ghaemiyeh.com
موسوعة من حياة المستبصرين
المجلد الرابع
تأليف: مركز الأبحاث العقائدية
مركز الأبحاث العقائدية :
إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم 34
العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)
جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله
الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com
البريد الإلكتروني : info@aqaed.com
شابك (ردمك) :5-517-319-964-978
موسوعة من حياة المستبصرين (ج4)
تأليف : مركز الأبحاث العقائدية
الطبعة الأُولى ـ 2000 نسخة
سنة الطبع : 1428
المطبعة : ستارة
مركز الأبحاث العقائدية :
إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم 34
ص . ب : 3331 / 37185
الهاتف : 7742088 {251} {0098}
الفاكس : 7742056 {251} {0098}
العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)
جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله
ص . ب : 729
الهاتف : 332679 {33} {00964}
الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com
البريد الإلكتروني : info@aqaed.com
شابك (ردمك) :5-517-319-964-978
موسوعة من حياة المستبصرين (ج4)
تأليف : مركز الأبحاث العقائدية
الطبعة الأُولى ـ 2000 نسخة
سنة الطبع : 1428
المطبعة : ستارة
مقدمّة المركز... 11
أحمد الهادي، شافعي... 39
حسن عبد القادر، شافعي... 41
سعيد يوسف، شافعي... 43
عبدالله أحمد إبراهيم، شافعي... 45
عبد المعطي سعيد، شافعي... 47
عبد المعطي محمّد سراج الجبرتي، شافعي... 50
عليّ أحمد باحسن، شافعي... 53
كامل شريف، شافعي... 55
محمّد أحمد إبراهيم، شافعي... 57
محمّد سعيد إبراهيم، شافعي... 59
محمّد كمال محمّد زين، شافعي... 61
محمّد بن الشيخ محمّد، شافعي... 64
محمود أحمد إبراهيم، شافعي... 66
نصرة شفارة، شافعية... 70
محسن عليّ ، سنّي... 73
أحمد حسين يعقوب، شافعي... 75
بشّار خليفات، شافعي... 88
تاج الدين الجاعوني، سنّي... 90
(بنت الهدى) رفيق الموسوي، سنّية... 92
حسن أحمد الحسن الحياري، شافعي... 117
خالد محمود خليفات، شافعي... 123
رياض محمود عليّان، شافعي... 125
سناء خليفات، شافعيّة... 129
سوسن خليفات، شافعيّة... 131
عدنان خليفات، شافعي... 133
عادل عفيف شحادة، شافعي... 135
علي طه، شافعي... 137
علي عبابنة، شافعي... 139
محمّد محمود صلاح، شافعي... 141
مروان خليفات، شافعي... 143
مصطفى توفيق طه، شافعي... 152
برسن بوايّو، مسيحيّة... 156
جون تشارلز (يحيى بونر)، مسيحي كاثوليكي... 164
راؤول كنزالس (جعفر)، مسيحي... 167
زينب كسالس، مسيحيّة... 172
ماريا سلفادور (إيمان بشير) ، مسيحيّة... 185
مونتسدات روفيرا (زينب)، مسيحيّة... 191
يولندا ترابيو مارتن (زهراء)، مسيحية... 197
ناتالية، مسيحيّة مارونيّة... 202
نيكول اينزورث (زينب)، كاثوليكيّة... 204
أجر الدين إقبال، سنّي... 209
بي بي آرزوجل، إسماعيليّة... 212
جان علي حسينيّ، إسماعيليّ... 214
زكيّة حبيبي (طاووس)، إسماعيليّة... 216
عالية مهدوي، إسماعيليّة... 218
عبد الحقّ، إسماعيليّ... 220
عبدالمجيد خليلي (قندهاري)، حنفيّ... 222
عبد المعبود عطائي (حسيني)، إسماعيلي... 224
عين الدين حكيمي، إسماعيليّ... 226
غلام محمّد سجّادي، إسماعيليّ... 228
غلام مصطفى خليلي، إسماعيليّ... 231
فضل أحمد سجّادي، إسماعيليّ... 233
قارئ أحمد علي أكبر سلطاني، إسماعيليّ... 235
جل أحمد سجّادي، إسماعيليّ... 237
ماهرة عليزاده، إسماعيليّة... 239
محمّد إسحاق القندهاري، حنفيّ... 241
محمّد آصف أكبري، إسماعيليّ... 243
محمّد حسين جوادي، إسماعيليّ... 245
محمّد نبي البلخي، حنفيّ... 247
وردان كنكر (أبو خالد الكابليّ)، كيسانيّ... 249
هاشم أحمدي، إسماعيليّ... 252
الكه اشميت (فاطمة)، مسيحيّة... 254
إينغريد (سعيدة)، مسيحيّة پروتستانتية... 260
باولا كورنيليا (مريم) ، مسيحيّة... 266
بربارا سيبلر (فاطمة) ، مسيحيّة... 268
برن هارد واهين (مهدي) ، مسيحي... 270
برند كاتز جالك (محمّد جعفريّ)، مسيحيّ... 275
بريجيت (جميلة)، مسيحيّة... 277
برجيت جونتهر (جيتي)، مسيحيّة... 280
بيتر ويلهلم (حسن) ، مسيحىّ... 282
تانيا بولينع ، مسيحيّة... 284
جوا اشميث ، مسيحيّة... 290
جونتر هيرمان (حسين إيماني)، مسيحي... 292
جليكه تركائى (زهراء) ، مسيحيّة... 294
حسين جانسون، مسيحيّ... 300
حسين لايبنر، مسيحيّ... 301
دورا جهويج ، مسيحيّة... 303
دورتا (هدى) ، مسيحيّة... 306
رناته ترنس (مريم) ، مسيحيّة... 309
روزمارى ماك (مريم شريفي)، مسيحيّة... 312
سيلفيا روكيش (مريم)، مسيحيّة... 314
فاطمة هيرين، مسيحيّة... 317
كرامر (فريدون)، مسيحيّ... 320
كاترينا فورستنبرغ، مسيحيّة... 323
كاترين ماير هوفر، مسيحيّة... 326
كريستينا (فاطمة)، مسيحيّة... 332
كلاس لانلرك (حسين)، مسيحيّ... 335
كرستينا روبرغ (زهراء)، مسيحيّة... 337
كلاوس بيتر (علي رضا)، مسيحيّ... 339
ليزلو فيدر (محمّد صادق)، مسيحي... 341
ماريون فالنيس (طاهرة)، مسيحيّة... 344
ماريون فرتل، مسيحيّة... 346
مانفرد ياسفيك (علي)، مسيحيّ... 348
هارتموت والترهلت (أحمد)، مسيحيّ... 350
هارون اشميت، مسيحيّ... 352
هارولد لينكس (حسين)، مسيحي... 355
هانس فاليتر(محمود رضا)، مسيحيّ... 357
هانس كانسلر (علي رضا)، مسيحيّ... 359
هايكو هوفمان (بهاءالدين)، مسيحيّ... 362
هرمان شاره (علي رضا)، مسيحيّ... 365
ويرنر الفريد (عمر شوبرت)، مسيحي... 367
البروفسور باوز، مسيحيّ... 369
نوال سالم، سنّيّة... 371
أدنا (فاطمة)، مسيحيّة... 374
إدوارد جوزيف (سعيد)، مسيحي... 377
ادوارد لارنس (رضا)، مسيحيّ... 379
إرنست باتريك (علي رضا)، مسيحيّ... 381
استيفز اسكلر (عبدالله)، يهوديّ... 383
ايك فيف، مسيحيّ... 385
باربارا دولاجي (مريم)، مسيحيّة... 387
باولاتوتل (زهراء)، مسيحيّة... 389
براد فورد (رضا)، مسيحيّ... 391
بنيامين فارمر (عبد الكريم)، مسيحي... 393
بيتر جيمس (رضا محمّدي)، مسيحيّ... 396
توم اسكوتن (محمّد عليّ)، مسيحيّ... 398
جرترو دربيكا (مريم)، مسيحيّة... 401
جو (محمّد حسين)، مسيحيّ... 404
جون جيرارد (حسين)، مسيحيّ... 406
جون سليمان (يحيى إسلامي)، مسيحيّ... 408
جيري لي (مريم)، مسيحيّة... 411
جيري والاس (أبوذر)، مسيحيّ... 413
جي تي ايفانز (علي)، مسيحيّ... 415
جيمس تي هاربر (هادي مهتدي)، مسيحيّ... 418
جيمس تروث (علي)، مسيحيّ... 421
جينا ايجز (مريم حسيني)، مسيحيّة... 424
دان بالمز (رضا)، مسيحيّ... 427
دونالد الفين (أمير علي)، مسيحي... 430
دونالد مك ليود (علي رضا)، مسيحيّ... 432
ديبوار سميث (مريم جهان بيكلر)، مسيحيّة... 434
ديرا (فاطمة)، مسيحيّة... 436
روبرت أندرسون (حسين)، مسيحيّ... 446
روبرت تايلور (علي إمامي)، مسيحيّ... 449
ريان ويفر (رسول)، ملحد... 452
ريتشارد سبرول (عيسى سيف الله)، مسيحي... 454
ساندرا جونسون (سارا)، مسيحيّة... 456
شارلين كمارك (شيرين)، مسيحيّة... 459
فرانك باكستر (حسين)، مسيحيّ... 462
كارلوس كونتفيراس (مجاهد)، مسيحيّ... 464
كارول (مريم)، مسيحيّة... 466
كامل بولارد، مسيحي... 469
كريستين (عطية)، مسيحيّة... 472
كليفلاند توماس وليامز (جميل عبدالرحيم)، مسيحيّ... 475
كنت جي بركلي (أمير أميري)، مسيحيّ... 477
كندي (محمّد محمّدي)، مسيحيّ... 479
كوردير (رضا)، مسيحيّ... 481
كي سيلان، مسيحيّة... 483
كيمبر لي (محمّد علي)، مسيحيّ... 486
كيمو فيف، مسيحيّ... 488
كينيمو فيف، مسيحيّ... 491
لتيسيا (ليلى)، مسيحيّة... 494
لونر هايس (مهدي)، مسيحيّ... 496
ليسا باتون، مسيحيّة... 498
لينا كابل (مريم حاجيان)، مسيحيّة... 500
لينش كوري (محسن)، مسيحيّ... 502
ليونيل ليونز (خليل)، مسيحيّ... 505
مارسي جيمس، مسيحيّة... 507
ماري ستاينهوف (مريم)، مسيحيّة... 515
ماري لوكاستر (مريم)، مسيحيّة... 520
ماريا نالوا (مريم)، مسيحيّة... 522
ماري لورين (آمنة)، مسيحيّة... 525
ماريو مدينا (عبد الحقّ)، مسيحي... 528
ماريون مرتضى، مسيحيّة... 530
مايكل والاس (حسين)، مسيحيّ... 535
محمّد لكنهاوسن، مسيحيّ... 538
محمود عبد الرؤوف، مسيحيّ... 540
مك جوفيرن (أمين)، مسيحيّ... 543
نان لاوسون (زهراء)، مسيحيّة... 546
نبيورث (زهراء)، مسيحيّة... 548
نيكولاس (ملك محمّد رستكار)، مسيحيّ... 550
مورلو (هاشم)، مسيحيّ... 552
هالي ديجن (زهراء)، مسيحيّة... 554
هلن كاثلين (زهراء)، مسيحيّة... 556
وليام بي مور (علي)، مسيحيّ... 559
وليام ليستر (محمّد علي)، مسيحيّ... 562
يومي سيمز (مسلم)، مسيحيّ... 568
نبيورث (محمود عبدالرحيم)، مسيحيّ... 571
يوجينا (أم البنين)، مسيحيّة... 573
فهرس المصادر... 577
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق اللّه أجمعين ، النبيّ الأُمّي، سيّدنا ومولانا محمّد بن عبد اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ً
الحمدُ للّه على الهداية ، وإكمال الدين ، وإتمام النعمة بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) .
الاستبصار مأخوذ من البَصيرة:
قال الجوهري (ت حدود 396هـ ): "البَصيِرةُ: الحُجّة والاستبصار في الشيء، وفي قوله تعالى: {بَلِ الإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}(1)، قال الأخفش: جعله هو البصيرة، كما يقول الرجل للرجل: أنت حُجّة على نفسك"(2).
وقال الراغب الأصفهاني (ت حدود 425هـ ): "قوله تعالى: {وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ}(3)أي طالبين للبصيرة"(4)، أي طالبين للحجّة.
والتَحَوُّلُ: هو "التنقّل من موضع إلى موضع ، والاسم الحول"(5).
ويُطلق هذان المصطلحان ـ "الاستبصار" و"التحوّل" ـ في أيامنا هذه على
الذي ترك مذهبه الذي كان عليه واختار مذهب أهل البيت(عليهم السلام); لقيام الحجّة عنده على أحقيّة هذا المذهب دون المذاهب الإسلاميّة الأُخرى ، لذلك نشاهد أنّ المستَبصر يمرُّ بعدّة مراحل مهمّة وخطرة في حياته، وهي: مرحلة التشكيك بما كان عليه، ثمّ مرحلة البحث والتنقيب عن المذهب الصحيح، ثمّ مرحلة الاختيار، ثمّ الإعلان والإفصاح عن اعتناقه مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
وبإعلانه هذا يكون المستبصر قد جنّد نفسه لما سيلاقيه من مضايقات، بل قطيعة كاملة من أقرب الناس إليه ، أهله وعشيرته. بل يتعرّض لحملة تسقيط شعواء، يحاول المخالفون فيها إلصاق شتى التهمّ به. وهنا يبدأ الامتحان الإلهي لهذا المؤمن الجديد الذي حباه اللّه بهذه النعمة العظيمة، ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام).
من هُم الرافضة؟
في سفرتي الأخيرة لدولة تونس العربية الواقعة شمال أفريقيا، التقيتُ بأحد رجال الدين السنّة ، ودار الحوار بيننا حول مواضع شتّى، وقد رأيته يكرّر كلمة "الرافضة" ، فسألته: لماذا تسمّون الشيعة بالرافضة؟
فقال موجهاً خطابه لي: لأنّكم رفضتم خلافة سيّدنا أبي بكر الصديق.
فقلت له: وأنتم أيضاً رفضتم خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، إذ انقسم المسلمون بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى قسمين:
الأوّل: قال بإمامة وخلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ورفض خلافة أبي بكر.
والثاني: قال بخلافة أبي بكر، ورفض خلافة وإمامة علي بن أبي طالب(عليه السلام). فلماذا تختصّ كلمة "الرفض" بالشيعة دون السنّة؟
فقال: لأنّكم رفضتم الحقّ; لذلك سُمّيتم رافضة.
فقلت له: هذا أوّل الكلام، كلّ فرقة تدّعي أنّها على حقّ وغيرها على باطل.
فقال: نحن لدينا أدلّة على أحقيّة سيّدنا أبي بكر الصدّيق للخلافة.
فقلت له: وأدلّتنا على أحقيّة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) لها أكثر من أدلّتكم وأقوى في الحجّيّة، إذ "علي مع الحقّ والحقّ معه"، ثمّ بدأت بذكر أدلّتنا من مصدري التشريع الإسلامي، الكتاب والسنّة.
علماً بأنّ إطلاق "الرفض" على أتباع أهل البيت(عليهم السلام) ليس بالأمر الجديد، بل كان موجوداً في زمن أئمتنا(عليهم السلام)، حتّى إنّ المخالفين لنا كانوا يعيّرون الشيعة بهذه الكلمة، وكأنّها جرم ارتكبوه، بل ذهبوا إلى أكثر من ذلك، فقد استحّل بعضهم أموال ودماء الكثير من المسلمين بسبب "الرفض"؟
لذلك كان الشيعة يلجأون إلى أئمتهم(عليهم السلام) في بيان مظلوميتهم بهذه التسميّة وما لحقهم من أذى بسببها، فكانوا(عليهم السلام) يجيبون شيعتهم ومحبّيهم ، ويبيّنون لهم أنّ هذه التسميّة لا ضير فيها، وهي من صلب العقيدة، إن كان معناها كما يفسّره المخالفون، ولنقرأ معاً بعض هذه الأحاديث:
في المحاسن: عن علي بن أسباط، عن عتيبة بيّاع القصب، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: "واللّه لنعم الاسم الذي منحكم اللّه ما دمتم تأخذون بقولنا، ولا تكذبون علينا".
قال: وقال لي أبو عبد اللّه(عليه السلام) هذا القول، إنّي كنت خبّرته أنّ رجلاً قال لي: إيّاك أن تكون رافضيّاً"(1).
{2} وفيه أيضاً عن ابن يزيد، عن صفوان، عن زيد الشحّام، عن أبي الجارود، قال: أصمّ اللّه أذنيه كما أعمى عينيه إن لم يكن سمع أبا جعفر(عليه السلام) ورجل يقول: إنّ فلاناً سمّانا باسم، قال: "وما ذاك الاسم"؟
قال: سمّانا الرافضة.
فقال أبو جعفر(عليه السلام) بيده إلى صدره: "وأنا من الرافضة وهو منّي" قالها ثلاثاً(2).
{3} وفيه أيضاً عن ابن يزيد، عن ابن محبوب، عن محمّد بن سليمان، عن رجلين، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): جُعلت فداك اسم سُمّينا به استحلّت به الولاة دماءنا وأموالنا وعذابنا.
قال: "وما هو"؟
قلت: الرافضة.
فقال أبو جعفر(عليه السلام): "إنّ سبعين رجلاً من عسكر فرعون رفضوا فرعون فأتوا موسى(عليه السلام) فلم يكن في قوم موسى أحدٌ أشدٌّ اجتهاداً وأشدُّ حبّاً لهارون منهم، فسمّاهم قوم موسى الرافضة، فأوحى اللّه إلى موسى أن أثبت لهم هذا الاسم في التوراة فإنّي نحلتهم، وذلك اسم قد نحلكموه اللّه"(1).
{4} وفي تفسير فرات: عن محمّد بن القاسم بن عبيد، عن الحسن بن جعفر، عن الحسين، عن محمّد ـ يعني ابن عبد اللّه الحنظلي ـ عن وكيع، عن سليمان الأعمش، قال: دخلت على أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد(عليه السلام) قلت: جُعلت فداك إنّ الناس يسمّونا روافض، وما الروافض ؟
فقال: "واللّه ما هم سمّوكموه، ولكنّ اللّه سمّاكم به في التوراة والإنجيل على لسان موسى و لسان عيسى(عليهما السلام) وذلك أنّ سبعين رجلاً من قوم فرعون رفضوا فرعون ودخلوا في دين موسى فسمّاهم اللّه تعالى الرافضة، وأوحى إلى موسى أن أثبت لهم في التوراة حتّى يملكوه على لسان محمّد(صلى الله عليه وآله).
ففرّقهم اللّه فرقاً كثيرة و تشعبّوا شعباً كثيرة فرفضوا الخير فرفضتم الشرَّ واستقمتم مع أهل بيت نبيكم(عليهم السلام) فذهبتم حيث ذهب نبيّكم، واخترتم من اختار اللّه ورسوله، فأبشروا ثُمّ أبشروا فأنتم المرحومون، المتقبّل من محسنهم والمتجاوز عن مسيئهم، ومن لم يلق اللّه بمثل ما لقيتم لم تقبل حسناته ولم يتجاوز عن سيئاته، يا سليمان هل سررتك"؟
1) المحاسن 1: 157 حديث 92 .
فقلت: زدني جُعلت فداك.
فقال: "إن للّه عزّ وجلّ ملائكة يستغفرون لكم حتى تتساقط ذنوبكم كما تتساقط ورق الشجر في يوم ريح، وذلك قول اللّه تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}(1)هم شيعتنا وهي واللّه لهم يا سليمان، هل سررتك".
فقلت: جُعلت فداك زدني.
قال: "ما على ملّة إبراهيم(عليه السلام) إلاّ نحن وشيعتنا، وسائر الناس منها بريء"(2).
{5} وفي بصائر الدرجات:
محمّد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن محمّد بن الفضيل، عن بكر بن كرب الصيرفي، قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام) يقول: "ما لهم ولكم؟ وما يريدون منكم؟ وما يعيبونكم؟ يقولون: الرافضة. نعم واللّه رفضتم الكذب واتّبعتم الحقّ . أما واللّه إنّ عندنا ما لا نحتاج إلى أحد والناس يحتاجون إلينا، إنّ عندنا الكتاب بإملاء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وخطّه عليّ(عليه السلام) بيده، صحيفة طولها سبعون ذراعاً فيها كُلّ حلال وحرام"(3).
{6} وروى الشيخ في أماليه عن أبي محمّد الفحّام، عن عمّ أبيه، قال: دخل سماعة بن مهران على الصادق(عليه السلام) فقال له: "يا سماعة، من شرّ الناس عند الناس"؟
قال: نحن يا ابن رسول اللّه.
قال: فغضب حتّى احمرّت وجنتاه، ثُمّ استوى جالساً وكان متّكئاً فقال: "يا سماعة من شرّ الناس عند الناس"؟
فقلت: واللّه ما كذبتك يا بن رسول اللّه، نحن شرّ الناس عند الناس; لأنّهم سمّونا كفّاراً ورافضة. فنظر إليّ ثُمّ قال: "كيف بكم إذا سيق بكم إلى الجنّة، وسيق بهم إلى النار، فينظرون إليكم فيقولون: ما لنا لا نرى رجالاً كنّا نعدّهم من الأشرار؟ يا سماعة بن مهران إنّه من أساء منكم إساءة مشينا إلى اللّه تعالى يوم القيامة بأقدامنا فنشفع فيه فنشفّع، واللّه لا يدخل النار منكم عشرة رجال، واللّه لا يدخل النار منكم ثلاثة رجال، واللّه لا يدخل النار منكم رجل واحد، فتنافسوا في الدرجات، وأكمدوا أعداءكم بالورع"(1).
{7} وفي الكافي:
عن العدّة، عن سهل، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه قال: كنت عند أبي عبد اللّه(عليه السلام) إذ دخل عليه أبو بصير وقد خفره النفس، فلمّا أخذ مجلسه قال له أبو عبد اللّه(عليه السلام): "يا أبا محمّد ما هذا النفس العالي"؟
فقال: جُعلت فداك يا بن رسول اللّه، كبرت سنّي ودقّ عظمي واقترب أجلي، مع أنّني لست أدري ما أرد عليه من أمر آخرتي؟
فقال: أبو عبد اللّه(عليه السلام): "يا أبا محمّد وإنّك لتقول هذا"؟!
قال: جُعلت فداك فكيف لا أقول؟
فقال: "يا أبا محمّد أما علمت أنّ اللّه تعالى يكرم الشباب منكم ويستحيي من الكهول"؟
قال: قلت: جُعلت فداك فكيف يكرم الشباب ويستحيي من الكهول؟
فقال: "يكرم الشباب أن يعذّبهم، ويستحيي من الكهول أن يحاسبهم".
قال: قلت: جُعلت فداك هذا لنا خاصّة أم لأهل التوحيد؟
قال: فقال: "لا واللّه إلاّ لكم خاصة دون العالم".
قال: قلت: جُعلت فداك فإنّا نبزنا نبزاً انكسرت له ظهورنا، وماتت له أفئدتنا، واستحلّت له الولاة دماءنا في حديث رواه لهم فقهاؤهم.
1) أمالي الشيخ الطوسي: 295 حديث 581 .
قال: فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): "الرافضة"؟
قال: قلت: نعم .
قال: "لا واللّه ما هم سمّوكم، ولكن اللّه سمّاكم به، أما علمت يا أبا محمّد أنّ سبعين رجلاً من بني إسرائيل رفضوا فرعون وقومه، لمّا استبان لهم ضلالهم فلحقوا بموسى صلّى اللّه عليه لمّا استبان لهم هداه، فسمّوا في عسكر موسى الرافضة; لأنهم رفضوا فرعون، وكانوا أشدّ أهل ذلك العسكر عبادة وأشدّهم حبّاً لموسى وهارون وذريتهما(عليهما السلام)، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى موسى أن أثبت لهم هذا الاسم في التوراة، فإنّي قد سمّيتهم به، ونحلتهم إيّاه، فأثبت موسى صلّى اللّه عليه الاسم لهم، ثُمّ ذخر اللّه عزّ وجلّ لكم هذا الاسم حتى نحلكموه.
يا أبا محمّد رفضوا الخير ورفضتم الشرَّ، افترق الناس كُلّ فرقة، وتشعّبوا كُلّ شعبة، فانشعبتم مع أهل بيت نبيكم(صلى الله عليه وآله) ،وذهبتم حيث ذهبوا، واخترتم من اختار اللّه لكم، وأردتم من أراد اللّه، فأبشروا ثُمّ أبشروا فأنتم واللّه المرحومون، المتقبّل من محسنكم، والمتجاوز عن مسيئكم، من لم يأت اللّه عزّ وجلّ بما أنتم عليه يوم القيامة لم يتقبّل منه حسنة، ولم يتجاوز له عن سيئة، يا أبا محمّد فهل سررتك"؟
قال: قلت: جُعلت فداك زدني.
قال: فقال: "يا أبا محمّد إن للّه عزّ وجلّ ملائكة يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتنا، كما يسقط الريح الورق في أوان سقوطه، وذلك قوله عزّ وجلّ: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}(1)استغفارهم واللّه لكم دون هذا الخلق، يا أبا محمّد فهل سررتك"؟
قال: قلت: جُعلت فداك زدني.
قال: "يا أبا محمّد، لقد ذكركم اللّه في كتابه فقال: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ
1) غافر: 7 .
صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}(1)إنّكم وفّيتم بما أخذ اللّه عليه ميثاقكم من ولايتنا، وإنّكم لم تبدّلوا بنا غيرنا، ولو لم تفعلوا لعيّركم اللّه كما عيّرهم، حيث يقول جلّ ذكره: {وَما وَجَدْنا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْد وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ}(2)يا أبا محمّد فهل سررتك"؟
قال: قلت: جُعلت فداك زدني.
فقال: "يا أبا محمّد ولقد ذكركم اللّه في كتابه فقال: {إِخْواناً عَلى سُرُر مُتَقابِلِينَ}(3)واللّه ما أراد بهذا غيركم يا أبا محمّد فهل سررتك".
قال: قلت: جُعلت فداك زدني .
قال: فقال: "يا أبا محمّد {الأَخِلاّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ}(4)واللّه ما أراد بهذا غيركم، يا أبا محمّد فهل سررتك"؟
قال: قلت: جُعلت فداك زدني .
فقال: "يا أبا محمّد لقد ذكرنا اللّه عزّ وجلّ وشيعتنا وعدوّنا في آية من كتابه فقال عزّ وجلّ: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبابِ}(5)فنحن الذين يعلمون ، وعدوّنا الذين لا يعلمون، وشيعتنا هم أُلوا الألباب، يا أبا محمّد فهل سررتك"؟
قال: قلت: جُعلت فداك زدني .
فقال: "يا أبا محمّد، واللّه ما استثنى اللّه عزّ ذكره بأحد من أوصياء الأنبياء ولا أتباعهم ما خلا أمير المؤمنين(عليه السلام) وشيعته، فقال في كتابه وقوله الحقّ: {يَوْمَ
لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللّهُ}(1)يعني بذلك عليّاً وشيعته، يا أبا محمّد فهل سررتك"؟
قال: قلت: جُعلت فداك زدني .
قال: "لقد ذكركم اللّه في كتابه إذ يقول {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(2)واللّه ما أراد بهذا غيركم، فهل سررتك يا أبا محمّد"؟
قال: قلت: جُعلت فداك زدني.
فقال: "يا أبا محمّد، لقد ذكركم اللّه في كتابه فقال: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ}(3)واللّه ما أراد بهذا إلاّ الأئمة(عليهم السلام) وشيعتهم، فهل سررتك يا أبا محمّد"؟
قال: قلت: جُعلت فداك زدني.
قال: "يا أبا محمّد، لقد ذكركم اللّه في كتابه فقال: {فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً}(4)فرسول اللّه في الآية النبيّون، ونحن في هذا الموضع الصدّيقون والشهداء، وأنتم الصالحون، فتسمّوا بالصلاح كما سمّاكم اللّه عزّ وجلّ، يا أبا محمّد فهل سررتك"؟
قال: قلت: جُعلت فداك زدني .
قال: "يا أبا محمّد، لقد ذكركم اللّه إذ حكى عن عدوّكم في النار بقوله: {وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرارِ * أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصارُ}(5)واللّه ما عنى اللّه ولا أراد بهذا غيركم، صرتم عند أهل هذا العالم شرار
الناس، وأنتم واللّه في الجنّة تحبرون وفي النار تطلبون، يا أبا محمّد فهل سررتك"؟
قال: قلت: جعلت فداك زدني .
قال: "يا أبا محمّد، ما من آية نزلت تقود إلى الجنة ولا يذكر أهلها بخير إلاّ وهي فينا وفي شيعتنا، وما من آية نزلت تذكر أهلها بشرّ ولا تسوق إلى النار إلاّ وهي في عدوّنا ومن خالفنا، فهل سررتك يا أبا محمّد"؟
قال: قلت: جعلت فداك زدني .
فقال: يا أبا محمّد، ليس على ملّة إبراهيم إلاّ نحن وشيعتنا، وسائر الناس من ذلك براء، يا أبا محمّد فهل سررتك"؟
وفي رواية أخرى فقال: حسبي(1).
ومن هذه الأحاديث وغيرها، ومن خلال الأحداث التأريخيّة الدامية التي جرت على أتباع أهل البيت(عليهم السلام) في القرون الماضية، والتي نقل التاريخ بعضها لنا، نعرف أنّ التاريخ يعيد نفسه، فما يجري في العراق في هذه الأيام من التشريد والنهب والاعتداء والقتل لأتباع أهل البيت(عليهم السلام) لا لسبب، بل لأنّهم شيعة لعلي(عليه السلام)فهو امتداد لتلك السياسة الطائفيّة البغيضة التي سنّها أولئك الظلمة الذين نصبوا العداء لأهل البيت(عليهم السلام) .
ظاهرة الاستبصار العالمية
قد يتصوّر البعض أنّ ظاهرة الاستبصار في العالم جديدة، حدثت في العقدين أو الثلاثة الأخيرة، وأنّها كنتيجة طبيعية للأحداث السياسية التي شهدتها الساحة السياسية الشيعية.
وهذا التصوّر غير صحيح وإن كنّا لا ننكر الدور المهم الذي فعلته تلك
1) الكافي 8 : 33 ـ 35 .
الأحداث، وكذلك تطوّر وسائل الاتصال في العالم كالفضائيات والأنترنيت، في تعريف العالم بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) .
فالذي يطالع التاريخ بدقّة يجد أنّ ظاهرة الاستبصار والتحوّل إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حصل ابتداءً من القرن الأوّل الهجري وإلى يومنا هذا، وإذا أردنا أن نثبّت كافة الأسماء التي تعرّفنا عليها من المستبصرين القدماء، فإننا نخرج عن منهج هذه المقدّمة المبنىّ على الاختصار، بل نحتاج إلى مجلّد أو عدّة مجلّدات لاستيعاب ذلك ، ونشير هنا إلى بعضهم على سبيل المثال :
قال ابن الأثير: "وكان زهير بن القين البجلي قد حجّ، وكان عثمانياً، فلمّا عاد جمعهما الطريق، وكان يساير الحسين من مكّة إلاّ أ نّه لا ينزل معه، فاستدعاه يوماً الحسين، فشقّ عليه ذلك، ثُمّ أجابه على كره، فلمّا عاد من عنده نقل ثقله إلى ثقل الحسين ثُمّ قال لأصحابه: من أحبّ منكم أن يتبعني وإلاّ فإنّه آخر العهد، وسأحدّثكم حديثاً، غزونا بلنجر ففتح علينا وأصبنا غنائم ففرحنا، وكان معنا سلمان الفارسي فقال لنا: إذا أدركتم سيّد شباب أهل محمّد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه بما أصبتم اليوم من الغنائم، فأمّا أنا فاستودعكم اللّه، ثمّ طلّق زوجته وقال لها: الحقي بأهلك"(1).
قال ابن حجر: "كان قد طلب الإمارة وغلب على الكوفة حتّى قتله مصعب ابن الزبير بالكوفة سنة سبع وستّين، وكان قبل ذلك معدوداً في أهل الفضل والخير إلى أن فارق ابن الزبير، وكان يتزيّن بطلب دم الحسين .. ويقال: إنّه كان في أوّل
1) الكامل في التاريخ 4: 42 .
أمره خارجياً، ثمّ صار زيديّاً، ثمّ صار رافضيّاً .."(1).
قال الشيخ المامقاني: "إنّ زرارة كان في الأصل عاميّاً ثمّ اهتدى إلى الحقّ، كما يكشف عن ذلك ما مرّ نقله في ترجمة الحكم بن عيينة عن الكشّي عن علي بن الحسن بن فضّال أنّه قال: كان الحكم من فقهاء العامّة وكان أستاذ زرارة وحمران والطيّار قبل أن يروا هذا الأمر ، وببالي أنّي وجدتُ في البحار أيضاً أنّ زرارة كان في ابتداء أمره عاميّاً ثمّ استبصر واهتدى"(2).
قال الذهبي: "كان السيّد هذا شاعراً محسناً ، إلاّ أنّه رافضي جلد، زائغ عن الحقّ، له مدائح جمّة في أهل البيت(عليهم السلام) .. قيل: كان أبواه يبغضان عليّاً(رضي الله عنه)"(3).
وقال عبد الحسين الشبستري في الفائق في رواة أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام نقلاً عن عدّة مصادر: "ولد بعمان (كورة على بحر اليمن) سنة 105 هـ من أبويين أباضيين خارجيين .. ترك دين أبويه وصار كيسانياً، ثمّ عرف الحقّ وصار إماميّاً مخلصاً .. توفّي ببغداد وقيل: بواسط"(4).
قال ابن حجر: ".. قال جعفر الطيالسي: سمعت ابن معين قال: سمعت من عبد الرزاق كلاماً استدللت به على ما ذكر من المذهب . فقلت له: إنّ أساتيذك الذين أخذت عنهم ثقات كُلّهم أصحاب سنّة، محمّد ومالك وابن جريح والثوري والأوزاعي، فعمن أخذت هذا المذهب ؟
قال: قدم علينا جعفر بن سليمان فرأيته فاضلا حسن الهدي فأخذت هذا عنه.
وقال محمّد بن أبي بكر المقدامي: وجدت عبد الرزاق ما أفسده غير جعفر، يعني في التشيّع"(1).
قال ابن داود في رجاله: "كان متكلّماً ، وذكر أبو عبد اللّه علي الجرجاني أنّ محمّد بن سعيد كان خارجيّاً ثمّ تشيّع بعد مبايعته على الخروج بالسيف"(2).
قال الكشّي: "عن يوسف بن السخت البصري قال: كان علي بن مهزيار نصرانياً فهداه اللّه ، وكان من أهل هند، كانت قرية من قرى فارس، ثمّ سكن الأهواز فأقام بها"(3).
قال الشيخ عبّاس القمّي: "قال مشايخ الرجال: إنّه ثقة صدوق، عين من عيون هذه الطائفة وكبيرها، جليل القدر، واسع الأخبار ، بصير بالرواية، مضطلع بها، له كتب كثيرة تزيد على مائتي مصنّف .. وكان في أوّل عمره عامّي المذهب، وسمع حديث العامّة وأكثر منه، ثمّ تبصّر وعاد إلينا، وهو حديث السنّ .. وأنفق على العلم والحديث تركة أبيه سائرها وكانت ثلاثمائة ألف دينار، وكانت داره كالمسجد بين ناسخ أو مقابل أو قار أو معلّق"(4).
قال الزركلي: "شاعر كبير، في معانيه ابتكار، وفي أسلوبه قوة.
قال الحرّ العاملي: جمع مهيار بين فصاحة العرب ومعاني العجم.
وقال الزبيدي: شاعر زمانه، كان فارسي الأصل، من أهل بغداد ... وكان مجوسياً وأسلم سنة 394هـ على يد الشريف الرضي فيما يقال، وهو شيخه ، وعليه تخرّج في الشعر والأدب .
وتشيّع وغلا في تشيّعه وسبّ بعض الصحابة في شعره، حتّى قال له أبو القاسم بن برهان: يا مهيار، انتقلت من زاوية من النار إلى أُخرى فيها، كنت مجوسياً فأسلمت فصرت تسبّ الصحابة .."(1).
قال الذهبي: "روى عن جدّه وطائفة، وألّف كتاب مرآة الزمان ، فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات، وما أظنّه بثقة فيما ينقله .. ثمّ إنّه ترفّض، وله مؤلّف في ذلك، نسأل اللّه العافية.
مات سنة أربع وخمسين وستمائة بدمشق.
قال الشيخ محيي الدين السوسي: لمّا بلغ جدي موت سبط ابن الجوزي قال: لا رحمه اللّه كان رافضيّاً .
قلت: كان بارعاً في الوعظ ومدرساً للحنفية"(2).
قال الشيخ عبّاس القمّي: "المنتهي نسبه إلى محمّد بن أبي بكر، الحكيم
الفاضل الشاعر المدقّق ، صاحب أنموذج العلوم، وهو كتاب لطيف يحتوي على مسائل من كلّ علم، وله شرح على متن التهذيب، وعلى العقائد العضدية، وله الحاشية القديمة والجديدة على شرح التجريد للفاضل القوشجي .. وإنّه كان في أوائل أمره على مذهب أهل السنّة ثمّ صار شيعياً، وكتب رسالة بعد ذلك سمّاها نور الهداية، وهي مصرّحة بتشيّعه"(1).
قال إسماعيل باشا البغدادي: "كان حنفيّاً ثمّ تشيّع ، وتوفي بلاهور سنة 996هـ ست وتسعين وتسعمائة ، له تاريخ ألف في الوقائع العمومية.."(2).
قسم المستبصرين في مركز الأبحاث العقائدية
لا نبالغ إن قلنا: إنّ مركز الأبحاث العقائدية هو أوّل مؤسسة اهتمّت بالمستبصرين في إيران ، فيوجد فيه قسم خاصّ يعنى بشؤون المستبصرين والاهتمام بهم .
فكلّ مستبصر يتمّ التعرّف عليه ، يُفتح له ملّف خاص به، ويقوم بملئ استمارة خاصّة ، يبيّن فيها اسمه وعنوانه، ومستواه العلمي، ونشاطه الثقافي، ومؤلّفاته، وسبب استبصاره، والأشخاص الذين تأثّر بهم ، والكتب التي طالعها وكان لها دور فعّال في تغيير معتقده، وغيرها من المعلومات الخاصة به .
ويتمّ نشر هذه المعلومات في موقع المركز على الانترنيت بعد موافقة المستبصر في ذلك ، وكذلك تطبع في هذا الكتاب "موسوعة من حياة المستبصرين" .
ويتمّ تشجيع المستبصرين الذين لديهم قدرة على الكتابة، ويقوم المركز
بطبع نتاجهم العلمي بعد مراجعته من قبل لجنة خاصة في المركز، في سلسلة تحت عنوان "الرحلة إلى الثقلين".
كما يستقبل المركز المساهمات الثقافية للمستبصرين وينشرها في حقل خاص في موقع المركز على الانترنيت .
كذلك يقوم المركز بالإجابة على أسئلتهم العقائدية ورفع الشبهات التي لازالت عالقة في أذهانهم، ويرسل لهم الكثير من الكتب العقائدية وغيرها، ويحاول دوماً مساعدتهم في مجالات شتى .
ونتيجة لذلك فقد تجمّعت لدينا ملّفات كثيرة، وتعرّفنا على عدد كبير من المستبصرين ، منتشرين في بقاع العالم، وتقسّم هذه الملّفات إلى قسمين:
الأوّل: ملّفات الأشخاص الذين زاروا المركز أو اتصلوا به بشكل مباشر ، ولدينا معهم تواصل دائم، وأكثرهم من العلماء والمثقّفين وأصحاب القلم .
الثاني: ملّفات المستبصرين السابقين المنتقلين إلى رحمة اللّه تعالى ، أو الذين لم يتمّ الاتصال بهم بشكل مباشر لحدّ الآن، وإنّما تعرّفنا على أسمائهم بطرق مختلفة .
علماً بأنّ في مكتبتنا في المركز مكاناً خاصاً لمؤلّفات المستبصرين ، نورد أسماء بعضهم وأسماء بعض مؤلّفاتهم ، ردّاً على أولئك الذين ينكرون ظاهرة الاستبصار العالمية، ويقولون: إنّها أسماء وهمية :
أحمد حسن العنثري، اليمن .
1ـ الإمامة في الميزان ، اختيار اللّه أم اختيار البشر؟
2ـ الجواب المبين في الردّ على المروّجين .
أحمد حسين يعقوب ، الأردن .
1ـ النظام السياسي في الإسلام.
2ـ نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام .
3ـ مرتكزات الفكر السياسي.
4ـ الخطط السياسية لتوحيد الأُمّة الإسلامية .
5ـ طبيعة الأحزاب السياسية العربية .
6ـ الوجيز في الإمامة والولاية .
7ـ المواجهة مع رسول اللّه وآله .
8 ـ مساحة للحوار، من أجل الوفاق ومعرفة الحقيقة .
9ـ كربلاء، الثورة والمأساة .
10ـ الهاشميون في الشريعة والتاريخ .
11ـ حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر.
12ـ أين سنّة الرسول ، وماذا فعلوا بها؟
13ـ الاجتهاد بين الحقائق الشرعية والمهازل التاريخية .
14ـ المرجعية السياسية في الإسلام .
15ـ مختصر المواجهة .
الدكتور أحمد راسم النفيس ، مصر .
1ـ الطريق إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) .
2ـ على خطى الحسين(عليه السلام).
إدريس هاني الحسيني، مغرب .
1ـ لقد شيّعني الحسين(عليه السلام).
2ـ الخلافة المغتصبة أزمة تاريخ أم أزمة مؤرّخ .
3ـ هكذا عرفت الشيعة .
4ـ محنة التراث الآخر، النزعات العقلانية في الموروث الإمامي.
وله مقالات كثيرة .
الأسعد بن علي، تونس .
1ـ التجديد الكلامي عند الشهيد الصدر.
2ـ المنهج الجديد في تدريس العقائد.
3ـ فصول في ثقافة الانتظار.
أسعد وحيد القاسم ، فلسطين .
1ـ أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة .
2ـ حقيقة الشيعة الاثني عشرية.
3ـ تحليل نظم الإدارة في الإسلام .
إمتثال الحبش، سوريا .
1ـ الإمامة في القرآن والسنّة .
باسل بن خضراء الحسني، سوريا .
1ـ ومن النهاية كانت البداية .
وله مقالات عديدة .
الدكتور تاج الدين الجاعوني ، الأردن .
1ـ الإنسان هذا الكائن العجيب ، أطوار خلقه وتصويره في الطب والقرآن .
جمال محمّد صالح اليوزبكي، العراق .
1ـ غضبة الفلاسفة أو الغضبة المتعالية .
2ـ وانتهت أوهام العمر .
وله كتب ومقالات أُخرى .
حسن أحمد الحياري، الأردن .
1ـ أسرار الوجود وانعكاساتها التربوية .
2ـ معالم الفكر التربوي للمجتمع الإسلامي.
حسين الرجا، سوريا.
1ـ دفاع من وحي الشريعة ضمن دائرة السنّة والشيعة .
حسينة حسن الدريب، اليمن .
1ـ وعرفت من هم أهل البيت.
خالد محيي الدين الحليبي الحسيني، مصر.
1ـ القضاء المنظر أو كشف الغطاء عن أهل السماء.
2ـ الفتن ، ما ظهر منها وما بطن .
3ـ توحيد أمير المؤمنين(عليه السلام).
4ـ الدين القيم .
5ـ تفسير القرآن .
الدمرداش بن زكى العقالي، مصر .
1ـ دعائم المنهج الإسلامي .
2ـ محاضرات عقائدية.
3ـ الإمام الحسين(عليه السلام) في سفر الشهداء.
4ـ انتخاب الطريق من الظلمات إلى النور .
5ـ من هم الشيعة .
سعيد أيوب ، مصر .
1ـ معالم الفتن ، نظرات في حركة الإسلام وتاريخ المسلمين .
2ـ الانحرافات الكبرى ، القرى الظالمة في القرآن الكريم .
3ـ ابتلاءات الأُمم وتأملات في الطريق إلى المسيح الدجال والمهدي المنتظر في اليهودية والمسيحية والإسلام .
4ـ الطريق إلى المهدي المنتظر .
5ـ الرساليون .
6ـ زوجات النبي(صلى الله عليه وآله) .
7ـ عقيدة المسيح الدجال في الأديان، قراءة المستقبل .
8 ـ في ظلال أسماء اللّه الحسنى .
9ـ الظلّ الممدود في الصلاة على النبي وأهل بيته .
10ـ وجاء الحق .
11ـ الأوائل في أحداث الدنيا وأخبار الآخرة .
سعيد السامرائي، العراق .
1ـ حجج النهج، المختار من نهج البلاغة .
2ـ الطائفية في العراق، الواقع والحل .
3ـ صدام وشيعة العراق .
سعيد يعقوب، فلسطين .
1ـ معراج الهداية، دراسة حول الإمام علي ومنهج الإمامة.
2ـ آفاق النفس البشرية.
3ـ علم النفس والطب النفسي عند العرب .
4ـ السيرة التاريخية للحضارة العربية.
5ـ جدلية النفس والشعر عند العرب .
6ـ علم نفس الأطفال .
7ـ دراسة في آليات التلاؤم النفسي .
وله مقالات كثيرة أُخرى ، وقد توفي أخيراً في شهر ذي الحجّة 1427هـ في حادث مؤسف(رحمه الله).
سليم البشري، مصر.
1ـ حاشية تحفة الطلاّب لشرح رسالة الآداب.
2ـ حاشية على رسالة الشيخ علي في التوحيد .
3ـ شرح نهج البردة .
4ـ الاستئناس في بيان الأعلام وأسماء الأجناس .
صائب عبد الحميد ، العراق .
1ـ منهج في الانتماء المذهبي.
2ـ ابن تيمية، حياته ، عقائده .
3ـ تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي.
4ـ حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي.
5ـ تاريخ السنّة النبوية ، ثلاثون عاماً بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
6ـ ابن تيمية في صورته الحقيقية .
7ـ الزيارة والتوسّل .
8 ـ الوهابية في صورتها الحقيقية .
9ـ خلافة الرسول بين الشورى والنص .
وله مقالات كثيرة .
صالح الورداني ، مصر .
1ـ عقائد السنّة وعقائد الشيعة، التقارب والتباعد.
2ـ الكلمة والسيف، محنة الرأي في تاريخ المسلمين .
3ـ الشيعة في مصر من الإمام علي(عليه السلام) حتّى الإمام الخميني.
4ـ السيف والسياسة ، صراع بين الإسلام النبوي والإسلام الأموي .
5ـ أهل السنّة شعب اللّه المختار .
6ـ دفاع عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ضد الفقهاء والمحدّثين .
7ـ الخدعة، رحلتي من السنّة إلى الشيعة .
8 ـ زواج المتعة حلال، محاكمة المنهج الفقهي عند أهل السنّة.
9ـ فقهاء النفط، راية الإسلام أم راية آل سعود .
10ـ الحركة الإسلامية والقضية الفلسطينية .
11ـ فتاوى ابن باز .
12ـ المناظرات بين فقهاء السنّة وفقهاء الشيعة .
13ـ النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم .
14ـ مدافع الفقهاء، التطرّف بين فقهاء الخلف وفقهاء السلف .
15ـ تثبيت الإمامة.
16ـ علي سيف اللّه المسلول، التاريخ الجهادي للإمام علي(عليه السلام) .
17ـ فرق أهل السنّة (جماعات الماضي وجماعات الحاضر).
صباح علي البياتي، العراق .
1ـ لا تخونوا اللّه والرسول .
2ـ حقيقة التشيّع .
3ـ الصحوة (رحلتي إلى الثقلين) .
4ـ التبرّك .
5ـ أهل الحديث .
6ـ عقائد السلفية .
صبري أحمد علي موسى ، مصر .
1ـ علامات القيامة ونهاية العالم في الديانات السماوية والمذاهب الإسلامية .
2ـ ترقبوا ظهور منقذ البشرية الإمام المهدي(عليه السلام) قريباً جداً.
3ـ احذروا خروج المسيح الدجال الزعيم المنتظر للصهيونية العالمية في القريب العاجل .
4ـ ترقبوا نزول السيّد المسيح(عليه السلام) في عصر الإمام المهدي(عليه السلام) وإقامة الدولة الإسلامية العالمية .
5ـ موسوعة العقائد الإلهية بين الأديان السماوية والمذاهب الإسلامية الكبرى ، مخطوط .
طارق زين العابدين، السودان .
1ـ دعوة إلى سبيل المؤمنين .
عاطف سلام ، مصر .
1ـ فقهيات بين السنّة والشيعة .
عامر سلو رشيد، العراق .
1ـ من الظلمات إلى النور .
عبد اللّه علي مطهّر الديلمي ، اليمن .
1ـ موجز مناقب الرسول وأهل بيته(عليهم السلام) .
2ـ تهذيب الأزهار في فقه الأئمة الأطهار .
عبد الباقي قرنة ، الجزائر .
1ـ قراءة في سلوك الصحابة.
2ـ معاوية.
السيّد عبد المحسن السراوي ، سوريا .
1ـ فاطمة الزهراء(عليها السلام) في الأحاديث النبوية .
2ـ مسند الإمام علي(عليه السلام) .
3ـ القطوف الدانية في ستة عشر مسألة خلافية .
4ـ معرفة ما يجب لآل البيت النبوي من الحقّ على من عداهم .
عبد المنعم الحسن ، السودان .
1ـ بنور فاطمة(عليها السلام) اهتديت .
عصام علي يحيى العماد ، اليمن .
1ـ رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية .
2ـ المنهج الجديد في الصحيح في الحوار مع الوهابيين .
علي الشيخ ، العراق .
1ـ هبة السماء ، رحلتي من المسيحية إلى الإسلام .
علي محمّد فتح الدين، باكستان .
1ـ فلك النجاة في الإمامة والصلاة .
لمياء حمادة، سوريا .
1ـ أخيراً أشرقت الروح.
محمّد بيومي مهران ، مصر.
1ـ السيرة النبوية الشريفة .
2ـ السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام).
3ـ الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام).
4ـ الإمام الحسن بن علي(عليه السلام) .
5ـ الإمام الحسين بن علي(عليه السلام) .
6ـ الإمام علي بن الحسين(عليه السلام).
7ـ الإمام جعفر الصادق(عليه السلام).
8ـ الإمامة وأهل البيت(عليهم السلام) .
9ـ دراية حول التاريخ للأنبياء(عليهم السلام).
10ـ تاريخ القرآن .
وله عشرات الكتب والمقالات .
الدكتور السيّد محمّد التيجاني السماوي، تونس .
1ـ ثمّ اهتديت .
2ـ لأكون مع الصادقين .
3ـ فاسألوا أهل الذكر .
4ـ الشيعة هم أهل السنّة .
5ـ اتقوا اللّه .
6ـ اعرف الحقّ .
7ـ كلّ الحلول عند آل الرسول.
8ـ وسيروا في الأرض فانظروا .
محمّد الرصافي المقداد ، تونس .
له عدّة مقالات ستصدر من مركز الأبحاث العقائدية.
محمّد سليم عرفة، سوريا .
1ـ إفادات من ملّفات التاريخ .
محمّد عبد الحفيظ ، مصر .
1ـ لماذا أنا جعفري .
محمّد عصمت بكر ، مصر .
1ـ عبد اللّه بن عمر بين السياسة والدين .
محمّد علي المتوكل ، السودان .
1ـ ودخلنا التشيّع سجّداً .
السيّد محمّد العمدي ، اليمن .
1ـ واستقرّ بي النوى .
2ـ الزيدية والإماميّة جنباً إلى جنب .
3ـ اليمن المعاصر في تقرير شامل . مخطوط .
محمّد الكثيري ، المغرب .
1ـ السلفية بين أهل السنّة والإمامية .
وله مقالات عدّة .
محمّد كوزل الحسن الآمدي، تركيا.
1ـ المسح في وضوء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
2ـ الهجرة إلى الثقلين .
محمّد مرعي الأمين الأنطاكي ، سوريا .
1ـ لماذا اخترت مذهب الشيعة، مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
2ـ الشيعة وحجتهم في التشيّع .
مروان خليفات ، الأردن .
1ـ وركبت السفينة .
2ـ أكرمتني السماء، العودة المباركة إلى النعمة الإلهية .
3ـ النبي ومستقبل الدعوة .
4ـ قراءة في المسار الأموي .
5ـ مزامير الانتظار المقدس .
معتصم سيد أحمد، السودان .
1ـ الحقيقة الضائعة، رحلتي نحو مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
2ـ حوارات ... تجربة عملية في الحوار الشيعي السنّي .
معروف عبد المجيد، مصر .
1ـ أحجار لمن تهفو لها نفسي .
2ـ أكاسيا للفراعنة .
3ـ معلقة على جدار الأهرام .
4ـ وينصبون عندها سقيفة .
5ـ بلون الغار .. بلون الغدير .
نور الدين الدغير الهاشمي، المغرب .
1ـ تاريخ الشيعة بين الحقيقة والمؤرّخ .
الهاشمي بن علي رمضان ، تونس .
1ـ الصحابة في حجمهم الحقيقي .
2ـ حوار مع صديقي الشيعي .
هشام آل قطيط، سوريا .
1ـ وقفة مع الدكتور البوطي في مسائله .
2ـ حوار ومناقشة كتاب عائشة أم المؤمنين للدكتور البوطي.
3ـ ومن الحوار اكتشفت الحقيقة .
4ـ محاكمة شيخ الأزهر ـ الأزهر بين فكّي كمّاشة، التيار السلفي وظاهرة التوظيف الديني.
5ـ المتحوّلون ـ حقائق ووثائق ، ظاهرة التحوّل تلك النخبة من العلماء والمثقفين نحو مذهب أهل البيت(عليهم السلام) .
ياسين المعيوف البدراني، سوريا .
1ـ يا ليت قومي يعلمون .
يحيى طالب المشاوي ، اليمن .
1ـ في ظلال الإسلام ، السرّ الكامن وراء الاختلاف بين المسلمين . مخطوط .
هذا المجلّد من الموسوعة
الجزء الأوّل من هذه الموسوعة صدر وهو يحتوي على ترجمة خمسين مستبصراً، مرتّبة حسب الحروف الألفبائية .
الجزء الثاني والثالث صدر وهو يحتوي على تراجم أصحاب القلم من المستبصرين ، فالجزء الثاني يحتوي على ثلاث وعشرين ترجمة، والثالث يحتوي على ستّ وعشرين ترجمة .
ثمّ ارتأينا تغيير المنهج ابتداءً من هذا الجزء ـ الرابع ـ إذ أوردنا أسماء المستبصرين مرتبةً حسب الدول التي يعيشون فيها، فيحتوي هذا الجزء على مائة وثمانية وسبعين ترجمة، منها أربع وستّون ترجمة للنساء ، والباقي للرجال .
علماً بأنّ تراجم المستبصرين في كافة أجزاء هذه الموسوعة تختلف حسب
شخصيّة المترجم ونشاطه العلمي والثقافي .
شكر وتقدير
ختاماً نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير لكلّ الذين ساهموا في إخراج المجلّدات الأخيرة من هذه الموسوعة ـ الرابع والخامس والسادس ـ ، ونخصّ بالذكر:
{1} الشيخ الفاضل علاء الحسّون .
{2} الشيخ الفاضل صادق الحسّون .
{3} الشيخ الفاضل رافد التميمي .
{4} السيّد الفاضل جعفر الحكيم .
{5} الأستاذ الفاضل عبد الحسين الحسّون .
{6} الأخت الفاضلة أم علاء الحسّون .
وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على نبيّنا وسيّدنا الحبيب محمّد بن عبد اللّه ، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين ، ونحمده ونشكره لتوفيقنا لإتمام هذه الأجزاء من هذه الموسوعة، وإن شاء اللّه نوفّق لإكمال باقي الأجزاء .
محمّد الحسّون
مركز الأبحاث العقائدية
28 جمادى الآخرة 1427 هـ
Site.aqaed.com/Mohammad
Muhammad@aqaed.com
ولد في مدينة "رايا" التابعة لمقاطعة "تجراي" ، ونشأ في أُسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ تلقّى العلوم والمعارف الإسلاميّة في المدارس الدينيّة.
سبب الاستبصار:
تشرّف "أحمد الهادي" باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1992م ، وكان سبب استبصاره قراءته للكتب الدينيّة الموضّحة لسيرة عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والمبيّنة لمعارفهم الدينيّة.
ووجد "أحمد" في علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) من الحقائق المستدلّة بالحجج والبراهين ما لم يطرق سمعه من قبل ، فتأثّر بهذه العلوم والمعارف ، ثُمّ تخلّى عن مبادئه الموروثة السابقة ، وتوجّه بصدر رحب ونفس مطمئنّة إلى اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
دراسة علوم أهل البيت(عليهم السلام):
إنّ الحقائق الأوّليّة التي تلقّاها "أحمد" من مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) والتي دفعته إلى تغيير انتمائه المذهبي ، خلقت في نفسه شوقاً لنيل المزيد منها ، فلهذا لم يستطع "أحمد" بعد الاستبصار أن يبتعد عن أجواء دراسة علوم أهل البيت(عليهم السلام) ،
فالتحق بالحوزة العلميّة ، ليعيش دوماً مع أحاديث وروايات عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .
مقاومة التيارات المضادّة:
واجه "أحمد" بعد استبصاره مجموعة من التيّارات المضادّة ، خلقها البعض لصدّه عن التمسّك بالانتماء المذهبي الذي أملته عليه الأدلّة والبراهين ، ولكنّه "أحمد" صمد بقوّة أمام هذه التيّارات ، وواصل طريقه في طلب العلم والمعرفة ، من أجل تقوية البنية الذاتيّة ، ومن ثمّ المبادرة إلى نشر الحقائق بين الناس.
مرحلة التبليغ والدعوة:
تصدّى "أحمد" لمهمّة إدارة مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) التابعة لمركز المفتي سراج ، ليهيّئ لأبناء مجتمعه أجواءً تغرس في نفوسهم الأخلاق والفضيلة ، وليوفّر لطلبة العلوم الدينيّة الأرضيّة المناسبة للتعرّف على الحقّ ; لكي لا ينخدعوا بالتيّارات الفكريّة المنحرفة ، وقد حاول "أحمد" أن يضع التجارب التي مرّ بها خلال حياته بين يدي طلبة العلوم الدينيّة ; ليعينهم على اجتياز العقبات التي تواجههم بسهولة ، وليتيح لهم إمكانيّة معرفة أقرب الطرق للوصول إلى الأهداف المتعالية.
ولد في العاصمة "أديس أبابا" ، ونشأ في أسرة تلقّت من أسلافها المذهب الشافعي منهجاً وطريقةً لمعرفة الشريعة الإسلامية.
اليقظة:
نشأ "حسن" في أسرته المنتمية إلى المذهب الشافعي ، وبقي متمسّكاً بهذا الانتماء حتّى وصلت إلى يده مجموعة أشرطة صوتيّة لجملة من خطباء المنبر الحسيني ، فبلغت مسامعه صرخة الإمام الحسين(عليه السلام) ، وبلغه النداء الحسيني فتساقطت أمامه الأقنعة عن الوجوه الماكرة التي تربّصت بالإسلام ، وسحقت مبادئه من أجل نيل مصالحها الدنيويّة ومآربها المادّية ، ومن هنا بدأت انطلاقته نحو البحث في الصعيد العقائدي.
البحث عن الحقائق:
توجّه "حسن" بعد ذلك إلى توسيع آفاق رؤيته الدينيّة عن طريق مطالعة الكتب العقائديّة والدينيّة لشتّى المذاهب الإسلاميّة ، وحاول أن يحيط علماً بمجموع ما يقال عن الأسس المذهبيّة ; ليتمكّن بعد غربلتها وتنقيحها من الوصول إلى حقيقة الأمر.
وبالفعل فقد تعرّف "حسن" بمرور الزمان على حقائق قلبت عنده الموازين ، وأثارت في نفسه الاستغراب.
اكتشاف الحقيقة:
إنّ النتائج التي حصل عليها "حسن" كانت على خلاف ما كان يتوقّعه ; لأنّه كان يظنّ بأنّ البحث سيرفع مستواه العقائدي فيما كان يعتقد به ، وسيمنحه الأدلّة والبراهين التي تجعله قادراً على الدفاع عن عقائد مذهب أهل السنّة.
ولكنّ النتيجة جاءت عكسيّه ، فتبيّن له: أنّ مذهب أهل السنّة مذهب ترعرع في أحضان الحكومات ، وتبلورت عقائده عن طريق وعّاظ السلاطين وفق ميول وأهواء أرباب السلطات الجائرة.
ثمّ تبيّن له أنّ الشورى التي يدّعيها أهل السنّة; لتثبيت دعائم الخلافة الإسلاميّة في صدر الإسلام ، ليست إلاّ سراباً لا حقيقة له في واقع الأمر.
تغيير الانتماء العقائديّ:
ومن هنا بدأ "حسن" يفكّر في شأن تغيير الانتماء المذهبي الذي كان عليه ، فخطر على باله ما سيواجهه من مشاكل نتيجة انفصاله عن الدائرة الاجتماعية التي هو فيها ، ولكنّ قوّة إيمانه وقوّة الأدلّة العقائديّة التي غيّرت مرتكزاته الفكريّة لم تسمح له أن يتردّد في شأن الاستبصار ، فاعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) سنة 1997م ، وبدأ صفحة جديدة من حياته وحاول بعد ذلك أن يتأسّى في تعامله وسلوكه وتصرّفاته بأخلاق أهل البيت(عليهم السلام).
ولد في منطقة "وللّو" بإثيوبيا ، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب الشافعي ، فأملت عليه أسرته مجموعة عقائد فتلقّاها من دون دليل ، والتزم بها كعقيدة ورثها من آبائه وأسلافه الماضين.
طموحه نحو الاعتلاء:
سلك "سعيد" منذ صغره سبيل الجدّ ، وحاول أن يبني في نفسه الكثير من الملكات الإيجابيّة ، حتّى تمكّن من التصدّي لمهمّة زعامة قبيلته.
كما أنّه حاول الارتقاء في الصعيد الديني ، فلم يقتصر على ما أملته عليه البيئة التي عاش فيها من أفكار ومعتقدات ، بل توجّه نحو البحث في الصعيد العقائدي من أجل الوصول إلى عقائد مبتنية على الأدلّة والبراهين المقنعة.
توسيع آفاق المعارف الدينيّة:
توجّه "سعيد" من أجل تمحيص مرتكزاته العقائديّة نحو البحث عن طريق مطالعة مختلف الكتب الدينيّة ، كما أنّه حاول عدم الاقتصار على كتب مذهبه ، لئلاّ تكون نتائج بحثه محصورة في دائرة ضيّقة ، فطالع كتب بقية المذاهب ، ومنها مذهب أهل البيت(عليهم السلام) .
ومن هنا بدأ "سعيد" يعيش حالة فقدان التوازن بين البقاء على معتقدات ورثها من آبائه لكنّها لا تعتمد على الأدلّة المقنعة، وبين معتقدات تطرحها مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)بأدلّة وبراهين وحجج قويّة لا تدع للباحث مجالا للشكّ في أحقّيّتها.
مرحلة الشكّ والحيرة:
وبمرور الزمان زعزعت الأبحاث التي قام بها "سعيد" معتقداته السابقة ، فبقي متحيّراً كيف يمكنه التحوّل من مذهب إلى مذهب آخر.
وكان "سعيد" يعي أنّه سيفقد مكانته الاجتماعيّة على أثر اعتناقه لمذهب التشيّع ، وكان يعي أنّ الأمر يحتاج منه إلى التضحية وتحمّل الكثير من المشاكل ، ولكن من جهة أخرى اتّضح له أحقيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
مواصلة البحث والاستبصار:
وواصل "سعيد" بحثه علّه يصل إلى نتائج أُخرى ، ولكن باءت جميع محاولاته بالفشل ; لأنّ أحقيّة التشيّع كانت واضحة لا لبس فيها ، فاستمدّ من هذه الأحقيّة القوّة والقدرة للصمود أمام جميع العقبات التي تقف أمام تحوّله المذهبي ، فاعتنق التشيّع ساحقاً في نفسه جميع الضغوطات العاطفيّة التي كانت تشدّه إلى الوراء، وتمنعه من التحرّر والانطلاق نحو الحقيقة.
ولد في مدينة "جودي" بإثيوبيا ، ونشأ في أسرة مسلمة تعتنق المذهب الشافعي ، فتمسّك بمذهب أهل السنّة وفق مذهب أسرته ، ولم يخطر على باله أنّه سيغيّر عقيدته يوماً ما ، لأنّه كان على يقين بأنّه على الحقّ ، ولأنّ جميع من حوله كانوا من أتباع أهل السنّة ، فيا ترى هل يصحّ أن يكون جميع هؤلاء مخطئين؟
المفاجأة باستبصار أخيه:
تفاجأ "عبدالله" ذات يوم بنبأ استبصار أخيه محمّد أحمد إبراهيم، وتحوّله من مذهب أهل السنّة إلى مذهب الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة ، فأسرع إليه ليعيده إلى ملّة أبيه ، وتوجّه إليه بإخلاص; ليمنعه من الانحراف والوقوع في الضلال العقائدي حسب تصوّره.
ولكنّ "عبدالله" وإن كان توجّهه نحو أخيه بإخلاص ، ولكنّه كان يفتقر إلى الأدلّة والبراهين لمناقشة أخيه ، وهذا ما حفّزه للاتّجاه نحو البحث لمعرفة أدلّة أهل السنّة بأُسلوب يمكّنه من الدفاع عن مذهبه الموروث.
المفاجأة الثانية:
تفاجأ "عبدالله" عند بحثه عن حجج وبراهين معتقدات أهل السنّة ، لأنّها
كانت تتضمّن التناقض والتضارب بين جملة من مفرداتها العقائديّة ، ولم يتوقّع أنّ العقائد التي كان يتصوّر بأنّها الحقّ المطلق ، تعاني في الكتب من ضعف الاستدلال ، فكان هذا الأمر بالنسبة إليه مفاجأة ثانية ، ولكنّه مع ذلك تقبّل ما عثر عليه من أدلّة للدفاع عن معتقدات مذهبه أمام أخيه الذي تحوّل إلى مذهب آخر.
الحوار والمناقشة مع أخيه:
خاض "عبدالله" مع أخيه العديد من الحوارات ، ثمّ حاول أن يبيّن له أدلّة أهل السنّة كما أنّه حاول أن يخفي عنه انطباعه حول هذه المعتقدات ، ولكنّه وجد أخاه يمتلك أدلّة وبراهين قويّة تثبت أحقيّة ما ذهب إليه وهذا بخلاف أدلّة مذهب أهل السنّة ، فدفعه هذا الأمر إلى دراسة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) من أجل المقارنة بين المذهبين ومعرفة الحقيقة.
الانفتاح على مذهب التشيّع:
فتحت الكتب الشيعيّة آفاق بصيرة "عبدالله" على عالم واسع ملؤه النور والمعرفة ، فانبهر بهذا الكمّ الهائل من الحقائق التي كانت غائبة عنه ، فواصل بحثه حتّى تبيّن له أنّ التشيّع مذهب حاولت السلطات الجائرة على مرّ العصور ـ مراعاةً لمصالحها ـ أن تبعده عن الساحة الاجتماعيّة.
ومن هنا عرف "عبدالله" سبب الهجمات الإعلاميّة التي تُشنّ على أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وتبيّن له أنّ منشأها يعود إلى معاداة بني أميّة وبني العبّاس لأهل بيت الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .
ومن هذا المنطلق زالت عن بصيرته الغشاوة التي كان متلبّساً بها، والتي كان من خلالها يقيّم "عبدالله" مذهب التشيّع ، ثمّ توجّه بجدّ نحو دراسة هذا المذهب حتّى أدّى به ذلك إلى الاستبصار، والالتحاق بركب التشيّع، والسير تحت راية أهل البيت(عليهم السلام).
ولد في "أديس أبابا" عاصمة إثيوبيا ، ونشأ في أسرة تعتنق مذهب أهل السنّة وفق المذهب الشافعي ، فتقبّل هذا المذهب ، ثمّ سار على مبادئه حتّى تفتّحت بصيرته على عقائد مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، فلم يجد طريقاً سوى إعادة النظر في معتقداته الموروثة.
كيفيّة تعرّفه على التشيّع:
كانت الأجواء المحيطة بـ "عبد المعطي" كلّها تدعوه إلى الثبات على المذهب الذي ورثه عن آبائه ، فبقى على هذا الأمر حتّى سمع بنبأ استبصار مجموعة من أصدقائه ، فدفعه حبّ الاستطلاع إلى معرفة الأسباب التي دفعت هؤلاء إلى تغيير معتقداتهم السابقة ، ولكن حذّره البعض من الاقتراب من هؤلاء المستبصرين ، وأمروه بتجنّب الاختلاط أو الحوار معهم ، ولكنّه لم يعتنِ بأقوال هؤلاء ; لأنّه وجد بأنّ العقل يدعوه إلى البحث من أجل تثبيت دعائم المعتقدات التي يؤمن بها.
وفكّر "عبد المعطي" أنّ استبصار أصدقائه بمثابة شبهة متوجّهة نحو معتقداته ، وينبغي للإنسان المبادرة إلى حلّ الشبهة المطروحة عليه ، لئلاّ تكون
عقيدته مبتنية على أساس التقليد الأعمى.
فقصد أصدقاءه من أجل معرفة الأدلّة التي دفعتهم إلى الإعراض عن العقيدة التي كانوا عليها.
البحث عن الحقيقة:
ومن منطلق معرفة الحقّ ، توجّه "عبد المعطي" إلى عقد العديد من الجلسات مع أصدقائه المستبصرين ، ثمّ حاول الإصغاء إلى أدلّتهم، وعدم المداخلة بين كلامهم من أجل الإلمام الكامل بالمنظومة العقائديّة التي تحلّى بها هؤلاء.
ومن خلال هذه الجلسات تعرّف "عبد المعطي" على عقيدة التشيّع حول الإمامة، وعدالة الصحابة، وفضائل أهل البيت(عليهم السلام)، وكيفيّة وقوع الخلافة بيد غير أهل البيت(عليهم السلام).
كما أنّه حاول أن يواجه المعتقدات التي يطرحونها بعقلانيّة بعيدة عن التأثر بالجانب العاطفي ، ليتمكّن من الوصول إلى معرفة الحقيقة ، من دون تدخّل التعصّب والأنانيّة في مجال البحث.
الاقتناع بعقيدة التشيّع:
إنّ الأجواء العقلانيّة التي وفّرها "عبد المعطي" لنفسه ، دفعته إلى غربلة المسائل العقائديّة بصورة حياديّة بعيدة عن الميول والرغبات التي قد تدفع الباحث إلى عدم تقبّل الحقّ فيما لو كان مخالفاً لما يهوى.
ومن هذا المنطلق تبيّن له أحقيّة مذهب التشيّع ، فلم يتردّد بعد ذلك لحظة في اعتناقه لهذا المذهب، فأعلن تشيّعه وولاءه لأهل البيت(عليهم السلام).
نشاطه في المجال التبليغي:
قام "عبد المعطي" بعد الاستبصار بتأسيس مدرسة إسلاميّة في مدينة
"رايّا" من أجل خدمة طلبة العلوم الدينيّة ، كما قام بترجمة بعض الكتب النافعة إلى اللغة المحليّة، واستمرّ في نشر علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) على الرغم من انشغاله كنائب في مجلس العلماء في إثيوبيا.
ولد سنة 1959 م في منطقة "تجراي" بإثيوبيا ، وترعرع في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ درس في المساجد والمدارس الدينيّة دروس الفقه والحديث والتفسير وفق المذهب الشافعي ، كما أنّه حضر عند العديد من شيوخ المذهب الشافعي في منطقته ومنهم والده المفتي محمّد سراج، الذي هو من العلماء البارزين في إثيوبيا.
الانتساب إلى أهل البيت(عليهم السلام):
نشأ "عبد المعطي" في بيئة تكنّ الحبّ والاحترام لأهل البيت(عليهم السلام)، وتسود فيها عادات وتقاليد قائمة على الاعتزاز بكلّ من ينتسب إليهم ، هذا من جهة ومن جهة أُخرى فإنّ عبد المعطي كان من أسرة تنتسب إلى أهل البيت(عليهم السلام) ، فدفعه هذا الأمر بعد أن بلغ مرحلة النضج العقلي إلى التعرّف على أهل البيت(عليهم السلام).
بداية التعرّف على التشيّع:
لم يجد "عبد المعطي" فرصة للتعرّف على أهل البيت(عليهم السلام); وذلك نتيجة انشغالاته المتعدّدة ، حتّى قامت الثورة الإسلاميّة في إيران ، وتشكّلت فيها حكومة دينيّة ، فلفت هذا الأمر انتباهه، ودفعه لمتابعة أحداث الساحة الإيرانيّة
عن طريق الإذاعات والمجلاّت ، وكان أكثر ما يهمّه التعرّف على عقائد أتباع أهل البيت(عليهم السلام).
مطالعة كتاب المراجعات:
كان كتاب المراجعات من جملة الكتب التي وقعت بيد "عبد المعطي" أثناء دراسته لعقائد مذهب التشيّع ، فوجده سِفراً عظيماً يتضمّن حواراً علميّاً متّصفاً بالنزاهة والموضوعيّة ، بين عالمين جليلين أحدهما من أهل السنّة والآخر من الشيعة.
فطالع "عبد المعطي" هذا الكتاب بتأمّل ، فازدادت بمرور الزمان محبّته إلى أهل البيت(عليهم السلام)، وتحوّلت إلى ولاء عميق وتمسّك وثيق ، وعرف أنّ أهل البيت(عليهم السلام)هم الطريق الصحيح والمضمون الذي يمكن الاعتماد عليه في تلقّي العلوم والمعارف التي جاء بها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
مكانة أهل البيت(عليهم السلام):
تبيّن لـ "عبد المعطي" عن طريق مطالعته لكتاب المراجعات أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قد أكّد على اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) في العديد من المرّات ، منها أنّه قال:
"ألزموا مودّتنا أهل البيت ، فإنّه من لقي اللّه وهو يودّنا دخل الجنّة بشفاعتنا ، والذي نفسي بيده ، لا ينفع عبداً عمله إلاّ بمعرفة حقّنا"(1).
تلقّي معارف أهل البيت(عليهم السلام):
ازداد يقين "عبد المعطي" يوماً بعد آخر بضرورة اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) ، فتخلّى عن انتمائه السابق والتحق بركب أهل البيت(عليهم السلام)، ثمّ أعلن استبصاره سنة 1980 م، ثمّ ازداد تلهّفاً لمعرفة علوم أهل البيت(عليهم السلام) ، فسافر إلى إيران لطلب العلم في حوزة مدينة قم المقدّسة.
1) مجمع الزوائد للهيثمي 9/194، ح15007 المعجم الأوسط للطبراني 1/606، ح2230.
واصل "عبد المعطي" دراسته في الحوزة العلمية ، وبذل جهداً وافراً للإلمام بأصول ومبادئ مدرسة أهل البيت(عليهم السلام); ليزداد بصيرة وعلماً وفهماً ، وليهيّىء نفسه لتبليغ رسالة عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد عودته إلى وطنه.
نشر مذهب التشيّع:
عاد "عبد المعطي" إلى وطنه بعد الإلمام بعلوم أهل البيت(عليهم السلام) ، ثمّ شرع بنشر مذهب التشيّع بين أبناء بلده ، كما أنّه أجرى العديد من المناظرات العقائديّة مع كبار علماء بلده من المذاهب الأخرى ، وبيّن لهم الحقائق التي توصّل إليها ، ثمّ ألقى العديد من المحاضرات الدينيّة; لتنوير أذهان عامّة الناس.
كما أنّه بادر إلى التأليف لإيصال كلمته إلى من لا يسعه الوصول إليه ، فألّف وترجم عدّة كتب منها:
1 ـ أسلوب الدعوة.
2 ـ التوحيد أو "هذا هو علي بن أبي طالب(عليه السلام)"
3 ـ المناسبات الدينيّة في إثيوبيا.
4 ـ إعرف الحقّ تعرف أهله (باللغة الأمهريّة).
5 ـ الرسول وأهل بيته في المدائح والأشعار (بلغة تجراي).
كما أنّه تصدّى لإدارة معهد أهل البيت(عليهم السلام) في تجراي ـ رايا ، وأسّس مركز المفتي سراج للعلوم والثقافة ، وقدّم من خلاله الكثير من الخدمات الدينيّة.
وعلى أثر نشاطه في نشر مذهب أهل البيت(عليهم السلام) استبصر الكثير من أبناء أسرته ومنطقته وبلده ، وتعرّفوا عن طريقه على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ثمّ تمسّكوا بهديهم.
ولد في إثيوبيا ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ واصل دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على شهادة وفّرت له إمكانيّة التدريس ، ثمّ تهيّئت له فرصة أداء هذه المهمّة في إحدى مدارس اليمن .
أهميّة البحث والتحقيق:
كان يدرك "علي أحمد" أهمّية البحث والتحقيق في رفع مستوى الإنسان ; لأنّه كان يرى بأنّ الطلاّب الذين يقوم بتدريسهم يزدادون يوماً بعد يوم بصيرة بحقائق الحياة ، وهذا ما يدفعهم إلى النضج الفكريّ والتكامل في رؤيتهم الكونيّة لهذا العالم.
ومن هذا المنطلق أدرك "علي أحمد" بأنّ الإنسان يحتاج في جميع مراحله إلى التعلّم والبحث ; لتكون أفعاله وسلوكه وفق منهجيّة صحيحة منسجمة مع الحقائق الكونيّة.
البحث في المجال الديني:
إنّ الدين هو العقائد التي من خلالها يحدّد الإنسان أفعاله وسلوكه في الحياة ، ويمثّل الأفكار التي من خلالها ينظر الإنسان إلى الحياة.
وهذا الأمر هو الذي يحتّم على كلّ إنسان الاهتمام بأمر دينه; لئلاّ يقع في أودية العقائد الضّالة، والأفكار المنحرفة التي تأخذ بيد الإنسان إلى الهلاك .
ولا يوجد طريق للوثوق بالعقائد التي يتلبّس بها الإنسان سوى البحث في هذا المجال من أجل الوصول إلى العقائد التي تستمدّ وجودها وبقاءها من الأدلّة والبراهين والحجج المتينة والمعتبرة التي لا يجد الشكّ مجالا للتوغّل فيها.
إعادة النظر في المعتقدات الموروثة:
أدرك "علي أحمد" خلال تأمّله في مسألة أهميّة العقائد أنّه بحاجة إلى غربلة معتقداته الموروثة ; لأنّه أدرك بأنّ التقليد الأعمى لعقائد الآباء لا يشكّل حجّة قاطعة يمكن الاعتماد عليها غداً أمام الربّ تعالى في ساحة المحشر; لأنّه تعالى خلق للإنسان العقل ليحتجّ به عليه ، والعقل يرشد الإنسان إلى عدم الاتّباع الأعمى لهذا وذاك ، وعدم الانقياد من دون دليل وراء هذا الاتّجاه أو ذاك التّيار.
ولهذا ينبغي على الإنسان ـ إضافةً إلى اهتمامه بغذائه المادّي ومأواه الجسديّ ـ أن يهتمّ بغذائه الروحي ومصيره الأبديّ عن طريق الاهتمام بالعقيدة، والأفكار التي يعطيها زمامه لتقوده حيثما تشاء.
ومن هذا المنطلق توجّه "علي أحمد" نحو البحث في الصعيد العقائديّ ، حتّى توصّل إلى أحقّية مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فأعلن استبصاره عام 1999م في اليمن ، ثمّ حاول الاتّصال ببعض الشيعة، والبحث معهم من أجل رفع مستوى إلمامه بعلوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام).
ولد في العاصمة "أديس أبابا" ، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب الشافعيّ ، فأملت عليه الأجواء التي ترعرع فيها عقيدة أهل السنّة وبقي في هذه الأجواء حتّى التقى بمستبصر يدعى "محمّد أحمد إبراهيم" ، فتعرّف من خلاله على مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
عظمة أهل البيت(عليهم السلام):
إنّ المناقشات التي جرت بين "كامل شريف" والمستبصر "محمّد أحمد إبراهيم" فتحت آفاق معارفه الدينيّة وذلك بعد تعرّفه على مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).
ومن خلال البحث تبيّن لـ "كامل شريف" أنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم عبارة عن شخصيّات اصطفاها اللّه سبحانه وتعالى وهم كما يصفهم الإمام علي(عليه السلام):
"هم موضع سرّه (الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)) ملجَأ أمره ، وعيبة علمه ، وموئل حكمه ، وكهوف كتبه ، وجبال دينه ، بهم أقام انحناء ظهره ، وأذهب ارتعاد فرائصه ... لا يقاس بآل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الأمّة أحد ، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً ، وهم أساس الدين وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم
خصائص حق الولايّة وفيهم الوصيّة والوراثة"(1).
أهمّية التعرّف على أهل البيت(عليهم السلام):
إنّ الأبحاث التي أجراها "كامل شريف" بيّنت له وجوب التعرّف على أهل البيت(عليهم السلام)وعلى فضائلهم ومناقبهم وعلى حقوقهم ، وذلك لوجوب التمسّك بهم والاعتصام بحبلهم والسير تحت رايتهم ; لأنّ عدم معرفة أهل البيت(عليهم السلام) يؤدّي إلى عدم مودّتهم ، وذلك يؤدّي إلى إهمال الجهود التي بذلها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في نشر الرسالة الإسلاميّة ; لأنّ اللّه سبحانه وتعالى قال في محكم كتابه لرسوله الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) : {قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى}(2).
وقد قال الشافعي:
يا أهلَ بَيْت رَسُول اللّه حُبّكُم فَرْضٌ مِن اللّهِ فِي القُرآن أَنْزَلَهُ
كَفَاكُم من عَظِيْمِ الَقَدْرِ أَنّكُمُ مَن لَمْ يُصَلِّ عليكُم لا صَلاَةَ لَهَ(3)
مرحلة الاستبصار:
واصل "كامل شريف" بحثه حتّى توصّل إلى لزوم الالتحاق بمدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، فأعلن استبصاره ، ثمّ جنّد نفسه لخدمة أهل البيت(عليهم السلام)، فتصدّى لإدارة مدرسة أبي ذر ونيابة إمامة مسجد الأنور في منطقته ، ليجعل من هذه الأماكن منبراً لتعريف الآخرين بفضائل ومناقب أهل البيت(عليهم السلام).
تقدّمت ترجمته في (1/445) من هذه الموسوعة ، ونضيف هنا ما جدّ لدينا عنه:
الهجرة لطلب العلم:
أحسّ "محمّد" بعد الاستبصار أنّه بحاجة إلى الاستزادة من معين علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) ، فلم يجد في بلده الأجواء والأرضيّة المناسبة ; وذلك لقلّة كتب الشيعة وقلّة المتخصّصين في مجال علوم أهل البيت(عليهم السلام).
لهذا سافر إلى إحدى الحوزات العلميّة الشيعيّة ; ليوفّر لنفسه الأرضيّة المناسبة لطلب العلم ، والتعرّف على معارف مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).
فدرس في تلك الحوزة أمّهات العقائد الإسلاميّة وفق مذهب التشيّع ، وتعرّف على أصول ومبادئ التشيّع ، فازداد يقيناً بأحقّية مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
أداء الواجب التبليغي:
عاد "محمّد" بعد الإلمام بعلوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) إلى وطنه ، ثمّ رأى أنّ وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحتّم عليه إنقاذ مَن حوله مِن الأفكار الخاطئة العالقة بأذهانهم ، فأسّس مدرسة باسم مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، وقام بإدارتها والتدريس فيها ، ثمّ أعلن تأسيس هذه المدرسة; ليحضر فيها كلّ من
يودّ التعرّف على مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
كما أنّه قام بإلقاء المحاضرات الدينيّة في الإذاعة الإثيوبيّة وفي بعض فصول الجامعة ، ثمّ كتب بعض المقالات العلميّة، وترجم بعض الكتب المفيدة باللغة المحلّيّة.
ثمرة جهوده التبليغيّة:
إنّ كلام أهل البيت(عليهم السلام) يحيي القلوب ; لأنّهم محطّ الرسالة ، ومختلف الملائكة، ومعدن العلم، وينابيع الحكم، وهم كما قال الإمام عليّ(عليه السلام):
"هم عيش العلم ، وموت الجهل ، يخبركم حلمهم عن علمهم ، وظاهرهم عن باطنهم، وصمتهم عن حكم منطقهم ، لا يخالفون الحقّ ولا يختلفون فيه ، وهم دعائم الإسلام ، وولائج الاعتصام ، بهم عاد الحقّ إلى نصابه ، وانزاح الباطل عن مقامه ، وانقطع لسانه عن منبته ، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية ، فإنّ رواة العلم كثير ورعاته قليل"(1).
وكان "محمّد" يكثر من نقل أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) ، فلهذا لانت الكثير من القلوب لكلام أهل البيت(عليهم السلام)، وتأثّر الكثير بهذا الكلام النورانيّ الذي يدخل القلوب من دون استئذان ، ولهذا استبصر الكثير بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) فتخلّوا عن معتقداتهم الموروثة وتمسّكوا بمذهب التشيّع.
نشاطات أخرى:
شارك "محمّد" إضافةً إلى نشاطه في الصعيد التبليغي في عدّة نشاطات اجتماعيّة وخيريّة من أجل خدمة أبناء منطقته ، منها عضويته في مؤسّسة الإمام الحسين(عليه السلام)الخيريّة ، وهو الآن يسعى لخدمة أبناء مجتمعه من أجل إسعادهم، وتوفير الأجواء المناسبة للحصول على أسمى مراتب التعالي والكمال.
1) نهج البلاغة : الخطبة 239 .
ولد سنة 1966م في منطقة "دوي" الواقعة في إقليم "وللُّو" ، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب الشافعيّ ، ثمّ تلقّى بعض الدروس الفقهيّة وفق المذهب الشافعيّ في بعض المساجد.
البحث عن الفكر الإسلاميّ الصحيح:
كان "محمّد سعيد إبراهيم" يعيش حالة عدم الارتياح من أوضاع التخلّف في بلدان العالم الإسلاميّ ، وكان يعتقد بأنّ السبب يكمن في تغييب الفكر الإسلاميّ الصحيح عن الأمّة من قبل الظالمين، ولهذا كان "محمّد" مهتمّاً بمعرفة الفكر الإسلاميّ الصحيح الذي يمكن من خلاله إخراج الحضارة الإسلاميّة من وضعها المتردّي.
وفي هذا الحين اهتزّ العالم بنبأ انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران ، فتأثّر "محمّد" بهذه الثورة ، فدفعه هذا الأمر إلى دراسة الفكر الشيعيّ ، وكان خلال البحث يتابع أخبار إيران من خلال وسائل الإعلام .
وبمرور الزمان زالت الحجب عن بصيرة "محمّد" ، وانكشفت له حقائق غيّرت مرتكزاته الفكريّة ، ودفعته إلى إعادة النظر في معتقداته السابقة.
ميزان معرفة الحقّ:
إنّ من الأُمور التي كانت تبعث الشكّ في نفسيّة "محمّد" بالنسبة إلى أحقيّة مذهب التشيّع هي مخالفة الأكثريّة لهذا المذهب. ولكنّه من خلال البحث عرف بأنّ الأكثريّة لا يمكنها أن تكون دليلا على الصواب ; لأنّ الكثير من الآيات القرآنيّة تدلّ على أنّ الحقّ لا يكون بجانب الكثرة ، عادة منها قوله تعالى:
{ وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ }(1).
{ وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْد وَإنْ وَجَدْنَا أكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ }(2).
{ إنَّ اللّهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ }(3).
{ فَأبَى أكْثَرُ النَّاسِ إلاّ كُفُوراً }(4).
{ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ }(5).
ولهذا لم يبالِ "محمّد" بترك مذهب الأكثريّة ; لأنّه كان يستند إلى الأدلّة والبراهين في تغيير انتمائه المذهبيّ.
استبصاره وخدمته لمذهب التشيّع:
أعلن "محمّد سعيد إبراهيم" استبصاره بعد أن تبلورت عنده القناعة الكاملة بأحقيّة مذهب التشيّع ، ثمّ بادر إلى نشر هذا المذهب ، وكان سكرتيراً لمجلس العلماء في إثيوبيا ، فتفرّغ بعدها لمهمّة خدمة مذهب التشيّع ، فتلّقى على عاتقه مهمّة إمامة إحدى المساجد ، ثمّ بادر إلى تنوير أذهان الناس بمعارف أهل البيت(عليهم السلام) ، وكان من جملة نشاطاته أنّه ألّف كتاباً حول الإمام علي(عليه السلام) تحت عنوان "المرء مع من أحبّ".
ولد في منطقة "تجراي" التابعة لمدينة "رايّا" وترعرع في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ درس في المدارس الدينيّة ، فغرست هذه المدارس في نفسه المحبّة اتجاه الدين ، وعوّدته على المطالعة والبحث في الصعيد الدينيّ.
قراءة الكتب الدينيّة:
إنّ أهمّ ما ينبغي الاهتمام به في تلقّي العلم هو معرفة المصادر النقيّة التي يمكن الاعتماد عليها في أخذ العلم ; لأنّ القراءة العشوائيّة قد تؤدّي بصاحبها إلى الالتقاط الفكريّ والوقوع فريسة للتيّارات الفكريّة المنحرفة.
هذا ما التفت إليه "محمّد" خلال قراءته المكثّفة للكتب الدينيّة ، ومن هنا بدأ يهتمّ بمعرفة المصدر الذي يمكن الوثوق به .
أخذ العلم عن أهل البيت(عليهم السلام):
إنّ البحوث التي أجراها "محمّد" بيّنت له أنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم ورثة علم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم أعلم الناس بكتاب اللّه وسنّة نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم).
فإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يجوز ترك أهل البيت(عليهم السلام) واللجوء إلى غيرهم في أخذ العلم؟ ألم يقل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):
"أعلم أمّتي من بعدي عليّ بن أبي طالب"(1).
"يا عليّ أنت تبيّن لأمّتي ما اختلفوا فيه من بعدي"(2).
"أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها"(3).
"عليّ باب علمي ، ومبيّن لأمتي ما أرسلت به من بعدي"(4).
ألم يعترف عمر بن الخطّاب في العديد من المرّات بعدم إمكان استغنائه عن علم الإمام عليّ(عليه السلام) بقوله:
"لولا عليّ لهلك عمر"(5).
"لا أبقاني اللّه بأرض لست بها يا أبا الحسن"(6).
"أعوذ باللّه من معضلة ليس لها أبو الحسن"(7).
"لا أبقاني اللّه بعدك يا علي"(8).
فإذا كان الأمر كذلك فما هو الداعي لترك الإمام علي(عليه السلام) وأخذ العلم من غيره.
الاعتصام بأهل البيت(عليهم السلام):
إنّ معرفة مكانة أهل البيت(عليهم السلام) هي التي دفعت "محمّد كمال" إلى تلقّي العلم منهم ، كما أنّه ازداد تمسّكاً بهم عندما عرف بأنّ الاعتصام بهم وبالقرآن الكريم ـ كما ورد في حديث الثقلين ـ يعصم الإنسان من الضلال.
1) كنز العمال، المتقي الهندي 11/282 ح32974 .
2) نفس المصدر، 11/282، ح32980.
3) المستدرك على الصحيحين، النيسابوري 3/339، ح4695.
4) كنز العمال، المتقي الهندي 11/282، ح32978.
5) فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي: 4/470.
6) نفس المصدر.
7) تهذيب الكمال، المزّي 13/303، تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 42/406.
8) فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي: 4/470 .
وبمرور الزمان تبلورت عقيدة التشيّع في قلب "محمّد كمال" ثمّ أعلن استبصاره ، وبدأ بعد ذلك بنشر علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) بين أبناء منطقته.
نشاطه الديني:
بدأ "محمّد كمال" بمهمّة التبليغ في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) الواقعة في مدينة "رايّا" ، كما أنّه تصدّى لمهمّة التدريس في مجال العلوم القرآنيّة في مدرسة تحفيظ القرآن الكريم ، ثمّ حاول أن ينشر معارف عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بين الناس لتستنير بصائرهم بهذه الأنوار الساطعة.
ولد في منطقة "تجراي" بمدينة "رايّا" وترعرع في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ تلقّى دراسته في المدارس الدينيّة ، ثمّ ارتقى في الصعيد الاجتماعي وأصبح شيخاً لقبيلته وأحد زعمائها المرموقين.
عدالة الصحابة:
نشأ "محمّد" في أجواء أملت عليه الإيمان بعدالة الصحابة، ووجوب احترامهم كلّهم ; لأنّهم الطريق لمعرفة سنّة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).
وبقي "محمّد" على هذه العقيدة حتّى التقى بأحد الشيعة ، فتعرّف من خلاله على حقائق لم يحط بها علماً فيما سبق ، فدفعه ذلك إلى البحث من أجل تثبيت معتقداته الدينيّة وتشييدها وفق الأسس العلميّة.
الشيعة وعدالة الصحابة:
تعتقد الشيعة بأنّ مجرّد صحبة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وإن كانت شرفاً للإنسان ـ لا تمنح الفرد صفة العدالة ; لأنّ العدالة صفة يكتسبها الإنسان نتيجة مجاهدة النفس وإبعادها عن ارتكاب الذنوب ، وأنّ الذين كانوا حول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان فيهم العادل وكان فيهم المنافق والفاسق ، ولهذا ينبغي للباحث أن لا يجعل كلّ صحابيّ طريقاً لمعرفة ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، بل عليه أن يبحث في علم الرجال عن
الصحابي; ليرى هل كان عادلا أم لم يكن عادلا ، فإن كان عادلا فيصحّ أخذ الحديث عنه وإلاّ فلا يصحّ الاعتماد عليه.
ومن الأدلّة التي تشير إلى وجود من لم يكن عادلا في أوساط أصحاب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):
أوّلا: قوله تعالى : { وَإذَا رَأوْا تِجَارَةً أوْ لَهْواً انفَضُّوا إلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }(1).
فيا ترى أنّ الذين تركوا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قائماً على المنبر وانفضّوا عنه إلى اللهو والتجارة ألم يكونوا من الصحابة ؟
ثانياً: قوله تعالى : { إنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ }(2).
فهؤلاء الذين أسرعوا إلى رمي عائشة وارتكبوا في ذلك الإفك المبين ألم يكونوا من الصحابة ؟!
وغيرها من الأدلّة
إذن لا يمكن القول بعدالة جميع الصحابة ، بل ينبغي إجراء الجرح والتعديل فيهم ، وغربلتهم من أجل معرفة العادل عن غير العادل منهم.
الاقتناع بأدلّة الشيعة:
تباحث "محمّد بن الشيخ محمّد" مع ذلك الشيعيّ الذي التقى به كثيراً ، كما أنّه قام خلال البحث بمطالعة الكتب السنيّة والشيعيّة، ومراجعة علماء أهل السنّة ، حتّى وصل في نهاية المطاف إلى أحقيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، فأعلن استبصاره، وبادر بعد ذلك إلى نشر علوم أهل البيت(عليهم السلام)، وتوجيه أبناء قبيلته والقبائل الأخرى إلى الأدلّة التي دفعته إلى الاستبصار ، وكان يشجّع من يلتقي به لدراسة معارف عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في مدارس مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ولد في مدينة "جودي" ونشأ في أسرة تعتنق المذهب الشافعي ، وبقي على تقليده للموروث العقائدي الذي تلقّاه من سلفه حتّى تهيّأت له أسباب أنارت بصيرته بحقائق دفعته إلى تغيير انتمائه المذهبي.
اليقظة الفكريّة:
كان "محمود أحمد" يعيش حياته الطبيعيّة مع الالتزام بالفكر الدينيّ الذي أملته عليه الأجواء التي ترعرع فيها ، ولم يخطر على باله ضرورة غربلة موروثه العقائديّ ، فكان محصوراً في دائرة التقليد الأعمى ، حتّى استبصر أخوه محمّد أحمد إبراهيم فتفاجأ لذلك ، وبطبيعة الحال دارت بينه وبين أخيه المستبصر مجموعة حوارات عقائديّة حول أسباب ودوافع التحوّل من المذهب السنّي إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ولكنّها لم تكن مثمرة; لأنّ "محمود أحمد" لم يكن لديه الأدلّة التي يستطيع أن يدافع بها عن العقائد التي يتمسّك بها.
التحرّر من التقليد الأعمى:
إنّ الحوارات التي دارت بين "محمود أحمد" وأخيه المستبصر كشفت له بأنّه يعيش في دائرة التقليد الأعمى ، وأنّه في الواقع متمسّك بمجموعة معتقدات
ورثها من آبائه من دون الإلمام بأدلّتها وبراهينها.
وهذا ما دفعه إلى التحرّر من التقليد الأعمى، والتوجّه إلى البحث والمطالعة من أجل امتلاك قدرة الدفاع عن أصول ومبادئ العقيدة التي ينتمي إليها .
مودّة أهل البيت(عليهم السلام):
وجد "محمود أحمد إبراهيم" من خلال بحثه العقائدي أنّ القرآن والسنّة النبويّة الشريفة قد أولت اهتماماً كثيراً بمسألة مودّة أهل البيت(عليهم السلام) منها:
ورد أنّه عندما نزلت الآية: { قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى }(1)قيل يا رسول اللّه ، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودّتهم؟ قال: "عليّ وفاطمة وابناهما"(2).
وورد أنّ أعرابيّاً جاء إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يا محمّد، أعرض عليّ الإسلام ، فقال: "تشهد أنّ لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله" ، قال : تسألني عليه أجراً؟ قال : "لا ، إلاّ المودّة في القربى" ، قال: قرباي أو قرباك ؟ قال: "قرباي" ، قال: هات أبايعك ، فعلى من لا يحبّك ولا يحبّ قرباك لعنة اللّه ، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): "آمين"(3).
ولهذا أنشد ابن العربي:
رَأَيْتُ ولاَئِي آل طه فضيلةً على رغم أهلِ البعد يورثني القربا
فَما سَأل المبعوث أجراً على الهدى بتبليغه إلاّ المودّة في القربى(4)
الالتفات إلى الحقيقة:
إنّ هذه النصوص وغيرها تؤكّد على أهميّة مودّة أهل البيت (عليهم السلام)، وتبعث في قرارة كلّ باحث الاستفسار عن سبب هذا الاهتمام من قبل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
وبقليل من التأمل يفهم الباحث أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقصد من اهتمامه بأهل البيت(عليهم السلام)سوى اتّباع الأمّة لهم من بعده ; لأنّهم ذريّة اصطفاها اللّه تعالى على العالمين ، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
فكيف لا يتّبع الإنسان أهل البيت(عليهم السلام) وكيف لا يلتزم بمنهجهم وبمدرستهم؟
ألم يقل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "المرء مع من أحبّ"(1).
فلماذا تكون قلوبنا مع أهل البيت(عليهم السلام) ، ولكنّنا لا نتمسّك بمنهجهم العقائديّ، ونذهب لنأخذ العلم والمعرفة من غيرهم؟
الاهتداء إلى أنوار أهل البيت(عليهم السلام):
ازداد "محمود أحمد" يوماً بعد آخر محبّةً لأهل البيت(عليهم السلام) نتيجة إلمامه بفضائلهم ومكارم أخلاقهم ومنزلتهم عند اللّه سبحانه وتعالى.
ثمّ دفعه هذا الحبّ إلى الاقتداء بسيرتهم والالتحاق بركبهم.
ثمّ توجّه "محمود أحمد" إلى نشر مذهب أهل البيت ، ليزيد من حوله بصيرة بمكانة أهل البيت(عليهم السلام) ، لعلّهم يسلكون السبيل الصحيح باتّباعهم لعترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم); لأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: "أنا وأهل بيتي شجرة في الجنّة ، وأغصانها في الدنيا ، فمن تمسّك بنا اتخذ إلى ربّه سبيلا"(2).
فلماذا يترك المرء السبيل إلى اللّه تعالى ويتوجّه إلى السبل التي لا تزيد سرعة السير فيها إلاّ بعداً عن الحقّ؟!
وكيف يترك الإنسان أهل البيت(عليهم السلام) ويضمن لنفسه عدم الوقوع في الضلال؟! فإنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أوصى أمّته في حديث الثقلين بأن يتمسّكوا بالقرآن وبأهل البيت(عليهم السلام) ، وذلك لأنّ عدم الوقوع في أودية الضلال لا يتحقّق إلاّ عن طريق التمسّك بهذين الثقلين ، وأنّ الابتعاد عن أيّ واحد منهما يكون بمثابة الوقوع في الضلال والانحراف.
ولدت في مدينة "جودي" ، ونشأت في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ اعتنقت مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بعد الاقتناع بالأدلّة التي بيّنها لها زوجها محمّد أحمد إبراهيم بعد استبصاره.
عظمة الزهراء(عليها السلام):
إنّ أوّل ما يلفت انتباه المرأة التي تعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) هو عظمة الزهراء(عليها السلام)وما كان لها من الفضائل التي أهلّتها لتكون سيّدةً لنساء العالمين.
وقد بلغت الزهراء من العظمة بحيث قال عنها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):
"يا فاطمة ، إن اللّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك"(1).
وروي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال في حقّ ابنته فاطمة: "إنّما هي بضعة منّي يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها"(2).
وعن ابن عبّاس، قال: إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان جالساً ذات يوم وعنده عليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) ، فقال: "اللّهم إنّك تعلم أنّ هؤلاء أهل بيتي وأكرم
الناس عليّ ، فأحبب من أحبّهم ، وأبغض من أبغضهم ، ووالِ من والاهم ، وعادِ من عاداهم ، وأعن من أعانهم ، واجعلهم مطهّرين من كلّ رجس ، معصومين من كلّ ذنب ، وأيّدهم بروح القدس منك" .
ثمّ قال: "يا عليّ ، أنت إمام أمّتي ، وخليفتي عليها بعدي ، وأنت قائد المؤمنين إلى الجنّة ، وكأنّي أنظر إلى ابنتي فاطمة قد أقبلت يوم القيامة على نجيب من نور ، عن يمينها سبعون ألف ملك ، وعن يسارها سبعون ألف ملك ، وبين يديها سبعون ألف ملك ، وخلفها سبعون ألف ملك ، تقود مؤمنات أمّتي إلى الجنّة ، فإيّما امرأة صلّت في اليوم والليلة خمس صلوات وصامت شهر رمضان ، وحجّت بيت اللّه الحرام ، وزكّت مالها ، وأطاعت زوجها ، ووالت عليّاً بعدي ، دخلت الجنّة بشفاعة ابنتي فاطمة ، وإنّها لسيّدة نساء العالمين".
فقيل : يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أهي سيّدة نساء عالمها؟
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): "ذاك مريم بنت عمران ، فأمّا ابنتي فاطمة فهي سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين ، وأنّها لتقوم في محرابها فيسلّم عليها سبعون ألف من الملائكة المقرّبين ، وينادونها بما نادت به الملائكة مريم : فيقولون: يا فاطمة إن اللّه اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين".
ثمّ التفت إلى عليّ(عليه السلام) فقال: "يا عليّ ، إنّ فاطمة بضعة منّي وهي نور عيني وثمرة فؤادي ، يسوؤني ما ساءها ويسرّني ما سرّها ، وأنّها أوّل من يلحقني من أهل بيتي فأحسن إليها بعدي ، وأمّا الحسن والحسين فهما ابناي وريحانتاي ، وهما سيّدا شباب أهل الجنّة ، فليكرما عليك كسمعك وبصرك" .
ثمّ رفع(صلى الله عليه وآله وسلم) يده إلى السماء فقال: "اللهمّ إنّي أشهدك أنّي محبّ لمن أحبّهم ، ومبغض لمن أبغضهم ، وسلم لمن سالمهم ، وحرب لمن حاربهم ، وعدوّ لمن عاداهم ، ووليّ لمن والاهم"(1).
1) أمالي الصدوق: 574، ح787 .
اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام):
إنّ الأدلّة الذي ذكرها "محمّد أحمد إبراهيم" لزوجته "نصرة شفارة" والمظلوميّة التي لاقتها الزهراء(عليها السلام) بعد أن التحق أبيها بالرفيق الأعلى ، دفعت "نصرة شفارة" بعد الاقتناع بتلك الأدلّة إلى الاستبصار واعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ثمّ حاولت "نصرة شفارة" عن طريق اقتدائها بالزهراء(عليها السلام)، وتحلّيها بتعاليم أهل البيت(عليهم السلام) والتزامها العملي بإرشاداتهم الدينيّة أن تكوّن لزوجها في البيت أجواءً إيمانيّة وتمهّد الطريق للمعيشة في ظلّ حياة طيّبة يرضى عنها اللّه تعالى ورسوله وأهل بيته(عليهم السلام) .
ولد في "الأرجنتين" وترعرع في أوساط أسرة مهاجرة من أصل سوريّ ، ونشأ في أسرته المنتمية إلى مذهب أهل السنّة.
أجواء حريّة الفكر:
عاش "محسن علي" في أجواء بعيدة عن أيّ معنى للتعصّب المذهبيّ ، حيث كان كلّ من حوله يدعون إلى الحريّة الفكريّة.
ففتحت هذه الأجواء عقليّة "محسن" ودفعته إلى التحرّر من الموروث العقائديّ ، فتوجّه إلى البحث ليصل إلى عقيدة حرّة لا مستند لها سوى الدليل والبرهان، وحاول "محسن" خلال بحثه أن يبتعد عن جميع الجوانب غير العلميّة التي قد تسلب منه الرؤية الواضحة أو تمنعه من البحث الموضوعيّ النزيه.
توسيع آفاق المعرفة:
حاول "محسن" ـ أيضاً ـ أن يوسّع آفاق إلمامه بمختلف المذاهب; لئلاّ يعيش في إطار معرفيّ ضيّق يملي عليه النظر إلى الحقائق من زاوية واحدة، ويدفعه إلى حالة الحرمان من النظرة الشموليّة.
ولهذا قام "محسن" بمطالعة مختلف الكتب لشتّى المذاهب، والتقى بالعديد
من الشخصيّات ، كما أنّه واصل بحثه عبر شبكة الإنترنيت العالميّة ; ليتعرّف على شتّى المدارس الفكريّة والمذاهب الدينيّة والفرق المختلفة.
نتائج المقارنة بين المذاهب:
أوّل ما توصّل إليه "محسن" خلال بحثه هو: حقّانيّة الدين الإسلاميّ وأفضليّته على جميع الأديان ، ثمّ بدأ بالبحث في دائرة الإسلام من أجل معرفة المذهب الذي يمثّل الامتداد الحقيقيّ للرسالة التي جاء بها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
ومن خلال البحث وجد "محسن" بأنّ الكثير من أقوال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) تؤكّد على اتّباع أهل البيت(عليهم السلام)، وضرورة التمسّك بهم، والأخذ بهديهم ، فدفعه ذلك إلى معرفة أهل البيت(عليهم السلام) ، فالتقى بمجموعة من الشيعة عبر الإنترنيت وطلب منهم إرشاده إلى المصادر التي يستطيع من خلالها أن يتعرّف على أهل البيت(عليهم السلام)، فزوّده الكثير منهم بمعلومات هائلة في هذا المجال.
ومن هذا المنطلق تعرّف "محسن" على أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ، وقرأ الكثير من أحاديثهم ، فانجذب إلى أنوارهم الساطعة ، وتعلّق قلبه بهم بحيث لم يستطع تركهم بعد ذلك ، فبقي على تمسّكه بهم وأعلن استبصاره ، ثمّ أصبح بعد ذلك من الناشطين في مجال الدعوة إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عبر الإنترنيت.
مرّت ترجمته في (2/23) من هذه الموسوعة.
ونشير هنا إلى أُمور أخرى لم تذكر في ترجمته السابقة ، منها الخطاب الذي أرسله إلى مجلّة المنبر ، فتّم نشره في العدد العاشر (ذي الحجّة 1421هـ) ، ومنها اللقاء الذي أجرته مجلّة العصر معه ثمّ نشرته في العدد 26 (شهر رمضان 1424هـ):
موضوع مجلّة المنبر
لم يكن مناظرة عقائديّة ، أو شخصيّة علمائيّة ، أو تباحثاً شخصيّاً ، أو كتاباً شيعيّاً .. ذلك الذي دفع المحامي الأردني الشهير "أحمد حسين يعقوب" إلى التشيّع واعتناق عقيدة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام. بل كانت الومضة الأولى التي قادته إلى هذا المعين العذب ، كتاباً أفجعه ، لكاتب سنّيّ هو "خالد محمّد خالد" ، الأديب المعروف.
"أبناء الرسول في كربلاء" ، كان اسم هذا الكتاب الذي وقعت عينا "أحمد حسين يعقوب" عليه ، فقرأه بشغف ، ليكتشف كيف أنّ الظالمين وثبوا لتبديل
شريعة اللّه تعالى ، ومحو ذكر "محمّد وعليّ" صلوات اللّه عليهما ، بما ارتكبوه من جرائم يندى لها جبين الإنسانيّة ، وإرهاب لم تعرف البشرية له مثيلا ، وبما رسّخوه في أذهان العامّة من مضامين ثقافيّة جعلت الحلال حراماً والحرام حلالا ، وبدّلت المعروف بالمنكر ، وآل البيت بالصحابة!
إنّه "الحسين" .. سيّد الأحرار والشهداء ، صلوات اللّه وسلامه عليه ، هو من فتح ذراعيه "لأحمد حسين يعقوب" ، الذي ظلّ يبكي ألماً ويئنّ لوعة ، لما جرى على "أبي عبداللّه(عليه السلام)" ، فكان جرحه النازف ودمعه الهادر ، طريقاً سلك به إلى برّ الأمان ، حيث صاحب الزمان ، صلوات اللّه وسلامه عليه.
يتحدّث المحامي الذي عاهد ربّه أن يدافع طوال حياته عن قضيّة أهل البيت(عليهم السلام)العادلة ، عن قصّته ، وكيف تبيّن له أنّ شيعة آل محمّد صلوات اللّه عليهم هم الفئة الناجية ، كيف واجه المجتمع والناس ، الذين اتّهموه بالكفر والارتداد والرفض والمروق عن الملّة والدين.
إنّها كلمات يسردها "أحمد حسين يعقوب" صاحب كتاب "المواجهة" الذي حوكم بسببه ، في خطاب خاصّ أرسله إلى "المنبر" ها هو نصّه:
أنتمي لعشيرة بني طه أبو عتمة إحدى بطون عشيرة العنوم ، ولدت في كفرخل الواقعة شمال جرش عام 1939 ، متزوّج من امرأة واحدة ولي عشرة أولاد ذكور ، وأربع بنات ، حصلت على الثانويّة العامّة من مصر ، وأكملت دراسة الحقوق في جامعة دمشق ، وسجّلت للدراسات العالية / دبلوم القانون العام في الجامعة اللبنانيّة وسجّلت لدراسة الماجستير في جامعة الحكمة ، كنت موظّفاً ومعلّماً وخطيب جمعة ورئيس بلديّة ، وأنا أعمل في مهنة المحاماة منذ 17 عاماً.
كيف اهتديت؟
سافرت إلى بيروت لمناقشة بحث قدّمته للجامعة اللبنانيّة عن رئاسة دولة الخلافة في الشريعة والتاريخ، وهو تقليديّ من جميع الوجوه ، ويحمل وجهة نظر
العامّة ومعتقداتها في هذا المجال ، وأثناء وجودي في بيروت قرأت بالصدفة كتاب "أبناء الرسول في كربلاء" لخالد محمّد خالد ، ومع أنّ المؤلّف يتعاطف مع القتلة، ويلتمس لهم الأعذار ، إلاّ أنّني فجعت إلى أقصى الحدود بما أصاب الإمام الحسين(عليه السلام) وأهل بيت النبوّة وأصحابهم ، وكان جرحي النازف بمقتل الحسين هو نقطة التحوّل في حياتي كلّها ، وأثناء وجودي في بيروت قرأت كتاب "الشيعة بين الحقائق والأوهام" ، لمحسن الأمين ، وكتاب "المراجعات" للإمام العاملي ، وتابعت بشغف بالغ المطالعة في فكر أهل بيت النبوّة وأوليائهم ، لقد تغيّرت فكرتي عن التاريخ كلّه ، وانهارت تباعاً كلّ القناعات الخاطئة التي كانت مستقرّة في ذهني، وتساءلت إن كانت هذه أفعال الظالمين بابن النبيّ وأهل بيته ، فكيف تكون أفعالهم من الناس العاديّين؟
لقد أدركت بأنّ الدولة التاريخيّة ـ وهي دولة عظمى ـ قد سخّرت جميع مواردها ونفوذها من خلال برامجها التربويّة والتعليميّة لغايات قلب الحقائق الشرعيّة ، وتسخير الدين الحنيف لخدمة وقائع التاريخ وإضفاء الشرعيّة على تلك الوقائع ، وإظهار الدين والتاريخ كوجهين لعملة واحدة.
وأنّ الناس قد انطلت عليهم هذه الخطّة، فأُشربوا ثقافة التاريخ متصوّرين بحكم العادة والتكرار وتبنّي الدولة لهذه الثقافة ، بأنّ ثقافة التاريخ هي ثقافة الدين.
وبهذا المناخ الثقافي حملت الدولة التاريخيّة على أهل بيت النبوّة ومن والاهم ، وصوّرتهم بصورة الخارجين على الجماعة ، الشاقّين لعصا الطاعة ، المنحرفين عن إسلام الدولة ، وتقوّلت عليهم ما لم يقولوه، ونسبت إليهم ما لا يؤمنون به ، وصدّقت العامّة دعايات الدولة ضدّ أهل بيت النبوّة ومن والاهم، وتبنّى الأبناء والأحفاد ما آمنت به العامّة دون تدقيق أو تمحيص ، ولا دليل لا من كتاب اللّه ولا من سنّة رسوله ، لقد صارت كلمة الشيعة في أذهان العامّة مرادفة
لكلمات الانحراف والكفر والخروج على الشرعيّة. وتلك ثمرة من ثمرات الحملة التاريخيّة الظالمة التي شنتها الدولة على أهل البيت(عليهم السلام)عامّة ، وعلى شيعتهم بشكل خاصّ. عندما أخذت الحقائق تنكشف رويداً رويداً خفّفت الدولة من حملتها على أهل بيت النبوّة، ولكنّها ضاعفت وكثّفت حملتها على شيعة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.
الحقائق التي اكتشفتها:
لقد تبيّن لي أنّ أهل بيت النبوّة ومن والاهم موالاة حقيقيّة هم المؤمنون حقّاً، وهم الفئة الناجية ، وهم شهود الحقّ طوال التاريخ ، وأنّ الإسلام النقيّ لا يفهم إلاّ من خلالهم ، فهم أحد الثقلين ، وهم سفينة نوح وهم باب حطّة ، وهم نجوم الهدى ، ولولاهم لضاع الإسلام الحقيقيّ ولما بقي للحقّ من شهود ، لقد رفعوا لواء المعارضة طوال التاريخ ، وتحمّلوا في سبيل اللّه فوق ما يتحمّله البشر ، حتّى أوصلوا لنا هذا الدين الحنيف بصورته النقيّة الكاملة المباركة.
وباختصار شديد لقد اهتديت ، وعرفت أنّ لأهل بيت النبوّة قضيّة عالميّة عادلة ، وعاهدت ربّي أن أدافع عن هذه القضية ما حييت ، فكانت كلّ مؤلّفاتي مرافعات ومدافعات عن عدالة هذه القضيّة ، واستنهاضات للعقل المسلم خاصّة، وللعقل البشري عامّة; لينتقل من التقليد الأعمى إلى الإيمان المستنير المبدع.
أنا وأهلي والمجتمع:
لقد اهتديت وأولادي والحمد للّه ، فصارت أفراح أهل البيت أفراحنا وأتراحهم أتراحنا ، وأنا على بيّنة من ربّي ، ولست معنيّاً بما يقوله المجتمع عنّي.
لقد وصفت الأكثريّة الساحقة من أبناء المجتمعات القديمة كلّها الرسل والأنبياء الكرام ، بالمجانين ، واتّهمتّهم بالسحر والكهانة والشعر والكذب .. ولم يسلم خاتم النبيّين من هذه الأوصاف الظالمة! لقد بلغ العرب المدى عندما قالوا
بأنّ القرآن أساطير الأوّلين! ولكن بوقت طال أم قصر ، سقطت أكاذيب الأكثريّة من أبناء المجتمعات ، وحصحص الحقّ ، وبقيت الحقيقة الخالدة التي نادى بها النبيّون.
المطلوب أن أنجو بنفسي ، ولا يضيرني عند اللّه إن ضلّ ابني أو تنكّر لي مجتمعي ، ليقولوا : إنّني كافر .. وإنّني رافضي .. الخ ، هم يعرفون أنّني أصلّي وأحجّ وأبكي من خشية اللّه ، لقد كنت خطيبهم، وإمامهم في الصلاة، ورئيس بلديّتهم، فكيف يمكن التوفيق بين هذه الاتّهامات وبين حقيقة الواقع!!
تلك طبيعة المجتمع البشري:
إنّ فرعون كان يعتقد أنّ حكمه وطريقته وعقيدته الفاسدة هي المثلى، وأنّه كان يخشى أن يذهب موسى {بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى}(1)، كان يعتقد أنّ دينه هو الصحيح ، وهو يخاف من موسى أن ينجح بتبديل دين المجتمع {أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ}(2)كما يعتقد أنّه مصلح ، ويخشى أن يظهر موسى {فِي الأَرْضِ الْفَسادَ}(3)! لكن من يصدّق اليوم أنّ فرعون مصلح، وأنّ طريقته هي المثلى ، وأنّ موسى مفسد ، حاشاه؟! من يصدّق اليوم أكاذيب العرب بأنّ القرآن أساطير الأوّلين؟!! بوقت يطول أو يقصر ستسقط كلّ الأكاذيب، وتزول كلّ الأصباغ الزائفة، وتظهر الحقائق الشرعيّة المجرّدة ، والخاسرون هم الذين يكذّبون على أنفسهم، ويسجنون أنفسهم وعقولهم في كهوف التاريخ ومغره.
