ghaemiyeh.com
موسوعة من حياة المستبصرين
المجلد الثالث
((المختص بالمؤلفين))
تأليف:مركز الأبحاث العقائدية
مركز الأبحاث العقائدية :
إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم 34
العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)
جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله
الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com
البريد الإلكتروني : info@aqaed.com
شابك (ردمك) :9-432-319-964
موسوعة من حياة المستبصرين (ج3)
تأليف : مركز الأبحاث العقائدية
الطبعة الأُولى ـ 1000 نسخة
سنة الطبع : 1424
المطبعة : ستارة
مركز الأبحاث العقائدية :
إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم 34
ص . ب : 3331 / 37185
الهاتف : 7742088 {251} {0098}
الفاكس : 7742056 {251} {0098}
العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)
جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله
ص . ب : 729
الهاتف : 332679 {33} {00964}
الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com
البريد الإلكتروني : info@aqaed.com
شابك (ردمك) :9-432-319-964
موسوعة من حياة المستبصرين (ج3)
تأليف : مركز الأبحاث العقائدية
الطبعة الأُولى ـ 1000 نسخة
سنة الطبع : 1424
المطبعة : ستارة
الصورة
ولد عام 1967م في العراق بمدينة الموصل في ناحية "بعشيقة" التي تقطنها الفرقة اليزيدية، ومن خلال التقليد وجد نفسه يزيدياً على طريقة آبائه، واستمر على هذا المذهب حتى أخذ الباري بيده فأخرجه من الظلمات إلى النور.
يقول الأخ عامر حول اسباب تسمية اليزيدية بهذا الاسم: "لقد ذكر بعض من كتب عن ملتنا أنّ سبب التسمية هي نسبة إلى "يزد" المدينة الايرانية، وبعضهم احتمل نسبتهم إلى يزيد بن معاوية ـ لعنهما الله ـ، ولكن الحقيقة ليست كذلك، فاليزيديون يعتقدون أن الشيطان كان نبياً بعثه الله إلى العالم كلّه، ولكن المسلمين لعنوه ولم يتّبعوه، وهكذا انحرف المسلمون! وظل اليزيديون وحدهم يتبعون هذا النبي ـ الخرافي ـ الذي له عدة اسماء في عقائدهم منها (طاووس ملك) ومنها (يزيد) ومن هنا جاءت تسميتهم باليزيديين، ولكن لا ننسى أن تأسيس هذه الفرقة جاء من شخص من نسب يزيد بن معاوية لعنة الله عليهما".
ويضيف الأخ عامر حول بعض عقائد هذه الطائفة: "لليزيدية حج كما للمسلمين حج، ولكنهم يحجّون إلى قبر منسوب إلى بلال الحبشي، وبالقرب منه
عين ماء يعتقدون أنها ماء زمزم يأتي من مكة إلى منطقتهم! ويعتقدون أن المسلمين سرقوا منهم آية الكرسي وعيد الأضحى!".
يقول الأخ عامر حول الجهة المتولية على الجانب الديني في الطائفة اليزيدية: "هناك سلطة دينية تشرف على الفرقة اليزيدية وتتولاها أسرة (بيت الأمير)، حيث يعود نسبهم إلى عدي بن مسافر الأموي الصوفي الذي ينتهي نسبه إلى بني أمية، ومن أجل بقائهم في هذا المنصب سعوا إلى نشر سياسة التعتيم بين أفراد اليزيدية ليبقى كل شيء غامضاً، ثم اباحوا لأنفسهم كل شيء وحرّموا أشياء وأشياء عن بقية أفراد قاعدتهم، مثل الدراسة، فقد حرموها على اليزيدية ليعيشوا الجهل المطبق، بينما اباحوا التعلم لأنفسهم، إلى أن عرف الناس كذبهم واخيراً سمحوا لنا بالدراسة منذ عام 1980 للميلاد".
ويقول الأخ عامر حول بداية تأثره بالاسلام:
"اذكر اني رأيت والدتي وهي صائمة في شهر رمضان مع أن اليزيدية لا يصومون فيه، ولما سألتها عن ذلك ـ وكان عمري آنذاك 10 سنوات ـ أجابت: لقد حدثت لنا مشكلة خطيرة جداً في يوم ما، فتوسلت بملك طاووس (الشيطان في العقيدة اليزيدية) كي يكشف عنا هذه الملمة ولكن دون جدوى، ثم توسلت بنبي النصارى عيسى بن مريم(عليهما السلام)، فلم أرَأي نتيجة وما زال الخطر محدّقاً بنا، ثم فكرت أن أتوسل بنبي المسلمين محمد(صلى الله عليه وآله) وكنت قد نذرت ان اصوم شهر رمضان كما يصومه المسلمون ان خرجنا من هذا المأزق ببركة النبي محمد(صلى الله عليه وآله) وفعلا فقد رأيته في عالم الرؤيا وكان نورانياً بهياً وقد بشّرني بفرج زوال الخطر عنا، وأخذت
اصوم شهر رمضان من كل عام.
هذه القصة شدّتني إلى النبي العظيم، وضعف بالمقابل اعتقادي بـ (طاووس الملك)".
ويقول الأخ عامر حول بداية اندفاعه للبحث حول الاسلام: "اسلم شخص من قومنا وكان هذا الشخص من الجادين بتقصي المعالم والخفايا التاريخية المتعلقة باليزيدية، كما أنه ابن أحد المعروفين نسبياً عند قومنا (ابن أحد المشايخ اليزيدية)، ومتابعات الشخص الحثيثة لكل ماله علاقة باليزيدية ـ بما فيها المؤلّفات والمطبوعات التي تناولتهم ـ قد تركت بمجموعها في نفسه احباطاً وانقباضاً غير عاديين اتضحت مصاديقها على وجهه، أو من صمته المطول، وهذه الحالة النفسية ترجمت الدوامة والطريق المسدود الذي انتهى إليه بعدما تأكدت لديه جملة من الحقائق، وهي أن ابرز سمات فرقة اليزيدية هي: لا تاريخ معلوم، ولا أصول معروفة، ولا عقائد مفهومة، ولا قومية ثابتة، ولا ثقافة مشهودة، ولا حضارة، ولا تراث يفتخر به بين الناس ـ عدا الخرافة ـ.
ومرّت الأسابيع والشهور والشخص يكابد عذابه ومعاناته، حتى فوجئنا بعد فترة بخبر تركه الديار، من بعد أن أودع خبر اسلامه... وكما نقل لي بشخصه تفاصيل تحوّله والأدلة التي اعتمد عليها في تغييره للانتماء الذي كان عليه، ثم ودّعني وقال لي أنا راحل إلى مدينة النجف الأشرف لأشهد الشهادتين واعتنق الإسلام عند مرقد سيدنا الامام علي(عليه السلام)".
ويضيف الأخ عامر: "فتأثرت بهذا الشخص ومررت بفترة حيرة وأخذت اتابع ما ذكره لي هذا الشخص من الأدلة التي اوصلته إلى الاسلام ثم أخذت أسأل
من بعض اصدقائي ـ اليزيديين ـ عن كتابنا المقدس أين هو؟ وماذا فيه؟ ولماذا لا يطبع؟ بل لماذا لا يسمح لنا برؤيته كبقية الديانات؟ فكنت أواجه بالنفي وعدم التدخل بهذا الموضوع لأنّه من اختصاصات بيت الأمير وهم وحدهم لهم صلاحية النظر في هذا الكتاب (المقدس) الذي يطلقون عليه اسم (رش) وهو يعني الكتاب الأسود وهو مؤلف من سبع صفحات فقط!
ولكني تابعت البحث والسؤال من الناس بل من المقرّبين من بيت الأمير حتى وصلت إلى نتيجة قطعية أنه لا وجود لمثل هذا الكتاب، وانما هو مجرّد اكذوبة حاكها بيت الأمير لخلق هالة من القداسة الزائفة لهذا الدين الخرافي، فأيقنت أني أؤمن بأشياء لا وجود لها.
ثم اتصلت بأحد المسلمين الذي زودني بالكتب الاسلامية، فقرأت أول كتاب وهو عن قصص الأنبياء فتأثرت بقصة سيدنا محمد بن عبدالله(عليه السلام) مع ما كنت أحمل في ذهني من صورة الإعجاب والقداسة والاحترام له(صلى الله عليه وآله)، إلاّ أن الرجل المسلم كان على المذهب السني، وطالما كان يحذّرني من الشيعة حتى تحوّل تأكيده هذا الى فضول دفعني للسؤال عن الشيعة وقراءة الكتب الشيعية، فقرأت بعضها".
يقول الأخ عامر حول أهم الكتب التي دفعته لاعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام):
"انه مقتل الإمام الحسين(عليه السلام)، فحينما قرأته تأثرت كثيراً وتألمت على تلك الفاجعة التي تعرض لها الإمام الحسين(عليه السلام)، وبقيت في حيرة من أمري حول مصداقية هذا الكلام، وهل أنّه حقيقة أم لا؟ وإذا كان حقيقة فكيف يحترم أهل السنة يزيد بن معاوية المجرم؟ بل لماذا لا يتكلمون حول مأساة الحسين الدامية؟
لقد تألم قلبي كثيراً لهذه المأساة المروعة، واجهشت بالبكاء.. وأشرق الحق في قلبي فأتصلت ببعض الشباب الشيعة ودرست عندهم بعض الفقه الشيعي من خلال الرسالة العملية، بالاضافة إلى دورة في العقائد والاخلاق واللغة العربية، ومنذ ذلك الحين عرفت حقيقة التشيع".
ومن هذا المنطلق استبصر الأخ عامر واعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ثم توجّه إلى نشر الحقائق التي توصّل إليها إلى قومه، وشرع يدعوهم إلى مدرسة عترة الرسول(صلى الله عليه وآله).
صدر عن مؤسسة الفرات ـ بيروت.
أورد المؤلّف في كتابه هذا موجز النتائج التي توصّل إليها خلال بحثه عن الفرقة اليزيدية، وقد تطرّق في بحثه هذا حول اليزيدية إلى اصولهم الدينية، وكشف ملابسات الفتنة التي أدت إلى نشأتهم، واعتمد في ذلك على الأدلة المحكمة المستلة من المصادر المحايدة.
وهو كتاب صغير من حيث الحجم، لكنه كبير من حيث القضية المطروحة فيه، فهو كتاب يبحث عن الاصول الدينيّة لليزيديين، وظروف نشأتهم الغامضة، والتي بحث فيها الكثير من الباحثين والمؤلّفين ولكنهم لم يصلوا إلى نتائج متوافقة، نتيجة لتضارب المعطيات فيها والغموض الشديد الذي يلف العقائد والتاريخ اليزيدي.
وقد حاول الكاتب ـ وهو يزيدي المولد ـ أن يتقصّى اصول قومه الدينية، ويجمع أطراف الخيوط المبعثرة والمتشابكة في يده لمعرفة الواقع الحقيقي لهذه الاصول لأنها مسألة حياتية مصيرية بالنسبة إليه وإلى قومه لا كما يفعل بعض الباحثين الذين لا يهمهم أن يتكهّنوا بما شاؤوا في مثل هذه القضايا الحساسة كما صرّح الكاتب حيث قال:
"وأما عن بحثنا، فقد فرّق بيننا وبين الباحثين عامل معنوي ناهض، فهذا الكراس وبالرغم من أننا لم نستقصِ كل الأدلة المساعدة فيه، أستطيع القول باطمئنان بأننا أنجزنا النتيجة كُلّها، (والحقيقة بعينها)، لأن الالتزام الذي يُنقّب به متنوّر بالحق ـ من بعد اعتناق مجهول ـ ليس كاستطراق هاو، أو ما أهمّه إن أصاب مرّة، وتكهّن مرّات".
وقد وفق الكاتب في كشف مؤامرة اموية خبيثة تلبست بلباس التصوف في خداع هؤلاء القوم ـ الذين كانوا يكثرون من اللعن(1)لبني أمية وأمثالهم من
1) لاحظ كتاب (اليزيديون في حاضرهم وماضيهم": 22، لعبد الرزاق الحسني، ط11.
الظالمين والمنحرفين ـ فاستغلت عزلتهم واستضعفتهم دينياً ودنيوياً وجعلتهم بقرةً حلوباً تدر على الأمراء الأمويين كما عبّر أحد الكتاب حيث قال عن عوامهم الذين يسمونهم "المريدين":
"ربما كانت كلمتا (البقرة الحلوب) أحسن ما يوصف به (المريد) من اليزيدية فالمردة (أي المريدون) هم عوام الشعب، وسائر أفراده، ذكوراً كانوا أم إناثاً، كباراً أم صغاراً، سواء كانوا من القبائل أو من أهل القرى، يخضعون لأوامر رؤسائهم الروحيين خضوعاً مطلقاً، ويتقبلون أوامرهم ونواهيهم دون مناقشة أو اعتراض، فقد فرضت الشريعة عليهم الإطاعة العمياء، وأوهموا أنّ التدخل في الأمور الدينية، أو التساؤل عن أسرار العقيدة اليزيدية يخرجانهم من الايمان، ويحلان بهم الذل والهوان.
ولابدّ أن يكون لكل مريد أو مريدة، شيخ وپير معاً، فيقدم إليهما النذور والخيرات، ويتلقى منهما التعليمات والإرشادات، فإذا مات أحدهما، أو حرمه الأمير، ولم يكن بين سلالته من يحل محله، لجأ المريد إلى الأمير فيختار له بدل المتوفي، أو المحروم، أحداً ما، لقاء مبلغ يتفقان عليه. والمريد الذي لا شيخ له ولا پير، يعدّ خارجاً عن العقيدة اليزيدية(1)، والمردة يتزاوجون فيما بينهم، فلا تحق لهم مصاهرة السلالات الأخرى، أي كالمنبوذين في الهند"(2).
والذي يجعل القضية كبيرة ومهمة هو أوجه الشبه بين الخداع الذي مارسه الشيخ عدي بن مسافر الأموي وأولاده وأحفاده من أمراء اليزيدية على هؤلاء القوم المعزولين وبين الخداع الذي مارسه معاوية وسلالته الأموية على كل الأمة
حتى حاول أن يمحو الاسلام من أساسه كما اعترف بذلك لنصيره المغيرة بن شعبة.
وقد نجّى الله الأمة وحفظ الاسلام بفضل أهل البيت(عليهم السلام) الذين تعبدوا لهذه الشجرة الملعونة كما سمّاها الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل(1)، وبقي هؤلاء القوم المعزولين على الضلال عبرة لمن يعتبر ويريد أن يعرف بني أمية ومكائدهم للدين وللمسلمين، والحمدُ لله الذي أمرنا بلعن أعداء أهل البيت(عليهم السلام) والبراءة منهم، وهذا ما وفق إليه مؤلف هذا الكتاب بطلبه الحق وهداية رب العالمين.
اختلف الباحثون في أن اليزيديين قبل مجيء الشيخ الصوفي عدي بن مسافر الأموي(2)إلى مناطقهم في جبال هكّار على أي دين كانوا.
وقد أورد الكاتب مجملا لأقوال الباحثين في هامش كتابه حيث قال: "تفاوت المؤلفون والباحثون في احتمالات الأصل الديني للقوم قبل القرن السادس الهجري، فكان أبعد الاحتمالات للدملوجي في كتابه (اليزيدية) ط1، والذي قال "إن أصولهم من المانوية (وهي عقائد فارسية قديمة)، أسلموا على يد عادي، ومتّبعين طريقته الصوفية، ويأتي بعد حين من خلفاء عادي فيضلّهم،
1) الاسراء: 60، ولاحظ ما قاله المفسّرون من أن الشجرة الملعونة بني أمية أو بني الحكم، ولاحظ أن الشيخ عدي الذي ابتدع اليزيدية من أحفاد الحكم.
2) عدي بن مسافر (ويُعرف عند القوم بعادي أو شيخ آدي) ولِد في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري في قربة بيت فار (من قرى الشام، إلى الجنوب من بعلبك)، سافر إلى بغداد عاصمة الدولة العبّاسيّة آنذاك، درس فيها التصوف (الإسلامي!)، وانتقل بعدها إلى الموصل وإلى وادي لالش، أقام له زاويةً هناك، تبعه الكثيرون من أهل تلك الأنحاء والجبال، أحدث الطريقة الصوفية والتي عُرِفت باسمه (العدوية)، انضم إليها جمعٌ كبير; مات عام (557هـ) عن تسعين عاماً ودفن في زاويته، مستخلفاً ابن أخيه. ذكره عدد من المؤرخين، منهم الجزري، وابن خلكان..
فيكون هذا سائغاً للعودة بعد قرن أو قرن ونصف القرن مع بعض الممارسات الاسلامية إلى مانويتهم القديمة" (انتهى). والأبعد من هذا الإحتمال كان للسامرائي في كتابه (الغلو والفرق الغالية في الحضارة الاسلامية) إذ قال:
"إن اليزيدية تفرّعت عن الأباضية ومؤسسها يزيد بن أنيسة الخارجي" (انتهى). وقال ابن حزم في (الفصل في الملل والأهواء والنحل) "هو زيد بن أبي أبيسة".
ثم اللواء حسن صادق في كتابه (جذور الفتنة في الفرق الاسلامية) حيث استخلص عن الشهرستاني بقوله "إن الباحثين اختلفوا في سبب تسمية هذه الطائفة كما اختلفوا في أصل دينهم" (انتهى). اما احتمال الحسني في (اليزيديون) ط11 فقد قال "أصلهم من قبائل مجوسية (زرادشتية) تسمّى تيراهيّه أو ترهايا، ثم اعتنقوا الاسلام بضعف، ولما حلّ عادي بين ظهرانيهم وأسس طريقته العدويّة، اتّبعوها، ثم من بعد موت عادي ظهر بين خلفائه من أضلّهم وبعدهم عن التعاليم الاسلامية، فظهرت فيهم براعم المجوسيّة (الزرادشتية) القديمة، وعاد القوم إلى معتقدات توارثوها كابر عن كابر" (انتهى). وتحرّز تيمور باشا المصري من بحث الاصل.
أما عدنان حسين فقد جمع في بحثه المنشور في صحيفة (الشرق الأوسط) احتمالات سابقة أخرى من أنهم قد يكونون من أصل صابئي أو كلداني... إلخ، وان تسميتهم قد تكون مُشتقة من مدينة قديمة تسمى (يزدم)، ثم نقل عمّن نسبهم إلى مدينة (يزد) الفارسية، أو أتباع ليزدان وهي كلمة تعظيم كردية أو فارسية للإله (انتهى). وبعضهم من قال أنهم أمويون حُوصِروا في تلك الجبال، وبقوا هناك... وهناك احتمالات أخرى، ولم تزد دائرتا المعارف البريطانية والأمريكية شيئاً عن الاحتمالات المذكورة".
لكن الكاتب لا يقبل بهذه الأقوال، ويرى ان اليزيديين كانوا قوماً من
المسلمين، وان الشيخ عدي وأولاده قد خدعوهم عن دينهم باختراع الطريقة العدوية الصوفية التي بدأها الشيخ بمحاربة اللعن بما في ذلك الشيطان نفسه، وبالدفاع عن أجداده من بني أمية بدون هوادة، ثم واصل الخداع ابن اخيه صخر بنسبة الكرامات التي ما أنزل الله بها من سلطان للشيخ عدي، وكذلك واصل حفيده الشيخ شمس (الذي يسمّونه الحسن البصري اشتباهاً) في تحريف الدين الاسلامي من اساسه فاخترع عبادات مقلوبة عن الدين الاسلامي كالحج إلى قبر الشيخ عدي والطواف به والشرب من ماء هناك سمّاها "زمزم"، كما رسخ عبادة الشيطان وسمي بـ (طاووس ملك) وكذلك الاعتقاد بامامة يزيد الاموي قاتل الحسين(عليه السلام) وكونه على الحق.
يبدأ الكاتب بالاستدلال على اسلام قومه بالقول:
"فهل أفصَحُ من دليل كالذي سجّلَه المختصّون بأنساب القبائل والعشائر وذكرهم لبطون يزيديّة منها، والتي يعود تاريخ إسلام أجدادها وجهادهم في سبيل الله إلى حياة سيدنا النبي(صلى الله عليه وآله)(1)
ثانياً: راجع أيضاً (موسوعة العشائر العراقية) للعامري: 6 / 203 ـ 216.
ومن اليزيديين من ينتمي إلى عشائر: العبيد، وطيء (الهبابات)، وعنزة، وشهوان، والجنابيين، وجحيش، والخالدي... الخ.
.والنماذج المذكورة تنطبق حالتها على القبائل اليزيديّة الكرديّة أيضاً، إذ أن المؤامرة أو الفتنة التي اعترضت المسيرة الدينية في القرن السادس الهجري من كرد وعرب استهدفتهم من إسلامهم....؟!".
ويواصل استدلاله موضّحاً أنّ هناك خطة تحريفية أموية بالقول:
"ثم.. ما عسى أن يكون ذلك الأمر المريب الذي أحال مسيرة هؤلاء المسلمين إلى انتكاسة وضياع؟
1) أولا: راجع (عشائر العراق) للعزاوي: 2 / 201 ـ 204.
والأمر المريب الذي عبّر المؤلفون والباحثون عن مجموعه بالغموض، عبّرنا بدورنا عنه بالفتنة أو المؤامرة، وكما سيبدو فإن الفارق بيننا وبينهم في التحليل، كالفارق أحياناً بين الصدفة والخطّة...
فعن الاحتمال القائل باشتقاق (يزيدية)، لأنهم من أهل (يزد) الفارسية، أو أتباع ليزدان، سيجد المطالع نفسه آخذاً بأحد أمرين لا ثالث لهم، وهما:
هل هي الصدفة التي قاربت بين الحروف والأسماء (يزد، يزيد، يزدان)، فدفعت بأهل أو أتباع (يزد أو يزدان) للارتماء في أحضان أبناء يزيد؟
أم هي خطة، عَمَدَ أصحابها إلى تضليل لا أساس له، بخلط مجرد أسماء (يزد، يزدان) إلى أسم يزيد؟
وشتان بين الصدفة والخطة.
فإن الفاصل بين الصدفة والخطة، كالفاصل بين الأرض والسماء، وأنا بدوري ممن يكذّب هذه الصدفة، لعلمي اليوم أنّها خطة متقنة استمر على مواصلتها نسلٌ حقود (منذ القرن السادس الهجري)، وخطة أبناء هذا النسل ما زالت سارية منذ ذلك الحين وحتى هذه الساعة، وبأشكال مختلفة; إذ ما زال قومي يتذكرون حدثاً في أيام الحرب، وهذا الحدث (النموذج) لوحده سيفتح الأذهان عن مدى استهانة أمراء اليزيدية المتعاقبين واستهتارهم بمقدراتنا وتلاعبهم بمصائرنا كيف ما شاءوا..
(فثمة صفقة بيع وشراء رابحة تمت بين أمير اليزيدية ـ في أواسط الثمانينيات ـ وبين ممثّلي الحكومة نقلت اليزيديين بدقائق من قومية إلى قومية أخرى)..!!
فما بالك عن أصلنا الديني، وأبناء هذا النسل أحاطوا به طعناً وتجريحاً، ومنذ أكثر من ثمانمئة عام؟".
ثم يبحث الكاتب في الوثائق والشواهد التي تدل على اسلام القوم فيقول:
"ووثائقياً.. فإن (زعماً!) فات الأستاذ الحسني التفحص فيه، والتعامل معه، حيث ذكره سريعاً في كتابه (اليزيديون) من أن ـ في بعشيقة ـ معبد شيخ محمد ويزعمون أنه محمد بن سيدنا الإمام علي والذي يُعرف باسم قبيلة والدته أيضاً (محمد بن الحنفية).
أما الدملوجي (صاحب الاحتمال المانوي) وفي الصفحة {44} من كتابه فقد ناقض نفسه ونقض بدليله التالي احتمالات أخرى حين راح يؤكد من أن بعض الأسر اليزيدية ـ ممن التهمت أسلافهم الفتنة ـ تنتمي بنسبها إلى سيدنا الإمام علي(1).
وميدانياً.. فيسيراً تلمّس ذلك الحب والشغف الغامضين عند بني قومنا، فتراه انطبع مباشرةً على الأسماء; وإلاّ ما تفسير هذا الاحتضان المتواصل ومنذ القدم للأسماء الكريمة (حسين، علي، حسن، قاسم(2)،...) واتخاذها لأبنائهم وذويهم جيلا بعد جيل ـ وبنسب ممتازة قياسياً لبقية الأسماء ـ حتى وَجَدَت طريقها إلى بيوت الأمراء من قبل لكثرتها. غير أن أسماء مرتعشة ـ حيث لا تجد بينها علاقة ما غير تضليل القوم ـ تحكي عن الحقيقة الكذوب للأمراء وأقربائهم، وإلاّ ما معنى اجتماع الأسماء التالية.. فرعون وزرادشت ومعاوية ويزيد فيهم..؟".
ثم يتابع الكاتب استدلاله بالقول:
"إن كان أجدادنا غير مسلمين فما علاقتهم بعادي؟
إنه تساؤل مطروح بصيغ متعددة، ليدحض بدوره شبهات البحوث المضطربة، ما إن تمعّن به أي شخص لاكتشف بسهولة من أن فجوة عريضة، أو
حلقة مفقودة جسّدت "لا ترابط واضحاً".
فلو كان أجدادنا (مانويين، أو يزيديين، أو صابئة...) فما القاسم المشترك الذي يجمعهم بعادي؟ والتساؤل المذكور نعني به إلفات الأنظار إلى الأصل الصادق قبل الفتنة، والذي لا تنتظم صورة الحقائق إلاّ به، لهذا.. سيبدو شرحنا وتحرّينا ـ بُغية فكّ الملابسات ـ جديداً على الأسماع، فلو عرضنا أول بَدء دوافع خطّة الأمراء والمتمشيخين من تحريم التعلّم والتعليم على اليزيديين(1)لما تبيّنت منها غاية غير قطع الطريق أمام إحتمال عثور هؤلاء القوم على أصلهم الديني".
ثم ان الكاتب وهو يبحث ويستدل على اسلام القوم ينتقد المؤلفين والباحثين ـ الذين تناولوا اليزيدية بالبحث ـ مرة اخرى ويقول: "عندما أهمل المؤلفون والباحثون التفصيل في بديهيّات وثوابت مهمة، اتجهت رؤاهم بالضرورة إلى فرض التكهنات والاحتمالات. فالبديهيّات المتفق عليها أدرجناها بلغة مُبسّطة وبالشكل التالي:
إنّ عادي شيخ لطريقة صوفية.
وإنّ شيخ الطريقة (بالضرورة) مسلم ومن مظاهره التنسك والزهد.
اقتصار الطريقة أو الطرائق الصوفية (لما فيها) على مسلمين(2).
1) شذ هؤلاء المنتسبين للأموية (وأعني بيوت الأمراء وأقربائهم) عن تطبيق خطّتهم المذكورة، إذ أن القراءة والكتابة كانت حصراً بهم على مدى عصور التحريم، وبالتالي فإن تحريمهم التعليم استهدف الأبعدين من القوم ـ ممن لا علاقة لهم بالأموية ـ وبدءُ توجه القوم إلى طلب العلم لم يكن لتساهل الأمراء أو تسامح متمشيخيهم ـ كما كتب البعض ـ، بل جاء نتيجة ردّة فعل غاضبة لشعور متراكم بالتفرقة، فكان البغض للأمراء وجماعتهم طبيعياً حينما يرى قومنا حتى بعض الأناث من بيت الأمير وأقربائه ممن نِلنَ الشهادات، أو من خريجات الجامعات.
2) أي أنها وقفاً على مسلمين ممن يجدون في الممارسات الروحيّة الطرائقية وسائل لبلوغ هدف (القربة والرضى).
إذن والحديث سيتركّز عند هذه الفجوة، والتي ستأخذ بنا ثانيةً إلى الأصل الديني ما قبل عادي.
فهل أن عادي دعا إلى طريقته الصوفية أُناساً غير مسلمين، كمانويين، أو صابئة، أو مجوس، أو.. مثلا؟
ومثل هذا غير ممكن لما تفرضه إجماعات الطرائق الصوفية على أتباعها من قراءات.
أم أنّ عادي استطاع بتلك السنوات أو العقود التي قضاها في تلك المواطن، أن يهدي أهلها إلى الإسلام مرة، ومن ثم يدفع بهم إلى التصوف والطريقة مرة أخرى؟
إن أدلة تنقض هذا الافتراض هي:
الدليل الفلسفي:
أ ـ إنّ تصوف قومنا السابقين (من بعد تحولهم المفترض إلى الإسلام) يوحي بانشدادهم العميق للدين، فما الداعي إلى عودتهم لأفكار قديمة مثل زرادشتيه أو مانويّه،.. الخ (على فرض أنهم كانوا غير مسلمين)؟..
ب ـ ما يدل على تفعيل أولئك المسلمين الأبرياء لأفكار الطريقة وشيخها ـ بدعوى نيل غاية أُخروية ـ هو انغمارهم في التصوّف ـ كما ستثبت أدلة الفصول اللاحقة لا الاحتمال القائل أنهم عادوا إلى أفكار قديمة ـ يفترض أنهم كانوا عليها ـ وبعد مرور أكثر من مائة عام.
لكي نتلافى الالتباس، فإن مفهوم هداية قوم ما إلى الإسلام، مستقل تماماً عن مفهوم ضم قوم إلى طريقة صوفية، ولا مجال للقياس بينهما.
فلو أن عادي سعى في هداية قوم إلى الإسلام لَوَرَدَ ذكر ذلك في التاريخ
أضعاف ما تواتر من ذكر تأسيسه لطريقة صوفية والتي اشتهر بها; وما لمسناه هو وفرة الأدلة وتواترها إلى حدود تأسيسه الطريقة المذكورة، وانضمام أتباع لها من أهل تلك المناطق; أما هدايته لقوم، فلم يَرِد ذكر شيء من ذلك.
وإجابة التأريخ على تلك الاحتمالات، هي:
إن أجدادنا من قبل نفوذ عادي في مواطنهم كان دينهم الإسلام، وما استطاعه عادي هو استقطابه إياهم للتصوف ولطريقته الصوفية، لا غير.
كتب المرحوم أحمد تيمور المصري في كتابه (اليزيدية) ط2 في الصفحة {57}، ونقلها الحسني في كتابه (اليزيديون):
".. وتسامع به الناس (أي بعادي) فقصدوه من الأطراف للاسترشاد، ثم انتقل إلى جبال هكّار موطن الأكراد، فتبعه خلقٌ كثير منهم، إتخذ منهم المريدين، وأحدث الطريقة العدوية".
فما الذي دفع بأولئك الناس ليقصدوه ويسترشدوه إلاّ كونهم مسلمين.
ودوّن ابن خلكان من قبل والمتوفى في (681هـ) في كتابه(1)ذات الرؤية المذكورة، وذكرها الدملوجي بتغافل كعادته. فهل أن أهل تلك النواحي مالوا إلى عادي بتأثير دافع ديني إسلامي، أم بدافع مانوي، أم يزدي، أم يزداني، أم كلداني، أم صابئي..؟
والهدف من ذكر عبارات، ورؤى المصادر الجديدة والقديمة، إثبات أمرين كما أسلفنا: 1 ـ إسلامية القوم من قبل عادي (من خلال الأدلة والقرائن التأريخية).
2 ـ عدم وجود أيّ دليل تاريخي يصرّح بانتماءات أخرى للقوم، كالتي ذكرها أصحاب البحوث واحتملها بعض المؤلفين.
1) جاء في كتاب (وفيات الأعيان) لإبن خلكان المجلد الأول الصفحة {316}: "ومال إليه أهل تلك النواحي..".
وتكمّل الوثائق التي ذكرناها شهادة جديرة في (الكامل في التأريخ) نافيةً بدورها تلك المزاعم والفرضيات الحائرة: "مانوية، أموية، زرداشتية، يزد،.. الخ". فأهمية تلك الشهادة تكمن في ميزات لابن الأثير مدوّن التأريخ المذكور، فهو وليد الفترة التي عاش فيها عادي، كما وأنه ابن تلك المنطقة الموصلية، والأعرف بتحولاتها، لم يأتِ أو يدلي في سطوره الأربعة عند ذكر ملّتنا ـ آنذاك ـ وعادي بقرينة أو إيحاء أو علاقة أو أيّة سابقة باحتمالات المؤلفين، أو أن فضلا لعادي بهدي قوم ما إلى الإسلام، إنما أشار ابن الأثير إلى صفة دينية مثل التزهد لعادي، والتي تجد وقعها عادةً في نفوس أهلها من المسلمين لطبيعتهم الدينية، وعلى هذا: ".. تبعه أهل السواد والجبال بتلك النواحي وأطاعوه، وحسنو الظن به.."(1)ثم شرع يستحدث منهم طريقته الصوفية".
بعد أن دافع الكاتب عن الأصل الإسلامي لقومه يتساءل عن كيفية حصول الانحراف وتمكن حلقات الفتنة من محاصرتهم، فيقول:
"التناقض بين الماضي الديني لقومنا وحاضرهم يبعث بدوره سؤالا عميقاً هو:
هل أن تحوّل القوم عن دينهم الإسلام من قبل، كان بإرادتهم أم بغير إرادتهم..؟
والجواب الكبير: إن تحول القوم عن دينهم لم يكن بإرادتهم، ذلك لأن أفكار الانحراف الصوفية كانت تُمرّر بغطاء ديني مُحبّب في عقائد أولئك المسلمين، وإنفاذها كان بطيئاً وبصفةً روحية، ولو أن انفصالهم عن دينهم كان شعورياً أو بمباشرة منهم لما تعيّنت صورته بعد أكثر من مائة عام، بدءً من يوم حطّ
1) الكامل في التاريخ: 11 / 108.
فيه عادي في موطن الأجداد.
وأنجزت رواية السمعاني أهم مفردات ما ذكرنا ـ والذي توفي في (562هـ) ـ أي بعد موت عادي بخمس سنوات، يشرح فيها السمعاني عن قومنا آنذاك في كتابه (الأنساب) في الصفحة {600}: ".. يتزهدون في القرى التي في تلك الجبال، ويأكلون الحال، وقلّما يخالطون الناس، ويعتقدون الأمانة ـ أي الإمامة ـ في يزيد ابن معاوية (!)، وكونه على الحق، ورأيت جماعة منهم في جامع المرج، وسمعت أن الأديب الحسن بن بندار البروجردي، وكان فاضلا مسفاراً، نزل عليهم بسنجار، ودخل مسجداً لهم..".
ومن الشاهد التأريخي نلمس أمرين، أحدهما: أن قومنا مسلمون وسِمَتهم المسجد والجامع. والآخر: بروز واحدة من مؤشرات الانحراف ـ آنذاك ـ من إيهام عادي لأجدادنا بقدسيّة رمز بغيض هو يزيد الأموي، وإدماج تلك الفكرة الشاذّة والمنشقة في عقيدة القوم الدينية، عبر توظيفه (أي عادي) مزالق التصوف لاعتبارات أمويّة.
وحاضرنا، ما زال يكتظّ بالنماذج المحرّفة والمبدّلة، والتي يكاد البعض منها ينطق لحاله عن أصل القوم الديني، والنموذج الآتي يُعبّر عن نتاج روحي مُشوّه لتلاقح فكري خاطىء، وكذلك يحمل نموذجنا دلالات عدة لموضوعات مختلفة سنطّلع عليها لاحقاً.
فقد يستحضر الذهن من كلمة (الحج) زيارة البيت المحرم في مكة المكرمة وما تضم من اعتلاء لجبل عرفات أيضاً، والارتواء من بئر زمزم هناك.. وغيرها، حيث تؤدى تلك الشعائر ـ كما هو معروف ـ في شهر ذي الحجة الحرام.. وعيد الأضحى.
أما حج ملتنا الممسوخ ـ وللأسف ـ ففي قرية موصلية نائية حيث قبر
المدّعو عدي الأموي، وصعود تل بمقربة من القبر يسمونه جبل عرفات، وعين ماء أُلبست من قبل أسم زمزم، وكذلك في شهر ذي الحجة، أما عيد الأضحى فقد احتضنوه، واعتزوا به إلى اليوم ـ وإن دخل اعتزازهم أحاديث أخرى ـ لكنهم ظلّوا بحق يتوارثونه بصفاء إسلامهم من قبل عادي.
وهنا... لابدّ من صورة ما بدأت تترسّم أيضاً أمام القراء عن معنى وجود قبر ذلك الأموي بين تلك الموهمات، وهذا الأمر الذي عرضناه بما يكفي، يكشف عن مدسوسات فكرية أرساها الأموي في عقول أولئك المسلمين المعزولين.
ويدعم الكاتب كلامه هذا ببعض الشواهد ويوضّح سوء الفهم الحاصل عند البعض حولها، فيقول:
"وتتبين صحة هذا الأمر من شواهد مُلفتة:
الأول: التلاقف الأموي لمشيخة الطريقة الصوفية.
والآخر: تسخير مجالها الروحي لصالحهم وغاياتهم.
فمن عادي إلى صخر ومنه إلى عدي الثاني وثم إلى شمس.. وعن الأخير تنبعث التأوّلات أيضاً، إذ يبدأ المؤلفون بالسرد عن ظهور الزيغ والضلال والغُلو بين أتباع الطريقة الصوفية المذكورة في عهد مشيخة شمس للطريقة(1)، والقاء هؤلا المؤلفين فتنة الانحراف بكلها على عاتقه دون تسمية سابقيه، وذلك من خلال استدلالات ظاهرية، من انه أراد تنفيذ مطامح سياسية قديمة بالمريدين(2)، وأنه أملى في كتابه الجلوة عقائده المخالفة للإسلام، وانه وجد نفسه ـ أي شمس ـ بمنزلة حتى نُبِزَ بالمتألّه.. إلى آخر الأقوال.
ونحن نتفق مع المؤلفين، غير أنَ لنا أنْ نسأل عن إمكانية حدوث كل تلك
المفاجآت في عده الأخير شمس، ما لم تُخصّب لها الأرضية من قبل؟
وهذا التساؤل يجيب بذاته، من أن التفجّر السلبي الحاصل، كانت نتيجة تراكمات صوفية مضطردة، إنما طَفحت دلائلها في عهد شمس المذكور، ليستغلها بالشكل الذي ذكره المؤلفون.
وبمعنى أيسر، إن شمس أفصح بعدائه عن اتجاه المقاصد الأموية الخفيّة لسابقيه، فلو أن التركيبة الأموية من قبل شمس (أي عادي، صخر، عدي الثاني) أهمهم أمر الدين، وعملوا للغاية الدينية في أوساط المريدين لما استطاع شمس أن يملي عقائده ضد الدين، ولما استدعى ظهور الزيغ والضلال، ولما تمرّد لإعادة الجاهلية، أو يُنبز بالمتألّه، ولكن النفر السابقين عملوا لترسيخ منحرفات التصوف وإشاعة أمويتهم.
ومن مفارقات الفتنة الظاهرة في عهد شمس، كان أهمها انشعاب غايتين، فالرباعي الأموي أراد من وسيلة التصوف الانفتال عن الإسلام والانفكاك عنه، واعادة الحلم الجاهلي القديم، أما الضحايا المريدون فقد أرادوا من وسيلة التصوف المغلوط نيل الآخرة، والغايتان المتشابكتان بدخولها باكورة الأحداث الدامية في عهد مشيخة شمس، خرجت بانتصار الغاية الأموية على غاية المريدين(1)، ليضحى الشيطان والأموية ورضاهما، هما معيار القربة والسخط، أو قبول الأعمال وردّها إلى هذا اليوم.
ثم.. وعلى هذا الضياع تُولَد أجيال قومنا، وعلى الظلمات ترحل أخرى".
1) احتمل الدملوجي في كتابه (اليزيدية) وفي الصفحة {84}: أن شمس هو الذي بدأ بإضلال الأتباع والمريدين، وألبس في روحياتهم الأفكار الصوفية المنحرفة، والتي أراد منها إبراز نفسه بمنزلة المتألّه على القوم، ـ وهذا خطأ شائن في تحليل المؤلف المذكور ـ، إذ أن الشواهد التاريخية والحاضرة التي ذكرناها تشير إلى من أفرغ فيهم أول بدء تلك الأفكار (ليتخذوا من قبره قبلة..).
يوضّح الكاتب هنا مَن هو المستفيد من ضلال القوم بصورة أوضح مع إيراد امثلة وشواهد، فيقول:
"كما بدأت الفتنة ـ في القرن السادس الهجري ـ بالمكر، مضت على طبيعتها إلى اليوم تعتمد المكر، ولعل من فروق الفتنة بين أمسها وحاضرها، أن زارعها فرد، ورُعاتها اليوم كثُر (الأمير ومتمشيخوه).
لهذا كان وما زال التصنع، والتلفيق، والخرافة، والزيف هي السائدة في ظلمات هذا الضياع، فالمتمشيخون ولطمر الحقيقة الدينية للقوم، ولملأ الفراغ الحاصل، عمدوا منذ ذلك الوقت إلى صناعة بدائل روحية، أو التقاطها من عقائد أخرى، لترقيع المتطلبات الروحية التي فقدها القوم باستمرار على مدى ثمانية قرون أو أكثر. فلو راجعنا (وهذا فرض) كتابين يسمع بهما اليزيدي ولم يقرأهما هما الجلوة ورَش، لَعُرِف القصد من البدائل المزيفة، وبالأحرى التلفيق الأموي، والمكر.
ومن المكر أيضاً، ترويجهم بين البسطاء، الخوف من الوهم، أو الخرافة، أو الخوف من بيراجنوكي، وهي العجوز التي تخنق كل من يستحم، وكل خيّاط في الأربعاء.
وتلك المصطنعات لم تكن لتجد موقعاً في العقول ما لم يمهِّد له من قبل تحريم متمشيخي الأمراء للتعليم، وإلاّ من أين السبيل لاستبعاد عقول القوم باسم السماء، أو فرض سلطتهم عليهم بوجود الثقافة والعلم.
وسياسية التجهيل لها علاقة مباشرة مع مصالح الأمراء والمتمشيخين، وهنالك أمثلة كثيرة تعبر عن انتهازيتهم للجهل، الجهل الذي فرضوه علينا والمحمول على هالة تقديس مصطنعة، والقصة التي يذكرها أهل خوشابا مثالا
لائقاً ينطبق على المنتفعين من التجهيل، فذلك المتمشيخ الذي أراد إبهام أهل القرية ـ لجمع دراهمهم ـ من أن الشيء السيّار اللامع في السماء هو طاووس ملك، والذي ما مرّ من سماء القرية إلاّ للاحتفاء به (!) ولولا أن تدارك الموقف في الليلة الثانية زائر راح يبين لهم أن الضوء السيّار اللامع (ومن بعد شرح) لم يكن إلاّ قمراً صناعياً، اقتضى مروره من فوق سماء القرية.
والشيء الطافي في القصه اسم طاووس ملك، حتى ليبدو أنه شيءٌ ذو هيبة، فالطاووس هو المميّز بين الطيور بألوانه وتكبره وتغنجه، أما ملك فيعنون به الملائكة، وحين تُقلب الأسماء الممقوتة إلى أسماء دعائية رقية فللتخفيف من وطأتها على السامعين، وبذلك وجد الرجيم ـ وبمكيدة الأموية السوداء ـ مكاناً بين هؤلاء القوم المغلوبين على أمرهم.
ثم إن المتمشيخين ـ ومن بعد إحلالهم الظلمات بالمكر ـ من قبل، لم يجدوا ما ينتفعون به بعدئذ من طاووس الضلال، فجسّدته مخيلتهم القديمة الضالّة دمية من معدن، ثم غدوا يدورون به القرى التابعة المسكينة، للتكسّب.
غير أن مواقف تكررت للأهالي الغاضبين من تلك الألاعيب جعلت من المتمشيخين لا يخرجون بطاووسهم من تلك النواحي والقرى إلاّ فراراً، حيث انتظرهم الأهالي، وبدلا من أن تتطاير النقود، جاءتهم الحجارة من كل صوب، وما دخلوا بحزاني بعد تلك الحادثة إلاّ بعد توسّط العجائز، ومثلها هزيمة المتمشيخين في قرية دهوله في سنجار.
وهؤلاء المتمشيخون ليس لهم إلاّ الفتات، إذ يبقى المنتفع الأول يقف وراء الستار، وهو على سرّ آبائه، ونفع الأمير من إبقاء قومنا على الظلمات أن تتضاعف أمواله الشخصية في مصارف الأموال الأجنبية، وتتكدس أرباحه من عائدات مصانعه في الخارج، وكأن كل هذا لم يكفه فتراه يبدأ في مطلع كل موسم بإجراء
مزايدة علنية على قبر (..؟) في لالش، عدا ما يجمعه في المناسبات وبعناوين مختلفة.
ومن هنا يمكن استقراء الفاصل بين المتخم وأتباعه من جهة.. وبين الضحايا".
استطاع الكاتب أن يدافع عن قضيته بأدلة مقنعة ـ كما تقدّم ـ في صفحات قليلة، والانجاز الرئيسي له في هذا الكتاب هو اثبات الأصل الاسلامي للقوم قبل حصول التحريف الأموي، وهذه نقطة مهمة لكل يزيدي يعمل عقله للخلاص من الضلال، فهو إذا اهتدى إلى دين الله الحق يكون قد عاد إلى أصله الذي ضيّعه عليه ابناء الشجرة الملعونة وهذا ما يزيد في اخلاصه لدين الإسلام ورفضه لترهات الشيطان.
هذا وقد لخّص الكاتب نفسه ما أراد أو يوضّحه في هذا الكتاب، بالقول:
تعذّر على أكثر الباحثين ـ ممن تناولوا اليزيدية ـ تشخيص الأصل الديني لليزيديين، نظراً للتعقيد والتناقض الكبيرين في تقاليدهم الروحية،ويتضاعف مثل هذا الغموض والحيرة عند عامة اليزيديين.
وأورَدَت أهم البحوث والمؤلفات اِحتمالات شتّى عن الأصل الديني لليزيديين فألحقتهم بأصل زرادشتي تارة، ومانوي تارة أخرى وغير ذلك مثل صابئي، كلداني، مثرائي.. إلخ، أما "يزيدية" فقد احتمل بعض المؤلفين والباحثين عن كونه مشتقاً من مواطن وانتماءات محتملة مثل، يزد، يزدان، يزدُم.. أو قد يكونون من أصل أموي...
ولعل الملاحظة الأبسط على أسباب اضطراب التشخيص عند المؤلفين كانت حُسْن ظنِّهم بعادي أيضاً.
غير أن هذا البحث استطاع دحض تلك الأقوال والاحتمالات ليثبت العكس من أنهم ـ أي أجداد اليزيديون ـ وقبل القرن السادس الهجري.
ـ أُناس مسلمون صرفاً، غير أن انعطافتهم اللاشعورية عن دينهم كان بسبب نفوذ شخص صوفي تظاهر بالزهد في مواطنهم الموصلية آنذاك وإقامته فيها، استطاع الصوفي الأموي والذي اتَّخذ من كنية (أبو المكارم) أن يستدرج أولئك المسلمين بأساليب دينية حيث حسّنوا الظنّ به، والصوفي الأموي المذكور (عدي ابن مسافر: يسمونه القوم آدي أو عادي) الذي استحدثَ لنفسه طريقة صوفية (العدويّة) اتخذها وسيلة لتمرير الأفكار الباطنية الصوفية والتي استطاع بها خداع أولئك المسلمين وتضليلهم بغطاء ديني.
وقد أثبت هذا البحث حصول تلابس ديني فعلي لأولئك المسلمين في حياة عادي والتي كان باعثها ازدواجية السلوك الصوفي من استخدام الدين أداة لتزريق بدعة أو بدع فكرية "كما هي عليه ضلالة تساوي العاصي والمطيع والناتجة عن المقولة الصوفية بوحدة الوجود والتي جعلت بمرور الزمان من عناصر شر ـ كالشيطان ويزيد ـ مقدسين عند هؤلاء القوم" وما أوصى به عادي لابن أخيه (صخر الأموي) لاستخلافه كان دليلا آخر على رغبته لتكريس الانحراف، لينتهي الأمر بأولئك المسلمين إلى انسلاخ تدريجي عن الدين، بينما ظَلَّ الاستخلاف تقليداً متبعاً إلى اليوم عبر تعاقب الأمراء (والذين هم أمويون أيضاً).
وما خسره اليزيديون من سياسة التجهيل أو تحريم العلم، ربحهُ متمشيخو الأمراء من تمكينهم للجهل والخرافة والتي ما زالت تسيطر على عقول بسطاء هؤلاء القوم.
ولد عام 1959 م في دولة اليمن بمدينة ذمار ، نشأ في بيئة غذّته بعقائد المذهب الزيدي ، فسار وفق ما تمليه عليه الأجواء التي تحيطه ، واصل دراسته الأكاديمية حتى حصل على دبلوم المعلّمين ( نظام خمس سنوات بعد المرحلة الإعدادية ) ، ثم حصل على البكلوريوس في الآداب من قسم الدراسات الاسلامية في جامعة الأزهر ، كما أنّه حصل على بكالوريوس زراعة جامعة ذماروهو حالياً مهندس زراعي يعمل بصورة رسمية في مؤسسة إكثار البذور - ذمار .
اهتمامه بالعلوم الدينية :
توجّه الأخ عبد الله إضافة إلى عمله في مجال الزراعة إلى دراسة العلوم الدينية والاهتمام بالأبحاث العقائدية ، فلهذا التحق بالحوزة الزيدية ، ودرس فيها مرحلة السطوح ، ثم توجّه إلى العمل التوجيهي والدعوة والتبليغ ضد الصعيد الديني . وارتقى مستواه في مجال التبليغ حتى أُلقي على عاتقه مهمة تدريس مادة الثقافة الاسلامية بإحدى كليات جامعة ذمار .
يقول الأخ عبد الله : « كانت معرفتي الأولى بالإمامية قاصرة ومقتبسة من مطالعات طفيفة وقراءات سطحية لبعض الكتب الاسلامية ، وكان أوّل لقاء لي بالإمامية هو حين سفري إلى إيران عام 1413 ه . ق ، فرأيت خلال تعاملي مع أبناء الشيعة بعض التصرفات والقيام ببعض الطقوس الدينية التي لم أءلفها من قبل . فحسبت أن ما يقومون به بدعة ، واشمأزت نفسي منهم وقرّرت أن أقوم بتأليف كتاب للإطاحة بهم .
ومن هذا المنطلق بادر الأخ عبد الله إلى البحث والتنقيب بعد عودته إلى اليمن ، وشرع بمطالعة أصول عقائد الشيعة من أجل التصدّي للرد عليها وتبيّن ضعفها وضحالة أسسها ومبانيها » .
يقول الأخ عبد الله : « رجعت إلى اليمن وصممت على البحث والتنقيب في أصول مذهب الشيعة الإمامية وما يذهبون إليه من آراء في كل المسائل الاسلامية لكي أعد دراسة موجزة للردّ عليها ، ولكن هيهات فقد كنت كمن يحفر الجبل بفأس ليزيله من الوجود ، لأنني اصطدمت بأدلة قوية ومصادر موثقة لا يمكن للمنصف ردّها أو تجاهلها ، وكنت كلما أتقدّم في البحث أجد الحق مع الشيعة أكثر فأكثر ، فغيّرت نظري وتوجّهت للبحث طلباً للحقيقة وتمسّكاً بها أينما وجدتها ، ومع مرور الأيام تبيّنت لي الحقائق وحصلت على كتاب أخذ بي إلى آفاق الحق ورحاب العترة المعصومة الطاهرة » .
عودته الجديدة إلى البحث بموضوعية :
كان بحث الأخ عبد الله في المرة الثانية بعد أن تغيّرت نظرته حول المذهب
الشيعي الإمامي بحثاً متسماً بالموضوعية والنزاهة والتجرّد عن أي لون من ألوان التعصّب الأعمى ، وانطلق الأخ عبد الله هذه المرة بعزم راسخ من أجل البحث عن الفرقة الناجية ، وتبلور اهتمامه في مجال معرفة علم الرجال ، لأنه وجد نفسه غير قادر على تمييز الأحاديث الصحيحة عن السقيمة إلاّ بمعرفة رجال الحديث ، ومن هذا المنطلق توصّل الأخ عبد الله إلى هذه الحقيقة بأن التراث الاسلامي فيه الأحاديث الكثيرة التي يرويها من لا ينبغي الاعتماد عليه .
استمر الأخ عبد الله في سبيل البحث حتى أدرك بأن للأئمة الاثني عشر من أهل البيت ( عليهم السلام ) منزلة رفيعة ومكانة عظيمة ولكنهم لعدم خضوعهم للسلطات الحاكمة حوربوا واضطهدوا ومُنعوا من العمل في الساحة الاسلامية .
فواصل الأخ عبد الله بحثه مع التركيز على مسألة معرفة أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولم تمض فترة إلاّ وتبيّن له بأنّ الأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) هم الذين اصطفاهم الله سبحانه وتعالى ليكونوا بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حفظة لشريعته وملجأً لحل الاختلاف بين الأمة وهم الذين جعلهم الباري عز وجل خزّاناً وأمناءاً على وحيه ، فنما ولائه لهؤلاء الأئمة ( عليهم السلام ) بعد ذلك ، ثم قرّر الالتحاق بركبهم لينهل من معينهم المعارف العذبة والعلوم النقية التي لم تمسّها أيدي التحريف والتلاعب .
لم يجد الأخ عبد الله بعد تحرره من عالم الظلام إلاّ وأن يمدّ يد العون إلى أبناء بلدته ، ليرشدهم إلى الحقائق التي توصّل إليها عبر البحث ، فتلقى على عاتقه مجموعة مهام ليجعلها وسيلة لنشر علوم ومعارف الأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) والذبّ عن مذهبهم والدعوة إلى سبيلهم ، وكانت من جملة الأمور التي تلقّاها على عاتقه :
1 - نيابة رئاسة جمعية الأنوار المحمدية .
2 - مسؤولية مركز الزهراء ( عليها السلام ) لتدريس علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) للقطاع النسائي .
3 - رئاسة نشر جريدة الزهراء ( عليها السلام ) ، وهي الجريدة التي يسعى من خلالها أن يبيّن مظلومية أهل البيت ( عليهم السلام ) وأن يقوم بنشر فكرهم الصافي ، مع طرح مقارنات بينه وبين غيره في بعض المسائل الخلافية في المجالات العقائدية والعبادية والمبادرة إلى اثبات صحة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) عبر الاستناد على أمهات أقوال أهل السنة وتصريحات علمائهم .
4 - رئاسة تحرير جريدة الحقيقة ; وهي نشرة سياسية جامعة ، تقوم بنشر بعض المسائل العقائدية والعبادية و . . .
5 - القيام باعداد منشورات حول المسائل الخلافية بأسلوب مختصر ومبسّط ، ومن ثم المبادرة إلى توزيعها على العديد من محافظات دولة اليمن .
6 - كتابة بعض المقالات في الصحف والنشريات المحلية .
7 - تأليف مجموعة كتيّبات في العقيدة والعبادات والتفسير .
8 - تشجيع إقامة المجالس الحسينية في بعض مساجد مدينة ذمار .
9 - احياء بعض المناسبات الدينية من قبيل مواليد ووفيات المعصومين الأطهار ( عليهم السلام ) .
ويقول الأخ عبد الله في هذا المجال : « أسأل الله أن يوفّقني ويوفّق جميع الذين يسعون إلى نشر المذهب الحق ، وأن يأخذ بأيدينا إلى الخير والرشاد وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم » .
( 1 ) « موجز مناقب الرسول وأهل بيته ( عليهم السلام ) » .
ذكر المؤلف في هذا الكتاب جملة من مناقب وفضائل الخمسة من أهل الكساء ، كلا على حدة ، ثم ذكر المناقب المشتركة للحسن والحسين ( عليهما السلام ) ، ثم ذكر ما يعم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وأورد فهرستاً لمناقب آل البيت المذكور في مسند أحمد بن حنبل .
( 2 ) « تهذيب الأزهار في فقه الأئمة الأطهار » : مخطوط .
وسيصدر عن مركز الأبحاث العقائدية ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين .
وهو تعليقة فقهية على كتاب « الأزهار » المعروف لدى الزيدية .
علّق فيه المؤلف على المسائل الواردة مع ذكر ما يعتقده صحيحاً وموافقاً للحق الوارد عن أهل البيت ( عليهم السلام ) .
يقدّم الكاتب - قبل الشروع في تعليق على فتاوى كتاب الأزهار الفقهي المعروف لدى الزيدية - مقدمة يناقش فيها علماء المذهب الزيدي ، ويعاتبهم على ترك الرواية عن آل الرسول والرواية عن غيرهم ممن لا يقاس بهم وهم المعصومون الذين وصى بهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أئمة للدين من بعده والذين مدحهم واعترف بفضلهم العدو والمخالف فضلا عن الموالي لهم .
كما ناقش الكاتب القياس كأحد طرق الاستدلال الذي رفضه أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) وقد ابتلى به الزيدية نتيجة تأثرهم بفقه أبي حنيفة إمام القياس ومبتدعه وما كان ذلك منهم إلاّ لتركهم فقه الأئمة المعصومين من الإمام الباقر ( عليه السلام ) - أخو الشهيد زيد - ومن أتى بعده كالإمام الصادق ( عليه السلام ) إلى آخر سلسلة المعصومين وهو الإمام المهدي ( عليه السلام ) ، وكان الإمام الباقر والإمام الصادق ( عليهما السلام ) خصوصاً هما اللذين أظهرا فقه آل محمد ( عليهم السلام ) وروى عنهما الناس روايات ذلك الفقه .
يخاطب الكاتب علماء الزيدية ويوجّه لهم القول بأنه كيف يجوز ترك الرواية عن جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) سيد آل محمد والذي قال عنه أبو حنيفة : ( ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد ) وقال كذلك : ( لولا السنتان لهلك النعمان ) ، وتروون بدلا من ذلك عن أبي هريرة أو عكرمة أو أبو حنيفة وأمثالهم الذين أقل ما يقال عنهم انهم لا يملكون ذرة من علوم آل البيت المحيطة فضلا عن تفسيقهم من كثير من نفس علماء أهل السنة فكيف بالزيدية .
أو كيف يجوز الاعتماد على كتب توثّق أمثال زياد بن أبيه ، أو عمر بن سعد ، أو عمران بن حطان الخارجي ، وهم من هم في العداء للدين وآل البيت ( عليهم السلام ) ، وهي - هذه الكتب - لا تروي عن جعفر الصادق أو غيره من آل البيت الذين قال الإمام علي ( عليه السلام ) في وصفهم ( نحن الشعار والأصحاب والخزنة والأبواب ولا تؤتى البيوت إلاّ من أبوابها فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقاً . . )(1).
العلم بالقياس في دين الله رجم بالغيب وباطل ، وقد أورد الكاتب بعض الأدلة في إبطاله منها : ما في القرآن من آيات تحكي قياس مثل إبليس كما في قوله تعالى : ( قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّار وَخَلَقْتَهُو مِن طِين )(2)، أورد الله سبحانه وتعالى على الملائكة لما قاسوا آدم على غيره بقولهم كما ينقل الوحي الإلهي ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِحُ بِحَمْدِكَ وَنقَدّسُ لَكَ قَالَ إِنِى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ )(3).
ومنها : ما ورد من أحاديث كثيرة مستفيضة عن أهل بيت العصمة تنهى عن القياس كمناظرة الإمام الصادق مع أبي حنيفة على ما رواه ابن حزم حيث قال الإمام له : ( اتق الله ولا تقس فإنا نقف غداً بين يدي الله فنقول قال الله وقال رسوله وتقول أنت وأصحابك سمعنا ورأينا )(4)أو قول الإمام الصادق لأبي حنيفة أيضاً ( بلغني إنك تقيس ، قال : نعم ، قال : لا تقس فإن أول من قاس إبليس حين قال :
( خَلَقْتَنِى مِن نَّار وَخَلَقْتَهُو مِن طِين )(1).
