المشتركة بينها وبين سائر السبايا والصبيان من الذلة والخفة والإهانة والجوع والعطش وكشف الوجه والشعر وأذى الحر والبرد خصوصاً في نواحي الشام في مسيرهم الثاني وأمثال ذلك من البلايا والرزايا وملاقاة العدو وضرب الأطفال والشتم مما لا يكاد يُحصى ولا يمكن تقريرها وتحريرها ولا تصورها، ولو لم يكن إلا

ملاقاة شمر بن ذي الجوشن لكفى بذلك مصيبة ، وكيف وهو قاتل أخيها .

وأما ما ورد عليها بالخصوص واختصت به وجرى عليها فلم أر في الكتب المعتبرة والتواريخ المعتمدة شيئاً نذكره ونعتمد عليه، إلا أن المؤرخ في الطراز المذهّب ذكر أموراً وقضايا مختصة بها بل قد ذكر أموراً مشتركة بينها وبين غيرها نقلها من الكتب غير المعتبرة عندنا بل غير معروفة ، بل قد ذكر أموراً في مدة مكتهن بالشام مختصة ومشتركة بعضها مقطوع الكذب وبعضها مظنونه وبعضها محتمل الصدق والكذب أعرضنا عنها لعدم الاعتماد على نقلها وعدم ، استناد الناقل إلى سند صحيح أو أصل وكتاب يُعتمد عليه . وسبق بعض ما يتعلق بالمقام عند ذكر علي بن الحسين عليه السلام وخبر سهل الساعدي أيضاً .

عود إلى بدء:

قال السيد في اللهوف (1): قال الراوي : وسار القوم برأس الحسين عليه السلام ونسائه والأسرى من رجاله ، فلما قربوا من دمشق دنت أم كلثوم من شمر -- وكان في جملتهم - فقالت له : لي إليك حاجة . فقال : ما حاجتك ؟ قالت : إذا دخلت بنا البلد فاحملنا من درب قليل النظارة وتقدّم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحوها عنا ، فقد خُزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذه الحال. فأمر في جواب سؤالها أن تجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل - بغياً منه وتحقيراً وهتكاً منهم بين النظارة على تلك الصفة - حتى أتى بهم إلى باب دمشق، فأوقفوا على باب درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي . انتهى .


1) اللهوف ص 210 .

وفي مثير الأحزان (1)مثله ، وكذا في مقتل الإسفرايني باختلاف يسير .

في النفس من هذا النقل شيء، إذ من المعلوم المصرح به في جملة من الكتب أنها ما تكلمت في سفرها هذا مع أحد من الأشقياء وما سألت منهم حاجة مع وفور السوانح عليها مما هو مثله أو أشد منه كما يُعرف ذلك بالتأمل ، فأية مصلحة اقتضت أنها تدنو من شمر بالخصوص وتسأل منه ما قيل أنها سألته مع علمها بشقائه وعدم إجابة سؤالها . والله ورسوله أعلم بمقصود أوليائه ومصلحتهم وأفعالهم وأعمالهم ومرامهم وما يصدر منهم. وفي ترجمة سكينة وفاطمة بنتي الحسين عليه السلام ما يناسب المقام فلا نعيد الكلام.

وقد ذكر في ترجمة علي بن الحسين عليه السلام كيفية ورود السبايا إلى الشام وطوفهن في الأسواق وماجرى عليهن ورواية سهل الساعدي، والمقصود هنا ذكر ما جرى على زينب سلام الله عليها من الواردات المختصة بها أو المشتركة بينها وبين السبايا ، ومن أهم ما جرى عليها ما واجهته في مجلس يزيد ، فنقول :

(الأمر الرابع) في ما جرى عليها في مجلس يزيد

إعلم أن مجلس يزيد هذا من المجالس التاريخية في الاسلام بل في الدهر ، ولم يكن مثله من زمن آدم إلى يومه بل وفي يومه إلى يوم القيامة ، كيف وقد برز الإيمان كله في مقابل الكفر كله ، بحيث لو غلب الكفر على الإيمان في هذا المجلس لغلب إلى

يوم القيامة ولم يبق للإيمان اسم ولا ،رسم بل لم يبق للدين اسم، لادين اليهود ، ولا النصارى فضلاً عن دين المسلمين. وحيث غلب الدين في هذا المجلس على الكفر بقي للدين اسم و للاسلام رسم وبقيت سائر الأديان على حالها .


1) مثير الأحزان ص 77 .

كل ذلك من بركات سيدتنا وعقيلتنا زينب سلام الله عليها ، فكما أن لها حقاً على المذهب الشيعي لها حق على الدين الاسلامي، بل على اليهود والنصارى وسائر الملل ، إذ بوجودها بقي الدين والتوحيد والملة في مقابل الكفر والشرك

والمادية ، بيان ذلك :

إن الحزب الأموي من زمن أبي سفيان وهم حزب الشيطان، كانوا يقابلون ويعارضون حزب الرحمن وحزب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو الحزب الالهي والرباني، كما أن بني أمية هم حزب الشيطان كانوا يسعون في إطفاء كلمة التوحيد ومحو الديانة وأن ليس ما وراء الطبيعة شي ، وهم ينكرون المبدأ والمعاد ويعارضون مع أصل الديانات. كما أن الحزب الالهي يسعى إلى إظهار كلمة التوحيد وسوق الناس إلى التدين بدين الاسلام والاعتقاد بالمبدأ والمعاد وأن ماوراء الطبيعة شي .

وسلسلة ذلك من الطرفين ينتهي إلى عبد شمس جد بني أمية ، ومنه إلى زمان عدنان جد الرسول صلى الله عليه وآله ، ومنه إلى زمان موسى وفرعون ، ومنه إلى زمن إبراهيم ونمرود ومنه إلى زمن قابيل وهابيل وقابيل هو المؤسس لهذا الحزب في مقابل هابيل الذي هو مؤسس مذهب الدين والتوحيد تبعاً لأبيه آدم عليه السلام .

وقد نص القرآن الكريم على أن قابيل هو المفسد في الأرض، والفساد في الأرض هو المادية الصرفة في مقابل الديانة والربانية والألوهية والعقيدة بأن ماوراء الطبيعة شئ والاعتقاد بالمبدأ والمعاد، والحزبان من قديم الزمان في مجادلة ومحاربة ومقاتلة، يقتتلون حول كلمة التوحيد والدين، وكل حزب يسعى في ترويج مرامه و تشييد مقصده والغلبة على الآخر ، وربما يغلب البعض على مخالفه

لكن لا بحيث يضمحل الآخر ويُغلب بالمرة.

استمر هذا التقابل إلى أن انتهت النوبة إلى الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله ، ففعل ما فعل وجاهد بما جاهد وبذل نفسه في مرضاة الله تعالى ، حتى غلب على حزب الشيطان كأبي سفيان وبني أمية وبقية أعداء الاسلام، وأظهر كلمة التوحيد وأعلاها وقطع دابر الكافرين وقمع المشركين في بدر وحنين وحزب الشيطان والمارقين ، فصاروا في خمود وزوايا الخمول ينتظرون الفرصة ، حتى إذا فارق الرسول الحياة وذهب إلى رضوان الله تعالى صار ما صار وفعل المنافقون ما فعلوا في إحياء الباطل وترويج الإلحاد واضمحلال كلمة التوحيد ، حتى انتهى الأمر إلى الآمريين ورئيسهم الثالث وقائدهم الرابع، فسعوا في إضعاف الدين وإيحاء كلمة التوحيد وتقوية الباطل والفساد باسم الاسلام، لكن لا بحيث يضمحل الأصل ويُغلب بالكلية، بل بقيت منه باقية بمجاهدات حزب الله في قبالهم ومقابلتهم.

ولما وصلت النوبة إلى معاوية بن أبي سفيان وأصبح رئيساً لحزب المارقين والمفسدين عارض علياً عليه السلام رئيس حزب الله والحزب الالهي ، وكانت المعارضة والمقابلة مع علي عليه السلام لا بعنوان الخلافة وأنه أحق بالخلافة من علي ، إذ اجتمعت الأمة على طريقة اجتماعهم على خلافة من سبقه من الخلفاء،فلم ير معاوية بداً من المعارضة بعنوان طلب دم عثمان ، لا بعنوان أن علياً شريك في دمه وإنما يطلب قتلة عثمان ، لأن معاوية طالب دمه وثاره .

صرّح بذلك كله ابن حجر في صواعقه ، قال : وإنما عارضه مع علمه بأن علياً هو المستحق للخلافة والخليفة فطالب قتلة عثمان أن يدفعهم إليه قاتليه والمشاركين في دمه . قال : وإنما لم يسلمهم علي إلى معاوية لأن جماعة منهم من

أصحابه وكان في بدء خلافته ولم تستقر له الخلافة فامتنع مخافة الفتنة ، مع أن قتلة عثمان من أهل البصرة وغيرها كانوا زهاء عشرين ألف ولم يتمكن علي أن يسلمهم إلى معاوية فهي بدء خلافته، فنازعه و عارضه وقاتله بهذا العنوان - كما قاله ابن حجر.

هذا بحسب الظاهر ، وأما بحسب الواقع فإنما عارضه لأنه مؤسس الحزب الالهي وطلب منه أصحابه الربانيين والالهيين ، وامتنع علي عليه السلام عن ذلك إلى أن مضى شهيداً وانتهت الرئاسة إلى معاوية فصار رئيساً مطلقاً ، وكان الحسن عليه السلام رئيساً للحزب الإلهى في قبال معاوية حتى صار من أمره ما صار وألجيء إلى المصالحة ، واقتضت المصلحة لبقاء كلمة التوحيد والحزب الإلهي إلى الصلح مع معاوية على شروط مذكورة في التاريخ.

عند ذلك ادعى معاوية الخلافة وجلس على سريرها ، فجعل همه في قتل الحزب الإلهى وأخذهم ونهب أموالهم وتشريدهم عن أوطانهم وصلبهم وقتلهم أشد قتلة ، حتى أمر بسب علي عليه السلام على المنابر وغير ذلك من الفجائع. و تمام مقصوده وغرضه مما كان يفعله اضمحلال كلمة التوحيد وغلبة حزبه على الحزب الالهي، وهو مع أنه كان يعلم أن الحسن عليه السلام جليس بيته ولم يزاحمه في الخلافة ولم يعارضه ويفي بمواد الصلح وإن خالف معاوية شروط الصلح ، مع ذلك دس السم وقتله كما صرح بذلك جماعة من العامة .

إنما أقدم معاوية على قتل الحسن عليه السلام ولو كان غير معارض لخلافته ، لأنه كان رئيساً للحزب الألهي وكان معه جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، وأصحابه كانوا يروجون الدين بالقول والفعل ويذبّون عن كلمة التوحيد بكل ما يستطيعون عليه، وكان

الهاشميون معه والحسين وسائر إخوانه ومن يلوذ به موجودين ، وحزبه - ولو كانوا في الأقلية - يعارضون حزب المارقين، بحيث ضاق الأمر على معاوية وحزبه إلى أن قضى الحسن عليه السلام مسموماً شهيداً واستقر الأمر لمعاوية.

انتقلت رئاسة حزب الله عند ذلك إلى الحسين عليه السلام فلم يعارض معاوية وفاءاً بصلح أخيه مادام معاوية في الحياة ، وطال ذلك عشر سنين ، وفعل معاوية عند غلبة حزبه على حزب الله ما فعل، ومما فعله إلقاء الخلافة وجعلها سلطنة ودولة وعيّن ولي عهد له يزيد ، وأوصى بمراعاة الحسين بحسب الظاهر مرعاةً للمصلحة ، ولكنه أوصى باطناً بقتله وقتل حزبه وسبي أمواله . يشهد على ذلك تعيين ابن زياد على إمارة الكوفة على ما هو مذكور في قضية سرجون الرومي. وعلى كل ذكرنا شواهد من التواريخ والأحاديث من العامة والخاصة ليس هنا موضع ذكرها .

فلما استقر يزيد على سرير ملكه وسلطانه، فأول ما صنعه تعرضه للحزب الإلهي الرباني ، وكان رئيسهم الحسين عليه السلام مع جماعة قليلة ، فكان حزبه في الأقلية، لأن أصحاب أبيه وأخيه قد أخذوا وقتلوا ولم يبق منهم إلا قليل مشردون في البلاد مختفون ولم يبق من بني هاشم أيضاً معه إلا نفر قليل فاقتضت المصلحة النهضة ، وكان عهد أخيه قد تم ورأى أن في قتله حياةً للدين وبقاء لكلمة التوحيد وإبقاء للحزب الالهي وغلبةً على الحزب الشيطاني، فنهض وجرى ما جرى .

ثم إن يزيد بعد قتل الحسين عليه السلام بعث البشائر إلى النواحي والبلدان والعشائر ، خصوصاً في مكة والمدينة يخبرهم بقتل الحسين وسبي عياله ونسائه، ومقصوده من ذلك إظهار الأبهة والسلطنة وغلبة حزبه على حزب الرحمن وأنه

لم يبق رجل يزاحمه ويعارضه، وحمل عياله ونساءه وأطفاله أولاً من بلد إلى بلد ومن كورة إلى كورة ومن عشيرة إلى عشيرة حتى أدخلوهم إلى الشام وطافوا بهم في الأسواق والسكك ، ليعرف أنه هل بقي للحسين عليه السلام من حزبه من يزاحمه ويعارضه، فلما اطمأن أنه لم يبق من الحزب الإلهى إلا هؤلاء النسوة وحسب أنه غلب على حزب الرحمن بحيث لم يبق منهم أحد وظن أنه الغالب وليس له معارض ولا مزاحم وأنه وصل إلى مقصوده ومقصود آبائه وما راموا من إفناء حزب الرحمن واضمحلال كلمة التوحيد ، فهياً لإعلان مقصوده وإظهار مرامه مجلساً عظيماً ونصب فيه أربعمائة كرسي من الذهب والفضة والعاج وألقى عليها الستور من الحرير والديباج وأذن للناس إذناً عاماً ، فلما كان المجلس قاصاً بأهله من أشراف مملكته ورؤساء القبائل والجنود والسفراء وأحبار اليهود والنصارى ووجوه بني أمية وكبرائهم ووزرائه وندمائه وكل من كان من حزبه في الشام ونواحيها ، وأجلس نساءه وجواريه وأهل بيته وبناته في غرفة عليهن الستور من الحرير، وفي ناحية من مجلسه بساط الشراب وآلات القمار والشطرنج. ولما تتم وكمل ما أراد من ترتيب مجلسه وحصل ما هو مقصوده من تزيينه وجلس كل من حضر في موضعه أمر بإدخال الرؤوس والسبايا ، فأدخلوا الرؤوس ووضعوها بين يديه ، ثم أدخلوا النساء والأطفال والسبايا مشدّدات بالحبال مغلولات بالأغلال ، وأمر بالحبال فقطعت وأخذ الغل من عنق السجاد بيديه على ما هو المذكور في ترجمته ، وجاء المعرّف فعرف السبايا ، فنظر إلى المجلس والحضار والرؤوس والسبايا ورأى أنه قد تتم له ما أراد وساعده

الزمان بما هو فوق مراده ووافقته الدنيا على نهاية مرامه وظن أنه ليس من حزب الرحمن إلا هؤلاء النسوة وأنهن أسارى بين يديه، فحسب أن المقام مقام إظهار

مرامه ومرام حزبه وأخذ النتيجة من مقدماته وما أسسه أشياعه وأخلافه وآباؤه ورؤساء حزبه من زمن قابيل إلى زمانه ، فكشف القناع وأدخل أشعاره بأبيات ابن الزبعرى وقال :

ليت أشياخي ببدر شهدوا***وقعةَ الخزرج من وقع الأَسَلْ

فأهلوا واستهلوا فرحاً***ثم قالوا يا يزيدُ لا تشل

لعبت هاشمُ بالملك فلا***خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل

ومقصوده أن ليس وراء الطبيعة والمادة شئ وأن ما يقوله هاشم ومن قبله ومَن بعده من بني هاشم إنما هو لعب بالملك والسلطنة، وإلا فلا خبر ولا وحي ولا جبرائيل ولا تنزيل ولا توحيد فأنكر اللعين كل ما يقوله الربانيون والإلهيون وحزب الرحمن ، وأعلن غلبة حزب الشيطان على حزب الرحمن ، فلم يجبه أحد ولم ينكر عليه أحد من حضار مجلسه ، بل تلقوا ما قاله بالقبول إما خوفاً أو طمعاً أو عقيدةً ، إلا زينب العقيلة سلام الله عليها ، فإنها لما كان لها بعد أخيها رآسة حزب الرحمن بحسب الظاهر وبيدها أزمة الأمور ظاهراً - لما ورد في رواية الأسدي عن حكيمة أن الحسين عليه السلام أوصى إلى أخته زينب بنت علي بن أبي طالب - إلى آخر الرواية ، وكان عليها حفظ كلمة التوحيد والتنزيل والقرآن والوحي وكل ما يرومه حزب الرحمن، فيجب عليها القيام بوظائفها، مع أنها في مجلس ابن زياد كانت تتخفّى بين النساء لئلا يعرفها أحد ، قامت وألقمت الحجر في فم يزيد ونازعته وعارضته وأفحمته وأبطلت مرامه ومقصوده وأظهرت الحق وأعلنت كلمة التوحيد وأثبتت أن وراء الطبيعة شي وأن ما يقوله يزيد وأشياعه باطل وزخرف من القول ، وأن حزب الله هم الغالبون وحزب الشيطان هم المغلوبون، وأن ما أسسه أخوها الحسين وقبله أخوها الحسن وأبوها علي بن أبي طالب وقتلوا في سبيله، وما

أسسه قبلهم جدها رسول الله صلى الله عليه وآله وما جاءه من الوحي والتنزيل، ومن قبله من هاشم إلى زمن هابيل هو الحق والصدق، وأن ما يدعيه يزيد ومتابعوه ومن قبله إلى زمان قابيل هو الباطل.

وما ذكرناه يظهر كله من مضمون الخطبة ، وسيأتي إنشاء الله شرحها مستوفى على ما يُستفاد منها بنظري القاصر وفكرى الفاتر.

ويدل على ذلك أيضاً قول يزيد لعلى بن الحسين عليه السلام : لمن الغلب ؟ قال : فانتظر الأذان (1). وسيأتي لما ذكرنا زيادة بيان إنشاء الله تعالى .

وبالجملة ، فيزيد في مقام أخذ النتيجة حسب ما رامه بقتل الحسين وسبي نسائه وذراريه وعياله ، وزينب في مقام أخذ النتيجة من شهادة أخيها وأصحابه، فتعارضا وتزاحما، وغلبت السياسة الزينبية على سياسة يزيد، إذ بعد الخطبة ومعرفة الناس بأنهم ليسوا من الخوارج حسبما يقال عنهم وأنهم مظلومون تكلم الحاضرون على يزيد، فتكلم عبد المسيح وتكلم سفير روم بما سيأتي ، وتكلم رؤساء القبائل كل على نهجه فمنهم من يقول : يا يزيد إنك قلت هذا رأس خارجي ، ومنهم من يقول : إرفع قضيبك عن موضع قبله رسول الله صلى الله عليه وآله - إلى آخر ما سيأتي .

اضطرب المجلس وخرج عن الرسمية الدولية ، ونظر بعضهم إلى بعض ، فمنهم من لعن يزيد ، ومنهم من كفّره ، ومنهم من بكى على الحسين عليه السلام، ووقع في أهل المجلس اضطراب شديد وخاف يزيد الفتنة، فخرج من المجلس وأمر بإخراج السبايا ، فلا جرم أفرد لهم داراً على ما سيأتي تفصيله .


1) شجره طوبی 438/2 باختلاف في العبارات .

فلولا زينب سلام الله عليها وخطبتها لم يتكلم أحد ولم يتضح الحق وكان يزيد يأخذ النتيجة المطلوبة ، فلا يبقى للدين اسم ولا للمذهب رسم ولا للتوحيد كلمة ، فلذا قلنا إن لها حقاً على تمام الأديان والملل ، خصوصاً ملة الاسلام .

فظهر مما ذكرنا أن بقاء كلمة التوحيد والتشيع والاسلام من آثار وجودها وخطبتها في ذلك المجلس الحاشد . وبعد ذلك المجلس قوي حزب الرحمن والحزب الإلهى الرباني وضعف حزب الشيطان الغاوي إلى أن وصلت النوبة إلى بني العباس ، ففي زمانهم تشكل حزب الشيطان ولبس حزب الله لباساً آخر، فإن العباسيين كانوا في مقام إبطال التوحيد وإفناء حزب الرحمن وترويج الكفر باسم الإسلام والدين لما رأوا أن بني أمية لم ينالوا مقصدهم بالقتل والسبي وإظهار الكفر . وتفصيل ذلك يحتاج إلى بسط مقال ليس هنا مقام ذكره .

وبالجملة ، فبعد زمان يزيد إلى زماننا هذا تغلب حزب الشيطان على حزم الرحمن ، وقد تغلب حزب على حزب لكن لا بحيث يضمحل الآخر ، لعدم وجود رئيس مقتدر الحزب الرحمن ، بخلاف حزب الشيطان الذي له في كل عصر ووقت رجالاً يقاومون حزب الرحمن ويعاندونه ويروجون له . وأما في زماننا - وهو ليلة الخميس لتسعة وعشرين من ذي القعدة الحرام سنة 1363 من الهجرة النبوية على هاجرها ألف سلام وتحية - ففي كل يوم بل كل ساعة ودقيقة يضعف حزب الرحمن لقلة عددهم وعدم رئیس ظاهر لهم قادر مبسوط اليد ، بخلاف حزب الشيطان فإنه يقوى كل يوم بل كل ساعة ودقيقة لكثرة أتباعهم وجدهم وبذلهم الأموال والأنفس في سبيل نشر مرامهم ، فلو دار الزمان كذلك فعن قريب يقوى حزب الشيطان ويضمحل حزب الرحمن ، فلا يبقى لهم اسم ولا رسم ، فيمتلئ الأرض ظلماً وجوراً وفساداً ، وعند ذلك يمتلئ الأرض عدلاً وقسطاً بظهور

الحجة المنتظر عليه وعلى آبائه الصلاة والسلام .

« اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا وغيبة ولينا وكثرة عدونا وقلة عددنا وشدة الفتن بنا وتظاهر الزمان علينا ، فأعنا على ذلك كله بفتح تعجّله، وضرّ تكشفه ، ونصر تعزه ، وسلطان حق تظهره، ورحمة منك تجللناها ، وعافية منك تلبسناها».

عود إلى بدء:

ورجعنا إلى ماكنا فيه من كيفية ورود السيدة زينب إلى مجلس يزيد وما جرى لها فيه ، والمقصود هنا ذكر ما يخصها ، وإلا فجملة من قضايا الشام ومجلس يزيد تتعلق بالسجاد عليه السلام ، وهي مذكورة في ترجمته ، فنقول :

قال السيد في اللهوف (1): ثم أدخل ثقل الحسين عليه السلام ونساؤه ومن تخلف من أهل بيته على يزيد بن معاوية وهم مقرنون بالحبال ، فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال قال له علي بن الحسين : أنشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله لو رأنا على هذه الصفة . فأمر يزيد بالحبال فقطعت ، ثم وضع رأس الحسين عليه السلام بين يديه، وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرن إليه، فرآه علي بن الحسين فلم يأكل الرؤوس بعد ذلك أبداً .

وأما زينب فإنها لما رأت الرأس أهوت إلى جيبها فشقته ، ثم نادت بصوت حزين يقرح القلوب : يا حسيناه، یا حبیب رسول الله ، يابن مكة ومنى ، يابن فاطمة الزهراء سيدة النساء ، يابن بنت المصطفى .

قال الرواي : فأبكت والله كل من كان حاضراً في المجلس ويزيد ساكت. ثم


1) اللهوف ص 213 .

جعلت امرأة من بني هاشم في دار يزيد تندب الحسين عليه السلام وتنادي : يا حسیناه ، یا حبیباه ، یا سیداه ، يا سيد أهل بيتاه ، يابن محمداه ، يا ربيع الأرامل واليتامى ، يا قتيل أولاد الأدعياء .

قال الراوي : فأبكت كلَّ من سمعها .

قال : ثم دعا يزيد بقضيب خيزران، فجعل ينكث به ثنايا الحسين، فأقبل عليه أبو بردة الأسلمي وقال : ويحك يا يزيد إلى أن قال : وأمر يزيد بإخراج أبي بردة ، فأخرج سحباً . قال : وجعل يزيد يتمثل بأبيات ابن الزبعرى ويقول :

ليت أشياخي ببدر شهدوا***جزع الخَزرَج من وَقع الأسل

فأهلوا واستهلّوا فرحاً***ثم قالوا يا يزيدُ لا تشل

قد قتلنا القَزم من ساداتهم***و عدلناه ببدرٍ فاعتدل (1)

لعبت هاشم بالملك فلا***خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل

لستُ من خِنْدِفَ إن لم أنتقم***من بني أحمد ما كان فعل (2)

ومثله في البحار والأمالي ومثير الأحزان والإحتجاج (3)وجملة من الكتب .

(بیان):

إتفقت كلمة الفريقين على إنشاء يزيد هذه الأبيات في مجلسه هذا ، واستفاض النقل بذلك ، بل يمكن تواتره :

أما أصحابنا رضوان الله عليهم فكل من كتب مقتله عليه السلام وذكر مجلس


1) القرم : السيد ، العظيم.

2) خندف امرأة من أهل اليمن ، غلبت على نسب بنيها ، فقيل لهم «بنو خندف».

3) بحار الأنوار 132/45 ، الأمالي للصدوق ص 230 - 231 ، الاحتجاج 34/2، مثير الأحزان ص 80 - 79 .

يزيد ذكر هذه الأبيات منسوبة إليه .

وأما العامة فذكروها منسوبة إليه أيضاً ، ذكرها اليافعي والواحدي وأبو الفرج والطبري وابن حجر في الصواعق والجوازري وأعثم الكوفي وابن الجوزي والسبط في التذكرة وابن أبي الحديد في شرح النهج والمسعودي وكمال الدين الشيرازي في روضة الأحباب والفصول المهمة وغير ذلك ممن يطول الكلام بذكرهم.

نعم بعض العامة الذين يحاولون تطهير يزيد وإثبات عدم جواز لعنه ، كابن تيمية والدينوري وعلي جلال المصري - لم يذكروا هذه الأبيات، بل لم يذكروا وقائع مجلس يزيد إلا ما نقل عن عوانة الكذاب الوضاع، وقد مرت الإشارة إليه وستجئ .

وبالجملة ، لا شبهة في إنشاء يزيد هذه الأبيات . بل يظهر من بعض التواريخ أنه أنشد الأبيات مرتين ، مرةً في مجلسه هذا ومرة في وقعة الحرّة. إنما الكلام في أنه هل الأبيات كلها ليزيد أوكلها لابن الزبعرى وتمثل يزيد بها أو هي تلفيق من أبيات ليزيد وابن الزبعرى تمثل بها يزيد أو سرقها أو اقتبس منها . فلنذكر أولاً ترجمة ابن الزبعرى ثم تمام أبياته ثم تميز ما ليزيد وما لابن الزبعرى ، فنقول :

في القاموس : زِبَعْرى بكسر الزاي وفتح الباء وسكون العين المهملة وفتح الراء المهملة ، والد عبد الله الصحابي القرشي الشاعر (1).

كان اسمه عبداللات، فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم


1) أنظر القاموس 37/2 ، تاج العروس 410/11. وهو عبد الله بن قيس بن عدي القرشي السهمي.

بعبد الله ، وهو أحد شعراء قريش كان يهجو المسلمين ويحرّض عليهم كفار قريش ، وكان يهجو النبي ويُعظم القول فيه ، فهرب يوم فتح مكة ، ثم رجع إلى رسول الله «ص» واعتذر فقبل عذره ، ومن أبياته في الإعتذار قوله :

إني لمعتذرٌ إليك من الذي***أسديتُ إذ أنا في الضلال أهيم

فاغفر فذلك والداي كلاهما***زللي فإنك راحم مرحوم

ولقد شهدتُ بأن دينك صادقٌ***حقٌ وإنك في العباد جسيمُ

وقضيته في قوله تعالى (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُوْنِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّم)َ (1)معروفة ، وهي (2)أنه لما نزلت الآية قال : أنا والله لو وجدتُ محمداً في المجلس لخصمته ، واسألوا محمداً أكل ما يعبدون من دون الله حصب جهنم مع من عبده ، فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيراً والنصارى تعبد عيسى . فأخبر النبي فقال : يا ويل ، أما علم أن ما لما لا يعقل ومن لمن يعقل ، فنزل ( إِنَّ الَّذِيْنَ سَبَقَتْ هُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) (3).

أما الأبيات التي قالها في غزوة أحد :

یا غرابَ البَيْنِ ما شئتَ***فقلْ إنما تنعق أمراً قد فعل

في بعض النسخ « تندب» بدل تنعق ، وشيئاً» بدل أمراً .

إن للخير وللشرّ مدىً***وسواء قبر شر و مقل

كلُّ خيرٍ ونعیمٍ زائلٌ***و بیان الدهر يلعبن بكل


1) سورة الأنبياء : 98 .

2) الدر المنثور 679/5 ، بمضمونه .

3) سورة الأنبياء : 101 .

أبلغن حسّانَ عني آيةً***فقريضُ الشعر سعى ذا العلل

کم ترى في الحرب من جُمجمةٍ***وأكفّ قد أبينت ورَجِلْ

و سرابیل حِسانُ سُلبت***من كماةٍ عودز وفي النزل

كم قتلنا من كريم سيدٍ***ماجد الجدين مقدامِ بطل

صادق النجدةِ قَوْمٍ بطلٍ***غيرِ رِعْدِيْد لدى وَقْعَ الأَسَلْ

فسل المهر البنى من ساكنه***من كراريسٍ وهام كالجبل

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا***جزع الخزرج من وَقْع الأسلْ

وفي كامل المبرد ذكر هذا البيت قبل «فسل المهرى ابنى» وقال : المهر ابنى ماباجد وقتلا بجانب المهر ابنى، يعني حمزة بن عبد المطلب، وإنما نسب سل في أبياته قتل حمزة إلى بني أمية لأن أبا سفيان بن حرب كان قائد الناس يوم أحد. انتهى.

حين قتلت بصابه کها***واستحَرَّ القتل في عبد الأشل

ثم حصوا عند ذاكم رُقصاً***رقص الهان تعدو في الجبل

فقتلنا الضّعْفَ من ساداتهم***و عدلنا ميل بدر فاعتدل

لا ألوم النفسَ إلا أننا***لو كررنا لفعلنا المفتعل

بسيوف الهند نعلو هامَهم***يُبرد الغيضَ ويَشفينَ الغُللْ

هذا ما وصل إلينا من أبيات ابن الزبعرى ، وظهر أن غير هذه الأبيات من إنشاء يزيد ، وهو بعد ما جاء من قوله « ليت أشياخي ..».

قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (1)في جملة أبيات ابن الزبعرى التي


1) شرح نهج البلاغة 280/14 .

قالها يصف يوم أحد :

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا***جزع الخزرج من وقع الأسل

قال : إن كثيراً من الناس يعتقدون أن هذا البيت ليزيد بن معاوية ، وقال من أكره التصريح باسمه : هذا البيت ليزيد فقلت له : إنما قاله يزيد متمثلاً لما حمل إليه رأسُ الحسين وهو لابن الزبعرى . فلم تسكن نفسه إلى ذلك حتى أوضحته له فقلت : ألا تراه قال جزع الخزرج من وقع الأسل» والحسين لم يجانب عنه الخزرج ، وكان يليق أن يقول «جزع بني هاشم». فقال بعض من كان حاضراً : لعله قاله يوم الحرّة. فقلت : المنقول أنه أنشده لما حمل إليه رأس الحسين، والمنقول أنه شعر ابن الزبعرى ، ولا يجوز أن يترك المنقول إلى ما ليس بمنقول . انتهى .

وأنت خبير بأنه بعد تصريحه بأن يزيد تمتّل به يظهر منه كفره، فلا ينفع لابن أبي الحديد شيئاً إلا الإطلاع بالقائل . فتدبر .

قال الفاضل العلامة في كتابه شفاء الصدور : قال ابن الجوزي الحنبلي في رسالته الموسومة ب- « الردّ على المتعصب العنيد المانع من لعن يزيد»: أنبأنا علي بن عبدالله الزاغولي قال : أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة، عن أبي عبدالله المرزباني ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد الكاتب ، قال : أخبرنا عبد الله بن أبي سعيد الوراق ، قال : حدثنا محمد بن يحيى الأحمري ، قال : أنبأنا ليث ، عن مجاهد قال : جيء برأس الحسين عليه السلام، فوضع بين يدي يزيد بن معاوية، فتمثل بهذين البيتين :

ليت أشياخي ببدر شهدوا***جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلّوا فرحاً***ثم قالوا لي بغيب لا تشل

قال مجاهد : نافق فيها ثم والله ما بقي من عسكره إلا تركه - أي عابه ولامه ،

قلت : هذه الأبيات لابن الزبعرى ثم نقل شيئاً منها وقال : وذلك أن المسلمين قتلوا يوم بدر منهم خلقاً فقتلوهم يوم أحد خلقاً ، فاستشهد به يزيد ، وكأنه غيّر بعضها ، ويكفي استشهاده بها خزياً . انتهى .

وأما ما أنشأه بعد تمثله ب- «ليت أشياخي..» على ما ذكره المحدثون والمؤرخون ، فهو :

لعبت هاشم بالملك فلا***خبر جاء ولا وحي نزل

لستُ من خِنْدِفَ إن لم أنتقم***من بني أحمد ماكان فعل

قد أخذنا من علي ثارنا***وقتلنا الفارس الليتَ البطل

و قتلنا القَرْنَ من ساداتهم***و عدلناه ببدرٍفانعدل

فجزيناهم ببدرٍ مثلها***و بأحدٍ يوم أحد فاعتدل

لو رأوه لأهلوا فرحاً***ثم قالوا يا يزيدُ لا تشل

وكذاك الشيخُ أوصاني به***فاتبعتُ الشيخَ فيما قد سألْ

وفي تذكرة السبط عن الشعبي : إن « لعبت هاشم بالملك» و «لست من خندف» و «ليت أشياخي » و « لأهلوا » ، هذه الأبيات الأربعة من إنشاء یزید .

وفي روضة الواعظين (1)نسب الأبيات إلى يزيد مع تقديم وتأخير وزيادة ، وهي:

ما أبالي بعد فعلي بهمُ***نزل الويل عليهم أو رحل

قوله : «الأسل» بالتحريك الرماح . وخندف كزبرج ، قال في الكامل بكسر وسكون اسم قبيلة نسبوا إلى أمهم ، وهي ليلى بنت حلوان بن عمران، تلقب بخندف ، وهي زوج إلياس بن مضر ، ولد منها عمراً وهو مدركة وعامراً وهو


1) روضة الواعظين ص 191.

طابخه وعميراً وهو قمعه ، وفي القاموس : وجه تسمية ليلى بخندف وعمر و بمدركة وعامر بطابخه وعمير بقمعه في قضية. والقضية مشهورة من أراد فليراجع إلى القاموس. ونسب بني أمية أيضاً ينتهي إلى خندف وإلياس بن مضر. وفي رواية أعثم الكوفي و ابن شهراشوب «عیسه» بدل خندف ، والمشهور هو الأول.

قوله « وكذلك الشيخ أوصاني به» ، يريد به أباه معاوية قد أوصاه بما فعل ، وفيه دلالة واضحة على ما مرّ من البيان .

وأما زينب سلام الله عليها كانت جالسة في ناحية المجلس ناظرة إلى أفعال يزيد صابرة على ما يجري عليها ، إلى أن أنشأ اللعين « لعبت هاشم بالملك .. » ، فعند ذلك قامت ، وهو الظاهر والمصرح به في جملة من العبائر ، لا ما هو المشهور في الألسنة : أنه لما رأت أن يزيد ينكت ثنايا الحسين عليه السلام قامت ، فإنها قد رأت ما هو أعظم من النكت فصبرت ، ولكن لما رأت أن يزيد في مقام إنكار التوحيد وإنكار أصول الدين وأنه لا مبدأ ولا معاد وأنه ليس في الوجود إلا الطبيعة والمادة وأنه في مقام إبطال نتيجة الشهادة ، وجب عليها إظهار أعلام الدين وإعلاء كلمة التوحيد وإبطال ما عليه يزيد وحزبه ، كما هو طريقة الأئمة عليهم السلام وديدنهم، حيث أنهم كانوا صابرين في الفروع وكانوا حيث ينتهي بهم الأمر إلى الأصول يحاولون حفظها بإظهار المعجزة وأمثال ذلك . بل كذلك فعل الله جلّ جلاله ، فإنه لو لم يحج أحد كانوا فاسقين عاصين يتركهم الله في الدنيا ليعذبهم في الآخرة ، وأما إذا عزموا على خراب الكعبة وإبطال الأصل يرسل عليهم طيراً أبابيل . كما هو المعروف في قصة أبرهة .

قال السيد وغيره : فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب وأمها فاطمة بنت رسول الله وقالت ..

وهذه الخطبة التي هي من أبلغ الخطب وأفصحها وعليها أنوار الخطب العلوية وأسرار الخطب الفاطمية رواها جماعة من العلماء : فمن العامة رواها أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور في كتابه بلاغات النساء والجوازري في مقتله وغيرهم ومن الخاصة رواها الطبرسي في الإحتجاج عن شيخ صدوق من مشايخ بني هاشم وغيره وذكرها السيد في اللهوف والمجلسي في البحار وابن نما في مثير الأحزان وغيرهم من المحدثين والمؤرخين باختلاف يسير في بعض الكلمات والألفاظ ، وقد نقل بعضهم جملاً من الخطبة بالمعنى كما سيظهر . ونحن نذكر ما ذكره السيد في اللهوف مع الاشارة إلى بعض الإختلافات ، ونوضح بعض كلماتها حسب الفهم القاصر والفكر الفاتر ، فنقول :

قال السيد (1): فقامت زینب بنت علي بن أبي طالب وقالت :

(الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله وآله أجمعين. صدق سبحانه كذاك يقول :( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أسَاؤُا السُّوَأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ ) (2)ردّت العقيلة روحي فداها كلمات يزيد وأجابت أشعاره وأبياته وألقمته وأفحمته وألزمته وفضحته أشدّ فضيحة في ملأمن الناس بآية من كتاب الله تعالى ردّاً على مقالته ، ولو تصفّحت القرآن الكريم وتتبعت وتأنيت في آياته لم تجد آية أنسب بمقتضى الحال والمقام من هذه الآية . وما قالته بعد تلاوة الآية هو بمنزلة الشرح والتفسير لها كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام ومقتضى الحال والمقام .


1) اللهوف ص 215 .

2) سورة الروم : 10 .

هذا ، مع أنها خطبت مرتجلة وتمسكت بالآية من دون روية وفكر وسابقة. كيف والآية خرجت من لسان الوحي والتنزيل ويفرغ عن لسان أمير المؤمنين ، ونطقت بها العالمة غير المعلمة والمقام مقام إظهار الكرامة والإعجاز والتصرف وإثبات التوحيد وإبراز الحقائق في مقابل الكفر والإلحاد ومجابهة من همه إبطال الحق وترويج الباطل. وإلا فكيف يمكن لامرأة في حال السبي والأسر في مجلس حافل بالملل المتنوعة ويزيد في منتهى القوة والعظمة والاقتدار أن تتكلم بهذه الخطبة المفصلة الطويلة التي من أولها إلى آخرها إثبات كفر الطاغية وأبيه وبني أمية وحزبه وأشياعه ، وهي تذمهم وتدل على لؤمهم ولعنهم ، ولم يتمكن أحد من منعها من الكلام ، ويزيد ساكت والناس كأن على رؤوسهم الطير ، ولم يتكلم أحد حتى انتهت الخطبة، وعجز يزيد عن جوابها ولم يقدر على التكلم بكلمة واحدة في مقابل خطبتها ومقالتها ولم يجبها بشئ سوى قوله :

يا صيحةً تُحمَد من صوائح***ما أهون النَّوْح على النوائح

وليس هذا جواباً للخطبة الغراء الفريدة ، ومثل يزيد الذي يقال عنه أنه كان من رجال الفصاحة والبلاغة وقال الشعر وهو ابن سبع سنين، إلا أن الخطبة الكريمة كانت حكيمة بأسلوبها البليغ وبيانها الآخذ بالألباب، فلم يكن قادراً على الجواب بشي. ويُعلم من التمسك بهذه الآية والآيات الأخرى في الخطبة، واسع علمها بالتفسير والتاريخ ، ويُستفاد من هذه الآية أمور كلها منطبقة على يزيد وحزبه انطباق الكلي على الأفراد والمصاديق :

( الأول ) إن الآية وردت في ذم الكفار المغلوبين وقوم عاد وثمود الذين كانوا في الأرض أشدّ قوةً من يزيد ومعاوية، وأكثر آثاراً فى الأرض من حزبهما،

وجاءتهم رسلهم فكذبوا بهم واستهزأوا بالحق ، فأخذهم الله عز وجل بأفعالهم وأعمالهم . قال تعالى ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِيْنَ مِن قَبْلِهِم كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ ) أي من المكنة والقوة ( وَأَتَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * أَسَاؤُا السُّوَأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا

تَ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِيْر يَسْتَهْزِءُونَ ) (1).