لقد أدمنت العامّة على ثقافة التاريخ ، وبتعبير القرآن الكريم: {أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ }(4)واختلطت بدمهم ولحمهم ، وهم يعتقدون بأنّهم على الحقّ لأنّهم
الأكثريّة ، وأنّ موالي أهل بيت النبوّة على الباطل; لأنّهم الأقليّة ، ونادراً ما ينفع الجدل معهم; لأنّهم قد اكتسبوا معتقداتهم بالوراثة والعادة ، والعادة طبيعة ثانية ، وإبطال مفاعيلها يحتاج لعون من اللّه، ورغبة بالتغيير، وجهد عقليّ منظّم ، وهم ليسوا على استعداد ليبذلوه ، ولقد ساق القرآن الكريم نماذج رائعة من خلال جحد الأقوام لأنبيائهم ورسلهم ، وفي هذه النماذج عبرة {وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ}(1).
التحريفات:
لقد تعهّد اللّه تعالى بحفظ القرآن الكريم ، وعمل أهل بيت النبّوة(عليهم السلام)وأوليائهم على حفظ بيان النبيّ لهذا القرآن ، ومهما كانت قوّة الإعلام ومهما عظم المكر التاريخي فإنّ دين اللّه الحنيف من الوضوح بحيث لا يخفى على عاقل ، مع التمسّك بهذه المقدّمة، فقد جرت عدّة محاولات للتحريف ولكنّها كانت مكشوفة، من ذلك ما رواه الطبري في تاريخه عن حديث الدار وقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)للإمام علي: "إنّ هذا أخي ووصيّ وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا"(2)ثمّ اكتشف الطبري ، أو الناشرون في ما بعد خطورة هذا النصّ الشرعيّ على ثقافة التاريخ وبناها التحتيّة ، فحذفوا كلمتي وصييّ وخليفتي ووضعوا بدلا منهما ، "إن هذا أخي وكذا وكذا"(3)! هذا نموذج للتحريف ، وعندما ذكر ابن الأثير رسالة محمّد بن أبي بكر لمعاوية لم يذكر نصّ الرسالة; لأنّها تكشف حقيقة معاوية وتاريخه ، واكتفى بالقول بأنّ فيها أموراً لا تحتمل العامّة سماعها !
والثابت أنّ البخاري لم يكن يكتب ما يسمعه من حديث الرسول مباشرة ،
إنّما كان يسمع في بلد ، ويصيغ ما يسمعه في بلد آخر ، مراعياً في صياغته معتقدات الناس ونظرتهم للأمور ، لقد صيغت الأخبار لتكون منسجمة مع الواقع التاريخيّ وغير متعارضة معه.
فالبخاري ومسلم وهما أصحّ كتب الحديث عند إخواننا أهل السنّة يؤكدان بأنّ اليهود قد سحروا الرسول بحيث يخيّل إليه أنّه قد فعل الشيء وما فعله ، وأنّ الرسول كان قد نسي آية من القرآن الكريم فذكّره بها مواطن عادي من الناس ، وأنّ الرسول كان يفقد السيطرة على أعصابه فيسبّ ويشتم ويلعن الناس بلا سبب ... الخ ! وتلك تحريفات واضحة لتخدم وقائع التاريخ ، لأنّ القرآن الكريم يؤكّد بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينطق عن الهوى ، وأنّ الرسول على خُلق عظيم ، وما رواه البخاري ومسلم يناقض القرآن الكريم، والسيرة النبويّة المطهّرة ، وفي كتابي "المواجهة" تصدّيت لهذه التّرهات، وبيّنت الغاية الحقيقيّة من اختراعها.
وإن تعجب ـ لا أراك الدهر عجباً ـ فاعجب بربك من أحد مشركي مكّة ، دعاه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لتناول الطعام عنده، فرفض هذا المشرك أن يأكل من طعام الرسول بحجّة أنّه لا يأكل إلاّ ما ذكر اسم اللّه عليه!!! وإن كنت في شكّ من هذا فارجع إلى صحيح البخاري كتاب الذبائح باب: ما ذبح على النصب والأصنام !!! وعلى أيّ حال فقد ناقشت أساس مثل هذه الأُمور في كتابي "أين سنّة الرسول وماذا فعلوا بها؟!"
عندما يكون المرء شيعيّاً:
عندما يكون المرء شيعيّاً ، يعني أنّه مؤمن حقيقيّ، يسير على خطى الرسول وأهل بيته الطاهرين ، قانونه النافذ عليه هو كتاب اللّه وبيان النبيّ لهذا الكتاب ، وقيادته الشرعيّة الوحيدة هم أهل بيت النبوّة ، يواليهم ويوالي من يواليهم ، ويعادي من يعاديهم سواء أكان حيّاً أم ميّتاً.
كيف تعرف أنّك شيعيّ؟
علاوة على التزامك الكامل بالإسلام إسأل نفسك ، لو كنت موجوداً في زمن الإمام الحسين (عليه السلام)، هل كنت ستقف معه ، وتقاتل دونه حتّى تقتل بين يديه؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب فأنت من موالي أهل البيت حقّاً ومن شيعتهم ، وإن تردّدت فأنت بحاجة لتعمق مفهوم الولاية في قلبك وذهنك .
الشيعة لا يوالون أهل البيت بطراً:
الشيعة لا يوالون أهل بيت النبوّة بطراً ولا تشهّياً، لكنّهم يوالون أهل البيت بناءً على أحكام شرعيّة وتنفيذاً لأوامر إلهيّة آخذة بالأعناق ، لا مجال للفرار من تنفيذها ، ويترتّب على التنفيذ نتائج محوريّة ومنجية أو مدمّرة ، فالهدى لا يُدرك إلاّ بالتمسّك بالثقلين معاً ، إنّها أحكام شرعيّة يتوقّف على تنفيذها اكتمال الإسلام والإيمان وبالتفصيل الوارد في أمكنته الشرعيّة.
مرتبة دينيّة وثقافيّة:
الموالاة لأهل بيت النبوّة مرتبة ثقافيّة ، وهي أعلى مراتب الوعي عند المسلم ، إنّها تمثّل النضج العقلي ، بأرقى وأرفع صورة ، إنّها القدوة الصالحة ، فأيّ عاقل في الدنيا يترك آل محمّد ويقتدي بغيرهم؟ أصحاب المذاهب الأربعة من تلاميذ الإمام الصادق ، ويتمنّون لو كانوا خدماً لعمداء أهل بيت النبوّة ، والصحابة الكرام على مختلف طبقاتهم لا تصحّ صلاتهم إن لم يصلّوا فيها على محمّد وآل محمّد ، إنّ النصوص الشرعيّة آخذة بالأعناق ، نحن لا نقلّل من أهمّية أصحاب المذاهب، ولا من أهمّيّة الشيخ حسن البنّا ، أو ابن تيميّة ، أو محمّد بن عبد الوهّاب أو غيرهم من قادة الفرق والأحزاب ، لكنّ أيّ أعمى قلب ذلك الذي يترك آل محمّد أعدال الكتاب ويتمسّك بغيرهم من قادة الفرق والاتّجاهات والأحزاب!! بئساً للظالمين بدلا !!
ضحايا التاريخ:
طبعاً الجميع إخواننا ، لنا ولهم كتاب ، ونبيّ واحد ، وقبلة واحدة، ودين واحد ، ومن واجبنا أن نبذل كلّ ما بوسعنا وبالحكمة والموعظة الحسنة، لنضع تحت تصرّفهم الحقائق الشرعيّة والموضوعيّة المجرّدة ، وندلّهم على صراط اللّه المستقيم(1).
مقتطفات من لقاء أحمد حسين يعقوب مع مجلّة العصر
سؤال : هل تسمح لنا بالحديث عن رحلتك مع أهل البيت(عليهم السلام)؟
جواب : أعتقد أنّ الولاء لأهل بيت النبوّة (عليهم الصلاة والسلام) مرحلة من مراحل التكامل العقليّ ، وأعتقد أيضاً بأنّ أيّ إنسان لو يترك نفسه على سجيّتها، ويبحث بحثاً علميّاً مجرّداً فإنّه سيصل إلى نتيجة مفادها أنّ الولاء لأهل بيت النبوّة (عليهم الصلاة والسلام) هو الحلّ، وهو الطريق السليم ، ولو أنّ الناس عرفوا حقيقة أهل بيت النبوّة (عليهم الصلاة والسلام) لدخلوا جميعاً في دائرة الولاء لهم(عليهم السلام) ، ولو أنّهم أحاطوا علماً بوجهة نظر أهل بيت النبوّة لتغيّر مجرى التاريخ تماماً.
في الحقيقة أنا لم أصل إلى هذا الاعتقاد نتيجة نشاط عقليّ ، ولم يخطر في بالي هل أنّي على المذهب الحقّ حقّ أم لا ؟ ولم أكن أفكّر بالإجابة على مثل هذا السؤال،لكن عندما ذهبت إلى بيروت لمناقشة رسالة بحث لدبلوم القانون العامّ ، وبينما كنت أتجوّل في الشارع رأيت رجلا يبيع كتباً ، فتناولت كتاباً اسمه "المراجعات" للسيّد عبدالحسين شرف الدين ، وكتاباً آخر اسمه "الشيعة بين الحقائق والأوهام" حدث لي تحوّل ، وفعندما قرأت الكتابين أدركت أنّ هنالك
1) مجلّة المنبر: العدد العاشر ، ذي الحجّة 1421.
شيئاً مخفيّاً عن الناس ، وهو أنّ لأهل بيت النبوّة (عليهم الصلاة والسلام) فكراً كاملا يغطّي ساحة الحياة، ولكنّ وسائل الإعلام طوال التاريخ طمسته وتجاهلته.
ومنذ ذلك التاريخ أخذت أقرأ وأقرأ وأقرأ ، فتبيّن لي تفاصيل مأساة كربلاء التي اكتشفت فظاعتها ، إذ لو كان الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) حبراً يهوديّاً أو عالماً مسيحيّاً لما فعل فيه ذلك الجيش الذي يدّعي الإسلام ما فعله. ولما تصرّفوا معه بهمجيّة بالغة. لقد أدركت عندما وقفت على كلّيّات وتفاصيل محنة الإمام الحسين(عليه السلام) في كربلاء أنّ أهل بيت النبوّة (عليهم الصلاة والسلام) هم وحدهم القادرون على فهم الإسلام على حقيقته ، ووحدهم المكلّفون بقيادة العالم نحو الأفضل .. لقد صرت حينها أقرأ أو أكتب كلّ يوم ما بين العشر والاثنتي عشرة ساعة .. وأنا الآن وللّه الحمد أقول ـ بغير ادّعاء ـ : بأنّني على علم بالكثير من كلّيّات وتفاصيل قضيّة أهل البيت(عليهم السلام) العادلة.
سؤال : برأيك ما هي أهمّ الأسباب التي أدّت إلى وقوع الاختلاف بين المسلمين؟
جواب : الاختلاف في المجتمعات يكون نتيجة واحد من سببين : القيادة أو القانون ، وقد حسم اللّه سبحانه وتعالى مسألة القيادة طوال عصر النبوّة ، فرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) هو القائد، وهو المرجع ، أمّا مسألة القانون فإنّ القرآن الكريم وبيان وتفسير النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)لهذا القرآن هما التشريع أو القانون النافذ .
وفي نفس اليوم الذي أعلن فيه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنباء النبوّة والرسالة والكتاب ، أعلن عن ولاية الإمام عليّ (عليه الصلاة والسلام) فقال أمام عشيرته الأقربين : "إنّ هذا أخي وخليفتي ووصيّ فيكم فاسمعوا له وأطيعوا" وتشاء العناية الإلهيّة أن لا يبقى لرسول اللّه ولد من صلبه، ويأمره اللّه سبحانه وتعالى أن يزوّج ابنته فاطمة (سلام اللّه عليها) المعروفة بسيّدة نساء العالمين إلى هذا الرجل الذي اختاره اللّه ليكون خليفة لنبيّه من بعده ، فسيّدة نساء العالمين تتزوّج سيّد
المسلمين وسيّد العرب ، الصدّيقة الطاهرة تتزوّج وليّ اللّه الذي أعدّه لقيادة مرحلة ما بعد النبوّة ، ومن هذين الزوجين الطاهرين انبعثت القيادة للعالم أجمع.
لقد كان النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول للإمام عليّ(عليه السلام) أمام الصحابة: "أنت سيّد المسلمين" ويقول أيضاً: "أنت راية الهدى ونور من أطاعني وإمام أوليائي" أي: كان يخلع على الإمام عليّ(عليه السلام) كافّة المصطلحات التي يخلعها الناس على الرئيس عادة ، ويقدّمه كإمام من بعده ، ولم يفعل ذلك لأنّه قريبه وابن عمّه ، بل لأنّ اللّه سبحانه وتعالى أمره بذلك، والذي أمره أيضاً بأن يعدّ هذا الإمام إعداداً تامّاً بحيث يكون هو الأفضل والأعلم والأتقى والأقرب ، وهذا الأمر لا يجادل فيه أحد من المسلمين حتّى الذين كرهوا الإمام عليّاً(عليه السلام)اعترفوا بأنّه الأعلم، واعترفوا بأنّه الأشجع والأقرب لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله). وهكذا حلّت مسألة القيادة ومن قبلها مسألة القانون بعد رحيل النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، غير أنّ المسلمين لم يلتزموا بهما كاملا، فوقع الاختلاف فيما بينهم .
سؤال : برأيك أين تكمن مواطن الضعف عند المسلمين على الرغم من الفكر الأصيل، والتراث العظيم الذي يملكونه؟
جواب : موطن الضعف في المسلمين أنّهم دائماً مع الغالب ، فمن يغلب ينصاعون له ، والمغلوب يتركونه. تلك السنّة قد تعلّموها من ثقافة التاريخ ، فعندما تمكّن يزيد بن معاوية من سحق المقاومة في المدينة المنوّرة واستباحة مدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، سأل الناس أحد أقطابهم الروحيّة آنذاك : "من يؤمّ بنا؟ فقال : نحن مع من غلب"!!
سؤال : كيف استطعت الجمع بين الأُمور المختلفة التي مارستها في حياتك ، مثل المحاماة والبلديّة وإمامة المصلّين والخطابة والتأليف والتحقيق؟
جواب : أنا كنت إماماً وخطيباً معيّناً من وزارة الأوقاف الأردنيّة وموظّفاً ، ثمّ أُحلت على التقاعد، وترشّحت لرئاسة البلديّة، ونجحت في الانتخابات ، وبعد
فترة معيّنة درست القانون وأصبحت محامياً وأستاذاً، واتّخذت لنفسي مكتباً في جرش ، وعندما تعرّفت على معالم قضيّة أهل بيت النبوّة (عليهم الصلاة والسلام) توقّفت عن ممارسة مهنة المحاماة، وتفرّغت للبحث والدراسة والتحقيق، وكلّ هذا بفضل من اللّه ونعمه .
سؤال : في ضوء الإرهاصات العالميّة والصحوة الإسلاميّة الشاملة للأمّة ، ما هو الدور الذي يلعبه الولاء لأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) في مواجهة التحدّيات المعاصرة؟
جواب : الولاء لأهل بيت النبوّة (عليهم الصلاة والسلام) يؤهّل الإنسان لتحمّل المسؤوليّة ; لأنّ الولاء لهم قائم على الشرع الحنيف ، وكلّ ما يقوله من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو من عند اللّه (عزّ وجلّ) ، لذلك بقدر ما يفهم الناس من أهل بيت النبوّة(عليهم السلام) بقدر ما يستفيدون منهم ، فهم كالنهر الصافي والجاري ، يعرفه الذين يشربون منه أكثر من الذين يتفرّجون عليه .. وعلى كلّ حال لن تكون هناك صحوة حقيقيّة إلاّ باللجوء إلى أهل البيت(عليهم السلام)(1).
مؤلفاته:
ذكرنا في الترجمة السابقة للمحامي أحمد حسين يعقوب (2/23) كافة مؤلفاته ، ونضيف إليها في هذا المجلد الكتاب التالي.
الاجتهاد بين الحقائق الشرعية والمهازل التاريخية ، الطبعة الأولى ، 1421 ، مركز الغدير للدراسات الإسلامية.
ويبحث هذا الكتاب حول قضية الاجتهاد وهو يتضمن الأبواب والفصول التالية:
الباب الأوّل : مفهوم التاريخ المقارن للاجتهاد ، الآثار والنتائج.
1) مجلّة العصر: العدد 26 (شهر رمضان 1424 هـ).
الفصل الأوّل : الاجتهاد والتآمر على معناه.
الفصل الثاني: الجماعات التي أيّدت قادة التآمر.
الفصل الثالث: اختفاء المعايير الشرعية وسيادة المعايير الاجتهادية.
الفصل الرابع: مظاهر نقض عُرى الإسلام .
الفصل الخامس: نماذج من "اجتهادات" الأوّلين .
الفصل السادس: منهاج العاملين بالرأي في مقابل النص ومواقف أهل البيت(عليهم السلام)منه.
الباب الثاني: تلمُّس المفهوم الشرعي للاجتهاد واقعة وأركانه.
الفصل الأوّل : استذكار المعنى الأصلي للاجتهاد.
الفصل الثاني: الاجتهاد في عهد الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم).
الفصل الثالث: المرجعيتان والرئاستان.
الفصل الرابع: ثنائية الرئاسة العامة والمرجعية.
الفصل الخامس: بيان الأحكام الشرعية بعد سقوط الخليفة وغياب الإمام والمرجع الشرعي.
نشأ في أسرة أردنيّة تنتمي إلى مذهب أهل السنّة وفق المذهب الشافعي ، وبقي متّبعاً لهذا المذهب حتّى استبصر أحد أقربائه ويدعى "مروان خليفات" وهو صاحب كتاب "وركبت السفينة".
فالتقى "بشّار" بـ "مروان خليفات" ليطّلع على أسباب استبصاره ، فهيّأ له هذا الأمر فرصة للبحث في الكتب الدينيّة من أجل معرفة الحقّ.
مظلوميّة أهل البيت(عليهم السلام):
وجد "بشّار خليفات" خلال بحثه العقائديّ ومطالعته للكتب الدينيّة ، بوجود محاولة لطمس معالم ومقام أهل البيت(عليهم السلام)، وإخفاء مكانتهم العلميّة ، فاستغرب في البداية من ذلك ، ولكنّه وبعد مواصلة البحث عرف بأنّ الحكومات الغاصبة للحكم الإسلاميّ في عهدي بني أميّة وبني العبّاس حاولت محاربة أهل البيت(عليهم السلام) بكلّ وسيلة ممكنة، فتبلور في ذهنه مجموعة أسئلة منها:
لماذا حاربت هذه السلطات أهل البيت(عليهم السلام)؟
ما هو الداعي الذي دفع هذه السلطات لعداء أهل البيت(عليهم السلام)؟
ما هو الأمر الذي كانت تخشاه السلطات من مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)؟
دواعي مظلوميّة أهل البيت(عليهم السلام):
تبيّن لـ "بشّار خليفات" خلال البحث أنّ السبب الأساسيّ الذي دفع هذه السلطات الجائرة لمحاربة أهل البيت(عليهم السلام) هو كون الخلافة الإسلاميّة من حقّهم(عليهم السلام)، وأنّ هذه السلطات ـ في الواقع ـ غاصبة لحقّ أهل البيت(عليهم السلام) ، فلهذا يكون من الطبيعيّ أن تبادر هذه السلطات إلى محاربة أهل البيت(عليهم السلام).
كما أنّ هذه السلطات ومن حولها من وعّاظ السلاطين الذين لا يملكون من العلم والمعرفة شيئاً ، وكانوا يحاربون أهل البيت(عليهم السلام); خشية أن يتعرّف الناس على عظمة مكانتهم العلميّة فيلتفّوا حولهم ، فيؤدّي ذلك إلى فقدانهم للحياة والمكانة الاجتماعيّة التي اغتصبوها منهم.
اتّباع أهل البيت(عليهم السلام):
إنّ النتائج العلميّة التي توصّل إليها "بشّار خليفات" والتي ساعده فيها "مروان خليفات" دفعته في نهاية المطاف إلى الاستسلام للواقع واتّباع أهل البيت(عليهم السلام) ; لأنّه وجد أهل البيت(عليهم السلام) أحقّ بالاتّباع من غيرهم ، وقد قال تعالى:
{ أفَمَنْ يَهْدِي إلَى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلاّ أنْ يُهْدَى }(1).
ومن هذا المنطلق أعلن "بشّار خليفات" استبصاره وركب مع "مروان خليفات" في سفينة أهل البيت(عليهم السلام) التي قال عنها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):
"مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك"(2).
مرّت ترجمته في (2/185) من هذه الموسوعة ونضيف إلى ما ذكرناه في ترجمته السابقة: إنّ من أهمّ المصادر التي دفعت الدكتور تاج الدين الجاعونى إلى معرفة الحقّ هي القرآن الكريم; لأنّه يرى بأنّ "القرآن الكريم منهج حياتيّ ينبض بالحياة، يحرّك المشاعر، ينبّه الفكر، ينوّرالسبيل، ويقود إلى الطريق المستقيم.. فهو أي: القرآن الكريم يجري مجرى الشمس والليل والنهار، ظاهره أنيق وباطنه عميق لا تنقضي عجائبه، ولا تكشف الظلمات إلاّ به، كما وصفه الإمام عليّ كرّم الله وجهه في نهج البلاغة"(1).
القرآن يُسأل فيجيب:
ويضيف الدكتور تاج الدين: "فإن كنت أيّها القارىء العزيز حرّكت فيها مشاعر الاعتزاز بأنّك قرآنيّ الشخصيّة، رساليّ المبدأ، إسلاميّ الصبغة، فقد حقّقت بعض أهدافي من هذا العمل المتواضع ]أي تأليفه لكتاب الانسان هذا الكائن
1) الإنسان هذا الكائن العجيب، للدكتور تاج الدين الجاعوني: 1/26.
العجيب[، وإن كنت استطعت أن اجعلك ـ عزيزي القارىء ـ أن تجلس أمام القرآن الكريم، مسلماً كنت أو غير ذلك، ليس كمستمع فقط، بل في حوار استنطاقي معه، لتتنبه وتستشفّ معانيه، وتتفهّمه، فقد وُفقت لما أصبوا إليه، ذلك أنّ القرآن يُسأل فيجيب; لأنّه عطاء لا ينفد، فيه علم ما كان وعلم ما سيأتي.
القرآن الكريم هو المفسّر الأوّل لجميع أسئلة البشريّة، ومتطلّباتها الواسعة المناحي، ومشكلاتها المترامية الأبعاد، وقضاياها المتشعّبة"(1).
ومن هنا نستكشف بأنّ الدكتور تاج الدين لم يختر مذهب الحقّ إلاّ بعد استئذانه من القرآن الكريم وبعد أن تبيّن له من خلال القرآن صحّة ما يفعل.
1) المصدر السابق: 1/26 و27.
ولدت سنة 1972م في "الأردن" ونشأت في أسرة سنّيّة المذهب ، ثم حفظت القرآن الكريم وهي في سنّ الثالثة عشر من عمرها ، وكانت تشترك كثيراً في مجالس الدروس الدينيّة على مدى أعوام طويلة ، ثمّ حازت على شهادة الدبلوم في إدارة المكاتب .
كيفيّة تعرّفها على التشيّع:
تقول "بنت الهدى": تمّ لقائي صدفة بسيّد جليل من أبناء العراق ، وتعرّفت من خلاله على مذهب التشيّع ، وصحّح لي الأفكار الخاطئة التي كنت أحملها عن الشيعة وبيّن لي الحقائق التاريخيّة المؤلمة بحقّ أهل البيت سلام اللّه عليهم .
مع كتاب ثمّ اهتديت:
وتضيف "بنت الهدى" قائلة: ثمّ أهداني هذا الرجل الفاضل ـ الذي أصبح فيما بعد والد زوجي ـ كتاب "ثمّ اهتديت" للدكتور الفاضل "التيجاني" الذي أدعو له في كلّ صلاة أصليها ، فتأثّرت جدّاً بكتابه وذلك لأنّني شعرت أنّه أقرب إلى العقل والمنطق ممّا تربّينا عليه أجيالا !
وفي ليلة واحدة أنهيت قراءة الكتاب ، وكان هذا الأمر بالنسبة لي منطلقاً للبحث ; لأنّ "الدكتور التيجاني" كان يستند في كلامه إلى أمّهات كتبنا، وكنت أقرأ ولسان حالي يقول:
يا إلهي، هل هذه الحقائق موجودة في كتبنا ونحن لم ننتبه إليها ؟
وأخذت أتفاجأ وأتفاجأ ولا أجد إجابة مقنعة لهول ما اكتشفت من حقائق مغيّبة .
لماذا هذا التعتيم؟!:
وتقول "بنت الهدى" : قلت في نفسي : إلى متى هذا التعتيم الإعلامي المتوارث من جيل إلى جيل تجاه أهل البيت سلام اللّه عليهم في ما يخصّ الحوادث الكثيرة التي بدأت قبل وفاة سيّد الخلق ـ لنقل على الأقلّ ـ من بيعة غدير خمّ، وحجّة الوداع، وآية التطهير، وآية المباهلة، وآية المودّة، في القربى إلى رزيّة الخميس ، واجتماع السقيفة، إلى اغتصاب فدك و ..؟
ثمّ قلت في نفسي:
هل أنا من هذا العالم أم أنا من عالم آخر ؟ وكيف غابت عنّي هذه الحقائق ، وأنا التي كنت أرتاد مجالس الدروس الدينيّة على مدى أعوام ، وأنا التي حفظت القرآن في سنّ 13 سنة ، أين أهل البيت من تلك الدروس التي كنت أرتادها؟
أين تاريخهم ؟
أين علومهم؟
أين مظلوميّاتهم؟
وأين تلك الآيات والسور ممّا حفظت من القرآن، وكأنّي أقرأها لأوّل مرّة ، فقد كنّا نحفظ القرآن صمّاً بكماً دون فهم أو وعي ، وكانت مدرستنا تشرح لنا قبل حفظ أيّ آية معاني الألفاظ، وبقينا على هذه الحالة نحفظ القرآن مدّة خمس سنوات ، فلم ينبهنّا أحد بآية تخصّ أهل البيت الذين تعرّفت عليهم للتوّ ...
مواصلة البحث ومعرفة الحقيقة:
تضيف "بنت الهدى" : لقد ذهلت ممّا قرأت وسمعت وعرفت، وبدأت ارتاد المكتبة العامّة بشكل شبه يوميّ من الصباح حتّى المساء، أستنبط من الكتب والصحاح التي يشير إليها الكاتب الدكتور "التيجاني" فأسجّل بعض الحقائق في مفكّرتي، وأسأل واستفسر وأحلّل الأحداث من أجل بناء معتقداتي على قاعدة متينة من الحجج والبراهين .
وفي الحقيقة تبيّن لي بعد البحث بصورة مجملة أنّ الأمر لا يحتاج إلى كلّ هذا الضجّة ، وكأنّ الإنسان حينما يقرّ بولاية أمير المؤمنين الإمام عليّ سلام اللّه عليه فإنّ الدنيا تنقلب رأساً على عقب والعياذ باللّه ، فأنا لم أجد في الأمر كلّ ذلك التعقيد، وقلت في نفسي: ما المشكلة في أن يجد الإنسان حقّاً ضائعاً ويعترف به وبأحقّيّته ، خاصّة وأنّ صاحب هذا الحقّ هو الإمام عليّ(عليه السلام) روحي فداه ، لكنّي بنفس الوقت الذي أقررت بولاية أميري عليّ(عليه السلام) فقد بدأت بالبحث والتقصّي على الرغم من صغر سنّي وقتها حتّى توصّلت شيئاً فشيئاً إلى الكثير من الحقائق التي أخذت بيدي وأدخلتني في رحاب مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).
مؤلّفاتها:
1 ـ "شيّعتني الصحاح الستّة" مخطوط ، وسيصدر عن مركز الأبحاث العقائديّة.
تعرّضتْ في هذا الكتاب إلى قصّة رحلتها إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، ثمّ بيّنت الحقائق الموجودة في الصحاح والتي من خلالها تبيّن لها أحقّيّة مذهب التشيّع.
ويحتوي هذا الكتاب بعد المقدّمة على خمسة فصول :
الفصل الأوّل : محطّة التحوّل.
الفصل الثاني: كتب السنّة شيّعتني.
الفصل الثالث: الأحداث التاريخيّة والأحاديث المثبتة في الصحاح .
الفصل الرابع: الاجتهاد وتحريف السنّة وابتداع البدع (الحسنة).
الفصل الخامس: الخلاصة.
وذكرت "بنت الهدى" قصة استبصارها بصورة مفصلة في مقدمة هذا الكتاب ، وقالت:
يقول اللّه تعالى في محكم تنزيله: {إنّ في ذَلك لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهوَ شَهْيد}(1). لعلّي أجد من هذه الآية منطلقاً للحديث عن بداية تشيّعي لسيّدنا محمّد وآله(عليهم السلام) ، واقتناعي بالفكر الإماميّ الجعفريّ ، وأحمد اللّه تعالى على تلك النعمة العظيمة التي مَنّ بها عليّ ، نعمة الولاية الأمانة التي سنُسأل عنها يوم الوقوف بين يدي الخالق، الذي يقول عزَّ من قائل: {وَقِفُوهُم إنّهُم مَسْؤُولُون}(2). فعمّاذا نحن مسؤولون؟
وللإنصاف في الحديث عن نعمة التشيّع، والفرق بين ما قبل التشيّع وما بعده ، أجد أنّه عليّ التطرّق ـ ولو بشكل سريع ـ لبعض نواحي حياتي قبل التشيّع ، لأبيّن بالتالي أنّ تشيّعي والذي أتى والحمد للّه عن اقتناع تامّ جعل منّي إنسانة مختلفة، مسلمة يعمر قلبها بحبّ اللّه سبحانه ، وجعلني ألمس معنى حبّ اللّه الحقّ تبارك وتعالى وحبّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
ولم يكن تشيّعي لأنّ الشيعة وكما يتقوّل عليهم مناوؤهم للنيل منهم بأنّهم طائفة تغلبهم العاطفة على العقل ، وليس لأنّي امرأة تتأثّر بهذه الناحية ، كما لم يكن تشيّعي لأنّي تزوّجت بشيعيّ ، بل لأنّي اقتنعت بالمذهب بداية كوصيّة ذات حكمة من رسولنا الكريم، وكحقّ بإمامة وليّ أمر المسلمين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) علينا ، وكفكر يحاكي العقل في مختلف مدارسه الفكريّة ، ذلك أنّي
تشيّعت ، فتزوّجت بشيعيّ ، ولم أتزوّج شيعيّ فتشيّعت.
أمّا بالنسبة لنبذة عن حياتي قبل التشيّع فهي في سطور كانت كالتالي:
المرحلة الدراسية:
بعد إنهاء الدراسة الثانويّة درست الإدارة ، ولو أنّي أتمنّى لو كنت درست الشريعة لكي أكون أكثر اطّلاعاً وقوّة في الحكم. وكانت المرحلة الدراسية في بدايتها ولحرص أهلي على بثّ الوازع الديني فينا فقد درسنا أنا وإخوتي في مدرسة ذات طابع وتوجّه إسلامي. ويبدو أنّه من سوابغ نعم اللّه وفضله عليّ أن منحني فضولاً كبيراً لمحاولة فهم كلّ شيء حولي ، بمعنى أنّي لم أكن لأقبل الأمور بمسلّماتها ، وهذا ما كان يشكّل لي عائقاً في تلك المرحلة يحول دون الاقتناع ببعض ما كان يطرح من مسلّمات في بعض مراحل التاريخ الإسلاميّ، ومن بعض التناقضات في السنّة التي بين أيدينا ، والأوهام المقدّسة...
كنت أشعر في مرحلة الطفولة والمراهقة أنّي فطريّاً وبيئيّاً واجتماعيّاً مسلمة، وعاطفيّاً مؤمنة أمّا عقليّاً فقد كنت أشعر بعدم توافق العقائد المطروحة أمامي وعقلي ، فقد كنت أواظب على حضور الدروس الدينيّة فيكون تأثّري بها وضعيّ وليس أبديّ، وما هي إلاّ لحظات تعقب خروجي من المجلس إلاّ وتملأني الحيرة ، وأجد عقلي يناقش الأفكار التي نتلقّاها فيقبل البعض ويتناقض إحساسي وفهمي الفطري للإسلام مع البعض الآخر من هذه الأفكار... إذن هل الخطأ فيَّ أنا أم ماذا؟ هل استيعابي سيّىء؟ هل إيماني ضعيف؟ لا أعتقد وإلاّ لما بادرت بالاهتمام بارتياد المجالس الدينيّة؟ وختمت القرآن غيباً، وأنا في عمر إحدى عشر سنة؟ إذن ما المشكلة؟ هنالك حلقة مفقودة لا أعرف كنهها بيني وبين الإسلام المطروح أمامي، وأذكر أنّي كلّما حاولت الاستفهام عن شيء سدّ باب الجواز أمامي فكنت أعزو ذلك إلى صغر سنّي في تلك المرحلة (مرحلة المراهقة).
ولكن بعد أن كبرت قليلاً ودخلت مرحلة الشباب كان الخيار إمّا أن أستمرّ
في السير مع هذه التناقضات التي تعتمل في داخلي ولا أجد لها جواباً وكأنّي النعجة تساق إلى المذبح وهي راضية تطأطىء رأسها ولا تدري بهول النهاية ، وإمّا أن أرفض، وأبحث عن اصل هذه التناقضات، ولكن أين ومتى ومن سيجيبني فكلّهم يسيرون بنفس النهج قال اللّه، وقال الرسول، ولا يحقّ لي أنا أن أقول لماذا وأين ومتى وكيف ، كلّما حاولت البحث عن إجابة لسؤال كانوا يقولون عنها إنّها أسئلة كفر وتؤدّي بي إلى النار وكأنّ الصورة الوحيدة لربّ الأكوان هي العقاب والنار ، إذن لماذا خلقني سبحانه وتعالى؟ ولماذا خلق لي العقل وميّزني عن بقية الكائنات؟ ولكن ما من جواب شاف، إذن فالأفضل لكي لا أبقى على هامش الدين طالما لم أستطع ان أغوص في عمقه ، فقد فضّلت أن أرضى بالقليل غير المقنع على أن أتعمّق بالكثير الذي يوصلني إلى الكفر لا سمح اللّه.
وانغمست بعد تخرّجي في الحياة العمليّة العامّة البعيدة تمام البعد عن الدين، والغارقة في عالم السطحيّة، ولكنّي أردت أن أبحث عن مكان أجد فيه ما يتناسب وطاقاتي وقدراتي الذهنيّة مبتعدة عن محاولة أن أكون عنصراً مسلماً فاعلاً.. فذهبت حالي حال معظم شباب العصر للبحث عمّا يروي عقلي بمبادئ وأفكار تناسبه، طبعاً أنا لا أدّعي هنا بأنّي ذات عقليّة فذّة، ولكن حسب قدراتي الذهنيّة كان الطرح المتوفّر أمامي على المستوى الديني غير مناسب من ناحية فكريّة عقائديّة وإسلاميّة فطريّة، إلاّ أنّ الطرح الآخر ، وهو حقّ الولاية وحقّ آل البيت(عليهم السلام) وما يتبع ذلك من عقيدة وفقه لا يحتاج إلى عقليّة فذّة تدركه، بل إلى فطرة سليمة بعقل منصف، وقلب محبّ، وروح شجاعة لا تأتي إلاّ من محبّة اللّه ورسوله وآل بيته وجهادهم صلوات اللّه وسلامه عليهم ، وكوني لم أكن قد تعرّفت على هذا النهج بعد فقد سرت في حياتي مع القطيع.
الحياة العملية وبداية النواة الثقافيّة:
ومن هنا انطلقت بعد إنهاء دراستي إلى الحياة العمليّة إلى الوظيفة ، في مجتمع أشدّ ما يشجّعه هو الابتعاد عن الدين ، وقد أتيحت لي فرص لست أعلم حكمة اللّه فيها لغاية الآن، ولكن من خلال المواقع الحسّاسة التي عملت بها فقد كان المجال واسعاً أمامي للاختلاط بالأوساط السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة على أعلى المستويات ، فتارة أجد ميولي تتّجه نحو الأفكار الوطنيّة ، وتارة أنجذب نحو مختلف التيّارات القوميّة أو الماركسيّة ، فالليبراليّة.
أبحث هنا وهناك لعلّي أجد ضالّتي ، وكلّ هذا يحدث معي في تسارع قياسي وبترتيب عبثي ، حاولت من خلال ذلك كلّه البحث عمّا يروي ظمأً غريباً من نوعه.
كنت أعتقد أنّما هو فقط لذّة الشعور بالنجاح، وحصرت طموحي كلّه في هذا المجال، وكلّما تدرّجت في وظيفتي وأثبتّ وجودي وتميّزي الوظيفي انتقلت إلى وظيفة أفضل وطموح أكبر.
لكن أيضاً هذا الأمر لم يرضيني ، هنالك حلقة مفقودة بداخلي سببها عدم الرضا ، وابتعادي عن ديني ، كنت أعلم ذلك في قرارة نفسي ، كما يعلمه كلّ المنشغلين عن ربّهم وعباداتهم ولكنّهم يتغافلون، ويضلّلون أنفسهم فوق ما ضلّله إيّاهم سلفهم من قبلهم ومَن حولهم ، تنطبق عليه الآية الكريمة: {أُولئِكَ الذيْنَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبهِمِ وَسَمْعهِمِ وَأبْصَارِهِم وأُولئِكَ هُمُ الغَافِلُون}(1).
البحث عن الحقيقة:
كنت أحاول، وبقيت أحاول أن أصل إلى عين الحقيقة المنبعثة من إيماني المتجذّر بأنّ اللّه ما خلق هذا الكون ونظّمه ثمّ تركه بعد الرسل عبثاً، وإلاّ فإنّنا
1) النحل {16} : 108 .
نكون في هذه الحالة مظلومين، وحاشى للّه أن يكون ظالماً ، فكلّ الأقوام أرسل سبحانه إليها الرسل، ودعمها بالأنبياء والأولياء ، ثمّ كرّمنا بآخر النبيّين سيّدنا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهل يعقل أن يتركنا هكذا طوال هذه الحقبة الطويلة من الزمن، الكفيلة بتبديل النفوس وتغيير الطقوس ؟!
وكيف إذا ما تبدّلت النفوس يوم وفاته روحي فداه. كما كنت أسأل نفسي ما الضمانة بأنّ ما بين أيدينا من تعاليم إسلاميّة هي نفسها التي أتى بها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، خصوصاً أمام بعض الأفكار التي تتسرّب من هنا وهناك ، لا تتوافق والفكر الإسلامي نهائيّاً ، ونأخذ بها دون أن نستفسر ، وكأنّ كلّ من حدّثنا عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو قدّيس ، طيّب، أليسوا الذين أورثونا إيّاه هم بشر مثلنا معرّضون لإغواء النفس وللخطأ ولسوء العاقبة ، صحيح هنالك علم الرجال وعلم التجريح و و و ، ولكن مع نظريّة أهل العامّة التي تقول بأنّ الرسول لم يكن معصوماً، وكان كباقي البشر يخطىء ويصيب ، إذن ما الضمانة بأنّ الصحابة والتابعين وتابعي التابعين لم يكونوا كذلك أيضاً؟ وبالتالي خطأ على خطأ على مدى 1400 عام من عمر الأمّة الإسلاميّة يمكن أن يمحي الإسلام الأصيل؟ أين الضمانة؟ ولماذا حفظ اللّه سبحانه وتعالى القرآن الكريم وترك السنّة النبويّة بلا حارس ولا أمين؟!
أليست السنّة المحمّديّة هي المفسّر الوحيد للأوامر الإلهيّة في كتابه ، فهل كانت ستترك السنّة بين يدي بشر عاديّين كلّ ينقلها لنا أو لا ينقلها حسب هواه ؟! وتبقى هذه الأسئلة تتعاظم بداخلي دون مجيب; لأنّ كلّ الأجوبة كانت لا تقنعني، بل تزيدني اضطراباً... إذن أين الخلل؟ لماذا نحن بهذا الحال؟
وبقيت في هذه الحيرة من أمري إلى أن اهتديت للمذهب الجعفريّ الاثنى عشريّ الذي فسّر لي براحة وطمأنينة لم يسبق لها مثيل كلّ الأسئلة ـ تقريباً ـ التي كانت تخالجني، فوجدت لها إجابات منطقيّة ، دون وجود إجبار تحت مبدأ بأنّه
عليّ كمسلمة أن أمتثل للأوامر دون فهم العبرة والحكمة، ولي مطلق الحرّيّة في مناقشة أوامر اللّه سبحانه وتعالى ، بل حتّى لي الحرّيّة في البحث في الذات الإلهيّة، ومحاولة معرفة صفات اللّه الذي كنت دائماً أحاول أن أتصوّره كوجود وليس كذات، سبحانك ربّي سبحانك عمّا يتصوّرون ويصوّرون!!
نعم لقد وجدت الكنز، ويا إخواني وأخواتي، الذين يغرقون في ضلالهم وغفلتهم، ليتكم تدركون ما أدركت ، إنّه خلق جديد، عالم جديد يولد بالامتثال لأوامر اللّه ورسوله الحقّة بولاية إمام المؤمنين ووليّ المتّقين، يشعر المرء بنفسه بإنسانيّته بمعنى وجوده ويرقى بإسلامه ، يشعر المرء بمعنى الحبّ ومعنى العشق بأرقى حالاته ، يشعر بحبّ اللّه وحبّ رسوله الذي يدركه من خلال حبّه وولائه لآل البيت سلام اللّه عليهم ، بل إنّه حتّى يشعر بقيمة عقله. للأسف مهما تحدّثت فإنّ أحداً لا يدرك معنى ما أقول إلاّ من يمنّ اللّه عليه بالولاية لآل البيت سلام اللّه عليهم ، لما يجد في ولاية أئمّة الهدى ومصابيح الدجى(عليهم السلام)الاحترام لإنسانيّته وعقله وكلّ التقدير لعواطفه ، يكفي المرء أن يتعبّد بأدعيتهم صلوات اللّه وسلامه عليهم; ليشعر بسموّ روحه.
أصبحت أشعر وكأنّي في كلّ حرف أتعلّمه في صلاتي ، في دعائي ، في قراءاتي ، إنّما أسمو فوق كلّ من وضع عقله جانباً وسار مع التيّار ، أصبحت أحبّ اللّه وأحبّ الرسول فعلاً ، لقد أصبحت أحبّ اللّه عزّ اسمه في حين كنت سابقاً أهاب عقابه وناره لا أكثر ولا أقلّ ، أصبحت أعرف ما هو حبّ الذات الإلهيّة ، وما هي صفات اللّه الجلاليّة والثبوتيّة والجماليّة.
وأنا اتحدّى لو أنّنا أخذنا شريحة كبيرة من أهلنا وشبابنا ووجّهنا لهم سؤال:
هل تحبّون اللّه أم تهابونه؟ ومنحناهم دقيقة قبل أن يجيبوا، فسيجيبوننا بأنّنا نهاب اللّه.
سبحانه يا اللّه، حتّى صورتك في ذهن الأجيال باتت المعذِّب الذي يحرقنا
إذا ما اخطأنا ، لكن أين تلك الصورة البهيّة التي تشعرنا برحمة اللّه؟
هل تعلمون ما معنى كلمة الرحمة؟
هل تعلمون ما معنى الكرم عند اللّه جلَّ وعلا؟
هل تشعرون بمعنى أن يكون المرء في ضيافة الرحمن؟
هل جرّبنا أن نفهم معنى العدل الإلهي؟
لا أعتقد بأنّ أحداً ممكن أن يستوعب ما تعني رحمة اللّه الحقيقيّة ، ولا يمكن أن يلمس حبّ اللّه لعبده إلاّ إذا وإلى آل البيت سلام اللّه عليهم وتبعهم في كلّ صغيرة وكبيرة ، وقرأ أدعيتهم ومناجاتهم وتذلّلهم لربّ العالمين ذلك الذلّ والاحتقار للنفس الذي تشعر به، إنّما هو لذّة وأيّما لذة في تضرّعك إلى اللّه بحبّ وليس بخوف.
لقد تعرّفت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من جديد، وعلى التاريخ الإسلاميّ من جديد من مولده ، وأصبحت أدرك أنّ المسألة مسألة صراعات سياسيّة تاريخيّة بدّلت وحرّفت وحرقت وظلمت السنّة النبويّة الشريفة في سبيل السلطة ، وبدأ هذا التاريخ الذي كان متناقضاً من قبل في مخيّلتي واضحاً ومفهوماً ، وأمور كثيرة بدأت تنجلي تجلّيات منطقيّة واقعيّة ، فبات مفهوماً كيف نمجّد أراذل القوم وشرذمتهم ممّن اشتهروا بشرب الخمر، ولعب القمار، والزنا، ونعطيهم صفة خلفاء المسلمين، وأمراء المؤمنين، وحماة الدين ، ونكاد بذات الوقت لا نذكر أكارم القوم وأطيبهم، بل وننسخ وجودهم وصفحاتهم من هذا التاريخ كلّياً.
وليس قصدي هنا أنّه علينا التخلّي (كأهل الجماعة) عن كلّ موروثنا وأنّه كلّه فساد وضلال والعياذ باللّه ، ولكنّ الأمر ببساطة يتلخّص في كلمتين ، أنت يا أخي المسلم، لديك خياران أصل وتقليد ، فأيّهما تختار؟ وأنت لك مطلق الحرّيّة أتترك الأصل الذي يدوم والذي هو حبل ممدود من الأرض إلى السماء، وهو الثقل العظيم بعد القرآن الكريم الذي هو الثقل الأعظم ، أم تتمسّك بالقشور؟
ثمّ اتّبعت المذهب الجعفريّ الإماميّ الذي وضّح لي التاريخ الحقيقي المعمى عليه ، وعرّفني من هم أئمّة الإسلام ، ومن هم السبب في بقائه لهذا اليوم ، وما هو كتاب اللّه ، وما هي سنّة رسوله ، بل وبثّ فيّ الأمل من جديد بعودة الحقّ بمقدم صاحب الزمان عجّل اللّه تعالى فرجه ليدركنا ، ويأخذ بثأر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)من كلّ من ظلمه وظلم أهل بيته(عليهم السلام)وظلم الإسلام بالتالي.
في الواقع أنّني عندما بدأت أتلمّس هذا المذهب بخطوطه العريضة التي بدت منطقيّة، أخذت أبحث وأمحّص وأسأل وأدقّق ، ولكن أين أبحث؟ وكيف لي أن أتأكّد أنّ هذه الطائفة أيضاً تدّعي الصدق والحقيقة ، ففضّلت أن أبحث في كتب السنّة أوّلا كتبنا التي يستدلّون الشيعة علينا من خلالها ، إذ لا يعقل أن وقفات تاريخيّة كبيرة يدّعونها أهل الشيعة لا يوجد لها أثر في كتبنا، إن وجدت فهل يعقل مثلاً حادثة مثل بيعة الغدير هي محض اختلاق وافتراء ، هل يعقل أنّ حديث الثقلين بتلك القيمة الكبيرة التي يحمل هو محض دسّ ، هل جريمة قتل الحسين سلام اللّه عليه مرّت على المؤرّخين كأنّها لم تكن ، ولكن المفاجأة كانت حين بحثت في كتب (من يسمّون بأهل السنّة) للأسف أين هي تلك السنّة التي ينسبون أنفسهم لها أو ينسبونها لهم.
يا إلهي، فالبحث لم يحتج إلى زمن طويل إلاّ وقد تجلّت الحقيقة أمامي واضحة وضوح عين الشمس في النهار ، ومنيرة بنور القمر في غياهب الليل المظلم ، فهرولت لموالاة آل البيت وشايعت أميرنا عليّاً(عليه السلام) وذرّيته الأطهار أئمّة هداة لهذه الأمّة من بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن تفوتني سفينة النجاة ، وأقبلت على فكر الشيعة وعلومهم بكلّ راحة وطمأنينة كمن وجد ضالّته، وأخذ يدقّق فيها!! حتّى باتت الـ 24 ساعة اليوميّة لا تكفي لتعويض ما حرمت منه، فهل يكفي الوقت القادم من عمري لتعويض ما مضى ، متى أؤدّي عباداتي فأروي قلبي بحبّ الرحمن؟ ومتى أقرأ الكتب وأزيد ثقافتي؟ ومتى أستمع للمحاضرات العلميّة
الدينيّة التي تشبع العقل؟ ومتى أستمع إلى غسيل الروح بالمجالس الحسينيّة؟
ولكن أليس غريباً هذا ، اليس غريباً أنّ علماءنا لا يلتفتون إلى هذه الحقائق ، فقط أريد أن أتخيّل أيّ عالم هذا وأيّ طالب عقيدة وفقه وشريعة يمرّ على حقائق دامغة في كتبه مرور الكرام؟ وكأنّها درس في كتاب ليس عليه أن يدرسه ولا يحفظه ; لأنّه لن يأتي في الامتحان ، صحيح قد لا يأتي في امتحان الدنيا لكنّك أخي المسلم، وسيّدي العالم، ستجد نفسك يوم الوقوف بين يدي صاحب الامتحان الأعظم ، تُسأل عمّا تغافلت عنه فضللت وضلّلت غيرك ، ولكنّها السياسة يا أخواني، والمصلحة، بل والخوف من اتّباع الحقّ والمناداة به. عموماً الحمد للّه أن ظلّلني بنعمته وخلّصني من غفلتي وضلالتي.
الحديث ذو شجون، وأنّ لحلاوة الحديث عن اكتشاف ولاية آل البيت(عليهم السلام) ، ونعمة مشايعتهم وحبّهم طعماً أطيب من الشهد في فم ذائقيه... هنالك الكثير الكثير من الأمور التي أندفع للحديث عنها في أمر تشيّعي ، وقد يكون هذا الاندفاع ممدوحاً غير مذموم ، فهو ليس اندفاعاً لأشخاص عاديّين، أو فكر ركيك إنّه اندفاع للطاهرين الذين عصمهم اللّه بقوله تعالى {إنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرجْسَ أَهْلَ البيْتِ وَيُطَهّرَكُم تَطْهِيراً}(1)، أهل البيت الذين لو تمسّكنا بهم ما كنّا لنضلّ بعد شفيعنا الأمين سيّد الخلق أجمعين محمّد عليه وآله أفضل الصلاة والسلام ، فهم الأمناء، وحملة سنّة جدّهم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الذي يأمرنا باتّباعهم من بعده بقوله الثابت عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) في عدّة مواضع سنأتي على ذكرها لاحقاً.
هذه كانت مقدّمة لكتابي الذي قد يكون متواضعاً بأسلوب الكتابة ، فهذه أوّل مرّة أنشر فيها كتاباً ، ولكنّه حتماً وإن تواضع في مستواه ، فاللّه العالم أنّه يرقي بهدفه، أضعه بين أيديكم إخواني وأخواتي لعلّ من لم يلق السمع من قبل يجد فيما أسطّر دافعاً للبحث ولو من باب الفضول إن لم يكن من باب الإنصاف حول حقيقة
1) الأحزاب {33} : 33.
التشيّع، حقيقة الولاية لأمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) من بعد رحيل سيّد الأمّة محمّد صلوات اللّه عليه وآله.
أسأل اللّه أن ينير بصيرة كلّ باحث عن الحقيقة; ليرى الحقّ بولاية آل البيت، وإنّني إذ أقدّم إلى القرّاء الكرام طلاّب الحقّ والمعرفة هذا الكتاب فإنّي أسألكم الدعاء لي بثبات الأمر وزيادة العلم في بحور معارف آل البيت (صلى الله عليه وآله وسلم)الذي لا يحدّه حدّ، ولا ينضب أبداً ، كما ألتمس دعاءكم لي بتحقيق حلمي بالانتساب للدراسة الحوزويّة سعياً لارتقاء المنبر الحسينيّ داعية إسلاميّة لمذهب آل البيت (عليهم السلام) وأن يسهّل لي اللّه جلّ شأنه السبل في هذا الشأن ، إنّه قريب مجيب .
محطّة التحوّل:
ذهبت ذات مرّة لزيارة صديقة لي في عملها فوجدتها جالسة مع مجموعة من الأشخاص يتحدّثون حول وضع العراق بعد حرب الخليج الثانية، والحصار الأمريكي، وأحوال الشعب العراقي المأساويّة، فانضممت معهم وبدأت أستمع وأشاركهم الحديث، وقد كانت الجلسة تضمّ شخصين عراقيّين أحدهم يعيش خارج العراق والآخر وهو والد الأوّل قادم للتوّ من بغداد ، وفي أثناء الحديث عبّرت عن رأي حول وضع العراق وويلاته بما معناه بأنّ العراق يستحقّ ما يجري عليه من ويلات عبر العصور; لأنّه يضمّ الشيعة، وأنّه لو تخلّصوا من الشيعة فإنّ اللّه سيقف إلى جانب العراق، ويخلّصهم من طواغيب العراق .
فابتسم أحدهم قائلاً: وما شأن الشيعة بذلك ؟ فقلت له: هؤلاء يألّهون عليّاً كرّم اللّه وجهه ، ويصلون للحجر، ويتّهمون جبرائيل(عليه السلام) بخيانة الأمانة، ويدّعون في النهاية أنّهم مسلمون .
وإذا بلحظة صمت عمّت المكان، وإذا بصديقتي تنظر إليّ نظرة، ولسان حالها يقول: يا ليت الأرض تنشقّ وتبتلعني ، فأدركت حينها بأنّ الشخصين العراقيّين الموجودين معنا هم من الشيعة، بل إنّي علمت فيما بعد بأنّ الرجل الكبير
(رحمة اللّه عليه) هو من أكابر الشيعة في بغداد ، وكان يشغل منصب رئيس محكمة التمييز بالعراق ، وساهم في إدخال العديد من أصول الفقه الإمامي إلى القضاء في العراق .
ولا أذكر أنّي أحسست بالخجل من نفسي حينها، إن لم يكن قناعة منّي بأنّي على خطأ، فعلى الأقلّ احتراماً لوجودهم معنا ، لقد اعتذرت له متذرّعة بأنّي لا أعلم بأنّهم شيعة ، وأنّه أوّل مرّة في حياتي أرى شيعة ، وأنّي كنت أتخيّلهم بصورة قبيحة ، إلاّ أنّي بنفس الوقت لم أتراجع عن موقفي ، فقد بدأت أستفسر منه عن سبب التشويه الكبير في عقيدتهم، وكيف أنّهم في عصرنا هذا لازالوا يمارسون عبادات وشعائر متخلّفة، وسألته حول صلاتهم وصيامهم وعقائدهم، ولكن كان أسلوبي هذه المرّة مخفّف قليلاً ، ولكنّ السيّد(رحمه الله) استوعبني واستوعب الخلفيّة التي أتكلّم من خلالها.
حديث ودّي وومضات خافتة:
وبدأ السيّد يكلّمني بهدوء وتواضع برغم كبر سنّه ومركزه الاجتماعي ومنصبه العالي ، فحدّثني عن الشيعة، وعقائدهم، وفقههم، وضرب كلّ اتّهاماتي عرض الحائط دون أن أشعر بالهزيمة أمامه، بل سبحان اللّه لقد كانت دقائق معدودات أنارت لي الدرب الذي استطعت من خلاله إدراك عين الحقيقة، والانتهال من هذه العين إلى أن يمنّ اللّه علينا بشربة سيّدنا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) التي لن نظمأ بعدها أبداً .
بدأ كلام ذلك السيّد البسيط اليسير الذي قليله دلّ على كثيره يدخل إلى قلبي بأسلوب لا يقدر على وصفه، أو الإحساس به ـ حسب رأيي ـ إلاّ كلّ متشيّع، وبالفعل استطاع السيّد الجليل(رحمه الله) بذكاء وحنكة وبتلقائيّة وعفويّة شديدة أن يمنحني وميضاً استطعت أن أستغلّه لاحقاً للبحث عن النور الذي ينبعث منه ذلك الوميض ، وأذكر أنّه أشار إليّ ببعض الأحاديث والروايات والآيات
الكريمة حول أهل البيت سلام اللّه عليهم، وأهليّتهم ومنطقيّة تسلّمهم زمام الأُمور من بعد سيّدنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).
ومن أهمّها حديث الثقلين، والربط بينه وبين آية التطهير، وآية المباهلة ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى عندما سألته عن تعارض ما يقوله وعدالة الصحابة ومنزلتهم التي أُسقيناها طوال عمرنا ، فلم يكن له ردّ مباشر ، وقد أيقنت لاحقاً أنّه استخدم التقيّة معي في هذا الأمر ، فلم يذكر لي شيئاً من مواقف بعض الصحابة مع الرسول في حياته وبعد مماته ، وأعترف أنّه كان ذكيّاً جدّاً معي في تلك المرحلة ، إذ إنّه لو تطرّق لتلك الأمور لكان شوّش عليّ بحثي وتفكيري، وقد يصل بي الأمر في حينها إلى الابتعاد عن الإسلام كلّياً إن لم يكن اللجوء إلى العلمانيّة ضمناً .
ولكن كلّ ما أذكره أنّه قال لي: هل هم معصومون؟ إنّ البشر يخطؤون ويصيبون ، فقلت له: إنّهم بشر، وإذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطىء ، أفلا يخطىء الصحابة؟ وقلت له: إنّ هذا الأمر يشوّشني كثيراً ، فقال لي: دعِ هذا الأمر جانباً والتفتي إلى الأهمّ ، ونحن كمسلمين لا يعلو عندنا شيء بعد اللّه سبحانه سوى سيّدنا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، لذا فانظري في كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم)ووصيّته إلى أن تتيقّني من ولائك له أرواحنا فداه ، ثمّ التفتي إلى الآخرين ، وقال لي أمّا الصّحابه فإن أصابوا فأجرهم عند اللّه وإن اخطأؤوا فحسابهم عند اللّه سبحانه ، وبالفعل عملت بنصيحته وبدأت البحث.
المفاجئة في كتب السنّة:
قد يكون أحد الأسباب التي ساهمت في تشيّعي كإنسانة عاديّة من عامّة الناس، هو ذلك التضليل الرهيب لتاريخ آل البيت سلام اللّه عليهم مقابل تلك الإيماءات التي نمينا عليها من أمجاد الدولة الأمويّة والعبّاسيّة، وتهميش دور الإمام عليّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في الإسلام، وتعظيم دور خصومه، إضافة إلى الرزايا المخجلة
التي حلّت بأهل الكساء سلام اللّه عليهم (عليّ وفاطمة والحسن والحسين)، مقابل إبراز أدوار طواغيت على أنّهم أصحاب المجد الغابر، والفتوحات الإسلاميّة، وإعلاء كلمة اللّه، بينما هم أهل خمر وميسر وغواني ، لازلت أذكر تلك اللحظات التي كنت أقضيها في المكتبة أبحث حول تلك النصوص التي أومأ لي بها ذلك السيّد، فاكتشفت مخاز وعار يجرّ عار! يا ربِّ، يا إلهي، كيف لنا أن نواجهك بكلّ تلك البلايا؟ كيف كان للصحابة والتابعين والسلف (الطالح) أن يوصلنا إلى هذه الهاوية ، يا ويلي عندما كنت أقرأ عن حديث الثقلين مثلاً، وأجد قوّة تواتره وصحّة سنده في أمّهات صحاحنا وكتبنا كنت أتعجّب، فربط سريع وبسيط بينه وبين أحاديث أخرى وآيات كريمة توحي للإنسان بديهيّاً بأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان ليترك الأمّة الإسلاميّة تعبث بمصيرها الأهواء، وتهوي بها الأقدار ، فكان لاكتشاف هذه الأمور أثناء إثارة كبيرة لخليط من المشاعر لم أستطع التخلّص منه ليومي هذا ، وهو الاستغراب والحزن والتمرّد، ثورة تأججّت بداخلي ، فحالي كان كمن كان يعيش في غفلة من أمره طوال عمره ضالّ ومضلِّل ، ثمّ صعق على وجهه بضربة هوت به إلى الأرض تبعها لحظة صمت ، وتأمّل، ثمّ انطلق بهدوء إلى نحو يستردّ به كرامته وإنسانيّته وكبرياءه .
حقّاً فما نكتشفه من إرث مدفون في أمّهات كتبنا كنّا غافلين عنه بإرادتنا، أو مضلَّلين عنه رغماً عنّا، لهو الحقّ المسلوب والإسلام والسلام المنشود ، إنّه المدينة الفاضلة التي ضاعت أعمدتها بين أحضان أحقاد قريشيّة دفينة، وأطماع أمويّة وعبّاسيّة مشينة، ومصالح شخصيّة مادّيّة أو سياسيّة لعينة ، وصلت بنا في يومنا هذا للوقوف على أطلال المجد التليد، ننعى الإسلام، ونصرخ: أدركنا يا صاحب الزمان، وما نعلم بأنّنا نقف فوق ركام يضمّ بين ثناياه كنز دفين ، إرث آل البيت العظيم عن جدّهم رسول اللّه الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)إرث إن وقفت عليه تدرك معنى الحياة الدنيا الفانية كمحطّة للحياة الآخرة الباقية.
التشيّع ومرحلة الحضانة:
بعد نهاية مرحلة البحث الأوّليّة، والتي لم يكن عليَّ فيها سوى أن أحكّم عقلي، فقد واجهت العديد من النصوص التي يحتجّ بها الشيعة ، ولكنّ شرحها لا يؤدّي المعنى الذي يقولون به الشيعة الإماميّة ، بعضها كنت لا أقتنع به واتّبع ما يمليه عليّ عقلي وقلبي ضمن المنطق ، وبعضها كنت أقف حائرة أمامها أو أنّي كنت أتركها يقيناً منّي إلى أنّي لست ذات اطّلاع واسع بأمور العقيدة، فآثرت على نفسي أن أفهم الإسلام بالإجمال أوّلاً ، ثمّ أنقد ما يعترضني من تفسير أو شرح وكان لابدَّ أن ألجأ إلى العديد من الأخوة; للاستيضاح حول ما قد اضطرب أمامه...
ثمّ أهداني أحدهم كتاب "ثمّ اهتديت" الطبعة الأولى ، وأذكر أنّي كنت أقرأ الكتاب ، وكأنّي التّهمه التهاماً، ففي البداية شعرت بأنّ هذا الكتاب كمن كان قد دخل إلى عقلي وجمع التساؤلات التي فيه وأورد الإجابة عليها ضمن كتاب ثمّ اهتديت ، وشعرت بأنّ الدكتور التيجاني كان بمثابة الأب أو الأخ الناصح الذي رأف لحالي للحيرة التي وقعت بها جرّاء بحثي والتردّد في أمر التشيّع وولاية أمير المؤمنين ، فكان كتاب ثمّ اهتديت بمثابة إعلان لولايتي لأمير المؤمنين سلام اللّه عليه والاعتراف بحقّه المغتصب ، فكان الدكتور التيجاني حفظه اللّه بمثابة المحطّة الثانية بعد عمّي السيّد في درب النور ونور الولاية.
وأذكر أنّي في تلك الليلة التي قرأت فيها كتاب الشيخ التيجاني أغلقت الكتاب وقلت: "أشهد أنّ لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمّداً رسول اللّه ، وأنّ عليّاً وليّ اللّه".
وهكذا ومنذ عام 1991م بقي أمر تشيّعي مخفيّاً عن الجميع، وبدأت أبحث في بعض الأمور الفقهيّة اليوميّة المطلوبة من المرء فطالما اقتنعت بالولاية أوّلاً ، وبالمذهب الجعفريّ ثانياً ، إذن عليّ الاقتداء بالسنّة المنقولة لي من أهلّ السنّة (الشيعة الاماميّة) ، وكان في تلك الأثناء أن عاد عمّي السيّد مرّة ثانية إلينا بعد عام
من مقابلته أوّل مرّة فعلم بأمر تشيّعي وبارك لي هذه الهداية والهديّة الكريمة من ربّ العالمين ، وشرع يعلّمني الوضوء على أصوله، والصلاة والفرائض والنوافل والمستحبّات والصوم، وما إلى ذلك من أمور رئيسيّة.
وبعد فترة خطبني لابنه، وتمّ الزواج بشيعي كما كانت رغبتي ، لكي أعيش في نفس الجوّ الإيماني الذي بدأت أشحن به وبعد ثلاث سنوات رزقت بالسيّد الصغير وبعدها رحل أبوه عن دنيانا إلى رحمة اللّه. وبالتالي لم يعد لديّ أيّ مصدر يساعدني في الحصول على الكتب مثلاً أو أشرطة محاضرات والمناظرات المسجّلة، فتوقّفت قليلاً على الكتب القليلة التي لديّ أقرأها بين الفينة والأخرى إلى أن تعلّمت الإنترنت ، وبدأت البحث عبر الإنترنت فوجدت ضالّتي والحمد للّه.
وكان دافعي إلى ذلك هدفين أوّلهما: أن أزيد ثقافتي المذهبيّة الإماميّة التي كانت بحدِّ ذاتها متعة ما بعدها متعة ، والهدف الثاني أن أحصّن نفسي من أجل ولدي ، فنحن نعيش في بيئة بعيدة أوّلاً عن التشيّع، بل انّها تكفّر الشيعة، وبعيدة أصلاً عن التديّن والالتزام ، فكان لابدّ لي أن أجد الوسيلة التي أجهّز من خلالها مائدة عامرة بما لذَّ وطاب من إرث الأحباب ، إرث أهل البيت سلام اللّه عليهم، وأعلّمه كيف يدافع عن دينه وعقيدته وعن جدّه وسلالته الطاهرة، والحمد للّه، أعتقد بأنّي أزرع الزرع الصّالح فأرجو اللّه تعالى أن يكون الحصاد أصلح وأفلح بإذنه تعالى.
حواراتها في الإنترنت:
تعتبر "جُمانة" من الناشطين في الحوار عبر الإنترنت ، ولها فيه صولات وجولات ، نورد هنا بعض الأسئلة والأجوبة كنموذج وبمقدار ما يسع المجال في مثل هذا الكتاب:
سؤال : هل شرعت الأخت بنت الهدى بكتابة كتاب عن استبصارها؟
جواب : نعم شرعت بتأليف كتاب منذ مدّة ، وبرغم تشجيع السيّد لي حفظه اللّه إلاّ أنّ واجباتي المنزليّة والوظيفيّة تأخذ معظم وقتي برغم أنّه لم يتبقّ على انتهاء الكتاب سوى الفصل الأخير من أصل أربعة فصول ، نسأل اللّه أن تكون هذه الإجازة الصيفيّة فرصة لإكمال الكتاب وإرساله إلى السادة في مركز الأبحاث العقائديّة الذين كنت قد اتّفقت معهم سابقاً على طباعته ونشره .
سؤال : ما هو مستقبل التشيّع أمام هذا التوسّع وأمام هذه الهجمات التي تقودها دول استعماريّة تارة ومذاهب منتمية للإسلام ثانية؟
جواب : أخي الفاضل لا شكّ أنّ مستقبل التشيّع أمام هذا التحليل الذي تفضّلتم به كمقدّمة وكنتيجة أصبحت طبيعيّة ، فإنّني أرى أنّ المستقبل للتشيّع ، وهذا أمر طبيعيّ ومصداق لأهميّة قيام دولة الإمام الحجّة عجّل اللّه تعالى فرجه، والتي نؤمن بها ونجمع عليها ككافّة الطوائف الإسلاميّة ، وبما أنّ التشيّع هو الإسلام الأصيل والصحيح ، فلابدّ أن يسود على مستوى العالم ككلّ حتّى تقام الحجّة على الجميع قبل ظهور مولانا صاحب الزمان عج، وإنّي أرى الصورة مشرقة.
فإليك على سبيل المثال بلدي الأردن، والتي كان من المستحيل أن تتوقّع انتشار التشيّع فيها لأمرين ، الأوّل: وجود المتشدّدين من الأخوة السنّة ومن بعض أعوان الوهابيّة من جهة ، وتفشّي اللاّتديّن من جهة أخرى ، فالجهتين لا يمكنهما تقبّل التشيّع; لما فيه من عودة للإسلام ، وبرغم ذلك ترى التشيّع في الثلاث سنوات الأخيرة ينتشر بالآلآف برغم متابعة السلطات الحثيثة للحدّ من هذه الظاهرة ، فقس على ذلك العالم بأجمعه.
ومن جهة أخرى فإنّي أجد أنّ انتشار التكنولوجيا الإلكترونيّة (الإنترنت) تحديداً، وانفتاح العالم على بعضه ، سهّل عملية الاتّصال والاطّلاع على الآخر ، وبما أنّ الأمل معقود على العقول الشابّة النضرة والواعية ، وبما أن مذهب التشيّع يحاكي العقل فتكون المعادلة متكاملة لإحقاق الحقّ والحمد للّه.
سؤال : هل تعتقدين أنّ النشاط العلمائي على سعته يغطّي هذه الفراغات ، وما هي بتصوّرك تلك النقاط المهمّة التي تحتاج إلى تركيز؟
جواب : بصراحة لا أعتقد أنّ النشاط العلمائي يفي بالغرض ، فهنالك ثغرة كبيرة بين موجة الاستبصار الحاصلة وبين متابعة هذا الأمر من خلال النشاط الحركي والتبليغي والدعوتي ، لذا تجد أنّ حركة الاستبصار بالعموم هي حركة ذاتيّة فرديّة، وليست حصيلة نشاط علمائي مركّز ، والنقاط التي تحتاج إلى تركيز بتصوّري هي التحرّك السريع للعلماء والمبلّغين في الدول التي يرون فيها توجّهاً نحو التشيّع ، وهذا لا يعني بالضرورة أن يكون هذا النشاط معلن ورسميّ ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ضرورة المتابعة العلمائيّة للمستبصرين بعد استبصارهم من ناحية فقهيّة وعقائديّة واجتماعيّة ، وأعتقد أنّ الناحية الاجتماعيّة تحديداً في غاية الأهميّة; للصعوبات الاجتماعيّة الكبيرة التي يواجهها المستبصرون بالعموم على هذا المستوى .
سؤال : ما هو مستقبل المنتمين إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام)؟ وكيف تكون آليات الحفاظ على وجودهم ونشاطهم ومعنويّاتهم؟
جواب : حول مستقبل المنتمين إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) إن كنت تقصد أخي المنتمين الجدد (المستبصرين) فالحمد للّه والشكر لم نسمع أو نشاهد لغاية الآن متشيّع إلاّ ويصاحبه على مدى تقدّم الوقت تقدّم في العقيدة والولاء ، وتمسّك أكثر فأكثر بالمذهب وأهل البيت روحي فداهم ، وهذا يعكس أيضاً صورة إيجابيّة نحو المستقبل ودورهم في نشر التشيّع ، وأمّا آليات الحفاظ على وجودهم فكما ذكرت أعلاه الاهتمام ببعض النواحي الشخصيّة للمستبصر ، ومحاولة مساعدة الشيعة له من الناحية الاجتماعيّة بنفس الوقت الذي أعتقد أن المستبصر لا ينتظر هذا الدعم المعنويّ أو يطلبه وإنّما لو يكون بمبادرة شيعيّة من الداخل نحوه فالأمر سيزيده ثقة، ويرفع من معنويّاته ، فعلى سبيل المثال هنالك أحد الأخوة الصوفيّين
من المغرب استمرّ النقاش بيني وبينه سبعة أشهر بالتعاون مع بعض الأخوة في كندا إلى أن أعلن تشيّعه ممّا تسبّب بعد ذلك إلى انفصال زوجته عنه; بسبب عدم تقبّلها أمر التشيّع ، هذا الأمر بالطبع لم يثنه عن التشيّع، ولكن في هذه الحالة لو بادر بعض الشيعة بزيارتهم قبل انفصالهم ومحاولة إصلاح ذات البين وتبيين بعض الحقائق لتلك الزوجة; منعاً من خراب بيته ، أو محاولة احتوائه بعد انفصاله عنها وتعويضه معنويّاً عن هذا الأمر ، ما أقصد قوله هو في مثل هذه الحالات الخاصّة فإنّ البلسم الذي يحمله الشيعي للمستبصر له أثر طيّب جدّاً في النفس ، بنفس الوقت الذي أعتبره أنا شخصيّاً وهذا الرأي ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً فإنّي أرى أنّ جراحات المستبصر هي أجر وثواب يحسد عليها.
سؤال : هناك بعض الأصوات لوضع مجلّة باسم المتشيّعين أو أن تفتح صفحة لهم في هجر مثلا فهل ترين أنّ لهذا فائدة مناسبة أم أنّ انصهار هؤلاء الأخوة والأخوات بين إخوتهم وأخواتهم هو الأفضل؟
جواب : بالنسبة لي الأفضل انصهار المتشيّع مع الشيعي في بوتقة واحدة وساحة جهاديّة واحدة.
سؤال : من خلال تجربتك السابقة كيف ترين أفضل طرح للمذهب الشيعي أمام كلّ تلك الهجمات السلفيّة؟
جواب : أفضل طريقة أن لا نتيح لهم المجال ، لاحداث ثغرة بيننا وبين الأخوة السنّة من قبيل تحفيزنا للعن رموز السنّة أو محاولتهم لدمج أنفسهم والأخوة السنّة (تحت عنوان أهل السنّة والجماعة) ، إلاّ أنّ الطريقة المثلى أن نفصل دائماً بين طوائف السنّة مجتمعين من جهة والوهابيّة من جهة ، ويمكننا أن نطرح عقائدنا ومعتقداتنا وفقهنا بشكل علميّ، لا نسمح من خلاله لهؤلاء بالنفاذ إلى قلوب الأخوة السنّة وعقولهم، والتأثير عليهم عن طريق استفزازنا.
سؤال : هل كان تشيّعك وركوبك سفينة آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) نتيجة تراكمات
فكريّة ، أم هناك نقطة تحوّل مفاجئة طرأت على حياتك المذهبيّة؟
جواب : إنّ بداية تشيّعي كانت نتيجة موقف جعلني أبحث وأقرأ إلى أن اقتنعت بداية بولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وإن كنت لم ألمّ بباقي عقائد الشيعة ، لكن ما كان يهمّني وقتها هو الاقتناع التامّ بولاية عليّ(عليه السلام).
إلاّ أنّ التراكمات الفكريّة أتت نتيجة انخراطي بالإنترنت، واستماعي للكثير من المحاضرات، والآراء التي كانت مدعاة لي للبحث داخل الفكر الشيعيّ، بينما سابقاً كان اهتمامي بأحقّيّة المذهب الجعفريّ.
سؤال : ما هي الإشارة أو اللفتة التي جعلتك تبحثي وتصرّي على معرفة الحقّ وفي أيّ صفّ هو وفي أيّ مهوى هو؟
جواب : تقدّم لخطبة صديقة لي شابّ شيعيّ ، فنصحتها بالرفض ، ولكني لم أعرف أن أجيبها حول سبب عدم جواز الزواج من شيعيّ، فرحت أبحث وأقرأ .. الخ .
سؤال : هل هناك من ثمّة مشروع تعملين فيه أو تنكبّين عليه يتضمّن نسيج القصّة التي أدّت بك إلى الاستبصار؟
جواب : نعم هناك كتاب يتحدّث عن أسباب تشيّعي والأُمور المخفاة على الأخوة السنّة من كتبهم والتي تشكّل مفاجآت وصدمات للكثيرين خصوصاً حين تحاورهم فينكرون أن تأتي هذه الحقائق في كتب السنّة; لشدّة ما تصدمهم ، وهذه الأحداث والأحاديث التي تبيّن أحقّيّة عقائدنا الشيعيّة، والكتاب لم يستقرّ على عنوان محدّد قد يكون (لقد شيّعتني الصحاح) أو (شيّعني البخاري ومسلم).
سؤال : هل رأيت أختي الكريمة قبل الاستبصار أو بعده إشارات رعاية أو إحاطة من أهل البيت(عليهم السلام)؟ ذلك أنّنا نسمع بهذا الشيء كثيراً من قبل المستبصرين؟
جواب : كما نوّهت سابقاً أخي الكريم أنّ بداية تشيعي كانت الاقتناع بولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) فقط لا غير ، وقد اعتبرت بيني وبين نفسي أنّ هذا الأمر وحده
كاف لأن أكون شيعيّة وأعتبر نفسي موالية ، ولكن بعدها بعام ونصف تقريباً وفّقني اللّه لزيارة المشاهد المقدّسة في العراق ، وهناك صدمني التبرّك بالقبور والتوسّل بالأئمّة فأصبحت في تردّد من أمري إلى أن حباني اللّه سبحانه وتعالى ببركة الحسين(عليه السلام) برؤيا جعلتني إلى الآن عاشقة موالية لتراب قبورهم سلام اللّه عليهم جميعاً.
سؤال : هناك من يقول: إنّ المستبصر والمتشيّع هو الأقدر والمؤهّل أكثر للحوار والأخذ والردّ مع السنّي; لأنّه يكون الأقرب لفهم تركيبته النفسيّة والعقديّة ، فهل أنت تتوافقي مع هذه النظرة أم لك رأي ووقفة معه؟
جواب : أعتقد يا أخي، أنّ الأمر ليس فيه عموم فبعض المتشيّعين بالرغم من وثوقهم بتمسّكهم بالحقّ والأدلّة الدامغة إلاّ أنّ قهرهم من الغدر الذي عاشوا وضُلِّلوا فيه طوال حياتهم وحياة أهلهم وعشيرتهم يجعلهم بعض الشيء عصبيّين أو متشنّجين اثناء الطرح ، ولا أخفيك أنّي أحياناً أكون كذلك ، لكن بقليل من الهدوء والنظرة الشموليّة لمصلحة الإسلام وبالصلاة على محمّد وآل محمّد يستعيد المرء ـ شيعيّ كان أو متشيّع ـ هدوءه ويعاود الكرّة والنقاش مع أخيه السنّي حتّى يمكّنه اللّه من الاقتراب أكثر إلى نفسيّة الآخر وبيان فساد عقيدته بفساد حامليها له.
سؤال : هل يشعر المستبصر ويتلمّس المتشيّع مكانة أهل البيت(عليهم السلام) الحقيقيّة والتي هي في الحقيقة استحقاق لهم ، يعني السنّة نراهم يعلّون الصحابة ويقدّرون الصحابة ويتدبرون سيرتهم وتاريخهم ومواقفهم ونوادرهم أكثر من أهل البيت (عليهم السلام) ، فهل أنت لمست فرقاً بعد أن تشيّعت في نظرتك وتقييمك لأهل البيت (عليهم السلام)؟
جواب : أمّا عن الفرق بين تقدير وتقديس ومعرفة مكانة أهل البيت(عليهم السلام) بين السنّة والشيعة فلا مجال للمقارنة أبداً أبداً ، للأسف لم نكن نعرف ونحن من معشر السنّة من هم أهل البيت(عليهم السلام) وماهيّتهم ؟ بل حتّى لم نسمع بأسمائهم إلاّ بعد أن
تشيّعنا (أتكلّم عن نفسي وعن كثير من المستبصرين) للأسف ظُلمنا بأنّنا لم نتعرّف على أهل البيت(عليهم السلام) منذ نعومة أظفارنا ، هل تعلم أخي أني أغبط وأفرح لولدي; لأنّه منذ نعومة أظافره يسمع ويحبّ ويعرف من هم أهل البيت(عليهم السلام).
وبصراحة بالنسبة لي على المستوى الشخصي حينما أستعيد العشر سنوات التي مضت من تشيّعي أشعر أنّي لم أكن أعرف مكانة وقدر وقدسيّة أهل البيت(عليهم السلام) ، ولا زلت لا أدركها فكلّ يوم أشعر وكأنّي اليوم عرفتهم للتو ، روحي فداهم مواليّ أنوار السماء.
سؤال : هل ترين أو تعتقدين أنّ هناك قصوراً في البنية الحواريّة والمظهريّة الحواريّة الشيعيّة لأهل السنّة أم هي متكاملة سواءً بالأخلاق أم بالحجج بمعنى أنّ المحاور الشيعي قد يمتلك حجّة رصينة ومتينة ، ولكنّه ليس لديه خلق كريم ممّا يؤدّي بالنهاية إلى نفور المحاور السنّي والطرف الآخر ، وما هي نصائحك في هذا المجال بلحاظ خبرتك الطويلة والمنتجة والفاعلة في آن معاً؟
جواب : بالعكس يا أخي، إنّي أعتقد أنّ أخلاق الشيعة عموماً هي الجاذب لأهل السنّة للتقرّب منهم والاستماع إليهم، وهذا أيضاً كان سبباً مهمّا في زيادة تمسّكي بالتشيّع ألا وهو أخلاق الشيعة الذين وفّقني اللّه للتعرّف عليهم في بداية سنوات تشيّعي.
سؤال : هناك محطّات لابدّ وأن يتأثّر بها ذاك الآتي من بيئة مغايرة، أو ينشد إليها، وتحدث فيه هزّة عنيفة وضربة موقظة له ، فمثلا بعض المستبصرين لمّا سمعوا وقرأوا واطّلعوا ودرسوا مصيبة الزهراء(عليها السلام) كانت النتيجة والمصير أن استبصروا ، ومثال آخر أنّ هناك قسم آخر وقسط آخر تأثّروا بنهضة الإمام الخميني طيّب اللّه رمسه وعطّر اللّه تربته ، فهل لك أنت شيء من ذلك؟ أو بصيغة أخرى هل هناك حدث ما تأثّرت به إلى اليوم؟
جواب : غدير خمّ كان أوّل هزّة ومحطّة وصدمة وقفت أمامها كثيراً ، حادثة
الغدير وحديث الولاية كان صعقة بالنسبة لي خصوصاً أنّها موجودة في كتب السنّة ، كذلك حديث الثقلين، وحادثة السقيفة لهؤلاء الذين تركوا جثمان الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) مسجّى بلا تغسيل ركضاً وراء الزعامة ...
وتقول الأخت "بنت الهدى" حول دور المستبصرين في الدائرة الشيعيّة:
"ليس المهمّ من نحن ، المهمّ ماذا نقدّم للمذهب ، لا ماذا يقدّم لنا المذهب أو أتباع المذهب ، فقد قدّم أتباع المذهب (الشيعة) كثيراً ، وضحّوا كثيراً ومريراً وقد يكونوا هم بحاجة إلينا ولسنا نحن ، فدعونا نعوّض الشيعة عن بعض ممّا ألمّ بهم ومظلوميّتهم عبر مئات السنين ، ولنكن سنداً لهم ولا نطالبهم بأن يكونوا هم سنداً لنا".
ولد عام 1951م في مدينة "السلط" ونشأ في أسرة تعتنق المذهب الشافعي ، درس في جامعة "آيوا" في أمريكا حتّى نال شهادة الدكتوراه في أصول التربية المقارنة ، وهو الآن أحد أساتذة جامعة "اليرموك".
استبصاره ونشاطه بعد الاستبصار:
تعرّف الدكتور "حسن الحياري" على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عن طريق مطالعة الكتب، وكانت بداية بحثه الجادّ حول التشيّع في سنة 1976م ، واستمرّ هذا البحث عنده مدّة ثمان سنوات حتّى أيقن الدكتور "حسن" في عام 1984 بأحقّيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ثمّ حاول الدكتور "حسن" بعد استبصاره أن يقدّم حصيلة تجارب بحثه إلى الآخرين ، فكان يسعى من خلال حضوره في المؤتمرات، أو مشاركته في الجلسات والندوات، أو عن طريق إلقاء المحاضرات أن يعرّف الآخرين بمنزلة أهل البيت(عليهم السلام)، وعلوّ مقامهم وعظمة مدرستهم.
ومن هذا المنطلق تأثّر الكثير من أساتذة الجامعات الأردنيّة وطلاّبها بدعوته الصادقة التي كان يقدّمها بإخلاص ، فدفعهم ذلك إلى البحث حول التشيّع
والتأثّر بمدرسته الفكريّة التي تعتمد على أسس ومباني أهل البيت(عليهم السلام).
مؤلّفاته:
"احتوى الكتاب على أربعة عشر فصلا ، في كلّ واحدة تمّت مناقشة وإبراز حقيقة قضيّة أساسيّة من الموضوعات الهامّة التي شدّت انتباه البشريّة منذ ولادة فجر تاريخها".
"ولقد حاولنا في هذا الكتاب إبراز أهمّ المسائل الوجوديّة التي كلّفت البشريّة الشيء الكثير من الدراسة والبحث والتخبّط في أبحر الظلمات ; لإصرار الإنسان عبر تاريخه أن يصل إلى مكنونات تلك المسائل بقدراته الذاتية دون الاستعانة بالهدى الذي أرسله الحقّ سبحانه وتعالى هدىً ورحمةً للعالمين".
ثمّ أضاف المؤلّف: "وكما نعلم جميعاً أنّ الحقّ سبحانه وتعالى ختم العدد الرساليّ بمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأكمل نعمته على الإنسان بالقرآن الكريم ، الذي يحتوي على ما يحتاجه الإنسان من حقائق كونيّة وقضائيّة ، وإنسانيّة ، واجتماعيّة ، وسلوكيّة ، بجانب السنّة النبويّة المطهّرة ; لينير للإنسان كافّة السبل المؤدّية إلى سعادته في الدنيا والآخرة.
وبناءً على هذه الحقائق الغرّاء استطاع محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بواسطة أصحابه البررة أن يقيم دعائم دولته الفاضلة ، مورد النور والحرّية ، حيث كان شعارها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليصلوا بذلك إلى أعلى مراكز الشرف الذي لم تسبقهم إليه أمّة عبر تاريخ الإنسانيّة، حيث وصفهم سبحانه وتعالى بأنّهم خير أمّة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وممّا يؤسف له جدّاً أنّ هذه الأمّة المسلمة لم تستمرّ بهذه الصورة المشرقة بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتاريخ البشر مع رسل الحقّ صلوات اللّه عليهم جميعاً
يشهد أنّ الفساد كان يدبّ بينهم بعد رحيل رسول الحقّ من وسطهم ، هذا بجانب طبيعة الحياة الدنيا وما تجسَّد فيها من ابتلاء وغرور ، بالإضافة إلى طبيعة النفس الإنسانيّة، وما تصبو إليه من تحقيق غايات وأهواء ذاتيّة على حساب الحق ومعالمه.
لذلك ظهرت الممارسات العديدة المناهضة للحقّ الذي يفوح به الدين الإسلامي سواء أكانت الانحرفات بتأليف الكتب المزيِّفة للحقائق أم بالممارسات اليوميّة في شتّى مجالات الحياة التي بنيت على المحسوبيّة المفرطة بجانب تثبيت دعائم الولاء للحاكم المخالف لأسس الشرع الإسلاميّ، وتحويل المجتمع الإسلاميّ إلى مجتمع إقليميّ، عنصريّ ، شعوبي ، قوميّ ، وقد رافق هذا التحوّل التأويلات الجائرة للنصوص القرآنيّة ، وسياسة الدسّ والوضع في السنّة النبوية الطاهرة، والتقليل من شأن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق وضع الأحاديث الكاذبة والنيل من أهل بيته الأطهار(عليهم السلام)، مخالفين بذلك أوامر الباري عزّ وجلّ الذي يأمرهم باتّباع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وموالاة أهل بيته الأطهار(عليهم السلام)، هذا بجانب سياسة الافتاءات المبرمجة على حقوق المسلمين واستباحة دمائهم، والاعتداءات المتتالية على مقدّساتهم عبر التاريخ".
وأمّا المسائل الوجوديّة المبحوثة في الكتاب ، فمنها: "الذات الإلهيّة، الغيب ماهيّته وأنواعه ، مصادر المعرفة ، العقل ودوره في الوصول إلى الحقيقة ، تحديد الخير والشرّ".
"لقد جاء هذ الكتاب بفصوله الإحدى عشر ، ليبيّن للقارئ العزيز ، كيف تكون التربية وأصولها الأساسيّة ، تنبثق من المبادئ الفكريّة التي تميّز مجتمعاً عن
آخر في وقت تعيش فيه أغلب المجتمعات المسمّاة بالإسلاميّة بلا هويّة، سواء على المستوى الآيديولوجي أو المستوى التربويّ ، راجياً الباري عزّ وجل أن يكون في هذا الكتاب من الخير ما يساعد أمّتي في النهوض من سباتها العميق ، والعودة الصادقة إلى النهج الذي جعل منها في السابق خير أمّة أخرجت للناس".
وذكر أيضاً: "أنّ مبادئ الفكر التربويّ الإسلاميّ تدعو إلى العدل ، وإزالة الظلم، والمساواة ، وإطلاق الحرّيّات والإخاء والتعاون ، وعدم الاستغلال، وتحريم الربا وعدم الغشّ ، والابتعاد عن الفتنة والنميمة ، وتأمر بالصدق، وتنهى عن الكذب، وتأمر بالأمانة، والابتعاد عن شهادة الزور ، وتدعو إلى التماسك، والوحدة، وتنهى عن التفتّت والفرقة، وتأمر بالإخلاص والولاء، وإتقان العمل ، فأين المجتمعات الإسلاميّة وما يجري فيها من هذه الأخلاق الكريمة التي أمر الفكر التربويّ الإسلاميّ بها؟".
ثمّ أضاف: "ولكن عندما ابتعد الناس بالتدريج عن اتّباع الهدى الإسلاميّ المنير ، مؤثرين بذلك اتّباع شهواتهم ورغبات أسيادهم ، وما رافق ذلك الانحراف من تأويلات جائرة للنصوص القرآنيّة الكريمة ، وسياسة الدسّ والوضع في الأحاديث النبويّة الشريفة من قبل فقهاء السلاطين، ومن وشجت عروقه على طريقتهم ، حتّى وصلنا إلى المستوى الهابط الذي نعيشه في هذه الأيّام .
إنّ المتأمّل لتاريخ المسلمين وحاضرهم ، يكاد أن يصاب بالمسّ أو الذهول عندما يريد أن يصل إلى الأسباب الحقيقيّة التي أدّت إلى هبوطهم من المرتبة الأولى بين سائر الناس إلى ما وصلت إليه حالهم ، كيف لا ؟ وكلّ محاولة جادّة من قبل الخبراء والعلماء الباحثين عن الحقّ والحقيقة للوصول إلى الأسباب الأساسيّة التي أدّت إلى هذا التردّي لتشخيص الأُمور وتنظيمها وتخطيطها ; للنهوض بأمّة المسلمين إلى المرتبة التي تليق بفكرها ونهجها الإلهيّ المنير ، تواجه بالمقدّسات التراثيّة التي تعجّ بالتناقضات والمخالفات للنهج الإلهيّ الحكيم ،
والفتاوى الجائرة التي شكّلت القواعد الأساسيّة لنشوء المذاهب والطوائف المتعدّدة ، ومجموعة الأكاذيب التي تمّ وضعها على لسان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته النبويّة المباركة ، والاحتجاج بأعمال بعض من سبقنا من السلف ، بالرغم من مخالفتها للنصوص القرآنيّة والسنّة النبويّة الشريفة ، هذا بجانب الإرهاب الفكريّ والإداريّ الذي تمَّ ترويض المسلمين عليه ، على امتداد تاريخهم الطويل وحاضرهم".
ثم استنتج المؤلّف بعض النتائج قائلا:
"لذلك ليس غريباً ، أن نجد خير أمّة أخرجت للناس ، كما وصفها الحقّ سبحانه وتعالى في كتابه المنير في عهد النبوّة ، قد انحدرت من هذه المكانة السامية ، إلى وضع لا تحسد عليه ، حتّى أمست نزهة للطامعين ومذقة للشاربين ، تتداعى عليها الأمم كتداعي الأكلة على قصعتها ، ومن الجدير ذكره في هذا المقام ، أنّ السبب الأوّل لهذا التردّي ، والذي انبثقت عنه بقيّة الأسباب ، يكمن في مخالفة عدد من المسلمين للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم الخميس ، عندما أراد أن يكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده أبداً.
والشيء المخجل حقّاً ، والذي يؤسف له كثيراً ، وتشيب له الولدان ، ويندى له الجبين، وتشيب له النواصي أن يشار إلى هذه المخالفة بالاجتهاد المقدّس.
ومنذ تلك اللحظة ، شقّ الاجتهاد طريقه في مخالفة النصوص القرآنيّة ، ومحاصرة السنّة النبويّة وإحرافها أكثر من مرّة وحوصر بيت الزهراء(عليها السلام) بعد وفاة أبيها مباشرة ، بدلا من تقديم الولائم والعزاء لهذا البيت الطاهر ، كما استبيحت حرمات آل بيت الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبيت اللّه الحرام ، والمدينة الفاضلة ، واستعر القتال بين المسلمين إلى يومنا هذا.
وجميع هذه المخالفات تمّت تحت وطأة الاجتهاد ، للوصول إلى ما تشرئبّ له النفوس ، في توطيد دعائم الخلافة والامارة لمن لا يستحقّها ، مخالفين بذلك
تعليمات القرآن الحكيم وسنّة سيّد الأنبياء والمرسلين محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)".
هذا ومن المعالم المهمّة المبحوثة في فصول هذا الكتاب:
1 ـ حقيقة العلاقة بين الشورى والاجتهاد في التربية.
2 ـ فلسفة التعليم في المجتمع الإسلاميّ.
3 ـ حرّيّة الإنسان في ضوء المشيئة الإلهيّة.
4 ـ حقيقة العلاقة بين الإسلام والقوميّة.
الصورة
ولد سنة 1924م في مدينة "إربد" ونشأ في عائلة شافعيّة المذهب، ولكنّه لم يقتصر على ما أملت عليه الأجواء من عقائد لم تستند على الدليل ، بل جاءته نتيجة اتّباعه للموروث العقائدي ، فتوجّه نحو البحث حتى توصّل إلى أفضليّة الإمام عليّ(عليه السلام) على باقي الخلفاء ، ولكنّه حاول أن يبرّر تأخّر الإمام عليّ(عليه السلام) في الخلافة بعقيدة جواز تقدّم المفضول على الفاضل.
بطلان نظريّة تقدّم المفضول على الفاضل:
يقول "خالد محمود": كنت أعتقد فيما سبق بعقيدة المعتزلة وهي: جواز تقديم المفضول على الفاضل ، كما قال ابن أبي الحديد المعتزلي في مقدّمة شرحه لنهج البلاغة "بتقديم المفضول (أبي بكر) على الفاضل (الإمام علي(عليه السلام)) لمصلحة اقتضاها التكليف".
ولكنّه بعد البحث الموضوعي البعيد عن التعصّب اكتشف خطأ ما كان يذهب إليه ، ورأى العقل يحكم بقبح تقديم المفضول على الفاضل ، ولا سيّما إذا كان ذلك في مسألة الإمامة والخلافة ، وذلك لقوله تعالى : { أفَمَنْ يَهْدِي إلَى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }(1).
1) يونس {10} : 35 .
ومن هذا المنطلق غيّر "خالد محمود" رأيه في هذا المجال ، ثمّ واصل بحثه فتبيّن له أنّ قضيّة الإمامة أكثر عمقاً ممّا كان يتصوّره فيما سبق ; لأنها منصب إلهيّ، قد اصطفى اللّه تعالى لها ذريّة طاهرة; لتكون الامتداد الطبيعي لمسألة النبوّة، ولتلقى على عاتقها مهامّ تفوق بكثير ممّا يخصّ مسألة الخلافة وقيادة المجتمع.
شروط الإمامة:
عرف "خالد محمود" من خلال البحث أنّ الإمامة تتطلّب العصمة ، وهي مسألة لا يستطيع المجتمع معرفتها ، بل هي أمر يرتبط بمعرفة الحقائق والسرائر وما تنطوي عليه القلوب والضمائر ولا يُعرف ذلك إلاّ عن طريق اللّه سبحانه وتعالى .
ولهذا تكون مسألة الإمامة خارجة عن اختيار البشر; لعجزهم عن معرفة بواطن النفوس ، ومن هنا ترتبط هذه المسألة بالاختيار الربّاني ، وهو الذي يصطفي من عباده ذريّة بعضها من بعض لأمر الإمامة في الأرض ، وقد حتّم الباري عزّ وجلّ أن لا تكون الإمامة فيمن تلبّس بالظلم فقال تعالى:
{ وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأتَمَّهُنَّ قَالَ إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }(1).
1) البقرة {2} : 124 .
ولد سنة 1979م في مدينة "الزرقاء" ، ونشأ في أسرة تعتنق مذهب أهل السنّة وفق المذهب الشافعي ، وبقي متّبعاً لما يُملى عليه من عقائد حتّى عرف بأنّ الحقّ يكمن في اتّباع أهل البيت(عليهم السلام)، والاعتراف بإمامة الإمام عليّ(عليه السلام) بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) دون غيره.
حديث الغدير يبيّن الحقيقة:
يعتبر حديث الغدير من النصوص المتواترة والدامغة التي لا يشكّ فيها أحد ، ومفاد هذا الحديث: أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عيّن الإمام عليَّ بن أبي طالب إماماً ووليّاً من بعده ، ثمّ أخذ له البيعة من المسلمين .
ويذكر التاريخ بأنّ عمر كان في مقدّمة الذين بايعوا الإمام علي(عليه السلام) وقال له: "بخ بخ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة"(1).
نصّ حديث الغدير:
عندما أتمّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مناسكه من الحجّ في سنة عشرة للهجرة ،
1) شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: 1/203 ح213 ، البداية والنهاية، ابن كثير 5/150 .
انصرف راجعاً إلى المدينة، وكان معه في ذلك العام مائة وعشرون ألفاً ، ثمّ وصل إلى غدير خمّ، وهو موضع بين مكّة والمدينة بالجحفة التي تتشعّب فيها طرق المدنيّين والمصريّين والعراقيّين ، فنزل إليه الأمين جبرئيل(عليه السلام) وكان ذلك يوم الخميس ، فقال له عن اللّه تعالى:
{ يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا اُنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ }(1).
وأمره أن يقيم عليّاً علماً للناس ، ويبلّغهم ما أنزل فيه من الولاية وفرض الطاعة ، فأمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يردّ من تقدّم منهم ، ويحبس من تأخّر عنهم في ذلك المكان وكان ذلك اليوم يوماً حارّاً بحيث يضع الرجل بعض ردائه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدّة الرمضاء ، ثمّ نودي بالصلاة ـ صلاة الظهر ـ فصلّى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالناس، ثمّ قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الإبل، وأسمع الجميع ، وقال فيما قال: "أيّها الناس قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمّر نبيّ إلاّ نصف عمر الذي قبله ، وأنّي أوشك أن أدعى فأجيب ، وأنّي مسؤول وأنتم مسؤولون ، فماذا تقولون؟
قالوا : نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت وجاهدت ، فجزاك اللّه خيراً.
... ثمّ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): أيّها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟
قالوا: اللّه ورسوله أعلم.
قال(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ اللّه مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه"(2).
وفي لفظ آخر قال(صلى الله عليه وآله وسلم) :
"اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأحبّ من أحبّه ، وأبغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله"(1).
ثمّ لم يتفرّقوا حتّى نزل جبرئيل بقول اللّه تعالى :
{ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً }(2).
فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "اللّه أكبر على إكمال الدين ، وإتمام النعمة، ورضا الربّ، برسالتي والولاية لعليّ من بعدي"(3).
وقال ابن عبّاس: وجبت واللّه في أعناق القوم.
فقال حسّان: إئذن لي يا رسول اللّه، أن أقول في عليّ أبياتاً تسمعهن.
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): قل على بركة اللّه .
فقام حسّان فقال: يا معشر مشيخة قريش، أتّبعها قولي بشهادة من رسول اللّه في الولاية ماضية ثمّ قال:
يُناديهم يَومَ الغدير نبيُّهم بخُمّ واسمعْ بالنبيّ مناديَا
وقد جَاءَه جبريل عن أمرَ ربِّه بأنّكَ مَعْصُومٌ فَلا تَكُ وانِيَا
وبلّغهُم مَا أنزل اللّه ربّهم إليِك ولا تخَشَ هناك الأعاديا
فَقَامَ به إذْ ذَاك رافع كفَّه بكفِّ عليِّ مُعْلن الصوت عاليا
فَقَال: فمن مولاكم ووليّكم فقالوا ولم يبدوا هناك تعاميا
إلهك مولانا وأنت وليّنا ولن تجدن فينا لك اليوم عاصيا
فقال له: قم يا عليّ فإنّني رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليّه فكونوا له أنصار صدق مواليا
هناك دعا اللّهم وال وليّه وكن للذي عادى عليّاً معاديا
فيارب اُنصر ناصريه لنصرهم إمام هدى كالبدر يجلو الدياجيا
فلمّا فرغ من هذا القول قال له النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تزال يا حسّان مؤكّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك(1).
ماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال:
إنّ النتائج التي توصّل إليها "رياض محمود عليّان" دفعته كلّها إلى الاعتراف بإمامة الإمام عليّ(عليه السلام) من بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن ثمّ الانضمام إلى ركب شيعة الإمام علي(عليه السلام). فلهذا لم يتردّد بعدها في إعلان استبصاره واعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام).
1) انظر : الغدير للعلاّمة الأميني 1/31 .
ولدت في "كفر جايز" من توابع مدينة "إربد" ونشأت في أسرة شافعيّة المذهب ، واستمرّت في انتمائها المذهبيّ الموروث حتّى استبصر أخوها "مروان خليفات" صاحب كتاب "وركبت السفينة" ، فدفعها ذلك إلى تجديد النظر في عقائدها الدينيّة.
الإصغاء إلى الرأي الآخر:
بادر "مروان خليفات" بعد استبصاره إلى تبيين أدلّة اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)إلى أفراد أسرته، وطلب منهم أن لا يثوروا بمجرّد استماعهم إلى شيء يخالف موروثاتهم ، ودعاهم إلى عدم الاستغراب من هذه الحقيقة التي ذكرها الباري بصراحة في محكم كتابه بقوله: { وَأكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ }(1).
ثمّ دعا "مروان" أخته "سناء" إلى الإصغاء لكلامه وطلب منها أن تستمع إلى أدلّته جيّداً ، فإن كانت حقّاً فالحقّ أحقّ أن يُتّبع، وإن لم تر فيها ذلك فكلّ نفس بما كسبت رهينة.
وكان "مروان" يردّد هذه الآية بين كلامه : {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ
1) المؤمنون {23} : 70 .
القَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الألْبَابِ}(1).
نبذ الأنانيّة والتعصّب:
لبّت "سناء" طلب أخيها "مروان" ، وجلست أمامه بهدوء لتستمع إلى قصّة رحلة أخيها "مروان" من المذهب الموروث إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
فبيّن لها "مروان" أدلّة استبصاره واحدة تلو الأخرى ، وطلب منها أن لا تتبعه تقليداً بلا وعي ولا اقتناع ، بل طلب منها أن تبحث بنفسها، وأن تراجع المصادر; لتكون على بصيرة في أمر عقيدتها.
وذكر "مروان" لأخته أنّ التعصّب من الموانع الكبيرة التي تحجب بصيرة الإنسان عن رؤية الحقّ وأنّ الأنانيّة قد تُبقي الإنسان مشدوداً للانتماء الذي كان عليه ، وطلب منها أن تتوجّه إلى البحث بموضوعيّة كي تبرأ ذمّتها أمام بارئها ولتلقى ربّها بقلب سليم ونفس مطمئنّة.
اعتناقها لمذهب أهل البيت(عليهم السلام):
وبالفعل توجهت "سناء" إلى البحث، وسارت بنفس المسار الذي سار عليه أخوها "مروان" ، وبمرور الزمان تبلورت عندها قناعة للتخلّي عن عقيدتها السابقة، واعتناق مذهب التشيّع ، وبالفعل حينما اجتمعت عندها الأدلّة المقنعة لتغيير انتمائها المذهبيّ أعلنت استبصارها وركبت سفينة أهل البيت(عليهم السلام).
1) الزمر {39} : 17 ـ 18 .
ولدت في "كفر جايز" من توابع مدينة "إربد" ونشأت في أسرة شافعيّة المذهب ، واستمرّت على انتمائها السابق حتّى استبصر أخوها "مروان خليفات" ، فدفعها ذلك إلى البحث والمقارنة بين مذهبها السابق والمذهب الذي تأثّر به أخوها لتحدّد مصيرها العقائديّ.
افتراق المسلمين:
بيّن "مروان خليفات" لأخته بأنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر أمّته بأنّها ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلاّ واحدة منها فإنّها في الجنّة(1).
ثمّ ذكر لها بأنّ المسلمين اليوم فرق عديدة ، وكلّ واحدة تدّعي أنّها على الحقّ ، وهذا ما يحتّم على كلّ مسلم مهتمّ بشأن دينه ويرجو الخلاص يوم القيامة أن يسعى إلى معرفة هذه الفرقة الناجية فيتّبعها.
وأكّد "مروان" على أخته "سوسن" أن تهتمّ بأمر دينها، وأن تقوم بواجبها الشرعيّ في البحث عن هذه الطائفة بحرّيّة وموضوعيّة، وأن تتجنّب الاتّباع الأعمى لموروث الآباء والأجداد لتُبرئ ذمّتها ولتلقى ربّها بقلب سليم ونفس مطمئنّة.
1) راجع حديث الافتراق في : مجمع الزوائد للهيثمي: 6/242، ح10401 ، المعجم الكبير للطبراني: 17/13 ، كنز العمال للمتقي الهندي: 1/118، ح1053 .
البحث عن الفرقة الناجية:
تأثّرت "سوسن خليفات" بكلام أخيها ، فاندفعت إلى البحث لتصل إلى العقيدة الواعية; كي لا تبقى على عقيدة ورثتها من البيئة والظروف المحيطة بها وبلا اختيار منها.
ورأت "سوسن خليفات" أنّ من شروط البحث هو التحرّر من التعصّب ، والانفتاح على أفكار الآخرين برحابة صدر ، ومناقشتها بموضوعيّة ; لأنّ الإنسان إذا انكمش عن كلّ فكرة تخالف مورثه العقائديّ فإنّه سيصل إلى نتائج غير صحيحة ، ومن الصعب عليه أن يغيّر أفكاره الخاطئة.
وبهذه الروحيّة انطلقت "سوسن خليفات" نحو التنقيب عن الفرقة الناجية ، فساقها البحث إلى اعتناق التشيّع نتيجة تأثّرها بأحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) التي أوصى فيها المسلمين باتّباع أهل البيت(عليهم السلام)، ولاسيّما الإمام علي(عليه السلام) منها:
تأكيد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على وجوب اتّباع الإمام علي(عليه السلام):
قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي ، فليوالِ عليّاً وليوال وليّه ، وليقتدي بالأئمّة من ولده من بعدي ، فإنّهم عترتي ، خلقوا من طينتي ، ورزقوا فهمي وعلمي ، فويل للمكذّبين بفضلهم من أمّتي ، القاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم اللّه شفاعتي"(1).
وقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "من أحبّ أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنّة التي وعدني ربّي ... وهي جنّة الخلد ، فليتولّ عليّاً وذريّته من بعده ، فإنّهم لن يخرجوكم باب هدى ولن يدخلوكم من باب ضلالة"(2).
ولد في "كفر جايز" من توابع مدينة "إربد" ، وترعرع في أسرة شافعيّة المذهب ، وبقي في دائرة هذا المذهب حتّى استبصر أخوه "مروان" ، فاستغرب "عدنان" من ذلك; لأنّه كان يحمل في ذهنه صورة مشوّهة عن التشيّع نتيجة الإعلام المضادّ الذي كان يُنشر ضدّ مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ضرورة الانفتاح على الآخرين:
بيّن "مروان خليفات" لأخيه "عدنان" بأنّنا لو نظرنا إلى حال الأمّة الإسلاميّة لوجدناها طرائق قدداً { كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }(1)، ونرى الأكثريّة قابعة في دائرتها، وغير مستعدّة للانفتاح على المذاهب الأخرى ، في حين أنّ اللّه تعالى دعا المسلمين للانفتاح على أهل الكتاب فضلا عن الانفتاح على أنفسهم، فقال تعالى : { قُلْ يَا أهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ألا نَعْبُدَ إلا اللّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً }(2).
فلماذا لا ينفتح المسلمون بعضهم على بعض؟ ولماذا هذا التجافي بين أبناء المذاهب الإسلاميّة .
الطريق الصحيح لمعرفة المذاهب الأخرى:
اقتنع "عدنان خليفات" بأهمّيّة الانفتاح على المذاهب الإسلامية الأخرى ، وأدرك خطأه بالنسبة إلى الانطباع الذي كان يحمله بالنسبة إلى الشيعة; لأنّه أدرك بأنّ الصحيح أن يتعرّف الإنسان على المذاهب الأخرى عن طريق علمائهم وكتبهم ، وليس من الصحيح أن يتعرّف الإنسان على أيّ مذهب كان عن طريق مخالفيه ; لأنّهم ممّا لا شكّ فيه سيعكسون له صورة سلبيّة وغير واقعيّة عن ذلك المذهب.
ومن هذا المنطلق توجّه "عدنان خليفات" إلى قراءة الكتب الشيعيّة; ليتعرّف على هذا المذهب الذي تأثّر به أخوه، وليبلور في ذهنه انطباعاً قائماً على الدليل والبرهان تجاه مذهب التشيّع.
قوّة أدلّة الشيعة:
كان "عدنان خليفات" يظنّ بأنّ كتب الشيعة تبحث عن عقائد لا صلة لها بالإسلام، وأنّها تسلك لإثبات عقائدها طرقاً ملتوية لا صلة لها بالكتاب والسنّة ، ولكنّه استغرب بعد الاطّلاع على كتب الشيعة ، فوجد أنّها تحتجّ لما تذهب إليه بصحاح أهل السنّة المعتبرة؟
ومن هنا واجه عدنان الحقيقة المرّة ; لأنّه وجد نفسه أمام أدلّة محكمة تدعو إلى اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) ، فحاول أن يصطنع لنفسه التبريرات التي تعيده إلى ما كان عليه ، وكان يقول في نفسه: لو كان الحقّ مع الشيعة لأدرك علماؤنا ذلك !
ولكنّه بمرور الزمان أدرك مقولة أخيه "مروان": "هيهات للوهم أن يصمد أمام الحقّ ، وهيهات أن يصير اللبّ قشراً والقشر لبّاً ...".
فالتحق بأخيه وأعلن استبصاره واعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ترعرع في أسرة أردنيّة تنتمي إلى المذهب الشافعيّ ، ثمّ واصل دراسته الأكاديميّة حتّى أصبح أستاذاً جامعيّاً في قسم الرياضيّات.
غربلة العقائد الموروثة:
كان اعتقاد "عادل عفيف" بأنّ السبيل للوصول إلى العقيدة الصحيحة هو أن يمارس الإنسان اختياراته دون إكراه في البحث ، وأن يحكّم عقله بعد تنقيته من الشوائب; ليمكّنه الوصول إلى العقيدة السليمة المبتنية على الأدلّة والبراهين.
ومن هذا المنطلق حاول "عادل عفيف" أن يعيد النظر في موروثه العقائديّ ; ليصل إلى العقيدة التي تطمئنّ إليها نفسه نتيجة قوّة أدلّتها، لا نتيجة التمسّك الأعمى.
ولهذا كان "عادل عفيف" لا يخشى من الحوار مع أبناء المذاهب الأخرى ، بل كان يحاول الاتّصال بهؤلاء من أجل توسيع آفاق معارفه الدينيّة.
استبصار أصدقائه:
وصل ذات يوم لـ "عادل عفيف" نبأ استبصار مجموعة من أصدقائه القدماء ، فأسرع إليهم من أجل التعرّف على أسباب استبصارهم.
وبهذا الشكل تعرّف على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، فعرف مكانة الإمام علي(عليه السلام)الحقيقيّة ، وانكشفت له الحقائق التاريخيّة التي وقعت بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعرف أنّ المكانة الرفيعة التي نسبت للصحابة لم تكن سوى طريقاً لإبعاد الناس عن أهل البيت(عليهم السلام).
الصحابة والنفاق:
عرف "عادل عفيف" عن طريق البحث بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعاني من المنافقين ، وكان هؤلاء قوّة لا يستهان بها بحيث نزلت العديد من الآيات القرآنيّة التي تبيّن صفاتهم وتحذّر منهم ، ولكن مع ذلك بقيت مجموعة مجهولة قال عنها تعالى لرسوله(صلى الله عليه وآله وسلم):
{ وَمِنْ أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ }(1)، واختفى هؤلاء بين الصحابة وعُرفوا بصحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
إذن كيف يمكن القول بأنّ جميع الصحابة عدول؟!
ومن خلال البحث تبيّن لعادل عفيف أنّ اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) هو الطريق الوحيد الذي يستطيع الإنسان أن يطمئنّ إليه في تلقّي المعارف الإسلاميّة، والوصول إلى سنّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الصحيحة .
فلهذا لم يتردّد بعدها لحظة واحدة، وأقدم على اتّباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، فأعلن استبصاره وانضمّ إلى أصدقائه القدماء الذين استبصروا قبله ، واشترك معهم في نشر مذهب التشيّع والدعوة إلى أصوله ومبادئه الحقّة.
1) التوبة {9} : 101 .
ولد في الأردن ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ درس العلوم الدينيّة على يد بعض علماء المذهب الشافعيّ ، فصار عالماً فاضلا محقّقاً له إلمام واسع في الحديث والرواية.
السبيل لفهم الإسلام:
توفرت لـ "علي طه" الفرصة ـ وهو في مهجره بألمانيا ـ أن يطالع الكتب الشيعيّة ، فعرف من خلال هذه الكتب أنّ الشيعة ترى بأنّ الرجوع للأئمّة الاثني عشر من آل البيت(عليهم السلام) هو السبيل الوحيد لفهم الإسلام ، وهم الذين أوكل لهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) شرعاً مسؤوليّة بيان الإسلام ، وأنّ الدنيا لا تخلو من أحدهم، وهم يقومون بإرشاد الناس إلى الحقّ بما ورثوه من علم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وهم الذين بهم اكتمل الدين وتمّت الحجّة على الناس .
حديث الثقلين:
واصل "علي طه" بحثه ليتعرف أكثر فأكثر على أصول ومباني مذهب أهل البيت(عليهم السلام)وحيث أنّه كان واسع الإلمام في الحديث ; لذلك توجّه إلى أحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ليرى هل أنّ فيها ما يدلّ على هذه العقيدة التي يذهب إليها الشيعة.
فالتقى "علي طه" خلال بحثه بحديث الثقلين وهو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): "إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه حبل
ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما"(1).
فوجد "علي طه" أنّ دلالة الحديث واضحة في وجوب التمسّك بكتاب اللّه وأهل البيت معاً ، وأنّ الأمن من الضلال لا يكون إلاّ عن طريق التمسّك بهما.
ومن هنا عرف "علي طه" مكانة أهل البيت(عليهم السلام) ، وتبيّن له أنّ الحقّ مع الشيعة في قولهم: بأنّ أهل البيت هم الطريق الوحيد لفهم الإسلام الذي جاء به رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).
وأيضاً من الأحاديث التي أكّدت له هذا المعنى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) حول أهل البيت(عليهم السلام):
"فلا تتقدّموهم فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم"(2).
التمسّك بالثقلين:
التقى "علي طه" في ألمانيا أثناء بحثه ـ بالعديد من علماء الشيعة ، وعقد معهم العديد من الجلسات; ليتعرّف عن قرب بأصول ومبادئ مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، وبمرور الزمان رأى أنّ الحقّ معهم ، فأعلن استبصاره، وتمسّك بالثقلين كتاب اللّه وأهل البيت(عليهم السلام).
وبحكم تخصّصه في الحديث والرواية تفتّحت ذهنيّته على أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)، فوجد أنّ كلامهم نور، وحديثهم رشد يهدي إلى الحقّ والصواب ، فاستنار قلبه وعقله بأنوار معارف أهل البيت(عليهم السلام).
ولد سنة 1966م في الأردن ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، فبقى على هذا الانتماء حتّى التقى خلال إقامته في ألمانيا بمجموعة من علماء الشيعة ، فتحاور معهم في الأُمور العقائديّة ، فبيّنوا له أنّ سبب تمسّكهم بأهل البيت(عليهم السلام); لأنّهم بمثابة سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك وغرق.
حديث السفينة:
قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك ] غرق ["(1).
ودلالة هذا الحديث واضحة وهي أنّ الضمان الوحيد للهداية وعدم الانحراف والضلال هو الركوب في سفينة أهل البيت(عليهم السلام).
وقال البعض : "ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم ، وعظّمهم شكراً لنعمة جدّهم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأخذ بهدي علمائهم ، نجا من ظلمات المخالفات ، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم ، وهلك في معادن الطغيان"(2).
يابُنيّ اركب معنا:
إنّ الأدلّة التي كان يذكرها علماء الشيعة لـ "علي عبابنة" كانت محكمة وقويّة بحيث أنّه لم يستطع أن يورد أيّ إشكال عليها ، فواصل بحثه، واستمرّ في مطالعة الكتب، والمقارنة بين أدلّة مذهب أهل السنّة وأدلّة المذهب الإماميّ الاثني عشريّ ، فكانت النتيجة أنّه لم يجد في بحر الحياة سفينة أخرى غير سفينة أهل البيت(عليهم السلام) تضمن له النجاة.
وكيف يمكن للإنسان حيث يحدّد له الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الفرقة الناجية بين ثلاث وسبعين فرقة كلّها هالكة إلاّ واحدة ثمّ لا يقبل ذلك .
فإن الذي يتمرّد على الركوب في سفينة النجاة أشبه ما يكون بابن نوح حيث قال له أبوه: {يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا }(1). فقال له ابنه {قالَ سَآوِي إِلى جَبَل يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ ... فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ}(2).
ركوب سفينة أهل البيت(عليهم السلام):
وأخيراً ركب "علي عبابنة" سفينة أهل البيت(عليهم السلام) ، ثمّ أعلن استبصاره، واستقام على المنهج الحقّ ، ثمّ هيّأ البارىء عزّ وجلّ له أسباب الزواج من فتاة جزائريّة شاركته الالتحاق بسفينة أهل البيت(عليهم السلام) ، فكوّن معها أسرة إيمانيّة تعيش بكلّ وجودها محبّة أهل البيت(عليهم السلام).
ولد في العاصمة "عمّان" ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ واصل دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على شهادة البكالوريوس في التسويق.