تعليقاته على كتاب الأزهار :
أورد الكاتب نصوص فتاوى كتاب الأزهار مع تعليق عليها يمثّل ما فهمه هو من آراء واجتهادات علماء الإمامية ، نورد بعضاً منها :
1 - في باب الاجتهاد والتقليد :
( فصل : وكل مجتهد مصيب ) .
ج : ليس بصحيح قطعاً فإن المجتهد ليس بمعصوم عن الخطأ ولا عالم بالغيب فإن لله تعالى حكماً لا يتغير بحسب آراء المجتهدين ، فإن أصاب المجتهد ذلك الواقع فله أجران وإن أخطأ فله أجر ، واجتهاده ليس لادراك حكم الله وإنما للإعذار والتنجيز ظاهراً ما دام غير قادر على تحصيل الواقع .
( والأئمة المشهورون من أهل البيت ( عليهم السلام ) أولى )
ج : الأئمة الأصل هم المعصومون الذين سمّاهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعيّنهم من بعده بآيات ورايات كثيرة متفق على ورودها عند جميع المحدّثين ، وهم اثنا عشر إماماً صلوات الله عليهم أجمعين ، وهؤلاء لا يجوز الرجوع إلى غيرهم .
نعم إذا لم يقدر من الوصول إليهم للبعد المكاني أو الزماني جاز له الرجوع إلى رأيهم من العلماء الذين أخذوا العلم عن أهل البيت ( عليهم السلام ) ولم يعدلوا بهم غيرهم ، وهؤلاء المجتهدون لا يفرق في الرجوع إليهم بين كونهم من أهل البيت ( عليهم السلام ) نسباً أو من غيرهم .
( ولخبري السفينة وإني تارك فيكم ) .
ج : هذان الخبران وعشرات الأحاديث والأدلة تؤيد وجوب الرجوع إلى
1) ص : 76 .
الأئمة من أهل البيت المعصومين الاثني عشر الذين عينهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وحرمة الرجوع لغيرهم ، لأن الرجوع إليهم أولى من غيرهم فتدبّر العبارة ، فلا تشمل غيرهم ممن ادعى الإمامة أو أدعيت له ، نعم لو كان مجتهداً وادعى النيابة عن الأئمة الأصل جاز تقليده سواء كان سيداً أم عامياً .
( فصل : والتزام مذهب أمام معين أولى )
ج : لا يجوز العدول عن المذهب الفرد الذي عينه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قائلا ما مضمونه : « ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة منها فرقة ناجية والباقون في النار » وقد مر ما بهذا المضمون ، وقوله ما مضمونه أيضاً : « يا علي أنت وشيعتك الفائزون يوم القيامة » .
وغيرها مما يدل على اللزوم لا الأولولية وهؤلاء الأئمة ( عليهم السلام ) ليسوا مجتهدين وإنما علمهم من الله بواسطة القرآن والرسول .
( كنكاح خلا عن ولي وشهود لخروجه عن تقليد كل من الإمامين ) .
ج : لا مانع من القول بصحة النكاح مع عدم الولي والشهود عند علماء الشيعة ، ولا وجه لإستنادك في الفتاوى إلى العلماء المخالفين لأهل بيت العصمة بل المخالفين للكتاب الكريم ، فإن القرآن ترك النكاح بلا شروط مطلقاً فقيده العامة بالشهود ، وجعل الطلاق مقيداً بالشهود فصححه العامة بدون شهود فراجع قوله تعالى : ( وَأَنكِحُواْ الاْيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ . . . )(1).
ولا يوجد أي تقييد للنكاح بالشهود وراجع قوله تعالى بالنسبة للطلاق : ( وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْل مِنكُمْ . . )(2).
نعم لا بأس من القول بعدم جواز تقليد مجتهدين من علماء الإمامية مختلفين بوقت واحد في مسألة واحدة بما يوجب المخالفة القطعية للشرع ، ويمثل له بما إذا قلد شخصاً بعدم وجوب القصر في الحالة المعينة فيصلي قصراً ، وقلد آخر في الصوم يقول بالقصر في تلك الحالة فأفطر ، فهذا مخالف لقول الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( إذا قصرت أفطرت وإذا أفطرت قصرت ) الدال على الملازمة بين القصر والافطار والاتمام والصوم .
( فصل : ويصير ملتزماً بالنية )
ج : فيه خلاف عند الإمامية ولعل المشهور هو عدم كونه مقلداً حتى يعمل برأي المجتهد المعين ولا يكفي مجرد الالتزام .
2 - في الأذان والإقامة :
( الأذان والإقامة : على الرجال ) .
ج : بل على الرجال والنساء وفي الرجال أكثر استحباباً .
( وجوباً في الأداء )
ج : بل مستحبان مطلقاً والإقامة أشد استحباباً .
( من مكلف ذكر معرب عدل طاهر ) .
ج : لا يشترط في المؤذن الذي يجتزء بأذانه أن يكون ذكراً ولا مكلفاً ولا عدلا ولا طاهراً ، وإذا لم يعرف الوقت إلاّ منه لزم كونه موثوقاً .
( ولا يقيم إلاّ هو ) .
ج : يصح أن يقيم له غيره في صلاة الجماعة أو الانفراد .
( متطهراً ) .
ج : في إشتراط الطهارة لأجل الإقامة خلاف وهو الأحوط .
( وهما مثنى إلاّ التهليل ) .
ج : بل للأذان 18 فصلا :
الله أكبر أربع مرات
أشهد أن لا إله إلاّ الله مرتان .
أشهد أن محمداً رسول الله مرتان .
حي على الصلاة مرتان
حي على الفلاح مرتان .
حي على خير العمل مرتان .
الله أكبر لا إله إلاّ الله مرتان .
وفي الإقامة : 17 فصل بجعل التكبير الأول مرتين وزيادة قد قامت الصلاة مرتين بعد حي على خير العمل ولا إله إلاّ الله الأخيرة مرة
واحدة .
ويزاد أشهد أن علياً ولي الله ( عليه السلام ) استحباباً مؤكداً بعد الشهادة برسالة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
وقال السيد الحكيم أنها شعيرة واجبة وإن لم تكن جزءً من الأذان والإقامة .
هذا وقد ذكرت في نصوص كثيرة خاصة وعامة ، وإنما لم تشتهر لوجود المانع ، وهو مطاردة الأمويين والعباسيين لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، بل وكثرة المنافقين بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومن بعده كما روى جامع الصحيحين في ح 28 من المتفق عليه عن سهل ابن سعد : ( سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : « أنا فرطكم على الحوض . . وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم فأقول أنهم من أمتي فيقال انك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقاً لمن بدل بعدي » .
بل ويكفي عذراً للتقية من الأمر بها في الآذان نص الآية التي أمرت بنصب علي ( عليه السلام ) خليفة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنها صرحت : ( يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن
رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُو وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )(1)فلولا خوف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ممن حوله من تبليغ ذلك لقومه لما احتاج انزال العصمة من الناس ، وعليه فولاية أمير المؤمنين لا يمكن تبليغها بصراحة ، وخصوصاً في الأذان والإقامة الذين يجهر بهما في كل يوم خمس مرات مع وجود من غصب الخلافة ومن قتل فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقد فارقت الدنيا وهي غاضبة عليه وبنو أمية من بعدهم ، وهكذا ومع هذا فقد ورد في كتاب الاحتجاج ص 78 : ( إذا قال أحدكم لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فليقل علي أمير المؤمنين ) .
وفي أصول الكافي باب الحجة ص 434 ح 8 ج 1 : عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ( إنا أول أهل بيت نوه الله بأسمائنا انه لما خلق السماوات والأرض أمر منادياً فنادى أشهد أن لا إله إلاّ الله ثلاثاً أشهد أن محمداً رسول الله ثلاثاً أشهد أن علياً أمير المؤمنين حقاً حقاً ) .
وقال ( عليه السلام ) : ( وإن قال في أول وضوئه بسم الله الرحمن الرحيم طهرت أعضاؤه . . وأشهد أن محمداً عبدك ورسولك ، وأشهد أن علياً وليك وخليفتك بعد نبيك ، وأن أولياءه خلفاؤك وأوصياؤه تحاتت عنه ذنوبه ) في الوسائل ب 15 الوضوء ح 21 .
وروى الشيخ عبد العظيم في كتابه السياسة الحسينية عن كتاب السلافة في أمر الخلافة وهو مخطوط في المكتبة الظاهرية تأليف الشيخ عبد الله المراغي من علماء السنة في القرن السابع الهجري فيه روايتان أحدهما : ( أنه أذن سلمان الفارسي فرفع الصحابة إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وآله أنه زاد في الأذان « أشهد أن علياً ولي الله » وكان ذلك بعد نصب علي في غدير خم فأجابهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « ففيم كنا » ) .
والأخرى : ( أنهم سمعوا أبا ذر الغفاري بعد بيعة الغدير يهتف بها في الأذان
1) المائدة : 67 .
فرفعوا ذلك إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وآله فقال ( صلى الله عليه وآله ) لهم : « أما وعيتم خطبتي يوم الغدير لعلي بالولاية أما سمعتم قولي في أبي ذر وما أظلت الخضراء وما أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر الغفاري . . إنكم لمنقلبون بعدي على أعقابكم . . » ) .
3 - النكاح الموقت :
( والتوقيت )
ج : تحريم النكاح الموقت من جرائم المبتدعين الذين خالفوا كتاب الله وسنة نبيه ( صلى الله عليه وآله ) ، واجماع الأصحاب ، واجماع أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم ، والعقل والأعراف الانسانية ما سوى عمر قائلا : ( متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما ) .
بالخبر المتفق عليه فقبلنا شهادته وخبره ولم نقبل فتواه ، لأنه ليس بنبي جديد ولا يجوز لأحد أن يخالف النص الثابت كما قال تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُو أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُو فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً )(1).
وعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( لولا فتيا عمر ما زنى إلاّ شقي ) ، وقول بعض المحدثين العامة وتبعهم الزيدية الذين يقولون أنهم متمسكون بأهل بيت النبوة .
ومن الطامات قول العنسي في التاج المذهّب : ( قد ثبتت في صدر الإسلام ونسخت بعد ذلك قطعاً بعدة أحاديث ، واستقر الاجماع على تحريمها إلاّ ما يروى عن الإمامية فغير معتد بخلافهم . . . ) ما أدري ما سعر هذا الإجماع .
وما ثمن هذه الأحاديث وهي مكذّبة لكتاب الله تعالى ، والسنة الثابتة عند أهل البيت ، وعمل كل الأصحاب على عهد رسول الله ومن بعده فراجع . . .
1) الأحزاب : 36 .
بل هي مكذّبة لخبر الخليفة الثاني عمر في قوله : ( وأنا أحرمهما ) ، وأنهما ( كانا على عهد النبي ) ، بل ومكذبة للإمام المتفق عليه عند الزيدية أمير المؤمنين وعلى كل حال فإني لا أأسف بقول المخالفين فينا وإنما الأسف قول المعترفين بإمامة وولاية آل محمد في مخالفتنا ، ونحن أتباع الحق الذين ورد عن سادة آل محمد الصادقين عليهم الصلاة والسلام وعليك بمراجعة الكتب ليظهر الحق الصراح .
ولد السيد عبد المحسن بن علاوي عبد الله الحسيني السراوي عام 1957م في قرية السعدة من قرى ساحل الخابور التابعة لمحافظة الحسكة في دولة سوريا، أتمّ الاعدادية والثانوية في معهد الروضة الهدائية الشرعي بحماة عام 1981م، ثم انتسب إلى كلية الدعوة ـ فرع جامعة ليبيا بدمشق، ثم تخرّج منها سنة 1988م، وتلقى على عاتقه مهمة رئاسة ديوان مديرية أوقاف محافظة الحسكة وكان عضواً في مجلسها المحلي ما بين عام 82 ـ 1985.
كان السيد عبد المحسن السراوي يمتلك عقلية باحثة ومتعطشة للتنقيب والدراسة والتحقيق فدفعه ذلك للخوض في دفائن التراث والبحث عن الحقائق فيه، وكان أكثر ما يلفت انتباهه هو البحث عن المذاهب وبالأخص موضوع فقه المذاهب الإسلامية.
كما كان السيد عبد المحسن السراوي غير متعصب حين بحثه حول المذاهب الإسلامية، فلهذا وسع دائرة بحثه ولم يقتصر على المذاهب الأربعة المعروفة، بل ارفق بها مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
يقول السيد عبد المحسن في هذا المجال: "من أراد أن يبحث ويقارن بين المذاهب، فعليه أن يلقي جلباب التعصب المذهبي ويكون هدفه مرضاة الله تعالى ولمّ شمل هذه الأمة التي لا تزال تتخبط في العصبية المذهبية".
يرى السيد عبد المحسن أن التعصّب يهيمن على العقل ويحجب بصيرته عن الرؤية الواضحة، وأن عقول المتعصبين عاجزة حين البحث عن رؤية الواقع والحقيقة كما هي عليه، ومن جهة أخرى أن التعصب يزيد من شقة الخلاف، ويجرّ المسلمين إلى الوقوع في المآسي من جرّاء الانقسام والتفكك.
فيقول حول التخبّط في العصبية المذهبية: "لا يستفيد من هذا التخبط إلاّ أعداء الدين الذين يريدون أن تبقى الخلافات ليبقوا هم القدوة ولو على حساب التفرقة بين أبناء هذه الأمة.
لأنّ كثيراً من كتّاب عصرنا لا يزالون يعيشون بعقلية عصور الظلمة، تلك التي استغل ظروفها المندسون في صفوف المسلمين لنشر المفتريات وخلق الأكاذيب.
نعم اولئك الكتّاب فقد جمّدوا على عبارات سلف عاشوا في عصور الظلمة، عصور التطاحن والتشاجر فقلدوهم بدون تفكير أو تمييز حتى اصبحت القضية خارجة عن نطاق الأبحاث العلمية وهي إلى المهاترات أقرب من المناقشات المنطقية.
وكل ذلك من أثر التعصّب المردي والتقليد الأعمى والإدعاء الكاذب، فهم عندما يتناولون موضوع البحث عن مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بالذات أو بالعرض سواء في المعتقدات أو الآراء الفقهية أو الحوادث التاريخية فلا نجد إلا ما يخالف الحقيقة.
وأكثرهم يكتب بلغة الكذب والافتراء والتهم، كل ذلك نتيجة التعصّب البغيض الذي أسر عقولهم وحرمهم حرّية التفّهم للحوادث التاريخية طبقاً لواقعها الذي يجب أن يزول عنه قناع التضليل ويماط عن جوهره غبار الخداع والتمويه".
بهذه الرؤية الموضوعية قام السيد عبد المحسن السراوي بالبحث والتنقيب والمقارنة بين المذاهب الإسلامية، فأدرك بالتدريج خلال البحث رجحان كفة تراث مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وقوة مبادئة وغزارة معارفه، فلهذا بادر إلى ترك انتمائه السابق إلى مذهب أهل السنة والتحق بركب أهل البيت(عليهم السلام).
يقول السيد عبد المحسن مخاطباً أبناء انتمائه السابق: "إنني أود أن الفت نظر أبناء هذه الأمة في هذا العصر إلى رعاية حقوق أمتهم وأن يستعرضوا تاريخ مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بدون تعصّب أو تحيّز.
وأن يلحظوا تطوّر مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وسيره في طريق التقدّم بما لديه من القوى الحيوية والقدرة على مقاومة الطوارىء وتخطي تلك الحواجز التي وقفت في طريقه ما لو وقف بعضها في طريق غيره من المذاهب لما استطاع أن يخطوا خطوة واحدة لأنّها عوامل قاهرة.
على أن مذهب أهل البيت ليس باستطاعة أي أحد مؤاخذته بشيء في ذاته، فهو موافق لكتاب الله العزيز والسنة المستقيمة والشعور والمتطور والوجدان، وقد وجد العقل السليم فيه بغيته. كما أن باب الاجتهاد مفتوح على مصراعيه، وقد برهن بغزارة مادته ومرونة أحكامه ودقة بحوثه وسلامة قواعده
ونقاوة أصوله وفروعه، على أنه أقوى مصدر للتشريع الإسلامي ويتطور مع الزمن ومع كثرة الحوادث".
يقول السيد عبد المحسن: "إنّ من المؤسف أن نرى الكثير ممن كتبوا عن التشريع الإسلامي قد اقتصروا على ذكر المذاهب الأربعة فحسب رغم الخلاف الواسع بينها، ولم يذكروا أقوال أهل البيت وعلمائهم وآرائهم في الفقه والأصول والحوادث التاريخية".
ويضيف: "عذرنا أولئك القوم الذين دونوا الفقه في العصور الغابرة، لأن الخشية من ذكر مذهب أهل البيت(عليهم السلام) قد أرغمتهم على الإعراض عن ذكره فإن التعرض لذلك إنّما هو تعرض للخطر.
ولكننا نعجب من المتأخرين الذين ساروا على تلك السيرة الملتوية ولم يعطوا مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حقه من العناية في البحث ولا يستبعد أن التقليد من حيث هو قد دعاهم لمخالفة الواقع. وإلاّ فما هو المانع من التعّرض لذكر مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عندما يكتبون عن التشريع الإسلامي".
يرى السيد عبد المحسن أن من أهم العقبات التي تقف مانعاً بين المنتمى إلى مذهب أهل السنة والتعرّف على مذهب أهل البيت هي الموانع التي خلقها بعض علماء أهل السنة لتحول بين اتباع مذهبهم وبين الاحتكاك بمذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ويرى كذلك عدم وجود كلفة في معرفة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) سوى قراءة الكتب الموضوعية المدوّنة حول هذا الموضوع، لأنّ هذا الأمر يوفر للباحث المناسبة للوقوف على الحقيقة، والسير في سبيل الهدى عن وعي وبصيرة.
صدر عن دار المودة / بيروت سنة 1994 م.
قال المؤلف في المقدمة: "إنه قد سألني بعض الاخوان من أهل الايمان أن أكتب له ما هو المختار من كتب الحديث والسيرة والتاريخ والسير والتراجم في سيرة السيدة فاطمة(عليها السلام) من أيام ولادتها إلى وفاتها.
وجعلته في بابين: الباب الأول في ثمانية فصول...، الباب الثاني في سبعة وعشرين فصلاً".
قال المؤلف في المقدمة: "رتبته حسب الكتب الفقهية، يبدأ بكتاب الإسلام والايمان والوحي وينتهي بكتاب فضائل الصحابة. وهذا الكتاب الأخير لم ابوبه على اسماء الصحابة بل تركته بدون تفصيل.
ولم ادخل في هذا المسند المعلقات وجمعت فيه الأحاديث المسندة فحسب لأنّها هي التي يمكن أن يجري عليها الحكم تقوية أو تضعيفاً.
وحققت أحاديث المسند ليخرج وفيه الحكم على صحة كل حديث أو ضعفه وبيان علله استناداً إلى علم الجرح والتعديل بالبناء والتشييد لا بالتقليد والمتابعة".
صدر عام 1997م عن دار المودة / بيروت.
قال المؤلف في مقدمة الجزء الثاني: "طبع الجزء الأول من كتابنا "القطوف الدانية في المسائل الثمانية" طبعتين. الطبعة الأولى في الشهر التاسع من عام 1993 ونفدت ولله الحمد، والطبعة الثانية في الشهر التاسع 1994 والتي طبعها الأخ الاستاذ عبد الله عدنان المنتفكي وقدم لها مشكوراً.
والآن نقدم للقراء الطبعة الثالثة من الكتاب المذكور مع الجزء الثاني بمسائله الثمانية الثانية".
وهذه المسائل الستة عشر هي عبارة عن: المسح على الرجلين في الوضوء، الآذان، الجهر بالبسملة، القنوت، السجود على الأرض، الجمع بين الصلاتين، التكبير على الجنائز، زيارة القبور، صلاة الجماعة، صلاة المسافر، التكتف في الصلاة، ذكر آمين بعد الفاتحة، التشهد في الصلاة، السهو والشك في الصلاة، صلاة الجمعة وشرائط صحة الصوم.
صدر عام 1998 م ـ 1418 هـ عن منشورات السراوي.
الكتاب من تأليف تقي الدين أحمد بن علي المقريزي المتوفي سنة 845 هـ وتحقيق السراوي.
يقول المحقق في المقدمة: "وبعد فإنّ الكتاب لمؤلفه العلامة المقريزي، والذي عالج فيه قضية من أدق القضايا التي كان لها أثر واضح في تاريخ الأمة الإسلامية، من خلال شرحه لخمس آيات من القرآن الكريم...
وقد جعل المقريزي من هذه الآيات الخمس مستنداً له في بحثه الذي يدور حول ما يجب لآل البيت(عليهم السلام) من حب المسلمين لهم وتوقيرهم، ونصرتهم، ومودتهم... واعتمد في تفسير هذه الآيات على عمدة المفسرين".
وعن عمله في الكتاب يقول: "خرجت الاحاديث والآثار على الكتب الستة، ثم اتبعتها بباقي الكتب من المسانيد والسنن والصحاح واجزاء الحديث والمعاجم وغيرها.
قد شرحت عقب تخريج الاحاديث أو الاثار، ما يحتاج إلى ايضاح أو بيان أو تعليق، وقد رجعت في بيان الغريب لكتب اللغة، وترجمت للاعلام الذين في الكتاب... وفي نهاية الكتاب وضعت الفهارس الفنية العلمية لتيسير الوصول للأحاديث واستخراجها بأقصر طريق".
تعرض الكاتب في كتابه إلى المسائل الخلافية بين مذهب أهل البيت(عليهم السلام)والمذاهب الأربعة والتي كثيراً ما يواجهها المهتدي لولاية أهل البيت(عليهم السلام) فيسأل عنها وما الدليل عليها، وقد أثبت الكاتب الرأي الصحيح فيها من أحاديث وأقوال وكتب أهل السنة فضلاً عن كتب الشيعة، وكتابه يدعو إلى الوحدة بين أبناء الأمة من خلال معالجة المسائل الخلافية والوصول بها إلى نتيجة علمية من خلال الأدلة الصحيحة المتفق عليها.
ونورد نحن هنا أهم ما كتبه في مسألتين من هذه المسائل كنموذج لعدم امكان ايراد جميع المسائل.
لا خلاف بين المسلمين قاطبة في جواز الجمع بعرفة وقت الظهر بين فرضي الظهر والعصر كما لا خلاف بينهم في جواز الجمع في المزدلفة وقت العشاء بين فرضي المغرب والعشاء واختلفوا فيما عدا ذلك.
فالمذاهب الأربعة ومن تبعهم اختلفوا اختلافاً كبيراً في ذلك، فإليك صورة عن الخلاف المتشعب.
منهم من جوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً بعذر السفر(1).
1) عند مالك والشافعي وأحمد.
أما أبو حنيفة فمنع من ذلك وقال: لا يجوز الجمع بين صلاتين بعذر السفر بحال.
وفي قول آخر لا يجوز الجمع بين صلاتين في وقت واحد سوى الظهر والعصر بعرفه والمغرب والعشاء في وقت واحد بعذر السفر أو المطر تقديماً أو تأخيراً(1).
أما عند المطر فقد أجاز الشافعي الجمع بين الصلاتين تقديماً.
وقال أبو اسحاق الشيرازي الشافعي: ويجوز الجمع بين الصلاتين(2).
وأحمد يوافق مالك في جواز الجمع بين العشائين فقط لعذر المطر لا بين الظهر والعصر سواء قوي المطر أو ضَعُفْ إذا كان المطر يبل الثوب ويوجد معه مشقة وكذلك يجوز للوحل وريح باردة شديدة في ليلة مظلمة.
وذهب جماعة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك وحكاه الخطابي عن القفال عن ابن اسحاق المرزوي عن جماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن المنذر(3).
إلى غير ذلك من الأقوال بين مواقف لبعض ومخالف لبعض آخر.
أما أئمة أهل البيت(عليهم السلام) فقد صدر منهم كلام واحد بأن الجمع جائز بين المغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً ويجوز الجمع بين الظهر والعصر تقديماً وتأخيراً.
قالوا بذلك تبعاً للنبي(صلى الله عليه وآله).
ويدل على صحة هذا القول علاوة على الأحاديث الكثيرة الواردة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) آيات كريمة وأحديث نبوية شريفة من طرق دعاة السنة فلابد أن
يقع الإستدلال في مقامين:
الإستدلال بالآية الكريمة: (أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشَّمسِ إلَى غَسَقِ الَّيلِ وقرءَانَ الفَجر إنَّ قَرءَانَ الفَجرِ كانَ مَشهُوداً)(1). ولنترك الكلام لأحد علماء السنة الأعلام وهو الفخر الرازي فخر المفسرين حيث قال: فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات. وقت الزوال ووقت الغروب ووقت الفجر وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتاً للظهر والعصر. فيكون هذا الوقت مشتركاً بين الصلاتين وأن يكون أول المغرب وقتاً للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً. إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر لا يجوز، فوجب أن يكون الجمع في السفر وعذر المطر وغيره(2).
وهذا كماترى بعد أن اعترف بدلالة الآية وصراحتها على جواز الجمع مطلقاً إلا أنه تشبث بما روي مخالفاً لكتاب الله تعالى وكيف غاب عنه إنما يؤخذ بالسنة فيما إذا لم تعارض كتاب الله على أن السنة الشريفة أيضاً ناطقة بصريح القول بجواز الجمع مطلقاً كما سيأتيك إن شاء الله تعالى.
وقال البغوي: تأييداً لما ذكرناه عن الفخر الرازي حيث قال: حمل الدلوك على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به ولأنا إذا حملنا عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها فدلوك الشمس يتناول صلاة الظهر والعصر وغسق الليل
يتناول المغرب والعشاء والقرآن الفجر هو صلاة الفجر(1).
الإستدلال بالأحاديث الواردة عن طريق أهل السنة وإليك بعضاً منها.
حديث ابن عباس قال(صلى الله عليه وآله): الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر(2).
حديث ابن عباس قال: صليت مع النبي(صلى الله عليه وآله) ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، قال عمرو بن دينار قلت يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء قال وأنا أظن ذلك(3).
وظن عمرو بن دينار وكذا أبي الشعثاء لا يغني من الحق شيئاً حيث يقول سبحانه وتعالى (إنَّ الظَّنَّ لاَ يُغنيِ مِنَ الحَقِّ شَيئاً)(4).
وحديث ابن عباس قال: أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) صلى بالمدينة سبعاً وثمانيةً الظهر والعصر والمغرب والعشاء(5).
وحديث عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة، قال: فقال: ابن عباس أتعلمني بالسنة لا أم لك ثم قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال: عبد الله ابن شقيق فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة
فسألته فصدق مقالته(1).
وحديث عبد الله بن شقيق العقيلي قال: رجل لابن عباس الصلاة فسكت ثم قال: الصلاة فسكت ثم قال: الصلاة فسكت، فقال ابن عباس لا أم لك. أتعلمنا بالصلاة كنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)(2).
وحديث ابن عباس قال: صلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) الظهر والعصر جميعاً بالمدينة من غير خوف أو سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيد لم فعل ذلك فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته(3).
وحديث معاذ بن جبل قال: جمع رسول الله(صلى الله عليه وآله) في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، قال: فقلت ما حمله على ذلك، فقال: أراد أن لا يحرج أمته(4).
وهذه الأحاديث كلها نص في جواز الجمع مطلقاً وتقيدها بما ذكر في الأقوال ما هي إلا ظنون لا تغني من الحق شيئاً.
وحديث سهل بن حنيف قال: سمعت أبا إمامة يقول صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر، فقلت: يا عم ما هذه الصلاة التي صليت، قال العصر وهذه صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)(5).
وقد اتفقت مرويات أهل البيت(عليهم السلام) مع الآية الكريمة السابقة والأحاديث الشريفة المذكورة فمن راجع الأحاديث الواردة عن أهل البيت وجدها أنها تنص
على ذلك، فمنها:
حديث الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) قال: أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين، وجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من غير علة بأذان واحد وإقامتين.
وعنه أيضاً(عليه السلام) قال: صلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة وصلى بهم المغرب والعشاء الآخرة قبل الشفق في غير علة في جماعة وإنما فعل رسول الله(صلى الله عليه وآله) ليتسع الوقت على أمته(1)، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.
كيف يصح الإتيان بصلاة الظهر في وقت العصر وصلاة المغرب في وقت العشاء وبالعكس في حين أن معنى الظهر غير معنى العصر ومعنى المغرب غير معنى العشاء. ولابد أن تكون الصلاة في وقتها فصلاة الظهر لا تكون إلا في وقتها، وصلاة العصر لا تكون إلا في وقت العصر وهكذا المغرب والعشاء.
نقول فى الجواب عن هذا السؤال أنه ينحل إلى أمرين:
الأول: أنه لا خلاف في وجوب الإتيان بالصلاة في وقتها ولكن الخلاف في هذا الوقت متى يكون ومتى يتحقق، فتارة نقول أن وقت صلاة الظهر من الزوال إلى ساعة، وتارة نقول إلى أربع ساعات وهذا يدخل في تحديد الوقت أما كون الصلاة لابد وأن تصلي في وقتها فهذا لا خلاف فيه.
1) راجع وسائل الشيعة للحر العاملي: 5 / 277.
الثاني: أن معنى الظهر هو وقت الزوال مأخوذ من ميل الشمس نحو المغرب في وسط النهار فالزوال إذا أخذ بالمعنى الحدث المصدري فهو لحظة الزوال وهي أهل من الثانية وإذا أخذ معنى الاسم المصدري فهو مستمر إلى ما قبل الغروب.
ولابد أن يكون المراد من الزوال: هو الوقت الذي بعد الزوال من دون تحديد لآخره النهاري سوى ما قبل الغروب كما أن تحديده ابتداءً بعد الزوال الحدث المصدري ونفس الكلام يجري في المغرب والعشاء.
علاوة على ذلك أنه ورد كما مر عليك التعليل بأنه حتى لا يشق على أمته أو حتى يوسع(صلى الله عليه وآله) الوقت على أمته. فالقضية يمكن أن تكون تعبدية وتسليم لما يريده الله سبحانه وتعالى وقد فعله نبيه محمد(صلى الله عليه وآله).
كيف نشأ الخلاف بين الصحابة وكيف يصح أن حملناهم على الصدق والإخلاص والتقوى والهداية؟
نقول: أن النبي(صلى الله عليه وآله) ملتزم بالمستحبات كالتزامه بالواجبات فلما كان يشتغل بالعبادة بين فرضي الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فبعض الصحابة يذهب لقضاء بعض شؤونه القريبة ويرجع إلى مسجد النبي(صلى الله عليه وآله) فتوهم البعض أن التفريق واجب في حين من كان ملتصقاً بالنبي(صلى الله عليه وآله) عرف إن الفصل إنما هو للنوافل فلو لم يأت بالنوافل كما في بعض الروايات فإنه يجمع بين الصلاتين، فأمثال ابن عباس وأنس بن مالك وأهل البيت(عليهم السلام) لما كانوا على مقربة قريبة من النبي(صلى الله عليه وآله) عرفوا معنى التفريق الصوري وأنه لأجل النوافل فقط. ولقد أدرك الدكتور وهبة الزحيلي في موسوعته ذلك فقال:
الحق جواز الجمع لثبوته بالسنة والسنة مصدر تشريعي كالقرآن(1).
1) الموسوعة الفقهية: 2 / 351.
ومن قرأ التاريخ بإمعان عرف أن المدينة المنورة صغيرة نسبياً فبناء المنزل يقتصر فيه على ما يكفي للمنام وإيواء الضيف ولا يوجد تلك المساحات الكبيرة في المنازل ومما يدل على صغر حجم المدينة المنورة آنذاك أن المسجد النبوي كان في وسط المدينة والبقيع كان خارج المدينة في حين أن البعد بين المسجد والبقيع بضعة أمتار لا يتجاوز الخمسمائة متر في أبعد التقادير.
كما إن المدينة تشكل دائرة نصف قطرها خمسمائة متر تقريباً، وهذا القدر من المساحة يمكن الوصول إليه في وقت قصير والنبي(صلى الله عليه وآله) يطيل في نوافله. كما أن من رأى بعض الآثار إلى وقت قريب يرى مدى صغر المنازل وتلاصقها.
قالت الحنفية: هو مسنون وليس بواجب والأفضل للرجل أن يضع باطن كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى تحت سرته وللمرأة أن تضع يديها على صدرها(1).
وقالت الشافعية: أما التكتف فليس بواجب ويسن للرجل والمرأة والأفضل وضع باطن يمناه على ظهر يسراه تحت الصدر وفوق السرة مما يلي الجانب الأيسر وتبعهم سفيان الثوري وداود الظاهري(2).
وقالت المالكية: أما التكتف فجائز ولكن يستحب إرسال اليدين في صلاة الفرض(3).
وقالت الحنابلة: أما التكتف فسنة للرجل والمرأة والأفضل أن يضع باطن
يمناه على ظاهر يسراه ويجعلهما تحت السرة(1).
وأما الإمامية: فقد وقع الخلاف بينهم في هذه المسألة على أقوال:
الأول: ذهب اكثرهم إلى ان التكتف في الصلاة مبطل لها لعدم الدليل على مشروعيته فيها.
الثاني: وذهب بعض منهم إلى أنه حرام فمن فعله يكون آثماً ولكن لا تبطل صلاته.
الثالث: هو مكروه وليس حرام.
حديث صحيح مسلم: وكان(صلى الله عليه وآله) يضع يده اليمنى على اليسرى.
وحديث أبو داود: وكان(صلى الله عليه وآله) يضع اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد.
وحديث النسائي: وكان(صلى الله عليه وآله) أحياناً يقبض باليمنى على اليسرى.
أما دليل الإمامية على عدم التكتف وبطلانه فحديث حريز عن رجل عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت له (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانحَر)(2)قال: النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه وقال: لا تكفر (أي لا تضع اليمنى على اليسرى) إنما يصنع ذلك المجوس(3).
وحديث محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) قال: قلت له الرجل يضع يده في الصلاة اليمنى على اليسرى فقال: ذلك التكفير (أي وضع اليمنى على اليسرى) لا تفعله(4).
وأيضاً أفعال الصلاة تحتاج إلى ثبوتها في الشرع وليس في الشرع ما يدل على كون ذلك مشروعاً وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك لأنه لا خلاف إن من أرسل يده فان صلاته ماضية.
والخلاف في التكتف للأحاديث المتقدمة المختلفة وأيضاً فتاوى رؤساء المذاهب الأربعة تدل على اختلافهم في موضوع التكتف. فالأرجح ارسال اليد في الصلاة لما نذكره في الأحاديث اللاحقة أيضاً.
الأول: ابن الزبير. عن يزيد بن ابراهيم قال: سمعت عمرو بن دينار قال: كان ابن الزبير إذا صلى يرسل يديه(1).
الثاني: ابن سيرين. عن ابن عليه عن ابن عون عن ابن سيرين أنه سئل عن الرجل يمسك يمينه بشماله قال: إنما فعل ذلك من أجل الدم(2).
الثالث: ابن المسيب. عن عمر بن هارون عن عبد الله بن يزيد قال: ما رأيت(3) ابن المسيب قابضاً يمينه في الصلاة كان يرسلها.
الرابع: سعيد بن جبير. عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن العيزار قال: كنت أطوف مع سعيد بن جبير فرأى رجلاً يصلي واضعاً إحدى يديه على الأخرى هذه على هذه وهذه على هذه فذهب ففرق بينهما ثم جاء(4).
وقد جاءت أحاديث ثابتة نقلت فيها صفة صلاته(صلى الله عليه وآله) ولم ينقل فيها أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى. والمصير إليها أولى لأنها أكثر ولكون هذه ليست مناسبة لأفعال الصلاة، وإنما جعلوها من باب الاستعانة ولذلك أجازها مالك في النفل ولم يجزها في الفرض كما مرّ عليك.
1) و 2 و 3 و 4 المصنف: 1 / 428.
وقد يظهر من أمرها أنها ليست من فعل النبي(صلى الله عليه وآله).
وقال ابن عبد البر: وضع اليمين على اليسرى أو إرسالها كل ذلك سنة في الصلاة(1).
وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال وهو الأشهر وعليه جميع أهل المغرب من أصحابه أو جمهورهم(2).
وقال ابن القيم بعد إيراد أحاديث وضع اليدين في الصلاة: فهذه الآثار قد ردّت برواية ابن القاسم عن مالك قال: تركه أحب إلىّ ولا أعلم شيئاً قد ردّت به سواه(3).
وحكى ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير والحسن البصري والنخعي أنه يرسل يديه ولا يضع إحداها على الأخرى وحكاه القاضي أبو طيب أيضاً عن ابن سيرين وقال الليث بن سعد يرسلهما فإن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليُسرى للاستراحة(4).
وقال ابن العربي المالكي المتوفي 345 هجرية في أحكام القرآن ما نصه: إن قلنا معنى قوله (وانحر) ضع يدك على نحرك فقد اختلف في ذلك علماؤنا على ثلاثة أقوال:
الأول: لا توضع في فريضة ولا نافلة لأن ذلك من باب الاعتماد ولا يجوز في الفرض ولا يستحب في النفل.
الثاني: أنه لا يضعهما في الفريضة ويضعهما في النفل استعانة لأنه موضع ترخص.
الثالث: يضعهما في الفريضة وفي النافلة وهو ما رواه مسلم عن وائل بن حجر أنه رأى النبي(صلى الله عليه وآله) يرفع يديه حين دخل الصلاة حيال أذنه ثم إلتحف بثوبه ثم وضع يديه اليمنى على اليسرى.
راجع: أحكام القرآن تفسير قوله تعالى: (فصل لربك وانحر).
أنه روى عن مالك ثلاث روايات:
الأولى: وهي المشهورة عنه أنّه يرسلها.
الثانية: يضع يديه تحت الصدر فوق السرة(1).
الثالثة: أنه خيّر بين الوضع والإرسال ذكره في عقد الجواهر أنه قول أصحاب مالك المدنيين وبه قال الأوزاعي وكان يقول: إنما أمروا بالاعتماد إشفاقاً عليهم لأنهم كانوا يطوّلون القيام فكان ينزل الدم إلى رؤوس أصابعهم فقيل لهم لو اعتمدتم لا حرج عليكم(2).
وقالوا: إن الوضع ينافي الخشوع لأن النبي(صلى الله عليه وآله) علّم المسىء صلاته الصلاة ولم يذكر وضع اليدين إحداهما على الأخرى. وقال النووي: لم يعلمه النبي(صلى الله عليه وآله) إلاّ الواجبات فقط(3).
فالمذاهب الأربعة ومن يتبعهم اختلفوا اختلافاً كبيراً في ذلك الحكم: منهم من قال: تحت السرّة وهو مذهب الأحناف كما حكاه صاحب الهداية، وكنز الدقائق، وتبيين الحقائق، والبحر الرائق.
ومنهم من قال: تحت الصدر فوق السرّة. وهو مذهب الشوافعة كما ذكر:
صاحب الوسيط، والبغوي في شرح السنة، والنووي في المجموع.
ومنهم من قال: فوق الصدر. وهو مذهب الحنابلة وبعض الشوافعة، كما رواه: ابن خذيمة، وأحمد بن حنبل.
عن ابن عباس قال: وضع اليمنى على الشمال في الصلاة عند النحر وفي سنده روح بن المسيب تكلموا فيه.
الصورة
ولد عام 1969م في قرية "مسمار" الواقعة شرق السودان، وترعرع في أسرة متواضعة، تتعبّد وفق المذهب المالكي.
كان أبوه إماماً وشيخاً للقرية وله مكانة خاصة عند سكانها، لأنّه كان من المقرّبين والمساعدين لمرشد الطريقة الختمية التي تعتبر من الطوائف الصوفية الكبرى في السودان.
توفي أبوه وهو في التاسعة من عمره، ثم انتقلت اسرته إلى منطقة "الكربة"، فأتم هناك دراسته الابتدائية، ثم انتقل إلى مدينة "بورتسودان" لظروف الدراسة والمعيشة.
يقول الأخ عبدالمنعم: "بدأت في بورتسودان مرحلة جديدة من حياتي بين صخب المدينة واجوائها التي تختلف تماماً عن القرية، درست المتوسطة والثانوية ولم يكن لي هم في هذه الفترة سوى إنهاء الدراسة الجامعية والتخرج والانطلاق في الحياة حتى استطيع مساعدة إخوتي في إعالة الاُسرة.
مضت السنوات سراعاً وأصبحت على أعتاب التخرج من الثانوية، امتحنت
للشهادة فأحرزت نتيجة تؤهلني لدخول جامعة القاهرة بالخرطوم التي أصبحت فيما بعد جامعة النيلين، واخترت كلية الحقوق، كان اهتمامي الاجتماعي يفوق اهتمامي الأكاديمي ووجدت نفسي في هذا الجانب حيث تعرفت على الكثيرين واستفدت من التجارب.
بعد ذلك أصبحت رئيساً للاتحاد العام للطلاب السودانيين بالولاية الشمالية، وكنت سعيداً بذلك لعلي أخدم الطلاب وأقدم شيئاً يكون ذخراً لي في آخرتي، خصوصاً وأن أغلب الناس باتوا يعيشون في غفلة والساعة تقترب ولا ندري متى يدركنا الموت حينها لن تنفعنا تقوى آبائنا إلاّ بمقدار ما استفدنا مما قدّموه لنا من نصح وإرشاد وتربية قويمة".
يضيف الأخ عبدالمنعم: "استقرّ بي المقام في العاصمة "الخرطوم" لأبدأ الدراسة الجامعية.. وفي أحد أحيائها حيث اخترت أن أسكن مع أقربائي كان يسكن أحد أبناء عمومتي وحيداً يكافح في الحياة بين الدراسة والعمل... كان متديناً يعيش حياة سعيدة رغم أنه لا يملك شيئاً من الوسائل المادية للسعادة وربما يختصر طعامه في اليوم بوجبة واحدة.
كنا نزوره باستمرار ـ لإعجابنا الكثير به وبخلقه وزهده ـ ونجلس معه ونحاوره في كثير من قضايا الدين والموت والآخرة، كان ينبوعاً من العلم، وحديثه معنا كان يخلق فينا روحاً إيمانية ودفعة معنوية مضاعفة وذلك لمواجهة الحياة والزهد في الدنيا... وكنا نعجب من تدينه الذي ينبع من إخلاص قلما تجده عند أحد خصوصاً في هذا الزمن الذي غلبت عليه المادية وأصبح الدين لعقاً على ألسنة الناس يحوطونه مادرّت معايشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون...
أحسسنا ونحن نتحدث إليه أننا نقف مع أحد أولئك الذين جاهدوا مع
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في بدر وأحد وحنين... تخرج الكلمة من قلبه فنشعر بها في أعماق وجداننا، كان كثير الصوم... دائم العبادة لله تعالى...أحياناً نبيت معه ليالي كاملة فنراه بالليل قائماً قانتاً يدعو الله ويتلو كتابه وفي الصباح يدعو الله بكلمات لم نسمع بها من قبل، كلمات يناجي بها ربنا عزّوجلّ هي بلا شك ليست لبشر عادي، لابد أنها من قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن عجباً لم نسمع بها من قبل، ولم نقرأها ضمن مناهجنا الدراسة ولا كتبنا الإسلامية.. فنضطر إلي سؤاله ما هذا الذي تقرؤه؟! فيجيبنا بأنه دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) فنوجم مبهوتين.
كثيراً ما كان يثير الحديث عن أهمية التدين والدين والبحث عن سبل النجاة قبل أن يأتي الأجل المحتوم، وهذا الحديث كان يثير فينا إحساساً بالمسؤولية يؤرقنا فكنا نتحاشى فتح الحوار معه من الأساس، إلى أن جاء يوم ابتدأنا معه حواراً صريحاً ـ بعد أن لاحت لنا في الأفق أشياء استغربناها ـ حول هذا الدين الذي يتعبد به إلى الله تعالى، وأول معلومة ثبتت لدينا أنه جعفري إمامي إثنا عشري "شيعي"!
وانطلقنا معه في حوارات قوية باعتبارنا متمسكين بمذهب أهل السنة والجماعة أو لا أقل (ذلك ما عليه آباؤنا ونحن على آثارهم سائرون).
وكان النقاش يمتد لساعات طويلة وكانت حجته قوية بيّنة مدعّمة بالأدلة والبراهين العقلية والنقلية، ولم يعتمد على طول حواره معنا على كتاب أو مصدر شيعي مما يعملون به، بل كان يرشدنا إلى مصادر أهل السنة والجماعة لنجد صدق ادعائه".
يقول الأخ عبدالمنعم: "رغم أن حديثه وأدلته وبعض الكتب التي قرأناها كانت تحدث فينا هزة داخلية إلاّ أننا كنا نكابر ولا نظهر له من ذلك شيئاً... وعندما نجتمع بعيداً عنه كنا نأسف لحاله ونصفه بأنه مسكين".
يضيف عبدالمنعم: "صادف ـ ذات يوم ـ أن ذهبت إلى دار ابن عمي لتحيته والتحدث معه في أمور عامة، فلفت انتباهي صوت خطيب ينبعث من جهاز التسجيل قائلا: وهذه الخطبة وردت في مصادر السنة والشيعة وقد ألقتها فاطمة الزهراء لتثبيت حقها في فدك، ثم بدأ الخطيب بصوت هادئ جميل في الخطبة فتدفق شعاع كلماتها إلى أعماق وجداني، تبيّن لي أن مثل هذه الكلمات لا تخرج من شخص عادي حتى ولو كان عالماً مفوهاً درس آلاف السنين، بل هي في حدّ ذاتها معجزة، كلمات بليغة.. عبارات رصينة، حجج دامغة وتعبير قوي... تركت نفسي لها، واستمعت إليها بكل كياني عندما بلغت خطبتها الكلمات التي بدأت بها هذا الفصل ـ راجع الفصل الرابع كتابه وقد ذكر شيئاً من خطبتها(عليها السلام) ـ لم أتمالك نفسي وزاد انهمار دموعي، وتعجبت من هذه الكلمات القوية الموجهة إلى خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)! ومما زاد في حيرتي أنها من ابنة رسول الله فماذا حدث ولماذا.. وكيف.. ومع من كان الحق؟!! وقبل كل هذا هل هذا الاختلاف حدث حقيقة؟ وفي الواقع لم أكن أعلم صدق هذه الخطبة ولكن اهتزت مشاعري حينها...
كانت الخطبة كالسهم نفذت إلى أعماقي، فتحت جرحاً لا أظنه يندمل بسهولة ويسر، غالبت دموعي وحاولت منعها من الانحدار ما استطعت!
ولكنها انهمرت وكأنها تصر على أن تغسل عار التاريخ في قلبي، فكان التصميم للرحيل عبر محطات التاريخ للتعرف على مأساة الأمة، وتلك كانت هي البداية لتحديد هوية السير والانتقال عبر فضاء المعتقدات والتاريخ والميل مع الدليل...
قرّرت مع أول دمعة نزلت من آماقي الخوض في غمار البحث بجدية، وكنت لا أريد في هذا المجال أن اسمع من أحد، بل كنت أريد بداية الخيط لانطلق.
ثم انتهى الشريط، كفكفت دموعي محاولا إخفاءها حتى لا يحس بها ابن عمي، لا أدري لماذا؟ ربما اعتزازاً بالنفس، ولكن هول المفاجأه جعلني أنهمر عليه بمجموعة من الأسئلة وما أردت جواباً، إنما هي محاولة للتنفيس وكان آخر أسئلتي: إذا كان ما جاء في بعض مقاطع الخطبة صحيحاً فهل كل ذلك من أجل فدك قطعة الأرض؟!
أجابني: عليك أولا أن تعرف من هي فاطمة، ثم تبدأ البحث بنفسك حتى لا أفرض عليك قناعتي، وأول مصدر تجد فيه بداية الخيط صحيح البخاري، وناولني الكتاب فكانت المفاجأة التي لم أتوقعها".
ويقول الأخ عبدالمنعم: دام حواري مع ابن عمي سنتين تقريباً، فاقام علينا الدليل والحجة بصحة ما هو عليه، فما كان منا في النهاية إلاّ التسليم بعد البحث والتنقيب وانكشاف الحقائق.
يصف الأخ عبدالمنعم الحالة التي انتابته حين تحوله واستبصاره قائلا:
"فجأة أحسست ببرودة تلفح وجهي وبرعدة تنتاب أوصالي في يوم حار من أيام فصل الصيف الذي يتميز به السودان، ورغم درجة الحرارة العالية في ذلك اليوم إلاّ أنني شعرت بأنها تدنت إلى ما دون الصفر.
برهة مرت ثم شعرت بدفء الحقيقة... وبنور ينكشف أمامي وبهالة قدسية تلفني، وإذا بالحجب التي أثقلت كاهلي قد انزاحت، ولمع برق الحقيقة أمام نظري، وإذا بي أبدأ أول خطواتي في الاتجاه الصحيح.
كانت أصعب لحظات العمر هي وقت اكتشاف عمق المأساة التي كنا نعيشها، والتي كانت نتاجاً طبيعياً للجهل المركب الذي كان يغشى عقولنا... خصوصاً وأن هذه المأساة كانت متمركزة في اعتقادنا وديننا.
أن يجد الإنسان نفسه مخطئاً في تقدير أمور حياته اليومية مثل لون الدراسة التي يجب أن يدرسها أو الوسيلة التي يجب أن يتنقل بها.. فليس في ذلك كثير أسىً وتندم... لكن أن يخطىء الطريق إلى الله سبحانه وتعالى... أن يسلك طريقاً غير الذي وصفه الله تعالى إلى الجنة، فهذا خطير بل جنون وتهور.
ذلك ما وجدت عليه ـ وللأسف ـ السواد الأعظم من المسلمين أثناء تجربتي هذه والتي لا أدعي أنها الأولى أو الأخيرة ولا حتى المتميزة... وهذا ما توصلت إليه بعد بحثي وتنقيبي بين ثنايا تراثنا الديني وتاريخنا الاسلامي".
صدر عام 1999م ـ 1420هـ. عن دار الخليج العربي في طبعته الثانية.
يقول المؤلف في المقدمة: "هذا الكتاب ما هو إلاّ اثارة لدفائن العقول وتحفيز الآخرين للبحث عن الحقيقة التي كادت أن تضيع بين مطرقة اقتفاء آثار الآباء والاجداد وسندان سياسة التجهيل التي مارسها "العلماء" في حق الابرياء... ان هنالك الكثير ما يزال على فطرته يريد الحق ولكن يلتبس عليه الأمر فيتمسك بما اعتقده من باطل، وتصبح جزءاً من كيانه يدافع عنها بتعصب مانعاً الحقيقة ان تتسرب الى عقله.
لقد منّ الله عليَّ بالهداية بفضله وادخلني برحمته إلى حيث نور الحق وشكراً لهذه النعمة يجب عليّ أن أبلغ للناس ما توصّلت إليه.
لذلك اسطر هذه المباحث واكتب هذا الكتاب إنه شعلة حق اخذتها من فاطمة الزهراء(عليها السلام) واقدمها لكل طالب حق، ولكل باحث عن الحقيقة".
ويحتوي هذا الكتاب على عدّة مواضيع منها: ضرورة البحث في التاريخ، الشيعة والتشيع، الإمامة والخلافة، الانقلاب وكربلاء امتداد للسقيفة.
فاطمة(عليها السلام) هي: الصدّيقة الشهيدة، وهي بنت الرسالة وأم أبيها الرسول الحنون، وزوج الولاية والدرع المحامي عنها، وهي أصل الإمامة وشجرتها الطيبة، حاولت الاصنام إطفاء نورها وطمس حقها، ولكن هيهات يأبى الله إلاّ أن يتم نورها الذي هو شعاع من نوره رغم كثافة الظلام، ومكر الأفواه الذي تزول منه الجبال، فكانت الزهراء التي تشع على التاريخ والأجيال جيلا بعد جيل، ولكن يلزم لمن يريد أن يتلمس طريق الفلاح ويرتقي مدارج الكمال، أن يبحث في كتب التاريخ عن هذا الشعاع الزاهر ليستضيء به وهو يسير الى الأمام، للوصول إلى مرحلة التشيع الحقيقي لأهل البيت(عليهم السلام) ليكون من الفائزين وهذا ما حاوله الكاتب في حياته العملية التي يعرض جوانب منها في هذا الكتاب، فقدم بين يدي الاهتداء بنور فاطمة(عليها السلام) بحثاً في التاريخ وبحثاً في التشيع، ثم أعشى بصره في النور الفاطمي الوهاج وتمثله في خيال البصيرة الفسيح فملأ منه ما بين الخافقين فقاده إلى أنوار ولاية علي(عليه السلام)، فبحث في الإمامة والخلافة فعرف أهل الحق وعرف أهل الباطل، ومن هناك عرف كربلاء الشهادة والبطولة التي وقفت في وجه أحفاد السقيفة واحابيلها، فاهتدى بالنور وسار في دائرته بين دعاء ووضوء وصلاة و... وأخيراً كانت خطبة فاطمة ـ كما كانت أولا ـ شعلة الحق.
يحاول البعض أن يغطّ رأسه في الرمال ويتجلبب بجلباب التقوى وعدم
إثارة الفتنة فيقول: لماذا يجب أن نبحث في التاريخ، وما الفائدة التي تجتنى من ذلك؟ وهل هي إلاّ أحداث قد مضت فلماذا ننبشها من جديد وخاصة في فترة زمنية حساسة كثرت فيها الخلافات والنزاعات كفترة ما بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله).
وهكذا يبررون لانفسهم أن يخالفوا ضرورة العقل بالاعتبار بأحداث الماضي لبناء الحاضر والمستقبل، وما تسالمت عليه الأمم بالاستفادة من التجارب في بناء حضاراتها، بل يخالفون القرآن الذي نقل كثيراً من قصص الماضين وحث على التفكّر فيها وأخذ العبرة منها(1).
وقد تطرّق القرآن إلى مسألة الاختلاف بعد الرسل فقال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـت وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَـتِ وَأَيَّدْنَـهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَـتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ )(2)، فهل كان القرآن هنا مثيراً للفتنة بذكره الخلاف بعد الأنبياء وأنّ بعضهم آمن وبعضهم كفر! وهل أنّه لم يحترم قدسية أصحاب الأنبياء فوصف بعضهم بالكفر؟
كلا بل نحن نجد العكس هو الصحيح! ففي قصة بلعم بن باعوراء الذي كان في زمن نبي الله موسى(عليه السلام) وقيل أنّه كان يعلم اسم الله الأعظم، وقد اتاه الله آياته بتعبير القرآن الكريم لكنه انسلخ منها فاغواه الشيطان وأخلد إلى الأرض فصار مثل الكلب الذي يلهث على كل حال(3)، فهل بعد هذا تقديس لأحد وإن كان صحابياً إذا ساءت عاقبته، أو قصة السامري الذي تعهده جبرئيل بالتربية في عهد فرعون الذي كان يذبح أطفال بني اسرائيل، فصار من العلماء حتى قال: (بَصُرْتُ
بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ى)(1)، لكن كانت عاقبته أن يضلّ بني اسرائيل بالعجل الخوّار المصنوع من الحلي(2)، فهل بعد هذا يقال أنّ من صاحَبَ النبيّ لا يمكن أن تخدش عدالته.
ولد التشيع مع ولادة الرسالة الاسلامية وانتشر في كل بلاد الاسلام، لكن السلطات الحاكمة على طول تاريخ المسلمين حاولت إطفاء جذوته وتشريد أتباعه خوفاً منها على سلطانها القائم على الجور واتباع الشهوات، فكان ان انحسر التشيع عن بعض البلاد أو تخفى في مظهر الصوفية في كثير من البلاد، ولكن لم يستطيع السلاطين أن يقتلعوا جذوره من ثقافة المسلمين، وكان وما زال حب آل البيت تخفق به كل القلوب المسلمة لربها.
وهكذا كان الأمر في السودان فنرى فرق صوفية كثيرة تلهج بذكر آل البيت، ونقرأ في التاريخ أنّ السودان كانوا من أنصار الدولة الفاطمية في مصر، وأنّ صلاح الدين قد أوقع فيهم مذبحة عظيمة لولائهم لهذه الدولة(3).
كما أنّه هناك قبائل كبيرة تنسب نفسها إلى أهل البيت(عليهم السلام) كالجعافرة والركابية والعبدلاب، ويتسمّى الكثير من أبناء السودان باسماء المعصومين من أهل البيت(عليهم السلام)، والثقافة الشعبية السودانية تفيض بمدائح أهل البيت(عليهم السلام) وتتحدّث عن فضائلهم وظلم الظالمين لهم.
وكنموذج نذكر هذه المقطوعة الشعرية للشاعر يوسف الهندي مؤسس الطريقة الهندية الصوفية في مدح أهل البيت(عليهم السلام):
سفن النجاة للملأ بشهادة النص الأتم هم النهى، هم البهى، هم التقى، أهل الشيم
هم الشفاعة في غد هم السقاية في الملم هم الهداية حاضرة والنور والقصد الأعم
الطاهرون من سوء أرجاس اللمم
فاطمة عميدة أهل البيت(عليهم السلام) أهل البلاغة والفصاحة، المدافعون عن دين الله بالبيان الساحر، والمواجهون للظالمين بكلام المعبر الذي ينفذ الى اعماق القلوب.
بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) كانت فاطمة(عليها السلام) أول من واجهت السلطان الجائر بكلمة الحق فهزت عرشه، خرجت في لمة من حفدتها في منظر عزيز يذكّر الناس بأبيها رسول الله(صلى الله عليه وآله)فنطقت بجواهر الكلام في شجاعة يعزّ مثيلها إلاّ من أمثالها، فكان كلامها نوراً ممتداً على طول الزمان، انطلق من مسجد النبيّ(صلى الله عليه وآله) ليهدي الأجيال تلو الأجيال وحتى زماننا الحاضر، حتى يصرّح الأخ عبدالمنعم ـ وأمثاله كثيرون ـ باهتدائه بنور فاطمة(عليها السلام).
طالبت بحقها باستدلال قوي لا يدع مجالا للهروب منه أمام الخصم إلاّ أن يكذب ويخترع حديثاً ما انزل الله به من سلطان، مخالف لصريح القرآن لا يقبله إلاّ اتباع السلاطين الضالين أو المضللين، فكان موقفها فيصلا بين الحق والباطل، وهكذا هي مواقف المعصومين وخاصة وهي البضعة الطاهرة التي يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها، وفضحت بذلك الخلافة الزائفة والإمامة المغتصبة.
ألح الرشيد الخليفة العباسي على الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام) في أخذ فدك.
قال له الإمام: ما آخذها إلاّ بحدودها.
قال الرشيد: وما حدودها؟
قال(عليه السلام): الحد الأول عدن، والحد الثاني سمرقند، والحدث الثالث افريقية، والحد الرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية.
فقال له الرشيد: فلم يبق لنا شيء فتحول في مجلسي.
فقال الإمام: قد أعلمتك أني إن حددتها لم تردَّها.
ومن هذا النص يتبين أنّ فدك هي رمز للخلافة الإسلامية، وأنّ مطالبة الزهراء(عليها السلام) بها ـ وإن كانت بحق مشروع لها ـ هو طريق للوصول الى الهدف الأكبر وهو تثبيت حق الإمام عليّ(عليه السلام) أمير المؤمنين في الولاية وفضح باطل الخليفة المغتصب لتتم الحجة على المسلمين وليحيي من حيّ عن بينة ويموت من مات عن بينة، فهذا هو دور المعصومين وإذا كانوا يطالبون بالخلافة ـ وهي حقهم المنصوص عليه ـ فانهم يطالبون بها وفق الموازين الأخلاقية ولا يجبرون الناس عليها لأن ولايتهم على الناس قائمة على المحبة والصداقة لا على الحيلة والعنف والاكراه كما فعل غيرهم ممن تسموا بخلفاء الرسول(صلى الله عليه وآله) زوراً وبهتاناً.