( الثاني ) إن الذين كذبوا بآيات الله واستهزأوا بها مع ما هم عليه من القوة والقدرة والسلطنة قد هلكوا وأُخذوا أخذ عزيز مقتدر ، بحيث لم يبق لهم اسم ولا رسم ولا أثر ، لا ديني ولا تاريخي ، ولو ذكروا أحياناً ذكروا باللؤم والذم ليكونوا

عظةً واعتباراً للآخرين .

(الثالث) إن تكذيبهم بآيات الله واستهزاءهم بها إنما هو نتيجه أفعالهم وأعمالهم القبيحة، فإن عاقبة الذين أساؤا السوأى التكذيب بآيات الله والإستهزاء بها.

و «السوأى» مصدر مفعول مطلق لأساؤا . ويحتمل أن يكون تأنيث كأحسن وحسنى . وقد يقال : إن «سوأى » اسم لجهنم كما أن «طوبى» اسم للجنة . وعلى الأخيرين فيكون خبراً لكان الناقصة فيكون إن كذبوا بتقدير اللام أي لأنهم كذبوا .

ومقصودها روحي فداها من ذكر الآية وتطبيقها على يزيد وحزبه وإن كان المخاطب يزيد ولكن من باب «إياك أعني واسمعي يا جاره» - تنبيه الناس


1) سورة الروم : 9 - 10 .

والحاضرين في مجلسه وكل من سمع مقالة يزيد : أن تكذيبه بآيات الله واستهزاءه بقوله « لا خبر جاء ولا وحى نزل » إنما هو نتيجة أعماله السيئة وأفعاله القبيحة . وكم له نظير من الأمم السالفة كعاد وثمود وغيرهم من المكذبين والمستهزئين بآيات الله ، وهم كانوا أشد قوةً وسلطنة من يزيد فهلكوا ولم يبق لهم ذكر وكذلك يزيد فعن قريب لم يبق له ذكر ولا يذكر أبوه معاوية وأشياعهما وأتباعهما وحزبها إلا باللعن للإعتبار .

وهذا منها روحي فداها من الملاحم والإخبار عما سيأتي، فتحقق وجرى ذلك كله كما ترى .

وبعد الخطاب العام بالآية المباركة، أخذت بخطاب يزيد خاصةً وأكدت على ذكر لؤمه وذمه وبيان أفعاله القبيحة وأعماله السوء وإثبات أنه أظهر مصاديق الآية الكريمة ، فقالت :

( أظننت يا يزيد ) البداية باسمه من دون لقب أو كنية في ذلك المجلس الرسمي السلطاني مع حضور السفراء والأشراف ورؤساء الجند يكشف عن نهاية التحقير والتصغير والإهانة. وهذا هو مقتضى المقام ، إذ لو خوطب بأى لقب أو كنية لأخذ به . بل لم نجد في كلامها مع يزيد وكلام السجاد عليه السلام معه منذ دخولهم الشام إلى حين خروجهم منها غير الخطاب بالاسم . وكذلك سكينة وفاطمة على ما ذكر في ترجمتهم ، ولعله لا يجري على لسانهم غير هذا الخطاب .

نعم ، قد ورد عن الأئمة عليهم السلام في خطابهم مع أئمة الجور وبني العباس بأمير المؤمنين وأيها الخليفة ويا خليفة المسلمين وأمثال هذا التقية، وهم كبني أمية أو أشدّ إلا أنهم كانوا يحفظون ظاهر الاسلام وكلما يفعلونه يفعلونه باسم الاسلام كما لا يخفى على من نظر وتأمل في التاريخ . أما يزيد وحزبه فكانوا في مقام

اضمحلال الاسلام وإنكار التوحيد والوحي والتنزيل متجاهرين في ذلك، والمقام معه ليس مقام التقية، فلو قيل ليزيد «أمير المؤمنين» أو «خليفة المسلمين» أخذ به ولا يمكن حينذاك تحقيره وتصغيره كما لا يخفى .

( حيث أخذت علينا ) حسب ظنك ووهمك ( أقطار الأرض وآفاق السماء ) هذه كناية عن نهاية الضيق ومنتهى الشدة والذلة . في رواية الاحتجاج « وضيقت علينا آفاق السماء » .

( فأصبحنا نُساق كما تُساق الأسراء ) في رواية الاحتجاج (1)«نساق إليك سوقاً في قطار » بكسر القاف من قطر الإبل قطاراً أي قرب بعضها من بعض على نسق - قاله في القاموس (2).

فحسبت أنك ذو اقتدار علينا وظننت ( أن بنا على الله هواناً ولك عليه كرامة ، وأن ذلك لعظم خطرك عنده ) خطر خطراً وخطوراً بالفتح : صار رفيع المقام في الاحتجاج وجلالة قدرك .

( فشمَخْتَ بأنفك ) من شمخ بأنفه أي تكبر . في المنجد : شمخ أنفه وبأنفه : رفعه اعتزازاً وتكبراً .

(ونظرت في عِطفك) بالكسر . عطف كل شي : جانبه، وعطفا الانسان: جانباه . والنظر فى العطف كناية عن الخيلاء والتكبر .

( جَذْلان ) جذل بكسر العين جذلاً : فرح ، فهو جذل ، وجذلان صفة مشبهة كسكران.


1) الاحتجاج .35/2 .

2) القاموس المحيط 119/2 .

(مسروراً ) في رواية الإحتجاج (1)« تضرب أصدريك فرحاً وتنفض مذرويك مرحاً» الاذروان بالذال المعجمة : المنكبان، يقال «جاء يضرب إذرويه» أي جاء فارغ اليدين والأصدران: عرقان بجنب الصدغ. في القاموس (2)في باب الزاي : از دره لغة في أصدره ، قال تضرب ازدريه أي فازعاً ، وقرىء يومئذ يزور الناس أشتاتاً يصدر . وقال في «صدر» : وأصدران عرقان بجنب الصدغين ، والصدغ بين العين والأذن، وجاء يضرب أصدريه أي جاء فارغاً. وقال الجزري: في حديث الحسن «يضرب أصدريه» أي عطفيه ومنكبيه، يضرب بيده عليهما، وروي بالزاى والصاد بدل السين بمعنى واحد ، وهذه الأحرف الثلاثة تتعقب مع الدال ، وفي حديث الحسن « يضرب أصدريه» أى منكبيه . انتهى .

وبالجملة، فهي كناية عن الضراعة. وكذا «تنفض مذرويك». النفض الحركة. والمذروان بكسر الميم وسكون الذال المعجمة وفتح الراء المهملة . وفي بعض النسخ تقديم الواو على الزاء ، وهو غلط . انتهى - وقال الجزري : « ينفض مذرويه» المذروان جانب الإليتين ، وقيل هما طرفا كل شئ ، وأراد بها الحسن فرعا المنكبين ، يقال : جاء فلان ينفض مذرويه اذا جاء باغياً يتهدّد ، وكذلك إذا جاء فارغاً من غير شغل والميم زائدة . انتهى . وفي القاموس مذروان بكسر الأول بضعة طرفي الإليتين، ولا واحد له، أو أن واحده مذری کمقلى ، ومذروان من الرأس : طرفيه ، وجاء ينفض مذرويه : أي وجاء يتحرك طرف إليتيه ، كناية عن


1) الاحتجاج 35/2.

2) القاموس المحيط 38/2 .

الظلم والتهديد . انتهى .

وقال الفاضل الأديب القزويني في ترجمة القاموس : وعن أبي عبيدة : إن واحده مذرى. وقال أبو عبيدة : لو كان له واحد ينبغي أن يكون مذريان لا مذرى ، لأن ما كان مفرده على أربعة أحرف كمقلى يثنى بالياء ويقال مقليان . (حين رأيت الدنيا لك مستوسَقة ) بالسين المهملة ثم القاف أي مجتمعة ، من الاستيساق بمعنى التجمع . وفي نسخة «مستوثقة» من اتثق بمعنى التجمع أيضاً وفي بعض النسخ «مستوسعة » بالعين المهملة بمعنى الاتساع .

( والأمور منسقة ) من الاستيساق بمعنى الإنتظام، أي منظمة . وفي نسخة «لديك» وفي أخرى « إليك متسقة » .

( وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا ) في الإحتجاج «خلص لك سلطاننا ».

( مهلاً مهلاً ) وفي جملة من النسخ « فمهلاً مهلاً». المهل بفتح الميم وسكون الهاء ، والمهل بفتحتين مصدران : الرّفق. ويقال «مهلاً» و «على مهل» أي أمهل ، ويستوي فيه المذكر والمؤنث مفرداً ومثنى وجمعاً . وفي القاموس (1): يقال مهلاً يا رجل وكذا للأنثى والجمع بمعنى أمهل والمهلة بالضم: السكينة، وكذا المهل بالسكون والحركة .

ويظهر منهم أن « مهلاً» اسم فعل كما صرح بذلك بعض، بمعنى أمهل، ويؤيده تسويته في المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، كما هو الشأن في هذه الأفعال، نحو «صه » و « مه » . ولكن التأمل التام في كلامهم يعطي أن « مهلاً » مفعول مطلق للفعل المقدّر، نحو «سقياً» و «رعياً». ويستوي في كلمة « مهلاً» والمقدر يقدر مفرداً وتثنيةً


1) القاموس المحيط 52/4 .

وجمعاً وتأنيثاً وتذكيراً ، وعلى التقديرين فالمعنى أسكن ولا تعجل .

وفي رواية الاحتجاج « ولا تطش جهلاً» من وطش يطش من باب وعد يعد . في المنجد : وطشه يطشه وطشاً : إذا بين، وطش الحديث : إذا بين طرفاً منه . وفي القاموس : وطش من باب وعد والتوطش من باب التفعيل : التبين والبيان.

ولما كان يزيد في محاورته مع علي بن الحسين عليه السلام تمسك بقوله تعالى ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ .. ) (1)ردته العقيلة بقولها « لا تطش جهلاً أي لا تفسر ولا تبين الكلام لجهلك بالتفسير والتبيين، فإن الآية لم ترد في شأنك وشأن أمثالك من الكفار ، والآية التي وردت فيك وفي أمثالك بعد إثبات تحقير يزيد بالآية الأولى ، فقالت :

( إقتبست ) أيها الكافر المكذِّب بآيات الله والمستهزئ بها ( قول الله ) عزّ وجل (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوا أَمَا لِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ أَما على هُمْ لِيَزْدَادُوا إثماً وَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (2)نزلت الآية في اليهود والنصارى وكفار قريش وقد يُقرأ «يحسبن » بالياء التحتانية .

ثم إنها بعد ما أثبتت عند الجلساء في مجلس يزيد كفره وأنه لا يؤمن بالله وبرسوله والمبدأ والمعاد، بل هو مادي صرف لا يعتقد بماوراء الطبيعة، بل إن الماديين أيضاً يقصدون بقاء الاسم في صفحات التاريخ عند أهل الدنيا حَسَناً أو قبيحاً ، وأنه لا يبق فى السلطان اسم تاريخي إلا بالعدل أو الظلم ، مع أن السلطان بما هو سلطان ينبغي له العدل ، فإن الدولة والسلطنة تبقى مع العدل وإن كان السلطان كافراً ولا يبقى مع الظلم وإن كان


1) سورة آل عمران : 26 .

2) سورة آل عمران: 178 .

مسلماً ، فكأنها قالت: يا يزيد أنت - وإن كنت كافراً - لكن ظننت أنك سلطانٌ وقد خلصت لك السلطنة في دار الدنيا وينبغي منك العدل .

( أمن العدل يابن الطلقاء) الطلقاء جمع الطليق كشرفاء جمع شريف، من «أطلق الأسير» أي خُلي سبيله . وفي المجمع (1): أطلقتُ الأسير إذا خليت عنه . والطلقاء - على ما صرح به مؤرخو العامة والخاصة ومحدثوهم - أبوسفيان ومعاوية وبقية الأمويين الذين أطلقهم رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة ، فقال : إذهبوا فأنتم الطلقاء. وبهذا صاروا عبيداً لرسول الله ، وقصتهم معروفة مشهورة . قال في المجمع (2): الطلقاء بضم الطاء وفتح اللام والمد : هم الذين خُلي عنهم يوم فتح مكة ولم يسترقهم ، واحدهم طليق فعيل بمعنى المفعول وهو الأسير إذا خُلي سبيله .

قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وآله حين فتح مكة وأطلقهم قال : يا معاشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم . قال : : إذهبوا فأنتم الطلقاء. وفيهم أبوسفيان ومعاوية وعباس وعقيل، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف . انتهى .

وعن النهاية مثله ، وقال : إنما خُصّ قريش بالطلقاء والثقيف بالعتقاء مراعاةً لقريش واحتراماً لهم ، لأن العتيق أخس من الطليق . ولعل الأمر بالعكس ، لأن العتيق من « اعتق العبد » أخرجه من الرق والعبودية ، وهو بعد ذلك حرّ خالص .

والطليق وإن خُلي سبيله لكنه بعد رق وعبد . فتدبر .


1) مجمع البحرين 58/3 .

2) مجمع البحرين 58/3 .

وإنما خاطبت العقيلة يزيد بوصف الطليق لإهانته بأشدّ التوهين ، وبيان أن من كان كذلك لا يستحق الخلافة والسلطنة ولا يكون أميراً بعد ماكان مأموراً ، خصوصاً مع مواليه ومطلقيه ، وهم آل رسول الله صلى الله عليه وآله . ولم ينكر ذلك أحد من جلساء المجلس حتى يزيد نفسه ، وليس ذلك إلا من هوان الدنيا .

( تخديرُك حرائرك وإماءَك ) التخدير مصدر خدر في المنجد : تخدر واختدر استتر . وحرائر جمع حرة خلاف الأمة.

(وسَوْقُك بنات رسول الله سبايا ) جمع سبي بفتح السين وتشديد الياء، يستوي فيه المذكر والمؤنث .

( قد هتكت ستورَهن وأبديت وجوههن) بالبناء للفاعل، وقد يُقرأ بالمجهول، وهو غلط . فيه تنصيص وتصريح بأنهن عليهن السلام مكشفات الوجوه متهتكات الستر . وقد مرّ بيانه .

(تَخدُو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ) أي يسوقهن الأعداء سوقاً شديداً عنيفاً في نهاية السرعة والعجلة . حدا حدواً وحداً وحدة الإبل وبالإبل : ساقها وغنى لها كما في القاموس (1).

(ويَستَشْرِ فهنّ أهل المناهل والمناقل) في رواية الإحتجاج « ويستشرفهن أهل المناقل ويُتبرَّزْن لأهل المناهل». في المجمع (2): والأصل في الإستشراف أن تضع يدك على حاجبك كالذي يستظلّ من الشمس حتى يتبين الشي. واستشرفها الشيطانُ أي تطلعها وتأملها في حديث النبي صلى الله عليه وآله مع


1) القاموس المحيط 315/4 .

2) مجمع البحرين 501/2.

حفصة « الطار » بعد قوله : ألا أمنحتُكِ ألا أعطيتُكِ فتشرف الناس لديك» ، أي فتطلعوا إليه ونظروا ما يمنحه به .

المناقل جمع منقل، وهو الطريق في الجبل. والمناهل جمع منهل : موضع الشرب على الطريق. في المجمع (1): المنهل بفتح الميم وسكون النون وفتح الهاء : المورد، وهو عين ماء ترد الإبل في المرعى، وتُسمى المنازل التي في المفاوز على الطريق «مناهل » لأن فيها ماءً ، وماكان على غير الطريق لا يُسمى منهلاً .

( ويتصفّح وجوههن القريب والبعيد والدني والشريف) في المنجد : تصفحه تأمله ونظر فيه ملياً . في المجمع : في حديث ملك الموت مع بني آدم « وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات» أي أنظر إليهم وأتأملهم. وفي الإحتجاج « الرفيع » بدل الشريف .

( ليس معهنّ من رجالهن ولي ولا من حماتهن حمي ) الحماة جمع حامي، بمعنى الدافع والحافظ. وفي الإحتجاج (2)«الحميم» بدل حمي، وهو التقريب والتصديق. وفي الإحتجاج بعد حميم «عُتُوّاً منك على الله وجُحوداً لرسول الله ودَفْعاً لما جاء به من عند الله ، ولا غَزو منك ولا عجب من فعلك». في المجمع : الغرو العَجَب ، ولا غرو أي ليس بعجب . و غروت : عجبت .

( وكيف يُرتجى مراقبة ابنِ من لفظ فوه أكباد الأزكياء) في رواية الإحتجاج وأنّى » بدل كيف ، «ومراقبة من لفظ » بدون «ابن»، وكذا في بعض نسخ اللهوف ، وفيه « الشهداء » بدل الأزكياء. لفظ ولفظ من باب ضرب وعلم لفظاً الشي وبالشي من فمه رمی به وطرحه فوه وفاه وفيه وفم بمعنى، وجمع فوه أفواه . فيه إشارة إلى قضية هند زوجة أبي سفيان مع كبد حمزة سيد الشهداء حيث


1) مجمع البحرين 381/4 .

2) الاحتجاج ،35/2 ، أنظر : بحار الأنوار 158/45 .

لفظته من فيها . والقضية معروفة مشهورة مسطورة في كتب الفريقين .

( ونبت لحمه من دماء الشهداء ) في الإحتجاج «السعداء» بدل الشهداء، كناية عن شدة الفرح والسرور من شهادة الشهداء وقتل السعداء ، نبت لحمه وصار سميناً . وفي المثل « فلان صار سميناً من الفرح والسرور». وفي رواية الإحتجاج ونصب الحرب لسيد الأنبياء وجمع الأحزاب وشهر الحِرَابَ وهزّ السيوف في وجه رسول الله ، أشد العرب جحوداً وأنكرهم له رسولاً وأظهرهم له عداوةً وأعتاهم على الرب كفراً وطغياناً ، ألا إنها نتيجة خلال الكفر وحيث يحزّ حز في الصدر بقتلى يوم بدر » . الصب : الحقد الكامن في الصدر .

( وكيف يُستبطأ) في رواية الإحتجاج « فلا يستطئ منه البطء»، أي كيف يطلب البطء .

(في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشَّنف والشنآن والإحن والأضغان) في رواية الإحتجاج من نظر شنفاً وأشئاناً وإحناً وأضغاناً». الشَّنَف من شَيْف شَنَفاً فلاناً وبفلان : أبغضه . وشناً وشنئ شنئاً وشناءًا وشناءاً وشناةً وشنّاةً وشنّاتاً وشنآتاً ومشنئاً ومشناةً ومشنوةً : الرجل أبغضه مع عداوة وسوء خلق . أحن احناً : أضمر العداوة وحقد . آحَنَ مؤاحنةً : عادى . الإخنة : الحقد ، الجمع إحن. وفي المجمع (1): الإخنة الشحناء. وفي كلام أهل اللغة : الإخنة بكسر الحاء واحد الإحن ، وهي الظغائن ، يقال في صدره علي إخنة أي حقداً . وأحن الرجلُ يأحن من باب تعب حقد وأظهر العداوة والإحنة اسم منه ، والجمع إحن كسدرة وسدر . قوله تعالى (يُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ) (2)الضغن والضغنة : الحقد ، وهو


1) مجمع البحرين 43/1 .

2) سورة محمد : 37 .

ما في القلوب مستكن من العداوة ، وقد ضَغَن عليه وتضاغن القوم وتضعنوا: إنطووا على الأحقاد .

( ثم تقول ) في رواية الإحتجاج « يظهر كفره برسوله ويفصح ذلك بلسانه وهو يقول فرحاً بقتل ولده وسبي ذريته غير مستَخوِبِ الحَوْب والحَوْب »بالفتح والضم الحزن والوحشة .

( غير متأثم ولا مستعظم) في المجمع : قوله تعالى ( لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيْماً ) (1)وفي الحديث « لا يتأ َّم» أي لا يجعل نفسه آثماً ، يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله . وفي المنجد : تأثم أي كفّ عن الإثم. وفيه : استعظم الأمر أي عده عظيماً .

(الأهلوا واستهلّوا فرحاً***ثم قالوا يا يزيدُ لا تشل)

في المجمع (2): فلان أهل لكذا ويستأهل لكذا : أي حقيق به ويقال « أهلاً له » أى صالحاً، وأهل به بالتشديد قال له « أهلاً وسهلاً » كلمة ترحيب - واستهلّ واستأهل الشي : أوجبه . في المجمع (3): أهلاً وسهلاً أي أتيت أهلاً لا غَرْباً وسهلاً لا حَزَناً . في المنجد : شلت شلاً وشليلاً ، وشُلّت بالضم وأشلّت يده يبست ، فهو أشل ، ويده شلّاء ، ويقال في الدعاء « لا شلّت يدك ولا أشلت» لمن أجاد الرمي أو الطعن ، أو «لا شلت شراك» أي أصابعك العشر . وفي الإحتجاج « ولقالوا يا يزيد لا تشل».


1) سورة الواقعة : 25 .

2) مجمع البحرين 128/1 .

3) مجمع البحرين 128/1 .

( منتحياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة ) انتحى انتحاءاً : قصده واعتمد عليه ومال إليه ، واعتمد هنا بمعنى تعمّد . في المجمع (1): تنحى في برنسه أي تعمد للعبادة وتوجه إليها . وقد يفسر الاعتماد بمعنى الإتكاء، وهو غلط كذا في أغلب نسخ اللهوف والإحتجاج. وقد يُفسر منتحياً من الإنتحاء كما في اللواعج وغيره، ولعله تصحيف . كما أن في بعض النسخ «متنحياً » من باب تفعّل ، أيضاً تصحيف ، وإن كان الانتحاء أيضاً بمعنى الإعتماد والتعمد . وفي رواية الإحتجاج « وكان مُقبل رسول الله » ، ومقبل اسم مكان للقبلة والتقبيل .

( تنكتها بمخصرتك) في جملة من نسخ اللهوف الموجودة عندنا «تنكتها» بالثاء المثلثة ، وفي بعضها وبعض روايات الإحتجاج « تنكتها » بالتاء الفوقانية ، وقد سبق بيان ذلك في محله في المجمع : نكت بالتاء الفوقانية نكتاً الأرض بقضيب أو باصبع : ضربها به فأثر فيها . المخصرة بكسر الميم وسكون المعجمة كالسوط وكل ما أمسكه الانسان بيده من عصا ونحوها . والمخصرة : ما يأخذه الملك بيده ليشير به إذا خاطب . وفي رواية الإحتجاج «قد التمع السرور بوجهه » .

( وكيف لا تقول ذلك ) في الإحتجاج « لعمري» ( وقد نكأتَ القُرْحَة ) نكأنكاً القرحة : قشرها قبل أن سر . في المجمع (2)نكأت القرحة أنكأها مهموز قشرتها وبابه منع .

( واستأصلت الشَّافَة ) استأصل الشي : إذا قطعه من أصله . في المجمع (3): في


1) مجمع البحرين 283/4 .

2) مجمع البحرين 367/4 .

3) مجمع البحرين 470/2 .

الخبر «خرجت شافة بآدم في رجله» هي بالهمزة : قرحة تخرج في أصل القدم فتقطع وتكوى فتذهب، ومنه «استأصل الله شأفته» أي أذهبه. وفي القاموس (1): الشأفة قرحة تخرج في أصل القدم فتكوى وتذهب، وإذا قطعت مات صاحبها . والأصل «استأصل الله شأفته » : أذهبه كما تذهب تلك القرحة ، أو أزاله من أصله . ونكاء القرحة واستيصال الشأفة كنايتان عن أن ما فعله يزيد . من الظلم والجور حقداً وعداوة لآل رسول الله صلى الله عليه وآله لا يمكن إصلاحه ولا علاج له وإنما أثره باق إلى يوم القيامة .

( بإراقتك دماء ذرية محمد صلى الله عليه وآله ونجوم الأرض من آل عبدالمطلب) في رواية الإحتجاج « بإراقتك دم سيد شباب أهل الجنة وابن يعسوب العرب وشمس آل عبد المطلب».

(وتهتف بأشياخك ) هتفت هتفاً وهتافاً الحمامة : صاحت أو مدت صوتها ، وفلان بفلان : صاح. وفي رواية الإحتجاج «وهتفت بأشياخك وتقربت بدمه إلى الكفرة الفجرة من أسلافك ثم صرخت بندائك » .

( وزعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكاً ) أي سريعاً (موردَهم ولتودنّ أنك شَلَلْتَ وبَكمْتَ ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت) في رواية الإحتجاج (2)«فلعمري لقد ناديتهم لو شهدوك ووشيكاً تشهدهم وان يشهدوك ولتود يمينك كما زعمت شلت بك عن مرفقها وجدت وأحببت أمك لم تحملك وإياك لم يلدك حين تصير إلى سخط الله ومخاصمك رسول الله صلى الله عليه وآله » .


1) القاموس المحيط 156/3 .

2) الاحتجاج 36/2 .

( اللهم خذ بحقنا، وانتقم من ظالمنا ، واحلل غضبك ظالمنا ، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا ) في الإحتجاج « ونقص ذمارنا ، وهتك منا سدولنا وفعلت فعلتك التي فعلت».

(فوالله ما فَرَيْتَ إلا جلدك ) الفري : القطع .

(ولا جَزَزْتَ إلا لحمك ) الجز : القطع .

(ولتردنَّ على رسول الله بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولُحْمَته ) اللُّحْمَة : القرابة .

(حيث يجمع الله سبيلهم ويلمّ شعتهم) في المجمع : الشعث بالتحريك : انتشار الأمر ، يقال : لم الله شعتك أي جمع أمرك المنتشر .

( ويأخذ بحقهم ) وفي رواية الإحتجاج بعد ولا جززت إلا لحمك «وسترد على رسول الله بما تحملت من ذريته وانتهكت من حرمته وسفكت من دماء عترته ولحمته حيث يجمع الله به شملهم ويلم به شعتهم وينتقم من ظالميهم ويأخذَ لهم بحقهم من أعدائهم ، فلا يستفزنك الفرح بقتلهم » من استفزه أي استخفه .

ثم إنها روحي فداها بعد ما أثبتت كفر يزيد وإلحاده واستهزاءه بآيات الله وأنه لا يصلح للخلافة والسلطنة ، بل هو عبد رقّ وطليق من طلقاء آل الرسول وفعل بمواليه ما فعل من القتل والسبي ، وأثبتت أن أفعاله ليست للعداوة الشخصية بينه وبين أخيها الحسين ، بل ورث ذلك من آبائه معاوية وأبي سفيان وحزبهم حزبِ الشيطان، حيث أنهم قاتلوا النبيَّ ووصيَّه في إطفاء نور الله واضمحلال كلمة التوحيد وإخفاء نور الاسلام وترويج المادية والطبيعة في مقابل التوحيد وما وراء الطبيعة ، فقتل ما قتل من الطرفين فرقة في سبيل الله والتوحيد وفرقة في سبيل الكفر والجحود، حتى غلب التوحيد على الكفر ، وبقيت الأحقاد والأضغانُ في

صدورهم ينتظرون الفرصة ، حتى وصلت النوبة إلى يزيد وفعل ما فعل من الأفعال التي لا تصدر إلا من الأراذل ، كيف بمن يدعي السلطنة والخلافة كتوهين الرأس ونكته بالمخصرة . أثبتت ذلك كله بأحسن بيان ، بحيث لا ينكره أحد من الجلساء .

ثم بيّنت أن معاوية وآباءه وحزبهم في جهنم ولهم فيها عذاب أليم لا يستطيعون جواب من يهتف بهم فأرادت بذلك الاستدلال والردّ على توهم الجلساء أن القتل لعله للعداوة الشخصية والرد على قول يزيد لعلي بن الحسين عليه السلام « إن أباك نازعني في سلطاني» ، فقالت :

(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله )في وقعة بدر وأحد والأحزاب وغيرها الذين وردت الآية فيهم ذلك الحسين عليه السلام وأصحابه حتى قتلوا في سبيل الله في مقابل من قتل في سبيل الطاغوت والكفر من حزب أبي سفيان وأشياعه.

(أمواتاً ) لا يسمعون الكلام ولا يردون الجواب كأشياخ يزيد ( بل هم أحياء عند ربهم يرزقون).

ثم قالت روحي فداها :

( حَسْبُك بالله حاكماً وبمحمد خصيماً وبجبرئيل ظهيراً) من ظهر ظهوراً : أي غلب .

( وسيعلم من سوّل لك ) في بعض النسخ «سوّى» بدل سول ، ولعل أحدهما تصحيف .

( ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلاً ) في رواية الإحتجاج (1)«ان » ولعل الأول أصح وأفصح كما لا يخفى .

( وأيكم شر مكاناً وأضعف جنداً ) اقتباس من قوله تعالى (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا


1) الاحتجاج 36/2 .

يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابُ وَإِمَّا السَّاعَةُ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌ مَكَاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً ) (1)في رواية الإحتجاج « وأضل سبيلاً».

ثم إنها روحي فداها أظهرت أن القتل والشهادة والأسر والسبي لا ينقص شيئاً من شرفها وعزها وافتخارها ، كما أنه مازاد في مقام يزيد ونسبه وافتخاره شيئاً ، وأنها زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهي بنت أمير المؤمنين علي عليه السلام ، ويزيد ابن هند وابن أبي سفيان ، فقالت :

(ولئن جرّت عليّ الدواهي) في جملة من النسخ «جرت» بالتخفيف ، من جرى الماء يجرء أي سال. وفي بعضها بالتشديد من جرّ يجرّ وأجرى : أي جعله يجري والدواهي جمع داهية ، وهى الأمر المنكر والمصيبة .

(مخاطبتك إني لأستصغر قدرَك ) في بعض النسخ « قدرتك » .

( وأستعظم تقريعك ) التقريع من قرع فلاناً : عنّفه ولامه بشدة .

(وأستكثر توبيخك ، لكن العيون عبرى ) أعبر عبراء كأحمر حمراء، من عبر عبراً : أي حزن وسالت دمعته وعبرته .

(والصدور حرّى) الحروة : حرقة في الحلق والصدر والرأس من الغضب والوجع - قاله في القاموس. وفي رواية الإحتجاج « واستصغاري قدرك و استعظامي تقريعك » توهماً لانتجاع الخطاب فيك بعد أن تركت عيون المسلمين به عبری و صدورهم عند ذكره حرى فتلك قلوب قاسية ونفوس طاغية وأجسام محشوة بسخط الله ولعنة الرسول ، قد عشش فيه الشيطان وفرخ ، ومن هناك مثلك درج درج ما درج ونهض حاصله : إن استصغار قدرك واستعظام


1) سورة مريم : 75 .

توبيخك لا ينفعك ، ولا يؤثر الكلام والخطاب فيك بعد أن فعلت ما فعلت ، وأنت قد درجت و نهضت و خرجت من قلوب قاسية محشوَّةٍ بسخط الله وعشش فيها الشيطان وأنت فرخ من فروخ إبليس .

( ألا فالعجب كل العجب ) في بعض النسخ بدون لفظ « ألا » .

( لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء ) هذا يؤيد بل يدل على ما مرّ منا من ذكر التحزب بين حزب الشيطان وحزب الرحمن. وفي بعض النسخ «بقتل» بالباء بدل اللام.

( فهذي الأيدي تَنْطِفُ من دمائنا ) من نطف بكسر الطاء وضمها ، أي تقطر ، يقال نُطف الماء إذا سال ، والقربة قطرت .

(والأفواه تتحلب من لحومنا ) من الحب أي سال. وفي رواية الإحتجاج (1)« والعجب كل العجب لقتل الأنقياء وأسباط الأنبياء وسليل الأوصياء بأيدي الطلقاء الخبيثة ونسل العهرة الفجرة ، تنطف أكفَّهم من دمائنا وتتحلب أفواههم من لحومنا».

(وتلك الجثث الطواهر الزواكي ) عطف على تقتل ، وتؤيده رواية الإحتجاج « وللجثث الزاكية » ، ويحتمل الإستئناف وكون الواو للحال والجملة حالية .

(تنتابها العواسِلُ) تنتابها بفتح التاء الفوقانية ثم النون الساكنة ثم التاء الفوقانية ثم الألف ثم الباء . قال السيد قدس سره في شرح دعائه في طلب التوبة عند قوله عليه السلام « يا أرحم من انتابه المسترحمون» : إنتابه انتباءًا : أتاه مرة بعد أخرى ، أو غدا عليه وراح . قال في الأساس : هو ينتابنا وهو منتاب : مغادر


1) الاحتجاج 37/2.

ومراوح . وقال ابن الأثير في النهاية : انتابه إذا قصده مرةً بعد أخرى، ومنه حديث الدعاء « يا أرحم من انتابه المسترحمون » . انتهى .

ويحتمل أن يقرأ « تَنَّاً » بفتح التاء الفوقانية وتشديد النون المفتوحة ثم الهمزة ، من تنأ تنوءاً إذا أقام ، اى أقام بها العواسل. ويحتمل أن يكون «تنبئ» من باب تفعل ، أي أسرع ، فالياء بمعنى إلى ، أي أسرع إلى الجثث العواسل .

والعواسل جمع عاسل ، وهو الذئب - قاله في القاموس. وقد أقتبست روحي فداها هذا من خطبة أخيها عليه السلام « وكأني بأوصالي تتقطعها عُشلان الفلوات» وقد سبق ذكرها في محلها .

(وتعفّرها أمهات الفَراعِل ) اختلفت النسخ في هذا الموضع، ففي بعضها «تعقرها » من عقر بالعين المهملة والقاف، قال في القاموس : استعقر الذئب أي صوّت صوتاً حسناً . وفي أكثر نسخ اللهوف والإحتجاج « تعفّرها » بالعين المهملة والفاء المشددة من عفر، في القاموس : تعفّر في التراب وانعفر : تمرغ فيه . وفي بعض نسخ اللهوف والإحتجاج «تعفوها من فلان يعفوه الأضياف ويعفيه بالواو والياء أي تنزله . والكل حسن والأخير أحسن كما لا يخفى .

والفَراعِل جمع فُرْعُل بضمتين كالقنفذ ولد الضبع. وأم فُرْعُل اسم للضبع . والجمع أمهات فراعل.

وفي الإحتجاج وبعض النسخ الأخرى «الفراعل» بدون كلمة «أمهات». والعبارتان كنايتان عن أن جثة الحسين عليه السلام وجثث أصحابه مع كونهم جثة - وهي البدن بلا رأس كما يظهر من القاموس وغيره مطرحون بالعراء تسفى عليهم ريح الصبا، ما غسلوهم ولا دفنوهم ولا يقربهم أحد خوفاً من آل يزيد وبني أمية ، بل زوارهم الوحوش والطيور .

وفي رواية الإحتجاج « وللجثث الزاكية على الجبوب الضاحية » في القاموس : جبوب كصبور الأرض أو وجه الأرض أو الأرض الحسن والغليظ . وفيه «ضحي» من باب منع وفرح ضَحْواً بالفتح ، وأرض مضحاة بفتح الميم كمرقاة : أرض لا تغيب الشمس منها .

( ولئن اتخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً ) أي سريعاً ( مغرماً ) في رواية الاحتجاج « فلئن اتخذتنا مغنماً لتجد بنا وشيكاً مغرماً» المغنم الغنيمة والجمع غنائم. والغنيمة والمغنم : ما يؤخذ من المحاربين عَنْوة . وغرم غُرماً وغَرماً بالضم والفتح وغرامةً ومغرماً : الدين ، ألزمه بأدائه .

(وما ربُّك بظلام للعبيد ، فإلى الله المشتكى وعليه المعوّل ) في رواية الإحتجاج « فإلى الله المشتكى والمعوّل وإليه الملجأ والمؤمل».

ثم إنها روحي فداها في مقام التسليم لأمر الله والرضا بقضائه وبيان أن تحمل هذه المصائب الجليلة والرزايا العظيمة سهل في جنب الله وإبقاء كلمة التوحيد وترويج الدين وتشييد أركان الشريعة قالت : يا يزيد .

(واشع سعيك وناصِبْ جهدك) في رواية الإحتجاج (1)كد كيدك واجهد جهدك». الكيد مصدر كاد الحيلة والمكر والخبث وجهد جهداً في الأمر : جدّ وتعب ، وأجهد الدابة : حملها فوق طاقتها . ونَصَب نصباً : تعب وأعبى في الأمر، جد واجتهد فنصب وجهد بمعنى .

ثم إنها روحي فداها في خاتمة الخطبة بصدد بيان أن يزيد وأتباعه وأشياعه وحزبه كلما فعلوا ويفعلون فوق جهدهم ونصبهم في إطفاء نور الله وإخفاء كلمة


1) الاحتجاج 37/2.

التوحيد ، حتى ظنوا أنهم هم الغالبون على الحسين وأتباعه وأشياعه وحزبه ، كلا هُمُ المغلوبون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وأن حزب الله هم الغالبون ، والغلبة للحسين عليه السلام وحزبه ، فقالت :

( فوالله لا تمحو ذكرنا ) إنا أنزلنا الذكر وإنا له لحافظون .

( ولا تميت وحينا ) أبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون

( ولا تدرك أمدنا ) فى رواية الإحتجاج « فو الذي شرفنا بالوحى والكتاب والنبوة والإنتخاب لا تدرك أمدَنا ولا تبلغ غايتنا ولا تمحو ذكرنا » . الأمد : الغاية ومنتهى الشي ، والمعنى : إنك يا يزيد، لو فعلت كل ما استطعته لا تبلغ رفيع مقامنا ولا تمحو ذكرنا ، كيف وقد شرفنا بالوحى والكتاب والنبوة والأصحاب .

( ولا ترحض عنك عارُها ) رحض بالراء والحاء المهملة ثم الضاد المعجمة - كذا في أكثر نسخ اللهوف والإحتجاج ، من رَحَض الشيُّ رَحْضاً وأَرْحَض أي غسله . وفي بعض النسخ لا يرحض بالغيبة ، فيكون «عارها» فاعلاً. وفي بعضها ترحض بالخطاب، فيكون مفعولاً . وفي بعض النسخ « يدحض » بالدال المهملة ثم الحاء المهملة ثم المعجمة ، من دحض دحضاً ودحوضاً ودحض وأدحض الحجة أبطلها . دحضت الحجة بطلت والشمس زالت إلى جهة المغرب . والعار : العيب .

ثم إنها عليها السلام أنبت عاقبة يزيد وحزبه ، وكأنه من الملاحم ، فقالت :

( وهل رأيك إلا فَنَد ) بفتح الفاء والنون ثم الدال المهملة ، في المنجد : فيد بكسر العين فنداً وأفند : خرف وضعف عقله وكذب وأخطأ في الرأي والقول .

( وأيامك إلا عدداً وجمعك إلا بدداً ) بد بداً : فرق وأبعد ، وتبدد أي تفرق في جملة من النسخ بدَدَ بفتحتين ، وقد يقال بدد بالضم جمع البد بمعنى النصب كما في

القاموس . واعترض عليه الفاضل القزويني في ترجمته : إن بُد بالضم لا يجمع على بُدَد وإنما يجمع على بدد البد بالكسر ، وتمام الكلام في شرح القاموس .

( يوم ينادي المنادي : ألا لعنة الله على الظالمين ) .