انكشاف الحقائق:
تعرّف "محمّد محمود" على التشيّع عن طريق تعرّفه على بعض الشيعة المتواجدين في مدينته ، ومن هذا المنطلق تبلور الدافع في نفسيّته لمعرفة الحقّ ، فخاض في بطون الكتب من أجل اكتشاف الحقّ ، فكانت النتيجة أنّه تعرّف على تاريخ صدر الإسلام ، وتعرّف على الأحداث التي وقعت في بيت الإمام عليّ(عليه السلام)بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتعرّف على الخلافات التي نشأت في أوساط الساحة الإسلاميّة بين المسلمين ، فتغيّرت عنده الصورة التي كان يحملها عن الصحابة.
مظلوميّة الزهراء(عليها السلام):
إنّ الاختلافات التي وقعت بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في الأوساط الإسلاميّة كثيرة ، ولكن ما يلفت الانتباه منها هو: الخلاف الذي نشأ بين الصدّيقة فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها وبين أبي بكر وعمر حول فدك(1).
1) فدك: قرية بالحجاز ، بينها وبين المدينة يومان ، وقيل ثلاثة ، أفاءها الله على رسوله(صلى الله عليه وآله) في سنة سبع راجع : معجم البلدان : 4/238 مادة "فدك" .
إنّ فاطمة(عليها السلام) هي التي قال لها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):
"إنّ اللّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك"(1).
كما أخرج البخاري في كتاب المناقب في باب مناقب فاطمة(عليها السلام) أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: "فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني"(2).
فكيف بأبي بكر وعمر لم يقبلا قولها ، ولم يهتمّا بغضبها عليهما ، وأهملاها حتّى التحقت بالرفيق الأعلى وهي غاضبة عليهما.
إنّ هذه الحقائق هي التي تدفع أصحاب الضمائر الحيّة لتجديد النظر في تقييمهم لمن كانوا حول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهذه الحقائق هي التي تثير في نفوس أصحاب العقول النيّرة المحفز لغربلة موروثاتهم العقائديّة.
عدم الاتّباع الأعمى للموروث العقائديّ:
إنّ الحقائق التاريخيّة التي أنارت بصيرة "محمّد محمود صلاح" هي التي دفعته إلى غربلة موروثه العقائديّ ، فكانت النتيجة انهيار الكثير من المفاهيم التي كان يعتبرها من المسلّمات ، ثمّ لم يجد "محمّد محمود" بدّاً سوى الالتحاق بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، وبالفعل قرّر ذلك ، ثمّ عزم عليه ثمّ التزم به ثمّ أعلن استبصاره عام 1422هـ .
مرّت ترجمته في (3/435) من هذه الموسوعة .
ونشير إلى سائر ما حصلنا عليه من معلومات لم ترد في ترجمته السابقة:
حوار مفتوح في موقع : "المعصومون الأربعة عشر"(1):
أسئلة الأخ حسين الصايغ:
أرحب بالضيف وأريد أن أسأله:
1 ـ هل كنت في مجتمع يرفض الشيعة وإذا كان كذلك فما هو ردّ فعل المحيطين بك خاصّة أقربائك على تشيّعك ؟
2 ـ هل حاولت أن تقنع غيرك أن يتشيّع ؟ أو محاولة تصحيح الفكرة الخاطئة عن الشيعة؟
3 ـ ما هو آخر مؤلفاتكم حول تشيّعك ؟
إجابة الأستاذ مروان:
1 ـ لقد كنت في مجتمع يكره الشيعة ويعتبرهم خارجين عن الإسلام ، أمّا ردود الأفعال من المحيطين فلم تظهر واضحة; لأنّي أخفيت الأمر بسبب دراستي
1) ذكرنا أهم الأسئلة والأجوبة المذكورة في هذا الحوار ، وذلك مراعاة للاختصار.
الشرعيّة، والأقارب تفهّموا موقفي فيما بعد ورضوا به.
2 ـ على قدر المساحة المفتوحة لي كنت أحاول إيصال صوت أهل البيت(عليهم السلام)إلى الآخرين ولو بأسلوب الإيحاء أحياناً.
3 ـ كانت آخر كتاباتي بحث مضغوط بعنوان (النبيّ ومستقبل الدعوة) صدر عن (مركز الأبحاث العقائديّة) في قم ، وهو معروض عندهم على الانترنت ويوزّعونه.
أسئلة الأخت إيمان:
السلام عليكم
بما أنّك كاتب ، أودّ أن أسأل إن كنت ستكتب في حبّ الأئمّة(عليهم السلام) ، كما أودّ أن أسألك عن شعورك بعد اهتدائك لطريق النور وعلى الرغم أنّ هذا الطريق جذّاب بطبيعته لكن ما هي أكثر الأُمور التي شدّتك للمذهب الشيعيّ.
وأخيراً أهنّئك على اختيارك الصائب للنعيم الدينيّ والدنيويّ وشكراً.
إجابة الأستاذ مروان:
أختي الطيّبة: إنّ كلّ كتاباتي تدعو إلى حبّ وموالاة الأئمّة(عليهم السلام) ، أمّا شعوري بعد الهداية فهو كمن كان ضامئاً تائهاً في الصحراء، يبحث عن قطرة ماء، ثمّ وجد ينبوعاً فارتوى منه، فلقد خصّني اللّه تبارك وتعالى بهذا الكرم الإلهيّ الذي دلّني على طريق الحقيقة ، أمّا تعبيري عنها فهي ألفاظ تقصر عن الإفصاح عنها.
من الأُمور التي شدّتني للتشيّع ، احترام عقل الإنسان ، ورفض اتّباع الظالمين.
أسئلة الأخت ولاء:
سلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
هل أثّر تشيّعك بأيّ شكل من الأشكال على حياتك الخاصّة أو العمليّة؟ وما هو موقف الأهل والأصدقاء من تشيّعك؟
شاكرين لكم دائماً ، ووفّقكم اللّه لكلّ خير.
إجابة الأستاذ مروان:
لقد قلب التشيّع كلّ حياتي ، فالآيديولوجية التي أعتمد عليها الآن تختلف عن الفكر السابق، ومنها أتحرّك ، حتّى طريقة تفكيري تغيّرت ، فهناك علّمونا أن نتلقّى دون تفكير أو نقاش ، أي أجعل عقلي مجرّد مخزن للمعلومات.
أمّا خطّ أهل البيت(عليهم السلام) فيعلّم الإنسان أن يفكّر ويبدع، فهنا مخيّلة وهناك ذاكرة.
أسئلة الأخت زينة إبراهيم:
أتوجّه بسؤالي هذا للسيّد الكاتب مروان خليفات .. مع أنّني أشكر اللّه العليّ القدير الذي منّ عليك وعلينا بنعمة الولاية للإمام علي(عليه السلام) وأهل بيته ، وإنمّا أسألك ما هو الشيء الذي أقنعك بالتشيّع ومن هو مرجعك الآن؟
وأسأل اللّه العليّ القدير أن يهدينا، ويهدي جميع البشرية، لما هو خير وأبقى.
والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
إجابة الأستاذ مروان:
أشكر الأخت زينة على حماسها وأسأل اللّه أن يثبّتنا وجميع المؤمنين على منهج أهل البيت(عليهم السلام).
لقد اقتنعت بالتشيّع لأنّي وجدته الإسلام نفسه ، فهو المنظومة التي تلقّاها النبيّ(صلى الله عليه وآله)من جبرئيل من اللّه عزّ وجلّ ، إنّه فكر حضاريّ عظيم، يلامس القلب ويدخله دون تأشيرة دخول ، فأجده قد فرض نفسه عليّ، وليس لي إلاّ أن أرحّب
به، وأجعله يجري في دمي وسلوكي وأقوالي على قدر استطاعتي ، فكلّ التشيّع أقنعني.
أمّا الفكر الذي اعتقدته سابقاً فهو صياغة لتاريخ المسلمين حيث أُلصق بالإسلام ، وأضيفت المذاهب الأربعة للإسلام واعتبروا الخروج عنها خروج عن الإسلام ...
كلّ هذا أفرزته الأهواء السياسيّة والمذهبيّة. أمّا طريق أهل البيت(عليهم السلام) فهو حلقة متّصلة لا مداهنة فيها ولا محاباة.
بالنسبة لسؤال المرجعيّة: فإنّي أرى أنّ المراجع ـ وفّقهم اللّه ـ وسائل لعنوان كبير هو أهل البيت(عليهم السلام)، وليسوا هم العنوان ، فهناك خلط عند البعض ، أرجو أن ينتبهوا له حتّى تستقيم المعادلة .
سؤال :
الأستاذ الفاضل .. لابدّ أنّ لكم تجربة ما مع الفكر السلفي .. كيف تقيّمون تلك التجربة وذلك الفكر ؟!
إجابة الأستاذ مروان:
كنت مقتنعاً بالفكر السلفي في فترة دراستي الجامعيّة ، ولا ألوم نفسي فالسنّة لا يقدّمون مادّة عقائديّة دسمة ، وفجأة وجدت أساتذتي سلفيّين يدّعون لمنهج السلف، وما كنت أعلم بوجود فكر عميق ودقيق في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ، ولأنّ الفكر السلفي يستدلّ بآيات قرآنيّة وأحاديث فقد استهواني هذا الشيء.
إلاّ أنّه بان لي فيما بعد المغالطات في توجيه النصوص أو في ضعف الروايات التي يحتجّون بها. وأضع بين يديك ـ أخي ـ الإشكال الذي يرد عليهم ، كان أحد الأساتذة يدرّسنا مادّة أصول الفقه ، وطرح مسألة الحقيقة والمجاز في القرآن ، وعرض الآراء ولم يتّخذ موقفاً ، مع العلم أنّ السلفيّة لا يقولون بوجود
المجاز في القرآن قلت للأستاذ: في قوله تعالى { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ }(1)هل للذلّ جناح؟!
وضحك وحاول أخذي لأستاذ العقيدة لنناقش الأمر لكنّي تملّصت ، إذ كنت سأفتح على نفسي رياحاً شديدة ، إنّ هذا الفكر لا يزال في دهاليز القرون الأولى لم يستطع أن يقدّم طرحاً إسلاميّاً يعالج مشاكل الإنسان المعاصر.
أسئلة الأخ أحمد الجارودي:
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
نهنّئك باتّباعك مذهب الحقّ وتمسّكك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.
نرجو منك المعذرة فالأسئلة كثيرة:
1 ـ ما هو موقفك من الشيعة سابقاً؟
2 ـ من الذي أحدث هذا الانقلاب في معتقداتك ؟ وما أثره عليك لاحقاً؟
3 ـ ما هو دور الكتاب في البحث والتحرّي؟
4 ـ ما هو موقف أسرتك والمجتمع المحيط بك؟
5 ـ من أوّل شخص أخبرته بهذا الأمر؟
وأرجو من اللّه العليّ القدير أن يوفّقك لما فيه خير وصلاح في دينكم ودنياكم ، والسلام ختام.
إجابة الأستاذ مروان:
1 ـ كنت ضحيّة للجهل والتضليل الإعلامي الذي فرض علينا ، فالشيعة كانوا بنظري ـ سابقاً ـ أناساً مضلّلين يقدّمون عليّاً(عليه السلام) على محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعندهم تكتّم على عقائدهم وتحريف لتعاليم السماء.
2 ـ كان أحد أقاربي شيعيّاً مثل والده المتشيّع ، ولأنّ علاقتي به قويّة ،
1) الإسراء {17} : 24 .
قرّرت أن أعيده للتسنّن ، وعلى أثر حوارات عديدة واجهني بحادثة رزيّة الخميس وهي قول عمر للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : غلبه الوجع أو يهجر والتي أثبتها البخاري ومسلم وقد تبخّرت كل آمالي ودفعتني لأراجع مرتكزاتي.
قرأت حينها كتباً كثيرة: كتب الدكتور التيجاني ، وكنت أحقّق النصوص التي فيها ، وكذلك كتب السيّد شرف الدين ومغنيّة .. وظهر لي بعد البحث أنّي كنت فيما مضى أرتشف السراب فأخرجت العناد من قلبي ورميته، وأقبلت على الشمس والقصّة مذكورة في كتابي الأوّل (وركبت السفينة).
3 ـ كان الكتاب وسيلتي الأساسيّة في البحث وهو الأساس لكلّ من يسلك هذا الطريق فأحداث الماضي مدوّنة في كتب شتّى.
4 ـ في تلك الفترة {1992} وهي فترة تحوّلي حاولت قدر الإمكان كتمان أمري ، حيث كنت أدرس في كليّة الشريعة ، وتسرّب أيّ خبر قد يحرمني من الدارسة ، أمّا أسرتي فقد أبدوا استغرابهم وقليلا قليلا تقبّلوا المسألة والبعض منهم التحق بي ..
5 ـ إحدى أخواتي كانت أوّل من رأتني أصلّي.
أسئلة الأخت فاطمة:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
نهنّىء الكاتب مروان الخليفات على اعتناقه مذهب الحقّ.
وهذه أسئلة أتمنّى أن يجيب عليها:
1 ـ ما هي الحادثة التي نقلتك إلى هذا المعتقد الجديد؟ وفي أيّ عام كان ذلك ؟
2 ـ هل تأثّر أحد من العائلة بك ؟ وهل هناك من هو في طريقه إلى التشيّع من عائلتك ؟
3 ـ هل حاولت أن تهدي أحد لهذا المذهب؟
4 ـ ما هو الشيء الذي أثّر فيك روحيّاً من المذهب الجديد؟
5 ـ هل هناك أساليب تعتقد أنّ الشيعة لم يطبّقوها بعد لدعوة الناس إلى المذهب ؟
6 ـ هل حاول أحد أن يثنيك عن اعتناق المذهب؟
7 ـ هل ترى من ممارسات يمارسها الشيعة وترى بأنّها تسيء للمذهب؟ وتتّخذها المذاهب الأخرى حجّة لمحاربة الشيعة؟
8 ـ ماذا تقول لأتباع المذاهب الأخرى؟
9 ـ كيف يمكن التقريب بين مذهبي الشيعة والسنّة؟
10 ـ هل الكتب التي ألّفتها متوفّرة في جميع المكتبات؟
نشكر الأخ الكاتب ونشكر القائمين على موقع المعصومين الأربعة عشر(عليهم السلام) المميّز.
إجابة الأستاذ مروان:
1 و 2 ـ كان انتقالي سنة (1992م) ، أما قصّة الانتقال فأرجو ـ مع احترامي ـ أن تراجعوا ما كتبته سابقاً، وكذا تأثّر العائلة.
3 ـ أجل ، وقد كان لكتاب (وركبت السفينة) دور كبير في هذا المجال.
4 ـ لم أشعر باللطف الإلهيّ عياناً أمامي إلاّ بعد اعتناقي خطّ أهل البيت(عليهم السلام)، وقد لاحظت أثناء كتابتي الكتاب وجود يد غيبيّة ترشدني وتفتح أمامي آفاقاً كثيرة ، أما أدعية أهل البيت(عليهم السلام) وسلوكهم مع اللّه فهي التي تغسل عن القلب الصدأ أو الحجب.
5 ـ أجل ، نحن نمتلك الفكر، ونفتقر إلى الأسلوب ، إنّ تحويل الفكر إلى صورة بطريقة دراميّة متقنة من أهمّ الأساليب لإيصال صوتنا لأكبر شريحة من الناس الجالسة أمام الفضائيّات ، نحن نحتاج إلى الرواية والمسرح .
6 ـ كانت هناك محاولات عدّة ، ولكنّي كنت أشفق على أصحابها!
7 ـ كلّ جماعة وكلّ طائفة عندهم ممارسات تسيء لهم ، أرجو من أتباع أهل البيت(عليهم السلام)أن ينتبهوا لها!
8 ـ إنّ من أسباب هلاك الإنسان طاعته العمياء لكبرائه وتقليده لبيئته، هكذا يحدّثنا القرآن; لكي نعتبر ونتعلم من أخطاء الماضيين ، فلنتحاور ونزيل الخلاف الذي لا زالت نيرانه مشتعلة منذ أكثر من ألف سنة ، لنجلس على مائدة واحدة حفظاً للإسلام الذي هو أمانة في أعناقنا ، حاشا للإسلام أن يكون ضيّقاً حيث لا ينفتح على الآخرين.
يا سادتي: إنّ الشمس تمقت الدخول إلى البيوت التي لا نوافذ لها.
9 ـ إذا خلصت النيّات وفهم كلّ طرف الآخر فما أسهل اللقاء ، هذا الأزهر في مصر اعتمد فتاوى عديدة من الفقه الشيعيّ وآخرها اشتراط الشهود في الطلاق ، ولو أنّ المذاهب الأخرى اطّلعت بدقّة على فقه أهل البيت(صلى الله عليه وآله وسلم) لحقّقت منافع كثيرة للمسلمين.
10 ـ لقد طبعت كتبنا طبعات عديدة وهي متوفّرة في الأغلب.
سؤال الأخ إحسان علي العلي:
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
ما هو الدور الحقيقيّ لكلّ من انتهج مذهب آل بيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) تجاه مجتمعه وأهل بلده وأقربائه وأصدقائه بعد أن تعرّف على هذا المذهب الأصيل.
وهل يعدّ المذهب الجعفريّ ، برأيكم هو أساس المذاهب أم أنّه جزء من المذاهب الإسلاميّة.
إجابة الأستاذ مروان:
لو وجد إنسان مجتمعه وأهله يحوطهم حريق وهم لا يدرون فلابدّ وأنّه
سيحاول إنقاذهم وكذا المتشيّع.
لا يجوز أن يكون المذهب الجعفريّ أساس المذاهب ولا جزءاً منها ، المذهب الجعفري ـ يا أخي ـ هو الإسلام ، وليس في الإسلام مذاهب ولكنّها مصطلحات شاع استعمالها.
سؤال الأخ أبو عليّ النخليّ المدنيّ:
الأخ مروان أريد منك أن توضّح لي كيف تقبّل أهلك ومجتمعك خبر انتقالك إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)
إجابة الأستاذ مروان:
كنت أبيّن لأهلي معالم مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، فهم وصيّة النبيّ لأمّته ، وهم أقدر الناس على حمل رسالة الإسلام وإيصاله للعالم ، ولكنّ الأمّة لم تقبلهم، والسبب هو تضليل السلطات الحاكمة آنذاك .
لم يكن عند أهلي تعصّب ، رضوا بخبر انتقالي والحمد اللّه .
ولد سنة 1978م في "عمّان" عاصمة الأردن ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ واصل دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على شهادة الدبلوم في تقنيّة الحاسوب.
مصادر تلقّي العلم:
وجد "مصطفى توفيق" خلال احتكاكه بعلماء مذهبه ومشاركته لهم في محاضراتهم أنّ بعض المعتقدات التي يطرحونها بعيدة عن العقل والوجدان ، فدفعه ذلك إلى رفض هذه المعتقدات ، وتوجّه باحثاً عن معتقدات يقبلها العقل وتستسيغها الفطرة. وكان أوّل ما اهتمّ به خلال البحث هو العثور على المصدر الموثوق الذي يمكن الاعتماد عليه في تلقّي العلم .
ثمّ صادف أن التقى "مصطفى توفيق" خلال بحثه بأحد الأخوة العراقيين ، فتحدّثا معاً حول الأُمور المذهبيّة ، ومن هنا تعرّف "مصطفى" على بعض الكتب الشيعيّة ، فجعلها في قائمة الكتب التي سيقرأها ليوسّع بذلك أفق إلمامه بمصادر العلم .
حديث باب مدينة العلم:
قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "أنا مدينة العلم وعليّ بابها فمن أراد العلم فليأت
الباب"(1)وهذا الحديث يشير بصراحة إلى أن الطريق الصحيح للوصول إلى علم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)هو الإمام عليّ(عليه السلام) ، وأنّ الذي يحاول الوصول إلى مدينة علم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طرق أخرى ، فإنّ جهوده ستذهب سدى وسيبقى وراء السور!
زيارة علماء الشيعة:
إنّ البحوث العقائدية التي أجراها "مصطفى توفيق" أثبتت له بأنّ أهل البيت(عليهم السلام)هم ـ في الواقع ـ الطريق الصحيح لتلقّي العلم ، ولهذا شدّ الرحال إلى العراق ، ليتعرّف عن قرب على شيعة الإمام علي(عليه السلام).
وبالفعل تبيّن له خلال لقائه بعلماء الشيعة واستماعه إلى أدلّتهم أنّ الصورة المشوّهة التي كان يحملها عن الشيعة باطلة وأنّ الذي يريد أن يحكم على جماعة معيّنة فعليه أن يقوم بدراسة معتقداتهم من خلال الكتب المعتمدة، أو من خلال الالتقاء المباشر بهم ; لأنّ رجال كلّ مذهب هم أعرف بمذهبهم من مخالفيهم ، وليس من الصحيح أن يكتفي الباحث لمعرفة مذهب معيّن بأقوال مخالفي ذلك المذهب .
اتّضاح الحقيقة:
إنّ اللقاءات المتعدّدة التي أجراها "مصطفى توفيق" في العراق مع علماء الشيعة أثبتت له بأنّ طريق أهل البيت(عليهم السلام) هو الطريق الصحيح لمعرفة الإسلام، ولمعرفة ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّهم الطريق المضمون للوصول إلى الحقائق الربانيّة ، فلهذا أعلن استبصاره واتّباعه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) واعتمد بعد ذلك في تلقّي العلم على المصادر الشيعيّة التي تقتبس معارفها من أهل البيت(عليهم السلام).
1) المستدرك للحاكم النيسابوري: 3/339 ، ح4695، 4696 وقال: هذا حديث صحيح، تاريخ الخلفاء، السيوطي: 170 .
ولد سنة 1980 م في الأردن ، وترعرع في أسرة تعتنق مذهب أهل السنّة ، واصل دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على شهادة الليسانس في الهندسة .
الحوار والانفتاح على الآخرين :
كان " نذير العطاونة " يؤمن بمبدأ الحوار والانفتاح على الآخرين فيما لو كان ذلك مبتنياً على الأسس العلميّة ، وفيما لو كان طرفي الحوار من ذوي العقول النيّرة التي تستهدف الحوار من أجل التعرّف على الحقيقة .
وذات يوم حيث كان " نذير العطاونة " في رحلة إلى " دمشق " عاصمة " سوريا " بادر إلى زيارة مقام السيّدة رقيّة ( عليها السلام ) ، فالتقى هناك بإمام جماعة المقام ، ومن ثمّ توفّرت له الفرصة المناسبة للتعرّف على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) من لسان أتباع هذا المذهب ، ليرى هل يصحّ ما يقال عنهم من قبل المخالفين .
التعرّف على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) :
طرح " نذير العطاونة " مجموعة أسئلة حول مذهب التشيّع لإمام جماعة المقام ، فأجابه إمام الجماعة بأجوبة مقنعة وذكر له جملة من عقائد الإماميّة مع ذكر الأدلّة والبراهين التي يعتمد عليها الشيعة .
ومن هنا ازداد تعطّش " نذير العطاونة " لمعرفة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فأحسّ إمام الجماعة بذلك ، فأهدى له كتاب المراجعات للسيّد عبد الحسين شرف الدين ، ففرح " نذير العطاونة " بذلك ; وأخذ منه الكتاب ; ليقوم بمطالعته في أوّل فرصة ممكنة .
مع كتاب المراجعات :
إنّ الميّزة التي يمتاز بها كتاب المراجعات أنّه كتاب حوار جرى بين عالم شيعي وهو " السيّد عبد الحسين شرف الدين " وبين عالم سنّي هو الشيخ " سليم البشري " الذي كان متولّياً لمسؤوليّة مشيخة الأزهر .
فطالع " نذير العطاونة " هذا الكتاب بدقّة ، فتعرّف من خلاله على حقائق لم يطّلع عليها من قبل ، كما أثار هذا الكتاب في ذهنه مجموعة استفسارات حول أفكاره وعقائده فدفعه ذلك إلى البحث بجديّة في الصعيد العقائديّ .
التحوّل المذهبي :
تسلسل " نذير العطاونة " بالبحث بصورة موضوعيّة وبعيدة عن التعصّب والانشداد العاطفي للموروث العقائديّ ، فكانت نتيجة البحث أنّها فرضت عليه التحوّل المذهبي والانتقال إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .
فرحّب " نذير العطاونة " بهذه النتائج على الرغم من مخالفتها للمشهور العقائديّ بين الأوساط التي كان يعيش فيها ووجد أنّ الأدلّة التي دفعته إلى الاستبصار تمتلك القوّة الكافية التي تمنحه الصمود أمام جميع التيّارات المضادّة التي سيواجهها بعد الاستبصار .
ولدت عام 1960 م في " إسبانيا " بمدينة " برشلونة " ، ثمّ تلقّت تعاليم الديانة المسيحيّة في مدرسة للراهبات ، وهذا ما غرس في ضميرها محبّة الدين ، ودوام الاتّصال باللّه سبحانه وتعالى ، وكان هذا الأمر هو الذي دفعها فيما بعد لتوطيد علاقتها مع بارئها وفق الأسس العقائديّة المتينة البعيدة عن التقليد والتبعيّة العمياء لدين الآباء والأجداد .
وقد بيّنت " برسن بوايّو " في حوار أجرته معها مجلّة نور الإسلام كيفيّة استبصارها والأجواء التي عاشتها قبل وبعد الاستبصار ، وقد جاء في هذا الحوار :
تقديم
في هذا العدد نلتقي بالأخت برسن بوايّو ( فاطمة ) الإسبانيّة الجنسيّة ، التي تحمد اللّه كثيراً وتشكره ; لأنّه هيّأ لها سبل الهداية والخلاص . . . وهي تعيش حالياً في كنف زوجها المسلم الأخ علي داود في بيروت ، لتبني معه أسرة إسلاميّة صالحة . وهي تقدّم - من خلال روحيّتها وتمسّكها الشديد بالأحكام الشرعيّة وبالحجاب الكامل ، الذي يقلّ نظيره حتّى بين النساء الملتزمات منذ النشأة والأصل ، ومن خلال المعاناة التي مرّت بها لتتحرّر من بيئة الكفر ، وبالصبر
والقناعة المادّية التي ارتضتهما ثمناً لتمسّكها بالإسلام، ونيل رضا اللّه تعالى ـ مثالا رائعاً للمرأة المسلمة الراشدة ، التي تحرّرت من إغراءات الدنيا المفتوحة أمامها ، التي كان أهلها ومجتمعها المنحرف يشدّانها إليها ويكبّلانها بها.
وفي منزل تغمره بهجة السعادة العائليّة وبحضور الزوج المعتزّ بزواجه من المرأة التي تجاوزت إرث التاريخ الطويل لهزيمة المسلمين في الأندلس ، واستعادت بصلابة إيمانها وحماسها للإسلام النقيّ أيّام الفتح الأولى لأندلس الإسلام .. كان هذا اللقاء الذي أجريناه مع الأخت أم حسن ، التي أجابت على أسئلتنا باللغة الإسبانيّة; لأنّها لم تتقن اللغة العربيّة بعد إتقاناً كافياً ، وتولّى زوجها الأخ علي ترجمة إجاباتها على النحو التالي :
حياتها قبل الإسلام:
.. هل يمكن أن تحدّثينا عن نشأتِكِ والظروف العائليّة والاجتماعيّة التي عشتِ فيها قبل اعتناقك للإسلام ؟
ولدت بمدينة "برشلونة" الواقعة شمال البلاد على ساحل البحر المتوسّط ، من عائلة إسبانية متوسّطة الدخل مؤلّفة من تسعة أفراد .. والديَّ ملتزمان التزاماً عاطفيّاً بالمسيحيّة ، وهما يعتبران من المحافظين قياساً على ما هو السائد في المجتمع الإسباني، وربّما أكثر من الحدود المتعارف عليها في إسبانيا ، حيث إنّ المجتمع هناك بشكل عام ككلّ المجتمعات الغربيّة ، بات ينظر إلى الدين وكأنّه أساطير الأوّلين .. ولكن لا يمكن أن نقارن المحافظة تلك بما تعنيه فعلا في مجتمع إسلاميّ محافظ ..
تلقّيت دروسي الأولى في مدرسة للراهبات ثمّ تابعت تعليمي في مدرسة خاصّة.
كيف كانت علاقتك بالدين في ذلك الوقت؟
كنت منذ صغري أعتقد بوجود اللّه ، ولكنّ اعتقادي به كان مطابقاً
للتصوّر المسيحي الشائع .. وفي الحقيقة أنّ التدين أو الاعتقاد بدين ما في تلك البلاد أصبح شيئاً نادراً وأمراً غريباً ، بعدما أعمت الحضارة الماديّة ببريقها وشهواتها عقول وقلوب أكثر الناس هناك ولا سيّما في "برشلونة" ومنطقتها ، حيث إنّ إسبانيا مكوّنة من أربع حضارات وشعوب مختلفة ، فيها الأندلسي مثلا والكاتلاني.
ما هي طبيعة العلاقات العائليّة والاجتماعيّة السائدة في أسرتكم ومجتمعكم؟
كنت أعيش مع والديّ ، ورغم أنّ العلاقات داخل عائلتي كانت جيّدة ، إلاّ أنّ العلاقات العائلية والاجتماعيّة ، تتوقّف عادة ضمن حدود الأسرة الواحدة ولا تتعدّاها إلى أكثر ، فمثلا إذاكان أحد يريد مقابلة والدي أو أيّ صديق له ، فإنّه يدعوه إلى المقهى لا إلى البيت ، وفي بعض الأحيان تتفسّخ حتّى الأسرة الواحدة الصغيرة ولا تدوم بعد أن يبلغ الأولاد سنّ الثامنة عشر .. وإجمالا يمكننا اعتبار المجتمع الإسباني حالة وسطيّة بين المجتمع الشرقي والمجتمع الغربي في هذه النواحي.
صورة الإسلام في مجتمعها
ما هي صورة الإسلام والمسلمين الحالّية في نظر الإسبان؟
في الواقع هناك نظرتان مختلفتان تماماً .. هناك المثقّفون وهناك عوام الناس أو السطحيّون .. المثقّفون الذين درسوا واطّلعوا على تاريخ إسبانيا حينما كانت تعيش في ظلّ الإسلام ، وعرفوا ما كانت تحفل به من رقي وازدهار ، في الوقت الذي كانت تتخبّط فيه دول أوروبا كافّة في دياجير الجهل والتأخّر. هذه الطائفة من الناس تكنّ التقدير للعرب أو الإسلام لأنّها لا تفصل بين الاثنين: عربى يعني مسلم ـ ويتمنّون لو أنّ المسلمين لم يُطردوا من إسبانيا ; لأنّهم يبدون متأكّدين من أنّ إسبانيا كانت أو قد تكون بحالة مختلفة جداً الآن لو أنّ المسلمين
بقوا فيها ، فهم قد اطّلعوا على علومهم في الهندسة والطبّ والفلسفة والدين ... الخ ، ووجدوا مثلا أنّه حتّى الآن توجد في "قصر الحمراء" في غرناطة بعض الأسرار العلميّة والهندسيّة ، لم يستطع العلماء في القرن العشرين تفسيرها ، وهناك طائفة أخرى وهي تلك التي لا ثقافة لديها، أو لا علم لها في هذا الشأن ، تعتمد على ما تسمع من شائعات وأقاويل مغرضة تزعم أنّ العربي يعتاش على جهد زوجته ، وهي التي تتكفّل به وبأولاده رغماً عنها ، وإنّه ذو "حريم" قد يصل عددهنّ إلى العشرات .. وأنّ المرأة تعاني من ظلمه الشيء الكثير، وأنّها مجبرة على وضع الحجاب; لأنّ زوجها يغار عليها!.
هؤلاء لا يرون بحكم الدعايات المضلّلة في المسلمين إلاّ صورة التخلّف والجهل ، وهم لا يتمنّون رؤيتهم في إسبانيا ولو كسائحين ..
كيفيّة الاستبصار:
كيف أمكن لك التعرّف على الإسلام وما الذي قادك إلى اعتناقه في هذا المجتمع الماديّ والمعاديّ للإسلام بفعل التضليل والتشويه المتعمّد؟
لقد كنت على وشك الانتهاء من المرحلة الثانويّة والتحضير لامتحانات الدخول إلى الجامعة عندما تعرّفت بطريق الصدفة ، أو بتخطيط إلهي على بعض الطلاّب المسلمين الذين كانون يقيمون بجوارنا ، وقد أعجبت بهم وبتصرّفاتهم حيث لمست منهم الإخلاص لدينهم ، والتمسّك بأداء الفرائض ، وامتناعهم طوعاً عن كلّ المحرّمات مع أنّها مبذولة أمامهم وهذا ما لم أكن أعهده في مجتمعنا ، حيث لا يمتنع أمثالهم عن شيء مضرّ أو محرّم كالخمر مثلا بدون رقيب أو سبب خارجي مفروض عليهم.
وعندما كان يتسنّى لي اللقاء بهم ، كنت أتحدّث معهم حول المسيحيّة والإسلام ، وكان هدفي أن أجذبهم نحو المسيحيّة ; لأنّي كنت أعتقد حينها أنّها
الديانة الصحيحة والوحيدة الجديرة بالاتّباع .. ولكن بعد مناقشات وجدال طويل معهم ، لم أتمكّن من إقناعهم بما أريد ، بل تغيّرت أنا واقتنعت ببطلان وتهافت العقيدة المسيحيّة السائدة ، خاصّة حول مسألة ألوهيّة المسيح(عليه السلام)، أو كونه ابناً للّه كما يدّعون!
.. عندما علم والديّ بمعرفتي لهؤلاء الشبان المسلمين دفعهما التعصّب إلى منعي من رؤيتهم ، وكذلك الخروج بغير مرافقة أحد أفراد الأسرة ، علماً بأنّهم يقبلون، بل يفضّلون أن أسلك أي سلوك منحرف على أن أميل نحو الإسلام .. وبقيت في منزلي ستّة أشهر كالمحكوم عليها بالإقامة الجبريّة .. في هذه الأثناء كنت قد أسلمت ولكنّي أخفيت إسلامي; لتجنّب المشاكل مع العائلة ، فوالدي لم يكن ليتقبّل هذا أبداً ، وهو الذي كان طيلة حياته يستهزيء بالمسلمين وبالعرب .
ولكن بعد فترة رأيت أنّ حياتي معهم قد أصبحت صعبة جدّاً فاختلفت معهم على بعض التصرّفات التي يرفضها الإسلام ، ولكن دون أن أحتجّ بالإسلام نفسه ، بل لمجرّد الرفض . وقد أدّى ذلك إلى خلاف شديد ، اضطررت على أثره لمغادرة المنزل والالتجاء إلى إحدى العوائل المسلمة الموجودة في إسبانيا .. وبمجرّد وصولي إلى منزل تلك العائلة ، قرّرت أن أبدأ حياة الالتزام الجدّي بالأحكام الشرعيّة من مأكل وملبس وعبادات .. وبعد شهرين عدت إلى المنزل بطلب من أهلي ، ولكن هذه المرّة مسلمة محجّبة ، ملتزمة بالأحكام الشرعيّة ، فقبلتني العائلة; لأنّ والدي كان يحبّني كثيراً في الأصل ، ولكنّه لم يرتح لحالتي الجديدة ، فما لبثت أن تجدّدت الخلافات وكانت يوميّة ، وكنت أصبر عليها ، ولم تؤثّر وللّه الحمد على عقيدتي الجديدة.
.. وكان اقتراني بزوجي نقلة جديدة أتاحت لي فرصة العيش في جوّ إسلامي أفضل .
مرحلة ما بعد الاستبصار:
هل عملت في مجال تخصّصك في لبنان؟
نعم عملت إلى جانب زوجي في مستشفى إسلامي مدّة سنة .. ولكن قرّرت بعدها أن ألزم منزلي ، حيث إنني رأيت أنّ الأطفال والواجبات المتطلّبة من الأمّ والزوجة أولى من العمل بالمستشفى ، مع أنّ ذلك أدّى إلى تقلّص في دخلنا العائلي وضغط مادّي علينا.
مصاعب مابعد الاستبصار:
ما هي بالتحديد الصعوبات التي واجهتك عند بدء الالتزام مع عائلتك ومجتمعك ؟
إضافة إلى ما ذكرت واجهتني صعوبات متنوّعة ، فالمجتمع الذي يرى امرأة ملتزمة بالحجاب ، تكاد تكون وحيدة بين نساء إسبانيا ، ينظر إليها باستغراب ودهشة ، ومع أنّ أحداً لا يسأل لماذا .. ولكن الجميع يستهزئون ويسخرون ، وقد كنت عرضة للسخرية كلّ يوم عندما كنت أخرج إلى الشارع لقضاء بعض شؤوني.
أمّا مع الأهل فكان ثمّة مشاكل ومضايقات عديدة:
أوّلها رفضهم للحجاب بشكل عنيد ، خاصّة عندما كانوا يسمعون انتقاد الناس وتعييرهم لهم بشأن إسلامي وحجابي .. ولكنّ ذلك والحمد للّه لم يؤثّر عليّ أبداً .. ثمّ بسبب الصلاة وكيفيّتها ، إذ إنّهم لم يفهموا لماذا عليّ أن أصلّي على السجّادة أو الحصيرة ، ولماذا الركوع والسجود وكثرة الكلام "القراءة والتسبيح" فكانوا يقولون إنّه لا حاجة إلى هذه الحركات إذا أردنا أن نطلب شيئاً من اللّه !
والطهارة كانت مشكلة دائمة لي ، حيث كان عليّ أن أطهّر ثيابي باستمرار ، وذلك بسبب مسّ بعض أفراد العائلة لها وهي رطبة. لقد كان كلّ شيء في البيت متنجساً ، فكنت لا أستطيع الحركة بحريّة .. فالطعام من جهة ، ومن جهة أخرى
الخمر ووضع الخمر على الطاولة ، كان أيضاً مشكلة مستمرّة ، فكان عليّ أن أصنع طعامي وأن أطهّر آنيتي .. والامتناع عن المصافحة مع بعض الأصدقاء القدامى عانيت منه الكثير ، حيث كان عليّ أن أشرح لهم دائماً لماذا لا أصافحهم .. هذا إضافة إلى كثير من العادات والممارسات التي تتناقض مع الالتزام بالإسلام والتي كان عليّ أن أتجنّبها وأعاني في سبيل رفضها ; لأنها ملازمة لحياة العائلة .
كيف وجدت وضع المرأة المسلمة في لبنان؟
بصورة عامة ، إنّ وضع المرأة المسلمة في لبنان ليس بالمستوى المطلوب الذي ينشده الإسلام .. إنّك تلاحظ إقبالا متزايداً من النساء من مختلف الأعمار على الالتزام بالأحكام الشرعيّة والحجاب ، ولكن غالبيتهن لا يجعلن الإسلام مقياساً يقيّمن تصرفاتهن على أساسه ، بل إنهن قد تأثّرن كثيراً بالغرب، وبنساء الغرب ويحاولن تقليدهن والتشبّه بهن ، وأرى في ذلك لو استمرّ هلاكهنّ، وتدهور المجتمع لا سمح اللّه .
ما رأيك بالاختلاط الشائع في مجتمعاتنا الإسلاميّة ؟
أتمثّل هنا قول الزهراء(عليها السلام): "خير للمرأة أن لا ترى رجلا ولا يراها رجل".
فعلى المرأة المسلمة أن تسعى جاهدة للالتزام بمضمون هذا الحديث القيّم ، وأن لا تخرج إلى الشارع والأسواق والأماكن العامّة إلاّ للضرورة ، وعلى النساء أن يطلبن من أزواجهن إحضار حاجيّات المنزل والعائلة .. ولا أظنّ أنّ الرجل يعارض ذلك إذا أرادت زوجته الستر والعفاف لها ولمجتمعها.
والاختلاط أثناء العمل ما رأيك به على ضوء تجربتك الخاصّة؟
بالإمكان تجنّب ذلك إذا كانت لدينا النوايا الصادقة ، وذلك عن طريق تنظيم العمل في الأماكن التي يكون وجود المرأة فيها ضروريّاً كالمستشفيات والمدارس ونحوها ، بحيث يتحقّق الفصل بين النساء والرجال بصورة عمليّة.
أمّا في مثل أيامنا الحاضرة ، إذا اضطرّت المرأة للعمل في مكان لا مفرّ فيه من الاختلاط ، فبإمكانها أن تحافظ على حجابها الشرعيّ ورصانتها ، وأن يكون اختلاطها ضمن الحدّ المعقول والجدّي .. كذلك على المرأة هنا أن تراعي أن لا تتقدّم للأعمال المخصّصة للرجال .
كلمة أخيرة:
هل من كلمة تودّين توجيهها عبر "نور الإسلام"؟
أود أن أوجّه نداءً إلى غير المسلمين ، ممّن لم يخطر ببالهم حتّى الآن أن يتّخذوا الإسلام ديناً ، أن يعمدوا إلى التعرف إلى الإسلام عن كثب ليتبيّنوا حقيقته وروعته ، ولا يأخذوا بالشائعات المضلّلة أو ينظروا فقط إلى بعض مظاهر التطبيق الخاطي الذي يمارسه بعض المسلمين .. فلا يرفضوا من بعيد ، بل عليهم أن يبحثوا ويفّكروا، وسيجدون حينئذ ما يضمن لهم سعادة الدنيا والآخرة.
وأشكر اللّه تعالى الذي منّ عليّ بمعرفة الإسلام واتّباعه عن تعقّل وتدبّر ، وأحمده لتوفيقه لي لعبادته ومعرفة نبيّه الأكرم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ومعرفة آله الأطهار(عليهم السلام) ، وأرجو أن يكون في قصّتي مع الإسلام عبرة ونفع وهداية للآخرين الذين هم قريبون أو بعيدون عن الإسلام(1).
1) نور الإسلام العدد الثاني ، السنة الأولى ، شهر رمضان 1408 هـ ، ص 74.
ولد عام 1957م في إسبانيا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة كاثوليكية ، وبقي متمسّكاً بديانته الموروثة حتّى استبصر جملة من أصدقائه بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، فاستغرب "جون تشارلز" من ذلك ، ودفعه حبّ الاستطلاع الى معرفة الأسباب التي دفعت هؤلاء إلى تغيير معتقداتهم الدينيّة.
ومن خلال مناظرات "جون" مع أصدقائه المستبصرين اهتزّت الثوابت العقائديّة السابقة عنده ، وأصابه الشكّ في صحّة معتقداته الموروثة ، فدفعه هذا الشكّ إلى البحث ثمّ التعرّف على الإسلام .
اهتمام الإسلام بالعلم والمعرفة:
إنّ الإسلام أقام عقائده وتشريعاته على أسس علميّة متينة ، تنسجم مع فطرة الإنسان ولها القابلية على مواكبة تطوّرات الحياة ورقي البشريّة.
وقد دعا الإسلام بصراحة إلى العلم ، وقال تعالى في محكم كتابه: { يَـرْفَعِ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ اُوتُوا العِلْمَ دَرَجَات }(1).
كما أرشد القرآن البشريّة إلى التفكّر والتأمّل في خلق السماوات والأرض ،
1) المجادلة {58} : 11 .
ليزدادوا بذلك علماً ، كما أكدت الشريعة الإسلاميّة على طلب العلم ليصون الإنسان بذلك نفسه من تيّارات الضلال والاتّجاهات المنحرفة وقد قال تعالى : { وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِير }(1).
الافتراءات ضدّ الإسلام:
وجد "جون تشارلز" أنّ الكثير من التيّارات العلمانيّة في الغرب تحاول أن تصوّر الإسلام بصور سلبيّة لتعزله عن الحياة ، وحاول هؤلاء أن يشبّهوا الإسلام بالمسيحيّة التي كانت في القرون الوسطى المليئة بالخرافات والمظالم التي منعت تقدّم أوروبّا.
وبحث "جون تشارلز" في الإسلام ليرى مدى صحّة هذا الادّعاء ، فطالع الكثير من الكتب الإسلاميّة وقرأ العديد من كتب مفكّري الإسلام ، فتبيّن له أنّ الخرافات المسيحيّة التي جاء بها علماء المسيح إلى أوروبّا في القرون الوسطى لا وجود لها في الإسلام; لأنّ الإسلام لا يقبل بشيء إلاّ وفق الأسس العلميّة المؤدّية إلى اليقين.
وإن الإسلام في الواقع ليس كالمسيحيّة مجرّد تعليمات عباديّة ، بل هو منهج كامل للحياة وهو يرفض كلّ المناهج الجاهلية.
ومن هنا تبيّن لـ "جون تشارلز" كيد روّاد العلمانيّة وأتباع الجاهليّة المعاصرة وما ارتكبوا من دسّ وافتراء على الإسلام ، وقد قال تعالى : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ }(2).
اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام):
إنّ البحوث التي أجراها "جون تشارلز" دفعته في نهاية المطاف إلى إعلان استبصاره وذلك في سنة 1997م في إسبانيا ، ثمّ سافر إلى إيران لدراسة العلوم الدينيّة، والاستزادة من علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) ; ليرفع بذلك مستواه العلمي في الصعيد العقائديّ ، وليكون بعد تخرّجه من الدراسة سبباً في نشر المعارف الإلهيّة التي جاء بها أهل البيت(عليهم السلام) بين أبناء أهله وأقربائه وأصدقائه وأبناء وطنه.
ولد في سنة 1961م في إسبانيا ، ونشأ بين أبوين كانا ينتميان إلى الفكر الشيوعي ، لكنّه بعد أن تخلّى عن التقليد الأعمى سلك سبيلا شاقّاً وطويلا حتّى وجد ضالّته في مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
مرحلة التذبذب الفكري:
يقول "راؤول" : عشت فترة المراهقة في أجواء كانت تحبّب إليّ الفكر الماركسي والانتماء الشيوعيّ ، وكان أبي يرى أنّ السبيل الوحيد لمواجهة الاستكبار والإطاحة بالظلم هو دعم التيّار الشيوعي.
ولمّا بلغت الثانية والعشرين من العمر ، التحقت بالخدمة العسكريّة ، وكنت في ذلك الحين نشطاً أعمل بمثابرة في التيّارات السياسيّة ، فأُلقي القبض عليّ وحُكم عليّ بالسجن لمدّة سنة واحدة.
فتعرّفت في السجن على مجموعة تهوى العمل في مجال النشاط السينمائيّ ، ومن ذلك الحين تبلورت هذه الفكرة في ذهني بأنّ الحياة مليئة بالظلم والمصائب والابتلاءات ، وأنّ السبيل لمكافحة الظلم لا ينتج سوى إيقاع النفس في التهلكة ، وأنّه عمل لا طائل تحته ، وأنّ السبيل للتهرّب من الشعور بالمسؤوليّة
أو تخفيف الآلام المكبوتة هو تخدير النفس بالّلهو واللعب، ومباشرة الأعمال التي تأخذ بروح الإنسان إلى عالم السكر والغفلة والغيبوبة ، ووجدت دنيا الأفلام هو أفضل مجال لتحقيق هذه الغاية.
فلمّا أُطلق سراحي بعد عام أمضيته في السجن ، غضضت الطرف عن الأفكار الشيوعيّة ، وتوجّهت إلى الدراسة في مجال السينما ، حتّى تخرّجت من كلّيّة الفنون الجميلة ، وتوجّهت إلى العمل في أجواء السينما والمسرح ، وأمضيت فترة طويلة من حياتي في هذا المجال حتّى دبّ إلى وجودي وكياني الملل من العمل الذي كنت أقوم به ، فكنت بين حين وآخر حينما أفيق من انغماسي في العمل أشعر بحالة الصراع وتأنيب الضمير في وجودي ; لأنّني كنت على بصيرة من أمري بأنّني أعمل على خلاف عقلي ، وهذا ما كان يدفعني إلى الشعور بحالة الذبذبة وفقدان الاتّزان .
البحث عن الحقيقة:
يقول "راؤول" : بقيت في إطار هذه المعيشة التعيسة والتافهة حتّى قرّرت أن أنقذ نفسي منها باتّخاذ قرار حاسم وعزيمة راسخة ليس فيها ذرّة من الضعف والهزيمة.
وأخيراً اتّخذت قراري النهائي في عام 1979 فتركت العمل في مجال السينما ، وقرّرت أن لا أتّخذ خطوة إلاّ عن قناعة ، فمسكت بزمام نفسي الطائشة بقوّة ، وصرت أُسيّرها بهدوء وتريّث إلى حيث تمليه عليّ قناعتي .
فتوجّهت إلى البحث حول معرفة الهدف الذي من أجله خلقت البشريّة ، وكان أوّل مذهب اخترته للبحث هو الشيوعيّة ، وذلك لصلتي به فيما سبق ، ولكن كان توجهي إليه هذه المرة لا عن تقليد أعمى ولا عن ردود فعل غير هادفة ، بل توجّهت به عن وعي ، فغربلته فترة من الزمن ، فوجدته لا يحتوي على هدف سام في الحياة.
ثمّ توجّهت إلى البحث حول المسيحيّة ، فوجدتها شريعة جامدة لا تمنح المنتمي إليها المنهج الكامل لتنظيم شؤون حياته ، كما أنّها ديانة لا يسعها أن تمنح صاحبها الشحنة المعنويّة التي يستطيع بها أن يصمد إزاء مغريات الحياة الدنيا.
ثمّ نتيجة كثافة مطالعاتي وجدت أنّ السبيل الموجود أمامي لمعرفة الحقيقة هو سبيل الرياضة النفسيّة ، فقرّرت أن أجرّب هذا المسلك ، وعسى أن أهتدي به إلى السبيل الصحيح الذي يتيح لي نيل الأهداف السامية.
فسافرت إلى جبال جنوب إسبانيا في محافظة غرناطة جبل البخراس ، فبقيت عاكفاً فيه مدّة أربع سنوات ، فتأمّلت في هذه الفترة في خلق السموات والأرض، وسرت في الآفاق حتّى تجلّى لي نور اخترق وجوديّ ، ثمّ سكن في أعماق قلبي ، فعندها شعرت بحالة الارتياح والهدوء والسكينة ، فاطمأنّ قلبي وسكنت جوارحي أمام العظمة التي تجلّت لي من جمال خلقة الحياة.
ثمّ ذات ليلة ، نظرت إلى السماء ، فأحسست بعناية خاصّة شملتني من قبل خالق الكون ، فانكسر لذلك قلبي ثمّ شعرت بضعفي ثمّ فاضت عينيّ بالدموع فقلت: يا من خلق فأبدع إن كنت موجوداً فساعدني وخذ بيدي واهدني إلى معرفتك ليطمئنّ قلبي ، ثمّ بعد ذلك شعرت بوجود ربّي ، فكنت أناجيه بين حين وآخر ، وأتوجّه إليه فأشعر بوجوده وأشعر بنوره في أعماق قلبي.
فقلت لمن كان معي في الجبال: إنّني آمنت بوجود خالق لهذا الكون؟ فسخروا منّي وقالوا لي: إنّك لحدّ الآن لم تستطع أن تتخلّى عمّا ورثته من البيئة التي كنت فيها ، وإنّك لازلت تعيش حالة الأسر في نطاق الأُمور الوهميّة التي تلقّيتها منذ الصغر ، لكنّي قلت لهم: بأنّني أشعر بوجود اللّه ، فلم يبالوا بكلامي.
التعرّف على الإسلام:
يقول "راؤول" : ثمّ قرّرت الامتناع عن الطعام مدّة أربعين يوماً وذلك بغية أن تنكشف لي الحقيقة ، وفي اليوم السابع حين استولى عليّ الضعف ، دخلت البيت
الذي كنت أعيش فيه مع جملة من الذين اتّخذوا سبيل الرياضة لاكتشاف الحقيقة.
فتوجّهت إلى المكتبة الصغيرة الموجودة هناك ، فقلّبت الكتب حتّى وقع بصري على كتاب صغير حول الإسلام لمؤلّفه سيّد قطب ، فأخذته وبدأت بمطالعته للتسلية وتمضية الوقت فوجدت فيه من المفاهيم ما أثارت دهشتي ; لأنّني كنت أتصوّر فيما سبق أنّ الإسلام هو مجموعة من أعراف وتقاليد العرب ، ولكنّني قرأت في هذا الكتاب أنّ المؤلّف يدّعي بأنّ الإسلام هو دين إلهي أرسله خالق الكون على نبيّه المصطفى محمّد (صلى الله عليه وآله) وأنّه خاتم الأديان وهو دين جاء به النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى البشريّة كلّها.
ثمّ توجّهت إلى انتقاء الكتب الإسلاميّة التي كان قد تمّ تجميعها على أيدي شخصيّات كثيرة جاءت إلى هذا المكان ، فبها تعرّفت على أصول الدين وتعرّفت على الصلاة ، فتبلورت قناعتي بأحقيّة الإسلام ، فقطعت صومي ثمّ قلت لأصحابي: أشعر أنّني وجدت ضالّتي في الإسلام ، وأنّني عازم للسفر إلى مدينة غرناطة ، باحثاً عن المسلمين من أجل استفسار الأمر منهم، فاستغرب أصحابي من القرار الذي اتّخذته وحاولوا أن يثنوا عزمي عن ذلك ولكن باءت محاولاتهم بالفشل .
التعرّف على مذهب أهل البيت(عليهم السلام):
يقول "راؤول" : عدت إلى مدينتي باحثاً عن الدين الإسلامي ، فصادف أن استضافني أحد الأصدقاء لغيابي عنه هذه الفترة الطويلة ، فوجدت بين يديه مجلّة باللغة الإنجليزيّة فأخذتها منه وصفّحتها ، فوقع بصري على صورة مقاتلين ، فقلت لصديقي من هم هؤلاء؟
قال: هم فرقة من المسلمين يسمّون بالشيعة في إيران وهم في حالة قتال مع العراق.
قلت له: لماذا؟
قال: لا أدري.
قلت له: ومن هم الشيعة.
قال: لا أدري.
فوقع في قلبي أن أسافر إلى إيران لأتعرّف على الإسلام عن قرب .
فبذلت قصارى جهدي حتّى حقّقت هذا الأمر.
وها أنا حالياً قد أمضيت ستّ سنوات في إيران أتلقّى علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام)في مدينة قم ، وقد وصلت إلى قناعة كاملة بأحقيّة الدين الإسلامي وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) .
ولدت في "إسبانيا" بمدينة "برشلونة" ، ثمّ أرسلها أبوها إلى مدرسة الراهبات ولها ثلاث سنوات من العمر ، وبقيت مدّة خمسة عشر عاماً في هذه المدرسة ، ثمّ واصلت دراستها في جامعة برشلونة في كلّيّة الطّب وتخرّجت منها كطبيبة.
استبصارها:
تعرّفت "كسالس" في السنة الثانية من سنوات دراستها في كليّة الطبّ على مجموعة من الطلبة اللبنانيّين المسلمين ، فدفعها حبّ الاستطلاع إلى دراسة أفكار ومعتقدات هذه المجموعة.
وكان من بين هذه المجموعة شابٌّ مسلم يُدعى "محمّد عساف" ، وكان هذا الشابّ أكثر تحمّساً من بين أقرانه المسلمين لنشر الإسلام وتوعية الآخرين بالنسبة إلى العقائد الإسلاميّة ، وهذا ما دفع "كسالس" إلى كثرة اللقاء به والاستفسار منه عن الإسلام .
ومن هذا المنطلق بدأت رحلة "كسالس" نحو الإسلام ، ومن هنا تبلورت في ذهنيّتها رؤية عقائديّة غيّرت مرتكزاتها الفكريّة ، ودفعتها في نهاية المطاف
إلى اعتناق الإسلام .
وفيما يلي تبيّن "كسالس" ـ في الحوار الذي أجرته مجلة نور الإسلام معها ـ كيفيّة استبصارها وما تودّ تبيينه للذين يرغبون في التعرّف على الظروف التي عاشتها خلال مراحل الاستبصار وما بعد ذلك :
س : مع اعتزازنا بالّلقاء مع أمثالك من الذين استجابوا لنداء الفطرة الإلهيّة ، وتحرّوا عن الحقّ واهتدوا إليه ، وتحمّلوا تبعاته المكلفة ، نودّ أوّلا أن تبيّني لنا ظروف بيئتك ونشأتك قبل اعتناقك للإسلام ؟
ج : يصعب على المرء أن يتحدّث عن مجتمع كان يشكّل هو جزءاً منه ; لأنّه سيفتقد إلى الموضوعيّة ، وإن كان هذا الكلام سيثير بعض الاستهجان ، أقصد الحديث عن المجتمع الغربي ، إنّ عقلي وروحي أصبحا الآن مشدودين للإسلام وللمجتمع الإسلامي ، ولكن جذوري ترتبط بنظم المجتمع الذي فيه نشأت ، وأرى أنّ أموراً كثيرة فيه ليست متعارضة مع الإسلام أو مع ما يدعو إليه الإسلام . ربّما لأنّ عائلتي ليست صورة كاملة عن المجتمع الغربي ، ولا هي نموذج لعائلة غربيّة كما يتبادر للأذهان ، أو ربّما لأنّ بعدي الآن عن هذه العائلة يجعلني أرى ايجابيّاتها ، فحتّى في اللحظة المصيريّة لتحوّلي إلى الإسلام ، ورغم موقف أهلي المضادّ ، كنت أشعر باحترامهم وحمايتهم لي.
س : كيف كانت طبيعة علاقتك الأسريّة؟
ج : أعتقد أنّه منذ ولادتنا أو ربّما قبل ذلك كنّا بالنسبة لأبي أهمّ شيء في الوجود ، لم يكن قاسياً ، بل على العكس كان محبّاً ومتفهّماً ، ولم يتّخذ أيّ موقف تجاهنا ارتجالا ، بل كان يفكّر دائماً بمستقبلنا ، وعندما أقول المستقبل لا أقصد فقط الناحية المعيشيّة الاقتصاديّة ، بل المستقبل لأشخاص بالغين واعين ممّا كان يسمح لنا باتّخاذ القرار بحرّيّة وبناء حياتنا ، لهذا ومع أنّني ذهبت إلى مدرسة للراهبات منذ الثالثة من عمري ، وأمضيت هناك خمسة عشر عاماً من حياتي ، فقد
استطعت في لحظة معيّنة اتّخاذ القرار باعتناق الإسلام دون تدمير كلّ شيء ، ودون كره منّي لما أو لمن سبق من الأُمور والأشخاص الذين كانوا حولي وخاصّة والديَّ.
فمع أنّ هدفهما كان مختلفاً إلاّ أنّ تربيتهما وما علّماني إيّاه على استعمال عقلي وتهذيب طبعي خدمني كقاعدة وأساس لأتمكّن من سلوك الطريق الثابت والنهائي في حياتي ألا وهو طريق الإسلام والحمد للّه .
بدأت بالحديث عن عائلتي ولم أقل كيف هي ... عائلتي من الطبقة المتوسّطة العليا، عشنا في أحسن شوارع (برشلونة) في بيت كبير نسبيّاً ، جدّتي كانت تعيش معنا ، لأنّ أبي كان ابنها الوحيد ، كانت هناك خادمة في المنزل وهذا ما جعل أمّي تتفرّغ لنا بالكامل.
س: أنت طبيبة متخرّجة من الجامعة .. ولكن كيف أمضيت سنواتك الدراسيّة في المدرسة؟
ج: قلت سابقاً: إني ذهبت إلى مدرسة الراهبات في سنّ الثلاث سنوات ، لقد أرسلنا أبي إلى تلك المدرسة بعد أن فكّر جيّداً ، وقارنها مع باقي المدارس، ورأى أنّها الأفضل. تلقّيت في هذه المدرسة تربية جيّدة من الناحية الثقافيّة والروحيّة ، تربية مدعومة بالحياة العائليّة، بحيث لم يكن هناك أيّ تضارب بين البيت والمدرسة ليجعلني أرتبك أو يدخلني الشكّ ...
س: كيف يمكنك أن تضعينا في أجواء الظروف والدوافع التي حدت بك إلى اعتناق الإسلام ؟
ج: أعود إلى حياتي ، فلقد تركت المدرسة في سنّ 18 ، ودخلت لأدرس الطبّ في جامعة برشلونة ، وهو ما كنت أحبّه منذ صغري .. في السنة الثانية كان في الصف مجموعة من الطلاّب اللبنانيين يلفتون الانتباه بسلوكهم (الغريب) وطريقة تعاملهم فيما بينهم ، تعرّفت بطريقة الصدفة على أحدهم وهو (محمّد عسّاف) الذي
أصبح زوجي ، ثمّ على مجموعة أخرى من اللبنانيّين. كانت المرّة الأولى التي أتكلّم فيها أو أتعرّف على مسلم . في البداية كنت خائفة أو مرتبكة من علاقتي مع هؤلاء الناس ; لأنّ ما كنت أعرفه وأسمعه عن المسلمين أمور تدعو للخوف منهم أو أنّهم أغبياء! فكنت أقطع إلى الرصيف الآخر إذا شاهدت شخصاً بملامح عربيّة ; لأنّ العربي كان عنوان الهمجيّة والسرقة أو الاعتداء مع كلّ ما تبع من عدم النظافة والجهل .. هذا ما كنت أسمع به.
فلقد تعلّمت في المدرسة أنّ (اللّه) هو اسم ربّ العرب ، وكانوا بالنسبة لي قوماً متخلّفين ، لهم عادات وتقاليد غريبة ، عدا عن وضع المرأة التي ترتدي الزيّ الأسود ، وهي محجور عليها في البيت ، تُباع وتُشترى، وليس لها رأي في أيّ شيء. بالفعل أنّها صورة قاتمة للإسلام . اللّه هو الذي هداني للإسلام وليس أنا.
س: ماذا كان ردود فعل عائلتك ومحيطك على التزامك بالإسلام وشريعته؟
ج: بالرغم من أنّ عائلتي في البداية انزعجت كثيراً لذلك ، وبالخصوص بالنسبة للحجاب ، حيث كان لي معهم نقاشات ومواقف كثيرة ، كنت دائماً مطمئنّة ، كنت الوحيدة التي تضع الحجاب في وسط الملايين ، وما شعرت لحظة أنّي متعبة أو مضغوط عليّ رغم المعاناة ،بل على العكس كنت أريد أن ينتبهوا أنّي مسلمة.
عائلتي لم تفهم هذا وكانوا يقولون لي (هنا لا أحد ينظر إلى الشعر ، ليس مهمّاً أن تضعي الحجاب) ، وكان جوابي بأنّي لا أضع الحجاب من أجل الناس، بل أضعه من أجلي أنا ، ومن أجل اللّه ، صعب عليهم أن يفهموا أنّ فتاة (متحضّرة) طالبة طبّ تتغيّر بهذا الشكل ، ومع ذلك كانوا يرونني سعيدة ، وكانوا يرون أنّ الإسلام حسّن من تصرّفاتي معهم ، وكذلك بالنسبة لدراستي وكلّ حياتي بشكل عام ، ومع ذلك لم يتركوني في أيّ لحظة بل ظلّوا يشعرونني بأنّي ابنتهم !
س: على ضوء تجربتك الخاصّة في التعرّف على الإسلام ، ما هو الأسلوب
الأفضل للدعوة في المجتمع الغربي؟
ج: كان لي الحظّ الكبير باللقاء مع الشخص ـ زوجي ـ الذي فهم ويفهم الإسلام بمفاهيمه ، وليس فقط كمجموعة قوانين ومسائل يجب الالتزام بها ، لأنّ هذه القوانين وحدها نادراً ما تجعل غير المسلم ينقاد إلى الإسلام ، لهذا فإنّ الفرق بين العقليّة الغربيّة وما رأيته في لبنان كبيراً جدّاً ، فالمفردات التي تقنع الشرقي قد لا تعني شيئاً للغربي .. فمن أجل الدعوة للإسلام في الغرب هناك ضرورة أن يتولّى الموضوع أشخاص يفهمون المجتمع الغربي، وهم إمّا أن يكونوا غربيّين أو أن يتحلّوا بعقليّة منفتحة تمكّنهم من مخاطبة الغربي ودعوته إلى الإسلام .
يجب على المسلم أن يعرف ما هو الإسلام أوّلا ، ثمّ يلتزم به ثمّ يدعوا إليه .. ولكن مع الأسف فإنّ كثيراً من تصرّفات المسلمين خاصّة في الغرب ، لا تساعد الغربي على فهم الإسلام أو تعطيه انطباعاً حسناً عنه.
وأقصد بذلك أنّ كثيراً من المسلمين عندهم الإسلام حدث أو وجه من وجوه حياتهم التي تعوّدوا عليها ، وفي سلوكهم وفكرهم هم بعيدون كلّ البعد عن الإسلام كأيّ إنسان غير مسلم. فمن الضروري أن ينسى الناس كثيراً من عاداتهم ، ويفتحوا عقولهم على واقع الإسلام ، فليس كلّ ما تعلّمناه من أهلنا صحيحاً ومقدّساً.
يجب أن نستخدم منطق السلوك والقدوة أكثر من اللسان ، فالذي يصرخ ليس هو الذي يربح ، من يربح هو المتجانس مع ذاته ويكون في سلام مع اللّه ..
س: كيف تنظرين إلى واقع المرأة المسلمة اليوم؟
ج: أمّا عن المرأة بصراحة لا أعرف كيف أصنّف المرأة المسلمة اليوم .. هناك فوارق كثيرة ، والنساء عندهنّ نقاط قوّة ونقاط ضعف ، كما عند الرجال من الناحية الاجتماعيّة والسلوكيّة ، المرأة المسلمة قبل سنوات كانت تنظر إلى المرأة الغربيّة بحسد محاولة تقليدها بكلّ شيء ، واليوم بدأت مجموعات كبيرة من
النساء ترى أنّ قوّتها وكرامتها ومستقبلها بالإسلام وحده ، إنّها تدرس الإسلام; لتعرف حقوقها وواجباتها. بدأت تعرف أهميّتها كزوجة وأمّ ، وبدأت تعرف أهميّة ذلك في المجتمع ، وهي تبحث عن مكان لها في الجانب الروحي كما في الميدان الاجتماعي ، فالرجال والنساء يحتاجون للدعم والاحترام المتبادل ليتمكّن الجميع من تحقيق الهدف في المجتمع بنجاح وارتياح.
س: هل من كلمة أخيرة؟
ج: ما أبديته هو مراجعة مختصرة لمرحلة مهمّة من حياتي ، وآراء سريعة في هذا المجال ، فأنا مازلت أتدرّج في معرفتي للإسلام .
أطلب من اللّه العلّي القدير أن يستمرّ في إنارة قلبي كما أناره أوّل مرّة ، وأن يجعلني أحسّ بقربه ورفقته دائماً ، وأسأله أن يهدينا جميعاً ويقوّينا لنكون على الصراط المستقيم اليوم وفي عالم الخلود(1).
حديث زوجها عن تجربة استبصارها:
ذكر الدكتور "محمّد عسّاف" حول كيفيّة التقائه بالأخت زينب كسالس وكيفيّة تمكّنه من المساهمة في هدايتها إلى الصراط المستقيم :
بناءً لرغبة بعض الأخوة ، كتبت هذه التجربة لعلّها تضيف فكرة أو تقترح أساليب في آفاق العاملين وتدفعهم إلى الأمام .
أواخر عام 1977 قرّرتُ السفر إلى إسبانيا من أجل الدراسة والتخصّص في مجال الطبّ ، وأعترف أنّ ثقافتي الإسلاميّة في ذلك الوقت كانت سطحيّة تقتصر على معرفة الأحكام الضروريّة كالصوم والصلاة وبعض الأُمور الفقهيّة ، وهذا الحدّ من الثقافة ولو كان متدنّياً كان يعتبر في ذاك الوقت شيئاً مقبولا إلى حدّ ما على صعيد لبنان ، فقد تزامن مع بدايات الصحوة الإسلاميّة ، وأذكر حينها أنّ
1) عن مجلّة نور الإسلام : العددان (35 ـ 36) ، السنة الثالثة سنة 1413هـ .
وصيّة أبي لي قبيل السفر كانت قوله: "كن رجلا"! كما قيل لي: إحذر ففي الغرب كفر ونساء ، فأجبت بأنّي ذاهب رغم معرفتي بذلك ، ولدي الثقة بالنفس وروح التحدّي.
سافرت وأنا مصمّم على الصمود في مواجهة العادات الغربيّة من جهة ، وعلى الجدّ لتحصيل العلم الذي كنت أطمح إليه من جهة أخرى، ولا أنكر أنّ الدافع لذلك كان هو عنفوان الشباب والحماس أكثر من الاعتماد على عمق إسلامي في الفكر ، إذ إن التزامي وقرار السفر كانا قبل أن أتعمّق في ثقافتي الإسلاميّة كمعظم الطلاّب الذين عرفتهم حينذاك .
ولذلك وفي السنة الأولى ، وخلال تعلّمي اللغة الإسبانيّة بنيت مواقفي على قناعات تخلط مفاهيم الإسلام بالتربية الذاتيّة القائمة على القيم الإنسانية العامّة ، ممّا جعلني أقتنع وأردّد لنفسي وللآخرين بأنّي هنا في اسبانيا لهدف سام وليس للعبث والتلّهي ، أحترم بعض عادات هؤلاء القوم ، ولكنّي لن أدوس قدسيّة مفاهيمي الإنسانيّة في الأخلاق والفضيلة، حتّى كاد البعض هناك يعتبرني معّقداً.
وهذه كانت المواجهة الأهمّ ، فأنت جديد لا تفهم كلّ الأُمور في تلك البيئة المختلفة ، وتحتاج للآخرين لمساعدتك في كثير من المجالات، وهذا الأمر يساعد على فقدان السيطرة والتحكّم بمسار الكثير من الأُمور . مضت سنة كاملة في مواجهة الواقع الذي كنت في البدء أجهل تفاصيله ولا أملك كلّ وسائل القوّة في مواجهته ، فضلا عن عدم وجود أصدقاء مؤمنين ملتزمين يشدّون عضدي في البداية.
مواجهة التيّارات المضادّة:
تجربة غريبة مع مفاجآت في كلّ مجال شابتها أخطاء محدودة ناتجة عن قلة الخبرة وعن الوحدة في الغربة فضلا عن الجهل باللغة في البدايات ، ولو لم أكن أحمل في نفسي روح التحدّي تلك لرجعت في الشهور الأوائل، ولكنّي ثابرت
ودخلت بعدها إلى كلّيّة الطبّ في جامعة برشلونة ، وبالحقيقة شكّلت سنوات الجامعة الفترة المريحة لي حيث عملت مع بعض الاخوة الآخرين على إنشاء تجمّع للطلبة المسلمين ، وأسّسنا فيما بعد مكتبة أهل البيت(عليهم السلام)بهدف المساعدة على التحصّن مع الآخرين وبهم من خطر الضياع.
ولقد كانت الخطوة هذه إيجابيّة ومصدر ثقافة إسلاميّة لنا ، ومورد تجربة عمليّة قد أغنت ولا شكّ فكري وقناعاتي ، وساعد المكان والمكتبة على الحديث والنقاش حول كيفيّة التعاطي مع الإسبان خصوصاً الإحراج الناتج عن مسألة رفض مصافحة النساء ، وإيجاد مصدر للّحوم الشرعيّة، أو بديل عنها.
وصادف أن تركت زيارة أخ كريم لنا ـ لعمل تجاري ـ الأثر الكبير على واقعنا ، ودفعته بالاتّجاه الأصحّ ، وساهمت في تثبّتنا. فأحيت زيارته على الصعيد الشخصي في نفسي روح المثابرة والمبادرة ، كما تعلّمت منه أموراً شرعيّة وفقهيّة وفكريّة كنت أجهلها.
لقد كانت بداية اللقاء بين الأخوة في المكتبة من أجل الصلاة وتلاوة القرآن الكريم والأدعية وخاصّة دعاء كميل ، ولإنشاء تجمّع للطلبة المسلمين في برشلونة حفاظاً على أنفسنا من الضياع ، ثمّ تطوّر الوضع فيما بعد ليغطّي نشاطات ثقافيّة ، ودعوة للإسلام بالوسائل المتاحة ، وفي هذه الفترة كانت لي "شعارات" بل عبارات أردّدها تعبيراً عن قناعات ورؤية شخصيّة لبعض الأُمور ، فكنت أردّد مثلا: إنّ علينا أن نكون شجعاناً بإظهار إسلامنا عند التعرّف على الاسباني ، ليشكّل ذلك صدمة أو فرصة للآخر ، ليسأل فنشرح له ما نعرف عن الإسلام ، أو يشكّل إعلاناً صريحاً منك يلزمك ويساعدك في آن على الالتزام ودون تردّد بما يمليه عليك دينك ، لأنّي كنت أعتبر عدم التصريح بالهويّة الإسلاميّة منذ البداية يجعلك تتجاوز بعض الحدود الشرعيّة، أو يحرمك من فرصة الحديث عن الإسلام ، أو يكون ذلك متأخراً ودون فاعلية إن حدث.
أسلوب الدعوة والتبليغ:
كنت أركزّ على مبدأ الصدمة الأولى التي تحدّد اتّجاه العلاقة مع الطرف الآخر، وجعل عنصر المباغتة للغربيّ الذي يحمل صورة مشوّهة عنك وعن دينك ، جعل هذا العنصر لصالحك ، فالآخر لا يعرفك ولا ينتظر منك أيّ شيء غير عادي بالنسبة إليه ، ولكن عندما يعلم بأنّك مسلم ، يدفعه الأمر ليتحوّل إلى مستفسر، وأنت إلى موضّح ومعرّف لمفاهيم الإسلام !
لقد مرّت سنوات الدراسة في الجامعة مليئة بالأحداث ، فهي الفترة التي تعرّفت فيها حقيقةً على عقليّة الإسبان ، وأيضاً على الطلاّب اللبنانيين والعرب الذين كانوا قد تأقلموا تماماً مع ذلك المجتمع من غير تفكّر أو تمايز.
وإنّ من المفارقات الغريبة أن أكون سابقاً من دعاة رفض التعاطي مع الإسبان، والزواج من بناتهم ، ثمّ أكون أوّل من تزوّج إسبانية تضع الحجاب وتسلم لربّ العالمين.
قصّة زواجي مع "كسالس":
وقصّتي مع زوجتي الحاليّة أنّي قد تعرّفت عليها ضمن مجموعة من الطلاّب الذين تناولنا وإيّاهم الأحاديث العامّة، والاستفسارات عن عاداتنا وديننا، فيما أنا كنت أسهب في الشرح حول تاريخنا وجغرافيّتنا ، وحول مميّزات الإسلام الأساسيّة، ولقد كانت تصادفني مشكلة مهمّة ، فأنا لا أعرف ولا أهتمّ بكلّ المواضيع العاديّة التي كانت موضع حوار بينهم ، فلا أقرأ مجلاّتهم ، ولا أتابع تفاصيل الرياضة لأتحدّث عن كرة القدم أو غيرها ، ولذلك كنت أنتهز الفرصة عند أيّ سؤال للخوض في الحديث عن مجتمعنا وديننا، لدرجة أنّي في بعض الأحيان كنت مملاّ لا ألتفت إلى أن لا أحد يهمّه الموضوع مثلي!
ثمّ تكرّرت اللقاءات والنقاشات بيني وبينها بالذات ، وفي كلّ مرّة كانت المواضيع تتشعب حتّى عرفت أنّها مسيحيّة ملتزمة بمسيحيّتها ، فهي متخرّجة من
مدرسة راهبات للبنات ، وهنا انحصر النقاش في الجانب الدينيّ الاعتقاديّ البحت ، ممّا ساعد على الاتفاق على أمور متعدّدة ومسلّمات كالإيمان باللّه والأنبياء والملائكة والآخرة والحساب وغير ذلك ، باستثناء موضوع التثليث حسب العقيدة المسيحيّة.
وأذكر أنّه عندما سنحت لي الفرصة المؤاتية لأخبرها بعدم جواز مصافحة الرجل للمرأة بعد أن كنت أتحاشى هذا الموقف، انطلق نقاش جديد عن علاقة الرجل بالمرأة، ونظرة الإسلام ورؤيته حول المرأة وعلاقتها بالرجل ، وهنا وفّقني اللّه تعالى فكانت حجّتي واضحة وعمليّة، ومفهومة للإنسان الغربيّ، وبلغته الاجتماعيّة.
بعد ذلك لاحظت أنّ تغييراً قد حدث ، وأنّ سهولة الموافقة على طرحي قد زادت حتّى ظننت أنّها لا تملك الحجج مثلي ، وأنّها تحاول تجنّب مناقشتي، أو أنّها تريد إرضائي بإظهار الموافقة ليس إلاّ ! ولكن على كلّ حال هذا الأمر جعل الحوار أكثر هدوءاً ، ولم أعد أحسّ بلهجتها المتعصّبة لدينها بعد أن كنت قد تجنّبت الحديث عن المفارقات بين الإسلام والمسيحيّة; لتجنّب إثارتها وتنفيرها.
وفي إحدى الأمسيات وبعد عودتنا من المكتبة العامّة حيث كنّا ندرس ، وعند باب منزلها وقفت فجأة ودون أيّ مقدّمة لتقول لي بكلّ جدّية : "أتعرف؟ إنّك جعلتي لا أنام الليل، وأنا أفكّر بمسألة التوحيد ، أظنّ أن ما قلته هو الحقّ، وأنّ اللّه واحد كما تقول، أعترف أنّ اللّه واحد ولا إله غيره ، ولكن بالنسبة لمحمّد لا أعتقد بأنّه نبيّ".
وفي الحقيقة لقد سمعت كلماتها ، ورأيت ملامح وجهها ، وارتجاف صوتها فغمر قلبي الهدوء والفرح والدهشة في آن واحد فقلت لها : لا بأس يكفينا الآن إيمانك بأنّ اللّه واحد لا إله غيره ، أمّا عن محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فسنتحدّث لاحقاً.
ثمّ مرّت الأيّام والأسابيع ، وكنّا نتابع الموضوع ، ولكن لزيادة معلوماتها
عن الإسلام ، فلم يعد حديثنا نقاشاً إنّما سرد معلومات وأحاديث ..
الصدمة الكبرى:
كل هذا وأنا ما زلت أظنّ أنّها تسايرني; لأنّي قويّ بقوّة الإسلام ، وليس لها قدرة على مناقشتي ! ربّما كانت تفكّر بأنّي مملّ وعنيد ، ولا مواضيع عندي غير الدين الإسلاميّ ، وتاريخ المنطقة ، وزاد تأكيد ظنّي بأنّها أخذت تسايرني عندما بدأت تلبس الثياب الطويلة رغم وجود الصيف، وجاءت الصدمة الكبيرة لي عندما أتت مرة إلى المكتبة حيث كنت أدرس; لتطلب منّي مرافقتها إلى البيت والسبب أنّها تريد وضع الحجاب ، ولا تريد أن تخرج بالحجاب لأوّل مرّة وحدها إلى الشارع ، يشهد اللّه أنّي لم أستطع فهم ما يجري ، فتاة اسبانية .. خرجنا وكنت أنا المرتبك وليست هي ، تصرّفت في الشارع ومع من كنّا نلتقي به في المكتبة وكأنّ كلّ شيء طبيعي ، وكأنّها كانت تضع الحجاب طول حياتها .. أمّا أنا فكنت أرى أن كلّ شيء ينظر إلينا ! ولكنّي تأكّدت أنّي كنت مخطئاً بالحكم عليها ، وعرفت أنّ اللّه قد هداها ، وأنّها أثبت منّي على الإسلام ، وعرفت منها أنّها في الفترة الأخيرة السابقة كانت تحفظ الأحكام ، وتتعلّم الصلاة من كتيبات كانت بحوزتها دون أن تخبرني!
كان الأمر بمثابة صدمة بالنسبة لي وللاخوان الذين لم يصدّق البعض أنّها كانت في الشارع بالحجاب .. فيما آخرون توقّعوا أن تخلعه خلال أيّام أو أسابيع .. ولكنّي كنت على يقين تام بأنّ ذلك ثابت فقد كنت عرفت شخصيّتها جيّداً.
هذا ما أصابني وأصاب الأخوة ، فكيف كان ذلك بالنسبة لأهلها؟
ردود فعل الأهل:
رجع الأهل بعد عطلة نهاية الأسبوع ليجدوا ابنتهم ترتدي الحجاب مع كلّ مظاهر المرأة المسلمة ، فقد كانوا يعلمون بارتدائها اللباس الطويل ، وبأنّها لا تأكل
اللحوم ، أمّا أن تلبس الحجاب فهذا أمر له تبعاته الاجتماعيّة والعائليّة ، ولم يجدوا له مبرّرات أو تفسيرات ، ممّا أدار النقاشات بينهم بكلّ حدّة فأخذت الموقف المحايد ، ولم أدخل على خطّ التوتّر الدائر بينهم على أساس أنّ الموضوع يجب التفاهم عليه ضمن العائلة ، وبقيت أتجاهل هجومهم لإثارتي وأترك الردّ لها ، فهي ابنتهم بالنهاية برغم صداقتي معهم ، واتّخذ عدم تدخّلي المباشر ـ رغم تعمّد إقحامي ـ بعداً إيجابيّاً ممّا زاد من رباطة جأشها إلى أقصى الحدود ، ولم أعرف كيف استطاعت الصبر على ذلك لولا جوابها لي في إحدى المرّات ـ عندما كنت أوضّح لها استغرابي لطريقة اساءاتهم لها ـ حيث أجابتني بقولها: "ألست تقول أنّ اللّه يحاسب في الآخرة؟ وأنّ علينا أن نحترم أهلنا على أن لا يضلّونا؟".
اطمأنّ بالي لحسن إدارتها للأمر مع أنّه حقّاً كان شيئاً صعباً بالنسبة لهم ، فهي ابنتهم ، ويخافون عليها بسبب ما وصلهم عن العرب من أنّهم يحتقرون المرأة ، ويقفلون عليها الأبواب ، وأنّها تباع وتشترى ، وبأنّ ذلك مقدّمة لتركهم إلى بلاد بعيد ومجتمع جاهل ومتخلّف!
والأمر الثاني هو أنّ أهلها أرسلوها إلى مدرسة راهبات للبنات لتتلقّى أفضل تربية مسيحيّة دينيّة ودنيويّة ، وها هم اليوم وقد تحوّلت ابنتهم إلى دين آخر لا يعرفون عنه شيئاً. أضف إلى ذلك نظرات الأقارب وأسئلتهم وموقف الأهل الضعيف أمامهم! فلو اقتصر أمر إسلامها على أن لا تأكل اللحم ، وأن تصوم وتصلّي ، لقبلوا ذلك منها ولو على مضض ، ولكن أن لا تصافح الأقارب باليد ، وأن ترتدي الحجاب ، ولا تحضر الولائم لوجود الخمرة ، فهذه أمور خطيرة وصعبة لا يمكن لهم أن يتحمّلوها.
لقد كان صراعاً صعباً ، إنّها ابنتهم ، وهذا "المسلم" لا يملكون أيّة تهمة ضدّه ، ولذا استمر الهجوم عليها وحدها ، فهي "البلهاء" التي لا تعرف ماذا تفعل ، وفي الوقت نفسه كانوا يرون أنها سعيدة وإيجابيّة وخلوقة معهم أكثر من ذي قبل ،
وأنّها لم تتخلّ عنهم رغم الضغوطات مع أنّ الفرصة والحرّيّة متاحتان لها في ذلك في عرف مجتمعها وعاداته.
حاول والدها مرّة أن يحدّثني بكلّ جدّية عن الموضوع بطريقة "رجل لرجل" ، فبادرني بالقول إن كان هذا مقبولا بالنسبة لي ، وما كنت لأفعل لو كنت مكانه؟ فأكّدت له مفاجأتي الكبيرة بقرار ابنته ، وأنّي لست وصيّاً عليها لأن تضع أو تخلع الحجاب ، وأنّي لم أتوقّع من إسبانيّة في تلك الفترة أن تفعل ذلك ، وذكّرته بالشعارات والمبادئ عن الحرّيّة وحقوق الإنسان التي يرفعونها في مجتمعاتهم ، فارتاح لذلك ، ثمّ أضفت له بأنّه لو سألني عن رأيي بالحجاب ، لقلت بأنّي أفضّل ليس أن تلبس ابنته فقط الحجاب ، بل أن تفعل ذلك زوجته وكلّ نساء العالم; لأنّ في ذلك سلامة للمرأة ، وعافية للإنسانيّة.
بقيت الأُمور كذلك حتّى ذهب والدها إلى الكنيسة ليشكو أمره ، ويجد حلاّ عند راهب هناك طاعن في السن ، فقسى الراهب عليه وحمّله المسؤولية لغبائه ! ولكنّه عاد فاستشار راهب القرية الذي طمأنه "بأنّ ذلك أيضاً يوصل إلى الخلاص".
وبعد عقد قراني عليها تمتّنت العلاقة معهم أكثر .. بل أصبحت حميمة يسودها الودّ والاحترام المتبادل . وبتّ أنا أشكر اللّه على هدايتها على يدي من جهة ، وأشكره لما وفّقني للصبر والمثابرة اللذين حافظت بهما على ديني وكرامتي، وعلى واقع إخوتي هناك ثمّ أسرتي المسلمة الجديدة(1).
1) مجلّة نور الإسلام ، العددان 45 و 46 ـ السنة الرابعة ـ شهر رمضان وشوّال 1414هـ .
الصورة
ولدت في مدينة "برشلونة" بإسبانيا ، ونشأت في عائلة مسيحيّة ، ثمّ اعتنقت الدين الإسلاميّ وتمسّكت بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) متأثّرة في ذلك بإسلام عدد من أصدقائها ، ولقائها بأحد المسلمين اللبنانيّين.
وفيما يلي تتحدّث الأخت "ماريّا سلفادور" عن نفسها قبل وبعد الاستبصار في حوار أجرته معها مجلّة "نور الإسلام" عندما كانت مقيمة مع زوجها اللبناني الدكتور "محمّد بشير" في منزلها الكائن في ضاحية بيروت الجنوبيّة:
س: نودّ في البداية أن تعرّفينا على نفسك وعلى ظروفك العائليّة والدينيّة قبل اعتناقك للإسلام
ج: نعم ، أنا إسبانيّة، ولدت ونشأت وتعلّمت في مدينة "برشلونة" الإسبانيّة الشهيرة ، وقد كنت أعيش ضمن عائلة صغيرة تتكوّن من ثلاثة أبناء بالإضافة إلى الوالدين .. حياتنا كانت عاديّة على الصعيد الاجتماعي.
أمّا على الصعيد الديني ، فصحيح أنّنا كنّا ننتمي للدين المسيحي بحكم المجتمع والبيئة ، إلاّ أنّنا جميعاً وكأكثر العائلات لم نكن نهّتم بأيّ من تعاليمه ، ولم نكن نمارس أيّ طقس من طقوسه الدينيّة ، وهذا عائد إلى أنّ الدين قد فقد
الاهتمام به في (أوروبا) بشكل عام إلاّ في بعض المظاهر الخارجيّة.
س: ماذا كانت فكرة العائلة والمحيط عن الدين الإسلامي ؟
ج: مع أنّ إسبانيا في عمقها وتاريخها كانت بلداً إسلاميّاً لعدّة قرون ، فإنّه وبسبب التجاهل المتعمّد لهذا التاريخ لم نكن نسمع بالإسلام أبداً ، ولم نعرف عنه شيئاً ، ولقد تفاجأنا تماماً حين تعرّفنا عليه وعلى ما يتضمّن من عقيدة سامية وتشريع ، إذ كانت تسود في محيطنا فكرة أنّ الدين الإسلاميّ دين غير جدير بالاهتمام ، دين متخلّف ، وأنّ العرب والمسلمين قوم متخلّفون بدائيّون ، دينهم دين إرهاب وتعصّب ، وهذا الفهم كان بسبب التوجيه الخاطئ المتعصّب المقصود.
س: المناهج التعليميّة لديكم ألم تكن تشير إلى الدين الإسلامي ؟
ج: مطلقاً ، لم تعن مدارسنا سابقاً بالإشارة إلى هذا الدين أو التعريف عنه ـ هذا سابقاً ـ أمّا الآن فقد تغيّر الوضع تماماً ، حيث أصبحت المناهج تتضمّن معارف عن الإسلام والعادات والتقاليد الإسلاميّة ، وهذا يرجع إلى الانتشار الإسلامي الجديد والكثيف بيننا.
س: حدّثينا بشكل مفصّل عن الظروف التي تعرّفت من خلالها على الإسلام وعلى دوافع اعتناقك له؟
ج: في البداية كانت تربطني علاقة صداقة قويّة بعدد من الشبّان والشابّات الإسبان الذين كانوا يعتنقون الدين المسيحي شكليّاً مثلي ، ثمّ بعد فترة وجيزة ، بدأت أُفاجأ حين ألتقي بهم بالتغيّرات التي أخذت تطرأ على طرق تفكيرهم وسلوكهم ، وتوصّلت في النهاية إلى معرفة السبب ألا وهو اعتناقهم الدين الإسلامي بعدما اطّلعوا عليه ، وقد صدمني هذا الأمر ودفعني إلى كثير من التساؤلات خاصّة بعد ارتداء بعض صديقاتي الزيّ الإسلاميّ والحجاب ، فأخذت أُلاحقهنّ بكثير من الأسئلة عن سبب هذا التصرّف وجدوى هذا الحجاب، فانحصرت الإجابة عندهنّ بأن أفعل مثلهن وأتعرّف على الدين
الإسلاميّ من خلال المنتمين إليه .
وبعد عدّة محاولات من صديقاتي بدأت أتردّد معهنّ إلى المركز الإسلاميّ لأهل البيت(عليهم السلام) في "برشلونة" ، وهناك كنت أستمع إلى بعض الأخوة الذين كانوا يبيّنون المفاهيم والعقائد الإسلاميّة ويجرّون النقاشات حول الإسلام .
ولقد جذبني القرآن الكريم بشكل خاص، وبدأت قراءته باللغة الإسبانيّة ، ولقد أحببت كثيراً ودائماً الذهاب إلى المركز لتلقّي الدروس الإسلاميّة ، فبدأ ينمو في صدري نور جديد ويدخل في أعماقي، وقد ارتحت له كثيراً وسررت جدّاً بهذا الإيمان الجديد.
ولكن صراعاً بدأ ينشأ في داخلي ، من جهة حبّ اعتناق الدين الإسلاميّ ومن جهة أخرى الخوف من مواجهة أهلي ومجتمعي ، فكنت خائفة وفرحة في آن واحد ، فقد أصبحت أريد هذا الدين بكلّ قواي ، ولكن كان من الصعب عليّ أن أُجاهر بالالتزام به على أنّني عزمت على اعتناقه سرّاً بدون معرفة أهلي ، وبدأت أطبّق الكثير من شرائعه كالامتناع عن أكل اللحوم غير الشرعيّة ، ممّا دفع والدتي إلى سؤالي عن السبب، وكان التبرير بأنّي لا أرغب في أكله دون أن أزيد .. فكان أهلي يفاجؤون دون أن يفهموا شيئاً ممّا طرأ لي.
وبعد فترة غير طويلة لم أعد أقدر على إخفاء اعتناقي للإسلام; لأسباب كثيرة منها: عمليّة النجاسة والطهارة في المأكل والملبس ، الوضوء ، القيام بالصلاة في أماكن غير طاهرة ، فاعترفت عندها لأهلي بأنّني اعتنقت الدين الإسلاميّ ، ولكنّهم في أوّل الأمر لم يفهموا شيئاً من قولي ذلك ، لأنّهم ما كانوا يعلمون بماهيّة الدين الإسلاميّ، وما يطلّبه من اتباعه ، وبعد ذلك مررت بفترة عصيبة مع أهلي ; لأنّهم وقفوا في وجهي يعارضون قضيّة إسلامي، خاصّة ارتدائي الحجاب ، حيث اعتبروني خارجة على المدنيّة.
ثمّ ما لبثت أن تعرّفت على زوجي (الدكتور محمّد بشير) في المركز
الإسلامي حيث كان يعطي دروساً بالفقه والتجويد واللغة العربيّة، ومررنا بفترة طويلة دون أن تكون هناك علاقة غير عاديّة بيننا .. بعدها فاجأني بطلبه الزواج منّي في الوقت الذي كان يكمل فيه دراسته للطبّ ، ولما عرّفت أهلي بالقصّة سرعان ما وافقوا عليه ، ذلك لأنّهم كانو يعرفونه وكانوا يعجبون بأخلاقه وبعلمه . حصل هذا بعدما خفّت حدّة المشاكل بيني وبين أهلي وأصبحوا يتفهمون وضعي بحكم الواقع ، فباركوا زواجي منه ، وهذا ما وفّر لي جوّاً مريحاً كي أمارس التزامي بالإسلام كما هو المطلوب.
وما لبثنا أن انتقلنا إلى لبنان بعد أن أنهى زوجي دراسته لنستقرّ فيه نهائيّاً.
س: ما الشيء الذي لفت نظرك كمسيحيّة سابقاً في الدين الإسلامي ؟
ج: الروحانيّة الإلهيّة الصافية والوضوح ، والسهولة في فهم عقيدة الإسلام وتشريعاته الواقعيّة هي الأُمور التي أشعلت قلبي بهذا الدين ، وهذا ما لم أكن أحسّ به قبل الإسلام .. والصلاة خاصّة بمعناها ومغزاها ، حيث الحضور والاتّصال المباشر باللّه تعالى بدون وسطاء قد جذبتني وجعلتي أحسّ معنى الدين وضرورته.
كنت أقارن ذلك بما كان يحدث لنا ونحن صغار حيث كنت طفلة في الثامنة من عمري، وكان الأب في الكنيسة يقابلنا ويطلب منّا الاعتراف بالأخطاء التي ارتكبناها. فما هي يا ترى الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها ابن الثامنة؟! والتساؤل كان لماذا علينا الاعتراف له هو؟ فكنّا نرتعب ونخاف منه الشيء الذي كان يبعدنا عن هذا الدين.
س: من هي الشخصيّة الإسلاميّة التاريخيّة التي أثارت انتباهك ؟
ج: كلّ الشخصيّات الإسلاميّة الرائدة النقيّة تأثّرت بها: بدءاً من الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى فاطمة الزهراء(عليها السلام) والإمام علي(عليه السلام) وإلى جميع أهل البيت(عليهم السلام)والصحابة الطيّبين ، حيث كان لكلّ واحد منهم دور كبير في نشر الإسلام ، خاصّة
فاطمة الزهراء(عليها السلام) سيّدة نساء العالمين التي كان لها دور كبير في المسيرة الإسلاميّة بالنسبة للمرأة ، ولشدّة ما تأثّرت بمأساة "عاشوراء" و"واقعة كربلاء" حيث دخلت هذه الثورة إلى أعماق روحي ، وزادتني تعلّقاً بهذا الدين وبآل البيت(عليهم السلام) ، وخاصّة بأبي عبداللّه الحسين(عليه السلام) ذاك الرجل العظيم الذي ذُبح وعُذّب مع آل بيته فداءً للدين الإسلاميّ .
س: إلى أيّ مدى أحسست بالطمأنينة والراحة الداخليّة بعد اعتناقك الإسلام ؟
ج: عرفت الكثير من المشاكل في حياتي ، وكلّها اختفت تدريجيّاً بعد معرفتي بالإسلام والالتزام، وإحساسي القويّ بالتسليم لأمر اللّه تعالى ومشيئته.
س: على صعيد العلاقات الاجتماعية هل تشعرين بالفارق لدى ملاحظتك لعلاقة المسلمين ببعضهم مقارنة مع العلاقات الاجتماعيّة القائمة في الغرب؟
ج: نعم ، خاصّة على صعيد المرأة ، حيث إنّ نظرة المجتمع الغربي للمرأة فيها تمييز وتجاهل لدورها الإنسانيّ ، إذ تفضّل المرأة الجميلة على ما عداها ، حيث تتاح أمامها كافّة المجالات ، وهذه نظرة غير إنسانيّة تشعر الكثيرات بالكآبة ، بينما نجد الإسلام قد أعطى المرأة حقّها كاملا في كلّ شيء إذ يعظّم المرأة ويحترمها ويقرّ المساواة بين جميع النساء مع إعطائهنّ حرّيّة مدروسة ومنطقيّة.
س: على ضوء تجربتك ما هي الطريقة الأفضل التي يمكن للداعية المسلم أن يتّبعها عندما يريد أن يدعو للإسلام في الغرب ؟
ج: لابدّ أن يضع الداعية في حسابه أوّلا صعوبة الدعوة في الغرب بسبب الإشاعات والدعايات المضادّة التي تصل دائماً إلى بلادنا عبر وسائل الإعلام عن الدين الإسلاميّ ، وهي في غالبها مشبوهة وباطلة ، ولكنّها تجعل حاجزاً بين الإنسان الغربيّ والإسلام ، فبالصبر والقدوة الصالحة وقوّة الإقناع يمكن أن ينال الداعية حظّاً من النجاح ، وهنا عليه أن يفهم عقليّة الإنسان الغربيّ حتّى يستطيع
أن يأتيه من الباب الصالح; ليحصل على نتيجة طيّبة ، ومن الواجب أن توجد في كلّ بلد أجنبي غير مسلم مراكز إسلاميّة ثقافيّة مفتوحة تساعد وتمهّد للناس سبل التعرّف على الإسلام .
س: كيف تقيّمين وضع المرأة المسلمة اليوم؟
ج: المرأة هي ركن أساسيّ في المجتمع الإسلاميّ ، فالمرأة أساس البيت الصالح والمجتمع الصالح ، فمن واجباتها تربية أطفالها تربية حسنة ، وأن تشيع في البيت جوّاً إسلاميّاً سليماً يحصّن العائلة من العوامل المضادّة.
وأعتقد أنّ المرأة المسلمة أصبحت واعية جدّاً اليوم لهذا الدور التربويّ الإسلاميّ الملقى على عاتقها ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية فإنّ ما يدعو للأسف أن نجد كثيراً من نساء المسلمين قد غرّتهن الحياة الغربيّة الفاسدة المفسدة، فأصبحن يقلّدن المرأة الغربيّة في كلّ شيء .. وهذا يتطلّب عملا مضاعفاً من الجميع كي يمكن إعادة هؤلاء إلى طريق الصواب الذي رسمه لهنّ الإسلام .
س: هل من كلمة أخيرة تحبّين توجيهها؟
ج: أدعو اللّه تعالى كي يفتح عقول وقلوب الناس هنا وهناك على طريق الإسلام ; لأنّه الوحيد الذي ينتشل الإنسانيّة ممّا بها من مشاكل ومصائب وأمراض ، ويفتح أمامها درب السعادة في الدنيا والآخرة ، كما أدعو العاملين للإسلام كي يضاعفوا جهودهم لنصرة هذا الدين ونشره في الآفاق وأن يبقوا معتصمين بالوحدة والأخوّة الإسلاميّة(1).
1) مجلّة نور الإسلام : العددان (37 و38) السنة الرابعة محرّم وصفر 1414هـ . (بتصرّف) .
الصورة
مرّت ترجمتها في : (1/505) من هذه الموسوعة.
ونضيف هنا سائر ما حصلنا عليه عنها:
أجرت مجلّة "نور الإسلام" مع "مونتسدات روفيرا" حواراً تحدّثت فيه عن كيفيّة إسلامها ،نورده فيما يلي:
س: هل لك أن تعرّفينا عن نفسك ؟
ج: نعم بكلّ سرور .. إسمي "مونتسدات بايا روفيرا" ، وقد إتخذت اسم "زينب" بعد الإسلام ، من منطلق إعجابي بالسيّدة زينب(عليها السلام) وشخصيّتها الفذّة .. ولدت في مدينة "برشلونة" الإسبانيّة من عائلة مسيحيّة عاديّة، تجهل أيّ شيء عن الإسلام سوى ما تسمعه من أنّ المسلمين كان لهم تاريخ حافل في هذا البلد ، كما تحمل نظرة مشوّهة عنهم وعن الإسلام كما هو حال الأوروبيّين بشكل عام .. كنت أتابع دراستي كقابلة قانونيّة عندما اهتديت للإسلام، حيث تعرّفت بعد ذلك على زوجي المسلم اللبناني، وانتقلت معه للعيش في لبنان، وأنا إلى جانب واجباتي الأسريّة أخصّص وقتاً مهمّاً للاطّلاع أكثر على الإسلام من أجل أن أصبح قادرة على التبليغ والدعوة إلى اللّه كما هو واجب كلّ مسلم.
س: قبل اعتناقك للإسلام ، هل كان لديك تساؤلات إيمانيّة حول معتقدك الدينيّ السابق ؟
ج: قبل أن أهتدي للإسلام كنت دائماً أحسّ بأنّ شيئاً ما ينقصني ويدفعي للتساؤل . كنت أعتقد بأنّ اللّه موجود، وأنّه خالق كلّ شيء، ولكن نظرة المسيحيّة للّه لم تكن تقنعني ، ولم أكن أتقبّل مسألة التثليث وألوهيّة عيسى(عليه السلام)، ولذا كانت الحيرة تلازمني من هذه الجهة ، ولم تزل عن عقلي إلاّ بعد أن أطلعت على عقيدة الإسلام التوحيديّة المطلقة، ونظرتها المتكاملة الواضحة للّه تعالى والتي يسهل على المرء المتفتّح العقل أن يقبلها ويقتنع بها ، شأن كلّ المسائل العقيديّة الأخرى في الإسلام التي تخلو من الأسرار التي هي فوق العقل والتي على المرء أن يؤمن بها بدون جدال فهذا ليس موجوداً في الإسلام .
س: كيف كانت بداية طريقك نحو الإسلام ؟
ج: كانت لي صديقة إسبانيّة قد تعرّفت على الإسلام قبلي ، وهذه الفتاة كانت تأتي لزيارتي بين فترة وأخرى ، وكنّا كلما التقينا تحدّثني عن الإسلام، وتشرح لي عقيدته ومزاياه، وقد أحضرت لي مصحفاً وبعض الكتب الإسلاميّة . عندها بدأت أقارن بين القرآن والإنجيل ، فوجدت اختلافاً تامّاً بينهما ، وأيضاً وجدّت تناقضاً بين العهد القديم والعهد الجديد ، فالعهد القديم ـ مثلاً ـ يقول للنبيّ موسى(عليه السلام) قل للناس هذا حرام ، والعهد الجديد يقول للنبيّ عيسى(عليه السلام) قل للناس عكس ما قيل للنبيّ موسى(عليه السلام) ، أي افعلوا ما تشاؤون ! . ، كانت هذه المسألة وأمثالها تتضّح لي يوماً بعد يوم، وعلى العكس من ذلك كنت كلّما توسّعت بقراءة الكتب الإسلاميّة ، أجد حلولا وأجوبة مقنعة للمسائل العقيديّة والتشريعيّة التي أبحث عنها .. ثمّ بدأت ألتقي بعد ذلك بأشخاص مسلمين ملتزمين ، ومن خلالهم اطّلعت أكثر على الإسلام وعلى العادات الإسلاميّة، فحصل لديّ اقتناع تامّ، وهكذا أشهرت إسلامي .. ولكن أقول: ليس سهلا اعتناق الإسلام، بل الأمر يحتاج
إلى جهد كبير وإرادة صلبة خاصّة لمن نشأ في مجتمع غربيّ ماديّ، ولكن مع الصبر يصل الإنسان إلى ما يريد خاصة وأنّ الجائزة كبيرة جدّاً وهي سعادة الدنيا والآخرة.
س: ما كان وقع اعتناقك للإسلام على أهلك ومحيطك وما هي المشاكل التي صادفتك بسبب ذلك ؟
ج: بالنسبة لوضع الأهل والأقارب والناس حولي بشكل عام ، كان من الطبيعي أن يرفضوا الإسلام .. مع أهلي كانت هناك مشاكل كثيرة في بادئ الأمر ، مثلا : كانوا يقولون لي : إنّنا عائلة مسيحيّة وإذا أسلمت سيبدأ الناس بالكلام علينا.
لم أعتن بهذا الكلام; لأنّني كنت قد اعتنقت الإسلام ، ولكن وضع أهلي عموماً كان يختلف عن بقيّة الناس ، فكانوا يحافظون عليّ ، وعندما صمّمت على الإسلام قبلوا ذلك طبعاً بعد جهد ومناقشات.
وبعد الإسلام كنت أواجه مشاكل في البيت ، تعود إلى مسألة الطهارة والأكل والمحرّمات الموجودة ، ولكن مع الوقت تعوّد أهلي على عاداتي الإسلاميّة الجديدة ، وأصبحوا يتفهّمون وضعي، ولكن معاناتي مع الأقارب والناس في الشارع كانت أصعب ، فكنت كلّ يوم أواجه مشاكل وأسمع كلاماً منهم لا يحتمل ، ولكن عندما يشعر الإنسان أنّ اللّه معه لا يهتمّ لكلام الناس وأذاهم .
س: هل تغيّر وضعك النفسي بعد الإسلام ؟
ج: بعد اعتناق الإسلام عن وعي ، يحسّ الإنسان باطمئنان كبير كان يفتقده قبل ذلك ، خاصّة إذا كان يعيش في مجتمع تسود فيه القيم الماديّة كالمجتمع الذي عشت فيه، وأنا أحسست بالراحة النفسيّة عندما لامستْ روحي شفّافيّة الإسلام المتجلّية في عقيدته السمحاء، وعباداته التي تنمّي الروح الخيّرة المحبّة الصادقة في الإنسان ، فتغيّرت نظرتي للمجتمع وللكون والحياة تبعاً لذلك ، فأصبحت أكثر
تفاؤلا ورغبة بالعمل من أجل الغير.
س: على ضوء تجربتك الخاصّة ، ما هو برأيك الأسلوب الأفضل لدعوة الآخرين إلى الإسلام ؟
ج: أعتقد أنّ كلّ شخص أو فئة من الناس يحتاج إلى أسلوب خاصّ في التحدّث معه عن الإسلام ودعوته إليه ، فإذا كان الشخص يعترف بوجود اللّه يكون الكلام معه أسهل ، بخلاف الملحد ، فالمعترف بوجوده تعالى يمكن أن تحدّثه عن خلق العالم وعن الأنبياء والكتب السماويّة، ويمكن أن تقدّم له مقارنة بين القرآن والإنجيل ، وتبيّن له صلاحيّة الإسلام لحلّ مشاكل البشريّة وهكذا ، والملحد أيضاً عليك أن تقرّب فكرة اللّه والدين من ذهنه وتبيّن له التناقض الفكر الماديّ .
س: كما هداك اللّه للإسلام ، فإنّ الإسلام يحفّزك على أن تعملي على هداية غيرك ، فما هو الدور الذي تقومين به حالياً أو تنوين أن تقومي به على هذا الصعيد؟
ج: إنّني حاليّاً أسعى لتعلّم اللغة العربيّة بشكل يمكّنني من دراسة وتفهّم الكتب الإسلاميّة، وخاصّة القرآن الكريم ، حتّى أصل إلى هدفي الذي أقوم به بشكل جزئي الآن ، وهو العمل على دعوة الفتيات غير المسلمات بشكل خاصّ، والناس بشكل عام للإسلام ، وأحكي لهم قصّتي وتجربتي نحو الإسلام حتّى يعرفوا أنّ الإسلام أفضل شيء في الوجود وأفضل شيء يمتلكه الإنسان في حياته.
كما أودّ أن أخاطب الفتيات المسلمات المبتعدات عن الدين بسلوكهن بسبب الانحرافات الخطيرة الموجودة في المجتمعات الإسلاميّة ، لأبيّن لهنّ الفرق بين أن يكون الإنسان مسلماً حقيقيّاً يتمتّع بنعمة الإسلام والإيمان ، وبين أن يكون غير ذلك ، وقد لاحظت أنا هذا الفرق وعايشته.
س: ما رأيك بوضع المرأة المسلمة في البلاد الإسلاميّة عموماً؟
ج: عليّ أن أميّز بين وضعين للمرأة المسلمة في البلاد والمجتمعات الإسلاميّة ، فهناك المرأة الملتزمة المتقيّدة بتعاليم الإسلام من حيث الستر والسلوك والاهتمامات الإسلاميّة العامّة ، ففي بعض البلاد الإسلاميّة تلقى المرأة المسلمة اهتماماً خاصّاً من قبل السلطات الرسميّة المتبنّية للشريعة الإسلاميّة بشكل خاص .
وعموماً توجد نهضة مباركة للمرأة المسلمة في العالم الإسلامي في مختلف المجالات من حيث الالتزام الشرعي ، والتعليم والوعي لدورها ، وهذا مدعاة للارتياح مع أنّي أرى أنّ هذه المسيرة ما زالت في بدايتها ، وعلى المرأة أن تتابعها لما فيه مصلحة الإسلام والمرأة والمجتمع .
وفي جانب آخر نرى أعداداً كبيرة من النساء والفتيات اللواتي يبتعدن في مظهرهن وسلوكهن وشخصيّاتهن عن الإسلام، ويقلّدن في ذلك وبأسلوب فاشل المرأة الغربيّة التي هي في نظري لا تعيش التحرّر الحقيقيّ ، وإنّما تُستغلّ أبشع استغلال من قبل الرأسماليّين لزيادة ثرواتهم عن طريق استغلال وضع المرأة، واستغلال أنوثتها، وقتل إنسانيّتها; لتدميرها وتدمير الحضارة والمجتمعات الإنسانيّة.
فلابدّ من مضاعفة الجهود من قبل الجميع في البلاد الإسلاميّة لتوعية المرأة على هذه الحقيقة ، وإيجاد الأجواء التي تحصّن المرأة والمجتمع ضدّ وباء الانحلال والفساد والتقليد الأعمى لكلّ ما هو ساقط في الغرب والشرق .
س: هل من كلمة أخيرة توجّهينها عبر "نور الإسلام" ؟
ج: بعد أن أحمد اللّه تعالى الذي هداني للدين الحقّ، وأنقذني من ظلمات الشرك والضلال ، أريد أن أقول للمسلمين بشكل عام: إنّكم تحظون بأغلى جوهرة وهي الإسلام ، فحافظوا عليها كي لا تفقدوا نعمة وجودها وتكونوا أنتم
الخاسرين .. إنّ للإسلام في نظري أهميّة عظيمة إنّه كالماء للحياة السليمة ، إذا بقي الإنسان بلا ماء يذبل ويموت ، وكذلك الإنسان بدون إسلام لا قيمة له ولا لحياته(1).
1) مجلّة نور الإسلام ، العددان 19 و 20 ـ السنة الثانية ربيع الأوّل وربيع الثاني 1412هـ .
ولدت في "إسبانيا" بمدينة "غرناطة" ، ونشأت في أسرة مسيحيّة كاثوليكيّة. تحمل شهادة جامعيّة في التمريض ، وعملت كممرّضة في المستشفيات العامّة.
اعتنقت الدين الإسلاميّ وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بعد لقائها بعدد من المسلمين ، ونقاشها معهم حول الأديان السماويّة.
وفيما يلي تبيّن "يولندا ترابيو مارتن" كيفيّة إسلامها في لقاء أجرته معها مجلّة نور الإسلام اللبنانيّة:
س: قبل الحديث عن الأسباب التي دفعتك إلى اعتناق الإسلام نرجو بدايةً إعطاءنا لمحة سريعة عن نشأتك وعن المحيط الذي نشأت فيه؟
ج: ولدت في غرناطة (إسبانيا). أنا الابنة الثانية لعائلة متواضعة من أصل كاثوليكي. إيمان عائلتي فطريّ ، لا تعني لهم الكنيسة الكاثوليكيّة شيئاً ، ولا يبالون بتعاليمها ، إلاّ أنّهم متمسّكون بالقيم والأخلاق السامية ، وهذا ربّما كان عاملا غير مباشر في توجّهي نحو الدين الإسلاميّ الذي يؤكّد دائماً على الأخلاق الحميدة والسلوك السوي.
س: ماذا عن المجتمع الإسباني اليوم ؟
ج: بالنسبة إلى المجتمع الإسباني الذي عشت فيه ، فإنّه مجتمع تتحكّم فيه
قيم التحلّل الأخلاقيّ والعبثيّة التي تدفع الشباب خاصّة إلى حياة اللهو والطيش ، فيقضون أوقاتهم في المراقص الليليّة، وفي تعاطي الكحول والمخدّرات ، وإقامة العلاقات الجنسيّة غير المشروعة ، بما فيها العلاقات الشاذّة ، كلّ ذلك تحت عنوان الحريّة الشخصيّة التي تدعو إليها الحضارة الغربيّة الماديّة، وهذا أيضاً يدفع الشباب إلى عدم الاهتمام بمؤسّسة الزواج باعتبارها قيداً وتضييقاً على الحرّيّات ، إلاّ أنّ تلك الأجواء في بلدي لم تؤثّر فيَّ نظراً للتربية الرصينة التي تلقّيتها عند عائلتي.
س: هل كان للمناخ الفكريّ في المدرسة أو الجامعة أثر في توجّهك نحو الإسلام ؟
ج: لقد درست في مدارس كاثوليكيّة من سنّ الثالثة حتّى السابعة عشرة ، كان المستوى التعليمي لتلك المدارس جيّداً ، حيث يحظى الطالب باهتمام المعلّمين والإدارة ، أمّا التعاليم الدينيّة فيها فكانت تختصر على أناشيد للسيّدة مريم(عليها السلام)والذهاب أيّام الآحاد إلى الكنسية; للاستماع إلى مجموعة من المواعظ يطلقها الخوري عند كلّ قدّاس ، إلاّ أنّ تلك المواعظ كانت سطحيّة ورتيبة لا تثير اهتمام أحد ، ولم نتلقّ معرفة معمّقة حول تعاليم الإنجيل ، الأمر الذي كان يثير الشكوك عندي بالنسبة إلى المعتقدات المسيحيّة.
عندما أصبحت في الرابعة عشر من عمري تركت الذهاب إلى الكنسية أيّام الآحاد ، نظراً لعدم جدوى ذلك في نظري ، وقبل انتسابي إلى الجامعة بسنتين طرح أستاذ الدين في المدرسة السؤال التالي: "ما الفرق بين المسيح(عليه السلام) وباقي الأنبياء؟" استنتجت أن لا فرق بينه وبينهم ، وأنّ المسيح(عليه السلام) هو نبيّ كباقي الأنبياء ، وأنّه ليس ابن اللّه .. وهذه التساؤلات والاستنتاجات كانت بدايات اهتمامي الفعلي بقضيّة الدين واليوم الآخر.
س: متى اعتنقت الإسلام ، وما كان ردّ فعل الأهل والناس حولك ؟
ج: في سنّ السابعة عشر تعرّفت على المسلمين من جنسيّات مختلفة ، من المغرب ولبنان وإيران ، وذلك من خلال تردّدي إلى المقاهي التي لا تبيع الكحول ، وحيث كان يجتمع فيها الطلاّب المسلمون ، وكانت تدور في تلك المقاهي نقاشات جديّة حول الأديان السماويّة ، في تلك المرحلة قرأت الإنجيل بالتفصيل وعدداً من الكتب الإسلاميّة التي تتحدّث عن الإسلام وتعاليميّه ، فكنت أطرح كلّ ما يدور في رأسي من تساؤلات حول الإسلام، وأتناقش فيها مع أولئك الشبّان المسلمين الذين تعرّفت عليهم .
وفي هذا الوقت بدأ اهتمامي أيضاً بتاريخ مدينتي التي كان لها شهرة واسعة أيّام الدولة الإسلاميّة في الأندلس ، وعلمت أنّ معظم أهلها كانوا من المسلمين قبل أن يسيطر عليها الملوك الكاثوليك من جديد عام 1492م ، حيث أباد هؤلاء الملوك المسلمين وأجبروا من بقي منهم على اعتناق المسيحيّة، ومع مرور الوقت والاطّلاع والتأمّل ، تيقّنت أنّ الإسلام هو خاتم الرسالات السماويّة ، وأنّ تعاليمه السمحة تتماشى مع الفطرة الإنسانيّة ، كما أنّها صالحة لكلّ زمان ومكان ; لأنّ الإسلام جاء للدنيا والآخرة معاً ، فوجدت نفسي مسلمة مقتنعة أن اللّه تعالى هو الذي أرشدني وهداني إلى الدين الحقّ .
بدأت بعد ذلك بالتردّد على المركز الإسلاميّ في غرناطة (Granada) حيث تُلقى محاضرات ودروس عن الإسلام ، وهناك تعرّفت إلى زوجي الذي كان يعطي دروساً في الأخلاق والفقه ، علماً أنّه كان طالباً في كلّيّة الطبّ .
س: موقف الأهل والمجتمع؟
ج: في البداية لم أُعلم أهلي بإسلامي ، لكنّهم لاحظوا أنّ شيئاً ما في داخلى قد تغيّر ، ولم أجرؤ على ارتداء الحجاب في بادئ الأمر; خوفاً من ردّ فعلهم ، فكنت أضعه عندما أذهب إلى المركز الإسلاميّ أو لزيارة أصدقائي المسلمين في بيوتهم ، ثمّ بدأت أبقيه على رأسي في كلّ الأماكن عدا الحيّ الذي أقطن فيه، إلاّ أنّ
أهلي علموا بذلك من دردشات أهل الحيّ ، لم يعترض والدي على إسلامي قائلا .
إنّ لي الحقّ والحرّيّة باختيار الدين الذي أريد ، وكذلك والدتي ، إلاّ أنّها كانت تعترض في البداية على ارتدائي الحجاب، ولا سيّما أنّ ضغوطات الناس عليها كانت كبيرة ، إذ إنّ الإعلام المرئي والمسموع يحارب الإسلام بشكل عنيف ، والمجتمع الإسباني يقبل كلّ شيء حتّى أقبح الأفعال والأعمال على مستوى الأخلاق ، أمّا أن تكون مسلماً فهذا يعني أنّك إرهابي ورجعي وإلى آخر النعوت التي تطلق على المسلمين تجنيّاً وحقداً.
أمّا أختي فقد غضبت كثيراً، وكانت تخجل من مرافقتي لارتدائي الزّيّ الإسلاميّ ، إلاّ أنّها باتت تتفهّمني اليوم وتحترم قراري بالنسبة إلى إسلامي .
أمّا عامّة الناس في الحيّ والمنطقة فإنّهم ثرثروا كثيراً ، وكان تعليقهم جارحاً ، لكنّي لم أهتمّ ولم أبال . في الجامعة حيث درست التمريض ، لم أجد أيّ مشكلة مع الطلاّب والإدارة ، إذ احترموا إرادتي فيما أقدمت عليه، ثمّ عملت في حقل التمريض في المستشفيات العامّة لمدّة عشر سنوات بدون مشاكل تذكر .
س: ما هي الأُمور الإيجابيّة التي شعرت بها بعد اعتناقك الإسلام على المستوى الشخصي وعلى مستوى العلاقات مع الناس؟
ج: على المستوى الشخصي أشعر بارتياح كبير ، فأفكاري باتت واضحة ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى هدفي في الحياة ، تخلّصت من الاضطرابات الفكريّة والنفسيّة التي كانت تعصف بي قبل الإسلام ،ورست سفينة روحي ونفسي على برّ أمان الإسلام ، وأشكر اللّه أنّ عائلتي تقبّلت إسلامي .