بعد وفاة الرسول واجتماع السقيفة الذي أفضى الى مبايعة أبي بكر، توترت الأجواء في المدينة وصار شبح التصفية يطارد أهل البيت(عليهم السلام)، وفاطمة رمز قداسة هذا البيت لا يبعد أن يصيبها وابلٌ من غضب أصحاب السقيفة، وهذا ما جرى
للأسف الشديد فهم اقتحموا الدار وفيه فاطمة، وأحرقوا الباب وخلفة فاطمة، وأسقطوا المحسن الجنين في بطن فاطمة.
واعترف أبو بكر بأنّ الدار قد تمّ اقتحامها بأمره، ويعتبرها أحدث أفعاله التي تمنى لو أنه لم يقم بها، حيث يقول في مرض موته: "إني لا آسى على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهن وددن أني تركتهن وثلاث تركتهن وثلاث تركتهن وددت أني فعلتهن وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله، فأما الثلاث اللاتي وددت أني تركتهن فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلقوه على حرب..."(1).
وفي قول آخر: "... وليتني لم افتش بيت فاطمة بنت رسول الله وادخله الرجال ولو كان اغلق على حرب"(2).
فهو يعترف هنا بانه لو لم "أكشف" ولم "افتش" بيت فاطمة(عليها السلام)، ولم "ادخله الرجال"، وهذه كلمات تدل على عنف ما جرى وانه حصل بالقهر لآل البيت(عليهم السلام)ما حصل.
وأما عمر "فجاء فناداهم وهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده: لتخرجن أو لاحرقنها على من فيها فقيل له يا أبا حفص: إن فيها فاطمة؟ قال: وإن!!"(3).
و"استقبلتهم الزهراء(عليها السلام) من وراء الباب صارخة إلى أين يابن الخطاب؟ اجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم!!"(4).
وقال إبراهيم بن سيار بن هاني النظام المعتزلي: "إنّ عمر ضرب بطن فاطمة
حتى ألقت الجنين من بطنها وكان يصيح احرقوا دارها بمن فيها"(1).
وقال محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ عن أحمد بن محمد بن السري بن يحيى: حضرته ورجل يقرأ عليه: "إنّ عمر رفس فاطمة حتى اسقطت بمحسن"(2).
وهكذا إذن توجوا أعمالهم الاجرامية بقتل المحسن فقطعوا نسل السادة المحسنية ناهيك عما جرى على فاطمة نفسها مما أدّى الى وفاتها فيما بعد وهي في عمر الزهور.
بقيت الزهراء حزينة منكسرة في بيتها تبكي وتشكو همها إلى الله عزّوجلّ وتنتظر يومها الموعود، فقد اخبرها المصطفى بأنها أول أهل بيته لحوقاً به، فظلت تبكي وتبكي إلى أن جاء "شيوخ" أهل المدينة يظهرون لعليّ(عليه السلام) انزعاجهم وتأذيهم من بكاء فاطمة، فبنى لها أمير المؤمنين علي(عليه السلام) بيتاً خارج المدينة سمي "بيت الأحزان" وهناك واصلت مأساتها.
ويوماً فيوماً راحت تذبل تلك الزهرة اليانعة، وأخذ المرض منها مأخذاً، يقول الإمام الصادق(عليه السلام): (فأسقطت محسناً ومرضت من ذلك مرضاً شديداً وكان ذلك هو السبب في وفاتها).. كيف لا يكون كذلك وهي ابنة ثمانية عشر عاماً.
وجاء في وصيتها للإمام عليّ(عليه السلام): ".. وصلِّ عليَّ وليصلِّ معك الادنى فالادنى من أهل بيتي وادفني ليلا لا نهاراً إذا هدأت العيون ونامت الأبصار، وسراً لا جهاراً وعَفِّ موضع قبري ولا تشهد جنازتي أحداً ممن ظلمني).
وهكذا واصلت الزهراء(عليها السلام) الجهاد بعد الموت، فكانت وصيتها الاعلان
الأخير لموقفها الصامد والذي استمر من وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) وحتى أيام مرضها، وارادت له أن يبقى الى ما شاء الله... صرخة مدوية عبر التاريخ فالى الآن لا يعلم أين قبر فاطمة بالضبط فيأتي التساؤل تلو التساؤل لماذا؟ كيف؟ وماذا حدث؟ و... و...
واُسدل الستار عن أول محطة سقطت فيها الأمة في امتحانها، وغادرت الزهراء(عليها السلام) مشتاقة للقاء أبيها، ذهبت وهي تحمل جراحات مثخنة وآلاماً عظاماً.. وتركت لنا أعلام هداية ومنارات فرقان..
ويقول الأخ عبدالمنعم هنا: "ورغم أنني تجرعت كأس ألمها إلاّ أنّه بالنسبة لي كان ممزوجاً بالحلاوة شربت منه فاشرقت لي فاطمة بنورها فكانت الدليل إلى الصرط المستقيم. وما أعظم شأنها. حقاً أنّها فاطمة بنت محمد زوج عليّ".
اتى علماء أهل السنة بنظرية الشورى لتبرير الواقع التاريخي الذي جرى بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وإلاّ فان الشيخين لم يحتجّا بالشورى في السقيفة، وعيّن أبو بكر عمر خليفة، وهي غير واضحة المعالم عندهم، فهل تكفي بيعة شخص واحد أم أنها لا تنعقد إلاّ بأهل الحل والعقد؟ وهؤلاء من هم ومن الذي يعينهم؟
واستدلوا بآيتين ذكرت الشورى وهي اجنبية عن المقام ولا يمكن تثبيت الشورى المزعومة بهما.
الأولى: (وَشَاوِرْهُمْ فِى الاَْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)(1)، التي تشير إلى أن هناك حاكماً قد استقرت حكومته وتوجهه لمشاورة الرعية والأخذ بالنافع بعد تحميص الآراء والأفكار ثم يعزم هو على ما ارتآه بعد المشاورة متوكّلا على
1) آل عمران: 159.
الله، وتبيّن أن بدون الحاكم لا وجود للشورى لأنّها تحتاج إليه ليكون قيماً عليها، وعليه فهي تدلّ على أصل الشورى في مسألة الخلافة.
الثانية: (وَ الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَ أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)(1)، التي تشير إلى أنّ: من صفات المؤمنين التشاور في أمورهم التي تخصّهم، أما كون تعيين الإمام داخلا في أمورهم فهو أول الكلام، ولا تدل الآية عليه وهي عامة ولابدّ من الرجوع إلى الآية السابقة لتحديد تفصيلات الشورى، فالآية الثانية تتحدّث عن صفات المؤمنين والرسول أحدهم بل أكملهم واتقاهم وهو ولي الأمر المستقر له الوضع، وبعد وفاة الرسول إذا كان هناك ولي أمر فلا داعي للشورى لتنصيبه، وإذا لم يكن فالشورى تحتاج الى ولي أمر لكي تكون شرعية وبدونه لا تكون الشورى شرعية ولا تلزم أحد من المسلمين.
وأما التعيين فتدل عليه ضرورة العقل والوجدان، فهل من المعقول أن يترك الرسول أمر الخلافة ويدع الاُمة بدون راع تركن إليه وهو الذي وضح كل شيء حتى أحكام التخلي.
إضافة إلى آيات كثيرة كآيات الاصطفاء التي تدل على التعيين الالهي، والروايات المتواترة التي تدل على ولاية عليّ بن أبي طالب وخلافته كرواية الغدير وحديث الثقلين وحديث المنزلة وحديث الدار و...
ثم إنّ التعيين أمر تنبه له أبو بكر عندما نصب عمر ـ في كتاب وصيته ـ خليفة من بعده وأمر الناس بالسمع والطاعة له، وقد نفذ عمر هذه الوصية بحرص زائد في حين أنه كان المعترض الأول على الرسول(صلى الله عليه وآله) عندما أراد كتابة وصيته وهو مريض وقال (انه يهجر).
1) الشورى: 38.
ما جرى في كربلاء من أحداث مفجعة واعتداء على الحسين(عليه السلام) وآل الرسول(عليهم السلام) من قبل آل اُميه، ما كان ليحدث لولا ان أساس الظلم قد بدأ في السقيفة وما جرى بعدها من اعتداء على بيت فاطمة(عليها السلام).
فالحاكم الأموي يزيد امتدادٌ لأبيه الذي اكتسب شرعيته وملكه من الخليفة الثاني عمر بن الخطاب الذي اشتهر بقساوته ومساءلته للولاة فيما عدا معاوية (كسرى العرب) كما يقول عنه عمر لما عرف به من حبه للبذخ والترف واهتمامه بالمظاهر، وهكذا كان معاوية في وضع مريح جعله يمتلك امبراطورية مسلحة بالشام ادخرت لنصرة الباطل فظهرت في صفين ضد عليّ بن أبي طالب وفي النهاية اصبحت مقراً لحكم بني أمية.
أهل البيت(عليهم السلام) هم أحد الثقلين وكلماتهم نور كما هي كلمات القرآن فهم معصومون ولا ينطقون عن الهوى، تجد عندهم ما لا تجده عند غيرهم، ومنهجهم في تربية الأمة وتوجييها يجعلك تحس بمعنى خلافة الله في الأرض، ولم يشهد التاريخ بانهم تعلموا على يدي أحد بل الكل يرجع إليهم ويغرف من معينهم.
ولا يمكننا استعراض بحار علومهم التي أخذ منها شيعتهم فكان تفوقهم على من سواهم في جميع المجالات، وموسوعة واحدة من مصادرهم الحديثية تكفي لتلتهم كل ما عند أهل السنة والجماعة، وبحار الأنوار بمجلداته العشرة بعد المائة دلتنا على ذلك وحقاً إنه بحار من أنوار العلم.
ولأهل البيت(عليهم السلام) تراث عظيم لم تستفد منه كل قطاعات الأمة، وإحدى
معاجزهم التي بهرت الكاتب هو ذلك المنهج في الدعاء وكيفية التقرب إلى الله تعالى والأدب الرفيع في مخاطبة الرب سبحانه، فذكر الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين كمثال على محرومية أهل السنة من كنوز أهل البيت(عليهم السلام).
وفي ظل أمواج الفتن ما احوج الانسان إلى أن يجد سفينة النجاة لتأخذ به الى بر الأمان، وما احوجه الى التعرف على المعتقد السليم الذي من خلاله يستطيع أن يعيش واقع حياته اليومية باطمئنان حتى يلقى الله وقد وفى بعهده وميثاقه.
الصورة
ولد عام 1968م في اليمن بمدينة "اب" قرية "الصبار"، نشأ في أسرة سنّية ومتأثره بالتيار السلفي الوهابي(1)
"... ثانياً: قال ضيف البرنامج (عبدالسلام المغربي) يوم أمس عن عصام العماد بأنه زيدي، وقال ما نصّه: (في الانترنت، الموقع الذي يهتمّ بالمستبصرين، ينصّ على أنّه زيدي، ومن أسرة زيدية، وأخوه الزيدي إنّما ترفّض بسبب مناقشته).
وبما أنه يقصد من الموقع الذي يهتمّ بالمستبصرين موقع (مركز الأبحاث العقائدية)، تطلّب الأمر أن ننبهكم إلى أن موقع المركز لم يذكر ترجمة لعصام العماد في موقعه [كان ذلك فيما سبق أثناء المناظرة، وفيما بعد المناظرة نظّم المركز موقعاً مختصاً بالدكتور عصام العماد فيه ترجمة مفصّلة عنه]، وإنّما ذكر له عدّة محاضرات حول رحلته من الوهابية إلى الاثني عشرية، ومسائل عقائدية، وردود ومناظرات، ولم يردّ في واحدة منها أنه كان زيدياً.
نعم، ورد في ترجمة حسن العماد (أخ عصام) أنه نشأ في عائلة زيدية المذهب، ولكن نفس حسن العماد في محاضرته يقول:
(تركت نظري إلى المذهب السني...).
إلى أن يقول:
(هذا أكبر دافع، يعني ترك المذهب السنّي الأول، وبعد المذهب الزيدي بقيت فيه حتّى أتيت قم).
فالمركز ذكر انتقاله من آخر مذهب، وهو الزيدي، إلى المذهب الإمامي الاثني عشري.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أنّ أصول أُسرة العماد زيدية، ولكنهم لمّا سكنوا في منطقة (الصبار) ـ التي هي معقل من معاقل الوهابية في اليمن ـ تأثروا بالفكر السني عموماً والفكر الوهابي خصوصاً، حتّى أصبح من أُسرة العماد قيادات كبيرة في الحركة الوهابية في اليمن، وفي مقدّمتهم رئيس الكتلة البرلمانية الوهابية في مجلس الشورى اليمني عبدالرحمن العماد (عم عصام العماد)، الذي أولى اهتماماً كبيراً لعصام منذ طفولته، حتّى أنه أرسله إلى معهد صنعاء العلمي الذي يعدّ أكبر معهد للوهابيين في اليمن، فدرس عصام فيه من السنة الابتدائية الأولى إلى أن تخرّج منه عام 1987م، ثمّ أرسله عمه عبدالرحمن إلى السعودية للدراسة في جامعة الامام محمد بن سعود (قسم الحديث) في الرياض في عام 1988م.
وبعد هذا كلّه، فلا ريب في كون عصام كان وهابياً ثمّ انتقل إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، حتّى أنّه ألّف كتابه (رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية)...
ونرفق لكم مع هذه الرسالة وثيقة تخرّج عصام العماد من المعهد المشار إليه، وهي مصدّقة من وزارة الخارجية اليمنية...".
، واصل دراسته الأكاديمية حتّى حصل على1) وجّه مركز الأبحاث العقائدية رسالة إلى قناة المستقلّة بتاريخ 25/11/2002م، وذلك عندما أثير فيها شبهة تشير إلى أنّ الدكتور عصام العماد كان زيدياً، ولم يكن وهابياً، جاء في الرسالة:
شهادة الليسانس في قسم الدراسات الإسلامية ثم حصل على درجة الماجستير، وبعدها على شهادة الدكتوراه في علوم القرآن والحديث.
وفي مجال اهتمام الدكتور عصام بالدراسة الدينيّة فإنه إلى جنب دراسته الأكاديمية درس المذهب الوهابي في المعاهد الدينيّة منها (معهد صنعاء العلمي) وهو أكبر معهد وهابي في اليمن، وأخذ الثانوية ـ القسم الشرعي ـ من هذا المعهد، كما انّه حفظ عشرة أجزاء من القرآن، ثمّ درس عند علماء اليمن في المساجد، وحضر دروس بعض الشخصيات العلمية البارزة في صنعاء منهم العلاّمة العمراني في جامع الزبيري في صنعاء، ثم قام بتدريس الفقه السلفي، فدرّس كتاب فقه السنة في جامع الأسطى، كما أنه مارس الخطابة في مساجد صنعاء، فتولّى خطبة الجمعة في جامع الأسطى وتارة في جامع باب القاع. كما أنه سافر إلى السعودية والتحق بكلية اصول الدين ـ قسم الحديث ـ في جامعة الإمام محمد بن سعود وبقى في السعودية أكثر من سنة، حضر خلالها بعض الدروس عند مفتي المملكة ابن باز.
كان المصدر الوحيد لمعرفة الدكتور عصام بمذهب التشيع هو كُتب إحسان الهي ظهير وكُتب محمد مال الله، وكتاب محبّ الدين الخطيب، فلهذا تبادرت في ذهنه صورة قبيحة عن هذا المذهب، ومن خلال تراكم هذه الصور المشوهة امتلأ قلبه بالحقد والكراهية أزاء الشيعة والتشيع.
وشبّ الدكتور عصام على هذا المنوال بحيث أدى به هذا النفور من التشيع إلى الانزعاج المطلق منهم ومن كل أمر له صله بهم، فدفعه ذلك لتأليف كتاب ضد الشيعة تحت عنوان: "الصله بين الشيعة والغلو"(1).
كانت أوّل حادثة دعت الدكتور عصام لتجديد النظر في رؤيته وتقييمه للكيان الشيعي هي أنّه حصل على كتاب (الإمام الصادق) لمؤلفه محمد أبي زهرة، فكان هذا الكتاب أوّل كتاب أتاح للدكتور عصام فرصة النظر من زاوية أخرى إلى الشيعة.
ويقول الدكتور عصام حول هذا الكتاب: "إنّ هذا الكتاب ـ وإن كان يحتوي على نقد للمذهب الجعفري ـ لكنّه كان يمتاز بإسلوب موضوعي في مناقشة مباني وعقائد الشيعة وكان إسلوبه يختلف عن منهج إحسان إلهي ظهير وغيره من الذين تطفح كتاباتهم بالأساليب غير الموضوعية والفاقدة للاتزان".
ومن هذا المنطلق قرّر الدكتور عصام أن يتّبع منهج أبي زهرة في دراسته للتشيع، فتوجّه إلى البحث بأسلوب غير متعصّب حتى عثر على مجلة "رسالة الإسلام" وهي مجلة مصرية قديمة، فوجد فيها أبحاثاً تتطرق حول موضوع التشيع.
1) لم يقم المؤلف بطبعه، بل بادر إلى اتلافه بعد اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام).
يقول الدكتور عصام: "كانت أكبر صدمة لي حين بحثي حول التشيّع هي قراءتي لفتوى الإمام الشيخ محمود شلتوت المشهورة والتي ذكر فيها أنّ الشيعة مسلمون، وأنّ المذهب الاثنى عشري هو المذهب الخامس في الاسلام".
فاستغرب الدكتور عصام من هذه الفتوى، ثم قرّر أن يعمّق دراسته للمذهب الشيعي، ليتعرّف على الأسباب التي دعت الشيخ شلتوت لهذا القول بالنسبة إلى هذا المذهب.
وكان الدكتور عصام أنذاك عام 1988م في جامعة الإمام محمّد بن سعود إلاّ أنّه كان يتردد على جامعة الملك سعود لقربها من محل سكنه في "الدرية" وكان آنذاك يطالع في جامعة الملك سعود، وكانت مكتبة الجامعة تمتلك قسماً خاصاً يتعلق بجماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وكان في هذا القسم حقلا من الكتب حول الشيعة الجعفرية، فبادر الدكتور عصام إلى مطالعة هذه الكتب، لكنه بمرور الزمان وجدها لا تفي له بالغرض الذي يبتغيه، لأنها تعتمد على أساليب سطحيّة في دراسة الفكر الشيعي وتتّسم بالنظرة الجزئية إلى الكيان الشيعي وتلتجىء إلى أساليب غايتها تشويه صورة التشيّع، واستنتج بالتدريج بأنّ بعض علماء أهل السنة قد التبس عليهم الأمر في تقييمهم للتشيع وأنّهم وقعوا ضحية الخلط بين الشيعة والغلاة، ولم يفرّقوا بين التشيع والغلو.
اكتشف الدكتور عصام أنّ علماء الجرح والتعديل لم يتعاملوا مع الإمام علي(عليه السلام)بنفس الصورة التي تعاملوا مع غيره من الصحابة، ثم رأى في كتابات
كثيرة وجود تحيّز خاص بالنسبة إلى الصحابة، وهو غير موجود حينما يتم التطرّق إلى شخصية الإمام علي(عليه السلام)، فرأى الامام علي مظلوماً بحيث لم يدافع عنه الكثير من الكتّاب والمؤلفين خشية أن يُتهموا بالتشيع.
فبحث الدكتور عصام هذه الظاهرة، ثمّ بدأ ينبش في التاريخ ليصل إلى دليل هذا الأمر، فرأى جذوره في دولة بني أمية، ورأى أن معظم العلماء قد وقعوا في الفخ الذي حفره لهم بنو أمية، وأن الكثير من المفكرين ساروا على النهج الذي رسمه بنو أمية واتبعوا سيرتهم في تعاملهم مع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).
ومن هنا اطّلع الدكتور عصام على المؤامرة التي حيكت لتنحية أهل البيت(عليهم السلام)عن الساحة، وإبعاد الأمّة عن حديث الثقلين الذي ورد بصيغة كتاب الله وأهل بيتي وهكذا إبعادهم عن حديث الاثنى عشر وغير ذلك.
وكان من أبرز الشواهد التي لامسها الدكتور عصام في هذا التحيّز أنّه لاحظ حين اصغائه لدرس العالم الوهابي "محمد بن اسماعيل العمراني" الذي كان يحضر عنده لتلقي العلوم الاسلامية، أنّه كان يذكر أقوال عشرات الفقهاء حول المسألة الفقهيّة التي يتطرّق إليها، ويورد أسماء عشرات الأئمة والحفاظ والعلماء على مدى جميع القرون ثم يقول في الأخير: وقيل أن بعض أهل البيت قالوا كذا وكذا، فكان غالبية الحاضرين يعترضون عليه اعتراضاً شديداً حينما يذكر رأي بعض أهل البيت(عليهم السلام) ولا يطيقون استماع هذه المقولة بأنّ لأهل البيت رأياً في المسائل الفقهية.
فشعر الدكتور عصام كأنّ العصر الأموي لا يزال مهيمناً على دفة الحكم، وأنّه يحكم بثقافته المعادية لأهل البيت(عليهم السلام).
فبدأ الدكتور عصام يتساءل في نفسه: لماذا نسمع ونصغي لرأي جميع الأئمة والعلماء، ولكننا لا نطيق الاستماع إلى ذكر أهل البيت(عليهم السلام).
وهكذا بدأت التساؤلات تزداد يوماً بعد يوم في سريرة الدكتور عصام حتى تحوّلت إلى قوة هائلة دفعته للبحث المعمق حول مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).
حينما وجد الدكتور عصام بغيته في مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لم يتحمّل البقاء في انتمائه السابق، وكان أنذاك في جامعة الامام محمد بن سعود، فغيّر انتماءه العقائدي، واعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ثم قرّر بعدها مغادرة الجامعة والهجرة إلى الأرض التي تعينه على تعميق الصلة بالعقيدة التي فرضت نفسها عليه بالأدلة والبراهين، فعاد إلى بلده اليمن، ثم سافر إلى سوريا والتحق بالحوزة العلمية في دمشق بالسيدة زينب، فبقي فيها فترة وجيزة، ثمّ سافر إلى إيران عام 1990م والتحق بالحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة، ودرس فيها المقدمات والسطوح إلى أن وصل إلى البحث الخارج في الحوزة العلمية، وهو يعتبر أقدم طالب وفد إلى إيران لطلب العلم.
ثم بادر الدكتور عصام بعد بلوغه المرتبة المطلوبة في العلم إلى القيام بعملية التبليغ، فمارس عملية تدريس علوم أهل البيت(عليهم السلام) في أوساط الحوزة العلمية وباشر التأليف والكتابة، كما أنّه تصدى لمناظرة أهل السنة والحوار معهم من أجل أن يبيّن لهم الحقائق التي توصّل إليها خلال البحث، ومن جملة هذه المناظرات هي مناظرته مع الشيخ عثمان الخميس التي سيتم الإشارة إليها لاحقاً.
سيصدر عن مركز الأبحاث العقائدية، ضمن "سلسلة الرحلة إلى الثقلين".
الناشر: مؤسسة الكوثر للمعارف الاسلامية، الطبعة الأولى 1422هـ.
يتضمن هذا الكتاب عدة مواضيع منها: كيف نعرض المذهب الاثنى عشري للوهابيين، مشكلة الخلط عند الوهابية، موقف الاثنى عشرية من التصورات الوثنية للغلاة.
"يعرض المؤلف حقيقة كتابه بالقول:
إنّ هذا الكتاب هو محاولة لمعالجة بعض سلبيات الحوار بين الاثنى عشرية وبين الوهابية، من خلال تجربتي في الحوار مع الوهابية لفترة دامت أكثر من اثنى عشر عاماً، ومنْ خلال انتمائي السابق للوهابية، فقد درست عند كبار علماء الوهابية في اليمن، ثُمّ ذهبت للدراسة في المملكة السعودية. وكنت من أشدّ الوهابيين تعصّباً، حتى إنني كتبتُ كتاباً في تكفير الاثنى عشرية سمّيته (الصلة بين الاثني عشرية وفرق الغلاة)، وبعد أن تركت الوهابية وانتقلتُ إلى الاثنى عشرية كتب كتاباً تحت عنوان (حقائق المذهب الاثنى عشري وخصائصه أو رحلتي من الوهابية إلى الاثنى عشرية). ومن ثَمَّ فأنا عندما أتحدَّث عن كيفية الحوار مع الوهابيين، إنّما أتحدث عن كيفية الحوار مع جماعة كنت من أكثر الناس تعصّباً لها، وبالتالي فأنا أعرفُ الطريقة المثلى في الحوار مع الوهابيين".
لابد من الإشارة إلى قضية هامة في منتهى الأهمية وهي: أنّ الحوار مع الوهابيين لا بد أن ينحصر في أمرين ضروريين ويضاف لهما أمر ثالث:
الأمر الأول: لابد من إقناع الوهابي الذي نحاوره أن يكون الحوار في آية واحدة من القرآن أو في رواية واحدة لا في موضوع واحد، بل لابد من اقناعه أن يكون الحوار في نقطة واحدة من آية واحدة أو رواية واحدة من موضوع واحد; لأنّ العقل الوهابي لا يمكن أنْ يستوعب حقيقة المذهب الاثنى عشري إلاّ إذا بحثنا معه بالتدرج البطيء; من آية إلى آية ومن رواية إلى رواية. ولابدّ قبل بداية الحوار مع الوهابيين أن نبين لهم أهمية الالتزام بذلك.
إنّ الحوار بهذه الصورة هو حوارٌ ذو منهجية علمية; ففي العالم كلِّه نجد أنّ الجامعات ترفض البحث عن قضية كلية، بل تطالب بالبحث عن جزء صغير من قضية كلية; لأنّ فائدة البحث تكون قوية إذا انحصرت في جزئية صغيرة. أما إذا بحثنا مع الوهابيين بصورة عامة فلا يمكن أن يدركوا حقائق وخصائص المذهب الاثنى عشري.
والأمر الثاني: من الخطأ الكبير أن تحاور الوهابيين في غير حديث الثقلين: لأنك إذا حاورته في غير حديث الثقلين من فضائل الإمام علي الأُخرى فسوف يقول لك: وردت الفضائل في غيره ـ أيضاً ـ.
ومن هنا لابدّ أن نبين للعقل الوهابي أنّ ورود الفضائل في غير الإمام عليّ من الصحابة لا يعني التمسك بهم والأخذ بأقوالهم وأفعالهم، بينما حديث الثقلين دلّ على وجوب التمسك بالإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ. وقد ذكره الإمام مسلم في باب (ما ورد عن النبي في الإمام علي).
وإذا طلب الوهابي أن يكون الحوار من خلال القرآن، فلابد أن تبدأ معه بآية التطهير، لا بآية الولاية أو غيرها; لأسباب علمية كثيرة.
وأهم هذه الأسباب أن هنالك ارتباطاً وثيقاً بين آية التطهير وبين
حديث الثقلين، فلا يوجد أحد من أهل السنّة ذكر آية التطهير وحديث الكساء إلاّ وذكر معهما حديث الثقلين ولا يوجد أحد من المسلمين يجهل العلاقة الوثيقة بين حديث الكساء وبين حديث الثقلين، والبحث في آية التطهير سوف يجرّنا إلى البحث في حديث الكساء وإلى البحث في حديث الثقلين.
والأمر الثالث: لابد أن يكون الحوار مع الوهابيين حول دور بني أمية في الفصل بين أهل السنة وأهل البيت.
ولابدّ من ترك الحوار في القضايا التي يثيرها الوهابيون من أجل صرف الناس عن مذهب أهل البيت، مثل: أُسطورة وجود قرآن آخر للاثني عشرية وغيرها من الأساطير التي نسبوها لمذهب أهل البيت، وباعدوا بسببها بين الناس وبين مذهب أهل البيت.
والذي جعلني أرى أن يكون ابتداء الحوار مع الوهابيين حول حديث الثقلين أنني رأيت ـ ومن خلال دراسة استقرائية شاملة ـ أنّ حديث الثقلين هو السبب الرئيسي في انتقال الكثير من الوهابية ومن أهل السنّة إلى المذهب الاثني عشري.
ومن هنا لابد أن يكون الحوار معهم قبل كلِّ شيء حول حديث الثقلين، وأي حوار معهم لا يبدأ بحديث الثقلين لن يكون مثمراً ولن ينقلهم إلى مذهب أهل البيت، مع أننا لا نهدف من الحوار مع الوهابيين إلاّ نقلهم إلى مذهب أهل البيت، أو التقريب بينهم وبين الاثني عشرية. ولا شكّ أنّ الكثير من الوهابيين يريدون معرفة الحق، ولو عرفوا الحق لاتبعوه.
وأذكر أمراً هاماً وضرورياً لابدّ من طرحه على الوهابيين قبل بدء الحوار معهم حول حديث الثقلين أو غيره، وهو: إنه لابدّ للوهابي أن يعلن قبل
بدء الحوار مع الاثني عشري أنه يلتزم بما قاله أهل السنّة من أن الاثني عشرية من الفرق الإسلامية، وأن يبين له أنّ الحوار بين الوهابية وبين الاثني عشرية هو حوار بين فرقتين من فرق الإسلام. وإذا أصرّ على تكفير الاثني عشرية، فلابدّ أن نبيّن له أنه خرج عن منهج أهل السنّة في التعامل مع الاثني عشرية، وفي التعامل مع المذاهب الأربعة عند أهل السنّة. وإذا أصرّ الوهابي ـ أيضاً ـ على تكفير الاثني عشرية، فلا يصح له أن يحاور الاثني عشرية في حديث الثقلين أو في غيره.
ولابدّ من الإشارة إلى قضية هامة ترتبط بالحوار حول قضية الصحابة: حيثُ إنني أرى من الخطأ طرح قضية الصحابة قبل طرح حديث الثقلين; لأن قضية الصحابة إنّما طُرحت بسبب مخالفة حديث الثقلين، بل إنّني أعتقد أن الحوار حول أي شبهة من الشبهات التي اُثيرت ضد مذهب أهل البيت لا يصح إلاّ بعد طرح حديث الثقلين على مائدة الحوار، لأنّ كل الشبهات التي أثيرت ضد مذهب أهل البيت إنّما تولّدت كنتيجة حتمية لإعراض بعض المسلمين عن حديث الثقلين. وحين ننتهي من البحث مع الوهابيين حول حديث الثقلين حينئذ نشرع في البحث معهم حول حديث الكساء، ثم نبحث بعد ذلك معهم حديث الاثنى عشر.
وهذه الأحاديث الثلاثة (حديث الثقلين + حديث الكساء + حديث الاثني عشر) هي السبب الرئيسي في تحول الكثير من الوهابيين وأهل السنّة إلى الاثني عشرية، فلابدّ أن يدور الحوار في البداية حول هذه الأحاديث الثلاثة قبل الحوار مع الوهابيين حول الشبهات; التي أثارها خصوم مذهب أهل البيت ضد الاثني عشرية.
يقول المؤلف عن منهجه:
ومنهجنا في عرض ورسم (حقائق الاثني عشرية وخصائصها) يمر بثلاث مراحل، لابد من الالتزام بها حتى نسلم من الاخطاء التي انزلت فيها اتباع الوهابة ى أثناء عرضهم ورسمهم لـ (حقائق الاثني عشرية وخصائصها).
والمراحل الثلاث في هذا المنهج الذي اخترته ـ من أجل عرض حقائق وخصائق المذهب الاثني عشري على الوهابيين حتى يتمكنوا من فهمها ودركها ـ سوف أعرضها بهذا الترتيب الذي ينبغي مراعاته:
المرحلة الأُولى: (مرحلة المعرفة الانتسابية للمذهب الاثني عشري):
وسوف ندرس في هذه المرحلة الأسباب وعوامل خطأ الوهابية في مرحلة المعرفة الانتسابية للمذهب الاثني عشري. أو بتعبير آخرد أسباب وعوامل مشكلة الخلط بين المذهب الاثني عشري وفرق الغلاة عند اتباع الوهابية.
وهذه الأسباب والعوامل تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الأسباب والعوامل التي ترجع إلى جهل اتباع الوهابية بالمذهب الاثني عشري، وهي ثلاثة أسباب:
1 ـ السبب الأول: الجهل بمعنى الغلو.
2 ـ السبب الثاني: الجهل بمعنى المذهب الاثني عشري.
3 ـ السبب الثالث: الجهل بموقف المذهب الاثني عشري من الغلو وفِرَق الغلاة.
القسم الثاني: الأسباب والعوامل التي ترجع إلى طبيعة الجماعة الوهابية، ويمكن حصرها في سببين رئيسيّين:
4 ـ السبب الرابع: طريقة التفكير عند الوهابية.
5 ـ السبب الخامس: الخروج عَنْ منهج أهل السنّة في التعامل مع المذهب الاثني عشري.
وبعد أن ينتهي القارىء من دراسة (المرحل الأولى) يتناول (المرحلة الثانية).
المرحلة الثانية: (مرحلة المعرفة التحليلية للمذهب الاثني عشري):
وفي هذه المرحلة نتناول أربع حقائق هامة وهي:
الحقيقة الأُولى: حقيقة الالوهية والنبوة في المذهب الاثني عشري.
والحقيقة الثانية: حقيقة الشرائع والأحكام في المذهب الاثني عشري.
والحقيقة الثالثة: حقيقة أهداف المذهب الاثني عشري.
والحقيقة الرابعة: حقيقة معنى بعض المصطلحات في المذهب الاثني عشري.
وبعد أن ينتهي القارىء من دراسة (المرحلة الثانية) يتناول (المرحلة الثالثة).
المرحلة الثالثة: (مرحلة المعرفة الجذرية للمذهب الاثني عشري):
وفي هذه المرحلة نتناول أربع حقائق هامة وهي:
الحقيقة الخامسة: حقيقة منابع المذهب الاثني عشري.
والحقيقة السادسة: حقيقة الإمامة في المذهب الاثني عشري.
والحقيقة السابعة: حقيقة هوية المذهب الاثني عشري.
والحقيقة الثامنة: حقيقة نشأة المذهب الاثني عشري وعلل نشأته.
وبعد أن ينتهي القارىء من دراسة المراحل الثلاث ينتقل إلى دراسة (خصائص المذهب الاثني عشري).
خصائص المذهب الاثني عشري:
وهذه الخصائص وإن كانت ترتبط بـ (مرحلة المعرفة التحليلية للمذهب الاثني عشري)، لكننا تعمدنا تأخيرها لأنها آخر ما يدركه الوهابيون من الاثني عشرية، وسوف ندرس ثلاث خصائص من خصائص هذا المذهب، وهي:
الخاصية الأولى: خاصية الوسطية الإيجابية في التعامل مع أهل البيت عند الاثني عشرية.
والخاصية الثانية: خاصية الواقعية في التعامل مع الصحابة عند الاثني عشرية.
والخاصية الثالثة: خاصية غيبة الإمام الثاني عشر في المذهب الاثني عشري.
هذه هي مراحل دراسة المذهب الاثني عشري التي ينبغي بل يجب الالتزام بالترتيب المذكور عند طرح هذا المذهب للوهابيين. وإليك فيما يلي بحثاً مختصراً حول كل منها حسب الترتيب المذكور.
والشكل الآتي يبيّن خلاصة المنهج الجديد في عرض المذهب الاثني عشري على الوهابيين.
يوضّح الكاتب أحد المعاني الرئيسية التي أراد أن يطرحها في كتابه بالقول:
إنني لاحظت من خلال قراءتي للكتب التي كتبها الوهابيون عن الغلو والغلاة أنّهم وقعوا في أخطاء كثيرة في تحديد وتعريف كلمة (الغلو)... وأنّهم وسّعوا من مدلول هذه الكلمة وأدخلوا فيها محتويات ومضامين غريبة عنها.
ولابدّ لنا من الإشارة إلى حقيقة هامة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوع هذا الكتاب وهي: إنّ الوهابية ـ من حيث لا يعلمون ـ لم يميزوا بين معنى (الغلو) الذي ذكره فقهاء أهل السنّة وفقهاء الاثني عشرية، وفي أبواب ومسائل أحكام المرتدين الخارجين عن الإسلام، وبين معنى (الغلو) الذي يُطلق ـ أحياناً ـ على بعض رواة الحديث من المسلمين، ولا يُقصد منه ـ غالباً ـ ذلك المعنى الخطير للغلو الذي ذُكر في أبواب ومسائل أحكام المرتدين.
ونرى أنّه من الضروري أن نذكر ـ هنا ـ تعريف علماء أهل السنّة وعلماء الاثني عشرية لذلك الغلو الذي ذكروه في أبواب ومسائل أحكام المرتدين، وفي الغلاة الذين وقعوا في هذا النمط من الغلو يقول أحد أئمة أهل السنّة الإمام الشهرستاني (ت: 548هـ).
(وهم الذين غلو في حقِّ أئمتهم حتى أخرجوهم من حدود الخليقية، وحكموا فيهم بأحكام الإلهية، فربّما شبّهوا واحداً من الأئمة بالإله، وربّما شبهوا الإله بالخلق، وهم على طرفي الغلو والتقصير. وإنّما نشأت شبهتهم من مذاهب الحلولية، ومذاهب التناسخية، ومذاهب اليهود والنصارى)(1).
ونستخلص من كلام الشهرستاني: إنّ الغلو الذي ذُكر في مسائل وأبواب أحكام المرتدين يرتكز على مرتكزين أساسيين:
المرتكز الأول: تإليه الإنسان.
والمرتكز الثاني: أنْسَنتْ الإله.
ولا شك أنّ القولَ باتحاد الذات الإلهية أو حلولها في الإنسان ـ أي إنسان ـ يقتضي أنسنت الإلهية; كما أنّ القول بقدم الإنسان ـ أي إنسان ـ يستلزم تإليه الإنسان. والباحث عن الفِرَق المغالية التي غالت غلواً ـ بهذا المعنى الذي ذكرناه ـ يجد أنّ مقالات هذه الفرق لا تخرج عن هذين المرتكزين الأساسين الخطيرين.
إذن، فالغلو الذي ذُكر في أبواب ومسائل أحكام المرتدين يشتمل على صفات معينة وردت في كلام الشهرستاني، أما الغلو الذي يطلقه علماء الرجال على بعض رواة الحديث فهو في الغالب لا يرتبط بذلك الغلو، بل يرتبط بمسائل فرعية خلافية بعيدة عن قضايا أُصول الدين الإسلامي.
وتكمن الخطورة الكبرى في الخلط عند الوهابية بين معنى الغلو الذي ذُكر
1) كتاب الملل والنحل لأبي الفتح محمد بن عبدالكريم الشهرستاني الشافعي الأشعري.
في أبواب ومسائل أحكام المرتدين، وبين معنى الغلو الذي أطلق على بعض رواة الحديث من المسلمين، ذلك الخلط الخطير جعل الوهابية تخلط بين رجال الغلاة بالمعنى الأول وبين رجال الغلاة بالمعنى الثاني; كما صنع الوهابي المعاصر عبدالرحمن عبدالله الزرعي في كتابه (رجال الشيعة في الميزان)، وقد خلط في هذا الكتاب ـ من حيث لا يعلم ـ بين رواة الحديث من المسلمين الذين أطلق عليهم كلمة (الغلو); لأجل اختلافهم مع بعض علماء الرجال في مسائل فرعية خلافية، وبين رجال الغلاة بالمعنى الذي ذكره العلماء في أبواب ومسائل أحكام المرتدين، وهم من الرجال الذين أجمع على تكفيرهم علماء الاثني عشرية وعلماء أهل السنّة.
ولو كان (عبدالرحمن الزرعي) أدرك معنى ومفهوم الغلو ومراتبه وأنواعه لما وقع في هذا الخلط الخطير; الذي يلزم منه تكفير الكثير من رواة الحديث النبوي.
إنّ الوهابيين المعاصرين عندما يقرؤون الكتب الرجالية عند قدماء أهل السنة، يجدون أنّ قدماء أهل السنّة أطلقوا كلمة (الغلو) على رواة اختلفوا معهم في مسألة (التفضيل بين الصحابة)، وحسبوا أن اطلاق كلمة (الغلو) على هؤلاء كان بسبب أنّهم يقولون بتأليه غير الله ـ تعالى ـ.
ومن ثَمَّ لم يكن بد ـ وقد ابتعدت الوهابية من حيث لا يعلمون عن مفهوم الغلو عند قدماء أهل السنّة ـ من أن نفصلَ ونميز بين حقيقة (الغلو) عند أهل السنّة وبين حقيقة (الغلو) عند الجماعة الوهابية; لأنّ الوهابية بعد أن وسعت من مدلول كلمة (الغلو) أصبحت ترى أنّ جمهور أهل السنّة من الأشاعرة والماتريدية من فرق الغلاة الضالين والمنحرفين، وأصبحت الوهابية تطلق كلمة (الغلو) على الاثني عشرية، من دون ملاحظة الفرق بين مفهوم ومراد قدماء أهل السنّة من كلمة (الغلو) عندما أطلقوه على (الاثني عشرية)، وبين مفهوم ومراد قدماء أهل السنّة
من كلمة (الغلو) عندما أطلقوه على (الخطابية). ومن هنا وجدت مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وبين الغلاة عند الوهابية من جهة، ومشكلة الخلط بين جمهور أهل السنّة من الأشاعرة والماتريدية وفرق الغلاة من جهة اُخرى. وهذا هو الذي يفسّر لنا سرّ الحملة العنيفة التي قام بها الوهابيون ضد الاثني عشرية وضد جمهور أهل السنّة من الأشاعرة والماتريدية.
يعطي الكاتب هذه البشارة ويوضّح ذلك فيقول:
وحين نحسن العرض للمذهب الاثني عشري سوف يلتحق بهذا المذهب العظيم حتى أولئك الذين يوجهون الضربات الوحشية له; لأنّهم إنّما يحاربون هذا المذهب بسبب عدم إدراكهم وفهمهم لحقائق وخصائص هذا المذهب العظيم، وعزل أنفسهم ـ من حيث لا يعلمون ـ عن هذا المذهب بشتى التمويهات والأكاذيب عن هذا المذهب.
ولكن الذي لا شك فيه أنّ إخواننا الوهابيين إذا فهموا الخصائص الذاتية العظيمة للمذهب الاثني عشري، فسوف يلتحقون بهذا المذهب ويكونون من دعاته.
إنّ الوهابيين يعجبون كيف استطاع المذهب الاثنى عشري أنْ يفرضَ نفسه على أكثر مناطق العالم، على الرغم من كثرة أعدائه، وانتشارهم في كل مكان على وجه الأرض، واستخدامهم لشتى الخطط والأساليب في سبيل محاربته!
لكن سرّ ذلك الانتشار يكمن في القوة الذاتية والفكرية للمذهب الاثني عشري، وفي الاعتدال في فهم حقائق الإسلام ودرك مقاصده.
وإنّ الوهابيين يرون أنّ المذهب الاثني عشري بقوته الذاتية هو الذي يلتحق به المئات من أهل السنَّة، والعشرات من الوهابيين، ويرونهم يعلنون حرباً على خصوم هذا المذهب، بعد أن كانوا من أشدِّ أعداء (الاثني عشريين)!
ويشاهد الوهابيون أنّ المذهب الاثني عشري يأخذ عليهم كبار علمائهم ومفكريهم في كلِّ بلد، حتى إنّه ما بقيت منطقة عربية أو غير عربية إلاّ ودخل فيها المذهب الاثنا عشري، بحيث أصبح الوهابيون على يقين بأنّ (المذهب الاثني عشري) هو الذي سوف يمثِّل أكثرية (المسلمين) في العالم الإسلامي، لا سيما أنّهم يرون أنّه دخل إلى مناطق ما كانوا يتوقعون دخوله إليها! ومن هنا فاخواننا الوهابيون لا يشكون أنّ المستقبل (للمذهب الاثني عشري)، وفي هذا يقول العالم الوهابي الدكتور (علي السالوس) ـ في كتابه (الشيعة الاثنا عشرية في الأُصول والفروع):
(والشيعة الإمامية الجعفرية الاثنا عشرية أكبر الفرق الإسلامية المعاصرة)(1).
يقول هذا الكلام على رغم الخصومة الشديدة التي يحملها لهذا المذهب; بسبب أنّه لم يدرك حقائقه وخصائصه.
ونحن نستيقن أنّ الوهابيين عائدون إلى المذهب الاثني عشري، وأن المستقبل لهذا المذهب، ولكن لن يتحقق ذلك إلاّ إذا عرضنا هذا المذهب بطريقة تتناسب مع سنخية العقل الوهابي.
وهكذا; جاءت كتابات الوهابيين تشهد أنّ المستقبل للمذهب الاثنى عشري.
وفي موضع آخر يذكر الكاتب الوهابي الشيخ (ربيع بن محمد السعودي)... في كتابه (الشيعة الإمامية في ميزان الإسلام)(2)بما يؤكّد أنّ المستقبل لهذا المذهب ويقول:
(ففي زيارتي لمصر بعد انقطاع عنها دام أربع سنوات بل خمس، وبعد أنْ
استقر بي المقامُ في القاهرة، بدأتُ أحسّ باتجاه جديد).
وهو يعني التحوّل من المذهب السنّي والمذهب الوهابي إلى المذهب الاثني عشري.
إلى أن يقول:
(ومما زاد عجبي من هذا الأمر أنّ إخواناً لنا ومنهم أبناء أحد العلماء الكبار المشهورين في مصر، ومنهم طلاب علم طالما جلسوا معنا في حلقات العلم، ومنهم بعضُ الإخوان الذين كنا نحسنُ الظنَّ بهم; سلكوا هذا الدرب! [يعني: أصبحوا من الاثني عشريين] وهذا الاتجاه الجديد هو التشيع)(1).
لو كان أخونا الشيخ (ربيع بن محمد السعودي) يدرك الخصائص الذاتية العظيمة للمذهب الاثني عشري لما عَجِب وانبهر حين رأى كبار أهل التسنن والوهابيين يدخلون في المذهب الاثني عشري أفواجاً!
ومن أجل هذا الشيخ وأمثاله كتبنا هذا الكتاب حتى يدركوا الأسباب التي جعلت الكثير من الوهابيين يدخلون في هذا المذهب، وحتى يدركوا أنّ مسألة التقريب بين الاثني عشرية والوهابية، هي مسألة ممكنة وليست مستحيلة كما يحسبون.
والآن نأتي إلى بشارة من العالم الوهابي الذائع الصيت الشيخ الدكتو (ناصر القفاري)، وهذه البشارة تبين أنّ المستقبل للمذهب الاثني عشري، وفيها يقول الشيخ ناصر القفاري:
(وقد تشيع الكثير [يعني الكثير من أهل السنَّة ومن الوهابيين] ـ إلى أن يقول ـ ومن يطالع كتاب (عنوان المجد في تاريخ البصرة ونجد) يهوله الأمر حيث يجدُ قبائل بأكملها قد تشيعت).
1) انظر مقدمة كتابه المذكور.
ثم يصف الاثني عشرية بأنها: (هي الطائفة الشيعية الكبرى في عالم اليوم)(1).
وكلَّما نقرأ كتابات إخواننا الوهابيين نزداد يقيناً بأنّ المستقبل للمذهب الاثني عشري; لأنّهم يتابعون حركة الانتشار السريعة لهذا المذهب في وسط الوهابيين وغيرهم من المسلمين.
وفي هذه الحقيقة (حقيقة أنّ المستقبل للمذهب الاثني عشري) يقول الشيخ (عبدالله الغُنيمان) المدرس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في المملكة العربية السعودية، يقول في كتابه (مختصر السنة) الذي اختصره من كتاب (منهاج السنّة) للإمام ابن تيمية:
(حيث أطل الرفض [يعني الاثني عشرية لأن الشيخ عبدالله غنيم يخلط بين الرافضة وبين الاثني عشرية] على كلِّ بلد من بلاد الإسلام).
إنّ الوهابيين على يقين بأنّ المذهب (الاثني عشر) هو الذي سوف يجذبُ إليه كل أهل السنَّة وكل الوهابيين في المستقبل القريب.
ويحمل إلينا العالم الوهابي الشيخ (محمد بن عبدالرحمن المغراوي) بشارة عظيمة في كتابه (من سبَّ الصحابة ومعاوية فأُمة هاوية)، تبين انتشار المذهب الاثني عشري في بلاد الغرب، ويقول ـ بعد أنْ يبين انتشار المذهب الاثني عشري في مشرق العالم الإسلامي ـ:
(... فخفت على الشباب في بلاد المغرب...)(2)، ثم يبين دخول هذا المذهب.
ولو كان أخونا الشيخ (محمد عبدالرحمن المغراوي) يعلم الخصائص الذاتية العظيمة للمذهب الاثني عشري لما خاف من انتشار هذا المذهب في
المغرب العربي.
إنّه حين يتعرّف الوهابي على (الاثني عشريين) سوف يستيقن أنّهم ملائكة الرحمة، وفرسان الحق.. وفي هذا ينقل إلينا أخونا الشيخ الوهابي (مجدي محمد علي محمد) في كتابه (انتصار الحق مناظرة علمية مع بعض الشيعة الإمامية)(1)، ينقل إلينا هذه العبارة:
(... جاءني شاب من أهل السنّة حيران، وسبب حيرته أنّه قد امتدت إليه أيدي الشيعة...).
إلى أن يقول في شأن هذا الشاب:
(.. حتى ظن المسكين أنّهم [يعني: الاثني عشريين] ملائكة الرحمة وفرسان الحقِّ..)(2).
وهكذا... وهكذا.. هنالك المئات من عبارات الوهابيين التي تؤكّد أنّ المستقبل القريب للمذهب الاثني عشري.
ولكن يبقى أمرٌ واحد يجب أن يكون في الحسبان وهو: إنّ الوهابيين ليسوا خصوماً لهذا المذهب العظيم، لأنّهم حين يعرفونه لا يترددون في اتباعه، ولكن يجب علينا أن ننزل إلى مستوى العقل الوهابي عند عرض الخصائص الذاتية العظيمة والعميقة للمذهب الاثني عشري; حتى نرفعهم إلى مستوى العقل الاثني عشري.
والله ينصر دين الحق ويظهره على الدين كله (هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ )(3). وصدق الله العلي العظيم.
إن المسلمين في هذه الأيام العصيبة التي يشهد العالم الاسلامي غزواً ثقافياً هائلا من التيارات المضادة على الاسلام، ما أحوجهم إلى كلمة تلمّ شملهم وتؤلف بين قلوبهم.
ولا يتحقق هذا الأمر إلاّ عبر مناظرات سليمة تعين المسلمين على اجتياز الحواجز التي تقف فيما بينهم، لأنّ المناظرة المبتنية على الضوابط الصحيحة تدعو كلا الطرفين إلى قراءة تصحيحه واصلاحية واعية متجرّدة، وتؤدّي إلى تنقية العقيدة الاسلامية من كل دخيل ومشبوه افرزته الخصومات العقائدية الحاصلة بين المسلمين عبر التاريخ.
إن المناظرة البناءة هي المناظرة التي يشعر فيها طرفي الحوار أن الآخر يساعده للوصول إلى الصورة الكاملة عن الحقيقة، وهي المناظرة التي تؤدي إلى توسيع آفاق رؤية الطرفين وتخطّي الحواجز الموجودة فيما بينهم، والتي تدفعهما عن طريق تبادل الرأي وتلاقح الأفكار أن يصلا إلى الرؤية الواضحة عن فكر الآخر.
ولا تتحقق هذه المناظرة إلاّ إذا التزم كل من طرفي المناظرة
بالشروط التالية:
1 ـ تحديد ساحة مشتركة في النظر من أجل الوصول إلى لغة مشتركة يمكن من خلالها التفاهم حين تبادل وجهات النظر، والمبادرة إلى اقناع الطرف المقابل على ضوء مبناه وبما الزم به نفسه.
2 ـ ضبط الغضب والسيطرة على كل انفعال من شأنه أن يسلب قدرة الانسان على التفكير بوضوح ويدفعه إلى الخروج عن حالة التوازن والاعتدال في الكلام والتصرفات.
3 ـ إدراك طرفي المناظرة بأنّ الحوار ليس ساحة حرب أو معركة من أجل تأكيد الذات والتغلّب على الآخرين، بل هو ساحة تعاون مشترك من أجل اكتشاف الحقيقة، فلهذا لا يشترط في المناظرة أن يكون فيها غالب ومغلوب في نهاية المطاف، بل المطلوب أن يبيّن كل من الطرفين وجهة نظره للآخر، ليوسّع بذلك آفاق رؤيته إلى الحقائق.
4 ـ خلق أجواء ملؤها الثقة المتبادلة بين الطرفين، وإقامة علاقة طيبة ومتينة مع المقابل، بحيث يكون الطرفان قادران على فتح المغلق في أنفسهما وأن يتكلما بحرية كاملة دون تحفّظ.
5 ـ التفريق بين الفكر الضال والمنحرف وبين من يحمل هذا الفكر في ذهنه، والانطلاق من منطلق محبة الطرف المقابل في المناظرة كانسان كرّمه الله تعالى على سائر خلقه، والسعي من أجل انقاذه من الفكر المنحرف العالق بذهنه، لأنّ الذي يرى المناظر أو الانسان المتخبط في أوحال الضلال عدواً وخصماً له، لا يستطيع نفسياً أن يقدّم له الخير، ولا يستطيع أن يكون مهتمّاً بهدايته وارشاده إلى سواء السبيل، بل يكون همه القضاء عليه والتعريض الدائم به وتجريحه والاطاحة بكيانه وعدم ارادة الخير له.
6 ـ الابتعاد عن استخدام المغالطة والمراوغة وجميع الأساليب غير
الموضوعية، من قبيل: عدم مراعاة وحدة الموضوع، التلاعب بالألفاظ، الخلط بين المفاهيم والالتجاء إلى التأويلات الفاسدة والاستشهاد بالاقتباسات المبتورة والمشوّهة عن الواقع و...
كانت الأرضية التمهيدية التي دفعت الدكتور عصام العماد للمناظرة مع الشيخ عثمان الخميس هي أن الشيخ عثمان القى محاضرة تحت عنوان "ماذا تعرف عن دين الشيعة" وحاول فيها أن يعرض صورة مشوّهة عن معتقدات مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
فادى هذا الأمر إلى استياء بعض الجامعيين في الكويت من الأكاذيب والافتراءات التي حاول الشيخ عثمان الخميس أن يلصقها بمذهب التشيع، فاتصلوا بمركز الأبحاث العقائدية واقترحوا عليه التصدي للردّ على هذه المحاضرة.
لكن المركز رأى أن هذه المحاضرة لا تستحق الرد، لأنّها لا تمتلك مقومات البحث العلمي الموضوعي، وأنّها لا تعتمد على الأسس والمباني العلمية، بل كل ما فيها معلومات مشوّهة عن الواقع واقتباسات مبتورة من تراث مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ولكن الطلبة الجامعيين اصرّوا على المركز أن يتصدّى للردّ على هذه المحاضرة، وذكروا أن الكثير من الشباب المثقفين في الكويت بحاجة إلى توعية دينية في هذا المجال، لئلا تشتبه عليهم أمور دينهم نتيجة الشبهات التي ألقاها الشيخ عثمان في هذه المحاضرة.
ومن هنا أوعز المركز إلى قسم المستبصرين فيه لانتخاب أحد الشباب المستبصرين للردّ على الشيخ عثمان الخميس، فوقع الاختيار
على الشاب المؤمن والمهذّب الدكتور عصام العماد الذي كان وهابياً ثم اعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فنظم الدكتور عصام محاضرة للردّ على محاضرة الشيخ عثمان.
ويقول الدكتور عصام حول ردّه لهذه المحاضرات: ادركت بعد سماعي لمحاضرة الشيخ عثمان أنها تريد اشعال الفتنة بين السنة والاثنى عشرية، ومن يسمع هذه المحاضرة يدرك أن صاحبها لا يحافظ على الوحدة الاسلامية.
ويضيف الدكتور عصام: انني في المحاضرة التي قمت فيها بالرد على الشيخ عثمان، بل في جميع محاضراتي ومقالاتي وكتاباتي ـ من قبيل كتابي: رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية ـ منذ أن تركت الوهابية أسعى إلى هدف واحد وهو حل مشكلة اساسية والبحث عن أسبابها وعن نتائجها السلبية، والبحث أيضاً عن طرق علاج هذه المشكلة وهي مشكلة الخلط بين الاثني عشرية وفرق الغلاة، وقد بيّنت في محاضرتي للردّ على الشيخ عثمان ما وقع فيه الشيخ من خلط بين الشيعة الاثني عشرية والغلاة.
ثم اخذ الطلبة الكويتيين اشرطة الردّ إلى بلدهم وقاموا بتوزيعها في دولة الكويت وباقي الدولة العربية، وكان ذلك في شهر رجب من عام 1422هـ، فلقى هذا الرد استحساناً من الجميع وبالأخص الجامعيين من أهل الكويت.
وفي شهر شعبان من نفس السنة شرع الشيخ عثمان الخميس في القاء المحاضرات المتضمّنة للردّ على التشيع عبر الانترنت في "البالتاك" في غرفة "الداعون".
وهنا مرة اخرى رشح مركز الأبحاث العقائدية المستبصر الدكتور عصام العماد للردّ على الشيخ عثمان في غرفة "الغدير"، ومن هنا كان منطلق هذه المناظرة، حيث دعت غرفة "الحق" الشيخ عثمان للمناظرة مع الدكتور عصام
وذلك في شهر شعبان أيضاً، فاعتذر الشيخ بحجة قرب شهر رمضان وواعدهم أن تكون المناظرة في شهر شوال.
وبالفعل شرعت المناظرة بين الدكتور عصام والشيخ عثمان في شهر شوال 1422هـ، وتم الاتفاق في الجلسة الأُولى من المناظرة على مراعاة بعض المقرّرات من قبل طرفي الحوار.
وكان من أهمها مراعاة وحدة الموضوع وعدم القفز من موضوع إلى موضوع آخر دون مقدّمات، لئلا تدور المناظرة في حلقة مفرغة من دون حسم أي موضوع.
كما أنّ الدكتور عصام اشترط على الشيخ عثمان أن يتناظر معه حسب المنهج الذي رسمه في كتابه "المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين" فقبل الشيخ عثمان ذلك، لكنّه للأسف لم يلتزم بكثير من المقرّرات التي اتفق عليها مع الدكتور عصام العماد وكان دأبه في المناظرة:
أولا: خروجه عن الموضوع مراراً، ومحاولته تشتيت البحث وطرح بحوث جانبية، من أجل تشويش اذهان السامعين وبث الشبهات.
ثانياً: تغيّبه عدة مرات عن الحضور في المناظرة بحجج متعدّدة.
ثالثاً: كثرة حصول القطع في الاينترنت عنده، بحجة ضعف خطوطها في الكويت، والملاحظ أن حصول القطع عنده كان في المواقع الحساسة جداً من المناظرة.
رابعاً: تهرّبه من الاجابة على أسألة الحضور.
خامساً: خروجه عن أدب الحوار والمناظرة، لا سيما في المناظرتين الأخيرتين.
وبالعكس كان دأب الدكتور عصام العماد الالتزام بوحدة الموضوع، وكان يسعى خلال حواره أن يراعي مسألة التقريب بين المسلمين وتقريب الصف الاسلامي، وكان يؤكّد على أن الحوار الاسلامي الهادف الذي يقود إلى الحق هو الحوار الذي يتم فيه مراعاة الوحدة الاسلامية.