ثم ختمت خطبتها بالثناء والتحميد كما بدأت ، فقالت :

( فالحمد لله الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة إنه رؤف ودود ، حسبنا الله ونعم الوكيل ) وفي رواية الإحتجاج «يوم ينادي المنادي : ألا لعن الله الظالم العادي ، والحمد لله الذي حكم لأوليائه بالسعادة وختم لأصفيائه ببلوغ الإرادة ونقلهم إلى الرحمة والرأفة والرضوان والمغفرة ، ولم يَشْقِ بهم غيرك ولا ابتلى بهم سواك، ونسأله أن يكمل بهم الأجر ويجزل لهم النواب والذخر ، ونسأله حسن الخلافة وجميل الإنابة إنه رحيم ودود».

قولها «بلوغ الارادة» أي إرادة الله ، فإنهم عليهم السلام منبع إرادته ومحل مشيئته ووعاء علمه وقدرته وغاية إرادته .

قولها « ولم يَشْقِ بهم غيرك» أي في هذا العصر وفي الدنيا ، إذ لم يكن شق مثله في الوجود . وكذا ابتلي بهم سواك » أي لا ابتلى في الدهر بمثل ما ابتلى يزيد .

قولها « ونسأله حسن الخلافة» أي نسأله تبديل قبح الخلافة من خلافتك وخلافة من بعدك من خلفاء الجور بحسن الخلافة بوجود الحجة بن الحسن عليه السلام .

إلى هنا تمت الخطبة . وفي مثير الأحزان (1)مثلها باختلاف يسير .


1) مثير الأحزان ص 81 .

قالوا : وما أجابها يزيد بشي بل ألجم وأفحم وقال :

يا صيحةً تُحمد من صوائحِ***ما أهون الموتُ على النوائح

وفي بعض النسخ «النوح » بدل الموت .

فعند ذلك اضطرب المجلس بأهله وجعل الناس والأشراف والجند يسبون يزيد ويلعنونه، فأمر بردهن فأفرد لهم داراً وجعل يلاطف معهم ويكرمهم ويتبرأ من فعله ويحمل الوزر على ابن زياد إسكاتاً للناس وسياسةٌ منه ، وأمر نساء بني مروان وبني أمية والأشراف بحضورهن المأتم والنوح على الشهداء والبكاء عليهم ، والناس في حيص بيص إلى يوم المسجد، حيث صعد علي بن الحسين عليه السلام المنبر وخطب الخطبة وفضح يزيد وبني أمية وآل مروان ، ولم يقدر يزيد إسكات الناس وخاف الفتنة والنهضة ، فأمر بردهن إلى المدينة ، على ما ذكر في ترجمة الإمام زين العابدين عليه السلام .

ويعجبني ذكر قصة سفير الروم التي وعدناك ذكرها سابقاً ، ذكرها المؤرخ اعتضاد الدولة في التاريخ الذي ألفه بأمر السلطان ناصر الدين شاه في وقائع سنة إحدى وستين من الهجرة ، وذكرها المؤرخ ابن لسان الملك في الطراز المذهب باختلاف يسير ، ونحن ننقل القصة بألفاظ ما ذكرها المحقق العلامة الطهراني في مقدمات مقتله غير المطبوع والنسخة موجودة عندنا ، فإن فيه إفادة وفائدة ، قال :

إن الذي يظهر من التواريخ أن العمدة من المعمورة عدا قسطنطنية إما كانت بيد المسلمين، وإما كانت مشرفة على ذلك فى آخر أمر معاوية ، وحيث أخذ البيعة ليزيد واستقر حكمه فيها لأهل الاسلام وسعة ممالكهم على ما في كتب السير، فمن جهة الشمال الجيحون وطبرستان وجيلان وباب الأبواب وبعض

جبال مراكش وجميع أرمنستان وكرجستان وشط الفرات وآذربيجان بمنزلة خط يحدّ به من جبال قارة آسيا الصغرى إلى البحر الأبيض ، ومن الغرب جزيرة قبرس وروسيا كانت تحت تصرف المسلمين، ومن جهة الجنوب الشرقي كانت متصلة بالبحر الأحمر ، فمن إقليم إفريقيا جميع ممالك فاس وكوفس وطرابلس الغربي وقزان والسودان ومصر كانت تحت سلطنة الاسلام .

وأما تأسيس القسطنطنية المسماة فعلاً باسلامبول المعبّر عنها في القرآن الكريم بالروم، فهي لقرب موت معاوية وخوفه على يزيد في سلطنته وخلافته ابتليت بالمفاسد الداخلية وشغله عن ذلك التمحض لدفع الروم والقتال معهم ، بيان ذلك إجمالاً :

إن في أواخر حياة معاوية سنة ثمان وأربعين من الهجرة بعد فتح الأعراب الاسكندرية ومصر توجهوا إلى النيل ودخلوا مراكش ونهبواكل ماكان في تلك النواحي، وفي سنة اثنتين وخمسين حصل وهن عظيم في دولة الروم واليونان وغيرهما من جهة الطاعون ، فأمر معاوية زعماء الجيش المعد للحرب للانتقال من بندر اسكندرية إلى القسطنطنية ، فنهبوا وقتلوا وبقوا في الشتاء في خليج ازمير والقيصر توسل بمادة محرقة تُسمى «خمپاره » لدفع عسكر الاسلام، وبعد تبين هذه المادة حصل وهن عظيم فيهم ، فبعد محاصرتهم سبع سنين قبل أشهر من موت معاوية ، وانكسر عسكر الاسلام وقتل منهم ثلاثون ألفاً . وبعد هذا الإنكسار رأى معاوية أن يصالح ملك الروم لما رأى من ضعف بدنه ويقينه بالموت، فأرسل جماعة من نصارى الأعراب بهدايا إليه، وهي الغنائم التي حصلها من إيران والترك ،وغيرهم وملك الروم أرسل مع سفراء معاوية «پرستى» أي الشخص الأول للصلح ويقال له «اثران» بمعنى الحي، فتم

الصلح بين معاوية والقيصر ، وكان العهد المتبادل بينها مشتملاً على أربعة فصول:

الفصل الأول : إن هذه المصالحة بمنزلة المتاركة للحرب بمدة ثلاثين سنة بين القيصر كنستاتين ملك جميع ممالك الافرنج شرقاً وغرباً وبين معاوية .

الفصل الثاني : إن معاوية وأخلافه يدفعون إلى ملك الروم كل سنة ثلاثين ألف مسكوك ذهب وثمانمائة من أسراء النصارى وثمانمائة فرس.

الفصل الثالث : يتعهد ملك الروم وأخلافه بعدم التعرض في هذه المدة بوجه من الوجوه شيئاً من ممالك العرب.

الفصل الرابع : إن معاوية وأخلافه يدفعون المبلغ المذكور باسم الخراج إلى الروم.

بعد موت معاوية كان يزيد يؤدي هذا الخراج ، وطال الأمر إلى زمان الوليد بن عبدالملك فغلب عليهم. وبقي ذلك السفير المسمى بحي في دمشق إلى أن هلك معاوية ، وقبل ذلك أيضاً دخل المدينة في زمن عمر بن الخطاب بعنوان السفارة من هراكيلوس، وحمل عقداً مرصعاً من زوجة قيصر إلى أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام كانت زوجة عمر ، وذلك أن غلبة المسلمين على مصر وفتحهم إياه صار موجباً لاضطراب قيصر الروم ، ولما كان بين سيروس رئيس النصارى في مصر وبين فاتحه عمرو بن العاص علقة وارتباط كتب إلى هراكيلوس إلى القيصر إنك إن زوجت عمر فأنا أقدر أن أسترجع مصر وأصلح ذات البين . فأجاب هراكيلوس أن عمر له زوجة مثل أم كلثوم فكيف يرضى بمصاهرتي . ولما اشتهر هذا الخبر بالمدينة قال عمر لأم كلثوم أن تبعث إلى زوجة قيصر بعض الهدايا . فلما وصلت الهدايا إليها أرسلت مع هذا السفير الكبير عقداً مرصعاً بالجواهر له قيمة كبيرة.

ثم ذكر ما نقله ابن الأثير في الكامل ، وقد سبق ذكره مفصلاً إلى أن قال : وهذا السفير كان حاضراً في مجلس يزيد حين دخول أهل البيت في مجلسه ، وكان يشاهد أنهم مشدودون بحبل ورأى حالة الإنكسار والذل العظيم والهزال الشديد من جهة عظم المصاب وشدة المحنة ، فتألم مما رأى ورق قلبه . وكان ليزيد وزيران أحدهما رومي والآخر عبد لبني أوس، فسأل الوزير الرومي وقال : من أيّ الأسارى هؤلاء ؟ فقال : من العرب . فقال : من أي قبيلة ؟ فقال : من بني هاشم. فقال : لمن هذا الرأس ؟ قال : من رئيس هؤلاء واسمه حسين بن علي ، وهو الذي خرج على الخليفة . فقال السفير : أيّ علي هذا ؟ قال : صهر هذا ؟ قال : صهر النبي . قال : إحدى بناته كانت زوجة عمر ؟ قال : نعم .

وكان يزيد يسمع ما يدور بينهما ، فقال للسفير : هل أنت تعرف زوجة عمر بن الخطاب بنت علي ؟ فقال : نعم كانت في ذلك الزمان أجل من زوجة قيصر الروم. فقال يزيد : خرج علينا أخوها في العراق فقتله والي تلك النواحى وأسر أهله وبعث إلينا برأسه . فقال السفير : والله لو بقي فينا من ذرية عيسى شخص لعبدناه ، فمن أجل هذه القطعة من الخشب التي هي صليبه صارت لقيصر سلطان إيران سنتين إلى أن أخذ منه وهم يفعلون هذا الفعل الشنيع بذرية نبيكم ، سلمنا أن هذا الرجل كان طاغياً وكان الصلاح في قتله فما ذنب هذه النسوة والأطفال ، فكيف أعتمد عليكم وأطمئن بعهدكم مع ما أرى من قتلكم ذرية نبيكم، فإنا مع الأسارى الذين يأتون بهم إلى قسطنطنية نرفق ولا يرون منا إلا الخير والشفقة ، وحيث أن مقتضى العهد الذي بيننا وبينكم أن تدفعوا لنا ثمانمائة من أسارى النصارى فادفع لي هؤلاء بدلاً عن أسارى الروم لأريحهم من هذا التعب .

فغضب يزيد من كلامه ، ومن شدة غروره أراد أن ينقض العهد ، فمنعه جمع من

حاشيته كضحاك بن قيس ومسلم وسائر الأمراء بعد أن أساء الكلام مع السفير بل أراد هلاكه فمنعوه، خصوصاً الذين كانوا باطناً على النصرانية ، خوّفوا يزيد وقالوا له : أنت كنت في نواحي القسطنطنية ورأيت جلالة القياصرة والآن أول سلطنتك ، وعراق وسيستان و خراسان - بل ما عدا الشام من جميع الممالك - فاقدة للنظام، وحجاز من جهة ابن الزبير في غاية الإضطراب، فمن الصلاح أن لا تتعرض للسفير وإلا فعسكر الروم يهجم علينا ويدخل البنادر .

فقبل يزيد النصح واعتذر من السفير وأرسله بعد أيام إلى القسطنطنية .

ونقل عن هذا الرجل أن يزيد إنفعل من كلامي فبعث بالرؤوس إلى مقابر دمشق فدفنت وأعطى المأكول والملبوس للأسارى . وقبل أن أخرج إلى الشام رأيت ذلك الرجل الذي كان مع الأسارى ويحضر مجالس يزيد، ورأيته في مسجد كان إلى جنب دار يزيد جالساً على وسادة يزيد ولكنه من كثرة الضعف والنحول لا أطمئن أن يعيش بعد خروجي . انتهى .

والظاهر أن هذا الرجل غير ما روي عن علي بن الحسين عليه السلام عن نصراني كان في مجلس يزيد وكان من أشراف الروم وقصة كنيسة الحافر المذكورة في ترجمته «ع». وكذا غير ما في البحار عن بعض مؤلفات أصحابنا مرسلاً : أن نصرانياً أتى رسولاً من ملك الروم إلى يزيد وحضر مجلسه الذي أتي فيه برأس الحسين عليه السلام ، وكان قد أتى المدينة تاجراً في أيام النبي صلى الله عليه وآله . وقصة الخط والكتابة واللؤلؤ ، وسيأتي تفصيله إنشاء الله تعالى . وكذا قضية رأس الجالوت اليهودي .

ومما جرى عليها روحي فداها في مجلس يزيد ما عن مقتل ابن عصفور : إن بعض الطغات اللئام قال في مجلس يزيد : إن الحسين عليه السلام جاء في نفر من

أصحابه وعترته ، فهجمنا عليهم وكان يلوذ بعضهم إلى بعض ، فلم تمض ساعة إلا وقتلناهم عن آخرهم . فقالت الصديقة الصغرى زينب سلام الله عليها : ثكلتك التواكل ، إن سيف أخي الحسين لم يترك في الكوفة بيتاً إلا وفيه باك وباكية. انتهى . وسيأتي أن قائل هذا هو مخصرة بن ثعلبة أو غيره.

والمذكور في موضعه الاختلاف في أن دخول السبايا إلى مجلس يزيد هل كان في يوم واحد ومجلس واحد ومرة واحدة أو مجالس متعددة ومرات كما عليه بعض المؤرخين .

وقد تذكر قضايا لزينب عليها السلام في مجلس يزيد تركناها لعدم الإعتماد بناقليها . والله العالم .

الأمر الخامس في المسير من الشام إلى كربلاء ومن كربلاء إلى المدينة

قد اختلفت الكلمات في مدة إقامة السبايا في الشام ، والأصح أنهم دخلوا الشام في غرة شهر صفر وخرجوا منها في الحادي عشر منه ، فمدة أقامتهم فيها عشرة أيام، ثلاثة في الخرابة والسجن وسبعة في الدار التي أفردها يزيد لهم . وتحقيق ذلك مع دخولهم كربلاء في العشرين من صفر مذكور في ترجمة علي بن الحسين عليه السلام .

في البحار (1): قال فلما كان في اليوم الثامن - أي الثامن من إفراد الدار لهم - دعاهن يزيد وعرض عليهن المقام فأبين وأرادوا الرجوع إلى المدينة، فأحضر لهم المحامل وزيّنها وأمر بالأنطاع الإبريسم وصب عليها الأموال وقال : يا أم كلثوم خذوا هذه الأموال عوضاً عما أصابكم . فقالت أم كلثوم : ما


1) بحار الأنوار 196/45 .

أقلّ حياءك وأصلب وجهك ؟ تقتل أخي وأهل بيتي وتعطيني عوضهم . انتهى .

وفي بعض المقاتل زيادة في المقام تركناها لعدم مستند صحيح لها .

وفي البحار (1): ثم قال - أي الراوي - مرسلاً : وأما أم كلثوم فحين توجهت إلى المدينة جعلت تبكي وتقول :

مدينة جدنا لا تقبلينا***فبالحسرات والأحزان جينا

إلى آخر الأبيات نحواً من أربعين بيتاً ، ولم أر من ذكرها ممن تقدم المجلسي «ره» ، إلا الإسفرايني حيث قال في مقتله : ثم ساروا قاصدين إلى المدينة ، فلما وصلوها بكت أم كلثوم وجعلت تقول مدينة جدنا» الخ . ولعل الطريحي أخذ هذا من البحار حيث قال : روي في بعض موثقات أصحابنا مرسلاً يقول : حين توجهت إلى المدينة. وفي بعض المقاتل : لما بدت حيطان المدينة تقول . وفي بعضها : قالت يوم ورودها إلى المدينة.

إن في إسناد الأبيات إليها روحى فداها وأنها من منشئاتها أو منشداتها تأمل بل منع يظهر من التأمل في متن الأبيات، فإنها مع كونها ليست من الفصاحة والبلاغة بمكان ، تنسب إلى من هي أفصح العرب وأبلغهم ، فيها أبيات ومضامين تنا في كونها منها ، منها « فإنا قد فُجعنا في أبينا » ، ومنها «وقل يا عم يا حسن المزكَّى » ، ومنها « وزينب أخرجوها من خباها » إلى غير ذلك . وفي بعض المؤلفات نسبت الأبيات إلى فاطمة بنت الحسين عليه السلام .

وفي بعضها نسبت إلى أم كلثوم بنت الحسين عليه السلام وبالجملة ، تركناها لعدم تحقق أنها من منشئاتها أو منشداتها .


1) بحار الأنوار 197/45.

وفي البحار (1)قال : روي في بعض الكتب القديمة بإسناده عن البيهقي - إلى أن قال : أخبرني أبو منصور شهرداد بن شيرويه الديلمي باسناده عن الشافعي أبياتاً . ثم ذكر ما مرّ إسناده إلى بعض الشعراء ، إلى أن قال : ولزينب بنت فاطمة البتول من قصيدة انتخبت منها هذه :

تمسك بالكتاب ومن نداها***فأهل البيت هم أهل الكتاب

إلى آخر الأبيات.

قال : ومن مرثية زينب بنت فاطمة أخت الحسين حين أدخلوا دمشق :

أما شجاك ما سكن***قتل الحسين والحسن

وفيه : أما في الأول فلم يذكر تمام الأبيات حتى ألاحظ فيها ، وإنما ذكر من القصيدة أبياتاً لم تستند إلى راوٍ ، ولعله مما أنشدتها لا أنها أنشأتها .

ويظهر من التواريخ أن بعد وقعة الطف كان الشعراء ينشدون أبياتاً هي لسان حال أهل البيت وينسبونها إليهم .

وأما في الثاني فعلى فرض صحة الرواية والإستناد إليها، فإنما هي مراتٍ أنشدتها بعد دخول دمشق وبعد الحضور في مجلس يزيد لا حين دخول دمشق، إذ من الأبيات :

حتى دنى بدر الدجى***رأس الإمام المرتجى

بين يدي شر السورى***ذاك اللعين القاتل

بطل في بنانه قضيب خيزرانه ينكت في أسنانه قطعت الأنامل إلى آخر الأبيات المذكورة في البحار ، تركناها لعدم صحة إستناد نقلها إلى


1) بحار الأنوار 285/45 .

زينب عليها السلام .

وفي بعض مؤلفات المتأخرين من المعاصرين وغيرهم أمور نسبوها إلى العقيلة حين رجوعها من الشام إلى كربلاء وفي كربلاء وعند رجوعها من كربلاء إلى المدينة ، نقطع بكذب جملة منها ، وجملة منها مظنونة الكذب ، وبعضها يحتمل فيها الصدق والكذب ، تركناها لما التزمنا واشترطنا ألا نذكر في الكتاب إلا ما يُعتمد عليه ونطمئن إلى روايته بحيث كان الناقل معذوراً في نقله وذكره وكتبه .

في البحار (1)عن مؤلفات بعض أصحابنا مرسلاً قال : قال الراوي : وأما زينب فأخذت بعضادتي باب المسجد ونادت : يا جداه ، إني ناعية إليك أخي الحسين . وهي مع ذلك لا تجف لها عبرة ولا تفتر من البكاء والنحيب ، وكلما نظرت إلى علي بن الحسين تجدّد حزنُها وزاد وَجدُها. ومثله في مقتل أبي مخنف المطبوع باختلاف يسير .

وفي بعض النسخ « بعضادة الباب». وفي بعضها « بولدك الحسين » .

هذا ما وقفنا عليه ما يخص بها روحي فداها ، وقد أخذناه من الأصول المعتبرة المعتمدة ، وقد سبق عند ذكر علي بن الحسين عليه السلام ما يناسب المقام .

وأما حالها بعد الوصول إلى المدينة إلى يوم وفاتها فلم نعثر في الكتب ما يناسبه ، إلا أن حالها ،معلوم ، وقد أشار إليه في البحار وغيره : أن لا تجف لها عبرة ولا تفتر من البكاء والنحيب وكلما نظرت إلى علي بن الحسين عليه السلام تجدّد حزنها .

وأما وفاتها عليها السلام فقد صرح جمع من العامة والخاصة أنها توفيت في


1) بحار الأنوار 199/45.

المدينة ودفنت بها ، وذلك بعد الرجوع من الشام كما في رواية ، أو بعد أربعة أشهر كما في أخرى ، أو بعد ستة أشهر كما في ثالثة . فممن صرح بذلك من متأخري العامة صاحبة الدر المنثور ، قالت : أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وأمها فاطمة . إلى أن قالت : وهي كانت مع أخيها الحسين ورجعت مع السبايا من العراق إلى الشام ثم إلى المدينة، وذلك في قصة مشهورة ، وتوفيت في المدينة. وقالت في ترجمة زينب بنت علي وأمها فاطمة : إن للسيدة زينب مقامين إحداهما بدمشق وأخرى بمصر . يظهر مما نقلنا أن الإختلاف في زينب الصغرى ، وأما أم كلثوم وزينب الكبرى فكأنه من إرسال المسلمات أنها توفيت في المدينة، وممن صرح بذلك من متأخري الخاصة صاحب التنقيح (1)، قال : وكانت أم كلثوم مع أخيها الحسينعليه السلام بكربلاء، وكانت مع السجاد إلى الشام ثم إلى المدينة .

وقال في ترجمة زينب بنت علي عليه السلام (2): إنها لم تمكث بعد أخيها إلا يسيراً ، قيل : إنها توفيت بعد ورود المدينة بثمانين يوماً وان قبرها بها ، ولكن لها قبر معروف بالشام وآخر بمصر . انتهى .

وتمام الكلام في ذلك في ترجمة زينب الصغرى مع توضيح بعض الإشتباهات .


1) تنقيح المقال 3 قسم النساء ص 75 .

2) نفس المصدر والقسم ص 79.

الباب الثاني في ترجمة زينب الصغرى و ترجمتها

اشارة

بنت علي وفاطمة عليهما السلام و ترجمتها

ويتم ذلك في مقدمة وفصول :

أما المقدمة

فقد مرّ اتفاق علماء الفريقين بل المسلمين على أن لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله بنتين : زينب الكبرى المكناة بأم كلثوم الكبرى، وزينب الصغرى المكناة بأم كلثوم الصغرى ، وولدت الثانية بعد الأولى بسنتين ، وكانت للصغرى في سنة وفاة جدها وأمها من العمر ثلاث سنوات أو أربع . كما أن زينب الكبرى كان لها حينئذاك أربع سنوات أو خمس على ما مرّ من الاختلاف .

ولا خلاف أيضاً أن إحدى البنتين تزوجها عمر والأخرى تزوجها عبد الله بن جعفر . ومافي بعض كتب العامة وتبعه بعض الخاصة أن عبدالله بن جعفر تزوج زينب المزوَّجة من عمر بعد وفاة زينب زوجته أو بخلافه . سهو وهو من الأكاذيب والمجعولات ، بل صرح العلامة النقدي أنه من موضوعات الزبير بن بكار.

والعجب من العلامة الشهرستاني حيث قال في هامش النهضة : لأمير المؤمنين عليه السلام بنتان بهذا الاسم وتلقب أم كلثوم، والكبرى هي سيدة الطف ، كان ابن عباس يعبر عنها بعقيلة بني هاشم، ولدتها الزهراء بعد شقيقها الحسين بسنتين وتزوجها عبدالله بن جعفر بعد وفاة أختها في خلافة عثمان أو معاوية ، وكانت قطب دائرة العيال في

المخيم الحسيني . انتهى . وفي كلامه مواقع للنظر تظهر مما مر .

وقال العلامة النقدي عند ترجمة عبدالله بن جعفر نقلاً عن الإصابة والاستيعاب : وكان لا يرى بسماع الغناء بأساً ، ثم نقل حكاية في ذلك وأرسلها إرسال المسلمات ، ثم قال : أقول إتهام عبد الله بن جعفر بالغناء واجتماع الشعراء عند سكينة بنت الحسين ومحاكمتها بينهم وطلاق عبدالله بن جعفر لزوجته زينب بنت أمير المؤمنين وأكثر الحكايات الطاعنة في بني هاشم بعد التتبع وجدناها من وضع الزبير بن بكار . انتهى .

وقد مرّ في ترجمة فاطمة بنت الحسين عليه السلام كلام المحدث القمي «قده » حيث قال بعد نقل كلام عن الأموي الأصفهاني عن الزبير بن بكار في تزويج فاطمة قال : فظهر مما ذكرنا كذب ما نقله أبو الفرج الأصفهاني المرواني عن الزبير بن بكار المعروف بعداوته للعلويين وأولاد الأئمة ما لا يرضى المسلم بنقله فضلاً عمن كان من أهل الإيمان . ولا عجب منه في نقل ذلك وأمثاله ، فإن فيه عرق من عروق الأمويين والمروانيين . انتهى .

وقد أخذ من الزبير بن بكار أيضاً تبعاً للمرواني محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤل (1)على ما سبق، فقال : أما أم كلثوم فزوج عمر بن الخطاب فولدت له ولدين، فلما قتل عمر تزوج بها عون بن جعفر فلم تلد له ، فلما مات تزوجها بعده محمد بن جعفر فولدت له ، فلما مات عنها تزوجها عبد الله بن جعفر بعد موت زينب أختها ولم تلد له وماتت عنده . انتهى .

وأنت خبير بفساد هذا القول لمخالفته لجل تواريخ العامة والخاصة


1) مطالب السؤل ص 47 .

وأحاديثهم ، وكذبه مع انتهاء سنده إلى الزبير بن بكار واضح من وجوه لا تخفى ، وإنما ذكرنا ذلك مع ذكرنا سابقاً لزيادة التبصرة وبيان أنهم إنما وضعوا هذه الأحاديث وذكروها في كتبهم عداوة لنا ولأهل البيت . هدانا الله إلى سواء السبيل.

وبالجملة ، لا خلاف في تزويج عمر إحدى البنتين وعبدالله بن جعفر البنت الأخرى ، وإنما الكلام والخلاف في أن المزوَّجة لعمر هل هي زينب الكبرى أو الصغرى ، وقد مر الكلام في ذلك إجمالاً ، فنقول إيضاحاً :

قد اضطربت كلمات مؤرخي العامة ومحدثيهم في ذلك ، وتبعهم في ذلك بعض أصحابنا من دون روية ، بل قد يناقض كلامهم في ذلك ، كما عن ابن حجر في الصواعق ، فإنه بعد ما ذكر رواية البيهقي أن عمر لما قال : أحب أن يكون لي من رسول الله سبب ونسب ، قال علي للحسنين زوّجا عمكما ، فقالا : هي امرأة من النساء تختار بنفسها - إلى آخر ما مر ، هذه الرواية صريحة بأن المخطوبة كانت كبيرة .

ثم ذكر في الصواعق رواية أخرى أن عمر صعد المنبر - إلى أن قال : فأمر بها علي فرتبت وبعث بها إليه ، فلما رآها قام إليها وقبلها ودعا لها ، فلما قامت أخذ بساقها - إلى آخر الرواية وقد مرت بتمامها إلى أن قال في الصواعق : وتقييله وضمّه لها وكشف ساقها على جهة الإكرام لأنها لصغرها لم تبلغ حد التشهي حتى تحرم ، ولولا صغرها لما بعثها أبوها . وقد سبق الكلام في ذلك مستوفى وأن هذا الإعتذار لا ينفعه على القول بأن التزويج وقع في سنة سبع عشرة من الهجرة على قول ابن الصباغ المالكي ، سواء كانت المزوّجة زينب الكبرى أو الصغرى ، بل ولا على قول غيره كما مرّ .

وبالجملة ، الذي يظهر من أحاديثهم ورواياتهم أن المزوَّجة زينب الكبرى، لكن المشهور في أقوالهم أنها زينب الصغرى ، أرادوا بذلك حفظ مقام الخلافة والشؤون العمرية من التقبيل وكشف الساق، وقد عرفت بما لا مزيد عليه أنه لا تنفعهم هذه التمحلات والاشكال وارد عليهم مطلقاً ، سواء كانت المزوَّجة الكبرى أو الصغرى.

وتبعهم في ذلك بعض أصحابنا ، ويلزمهم أن المزوَّجة بعبد الله بن جعفر زينب الكبرى، وهو مع أنه خلاف التحقيق وخلاف صريح جملة من التواريخ وخلاف بعض الأحاديث الواردة من الفريقين خلاف العرف والعادة، إذ من المسلم -كما دلّ عليه قول علي عليه السلام لما دعاه عمر لتزويج زينب قال : إنما ادخرتها لابن أخي عبد الله بن جعفر ، أن تزويجها من عمر كان قبل تزويجها من عبدالله بن جعفر بمدة، فيلزم تزويج زينب الصغرى قبل زينب الكبرى بمدة، وهذا خلاف ما عليه العادة إلى زماننا هذا. فالتحقيق أن المزوجة بعبد الله بن جعفر هي زينب الصغرى . فتدبر .

فصل في بعض مصائب أم كلثوم

إعلم أن زينب الصغرى كأختها زينب الكبرى بتمام المباني من الشرف والمجد والتربية والعلم والحلم والفضائل والمناقب والمعرفة بالله تعالى والانقطاع إلى الله والزهد والقناعة والعبادة والتحمل والتسليم لأمر الله والفصاحة والبلاغة ، إلى غير ذلك من الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة . كيف لا وقد أرضعتا من ثدي واحد وبلبن واحد وأم واحدة وربيتا في حجر النبوة وتربية الولاية .

ولا نحتاج للتدليل على ماقلنا إلى إقامة برهان وذكر رواية ، وانما ننقل بعض الأخبار الواردة فيها بخصوصها مع ذكر أختها الكبرى سلام الله عليها تيمناً وتبركاً وزيادة في البصيرة فنقول :

( منها ) ما روى في ينابيع المودة (1)للشيخ سليمان الحنفي في الباب الثامن والخمسين قال : أخرجه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب التنبيه الكبير، كذا أخرجه الحافظ جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي المدني في درر السمطين ، عن ربيعة السعدي قال : أتيت حذيفة فسألته عن أشياء ، فقال : إسمع مني وعه وأبلغ الناس : أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسمعته بأذني وقد جاء الحسين بن علي على المنبر ، فجعله على منكبيه ثم قال : أيها الناس هذا الحسين خير الناس جداً وجدةً ، جده رسول الله سيد ولد آدم وجدته خديجة سابقة إلى الإيمان من كل الأمة ، وهذا الحسين خير الناس خالاً وخالةً ، خاله القاسم وعبدالله وإبراهيم وخالته زينب ورقية وأم كلثوم، وهذا الحسين خير الناس عماً وعمةً ، عمه حمزة وجعفر وعقيل وعمته أم هاني ، وهذا الحسين خير الناس أباً وأماً وأخاً وأختاً ، أبوه علي وأمه فاطمة وأخوه الحسن وأخته زينب ورقية . ثم وضعه عن منكبيه فأجلسه في جنبه فقال : أيها الناس هذا الحسين جده في الجنة وجدته في الجنة، وأخواله في الجنة وخالاته في الجنة وأعمامه في الجنة وعماته في الجنة ، وأبوه في الجنة وأمه في الجنة وأختاه في الجنة وهو في الجنة . ثم قال : أيها الناس إنه لم يعط أحد من ذرية الأنبياء الماضين ما أعطي الحسين بن علي خلا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن


1) ينابيع المودة 380/2 .

إبراهيم . يا أيها الناس إن الفضل والشرف والمنزلة والولاية لرسول الله وذريته ، فلا تذهبنّ بكم الأباطيل .

وفي البحار مثله باختلاف يسير عن ابن عباس في قضية حظيرة بني النجار . وبهذه الرواية أخذ من ذهب إلى أن أم كلثوم الصغرى اسمها رقية كما في عمدة الطالب . ولعل لها اسمان أحدهما رقية والآخر زينب ، وكم له من نظير ، خصوصاً في أهل البيت عليهم السلام ذكوراً واناثاً كما لا يخفى .

( ومنها ) ما رواه في البحار (1)عن معاني الأخبار، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عن محمد بن مروان قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام : هل قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن فاطمة أحصنت فرجها فحرّم الله

ذريتها على النار » ؟ قال : نعم ، عنى بذلك الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم.

( ومنها ) ما فيه عنه أيضاً : ابن الوليد، عن أيضاً : ابن الوليد، عن الصفار ، عن ابن معروف ، عن ابن مهزیار ، عن الوشاء ، عن محمد بن قاسم بن المفضل ، عن حماد بن عنان ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله «إن فاطمة أحصنت فرجها فحرّم الله تعالى ذريتها على النار» ؟ فقال : المعتقون من النار هم ولد بطنها الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم. وفي بعضها ليس لفظ «زینب» ، ولعله سقط أو اشتباه ، وتكفينا كلمة « ولد بطنها » . ومثله ما فيه عنه أيضاً في حديث طويل : قال الرضا عليه السلام لزيد بن موسى : يا زيد أغرك قول بقالي الكوفة «إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار » ، والله ما ذلك إلا للحسن والحسين وولد بطنها خاصة - إلى


1) بحار الأنوار 217/49 ، معانى الأخبار ص 106 .

آخر الحديث.

وفيه عن المناقب (1)وتاريخ بغداد وكتاب السمعاني وأربعين المؤذن ومناقب فاطمة عن ابن شاهين بأسانيدهم عن حذيفة وابن مسعود : قال النبي صلى الله عليه وآله : إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار . قال ابن مندة : خاص بالحسن والحسين ، ويقال : أي من ولدته بنفسها . وهو المروي عن الرضا عليه السلام ، وفي هذا المعنى أخبار أخر .

قال ابن حجر في الصواعق (2): وأخرج تمام والطبراني والبزار وأبونعيم أنه صلى الله عليه وآله قال : فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار ، وفي رواية : فحرمها الله وذريتها عن النار.

( بيان ) : قول النبي لفاطمة « فحرّم الله ذريتها على النار» لعله من المتواترات ، ذكره الفريقان في كتبهم ،وصحاحهم والقدر المتيقن من الذرية - كما نطقت به الأخبار الخاصة - الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم. ولتحقيق الذرية والعترة والآل وأهل البيت والفرق بينها مقام آخر .

ومعنى «أحصنت فرجها» أي امتنعت نفسها من الفساد ، كما فسر به في مجمع البيان. قوله تعالى ( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) (3)أي امتنعت نفسها من الفساد ويؤيد ذلك بل يدل عليه قول اللغويين كما في القاموس : إن الفرج بمعنى العورة من الانسان ويطلق على القبل والدبر والعورة على ما


1) مناقب آل أبي طالب 107/3.

2) الصواعق المحرقة ص 186 .

3) سورة التحريم : 12 .

صّرحوا به الخلل والعيب . والمعنى : إن فاطمة أحصنت نفسها من الخلل والعيوب والفساد والفساد في اصطلاح القرآن والأخبار كلُّ معصية تصدر من الإنسان، فالمراد أن فاطمة حبست نفسها عن كلُّ معصية فحرم الله تعالى هي وذريتها على النار . فتدبر .

فصل فيما جرى عليها في مدة حياتها

من فإنها روحي فداها قد شاركت أختها في المصائب والنوائب، ورأت المشاق ما لو نزلت على الجبال الراسيات لانفسخت وتدكدكت، لكنها في كل ذلك كانت تصبر الصبر الجميل .

وأول مصيبة وردت عليها - وهي بنت ثلاث سنين - فقدها جدها رسول الله صلى الله عليه وآله ، وما لاقى أهلها بعده من أنواع المكاره .

ثم فقدها أمها الزهراء عليها السلام ، بعد ما جرى عليها مما لا يمكن تحريره وقد ذكر جملة منها في كتب الفريقين .

ثم فقدها أخيها الحسن عليه السلام مسموماً ، تنظر إليه وهو يتقيأ كبده في الطست قطعةً بعد قطعةٍ وتُرشق جنازته بالسهام .

ثم وردت عليها الداهية الدَّهماء ، وهي وقعة الطف مع أخيها الحسين عليه السلام، وشاهدت قتل أخيها وبقية إخوتها وأولادهم وأولاد عمومتها وقتل الخواص من الشيعة .

ثم تحملت المحن التي وردت عليها ، من هجوم الأعداء على المخيم والسلب والنهب والسبي والإهانة وضرب كرائم النبوة وودائع الرسالة ، وتكفلها حال

اليتامى والأطفال والنساء.

ثم مسيرها مع الأسرى من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام ، يحدو بهن الأباعر من منزل إلى منزل وينقلن من مجلس إلى مجلس .

إلى غير ذلك من الرزايا والمصائب التي يعجز عنها البيان ويكلّ عن ذكرها اللسان ، مما جرى عليها وعلى أختها ، وقد سبق ذكر شطر منها .

واختصت روحي فداها عن أختها بقتل ولديها على ما مرّ في ترجمة عون ومحمد. وقد مرّ أيضاً إتيان زوجها عبد الله بن جعفر للحسين عليه السلام في الطريق بعد خروجه من مكة ، ومكالمته مع الحسين وإرسال ولديه معه . فراجع .

وكانت روحى فداها لكثرة تأدبها لأختها الكبرى وكثرة خضوعها لها حالها بالنسبة إليها كحال سائر النساء ، لم يبرز منها في وقعة الطف ما اختص بها .

وقد نسب إليها في بعض المقاتل ما لم يثبت أنه منها أو من أختها الكبرى ، وقد دلّت القرائن على أن أكثرها من أختها الكبرى ، وقد مرّ ذكر جملة منها .

نعم المصرَّح في كلماتهم مما نسب إليها بخصوصها واختصت بها أمور:

( منها ) الخطبة المعروفة التي خطبتها يوم دخول الأسارى الكوفة ، ذكرها جلّ المحدثين والمؤرخين (1)، كابن نما في مثير الأحزان والسيد ابن طاوس في اللهوف والمجلسي في البحار والاسفرايني في مقتله وغيرهم، ذكر واخطبتها بعد ذكر خطبة أختها الكبرى زينب ، وقد سبق نقلها مع ترجمتها . ونحن نذكر الخطبة هنا برواية اللهوف ونشير إلى مواضع الاختلاف ، قال :

(وخطبت أم كلثوم بنت علي عليه السلام في ذلك اليوم من وراء كلَّتها )


1) أنظر : اللهوف ص 198 ، مثير الأحزان ص 88 .

الكلة بكسر الكاف : الستر الرقيق وغشاء يخاط كالبيت يُتوقى به من التعرض ويعرف بالناموسية، وصوفه حمراء في رأس الهودج.

قال السيد : رافعةً صوتها بالبكاء. وفي مثير الأحزان : وقد غلب عليها البكاء . وفي مقتل الاسفرايني : فتقدمت أم كلثوم، وقالت :

( يا أهل الكوفة سوءةً لكم ) السوءة بالفتح كدوحة : الفاحشة والخلَّة القبيحة . وفي جملة من النسخ «سوءً» بدل سوءة ، من ساء سوء بالفتح وسواء كسحاب ، وسوءة بزيادة الهاء، وسواية بقلب الهمزة ياءً : القبح والخزي في القاموس السوء بالضم القبح والنار ، ومنه قوله تعالى (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِيْنَ أَسَاؤُاْ السُّوَأى ) (1)في قراءة . وفي مقتل الاسفرايني : يا أهل الكوفة ويلكم .

( مالكم خذلتم حسيناً وقتلتموه وانتهبتم أمواله وورثتموها وسبيتم نساءه ونكبتموه) «نكب» كذا في نسخ اللهوف، وفي جملة من النسخ «بكتموه» بالتشديد من بكت أي طرح - كذا في القاموس .

( فتباً لكم وسُحقاً ) قد سبق تفسيرها.

( وإني لأبكي في حياتي ) على أخي .

(وإني لأبكي في حياتي على***خير من بعد النبي سيولدُ

بدمع غزير مستحل يكفكف***على الخدّ مني دائماً ليس يجمد)

الغزير بالغين المعجمة والزاي أخت الراء : الكثير والمستحل السائل . والمكفكف : المسح مرة بعد أخرى .

قال الراوي : فضجّ الناسُ بالبكاء والنَّوْح ونثرت النساء شعورهن ووضعن


1) سورة الروم : 10 .

الترابَ على رؤوسهن وخمشن وجوههن وضربن خدودهن ودعون بالويل والثبور وبكى الرجال ونتفوا الحاهم، فلم ير باكية وباك أكثر من ذلك اليوم (1).

فصل في وفاتها ومدفنها

لم أتحقق إلى الآن سنة وفاتها ولا الشهر ولا يوم وفاتها ولا كيفية وفاتها . وقد ذكر بعض المعاصرين ومن قرب عصره منا أموراً في كيفية وتاريخ وفاتها نقطع بكذب جملة منها . وقد ذكر في الطراز المذهب أموراً نقلها من بعض الكتب غير المعتمدة وزيفها ، من أرادها فليراجع إليه .