أما بالنسبة إلى علاقتي بالناس في وطني الأم فإنّها محدودة ، أتواصل مع من يحترم إسلامي ، أما الحاقدون على الإسلام فلا أعيرهم اهتمامي .
س: ما رأيك في الحجاب وبما يُثار حوله من لغط ومحاربة؟
ج: ينظر بعض الناس إلى الحجاب أنّه قضيّة ثانويّة ويجب ألاّ نعيره كلّ هذا
الاهتمام والتمسّك به ، ولكن في الحقيقة أنّ الحجاب حماية للمرأة المسلمة ، إنّه خطّ دفاع للمرأة ، فهو يحتّم على المسلمة التنبّيه لأفعالها وحركاتها وحسن اختيار الأماكن التي ترتادها ، وكذلك حسن اختيار الأصدقاء ولهذا فهو يمنعها من الذوبان في أجواء بعيدة عن التديّن والأخلاق.
س: ما هي أفضل طريقة بنظرك لدعوة الناس إلى الإسلام ؟
ج: أفضل وسيلة لذلك هو في العمل وليس القول باللسان ، إذ إنّ على المسلم أن يكون نموذجاً للإنسان الصالح في بلده ومجتمعه ، وأن يكون إسلامه مرآة لأعماله الصالحة.
س: ماذا تفعلين الآن؟ وهل تشجّعين غير المسلمين على اعتناق الإسلام ؟
ج: حاليّاً أعيش في لبنان مع زوجي وأطفالي ، إذ إنّه من الصعب تنشئة الأولاد في مجتمع غير إسلامي ; لأنّهم يقضون وقتاً طويلا خارج المنزل ، الأمر الذي يعرّضهم للذوبان في المجتمع الإسباني المعادي للإسلام ، فالإنسان يحاول دائماً أن يكون على وفاق وانسجام مع المجموعة التي يحيا ضمنها كي يتقبّلوه .
أمّا بالنسبة إلى دعوة الناس إلى الإسلام ، فهذا واجب على كلّ مسلم ومسلمة ، وأعيد وأكرّر أنّ أفضل طريق لهذا هو أفعالنا لا أقوالنا.
س: هل من فرصة لدعوة الناس إلى الإسلام في وطنك الأم؟
ج: الفرص ممكنة ، ولكن هناك صعوبة كبيرة في ذلك نظراً لقوّة الإعلام المعادي للإسلام ، وهذا يتطلّب جهداً مضاعفاً من العاملين ، لكنّ الأهمّ من ذلك أن يحافظ المسلمون في إسبانيا على إسلامهم وإسلام أولادهم، ومنعهم من الذوبان في المجتمع الإسبانيّ ، وذلك لا يكون إلاّ بفتح مدارس ومراكز إسلاميّة ليتلقّوا إلى جانب المواد الدراسيّة تعاليم الإسلام والقيم الإسلاميّة(1).
1) مجلّة نور الإسلام: العدد: 73 ـ 74 ، السنة السابعة .
ولدت سنة 1972 في أسرة مسيحيّة مارونيّة ، وهي حاليّاً تواصل دراستها في إحدى جامعات السويد.
منطلق تعرّفها على الإسلام:
كان سبيل تعرّفها على الإسلام هو الإنترنت ، حيث تعرّفت من خلاله على الأصول والمبادئ والمعتقدات الإسلاميّة ، ومن خلاله أجرت حواراً مع أحد أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فتحدّث معها وبيّن لها جملة من أصول ومبادئ الإسلام.
ومن هذا المنطلق تبيّن للأخت "ناتالية" أنّ المرأة لها في الإسلام كرامتها الإنسانيّة وحقوقها الفرديّة والاجتماعيّة وحرّياتها الحقيقيّة.
وعرفت أنّ الإسلام أنهى كلّ المظالم الهمجيّة التي كان يمارسها أهل الجاهليّة قبل الإسلام ضدّ المرأة، فحرّم الإسلام وأد البنات ، فقال تعالى :
{ وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاق }(1).
وحرّم الإسلام أن تكون المرأة مجرّد متعة جنسيّة ، فقال تعالى: { وَلا تَقْرَبُوا
1) الاسراء {17} : 31 .
الزِّنَى إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا }(1).
ومنع الإسلام مصادرة حرّية المرأة عند الزواج ، فقال تعالى : { فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنكِحْنَ أزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالمَعْرُوفِ }(2).
كما حرّم الإسلام أخذ حقّ المرأة في الملكيّة ، فقال تعالى : { لا يَحِلُّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَ لا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ }(3).
ومن هذا المنطلق منح الإسلام دوراً هامّاً وعظيماً في تربية الأجيال ، ولم يشرّع الإسلام للمرأة حكماً إلاّ أن يكون فيه الكثير من الفوائد التي تزيد من جمالها ومكانتها عند اللّه تعالى.
توسيع نطاق معارفها العقائديّة:
توجّهت "ناتالية" ـ بعد أن وقع حبّ الإسلام في قلبها ـ إلى دراسة هذا الدين بصورة علميّة ، فقرأت بعض الكتب الإسلاميّة عن طريق الإنترنت ، ثمّ اندفعت إلى المقارنة بين المذاهب الإسلاميّة ، فقارنت بين عقائد مذهب أهل السنّة وبين عقائد مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ومن جملة الأُمور التي هزّت مشاعر "ناتالية" هي مأساة كربلاء، وما لقي فيها الإمام الحسين(عليه السلام) وأهل بيته يوم عاشوراء ، وكان هذا هو الأمر الذي دفعها إلى الميل نحو أهل البيت(عليهم السلام) ، فدرست سيرة أهل البيت(عليهم السلام)، ثمّ تعرّفت على فضائلهم ومناقبهم ، ثمّ انجذبت نحو أحاديثهم وحِكمهم(عليهم السلام)، ثمّ استبصرت بشأنهم ، وأعلنت اعتناقها لمذهب التشيّع.
ولدت سنة 1970م في مدينة "سيدني" باستراليا ، ونشأت في أسرة كاثوليكيّة ثمّ تلقّت تعليمها في مدرسة مسيحيّة داخليّة في "روكهامبتون".
اعتنقت سنة 1992م الدين الإسلاميّ وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) متأثّرة بصديقاتها المسلمات اللاتي تعرّفت عليهنّ في مجال العمل.
وقد نشرت مجلة نور الإسلام قصّة استبصار "نيكول اينزورث (زينب)" بعد أن تمّ إرسال هذه القصّة إليها عن طريق الهيئة الإسلاميّة للثقافة والمعلومات في أستراليا ، وقد جاء في هذه القصة ما يلي:
بداية جديدة:
إثر وفاة والدتها في حادث اصطدام ألقت "نيكول إنزورث" ـ وكان عمرها آنذاك 13 سنة ـ اللوم على اللّه ، وذلك على الرغم من إيمانها الدينيّ الراسخ ، ولم يكن في وسعها أن تتحمّل النفاق الذي وجدته في أوساطها الدينيّة ، فبدأت منذ ذلك الوقت رحلتها الطويلة وحيدة ، ولكن لدى عودتها إلى "سترات فيلد" ـ استراليا ـ مسقط رأس والدتها، تمكّنت من أن تجد هناك اللّه والإسلام . إنّها الآن في الثانية والعشرين من عمرها وترى بأنّها ولدت من جديد عندما أصبحت مسلمة ملتزمة .
ولدت "نيكول" في "سيدني"، وانتقلت مع والديها إلى "غولدستون" في "كوينزلاند" ، حيث أمضت طفولتها وتلقّت القسم الأكبر من تعليمها ، ثمّ عادت إلى "سيدني" وقد هدّها الحزن ، فهي لم تستطع أن تتقبّل موت والدتها.
نشأت "نيكول" في بيئة كاثوليكيّة ، وتلقّت تعليمها في مدرسة مسيحيّة داخليّة في "روكهامبتون" ، ولذا فقد كان من الطبيعي أن تستحوذ على تفكيرها مفاهيم اللّه والمسيح والثالوث ، ممّا دفعها ـ كمحصّلة لهذا التفكير ـ إلى الإقرار بأنّها غير راضية عن نفسها، وعن المبادئ التي تعتنقها ، ولا عن حالة النفاق الواسعة المحيطة بها.
وعندما بدأت بالعمل لتتمكّن من تحقيق الاستقلال الذاتي في تأمين معيشتها، شعرت بـ"الشفقة إزاء النساء المسلمات" اللواتي كانت تصادفهن ، خصوصاً للطريقة التي يلبسن بها ثيابهن. والواضح أنّها تأثّرت بالأفكار المسبقة السائدة التي تزعم بأنّ النساء المسلمات تعيسات في حياتهن ، ويعانين من قهر رجالهن وآبائهن.
ولكن ما اكتشفته فيما بعد في حياة بعض صديقاتها المسلمات كان أمراً مختلفاً تماماً. والمفارقة أنّها بدأت بالتشكيك في المفاهيم التي كانت قد كوّنتها ، والمتعلّقة بتحرير المرأة وحقوقها وحرّيتها في الغرب.
وخلصت من ذلك إلى الاستنتاج "بأنّ هذه الشعارات ما هي إلاّ محض استغلال ، فالمرأة في كلّ المجتمعات الغربيّة تعاني من القمع ، وهي مرغمة على التسليم بأنّها أخذت حقوقها! بينا هي في الواقع ترضخ للقواعد القائمة التي وضعها الشوفينيون الذكور".
ولم تكن "نيكول" لتفهم قبلا لماذا كان زملاؤها من العمّال غير المسلمين يقلّلون من شأن الإسلام والمسلمين ، على الرغم من أنّ أحداً من المسلمين لم يوجّه إليهم أيّ تعليق مسيء ، أو يُبدي أيّ مشاعر معادية، ولقد كان ذلك أمراً
أساسيّاً بالنسبة لها.
فهي تقول: "أخذوا (الزملاء) يحذّرونني من الانجذاب إلى ثقافة ودين غير ثقافتي وديني" ، وما حدث كان العكس ، فقد شعرت بالاشمئزاز من تحيّز أصدقائها، وعدم قدرتهم على احترام مشاعر الآخرين ومعتقداتهم .
وهكذا أدركت "نيكول" مدى تفشّي الاضطهاد والتمييز وكيف يتمّ تنميته وتعميقه في أحيان كثيرة ، سواء في البيوت، أو في أماكن العمل ، بعد أن خبرت في المقابل مدى الاهتمام والاحترام الذي يبديه المسلمون حيال الآخرين.
وهكذا أخذت بشكل تلقائي تدافع عن المسلمين والإسلام في وجه الأكاذيب والافتراءات المعهودة.
وإثر دراستها لبعض الأدبيّات والمفاهيم الإسلاميّة ـ خصوصاً تلك المتعلّقة بوضع المرأة وحقوقها في الإسلام ـ أخذت تدرك ما الذي يحمل النساء المسلمات على التصرّف بشكل مختلف ، ولماذا يلتزمن بالزيّ الإسلاميّ .
ولقد أبلغت أصدقاءها من غير المسلمين ـ حتّى قبل أن تعتنق الإسلام ـ أنّها قرّرت لبس الحجاب لما "يفرضه فعليّاً من احترام وتقدير"، ولم يكن من المفاجئ لها أن تتعرّض كالعادة للهزء والسخرية ، وأن يخلص هؤلاء الساخرون إلى أنها تعرّضت لغسل دماغ من قبل المسلمين .
ولكن "نيكول" أكّدت لهم أنّ تعرّض المرأة لأن يُصفّر لها في الشارع، أو لأيّ شكل من أشكال التحرّشات الجنسيّة المقبولة بشكل واسع في الغرب بوصفها مغازلة! هي في الحقيقة تصرّفات تحطّ من قدر المرأة وتولّد "شعوراً بالرخص" لديها.
نقطة تحوّل:
ومع تزايد تقديرها للإسلام والمسلمين حاولت أن تتوقّف عن إلقاء اللوم على اللّه فيما تصادفه من مصاعب وعثرات ، وهي تقرّ بأنّ ذلك شكّل نقطة تحوّل
في حياتها ، إذ قرّرت أنّها حتّى ولو لم تعتنق الإسلام ، فإنّها تودّ أن تنشئ أطفالها عندما يبصرون النور على الإسلام ، إلاّ أنّها تعرف بأنّ ذلك يكاد يكون مستحيلا.
فليست فقط قيم العائلة هي التي تكاد تختفي تماماً في الغرب ، ولكن قيمة المرأة أيضاً التي تركّزت على جاذبيّتها الجسديّة ، وعلى مدى قدرتها على عرض نفسها بشكل جميل.
ثمّ عادت ـ عندما واجهت مرّة اخرى تجارب صعبة ، وعلى رغم علاقاتها الوثيقة بالمسلمين في "سيدني" ـ إلى إلقاء اللوم على اللّه، ولكن في النهاية تهيّأ لها أن تفتح فصلا جديداً اعتبرته بمثابة ولادة جديدة لها.
نعمة الإسلام:
ففي احتفال دينيّ أخوي بسيط بإشراف إمام مسجد الزهراء(عليها السلام) في "ارنكليف" ـ سيدني ـ في 25/9/92 والذي صادف أيضاً عيد ميلادها الثاني والعشرين ، اعتنقت "نيكول اينزورث" الإسلام بشكل كامل ، ونطقت بالشهادتين بعد الاقتناع العقلي والاطمئنان القلبي ، مدركة أنّ التجارب التيواجهتها لم يكن القصد منها الابتعاد عن اللّه بقدر ما كانت لتوجيهها كي تجد الدين الصحيح والسلام الداخلي.
لقد أدركت "زينب (نيكول إينزورث)" أنّه ليس ثمّة حاجة لأن تشعر بالحزن على وفاة والدتها لوقت أطول، بل يجب أن تبقي مشاعر الحبّ والوفاء نحوها.
كذلك شعرت بأنّها تقف على عتبة حياة جديدة واعدة ومجزية ، وهي تشعر بالفخر لالتزامها بالأخلاق والواجبات الإسلاميّة الشرعيّة بما فيها ارتداء الحجاب .
"فالإسلام يوفّر شيئاً لا يمكن الحصول عليه بالوسائل الماديّة، وهو يدعو إلى الاستقلاليّة واحترام الذات".
لقد نجحت "زينب" في الانتقال إلى بيئة أكثر انتاجيّة، وهي الآن يغمرها شعور من الشكر والامتنان للّه عزّ وجلّ الذي منّ عليها بالهداية ، وللاخوة من المسلمين الذين ساعدوها على إكمال دراستها الجامعيّة في علم النفس ، لتعمل بعد ذلك كسكرتيرة في إحدى مستشفيات "سيدني" غير آبهة بالمصاعب ولا بالنظرات المتعجّبة المتسائلة حولها ، بل هي تستغلّ ذلك من أجل إقامة المناقشات والحوارات التي بواسطتها تتمكّن من فتح قلوب الآخرين على الإسلام .
لقد أصبحت "زينب (نيكول)" كغيرها من الفتيات المهتديات بكثرة إلى الإسلام ، حجّة ساطعة أخرى على فتياتنا اللواتي ينبهرن بزيف الحضارة الغربيّة وبريقها المهلك ، فيتركن نعمة الالتزام والتمسّك بشرع اللّه ، مصدر الكرامة والرحمة والعزّة ليتعلّقن بالقشور، ويصبحن طعمة سهلة للانحراف(1).
1) مجلّة نور الإسلام ، العددان 33 و34 ـ السنة الثالثة جمادى الأولى وجمادى الثانية 1413هـ .
ولد سنة 1952م في قرية "حصار شاهي" من توابع قضاء "رودات" بولاية "ننگرهار" ، ونشأ في أسرة بشتونيّة سنّيّة المذهب ، ثمّ قضى المرحلة الابتدائيّة في مدرسة "احداد" في منطقته ، ثمّ انتقل إلى "كابل" ودرس المرحلة الثانويّة في إعداديّة "رحمن بابا" ثمّ واصل دراسته في جامعة كابل ، كلّيّة العلوم فرع الفيزياء حتّى حصل سنة 1975 على شهادة الليسانس .
عمل بعدها مدرّساً للفيزياء في المدارس الإعداديّة في منطقته وفي العاصمة كابل ، كما أنّه كان من المجاهدين الأفغان القدماء، وله نشاطات جهاديّة وثقافيّة مستمرّة منذ أيّام الحكم الملكي إلى الوقت الحاضر ، وهو مؤلّف وصحفي ومترجم بارز ، كما عيّن معاوناً لوزير الثقافة والإرشاد أواخر أيّام حكومة المجاهدين قبل سيطرة الطالبان على كابل .
بداية تعرّفه على التشيّع:
تشكّلت في بداية السبعينات من القرن الماضي عدّة أحزاب شيوعيّة في أفغانستان بدعم من الاتّحاد السوفيتي السابق والصيني ، وكردّ فعل على ذلك تجمّع الكثير من الشباب المسلم في الجامعات الأفغانيّة في جماعة تحت عنوان "نهضة الشباب المسلم" ، وقد واجهت هذه الجماعة في بداية نشأتها خلافات داخليّة شديدة بسبب إشعال البعض لقضيّة الخلاف بين السنّة والشيعة ، وقد لاحظ
"أجر الدين إقبال" الذي كان عضواً فعّالا في هذه الجماعة أنّ هدف مثيري الفتنة هو التسلّط والوصول إلى الصدارة والزعامة بأيّ ثمن كان .
وقد واجهت هذه الجماعة وغيرها من الجماعات الإسلاميّة عدة انشقاقات بسبب هذه الخلافات وأمثالها ، وقد حاول "أجر الدين إقبال" مع جماعة آخرين إصلاح ذات البين، والحفاظ على الوحدة ، لكنّ جهودهم لم تؤثّر كثيراً في إصلاحات الانشقاق والتشرذم.
كانت هذه الصراعات هي أوّل ما لفت نظر "أجر الدين إقبال" إلى قضيّة الخلاف بين السنّة والشيعة ممّا دعاه إلى مطالعة الكتب التاريخيّة من أجل استجلاء جذور هذه الخلافات ، وكانت نتيجة بحوثه اكتشافه لدور أهل البيت(عليهم السلام)في الحفاظ على الإسلام، والدفاع عنه، وتوصية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في التمسّك بهم، وجعلهم عدلا للقرآن الكريم .
اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام):
تحاور "أجر الدين إقبال" خلال فترة وجوده في الجامعة مع الكثير من شباب الشيعة المثقّفين، حيث كان يعيش معهم في الأقسام الداخليّة ، وكان يحضر معهم في المساجد والحسينيّات ممّا زاد من توجّهه إلى عقائد الشيعة وشعائرهم الدينيّة ، وقد حدى به ذلك إلى إعلان تشيّعه وولائه المطلق لأهل البيت(عليهم السلام).
نشاطاته الدينيّة:
يعتبر "أجر الدين إقبال" من الشخصيّات الفعّالة في الساحة الجهاديّة والثقافيّة ، وقد سخّر الكثير من نشاطاته لخدمة الشعب الأفغانيّ، ولخدمة مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
وكان نشاطه الأكبر هو الوقوف ضدّ الغزو الشيوعيّ، لبلاده في كلّ المجالات ، وأوّلها هو النشاط الثقافي الفعّال في الصحف والمجلاّت وتأليف وترجمة الكتب الثقافيّة والعقائديّة الإسلاميّة التي توضّح عمق الدين الإسلاميّ،
وتفضح عقائد الشيوعيّين الإلحاديّة، وتزيّف أباطيلهم .
وقد كان له دور بارز وفعّال أيضاً في مواجهة التيّار الوهابيّ ، وردّ أفكاره المدعومة بالبترودولار، فقد ترجم عدّة كتب في هذا المجال إلى لغة البشتو.
كما كان لـ "أجر الدين إقبال" دور واسع في هداية الكثير من رفاق الجهاد إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وذلك عن طريق إهدائهم بعض الكتب الشيعيّة المهمّة من قبيل كتاب المراجعات وليالي بيشاور وكتب التيجاني السماوي ، وعن طريق تعريفهم بأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ودورهم التاريخيّ الكبير الذي حاول حكّام الجور كبني أميّة طمسه وتشويهه أمام المسلمين .
نتاجه العلمي:
ألّف "أجر الدين إقبال" عدّة كتب ، كما ترجم كتباً أخرى إلى لغة البشتو ، ومن هذه الكتب :
1 ـ مذهب أسّسه المستعمرون. وهو العنوان الذي اختاره لترجمة خاطرات المستر همفر إلى لغة البشتو.
2 ـ أصول العقيدة الإسلاميّة .
3 ـ نظريّة الحكومة الإسلاميّة والاقتصاد الإسلاميّ .
4 ـ التعليم العقائديّ السياسيّ.
5 ـ الإسلام أو القوميّة.
6 ـ الوهابيّة في مرآة القرآن والسنّة.
7 ـ موت الماركسيّة.
8 ـ الصبر والجهاد.
9 ـ أمريكا كما رأيتها .
10 ـ المجتمع الإسلاميّ الواحد.
ولدت سنة 1979م في منطقة "بدخشان" في أفغانستان ، وترعرعت في أسرة أملت عليها الانتماء إلى المذهب الإسماعيليّ .
وبقيت "بي بي آروزجل" متمسّكة بهذا الانتماء من دون امتلاكها ما يمنحها الثبات في بقائها داخل دائرة هذا المذهب ; لأنّها كانت تحمل في ذهنها الكثير من الأسئلة التي لم تجد في مذهبها الجواب المقنع لها.
الزواج الموفّق:
شاء اللّه تعالى أن تتزوّج "بي بي آروزجل" من شخصيّة واعية دفعه إيمانه الراسخ باللّه تعالى إلى غربلة معتقداته الإسماعيليّة الموروثة من أجل الوصول إلى عقائد مبتنية على الأسس والمرتكزات المتينة.
فتوجّه زوجها "جانعلي حسيني" إلى دراسة المذاهب الدينيّة بحثاً عن الحقّ حتّى ساقته الأدلّة إلى اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ومن هنا بدأت الأخت "بي بي" رحلتها العقائديّة بحثاً عن الحقّ، وتقييماً لما توصّل إليه زوجها ; لترى هل سيكون مصيرها كالزوجات اللاتي انفصلن عن أزواجهن بعدما غيّر أزواجهن انتماءهم المذهبيّ إلى مذهب آخر ، أم أنّ الحقّ مع زوجها وينبغي أن تقف معه، وتسلك سبيل التضحية في سبيل الدفاع عن الحقّ .
مواصلة البحث العقائدي:
من هذا المنطلق واصلت "بي بي آروزجل" بحثها في الصعيد العقائديّ حتّى تبيّن لها صحّة الأدلّة والحجج والبراهين التي اعتمد عليها زوجها في تغيير انتمائه المذهبيّ ، فالتحقت به، وبقيت معه لتهوّن عليه الغربة التي عاشها من قبل أهله بعد الاستبصار ، فأخذت بيده; ليشعر أنّه يمتلك من يقف معه أمام التيّار المعاكس الذي خلقه المخالفون ضدّه بعد اهتدائه إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
الحياة الجديدة بعد الاستبصار:
إنّ الانفتاح على عقائد ومبادئ مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) دفع "بي بي آروزجل" أن تبدأ حياتها العائليّة من جديد في ظلّ معارف أهل البيت(عليهم السلام).
وتعرّفت "بي بي آروزجل" بعد الاستبصار على شخصيّة سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(عليها السلام) ، وعرفت أنّ الزهراء هي المثل الأعلى الذي ينبغي أن تقتدي بها كلّ امرأة تبتغي لنفسها الحياة الكريمة.
ومن هذا المنطلق اقتدت "بي بي آروزجل" بسيرة بضعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وحاولت أن تستلهم منها دروس الحياة لتزكية نفسها وتهذيب سلوكها وتوجيه تصرّفاتها لما فيه الصلاح والهداية.
وكانت "بي بي آروزجل" تواجه الكثير من المصاعب نتيجة استبصارها ، لكنّها كانت تستلهم من الزهراء(عليها السلام) الصبر وكانت تحاول الصمود أمام جميع العقبات من أجل اجتيازها، ومن ثمّ التوجّه إلى نشر معارف أهل البيت(عليهم السلام) بين النساء من أجل تربية جيل صالح من النساء، تتجلى فيهنّ القيم الأخلاقيّة ومبادئ العقيدة الحقّة.
ولد سنة 1974م في منطقة بدخشان ، ونشأ في عائلة إسماعيليّة المذهب ، ثمّ درس في المدارس الحكوميّة ، ثمّ تلقّى الدروس الدينيّة في الحوزة العلمية ، ثمّ توجه بعد ذلك إلى مهمّة التعليم .
الاطّلاع على المذهب الإماميّ الاثني عشريّ:
تعرّف "جان علي" على مذهب الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة خلال سفره إلى "بيشاور" في باكستان ، ومن ذلك الحين اندفع من منطلق حبّ الاستطلاع إلى معرفة المذهب الاثني عشريّ ، ثمّ بدأ بالمقارنة بين المذهب الإسماعيليّ الذي كان عليه وبين المذهب الشيعي الاثني عشريّ.
ومن خلال البحث تبيّن لـ "جان علي" أنّ الدعوة الإسماعيليّة وإن كانت تدّعي بأنّ أئمّتهم ينتمون إلى بيت الوحي والرسالة، وكونهم من ذرّية رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولكن هذا الانتماء وإن كان سبباً في استقطاب أهواء الناس ولكنّه بحاجة إلى دليل وبرهان قاطع يثبت بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يكون هذا الامتداد من ذرّيّته سبيلا للوصول إليه ; لأنّ مجرّد حمل شعار حبّ أهل البيت(عليهم السلام)والاقتداء بكلّ من ينتسب إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتسليم المقاليد بأيديهم وإن كان
تكريماً لذريّة النبيّ ، ولكنّه قد لا يكون الاتّباع الذي أراده اللّه تعالى.
الانبهار بعلوم الأئمّة الاثني عشر:
إنّ الدراسات التي أجراها "جان علي" أثبتت له بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما أراد من أمّته أن يتّبعوا الأئمّة الاثني عشر الذين اصطفاهم اللّه تعالى، وجعلهم ذرّيّة بعضها من بعض .
ومن هذا المنطلق توجّه "جان علي" إلى معرفة أهل البيت(عليهم السلام) الذين اصطفاهم اللّه، وأذهب عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيراً ، ثمّ دفعته هذه المعرفة إلى الإلمام بمعارف الأئمّة الاثني عشر ، فوجد أنّ هذه المعارف لا يمكنها أن تكون نتاجاً للعقل البشري ، بل هي في الواقع تستمدّ وجودها من السماء ، فلهذا اطمئنّ قلبه بالأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام) ، وقرّر الالتحاق بركبهم.
مرحلة الاستبصار:
وجد "جان علي" بعد البحث المكثّف الذي أجراه في الصعيد العقائديّ ، أنّ الأدلّة كلّها ترشده إلى اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) ، فلهذا اعتنق المذهب الشيعيّ الاثني عشريّ ، ثمّ أعلن استبصاره سنة 1993م عندما كان في بيشاور، ثمّ قرّر بعد ذلك أن ينشر العقائد الحقّة بين أصدقائه وأقرانه; ليزدادوا علماً بالعترة التي أراد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)اتّباعها والوصول عن طريقها إلى رضوان اللّه تعالى .
ولدت سنة 1975م في منطقة "بدخشان" ، ونشأت في أسرة إسماعيليّة المذهب ، ثمّ استبصرت واعتنقت المذهب الإمامي الاثني عشري نتيجة تأثّرها بالأدلّة التي قدّمها لها زوجها بعد استبصاره.
أجواء حياتها الزوجيّة:
كان زوج "زكيّة" من المهتّمين بأمر دينه ومعتقداته ، وكان ممّن وطّن نفسه لتقديم جميع أنواع التضحيات في سبيل اللّه عزّ وجلّ .
وكان زوج "زكيّة" يدرك أنّ الخطوة الأولى للسير على الصراط المستقيم هي : طلب العلم، ومعرفة الطريق الذي يوصل صاحبه إلى رضوان اللّه تعالى ، فلهذا انطلق نحو البحث حول المعتقدات الموروثة التي تلقّاها من الأجواء التي ترعرع فيها.
ولكن بمرور الزمان أدرك زوج "زكيّة" بوجود الكثير من الثغرات في البنية العقائديّة للمذهب الإسماعيليّ ، فدفعه ذلك إلى توسيع دائرة بحثه .
وكانت "زكيّة" معجبة بسلوك زوجها واهتمامه بمعرفة الحقّ ، فلهذا كانت تحاول دائماً أن توفّر في البيت لزوجها أجواءً مناسبة للبحث والمطالعة ، كما كانت
تحاول أن تسأله عن نتائج بحثه; لتستفيد من ثمار الجهود التي يبذلها في طريق اكتشافه للحقيقة .
أنوار الحقائق في الأفق:
توصّل زوج "زكيّة" عن طريق البحث بأنّ العقيدة التي تمتلكها الشيعة الاثني عشريّة إزاء أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) أفضل وأتمّ وأوضح من رؤية الإسماعيليّة إلى هؤلاء الأئمّة ، ثمّ بيّن أدلّته لزوجته ، فاقتنعت بها، وشجّعته على المزيد من البحث .
وواصل زوج "زكيّة" دراسته للمذهب الشيعيّ الاثني عشريّ حتّى لاح له في الأفق أنوار الحقيقة ، فوجد ضالّته في هذا المذهب ، لكنّه كان يعاني من قلّة مصادر الكتب الشيعيّة الاثني عشريّة. وهنا قرّر الذهاب إلى مدينة "قم" المقدّسة ، فعرض الأمر على زوجته "زكيّة" فرحّبت بذلك.
في رحاب مدينة قم المقدّسة:
انتقلت "زكيّة" مع زوجها من وطنهم إلى عشّ آل محمّد مدينة "قم" المقدّسة ، ولم تشعر "زكيّة" بالغربة في مدينة "قم" أبداً ; لأنّها كانت مأنوسة بالحقائق التي كانت تكتشفها بمعونة زوجها.
وبعد مرور فترة أمضتها "زكيّة" في البحث وجدت نفسها مقتنعة تمام الاقتناع بالمذهب الإماميّ الاثني عشريّ ولم يبق لها سوى الإعلان عن ذلك ، فلما أعلن زوجها استبصاره لم تتردّد "زكيّة" لحظة واحدة في التحاقها بالمذهب الذي بذل زوجها الجهد المكثّف للحصول عليه ، فأعلنت أمام زوجها استبصارها، وقدّمت له جزيل الشكر للمساعي التي بذلها في سبيل تحرّرها من الأفكار الباطلة وعثورها على السبيل الذي يأخذ بأيديهم إلى جنّة الفردوس .
ولدت سنة 1981م في منطقة "بدخشان" ، ونشأت في أسرة غذّتها عقائد المذهب الإسماعيليّ ، وبقيت على انتمائها المذهبيّ الموروث; لعدم وجود محفّز يدفعها للخوض في البحث من أجل معرفة صحّة ما أملت عليها أسرتها من أفكار ومعتقدات .
الاندفاع نحو البحث:
تفاجأت "عالية" بنبأ ترك أخيها للمذهب الإسماعيليّ، واعتناقه للمذهب الشيعيّ الاثني عشريّ ، فدفعها حبّ الاستطلاع لمعرفة الأسباب التي أدّت إلى استبصار أخيها.
ومن هنا بدأت رحلة بحث "عالية" ، وكانت تصغي إلى الأدلّة التي يبيّنها أخوها ، وتستمع إلى البراهين التي دفعته إلى الاستبصار.
أهمّيّة البحث العقائدي:
كان البحث بالنسبة إلى "عالية" شاقّاً ومتعباً ، ولكنّها مع ذلك حاولت التغلّب على جميع التّيارات المضادّة التي تمنعها من مواصلة البحث ; لأنّها كانت تعي بأنّ العقيدة من الأُمور المهمّة التي لها التأثير البالغ في بلورة سلوك وتصرّفات
الإنسان ، وأنّ العقيدة هي التي تحدّد المسار الذي ينبغي للإنسان السير فيه .
فإذا كانت عقيدة الإنسان فاسدة ، فإنّ مآل صاحبها سيكون الانحدار في أودية الضلال ، وقد يتضرّر الإنسان بأضرار لا يمكن تلافيها فيما بعد.
وإذا كانت عقيدة الإنسان صحيحة ، فإنّها ستأخذ بيد صاحبها إلى السبل الصحيحة، وتصونه من الانخداع بالأفكار المنحرفة التي ينشرها المغرضون لنيل مصالحهم الشخصيّة .
ومن هذا المنطلق واصلت "عالية" بحثها ، ورفعت مستواها العقائديّ ، فأخذها البحث إلى حقائق كانت في غفلة عنها.
معرفة الحقّ:
إنّ البحوث التي أجرتها "عالية" أزالت أمام بصيرتها الحجب ، فرأت امتداد أنوار باقي الأئمّة(عليهم السلام) الذين آمنت بهم بعد الإمام الصادق(عليه السلام) وفق المذهب الاثني عشريّ.
ومن ذلك الحين عرفت "عالية" الحقّ ، فالزمت نفسها باتّباع العقائد الصحيحة ، وأعلنت استبصارها ، وحاولت بعد ذلك أن تهذّب سلوكها وفق المذهب الشيعيّ الاثني عشريّ.
ولد في قرية "منجي" التابعة لمدينة "درايم" في إقليم "بدخشان" ، وترعرع في أسرة أملت عليه التمسّك بالمذهب الإسماعيليّ.
الإسماعيليّة والمسائل الفلسفيّة:
يجد الباحث خلال دراسته للمذهب الإسماعيليّ أنّ أئمّة الإسماعيليّة انفتحوا في العصر العبّاسي على التّيارات الفلسفيّة من دون ضابط، وكان ذلك نتيجة ردّ فعل للعصر العبّاسي الذي كان يرفض الأبحاث العقليّة، ولا سيّما في عهد المنصور والرشيد.
وهذا ممّا أدّى بالمذهب الإسماعيليّ إلى الانجراف نحو التّيارات الفلسفيّة وجعلها من صميم الدين ، بحيث تحوّلت بعض المسائل الفلسفيّة التي تأثّر بها أئمّة الإسماعيليّة إلى أصول عقائديّة لا يجد الباحث منها أثراً في الشريعة الإسلاميّة.
ولهذا يقول المؤرّخ الإسماعيليّ المعاصر: إنّ كلمة "الإسماعيليّة" كانت في بادئ الأمر تدلّ على أنّها من إحدى الفرق الشيعيّة المعتدلة ، لكنّها صارت مع تطوّر الزمن حركة عقليّة، تدلّ على أصحاب مذاهب دينيّة مختلفة، وأحزاب سياسيّة واجتماعيّة متعدّدة، وآراء فلسفيّة وعلميّة متنوّعة(1)
ملاحظة: إن مصطفى غالب ، كاتب سوري وهو من أتباع المذهب الإسماعيلي .
.1) مصطفى غالب : تاريخ الدّعوة الإسماعيليّة: 4 .
التّراث الشيعي:
وجد "عبدالحقّ" خلال بحثه أنّ الشيعة لم تعش حالة ردّة الفعل التي تقودها إلى الانجراف المفرط نحو التيّارات الفلسفيّة ، ولهذا بقي التراث الشيعيّ معتمداً على ما وصل إليه من أئمّته المعصومين(عليهم السلام) ، وأنّه لم يأخذ من الفلسفة إلاّ ما ينسجم مع مبادئه العقائديّة .
ثمّ استعان "عبدالحقّ" ـ من أجل المزيد من التعرّف على أصول ومباني الشيعة الاثني عشر ـ بالمبلّغين الذين كان لهم التأثير الأوّل في إلفات نظره إلى المذهب الإماميّ الاثني عشريّ ، وحاول عن طريق المباحثة معهم أن يجد حلاّ للإشكالات العالقة بذهنه.
واستمرّ "عبدالحقّ" في حواره مع هؤلاء المبلّغين حتّى اقتنع بالأدلّة التي كانوا يقدّمونها له ، فأعلن سنة 1994م استبصاره ، ثمّ فتح بعد ذلك صفحة جديدة من حياته ، وقام بتعديل عباداته وأفكاره ومعتقداته وفق المذهب الشيعيّ الاثنى عشريّ.
ولد سنة 1979م في قرية "توربقة خانه" الواقعة قرب مدينة "شولكره" التابعة لمزار شريف ، ونشأ في أسرة بشتونيّة حنفيّة المذهب ، ثمّ حصل على شهادة الإعدادية من المدارس الحكوميّة ودرس المقدّمات في المدارس الدينيّة.
تمتين الأسس الفكريّة:
اندفع "عبدالمجيد" ـ من منطلق تمتين الأسس الفكرية، وتقوية المرتكزات العقائديّة ـ إلى مطالعة الكتب الدينيّة ، فصادف بحثه أن وقعت بيده مجموعة كتب شيعيّة، وكان منها كتب الدكتور التيجاني السماوي ، فقام بمطالعتها، وإجراء المقارنة بين العقائد الشيعيّة والعقائد السنيّة من أجل الوصول إلى معرفة الحقّ.
التعرّف على أئمّة أهل البيت(عليهم السلام):
عرف "عبد المجيد" خلال دراسته للسيرة النبويّة والتاريخ الإسلاميّ بأنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي عيّن الأئمّة الاثنى عشر ونصّ عليهم، ليكونوا خلفاءه من بعده.
وقد أخرج صاحب ينابيع المودّة في كتابه هذا الحديث:
قدم يهودي يقال له : "نعثل" فقال: يا محمّد، أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين ، فإن أجبتني عنها أسلمت على يديك .
قال(صلى الله عليه وآله وسلم): سل يا أبا عمارة.
فسأله عن أشياء إلى أن قال : صدقت.
ثمّ قال: فأخبرني عن وصيّك من هو؟ فما من نبيّ إلاّ وله وصيّ، وأنّ نبيّنا موسى بن عمران أوصى ليوشع بن نون.
فقال: إنّ وصيّي عليّ بن أبي طالب وبعده سبطاي الحسن والحسين تتلوه تسعة أئمّة من صلب الحسين.
قال : يا محمّد، فسمّهم لي.
قال(صلى الله عليه وآله وسلم): إذا مضى الحسين فابنه عليّ ، فإذا مضى علي فابنه محمّد ، فإذا مضى محمّد فابنه جعفر ، فإذا مضى جعفر فابنه موسى ، فإذا مضى موسى فابنه عليّ ، فإذا مضى عليّ فابنه محمّد ، فإذا مضى محمّد فابنه عليّ ، فإذا مضى عليّ فابنه الحسن ، فإذا مضى الحسن فابنه الحجّة محمّد المهدي فهؤلاء اثنا عشر ...
قال : فأسلم اليهوديّ وحمد اللّه على هدايته(1).
اتّباع أئمّة الهدى(عليهم السلام):
واصل "عبد المجيد" بحثه حتّى تبيّن له صحّة عقيدة الشيعة بالأئمّة الاثني عشر ، فأعلن ولاءه بعد ذلك لهؤلاء الأئمّة الاثني عشر ، واعتنق التشيّع ، ثمّ قام بمجموعة نشاطات تبليغية في بلده، وكان منها ترجمته لبعض الكتب الدينيّة من اللغة الفارسيّة إلى لغة البشتو ، كما أنّه واصل الدعوة إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وبذل غاية جهده لنشر علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) بين أوساط أبناء منطقته.
1) ينابيع المودّة ، للقندوزي الحنفي: 3/281 ، ح1، باب76 .
الصورة
تقدّمت ترجمته في (1/397) من هذه الموسوعة.
ونشير هنا إلى سائر ما حصلنا عليه من معلومات عنه لم ترد في ترجمته السابقة.
نشاطاته التبليغيّة:
قام "عبد المعبود" بنشاطات تبليغيّة واسعة في منطقته "بدخشان" في شمال أفغانستان نذكر منها ما يلي:
1 ـ إقامة صلاة الجمعة والجماعة ، وإرشاد الناس، وتعليمهم الأحكام الشرعيّة، ورفع مستواهم العقائديّ، وتنمية الجانب المعنويّ في نفوسهم بعد أو قبل إقامة الصلاة.
2 ـ عقد العديد من الدورات; لتعليم القرآن الكريم، والأحكام الشرعيّة للأطفال والشباب ، ومحاولة كسبهم وتشجيعهم للحضور في هذه الدورات من أجل إيجاد الصلة بينهم وبين الدين.
3 ـ توزيع الكتب والكرّاسات الدينيّة والثقافيّة ، ومحاولة تعويد الناس على المطالعة والبحث من أجل رفع مستواهم الفكري، وإلمامهم بالحقائق والمعارف التي تأخذ بأيديهم إلى الخير والصلاح.
4 ـ حلّ المشاكل والاختلافات التي تقع بين القبائل والأشخاص عن طريق عقد مجالس محلّيّة لهذا الغرض ، وقد حلّت هذه المجالس الكثير من الاختلافات وفق أحكام مذهب الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) التي لم يكن يُعمل بها في منطقة "بدخشان" في مثل هذه المجالس .
5 ـ زيارة المناطق القرويّة والبعيدة، وإقامة العديد من النشاطات الدينيّة والثقافيّة فيها من أجل تثقيف أبنائها بالثقافة الإسلاميّة.
6 ـ إقامة مجالس العزاء على مصيبة سيّد الشهداء أبي عبداللّه الحسين(عليه السلام)في أيّام شهر محرّم وصفر ، وارتقاء المنبر الحسينيّ الذي له أثر بالغ في توعية الناس وإرشادهم إلى تطبيق أحكام الدين .
7 ـ إقامة مجالس دعاء كميل ودعاء التوسّل ودعاء الندبة وغيرها بصورة جماعيّة ، وبشكل يشدّ الناس إلى الحضور والاستفادة المعنويّة من مثل هذه المجالس .
أثر نشاطاته التبليغيّة:
إنّ الجهود التي بذلها "عبد المعبود" تركت بمرور الزمان أثراً بليغاً في نفوس أبناء مجتمعه ، واندفع الكثير من الناس في ظلّ الأجواء الدنيويّة والمعنويّة التي أوجدها "عبد المعبود" إلى الجانب الدينيّ ، كما استبصر الكثير منهم، وتمسكوا بولاء أهل البيت(عليهم السلام)، واتّبعوا مذهبهم بعد الاقتناع الكامل بالأدلّة التي كان يبيّنها "عبد المعبود" لهم .
وبمرور الزمان استطاع "عبد المعبود" أن يوجد في المنطقة التي كان فيها أجواء مناسبة، وأرضيّة مستعدّة لنموّ الفضيلة والأخلاق في نفوس الناس ، فازداد توجّه الناس إلى الجانب الدينيّ ، وتحسّنت العلاقات الاجتماعيّة، والروابط الأخويّة بين الناس ، وبدأ أبناء المجتمع يتّجهون نحو حياة طيّبة يرضى عنها اللّه تعالى ورسوله والأئمّة المعصومون (عليهم السلام) .
ولد سنة 1975 م في قرية "منجي" التابعة لقضاء "درايم" الواقعة في منطقة "بدخشان" ، ونشأ في أسرة إسماعيليّة المذهب ، ثمّ أكمل المتوسّطة، ثمّ عمل في مجال الزراعة.
ثمّ صادف أن التقى بمجموعة من المبلّغين الشيعة ، فتعرّف من خلالهم على نقاط ضعف المذهب الإسماعيليّ، وقوّة أدلّة المذهب الشيعيّ.
من نقاط ضعف المذهب الإسماعيليّ:
إنّ المذهب الإسماعيليّ ظهر في أجواء واجه فيها الظلم والاضطهاد من قبل الحكومة العبّاسية ، ولهذا حاول علماء هذا المذهب أن يقوموا بتنظيم وتخطيط لحماية مذهبهم، وصيانته من جور حكّام بني العبّاس.
ولكن للأسف الشديد أفرط علماء هذا المذهب في ابتكار أساليب التنظيم ، ثمّ جعلوا ذلك من صميم عقائدهم الدينيّة.
ومن هنا تبلورت في صميم المذهب الإسماعيليّ تنظيمات سرّيّة تعتمد على الستر والتخفّي ، وابتكر علماء هذا المذهب أساليب سرّيّة بحيث غيّرت معالم المذهب، وحوّلته إلى أشبه مايكون بمنظّمة حزبيّة تتضمّن تنظيماً غريباً لم يسبقهم
إليه أحد في العالم.
ومن هذا المنطلق تمكّن أتباع هذا المذهب أن ينشروا عقائدهم بسرعة في مختلف أنحاء البلدان الإسلاميّة ، وذلك نتيجة تنظيمهم الدقيق لنقل الأخبار والمراسلات السرّيّة التي كان يقوم بتنفيذها أتباع هذا المذهب بدقّة.
قوة استقامة المذهب الشيعيّ:
إنّ المذهب الشيعيّ الاثنى عشريّ أيضاً واجه الكثير من الظلم والاضطهاد من قبل السلطات الجائرة ، ولكنّه استطاع بفضل قوّة أدلّته، واستحكام براهينه أن يصمد أمام جميع التيّارات المضادّة ، وكان السبب الوحيد الذي كتب للمذهب الشيعيّ الاثني عشريّ البقاء هو : المتانة الفكريّة وقوّة الأدلّة التي كانت تحطّم جميع العقبات التي توضع أمامها ، كما كان للأئمّة الاثني عشر دور هامّ في نشر هذا المذهب، والحفاظ عليه من كلّ سوء.
اعتناقه للمذهب الإماميّ الاثني عشريّ:
كان "عين الدين" يستمع بدقّة إلى بحوث ومحاضرات المبلّغين الشيعة ، ثمّ اندفع إلى البحث والمطالعة; لرفع مستواه العقائديّ ، ولم تمض فترة حتّى اقتنع بأحقّيّة المذهب الإماميّ الاثني عشريّ ، فأعلن استبصاره سنة 1993 م في منطقة "بلخمري" ، ثمّ توجّه بعد ذلك إلى نشر مذهب الشيعة الاثني عشريّة; ليرفع عن أبصار الآخرين الحجب التي منعتهم من رؤية أنوار باقي الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام) .
ولد سنة 1977 م في منطقة "بدخشان" ، وترعرع في عائلة إسماعيليّة المذهب ، وبقي إسماعيليّاً حتّى اعتنق أخوه المذهب الإماميّ الاثني عشريّ ، فوقعت بينه وبين أخيه مجموعة مناقشات زلزلت مباني اعتقاداته الموروثة ، ودفعته إلى البحث عن الفرقة الناجية.
ومن خلال البحث توجّه "غلام محمّد سجّادي" إلى وجود الكثير من الثغرات في بنية المذهب الإسماعيليّ ، فاندفع إلى الحصول على حلّ يحقّق به توازنه المفقود ، ولكن باءت جميع محاولاته بالفشل.
إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام):
يعتبر "إسماعيل" الإمام الذي عرف به المذهب الإسماعيليّ ، وكان والده "الإمام الصادق"(عليه السلام) ووالدته "فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين" ، وكان "إسماعيل" أكبر أخوته ، وكان الإمام الصادق(عليه السلام) يحبّه كثيراً ، وتوفّي "إسماعيل" في حياة أبيه "بالعريض" ، وحمل على رقاب الرجال إلى أبيه بالمدينة حتّى دفن بالبقيع(1).
1) الإرشاد للشيخ المفيد: 2/209.
وكان الإمام الصادق(عليه السلام) حريصاً على إفهام الشيعة بموت "إسماعيل" ; لأنّ المشهور في أوساط الشيعة هو أنّ الإمامة تكون للولد الأكبر ، وكان "إسماعيل" أكبر أولاد الإمام الصادق(عليه السلام) ، فكانت الشيعة تتصوّر أنّ الإمامة في "إسماعيل" ، ولهذا شاع بأنّ "إسماعيل" لم يتوفّى وأنّ الإمام الصادق(عليه السلام) ادّعى وفاته; ليحافظ عليه من بطش العبّاسيّين ، وليستره بذلك عن أعين العبّاسيّين الذين كانوا يطاردونه بسبب نشاطه المتزايد في نشر التعاليم الشيعيّة.
وفاة "إسماعيل" في زمن أبيه(عليه السلام):
إنّ الشبهة التي طرحت في الساحة حول عدم وفاة "إسماعيل" دفعت الإمام الصادق(عليه السلام)إلى معالجة الوضع واجتثاث تلك الشبهة.
فكان الإمام يؤكّد بأنّ الإمامة تكون بالنصّ، وليست هي وراثة للولد الأكبر ، وكان يؤكّد على موت "إسماعيل" وأنّه التحق بالرفيق الأعلى.
وقد ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) مجموعة أحاديث تثبت وفاة "إسماعيل" ، منها:
روى النعمانيّ عن زرارة بن أعين ، أنّه قال: دخلت على أبي عبدالله(عليه السلام)وعند يمينه سيّد ولده "موسى"(عليه السلام) ، وقدامه مرقد مغطّى ، فقال لي: "يا زرارة ، جئني بداود بن كثير الرقّي ، وحمران ، وأبي بصير". ودخل عليه المفضّل بن عمر ، فخرجت فأحضرت من أمرني بإحضاره ، ولم يزل الناس يدخلون واحداً إثر واحد ، حتّى صرنا في البيت ثلاثين رجلاً، فلمّا حشد المجلس، قال: "يا داود، إكشف لي عن وجه إسماعيل" ، فكشفت عن وجهه، فقال أبو عبدالله(عليه السلام): "يا داود، أحيّ هو أم ميّت؟" قال داود: يامولاي، هو ميّت ، فجعل يعرض ذلك على رجل رجل ، حتّى أتى على آخر من في المجلس ، وانتهى عليهم بأسرهم، وكلّ يقول: هو ميّت يامولاي ، فقال: "اللّهم اشهد" ، ثمّ أمر بغسله وحنوطه ، وإدراجه في أثوابه.
فلمّا فرغ منه قال للمفضّل: "يا مفضّل، احسر عن وجهه" ، فحسر عن وجهه ، فقال: "أحيّ هو أم ميّت؟" فقال: ميّت ، قال: "اللّهم اشهد عليهم"، ثمّ حمل إلى قبره ، فلمّا وضع في لحده قال: "يا مفضّل، اكشف عن وجهه" وقال للجماعة: "أحيّ هو أم ميّت؟" قلنا له: ميّت ، قال: "اللّهم اشهد ، واشهدوا ، فإنّه سيرتاب المبطلون ، يريدون إطفاء نور الله بأفواههم ـ ثمّ أومأ إلى موسى ـ والله متمّ نوره ولو كره المشركون" ، ثمّ حثونا عليه التراب ، ثمّ أعاد علينا القول ، فقال: "الميّت ، المحنط ، المكفّن ، المدفون في هذا اللحد من هو؟" قلنا: إسماعيل ، قال: "اللهمّ اشهد" ، ثمّ أخذ بيد موسى(عليه السلام)وقال: "هو حقّ ، والحقّ منه ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها"(1).
اعتناق المذهب الشيعي الاثني عشري:
وجد "غلام محمّد سجّادي" بعد البحث المكثّف الذي أجراه لاكتشاف الحقيقة ، أنّ الأدلّة التي بيّنها الشيعة الاثنا عشريّة حول أحقّية مبادئهم كلّها قاطعة وصحيحة ولا غبار عليها ، فلهذا لم يتردّد في اعتناق الحقّ ، فتخلّى عن عقائده الموروثة ، ثمّ أعلن استبصاره والتحاقه بالمذهب الشيعي الاثني عشري.
1) الغيبة للنعماني: 347، باب: 24، ح8 .
ولد سنة 1967م في منطقة "بدخشان" ، ونشأ في عائلة إسماعيليّة المذهب.
وبقي على انتمائه المذهبيّ الموروث حتّى تبيّن له خلال البحث وجود الكثير من العقائد الخاطئة في المذهب الذي هو عليه ، فوسّع آفاق دراسته ، وتوجّه لمعرفة باقي المذاهب الإسلاميّة.
الإمامة عند الإسماعيليّة:
مقام الإمامة له مكانة مرموقة عند الإسماعيليّة ، ولها درجات ومقامات مختلفة، ومن أبرز سماتها في المذهب الإسماعيليّ أنّهم يعتقدون بالنطقاء الستّة وأنّ لكلّ ناطق رسول يتلوه أئمّة سبعة، ثمّ يتبعه رسول آخر يليه أئمّة سبعة بعده.
ويعتقد الإسماعيليّة بأنّ "محمّد بن عبدالله(صلى الله عليه وآله وسلم) رسول، ثمّ تلته أئمّة سبعة وهم:
1ـ الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام).
2ـ الإمام الحسن بن علي(عليهما السلام).
3ـ الإمام الحسين بن علي(عليهما السلام).
4ـ الإمام علي بن الحسين(عليهما السلام).
5ـ الإمام محمّد بن علي الباقر(عليهما السلام).
6ـ الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليهما السلام).
7ـ إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام).
وبذلك ينتهي دور الأئمّة السبعة ، ويكون التالي رسولاً ناسخاً لشريعة النبيّ السّابق ، وكان الذي جاء بعد هؤلاء السّبعة هو محمّد بن إسماعيل ، فكان عليهم أن يعتقدوا وفق عقيدتهم السابقة بأنّه رسول ناسخ للشريعة السابقة ، وهذا ما يخالف عقائد جمهور المسلمين من أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، هو خاتم الأنبياء والمرسلين.
وهنا وقعت الإسماعيليّة في مشكلة كبيرة بقيت غامضة في مذهبهم.
تجلّي الحقيقة الساطعة:
واجه "غلام مصطفى" خلال بحثه الكثير من الشبهات بالنسبة إلى المذهب الإسماعيلي ، فحاول أن يجد لها حلاًّ عن طريق البحث ، ولكنّه وجد الطرق كلّها أمامه موصدة ومسدودة ، بل كان البحث يزيد في شبهاته إزاء المذهب الإسماعيليّ بدل أن يحلّها.
فدفع هذا الأمر "غلام مصطفى" إلى دراسة المذاهب الإسلاميّة الأخرى; ليوسّع بذلك دائرة إلمامه بالحقائق الدينيّة ، ولتكون نظرته للمذهب الإسماعيليّ متّسمة بالنظرة الشموليّة التي تتيح للباحث النظر إلى مذهبه الموروث من خارج المذهب.
واستمرت دراسة "غلام مصطفى" للمذاهب الإسلاميّة فترة حتّى استقرّ رحله عند المذهب الإماميّ الاثني عشريّ حيث وجد ضالّته فيه ، وتجلّت له من خلاله الكثير من الحقائق التي أنارت له طريق معرفة الصراط المستقيم ، فأعلن استبصاره من دون الالتفات إلى العواقب التي سيواجهها من أبناء منطقته ; لأنّه وجد الحقّ أحقّ أن يتّبع وأنّ الطريق إلى الله تعالى يتطلّب التضحية والإيثار ، وينبغي للذي يطلب الرضوان الإلهي أن يعدّ نفسه في كلّ آن ليقدّم أغلى ما عنده في هذا السبيل.
ولد سنة 1967 م في منطقة "بدخشان" ونشأ في أسرة إسماعيليّة المذهب ، ثم عمل في مجال الزراعة.
بقي "فضل أحمد" متمسّكاً بعقائده الموروثة حتّى التقى بمجموعة من المبلّغين الشيعة الاثني عشريّة ، فتعرّف من خلالهم على المذهب الإماميّ الاثنى عشريّ ، وتبلورت في ذهنه مجموعة شبهات بالنسبة إلى المذهب الإسماعيلي ، فتوجّه نحو البحث، ولكنّه وجد المذهب الذي هو عليه محفوف بالغموض وكتمان الأدلّة.
الغموض في عقائد الإسماعيليّة:
إنّ التاريخ يكشف بأنّ الإسماعيليّة كتموا كتبهم ومؤلّفاتهم ولم يبيّنوا أدلّة عقائدهم لأحد سواهم بصورة مفصّلة ، فلهذا أصبح البحث عن الإسماعيليّة أمراً صعباً ، إلاّ أن يستند الباحث إلى كتب مخالفيهم وماورد عنهم ، ومن الواضح أنّ الحكم على جماعة استناداً إلى أقوال مخالفيهم لا ينسجم مع أدب البحث الموضوعيّ.
ولم يواجه هذه المسألة أبناء الطوائف غير الإسماعيليّة في مسألة بحثهم
عن المذهب الإسماعيليّ ، بل واجهها أيضاً أتباع هذا المذهب من الإسماعيليّة حيث إنّهم أيضاً واجهوا هذه المشكلة، ولم يستطيعوا الوصول إلى مصادرهم التي تنير الدرب لمعرفة محتواها ، وكشف حقيقتها وتفسير رموزها ومصطلحاتها.
ولهذا يقول أحد المؤرّخين المعاصرين من الإسماعيليّة: "من المشاكل المستعصية التي يصعب على المؤرّخ والباحث حلّها، وسبر أغوارها وهو يستعرض تاريخ الدعوات الباطنية السرّية وتنظيماتها حرص تلك الدعوات الشديد على كتمان وثائقهم ومصادرهم التي تنير الطريق لاستجلاء كنهها وكشف حقيقتها وما غمض من رموزها ومصطلحاتها"(1).
التوجّه إلى الحقائق الواضحة:
لم يرغب "فضل أحمد" البقاء على عقيدة تخفي أدلّتها وبراهينها عليه وتطلب منه الاتّباع الأعمى لها ، فلهذا توجّه للبحث عن عقيدة تغنيه من ناحية الدليل والبرهان ، فأوصله البحث إلى العقيدة الشيعيّة الإماميّة الاثني عشريّة ، فاعتنق هذا المذهب بكلّ ترحاب ; لأنّه وجده مذهباً يطرح عقائده بوضوح وجميع حقائقه واضحة ومكشوفة تستمدّ قوّتها من الكتاب والسنّة الصحيحة.
ثمّ أعلن "فضل أحمد" استبصاره سنة 1994 م في منطقته وركب سفينة النجاة باتّباع الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام).
1) تاريخ الدعوة الإسماعيليّة ، الدكتور مصطفى غالب: ص25.
ولد سنة 1977 م في منطقة "بدخشان" ، ونشأ في عائلة إسماعيليّة المذهب ، وكان حافظاً للقرآن الكريم ، وكان مهتمّاً منذ صغره بالبحث عن الحقيقة ، وبقي هذا الاهتمام عنده من دون أن تتوفّر له فرصة الانطلاق في آفاق عقائديّة واسعة حتّى سافر إلى مدينة "بيشاور" في باكستان ، فتعرّف هناك على شتّى المذاهب الإسلاميّة وكان منها المذهب الشيعيّ الإماميّ الاثني عشريّ.
ومن هنا توجّه "قارئ أحمد" نحو البحث ، فدرس جملة من المذاهب الإسلاميّة ، كما توجّه إلى البحث المعمّق حول عقائده الموروثة ، وبدأ بالمقارنة بين المذاهب الإسلاميّة حتى أعجبته عقيدة المذهب الشيعيّ الاثني عشريّ حول أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
فوقعت محبّة أهل البيت(عليهم السلام) في قلبه ، وتأثّر بالأحاديث والروايات التي ترويها كتب الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة ، فازداد تعلقاً بهم ، وأصبح ديدنه الحديث عنهم والدعوة إليهم.
ثمّ اندفع "قارى أحمد" إلى دراسة المذهب الشيعيّ الاثني عشريّ ، فتعرف على أفكاره ومعتقداته المقتبسة من أحاديث الأئمّة الاثني عشر ، ثمّ تبلورت عنده القناعة بأحقّية هذا المذهب ، فأعلن استبصاره في خريف سنة 1991 م ، ثمّ
توجّه إلى دراسة علوم أهل البيت(عليهم السلام) في الحوزات العلميّة الشيعيّة.
استشهاده في سبيل الدعوة إلى الحق:
أوقف "قارئ أحمد" نفسه بعد الاستبصار لخدمة المذهب الشيعيّ الاثني عشريّ ، وأصبح دأبه التعرّف على علوم ومعارف عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ المبادرة إلى نشرها بين أوساط الذين يلتقي بهم.
فساء ذلك جماعة حركة طالبان ، فقرّروا إخماد صوته، ومواجهة حركته التبليغيّة ، فبادروا إلى قتله عام 1995 م في مدينة "هرات" ، ولم يكن لـ"قارئ أحمد" حين استشهاده سوى ثمانية عشر سنة ، ولكن الأعداء لم يتحمّلوا أن يكون بينهم من يذكر الإمام عليّ(عليه السلام)وذرّيّته بخير ، ولم يرغبوا في نشر علوم ومعارف عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقتلوه ظلماً تأسّياً بالحكومات الجائرة التي كان ديدنها سفك دماء أتباع أهل البيت(عليهم السلام).
ولد سنة 1975 م في منطقة "بدخشان" ، نشأ في أسرة إسماعيليّة المذهب ، ثمّ عمل في مجال الزراعة.
رغبة التمسّك بالموروث:
كان "جل أحمد" سائراً في عقائده وأفكاره وفق ما أملت عليه أسرته ، ولم يخطر على باله أنّه بحاجة إلى البحث من أجل تقييم معتقداته ; لأنّه كان يؤمن بأنّه على الحقّ فلا داعي له أن يبذل جهداً لتقييم ما هو عليه لمعرفة هل هو على الحقّ أم أنّه على الباطل.
وبقي "جل أحمد" على هذه الحالة حتّى استبصر أخوه، واعتنق المذهب الإماميّ الاثني عشريّ ، فاستغرب "جل أحمد" من ذلك وتأسّف على أخيه، وحاول أن يترك أخاه لشأنه، وأن لا يفتح معه مجال البحث في المجال العقائدي ; لأنّه كان لا يرغب الدخول في مجال قد لا تحمد عقباه ، وكان لا يرغب أن يتعب نفسه في مجال البحث والتنقيب.
ولكنّ أخاه لم يتركه لشأنه، وكان يلحّ عليه بأن يجدّد النظر في معتقداته الموروثة ، وأن يتوجّه نحو البحث; لمعرفة الحقّ ، وكان يقول له بأنّ بقاءك على
عقائدك الموروثة لا يغنيك يوم القيامة، وسوف لا تكون لك الحجّة للدفاع عن نفسك أمام الله تعالى.
التوجّه نحو البحث:
بقي "جل أحمد" على الحالة التي كان عليها، حتّى التقى ذات يوم بمجموعة من المبلّغين الشيعة ، فجرى الحديث بينه وبينهم حول عدّة قضايا منها ما يخصّ الأمور العقائديّة ، ومن ذلك الحين أدرك "جل أحمد" أهمّيّة العلم، ودوره في رفع مستوى الإنسان في جميع الأصعدة، وصيانته لصاحبه من عدم الانخداع بالأفكار الضالّة والمنحرفة.
فتوجه بعد ذلك إلى البحث واستعان بهؤلاء المبلّغين ، فارشدوه إلى الكثير من الحقائق.
ومن ذلك الحين بدأ "جل أحمد" يشيّد مرتكزاته الفكريّة، وأسسه العقائديّة وفق ما تملي عليه الأدلّة العقليّة والبراهين التي تمتلك قدرة غرس القناعة في عقله وقلبه.
وبمرور الزمان وجد "جل أحمد" أنّه أصبح شيعيّاً اثني عشريّاً في عقيدته وتفكيره ، فرحّب بذلك، ثّم أعلن سنة 1995 م تشيّعه واتّباعه للأئمّة الاثنى عشر(عليهم السلام) .
ولدت سنة 1975 في مدينة "شغنان" الواقعة في منطقة "بدخشان" ، ونشات في أسرة أملت عليها المذهب الإسماعيليّ ، ولم تكن "ماهرة عليزاده" مهتمّة بتعميق معارفها، بل كانت مكتفية بالتزام الأحكام الشرعية على وفق المذهب الإسماعيليّ .
في البيت الجديد:
واجهت "ماهرة" بعد زواجها أجواءً مغايرة لما كانت عليه في بيت أهلها ; لأنّها كانت فيما سبق في أجواء لا تهتمّ بظواهر الدين ، ولكنّها وجدت في البيت الجديد رجلاً مهتمّاً بأمر دينه، وحريصاً على تشييد معتقداته وفق الأسس السليمة ، فاعجبها ذلك وحاولت أن تشارك زوجها في رحلة بحثه عن الحقيقة.
البحث عن الإمام الحقيقيّ:
كان زوج "ماهرة" يؤكّد بأنّ الإنسان ينبغي له أن لا يضفي طابع القداسة على شخص إلاّ بعد الاطمئنان بأنّ ذلك الشخص يستحقّ ذلك.
ومن هنا بدأت "ماهرة" بمعيّة زوجها للبحث عن الأئمّة الذين يستحقون إضفاء طابع القداسة عليهم ، فساقتهما الأدلّة إلى أنّ الإمام موسى بن جعفر
الكاظم(عليه السلام) هو الإمام الحقيقي بعد الإمام الصادق(عليه السلام) ، وهو الذي يستحقّ الاتّباع، وإضفاء طابع القداسة عليه; وذلك لأنّ الأدلّة كلّها تشير إلى أنّ الإمام من بعد الإمام الصادق(عليه السلام) هو الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام) ، وأنّ إسماعيل ابن الإمام الصادق(عليه السلام) وإن كان شخصاً مؤمناً ، ولكنّه مات في حياة أبيه، وقد أكّد الإمام الصادق(عليه السلام) على وفاته; ليرفع شبهة كونه الإمام من بعده.
ولكنّ البعض حاول لجملة من الأغراض إنكار إمامة الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) والقول بإمامة إسماعيل ، وهذا ما دفعهم إلى الابتعاد عن الأئمّة الحقيقيّين الذين اصطفاهم الله تعالى ليكونوا حججه على البريّة.
الإيمان بالأئمّة الاثني عشر:
توصّل زوج "ماهرة" بعد البحوث المكثّفة التي أجراها لاكتشاف الحقيقة إلى أنّ الحقّ مع المذهب الإماميّ الاثني عشريّ ، فأعلن استبصاره بعد ذلك، ثمّ قدّم الإدلّة التي قادته إلى تغيير انتمائه المذهبيّ إلى زوجته "ماهرة".
فتأمّلت "ماهرة" في الأدلّة التي قدّمها زوجها إليها ، والقت نظرة دقيقة عليها، وحاولت أن تغربل تلك الأدلّة لئلاّ يكون انتماؤها المذهبيّ الجديد أيضاً نتيجة التقليد الأعمى.
وبعد فترة وجيزة تبيّن لـ"ماهرة" صحّة الأدلّة التي اعتمد عليها زوجها في استبصاره ، فالتحقت به وأعلنت إيمانها بالائمّة الاثني عشر(عليهم السلام) ، وقرّرت بعد ذلك أن تجعل هؤلاء الأئمّة الدليل والطريق لوصولها إلى المعارف الحقّة.
عاش في القرن الثاني عشر للهجرة، وكان حيّاً سنة 1155هـ ، وكانت نشأته في أوساط أسرة متعصّبة تنتمي إلى المذهب الحنفي.
نبذ التعصّب والتقليد الأعمى:
عاش "محمّد إسحاق" في أجواء كانت تكفّر الشيعة وتخرجهم من الملّة الإسلاميّة ، فدفعه هذا الأمر إلى معرفة هذه الفرقة ، فتوصّل في نهاية مطاف بحثه إلى أنّ الأقوال التي كان ينسبها من حوله إلى الشيعة كلّها محض افتراء وكذب صريح ، وتبيّن له بأنّ ما يذكره هؤلاء حول الشيعة ليس له أيّ دليل أو حجّة أو برهان سوى أنّهم يكرّرون ما قاله أسلافهم من أعداء أهل البيت(عليهم السلام).
ومن هنا قرّر "محمّد إسحاق" أن ينبذ التعصّب، وأن يحرّر نفسه من التقليد الأعمى لموروثه العقائديّ ، ثمّ توجّه إلى تلقّي المزيد من المعلومات حول أفكار ومعتقدات الشيعة الاثني عشريّة.
التمسّك بالثقلين:
اكتشف "محمّد إسحاق" خلال بحثه بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أكّد في العديد من المرّات على التمسّك بالثقلين وهما كتاب الله تعالى وعترته من أهل بيته، وأنّ
الاعتصام من الوقوع في الضلال لا يمكن إلاّ عن طريق التمسّك بهذين الثقلين ; لأنّ القرآن فيه الكثير من العمومات وليس فيه تفاصيل الأحكام، وهو حمّال ذو أوجه ، ولابدّ له من مبيّن ومفسّر ، وأنّ التفسير الحقيقيّ للقرآن عند أهل البيت(عليهم السلام) ، ولهذا فإنّ من ترك أهل البيت(عليهم السلام) ، فقد ترك التفسير الحقيقيّ لكتاب الله تعالى ، ومن ترك أهل البيت(عليهم السلام)فقد نبذ الحقّ وراء ظهره واتّبع الباطل وليس بعد الحقّ إلاّ الضلال.
اتّباع الفرقة الناجية:
وجد "محمّد إسحاق" أنّ الأدلة كلّها تدعوه إلى نبذ معتقداته الموروثة، والتوجّه إلى اتّباع الفرقة الناجية المتمثّلة بأهل البيت(عليهم السلام)، ولكنّه كان يعيش أجواء تؤدّي به إلى أن يدفع ثمناً باهضاً نتيجة إعلان استبصاره ; لأنّه كان من عائلة متعصبة ستواجهه بشدّة فيما لو كشف لهم أمره.
ولكنّه توكّل على الله تعالى ولم يهتم بما سيواجه من مشاكل بعد إعلان استبصاره ، فأعلن اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ثمّ توجّه إلى طلب العلم ، فأصبح رجلاً فاضلاً وعالماً يشار إليه بالبنان، وقد ذكره صاحب طبقات أعلام الشيعة:
(كان والده "حسين الأفغاني" أخ "محمود المردود الأفغاني" الذي سخّر بلدة إصفهان وغلب على السلسلة الصفويّة ، فأبوه وعمّه وجدّه كانوا من المتعصّبين ، ولكنّ الله يخرج الحيّ من الميّت فاستبصر من صغره ، وصار عالماً فاضلاً مرموقاً ، مسلّماً فضائله عند معاصريه)(1).
1) طبقات أعلام الشيعة للعلاّمة آقابزرگ الطهراني: القرن الثاني عشر ص55 ـ 56.
ولد سنة 1974م في قرية "منجي" التابعة لمدينة "درايم" في منطقة "بدخشان" ، ونشأ في أسرة إسماعيليّة المذهب ، ثمّ واصل دراسته الأكاديميّة حتى حصل على شهادة الإعداديّة ثمّ عمل في مجال التعليم.
خواء العقائد الموروثة:
التفت "محمّد آصف" خلال ممارسته لمهنة التعليم إلى أنّ الإنسان يزداد بصيرة بالحياة نتيجة ارتقاء مستواه العلميّ ، فدفعه ذلك ليعيد النظر في مرتكزاته الفكريّة وأسسه العقائديّة من أجل بناء معتقداته على الأسس والدعائم الصحيحة.
ومن هذا المنطلق تبيّن لـ"محمّد آصف" أنّ عقيدته الموروثة عقيدة أفرطت في اتّخاذ الفلسفة اليونانيّة عماداً وسنداً لمذهبها ، فأدخلت في معتقداتها الكثير من المفاهيم المعقّدة التي كان ضررها أكثر من نفعها ، وتحوّلت الكثير من عقائدها إلى مسائل فلسفيّة خاطِئة تخالف الأصول والثوابت الإسلاميّة.
كما تبيّن لـ"محمّد آصف" أنّ المذهب الذي هو عليه محاط بهالة من الغموض، بحيث لا يقف عليه أحداً إلاّ الطبقة الخاصّة من علماء المذهب ، وهم في نفس الوقت يبخلون بآرائهم وكتبهم على الغير ولا يقومون بتبيين عقائدهم بوضوح.
فبذل "محمّد آصف" جهداً كبيراً لكشف النقاب عن وجه العقيدة الإسماعيليّة فتبيّن له بعد ذلك خواء هذه العقيدة.
البحث عن العقيدة الصحيحة:
وجد "محمّد آصف" بعد البحث بأنّ المذهب الإسماعيليّ لا يستحقّ الاتّباع ، فدفعه ذلك إلى البحث عن البديل ، فغاص في بطون كتب المذاهب الإسلاميّة بحثاً عن العقيدة التي تقدّم له الرؤية الكونيّة الصحيحة التي تعتمد على القرآن الكريم والسنّة الصحيحة، وتجعل منهما مصدراً لبلورة المعتقدات التي أراد الله تعالى للبشريّة الالتزام بها والتمسّك بهديها.
وفي نهاية مطاف البحث الذي أجراه "محمّد آصف" ، تبيّن له أنّ الحقّ في المذهب الشيعيّ الاثني عشريّ ، فلم يتردّد لحظة واحدة في اعتناق هذا المذهب ; لأنّه وجد العقل يحكم عليه باتّباع هذا المذهب ، فأعلن استبصاره سنة 1993 م وهو في مهجره بمدينة "بيشاور" الباكستانيّة تاركاً ما كان عليه من تقليد أعمى لمذهب آبائه وأجداده.
ولد سنة 1969 م في منطقة "بدخشان" ، ونشأ في أسرة إسماعيليّة المذهب ، واصل دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على شهادة الإعداديّة ، ثمّ تلقى بعض الدروس الدينيّة; ليرفع بذلك مستواه المعرفي في الصعيد العقائديّ ، ثمّ توجّه إلى العمل في مجال التعليم .
البحث عن معتقدات قاطعة:
شعر "محمّد" خلال دراسته لمعتقدات المذهب الإسماعيليّ أنّها معتقدات مبنيّة على الظنّ والتخمين لاعلى القطع واليقين ، وأنّ علماء مذهبه لا يستندون إلى سند قطعيّ يعتمدون عليه في إثبات الأفكار التي يعرضونها على الآخرين.
فدفعه هذا الأمر إلى المزيد من البحث من أجل التعرّف على المذهب الذي يقدّم دراساته وأبحاثه ومعطياته العلميّة وفق أسس منهجيّة ومنظّمة ومحدِّدة، ويعتمد على الأسس المنطقيّة والمنهجيّة العلميّة.
نتائج البحث:
توجّه "محمّد" في بحثه عن المذهب الذي يقدّم معتقداته بأدلّة مقنعة وبراهين ساطعة لا غبار عليها ، فتبيّن له خلال غربلته لمعتقدات المذاهب
الإسلاميّة ، أنّ المذهب الشيعيّ الإماميّ الاثني عشريّ ، مذهب يقتبس عقائده من أئمّة نصّ عليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وجعلهم السبيل لعدم الوقوع في الضلال من بعده.
كما تبيّن لـ"محمّد" أنّ وجود الأئمّة الاثني عشر أدّى إلى محافظتهم على ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وصيانة أتباعهم من الانحراف والوقوع في أودية الضلال.
وبمرور الزمان انكشفت الحقائق لـ"محمّد" بوضوح ، وتبيّن له بأنّ المذهب الإسماعيليّ فرقة انحرفت عن الصراط المستقيم، ثمّ أدّى بها ابتعادها عن الأئمّة الذين اصطفاهم الله تعالى أن يكون مآلها الضلال والوقوع بيد الأهواء والميول البشريّة.
ومن هذا المنطلق أعلن "محمّد" سنة 1991 م استبصاره، واعتناقه للمذهب الإماميّ الاثني عشريّ ، ثمّ حاول أن يعمّق معارفه الدينيّة بعلوم الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام) ، فخصّص لنفسه وقتاً لمواصلة بحثه ومطالعته للتراث الإماميّ، وقراءة الكتب الشيعيّة القديمة والمعاصرة.
الصورة
ولد حوالي سنة 1934 م في بلدة "كامرد" من أب حنفيّ يدعى "محمّد سوراب" وأمّ شيعيّة من أسرة تعرف بـ"تاجيك" ، ثمّ قرأ القرآن وكتب اللغة والأدب في المكتب ، ثمّ التحق بمدرسة "ايوبك" لدراسة الفقه الحنفي على يد المولوي "قاري سيلان" ودرس الكثير من الكتب منها: فقه الجيلاني والمختصر وقدوري وشرح الوقاية.
تعرفه على مذهب التشيّع:
لم يكن "محمّد نبي البلخي" غريباً عن مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، فقد كانت أمّه تحدّثه عن فضائل الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)، وتدعوه إلى الاعتقاد بهم والتمسّك بتعاليمهم ; لكنّه كان تابعاً لمذهب أبيه الحنفيّ ، وكان يرى بأنّ المذاهب الإسلاميّة الصحيحة هي المذاهب الأربعة المعروفة التي نالت الصفة الرسميّة من قبل الحكّام ، حيث اعترفوا بهذه المذاهب وروّجوا لها ، ولم يجيزوا التعبّد بغيرها.
مع ذلك لم يكن "محمّد نبي البلخي" ممّن يعيش حالة الاتّباع الأعمى لكلّ ما يقرأه في كتب مذهبه، فقد لفت نظره في احدى أيّام الدراسة وجود مثل هذه العبارة في كتاب "قدوري": "إنّ جلد الكلب يطهر بالدباغة ، أمّا جلد الخنزير
والإنسان فلا يطهران بتاتاً" ، فتعجّب من ذلك وقال في نفسه: هل الإنسان أنجس من الكلب وأخبث؟!
توسّله بالإمام علي(عليه السلام):
تعرّض "محمّد نبي البلخي" ذات يوم لمرض "التيفوس" وزادت عنده الحمّى بحيث لم يستطع التنفّس إلاّ بصعوبة بالغة ، وفي اليوم الثالث انقطع رجاؤه من الحياة ، فتذكّر كلام أمّه حول توسّل الشيعة بالإمام علي(عليه السلام) عند الشدائد، فتوجّه إلى الإمام علي(عليه السلام)بتواضع، وجعله الوسيلة إلى الله تعالى ، فنادى من أعماق قلبه ثلاث مرّات: اغثني يا امير المؤمنين. وفي المرّة الثالثة أحسّ بتحسّن حاله ، وتصبّب منه العرق حتّى ابتلّت ثيابه ، ثمّ غادرته الحمّى فوراً ، واستطاع القيام من فراش المرض ، فنذر زيارة المزار المشهور المنسوب لأمير المؤمنين(عليه السلام)في بلدة "مزار شريف" في شمال أفغانستان ، وبقي فيه عدّة أيّام ثمّ اشتدّت علاقته الروحيّة بأمير المؤمين علي ابن أبي طالب(عليه السلام) حتّى رآه في المنام، وهو يدعوه إلى أتّباع الطّريق المستقيم.
بحثه عن الحقيقة:
قرّر "محمّد نبي البلخي" بعد ذلك أن يعيد النظر في معتقداته الموروثة وأن يبذل غاية جهده لمعرفة المذهب المنسوب للإمام علي(عليه السلام).
ومن هذا المنطلق دخل "محمّد" في رحاب التشيّع ، وكان يوم بعد آخر يزداد محبةً للإمام علي(عليه السلام) نتيجة معرفته لمكانته وفضائله ومواقفه وسيرته.
ولم تمض فترة حتّى أعلن "محمّد" تشيّعه ، وكان ذلك سنة 1956 م ، ثمّ التحق بالحوزة العلميّة ليزداد إلماماً بعلوم ومعارف أهل البيت (عليهم السلام) (1).
1) نقلناه بتصرّف من كتاب "لماذا اخترنا مذهب الشيعة الإماميّة" للسيّد محمّد الرضي الرضويّ .
كان من حواريّ الإمام زين العابدين علي بن الحسين(1)، وقد روى عنه أحاديث كثيرة ، وله كتاب(2)في الرواية عنه ، وحينما أراد الحجّاج والي الأمويّين قتله ، هرب إلى مكّة وأخفى نفسه فيها ، ونجا منه(3).
استبصاره:
نقل الكشّي بإسناده عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قوله:
"كان أبو خالد الكابلي يخدم محمّد بن الحنفيّة دهراً ،وما كان يشكّ في أنّه إمام حتّى أتاه ذات يوم فقال له: جعلت فداك ، إنّ لي حرمة ومودّة وانقطاعاً ، فأسألك بحرمة رسول الله وأمير المؤمنين إلاّ أخبرتني: أنت الإمام الذي فرض الله طاعته على خلقه؟
قال: فقال: يا أبا خالد ، حلّفتني بالعظيم، الإمام عليّ بن الحسين عليّ وعليك وعلى كلّ مسلم.
فأقبل أبو خالد لمّا أن سمع ما قاله محمّد بن الحنفيّة ، فجاء إلى عليّ بن
الحسين(عليه السلام) ، فلمّا استأذن عليه فأخبر أنّ أبا خالد بالباب ، فأذن له ، فلمّا دخل عليه دنا منه قال(عليه السلام):
مرحباً يا كنكر ، ما كنت لنا بزائر ، ما بدالك فينا؟
فخرّ أبو خالد ساجداً شاكراً لله تعالى ممّا سمع من عليّ بن الحسين(عليه السلام) .
فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتّى عرفت إمامي.
فقال له علي(عليه السلام): وكيف عرفت إمامك يا أبا خالد؟
قال: إنّك دعوتني باسمي الذي سمّتني أمّي التي ولدتني وكنت في عمياء من أمري ، ولقد خدمت محمّد بن الحنفيّة دهراً من عمري ، ولا أشك إلاّ وأنّه إمام حتّى إذا كان قريباً سألته بحرمة اللّه وبحرمة رسوله وبحرمة أمير المؤمنين فأرشدني إليك ، وقال: هو الإمام عليّ وعليك وعلى جميع خلق اللّه كلّهم ، ثمّ أذنت لي فجئت فدنوت منك ، سميتني باسمي الذي سمّتني أمّي فعلمت أنّك الإمام الذي فرض اللّه طاعته على كلّ مسلم"(1).
اهتمام الامام زين العابدين(عليه السلام) به:
كان "وردان كنكر" مورد عناية الإمام زين العابدين(عليه السلام) وقد نقل "الكشّي" عن أبي جعفر(عليه السلام) أيضاً:
"خدم أبو خالد الكابلي علي ّبن الحسين(عليه السلام) دهراً من عمره ، ثمّ إنّه أراد أن ينصرف إلى أهله فأتى عليّ بن الحسين(عليه السلام) ، فشكا إليه شدّة شوقه إلى والديه.
فقال(عليه السلام): يا أباخالد ، يقدم غداً رجل من أهل الشام له قدر ومال كثير ، وقد أصاب بنتاً له عارض من أهل الأرض ، ويريدون أن يطلبوا معالجاً يعالجها ، فإذا أنت سمعت قدومه فأته ، وقل له: أنا أعالجها لك على أنّي أشترط عليك أنّي أعالجها على ديّتها عشرة آلاف درهم ، فلا تطمئن إليهم وسيعطونك ما تطلب منهم.
1) اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّى)للشيخ الطوسي حديث 1/336، رقم 192 .
فلما أصبحوا قدم الرجل ومن معه بها ، وكان رجلاً من عظماء أهل الشام في المال والمقدرة .
فقال: أما من معالج لبنت هذا الرجل؟
فقال له أبو خالد: أنا أعالجها على عشرة آلاف درهم ، فإن أنتم وفّيتم وفّيت لكم على ألاّ يعود إليها أبداً.
فشرطوا أن يعطوه عشرة آلاف درهم ، ثمّ أقبل إلى عليّ بن الحسين(عليه السلام)فأخبره الخبر.
فقال(عليه السلام): إنّي لأعلم أنّهم سيغدرون بك، ولا يفون لك ، انطلق يا أبا خالد، فخذ بأذن الجارية اليسرى ، ثمّ قل: يا خبيث ، يقول لك عليّ بن الحسين: أخرج من هذه الجارية ولا تعد .
ففعل أبو خالد ما أمره ، وخرج منها ، فأفاقت الجارية ، فطلب أبو خالد الذي شرطوا له فلم يعطوه ، فرجع أبو خالد مغتمّاً كئيباً .
فقال له عليّ بن الحسين(عليه السلام): مالي أراك كئيباً ياأبا خالد ، ألم أقل لك إنهم يغدرون بك؟ دعهم فإنهم سيعودون إليك ، فإذا لقوك فقل لهم لست أعالجها حتى تضعوا المال على يدي عليّ بن الحسين(عليه السلام) ، فإنّه لي ولكم ثقة.
فرضوا ووضعوا المال على يدي عليّ بن الحسين .
فرجع أبو خالد إلى الجارية وأخذ بأذنها اليسرى ، ثمّ قال: ياخبيث ، يقول لك عليّ بن الحسين(عليه السلام): أخرج من هذه الجارية ، ولا تعرض لها إلا بسبيل خير ، فإنّك إن عدت أحرقتك بنار الله الموقدة التي تطلّع على الأفئدة ، فخرج منها ولم يعد إليها ، ودفع المال إلى أبي خالد ، فخرج إلى بلاده"(1).
1) اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّي) ح 193 .
ولد سنة 1974 م في مدينة "بدخشان" ، ونشأ في أسرة أملت عليه الانتماء إلى المذهب الإسماعيليّ ، ثمّ عمل في مجال الزراعة.
استبصار أخيه:
بقي "هاشم" منتمياً للمذهب الإسماعيليّ الذي ورثه من البيئة التي كان يعيش فيها ، ولم يجد دافعاً لتغيير انتمائه المذهبي; لعدم وجود ما يحفّزه على ذلك ، وبقي "هاشم أحمدي" على هذه الحالة حتّى استبصر أخوه واعتنق المذهب الإمامي الاثني عشريّ.
ومن هذا المنطلق اندفع "هاشم" إلى البحث نتيجة المناظرات العقائديّة التي جرت بينه وبين أخيه ، واستمرّ "هاشم" بالبحث حتّى تبيّن له بأنّ إسماعيل بن الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) قد مات في عهد أبيه، وأنّ قصّة وفاة إسماعيل بالتمويه والتغطية أسطورة حاكتها يد الخيال ، وأنّ الامام الصادق(عليه السلام) وأصحابه الأجلاّء لم يكونوا على منهج المذهب الإسماعيليّ الذي يؤمن بالحركات السريّة ، ليفتعل موت ابنه بمرأى ومسمع من الناس وهو بعد حيّ يرزق.
معرفة الإمام الحقّ بعد الإمام الصادق (عليه السلام):
اندفع "هاشم" بعد أن ثبت له كذب إمامة إسماعيل بن الإمام جعفر بن
محمّد الصادق(عليه السلام)إلى معرفة الإمام الذي جاء بعد الإمام الصادق(عليه السلام) فساقته الأدلّة إلى إمامة الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام) ، فدرس حياة الإمام موسى الكاظم فتبيّن له بأنّ الإمام الكاظم(عليه السلام) هو الإمام الذي نصّ عليه أبوه من بعده ، وأنّه على الرغم من التحديات الخطيرة التي واجهها الوجود الشيعيّ نتيجة ادّعاء البعض لإمامة غيره حاول أن يعالج الموقف بأسلوب هادئ من أجل حلّ الأزمة التي واجهها الشيعة.
وكان موقف الإمام الكاظم(عليه السلام) تبيين الحقيقة ، ثمّ ترك للشيعة الحرّيّة في أن تكتشف بنفسها كفاءة من ادّعى أنّ الإمامة لغيره ، كما أنّه استخدم أسلوب المعجزة; لإثبات أنّه إمام مفترض الطاعة.
وقد روي عن أبي بصير عن الإمام الكاظم(عليه السلام) قال: دخلت عليه ، فقلت: جعلت فداك بم يعرف الإمام؟
فقال(عليه السلام): "بخصال: أمّا أوّلهنّ فشيء تقدّم من أبيه فيه وعرَّفه الناس ونصّبه لهم علماً ، حتّى يكون حجّة عليهم ; لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نصب عليّاً(عليه السلام)، وعرَّفه الناس ، وكذلك الأئمّة يعرِّفونهم الناس وينصّبونهم لهم حتّى يعرفوه ، ويسأل فيجيب ، ويسكت عنه فيبتدي ، ويخبر الناس بما في غد ، يكلّم الناس بكلّ لسان"(1).
اعتناق مذهب الحق:
واصل "هاشم" بحثه ومناظراته مع أخيه الذي استبصر قبله حتّى تبيّن له أنّ الحقّ مع المذهب الشيعيّ الاثني عشريّ ، فأعلن استبصاره والتحقّ بركب أخيه ليعينه على نشر المعارف الحقّة بين الذين هم في غفلة عن معرفة الحقّ.
1) قرب الاسناد للحميري : 339، ح1244 .
الصورة
ولدت عام 1965 م في "ألمانيا" ، ونشأت في ظلّ عائلة تعتنق المذهب الپروتستاني المسيحيّ.
فترة المراهقة:
تقول "الكه اشميت": لم تكن لنا صلة يعتدّ بها بالدين والقضايا المذهبيّة ، سوى أنّني كنت في الصغر أذهب مع أمّي إلى الكنيسة، واستمع إلى المواعظ التي يلقيها علينا القسيس.
ولكنّني لصغر سنّي كنت لا أفهم ما يقوله القسّيس ، وكان معظم ما يلفت انتباهي هو التزيين البديع الذي كانت الكنيسة قد تلبّست به .
كنت ذلك الحين لا أعرف أنّ العظمة الظاهريّة للأمور ليست دليلاً على عظمتها الحقيقيّة ، فكنت منبهرة بظاهر الكنيسة وجمالها الخارجيّ.
وحينما بلغت الرابعة عشر من عمري كنت افتقر إلى وعي يردعني عن التصرّفات التافهة، ويصونني من الانجراف بالتّيار المدمّر لكرامة الإنسان في مجتمعنا ، ذلك التيّار الذي فرض على المرأة أن تهتمّ دائماً بمظهرها وزينتها، وعرض مفاتنها للآخرين.
بداية التوجّه الديني:
تضيف "الكه اشميت": لم أكن أمتلك في فترة المراهقة ذلك الوعي ; لأنّني كنت أعيش في أوساط أجواء لم تمنحنا الثقافة المطلوبة ، ولكن صادف في الإعداديّة أن أقيم صفّاً لتعليم الأمور الدينيّة ، وكان الدافع في البدء للحضور في هذا الصف أوّلاً لأنّه كان بمثابة احتفال نجتمع فيه، فيأنس بعضنا مع بعض ، وثانياً للجوائز التي كانت تعطى للطلبة في ذلك الصف نتيجة حفظهم لبعض فقرات الإنجيل.
ولكنّني بمرور الزمان أدركت أهمّيّة هذا الصف، ودوره في إنشاء الوازع والمانع لارتكاب بعض الأمور المتدنّية التي لا تليق بكرامة الإنسان.
ومن ذلك الحين ازدادت صلتي بالدعاء ، فكنت أجلس وحيدة في غرفتي ، فالتجىء إلى خالقي وبارئي فاناجيه، وأشكو اليه همومي ، وكانت تلك اللحظات عندي من أسعد اللحظات.
تقوية البنية العقائديّة:
تقول "الكه اشميت": بمرور الزمان كثر توجّهي إلى الأمور الدينيّة، ولكنّني بدأت أعاني من بعض الشبهات التي كنت لا أجد لها حلاًّ ، وكان دأب أستاذنا الدينيّ أنّه يحذّرنا من الوقوع في الشكّ ، فكان يقول: لا ينبغي الاعتراض والتشكيك في المسائل الدينيّة ، ولا بدّ من قبولها تعبّداً وعدم الاستفسار عن حكمتها.
وسألته ذات يوم: إنّ الأمور الدينية التي نتلقّاها منكم ، يرتكز اهتمامها في الجانب النظري فقط ، فهي لا تعطّينا حلاًّ لكيفيّة التعامل مع الواقع الخارجيّ، وكيفيّة إصلاحه، وإعادة بنائه وفق الرؤية الدينيّة، فمعظم توجيهاتكم تشمل جانب واحد من جوانب النفس الإنسانيّة، وتهمل الجوانب الأخرى ، وهذا ما يجعلنا نعاني دوماً من حالة فقدان التوازن نتيجة عدم تمكّننا لإنشاء حالة الوفاق بين
الجوانب المتعدّدة لكياننا.
فنهرني الأستاذ ووبّخني على مقالتي هذه ، وحذّرني من العودة إلى ذكرها مرّة أخرى.
وكان يعيش في منطقتنا بعض المهاجرين الإسلاميّين ، وكنت التقي بهم في بعض الأحيان ، فاستفسرت من الأستاذ في احد الأيّام عن أصحاب باقي الانتماءات الدينيّة.
فقال: جميع الأديان غير المسيحيّة باطلة.
فقلت له: وما مصير الذين ينتمون إليها .
قال: كلّهم قد حقّت عليهم كلمة العذاب، وشملتهم لعنة الله!
فتفاجأت من مقولته كثيراً ، وقلت له: اذاً فلا يوجد داعي للبحث عن مبادئ الانتماءات الأخرى، وأخذ الأفكار النافعة منها.
فقال: أيّ انتماء تقصدين؟
فقلت: هنالك عائلة إسلاميّة قد تعرّفت عليها ، فاحببت أن اطّلع على بعض رؤاهم الفكريّة.
فقال لي الأستاذ: الإسلام دين مولع بالحرب والعنف والتطرّف ، وهو ينظر إلى المرأة نظرة احتقار ، ولهذا فهو يسلب حقوق المرأة ، ويحاول أن يتعامل معها معاملة السيّد مع عبده.
فقلت له: ما الضرر في أن يتعرّف الإنسان على مبادئهم; ليوسّع بذلك دائرة معلوماته الثقافيّة.
فقال لي: إنّني أخشى عليك من التسمّم المعرفي!
فقلت في نفسي إنّ هذا التحذير ينافي شعار الحرّيّة الذي ننادي به ليل نهار ، فشبابنا يتوجّهون إلى ارتكاب الرذائل، والأعمال المنحطّة ، ولا يردعهم أحد، ولا ينهاهم أحد من هذا التسافل والانهيار ، ولكن لما يبلغ الأمر إلى الفكر ، ويودّ
أحدنا أن يرفع مستواه الفكريّ يقف البعض أمام وجهه فيردعونه عن ذلك مدّعين أنّهم يخشون عليه لئلاّ يقع في الضلال.
من ذلك الحين قرّرت معرفة الدين الإسلاميّ ، وكان معظم دافعي في هذا المجال هو الحصول على بعض المعارف لأسدّ بها الثغرات الموجودة في البناء الفكريّ المسيحيّ الذي كنت متمسّكةً به.
فراجعت الكتب والصحف والنشريّات، وتابعت البرامج التلفزيونيّة المرتبطة بهذا المجال، ولكنّني لم أجد فيها سوى التشنيع ضدّ الإسلام ، وبقيت على هذا المنوال حتّى بلغت التاسعة عشر من العمر ، مرحلة المراهقة والبحث عن الاستقلال والحرّيّة الفرديّة ، فازدادت تصرّفاتي الطائشة وأعمالي المتهوّرة ممّا سبّبت لي الكثير من المشاكل مع أبي وأميّ.
واستمرّ بي الأمر على هذا المنوال حتّى سئمت الحياة، وشعرت بتفاهة تصرّفاتي، وعدم اتّزانها ، ففكّرت في نفسي قائلة: إلى متى تريدين مواصلة السير في هذا الطريق الوعر المليء بالفتن والمشاكل والاضطرابات ، ألم يأن لك أن تتوجّهين إلى إصلاح نفسك وتهذّيبها لتعيشين في ظلّ حياة هادئة مليئة بالقيم والأخلاق والنزاهة.
فعزمت الجدّ مرة أخرى ، وتوجّهت إلى الأمور الدينيّة ، وقرّرت مواصلة أبحاثي الدينيّة التي قمت بها سابقاً.
التعرّف على الإسلام:
كان في مجال دراستي للدين الإسلامي أنّني قرّرت اتّخاذ منهجاً آخر في هذا المجال ،فنشرت إعلاناً في إحدى المجلات النسويّة وأبديت فيه رغبتي للتعرّف على بعض النساء المسلمات، والتحدّث معهنّ حول الإسلام. فاستطعت بهذه الطريقة أن أتّصل بأربعة من الأخوات المسلمات عبر البريد ، وبذلك تمكّنت أن
أتعرّف على الإسلام بالصورة المطلوبة.
ثمّ قرأت ترجمة القرآن فوجدته كتاباً فيه نور وهداية ، وكنت كلّما أُكثر من قراءته ازداد خشوعاً وخضوعاً إلى ربّي ، حتّى استنارت بصيرتي، وتفتّح عقلي بعد أن تحطّمت في نفسي أغلال الشرك والضلال.
وتبيّن لي بعد ذلك بأنّ الإسلام يكنّ للمرأة المنزلة الرفيعة، وأنّه لم يأمرها بالحجاب إلاّ ليصونها بذلك من أعين الذين في قلوبهم مرض، والحجاب يضفي على المرأة هالة من الوقار والاتّزان ، والإسلام لم يسحق كرامة المرأة باسم الحرّيّة والشعارات البرّاقة ليجعلها سلعة رخيصة بيد الرجال الانتهازيّين.
استبصارها:
تقول الكه اشميت: فلمّا زالت عن بصيرتي كافّة الحجب الداكنة ، أعلنت إسلامي وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ; لأنّني وجدت عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أقرب الناس إليه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) روايات كثيرة في حقّهم ، فلهذا فضّلت الانتماء إليهم ومن ثم سمّيت نفسي "فاطمة".
ولمّا علمت أنّ الإسلام يجبّ ما قبله ، أحسست براحة نفسيّة لا مثيل لها ، وشعرت أنّ حملاً ثقيلاً قد أزيل عن عاتقي.
وكانت هذه الراحة النفسيّة هي عوني في مواجهة القوى المعاكسة التي وقفتْ بوجهي; لتمنعني من مواصلة الطريق الذي اخترته لنفسي.
ردود الفعل بعد الاستبصار:
كانت من جملة تلك المعاناة التي واجهتها سخط أبي عليّ ; لأنّه تفاجأ لمّا وصل إليه نبأ إسلامي ، وحاول بشتّى السبل أن يصرفني عن ذلك ، ولكن خابت كافّة محاولاته ، فكان دوماً يصرخ بوجهي ويحاول الاستهزاء بي.
ولمّا ارتديت الحجاب الإسلاميّ اشتدّ غضب أبي ، وكان يقابلني بالسبّ
والشتم ، فكنت أتألّم حينما أراه في تلك الحالة ; لأنّني كنت أحبّه، ولا أرضى أن أراه بتلك الحالة ، ولكنّني كنت لا أجد سبيلاً للتخلّي عن مبادئي ، كما أنّ الإسلام أمرني بعدم إطاعة الوالدين إذا أرادا إيقاعي في وادي الضلال.
وكنت أحاول إقناع أبي، وتبيين الحقائق له ، ولكنّه كان لا يفسح لي المجال ، وكان يقول: إنّ هذا الدين الجديد سيدفعك إلى العزلة والقوقعة والحياة التعيسة ; لأنّ أبناء بلدك سيبتعدون عنك نتيجة تغيير انتمائك الدينيّ ، وحتّى المسلمين فإنّهم سوف لا يعيرون لك اهتماماً ، بل يبتعدون عنك ; لأنّك كنت فيما سبق في انتماء آخر ، ولكنّني كنت أقول له: إبتاه، إنني أسلمت لله ووجّهت وجهي للذي فطرني فهو الذي يرعاني.
ولكن كان أبي لا يفهم ما أقول; لأنّه كان ينظر إلى الأمور من منظار مادّي بحت ، ولكنّني كنت أرى الأمور بنور الله تعالى ، وما كان أبي يشعر بالسعادة التي كانت تعتريني نتيجة اتّصالي وقربي بالله عزّ وجلّ ، وأملي أن يفتح الله له ولجميع البشريّة التي لم تهتدِ بنور ربّها نافذة ليذوقوا جماليّة هذا النور الربّانيّ .
ولدت في "المانيا الغربيّة" بمدينة هامبورغ في أسرة كان انتماؤها الظاهري هو مذهب الپروتستانت ; لأنّها لم تكن في الواقع العملي ملتزمة بدينها.
البحث عن الطمأنينة والسكينة:
تقول "اينغريد": في فترة طفولتي لم يكن أبي وأمّي يذهبان إلى الكنيسة ، ولم تكن لي فرصة للذهاب إلى الكنيسة إلاّ مع طلاّب مدرستنا ، وكنت أهوى الكنيسة; لأنّها كانت تمنحني الطمأنينة والراحة النفسيّة التي كنت أتصوّر أنني أستمدّها من ربّنا الرؤوف الذي يعيش في السماء والذي يعيننا إذا توجّهنا إليه.
ولمّا بلغت الحادية عشر من العمر شاركت في بعض الدروس الدينيّة التي كانت تقام في مدرستنا، ولم يكن ذلك منّي إلاّ مماشاة مع باقي الطلبة ، لأنّني كنت أرى بأنّ هذه الصفوف تضعف اتّصالي بالله، وتعقّد صلتي بربّي ، لانّها كانت تثير الشكوك والشبهات أكثر من تقوية علاقتي بربّي فلهذا كنت لا أشعر برغبة نفسيّة اتّجاهها.
إمعان النظر في الديانة المسيحيّة:
وبالتدريج موازاتاً مع زيادة عمري ارتفع مستواي العلميّ في تحليل
ودراسة الأمور ، فأمعنت النظر في الديانة المسيحيّة التي كنت عليها ، فرأيتها لا تصلح لأن تكون سبيلاً للتقرّب إلى ربّي ; لأنّ فيها الكثير من الأمور الفلسفيّة المعقّدة ، وفيها بعض الأمور المنافية للطبع الإنساني السليم ، من جملتها اعتبار الخمر الذي نتناوله في الكنيسة أنّه دم المسيح في حين أنّ جميع الأطبّاء الإخصائيّين يقرّون بأضرار الخمر وآثاره السلبيّة على الحياة الفرديّة والاجتماعيّة.
وكنت حينما أوجّه أسئلتي إلى بعض الأساتذة أو رجال الدين لا أجد أحداً يجيبني بجواب مقنع ، وهذا ما دفعني للابتعاد عن الدين.
ولكنّني مع ذلك كنت أؤمن في قرارة نفسي بوجود الله واؤمن بالمعاد ، ولكنّني كنت أجهل السبيل الذي يرشدني إلى ربّي.
الحيرة والضياع:
بقيت في الحيرة فترة من الزمن حتّى ضعف إيماني نتيجة فقداني السبيل الذي يربطني به، فلمّا فشلت محاولاتي كلّها في البحث عن الرابط بيني وبين ربّي ، التجأت إلى تخدير نفسي باللهو واللعب ، لئلاّ أشعر بتأنيب الضمير الذي كان يحثّني على الاجتهاد والمثابرة ، فقرّرت بعدها أن التجىء إلى الطرب والموسيقى، وكان هدفي هو أن أصبح قائدة للأركسترا! فاشتريت بعض الأجهزة الموسيقيّة ، بدأت بالعزف عليها ، وكنت أحاول أن لا أشغل بالي بأمر يعيقني عن الوصول إلى هدفي.
ولكن فجأة برزت فكرة الموت أمام عيني ، فاقشعرّ لها جلدي ، وقلت في نفسي: إنّ الموت يسلب منّي كلّ ممتلكاتي ، وما قيمة عمل نلتذّ به ، ولكنّنا نجهل الآثار المترتّبة عليه ، كما قلت في نفسي: لماذا لا ألتجىء إلى سبيل يمنحني الطمأنينة في الحياة.
فقرّرت أن لا أيأس في البحث عن الحقّ، وعن السبيل الذي اختاره الله لعباده ليتقرّبوا به إليه.
التعرّف على الإسلام:
صادف في هذه الفترة أن التقيت بأحد الشبان اللبنانيّين المسلمين في الجامعة لقاءً قصيراً، تحدّث معي فيه حول القيم والأخلاق ودور الرسل في بناء الشخصيّة ، فاعجبت كثيراً بأفكاره ومبادئه ورؤاه ، وكان أكثر ما لفت انتباهي فيه في هذا اللقاء القصير ، هدوءه وطمأنينتة النفسيّة التي كان يتمتّع بها.
فقرّرت بعد ذلك أن أتعرّف على الإسلام بصورة جادّة ، فتوجّهت إلى الكتب الباحثة حول الإسلام فلم أجد فيها سوى التشنيع والاستهزاء به ، ولم أجد فيها البحث الموضوعيّ المنصف، فقرّرت أن أتلقّى المعارف الإسلاميّة بصورة مباشرة ، فطلبت من أبي أن يوافق على تعلّمي للغة العربيّة ، فقبل أبي ذلك ، واستدعى لي أستاذاً في هذا المجال.
وكان الأستاذ مسلماً ، ولكنّه لم يكن ملتزماً بدينه ، وكان لا يعرف عن الإسلام سوى بعض طقوسه الدينيّة الظاهريّة.
فاكتفيت منه بتعلّم اللغة العربيّة ، وكان الأستاذ يهديني بعض الكتب العربيّة من أجل ممارسة قراءتها ، وكان من جملة تلك الكتب كتاباً تحت عنوان "الحياة والرؤية الكونيّة في الإسلام" فلمّا قرأته بتمعّن تفتّحت آفاق رؤيتي، ووجدت بأن الدين الاسلاميّ يتلاءم مع الفطرة ، ويرفع الإنسان إلى مستوى فكريّ رفيع ; لئلا تشغله توافه الحياة، والمظاهر الدنيويّة المزيّفة ، وعرفت أنّ الإسلام بخلاف ما شُنّع عليه، بل هو سبيل يهدي إلى الرشاد والتكامل.
عقبات بعد اعتناق الإسلام:
تقول "اينغريد" لمّا وجد الإسلام طريقه إلى قلبي اهتزّ كياني، واقشعرّ جلدي، واعترتني حالة من الوجد والشغف، تركت أثراً بالغاً في تهذيب وتزكية نفسي، وتطهير الأدران المتراكمة على قلبي ، ولكن كانت أوّل عقبة بعد إسلامي هو
صعوبة ارتداء الحجاب، ومواصلة الصلاة اليوميّة .
فقرّرت في البدء أن لا أرهق نفسي بأمور قد يكون مردودها السلبي أكثر من ايجابيّاتها على نفسي ، فاجتهدت لتنمية المناعة النفسيّة، وإنشاء رصيد متين أتحصّن به ، فتوجّهت إلى مطالعة الكتب الدينيّة الإسلاميّة، واجتهدت لأوفّر لنفسي أجواءً تترعرع فيها الخصال الحسنة وتنمو وتزدهر فيها الفضائل في نفسي.
الانتماء إلى المذهب الحنفيّ:
وبعد مضيّ عدّة أشهر من إسلامي تعرّفت على شاب مسلم ينتمي إلى المذهب الحنفي ، وكان نصيبي أن تمّ زواجي به فالتحقت به وانتميت إلى مذهبه الإسلاميّ.
ثمّ واصلت مطالعاتي الإسلامية فتبيّن لي وجود فرق ومذاهب كثيرة في الإسلام ، وكنت أجهل سبب ذلك ، وكنت استفسر من المسلمين عن سبب ذلك ، ولكن لم يقدّم لي أحد جواباً يقنعني.
وبقيت هذه المسألة غامضة لي حتّى حضرت عام 1988 في مؤتمر إسلامي أقيم في المركز الإسلاميّ في هامبورغ ، فتعرّفت فيه على أخت تنتمي إلى مذهب التشيّع ، ورافقتها طيلة الأيّام الثلاثة التي أقيم فيه المؤتمر.
وكانت هذه الأخت تتمتّع بثقافة إسلاميّة عالية ، فلهذا انتهزت الفرصة ، وكنت أوجّه لها الأسئلة والشبهات التي كانت في ذهني ، وكانت الأخت تصغي إلى أسئلتي ثمّ تجيب عليها بإجابات قويّة ومقنعة.
معرفة أسباب نشوء الفرق الإسلاميّة:
تقول "اينغريد": كان من جملة الأسئلة التي وجّهتها للأخت الشيعيّة هو سؤالي القديم حول سبب نشوء الفرق في الإسلام ، فاجابت أنّ الرسول أوصى أمّته بالتمسّك بالثقلين كتاب الله وعترته أهل بيته وجعل الرسول الاعتصام بهذين
الركنين عصمةً من الضلال ، ولكن البعض من أجل تحقيق مصالحهم ومآربهم رفضوا عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان هذا سبباً لابتعادهم عن الرؤى الإسلاميّة الصحيحة، واتّباعهم للأهواء ، وهذا ما أدى إلى نشوء التفرّق في أوساط الأمّة الإسلامية.
اعتناق مذهب أهل البيت (عليه السلام):
تضيف "اينغريد": أخذت كلام هذه الأخت الشيعيّة بعين الاعتبار ، وتوجّهت نحو البحث في الكتب حول هذا الموضوع ، ففعلت ذلك حتّى تبيّن لي صحّة ما قالت ، ولمّا حان موعد اقتطاف ثمرة أبحاثي اعلنت تشيّعي فاستاء زوجي لذلك ، وحاول أن يصرفني عن السبيل الذي اخترته لنفسي ، ولكنّه لم يتمكّن من ذلك ، لأنّني شعرت بعد تشيّعي بثقة نفسيّة كبيرة ، وكان لمفاهيم أهل البيت(عليهم السلام) دور كبير في تنمية الثبات في نفسي.
مرحلة ما بعد الاستبصار:
تقول "اينغريد": أنا الآن لست كما كنت فيما سبق همج رعاع، أتّبع كلّ ناعق، وأستجيب لكلّ دعوة ، بل دليلي اليوم هو عقلي الذي امتلأ نوراً من مصابيح الهدى واستضاء بنور علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام).
كما أنّني ارتديت بعد ذلك الحجاب الإسلاميّ ، وواظبت على الصلوات الخمس، والتزمت بشرايع ديني، ولم تأخذني في الله لومة لائم ، ثمّ غيّرت اسمي ، وسمّيت نفسي "سعيدة" ذلك لأنّني شعرت بعد إكمال ديني أنّني في الواقع قادرة برصيدي المعنويّ الذي تلقيّته من مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) على مواجهة كافة الأزمات والكروب، وتحمّل الصعوبات والمصائب، ومقاومة مشاعر السخط والضجر والسأم والملل واليأس.
وأنا من خلال تعديل طريقة تفكيري وتحسين سلوكياتي الإراديّة قادرة
على أن أكون في معظم مراحل حياتي نشطة ومرتاحة، وذلك بفضل ثقتي بالله واتّصالي به عبر المناهج التي قدّمها لنا أهل البيت(عليهم السلام) عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).
فلذلك أنا بالفعل سعيدة; لأنّ قلبي الممتلىء بمحبّة أهل البيت(عليهم السلام) يفيض دوماً بمشاعر الرضا والثقة والأمل.
ولدت في المانيا الغربيّة ، ونشأت في عائلة مسيحيّة ، واصلت دراستها الأكاديميّة حتّى حصلت على شهادة الإعداديّة.
تشويه صورة الإسلام:
حاول أعداء الإسلام عن طريق استخدام جيمع وسائل التضليل والتشويه أن يطيحوا بالإسلام وأن يشوّهوا تاريخه عن طريق الاقلام المغموسة في الحقد، والألسن الناطقة بالفكر الجاهلي.
ولكن رغم هذا الإعلام المكثّف ضدّ الإسلام ، فإنّ المجتمع الغربي يتضمّن الكثير من أصحاب العقول المتحرّرة التي لا تتأثّر بالدعايات المغرضة، ولا تبني انطباعاتها إزاء الجهات الأخرى وفق الإعلام الذي لا يستند في طرحه على الأدلّة والبراهين المقنعة. وكانت "باولا كورنيليا" من هذا النمط الذي لا يسمح للجهات المغرضة أن تغيّر أفكارها عن طريق بثّ الدعايات المغرضة.
وكان هذا الأمر هو الذي دفع "باولا" أن تبحث عن فرصة للالتقاء بأحد المسلمين من أجل التعرّف على واقع الأمر.
وبقيت "باولا" على هذه الحالة حتّى وفّقها الباري عزّ وجلّ للالتقاء بأحد
علماء الشيعة ، فانتهزت الفرصة وقدّمت إليه مجموعة من الأسئلة العالقة بذهنها بالنسبة إلى الإسلام والمسلمين.
ما هو الإسلام؟
تبيّن لـ "باولا" خلال لقائها بذلك العالم الشيعي أنّ الإسلام رسالة سماويّة جاء بها الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يشكّل بكامل بنيته وحدة فكريّة وتشريعيّة متكاملة، وأنّ الإسلام يستهدف توثيق الصلة بين الإنسان وخالقه ، فيعرّف الإنسان بربّه وبالمسؤوليّة اتجاهه ; ليتمكّن الإنسان عن طريق الهداية التي جاء بها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي حفظها أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من بعده أن يشقّ طريقه إلى الكمال ويضمن مصيره يوم العودة إلى عالم الخلود والبقاء.
ثمّ تبيّن لـ "باولا" أنّ الإسلام بريء من الصور التي يحاول الإعلام الغربي تشويهه بها ، وأنّ تلك التضليلات الإعلاميّة ليست سوى تهم موجّهه للإسلام من أجل خلق حجاب يمنع أبناء الغرب من التأثّر بالإسلام، أو التوجّه لدراسته.
خرق الحجب:
كانت تستهدف "باولا" من معرفتها للإسلام أن تعرف مدى صحّة ما ينسب إلى الإسلام فحسب ، ولم تتوقّع أن يكون للإسلام من الجاذبيّة بحيث لا يمكنها أن تمرّ منه مرور الكرام ، فاستمرّت بعد ذلك بالبحث ومطالعة الكتب الإسلاميّة حتّى استنارت بصيرتها بنور الإسلام ، فاعلنت استبصارها ، واجتهدت بعد ذلك أن تلتزم بالأحكام الإسلاميّة التي جاء بها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ليطهّر الناس بها قلوبهم من الأدران وتكون عاقبتهم الخلود في جنّة النعيم عند ربّ العالمين.
ولدت في "ألمانيا الغربيّة" ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصلت على شهادة البكالوريوس.
الاهتمام بالدين:
كانت "بربارا" من المهتمّات بشأن دينها ; لأنّها كانت تعي بأنّ التديّن فطرة إنسانيّة لها جذور متأصّلة في ذات الإنسان ، وأنّ كلّ إنسان لا بدّ له من دين وطريقة في الحياة ، ولكن هذه الطريقة قد تكون خاطئة وقد تكون صحيحة.
فاذا كانت خاطئة فإنّها ستدفع صاحبها إلى الانحراف، وممارسة الطقوس والشعائر الخرافيّة التي لا تكون لها نتيجة سوى الانحطاط والضلال.
ولكن إذا كانت هذه الطريقة صحيحة فإنّها سترشد صاحبها إلى الطريق التعبّديّ السليم، وتقوده نحو شاطىء الأمان والسلام.
انطلقت "بربارا" من منطلق اهتمامها بالدين نحو دراسة الديانة المسيحيّة بصورة معمّقة ، ولكنّها واجهت خلال البحث بأنّ هذه الديانة لا تروي تعطّشها الفطريّ وذلك نتيجة وجود الكثير من الثغرات في بنيتها العقائديّة.
كما أنّها كانت مقتنعة بأنّ الأناجيل محرّفة ، كما أنّها تتضمّن الغموض من
ناحية المعاني ، ولكنّها مع ذلك بقيت متمسّكة بديانتها ; لأنّها لم تجد طريقاً آخر يمكن الوصول به إلى الله تعالى.
تعرّفها على القرآن الكريم:
تعرّفت "بربارا" ـ عن طريق التقائها بأحد أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ـ على القرآن الكريم ، فاشتاقت لقراءته والتعرّف عليه ، ثمّ خصّصت لنفسها وقتاً للتعرّف على هذا الكتاب الذي يدّعي المسلمون أنّه من الله تعالى.
طالعت "بربارا" القرآن الكريم فأصابتها الدهشة من العظمة الكامنة فيه ; لأنّها وجدته كتاباً إلهيّاً من المستحيل لبشر أن يأتي بمثله ، وهو كتاب للإنسانيّة كلّها، وهو دستور شامل وتبيان لكلّ شيء، يحتاجه الإنسان في طريق هدايته إلى الله تعالى وهو كما قال تعالى:
{وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الكتابَ تِبْيَاناً لكلّ شَيء وَهُدى وَرَحْمَة وَبُشْرَى لِلمسْلِمِين}(1)فلم تتمالك "بربارا" نفسها ، فخرّت إلى الأرض ساجدة للربّ الذي أنزل هذا الكتاب لهداية البشريّة.
اعتناقها للإسلام:
ومن هذا المنطلق توجّهت "بربارا" نحو الإسلام ، وبدأت بمطالعة أصول ومعارف ومباني هذا الدين حتّى اقتنعت بضرورة اعتناق الإسلام والتمسّك بأهل البيت(عليهم السلام) الذين هم الجهة الوحيدة القادرة بفضل الله تعالى على النهوض بمهمّة تفسيره بعد التحاق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بالرفيق الأعلى ، فأعلنت استبصارها بعد ذلك لتعيش باقي حياتها في ظلّ الحياة النورانيّة التي تقتبس نورها من القرآن الكريم ومن أقوال الرسول وأهل بيته(عليهم السلام).
1) النحل {16} : 89 .
ولد في مدينة "مولهايم" بألمانيا ، ثمّ واصل دراسته الأكاديميّة حتّى التحق بالجامعة ، ثمّ زار إيران مع اثنين من أصدقائه أيّام دراسته الجامعيّة ، فالتقى ببعض العلماء فيها ، وخاض نقاشات علميّة معهم في أمور الدين ولاسيّما فيما يخصّ إثبات وجود الخالق ، فلمس "برن هارد" في الفكر الشيعيّ قوّة في الدليل والبرهان ، فاستغرب من ذلك; لأنّه كان يتصوّر بأنّ الإسلام هو مجموعة أعراف وتقاليد للعرب ترتبط بالعهد الجاهلي ، ولكنّه رأى بأنّ الإسلام المتمثّل بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) هو عبارة عن منظمومة فكريّة متينة لها في كلّ مفردة من مفرداتها العقائديّة مجموعة أدلّة لا يمكن ترك الإذعان بها إلاّ عناداً أو تعصّباً ، وهذا ما دفعه إلى قبول الإسلام ديناً وأهل البيت(عليهم السلام) قادة على سبيل النجاة ، ثمّ اختار لنفسه اسم "مهدي" تيمناً باسم إمام العصر والزمان.