فتحت هذه المناظرة آفاق واسعة امام انظار الذين تابعوها عبر الانترنت، وتعرّف الكثير منهم على حقائق كانوا يجهلونها من قبل، فادى هذا الأمر إلى زعزعة مرتكزاتهم الفكرية السابقة وبالتالي تركها والالتزام بفكر مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
وكان من جملة الذين تأثروا بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) خلال هذه المناظرة هي الدكتورة أمينة المغربية(1)، حيث دفعتها هذه المناظرة إلى تغيير انتمائها المذهبي والانتقال من المذهب السني إلى المذهب الامامي الاثني عشري، ثم اعلنت استبصارها أمام الشيخ عثمان الخميس في احدى المناظرات.
استمرت المناظرة حتى حلقتها الخامسة عشر، ثم تفاجأ الجميع بعدها من انسحاب الشيخ عثمان من المناظرة، وذلك بعد أن حاول الشيخ عثمان أن يلتزم منهج القاء التهم والأكاذيب والافتراءات على الشيعة والتشيع وان يتخذ السب والشتم وسيلة للدفاع عن مذهب الوهابية.
1) الدكتوره امينة من المغرب، حاصله على الدكتوراه في القانون، وتدرّس في أمريكا.
قال الشيخ عثمان في غرفتي "انصار عثمان" و"السرداب" على البالتوك في الانترنت وذلك قبل أيام من المناظرة التي انسحب فيها:
والله أنا رأيي أن نوقف الحوار كلّه، لا مع هذا ولا مع هذا، لأن الحوار معهم يعني هو عديم الفائدة، وكما قلت ابتداءً: يعني أنا ما دخلت في هذا الحوار حبّاً فيه، ولكنّي أُلجئت إليه إلجاءً، واضطُررت إليه اضطراراً، لا عن اختيار مني، وأنا مستاء جداً، يعني من هذا الحوار مستاء ومتضايق جداً منه، ولكن ما في اليد حيلة، الإنسان إذا دخل في هذا الموضوع لا يود أن يمسك على أهل السنة شيئاً في أنه تهرَّب وترك المناظرة وغير ذلك من الأمور التي تعرفونها أكثر من غيركم، وأنا إذا توقفت مع عصام العماد وأنهيت المناظرة معه لن أحاور أحداً منهم [الرافضة] قبل أن تمضي سنتين حتى أرتاح قليلا، يعني وأتفرّغ إلى أشياء أولى منها بكثير، وأقول حقيقةً ـ ولا أكذب ـ أنا لا أستعدّ لهذه المناظرة إلاّ في يومها!! لذلك أنا لو توقفت عن مناظرة الدكتور عصام العمادم فلن أناظر غيره، يعني الآن على الأقل، لأنّها حقيقة متعبة نفسياً هذه المناظرات متعبة بدنياً، ولذلك أنا اعتذر عن هذا...
وقال أيضاً:
... لكن ما أحب أو أُعيد وأُكرّر: أنّي دخلت هذه المناظرات رغماً عنّي، ليس باختياري.
وله أيضاً:
... بالنسبة للتعب من هذه المناظرة لا شكّ أن هذا الأمر موجود، ولعلّه ظاهرٌ من صوتي.
وقال أيضاً:
... خسرنا أمينة المغربية، آه... الله المستعان.
وقال:
... أما بالنسبة لي، أنا وما أتعرّض إليه من الإيذاء! فأكبر إيذاء أصابني هو ما يحدثُ مع عصام العماد في هذه المناظرات التي فلقت كبدي وآذتني كثيراً، والله أعلم!!
واخيراً فإن الشيخ عثمان عمد إلى تحريف المناظرة وتوزيعها محرّفة في الدّول العربية لا سيما الكويت واليمن على اشرطة الكاسيت، حيث حرّف الكثير منها وقدّم وأخّر لتخرج المناظرة بالشكل الذي ينفعه.
إن المناظرة بين أهل السنة والشيعة كانت تعيش في دوائر ضيّقة ومحدودة، ولكن بفضل هذه المناظرة التي كان لها صدى واسع في العالم الاسلامي وكان لها رواد كثيرين عبر الانترنت وبفضل مناظرات اخرى عقدت بين أتباع أهل السنة وأتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) دخل هذا النوع من المناظرات في مرحلة جديدة وبدأت تتسع في العالم الاسلامي حتى ادّت إلى فتح مناظرات أوسع على القنوات الفضائية.
وكل هذا يبشّر بخير، لأنه يؤدّي إلى ازالة الحجب عن أذهان المجتمعات التي حاول رجال دينها من خلال التعتيم والتشويه أن يُبقوا أهلها في دائرة ضيقة من الوعي.
وبفضل هذه المناظرات استطاع اتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) أن يبدوا معتقداتهم وأن يبرهنوا على صحتها أمام الآخرين، واستطاعوا أن يطهّروا اذهان الناس من الاتهامات المزيّفة التي يطبّل لها المغرضون من أجل تشويه سمعة
الشيعة والتشيّع.
كما تمكّن اتباع مذهب أهل البيت أن يجعلوا أقوال وآراء علماء أهل السنة في الميزان، وأن يبيّنوا واقع هذه الآراء من أجل صدّ أبناء المجتمع من الانخداع بها وتحذيرهم من مطالعة كتبهم من دون الاهتمام بفحص الآراء المطروحة فيها.
ولد الشيخ علي محمد في أحد العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر الميلادي في مدينة "جنك" بالبنجاب، وهي المدينة التي تقع حالياً في دولة باكستان، وترعرع في أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي، ثم التحق ـ في ضوء عرف أهل زمانه ـ باحدى حلقات تدريس القرآن الكريم، فساعده ذلك على حفظ القرآن وهو في سن مبكّر.
كان الشيخ علي محمد اضافة إلى حفظه للقرآن، متولّعاً منذ صغره بدراسة الحديث النبوي الشريف، وكان متميزاً بين اقرانه بذهنية رفيعة وذاكرة قوية، حتى أصبح من كبار حفّاظ عصره المشتهرين بحفظ الأحاديث الشريفة وأسانيدها، وروايتها، وقد بلغت ثقته بنفسه في هذا المجال حداً أنه قال عن نفسه في مواقف عديدة: "إذا فقدت جميع كتب الروايات فأنا استطيع أن أمليها من حافظتي".
ارتقى مستوى الشيخ على محمد في الصعيد العلمي بمرور الزمان حتى تصدّى لمهمة التدريس، ثم اصبح استاذاً بارعاً يشار له بالبنان، وكان يحضر
درسه العديد من الطلاب الأفاضل، منهم الحكيم أمير الدين بن محمد مستقيم الحنفي الذي كان من ألمع وابرز طلابه.
وكان الحكيم أمير الدين مهتماً بقضية البحث المقارن بين مذهبي أهل السنة والشيعة، وحيث كانت صلته باستاذه الشيخ على محمد قوية، فكان كثيراً ما يطرح عليه بعض الأسئلة في هذا المجال.
وكان الشيخ أمير الدين ملماً بالثقافة الدينية، ومتبحراً بقراءة كتب التاريخ والرجال وعلم الحديث والتفسير، فلهذا كانت اسئلته المذهبية التي يوجّهها إلى الشيخ علي محمد متّسمة بالعمق والدقة الموضوعية.
فلهذا اضطر الشيخ علي محمد بأن يخصّص لنفسه وقتاً للبحث عن الأسئلة التي كان يوجّهها إليه تلميذه الحكيم أمير الدين.
وفي إحدى الأيام حلّ أحد علماء (هرات) الأفغانيين الشيعة وهو الشيخ عبدالعلي الهروي المُتوفى سنة 1342هـ / 1922م ضيفاً للسكنى في مدينة (سركوتها) بالبنجاب، فأحدثتْ هذه الزيارة صلة بين الحكيم أمير الدين والعلامة الهروي. ونظراً للثقافة الواسعة التي تميَّز بها الحكيم أمير الدين فقد كان مؤهلا بالدخول مع الهروي في مناقشات مذهبيّة صريحة للوصول إلى نتائج الاختلاف بين الفرق الاسلامية في مسائل اعتقادية بعد غربلة كتب التفسير والحديث والرجال والتاريخ، وانتهى المطاف في نهاية العقد الأول من القرن العشرين الميلادي. بتبنّي الحكيم أمير الدين للمذهب الإمامي، والانتقال إليه من المذهب (الحنفي).
بفعل الصلة الوطيدة بين الحكيم أمير الدين والشيخ علي محمد فتح الدّين جرت بعد استبصار الحكيم حوارات بينهما إنتهت بالحافظ علي محمد أن يقوم بدراسة التشيع بجدّ والبحث عنه وفق أسس علميّة بحتة غير خاضعة للمؤثرات المتوارثة، وقد شرع بذلك عام 1330م / 1911م.
ولم تمض فترة إلاّ وتوصّل الشيخ علي محمد إلى نفس النتائج التي توصّل إليها الحكيم أمير الدين.
استصعب الشيخ علي محمد في البداية ترك ما كان عليه والانتقال إلى مذهب آخر، ولكن وضوح الرؤية وتكامل منهج أهل البيت(عليهم السلام) منحه القوة اللازمة للقيام بهذا التغيير.
ثم شرع الشيخ علي محمد عام 1330م / 1920م بتسجيل قناعاته الجديدة في كتاب سمّاه "فلك النجاة في الامامة والصلاة" وقام الحكيم أمير الدين بترجمة هذا الكتاب إلى اللغة العربية، ولم تكن ترجمته مقتصرة على نقل نصاً من لغة إلى أخرى فحسب، وإنّما أضاف إلى الكتاب إضافات كثيرة من خلال تتبع المصادر المختلفة، وإلحاق بحوث مُفصَّلة بين ثنايا الكتاب حققَ فيها بعض المطالب بتفصيل وأناة ممّا أضفى على الكتاب جهداً مضاعفاً جعله في مصاف الكتب الموسوعيّة النادرة في تاريخ الصراع المذهبي في الإسلام.
وقد اشتهر كتاب (فُلك النجاة) عند الفريقين السُنَّة والشيعة ـ على حدٍّ سواء ـ وأصبحَ مصدراً لطلاب الحقيقة من الباحثين. وقد أُطلقت عليه تسمية (كتاب البركة)، نتيجةً لما اشتُهر على الألسنة أنَّه ما قرأه مخالفٌ إلاّ وأحدث تساؤلا لديه!
تُوفيَ الحافظ علي محمد فتح الدين في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1371هـ /1952م، ودُفِنَ في مدينة (چاند) التابعة لمدينة (جنك) الباكستانية. وعلى قبره صخرةٌ كبيرة تُحيط بجانبيها أشجارُ السرو الخضراء، قد كُتبَ على واجهتها إسم صاحبها الحافظ المولوي علي محمد فتح الدين، وسنة وفاته، وإسم مؤلفه الخالد (فُلك النجاة).
صدرت طبعته المحققة سنة 1418هـ ـ 1997م عن مؤسسة دار الاسلام، لندن بتحقيق العلامة الشيخ ملا أصغر علي محمد جعفر رئيس جماعة الخوجة العالمية، وكانت طبعته الأولى سنة 1343هـ ـ 1925 في البنجاب.
جاء في مقدمة المحقق: "يتألّف الكتاب من جزئين:
الأول: يختص بدراسة مسألة (الإمامة) والاختلاف الذي وقع فيها مع تفاصيلها الاُخر وقد اطلق على هذا الجزء اسم (غاية المرام في معيار الإمام).
الثاني: يختص بدراسة موضوع (الصلاة)، وترتيبها، وما نشأ من اختلاف في مقدمات مسائلها الفرعية وغير ذلك. وقد اطلق عليه اسم "ترتيب الصلاة بتطبيق الروايات".
يتألف الجزء الأول من مقدمة: في لفظ الشيعة ومصداقه وخمسة أبواب.
الباب الأول: اختلاف المذاهب ومعيار أهل الحق.
الباب الثاني: في بيان عدم عمل الامة بوصية النبي(صلى الله عليه وآله) للتمسك بالثقلين والمودة في القربى.
الباب الثالث: الخلافة والإمامة.
الباب الرابع: موازنة اوصاف الخلفاء الثلاثة من الايمان والعلم والشجاعة بأمير المؤمنين(عليه السلام).
الباب الخامس: في اصول الحديث.
وأما الجزء الثاني ففيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في بيان تغير الصلاة.
الباب الثاني: في الطهارة.
الباب الثالث: في أحكام الصلاة.
يتكلم الكاتب في كتابه هذا في موضوعي الامامة والصلاة، وقد أجاد فيهما، واستعرض نصوصاً كثيرة، ونقل أقوال العلماء من كتب القوم حتى لم يترك لغيره من المطالب إلاّ القليل، وقد ارتئينا هنا الاستفادة مما أورده في موضوع الصلاة لجامعيته، ولكثرة ما أوردناه حول موضوع الإمامة في هذه الوقفات مع كتب المستبصرين.
يبين الكاتب هذا الموضوع بالقول:
روى البخاري في صحيحه، مع الفتح (باب تضييع الصلاة عن وقتها) عن أنس قال: ما أَعْرِفُ شيء كما كان على عهد النبي(صلى الله عليه وآله)؟! قيل: الصلاة. قال: الصلاة، قال أليس صنعتم ما صنعتم فيها. وفي رواية: سمعتُ الزهري يقول: دخلتُ على أنس بن مالك بدمشق، وهو يبكي فقلت وما يُبكيك، فقال لا أعرف شيئاً مما أدركت إلاّ هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيّعت(1).
وعن عمران بن حصين قال: صلَّى مع علي بالبصرة، فقال ذكَّرنا هذا الرجل صلاة كُنَّا نصليها مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فذكر أنَّهُ كان يُكبّر كُلّما رفع، وكلما وضع(2).
وعن مطرف قال: قلنا (يعني لعمران بن حصين) يا أبا نجيد (كنية عمران بن حصين): مَنْ أول مَنْ ترك التكبير، قال عثمان بن عفان حين كَبُرَ، وضعف صوته، (وهذا يحتمل ارادة ترك الجهر).
وروى الطبراني عن أبي هريرة أنَّ أول مَن ترك التكبير معاوية، وروى أبو عبيد: أنَّ أول من تركه زياد. وهذا لا ينافي الذي قبله لأنَّ زياداً تركه بترك معاوية، وكان معاوية تركه بترك عثمان.
وفي صحيح البخاري عن مطرف بن عبدالله قال صلَّيتُ خلف علي بن أبي طالب (أنا، وعمران بن حصين) كان إذا سجد كبّر، وإذا رفع رأسه كبّر، وإذا نهض من الركعتين كبّر فلمَّا قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال قد ذكّرني هذا (أي علي) صلاة مُحمَّد(صلى الله عليه وآله)، أو قال لقد صلَّى بنا (أيّ علي(عليه السلام)) صلاة مُحمَّد(صلى الله عليه وآله)(1).
وهكذا في صحيح مسلم، وفي سنن ابن ماجة عن أبي موسى قال: صلَّى بنا علي(عليه السلام) يوم الجمل صلاة ذكَّرنا صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فأمَّا أن نكون نسيناها وأمّا أن نكون تركناها(2).
وفي كنز العمال عن الشعبي قال: رأيتُ علي بن أبي طالب، وصلّيتُ وراءه فسمعته يجهر ببسم الله، (رواه البيهقي)(3).
وفيه: عن عبدالله بن أبي بكر بن حفص بن عمر ابن سعد: أنَّ معاوية صلَّى بالمدينة للناس العتمة فلم يقرأ (بسم الله)، ولم يُكبِّر بعض هذا التكبير الذي يكبر لنا فلمَّا إنصرف ناداه مَنْ سمع ذلك من المهاجرين والأنصار فقالوا يا معاوية أسرقت الصلاة، أم نسيت أين (بسم الله)، و(الله أكبر) حين تهوي ساجداً (رواه
عبدالرزاق)(1).
وفي صحيح مسلم: عن أبي سعيد الخُدري أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يخرج يوم الاضحى، ويوم الفطر فيبدأ بالصلاة (أي قبل الخطبة)، (ثم قال): فلم يزل كذلك حتى كان مروان بن الحكم فخرجت مخاصراً حتى أتينا المُصلّى فإذا (كثير بن الصَلت) قد بنى منبراً من طين ولَبَن، فإذا مروان ينازعني يده كأنَّه يجرني نحو المنبر، وأنا أجرّه نحو الصلاة فلمَّا رأيتُ ذلك منه قلت أين الابتداء بالصلاة؟! فقال لا يا أبا سعيد قد تُرك ما تعلم. قلت: كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم (ثلاث مرات)، ثم انصرف(2).
وفي صحيح مسلم: عن كعب بن عجرة أنَّهُ دخل المسجد، وعبدالرحمن ابن أُمّ الحكم يخطب قاعداً، فقال: إنظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً وقد قال الله(وَ إِذَا رَأَوْاْ تِجَـرَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَ تَرَكُوكَ قَائماً)(3)(4).
وفي أشعة اللمعات: لا يخفى أنَّ عمر جمع الناس على قارىء واحد في رمضان، وقد عدّوا صلاة التراويح من محدثات عمر، بل أنَّهُ قال: نعْمَت البُدعة هذه، وأيضاً جمعهم عمر على أربع تكبيرات في الجنازة(5)، وروى البخاري عن حذيفة قال: قال النبي(صلى الله عليه وآله) اكتبوا لي مَنْ يلفظ بالاسلام من الناس. فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل، فقلنا نخاف ونحن ألف وخمسمائة، فلقد رأيتنا ابتُلينا حتى أنَّ الرجل ليُصلّي وحده، وهو خائف.
الأصل فيه قوله سبحانه: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(1). قال الفخر الرازي في تفسيره الكبير: اختلف الناس في مسح الرجلين، وفي غسلهما، فنقل القفَّال في تفسيره عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وعكرمة، والشعبي، وأبي جعفر مُحمَّد بن علي الباقر(عليه السلام): إنَّ الواجب فيها المسح، (وهو مذهب الإمامية من الشيعة).
وقال جمهور الفقهاء والمفسرين: فرضهما الغُسل. وقال داود الأصفهاني: يجب الجمع بينهما، وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية.
وقال الحسن البصري، ومحمد بن جرير الطبري: المُكلَّف مُخيَّر بين المسح والغسل.
حجَّة مَنْ قال بوجوب المسح مبنيٌّ على القراءتين المشهورتين في قوله: (وَأَرْجُلَكُمْ) فقرأ ابن كثير، وحمزة، وأبو عمر، وعاصم (في رواية أبي بكر عنه) بالجرّ، وقرأ نافع، وابن عامر، وعامر (في رواية حفص عنه) بالنصب.
فنقول: أمَّا القراءة (بالجرّ) فهي تقتضي كون (الأرجل) معطوفة على (الرؤوس)، فكما وجب المسح في (الرأس)، فكذلك في (الأرجل). فأنْ قيل: لِمَ يجوز أن يُقال هذا كسر على الجوار قلنا هذا باطل من وجوه، (إنتهى من التفسير الكبير)(2).
وفي تفسير جامع البيان: "أرجلكم" نصبه نافع، والكسائي، وابن عامر،
وحفص، ويعقوب عطفاً على "وجوهكم"، وجرَّهُ الباقون. وعلى الإنصاف: ظاهرُ قراءة النصب على وجوب الغسل وظاهر الثانية على وجوب المسح، فأنْ جرَّ الجوار، وإن كان باباً واسعاً فهو خلاف الظاهر(1).
وعن عكرمة: قال ليس في الرجْلين غُسل، إنَّما المسح على الرجْلين. وعن الشعبي وعامر، أنَّهُ قال: إنّما نزل جبرئيل بالمسح على الرجْلين ألاترى أنَّ ما كان عليه الغُسل جعل عليه التيمم، وما كان عليه المسح أُهمل (إلى أنْ قال): وقال داود الظاهري يجب الجمع بينهما، وقال الحسن البصري، ومحمد بن جرير الطبري، المُكلَّف مخيَّر بين الغسل والمسح(2).
وفي الدر المنثور: أخرج عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، وابن ماجه عن ابن عباس: أبى الناس إلاّ الغُسل، ولا أجد في كتاب الله إلاّ المسح(3).
وفي الاتقان للسيوطي: وحينئذ إنْ تعارضت أقوال جماعة من الصحابة فانْ أمكن الجمع فذاك، وإن تعذَّر قدم ابن عباس لأنَّ النبي(صلى الله عليه وآله) بشّره وهو ترجمان القرآن الذي دعا له النبي(صلى الله عليه وآله): اللّهم فَقِّههُ في الدين، وعلِّمْهُ التأويل. وقال: اللّهم إعْطه الحكمة. اللّهم علِّمْه الحكمة، اللّهم بارك فيه (إنتهى ملخّصاً)(4).
وفي كنز العمال: عن عباد بن تميم عن أبيه قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) توضأ، ومسح بالماء على لحيته ورجليه (رواه ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في تاريخه، والعدني، والبغوي، والباوردي، والطبراني، وأبو نعيم. قال في الإصابة: (رجاله ثقات)(5).
وفي نيل الأوطار: (وكذا رواه البيهقي في سننه. وكذا رواه الدارقطني عن رفاعة بن رافع مرفوعاً كذلك)(1).
وعن البزَّال بن صبرة أنَّه رأى عليّاً(عليه السلام) دعا بماء فتوضأ، ومسح على نعليه وقدميه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه ثم صلَّى (رواه سعيد بن منصور).
وعن مسند عبدالله بن زيد المازني أنَّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) توضأ فغسل وجهه ويديه مرتين، ومسح رأسه ورجليه مرتين (رواه ابن أبي شيبة). وعن علي(عليه السلام) قال: لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين أحقَّ بالمسح من ظاهرهما، ولكن رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) مسح ظاهرهما، (رواه عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، وأبو داود).
وعن حمران قال دعا عثمان بماء فتوضأ، ثم قال: ومسح برأسه، وظاهر قدميه، (رواه ابن أبي شيبة)(2).
وقال العيني في شرح البخاري (باب الوضوء): عن رفاعة بن رافع عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)قال: لا تتمُّ صلاة لأحّد حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين (حسَّنه أبو علي الحافظ، وأبو عيسى الترمذي، وأبو بكر البزّار، وصححه الحافظ ابن حبان، وابن خزيمة)، وأخرجه ابن أبي شيبة في مسنده عن عبدالله بن زيد: أنَّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)توضأ، ومسح بالماء على رجليه، (ورواه ابن خزيمة في صحيحه عن زهير عن المقري) ومنها حديث جابر بن عبدالله أخرجه الطبراني في (الأوسط)(3).
وفي (الكبريت الأحمر) للشعراني على هامش (اليواقيت والجواهر)، قال
الشيخ محيي الدين ابن العربي في (الفتوحات): ومذهبنا أنَّ الفتح في لام "أرجلكم" لا يُخرجها عن الممسوح فأنَّ هذه (الواو) قد تكون (واو) المعيّة (تنصب) تقول: قامَ زيدٌ وعمراً(1).
وفي رحمة الأمة في اختلاف الأئمة (على هامش الميزان هكذا بعينه)، وفي صحيح البخاري عن عبدالله بن عمر قال: تخلَّف عنّا النبي(صلى الله عليه وآله) في سفرة سافرناها فأدْركَنا، وقد أرهقتنا الصلاة، (وفي رواية: أرهقنا العصر)(2)ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: ويلٌ للأعقاب من النار (مرتين أو ثلاثاً)(3).
هذا الحديث ينادي بأعلى صوته على (المسح) لأنَّ أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله)كانوا مستمرين على المسح; لأنَّ الصلاة لم تجز بدون الوضوء، ففي هذا الوقت لم يسبغوا المسح إلى الكعبين، فناداهم النبي(صلى الله عليه وآله) بالإسباغ. واحتمال الغُسل اختراع لا يدل عليه لفظ الحديث (كما في الفتح) وهو هذا، فتمسَّك بهذا من يقول بإجزاء المَسح، ويحمل الإنكار على ترك التعميم. (ثم قال)، قال الطحاوي: لمَّا أمرهم بتعميم غُسل الرجلين حتى لا يبقى منهما لمعة دلَّ على أنَّ فرضهم الغسل، وتعقَّبه ابن المنير بأنَّ التعميم لا يستلزم الغسل، فالرأس تَعمُّ بالمسح، وليس فرضها الغسل.
وفي (مجمع البحرين ومطلع النيرين) في لغة القرآن والحديث للشيعة قوله(عليه السلام): ويلٌ للأعقاب من النار، وهو إنْ صحَّ فالمراد به التحرّز من
رشاش البول.
وروى أنَّ قوماً من أجلاف الأعراب كانوا يبولون، وهم قيام فيُنْشَر نشرُ البول على أعقابهم، وأرجلهم فلا يغسلونها، ويدخلون المسجد للصلاة، وكان ذلك سبباً للوعيد.
وفي السيف الماسح (بعد ذكر حديث ويل للأعقاب من النار): فبعد تسليمه لا يدلُّ إلاّ على أمره(صلى الله عليه وآله) بغسل الأعقاب فلعلّه لنجاستها، فأنّ أعراب (الحجاز) ليبس هوائهم ولمشيهم حُفاة في الأغلب كانت أعقابهم تنشقُّ كثيراً، وقلَّ ما تخلو عن نجاسة الدم، وغيره. وقد اشتهر أنَّهم كانوا يبولون عليها ويزعمون أنَّ البول علاج لها فأنْ صدر عنه(صلى الله عليه وآله) أمرٌ بغسل الأعقاب فلعله كان لذلك، ثم اشْتُبِهَ فظُنَّ أنَّه من الوضوء(1).
في الاستبصار: عن سالم، وغالب بن هذيل، قال: سألتُ أبا جعفر عن المسح على (الرِجْلَين)، فقال: هو الذي نزل به جبرئيل(2).
وعن محمد بن سهل قال: قال أبو عبدالله(عليه السلام) يأتي على الرجل ستون، وسبعون سنة ما قبل الله منه صلاة. قلت: وكيف ذلك؟! قال: لأنّه يغسل ما أمر الله بمسحهِ. (وهكذا في الكافي عن محمد بن مروان)(3).
وفي تهذيب الأحكام: عن أبي جعفر قال: يجزي من مسح الرأس موضع ثلاث أصابع، وكذلك الرجل(4).
والأصل فيه قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَ قُرْءَانَ الْفَجْرِ)(1)، (وَ أَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَ زُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ)(2). قال الفخرالرازي في تفسيره الكبير، تحت قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ): هذه الآية توهم أنَّ للظهر والعصر وقتاً واحداً، وللمغرب والعشاء وقتاً واحداً(3)، وإنَّ الظهر والعصر يُجمعان بعرفة بالاتفاق، وفي السفر عند الشافعي، وكذا المغرب والعشاء. وأمَّا صلاة الفجر فهي منفردة في وقت واحد فكان وقت الظهر والعصر وقتاً واحداً، ووقت المغرب والعشاء وقتاً واحداً، ووقت الفجر متوسطاً بينهما(4).
وفي حجة الله البالغة لولي الله الدهلوي الحنفي: فكانت أوقات الصلوات في الأصل ثلاثة; الفجر، والعشاء، وغسق الليل، وهو قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ). وإنَّما قال إلى غسق الليل لأنَّ صلاة العشاء ممتدة إليه حكماً لعدم وجود الفصل، ولذلك جاز عند الضرورة الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء فهذا أصل(5).
وفيه (صحيح مسلم): عن معاذ قال: خرجنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) في غزوة (تبوك) فجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. قال: فقلتُ: ما حمله على ذلك؟! قال، فقال: أراد أن لا يُحرج أُمّته. عن ابن عباس قال جمع رسول الله(صلى الله عليه وآله)بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف، ولا مطر.
وفي حديث (وكيع) قال، قلتُ: لابن عباس لِمَ فعل ذلك؟ قال: كيلا يُحرِج أمّتَه.
وعنه; قال: صلّيتُ مع النبي(صلى الله عليه وآله) ثمانياً جميعاً، وسبعاً جميعاً. عن عبدالله بن شقيق، قال: خَطَبَنا ابن عباس يوماً بعدالعصر حين غربت الشمس، وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاءه رجلٌ من بني تميم لا يفترّ ولا ينثني، فقال ابن عباس: أتعلّمني بالسُّنَّة لا أُمَّ لك، ثم قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله)جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال عبدالله ابن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيئاً، فأتيتُ أبا هريرة فسألته فصدَّق مقالته.
وعنه قال، قال رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: لا أُمَّ لك أتُعَلِّمُنا بالصلاة كُنّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)(1).
وفي حاشية نصب الراية: في التلخيص لابن حجر: وفي حديث ابن عباس أنَّ النبي(صلى الله عليه وآله) جمع بالمدينة من غير خوف ولا سفر (متفقٌ عليه)، وله ألفاظ منها لمسلم: جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف، ولا مطر. قيل لابن عباس ما أراد إلى ذلك؟ فقال: أراد أنْ لا تُحرج أُمّته(2).
وفي رواية الطبراني: جَمعَ بالمدينة من غير علّة، قيل له: ما أراد بذلك؟ قال: التوسع على أُمّته.
وفي المُوطَأ لمالك عن أبي الزبير المكي عن سعيد بن جبير عن عبدالله بن عباس أنَّهُ قال: صلّى لنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر(3).
قال في (النيل): وقد أخرج الطبراني في الأوسط، والكبير عن ابن مسعود
بلفظ: جمع رسول الله... الخ.
وفيه: قال(صلى الله عليه وآله) صنعتُ ذلك لئلا تُحرج أُمَّتي، (الحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد).
قلتُ: ومن ضعّفه فلم يصبُ. وبما ذكرناه يظهر أنَّ الأحاديث لا هي متعارضة، ولا واردة في معنى واحد بل قد ورد فعله(عليه السلام) للجمع الصوري، والجمع الحقيقي في الحضر للحاجة، ولدفع المشقّة، فظهر أنَّ الجمع في الحضر للحاجة، ودفع المشقَّة جائز مطلقاً ولا يلزم من ذلك مخالفة لحديث (جبرئيل) الوارد في تعيين المواقيت ولا مخالفة للآية الكريمة: (إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَـباً مَّوْقُوتاً)(1)ومَن استدلَّ من (الأحناف) على منع الجمع في الحضر بالآية، والحديث المذكورتين، فقد ضلَّ وأضلَّ إذْ لا يخرج الصلاة عن كونه موقوتاً بالجمع، وحديث جبرئيل فيه إظهار الأوقات الأصلية المتفردة لكل صلاة وهو ساكت عن مسألة الجمع، وإذا جازت الزيادة بالحديث الصحيح على الكتاب فجوازها على الحديث بحديث آخر من باب أولى.
في (الاستبصار) للإمامية: الله أكبر (أربع مرَّات)، أشهد أن لا إله إلاّ الله (اثنتان)، أشهد أنّ محمداً رسول الله(صلى الله عليه وآله) (اثنتان)، حيّ على الصلاة (اثنتان)، حي على الفلاح (اثنتان)، حيَّ على خير العمل (اثنتان)، الله أكبر (اثنتان)، لا إله إلاّ الله (اثنتان). وفي الإقامة قد قامت الصلاة (مرتان)، لا إله إلاّ الله (مرة)(2).
وفي (نيل الأوطار) لأهل الجماعة: (الصلاة خير من النوم)، قال في البحر: أحدثه عمر فقال ابنه: هذه بدعة. وعن علي(عليه السلام) حين سمعه: لا تزيدوا في الأذان ما
ليس منه، (ثم قال)، بعد أنْ ذكر حديث أبي محذورة، وبلال. قلنا: لو كان لما أنكره علي(عليه السلام)، وابن عمر، وطاووس سلَّمنا فأمر به (إشعاراً في حال لا شرعاً) جمعاً بين الآثار(1).
وقال المولوي عبدالحي اللكنوي في التحقيق العجيب في التثويب عن الليث ابن سعد عن نافع أنَّ ابن عمر كان إذا قال (حيَّ على الفلاح)، قال على إثرها (حي على خير العمل) أحياناً، وروى مثله مُحمَّد في المُوطَّأ عن مالك عن نافع (ثم قال): على أنَّا لا نقول بحرمتها بل بكراهتها(2).
وفي تفسير (تنوير البيان) للإمامية عن شرح التجريد للعلامة القوشجي، وشرح المقاصد للعلامة التفتازاني، قال عمر: ثلاث كُنَّ على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنا أنهى عنهن وأُحرمهُنَّ، وأُعاقبُ عليهنَّ، وهي متعة النساء، ومتعة الحج، و(حي على خير العمل)(3).
وفي (كنز العمال) عن ابن جريج قال: أخبرني عمر بن حفص أنَّ سعداً أول مَنْ قال (الصلاة خير من النوم) في خلافة عمر، فقال: بدعة لو تركوه، وإنَّ بلالا لم يُؤذنْ لعمر (رواه عبدالرزاق)(4).
وفيه: عن ابن عمر أنَّ عمر قال لمؤذنه إذا بلغتَ (حيَّ على الفلاح) في الفجر فقُلْ (الصلاة خير من النوم) رواه الدارقطني، وابن ماجة، والبيهقي. وفيه: في المُوطَّأ لمالك، عن مالك بلغه أنَّ المؤذن جاء عمر يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائماً فقال: (الصلاة خير من النوم)، فأمره أن يجعلها في نداء الصبح(5).
وفيه أنبأنا يونس عن الحسن، وابن سيرين قالا: كان التثويب في الفجر (الصلاة خير من النوم)(1).
وعن مجاهد قال: كنتُ مع ابن عمر فسمع رجلا يثوب في المسجد فقال أخرج بنا من عند هذا المبتدع، (رواه عبدالرزاق، والضياء)(2).
قال في (البحار): لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبة للأذان بشهادة الشيخ، والعلامة، والشهيد الأول، وغيرهم. وأمَّا إنكار صاحب (مَن لا يحضره الفقيه) فليس بمُعْتَمد لأنَّه قول مردود، كما رُدَّ قوله في سهو النبي(صلى الله عليه وآله)بقول الثقات.
أقول وبالله أستمد: الواجب على إخوان الإسلام أنْ لا يسخروا على أذان الشيعة، وإنْ شهدوا بولاية أمير المؤمنين في الأذان لأنَّه تعالى حدد من تمسخر على الأذان بقوله (وإذا ناديتم إلى الصلاة إتخذوها هزواً ولعباً) ولنا في إثبات هذه (الشهادة) إثباتات كافية من القرآن الكريم.
قال الله تعالى: (والذين هم بشهاداتهم قائمون)، (سورة المعارج). ومن مسلمات أهل الفن أنَّ أدنى الجمع يُطلقُ على الثلاث، ففي الأذان ثلاث شهادات; شهادة التوحيد، وشهادة الرسالة، وشهادة الإمامة، والسلام.
وفي (سنن الترمذي) عن أُمّ سلمة: يا أفلح، ترِّبْ وجهك. وروى (النسائي، وأبو داود، والحاكم) عنها: يا رباح تَرِّبِ وجهكَ. وروى أحمد عنها زيادة: لله
تعالى، ورواه أبو نعيم، وابن عساكر عن أبي صالح: تمسَّحوا بالأرض فأنَّها بكم برة.
عن سلمان: ونعم المذكر السبحة. وأنَّ أفضل ما تسجد عليه الأرض، وما أنبتته الأرض، (رواه الديلمي عن علي كذا في كنز العمال)(1).
وفي سنن الترمذي: إنَّ قوماً من أهل العمل اختاروا الصلاة على الأرض استحباباً(2).
وفي (الكبيري): وكره مالك السجود على ما يكون من غير جنس الأرض كالجلد والمسح، وكذا خرقة القطن، والكتّان متمسكاً بحديث الخمرة، وإنْ كان هو (أي السجود على الأرض) الأفضل اتفاقاً. ورُويَ عن مالك كراهة الصلاة على غير الأرض أو جنسهما(3).
وفي البخاري عن أبي سعيد قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) سجد على الماء، والطين، رأيت أثر الطين على جبهته(4).
وفي (الاستبصار) قال: لا بأس بالقيام على المُصلى (من الشعر والصوف)، إذا كان يسجد على الأرض، فأنْ كان من نبات الأرض، فلا بأس بالقيام عليه، والسجود عليه(5).
وفي الكافي، والتهذيب قال أبو عبدالله(عليه السلام): السجود على الأرض فريضة، قال: لا تسجد على الذهب، ولا على الفضة(6).
وفي (شرائع الإسلام)، و(تهذيب الأحكام): لا يجوز السجود على ما ليس بأرض كالجلود، والصوف، والشعر، ولا على ما هو من الأرض إذا كان معدناً كالملح، والعقيق، والذهب، والفضة، والقير إلاّ عند الضرورة، ولا على ما أنبتت الأرض إذا كان مأكولا بالعادة كالخبز والفواكه، ويجوز على القرطاس، ويكره إذا كان فيه كتابة(1).
وفي تهذيب الأحكام: السجود على ما أنبتت الأرض إلاّ ما أُكل أو لبس(2).
في (كنز العمال): إذا جلست في صلاتك فلا تتركنَّ الصلاة عليّ فأنَّها زكاة الصلاة، (رواه الدارقطني)(3). وعن عبدالله بن بريدة قال(عليه السلام): يا بريدة إذا جلستَ في صلاتك فلا تتركنَّ التشهد، والصلاة عليّ (رواه الخطيب)(4).
وقال النووي في شرح مسلم: ذهب الشافعي، وأحمد إلى أنَّها (أي الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله)) واجبة لو تُركتْ لم تصح الصلاة. وهو مروي عن عمر، وابنه عبدالله، وهو قول الشعبي. وقد نسب جماعة الشافعي في هذا إلى مخالفة الإجماع، ولا يصح قولهم فأنَّه مذهب الشعبي ـ كما ذكرنا ـ (وقد رواه عنه البيهقي)(5).
وفي الروضة الندية: وذهب الشافعي وحده إلى وجوبها في التشهد الأخير
فأنْ لم يُصلِّ لم تَصُحَّ صلاته(1).
وفي (الصواعق المحرقة): صحَّ عن ابن مسعود تعيين محلها (أي الصلاة)، وهو بين التشهد والدعاء، فكان القول بوجوبها، لذلك الذي ذهب إليه الشافعي هو الحق الموافق لصريح السُنَّة، ولقواعد الأصوليين. وتدلُّ عليه أيضاً أحاديث صحيحة كثيرة استوعبتُها في شرحي (الإرشاد) و(العُباب) مع بيان الرد الواضح على مَنْ تَشَنَّعَ على الشافعي، وبيان أنَّ الشافعي لم يشذَّ، بل قال به قبله جماعة من الصحابة كابن عمر، وابن مسعود، وجابر، وأبي مسعود البدري، وغيرهم والتابعين: كالشعبي، والباقر(عليه السلام)، وغيرهم كإسحاق بن راهويه، وأحمد. بل لمالك قول موافق للشافعي رجَّحه جماعة من أصحابه بل قال شيخ الإسلام، خاتمة الحُفّاظ ابن حجر: لم أرَ عن أحد من الصحابة والتابعين التصريح بعدم الوجوب إلاّ ما نُقِلَ عن إبراهيم النخعي مع إشعاره بأنَّ غيره كان قائلا بالوجوب(2)، فزعم أنَّ الشافعي شذَّ، وأنَّه خالف في ذلك فقهاء الأمصار مجرد دعوى باطلة لا يُلْتَفتُ إليها، ولا يعول عليها.
وللشافعي:
يا أهلَ بيتِ رسول الله حُبكُمُ فرضٌ من الله في القرآن أنزلهُ
كفاكُمُ من عظيم القدر أنَّكُمُ مَنْ لم يُصلِّ عليكم لا صلاةَ لهُ(3)
أقول: قوله: (لا صلاة له) أي صحيحة ليكون موافقاً لمذهبه بوجوب الصلاة على الآل.
في (مختلف الشيعة): قال (الشيخ) في النهاية: الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله)
فريضة، فمَنْ تركها متعمداً وجب عليه إعادة الصلاة، ومَنْ تركها ناسياً قضاها بعد التسليم(1)، وكذا في (مسالك الأفهام).
وفي شرائع الاسلام: والواجب الصلاة على النبي وآله عليه السلام(2).
وفي مدارك الأحكام: ونقل المصنف في المعتبر الاجماع على وجوبها (أي الصلاة) على النبي وآله عليه السلام(3).
تفحّصت كثيراً من كتب أهل السُنَّة فلم أجد حديثاً مرفوعاً قولياً ضعيفاً ولا قوياً في قبض اليدين، لا تحت السرة ولا فوقها، لا متصلا ولا منفصلا، فإذا لم يثبت (القبض) ثبت (الإرسال) ضرورةً، وفطرةً (فطرة الله التي فطر الناس عليها). لأنَّ الإنسان إذا تولد تكون يداه مرسلتين، وإذا مشى مشى هكذا، وإذا نام نام هكذا، وإذا مات مات هكذا، وإذا غُسِّل وكفّن وضع هكذا، وإذا دُفِن دفن هكذا، وإذا حُشر واعطى كتابه بيمينه أو شماله كان هكذا، مع أنَّ أحاديث القبض مستلزمة للتعارض للوضع المكاني، ففي بعضها تحت (السرة)، وفي بعضها فوقها وفي بعضها فوق الصدر.
ومن أصولهم المُسلَّمة أنَّه إذا تعارضا تساقطا فبقى الأصل، وهو (الإرسال) كما قال عبدالحي في (فتاواه) عن معاذ: أنَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذا كان في الصلاة رفع يديه قبال أُذنيه، فإذا كبّر أرسلهما (رواه الطبراني)، وعن عمرو بن دينار قال: كان ابن الزبير إذا صلّى أرسل يديه (رواه ابن أبي شيبة)(4).
قال الشيخ الدهلوي في (فتح المنّان في تأييد مذهب النعمان): مذهب مالك إرسال اليدين، وهو عزيمة عنده، والوضع رخصة.
قال العيني في (شرح كنز الدقائق) قال مالك: العزيمة في الإرسال، والرخصة في الوضع والأخذ لأنَّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان يفعل كذلك، وكذا أصحابه حتى ينزل الدم من رؤوس أصابعهم(1).
وقال النووي في شرح مسلم: عن مالك روايتان، أحدهما: يضعهما تحت صدره، والثانية: يُرسلهما ولا يضع أحدهما على الأخرى. وهذه رواية جمهور أصحابه وهي الأشهر عندهم، وهي مذهب الليث بن سعد. وعن مالك أيضاً استحباب الوضع في(النفل)، والإرسال في(الفرض)، وهوالذي رجَّحه البصريون من أصحابه(2).
وفي (تنوير العينين): يحكى أنَّ الإمام مالك حكم بالارسال مع أنَّهُ كان مشهوراً في القرن الأول، واتفق عليه أكثر العلماء في القرن الأول، واتفق عليه أكثر العلماء في القرون الآخر، وقالوا أيضاً: إنَّ هذا الفعل في هذه البلاد تشبيه بالروافض، حيث تُرِكَ سوى مذهب الحنفية فلم يبق فاعلوه غير الشيعة، وقد قال النبي(صلى الله عليه وآله): "إتّقوا مواضع التهم".
قلنا: هذا من قصوركم حيث تركتموه فصار شعاراً لهم، فعليكم بالاتفاق على فعله لئلا يبقى مختصاً بهم. وترك السُنَّة للتحرّز عن التشبيه بالفرق الضالة غير مشروع، (انتهى ما في تنوير العينين)(3).
وفي الكافي للإمامية قال حمَّاد فقلتُ: جُعلتَ فداك تعلّمني الصلاة فقام أبو عبدالله(عليه السلام) مستقبل القبلة منتصباً فارسل يديه جميعاً على فخديه قد ضم أصابعه(4).
وفي شرائع الإسلام: قواطع الصلاة قسمان، الثاني لا يبطلها إلاّ عمداً، وهو وضع اليمين على الشمال(1).
وفي (مدارك الأحكام شرح شرائع الإسلام): القول بالبطلان هو المشهور بين الأصحاب. ونقل الشيخ، والمرتضى فيه الإجماع، واحتجوا عليه بصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما قال: قلتُ الرجل يضع يده في الصلاة اليمنى على اليسرى، قال: ذلك التكفير فلا تفعل(2)، ولا تكفر فأنَّما يصنع ذلك المجوس(3).
وفي فروع الكافي، عن أبي جعفر(عليه السلام): وأرسلْ يديك، ولا تشبك أصابعك، وليكونا على فخذيك قبالة ركبتيك(4).
وفي (دعائم الإسلام): هكذا عن علي(عليه السلام).
أقول: قد ثبت مما قلنا أنَّ (الإرسال) أصل ينبغي العمل عليه بالرواية والدراية، وأنَّ (القبض) قبيح لمخالفته فطرة الله تعالى (كما مرَّ)، ولأنه من شعائر المنافقين كما قال عزَّ إسمه "يقبضون أيديهم"، ولأنَّ المجرمين غُلّت أيديهم في الدنيا والآخرة كما لا يخفى فالعاقل تكفيه الاشارة، والمجادل لا تشفيه ألف رسالة.
في كنز الدقائق: الجماعة سُنَّة مؤكدة، والأعلم أحقُّ بالإمامة، ثم الأقرأ، ثم الأورع، ثم الأسنّ، وكره إمامة العبد، والأعرابي، والفاسق، والمبتدع، والأعمى، وولد الزنا(5).
في (مستخلص الحقائق شرح كنز الدقائق): قوله الأعلم أحقُّ بالإمامة، أي
أولى الناس بالإمامة أعملهم بالسُنَّة إذا لم يطعن في دينه، وكره إمامة الفاسق لأنَّه لا يهتم بأمر دينه، ولأنَّ في تقديمه تقليل الجماعة لمكان الأنفة من اقتدائه.
وفي (جامع الرموز): والأولى بالإمامة الأعلم بالنسبة وانَّما قُدَّم الأعلم إذا قدر على ما يجوز به الصلاة من القراءة، واجتنب عن الفواحش الظاهرة كما في (المحيط)، وغيره، ثم الأقرأ، ثم الأورع، ثم الأسنّ فإنْ أمَّ عبدٌ أو اعرابي، أو فاسق (من الفسوق وهو لغةً الخروج عن الاستقامة، وشريعة الخروج عن طاعة الله تعالى بارتكاب كبيرة)، ويكره إمامة النمَّام كما في (الروضة)، وإمامة المُرائي والمتصنع. ومَن أَمَ بأجرة ـ كما في (الجلالي) ـ يكره(1).
وفي (الكبيري) شرح المنية: في فتاوى الحُجَّة: وفيه إشارة إلى أنَّهم لو قدموا فاسقاً يأثمون بناءً على أنّ كراهة تقديمه كراهة تحريم لعدم اعتنائه لأمر دينه وتساهله في الإتيان بلوازمه فلا يبعد منه الإخلال ببعض شروط الصلاة، وفعل ما ينافيها بل هو الغالب بالنظر إلى فسقه، ولذا لم تَجُزْ الصلاة خلفه أصلا عند مالك، ورواية عن أحمد إلاّ أنا جوزناها مع الكراهة لقوله(صلى الله عليه وآله): صلّوا خلف كلّ برٍّ وفاجر، وصلّوا على كل برٍّ وفاجر، وجاهدوا مع كل برّ وفاجر (رواه الدارقطني)، واعله بأنَّ مكحولا لم يسمع من أبي هريرة، ومن دونه ثقات. وحاصله أنَّه مرسل وهو حجّة عندنا، وعند مالك، وجمهور الفقهاء فيكون حجة عليه.
قال في شرح ردّ المختار (المشهور بالشامي): إعلم أنَّ المكروه إذا أُطلق في كلامهم فالمراد منه التحريم إلاّ أنّ يُنَصَّ عليه التنزيه فقد قال المُصنِّف في (المُصفّى): لفظ الكراهة عند الاطلاق هو التحريم. قال أبو يوسف: قلت لأبي حنيفة إذا قلت في شيء أكرهه فما رأيك فيه، قال: التحريم.
قال ابن الهمام في(فتح القدير شرح الهداية): ترك المكروه مقدم على فعل السنة.
1) جامع الرموز: 1 / 76.
أقول: قد ثبت من كتب أهل (الجماعة) أنَّ الفاسق لا يصلح للإمامة، وأنَّ الكراهة كراهة تحريم، وأنَّ الحديث الجاري على ألسنتهم (أي صلّوا خلف كل برّ وفاجر) ليس مما يُستْنَد إليه (كما ذكرنا)، وأنَّ الإمام ضامن، والضامن ينبغي أنْ يكون أصلح القوم وأفضلهم وأتقاهم لأنَّه تعالى قال في كتابه المجيد، "إنّما يتقبل الله من المتقين"، ومفهومه المخالف يدل على أنَّه مَن ليس بمتق فلا يُتَقَبَّلُ منه لأنَّه مقرون بالحصر وأنَّ العلماء المتوارثين نسلا بعد نسل هم أئمة المساجد، ولو كانوا أجهل أو أفحش، وأسوأ أعمالا (كما في زماننا)، وإنَّ الذين إتخذوا الإمامة حرفةً وأُجرةً فقد ضلّوا وأضلّوا. والحال أنَّ كتبهم مشحونة بأنَّ (الاستيجار) على الإمامة، وتعليم القران حرام.
والذي نفسي بيده إني فررتُ من مذهب (الحنفية) ورجعتُ إلى (الحنيفيّة)، وآثرت مذهب (الإمامية) من صنيعتهم هذه لأنَّ (معاصري) كان إمام مسجد البلدة، ومعلم صبيان القرية، فقد شهد شهادة الزور مرةً بعد مرة لا سيَّما في معاملة النكاح، وحلف بالكتاب الكريم على الإعلان فتركت اقتداءه في الصلاة ثم إتُهمتُ بالتشيّع، فرأيتُ كتب القوم كرَّات، وقلتُ لهم هذا ما في كتبكم فلم يقبلوا للمعاندة، فطالعتُ كتب (الإمامية) فوجدتُ فيها ما كان حقّاً، والحقُّ أحقَ أنْ يُتَّبَع، واستمسكت بالثقلين ما إستطعتُ فاتخذني القوم عدواً كما هي عادتهم، وتوكلتُ على الله، وكفى بالله وليَّاً وكفى بالله نصيراً.
وأمَّا (الإمامية) فقد إتفق كلهم أجمعون على أنَّ إمامة الفاسق لا تجوز كما قال في (شرائع الإسلام): يُعتبر في الإمام الإيمان والعدالة والعقل وطهارة المولد والبلوغ على الأظهر(1).
وفي شرحه (مدارك الأحكام): إعتبار هذه الأمور الأربعة في إمام الجماعة
1) شرائع الإسلام: 1 / 51.
مقطوع به في كلام الأصحاب مدعي عليه الإجماع. نعم ذهب ابن الجُنّيد إلى أنَّ كلَّ المسلمين على العدالة إلى أن يظهر منه ما يزيلها، وذهب آخرون إلى جواز التعويل على حسن الظاهر لعسر الاطلاع على البواطن، (وقد تقدَّم الكلام في ذلك مفصَّلا في صلاة الجمعة فلا نعيده)(1).
وقد قال في (باب الجمعة): الرابع (العدالة) وقد نقل جمع من الأصحاب الإجماع على أنَّها شرط في الامام، وإنْ اكتفى بعضهم في تحققها بحسن الظاهر، أو عدم معلومية الفسق(2).
وفي (مَن لا يحضره الفقيه) قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): إمام القوم، وافدهم فقدموا أفضلكم، وقال(عليه السلام): انَّ سَرّكم أن تُزكّوا صلاتكم فقدموا خياركم، وقال أبو ذر: إنَّ إمامك شفيعك سفيهاً ولا فاسقاً(3).
وفيه: لا تُصلِّ خلفَ مَنْ يشهد عليك بالكفر، ولا خلف مَن شهدتَ عليه بالكفر، (قاله أبو عبدالله(عليه السلام))(4).
وعن الرضا(عليه السلام) أنَّهُ سُئِل عن الرجل يقارف الذنب أيُصلّى خلفه أم لا، قال: لا.
وقال إسماعيل الجعفي لأبي جعفر(عليه السلام): رجل يُحبُّ أمير المؤمنين، ولا يتبرأ من عدوه، ويقول هو أحبُّ إليّ ممن خالفه، قال: هذا مخلط عدو فلا تُصلِّ وراءه. وقال الصادق(عليه السلام): ثلاثة لا تصلِّ خلفهم; المجهول، والغالي وإنْ كان يقول بقولك، والُمجاهر بالفسق وإنْ كان مقتصداً.
وهكذا نرى ان الكاتب تعرض لمواضيع عديدة ضمن الصلاة اثبت فيها الحق الذي عليه الشيعة، من النصوص والأقوال التي وردت في كتب أهل السنة.
ولدت في سوريا عام 1965م، وترعرعت في أجواء عائلة تنتمي إلى المذهب الحنفي، واصلت دراستها الاكاديمية حتى تخرجت عام 1987 م من كلية الشريعة في جامعة دمشق.
تقول الأخت لمياء عن فترة دراستها في الجامعة: "دخلت علينا ذات يوم طالبة جديدة تتمتع بشخصية متينة ويبدو على سيمائها علامات النبل والخير والصلاح.
فاستفسرنا عنها فتبيّن أنّها عراقية، كانت تواصل دراستها في كلية الطب في العراق، لكنها بعد الهجرة إلى سوريا حبذت الدراسة في كلية الشريعة من أجل رفع مستواها العلمي بالأمور الدينية".
وتقول الأخت لمياء: "ثم تبيّن لي ولباقي الطلاب أن الأخت بتول تنتمي إلى مذهب التشيع، فاصبح ديدننا التحرش بها والسخرية والاستهزاء بها، لأننا كنا
نحسبها وفق ما كنا نعتقد أنها غير مسلمة!! وأنّها ممن يعبدون عليّ بن أبي طالب، ويتهمون الأمين جبرائيل بالخيانة في تسليمه الرسالة إلى محمد(صلى الله عليه وآله)، وأنّهم من الغلاة الذين يرفعون منزلة أئمتهم إلى درجة الألوهية، ويسجدون للحجر من دون الله، وأنّهم أشدّ على الإسلام من اليهود والنصارى.
ولكن كانت الأخت بتول رغم كلّ الاتهامات الموجهة اليها، تقابل الجميع بروح طيبة وتتعامل مع الجميع بلين ورفق، وتحاول أن تتجنب إثارة أية حساسية بينها وبين الآخرين.
واستمر الوضع على هذا المنوال، حتى صادف ذات يوم أنني تأخرت عن موعد المحاضرة، فلم أجد مكاناً للجلوس سوى جنب هذه الفتاة الشيعية التي كنت اتجنب من التقرّب اليها فيما سبق.
فجلست بجنبها وأنا مستاءة من الوضع، لأنني شعرت بحالة من الاشمئزاز تحيط وجودي نتيجة قربي منها، ولكنني حاولت أن أسيطر على انفعالاتي، وقلت في نفسي: مالي وشأنها، دع كل منّا على دينه ومذهبه، فكل انسان يتحمل بنفسه تبعات العقيدة التي يختارها.
وصادف أن كان موضوع محاضرة الاستاذ في ذلك اليوم حول الشيعة والتشيع، وجعل الاستاذ يطعن بالتشيع ويستهزىء بافكارهم، فالتفتُ إلى بتول فرأيتها مستغربة مما يقال عن مذهبهم.
واستمر الوضع على هذا المنوال حتى انتهت المحاضرة، والأخت بتول متذمرة من الوضع وقد بان على وجها عدم الارتياح من محاضرة الأستاذ.
فالتفتُ اليها قائلة: ما لي أراك مستاءة، أليس ما قاله الدكتور المحاضر عنكم صحيحاً؟
فابتسمت بتول وقالت: إذا كان هذا هو مستوى تفكير الأستاذ فلا لوم على الطلاب، واذا كان هذا مستوى وعي الطلاب فلا لوم على عامة الناس.
فقلت لها: وما الذي تقصديه؟
فقالت: أقصد أن ما ذكره الأستاذ حول الشيعة والتشيع ليس إلاّ مجرد أوهام وادعاءات كاذبة، وأنّ التشيع بريء من جميع هذه الأمور التي يتهمه بها من لا يخشى الله فيما يقول".
ثم حاولت الأخت بتول أن تسيطر على زمام انفعالاتها النفسية، ثم أبدت استعدادها للبحث مع لمياء وطلبت منها تمنحها فرصة أكبر لتبيّن لها المزيد من حقائق الأمور. فقبلت لمياء ذلك وتم الاتفاق أن يذهبا معاً إلى الكافتيريا.
فلما استقر بهما المكان في الكافتيريا وتوفر الجو المناسب لفتح باب الحديث بعد تناول القهوة.
قالت بتول: "هل صادف أن قرأت كتاباً حول التشيع، ليكون تقييمك لهم عن دليل وبرهان لا عن تبعية وتقليد؟
لمياء: نعم، قرأت بعض الكتب من قبيل كتب أحمد أمين وغيرها.
بتول: هذه الكتب في الحقيقة لا يصح الاعتماد عليها لمعرفة التشيع، لأنّ في نفوس مؤلفيها شائبة نحو التشيع وهم ممن ليس بوسعهم أن يكتبوا بموضوعية حول مذهب أهل البيت(عليهم السلام). والحل أن يرفع الانسان مستواه العلمي في المجال العقائدي، وأن لا يبادر إلى تقييم أي مذهب إلا بعد التعرف على آرائهم من كتبهم.
قالت لمياء لبتول: إنّ المذاهب الإسلامية أربعة لا غير، وأن ما سواها فليس من الإسلام في شيء!
بتول: إنّ المذاهب الأربعة قد أخذ بعضهم عن بعض، فأحمد بن حنبل أخذ عن الشافعي، والشافعي أخذ عن مالك، ومالك أخذ عن أبي حنيفة، وأبو حنيفة أخذ عن جعفر الصادق، وهو الإمام الذي تتلمذ على يديه أكثر من أربعة آلاف فقيه ومحدث.
ثم حاولت الأخت لمياء أن تطرح على طاولة البحث شبهة كانت عالقة في ذهنها حول الشيعة فقالت لبتول: سمعت إنكم تعبدون عليّاً وتقدسونه، فهل يسعك، أن تبيّني لي أسباب ذلك؟!
بتول: هذا افتراء بالنسبة إلى أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ونحن إنما نعتقد بإمامة الإمام عليّ(عليه السلام) وأنه أحق بالخلافة من غيره بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله).
لمياء: أخبريني عن قولكم بخيانة جبرئيل؟
بتول: هذه أيضاً تهمة قد الصقت بنا من قبل المخالفين من أجل تشويه سمعتنا، وإنّ من له أدنى معرفة بعقائد الشيعة يعلم أنّهم يعتقدون بعصمة الأنبياء والأئمة رغم كونهم من البشر، وإنّ دلّ هذا على شيء فيدل من باب الأولى على قولهم بعصمة ملك مقرب عند الله وهو جبرئيل.
تقول الأخت لمياء: ثم تطرقنا إلى مواضيع عديدة، وبعد انتهاء الجلسة شعرت بخطئي في مجال تعصبي لمذهب أجهل الكثير من صحة أدلته ومبانيه،
وأحسست أنني بحاجه إلى تخصيص جملة من وقتي للمطالعة والتنقيب حول الأمور العقائدية والدينية.
كما أنني بعد انتهاء الجلسه شعرت بزوال أي نفور أو كدورة إزاء مذهب التشيع، ثم أُثير هذا التساؤل في نفسي: يا ترى هل يأتي يوم أجد فيه نفسي منتمية للتشيع، فارتعدت فرائصي وأسرعت لامحاء هذه الصورة من ذهني، وقلت في نفسي; استبعد مجيء هكذا يوم، لانني لا يسعني تصديق كون آبائي وأجدادي كلهّم على ضلال وأن أكون أنا الوحيدة من بين عائلتي على الحق.
وبعد أيام عدة جاءت بتول لزيارة لمياء إلى بيتها، فانساق الكلام بينهما حتى دار حول القرآن الكريم، فقالت لمياء: يُقال أن لكم مصحفاً خاصاً بكم...؟
بتول: هذه مقولة من يريد تمزيق وحدة المسلمين، وتفريق صفوفهم، وليس لنا قرآناً غير ما هو متداول بين المسلمين.