وليس في كتب القدماء من العامة والخاصة ما تسكن إليه النفس ويمكن الاعتماد عليه . وقد صنف علماء العامة - خصوصاً المتأخرون منهم كتباً في ترجمة زینب سلام الله عليها يعرف الناظر والمتأمل فيها أن مقصودهم منها ليس إلا الردّ على الشيعة وإثبات أن قبرها في مصر، وقد تبعهم في ذلك بعض أصحابنا المتأخرين من غير روية ولا تحقيق . ولا يهمنا البحث في ذلك والنقض والإبرام بعد تصريح جماعة من محققيهم ومصنفيهم أن لها قبرين : أحدهما في الشام فهو للشيعي كما هو مصرح به في الدر المنثور ، وثانيهما في مصر وهو للعامة كما صرح به أبو محمد في كتابه السيدة زينب .

والعجب من العلامة النقدي أيده الله تعالى ، فهو مع طول باعه واطلاعه بالتاريخ كيف مال إلى ما ذهب إليه العامة مما يتعلق بكيفية مسيرها إلى الشام ووفاتها ، فلا بأس أن ننقل كلامه بطوله حتى تعرف مخالفته لتواريخنا وتواريخهم ، قال :


1) النقل هنا مع اختصار .

وذكر النسابة العبيدلي في «أخبار الزينبات» على ما حكاه مؤلف كتاب السيدة زينب : أن زينب الكبرى بعد رجوعها من أسر بني أمية إلى المدينة أخذت تؤلّب الناسَ على يزيد بن معاوية ، فخاف عمر بن الأشدق انتقاض الأمر ، فكتب إلى يزيد بالحال، فأتاه كتاب يزيد يأمره بأن يفرّق بينها وبين الناس، فأمر الوالي بإخراجها من المدينة إلى حيث شاءت، فأبت الخروج من المدينة وقالت : قد علم الله ما صار إلينا، قُتل خيرنا وسُقنا كما تساق الأنعام وحملنا على الأقتاب ، فوالله لا أخرج وإن أريقت دماؤنا .

فقالت لها زينب بنت عقيل : يا ابنة عماه قد صدقنا الله وعده وأورثنا الأرض منها حيث نشاء ، فطبي نفساً وقري عيناً وسيجزي الله الظالمين ، أتريدين بعد هذا هواناً ، إرحلي إلى بلد آمن.

ثم اجتمع عليها نساءُ بني هاشم وتلطفن معها في الكلام، فاختارت مصر وخرج معها من نساء بني هاشم فاطمة ابنة الحسين وسكينة، فدخلت مصر لأيام بقيت من ذي الحجة ، فاستقبلها الوالي سلمة بن مخلد الأنصاري في جماعة معه ، فأنزلها داراً بالحمراء، فأقامت به أحد عشر شهراً وخمسة عشر يوماً ، وتوفيت عشية يوم الأحد لخمسة عشر يوماً مضت من رجب سنة اثنتين وستين هجرية ، ودفنت بمخدعها في دار مسلمة المستجدة بحمراء القصوى جنب بساتين عبدالله بن عبدالرحمن بن عوف الزهري . انتهى نص العبيدلي.

ونقل الموافقة له في الدفن الشريف ناشر كتاب الزينبات عن ابن عساكر الدمشقي في تاريخه الكبير والمؤرخ ابن طولون الدمشق في الرسالة الزينبية . ووجدنا الموافقة له أيضاً في كتاب لواقح الأنوار للشعراني، وكتاب إسعاف الراغبين الشيخ محمد صبّان المطبوع بهامش نور الأبصار ، وكتاب نور الأبصار

للشبلنجي والإتحاف للشبراوي، ومشارق الأنوار للشيخ حسن العدوي نقلاً عن الشعراني في الأنوار القدسية وامن وعن العلامة المناوي في طبقاته وعن جلال الدين السيوطي في رسالته الزينبية وعن العلامة الأجهوري في رسالته على مسلسل عاشوراء .

وقال مؤلف كتاب السيدة زينب : ثم بعد مرور عام على وفاتها وفي نفس اليوم الذي توفيت فيه، اجتمع أهل مصر قاطبة وفيهم الفقهاء والقراء وغير ذلك وأقاموا لها موسماً عظيماً برسم الذكرى على ما جرت العادة ، ومن ذلك الحين لم ينقطع هذا الموسم إلى وقتنا هذا من يوم وفاتها إلى الآن إلى أن قال ولازم : زيارتها في هذا اليوم كثير من العلماء والأولياء وأهل الفضل ، ولا زال ذلك جارياً إلى الآن من العامة . انتهى كلامه .

تعبيرهم بزينب الكبرى حفظاً على أصولهم أن زينب الصغرى تزوج بها عمر ، وذلك حفظاً لرتبة الخلافة عما لا يصدر مثله عن مسلم من التقبيل وكشف الساق ، أو أن عبد الله بن جعفر تزوجها بعد وفاة أختها ، أو طلاق أختها . وقد سبق ذكر فساد الأقوال وبطلانها بما لا مزيد عليه .

ثم لا يخفى أن ما ذكره العبيدلي وسائر مؤرخيهم وموثقيهم يخالف جلّ التواريخ المعتبرة المعتمدة من وجوه لا تخفى على من له علم بالتاريخ :

( منها ) أن وفاتها على ما صرحوا به كان فى يوم الأحد خمسة عشر يوماً مضت من شهر رجب سنة اثنتين وستين ، وأن ورودها إلى مصر لأيام بقيت من ذي الحجة سنة إحدى وستين ، وقد مرّ أن ما عليه الأكثر والمعظم من المحدثين والمؤرخين أن وقعة الطف كانت سنة إحدى وستين . فكيف يجمع بين القولين إلا بتكلف بعيد غاية البعد .

(ومنها) أن الذي صرح به المؤرخون من العامة والخاصة أن نهضة عبد الله بن الزبير كانت قبل مجئ أهل البيت إلى المدينة ، وقد صرحوا بأنه لما شاع خبر الطف في المدينة ومكة قام ابن الزبير وأخذ البيعة لنفسه، واضطربت المدينة وسائر الحجاز على الأمويين . وقد ذكروا ذلك في سنة إحدى وستين ، وذلك قبل وصول علي بن الحسين عليه السلام إلى المدينة - هذا ما جاء في تاريخ الطبري وغيره فراجع . وقد نقض أهل المدينة بيعة يزيد وخلعوه من الخلافة ، وبايعوا لعبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة وأهل مكة بايعوا لابن الزبير .

( ومنها ) أن في سنة إحدى وستين عزل يزيد عمرو بن سعيد الأشدق من إمارة مكة والمدينة وسائر الحجاز ونصب وليد بن عتبة . قال الطبري (1): ونزع يزيدُ عمرو بن سعيد بن العاص لهلال ذي الحجة سنة إحدى وستين وولى الوليد بن عتبة ، فأقام الحج بالناس سنة إحدى وستين . وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل السير ، بل لا خلاف بينهم أن وفاة مسلمة بن مخلد الأنصاري والي مصر كان في سنة إحدى وستين .

وهذا كله لا يلائم القول بأن وقعة الطف في سنة إحدى وستين ودخول الصديقة الصغرى إلى مصر كان في سنة إحدى وستين ، بل ولا على القول بأن وقعة الطف كانت في سنة الستين إلا بتكلف بعيد و تعسف شدید. مع أنه خلاف ما عليه المعظم من الفريقين، بل ربما نقطع بعدمه، فألبت الصديقة الناس على خلاف يزيد وتحريصهم عليه وعلى مخالفته ، مع أن الامام علي بن الحسين عليه السلام على ما صرح به المؤرخون - اعتزل الناس بعد رجوعه إلى المدينة ، حتى أن الناس أرادوا البيعة معه فامتنع من


1) تاريخ الطبري 474/5 .

قبول البيعة وكاتب إلى يزيد بن معاوية بالمسالمة وعدم دخوله ومن معه من أهل البيت في النهضة، واعتزل عن ابن حنظلة وابن الزبير، وخرج هو ومن معه إلى ضيعة له بخارج المدينة ، وفي رواية خرج إلى الطائف ، وفي رواية أخرى خرج إلى

ينبع . كل ذلك لعدم مداخلته في النهضة والقيام ضد يزيد .

حتى أن مروان بن الحكم لما أراد الخروج إلى الشام بعث زوجته عائشة بنت عثمان بن عفان وسائر نساء قومه إلى علي بن الحسين عليه السلام لحفظهن من الفتنة والقتل والأسر ، فآواهن الامام السجاد وحفظهن . حتى أن يزيد لما أرسل مسلم بن عقبة إلى المدينة أوصى بمراعاة علي بن الحسين وحفظ شؤونه ومراتبه ، وذكره بمكاتبته بالمسالمة وأنه اعتزل عن النهضة . كل ذلك مذكور في التواريخ.

مع هذا كله كيف يمكن مخالفة الصديقة مع الامام وتألب الناس على يزيد ،والتاريخ يورثنا القطع بعدمه.

هذا ، مع أنهم أسندوا ذلك إلى رواية الزيداني مؤلف كتاب السيدة زينب من القرن الرابع أو الخامس، وأسند الزيداني ما نقله إلى العبيدلي ، وهو شيخ الشرف أبو الحسين يحيى بن الحسن المتوفى سنة 277 في كتاب أخبار الزينبات، ولم يستند العبيدلي إلى رواية أو أصل صحيح أو تاريخ معتبر، ولعل ذلك من مسموعاته أو مجعولات الزبير بن بكار أو موضوعات عبد الله بن الحكم، فربّ شهرة تنتهي إلى واحد .

وبالجملة ، فإثبات أن الصديقة توفيت في مصر ودفنت بالحمراء القصوى بمثل هذه الرواية دونه خَرْط القتاد ، بل هذا لا يورث الوهم بصحته فضلاً عن الظن به .

ومما يوهن ذلك بل يدل على كذبه قوله « وخرجن معها من نساء بني هاشم

فاطمة ابنة الحسين وسكينة أختها». وهذا مما على خلافه جلّ التواريخ من الفريقين فراجع . وذكر في ترجمة الحسن بن الحسن زوج فاطمة بنت الحسين ما يوضح ذلك .

والذي يمكن أن يوجه به كلامهم : أن في جملة من كتبهم كنور الأبصار ومنن الشعراني وغيرهما أن قبر السيدة زينب عند قناطر السباع والحمراء القصوى ولم يعينوا أن زينب هذه هل هي بنت فاطمة أو غيرها ، فحسب جملة منهم أنها هي . وصرح بعضهم أنها بنت علي من غير فاطمة .

وفي تحفة الأحباب أنها زينب بنت يحيى المتوج بن الحسن الأنور بن زيد الأبلج بن حسن السبط بن علي بن أبي طالب ، وقال : إن الزينبيين ينسبون إلى زينب بنت يحيى المتوَّج .

ورأيت في بعض كتبهم وأخبرني أيضاً بعض من سافر إلى مصر أن هناك قبوراً تنتهي إلى ستة كلها تُعرف بقبر السيدة زينب ، وقد كتب على واحدة منها هذا قبر شريفة زينب بنت أحمد بن عبدالله بن جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب».

والذي أعتمد عليه وأظنه ظناً قوياً متآخماً بالعلم بل أعلم علماً قطعياً قديماً وحديثاً - بعد ما تصفحت وتتبعت كتب الأنساب والتواريخ - أن قبرها روحي فداها بحوالي الشام قريباً منه نحو فرسخ ، ولها هناك مزار معروف ومشهد يُزار ، وقد تشرفت بزيارته مكرراً وجاورت قبرها نحو ثلاثة أشهر ورأيت هناك آثاراً عجيبة وكرامات كثيرة .

وقد صرح جمع من المؤرخين المعتمدين أن قبرها هناك ، ونسب ذلك في الدر المنثور إلى الشيعة ، وكيفية دفنها هناك : أن عبد الله بن جعفر سافر في زمن معاوية إلى

الشام ، فأكرمه ورحب به على ما هو مذكور في كتب الفريقين ، وله مع معاوية في تلك السفرة قضايا وحكايات معروفة ، ومما أعطاه معاوية ضيعة وقرية بحوالي الشام، وهي التي قبرها بها معروف إلى اليوم. فلما عاد عبدالله من الشام إلى المدينة كان يأتي إليه خراج تلك الضيعة إلى زمن عبدالملك بن مروان ، فلما خلع أهل المدينة يزيد عن الخلافة وبايع أهل مكة لابن الزبير ووقعت واقعة الحرة ومات يزيد وصار ماصار أصاب أهل الحرمين وخصوصاً بني هاشم ضيق شدید ، خصوصاً عبد الله بن جعفر الذي كان معروفاً بالجود والسخاء، ويُعدّ من الأربعة الأجواد في ذلك العصر، وقضاياه في الجود والعطاء معروفة مشهورة مذكورة في التواريخ، واختل أمر الضيعة أيضاً ولم يصل خراجها إليه ، فخرج إلى الشام في خلافة عبد الملك لإصلاح أمر الضيعة ومعه زوجته زينب الصغرى ونفر من بني هاشم . وعند ما وصلوا إلى القرية أقامت الصديقة بالضيعة ولم تدخل مدينة الشام ، وكان عبد الله يتردّد على مجلس عبدالملك ، فاعتلت الصديقة هناك أياماً فماتت ودفنت بالضيعة . وكان سبب مرضها - على ما فى نسخة موجودة عندنا - أنها كانت تمشي في بعض الأيام في سكك القرية فوقع طرفها إلى جدار كان عليه رأس الحسين عليه السلام على ربح مائلاً على الجدار في سفرتها الأولى ، ورأت هناك أثر الدم من رأسه عليه السلام، فبكت وولولت و اضطربت و اعتلت ومرضت حتى توفيت روحي فداها ودفنت هناك .

قال ابن بطوطة في رحلته : وبقرية قبلي دمشق على فرسخ منها مشهد كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة عليها السلام ، ويقال : إن اسمها زينب وكناها النبي بأم كلثوم تشبيها بخالتها أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعليه مسجد كبير وحوله مساكن وله أوقاف، ويسميه أهل دمشق قبر الست

أم كلثوم. انتهى .

وفي كامل البهائي : روي أن أم كلثوم أخت الحسين عليه السلام توفيت بدمشق.

فصل في أولادها

اختلف المؤرخون في عدد أولادها والبحث فيه خارج عن موضوع الرسالة وقد سبق في ترجمة عون و محمد ابني عبد الله بن جعفر ما يناسب المقام .

اتفق النسابون على أن لها من عبد الله بن جعفر بنت تكنى بأم كلثوم، واختلفوا في اسمها : ففي الناسخ أن اسمها زينب، وفي جملة من الكتب أن اسمها فاطمة . واتفقوا على تزويجها بابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر الطيار، وقصة تزويجها به معروفة في كتب الفريقين باختلاف يسير ، ونذكر ما ذكره أبو العباس المبرد في الكامل ونشير إلى بعض مواقع الاختلاف ، قال في الجزء الثالث من الكامل ص 132 بعد ما ذكر قصة أبي المذكورة في ترجمته عن محمد بن هشام :

قال محمد بن هشام فركب الحسين عليه السلام دَيْن ، فحمل إليه معاوية لعين أبي نيزر مائتي ألف دينار ، فأبى أن يبيع وقال : إنما تصدق أبي ليتقي الله بها وجهه حر النار ولست أبايعها بشي.

قال : تحدث الزبيريون أن معاوية كتب إلى مروان بن الحكم وهو والي المدينة : أما بعد ، فإن أمير المؤمنين أحب أن يردّ الألفة ويسلّ السخيمة ويصل الرحم ، فإذا وصل إليك كتابي هذا فاخطب إلى عبد الله بن جعفر ابنته أم كلثوم على يزید ابن أمير المؤمنين وأرغب له في الصداق.

قال : فوجه مروان إلى عبد الله بن جعفر ، فقرأ عليه كتاب معاوية وأعلمه بما في ردّ الألفة من صلاح ذات البين واجتماع .الدعوة . فقال عبدالله : إن خالها الحسين يُتَّبع ، وليس ممن يصان عليه بأمر ، فأنظر إلى أن يقدم. وكانت أمها زينب بنت علي بن أبي طالب .

فلما قدم الحسين عليه السلام ذكر ذلك له عبد الله بن جعفر ، فقام من عنده فدخل إلى الجارية فقال : يابنية إن ابن عمك القاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب أحق بك ، ولعلك ترغبين في كثرة الصداق وقد نحلتك البغيبغات .

فلما حضر القومُ للإملاك تكلم مروان بن الحكم ، فذكر معاوية وما قصده من صلة الرحم وجمع الكلمة . فتكلم الحسين ، فزوجها من القاسم . انتهى .

وفي البحار (1)عن المناقب (2): عبدالملك بن عمير والحاكم والعباس قالوا : خطب الحسن عليه السلام عائشة بنت عثمان، فقال مروان أزوجها عبد الله بن الزبير، ثم إن معاوية كتب إلى مروان - وهو عامله على الحجاز يأمره أن يخطب أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد . فأبى عبد الله بن جعفر ، فأخبره بذلك ، فقال عبد الله : إن أمرها ليس إليّ، إنما هو إلى سيدنا الحسين وهو خالها . فأخبر الحسين بذلك فقال : أستخير الله تعالى ، اللهم وفق لهذه الجارية رضاك من آل محمد صلى الله عليه وآله .

فلما اجتمع الناس في مسجد رسول الله أقبل مروان حتى جلس إلى الحسين عليه السلام وعنده من الجلة وقال : إن أميرالمؤمنين أمرني بذلك وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ ، مع صلح ما بين هذين الحيين مع قضاء دينه ، واعلم


1) بحار الأنوار 207/44.

2) مناقب آل أبي طالب 44/4 .

أن من يغبطكم بيزيد أكثر ممن يغبط بكم، والعجب كيف يستمهر يزيد وهو كفو من لا كفو له ، وبوجهه يُستسقى الغمام ، فردّ خيراً يا أبا عبد الله .

فقال الحسين عليه السلام: الحمد لله الذي اختارنا لنفسه وارتضانا لدينه واصطفانا على خلقه - إلى آخر كلامه - ثم قال : يا مروان قد قلت فسمعنا ، أما قولك «مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ » فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنةً رسول الله صلى الله عليه وآله في بناته ونسائه وأهل بيته ، وهو اثنتا عشرة أوقية ، يكون أربعمائة وثمانين درهماً . وأما قولك مع قضاء دين أبيها ، فمتى كن نساؤنا يقضين عنا ديوننا . وأما «صلح ما بين هذين الحيين» فإنا قوم عاديناكم في الله ولم نكن نصالحكم للدنيا ، فلعمري فلقد أعيى النسب فكيف السبب . وأما قولك العجب ليزيد كيف يُستمهر » فقد استمهر من هو خير من يزيد ومن أبي يزيد ومن جد يزيد . وأما قولك « إن يزيد كفو من لا كفو له » فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم، ما زادته إمارته في الكفاءة شيئاً. وأما قولك «بوجهه يُستق الغمام» فإنما كان ذلك بوجه رسول الله صلى الله عليه وآله . وأما قولك « من يغبطنا

به أكثر ممن يغبطه بنا » فإنما يغبطنا به أهل الجهل ويغبطه بنا أهل العقل .

ثم قال عليه السلام بعد كلام : فاشهدوا جميعاً أني قد زوجت أم كلثوم بنت عبدالله بن جعفر من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر على أربعمائة وثمانين درهماً ، وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة ، أو قال أرضي بالعقيق ، وإن غلتها في السنة ثمانية آلاف ديناراً ففيها لهما غنى إنشاء الله .

قال : فتغيّر وجه مروان وقال : أغدراً يا بني هاشم ، تأبون إلا العداوة . فذكّره الحسين عليه السلام خطبة الحسن عائشة وفعله ، ثم قال : فأين موضع الغدر يا مروان . فقال مروان :

أردنا صهرَكم لنجدّ وداً***قد أخلقه به حدثُ الزمانِ

فلما جئتكم فجبهتموني***ويُحتم في الضمير من الشنانِ

فأجابه ذكوان مولى بني هاشم :

أماط الله منهم كلَّ رجس***وطهرهم بذلك في المثاني

فما لهم سواهم من نظير***ولا كفو هناك ولا مُداني

أيجعل كل جبار عنيدٍ***إلى الأخيار من أهل الجنانِ

ثم إنه كان تزوج الحسين بعائشة بنت عثمان . انتهى .

وفي رواية الكامل بعد قول مروان « أغدراً يا حسين» فقال : خطب أبو محمد الحسن بن علي عائشة بنت عثمان بن عفان واجتمعنا لذلك فكلمت أنت فزوجتها عبد الله بن الزبير . قال مروان ماكان ذلك . فالتفت الحسين إلى محمد بن حاطب فقال : أنشدك الله أكان ذلك ؟ قال : اللهم نعم . ثم قال المبرد : فلم تزل هذه الضيعة في يدي بني عبد الله بن جعفر من ناحية أم كلثوم يتوارثونها حتى ملك أمير المؤمنين مأمون ، فذكر ذلك له ، فقال : كلا هذا وقف علي بن أبي طالب،فانتزعها من أيديهم وعوّضهم وردّ إلى ما كانت عليه (1). انتهى .

وأنت خبير بأن في رواية المناقب «عن عبد الملك بن عمير» والحاكم والعباس من اجلة علمائهم وزبدة كبرائهم ليس ذكر للبغيبغة ، وإنما نحلها ضيعته بالمدينة أو قال أرضي بالعقيق، والترديد للراوي . والبغيبغة وإن كانت ضيعة بالمدينة بها عين غزيرة كانت لآل الرسول صلى الله عليه وآله لكن لم يتعين أن المراد بضيعته هذه ، إذ على ما في السير له عليه السلام بالمدينة ضياع كثيرة . ويمضي في بعض كتب اللغة والتواريخ أنها كانت لأهل بيت الرسول فقبضها المأمون العباسي .


1) أنظر : مناقب آل أبي طالب 200/3، بحار الأنوار 208/44.

والذي يستهل الخطب في ذلك أن المبرد نسب ذلك إلى رواية الزبيريين ، وهم أصحاب الزبير بن بكار ، وقد عرفت حاله وأن كلما وُجد في الروايات من الطعن علينا وعلى أئمتنا عليهم السلام فإنما هو من الزبير بن بكار وعوانة بن الحكم ، مع أنه يمكن التصحيح بوجوه أغنانا عن ذلك النسبة إلى الزبيريين .

( بیان ) :

«السخيمة » الحقد في القلب .

قوله « منع » كبصر حصن له عيون ونخيل وزرع بطريق حاج مصر .

قوله « وليس ممن يُصان عليه » أي لا يقطع أمر دونه ولا يتصرف في شي إلا بأمره .

قوله « للإملاك» التزويج وعقد النكاح كما هو المتعارف الآن في ألسنة الأعراب.

و «الحله » مسحه ؟ حله اي مسان - قاله الجوهري . والشنئان : العداوة .

قوله « لتجددونا » كذا في بعض النسخ من التجدد . وفي بعضها « ليحدود» بتقديم الواو على الدال ، وهو صحيح أيضاً .

قوله « فجبهتموني » من الجبهة ، أي أخذتم أيديكم إلى جبهتكم ، كناية عن الردّ .

قوله « ويُحتم » من باح أي ظهر ، أي أظهر تم عدواة ضميركم .

قال المؤرخ في الناسخ : فكتب مروان إلى معاوية القصة ، فقال : خطبنا إليهم فلم يفعلوا ، ولو خطبوا إلينا لما رددناهم ، وهذا أحد أسباب عداوة يزيد للحسين عليه السلام .

في ترجمة من خضر یوم الطف و لم یفز بالشهادة فیه و لم یستشهد

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهريرن.

وبعد :

فهذا هو الجزء الرابع من كتابنا في ترجمة من حضر يوم ، بالشهادة فيه ولم يستشهد ، نذكره مرتباً على حروف المعجم :

إبراهيم بن مسلم بن عقيل وأخوه محمد

على رواية الصدوق في الأمالي (1)، قال : لما قتل الحسين بن علي عليه السلام أسر من معسكره غلامان صغيران ، فأتي بهما إلى عبيد الله بن زياد ، فدعا سجاناً - إلى آخر ما سبق ذكره في ترجمتها عند ذكر أصحاب الحسين عليه السلام. فراجع .

حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب

قد مرّ في ترجمة فاطمة بنت الحسين كيفية تزويجها بالحسن هذا ، وقد شهد - وهو المسمى بالحسن المثنى - مع عمه يوم الطف وقاتل قتالاً شديداً، فأصابته ثمانية عشر جراحاً وقاتل دونه حتى وقع ، فلما أرادوا أخذ الرؤوس وجدوا به رمقاً ، فجاء به أسماء بن خارجة بن عتبة بن خضير بن حذيفة بن بدر الفزاري


1) الأمالي للصدوق ص 143 .

وكان يُعدّ من أخواله لأن أمه خولة بنت منظور بن رثان ؟ ! الفزاري وكان أسد يُعد من أشراف العرب، فقال : دعوه لي، فإن وهبه لي الأمير عبيد الله بن زياد وإلا رأى رأيه فيه فتركوه، فحمله إلى الكوفة وحكوا ذلك لابن زياد ، فقال : دعو الأبي حسان ابن أخته . وعالجه أسد حتى برئ ولحق بالمدينة .

وقال المفيد في الإرشاد (1): فأما الحسن بن الحسن بن علي فكان جليلاً رئيساً فاضلاً ورعاً ، وكان يلي صدقات أمير المؤمنين عليه السلام في وقته، وله مع الحجاج خبر رواه الزبير بن بكار . قال : كان قد حضر مع عمه الحسين بن علي عليه السلام الطفّ ، فلما قتل الحسين وأسر الباقون من أهله جاءه به أسماء بن خارجة فانتزعه من بين الأسرى وقال : والله لا يوصل إلى ابن خَوْلة أبداً . فقال عمر بن سعد : دعوا لأبي حسان ابنَ أخته . ويقال : إنه أسر وكان به جراح قد أشفي منها . انتهى . ومثله باختلاف يسير في مقتل ابن طاوس.

وأما قضيته مع الحجاج فقد ذكرها في عمدة الطالب وغيره باختلاف أعرضنا عن ذكرها لأنها من روايات الزبير بن بكار ، وقد عرفت حاله والإعراض عنه أحرى . وقد نسب مثلها إلى زيد بن الحسن بن علي ، ومن أراد الوقوف عليها فليراجع إلى عمدة الطالب.

مات الحسن بالسم ، وقد اختلفوا في من دسّ إليه السم، فقيل سمه وليد بن عبد الملك ، وقيل سليمان بن عبد الملك ، وهو الأصح . وكان عمره عند وفاته ثلاث وخمسون سنة .

وأعقب من فاطمة بنت الحسين من ثلاث : عبدالله المحض ، وإبراهيم الغمر،


1) الإرشاد للمفيد 23/2 .

والحسن المثلث.

وما ذكرناه في أمر الحسن بن الحسن هذا، هو المذكور في الكتب المعتبرة المعتمدة ، إلا أن في الطبري عن هشام عن أبي مخنف قال : واستسصغر الحسن بن الحسن بن على ، وأمه خولة ابنة منظور بن رثان ؟ ! بن سيار الفزاري ، فتُرك ولم يُقتل. وهو بعيد مع اتفاقهم على تزويجه بفاطمة بنت الحسين عليه السلام، وما ذكر وه هو الأصح .

رجل أسر ولم يذكر اسمه

ذكره المبرد في الكامل والطبري وغيره ،واللفظ للمبرد ، قال : وحدثني أبو عثمان المازني ، قال : أسر رجلٌ يوم الحسين بن علي فأتي به إلى يزيد بن معاوية ، فقال له : أليس أبوك القائل:

أرجّل جُمّتي وأجرّ ذيلي*** وتحمل شقتي رفق (1)كُميتُ

همتي(2)في سراة بني غُطَف*** إذا ما سامني ضيم أبَيْتُ

قال : بلى ، فأمر به فقتل .

( بیان ) :

« أرجّل جمتي » أسفطه . والجمة بالضم: مجمع شعر الرأس .

«وأجرّ ذيلي» عن العُجب والخيلاء .

«وفرس رفق» جميل رائع ، للذكر والأنثى . والكميت : الذي في حمرته شدة ولونه الكميتة .


1) في بعض المصادر : أفق .

2) كذا ، وفي بعض المصادر : وأمشي .

«بنو غطف »كزبر : حيٌّ من العرب - قاله في الكامل (1).

ثم قال : ونمى إلي أن معاوية ولى كثير بن شهاب المذحجي خراسان ، فاختان مالاً كثيراً ، ثم هرب فاستتر عند هاني بن عروة المرادي ، فبلغ ذلك معاوية ، فهدر دم هاني ، فخرج هاني فكان في جوار معاوية ، ثم حضر مجلس معاوية وهو لا يعرفه ، فلما نهض الناسُ ثبت مكانه ، فسأله معاوية عن أمره ، قال : أنا هاني بن عروة . فقال : إن هذا اليوم ليس بيوم يقول فيه أبوك « أرجّل جمتي» إلى آخره. فقال له هاني : أنا اليوم أعزّ من ذلك اليوم . فقال : بم ذلك ؟ فقال : بالاسلام . فقال له : أين كثير بن شهاب ؟ قال : عندي في عسكرك . فقال له معاوية : أنظر إلى ما اختانه فخذ منه بعضاً وسوّغه بعضاً . انتهى . يظهر من الكامل أن الذي أسر وقتله يزيد بن معاوية أخو هاني بن عروة أو ابنه .

رجل ذكره الطبري ولم يسمه

قال (2): قال أبو مخنف : حدثني عمرو بن مرة الجملي ، عن أبي صالح الحنفي ، عن غلام لعبدالرحمن بن عبدربه الأنصاري ، قال : كنت مع مولاي - إلى أن قال : ثم إن الحسين ركب دابته ودعا بمصحف فوضعه أمامه ، قال : فاقتتل أصحابه بين يديه قتالاً شديداً، فلما رأيت القوم قد صرعوا أفلتُ وتركتهم وقد مرّ .

زید بن حسن بن علي بن أبي طالب

قالوا: إن زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب كان مع عمه الحسين عليه


1) القاموس المحيط 181/3 وتاج العروس 415/12 وفيها : وبنو غطيف كزبير .

2) تاريخ الطبري 422/5 .

السلام في الطف ولم يُقتل ، وأسر مع من أسر .

قال السيد في اللهوف (1)بعد ما ذكر وقعة الحسن المثنى : إنه أثخن بالجراح وحمله أسماء الخارجة إلى الكوفة - على ما ذكر . قال : وكان معهم أیضاً زید وعمرو ولد الحسن السبط عليه السلام .

وفي عمدة الطالب قال : وتخلف زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عن عمه ، فلم يخرج معه إلى العراق ، وبايع بعد قتل عمه الحسين عبد الله بن الزبير ، ولما قتل عبد الله رجع إلى المدينة - إلى آخر ما قال.

ضحاك بن عبدالله المشرقي

في التنقيح (2): ضحاك بن عبيد الله المشرقي. وفي جملة من النسخ عبدالله . ويحتمل التعدد. وقد مرّ في ترجمة برير الاحتمالات في لفظ «المشرقي» إلا أن المصرح به في القاموس (3)وميزان الإعتدال (4)وتقريب ابن حجر نسبته إلى المشرق بطن من هَمْدان (5). وفي القاموس : ضحاك بن المشرقي تابعي ، والصواب وتقريب ابن حجر نسبته إلى كسر الميم وفتح الراء نسبة إلى «مِشرَق » كمنبر بطن من هَمْدان .

قال في التنقيح : ولم أقف فيه إلا على عدّ الشيخ إياه من أصحاب السجاد عليه السلام ، وظاهره كونه إمامياً مجهول الحال . انتهى (6)


1) اللهوف ص 191.

2) تنقيح المقال 104/2 .

3) القاموس المحيط 249/3 .

4) ميزان الإعتدال 324/2

5) تقريب التهذيب 442/1 .

6) أنظر : رجال الطوسي ص 94 .

ويتضح حاله من قضية نقلها الطبري (1)، قال : قال أبو مخنف : حدثني عبدالله بن عاصم الفائشي بطن من هَمْدان، عن الضحاك بن عبدالله المشرقي، قال: قدمت ومالك بن النضر الأرحبي على الحسين ، فسلمنا عليه ثم جلسنا إليه ، فردّ علينا ورحب بنا وسألنا عما جئنا له ، فقلنا : جئنا لنسلم عليك وندعو الله لك بالعافية وتُحدث بك عهداً ونخبرك خبر الناس ، وإنا نحدثك أنهم قد أجمعوا على حربك فترى رأيك . فقال الحسين عليه السلام : حسبي الله ونعم الوكيل . قال : فتذهنا وسلمنا عليه ودعونا الله له . قال : فما يمنعكما من نصرتي ؟ فقال مالك : علي دين ولي عيال . فقلت له : إن علي ديناً وإن لي لعيالاً ، ولكنك إن جعلتني في حلّ من الإنصراف إذا لم أجد مقاتلاً قاتلت عنك ما كان لك نافعاً وعنك دافعاً . قال : فأنت في حلّ . فأقمت معه . ثم ذكر قضايا في ليلة العاشور ويومه ، وقد سبق ذكرها في محلها .

قال أبو مخنف (2): حدثني عبدالله بن عاصم، عن الضحاك بن عبد الله المشرقي قال : لما رأيتُ أصحاب الحسين قد أصيبوا وقد خُلِص إليه وإلى أهل بيته ولم يبق معه غير سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي وبشير بن عمر و الحضرمي ، قلت له : يابن رسول الله قد علمت ما كان بيني وبينك ، قلت لك : أقاتل عنك ما رأيت مقاتلاً ، فإذا لم أر مقاتلاً فأنا في حلّ من الإنصراف ، فقلت لي نعم قال : فقال : صدقت ، وكيف لك بالنجاء ، إن قدرت على ذلك فأنت في حلّ . قال : فأقبلت إلى فرسي وقد كنت حيث رأيت خيل أصحابنا تُعقر ، أقبلتُ بها حتى أدخلتها


1) تاريخ الطبري 418/5 .

2) تاريخ الطبري 444/5 .

فسطاطاً لأصحابنا بين البيوت، وأقبلت أقاتل معهم راجلاً، فقتلت يومئذ بين يدي الحسين رجلين وقطعت يد آخر، وقال لي الحسين يومئذ مراراً : لاتشلل ولا يقطع الله يدك ، جزاك الله خير الجزاء عن أهل بيت نبيك . فلما أذن لي استخرجت الفرس من الفسطاط ثم استويت على متنها، ثم ضربتها حتى إذا قامت على السنابك رميتُ بها عرض القوم فأفرجوا لي ، وأتبعني منهم خمسة عشر رجلاً حتى انتهيتُ إلى شُفيَّة قرية من قرى شاطئ الفرات ، فلما لحقوني عطفتُ عليهم فعرفني كثير بن عبد الله الشعبي وأيوب بن مِشْرَح الحيواني وقيس بن عبدالله الصائدي ، فقالوا : هذا الضحاك بن عبد الله المشرقي ، هذا ابن عمنا ، نَنْشُدكم الله لما كففتم عنه . فقال ثلاثة نفر من بني تميم كانوا معهم : بلى والله لنجيبن إخواننا وأهل دعوتنا إلى ما أحبوا من الكفّ عن صاحبهم . قال : فلما تابع التميميون أصحابي كفّ الآخرون . قال : فنجاني الله . انتهى .

عقبة بن سمعان

عُقبة بضم العين وسكون القاف وفتح الباء الموحدة . وسمعان بكسر السين المهملة وفتحها وسكون الميم وإهمال العين . كذا ضبط في القمقام ، وقال : إنه كان مع السبايا إلى المدينة.

قال الطبري (1): قال أبو مخنف : وأخذ عمر بن سعد عُقبة بن سمعان، وكان مولى للرباب بنت امرئ القيس الكلبية ، وهي أم سكينة بنت الحسين ، فقال له : ما أنت ؟ قال : أنا عبد مملوك . فخلى سبيله . انتهى . ومثله في الكامل (2)للجزري .


1) تاريخ الطبري 351/5، مع تغيير يسير .

2) الكامل في التاريخ 80/4 .

ويظهر من بعض التواريخ : أنه كان مع السبايا من كربلاء إلى الشام ومن الشام إلى المدينة ، وأخذ منه أخبار من وقائع الطف.

قال في التنقيح (1): كان يتولى خدمة أفراسه عليه السلام وتقديمها له، فلما استشهد الحسين فرّ على فرس فأخذه أهل الكوفة ، فزعم أنه عبد للرباب فأطلق . انتهى . ولم يستند ذلك إلى رواية أو أصل يُعتمد عليه . وقد عده الشيخ في رجاله من أصحاب الحسين عليه السلام (2).

علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام

مذكور مستقلاً مفصلاً (3).

عمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب وعمر بن الحسين بن علي بن أبي طالب

قد اتفق الفريقان على حديث المصارعة ، وأن يزيد طلب المصارعة مع ابنه خالد . وإنما الإختلاف أنه طلب من السجاد علي بن الحسين عليه السلام أو من عمر بن الحسن أو من عمر بن الحسين :

ففي الإحتجاج : لما رجع يزيد إلى منزله بعد وقعة الطف والخطبة في المسجد ، دعا علي بن الحسين عليه السلام وقال له : أتصارع مع ولدي خالد ؟ قال: وما تصنع بمصارعتي إياه أعطني سكيناً وأعطه سكيناً فليقتل أقوانا


1) تنقيح المقال 254/2 .

2) رجال الطوسي ص 78 .

3) يريد به السجاد علیه السلام، وسيذكر بعد هذا الفصل.

أضعفنا . فضمه يزيد إلى صدره وقال : هل تلد الحية إلا الحية (1).

وفيه ما لا يخفى ، ويظهر ضعفه بل بطلانه مما يأتي عن قريب .

وقال السيد في اللهوف (2): ودعا يزيد يوماً بعلي بن الحسين وعمر (3)، وكان عمر صغيراً ، ويقال إن عمره كان إحدى عشرة سنة ، فقال له : أتصارع هذا يعني ابنه خالداً . فقال له عمر : لا ، ولكن أعطني سكيناً وأعطه سكيناً ثم أقاتله . فقال يزيد : شنشنة أعرفها من أخزم ، هل تلد الحية إلا الحية. هكذا في نسخ اللهوف التي عندنا من دون لفظ الحسن أو الحسين ، إلا أن في البحار نقلاً عن اللهوف «عمر بن الحسن».

قال في البحار (4)عند ذكر أولاد الحسن: إن عمر بن الحسن وعبدالله بن الحسن وقاسم بن الحسن من أم ولد ، قتلوا مع عمهم في الطف. ولذا نسب جملة من أهل السير والمقاتل ذلك إلى عمر بن الحسين ، كما عن الفصول المهمة ، قال : وكان عمر بن الحسين صغيراً ، وكان سنه قريباً من خاله .

وفي روضة الصفا : دعا يزيد علي بن الحسين وأخاه عمر بن الحسين، وكان عمره أربع سنين ، وقال له : أتصارع ابني خالداً - إلى آخر ما مرّ .

قال الشبلنجي عند ذكر أولاد الحسين عليه السلام : وزاد بعضهم عمر . و قال ابن قتيبة في كتاب المعارف : ودعا يزيد علي بن الحسين وأخاه عمر . وقال الدينوري في الأخبار الطوال (5): ولم ينج من أصحاب الحسين وولده و ولد


1) الإحتجاج للطبرسي 35/2.

2) اللهوف ص 223 .

3) فى المصدر : عمرو بن الحسن.

4) بحار الأنوار 168/44 .

5) الأخبار الطوال ص 259 ، أنظر : بحار الأنوار 162/45 .

أخيه إلا ابناه علي الأصغر وقد كان راهق وإلا عمر وقد كان بلغ أربع سنين .

وفي روضة الصفا : لم ينج من أولاد الحسين إلا علي بن الحسين وعمر بن الحسين، وكان له من العمر سنتين .

فظهر أن عمر بن الحسن وعمر بن الحسين كانا مع السبايا ، ولم يبلغ عمر بن الحسين مبلغ المصارعة ولم يقارب سني عمر خالد بن يزيد ، فالصحيح أن حديث المصارعة مع عمر بن الحسن، وكان عمره إحدى عشرة سنة .