وقد جاء في إحدى محاوراته مع أحد العلماء حول إثبات وجود الخالق
سأل "برن هارد واهين": عن أسهل الأدلّة لإثبات وجود الخالق؟
فاجابه العالم: إنّ أحد الطرق لإثبات وجود الله سبحانه هو برهان "النظم" أو دليل "الأثر يدلّ على المؤثّر".
"برن هارد واهين": أرجو تبيين هذا الدليل ، وشرحه ولو بصورة مبسّطة.
العالم: لتوضيح هذا الأمر وفهمه بصورة أفضل نضرب لك هذا المثال(1).
حساب الاحتمالات:
لو بعثرنا أوراق كتاب مؤلف من مائة ورقة ، ثمّ كلّفنا رجلاً أعمى بأن يقوم بترتيب أوراق هذا الكتاب وإعادتها كما كانت عليه فيما سبق ، فإنّ حساب الاحتمالات يقول: إنّ هذا الأعمى سوف يلتقط الصفحة رقم {1} لأوّل مرّة بنسبة 100/1 ، وأنّه لو أراد التقاط الصفحة رقم {1} ثم الصفحة رقم {2} متعاقباً ، فستكون النسبة 10000/1 ، ثمّ أنّه لو أراد التقاط الصفحة رقم {1}، ثمّ الصفحة رقم {2}، ثمّ الصفحة رقم {3} متعاقباً فتكون النسبة 1000000/1 ، وهكذا لو واصل هذا الأعمى هذه العمليّة لتنظيم أوراق هذا الكتاب ، فسوف يتضاعف عدد الاحتمالات في كلّ مرة مائة مرّة وبالتالي يصل احتمال تنظيم الكتاب من قبل هذا الأعمى إلى الصفر والعدم، ولا يتصوّر عاقل أنّه يمكنه تنظيم الكتاب بدون استخدام وسائل أخرى تعينه على ذلك.
ومنه نستنتج عدم إمكان تنظيم الكتاب لوحده عن طريق الصدفة، وعن طريق أعمى لا يمكنه معرفة أرقام الصفحات ، ونستنتج أيضاً أنّ كلّ نظام وترتيب يدلّ على وجود الناظم له; لأنّ النظم والترتيب لا يأتي عن طريق الصدفة.
وعليه فيمكننا أن نجزم بأنّ النظام الموجود في عالم الخلقة يدلّ على وجود ناظم وخالق قد قام بتنظيمه بهذه الصورة الماثلة أمام أعيننا.
مظاهر النظام في وجودنا:
أقرب الأشياء إلينا هي نفوسنا وأجسامنا ، فمن الأفضل أن نرى مظاهر النظام العجيبة فيها أوّلاً ، وقد ورد في الحديث: "من عرف نفسه فقد عرف ربّه".
1) ترجمنا هذا الحوار من اللغة الفارسيّة (بتصرّف) ، لاحظ: كتاب "پاسخ به سؤالات فلسفى واعتقادى"، سيد حسن أبطحي (نشر بطحاء) : 301 ـ 312.
ونكتفي بمثال واحد.
خطوط رؤوس الأصابع:
لو لاحظ الشخص الخطوط الموجودة في رؤوس أصابعه، وقارنها مع الخطوط الموجودة في رؤوس أصابع صديقه ، للاحظ وجود الاختلاف في انسيابها وتركيبها ، ويمكن امتحان ذلك بوضع رؤوس الأصابع في الحبر وضغطها على الورق الأبيض; لملاحظة نقوشها المختلفة التي تظهر على الورق.
إنّ هذا الاختلاف لا يوجد فقط بين شخصين أو ثلاثة أو أربعة ، بل هو موجود بين خطوط رؤوس أصابع جميع البشر في الدنيا ، بحيث لا يوجد شخصان تتشابه خطوط رؤوس أصابعهما بالكامل.
"برن هارد واهين": نعم هذا من العجائب ، وإنّ هذه القضيّة أصبحت علماً خاصّاً تستفيد منه أجهزة الأمن في العالم لمعرفة المجرمين.
العالم: إضافة إلى ذلك لقد ثبت لدى العلماء أنّ هذه الخطوط تختلف أيضاً عند كلّ الأجيال السابقة التي وجدت على الأرض ، وكذلك الأمر عند الأجيال اللاحقة التي ستحيا على هذه الأرض ، وعليه أنّ المجرم يمكن القبض عليه بواسطة خطوط رؤوس الأصابع ولو بعد مرور عشرات السنين على ارتكابه للجناية.
فهل كانت هذه الظاهرة العجيبة والدقيقة من عمل الطبيعة الصمّاء والعمياء؟
وهل يمكن أن يوضع هذا النظام المحيّر للعقول في حساب الصدفة؟
وهل يتصوّر عاقل أنّ هذا النظام وجد تلقائيّاً ولم يكن هناك خالق؟
كلاّ وألف كلاّ!!
إنّ عقولنا لا تقبل إمكانيّة ترتيب كتاب مؤلف من مائة ورقة من دون استعمال الحواس والفكر ، فكيف تقبل بأن يكون هذا النظام مخلوقاً للطبيعة وعن طريق الصدفة ، وأن لا يكون هناك خالق عالم وصانع مقتدر؟!
من المسلّم به أنّ كلّ عاقل يعرف جيّداً بأدنى تأمّل أنّ النظام العجيب الموجود في جسم الإنسان هو من خلق ناظم عالم قدير خلق الإنسان ، وهو "الله" سبحانه وتعالى.
إنّ كلّ الأمور في هذا الكون تجري وفق نظام خاصّ، وحساب دقيق لكلّ واحد واحد أو مجموعة منّها ، وكلّ الأشياء وجدت على أساس من العلم والمصلحة حسب ما قدّره لها خالقها وموجدها.
هل هناك مظاهر عشوائيّة في نظام العالم:
"برن هارد واهين": نرى أحياناً في عالم الخلقة حالات من عدم النظام ، قد يكون لها آثار تبدو عشوائيّة ، ألا تخالف هذه الحالات نظام العالم؟.
العالم: إذا نظر الإنسان بصورة سطحيّة إلى هذا الكون ، فإنّه قد لا ينتبه للنظام الموجود فيه ، بل يمكن أن يتصوّر بأنّ العالم ليس منظّماً ، وعلى سبيل المثال: أن ينظر إلى النجوم في السماء ويعتقد أنّ النظم سيتحقّق فيها لو كانت مرتّبة حسب الحجم والكبر ، لا أن تكون نجمة صغيرة وسط نجمتين كبيرتين بحيث يبدو عدم وجود نظام في عالم النجوم جميعاً، لكن العالم المفكّر المستنير الذي يعلم قوانين الجاذبيّة والطرد المركزي ، ويعرف حركات الأرض وسائر الأجرام الموضعيّة والانتقاليّة لا يرى في هذا الكون إلاّ النظام والترتيب ، ويعلن ذلك على الأشهاد ، ويورد الأدلّة عليه من آثار هذه الحركات كظاهرة الليل والنهار وكحساب السنة والأشهر والأسابيع.
وهكذا لو رأى شخص عادي ـ لا علم له بالأمور الفنّية لصناعة السيّارات ـ محرّك السيّارة مثلاً فلا يمكنه تصوّر النظام فيه ; لأنّه يرى ظاهراً غير مرتّب، وغير مفهوم لديه.
أمّا لو أبصر المحرّك شخص ميكانيكيّ خبير وماهر لم يرَ إلاّ النظام والترتيب في شكل المحرّك وعمله وطريقة ارتباط بعض اجزائه بالبعض الآخر.
هكذا أيضاً لو شرح جسد إنسان أمام شخص جاهل وأُمّي، فإنّه لا يرى حسب تصوّره سوى أجهزة غير منظّمة ، ولكن الطبيب الحاذق يرى هذا الجسد وأجهزته مرتّبة ومنظّمة وليس فيها أيّ نقص.
وهكذا النظام الموجود ، فإنّ لكلّ ظاهرة من ظواهره وإن كانت تبدو ظاهرة سلبيّة لبعض الناس ، لكنّها تتّضح لمن له الرؤية الشموليّة لهذا النظام أنّها ظاهرة ضروريّة، ولها دور أساسيّ لتحقّق التوازن في نظام الكون.
ولد في "ألمانيا" ، ونشأ في أسرة تعتنق الديانة المسيحيّة ، ثمّ أصبح قبطان سفينة في القوّة البحريّة.
اتّساع آفاق رؤيته العقائديّة:
كان "برند كاتز" كثير السفر بحكم عمله ، وهذا ما أتاح له اللقاء بمختلف أصحاب الديانات والمذاهب، ومختلف أصحاب التيّارات الفكريّة والاتّجاهات العقائديّة.
ومن هذا المنطلق تفتّحت ذهنيّة "برند كاتز" واتّسعت آفاق رؤيته في الصعيد العقائديّ، وهذا ما دفعه إلى البحث والتنقيب والمقارنة بين هذه المذاهب المختلفة من أجل اختيار أفضلها، واعتناق المذهب الذي يمكن الوثوق به نتيجة قوّة الادلّة والبراهين التي تمتلكها مفرداته العقائديّة.
تقييم الأديان المختلفة:
اطّلع "برند كاتز" على مختلف الديانات والمذاهب فوجد الكثير منها لا تستطيع أن تخفّف من آلام الإنسان ومعاناته رغم أنّها ادّعت لنفسها الحقّ المطلق ، ثمّ بحث "برند كاتز" ليعرف السبب في ذلك فتبيّن له أنّ السبب يكمن في ابتعاد هذه الاديان عن الايمان الصحيح بالله تعالى، وميلها إلى سوى منهج
الله وشريعته التي اختارها لعباده.
تعرّفه على الدين الإسلامي:
إنّ معنى الإسلام في لغة العرب هو الخضوع والرضوخ والانقياد، وسُمّي الإسلام بهذا الاسم; لأنّه يعني الانقياد لأوامر الله تعالى التي أنزلها على رسوله محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتبيّن "لبرند كاتز" خلال دراسته للإسلام أنّه عقيدة إلهيّة ينبثق عنه نظام كامل للحياة; لأنّه دين يتضمّن كلّ ما يحتاج إليه الإنسان في الصعيد الفردي والاجتماعي ، كما أنّه دين منسجم مع فطرة الإنسان وقد قال تعالى:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ}(1).
ولهذا تدبّر "برند كاتز" في القرآن الكريم، ودرس ما في السنّة الشريفة من معارف وأحكام وتعاليم ، فوجدها خير وسيلة للوصول إلى الله تعالى فأعلن إسلامه واعتناقه للدين الذي جاء به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لينقذ البشريّة من الغواية والضلال.
اعتناقه لمذهب التشيّع:
تعرّف "برند كاتز" خلال إحدى سفراته إلى إيران على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، فأدرك أنّه بعد إسلامه لم يزل في بداية طريق البحث ، فرفع بعد ذلك مستوى وعيه العقائديّ; لئلاّ يدفعه الجهل إلى التمسّك بالبدع والأمور المنحرفة.
وهكذا واصل "برند كاتز" مسيرته في البحث حتّى رست سفينة بحثه على شواطىء مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فأعلن استبصاره ثمّ سمّى نفسه "محمّد جعفريّ".
1) الروم {30} : 30.
ولدت في "ألمانيا" بمدينة "هامبورغ" ، ونشأت في أسرة تعتنق الديانة المسيحيّة.
حياتها قبل اعتناقها للإسلام:
قضت "بريجيت" شبابها كمعظم الناس في أوروبا باللهو واللعب والحياة العابثة ، ولم يكن لها أيّ التزام دينيّ يقيّدها بالذهاب إلى الكنيسة، أو الحضور في الاحتفالات الدينيّة.
وكانت تعمل "بريجيت" سكرتيرة في إحدى الشركات ، ولا ينقصها شيء من الناحية المادّيّة ، ولكنّها كانت تعاني من حالة تيه وضياع وفراغ يسلبها حالة الاستقرار النفسي والاتّزان الروحي ، فكانت تبدو في المجتمع إمرأة مرحة ومستبشرة ، ولكنّها كانت تعاني عندما تخلو مع نفسها من الهمّ والحزن والعذاب.
تعرّفها على الإسلام وإيمانها به:
كانت لا تعرف "بريجيت" عن الإسلام إلاّ ماتسمعه من وسائل الإعلام عنه فكان انطباعها عن الإسلام أنّه مظهر للتخلّف، والظلم للمرأة، ومباشرة العنف ضدّها، أمّا الأديان الأخرى غير الإسلام والمسيحيّة فكانت لها بعض المطالعات عنها ، حيث لم تجد فيها ما يجذبها ويسدّ فراغها الروحي.
ثمّ تعرّفت "بريجيت" على شابّ عربيّ هيّأ لها عن طريق إهداء بعض الكتب الدينيّة الأرضيّة المناسبة للتعرّف على الإسلام ، ثمّ سافرت إلى بعض البلدان الإسلاميّة من أجل التعرّف على الإسلام عن قرب ، وكان ممّا لفت نظرها في الدول الإسلاميّة الحجاب الإسلاميّ للنساء وصوت الأذان المنطلق من منارات المساجد.
ثمّ بدأت بعد عودتها من البلدان الإسلاميّة إلى المانيا بمطالعة القرآن الكريم بتأمّل ، فأحسّت على أثر هذه القراءة بحالات روحيّة بعثت فيها نسمات النشاط، فبدأت تشعر بالسعادة يوماً بعد آخر، واستمرّ الأمر على هذا المنوال حتّى لم يبق لديها مجال للترديد والشكّ في أحقّيّة الإسلام ، فاعتنقت الإسلام وهي في السادسة والعشرين من عمرها ، ثمّ واصلت الحضور في المساجد والمشاركة في المجالس الدينيّة ، ثمّ تهيّأت لها الظروف لأكمال دينها بالزواج من ذلك الشابّ العربيّ المسلم.
آية الحجاب:
سعت "بريجيت" عند قراءة القرآن الكريم أن تتعرّف على المفاهيم الإسلاميّة ، وحاولت تطبيقها والاستفادة منها قدر الإمكان.
وعندما طالعت آية الحجاب وقرأت ما ورد في التفاسير عنها ، وقارنت ما ورد فيها مع حياتها السابقة، والمجتمع الذي تعيش فيه ، وجدت في الحجاب أمراً مقدّساً يصون شخصيّة المرأة ، فلم تتردّد في ارتدائه والتمسّك به.
وبالفعل قد نفعها الحجاب في حياتها العمليّة فهي لم تعد تتعرّض لإيذاء الرجال، ومزاحمة الشباب الذين يبتعدون عادة عن النساء المحجّبات، وكأنّما في الحجاب رسالة تقول: أنا امرأة شريفة، ولست جسداً للعرض بخلاف النساء الغربيّات اللاّتي يعرضن أنفسهن وزينتهن بدون حجاب أو حشمة ممّا يهيّأ الأرضيّة لإثارة الشهوات، والسقوط في أودية الانحراف ، وهذه المشكلة تواجهها
المجتمعات الغربيّة اليوم ، وتحاول حلّها بوضع القوانين دون علاج المشكلة من جذورها ، ممّا سبّب لهم الفشل في الحدّ من الاعتداء على النساء وتقليل التحرّش بهن.
خطابها إلى النساء المسلمات:
تقول "بريجيت": إن من المؤسف أنّ بعض النساء المسلمات اللاّتي جعل لهنّ الإسلام المكانة العظيمة يتركن الحجاب ويتّبعن ثقافة الغرب التي تحطّ من شأن المرأة .
وتضيف "بريجيت": عندما أذهب إلى الدول الإسلاميّة أخاطب النساء غير المحجّبات بالقول: لماذا تتركن تعاليم هذا الدين الذي يكرّم المرأة بلحاظ فطرتها وثقافتها وشخصيّتها المعنويّة ، وتتّبعن الثقافة الغربيّة التي تهتمّ بالمرأة كجسد يباع ويشترى كالسلع التجاريّة التي تعرض بشكل جذّاب لإغراء المشتري باقتنائها، ولماذا تتّبعون الباطل وأنتم تعرفون الحقّ.
إنّني أحذّر النساء المسلمات من المستقبل المظلم الذي ينتظرهنّ فيما لو انخدعن بحضارة الغرب، وجرين وراء شعاراته البرّاقة في الظاهر والزائفة في الباطن.
وإنّني أدعو النساء المؤمنات الملتزمات إلى التمسّك بحجابهنّ الذي هزّ العالم وأخاف طغاة الغرب في عقر دارهم ، وليكن هذا الحجاب رمزاً للتمسّك بالعفّة والأخلاق ، ومثالاً للنساء المسلمات الغربيّات اللاّتي ينظرن بعين الأمل إلى البلدان الإسلاميّة، وأوصيهنّ بالصبر والاستقامة على هذا السبيل في مواجهة دعايات الغرب وأحابيله ، وليعلمن أنّ الله سينصرهن بقدر نصرتهن للإسلام العظيم.
وأخيراً أدعو الله أن ينصر الإسلام والمسلمين، وينشر دينه في كلّ ربوع العالم ، وإنّني لا أنسى أن أدعو الله كلّ يوم لأخواتي المؤمنات المحجّبات بالصبر والثبات في سبيل الله سبحانه وتعالى ، إنّه سميع مجيب.
ألمانيّة الجنسيّة ، ولدت في "هامبورغ" في أسرة مسيحيّة بعيدة الصلة عن الأجواء الدينيّة.
حياتها قبل الاستبصار:
تقول "برجيت": أمضيت فترة حياتي حتّى السادسة والعشرين من أيّام عمري في اللهو واللعب والحياة العابثة.
فكانت كلّ الأمور الماديّة متوفّرة لي، ولا ينقصني شيء منها ، ولكنّني مع ذلك كنت أعاني من حالة فراغ وتيه وضياع ، فكنت في الظاهر امرأة مرحة ومستبشرة ، ولكنّني كنت في قرارة نفسي أعاني من عدم الاستقرار، وفقدان الاتّزان وحالة الاعتدال ، فلهذا كنت أعيش في حيرة من أمري.
السفر إلى البلدان الإسلاميّة:
حاولت بعد ذلك أن ألتجىء إلى السفر; لأرفّه عن نفسي، وسافرت إلى بعض الدول، وكان من جملتها بعض البلدان الإسلاميّة ، وحاولت في هذه الأسفار أن اشغل نفسي بالبحث والمطالعة; لأتعرّف على ثقافات تلك الأمم.
ففي بعض البلدان الإسلاميّة قرأت القرآن الكريم ، فشعرت بالاستقرار
والطمأنينة حين قراءتي له، فأكثرت من ذلك فأحسست بعدها بتحسّن حالتي النفسيّة، وهنالك عرفت بأنّني اكتشفت مصدر صحّتي النفسيّة، فعدت بعد ذلك إلى بلدي وأنا أحمل معي نسخة من القرآن الكريم، ومن ذلك الحين وقعت محبّة الإسلام في قلبي; لأنّني أصبحت أعتبره بعد استرجاع صحّتي النفسية أنّه السبب لإنقاذي من حالة القلق وعدم الاستقرار.
الاندفاع إلى معرفة الإسلام:
توجّهت "برجيت" بعد تعرّفها على القرآن نحو معرفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فدرستْ حياته وسيرته الشخصيّة ، فتبيّن لها أنّه يتّسم بكلّ ما يؤهّله ليكون رسولاً من قبل الله تعالى.
ومن هذا المنطلق اكتشفت "برجيت" زيف الدعايات المغرضة الشائعة بين أوساط مجتمعها الغربيّ بالنسبة إلى شخصيّة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ عادت "برجيت" إلى وطنها وهي مازالت تعيش حالة التعطّش للإسلام، فتعرّفت على شابّ عربيّ مسلم وفّر لها فرصة البحث والمطالعة حول الإسلام.
اعتناقها للدين الإسلاميّ:
ولم تمض فترة حتّى تبيّن لـ"برجيت" أحقّية الإسلام وقوّة برهانه ، فاعتنقت الإسلام وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وسمّت نفسها جميلة ، ثمّ شاءت الأقدار أن تتزوّج من ذلك الشابّ العربيّ، وأن تشيّد أسرة أُسس بنيانها على تقوى الله ورضوان منه.
ولد في "ألمانيا الغربيّة" ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسيّة.
السفر إلى إيران:
توفّرت لـ"بيتر ويلهلم" جملة من الظروف دفعته للسفر إلى دولة إيران ، فتعرّف فيها على عقائد مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فوجدها عقائد تتلاءم مع فطرته الإنسانيّة، وتروي تعطّشه إلى معرفة الحقّ ، ورأى أنّها تمتلك القدرة على تقديم رؤية كونيّة رائعة ومنسجمة مع العقل والوجدان.
لم يتباطأ في اعتناق هذه العقائد ; لأنّه وجدها عقائد تصنع من الملتزم بها شخصيّة متميّزة لها الكثير من السمات الإيجابيّة.
أثر الإسلام على شخصيّة الإنسان:
وجد "بيتر ويلهلم" أنّ الإنسان الملتزم بالإسلام يكون صاحب شخصيّة تمنح للعقل قدرة الهيمنة على جميع جوانب الإنسان العاطفيّة والغريزيّة و... ; لأنّ الإسلام يمنح عقل الفرد مقام القيادة والتوجيه، ويحاول عن طريق تنمية العقل وتقويته أن يكون العقل هو المرشد لصاحبه; لئلاّ يخضع الإنسان للضغوطات
الغريزيّة، والميول والأهواء النفسانيّة.
ومن هنا يكون المسلم الملتزم بدينه صاحب شخصيّة يتجلّى فيها العقل بوضوح في جميع أصعدتها الفكريّة والسلوكيّة، ولهذا ورد في الحديث الشريف الوارد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في مجال أهمّيّة العقل، ودوره الأساسيّ في حياة الإنسان:
"لمّا خلق الله العقل استنطقه ، ثمّ قال له: أقبل فأقبل ، ثمّ قال له: أدبر فأدبر ، ثمّ قال: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منك ، ولا أكملتك إلاّ فيمن أحبّ ، أما إنّي ، إيّاك آمر وإيّاك أنهى ، وإيّاك أعاقب وإيّاك أثيب"(1).
وانتبه "بيتر ويلهلم" إلى نكتة أخرى وهي : أنّ العقل في الشخصيّة الإسلاميّة كما أنّ له الأثر الكبير في سلوك وتصرّفات المسلم ، فإنّ له دوراً واضحاً في مجال العلوم والمعارف الإسلاميّة ، بحيث جعله علماء المسلمين أحد مصادر التشريع الأربعة التي هي: القرآن والسنّة والإجماع والعقل.
اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام):
لم يتباطأ "بيتر ويلهلم" من اعتناق العقيدة الإسلاميّة بعدما وجد الكثير من المزايا التي يمنحها هذا الدين لمعتنقيه ، فأعلن استبصاره ولم يبال بالتبعات التي سيواجهها في مجتمعه بعد تغيير انتمائه العقائدي ; لأنّه وجد في انتمائه الجديد من العطاء الروحيّ ما يمنحه الصمود أمام أيّ تيّار معاكس مهما بلغ من القوّة والقدرة المضادّة.
1) الكافي الكليني : 1/10 ، ح1 كتاب العقل والجهل .
الصورة
مرّت ترجمتها في 1/149 من هذه الموسوعة ، فراجع.
وذكرنا في ترجمتها عبارات اقتبسناها من حوارها مع مجلّة كيهان العربيّ (العدد 4552) ، ونودّ أن نذكُر في هذا المقام أهم الأسئلة والأجوبة التي وردت في هذا الحوار حول استبصارها.
الحوار:
"اثنان وعشرون عاماً من عمري طويتها ، كما يطويها الناس هاهنا في الضياع والحريات الهدّامة وجهل الذات ، بعدها أخذ اللّه بيدي وانتشلني من قعر الظلمات ، ليرفعني إلى حيث سناء النور.
لقد عبرت ليل العشرين عاماً إلى حيث منبلج الصباح".
"تانيا بولينغ" ذات الثلاثة وعشرين ربيعاً لا تحبّذ التفكير في ماضيها ، بل هي تمتنع حتى عن عرض صورها الشخصية التي صوّرتها قبيل سنة واحدة.
لقد فقدت كل رفاقها السابقين ، الذين باتوا غير مستعدين لقبول رفقة (تانيا) ، الفتاة المسلمة .. حتى والدها ووالدتها رموها بالصدود! بعذوبة ألفاظها تحدثنا "تانيا" قائلة:
حينما كنا لم يترك بعضنا بعضاً ، ولم ينتهره بالطرد .. كنّا يومئذ نعيش سوية إلى جانب بعضنا ، لكننا كنا لا نبالي أحدنا الآخر ، الكل كان يحيا لنفسه ومن اجل نفسه.. كنا سوية نتقاسم الوحدة والعزلة ، ولعلي لا أغالي إن قلت ان احدنا لم يكن يحيا حتى مع ذاته التي هجرها هي الاخرى.. لم نكن نمعن النظر حتى في مستقبلنا ، بل لم يجرؤ احد على سؤال نفسه: لماذا أحيا؟ ولماذا ولدت؟ ومن أين جئت وإلى أين المصير؟!!
الكل يهيم على وجهه في طرقات ومنعطفات مضلّة لا يلوي على شيء.. كنا جميعاً نتطوّح في أزقة الحياة الغوغائية ولا نفكر في مأوى أو دار هنيئة.. كالمشردين والصعاليك والسائبين!
أجل كنا بالضبط كمشردي الحرب.. فعلى امتداد ثلاثة أشهر بلياليها وأيامها كان الصرب يندفعون صوب أبواب منازل الكوسوفيين الآمنين فيطلقون بضعة اطلاقات نارية في الهواء أو يلقون قنبلة يدوية مهددين أياهم بترك منازلهم ومغادرة أزقتهم ومحلاتهم وقراهم ومدنهم في مهلة لا تتجاوز السويعات العشر .. هذه المهلة التي إن لم ينتهزها الكوسوفيون ويغادروا خلالها مرابعهم يتعرضون عقبها إلى وضع أرواحهم وأعراضهم بين أنياب الأخطار المحدقة ، فضلاً عن التفريط بمنازلهم وممتلكاتهم.. وهم حينما يشردون في الآفاق.. في الوديان والجبال والفيافي ، ولا يعلمون ما الذي سيؤول إليه مصيرهم ، إلى أين يذهبون ، ولماذا يفرون؟ يزعم الصرب حينئذ بالقول لهم: إنكم أحرار!
في مثالي الآنف سبب الضياع والتشرد واضح ، وأن الدوافع وراء التشريد والترحيل القسري هي مادية بحتة ، رغم إنّ شعب كوسوفا لديه تطلعات معنوية ويتشكل من أسر دينية.. لكننا نحن الغربيين ضيّعنا غاياتنا وسبلنا وأخلاقنا وعقيدتنا ومعنوياتنا فأمسينا لا نجد لها أثراً.. ثم سمينا ذلك "حرية"!
سؤال : وهل تحسين الآن بالوحدة والعزلة؟
جواب : كلا ، لكن في مدينتنا يعيش أكثر من 50 من الناس ، وأكثر من 60 من الشباب والشابات حالة الوحدة رغم علاقات الصداقة والرفقة والصلات العائلية والأسرية الظاهرية ، بل إن جميع الصلات الإنسانية ـ في شكلها المادي والظاهري من قبيل التفسح واللهو والعمل وغيرها ـ لا يطيقها هذا الجميع إلاّ لبضع ساعات من ليل يومهم أو نهاره ، فيما يمضون ما تبقى من عمرهم في غرفة أو شقة منزوين منقطعين عن الآخرين.
أما أنا ، فعلى الرغم مما أعيشه من وحدة ظاهرية ومشاكل كثيرة مع عائلتي بسبب تشرفي بالإسلام ، إلاّ أنني لازلت اعيش مع والدي ووالدتي ، ولن انفصل عنهما طالما اني لم اتزوج.. وبالطبع كانت فيما بيننا طيلة هذه الفترة مساجلات ونقاشات عديدة ، لكنهما أدركا أني في انتمائي للإسلام جادة ، وهو ما قلل إلى حدّ كبير شدّة النزاعات فيما بيننا ، وأضحى والدي ووالدتي يستحسنان في واقع الأمر أخلاقي وشخصيتي الإسلامية على نحو هو أفضل مما كانت عليه تصرفاتي في السابق.
سؤال : كيف أقبلت إلى الإسلام؟
جواب : القصة تبدأ من هنا ، حينما التقيت صدفة في سوق مدينة هامبورغ بفتاة مسلمة محجبة ، كنت يومذاك في رفقة عدد من أصدقائي ، وكنت أحاول في تلك الأثناء ، كما هو ديدن أية فتاة شابة ألمانية طائشة ، أن أسخر من حجاب تلك الأخت وأن أحقرها لأجل حجابها ، قلت آنئذ لتلك الفتاة: أي مرض ألم بك فجعلك تغطين جسدك هكذا؟! فردت عليّ برد قاطع قائلة: وأنت أي مرض دهاك فجعلك تتعرين بهذه الصورة؟! وبالنتيجة سعت هذه الفتاة إلى مباغتتي في حوار أثبتت فيه أن الستر وحفظ حياء وعفة المرأة دليل على السلامة النفسية والاتزان الروحي ، وإن الحجاب يمنح المرأة حرية معنوية يمكنها من صيانة أمنها الاجتماعي ، فيما التعري أمر يخالف الفطرة والشخصية الإنسانية للمرأة.
وبالنتيجة رفضت كلامها جملة وتفصيلاً ، ثم انطلق كل منا إلى شأنه وسبيله ، لكنني بقيت أتذكر لفترة منطقها وثقتها بنفسها وحرصها على دينها وسعة اطلاعها ، حتى سنحت لي فرصة دفعني خلالها فضولي للذهاب إلى مسجد الإمام علي(عليه السلام)في هامبورغ ، فتحدثت وتحاورت بما لا بأس به مع عدد من الإخوة والأخوات الذين اجتمعوا هناك وهم من شعوب مختلفة ، ومضت فترة لكن منطق وقوة حجّة ودليل المسلمين لم يمكن ذهني من التحرر من أسر قيودها وهيمنتها عليه ، فمتنت فيما بعد علاقاتي وصلاتي مع عدد من المسلمين كان من بينهم إيرانيون وأفغان وألمان ، وشيئاً فشيئاً أخذ عقلي وروحي يستسلمان وينقادان لأفكار وعقائد المسلمين ، حتى وصلت بي الحال أن بدأت أشعر أنّي أيضاً مسلمة مثلهم ولا أختلف في شيء عنهم.
سؤال : ما هو الشيء الذي استحوذ على اهتمامك في الإسلام ، أكثر من غيره؟
جواب : العلاقة المعنوية للمسلمين مع ربهم ، وعلاقاتهم الصميمية فيما بينهم ومع أفراد أُسرهم ، وتوادهم ، ووجود الهدفية في الحياة عندهم ، وتضامن الأُمّة الإسلامية الذي لا يعرف حدوداً سواء على صعيد العنصر أو القوم أو الانتماء الجغرافي ، إضافة إلى التمسك بدينهم والاعتقاد الراسخ بالقضايا العقائدية ، حتى في ما بين أوساط الشباب منهم ، كل هذا جلب اهتمامي.
وبالطبع فإنّ المسلمين أخذوا هذه الأُمور في الإسلام نفسه ، وهم يمارسون حياتهم اليومية إلى حدّ ما وفق ذلك وبما لا ينفكّ بعضه عن البعض الآخر.
لذلك أقول إنّني لو كنت قد التقيت مسلمين غرباء عن دينهم وإسلامهم لما كنت قد ملت إلى الإسلام أصلاً. وما يجذبني إليه اليوم بشكل فائق من حيث الجوانب الفكرية ـ العقائدية هو القرآن أولاً وأحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) ، إضافة إلى شخصية ومواقف ولي أمر المسلمين آية اللّه الخامنئي.
سؤال : إعتناقك للإسلام ، ماذا حققت منه أو كسبت فيه؟
جواب : كل ما يتمناه المرء في دنياه ، إنّما يتمناه لنفسه ، فأنا لو فقدت أو خسرت كلّ شيء في تلك الحالة ، أكون في مقابل ذلك قد وجدت وكسبت "ذاتي" لقد كنت أمتلك كل شيء إلاّ اللّه! ومع ذلك كنت أشعر بالخواء والضياع والحيرة ، لكنني اليوم وبعد ان عثرت على "ذاتي" التي فقدتها منذ عشرين عاماً وعرفت ربي الذي كنت عنه غريبة بالمرة ، بعد عثوري على هذين الوجودين ، حصلت على كل شيء بل وكل ما أريد بفضل الإسلام.
لقد حصلت على الحرية المعنوية ، وعلى السكينة والاطمئنان الروحي ، كما حصلت على إمام عظيم ونجيب ومحبوب ، وعلى إخوة وأخوات في اللّه ، في كُلّ مكان ، في هامبورغ وألمانيا وأوروپا وفي العالم قاطبة. والأهم من كل ذلك أنّي عثرت فيما عثرت عليه ، على رسالة اللّه إلى الإنسانية (القرآن) التي بعثها منذ قرون متمادية ، عثرت عليها في خزانة كنوز التاريخ ، فأخذتها فكانت لي أعظم رأسمال في حياتي.
أجل ، لقد طويت ليل العشرين عاماً من عمري عبر طلوع فجر يوم جديد. لقد منحتني شمس الإسلام ، كما تهب اشعتها الحياة للشجر في الربيع ، كل عنفوان وحيوية بعد سبات شتائي طويل امتد لسنوات ربت على العشرين.
سؤال : هل زرت لحد الآن سماحة آية اللّه الخامنئي؟
جواب : لحد الآن لم ألتق آية اللّه الخامنئي إلاّ من خلال كتاباته وتأليفاته المترجمة ، أو عن طريق ما يحدثني به عنه المسلمون الناطقون بالألمانية من أنصاره ومقلّديه ، وأنا أعتبر إنّ هذه المعرفة به كافية بالنسبة لي لأن أكون مهيمة به ومطيعة له.
سؤال : كيف تتصورين شخصية آية اللّه الخامنئي؟
جواب : أعتقد إنّه أشبه الناس على وجه الأرض بالنبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة
المعصومين(عليهم السلام) مع علمي بأن الأُناس الأخيار ليسوا قليلين على وجه أرضنا ، لكنهم مع ذلك لا يدانون الإمام الخامنئي ، فهو القائد الوحيد ، العالم والمؤمن والمحب للانسانية في عصرنا الحاضر. أنا اعتقد أنّه أفضل من الجميع فهو يفيض رحمة صادقة ، لا يشوبها رياء أو دعاية.
والمثير عندي إن الإمام الخامنئي لا يجيز وضع أي من الإمكانيات الحكومية لأجل الدعاية له أو الترويج لشخصيته ، كما أنّه لا يكسب أي منفعة مالية أو مادية من حكومة الجمهورية الإسلامية سواءً كانت له شخصياً أو لزوجته أو أبنائه أو إخوانه أو أقربائه.. إن هذا الأُسلوب والنمط من الحكومات في العالم المعاصر لا نظير له ، بل أنّي أظن إنّ إيران لم تشهد مثيلاً له سوى الإمام الخميني في حكومته ، وإلاّ فمن المألوف أن ينتفع الآخرون لأنفسهم وذويهم بما تدر عليهم به المنافع مادية لمناصب حكومية من قبيل رئاسة الجمهورية أو الوزارات وغيرها من المراكز الحكومية.
ثم إنّ الإمام الخامنئي مطلع على الآلام والمعاناة العميقة والقديمة لأبناء المعمورة لاسيما المسلمون منهم ، وتفيض أحاديثه وخطاباته بالاصلاح وإشاعة الخير والتحرّق لهم والحنان لأجلهم. إنّه (بنظري) شخصية مقدسة ، وأب روحي وديني ، وأنا كسائر المسلمين أدعو له على الدوام بالسلامة ، كما أمنّي نفسي بأن يشملني بدعائه.
سؤال : وماذا تتمنين منه لنفسك؟
جواب : أتمنى منه بل وأطلب أن يدعو لي لكي يمنحني اللّه تعالى أُسرة مسلمة ، أعني أن يهدي اللّه أبي وأمي للإسلام ، أو أن يجعل من نصيبي زوجاً مسلماً مؤمناً ، ولعل رجائي لا غلو فيه لو منّ اللّه عليّ بتحقيق كلتا الأمنيتين.
ولدت في ألمانيا ، وترعرعت في أسرة تنتمي إلى الديانة المسيحيّة ، ثمّ اهتدت مع زوجها "هارون اشميث" إلى الدين الإسلامي ، فكوّنا أسرة مسلمة، أسّست بنيانها على تقوى الله ورضوانه.
دافع اعتناقها للدين الإسلاميّ:
عرفت "جوا اشميث" عن طريق دراستها للدين الإسلامي أنّه دين يمنح الإنسان السعادة التي من المستحيل لجميع الوسائل الماديّة بكلّ لذاتها أن تقدّمها له ، كما أنّه ينقذ الإنسان من الأزمات النفسيّة، والشعور بالقلق والضياع ، ويروي ضميره المتعطّش إلى معرفة الحقيقة، ويمنح قلبه الاستقرار والطمأنينة والسكينة نتيجة اتّصال هذا القلب الطريق الصحيح الى الله تعالى.
ثمّ حاولت "جوا اشميث" أن تكثر من قراءة القرآن ; لأنّها شعرت أنّ هذا القرآن ينفذ إلى أعماق قلبها، ويأخذ بيدها إلى عالم ملؤه النور والهداية والسلام.
وقد قال تعالى: {يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراط مُسْتَقِيم}(1).
1) المائدة {5} : 15 ـ 16.
ومن هذا المنطلق استجابت "جوا اشميث" لنداء ربّها فاتّبعت الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته(عليهم السلام)، وأعلنت اعتناقها للإسلام الحنيف. وهي تقول عن تأثير الإسلام في حياتها: تعلّمت من الإسلام كيف أحيى الحياة الطيّبة ، وبه عرفت كيف أضع لنفسي المناهج التي توصلني إلى نيل الأهداف السامية في الحياة.
ردود أفعال أبناء مجتمعها:
تقول "جوا اشميث": نواجه هنا الكثير من الأسئلة والاستفسارات نتيجة اعتناقنا للإسلام، وتمسّكنا بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، والبعض قد يواجهنا بعنف ، ولكنّني لا أغضب من هذه التصرّفات، وأحاول أن أبيّن للناس الأسباب التي دعتني لتغيير انتمائي الدينيّ.
وأواجه بعض الأحيان بنظرة السخرية والازدراء من قبل الآخرين ، ولكنّني لا أبالي بذلك ; لأنّني لا أخشى الناس في هذا المجال ، وذلك لأنّني واثقة من صحّة معتقدي ومبادئي، وأعلم بأنّ الله تعالى معي ، وهو يراني، ويعلم ما يخطر في سريرتي ، وهو يعينني في جميع الأحوال.
كيفيّة تربيتها لأطفالها:
تقول "جوا اشميث" حول تربية أبنائها الستّة: إنّ إهمال الأبناء وتركهم لشأنهم ، سيؤدّي بلا شكّ إلى وقوعهم في التيه والضلال ، فهم بحاجة إلى توجيه وإرشاد وتوعية وتثقيف ، وهذا لا يعني أن نفرض عليهم آراءنا أو معتقداتنا ، بل ينبغي أن نقوم برفع مستوياتهم الفكريّة ، وأنا أحاول من هذا المنطلق أن أبيّن لهم معنى الإسلام، وأن أحدّثهم عن الدين على قدر عقولهم ، كما أحاول أن أرشدهم إلى السير والصداقة مع من يمكن الوثوق بهم.
وبهذا قد تمكّنا ـ ولله الحمد ـ أن نشيّد أسرتنا على الأسس الدينيّة المتينة ، وأن نكون كما أراد لنا البارىء تعالى أن نكون.
الصورة
ولد في ألمانيا ، ونشأ في أسرة أملت عليه الديانة المسيحيّة ، فبقي على انتمائه العقائديّ الموروث من دون الاهتمام بالبحث عن صحّة هذه المعتقدات أو خطئها ، ثمّ عمل في مجال الهندسة واقتصرت اهتماماته الفكريّة بالدراسات الأكاديميّة فحسب.
الاهتمام بالدين:
نشأ اهتمام "جونتر هيرمان" بالأمور الدينيّة بدءاً من التقائه بأحد علماء الشيعة ، ومن ذلك الحين بدأ "جونتر" يعي ما للدين من أهميّة في البناء النفسيّ والأخلاقيّ للإنسان وماله من دور أساسيّ في صيانة صاحبه من أزمات التوتّرات النفسيّة الناشئة من الفراغ العقائدي والفكريّ الذي يعاني منه.
ومن هنا أدرك "جونتر هيرمان" بأنّ الفكر المادّي على الرغم من وصوله إلى الدرجات العليا في التطوّر المادّي والإشباع الغريزي لكنّه لم يستطع أن يمنح السعادة للبشريّة ، ولهذا يبقى أتباع هذا التّيار في الفراغ نتيجة عدم إشباع فطرتهم الروحيّة ، ولهذا يبحث هؤلاء في دائرتهم المادّيّة عن الحقيقة ، ولكنّهم لا يهتدون إليها ، فيبقون في حالة التخبّط والشعور بالمعاناة والألم النفسي، على الرغم من انهماكهم في الملذّات الدنيويّة.
وبمرور الزمان أدرك "جونتر هيرمان" بأنّ الدين هو الذي يضمن للإنسان السعادة، وهو الذي يفتح آفاق رؤية الإنسان على عوالم فوق المادّة بحيث يدرك الإنسان أنّه فوق الأمور المادّيّة، وأنّه مخلوق لم يخلق ليعيش في أسر الأمور المادّية فحسب.
في رحاب الدين الإلهي:
تغيّرت منهجيّة تفكير "جونتر هيرمان" وذلك نتيجة انفتاح عقله على الساحة الدينيّة ، فاستنارت بصيرته بنور المعارف الإلهيّة ، لكنّه مع ذلك أدرك بأنّ هذا الطريق لا يخلو من أناس يحاولون جعل الدين مطيّة للوصول إلى مآربهم الدنيويّة ، فأملى عليه ذلك توخّي الحذر في البحث عن الدين الإلهيّ الذي يمثّل إرادة اللّه تعالى، ويعكس الصورة الحقيقيّة لما ابتغاه الله تعالى لفلاح البشريّة.
فواصل "جونتر هيرمان" بحثه حتّى أدرك في نهاية المطاف بأنّ الدين الإسلاميّ هو الدين الذي أنزله البارىء تعالى على رسوله محمّد بن عبدالله(صلى الله عليه وآله وسلم)لينقذ البشريّة من الضلال.
ثمّ تبيّن له خلال دراسته للتاريخ الإسلاميّ ما واجه عترة الرسول(عليهم السلام) من ظلم واضطهاد وتشريد من قبل السلطات الجائرة التي استولت على منصّة الحكم بعد اغتصابها للحكم الإسلاميّ ، وكان من أشدّ هذه المظلوميّات التي تأثّر بها "جونتر هيرمان" هي مظلوميّة الإمام الحسين(عليه السلام)، فاستاء لذلك وعرف السرّ الكامن وراء هجران أهل السنّة والجماعة لأهل البيت(عليهم السلام) ، وعرف الدور السلبيّ الذي لعبه حكّام بني أميّة وبني العبّاس لتحريف الدين وإبعاد الناس عن أهل البيت(عليهم السلام).
ومن هذا المنطلق استبصر "جونتر هيرمان" واعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ثمّ غيّر اسمه ، وسمّى نفسه باسم سيّد الشهداء الإمام الحسين(عليه السلام).
الصورة
ولدت عام 1969 م في ألمانيا بمدينة "برمن" ، ونشأت في أسرة تنتمي في الظاهر إلى الديانة المسيحيّة ، ولكنّها في الواقع الخارجيّ وحياتها اليوميّة كانت بعيدة كلّ البعد عن الالتفات إلى الجانب الدينيّ والمعنويّ.
التربية الدينيّة الأولى:
تقول "جليكه": كان أبي ينظر إلى الدين بأنّه مجرّد طقوس عرفيّة، يقوم بها الإنسان مماشاة مع الوضعيّة الاجتماعيّة السائدة ، ولهذا أخذني أبي وأنا صغيرة إلى التعميد، وحينما كنت في الثانية عشر من عمري سجّل اسمي في الصفوف الدينيّة التي كانت تقام في الكنيسة.
وكان مجموع عددنا في الصف ثلاثين طالبة ، وكنت أنا وستّ عشرون طالبة أخرى لا نستسيغ بعض المفاهيم الدينيّة التي تلقى علينا ، منها أنّ المعلّم كان يقول بأنّ الإنسان يولد وتحيط به الخطيئة التي ارتكبها آدم فلابدّ أن يعمّد الطفل لتزول هذه الخطيئة عنه ، فكان وجداننا يرفض هذه الفكرة ، وكنّا نقول ماذنب هذا الطفل لتلحقه لعنة الربّ نتيجة خطأ آبائه، وما ذنب الطفل الذي لا يعمّده أبواه، أو الطفل الذي يموت قبل التعميد ، وبأيّ جرم يحرق هذا الطفل في نار جهنّم؟!
وكنّا نقول: أليس الله بأرحم الراحمين، وهو العطوف الرحيم.. فلماذا تنسب إليه الأفعال التي لا تتلاءم مع هذه الصفات.
كما كنّا لا نستسيغ تناول الخبز والشراب الذي كان يعتبر بمنزلة جسم المسيح ودمه، فكنّا نقول: إنّ هذا التصوّر هو أشبه ما يكون بأفعال الطوائف المتوحّشة. وهكذا كانت تتجمّع الاستفهامات والأسئلة في أذهاننا من دون أن نجد سبيلاً إلى حلّها حتّى انتهى بنا الأمر إلى جحد الدين المسيحيّ، ورفضه في العمل، والاستهزاء به، واعتباره مجرّد أفكار بالية ورثناها من القرون الوسطى.
فلهذا قرّرنا عدم مواصلة الدراسة ، وأنا بدوري ألححت على والدي ليفسح لي مجال عدم الذهاب إلى هذه الصفوف ، فقبل أبي ذلك ، فتركت تلك الصفوف إلى غير رجعة.
مرحلة التيه والضياع:
تقول "جليكه": وبقيت على هذا المنوال حتّى بلغت الثامنة عشر من العمر ، فشعرت حينها بتيه وضياع ، فكنت دوماً أسأل نفسي: لأيّ هدف ولدنا؟ ومن جاء بنا إلى هذه الدنيا؟ وما هو المسار الصحيح الذي لا بدّ أن ننتهجه في الحياة.
واستمرّت بي هذه الحالة فترة طويلة حتّى تركت أثرها السلبي على نفسي فاعترتني حالة القلق والتوتّر والانهيار وأحسست بضرورة التوجّه إلى مصدر يجيب علن هذه الأسئلة لأتمكّن من إنقاذ نفسي من تأنيب الضمير ومن الألم الذي يحفّزني للبحث عن العلاج.
فتوجّهت إلى دراسة الأديان والمذاهب فطالعت كتب عديدة حول البروتستانت والبوذيّة والمذاهب الهنديّة ، فلم أجد بغيتي فيها ، أمّا الإسلام فلم أقترب منه; لأنّني تأثّرت بالإعلام المضادّ للإسلام، كنت أعتبر الإسلام دين السيف والدم والعنف ، ودين تحقير المرأة وكبت حرّيّاتها ، ولهذا لم أجد في نفسي دافعاً تجاه هذا الدين.
وهكذا بمرور الزمن وبعد الكثير من بذل الجهد والمطالعة لم استطع الوصول إلى منهج فكريّ يشفي غليلي، ويخمد نيران اضطرابي، ويهدّىء توتري، ويسكّن آلامي ، فلمّا لم أتمكّن من معالجة هذا الداء توجّهت إلى تخديره، وإزالة أثره باللهو واللعب، والالتجاء إلى ماينسيني الأفكار التي كانت تدفعني للبحث عن الحقّ فالتجأت إلى اللهو واللعب والغناء والرقص وتناول الكحول ، فكنت أمضي أوقات فراغي في الديسكو لاهية لا أفكّر بشيء يكدّر صفو حياتي العابثة.
بداية التعرّف على الإسلام:
واستمر بي الوضع على هذه الحالة حتّى صادف أن تعلّق قلبي بشابّ كان يحضر في الديسكو ، فاشتدّت صداقتي به بمرور الزمان ، فلمّا تعرّفت عليه كثيراً اعترتني الدهشة حينما علمت أنّه من المسلمين ، واستغربت كثيراً من هذا الأمر ، ولكنّني لم أجد في سلوكه أمراً يغاير ما أنا عليه ، سوى أنّه كان يتجنّب أكل لحم الخنزير وتناول الكحول والخمر ، ولكنّني بعد مضي فترة عرفت أنّه غير ملتزم بالإسلام ، ولا يعرف من الإسلام سوى بعض المفاهيم العابرة التي طرقت سمعه من هنا وهناك ، فزالت الحسّاسية بيني وبينه.
ولكن تبيّن لي بعد ذلك أنّ أباه وأمّه عائلة ملتزمة بالدين الإسلاميّ ، فلهذا كنت خائفة في ذلك اليوم الذي كنت أريد أن أذهب مع صديقي إلى بيتهم ، وكنت أخشى أن ينهالوا عليّ بالسبّ والشتم والإهانة ، ولكن لمّا ذهبنا إلى بيتهم كان الأمر بخلاف ما كنت أتوقّع ، فلم يتعرّض لي أحد ، بل تعاملوا معي برفق ومحبّة ، وإنّما واجه صديقي بعض العتاب من قبل أبيه وأمّه لصداقته معي.
وبمرور الزمان اشتدّت صلتي بعائلة صديقي المسلم ، فكنت أرى في سيمائهم الهدوء والطمأنينة والسكينة وكنت أُلاحظ في نفوسهم الرضا والقناعة.
فاستغربت من نفسي وقلت: لماذا لا أتمتّع أنا بالراحة النفسيّة كما يتمتّع هؤلاء رغم أنّ الكثير من أمور الرفاهية المتوفّرة عندي غير متوفّرة عندهم. ومن
هذا المنطلق دفعني حبّ الاستطلاع للبحث عن الأسباب التي أدّت إلى استقرارهم النفسي. فحاولت أن أُكثر الاختلاط بهم وأن أتأمّل في سيرة حياتهم ، كما كنت كثيراً ما أوجّه لهم الأسئلة التي كانت تثار في نفسي ، وهكذا بالتدريج شغفت بمعرفة الفكر الإسلاميّ ، فكانت خطوتي الأولى هي قراءة القرآن المترجم إلى اللغة الألمانيّة، فكنت كلّما أقرأ منه أشعر بالطمأنينة والاستقرار ، وهكذا استمرّ الأمر حتّى أحسست أنّني قد وجدت ضالّتي التي كنت أبحث عنها طيلة السنوات الماضية ، فكان القرآن سبباً لأتعرّف على التوحيد الخالص، ومن هذا المنطلق عرفت ربّي فتوجّهت إليه ، وسألته لينقذني ممّا أنا فيه فاستجاب الله دعائي فرفع عنّي بعض الحجب التي كانت تمنع بصيرتي من رؤية الحقّ ، فهنالك استقرّ بي النوى ، فاعتنقت الإسلام وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وتوجّهت إلى الله بكلّ وجودي.
مضايقات بعد الاستبصار:
تقول "جليكه": كان إسلامي ، مفاجأة لأبي وأمّي ، فاستغرب أبي كثيراً من إسلامي ، فواجهني بشدّة، وبذل أقصى جهده ليصرفني عن تغيير انتمائي الديني ، فكان يحاول أن يحاربني نفسيّاً لأضطرّ إلى ترك معتقدي الجديد.
ولم يكن هذا الموقف موقف أبي فحسب ، بل كان ذلك موقف معظم الذين سمعوا بإسلامي ، وليس ذلك إلاّ نتيجة الدعايات المضادّة والإعلام المضاد الذي يستخدمه المغرضون للإطاحة بالإسلام.
ولكن رغم كلّ هذه المضايقات التي واجهتها لم يضعف إيماني بالله وبدينه وشريعته قيد أنملة ، بل كنت ازداد كلّ يوم إيماناً وبصيرة نتيجة تمعّني بوضعنا الاجتماعي المتردّي; لأنّ وضع المرأة عندنا وضع سلعة بيد هذا وذاك يتاجرون بجسمها وجمالها الخارجي تمشية لمصالحهم الخاصّة ، وهذا ما أدّى بالمرأة إلى انهيار بنيان أسرتها، وزوال عفّتها، وتحميلها أمراً أكبر من طاقتها ، فجعلها بذلك
تعيش الكآبة والعديد من الأمراض النفسيّة الأخرى.
ويا له من انحطاط تشهده ساحتنا الاجتماعيّة نتيجة ابتعادها عن ربّها، ونتيجة عدم تمسّكها بالشريعة التي فرضها الله على العباد ، فالإحصائيّات تبدي أرقاماً هائلة من حالات إدمان الشباب للموادّ المخدّرة، أو حالات الانتحار، أو ارتكاب الجرائم والعنف والاعتداء على النساء والأطفال.
معنى الحرّيّة:
وتضيف "جليكة": والباعث للاستغراب أنّ جميع هذه الأمور إنّما تُرتكب باسم الحرّيّة ، ويا لها من جهالة حينما يعتبر هؤلاء أنّ منطلق ما يقومون به هو الحرّية!
فهم يعيشون حالة الأسر بين مخالب الهوى والميول والشهوات والرذائل، ثمّ يعتبرون أنفسهم أحراراً ، فلا معنى للحرّيّة إذا كان الإنسان أسيراً بيد أهوائه ، ولا معنى للحرّيّة إذا كان الإنسان لا قدرة له على إصلاح نفسه وتهذيبها من الشوائب ، وإنّما الحرّ هو المتمكّن من ضبط رغباته وسلوكه; لئلاّ تطغى فتخلّ بتوازنه النفسيّ ، والحرّ هو المتمكّن من تحرير نفسه من الرذائل والشهوات البذيئة والأهواء الطائشة ، وأملي أن يتثقّف الجميع بالثقافة الإلهيّة; ليتمكّنوا بعدها من إنقاذ أنفسهم من الانحطاط والتسافل والتحرّر من شباك الغفلة والجهل.
ولد سنة 1971 م في مدينة "افريك" الواقعة في "غريزلند" الشرقية في شمال غرب "ألمانيا" قرب الحدود الهولنديّة ، وفي أطراف بحر المانش في أسرة مسيحيّة ، ثمّ أكمل الدراسة الإبتدائيّة والثانويّة في مدينته ، وبعد ذلك درس اللغة العربيّة واللغة الفارسيّة في إحدى الجامعات بمدينة "بون".
تأثرّه بالقرآن الكريم:
اعتنق الدين الإسلامي سنة 1984 م بعد مطالعته للترجمة الألمانيّة للقرآن الكريم ، فانجذب إلى معانيه العميقة وأبهرته تعابيره الرائعة ، وأحدث القرآن زلزالاً في نظامه الفكري ففتح أمامه آفاقاً لم يكن يتصوّرها من قبل ، وبلور لديه رؤية جديدة للعالم والناس الذين يعيشون فيه ، وكانت كلمات القرآن تنفذ إلى قلبه كالمطر النازل في الصحراء القاحلة.
ثم وجد "حسين" الذي اختار هذا الاسم بعد إسلامه ، أنّ القرآن لا يمكن مقايسته مع الكتب السماويّة الموجودة في أيدي الناس الآن كالتوراة والإنجيل التي كان يقرأهامن قبل ، حيث لم تؤثّر في حياته وشخصيّته تأثيراً ملموساً.
وفي سنة 1986 م بدأ بالاستماع إلى الإذاعة الإيرانيّة التي تبث باللغة الألمانية ، ومنها حصل على معلومات كثيرة ومهمّة حول الإسلام والعالم
الإسلامي ، كما التقى بالمسلمين في بلاده وشاركهم همومهم وشؤونهم الدينيّة والدنيويّة بالحضور في المساجد والمراكز الإسلامية وخصوصاً المؤتمرات التي تعقد فيها للتعارف بين المسلمين ومعالجة مشاكلهم وإدارة شؤونهم ، فعرف من خلال تتبّعه ومطالعاته والتقائه بالمسلمين أنّ الدين الحقّ يكمن في اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) والتمسّك بهم ، لأنّهم الثقل الثاني مع القرآن كما أوصى بذلك الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) في أحاديثه الكثيرة.
معاناة المسلمين الأوربّيين:
واجه "حسين جانسون" بعد استبصاره العديد من المشاكل في صعيد الأسرة ، فلم يتلقّ الأهل إسلامه بالقبول ، ومرّت فترة من الزمن حتّى استطاع إزالة الجوّ المتشنّج في علاقاته مع والديه وأخيه ، خاصّة بعد أن رأوا بأنّ أصدقاءه المسلمين أناس ذوي أخلاق حسنة، وأدركوا عدم صحّة ما يشاع حول المسلمين في وسائل الإعلام الغربيّة.
ولكن المشاكل الأكثر تعقيداً هي ما يواجهه المسلم الاّوربيّ في المجتمع من الاستهزاء ، ويعامل بصورة مختلفة في كلّ مرافق الحياة ، وخصوصاً في المدارس والدوائر والمنتديات الاجتماعيّة.
إنّ الدعوة إلى الحرّية وحقوق الإنسان تفقد وجودها في الغرب عندما يتعلّق الأمر بالإسلام والمسلمين ، فلا يستطيع المرء أن يدافع عن عقائده بسهولة، ولا يجد لنفسه الفرص المناسبة لنيل حقوقه، كما تواجه النساء مشاكل أكثر من الرجال لضرورة التزامهنّ بالحجاب الإسلاميّ الشرعيّ الذي رفضه الغرب واعتبره من الأمور الدالّة على التخلّف والتحجّر الديني.
ولكن مع ذلك حاول "حسين جانسون" أن يقف بوجه كافّة التيّارات المضادّة التي تحاول أن تسلب منه دينه وعقيدته ، وصمد إزاء المضايقات التي لاقاها ممّن حوله ، ليجزيه الله تعالى يوم القيامة أحسن جزاء المحسنين.
ولد في ألمانيا ، ونشأ في عائلة مسيحيّة بروتستانتيّة ، وهو يجيد اللغة الألمانيّة والتركيّة والعربيّة.
إيجابيّة الدين الإسلامي:
تعرّف "لايبنر" في منطقة سكنه على مجموعة من الأتراك المسلمين ، فتفتّحت ذهنيّته على الدين الإسلاميّ خلال مطالعته للكتب الإسلاميّة التي كان يقدّمها إليه هؤلاء.
ومن خلال البحث اكتشف "لايبنر" بأنّ الإسلام يبني في الإنسان الروح الإيجابيّة التي تدفعه إلى المعيشة في حركة فكريّة ونفسيّة بنّاءة ، وتصونه عن ممارسة السلوك والتصرّفات الهدّامة.
كما أنّ الإسلام يدفع الإنسان إلى استثمار طاقاته وجهوده في أمور تدفع الفرد إلى الرقيّ والكمال، وأنّها لم تحرّم على الإنسان إلاّ الأشياء الضارّة التي تشلّ وعيه وإرادته.
ومن جهة أخرى يبني الإسلام شخصيّة الإنسان المسلم على أساس أفكار ورؤى دينيّة منسجمة مع عقل وفطرة الإنسان ، وتدفعه إلى ممارسة سلوك لا يعرف التناقض والشذوذ ، فتكون تصرّفات الإنسان كلّها في خطّ واحد وتدفعه إلى بناء حضارة إيمانيّة متكاملة.
ومن هذا المنطلق يكون توجّه الإنسان المسلم دوماً نحو المثل العليا والقيم الرفيعة التي تأخذ بيد صاحبها إلى الكمال الإلهي ، والتي تدفعه سعياً وراء التحلّي بالصفات التي توصله إلى النعيم الأبديّ.
التحلّي بالدين الإسلاميّ:
أحبّ "لايبنر" أن يتحلّى بمثل هذه الشخصيّة التي يمنحها الإسلام لمعتنقيه ، فأعلن إسلامه، ثمّ انتمى إلى المذهب الحنفي الذي دلّه عليه الأتراك المسلمون.
ثمّ استمرّ "لايبنر" على مطالعة الكتب الإسلاميّة ، فتبيّن له أنّه بعد في بداية طريق البحث : لأنّه وجد الإسلام يتضمّن العديد من الفرق والمذاهب ، وأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يضمن النجاة إلاّ لواحدة من هذه الفرق.
فبدأ "لايبنر" مرحلة جديدة من البحث حتّى رست سفينة بحثه على شاطىء مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، فتمسّك بهدي أهل البيت(عليهم السلام); لأنّه عرف بأنّ النبيّ أوصى أمّته بالرجوع إلى أهل البيت(عليهم السلام) عند حدوث الاختلاف.
روى الحاكم في مستدركه أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لأمّتي من الاختلاف ، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب ابليس". وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد(1).
اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام):
تخلّى "لايبنر" عن المذهب الحنفيّ بعد معرفته للحقّ ، واعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، ثمّ تزوّج بفتاة مغربيّة اهتدت معه إلى مذهب التشيّع ، ثمّ واصل "لايبنر" قراءته لأحاديث عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم); ليقتبس من أنوار معارفهم ما يضيىء له الدرب في هذه الحياة; ليصل بذلك إلى الكمال المنشود.
1) المستدرك ، للحاكم النيسابوري: 3/359، ح4773 .
ولدت في أسرة ألمانيّة تعتنق المذهب الكاثوليكي المسيحيّ ، كانت والدتها امرأة ملتزمة بالدين بخلاف أبيها الذي كان لا يبالي بالأمور الدينيّة.
البحث عن هدف في الحياة:
تقول "دورا": انطلاقاً من حاجة فطريّة اندفعتُ باحثة عن هدف الحياة، وواصلتُ البحث حتّى طال الأمد، وأنا بعد لم أصل إلى الإجابة المقنعة التي تشفي الغليل.
فلم أيأس، واجتهدت لاكتساب المعارف التي تمنحني الثبات والرسوخ في الحياة المضطربة التي كانت تحيطني ، ولكن باءت كلّ محاولاتي بالفشل ، فجرفني التيّار الاجتماعي والثقافي السائد فاستسلمت له وأعطيته زمام أموري ، وانطلقت نحو اللهو واللعب والحياة العابثة، وخضعت للمقاييس العرفيّة السائدة في المجتمع الغربي المتفسّخ، ولهثت وراء اللذات الزائفة والمتع التافهة.
تعرّفها على شاب مسلم:
وذات ليلة ذهبتُ إلى "الديسكو" ، فتعرّفت على شابّ يوغسلافي الجنسيّة اعجبتني تصرّفاته وسلوكه ، فهواه قلبي ، فاندفعت بعد ذلك إلى توثيق صلتي به.
وكان يتميّز هذا الشاب بخصائص لم أجدها من قبل في أحد ، وكان من جملة تلك الخصائص أنّه كان يتمتّع بذهنيّة واعية لم تحجب الأهواء بصيرته بتاتاً ، كان يستيقظ من غفلته تارة فيحدّثني بمشاعره الواعية التي كانت تختلج في صدره ، فكان يتحدّث حول القيم والأخلاق والصراع القائم بين الفضائل والرذائل في داخل الإنسان، وبين الحقّ والباطل في أوساط المجتمعات المختلفة.
وكان يقول حينما يسمع الأحداث السياسيّة التي تجري في العالم: لابدّ للفئات المضطهدة والمسلوب حقّها أن تنتفض وتثور ضدّ الظلم; ليسعها أن تسترجع حقوقها ، وليمكّنها أن تتحرّر وتلتذّ باستقلاليّتها.
ومن هنا كان يهوى صديقي الإلمام بكافّة الثورات التي يقوم بها المستضعفون ضدّ المستكبرين في العالم ، وكنت أرى في وجهه أحياناً هالة من الحزن ، فاسأله عن سبب ذلك فيقول: يحزنني الوضع المأساوي المهيمن على عالمنا المعاصر ، وإنّما أتألّم لرؤية الفقراء والمساكين الذين أوجعت سياط الطغاة والمستكبرين ظهورهم.
تنمية وعيها الديني:
تضيف "دورا جهويج": كان حديث صديقي يفتح آفاقاً رحبة أمام بصيرتي، وكنت أتمتّع بحديثه عندما يحاول أن يزيل الحجب عن قلبي; لأرى الحياة بنظرة ثاقبة وعميقة.
وهذا ماجعلني أتفاعل معه ، فكنّا نجتمع معاً ونطالع تاريخ الثورات الكبرى التي شهدها العالم ، ومن هذا المنطلق اشتدّت صلتي به حتّى آل الامر إلى أن تقدّم ذلك الشاب إلى خطبتي ، فقبلت ذلك وبادرنا بعدها إلى الزواج .
وكان لزواجي به دوراً هامّاً في تغيير مسار حياتي ; لأنّني اندمجت به ، وتوجّهنا معاً إلى رفع مستوياتنا العلميّة عبر المطالعة والبحث ، وهذا الأمر منحنا وعياً تمكّنا أن ننقذ به أنفسنا من الانحطاط والتسافل.
وبمرور الزمان وبعد إلمامنا بكثير من الثورات التي حدثت في العالم ، قرّرنا أن نقود ثورة كبرى نبتغي بها التغيير والإصلاح ، ولكن لم تكن هذه الثورة كالثورات التي قرأناها في تاريخ العالم ، وإنّما كانت هذه الخطوة الإصلاحيّة ثورة في النفس ضدّ الرذائل والأهواء والقبائح المتجذّرة في القلب ، فاتفقنا معاً على ذلك ، وقمنا بثورتنا الإصلاحيّة في سريرة أنفسنا ، ولم تمرّ فترة من المجاهدة حتّى تمكّن كلّ واحد منّا أن يأخذ زمام نفسه من سلطة الأهواء والقوى الشرّيرة ويستولي على زمام قيادة سلوكه وتصرّفاته.
وكنّا نزداد ارتقاءً وتكاملاً في جميع الأبعاد بمقدار زيادة وعينا وتلقّينا للعلوم ، ومن هذا المنطلق تعرّفنا على سائر الأديان والمذاهب ، وكانت نتيجة الجهود التي بذلناها لمعرفة أفضل السبل المؤدّية إلى الكمال والتعالي هي أنّنا وجدنا الإسلام ومذهب أهل البيت(عليهم السلام) هو الطريق الوحيد الذي يسعه أن يلبّي حاجاتنا الفطريّة ، ويزيل عن أذهاننا كافّة الشكوك والشبهات ، ويجعلنا في عيشة راضية تكون النفوس فيها متحلّية بالسكون والطمأنينة.
ولدت في ألمانيا ، وكانت منذ طفولتها تتمتّع بشخصيّة نشطة وفعّالة ومتطلّعة نحو الأفضل ، وكانت كثيرة الاستفسار حول أسباب وحكمة ما يجري حولها.
في رحاب الدوافع الفطريّة:
تقول "دورتا": كنت أشعر منذ الصغر بدافع فطري يحفّزني لمعرفة الحقيقة، والسير على ضوئها ، وكنت أرفض مبدأ الوطنيّة ، لأنّني كنت أرى أنّ قيمة كلّ إنسان هي مقدار وعيه وثقافته ، وأنّ الانتساب الوطني ليس فيه قيمة ذاتيّة لرفع مستوى الإنسان ، فلهذا كنت اختلط في المدرسة بأبناء الجاليات الأخرى ، وكان اعتقادي أنّ لكلّ جالية ثقافتها الخاصّة وأدلّتها على مبادئها وأفكارها ، ولا ينبغي أن ننظر في تقييمنا إلى أفكار الآخرين من نظرة شخصيّة قاصرة و متعصّبة ، بل علينا أن يكون رابطنا الوحيد مع أبناء الجاليات الأخرى هو الحوار والتفاهم والبحث الموضوعيّ المتجرّد عن كافّة التعصّبات والرؤى الضيّقة ، ولهذا كنت أخالف بشدّة جميع تيّارات العنصريّة التي كانت في بلدنا.
وبعد استلام شهادة الدبلوم ، سافرت إلى إيطاليا; لأواصل دراستي في العاصمة "روما" في فرع الفنون ، ولكن لم تمض فترة إلاّ ورأيت أنّ هذا الفرع لا
يشبع رغبتي، ولا يتلاءم مع نفسيّتي ولا ينسجم مع رؤاي ، فانصرفت عنه ، وسجّلت اسمي في نفس الجامعة في فرع معرفة الشرق ، وكان هدفي من ذلك تلبية رغبتي في التعرّف على الأمم والطوائف الأخرى، ومعرفة مناهجهم المعرفيّة وكلّ ماله صلة بهم من عادات وتقاليد وثقافة وغير ذلك.
التعرف على الإسلام:
تضيف "دورتا": كانت المرحلة الأولى في ذلك الفرع عبارة عن دراسة اللغة العربيّة ، وكانت هذه المرحلة هي التي تعرّفت فيها على الإسلام ومعارفه.
ومن ذلك الحين تبيّن لي عظمة هذا الدين، وقوّة كيانه ورصانة مبادئه، وأفكاره، وكانت مطالعاتي تزداد يوماً بعد يوم حول الإسلام حتّى أحسست يوماً أنني قلباً مسلمة ، ولكنّني كنت أتهيّب إبداء ذلك في الواقع الخارجيّ ، فكنت أحاول أن أكبت النداء القلبي الذي كان يدعوني إلى الالتزام العملي بالإسلام.
كما أنّني كنت غير واثقة بأنّني أطيق صيام شهر رمضان ، وكنت متردّدة في قرارة نفسي هل أنا قادرة على الصمود والثبات وتحمّل استهزاء الأخرين بعد ارتدائي للحجاب الإسلاميّ ، وكنت أعيش هذه الحالة ، حالة الصراع أيّام قبل شهر رمضان ، فلمّا حلّ الشهر قرّرت أن أختبر نفسي في الصيام ، فصمت اليوم الأوّل من هذا الشهر، واليوم الثاني والثالث وفي الثالث اتّخذت قراري النهائي فأعلنت إسلامي وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، وسمّيت نفسي "هدى" ، ويشهد الله أنّني لم أندم بعد ذلك أبداً على ما قمت به.
ما بعد الاستبصار:
وفي اليوم الأول من إسلامي فقدت الكثير من أصدقائي ، ولكنّهم بعد ذلك تعوّدوا على ما أنا عليه ، ثمّ وفّقني الله للزواج من الأستاذ الذي كان يدرّسنا المادّة العربيّة ، فشيّدنا معاً أسرتنا على تقوى الله ، وواصلت دراستي بعدها بقوّة حتّى
نلت شهادة الدكتوراه من جامعة "روما".
وفي الحقيقة أنّ الفضل في ذلك يعود إلى زوجي ، فهو الذي أعانني على الدراسة ، وهو الذي كنت دوماً أتواصى معه بالحقّ وبالصبر من أجل المحافظة على إيماننا وصمودنا إزاء القوى المضادّة التي تسعى لأن نكون معها في انتزاع ثوب الكرامة الانسانيّة.
ولدت في ألمانيا ، ونشأت في أسرة أملت عليها الديانة المسيحيّة ، فلمّا ازداد وعيها أحبّت أن ترفع مستواها العقائديّ; لتبني معتقداتها وفق الأدلّة والبراهين القاطعة.
كانت "رناته ترنس" تدرك بأنّ البحث في دائرة معيّنة يدفعها إلى الرؤية الضيّقة ، ويدفعها إلى الحرمان من التعرّف على باقي الحقائق ، فلهذا أحبّت أن توسّع دائرة بحثها عن طريق دراسة باقي الأديان.
ولكنّها مع ذلك توقّفت في دراسة الإسلام ; لأنّها كانت تعتقد بأنّ الإسلام دين يظلم المرأة ، ويحدّد نطاق حرّيتها ، ولا يمنحها أيّ حقّ من حقوقها ، ولكنّها بعد التأمّل وجدت أنّ انطباعها إزاء الإسلام ناتج من كلام مخالفي الإسلام ، وليس من الصحيح من أجل معرفة جهة معيّنة الاكتفاء بكلام المخالفين ، بل على الباحث أن يصغي إلى كلام الجهة التي يودّ الإلمام بمعتقداتها ، ولهذا اندفعت إلى دراسة الإسلام ليتبيّن لها مدى صحّة ما ينقل عن هذا الدين حول المرأة.
حقوق المرأة في الإسلام:
إن الإسلام شرّع للمرأة كامل حقوقها منها:
1 ـ حقّ الملكيّة ، حيث قال تعالى: {.. وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً...}(1).
2 ـ حقّ الإرث ، حيث قال تعالى: {... وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالأَقْرَبُونَ}(2).
3 ـ الحقّ في حسن المعاشرة ،حيث قال تعالى: {وَعَاشِرُوهنّ بِالمَعْروُفِ...}(3).
4 ـ حقّ المساواة أمام القانون ، حيث قال تعالى: {.. وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ..}(4).
5 ـ حقّ السعي لإصلاح المجتمع ، حيث قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ...}(5).
كما منح الإسلام للمرأة الحقّ في مباشرة المهن والحرف، والحقّ في طلب العلم ، والحقّ في قبول الزوج واختياره، والحقّ في الطلاق عند توفّر أسبابه المشروعة ، والحقّ في حرّية الرأي والتفكير والعقيدة و...
ومن هذا المنطلق اكتشفت "رناته ترنس" زيف الادّعاءات التي كانت تسمعها حول موقف الإسلام من المرأة ، وكان هذا الاكتشاف بمثابة إزالة للعقبات إزاء دراستها للإسلام.
دراستها للدين الإسلاميّ:
توجّهت "رناته ترنس" بعد ذلك إلى دراسة الإسلام ، ثمّ حاولت الالتقاء
ببعض علماء الإسلام لتتمكّن من خلالهم أن تحصل على الفكرة الكاملة حول الإسلام ، فصادف أن التقت بأحد علماء الشيعة فبيّن لها ذلك العالم الدين الإسلاميّ بصورة مفصّلة ، وأزال جميع الشبهات التي كانت عالقة بذهنها، فأعلنت "رناته" استبصارها بعد ذلك ، وتوجّهت لتغيير سلوكها وتصرّفاتها وفق ما يرضي الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام).
ولدت في ألمانيا ، ونشأت في عائلة مسيحيّة ، ثمّ نالت شهادة البكالوريوس في الآداب.
بداية رحلتها العقائديّة:
بدأت رحلة "روزمارى" في الصعيد العقائدي من الشكّ بمعتقداتها الموروثة ، ثمّ تبلور هذا الشكّ عندها من خلال لقائها بأحد علماء مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حيث بيّن لها الثغرات الموجودة في الديانة المسيحيّة، والانحرافات الموجودة في التيّار العلمانيّ السائد في الغرب.
ومن هذا المنطلق اندفعت "روزمارى" إلى البحث من أجل الوصول إلى الحقيقة ، فبدأت دراسة أصول ومبادىء الديانة المسيحيّة ، ولكنّها سرعان ما وجدت هذه الديانة غير قادرة على أن تقدّم منهج كامل للحياة ، فتوجّهت نحو دراسة الدين الإسلامي.
يسر وكمال الشريعة المحمّدية:
إنّ أوّل ما لفت انتباه "روزمارى" خلال دراستها للدين الإسلاميّ أنّه دين ذو شريعة ميسّرة لا عسر فيها ، وقد قال تعالى في محكم كتابه: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ
الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}(1).
كما أنّ هذه الشريعة على الرغم من يسرها فإنّها أكمل الشرائع ، ويتبيّن كمال هذه الشريعة في أنّها غير محدودة بمجموعة خاصّة أو زمان محدود أو مكان معيّن ، بل هي لجميع الناس ، وهي صالحة لكلّ زمان وكلّ مكان ، وهي تتناول جميع أطراف حياة الإنسان، وكلّ جوانب نشاطها ، وتقدّم للإنسان المبادىء الكليّة والقواعد الأساسيّة بحيث يجعلها صالحة لتلبية طلبات البشريّة على مرّ العصور.
فوائد الحجاب:
تبلورت بمرور الزمان قناعة "روزمارى" بأحقّيّة الدين الإسلاميّ ، ولكنّها كانت تستصعب ارتداء الحجاب الإسلاميّ ; لأنّها كانت تجهل حكمة هذا الأمر ، ولكنّها بعد البحث عرفت أنّ الإسلام حرص على أن يحوط المسلم بمناعة تحفظ له كرامته وإنسانيّته ، وما الحجاب إلاّ مناعة تصون المرأة من هتك حرمتها، أو إهانة عرضها، أو استباحة شرفها ، لأنّ الغريزة الجنسيّة غريزة جامحة لا يمكن كبتها، أو عدم الاستجابة لها ، كما أنّ إطلاق العنان لها من دون تنظيم يدفع الإنسان إلى أدنى مستويات الحيوانيّة.
ولهذا شرّع الإسلام مجموعة قوانين ليهذّب هذه الغريزة ، فشرّع الزواج كما أنّه فرض على المرأة ستر محاسنها ; لئلاّ يثير هذا الأمر هذه الغريزة فيدفعها إلى الطغيان، والخروج عن الحدّ.
ومن هذا المنطلق استقبلت "روزمارى" الدين الإسلاميّ برحابة صدر ، فأعلنت إسلامها ، ثمّ حاولت قدر إمكانها أن تلتزم بجميع تعاليمه التي جاءت لإنقاذ البشريّة من الضلال والانحراف.
1) البقرة {2} : 185.
ولدت في ألمانيا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ أكملت الدراسة الجامعية.
سفرها إلى إيران:
صادف لـ"سيلفيا" أن تسافر إلى إيران ، فواجهت في إيران معتقدات وأفكار لم تسمع بها من قبل ، فدفعها حبّ الاستطلاع إلى التعرّف على هذا الدين ، فزارت أحد علماء الشيعة وطلبت منه أن يبيّن لها أصول الإسلام.
فرحّب بها ذلك العالم وبيّن لها بأسلوب مبسّط أصول ومعتقدات الدين الإسلاميّ ، مع ذكر الأدلّة والحجج والبراهين التي تعتمد عليها تلك المعتقدات.
كما قدّم العالم لـ"سيلفيا" مجموعة كتب لتتعرّف من خلالها على الدين الإسلاميّ.
ميراث المرأة في الإسلام:
إنّ من الأمور التي يحاول أعداء الإسلام جعلها مستمسكاً ضدّ الإسلام هي مسألة جعل الإسلام ميراث المرأة نصف ميراث الرجل ، فحاول المستشرقون واتباعهم أن يصوّروا الإسلام بأنّه ظلم المرأة واستهان بها ، حيث جعل ميراثها أقلّ من ميراث الرجل.
ولكنّ الواقع يكشف أنّ الإسلام لم يجعل ميراث المرأة نصف ميراث الرجل كقاعدة عامّة في الميراث ، بل لا تنطبق هذه الحالة إلاّ في بعض الموارد.
فالمرأة قد يكون ميراثها نصف حصّة الرجل ، كما قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}(1).
وتأخذ المرأة أحياناً أخرى حصّة مساوية لما يأخذ الرجل ، كما قال تعالى: {وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ}(2)ففي هذه الآية قال تعالى: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ} فتكون حصّة الأب كرجل مساوية لحصة الأم كامرأة، ويعطى لكلّ واحد منهما السدس.
وقد تكون حصّة المرأة في الميراث أكثر من الرجل ، كما لو توفّي شخص وترك بنتاً وأحد أبويه ، فعندئذ يأخذ أحد الأبوين الربع، وتأخذ البنت الثلاثة أرباع الباقية(3)ففي هذه الحالة تكون حصّة البنت كإمرأة ثلاثة أرباع الميراث ، وتكون حصّة جدّها كرجل ربع الميراث.
ومن هنا يتبيّن للباحث أنه كما قد أنقص ميراث المرأة في بعض الأحيان فقد زاده في أحيان أخرى ، وهذا مايدلّ على أنّ ملاك توزيع الميراث في الإسلام ليس لكون هذه امرأة وهذا رجل ، بل الملاك والميزان يعود لاعتبارات تخصّ الميراث والتوزيع والعدالة الاجتماعية ، ودرجة القربى وعدد الورثة و...
استبصارها:
إنّ البحوث التي أجرتها "سيلفيا" خلال دراستها للإسلام ، بيّنت لها بأنّ الإسلام دين كامل، وهو أرفع شأناً من أن يهتزّ بشبهات أعدائه ، وأنّه ذو منهج
كامل للحياة ، فلهذا لم تتردّد في اعتناق هذا الدين ، فأعلنت استبصارها على يد ذلك العالم الشيعيّ ، وبدأت صفحة جديدة من حياتها في رحاب التعاليم السماويّة التي جاء بها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ حافظ عليها أهل البيت(عليهم السلام) وأوصلوها إلى البشريّة من دون أن يمسّها أيّ تلاعب أو تحريف.
ولدت في ألمانيا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة .
تخلّت عن انتمائها العقائديّ الموروث ، واعتنقت الدين الإسلامي في أواخر الخمسينات من القرن الميلادي الماضي بعد معاناة فكريّة طويلة.
انجذابها إلى الدين الإسلاميّ:
تقول "فاطمة هيرين": لم أجد لذة الإيمان عندما كنت أؤدّي الطقوس الدينيّة في الكنيسة ، لكن ومنذ اعتناقي للإسلام شعرت بأنّ تعاليمه الدينيّة ، ولا سيّما الصلاة تخلق علاقة قويّة بيني وبين الخالق العظيم ، وهذا ممّا جعلني أشعر باطمئنان نفسي كما كان منطق الإسلام الواضح مقابل التعصّب المسيحي فيما يخصّ التثليث مثلاً ونبوّة عيسى(عليه السلام)والخطيئة الأولى، هو الذي جذبني إلى هذا الدين.
كما أنّ الروعة العميقة في الآيات القرآنيّة الكريمة بعثت في أعماقي انتعاشاً روحيّاً دفعتني للصمود أمام جميع مصاعب هذه الحياة ; لأنّني شعرت بأنّ هذا الدين يمنحني القوّة ويأخذ بيدي إلى الحياة الطيّبة التي كنت أحلم بها فيما سبق .
تأثير الإسلام على شخصيّتها:
تقول "فاطمة هيرين": جعلني الإسلام ذات عقيدة ثابتة وراسخة بالله العظيم.
ومن هذا المنطلق أصبح لحياتي معناً ، فلم أعد أهتمّ بآراء زملائي في خطأ أو صواب آرائي ; لأنّ الذي كان يهمّني هو رضا الله سبحانه وتعالى فقط ; لأنّني كنت أعتقد بأنّه تعالى أفضل من يهدي إلى الطريق القويم والصراط المستقيم .
وكان أعظم ما حصلت عليه نتيجة الإيمان بالله عزّ وجلّ هو التواضع ، والذي لا أقول إنّني أستطيع التحلّي به دائماً ، ولكن برحمة الله وهدايته أجد الوسيلة بين الحين والآخر للتغلّب على التكبّر والزهو.
ومن هذا المنطلق أصبحت أتحمّل مرّ الحياة ; لأنّني أصبحت أعتبر الابتلاء أيضاً نعمة ; لأنّه يمحّص الإنسان ، ويمنحه الصمود أمام التيّارات المعاكسة التي تبتغي إيقاعه في مهاوى الضلال.
دور المرأة في الإسلام:
تقول "فاطمة هيرين" حول المرأة: جعلني الإسلام أشعر بالسعادة ، لأنّني عرفت دور المرأة في الحياة وعرفت أنّ من وظائفها رعاية حقوق زوجها وأسرتها ، كما لها دور مهمّ في المجتمع; لأنّها الجزء المتمّم للرجل ، وتؤدّي دورها في البيت، كما أنّ لها الحقّ في التعليم ، وخصوصاً تعلّم القرآن الكريم وتعليمه.
وتبيّنَ لي بأنّ المرأة المسلمة التي تلتزم بتعاليم القرآن هي عضواً نافعاً في المجتمع ، تؤدّي الواجبات الملقاة على عاتقها ، وترعى شؤون أسرتها بدون كلل أو ملل ، وهذه هي الروح الحقيقيّة التي يمكن للمرأة رؤيتها في حياة السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، والسيّدة خديجة(عليها السلام).
مشاكل المرأة المسلمة في المجتمع الأوربّي:
تقول "فاطمة هيرين" في هذا المجال: التزمت بواجباتي بعد اعتناقي للإسلام ، وأصررت على موقفي في الالتزام بمبادىء الإسلام ، وواصلت أداء الصلاة اليوميّة الواجبة ، وصوم شهر رمضان ، ولكنّني واجهت الصعوبة في كيفيّة توضيح الإسلام للآخرين، وخاصّة أنّني كنت حديثة العهد بالإسلام ، ولأنّ الأجواء التي كانت تحيطني كانت تقف أمام التزامي وتمسكي بتعاليم الإسلام ، فكان الأمر يتطلّب منّي معرفة حكمة الأحكام ومعرفة ما يمنحني الصمود أمام هذا التيّار المعاكس الذي يحاول ممانعة التزامي بالتعاليم التي يريدها الله منّي ولكنّني مع ذلك تمكّنت ـ بحمدالله ـ عن طريق رفع مستواي العلمي والتزامي بالأخلاق الإسلاميّة أن أجذب الكثير من الفتيات إلى البحث حول الإسلام ، كما كان ذلك يدفعهم إلى تصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة التي كانوا يحملونها عن الإسلام.
الصورة
ولد في ألمانيا الغربيّة ، ثمّ تجاوز المراحل الدراسيّة حتّى حصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة ، وكانت نشأة "كرامر" في رحاب أسرة مسيحيّة ، ولكنّه كان ثاقب البصر لا يتقبّل أية فكرة أو عقيدة إلاّ بعد الدراسة والتمعّن فيها.
فأمعن "كرامر" النظر في المسيحيّة فلم يجد فيها ما يروي تعطّشه الفكريّ إلى العقائد الحقّة.
الالتقاء بأحد علماء الشيعة:
التقى "كرامر" ذات يوم بأحد علماء الشيعة ، ودار بينهما حديث حول الأمور الدينيّة ، وكان "كرامر" يودّ الاطلاع على ما للإسلام من أثر على شخصيّة الإنسان ، فبيّن ذلك العالم العقائد الإسلاميّة لـ"كرامر" ، وذكر له بأنّ الإسلام يقدّم للأنسان دستور حياة بحيث تكون صفة الملتزم الحقيقي به كما يصفه الإمام علي(عليه السلام):
"فمن علامة أحدهم انّك ترى له قوّة في دين ، وحزماً في لين ، وإيماناً في يقين وحرصاً في علم ، وعلماً في حلم ، وقصداً في غنى، وخشوعاً في عبادة ،
وتجمّلاً(1)في فاقة ، وصبراً في شدّة ، وطلباً في حلال ، ونشاطاً في هدىً ، وتحرّجاً(2)عن طمع .
يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل ، يمسي وهمّه الشكر ، ويصبح وهمّه الذكر ، يبيت حذراً ويصبح فرحاً ، حذِراً لمّا حذّر من الغفلة ، وفرحاً بما أصاب من الفضل والرحمة .
إن استصعبت(3)عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحبّ . قرّة عينه فيما لا يزول ، وزهادته فيما لا يبقى ، يمزج الحلم بالعلم ، والقول بالعمل. تراه قريباً أمله ، قليلاً زلَله ، خاشعاً قلبه ، قانعة نفسه ، منزوراً(4)أكله ، سهلاً أمره ، حريزاً دينه(5)، ميّتةً شهوته ، مكظوماً غيظه .
الخير منه مأمول ، والشرّ منه مأمون ، إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين ، وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين ، يعفو عمّن ظلمه ، ويعطي من حرمه ، ويصل من قطعه ، بعيداً فحشه(6)، ليّناً قوله ، غائباً منكره ، حاضراً معروفه، مقبلاً خيره ، مدبراً شره .
في الزلازل(7)وقور(8)، وفي المكاره صبور ، وفي الرخاء شكور . لا يحيف على من يبغض ، ولا يأثم فيمن يحب. يعترف بالحقّ قبل أن يُشهد عليه ، لا يُضيع ما استُحفِظ ، ولا ينسى ما ذُكّر ، ولا ينابز بالألقاب(9)، ولا يُضارُّ بالجار ، ولا
1) التجمّل: التظاهر باليسر عند الفاقة أي الفقر.
2) التحرّج: عدّ الشيء حرجاً أي: إثماً ، أي: تباعداً عن الطمع.
3) استصعبت: لم تطاوعه.
4) منزوراً: قليلاً.
5) حريزاً: حصيناً.
6) الفحش: القبيح من القول.
7) في الزلازل: الشدائد المرعدة.
8) الوقور: الذي لا يضطرب.
9) لا ينابز بالألقاب: لا يدعو باللقب الذي يكره ويشمئزّ منه.
يشمَت بالمصائب ، ولا يدخل في الباطل ، ولا يخرج من الحقّ .
إن صمت لم يغمّه صمته ، وإن ضحك لم يعل صوته ، وإن بُغي عليه صبر حتّى يكون الله هو الذي ينتقم له . نفسه منه في عناء ، والناس منه في راحة ، أتعب نفسه لآخرته ، وأراح الناس من نفسه ، بعده عمّن تباعد عنه زهد ونزاهة ، ودنوّه ممّن دنا منه لين ورحمة . ليس تباعده بِكبر وعظمة ، ولا دنوّه بمكر وخديعة(1).
أثر ذلك اللقاء:
ترك اللقاء الذي التقى به "كرامر" مع ذلك العالم الشيعي تأثيراً بالغاً على نفسيّة "كرامر" ، واندفع إلى دارسة العقائد الإسلاميّة التي تمنح صاحبها الشخصيّة البديعة التي تجسّد جميع مضامين الخير.
ومن هذا المنطلق تبلورت القناعة في نفسيّة "كرامر" لاعتناق الدين الإسلاميّ ، فأعدّ نفسه لذلك ، ثمّ أعلن استبصاره، واعتناقه للإسلام وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
1) نهج البلاغة: الخطبة 193 ص411 ـ 413.
ولدت في مدينة "برلين" بألمانيا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، وبقيت على انتمائها الموروث حتّى التقت بمجموعة من المسلمين ، وتحاورت معهم حول بعض المبادىء الدينيّة والعقائديّة ، فازداد وعيها العقائديّ بحيث تمكّنت من عدم التأثّر بالشبهات التي يطرحها أعداء الإسلام ضد الشريعة المحمّديّة.
تعدّد الزوجات في الإسلام:
حاول بعض المستشرقين أن يشنّوا بأيّ وسيلة كانت حملة ظالمة على الإسلام لتشويه; صورته، وتضليل الرأي العام إزاءه من أجل الحيلولة بينه وبين الوصول إلى رؤية علميّة سليمة للإسلام.
وكان من جملة الشبهات التي ألقاها هؤلاء ضدّ الإسلام هي مسألة جواز تعدّد الزوجات في الإسلام ، وغفل هؤلاء عن أنّ الإسلام لم يشرّع هذا الحكم إلاّ ليعالج به مشكلة من مشاكل البشريّة ، وليقي بذلك الإنسان من اللجوء إلى الانحراف والشذوذ.
ولا يخفى أنّ عدد الإناث قد يفوق عدد الذكور في بعض الأزمنة ، كما حدث ذلك خلال الحروب والصراعات البشريّة ، من قبيل الحرب العالميّة الأولى
والثانية ، فقُتل الكثير من الرجال ، وهذا ما أدّى إلى إيجاد أعداد ضخمة من النساء يفوق عدد الرجال.
ومن جهة أخرى فقد يصاب عدداً من النساء بالعقم فلا يرغب بهنّ أحد ، أو تصاب بعض الزوجات بحالات مرضيّة تعيق الأزواج عن الممارسة والإشباع الغريزي ، كما قد تكون بعض النساء غير متكافئات من حيث الرغبات الجنسيّة مع أزواجهن.
فهذه الحالات وغيرها لا يمكن معالجتها إلاّ بتجويز تعدّد الزوجات ، لأنّ هذا الأمر يمثّل الحلّ السليم لمكافحة سقوط الرجال والنساء في الزنا والبغاء والكبت والحرمان.
ولهذا جوّز الإسلام تعدّد الزوجات ، فقال تعالى: {... فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا}(1).
كما قال تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً}(2).
ولا يخفى كما ورد في هاتين الآيتين أنّه تعالى يؤكّد على مراعاة العدالة بين الزوجات، وهذا مايدلّ على تكريم الإسلام للمرأة واهتمامه بها ، وأنّه لم يشرّع تعدّد الزوجات ليظلم بذلك المرأة بل شرّعه ليقي المجتمع من التحلّل والانهيار الأخلاقي.
اعتناقها للدين الإسلامي:
تمكّنت "كاترينا" من خلال بحثها ومطالعتها للكتب الإسلاميّة واستفسارها من علماء مذهب أهل البيت(عليهم السلام) أن تحلّ جميع الشبهات العالقة
بذهنها حول الإسلام ، ومن هذا المنطلق انجذبت نحو الإسلام حتّى أعلنت اعتناقها لهذا الدين الحنيف بعدما تبيّن لها من خلال الأدلّة والبراهين أنّه الدين الإلهيّ الذي أرسله البارىء عزّ وجلّ على رسوله محمّد بن عبدالله(صلى الله عليه وآله وسلم) لينقذ البشريّة من الضلال وليهديهم إلى سواء السبيل.
ولدت سنة 1968 م في مدينة "شتوتغارت" بألمانيا ، ونشأت في عائلة مسيحيّة كاثوليكيّة محافظة حيث كانت تؤدّي الطقوس الدينيّة نهار الأحد في الكنيسة ، وعملت لفترة قليلة مساعدة للكاهن في الكنيسة، ثمّ واصلت دراستها حتّى المرحلة الثانوية، ثمّ أسلمت بعد تعرّفها على زوجها اللبنانيّ.
أجرت مجلّة نور الإسلام التي تصدر في لبنان لقاءً صحفيّاً ، تحدّثت فيه عمّا شدّها إلى الإسلام ، حيث جاء فيه:
سؤال : مع اعتزازنا باللقاء مع أمثالك من الأخوات اللواتي استجبن لنداء الفطرة والحقّ ، نرجو أن تعرّفينا على نفسك وعلى ظروف نشأتك ومحيطك قبل اعتناقك الإسلام؟
جواب : إنّني أدعى "كاترين ماير هوفر" ولدت سنة 1968م ، ونشأت في بلدة "شتوتغارت" الصغيرة في ألمانيا ، حيث درست فيها حتّى المرحلة الثانويّة ، بعدها تعرّفت على زوجي اللبنانيّ ، وتمَّ زواجنا في ألمانيا.
بالنسبة لبيئتي ومحيطي العائلي ، فانّني نشأت في ظلّ عائلة مسيحيّة كاثوليكيّة محافظة نسبيّاً ، كنا نؤدّي الطقوس الدينيّة نهار الأحد في الكنيسة ، وقد كنت لفترة مساعدة للكاهن في الكنيسة ، وما زالت والدتي كذلك تؤدّي الصلاة
والتراتيل الدينيّة فيها. روابطنا العائليّة كانت جيّدة في حياة جدّي وجدّتي حيث كانت العائلة تلتقي عندهما ، أمّا بعد وفاتهما فقد تغيّر الوضع ، لأن الدافع لم يكن المحافظة على صلة الرحم، بل إرضاء الجدّين، وهذه مشكلة قائمة في المجتمعات الغربيّة عموماً ، حيث تقلّ الروابط الإنسانيّة والاجتماعيّة بين الأقارب بعد فقدان العامل الجامع لهم.
أمّا في المحيط العام فإنّ الدين له تأثير شكلي ومحدود في علاقات الناس ببعضهم ، وهو يكاد يكون ملغى في تقرير المسائل الاقتصاديّة والتربويّة ، بينما تلعب الروابط السياسيّة والقوميّة والعنصريّة الدور الأكبر في مسار المجتمع الألماني وغيره من المجتمعات الغربيّة.
سؤال : هل بإمكانك أن تشرحي لنا الدوافع المبدئيّة والمباشرة لاعتناقك الإسلام؟
جواب : نعم عندما بلغت سنّ الرابعة عشر لم أعد أشعر بالرغبة في الذهاب إلى الكنيسة ; لأنّني وجدت بعد التأمّل بأنّ ما يقوله الإنجيل المتداول بعيداً جدّاً عن الواقع ، ومن الصعب تطبيقه في حياتنا الحاضرة ، بعكس ما كان عليه الوضع في زمن المسيح(عليه السلام) .
ومن ثمّ بدأت أشعر بعدم وجود دور ملموس للدين وللكنيسة في حياة الجيل الحاضر ، فتخلّيت عن الذهاب إلى الكنيسة ، علماً بأنّه لم تكن لديّ بعد أدنى فكرة عن الدين الإسلامي ، وكانت الصدفة ـ وأنا في حالة الفراغ والتشكيك هذه ـ أن تعرّفت على زوجي الحالي الذي طلب منّي الزواج ، وأن يكون زواجنا وفق الشريعة الإسلاميّة.
وبالفعل ذهبنا إلى عالم دين مسلم ونطقت في البداية بشهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى يصبح الزواج شرعيّاً ، ولكن لم أشعر بأنّي أصبحت مسلمة حقيقيّة بمجرّد هذا القول.
ومن ثمّ أتيت مع زوجي إلى لبنان لزيارة عائلته ، ولفت نظري وجود محجّبات وسافرات في الوقت نفسه ، ولكنّ المحجّبات كنّ يلفتن نظري أكثر من السافرات، وشعرت بنداء فطري داخلي يقول لي إنَّ الحجاب أفضل من السفور ، فقرّرت بعد عودتي إلى ألمانيا ارتداء الحجاب بعد دراسة وتعمّق ومطالعة للعديد من الكتب الإسلاميّة ، وكنت أراقب عن كثب التصرّفات والعادات الإسلاميّة ، وأسأل عن الأحكام الشرعيّة ، وأكثر ما لفت نظري الصلاة ، فصمّمت أن أتعرّف إليها أكثر ، ولكنّني لم أرغب بمعرفة ذلك والبدء بها إكراماً لزوجي أو لعائلته ومحيطه، بل أردت الاطلاع الذاتي والاقتناع.
سؤال : هل تصفين لنا موقف ذويك من اعتناقك للإسلام ، وخاصّة بالنسبة لارتدائك الحجاب؟
جواب : كانت ردّة الفعل لدى الأهل قاسية جدّاً حتّى قبل أن أتحجّب ، وذلك لانّني بدأت أمتنع عن أكل اللحوم غير الشرعيّة ، وعن شرب الخمر في المناسبات العائليّة ، طبعاً كانوا لا يفهمون سبب هذا الامتناع ، وكانوا يعتبرونه إهانة لهم ، ولكنّني لم أتراجع عن قراري هذا ، وبعد مرور فترة من الزمن ، وبالتحديد بعد أن ارتديت الحجاب فعلاً كان ذلك بمثابة صدمة لوالدتي التي لم تقبل ذلك بأيّ وجه من الوجوه ، وهدّدتني بمنعي من الكلام معها إن لم أتراجع عمّا فعلت.
عشت صراعاً قويّاً وصعباً في الحقيقة بين اقتناعي بالدين والتزامي به وصراعي مع الأهل ، وبما أنّ إيماني كان مازال ضعيفاً ، فقد قرّرت عندها أن أتخلّى عن الحجاب دون أن أتخلّى عن أحكام الإسلام الأخرى كالصلاة والصوم وغيرهما.
النداء الداخلي بدوره لم يتخلّ عنّي ، وظلّ الشعور بالذنب وبالمعصية يلاحقني وبقي الصراع الداخلي عنيفاً والحافز الإيماني يحثّني على اتّخاذ الموقف الصعب بالإرادة الصلبة والقويّة ، إلى ان ، صادفت بعد مرور عام على تركي
الحجاب اثنتين من النساء الألمانيّات المسلمات اللواتي كنّ يرتدين الحجاب فأعجبتني كثيراً جرأتهن بالحجاب ، فتقويّت بهما ، وعادت الجرأة لي لأعود وأرتدي الحجاب مهما كان موقف والدتي التي ما إن علمت بذلك حتّى اضطرّت للخضوع للأمر الواقع ، ولكنّها حتّى الآن ـ بحكم تربيتها وتقاليدهاـ لا تستطيع الاقتناع بصحّة ما فعلته.
سؤال : كيف تلمسين أثر الإسلام على شخصيّتك؟
جواب : على الصعيد الشخصي طبعاً أشعر كثيراً بالراحة النفسيّة والاطمئنان ، وذلك لعدّة أسباب رئيسيّة أهمّها: معرفتي وإيماني بخالق هذه الكائنات، وثقتي به، وثقتي بأنّه الخير المطلق الذي أرسل لنا الرسل والأنبياء والكتاب التشريعيّ السماويّ; لهدايتنا والسبب الثاني هو أنّه أصبح هناك هدف أعيش وأموت من أجله ، دون أن أعيش للملذّات والدنيا شأن أكثر الغربيّين الذين يعيشون القلق الدائم في حياتهم.
سؤال : وعلى صعيد العلاقات الاجتماعيّة بين الناس؟
جواب : على صعيد العلاقات هناك أيضاً فارق كبير بين المسلمين وغيرهم ، فالمسلمون ـ الملتزمون طبعاً ـ أكثر انتباهاً وأكثر احتراماً لتعاملهم مع الآخرين ، إذ الإسلام يأمر بصلة الرحم، وصلة القرابة، وصلة الجوار ، وبالعلاقات الأخويّة والاجتماعيّة على قاعدة (إنّما المؤمنون أخوة) أو إنّهم كالجسد الواحد.
سؤال : على ضوء تجربتك في التعرّف على الإسلام هل تقترحين أساليب محدّدة للتبليغ والدعوة بين غير المسلمين وخاصّة في الغرب؟
جواب : من الأساليب التي أجدها جيّدة لنشر الإسلام هي: كتابة وترجمة الكتب الجيّدة ، وإصدار المجلاّت الداعية إلى ذلك ، ومحاولة نشرها لدى أكبر عدد ممكن بين الشعوب غير المسلمة التي لا تعرف شيئاً عن الإسلام سوى ما تنقله مشوّهاً وسائل الإعلام الغربيّة، وما تصفه به من التخلّف والإرهاب والتعصّب، وما
أراه الأفضل هنا هو الدعوة بالعمل والقدوة الحسنة ، حيث أغلب الناس يتطّلعون فيك إلى ما تفعل لا إلى ما تقول.
سؤال : هل إمكانيّات الدعوة إلى الإسلام متوفّرة في ألمانيا برأيك؟
جواب : إنّ الإمكانيّات للدعوة إلى الإسلام في ألمانيا كثيرة ، وذلك عبر الإعلام التلفزيونيّ والصحافيّ حيث الحرّيّة الإعلاميّة ، بالإضافة إلى إقامة الندوات والمعارض التي تبيّن التراث والعادات الإسلاميّة ، والتي أقيم بالفعل العديد منها في ألمانيا ، وعبر نشر الكتب والمجلاّت التي توضّح وتبيّن حقيقة الإسلام وأحكامه ومبادئه ومفاهيمه.
سؤال : كيف ترين وضع المسلمين العام بالمقارنة مع ماهو عليه الواقع الدولي؟
جواب : إنّ المسلمين كانوا وما يزالون يتعرّضون للضغط والاضطهاد الاقتصاديّ والاجتماعي والسياسيّ وذلك لمنع تطوّرهم ; لأنّ المجتمع العالمي بأكمله يعلم أهميّة هذا الدين وخطورة انتشاره نظراً لما يحويه من علم ومعرفة وقوّة وجهاد ، وإذا لم يقدّر المسلمون خطورة هذا الأمر ويتحرّكوا بنشاط وحيويّة; لرفعه نظريّاً وعمليّاً ، فإنّ الإسلام سيبقى بعيداً عن التأثير الفعّال على الشعوب الأوربيّة غير المسلمة.
سؤال : مقارنة مع ما عرفتيه عن مكانة المرأة في الإسلام كيف ترين وضع المرأة المسلمة اليوم؟
جواب : الدين الإسلاميّ لم يحرم المرأة من حقوقها في أن تثبت وجودها في المجتمع، وفي نطاق العمل والدراسة ، وقد استطاعت هذه المرأة أن تمارس حقوقها وأن تثبت صحّة وجودها كعضو فعّال ، وهي تستطيع التواجد في المجتمع وتفرض على الآخرين جميعاً ـ خصوصاً الرجال ـ احترامها وتقديرها والتعامل مع دورها وعملها بعيداً عن الجوانب الأخرى ، وذلك من خلال حجابها
وأخلاقيّاتها، ولكن هناك العديد من النساء اللواتي يعشن حسب التقاليد الاجتماعيّة، وليس حسب المبادىء الإسلاميّة، وهذا يحتاج إلى توعية أكثر للنساء المسلمات، وإلى المزيد من الثقافة الإسلاميّة لهن، وإنّني أقدّر عمل الأخوات اللواتي يقمن بعقد الندوات والمجالس الدينيّة; لتوعية النساء اللواتي أصبح همّهن مع الأسف تقليد النساء الغربيّات ولو كنّ منحرفات.
سؤال : هل لديك كلمة تريدين توجيهها عبر (نور الإسلام)؟
جواب : أحب أن أوجّه إلى جميع الأخوة المسلمين كلمة ونداء بأن يحبّوا بعضهم بعضاً ، ويتعاونوا ويتكاتفوا; لأنّ في ذلك قوّتهم وغلبتهم على أعدائهم ، وكلّما كانوا أقوياء كلّما شعر الغرب بالهيبة والاحترام والتقدير لهم ، وزالت النظرة الدونيّة التي ينظرون بها للمسلمين بسبب التشويهات التي ذكرتها ، وبسبب الإهمال والتقصير والنزاعات بين المسلمين(1).
1) مجلّة نور الإسلام: العددان (43 و 44) السنة الرابعة ـ لشهري رجب وشعبان ـ 1414 هـ ص 53.
ولدت في ألمانيا عام 1923 م ، ونشأت في أسرة محافظة تنتمي إلى الديانة المسيحيّة.
اتّساع آفاق رؤيتها للحياة:
تقول "كريستينا": كنت في المدرسة الثانويّة حينما بدأت الحرب العالميّة الثانية عام 1939 م ، وكان عمري آنذاك 16 سنة ، فكانت فترة، الحرب فترة عصيبة عشت فيها بأقسى الظروف وأتعس الأجواء.
ولكنّني بعد سنوات أدركت أن تلك الفترة المحرجة التي عشت فيها بين الخوف والأمل كان لها دور مؤثّر في تنمية قواي النفسيّة ونضج شخصيّتي ونموّ حالة الصمود والثبات ومواجهة الشدائد في نفسي ، وأدركت أنّ تلك الفترة تركت أثراً في اتّساع آفاق رؤيتي للحياة ، ومنها عرفت القيمة الحقيقيّة للأمور والأشياء ، وهذا ما دفعني لأن انطلق في الحياة مع مراعاة لكثير من القيم الإنسانيّة التي استوحيتها من سطور الحياة في تلك الفترة.
الاستقامة والثبات:
وبعدما انتهت الحرب وعادت المياه إلى مجاريها وذهب كلّ إلى مستقرّه
وهيمنت الغفلة على المجتمع وبدأت مظاهر اتّباع الأهواء تظهر على الساحة الاجتماعيّة اجتهّدت; لئلاّ يجرفني التيّار فيسلب منّي حالة اليقظة والانتباه والوعي والبصيرة.
فحاولت أن أوفّر لنفسي الأجواء المناسبة التي تضمن لي بقاء القيم والمبادىء الإنسانيّة التي كنت أعتقد بها، وحاولت أن اتجنّب وابتعد عن كلّ ما يقسي قلبي، ويحجب بصيرتي عن رؤية الحياة بنظرة واعية.
وكنت لا أرغب أن أعيش تافهة في الحياة، وأن لا يكون هدفي مقتصراً على اللذات الزائلة والمتع الفانية ، بل كنت أبحث عن القيم التي ترفع مستواي، وتمنحني الحرّيّة وعدم الأسر في قيود الشهوات والرذائل.
بحثي عن المبادىء:
وبهذه الرؤية اندفعت في حياتي باحثة عن المبادىء التي تأخذ بيدي إلى الكمال والتسامي، وبقيتْ هذه الفكرة معي طيلة حياتي.
وكان عملي هو التدريس في الثانويّة ، ثمّ صادف أن تعرّفت لأوّل مرّة على إمرأة مسلمة في بيت أحد زملائي في العمل ، فدار بيني وبينها حوار حول الأمور الفكريّة والثقافيّة ، ثمّ اشتدّت علاقتي بها ، وكنت أكنّ لها أعظم التقدير والاحترام; لأنّها كانت شخصيّة واعية ومتّزنة ، وكانت تتمتّع بثقافة كبيرة ، وهذا ما جعلني أن أتأسّى بها في تقاليدها وعاداتها.
مع القرآن الكريم:
وصادف ذات يوم أنّني وجدت في إحدى المحلاّت لبيع الكتب نسخة من القرآن معروضة للبيع ، فاشتريتها ، وكان هدفي هو أن أتعرّف على انتماء صديقتي المسلمة الجديدة; لأحيط علماً بمعتقدها وأفكارها الدينيّة التي صاغت شخصيّتها، ومنحتها الوقار والاتّزان والمتانة.
فلمّا قرأت القرآن وجدته كتاب هداية يلبّي الكثير من حاجات الإنسان الفطريّة ، وكنت أخشى أن أبدي أفكاري لأحد ، فكنت ألتجىء إلى الله تعالى ، وأبثّ إليه ما يختلج في صدري وكنت أدعوه ، وذات يوم نطقت بالشهادتين بيني وبين ربّي واعتنقت الدين الإسلاميّ وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) .
التزامي بالدين الإسلاميّ:
وبقيت على هذه الحالة لا أمتلك المحفّز لإنشاء تغيير جذري في واقعي الخارجي حتّى صادف أن التقيت بإحدى المسلمات ، وكان في خلال حديثها الديني معي عبارة هزّت كياني ومنحتني الشحنة الكافية لتغيير مساري في الحياة ، وكانت هذه العبارة هي أنّها قالت: "إنّ الله سبحانه وتعالى محيط بنا وبأعمالنا في جميع الأحوال ، وهو معنا أينما نكون ، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد" فقرّرت بعدها تغيير عملي ومعظم الأمور التي كنت أقوم بها من قبل ، واجتهدت; لأوفّر لنفسي أجواءً مناسبة تزدهر فيها الفضائل ويشعّ فيها الإيمان ، وأن اشكر الله الذي هداني للإسلام وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله.
ولد في مدينة "مولهايم" بألمانيا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة كانت تحفّزه على الابتعاد عن الدين ، وكانت تحاول عن طريق إلقاء الشبهات أن تبعده عن الاعتقاد بوجود الله تعالى!
زار "كلاس" إيران مع اثنين من أصدقائه أيّام دراسته الجامعيّة ، فالتقى في إيران بمجموعة من العلماء ، فوجد الفرصة مناسبة لطرح الشبهات الدينيّة العالقة بذهنه ، فطرح العديد من الأسئلة في جلسات لقائه بهؤلاء العلماء ، وتلقّى العديد من الأجوبة منهم ، ومن هنا اندفع "كلاس" إلى البحث حتّى أيقن بأحقيّة الدين الإسلامي وصحّة معتقداته ، فأعلن إسلامه ثمّ غيّر اسمه ، وسمّى نفسه "حسين" نتيجة تأثره بمظلوميّة الإمام الحسين(عليه السلام)في واقعة الطف.
حواره مع علماء الشيعة:
جاء في احدى حوارات "كلاس" مع أحد علماء الشيعة ما يلي:
"كلاس": هل يمكن رؤية الله؟ وهل له مكان؟ وعموماً من هو الله ، وكيف يمكن تصوّره؟
العالم: إن الاشياء تنقسم إلى قسمين ، منها اشياء مجرّدة وهي أشياء غير
محدودة بزمان أو مكان، بل لا زمان ولا مكان لها.
وفي المقابل توجد أشياء غير مجرّدة ، وتسمّى المادّة ، والمادّة يكون لها زمان ومكان وهي تتعرّض للتغيير والتبدّل وتسير نحو الزوال والنقصان.
والله سبحانه وتعالى ـ كما يحكم به الدليل العقلي ـ هو شيء مجرّد ، ولهذا لا يحيطه زمان ومكان ، وهو لا يتغيّر ولا يتّصف بالصفات المادّية ، ولهذا فهو لا يُرى بالعين ، وهذا ما صرّح به القرآن الكريم حيث ورد فيه حول الله تعالى: {لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ}(1).
تعريف الكنيسة لله تعالى:
"كلاس": ولكن ما قرأته في التوراة والإنجيل يخالف ما تقولونه عن الله ، والكنيسة تعرّف الله بأنّه موجود له جسم ويمكن رؤيته.
العالم: إن التوراة والإنجيل قد تلاعبت بهما أيدي التحريف ، ولهذا نسب فيه إلى الله تعالى ما يلزم أنّه موجود ضعيف له جسم كالإنسان، وله صفات مادّية ، وعلى سبيل المثال ورد في سفر التكوين ما يظهر منه كذب الله، وجهله ببعض الأمور واستخدامه لأساليب المكر والخداع ، وكونه كأفراد البشر.
وفي مكان آخر ورد: "وصارعه" ، "ورأى موسى الله" ، وهذا تعريف خاطىء لله تعالى ، وهو يخالف العقل والفطرة والوجدان ، وهو خلاف ما قال به المسيح بن مريم(عليها السلام) ، والتحريف الذي وقع في التوراة والإنجيل هو السبب الذي يدفعنا إلى عدم إمكانيّة الاعتماد عليهما.
"كلاس": أشكركم على ما تفضّلتم به في هذه المسألة ، وما ذكرتموه في الواقع كلام مقنع ومنسجم مع الموازين العقليّة.
1) الأنعام {6} : 103.
الصورة
ولدت في ألمانيا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ أكملت دراستها الجامعيّة حتّى حصلت على شهادة الماجستير.
دوافع اعتناقها للإسلام:
جرى ذات يوم بين "كرستينا" وبين أحد علماء الشيعة بحثاً دفعها بعد ذلك إلى دراسة الدين الإسلامي ، ثمّ اعتنقت "كرستينا" هذا الدين الحنيف ، لأنّها وجدته ديناً ينظر إلى الإنسان بأنّه موجود مكرّم يمتلك العوامل التي تؤهّله لنيل المراتب السامية ، حيث قال عنه تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً}(1)ولكن هذا الإنسان يمتلك القدرة بإذن الله على أن ينحط ويتسافل باختياره حتّى يصل إلى المرتبة الحيوانيّة ، كما قال تعالى: {.. أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ..}(2).
ولهذا فإنّ الله تعالى أرسل إلى البشريّة عن طريق خاتم رسله الشريعة الإسلاميّة; ليهتدي الإنسان فيها إلى مراتب الكمال ، ولينقذ نفسه من الانحطاط
والتسافل، كما أنّ هذا الإسلام راعى طاقة الإنسان وقدرته النفسيّة والبدنيّة ، فحاول أن لا يكلّف الإنسان ممّا يؤدّي إلى إرهاقه فقال تعالى: {لا يُكَلّفُ اللهُ نَفْسَاً إِلاّ وُسْعَهَا}(1).
وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "رفع عن أمّتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما اُكرهوا عليه، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون، وما اضطرّوا اليه ، والحسد ، والطيرة والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة"(2).
ومن جهة أخرى فإنّ الشريعة الإسلاميّة تعتبر الذنب الذي يصدر من الإنسان أمراً طارئاً ، بحيث يتمكّن الإنسان أن يستغفر ربّه بعد ارتكابه للخطيئة وأن ينهض من كبوته فيعود إلى الصراط المستقيم.
هنا تكمن القيمة التي يكنّها الإسلام للإنسان ، فهي لا تجعل الفرد تحت رحمة الشعور بخطيئة أصليّة مفروضة عليه كما تفعل النصرانيّة ، بل هي تحاول أن تنتشل الإنسان من وحل الخطيئة ، وأن تمنحه الشعور بالقدرة على الارتقاء.
وليس في الإسلام كرسيّ للاعتراف كما هو الحال في النصرانيّة ، بل ويسعى الإسلام إلى ستر عيوب الناس ومعاصيهم مهما أمكن ذلك.
ولهذا ورد أنّه أتى رجل إلى الإمام عليّ(عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمين، إنّي زنيت فطهّرني ، فاعرض أمير المؤمنين(عليه السلام) بوجهه عنه ، ثمّ قال له: إجلس ، فأقبل عليّ(عليه السلام) على القوم ، فقال: "أيعجز أحدكم إذا قارف هذه السيّئة أن يستر على نفسه كما ستر الله عليه؟"(3).
الصورة
ولد في ألمانيا ، ونشأ في أسرة تعتنق الديانة المسيحيّة ، ثمّ واصل دراسته حتّى حصل على شهادة البكالوريوس.
حرّيّة الإنسان:
صادف لـ"كلاوس" أن سافر إلى إيران ، فتفاجأ فيها نتيجة مواجهته لشخصيّات تمتلك إطار فكريّ يختلف عمّا هو عليه ، وينظرون إلى الحياة بصورة مغايرة للنظرة السائدة في بلده.
فاندفع "كلاوس" من منطلق حبّ الاستطلاع لمعرفة الإسلام الذي كان يرى بأنّه مخالف لحرّيّة الإنسان .
ومن خلال البحث تبيّن لـ"كلاوس" أنّ الإسلام يقدّم للإنسان شريعة متكاملة، وهي وإن كان فيها بعض المضايقات له ، ولكنّها تحرّره من الوقوع في أسر الشهوات، والانجراف مع الميول والأهواء وتمنحه عن طريق التزامه بها القوّة للصمود إزاء جميع التيارات التي تحاول أن تأخذ بيده إلى السوء والشرّ والانحراف.
ومن هنا عرف "كلاوس" أنّ الأمور العباديّة التي يفرضها الإسلام على
الإنسان ليست إلاّ وسيلة لتطهير النفس من الشوائب وتنقية القلب من الأدران.
وعرف "كلاوس" أنّ اتّباع الإنسان لميوله وشهواته يؤدّي إلى وقوع عقله في أسر الهوى ، ولهذا يتحتّم على كلّ فرد يهوى الحرّيّة أن يفهم معناها الحقيقي ; لئلاّ يؤدّي به الجهل إلى سحق إنسانيّته باسم الحرّية.
وتبيّن لـ"كلاوس" أنّ الحرّيّة في الإسلام هي حرّيّة العقل وانتصاره على هوى النفس ، والحرّيّة هي حرّيّة الإنسان من الوقوع في أسر العوامل التي تدفعه إلى الاهتمام باحتياجاته الماديّة فحسب.