لمياء: أرجو أن تبيني لي المزيد من الحقائق حول الشيعة والتشيع... حدثيني عن أدلتكم في أحقية عليّ بن أبي طالب في الخلافة، حديثني عن الحسين(عليه السلام)، وعن سبب بكائكم عليه، حدثيني عن توسلكم وتبرككم بأضرحة أئمتكم، حدثيني عن سبب اختلافنا معكم في طريقة الوضوء وبعض أجزاء الصلاة و...
عندها مدّت الأخت بتول يدها إلى حقيبتها وأخرجت منها مجموعة من الكتب وقالت للمياء: من أهم الاُمور التي دعتني للإعجاب بشخصيتك هي تطلعك نحو العلم والمعرفة، فلهذا حملت معي عند مجيئي اليك بعض الكتب المؤلفة من قبل المستبصرين الذين كانوا من أهل السنة، فغيروا انتماءهم بعد البحث واعتنقوا
مذهب التشيع ثم ألفو حول استبصارهم، فأحببت أن أقدّم لك هذه الكتب، لتتمكني بعد مطالعتها من رفع مستواك العلمي والديني، بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، والحصول على إجابة الأسئلة التي تدور في ذهنك حول الشيعة والتشيع.
ففرحت الأخت لمياء بذلك وتقبلت منها الكتب بشوق ورحابه صدر.
انكبت لمياء بعد ذلك في فترات فراغها على قراءة هذه الكتب بتأمل وامعان، وكانت كلما تقرأ تجد أنها تكتشف الجديد في العلم والمعرفة الدينية.
وتقول الأخت لمياء: كانت أكثر قضية أثارت اهتمامي بعد معرفتها، هي رزية يوم الخميس وموقف الصحابة عندما طلب منهم النبيّ(صلى الله عليه وآله) وهو على فراش العلة قبل وفاته أن يأتوا له بكتف ودواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبدا.
فاستغربتُ من موقف الصحابة حينما اطلعت عليه في كتب المستبصرين، ولكنني ترويت، وأحببت أن لا أستعجل في الحكم إلاّ بعد الحصول على اليقين.
فقمت بمراجعة كتب أهل السنة التي ورد أن هذه القضية التاريخية قد وردت فيها من قبيل صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وتاريخ الطبري وتاريخ ابن الأثير. فتفاجأت بعد التأكد من صحة نقل هذه القضية في كتبنا المعتبرة، وعرفت أنني بحاجة إلى غربلة الكثير من معتقداتي وتمييز الصحيح والسقيم منها عن طريق البحث والتنقيب.
واصلت لمياء مطالعتها وبحثها حتى بانت لها الحقيقة، ووجدت نفسها تقترب بصورة تدريجية من فكر أهل البيت(عليهم السلام)، ولم تمض فتره حتى استقر رأيها على تغيير انتمائها واعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فلم تجد أمامها سوى عقبات
نفسية، فتوجهت إلى بارئها باخلاص، وطلبت منه أن يمنحها قوة اجتياز العقبات التي اعترت طريقها، فاحست بعد ذلك أنّها قادرة على حسم هذا الصراع النفسي الذي عانت منه في الآونة الاخيرة، فاتخذت قرارها النهائي واعتنقت اخيراً مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
وتقول الاخت لمياء حول الفترة التي اعقبت استبصارها: تأسفت كثيراً على الماضي الذي عشته بلا بصيرة ولا وعي، ثم شكرت الله لتوفيره لي الأجواء المناسبة للاستبصار والاهتداء إلى سبيل الحق.
صادف استبصار لمياء أيام العشرة الأولى من شهر المحرم، فلما التقت ببتول رأتها لمياء في رداء الحزن والأسى، وقد بان الانكسار على وجهها، فاستفسرت منها الأمر، فاخبرتها بتول بملحمة عاشوراء وكيفيه مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) واهل بيته وأصحابه بأيدي أهل الجور والظلمة والطغاة.
فتأثرت لمياء بذلك، وانحدرت دموعها على خديها وتفاعلت مع المصيبة التي جرت على عترة الرسول(عليهم السلام)، ثم أخبرتها باستبصارها وطلبت منها أن تأخذها معها إلى المآتم المنعقدة لاقامة العزاء على الإمام الحسين(عليه السلام).
فتفاجأت بتول بذلك وجعلت تنظر إليها باستغراب، فاحتضنتها لمياء وضمتها إلى صدرها، ثم قبّلت ما بين عينيها، وقالت لها: لا يسعني أن اشكرك على ما قمت به من توفير أسباب استبصاري وهدايتي وانقاذي من الظلمات والجهل والانتقال إلى عالم النور والعلم والمعرفة.
ثم ذهبت لمياء مع بتول للمشاركة في المأتم الحسيني، حيث تقول في هذا المجال لمياء: رأيت الناس في المأتم الحسيني تبكي فتذرف الدموع الغزيرة،
فبكيت معهم واستلهمت في ذلك المجلس الحسيني الكثير من المعاني النبيلة التي منحتني القوة والشجاعة والتضحية، واستنار وجودي بسيرة الإمام الحسين(عليه السلام)وشعرت أن الدموع التي أذرفها أنّها تغسل معها جميع الشوائب والأدران العالقة في قلبي، وشعرت في وجودي بعد انتهاء المجلس بطهارة القلب ونقاء البصيرة واستنارة العقل وطمأنينة النفس.
بادر أهل لمياء وأقاربها واصدقائها بعد استبصارها باستخدام شتى الاساليب لارجاعها إلى ما كانت عليه، لكن باءت جميع محاولاتهم بالفشل، فتركوها لشأنها بعد ما واجهوا صمودها واستقامتها في الثبات على مبادئها التي اعتنقتها عن دليل وبرهان.
ثم قامت لمياء بدورها لدعوتهم إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وبيّنت لهم الأدلة التي اعتمدت عليها في انتمائها إلى التشيع، فاقتنع اثنين من أخواتها واستبصرا على يديها، فوفرا معاً أجواء تحيطها هالة من المعنوية في ظل حديثهن عن فضائل أهل البيت(عليهم السلام)، وغدت كل واحده منهن تشجع الأخرى على تعميق الصلة بتراث أهل البيت(عليهم السلام) والعمل وفق ما روى عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن طريق عترته المعصومين والميامين الأبرار.
1 ـ "أخيراً أشرقت الروح":
صدر عام 1421 هـ ـ 2000 م عن دار الخليج العربي للطباعة والنشر.
طرحت المؤلفة في بداية الكتاب قصة استبصارها، ثم تعرضت في بقية الكتاب لحياة عائشة زوجة النبيّ(صلى الله عليه وآله).
تقول في المقدمة: "إنّ التحليل الموضوعي والدراسة المستوعبة لحياة الجيل الذي عاش مع النبيّ(صلى الله عليه وآله) ـ والذي كان له الدور الأكبر في رسم المستقبل السياسي والثقافي للمسلمين ـ يكشف لنا الواقع الصحيح، الذي حاولت الحكومات آنذاك تغييره وتزويره.
إلاّ أنّ النور لا يمكن أن تكتم أنفاسه. فبقي في بطون الكتب ومضات يلمسها كل من تحرر من التقليد الأعمى.
لقد جمعنا الومضات التي تكشف لنا عن سيرة أم المؤمنين عائشة (الصحيحة)، إننا نقدم للأحرار أم المؤمنين عائشة مأخوذة من كتب الحديث والتاريخ... دون الركون إلى كلام المقدسين لها فتقديس الأشخاص غالباً ما يكبل العقل ويعطل حركته".
ثم تعرضت الأخت لمياء لحياة عائشة في بابين يضمن كل منهما عدة فصول كما يلي:
الباب الأول: عائشة في حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله).
الفصل الأول: زوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله) وعائشة.
الفصل الثاني: صفات عائشة.
الفصل الثالث: عبثية منهج عائشة.
الباب الثاني: عائشة ما بعد حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله).
الفصل الأول: الفتنة على ظهر الجمل.
الفصل الثاني: أشلاء أخيرة من سيرتها.
تنبع أهمية كتابها في كونه من كتب المستبصرين الذين انتقلوا إلى مذهب التشيع واهتدوا بنور الثقلين، فحاكوا خيوط هذا النور وصيروها حبلاً للتمسك بهما وركوب سفينة النجاة. وهي كتب لها مذاقها واسلوبها الخاصين فضلاً عن أهميتها الدينية والمذهبية. كما لاحظت وستلاحظ في كتابنا هذا الذي يعرف بها.
ولهذا الكتاب خصوصية أخرى هو أنّ القلم الذي خطّه كانت تمسك به أمرأة مستبصرة لا رجل، وصاحبة القلم منهن قلائل وهي الوحيدة التي رأينا لها كتاباً، وقد انتقلت هذه الخصوصية إلى موضوع الكتاب فضلا عن اسلوبه، فاختارت أن تتحدث عن عائشة بنت أبي بكر زوجة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وهو اختيار سنلاحظ أنه كان موفقاً إلى حدّ بعيد.
فكان عنوان الكتاب الكامل هو: "أخيراً أشرقت الروح، تلاشت الظلمة ورَحَلتُ إلى مرابع الشمس، وكان جمل الفتنة إحدى محطات إستراحتي".
تعرض المؤلفة في بداية الكتاب قصة استبصارها الشيقة التي تقدم ذكرها في ترجمتها، ثم تنتقل إلى موضوع الكتاب الرئيسي وهو حياة عائشة وهي المرأة التي لعبت دوراً كبيراً ومهماً ـ وان كان فى الجانب السلبي ـ في صدر الرسالة الإسلامية.
وكان من نتيجة ذلك أن يأخذ أهل السنة نصف دينهم عنها. باستنادهم من رسول الله(صلى الله عليه وآله) وارتباطها به، وقد استغل بنو أمية وعلماء السوء هذا الأمر أبشع استغلال فجعلوا قداسة الرسول قداسة لها واحترامه احتراماً لها رغم تحذير
الرسول منها مشيراً إلى بيتها: ـ "ههنا الفتنة ههنا الفتنة ومطلع قرن الشيطان"(1).
ورغم الآيات القرآنية المتعددة التي تنتقد أعمال ومواقف زوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله)والتي كان لعائشة القدح المعلى في أسباب نزولها.
فبعدما وصفت الآية القرآنية: (النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَ أَزْوَ جُهُ أُمَّهَـتُهُمْ)(2)نعت زوجات النبي بأمومة المؤمنين ـ وهي أمومة تشريعية لا غير ـ نتيجة ارتباطهن بالنبيّ(صلى الله عليه وآله) كما يتبين ذلك واضحاً من أدنى تأمل لظاهر الآية.
نجد أن ذلك لم يمنع الوحي الشريف من أن يقول: (إِن تَتُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَ إِن تَظَـهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صَـلِحُ الْمُؤْمِنِينَ...)(3).
والمتظاهرتان هما ـ عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر بن الخطاب ـ كما اعترف عمر بذلك في حديثه مع ابن عباس(4).
وأن يقول: (يَـأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَ جِكَ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )(5).
والمقصود هنا أيضاً (عائشة وحفصة) حيث تآمرتا عليه في قصة العسل المعروفة(6).
ولقد ضرب الله لهما مثلاً خطيراً في سورة التحريم ليُعْلِمها وبقية المسلمين
أنّ الزوجية للنبيّ لا تمنع من دخول النار (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَتَ نُوح وَ امْرَأَتَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَـلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْـاً وَ قِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّ خِلِين)(1).
وبعد هذا كله نجد من يجعل عائشة مصداقاً لآية اذهاب الرجس والتطهير التي تفيد العصمة باعتبارها من أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله)، إنْ لم تكن أفضلهن وأحبهن كما يدعون زوراً وبهتانا وافتراءاً.
وقد قسمت الكاتبة حياة عائشة إلى فترتين: الأولى حياتها مع النبيّ(صلى الله عليه وآله)، والثانية حياتها بعد وفاته(صلى الله عليه وآله).
أوضحت الكاتبة بالدليل والبرهان أنّ عائشة لم تكن الزوجة المفضلة للرسول(صلى الله عليه وآله) كما كانت تدعي، بل كانت أفضل زوجاته خديجة والتي كانت عائشة تغار من وفاء النبيّ(صلى الله عليه وآله) لها وذكره بالخير لها بعد موتها، فوصفتها بالعجوز حمراء الشدقين وأنّ الله أبدله خيراً منها، فغضب الرسول(صلى الله عليه وآله) وقال في حق خديجة: "لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني في مالها اذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً اذ حرمتني النساء"(2).
وأنها لم تكن صغيرة السن كما كانت تدعي لنفسها ويدعي لها الناصبين لأهل البيت(عليهم السلام) بالحد الذي جعلوا النبيّ(صلى الله عليه وآله) وهو ابن ثلاث وخمسين سنة يتزوج منها وهي بنت ست سنين، مما جعل علماء أهل السنة يتحيرون في جواب شبهات المستشرقين وقد كان هذا الجواب سهلاً لو أعترفوا بأنّه ليس كل ما ورد في
صحاحهم صحيحاً.
وأنّ كل ما ذكر عن جمالها وحظوتها عند النبيّ(صلى الله عليه وآله) فهو مروي عنها أو عن ابن اختها عروة، ولو سلم فكيف اشتهرت بالغيرة؟! ومن المسلّم أن لا يغار الجميل والمحظي بل العكس هو الصحيح.
وأنّ زواج النبيّ(صلى الله عليه وآله) منها كان زواجاً لتأليف القلوب ولتسود المحبة والرحمة بين القبائل بدلاً من التنافر والتباغض، وقد تزوج الرسول(صلى الله عليه وآله) بأمْ حبيبة بنت أبي سفيان وأخت معاوية وهما من هما في عداء الرسول وآله، كما صاهر الرسول اليهود والنصارى ليقرب أهل الأديان بعضهم من بعض.
تشير الكاتبة إلى أن إيذائها لرسوله(صلى الله عليه وآله) انتقل بعد ذلك لوليه عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فحاربته وركبت جمل الفتنة ونبحتها كلاب الحوأب، وإلى سبطه الحسن(عليه السلام)فركبت البغل وصدّت الجنازة أن تدفن قرب الجدّ الحنون، وخالفت صريح القرآن: (وَ قَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَ لاَ تَبَرَّجْنَ)(1)الذي نزل في نساء النبيّ أولا وأصالةً.
ولم تسلم الأمة من ايذائها باشعالها حرب الجمل، حيث قُتل في البصرة بأمر مباشر منها عثمان بن حنيف مع سبعين من أصحابة وقيل: أربعمائة، وهم أول من قتل صبراً في الإسلام.
وشمل أذاها أيضاً سنة الرسول(صلى الله عليه وآله) فغيرت فيها ما شاءت تبعاً لهواها وانقياداً لشيطانها الذي طالما حذرها الرسول الكريم منه.
فقالت ـ على سبيل المثال ـ باتمام صلاة السفر وجعلتها أربع ركعات بدلاً من ركعتين كما تأوّل عثمان وأبدع في الدين، وساندت معاوية على إحياء هذه
1) الأحزاب: 33.
البدعة بعد أن كانت قد روت بنفسها عن رسول الله خلاف ما قالت به.
كما تفردت بنقل روايات رضاعة الكبير، وأنها كانت تبعث بالرجال إلى أختها أم كلثوم بنت أبي بكر لترضعهم لتستحل عائشة مجالستهم بدون حجاب(1).
ولا نقول شيئاً سوى أنها روايات مخزية تنسب إلى أعظم شخص عرفته البشرية، وصارت هي وأمثالها كروايات سماع النبيّ للمغنيات في بيته(2)وغيرها مادة دسمة لامثال سلمان رشدي في محاربة الإسلام في الصميم بتشويه صورة الرسول(صلى الله عليه وآله)إستناداً إلى كلام أقرب الناس إليه.
ولد في مصر بالبيصلية ـ مركز ادفو ـ محافظة أسوان.
حفظ القرآن الكريم، ثم التحق بمعهد المعلمين بقنا، حيث تخرج منه عام 1949م.
عمل مدرساً بوزارة التربية والتعليم (1949 ـ 1960)، حصل على ليسانس الآداب بمرتبة الشرف من قسم التاريخ بكلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية عام 1960م.
عين معيداً لتاريخ مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية عام 1961. حصل على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف في التاريخ القديم من كلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية عام 1969م.
أعير إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض في الفترة 1973 ـ 1977م.
عين مدرساً لتاريخ مصر والشرق الأدنى القديم في كلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية عام 1974م. عين استاذاً مساعد لتاريخ مصر والشرق الأدنى القديم في كلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية عام 1974م. عين أستاذاً لتاريخ مصر
والشرق الأدنى القديم في كلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية عام 1979م.
عين عضواً بلجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة في عام 1981م. عين عضواً في مجلس إدارة هيئة الآثار المصرية في عام 1982م.
أعير إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة في الفترة 1983 ـ 1987م.
عين رئيساً لقسم التاريخ والآثار المصرية والإسلامية في كلية الآداب جامع الاسكندرية (1987 ـ 1988م).
أختير مقرراً للجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة المساعدين في الآثار الفرعونية وتاريخ مصر والشرق الأدنى القديم (1988 ـ 1989م).
عين أستاذاً متفرغاً في كلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية في عام 1988م.
عضو لجنة التراث الحضاري والأثري بالمجالس القومية المتخصصة. عضو اللجنة الدائمة للآثار المصرية في هيئة الآثار. عضو اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة المساعدين في الآثار الفرعونية وتاريخ مصر والشرق الأدنى القديم. عضو اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة في الآثار الفرعونية وتاريخ مصر والشرق الأدنى القديم. عضو اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة المساعدين في التاريخ. عضو اتحاد المؤرخين العرب.
أشرف وشارك في مناقشة أكثر من 45 رسالة دكتوراه وماجستير في تاريخ وآثار وحضارة مصر والشرق الأدنى القديم في الجامعات المصرية والعربية.
أسس وأشرف على شعبة الآثار المصرية بكلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية منذ عام 1982.
شارك في حفائر كلية الآداب ـ جامع الإسكندرية في الوقف ـ مركز دشنا ـ محافظة قنا، (في عام 1980 ـ 1981م)، وفي "تل الفراعين" مركز دسوق ـ
محافظة كفر الشيخ (في عام 82 ـ 1983).
1 ـ الثورة الاجتماعية الأولى في مصر الفرعونية ـ الإسكندرية 1966م.
2 ـ مصر والعالم الخارجي في عصر رعمسيس الثالث ـ الإسكندرية 1969م.
3 ـ حركات التحرير في مصر القديمة ـ القاهرة 1976م.
4 ـ اخناتون: عصره ودعوته ـ القاهرة 1979م.
5 ـ قصة أرض الميعاد بين الحقيقة والأسطورة ـ مجلة الأسطول ـ العدد 66 ـ الإسكندرية 1971م.
6 ـ النقاوة الجنسية عند اليهود ـ مجلة الأسطول ـ العدد 67 ـ الإسكندرية 1971م.
7 ـ النقاوة الجنسية عند اليهود ـ مجلة الأسطول ـ العدد 68 ـ الإسكندرية 1971م.
8 ـ أخلاقيات الحرب عند اليهود ـ مجلة الأسطول ـ العدد 69 ـ الإسكندرية 1971م.
9 ـ إسرائيل ـ أربعة أجزاء ـ التاريخ، الحضارة ـ الإسكندرية 1978م ـ 1979م.
10 ـ النبوة والأنبياء عند بني إسرائيل ـ الإسكندرية 1979م.
11 ـ الساميون والآراء التي دارت حول موطنهم الأصلي ـ الرياض 1974م.
12 ـ العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة ـ الرياض 1976م.
13 ـ مركز المرأة في الحضارة العربية القديمة ـ الرياض 1977م.
14 ـ الديانة العربية القديمة ـ الإسكندرية 1978م.
15 ـ العرب والفرس في العصور القديمة ـ الإسكندرية 1979م.
16 ـ الفكر الجاهلي ـ القاهرة 1982م.
17 ـ قصة الطوفان بين الآثار والكتب المقدسة ـ الرياض 1976م.
18 ـ قانون حمورابي وأثره في تشريعات التوراة ـ الإسكندرية 1979م.
19 ـ الجزء الأول ـ في بلاد العرب ـ بيروت 1988م.
20 ـ الجزء الثاني ـ في مصر ـ بيروت 1988م.
21 ـ الجزء الثالث ـ في بلاد الشام ـ بيروت 1988م.
22 ـ الجزء الرابع ـ في العراق ـ بيروت 1988م.
23 ـ مصر ـ ثلاثة أجزاء ـ الإسكندرية 1988م.
24 ـ الحضارة العربية القديمة ـ الإسكندرية 1988م.
25 ـ بلاد الشام ـ الإسكندرية 1990م.
26 ـ المغرب القديم ـ الإسكندرية 1990م.
27 ـ العراق القديم ـ الإسكندرية 1990م.
28 ـ التاريخ والتاريخ ـ الإسكندرية 1991م.
29 ـ السيرة النبوية الشريفة ـ ثلاثة أجزاء ـ بيروت 1990م.
30 ـ السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) ـ بيروت 1990م.
31 ـ الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) ـ جزءين ـ بيروت 1990م.
32 ـ الإمام الحسن بن علي(عليه السلام) ـ بيروت 1990م.
33 ـ الإمام الحسين بن علي7 ـ بيروت 1990.
34 ـ الإمام علي زين العابدين(عليه السلام) ـ بيروت 1990.
35 ـ الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) ـ تحت الطبع.
36 ـ مصر ـ الجزيرة العربية ـ بلاد الشام الجزء الأول ـ بيروت 1993م.
37 ـ العراق ـ المغرب ـ السودان ـ الجزء الثاني ـ بيروت 1993م.
38 ـ الإمامة وأهل البيت(عليهم السلام) ـ ثلاثة أجزاء ـ بيروت 1993م.
39 ـ دراسة حول التاريخ للأنبياء(عليهم السلام). مجلة كلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية العدد 39 لعام 1992م.
40 ـ تاريخ القرآن ـ جزءين ـ تحت الطبع.
يحدد الكاتب المعنى المقصود بأهل البيت(عليهم السلام)، ويستعرض الآراء الأخرى الواردة في هذا المعنى ثم يناقشها فيقول:
يتفق المؤرخون والمحدثون ـ أو يكادون ـ على أن أهل البيت(عليهم السلام) إنما هو الكرام الخمسة البررة:
1 ـ سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله(صلى الله عليه وآله).
2 ـ سيدنا ومولانا وجدنا الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام).
3 ـ سيدة نساء العالمين جدتنا السيد فاطمة الزهراء(عليها السلام).
4 ـ سيدنا الإمام الحسن بن علي(عليه السلام).
5 ـ سيدنا وجدنا ومولانا الإمام الحسين بن علي(عليه السلام).
على أن هناك من يرى غير ذلك، ومن ثم فلعل من الأفضل أن نتعرض لهذه الآراء الأخرى:
روى السيوطي في الدر المنثور أن عكرمة كان يقول عن آية الأحزاب 33 (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا )(1)من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي(صلى الله عليه وآله). غير أن هناك من يعترض على ذلك لأسباب
1) الأحزاب: 33.
كثيرة، منها:
أولا: أن الحافظ ابن كثير يقول في تفسيره: إذا كان المراد أنهن سبب النزول فهذا صحيح، وأما إن أريد أنهن المراد دون غيرهن، فهذا غير صحيح(1).
روى ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب عن ابن عم له قال: دخلت مع أبي على عائشة رضي الله عنها، فسألتها عن علي(رضي الله عنه)، فقالت...: تسألني عن رجل كان من أحب الناس إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وكانت تحته ابنته، وأحب الناس إليه، لقد رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله)، دعا علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً رضي الله عنهم، فألقى عليهم ثوباً، فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي، فاذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا"، قالت: فدنوت منهم، فقلت: يا رسول الله، وأنا من أهل بيتك، فقال(صلى الله عليه وآله): تنحي، فإنك على خير".
قال: أخرجه الحافظ البزار والترمذي وابن كثير في تفسيره(2).
ثانياً: أن أهل البيت في آية الأحزاب 33 (آية التطهير)، إنما يراد به أهل بيت النبوة، المنحصر في بيت واحد، تسكنه سيدة نساء العالمين، السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، ابنة النبي(صلى الله عليه وآله)، وزوجها الإمام علي(رضي الله عنه)، وكرم الله وجهه في الجنة ـ وابناهما، الإمام الحسن والإمام الحسين، رضي الله عنهما، وأما بيت الزوجية، فلم يكن بيتاً واحداً، وإنما كان بيوتاً متعددة تسكنها زوجات النبي(صلى الله عليه وآله)، لقوله تعالى: (وقرن في بيوتكن)، وفي هذه الآية الأخيرة الخطاب موجه لمن في بيوت النبي(صلى الله عليه وآله)، جميعاً.
ثالثاً: ما قيل من أن آية الأحزاب 33 وما بعدها، إنما جاءت في حق أزواج
النبي(صلى الله عليه وآله)، فالرد على ذلك، أن هذا لا ينكر من عادة الفصحاء في كلامهم، فإنهم يذهبون من خطاب إلى غيره، ويعودون إليه.
والقرآن الكريم ـ وكذا كلام العرب وشعرهم ـ مملوء بذلك، ذلك لأن الكلام العربي، إنما يدخله الاستطراد والاعتراض، وهو تخلل الجملة الأجنبية بين الكلام المنتظم المناسب، كقول الله تعالى: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَ جَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَ كَذَ لِكَ يَفْعَلُونَ * وَ إِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّة)(1). فقوله: (وكذلك يفعلون)، جملة معترضة من جهة الله تعالى، بين كلام ملكة سبأ.
وقول الله تعالى: (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَ قِعِ النُّجُومِ * وَ إِنَّهُو لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُو لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ)(2)، أي فلا أقسم بمواقع النجوم، إنه لقرآن كريم، وما بينهما اعتراض.
ومن ثم فلم لا يجوز أن يكون قول الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(3). جملة معترضة متخللة لخطاب نساء النبي(صلى الله عليه وآله)، على هذا النهج؟
وعلى أيه حال، فلا أهمية لمن قال: بأن أزواج النبي(صلى الله عليه وآله)، من أهل البيت، فلا توجد فرقة من المسلمين تدين بالولاء لإحدى أزواج النبي(صلى الله عليه وآله)، وتوجب الاقتداء بها.
رابعاً: أنه حتى الذين يجعلون أزواج النبي(صلى الله عليه وآله)، من أهل البيت، وأن آية الأحزاب 33 نزلت فيهن، إنما يذهبون ـ في نفس الوقت ـ إلى أن الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء والإمامين ـ الحسن والحسين ـ عليهم السلام، إنما هم
أحق بأن يكونوا أهل البيت.
يقول "ابن تيمية" في "رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم"، روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن أم سلمة: ان هذه الآية (آية الأحزاب 33) لما نزلت: أدار النبي(صلى الله عليه وآله)، كساءه على عَليّ وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً".
ثم يقول ابن تيمية: وسنته(صلى الله عليه وآله)، تفسر كتاب الله وتبيّنه، وتدل عليه وتعبر عنه، فلما قال: "هؤلاء أهل بيتي"، مع أن سياق القرآن يدل على أن الخطاب مع أزواجه، علمنا أن أزواجه ـ وإن كن من أهل بيته، كما دل عليه القرآن ـ، فإن هؤلاء ـ أي الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين ـ أحق بأن يكونوا أهل بيته، لأن صلة النسب، أقوى من صلة الصهر، والعرب تطلق هذا البيان للاختصاص بالكمال لا للاختصاص بأصل الحكم(1).
هذا فضلا عما رواه البخاري في صحيحه من حديث عائشة: أن فاطمة بنت النبي(صلى الله عليه وآله)، قالت: سارني النبي(صلى الله عليه وآله)، فأخبرني أنه يقبض في وجعه، الذي توفي فيه، فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه، فضحكت"(2).
خامساً: ما أجاب به "زيد بن أرقم" في الحديث المشهور، حين سئل: من أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ فقال: أهل بيته من حرم الصدقة بعده.
روى مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم، قال: قام رسول الله(صلى الله عليه وآله)، يوماً فينا خطيباً بماء يدعي خُمّاً بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول
ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين(1)، أولهما كتاب الله تعالى، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله، ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، فقال له حصين، ومن أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته، قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم، قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟، قال: نعم"(2).
وفي رواية أخرى عن زيد بن أرقم، أنه ذكر الحديث بنحو ما تقدم، وفيه: فقلنا: من أهل بيته، نساؤه؟ قال: لا، وايم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته، الذين حرموا الصدقة بعده"(3).
سادساً: أن قول الله تعالى: (لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ...). بالميم، يدل على أن الآية نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)، ولو كان الخطاب خاصاً بنساء النبي(صلى الله عليه وآله)، لقال "عنكن" و"يطهركن".
سابعاً: أن تحريم الصدقة على أزواج النبي(صلى الله عليه وآله)، ليس بطريق الأصالة ـ كبني هاشم ـ وإنما هو تبع لتحريمها على النبي(صلى الله عليه وآله)، وإلاّ فالصدقة عليهن حلال، قبل اتصالهن به(صلى الله عليه وآله)، فهن فرع من هذا التحريم.
ومن المعروف أن التحريم على "المولى" فرع التحريم على سيده، ولما
1) قال الإمام النووي: قوله(صلى الله عليه وآله): ثقلين، فذكر كتاب الله وأهل بيته، قال العلماء، سميا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما، وقيل لثقل العمل بهما (صحيح مسلم: 15 / 180، وانظر روايات أخرى للحديث الشريف: 15 / 179 ـ 181).
2) صحيح مسلم: 15 / 179 ـ 180، دار الكتب العلمية بيروت 1401هـ ـ 1981م.
3) صحيح مسلم: 1 / 181.
كان التحريم على بني هاشم أصلا، استتبع ذلك مواليهم، ولما كان التحريم على أزواج النبي(صلى الله عليه وآله) تبعاً، لم يقو ذلك على استتباع مواليهم، لأنه فرع عن فرع. فقد ثبت في الصحيح أن "بريرة" تُصدق عليها بلحم فأكلته، ولم يحرمه النبي(صلى الله عليه وآله)، وهي "مولاة" لعائشة...(1).
ثامناً: ما ذهب إليه صاحب تفسير "مجمع البيان" من أن ثبوت عصمة المعنيين بالآية 33 من الأحزاب، إنما يدل على أنها مختصة بهؤلاء الخمسة الكرام البررة، النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)، لأن من عداهم غير مقطوع بعصمته.
يذهب فريق من العلماء إلى أن أهل البيت هم من حرمت عليهم الصدقة من بني هاشم، وهم: آل علي بن أبي طالب، وآل جعفر بن أبي طالب، ثم آل العباس بن عبدالمطلب، يعنون بذلك بني هاشم جميعاً، وأن البيت هو بيت النسب، ومن ثم يكون: أعمام النبي(صلى الله عليه وآله)، وبنو اعمامه منهم.
روى "القاضي عياض" في "الشفاء" عن الشعبي: أن زيد بن ثابت الأنصاري، صلى على جنازة أمه، ثم قربت له بغلته ليركبها، فجاء عبدالله بن عباس بن عبدالمطلب، فأخذ بركابه، فقال زيد: خل عنه يا ابن عم رسول الله، فقال ابن عباس: هكذا نفعل بالعلماء، فَقَبَّل زيد يَدَ ابن عباس، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا(2).
هذا فضلا عن حديث زيد بن أرقم ـ والذي رواه مسلم في صحيحه ـ وفيه
أن أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله)، إنما هم أهل بيته وعصبته، الذين حرموا الصدقة(1).
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى نقطتين، (اولا): أن هناك من قسم أهل بيت النبي إلى ثلاثة دوائر، الدائرة الخاصة: وهم ذرية فاطمة وعلي إلى يوم القيامة من الحسن والحسين، وهم أهل الكساء والمباهلة، ويسمون كذلك خاصة الخاصة، والدائرة الثانية: هم بنو هاشم والمطلب، ومن ألحق بهم نصاً، وهم الذين يحرم عليهم الزكاة، والدائرة الثالثة: هم الزوجات الطاهرات، أمهات المؤمنين،....
و(ثانياً) أنه مهما اختلف المسلمون في فرقهم، فإن كلمتهم واحدة في أن شجرة النسب النبوي الشريف إنما تنحصر في أبناء فاطمة الزهراء، لأن النبي(صلى الله عليه وآله)، لم يعقب إلاّ من ولدها.
وأما بنو علي ـ من غير السيدة فاطمة ـ وبنو عقيل وجعفر والعباس، فإنهم من بني هاشم، جدهم وجد النبي معاً، لكنهم ليسوا من آل النبي(صلى الله عليه وآله)، لأن نسبهم لا ينتهي إليه(صلى الله عليه وآله).
يوضّح الكاتب معنى الامامة لغة، واصطلاحاً من مصادر أهل السنة، فيقول:
الإمامة لغة: التقدم، تقول: أمّ القوم: تقدمهم، ومنه: "أممت القوم، فأنا أؤمُهُم أمَّاً وإمامة، إذا كنت إمامهم، ومنه قول الله تعالى لإبراهيم(عليه السلام): (إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)(2)، إني مصيرك تؤم من بعدك، من أهل الإيمان بي وبرسلي، تتقدمهم أنت، ويتبعون هديك، ويستنون بسنتك التي تعمل بها، بأمري إياك، ووحيي إليك(3).
والإمام: القدوة، وهو ما ائتم به الناس من رئيس أو غيره، هادياً
كان أو ضالا(1).
وإمام: من أمّ ومعناها في الأصل: الرئيس، وخاصة الدليل الذي يقود القافلة، وهي ترادف الهادي، ومنها كل شخص أو شيء يتخذ دليلا أو قدوة، مثل ذلك إمام الغلام في الكُتاب (المكتب)، وهو ما يتعلم منه كل يوم(2).
وترد في القرآن الكريم بمعنى المثل والدليل والقدوة والمشابه(3)، ومنذ ظهور الإسلام تطلق هذه الكلمة على الرجل الذي يصلي بالناس، وكان الإمام ـ أول الأمر ـ هو النبي(صلى الله عليه وآله)، أو من ينيبه عنه في غيبته، وبعد وفاته(صلى الله عليه وآله)، حل في الإمامة أحد الخلفاء، أو عمالهم، وأصبحت الإمامة في الصلاة إحدى المهام الأساسية للحاكم، وإسناد السلطة إلى عمال الأقاليم يظهر في صورة واضحة للجميع، عندما يؤم نائب الخليفة الناس في الصلاة.
هذا ويخلع فقهاء المسلمين لقب "الإمام" على رأس الجماعة الإسلامية، وهو زعيم الأمة في الدين والدنيا، ويسمى عادة "الخليفة" لأنه يخلف النبي(صلى الله عليه وآله)، ويتزعم الإمام المسلمين في أمور الدين، وبيده أزمة الجماعة التي يرأسها، ويطلق على هذا المنصب "الإمامة الكبرى" تمييزاً له عن "الإمامة الصغرى"، وهي وظيفة من يؤم الناس في الصلاة(4).
فالإمامة أو الخلافة إذن: هي النظام الذي جعله الإسلام أساساً للحكم بين الناس، بهدف اختيار الأصلح من المسلمين ـ قدر الطاقة ـ لتجتمع حوله كلمة الأمة، وتتحد به صفوفها، وتقام به أحكام الشريعة، وفي ذلك يقول البيضاوي
(عبدالله بن عمر، ت685 / 1286م): الإمامة: عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص لرسول الله(صلى الله عليه وآله)، في إقامة القوانين الشرعية وحفظ حوزة الملة.
يستعرض الكاتب آراء الفرق الاسلامية في من يستحق الإمامة وكيفية اختياره، فيقول:
اختلفت المذاهب الإسلامية فيمن يشغل منصب الخلافة، فذهب فريق من العلماء إلى أن الأمة إنما تختار من تشاء، متى رأوا فيه القدرة على حراسة الدين، وسياسة الدنيا، لا فرق بين قريشي وغيره، وهذا كان رأي غالبية الأنصار، حين رأوا في اجتماع السقيفة أن يبايعوا "سعد بن عبادة"، قبل بيعة أبي بكر الصديق...، وقد أخذ بهذا الرأي ـ فيما بعد ـ المعتزلة، وأكثر الخوارج، وجماعة من الزيدية.
وقد احتج هذا الفريق بحديث النبي(صلى الله عليه وآله)، الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي(صلى الله عليه وآله)، قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير، فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني"(1).
وروى مسلم أيضاً في صحيحه بسنده عن شعبة عن أبي عمران عن عبدالله بن الصامت عن أبي ذر قال: "إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبداً مجدع الأطراف"(2).
ومن ثم فقد أجاز الخوارج أن يكون الإمام من غير قريش(3)، وأن من
يستحقها هو من قام بالكتاب والسنة ـ سواء أكان عربياً أم أعجمياً(1)ـ وبالغ "ضرار بن عمرو" فقال: إن تولية غير القرشي أولى، لأنه يكون أقل عشيرة، فإذا عصى أمكن خلعه(2)، قال الشهرستاني:
"وبدعتهم (أي الخوارج) في الإمامة: إذ جوزوا أن تكون الإمامة في غير قريش، وكل من نصبوه برأيهم، وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل، واجتناب الجور، كان إماماً، ومن خرج عليه يجب نصب القتال معه، وإن غيّر السيرة، وعدل عن الحق، وجب عزله أو قتله، وهم أشد الناس قولا بالقياس، كما جَوّزوا أن لا يكون في العالم إمام أصلا، وإن أحتج إليه فيجوز أن يكون عبداً أو حراً أو نبطياً أو قرشياً(3).
وقال ضرار بن عمرو(4)، إذا اجتمع حبشي وقرشي، كلاهما قائم بالكتاب والسنة، فالواجب أن يقدم الحبشي، لأنه أسهل لخلعه، إذا حاد عن الطريقة(5).
هذا ويلخص "ابن أبي الحديد" في "شرح نهج البلاغة"(6)آراء الفرق المختلفة في كون "الأئمة من قريش" بقوله: اختلف الناس في اشتراط النسب القرشي في الإمامة، فقال قوم من قدماء أصحابنا (أي المعتزلة): إن النسب ليس شرطاً فيها أصلا، وأنها تصلح في القرشي وغير القرشي، إذا كان فاضلا مستجمعاً للشرائط المعتبرة، واجتمعت الكلمة عليه، وهو قول الخوارج.
1) ذهب النظام والخوارج ونشوان الحميري وبعض الحشوية، أنها تصح في جميع الناس مطلقاً فرق في ذلك بين عربي وعجمي وزنجي (المذهب الزيدي: 43).
2) الشهرستاني: الملل والنحل: 1 / 116 (ط الحلبي ـ القاهرة 1387هـ ـ 1968).
3) الشهرستاني: الملل والنحل: 1 / 116 (ط الحلبي ـ القاهرة 1387هـ ـ 1968).
4) ضرار بن عمرو: من رجال منتصف القرن الثاني الهجري، اختلف في نسبه إلى المعتزلة، فابن الرواندي يثبت أنه من المعتزلة، والخياط ينفي ذلك وأنه كان تلميذاً لواصل بن عطاء، ثم انصرف عنه وأسس "الضرارية"، وأنه كان حيّاً حوالي عام 180م.
5) ابن حزم الأندلسي: الفصل في الملل والأهواء والنحل: 4 / 108 (ط محمد علي صبيح ـ القاهرة 1384هـ ـ 1964م).
6) نهج البلاغة: 9 / 77 ـ 88 (دار الفكر ـ بيروت 1967).
وقال أكثر أصحابنا (المعتزلة) وأكثر الناس: أن النسب القرشي شرط في الإمامة، وأنها لا تصلح إلاّ في العرب خاصة، ومن العرب في قريش خاصة، وقال أكثر أصحابنا: معنى قول النبي(صلى الله عليه وآله) "الأئمة من قريش"، إن القرشية شرط، إذا وجد في قريش من يصلح للإمامة، فإن لم يكن فيها من يصلح، فليست القرشية شرطاً فيها.
وقال بعض أصحابنا (المعتزلة): معنى الخبر أنه لا تخلو قريش أبداً ممن يصلح للإمامة، فأوحوا بهذا الخبر: أن هناك من يصلح للإمامة من قريش في كل عصر وزمان.
وقال معظم الزيدية: إنها في الفاطميين خاصة من الطالبيين، لا تصلح في غير البطنين (أبناء الحسن والحسين)، ولا تصلح إلاّ بشرط أن يقوم بها، ويدعو بها، ويدعو إليها، فاضل، زاهد، عالم، شجاع، سائس، هذا ومعظم الزيدية يجيز الإمامة في غير الفاطميين، من ولد علي(عليه السلام)، وهو من أقوالهم الشاذة.
وأما الرواندية فقد خصصوها للعباس بن عبدالمطلب، رحمه الله، من بين بطون قريش كلّها، وهذا القول ظهر في أيام الخليفة العباسي "المنصور" (136 ـ 158هـ / 754 ـ 775م) ثم المهدي (158 ـ 169هـ / 775 ـ 785م).
وأما الشيعة الإمامية، فقد جعلوها سارية في ولد مولانا الإمام الحسين بن علي ابن أبي طالب(عليه السلام)، في أشخاص مخصوصين، لا تصلح عندهم لغيرهم.
على أن الكيسانية إنما قصروها على "محمد بن الحنفية" ابن الإمام علي بن أبي طالب، من السيدة خولة بنت جعفر من بني حنيفة، ثم في ولده، ومنهم من نقلها منه إلى ولد غيره(1).
على أن آل بيت النبي(صلى الله عليه وآله)، إنما كان رأيهم أن الخلافة يجب أن تكون في بيت النبوة، والمقدم فيهم، سيدنا الإمام علي بن أبي طالب(رضي الله عنه)، وكرم الله وجهه في
1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 9 / 86 (بيروت 1967).
الجنة، وأبناؤه من السيدة فاطمة الزهراء، سيدة نساء العالمين، وبنت النبي المصطفى(صلى الله عليه وآله).
وأما حصر الإمامة في الإمام علي وولده، فلقد أشرنا من قبل أن السنة حصرت الإمامة في قريش، دون غيرهم، وقالت الشيعة: أنه ما دام الأمر كذلك، فبيت النبي(صلى الله عليه وآله)، هو أفضل بيوت قريش قاطبة، ولولاه لم يكن لها هذا الشأن، بل لولا محمد وآله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لم يكن للعرب تأريخ أو ذكر(1).
روى الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الفضائل): حدثنا مُحمد بن مَهْران الرازي، ومحمد بن عبدالرحمن بن سهم، جميعاً عن الوليد قال ابن مَهْران، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي عن أبي عمار شداد، أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم"(2).
وأما حصرالأئمة في 12، فقد كانت تلك رواية الشيخين (البخاري ومسلم)(3).
ويذهب السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي ـ إلى أن المقصود بالخلفاء أو الأمراء الاثنى عشر، إنما هم الأئمة الاثنى عشر (من الإمام علي وحتى الإمام المهدي الحجة)(4)والسبب في ذلك الأحاديث الشريفة ـ الآنفة الذكر ـ لا تنطبق على الخلفاء الراشدين الأربعة ـ أو حتى الخمسة بانضمام الإمام الحسن بن علي(عليهما السلام)، إليهم ـ لكونهم أقل عدداً، أو خلافة من سواهم من بني أمية أو بني
1) محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان: 37 ـ 38.
2) صحيح مسلم: 15 / 36.
3) صحيح البخاري: 9 / 101، صحيح مسلم: 12 / 202 ـ 203.
4) الأئمة الاثني عشر وهم: الإمام علي بن أبي طالب ـ الإمام الحسن بن علي ـ الإمام الحسين بن علي ـ الإمام علي زين العابدين ـ الإمام محمد الباقر ـ الإمام جعفر الصادق ـ الإمام موسى الكاظم ـ الإمام علي الرضا ـ الإمام محمد الجواد ـ الإمام علي الهادي ـ الإمام الحسن العسكري ـ الإمام الحجة بن الحسن العسكري.
العباس، لكونهم أكثر عدداً، فضلا عن أكثرهم من أهل الفسق والفجور، كما أنها لا تنطبق على ما تعتقده سائر فرق الشيعة غير الإمامية كالزيدية والإسماعيلية والفطحية وغيرهم ـ لكون أئمتهم أقل.
ومن ثم فالرأي عند الشيعة الإمامية ـ أو الاثني عشرية ـ إنما يراد بهؤلاء الاثني عشر أميراً أو خليفة، عترة النبي(صلى الله عليه وآله)، أولهم سيدنا الإمام علي، وآخرهم المهدي الحجة بن الحسن العسكري(عليهم السلام)(1).
يوضّح الكاتب ما يراه الشيعة في هذا المجال، فينقل من أقوال أئمتهم ممّا ورد في كتبهم، فيقول:
يقول سيدنا الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) (148 ـ 203هـ /765 ـ 818م): "إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين، إن الإمام أسّ الإسلام النامي، وفرعه السامي، وبالإمام توفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف، الإمام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والحجة البالغة، وهو الأمين الرفيق، والوالد الرقيق، والأخ الشفيق، ومَفْزع العباد، أمين الله في أرضه، وحجته على عباده، وخليفته في بلاده، الداعي إلى الله، والذاب عن حرم الله، عز المسلمين، وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين"(2).
1) السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي: فضائل الخمسة من الصحاح الستة: 2 / 25 ـ 26 (مؤسسة الأعلمي ـ بيروت 1393هـ / 1973م).
2) السيد حسين يوسف مكي: عقيدة الشيعة في الإمام الصادق وسائر الأئمة ص38 ـ 39 (دار الزهراء ـ بيروت 1407هـ / 1987م) الكليني: كتاب أصول الكافي ص96 ـ 97 (فارس 1281هـ)، عطية مصطفى مشرفة: نظام الحكم بمصر في عصر الفاطميين (358 ـ 567هـ / 968 ـ 1271م) ص77، دار الفكر العربي ـ القاهرة 1367هـ / 1948م).
وفي رواية الكليني (أبو جعفر بن محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني ـ المتوفى 328هـ (939م)، قال الإمام الرضا(عليه السلام): "إن الإمام زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين، إن الإمام أس الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمامة تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف، الإمام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والحجة البالغة، الإمام كالشمس الطالعة، المجلّلة بنورها العالم، وهي في الأفق، بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار".
"الإمام البدر المنير، والسراج الظاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي... الإمام المطهر من الذنوب، والمبرأ من العيوب، المخصوص بالعلم، الموسوم بالحلم... معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعبادة، مخصوص بدعوى الرسول، ونسل المطهرة البتول... فهو معصوم مؤيد، موفق مسدد، قد أمن من الخطأ والزلل والعثار، يخصه الله بذلك، ليكون حجته على عباده، وشاهد على خلقه"(1).
ويقول الإمام أبو عبدالله جعفر الصادق(عليه السلام) (80 أو 83هـ / 699 أو 703م ـ 148هـ / 765م): "إن الله ـ عزوجل ـ أعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل، إن زاد المؤمنين شيئاً ردهم، وإن نقصوا شيئاً أتمهم، وهو حجة الله على عباده"(2).
والإمامة ـ عند الشيعة الإمامية ـ رياسة عامة في أمور الدين والدنيا، لشخص من الأشخاص، نيابة عن النبي(صلى الله عليه وآله)(3)، ومن ثم فإن الناس متى كان لهم
رئيس، منبسط اليد، قاهر عادل، يردع المعاندين، ويقمع المتغلبين، وينتصف للمظلومين من الظالمين، اتسقت الأمور، وسكنت الفتن، وردت المعائش، وكان الناس ـ مع وجوده ـ إلى الصلاح أقرب، ومن الفساد أبعد، ومتى خلوا من رئيس ـ صفته ما ذكرناه ـ تكدرت معائشهم، وتغلب القوي على الضعيف، وانهمكوا في المعاصي، ووقع الهرج والمرج، وكانوا إلى الفساد أقرب، ومن الصلاح أبعد، وهذا أمر لازم لكمال العقل(1).
وترى الشيعة الإمامية أن النبوة لطف(2)، ولما كانت الإمامة لطفاً(3)، فلذلك كل ما دل على وجوب النبوة، فهو دال على وجوب الإمامة، خلافة عن النبوة، قائمة مقامها، إلاّ من تلقى الوحي الإلهي بلا واسطة(4).
وترى الشيعة الإمامية أيضاً أن الإمامة عهد من الله إلى الأئمة، وتستدل على ذلك بقول مولانا الإمام جعفر الصادق(رضي الله عنه): "أترون أن الوصي منا، يوصي إلى من يريد؟، ولكنه عهد رسول الله ورسوله لرجل فرجل، حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه"(5).
هذا وترى كذلك أن الإمامة بالنص من الله ورسوله، وأن الأئمة منصوص عليهم(6).
وهكذا استعرض الكاتب هذين المصطلحين (أهل البيت والإمامة) وعرض آراء الفرق الإسلامية في ذلك وناقشها، ووضّح ما يراه صحيحاً ـ وهو ما يقوله الشيعة ـ واستدل على ذلك باستدلال لطيف وموجز.
1) المفيد: النكت الاعتقادية ص39 (بغداد 1343هـ).
2) المفيد، النكت الاعتقادية ص47، المرتضى، الشافي ص2، الطوسي، فصول العقائد: 36.
3) السيوري، النافع يوم الحشر ص62 (قم 1367هـ).
4) الكليني، الكافي: 1 / 227.
5) نبيلة عبد المنعم داود: نشأة الشيعة الإمامية ـ بغداد 1968 ص311 ـ 312.
6) الجويني، الغياثي: 27 ـ 30.
الصورة
اعتمد الدكتور التيجاني على العقل السليم والفهم القويم، ثمّ شدّ الرحال في دنيا المعتقدات وفي خضم المدارس المذهبية والفلسفات الدينية، من أجل تمحيص الحق ومعرفته بين ركام الباطل، فوزن الأقوال بميزان العدل ليرجح كفة المعقول، وقارن الكلام والأحاديث ليتبين له المنطقي من اللامعقول والقوي من المهزول، وبذل أقصى جهده لمعرفة الحق، فتلقته الالطاف الإلهية وشملته التسديدات الربانية، فأنارت قلبه ليرى الحق حقاً لا غبار عليه وليرى الباطل باطلا لا لبس فيه، ثم شرح الباري صدره وهداه سواء السبيل، ثم وفّقه ليكون سبباً في هداية جمع غفير، قرؤوا كتبه واستمعوا إلى محاضراته فزالت عن بصيرتهم الحجب الداكنة وعرفوا السبيل إلى الطريق الآمنة.
ولد الدكتور التيجاني السماوي عام 1943م بمدينة قفصة الواقعة في جنوب دولة تونس، درس العلوم الدينية والعلوم الحديثة في بلاده، وانهى دراسته في جامعة الزيتونة العريقة في القدم، عمل في سلك التدريس 17 عاماً، حصل على شهادة الماجستير من جامعة باريس وكانت اطروحته التي قدّمها حول
المقارنة بين الأديان، ثم حاز على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون وذلك بعد قبول اطروحته التي قدمها لهذه الجامعة تحت عنوان: "النظريات الفلسفية في نهج البلاغة".
نشأ وترعرع في أوساط عائلة متدينة منتمية إلى المذهب المالكي ومتشربة بالطريقه الصوفية التيجانية المنتشرة في شمال أفريقيا.
انتهز الأجواء الدينية المحيطة له لينال اسمى درجات التكامل العلمي والمعرفي والديني في أقصر مدة ممكنة، فحفظ نصف القرآن وهو بعد لم يبلغ العاشرة من عمره، وقد تشرّف بحج بيت الله الحرام وله من العمر ثمانية عشر عاماً.
التقى الدكتور التيجاني خلال اقامته في مكة اثناء أداء فريضة الحج بمجموعة من العلماء الوهابيين واستمع إلى محاضراتهم فانجذب إلى جملة من أفكارهم وتأثر ببعض مبادئهم التي نالت اعجابه.
لكنه بعد العودة إلى بلده وجد أن ما حمل معه من الفكر الوهابي يتناقض ويصطدم مع الطقوس الصوفية، فاعترته حالة من التشويش الفكري ونشأ في نفسه صراعاً سلب منه حالة الاعتدال والتوازن، فبقي متحيراً بين الأخذ بعقيدة تعتبر التوسل بغير الله شرك وبين الطريقة الصوفية التي فيها يتم التقرب إلى الله عن طريق التوسل بالأولياء الصالحين.
وكان دأب الدكتور التيجاني هو كثرة السفر لا سيما خلال العطل الصيفية، فصادف ذات يوم خلال سفره من الاسكندرية إلى بيروت أن تعرّف في الباخرة على شخص عراقي وهو استاذ في جامعة بغداد اسمه منعم، وقد جاء إلى القاهرة لتقديم اطروحة الدكتوراه في الأزهر.
فدار بينهما حديث طويل أدى إلى توثيق العلاقة بينهما، وتحدث معه
الاستاذ منعم بكلام نزل على قلب الاستاذ التيجاني نزول الماء الزلال على قلب العطشان فتحوّل إلى باحث طالب للحق.
ثمّ دعاه الاستاذ منعم لزيارة العراق للاتصال بعلماء الشيعة، وتعهّد له بتكفل جميع نفقات سفره ذهاباً وإياباً، وذكر له أن اقامته بالعراق ستكون معه في بيته.
ففرح الدكتور التيجاني بهذا العرض وجعل في قرارة نفسه أن يلبّي دعوة الاستاذ في أوّل فرصة ممكنة.
وبالفعل تحققت امنية التيجاني لرؤية عاصمة الدولة العباسية، فسافر إلى العراق ونزل ضيفاً عند الاستاذ منعم، ثم التقى هناك بكبار علماء الشيعة في مدينة النجف الأشرف كالسيد الخوئي والشهيد الصدر والكثير من الاساتذة.
فانكشف له خلال ذلك قلة مستوى المامه بالتاريخ الاسلامي، وعرف أن سبب ذلك هو أن الاساتذة والمعلمين الذين تتلمذ على أيديهم كانوا يمنعونه من قراءة التاريخ مدّعين بأنه تاريخ أسود مظلم لا فائدة من قراءته.
كما تبيّن للدكتور التيجاني أن جميع الصور السلبية التي كان يعتقد بها عن الشيعة ليست إلاّ إشاعات وإدعاءات باطلة وأنّ التشيّع يحمل فكراً منطقياً يدخل العقول بدون استئذان، ثمّ تحاور عدّة مرّات مع صديقه الاستاذ منعم، فيقول الدكتور التيجاني في وصفه لهذه الحوارات: "كان كلامه يطرق سمعي وينفد إلى قلبي ويجد في نفسي صدىً إيجابياً".
وكان لكلام السيد الخوئي مع الدكتور حول التشيّع وقع خاص، فيقول الدكتور في ذلك: "بقيت اُفكر في أقواله وأنا مطرق أحلل واتذوق هذا الحديث المنطقي الذي نفذ إلى اعماقي وازال غشاوة عن بصري".
ويقول الدكتور التيجاني عن لقائه بالشهيد محمد باقر الصدر وأجوبته حول الاستفسارات التي كانت تدور في خاطره: "كانت اجوبة السيد محمد باقر الصدر
واضحة ومقنعة... وبقيت بين الشك والحيرة، الشك الذي أدخله علماء الشيعة في عقلي، لأنّ كلامهم معقول ومنطقي".
بعد رجوع الدكتور التيجاني إلى أرض الوطن فوجىء عند دخوله إلى المنزل بكثرة الكتب التي بعثها علماء وفضلاء الشيعة الذين أخذوا عنوانه ووعدوه بارسال الكتب إليه.
ففرح بهذه الهدية الثمينة ونظم الكتب في مكتبته ثمّ بدأ بمطالعة الكتب المرسله له، فقرأ كتاب (عقائد الإمامية) و(أصل الشيعة واُصولها) فارتاح ضميره لتلك العقائد التي يرتئيها الشيعة، ثمّ قرأ كتاب (المراجعات) للسيد شرف الدين الموسوي، ولم يقرأ منه بضع صفحات حتى استهواه هذا الكتاب وانشد إليه انشداداً لا يوصف حيث يقول الدكتور التيجاني عن انطباعه في هذا المجال: "كان الكتاب بحق يمثّل دوري كباحث يفتش عن الحقيقة ويقبلها أينما وجدت، وعلى هذا كان الكتاب مفيداً جداً وله فضل عليّ عميم".
وكان من أهم المقاطع التي ادهشته في هذا الكتاب هي عدم امتثال الصحابة لأوامر الرسول في عدّة مواقف والتي منها حادثة رزية يوم الخميس، فيقول الدكتور: "لم أكن أتصور أن سيدنا عمر بن الخطاب يعترّض على أمر رسول الله ويرميه بالهجر، وظننت بادئ الأمر أن الرواية من كتب الشيعة، وازدادت دهشتي عندما رأيت العالم الشيعي ينقلها من صحيح البخاري وصحيح مسلم، وقلت في نفسي: إن وجدت هذا في صحيح البخاري فسيكون لي رأي".
فلمّا وقع كتاب البخاري بيده جعل يتصفحه باحثاً فيه عن رزية يوم الخميس متمنياً أن لا يعثر عليها، فيقول: "ورغم أنفي وجدتها وقرأتها مرّات عديدة فكانت كما نقلها السيد شرف الدين وحاولت تكذيب الحادثة برمتها واستبعدت أن يقوم سيدنا عمر بذلك الدور الخطير ولكن أنى لي تكذيب ما ورد في
صحاحنا وهي صحاح أهل السنة والجماعة التي ألزمنا بها أنفسنا وشهدنا بصحتها".
أدرك الدكتور التيجاني أنه بحاجة إلى دراسة معمقة وبحث جاد في رحاب العقيدة ليتمكّن من الوصول إلى الحقيقة، كما أدرك أن الأمر هذا لا يتحقق إلاّ بالاعتماد على الأحاديث الصحيحة والابتعاد عن المؤثرات العاطفية والتعصّبات المذهبية والنزعات القومية أو الوطنية.
فخاض في هذا المضمار بروح بناءه وعقلية منفتحة محاولا عدم التهرّب من الحقيقة وعدم محاولة طمسها عندما لا تتماشى مع ميوله وأهوائه وأغراضه، فواجه نصوصاً صريحة قلبت عنده الموازين، ثمّ أدرك الحق الذي لا يصل إليه إلاّ الذي يتحرر عن تعصّبه الأعمى وكبريائه وينصاع للدليل الواضح.
بقي الدكتور التيجاني متحيّراً لفترة تتجاذبه الأفكار وتموج به الظنون والأوهام، خائفاً من مواصلة البحث لا سيّما حول تاريخ الصحابة خشية أن يقف على بعض المفارقات المذهلة في سلوكهم، فاستغفر الله مرّات عديدة ثمّ قرّر عدم مواصلة البحث، لكن دفعه حرصه على بلوغ الحقيقة إلى أن يقحم نفسه في البحث والتتبّع في مجال العقيدة ليكون على بصيرة من أمره.
واستمر في بحثه مقتحماً جميع العقبات التي كانت تعتري سبيله حتى أشرقت له الحقيقة، فأبدل أفكاراً متحجّرة متعصّبة تؤمن بالتناقضات بأفكار نيّرة متحرّرة ومنفتحة تؤمن بالدليل والحجّة والبرهان.
فيقول في هذا الجانب: "غسلت دماغي من أوساخ رانت عليها ـ طوال ثلاثين عاماً ـ أضاليل بني أمية، وطهّرته بعقيدة المعصومين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً".