قال في المناقب (1)في عدد أولاد الحسن بن علي عليه السلام : أولاده ثلاثة عشر ذكراً وابنة واحدة : عبد الله وعمر والقاسم أمهم أم ولد . إلى أن قال : وزيد وعمر من الثقفية - إلى آخر ما قال .

فله عليه السلام ابنان مسميان بعمر الأكبر والأصغر ، قُتل أحدهما مع عمها في الطف وأسر الآخر، وقال له يزيد أتصارع إبني خالداً ؟ فقال : مابي قوة : للصراع، اعطني سكيناً واعطه سكيناً ، فإما أن يقتلني فألحق بجدي رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي علي بن أبي طالب، وإما أقتله فألحقه بجده أبي سفيان وأبيه معاوية . فقال : شنشنة أعرفها من أخزم ، ما تلد الحية إلا الحية . فغضب يزيد وقال : أنظروا هل أخضر أزراره، وأراد بذلك قتله، فنظروا فقالوا له : لم يبلغ الحلم ولم يخضر أزراره ، فصرف عنه .

كذا في التواريخ المعتمدة، ومن هنا اشتبه الأمر على بعض ونسب القول بذلك إلى علي بن الحسين السجاد عليه السلام وأن يزيد أراد قتله . وقد ذكر في ترجمته مفصلاً.


1) مناقب آل أبي طالب 34/4.

ومن العجب أن في البحار نقلاً عن تاريخ الطبري: إن يزيد دعا علي بن الحسين وقال له : أتصارع ابني خالداً - إلى آخر ما مر .

و في تاريخ الطبري المطبوع بالقاهرة قال : فدعاه ذات يوم ودعا عمر بن الحسن بن علي وهو غلام صغير، فقال لعمر بن الحسن : أتقاتل هذا الصبي، يعني خالداً ابنه ؟ قال : لا ولكن أعطني سكيناً وأعطه سكيناً ثم أقاتله - إلى آخر القصة.

ولعل قوله « تقاتل » غلط أو تصحيف أو مجاز.

محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام

لم أرَ من أصحابنا رضوان الله عليهم كالشيخ والسيد والمجلسي وغيرهم من يذكر أن للحسين ولداً يُسمى «محمد» قتل أو أسر إلا في المناقب (1)، قال : أبناؤه عليه السلام علي الأكبر . إلى أن قال : ومحمد وعبدالله الشهيد من أم الرباب - إلى آخر ما قال .

وأما العامة فالمشهور عندهم على ما صرحوا به أن له عليه السلام ولداً مسمى بمحمد ، صرح بذلك محمد بن أبي طلحة في مطالب السؤل والشبلنجي في نور الأبصار وجمال الدين في بغية الطالب وابن صباغ في الفصول المهمة وابن الجوزي وابن الخشاب وغيرهم.

ثم ان بعضهم كابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة في معرفة الأئمة قال : إن محمد بن الحسين قتل مع أبيه في يوم الطف.

وفي القمقام عن يوسف قراوغلى أن محمد بن الحسين قتل مع أبيه يوم الطف . والذي يظهر من كلماتهم ورواياتهم أن محمد بن الحسين أسر مع من أسر وأتوا به مع


1) مناقب آل أبي طالب 285/4 ، وانظر : 122 .

السبايا إلى الكوفة ثم إلى الشام. وممن صرح بذلك ابن قتيبة في المعارف (1)، قال : وذكروا أن أبا معشر قال : حدثني محمد بن الحسين بن علي قال : دخلنا على يزيد ونحن اثناعشر غلاماً - إلى آخر ما هو مذكور في ترجمة علي بن الحسين .

محمد بن علي الباقر عليه السلام

اتفق الفريقان على أن محمد بن علي الباقر عليه السلام كان مع أبيه وجده وأمه في الطف ولم يُقتل وأسر مع من أسر ، وكان ابن خمس سنين أو أربع، على ما صرّح جملة من المحدثين والمؤرخين كإعلام الورى والمصباحتين وشواهد النبوة وتاريخ الغفاري والمناقب وروضة الواعظين والفصول المهمة وغيرهم ، قالوا : إنه عليه السلام ولد في شهر صفر سنة سبع وخمسين .

وعلى قول المشهور المنصور أن وقعة الطف كانت سنة إحدى وستين ، فيكون للباقر عليه السلام من العمر خمس سنين وإلا فأربع . وأما على القول بأنه ولد في سنة تسع كما عن الكفعمي - فيكون عمره سنتين أو ثلاث سنين .

ومن الغريب ما في البحار عن المناقب (2)قال : ذكر صاحب كتاب البدع وصاحب كتاب شرح الأخبار أن عقب الحسين عليه السلام من ابنه على الأكبر وهو الباقي بعد أبيه ، وأن المقتول هو الأصغر منهما، وعليه نعوّل، فإن علي بن الحسين الباقي كان يوم كربلاء من أبناء ثلاثين سنة ، وان ابنه محمد الباقر كان من أبناء خمس عشرة سنة - إلى آخر ما قال .

وفيه ، مع أنه يخالف ما أطبقوا عليه من أن ولادة محمد الباقر كان في سنة سبع


1) لم أجده في المعارف.

2) مناقب آل أبي طالب 309/3، بحار الأنوار 329/45.

وخمسين أو تسع وخمسين كما مر يخالف ما أطبقوا عليه أيضاً أن ولادة علي بن الحسين عليهما السلام كانت في سنة ثمان وثلاثين أو وثلاثين أو ست سبع و وثلاثين. وعلى الكل لا يلائم أنه كان في يوم الطف ابن ثلاثين سنة ، ولا يلائم أن

ابنه عليه السلام كان ابن خمس عشرة سنة

محمد بن عمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب علیه السلام

في ثامن البحار (1)فيما ورد من المطاعن قال : ورووا عن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قال : شهدت أبي محمد بن عمر ومحمد بن عمر بن الحسن - وهو الذي كان مع الحسين بكربلاء وكانت الشيعة تنزله منزلة أبي جعفر عليه السلام ، يعرفون حقه وفضله ، قال : فكلمه في أبي بكر فقال محمد بن عمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب لأبي : أسكت ، فإنك عاجز و الله ، إنهما الشركاء في دم الحسين عليه السلام - انتهى .

موقع بن ثمامة بن ريال الأسدي الصيداوي

قد مرّ في حرف الميم من تراجم الشهداء أن موقع هذا كان منهم ، وأنه بعد ما قاتل ونفد نبله جثا على ركبته وقد أثخن بالجراح وهو يدفع عن نفسه حتى وقع صريعاً استنقذه قومه من بني أسد وأتوا به إلى الكوفة وأخفوه ، فلما قدم ابن سعد وأخبر ابن زياد بخبره أرسل إليه ليقتله، فشفع فيه جماعة من أسد ، فلم يقتله وكبّله بالحديد ونفاه إلى الرازة ، وكان مريضاً من جراحاته حتى مات بعد سنة .

إلا أن الدينوري في الأخبار الطوال قال : ولم يسلم من أصحابه عليه السلام


1) بحار الأنوار 387/30-388 .

إلا رجلان : أحدهما الموقع بن ثمامة الأسدي، بعث به عمر بن سعد إلى ابن زياد فسيره الى الربذة ، فلم يزل بها حتى هلك يزيد وهرب عبيد الله إلى الشام، فانصرف الموقع إلى الكوفة .

وقال الطبري (1): ولم ينج منهم غير عقبة بن سنان ، إلا أن المرقع بن ثمامة الأسدي كان قد نثر نبله وجثا على ركبتيه فقاتل ، فجاءه نفر من قومه فقالوا له : أنت آمن ، أخرج إلينا . فخرج إليهم ، فلما قدم بهم عمر بن سعد على ابن زیاد وأخبره خبره سيره إلى الرازة . ومثله عن الجزري .

ويمكن الجمع بين رواية الطبري والجزري وما هو المعروف والمشهور من موته على رأس سنة من الجراحات الواردة عليه في الطف ، إلا أن في نسخة الطبري المطبوع «المرقع» بالراء بدل الواو ، وكذا في نسخة الدينوري، ولعله سهو أو اشتباه من النساخ والمرقع بالراء بن قمامة بضم القاف هو غير هذا الرجل ، وعده الشيخ من أصحاب السجاد عليه السلام ، ويقال : إنه على الكيسانية .

في نسخة الأخبار الطوال «الربذة » بدل الرازة ، والأصح هو الرازة ، وهي على ما في القاموس قرية من البحرين وفيها ماء ، وكان ينفي زياد وابنه من شاء من الكوفة والبصرة إليها .

وفي روضة الصفا : لم ينج من أصحاب الحسين إلا عُقبة بن سمعان ومرقع بن ثمامة ، فلما أرسل عمر بن سعد المرقع بن ثمامة إلى ابن زياد أطلقه ابن زياد .

النسخة الموجودة عندنا « المرقع » بالراء» و « ثمامة» بالتاء لا بالثاء المثلثة .


1) تاريخ الطبري 454/5 ، وفيه« مرقع بن ثمامة » .

الإمام السجاد عليه السلام في واقعة الطف

اشارة

أصل و فصل

قد وعدناك أن نذكر ما جرى على علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام في عنوان مستقل ، وها نحن نذكر هنا ماليس بتاريخ حياته من يوم ولادته إلى يوم وفاته ، إذ هو خارج عن مقصودنا في هذا الكتاب فاطلبه من المطولات ، بل المقصود هنا ذكر ما جرى عليه عليه السلام في الطف ، وقد جرى ذكر شطر منه في الجزء الأول والثاني والثالث فلا نعيد، بل نذكر ما جرى عليه من المحن والمصائب والبلايا والرزايا بعد شهادة أبيه الامام الحسين عليه السلام ، ويتم المقصود في فصول ومقدمة :

أما المقدمة

فهي أنه سلام الله عليه خرج مع أبيه وعشيرته من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى كربلاء صحيح المزاج بلا مرض ولا علة . وقد حدثني بعض من أثق به من المتبحرين أنه رأى في بعض التواريخ : أن أمر من كان مع الحسين عليه السلام كان بيده وكان ناظراً في حوائجهم وتكفية مهمات أمورهم وأرزاقهم وما يتعلق بمواشيهم وغير ذلك .

وكل ما ورد في الطريق بلفظ علي بن الحسين فهو المراد به ، إلا أن تدل قرينة على أنه على المقتول . وقد مرّ بيان ذلك وإثبات أنه الأكبر بما لا مزيد عليه، فراجع. كان ذلك إلى اليوم السادس من محرم سنة 61 ، وفي هذا اليوم قد ابتلي بالذرب على ما صرح به المحدثون والمؤرخون من الفريقين .

قال الشيخ ابن نما في مثير الأحزان (1): وعلى بن الحسين مريض الذرب. و « الذرب بالذال المعجمة المفتوحة ثم الراء المفتوحة فساد المعدة، صرح به في القاموس . ويُعبر عنه بالإسهال.

وفي رواية : أنه عليه السلام كان مبطوناً ، وفي أخرى كان محموماً . والكل صحيح .


1) مثير الأحزان ص 83.

وفي المناقب (1)عن أحمد بن حنبل قال : كان سبب مرض زين العابدين يوم كربلاء أنه كان ألبس درعاً ففضل عنه ، فأخذ الفضلة بيده ومزقه .

وأما السر في تمريضه لحكمة ومصلحة رآها الله تعالى ، فإن الله قد شاء أن يراه مريضاً كما شاء الله أن يرى أباه قتيلاً ويرى عماته وأخواته سبايا ، فإنه عليه السلام ركن من أركان الشهادة ولا يتم أمرها بدونه وبدون مرضه .

فما يجري في الأذهان من أن السر في تمريضه لدفع الجهاد عنه أو كفّ الأعداء عن قتله ، فإنما هو وجه ظاهري . وبهذا يندفع ما يقال أن مزاجه ومزاج باقي الأئمة عليهم السلام لابد وأن يكون بحكم العقل والشرع في غاية الإعتدال وأخلاطهم في أبدانهم متساوية بلا اختلاف وبلاكسر وإنكسار . ومعه لا يمكن وقوع الحادثة في مزاجهم عليهم السلام والإنحراف فلا يمكن أن يعرضهم مرض طبعي حتى وجع البصر .

ووجه الإندفاع ظاهر ، فكما أن إرادتهم مقهورة ومندكة في إرادة الله تعالى ومشيئته ، فكذلك أبدانهم وأمزجتهم . ولبيان ذلك محل آخر .


1) مناقب آل أبي طالب 155/4 .

الفصل الأول فيما جرى على السجاد بعد قتل أبيه

(إلى يوم دخول دمشق الشام )

قد سبق ذكر ما جرى على علي بن الحسين السجاد عليه السلام من اليوم السادس من المحرم إلى يوم عاشوراء ، فلا نعيد الكلام فيه .

قال السيد (1): وكان مع النساء علي بن الحسين ، وقد نهكته العلة .

وفي البحار (2)عند ذكر قصة فاطمة الصغرى قال : قالت : وعمتي عندي تبكي وهي تقول : قومي نمضي ما نعلم ماجرى على البنات وأخيك العليل. إلى أن قالت : فما رجعنا إلى الخيمة إلا وهي قد نُهبت ما فيها وأخي علي بن الحسين مكبوبٌ على وجهه لا يطيق الجلوس من كثرة الجوع والعطش والأسقام فجعلنا نبكي عليه ويبكي علينا .

في الإرشاد (3): قال حميد بن مسلم : فانتهينا إلى علي بن الحسين ، وهو منبسط على فراش ، وهو شديد المرض ، ومع شمر جماعة من الرجالة ، فقالوا له : ألا تقتل هذا العليل . فقلت : سبحان الله أيقتل الصبيان وإنما هو صبي وإنه لما به ، فلم أزل حتى دفعتهم عنه .


1) اللهوف ص 191.

2) بحار الأنوار 61/45 .

3) الإرشاد للمفيد 113/2 .

قال الطبري (1): قال أبو مخنف : حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال : انتهيت إلى علي بن الحسين بن علي الأصغر وهو منبسط على فراش له وهو مريض ، وإذا شمر بن ذي الجوشن في رجالة معه يقولون : ألا نقتل هذا . قال : فقلت : سبحان الله أيقتل الصبيان، إنما هذا صبي . قال : فما زال ذلك وأني أدفع عنه كل من جاء ، حتى جاء عمر بن سعد فقال : ألا لا يدخلن بيت هؤلاء النسوة أحد ولا يَعرِضنّ لهذا الغلام المريض، ومن أخذ من متاعهم فليردده عليهم . قال : فوالله ما ردّ أحد شيئاً . قال : فقال علي بن الحسين : جزيت من رجل خيراً ، فوالله لقد دفع الله عني بمقالتك شراً .

وفي روضة الشهداء قال : وقد روي أن شمر بن ذي الجوشن بن ذي الجوشن ومعه جماعة توجّه إلى علي بن الحسين، وكان مريضاً متكئاً على فراشه ، وسلّ سيفه ليقتله ، فمنعه حميد بن مسلم وقال : سبحان الله أما تستحي من الله في قتل هذا المريض، لا يقتله. وقال له شمر بن ذي الجوشن : أمر الأمير ابن زياد بقتل جميع أولاد الحسين . وبالغ عمر بن سعد في عمر بن سعد في منعه حتى كفّ عنه .

وعن كشف الغمة (2): وروي أن شمراً ومعه جماعة دخل على علي بن الحسين وقال : أقتلوا هذا . فقال رجل من أصحابه : سبحان الله أتقتل فتى مريضاً حدثاً لم يقاتل . فكفّ عنه .

وفي أخبار الأول للقرماني : وهم شمر بن ذي الجوشن بقتل علي بن الحسين وهو مريض ، فخرجت زينب بنت علي بن أبي طالب وقالت : والله لا يُقتل حتى


1) تاريخ الطبري 454/5.

2) كشف الغمة 302/2 .

أقتل . فكفّ عنه .

وفي مقتل الإسفرايني قال : قال الراوي : ثم أقبلوا على علي بن الحسين وهو ضعيف وأرادوا قتله، فلما رأتهم أم كلثوم أقبلت وهي حاسرة الوجه وطرحت نفسها عليه ونادت واهتكتاه واقلة ،ناصراه يا قوم إن كان ولابد من قتله فاقتلوني قبله . فقال بعضهم لبعض : يا قوم هذا مريض لا يحل قتله.

( تنبيه ) قد يمضي في بعض الكتب ويجري على ألسن الذاكرين أنه عليه السلام كان مغلولاً من يوم أسروا قادوه إلى المصرع ثم إلى الكوفة. بل اشتهر في ألسنتهم أنه كان مغلولاً بالغل الجامعة ، بل اشتهر أن رجليه عليه السلام كانتا مشدودتين تحت إبط الإبل لئلا يسقط إلى الأرض لشدة المرض وعدم قدرته على الركوب من غير شد. ولم أر في كتب الفريقين محدثيهم ومؤرخيهم ذلك ، بل المصرح به خلافه .

وقد صرح الطبري وغيره - على ما سيأتي - أن ابن زياد أمر بغل بمحضر من اجتماعه معه فغلّ في مجلسه .

وأما ما مرّ في رواية الجصاص : وإذا بعلي بن الحسين وأوداجه تشخب دماً . قد عرفت ما فيه . مع أن في بعض نسخ رواية الجصاص « وفخذه يشخب دماً» كما في رواية الإسفرايني وغيره : أن أفخاذهم تشخب دماً .

وأما الشدّ فليس في الكتب المعتبرة منه رواية، وإنما أحدثه المتأخرون حدساً وتخرصاً .

وليس في روايات ورودهن على القتلى ما يوهم أنه عليه السلام كان مغلولاً ومركوباً ومشدوداً كما في رواية الزبدة وغيرها ، بل يظهر من الروايات أن حاله عليه السلام كحال سائر النساء حين ورودهن على المصرع ، فما في بعض كتب

المعاصرين : إنه لما مروا على القتلى وهم على ظهر الناقة فأرادت زينب أن تنزل صاح علي بن الحسين وقال : يا عمتاه ودعي أخاك على ظهر الناقة ، فإذا نزلت فمن يركبك وأنا على ظهر الناقة. فمن المجعولات، يشهد بكذبه وجعله جلّ روايات الفريقين .

وأما الغل والجامعة فالذي يظهر من كتب الفريقين والمتأخرين بل صرح جملة منهم أن الجامعة قسم من الغل، والمصرح به في اللغة أن الجامعة هي الغل والغل هو الجامعة. قال في الصحاح (1): الجامعة الغل وجوامع الأغلال. وفي القاموس (2): جامعة ككاملة ، الغل يجمع اليدين إلى العنق . وفي المجمع (3): الجامعة الغل ، والغل هو الحديدة التي تجمع اليدين إلى الأعناق.

وبالجملة ، فالمصرح به في كتب الفريقين أنه عليه السلام كان مغلولاً من مجلس ابن زياد إلى مجلس يزيد ، وتدل عليه الروايات وحكاية المبرد في مجلس التي تأتي قريباً .

قال الشيخ والسيد وابن نما وغيرهم وألفاظهم متقاربة : وحُمل نساؤه عليه السلام على أحلاس أقتاب بغير وطاء مكشفات الوجوه بين الأعداء، وهن ودائع خير الأنبياء، وساقوهن كما يُساق الترك والروم في أشد المصائب والهموم ، وكان مع النساء علي بن الحسين وقد نهكته العلة ، فلما قاربوا الكوفة اجتمع أهلها للنظر إليهن ، فجعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون ، فقال علي بن الحسين


1) الصحاح 1199/3.

2) القاموس المحيط 14/3 .

3) مجمع البحرين 396/1.

عليه السلام : أتنوحون وتبكون من أجلنا، فمن قتلنا ؟!. وفي اللهوف : فمن ذا الذي قتلنا . وفي بعض الروايات باختلاف يسير والتقديم والتأخير ، ولا يهمنا ذلك بعد الوضوح.

وفي البحار (1) وغيره عن مسلم الجصاص : أنه عليه السلام أنشأ - وفي بعض النسخ أنشد ، وفي بعضها يبكي ويقول :

يا أمة السوء لا سَفياً لربعكم***يا أمة لم تراعى جدنا فينا

إلى آخر الأبيات، ولم أتحقق نسبتها إليه عليه السلام . وقد عرفت ما في رواية الجصاص وإن نسب ذلك في مقتل أبي مخنف الموجود إلى بشير بن جذلم . ولا يخفى ما فيه أيضاً ، لعدم الظن بأنها منه عليه السلام ، وقد تركها جملة من المتأخرين مع ذكرهم لرواية الجصاص . فتدبر .

وفي بعض المقاتل نسبة الأبيات إلى أم كلثوم في طريق الشام في منزل عشرين أو غيره باختلاف يسير في الألفاظ والقوافي.

وفي أمالي الصدوق (1)ومجالس الشيخ والمفيد عن محمد بن عمران ، عن أحمد بن محمد الجوهري ، عن محمد بن مهران ، عن موسى بن عبدالرحمن ، عن عمر بن عبد الواحد، عن إسماعيل بن راشد عن حذلم بن بشير قال : قدمت الكوفة في المحرم سنة إحدى وستين عند منصرف علي بن الحسين بالنساء من كربلاء ومعهم الأجناد يحيطون [محيطون ] بهم وقد خرج الناس للنظر إليهم ، فلما أقبل بهم على جمال بغير وطاء وجعل نساء الكوفة يبكين


1) الأمالي للمفيد ص 321، الأمالي للطوسي ص 91 ، لم نعثر عليها في الأمالي للصدوق .

ويندبن ، فسمعتُ علي بن الحسين وهو يقول بصوت ضئيل وقد نهكته العلة وفي عنقه الجامعة ويده مغلولة إلى عنقه : إن هؤلاء يبكين فمن قتلنا . إلى أن قال : وأومأت زينب بنت علي عليه السلام إلى الناس : أن اسكتوا فسكتوا . فذكر الخطبة المتقدمة مع شرحها .

ومثله باختلاف يسير في الاحتجاج (1)، إلا أن في روايته بعد ذكر الخطبة قال : قال علي بن الحسين : يا عمة أسكتي ، ففي الباقي عن الماضي اعتبار ، فأنت بحمد الله عالمة غير معلّمة وفهمة غير مفهمة، إن البكاء والحنين لا يردان ما أباده

الدهر . فسكتت .

وفي رواية الاحتجاج بعد قوله « فسكتت» ثم نزل عليه السلام وضرب فسطاطه وأنزل نساءه ودخل الفسطاط . وفيه : قال جرهم بن بشير : خرج زين العابدين من الفسطاط وأومأت زينب إلى الناس أن اسكتوا فسكتوا . ثم ذكر الخطبة.

ينبغي قبل ذكر الخطبة التنبيه على أمور :

( الأول ) قد مرّ الاختلاف في كلمة «حذلم» وسيرته ونشأته باختلاف النسخ ، وأنه هل هو واحد ، وما هو الصحيح في ذلك فراجع.

( الثاني ) أن الرواية صريحة في أنه عليه السلام كان مغلولاً حين الدخول إلى الكوفة . وهذا ينا في ما قدمناه من التصريح بأن ابن زياد أمر أن يغل قبل الدخول إلى مجلسه . ويحتمل أنه كان مغلولاً فأمر بغل آخر فغل عليه السلام بغلين .

( الثالث ) ما في هذا الجزء من نزوله عليه السلام وضرب الفسطاط وإنزاله نساءه ودخوله في الفسطاط ثم خروجه للخطبة. وهذا منحصر برواية


1) الاحتجاج 29/2 .

الاحتجاج، مع ذكر جمل من المحدثين والمؤرخين كالشيخ والصدوق وابن نما واللهوف والاسفرايني الخطبة بعين ما في الاحتجاج ولم يذكروا ذلك مع استنادهم إلى حذلم بن شريك على ما هو الأصح من أنه بكسر المهملة وسكون الذال المعجمة وفتح التحتانية . وقد مرّ . وكل من ذكر الخطبة ذكرها عنه وإن اختلف الرواة . قال في مثير الأحزان روى إسحاق السبعي عن جذلم الأسدي وفي مقتل الإسفرايني : قال بشير الأسدي .

حتى ألجأ بعض الأجلة كالمحقق المدقق العلامة القزويني ملا محمد حسن الشعبان كردي في كتابه رياض الأحزان - وهو من أجل كتب المقاتل وفيه تحقيقات لا توجد في غيره وتبعه جلّ من تأخر عنه - بأن خطبة السجاد هذه كانت بعد مجيئه من الشام ووروده إلى الكوفة . وكان ابن زياد يومئذ بالبصرة أو في الشام، وكان علي بن الحسين لا يخاف سطوة ابن زياد ، وذكر في ذلك وجوهاً لا يهمنا ذكرها .

ولا يخفى خلطه من وجوه :

( الأول ) إن راوي هذه الخطبة وخطبة زينب المتقدمة هو جذلم بن شريك على ما مرّ ، ولا شك أن خطبة زينب كانت في الكوفة حين مجئ السبايا من كربلاء .

(الثاني) أنه لم يُذكر في رواية ولا في تاريخ أنه عليه السلام بعد عودته من الشام في يوم الأربعين على ما هو الأصح أو بعد الأربعين - أنه دخل الكوفة ومرّ بها مع النسوة ، وإنما ورد كربلاء وسار إلى المدينة من خارج الكوفة .

(الثالث) إن صدر الرواية صريح - كما في الأمالي والمجالس وغيرهما - أنه عليه السلام كان مغلولاً وكان مريضاً وأحاط به الجند والعسكر وهم على الجمال بغير وطاء ، وقد صرح بأنه دخل الكوفة سنة إحدى وستين .

إلى غير ذلك بحيث لا يُحتمل بأدنى تأمل أن ذلك كان عند الورود الثاني بعد مجيئهم من الشام إلى غير ذلك مما يوهن هذا الإحتمال ، بل مما يقطع بعدمه . الجواد قد يكبو والصارم .قد ينبو .

واحتمال أن تكون هذه الزيادة من صاحب الاحتجاج بعيد جداً ، فإنه قدس سره أجلّ من ذلك .

ويمكن أن يقرأ «ضرب» و«أنزل» بالبناء للمجهول، وأن ذلك كان يوم ورودهن إلى الكوفة سبايا بعد طوافهن في السكك والأسواق وهيئ لهن الفسطاط وضرب وأنزلن قبيل العصر من ذلك اليوم ، فخرج عليه السلام من الفسطاط وخطب الخطبة قائماً ، كما هو المصرح به في جملة من المقاتل بالحبس بعد ذلك . ولعل ذلك كان علة لحبسهن أشد الحبس . ولعل هذا هو الظاهر من مجموع التواريخ والمقاتل .

والذي يستهل الخطب أن الخبر مختلف المتن كراويه الذي هو مختلف الاسم ، وجلّ رواته بل كلهم مجاهيل، ولعل بعضهم من رواة العامة. كما أن جذلم بن شريك من المجاهيل وإن قيل أنه من أصحاب السجاد عليه السلام إلا أنه مجهول .

نعم، الخطبة ذكرها جلّ المحدثين والمؤرخين من العامة والخاصة، ونحن نذكرها على ما في اللهوف ونشير إلى مواضع الإختلاف :

قال السيد (1): ثم إن زين العابدين عليه السلام أوماً إلى الناس أن اسكتوا، فسكتوا ، فقام قائماً ، فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي صلى الله عليه وآله بما هو أهله ، ثم صلى عليه ثم قال :


1) اللهوف ص 199 .

( أيها الناس ، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي ، أنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل وترات ، أنا ابن من انتهكت حرمته وسلبت نعمته ) وفي نسخة « من انتهك حريمه وسلب نعيمه وانتهب ماله وسبي عياله» . ( أنا ابن من قتل صبراً وكفى بذلك فخراً).

( أيها الناس ، ناشدتكم الله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه وخذلتموه ، فتباً لكم لما قدمتم لأنفسكم وسوءة لرأيكم بأية عين تنظرون إلى رسول الله إذ يقول لكم : قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي فلستم من أمتي ).

قال الراوي : فارتفعت الأصوات من كل ناحية، ويقول بعضهم لبعض : هلكتم وما تعلمون .

فقال عليه السلام : ( رحم الله امرءاً قبل نصيحتي وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله وأهل بيته ، فإن لنا في رسول الله صلى الله عليه وآله أسوة حسنة ) .

فقالوا بأجمعهم : نحن كلنا يابن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك : غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك ، فمرنا بأمرك يرحمك الله ، فإنا حرب لحربك وسلم لسلمك ، لنأخذن يزيد ونتبرأ فمن ظلمك وظلمنا ) وفي نسخة «لنأخذن

ترتك ممن ظلمك وظلمنا ».

فقال عليه السلام : هيهات هيهات أيها الغدرة المكرة، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى أبي من قبل ، كلا ورب الراقصات ، فإن الجرح لما يندمل ، قتل أبي صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه ، فلم يُنسني شكل رسول الله وشكل أبي وبني أبي ، ووجده بين لهواتي ومرارته

بين حناجري وحلقي وغصصه تجري في فراشي صدرى ومسألتي أن لا تكونوا لا لنا ولا علينا ).

ثم قال :

لا غَرُو إِن قُتل الحسين وشيخه***قد كان خيراً من حسين وأكرما

فلا تفرحوا يا أهل كوفان بالذي***أصيب حسين كان ذلك أعظما

قتيل بشط النهر روحي فداؤه***جزاء الذي أرداه نار جهنما

ثم قال :

رضينا منكمُ رأساً برأس***فلا يوم لنا ولا يوم علينا

وفي الاحتجاج (1)مثله باختلاف يسير ، وفي مثير الأحزان (2)مثله .

بيان ما لعله يحتاج إلى البيان:

« الذَّحْل » بالذال المعجمة المفتوحة ثم الحاء المهملة الساكنة : الثار.

و «التراث » ما يخلفه الميت لمورثه ، أصله الوراث أبدل الواو تاعا . قوله « أنا ابن من قتل صبراً» في المجمع (3): الأصل في الصبر الحبس ، ومنه الخبر «لم يقتل الرسول رجلاً صبراً قط » ، ومنه أيضاً في رجل أمسك رجلاً فقتله آخر ، قال « أقتلوا القاتل واصبروا الصابر» أي أحبسوا الذي حبس حتى يموت. وفيه «نهى عن قتل شي من الدواب صبراً وهو أن يمسك بشي من ذوات الأرواح حياً ثم يرمى بشي حتى يموت. انتهى. وفي القاموس : صبره


1) الاحتجاج 32/2.

2) مثير الاحزان 69 - 70 .

3) مجمع البحرين 579/2 .

يصبره من باب ضرب : حبسه ، وصبّر الانسان وغيره : قتله بعد ما قيّد بقيد وألقى إليه ما يقتله من آلات القتل كالسيف والسنان والحجر وغيره حتى قتل، و « قد قتله صبراً » قتله في المكان الذي كان فيه .

وقد سبق ما عن نوادر (1)علي بن أسباط عن بعض عن أبي جعفر عليه السلام في حديث « وقد قتلوه قتلةٌ نهى رسولُ الله أن يُقتل به الدواب [ الكلاب ] ، لقد قتل بالسيف والسنان وبالحجارة وبالخشب وبالعصا». فصبراً إما صفة لمفعول محذوف، أي قتل قتلاً صبراً ، كقولك ضربته شديداً» أي ضرباً شديداً. أو حال لضمير قتل ، أي المقتول حالكونه محبوساً وصابراً .

قوله « وكفى بذلك فخراً» أي بالقتل الصبري أو به وبالمحامل المتقدمة. والظاهر هو الأول ، يعني إن القتل الصبري في ذات الله تعالى وحفظ التوحيد وإعلاء كلمة الشهادة وترويج الدين وتشييد مباني أحكام سيد المرسلين كفانا فخراً، ونفتخر بما أصابنا في جنب الله حيث شاء الله وأراد ، وكفى بذلك فخراً له ولنا .

قوله « والراقصات» أي الجمال والنُّوق التي يركب عليهن الحاج ويمشون إلى منى ، فكأنهن من شدة وجدهن وفرحهن راقصات ، يرقصن في المشي . هذا على ما في بعض النسخ «الراقصات إلى منى»، وأما على ما في جملة من النسخ المصححة « والراقصات» بدون إلى منى » ، فيُحتمل ما ذكرنا ويُحتمل أن يُراد الطيور الصافات في الجو.

قوله « لهاتي» اللهاة : اللحمة في أقصى الفم. وفي بعض النسخ « لهازمي» ، وهو جمع لهزمة : عظم ناتي في اللحى تحت الأذن، وهما لهزمتان.


1) بحار الأنوار 91/45 ، نقلاً عن النوادر .

قوله « في فراس صدري» الفراس بالكسر : موقع اللسان في قعر الفم. في القاموس (1): الفراس [الفراش ] بالفتح : عرقان أخضران تحت اللسان . وفيه : الفراش وفراشة وسحاب وسحابة : كل عظم رقيق .

قوله « لا غرو » أي لا عجب.


ثم إن من المتفق عليه احتجاج علي بن الحسين عليه السلام مع ابن زياد في مجلسه، ومخاصمته إياه، وذلك - على ما في بعض المقاتل - مكالمة ابن زياد مع العقيلة ومحاجتها ومخاصمتها إياه .

قال الإسفرايني : فبكت زينب سلام الله عليها ، فقام زين العابدين عليه السلام ونظر إلى ابن زياد وقال له : إلى كم تهتك عمتي بين العرب. وفي المنتخب : بين من يعرفها ومن لا يعرفها . فقال ابن زياد : من هذا الغلام ؟ فقالوا : هذا علي بن الحسين - إلى آخر ما سيأتي .

وفي اللهوف بعد ذكر ما جرى بين ابن زياد وبين العقيلة : ثم التفت ابن زياد إلى علي بن الحسين. ومثله في مثير الأحزان وغيره.

ونحن نذكر ما رواه الطبري عن أبي مخنف ونشير إلى مواقع الإختلاف :

قال الطبري (2): قال أبو مخنف : وأما سليمان بن أبي راشد فحدثني عن حميد بن مسلم قال : إني لقائم عند ابن زياد حين عُرض عليه علي بن الحسين ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : أنا علي بن الحسين . قال : أو لم يقتل الله علي بن الحسين ؟ فسكت ،


1) القاموس المحيط 282/2 .

2) تاريخ الطبري 457/5 .

فقال له ابن زياد : مالك لا تتكلم ؟ قال : قد كان لي أخ يقال له أيضاً علي فقتله الناس . كذا في جملة من النسخ . وفي مقاتل الطالبيين : هو أكبر مني . وفي عمدة . الطالب قال : كان لي أخ أصغر مني . والأصح هو ما في الطبري .

قال عليه السلام : فقتله الناس . قال : إن الله قد قتله. فسكت علي ، فقال له :

مالك لا تتكلم؟ قال : (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِيْنَ مَوْتِهَا) (1)، (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تموْتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) (2). وفي اللهوف وغيره بزيادة (وَالَّتِي لَمْ تَمتْ في مَنَامِهَا) وإسقاط (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُموْتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) .

وقال ابن زياد : أنت والله منهم . وفي اللهوف وغيره (3): فغضب ابن زياد فقال له : ولك جرأة على جوابي . وفي بعض النسخ : ولك جرأة على جوابي ، وبك بقية للردّ عليّ ، إذهبوا به فاضربوا عنقه .

قال الطبري: قال أبو مخنف : قال ابن زياد : ويحك ، أنظروا اهل أدرك ، والله إني لأحسبه رجلاً . قال : فكشف عنه مُري بن معاذ الأحمري ، فقال : نعم قد أدرك ، فقال : أقتله . فقال علي بن الحسين : من توكل بهؤلاء النسوة ؟ وتعلقت به عمته زينب فقالت : یابن زياد حسبك منا ما رَوِيْتَ من دمائنا وهل أبقيت منا أحداً . قال : فاعتنقته فقالت : أسألك بالله إن كنت مؤمناً إن قتلته لما قتلتني معه قال : وناداه علي فقال : يابن زياد إن كانت بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلاً تقياً يصحبهن بصحبة الاسلام.

قال : فنظر إليها ساعة، ثم نظر إلى القوم فقال : عجباً للرحم ، والله إني لأظنها


1) سورة الزمر : 42 .

2) سورة آل عمران : 145 .

3) اللهوف ص 95 ، أنظر : بحار الأنوار 117/45.

ودّت لو أني قتلته أني قتلتها معه ، دعوا الغلام ، إنطلق مع نسائك .

وفي اللهوف (1)وغيره بعد قول ابن زياد إذهبوا به فاضربوا عنقه» قال : فسمعت به عمته زينب فقالت : يابن زياد إنك لم تبق منا أحداً ، فإن كنت عزمت على قتله فاقتلني معه . فقال علي لعمته : أسكتي يا عمة حتى أكلمه ثم أقبل عليه . السلام إليه فقال له : أبالقتل تهددني يابن زياد، أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة.

وفي الإرشاد (2): فتعلقت به زینب عمته وقالت : يابن زياد حسبك من دمائنا ، واعتنقته وقالت : والله لا أفارقه، فإن قتلته فاقتلني معه . فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعةً ثم قال : عجباً للرحم والله إني لأظنها ودّت أني أقتلها . دعوه فإني أراه لما به مشغول . ومثله في مثير الأحزان .

أزاره

معه ،

قال الطبري (3): قال أبو مخنف عن المجالد بن سعيد : إن عبيد الله بن زياد لما نظر إلى علي بن الحسين قال لشرطي : أنظر هل أدرك هذا ما يدرك الرجال . فكشط ازازه عنه فقال : نعم . قال : إنطلقوا به فاضربوا عنقه . فقال له علي : إن كان بينك وبين هؤلاء النسوة قرابة فابعث معهن رجلاً يحافظ عليهن . فقال له ابن زياد تعال أنت ، فبعثه معهن .

وفي رواية الطبري (4)عن عمار الدهني عن أبي جعفر عليه السلام قال : فحدثني زكريا بن يحيى الضرير ، قال : حدثنا أحمد بن جناب المصيصي ، قال :


1) اللهوف ص 202 .

2) الإرشاد للمفيد 116/2.

3) تاريخ الطبري 457/5.

4) تاريخ الطبري 389/5.

حدثنا خالد بن يزيد بن عبد الله القشيري ، قال : حدثنا عمار الدهني ، قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : حدثني عن مقتل الحسين حتى كأني حضرته . إلى أن قال عليه السلام : ولم يكن بق من أهل بيت الحسين بن على إلا غلام كان مريضاً ، فأمر به عبيد الله ليقتل ، فطرحت زينب نفسها عليه وقالت : والله لا يُقتل حتى تقتلوني . فرق لها فتركه وكفّ عنه .

وفي روضة الصفا وجملة من التواريخ مثل ما ذكر باختلاف يسير .

(بیان) :

قضية الكشف والكشط وقعت في مجلس يزيد أيضاً كما سيأتي . ورأيتُ في بعض كتب العامة كتذكرة السبط أنهم عدوا من مطاعن ابن زياد ويزيد قضية الكشف والكشط ، قالوا : إنهم فعلوا بعلي بن الحسين ما يفعلونه بأسارى الكفار حيث يجرون بهم ويكشفون عنهم ليعلموا هل أدركوا وبلغوا ليقتل أم لم يبلغوا فيترك ، كما فعلوا بعلي بن الحسين وأرادوا قتله . وليس في كتب أصحابنا من ذلك شي ، وإنما ذكره بعض المتأخرين تبعاً للعامة .

ثم إنه قد يُتوهم من كلام ابن زیاد « بل قتله الله » بعد قوله عليه السلام «قتله الناس»: أن ابن زياد من الأشاعرة الجبرية حيث نسب القتل إلى الله تعالى ونفى من نسبته إلى الناس .

وهذا توهم شعري ، بل هو عامي بحت لا يعرف من العلم شيئاً ولا ورث من المعرفة حرفاً ولا يعرف الخير من الشر ، وإنما قال ما قال بمقتضى سياسته ، وأراد بذلك أنه القاتل والآمر بالقتل . وهذا من البلاغة وسَوْق الكلام بمقتضى الحال، حيث أن الكناية أبلغ من التصريح . فلذلك غضب اللعين وأمر بقتله وقال : ألك جرأة على جوابي .