والحرّيّة هي تحرّر عقل الإنسان من الأفكار الخاطئة، والعقائد المنحرفة والباطلة.
والحرّيّة تعني أن يتحرّر الإنسان من عبوديّة الهوى ، فيرقى إلى المستويات الرفيعة من الوعي بحيث يعيش حالة الاستقلاليّة في العقيدة، وأن لا يكون تبعاً للتقليد الأعمى في الصعيد العقائدي.
تحرير العقل من الضلال:
ومن هذا المنطلق اندفع "كلاوس" إلى البحث حول الإسلام ليجد فيه السبيل الذي يتمكّن أن يحرّر به نفسه وعقله وذاته من التيّارات المنحرفة ، وبمرور الزمان تمكّن "كلاوس" أن يشيّد لنفسه عقيدة مبتنية على الحجج والبراهين القاطعة ، فاختار بعد ذلك لنفسه الإسلام ديناً، ثمّ انتمى إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ولد في ألمانيا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، وبدأت رحلته العقائديّة من منطلق معرفة الله تعالى; لعدم اقتناعه بفكرة التثليث التي تعتقد بها الديانة المسيحيّة.
بطلان التثليث:
إنّ الإسلام يؤمن بوجود إله واحد أحد ، متفرّد في ذاته ، ليس كمثله شيء ، وهو الله الذي قال : {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ ثالِثُ ثَلاثَة وَما مِنْ إِله إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ * أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ}(1).
البحث عن التوحيد:
واصل "ليزلو فيدر" بحثه في التوحيد ، فأدرك أنّ التثليث الذي كان يعتقد به
1) المائدة {5} : 73 ـ 77.
يوجب سلب صفة واجب الوجود عن الله تعالى، ويوجب أن يكون الله تعالى محدوداً بحدود تميّزه عن الأقانيم الثلاثة ، وذلك يوجب أن يكون الله محدوداً بحدّ ، وكلّ محدود يلزم أن يكون له علّة قامت بتحديده ، ومن هذا المنطلق يخرج الله تعالى من مقام الألوهيّة ، فيكون محتاجاً إلى غيره والله منزّه عن الاحتياج.
ثمّ درس "ليزلو فيدر" التوحيد في الإسلام فعرف أنّ الله واحد في ذاته وصفاته.
توحيد الله في الصفات:
إنّ الله تعالى منزّه عن صفات النقص ، وينبغي نفي الصفات السلبيّة عنه تعالى ، لأنّه عزّ وجلّ لا يتّصف إلاّ بصفات الكمال.
وهذه الصفات منها صفات ذاتيّة بحيث لا يمكن سلبها عن الله تعالى في جميع الأحوال، وذلك من قبيل صفة: العلم والقدرة والحياة والأزلية و...
ومنها صفات فعليّة يمكن عدم اتّصاف الله تعالى بها ، لأنّها لا تطلق على الله تعالى إلاّ بعد أن يقوم الله بجملة من الأفعال ، ومن هذه الصفات: الخالقيّة والرازقيّة و..
كما أنّ لله تعالى أسماء حسنى ، وقد قال تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها}(1)وهذه الأسماء كلّها تشير إلى ذات واحدة وهي الله تعالى.
والأمر الجدير بالانتباه هو أنّ الصفات الذاتيّة التي يتّصف بها الله تعالى ليس لها حقيقة خارجة عن ذات الله ، بل هي عين ذات الله ، فصفات الله تعالى عين ذاته ، وليس الأمر كما يقول بعض أهل السنّة بأنّ صفات الله تعالى خارجة عن ذاته فاثبتوا القدماء الثمانية وهي ثمان صفات قديمة ، فأصبح اللّه تعالى عبارة عن
1) الاعراف {7} : 180.
ذات متركّبة من ثمان ذوات قديمة {سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ}(1).
ولم يترك "ليزلو فيدر" القول بالتثليث ليؤمن بوجود القدماء الثمانية ، فلهذا قرّر اعتناق الدين الإسلامي وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، ثمّ أعلن بعد ذلك استبصاره وتمسّكه بولاء عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
1) الصافّات {37} : 180.
الصورة
ولدت في ألمانيا ، ونشأت في أسرة تعتنق الديانة المسيحيّة ، ثمّ أكملت دراستها الجامعيّة ونالت شهادة الماجستير.
مكانة المرأة في الإسلام:
تعرّفت خلال زيارتها لإيران على مبادىء الدين الإسلامي ، وتبيّن لها خلال مقارنتها بين العالم الغربي الذي عاشته في ألمانيا والعالم الإسلامي الذي لمسته في إيران أنّ المرأة في الغرب تعيش الأزمة نتيجة وضعها في مواضع لا تناسبها ، والتي أخلّت بالمعادلة الإنسانيّة بين الرجل والمرأة ، فأصبحت المرأة تعاني من شقاء المجتمع نتيجة اعتبارها سلعة من سلع الحياة وأداة من أدوات المتع ، كما أنّها خدعت بالإعلام المسموم الذي شجّعها على الاستهتار والميوعة الماجنة والاختلاط بالرجال ، فأدّى إلى هدم أسرتها وضياع كرامتها في الحياة.
ولكنّ المرأة المسلمة التي تلتزم بتعاليم الشريعة ترفض التحلّل والجهل وتستنكر الخلاعة والتضليل وتقف بوجه العوامل التي توّد إيقاعها في الانهيارات الخُلقيّة ، وتتحلّى بالطهر والنزاهة والعفاف ، وهذا مايمنحها المكانة المرموقة في الوسط الاجتماعي.
ولم تحصل المرأة في الوسط الإسلاميّ على مكانتها الرفيعة إلاّ لأنّ الإسلام منحها حقوقها القانونيّة والمدنيّة وجعل لها قيمة ومكانة سامية.
وقال الله عزّ وجلّ في تكريمه للمرأة من مواقعها الاجتماعيّة كالزوجة والأم:
{وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لآيات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ}(1).
{وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}(2).
{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ..}(3).
{فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف}(4).
الإعجاب بمذهب التشيّع:
إنّ القيم الرفيعة التي وجدتها"ماريون فالنيس" في الإسلام دفعتها لتعيد النظر في معتقداتها الموروثة وإطارها الفكريّ الذي اقتبسته من العالم الغربي.
ومن هذا المنطلق توجّهت "ماريون" نحو البحث ، فقرأت القرآن الكريم ثمّ طالعت أحاديث أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فلم تر في الإسلام ما ينافي فطرتها وعقلها وضميرها ووجدانها ، ولذا لم تتردّد في اعتناق هذا الدين الحنيف.
ثمّ حاولت أن تهذّب نفسها وتطهّر عقلها عن طريق الالتزام بما ورد عن أهل البيت(عليهم السلام)من تعاليم دينيّة تنير القلب وتدفع الإنسان إلى تطهير ذاته من جميع الأدران والشوائب العالقة بها.
ولدت في ألمانيا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ أسلمت في أواخر التسعينات.
منطلق الاستبصار:
تقول "ماريون" حول استبصارها: وجدت النساء في مجتمعنا يعشن حالة الخواء الروحي، وتنصبّ معظم اهتماماتهنّ على الأشياء التافهة والزائلة والوهميّة، فلم يرق لي أن أكون من هذا القبيل ، فتوجّهت نحو البحث عن الرؤية الكونيّة التي تمنحني الاستقرار والثبات وتأخذ بيدي إلى نيل أعلى مراتب الدرجات السامية التي تليق بشأن الإنسان.
وبقيت "ماريون" على هذه الحالة حتّى التقت بمجموعة من النساء المسلمات ، فلاحظت في سيمائهنّ حالة الهدوء والطمأنينة والاستقرار ، فاندفعت لمعرفة الإطار الفكريّ الذي ينظرن من خلاله إلى الحياة.
التشريع في الإسلام:
تبيّن لـ"ماريون" من خلال البحث أنّ الإسلام ينطلق في تحديد نظرته الكونيّة من مبادىء وأسس عامّة تمثّل القاعدة التي منها تنطلق كلّ تشريعاته وتعاليمه وقوانينه.
ومن هذه المبادىء أنّ التشريع لله وحده ، وقد قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ}(1).
ولهذا فلا يستطيع أحد من الناس أن يشرع أو يقنّن في المجال الدينيّ ما لم يؤذن له بذلك من قبل الله تعالى ، ولهذا قال تعالى: {بَيِّنات قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْم عَظِيم}(2).
فدفع هذا الأمر "ماريون فرتل" إلى الوثوق بالإسلام ; لأنّها اطمأنّت بأنّ الإسلام لا يسمح لأحد أن يغيّر الشريعة المحمّدية ، وإن فعل أحد الأشخاص ذلك ، فإنّه قد فعل خلاف الإسلام ، ويتمكّن الباحث عن طريق البحث أن يكشف أمره لئلاّ يُنخدع به.
اعتناقها لمذهب التشيّع:
أعلنت "ماريون" إسلامها بعد أن أطمأنّت بأنّه المصدر الموثوق الذي يمكن عن طريقه أن يصل الإنسان إلى رضوان الله تعالى ، ثمّ واصلت بحثها في دائرة الإسلام لتحدّد المصدر الموثوق الذي يمكن الاطمئنان به عند تلقّي العلم ومعرفة ما جاء به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
فكشف لها البحث أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ترك بين أمّته الثقلين: كتاب الله تعالى وعترته أهل بيته(عليهم السلام) ليكونا المصدر الذي يقي الأمّة من الضلال بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
ولهذا تمسّكت "ماريون" بالثقلين ، وأعلنت استبصارها وولاءها لمذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ولد سنة 1958 م في ألمانيا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ أكمل الدراسة الجامعيّة ، وحصل على شهادة في الهندسة.
التوازن في الشريعة الإسلاميّة:
سافر المهندس "مانفرد" إلى إيران للعمل كمهندس في معمل لصناعة الورق في محافظة "مازندران" ، ومن هنا توفّرت لـ "مانفرد" الأجواء المناسبة لمعرفة الدين الإسلاميّ الذي كان يتعرّض إليه الغرب دوماً بالإساءة في إعلامه.
فأحبّ "مانفرد" أن يكشف بنفسه صحّة ما يقال عن الإسلام ، فبدأ في أوقات فراغه بمطالعة الكتب الإسلاميّة من أجل الإلمام بالشريعة المحمّدية.
وبمرور الزمان اكتشف "مانفرد" بأنّ الإسلام يمتاز عن باقي الأديان بامتيازات لا يمكن غضّ الطرف عنها ، فمن جملتها أنّ الإسلام راعى في تشريعاته جميع أبعاد الإنسان الماديّة والمعنويّة ، وراعى جميع جوانب الإنسان في تعامله ولم يهمل جانباً أو يهتمّ بجانب على حساب الجانب الآخر ، ومن هنا يؤدّي الالتزام بالإسلام إلى تحقّق التوازن في النفس الإنسانيّة ووحدة الاتجاه في النموّ والحركة الإنسانيّة.
وقد قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللّهُ الدّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}(1)ولهذا فانّ الإنسان يستطيع عن طريق اعتناق الدين الإسلاميّ أن يضمن لنفسه الرفاه المادّيّ في الدنيا والسعادة النفسيّة في الحياة ، إلى جانب ضمان الآخرة والسعادة الأبديّة في دار الخلود.
وهذا بعكس ما جاء في شريعة الديانة المسيحيّة المحرّفة حيث إنّها أهملت الجانب المادّيّ واهتمّت بالجانب المعنويّ وذلك بشكلها المحرّف فقط.
كما أنّ هذا بعكس التيّارات العلمانيّة التي أهتمّت بالجانب المادّيّ وأهملت الجانب المعنويّ بشكل كامل فدفعت الإنسان إلى معاناة الأزمة في جانبه الروحيّ.
التزامه بالشريعة الإسلاميّة:
إنّ هذه المقارنة في الصعيد الديني دفعت "مانفرد" إلى التقرّب للإسلام ، وبمرور الزمان أيضاً تعرّف "مانفرد" على حقائق كثيرة انكشف له من خلالها أحقيّة الدين الإسلاميّ ، فأعلن إسلامه، ثمّ غيّر اسمه إلى "علي".
ثمّ حاول "مانفرد" أن يلتزم بالشريعة الإسلاميّة ، ليحقّق في نفسه وعقله وروحه التوازن المفقود الذي كان بعيداً عنه طيلة حياته السابقة والتي كان يعيش فيها في إطار التقليد الأعمى للموروث الفكريّ.
1) القصص {28} : 77.
ولد في ألمانيا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ أكمل دراسته الجامعيّة ، وحصل على شهادة البكالوريوس في الزراعة ، ثمّ عمل في مجال تخصّصه.
نبذه للتعصّب:
كان "هارتموت" ممّن قد وطّن نفسه منذ الصغر على نبذ التعصّب وعدم فسح المجال لطغيان الجانب العاطفيّ على الجانب العقلي في ذاته، وهذا ما هيّأ له الأجواء المناسبة للانفتاح على باقي الأديان والمذاهب وقراءة أفكارها بتأمّل.
نداء القرآن لأهل الكتاب:
إنّ بداية تعرّف "هارتموت" على الإسلام كان نتيجة لقاء وقع بينه وبين أحد علماء الشيعة ، وكان ذلك هو المنطلق الذي دفعه للبحث حول الإسلام وقراءة القرآن الكريم.
قال اللّه سبحانه وتعالى في محكم كتابه: {قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَة سَواء بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ}(1).
1) آل عمران {3} : 64.
وهذه الآية صريحة في دعوتها إلى ترك العبادة لغير الله تعالى ; لأنّ العبادة لا تحقّ إلاّ له ، ولهذا ينبغي عدم منح عيسى(عليه السلام) منزلة الربوبيّة.
كما قال تعالى لأهل الكتاب: {يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ وَكَفى بِاللّهِ وَكِيلاً * لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ وَلاَ الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً}(1).
استبصاره:
تأثّر "هارتموت" بنداء القرآن لأهل الكتاب فدفعه ذلك ليجدّد النظر في عقائده الموروثة ، كما واصل "هارتموت" مطالعته للقرآن الكريم ، ولم تمض فترة حتّى أعلن إسلامه وانتماءه إلى الشريعة المحمّدية.
ثمّ واصل هارتموت مطالعاته للكتب الإسلاميّة حتّى تبيّن له بأنّ أهل البيت(عليهم السلام)هم الأسوة والقدوة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهم الذين يجب اتّباعهم والاقتداء بهديهم بعد رسول لله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلهذا سار "هارتموت" على خطى أهل البيت(عليهم السلام) ، وحاول أن يصون نفسه من الضلال عن طريق تمسّكه بالثقلين الذين أوصى بهما الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وهما كتاب الله وعترته أهل بيته(عليهم السلام).
1) النساء {4} : 171 ـ 173.
ولد في ألمانيا ، ونشأ في أسرة تعتنق الديانة المسيحيّة ، وبقي في دائرة المسيحيّة حتّى انفتح على الدين الإسلاميّ ، فتأثّر بالقرآن الكريم وبمضامينه العالية ، فأعلن استبصاره وانتماءه إلى الدين الإسلاميّ وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
المفاهيم الرفيعة في القرآن:
إنّ من أهمّ العوامل التي دفعت "اشميت" إلى اعتناق الدين الإسلاميّ هي المفاهيم الرفيعة التي وجدها في القرآن الكريم ، منها قوله تعالى:
{وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى}(1).
{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ}(2).
{لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها}(3).
{وَلا تَنابَزُوا بِالأَلْقابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمانِ}(4).
{وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً}(1).
{وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى}(2).
{بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ}(3).
{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَة يَتْبَعُها أَذىً}(4).
{يَمْحَقُ اللّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ}(5).
{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً}(6).
{مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها}(7).
{ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(8).
{ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ}(9).
{مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَساد فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً}(10).
وبصورة عامّة وجد "اشميت" في القرآن الكريم من ذخائر وخزائن العلم ما يفوق استعداد أذكى وأقوى رجال الفلاسفة ، وتبيّن له أنّ هذا القرآن لا يمكن أن يكون صادراً إلاّ من ساحة ربٍّ قدير يحيط علمه بما في السماوات والأرض.
تمسّكه بالقرآن الكريم:
وجد "اشميت" أنّ الآيات التي تأثّر بها تمثّل أصول دينيّة وأخلاقيّة وفلسفيّة تنظِّم سير علاقات الناس بينهم في جميع الأصعدة ، وأنّ التعاليم الأخلاقيّة التي جاء بها القرآن الكريم هي صفوة الآداب العالية وخلاصة المبادىء الخُلقيّة الكريمة، وهي أسمى بكثير من التعاليم الأخلاقيّة التي جاء بها الإنجيل.
فلهذا أعلن إسلامه واستبصاره ، ثمّ حاول أن يربّي أطفاله وفق التربية الإسلاميّة ، وأن يوفّر لهم الأجواء الإسلاميّة المناسبة; لئلاّ يجرفهم التيّار الغربيّ بمظاهره الخادعة وأساليبه الماكرة التي تحاول أن تكسب الإنسان إليها عن طريق إثارة الميول والأهواء والشهوات.
الصورة
ولد في ألمانيا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ أكمل دراسته الجامعيّة حتّى حصل على شهادة البكالوريوس في هندسة الطرق.
الثالوث الأقدس عند المسيحيّين:
تلقّى "هارولد" منذ صغره عقيدة الثالوث الأقدس من الأجواء التي ترعرع فيها ، وتمثّل هذه العقيدة الأساس الذي بُنيت عليه المسيحيّة ، ويبدأ كلّ مسيحيّ ملتزم عمله باسم "الأب والإبن وروح القدس" ، ولكنّه لم يتمكّن من فهمها ، وكان من حوله يبرّرون عدم الفهم لهذه المسألة; لارتباطها بالحقائق الإلهيّة ، ولهذا فهي بعيدة عن متناول عقل الإنسان ، وتبقى سرّاً غامضاً لكونها فوق الإدراك البشري!
فبقى "هارولد" على هذه العقيدة وهي الاعتقاد بإله واحد له ثلاثة أقانيم وهي "الأب والإبن وروح القدس".
وعندما ارتقى وعي "هارولد" حاول أن يعمّق بحثه فوجد أنّ كلمة "التثليث أو الثالوث" لم ترد في الكتاب المقدّس ، ويبدو أنّ أوّل من صاغها واستعملها هو "ترتوليان" في القرن الثاني للميلاد ، ثمّ وقع الخلاف بين علماء المسيحيّة حول قبول هذه الفكرة أو رفضها حتّى تغلّبت فكرة الثالوث سنة 320
ميلادي في اجتماع أكابر العلماء والأساقفة في "نيقية".
فوقع هذا التساؤل في ذهن "هارولد" بأنّ هذه العقيدة إذا كانت فوق الإدراك البشريّ فكيف توصّل إلى صحّتها علماء المسيحيّة وهي لم تأت في الكتاب المقدّس؟!
وإنّ هذه العقيدة إنّما يمكن القول بأنّها فوق ادراك البشر فيما لو كانت مطروحة من قبل المسيح ، ولكن الواقع يكشف أنّها استنباط بشريّ وتحليل توصّل إليه العلماء بفكرهم ، فكيف يصل العلماء إلى شيء هو فوق إدراك البشر.
وإذا كان السبب في إعطاء المسيح صفة الألوهيّة لوصفه في الكتاب المقدّس بابن الله ، فإنّ المسيح كشف السرّ واستخدم كلمة أبناء الله في حقّ المؤمنين ، وأفهم جماعته بأنّ الله تعالى أب لجميع المؤمنين والأبرار والصالحين ، وهو الأب العطوف بأبنائه وخلقه(1).
وبمرور الزمان انكشفت الحقيقة لـ"هارولد" ، وعرف الخطأ الموجود في عقيدة التثليث، ولكنّه بقي متحيّراً في أمره حتّى التقى بأحد علماء الشيعة ، فدار بينهما حديث حول التوحيد فبيّن له ذلك العالم العقيدة الإسلاميّة حول التوحيد ، فوجدها "هارولد" أنّها عقيدة إلهيّة بعيدة عن استنتاجات البشر ، فلم يتردّد في التخلّي عن معتقداته السابقة ، ثمّ توجّه إلى اعتناق الإسلام ، ثمّ تعرّف على حجج الله الأئمّة(عليهم السلام) فآمن بمكانتهم التي جعلها الله تعالى لهم ثمّ تمسّك بولائهم، وأعلن استبصاره، ثمّ سمّى نفسه "حسين" نتيجة تأثّره بالإمام الحسين(عليه السلام)، وما قدّم من تضحيات في سبيل إعلاء كلمة الحقّ، ومواجهة تحريفات الطغاة لدين الله تعالى .
1) انظر: إنجيل متى 5: 9 ، و5: 16 ، و5:45 ، إنجيل مرقس: 11:25 ـ 26.
ولد في ألمانيا ، ونشأ في أسرة تعتنق الديانة المسيحيّة ، واصل دراسته الأكاديميّة ، ثمّ عمل متخصّصاً في الحقل الصناعي.
بداية طريق الهداية:
التقى "هانس فاليتر" من خلال سفرة له إلى إيران بأحد علماء الشيعة ، فجرى بينهما حوار هادىء حول المقارنة بين الدين الإسلاميّ والدين المسيحيّ ، فكانت النتيجة اقتناع "هانس" بأحقّيّة الإسلام، وكمال الشريعة المحمّديّة، وعدم وجود أيّ نقص فيها ، فلهذا قرّر الانتماء إلى الدين الإسلاميّ.
أصول الحوار بين مختلفي العقيدة:
إنّ من أهمّ أسباب نجاح الحوار الذي جرى بين "هانس" العالم الشيعيّ ، هو أنّ ذلك العالم كان واعياً بالأسلوب الصحيح الذي ينبغي أن يتّجه الإنسان في حواره مع الطرف الآخر.
والحوار الفاشل هو الحوار الذي يتمّ فيه التركيز بين المسلم والمسيحيّ على الجانب العقائديّ فقط من دون الاهتمام بالجانب الأخلاقيّ والجانب الأيديولوجيّ، أو الأسس والأصول المشتركة، أو القيم الفرديّة والاجتماعيّة التي
يؤمن بها الطرفان ، وهذا الحوار لا شكّ سيكون جافّاً وليس فيه أيّ مجال للانجذاب نحو الآخر.
والأمر المطلوب في الحوار هو أن لا يدخل الفرد فيه وكأنّه يدخل ساحة معركة ليحسم الموقف لنفسه ، وأن لا يواجه المقابل وكأنّه خصم لا بدّ أن يقضي عليه ، فيقول له أنا على الحقّ وانت على الباطل ويجب عليك أن تترك ما أنت عليه وتتّبع ما أنا عليه!
إنّ اتّباع هذا الأسلوب يؤدّي إلى اشمئزاز ونفور الآخر ممّن جاء للحوار معه ، ولهذا ينبغي أن يدخل الإنسان في ساحة الحوار مع الآخر بروح حذف المسبقات الذهنيّة كلّها ، وهذا هو المنهج الذي دعا إليه القرآن الكريم ، فقال تعالى لرسوله أن يحاور المشركين بهذه الروح وأن يقول لهم {وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلال}(1)ومعنى الآية: قد تكون أنت على الحقّ وأنا على الباطل ، وقد أكون أنا على الحقّ وأنت على الباطل ، وقد يكون لدى كلّ واحد منّا جزءاً من الحقيقة ، فنتمكّن عن طريق الحوار أن نصل إلى الحقيقة الكاملة.
إنّ العالم الشيعيّ الذي تحاور مع "هانس" كان قد تحاور معه على ضوء هذه الطريقة ، كما أنّه لم يطلب في بداية الأمر من "هانس" انّ يتخلّى عن مبادئه ، بل استرسل معه في الحوار بصورة عفويّة ، ولهذا أنتج الحوار ثمرته المطلوبة ، ففتح هذا الحوار آفاقاً ذهنيّة لـ "هانس" على حقائق لم يحط بها علماً من قبل ، وهذا ما دفعه إلى تغيير معتقداته السابقة.
ومن هذا المنطلق أعلن "هانس" استبصاره ، وتوجّه بعد ذلك إلى قراءة أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)، لينير بها قلبه وليطهّر بها الأدران التي كانت عالقة بعقله نتيجة بقائه طيلة الفترة السابقة في الظلمات.
1) سبأ {34} : 24.
الصورة
ولد في ألمانيا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصل على شهادة البكالوريوس في التجارة ، ثمّ سافر إلى الشرق الأوسط وزار إيران والتقى فيها بمجموعة من العلماء ، وتحاور معهم حول بعض القضايا العقائديّة ، ومن هنا اندفع نحو البحث حتّى توصّل في نهاية المطاف إلى أحقّيّة الدين الإسلاميّ ، فأعلن إسلامه ثم التحق بركب أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
أسباب التخلّف في العالم الإسلامي:
إنّ من الأمور التي دفعت "هانس" إلى الاستغراب هي مسألة التخلّف المهيمن على العالم الإسلاميّ رغم امتلاكه العقائد الحقّة والدين الحنيف، فدفعه هذا الأمر إلى البحث ، ومن خلال البحث تبيّن له بأنّ العيب ليس في الإسلام، بل هو في المسلمين ، ولهذا لا ينبغي نسبة هذا التخلّف إلى الإسلام ; لأنّ سببه الأساسي هو عدم التزام المسلمين بالإسلام.
ومن خلال البحث عرف "هانس" أنّ أبرز المشاكل والعقبات التي تعيق نموّ وانتشار الفكر الإسلاميّ الصحيح في العالم الإسلاميّ اليوم هي مشكلة الإرهاب الفكريّ الذي تمارسه بعض الحكومات المستبدّة المهيمنة على دفّة
الحكم في الدول الإسلاميّة ، وقد واجهت هذه الدول الجائرة العلماء والمفكّرين والمثقّفين الإسلاميّين ودعاة الإسلام، وحاولت محاربتهم عن طريق السجن والقتل والتشريد والإعاقة....
ومن جهة أخرى ابتلي المسلمون بتيّارات ساذجة حاولت عرض الإسلام بشكل مزيّف، فطرحت أفكار ونظريّات غريبة على روح الإسلام، وحاولت دمجها بالأصول الإسلاميّة وتلبيسها بلباس إسلامي مزيّف، وقد دعمت السلطات الجائرة والقوى العالميّة المستكبرة هذه التيّارات من أجل حماية مصالحها ووصولها إلى مآربها السياسيّة.
ومن جهة أخرى فإنّ العالم الإسلامي يعاني في يومنا هذا من الفراغ الفكريّ والتوقّف عن الإبداع والانتاج الفكريّ الذي يسدّ الحاجات المعاصرة للفكر الإنسانيّ ويصدّ التيّارات الفكريّة الماديّة التي غزت البلدان الإسلاميّة.
وبقي العالم الإسلامي للأسف مقتصراً في دراساته الفلسفيّة والكلاميّة واللغويّة والفقهيّة والأصوليّة على شكلها التقليديّ دون أن ينظر إلى ما استجدّ من حاجات جديدة للفكر والثقافة والحياة العلمية.
ومن جهة أخرى ساهمت الأنظمة العميلة في البلاد الإسلاميّة في إشاعة الفكر المنحرف والثقافة المنحلّة، والحضارة المادّيّة الجاهليّة، والنظريّات المعاكسة للاتّجاه الإسلاميّ ، فترك هذا الأمر الآثار السلبيّة في الصعيد الفرديّ والاجتماعي، وأدّى إلى التخلّف في العالم الإسلاميّ.
النظرة الواعية للإسلام والمسلمين:
أدرك "هانس" خلال دراسته للدين الإسلاميّ، ولقائه بالمسلمين أنّ الإسلام شيء والمسلمين شيء آخر ، وينبغي عدم الخلط فيما بينهما ، وأدرك بأنّ الكثير من المسلمين لا يمثّلون الإسلام ; لأنّهم لا يلتزمون بالتعاليم الإسلاميّة ، ولهذا لم يكن اعتناقه للإسلام من جهة الاقتداء بالمسلمين، بل لأنّ الإسلام يمتلك
الأدلّة والحجج والبراهين العقليّة والمنطقيّة والنقليّة الصحيحة التي تثبت صحّته، وهو يطلب من المسلمين الالتزام بدينهم الحنيف، ويرجو منهم أن يكونوا زيناً للإسلام، ولا يكونوا له شيناً، وأن لا يشوّهوا سمعة الإسلام ببعض تصرّفاتهم البعيدة عن القيم الإسلاميّة.
ولد في "ألمانيا" ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، وبقي منتمياً لعقائده الموروثة حتّى التقى ببعض علماء مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، فجرى بينه وبينهم مجموعة حوارات دفعته إلى غربلة موروثاته العقائديّة ، وحفّزته على البحث لأجل التحرّر من التقليد الأعمى.
ممّيزات الرسالة الإسلاميّة:
وجد "هايكو هوفمان" خلال دراسته للإسلام بأنّ هذا الدين دين عمل ومنهج حياة يستهدف إيصال البشريّة إلى السعادة والفلاح ، وهو رسالة واقعية بعيدة عن التزمّت والتصوّر اللامعقول، وهي تتضمّن مباديء منسجمة مع الفطرة البشريّة، وبنية الإنسان الجسميّة والعقليّة والنفسيّة.
وهي تستهدف إيصال الإنسان إلى الكمال اللائق بإنسانيّته، والمحقّق لخيره وصالحه في الدنيا والآخرة.
كما وجد "هايكو هوفمان" بأنّ الإسلام يحاول عن طريق منهجه الإلهيّ المتكامل أن يقوم بتنقية الضمير الإنساني وإصلاح المجتمع البشريّ والسموّ بروح الإنسان وعقله ونفسه نحو خالقه.
ومن المميّزات الأخرى للرسالة الإسلاميّة الاعتدال والموازنة بين الدنيا والآخرة ، وقد قال تعالى:
{وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللّهُ الدّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ}(1).
وقال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ}(2).
وقال تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي}(3).
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): "لأبدانكم حقّ عليكم".
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): "إنّ الله جميل يحبّ الجمال ، ويحبّ أن يرى أثر النعمة على عبده"(4).
إذن فالإسلام في الوقت الذي دعا فيه إلى العبادة والتقوى والاهتمام بعالم الآخرة دعا فيه إلى الاهتمام بالحياة الدنيا ، فربط بين الدنيا والآخرة ولم يفصل بينهما... ولهذا قال الإمام الصادق(عليه السلام): "ليس منّا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه"(5).
الإعجاب بالدين الإسلاميّ:
إنّ هذه المميّزات وغيرها دفعت "هايكو هوفمان" إلى الإعجاب بالإسلام ،
ومن هذا الإعجاب تعزّزت علاقته بالإسلام واشتدّت أواصرها ودفعته إلى المزيد من البحث حتّى اقتنع بأصول ومبادىء هذا الدين الحنيف ، ثمّ أعلن استبصاره.
ثمّ توجّه "هايكو هوفمان" بعد ذلك إلى نشر المعارف الإسلاميّة ، فتصدّى لإدارة المركز الإسلامي في مدينة "شفربي" ، وتوجّه نحو إعلاء كلمة الحقّ بقدر وسعه في أرجاء المناطق التي يتمكّن من إيصال نداء الحقّ إليها.
الصورة
ولد في ألمانيا ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ درس حتّى حصل على شهادة الدبلوم.
ما قبل الإستبصار:
يقول "هرمان شاره": عشت فترة طويلة من عمري في حالة إرباك وتزلزل في الصعيد العقائديّ ، لأنّني كنت أعاني من شبهات كثيرة تجاه الدين المسيحيّ، وتجاه الكنيسة، وكلّ الشعائر والطقوس الدينيّة التي تقام فيها.
فحاولت كثيراً أن أجد حلاّ للشبهات العالقة بذهني ، ولكنّني لم أجد في نهاية المطاف أيّ حلّ لها ، فكنت بعدها منتظراً لأمر يأتيني من الغيب ، فينتشلني من الضياع الذي كنت أعيش فيه ، وكنت أنتظر عوناً إلهيّاً يرشدني إلى الصواب.
السفر إلى إيران:
يقول "هرمان شاره": صادف لي أن سافرت إلى إيران ، وخلال سفري اختلطت بالشيعة وتعرّفت على الدين الإسلاميّ ، فاندفعت إلى مطالعة بعض الكتب الإسلاميّة والإصغاء إلى وعظ علماء الشيعة حتّى تبيّن لي بأنّ الإسلام دين إلهيّ أرسله الله تعالى بواسطة خاتم رسله محمّد(صلى الله عليه وآله).
ويضيف "هرمان": إنّ أكثر ما أعجبني في الإسلام هو المنهج العباديّ الذي
يقدّمه لمنتميه، وكان منهجه خلاف منهج المسيحيّين ، حيث إنّهم يغرقون في الأمور الماديّة طيلة أيّام الأسبوع من دون أن يكون لهم صلة بخالقهم ، ثمّ لمّا يأتي يوم الأحد يذهبون إلى الكنيسة لمدّة ساعتين فقط ، ولكنّني وجدت الإسلام يربط معتنقيه بالله تعالى بشكل دائم ، فهو يدعو المسلم إلى أداء الصلاة خمس مرات في اليوم ، فتكون كلّ واحدة من هذه الصلوات بمثابة التطهير للنفوس والقلوب من الأدران العالقة بها.
كما أنّ القرآن الذي جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله) من قبل الله تعالى هو كتاب هداية، ومنهج حياة، وقد أكّد البارىء عزّ وجلّ على قراءة مقدار ما يتيسّر للإنسان ; ليعيش الإنسان في ظلال أجواء تربطه بالله تعالى ، وليكتشف من خلال التأمّل والتدبّر في معانيه خزائن القيم والفكر ، وليتمكّن عن طريق التمسّك بتعاليمه أن يهتدي إلى الصراط المستقيم ، وأن ينتشل نفسه من الانحدار في أودية التيه والضلال.
اعتناقه للإسلام:
اكتشف "هرمان شاره" في الإسلام معنى جديداً للحياة وقيماً معبّرة عن معنى الوجود ، ووجد فيه المنهج الصحيح للحياة، والعلاقة التي ينبغي أن تكون في الإنسان الكامل.
ووجد فيه القيم والمثل العليا التي ترفع وعي الإنسان وتهذّب سلوكه ونوازعه، وتطهّر قلبه من الشوائب والأدران.
ولهذا أعلن "هرمان" اعتناقه للإسلام ، ثمّ التزم بأداء الصلاة في أوقاتها ، وكان أكثر ما يهمّه فيها التحلّي بالخشوع والطمأنينة والسكون أثناء الصلاة لتشرف نفسه من هذه الدنيا على عالم الغيب والنور والجلال ، وتتسامى في معراجها إلى عالم القدس والجمال ، وتشعر من أعماق ذاتها بلذّة القرب من الله تعالى.
الصورة
ولد سنة 1322 هـ في ألمانيا من أبوين مسيحيّين رومانيّين ، ودرس بضع سنين في المدارس الأكاديميّة ، ثمّ توجّه إلى الدراسات الخاصّة ، اعتنق الدين الإسلاميّ بمعية زوجته سنة 1348 هـ بعد أن أمضى أكثر من خمسة أعوام في البحث حول الأديان.
وهو من مؤسّسي الجمعيّة الإسلاميّة الألمانيّة في "برلين" ، التي تأسّست عام 1348 هـ ، ثمّ تلقّى على عاتقه مهمّة رئاسة جمعيّة "خاتم الأنبياء" ، ثمّ ترأس الجمعيّة الإسلاميّة في "هامبورغ" فترة (1996 ـ 1384هـ).
انتصب سنة 1371 هـ شيخاً وإماماً من قبل العلاّمة هبة الدين الشهرستاني.
غربلة الموروث العقائدي:
يقول "ويرنر الفريد": نتيجة تراكم التجارب التي تلقّيتها خلال حياتي ، نشأت في سريرتي مجموعة من المنبّهات أثارت مشاعري ، وكانت ثمرتها أنّني بدأت أعيش حالة اليقظة والوعي والبصيرة ، ثمّ بدأت بعد ذلك أمعن النظر في مايدور حولي وما أتلقّاه من أفكار ومفاهيم ، فلهذا اندفعت لغربلة خزين أفكاري، وتنقية ذهني من المفاهيم الخاطئة والعقائد الضالّة ، فبقيت أكثر من خمسة أعوام متوجّهاً إلى الدراسة والتنقيب حتّى اطّلعت على جملة من الأديان ، ثمّ بدأت أشعر
بالتدريج أنّني أبتعد عن الديانة المسيحيّة، وكان سبب ذلك أنّني حينما كنت منتمياً للمذهب الكاثوليكي كان لا يسمح لي العلماء بالمناقشة والسؤال عن القضايا التي يصعب علينا فهمها ، وكان يفرض علينا أن نؤمن بها وكفى ، فلهذا بدأت أنفر من المسيحيّة; لأنّها بدأت تتجلّى أمام ناظري بثوب الجمود والتخلّف.
أسباب اعتناقه للإسلام:
يقول "ويرنر الفريد" حول الأسباب التي دعته إلى اعتناق الإسلام:
قد سبق لي الاطلاع على ديانات مختلفة ، غير أنّني لم أستطع أن أجد فيها عظمة القرآن ولم أجد حكمة واسعة كحكمة القرآن المقدّس.
أمّا اعتناقي لمذهب الشيعة ، فهو لصفاء ونقاء تراثه من تدخّل بعض الأيادي التي حاولت تشويه الإسلام وصياغة مبادئه وفق ما يحقّق لها مصالحها ومآربها الدنيويّة ، كما دفعني حديث الثقلين إلى التمسّك بأهل البيت(عليهم السلام) إضافة إلى تمسّكي بالقرآن الكريم.
ويضيف "ويرنر الفريد":
وياترى هل من المعقول أن يسمح أحد لنفسه ترك عترة آل النبي(صلى الله عليه وآله) وقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال للإمام عليّ(عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}(1). "أنت يا علي وشيعتك"(2)وفي رواية أخرى زاد(صلى الله عليه وآله): لهم الفائزون يوم القيامة.
فياترى من هو الذي يشعر أنّه في غنى عن شفاعة عترة الرسول(صلى الله عليه وآله) يوم القيامة؟ فأمّا أنا فأطمع أن أكون أحد الذين ينالون شربة من ماء حوض الكوثر من يد عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)في عرصات يوم القيامة.
ولد في المانيا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، وبقى على انتمائه العقائديّ الموروث حتّى تعرّف على الإسلام ومذهب أهل البيت(عليهم السلام) عن طريق الإنترنيت ، فدفعه ذلك إلى البحث والمطالعة حول الإسلام ، ثمّ التقى بالعديد من المسلمين، ولا سيّما العلماء والمفكّرين حتّى تبيّنت له أحقيّة الإسلام ، فآمن بشريعة المصطفى(صلى الله عليه وآله)، وتمسّك بولاية أهل البيت(عليهم السلام) عن يقين ودراية.
الإنسان في الإسلام:
إنّ أهمّ ما لفت نظر "البروفسور باوز" في الإسلام هي مسألة حقوق الإنسان ، فلاحظ خلال مقارنته بين الإسلام وغيره بأنّ الكرامة الإنسانيّة في الأنظمة الوضعيّة محدودة في دائرة كون الإنسان موجود وكائن في هذه الحياة ، في حين أنّ الإسلام لا يحدّد الكرامة الإنسانيّة في هذا الإطار ، بل يرى للانسان قيمة في جميع أطوار ومراحل سيرة الإنسان في هذه الحياة.
ومن هذا المنطلق جعل الإسلام حقوقاً للعائلة بما تشمله حقوق الأبوين والأولاد والأقرباء في حين أنّ اللوائح الوضعيّة لحقوق البشر لم تهتمّ بهذا الجانب.
وقد قال تعالى: {وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً}(1). وقال تعالى حول الاهتمام بالأرحام والأقرباء: {وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالأَرْحامَ إِنَّ اللّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}(2).
وتتوسع دائرة هذا الحقّ لتشمل اليتامى والمساكين والجار وابن السبيل وأمثالهم ، فقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً}(3).
ومن جهة أخرى فإنّ الأطروحات الوضعيّة لا تنطلق في مقولاتها من مبدأ الخالق والمخلوق وما يترتّب عليه من أهداف وغايات لا تنحصر بعالم المادّة المحدود ولكنّ الإسلام يتجاوز البُعد المادّيّ للإنسان ويتّجه نحو البعد الكمالي وما يخصّ عالم الغيب الواسع.
ولهذا فإنّ حقوق الإنسان في اللوائح الوضعيّة تفقد الأساس الفطريّ والوجدانيّ في تشخيص حقيقة الإنسان ، ومعظمها قائمة على الظنّ والاحتمال ، وقد قال تعالى: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ}(4).
ولدت سنة 1977 م في الإمارات العربيّة المتّحدة ، ونشأت في أسرة مسلمة تنتمي إلى مذهب أهل السنّة ، ثمّ أكملت دراستها الجامعيّة ، وعملت موظّفة في إحدى الدوائر الحكوميّة.
كيفيّة تعرّفها على التشيّع:
تعرّفت "نوال" على أصول ومبادىء أهل البيت(عليهم السلام) عن طريق الإنترنت ، فكانت تصغي إلى الحوارات التي تجرى بين أهل السنّة وأتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ومن هذا المنطلق تعرّفت "نوال" على مكانة أهل البيت(عليهم السلام) وعظمة شأنهم وسموّ منزلتهم ، وتبيّن لها بأنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم الذين قال تعالى بحقّهم: {إنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرجْسَ أَهْلَ البيْتِ وَيُطَهّرَكُم تَطْهِيراً}(1).
وأهل البيت(عليهم السلام) هم الذين جعل الله تعالى محبّتهم ومودّتهم أجراً من الناس في قبال الجهود التي بذلها رسول الله في نشره للإسلام ، فقال تعالى: {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى}(2).
وأهل البيت(عليهم السلام) هم الذين قال تعالى عنهم: {فِي بُيُوت أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ * رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصارُ}(1).
وأهل البيت(عليهم السلام) هم الراسخون في العلم الذين قال عنهم تعالى فيما يخصّ تأويل القرآن: {وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}(2).
وأهل البيت(عليهم السلام) هم عدل القرآن وقد وردّ بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قام يوماً خطيباً بماء يدعى خمّاً بين مكّة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر ، ثمّ قال: "أمّا بعد ألا أيّها الناس ، إنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والفوز ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ، ثمّ قال: وأهل بيتي ، أذكّركم الله في أهل بيتي ، أذكّركم الله في أهل بيتي ، أذكّركم الله في أهل بيتي"(3).
محبتها لأهل البيت(عليهم السلام):
شعرت "نوال" ـ بعد تعرّفها على عظمة مكانة أهل البيت(عليهم السلام) بوقوع محبّتهم في قلبها ، ثمّ حفّزتها هذه المحبّة إلى المزيد من التعرّف على المنزلة التي خصّهم الله تعالى بها ، ثمّ دفعها ذلك إلى التعرّف على أصول ومبادىء مذهبهم ، ثمّ قامت بمقارنتها مع أصول ومبادىء مذهب أهل السنّة ، فتبيّن لها أنّ مذهب أهل السنّة عاش على مرّ العصور في أحضان الحكومات ، وقد حاولت هذه الحكومات أن تحرّف مبادئه بما يخدم مصالحها ، ولكن مذهب أهل البيت عاش الاستقلاليّة ولم يخضع لأيّ جهة حكوميّة ، وقد حفظ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)ما جاء به رسول الله(صلى الله عليه وآله)وبيّنوا للناس الفهم الصحيح للإسلام.
ومن هذا المنطلق أعلنت "نوال سالم" استبصارها والتحقت بركب أهل البيت(عليهم السلام)، ثمّ واصلت قراءتها للكتب الشيعيّة ومتابعة صفحاتهم على الإنترنت; لتتعرّف على المزيد من معارفهم الحقّة.
الصورة
ولدت في "أمريكا" ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، حاصلة على شهادة جامعيّة ، تعرّفت على الدين الإسلامي عند زيارتها لإيران ولقائها ببعض العلماء الدعاة إلى سبيل اللّه ، فبيّن لها هؤلاء العلماء جملة من الحقائق الدينيّة ، فكان ذلك سبباً دفع "أدنا" إلى البحث عن الحقيقة.
واصلت "أدنا" دراستها للإسلام وبحثها عن المبادىء الإسلاميّة خلال تواجدها في إيران ، واهتمّت كثيراً بقراءة الكتب الإسلاميّة حتّى تبلورت عندها القناعة الكاملة بأحقّية الإسلام.
عقبة أمام استبصارها:
إنّ من الموانع التي واجهت "أدنا" بعد اقتناعها الكامل بصحّة العقائد الإسلامية وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، أنّها شكّت في نفسها: هل أنّها قادرة على الالتزام بما أوجبه الإسلام والانتهاء عمّا نهى عنه؟
وكان هذا الأمر هو الذي يزلزل خطى "أدنا" في إعلانها للدخول في الدين الإسلامي ، لأنّها كانت معتادة فيما سبق أن تفعل ما تشاء من دون أيّ تقييد ، ومن دون مراقبة لنفسها ، أو بعبارة أصحّ أنّها كانت فيما سبق منجرفة مع المجتمع
الأمريكي وتعمل وفق ما تملي عليها الميول والأهواء والرغبات ، ولكنّها إذا قرّرت الدخول في الإسلام ، فإنّها لابدّ لها من الالتزام ببعض الأمور والسير خلاف التيّار الاجتماعي السائد في بعض الأحيان ، وهذا ما يتطلّب منها الصمود والثبات والاستقامة ، فكانت تفكّر "أدنا" هل هي قادرة على هذا الصمود ، وهل تمتلك المحفّز والدافع الذي يمنحها القوّة والاستقامة في هذا السبيل؟
لماذا حرّم الإسلام بعض الأمور؟:
أدركت "أدنا" خلال بحثها حول الدين الإسلاميّ بأنّ الإسلام لم يحرّم شيئاً اعتباطاً ، وإنّما حرّم على الإنسان ما من شأنه تلويث باطنه، وقتل ضميره ووجدانه الأخلاقي الذي يبدّل حياته إلى شقاء وتعاسة، ويحوّل سلوكه وتصرّفاته إلى خلُق حيواني وتصرّفات بعيدة عن الإنسانيّة.
ومن هذا المنطلق حرّم الإسلام التلبّس بالرذائل النفسيّة ، كالتكبّر والحقد واليأس وسوء الظنّ والحسد والحرص و...; ليحافظ على النفس الإنسانيّة من التلوّث بالأدران ، ويحميها من الرواسب المرضيّة ويطهّرها من كلّ دنس.
كما حرّم الإسلام كلّ الأمور التي تضرّ بصحّة الجسم... فحرّم شرب الخمر ، وممارسة الزنا ، وأكل لحم الكلب والخنزير وأكل الدمّ ، ليصون بذلك جسم الإنسان من الأمراض والضعف وانهيار القوى.
كما حرّم الإسلام كلّ ما يخلّ بالتوازن الاجتماعي وكلّ ما يلوّث الصعيد الاجتماعي ، ويحوّل الحياة الدنيا إلى جحيم، منها: الظلم ، الربا ، الاحتكار ، الغش ، السرقة ، الكذب ، الغيبة ، الرشوة وقتل النفس المحترمة وجميع الأمور التي تقود الإنسان إلى التحلّل والإنهيار الأخلاقي والفكري كالأفكار والصور والأفلام والثقافات الفاسدة.
استبصارها بعد ارتقاء وعيها الديني:
وجدت "أدنا" نفسها بموازات ارتقاء مستوى وعيها الديني وإلمامها بأسباب تحريم اللّه تعالى لبعض الأشياء ، أنّها تمتلك المحفّز للصمود إزاء جميع التيّارات المضادّة التي تقف بوجه استبصارها ، ولهذا واصلت دراستها وبحوثها للمزيد من التعرّف على المعارف الإسلاميّة ، وبمرور الزمان وجدت "أدنا" نفسها قادرة على إعلان استبصارها والالتزام الكامل بالتعاليم الإسلاميّة ، فأعلنت استبصارها ، ثمّ سمّت نفسها "فاطمة" ثمّ سارت بعد ذلك بثبات على صراط الحقّ والإيمان والتقوى.
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصل على شهادة مهندس ميكانيكي وعمل في هذا المجال.
لقائه بأحد علماء الشيعة:
وهو طريق الحقّ وهو دين الإسلام(1).
تعرّف "إدوارد جوزيف" على الإسلام من خلال لقائه بأحد علماء الشيعة ، فبيّن له ذلك العالم جملة من الحقائق المرتبطة بالدين الإسلامي ، وشجّعه على قراءة القرآن الكريم ، وقد جاء في القرآن: {يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا} وهو النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله){يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ} لأنّ النصارى كانوا يحرّفون نصوصاً من كتابهم {وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير}لأنّه تعالى سريع التوبة ويصفح عن الذين يعترفون بذنوبهم.
ثمّ قال تعالى: {قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ} ، وهو القرآن; لأنّه كشف للناس الحقّ من الباطل ، {يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ} أي أنّ الله سبحانه وتعالى يهدي عن طريق الشريعة الإسلاميّة بحيث يؤدّي لمن يلتزم بتلك الشريعة
1) أنظر: مجمع البيان: 3/270 ، المائدة {5} : 16 .
إلى الوصول للحقّ والصواب {وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} ، ووصف الكفر بالظلمة; لأنّ الإنسان يتحير فيه كما يتحيّر في الظلام ، ووُصف الإيمان بالنور ، لأنّه يضيىء لصاحبه الدرب ، فيكشف له الحدّ الفاصل بين الحقّ والباطل ، وبه يهتدي إلى النجاة كما يهتدي بالنور {وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراط مُسْتَقِيم} وهو طريق الحقّ وهو دين الإسلام(1).
اتّباعه للقرآن:
استنارت بصيرة "إدوارد جوزيف" خلال قراءته للقرآن ، ولم يشكّ لحظة واحدة في أنّ ماورد فيه هو من كلام الله تعالى ; لأنّه وجد أنّ القرآن كتاب هداية وفيه من المضامين ما لايمكن للعقل البشريّ أن يأتي بها من دون أن تتدخّل يد من الغيب فترشده إلى تلك المضامين.
كما عرف "إدوارد" أنّه تعالى تحدّى البشريّة في أن تأتي بسورة مثل ما أنزله تعالى على رسوله محمّد(صلى الله عليه وآله) فلم تتمكّن البشريّة لحدّ الآن ولن تتمكّن أن تاتي بمثله، وهذا مايدلّ على إعجاز القرآن، وأنّه من عند الله تعالى.
فقرّر "إدوارد" بعد ذلك أن يتّبع هذا القرآن ، فأعلن إسلامه ثمّ واصل بحثه ليجد الجهة القادرة على تفسير القرآن بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) من دون أن يكون في فهمها ما يؤدّي إلى تحريف الحقائق القرآنيّة فأرشده البحث إلى اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) لأنّه عرف بأنّهم ـ كما اكّد عليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) مراراً ـ عدل الكتاب الكريم والضمان للصيانة من الانحراف ، فاتّبع سبيل أهل البيت(عليهم السلام)، وأعلن اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ثمّ سمّى نفسه "سعيد"; لأنّه شعر أنّه في الواقع سعيد نتيجة تعرّفه على الحقيقة واتّباعه للحقّ واكتشافه للصراط المستقيم.
1) أنظر: مجمع البيان: 3/270 ، المائدة {5} :16.
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة تعتنق الديانة المسيحيّة ، واصل دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على شهادة جامعيّة في مجال الكمبيوتر ، وهو الآن يمارس هذه المهنة.
تحدّي القرآن:
تعرّف "إدوارد" على الإسلام عن طريق التقائه بأحد الدعاة الإسلاميّين ، ثمّ تعرّف على القرآن الكريم ، فأعجبه ذلك واستبعد أن يكون الكلام المذكور فيه من كلام البشر.
كيف لا، وقد تحدّى القرآن البشريّة كلّها على أن يأتوا بمثله فقال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً }(1).
فلم يستطيعوا ذلك ، فتنزّل البارىء عزّ وجلّ وتحدّاهم أن يأتوا بعشر سور مثله ، فقال تعالى: {فأتوا بعشر سور مثله}(2).
فعجزوا عن ذلك فقبل منهم أن يأتوا بسورة واحدة ، فقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ}(1).
ومع ذلك عجزت البشريّة عن ذلك كلّه. ويكشف الواقع أنّ جميع بلغاء وفصحاء وكتّاب وشعراء العالم منذ ألف وأربعمائة سنة لم يستطع واحد منهم أن يأتي بآية واحدة مثل آيات القرآن.
اتّباعه للقرآن:
واصل "إدوارد لارنس" تأمّله في آيات القرآن الكريم ، وأمعن النظر فيها بدقّة ، فانجذب لكلام الله تعالى ، ودفعه ذلك للمزيد من البحث حول حقيقة الإسلام.
وبمرور الزمان اكتشف "إدوارد" بأنّ الحقّ مع الإسلام ، فأعلن استبصاره على يد العالم الشيعي الذي كان السبب الأوّل في اندفاعه نحو البحث ، ثمّ اتّبع أوامر القرآن، وحاول أن يتحلّى بالأخلاق والآداب المذكورة في القرآن الكريم.
ثمّ جعل "إدوارد" لنفسه من رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأهل البيت(عليهم السلام) أسوة ، وحاول السير وراء منهجهم، واتّباعهم من أجل الوصول إلى أعلى درجات الكمال.
كما سعى "إدوارد" لنشر علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) للآخرين ; لينير بذلك بصائرهم ويدلّهم على الصراط المستقيم.
1) البقرة {2} : 23 ـ 24.
الصورة
ولد في أمريكا، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصل على شهادة أهّلته للعمل كمهندس ميكانيكي.
الفداء والخطيئة الأصليّة عند المسيحيّين:
كان "إرنست" يعتقد وفق ما أملت عليه الديانة المسيحيّة بأنّ آدم وحوّاء(عليهما السلام) قطعا علاقة الإنسان بربّه نتيجة ارتكابهما للخطيئة منذ الزمن الأوّل ، وبهذه الخطيئة ابتعدت ذرّيّتهما عن الله تعالى.
ومن هذا المنطلق انتقلت هذه الخطيئة إلى ذرّيّة آدم جيلاً بعد جيل ، فيولد الإنسان وهو حامل لها متلوّث بها ، وبسبب هذه الخطيئة خسر الإنسان الطهارة، وبانت عورته وشهواته وأهواؤه الآثمة.
فآدم(عليه السلام) في الحقيقة حطّم التضامن والمحبّة بينه وبين ذرّيّته وبين الله تعالى ، ولكن بما أنّ آدم تاب من خطيئته وقبل الله توبته الصادقة ووعده بالخلاص وبإرسال المخلّص والمفدي الذي يفدي البشريّة عن خطاياها، ويحمل هو تلك الخطايا عنهم ، ثمّ أرسل الله ابنه عيسى ثمّ ابتلاه بالصلب; ليرفع بذلك الخطيئة عن كاهل الإنسان.
وكان "بولص" أوّل من طرح هذه العقيدة في رسائله ، ولا سيّما في رسالته إلى الرومانيّين(1)ثم قبلت الكنيسة هذه العقيدة ، واعتبرتها ركناً من أركانها.
منافاة مسألة الفداء للعقل:
فكّر "إرنست" بمسألة الفداء فوجدها منافية للعقل ; لأنّ العقل يقول: ماذنب الناس منذ آدم حتّى زمن المسيح(عليه السلام) ، فهل كلّهم خطاة ولم يغفر لهم؟
وهل يقبل العقل أنّ الله تعالى اصطفى من عباده أنبياء وأولياء قضوا كلّ أعمارهم في طاعته وعبادته ومنهم إبراهيم الخليل(عليه السلام) وموسى الكليم(عليه السلام)وغيرهم ، ثمّ بعد الموت يعاقبهم على خطيئة لم يرتكبوها، ويلقيهم في جهنّم جزاءً لخطيئة آدم(عليه السلام); لأنّه لم يرسل بعد المسيح(عليه السلام)ليخلّصهم من تلك الخطيئة؟
كما أنّ هذه العقيدة تنافي ما جاء في العهد القديم من الكتاب المقدّس عن حزقيل النبيّ(عليه السلام) حيث إنّه يقول "أمّا النفس التي تخطىء فهي تموت ، لا يعاقب الابن بإثم أبيه، ولا الأب بإثم ابنه ، يكافأ البارُّ ببرّه ويجازى الشّرير بشرّه"(2).
إعادة نظره في موروثاته العقائديّة:
إنّ الإشكالات الكثيرة التي واجهها "إرنست" في الديانة المسيحيّة دفعته إلى البحث والتنقيب ، ثمّ صادف "إرنست" أن سافر إلى إيران ، فالتقى فيها بأحد علماء الشيعة ، فبيّن له العالم أصول ومبادىء الإسلام ، فانجذب "إرنست" إليها وبدأ بدراستها حتّى أيقن بأحقّيّة الدين الإسلاميّ ، فأعلن استبصاره بعد أن تخلّى عن معتقداته الموروثة.
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة يهوديّة ، ثمّ حصل على شهادة البكالوريوس في الآداب ، ثمّ التقى بأحد علماء مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وتعرّف من خلاله على الدين الإسلاميّ ، وقرأ القرآن الكريم فتأثّر به كثيراً ، ثمّ بحث حول القرآن حتّى أيقن بأنّه معجزة الله الخالدة.
موقف الإسلام من اليهود:
سلّط "استيفز" الضوء على ما ورد في القرآن الكريم عن اليهود ، فتأثّر بقوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}(1).
وتأثّر بقوله تعالى عن اليهود: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَب مِنَ اللّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ}(2).
ثمّ قرأ "استيفز" التاريخ الإسلاميّ ، فاطّلع على مواقف اليهود من الإسلام في بداية الدعوة الإسلاميّة، ومعاداتهم للإسلام، وغدرهم بعهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) في العديد من المرّات، ونصرتهم للمشركين، وتآمرهم ضدّ الرسول(صلى الله عليه وآله) ، وإصرارهم على البغي والغدر، وإثارتهم للفتنة بحيث أدّى ذلك إلى أن كتب الله عليهم الهوان
والمسكنة جزاء كفرهم وفسادهم واستحقاقهم عذاب الله بما ارتكبوا من آثام الكفر والعصيان والعدوان ، بحيث أنزل الله تعالى في حقّهم: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْل مِنَ اللّهِ وَحَبْل مِنَ النّاسِ وَباؤُ بِغَضَب مِنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ}(1).
وزعم اليهود بأنّهم على شريعة إبراهيم ، فأجابهم القرآن قائلاً: {ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرانِيّاً وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً}(2).
ثمّ قال تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}(3).
وزعم اليهود أيضاً بأنّهم شعب الله المختار ، وأنّهم أبناء الله وأحبّائه ، فكذّبهم الله تعالى في محكم كتابه ، وقال: {بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ}(4).
اتباعه للدين الإسلاميّ:
عرف "استيفز" بعد غربلته لمعتقداته الموروثة بطلان ما كان عليه ، كما أنّه تأثّر بنداء الله تعالى في قوله عزّ وجلّ: {قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَة سَواء بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ}(5).
فتجرّد "استيفز" من تحكّمات ميوله، ورواسبه النفسيّة والفكريّة ، ونظر إلى واقع الأمر بموضوعيّة ، ثمّ اتّخذ قراره النهائي ، فتخلّى عن عقائده السابقة بعد ثبوت بطلانها ، واعتنق الدين الإسلاميّ الحنيف بعد اقتناعه بالأدلّة والبراهين والحجج المثبتة لأحقّيّته على باقي الأديان..
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة تنتمي إلى الديانة المسيحيّة ، فتلقّى التعاليم المسيحيّة منذ صغره ، وبقي على انتمائه العقائديّ الموروث حتّى استبصر أحد أصدقائه.
دور العقل في فهم الحق:
كان "ايك فيف" يحاول أثناء مناظراته مع صديقه المستبصر أن يبرّر العقيدة المسيحيّة بأنّها عقيدة إلهيّة ، وفيها الكثير ممّا يرتبط بالغيب ، وماهو فوق إدراك البشر ، وبهذا الشكل كان يقف بوجه الإشكالات العقليّة التي يوجّهها إليه صديقه المستبصر.
فأوضح له صديقه ذات يوم بأنّ العقائد التي ينتمي إليها الإنسان لا تخلو من ثلاث ، وهي:
الأوّل: أن تكون موافقة للعقل ، فيقبلها العقل ، ويذعن بها من قبيل أن الجزء أصغر من الكلّ.
الثاني: أن تكون مخالفة للعقل ، وهي الأمور التي يرفضها العقل ويحكم ببطلانها ، من قبيل اجتماع النقيضين ، ومثال ذلك أن نقول "زيد موجود ، وليس بموجود في نفس الوقت" فهذا ممّا يرفضه العقل، ويؤكّد على استحالته.
الثالث: ما هو فوق العقل ، وهي الأمور التي لا يستطيع العقل أن يدركها، أو يتناولها ويصل إليها ، من قبيل بعض الحقائق الغيبيّة التي لا يتمكّن الإنسان من معرفتها إلاّ عن طريق الوحي الإلهيّ.
والمسألة المهمّة هنا هي أنّ القضايا التي هي فوق العقل والإدراك البشري ، ينبغي أن لا تكون من القسم الثاني المخالفة للعقل ، لأنّها عندئذ تصبح من المحالات التي يرفضها العقل ويبطلها.
ولهذا ينبغي عند مواجهة الإشكالات العقلية أن لا نلجأ إلى لجم العقل وتعطيله، والقول بقصوره; لكونها أموراً غيبيّة لاحظّ للعقل فيها ، وأنّها من الأمور التي جاء بها الوحي فيجب الإيمان بها وإن كانت مخالفة للعقل.
لأنّ هذا القول فيه تناقض صريح ، إذ كيف يستطيع الإنسان الإذعان بشيء يحكم العقل باستحالته ، فلو كان العقل لا رأي له لأمكن التسليم بقول هؤلاء وقبول ما جاء به الوحي ، وأمّا أن يحكم العقل ببطلان شيء بل باستحالته فكيف يمكن قبوله من دون نقاش.
فعلى سبيل المثال إنّ العقل يقول من المستحيل أن يكون 1+1 يساوي 3 ، بل هو يساوي 2 ، فإذا جاء أحد علماء الدين وقال بأنّ الدين يقول 1+1 يساوي 3 فهل يمكن تصديقه؟! وهكذا الأمر بشأن التثليث عند المسيحييّن فإن العقل لا يعقل بأن يكون الواحد ثلاثة والثلاثة واحد!.
التخلّي عن العقائد الموروثة:
أصغى "ايك فيف" إلى كلام صديقه المستبصر ، فوجد أنّ الحقّ معه ، فاندفع من هذا المنطلق إلى غربلة موروثاته العقائديّة حتّى توصّل إلى نفس النتائج التي توصّل إليها صديقه المستبصر، ثمّ أعلن استبصاره ، ووضع يده بيد صديقه من أجل إعلاء كلمة الحقّ وإزهاق الباطل ونشر المعارف الإسلاميّة الحقّة المتمثّلة بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) بين المتعطّشين لمعرفة الواقع والحقيقة.
الصورة
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصلت على شهادة جامعيّة ، ثمّ التقت ببعض المسلمات ، وتعرّفت من خلالهنّ على بعض تعاليم الدين الإسلاميّ وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، فنالت هذه التعاليم إعجابها ، فدفعها ذلك إلى البحث حول الإسلام من أجل التعرّف على المزيد من هذه التعاليم السامية.
وبمرور الزمان اقتنعت "باربارا" بأحقّيّة الإسلام ، فأعلنت استبصارها ، واتّبعت منذ ذلك اليوم تعاليم الدين الإسلاميّ الحنيف.
المرأة في القرآن الكريم:
إنّ الأمر الذي نال إعجاب "باربارا" من الإسلام هو تكريمه للمرأة، وتعظيمه لشأنها، والنظر إليها وإلى الرجل بعين واحدة، وخصوصاً في موضع المسؤوليّة ، ولهذا قال تعالى:
{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللّهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}(1).
1) الأحزاب {33} : 35.
كما قال تعالى حول أصل خلق المرأة:
{وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}(1).
وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس واحِدَة وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها}(2).
وقال تعالى: {يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس واحِدَة وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً}(3).
وقال تعالى: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً}(4)وهذه الآيات كلّها تبيّن وحدة الخلق والفطرة بين الرجل والمرأة ، وفيها قد كرّم الله تعالى المرأة، وجعل لها المنزلة الرفيعة .
مشاعرها بعد تحوّلها العقائديّ:
إنّ البحوث التي أجرتها "باربارا" دفعتها في نهاية المطاف إلى الاقتناع الكامل بأحقّية الإسلام ، ولهذا أعلنت استبصارها.
وشعرت "باربارا" بعد اعتناقها للإسلام بأنّ الإسلام عرّفها بقيمتها وبمعنى الحياة ، وحرّرها من مخاوف الضياع والفناء ، وربّى في نفسها يقظة الضمير والإحساس بحرمة الحياة، ومراعاة حقوق الآخرين، والتحرّر من نزعة الخنوع، والخضوع لغير الله، ومنحها حرّيّتها وإحساسها بذاتها ونمّى في نفسها فكرة الكمال الإلهيّ، وعرّفها كيفيّة التوجّه نحوها.
الصورة
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ واصلت دراستها ، وحصلت على شهادة جامعيّة، ثمّ تعرّفت على الدين الإسلاميّ خلال زيارتها إلى إيران ، فالتقت بالعديد من النساء المسلمات ، وقرأت العديد من الكتب الإسلاميّة ، فكان ذلك تمهيداً لاعتناقها مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
الإسلام والعقل:
إنّ من أهمّ الأمور التي لفتت انتباه "باولاتوتل" خلال دراستها للإسلام هو اهتمام هذا الدين بالعقل ، واعتباره أسمى موهبة أختصّ بها الإنسان، وأولى ميزة يرتفع بسببها عمّا حوله من الكائنات، أضف إلى ذلك إنّ الدين الإسلاميّ قدّم نهجاً قويماً لتنمية العقل، وتوجيهه إلى الرشد ، وذلك لأهمّيّة العقل، ولكونه المصدر الأوّل لأفكار الإنسان.
ومن جهة أخرى فإنّ الإسلام قدّم مبادئه وعقائده بصورة واضحة لا أثر فيها للغموض ، ولا مجال فيها للتزلزل، ولا موقع فيها للريب ; لأنّ الإسلام أدرك بأنّ العقيدة وظيفة عقليّة والعقل لا يقبل مافيه شكّ أو ارتياب أو اضطراب أو غموض .
ورأت "باولاتوتل" بأنّ الكنيسة ضربت كبرياء العقل ، ودفعت إليه حزمة من العقائد التي لا مفهوم لها ولا برهان ، بل إنّ الكثير منها متناقض الفكرة ومنحلّ القواعد ، ولهذا انكمش العقل وتقوقع بسبب هذه الضربة القاصمة.
ولكن الدين الإسلاميّ تنوّع في البرهنة على أصوله ومبادئه ، وحفّز الإنسان على التأمّل فيها ، وشجّعه على النقد; كي يوقن عن بصيرة، ثمّ يعتقد عن يقين.
ولم يطلب الإسلام من أتباعه أن يجمّدوا عقولهم، وأن يقبلوا ما يقدّم لهم من دون إعمالها; لأنّ الإسلام نظر إلى العقيدة بأنّها وسيلة لتثقيف الإنسان، وإذكاء مواهبه، وتفجير طاقاته الذهنيّة، والسموّ به إلى العقليّة الواعية.
وأراد الإسلام من وراء العقيدة أن يندفع الإنسان إلى الاكتشاف والابتكار والتقدّم; ليزداد الإنسان بذلك رسوخاً في العلم.
وقد ذهب الإسلام إلى أنّ الإنسان لن يتكامل إلاّ عن طريق العقل ولا يتكامل العقل، إلاّ عن طريق العلم، ولا يتمّ هذا التكامل إلاّ بالتهذيب.
وبعبارة أخرى: إنّ الإنسان لا يهتدي إلى الصواب إلاّ بالعقل ، ولكنّ العقل يحتاج في رؤيته للحقائق الغيبيّة إلى النور ، ومن دون هذا النور سيكون العقل فاقداً للبصيرة ، وهذا النور هو الذي جاء به الأنبياء من عند الله تعالى.
استنارة بصيرتها بنور الإسلام:
إنّ الحقائق التي اكتشفتها "باولاتوتل" أوصلتها إلى أنّ الإسلام هو النور الذي أرسله الله تعالى عن طريق خاتم رسله إلى البشريّة ، وينبغي للإنسان أن ينير عقله بهذا النور ، ليتمكّن من الاهتداء إلى سواء السبيل.
ومن هذا المنطلق بادرت "باولاتوتل" إلى تنوير بصيرتها بنور الإسلام ، فاستبصرت، وغدت ترى بعد ذلك الكثير من الحقائق التي لم ترها من قبل نتيجة معيشتها بعيداً عن نور الإسلام.
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة أملت عليه الديانة المسيحيّة ، ثمّ درس حتّى حصل على شهادة الإعداديّة.
ابتعاده عن الغلو:
التقى "براد فورد" خلال سفره إلى إيران برجل دين بيّن له الكثير من الحقائق ، وشجّعه على البحث، وحذّره من الغلوّ الذي يندفع إليه الإنسان نتيجة إفراط تعلّقه بفكرة أو مذهب معيّن.
فتوجّه "براد" إلى دراسة الديانة المسيحيّة بتأمّل وتدبّر; لينقذ نفسه من التقليد الأعمى ، وليشّيّد لنفسه عقيدة مبتنية على الأسس العلميّة المتينة.
ومن خلال البحث لمس "براد" ظاهرة الغلو في الديانة المسيحيّة ، ووجد أنّ أتباع هذه الديانة غلت في نبيّ الله عيسى ابن مريم(عليهما السلام) فقالوا بتأليهه ، وكان سبب غلوّهم هو ماظهر على يديه(عليه السلام) من معاجز وأمور خارقة للعادة.
وقد جاء في التراث الإسلامي في مقام الردّ على هذه المقولة رواية تشرح مناظرة بين الإمام عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام) وأحد كبار علماء النصارى:
قال له الإمام الرضا(عليه السلام): . . . ما ننقم على عيساكم إلاّ ضعفه وقلّة صيامه وصلاته .
فقال عالم النصارى: والله مازال عيسى صائم النهار وقائم الليل.
فقال(عليه السلام): لمن كان يصلّي ويصوم؟
فلم يجد ذلك العالم جواباً ; لأنّ من الواضح أنّ الإله غنيّ عن الخضوع والخشوع لغيره، فإذا كان عيسى إلهاً فما حاجته إلى الخضوع لله تعالى.
وقال الجاثليق ـ وهو كبير علماء النصارى ـ: إنّ من أحيى الموتى ، وأبرأ الأكمه مستحقّ أن يعبد.
فقال الإمام الرضا(عليه السلام): وإنّ اليسع صنع ما صنع عيسى ، مشى على الماء ، وأبرأ الأكمه والأبرص ، وحزقيل أحيى خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستّين سنة ، وقوم من بني إسرائيل خرجوا من بلادهم من الطاعون وهم ألوف حذر الموت فأماتهم في ساعة واحدة ، فأوحى الله إلى نبيّ مرّ على عظامهم بعد سنين: أن نادهم ، فقال: أيّتها العظام البالية ، قومي بإذن الله فقاموا.
ثمّ ذكر الإمام الرضا(عليه السلام) حديث إبراهيم(عليه السلام)، وذبحه للطيور: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَل مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً}(1).
والذين أُخرجوا مع موسى(عليه السلام) فأُحرقوا بصاعقة، ثمّ أحياهم(عليه السلام) ، ثمّ قال: والتوارة والإنجيل والزبور والفرقان قد نطقت به ، فإن كان من أحيى الموتى يتّخذ ربّاً من دون الله فاتّخذوا هؤلاء كلّهم أرباباً ، فأسلم الرجل(2).
استبصاره وقبوله للحقّ:
إنّ جميع الأدلّة التي حصل عليها "براد فورد" دفعته إلى التخلّي عن انتمائه العقائديّ الموروث، والتوجّه إلى الإسلام ، فلبّى "براد فورد" نداء عقله، وأعلن استبصاره، ثمّ سمّى نفسه "رضا" تيمّناً وتبرّكاً باسم الإمام الثامن من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) المدفون بأرض طوس في إيران.
ولد في أمريكا ، وهو الآن إمام مسجد الرسول(صلى الله عليه وآله) في مدينة "واتس" بـ "لوس انجلوس" ، عمره يناهز الستّين ، وأسلم في الثلاثينات من عمره ، ثمّ بعد ذلك آمن بولاية آل محمّد عليهم أفضل الصلوات.
وفيما يلي بعض المقتطفات من اللقاء الذي اجرته معه مجلّة المنبر:
لو كان المسلمون قد التزموا بولاية أهل البيت لكان الإسلام هو من يحكم العالم.
أصبحت مسلماً ، ولكنّي كنت أحسّ بأنّ هناك ما ينقصني... فوجدت التشيّع.
ليس في التسنّن شيء... أمّا التشيّع ففيه جواهر اسمها أهل البيت(عليهم السلام).
نصيحتي هي أن يتوحّد المسلمون على ولاية أهل البيت(عليهم السلام).
عرض وقائع عاشوراء كفيل بأن يجعل العالم كلّه شيعيّاً.
أكثر من أحبّه الإمام علي(عليه السلام)...
لدينا الآن أكثر من مائة شخص أمريكي من السنّة الأميركيّين تشيّعوا.
لقد سحرتني شخصيّة الحسين(عليه السلام) ، وجذبتني فاندفعت إليها اندفاعاً عجيباً.
90 من مناظراتي كانت مع المسيحيّين وتحقّق نتائج طيّبة.
شعوري أنّ الإمام المهدي(عليه السلام) هو في الواقع الحاكم غير المرئي، ولا شكّ أنّه
سيظهر وسيقودنا جميعاً إلى الأمان.
هذا وقد ظهر الشيخ في صورة له ودموعه تنهمر على خدّيه عند استذكار فاجعة الطف.
سؤال: نفهم من كلامك أنّك أصبحت في بادىء الأمر مسلماً سنّياً ثمّ تحوّلت إلى مذهب التشيّع ، فهل كنت تشعر في ذلك الوقت بأنّك مازلت تفتقد لشيء أو ينقصك شيء في دينك؟
جواب: كنت في بداية اعتناقي للإسلام سعيداً جدّاً ، وقد غمرتني الفرحة عند التفكير بشيء آخر ، كنت أظنّ أنّ هذا هو الطريق الصحيح ، فذهبت في جولات متعدّدة إلى الأقطار الإسلامية ، وقابلت كثيراً من المسلمين من الأمريكيّين وغيرهم ، ورغم أنّ هذه المقابلات نفعتني كثيراً ، لكنّها كانت من جانب آخر تعرّفني على حقيقة أنّ هناك اختلافات داخل المسلمين أيضاً حول كيفيّة فهمهم وتطبيقهم للإسلام ، ومع أنّني بعد هذه الجولات وخلالها كنت واثقاً من أنّ خطوتي بدخول الإسلام كانت صحيحة تماماً ، إلاّ أنّني كنت أشعر أيضاً بنوع من الاستياء الداخلي ; لأنّني كنت أتساءل: هل أنا على الحقّ أم مازالت أمامي مهمّة البحث من جديد على الحقّ الكامل؟
في بعض المقابلات تعرّفت على بعض الشيعة من المسلمين ، فأعطوني كتاباً باللغة الانجليزيّة عن قصّة مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) ، كان اسم الكتاب "الحسين... قصة الإسلام" لمؤلّفه أمير علي ، قرأت هذه القصّة الحزينة والمفجعة، ولم أتمالك نفسي من البكاء الشديد في تلك الليلة التي قرأت فيها الكتاب ، لم أكن أتصوّر أنّ هناك جريمة بهذه البشاعة في التاريخ ، خاصّة وأنّ هذه الجريمة وقعت على ابن أعظم الأنبياء النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) ، الذي هو آخر الأنبياء. كنت أتساءل: لماذا فعلوا كلّ هذا بالإمام الحسين؟
ما الذي آذاهم به حتّى يقتلوه ويقتلوا أطفاله وأصحابه بهذا الشكل المروّع.
ألم تكن ـ على الأقلّ ـ عندهم ذرّة إنسانيّة تجعلهم يمتنعون عن ذبح رضيع على صدر أبيه؟!
كان بكائي مرّاً ، وتأثّري بهذه القصّة المفجعة كبيراً جدّاً. فصمّمت على أن أعرف تفاصيل كلّ ما جرى بالنسبة إلى الأئمّة من أبناء رسول الإسلام(عليهم السلام) ، وقادني ذلك إلى قراءة مزيد من كتب الشيعة ، واطّلعت على نهج البلاغة للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وعلى كثير من الكتب الشيعيّة الأخرى ، كما التقيت ببعض الأخوة المؤمنين الشيعة ، وبعد كلّ هذا أعلنت ولايتي لأهل البيت(عليهم السلام) ، وتمسّكي بالتشيّع ، وكان عمري في ذلك الوقت أربعاً وثلاثين سنة ، حيث عرفت بعد سنتين من دخولي في الإسلام أنّي كنت أتّبع مذهباً باطلاً وطريقاً غير الذي ارتضاه اللّه سبحانه لنا.
سؤال: هلا حدّثتنا عن المناظرات التي أجريتها مع غيرك حول الدين والمذهب؟
جواب: إنّ 90 من مناظراتي كانت مع المسيحيّين ، والحمد للّه فإنّها تحقّق نتائج طيّبة ، وتدفعهم إلى الإسلام والتشيّع ، وأنا أعمل أيضاً على الإصلاح الاجتماعيّ ، فالجريمة متفشّية هنا كما تعلمون ، خصوصاً في "لوس أنجلوس" ، ولنا نحن كمجموعة نشاطات غطّتها الصحافة الأمريكيّة في التخفيف من العنف والجريمة ، وهي تحظى أيضاً بتقدير حكومة الولاية ; لأنّنا نعمل على التقاط الشباب الضائع، وملء الفراغ الروحي الذي يشعر به بالإسلام وأهل البيت(عليهم السلام) ، ونركّز كثيراً على أنّ الإسلام هو دين السلام ، واسمه مشتقّ من هذه الكلمة، وإنّني بثقة أقول: إنّ الإسلام يحظى هنا وبفعل الجهود التي نبذلها في الإصلاح الاجتماعي باحترام معظم الناس في الولاية ، بما فيهم المسيحيّون ، فقد رأوا كم نحن طيبون ونريد الخير للمجتمع.
دمتم موفقين.
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، وهو حاصل على شهادة الدبلوم في هندسة البناء.
زار إيران ، والتقى فيها بأتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، فتعرّف من خلالهم على بعض المعارف ، الإسلاميّة ، ثمّ توجّه إلى قراءة القرآن الكريم ، فاهتزّت مشاعره، وتزلزل كيانه عند قراءته لآيات الذكر الحكيم.
الانبهار بعظمة القرآن:
أيقن "بيتر" بعد قراءته لبعض الآيات القرآنيّة أنّ هذا القرآن من عند الله تعالى ; لأنّ من المستحيل لرجل أمّي أن يأتي بكتاب هو آية في البلاغة، وفيه من المعاني العالية، والأنظمة المحكمة التي لا مثيل لها في العالم ، وفيه من المعارف ما تتحيّر فيها عقول الحكماء ، وهذا ما يثبت أنّ هذا الكتاب معجزة حقّاً.
أضف إلى ذلك أنّه قد جاء فيه: {إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ}(1)، وها نحن اليوم نجد صدق هذه الآية ، ونرى أنّ القرآن إلى يومنا هذا ، قد سلِم من التحريف والتغيير الذي تعرّضت له التوراة والإنجيل ، وهذا أفضل برهان على
1) الحجر {15} : 9.
صدق الوعد القرآني بأنّ الله تعالى هو الذي تعهّد بحفظ هذا القرآن.
ولهذا انجذب "بيتر" إلى القرآن ، وغرق في بهاء معانيه ، وجمال مبانيه ، فأخذ القرآن بمجامع قلبه، واستولى على فكره ، وتبيّن له أنّ هذا الكتاب الذي نزل على محمّد أفضل دليل على صدق رسالته.
فآمن بهذا الكتاب وصدّق برسالة محمّد(صلى الله عليه وآله) ، واعتنق الدين الإسلاميّ ، ثمّ حاول أن يهذّب نفسه بالقرآن، ويصلح الآخرين به ، لأنّه كان على يقين تامّ بأنّ القرآن يصلح لهداية الآخرين ، لأنّه ملىء بالأدلّة المحسوسة والأدلّة المعقولة ، وفيه الدعوة إلى اتّباع الفضائل، واجتناب الرذائل.
اتّباع مفسّري القرآن الحقيقيّين:
تبيّن لـ"بيتر" أنّ القرآن فيه المحكم والمتشابه، والعامّ والخاصّ، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ ، فهو بحاجة إلى مفسّر يبيّن ما خفي على الناس منه، وكان الرسول(صلى الله عليه وآله)في حياته هو المفسّر للقرآن ، وهو المبيّن للغموض الموجود في بعض آياته ، وممّا لاشكّ فيه أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) سيفارق هذه الحياة ، فياترى من سيكون بعده ليتسلم هذه المهمّة؟
ومن هذا المنطلق توجّه "بيتر" إلى البحث فتوصّل في نهاية المطاف إلى أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)عيّن أهل البيت(عليهم السلام) من بعده ليكونوا الملجأ لحلّ الاختلافات ، وأنّ الإنسان لا يمكنه الاعتصام من الضلالة ، إلاّ عن طريق التمسّك بالقرآن واتّباع أهل البيت(عليهم السلام).
ولهذا أعلن "بيتر" استبصاره واعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، وقرّر بعدها أن لا يخطوا خطوة إلاّ بعد الاطمئنان من رضا الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام) بما يقوم به.
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة غذّته الديانة المسيحيّة ، ثمّ حصل على شهادة أهلّته للعمل كمهندس الكترونيكي.
تنزيه الله تعالى عن التركيب:
أدرك "توم اسكوتن" من خلال لقائه بأحد علماء الدين الشيعة بأنّ الله تعالى ينبغي أن يكون منزّهاً عن التركيب ، لأنّ التركيب يوجب احتياج الله إلى أجزاء ، والله تعالى هو الغني عن كلّ شيء ، ولا يكون إلهاً إلاّ لكونه واجب الوجود ، وواجب الوجود غنيّ بذاته ، وهو منزّه عن التركيب.
ولهذا لا يمكن القول بالتثليث ، لأنّه يوجب القول بأنّ الإله الواحد مركّب من ثلاثة أجزاء ، وهي الأب والابن وروح القدس ، وعلى هذا فهو بحاجة إلى أجزائه لتكتمل إلوهيّته ، والاحتياج والتركيب ينافيان الغنى والبساطة التي هي من صفات الإله الواجب الوجود.
وأضف إلى ذلك أنّ الله تعالى بسيط الذات من جميع الجهات ، فيستحيل انفصال شيء منه كما يدّعي المسيحيّون ، ويستحيل حلوله في شيء مخلوق أو اتّحاده معه.
بطلان الحلول والاتّحاد:
إنّ الحلول هو دخول الشيء في محلّ مّا يحتويه ويحلّ داخله ، ويستحيل الحلول بالنسبة إلى الله تعالى ; لأنّه عزّ وجلّ في كل مكان ، ويستحيل أن يحيطه المكان ، ويلزم من حلول الله في مكان خلوّه تعالى من مكان آخر وهو محال.
كما أنّ الحلول من خواصّ الأجسام ، والله تعالى منزّه عن الجسمانيّة ، فلهذا لا يصحّ نسبة الصفة الحلوليّة له كما يقول بعض النصارى بحلوله في جسم المسيح(عليه السلام).
وأمّا بطلان الاتّحاد ، فهو لأنّ الاتّحاد هو أن يتّحد شيء مع شيء آخر ، فيتكوّن منهما شيئاً آخر ، ولكن الاتحاد في الواقع من الأمور المستحيلة ; لأنّ من المستحيل أن يتحوّل شيئان إلى شيء واحد ; لأنّ الشيئين إذا بقيا بعد الاتّحاد ، فالاتحاد لم يقع; لأنّ الشيئين بقيا على ما هما عليه ، ولم يتحوّلا إلى شيء آخر ، ولو قلنا بأنّ الشيئين انعدما بعد الاتّحاد ، فالاتّحاد هنا ايضاً لم يقع ، لأنّ الشيئين لم يبقيا ليتّحد أحدهما بالآخر، بل انعدما والمعدوم لا يتّحد بالمعدوم ، ولو قلنا بانعدام أحد الشيئين وبقاء الشيء الآخر ، فالاتّحاد أيضاً لم يقع هنا ; لأنّ المعدوم لا يتّحد بالموجود.
ففي جميع الصور لا يمكن وقوع الاتّحاد ، فإذا كان الاتّحاد باطل من أساسه فكيف يمكن نسبته إلى الله تعالى، والقول بأنّ الله تعالى اتّحد مع المسيح(عليه السلام).
معرفة الله تعالى عن طريق الإسلام:
إنّ الأدلّة التي حصل عليها "توم اسكوتن" عن طريق الإسلام، ومذهب أهل البيت(عليهم السلام)عرّفته على إله منزّه من التركيب والاحتياج والاتحاد والحلول، وكلّ ما يلزم النقص له تعالى ، فوجد "توم" أنّ العقيدة الإسلاميّة تنسجم وتتلاءم مع الفطرة ، فرحّب بها واعتنقها وأعلن استبصاره ، ثمّ سمّى نفسه "محمّد عليّ"
تيمّناً باسم رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي جاء بالإسلام من عند الله تعالى ، وتيمّناً باسم أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي حفظ هذا الإسلام بعد الرسول(صلى الله عليه وآله); لئلاّ تتلاعب به أيدي المغرضين.
الصورة
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصلت على شهادة جامعيّة ، ثمّ صادف لها أن التقت بأحد العلماء الدعاة إلى الإسلام ، واستمعت إلى محاضراته الإسلاميّة وبيانه لأركان الدين وعقائده وعباداته ، فاندفعت بعد ذلك إلى مطالعة الكتب الإسلاميّة حتّى أيقنت بأحقّية الإسلام ، فآمنت به، وأعلنت إسلامها وإيمانها بمبادىء هذا الدين الحنيف.
الواقعيّة في الإسلام:
إنّ أهمّ ما جذب "جرترود" نحو الإسلام هو أنّها وجدت الدين الإسلاميّ ديناً واقعيّاً وعقلانيّاً، وبعيداً عن الخوض في مجالات الخيال الواسعة، والاهتمام بالأمور البعيدة عن دائرة الإنسان.
ومعنى الواقعيّة في الإسلام هو أنّ الإسلام يرشد أتباعه; ليفهموا الواقع وليتحرّكوا معه بشرط أن لايقع الفرد في أسره، أو يتحدّد بحدوده ، بل يجعل منه نقطة البداية التي يشرع منها في عملية التغيير المرحليّ المتدرّج نحو الأهداف الرسالية والمثل العليا التي يصبو إليها.
فالإسلام يدعو أتباعه إلى المبدئية ، ومعنى ذلك تحكيم الموازين العقائديّة
والشرعيّة في تقويم أصول المسيرة الرساليّة للإنسان والمجتمع والحياة ، وهذا التحكيم هو الذي يمنح تحرّك المسيرة الرساليّة الأصالة في المبدئيّة، ويمنحها القوّة في الانطلاق والفاعليّة في التأثير.
والأمر الآخر الذي دعا اليه الإسلام حين العمل الرساليّ هو الإلمام بالظروف المحاطة والتعرّف الكامل والدقيق عليها ، لئلاّ يدخل العمل الرساليّ في متاهات، ويقع في مطبّات ، ولهذا قال الإمام الصادق(عليه السلام): "والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس"(1).
ومن جهة أخرى فإنّ الإسلام يحتّم على أتباعه الرساليّين ملاحظة وتقديم المصلحة الإسلاميّة العليا ، والنظر في كلّ تحرّك رساليّ بمنظور إلهيّ لا أرضي إلى المكاسب والنتائج المتوخّاة ، والابتعاد عن الأهواء والمنافع الخاصّة والآنيّة، أو التحرّك العشوائي ; ليتمكّن الرساليّ من إعلاء كلمة الحقّ، ونشر العلوم والمعارف الحقّة، وتطبيق العدل في المجتمع.
كما أنّ الإسلام ذهب إلى ضرورة وجود عامل جوهريّ، وفرد مصطفى لحفظ الرسالة، ورقيباً على مسيرة الناس في الصراط المستقيم ومرشداً لهم نحو الله تبارك وتعالى ، وهذا الفرد هو حجّة الله في الأرض ، وهو الذي يضمن استقامة المسيرة الإسلاميّة على أرض الواقع ، وهو الذي يصونها من الانحراف ، وهو الذي به تتحقّق الحجّة البالغة على الناس.
التحاقها بركب الإسلام:
إنّ المثل العليا التي وجدتها "جرترود" في الإسلام ، دفعتها إلى المزيد من البحث حول الإسلام ، وكانت "جرترود" تزداد يقيناً يوماً بعد آخر بمقدار قراءتها بتدبّر للقرآن الكريم ومطالعتها بتأمّل لأحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام).
1) الأصول من الكافي: 1/20 ، كتاب العقل والجهل، ح29.
وبمرور الزمان استنارت بصيرة "جرترود" ، فرأت الكثير من الحقائق ، فتغيّرت بذلك مرتكزاتها الفكريّة ، ودفعتها الحقائق الجديدة إلى اعتناق الإسلام والانتماء إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
الصورة
ولد في جزيرة "كوام" التابعة لامريكا ، ونشأ في أسرة تنتمي إلى الديانة المسيحية ، ثمّ واصل دراسته الأكاديمية حتّى حصل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد والتجارة.
بحثه عن الحقيقة:
يقول "جو": بحثت عن الحقيقة لسنوات طويلة ، وسافرت إلى الكثير من دول العالم ، واطلعت على العديد من الأديان والمذاهب والثقافات.
وكان من جملة الدول التي زرتها إيران ، حيث التقيت فيها ببعض العلماء فتعرفت على مذهب التشيّع ، فرايته أفضل المذاهب الإسلامية ، لامتلاكه الكثير من المعارف الإلهية التي بينها أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ، ولهذا تمسكت بهديهم لأنال بذلك الرضوان الإلهي.
الإسلام هو انتخابي:
الّف "جو" بعد استبصاره كتاباً تحت عنوان "الإسلام هو انتخابي" وطبع هذا الكتاب سنة 1979 م باللغة الإنجليزية مع الترجمة الفارسية.
وتحدّث "جو" في هذا الكتاب عن عظمة الإسلام وقدرته في هداية البشر
إلى السعادة ، كما تحدّث فيه عن الإيمان والتوحيد ، وبيّن أسباب إسلامه ، وبيّن في هذا الكتاب وجوب توجّه كل انسان إلى تثقيف نفسه عن طريق مطالعة الكتب التي ترفع مستواه الديني ، والتي تعطيه المناعة ازاء الضياع الفكري والانحراف العقائدي ، ودون ذلك فإنّ الإنسان سيكون تبعاً لهذا وذاك ، وسيكون فريسة لأصحاب الأهواء الذين يخدعون الناس من خلال جهلهم بالحقائق.
ويقول "جو": إنّ الإسلام يرسّخ نفسه في عقول وقلوب الناس عن طريق الدليل والبرهان ، ويسلّح المنتمين إليه بالحجج والأدلّة ، ولهذا فهو غني عن جذب الناس عن طريق الصور المعلّقة على جدران الكنائس.
ولهذا ينبغي للانسان أن يتوجّه إلى البحث ، وأن تكون عقائده مستندة إلى الدليل لئلا ينخدع بالمظاهر الجذّابة ، ولئلا يكون اتّباعه لهذا وذاك ناتجاً من حالة عاطفية وسطحية ، لأنّ ذلك يوقعه في مطبّات ومهاوي وهو في غفلة ، بحيث لا ينتبه إلى نفسه إلاّ بعد فوات الأوان.
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ درس حتّى حصل على شهادة الماجستير في الكمبيوتر.
تلبيته لنداء العقل:
بدأ اهتمام "جون" بالبحوث العقائديّة والدينيّة عندما التقى برجل دين من علماء الشيعة ، فأنار هذا العالم بصيرته بمجموعة من الأدلّة ، وغرس عنده روحيّة التفكير الجادّ بمصيره ، فبدأ "جون" من ذلك الحين يفكّر في أمر آخرته ، حتّى أملى عليه العقل أن يتوجّه إلى البحث; لتكون له يوم القيامة الحجّة أمام ربّ العالمين.
وقرأ "جون" القرآن فاستغرب من الأسلوب الذي جاء فيه لعرض الحقائق والطريقة التي جاء بها لإزالة الغفلة عن النفوس.
وقد جاء في القرآن: {قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ}(1).
وهذه الآية صريحة في تحذّيرها للنصارى ، وهي تحذرهم من تجاوز الحدّ ، الذي حدّه الله تعالى لهم ، وتدعوهم إلى عدم اتّباع أهواء الضالّين واتّباع
1) المائدة {5} : 77.
أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم ، لأنّ الهوى يدعو إلى أمر لا دليل له ، والإنسان قد يستصعب البحث فيميل نتيجة كسله إلى الاتّباع الأعمى لبعض المذاهب وفق ما يملي عليه هواه، فيسقط بذلك في أحضان الضلال.
بذل الجهد لمعرفة الحقّ:
كان "جون جيرارد" يعي أنّه لا يتمكّن من معرفة الحقّ إلاّ بعد بذل المساعي في هذا السبيل ، فخصّص جزءاً من وقته للبحث عن الحقيقة.
وحاول "جون" أن يعيد النظر في معتقداته الموروثة ، عسى أن يجد فيها ما يدفعه إلى البقاء عليها ، ولكنّه بعد البحث لم يجد فيها بغيته ، فتوجّه مرّة أخرى إلى الإسلام ، وقرأ القرآن الكريم كثيراً ، وكان يتأمّل ويتدبّر في معانيه.
وقد قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(1)فرغب "جون" بهذا النور الإلهي الذي سيضيء له الدرب ويبيّن له الحقّ عن الباطل.
فاعتنق "جون" من هذا المنطلق الدين الإسلاميّ ، وآمن بمحمّد(صلى الله عليه وآله) واتّبع ماجاء به من عند الله تعالى.
ثمّ واصل "جون" بحوثه في دائرة الإسلام ، فتعرّف على مكانة أهل البيت(عليهم السلام) ، وعظمة قدرهم ، فلم يتردّد لحظة واحدة في ترك اتّباعهم ; لانّه وجدهم ممّن قال عنهم تعالى:
{إنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرجْسَ أَهْلَ البيْتِ وَيُطَهّرَكُم تَطْهِيراً}(2)فاتّبع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، ثمّ سمّى نفسه "حسين" تيمّناً وتبرّكاً باسم سيّد شباب أهل الجنة الإمام الحسين(عليه السلام).
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ درس حتّى حصل على شهادة البكالوريوس في الآداب ، سافر ذات يوم إلى إيران ، فالتقى فيها ببعض علماء الشيعة ، فتعرّف من خلالهم على حقائق غيّرت اتّجاهه العقائدي ودفعته إلى التخلّي عن مبادئه الموروثة، والالتحاق بالدين الإسلاميّ.
التوحيد في الإسلام:
تعرّف "جون" من خلال دراسته للإسلام على التوحيد الصحيح ، فأدرك أنّ التوحيد يترك العديد من الآثار في أبعاد الحياة ، فهو على صعيد التصوّر يعني وحدة جميع العالم وانسجامه، وائتلاف أجزائه وعناصره ، وذلك لأنّ مبدأ الخلقة واحد ، وجميع المخلوقات تستمدّ وجودها من ذلك المبدأ الواحد.
ولهذا قال تعالى: {ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُت}(1).
وهذا ما يعني أنّ للعالم هدفاً يقوم على أساس حساب وانضباط دقيق ، وأنّ لكلّ واحد من الأجزاء معنى ، وذلك لأنّ العالم له خالق حكيم ، ولهذا قال تعالى: {وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ}(2).
ومن جهة أخرى فإنّ التوحيد يعني خضوع كلّ عناصر العالم، وكلّ الأشياء لله تعالى ، ولهذا قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً}(1).
وقال تعالى: {بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ}(2).
وقال تعالى: {وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ}(3).
وأمّا التوحيد على صعيد فهم الإنسان فهو يعني وحدة أبناء البشر ، وتساويهم في ارتباطهم بالله ، ولهذا فإنّ الله تعالى ربّ جميع الناس ، وكلّ الناس أمام الله تعالى سواسية ، وليس لأحد عند الله كرامة إلاّ بالعمل الصالح ، ولهذا قال تعالى: {يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ}(4).
كما يعني التوحيد وحدة أبناء البشر، وتساويهم في الخلقة والتكوين الإنسانيّ ، ولهذا قال تعالى: {يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس واحِدَة}(5).
رفض عبوديّة غير الله تعالى:
أدرك "جون" بعد تعرّفه على التوحيد الكامل في الإسلام بضرورة عبوديّة الله الواحد الأحد الذي لا إله غيره ، فلهذا قرّر أن يتخلّى عن فكرة التثليث التي كان يؤمن بها ، ثمّ توجّه إلى الإيمان بالتوحيد الذي جاءت به الشريعة المحمّدية ،
ثمّ رفض "جون" بعد ذلك عبوديّة غير الله تعالى ، فدفعه ذلك إلى رفض عبودية التقاليد والأعراف التي كان عليها من دون دليل أو برهان ورفض عبوديّة الهوى وعبوديّة الأنا التي كانت تدعوه إلى التعصّب لدين آبائه وأسلافه.
ومن هذا المنطلق تمكّن "جون" أن يتحرّر من جميع القيود ، وأن يعلن إسلامه واستبصاره ، وأن يتّبع بعد ذلك الشريعة المحمّدية التي أرسلها الله تعالى للبشريّة عن طريق خاتم رسله محمّد بن عبدالله(صلى الله عليه وآله).
الصورة
ولدت في ولاية "آلاسكا" بأمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، حصلت على شهادة الدبلوم ، ثمّ صادف لها أن تعرّفت على الدين الإسلاميّ عن طريق التقائها ببعض المسلمات ، فدفعها حبّ الاستطلاع إلى معرفة أصول ومبادىء هذا الدين الحنيف.
بدأت "جيري" في بداية بحثها حول الإسلام بقراءة القرآن الكريم ، فتأثّرت كثيراً به ، فخشع قلبها للإسلام ، واستعدت لقبول هذا الدين ، ولم تمض فترة حتّى أعلنت اسلامها وانتماءها إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
القصّة في القرآن الكريم:
إنّ أهمّ ما لفت انتباه "جيرى" خلال قراءتها للقرآن الكريم أنّه يتضمّن العديد من القصص المتضمّنة للمعاني والمفاهيم العميقة التي تستهدف التربية والتهذيب والتذكير بعبر الإنسانيّة، والتحفيز للتمسّك بكلّ ما يأخذ بيد الإنسان إلى الخير والهداية والصلاح ، وقد قال تعالى: {لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبابِ}(1).
1) يوسف {12} : 111.
ولهذا يجد القارىء للقرآن الكريم بأنّ القصص المذكورة فيه تتضمّن العظة والاعتبار ، حيث يبيّن الله تعالى فيها أسباب النعم; ليندفع الإنسان إلى التمسّك بهذه الأسباب من أجل الوصول إلى النعم ، ويبيّن أيضاً علل النقم، ليندفع الإنسان إلى الاجتناب عن هذه العلل.
والجدير بالملاحظة أنّ القرآن الكريم لم يستخدم في عرضه للقصص ترتيب الأحداث وبيان تفاصيل الجزئيّات ، بل أشار إلى بعض المقاطع من قصص الماضين ، ونثرها في روضته; ليركّز في كلّ موطن العناية والاهتمام على عنصر خاصّ أو عناصر يريد التركيز عليها.
والملاحظ في قصص القرآن أنّها قائمة على الحقّ والعلم والعبرة ، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ}(1).
وقال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ}(2).
وقال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ}(3).
ولهذا أكّدت "جيري" خلال قراءتها للقرآن الكريم على القصص المذكورة فيه ; لأنّها كانت تستفيد منها كثيراً، وكانت تتلّقّى منها الدروس الأخلاقيّة، وكانت تجد لنفسها فيها العديد من القدوات الصالحة من قبيل "مريم ابنة عمران" التي أحصنت فرجها ، فعرّفها القرآن مثالاً ورمزاً وقدوة للطهر والعفّة والصفاء.
ولد سنة 1964 م في مدينة "شيكاغو" التابعة لولاية "النوي" في الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثم أكمل الدراسة الإعداديّة حتّى نال الشهادة .
تعرّفه على الإسلام:
كان يظنّ "جيري" قبل الاهتمام بمستوى وعيه الدينيّ أنّ الإسلام مجرّد تقاليد بالية ترتبط بأهل الجاهليّة من العرب ، كما أنّه كان متأثّراً بالدعايات المغرضة التي كانت تلصق بالإسلام من قبل أعداء الإسلام ، ولكنّه بدافع حبّ الاستطلاع توجّه إلى دراسة الإسلام; ليعرف مدى صحّة هذه الدعايات المثارة ضدّه.
فاكتشف "جيري" من خلال بحثه أنّ الإسلام دين سماويّ يتضمّن شريعة تشمل جميع ميادين الحياة ، وأنّ الإسلام ليس مجرّد دين نظريّ فحسب ، بل هو حضارة مؤثّرة في المجتمع، وأنّ "محمّداً" لم يكن نبيّ العرب فحسب ، بل هو صاحب رسالة أحدثت انقلاباً هائلاً في جميع أصقاع الأرض ; لانّه جاء بدين ينسجم مع جميع القدرات الفكريّة والعلميّة على مرّ العصور ، وهو أعظم رسالة سماويّة وخاتم الأديان.
وأنّه قد اهتمّ بالأمور الاجتماعية كما اهتمّ بالسلوك الفردي ، كما أنّه لا
يدعو إلى العزلة والرهبانيّة والقوقعة ، بل له اهتمام واسع بالمعاملات العامّة ورفع مستوى المجتمع.
والأمر الذي لفت انتباه "جيري" هو أنّ المسلمين ليسوا أعداء للنصرانيّة ، بل هم يؤمنون بالمسيح(عليه السلام) ولكنّهم لا يصفونه بالصفات الربوبيّة ، وإنّما يقولون بعصمته وطهارته ، وليس هدفهم من دعوة المسيحيّين إلاّ ارشادهم إلى الحقّ والدين الكامل الذي جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله).
وقد جاء الإسلام لهداية البشرفي الوقت الذي كان عرب الجاهليّة أهل لهو ولعب وعدوان وظلم وجور ، فاقتلع جذور هذه الرذائل كلّها ، ووضع الحدّ لجميع تصرّفات البشر.
وقد أسّس الإسلام أركانه على دعائم أهمّها التوحيد الحقيقي ، وكان القرآن الكريم أكبر دليل على وحدانيّة الله تعالى ، وقد حارب الرسول(صلى الله عليه وآله) عبادة الأصنام والكواكب ، وواجه الإسلام بدعة التثليث المركّبة من الأب والابن وروح القدس ، ليرشد الناس إلى التوحيد الخالص من كلّ شائبة.
ثمّ قدّم الإسلام للبشريّة تعاليم تعالج كافّة جوانب الحياة فهو رسالة طافحة بالحضارة التي تخدم الإنسانيّة، ولها القدرة على استلام زمام الحياة ، وأنّ خير ما فيها طابع صلاحيّة البقاء مع الزمن مهما طال وامتد.
اعتناقه للدين الإسلاميّ:
اعتنق "جيري" الدين الإسلاميّ ، ثمّ واصل مطالعاته بحثاً عن الفرقة الإسلاميّة الناجية ، فدرس مذهب أهل السنّة والجماعة بدقّة ، ثمّ التقى في ولاية واشنطن بمجموعة من الشيعة وتعرّف من خلالهم على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، ثمّ قارن بين المذهب السنّي ومذهب أهل البيت(عليهم السلام)حتّى تبيّن له أنّ الحقّ مع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فاعتنقه، وكان ذلك في عام 2001 م ، ثمّ سمّى نفسه "أبو ذر" نتيجة تأثّره بشخصيّة "أبي ذر الغفاري" الذي جاهد إلى آخر لحظة من حياته في سبيل الله وتحمّل الغربة نتيجة صموده أمام الباطل.
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصل على شهادة جامعيّة ، ثمّ تعرّف على الإسلام من خلال سفره إلى إيران ، فاندفع بعدها إلى دراسة الإسلام ولا سيّما مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حتّى تبلورت عنده القناعة بأحقيّته الإسلام على وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
الاجتهاد عند الشيعة:
إنّ من أبرز الأمور التي دفعت "جي تي" إلى الانجذاب نحو التشيّع هو القول بالاجتهاد عند الشيعة; لأنّه وجد بأنّ هذه القضيّة ولا سيّما التأكيد فيها على وجوب الاقتداء بالمجتهد الحيّ دون الميّت هي التي جعلت الفكر الشيعيّ منسجماً مع ظروف العصر في كلّ زمان ، وبالتالي أدّى هذا الأمر إلى إدراك الشيعة للواقع المعاش أكثر من غيرهم.
كما أنّ الاجتهاد أدّى إلى تمكّن الشيعة من تطبيق النظرة الإسلاميّة في الحياة ; لأنّ التطبيق لا يتحقّق ما لم تحدّد حركة الاجتهاد معالم النظريّة وتفاصيلها.
ومن هنا فالمجتهد يقوم خلال عمليّة الاستنباط للحكم الشرعي بتصوّر
الفرد المسلم الذي يريد أن يطبّق النظريّة الإسلاميّة في حياته العمليّة ، ولهذا تكون فتاوى المجتهد أكثر انسجاماً مع الواقع، وأكثر قدرة على حلّ مشاكل الفرد والمجتمع.
إذن يمكن القول بأنّ التشيّع يمتاز عن المذاهب التي اغلقت باب الاجتهاد بعدّة مميّزات منها:
أوّلاً: أنّ فتح باب الاجتهاد يتيح للفقيه دراسة جميع المشاكل الفرديّة والاجتماعيّة، والقيام بمعالجتها من الشريعة بما يناسبها من غير تجاوز لحدّ النصوص.
ثانياً: أنّ الاجتهاد يوجب الوصول إلى العلاج الصحيح للمشاكل المختلفة ; لأنّه يحاول فهم الواقع الاجتماعي ، ومن ثمّ المبادرة إلى اقتباس حلّه من الشريعة الإسلاميّة ، وهذا ما يجعله أكثر قدرة على حلّ مختلف المشاكل.
ثالثاً: إنّ الاجتهاد يتيح للشريعة الإسلاميّة الانتشار الواسع في جميع الأقاليم على رغم تباين عاداتها وتفكيرها وبيئتها الطبيعيّة والنفسيّة و... ; لأنّه يحاول نتيجة مرونته أن يجد الحلول المناسبة لتطهير المجتمع من العادات والأعراف السيّئة ، وأن يقرّ العادات والتقاليد والسنن التي لا يوجد أيّ تنافي بينها وبين الإسلام.
كلام السيد شرف الدين حول اغلاق أهل السنّة باب الاجتهاد:
قال السيد "شرف الدين": وما الذي أرتج باب الاجتهاد في وجوه المسلمين بعد أن كان في القرون الثلاثة مفتوحاً على مصراعيه لولا الخلود إلى العجز، والاطمئنان إلى الكسل، والرضا بالحرمان، والقناعة بالجهل ، ومن الذي يرضى لنفسه أن يكون قائلاً بأنّ الله عزّ وجلّ لم يبعث أفضل أنبيائه ورسله بأفضل أديانه وشرائعه، ولم ينزل عليه أفضل كتبه وصحفه بأفضل حكمه ونواميسه ، ولم يكمل له الدين ، ولم يتمّ عليه النعمة.. إلاّ لينتهي الأمر في ذلك كلّه إلى أئمّة تلك
المذاهب فيحتكروه لأنفسهم ، ويمنعوا من الوصول إلى شيء منه عن طريق غيرهم ، كلاّ بل كانوا كغيرهم من أعلام العلم ورعاته ، وحاشا دعاة العلم أن يوصدوا بابه أو يصدّوا عن سبيله ، وما كانوا ليعتقلوا العقول والأفهام، ولا ليسملوا أنظار الأنام ، ولا ليجعلوا على القلوب أكنّة(1).
اعتناق جي تي لمذهب أهل البيت(عليهم السلام):
إنّ فتح الشيعة لباب الاجتهاد هو الذي دفع "جي تي" لاعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)بعد أن تبيّن له أحقّيّة هذا المذهب بالدليل والبرهان ، ثمّ بادر "جي تي" إلى تغيير اسمه فسمّى نفسه "عليّ" ، ثمّ بادر بعد عودته إلى بلده إلى نشر علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام)بين أبناء منطقته.
1) المراجعات للسيّد عبدالحسين شرف الدين: 55، المراجعة رقم 4.
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، حاصل على شهادة في الهندسة ، زار إيران والتقى بالمسلمين ، فتفتّحت بصيرته خلال هذا اللقاء على حقائق غيّرت معتقداته ، ودفعته إلى التخلّي عن مبادئه السابقة واعتناق الدين الإسلامي وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
أهمّ دوافع اعتناقه للإسلام:
وجد "جيمس تي هاربر" بعد دراسته للإسلام أنّ الإسلام يستطيع أن يخفّف من آلام الإنسان ومعاناته ، وله القدرة على منح الإنسان قوّة الصمود في عالمنا المعاصر المثقل بالهموم والمحمّل بالمتاعب والمكبّل بالمصاعب والمشكلات.
كما وجد "جيمس" خلال مقارنته بين الأديان والإسلام أنّ الأديان لم تتمكّن من أداء هذا الأمر رغم ادّعائها بأنّها الحقّ المطلق ، وذلك لأنّها انحرفت عن جادّة الإيمان بالله وتركت منهج الله وشريعته التي اختارها لعباده.
وتبيّن لـ "جيمس" بعد إلمامه بالمبادىء الإسلاميّة أنّ الإسلام يتمكّن بمعارفه السماويّة التي أنزلها الله تعالى على خاتم رسله أن يروي تعطّش الملايين من طلاّب الحقيقة الذين يبحثون بشغف ولهفة للوصول إلى الحقّ.
في رحاب القرآن الكريم:
أدرك "جيمس" خلال قراءته للقرآن الكريم أنّه كلام الله العظيم ، أنّه كتاب فيه {هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّنات مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ}(1)وفيه البرهان والحجّة ، ولهذا قال تعالى: {يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً}(2).
وقال أيضاً: {وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا}(3).
وتبيّن لـ "جيمس" بعد التأمّل بأنّ هذا الكتاب الكريم فيه خير الناس وصلاح أحوالهم في الدنيا والآخرة ، وهو كتاب هداية يستكشف به العباد طريق حياتهم ، ويسترشدون به إلى سبل سعادتهم ; لأنّ القرآن الكريم يشبه النور والضياء الذي يبدّد للبشريّة ظلمات الكفر والحيرة ويحدّد لهم المنهج الصحيح في بيداء الضلالة ليرشدوا ويسعدوا.
ولهذا قال تعالى: {ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ}(4).
وقال: {تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتاب مُبِين * هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ}(5).
وقال: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}(6).
وقال: {إِنَّ هذا القُرآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}(7).
اتباعه لهدي القرآن:
إنّ الأدلّة التي حصل عليها"جيمس" خلال دراسته للإسلام ، فرضت عليه في نهاية المطاف أن يعتنق هذا الدين الحنيف ، وأن يتمسّك بهدي القرآن الكريم ،
كما حاول "جيمس" بعد إعلان إسلامه أن يبيّن الدين الإسلاميّ للآخرين، ويعرّفهم بمبادىء الإسلام العظيمة حول العقيدة والسلوك ومناهج الحياة ، ليمكّنهم بعد ذلك من انتخاب الطريق الأفضل الكفيل بسعادتهم.
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشا في أسرة مسيحيّة ، ثمّ أكمل المرحلة المتوسّطة من دراسته ، ثمّ ترك موروثه العقائديّ واعتنق الدين الإسلاميّ الحنيف نتيجة لقائه ببعض علماء مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، واقتناعه بالأدلّة والحجج التي ذكرها هؤلاء العلماء له.
خصائص القرآن الكريم:
كان "جيمس تروث" يحسب أنّ القرآن الكريم هو من نتاج فكر النبي(صلى الله عليه وآله)ولا علاقة له بالوحي والسماء ، وذلك لإنكاره نبوّة محمّد(صلى الله عليه وآله) ، وكان الناس كثيراً ما يحذّرونه من مطالعة هذا الكتاب; لأنّ فيه ـ كما يزعمون ـ إساءة للديانة المسيحيّة ومقدّساتها.
ولكنّه أدرك بعد البحث أنّ القرآن كتاب سماويّ يحتوي على {114} سورة نزلت بصورة تدريجيّة على قلب النبيّ(صلى الله عليه وآله) لمدّة ثلاث وعشرين سنة ، وهي فترة حياة النبيّ منذ بعثته حتّى التحاقه بالرفيق الأعلى.
وعرف "جيمس" خلال البحث بأنّ للقرآن الكريم مجموعة مميّزات منها: شموليّته وتضمّنه للمعارف الإلهية الرفيعة لجميع أصعدة الحياة.
والصفة الأخرى التي يمتاز بها القرآن هي عدم وجود الاختلاف والتناقض بين آياته ، ولهذا قال تعالى: {وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً}(1). وهذا ما يبيّن إعجاز هذا الكتاب ، لأنّ الإنسان لا يستطيع أن يأتي بكتاب جامع لمختلف مجالات وشؤون الإنسان ، ثمّ لا يختلف حاله في شيء منها ; لانّ الطبيعة البشريّة هي التكامل علماً وعملاً عن طريق كسب التجارب ، كما أنّ حالات الإنسان ومزاجه تختلف من حيث الفرح والألم والعسر واليسر والمرض والعافية ، فالرسول جاء بالقرآن خلال فترة ثلاث وعشرين سنة ، ولكن بالرغم من كل هذا فانّنا نرى أنّ القرآن الكريم على وتيرة واحدة ولا تضادّ ولا اختلاف بين معارفه وأحكامه.
كما أنّ من خصائص القرآن الكريم هي ذكره للمغيّبات ، وإخباره بقصص الأنبياء السابقين وأممهم بصورة تختلف تماماً عمّا هو موجود في كتب العهدين.
وهذه القصص هي من أنباء الغيب كما قال تعالى حول قصّة كفالة زكريا(عليه السلام)لمريم(عليها السلام): {ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}(2)وغيرها من القصص. وكذلك الأخبار عن الحوادث المستقبلية ، كالإخبار عن انتصار الروم بعد هزيمتهم ، كما جاء في قوله تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}(3).
التمسّك بالقرآن:
إنّ عظمة القرآن هي التي دفعت "جيمس" إلى التخلّي عن عقائده الموروثة ; لأنّه تمكّن عن طريق الأنوار القرآنية التي أضاءت بصيرته أن يميّز بين الحقّ والباطل ، فعرف بعدها أحقيّة الإسلام ، فأعلن استبصاره ثمّ تمسّك بالقرآن
ليهتدي به إلى سواء السبيل ، كما أنّه تمسّك في نفس الوقت بعترة الرسول(صلى الله عليه وآله) لأنّه عرف من خلال البحث أنّ العصمة من الضلال ـ كما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ لا تتحقّق إلاّ عن طريق التمسّك بالثقلين كتاب الله وعترة الرسول(عليهم السلام).
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصلت على شهادة جامعيّة ، وبقيت "جينا" على انتمائها العقائديّ الموروث حتّى التقت بمجموعة من المسلمين خلال زيارتها إلى إيران ، فدفعها حبّ الاستطلاع إلى التعرّف على الدين الإسلاميّ.
ومن هنا بدأت "جينا" تهتمّ بدراسة الإسلام ، فالتقت ببعض العلماء ، وقدّمت لهم بعض الأسئلة الدينيّة ، واشترت بعض الكتب الإسلاميّة وشرعت بمطالعتها.
اهتمام الإسلام بالأخلاق:
إنّ أكثر ما لفت انتباه "جينا" خلال دراستها للإسلام هو اهتمام هذا الدين الحنيف بالأخلاق ، وقد كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) المثل الأعلى في الأخلاق والاستقامة وحسن التعامل مع الآخرين، وحبّ الخير للجميع ، ولهذا وصفه الله تعالى في محكم كتابه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم}(1).
كما قال رسول الله: "إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق".
1) القلم {68} : 4.
وعلى هذا الأساس تركّزت أهداف رسالة النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) وبعثته على تحقيق مكارم الأخلاق، وإصلاح النفوس وتزكيتها.
ولهذا أكّد الإسلام على الصدق والأمانة والعدل والحلم والكرم والشجاعة والإخلاص، وحارب الكذب والخيانة والظلم والغيبة والبهتان والنميمة والرياء والبخل والحقد وسوء المعاشرة وكلّ رذيلة تؤدّي إلى شقاء الإنسان وتعاسته .
ومن هذا المنطلق دعا الإسلام إلى حبّ الخير للجميع، ونادى لتحقيق الخير للناس ، ولهذا كان الرسول(صلى الله عليه وآله) يحثّ المسلمين على فعل الخير، ويدعوهم إليه ، ويحذّرهم من الشر وينهاهم عنه ، منها قوله(صلى الله عليه وآله): "خير من الخير معطيه ، وشرّ من الشرّ فاعله"(1).
وقال(صلى الله عليه وآله): "قولوا الخير تُعرفوا به ، وأعملوا الخير تكونوا من أهله"(2).
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): "أحبّ الناس إلى الله أنفع الناس للناس"(3).
مواصلة البحث:
وجدت "جينا" في نفسها المحفّز لمواصلة بحثها حول الإسلام عندما تبيّن لها بأنّ الإسلام يهتمّ ببناء المجتمع الإنساني على أساس الخير وحسن الخُلق، ويستهدف تكوين مجتمع نظيف من الشرّ والرذيلة وسوء الخلق.
ولهذا واصلت "جينا" بحثها ، وحاولت أن تسلّط الضوء على المسائل العقائديّة ، ثمّ قامت "جينا" بعمليّة المقارنة بين عقائد الدين الإسلاميّ وعقائد الديانة المسيحيّة ، فتبيّن لها بعد البحث أحقّيّة الدين الإسلاميّ، وتفوّقه على جميع الأديان الأخرى، فلهذا أعلنت استبصارها ، وبادرت بعدها إلى الالتزام بجميع
الأعمال العباديّة والأخلاق الإسلاميّة التي من شأنها تطهير قلب الإنسان من الأدران والشوائب.