يقول الدكتور التيجاني حول استبصاره: "كان التحوّل بداية السعادة الروحية، إذ أحسست براحة الضمير وانشرح صدري للمذهب الحقّ الذي اكتشفته أو قل للإسلام الحقيقي الذي لا شكّ فيه، وغمرتنى فرحة كبيرة واعتزاز بما أنعم الله عليّ من هداية ورشاد.
ولم يسعني السكوت والتكتم على ما يختلج في صدري، وقلت في نفسي: لابد لي من افشاء هذه الحقيقة على الناس (وأما بنعمة ربك فحدّث) وهي من أكبر النعم، أو هي النعمة الكبرى في الدنيا وفي الآخرة".
ويضيف قائلا: "والذي زاد شعوري يقيناً لنشر هذه الحقيقة هو براءة أهل السنة والجماعة الذين يحبّون رسول الله وأهل بيته ويكفي أن يزول الغشاء الذي نسجه التاريخ حتّى يتّبعون الحقّ".
وسيصدر عن مركز الأبحاث العقائدية بتحقيق جديد وتعليقات وردّ على الشبهات التي أثيرت حوله مع إضافات للمؤلّف، وذلك ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.
ذكر المؤلف في تعريفه لهذا الكتاب: "هو قصة رحلة، قصة اكتشاف جديد، ليس اكتشافاً في عالم الاختراعات التقنية أو الطبيعية، ولكن في دنيا المعتقدات في خضم المدارس المذهبية والفلسفات الدينية".
وبيّن المؤلف في بداية الكتاب لمحة وجيزة عن حياته، ثم ذكر كيفية استبصاره
والتقائه بعلماء الشيعة، وقد طرح جملة من المواضيع على طاولة البحث منها:
الصحابة عند السنة والشيعة
رأي القرآن في الصحابة
رأي الرسول في الصحابة
رأي الصحابة بعضهم ببعض
الأحاديث الصحيحة في وجوب اتباع أهل البيت(عليهم السلام)
مصيبتنا في الاجتهاد مقابل النص
وقد كان هذا الكتاب سبباً في استبصار الكثير من الناس واعتناقهم لمذهب أهل البيت(عليهم السلام). فلهذا ترجم هذا الكتاب إلى العديد من اللغات منها:
{1} الأردو: ترجمه روشن علي صاحب نجفي، وصدر عن مؤسسة انصاريان ـ قم.
{2} الانجليزية: صدر عن مؤسسة انصاريان ـ قم.
{3} الفرنسية: صدر عن مؤسسة انصاريان ـ قم.
{4} التركية: ترجمة حسن يلدرم، وصدر عن مؤسسة انصاريان ـ قم.
{5} الفارسية: ترجمة السيد محمد جواد المهري، وصدر عن مؤسسة المعارف الاسلامية، وطبعت الترجمة حتى سنة 1997م عشرين طبعة.
{6} السواحلية: ترجمة موسى باه شعبان ما پيندا، وصدر في تنزانيا سنة 1420هـ.
طبع عدّة مرّات، وكانت طبعته الثانية عن المؤسسة الجامعية للدراسات الاسلامية سنة 1993م.
سيصدر عن مركز الأبحاث العقائدية بتحقيق جديد وتعليقات وردّ على الشبهات التي أُثيرت حوله، وذلك ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.
ذكر المؤلف في مقدمة هذا الكتاب: "لقي كتابي "ثم اهتديت" قبولا حسناً لدى القرّاء الأعزاء الذين أيدوا بعض الملاحظات الهامة حول موضوعات متفرقة في الكتاب المذكور وطلبوا المزيد من التوضيح في المسائل التي اختلف في فهمها كثير من المسلمين سنة وشيعة، ومن أجل رفع اللبس والغموض عن ذلك لمن أراد التحقيق والوقوف على جلية الأمر فقد ألفت هذا الكتاب بنفس الاُسلوب الذي اتبعته هناك، ليسهل على الباحث المنصف الوصول إلى الحقيقة من أقرب سبلها، كما وصلت إليها من خلال البحث والمقارنة".
ويحتوي هذا الكتاب على أربعة فصول:
الفصل الأول: القرآن عند السنة والشيعة الإمامية.
الفصل الثاني: السنة النبوية عند السنة والشيعة الإمامية.
الفصل الثالث: العقائد عند الشيعة والسنة.
الفصل الرابع: العقائد التي يشنع بها أهل السنة على الشيعة.
ترجم هذا الكتاب إلى عدّة لغات منها:
{1} الفارسية: ترجمة السيد محمد جواد المهري وصدر عن مؤسسة المعارف الاسلامية وصدر منه حتى 1996م ثماني طبعات.
{2} الانجليزية: ترجمة حسن نجفي وصدر عن مؤسسة انصاريان ـ قم.
{3} الأردوية: ترجمة روشن علي صاحب، وصدر عن مؤسسة انصاريان ـ قم.
{4} التركية: صدر عن مؤسسة انصاريان ـ قم.
طبع عدّة مرّات، وصدر في إيران عن مؤسسة انصاريان ـ قم.
وسيصدر عن مركز الأبحاث العقائدية بتحقيق جديد وتعليقات وردّ على الشبهات التي أُثيرت حوله، وذلك ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.
ذكر المؤلف في مقدمة الكتاب: "اقدم كتابي هذا (فاسألوا أهل الذكر) وهو
جملة من الأسئلة مع الاجابة عليها من خلال مواقف وتعاليم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)عسى أن يستفيد منها المسلمون في كل البلاد الاسلامية، ويعملوا على تقريب وجهات النظر للوحدة المنشودة.
وهذه الأسئلة اعددتها للمسلمين الباحثين خاصة منهم أهل السنة الذين يظنون أنهم هم وحدهم المتمسكون بالسنة النبوية الصحيحة، بل ويشدّدون نكيرهم على غيرهم من المسلمين وينبزونهم بالألقاب".
ويحتوي هذا الكتاب على ثمانية فصول تدور حول:
ـ الخالق جلّ جلاله.
ـ الرسول(صلى الله عليه وآله).
ـ أهل البيت(عليهم السلام).
ـ الصحابة عامة.
ـ الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان.
ـ الخلافة.
ـ الحديث الشريف حسبما جاء في صحاح أهل السنة.
ـ الصحيحين (البخاري ومسلم).
ترجم هذا الكتاب إلى عدّة لغات منها:
{1} الانجليزية: صدرت عن مؤسسة انصاريان ـ قم.
{2} الأردوية: صدرت عن مؤسسة انصاريان ـ قم حتى سنة 1417هـ. ثلاثة طبعات وترجمه نثار أحمد زين پورى.
{3} التركية: صدرت عن مؤسسة انصاريان ـ قم سنة 1998 وترجمه جواد اسلامي.
{4} الفارسية: صدرت عن مؤسسة المعارف الاسلامية وحتى سنة 1375هـ. طبع منها اربع طبعات.
طبع عدّة مرّات، وصدر في ايران عن مؤسسة انصاريان ـ قم.
وسيصدر عن مركز الأبحاث العقائدية بتحقيق جديد وتعليقات وردّ على الشبهات التي أثيرت حوله، وذلك ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.
ذكر المؤلف في المقدمة: "هذا الكتاب الذي اضعه بين يدي المسلمين الباحثين، والذي يدور في فلك الكتب الثلاثة السابقة عسى ان ينتفع بها بعض المثقفين والباحثين عن الحق ليعلموا أن الفرقة المستهدفة والتي تسمّى بـ "الشيعة الإمامية" هي الفرقة الناجية، وأنهم ـ أي الشيعة ـ هم أهل السنة الحقيقية وأقصد بالسنة الحقيقة السنة المحمدية التي صدع بها نبيّ الإسلام بوحي من رب العالمين".
وقد تطرّق الدكتور التيجاني في هذا الكتاب إلى مواضيع عديدة منها:
ـ الشيعة وأهل السنة وأسباب الفرقة والخلاف.
ـ السنة النبوية بين الحقائق والأوهام.
ـ السرّ في انتشار المذاهب السنّية.
ـ حديث الثقلين عند الشيعة والسنة.
ـ التقليد والمرجعية عند الشيعة والسنة.
ـ أئمة أهل السنة والجماعة وأقطابهم.
ـ الصحابة عند الشيعة وعند السنة.
ـ مع الدكتور الموسوي و"التصحيح".
ترجم هذا الكتاب إلى عدة لغات منها:
{1} الأردوية: صدرت عن مؤسسة انصاريان سنة 1993 وترجمه نثار أحمد زين پورى.
{2} الانجليزية: صدر عن مؤسسة انصاريان سنة 1995، وترجمه حسن
محمد نجفي.
{3} الفارسية: صدر عن مؤسسة المعارف الاسلامية وحتى سنة 1376 طبعت خمس مرّات، وترجمها عباس علي براتي.
صدر عن دار المجتبى، بيروت 1414هـ ـ 1993م.
وهو عبارة عن محاورة يدور معظمها في بحث الإمامة واحقية الإمام عليّ(عليه السلام)ومن ثم أهل البيت(عليهم السلام).
وقد جاء في مقدمة الناشر: "هذه محاورة جرت بين الدكتور محمد التيجاني السماوي في تونس مع بعض علماء السنة.
وحرصاً منا على ايصال الفكر إلى كل من يهمه التفكير والتدقيق قمنا بعونه تعالى بتحقيقها واثبات مصادرها بشكل مفصّل كي يزول أي التباس".
ترجمه إلى اللغة الفارسية لطيف راشدي وصدر عن انتشارات قدس ـ قم.
صدر في طبعته الاُولى سنة 1418هـ ـ 1997م عن دار المجتبى وصدر في طبعته الثانية سنة 1999م ـ 1420هـ. عن مكتبة باب الحوائج ـ قم.
جاء في مقدمة الناشر: "هذا الكتاب... هو حوار شيق ذا قيمة علمية بين الدكتور التيجاني وبعض الأخوة المتعطّشين للحق.
وقد قمنا بذكر المصادر الاساسية كي يسهل على الباحث الوصول إلى مبتغاه بأفضل الطرق".
صدر سنة 1416هـ ـ 1995م عن دار المجتبى ـ بيروت.
يقول المؤلّف في المقدّمة: "كتاب (كل الحلول عند آل الرسول) الذي حاولت فيه جهدي تجنب القضايا الحساسة التي تثير حفيظة البعض وتستفزهم،
وبالتالي تحجبهم عن الحق فلا يصلون إليه فينتفي الغرض من هدايتهم.
وإن كنت أعتقدُ بأنّ الاسلوب الاستفزازي الذي يحرك النفوس الأبية والذي اعتمدته في الكتب السابقة قد أتى بنتائج مثمرة ومذهلة، لكن لا مانع من توخي الاُسلوب اللين المسالم الذي يقنع الكثير من الناس فتكون ثماره ألذ واشهى".
ويتضمّن هذا الكتاب جملة من المواضيع منها:
أهل البيت هم الامتداد الطبيعي لرسالة جدّهم رسول الله.
هل يقبل الاسلام التطوّر؟
الشيعة في سطور
الشيعة وأهل السنة يردّون على الوهابية
الحلّ في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).
ترجمه إلى اللغة الفارسية السيد محمد جواد المهري، وصدر عن مؤسسة المعارف الاسلامية ـ قم سنة 1376هـ. ش.
صدر عن دار المحجة البيضاء ـ بيروت سنة 1420 هـ.
والكتاب عبارة عن شرح موجز عن رحلات ومذكرات الدكتور التيجاني طيلة ثلاثين عاماً امضاها في سبيل الدعوة إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فى شتّى أنحاء العالم.
وقد قسّم المؤلف كتابه إلى قسمين:
الأوّل: رحلاته في البلدان العربية.
الثاني: رحلاته في البلدان الاسلامية والغربية.
فكان له في معظم البلدان التي سافر إليها ذكريات عديدة ومحاضرات ألقاها هناك، ودار بينه وبين علماء المذاهب الاسلامية حوارات ومناقشات، فدوّن المؤلف منها في كتابه هذا ما يستحق الذكر، مع مراعاة الاختصار.
إن الأستاذ التيجاني السماوي مرَّ بتجربة هداية فريدة من نوعها لها ظروفها الخاصة، قد تجلت فيها القدرة الالهية على هداية من تشاء من البشر، فمن ركوب السفينة التي يلتقي فيها بأحد المهتدين والحوار معه، وعبور البحر إلى حيث يُعطى تأشيرة الدخول بسرعة والتي لا يحصل عليها بسهولة عادة، إلى الديار التي احتضت أئمة الهدى واللقاء بالعلماء الذين يسيرون على طريقهم و... و...
ومن ثم الهداية إلى صراط أهل البيت(عليهم السلام) المستقيم، والركوب في سفينة النجاة والاهتداء بمصابيح هدايتهم، واعلان التشيع لهم في ذكرى يوم الغدير، ذلك اليوم الذي نصب فيه أولهم علناً ورسماً وأمام الجميع من قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله)ولياً للمسلمين، ليهديهم إلى سبيل الرشاد والحق والرأفة والرحمة، ولا يكرههم في الدين بالقوة والاجبار كما فعل ويفعل الآخرون من أئمة الكفر والضلال.
والهداية تكون من الله فهو الهادي والمضل لمن يشاء، ولكن هذا لا يعني الجبر من الله فالله لا يهدي الكافرين والظالمين والفاسقين كما أنّه يهدي المجاهدين ومن يتبع رضوانه سبحانه وتعالى، وهذا بعض ما عرفنا الله به وهو ليس كل ما في الأمر، لأن الهداية من مختصات الله سبحانه وتعالى فنحن لا نعرف من قوانينها وحكمته فيها إلاّ اليسير اليسير، فلم يشأ الله سبحانه أن يهدي كل الناس، كما أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) لا يهدي من أحب من الناس بل الهداية بيد الله وحده.
ومن طبيعة الهداية أنّها تحتاج إلى نفوس مستعدة وأرواح متشوقة، وإلاّ فإن الإنسان يستطيع أن يرفضها لو اتته فيعاند ويكابر كما فعل قوم ثمود الذين
استحبوا العمى على الهدى كما عبّر القرآن الكريم(1).
والهداية من الله سبحانه تكون على أيدي أئمة الحقّ الذين يهدون بأمره، وهؤلاء ليسوا أشخاص عاديين بل اصطفتهم الارادة الالهية وطهّرتهم من الأرجاس فجعلتهم أئمة يستحقون الاتباع.
والهداية تكون إلى الصراط المستقيم، وعلى المهتدي أن يسير على الطريق ولا ينحرف عنه يمنة ولا يسرة، وعليه فالهداية، ليست هي الفوز والفلاح الأبدي، بل هي أول الطريق إلى الرشاد والتكامل الذي يوصل إلى الهدف المرجو من الفلاح والفوز العظيم إذا واصله الانسان، وهو طريق صعب مستصعب يوصف بأنه أحدّ من السيف وأرق من الشعرة، والسائرون عليه قليلون غرباء في معظم الأحيان يواصلون الطريق ولا يهمهم بعد أن اهتدوا ان لا يهتدي الآخرون بظلم أنفسهم لأنفسهم.
وكم من اُناس هم في الظاهر مع أهل النجاة وعند الامتحان الالهي تحق عليهم الضلالة فيرتدون على أعقابهم، وكم من اُناس هم من أهل الباطل يهديهم الله إلى الصراط المستقيم ولله في خلقه شؤون.
يتحدّث الاستاذ التيجاني عن مشاهداته في النجف الأشرف ولقاءاته في زيارته الاولى لها مع العلماء والمثقفين والطلبة وهو لا يزال سنياً فيقول:
"سألني أحدهم ـ أحد الطلبة الشباب في الحوزة العلمية ـ ما هو المذهب المتبع في تونس؟
قلت: المذهب المالكي...
1) فصلت: 17.
قال: ألا تعرفون المذهب الجعفري؟
فقلت: خير إن شاء الله، ما هذا الاسم الجديد؟ لا، نحن لا نعرف غير المذاهب الأربعة وما عداها فليس من الاسلام في شيء.
وابتسم قائلا: عفواً، إنّ المذهب الجعفري هو محض الإسلام، ألم تعرف بأنّ الإمام أبا حنيفة تتلمذ على يد الإمام جعفر الصادق؟ وفي ذلك يقول أبو حنيفة: "لولا السنتان لهلك النعمان".
سكتُّ ولم أبدِ جواباً، فقد أدخل عليّ اسماً جديداً ما سمعت به قبل ذلك اليوم، ولكني حمدت الله أنه ـ أي إمامهم جعفر الصادق ـ لم يكن استاذاً للإمام مالك، وقلت: نحن مالكية ولسنا أحنافاً.
فقال: إنّ المذاهب الأربعة أخذوا عن بعضهم البعض، فأحمد بن حنبل أخذ عن الشافعي والشافعي أخذ عن مالك وأخذ مالك عن أبي حنيفة وأبو حنيفة أخذ عن جعفر الصادق، وعلى هذا فكلهم تلاميذ لجعفر بن محمد، وهو أول من فتح جامعة إسلامية في مسجد جدّه رسول الله، وقد تتلمذ على يديه أكثر من أربعة آلاف محدّث وفقيه".
ثمّ أضاف: "كيف تقلّد ميّت بينك وبينه أربعة عشر قرناً، فإذا أردت أن تسأله الآن عن مسألة مستحدثة فهل يجيبك؟
فكرت قليلا وقلت: وأنت جعفرك مات أيضاً منذ أربعة عشر قرناً فمن تقلد؟
أجاب بسرعة: نحن نقلّد السيد الخوئي فهو إمامنا.
ولم أفهم أكان الخوئي أعلم أم جعفر الصادق...".
ثمّ يتحدث الاستاذ التيجاني عن لقائه بأحد المراجع الكبار فيقول:
"رجعنا بصحبة السيد الذي أولاني من الرعاية والعناية وحسن الضيافة ما
أنساني أهلي وعشيرتي، وأحسست بأني لو بقيت معه شهراً واحداً لتشيعت لحسن أخلاقه وتواضعه وكرم معاملته، فلم أنظر إليه إلاّ وابتسم في وجهي وابتدرني بالكلام، وسألني هل ينقصني شيء، فكنت لا اغادره طيلة الأيام الأربعة إلاّ للنّوم، رغم كثرة زوّاره والعلماء الوافدين عليه من كل الأقطار، فقد رأيت السعوديين هناك ولم أكن أتصور بأنّ في الحجاز شيعة، وكذلك علماء من البحرين ومن قطر ومن الامارات ومن لبنان وسوريا وإيران وافغانستان ومن تركيا ومن افريقيا السوداء، وكان السيد يتكلم معهم ويقضي حوائجهم ولا يخرجون من عنده إلاّ وهم فرحون مسرورون، ولا يفوتني أن أذكر هنا قضية حضرتها وأعجبت في كيفية فصلها، وأذكرها للتاريخ لما لها من أهميّة بالغة حتى يعرف المسلمون ماذا خسروا بتركهم حكم الله.
جاء إلى السيد أربعة رجال أظنّهم عراقيين عرفت ذلك من لهجتهم، كان أحدهم ورث مسكناً من جدّه الذي توفي منذ سنوات وباع ذلك المسكن إلى شخص ثان كان هو الآخر حاضراً، وبعد سنة من تاريخ البيع جاء أخوان، وأثبتا انهما وارثان شرعيان للميّت، وجلس أربعتهم أمام السيد وأخرج كل واحد منهم أوراقه وما عنده من حجج وبعدما قرأ السيد كل أوراقهم وتحدّث معهم لبضع دقائق حكم بينهم بالعدل، فاعطى الشاري حقه في التصرّف بالمسكن وطلب من البائع أن يدفع للأخوين نصيبهما من الثمن المقبوض، وقام الجميع يقبلون يده، ويتعانقون، ودهشت لهذا ولم أصدق وسألت ـ صاحبي العراقي ـ أبا شبّر، هل انتهت القضية؟ قال: (خلاص كلّ أخذ حقّه)، سبحان الله! بهذه السهولة، وبهذا الوقت الوجيز، بضع دقائق كافية لحسم النزاع؟! إن مثل هذه القضية في بلادنا تستغرق عشر سنوات على أقل تقدير ويموت بعضهم، ويواصل أولاده بعده تتبع القضية ويصرفون لرسوم المحكمة والمحامين ما يكلفهم في أغلب الأحيان ثمن
المسكن نفسه، ومن المحكمة الابتدائية إلى محكمة الاستئناف ثم الى التعقيب وفي النهاية يكون الجميع غير راضين بعدما يكونوا قد انهكوا بالتعب والمصاريف والرشوة، والعداوة والبغضاء بين عشائرهم وذويهم.
أجابني أبو شبّر: وعندنا أيضاً نفس الشيء أو أكثر فقلت: كيف؟ قال: إذا رفع الناس شكواهم إلى المحاكم الحكومية، فيكون مثل ما حكيت أما إذا كانوا يقلّدون المرجع الديني ويلتزمون بالأحكام الإسلامية، فلا يرفعون قضاياهم إلاّ إليه فيفصلها في بضع دقائق كما رأيت، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يعقلون؟ والسيد لم يأخذ منهم فلساً واحداً، ولو ذهبوا إلى المحاكم الرسمية لتعرّت رؤوسهم.
ضحكت لهذا التعبير الذي هو سار عندنا أيضاً وقلت: سبحان الله! أنا لا زلت مكذباً ما رأيت، ولولا ما شاهدته بعينيّ ما كنت لاصدق أبداً، فقال أبو شبّر: لا تكذب يا أخي فهذه بسيطة بالنسبة إلى غيرها من القضايا التي هي أشدّ تعقيداً وفيها دماء ومع ذلك يحكم فيها المراجع ويفصلونها في سويعات.
إنها حادثة حركت في نفسي شعور الرّضا بأحكام الله سبحانه وتعالى، وفهمت معنى قوله تعالى في كتابه المجيد: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلِئكَ هُمُ الْكَـفِرُونَ... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلِئكَ هُمُ الظَّـلِمُونَ... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلِئكَ هُمُ الْفَـسِقُونَ...)(1).
كما حركت في نفسي شعور النقمة والثورة على هؤلاء الظلمة الذين يبدّلون أحكام الله العادلة بأحكام وضعية بشرية جائرة، ولا يكفيهم كل ذلك بل ينتقدون بكل وقاحة وسخرية الأحكام الإلهية، ويقولون بأنها بربرية ووحشية لأنها تقيم الحدود فتقطع يد السارق، وترجم الزاني، وتقتل القاتل، فمن أين يا ترى جاءتنا
1) المائدة: 44 ـ 47.
هذه النظريات الغريبة عنّا وعن تراثنا لا شك أنها من الغرب ومن أعداء الإسلام الذين يدركون أن تطبيق أحكام الله يعني القضاء عليهم نهائياً، لأنهم سرّاق، خونه، زناة، مجرمون وقتلة، ولو طبقت أحكام الله عليهم لاسترحنا من هؤلاء جميعاً".
فلاحظ معي أخي القارىء أين كان الاستاذ التيجاني والى أين وصل، وكل ذلك بفضل الهداية الالهية التي جرت معه على يد العلماء العاملين المخلصين أتباع أئمة الهدى وبقية الله في أرضه الامام المهدي(عليه السلام).
إن الباحث عن الحق لابدّ له من التأني في اصدار الأحكام حتى يسمع جوابات وأدلّة من يخالفه، وهذا ما كان يفعله الدكتور التيجاني الطالب للحقّ.
فيذكر التيجاني الحوار الذي دار بينه وبين أحد مراجع الشيعة آن ذاك، وكان في ضمن ما ذكره قوله:
"قلت: إن علماء السعودية يقولون: ان التمسح بالقبور ودعوة الصالحين والتبرّك بهم، شرك بالله، فما هو رأيكم؟
أجاب السيد: إذا كان التمسح بالقبور ودعوة أصحابها بنيّة أنهم يضرون وينفعون فهذا شرك لا شكّ فيه، وإنّما المسلمون موحدون ويعلمون أنّ الله وحده هو الضارّ والنافع وإنّما يدعون الأولياء والأئمة(عليهم السلام) ليكونوا وسيلتهم إليه سبحانه وهذا ليس بشرك، والمسلمون سنة وشيعة متفقون على ذلك من زمن الرسول إلى هذا اليوم، عدا الوهابية وهم علماء السعودية الذين ذكرت والذين خالفوا اجماع المسلمين بمذهبهم الجديد الذي ظهر في هذا القرن، وقد فتنوا المسلمين بهذا الاعتقاد وكفّروهم وأباحوا دماءهم، فهم يضربون الشيوخ من حجاج بيت الله الحرام لمجرّد قول أحدهم: السلام عليك يا رسول الله، ولا يتركون أحداً يتمسّح بضريحه الطاهر، وقد كان لهم مع علمائنا مناظرات، ولكنهم أصروا على العناد
واستكبروا استكباراً.
فإن السيد شرف الدين من علماء الشيعة لمّا حجّ بيت الله الحرام في زمن عبدالعزيز آل سعود، كان من جملة المدعوين لقصر الملك لتهنئته بعيد الأضحى كما جرت العادة هناك ولمّا وصل الدور إليه وصافح الملك قدّم إليه هدية وكانت مصحفاً ملفوفاً في جلد، فأخذه الملك وقبّله ووضعه على جبهته تعظيماً له وتشريفاً، فقال له السيد شرف الدين عندئذ: أيها الملك لماذا تقبل الجلد وتعظّمه وهو جلد ماعز؟ أجاب الملك: أنا قصدت القرآن الكريم الذي بداخله ولم أقصد تعظيم الجلد! فقال السيد شرف الدين عند ذلك: أحسنت أيها الملك، فكذلك نفعل عندما نقبّل شبّاك الحجرة النبوية أو بابها فنحن نعلم أنه حديد لا يضرّ ولا ينفع، ولكننا نقصد ما وراء الحديد وما وراء الأخشاب نحن نقصد بذلك تعظيم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، كما قصدت أنت القرآن بتقبيلك جلد الماعز الذي يغلّفه.
فكبّر الحاضرون إعجاباً له وقالوا: صدقت، واضطر الملك الى السماح للحجاج ان يتبركوا بآثار الرسول حتى جاءالذي بعده فعاد إلى القرار الأول ـ فالقضية ليست خوفهم أن يشرك الناس بالله، بقدر ما هي قضية سياسية قامت على مخالفة المسلمين وقتلهِم لتدعيم ملكهم وسلطتهم على المسلمين والتاريخ أكبر شاهد على ما فعلوا في أمّة محمد(صلى الله عليه وآله)".
يقول الاستاذ التيجاني:
"من أهم الأبحاث التي أعتبرها الحجر الاساسي في كل البحوث التي تقود إلى الحقيقة، هو البحث في حياة الصّحابة وشؤونهم وما فعلوه وما اعتقدوه. لأنهم عماد كل شيء. وعنهم أخذنا ديننا وبهم نستضيء في الظلمات لمعرفة أحكام الله، ولقد سبق لعلماء الإسلام ـ لقناعتهم بذلك ـ البحث عنهم وعن سيرتهم. فألّفوا في
ذلك كتباً عديدة أمثال: (أسد الغابة في تمييز الصحابة)، و(الاصابة في معرفة الصحابة)، و(ميزان الاعتدال)، وغيرها من الكتب التي تناولت حياة الصحابة بالنّقد والتحليل ولكنّها من وجهة نظر أهل السنّة والجماعة.
وثمة إشكال يتلخص في أن العلماء الأوائل غالباً ما كانوا يكتبون ويؤرخون بالنحو الذي يوافق آراء الحكام من الأمويين والعباسيين الذين عرفوا بعدائهم لأهل البيت النبويّ، بل ولكل من يشايعهم ويتبع نهجهم، ولهذا فليس من الانصاف الاعتماد على أقوالهم دون أقوال غيرهم من علماء المسلمين الذين اضطهدتهم تلك الحكومات وشرّدتهم وقتلتهم لأنهم كانوا أتباع أهل البيت وكانوا مصدر تلك الثورات ضد السلطات الغاشمة والمنحرفة.
والمشكل الأساسي في كل ذلك هو الصحابة، فهم الذين اختلفوا في أن يكتب لهم رسول الله ذلك الكتاب الذي يعصمهم من الضلالة إلى قيام السّاعة واختلافهم هذا هو الذي حرم الأمّة الإسلامية من هذه الفضيلة ورماها في الضلالة حتى انقسمت وتفرّقت وتنازعت وفشلت وذهبت ريحها.
وهم الذين اختلفوا في الخلافة فتوزعوا بين حزب حاكم وحزب معارض وسبّب ذلك تخلّف الأمة وانقسامها إلى شيعة علي وشيعة معاوية، وهم الذين اختلفوا في تفسير كتاب الله وأحاديث رسوله فكانت المذاهب والفرق والملل والنحل، ونشأت من ذلك المدارس الكلامية والفكرية المختلفة وبرزت فلسفات متنوعة أملتها دوافع سياسية محضة تتصل بطموحات الهيمنة على السلطة والحكم...
فالمسلمون لم ينقسموا ولم يختلفوا في شيء لولا الصحابة وكل خلاف نشأ وينشأ إنما يعود إلى اختلافهم في الصحابة. فالربّ واحد والقرآن واحد والرسول واحد والقبلة واحدة وهم متّفقون على ذلك، وبدأ الخلاف والاختلاف في الصحابة
من اليوم الأول بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) في سقيفة بني ساعدة، واستمرّ إلى يوم الناس هذا وسيستمرّ إلى أن يشاء الله. وقد استنتجت من خلال الحديث مع علماء الشيعة أنّ الصحابة في نظرهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
فالقسم الأول: وهم الصحابة الاخيار الذين عرفوا الله ورسوله حق المعرفة وبايعوه على الموت وصاحبوه بصدق في القول وباخلاص في العمل، ولم ينقلبوا بعده، بل ثبتوا على العهد وقد امتدحهم الله جلّ جلاله، في كتابه العزيز في العديد من المواقع، وقد أثنى عليهم رسول الله في العديد من المواقع أيضاً، والشيعة يذكرونهم باحترام وتقديس ويترضّون عليهم كما يذكرهم أهل السنّة باحترام وتقديس أيضاً.
والقسم الثاني: هم الصحابة الذين اعتنقوا الإسلام واتّبعوا رسول الله أمّا رغبة أو رهبة، وهؤلاء كانوا يمنّون اسلامهم على رسول الله، وكانوا يؤذونه في بعض الأوقات ولا يمتثلون لأوامره ونواهيه بل يجعلون لآرائهم مجالا في مقابل النصوص الصريحة حتى ينزل القرآن بتوبيخهم مرة وتهديدهم أخرى وقد فضحهم الله في العديد من الآيات وحذّرهم رسول الله أيضاً في العديد من الأحاديث النبويّة والشيعة لا يذكرونهم إلاّ بأفعالهم بدون احترام ولا تقديس.
أما القسم الثالث من الصحابة: فهم المنافقون الذين صحبوا رسول الله للكيد له وقد أظهروا الإسلام وانطوت سرائرهم على الكفر، وقد تقرّبوا ليكيدوا للإسلام والمسلمين عامّة وقد أنزل الله فيهم سورة كاملة وذكرهم في العديد من المواقع وتوعّدهم بالدرك الأسفل من النار، وقد ذكرهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) وحذّر منهم وعلّم بعضاً من أصحابه أسماءهم وعلاماتهم، وهؤلاء يتّفق الشيعة والسنّة على لعنهم والبراءة منهم.
وهناك قسم خاصّ وإنْ كانوا من الصّحابة فهم يتميّزون عليهم بالقرابة
وبفضائل خلقية ونفسية وخصوصيات اختصّهم الله ورسوله بها لا يلحقهم فيها لاحق، وهؤلاء هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجّس وطهّرهم تطهيراً(1)وأوجب الصلاة عليهم كما أوجبها على رسوله، وأوجب لهم سهم من الخمس(2)كما أوجب مودّتهم على كل مسلم كأجر للرّسالة المحمدية(3)، فهم أولوا الأمر الذين أمر بطاعتهم(4)وهم الراسخون في العلم الذين يعلمون تأويل القرآن ويعلمون المتشابه منه والمحكم(5)، وهم أهل الذكر الذين قرنهم رسول الله بالقرآن في حديث الثقلين وأوجب التمسّك بهما(6)، وجعلهم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق(7)، والصحابة يعرفون قدر أهل البيت ويعظّمونهم ويحترمونهم، والشيعة يقتدون بهم ويقدّمونهم على كل الصحابة [بل لا يقاس بهم أحد]، ولهم في ذلك أدلّة من النصوص الصريحة.
أما أهل السنّة والجماعة مع احترامهم لأهل البيت وتعظيمهم وتفضيلهم إلاّ أنهم لا يعترفون بهذا التقسيم للصحابة ولا يعدّون المنافقين في الصحابة، بل الصحابة في نظرهم خير الخلق بعد رسول الله. وإذا كان هناك تقسيم فهو من باب فضيلة السبق للإسلام والبلاء الحسن فيه، فيفضّلون الخلفاء الرّاشدون بالدرجة الاُولى ثم الستّة الباقين من العشرة المبشّرين بالجنة على ما يروونه. ولذلك تراهم عندما يصلّون على النبيّ وأهل بيته يلحقون بهم الصحابة أجميعن بدون استثناء".
يذكر التيجاني السماوي واقعة جرت له ومنها يتبين للجميع من أين تستمد المذاهب فقهها بعد تركهم لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) يقول:
"في إحدى قرى الجنوب التونسي وخلال حفل زفاف كانت النساء يتحدّثن عن فلانة زوجة فلان، واستغربت العجوزة الكبيرة التي كانت تجلس وسطهن وتسمع حديثهنّ أن تكون فلانة قد تزوجت فلاناً ولمّا سألنها عن سبب استغرابها أخبرتهن بأنها أرضعت الإثنين فهما أخوان في الرضاعة، ونقل النّسوة هذا النبأ العظيم إلى أزواجهن وتثبّت الرجال فشهد والد المرأة بأن ابنته أرضعتها تلك العجوز المعروفة لدى الجميع بأنّها مرضعة كما شهد والد الزوج بأن ابنه أرضعته نفس المرضعة، وقامت قيامة العشيرتين وتقاتلوا بالعصي كلّ منهما تتهم الاخرى بأنها سبب الكارثة التي سوف تجرّهم إلى سخط الله وعقابه وخصوصاً وأنّ هذا الزواج مرّ عليه عشرة أعوام وأنجبت المرأة خلالها ثلاثة أطفال وقد هربت عند سماعها الخبر إلى بيت أبيها وامتنعت عن الأكل والشرب وأرادت الإنتحار لأنها لم تتحمّل الصدمة وكيف أنها تزوجت من أخيها وولدت منه وهي لا تعلم، وسقط عدد من الجرحى من العشيرتين وتدخّل أحد الشيوخ الكبار وأوقف المعارك ونصحهم بأن يطوفوا على العلماء ليستفتوهم في هذه القضية عسى أن يجدوا حلا.
فصاروا يتجوّلون في المدن الكبرى المجاورة يسألون علماءها عن حلّ لقضيتهم وكلّما اتّصلوا بعالم وأطلعوه على الأمر أخبرهم بحرمة الزواج وضرورة تفريق الزوجين إلى الأبد وتحرير رقبة أو صيام شهرين إلى غير ذلك من الفتاوى.
ووصلوا إلى قفصة وسألوا علماءها فكان الجواب نفس الشيء، لأنّ
المالكية كلهم يحرّمون الرضاعة ولو من قطرة واحدة اقتداء بالإمام مالك الذي قاس الحليب على الخمر إذ أنّ (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، فتحرم الرضاعة ولو من قطرة واحدة من الحليب، والذي وقع أن أحد الحاضرين اختلى بهم ودلّهم على بيتي قائلا لهم: اسألوا التيجاني في مثل هذه القضايا فإنه يعرف كل المذاهب وقد رأيته يجادل هؤلاء العلماء عدّة مرّات فيبزّهم بالحجّة البالغة.
هذا ما نقله إليّ زوج المرأة حرفيّاً عندما أدخلته إلى المكتبة وحكى لي كل القضيّة بالتفصيل من أوّلها إلى آخرها، وقال: "يا سيدي أنّ زوجتي تريد الإنتحار وأولادي مهملين ونحن لا نعرف حلاّ لهذه المشكلة وقد دلّونا عليك وقد استبشرت خيراً لمّا رأيت عندك هذه الكتب التي لم أشهد في حياتي مثلها فعسى أن يكون الحلّ عندك".
أحضرت له قهوة وفكّرت قليلا ثم سألته عن عدد الرضعات التي رضعها هو من المرأة فقال: لا أدري غير أنّ زوجتي رضعت منها مرّتين أو ثلاث وقد شهد أبوها بأنّه حملها مرّتين أو ثلاث مرات لتلك العجوز المرضعة، فقلت إذا كان هذا صحيحاً فليس عليكما شيء والزواج صحيح وحلال محلّل، وارتمى المسكين عليّ يقبّل رأسي ويديّ ويقول: بشّرك الله بالخير لقد فتحت أبواب السكينة أمامي، ونهض مسرعاً ولم يكمل قهوته ولا استفسر منّي ولا طلب الدّليل غير أنّه استأذن للخروج حتى يسرع فيبشر زوجته وأولاده وأهله وعشيرته.
لكنه رجع في اليوم التالي ومعه سبعة رجال وقدّمهم إليّ قائلا: هذا والدي وهذا والد زوجتي والثالث هو عمدة القرية والرابع إمام الجمعة والجماعة والخامس هو المرشد الدّيني والسادس شيخ العشيرة والسابع هو مدير المدرسة، وقد جاؤوا يستفسرون عن قضية الرضاعة وبماذا حلّلتها؟
وأدخلت الجميع إلى المكتبة وكنت أتوقّع جدالهم وأحضرت لهم القهوة
ورحّبت بهم: قالوا إنّما جئناك نناقشك عن تحليلك الرّضاعة وقد حرّمها الله في القرآن، وحرّمها رسوله بقوله: يحرم بالرضاعة ما يحرم بالنّسب، وكذلك حرّمها الإمام مالك.
قلت: يا سادتي أنتم ما شاء الله ثمانية وأنا واحد فإذا تكلّمت مع الجميع فسوف لن أقنعكم وتضيع المناقشة في الهامشيات، وإنّما اقترح عليكم اختيار أحدكم حتّى اتناقش معه وأنتم تكونون حكماً بيني وبينه!
وأعجبتهم الفكرة واستحسنوها، وسلّموا أمرهم إلى المرشد الديني قائلين بأنّه أعلمهم وأقدرهم، وبدأ السيد يسألني كيف أحلّل ما حرّم الله ورسوله والأئمة؟!
قلت: أعوذ بالله أن أفعل ذلك! ولكنّ الله حرّم الرضاعة بآية مجملة ولم يبيّن تفصيل ذلك وإنما أوكل ذلك إلى رسوله فأوضح مقصود الآية بالكيف والكم.
قال: فإنّ الإمام مالك يحرّم الرضاعة من قطرة واحدة.
قلت: أعرف ذلك، ولكن الإمام مالك ليس حجّة على المسلمين وإلاّ فما هو قولك بالأئمة الآخرين؟
أجاب: رضي الله عنهم وأرضاهم فكلّهم من رسول الله ملتمس.
قلت: فما هو إذن حجتك عند الله في تقليدك الإمام مالك الذي يخالف رأيه نصّ الرسول(صلى الله عليه وآله)؟
قال محتاراً: سبحان الله أنا لا أعلم بأنّ الإمام مالك إمام دار الهجرة يخالف النصوص النبويّة، وتحيّر الحاضرون من هذا القول، واستغربوا منّي هذه الجرأة على الإمام مالك والتي لم يعهدوها من قبل في غيري واستدركت قائلا: هل كان الإمام مالك من الصحابة؟ قال: لا، قلت هل كان من التابعين؟ قال: لا، وإنّما هو من تابعي التابعين. قلت: فأيهما أقرب هو أم الإمام عليّ بن أبي طالب؟
قال: الإمام عليّ أقرب فهو من الخلفاء الراشدين، وتكلّم أحد الحاضرين قائلا: سيدنا عليّ كرّم الله وجهه هو باب مدينة العلم.
فقلت: فلماذا تركتم باب مدينة العلم واتبعتم رجلا ليس من الصحابة ولا من التابعين وإنما ولد بعد الفتنة وبعدما أبيحت مدينة رسول الله لجيش يزيد وفعلوا فيما ما فعلوا وقتلوا خيار الصحابة وانتهكوا فيها المحارم، وغيروا سنّة الرّسول ببدع ابتدعوها، فكيف يطمئنّ الإنسان بعد ذلك إلى هؤلاء الأئمّة الّذين رضيت عنهم السلطة الحاكمة لأنّهم أفتوها بما يلائم أهواءهم.
وتكلّم أحدهم وقال: سمعنا أنّك شيعي تعبد الإمام عليّاً فلكزه صاحبه الذي كان بجانبه لكزة أوجعته وقال له: أسكت أما تستحي أن تقول مثل هذا القول لرجل فاضل مثل هذا وقد عرفت العلماء وحتّى الآن لم ترعيني مكتبة مثل هذه المكتبة، وهذا الرجل يتكلّم عن معرفة ووثوق ممّا يقول!
أجبته قائلا: أنا شيعي هذا صحيح ولكنّ الشيعة لا يعبدون عليّاً وإنما عوض أن يقّلدوا الإمام مالك فهم يقلّدون الإمام عليّاً لأنّه باب مدينة العلم حسب شهادتكم، قال المرشد الديني: وهل حلّل الإمام عليّ زواج الرضيعين؟ قلت: لا ولكنّه يحرّم ذلك إذا بلغت الرضاعة خمس عشرة رضعة مشبعات ومتواليات، أو ما أنبت لحماً وعظماً. وتهلّل وجه والد الزوجة وقال: الحمد لله فابنتي لم ترضع إلاّ مرتين أو ثلاث مرّات فقط، وإنّ في قول الإمام عليّ هذا مخرجاً لنا من هذه الورطة ورحمة لنا من الله بعد أن يئسنا.
فقال المرشد: أعطنا الدليل على هذا القول حتّى نقتنع; فأعطيتهم كتاب منهاج الصالحين للسيد الخوئي، وقرأ هو بنفسه عليهم باب الرضاعة، وفرحوا بذلك فرحاً عظيماً وخصوصاً الزوج الذي كان خائفاً أن لا يكون لديّ الدليل المقنع، وطلبوا منّي إعارتهم الكتاب حتّى يحتجّوا به في قريتهم فسلّمته إليهم
وخرجوا مودّعين داعين معتذرين.
وبمجرّد خروجهم من بيتي التقى بهم أحد المناوئين وحملهم إلى بعض علماء السّوء فخوّفوهم وحذّروهم بأنّي عميل لإسرائيل وأنّ كتاب منهاج الصالحين الذي أعطيتهم إيّاه كلّه ضلالة وأنّ أهل العراق هم أهل الكفر والنّفاق وأنّ الشيعة مجوس يبيحون نكاح الأخوات فلا غرابة إذن في إباحتي لهم نكاح الأخت من الرضاعة إلى غير ذلك من التّهم والأراجيف وما زال بهم يحذّرهم حتّى ارتدّوا على أعقابهم وأنقلبوا بعد اقتناعهم، وأجبروا الزوج أن يقوم بقضية عدلية في الطلاق لدى المحكمة الإبتدائية في قفصة وطلب منهم رئيس المحكمة أن يذهبوا للعاصمة ويتّصلوا بمفتي الجمهورية ليحلّ هذا الإشكال، وسافر الزوج وبقي هناك شهراً كاملا حتّى تمكن من مقابلته وقصّ عليه قصّته من أولها لآخرها وسأله مفتي الجمهورية عن العلماء الذين قالوا بحلّية الزواج وصحته وأجاب الزوج بأنه ليس هناك من قال بحلّيته غير شخص واحد هو التيجاني السماوي وسجّل المفتي اسمي وقال للزوج: ارجع أنت وسوف أبعث أنا برسالة إلى رئيس المحكمة في قفصة، وبالفعل جاءت الرسالة من مفتي الجمهورية واطّلع عليها وكيل الزوج وأعلمه بأن مفتي الجمهورية حرّم ذلك الزواج.
هذا ما قصّه عليّ زوج المرأة الذي بدا على الضعف والإرهاق من كثرة التعب وهو يعتذر إليّ لما سبّبه لي من إزعاج وحرج، فشكرته على عواطفه متعجّباً كيف يُبطل مفتي الجمهورية الزواج القائم في مثل هذه القضية، وطلبت منه أن يأتني برسالته التي بعثها إلى المحكمة حتى أنشرها في الصحف التونسية وأبيّن أن مفتي الجمهورية يجهل المذاهب الإسلامية ولا يعرف اختلافهم الفقهي في مسألة الرضاعة.
وقال الزوج بأنّه لا يمكنه أن يطّلع على ملفّ قضيّته فضلا عن أن يأتيني
برسالة منه، وافترقنا.
وبعد بضعة أيام جاءتني دعوة من رئيس المحكمة وهو يأمرني بإحضار الكتاب والأدلّة على عدم بطلان ذلك الزواج بين (الرضيعين)!، وذهبت محمّلا بعدّة مصادر انتقيتها مسبّقاً ووضعت في كلّ منها بطاقة في باب الرضاعة ليسهل تخريجه في لحظة واحدة، وذهبت في اليوم والساعة المذكورة واستقبلني كاتب الرئيس وأدخلني إلى مكتب الرّئيس وفوجئت برئيس المحكمة الإبتدائية ورئيس محكمة الناحية ووكيل الجمهورية ومعهم ثلاثة أعضاء وكلهم يرتدون لباسهم الخاص للقضاء وكأنّهم في جلسة رسمية، ولاحظت أيضاً أن زوج المرأة يجلس في آخر القاعة قبالهم، وسلّمت على الجميع فكانوا كلّهم ينظرون إلي بإشمئزاز وإحتقار ولمّا جلست كلّمني الرئيس بلهجة خشنة قائلا:
ـ أنت هو التيجاني السماوي؟ قلت: نعم.
ـ قال: أنت الذي أفتيت بصحّة الزواج في هذه القضية؟
ـ قلت: لا لست أنا بمفت، ولكنّ الأئمة وعلماء المسلمين هم الذين أفتوا بحلّيته وصحّته!
ـ قال: ومن أجل ذلك دعوناك، وأنت الآن في قفص الإتّهام، فإذا لم تثبت دعواك بالدّليل فسوف نحكم بسجنك وسوف لن تخرج من هنا إلاّ إلى السجن.
وعرفت وقتها أنّني بالفعل في قفص الإتّهام، لا لأنني أفتيت في هذه القضية، ولكن لأنّ بعض علماء السّوء حدّث هؤلاء الحكام بأنّني صاحب فتنة وأنّني أسبّ الصحابة وأبثّ التشيّع لآل البيت النبوي، وقد قال له رئيس المحكمة إذا أتيتني بشاهدين ضدّه فسوف ألقيه في السجن.
أضف إلى ذلك فأنّ جماعة الإخوان المسلمين استغلّوا هذه الفتوى وروّجوا لدى الخاص والعام بأنّني أبيح نكاح الأخوات وهو قول الشيعة على زعمهم!
كل ذلك عرفته من قبل وتيقنته عندما هدّدني رئيس المحكمة بالسجن فلم يبق أمامي إلاّ التحدّي والدفاع عن نفسي بكل شجاعة فقلت للرئيس: هل لي أنت أتكلّم بصراحة وبدون خوف.
قال: نعم تكلّم فأنت ليس لك محام...
قلت: قبل كل شيء أنا لم أنصّب نفسي للإفتاء، ولكن ها هو زوج المرأة أمامكم فاسألوه، فهو الذي جاءني إلى بيتي يطرق بابي ويسألني، فكان واجباً عليَّ أن أجيبه بما أعلم وقد سألته بدوري عن عدد الرضعات ولمّا أعلمني بأنّ زوجته لم ترضع غير مرّتين أعطيته وقتها حكم الإسلام فيها، فلست أنا من المجتهدين ولا من المشرّعين.
قال الرئيس: عجباً، أنت الآن تدّعي أنك تعرف الإسلام ونحن جهله!
قلت: أستغفر الله أنا لم أقصد هذا، ولكن كل الناس هنا يعرفون مذهب الإمام مالك ويتوقّفون عنده، وأنا فتّشت في كلّ المذاهب ووجدت حلاّ لهذه القضية.
قال الرئيس: أين وجدت الحل؟
قلت: قبل كل شيء هل لي أن أسألكم سؤالا يا سيدي الرئيس؟
قال: اسأل كل ما تريد.
ـ قلت: ما قولكم في المذاهب الإسلامية؟
قال: كلّها صحيحة، فكلّهم من رسول الله ملتمس، وفي اختلافهم رحمة.
قلت: فارحموا إذن هذا المسكين "مشيراً إلى زوج المرأة" الذي قضى الآن أكثر من شهرين وهو مفارق لزوجه وولده بينما هناك من المذاهب الإسلامية من حلّ مشكلته.
فقال الرئيس مغضباً: هات الدّليل وكفاك تهريجاً، نحن سمحنا لك بالدفاع
عن نفسك فأصبحت محامياً لغيرك.
فأخرجت له من حقيبتي كتاب منهاج الصالحين للسيد الخوئي وقلت: هذا مذهب أهل البيت وفيه الدّليل وقاطعني قائلا: دعنا من مذهب أهل البيت فنحن لا نعرفه ولا نؤمن به.
كنت متوقّعاً هذا ولذلك أحضرت معي بعد البحث والتنقيب عدّة مصادر لأهل السنّة والجماعة وكنت رتّبتها حسب علمي فوضعت البخاري في المرتبة الأولى ثم صحيح مسلم وبعده كتاب الفتاوى لمحمود شلتوت وكتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، وكتاب زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي وعدّة مصادر أخرى من كتب (أهل السنّة).
ولمّا رفض الرئيس أن ينظر في كتاب السيد الخوئي سألته عن الكتب التي يثق بها.
قال: البخاري ومسلم.
وأخرجت صحيح البخاري وفتحته على الصفحة المعينة وقلت: تفضلّ يا سيدي اقرأ.
ـ قال: اقرأ أنت؟
وقرأت: حدّثنا فلان عن فلان عن عائشة أم المؤمنين قالت توفيّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)ولم يحرّم من الرضعات إلاّ خمسة فما فوق.
وأخذ الرئيس مني الكتاب وقرأ بنفسه وأعطاه إلى وكيل الجمهورية بجانبه وقرأ هو الآخر وناوله لمن بعده في حين أخرجت صحيح مسلم وأطلعته على نفس الأحاديث ثم فتحت كتاب الفتاوى لشيخ الأزهر شلتوت وقد ذكر هو الآخر اختلافات الأئمة في مسألة الرضاعة فمنهم من ذهب إلى القول بأن المحرّم ما بلغ خمس عشرة رضعة ومنهم من قال بسبعة ومنهم من حرّم فوق الخمسة عدا مالك
الذي خالف النصّ وحرّم قطرة واحدة ثم قال شلتوت: وأنا أميل إلى أوسط الآراء فأقول سبعة فما فوق، وبعد ما اطلع رئيس المحكمة على كل ذلك قال: يكفي ثم التفت إلى زوج المرأة وقال له: اذهب الآن وأتني بوالد زوجتك ليشهد أمامي بأنها رضعت مرتين أو ثلاثة وسوف تأخذ زوجتك معك هذا اليوم...
وطار المسكين فرحاً، واعتذر وكيل الجمهورية وبقية الأعضاء الحاضرين للإلتحاق بأعمالهم وأذن لهم الرئيس، ولمّا خلا بنا المجلس التفت إليّ معتذراً، وقال: سامحني يا أستاذ لقد غلّطوني فيك وقالوا فيك أشياءً غريبة وأنا الآن عرفت بأنهم حاسدون ومغرضون يريدون بك شراً.
وطار قلبي فرحاً بهذا التحوّل السّريع وقلت: الحمد لله الذي جعل نصري على يديك يا سيدي الرئيس.
فقال: سمعت بأنّ عندك مكتبة عظيمة فهل يوجد فيها كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميري؟
قلت: نعم، قال: هل تعيرني إيّاه، فقد مضى عامان وأنا أبحث عنه: قلت: هو لك يا سيدي متى أردت.
قال: هل عندك وقت يسمح لك بالمجيء إلى مكتبتي لنتحدث وأستفيد منك.
قلت: أستغفر الله فأنا الذي أستفيد منك، فأنت أكبر مني سنّاً وقدراً، وعندي أربعة أيام راحة في الأسبوع وأنا رهن إشارتك.
واتفقنا على يوم السبت من كل أسبوع لأنّه ليس له جلسات للمحكمة في ذلك اليوم. وبعدما طلب منّي أن أترك له كتاب البخاري ومسلم وكتاب الفتاوى لمحمود شلتوت لكي يحرّر منهم النصّ قام بنفسه وأخرجني من مكتبه مودّعاً.
وخرجت فرحاً أحمد الله سبحانه على هذا النّصر وقد دخلت خائفاً مهدّداً بالسجن وخرجت وقد انقلب رئيس المحكمة إلى صديق حميم يحترمني ويطلب منّي مجالسته ليستفيد مني. إنها بركات طريق أهل البيت الذين لا يخيب من تمسّك بهم ويأمن من لجأ إليهم.
وتحدث زوج المرأة في قريته وشاع الخبر في كلّ القرى المجاورة بعدما رجعت المرأة إلى بيت زوجها وانتهت القضية بحلّية الزواج، فأصبح الناس يقولون بأنّي أعلم من الجميع وأعلم حتى من مفتي الجمهورية.
وقد جاء زوج المرأة إلى البيت ومعه سيارة كبيرة ودعاني إلى القرية أنا وكل عائلتي وأعلمني بأنّ كل الأهالي ينتظرون قدومي وسيذبحون ثلاثة عجول لإقامة الفرح واعتذرت إليه بسبب انشغالي في قفصة وقلت له: سوف أزوركم مرّة أخرى إن شاء الله.
وتحدّث رئيس المحكمة إلى أصدقائه واشتهرت القضية ورد الله كيد الكائدين وجاء بعضهم معتذرين وقد فتح الله بصيرة البعض منهم فاستبصروا وأصبحوا من المخلصين، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيدنا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
الصورة
ولد عام 1954م في فطناسة ولاية قبلى بدولة تونس، وترعرع في أسرة ملتزمة تعتنق المذهب السني.
يقول الأخ محمد الرصافي حول التعليم الذي تلقّاه منذ الصغر: أدخلني والدي في كتاتيب القرآن، فحفظت منه ما أمكنني حفظه، ثم التحقت بالتعليم الحكومي، مواصلا دراستي إلاّ أنّني ولعوامل عدة انقطعت عنها دون الحصول على شهادة ختم الدروس الثانوية، ولعلّ أهمّ تلك العوامل انصراف كل اهتمامي بالعربية والتي كنت متفوّقاً فيها منذ الصف الابتدائي، فما تركت لبقية المواد التي كانت تدرّس بالفرنسية شيئاً، وكنت دائم المطالعة ومنها حصلت على ثقافة عامة لا بأس بها.
يقول الأخ محمد حول بلورة النواة الأولى التي دفعته للتعرّف والبحث عن مذهب أهل البيت(عليهم السلام):
بدأت قصة استبصاري عندما انتقلت عام 1980م من شمال تونس وبالتحديد من مدينة "بنزرت" حيث لا يزال والدي واخوتي هناك، إلى مدينة
قابس للعمل في شركة للصناعات المعدنية. وكنت أعلم قبل ذلك أنّ ابن عم لي يُدعى الشيخ مبارك بعداش، يقطن منطقة سيدي أبي لبابة بنفس المدينة، فكان ذلك مدعاة لي بأن آنس بنقلي إليها واتأقلم مع أجوائها.
ويضيف الأخ محمد: وكان الشيخ مبارك بعداش أحد المؤسسين لحركة الاتجاه الاسلامي، أي أنّه كان سنياً متعصّباً، لكنني لمّا زرته بعد استقراري لاحظت انخفاض تعصّبه عما كان عليه، فايقنت أن الشيخ قد طرأ على تفكيره تغيير. فاقتربت ذات يوم من مجلسه مسلماً عليه، فرأيت ين يديه كتابان، الأول كتاب (المراجعات) للسيد عبدالحسين شرف الدين قدس سره الشريف، والثاني كتاب (فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام)) للشيخ المظفر (طيب الله ثراه)، فالتفتُ إليه بعد أن ردّ عليّ السلام واستفسرت منه الأمر، فذكر لي أنه في رحلته إلى مدينة قفصه وهو في طريق بحثه عن الحق بعد الخلاف الذي حصل له مع جماعة النهضة، التقى بالدكتور محمد التيجاني السماوي وتباحث معه حول مذهب أهل البيت(عليهم السلام)ودارت بينهما عدّة مناقشات من دون أن تسفر على اقتناع الشيخ التام بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) ثم ذكر أن الدكتور التيجاني زوده بهذين الكتابين.
من هذا المنطلق أحب الأخ أن يشارك الشيخ مبارك بعداش في بحثه، لأنّه وجد هذه الفرصة ثمينة للوصول إلى القناعات العقائدية المزودة بالأدلة والبراهين، فاعلن استعداده للشيخ لمشاركته في البحث من أجل التعرّف على أصول عقيدة الاسلام النقية من كل درن.
ويضيف الأخ محمد: كان الشيخ آنذاك محاصراً من قبل جماعة حركة الاتجاه الاسلامي وكانوا قد روّجوا عنه جملة من دعايات مغرضة وأقاويل لا ترقى إلى الحقيقة بشيء، فاستطعت بفضل الله تعالى كسر ذلك الطوق عنه باستقدام
عدد من الأخوة إليه فعقدنا جلسات للبحث، ولا سيما من أجل تسليط الأضواء على كتاب المراجعات.
يقول الأخ محمد: راجعنا بعد ذلك المصادر المنصوص عليها في كتاب المراجعات، فتأكّدنا أن صاحبه ينطق صدقاً وعدلا، غير متحيّز ولا متحرّف، وأنّ ديدنه الحق وكشف مواطن الصدق، وتبيّن لنا أنّ اقرار الشيخ سليم البشري على أحقية أهل البيت(عليهم السلام) ليس إلاّ دليلا على قوة البراهين التي أوردها السيد شرف الدين، فاصغت لذلك افئدتنا وعقولنا وانغرست باكورة أفكاره في وجداننا وانصاعت إليه طباعنا، ومن هذا المنطلق قررنا جميعاً الالتحاق بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) وبالفعل أعلنا ذلك أمام الجميع.
يقول الأخ محمّد: انهالت علينا الأسئلة والاستفسارات من كل حدب وصوب، وكان الجميع يرغب في التعرّف على الأسباب التي دفعتنا لتبني فكر مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فكنا نجيب على الاسئلة التي نواجهها حسب معلوماتنا، وكنا نعاني من قلة الكتب، فكانت اجابتنا بسيطة ومقتصرة على المعلومات التي اختزنتها عقولنا.
ثم سافرت بعد ذلك إلى معرض الكتاب في دورته الثانية عام 1981، فاشتريت منه كتاب الغدير للشيخ الاميني (رضوان الله تعالى عليه)، ثم واصلت جلساتي مع الشيخ مبارك، فكان ذلك دافعاً إلى المزيد من التعليم والبحث، وبدخول كتاب الغدير في حلقة الدرس توسّعت معارفنا وقويت حجتنا فكان ذلك حافزاً على المزيد من العمل من أجل نشر فكر أهل البيت(عليهم السلام).
ويضيف الأخ محمد: ثم صحبت الشيخ في رحلاته إلى قفصه وغيرها، وبعدها أصبح الشيخ يكلّفني بالسفر للتبليغ أو الاتصال بالأخوة، وسرعان ما أتى ذلك النشاط أكله وأينعت ثماره فاستبصر كل من طهرت سريرته وانطوى مكنونه على بارقة خير، فتشكّلت منهم نواة اقتحمت اسوار الجامعة، وانتشرت دعوتهم في البلاد طولا وعرضاً وشمالا وجنوباً حتى لم يعد هناك مدينه إلاّ وفيها مؤمنون مستبصرون على منهاج المعصومين(عليهم السلام) قلباً وقالباً.