وأما استدلاله عليه السلام بالآيتين فتقريبه : إن الموت الذي هو إزهاق الروح إنما كان باذن الله تعالى وعلمه ومشيئته ، وهو الآخذ والمتوفي حين الموت، وأما المقدمات فبيد الناس واختيارهم . والقتل أيضاً من مقدمات الموت وأسبابه ، كما أن الأمر أيضاً من المقدمات والأسباب ، فتصح نسبة القتل والمقدمات إلى المتأثر والآمر ، خصوصاً إذا كان الأمر أقوى ونسبة نفس الموت إلى الله تعالى . ولتحقيق الكلام مقام آخر .

وقال الشيخ ابن نما وغيره : ثم إن عبيد الله بن زياد أمر بنساء الحسين وصبيانه فجُهزوا ، وأمر بعلي بن الحسين فعل فى عنقه وسرح بهم إلى يزيد بن معاوية .

وقد مرّ في ترجمة زينب الكبرى سلام الله عليها كيفية مسير هن من الكوفة إلى الشام وشرح المنازل التي مروا بها . وقد ذكروا أموراً تركناها لعدم الاعتماد بناقلها .

والصحيح ما ذكره السيد في الإقبال (1)، قال قدس سره : لقد رأيتُ في كتاب المصابيح باسناده إلى جعفر بن محمد قال : قال لي أبي محمد بن علي : سألت أبي علي بن الحسين عن حمل يزيد ،له فقال : حملني على بعير يظلع بغير وطاء، ورأس الحسين على علم ونسوتنا خلف على بغال ، فأكف والفارطة خلفنا وحولنا بالرماح ، إن دمعت من أحدنا عين قرعت رأسه بالريح ، حتى إذا دخلنا دمشق صاح صائح : يا أهل الشام ، هؤلاء سبايا أهل البيت الملعون .

(بیان) :

سؤال أبي جعفر أباه عليهما السلام مع كونه معهم كان لصغر سنه وعدم التفاته بالخصوصيات بظاهر سنه ، لأنه كان على ماسبق ابن أربع أو خمس سنين . نعم


1) اقبال الاعمال 89/3 .

على القول بكونه كان ابن خمس عشرة سنة بعيد جداً ، وهذه الرواية ترده .

قوله « يظلع» بالظاء المعجمة . في القاموس (1): ظلع البعير من باب منع : يميل في مشيته .

قوله «على بغال» جمع بغل ، أبوه حمار وأمه فرس، وكل حيوان أبوه من جنس وأمه من جنس آخر .

الذي يظهر من التواريخ وتصرح به الروايات : أن السبايا يوم خروجهن من الكوفة أركبوهن على البعير ، وكذا في جملة من المنازل . بل صرح بعض بأن المطايا والأباعر والجمال التي أركبوهن عليها كانت من ثقل الحسين عليه السلام ورحله وراحلته ، ومن أمواله التي أركبهن عليها من مكة إلى كربلاء، ولم تكن منهوبةً أو نُهبت ورُدَّت ، وأما يوم ورودهن إلى الشام أو بعض المنازل القريبة منها فأركبوهن على البغال . إلا علي بن الحسين عليه السلام، فإنه قد حمل من الكوفة إلى الشام على بعير يظلع.

قوله « فأكفّ» بالفاء ثم الالف . كذا في نسخ الإقبال وجملة من النسخ ولم ، يذكر فيها بأيدينا من كتب اللغة معنى لهذه الكلمة يناسب المقام ، بل لم يذكر في القاموس مادة «فكف» أصلاً . والمظنون بل المتيقن أنه تصحيف «اكف» أو «واكف»، أو أنه غلط من النساخ والصحيح «آكف» أو «واكف». قال في المنجد : اكف وآكف إيكافاً الحمار أي شدّ عليه البرذعة. والبرذعة بالدال المهملة وبالذال المعجمة - كلاهما صحيحان - كساء يُلقى على ظهر الدابة . في القاموس (2):


1) القاموس المحيط 60/3 .

2) القاموس المحيط 118/3 .

إكاف ككتاب وأكاف كغراب ووكاف بقلب الهمزة واواً : جُلّ الحمار ، يقال بالفارسية « پالان». وفيه أيضاً في مادة « وكف» : وَكَفَهُ يُوكِفُه من باب التفعيل وواكفه إيكافاً من باب الإفعال بقلب الواو ألفاً : وقع عليه الجلّ والبردعة . وفي المنجد الوكاف بكسر الواو والوكاف بالضم والأكاف : البردعة. فالوكاف والاكاف بمعنى واحد قد تقلب الواو ألفاً وبالعكس. وأيهما الأصل ويؤيد ما ذكرنا أن الصحيح « آكف» أو « واكف » ، وما في بعض النسخ «على بغال مؤكفة » بالهمزة أو بالواو.

قال المحقق المجلسي في البحار (1)بعد ذكر الحديث : بيان ، قوله فأكف أي أميل وأشرف على السقوط ، والأظهر « واكفة » أي كانت البغال بإكاف ، أي برذعة من غير سرج . انتهى .

وقرأ قدس سره «فأكف» بفاء التفريع ، واكف المتكلم من كفّ أي مال. وبالتأمل فيما ذكرناه وذكره قدس سره يظهر أن فيما قاله مواقع للنظر . فتدبر .

قوله « الفارطة » الفارط : الظالم المتجاوز المشرف ، والرجل الغليظ الشديد .

قوله « من أحدنا » كذا في جملة من النسخ ، وفي بعضها من أحد». ولعله الأظهر ، لما يظهر من بعض التواريخ أنه لم يُر في الشام باك ولا باكية ، وأنهم مُنعوا من البكاء خوفاً من يزيد .


1) بحار الأنوار 154/45 .

الفصل الثاني في كيفية الدخول في الشام

( وما أصابه فيه إلى يوم الخروج منه )

قال الطبري (1): ثم إن عبيد الله أمر بنساء الحسين وصبيانه فجُهّزن ، وأمر بعلي بن الحسين فغل بغل إلى عنقه، ثم سرح بهم مع محفّز بن ثعلبة العائدي - عائدة قريش - ومع شمر بن ذي الجوشن ، فانطلقا بهم حتى قدموا على يزيد ، فلم يكن علي بن الحسين يكلم أحداً منها في الطريق كلمة حتى بلغوا، فلما انتهوا إلى باب يزيد رفع محفز بن ثعلبة صوته . انتهى .

ومثله في البحار إلا أنه قال : ولم يكن علي بن الحسين يكلم أحداً من القوم في الطريق كلمة واحدة حتى بلغوا باب يزيد .

وقد نسبوا إليه عليه السلام أموراً وأبياتاً تركناها لعدم صحة الإستناد إليها . قال في البحار (2): وفي بعض الكتب : إنهم لما قربوا بعلبك كتبوا إلى صاحبها ، فأمر بالرايات فنُشرت وخرج الصبيان يتلقونهم على ستة أميال، فقالت أم كلثوم : أبى الله كثر تكم وسلّط عليكم من يقتلكم. وبكى علي بن الحسين عليه السلام وقال :


1) تاريخ الطبري 460/5 .

2) بحار الأنوار 127/45 .

هو الزمانُ فلا تَفْنى عجائبه***من الكرام وما تُهدى مصائبه

ولیت شعري إلى كم ذا يحاربنابصرفه وإلى كم ذا نحاربه (1)

يسرى بنا فوق أقطاب بلا وطأ***وسائق العيس يحمى عنه غاربُه

كأننا من أسارى الروم بينهم***وكلما قاله المختار كاذبه (2)

كفرتم برسول الله ويحكمُ***فكنتم مثل من ضلّت مذاهبه

ونسب الاسفرايني هذه الأبيات إليه عليه السلام وقال : إنه كان في منزل فيه دير الراهب ، فسمع الراهب أن زين العابدين يبكي ويقول الأبيات.

وفي بعض المقاتل : إنه قاله في منزل بعد سرر. ولم أتحقق نسبة الأبيات إليه عليه السلام .

ومثله في ضعف الاستناد ما نسب إليه في المنتخب وأبي محنف الموجود: إنه عليه السلام أنشأ أو أنشد وقال يوم وروده إلى الشام :

أقادُ ذليلاً في دمشقَ كأنني***من الزنج عبد غاب عنه نصيرُ

وجدي رسول الله في كلِّ مشهدٍ***وشيخي أمير المؤمنين أميرُ

فيا ليت أمي لم تلدني ولم أكني***راني يزيد في البلاد أسيرُ

وقد نسب بعض ذلك إلى رواية سهل الساعدي، ولم أر من تعرّض لذكر الأبيات ، وليس في كتب المتقدمين ذكر لها حتى من ذكر رواية سهل الساعدي ولم أجد فيها بأيدينا من الكتب كإرشاد المفيد ومثير الأحزان وروضة الواعظين واللهوف والبحار وجلاء العيون والقمقام ونفس المهموم وغيرها مما يطول الكلام


1) في المصدر : فليت شعري إلى كم ذا تجاذبنافنونه و ترانا لم نجاذبه .

2) في المصدر : كأن ما قاله المختار .

بذكره، ولا في كتب العامة من محدثيهم ومؤرخيهم حتى مقتل الإسفرايني وأمثاله، ذكر لهذه الأبيات. بل تفرد بها المنتخب، ولعله أخذها من مقتل أبي مخنف الموجود مع اختلاف النسخ في ضبط الأبيات، والأكثر نصير ووزير وأمير وأسير بدون الاضافة. وفي بعض النسخ مع هاء الضمير فيها .

وفي نسخة مقتل أبي مخنف المطبوعة عندنا :

فياليت لم أنظر دمشق ولم أكن***يراني يزيد في البلاد أسير

ولعله بدل لما رأى أن تمني عدم ولادة الأم لا يناسب شأن الامام عليه السلام بخلاف تمني الموت ، فإنه وقع كثيراً منهم عليهم السلام ، كما ورد عن الزهراء سلام الله عليها وعن الرضا عليه السلام .

وحكى لي بعض من أثق به أنه رأى علي بن الحسين عليه السلام في المنام فقال : إني ما قلت «فيا ليت أمي لم تلدني».

وبالجملة ، فلما لم تتحقق صحة إستناد الأبيات إليه عليه السلام أعرضنا عن الكلام فيه والتوجيه والتوضيح في كلماته .

(تنبیهان) :

الأول : في البحار (1)عن أمالي الطوسي قال : أحمد بن عبدون ، عن علي بن محمد بن الزبير ، عن علي بن فضال، عن العباس بن عامر ، عن أبي عمارة ، عن عبيد الله بن طلحة ، عن طلحة ، عن عبد الله بن سيّابة ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : لما قدم علي بن الحسين وقد قتل الحسين بن علي عليه السلام إستقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله وقال : يا علي بن الحسين من غُلب ؟ وهو يغطي رأسه وهو في


1) بحار الأنوار 177/45 .

المحمل . قال : فقال له علي بن الحسين : إذا أردت أن تعلم من غلب ودخل وقت الصلاة فأذن ثم أقم . انتهى .

سند الرواية وإن كان فيه مجاهيل ، بل لم يكن لعبيد الله بن طلحة ولا لعبد الله بن سيابة ذكر في كتب أصحابنا ، إلا أن أحمد بن عبدون واسمه أحمد بن عبد الواحد المعروف بابن عبدون قد وثقه جماعة ، بل عدّوا حديثه من الصحاح ، وهو من

• أجلاء أصحابنا ومحدثينا رضوان الله عليهم ، أغنانا عن التعرض لمن في سند الحديث .

نعم ، الكلام في متنه ووقت استقبال إبراهيم بن طلحة علي بن الحسين عليه السلام. والظاهر من العلامة المجلسي في البحار حيث نقل الرواية ضمن وقائع الشام وتبعه جملة ممن تأخر عنه ، أنه كانت الملاقاة والمكالمة في الشام يوم وروده.

والذي يظهر من متن الحديث أن الملاقاة كانت عند القدوم إلى المدينة . وضمير « وهو يغطي» يرجع إلى إبراهيم لا إلى علي بن الحسين عليه السلام كما لا يخفى . فتدبر .

وإبراهيم بن طلحة له ذكر في المغازي، وكان يوم الجمل مع طلحة والزبير وكان من أعداء الله تعالى وأعداء رسوله صلى الله عليه وآله وأعداء أمير المؤمنين عليه السلام ، وله صلة بمعاوية ويزيد وبني أمية .

الثاني : قد تكرر في الكتب ذكر سهل بن سعد الشهر زوري ، وليس له في كتب أصحابنا الإمامية وتراجمهم ورجالهم له اسم ولا ذكر ، بل ولا في رجال العامة إلا في «خلاصة تهذيب الكمال في أسماء الرجال» للحافظ أحمد بن عبدالله الخزرجي الأنصارى ، قال : سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن خزرج بن ساعدة الأنصاري أبو العباس المدني، له مائة حديث وثمانية

وثمانون حديثاً ، اتفق على ثمانية وعشرين وانفرد بأحد عشر ، وعنه الزهري وأبو حاتم وأبوسهل الأصبحي . قال أبو نعيم : مات سنة إحدى وستين عن مائة سنة ، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة . انتهى .

يظهر منه أنه مدني والمذكور في المقاتل أنه شهر زوري بفتح الشين وسكون الهاء وراء مفتوحة بعدها زاي وواو ساكنة وراء مهملة . قال الدميرى وهي في الإقليم الرابع ، وهي كورة واسعة في الجبال بين إربل وهمذان أحدثها زور بن ضحاك . إلى أن قال : وشهرزور مدينة أخرى تُعرف بشير ، وأهلها شيعة صالحة زيدية أسلموا على يد زيد بن علي . انتهى .

ولعل سهل هاجر من المدينة إلى شهر زور أو بالعكس . ويحتمل التعدد، وهو بعيد ، لعدم تعرض أحد من العامة والخاصة لسهل بن سعد بهذا العنوان إلا في كتب المقاتل، فالرجل مجهول لغةً واصطلاحاً ، وحديثه مضطرب.

والمصرَّح في مقتل أبي مخنف المطبوع أنه ورد الكوفة في تلك السنة من الحج ، قال : قال سهل الشهر زوري : أقبلت تلك السنة من الحج ودخلت الكوفة فرأيت الأسواق مقفلة . إلى آخر ما سيأتي عن المناقب باختلاف يسير . ويظهر منه أنه كان مع السبايا من الكوفة إلى الشام . والمصرح به في المناقب (1)أنه قال : خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام .

وفي بعض المناقب : إنه دخل الشام بعد رجوعه من الحج. وفي بعضها أنه قال : كان معي رجل نصراني يريد بيت المقدس.

وفي مقتل الإسفرايني : قال سهيل الشهرزوري : كنت حاضراً دخول السبايا


1) بحار الأنوار 127/45 نقلاً عن المناقب .

في الشام ، فنظرت إلى السبايا وإذا فيهم طفلة صغيرة على ناقة . إلى أن قال : قالت لي : إلى أين تريد ؟ فقلت : أريد حج بيت الله . إلى آخر ما قال ، وفيه «سهيل» بدل سهل. وكل ذلك مما يوهن النقل والناقل ، حتى ألجأ بعض المؤرخين إلى القول بأنهما اثنان أحدهما عامي والآخر شيعي، لقوله لعلي بن الحسين عليه السلام : إني من شيعتكم ومحبيكم كما في بعض الروايات .

وقال المؤرخ المعاصر بأن الذي روي عنه ملاقاته للسبايا ثلاثة أشخاص كلهم يُسمى سهل. وهذا منه عجيب، وأعجب من ذلك أنه ليس في كتب المتقدمين كإرشاد المفيد وروضة الواعظين ومثير الأحزان واللهوف وأمثالها ذكر حكاية سهل الساعدي ، وإنما ذكره الإسفرايني وأبو مخنف والمنتخب .

نعم، في البحار عن المناقب ذكر رواية سهل باختلاف كثير مع سائر الروايات . ونحن نقتصر على ما في المناقب اعتماداً عليه .

قال في البحار (1): روى صاحب المناقب بإسناده عن زيد عن آبائه : أن سهل بن سعد قال : خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام ، فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار كثيرة الأشجار، قد علقوا الستور والحجب والديباج، وهم فرحون مستبشرون ، وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول، فقلت في نفسي : لا نرى لأهل الشام عيداً لا نعرفه فرأيت قوماً يتحدّثون ، فقلت : يا قوم لكم بالشام عيد لا نعرفه نحن ؟ قالوا : يا شيخ نراك أعرابياً . فقلت : أنا سهل بن سعد قد رأيت محمداً صلى الله عليه وآله . قالوا : يا سهل ما أعجبك السماء لا تمطر دماً والأرض لا تنخسف بأهلها . قلت : ولم ذاك ؟ قالوا : هذا رأس الحسين عترة


1) بحار الأنوار 127/45.

محمد ، يُهدى من أرض العراق . فقلت : واعجباه يُهدى رأس الحسين والناس ، يفرحون ؟ ! قلت : من أي باب يدخل ؟ فأشاروا إلى باب يقال له باب الساعات .

قال : فبينما أنا كذلك حتى رأيت الرايات يتلو بعضها بعضاً ، فإذا نحن بفارس بيده لواء منزوع السنان عليه رأس من أشبه الناس وجها برسول الله ، فإذا أنا من ورائه رأيت نسوة على جمال بغير وطاء ، فدنوت من أولاهم فقلت : يا جارية من أنت ؟ فقالت : أنا سكينة بنت الحسين. فقلت لها : ألك حاجة إلي فأنا سهل بن سعد ممن رأى جدك وسمعت حديثه . قالت : يا سهل قل لصاحب هذا الرأس أن يقدم الرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه ولا ينظروا إلى حرم رسول الله .

قال سهل : فدنوت من صاحب الرأس فقلت له : هل لك أن تقضي حاجتي وتأخذ مني أربعمائة دينار ؟ قال : ما هي ؟ قلت : تقدم الرأس أمام الحرم . ففعل ذلك ، فدفعت إليه ما وعدته .

ووُضع الرأس في حقة ودخلوا على يزيد ، فدخلت معهم ، وكان يزيد جالساً على السرير وعلى رأسه تاج مكلَّل بالدر والياقوت ، وحوله كثير من مشايخ قريش . فلما دخل صاحب الرأس وهو يقول :

أوقر ركابي فضةً وذهبا***إنا قتلنا السيد المحجبا

قتلت خير الناس أماً وأبا***وخيرهم إذ ينسبون النسبا

قال : لو علمت أنه خير الناس لم قتلته ؟ قال : رجوت الجائزة منك . فأمر فضرب عنقه ، فجزّ رأسه .

ووُضع رأس الحسين عليه السلام على طبق من ذهب وهو يقول : كيف رأيت يا حسين . انتهى .

وفيه ، مع مخالفة متنه الجملة من الروايات كما لا يخفى على المتأمل - سنده

لا يخلو عن إشكال ، إذ الظاهر أن زيداً هو زيد بن علي بن الحسين، وعلي بن الحسين لا يروي عن سهل بن سعد وهو عليه السلام حاضر في الواقعة مع السبايا ولا يقول « قال لي سهل » . وينا في أيضاً كلمة « آبائه » بصيغة الجمع على

ما بأيدينا من النسخ ، ولو كان كذلك فحق العبارة أن يقول « عن أبيه».

وكذا لو قلنا إن زيداً هو زيد بن الحسن بن الحسن. إلا أن يقال إن زيداً المذكور فى الرواية غيرهما ، أو إن كلمة « آبائه » غلط بدل « أبيه » . فتفطن .

ثم إنه قد مرّ آنفاً وفي ترجمة زينب سلام الله عليها كيفية دخول السبايا إلى الشام وأنهن كن مكشفات الوجه على بغال مؤكفة أو جمال بغير وطاء ومعهم علي بن الحسين عليه السلام ، وأطافوا بهن في السكك والشوارع والأسواق.

قال السيد (1): وسُلك بهم بين النظارة على تلك الصفة حتى أتي بهم باب دمشق، فوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي. ومثله في الإحتجاج والأمالي ، وفيهم علي بن الحسين وهو يومئذ فتى شاب.

قالوا : فأتاهم وهم على درج باب المسجد شيخ من أشياخ أهل الشام ، اتفقت كلمتهم على مكالمة الشيخ مع علي بن الحسين وهو على درج الباب . وذكروا ذلك باختلاف يسير ، ونذكر برواية الإحتجاج إلى مواضع الاختلاف :

في البحار (2)عن الاحتجاج عن ديلم بن عمرو لم أر له ذكراً في كتب الرجال فهو مجهول لغة واصطلاحاً - قال : كنت بالشام حتى أتي بسبايا آل محمد صلى الله عليه وآله ، فأقيموا على باب المسجد حيث يقام السبايا وفيهم


1) اللهوف ص 210 .

2) بحار الأنوار 166/45 ، الاحتجاج 33/2 .

علي بن الحسين، فأتاهم شيخ من أشياخ أهل الشام. وفي اللهوف : فدنى من نساء الحسين وعياله فقال : الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وقطع قرن الفتنة . وفي اللهوف : وأراح البلاد من رجالكم وأمكن أمير المؤمنين منكم .

في الأمالي (1): فلم يأل عن شتمهم . في الإحتجاج : فلا يأل على شتمهم . ولعله الأصح ، والضمير راجع إلى الشيخ ، أي لم يقصر وجد على شتمهم .

فلما انقضی کلامه قال له علي بن الحسين عليه السلام : إني قد أنصتُ لك حتى فرغت من منطقك وأظهرت ما في نفسك من العداوة والبغضاء فأنصت لى كما

، أنصت لك . فقال له : هات. قال علي عليه السلام : أما قرأت كتاب الله عز وجل ؟ قال : نعم . قال : أما قرأت هذه الآية ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إِلَّا المَوَدَّةَ في القُرْبى) (2)؟ قال : بلى . فقال له علي : فنحن أولئك، فهل تجدن في سورة بني إسرائيل حقاً خاصة دون المسلمين ؟ فقال : لا. قال علي بن الحسين : أما : قرأت هذه الآية (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) (3)؟ قال : نعم . قال علي : فنحن أولئك الذين أمر الله عز وجل نبيَّه أن يؤتيهم حقهم . فقال الشامي : ذلكم لأنتم هم؟ فقال علي: نحن ذوالقربى، فهل تجد في سورة الأحزاب حقاً خاصةً دون المسلمين . فقال : لا . قال علي : أما قرأت هذه الآية( إنما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً ) (4).

قال فرفع الشامي يده إلى السماء ثم قال : اللهم إني أتوب إليك من عداوة آل


1) الأمالي ص 230 .

2) سورة الشورى : 23 .

3) سورة الروم : 38.

4) سورة الأحزاب : 33 .

محمد صلى الله عليه وآله وسلم وممن قتل أهل بيت محمد ، ولقد قرأتُ القرآن منذ دهر فما شعرت بها قبل اليوم.

وفي اللهوف (1)بعد ذكر آية التطهير : فقال علي عليه السلام : فنحن أهل البيت الذين خصَّنا الله بآية التطهير يا شيخ.

قال الراوي : فبقي الشيخ ساكتاً ، نادماً على ما تكلم به وقال : تالله إنكم هم ؟ فقال علي بن الحسين : تالله إنا لنحن هم من غير شك وحق جدنا رسول الله ، إنا لنحن هم . قال : فبكى الشيخ ورمى عمامته ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : اللهم إني أبرأ إليك من عدوّ آل محمد من الجن والإنس . ثم قال : هل لي من توبة ؟ فقال له : نعم، إن تبت تاب الله عليك وأنت معنا . فقال : أنا تائب . فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ ، فأمر به فقتل . انتهى .

دخول السجاد في مجلس يزيد

وأما كيفية وروده عليه السلام على يزيد بن معاوية وما جرى عليه في مجلسه : في اللهوف (2): قال الراوي : ثم أدخل ثقل الحسين عليه السلام ونساؤه ومن تخلّف من أهل بيته على يزيد بن معاوية وهم مقرنون في الحبال ، فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال ، قال له على بن الحسين : أنشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله لو رأنا على هذه الصفة ؟

فأمر يزيد بالحبال فقطعت ، ثم وضع رأس الحسين بين يديه وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرن إليه ، فرآه علي بن الحسين عليه السلام فلم يأكل الرؤوس بعد


1) اللهوف ص 212 .

2) المصدر ص 213 .

ذلك أبداً . انتهى .

وفي مثير الأحزان (1): قال علي بن الحسين : أدخلنا على يزيد ونحن اثنا عشر رجلاً مغللون ، فلما وقفنا بين يديه قلت : أنشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله لو رآنا على هذه الحال . إلى أن قال : فبكى الناس وبكى أهل دار يزيد حتى علت الأصوات ، فقال علي بن الحسين وأنا مغلول ، فقلت : أتأذن لي في الكلام؟ فقال : قل ولا تقل هجراً . قلت : لقد وقفت موقفاً لا ينبغي لمثلي أن يقول الهجر، ما ظنك برسول الله لو رآني في غلّ . فقال لمن حوله حلوه . ثم وضع رأس الحسين بين

يديه والنساء من خلفه لئلا ينظرن إليه ، فرآه على فلم يأكل بعد ذلك الرأس. انتهى .

وفي العقد الفريد (2)عن الرياشي بإسناده عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال : أتي بنا يزيد بن معاوية بعد قتل الحسين عليه السلام فأدخلنا عليه ، وكان كلُّ واحد منا مغلولة يده إلى عنقه ، فقال لنا : أحرزت أنفسكم عبيد أهل العراق ، ما علمت بخروج أبي عبد الله ولا بقتله . انتهى .

وعن المسعودي في إثبات الوصية قال : فلما استشهد الحسين عليه السلام حمل علي بن الحسين مع الحرم وأدخل على يزيد، وكان لابنه أبي جعفر سنتان وشهوراً ، فأدخل معه، فلما رآه يزيد قال له : كيف رأيت يا على بن الحسين ؟ قال : رأيت ما قضاه الله عز وجل قبل أن يخلق السماء والأرض .

وفي تذكرة السبط (3): وكان على بن الحسين عليه السلام والنساء موثقين بالحبال ، فناداه علي : يا يزيد ما ظنك برسول الله لو رآنا موثقين في الحبال


1) مثير الأحزان ص 98.

2) العقد الفريد 358/4، أنظر : جواهر المطالب للدمشقي 273/2.

3) تذكرة الخواص ص 149 ، أعيان الشيعة 615/1 ، اللهوف ص 104 .

عرايا على أقتاب الجمال ، فلم يبق في القوم إلا من بكى .

وقال الاسفرايني : ثم وضع الرأس والسبايا مكشوفات الرؤوس وأوقفهم بين يديه وهم على تلك الحالة باكين ، فقال له زين العابدين : يا يزيد لو رآنا جدنا في هذه الحالة وسألك فما تقول. فعند ذلك أمر بحلّ الوثاق عنه .

و مما نسب إليه عليه السلام في مجلس يزيد قوله :

*ما ولدت أم مخفر أشر وألأم *

قال في البحار (1): حتى بلغوا باب يزيد بن معاوية رفع مخفر بن ثعلبة صوته فقال : هذا مخفر بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين بالفجرة اللئام ، فأجابه علي بن الحسين عليه السلام :

*ما ولدت أم مخفر أشر وألأم *

وزاد في المناقب (2): ولكن قبح الله ابن مرجانة . انتهى .

والصحيح أن هذا القول قاله يزيد بن معاوية بعد قول مخفر بن ثعلبة .

قال الطبري (3): فلما انتهوا إلى باب يزيد رفع محفّز بن ثعلبة صوته فقال : هذا محفّز ثعلبة قد أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة . قال : فأجابه يزيد بن معاوية :

ما ولدت أم محفز شر وألأم *

ومثله في جملة من كتب الأحاديث والتواريخ، ويؤيده قوله «قبّح الله ابن مرجانة» ، إذ لا يلائم هذا بقول السجاد عليه السلام بل يلائم قول يزيد على


1) بحار الأنوار 130/45 .

2) بحار الأنوار 130/45 ، نقلاً عن المناقب .

3) تاريخ الطبري 460/5 .

ما في بعض كتب العامة : أن يزيد بكى وقال « قبح الله ابن مرجانة » سياسةً منه ودفاعاً عن كونه بأمره ، على ما مر وسيأتي .

وفي مثير الأحزان (1)قال : ونقلت من تاريخ دمشق عن ربيعة بن عمرو الجرشي قال : أنا عند يزيد إذ سمعت صوت مخفر يقول : هذا مخفر بن ثعلبة « أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة»، فأجابه يزيد :

*ما ولدت أم مخفر شر وألأم *

واختلفت النسخ في كلمة «شر»، ففي بعضها «أشر» ولعله غلط أو تصحيف ، إذ لا يُستعمل أفعل التفضيل من الشر والخير ، فلا يقال أشر وأخير إلا شاذاً . قال في القاموس : وهو شر منك ، وأشر لغة قليلة أوردية. وفي بعض النسخ « أشد » ، وله وجه . والصحيح «شر» كما في أغلب النسخ .

وفي جلاء العيون الفارسي بعد قول مخفر ما قال قال علي بن الحسين عليه السلام : الله يعلم من الفاجر ومن اللئيم .

في البحار (2)عن تفسير علي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام قال : لما أُدخل رأس الحسين بن علي على يزيد وأدخل عليه علي بن الحسين وبنات أمير المؤمنين ، وكان علي بن الحسين مغلولاً ، فقال يزيد : يا عليَّ بن الحسين الحمد لله الذي قتل أباك . فقال علي بن الحسين : لعنة الله على من قتل أبي . قال : فغضب يزيد وأمر بضرب عنقه . فقال علي بن الحسين : فإذا قتلتني فبنات رسول الله من يردّهن إلى منازلهم وليس لهم محرم غيرى . فقال : أنت تردهم إلى منازلهم. ثم دعى بمبرد


1) مثير الأحزان ص 98.

2) بحار الأنوار 168/45 ، تفسير القمي 352/2 .

فأقبل يبرد الجامعة عن عنقه بيده . ثم قال له : يا علي بن الحسين أتدرون ما الذي أريد بذلك . قال : بلى تريد أن لا يكون لأحد عليّ منّة غيرك . فقال يزيد : هذا والله ما أردت. ثم قال يزيد : يا علي بن الحسين ( مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) (1). فقال علي بن الحسين : كلا ما هذه فينا نزلت، إنما نزلت فينا (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نبرأها ) (2)، فنحن الذين لا نأسى على ما فاتنا ولا نفرح بما أتانا منها .

وروى في البحار (3)عن تفسير علي بن إبراهيم رواية أخرى عن الصادق عليه السلام أخصر من هذه الرواية .

وفي تاريخ الطبري (4): قال أبو مخنف : حدثني أبو جعفر العبسي ، عن أبي عمارة العبسي. إلى أن قال : ولما جلس يزيد بن معاوية دعا أشراف الشام فأجلسهم حوله ، ثم دعا بعلي بن الحسين وصبيان الحسين ونسائه ، فأدخلوا عليه والناس ينظرون ، فقال يزيد لعلي بن الحسين : يا علي أبوك الذي قطع رحمي وجهل حقي ونازعني في سلطاني ، فصنع الله به ما قد رأيت .

قال : فقال علي ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأهَا ) ، فقال يزيد لابنه خالد : أردد عليه . قال : فمادرى خالد ما يردّ عليه ، فقال له يزيد : قل ( مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) ثم سكت عنه


1) سورة الشورى: 30 .

2) سورة الحديد: 22 .

3) بحار الأنوار 168/45 .

4) تاريخ الطبري 460/5 .

قال : ثم دعا بالنساء والصبيان فأجلسوا بين يديه ، فرأى هيئة قبيحةً ، فقال : قبّح الله ابن مرجانة ، لو كانت بينكم وبينه رحم أو قرابة ما فعل هذا بكم، ولا بعث بكم هكذا انتهى . ومثله في الإرشاد (1).

وفي العقد الفريد (2)قال : فلما وضع الرأس بين يدي يزيد تمتّل بقول حُصين بن الحمام المري :

نُفلّق هاماً من رجالٍ أعزّة***علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما

فقال له علي بن الحسين وكان في السبي : كتاب الله أولى بك من الشعر ، يقول الله (ومَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَن نَبَرَ أَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرُ : لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُوْرٍ) (3).

فغضب يزيد وجعل يعبث بلحيته ، ثم قال : غير هذا من كتاب الله أولى بك وبأبيك، قال الله (مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرِ) (4).

وفي المناقب (5): روي أن يزيد أقبل إلى عقيلة الهاشميين أن تتكلم ، فأشارت العقيلة إلى علي بن الحسين عليه السلام وقالت : هو سيدنا وخطيب القوم ، فأنشأ السجاد عليه السلام :


1) الإرشاد 120/2 .

2) العقد الفريد 382/4.

3) سورة الحديد: 22 - 23 .

4) سورة الشورى : 30 .

5) مناقب آل أبي طالب 186/4 مع اختلاف في بعض الألفاظ.

لا تطمعوا أن تُهينونا فنكر مَكم *** و أن نكف الأذى عنكم وتؤذونا

والله يعلم أنا لا نُحبّكمُ***ولا نلومكم إن لا تحبّونا

قال يزيد : صدقت يا غلام ولكن أراد أبوك وجدك أن يكونا أميرين والحمد لله الذي قتلهما وسفك دماءهما . فقال عليه السلام: لم تزل النبوة والإمرة لآبائي وأجدادي من قبل أن تولد .

و في رواية المناقب قال عليه السلام : لقد كان جدي علي بن أبي طالب في يوم بدر وأحد والأحزاب في يده راية رسول الله ، وأبوك وجدك في أيديهما راية الكفار . ثم جعل علي بن الحسين يقول :

ماذا تقولون إذ قال النبيُّ لكم***ماذا فعلتم و أنتم آخر الأممِ

بعترتي وبأهلي حين مفتقدي***منهم أسارى ومنهم ضُر جوابدم

ثم قال علي بن الحسين عليه السلام : ويلك يا يزيد ، إنك لو تدري ما ارتكبت من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي إذاً لهربت الجبال وافترشت الرمال ودعوت بالويل والثبور ، أن يكون رأس أبي الحسين بن فاطمة وعلي منصوباً على باب مدينتكم وهو وديعة رسول الله صلى الله عليه وآله فيكم فأبشر بالخزي والندامة غداً إذا اجتمع الناس ليوم القيامة . انتهى .

وقد يُذكر في المقام أمور تركناها لعدم مستند صحيح لها .

وينبغي التنبيه على أمور :

( الأمر الأول ) المستفاد من الأحاديث والتواريخ وربما صرح به : أن حضور علي بن الحسين عليه السلام بالخصوص أو هو مع سائر السبايا في مجلس يزيد وورودهم عليه كان مكرراً وغير مرة بعد المجلس الأول الرسمي الدولي

الذي جمع فيه أشراف الشام ورؤساء القبائل والسفراء ورؤساء الجند والعسكر، وقد سبق ذكر ذلك إجمالاً في ترجمة زينب الكبرى سلام الله عليها . إذ من البديهي أن القضايا المذكورة المسطورة المدوَّنة في الكتب لم تكن يسعها مجلس واحد، خصوصاً إذا كان المجلس رسمياً . مع أنه قد مرّ أن بعد خطبة زينب الكبرى قد . انقلب المجلس على يزيد ، وحينئذ فجملة من القضايا كانت في مجالس أخرى : فمنها : ما في المناقب (1)عن كتاب النسب ، عن يحيى بن الحسن : قال يزيد لعلي بن الحسين : واعجباً لأبيك ، سمى علياً وعلياً . فقال عليه السلام : إن أبي أحب أباه فسمى باسمه مراراً .

ومنها : ما رواه المجلسي وغيره عن دعوات الراوندي (2)مرسلاً ، قال : وروي أنه لما حمل علي بن الحسين عليه السلام إلى يزيد هم بضرب عنقه ، فوقفه بين يديه وهو يكلمه ليستنطقه بكلمة يوجب بها قتله ، وعلي يجيبه حسبما يكلمه وفي يده سبحة صغيرة يديرها بأصابعه وهو يتكلم ، فقال له يزيد : أنا أكلمك وأنت تجيبني وتدير أصابعك بسبحة في يدك ، فكيف يجوز ذلك .

فقال عليه السلام : حدثني أبي عن جدي أنه كان إذا صلى الغداة وانفتل لا يتكلم حتى يأخذ سبحة بين يديه فيقول «اللهم إني أصبحت أسبحك وأحمدك وأهللك وأكبرك وأمجدك بعدد ما أدير به سبحتي»، ما أدير به سبحتي»، ويأخذ السبحة في يده ويديرها وهو يتكلم بما يريد من غير أن يتكلم بالتسبيح، وذكر أن ذلك محتسب له وهو حرز إلى أن يأوي إلى فراشه ، فإذا آوى إلى فراشه قال مثل ذلك القول


1) مناقب آل أبي طالب 186/4 .

2) بحار الأنوار 45/ 200 ، الدعوات للراوندي ص 61.

ووضع السبحة تحت رأسه فهي محسوبة له من الوقت إلى الوقت ، فعلت هذا اقتداءاً يجدي . فقال له يزيد مرة بعد أخرى : لست أكلم أحداً منكم إلا ويجيبني بما يفوز به . وعفا عنه عليه السلام ووصله وأمر بإطلاقه .

(بیان) :

الظاهر أن المراد بالجد هو رسول الله صلى الله عليه وآله ويحتمل كونه أمير المؤمنين عليه السلام ، إذ لم يُعهد في زمن الرسول شيوع السبحة ولم يذكروا في سيرته ( ص ) .

و «انفتل» من قِبَل وجه غيره أي انصرف . كما في القاموس (1)قوله « يفوز به » بالفاء والزاي من الفوز . وفي نسخة « يغوذنا » بالغين والذال المعجمة من تغدغد من باب التفعيل أي أفلح ، قاله في القاموس .

ثم النسخ مختلفة في لفظ الدعاء ، ففي بعضها ما ذكرنا بزيادة « وأجلك» بعد أحمدك أو قبله ، وفي بعضها « أسبحك وأمجدك وأحمدك وأهللك»، وفي بعضها أحمدك من حمد مجرداً ، وفى بعضها وهو الأكثر « أحمدك» من التحميد مزيداً . والكل صحيح بناءاً على تعميم التسامح بحيث يشمل ألفاظ الدعاء أيضاً . وتمام الكلام في الأصول، إلا أن عملي أن أقول« إني أصبحت أسبحك وأحمدك وأحمدك وأهللك وأكبرك وأمجدك وأجللك بعدد ما أدير سبحتي»، وذلك بعد أخذ السبحة بيدي لا أن يضع السبحة بين يديه ويقول كما يوهم بعض العبائر، بل صرح به بعض. كما أنه لا دليل على تعيين أخذ السبحة باليد اليمنى كما قيل إلا أنه هو المتعارف . فتدبر .


1) القاموس المحيط 28/4 .

(الثاني) إن المستفاد من أحاديث الفريقين وتواريخهم وتصريح علمائهم وعظمائهم وأدبائهم في مدائحهم ومراثيهم : أن وقعة الطف وقتل الحسين عليه السلام وشهادته وشهادة أعوانه وأنصاره وسبي نسائه وذراريه قد أثر في العالم السفلى مضافاً إلى العالم العلوي، من الإنكساف وإمطار الدم وأمثال ذلك مما مر وقد أثر في النفوس البشرية تأثيراً تاماً من حين قتله .

حتى رأيت في بعض التواريخ أن قتلته ومن حضر في يوم العاشور من الجند والعسكر قد بهتوا وتحير وا بعد قتله وندموا على ما فعلوا وبقوا مبهوتين متحيرين ساعة ثم رجعوا إلى الكوفة نادمين على ما فعلوا ، حتى عمر بن سعد ندم على ما قيل، بل ندم عبيد الله بن زياد أيضاً.

في تاريخ الطبري (1)قال هشام قال عبیدالله بن زياد لعمر بن سعد بعد قتله :الحسين : يا عمر أين الكتاب الذي كتبت به إليك في قتل الحسين ؟ قال : مضيت لأمرك وضاع الكتاب ، قال : لتجيئن به . قال : ضاع ، قال : والله لتجيئني به قال : تُرك والله يُقرأ على عجائز قريش إعتذاراً عليهن بالمدينة ، أما والله لقد نصحتك في الحسين نصيحةً لو نصحتها إلى سعد بن أبي وقاص كنت قد أديت حقه . قال عثمان بن زياد أخو عبيد الله بن زياد: صدق والله ، لوَدِدْت أنه ليس من بني زياد رجل إلا وفي أنفه خِزامة إلى يوم القيامة وإن حسيناً لم يقتل . قال : فوالله ما أنكر عليه عبيد الله . انتهى .