ثمّ تخلّقت "جينا" بأخلاق الإسلام ، وتحلّت بفضائله الأخلاقيّة ، وحاولت أن تطهّر نفسها من جميع الرذائل وفق المنهج الذي بيّنه أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصل على شهادة جامعيّة ، ثمّ صادف أن سافر إلى إيران ، فتعرّف فيها على الإسلام ، واتّضحت له الكثير من الحقائق التي لم يكن له بها علم.
عقيدة الصلب والفداء:
كان "دان بالمز" يعتقد بأنّ عيسى عُلق على الصليب حتّى مات ، وأنّه تحمّل الآلام; ليمسح بدمه خطيئة آدم التي ارتكبها في الجنّة بأكله من الشجرة المحرّمة ، فبقيت الخطيئة في أبنائه حتّى أزالها المسيح بدمه.
ولكنه بعد التعرّف على الإسلام وجد أنّ الإسلام ينفي صلب السيّد المسيح(عليه السلام) ، ويقرّر أنّ الله انجاه من الصلب، وأنّ الذي صُلب كان شخصاً آخراً شبيهاً له ، وقد قال تعالى حول اليهود: {وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً}(1).
وجاء في القرآن بأنّ آدم تاب إلى الله من خطيئته فتاب الله عليه ، والإسلام
1) النساء {4} : 157.
يقرّر أنّه لا تزر وازرة وزر أخرى ، وكلّ أمرىء بما كسب رهين، وأنّ كلّ إنسان هو المسؤول عن خطئه.
وإذا كان المسيح من أبناء آدم فما مسؤوليّته عن خطيئة أبيه ، وإذا كان عيسى ابن الله فما ذنب ابن الله حتّى يقتل لخطيئة ارتكبها واحد من مخلوقاته، أو مخلوقات أبيه؟!
وتبيّن الأناجيل أنّ عيسى لم يكن يريد أن يقتل ، وأنّه دافع عن نفسه ، فلو أنّه كان قد صلب ليمسح خطيئة آدم لقدّم نفسه طائعاً بدون محاكمة ، ولما دافع عن نفسه، وطلب النجاة!
إذاً لا شكّ أن فكرة الصلب والفداء لا تخضع لمنطق، ولا يقبلها عقل ، ولو أنّ شخصاً قتل آخر ثمّ هرب أو مات قبل أن يُعاقب أيتحمّل عقوبته بنوه فيقتلوا أو يسجنوا؟
إنّ الحكومات الآن لا تفعل ذلك ، ولو فعله حاكم لكان ظالماً ، فهل هذه الحكومات أعدل من الله تعالى؟!.
تصحيح المفاهيم الخاطئة:
تمكّن "دان" عن طريق استنارة بصيرته بنور المعارف الإسلاميّة أن يصحّح الكثير من المفاهيم الخاطئة التي كانت عالقة بذهنه ، منها أنّه عرف بأنّ الله تعالى لم يتّخذ صاحبة، فلا يمكن أن يكون له ولد ; لأنّه ليس بحاجة إلى ولد ، وهو خالق كلّ شيء ، وهو القادر على كلّ شيء ، وهو العالم بكلّ شيء ، فلماذا يتخذ لنفسه ولداً؟!
ولهذا قال تعالى: {لَوْ أَرادَ اللّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاَصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللّهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ}(1).
1) الزمر {39} : 4.
وبمرور الزمان تمكّن "دان" أن يصحّح جميع أفكاره الخاطئة ، ويدخل في رحاب الإسلام مؤمناً بالله الواحد القهّار، وبنبيّه محمّد بن عبدالله(صلى الله عليه وآله)وبكلّ ما جاء به رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، ثمّ أعلن إسلامه واختار لنفسه اسم "رضا" تيمّناً بلقب الإمام الثامن "عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام)".
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصل على شهادة الهندسة الصناعيّة ، ثمّ عمل في مجال تخصّصه.
حقيقة الإسلام:
لم يكن "دونالد" مهتمّاً بتأصيل عقيدته وبنائها وفق الأسس السليمة، وذلك نتيجة عدم انتباهه إلى أهمّيتها حتّى التقى برجل دين من أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فاستيقظ من غفلته وتوجّه نحو الاهتمام بعقيدته.
وتبيّن "دونالد" خلال حواره مع العالم الشيعي بأنّ الإسلام الذي جاء به محمّد(صلى الله عليه وآله) ، دين وشريعة يحمل إلى الناس تعاليم وقوانين لم يسبق لها مثيل ، وأنّ ما جاء به رسول الله(صلى الله عليه وآله)زلزل أركان العالم ، وأحدث شيئاً لم يتوقعّه أحد.
وقد حاول رسول الله(صلى الله عليه وآله) بارتقاء مستوى تفكير البشريّة عن طريق تغذية عقولها بالأصول الأوّلية للأخلاق الفاضلة، وبإرجاعها إلى الاعتقاد بإله واحد ، وهذا ما دفع بالفكر الديني إلى الرقيّ، وحرّر العقل البشريّ من قيوده الثقيلة التي كانت تأسره حول الهياكل بين يدي الكهّان ، فاجتهد الرسول(صلى الله عليه وآله) لإبطال التشبيه والتجسيم في عقيدة التوحيد.
وبذلك ضرب الإسلام مثالاً في الرصانة في العالم ، وحفظ أتباعه من ارتكاب الرذائل، وممارسة الأعمال الدنيّة ، لأنّه منح أتباعه شريعة نقيّة من كلّ
عيب وخالية من كلّ نقص وفيها كلّ ما يصلح للبشر.
ولا يصحّ النظر إلى دين محمّدّ(صلى الله عليه وآله) كدين مليء بالخرافات والأكاذيب ، لأنّ هذا مخالف للحقيقة، وبعيد عن الواقع ، ويستطيع أيّ باحث بأدنى تأمّل في الدين الإسلاميّ أن يصل إلى أنّ تعاليم الإسلام شريفة وسامية وتتضمّن الأخلاق الرفيعة ، وفيها ما يبهر عقول الفلاسفة وما يعجز البشر عن الإتيان بمثلها.
وإنّ المعجزات التي جاء بها رسول الله(صلى الله عليه وآله) هي أفضل دليل على صحّة هذا الدين كما أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يدّع لنفسه صفة إلهيّة ، ولم يدع إلى عبادة شخصه ، بل كان يصرّح مراراً بأنّه بشر يوحى إليه.
والخلاف الجوهريّ بين الإسلام والمسيحيّة يعود إلى أنّ الإسلام لا يرضى بأنّ يجعل أحد لله تعالى شريكاً ، ولهذا واجه الإسلام نظريّة الثالوث المقدّس ودعى إلى التوحيد الخالص لله تعالى ، ويجد المتأمّل في الدين الإسلاميّ أنّه دين عام يصلح لكلّ زمان ومكان ; لأنّه دين الفطرة ، والفطرة شيء واحد في كلّ الناس ، ولهذا يكون الإسلام صالحاً للجميع.
ومن جهة أخرى فالميزة الموجودة في الإسلام عن غيره أنّه شمل الحياة بأسرها ، فاهتمّ بالدنيا والآخرة، وبالنفس والجسد، وبالفرد والمجتمع، ولم يهتمّ بجانب على حساب جانب آخر.
استنارة بصيرته بالإسلام:
لم يجد "دونالد" بعد اكتشاف حقيقة الإسلام له سوى اتّباع هذا الدين الحنيف ، فأعلن بعد ذلك إسلامه ، ثمّ حاول أن يزكّي نفسه، ويطهّر قلبه، ويهذّب سلوكه وتصرّفاته وفق التعاليم الإسلاميّة ، ثمّ حاول أن ينشر هذا الدين بين أهله وأصدقائه وأقربائه وأبناء مجتمعه ; لينقذهم بذلك من الأفكار الخاطئة التي هم عليها ، وليرشدهم إلى السبيل الذي يأخذ بأيديهم إلى الحقّ والصواب وجنّة النعيم.
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، واصل دراسته الأكاديميّة ، ثمّ عمل مهندس طيران ، التقى خلال سفره إلى إيران بمجموعة من المسلمين ، فتفتّحت بصيرته على حقائق دفعته إلى البحث في الصعيد الدينيّ.
رسالة الدين الإسلامي:
عرف "دونالد" خلال البحث بأنّ الدين الإسلاميّ يمثّل كلمة النجاة، ورسالة الإنقاذ، ومشعل النور والهداية ، وهو مظهر من مظاهر لطف الله تعالى بالإنسان، وأثر من آثار الرحمة الربانيّة به ، أنزله تعالى على خاتم رسله ، لينقذ به الإنسان الشقي والمعذّب الذي يعاني من مأساة الجاهليّة، ويقاسي من جحيمها آلام الحرمان، ويتمرّغ في ظلالها بأوحال الرذيلة والانحطاط، ويعيش فيها حالة الحيرة والضياع.
وعلم "دونالد" خلال إلقائه النظرة الشموليّة على تاريخ البشريّة بأنّ الأمم السابقة لم تنحدر في الدرك الأسفل من التعاسة إلاّ بعد تمرّدها على الحقّ، ورفضها الاستجابة لرسالة السماء ، وبهذا ألقت هذه الأمم بنفسها في متاهات الضياع والظلم والشقاء ، ولم يكن ذلك إلاّ لأنّها رفضت قيادة الإيمان، وانحرفت عن الهدى ، ولهذا قال تعالى: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها
رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذاقَهَا اللّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ}(1).
الاندفاع إلى البحث:
إنّ الحقائق التي توصل إليها "دونالد" حول أهميّة الدين دفعته للبحث عن الدين السماوي الذي ارتضاه الله تعالى لعباده ، فأرشدته جميع الأدلّة والبراهين التي حصل عليها خلال البحث إلى أحقّيّة الدين الإسلاميّ ، وأنّه الدين السماويّ الذي أنزله الله تعالى على خاتم رسله النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) ، فلم يتردّد بعد ذلك لحظة في اعتناق هذا الدين الحنيف.
مشاعره بعد الاستبصار:
شعر "دونالد" بعد الاستبصار بالطمأنينة لما أحدث فيه الإسلام حالة من الانسجام بين أحاسيسه الإنسانيّة الباطنيّة وبين أهدافه التي يسعى نحوها في الحياة ، كما أنّه أحسّ بالسعادة والأمن والرضا ، وشعر بأنّ جميع جذور الخوف والقلق الدنيويّ قد اقتلعت من نفسه ، فلم يشعر بعدها بالخوف من المجهول ، والخوف من الضياع، والخوف من الفقر، والخوف من الفناء، وضياع الحياة، وغير ذلك من أنواع الخوف الذي هو سرّ مأساة الإنسان ومصدر شقائه.
ولم يبق في نفسه إلاّ خوف واحد وهو الخوف من الله تعالى ، وكان هذا الخوف الممزوج بالرجاء يدفعه ليعيش حالة التوازن في الحياة ، ولهذا كانت السعادة هي أوّل ثمرة حصل عليها بعد استبصاره.
ثمّ توجّه "دونالد" إلى نشر أصول ومبادئ الدين الإسلاميّ ولا سيّما علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) بين أصدقائه وأقرانه وأبناء منطقته ، وكان يحاول أن يفتح بصائرهم وأن يرشدهم إلى سواء السبيل.
1) النحل {16} : 112.
الصورة
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ أكملت الدراسة الإعدادية ، ثمّ التقت ببعض علماء الشيعة فاستنارت بصيرتها بحقائق غيّرت مرتكزاتها الفكريّة والعقائديّة ودفعتها إلى اعتناق الدين الإسلاميّ.
الإسلام والحكمة من تعدّد الزوجات:
تبيّن لـ "ديبورا" خلال مقارنتها بين الدين الإسلامي والديانة المسيحيّة بأنّ الإسلام يسمح للرجل بتعدّد الزوجات حتّى أربع ، وأنّ المسيحيّة لا تسمح للرجل إلاّ بزوجة واحدة ، فدفعها هذا الأمر إلى البحث لمعرفة الحكمة من تعدّد الزوجات في الإسلام ، فتبيّن لها خلال البحث أنّ الإسلام وضع الكثير من الضوابط لتتّسم العلاقة بين الرجل والمرأة بالعفّة والطهر ، فهو كما أباح من ناحية للرجل أن يتزوّج حتّى أربع نسوة ، فإنّه وضع من ناحية أخرى العقوبة الصارمة في حقّ من يتعدّى حدود الله تعالى ، فحدّ الزاني والزانية غير المتزوّجين مائة جلدة، وحدّ الزاني والزانية المتزوّجين الرجم بالحجارة حتّى الموت.
وأمّا فيما يخصّ تعدّد الزوجات ، فقد قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا}(1).
وهذه الآية بيّنت الشرط الأساسيّ في تعدّد الزوجات وهو تحقيق العدل بين الزوجات فيما يخصّ النفقة والمعاشرة بالمعروف وما إلى ذلك ممّا هو قادر على أن يكون عادلاً فيه.
وأمّا الحكمة من جواز تعدّد الزوجات ، فهو في الواقع علاج قدّمه الإسلام لحالة عجز الزوجة عن تلبية احتياجات زوجها ; لأنّ الزوجة قد تمرض فتعجز عن تلبية احتياجاته ، فيبذل قصارى جهده في سبيل علاجها ولكن لا يصل إلى نتيجة ، وهو مع ذلك يحبّ زوجته، ولا يخطر على باله الابتعاد عنها ، فالحلّ الإسلامي لهذه المسألة هو أن يتزوّج غيرها، وأنّ يطبق تعاليم الإسلام في العدل بين الزوجين.
أمّا المسيحيّون فلا حلّ لهم لهذه المسألة ; لأنّهم لا يسمحون بتعدّد الزوجات ، وهذا ما قد يدفع الرجل إلى ارتكاب الزنا!
إذن فالإسلام لم يسمح بتعدّد الزوجات ليظلم حقّ المرأة ، بل جعل ذلك سبيلاً لحلّ بعض المشاكل العائليّة ،واشترط على الرجل أن يكون عادلاً بين زوجاته ، فإذا خاف الزوج الجور، وعدم الوفاء بما عليه فلا يحقّ له أن يتزوج بأكثر من واحدة.
ومن هذا المنطلق عرفت "ديبور" حكمة تعدّد الزوجات في الإسلام ، ثمّ واصلت بحثها حول الإسلام حتّى أيقنت بأحقّيّته ، فأعلنت استبصارها ، ثمّ تزوّجت بأحد المسلمين; لتوفّر لنفسها الأجواء الدينيّة المناسبة التي تشجّعها على الالتزام بتعاليم الإسلام.
1) النساء {4} : 3.
الصورة
ولدت سنة 1951 م في مدينة "دنفر" التابعة لولاية "كولورادو" في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة لوثريّة ، ودرست في مدرسة لوثرية لمدة ثلاثة عشر عاماً ، ثمّ واصلت دراستها حتّى حصلت على شهادة الليسانس في التمريض.
اعتنقت الإسلام وتمسّكت بولاء أهل البيت(عليهم السلام) بعد لقائها بعدد من المسلمين في أمريكا.
التقت بها مجلّة نور الإسلام اللبنانيّة ، وأجرت معها حواراً بيّنت فيه "ديرا" قصّة هدايتها ، وهذا هو نصّ الحوار:
سؤال: بدايةً ، وبعد أن تعرّفينا عن نفسك ، نرجو أن تضعينا في جوّ نشأتك ومحيطك والدوافع التي قادتك إلى التعرّف على الإسلام؟
جواب: بداية أرحّب بكم ، وأعرّفكم عن نفسي باختصار ، فأنا أميركية من مدينة "دنفر" في ولاية "كولورادو" من مواليد 1951 ، اسمي الأصليّ "ديرا" واتّخذت اسم "فاطمة" تيمّناً وإعجاباً بسيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(عليها السلام). أحمل شهادة الليسانس في التمريض إلى جانب اهتمام ثقافي متنوع وخاصّة في النواحي الدينيّة ، عملت في حقل التمريض في أمريكا ، وأنا الآن ربّة منزل، ولديّ
عائلة من زوجي المسلم اللبنانيّ الذي تعرّفت عليه بعد اعتناقي للإسلام ، وإنّني اعمل على الاهتمام بعائلتي، ورعايتها حيث نقيم في هذه البلدة اللبنانية الطيّبة ، كما أعمل على تنمية ثقافتي الإسلاميّة ، وأحاول أن أهيّيء شيئاً ما أخدم به ديني ورسالتي.
بعد هذا فإنّني أحمد الله سبحانه وتعالى الذي هداني إلى الحقّ ، فهو الذي يهدي إلى هذا الصراط جميع خلقه ومنهم أنا ، ولذا فأنا ممتّنة شاكرة ، فالأمر يبدو كمن يعود إلى بيته الحقيقيّ للراحة بعد رحلة عناء طويلة ، وليجد أنّ هناك أجوبة على كلّ الأسئلة ، ويشعر بارتياح لمعرفته بأنّ هناك حقيقة مطلقة.
وبّما أنّ المسيحيّة في المجتمع الذي كنت أعيش فيه قد انقلبت عن أصولها نحو العلمانيّة ، ولم تعد تلتزم بالحقّ كما علّمها المسيح(عليه السلام)، فإنّها باتت تقوم على مغالطات أساسيّة ، وأن ينشأ المرء في بيئة مسيحيّة كما حدث معي ، فإنّ هذا يعني أنّه سيلقّن مفاهيم مرتبكة ومشوّشة كالإنجيل المحرّف ، والعلاقة غير المباشرة مع الله سبحانه وتعالى ، وفصل الدين عن البيئة السياسيّة والاقتصاديّة ، والمغفرة بواسطة المسيح(عليه السلام)، والصلب ومذهب الخطيئة الأصليّة ، والمسيح هو ابن الله ، ولقد وضع بعضهم بعض الأفكار الوثنية المتعلّقة بالميلاد والفصح و(التثليث). هذه هي المناحي السلبيّة ، ونظراً إلى أنّني لم أكن أعلم أنّها مغلوطة عندما كنت اعتنق المسيحيّة ، فقد كنت أتساءل عمّا يبدو لي فيها من تناقضات ، دون أن أتلقّى الإجابات عليها من أساتذتي ووالديّ الذين كانوا يقولون لي: عندما تكبرين ستفهمين، وقد كبرت فعلاً ولكنّني لم أفهم! ومع ذلك فقد منحنتي المسيحيّة أموراً إيجابيّة كالمعرفة بوجود إله واحترامه ، والقدرة على الالتزام بالقوانين الدينيّة كما أعرفها ، وكذلك أعطتني قدراً من القاعدة المعرفيّة التي مكّنتني من مواصلة بحثي عن الحقيقة ، وأنا أقف شاكرة لهذه التجربة كما أشكر والديّ وجدّي الذين بذلا ما في وسعهما لجعلي أعرف معنى العلاقة مع الله.
إنّ عائلتي وأسرتي في الولايات المتّحدة ذات أصل ألماني وتعتنق البروتستانتيّة اللوثريّة ، لذا فهي معزولة اجتماعيّاً ، ولقد دخلت مدرسة لوثريّة نحو ثلاثة عشر عاماً ، وكنت أحضر دروساً دينيّة يوميّاً، وأذهب إلى الكنيسة ، ولا أظنّ أنّني تلقّيت تربية أمريكية (تقليديّة) ، فلقد كانت نشأتي جدّاً (دينيّة).
ولقد أصبحت لاحقاً عضواً غير فاعل في الكنيسة في أوائل مرحلة الشباب ، إذ سرعان ما اكتشفت أنّها غير قادرة على الإجابة على أسئلتي ، وغير قادرة على معالجة الحقائق الاجتماعيّة والسياسيّة في الولايات المتّحدة ، وهكذا أمضيت نحو خمس عشرة سنة أعيش وأبحث في الفلسفات المختلفة وفي المذاهب المسيحيّة الأخرى، ولقد حاولت أن أعود إلى الكنيسة اللوثريّة لعام واحد ، إلاّ أنّني وجدت أنّه من المستحيل أن أشارك كإنسانة راشدة في الإيمان بعقائد كان شعوري برفضها يزداد تدريجيّاً ، وهكذا أخذت الحيرة الداخليّة تعتصرني وأنا أحاول أن أعرف لماذا لا أحصل على الاطمئنان الداخليّ وأصل إلى الحقيقة. إلاّ أنّني لم أفقد الأمل بأنّ الله عزّ وجلّ الذي خلقنا جميعاً، وخلق هذا العالم لا بدّ أنّه وضع الحقيقة فيه ، فكنت أشعر في داخلي أنّ الله منحنا (الحقيقة الكاملة) الآن أنّني لسبب ما لم أكن قادرة على الوصول اليها.
سؤال: إذاً كيف قادتك خطواتك إلى التعرّف على الإسلام واعتناقه؟
جواب: في منتصف العقد الثالث من العمر ، أخذت أشعر أكثر فأكثر بالإحباط من البحث، ومن المشاركة في هذا العالم، وتأمين مستقبل لي فيه دون أن أجد حلاًّ لما كنت أبحث عنه. كنت أخشى من كيفيّة مواجهة يوم القيامة، وأنا لم اتوصّل بعد إلى المعرفة الكاملة ، فعمِدت ببساطة إلى الصلاة والدعوة إلى الله أن يهديني إلى الصراط المستقيم، ويسدّد خطاي.
وبعد ذلك بإسبوعين أخذت طبيبة ـ كانت تدّرسني التمريض في ذلك الوقت ـ تحدّثني عن عقيدتها الإسلاميّة، ولقد كانت باكستانيّة شيعيّة ، ولم يكن
لديها كتب حول الإسلام باللغة الإنجليزيّة يمكنني أن أقرأها ، إلاّ أنّها شاركتني كلّ ما تعرفه ، فأحسست باهتمام شديد ورغبة في مزيد من المعرفة.
وفي ذلك الوقت ، كنت أنهي دراستي الجامعيّة في التمريض ، وهكذا أخذت أبحث في مناهج الجامعة عن قسم يعلّم الإسلام ، فوجدت مادّة تدعى (دراسة الإسلام). انتسبت إلى الصف ووجدت أنها ذات طبيعة تاريخيّة عامّة ، فتعلّمت منها ما قدرت عليه ، إضافة إلى المعلومات التي تلقّيتها من زملائي ومعظمهم مسلمون ، وقد التقيت في هذا الصفّ بأخت مسيحيّة اعتنقت الإسلام بفضل إرشادات وتعاليم زوجها الإيرانيّ ، والجالية الإيرانيّة ككلّ ، ولقد ساعدتني كثيراً ولله الحمد في دراستي للإسلام ، وفي العديد من مناحي المعاملات اليوميّة والعبادات ، وبفضل صداقتها واهتمامها تعرّفت على جماعة من المؤمنين من الجاليتين المحلّيّتين الإيرانيّة واللبنانيّة.
وبعد نحو عام من الدراسة ، وبعدما دعوت الله لأن يساعدني في الوصول إلى الصراط المستقيم ، أصبحت مسلمة في (ليلة القدر) من شهر رمضان المبارك ، فالله الرحمن الرحيم كان رؤوفاً بي ، إذ أرشدني إلى الحقيقة.
سؤال: ما كان أثر اعتناقك الإسلام على المحيط ، وما هي المشاكل التي واجهتك؟
جواب: اعتناق الإسلام يعني تغييراً حتميّاً في حياة المرء ، والالتزام بالعقيدة أدخل السعادة إلى حياتي ، ولقد دهش البعض في البداية وعاملوني معاملة صعبة ، ولكن كيف لا يمكن أن أكون سعيدة بعد أن أمضيت هذا الوقت الطويل انتظاراً للوصول إلى الحقيقة.
على المستوى الشخصيّ كان همّي أن أحصل على كلّ المعلومات التي استطيع الوصول إليها ، وأن أتعلّم من المسلمين الآخرين كيفيّة الصلاة ، وكيفيّة التأمّل ، ثمّ ارتديت اللباس الإسلاميّ الشرعيّ ، وأحسست بتحوّل كبير عندما
قمت بذلك ، ولم أكن أعلم عندما درست الإسلام للمرّة الأولى أنّ هذا أمر ضروري ، ولذا شعرت بنوع من الصدمة عندما أخبرتني الأخوات بذلك ، وقد حدثت هذه العملية ببطء ، وأدركت أنّ ارتداء اللباس الإسلاميّ لا يشمل فقط الثياب وما تغطّيه ، بل إنّه كناية عن رحلة روحيّة داخليّة ، أخذت أشعر فعلا باحترامي لنفسي، واحترامي للمجتمع وللمؤمنين ، وقد نما هذا الاحترام بعد ارتدائي للملابس الشرعيّة ، إنّ مثلنا الأعلى في ارتداء اللباس الشرعيّ يأتي من نساء آل بيت النبوة(عليهم السلام)كالسيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) والسيّدة زينب(عليها السلام)، ومن المؤكّد أنّهنّ القدوة الصالحة لسلوك النساء كأمّهات وزوجات وأعضاء في المجتمع.
أمّا تاثير اعتناقي الإسلام على أهلي وأقاربي فقد كان متوقّعاً ، فهم كمسيحيّين ينظرون إليّ كـ (إنسان ضائع وضالّ) ولقد كان أقسى ما عانيته أن أخسر احترام والديّ لي في هذا المجال ، وأدعو الله أن يهديهما إلى صراط الإسلام ، بالطبع لا يزال والديّ يحبّانني كابنة لهما ، ولقد أخذا يتقبّلان بعض المسائل أكثر بمرور السنين كتغيّر الثياب ، ونوع الطعام ، إلاّ أنّ نظرتهما لي لا تزال على حالها ، فهما يشعران بالأذى من جرّاء هذا التغيير ، أمّا أنا فأتقبّل والديّ، والتزامهما بالكنيسة وبأسرتهما ، وأحاول أن أتاسّى بالنبيّ إبراهيم(عليه السلام)، وأتذكّر كيف دعا الله من أجل والديه وأقاربه الذين لم يهتدوا للإيمان.
وسعادتي الكبرى تتمثّل في اعتناق أولادي الثلاثة البالغين الإسلام ، وهم الحمد لله يدرسون شؤون دينهم ، وكلّ منهم ينوي أن يتفقّه في الدين ; لكي يتمكّن من الدعوة إليه وخدمته ، فأبنائي يدرسون الآن التربية والتعليم، وابنتي زوجة وأمّ وربّة منزل.
أصدقائي الحقيقيّون تقبّلوا رغبتي في اعتناق الإسلام ، ولقد أصبحت علاقاتي معهم أوثق في بعض الحالات; لانّنا بتنا قادرين على مناقشة الدين
بمعرفة أكثر ، وهم قاموا بأشياء لطيفة كأن يشتروا لحماً من جزّار مسلم; ليدعوني إلى تناول الطعام ، ويوفّروا لي غرفة خاصّة للصلاة عندما أقوم بزيارتهم ، وبشكل عام ، لم أخسر أصدقائي; بل ربّما أكون قد كسبتهم.
أمّا زملائي في المستشفى حيث كنت أعمل ، فقد كانوا متفهّمين جدّاً ، فعندما كان يحين وقت الصلاة يتناوبون على استلام مكاني في العمل ، كي أتمكّن من الصلاة ، وينظمّون وقت العشاء بحيث أتمكن من الإفطار في شهر رمضان ، وهم بشكل عام منفتحون، وكانوا يطرحون العديد من الأسئلة حول الإسلام الأمر الذي قاد إلى مناقشات طويلة ، ولقد بدأت بارتداء الحجاب في المستشفى بعد نحو عام على اعتناقي الإسلام ، وبعد ستة أشهر من ارتدائه في الخارج .
واللطيف أنّ حجابي فرض احترامهم لي في العمل ، حتّى أنّ إدارة المستشفى أرادت ترقيتي إلى منصب رئيسة الممرّضات ، إلاّ انّني رفضت; لتجنّب حضور الحفلات المرتبطة بهذا المنصب ، والتي تتضمّن شرب الخمر والرقص ، رفضت المنصب بعد أن اشترطت إدارة المستشفى ذلك ، واعتبرت أنّ حضور هذه الحفلات إلزامي.
سؤال: ماهي التأثيرات الإيجابيّة الملموسة في حياتك منذ اعتناقك الإسلام؟ وعلى الصعيد الشخصيّ هل تشعرين بمزيد من الطمأنينة والراحة؟
جواب: أجل ، فأنا أكثر أمناً واطمئناناً ، وكما ذكرت أعلاه فأنا كمن وصل إلى البيت بعد عناء رحلة شاقّة ، فالإسلام يغطّي شؤون الحياة ، وأنا أرى فيه حلاًّ دائماً لكلّ المسائل التي تعترضني ، وأنّا أشعر بمدى عظمته وكماله يوماً بعد يوم كلّما عرفت مفاهيمه أكثر.
والقرآن الكريم هو المصدر الأساسيّ الذي يُشعرني بالاطمئنان والسلام ، وإحساسي بالأمان يتعمّق عند اطلاعي أكثر فأكثر على سيرة الأنبياء والأئمّة
الاثني عشر(عليهم السلام) الذين يُعتبرون القدوة المثلى في هذه الحياة ، ولا توجد أيّ مشكلة نواجهها مهما كانت قاسية يمكن مقارنتها بما واجهه الإمام الحسين(عليهم السلام)في كربلاء.
كذلك فإنّني أشعر بالارتياح من أنّني الآن على علاقة مباشرة بالله عزّ وجلّ من دون الحاجة إلى وسيط كالكنيسة لدى المسيحيّين ، فالقرآن يقول: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}(1)، وفي هذا علاقة مباشرة ووثيقة بالله تعالى.
سؤال: على الصعيد الإيمانيّ ، هل تشعرين بالفرق بين علاقاتك بالمسلمين الآن ، وعلاقتك بغير المسلمين في الماضي؟
جواب: أجل ، فلقد حدّد الله لنا كيف نتعامل في ما بيننا على أسس (أخلاقيّة) كريمة ، ولدينا القرآن وسنّة الرسول(صلى الله عليه وآله) والأئمّة(عليهم السلام); لنهتدي بهم ، وأنا أشعر بالفخر والامتنان لهذه المصادر الملهمة والقدوة في آن واحد ، كما أشعر أنني أقيم علاقات وثيقة مع المسلمين الآخرين ، وبالطبع نحن لسنا جميعاً كاملين وكلّنا نخطىء في تعاملنا مع بعضنا البعض (كجسد واحد) إلاّ أنّ السائد أنّ العلاقات في المجتمع الإسلاميّ تبقى على مستوى أرفع بكثير من حيث الصدق والمحبّة والتعاون من المجتمع غير الإسلاميّ.
وأنا لم أترك المسيحيّة; لأنّها لا تتضمّن الصدق والمحبّة والتعاون ، ولكن لأنني شعرت بخلل في عقيدتها ، ويمكن للمرء أن يجد نماذج كثيرة من العلاقات القائمة على المحبّة والتعاون في المجتمع الذي نشأت فيه ، ولكن من دون الحقيقة الكاملة كما هي في الإسلام ، فإنّ المسيحيّ الذي لا يملك القوانين التي تتيح له كيفيّة التعامل مع كلّ مجالات الحياة سوف يشعر بأنّه تائه على المستوى الاجتماعي.
1) ق {50} : 16.
سؤال: هل لديك اقتراحات محدّدة للدعوة إلى الإسلام على أساس خبرتك الشخصيّة؟
جواب: إنّ وضعيّة التعامل التي نعيشها في حياتنا اليوميّة تشكّل أحد أعظم الطرق التي تظهر أنّ الدعوة إلى الله يجب أن تصوغ مظاهر شخصيّتنا ، وهذه الشخصيّة سوف تشكّل حافزاً للبعض كي يدرس الإسلام ، وأنا أشجع المسلمين الذين يسافرون إلى بلاد غير مسلمة للعمل أو الدراسة على أن لا يتخلّوا عن عقيدتهم وأخلاقيّتهم في التعامل مع غير المسلمين ، فسلوكهم مهمّ جدّاً ، وما يراه الجمهور غير المسلم من أعمالهم هو في الغالب ما يعتبر لديهم السلوك الإسلاميّ ، وهو أمر قد يكون مضلّلاً المسلمين إذا سلكوا أمامهم سلوكاً منحرفاً.
فالعقيدة بالنسبة إلى المسيحي ربّما تكون كما حدث معي ، السبب الأهمّ لاعتناق الإسلام ، وأنا أشجّع كلّ مسيحيّ على دراسة العقيدة الإسلاميّة بعمق ، واعتقد أنّ دراسة المسيحيّة بشكل فعلي سوف تؤدّي بالمرء المسيحيّ إلى اعتناق الإسلام ; لكثرة الأخطاء الفكريّة والمنطقيّة التي تقع فيها ، وهناك كتب متوافرة تظهر المغالطات الموجودة في الإنجيل ، كما تلفت انتباهه إلى المقاطع التي تشير إلى النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) بوصفه خاتم الأنبياء.
ولقد أعجبت جدّاً بالعديد من الكتب الإسلاميّة المترجمة إلى الإنجليزية ، ولقد قامت بعض المؤسّسات الإسلاميّة بدور مهمّ في الولايات المتّحدة من حيث تأمين هذه الكتب لي ولأبنائي وللآخرين.
سؤال: ما هو الدور الذي تقومين به أو تنوين القيام به في خدمة الدعوة الإسلاميّة؟
جواب: أعتقد أنّ أعظم ما يمكنني أن أخدم به ديني هو أن أكون زوجة وأمّاً وربّة بيت صالحة ، لديّ طفل صغير وأشعر بأنّ من واجبي ـ هو واجب يشعرني بالسعادة ـ أن أربيّه في بيئة إسلاميّة ، فالتربية عمل مطلوب وذو قيمة عالية ، ونحن
محظوظان جداً في أنّ لنا في الأنبياء والأئمّة وزوجاتهم المؤمنات قدوة حسنة ، والجهد الذي بذلوه في تربية أطفالهم، والعمل من أجل عائلاتهم هو السبب الذي يجعل لدينا حياة اجتماعيّة وأسريّة سليمة ومتماسكة.
وأشعر أنّ هناك حاجة ماسّة لكتب إسلاميّة للأطفال باللغة الإنجليزية ، ومع أنّني لست متخصّصة في هذا المجال فإنّ لديّ بعض الأفكار حول المضمون ، وإن شاء الله سأساهم بجهودي في هذا المجال وفي أيّ كتابة قد تكون هناك حاجة إليها.
سؤال: ماهي آفاق الدعوة الإسلاميّة في بلادك؟
جواب: أنا أعيش الآن في لبنان ،ولكنّني سأتحدّث عن الولايات المتّحدة حيث أمضيت قسماً من عمري فيها ، إنّ آفاق الدعوة الإسلاميّة في الولايات المتّحدة واسعة جدّاً ، والناس بشكل عام طيّبون ومتقبّلون ، إنّهم يشكّلون مجموعات باحثة لم تعد لديها أيّ أوهام حول مجتمعها الحالي.
أعتقد أنّ مصير الأميركيين هو السقوط والخيبة ، إذا لم يتّخذوا من الإسلام أو حتّى من المسيحيّة ديناً ; لأنّ العلمانيّة سوف تسقط المجتمع والدولة.
سؤال: ماهو وضع المرأة المسلمة كما ترينه؟
جواب: أعتقد أنّ المرأة المسلمة يجب أن تتمثّل بالنساء القدوة في تاريخنا الإسلاميّ ، كالسيّدة خديجة(عليها السلام) ، والسيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) ، والسيّدة زينب(عليها السلام) ، وزوجات الأئمّة(عليهم السلام) ، والسيّدة هاجر(عليها السلام) ،والسيّدة مريم(عليها السلام) ، وزوجة فرعون...الخ. فإذا اقتدت النساء بهنّ في جهادهنّ وحاولن أن يتّصفن ولو ببعض صفاتهنّ ، فإنّنا سنعطي حياتنا التي منحنا إياها الله بعض الراحة والاطمئنان ، فهل هذا هو وضع المرأة المسلمة الحالي؟ كلاّ على الأرجح ، فكما ذكرت من قبل لقد وقعنا في فخّ ثقافاتنا وعاداتنا بدلاً من الإسلام ، وليس لدينا أيّ عذر; لأنّ الله قد جعل للمرأة في الإسلام مكانة رفيعة ، فحقوقها محميّة ، ووضعها
كفرد مرتبط بمدى إيمانها.
سؤال: هل ترغبين في توجيه كلمة إلى المسلمين عبر منبر (نور الإسلام)؟
جواب: أريد أن أضمّ صوتي للآخرين الذين أبدوا خوفهم من تدفّق وسائل الإعلام (اليهوديّة) إلى البلاد الناميّة في العالم; وأعتقد أنّ ذلك قد لعب دوراً في تدمير البنية الاجتماعيّة المحدودة في الولايات المتّحدة قبل نحو ثلاثين أو أربعين عاماً ، وهي الآن تحاول أن تنقلها إلى العالم وخصوصاً مع انتشار الأقمار الاصطناعية والفيديو والكاسيت...الخ ، فأفلام هوليود وموسيقاها ورسومها المتحرّكة هي حالياً أكبر صادرات الولايات المتّحدة ، وبالتالي فإنّ توزيعها سيحظى بالحماية في العالم بأسره من قبل المالكين الخاصّين، ومن قبل الحكومة الأميركية ، فنلتفت عندما ندير شاشة التلفزيون ونشاهد أيّ برنامج للعنف وأيّ برنامج غير إنساني ولا معنى له ـ كما في العديد من أفلام الرسوم المتحرّكة وغيرها ـ فنلتفت إلى أنّ هذه البرامج مناقضة للتعاليم الإسلاميّة ، وإننا ندعو قوّة شريرة وهائلة إلى منزلنا ، وهي قد تحوّل اهتمام أطفالنا وحتّى اهتمامنا نحن عن مواضيع مهمّة إلى مواضيع مضلّلة ومفسدة(1).
1) مجلّة نور الإسلام: العدد 59 ،60 ، السنة الخامسة.
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة تعتنق الديانة المسيحيّة ، واصل دراسته الأكاديميّة حتّى نال الشهادة الجامعية.
إهمال الشريعة في المسيحيّة:
تبيّن لـ "روبرت" عن طريق البحث الذي اندفع إليه نتيجة لقائه بأحد علماء الشيعة أنّ المسيحيين رفضوا الشريعة وأهملوها بمجيء المسيح(عليه السلام).
والشريعة أو الناموس هي التي جاء بها موسى(عليه السلام) بوحي من الله سبحانه وهي التي أوحاها الله تعالى إليه في جبل سيناء ، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام وهي:
1 ـ الوصايا الأخلاقيّة: وهي كما جاءت في سفر الخروج "أنا هو الربُّ إلهك الذي أخرجك من أرض مصر ديار عبوديّتك ، لا يكن لك آلهة سواي ، لا تنحت لك تمثالاً ولا تصنع صورة ممّا في السماء من فوق ... لا تسجد لهنَّ ولا تعبدهنَّ ; لأنّي أنا الربُّ إلهك إله غيور... لا تحلف باسم الربّ إلهك باطلاً ; لأنّ الربَّ يعاقب من نطق باسمه باطلا. أذكر يوم السبت لتقدّسه، ستّة أيام تعمل وتقوم بجميع مشاغلك، أما اليوم السّابع فتجعله سبتاً للربِّ إلهك... أكرم أباك وأمّك لكي
يطول عمرك في الأرض... لاتقتل. لاتزنِ. لاتسرق. لا تشهد زوراً على جارك. لا تشته بيت جارك، ولا زوجته، ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره ولا حماره، ولا شيئاً ممّا له"(1).
2 - الحقل العباديّ: وهو مجموعة الشعائر التي دعا موسى(عليه السلام) إلى اتّباعها في التقرّب إلى الله تعالى ، منها تنظيم العبادات والذبائح والتقدّمات والمواسم والأعياد والصلوات والصيام والتطهير.
3 ـ المعاملات المدنيّة (الأسريّة ، الاجتماعيّة ، الاقتصاديّة ، والقضائيّة) ، وهي كثيرة منها: قصاص القاتل والزانية، والتمييز بين الحيوانات الطاهرة والنجسة ، وعدم أكل ما قدّم للأوثان ، وغسل مسّ الجثّة وغيرها كثير.
وجاء المسيح مكمّلاً لشريعة موسى ، وهذا ما يقوله في تعالميه لتلاميذه والناس(2)، وأوصى تلاميذه بأن يفعلوا كلّ ما يأمر به معلّموا الشريعة(3)وأكّد على عدم ترك الشريعة(4).
ولكن نرى المسيحيّين الآن قد تخلّوا عن الشريعة الموسويّة ، وكان أوّل من دعا إلى إهمال وإلغاء الشريعة هو بولس(5)ثمّ لخّص الشريعة في وصيّة واحدة وهي المحبّة(6).
البحث عن الحقّ:
إنّ الإشكالات الهائلة التي وجدها "روبرت" في المسيحيّة ، دفعته ليعيد النظر في الديانة التي ورثها من آبائه ، ثمّ وسّع "روبرت" دائرة بحثه ، ودرس
الإسلام الذي نبّهه إليه العالم الشيعيّ الذي التقى به خلال سفره إلى إيران.
ومن هذا المنطلق وجد "روبرت" الحقّ في الإسلام ، فاعتنقه ، ثمّ سمّى نفسه "حسين" نتيجة تأثّره بالإمام الحسين(عليه السلام) الذي قدّم كلّ ما عنده في سبيل الله تعالى، وضحّى بكلّ ما يملك من أجل مواجهة الطغاة الذين حاولوا أن يبعدوا الناس عن الله تعالى.
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، وحصل على شهادة جامعيّة أهّلته للعمل في مجال تقنية صناعة الطيران.
إلمامه بعظمة القرآن:
تعرّف "روبرت" على الإسلام عن طريق لقائه بأحد علماء الشيعة خلال سفره إلى إيران ، ثمّ دفعه حبّ الاستطلاع إلى قراءة القرآن الكريم ، فوجد في كلّ موضوع من القرآن آيات تحرّض الإنسان على فعل الخير.
كما وجد "روبرت" أنّ القرآن صحّح الكثير من الأخطاء التي كانت البشريّة تتخبّط فيها، وأنّه دعا إلى طلب العلم ، وشجّع الناس إلى رفع مستواهم المعرفيّ; لئلاّ يقعوا في مصائد شياطين الإنس والجنّ.
والأمر الذي دعا "روبرت" إلى الاستغراب هو أنّ هذا القرآن على الرغم من مضي أربعة عشر قرناً عليه ، فإنّه قادر على التلاؤم مع زماننا المعاصر ، وفيه الكثير من القضايا العلميّة المنسجمة مع مبادىء العلوم العصريّة.
وشعر "روبرت" خلال قراءته للقرآن أنّ هذا الكتاب يمنحه العلم والحقّ والخير والأهداف السامية ، وأنّه يدفع القارىء إلى تشغيل عقله بكلّ ما فيه من
طاقات ويدعوه إلى التفكّر والتأمّل والتدبّر، وإلى كلّ ما يؤدّي إلى تنمية العقل.
فالقرآن يعلّم البشرية كيف يعيشون في هذه الحياة ، وكيف يوحّدون صفوفهم ويجمعون كلمتهم ، وكيف يتعاملون مع ربّهم عن طريق التحلّي بالصفات الحسنة، والتمسّك بالمثل العليا.
وكان "روبرت" يعاني خلال اعتناقه للديانة المسيحيّة من إفراط هذه الديانة في الجانب الروحي ، ولكنّه وجد القرآن يبسط أمام الإنسان طريقاً وسطاً لا تتجرّد فيه الروح عن البدن ولا البدن عن الروح ، بل يكون وسطاً بين المادّة والروح ، ويدفعه إلى الاهتمام بشؤون بدنه على أن لا ينسى أنّه كائن روحي قبل كلّ شيء.
ولهذا فإنّ القرآن ليس كتاب دين فقط ، بل هو أعظم هاد إلى سعادة الفرد والمجتمع ، وهو القانون العام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو صالح لكلّ زمان ومكان، وأنّ المسلمين لو تمسّكوا به حقّاً لأصبحوا سادة للامم ، ولكن المشكلة أنّهم لا يلتزمون بما جاء به القرآن.
تأثّره بالاسلام لا بالمسلمين:
كان "روبرت" يدرك أنّ الإسلام شيء ، والمسلمين شيء آخر ، وأنّ المسلمين لا يمثّلون الإسلام إلاّ بعد التزامهم الكامل بالتعاليم التي جاء بها الإسلام ، وينبغي للباحث الموضوعيّ أن لا ينسب الأخطاء الموجودة في المسلمين إلى الإسلام ; لأنّ المسلم قد يكون غير ملتزم بدينه ، فهو يتحمّل مسؤولية عمله ، ولا يحقّ له أن يُعمّم الخطأ وينسبه إلى الإسلام.
وعرف "روبرت" أنّ الذي زرع القناعة الكاملة في نفسه بأحقيّة الإسلام هو الدليل والبرهان ، وهذا ما ألزمه التمسّك بهذا الدين ، وإذا كان بعض المسلمين بعيدين عن دينهم ، فلا ينبغي أن يؤثّر ذلك فيه ، بل عليه أن يكون بنفسه المسلم الملتزم بالتعاليم الإسلاميّة.
ومن هذا المنطلق أعلن "روبرت" اعتناقه للإسلام ، ثمّ توجّه إلى نشر المبادىء الإسلاميّة ، وكان دائماً يحثّ المسلمين الذين يلتقي بهم على أن يكونوا زيناً للإسلام ، وأن لا يكونوا سبباً في تشويه صورة الإسلام أمام الآخرين.
ولد سنة 1976 م في مدينة "سياتل" التابعة لولاية "واشنطن" في أمريكا ، ثمّ اتّبع سبيل الإلحاد، وعدم الإيمان بأيّ دين أو مذهب ، ثمّ دخل السجن على أثر ارتكابه لبعض الأعمال الخلافيّة ، وكان يأتي بعض المسلمين إلى السجن لأجل الوعظ والإرشاد ، فالتقى "ريان" بهؤلاء ، فتأثّر بكلامهم ، واندفع إلى البحث عن الحقيقة.
دوافع الإلحاد:
إنّ القرآن الكريم يبيّن بأنّ وراء الإلحاد أسباب ودوافع نفسية منها: الاستكبار ; لأنّ الالحاد يدفع صاحبه إلى نزعة استعلائيّة تمنعه من الإيمان بالله والرسل ، ولهذا قال تعالى: {إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ}(1).
وقال تعالى: {إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَن}(2).
وقال تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا}(3).
وقال تعالى: {كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا}(1).
والأمر الآخر الذي يؤدّي إلى الإلحاد هو الاستغراق في اتّباع الأهواء والشهوات ، وقد قال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْم}(2).
وقال تعالى: {ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الآخِرَةِ}(3).
ولهذا يبتلي الله تعالى في بعض الأحيان بعض عباده الغافلين ; ليلفت انتباههم إلى حقيقة وجودهم ، ولينظروا إلى الحياة بأفق واسع ، ولهذا قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَم مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ}(4)وكان "ريان" من جملة هؤلاء الذين ابتلاهم الله تعالى لعلّهم يتضرّعون ، فاستيقظ "ريان" وهو في السجن من غفلته ، فتوجّه نحو البحث ، وساعده المسلمون الذين كانوا يزورونه في السجن بعض الأحيان على ذلك.
وبمرور الزمان آمن "ريان" بوجود الله تعالى ، وأيقن بأنّ النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله)هو خاتم الرسل ، وتعرّف على منزلة أهل البيت الذين اصطفاهم الله تعالى ;ليكونوا الحجج على الخلق من بعد رسوله.
ويقول "ريان ويفر" حول كيفيّة اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام): وجدت بعد أن أمضيت فترة من البحث ومطالعة بعض الكتب الإسلاميّة العقائديّة ، بأنّ قلبي ينبض بمحبّة أهل البيت(عليهم السلام) ، وهذا ما دفعني إلى اتّباعهم والتمسّك بهديهم والانتماء إلى مذهبهم.
ولد سنة 1979 م في مدينة "سياتل" التابعة لولاية "واشنطن" في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ تعرّف على الإسلام نتيجة لقائه ببعض المسلمين ، فاعجبته سيرتهم وتعاملهم ، فدفعه ذلك إلى دراسة الدين الإسلاميّ.
مبادىء الدين الإسلامي:
عرف "ريتشارد" عند دراسته للإسلام بأنّ هذا الدين الحنيف هو دين أراد به الله تعالى أن يوضح لعباده طريق السعادة في الدنيا والنعيم الأبدي في الآخرة ، ومن أهمّ مبادىء وتعاليم هذا الدين هي وضوح العقيدة وابتناؤها على الإقناع والاقتناع وضمانها لحريّة الإنسان في البحث والنظر والاعتقاد ، وقد قال تعالى: {لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}(1).
ومن سمات هذا الدين أنّه فتح الطريق بين الإنسان وربّه ، وفسح المجال لأيّ شخص أن يسأل الله مباشرة ، وأن يدعوه ويعبده دون واسطة ، وقد قال تعالى: {وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(2).
ومن مبادىء هذا الدين المساواة العامّة بين الناس دون لحاظ الجنس أو اللون أو النسب أو المال ، وقد قال تعالى: {يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(1).
ومن جهة أخرى فإنّ الإسلام دين عالمي ، لم ينزله الله سبحانه لفئة دون فئة ، ولا لقوم دون قوم ، بل أنزله لجميع البشريّة في كلّ زمان ومكان ، ولهذا قال تعالى: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ}(2).
كما أنّ الإسلام أمر أتباعه بأنّ يؤمنوا بكلّ الأديان السماويّة الإلهيّة السابقة ، وأن يؤمنوا بجميع الأنبياء والرسل المبعوثين ، ولهذا قال تعالى: {قُلْ آمَنّا بِاللّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}(3).
ولكن لا يخفى بأنّ الشريعة المحمّدية نسخت الشرائع السابقة ، ولهذا لا يقبل الله من الناس أيّ عمل إلاّ إذا كان موافقاً لما جاء به خاتم الأنبياء محمّد(عليه السلام).
كلمة حول الإسلام:
يقول "ريتشارد": أنا اعتقد أنّ الإسلام هو المفتاح لانقاذ العالم وخاصّة في هذا العصر الذي سادت فيه جاهليّة الغرب الحديثة ، ويتمّ ذلك فقط على يد الذين صدقوا في إيمانهم وأحبّوا أهل البيت(عليهم السلام).
ويضيف "ريتشارد": أنا اعتقد بأنّنا نستطيع من خلال التحلّي بالتعاليم الإسلاميّة وبذل السعي والجهد لنشرها بين الآخرين أن نرفع كلمة الله ونجعلها العليا، وننشر العدالة المنشودة في كلّ أنحاء العالم.
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحية ، ثمّ واصلت دراستها حتّى حصلت على شهادة الدبلوم في الثقافة والتعليم، ثمّ تعرّفت على الدين الإسلاميّ بعد تعرّفها على بعض المسلمات ، فدفعها ذلك إلى البحث من أجل تحديد مصيرها العقائديّ.
الإيمان بالغيب:
فكّرت "ساندرا" قبل مبادرتها للبحث بمسألة الغيب ; لأنّها كانت أوّل عقبة في طريق اهتمامها بالدين ، ولكنّها كانت ترى بأنّ اشتغالها بتدبير أمور حياتها ومعاشها اليومي يصرفها عن مواصلة النظر وإطالة التفكير في ما هو غائب عن حواسّها الخمس.
ولكنّها حاولت مع ذلك أن لا يمنعها التعلّق بالعالم المادّي الدنيوي عن محاولة التعرّف على ما وراء الغيب ، وكان دافعها إلى هذه المحاولة الرغبة في استكشاف المجهول ، وكانت هذه الرغبة بعد التقائها بالمسلمات تلحّ عليها وتؤرّق بالها.
وعرفت "ساندرا" خلال بحثها بأنّ كلّ الأديان حتّى التي كانت من صنع البشر ـ ماعدا التيّارات الإلحاديّة ـ تؤمن بالغيب، بل يحتلّ الإيمان بالغيب في
عقائدها مجالاً واسعاً من أفقها الفكريّ.
ومن هنا تبيّن "لساندرا" بأنّ الاهتمام بالعنصر الغيبي لم يكن وليد فترة زمنيّة محدّدة من حياة الإنسان ، بل كان الإنسان منذ بداية نشأته دائم التفكير بالأمور الغيبيّة ، وكان يحاول التعرّف على هذه الأمور من قرب ; ليتوصّل إلى مجاهيلها وأسرارها بطريق وآخر.
الإيمان بالغيب في الإسلام:
إنّ البحوث التي أجرتها "ساندرا" أثبتت لها حقيقة وجود العالم الغيبيّ ، ولهذا اندفعت إلى البحث عن الدين ، ثمّ أحبّت أن تتعرّف على رأي الإسلام حول القضايا الغيبيّة ، فتبيّن لها بأنّ الإسلام يقول بضرورة الإيمان بالغيب ، ويجعل هذه الصفة من السمات البارزة للمؤمنين حيث قال تعالى: {الم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}(1).
كما قال تعالى: {إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَة وَأَجْر كَرِيم}(2).
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}(3).
وقد دفعت الآيات القرآنية الإنسان لتفويض أمر الغيب إلى الله ; لأنّه {لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللّهُ}(4).
وقد أخبرنا الله عزّ وجلّ بأنّه لا يطلع أحداً على الغيب إلاّ من شاء ، فقال تعالى: {وَما كانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ}(5).
توثيق علاقتها مع الله تعالى:
واصلت "ساندرا" اهتمامها بالتطلّع إلى الغيب وما وراء عالم المادّة والخلقة من موقع الرغبة في توثيق علاقتها مع الله تعالى ، فكانت نتيجة بحثها أنّها أيقنت بأنّ الإسلام هو خاتم الأديان الإلهيّة ، وهو الطريق الوحيد الذي اختاره الله تعالى ليتعرّفوا من خلاله على الغيب ، وليحيطوا علماً بما يضمن لهم السعادة في هذا العالم الغيبي.
ومن هذا المنطلق أعلنت "ساندرا" إسلامها واعتناقها مذهب أهل البيت(عليهم السلام)وواصلت بحثها لتتعرّف على المزيد من العلوم والمعارف الإسلاميّة.
الصورة
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ واصلت دراستها حتّى حصلت على شهادة الليسانس ، ثمّ تعرّفت على الدين الإسلاميّ من خلال زيارتها إلى إيران، والتقائها ببعض المسلمات ، فدفعها ذلك إلى البحث حتّى وصلت إلى القناعة الكاملة بأحقّية الدين الإسلاميّ فاستجابت لندائه واعلنت استبصارها.
المفهوم الإسلاميّ للحياة الدنيا:
إنّ من أهمّ المفاهيم الإسلاميّة التي أعجبت "شارلين" بها هي نظرة الإسلام إلى الحياة الدنيا ، وقد جاء في القرآن الكريم حول وصفه تعالى للحياة الدنيا:
{وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ}(1).
وقال تعالى: {وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ}(2).
وقال تعالى: {إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ}(1).
وقال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الأَمْوالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْث أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ}(2).
وقال تعالى: {كُلُّ نَفْس ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ}(3).
وبصورة عامة فإنّ الإسلام حذّر أتباعه من الانخداع بمتع وزخارف ومفاتن الحياة الدنيا والانسياق ورائها ، والغفلة عن الحياة الأخرويّة ، وقد قال تعالى:
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ}(4).
وتبيّن هذه الآية بأنّ الإنسان ينبغي أن لا يعطي الحياة الدنيا وزناً أكثر من حقيقتها ، وينبغي له أن يعرف بأنّها زائلة ; لئلاّ يتقاعس عن الجهاد في سبيل الله.
كما ينبغي الالتفات إلى هذه الحقيقة وهي أنّ ذمّ الدنيا لا يعني تركها مطلقاً ، بل يعني ذلك جعلها وسيلة للحصول على ماهو أفضل منها وهي الآخرة ولهذا قال تعالى:
{وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللّهُ الدّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا}(5).
اعتناقها للدين الإسلاميّ الحنيف:
توصّلت "شارلين" بعد مضي فترة طويلة قضتها في المقارنة بين الديانة المسيحيّة والدين الإسلاميّ ، ودراسة شتّى المذاهب الفكريّة والعقائديّة بأنّ الحقّ مع الإسلام ، فلم تتردّد لحظة في إذعانها للحقّ ، فأسلمت وجهها لله تعالى وآمنت بنبيّه وكتابه وشريعته، وتمسّكت بأهل البيت(عليهم السلام)، والتزمت بالتعاليم الإسلاميّة ، لتتمكّن من جعل الحياة الدنيا مكاناً لجمع الزاد للحياة الأخرويّة.
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة من أصول أفريقيّة تعتنق الديانة المسيحيّة ، ثمّ واصل دراسته حتّى حصل على شهادة جامعيّة عليا.
تأثّره بالقرآن الكريم:
تعرّف "فرانك" على الإسلام عن طريق لقاء وقع بينه وبين أحد علماء الشيعة ، ومن هذا المنطلق اندفع "فرانك" إلى دراسة الدين الإسلاميّ ، وكان أكثر ما لفت انتباهه هو القرآن الكريم ، حيث وجده كتاباً إلهيّاً خالياً من أيّ خطّة سابقة على وجوده ، ومن دون أن يكون له نظير في المناهج الإنسانيّة.
وتبيّن لـ "فرانك" أنّ نبيّ الإسلام هو الوحيد بين أصحاب الديانات الذي لم يعتمد في تمام رسالته على المعجزات، بل اعتمد إضافة إلى المعاجز على بلاغة التنزيل ، فجاء بالقرآن الذي يحتوي على بحر من العلم والمعرفة ، بحيث لا تنتهي علومه ، ومهما يُستقى من بحر علومه هذه ، فإنّه لا يغيض أبداً ; لأنّه فيض إلهيّ نابع عن علم الله الذي لا منتهى له.
كما أنّ هذا القرآن يتضمّن قانوناً شاملا لجميع الشؤون المدنية والتجاريّة والحربيّة والقضائيّة، وفيه الكثير من الأصول الأخلاقيّة من قبيل المساواة
الحقوقيّة فيما بين الناس ، والوفاء بالعهد ، والرأفة على الأطفال والضعفاء والعفّة حتّى في المقال والصبر على البلاء و...
وواصل "فرانك" قراءته للقرآن وكان كلّما يقرأ القرآن يهتزّ كيانه ، ويخشع عقله وقلبه للعظمة التي يجدها في سطور هذا الكتاب السماويّ الخالد ، وكان يشعر أن هذا الكتاب يأخذ بيده إلى الشرف والتعالي.
والأمر الذي كان "فرانك" مستغرباً منه ، أنّ الترجمة بصورة عامّة تذهب بجمال وروعة النصّ المترجم ، ولكنّه مع ذلك وجد الجمال والأسلوب البديع في القرآن المترجم ، فإذا كانت الترجمة فيها هذا المقدار من الروعة ، فكيف بالقرآن الأصليّ الذي جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله)من عند الله تعالى.
ويكفي لبيان عظمة القرآن أنّه لم يقتصر على إدخال العرب فقط في الإسلام ، بل أدخل مئات الملايين من مختلف الشعوب في رحابه.
اعتناقه للشريعة المحمّدية:
إنّ تأثّر "فرانك" بالقرآن الكريم دفعه إلى دراسة الشريعة الإسلاميّة ، فوجد في هذه الشريعة كل ما تحتاج إليه البشريّة ، فلم يتردّد لحظة لاعتناق هذه الشريعة فأعلن استبصاره ، ثمّ توجّه إلى نشر الإسلام بين أقرانه ، فكان يشرح لهم المبادىء الإسلاميّة ، ويزيل عن أذهانهم الشبهات العالقة بها حول الإسلام ، وبهذا تمكّن أن يغيّر نظرة الكثير منهم عن الإسلام وأن يرفع الكثير من الشكوك والتساؤلات التي كانت تمنعهم من التقرّب إلى الإسلام.
ثمّ سمّى "فرانك" نفسه "حسين" نتيجة تأثّره بما قام به الإمام الحسين(عليه السلام)في الدفاع عن الإسلام ، والوقوف بوجه الطغاة الذين أرادوا تحريف هذا الدين اندفاعاً من مطامعهم الدنيويّة.
ولد سنة 1974 م في مدينة "لوس أنجلس" التابعة لولاية "كالفورنيا" بأمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة إسبانيّة الجذور ، وتعرّف على الإسلام عن طريق الاقتناع بأسس ومبادىء الإسلام ، ثمّ انتمى في البداية إلى مذهب أهل السنّة والجماعة ، وذلك لكثرة عددهم بين المسلمين ، ولكنّه أدرك بعد ذلك بأنّ الأكثرية لا تمثّل الحقّ ، فواصل بحثه واطّلع على العديد من المذاهب الإسلاميّة ، حتّى عرف بأنّ الحقّ مع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فأعلن استبصاره سنة 2001 في ولاية "واشنطن".
الإمامة بين النصّ والشورى:
عرف "كارلوس" خلال دراسته للمذاهب الإسلاميّة بأنّ السبب الأساسيّ الذي اختلف فيه أهل السنّة والشيعة هو مسألة الإمامة ، فذهب أهل السنّة إلى مبدأ الشورى ، وذهب أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) إلى مبدأ الاصطفاء الإلهيّ للإمامة.
وتبيّن لـ "كارلوس" بعد البحث بأنّ الأدلّة الشرعيّة تثبت مبدأ الشيعة ، وذلك لأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) قد نصبّ الإمام عليّاً(عليه السلام) في العديد من المرّات من بعده ، وجعله بأمر من الله تعالى خليفة من بعده.
ومن جهة أخرى فإنّ الناس قد تقع في أفظع الأخطاء وأسوء النتائج فيما لو ترك أمر اختيار الإمام إليهم ، لأنّ مقياس الانتخاب عند الناس يختلف عن
مقاييس الرسالة ; لأنّ عقول الناس ـ بصورة عامّة ـ في أعينهم ، وقد تغريهم الأهواء والمصالح، والنفس الأمّارة بالسوء ، والجهل والشيطان فتحرفهم عن الخطّ المستقيم ، فيمنعهم ذلك عن انتخاب الشخصيّة التي لها الكفاءة لهذا المقام الشامخ ، فيؤدّي بهم هذا الأمر في نهاية المطاف إلى المصير الأسود ، والانحطاط والابتعاد عن الإسلام.
كما أنّ الله تعالى أهتمّ بالناس في مجال إخراجهم من الظلمات إلى النور ، فكيف يتركهم سدى مرةً أخرى بترك العنان لهم باختيار قائد قد يخرجهم من النور إلى الظلمات!
وعموماً فإنّ العقليّة البشريّة قائمة ـ بصورة عامّة ـ على أساس المظاهر المادية والمكانة الاجتماعية دون النظر إلى الحقائق والكفاءات العلمية ، ولهذا اعترض المشركون على رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وقالوا له: {لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم}(1).
كما أنّ بني إسرائيل عندما قال لهم نبيّهم: {إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ}(2).
ولو سلّمنا بصحّة مبدأ الشورى ، فإنّها تتمّ فيما لو لم يكن هناك اختيار إلهيّ ، ولكن الأدلّة تثبت بأنّ الله تعالى جعل أئمّة اثني عشر بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)لهذه المهمّة ، فلهذا لا يجوز بعد هذا أن يبدي أحد رأيه على خلاف التعيين الإلهي ، وقد قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ}(3).
الصورة
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ أكملت الدراسة الإعداديّة ، ثمّ صادف لها أن التقت ببعض النساء المسلمات ، فدفعها حبّ الاستطلاع إلى التعرّف على الدين الإسلاميّ ،ومن هذا المنطلق تبلورت عندها القناعة بأحقّيّة الإسلام ، فأعلنت استبصارها ، ثمّ ارتدت الحجاب الإسلاميّ ، والتزمت بالتعاليم الإسلاميّة ، ولم تسمح للمشاكل الكثيرة التي واجهتها أن توهن اعتقادها بالإسلام.
موقف الإسلام من مخالفيه:
إنّ أكثر ما جذب "كارول" نحو الإسلام هو موقفه الرائع من مخالفيه ، والذي تبيّن لها كما يلي:
1 ـ موقف الإسلام من أهل الجهل البسيط: وهم الذين يجهلون بأنّ الإسلام هو الدين الحقّ الذي ينبغي اتباعه ، وموقف الإسلام من هؤلاء هو دعوتهم إلى الحقّ وبيانه لهم وترغيبهم فيه.
2 ـ موقف الإسلام من أهل الجهل المركّب ، وهم الذين يجهلون بأنّهم يجهلون الحقّ ، وهؤلاء هم بعض أدعياء العقائد الفاسدة ، وموقف الإسلام من
هؤلاء هو بيان مواطن الفساد والخطأ والباطل فيما يدّعون من عقائد وأفكار وآراء ، وعرض العقيدة الحقّة والآراء الصحيحة على أساس الحجّة القاطعة والبرهان الساطع ، وقد قال تعالى لرسوله:
{ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}(1).
وقال تعالى: {وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}(2).
وقال تعالى: {قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَة سَواء بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ}(3).
3 ـ موقف الإسلام من طلاّب الحقّ ، وهم المنصفون من أهل العقائد المخالفة ، وعلامة هؤلاء هو قبولهم الحقّ لو بان لهم دليله وظهرت حجّته ، وموقف الإسلام من هؤلاء هو انصافهم والانفتاح عليهم ، ومحاولة إلحاقهم بصفوف المؤمنين.
4 ـ موقف الإسلام من أهل الشبهات والتحريف ، وهم الذين يستهدفون الفتنة في الدين الحقّ ، وموقف الإسلام منهم هو الردّ على شبهاتهم ، وإزالة اللبس ، وكشف الحقيقة للآخرين ، وبيان الحقّ وتمييزه عن الزيف والباطل وردع أهله والقائلين به.
5 ـ موقف الإسلام من المنافقين ، وهم الذين يمثّلون الحربة الخفيّة التي
تطعن كيان الإسلام ، وقد حذّر رسول الله(صلى الله عليه وآله) أمّته منهم ، وحاول القرآن أن يكشفهم ويحدّ من نفوذهم.
6 ـ موقف الإسلام من الحكّام وأئمّة الكفر والظلم والجور ، وهم أهل القدرة والقوّة الذين استكبروا واستضعفوا الأمم وحكموا بأهوائهم ، وموقف الإسلام من هؤلاء هو التحذير من كيدهم ، ورفض ولايتهم ، والبراءة منهم ، وإعلان الحرب عليهم عند توفّر الشروط ، والعمل على إبعادهم عن السلطة ; لئلاّ ينتشر الفساد في البرّ والبحر، ولهذا قال تعالى: {فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ}(1).
وقال تعالى: {وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ}(2).
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ورث منها الديانة المسيحيّة ، فبقي على انتمائه العقائديّ الموروث حتّى استبصر أحد اصدقائه، ودعاه إلى اتّباع نهج الحقّ، وسلوك سبيل المؤمنين ، فتحاور "كامل بولارد" معه في الصعيد العقائديّ ، واندفع من خلاله إلى البحث حتّى فرضت عليه نتائج البحث اعتناق الدين الإسلاميّ الحنيف.
حاجة الإنسان إلى الدين:
عرف "كامل بولارد" من خلال مباحثته مع صديقه الذي سبقه بالإيمان أنّ الإنسان بحاجة إلى الدين ، ودليل ذلك هو أنّ التديّن غريزة وفطرة إنسانيّة متأصّلة في ذات الإنسان، ولا يمكن قتلها أو إماتتها في ضمير الفرد.
إلاّ أنّ هذا التديّن وهذه الأحاسيس العباديّة بحاجة إلى التوجيه نحو السبل السليمة والنقيّة ; لأنّها كثيراً ما تنحرف عن جادّة الصواب، وتدفع صاحبها إلى ممارسة العبادات الشاذّة والمنحرفة ، وأنّ الطريق التعبّديّ السليم لا يتمّ إلاّ على يد أنبياء الله تعالى ، وهم الجهة الوحيدة القادرة على قيادة ركب البشريّة نحو شاطىء السلامة والأمان ، وأنّ الابتعاد عن منهج أنبياء الله يؤدّي بالبشريّة إلى
التديّن الأسطوريّ ، والعبادة الشاذّة من قبيل عبادة الأجرام السماويّة والأوثان والظواهر الطبيعيّة والحيوانات والملوك والنار و...
وأنّ المنشأ الأساسيّ لهذه الديانات الضالّة هو الجهل ، وانحطاط الوعي ، والوقوع في أسر الأهواء النفسيّة.
وعرف "كامل بولارد" خلال البحث بأنّ انحراف الكثير في الصعيد الدينيّ لا ينبغي أن يكون سبباً في ابتعاد الإنسان عن الدين مطلقاً ، بل ينبغي له أن يندفع إلى البحث عن الدين الصحيح ; لأنّ الدين هو أمر ضروريّ في حياة الإنسان ، ولا يمكن التخلّي عنه أبداً.
ومن أدلّة احتياج الإنسان إلى الدين هو الفطرة ، وهو أنّ اتّجاه الإنسان نحو الدين تكوينيّ وذاتي ، وأنّ الدين وجد مع الإنسان منذ بداية وجوده على هذه الأرض ، وأنّ كلّ إنسان يشعر بفطرته نحو التعبّد والتقديس والشعور بوجود الهيمنة الكبرى في هذا الوجود ، والاتّجاه نحو إله عظيم يعبّر الإنسان عن شعوره وأحاسيسه التعبّديّة نحوه.
وهذا الشعور هو شعور فطريّ وموضوعيّ وصادق ، وهذا ما يثبت بأنّ التديّن قوّة فطريّة متأصّلة في ذات الإنسان ، ولكن ينبغي أن يوجّه الإنسان هذا الأمر الفطريّ نحو الاتّجاه السليم ، وعليه أن يستعين بعقله ; ليهتدي به إلى الجهة التي يمكن الوثوق بها في تلّقي معارفه الدينيّة.
البحث عن الدين الحقّ:
إنّ هذه الحقائق دفعت "كامل بولارد" إلى البحث عن الدين السماويّ الحقّ ، فأعاد النظر في ديانته الموروثة ، وقارنها مع الدين الإسلاميّ الذي دعاه إليها صديقه المستبصر ، فوجد أنّ الدين الإسلاميّ يفوق الديانة المسيحيّة ، وهو مكمّل لها ، كما ثبت عنده بأنّ القرآن الكريم معجزة إلهيّة عجزت البشريّة عن الإتيان بمثله.
وبمرور الزمان تبلورت قناعة "كامل بولارد" بأحقّيّة الإسلام ، فتخلّى عن المبادىء التي تلقّاها نتيجة تقليده الأعمى وتوجّه إلى اعتناق الدين الإسلاميّ الذي فرضت الأدلّة والبراهين والحجج الالتزام به وجعله السبيل إلى إرواء تعطّشه الدينيّ النابع من فطرته الإنسانيّة السليمة.
الصورة
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ صادف لها أن سافرت إلى إيران ، فتعرّفت فيها على الدين الإسلاميّ ، والتقت بالعديد من المسلمات ، واتّصلت ببعض علماء مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وهي باحثة عن الحقيقة.
دعوة الإسلام إلى السلم:
عرفت "كريستين" خلال دراستها للاسلام بأنّ اسم هذا الدين مشتقّ من السلام والمسالمة ، والمسلم هو الذي يسلم نفسه لله بخضوع وانقياد ، وقد قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}(1)، أي: يا ايّها الذين آمنتم باللّه ورسوله ادخلوا في الإسلام والسلام.
وقد أمر الإسلام بالاستجابة إلى دعوة السلام ، فقال تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(2)أي: إذا مالوا إلى السلام، وأرادوا المسالمة ، فمل إلى السلام ، واقبل منهم ذلك ، وتوكّل على الله فإنّه كافيك وحده.
وهذا هو الإسلام ، وهو الذي علّم أتباعه أن يعرضوا عن الباطل في القول
والعمل ، وأن يواجهوا الجاهلين ، وأهل اللغو بالسلام ودعوة السلام ، وقد ورد في القرآن: {وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ}(1).
وقد أمر الله تعالى أن يجتمع الناس على هدى الله وتسليم النفوس إليه ، فقال تعالى: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ}(2).
وقد ورد في آية أخرى: {وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى}(3).
وبصورة عامّة فإنّ الإسلام قد اهتمّ كثيراً بأمر السلام ، فجعل السلام تحيّة يلقيها المسلم على الآخرين ، وأوجب السلام من قبل المسلّم على النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، فقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(4).
وعموماً فإنّ الإسلام بمعنى إسلام النفس لخالقها ، وبمعنى الإسلام لله والانقياد لوجهه عزّ وجلّ ، فهو دين المؤمنين منذ فجر التاريخ ، فقد كان إبراهيم(عليه السلام) على الإسلام ، وهو الذي قال: {رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ...}(5).
كما قال تعالى: {وَجاهِدُوا فِي اللّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ...}(6).
كما كان نوح مسلماً حيث قال: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}(7).
وكان يوسف مسلماً حيث قال: { رَبِّ.. تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ}(1).
وكان موسى مسلماً حيث قال: {يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ}(2)
وكان عيسى مسلماً ، حيث قال: {مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللّهِ آمَنّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ}(3).
ومن هذا المنطلق أسلمت "كريستين" وجهها لله تعالى ، فآمنت بخاتم رسله وبحجّته في بريّته ، ثمّ أعلنت استبصارها ، وبادرت إلى الالتزام بأوامر الشريعة الإسلاميّة ، لتطهّر بذلك نفسها من الأدران والشوائب العالقة بوجودها.
ولد سنة 1974 م في مدينة "ليندن" بالولايات المتّحدة الأمريكيّة ، ونشأ في أسرة مسيحيّة إنجليكانيّة ، ثمّ حصل على شهادة الليسانس في الكمبيوتر ، كما أنّه يجيد عدّة لغات منها: الإنجليزيّة والإسبانيّة والهولنديّة والعربيّة والفارسيّة ، وله بعض المؤلّفات من كتب ومقالات.
استبصر سنة 1993 م بعد مطالعته المكثّفة لبعض الكتب الإسلاميّة ، ثمّ عمل مدّرساً للعلوم الإسلاميّة بعد إسلامه.
يقول "كليفلاند": إنّ أكثر ما جذبني إلى الإسلام هو عدم تعارضه مع العقل على عكس العقائد المسيحيّة التي فيها الكثير من التضادّ مع العقل.
كما اخترت مذهب أهل البيت(عليهم السلام) من بين المذاهب الإسلاميّة ; لأنّني وجدته المذهب الوحيد الذي يقدّم منظومة دينيّة متكاملة تحترم العقل ولا تقلّل من شأنه.
البحث عن الحصانة الفكريّة:
واصل "كليفلاند" دراسته للدين الإسلاميّ ، ولمذهب أهل البيت(عليهم السلام) بعد
استبصاره ; لأنّه كان يعي بأنّ الإنسان معرّض في كلّ آن للزلل ، ولهذا فعليه أن يحصّن نفسه دوماً بما يمنحه المناعة من الانحراف والضلال العقائديّ والسلوكي ، وأن يوفّر لنفسه الأجواء المناسبة التي تقيه من التّيارات التي تؤدي به إلى الضلال والانحراف.
ومن هذا المنطلق كان "كليفلاند" دوماً يعظ نفسه ويرغّبها ، كما أنّ كثرة دراسته للإسلام رفعت مستوى إلمامه بالإسلام ، ولم يرغب "كليفلاند" أن تكون ثمرة هذه الجهود مقتصرة على نفسه ، فتوجّه إلى تدريس العلوم الإسلاميّة ، كما أنّه عمل في العديد من المؤسّسات الإسلاميّة في أمريكا ، وله نشاطات ثقافيّة متعدّدة.
نشره للعقائد الإسلاميّة:
اجتهد "كليفلاند" أن يوصل كلمة الحقّ إلى الآخرين ، فبدأ من أفراد أسرته لقوله تعالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ}(1)فبادر إلى تبيين الحقائق لهم ، وأوضح لهم الكثير من الأمور العقائديّة ، فتأثّر بعض أفراد عائلته بالأدلّة والبراهين التي قدّمها لهم.
ثمّ توجّه "كليفلاند" إلى نشر العقائد الإسلاميّة بين أصدقائه وأبناء منطقته ، وبين كلّ من يجد فيهم الاستعداد لتقبّل الحقّ ، فاستبصر على يديه العديد منهم.
وهو لا يزال يبذل غاية جهده لنشر الإسلام في منطقته ، ويحاول عن طريق رفع المستوى المعرفيّ عند الآخرين أن يلفت انتباهم إلى بعض الحقائق الدينيّة ; ليندفعوا إليها فتستنير بصائرهم بنور المعارف الإلهيّة.
1) التحريم {66} : 6.
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، واصل دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على شهادة الليسانس في الحسابات.
بشارة الإنجيل بمحمّد(صلى الله عليه وآله):
ترعرع "كنت جي" في أسرته المسيحيّة وبقى على انتمائه الديني الموروث من دون أيّ شكّ بصحّة ما هو عليه ، واستمر على هذه الحالة حتّى التقى بأحد علماء الشيعة ، فبيّن له ذلك العالم مجموعة حقائق دفعته إلى إعادة النظر في معتقداته الموروثة.
وقد جاء في القرآن: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالإِنْجِيلِ}(1).
وهذا ما يدفع الباحث المسيحيّ إلى مراجعة الإنجيل بدقّة ليطمئنّ من صحّة هذا القول. ولهذا قرأ "كنت جي" الإنجيل بتأمّل فوجد أنّ عيسى(عليه السلام) قال فيه:
"إن كنتم تحبّوني فاعملوا بوصاياي ، وسوف أطلب من الأب أن يعطيكم معينا آخر يبقى معكم إلى الأبد وهو روح الحقّ الذي لا يقدر العالم أن يتقبله لأنّه لا يراه ولا يعرفه وأما أنتم فتعرفونه لأنّه في وسطكم وسيكون في داخلكم"(2).
ثمّ قال عيسى(عليه السلام): "وقد قلت لكم هذه الأمور وأنا مازلت عندكم وأما الروح القدس المعين الذي سيرسله الأب باسمي فانه يعلّمكم كل شيء ويذكركم بكلّ ما قلته لكم"(1).
كما قال عيسى في مورد آخر: "وعندما يأتي المعين الذي سأرسله لكم من عند الأب روح الحق الذي ينبثق من الأب فهو يؤدي لي الشهادة"(2).
ثمّ استمر "كنت جي" في بحثه فدرس الإسلام ، وتعرّف على أصوله ومبادئه ، فوجده ديناً كاملاً يفوق باقي الديانات بكثير.
اجتياز الموانع النفسيّة:
إنّ الباحث عن الحقيقة قد يجد الحقيقة بعقله ، ويصل إلى مرحلة اليقين في أحقّيّة بعض الأصول والمبادىء الدينيّة المخالفة لما كان هو عليه ، ولكن هذا الأمر لا يكفي للاستبصار ، لأن هذا الإنسان قد يجد في نفسه جملة من الموانع التي تمنعه من تغيير انتمائه العقائديّ ومن جملة هذه الموانع أنس الإنسان بمعتقداته السابقة ، أو علمه بما سيتعرّض له من اضطهاد ومضايقات من قبل أهله وأصدقائه وأبناء مجتمعه ، أو علمه بما سيفقد من مصالح أساسيّة في حياته من قبيل اعتباره الاجتماعي ، أو مصدر معيشته أو... ، فتقف هذه الأمور بوجهه وتمنعه من الاستبصار.
وقد واجه "كنت جي" هذه الأمور ، لكنّه استطاع بعون الله تعالى أن يجتاز جميع هذه الموانع النفسيّة والاجتماعيّة عن طريق توكّله على الله تعالى واستمداده العون منه تعالى ،فأعلن استبصاره ، ثمّ اختار لنفسه اسم "أمير أميري".
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ واصل دراسته الأكاديميّة حتّى غدا مهندساً في مجال الكومبيوتر ، وبقى على انتمائه العقائديّ الموروث حتّى تعرّف على شخص مسلم ، فدار بينهما الحديث حول الأمور العقائديّة.
آثار الدين المعنويّة:
لم يكن "كندي" مهتمّاً بشأن دينه ولكنّه أدرك بعد حواره مع صديقه المسلم بأنّ الدين يؤدّي إلى الصعود نحو الكمال ; لأنّ ارتباط الإنسان المباشر بعالم المادّة قد يدفعه إلى اقتصار اهتماماته عليها ، وحبس وعيه في سجنها الضيّق ، فيؤدّي به ذلك إلى الحرمان من التوجّه إلى الله ، وفقدان سرّ السعادة ومصدر الكمال الإنسانيّ ، لكن الدين الصحيح هو الذي يرتفع بالإنسان فوق مستوى الحسّ المادّيّ البهيميّ ، ويرفع طموحه فوق الغايات المادّية والنزعات الغريزيّة ، ويمنحه منهجاً روحيّاً يتسامى به إلى إنسانيّته العليا.
فتكون هموم هكذا شخص أرقى من مرحلة الدنيا ، بل تكون الدنيا في نظره مرحلة عابرة ومحطّة تهيّئه للانتقال إلى عالم أسمى ، وحياة أرقى وهي الآخرة.
ومن هنا يعيش هذا الإنسان المؤمن أسمى مراتب السعادة الروحيّة ، وأرقى درجات اليقين والاطمئنان ، فلا يكون أمامه شيء مجهول يخشى منه ، ولا يشعر بالفناء والعدم ، فتتنغّص عليه حياته ، بل يعيش دائماً في أمل التكامل ،
والانتقال إلى عالم ملؤه السرور والسعادة والاستقرار.
ومن جهة أخرى فانّ الإنسان بفطرته يميل نحو التعبّد والتقديس ، والاتّجاه نحو مقدّس عظيم ، والدين الصحيح هو الذي يوجّه الإنسان نحو الخالق والمعبود الحقيقيّ ، ويصونه من عبودية غير الله تعالى، من قبيل عبوديّة الطغاة والأهواء والمطامع والشهوات والأموال والسلطة والجاه وغير ذلك من العبادات المنحرفة ، ولهذا تتّجه حياة الإنسان في ظلّ انتمائه إلى الدين الصحيح نحو الاتّجاه المنسجم مع قيم الحقّ والاستقامة والكمال.
ومن جهة أخرى فإنّ الدين يمنح الإنسان الإحساس بالمسؤوليّة نتيجة تأثّره بعلاقته الواعية مع الله تعالى.
فالإنسان المؤمن يشعر بأنّ الله تعالى معه دائماً وهو عزّ وجلّ يراه ويعلم به ويراقبه {عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّة فِي السَّماواتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتاب مُبِين}(1)، كما قال تعالى عن علمه: {يَعْلَمُ خائِنَةَ الأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ}(2).
وهذا الشعور يدفع الإنسان نحو أداء واجباته والنهوض بمسؤوليّاته في شتّى أصعدة الحياة ، ويحفّزه لاحترام حدود الله وشريعته والالتزام بتكاليف الله وقوانينه.
التحلّي بالدين الإسلاميّ الحنيف:
إن إلمام "كندي" بالآثار المعنويّة للدين دفعه للبحث عن الدين الصحيح ، فجدّد النظر في عقائده الموروثة ، وقام بغربلتها وتمحيصها وتمييز الغثّ من الثمين ، ثمّ درس الإسلام ، وتعرّف على حججه وبراهينه ، فكانت النتيجة أنّه اقتنع قناعة كاملة بأحقّيّة الدين الإسلاميّ ، فاعتنقه ، وانتمى إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصل على شهادة جامعيّة ، ثمّ تعرّف على الدين الإسلاميّ خلال لقائه بشخص مسلم ، فدفعه هذا الأمر إلى البحث حول الإسلام حتّى آل به الأمر إلى اعتناق الدين الإسلاميّ الحنيف.
البحث عن السعادة:
عرف "كوردير" خلال حواره مع صديقه المسلم بأنّ قيمة الحياة بالنسبة للإنسان تتوقّف على نيله للسعادة ، والسعادة لا يمكن الوصول إليها بتوفّر القضايا المادّيّة فحسب ، فكم يوجد هنالك ممّن يمتلكون من وسائل التطوّر المادّي ، ومن لوازم الإشباع الغريزيّ ، ولكنّهم مع ذلك يعانون أقصى حالات الشعور بالشقاء ويعيشون أخطر أزمات التوتّر النفسيّ بحيث قد يدفعهم ذلك إلى الانتحار والتخلّص من الحياة. وسبب هذا الشقاء هو أنّ هؤلاء يعيشون في فراغ نفسيّ قاتل ، ويبحثون عن حقيقة مجهولة لا يمكنهم الوصول إليها فيتخبّطون في الظلام ، ولا يكون حصادهم سوى الشعور بالمعاناة والألم النفسيّ على الرغم من توفّر عوامل الإشباع المادّيّ عندهم.
وقد شاهد "كوردير" هذه الحقيقة في أمريكا ، ورأى العديد من الغارقين في أوحال الحضارة المادّية يعيشون أزمة القلق والضياع والشعور بالمعاناة ، وهم يبحثون عن سعادتهم في وسائل الإشباع المادّيّ فلا يجدونها ، فيدفعهم ذلك إلى
الهروب إلى عالم الخيال ، ودفن الواقع في مقبرة الوهم ، ويحاولون التخلّص من الجحيم الذي هم فيه باستخدام المخدّرات.
كما أنّ "كودرير" التقى بالعديد من الأمريكيّين الذي يمتلكون جميع وسائل الإشباع المادّيّ ، ولكنهم لا يستطيعون النوم إلاّ بالأقراص والعقاقير المنوّمة ، وهم يعانون من شتّى أمراض الأعصاب والأمراض النفسيّة.
واستمر "كوردير" في بحثه عن السعادة ، فأدرك في نهاية المطاف بأنّ السعادة لا تأتي عن طريق الإشباع المادّيّ ، وأنّ الذي يبحث عن السعادة في المتع الدنيويّة ، فإنّه يدور في فراغ بائس ، ويهيم في عالم من الخواء والشقاء المروّع.
نيل السعادة الحقيقيّة:
توصّل "كوردير" في نهاية مطاف بحثه إلى هذه النتيجة: وهي أنّ السعادة الحقيقيّة تكمن في الإيمان بالله تعالى ، واتّباع صراطه المستقيم ، ودينه الحقّ ; لأنّ هو السبب الوحيد الذي يدفع الإنسان إلى الشعور بالرضا والغبطة والسرور.
وقد قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّهِ أَلا بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(1).
وقال عزّ وجلّ أيضاً: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآب}(2).
ومن هذا المنطلق اندفع "كوردير" نحو البحث عن الدين الإلهيّ الصحيح الذي قد ارتضاه الله تعالى لعباده ، وكانت نتيجة البحث أنّه اقتنع بالحجج والبراهين التي بيّنها له صديقه المسلم ، فأعلن بعد ذلك استبصاره ، ثمّ سمّى نفسه "علي رضا" ، تيمناً باسم ولقب الإمام الثامن "عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام)".
ولدت سنة 1949 م في مدينة "ديترويت" التابعة لولاية "ميشيغان" ، في شمال أمريكا ، واصلت دراستها حتّى حصلت على شهادة الليسانس في التاريخ ، ثمّ عملت صحفيّة في إحدى المجلاّت الأمريكيّة.
بداية تعرّفها على الإسلام:
تقول "كي سيلان": شرعت سنة 1985 م بالعمل كصحفيّة في إحدى المجلاّت المهتمّة بشؤون العرب المقيمين في أمريكا ، وكانت هذه المجلّة تصدر كلّ أسبوع باسم "الأخبار العربيّة والأميريكية" وكان مركزها في مدينة "كيلبورن" بولاية "ميشيغان" التي تتواجد فيها أكبر جالية عربيّة.
ومن هذا المنطلق تعرّفت على الدين الإسلاميّ ، ولم يكن لي قبل ذلك أيّ إلمام بهذا الدين ; لأنّ المدارس في الولايات المتّحدة لا تتضمّن أيّ دروس أو برامج خاصّة للتعريف بالإسلام.
وبحكم عملي التقيت بعلماء الدين ، وزرت المساجد ، وطالعت الكثير من الكتب الإسلاميّة ، وتحاورت مع العديد من أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) الذين كانوا مقيمين في "ديترويت" ، ولا سيّما اللبنانيّين والعراقيّين ، وبالتدريج اتّضحت عندي صورة مجملة عن العقائد الإسلاميّة ، ومن هنا بدأت أقارن بينها وبين عقائد
الديانة المسيحيّة.
ومن الأمور التي لفتت نظري أنّ الإسلام لا يؤمن بالخطيئة الأصليّة ، ولا يعتقد بأنّ الإنسان يولد مذنباً بالفطرة كما تعتقد الديانة المسيحيّة ; لأنّ الإسلام يعتقد بأنّ الله تعالى عادل وتقتضي العدالة الإلهية أن لا يتحمّل شخص ذنب شخص آخر أبداً.
وبمرور الزمان اتّضحت لي حقائق كثيرة دفعتني في نهاية المطاف إلى اعتناق الإسلام سنة 1994 م والالتزام بعدها بالتعاليم الإسلاميّة ومنها ارتداء الحجاب.
تأثير الإسلام على حياتها:
تقول "كي سيلان" في هذا المجال: إنّ عقائد الديانة المسيحيّة دفعتني فيما سبق نتيجة مخالفتها للعقل والفطرة إلى عدم الإيمان بوجود الله تعالى ، وعشت سنوات طويلة أعاني حالة الضنك والغربة نتيجة ابتعادي عن الله عزّ وجلّ ، ولكن تعرّفت عن طريق الإسلام على الله تعالى . ولا أنسى أوّل ليلة آويت فيها إلى فراشي بعد اعتناقي للإسلام ، وإيماني بوجود الله تعالى ; لأنّني نمت نوماً هادئاً وعميقاً في تلك الليلة ، وانتابني شعور غريب لم أشعر به قبل ذلك أبداً.
وتضيف "كي سيلان": إنّني عندما أنظر إلى ما حولي ، وأفكّر في هذا العالم ، وأتأمّل في نظامه الدقيق والموزون ، لا يسعني إلاّ الإيمان بوجود الخالق العظيم.
ومن جهة أخرى فإنّ الإسلام نظّم حياتي ، ومنحني التوازن الروحيّ ، والقوّة النفسيّة ، وجعلني أمتلك قوّة الصمود إزاء جميع التّيارات المضادّة والأمور المزعجة التي تحاول أن تخلّ استقراري النفسيّ.
خطابها للمسلمين وغيرهم:
توجِّه "كي سيلان" خطابها إلى مسلمي العالم وتقول: ينبغي للمسلمين أن
يعرفوا قيمة الإسلام ، وقيمة معارفه السامية ، عليهم أن يبذلوا قصارى جهدهم ; لنشر هذا الدين الحنيف في ربوع العالم ، وعليهم أن يصمدوا إزاء الدعايات المغرضة التي يبثها الغرب ضدّهم ، وعليهم أن يراقبوا أعمالهم ; لئلاّ يصدر منهم ما يستفيد منه بعض المغرضين لتشويه سمعتهم.
وتخاطب "كي" غير المسلمين وتقول: ينبغي لكلّ إنسان غير مسلم ويودّ التعرّف على الإسلام أن يتعرّف على الإسلام عن طريق المصادر الموثوقة ، وعليه أن لا يثق بما يقوله بعض المغرضين من أهل الغرب في وسائل الإعلام ضدّ الإسلام.
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ واصل دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على شهادة جامعيّة ، ثمّ اندفع إلى غربلة موروثه العقائديّ نتيجة لقائه بأحد علماء الشيعة ، فتوصّل خلال البحث إلى وجود الكثير من الانحرافات في الديانة المسيحيّة والتي منها وجود الكثير من الإشكالات والإبهامات في الكتاب المقدّس (العهد القديم والعهد الجديد) وهي ما تقلّل من احتمال كونه كتاباً إلهيّاً.
اشكالات الكتاب المقدّس:
اختلف علماء الكتاب المقدّس حول العهد القديم اختلافاً عظيماً سواء في عدد أسفاره ،أو أسماء مؤلّفيه كما أنّ نسخه القديمة اندثرت ، والتي بين إيدينا هي نسخ لا يعرف ناسخها ولا يمكن التأكّد من عدم تحريفها.
أضف إلى ذلك أنّ العهد القديم مليء بقصص تنسب الفواحش والأعمال القبيحة إلى الأنبياء والرسل(عليهم السلام) ، وفيه الكثير من التناقضات التي تشير إلى أنّه ليس وحياً إلهيّاً ، وأمّا العهد الجديد ، فهو أيضاً فُقدت نسخه الأصليّة ، وما هو موجود لدينا عبارة عن نسخ مأخوذة عن نسخ غير أصليّه ، وبعضها مترجم من اللغة اليونانيّة ، كما توجد اختلافات كثيرة بين أسفاره ، وهذا الأمر هو الذي دفع
بالمسيحيّين إلى اصطناع تبريرات واهية لهذه التناقضات الكثيرة.
أضف إلى ذلك أنّ العهد الجديد يسيىء إلى المسيح(عليه السلام) ويصفه بأنّه صانع للخمر الجيّد(1)وبأنّه قال لأمه العذراء "ما شأنك بي يا امرأة". وفيه كما يعتقد بولس أنّ المسيح(عليه السلام)ـ والعياذ بالله ـ ملعون ; لأنّه صلب على الخشبة ، وكلّ من يصلب على الخشبة فهو ملعون ، وعلى حدّ قوله: فهو صار لعنة لأجلنا!! حاشاه عن ذلك.
استنارة بصيرته بالإسلام:
إنّ الإشكالات والابهامات التي واجهها "كيمبر" في الكتاب المقدّس دفعته إلى إعادة النظر في معتقداته ، كما أنّه في نفس الوقت تعرّف على الإسلام ، ووقعت بيده نسخة من القرآن الكريم ، فقرأ القرآن بتأمّل ، فوجده الكتاب الذي ينطق بالحقّ ، ووجد الإسلام شريعة كاملة بعيدة كلّ البعد عن الاشكالات الموجودة عند المسيحيين.
ومن هذا المنطلق استنارت بصيرة "كيمبر" بنور الإسلام ، فتمكّن من التمييز بين الحقّ والباطل ، فأعلن استبصاره وانتماءه إلى الدين الإسلاميّ ، ثمّ سمّى نفسه "محمّد علي" ليكون اسمه متضمّناً لاسم صاحب الشريعة الإسلاميّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وأمير المؤمنين ، الذي هو حجّة الله على الخلق أجمعين بعد الرسول(صلى الله عليه وآله) ووارث علمه ومرشد الناس إلى الحقّ المبين من بعده.
1) انظر: يوحنّا2: 1 ـ 10.
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، وبقي على انتمائه العقائديّ حتّى استبصر أحد أصدقائه ، فدفعه ذلك إلى البحث ، والتعرّف على الحجج والبراهين التي دفعت صديقه إلى الاستبصار ، فكانت النتيجة أنّه توصّل إلى نفس النتائج التي توصّل إليها صديقه الذي سبقه بالإيمان ، فالتحق به وأعلن إسلامه وولاءه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام).
اهتمام الإسلام بالمجتمع:
إنّ أكثر ما جذب "كيمو فيف" نحو الإسلام هو اهتمام الإسلام بإصلاح الفرد والمجتمع ، كما رأى "كيمو فيف" بأنّ الإسلام يحمل للبشريّة مشعل النور والهداية ، ويحاول وضع البشريّة في طريق السلام والاستقامة ، ويسعى أن يصونها من التخبّط والانحراف بما يقدّم لها من مبادىء وقيم وتعاليم ; لتنظيم المجمتع ، وتعزيز بنيته ، وإقامة كيانه على أساس الحق والعدل.
وقد قال تعالى: {قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراط مُسْتَقِيم}(1).
1) المائدة {5} : 15 ـ 16.
ومن جهة أخرى فإنّ الدين الإسلاميّ يدعو إلى رفض الفساد ، ويحارب التخريب والهدم والدمار الذي تورثه الجاهليّة في شتّى العصور والأزمنة ، ولهذا قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ}(1).
وقد دعا الإسلام إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبغي والطغيان ، وقد قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(2).
وبصورة عامّة فإنّ الإسلام يسعى إلى إقامة مجتمع موحّد ، ومتعاون تسوده روح الأخوّة والمساواة ، وقد قال تعالى: {وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوانِ}(3).
ولهذا دعا الإسلام إلى إقامة دولة الحقّ والعدل ، واعتبر العدل أقدس رمز يسعى لتحقيقه ، وتبّرأ من الظلم ، وأمر الله تعالى نبيّه أن يحكم بالقسط والعدل ، وأن يلتزم بالحقّ والإنصاف ، فقال له عزّ من قائل: {فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللّهُ مِنْ كِتاب وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}(4).
وقال تعالى في خطابه للنبيّ داود(عليه السلام): {يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى}(5).
الانضمام إلى الدين الإسلاميّ:
إنّ الأصول والمبادىء الإسلاميّة التي تعرّف عليها "كيمو فيف" خلال بحثه
حول الإسلام دفعته إلى الانجذاب نحو هذا الدين الحنيف ، وحفّزته للمزيد من البحث حوله فاستمرّ في بحثه حتّى فرضت عليه الأدلّة اعتناق الإسلام ، واتّباع الثقلين الّذين أوصى بهما رسول الله(صلى الله عليه وآله) من بعده وهما كتاب الله وعترة الرسول ، فلهذا أعلن إسلامه ،وقرّر بعد ذلك أن يكون من الملتزمين بتعاليمه ، والمحقّقين لأهدافه.
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، وبقي على انتمائه العقائديّ الموروث حتّى استبصر أحد اصدقائه ، فدفعه هذا الأمر إلى البحث والتنقيب حول الدين الإسلاميّ.
خصائص الدين الإسلاميّ:
وجد "كينيمو فيف" خلال بحثه حول الإسلام بأنّ هذا الدين الحنيف يمتاز بميزات منها استمرار بقائه ، وامتداد رسالته ، ودعوته ما دامت البشريّة تواصل حياتها في هذه الدنيا.
وإنّ سرّ خلود الدين الإسلامي ّ هو سعته وشموله ومعالجته لجميع قضايا العقيدة والعادات والأخلاق والقوانين المختلفة التي تنظم شؤون الإنسان في جميع الأصعدة.
والميزة الأخرى للدين الإسلامي ّ هي اليُسر والسهولة ، والتكليف بمستوى القدرة والطاقة ، فليس في الشريعة الإسلاميّة تكليفاً فوق استطاعة الإنسان ، ولهذا قال تعالى: {لا يُكَلّفُ اللهُ نَفْسَاً إِلاّ وُسْعَهَا}(1).
1) البقرة {2} : 286.
وقال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللّهُ بَعْدَ عُسْر يُسْراً}(1).
كما قال تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفاً}(2).
وورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله): "رفع عن أمّتي تسع: الخطأ ، والنسيان ، وما أكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطرّوا إليه ، والحسد ، والطيرة ، والوسوسة في الخلق مالم ينطق بشفه"(3).
والصفة الأخرى التي يمتاز بها الإسلام هي أنّ رسالته موجّهة إلى جميع البشريّة، وهي تنظر إلى الناس جميعاً بأنّهم متساوون في الإنسانيّة ، ولا فضل لأحد على الآخر إلاّ بالتقوى وعمل الخير ، ولهذا قال تعالى: {يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ}(4).
والميزة الأخرى التي يمتاز بها الإسلام هي العقلانيّة واحترام العقل ، وأنّ هذا الدين الحنيف يقوم على أساس قناعة العقل وإقناعه بالحجّة والبرهان والدليل ، وهو يدعو الإنسان دائماً إلى التفكّر والتأمّل واستخدام العقل ، ولهذا حاول الإسلام أن يحرّر العقل من الجمود والركود والخرافة ، وأن يدفعه للمعيشة في دائرة العقليّة الملتزمة بقيم الإيمان والأخلاق.
ولهذا قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ}(5).
الانتماء إلى هذا الدين الحنيف:
إنّ هذه الصفات والممّيزات دفعت "كينيمو فيف" إلى الانجذاب نحو الإسلام ، وحفّزته للمزيد من البحث حول أصول عقائد هذا الدين الحنيف.
وبمرور الزمان تبلورت قناعة "كينيمو فيف" بأحقّيّة الدين الإسلاميّ ، كما ساعده صديقه الذي استبصر قبله على البحث ودرء الشبهات العالقة بذهنه ، والعثور على الحقائق التي لم يكن له إلمام بها فيما سبق.
ومن هذا المنطلق استمرّ "كينيمو فيف" بالبحث حتّى لم يجد بُدّاً سوى الانتماء إلى الدين الإسلامي الحنيف واعتناق مذهب أهل البيت(عليه السلام) ، فأعلن استبصاره وبدأ بعد ذلك حياة جديدة ملؤها النوارنيّة والمعنويّة والخير والصلاح.
الصورة
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، وترعرعت في ظلّ النظام الغربيّ ، ثمّ التقت بمجموعة من الفتيات المسلمات ، فتعرّفت على بعض الأصول والمبادىء الإسلاميّة ، فدفعها ذلك للبحث حول الإسلام حتّى اقتنعت كاملة بأحقّيّته ، فتخلّت عن مبادئها السابقة ، وتحوّلّت إلى الدين الإسلاميّ.
تأكيد الإسلام على حجاب المرأة:
إنّ من الأمور التي أعجبت بها "لتيسيا" خلال دراستها للإسلام هي موضوع زيّ المرأة ، ورأت أنّ الإسلام يؤكّد على مسألة الحجاب ، وهو أن ترتدي المرأة لباساً يحجب مفاتنها الجسديّة عن نظر المحارم من الرجال ، وقد ألزم الإسلام الحجاب على المسلمات ; ليقف بوجه الميوعة والفوضى في المجتمع.
وفي المقابل ذهب الغرب إلى إباحة التعرّي للمرأة ، وإبراز مفاتن جسدها ; لأنّ مبدأه اللذة الحسية ; لكونها مظهراً للرخاء المادّي ، واعتبر الغرب جسد المرأة وسيلة للتسلية الجنسيّة العامّة ، ولم يلحظ الجانب الأخلاقي ; لأنّ الجانب المادّيّ عنده أعلى من كلّ شيء.
ولكنّ الإسلام أسّس مبادئه على أساس من العقيدة والأخلاق والقيم التي
تعكس أصالة الإنسان ، فنظر من هذا المنطلق إلى المرأة بأنّها أمّ المجتمع وهي الركن الأساسيّ للأسرة ، وأنّ إبراز جسد المرأة يؤدّي إلى طغيان الجانب المادّيّ على قيمتها الأخلاقيّة المتمثّلة بموقفها الإنسانيّ.
ومن هنا اندفع الإسلام إلى تحرير المرأة من العبوديّة للميول والأهواء والشهوات ، وفرض عليها الحجاب ; ليهيّىء لها الأجواء المناسبة التي تدفعها إلى العفّة والطهارة والنزاهة ، ولتُظهر المرأة في المجتمع بالجدّيّة والرزانة والوقار المتناسب مع مهمّتها الخطيرة في تربية الأجيال ، ولتصان بذلك من الانحدار من مكانتها الرفيعة ; لئلاّ تغدو كاللوحة الشهوانيّة ، أو الدمية الجنسيّة بحيث يكون جسدها المثير أوّل ما يلتفت إليه الناظر إليها ، فيمنعها ذلك من تفجير طاقاتها الإنسانيّة ، ويجعلها أداة يقوم تقييمها بمقدار إثارتها للرجال.
اعتناقها للإسلام:
إنّ المفاهيم السامية التي اطّلعت عليها "لتيسيا" خلال دراستها للإسلام ، دفعتها إلى المزيد من التعرّف على الأصول والمبادىء الإسلاميّة ، كما أنّها التقت ببعض العلماء الشيعة ، وقدّمت لهم بعض الاستفسارات فيما يخصّ الشبهات العالقة بذهنها حول الإسلام ، فلمّا وجدت الإجابة الشافية والمقنعة أيقنت بأحقّيّة الإسلام ، فأعلنت استبصارها ، ثمّ ارتدت الحجاب علانيّة أمام أبناء مجتمعها.
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصل على شهادة البكالوريوس في علم الأديان ، فاطّلع خلال دراسته الجامعيّة على أصول ومبادىء الدين الإسلاميّ ، فوجد فيه العقائد والمعارف العميقة ، والشريعة المتكاملة والمنسجمة مع العقل والفطرة ، ووجد فيه الجواب الشافي لجميع الأسئلة العالقة بذهنه ، واستنتج خلال مقارنته بين الأديان ، بأنّ الدين الإسلاميّ هو الدين الحقّ الذي ارتضاه الله تعالى لعباده ، فاعتنقه ، ثمّ غيّر اسمه وسمّى نفسه "مهدي" تيمّناً بلقب الإمام صاحب العصر والزمان عجل اللّه تعالى فرجه الشريف.
مميّزات الفكر الإسلاميّ:
إنّ أهم ما دفع "لونر هايس" إلى اعتناق الدين الإسلاميّ الحنيف هو أنّه وجد الفكر الإسلامي يتفاعل مع الواقع، وله حركة شاملة وعميقة في واقع الإنسان والكون ، وليس هو كأفكار بعض الأديان التي ليس لها وجود إلاّ في بطون الكتب وخيال المتفكّرين، والذي مثله كالسراب كلّما يقترب منه الإنسان على أرض الواقع يتلاشى ولا يبقى منه شيء.
وبعبارة أخرى وجد "لونر هايس" الفكر الإسلاميّ فكراً يحمل معه كلّ
عوامل البقاء ، وعوامل التحرّك والتطوّر ، وملاءمة الظروف المختلفة ، وهو يفرض نفسه على الواقع من دون أن تؤثّر فيه التيّارات المضادّة التي تحاول تحجيمه وتذويبه إلى حدّ التلاشي.
ومن الأمور الأخرى التي جذبت "لونر هايس" إلى الإسلام هي أنّه وجد هذا الدين لا يحاول الوصول إلى أهدافه عن طريق التوسّل بكلّ وسيلة حتّى لو كانت هذه الوسيلة تطعن الهدف الإسلاميّ في العمق ، بل هو يصرّ على اتّباع وسائل طاهرة وسليمة تتحرّك في إطار الهدف الإسلاميّ ، وقد قال تعالى: {قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللّهَ يا أُولِي الأَلْبابِ}(1).
إذن فالإسلام يهتمّ بنزاهة الوسيلة ، ولا يدفعه الوصول إلى الهدف إلى إلغاء نزاهة الوسيلة ، كما أنّه لا يتحجّر على وسائل معيّنة ; ليمنعه ذلك من تحقيق الأهداف الإسلاميّة المنشودة ، بل هو يسعى إلى اتّباع الوسائل السليمة والأصيلة والمنسجة مع الواقع ، ولهذا قال الإمام الصادق(عليه السلام): "والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس"(2).
إذن فالإسلام يفرض على أتباعه المهتمّين بالتحرّك الرساليّ ; لتغيير الواقع من الحالة السلبيّة إلى الحالة الإيجابيّة ، أوّلاً: معرفة الواقع الذي يبتغون التحرّك فيه ، ورسم المناهج على ضوئه، وثانياً: تشخيص الهدف الذي يراد الوصول إليه وثالثاً: تحديد الوسيلة بين الواقع والهدف الإسلاميّ ، وهي المرحلة التي ينبغي للمسلم أن يستعمل فيها الوسائل السليمة والنزيهة ;.
ولدت في ولاية "أوهايو" بأمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصلت على شهادة البكالوريوس في التمريض ، ثمّ تزوّجت سنة 2002 م مع شخص مسلم ينتمي إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، فتعرّفت من خلاله على الدين الإسلاميّ ، ثمّ توجّهت إلى البحث حول هذا الدين الحنيف ، حتّى أيقنت بأحقّيّته ، فأعلنت إسلامها وانتمائها إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
وتقول "ليسا" حول إسلامها: لقد قرأت الكثير عن الإسلام والمسلمين ، وقرأت القرآن عدّة مرّات بتأمّل وتدبّر ، فرأيت في الدين الإسلاميّ الأصول والمبادىء الحقّة التي يمكنها أن توصل الإنسان إلى الحياة السعيدة ، وقد لمست ذلك عمليّاً بزواجي بأحد المسلمين الملتزمين بولاء أهل البيت(عليهم السلام).
الإسلام والتطوّر:
عرفت "ليسا" بعد دراستها للاسلام بأنّ هذا الدين الحنيف يتضمّن مبادىء ثابتة لا تقبل التحوير ، وفيه أيضاً مبادىء تتكيّف حسب الظروف والأحوال.
ومن المبادىء الثابتة هي العقائد والعبادات ومنها أصول الدين والحدود المشروعة كالصلاة والصوم والخمس والزكاة وحجّ بيت الله لمن استطاع إليه
سبيلاً ، وهي مبادىء ثابتة لا يطرأ عليها التغيير أبداً ، وهي باقية ببقاء الأرض ومن عليها حتّى تقوم الساعة.
ومن جهة أخرى فإنّ الإسلام قدّم إلى أتباعه أصول ومبادىء تتطوّر وتتجدّد وهي التي تجعل الإسلام صالحاً لكلّ زمان ومكان وإنسان.
ومظاهر التطوّر والتجدّد في الشريعة الإسلاميّة واسعة النطاق ، وهي التي تتيح للاسلام أن لا تقف عقبة في طريقه ، وهي التي تمهّد له السبيل ليأخذ مجراه الطبيعي ; لئلا يصطدم بالسنن الكونيّة والأوضاع الطبيعيّة ، وليتمّ من خلاله تنظيم الحياة بما يتناسب مع الزمان والمكان بشرط أن لا يؤدّي ذلك إلى المساس بالأصول الإسلاميّة الثابتة.
ويتجلّى التجدّد في الإسلام في النظام الاقتصاديّ والاجتماعي والعمران والتقنية ، فلم يحدّد الإسلام صورة ثابتة ومعيّنة في هذه المجالات ، بل حدّد الثوابت ليطوّر الإنسان نفسه في إطارها عن طريق طلب العلوم التي ترفع مستوى حياته في جميع الأصعدة ، ومن هذا المنطلق تمكّنت الشريعة الإسلاميّة أن تمتلك صبغة الحيويّة والتطوّر فيما يقبل التجديد والاتّساع.
أضف إلى ذلك أنّ الإسلام استنكر على الذين يعارضون تمتّع الإنسان بألوان الزينة المحلّلة في الحياة الدنيا ، فقال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً}(1).
1) الأعراف {7} : 32 ـ 33 .
الصورة
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصلت على شهادة الليسانس في التربية ، ثمّ صادف أن سافرت إلى إيران ، فتعرّفت على الإسلام ، والتقت بالعديد من المسلمات ، وقرأت الكثير من الكتب ، فتأثّرت بهذا الدين العظيم ، ثمّ أعلنت استبصارها بعد الاقتناع التام به ، ثمّ وفّقها الله تعالى للزواج من شخص إيرانيّ مسلم ، فكوّنت معه أسرة مبتنية على اُسس الإيمان والتقوى.
وحدة النوع الإنسانيّ في الإسلام:
إنّ أهمّ ما لفت أنظار "لينا كابل" عند دراستها للإسلام هو أنّ هذا الدين الحنيف دين إلهي ، وهو ضدّ التعصّب للجنس أو اللون أو الدم او الأقليم ، وقد بيّن القرآن الكريم وحدة النوع الإنسانيّ فقال تعالى: {يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس واحِدَة وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً}(1).
كما أشار تعالى إلى المساواة بين أفراد النوع الإنسانيّ ، وبيّن بأنّ أساس التفضيل بين الناس هو التقوى والاستقامة ، فقال تعالى : { يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(2).
وأمر الله تعالى بالعدل مع جميع الناس ، وعدم الميل لقرابة أو صداقة أو هوى فقال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً}(1).
حقّ المرأة في الإرث:
تبيّن لـ (لينا كابل" بعد أن عرفت بأنّ الإسلام يدعو إلى وحدة النوع الإنسانيّ ، بأنّ جميع التشريعات الإسلاميّة عادلة ، وقد لوحظ فيها ما يتناسب مع مواضيعها ، ومنها مسألة حقّ المرأة في الإرث ، فإنّ الإسلام تكفّل مسؤوليّة توزيع الثروة بشكل دقيق ، وذلك تبعاً للمسؤوليّات التي يتحمّلها الورثة من خلال النظام الاقتصاديّ الذي أقرّه التشريع الإسلاميّ.
والميراث هو جزء من هذه الثروة التي تكفّل الشارع بتوزيعها ، فلهذا قسّم الإسلام الإرث بما يتناسب مع المسؤوليّات الاقتصاديّة التي حمّلها للأفراد.
فالمرأة حسب النظام الاقتصادي في الإسلام غير مسؤولة عن كسب المال ، لهذا فهي غير ملزمة بالإنفاق على أحد حتّى نفسها ، أمّا الرجل فهو الذي قد فرض الإسلام عليه الكسب المادّي ، ولهذا فهو ينبغي أن يتحمّل تبعات الإنفاق على من يعولهم.
ومن هذا المنطلق منح الإسلام للرجل ضعفي حقّ المرأة في بعض موارد الميراث ، وذلك لأنّه لاحظ مسؤوليّة انفاقه الثقيلة على زوجته وأبنائه.
ومن هنا يتبيّن بأنّ قلّة ميراث المرأة في بعض الموارد لا يعني أنّ الإسلام يفضّل الرجل على المرأة ، وانّما جاء ذلك لتقسيم الإسلام مهام الأمور بصورة عادلة ، وبما يتناسب مع مسؤوليّة كل واحد منهما في هذه الحياة.
1- النساء {4} : 135.
ولد سنة 1981 م ونشأ في مدينة واشنطن في أمريكا ، ونشأ في أحضان أسرة مسيحيّة ، ثمّ اعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) نتيجة لقائه ببعض الأخوة المسلمين ، واقتناعه بالأدلّة والحجج والبراهين التي بيّنوها له حول أحقّيّة الدين الإسلامي الحنيف.
النظام الاقتصاديّ في الإسلام:
إنّ من أهمّ الأمور التي نالت إعجاب "لينش" خلال دراسته للدين الإسلاميّ هو النظام الاقتصاديّ الإسلاميّ ، والمنهج الذي بيّنه الإسلام لكيفيّة الحصول على الثروة ، وكيفيّة استثمارها ، وكيفيّة إنفاقها وتوزيعها بصورة تتحقّق فيها العدالة بين الناس ; لئلاّ يبقى أحد فقيراً ومحتاجاً ، وقد بيّن الإسلام بأنّ الإنسان يتمكّن عن طريق العمل بأن يحصل على خيرات الأرض ، وقد قال تعالى: {فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}(1).
وأمّا الإنسان العاجز عن العمل بسبب مرضه أو كبر سنّه أو عجزه أو نتيجة عدم وجود عمل ، فينبغي أن يُعطى هذا الإنسان المحتاج من الأموال العامّة
1) الملك {67} : 15.
كالزكاة والخمس أو مساعدات الدولة الإسلاميّة ، فكلّ إنسان مضمون المعيشة في الإسلام ، وعلى الدولة أن توفّر له حياة معاشيّة لائقة به من السكن والطعام والتعليم والعلاج وغيره إذا كان عاجزاً عن ذلك.
حلّ الإسلام لمشكلة الفقر:
قال الإمام الصادق(عليه السلام): "إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يسعهم ، ولو علم أنّ ذلك لا يسعهم لزادهم ، إنّهم لم يؤتوا من قبل فريضة اللّه ، ولكن من منع من منعهم حقّهم لا ممّا فرض اللّه"(1).
والفقر في الواقع مشكلة تهدّد سلامة المجتمع وتؤدّي إلى التخلّف والانحطاط والجهل والجريمة والكفر والفساد ولهذا اهتم الإسلام بحلّ هذه المشكلة عن طريق معالجة أسبابها.
وقد يكون قلّة الإنتاج سبباً للفقر ، ولهذا نهى الإسلام عن جميع الأمور المؤدية إلى قلّة الانتاج من قبيل الكسل والبطالة ، وأمر بالجد والسعي والعمل فقال تعالى: {فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}(2)وقد يكون سبب قلّة الإنتاج هو الجهل بعلوم الصناعة والزراعة وغيرها ، ولهذا أكّد الإسلام على طلب العلم ، وتطوير الحياة عن طريق الاكتشاف والاختراع.
وقد يكون الفقر نتيجة سوء الاستهلاك وهو يعني التبذير والإسراف واستعمال الثروة في الأشياء المحرّمة ، ولهذا حرّم الإسلام هذه الأمور ، فقال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ}(3).
وقد يكون سبب الفقر هو سوء التوزيع وهو أن تحصل فئة من الناس على
المال والثروة بكمّيات هائلة وتعيش فئة أخرى حالة الحرمان وعدم القدرة على سدّ حاجات العيش كما هو سائد في النظام الرأسمالي.
وهنا فرض الإسلام بعض القوانين من قبيل الزكاة والخمس والصدقات وغيرها ليتمّ توزيع الثروة بصورة عادلة ، فيؤخذ الخمس والزكاة من الأغنياء ويُعطى للفقراء والمحتاجين.
كما فرض الإسلام على الدولة أن تقوم بتوفير مجالات العمل والإنتاج لكلّ العاطلين ، وتقدّم المعونات والمساعدات للمحتاجين والعاجزين.
كما حرّم الإسلام الربا ; لئلاّ تجتمع الأموال عند فئة من الناس ، وتحرّم منها فئة أخرى ، وحرّم الإسلام الاحتكار ; لكي لا يتلاعب التجّار في الحاجات الضروريّة ، أو بأسعار الأشياء ، فيجمعوا الأموال الكثيرة ، ويبقى الآخرون يعانون من حالة الفقر والحرمان.
ولد سنة 1980 م ونشأ في أسرة مسيحيّة ، وبقي على انتمائه العقائديّ الموروث حتّى التقى بمجموعة من المسلمين الشيعة ، فتعرّف من خلالهم على أصول ومبادىء الإسلام ، فدفعه هذا الأمر إلى البحث حول الإسلام.
نظرة الإسلام إلى الرأسماليّة:
قارن "ليونيل" بين الكثير من المبادىء الإسلاميّة ، والمبادىء السائدة في الغرب ، ثمّ سلّط الضوء على مسألة الرأسماليّة التي تمثّل البنية التحتيّة لاقتصاد الدول الغربيّة ، وأحبّ أن يتعرّف على نظرة الإسلام في هذا المجال.