يقول الأخ محمد حول المصاعب والمضايقات التي واجهها بعد اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام): لم يخل طريقي من بعض العراقيل والاشواك، فقد اعتقلت في 7 أوت 1985م وحقق معي بشأن تشيعي واطلق سراحي بعد 14 يوماً، ثم وقع طردي من العمل في 4 جانفي 1986م، ثم اعتقلت مرة أخرى في 21 أوت 1986 ولم يطلق سراحي إلاّ في 19 سبتمبر من نفس السنة، ثم وقع اعادتي إلى العمل بعد انقلاب السابع من نوفمبر تهدئة للاجواء في البلاد، ثم اعتقلت سنة 1991م ثلاثة أيام، تعرّضت خلالها للتعذيب ظلماً وعدواناً، ثم تعرّضت للطرد من عملي هذه المرة نهائياً سنة 1992 ثم اعتقلت سنة 1994 خمسة أيام واطلق سراحي.
1 ـ له عدة مقالات، ستصدر في مجلد واحد أو عدّة مجلدات من مركز الأبحاث العقائدية ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين المقالة الأولى: التوحيد عند أهل البيت(عليهم السلام).
المقالة الثانية: النبوة عند أهل البيت(عليهم السلام)، دراسة مقارنة.
المقالة الثالثة: الاثبات في نفي استخلاف أبي بكر للصلاة.
المقالة الرابعة: حب أهل البيت(عليهم السلام) ولاية الله تعالى.
المقالة الخامسة: الدعاء والعبادة عند أهل البيت(عليهم السلام).
كتاب يحتوي عدة مقالات عقائدية توضح عقائد الشيعة، وتتبع ما ورد عن أهل بيت العصمة(عليهم السلام)، ويقارن في بعضها بين ما اعتقده أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وهو الاسلام الحق وبين ما اعتقده المذاهب الأخرى التي جمعت بين الغث والسمين، وقد رأينا هنا ـ طلباً للاختصار والانسجام ـ التعريف بأهم ما اورده في مقال التوحيد.
يبين الكاتب أهمية التوحيد، فيقول:
يمثّل التوحيد في العقيدة الاسلامية رأسها ودعامتها، ومن دون توحيد سليم قائم على معرفة صحيحة، لا يكون البناء العقائدي قوياً وثابتاً لدى الفرد المسلم، لذلك حث المولى سبحانه وتعالى مخلوقاته العاقلة على الأخذ باسباب العلم لبلوغ الغاية من المعرفة في التوحيد، وفي سائر العقائد الاسلامية الأخرى. فقال في محكم تنزيله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ اللَّهُ)(1)وقال ايضاً: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )(2)فالآيتين تشيران إلى أن العلم هو الطريق الوحيد، والمسلك الرشيد لبلوغ اركان العقيدة، وأعلى مراتب التوحيد، لذلك لم يجز على كل مسلم أن يكون مقلّداً في التوحيد وفي سائر العقائد، ووجب عليه أن يسلك من أجل تحصيل
العلم بذلك سبيل البحث والتأمل، تثبيتاً لدعائم الايمان وتزكية للفطرة التي فطر الخالق سبحانه وتعالى الناس عليها.
يوضح الكاتب بعض ما قاله أهل البيت(عليهم السلام) بشأن التوحيد فيقول:
ان المتأمل في امهات كتب الامامية الاثنى عشرية، يلاحظ اهتماماً بالغاً ما انفك يوليه ائمة أهل البيت(عليهم السلام) لكل ما يتعلق بالدين عقيدة وشريعة. ولقد جاء من آثارهم ما اظهر تصديهم لكل دخيلة عن الدين أو مارقة منه، حتى إنهم كانوا يتحسسون مواضع الداء قبل استفحاله، ففي يوم الجمل مثلا وقف أمير المؤمنين(عليه السلام) يرد على رجل من جنده عندما سأله قائلا: "اتقول ان الله واحد؟ فحمل الناس عليه وقالوا يا اعرابي أماترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسيم القلب؟ فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): دعوه فان الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم. قال: يا اعرابي ان القول ان الله واحد على أربعة أقسام فوجهان منهما لا يجوزان على الله عزوجلّ ووجهان يثبتان فيه.
فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل واحد يقصد به باب الاعداد فهذا ما لا يجوز لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الاعداد، أماترى انه كفر من قال ثالث ثلاثة، وقول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس الوجهان فهذا ما لا يجوز عليه، لانه تشبيه وجل ربنا وتعالى عن ذلك، اما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل هو واحد ليس له في الاشياء شبيه كذلك ربنا عزوجل، وقول القائل إنه ربنا عزوجل، احدي المعنى، يعني انه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم كذلك ربنا عزوجل"(1).
1) نهج البلاغة.
ومن هذا النص نستشف أن أمير المؤمنين سلام الله عليه لم يكن في حروبه الثلاثة التي الجيء إليها، مدافعاً عن مركزه كإمام المسلمين أو عن سلطته كولي امورهم. وانما خرج ليدفع عن الدين ما بدا يعتريه من دخيل عليه وغريب عنه. فقوله(عليه السلام): "دعوه فان الذي يريده الاعرابي هو الذي نريده من القوم" دليل على ان وقائع الجمل وصفين والنهروان كانت كلها حروب تصحيحية. مصداقاً لقول رسول الله(صلى الله عليه وآله): ان منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. فقيل مَنْ يا رسول الله؟ فقال: خاصف النعل في الحجرة وكان علي بن أبي طالب يخصف نعل رسول الله في حجرته(1).
ومثلما سلك الإمام(عليه السلام) في الاستدلال على الخالق والتعريف به، بحيث لا يتطرق إلى أقواله تحريف أو تأويل. سلك الأئمة الهداة من بنيه(عليهم السلام) في الذب عن أركان الدين كلما سنحت لهم بذلك. فرصة: فكانوا على مرّ العصور حماة الدين. ورعاة آثار وتراث الرسول(صلى الله عليه وآله)، المبلغ عن رب العالمين، بما استودعوه من علوم صحيحة وأفكار متطابقة صريحة، سأقتصر منها على قلة المراجع التي بحوزتي ما طالته يدي من مأثور أقوالهم ومستصفى آرائهم التي هي امتداد من مركز النبوة، وهدى من نور الامامة، فهذا أبو عبدالله الحسين بن علي سيد الشهداء(عليه السلام) يقول في دعاءه الشهير في عرفة الذي أرهفت له آذان السامعين وتحيرت له عقول الحاضرين، وهزّ نياط قلوب المؤمنين بما حواه من سبحات القدس ولواعج الأنس:
"كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر اليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك. متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل اليك عميت عين لا تراك عليها
1) أحمد في المسند، المتقي الهندي في كنز العمال، محب الدين الطبري في الذخائر.
رقيباً، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيباً.."(1).
قوله(عليه السلام) عميت عين لا تراك اشارة لطيفة إلى بصيرة النفس لا إلى بصر العين لاستحالة رؤية المولى سبحانه وتعالى بالعين.
وتعددت ادلة الائمة من أهل بيت النبوة(عليهم السلام) في اثبات وجود الخالق وبيان معنى صفاته فجاءت متنوعة ومتفاوتة المعاني على مقدار عقول السائلين.
جاء رجل إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام). فقال له: دلني على معبودي: فقال له اجلس. وإذا غلام له صغير وفي كفه بيضة يلعب بها. فقال(عليه السلام): ناولني يا غلام البيضة، فناوله اياها فقال: يا ديصاني هذا حصن مكنون له جلد غليظ وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة، وفضة ذائبة، فلا الذهبة المايعة تختلط بالفضة الذائبة ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المايعة. فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها. ولا دخل فيها داخل مفسد فيخبر عن فسادها، لا يدري للذكر خلقت أم للانثى تنفلق عن مثل الوان الطواويس. اترى لها مدبراً؟ قال فاطرق ملياً ثم قال: اشهد ان لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمداً عبده ورسوله، وانك امام حجة من الله على خلقه وأنا تائب مما كنت فيه(2).
وقيل للإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) يابن رسول الله: ما الدليل على حدوث العالم؟ فقال له(عليه السلام): انك لم تكن ثم كنت، وقد علمت انك لم تكون نفسك ولا كونك من هو مثلك"(3).
وسُئل أمير المؤمنين(عليه السلام): بماذا عرفت ربك. قال بفسخ العزائم ونقض الهمم، لما هممت فحيل بيني وبين همي، وعزمت فخالف القضاء والقدر عزمي علمت ان
المدبر غيري(1).
وعن إثبات الصانع قال(عليه السلام): البعرة تدل على البعير، والروثة تدل على الحمير، واثر القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة ومركز سفلي بهذه الكثافة، لا يدلان على اللطيف الخبير(2).
وتفرّد الائمة من أهل بيت النبوة(عليهم السلام) في الاستدلات العقلية والاجوبة المنطقية في التوحيد وغيره من عقيدة الإسلام، مضافاً إلى سبرهم لأغوار الوحي ونيلهم العلوم الإلهية ما فاض على اتباعهم، معارف وحقائق جعلتهم على بصيرة من أمرهم، وجعلت غيرهم من المتنكبين عنهم في حيرة يعبدون الله على حرف أو دونه.
للإمام علي بن موسى الرضا ثامن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) مناظرات واحتجاجات، ودروس ومحاضرات في شتى العلوم الإلهية، فيها من الأجوبة الشافية والردود الكافية ما قصم به ظهر الباطل واعاد الحق إلى نصابه، فقد جاء عنه(عليه السلام) في التوحيد:
عن محمد بن عبدالله الخراساني خادم الرضا(عليه السلام) قال: "دخل رجل من الزنادقة على الرضا(عليه السلام) وعنده جماعة فقال لأبي الحسن(عليه السلام): أرأيت أن كان القول قولكم وليس هو كما تقولون ألسنا واياكم شرع سواء ولا يضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا واقررنا فسكت فقال أبو الحسن(عليه السلام): وان يكن القول قولنا وهو قولنا وكما نقول ألستم قد هلكتم ونجونا؟ قال: رحمك الله فأوجدني كيف هو وأين هو؟ قال ويلك ان الذي ذهبت إليه غلط وهو أيّن الأين وكان ولا أين، وكيّف الكيف وكان
ولا كيف، فلا يعرف بكيفوفية ولا بأينونية، ولا يدرك بحاسة ولا يقاس بشيء، قال الرجل: فإذا انه لا شيء إذا لم يدرك بحاسة من الحواس، فقال أبو الحسن(عليه السلام): ويلك لمّا عجزت حواسك عن ادراكه انكرت ربوبيته ونحن إذا عجزت حواسنا عن ادراكه ايقنّا أنه ربنا وأنه شيء بخلاف الأشياء قال الرجل: فأخبرني متى كان؟ قال أبو الحسن(عليه السلام): فأخبرني متى لم يكن فأخبرك متى كان؟ قال الرجل: فما الدليل عليه؟ قال أبو الحسن اني لما نظرت إلى جسدي فلم يمكني زيادة ولا نقصان في العرض والطول ودفع المكاره عنه وجرّ المنفعة إليه علمت ان لهذا البنيان بانياً فأقررت به مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته وانشاء السحاب وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات، علمت ان لهذا مقدّراً ومنشأ، قال الرجل: فلم احتجب؟ قال أبو الحسن: ان الحجاب على الخلق لكثرة ذنوبهم فأما هو فلا يخفى عليه خافية في أناء الليل والنهار، قال: فلم لا تدركه حاسّة الأبصار؟ قال: للفرق بينه وبين خلقه الذين تحركهم حاسّة الأبصار منهم ومن غيرهم ثم من أجلّ من أن يدركه بر أو يحيطه وهم أو يضبطه عقل قال: فحدّه لي، قال: لا حدّ له قال ولم؟ قال: لأنّ كلّ محدود متناه إلى حدّ وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان فهو غير محدود ولا متزايد ولا متناقص ولا متجزّىء ولا متوهم.. إلى آخر الحديث.
حدّثنا علي بن الحسن بن الفضال عن أبيه قال: سألت الإمام علي ابن موسى الرضا(عليه السلام) في قوله الله عزوجل: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَـئِذ لَّمَحْجُوبُونَ)(1)فقال: ان الله تعالى لا يوصف بمكان يحلّ فيه فيحجب عنه فيه عباده ولكنه يعني انهم عن ثواب ربهم محجوبون قال وسئلته عن قول الله
1) المطففين: 15.
عزوجل: (وَ جَآءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)(1)فقال: ان الله تعالى لا يوصف بالمجيء والذهاب تعالى عن الانتقال انما عني بذلك وجاء أمر ربّك والملك صفّاً صفا. قال: وسألته عن قول الله عزوجلّ هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة. قال: يقول هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله بالملائكة في ظل من الغمام. قال: وسألته عن قوله تعالى: (سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ)(2)وعن قوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)(3)وعن قوله (وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ)(4)وعن قوله: (يُخَـدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَـدِعُهُمْ)(5)فقال ان الله تعالى لا يسخر ولا يستهزىء ولا يمكر ولا يخادع ولكنه يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
عن الحسن بن سعيد عن ابي الحسن الرضا(عليه السلام) في قوله عزوجل: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاق وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ)(6)قال حجاب من نور يكشف فيقع المؤمنين سجداً. وتدمج اصلاب المنافقين لا يستطيعون السجود.
منها قول القائل: كشفت الحرب عن ساق أي اظهرت نتيجتها.
عن محمد بن عبيدة قال: سألت الرضا(عليه السلام) عن قول الله عزوجل لابليس: (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)(7)قال(عليه السلام): "يعني بقدرتي وقوتي".
عن الحسين بن خالد قال قلت للرضا(عليه السلام): "يا بن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ان الناس يروون ان رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال (ان الله عزوجل خلق آدم على صورته) فقال: قاتلهم
الله وقد حذفوا أول الحديث ان رسول الله(صلى الله عليه وآله) مرّ برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول لصاحبه: (قبح الله وجهك ووجه من يشبهك. فقال(صلى الله عليه وآله): يا عبدالله لا تقل هذا لاخيك فان الله عزوجل خلق آدم على صورته) فيكون الضمير عائداً على الرجل الذي وقع عليه السب.
عن الحسين بن خالد قال قلت لأبي الحسن الرضا(عليه السلام): يا ابن رسول الله ان قوماً يقولون: لم يزل الله عالماً بعلم قادر بقدرة حياً بحياة قديماً بقدم سميعاً بسمع بصيراً ببصر. قال(عليه السلام): من قال ذلك ودان به فقد اتخذ مع الله آلهة أخرى وليس من ولايتنا على شيء ثم قال(عليه السلام): لم يزل عزوجل عليماً قديراً حياً سميعاً بصيراً لذاته تعالى عما يقول المشركون والمشبهون علواً كبيراً.
لا يمكننا اظهار صحة ما نحن عليه من توحيد سليم إلاّ بعرض ما يعتقده غيرنا من المسلمين. فنقول أما المنحرفون عن ولاية الأئمة من أهل البيت(عليهم السلام)، فقد ذهبت بهم مذاهبهم إلى تبني معتقدات أساسها الكذب على الله تعالى وعلى رسوله الأكرم(صلى الله عليه وآله)، بما ابتدعه لهم علماؤهم وفقهاؤهم، وما زكاه حكامهم لهم من أباطيل لو ثابوا إلى رشدهم منها لبكوا على ما فرطوا في جنب الله تعالى، ولضحكوا على تفاهة عقول مبتدعيها ومنتحليها، وأي بناء لا يكون أساسه سليماً مآله السقوط. والعقيدة التي اختلط فيها الغث بالثمين والسقيم بالسليم لا يمكن أن تفرز بعداً غيبياً وتواصلا إلهيّاً، وهي أقرب إلى الجهالة منها إلى المعرفة. وإلى النفرة منها إلى الحب.
والمتتبع لجملة الأحاديث التي أوردها هؤلاء في اثبات جسمانية الخالق وتفاصيل اجزاءه وجلوسه ونزوله وتنكره وضحكه ورؤية المؤمنين له يوم القيامة يلاحظ اصرار غريباً من حفاظهم على نقل تلك المفتريات المتعارضة مع القرآن.
ومع غيرها من الروايات والتي لا يقبلها عقل سليم لم يصب بلوثة التجسيم والرؤية.
ثم تراهم يحثون اتباعهم على التدين بها حثاً ويحرمون عليهم معارضتها أو حتى مجرد التشكيك في مدى صحتها فلم ينشأ بينهم غير التعصب الأعمى والتدين الأعرج وتولدت فيهم جراء تلك الروايات الفاسدة عقيدة عقيمة وتوحيد اقرب للوثنية وآلهة الأغريق القدامى منه إلى توحيد الحق تعالى وحلت الخرافة في الدين محل العلوم الالهية، والقصاصون محل العلماء حتى عجت كتبهم بها ومع ذلك لا يتحرجون ولا يتأثمون منها طالما انهم يعتقدونها من اقوال رسول الله(صلى الله عليه وآله)وبما انني اتحدث عن مقام واحد منها فقد اخرجت ما هو متعلق بالتوحيد فقط على أن يكون لكل باب من بقيتها مقام ومقال:
اخرج البخاري ومسلم وغيرهم من حفاظ العامة ما يلي:
1 ـ عن صهيب عن النبي(صلى الله عليه وآله) قال: إذا ادخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى تريدون شيئاً ازيدكم؟ فيقولون الم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب فما اعطوا شيئاً أحب إليهم من ربهم عزوجل(1).
2 ـ عن أبي هريرة اخبر ان أناساً قالوا لرسول الله(صلى الله عليه وآله): يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فانكم ترونه كذلك(2).
3 ـ عن أبي هريرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال يد الله ملآى لا يغيضها نفقة
سعاء الليل والنهار وقال: أرأيتم ما انفق منذ خلق الله السماوات والأرض فانه لم يغض ما في يده وقال: وعرشه على الماء وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع(1).
4 ـ عن أبي هريرة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: يتنزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير من الليل فيقول: من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فاغفر له؟(2)
5 ـ في حديث طويل عن ابن مسعود جاء فيه.. قالوا "مم تضحك يا رسول الله قال: من ضحك رب العالمين"(3).
6 ـ وعن جابر بن عبدالله في حديث طويل... ثم يأتي ربنا بعد ذلك فيقول: من تنظرون فيقولون: ننظر ربنا فيقول: أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر إليك فيتجلى لهم يضحك قال: فينطلق بهم ويتبعونه(4).
7 ـ عن أبي هريرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: خلق الله عزوجلّ آدم على صورته طوله ستون ذراعاً...(5)
هذه الروايات وغيرها تؤيد الرأي العام المتداول عند تلك الطائفة في أن الخالق تعالى عن ذلك جسماً وجعلوا له صفات وقالوا بأنها غير ذاته وان له اعضاء كاليدين والوجه والعينين والرجل وانه ينزل ويأتي ويضحك ويتنكر إلى غير ذلك من السفسطات والسخافات.
قد سلك الجاحدون للامامة الشرعية والمنحرفون عن الائمة الهداة عليهم وعلى جدهم ازكى السلام وأفضل الصلاة وهم الوهابية اتباع محمد بن عبدالوهاب، فقد سلكوا مسلك أحمد بن تيمية وتلميذه ابن القيم واتباعهم حينما ادعوا بأنهم هم الموحدون حقاً وغيرهم من المسلمين مشركون، وأن توحيدهم لله هو التوحيد الصحيح الذي تنبني عليه عقيدة الإسلام، والمتصفح لكتبهم ككتاب التوحيد لابن عبدالوهاب، والعقيدة الحموية والواسطية وغيرها وهي رسائل لابن تيمية يقف على مدى بطلان عقيدتهم وفساد رأيهم وتفاهة عقولهم، فان الذي يثبت لله تعالى جهة الفوق والنزول والمجيء والقرب والوجه واليدين والأصابع والعينين بمعانيها الحقيقية دون تأويل، مختل الاعتقاد وفاسد التوحيد.
ولم يقفوا عند ذلك الحد في تطاولهم السخيف بل راحوا يستنكرون ويشنعون على كل من قال بتنزيه المولى عن كل نقص، ولم تكن ارهاصاتهم ولا شطحاتهم تلك وليدة استنتاج علمي أو بحث فكري، حتى تصنف في خانة الاجتهاد وإنما هو دليل يخرج به كل ذي بصيرة بعد إطلاعه عليها يعبّر على سطحية وضحالة علوم كل من تبنى عقيدة هؤلاء الذين اطلق عليهم طواغيت العصور الغابرة أهل السنة والجماعة وهم للبدعة أقرب وأولى بالتسمية. فعن أي سنة يتحدثون؟ إن كانت سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأهل بيته الذين أذهب عنهم المولى سبحانه وتعالى الرجس وطهرهم تطهيرا وقرنهم جدهم بالكتاب العزيز أولى عقلا ونقلا. وسيرهم تنبئك عن حالهم، ولو ردّ هؤلاء إليهم ما التبس من دينهم لوجدوا عندهم ما يشفي صدورهم ويجعلهم على بصيرة من أمرهم، وإن كانت سنة أخرى كالذي أدخله بنو أمية في الدين فإنها لا تغني عن الحق شيئاً.
يوجه الكاتب خطابة إلى المسلمين، ويقول:
أخي المسلم لا شك أن الدين قد مرّ قبل وصوله إلينا بقنوات مشبوهة كان لها أثر كبير في تحريف ما وصل إلينا منه، وقد تضررت عقيدة السواد الأعظم من المسلمن بما علق بها من أكاذيب وتآويل خاطئة، وقد حان الوقت لنستأصلها ونعيد الحق إلى نصابه والدرّ إلى معدنه بالعود الى المستحفظين على كتاب الله والناطقين عنه وثقله كما أحالنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) من قبل بقوله: "تركت فيكم الثقلين ما ان تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما".
والمعتصم بهم آمن من الزيغ والانحراف بمنأ التناحر والاختلاف محفوظاً في كنف المولى من الانصراف إلى أئمة النار وحزب الشرّ والأشرار أتباع الشيطان وأوليائه من الدعاة إلى التعبد بالشك والظنّ. والآن ليس امامك غير طريقين لا ثالث لهما فأما أن تعبد الله الحق اله الأنبياء والمرسلين اله محمد وآله الطاهرين (صلى الله عليه وآله). الذي لا يتجزّء ولا يتحيّز ليس كمثله شيء ولا يرى في الدنيا والآخرة ذو الصفات التي لا تحصى وهي ذاته المقدّسة، او أن تعبد هذا الذي يعرضه عليك هؤلاء والذي هو على صورة آدم، وان قالوا بلا كيف فقد كيفوا نتيجة انصرافهم عن آل طه وانحرافهم عن الراسخين في العلم.
نسأل الله تعالى ختاماً أن يلزمنا كلمة التقوى، ولا يحيد بنا عن صراطه المستقيم، ولا يباعد بيننا وبين أوليائه الذين اذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، ويهدي أمة الإسلام بالرجوع اليهم بعد قرون التيه والضياع انه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين.
الصورة
ولد عام 1965م في دمشق بسوريا، واصل دراسته الأكاديمية حتى حصل على شهادة مساعد مهندس اختصاص الكترون، كانت نشأته في عائلة تعتنق المذهب الحنفي، لكنه عن طريق المطالعة والقراءة تفتح ذهنه على افاق رحبة من المعارف والعقائد الاسلامية حتى توصّل إلى نتائج دفعته لاعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
يقول الأخ محمد سليم: كنت اتردد منذ صغري على المساجد وحلقات الدرس الدينية مما سمح لي بدراسة الفقه على أيدي عدة من مشايخ دمشق، وكنت مهتماً بدراسة الاديان السماوية ومناقشة البعض من معتنقيها، كما كنت مهتماً بالبحث حول الخلافات الدينية.
يقول الأخ محمد سليم حول بداية تعرفه على مذهب أهل البيت(عليهم السلام): "عملت لدى خال لي عنده مكتب عقاري، ومن خلال عملي في هذا المكتب كنت
أصادف بعض رجال الشيعة الوافدين من القطر العراقي الشقيق لزيارة السيدة زينب وقد كان المكتب العقاري في منطقة قريبة من كراج انطلاق السيارات المتوجهة للسيدة زينب.
لذلك كان يتردد الكثير منهم لاستئجار بيوت قريبة من هذه المنطقة فيدخلون هذا المكتب ليسألوا عن البيوت.
وقد كلمني أحدهما وكان قادماً إلى المكتب ليستأجر داراً للسكن، وقد أخبرني أنه يدرس في الحوزة، ولم أكن قد سمعت بهذا التعبير من قبل، فسألته ماذا تعني (الحوزة) فوضح لي وسألني: ماذا أعرف عن الشيعة؟
فقلت له: لا أعرف إلاّ أنه مذهب من المذاهب الاسلامية، وأنهم يقدّسون سيدنا علياً(رضي الله عنه) وأهل بيته ويرون أنه أفضل من كل الصحابة هذا ما أخبرته به فقط مع أني كنت أخفي في قرارة نفسي ما كنت أسمعه من مشايخي ومن العوام من تشنيع على الشيعة وذلك منعاً للإحراج، ولكنه بدأ يكلمني عن بعض الأمور الخلافية بين الشيعة والسنة، وقد كنت أندهش لأن ما أسمعه منه لم أسمع به من قبل، وعندما رآني غير مصدّق لكلامه قال لي: ألست تقول بأنك تحب المطالعة وأنك لا مانع عندك من قراءة أي كتاب؟ فقلت: نعم، فنصحني بقراءة كتاب (المراجعات).
وقال لي: إن هذا الكتاب حوار بين شيخ سني وآخر شيعي وأن كل ما فيه هو من كتب وصحاح أهل السنة.
وقد حاولت جاهداً أن أجد هذا الكتاب في المكتبات التي أعرفها في دمشق، لكنني لم اصل إلى النتيجة المطلوبة".
يقول الأخ محمد سليم: "وفي هذه الفترة جلب لي شقيقي (المئة الأوائل من
النساء) وقد كان قد قرأه واستوقفته خطبة السيد زينب وهي في بلاط الطاغية يزيد ابن معاوية بن أبي سفيان وذلك بعد واقعة كربلاء، ولم أكن أعلم عن هذه الحادثة شيئاً، ولم أسمعها من أحد من قبل، مع أني كما قلت سابقاً كنت ومنذ طفولتي أتردد إلى المساجد وأحضر حلقات الدروس، ولكن لم أسمع عن هذه الحادثة.
وقد علمت بعد ذلك أن ما كنت أقرؤه كانت كتباً موجهة تحاول أن تمنع أن تصل إلينا مثل هذه الأمور..
وبعد قراءتي لهذه الخطبة حاولت أن أبحث في الكتب عن واقعة كربلاء واندهشت عندما قرأتها في تاريخ الطبري.
فسيدنا الإمام الحسين سيد شباب أهل الجنة كما جاء في الحديث الشريف.
(الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة).
قد قتل هو وأهل بيته وأصحابه في هذه الحادثة أمام أعين المسلمين وسمع الآخرين، وقاتلهم يزيد وجيشه، وهذا الطاغية كان خليفة المسلمين في ذلك الوقت فهذه الحادثة جعلتني أعزم على أن أعرف كيف وصل هذا الطاغية إلى الحكم فتحكم بالإسلام والمسلمين وتجرأ على ريحانة رسول الله(صلى الله عليه وآله)".
يقول الأخ محمد سليم: "ومن حسن الحظ في تلك الفترة أن التقيت صدفة بأحد أصدقائي لدى خروجي من صلاة الجمعة يحمل كتاباً فقلت له: ما هذا الكتاب؟
فقال بنفور: كتاب عن الشيعة.
فقلت له: هاته. وكم كانت فرحتي شديدة عندما قرأت عنوان الكتاب (المراجعات) بين السيد شرف الدين والشيخ سليم البشري، فهذا ما كنت أبحث عنه، وقد حاول صديقي منعي من أخذه بحجة أنه مختلق كما يعتقد وأن شيخه قد
نصحه بعدم قراءته لذلك هو لم يقرأه، ويريد أن يعيده للشخص الذي أعاره إياه.
فقلت له: لا عليك سوف أقرؤه بسرعة وأعيدة اليك غداً وفعلا قرأت الكتاب وأنهيته في ساعة متأخرة من تلك الليلة، وقد أعدت قراءته لأتأكد مرة ثانية من حقيقة الروايات، والأحاديث المثبتة في هامش الكتاب، والتي استشهد بها السيد شرف الدين.
وقد قلت في نفسي إن كانت هذه الروايات موجودة في كتب أهل السنة وتواريخهم وتفاسيرهم، فسوف أعيد النظر في قناعاتي، فلا يهم إن كان هذا الكتاب ملفقاً أو صحيحاً، لأن الغاية هي ما جاء فيه وليس غير ذلك.
وبالفعل، فقد تأكدت من وجود هذه الأحاديث في الصحاح وكتب التفسير والتاريخ، وكل ما قاله واحتج به السيد عبدالحسين شرف الدين من حجج باهرة لا يمكن نكرآنهاإلاّ على من لا يريد أي يرى ضوء الشمس".
يقول الأخ محمد سليم في مجال المضايقات التي واجهها بعد التوصل إلى القناعات الجديدة:
عندما رفضت أن أحجز عقلي حكمو عليّ بالضلالة كما صرح أحد المشايخ الذين كنت أحضر دروسهم، وحتى أنه رفض مناقشتي في هذه الأمور.
وشيخ آخر نصح الناس بالابتعاد عني، وذلك عندما نقل له أحد من كان يحضر عندي من تلاميذه بأني أعطيهم بعض الكتب لي يقرؤوها مثل كتاب (ثم اهتديت للدكتور محمد التيجاني) وكتاب (المراجعات).
وكل الذين كتب الله لهم سبيل الهداية إلى مذهب أهل البيت.
فما كان من هذا الشيخ إلاّ أن قال في خطبة يوم الجمعة وعلى المنبر:
إن أحد الزنادقة يوزع كتاباً فيها سب وشتم للصحابة، فننصح الأخوة عدم
قراءة هذه الكتب، وعوضاً عنها أنصحهم بقراءة كتاب العواصم من القواصم..
هذا كل ما عنده وعند أمثاله فأي إنسان يخالفه بالرأي سيصبح زنديقاً يسب الصحابة ولا يصح أن يكلمه أحد.
وعندما آثرت أن أقرأ كتاب العواصم من القواصم لأرى ما فيه فوجئت بما وجدت فيه من سب وشتم الصحابة وانتقاص منهم، وفي نهاية الكتاب فتوى بقتل الشيعة وكل من يخالف مذهب العامة..
لذلك قررت أن أذهب إلى هذا الشيخ وذلك في يوم الجمعة، وقد أخذت معي كتاب العواصم من القواصم بعد أن كنت قد همشته، ووضعت علامات على المواضيع التي ينتقص فيها مؤلف الكتاب من الصحابة، وأخذت معي أيضاً كتاب التشيع للسيد عبدالله الغريفي (حفظه الله)..
وفي يوم الجمعة دخلت إلى مسجد الزهراء في منطقة المزه، واستمعت إلى الخطبة، ثم صليت معهم صلاة الجمعة، وبعد الانتهاء التفت الشيخ إلى الحضور وبدأ يجيب عن أسئلتهم، فلمّا شارف على الانتهاء وهم بالوقوف توجهت إليه وقلت له:
إذا سمحت يا شيخ عندي بعض الأسئلة، وهنا بادرني بالسؤال عندما رأى كتاب العواصم من القواصم بيدي قائلا:
هل اشتريت الكتاب؟
فقلت له: نعم حسب ما طلبت أنت من الأخوة، فطلب مني أن أعطيه الكتاب ليتأمل، وبالفعل أخذه من يدي وبدأ يتصفحه ويبدي سروره عند كل صفحة وعندما قال لي ما سؤالك؟
فقلت له: إن كان يوجد هنا مكتبة أو مكتب لندخل له حتى يتسنى لنا الحديث بهدوء فقال: لا، أسأل هنا أمام الأخوة.
فقلت له: يا سماحة الشيخ ألم يأمرنا الله بالاعتصام بحبل الله جميعاً وأمرنا
رسول الله الكريم بعدم تكفير بعضنا البعض، وقال من كفر مسلماً فقد كفر، فكيف تأمر الناس بقراءة كتاب يفتي بقتل نصف المسلمين ممن يشهدون الشهادتين ويقيمون الصلاة ويصومون رمضان؟
وهذا الكتاب أيضاً يسب الصحابة، ويقول إن بعض هؤلاء مثل عمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن أبو حذيفة قد لعب فيهم ابن اليهودية (عبدالله بن سبأ) فكادوا لدولة الإسلام، وأججوا الفتنة التي أدت لمقتل عثمان بن عفان.
فقاطعني هنا الشيخ وقال: تفضّل لنتكلم في الداخل.
وقد كان المصلون قد تجمعوا حولنا فقادني إلى غرفة بجانب المصلى وقد دخل معنا جمع غفير من المصلين، فالتفت إليّ قائلا أنا لم أقرأ الكتاب، ولعل ما فيه مدسوس، فقلت له: هذا هو الكتاب، وقد فتحت له على الصفحة التي فيها الفتوى بقتل الشيعة.
فالتفت إلى الشيخ وقال: أنا لم أقرأ الكتاب.
فقلت له: ان مشلكتنا أننا نجهل كل شيء عن الشيعة إلاّ ما يقوله المغرضون والمشنعون، وقد أتيتك بكتاب يشرح منشأهم وأصول المذهب عندهم، وأتمنى منك أن تقرأ بعين المصنف، وسوف آتي إليك في الأسبوع المقبل لأعرف رأيك وهذا رقم هاتفي واسمي وعنواني فبان عليه الاستغراب عند سماع اسمي فعرفت ما يدور في ذهنه، فقلت له: إني كنت حنفي المذهب، والآن أتبع مذهب أهل البيت.
وقد أعطيته كتاب التشيع (للسيد عبدالله الغريفي حفظه الله) وطلبت منه أن يتصل بي إن أشكل عليه أمر ما، وودعته على أمل اللقاء بعد أسبوع.
وعندما أتى الموعد ذهبت إلى المسجد ولم يكن قد اتصل بي خلال هذا الأسبوع، وعندما قابلته بعد الصلاة اعتذر وقال إنه لم يقرأ الكتاب لأنه مشغول،
وعنده دورة تحفيظ القرآن الكريم وواعدته في الأسبوع الذي يليه، ولكنه للأسف خرج من المسجد عندما رآني وأنا أصلي. ولم يلتفت إلي...
فعرفت أنه لم ولن يقرأ الكتاب، فلم أعد له ولم يتصل بي، ولكني عرفت رأيه من نظرة بعض الأصدقاء لي ونفورهم وكلامهم لي: لماذا تركت مذهبي واعتقادي السابق وكنت دائماً أشرح لهم وأعرَّفهم الحق وقد اهتدى البعض، واستنكف آخرون لأنهم كانوا يأخذون بكلام مشايخهم وإن كان بلا دليل، ويرفضون كلامي وإن أتيت عليه بألف دليل من الكتاب والسنة. وقد نسوا قول الله تعالى: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـنَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ...)(1).
ومن المعلوم أن النصارى لا يعبدون أحبارهم ولا رهبانهم، بل يطيعونهم فيما يقولون ويصدقونهم ويسلموا لهم دون دليل ودون تعقل أو تفهم، لذلك وصفهم الله بأنهم يعبدونهم من دون الله.
فهل يريد منا هؤلاء أن نكون مثلهم، وقد أمرنا الله أن نحكم عقلنا من بعد الكاتب وسنة رسول الله.
قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَآ..)(2).
لذلك فقد حررت عقلي ومضيت في سبيل الله لا أخشى لومة لائم، وبذلك قد نزعت التعصب الأعمى وما أورثه لي أسلافي، فانكشف لي ما حاولوا تغطيته والتعتيم عليه عبر العصور.
وما أحوجنا الآن إلى أن يدرس هذا التاريخ الذي اختفى من ورائه النزاع السياسي والصراع الطائفي دراسة واقعية على ضوء التحقيق العلمي المجرّد عن التعصب والتحيز ليظهر الحق والحق أحق أن يتبع.
والحمد لله على ما هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله".
سيصدر عن مركز الأبحاث العقائدية ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.
وهو كتاب يساهم في كشف الغموض والتعتيم الذي لاقته مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) من قبل الحكام والدائرين في فلكهم من علماء وعاظ سلاطين وكتاب مأجورين.
وقد أورد فيه المؤلف كيفية تعرفه على طريق النجاة، ثم سرد الأدلة التي دفعته إلى اعتناق مذهب التشيع، ثم سلط الضوء على التاريخ الاسلامي بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله)، والملابسات التي شاهدتها الساحة الاسلامية عقيب وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله)، وقد اورد في الفصل الأخير لمحات عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وتعيين الرسول لاوصيائه وائمة المسلمين من بعده.
كما يظهر من عنوان الكتاب فانه كتاب تاريخي، وهو يتناول حياة الخلفاء الأربعة الذين حكموا الناس بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وقد اختلف المؤرخون في حياتهم بل انقسمت الأمة الإسلامية بين مؤيد لهذا أو لذاك منهم نتيجة أهمية الفترة التاريخية الحساسة التي حكموا فيها وهي ما بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله).
ويقول الكاتب عن هذا التاريخ:
"وما أحوجنا الآن إلى أن يدرس هذا التاريخ الذي اختفى من ورائه النزاع السياسي والصراع الطائفي دراسة واقعية على ضوء التحقيق العلمي المجرد عن التعصب والتحيز ليظهر الحق والحق أحق أن يتبع".
ثم يعرف الكاتب كتابه هذا بالقول:
"سوف أحاول في هذا الكتاب واعتماداً على أبواب عدة أن أميط اللثام عن الكثير من الحوادث التاريخية التي حصلت بعد وفاة رسول الله من أمور الخلافة وما تبعها من حوادث وحروب وفتن ومؤامرات.
وقد وضعت هذه الأبواب عل طريقة إفادات، أي أن نحضر الشخصيات التي لعبت دوراً في هذا التاريخ، وكان لهم الأثر الكبير فيما حدث حتى الآن، ونسألهم عمّا حصل، ونتأمّل أقوالهم وأعمالهم ونكتب الرد على لسانهم واعتماداً على كتب التاريخ والحديث والتفسير عند أهل السنة.
وقد اعتمدت في هذا الكتاب على كتب عدة وقد سجلت أسماءها وأين يوجد كل جواب أو مسألة في الهامش.
ولم اعتمد إلاّ على الروايات التي يتفق عليها الطرفان السنة والشيعة، وطرحت الآراء التي يتبناها الشيعة مع صحتها وثقتي بها، ولكن أن تحتج بها ألزم أهل السنة أنفسهم به أجدى وأنفع وأقوى.
اعتماداً على المقولة.
(ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم).
و(من فمك أدينك).
وقد يكون للحادثة التاريخية ألفاظ عدة ورواة عدة ومعاني عدة، ولكني لن أنتقي ما يؤكد ما أرمي إليه في رأيي، وأطرح الباقي كما يفعل الكثيرون من الكتاب من أهل الخلاف.
إذ أنهم يأخذون ما يوافق منهجم ويتركون ما يناقضه، بل اعتمدت في أخذي للأحاديث والروايات ما أجمع عليه الفريقان من صحته، وذلك أكثر أمانة وأنجح للحجة.
يعرف الكاتب بشخصية أبي بكر، ثم يتحدث عن أحداث أيام ملكه ـ من السقيفة الى تسليم الخلافة إلى عمر ـ وما فعل من منكرات مثل منع فاطمة سلام الله عليها فدكاً، ومحاولة حرق بيتها، ثم حرق الأحاديث ومحاربة السنة النبوية، وقد اخترنا هذه المقتطفات المختصرة:
س ـ عرّف نفسك؟
ج ـ اسمي أبو بكر عبدالله بن عثمان، بن عامر، بن عمرو، بن كعب بن سعد، بن تيم بن مرة، بن كعب بن لؤي، بن غالب بن فهر بن مالك...
وأمي أم الخير، بنت صخر بن عامر، بن كعب، بن سعد، بن تيم بن مرة..(1)
1) تاريخ الطبري: 2 / 350.
وكنت أعمل في التجارة وأعرف علم الأنساب.
أسلمت بعد أربعة أو خمسة من الصحابة فأول من أسلم خديجة وعلي وزيد بن الحارثة ثم خالد بن سعيد بن العاص وأبو ذر وأنا..(1)
رافقت رسول الله في كل غزواته، وكنت أجلس معه في العريش، ولم أشارك في القتال ولم أبارز أحداً خلال معارك الرسول(2).
س ـ يقول البعض من أهل السنة بأنك وصلت إلى الخلافة برضا من رسول الله، ويستشهدون على ذلك بأنك صليت بالناس عند مرض الرسول، وبأنك أول من أسلم من الرجال، وأنك صديقه في الغار فما ردك على ذلك؟
ج ـ أولا: لم يكن معي من رسول الله أي نص، ولو كان معي مثل هذا النص، لاحتججت به يوم السقيفة، لأني كنت في أشد الحاجة إلى ما أثبت به أمري يوم ذلك.
ـ ثانياً: أما بشأن ما يدعيه البعض من موضوع الصلاة، فهي لم تكن إلاّ مرة واحدة. وقصتها أن ابنتي عايشة بعثت لي وقالت: إن رسول الله مريض فصلّ بالناس، وما إن بدأت بالصلاة حتى خرج رسول الله يتهادى من شدة مرضه بين الفضل بن العباس وعلي، ودخل المسجد وصلى عن يميني قاعداً وصلى الناس، فلما فرغ من الصلاة أقبل على الناس وكلمهم رافعاً صوته حتى خرج صوته من باب المسجد يقول: (يا أيها الناس سُعرت النار، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وإني والله لا تمسكوا علي شيئاً. إنّي لم أحل لكم إلاّ ما أحل لكم القرآن ولم أحرم لكم إلاّ ما حرم عليكم القرآن)...!!!!!(3)
وعليه فإن رسول الله لم يأمرني بالصلاة بالناس، ولو كان فعل لما خرج
على هذا الحال وصلى هو بالناس، وكيف يأمرني بذلك، وقد كان جندني في جيش أسامة بن زيد، وقد كان معسكراً خارج المدينة، وكنت معهم وإنما كنت أتردد على المدينة لعيادة رسول الله، ومن المعلوم أن قائد الجيش هو الإمام في الصلاة وقد كان أسامة بن زيد، هو إمامنا في الصلاة.
وقبل وفاته استأذنته بالذهاب إلى أهلي بالسنح(1)فأذن لي، لذلك عندما توفي رسول الله لم أكن في المدينة. وأيضاً لم احتج بقصة الصلاة في السقيفة لأنها علي لا لي.
ـ وأما بشأن أني كنت صديقه في الغار فهذا مما لا ريب فيه، ولكن قصته أنني أتيت في يوم هجرة رسول الله إلى داره، فوجدت علياً فسألته عن نبي الله فأخبرني أنه لحق بالغار من ثور وقال:
إن كان لك فيه حاجة فالحقه، فخرجت مسرعاً فلحقت نبي الله في الطريق، فسمع رسول الله جرسي في ظلمة الليل فحسبني من المشركين فأسرع رسول الله في المشي، فانقطع قبال نعله ففلق إبهامه حجر فكثر دمها، وأسرع السعي، فخفت أن يشق على رسول الله فرفعت صوتي وتكلمت، فعرفني رسول الله فقام حتى أتيته فانطلقنا ورجل رسول الله تستن دماً حتى انتهينا إلى الغار في الصبح(2).
س ـ كيف علمت بوفاة رسول الله؟ وما قصة اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة؟
ج ـ أخبرتك آنفاً أنني كنت في داري عند أهلي في (السنح)، وعند عودتي إلى المدينة لعيادة رسول الله وجدت عمر على باب المسجد واقفاً شاهراً سيفه
يتهدد ويتوعد الناس، وهو يقول: إن رسول الله لم يمت ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب نبي الله موسى، وإنه سيعود ويقطع أيدي وأرجل رجال يزعمون أنه مات. وكان لا يدع أحداً يدخل إلى الدار، فقلت له: على رسلك يا عمر أنصت، فأبى إلاّ أن يتكلم، فلما رأيته لا ينصت دخلت وكان رسول الله مسجى في ناحية البيت عليه برد حبرة فكشفت عن وجهه وقبلته، وقلت بأبي أنت وأمي أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن يصيبك بعدها موتة أبداً، ثم رددت الثوب على وجهه، ثم خرجت وأقبلت على الناس، فحمدت الله وأثنيت عليه ثم قلت:
ـ (أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلوت هذه الآية): (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَـبِكُمْ..) إلى آخر الآية..(1)
فوالله لكأن الناس لم يعملوا أن هذه الآية نزلت على رسول الله فأتاني عمر، وأخبرني أن أخرج إليه، وعندما خرجت أخبرني أن بعض الأنصار مجتمعون في سقيفة بني ساعدة، لأمر ولابد أن نكون هناك حتى لا يقطع أمر لا نكون فيه، فذهبنا وأخذنا معنا أبا عبيدة بن الجراح في وطريقنا باتجاه السقيفة وجدنا (عويم ابن ساعدة الأنصاري ومعن بن عدي) وهما من صفوة الأنصار وممن شهدوا بدراً.
وقالوا لنا: أرجعوا وأقضوا أمركم بينكم.
فلم نلتفت إليهم وتابعنا مسيرنا إلى السقيفة، وعندما وصلنا وجدنا جماعة من الأنصار ويوجد بينهم رجل مزمّل.
فقلنا لهم: من هذا الرجل.
فقالوا: سعد بن عبادة. وقد كان مريضاً لا يقوى على الوقوف.
وهنا حاول عمر أن يتكلم ولكني منعته وبدأت الكلام فحمدت الله وأثنيت
1) آل عمران: 144.
عليه ثم ذكرت ما للأنصار من فضل فلم أترك شيئاً إلاّ قلته ثم قلت:
(كنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاماً، والناس تبع لنا ونحن عشيرة رسول الله، ونحن أوسط العرب أنساباً ليست لقبيلة من قبائل العرب إلاّ ولقريش فيها ولادة).
وبعد أن أنهيت كلامي وقف عمر وقد كان زور مقالة قبل أن يأتي إلى السقيفة وكان يريد أن يقولها قبلي ولكن منعته(1).
فقال عمر:
(إنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلاّ من كانت فيها وألوا الأمر منهم، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أوليائه وعشيرته إلاّ مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة)..
فقال الأنصار: (لا نبايع إلاّ علياً)..
فقلت لهم إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين أبي عبيدة بن الجراح أو عمر ابن الخطاب فبايعوا من شئتم.
فقال عمر: معاذ الله أن يكون ذلك وأنت بين أظهرنا أبسط يدك أبايعك.
فبايعني عمر وأبو عبيدة وتتابع الأنصار على مبايعتي وتخلف سعد وأولاده..
فقال عمر: اقتلوا سعد قتله الله.
وتمت البيعة ثم ذهبنا إلى المسجد فقال عمر للناس:
مالي أراكم حلقاً شتى قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعته وبايعه الأنصار فقام
1) تاريخ الطبري: 2 / 235، شرح النهج لابن أبي الحديد ج1.
عثمان ومن معه من بني أمية فبايعوا، وقام سعد بن أبي وقاص وعبدالرحمن بن عوف ومن معهم من بني زهرة فبايعوا وأيضاً بايع كل من كان من الأنصار في المسجد بعدما قال عمر إن كل الأنصار بايعوا..(1).
س ـ هذا يعني أن الأنصار لم يكونوا مجتمعين من أجل أن يبايعوا سعد بن عبادة كما يزعم البعض لأنه كما ذكرت كان مريضاً، ولا يقوى على الوقوف وإن جماعة من الأنصار كانوا يعودونه، وأيضاً في معرض حديثك قلت أنكم صادفتم عند مجيئكم إلى السقيفة (عويم بن ساعدة ومعن بن عدي) وهما باتجاه المسجد أي خارجين من السقيفة وغير هذا كيف يكونوا مجتمعين من أجل البيعة، مع أن عمر قد منع الناس من أن يقولوا أن رسول الله قد مات أي أن الذين كانوا خارج المسجد لا يعلمون حقيقة الموقف..؟
ج ـ هذا صحيح ولكن عند علم عمر، باجتماع الناس في السقيفة، تبادر إلى ذهنه أنهم لابد أن يذكروا أمر الخلافة من بعد الرسول بناءً على مرض الرسول وهذا ما حصل..
س ـ ماذا حصل عند مرض موتك ولمن أوصيت بالخلافة؟(2)
ج ـ عندما أحسست بدنوّ أجلي دعوت عثمان بن عفان وقلت له: اكتب عهدي، فكتب عثمان وأمليت عليه:
(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة آخر عهد في
الدنيا نازحاً عنها، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها، إني استخلف عليكم عمر بن الخطاب، فإن تروه عدلا فيكم، فذلك ظني به ورجائي فيه. وإن بدل وغير فالخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)..
س ـ ولكن يقولون أنك عندما بدأت إملاء الكتاب أغمي عليك وأن عثمان هو من كتب اسم عمر فيه.
ج ـ نعم عندما وصلت إلى قولي إني استخلف عليكم فأغمي علي فكتب عثمان ـ عمر بن الخطاب وعندما أفقت قلت له اقرأ: وذكر اسم عمر
فقلت أنى لك هذا؟
قال: ما كنت لتعدوه.
فقلت له أصبت(1).
س ـ عندما دفعت الكتاب وعلم الصحابة بهذا هل وافقوا عليه أم تحفظوا أم عارضوا؟
ج ـ بعدما فرغت من كتابة الكتاب دخل عليّ قوم من الصحابة منهم طلحة فقال: ما أنت قائل لربك غداً وقد ولّيت علينا فظاً غليظاً، تفرق منه النفوس وتنقض عنه القلوب، فقلت: اسندوني وقد كنت مستلقياً، فأسندوني ـ فقلت لطلحة: أبالله تخوفني إذا قال لي ذلك غداً قلت له: وليت عليهم خير أهلك.
س ـ هذا يعني أن الصحابة لم يكونوا راضين عن استخلاف عمر وقد فرضته عليهم فرضاً بدون استشارتهم، والنتيجة هي التي تنبأ بها الإمام علي عندما قال لعمر:
(احلب حلباً لك شطره واشدد له اليوم أمر يردده عليك غداً).
1) المصدر السابق.
وهذا بالضبط ما قاله أحد الصحابة لعمر بن الخطاب عندما خرج بالكتاب الذي فيه عهد الخلافة فقال له: ما في الكتاب يا أبا حفص؟
قال: لا أدري، ولكن أول من سمع وأطاع.
فقال الرجل: (لكني والله ما أدري ما فيه، أمرته عام أول، وأمرك العام)(1).
فما قولك في ذلك؟
ج ـ لو شاء عمر بن الخطاب لكان الخليفة الأول فقد قلت له يوم السقيفة أبسط يدك أبايعك ولكن هو قدمني وقد حفظت له هذه، ثم هو الذي ركّز البيعة فينا أي المهاجرين في السقيفة وهو صاحب المقالة:
(إنه لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلاّ من كانت النبوة فيهم، من ينازعنا سلطان محمد ونحن أهله وعشيرته إلاّ مدل بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكه)(2)..
وهو الذي أخذ عصابة وذهب إلى بيت علي وأخرج الممتنعين عن البيعة من بني هاشم والزبير وهو الذي أمر بإحراق بيت فاطمة وعلي إن لم يخرجوا للبيعة.
وهو الذي طالب المجتمعين في المسجد لمبايعتي بقوله:
(مالي أراكم حلقاً شتى قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعته وبايعه الأنصار).
وهو الذي أصدر أمراً بقتل سعد بن عبادة في السقيفة.
وهو الذي هدّد علي بن أبي طالب بضرب العنق إن لم يبايع.
وهو الذي ضم أبا سفيان إلينا بأن نصحني بترك ما بيده من الصدقات ثم ولّى ابنيه يزيد ومعاوية على الجيش. باختصار إن عمر كان الرجل الثاني في
الدولة في خلافتني وقد كنت أسمع لرأيه وآخذ به.
وقد كان أكثر من ذلك فقد كان يحل ويبرم في خلافتي، وكأنه الأمير فقد كتبت لعيينه بن حصن والأقرع بن حابس كتاباً، فأخذاه إلى عمر ليشهد، فما أن شاهد عمر الكتاب لم يعجبه، فتفل فيه فوراً ومحاه، فرجعا إلي وقالا لي:
(والله لا ندري أأنت الأمير أم عمر)؟
فقلت لهم: (بل هو لو شاء كان).
فجاء عمر إلي، وقرعني بشدة على هذا الكتاب.
فقلت له: (فلقد قلت لك إنك أقوى مني على هذا الأمر لكنك غلبتني)..(1)
يعرف الكاتب بشخصية عمر، ويذكر طرفاً من تاريخه بعد وفاة الرسول وما فعله من بدع خالف فيها السنة النبوية الشريفة، فيذكر رزية يوم الخميس وطرفاً من أحداث السقيفة ودور عمر فيها، ثم علل علاقته مع أبي بكر أيام خلافته، ويذكر كيف منع رواية الحديث خوفاً من معرفة الناس فضائل آل البيت كما يوضح كيف أسس الأساس الصلب لحكم بني أمية بمنحهم ولاية الشام وعدم مراقبة أعمالهم فيها ثم يذكر الشورى وما جرى فيها، وقد اخترنا مما ذكره هذه المقاطع:
س ـ عَرّف نفسك؟
ج ـ اسمي عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبدالله بن قرط ابن رازح بن عدي بن كعب بن لؤي وكنيتي (أبو حفص)..
1) شرح النهج: 3 / 789 ـ 790.
وأمي: حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم وأول من كنّاني بالفاروق هم أهل الكتاب!!!!(1)
أسلمت بعد خمسة وأربعون رجلا وإحدى وعشرين امرأة أي بعد ستة وستين شخصاً!!!(2)
واشتركت في كل غزوات الرسول..
س ـ ولكن يقال أنك لم تثبت في معركة، ولم تبارز أحداً من المشركين، ولم تقتل أو تجرح أحداً، فقد ثبت أنك:
هربت مع عثمان يوم أحد(3).
وانهزمت يوم حنين(4).
وأيضاً يوم خيبر..(5)
ولم تذكر يوم الخندق بشيء.
فأين أنت مما يدعيه البعض من أن الله قد أعز بك الإسلام؟
ج ـ لقد نهاني رسول الله عن القتل، وقد صرحت بذلك عندما اقترحت على أبي جندل أن يقتل سهيل بن عمرو المشرك وشجعته على ذلك فقال لي أبو جندل مالك لا تقتله أنت؟
فقلت له: نهاني رسول الله عن قتله وقتل غيره..(6)
وأيضاً ليس لي من يحميني فقبيلتي بنو عدي ليس لها في العير ولا في النفير
لذلك لم أقتل أحداً أو أبارز في أي معركة حتى لا يكون علي دم لأي عشيرة لذلك لم يعاديني أحد من قريش ولم يمانع في خلافتي..
س ـ كيف علمت بأن رسول الله كان يريد أن يصرّح باسم علي في كتابة الوصية وماذا فعلت؟
ج ـ قلت لك أخرنا بعث جيش أسامة، وفي هذا الوقت كنا لا نغادر المسجد ودار الرسول لذلك عندما طلب رسول الله أن يكتب الكتاب بقوله:
(هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً).
فقد بادر إلى ذهني ما حصل في غدير خم، فعلمت أنه يريد أن يصرّح باسم علي بكتاب فإنه قال في خطبته:
(تركت فيكم ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي)، وقال (فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه).
وهنا يقول "أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً" إذاً الأمر واضح، لذلك ودون أي تمهل قلت إن رسول الله يهجر. أو أن رسول الله غلب عليه الوجع، وقد صرحت بذلك في كلام لي مع عبدالله ابن عباس في زمن خلافتي.
فقد سألت يوماً عبدالله ابن عباس ونحن نتحدث.
فقلت له يا عبدالله، عليك دماء البدن إن كتمتها، هل بقي في نفس علي شيء من أمر الخلافة؟
قال ابن عباس: نعم.
قلت له: أيزعم أن رسول الله نصّ عليه؟
قال: نعم، وأزيدك: إني سألت أبي عما يدعيه فقال صدق.
فقلت له: لقد كان في رسول الله من أمره ذروٌ من قوله (طرف من قول) لا
يثبت حجة ولا يقطع عذراً، وقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعته من ذلك اشفاقاً وحيطة على الإسلام!
ورب هذه البنية (يعني الكعبة) لا تجتمع عليه قريش أبداً!
فعلم رسول الله أني علمت ما في نفسه فأمسك(1).
س ـ هل قلت وحدَك أن رسول الله يهجر (معاذ الله)؟
ج ـ عندما قلت أن رسول الله يهجر انقسم الناس فقوم يقولون قربوا لرسول الله يكتب لكم وقوم يقولون ما قلت، وعندما كثر اللغط قال رسول الله: قوموا عني فقد علم رسول الله أنه لم يعد هناك داع من كتابة الكتاب لما سوف يوجب من طعن في مقام النبوة.
وخرجنا من عند رسول الله بعدما قال قوموا عني، وكان هذا آخر عهدي برسول الله.
س ـ هذا يعني أن رسول الله مات وهو غاضب منك وممن كان معك، ووقف موقفك في ذلك اليوم؟
ج ـ هذا صحيح، وليغفر الله لي.
س ـ ماذا فعلت بعد ذلك وما كانت خطتك؟
ج ـ أولا، كان يجب أن أبقى في المدينة قريباً من المسجد ودار رسول الله، لذلك كما قلت لك أخّرت جيش أسامة بن زيد، وبما أني كنت قريباً من دار الرسول فكنت أول من علم بوفاة الرسول، ولكن لأن أبا بكر لم يكن موجوداً بسبب ذهابه إلى أهله في السنح كان لابد أن انتظره ريثما يحضر لنتابع الخطة معاً،
1) شرح النهج: 12 / 21.
ولذلك حملت سيفي ووقفت على باب المسجد ومنعت الدخول والخروج من المنزل، وكنت أقول إن رسول الله لم يمت وإنما ذهب إلى ربه كما ذهب موسى، وأنه سوف يعود ويقطع أيدي وأرجل رجال يقولون أنه مات وقد أرسلت إلى أبي بكر لكي يأتي وانتظرت على هذه الحالة حتى وصل أبو بكر، وعندما خرج وقال قولته:
(من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت).
وبينما الناس بين مصدق ومكذّب انتهزت هذا الأمر وقلت لأبي بكر، هيا بنا إلى سقيفة بني ساعدة لأن الأنصار مجتمعون عند رئيسهم سعد بن عبادة، وقد كان مريضاً ولابد أن نصل هناك قبل أن يشيع نبأ وفاة رسول الله، وفعلا ذهبنا وأخذنا معنا أبي عبيدة ابن الجراح وفي طريقنا رأينا (عويم بن ساعدة الأنصاري ومعن ابن عدي) وهما من صفوة الأنصار وقد شهدا بدراً وكانوا ذاهبين إلى المسجد ليستعلموا عن حال رسول الله وعندما أخبرناهم أن رسول الله توفي.
قالوا لنا: عودوا واقضوا أمركم بينكم وافترقنا، هما ذهبا إلى المسجد ونحن ذهبنا إلى السقيفة..(1)
س ـ تقول إن قريشاً كانت تكره علياً وتكره أن تجمع لبني هاشم النبوة والخلافة، ولكن تشددك في أمر فرض بيعة أبي بكر على علي، ومحاولتك إحراق بيت فاطمة، وكل ما جرى بعد ذلك من منع الإرث، وأمور أخرى تبين وكأن في الأمر شيئاً خاصاً بينك وبين الإمام علي، وكأنك أنت من أصحاب هذه الفكرة؟
ج ـ إنّ كره قريش لبني هاشم شيء مفروغ منه، ولذلك قد استخدمت ذلك
1) تاريخ الطبري: 2 / 235.