وبالجملة ، كل من حضر وقعة الطف أو سمع بذلك من المسلمين بل المليين بل الماديين قد أثر في نفسه تأثيراً إلا يزيد بن معاوية .

قال أبو منصور الثعالبي في آخر كتاب ثمار القلوب : إن قتل الحسين أشدّ ما كان


1) تاريخ الطبري 467/5 .

في الاسلام والمسلمين ، لأن المسلمين يئسوا من كل فرج يرجونه وعدل ينتظرونه .

ويرى كثير من الفضلاء أن قتل الحسين كان أعظم مصاب المسلمين: أما تأثيره في المليين والماديين فسيأتي بيانه عن قريب ، وأما تأثيره في يزيد فقد قال الطبري في تاريخه والجزري في الكامل (1): لما وصل رأس الحسين إلى يزيد حسنت حال ابن زیاد عنده وزاده ووصله وسره ما فعل، ثم لم يلبث إلا يسيراً حتى بلغه بغض الناس له ولعنهم وشتمهم ، فندم على قتل الحسين .

و قال ابن كثير في البداية والنهاية (2): إن يزيد فرح بقتل الحسين أول ما بلغه ، ثم ندم على ذلك ، فقال أبو عبيدة جعفر بن محمد المثنى أن يونس بن حبيب الحوصى حدثه قال : لما قتل عبيد الله بن زياد الحسين وبني أبيه ، فبعث برؤوسهم إلى

يزيد سُر بقتلهم أولاً ، وحسنت بذلك منزلة عبيد الله بن زياد عنده ، ثم لم يلبث إلا قليلاً حتى ندم ، فكان يقول : وما كان عليّ لو احتملت الأذى وأنزلته في ذا إلى أن قال : ثم يقول : لعن الله ابن مرجانة . إلى أن قال : فبغضني بقتله إلى المسلمين وزرع في قلوبهم العداوة ، فأبغضني البر والفاجر ، فما استعظم الناس من قتلي حسيناً.

قال علي جلال المصري : سُر يزيد بقتل الحسين كما شر أباه بقتل الحسن . ومثله في جملة من كتب العامة تركناها خوفاً من الإطالة.

فأول تأثير أثر قتله عليه السلام في الجامعة الاسلامية جريان الألسن على لعن يزيد وسبه وشتمه ولعن بني أمية وسبهم وشتمهم حتى من أهل الشام ، بحيث صار - على ما في بعض التواريخ - أنه ما من مجمع ومجلس فيه اثنان أو أكثر إلا ويشتغلون بلعن يزيد وسبه ، حتى اضطر يزيد إلى تجزئة القرآن جزءاً جزءاً وأمر


1) الكامل في التاريخ 87/4 .

2) البداية والنهاية 254/8 .

الناس في المجامع والمجالس بقراءة جزء من القرآن لاشتغالهم به عن اللعن والسب ثم تعقب ذلك نقض البيعة والخروج عن الطاعة في جملة من الأمصار كأهل الكوفة والبصرة وغيرهما ، خصوصاً أهل المدينة .

قال الحسين بن محمد الديار بكري في تاريخ الخميس : إن أكابر أهل المدينة نقضوا بيعة يزيد لما جرى من قتل الحسين .

قال علي جلال فيما ترتب على قتل الحسين : وإنما خلع أهل المدينة يزيد اقتداءً بالحسين وغضباً لقتله، فإنهم وفدوا على يزيد فرأوا بأعينهم ما كان سبباً لخروج الحسين . إلى آخر ما قال .

وكذا أهل الشام نقضوا بيعة يزيد . قال المصري في كتاب الحسين : ونفور الأمة بسبب قتل الحسين ظاهر في أقوال رؤسائها ووجوهها . قال : وخروج الناس عقب قتل الحسين بالعراق والحجاز واليمامة حتى الشام على بني أمية نتيجة هذا النفور وأول سبب لانقراض دولتهم . وما استباحة المدينة ورمي الكعبة وحرق الكعبة إلا من علامات ارتباكهم . انتهى .

وقد صرحوا أن مخالفة ابن زياد ووقعة الحرة واستباحة المدينة وقيام التوابين وقيام مختار بن أبي عبيد الثقفي وانقراض دولة بني أمية من آثار قتل الحسين عليه السلام ونتائجه . وليس ذلك إلا لعلمهم واطلاعهم وتحقيقهم أن قتله عليه السلام كان بأمر يزيد وأنه كتب إلى ابن زياد وأمره بقتله .

قال المصري : استفاد بنو العباس من مقتل الحسين وادعوا أنهم خرجوا لأخذ ثاره من بني أمية ، وكانوا أيام بني أمية مع بني علي . إلى أن قال: وأول خطبة خطبها السفاح في الكوفة قال : وإنما خرجنا للأخذ من أشرارهم حقنا والغضب

لبني عمنا - يعني قتل الحسين عليه السلام (1).

وبالجملة، فالتاريخ يرشد إلى أن من المسلمات عند المسلمين والقطعيات عندهم ، ومما لا ريب فيه ولا شك يعتريه أن قتل الحسين عليه السلام إنما كان بأمر يزيد وكتابه إلى ابن زياد ، وهو المقطوع به عندهم ، حتى من منع لعن يزيد ، قال : وإنه وإن أمر بقتل الحسين فلعله تاب عند موته . كما منع من لعن ابن ملجم لاحتمال توبته .

وهذا ؛ بمقتضى تواريخهم وأحاديثهم ، فإنها مشحونة ومصرح فيها بأن ابن زيادكان مأموراً من قبل يزيد بقتل الحسين . وقد سبق عن روضة الصفا أن يزيد كتب خمسين كتاباً إلى ابن زياد يأمره بقتله. وفي تاريخ ابن الأثير (2) : قال ابن زياد : وأما قتلي الحسين (2) فإنه أشار إليّ يزيد بقتله أو قتلي فاخترت قتله . انتهى .

وأما تواريخ الأروبيين والمسيحيين وغيرهم من الملل المتنوعة وكل من كتب عن تاريخ الاسلام وذكر واقعة الطف وتاريخ الحسين عليه السلام وفلسفته، صرح بأن يزيد أمر ابن زياد بقتله من غير نكير منهم.

وأما الشيعة فالزيدية والإسماعيلية والإمامية الإثنا عشرية فالمقطوع به عندهم أن يزيد أمر ابن زياد بقتل الحسين وكتبهم وتواريخهم مشحونة ومصرحة بذلك من غير نكير ، وقد رووا أحاديث متواترة متظافرة مفيدة للقطع بذلك . ومن أراد فليراجع .

فالمقطوع به والمبرهَن عليه والمسلم عند نوع البشر فضلاً عن المسلمين من


1) النقول عن المصري كلها من كتاب الحسين عليه السلام 194/2 فما بعد.

يوم قتله عليه السلام في جميع الأعصار إلى عصرنا هذا أن يزيد أمر ابن زياد بقتل الحسين فقتله بأمره .

فيا للعجب أن بعض من يدعي العلم بالتاريخ أنكر هذا الأمر المقطوع به عند الكل وقال : إن ابن زياد قتل الحسين من دون أمر من يزيد - وقد تفحصنا وتتبعنا فلم نجد المنكرين غير أربعة أشخاص أو خمسة، وهم ابن تيمية ولعله المؤسس لهذه العقيدة وقد مرّ إنكاره نكت يزيد ثنايا الحسين ونسب ذلك إلى ابن زياد والغزالي وابن كثير في النهاية والبداية ، وتبعهم على ذلك في عصرنا علي جلال المصري في كتاب الحسين ، كما هو دأبه في متابعة ابن تيمية في أكثر أقواله .

قال ابن خلكان في وفيات الأعيان والقرماني في أخبار الدول والدميري في حياة الحيوان في «اسفهد» عن الغزالي أنه قال : ما صح قتله - أي قتل يزيد للحسين - ولا أمره به ولا رضاه بذلك ، ومتى لم يصح ذلك عنه لم يجز أن يظن ذلك به، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام قال الله تعالى ( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِن الظَّنِّ فَإِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم ) (1). انتهى .

وقال ابن كثير في البداية والنهاية (2)فى أخبار يزيد ويزيد بن معاوية أكثر : ما تقم عليه في عمد شرب الخمر وإتيانه بعض الفواحش، فأما قتل الحسين فإنه لم يأمر بذلك ولم يشأ ، وقد قدمنا أنه قال : لو كنتُ أنا لم أفعل معه معاملة الله بن زياد، وقال للرسل الذين جاؤا برأسه : قد كان ابن مرجانة - يعني - يكفيكم من الطاعة دون هذا ، ولم يعطهم شيئاً ، وأكرم آل بيت الرسول، وردّ


1) سورة الحجرات : 12 .

2) البداية والنهاية 254/8 .

عليهم ما فُقد لهم وأضعافه ، وردّهم إلى المدينة النبوية في تجمل وهيئة عظيمة وقد ناح أهله في منزله علي بن الحسين مع آله حين كانوا عندهم ثلاثه أيام. انتهى .

وقال علي جلال الحسيني المصري في كتابه الحسين (1): لم يثبت أن يزيد بن معاوية أمر بقتل الحسين ، لكنه سَره قتله كما سُرَّ أباه بموت الحسن . إلى أن قال بعد ذكر ما قاله ابن الأثير المتقدم : قال ابن زياد : أما قتلي الحسين فإنه أشار إلى يزيد بقتله أو قتلي فاخترت قتله . قال : ورأيي أنه لو كانت الرواية لا اختلاف فيها كما يرويها ابن الأثير فلا تثبت تهمة ابن زياد ليزيد بأنه أوعز إليه أن يقتل الحسين ، فإن ابن زياد لم يذكرها إلا بعد هلاك يزيد ، مع أن يزيد كان يلعنه علانيةً لأنه قتله وينكر علمه بالقتل إلا بعد ارتكابه إلى أن قال : وقد رأيتُ كثيراً من العقلاء لا يصدقون أن ابن زياد يقدم على قتل الحسين بغير إيعاز من يزيد ، لكن حكمهم بني على الظن لا على دليل يثبته . انتهى .

وقال : وقول ابن خلدون والمقريزي ومن حذا حذوهما من أن قتل الحسين من آثار العصبية الجاهلية، هو كقول بعض الشيعة أن يزيد وعماله قتلوا الحسين انتقاماً من جده «ص» ليأخذ بثارات مشركي بدر ، وهو قول بعيد من الصحة أيضاً .

قال شرف علي بن عبدالولي في رياض الجنان عن الرضا عليه السلام أنه لما وُضع رأس الحسين في طست عند يزيد أقبل هو وأصحابه يأكلون ويشربون الفقاع، فجعل يزيد يلعب بالشطرنج ويذكر الحسين وأباه وجده ويستهزئ


1) الحسين عليه السلام 1952.

بذكرهم ويتمثل بأبيات ابن الزبعرى «ليت أشياخي» اه . ويُروى أنه زاد :

لستُ من خندف إن لم أنتقم***من بني أحمد ما كان فعل

إلى أن قال : وهذا تقوّل ظاهر البطلان ، وإن كان قائلوه يؤيدونه بما ينسبونه إلى بعض الأئمة ، ويزيد بن معاوية بن أبي سفيان - وإن كان فاسقاً ظالماً - فهو مسلم ابن مسلم صحابي ابن مسلم صحابى عمته أم حبيبة زوج النبي. وبهذه الأسباب وما قبلها يستحيل أن ينتقم من الحسين لأخذ ثارهم . انتهى .

أنظر إلى الرجل كيف استدل على بطلان القول وتكذيب ما نسبوه إلى الأئمة بأن يزيد مسلم صحابي وعمته أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وآله .

وقد سبق عنه مثل هذا الاستدلال عند ذكر الحسن أخ الحسين عليهما السلام، فإنه بعد نقل ما قاله الآلوسي في شرح القصيدة : إن من أولادها - أي فاطمة - الذكور محسن قد مات صغيراً. وزعم الشيعة أنه كان سقطاً لقصة يذكرونها ، وبعد نقل قول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : قول الشيعة إن أضغط فاطمة بين الباب والجدار فصاحت « يا أبتاه » وألقت محسناً ، قال : رأبى أن هذه القصة لا أصل لها ، لأن عمر كما كان شديداً في دينه صلباً في حق الله كان رحيماً بالضعيف رؤفاً بالمسلمين بريئاً من ارتكاب مثل هذه الجناية، ولو كان لها أصل لصدقها جميع الشيعة . انتهى .

ومن كان هذا مبلغ علمه ومعرفته بالتواريخ لا يُعتنى بأقواله . كيف ، ومن نظر في كتابه الحسين وتدبر فيه يعرف أنه قد استدل كثيراً بروايات الكليني والمفيد واللهوف وغيرهم من الشيعة واستدل برواياتهم عن أمتهم ، وكلما خالف رأيه ورأي ابن تيمية من الروايات والأحاديث جعله من موضوعات غلاة الشيعة ، وقد مرّ بعض أقواله . وردّ أقوال الشيعة بأنها من موضوعاتهم بلا دليل يدل عليه

وبلا سند يمكن الاستناد إليه ، وإنما جعله موضوعاً حدساً وتخميناً لكونه مخالفاً لرأيه ورأي شيخه ابن تيمية، خصوصاً ما يتعلق بفضل الزيارة والبكاء والآثار السماوية وأمثالها مما سبق في الجزء الأول من هذا الكتاب .

إنه يردّ ما ذكره ابن الأثير بأن ابن زياد ذكره بعد موت يزيد ، وهذا حدس وتخمين ، بل الظاهر أن اعتراف ابن زياد كان في حياة يزيد ، قاله لما سمع أن يزيد تبرأ من قتل الحسين عليه السلام ونسبه إليه كما لا يخفى .

وأما قول ابن كثير في البداية والنهاية (1)، فمع أنه يناقض ما ذكره في مواقع من كتابه، منها ما رواه فيه عن أبي مخنف عن القاسم بن النجيب قال : لما وضع الرأس بين يدي يزيد بن معاوية جعل ينكت بقضيب كان في يده في ثغره ، ثم قال : إن هذا ماكان كما قال الحصين بن الحمام :

نفلّق هاماً من رجال أعزة***علينا وهم كانوا أعزّ (2)وأظلما

ثم ذكر اعتراض أبي برده إلى غير ذلك مما دل على أن يزيد أمر ابن زياد بالقتل وشاء ما فعله بالحسين ، وأن ما ذكره من قوله لو كنت أنا ما فعلته ، ويكفيكم فيه الطاعة دون هذا» و «قبح الله ابن مرجانة» وأمثال ذلك ، إنما هو من موضوعات عوانة بن الحكم والزبير بن بكار وغيرهما ممن كانوا يضعون الحديث لبني أمية ويزيد وهم يحاولون تطهيره . وقد مرّ في ترجمة عوانة والزبير ما يوضح المقام.

ذكر المخالفون ما ذكروه مستنداً إلى هؤلاء الرواة الوضاعين ، وتبعهم بعض أصحابنا أيضاً غفلةً منهم عن حقيقة الحال، وإلا فيزيد كان عالماً بما جرى عليهم


1) البداية والنهاية 260/6 .

2) في بعض المصادر : أعق .

قبل ورودهم إلى الشام وقد ثبت في التواريخ كيفية ورودهم إلى الشام وحضورهم مجلس يزيد ومكالمته إياهم وغير ذلك مما ذكرنا جملة منها ، بحيث يقطع أن يزيد كان عالماً وراضياً وآمراً ومسروراً ومبتهجاً ومفتخراً بذلك .

ولو سُلّم فإنما ذكر ذلك وقال ما قال سياسةً منه بعد ما رأى إعراض الناس عنه واعتراضهم عليه وسبهم ولعنهم إياه .

وأما عدم إعطاء الرسل شيئاً لقولهم :

إملأ ركابي فضةً أو ذهباإنا قتلنا الملك المحجباقتلتُ خير الناس أماً وأبا

لأنه قال «قتلت خير الناس أماً وأباً » ، غضب يزيد لهذا الكلام ولم يعطهم شيئاً.

« الرّكاب» بالكسر البعير الذي يحمل زاد المسافر .

وأما ردّهم إلى المدينة في أبهة وجلال فلأن يزيد لم يتمكن من فعل غير ذلك بعد خطبة العقيلة وخطبة علي بن الحسين عليهما السلام، فإنه أفرد لهم داراً وأقاموا المأتم ودخل عليهن نساء أهل الشام من الأشراف وغيرهم ، وذكرن نساء أهل البيت مصابهن وما جرى عليهن من كربلاء إلى الشام فشى الخبر في أهل الشام أن الأسارى هم أهل بيت النبوة ولسن من الخوارج كما يقال عنهم، وقد أمر يزيد ابن زياد بقتل الحسين وأشياعه ، انقلب الشام على يزيد ، فكان لابد اللطف والدعوة إلى الأكل

عليه أن يردهن إلى المدينة، فما صنع معهم من وأمثال ذلك ، فعلى تسليم صحة هذه النقولات فإنما هو لمحض السياسة ، وليس الندم مما فعل وأراد جبران خطأه .

فظهر مما ذكرنا أن ندامة يزيد - لو سُلّم قبولها - إنما هي من سياسته وليس ندماً

على الحقيقة ، بل أظهر الندامة خوفاً من الناس. وهذا ظاهر كالنار على المنار بل الشمس في رابعة النهار .

وأما عباس محمود العقاد فقد قال في كتابه أبو الشهداء: وللناس في تقدير البيعة التي نصبت يزيد مشارب : فمنهم من يرى أنه سرى من السعه كل الرامه ، ومنهم من يرى أنه أمر ابن زياد ثم ندم عليه ، ومنهم من يقول انه قد أمر بكل ما اقترفه ابن زياد والثابت الذي لا جدال فيه أن يزيد لم يعاقب أحداً من ولاته. إلى أن قال : ومن أفرط في سوء الظن رجح عنده أن عبيد الله بن زيادكان على أمر بكل ما صنع . إلى أن قال : ويبدو لنا أن الظن تهاون يزيد هذا أقرب بايعازه وتدبيره - انتهى ملخصاً .

وجوابه يظهر من بيانه وجه التهاون ، قال : فقد كان الزمن الذي انقضى مدة خروج الحسين من مكة إلى نزوله بالطف على الفرات كافياً ببلوغ الخبر إلى يزيد ورجوع الرسل إليه بالتوجه الضروري في هذا الموقف لوالي الكوفة وغيره من الولاة ، فإن لم يكن الأمر تدبيراً متفقاً عليه فهو اساءته التي تلا ذلك التدبير في السيئة والشناعة . انتهى .

ترى أن العقاد صرح بأن الأمر تدبير متفق عليه ، وحمل ذلك على الإساءة والشناعة خروج عن الإنصاف وعن جريان الأمر الطبيعي على الوجه الطبيعي . فتدبر .

ولله در العلايلي، فقد قال في سيرة الحسين عند ذكر تنزيه يزيد : ولذلك أعتمد رواية اليعقوبي المحققة : أن يزيد أمر ابن زياد بقتل الحسين . وقال : فإن الحسين لم يخرج على إمام، وإنما خرج على عادٍ إلى أن قال : وكانت ولاية يزيد ثلاث سنين ، ففي السنة الأولى قتل الحسين . إلى آخر ما قال.

ولا يخفى ذلك على عاقل نظر في التاريخ فضلاً عن العالم. وأما ابن تيمية

والغزالي وابن كثير وعلي جلال المصري وأضرابهم ، فإنما دعاهم إلى الإنكار مع علمهم بما ذكرنا وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعتواً ، أمران :

( أحدهما ) تطهير مقام الخلافة وأن يزيد كان خليفة المسلمين بنص أبيه أو باجماع أهل الشام . وما ذكروه ودوّنوه في كتب الأحاديث والتاريخ لا يناسب ولا يلائم مقام الخلافة . يظهر ذلك من تعابيرهم بل ما صرحوا به في كلماتهم .

هذا علي جلال المصري في كتابه الحسين (1)قال : لم يثبت أن يزيد بن معاوية أمر بقتل الحسين ، لكنه سره كما ستر أباه موت الحسن .

مع أن من المتفق عليه عند جلّ محدثيهم ومؤرخيهم أن الحسن عليه السلام قتل مسموماً ومات شهيداً ، إما بسم من معاوية كما عليه الأكثر أو يزيد كما نص عليه جماعة . وإنما قال ذلك لحماية الحمى وتنزيه مقام الخلافة مع علمهم بذلك . من أعمي قلبه أعمي بصر.

( ثانيهما ) تكذيبهم تواريخ الشيعة وأحاديثهم وما ورد عن أئمتهم عليهم السلام ، وما أخبروا به من قبل عن وقعة الطف ، بل من زمن آدم أبي البشر إلى يوم العاشور ومنه إلى يومنا هذا . ترى ألف حديث ورد عن أئمتهم عليهم السلام في ذلك ودوّنوا ألوفاً من الكتب من فرق الشيعة في أمر الحسين عليه السلام وأنه قتل بأمر يزيد بن معاوية ، ووردت أحاديث خاصة بلعن يزيد لأمره بقتل الحسين ، بحيث لو انحرف ابن تيمية وأضرابه وتابعيه وأخذوا مما ورد في المقام أو كتب فيه لانهدم أساس مذهبهم ، فلابد لهم من الإنكار .

وليس ذلك منهم ببعيد ، بل عادة كبرائهم جرت على ذلك. هذا البخاري


1) الحسين عليه السلام 182/2 .

ما روى حديثاً واحداً ولو في الأخلاق أو التاريخ في كتابه مسنداً إلى أحد من أئمة الشيعة . بل عادتهم ترك الرواية إذا كان أحد رواتها متهماً بالتشيع .

وهذا الغزالي لم يرو في كتبه الأخلاقية حديثاً أخلاقياً عن جعفر بن محمد ولا عن سائر ائمة الشيعة، مع أن الشيعة قد رووا في كتبهم الأخلاقية كثيراً من أحاديثهم وتواريخهم .

وهذا عارفهم الرومي لم يستشهد في أمثاله برواية أو حكاية تفرد بها الشيعة . والعجب كل العجب من علي جلال المصري أنه ذكر في كتابه «الحسين» أحاديث عن كتب الشيعة مما تفردوا به ونقل عن الكليني والإرشاد واللهوف وغيرها روايات وحكم بصحتها ومع ذلك فكلما خالف رأيه ونظره الموافق لرأي ابن تيمية جعلها من موضوعات غلاة الشيعة . ومن يضلل الله فلا هادي له .

وليس إنكارهم أمر يزيد بقتل الحسين عليه السلام بأعجب من إنكارهم نص يوم الغدير وإنكار ردّ الشمس ( وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (1).

( تتميم ) : قال علي جلال المصري في كتابه الحسين (2): ولستُ محتاجاً إلى تكلُّف نفى قول من زعم من غلاة الشيعة أنه لو لا اسشتهاد الحسين لا نمحى الدين أو كاد ينمحي ، بل الذي لا ريب فيه عندي أنه لو مد الله عمر الحسين لكانت حياته أنفع للدين والدنيا وخيراً للأمة . إلى آخر ما قال.

أقول : ليس هذا من زعم غلاة الشيعة، بل هو مذهب جميع الشيعة


1) سورة البقرة : 213 وسورة النور : 46.

2) الحسين عليه السلام 1942.

وعقيدتهم ، وإن كان الشيعة عنده جميعاً من الغلاة . وقد مرّ تحقيق ذلك في ترجمة علي الرضيع وترجمة الحسين عليه السلام وفي شرح خطبة العقيلة وأنه برز في تلك المواضع كلها الاسلام كله إلى الكفر كله . وقد مرّ أن بقاء كلمة التوحيد بل بقاء الديانات حتى اليهودية والنصرانية إلى الآن ببركة الحسين عليه السلام، ولولاه لا نمحى الدين كله في العالم. وهذا واضح لمن تدبر وتفكر ونظر في التاريخ بعين البصيرة ، فلا نعيد ما سبق الكلام .

ولقد أنصف المصري في آخر كلامه حيث قال (1): غير أن الله قدر استشهاده في أول سنة 61 ، وهذا الحادث العظيم صار على مدى الدهر مثال الجهاد في سبيل الله وقتل الظلم وطلب الحق والنهي عن المنكر ، وعزة النفس التي يُضرب بها المثل ، وعدم الاستسلام للشدائد والصبر الذي يحير الألباب والشجاعة التي لا نظير لها . انتهى .

(التنبيه الثالث) الذي يُستفاد من الأحاديث والتواريخ بعد التأمل وإمعان النظر: أن ما جرى على السبايا من حين دخولهم إلى الشام إلى خروجهم منه ، كان أشدّ وأعظم مما جرى عليهم في الكوفة، إلا أن خصوص ماجرى في مجلس ابن زياد كان أشد وأعظم مما جرى عليهم في مجلس يزيد.

(التنبيه الرابع) الأكثرون على أن مدة توقف علي بن الحسين عليه السلام مع السبايا في الشام لا تزيد عن عشرة أيام، وقيل شهراً أو شهرين أو ثلاثة أشهر ، ولا دليل عليه إلا الاستعجاب. والأول هو الصحيح، والدليل عليه الروايات الآتية .

ثم اختلفوا في مدة إقامتهم في المحبس هل هى ثلاثة أيام أو سبعة . كما اختلفوا


1) الإمام الحسين 195/2.

في مدة إقامتهم في دار أفرد لهم هل هي ثلاثة أيام أو سبعة أيام أو خمسة أيام . ثم اختلفت كلماتهم في موضع المحبس والسجن هل هو دار خراب أو خرابة أو مسجد خراب كان مسجداً ليحيى بن زكريا أو غير ذلك .

كما اختلفوا في الدار التي أقاموا بها بعد خروجهم من السجن والحبس، فقيل دار يزيد بن معاوية وأدخلوهن على نسائه ، وقيل أفردوا لهن داراً ، وقيل أمر لهن بقباب .

ثم اختلفوا هل هو باستدعائهن من يزيد كما صرح به في جلاء العيون (1): أنهم استدعوا من يزيد مكاناً فارغاً يقيمون فيه المأتم ، حيث لم يكن في زمن الإسارة مكاناً فارغاً لإقامة المأتم والنوح والبكاء ، أو بأمر يزيد حينما أراد التلطف بهم. إلى غير ذلك .

ولابد أولاً أن ننقل كلماتهم ثم نختار ما يساعدنا الدليل عليه من الأقوال، فنقول :

قال الدينوري في الأخبار الطوال (2): ثم أمر يزيد بالذرية فأدخلوا دار نسائه . وقال ابن قتيبة في كتابه الامامة والسياسة : ثم قال يزيد : خلوا عنهم واذهبوا إلى الحمام واغسلوهم واضربوا عليهم القباب ، ففعلوا، وأدرّ عليهم الطبيخ وكساهم وأخرج لهم الجواهر الكثيرة من الأموال .

وقال ابن كثير في البداية والنهاية (3): وقد ناح أهل يزيد في منزله على الحسين مع آله حين كانوا عندهم ثلاثة أيام.


1) الإمامة والسياسة 7/2 باختلاف يسير.

2) الأخبار الطوال ص 261 .

3) البداية والنهاية 254/8 .

وفي تاريخ الطبري (1): ثم أمر يزيد بالنسوة أن ينزلن في دار على حدة معهن ما يصلحهن ، ومعهن علي بن الحسين في الدار التي هن فيها . قال : فخرجن حتى دخلن دار یزید فلم يبق من آل معاوية امرأة إلا استقبلهن تبكي وتنوح على الحسين ، فأقاموا عليه المناحة ثلاثاً ، وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا ودعا عليَّ بن الحسين إليه .

وفيه أيضاً عن عمار الدهني عن أبي جعفر عليهم السلام : أدخلهم يزيد على عياله ، فجهزهم وحملهم إلى المدينة .

وقال الإسفرايني فأمر بإخلاء دار لهم فقعدوا فيها وجدّدوا البكاء والنوح ليلاً ونهاراً ، ولم يبق في دمشق قرشية ولا هاشمية إلا وشدت الأوساط ، وأقاموا على ذلك أسبوعاً .

هذا ما وقفنا عليه من كتبهم ، وليس في أكثرها ذكر للحبس والمحبس ، بل ما في أكثر كتب الشيعة من أفعال يزيد من حين ورودهم من الشام إلى خروجهم ، بل قد عرفت أن ما في كتبهم على خلاف ما في كتب الشيعة ، وليس ذلك إلا لتبرئة مقام يزيد وتكذيب ما أورده الشيعة في كتبهم عن أئمتهم عليهم السلام .

قال الشيخ ابن نما (2): وكانت النساء مدة مقامهن بدمشق ينحن عليه عليه السلام بشجو وأنة ، ويندبن بويل ورنة ، ومصاب الأسرى عظم خطبه والأسى لكلم التكلى عال طبه وأسكن في مساكن لا تقيهن من حرّ ولا برد، حتى تقشرت الجلود وسال الصديد بعد كنّ الخدود وظل الستور، والصبر ظاعن


1) تاريخ الطبري 425/5 .

2) مثير الأحزان ص 102.

والجزع مقيم والحزن لهن نديم.

وروى الصدوق في الأمالي (1)عن ماجيلويه ، عن عمه ، عن الكوفي ، عن نصر بن مزاحم ، عن لوط بن يحيى، عن الحارث بن كعب ، عن فاطمة بنت علي عليه السلام ، قال : ثم إن يزيد أمر بنساء الحسين، فحبسن مع علي بن الحسين في

محبس لا يُكنّهم من حرّ ولا قرّ ، حتى تقشرت وجوهن .

وقال السيد في الإقبال (2): لما حملهم إلى الشام روي أنهم أقاموا فيها شهراً في موضع لا يكنهم من حرّ ولا برد.

وعن بصائر الدرجات (3): أحمد بن محمد ، عن الأهوازي والبرقي ، عن النضر ، : عن يحيى الحلبي ، عن عمران الحلبي ، عن محمد الحلبي ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : لما أتي بعلي بن الحسين يزيد بن معاوية ومن معه جعلوه في بيت ، فقال بعضهم : إنما جعلنا في هذا البيت ليقع علينا فيقتلنا ، فراطن الحرس فقالوا : أنظروا إلى هؤلاء يخافون أن يقع عليهم البيت ويخرجون غداً فيقتلون . قال علي بن الحسين : لم يكن فينا أحد يحسن الرطانة غيرى.

وفيه (4)أيضاً : محمد بن الحسين، عن صفوان ، عن داود بن فرقد؟ ، ذكر قتل الحسين وأمر علي بن الحسين لما أن حمل إلى الشام: فدفعنا [فرفعنا ] إلى السجن ، فقال أصحابي ما أحسن بنيان هذا الجدار ، فطراطن أهل الروم و العراق ] بينهم ، فقالوا : ما في هؤلاء صاحب دم إلا ذلك - يعنوني . فمكثنا يومين


1) الأمالي للصدوق ص 231.

2) اقبال الاعمال 101/3 .

3) بصائر الدرجات ص 358 .

4) بصائر الدرجات ص 359 .

ثم دعانا وأطلق عنا .

قال المجلسي في البحار (1):

فدفعنا » من كلام علي بن الحسين عليه السلام ، وقد حذف صدر الخبر .

قوله « صاحب دم» أي طالب دم المقتول ، أو من يريد يزيد قتله .

وفيه «والرطانة» عند أهل المدينة الرومية، ويحتمل أن ذلك من كلام البصائر.

وفي بعض الكتب مسنداً عن علي بن الحسين عليه السلام قال : ولما حُملنا إلى الشام قد فتنا . إلى قوله : فقالوا ما في هؤلاء صاحب دم، إن كان إلا ذلك . يعنونني . كذا نسب إلى بصائر الدرجات.

وفي ذيل روايته الأولى : فقال علي بن الحسين عليهما السلام بالقبطية لا يكونان جمعاً - أي الحرق والقتل - إلا باذن الله . ولعل النسخة الموجودة عند المجلسي ليست مصححة .

وفي القاموس (2): رطانة بالفتح والكسر : التكلم بغير لغة العرب ، ورطن من باب نصر وراطنه من باب المفاعلة : تكلم بلغة العجم .

و في المناقب (3)قال : وموضع حبس زين العابدين عليه السلام هو اليوم مسجد . وقال السيد في اللهوف (4): ثم أمر بهم إلى منزل لا يُكنّهم من حرّ ولا برد، فأقاموا فيه حتى تقشرت وجوههم، وكانوا مدة مقامهم في البلد المشار إليه


1) بحار الأنوار 177/45 .

2) لم نعثر عليها في القاموس، بل في لسان العرب 181/13 باختلاف في العبارة.

3) مناقب آل أبي طالب 309/3 .

4) اللهوف ص 219 .

ينوحون على الحسين عليه السلام قالت سكينة : فلما كان في اليوم الرابع من مقامنا رأيت في المنام رؤياً - إلى آخره .

وفي المناقب (1): وذكر أبو مخنف وغيره : إن يزيد أمر بأن يُصلب الرأس على باب داره وأمر بأهل بيت الحسين أن يدخلوا داره، فلما دخلت النسوة دار يزيد لم يبق من الأموية وآل أبي سفيان أحد إلا استقبلهن بالبكاء والصراخ والنياحة على الحسين، وألقين ما عليهن من الثياب والحلل وأقمن المأتم ثلاثة أيام. انتهى.

وفي البحار (2)نقل عن هند زوجة يزيد قالت : كنت أخذت مضجعي فرأيت باباً من السماء وقد فتح إلى قولها : فانتبهت من نومي فزعة مرعوبة ، وإذا بنور قد انتشر على رأس الحسين ، فجعلت أطلب يزيد وهو قد دخل إلى بيت مظلم وقد دار وجهه إلى الحائط وهو يقول : مالي وللحسين ، وقد وقعت عليه الهمومات ، فقصصت عليه المنام وهو منكس الرأس . قال : فلما أصبح استدعى بحرم رسول الله فقال لهن : أيما أحب إليكن المقام عندي أو الرجوع إلى المدينة ولكم الجائزة السنية . قالوا : نحب أولاً أن ننوح على الحسين . قال : افعلوا ما بدا لكم . ثم أخليت لهن الحجر والبيوت في دمشق ولم تبق هاشمية ولا قرشية إلا ولبست السواد على الحسين وندبوه على ما نقل سبعة أيام.

وعن كامل البهائي ، ثم أرسلت زينب عليها السلام إلى يزيد تسأله الإذن أن يقمن المأتم على الحسين عليه السلام ، فأجاز ذلك وأنزلهن في دار الحجارة فأقمن المأتم هناك سبعة أيام، وتجتمع عندهن كل يوم جماعة كثيرة لا تحصى من


1) بحار الأنوار 142/45 نقلاً عن المناقب، مقتل أبي مخنف 156/4 .

2) بحار الأنوار 196/45 .

النساء ، فقصد الناس أن يهجموا على يزيد في داره ويقتلوه ، فاطلع على ذلك مروان وقال ليزيد : لا يصلح لك توقف أهل البيت في الشام وابعث بهم إلى الحجاز ، فهيأ لهم المسير وبعث بهم إلى المدينة .

وفي رواية المنهال الآتية قال عليه السلام : المحبس الذي نحن فيه ليس له سقف والشمس تصهرها به ولا نرى الهواء، فأفرّ منه لضعف بدني سويعة وأرجع خشية على النساء.

إلى غير ذلك مما يطلع عليه المتتبع في كتب المقاتل والتواريخ.

و أنت خبير بعدم إمكان الجمع بين الروايات والتواريخ بحيث يرتفع الإختلاف وتطمئن إليه النفس . والذي أطمئن به وأظن ظناً متآخماً للعلم ويساعد عليه الدليل : أن السبايا وعلي بن الحسين عليه السلام أدخلوا في دمشق في أول شهر صفر سنة إحدى وستين على ما صرح به الكفعمي والبهائي والكاشاني وأبوريحان في الآثار الباقية ، وبعد ما أطافوا بهن في ذلك اليوم أدخلوهن في دار خربة كانت مسجداً ليحيى بن زكريا ، وهي التي دفنت فيها رقية - على ما تقدم في ترجمتها وتزار فيها إلى الآن وكانت قريبة من بيوت السلطنة وعمارة يزيد ومعاوية لقرب دار الحجارة الموجودة إلى الآن، وأقاموا هناك مسجونين

محبوسين إلى اليوم السابع، وكانت وفاة رقية من بعض تلك الليالي ورؤيا سكينة في الليلة الرابعة منها ، وملاقاة منهال كانت أيضاً في تلك الأيام على ما هو المصرح به في رواية الأنوار النعمانية، ولا ينافي ذلك ما في رواية بصائر الدرجات (1)«فمكتنا يومين ثم أطلق عنا»، فإن الظاهر أن يزيد أطلقهم عن القيد والغل


1) بصائر الدرجات ص 359 .

والحبال والحرسى ، فبقين مطلقات ويخرج علي بن الحسين في بعض الأيام قريباً من المحبس ثم يرجع ، لا أنه أطلق عنهم بالكلية كما لا يخف . ثم أخرجوهم فأفرد لهم يزيد داراً من بيوته - ولعله دار الحجارة - وأمر بالقباب في تلك الدار ، وبقوا بها ثلاثة أيام على ما صرح به الطبري وابن كثير وجملة من المحدثين ونقله في المناقب عن أبي مخنف وغيره . وجهّز يزيد عند ذلك وسرح بهم إلى المدينة في اليوم الحادي عشر .

(التنبيه الخامس) السبب في تجهيز يزيد وتسريحهم إلى المدينة وإخراجهم من الشام ، هو انقلاب أهل الشام على يزيد بعد خطبة العقيلة في المجلس الرسمي الأول وخطبة على بن الحسين عليه السلام في المسجد ، فشاع في الشام أن السبايا لسن من الخوارج كما يقال وأن الحسين بن علي بن أبي طالب قتل مظلوماً بأمر يزيد وأنهن أهل بيت النبوة وعترة النبي وآل الرسول، ولكن السبب العمدة بحيث لا يتمكن يزيد من إبقائهن في الشام إقامتهن المأتم في دار يزيد واجتماع النساء من بني هاشم وبني عبد المطلب وآل أبي سفيان وآل معاوية ونساء يزيد وسائر نساء أشراف الشام وغيرهن ، فأذن يزيد إذناً عاماً في دخول النساء على أهل بيت الرسول، فدخلن النساء عليهن وهن ونساء اهل الشام باكيات صارخات داعيات بالويل والثبور ، بحيث صار الشام بقعة واحدة من البكاء والمأتم ، وأثر ذلك في رجال الشام المؤالف والمخالف أثراً عظيماً ، بحيث قصد الناس أن يهجموا على يزيد في داره ويقتلوه على ما صرح به في كامل البهائي فاطلع على ذلك مروان وقال ليزيد : لا يصلح لك توقف أهل بيت الحسين، فأعد لهم الجهاز وابعث بهم إلى الحجاز ، فجهزهم وبعث بهم إلى المدينة.

بقي أمران :

(الأول) قد يمضى في الكتب ملاقاة منهال بن عمر الكوفي علي بن الحسين عليه السلام في الشام . وفي بعض النسخ « ابن عمرو » بالواو . وقد يقيد بالطائي .

في التنقيح (1): منهال بن عمرو الأسدي عده الشيخ (2)في رجاله بالعنوان المذكور من أصحاب الحسين عليه السلام، وأخرى من أصحاب السجاد عليه السلام ، وثالثة بزيادة مولاهم من أصحاب الباقر عليه السلام، ورابعة من أصحاب الصادق عليه السلام مضيفاً إلى ما في العنوان « مولاهم كوفي ، روى عن علي بن الحسين وأبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السلام». قال : وظاهره كونه إمامياً إلا أن حاله مجهول .

وعده في الوجيزة أيضاً من المجاهيل ، ويستظهر من الروايات الآتية حسن حاله . قال الشيخ ابن نما في مثير الأحزان والسيد في اللهوف (3)ومثله في البحار وغيره ، قال : خرج زين العابدين يوماً يمشي في أسواق دمشق ، فلقيه منهال بن عمرو ، فقال له : كيف أمسيت يابن رسول الله ؟ قال : أمسينا كمثل بني إسرائيل في آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، يا منهال أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمداً منها ، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمداً منها ، وأمسينا معشر أهل بيته ونحن مغصوبون مقتولون مشردون ، فإنا الله وإنا إليه راجعون مما أمسينا فيه يا منهال


1) تنقیح المقال 251/3.

2) الرجال للطوسي ص 97، 101 ، 138 ، 313 .