فتبيّن له خلال البحث بأنّ الإسلام لا يقرّ ملكية الإنسان للمال في شتّى معانيها سواء أكانت الملكيّة فرديّة مطلقة كما هي في المذهب الرأسمالي ، أو ملكيّة مقيّدة كما هي في المذهب الاشتراكي أو ملكيّة جماعيّة كما هي في المذهب الشيوعي...
وملخّص القول أنّ الإسلام أباح للإنسان تملّك المال بشروطه الخاصّة ، وإنفاقه ضمن نطاق معيّن ، كما فرض الإسلام أن يدفع الإنسان زكاة وخمس ماله للجهات التي خصّصها ; ليحقّق بذلك التوازن في الصعيد الاجتماعي.
إذن فالإسلام ضدّ الرأسمالية التي تطلق للفرد الحرّية الكاملة في تحصيل الثروة واستغلالها في مشاريع السلب والنهب ، وهذا يشبه قول المترفين لشعيب: {أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشاءُ}(1)ومرادهم استغلال المال في السيطرة على الناس والتحكّم بأقواتهم.
والإسلام ضدّ كلّ نظام يقوم على التنازع والبقاء للأقوى أو كلّ ما فيه شائبة من ظلم واستغلال.
وهذا هو حكم الإسلام ، وهو الحكم الذي يرفع مستوى الحياة ويحارب الفقر والجهل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ}(2).
وقد يواجه الإنسان حين تطبيقه للتعاليم الإسلاميّة بعض الصعوبة ; لأنّ الإسلام يفرض عليه إعطاء زكاة وخمس ماله للفقراء ، ولكن ينبغي أن يصبر الإنسان على ما أمرته الشريعة الإسلاميّة ; لأنّ ثمن هذا الصبر هو الجنّة ، وقد قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ}(3).
كما ينبغي أن يعلم الإنسان بأنّ الإسلام لا يأمره بشيء اعتباطاً ، وانّما يأمره بما يمهّد له السبيل إلى الحياة الطيّبة ، وإلى ما يبثّ فيه الحياة ، وقد قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ}(4).
ولدت في ولاية "نيوهامشر" في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة من أمّ كاثوليكيّة وأب بروتستانتي ، ثمّ درست العلوم الإسلاميّة في الجامعة.
توفّقت لاعتناق الدين الإسلاميّ ، والتمسّك بولاء أهل البيت(عليهم السلام) عن طريق زميل مسلم تعرّفت عليه خلال الدراسة الجامعيّة ، ويتحدّث هذا الزميل عن كيفيّة تعرّفه عليها ومراحل هدايته لها للإسلام فيقول:
التقيت بها في معهد دراسة اللغة الألمانيّة "غوته" في مدينة "غوتينغن" قرب "هانوفر" في ألمانيا الغربيّة ، كانت في العشرين من عمرها ، أمريكيّة الأصل والتربية ، مع ما يعني ذلك من الانغماس في الحياة الماديّة بكلّ شرورها وانحطاطها. جلست إلى جانبي منذ بدء الدروس ، ولكن كان كلامي معها قليلاً من منطلق التزامي الإسلاميّ الذي يحدّ من الاختلاط وما يستتبعه ، وبعد عدّة أيّام بادرتني بالدعوة إلى تناول الغذاء في إحدى المطاعم. ومن ثمّ الذهاب إلى المسبح ; لأنّ الطقس كان حارّاً في ذلك اليوم من أيّام تمّوز.
على طاولة المطعم عرّفتني عن نفسها ، وكانت تدعى "مارسي جيمس" من مواليد ولاية "نيوهامشر" الأمريكية من أم كاثوليكية وأب بروتستانتي ، ومن عائلة ميسورة مادياً ، ومع ذلك كانت ككثير من أولاد الأغنياء تلبس الثياب
البسيطة وغير المتناسقة! وبعد أن عرّفتها عن نفسي وتحدّثنا عن مواضيع مختلفة قالت باهتمام:
اعتقدت في البداية أنّك من النوع الخجول المنطويّ على نفسه ، أو أنّك تعاني من عقدة نفسية ما ; لانّك لم تلاحقني بتلك النظرات المثيرة التي يلاحقني بها الكثير من الشباب ، ثمّ لطريقة سلامك عليّ منذ البداية ، ولخجلك الدائم من الفتيات ، ومن نكاتنا في الصف ، ظننت أنّك منغلق على نفسك ، وأنّني أوّل فتاة تتكلّم معها ، لكن ها أنت تدير الحديث بلباقة تجعلني أشكّ في ظنوني هذه!!
قلت لها: إن كوني مسلماً يحتّم علي أن أتعامل معك كامرأة لها كيانها الإنسانيّ ، وكزميلة لي في دراستي ، وليس كانثى يشدّني اليها جمالها ومفاتنها الجسديّة..
ـ ولكن زميلي وليد حاول التحرّش بي عدّة مرات ، وهو مسلم ومن بلد إسلامي.
ـ يوجد اختلاف بين مسلمي الولادة ومسلمي العمل.. الأساس عندنا هو الالتزام بالإسلام كدين كامل وشريعة شاملة للحياة ، فقد تجدين بعض المسلمين يرتكبون المحرّمات ، كشرب الخمر ، وقتل النفس...الخ ، وهم يشوّهون بذلك الإسلام وسوف يعاقبون في يوم الحساب على ذلك.
ـ في المسيحيّة يقولون: إنّ المسيح سوف يشفع لنا ، ويخلّصنا من ذنوبنا ، وندخل بشفاعة الابن إلى ملكوت الأب.
ـ أمّا في الإسلام فالأمر مختلف ، نحن نؤمن بشفاعة نبيّنا(صلى الله عليه وآله) ، ولكن كثرة ذنوب المسلم قد تؤخّر الشفاعة ، أو قد تحجبها كلّياً كما بيّنت ذلك أحاديث محمّد(صلى الله عليه وآله)الشريفة..
ـ كيف يترك رسول المسلمين أمّته في ضائقتهم ومحنتهم ، ألا ترى إنّ ذلك يبطل مصداقيّته كرسول؟
ـ إنّ الشفاعة كالمطر الذي يهطل على الحقل بكلّ ما فيه ، فالزرع يستفيد من المطر لينمو ، والتراب يشرب الماء ، وقد تنبت مستقبلاً بعض الأعشاب ، أمّا الصخور فهي لا تستفيد منه.. إذاً المشكلة في قابليّة الأرض ، وليست في المطر نفسه ، ولذلك إن كان الشخص مستمرّاً في اقتراف الذنوب ، فقد لا يستفيد من الشفاعة.
ـ كلام جميل ، ولكن دعنا نتابع الحديث في المسبح ، فإنّي أكاد اختنق هنا. قالت ذلك وهي تتأهّب للوقوف!
وقفت معتذراً عن ذهابي معها
ـ لماذا؟ سألت مستغربة
ـ حديث يطول ولا مجال لشرحه هنا
ـ أين ستشرحه لي إذاً؟
ـ إذا أردت ذهبنا إلى حديقة عامّة وأكملنا الحديث..
ـ موافقة!
وفي ظلّ شجرة في الحديقة التي قصدناها أوضحت لها أنّ سبب امتناعي عن الذهاب إلى المسبح هو وجود نساء شبه عاريات هناك ، وهذا مخالف لالتزامي بالشريعة الإسلاميّة التي تحرّم عليّ النظر إلى أجساد النساء أو ملامستهن.
كان ذلك الكلام جديداً عليها ، فلم تدر ماذا تجيب.. لكنّها أمطرتني بالأسئلة حول وضع المرأة في الإسلام ، والحجاب ، القيمومة ، وتحريم المصافحة ، وماشابه ، وتوسّع النقاش بحيث غابت الشمس دون التوصّل إلى نتيجة محدّدة.
وفي تلك الليلة لم استطع النوم ، فقد كنت أحاول ربط كلّ الأمور ببعضها. استفدت من أخطائي في النقاش ، وحاولت وضع خطّة محدّدة ; لتوجيه النقاش حتّى يصبح مثمراً ومفيداً ; لأنّه من خلال نقاشي معها كانت تسألني عن موضوع ،
وعندما أجيبها عنه ، كانت بعد إجابتي تطرح عدّة أسئلة أخرى ، وهكذا دخلنا في التفاصيل التي لا تنتهي..
لذلك وجدت أن أفضل طريقة في الحوار هو مناقشة الأصل وليس الفروع ، أي طرح مواضيع في صلب العقيدة كالإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى ، ومن ثمّ النبوّة وما يتبعها ، فإذا استطعت أن أقنعها بذلك يسهل ما هو دون ذلك..
حزمت أمري وجلست استرجع الحجج والبراهين الدالّة على وجوده سبحانه وتعالى ، وعلى نبوّة سيّدنا محمّد(صلى الله عليه وآله)، وصحة وأفضليّة الدين الإسلاميّ. كنت أهرع بين الحين والآخر في تلك الليلة إلى القاموس مستنجداً به لترجمة بعض المصطلحات الإسلاميّة.. وغفوت تلك الليلة على خواطر كثيرة مستلهماً ذلك الحديث النبوي الشريف:
(ياعلي ، لإن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك ممّا طلعت عليه الشمس).
وفي الأيّام التالية كنّا نجلس كثيراً ، لنتحدّث عن هذا الدين الجديد بنظرها ، والذي شدّ اهتمامها.
كنت أركّز على وجود الخالق الذي تقتنع بوجوده ولكن على طريقة المسيحيّة التي تقول بالتثليث ، وبعد أخذ وردّ اقتنعت بوجود الله الواحد على أساس وحدانيّة الخالق ; لأنّ خلاف ذلك يستلزم نقصه وحاجته لأجزائه ، والمحتاج لا يمكن أن يكون خالقاً...
لم تكن قد أسلمت بعد ، ولكنّني بدأت أحسّ بأنوار الإسلام تشرق من عينيها وهي تتحدّث عن شموليّة الإسلام كدين ، كاهتمامه مثلاً بإلقاء السلام والتحيّة ، أو النظافة والطهارة اللتين تمثّلان لها نظاماً راقياً غريباً عن البيئة التي نزل فيها الإسلام ، فكان ذلك كلّه نقاط جذب جرّتها إلى الاعتراف بعظمة هذا الدين الشامل.
وكم كان انبهارها كبيراً حين حدّثتها عن الحجّ ومعانية ، حيث يتساوى
الناس في لبسهم ثياب الإحرام ، أو في تقديم الأضاحي لإطعام الفقراء.
وهنا أبدت ملاحظة خطيرة وهي: لماذا يوجد الفقر والحاجة في بلاد المسلمين مع وجود الإسلام الذي ينظّم حركة توزيع الأموال في المجتمع ، وهذا ما لا نجده في بلاد غير المسلمين ، فهل يحرم الله المسلمين من الخيرات ويعطيها لغيرهم إذا كان دينهم صحيحاً بينما نجد بلاد الغرب تنعم بالمال والأمان؟
فقلت لها: إنّ الله تعالى أودع الكثير من الثروات ، في بلاد المسلمين ، والبترول خير شاهد على ذلك.
لكن استئثار بعض الأشخاص بهذه الثروات وسوء استغلالها وتوزيعها ، حرم الآخرين منها. وتجزئة بلاد المسلمين كانت خطوة من أجل إفقار المسلمين ، لتتحوّل هذه البلدان بعد التجزئة إلى بلدان بعضها فاحش الثراء ، وأخرى مدقعة في الفقر ، وهذا ليس تقدير الله سبحانه وتعالى أو ذنب الإسلام.
وقلت لها أيضاً: إنّ الثروات الموجودة في أيدي الغرب إنّما كثير منها هو للمسلمين ، وما الحروب الصليبيّة وما تبعها من استعمار لبلاد المسلمين ، كما لكلّ البلدان المستعمرة في ما يسمونه اليوم بالعالم الثالث إلاّ شاهدة على ذلك ، حيث نهبت البلاد الغربيّة ثروات المستعمرات وحطّمت كياناتها وحوّلتها إلى مجتمعات استهلاكيّة لمنتوجات الغرب ، وعندها فقط أعطتها استقلالها ، وما نشاهده اليوم من مجاعات وحروب عرقيّة وحدودية هو نتيجة طبيعيّة لتلك السياسة الغربيّة الاستعماريّة الظالمة.
أحسست أنّ كلامي قد أثّر فيها لما لاحظته من علامات الرضا المرتسمة على وجهها ، وكانت الخطوة التالية هي إقناعها بنبوّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وببركة أنواره وآله(صلى الله عليه وآله).
ولكن الحديث لم يطل كثيراً حول هذا الموضوع ; لأنّ هذه الأنوار انعكست في قلبها إيماناً وتسليماً ، فقد اقتنعت أنّ الأديان تمّمت بعضها ، ولهذا لا يمكن
للمسيحيّين أن يرفضوا المسلمين ويكذبوهم ; لأنّ هذا يعطي الحقّ لليهود أن يرفضوا المسيحيّين ويكذّبوهم بالمنطق والدليل نفسيهما ، ولهذا فليس للمسيحيّة أن ترفض الإسلام تحت أيّ حجّة كانت ، خاصّة أنّ معجزات النبيّ(صلى الله عليه وآله) دلّت على نبوّته وصدقه ، وانتشار هذا الدين أيضاً دلّ على صحّته وشموليّته حسبما رأت.
طبعاً كان لابدّ أن أزيل تلك الشبهة التي تقول إنّ الدين الإسلاميّ انتشر بقوّة السيف ; لأنّ هذه المغالطات التاريخيّة دُسّت زوراً في التاريخ للطعن بالإسلام وسماحته ، فضربت لها مثلاً بأنّ أغلب بلاد المسلمين حُفظ فيها وجود المسيحيّين حتّى اليوم ، بينما في إسبانيا ـ الأندلس ـ التي أقام فيها المسلمون حضارة عظيمة طالت مجالات العلوم والفنون والعمران وما تزال آثارهم شاهدة على ذلك ـ وعند سيطرة الملك "الفونسو" على أجزاء منها ، ارتكب المجازر الرهيبة بحقّ المسلمين ، وعندما عاد المسيحيّون إلى احتلال الأندلس أبادوا المسلمين واليهود على السواء تحت رعاية ومباركة البابا والكنيسة مع أنّ دين المسيحيّة يدعو إلى التسامح والمحبّة.
في هذا الوقت كانت "مارسي" قد وصلت إلى مرحلة متقدّمة من الاقتناع ، لكنّها أخذت تطالع الكتب التي تنتقد الإسلام وتناقشني بها ، وهذا ما سرّني جدّاً ; لأنني احتملت أن تكون قد فعلت ذلك لأمرين:
الأوّل: أنّها لا تريد أن تسلم ، ولهذا تتمسّك بالقشور ; لتدافع فيها عن دينها استكباراً وعناداً ، وسروري كان نابعاً من ايماني أنّها لو لم تقتنع بالتحوّل إلى الإسلام ، فإنّها أصبحت تعرف يقيناً الكثير عنه ، وتعرف أنّ ماكانت تؤمن به لم يعد مسلّماً لديها ، وأصبح محلّ تساؤلات كثيرة.
الثاني: أنّها تريد إزالة ما يمكن أن يساورها من شكوك ووساوس ; ليكون إيمانها خالصاً لا تشو به شائبة ، وهذا ما كان فعلاً.
وآخر ما تناقشنا به هو عن بعض المحرّمات ، فهي كانت لا تأكل لحم
الخنزير أساساً وذلك للمحافظة على صحّتها ، ولما تشتمل عليه من جراثيم ، ولكن كان عليها أن تلتزم بذلك امتثالاً لأمر الله حتّى تستحقّ الأجر والثواب منه تعالى على تركه.
أمّا الخمر فكان مشكلة المشاكل بالنسبة لها ; لأنّها كانت تتعلّق به كثيراً ، وبعد تبيان مضارّه ومفاسده امتنعت عن كثرته ; لتجنب تلك المضارّ والمفاسد ، ثمّ امتنعت فيما بعد حتّى عن القليل منه بعد إسلامها التزاماً بأمر الله سبحانه وتعالى.
وهكذا في عيد رأس السنة الميلاديّة 1989 وفي الساعة الحادية عشر ليلاً وعوضاً عن مراسم الرقص والخلاعة وشرب الخمر التي كانت تمارسها ويمارسها كلّ الغربيّين في كلّ سنة ، عوضاً عن ذلك كانت تجثو على ركبتيها تردّد شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله معلنة بذلك صفحة جديدة من الأمل والرغبة في العطاء في هذا الطريق المنير بأنوار الرسالة العابقة بعطر النبي(صلى الله عليه وآله).
والملفت أنها لم تقبل أن تمرّ عليها السنة الجديدة قبل إسلامها ، ولهذا أسلمت قبل الثانية عشر ليلاً ; لتستقبل السنة الجديدة وهي مسلمة حتّى تنال بركة هذه السنة في خطوة تبدو انتقاماً ، أو ردّة فعل على حالة الفساد والعادات الغربيّة في استفتاح سنتهم الجديدة.
وفعلاً غيّرت حياتها كلّيّاً بدءاً باللباس المحتشم والصلاة ، والتعرّف على تعاليم الدين الحنيف ، وانتهاءً بالحجاب الذي لبسته دون أيّ دفع أو تحريض منّي حتّى يكون خالصاً لوجه الله تعالى ، وأيضاً حتّى لا تخلعه مهما تغيّرت الظروف.
ومن الملفت أيضاً ، أنها أصبحت من الداعيات المتحمسّات للإسلام ، فهي لم تترك مؤتمراً أو تجمّعاً إلاّ وشاركت فيه ، ولها في المسيرات الإسلاميّة في ألمانيا صولات وجولات ، إضافة إلى جمع التبرّعات للبلاد الإسلاميّة المنكوبة ، وقد غيّرت دراستها الجامعيّة لتدرس اختصاص (العلوم الإسلاميّة) في مدينة "كولونيا".
وحدث مرّة أن دعوتها ودعوت أيضاً أحد الأخوة اللبنانيّين الموجودين في ألمانيا مع زوجته اللبنانيّة المسلمة غير المحجّبة ، فطال الحديث حول الوضع الإسلاميّ العام ، وعندما ذهب الأخ وزوجته رأيتها متوتّرة الأعصاب جدّاً ، ثمّ قالت بعيون دامعة:
أنا أمريكيّة بحثت وتعبت حتّى حصلت على نعمة الإسلام ، والله وحده يعلم كم أعاني من المشاكل اللغويّة في الصلاة أو قراءة القرآن ، ومن المشاكل المتأتّية من المجتمع الذي أعيش فيه ، ومع ذلك أتشبّث بحجابي والتزامي مهما جرى ، وها هي إحدى الفتيات المسلمات التي تربّت في مجتمع إسلاميّ ، والقرآن ناطق بلغتها ، لم تهتد إلى الآن إلى حلاوة وعذوبة الالتزام بالأمور الإلهيّة.
وحقّاً أقول: إنّ رحلتي معها للتعرّف على الدين الإسلاميّ قد أفادني كما أفادها ; لأنّني عرفت عظمة هذا الدين الذي نعتنقه ، والذي ضحّى واستشهد الكثيرون من أجله ، رأيت وقعه وتأثيره على نفوس الآخرين ، فأشرق من جديد في نفسي بعدما سبرت أغوار قلوب غير المسلمين ، ورأيت ظلمتها ورينها ، وعندما عرفت أكثر قيمة الأنوار التي أحملها ويحملها كلّ مؤمن في قلبه ، فحمداً لله على هذا التوفيق ، ولا أقول هذا افتخاراً بالنفس ، بل افتخاراً بهذا الدين الذي ما عرض على عاقل إلاّ قبله ، وليكون ذلك دافعاً لنا جميعاً لأن نجهر بإسلامنا في كلّ محافلنا وساحاتنا ، وستعجبون إخواني من حسن استجابة الناس لهذا الدين إذا ما نوقشوا باللين والحجّة المنطقيّة.
{ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}(1).
والله ولي التوفيق(2).
الصورة
ولدت في مدينة "باي سيتي" في ولاية "ميشيغان" بأمريكا سنة 1960 م ، ونشأت في أسرة مسيحيّة كاثوليكية ، ثمّ تركت الكنيسة الكاثوليكيّة ، وهي في سن الثالثة عشر ، وتحوّلت إلى المسيحيّة الإنجيليّة ، ثمّ عملت في مجال التمريض.
اعتنقت الدين الإسلاميّ وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حوالي سنة 1985 م ، وتتحدّث "ماري" عن نفسها ومراحل إسلامها ، فتقول:
من أنا؟:
إنّي أمريكيّة ، ولدت في مدينة "باي سيتي" في ولاية "ميشيغن" ، من حوالي 31 سنة ، وأعمل حاليّاً كممرّضة ، وزوجة ، وأمّ لصبيّين.
سنّى الطفولة:
تربيت كفتاة كاثوليكيّة ، حيث لم أكن أمرّ من أمام كنيسة إلاّ وأقوم بإشارة الصليب.
منذ الصغر ، وفي مدينة "باي سيتي" كان لدي دائماً تساؤل وحيد: كيف أكلّم الله؟
عندما كنت أرى غروب الشمس واحمرار السماء ، كنت أعلم بأنّه من صنع
الله ، وفكّرت أنّه لا بدّ من وجود طريقة لشكر الله على ما نملك.
وفي سنّ العاشرة ، ذهبت للاعتراف في كنيسة القدّيسة "ماري" الكاثوليكيّة ، وتساءلت لماذا عليّ أن أخبر الراهب عن خطاياي. كنت أذهب إلى هناك واختلق الروايات لاعترف!
ولكنّي فكّرت أنّه لو أنّ هذا الاعتراف هو لله ، بشكل دائم بين الناس. وأحسست بأهمّية الله في حياة هؤلاء الناس.
لقد شاهدت أشخاصاً يتوضؤون للصلاة ، يصومون ، يحتفلون بعودة الحجّاج من مكّة..
خلال عاشوراء ، يتجمّع الكثير من المسلمين في الجامع المحلّي. ومرّة سألت شابّاً مسلماً عن عاشوراء ، فشرح لي الحوادث التي حصلت. تأثّرت جدّاً بالحادثة ، وفي ذلك الوقت ، قلت في نفسي لماذا لا أكلم الله بنفسي؟
ولقد كثرت شكوكي حول الكاثوليكيّة عندما قيل لي أنّه عليّ أن أقبّل خاتم الراهب في كنيستنا ; ليتمّ تثبيتي كعضو كامل في الكنيسة.
طبعاً ، لم أفعل ذلك ، وفي الثالثة عشرة تركت الكنيسة الكاثوليكيّة ، وتحوّلت إلى المسيحيّة الإنجيليّة. هناك ، ولمدّة ثماني سنوات ، أمضيت أوقات فراغي في دراسة الإنجيل في مجموعات مع مسيحيّين مولودين جدد (تعبير يستعمل للدلالة على الذين التزموا الديانة المسيحيّة).
هناك كانت رحلة مرعبة ، كنت أسأل الأسئلة ولا أجد أجوبة ، ولم أتمكّن من قبول المفهوم المسيحي حول الثالوث ، والذي يقول بأنّ الربّ متجسّد في الأب والابن وروح القدس.
الناس لا يستعملون المنطق!
لاحقاً ، وفي سنّ الخامسة والعشرين ، تحوّلت مجدّداً إلى شهود يهوى أبحث عن أجوبة بدون نتيجة!
مجتمع المسلمين:
وتعرّفت على مجتمع جديد من خلال تعرّفي على بعض المسلمين ، ولأوّل مرّة علمت لماذا تلبس النساء الحجاب ، فلقد قالت لي فتاة مسلمة: إنّي ألبسه لله ، وإذا كان الله راضياً عنّي فلا يهمّني ماذا يفكّر الناس.
بدأت أسمع كلمات مثل إن شاء الله ، الحمد لله ، سبحان الله ، وكان الله معك تستعمل ، وأنّ روحي كانت تبكي اعترافاً منها بالحقيقة ، ولكن قلبي وعقلي كانا ملتزمين بطريقة العبادة التي تعوّدت عليها.
اعتناقي الإسلام:
لقد أعطاني الله الفرصة بوجود ضيف مسلم في منزلنا ، وفي تلك الفترة كنت أدرس مع شهود يهوى ، وبعد حوالي أربعة أشهر قال لي الضيف:
إنّك تحاولين جادّة عمل ما هو صحيح ، ولكنّك ضائعة جدّاً.
أجبته: وإذا كنت تعتقد أنّك تملك الحقيقة ، فإنّي مستعدة لأدرس القرآن معك في المساء.
وهكذا كان ، ولمدّة ثلاثة إلى أربعة شهور ، كنّا ندرس خلالها القرآن ، كما كنت أقوم بتقديم الدروس حول الإنجيل ، ظنّاً منّي أنّي أستطيع أن أهدي قلبه إلى المسيحيّة!
وعندما حان الوقت الذي رأيت في حقيقة الإسلام الساطعة ، شعرت بالخوف من نكران المسيح كابن الله ، إنّها نقطة حسّاسة في المسيحيّة والخلاص.
لقد جاء السبب الأخير لأكون مسلمة في سؤال بسيط من جزءين:
إذا كان المسيح ابن الله ، فلماذا لا تكون مريم زوجة الله؟ ولقد غلبني منطق السؤال لدرجة أن أيّ شيء أقل من الاستسلام يكون كذبة.
بعدها أمضيت ثلاث ليال بدون نوم ، وبينما كنت أجلس في الخارج تحت النجوم وباتّجاه الكعبة ، سلّمت نفسي لله.
وحاولت بكلّ جهدي قراءة الشهادتين في ورقة كتبت عليها الكلمات بالإنكليزية كما أسمعها بالعربيّة.
لا أدري كم بقيت في الخارج على ركبتي ، ولكن كان وقتاً خاصّاً جدّاً بالنسبة لي.
الإسلام كما أراه:
إنّ الإسلام يشارك المسيحيّة في العديد من القيم الأخلاقيّة والأنبياء ، ولكن كلّ الأجزاء الضائعة نجدها في الإسلام.
لقد اكتشفت ديانة تشجّعني على التفكير في المشاكل الاجتماعيّة ، وتعطيني طريق حياة واضح المعالم.
أن تكون مسلماً عليك أن تدرك أن كلّ شيء يعيدك إلى الله.
لقد وضعت على باب البراد في منزلي عبارة لأحد العلماء العظام ، حيث يقول: تعلّم الإسلام ، أعمل بجد ، كن متواضعاً وساعد الآخرين.
ولهذا فإنّي أقوم الآن بدراسة القرآن مع أخوات مسلمات من أصل أمريكيّ في جمعيّة النساء المسلمات المتّحدات.
المسلم أصلاً:
لقد قال زوج الاخت "ماري" إنّ إسلام زوجته جعله أكثر التزاماً ; لأنّه بدأ يدرس عن ديانة كان مهملاً لها مع أنّه ولد مسلماً ، وأضاف: وأحياناً أشعر أنّ زوجتي تعرف أكثر منّي عن الإسلام ، وأشعر بالخجل.
كلمة أخيرة...
لقد عرفت من خلال اعتناقي الإسلام (والذي حدث منذ ست سنوات) ، أنّ مسلماً واحداً زرع بذرة إسلاميّة في عقلي ، ورويداً رويداً سقاها المسلمون الآخرون.
ولقد سمح الله بنموّ البذرة لتصبح وردة (مسلمة).
المجد والعزّة لله.
وإنشاء الله تتمّ سقاية البذور التي نزرعها ونرى الكثير من المسلمين الجدد يتفتّحون براعم جديدة(1).
1) مجلّة نور الإسلام اللبنانيّة ـ العددان: 21و22 ـ السنة الثانية جمادى الأولى وجمادى الثانية 1412 هـ .
الصورة
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصلت على شهادة جامعيّة ، وكانت منذ صغرها تبحث عن مفاهيم تعيش في ظلّها حالة الأمن والسعادة ، وحاولت أن تجد هذه المفاهيم في الدين المسيحيّ فلم تفلح بذلك.
المرأة في الغرب:
كانت "ماري لوكاستر" تعي بأنّ التيار السائد في الغرب يحاول إبعاد المرأة عن واجباتها عن طريق إغراقها بالاهتمام في أمورها المظهريّة كاللباس والزينة وارتداء الأزياء البعيدة عن الحشمة ، كما أنّ هذه التيّارات تحاول أن تزجّ المرأة في المتاهات ، وأن تنزع من قلبها الرحمة والعاطفة ، وأن تدفعها إلى التفسّخ الخُلقي والرذيلة التي تمتصّ كرامتها الإنسانيّة ، وقيمتها الرفيعة ، وتبقيها آلة يسخّرها النظام حيث يشاء ، ويدفع بها إلى سبل العيش الرخيص من خلال المنظّمات الحزبيّة والسفرات الترفيهيّة والمهام العسكريّة وأمثال ذلك.
ولهذا كانت "ماري" تبحث عن أفكار وعقائد ومفاهيم تمنحها الصمود إزاء هذه التيّارات المضادّة ، وتمنحها المناعة كي لا تتأثّر بهذا الغزو الفكريّ والثقافيّ الذي يبثّه الغرب من خلال التلفزة والإذاعة والمجلاّت الخليعة والنوادي الخاصّة
والعامّة وشتّى وسائل الإعلام.
تعرّفها على الإسلام:
صادف لـ "ماري" أن التقت بمجموعة من المسلمين ، فتعرّفت من خلالهم على بعض المفاهيم الإسلاميّة ولا سيّما التي تخصّ المرأة ، فاعجبتها هذه المفاهيم ، وأدركت معنى الحجاب الذي ترتديه المرأة المسلمة ، وعرفت أنّ الإسلام حرص على أن يحوط المرأة بمناعة تحفظ لها كرامتها وانسانيّتها ، وتحقّق لها سعادتها واستقرارها ، وتحول دون هتك حرمتها وإهانة عرضها واستباحة شرفها.
ولا يخفى أنّ الغريزة الجنسيّة غريزة طبعيّة جامحة ، لا يمكن كبتها ، أو الحيلولة دون الاستجابة لها ، إلاّ أنّ إطلاق العنان لها من غير تنظيم وتحديد يؤدّي إلى هبوط الإنسان إلى مستوى الحيوانات.
ولهذا فرض الإسلام الحجاب ; ليصون بذلك الفرد والأسرة من جنوح الشهوة وهياج الغريزة ، من دون أن يسبّب هذا الحجاب أيّ عائق أو مشكلة لتحصيل العلم ، أو ممارسة العمل ، أو أداء الالتزامات اليوميّة.
وبهذا الحجاب تصبح المرأة أكثر اتّزاناً وحشمة من تلك التي تتبذّل وتبدي مفاتن جسمها ، وتستهوي الشباب الطائش ، وقد يعتدي عليها بجرائم المعاكسة ، أو الاختطاف ، أو الاغتصاب وما شاكل ذلك.
التحصّن بالإسلام:
إنّ البحوث التي أجرتها "ماري" بيّنت لها بأنّ الإسلام هو الدين الوحيد الذي تتمكّن من خلال التحصّن به أن تصون نفسها وأن تعيش في ظلّه الحياة الطيّبة ، فلهذا تخلّت عن عقائدها الموروثة واعتنقت الإسلام والتزمت بعد ذلك بجميع تعاليمه السامية وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
الصورة
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصلت على شهادة البكالوريوس ، ثمّ التقت بمجموعة من المسلمين ، فتعرّفت على الدين الإسلاميّ ، ودفعها ذلك للبحث حول مبادىء هذا الدين الحنيف.
المرأة قبل مجىء الإسلام:
كانت المرأة تعيش في عصر الجاهليّة وقبل مجيء الإسلام أسوء الحالات ، وكانت لا تتمتّع بالحقّ المطلق في الحياة ، وكان أولياء أمورها يتصرّفون بها كالسلعة ، فإذا نجت من الوأد ، فلربّما بادلها أبوها أو أخوها بامرأة يتزوّجها ، وإذا مات زوجها اعتبرت جزءاً من ميراثه .
ويصف القرآن الكريم الحالة النفسيّة للرجل الجاهليّ الذي تلد زوجته أنثى:
{وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُون أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ}(1).
وبصورة عامّة كانت الظروف المعيشية للمرأة في الجاهليّة سيّئة ، وكانت
1) النحل {16} : 58 ـ 59.
لا إرادة لها ولا قرار مستقل ، وكانت تعامل مثل سلعة تباع وتشترى وتؤجّر وتهدى .
الإسلام والمرأة
إنّ الإسلام أحدث بعد مجيئه تغييراً جذريّاً في مكانة المرأة ، فأبطل الوأد ، ومنع قتل الأبناء ، ثمّ دعا الإسلام إلى الاستبشار بالمولودة الأنثى ، وألغى المعايير الاجتماعيّة المزدوجة التي تبيح للرجل وتمنع المرأة ، وأقرّ الإسلام للمرأة شخصيّة معنويّة كاملة ، وحمّلها مسؤوليّة اختياراتها وأقوالها وتصرّفاتها ، وخصّ المرأة بحصّة خاصّة من الميراث تحتفظ بها لنفسها ، وتنفقها كما تشاء ، وهي أقلّ من حصّة الرجل ـ في بعض الحالات ـ لأنّه يتحمّل مسؤوليّات الإنفاق على أفراد أسرته بمن فيهم النساء ، ولكن ليس له ولاية على أموالهن.
كما أبطل الإسلام زواج المكرهة ، وأسقط ولاية الأب على ابنته إذا لم يأذن بزواجها لسبب غير وجيه ، وعندئذ يكون لها الحقّ في اختيار زوجها بنفسها.
ووضع الإسلام جملة من التشريعات من أجل ضمان حقوق المرأة ، ومنع استغلالها من قبل الرجل ، وألغى بالتحديد صورة المرأة السلعة ومنع أن تكون المرأة مجرّد وسيلة لمتعة الرجل ، واستبدل الصورة المهينة التي كانت للمرأة في زمن الجاهليّة بنموذج المرأة الإنسانة ، وسلّطت التعاليم الإسلاميّة الضوء على إسهامات المرأة الأساسيّة في الحياة الزوجيّة ، فهي شريكة حياة زوجها ، كما أوصت النصوص الدينيّة الرجل بأن يعاشر زوجته بالمعروف ، وذهبت إلى أنّ أبغض الحلال عند الله هو الطلاق ، وأمرت الأبناء باحترام الوالدين ولا سيّما الأم ، وصرّحت بأنّ الجنة تحت أقدام الأمّهات.
اعتناقها للدين الحنيف:
إنّ هذه الصور المثلى التي جاء بها الإسلام دعت "ماريانا" إلى المزيد من
التعرّف على المبادىء الإسلاميّة حتّى آل بها الأمر إلى الاقتناع الكامل بأحقّية الإسلام ، فبادرت بعد ذلك إلى اعتناقه ، والاعتقاد بمبانيه ، والالتزام بتعاليمه السامية وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) من أجل الفوز بالحياة الطيّبة في الحياة الدنيا ، والنعيم الأبديّ في الحياة الأخرى.
الصورة
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ التقت ببعض المسلمين ، فتعرّفت من خلالهم على الدين الإسلاميّ ، ثمّ انجذبت إلى بعض الأصول والمبادىء الإسلاميّة ، فدفعها ذلك إلى البحث بدقّة حول الإسلام.
الإسلام دين الرحمة:
وجدت "ماري لورين" خلال بحثها حول الإسلام بأنّ هذا الدين هو دين الرحمة ، ووجدت بأنّ القرآن الكريم مليء بكلمة "الرحمة والرحيم والرحمن والرحماء" وما اشتقّ من هذه المادّة منها أنّه تعالى وصف نفسه بالرحمة ، فقال في أوّل آية من محكم كتابه: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} والرحمن والرحيم اسمان مشتقّان من الرحمة.
كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}(1).
ووصف الله عز وجل القرآن بأنّه رحمة ، فقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}(2).
ووصف الله تعالى الرسول(صلى الله عليه وآله) بالرحمة ، فقال تعالى: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ}(1).
وقال تعالى: {جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ}(2).
ووصف الله تعالى المؤمنين الذين كانوا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) بأنّهم رحماء ، فقال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ}(3).
موجبات الرحمة:
إنّ الإسلام يعلّم أتباعه التعاليم التي يؤدّي الالتزام بها الدخول في رحمة الله ، والقرآن الكريم أيضاً قد بيّن كيفيّة دخول الإنسان في رحاب رحمة الله تعالى.
وقال تعالى: {وَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(4).
وقال تعالى: {وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(5).
وقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(6).
وقال تعالى: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}(7).
الدخول في رحاب رحمة الله:
إنّ الحقائق التي اكتشفتها "ماري" خلال دراستها للإسلام ، دفعتها في نهاية المطاف إلى الدخول عن طريق الإسلام المتمثّل بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) في رحاب الرحمة الإلهيّة.
والجدير بالذكر أنّ "ماري" أحسّت بمجرّد اعتناقها للدين الإسلاميّ بانفتاح أبواب رحمة الله عليها ، وأحسّت بحالة معنويّة لا توصف ، وشعرت بعد ذلك بطمأنينة لم تشعر بها من قبل ، وهيمن الاستقرار على وجودها ، وأحسّت أنّها قد تطهّرت من جميع الأدران التي كانت عالقة بقلبها وفكرها ونفسها.
ولد سنة 1978 م في مدينة "بروكلاين" في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة كاثوليكيّة ، ثمّ تعرّف على الإسلام ومذهب أهل البيت(عليهم السلام) بعد قراءته لبعض الكتب الإسلاميّة ، ولقائه ببعض المسلمين الشيعة ، ثمّ أعلن استبصاره سنة 2001 وسمّى نفسه "عبد الحقّ".
عوامل الصحوة في العالم الإسلاميّ:
رأى "ماريو" بعد استبصاره بأنّ العالم الإسلاميّ قد عاش في القرون المتأخّرة حالة السبات والذهول عن عظمة الإسلام ودوره الرساليّ والقياديّ في الحياة ، وهذا ممّا أدّى إلى تضييع مكانة الإسلام العلميّة والثقافيّة ، وحوّل الأمّة الإسلاميّة من أمّة رائدة في الصعيد الفكريّ والثقافيّ والحضاريّ إلى أمّة متخلّفة تقلّد غيرها ، وتستورد الأفكار والنظريّات من الخارج.
فاستاء "ماريو" لذلك ، وحاول البحث من أجل معرفة عوامل اليقظة في العالم الإسلاميّ ، ووجد على رغم وجود التخلّف في العالم الإسلامي ، أنّ روح النهضة واليقظة والتحرّر بدأت تدبّ في هذا العالم ، فأحبّ أن يبحث ; ليتعرّف على كيفيّة دعم هذه الحركة ، وتقويتها في صعيد الأمّة الإسلاميّة
ومن خلال البحث عرف "ماريو" بأنّ من أهمّ عوامل الصحوة في العالم الإسلاميّ هي مواقف علماء الإسلام والحوزات الدينيّة ; لأنّها تلقي بذرة الوعي والإحساس بالمسؤوليّة بين المسلمين ، كما أنّ للمبلغين وخطباء المساجد والمنابر المنتشرين في المدن والقرى والأرياف الأثر البالغ في حفظ الإسلام ، وربط المسلمين بعقيدتهم.
والأمر الآخر الذي ينبغي أن يعيه المسلم هو فشل القوانين والأنظمة المستوردة ، وعجزها عن حلّ مشكلة الإنسان المسلم ، ولهذا ينبغي للجمعيّات الإصلاحيّة والمدارس الدينيّة أن تغرس هذه الفكرة في أذهان المسلمين ، وعليها أن تقوم بمكافحة الفساد والانحطاط الأخلاقيّ عن طريق تعليم أبناء المسلمين وتثقيفهم بالثقافة الإسلاميّة ، وبثّ الوعي الإسلاميّ.
كما ينبغي للهيئات والحركات الإسلاميّة أن تقف بوجه الغزو الفكريّ لبلاد المسلمين ، وينبغي للكتّاب والمفكّرين الإسلاميّين ودور النشر والثقافة الإسلاميّة أن تساهم بصورة فعّالة في نشر العلوم والمعارف والثقافة الإسلاميّة ; لتتمكّن بذلك من مجابهة الهجمة الثّقافية المادّية والعلمانيّة ، والموجة الانحرافيّة التي سبّبتها عوامل التخلّف والانحراف.. كما ينبغي لهؤلاء أن يغنوا الفكر الإسلاميّ ، ويساهموا في إعداد جيل جديد مزوّد بعناصر اليقظة والنهوض الفكريّ.
ومن هذا المنطلق سيتمكّن كلّ مسلم من تحديد المشاكل التي يعاني منها الفرد والمجتمع ، وسيطّلع كلّ مسلم على عناصر النهوض بوضوح ، فيمهّد له ذلك السعي لوضع العلاج لكلّ مشكلة تواجه عمليّة ارتقاء مستوى الفكر الإسلاميّ.
ومن جهة أخرى فإنّ المستبصرين أيضاً ينبغي لهم أن ينشروا المعارف الإسلاميّة بين أبناء مناطقهم ، وعليهم أن يدرؤا الشبهات العالقة في أذهان من حولهم حول الإسلام ; ليتمكّنوا من تصحيح أفكار الآخرين أزاء الدين الإسلاميّ القويم.
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة بروتستانتيّة ، اعتنقت الدين الإسلاميّ وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بعد زواجها من شخص مسلم ، ولقائها ببعض النساء المسلمات الملتزمات العاملات.
لقاؤها مع مجلّة نور الإسلام:
أجرت معها مجلّة نور الإسلام اللبنانية لقاءً صحفيّاً وتحدّثت ماريون في هذا اللقاء عن ظروف إسلامها ، وقد جاء فيه:
ماريون مرتضى أخت أمريكيّة هداها الله تعالى للإسلام فعاشت صدق الإيمان وقرنته بالعمل.. وكانت بداية الطريق زواجها من مسلم لم يكن يهتمّ بترقية فكرها والتزامها الدينيّ ، ولكن أدركتها الرحمة الإلهيّة عن طريق بعض الأخوات العاملات ضمن (رابطة النساء المسلمات المتحدات) في "ديربورن" التابعة لولاية "ميشيغان" الأمريكيّة ، فأنار هذا الدين العظيم جوانب عقلها وقلبها.
مندوبة (نور الإسلام) التقتها في مركز الرابطة ، وأجرت معها هذا الحديث عن ظروف إسلامها ، وعمّا أحدثه الإسلام في حياتها من تغيّرات جذريّة.
سؤال: هل تخبريننا بدايةً عن وضعك الديني قبل الاهتداء للإسلام ، والالتزام الحقيقي به؟
جواب: كنت قبل زواجي من مسلم ، من أتباع الكنيسة البروتستانتيّة ، ولكن ذلك في رأيي كان عبر العمادة فقط.. فلم أكن أمارس الدين من كلّ قلبي ، وعندما تزوّجت أصبحت مسلمة بالزواج فقط ، فلم أمارس الإسلام في البداية ، إذ لم يكن الدين شيئاً رئيساً في حياة أسرتي اليوميّة ، ولقد كان ذلك أحد الأسباب التي جعلتني غير مستعدّة لأن أكون مسلمة حقيقة في ذلك الوقت.
سؤال: كيف كانت بداية طريقك للتعرّف على الإسلام والانفتاح عليه؟
جواب: بعد زواجي ببضعة أعوام ، تعرّفت على مجموعة صغيرة من النساء الأمريكيّات اللواتي اعتنقن الإسلام ، وتزوّجن من رجال مسلمين ، وأخذن يتعرّفن على الإسلام ، بدأت على أثر ذلك بأخذ دروس إسلاميّة باللغة الإنجليزيّة ، وبدأت أفتح عقلي شيئاً فشيئاً للإسلام.
سؤال: ما هي المعتقدات والأفكار الإسلاميّة التي جذبتك أوّلاً للإسلام؟
جواب: الإيمان بربّ واحد ، أهميّة الصلاة وأهميّة العائلة وترابطها ، وتحريم الخمر وما شابه ذلك.
سؤال: من هي الشخصيّات الإسلاميّة الهامّة التي لفتت انتباهك ، ووجدت أنّها يجب أن تكون قدوة للإنسان المسلم؟
جواب: بالطبع في المقدّمة يأتي مقام الرسول الأعظم محمّد(صلى الله عليه وآله) الذي هو سيّد البشريّة وقدوتها الأولى.. وهناك أيضاً أئمّة أهل البيت الأطهار(عليهم السلام) الذين لا يدانيهم أحد بعد الرسول(صلى الله عليه وآله) في الفضل والعلم ، ولقد شدّني خطّهم ونهجهم الفكريّ والعباديّ فالتزمت به.
سؤال: كيف كانت علاقتك بأهلك وأقاربك قبل الإسلام؟ وكيف أصبحت بعده..؟ وهل هناك من معاناة معهم؟
جواب: لم تكن علاقتي مع الأهل علاقة جيّدة أساساً ، وخصوصاً مع أبي ، كما أنّ والديّ كانا منفصلين ، ولقد تنكّر أبي لأولاده منذ فترة ، واعتقد أنّ اعتناقي
للإسلام قد زاد من قناعته بضرورة الحفاظ على مسافة بينه وبيني ، ولقد توقّعت والدتي وبقيّة أقربائي المباشرين أن أتحوّل في النهاية إلى الإسلام ، لأنّها الطريقة الوحيدة لإنجاح زواجي ، وأظنّ أنّهم ليسوا مرتاحين تماماً لإسلامي ، ولكنّهم وقفوا إلى جانبي ; لأنّي لم أسىء إليهم في حياتي.
أمّا بالنسبة لسائر أقاربي فلم أقم علاقة وثيقة إلاّ مع عمّي وجدّي لأبي. وأصعب ما عانيته تمثّل بقراري ارتداء الحجاب بشكل دائم ، ولقد بدأت أصوم وأصلّي بعد مضي عام على اعتناقي الإسلام ، وكنت أخشى أن لا تتقبّل عائلتي ذلك ، وتقطع علاقتها بي نتيجة ذلك ، ولكن عزمت في النهاية أن أضع الحجاب بغضّ النظر عن النتائج ، واكتشفت أنّ ارتداءه لم يؤدّ إلى خسارتي لأيّ منهم.
سؤال: هل حاولت أن تشرحي لهم معتقدك الجديد؟
جواب: نعم حاولت مرّات عدّة أن أشرح بعض المعتقدات لأسرتي و أقربائي ، وكنت أُلاقي بعض التفهّم ، ولكن لم أنجح بعد في جذب أحد منهم للإسلام ، ولعلّ الله يوفّقني فيما بعد.
سؤال: هل من صعوبات كنت تعانين منها قبل اعتناقك للإسلام وهل زالت بعده؟
جواب: لقد عانيت من صعوبات عدّة قبل اعتناقي الإسلام كالإدمان وانخفاض المعنويّات ، وعدم وجود معنى محدّد للحياة ، والانعزال ، وعدم الالتزام بشيء أو بأحد لفترة طويلة ، كذلك فإنّي أنتمي إلى عائلة توارثت الإدمان على الكحول ، وعدم القيام بأيّ عمل نافع ، وانعدام الإيمان الراسخ بثوابت معيّنة، ولقد زالت جميع هذه المصاعب ، ماعدا وضع عائلتي بعد اعتناقي الإسلام ، كذلك فإنّي أعتقد أنّه بوسع عائلتي أيضاً أن تصبح ذات وضع حيّ ، إن هم اعتنقوا الإسلام.
لقد أنجبت طفلاً واحداً قبل اعتناقي الإسلام ، وأنا الآن أمّ لثلاثة أطفال ، ومنذ اعتناقي الإسلام أصبح همّي الأوّل يتمثّل في تربية أطفالي تربية صحيحة ،
فتجربة طفولتي حبلى بالذكريات السلبيّة ، ولا أريد أن تتكرّر هذه التجربة مع أطفالي ، ولقد ساعدني الإسلام في هذا المجال ، كما ساعدني على الإحساس بالآخرين ، وعلى معرفتي بمدى حاجتي إلى تغيير نمط علاقاتي بهم.
وأخيراً فإنّي أجد صعوبة في تربية أسرة إسلاميّة في محيط غير إسلاميّ ، وعلى الرغم من المشاكل التي نعانيها ضمن المجتمع الأمريكي ، فهناك عدد كبير من المسلمين الذين لا يدرسون الإسلام ، ويبذلون جهدهم للانخراط في المجتمع الأمريكيّ ، ولقد منحني الإسلام القوّة لاتّباع الصراط المستقيم ، والابتعاد عن هذه السلبيّات على الرغم من سلبيّة البيئة التي تحيط بنا.
سؤال: ما هي طبيعة نشاطاتك التبليغيّة والاجتماعيّة التي تمارسيها من خلال دورك في الدعوة إلى الإسلام؟
جواب: تتألّف نشاطاتي الإسلاميّة في حضوري للدروس الإسلاميّة والاحتفالات بالمناسبات الدينيّة كلمّا تسنّى لي ذلك ، كما أنّني أيضاً عضو في مجموعة تدعى (جمعيّة النساء المسلمات) وتتألّف من عدد من النسوة الأمريكيّات اللواتي اعتنقن الإسلام ، إضافة إلى بعض النسوة العرب والإيرانيّات والهنديّات ، ونحاول أن نعمل في مجالات التربية ، والنشاطات الاجتماعيّة ، والأعمال الخيريّة ، كجمع التبرّعات إلى المحتاجين من المسلمين..، ولقد أنشأنا مكتبة عامّة ، ونحن على استعداد لتقبّل الهبات العينيّة سواء لمكتبتنا أم للمجموعة بشكل عام.
سؤال: كمسلمة أمريكيّة عاملة كيف وجدت معاملة المسلمين والمسلمات من العرب والقوميّات الأخرى ، وهل من تجاوب في الجمعيّة معكن؟
جواب: إنّ معاملة المسلمين العرب لي هي معاملة سلبيّة وإيجابيّة في آن واحد ، فهناك ، كما أشرت عدد كبير من المسلمين الذين لا يمارسون الإسلام ، ومعاملة هؤلاء لي تميّزت بكونها أقرب إلى السلبيّة منها إلى الإيجابية ، وأظنّ أنّ
هذا أمر متوقّع ، فأنّا أمثّل بالنسبة لهم شيئاً يودّون أن يتحاشوه! أمّا المسلمون الملتزمون فإنّ معاملتهم تميّزت بكونها أكثر إيجابيّة ، وأنا شخصيّاً لم ألق معاملة سلبيّة من المسلمين الملتزمين ، وأنا أتحدّث هنا بشكل أساسي عن النساء ، ولكن على الرغم من أنّنا قد دعونا الكثيرات للانضمام إلى مجموعتنا ، لما لهذا الانضمام من أثر إيجابيّ على عملنا ، إلاّ أنّ التجاوب الذي حظينا به كان قليلاً ، ولست أدري ما هي الأسباب. ولربّما عاد ذلك إلى أنّهن يشعرن بأنّنا لا نملك المؤهّلات الكافية للقيام بهذه المهمّة ، أو لأنهنّ يعتبرنّ أنّه يجب ترك مثل هذا العمل على عاتق الرجال (والذين تلقّينا منهم بالمناسبة دعماً معقولاً) أو لأنهنّ لسنّ مهتمّات كثيراً بمثل هذه النشاطات ، ويبدو لي أنّه في الوسط الإسلاميّ الذي أحيا فيه ، هناك الكثير من التنوّع بين المسلمين بما في ذلك اختلاف المذاهب والقوميّات ، ولقد كان هذا أحد الأسباب التي حملتنا على إنشاء مجموعتنا في محاولة لردم الهوة وتوحيد أنفسنا.
سؤال: كيف يمكن للمسلمين الموجودين هنا أو في الخارج مساعدتكم في نشاطاتكم التبليغيّة؟
جواب: يمكن للمسلمين في الخارج أن يساعدونا عبر دعم نشاطاتنا التربويّة والتبليغيّة بأية طريقة ممكنة كالتبرّع بالكتب الإسلاميّة (العربيّة منها والإنجليزيّة). ونحن نأمل أن نجذب المزيد من المسلمات العربيّات لرابطتنا ، كما نأمل بإقناع المزيد من المسلمين العرب الموجودين هنا والذين لا يمارسون إسلامهم بالعودة إلى الدين الحقّ. وفي هذا المجال فإنّ للأخوات المسلمات العربيّات دوراً مهمّا لا يحول دونه سوى عجزنا عن توحيد أنفسنا(1).
1) عن مجلّة نور الإسلام: العددان (27 و 28) السنة الثالثة ذوالقعدة وذو الحجّة 1412 هـ .
الصورة
ولد في أمريكا ، وترعرع في أسرة مسيحيّة ، ثمّ واصل دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد ، ثمّ تعرف على الإسلام عن طريق مطالعته للكتب الإسلاميّة.
أثر التوحيد في الصعيد الفرديّ:
إنّ أهمّ عقيدة لفتت انتباه "مايكل" خلال مطالعته للكتب الإسلاميّة هي عقيدة التوحيد ، فأدرك "مايكل" خلال بحثه بأنّ التوحيد الذي يدعو إليه الإسلام يعني حريّة جميع الناس من قيود الأسر ومن قيود العبوديّة لغير الله تعالى ، ولهذا قال: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}(1)، كما قال تعالى: {وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ}(2).
وهذا ما يستلزم تكريم الإنسان ، لأنّ هذه العقيدة تمنعه من الخضوع والرضوخ لأحد غير الله تعالى ، وتصدّه عن عبادة الأصنام الجامدة والمتحرّكة التي فرضت نفسها على فكر وقلب وجسم الإنسان ; لأن هذه الأوثان رجس ،
وهي تبعد الكائن البشري عن طهره ونقائه الفطريّ ، وتذلّه وتنزله إلى الحضيض ، ولهذا ينبغي للإنسان الذي يودّ المحافظة على مكانته السامية أن يتجنّب هذه الأوثان ، وأن يمنع نفسه من التلوّث بها ، ولهذا قال تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ}(1)، وقال تعالى: {لا تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً}(2).
ومن جهة أخرى فإنّ التوحيد يعني وحدة وانسجام حياة الإنسان ووجوده ; لأنّ خضوع أيّ جانب من حياة الإنسان لأعداء الله يؤدّي إلى الازدواجيّة في حياته ، ولهذا قال تعالى: {أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ}(3).
ومن جهة أخرى فإنّ التوحيد يوجب انسجام الإنسان مع العالم المحيط به ; لأنّ التوحيد يدعو الإنسان إلى السير على الطريق المنسجم مع فطرته ، وبذلك يرتبط الإنسان ـ باعتباره عضواً أصليّاً من أعضاء هذا الكون ـ بسائر أجزاء الكون فتتكوّن بذلك الوحدة بين الإنسان وبين الكون ، ولكن الإنسان الذي لا يؤمن بالتوحيد ، فإنّه سيكون جزءاً منفصلاً عن أجزاء العالم ، فلهذا يعيش حالة فقدان التوازن نتيجة عدم سيره الصحيح مع الحركة الطبيعيّة التي سنَّها الله تعالى في الكون ، ولهذا قال تعالى: {أَ فَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}(4).
التسليم لله الواحد القهار:
إنّ المعارف التي توصّل إليها "مايكل" خلال دراسته للتوحيد الإسلاميّ
دفعته إلى التسليم لله والإذعان بشريعته التي أنزلها على خاتم رسله ، فلهذا أعلن إسلامه ، ورفض العقيدة المنحرفة التي كان عليها فيما سبق ، ورفض التثليث الذي ورثه نتيجة تقليده الأعمى من الأجواء التي ترعرع فيها.
ثمّ بدأ "مايكل" صفحة جديدة من حياته في ظلّ التوحيد وفي ظلّ التعاليم التي جاء بها رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وحافظ عليها أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من تحريف المغرضين.
ولد في أمريكا سنة 1953م ، ونشأ في أسرة مسيحيّة كاثوليكيّة ، حصل على شهادة البكالوريوس في الفلسفة من جامعة ولاية "نيويورك" ، كما حصل على شهادة الماجستير والدكتوراه في الفلسفة أيضاً من جامعة "رايتس" في "تكساس".
درس العلوم العقليّة لمدّة عشر سنوات في الجامعات المختلفة في "تكساس الجنوبيّة".
تعرّف في الجامعة على عدد من الطلبة المسلمين ، ووجد في نفسه رغبة للتعرّف على الإسلام كدين ، والتحقيق والبحث في هذا الأمر ، وبعد تحقيقات طويلة تشرّف باعتناق الدين الإسلامي ، والتمسّك بولاء أهل البيت(عليهم السلام) سنة 1984 م.
سفره إلى إيران:
سافر الدكتور "لكنهاوسن" إلى إيران سنة 1989م ، وواصل بحوثه في العلوم الإسلاميّة والفلسفيّة في مايخصّ الحكمة والفلسفة ، ثمّ عمل أستاذاً للفلسفة والمعارف الدينيّة في مؤسّسة الإمام الخميني للتعليم والتحقيق ، كما ترجم عدّة
كتب فلسفيّة وأدبيّة من الفارسيّة إلى الإنجليزيّة.
يقول الدكتور "لكنهاوسن" عن إسلامه: لم يكن اعتناقي للإسلام أمراً سهلاً ، وذلك لأنّي كنت مسيحيّاً كاثوليكيّاً في أوّل الأمر ، وعندما ذهبت إلى الجامعة فقدت ديني ، وصرت ملحداً ، ومرّت سنوات عديدة على هذا الحال حتّى تعرّفت على عدد من الطلبة المسلمين ، ثمّ تعرّفت على الإسلام ، واعجبني فيه شموليته ، ولفت نظري قصص العلماء والعرفاء المسلمين.
اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام):
يقول الدكتور "لكنهاوسن" بدأت بالبحث في الدين الإسلاميّ لمجرّد التعرّف عليه كدين خاص ، ولم أفكّر بأنّي سأختاره ديناً لي في يوم من الأيام ، ولكن بالتدريج آمنت به خصوصاً عندما قرأت نهج البلاغة الذي جمع فيه الشريف الرضي بعضاً من كلام الإمام علي(عليه السلام) ، وقد اعجبتني شخصيّة الإمام علي(عليه السلام) السياسيّة والعرفانيّة والاجتماعيّة.
لقد كان يعجبني أن أعيش حياة طيّبة وأخلاقيّة ، وقد وجدت ذلك في الإسلام بعقائده الحقّة السامية ، وتطبيق أحكامه على الصعيد الشخصيّ والاجتماعيّ.
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، حصل على الشهادة الجامعيّة من جامعة ولاية "لويزيانا" كان يهوي لعبة كرة السلّة ، فاستمرّ على ممارستها حتّى غدا أحد أبطال هذه الرياضة في الدوري الأمريكي (NBA).
كيفيّة إسلامه:
يقول "محمود عبد الرؤوف" حول كيفيّة إسلامه: لم تكن لي أيّ معرفة بالإسلام قبل دخولي في الجامعة ، ولكن بعد التحاقي بالجامعة تعرّفت على الإسلام خلال قراءتي لسيرة حياة مالكوم إيكس ، الأمريكيّ الأسود الذي أسلم.
وعندما بدأت اللعب في دوري كرة السلّة ، تعرّفت على شخص باسم "مارك جينز" ، ثمّ اشتدّت بمرور الأيام أواصر المحبّة فيما بيننا ، فحدّثني ذات يوم بتعرّفه على أحد المسلمين ، وبيّن لي شدّة إعجابه به ، وشجّعني على الالتقاء به ، فقبلت منه ذلك ، وذهبنا للالتقاء به في المسجد الذي كان فيه ، وجرى بيننا وبينه حوار ودّيّ تعرّفت من خلاله على جملة من الأمور الدينيّة الإسلاميّة ، ثمّ قدّم لكلّ واحد منا نسخة من القرآن الكريم ، واقترح علينا النظر فيه من باب الاستطلاع والمعرفة ، فقبلنا منه ذلك.
فلمّا استقرّ بي المقام في البيت ، فتحت القرآن وشرعت بقراءته ، فلم أقرأ منه سوى ثلاث صفحات إلاّ وشعرت بنور يخترق أعماق وجودي ، ويفتح بصيرتي على حقائق لم يكن لي معرفة بها فيما سبق ، وأحسست أنّ القرآن يمنحني الطمأنينة والاستقرار ، ويحقّق لي التوازن الروحي ، والشعور بالثبات.
الصمود على الصراط المستقيم:
ومن هذا المنطلق توجّهت نحو دراسة الدين الإسلاميّ والبحث من أجل التعرّف على مبادئه الأساسيّة ، وبمرور الزمان تبلورت عندي القناعة بأحقّيّة الإسلام ومذهب أهل البيت(عليهم السلام) فأعلنت إسلاميّ.
وكنت في ذلك الوقت على وشك الزواج من سيّدة مسيحيّة ، فعرضت عليها الإسلام وبيّنت لها الحقائق الجديدة التي توصّلت إليها ، ولكنّها رفضت قبول الإسلام ، فقلت لها: إنّني قد اتّخذت قراري النهائي ولن أترك إسلامي ، وأنت مخيّرة بين أن تسلمي ونتزوّج ، أو تبقين على المسيحيّة ويذهب كلّ منّا في طريقه الخاص ، فرفضت تلك الفتاة قبول الإسلام.
أمّا الآن فأنا أواصل بحثي حول الإسلام وأهتمّ بشؤوني العقائديّة والمعنويّة ، وقد قلت علناً في مقابلة تلفزيونيّة: إني مستعد لترك اللعب في دوري السلّة الأمريكيّة ، فيما لو تعارض ذلك مع إسلامي ; لأنّني غير مستعد أبداً لترك عقائدي.
كما أنّني أواصل عباداتي وأؤدّي صلاتي في وقتها ، وأحاول أن أؤدّيها بخشوع ; لتكون وسيلة لتقرّبني إلى الله تعالى ، وأقرأ دائماً القرآن ، وأحاول أن اتدّبّر في فهم معانيه ، وقد شرعت ببرنامج لتعلّم اللغة العربيّة ، لأتمكّن من فهم الآيات القرآنيّة.
وأسأل الله أن لا تزلّ قدماي عن مواصلة هذا الطريق بحبائل الشيطان الذي لا يترك المؤمنين وشأنهم.
كما يراجعني الكثير من الناس ، ويسألونني عن الإسلام ، وعن أسباب تحوّلي إليه ، وترك المسيحيّة ، فأجيبهم على قدر معلوماتي ; لأنّني أرى نفسي مكلّفاً بتوضيح مفاهيم الإسلام ، وعرضها بصورة صحيحة ودقيقة.
وقد انتشر الإسلام في أمريكا في الفترة الأخيرة بسرعة ، وازداد عدد المساجد وعدد المصلّين بشكل ملحوظ ، رغم أنّ وسائل الإعلام تحاول إبعاد الناس عن الإسلام ، عن طريق إلصاق العديد من التهم به ، وتحاول أن تخلق الحواجز بين الناس وبين الإسلام بأيّ وسيلة ممكنة.
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، ثمّ عمل متخصّصاً في الأمور الكومبيوتريّة ، تعرّف على الإسلام خلال زيارته لإيران والتقائه ببعض علماء الشيعة ، ثمّ توجّه بعد ذلك إلى البحث المعمّق ; للتعرّف على أصول ومبادىء الدين الإسلاميّ.
أسباب التشريع في الإسلام:
تبيّن لـ "مك جوفيرن" خلال بحثه عن الإسلام وبعد الاقتناع الكامل بأحقّية مبادئه العقائديّة أنّ الإسلام لم يكلّف الإنسان بلزوم بعض الأفعال على وجه التحتيم إلاّ لصالح الإنسانيّة ، وحفظ نظام الحياة وتوفير خير البشريّة في الدنيا والآخرة.
وإنّ الإسلام لم يوجب شيئاً أو أمراً على منتميه إلاّ ليعمّق في ذواتهم الشعور بالمسؤوليّة ، ويزرع في نفوسهم الشعور بالعلاقة بين الحقّ والواجب ، وليضيّق بذلك دائرة أنانيّتهم ، وليدرك الإنسان أنّ عليه واجبات لا تتوازن معادلة الحياة الفرديّة والاجتماعيّة والعلاقة التعبّديّة بالله عزّ وجلّ إلاّ بإثبات هذه الحقوق والواجبات.
ومن جهة أخرى فإنّ الإسلام لم يحرّم شيئاً أو أمراً إلاّ ليقي بذلك الفرد والمجتمع من الفساد والفوضى ، وليقضى بذلك على كلّ مايحجب العبد عن ربّه ، ويمنعه من التقرّب إليه.
ولهذا قال تعالى: {قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ}(1).
كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(2).
ولو يستعرض الباحث المحرّمات في الإسلام ، ويتأمّل فيها لوجد أنّ السبب في تحريمها هو صيانة الإنسانيّة من السلوك المنحرف والمحافظة عليه من الوقوع في أودية البؤس والشقاء.
نبذ التقليد الأعمى:
وجد "مك جوفيرن" أنّ الإسلام حرّم كلّ ما من شأنه تقييد طاقة العقل وكبح نشاطه العلميّ ; ليتمكّن الإنسان من المحافظة على نقاء فكره ، وأن يكوّن لنفسه الرؤية الكونيّة الصحيحة ، ومن هذا المنطلق حاول "مك جوفيرن" أن ينبذ التقليد الأعمى ، وأن يجدّد النظر في معتقداته الموروثة ، وأن يبني مرتكزاته الفكريّة على أسس الأدلّة والبراهين.
ومن خلال البحث استنارت بصيرته بنور المعارف الإسلاميّة ، فاهتدى بهذا النور إلى سواء السبيل ، وتمكّن من التمييز بين الحقّ والباطل.
ومن هنا قرّر "مك جوفيرن" اعتناق الدين الإسلاميّ ، واختار لنفسه مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ; لأنّه وجدهم الجهة الوحيدة التي عصمها الله تعالى من الرجس ، وجعلها السبيل إلى الوصول إلى العلوم والمعارف المحمّدية الحقّة التي لم تصل إليها يدّ التحريف.
الصورة
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ واصلت دراستها حتّى حصلت على شهادة البكالوريوس.
تعرّفت على الدين الإسلاميّ خلال تعرّفها على إحدى المسلمات ، فكان هذا التعرّف بداية لبحثها ودراستها للدين الإسلاميّ.
المساواة بين الرجل والمرأة في الإيمان:
إنّ من أهم الأمور التي لفتت انتباه "نان لاوسون" خلال دراستها للإسلام هي أنّ هذا الدين الحنيف يساوي بين الرجل والمرأة في الإيمان ، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً}(1).
والمقصود من الإيمان هو التصديق بما أتى به النبيّ(صلى الله عليه وآله) والاعتقاد به ، وتبيّن هذه الآية بأنّ المرأة كالرجل تتمكّن من نيل السموّ الروحي والوصول إلى مراتب الإيمان العالية.
كما قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ}(2).
وهذه الآية أيضاً تشير إلى المساواة بين المرأة والرجل في الإيمان ، فكلّ عمل عبادي يؤدّيه الإنسان يقبله الله تعالى أو يردّه وفق تقييمه من خلال الشروط المطلوبة ، دون أن يكون لجنس الفاعل ذلك العمل العباديّ أيّ دخل في عمليّة التقييم.
وهذا ما يبيّن رفع الإسلام لقيمة المرأة ، وإعلاء النظر إليها في المجتمع ، ومنحها الرتبة المساوية للرجل في علاقتها مع الله تعالى وفي تحمّلها لأعباء الدعوة ، ولهذا قال تعالى: {فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِل مِنْكُمْ مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَاللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ}(1).
وأمّا فيما يخصّ الأخلاق ، فإنّ الإسلام لم يجعل أيّ اختلاف في الصفات الأخلاقيّة بين الرجل والمرأة ، بل حثّ الإسلام كلّ من الرجل والمرأة بصورة متساوية على الالتزام بالأخلاق الحميدة والابتعاد عن الصفات السيّئة.
تحوّلها العقائديّ من المسيحيّة إلى الإسلام:
إنّ المفاهيم العليا التي وجدتها "نان لاوسون" في الإسلام دفعتها إلى التقرّب يوماً بعد آخر إلى الإسلام ، فدفعها هذا الأمر إلى غربلة موروثاتها العقائديّة السابقة ، لأنّها لم ترغب أن تتخلّى عنها بسهولة ، ولكن كشف لها البحث بأنّ الإسلام هو المكمّل لجميع الأديان وهو أتمّها وأكملها ، لأنّه خاتم الأديان ، فلهذا لم تتردّد في تركها لمعتقداتها الموروثة ، فاتّخذت قرارها النهائي وأعلنت استبصارها ، ثمّ سمّت نفسها"زهراء" تيمّناً وتبرّكاً باسم سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء بنت النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله).
1) آل عمران {3} : 195.
ولدت في مدينة "ليندن" في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة انجليكانيّة ، ثمّ اهتدت إلى الدين الإسلاميّ ، واعتنقت مذهب أهل البيت(عليهم السلام)متأثّرة بدعوة أخيها الذي سبقها بالإيمان ، وبيّن لها أصول ومبادىء هذا الدين.
رأي الإسلام حول عمل المرأة في الصعيد الاجتماعي:
كانت تظنّ "نبيورث" بأنّ الإسلام يأمر بسجن المرأة في البيت ، ويمنعها من أيّ نوع من أنواع العمل في الصعيد الاجتماعي ، ولكنّها عرفت بعد دراستها للإسلام بأنّ هذا الدين لا يمنع المرأة مطلقاً من الاختلاط بالمجتمع ، والاشتغال بالأمور التجاريّة والاجتماعيّة والسياسيّة ، وإنّما يشترط في ذلك أن يكون اختلاط المرأة بالرجال من وراء حجاب ; لأنّ الاختلاط بحدّ ذاته ليس محرّماً ، ولا يؤدّي إلى الانحراف ، بل إنّ عدم الالتزام بالضوابط الأخلاقيّة الإسلاميّة هو الذي يجعل الإنسان عرضة للسقوط.
ولهذا فرض الإسلام على المرأة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجعلها في رتبة متساوية مع الرجل في هذا المجال ، فقال تعالى:
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(1).
ومن جهة أخرى ذكر القرآن الكريم أيضاً دور المرأة مع الذين يسعون في الأرض فساداً ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويتبعون أهواءهم ابتغاء الفتنة وسعياً وراء الضلالة والباطل فقال تعالى:
{الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ}(2).
إذن فالمرأة المؤمنة كالرجل المؤمن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، والمرأة الكافرة أو المنافقة كالرجل الكافر أو المنافق تعتبر عنصر الفساد والشرّ على الأرض من خلال اتّباع الأهواء ، وتولّي الشيطان.
وملخّص القول : أنّ الإسلام قد سمح للمرأة بالعمل في الصعيد الاجتماعي ، ولكنّه اشترط في هذا المجال أن تهتمّ المرأة بستر جسدها ; لئلاّ ينتهز أهل المطامع زينتها فيجعلوها أداة لإفساد المجتمع ، وليكون ذلك أيضاً حماية للمجتمع من الانزلاق والانحراف ; لأنّ الحجاب يقف حاجزاً بين المرأة وبين الابتذال والميوعة ، ويمنع الرجل والمرأة من السقوط الأخلاقيّ.
وبعبارة أخرى أنّ الغاية من وجوب ستر المرأة جسدها في عملها الاجتماعيّ هو الحفاظ على طهارة الأخلاق في المجتمع ، ولهذا ينبغي أن يكون دور المرأة في العمل الاجتماعي دور إنسانيّ فقط دون الدور الأنثويّ ، ولم يهتمّ الإسلام بهذا الشرط إلاّ ليحصّن المجتمع ضدّ الانحراف ، ويقيه من الوقوع في المنزلقات الأخلاقيّة.
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، وهو يحمل شهادة جامعيّة ، ثمّ بقي على انتمائه العقائديّ الموروث حتّى تعرّف على مجموعة من المسلمين الشيعة ، فدار بينه وبينهم مجموعة من الحوارات دفعته إلى البحث في الصعيد الفكريّ والعقائديّ الإسلاميّ.
الإسلام يدعو إلى العلم:
كان يظنّ "نيكولاس" بأنّ الإسلام يحارب العلم ، وهو يدعو إلى الجهل والتخلّف ، لكنّه عرف بعد البحث بأنّ الإسلام أقام عقائده وتشريعاته وقواعده الأخلاقيّة على اُسس علميّة متينة تنسجم مع نظام الكون ، وتتّفق مع الفطرة الإنسانيّة. ولهذا كانت أوّل كلمة نزلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله) من قبل الله تعالى هي كلمة "إقرأ" ، والقراءة مفتاح الهداية والسبيل إلى العلوم.
كما دعا الإسلام بصراحة وبإلحاح إلى العلم: {.. وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً}(1).
وفضل الله تعالى العلماء ورفع درجاتهم: {يَرفَعِ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ اُوتُوا العِلْمَ دَرَجَات..}(2).
ويتضمّن القرآن العديد من الآيات التي تشير إلى أهمّيّة العلم ، وترشد إلى التفكّر في خلق السماوات والأرض..
كما قال تعالى: {وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِير}(1).
الإسلام منهج الحياة:
كان يرى "نيوكولاس" بضرورة عزل الدين عن الحياة ; لأنّ المسيحيّة كانت في القرون الوسطى مليئة بالخرافات والمظالم ، ومنعت تقدّم أوروبّا ، ولم يتمكّن المجتمع الأوربّي من النهوض والتقدّم إلاّ بعد إقصاء المسيحيّة عن مسرح الحياة.
ولكنّه رأى بعد دراسته للإسلام بأنّ الخرافات المسيحيّة التي سادت في أوروبّا وعرقلت تقدّمها لا وجود لها في الإسلام ، بل الإسلام لا يقبل أمراً إلاّ ما هو علم ويقين ، كما أنّ الإسلام ليس كغيره مجرّد تعليمات عباديّة ، بل هو منهج شامل ينظّم شؤون الإنسان في جميع أصعدة حياته ، ولهذا قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ ..}(2).
اعتناقه للدين الإسلاميّ:
توصّل "نيكولاس" خلال بحثه حول الإسلام بأحقّيّة هذا الدين الحنيف ، وضرورة اتّباعه من أجل نيل رضا الله تعالى ، فلهذا اتّخذ قراره النهائيّ وأعلن إسلامه ، ثمّ التقى ببعض العلماء ليتعرّف من خلالهم على المزيد من العلوم والمعارف الدينيّة ، وليستفاد من ارشاداتهم المفيدة من أجل معرفة أقرب الطرق للتقرّب إلى الله تعالى.
أفريقيّ الأصل ، من مواليد أمريكا ، حاصل على شهادة الماجستير من جامعة "بركلي" في "كاليفورنيا" ، ترعرع في أجواء ربّته على الديانة المسيحيّة ، وكان أبوه قسّيساً ، فتربّى في أسرة ملتزمة.
تعرّفه على مذهب أهل البيت(عليهم السلام):
يقول "مورلو": كنت منذ صغري أعتقد بوجود الله تعالى ، كنت أخشى دوماً أن يتسرّب الشيطان إلى كياني ، وكنت كثير الدعاء ، وكنت أحبّ المسيح حبّاً جمّاً ، ولم أكن معتقداً بألوهيّته.
كنت أحبّ التطلّع نحو المستويات السامية من العلم والمعرفة ، فلهذا كنت كثير المطالعة ، حيث إنّني طالعت ، وأمعنت النظر في العديد من الكتب الفلسفيّة ، منها كتب سقراط وأرسطو وغيرها ، فحصل عندي إلمام إجماليّ بجميع الأديان ، وكان هدفي الوصول إلى الحقيقة.
فوقع ذات يوم بيدي كتاب من كتب الشيعة ، فصفّحته بعجالة ، ولكن شاءت الأقدار الإلهيّة أن لا أمرّ على هذا الكتاب مرور الكرام ، فبقيت متأمّلاً في بعض فقرأت الكتاب ، فاتّسعت آفاقي المعرفيّة ، وتفتّحت لي أبواب رحبة من العلم والمعرفة من خلال تعرّفي على مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).
فمن ذلك الحين لفت انتباهي هذا المذهب ، فتوجّهت نحوه ، وارتويت من
عذب علوم أهل البيت(عليهم السلام) ، فقوّيت بها بنيتي العقائديّة.
لقاؤه بأتباع مذهب أهل البيت:
يقول "مورلو": التقيت ذات يوم بشخص أمريكيّ ، فتحدّثنا معاً حول بعض القضايا الدينيّة ، فبيّنتُ له إعجابي بالمسلمين ، وأبديت له رغبتي للالتقاء بهم ، والتعرّف عليهم من قرب ، فقال لي ذلك الشخص: هل تريد أن أدلّك على المكان الذي يجتمعون فيه؟
قلت: نعم.
فأخذني إلى المكان الذي يجتمع فيه المسلمون ، ونقل لي في الطريق ما حدث له معهم وقال: حُكم عليّ بالسجن لديون ثقيلة كانت عليّ ، ولم استطع أداءها ، فبقيت لفترة في السجن ، ثمّ جاء هؤلاء المسلمون ، ودفعوا ديوني نيابة عنّي ، وأطلقوا سراحي من السجن من دون سابق معرفة لي بهم ، وكان هذا الأمر من جملة برامجهم الخيريّة ، فكانوا يجمعون الأموال فيما بينهم لإخراج السجناء من السجن.
يقول "مورلو": وهنا ازداد إعجابي بالمسلمين ، فلمّا وصلنا إليهم ، قلت لهم بأنّني قرأت بعض الكتب الإسلاميّة واقتنعت بها ، وأريد أن أكون مسلماً ، فرحّبوا بي وعلّموني كيفيّة النطق بالشهادتين ، فقلتهما بكلّ شوق ، وأعلنت إسلامي.
أداؤه لفريضة الحج:
يقول "مورلو": ازداد يقيني وإيماني يوماً بعد آخر بالإسلام وعقائده ، ولاسيّما عندما تشرّفت لأداء فريضة الحجّ ، حيث تعمّقت هناك مفاهيمي الإسلاميّة ، وارتبطت ارتباطاً روحيّاً عميقاً بالشعائر الإسلاميّة المقدّسة.
وبعد عودة "مورلو" من الحجّ سعى لافتتاح مركز إسلاميّ في أمريكا ; لنشر ثقافة الإسلام ، ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) بين أبناء وطنه.
الصورة
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصلت على شهادة جامعيّة ، ثمّ سما وعيها الدينيّ ، فتوجّهت نحو البحث في الصعيد العقائديّ ; لتشيّد مرتكزاتها العقائديّة على الدليل والبرهان ; ولتتحرّر من التقليد الأعمى لعقائدها السابقة ، فواجهت خلال دراستها للديانة المسيحيّة الكثير من العقبات ، وبقيت في ذهنها العديد من الأسئلة التي لم تجد لها في الديانة المسيحيّة الجواب الشافي والمقنع.
ثمّ صادف لها أن التقت ببعض المسلمات ، فتعرّفت من خلالهنّ على بعض الأصول والمبادىء الإسلاميّة ، فدفعها ذلك إلى البحث ، ثمّ اتصلت ببعض علماء الإسلام ; لتقدّم لهم أسئلتها الدينيّة العالقة في ذهنها.
وبمرور الزمان وجدت "هالي ديجن" بأنّ الإسلام قدّم لها الجواب الشافي لجميع أسئلتها الدينيّة ، فعمّقت بعد ذلك بحثها حول الإسلام حتّى توصّلت إلى القناعة الكاملة بأحقيّة هذا الدين الحنيف ، فأعلنت استبصارها ، ثمّ سمّت نفسها "زهراء" تيمّناً باسم سيّدة نساء العالمين "فاطمة الزهراء(عليها السلام)" بنت النبي المصطفى(عليها السلام).
موقف الإسلام من الديانات الأُخرى:
إن ّ من أهمّ المبادىء الإسلاميّة التي أعجبت بها "هالي ديجن" هي أنّ الإسلام أقرّ حرّيّة العقيدة والدين ، وقد قال تعالى: {لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}(1).
كما قال تعالى لرسوله(صلى الله عليه وآله): {أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}(2).
ومن جهة أخرى أمر الإسلام أتباعه أن يؤمنوا بجميع الأديان الإلهيّة السابقة ، وأن يؤمنوا بجميع الأنبياء والرسل والمبعوثين من عند الله ، وقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}(3).
وأمر الإسلام بحسن التعامل مع الذين يعيشون في مجتمعه كالمسيحيين واليهود ، واعتبرهم أهل الذمّة ، أي : لهم من الله تعالى العهد والميثاق أن لا يصيبهم ظلم ما داموا لا يخونون ولا يعتدون على حقوق الآخرين.
كما دعا الإسلام إلى حسن الحوار ، والكلام مع أهل الكتاب ، فورد في القرآن: {وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(4).
وبصورة عامّة فإنّ الإسلام لم يجبر أحداً بالقوّة على الإيمان به ، والقاعدة العامّة للإسلام هي:
من يهتدي فإنّما يهتدي ويجلب الخير لنفسه ، ومن يضلّ ويكفر بما أنزل الله على خاتم رسله فإنّما يجلب الشرّ على نفسه ، وهو حرّ في أن لا يُسلم ، ولكنّه يجب أن يعلم بأنّ رفض الإيمان بالإسلام سيوجب له يوم الآخرة العقاب الشديد ، وسيؤدّي به ذلك إلى الدخول في نار جهنّم وبئس المصير.
الصورة
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصلت على شهادة البكالوريوس ، ثمّ التقت بمجموعة من المسلمات ، فتعرّفت من خلالهن على أصول ومبادىء الدين الإسلاميّ.
مأساة المرأة في الغرب:
إنّ من أهمّ الأمور التي توجّهت إليها "هلن" بعد تعرّفها الإجماليّ على الدين الإسلاميّ هو رأي الإسلام حول تحرّر المرأة ; لأنّ "هلن" كانت مدركة بوضوح مفهوم حرّيّة المرأة لدى الغربيّين وهو أن تكون المرأة حرّة في كلّ شيء ، ولها أن تتحلّل من كلّ المعايير والموازين الخُلقيّة ، أو تبيع كرامتها أو شرفها بثمن بخس ، أو تكون سلعة رخيصة للاستمتاع اللامشروع.
وكانت "هلن" تعلم بأنّ الغرض الأساسيّ لتحرير المرأة بهذه الصورة في الغرب هو استغلال طاقتها في المصانع بأجر زهيد ، واستثمارها في تصريف البضائع للمستهلكين ، واستثمارها في الإعلانات وبرامج الدعاية واستغلالها في بيوت الفساد.
ومن هذا المنطلق خُدعت المرأة بشعار تحرير المرأة ، فكانت النتيجة انهيار
الأخلاق ، ونشوء الاختلاط ، والعلاقات غير المشروعة بين الجنسين ، ومن هنا تفكّكت الأسر ، وكثر الطلاق ، ومن جهة أخرى أصبحت المرأة سلعة رخيصة ومبتذلة تتلاقفها شهوات الرجال في كلّ وقت ، فأدّى هذا الأمر إلى فقدان المرأة لكرامتها وعفّتها واستسلامها للواقع الفاسد.
ومن جهة أخرى أدى هذا الأمر إلى كثرة الأطفال غير الشرعيّين ، وذلك على الرغم من استخدام موانع الحمل ، ولا يخفى أن الأطفال غير الشرعيّين يكونون في الأعمّ الغالب طاقة مفسدة في المجتمع ، ويكون توجّههم إلى ارتكاب الجرائم أكثر من غيرهم.
ومن الآثار السلبيّة الأخرى التي يمكن الإشارة إليها هنا هي ازدياد الأمراض والأسقام الجسديّة والنفسيّة . كما أدّى تحرير المرأة إلى كثرة الجرائم من قبيل الاغتصاب والقتل والانتحار ، والتوجّه إلى المغامرات اللامشروعة نتيجة القلق النفسيّ ، وتفكّك الأسرة وضعف العلاقات العاطفيّة.
تحرير المرأة في الإسلام:
إنّ الإسلام دعا المرأة إلى التحرّر من جميع ألوان عبوديّة الشهوات والأهواء ، ودعاها إلى حفظ كرامتها وشرفها ومنزلتها السامية ، ودعاها للمعيشة في حياة ملؤها الطهر والعفّة والحياء.
وحاول الإسلام أن يعزّز قواعد الحياة الزوجيّة القائمة على المحبّة والمودّة بين الزوج والزوجة ، وقد قال تعالى: {وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}(1).
وبصورة عامة وجدت "هلن كاثلين" بأنّ الإسلام وضع أسساً راقية لتحرير المرأة ، وقرّر للمرأة الحرّية المقيّدة بقيود شرعيّة منسجمة مع الفطرة الإنسانيّة
1) الروم {30} : 21.
كحرمة التبرّج والاختلاط غير المشروع ، وغير ذلك من الأمور التي تدفع المرأة إلى الوقوع في أودية الضلال والانحراف.
ولهذا اندفعت "هلن" إلى دراسة الإسلام بصورة جادّة ، فركّزت في دراستها على الجانب العقائديّ حتّى آل بها الأمر إلى الاقتناع الكامل بأصول ومبادىء الإسلام ، ثمّ أعلنت إسلامها ، و غيّرت اسمها ، وسمّت نفسها "زهراء" تيمّناً باسم سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(عليها السلام).
الصورة
ولد في أمريكا ، ونشأ في أسرة غذّته منذ صغره بالعقائد المسيحيّة ، ثمّ واصل دراسته حتّى حصل على شهادة البكالويوس ، ثمّ تعرّف على الإسلام خلال سفره إلى إيران ، والتقائه ببعض علماء الشيعة.
أثر التوحيد على الصعيد الإجتماعي:
إنّ أوّل مسألة عرفها "وليام" من الإسلام هي مسألة التوحيد ، فاقتنع بها ، ثمّ بعد ذلك نبذ عقيدة التثليث التي كان يؤمن بها ، ثمّ أدرك خلال بحوثه بأنّ التوحيد لا يمثّل عقيدة نظريّة فحسب ، بل هو عقيدة تترك الأثر البليغ في واقع الفرد والمجتمع.
ومن آثار التوحيد في الصعيد الاجتماعيّ أنّه يسلب الصلاحيّة من كلّ مصدر غير الله تعالى لوضع مناهج مستقلّة لشؤون الحياة والإنسان ; لأنّ التوحيد يعني أنّ الله هو خالق الإنسان والكون ، وهو المصمّم لهذا النظام الكونيّ الدقيق ، وهو الأعلم بما ينطوي عليه الكائن البشريّ من ذخائر دفينة ، ويعلم كيف تتفجّر طاقات الإنسان الكامنة.
ومن هنا فإن الله تعالى هو الوحيد القادر على وضع منهج لطريقة الحياة ،
وعلاقات الناس ، ومنهج حركتهم في إطار نظام التكوين ، ولهذا قال تعالى: {وَما كانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً}(1).
ومن جهة أخرى فإنّ التوحيد يسلب حقّ الولاية على المجتمع من غير الله تعالى ; لأنّ الحكم حقّ خالص بالله تعالى ، وهو يكون لمن يعيّنه الله عزّ وجلّ.
ومن جهة أخرى فإنّ التوحيد يعني اختصاص الملكية المطلقة الأصليّة بالله تعالى ، ولهذا لا يحقّ لأحد أن يتصرّف بما شاء بما عنده ; لأنّ كلّ شيء أمانة بيد الإنسان ، وينبغي عليه أن يستثمره فيما أمره الله تعالى به.
ولا يحقّ للإنسان أن يفسد ويتلف نِعَم هذا العالم ، ولا يحقّ له استعمالها في طريق غير طريق السموّ الإنساني ، ولهذا قال تعالى: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ}(2).
وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً}(3).
وقال تعالى: {اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها}(4).
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ}(5).
الالتزام الحقيقيّ بالتوحيد:
إنّ المفاهيم السامية التي أدركها "وليام" خلال مطالعته للمعارف الإسلاميّة
دفعته إلى اعتناق الدين الإسلاميّ الحنيف ، والالتزام الحقيقيّ بالتوحيد ، ونبذ كلّ ما ليس له صلة بالله تعالى ، ومن هنا استنار قلب "وليام" بنور الإيمان ، وسكنت جوارحه ، واطمئنّ قلبه نتيجة اتّباعه للحقّ ، وسيره وفق الطريق المنسجم مع فطرته الإنسانيّة.
ثمّ غيّر "وليام" اسمه ، وسمّى نفسه "علي" نتيجة ولائه ومحبته الخاصّة لهذا الإمام الذي بذل كلّ ما عنده في سبيل إعلاء كلمة الإسلام ، والمحافظة على الدين الإسلاميّ من تحريف المغرضين.
ولد حوالي سنة 1945 م في ولاية "فرجينيا" في أمريكا ، ونشأ في أسرة مسيحيّة ، يحمل شهادة جامعيّة ، عمل في مجال اختصاصه في إحدى دول الشرق الأوسط.
اعتناقه الإسلام:
اعتنق الإسلام ، وتمسّك بولاء أهل البيت(عليهم السلام) سنة 1979 م بعد احتكاكه المباشر بالمسلمين ، واطّلاعه على الفكر والعقيدة الإسلاميّة ، ثمّ اختار لنفسه اسم (محمّد علي).
لقاؤه مع مجلة نور الإسلام:
تحدّث "وليام" عن إسلامه في لقاء أجرته معه مجلّة نور الإسلام اللبنانيّة ، فورد في هذا اللقاء:
سؤال: هل لديك مانع من تعريف قرّاء مجلّة (نور الإسلام) على تجربتك التي قادتك إلى اعتناق الإسلام ، وعلى وضعك وتطلّعاتك بعد الهداية؟
جواب: أبداً.. فأنا شاكر لكم زيارتكم ، ومرحّب بمسعاكم في التبليغ والتعريف بدين الله تعالى ، كما أنّني فخور جدّاً بالحديث عن تجربتي والخطوات
التي قادتني للتعرّف على هذا الدين العظيم ، ومن الاقتناع والإيمان به ، والالتزام بأحكامه وتشريعاته ، فإنّني أعتبر هذا الأمر جزءاً من واجبي الدينيّ الذي يدعوني إلى المساهمة في تعريف الناس بالإسلام ، والكشف عن حقائقه ، كما يدعوني لنقل تجربتي إلى أبناء مجتمعي ومحيطي الغارقين ، علّهم يستنيرون ، فيزيلوا الغشاوة الموجودة أمام أعينهم ، كما هداني الله تعالى وأعانني عليه.
سؤال: كيف تعرّفنا بنفسك ، وتطلعنا على أوضاعك الشخصيّة قبل الاهتداء إلى الإسلام وبعده؟
جواب: أنا الآن على أعتاب الخمسين من العمر ، وحسب الاسم الذي رافقني منذ الولادة ، فإنّني كنت أدعى "وليام ليستر" وكان مسقط رأسي في ولاية "فرجينيا" الأمريكيّة ، التي عشت وتعلّمت فيها من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب ، ولم يكن يميّزني شيء عن أيّ أمريكي آخر ، من حيث أساليب العيش والسلوك والعلاقات ، تلك الأساليب التي أصبحت بعدما اهتديت للإسلام تكشف مفاسدها وأضرارها الشخصيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة ، وقد حمدت الله تعالى على الانعتاق منها.
ولكنّني مع ذلك كنت مطبوعاً على التأمّل والتفكّر بما يسود مجتمعنا الأمريكيّ والغربي بشكل عام من أوضاع وقيم إيجابيّة ، وأخرى سلبيّة نافرة ، وأكثر ما كان يشغل تفكيري ، وأنا في مرحلة الشباب مسائل العقيدة الدينيّة السائدة في أمريكا ، والتي كنت أعتنقها بشكل وراثي ، دون أن يحصل لدي اقتناع فكريّ بها ، حيث حاولت عبثاً أن استجلي أسسها الإيمانيّة ، فكنت اصطدم برفض العقل وأحكام المنطق الإنسانيّ العام.
وبعد إكمال دراستي انتقلت للعمل في مجال اختصاصي في إحدى دول الشرق الأوسط ، وهناك كان لي احتكاك مباشر مع المسلمين ، كما تسنّى لي الإطلاع عن كثب على الفكر والعقيدة الإسلاميّين ، فحاولت التعمّق في دراستهما ،
وشيئاً فشيئاً حصل لدي إعجاب واقتناع بالإسلام ، وبصلاحيّته كعقيدة إيمانيّة تنسجم مع أحكام العقل ، كما تؤمن بالتوازن والانسجام سواء داخل الشخصيّة الإنسانيّة أو بين شرائح المجتمع ، وهكذا اندفعت لاعتناقه والالتزام بأحكامه وشريعته ، وأنا الآن في راحة نفسيّة تامّة ، كمن وجد ضالّته بعد تعب وعناء ، وكان ذلك في سنة 1979 م ، وقد غيّرت اسمي واخترت اسم "محمّد علي" لإعجابي بهاتين الشخصيّتين العظيمتين اللّتين قام الإسلام على جهودهما بشكل أساسيّ ، ولشعوري بمظلوميّة الإمام علي(عليه السلام) من جهة ثانية.
بعدها تزوّجت من امرأة عربيّة مسلمة ، كي أضمن تأسيس أسرة تعيش حياة إسلاميّة سليمة ، وقد أنجبت لي ثلاث أبناء هم: عندليب (6 سنوات) ، بشّار (5 سنوات) ونسيم (سنتان) ، وأكنّى بأبي بشّار.
وبعد عودتي مع أسرتي إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، اخترت الإقامة هنا في "ديربورن ـ ديترويت" ; لأنّها أكثر مدن ولاية "ميشيغان" احتشاداً بالمسلمين ، حيث هناك مقوّمات مجتمع إسلاميّ نسبي ، فتجد مدارس ومساجد ومراكز ثقافيّة إسلاميّة وأسواقاً ومأكولات شرعيّة ، كلّ هذا يساعد مع وجود الأشخاص المهتمّين بالتعليم والتبليغ وإشاعة نوع من الحياة الإيمانيّة على التغلّب على مصاعب ومشاكل ومباذل الحياة المادّية ، والفساد الخلقي السائد في المجتمع الأمريكيّ ، كما يعينني بالتالي على حفظ أولادي من الانجراف في تيّار الفساد القوي.
سؤال: ما الأمر الأبرز الذي شدّك لاعتناق الإسلام؟
جواب: سؤال تصعب الإجابة عليه فعلاً ، فهناك الكثير من الجمال الروحيّ الذي يتدفّق من الإسلام ، والجمال الروحيّ من جمال الله تعالى يلهم دائماً ، وتصعب الإحاطة به بكلمات ، وإنّما يحتاج المرء إلى مجلّدات كي يشرح ويصف مكامن الجمال في البناء الإسلاميّ الشامخ المتكامل.
وإذا كان لابدّ من ذكر شيء فإنّ العقيدة الإسلاميّة الصافية والواضحة والمنسجمة مع التفكير العقليّ المنطقيّ ، خاصّة عقيدة التوحيد التي لا تشوبها شائبة ، كانت الحافز لي لأبدأ مشوار التعرّف على الإسلام ، ثمّ زاد إعجابي وانشدادي له بعد الاطّلاع على شخصيّة الرسول(صلى الله عليه وآله)وصفاته الفذّة ، فعرفت أنّه سيّد الرسل وقائد البشريّة الأصلح الذي اختاره الله تعالى للتبليغ بخاتمة الرسالات السماويّة .
ثمّ عرفت الانسجام بين العلم والعمل في شخصيّات الإسلام الفذّة وعلى رأسها أئمّة أهل البيت الأطهار(عليهم السلام) فزاد تعلّقي بهم.. وهناك طبعاً النظام الإسلاميّ بكلّيته وفلسفته الاجتماعيّة والإنسانيّة الذي لابدّ أن يأسر الإنسان الباحث عندما يقارن بينه وبين الأديان والعقائد والفلسفات الأخرى... وإذا كان لي أن أختار مفردة واحدة من المفردات الملهّمة في هذا المجال ، فهناك مدلول قول الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله): (الناس سواسية كأسنان المشط) وما هو بمعناه حيث يلاقي هذا القول صدى محبّباً عند الإنسان الغربيّ المفكّر ، عندما يرى مظاهر العنصريّة والتفاوت الطبقي والاجتماعي تحيط به من كلّ جانب ، فيطمح إلى صورة النظام الإسلاميّ الأمثل الذي يعبّر عنها هذا الحديث الشريف.
سؤال: هل واجهتك ردود فعل سلبيّة من عائلتك ومحيطك بعد الإسلام؟
جواب: أجل ، لسوء الحظ فعائلتي مثلها مثل أغلبيّة الأمريكيّين ، لا تعرف شيئاً عن الإسلام ، إلاّ ما سمعته من وسائل الإعلام المعادية ، من أوصاف واتّهامات كاذبة خبيثة... وممّا يعقّد الأمر أكثر أنّها وكمعظم الأمريكيّين أيضاً ، مصابة بما اسمّيه (وباء العنصريّة) ، فعندما عدت من الشرق الأوسط برفقه زوجتي العربيّة المسلمة ، عوملت من قبل البلهاء والمتخلّفين عقلياً آكلي لحم الخنزير ، بشكل سيّىء ، وما تزال ، وأُطلقت عليها الألقاب التي كانوا يطلقونها على الأمريكيّين السود ، قبل عهد "مارتن لوثر كينغ" كالعبد وخيال الجمل
وغيرهما...فالجهل والعنصريّة مازالا موجودين حتّى في أيّامنا الحاضرة ، وليس فقط في محيط عائلتي ، بل في كلّ أوساط المجتمعات الغربيّة ، بما في ذلك بعض أوساط أخواني المسلمين مع الأسف الشديد.
سؤال: كيف تعاملت مع ذلك كلّه؟
جواب: في رأيي أنّ كلّ إهانة توجّه إلى الإسلام من قبل الجهلة ، يجب أن تعتبر إطراءً في حقّه.. هكذا تعاملت مع الجهل.. ولكن عليك في المقابل أن تتمتّع بروح الصبر والتحدّيّ من جهة أخرى ، فتعمل بجدّ على تغيير ما أمكن من هذه العقليّة الموروثة ، عندما تشعر بأنّك حقّقت انتصاراً لذاتك ولدينك ، وهذا ما أعمل وفقه.
سؤال: كيف هو حال المسلمين هنا؟
جواب: في الحقيقة لست مؤهّلاً للإجابة على هذا السؤال بشكل تفصيليّ ، ولكن يبدو لي أنّ هناك تقدّماً ملحوظاً في مجالات ومستويات عدّة.. هناك إيجابيّات كثيرة ، وأيضاً هناك سلبيّات ونواقص يجب تلافيها وتجاوزها بروح التعاون والمسؤوليّة بين الجميع.. إنّ وجودي هنا بالقرب من المسلمين يقويّ عائلتي ويقويني.. فكلّما ازداد عدد أسنان المشط كلّما ازداد قوّة..
سؤال: هل لديك أمنية خاصّة؟
جواب: طبعاً.. هناك الأمنية التي يتمنّاها كلّ مسلم ، ويجب أن يعمل على تحقيقها ما استطاع ، وهي أن يصبح الإسلام عزيزاً ومحترماً من قبل أهله أوّلاً ، والآخرين ثانياً ، وأن تنتهي مصاعب ومعاناة المسلمين والمستضعفين التي تدمي القلوب في أقطار عدّة من الأرض.. وإذا كان لي من أمنية ذاتيّة ، فهي أن أجد أولادي الثلاثة يحفظون القرآن الكريم عن ظهر القلب ، وأن يفهموه ، ويعوا ما به من حقائق رائعة ; ليكونوا في خطّ الرساليين المجاهدين في سبيل الله ، متمثّلين بما كان عليه الإمام علي(عليه السلام)وأبناؤه الميامين من بعده من حرص على الإسلام
وتفان في سبيله وعشق له.. عندها أموت وأنا سعيد ; لأنّني أكون قد تأكّدت من أنّ الإسلام سيستمر في عائلتي ، وسيزدهر في محيطي الذي هو مجال مسؤوليّتي الأولى(1).
1) مجلّة نور الإسلام ـ العددان 45 و46 ـ السنة الرابعة ـ لشهري رمضان وشوّال 1414 هـ .
ولد سنة 1979 م في مدينة "سياتل" التابعة لولاية "واشنطن" في أمريكا ، ونشأ في أسرة غذّته التعاليم المسيحيّة ، فترعرع في ظلّ الديانة المسيحيّة ، وبقي منتمياً إليها حتّى التقى ببعض المسلمين ، فتعرّف من خلالهم على أصول ومبادىء الدين الإسلاميّ.
الإسلام وبناء المجتمع:
إنّ من أهمّ الأمور التي تأثّر بها "يومي سيمز" خلال بحثه حول الإسلام هي اهتمام الإسلام ومنهجه في إصلاح الفرد والمجتمع.
وعرف "يومي سيمز" بأنّ أهمّ خطوات الإسلام في بناء المجتمع وتنظيمه وحمايته هي أوّلاً: منهجه التربويّ الكامل والرائع للأعداد وإصلاح الفرد ، وقد قال تعالى حول تهذيب وتزكية الفرد لنفسه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها}(1).
كما قال تعالى: {وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى}(2).
وأمّا الخطوة الثانية التي اهتمّ بها الإسلام في هذا المجال فهي تقديمه المنهج الكامل لتنظيم المجتمع والحدود التي بيّنها في هذا الصعيد ، ثمّ قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ}(1).
كما قال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ}(2).
ومن جهة أخرى فرض الإسلام فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(3).
واستهدف الإسلام بهذه الفريضة معالجة المجتمع من أمراض الانحلال والانحراف ووقايته من بوادر الظلم والفساد والتخريب ، واقتلاعه لجذور الشرّ والعدوان ، ومحافظته على سير المجتمع وفق خطّ الاستقامة ، واندماجه مع مسيرة الحقّ والعدل ; ليصبح بذلك المجتمع بعيداً عن الضلال والانحراف.
الانجذاب نحو الإسلام:
إنّ المبادىء الرائعة التي وجدها "يومي سيمز" في الإسلام دفعته إلى الاهتمام بهذا الدين ، والتوجّه للمزيد من الإلمام بمعارفه الرفيعة ، وبمرور الزمان وجد بأنّ الأدلّة والحجج تفرض عليه اعتناق هذا الدين الحنيف ، فاستجاب لدعوة الإسلام وأعلن استبصاره بعد ذلك.
ويقول "يومي سيمز": إنّني لم أترك المطالعة حول الإسلام بعد استبصاري ، بل أحاول دائماً البحث بصورة مستمرّة من أجل الحصول على المزيد من العلوم والمعارف الإسلاميّة. وأنا أقرأ دائماً القرآن وأحاول أن أتأمّل وأتدبّر في معانيه ،
كما أقرأ دائماً سيرة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ; لأقتدي بهم ، وأحذوا حذوهم ، وأقتفي أثرهم ; لأنّني على يقين بأنّ اتّباعهم يؤدّي إلى عصمة الإنسان من الضلال ، ويقيه من الوقوع في أودية الانحراف.
ولد في أمريكا ، وترعرع في أسرة مسيحيّة ، فبقي على انتمائه العقائديّ الموروث حتّى أسلم أخوه ، فدفعه حبّ الاستطلاع إلى معرفة أسباب إسلام أخيه ، فتحاور معه وناظره في العديد من الأمور العقائديّة ، فبيّن له أخوه جملة من الحقائق ، وعرّفه حقيقة الدين الإسلاميّ.
ضرورة التوعية الدينيّة:
عرف "نبيورث" عن طريق أخيه بأنّ الإنسان لا يفقد توازنه النفسي عن طريق الشبهات العقائديّة ، ولا يبتلى بالأمراض السلوكيّة إلاّ نتيجة انخفاض وعيه الديني ، ولو كان الإنسان واعياً كما تفشّى في جميع جوانب حياته ألوان من الظلم والبؤس والفساد ، وأنماط من الأفكار الضالّة والمنحرفة.
وعرف "نبيورث" بأنّ الحدّ الأدنى لمستوى الوعي العقائديّ الضروري هو أن يدرك الإنسان ما يميّز به بين الحقّ والباطل ; لئلاّ يقع في فخّ الباطل ، وليتمكّن من معرفة الفكر الجاهلي المنهار ويتمكّن من إنقاذ نفسه من الجهل.
ومن هذا المنطلق عرف "نبيورث" أهمّيّة التوعية الدينيّة ، فبادر بعدها إلى طلب العلم ; ليحرّر نفسه من التقليد الأعمى ، والتبعيّة من دون دليل وبرهان للعقائد الموروثة.
حقيقة الدين الإسلاميّ:
إنّ البحوث والدراسات التي أجراها "نبيورث" بيّنت له بأنّ الإسلام دستور إلهي كامل وشامل لجميع أصعدة حياة الإنسان ، وأنّ الشريعة الإسلاميّة هي التي تهدي الإنسان إلى الخير والصلاح ، وأنّ هذا الدين دين صريح وواضح لا غموض فيه ، وهو يصلح لكلّ زمان ومكان.
وبمرور الزمان أيقن "نبيورث" بأحقّيّة الدين الإسلاميّ ، ووجد بأنّ هذه البحوث ألزمته الحجّة وفرضت عليه اتّباع الإسلام وترك ما سواه من الأديان ، وعلم أنّ أخاه قد استجاب لنداء الحقّ ، ولهذا ينبغي عليه أن لا يتأخّر عن اتّباع الحقّ ; لأنه لا يدري متى يداهمه الموت.
وكان "نبيورث" يعلم بأنّ تركه لدين الآباء ودين أبناء مجتمعه فيه شيء من الصعوبة والمتاعب ، وقد يسبّب له هذا الأمر ضيقاً في العديد من الموارد ، ولكنّه عرف بعد التأمّل بأنّ هذه المصاعب والمشقّات لا تساوي لحظة واحدة في النار ، فكيف إذا كانت دار الخلود ، حيث قال تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ}(1).
ومن هذا المنطلق قرّر "نبيورث" أن يتخلّى عن العناد ، فاتّخذ قراره النهائي ، وأعلن إسلامه ، واتّبع نهج أهل البيت(عليهم السلام).
1) الزخرف {43} : 74 ـ 75.
الصورة
ولدت في أمريكا ، ونشأت في أسرة أملت عليها الديانة المسيحيّة ،فبقيت على هذا الانتماء العقائديّ الموروث حتّى التقت ببعض المسلمات ، فتعرّفت من خلالهنّ على الدين الإسلاميّ ، فدفعها ذلك إلى غربلة موروثاتها العقائديّة حتّى آل بها الأمر إلى اعتناق الدين الإسلاميّ الحنيف.
أسباب اعتناقها للإسلام:
أسلمت "يوجينا" ; لأنّها لم تجد بغيتها في الديانة المسيحيّة ، ووجدت الإسلام يفتح بنوره النوافذ المغلقة أمام عقل الإنسان ، ويوجّه تفكيره نحو الاتّجاه الصحيح ، ويدعوه إلى التفكّر في خلق السماوات والأرض ; ليصل بذلك إلى معرفة الله تعالى ، فيهتدي عن هذا الطريق إلى سبيل الكمال.
كما وجدت "يوجينا" بأنّ الإسلام يحثّ أتباعه على الاستزادة من العلم النافع الذي يقرّب الإنسان من الله تعالى ، فعن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) "عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد"(1).
وقال الإمام علي(عليه السلام): "اكتسبوا العلم يكسبكم الجّاه"(2).
ومن جهة أخرى نجد بأنّ الإسلام يرشد أتباعه إلى التسلّح بالوعي ، لتكون تصرّفاتهم مرتكزة على الثوابت الأخلاقيّة ، وقواعد السلوك السوي ، وليصون الفرد بذلك نفسه من الانحطاط الخلقي والانحدار في أودية الفساد.
ومن ناحية أخرى فإنّ الإسلام يوصل الإنسان بالقوّة الإلهية العظمى ، فيؤدّي ذلك إلى طمأنينة النفس ، وقد قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّهِ أَلا بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(1).
كما قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْم أُولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}(2).
وبصورة عامّة وجدت "يوجينا" بأنّ الإسلام يشكّل محطّة انطلاق أمام الإنسان إلى ذرى المجد والرفعة ; لأنّه يزوّده بالقيم والمثل الرفيعة ويساعده على ضبط نفسه والوقوف بوجه طغيانها ، فيتحقّق بذلك للإنسان حالة التوازن النفسي ، ويتيح هذا الأمر له السير بخطى ثابتة حتّى يبلغ قمّة الرقي والرفعة.
كما أنّ الإسلام يوفّر للفرد العزّة والكرامة ، فيجد الإنسان في ظلّ التزامه بالتعاليم الإسلاميّة أنّه عزيز ; لأنّ الإسلام يخرجه من ذلّ المعصية إلى عزّ الطاعة.
تغيير انتمائها العقائديّ:
إنّ القيم والمثل العليا التي وجدتها "يوجينا" في الإسلام ، دفعتها إلى البحث عن الإسلام في الصعيد العقائديّ ، كما أنّها استعانت بالمسلمات اللاتي تعرّفت عليهن ، فارشدنها إلى الكتب الإسلاميّة النافعة ، فخصّصت "يوجينا" وقتاً في كلّ يوم للبحث حول الإسلام ، وكانت دائماً تقارن بين الديانة المسيحيّة والدين الإسلاميّ.
وبعد فترة وجيزة أيقنت "يوجينا" بأحقّية الدين الإسلامي ، فلهذا اتّخذت
قرارها النهائي وأعلنت استبصارها ، ثمّ سمّت نفسها "أمّ البنين" تيمّناً بكنية زوجة الإمام علي(عليه السلام) التي ضحّت بأولادها الأربعة في سبيل نصرة الإمام الحسين(عليه السلام) في ملحمة كربلاء الدامية.
1 ـ القرآن الكريم.
2 ـ نهج البلاغة / ضبط نصه صبحي الصالح / نشر دار الاُسوة / الطبعة الاُولى / سنة 1415هـ .
3 ـ الأحاديث المختارة / أبو عبد الله المقدسي / نشر: مكتبة النهضة الحديثة / الطبعة الاولى سنة 1410هـ / مكة المكرمة .
4 ـ اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) / الشيخ الطوسي / تحقيق: ميرداماد، محمّد باقر الحسيني، مهدى الرجائي / نشر: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) / طبعة سنة 1404هـ / قم ـ ايران .
5 ـ الإرشاد / الشيخ المفيد / تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) / الطبعة الاولى / سنة 1413هـ / قم ـ ايران .
6 ـ أمالي الصدوق / الشيخ الصدوق / تحقيق: قسم الدراسات الاسلامية / نشر: مؤسسة البعثة / الطبعة الاولى / سنة 1417هـ / قم ـ ايران .
7 ـ الإنجيل .
8 ـ پاسخ به سؤالات فلسفي واعتقادي / سيد حسن أبطحي / نشر: بطحاء .
9 ـ البداية والنهاية / ابن كثير / تحقيق: مكتب التحقيق / نشر: دار احياء التراث العربي/ الطبعة الاُولى / سنة 1417هـ ـ 1997م / بيروت ـ لبنان .
10 ـ تاريخ الخلفاء / السيوطي / تحقيق: محمّد محي الدين عبد الحميد / نشر: مطبعة المدني / الطبعة الثالثة / سنة 1383هـ ـ 1964م / القاهرة ـ مصر.
11 ـ تاريخ الدعوة الاسماعيلية / مصطفى غالب / نشر: دار الاندلس /
الطبعة الثانية/ بيروت ـ لبنان .
12 ـ تاريخ الطبري / ابن جرير الطبري / تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم / بيروت ـ لبنان .
13 ـ تاريخ مدينة دمشق / ابن عساكر / تحقيق: علي شيري / نشر: دار الفكر طبعة سنة 1421هـ ـ 2000م / بيروت ـ لبنان .
14 ـ تحف العقول / ابن شعبة الحرّاني / علق عليه: الشيخ حسين الأعلمي / نشر: مؤسسة الأعلمي / الطبعة السادسة / سنة 1417 هـ ـ 1996م / بيروت ـ لبنان .
15 ـ التفسير التطبيقي للكتاب المقدس / نشر: شركة ماسترمديا / القاهرة ـ مصر .
16 ـ تفسير القرآن العظيم / ابن كثير / نشر واعداد: دار احياء التراث العربي / الطبعة الاولى / 1420هـ ـ 2000م / بيروت ـ لبنان .
17 ـ التفسير الكبير / الفخر الرازي / دار إحياء التراث العربي / الطبعة الاولى / سنة 1415هـ ـ 1995م / بيروت ـ لبنان .
18 ـ تهذيب الكمال / المزّي / تحقيق: أحمد علي عبيد، حسن احمد آغا / نشر: دار الفكر / طبعة سنة 1414هـ ـ 1994م / بيروت ـ لبنان .
19 ـ التوحيد / الشيخ الصدوق / هاشم الحسيني الطهراني / نشر: مؤسسة النشر الاسلامي / الطبعة السابعة / سنة 1422 هـ / قم ـ ايران.
20 ـ جامع البيان / ابن جرير الطبري / نشر: دار الفكر / الطبعة الاولى / سنة 1421هـ ـ 2001م / بيروت ـ لبنان.
21 ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء / الحافظ أبو نعيم / تحقيق: مصطفى عبد القادر / نشر: دار الكتب العلمية / الطبعة الاولى / سنة 1418 هـ ـ 1998م / بيروت ـ لبنان .
22 ـ الخصال / الشيخ الصدوق / تحقيق: علي أكبر غفاري / نشر مؤسسة الاعلمي / الطبعة الاولى / سنة 1410هـ ـ 1990م / بيروت ـ لبنان.
23 ـ ذخائر العقبى / محبّ الدين الطبري / نشر: مكتبة المقدسي / طبعة سنة 1356هـ القاهرة ـ مصر.
24 ـ شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد / تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم / نشر: دار احياء التراث العربي / الطبعة الثانية / سنة 1386هـ ـ 1967م .
25 ـ شواهد التنزيل لقواعد التفضيل / الحاكم الحسكاني / تحقيق: الشيخ محمّد باقر المحمودي / مؤسسة الاعلمي / الطبعة الاُولى / سنة 1393هـ ـ 1974م / بيروت ـ لبنان .
26 ـ صحيح البخاري / محمّد بن إسماعيل البخاري / نشر: دار الكتب العلمية / الطبعة الاولى / سنة 1419هـ ـ 1998م / بيروت ـ لبنان .
27 ـ صحيح الجامع الصغير وزيادته / الألباني / نشر: المكتب الإسلامي / الطبعة الثالثة/ سنة 1421هـ ـ 2000م / الضاحية ـ الكويت .
28 ـ صحيح مسلم / مسلم النيسابوري / نشر دار ابن حزم / الطبعة الاولى / سنة 1416 هـ ـ 1995 م / بيروت لبنان .
29 ـ طبقات اعلام الشيعة / العلاّمة الطهراني / نشر مؤسسة اسماعيليان / الطبعة الثانية/ قم ـ ايران .
30 ـ عيون الحكم والمواعظ / علي بن محمّد الليثي الواسطي / تحقيق: حسين الحسيني البيرجندي / نشر: دار الحديث / الطبعة الاولى / سنة 1376هـ ش / قم ـ ايران .
31 ـ الغدير / العلامة الأميني / تحقيق: مركز الغدير للدراسات الاسلامية / الطبعة الثانية / 1424هـ ـ 2004م / قم ـ ايران .
32 ـ الغيبة / محمّد بن إبراهيم النعماني / تحقيق: فارس الحسون / نشر:
انوار الهدى / الطبعة الاُولى / سنة 1422هـ / قم ـ ايران .
33 ـ فضائل الصحابة / أحمد بن حنبل / تحقيق: وصي الله محمّد عباس / نشر: الرسالة/ الطبعة الاولى / سنة 1403هـ ـ 1983م / بيروت ـ لبنان .
34 ـ فيض القدير شرح الجامع الصغير / المنّاوي / ضبط : أحمد عبد السلام / دار الكتب العلميّة / سنة 1422هـ ـ 2001م / بيروت ـ لبنان .
35 ـ قرب الاسناد / عبد الله بن جعفر الحميري / تحقيق: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) / نشر: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) / الطبعة الاُولى / سنة 1413هـ / قم ـ ايران .
36 ـ الكافي / الكليني / نشر: دار الكتب الإسلاميّة / صحّحه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري / الطبعة السادسة / سنة 1375هـ ش / طهران ـ ايران .
37 ـ كنز العمّال / المتقي الهندي / تحقيق: محمود عمر / نشر: دار الكتب العلميّة / الطبعة الثانية / 2004م ـ 1424 م / بيروت ـ لبنان .
38 ـ مجمع البيان / الطبرسي / نشر: انتشارات ناصرخسرو / الطبعة السادسة / سنة 1421هـ / طهران ـ ايران .
39 ـ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد / الحافظ نور الدين الهيثمي / نشر: دار الكتب العلميّة/ تحقيق: محمّد عبد القادر أحمد عطا / الطبعة الاُولى / 1422هـ ـ 2001م.
40 ـ المراجعات / عبد الحسين شرف الدين / تحقيق: حسين الراضي / نشر: المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام) / الطبعة الاُولى / سنة 1422هـ / قم ـ ايران .
41 ـ المستدرك على الصحيحين / الحاكم النيسابوري / تحقيق: محمّد مطرجي / نشر: دار الفكر / سنة 1422هـ ـ 2002م / بيروت ـ لبنان .
42 ـ مستدرك الوسائل / المحدّث النوري / تحقيق: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)/ نشر: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) / الطبعة الاُولى / سنة 1408هـ / قم ـ ايران .
43 ـ مسند أحمد / أحمد بن حنبل / نشر: مؤسسة قرطبة / مصر .
44 ـ المعجم الأوسط / الطبراني / تحقيق: محمّد حسن الشافعي / نشر، دار الفكر / الطبعة الاُولى / 1420 هـ ـ 1999م / عمّان الأردن .
45 ـ معجم البلدان / ياقوت الحموي / نشر: دار صادر/ الطبعة الثانية / سنة 1995م / بيروت ـ لبنان .
46 ـ معجم رجال الحديث / السيد الخوئي / الطبعة الخامسة / سنة 1413هـ ـ 1992م .
47 ـ المعجم الكبير / الطبراني / تحقيق: حمدي عبد المجيد / نشر: مكتبة ابن تيمية / الطبعة الثانية / سنة 1405هـ ـ 1984م .
48 ـ من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق / تحقيق: السيد حسن الموسوي الخرسان / دار الكتب الإسلامية / سنة 1410هـ / طهران ـ ايران .
49 ـ نظم درر السمطين / الزرندي الحنفي / تحقيق هادي الأميني .
50 ـ ينابيع المودّة / القندوزي الحنفي / تحقيق سيّد علي جمال أشرف / نشر: دار الأُسوة / الطبعة الأُولى / سنة 1416 هـ / إيران .