3) مثير الأحزان ص 105 ، اللهوف ص 222، بحار الأنوار 143/45.

هكذا في أكثر كتب المقاتل، وفي الأنوار النعمانية ذكر الجزائري قدس سره بياناً أبسط ، قال : وروي عن منهال بن عمر : بينما أتمشى في السوق من دمشق وإذا أنا بعلى بن الحسين عليه السلام يتوكأ على عصاً ورجلاه كأنهما قصبتان والدم يسيل من ساقيه والصفراء قد ازدادت عليه ، فخنقتني العبرة ، فاعترضته وقلت : كيف أصبحت يابن رسول الله ؟ قال : فبكى وقال : كيف حال من أصبح أسيراً ليزيد بن معاوية، ونسائي إلى الآن ماشبعن بطونهن ولاكسين رؤوسهن، نائحات الليل والنهار ، ونحن يا منهال كمثل بني إسرائيل في آل فرعون ، يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمداً عربي، وأمست القريش تفتخر على العرب بأن محمداً منهم ، وأمسينا معشر أهل البيت مغضوبين مقتلين مشردين، ما يدعونا إليه يزيد مرة إلا نظن القتل ، إنا لله وإنا إليه راجعون . قلت : يا سيدي وإلى أين تريد ؟ قال : المحبس الذي نحن فيه ، ليس له سقف والشمس تصهرنا به ولا نرى الهواء ، فأفرّ منه لضعف بدني سويعة وأرجع خشية على النساء. فبينما هو يخاطبني وأخاطبه وإذا بامرأة تناديه، فتركني ورجع إليها ، فحققت النظر إليها وإذا بها زينب عليها السلام تدعوه إلى أين تمضي ياقرة عيني - فرجع وانحرفت عنه ، ولم أزل أذكره وأبكي . انتهى .

هكذا في النسخة الموجودة عندي من الأنوار النعمانية، وببالي أن المحدث المعاصر نقل عنه في منتهى المقال ذلك مع زيادات في البحار (1)في المجلد السادس عشر عن جامع الراوندي عن المنهال قال : دخلت على علي بن الحسين فقلت : السلام عليكم كيف أصبحتم رحمكم الله ؟ قال : أنت تزعم أنك لنا


1) بحار الأنوار 16/73 .

شيعة وأنت لا تعرف صباحنا ومساءنا ، أصبحت في قومنا بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون يذبحون الأبناء ويستحيون النساء، وأصبح خير البرية بعد نبيها يُلعن على المنابر ، ويُعطى الفضل والأموال على شتمه ، وأصبح من يحبنا مغصوبة بحقه على حبه إيانا ، وأصبح قريش يُفضّل على جميع العرب بأن محمداً منهم ، يطلبون بحقنا ولا يعرفون لنا حقاً ، أدخل فبهذا صباحنا ومساؤنا .

وعن تفسير منهج الصادقين في سورة بني إسرائيل : قال منهال : دخلت على علي بن الحسين عليه السلام فقلت : كيف أصبحت يابن رسول الله ؟ قال : : أصبحت والله بمنزلة بني إسرائيل من آل فرعون، يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وأصبح خير البرية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله يُلعن على المنابر ، وأصبح الحسين مقتولاً مظلوماً ، واذلاه لأمة قتلت ابن بنت نبيها .

وربما يُستظهر من اختلاف التعابير واختلاف متن الحديث : أن ملاقاته عليه السلام كان في مجالس متعددة، إلا أن الظاهر أن الملاقاة كانت في مجلس واحد ، وإنما نقلوا باختلاف في التعبير والألفاظ والزيادة نقلاً بالمعنى، ويمكن تعدد الواقعة . والله العالم .

وفي بعض الكتب نسبت القصة إلى مكحول ، قال : رأى مكحول علي بن الحسين عليه السلام فقال : كيف أصبحت يابن رسول الله ؟ قال : أمسينا بينكم مثل بني إسرائيل في آل فرعون، يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم .

والظاهر أن مكحول تصحيف منهال ، ومكحول - على ما في التنقيح (1)عن


1) تنقيح المقال 246/3 .

ابن أبي الحديد في شرح النهج (1)- من المبغضين لأمير المؤمنين ، وهو غير مذكور في كتب رجالنا ، وإنما عده أبو موسى من الصحابة . ويمكن تعدّد السؤال واتحاد الجواب . فتدبر .

(الأمر الثاني ) في الخطبة التي خطبها عليه السلام، قد اختلفت كلماتهم في نقلها بعد اتفاقهم على أصلها وأنه عليه السلام خطب بالمسجد بعد ما أمر يزيد خاطباً أن يخطب ، وكانت ذلك باستيذان من يزيد. فما في بعض المقاتل مسنداً إلى احتجاج الطبرسي أن بعد ورود السبايا إلى مجلس يزيد وجرى في مجلسه ما جرى ، أمر يزيد علي بن الحسين بأن يصعد المنبر ويخبر الناس بفتح يزيد وأن يمدحه ويمدح بني أمية ، فصعد وقال : من عرفني فقد عرفني (2)- إلى آخر ما سيأتي . فهو غريب و تفرد به قائله وليس هذا النقل بشي ، بل الظاهر المصرح به في الكتب أن الخطبة كانت بعد خروج أهل البيت من الحبس وفي الأيام التي تلطف يزيد بهم .

ومثله في الضعف ما في جلاء العيون الفارسي ، قال : ثم أمر يزيد بردّ السبايا إلى السجن فأوتي بعلي بن الحسين إلى المسجد وأمر خاطباً أن يخطب .

وأضعف منها ما ذكره الإسفرايني أن الخطبة كانت بسماع من السبايا والسجاد . ثم ذكر الخطبة بطولها وألفاظها وإن كانت جملة منها مقاربة لما نقله في المناقب وغيره ، إلا أنه يخالف في أكثر ما نقلوه تركناها لتفرده وعدم إعتمادنا بما تفرد به ، وإنما ننقل ما في كامل البهائي ثم نتبعه بما جاء في المناقب ونشير


1) شرح نهج البلاغة 103/4 .

2) الاحتجاج 32/2 .

إلى مواقع الإختلاف.

قال في كامل البهائي : إنه عليه السلام سأل يزيد أن يخطب يوم الجمعة ، فقال : نعم . فلما كان يوم الجمعة أمر ملعوناً أن يصعد المنبر ويذكر ما جاء على لسانه من المساوئ في علي والحسين عليهما السلام ويقرّر الثناء والشكر على الشيخين فصعد الخطيب المنبر وقال ما شاء من ذلك ، فقال الإمام عليه السلام : أتأذن لي حتى أخطب أنا أيضاً. فندم يزيد على ما وعده من أن يأذن له، فلم يأذن له، فشفع الناس فيه فلم يقبل شفاعتهم ، ثم قال معاوية ابنه وهو صغير السن ، فقال : يا أباه ما يبلغ خطبته ، ائذن له حتى يخطب . قال يزيد : أنتم في أمر هؤلاء في شك ، إنهم ورثوا العلم والفصاحة وأخاف أن يحصل من خطبته فتنة علينا وبالها . ثم أجازه ، فصعد المنبر وقال :

(الحمد لله الذي لا نفاد له ، والأول الذي لا أول لأوليته ، والآخر الذى لا آخر لآخريته ، والباقي بعد فناء الخلق ، قدّر الليالي والأيام ، وقسم فيما بينهم الأقسام، فتبارك الله الملك العلّام).

( إن الله أعطانا العلم والحلم والشَّجاعة والسخاوة والمحبة في قلوب المؤمنين ، ومنا رسول الله ووصيه وسيد الشهداء وجعفر الطيار في الجنة وسبطا هذه الأمة والمهدي الذي يقتل الدجال ) .

( أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فقد أعرفه بحسبي ونسبي : أنا ابن مكة ومنى ، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا ، أنا ابن خير من تقمص وارتدى ، أنا ابن خير من طاف وسعى ، أنا ابن خير من حج ولبى ، أنا ابن من أسري به إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ سدرة المنتهى ، أنا ابن من دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن من أوحى إليه

الجليل ما أوحى ، أنا ابن الحسين القتيل بكربلا ، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن محمد المصطفى ، أنا ابن فاطمة الزهرا أنا ابن خديجة الكبرى، أنا ابن سدرة المنتهى ، أنا ابن شجرة طوبى ، أنا ابن المرمّل بالدما ، أنا ابن من بكى عليه الجن في الظلما، أنا ابن من ناح عليه الطيور في الهوا ) .

فلما بلغ كلامه عليه السلام إلى هذا الموضع ضج الناس بالبكاء والنحيب وخشي يزيد أن تكون فتنة ، فأمر المؤذن أن يؤذن بالصلاة ، فقام المؤذن وقال « الله أكبر ، الله أكبر » . قال الامام عليه السلام : نعم ، الله أكبر ، أعلى وأجل وأكرم

مما أخاف وأحذر .

فلما قال «أشهد أن لا إله إلا الله » قال عليه السلام : نعم ، أشهد مع كل شاهد واحتمل على كل جاحد أن لا إله غيره ولا ربّ سواه .

فلما قال المؤذن « أشهد أن محمداً رسول الله » أخذ عليه السلام عمامته من رأسه وقال للمؤذن : أسألك بحق محمد هذا أن تسكت ساعة . ثم أقبل على يزيد وقال : يا يزيد هذا الرسول العزيز الكريم جدي أم جدك ، فإن قلت إنه جدك يعلم العالمون أنك كاذب، وإن قلت إنه جدي فلم قتلت أبي ظلماً وانتهبت ماله وسبيت نساءه .

فقال عليه السلام هذا وأهوى إلى ثوبه فشقه ثم بكى وقال : والله لو كان في الدنيا من جده رسول الله فليس غيري ، فلمَ قتل هذا الرجل أبي ظلماً وسبيتناكما تسبى الروم .

ثم قال : يا يزيد فعلت هذا ثم تقول «محمد رسول الله » وتستقبل القبلة ، فويل لك من يوم القيامة حيث كان خصمك جدي وأبي .

فصاح يزيد بالمؤذن أن يقيم للصلاة ، فوقع بين الناس دمدمة وزمزمة عظيمة ،

فبعضهم صلى وبعضهم لم يصل حتى فُرّقوا . انتهى .

وفي البحار (1): وقال صاحب المناقب وغيره : روي أن يزيد أمر بمنبر وخطيب ليخبر الناس بمساوئ الحسين وعلي عليهما السلام وما فعلا، فصعد الخطيب المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم أكثر الوقيعة في علي والحسين وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد فذكرهما بكل جميل . قال : فصاح به علي بن الحسين عليه السلام وقال : أيها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق ، فتبوأ مقعدُك من النار .

ثم قال علي بن الحسين : يا يزيد إنذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات الله فيه رضى ولهؤلاء فيهن أجر وثواب .

قال : فأبى يزيد عليه ذلك ، فقال الناس يا أمير المؤمنين ائذن له فليصعد المنبر فلعلنا نسمع منه شيئاً . فقال : إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان . فقيل له : يا أمير المؤمنين وما قدر ما يُحسن هذا . فقال : إنه من أهل بيت قد زُقوا العلم زقاً .

قال : فلم يزالوا به حتى أذن له، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم خطب خطبة أبكى منها العيون وأوجل منها القلوب ، ثم قال :

(أيها الناس أعطينا ستاً وفضلنا بسبع، أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين، وفضلنا بأن منا محمداً النبي المختار، ومنا الصديق ، ومنا الطيار، ومنا أسد الله وأسد رسوله ، ومناسبطا هذه الأمة . من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي ) .


1) بحار الأنوار 242/45 .

( أيها الناس أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم وصفا ، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا ، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى ، أنا ابن خير من انتعل واحتفى ، أنا ابن خير من طاف وسعى ، أنا ابن خير من حج ولبي ، أنا ابن خير من حمل على البراق في الهوا ، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى أنا ابن من دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى ، أنا ابن محمد المصطفى ، أنا ابن علي المرتضى ، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا « لا إله إلا الله»، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله بسيفين وطعن برمحين وهاجر الهجرتين وبايع البيعتين وقاتل ببدر وحنين ولم يكفر بالله طرفة عين أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين وقامع الملحدين ويعسوب المسلمين ونور المجاهدين وزين العابدين وتاج البكائين وأصبر الصابرين وأفضل القائمين من آل ياسين رسول رب العالمين ، أنا ابن المؤيد بجبرائيل المنصور بميكائيل ، أنا ابن المحامى عن حرم المسلمين وقاتل المارقين والناكثين والقاسطين والمجاهد أعدائه الناصبين، وأفخر من مشى من قريش أجمعين ، وأول من أجاب واستجاب الله ولرسوله من المؤمنين ، وأول السابقين وقاصم المعتدين ومبيد المشركين ، وسهم من مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين، وناصر دين ا وولي أمر الله وبستان حكمة الله وعيبة علمه ، سمح سخي بهي بهلول زكي أبطحي رضي مقدام همام صابر صوّام مهذب قوّام قاطع الأصلاب ومفرق الأحزاب، أربطهم عناناً وأثبتهم جناناً وأمضاهم عزيمة وأشدهم شكيمة ، يطحنهم في الحروب إذا أزلفت الأسنة وقربت الأعنة طحن الرحى، ويذروهم فيها ذرو الريح الهشيم، ليث الحجاز وكبش العراق ، مكي مدني خيفي عقبي بدري أحدي شجري مهاجري ،

من العرب سيدها ومن الوغا ليتها وارث المشعرين وأبو السبطين الحسن والحسين ، ذاك جدي علي بن أبي طالب ) .

ثم قال : ( أنا ابن فاطمة الزهراء ، أنا ابن سيدة النساء ) .

فلم يزل يقول « أنا ابن » حتى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب ، فخشي يزيد أن تكون فتنة ، فأمر المؤذن فقطع عليه الكلام ، قال المؤذن « الله أكبر ، الله أكبر » قال علي عليه السلام : لا شي أكبر من الله .

فلما قال «أشهد أن لا إله إلا الله » قال علي بن الحسين : شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي .

فلما قال « أشهد أن محمداً رسول الله » التفت من فوق المنبر إلى يزيد ، فقال : محمد هذا جدي أم جدك يا يزيد، فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت ، وإن زعمت أنه جدي فلم قتلت عترته . قال : وفرغ المؤذن من الأذان والإقامة، فتقدم يزيد وصلى الظهر . انتهى .

في البحار (1)أيضاً : في كتاب المناقب في كتاب الأحمر : قال الأوزاعي : لما أتي بعلي بن الحسين ورأس أبيه إلى يزيد بالشام، قال لخطيب بليغ : خذ بيد هذا الغلام فأت به المنبر وأخبر الناس بسوء رأي أبيه وجده وفراقهم الحق وبغيهم علينا .

قال : فلم يدع شيئاً من المساوئ إلا ذكره فيهم ، فلما نزل قام علي بن الحسين ، فحمد الله بمحامد شريفة وصلى على النبي صلاة بليغة موجزة ، ثم قال :

( معاشر الناس ، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فإني أعرفه نفسي، أنا


1) مناقب آل أبي طالب 305/3 ، بحار الأنوار 174/45 .

ابن مكة ومنى ، أنا ابن المروة والصفا ، أنا ابن محمد المصطف ، أنا ابن من لا يخفى ، أنا ابن من على فاستعلى فجاز سدرة المنتهى وكان من ربه كقاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن من صلى بملائكة السماء مثنى مثنى ، أنا ابن من أسرى من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن فاطمة الزهرا، أنا ابن خديجة الكبرى، أنا ابن المقتول ظلما ، أنا ابن المحزوز الرأس من القفا ، أنا ابن العطشان حتى قضى ، أنا ابن طريح كربلا، أنا ابن مسلوب العمامة والردا ، أنا ابن من بكت عليه ملائكة السماء أنا ابن من ناحت عليه الجن في الأرض والطير في الهوا، أنا ابن من رأسه على السنان يُهدى ، أنا ابن حرمه من العراق إلى الشام تسبى).

( أيها الناس إن الله تعالى وله الحمد ابتلانا أهل البيت ببلاء حسن حيث جعل راية الهدى والعدل والتقى فينا ، وجعل راية الضلالة والردى في غيرنا ، فضَّلنا أهل البيت بست خصال، فضلنا بالعلم والحلم والشجاعة والسماحة والمحبة والمحلة في قلوب المؤمنين ، وآتانا ما لم يؤت أحداً من العالمين من قبلنا، فينا تختلف الملائكة وتنزيل الكتب ) .

قال : فلم يفرغ حتى قال المؤذن « الله اكبر» ، فقال علي عليه السلام : أشهد بما تشهد به.

فلما قال المؤذن « أشهد أن محمداً رسول الله» قال على يا يزيد هذا جدي أو جدك، فإن قلت جدك فقد كذبت وإن قلت جدي فلم قتلت أبي وسبيت حرمه وسبيتني.

ثم قال : معاشر الناس هل فيكم من جده وأبوه رسول الله صلى الله عليه وآله فعلت الأصوات بالبكاء . انتهى . والمتأمل في الروايات يعرف مواضع الإختلاف فيها ، والظاهر أن إحداها بل

كلها نقلت بالمعنى . فتدبر .

(بیان) :

قوله « السماحة» في المجمع (1): السماح بالفتح الجود والسماحة مثله . وسمح به يسمح سمحاً وسماحاً وسماحة : أي جاد ، وفي الحديث « السماحة البذل في العسر وفي اليسر»، وفي آخر «السماحة إجابة السائل وبذل النائل». وفلان سمح الكفين نقي الطرفين أي كريم، ونقي الطرفين فرجه ولسانه . انتهى .

وفي رواية كامل البهائي « السخاوة» بدل السماحة .

قوله في رواية كامل البهائي « أنا ابن من حمل الركن » ، وفي رواية المناقب «من حمل الزكاة». ولعل الأول أصح وأبلغ ، لأن الثاني يحتاج إلى عناية مع أنه ليس من مختصاته وليس فيه مدح عظيم ، بخلاف الأول لاختصاصه به صلى الله عليه وآله على ما ذكر الفريقان في تاريخ بناء الكعبة قبل البعثة وتحيّر قريش في نصب الحجر الأسود . فراجع .

قوله في رواية الأوزاعي «مثنى مثنى» أي مكرراً . في المجمع (2): في حديث الوضوء «مثنى مثنى» أي مرتان في الغسل ومسحتان وغسلتان . و «صلاة الليل مثنى مثنى» أي ركعتان .

و « الإقامة مثنى مثنى » أي يكرر فيه اللفظ وفي القاموس (3): «جاء مثنى» بفتح الميم وقصر الآخر ، وثناء كغراب، أي


1) مجمع البحرين 415/2.

2) مجمع البحرين 328/1 .

3) القاموس المحيط 309/4.

جاء رجلان رجلان وامرأتان امرأتان .

ولا يخفى الفرق بين ما ذكره في المجمع وبين المذكور في القاموس للفظ «مثنى»، فإن الثاني تأكيد للأول على ما في القاموس وتأسيس على ما في المجمع، والصلاة بالملائكة بأجمعهم مكرراً ومراراً جماعةً على معنى المجمع، وبهم اثنين على ما في القاموس . والأول أظهر وأنسب والثاني أبلغ . فتدبر .

قوله « بهلول» في القاموس (1): بهلول كسُرْ سُور : الرجل العظيم الذي جمع فيه كل حسن ويرجع إليه كل خير .

قوله « أربطهم عناناً » ربط العنان كناية عن ترك المحارم .

قوله « أمضاهم عزيمةً» بالعين المهملة والزاي المعجمة ، من العزم والثبات في القاموس (2)« أولو العزم من الرسل » الذين بذلوا أنفسهم وجهدهم في ذات الله وأمره . وفي بعض النسخ بالغين المعجمة والراء المهملة .

قوله « وأشدّهم شكيمة» يقال : فلان شديد الشكيمة : إذا كان شديد النفس أنفاً أبياً .

قوله في رواية كامل البهائي : فلما قال « أشهد أن محمداً رسول الله» أخذ عمامته عليه السلام من رأسه . الظاهر أنه أخذ ذلك احتراماً لاسم جده كما هو المتعارف عند بعضهم إلى الآن، يأخذون ما على الرأس من البرنس وغيره عند دخولهم في مجلس الأشراف أو ملاقاتهم ذوي العزة والأكابر أو عند عبورهم على الأمكنة المقدسة المحترمة احتراماً منهم . وهذا دأبهم وديدنهم، فإن لكل قوم في


1) القاموس المحيط 339/3 .

2) القاموس المحيط 149/4 ، باختلاف في العبارة.

الآداب الاجتماعية رسوماً يعملون بها . ولعل ذلك كان من أعراف أهل الشام أو في تلك الأزمنة مطلقاً. ويحتمل كونه من باب الإتفاق لا بداعي الاحترام. ويحتمل غير ذلك . والله العالم . فإن أفعالهم كأقوالهم نحتمل فيها وجوهاً ما لم تكن ظاهراً في وجه واحد .

قوله في تلك الرواية « وأهوى إلى ثوبه فشقه» إن صحت الرواية تكون من أدلة جواز شق ثوب الولد لمصيبة والده ، بل لجواز شق الثوب في مصيبة الحسين عليه السلام مطلقاً . فتأمل .

في البحار (1): قال المدائني : لما انتسب السجاد إلى النبي صلى الله عليه وآله قال يزيد الجلوازه : أدخله في هذا البستان واقتله وادفنه فيه ، فدخل به إلى البستان وجعل يحفر والسجاد يصلي، فلما هم بقتله ضربته يد من الهواء فخر بوجهه ، فشهق و دهش فرآه خالد بن يزيد وليس بوجهه بقية ، فانقلب إلى أبيه وقص عليه ، فأمر بدفن الجلواز في الحفرة وإطلاقه .

قال : وموضع حبس زين العابدين عليه السلام فهو اليوم مسجد . والظاهر أن المسجد هو الذي في جنب بقعة السيدة رقية في الشام في محلة الخراب ، وهو الآن مسجد وسيع كبير تصلى فيه الجمعة والجماعة ، ولقد صليت فيه مراراً .


1) بحار الأنوار 176/45 .

فصل في خروجه عليه السلام من الشام إلى دخوله المدينة

قد سبق أن يزيد بعد أن أفرد لهم داراً وأذن إذناً عاماً لدخول نساء أهل الشام على السبايا وإقامتهن المأتم ثلاثة أيام أو سبعة أيام إنقلب الشام على يزيد ، بحيث أنهم أرادوا قتله والدخول في داره ، فلا جرم جهزهم وأمر بردهم إلى المدينة .

فما في بعض الكتب أن يزيد شاور جلساءه في أمر السبايا وأشار بعضهم بقتلهم جميعاً وقال الكلمة الخبيثة التي لا أقدر على كتابتها ، وأشار بعضهم إلى الردّ إلى المدينة ، وقال بعضهم إفعل بهم ما كان يفعل رسول الله بالسبايا في زمانه ، وأمثال ذلك . لا دليل يُعتمد عليه ولاسند يُعتدّ به .

كما أنه ورد في بعض المقاتل أن يزيد جمع جماعة معهم علي بن الحسين عليه السلام وتبرأ ممن أمر بقتل الحسين وأن القتل كان من فعل ابن زياد من دون استئذان منه ، وأحضر رؤساء الجند الذين جاؤوا مع السبايا إلى الشام وسأل واحداً بعد واحد عن قاتل الحسين، فتبرأوا جميعاً من قتله ، وجعل كلُّ واحد منهم القتل على رقبة الآخر. أيضاً لا دليل يثبت ذلك، بل المظنون أنه من المجعولات شبه موضوعات عوانة بن حكم والزبير بن بكار .

وقد سبق أيضاً مدة إقامتهن في الشام ، وأن الأصح أن ورود السبايا إلى الشام كان في أول شهر صفر وخروجهن في العاشر أو الحادي عشر منه .

قد صرح في البحار (1): فلما كان في اليوم الثامن من إقامتهن المأتم دعاهن يزيد. وفي مقتل الاسفرايني : فلما كان اليوم الثامن من إقامتهن بالشام.

قال السيد في اللهوف (2): وقال يزيد لعلي بن الحسين عليه السلام : أذكر حاجاتك الثلاث التي وعدتك بقضائهن . فقال له : الأولى أن تريني وجه سيدي ومولاي وأبي الحسين حتى أتزود منه وأنظر إليه وأودعه ، والثانية أن تردّ علينا ما أخذ منا ، والثالثة إن كنت عزمت على قتلي أن توجّه مع هؤلاء النسوة من پردهن إلى حرم جدهن .

فقال يزيد : أما وجه أبيك فلن تراه أبداً ، وأما قتلك فقد عفوت عنك ، وأما النساء فلا يردهن غيرك إلى المدينة، وأما ما أخذ منكم فأني أعوضكم عنه أضعاف قيمته .

فقال عليه السلام : أما مالك فلا نريده وهو موفّر عليك ، وإنما طلبت ما أخذ منا لأن فيه مغزل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله ومقنعتها وقلادتها وقميصها .

فأمر يزيد بردّ ذلك وزاد عليه من عنده مائتي دينار ، فأخذها زين العابدين وفرّقها على الفقراء والمساكين . ثم أمر بردّ الأسارى وسبايا البتول إلى أوطانهن بمدينة الرسول . انتهى .

وما عن شرح الشافية وتبعه بعض من تأخر عنه أنه لما قال يزيد لعلي بن


1) بحار الأنوار 196/45 .

2) اللهوف ص 224 .

الحسين «أما وجه أبيك فلن تراه أبداً » (1)كان الرأس في طست وعليه منديل وكان عند يزيد ، فرفع المنديل، وقال الحسين : السلام عليك يا ولداه ، السلام عليك يا علي . فقال علي بن الحسين : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، أيتمتني وذهبت يا أبتاه عني وفُرّق بيني وبينك ، فها أنا راجع إلى حرم جدي ، أودعك الله تعالى وأسترعيك وأقرأ عليك السلام . فإنه أيضاً من المجعولات، يظهر ذلك لمن له أنس بكلامهم عليهم السلام ويؤيده اختلاف النسخ في ذلك ، وأن علي بن الحسين سلّم على رأس أبيه أولاً وأجابه عليه السلام. وقد مرّ في ترجمة زينب سلام الله عليها ما يناسب المقام فراجع .

فلما انفصلوا من الشام أخذوا طريق البر وجدوا بهم السير . ولعل يزيد أمر النعمان بن بشير والقائد بذلك مخافة الفتنة عند مرورهم على البلدان والقرى ، ولم يذكر أحد من المؤرخين والمحدثين عند رجوعهن إلى المدينة مرورهن على بلد أو قرية أو ماء ، مع ذكرهم مرورهن إلى الشام على كل قرية أو بلد وما جرى عليهم في البلدان والقرى إلى أن وصلوا الشام .

ويؤيد ذلك قول السيد في اللهوف (2): ولما رجع نساء الحسين وعياله من الشام وبلغوا العراق قالوا للدليل : مر بنا على طريق كربلاء ، فوصلوا إلى موضع المصرع . إذ الظاهر بل المصرح به أن طريق المدينة من الشام المتعارف منه في ذلك الزمان إلى الآن لم يصل إلى حدود العراق إلا من طريق البر .

فعلى ما ذكرنا من خروج السبايا في اليوم العاشر من صفر ومسيرهن من


1) بحار الأنوار 144/45 .

2) اللهوف ص 225 .

طريق البر ، فلا استبعاد في وصولهن إلى كربلاء في عشرين من صفر ، وهو يوم الأربعين على ما هو المشهور والمعروف والمتعارف بين الشيعة، وصّرح بذلك جملة من الأجلة وبعض الأخبار والآثار ، وقد قدمنا نبذة من ذلک و نزیده

توضيحاً فنقول :

إن المنكرين لوصول أهل البيت إلى كربلاء في يوم العشرين من صفر لا دليل لهم إلا الإستبعاد أو الكلام في مدة توقفهن في الشام . قال السيد : لما روي أن إقامتهن بالشام كان شهراً ، لابدّ له أن ينكر وصولهن في الأربعين الأول . ومثله ما

ذكره غيره.

وقد سبق منا بما لا مزيد عليه أن إقامتهن بالشام لم يكن أزيد من عشرة أيام. فمنشأ الاختلاف ليس إلا الإختلاف في مدة الإقامة بالشام ومدة التوقف في الكوفة ، حتى ألجأ بعضهم إلى القول بالعشرين من السنة الثانية ، وألجأ بعضهم إلى القول بأن رجوعهن إلى كربلاء وملاقاتهن لجابر كان عند رجوعهن من الكوفة إلى الشام من طريق كربلاء. وهذان القولان وأضرابهما مما لا يُعتنى بها بعد ما مرّ من أن الأصح من تعيين مدة إقامتهن في الكوفة والشام.

وأما الإستبعاد في مسيرهن إلى كربلاء من الشام في نحو عشرة أيام. فليس في محله ، إذ كثيراً ما سافروا أبعد من هذا المسير بأقل من عشرة أيام .

وقد ورد في التاريخ : أن مالك الأشتر سافر من الشام إلى الكوفة في عشرة أيام لما بلغه ورود علي عليه السلام بالكوفة وهو في الشام.

وذكروا أيضاً أن مروان بن الحكم لما حوصر في المدينة بعث رجلاً إلى يزيد وكتب كتاباً يذكر فيه ماجرى عليه واستدعى الجواب، فأجابه يزيد ، وكان ذهاب ذلك الرجل من المدينة إلى الشام ومن الشام إلى المدينة بعد توقفه في الشام

أياماً ، في خمسة وعشرين يوماً.

وقد ثبت في التاريخ : أن مسير مسلم بن عقيل من مكة إلى الكوفة بعد توقفه في المحصى أياماً ينتظر جواب ما كتبه إلى الحسين عليه السلام كان عشرين يوماً.

وقد رأينا في زماننا في الدولة العثمانية قد أخذوا جماعةً من أهل النجف منهم السيد محمد على المعروف ب- «مطيار الهواء» وحبسوهم في الشام، ففرّوا من المحبس وجاؤا إلى النجف من طريق البر في ستة أيام ، وكنت حاضراً حين سُئلوا عن مدة المسير فقالوا ستة أيام. وبعد وصولهم إلى النجف جاء البرق من الشام يخبر بفرارهم من المحبس .

وورد في التاريخ والتفسير أن أثر نار نمرود في بابل ظهر في الشامات .

وبالجملة ، فالمتعيّن عندنا أن وصول علي بن الحسين عليه السلام والسبايا إلى كربلاء كان في العشرين من صفر ، فوافوا جابر بن عبدالله الأنصار اري في وقت واحد .

ومنهم من استبعد وصول جابر إلى كربلاء في الأربعين الأول . وهذا أغرب من الأول ، إذ وصول خبر الشهادة إلى المدينة كان في أوائل شهر صفر ، فخرج جابر ومن معه إلى كربلاء، فلقوا على بن الحسين في العشرين من صفر ، وكان مسيرهم عشرين يوماً . ولا استبعاد فيه، إذ وصول الحسين عليه السلام من مكة إلى كربلاء كان عشرين يوماً على ما سبق .

قال في اللهوف (1): فوصلوا إلى موضع المصرع فوجدوا جابر بن عبدالله الأنصارى وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل الرسول «ص» ، قد وردوا


1) اللهوف ص 225 .

لزيارة قبر الحسين عليه السلام ، فوافوا في وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم ، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد ، واجتمعت إليهم نساء ذلك السواد، فأقاموا على ذلك أياماً .

في اللهوف : قال الراوي : ثم انفصلوا من كربلاء طالبين المدينة .

قال بشر بن حذلم : فلما قربنا منها نزل علي بن الحسين فحطّ رحله وضرب فسطاطه وأنزل نساءه ، وقال : يا بشير رحم الله أباك لقد كان شاعراً ، فهل تقدر على شي منه ؟ فقلت : بلى يا ابن رسول الله وإني لشاعر . فقال : أدخل المدينة وانع أباعبدالله عليه السلام .

قال بشر : فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة، فلما بلغت مسجد النبي صلى الله عليه وآله رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول :

يا أهلَ يثربَ لا مقام لكم بها*** قُتل الحسين فأدمعي مدرارُ

الجسمُ منه بكربلاء مضرَّجُ***والرأس منه على القناة يُدارُ

و في بعض المقاتل:

يا أهلَ يثرب شيخُكم وإمامُكم*** هل فيكمُ أحدٌ عليه يَغارُ

قال : ثم قلت : هذا علي بن الحسين مع عماته وأخواته قد حلّوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم ، وأنا رسوله إليكم أعرّفكم مكانه .

قال : فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا وبرزن من خدورهن مكشوفة شعورهن مخمَّشة وجوههن ضاربات خدودهن يدعون بالويل والثبور ، فلم أر باكياً ولا باكية أكثر من ذلك اليوم ولا يوما أمر على المسلمين منه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسمعت جارية تنوح على الحسين وتقول :

نعى سيدي ناعٍ نعاه فأوجعا ***وأمرضني ناعٍ نعاه فأفجعا

أعينيَّ جودا بالدموع وأسكبا ***وجودا بدمعٍ بعد دمعكما معا

على من دهىَ عرشَ الجليل فزعزعا*** فأصبح هذا المجد والدين أجدعا

على ابن نبي الله وابن وصيّه***و إن كان عنا شاحط الدار أشعا

ثم قالت : أيها الناعي قد جدّدت حزننا بأبي عبدالله وخدشت منا قروحاً لما تندمل ، فمن أنت يرحمك الله ؟ فقلت : أنا بشير بن حذلم ، وجهني مولاي علي بن الحسين وهو نازل في موضع كذا وكذا مع عيال أبي عبد الله الحسين ونسائه .

قال : فتركوني في مكاني وبادروا فضربتُ فرسي حتى رجعت إليهم ، فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع ، فنزلت عن فرسي وتخطيت رقابَ الناس حتى قربت من باب الفسطاط، وكان علي بن الحسين داخلاً فخرج ومعه خرقة يمسح بها دموعه وخلفه خادم معه كرسي ، فوضعه له وجلس عليه وهو لا يتمالك من العبرة، فارتفعت أصواتُ الناس بالبكاء وحنين النسوان والجواري، والناس يعزّونه من كل ناحية ، فضجت تلك البقعة ضجة شديدة ، فأومأ بيده أن اسكتوا ، فسكنت فَوْرتُهم ، فقال :

( الحمد لله رب العالمين ،الرحمن الرحيم ،مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين ، الذي بَعد فارتفع في السماوات العلى ، وقرب فشهد النجوى . نحمده على عظائم الأمور وفجائع الدهور وألم الفواجع ومضاضة اللواذع وجليل الرزء وعظيم المصاب الفاظعة الكاظة الفادحة الجائحة ) .

( أيها الناس، إن الله وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة وثلمة في الاسلام عظيمة ، قتل أبو عبد الله وعترته ، وسبي نساؤه وصبيته ، وداروا برأسه في البلدان من فوق عالي السنان، وهذه الرزية التي لا مثلها رزية).

( أيها الناس ، فأي رجالات منكم يسرّون بعد قتله ، أم أية عين منكم تحبس دمعها وتضن عن إنهمالها ، فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها والسماوات بأركانها والأرضون بأرجائها والأشجار بأغصانها والطيور بأوكارها والحيتان في لجج البحار والملائكة المقربون وأهل السماوات أجمعون).

أيها الناس ، أيّ قلب لا يتصدع لقتله، أم أيّ فؤاد لا يحن إليه ، أم أيّ سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الاسلام ولا يصم).

(أيها الناس ، أصبحنا مطرودين مشرّدين مذودين شاسعين عن الأمصار، كأننا أولاد ترك أو كابل ، من غير جرم اجتر مناه ولا مكروه ارتكبناه ولا ثلمة في الاسلام ثلمناها ، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ، إن هذا إلا اختلاق ) .

(والله لو إن النبي لو تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم بالوصية بنا لما ازدادوا على ما فعلوا بنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون ،من مصيبة ما أعظمها وأوجعها وأفجعها وأسخطها وأكظها وأمرها وأقدحها ، فعند الله نحتسب فيما أصابنا وأبلغ بنا ، فإنه عزيز ذو انتقام ) .

قال الراوي : فقام صوحان بن صعصعة بن صوحان ، وكان زَمِناً ، فاعتذر إليه بما عنده من زمانة رجليه، فأجابه بقبول معذرته وحسن الظن به وشكر له وترحّم على أبيه . انتهى ما في اللهوف ، ومثله غيره باختلاف يسير .

ثم دخل عليه السلام المدينة ، وكان ذلك في يوم الجمعة على ما صرّح به بعض المؤرخين . وقد مرّ في ترجمة زينب سلام الله عليها ما يناسب المقام، فراجع .

فهرس الكتاب

المقدمة...7

آمنة بنت أبى مرة الثقفية ...11

آمنة بنت الحسين عليه لسلام...12

أم بشر بنت مسعود الأنصاري...29

أم الحسن ...30

أم الخير ... ...30

أم إسحاق التميمية ...32

أم كلثوم الكبرى... ...34

أم كلثوم الصغرى...34

أم محسن ...34

أم وهب ...35

أم دبائب...35

بحريه ...35

جارية الحسين عليه السلام...35

جارية مسلم بن عوسجة ...36

حسنية...36

رباب بنت امرئ القيس...36

رقية بنت الحسين عليه السلام...44

رقية الصغرى ...50

رملة بنت علي بن أبي طالب ...52

رملة البجلية...53

زوجة جنادة الخزرجية ...54

زوجة عبدالله الكلبي ...54

زوجة مسلم بن عوسجة ...54

زوجة وهب بن عبدالله ...54

زوجة هلال بن نافع ...54

زينب أم كلثوم الكبرى...54

زينب أم كلثوم الصغرى ...55

زینب بنت علي عليه السلام...55

سكينة بنت الحسين عليه السلام ...55

شهربانویه بنت یزدجرد ...55

صفية ...61

عاتكة ... ...62

عائشة الجعفية ... ...64

غزالة ... ...64

فاطمة أم هاني...64

فاطمة بنت الحسن عليه السلام...64

فاطمة بنت الحسين عليه السلام...66

فاطمة أم كلثوم...84

فاطمة بنت علي عليه السلام ... ...84

فاطمة الصغرى...87

فاطمة الكلابية ...90

فاطمة الهاشمية...94

فضة جارية الزهراء ... ...94

فكيهة الجارية...95

ليلى الدارمية ...96

ميمونة ...97

نفيسة ...97

السیدة زینب بنت علی علیه السلام

المقدمة...102

الباب الأول

في ترجمة زينب الكبرى و تاريخها

الفصل الأول في فضائلها وألقابها وكناه...107ا

الفصل الثاني في حياتها مع جدها ...117

الفصل الثالث في حياتها مع أمها الزهراء...119

الفصل الرابع في حياتها مع أبيها عليه السلام...122

الفصل الخامس في حياتها مع أخيها الحسن عليه السلام...161

الفصل السادس في حياتها مع أخيها الحسين عليه السلام...164

الفصل السابع في حياتها بعد أخيها الحسين عليه السلام...165

الباب الثاني

في ترجمة زينب الصغرى وترجمتها

المقدمة...303

فصل في بعض مصائب أم كلثوم...306

فصل فيما جرى عليها في مدة حياته...310

فصل في وفاتها ومدفنها...313

فصل في أولاده...320

في ترجمة من حضر يوم الطف

و لم يفز بالشهادة فيه و لم يستشهد

إبراهيم بن مسلم بن عقيل و أخوه محمد...325

حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب...325

رجل أسر ولم يذكر اسمه...327

رجل ذكره الطبري ولم يسمه...328

زید بن حسن بن علي بن أبي طالب...328

ضحاك بن عبدالله المشرقي ...329

عقبة بن سمعان ...331

علي بن الحسين بن علي عليه السلام...332

محمد بن الحسين بن علي عليه السلام ...335

محمد بن علي الباقر عليه السلام ... ...336

محمد بن عمر بن الحسن بن علي عليه السلام...337

موقع بن ثمامة بن ريال الأسدي الصيداوي...337

الامام السجاد في واقعة الطف

أصل وفصل ...341

المقدمة ...343

الفصل الأول فيما جرى على السجاد بعد قتل أبيه...345

الفصل الثاني في كيفية الدخول في الشام ...363

دخول السجاد في مجلس يزيد...372

فصل في خروجه عليه السلام من الشام إلى دخوله المدينة ... 414