لصالحي فلم أكن قبل الإسلام بموقع اجتماعي مميز، ولم يكن لي شأن يذكر فقد كنت أعمل مبرطش أكتري للناس الإبل والحمير وآخذ عليه جعلا(1)..
وبنو عدي لم يكونوا مع العير ولا مع النفير، ولم يقاتلوا محمداً ولم يقاتلوا قريشاً كما قال أبو سفيان(2).
ولم أقتل أو أجرح مشركاً في المعارك التي خاضها النبي.
لذلك كان لابد لكي أجمع كلمة قريش أن يكون هناك أمر مشترك بيننا، ألا وهو إبعاد علي وبنيه عن الخلافة، وبذلك ترتفع أسهمي ويصبح لهم مصلحة فيّ.
وهذا بالضبط ما حصل فإن إبعادي لعلي عن الخلافة بمنع الرسول من كتابة العهد له رفع أسهمي إلى القمة، وعلى هذا فقد وحّدت كلمة قريش من المهاجرين والطلقاء لهدف محدد وهو الحيلولة بين بني هاشم وبين أن يجمعوا النبوة والخلافة بعد وفاة النبي(3)..
وبذلك سلمت لي قريش عملياً رئاسة التحالف أو الحزب وكانت بيدي خيوط اللعبة السياسية، وأخذت أواجه المعارضين للبيعة، وأنا مستند إلى جدار قوي من القوة والمنعة، كيف ما أفعل فلن أجد منكراً أو مستنكراً.
فلو هددت بقتل علي فالكل يسكت.
ولو هممت بإحراق بيت فاطمة فالكل يسكت.
والسكوت هنا أوضح بيان على موافقتهم على ما أقوم به.
س ـ من المعروف عنك أو بمعنى آخر ما وصلنا عنك أنك كنت كثيراً ما
تغيّر الولاة وخاصة الذين يغتنون أو يبدوا عليهم آثار النعمة والتبذير، فقد كنت تصادر منهم نصف أموالهم وتعزلهم عن ولاياتهم إلاّ معاوية بن أبي سفيان فقد تركته في ولايته على دمشق بعد أخيه يزيد مدة حكم أبي بكر وحكمك، بالرغم مما كان يأتيك من أخباره وتبذيره وما تراه أنت حتى وصفته أنت (بكسرى العرب)، ولم تعزله حتى صار له نفوذ كبير مما أسس فيما بعد لقيام دولة بني أمية؟
ج ـ نعم هذا صحيح فقد كنت أعزل من تأتيني الأخبار عنهم بأنهم قد خالفوا ما أمرتهم به من خشونة العيش، ولكن من كنت أعزله كان ممن لا أخاف منه الفتنة وتقليب الأمور علي. أما معاوية فقد كنت اكسب به ولاء بني أمية أجمعين لذلك تركته في مقامه، ولو أني وأبا بكر لم ندع ما في أيدي أبي سفيان من الصدقات وجعلنا ابنيه قادة للجيش الذاهب إلى الشام لما استقام لنا الأمر، ولم نفز بهذا التحالف ضد علي وابنيه ولما استقام لنا الأمر.
س ـ كيف كانت هذه الشورى وكيف ضمنت إقصاء الخلافة عن علي مع وجوده ضمن أصحاب الشورى الذين سميتهم؟
ج ـ لما طعنني أبو لؤلؤة قال لي الناس:
استخلف. وهنا رجعت ذاكرتي إلى السقيفة، فقد كان ثالثنا أبو عبيدة بن الجراح فقلت لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته، وبقي أمامي أول من بايع من المهاجرين وهو عثمان بن عفان، ولأنه هو الذي كتب عهد أبي بكر وقد جعلني فيه وأمضاه أبو بكر فأردت أن أوصي له، فدبّرت الأمر بنفسي ورتبته حيث ينتهي إليه، وأكون أمام الصحابة وبني هاشم قد جعلتها شورى، لذلك قلت لمن كان عندي: إن رسول الله مات وهو راض عن هؤلاء الستة من قريش: علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبدالرحمن بن عوف.
وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم (ولكن على طريقتي) ليختاروا بأنفسهم، ثم قلت لهم: أكلكم يطمع في الخلافة بعدي! فوجموا، فقلتها لهم ثانية فأجابني الزبير وقال: وما الذي يبعدنا منها! وليتها أنت فقمت بها، ولسنا دونك في قريش ولا في السابقة ولا في القرابة.
(فغضبت منه لأنه ذكرني بوضعي في قريش سابقاً وإنهم أسمى مني وأقدم مني إسلاماً).
فقلت لهم: أفلا أخبركم عن أنفسكم! فقال الزبير: قل، فإنا لو استعفيناك لم تعفنا، فقلت:
ـ أما أنت يا زبير فوعق لقِس (صخر مبرم لا يستقيم على وجه) مؤمن الرضا، كافر الغضب، يوماً إنسان ويوماً شيطان، ولعلها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مُدْ من شعير! أفرأيت إن أفضت إليك! فليت شعري، من يكون للناس يوم تكون شيطاناً؟ ومن يكون يوم تغضب؟ وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الأمة، وأنت على هذه الصفة.
ـ ثم أقبلت على طلحة ـ وكنت مبغضاً له منذ قال لأبي بكر يوم وفاته ما قاله عني.
فقلت: أقول أم أسكت؟
فقال: قل فإنك لا تقول من الخير شيئاً.
فقلت: أما أني أعرفك منذ أصيبت اصبعك يوم أحد والبأو (الكبر والفخر) الذي حدث لك، ولقد مات رسول الله ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب!
(فقد قال طلحة بمحضر ممن نقل عنه إلى رسول الله: ما الذي يغنيه حجابهن اليوم! وسيموت غداً فننكحهن)..
ـ ثم قلت لعبدالرحمن بن عوف: وأما أنت يا عبدالرحمن، فلو وزن نصف إيمان المسلمين بإيمانك لرجح إيمانك به، ولكن ليس يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك، وما لزهرة وهذا الأمر!..
ـ ثم أقبلت على علي: فقلت له: لله أنت لولا دعابة فيك! أما والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح، والمحجة البيضاء.
ـ ثم أقبلت على عثمان فقلت له: هيهاً إليك! كأني بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبها إياك، فحملت بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس، وآثرتهم بالفيء.
ثم قلت ادعوا إلي أبا طلحة الأنصاري فدعوه لي.
فقلت له: انظر يا أبا طلحة، إذا عدتم من حفرتي، فكن في خمسين رجلا من الأنصار حاملي سيوفكم، فخذ هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله، واجمعهم في بيت وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا واحداً منهم، فإن اتفق خمسة وأبى واحد فاضرب عنقه وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب أعناقهما، وإن اتفق ثلاثة وخالف ثلاثة فانظر الثلاثة التي فيها عبدالرحمن بن عوف، فارجع إلي ما قد اتفقت عليه، فإن أصرّت الثلاثة الأخرى على خلافها فاضرب أعناقها، وإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على أمر، فاضرب أعناق الستة ودع المسلمين يختاروا لأنفسهم(1).
وهنا بهذا الترتيب قد أخرجت عليّاً من الخلافة وضمنتها لعثمان دون أن أذكره بالاسم!
لأن طلحة من بني تيم وبني تيم صار بينها وبين بني هاشم ضغن من عدم مبايعة علي لأبي بكر وطعنه فيه، وسعد بن أبي وقاص ابن عم عثمان وسوف يقف معه.
1) شرح النهج: 1 / 185 ـ الإمامة والسياسة.
وعبدالرحمن بن عوف صهر عثمان أيضاً. ولم يبقى مع علي إلاّ الزبير! وحتى لو كان طلحة مع علي فلن يغني عنه شيئاً لأن الغلبة تكون للجهة التي يكون فيها عبدالرحمن بن عوف.
وإن اختلفوا جميعاً ولم يتفقوا قتلوا جميعاً وقتل علي ولم تصل له الخلافة وبذلك تكون الخلافة قد خرجت من بني هاشم أيضاً(1).
ـ وهكذا تم الأمر ووصلت الخلافة إلى عثمان (وبني أمية)، لذلك نكتفي بالأسئلة الموجّهة لعمر بن الخطاب الخليفة الثاني، ونأتي الآن إلى الخليفة الثالث الذي وصل إلى الخلافة بنص من عمر ولكن بعد أمر دبر بليل كما يقول المثل.
يعرف الكاتب بشخصية عثمان وما جرى في ايامه من معارضة الصحابة له لاستئثاره بالأموال وتسليطه بني أمية على الناس مما أدّى في النهاية إلى قتله، وقد اخترنا هذه المقتطفات:
س ـ عرّف نفسك؟
ج ـ اسمي عثمان بن عفان، بن أبي العاص، بن أمية، بن عبد شمس بن عبدمناف، وكنيتي (أبو عمرو) وأمي أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس(2).
أسلمت بعد ستة أو سبعة نفر من الصحابة لأن أبا بكر بعد أن اسلم صحبني إلى الرسول وأسلمت على يديه...
خرجت مع رسول الله في معظم غزواته ولم أثبت في معركة!
ولكن لم اكن بالقوي الذي يذكر في ميدان القتال!
فقد هربت يوم أحد!
ويوم حنين، وقد عاتبني رسول الله لأني لم اعد إلاّ بعد ثلاثة أيام من انتهاء معركة أحد قائلا: لقد ذهبت بها عريضاً يا عثمان(1)..
س ـ كيف وصلت إلى الخلافة؟
ج ـ لقد وصلت إلى الخلافة بتدبير من عمر أو قل بوصية منه ولكن مموّهة، وكنت لا أشك بأني الخليفة الثالث منذ مات أبو عبيدة بن الجراح، لأن المتتبّع لأمر السقيفة يعلم أن الخطة كانت أن يتولوا الخلافة بالتتالي وأنا أول من بايع من المهاجرين عندما دخل أبو بكر وعمر إلى المسجد فبايع بنو أمية ثم تتابع الناس ولم أعارض أي عمل فعله صاحباي..(2)
وقد كنت موضع سر أبي بكر، فأنا كاتب وصيته، وقد قال لي أبو بكر عندما كتبت أسم عمر:
(والله لو كتبت نفسك لكنت أهلا لها)(3).
وكنت موضع سر عمر أيضاً فكان الناس إذا أرادوا أن يسألوا عمر شيئاً رموه بي كنت ادعى في إمارة عمر بالرديف، والرديف بلسان العرب الرجل الذي بعد الرجل والعرب تقول ذلك للرجل الذي يرجونه بعد زعيمهم.
عند وصولي إلى الخلافة وتوزيعي الأعطيات سُرّ الناس لأنهم كانوا يعيشون شظف العيش على عهد أبي بكر وعمر ودخل السرور إلى قلوب قريش وبخاصة بني أمية.
لأنها وصلت أخيراً إلى ما كانت تطمح له من قبل الرسالة، وهو شرف قيادة العرب وإقصاء بني هاشم عن هذا الشرف، ومما يؤكد ذلك أن أبا سفيان دخل عليّ مرة وكانت قد كفّ بصره.
فقال: هل هنا أحد.
فقالوا له: لا.
فقال: صارت إليك بعد تيم وعدي، فأدرها كالكرة فإنما هو الملك ولا ادري ما جنه ولا نار!!
وبعبارة اخرى:
(تلقفوها تلقف الكرة فما هناك جنة ولا نار)(1).
(يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم، ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة)...(2)
وبعبارة أخرى: (اللهم اجعل الأمر أمر جاهلية، الملك ملك غاصبيه، واجعل أوتاد الأرض لبني أمية)(3).
وهذه كانت البداية، وقد كان أبو سفيان مستشاري، وقد استمعت لنصيحته فوليت بني أمية الولايات فأعطيتهم الأعطيات فمثلا:
ـ وهبت خمس أفريقيا لمروان بن الحكم.
ـ وأدخلت الوليد بن عقبة الفاسق بنص الآية (إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإ)(4)ووليته على الكوفة.
ـ وقربت بني عمومتي، أنشأت لهم العمل والولايات وهم أحداث غلمة لا
صحبة لهم مع رسول الله.
ـ وتركي المهاجرين والأنصار لا أستعملهم على شيء ولا أستشيرهم واستغني برأي عن رأيهم..
وما كان من الحمى حول المدينة، من إدارة القطائع والأرزاق الأعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبي ولا يغزون ولا يذبون..(1)
وقد كان هذا لصلة رحمي، وأني كنت كبير السن وقد قربتهم مني لمشاورتي، وليكن الأمر لهم من يحركون الأمور دون الرجوع إلي، وهذا لم يرق لكثير من الصحابة الذن هضم حقهم، ورأوا أنني قد بدلت ما كان من سيرة أبي بكر وعمر وبدؤوا بالطعن علي.
س ـ من هو ابن السوداء والذي يقولون أنه كان من المؤلبين عليك؟
ج ـ أطلق اسم العبد الأسود أو ابن السوداء على عمار بن ياسر، وأول من أطلقه هو مروان بن الحكم، وذلك عندما اجتمع الناس من أصحاب الرسول وكتبوا كتاباً ذكروا فيه ما أنكر الناس علي من الأمور التالية:
1 ـ هبتي خمس إفريقية لمروان بن الحكم وفيه حق الله والرسول وفيهم ذوو القربى واليتامى والمساكين.
2 ـ التطاول في البنيان حتى عدوا سبع دور بنيتها في المدينة، داراً لنائلة، وداراً لعائشة وغيرهم من أهلي وبناتي.
3 ـ بنيان مروان القصور بذي الخشب (موضع بالمدينة).
4 ـ عمارة الأموال بها من الخمس الواجب لله ورسوله.
5 ـ وما كان من إفشاء العمل والولاية في أهلي وبني عمومتي من بني أمية
1) الإمامة والسياسة: 50 ـ 51.
وهم غلمة لا صحبة لهم مع الرسول.
6 ـ وما كان من الوليد بن عقبة إذ صلى بهم الصبح وهو سكران أربع ركعات ثم قال لهم: (إن شئتم أزيدكم صلاة زدتكم، وإني لم أقم عليه الحد).
7 ـ تركي المهاجرين والأنصار لا أستعملهم على شيء ولا أستشيرهم.
8 ـ وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة..
9 ـ إدرار القطائع والأرزاق والأعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة مع رسول الله ثم لا يغزون ولا يذبون.
10 ـ مجاوزتي الخيزران إلى السوط وإني أول من ضرب بالسياط ظهور الناس.
ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يدي وكان ممن حضر عمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وكانوا عشرة فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه لي والكتاب بيد عمار، جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده..
فمضى حتى جاء إلى دار فأستأذن علي فأذنت له في يوم شات، فدخل علي وعندي مروان بن الحكم وأهلي من بني أمية فدفع الكتاب فقرأته.
فقلت له: أنت كتبت هذا.
قال: نعم.
قلت: ومن كان معك؟
قال: كان معي نفر تفرقوا فرقاً منك.
قلت: من هم؟
قال: لا أخبرك بهم.
قلت: فلم اجترأت علي من بينهم؟
فقال مروان: يا أمير إن هذا العبد الأسود قد جرأ عليك وإنك إن قتلته نكلت
به من ورائه.
فقلت: اضربوه فضربوه وضربته معهم حتى فتق بطنه فغشي عليه. فجروه حتى طرحوه على باب الدار..(1)
وهكذا فإن مروان بن الحكم هو أول من أطلق هذا الاسم على عمار بن ياسر..
س ـ لكن يقولون أن ابن السوداء هذا يهودي ويدعى عبدالله ابن سبأ وقد كان يفتن الناس عنك في مصر والشام، وأجج الناس ثم أتى إلى المدينة فما تقول؟
ج ـ أنا لم أسمع بوجود شخص يحمل هذا الاسم في أيامي، ولو كان موجوداً لأحضره لي معاوية كما أحضر أبا ذر ونبذته إلى الربذة.
فلن يكون هذا المزعوم أعظم عندي من صاحب رسول الله أو من عمار بن ياسر الذي ضربته مع القوم حتى فتق بطنه أو من عبدالله ابن مسعود، وقد كان قتله عبدالله بن أبي سرح في مصر، فلن يكون هذا اليهودي الذي يزعم به أعز عليّ من محمد بن أبي بكر أو محمد بن أبي حذيفة الذي كان يريد أن يفتك بهما لولا منعي له.
س ـ كيف كانت نهاية هذا الأمر؟
ج ـ اشتد الطعن علي وذلك بسبب عبدالله بن أبي سرح فقد طلب أهل مصر تغييره، فقلت اختاروا رجلا نوليه على مصر، فاختاروا محمد بن أبي بكر، ورضي الناس وعندما أرسلت محمد بن بأي بكر برسالة إلى عبدالله بن أبي سرح بطلب منه أن يقتل محمد بن أبي بكر ومن معه ويقرّه على عمله، وألقي القبض على
1) الإمامة والسياسة: 53.
حامل الرسالة وكان الكتاب خاتمي وطالبت الجماهير الثائرة بمروان، فأبيت أن أسلمه وتجمعوا حول الدار ومنعوا عني الماء وبعث لي علي بالحسنين ليوصلا الماء لي وليحمياني لكن الثائرين تسوروا الدار ودخلوا علي وقتلوني(1).
يعرّف الكاتب بشخصيته ويوضّح أنه وصي رسول الله ويستدل على ذلك بالكثير من الأدلة القرآنية والحديثية ويوضّح عداء عائشة زوجة النبي(صلى الله عليه وآله) له واستسلامها لعواطفها، ثم يوضّح دوره يوم الشورى وعداء القوم له وصبر الإمام علي(عليه السلام) مقابل ذلك، وللاختصار لم نورد مقتطفات منه لاتفاق الأمة على عظمة الإمام علي(عليه السلام) إلاّ بعض النواصب، ويكفينا اننا أوردنا بعض مطاعن الثلاثة.
يقول الكاتب في هذا المجال:
ـ قد يقول قائل ما فائدة مثل هذا الكلام الآن، ولماذا النبش والبحث في أمور تاريخية قد عفا الزمان عنها؟ وهؤلاء الذين تتكلمون عنهم قد ماتوا وذهبوا إلى ربهم وقد قال تعالى:
(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَ لَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَ لاَ تُسْـَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )(2).
دعونا من الخلاف وتعالوا نتوحد فإن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، وهذا صحيح لو أنهم يَصدقون به، ولكن لماذا لا يقبل عامة المسلمين إخوانهم الشيعة على أنهم مذهب خامس إضافة إلى مذاهبهم الأربعة وينتهي هذا
الخلاف، قال تعالى:
(لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ )(1).
وإننا نجد أن شيعة آل محمد منذ حوالي 1400 سنة وهم ملاحقون ومهددون ودائماً متهمون ويقفون موقف المدافع عن دينه وعقائده.
ولا ترى الشيعة يقفون لإخوانهم من عامة المسلمين ليقولوا لهم لماذا تتكتفون بالصلاة مع أن رسول الله لم يضع اليمين على اليسرى؟ ولماذا تصلون على السجاد ورسول الله لم يصلّ إلاّ على التراب أو الحصى أو الحصير؟ وكثيراً من المخالفات التي يفعلها عامة المسلمين، ولكن حرصاً على الأخوة وعدم إثارة النعرات لا يتكلم الشيعة بهذه الأمور إلاّ إذا استفزهم إخوانهم من أهل الخلاف ودائماً ما يفعلون ذلك.
وعندما يكون من واجب هذا الشيعي أن يعلن لإخوانه، لماذا يصلي هكذا؟ ولماذا يفعل هذا؟ وعندما يتفاجىء أهل الخلاف بحجة أخيهم الشيعي تراهم يبدؤون بأسئلة الغاية منها التجريح والتشهير ليس التعلم والمعرفة!!!...
والعتب ليس على عوام المسلمين من أهل الخلاف، بل على علمائهم الذين يعلمون الحق ويرونه وإن كان البعض منهم لا يعلمون فإن مثل هذه الكتب تميط اللثام عن ما جرى على مسار التاريخ الإسلامي ونشوء المذاهب.
والواجب عليهم إن كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يوجهوا العوام، ويقولوا إن المذاهب الإسلامية ليست فقط هذه المذاهب الأربعة، وأنه يوجد مذهب آخر هو مذهب أهل البيت يمكنكم أن تقلدوه، وبذلك يتوحد المسلمون مثل ما فعل الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر.
1) غافر: 35.
ولد عام 1960م في قرية "بنبان" في جمهورية مصر العربية، ونشأ في أوساط عائلة جعفرية النسب ومالكية المذهب.
اجتاز المراحل الدراسية الابتدائية والمتوسطة والإعدادية في مسقط رأسه ثم أكمل ما بقي منها في معهد أسوان الثانوي ـ القسم العلمي ـ ثم ذهب إلى القاهرة عام 1980م لمواصلة دراسته الجامعية، فالتحق بادىء الأمر بكلية طبّ الأسنان ثم انتقل منها إلى كلية الشريعة ثم انتقل منها إلى كلية الشريعة والقانون حتى تخرّج منها عام 1986م.
له رسالة بحث عن الأجرام السماوية في المناطق النائية باشراف الدكتور شاكر بدوي قدّمها لجامعة الأزهر عام 1987م.
توجه السيد محمد من منطلق ارواء تعطّشه الفكري للحقيقة إلى البحث عن الانتماء الذي يمنحه الطمأنينة والاستقرار، واندفع بشوق إلى البحث عن العقيدة التي تفرض نفسها على العقل بالأدلة والحجج والبراهين.
فيقول السيد محمد في هذا المجال: "كنت في ريب مما كنت أتعبّد به،
وكنت أطلب الحقيقة، وفي إحدى المرات كنت في زيارة عمل إلى الإمارات العربية وذهبت إلى أحد مساجدها، وذلك لكي أرى الحقيقة، وعند ذهابي إلى هناك وجدت الناس في شك وريب مني ولم أجد أحداً أتكلم معه فيما يجول بخاطري من شكوك".
ولكن السيد محمد لم يفتر في بحثه عن الحق، بل بقي منتهزاً لكل فرصة مناسبة توفّر له أجواء التعرّف على الحقيقة، ثم عاد من الامارات إلى السودان ومنها إلى مصر، ثم سافر بعد ذلك إلى أوربا، ومنها إلى أمريكا عام 1990م، وشاءت الأقدار الإلهية في أمريكا أن تهيأ له الفرصة المناسبة للبحث عن الحقيقة.
فيقول السيد محمد عبد الحفيظ:
"وفي إحدى المرات... كنت في "سيائل" بولاية واشنطن على المحيط الهادي، وذهبت إلى المدرسة الإسلامية بهذه البلدة بقصد صلاة المغرب، والتقيت بأحد الإخوان وكان يسمى أبو طالب، والحقيقة لقد شدّني هذا الإسم بماله في قبيلتنا من إكرام وإعزاز، وعرفني به مدير المدرسة، فقال له: هذا محمد الجعفري من أولاد الإمام جعفر الصادق من جنوب مصر، ورحبتُ به، ورحَب بي، وذكرت له فضل هذا الإسم عندنا".
التقى السيد محمد عبدالحفيظ بأبي طالب مرة أخرى، وتوفّرت الفرصة المناسبة للتكلّم معه، فيقول السيد محمد: "قلت له: يا أخي إنني تائه في نفق مظلم وأبحث عن الحقيقة" فارشده أبو طالب للذهاب إلى رجل من أهل العلم يدعى السيد محمد حسين الجلالي، فخابره السيد محمد بالهاتف واتفق معه على موعد لكي يتحدّث معه حول بعض المسائل العقائدية.
وجاء الموعد والتقى السيد محمد بالسيد الجلالي، فسأله السيد
الجلالي بعدما تعرّف عليه وعرف بأنّه يدعى بالجعفري: ما هو السبب في تلقيبك بالجعفري، هل أنت جعفري النسب أم أنت جعفري العقيدة والمذهب؟ فقال له السيد محمد: "انني جعفري النسب وأبحث عن العقيدة والمذهب".
ومن هذا المنطلق شرع السيد الجلالي يعرّف له المذهب الجعفري، فكانت تلك الجلسة للسيد محمد بداية انطلاق للبحث عن العقيدة الجعفرية ومبانيها في التوحيد والنبوة والبعث والمعاد والعدل والإمامة.
من هنا بدأت رحلة السيد محمد في البحث عن المذهب الجعفري، فشرع بدراسة موضوعية وبناءة من أجل التعرّف على مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وكان هدفه اختبار مدى قوة مباني هذا المذهب ومدى صلاحيته لاخراجه من دائرة الشك والارتياب وإدخاله في عالم النور واليقين.
ووفّر السيد الجلالي للسيد محمد المصادر المهمة التي تتعلّق ببحثه، وأذن له بالاستفادة من مكتبته التي كانت غنية بكتب تراث أهل البيت(عليهم السلام)، لا سيما الكتب الفقهية والعقائدية.
فأخذ السيد محمد بقراءة الكتب الشيعية بدقّة وإمعان نظر، ومن هنا أخذت معارف أهل البيت بيده وانتشلته مما كان فيه من حيرة واضطراب، فاستضاءت بصيرة السيد محمد بنور أحاديث العترة، ولم تمض فترة إلاّ ووجد نفسه في دائرة التشيع.
كان إعجاب السيد محمد بشخصية الإمام الصادق(عليه السلام) من أهم دوافع استبصاره واعتناقه لمذهب التشيع، فهو بالرغم من نشوئه في احضان الفقه
المالكي، فقد تتبع المنبع الذي أخذ منه الإمام مالك، فوجد أنّ الإمام مالك كان من الذين استفادوا من علوم الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، فلهذا رأى أن الأصل هو أولى بالاتباع.
يقول السيد محمد في هذا الصدد: "فتشت عن آراء ومذهب الاستاذ الذي هو الأصل وليس الفرع، ووجدت من الأفضل اتباع من يتلقّى عن أبيه عن جده رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو الإمام جعفر الصادق".
كما أنّه قارن بين منهج الإمام الصادق(عليه السلام) ومنهج غيره، فوجد الإمام الصادق(عليه السلام)كما ورد عن مالك بن أنس: "... ما رأت عين، ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وورعاً"(1).
وناهيك عن قول مالك، وجد السيد محمد نتيجة مطالعته لأحاديث الإمام الصادق أنه من عظماء أهل البيت(عليهم السلام)، وأن له منزلة رفيعة في العلم وأنّه يتمتّع بشخصية فذة يعجز عن وصفها اللسان البشري، فلهذا رأى من الواجب عليه اتباع هذا الإمام والأخذ بسيرته والاعتماد عليه في تلقي الشريعة التي جاء بها الرسول(صلى الله عليه وآله).
أعلن السيد محمد استبصاره بعد ذلك، ثم بادر إلى تأليف كتاب يحكي فيه عن كيفية تعرّفه وانتمائه إلى العقيدة الجعفرية، وسمّى كتابه: "لماذا أنا جعفري"، ولا يزال السيد سائر في درب العمل التوجيهي من أجل نشر مذهب أهل البيت(عليهم السلام)وتوعية الذين وقعوا فريسة الإعلام المضاد الذي سنّه بنو أمية وبنو العباس ضد أهل البيت(عليهم السلام).
1) تهذيب التهذيب: 2 / 104.
صدر سنة 1413هـ ـ 1993م عن مؤسسة الأعلمي، بيروت.
يتألف الكتاب من مقدّمة وثلاثة فصول، جاء في المقدمة: تعريف الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) وتلميذه مالك بن أنس إمام المذهب المالكي.
ثم أشار المؤلف إلى وصية الإمام الصادق إلى علي بن جندب، كذلك أشار إلى كيفية بيعة الإمام علي(عليه السلام) للخليفة الأوّل.
أما الفصل الأول ففيه تبيين للعقيدة الجعفرية وهي عقيدة الشيعة من توحيد ونبوّة وإمامة وعدل ومعاد.
والفصل الثاني يتطرّق فيه إلى الفقه الجعفري، ويتعرّض فيه لعلوم ومسائل فقهية كثيرة.
والفصل الثالث يستعرض فيه المؤلف نسبه إلى الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)ويذكر بعض كتب الأنساب والمشجرات.
يقول الكاتب: "بما إني قد تربيتُ على الفقه المالكي ووجدت إن مالك أخذ وتتلمذ على يد الإمام جعفر الصادق كما يقول الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه الإمام مالك ما لفظه:
ومن الشيوخ الذين أخذ عنهم مالك وتأثر بهم في سلوكه الإمام جعفر بن محمد ابن علي بن الحسين، وهو المعروف بجعفر الصادق. وكان رأس آل البيت في المدينة وتوفي سنة 148هـ.
وربما أحسّ الدارس هذه الأيام بشيء من الغرابة في أن يأخذ أحد أئمة أهل السنّة عن أحد أئمة الشيعة. والحقيقة أن واقع حياة المسلمين على عهد مالك وجعفر لم تكن كواقعها في هذا العصر الذي توجد فيه فجوة واسعة بين الفريقين.
هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى كانت شخصية الإمام جعفر من ناحية العلم والفضل والتقوى والتسامح لما يدعو كل مسلم مهما كان مذهبه إلى احترامه وإجلاله، وهل من مسلم إلاّ ويحب أبناء آل البيت، فما بالنا إذا كان هذا الابن غزير العلم، وافر الحكمة، كامل الأدب، زاهداً ورعاً، بعيداً عن الغلو، بريئاً من التطرّف، لا يحب الاعتزال. هكذا كان الإمام جعفر(1).
لذلك فتّشت عن آراء ومذهب الأستاذ الذي هو الأصل وليس الفرع،
1) الموطأ: 198، جدة 1405هـ ـ 1985م.
ووجدتُ من الأفضل اتباع من يتلقّى عن أبيه عن جده رسول الله وهو الإمام جعفر الصادق الذي قد اعترف بفضل الإمام العدو قبل الصديق جاء في كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر المتوفى عام 974هـ والمولود 899هـ، في ص201 عن الإمام الصادق ما لفظه: (ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد، وابن جريح، ومالك، والسفياني، وأبو حنيفة، وشعبة، وأيوب السجستاني) انتهى.
تعجبت من الإمام مالك كيف ينقل عن الإمام جعفر الصادق خمسة أحاديث فقط في الذي يشهد فيه الداني والقاصي على أن علوم وفقه الإمام جعفر الصادق ملأ جميع أرجاء المعمورة، وكيف مالك يتعلّم الفقه والعلوم الدينية على يد الإمام جعفر الصادق، ولم ينقل عنه في كتابه الموطأ إلاّ خمسة أحاديث فقط.
والسبب في ذلك قد يتّضح من أن الإمام مالك كتب كتابه بطلب من الخليفة العباسي، والكل يعلم بغض العباسيين لآل البيت وأمر الخليفة العباسي مالك بتأليف كتابه الموطأ نكاية بالإمام جعفر.
يقول الدكتور مصطفى الشكعة ما لفظه:
"وأما مناسبة تأليف الكتاب، فقد كانت نتيجة غير مباشرة للمحنة التي تعرض لها الإمام مالك حين ضربه والي المدينة العباسي بالسياط، على ما مر بنا قبل قليل، ثم رأى الملك العباسي المنصور أن يسترضيه، وتم التراضي على أن يلتقي الإمام والمنصور في منى في موسم الحج، وتم اللقاء بينهما وكرم المنصور مالكاً وجرى بينهما حديث طويل في شؤون شتى اتسم بالمجاملة ولم يخلُ من حوار في الفقه أو الحديث أو العلم، ولم يلبث الملك العباسي أن قال لمالك: يا أبا عبدالله، ضع هذا العلم ودوّنه، ودوّن منه كتباً، وتجنب فيه شدائد عبدالله بن مسعود، واقصد إلى أوسط الأمور، وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة... لنحمل
الناس إن شاء الله على علمك وكتبك، ونبثها في الأمصار، ونعهد إليهم ألا يخالفوها، ولا يقضوا بسواها فقال مالك: أصلح الله الأمير، إن أهل العراق لا يرضون علمنا، ولا يرون في علمهم رأينا، وفي رواية أخرى قال المنصور لمالك: اجعل العلم يا أبا عبدالله علماً واحداً، فقال له مالك: إن أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله)تفرّقوا في البلاد فأفتى كل في مصره بما رأى، وإن لأهل البلد ـ يعني مكة فقد كان اللقاء في منى ـ قولا، ولأهل المدينة قولا، ولأهل العراق قولا تعدوا فيه طورهم، فقال المنصور: أما أهل العراق فلا أقبل منهم صرفاً ولا عدلا، وإنما العلم عند أهل المدينة، فضع للناس العلم"(1).
ما ذكره الدكتور الشكعة واضح بان الإمام مالك لم يكتب الكتاب إلاّ لرغبة العباسيين، وان الملك العباسي فرض رأيه بهذا الكتاب على المجتمع الإسلامي فرضاً لم ينزل الله به من سلطان، وواضح هذا في مقدمة الملك العباسي المذكور (نحمل الناس على علمك وكتبك ونبثّها في الأمصار) بالرغم من علمها بعلوم الإمام جعفر الصادق وأهل البيت، وما ذلك إلاّ نكاية بآل البيت، لذلك نجد مالك يتعاطف مع العباسيين في عقيدته وفقهه.
ووجدت في الكتاب المؤلف عن مالك بأنه كان يحب الغناء ويحب اللهو ما لفظه:
"أما عن مالك والغناء فذلك خبر صحيح قديم، قديم قدم طفولة مالك، فقد استهواه فن الغناء وهو صغير، وأراد أن يتعلمه، وينتظم في سلك المغنين في الحجاز وفي المدينة على وجه التحديد التي كان للغناء فيها سوق نافقة لولا أن أم
1) ترتيب المدارك: 30 ـ 33. كما في الإمام مالك تأليف الدكتور مصطفى الشكعة: ص123.
مالك كانت من الفضل وحسن التوجيه بحيث استطاعت أن تثنيه عن ذلك، وأن توجهه إلى تعلم الفقه على ما مر بنا تفصيلا في صدر هذه الدراسة.
فما هو حديث الغناء إذن؟ ولماذا نعود لإثارته بل وتحديد عنوان للحديث عنه؟
إن أبا الفرج الأصبهاني يذكر في "الأغاني" هذا الخبر الذي يقول: "أخبرني محمد بن عمرو العباسي القرشي، قال: حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان ولم أسمعه أنا من محمد بن خلف، قال: حدّثني إسحاق بن محمد بن أبان الكوفي، قال: حدثني حسين بن دحمان الأشقر قال: كنت بالمدينة فخلا لي الطريق وسط النهار فجعلت أتغنى:
ما بالُ أَهْلُكِ يا رَبابْ خُزُراً كأنهمُ غِضَابْ
قال: فإذا خوخة قد فتحت، وإذا وجه قد بدا تتبعه لحية حمراء فقال: يا فاسق أسأت التأدية، ومنعت القائلة، وأذعت الفاحشة، ثم اندفع يغنيه فظننت أن طويساً قد نشر يغنيه، فقلت له: أصلحك الله، من أين لك هذا الغناء؟ فقال: نشأت وأنا غلام حدث اتّبع المغنين وآخذ عنهم، فقالت لي أمي: يا بني إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه، فدع الغناء واطلب الفقه، فإنه لا يضر معه قبح الوجه، فتركت المغنيين واتبعت الفقهاء، فبلغ الله بي عزّوجلّ ماترى، فقلت له: أعد جعلت فداك. قال: لا ولا كرامة، أتريد أن تقول أخذت عن مالك بن أنس، وإذا هو مالك بن أنس ولا اعلم"(1).
وحاول الدكتور الشكعة تكذيب الرواية مع اعترافه بأن مالك استهوى في الغناء منذ صغره، وانه أراد أن يسلك سلوك المغنين، وهذا لا تليق برجل عادي، فكيف بإمام مذهب يفرض على المسلمين لذلك، حاولت أن أتعرف على مذهب
1) الأغاني: 4 / 39، 40 دي ساسي. كما نقله الدكتور الشكعة في ص59.
الإمام جعفر الصادق الذي هو أستاذ مالك، الإمام الصادق الذي ولد وعاش ومات في المدينة، وهو أعرف الناس بشريعة جده، وأهل البيت أدرى بما في البيت، ولذلك لا نستغرب من الذين عاصروا الإمام وشاهدوا تنكر الملك العباسي لأهل البيت، وذلك لمعرفة الإمام بأن أهل البيت أحق بالإمامة والخلافة منهم، وكل ذلك ما هو إلاّ سلب لحقهم.
العقيدة في مذهب الإمام جعفر الصادق تتكون من خمسة أصول:
ثلاث منها تعتبر من أصول الإسلام وهي:
1 ـ التوحيد. 2 ـ النبوة. 3 ـ البعث والمعاد يوم القيامة، ومن أنكر واحدة من هذه الأصول الثلاثة يعتبر كافراً.
واثنان آخران هما: 1 ـ العدل. 2 ـ الإمامة وهما خاصان بالمذهب الجعفري، ومن ينكر واحدة من العدل أو الإمامة لا يعتبر كافراً بل حاله كحال المسلمين عامة له ما لهم وعليه ما عليهم، لكن لا يعتبر جعفري العقيدة حتى يؤمن بالعدل والإمامة.
ولابد من ملاحظة دور الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) في تركيز العقيدة الإسلامية وموقف الحكام العباسيين ضد الإمام(عليه السلام). فان العباسيين اختطوا خططهم ضد آل البيت بأمرين:
أولا: تشجيع الإلحاد وكل الأفكار اليونانية والمجوسية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، وذلك لتشكيك الناس في معتقداتهم في الكتاب والسنّة الصحيحة.
وثانياً: خلق جماعات في داخل صفوف أهل البيت ليؤمنوا بالغلو في آل البيت حتى كادت هذه الجماعات المتطرفّة أن يؤله أهل البيت، وذلك لكي يشغلوا
أئمة أهل البيت بأمور جانبية والوقوف في وجه هذه الفئات، وبالنتيجة لا يعرف عامة المجتمع الإسلامي مذهب أهل البيت الحقيقي.
ويقصد العباسيون من ذلك تشويه مذهب أهل البيت، وكان الإمام الصادق في أتم يقظة لهذه الخطط الجهنمية العباسية، كذلك اهتم ببناء العقيدة وتربية مجتمع اسلامي واع للإسلام عن دراسة وفهم.
التوحيد هو الاعتقاد بأنَّ الله تعالى واحد لا شريك له كما قال سبحانه: (إِنَّ إِلَـهَكُمْ لَوَ احِدٌ * رَّبُّ السَّمَـوَ تِ وَ الاَْرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ رَبُّ الْمَشَـرِقِ )(1).
"وفي شرح الأربعين: يعتبر التوحيد روح الأديان كلها أكّد عليه جميع الأنبياء والمرسلين يقول النبي هود(عليه السلام): (يَـقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـه غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ )(2).
وهكذا غيره من الأنبياء(عليهم السلام) كالنبي إبراهيم(عليه السلام) وحتى عصر نبينا محمد(صلى الله عليه وآله)حيث استفتح دعوته إلى التوحيد بقوله: "قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا" كما كانت تقتضيه طبيعة المجتمع المشرك، الذي انبثق فيه الإسلام لتنزيه الدين عن الشرك والتعدد والتجسم، ونعني بالتوحيد: إن الله تعالى واحد في ذاته وصفاته فليس في ذاته تعدد من أشخاص ولا تركب من أشياء، وهذا يعبّر عنه بـ (توحيد الذات)، وإن صفاته تعالى من العلم والقدرة والحكمة ليست عارضة وزائدة على ذاته بل العلم نفس ذاته ويعبّر عنه بـ (توحيد الصفات)، وهذا ما يعنيه الإمام علي(عليه السلام) بقوله: (التوحيد أن لا تتوَهّمه).
ويقول الإمام الصادق(عليه السلام): (أما التوحيد فأن لا تجوِّز على ربك ما جاز
عليك). فإن المسؤولية في الحياة تقع على كل فرد إذا كانت تناط بالجميع، وتنحصر المسؤولية في فرد خاص إذا كانت بمستوى خاص، فلا يصح أن يترأس دولة واحدة رئيسان، ولا على المملكة ملكان، ولا على الحكومة أميران، بل لا يجوز للمدرسة الواحدة أن يتعدد المدير هذا هو الشأن في مملكة الإنسان، لماذا؟ لأن المسؤولية إذا تعددت وتعدد الملك والرئيس والأمير، بل وحتى المدير جاز للفرد أن يفكّر في عصيان أحدهما متظاهراً بالطاعة للآخر، وبالنتيجة يختل نظام المسؤولية، فإذا كان هكذا شأن نظام الإنسان فما هو شأن نظام الكون الدقيق الذي لا يمكن أن يصدر إلاّ من قدرة عليا؟ إن الإيمان يستلزم التوحيد فإنه لا يمكن أن تتعدد القدرة العليا إذا لو تعددت فلا تكون هناك قدرة عليا، لأن التعدد يعني عجز احداهما عن الأخرى فأين القدرة العليا؟ وهذا ما يؤكده الإمام علي(عليه السلام) بقوله: (أول الدين معرفته وكمال معرفته التصديق [الإيمان] به، وكمال التصديق به توحيده) فالإِيمان بلا توحيد يعني عدم الإِيمان بالذي على كل شيء قدير..."(1).
إن الله سبحانه تعالى أرسل الأنبياء لهداية البشرية إلى طريق السعادة أولهم أبو البشر آدم(عليه السلام) وآخرهم نبينا محمد(صلى الله عليه وآله).
قال الشيخ الصدوق المتوفى سنة 381هـ:
"اعتقادنا في عددهم أنّهم مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، ومائة ألف وصي وأربعة وعشرون ألف وصي، لكل نبي وصي أوصى إليه بأمر الله تعالى، ونعتقد فيهم أنهم(عليهم السلام) جاؤا بالحق من عند الحق، وأنّ قولهم قول الله وأمرهم أمر الله، وطاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله، وأنهم(عليهم السلام) لم ينطقوا إلاّ عن الله، وعن وحيه، وان سادات الأنبياء خمسة الذين دارت عليهم الرحى، وهم أصحاب
1) شرح الأربعين النبوية للسيد محمد حسين الجلالي: 19.
الشرائع، وهم أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد(عليهم السلام). وانّ محمداً(صلى الله عليه وآله)سيدهم وأفضلهم وأنّه جاء بالحق وصدَّق المرسلين، وانّ الذين كذّبوه لذائقون العذاب الأليم، وإنّ الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون الفائزون(1).
وفي شرح الأربعين:
العدالة تستلزم هداية البشر إلى طريق الخير والسعادة، فإن الإهمال يعني الإضلال، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم: (إِنَّا هَدَيْنَـهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَ إِمَّا كَفُورًا )(2).
وهداية الإنسان بواسطة رسولين، الأول رسول الباطن وهو الفكر والعقل، والثاني: رسول الظاهر وهو النبي، ويكون دور الأنبياء هداية الفكر الإنساني إلى الحياة الفضلى، والنبوّة رسالة إلهية وسفارة دينية لهداية الإنسان إلى الصراط المستقيم والنجاة في الدنيا والآخرة، ومهمة الرسل والأنبياء إيقاظ القلوب وتوجيه الإرادة البشرية نحو الكرامة والسعادة.
قال تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)(3).
وقال سبحانه: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَـقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـه غَيْرُهُو قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الاَْرْضِ بَعْدَ إِصْلَـحِهَا ذَ لِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)(4).
وإذا تأمّل الإنسان أدوار حياته وتدرجه في مراحل الولادة فالرضاعة فالطفولة فالمراهقة حتى استوى عضواً كاملا نافعاً في المجتمع الإنساني وكلما ازداد كمالا ازداد يقيناً بأن الإنسان في حياته يحتاج إلى موجِّه ومرشد يوجهه إلى السير الأفضل في الحياة، هذا هو شأن المجتمع الإنساني الذي يمرّ بمراحل التطور الفكري في العقيدة والشريعة، ويفتقر في سيره التكاملي إلى الموجّه والمرشد ذلك هو دور الأنبياء(عليهم السلام)، وهذا ما يفيده كلام الإمام الصادق(عليه السلام): (إنا لما اثبتنا ان لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً، ثبت ان له سفراء يعبرون عنه إلى خلقه وعباده، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم، وما به بقائهم وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبرون عنه وهم الأنبياء(عليهم السلام)). ولهذا السبب اقتضت الحكمة الإلهية أن يرسل الأنبياء بشراً مثل سائر الناس يعظونهم بنفس اللغة التي يتفاهم به الناس.
قال الشيخ الصدوق:
"اعتقادنا في البعث بعد الموت أنه حق". قال النبي(صلى الله عليه وآله): "يا بني عبدالمطلب إنّ الرائد لا يكذب أهله، والذي بعثني بالحق نبيّاً لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، وما بعد الموت دار إلاّ الجنة أو النار"، وخلق جميع الخلق وبعثهم على الله عزَّوجلَّ لخلق نفس واحدة ذلك قوله تعالى: (مَّا خَلْقُكُمْ وَ لاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْس وَ احِدَة)(1)"(2).
وفي شرح الأربعين: كل منا يعلم أن للحياة في الدنيا خاتمة ـ آتية لا محالة
ـ وليس للحياة في الدنيا خلود (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُم مَّيِّتُونَ )(1)، وأما بعد هذه الحياة التي نعبّر عنها (بالموت) فهل هناك حياة أخرى؟ أم ان الإنسان ينعدم بالموت ولا حياة اخرى؟ أكدت الأديان السماوية على الحياة الثانية، وإن فيها يكون العدل والحساب يثاب المطيع ويعاقب العاصي، ويعتبر الحياة الدنيا دور العمل والآخرة دور الجزاء قال تعالى:
(تَبَـرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ * الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)(2).
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ )(3).
ويقول الإمام علي(عليه السلام): (إنما الدنيا دار مجاز والآخرة دار قرار، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم واخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج أبدانكم ففيها اختبرتم ولغيرها خلقتم)(4).
إذاً فالموت حياة تتعقب الحياة الدنيا ذلك أن الإنسان متكون من روح وجسد، والروح هي الشخصية الأخرى التي لا تتغير باختلاف الأحوال... والموت يفرق بين الروح والجسد، ولا يبقى في القبر سوى الجسد الذي سوف يتحول إلى حالات أخرى، وتبقى نسبة التراب إلى الإنسان ولو بعد آلاف السنين، والشيء الذي يمنع من الاعتقاد بالمعاد هو: إن جسد الإنسان الميت بعد هذه التطورات كيف يتكون من جديد؟ وكيف يصير حياً بعد انعدامه بآلاف السنين؟ وقد يبدو سؤالا بلا جواب، ولكن لحظة قصيرة مع العلم توقفنا على أن الإنسان
باعتباره موجوداً مادياً، لا يتصور فيه كيمياوياً الفناء والعدم وإنما تطرأ الأحوال المختلفة على العنصر والمادة ونكتفي بمثل بسيط فالماء مكوَّن من عنصرين هما غاز الأوكسجين وغاز الهيدروجين يمكن تجزئتهما بالتحليل الكيمياوي، فإذا تركب عنصر الأوكسجين مع الهيدروجين يتكون الماء، وإذا تركب مع شيء آخر يتكون شيء آخر، إذاً فغاز الأوكسجين عنصر تطرأ عليه الحالات المختلفة ويمكن تحليلها كيمياوياً بتجزئة العناصر الطبيعية من غيرها، والإنسان بموته إنما تنتقل عناصره المادية إلى حالة أخرى، والله العالم بكل شيء، عالمٌ بحالتي الإنسان قبل الموت وبعده، وعالم بمصير عناصره، وبما أنه تعالى القدرة العليا فهو قادر على تجزئة هذه العناصر وتحليلها حتى يتكوّن الإنسان الذي تحولت هذه العناصر منه فيكوّنه إنساناً من جديد برد الروح إليه قال تعالى:
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَ هِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَل مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )(1).
وتصح نسبة الإنسان المكوَّن من نفس العناصر والروح ولو بعد آلاف السنين، كما تصح نسبة القبر إلى من دفن فيه قبل آلاف السنين، وهكذا يعتبر الاعتقاد بالبعث والمعاد امتداداً للاعتقاد بالقدرة العليا وإن الله على كل شيء قدير، فإنك لم تكن موجوداً فوجدت والقدرة التي أوجدتك من العدم قادرة على ايجادك من العدم بعد الموت.
قال تعالى: (وَ ضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَ نَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْىِ الْعِظَـمَ وَ هِىَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّة وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ )(2).
العدل معناه أن الله سبحانه وتعالى عادل لا يظلم أحداً حيث ان الظلم لا يصدر إلاّ من العاجز أو المحتاج، والله سبحانه وتعالى منزّه عن ذلك لانه على كل شيء قدير، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْـلِمُ النَّاسَ شَيْـاً وَ لَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْـلِمُونَ )(1).
وقال الشيخ الصدوق:
إن الله تبارك وتعالى أمرنا بالعَدْل وعاملنا هو بما فوقه وهو التفّضل، وذلك أنّه عزَّوجلَّ يقول: (مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُو عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْـلَمُونَ)(2)والعدل هو أن يثيب بالحسنة الحسنة ويعاقب على السيئة بالسيئة. قال النبي(صلى الله عليه وآله): لا يدخل رجل الجنة بعمله إلاّ برحمة الله عزَّوجلَّ(3).
وفي شرح الأربعين: والإيمان بالله يستلزم الإعتقاد بأنه عادل حيث أن الظلم لا يصدر إلاّ من العاجز لجهل أو احتياج فيتوسل بالظلم لشفاء غضبه أو سدّ حاجته، والله سبحانه العالم بكل شيء والقادر على كل شيء لا يتصور فيه الظلم والجور وهو الغني الحميد، وهذا ما يؤكّده الإمام السجّاد(عليه السلام) بقوله: (إنما يحتاج إلى الظلم الضعيف والله أقدر من ذلك)، لذلك نعتقد بأن الله تعالى لا يظلم أحداً، ولا يجبر أحداً على أي عمل كان كما قال تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَـهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَ إِمَّا
كَفُورًا )(1)ويقول الإمام علي(عليه السلام): (العدل أن لا تتهمه).
وقال الإمام الصادق(عليه السلام): (وأما العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه). وقال(عليه السلام) أيضاً: (إن الله أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون). وقال(عليه السلام)أيضاً: (ما كلَّف الله العباد كلفة فعل ولا نهاهم عن شيء حتى جعل لهم الاستطاعة ثم أمرهم ونهاهم فلا يكون العبد آخذاً ولا تاركاً إلاّ باستطاعة متقدمة قبل الأمر والنهي...).
ويقول الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام): (إن الله خلق الخلق فعلم ما هم إليه صائرون فأمرهم ونهاهم فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى الأخذ به، وما نهاهم عنه من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى تركه...). وما جبر الله أحداً من خلقه على معصية بل اختبرهم بأنواع البلوى كما قال تعالى: (ليبلوكم أيّكم أحسن عملا)(2)فما نجد في الناس من تفاوت من اختلاف حالات الغنى والفقر والصحة والمرض والمقام ونحوها ليست إلاّ بسعي الإنسان وبتقدير الله كما قال تعالى: (وَ أَن لَّيْسَ لِلاِْنسَـنِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَ أَنَّ سَعْيَهُو سَوْفَ يُرَى )(3)، ومعنى السعي ان الإنسان بحريته يختار سبباً من الأسباب، وبالنتيجة يترتب الأثر المفروض المقدر، وقد جعل الله تعالى جميع البشر سواء في هذه الحرية.
ولم يدع إرشاده في استخدام هذه الحرية في سبيل الحياة السعيدة بالمشورة والتدبير (وَشَاوِرْهُمْ فِى الاَْمْرِ)(4)، (ولا عقل كالتدبير)، فإذا أهمل الإنسان بنفسه إرشادات العقل وأوامر الشرع ولم يكن له تدبير ولا مشورة ممن ينبغي مشورته، فطبيعي أن يترتب على ذلك الشقاء والتخلّف والبؤس واختلال
الاقتصاد والمعاش والإبتلاء بالفقر والحرمان، وليس الظالم إلاّ من أهمل التدبير والمشورة التي أمر بها الله تعالى ونبيّه الكريم(صلى الله عليه وآله)(1).
إنّ النبيّ الساهر على مصالح الإسلام والمسلمين لم يهمل أمر الخلافة والإمامة من دون ابداء رأيه الواضح والصريح فيه لأنه لابد من قيادة حكيمة تطبق الدستور الإسلامي على نفسها وعلى المجتمع على حدٍّ سواء، لذلك لا يحق للظالمين أن يدّعوا الامامة كما قال الله تعالى لإبراهيم: (إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَ مِن ذُرِّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّـلِمِينَ )(2).
قال الشيخ الصدوق: واعتقادنا أن حجج الله على خلقه بعد نبيه محمد(صلى الله عليه وآله)الأئمة الاثنى عشر أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ثم الحسن(عليه السلام)، ثم الحسين(عليه السلام)، ثم علي بن الحسين(عليه السلام)، ثم محمد بن علي(عليه السلام)، ثمّ جعفر بن محمد(عليه السلام)، ثم موسى بن جعفر(عليه السلام)، ثم علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، ثم محمد بن علي(عليه السلام)، ثم علي بن محمد(عليه السلام)، ثم الحسن بن علي(عليه السلام)، ثم الحجة بن الحسن القائم بأمر الله صاحب الزمان، وخليفة الرحمن في أرضه الحاضر في الأمصار الغائب عن الأبصار، صلوات الله عليهم أجمعين. واعتقادنا فيهم أنهم أولو الأمر الذين أمر الله بطاعتهم، وانهم شهداء على الناس، وانهم(عليهم السلام) أبواب الله والسبيل إليه والأدلاّء عليه، وأنهم(عليهم السلام) عيبة علمه وتراجمة وحيه وأركان توحيده، وأنّهم معصومون من الخطأ والزلل، وأنهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وإن لهم المعجزات والدلائل، إنهم أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ومثلهم في هذه الأمة كسفينة نوح من ركبها نجى، وكباب حطة وانهم عباد الله المكرّمون
الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، ونعتقد فيهم(عليهم السلام) أنّ حبّهم إيمان وبغضهم كفر، وانّ أمرُهم أمر الله ونهيُهم نهي الله، وطاعتهم طاعة الله ومعصيتُهم معصية الله، ووليّهم ولي الله وعدوّهم عدوّ الله، ونعتقد أن الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه إمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً(1).
وموقف الإسلام من القيادة وأهميتها ومواصفاتها يظهر جلياً من سيرة النبي(صلى الله عليه وآله)في العشر سنين الأخيرة من حياته التي قضاها في المدينة، فما كان(صلى الله عليه وآله)يذهب إلى غزوة إلاّ ويؤمّر على المدينة أميراً، وما كان يرسل سرية إلاّ ويجعل عليها قائداً وآخر سرية أمر عليها أسامة بن زيد بالرغم من صغر سنِّه.
ويعتبر هذا أمراً ضرورياً إذا لا يمكن للمجتمع الإنساني أن يعيش فوضى، بل لابد من قيادة حكيمة تطبق الدستور على نفسها وعلى المجتمع.
فقد قال تعالى لإبراهيم(عليه السلام): (إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَ مِن ذُرِّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّـلِمِينَ )(2).
فلا يحق للظالم أن يتولى الإمامة وكل عاص ظالم لقوله تعالى: (وَ مَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـلـِكَ هُمُ الظَّـلِمُونَ )(3).
وقوله تعالى: (فَمَن تَابَ مِنم بَعْدِ ظُـلْمِهِ ى وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )(4).
وقوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الاَْمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ
فَإِنَّهُمْ ظَـلِمُونَ )(1).
وهذا ما يؤكّده الإمام الرضا(عليه السلام): (إن الإمامة أس الإسلام النامي وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفيء والصدقات وامضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف، والإمام يحل حلال الله ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله ويذب عن دين الله) لذلك نجد من كلام الإمام الصادق(عليه السلام): (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). وقوله: (لا يصلح الناس إلاّ بإمام ولا تصلح الأرض إلاّ بذلك).
والإمام السجّاد(عليه السلام) يشير إلى واجبات القائد في الدعاء {47} من الصحيفة السجادية بقوله: (اللهم... أقم به كتابك وحدودك وشرائعك وسنن رسولك(صلى الله عليه وآله)وأحيي به ما أماته الظالمون من معالم دينك، وأجل به صداء الجور عن طريقك، وآمن به الصراط من سبيلك، وأزل به الناكبين عن صراطك، وامحق به بغاة قصدك عوجاً).
ويقول الإمام علي(عليه السلام): (أأقنع من نفسي بأن يقال لي: أمير المؤمنين، ولا أشاركهم مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في بحبوبة العيش).
ليست العقيدة بالمهدي المنتظر(عليه السلام) عقيدة مختصة بالشيعة بل هي عقيدة إسلامية يعتقد بها جمهور علماء المسلمين ـ سُنَّةً وشيعة ـ وهم يتفقون على أنه من أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله) وإنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلماً ـ قال ابن حجر في كتابه (الصواعق المحرقة): (ص160 طبعة القاهرة سنة 1375هـ). في أحاديث المهدي ما نصه:
(ومن ذلك ما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي
1) آل عمران: 128.
وآخرون: "المهدي من عترتي من ولد فاطمة" وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة "لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم لبعث الله فيه رجلا من عترتي"، وفي رواية: "رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جوراً" وفي رواية لمن عدا الأخير "لا تذهب الدنيا ولا تنقضي حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي") وفي هامش الصفحة {163} ما نصه (أحاديث المهدي كثيرة متواترة ألّف فيها كثير من الحفاظ منهم أبو نعيم، وقد جمع السيوطي ما ذكره أبو نعيم وزاد عليه في (العرف الوردي في أخبار المهدي)، وللمؤلف ابن حجر فيه كتاب المختصر في علامات المهدي المنتظر).
وهذا مما اتفقت عليه كلمة المسلمين والخلاف في أنه هل ولد بالفعل؟ أم أنه لم يولد بعد؟ وجمهور السُّنَّة على الثاني والشيعة على الأول، والشبهة الوحيدة التي تعتبر أساس الإنكار هي مسألة طول العمر وإن ذلك ممتنع عادة، فكيف يعيش الإنسان هذه المدّة الطويلة وغيرها من الشبهات راجعة إليها؟ وقد بالغ بعض المؤلفين في هذه الشبهة حتى اعتبر (المهدوية) يوتيبية في حين أن أشباه ذلك واقع في التاريخ بنص القرآن الكريم، وإن ذلك كله واقع تحت قدرة الله تعالى الذي هو على كل شيء قدير.
وقد قال تعالى في نوح النبي: (وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ ى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَ هُمْ ظَـلِمُونَ)(1).
وقال تعالى في أصحاب الكهف: (وَ لَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثَلَـثَ مِاْئَة سِنِينَ وَ ازْدَادُواْ تِسْعاً)(2).
وقال تعالى في عزير النبي: (أَوْ كَالَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَة وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى
عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْىِ ى هَـذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِاْئَةَ عَام ثُمَّ بَعَثَهُو قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْم قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَام فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُو قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ)(1).
تلك هي قدرة الله التي تفوق كل قدرة، تلك القدرة التي جعلت النبي عيسى(عليه السلام)حياً حتى اليوم، قال تعالى فيه: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ)(2). لهي قادرة أيضاً على تطويل العمر أكثر من المتعارف وهو على كل شيء قدير، فالمهدي المنتظر(عليه السلام) حي بقدرة الله كحياة عيسى(عليه السلام) إذ ثبت بالدليل والسُّنَّة الصحيحة ـ وعلى الأقل في نظر المعتقد ـ عن النبي(صلى الله عليه وآله) فلا مجال لانكارها إذ هو إما إنكار لقدرة الله تعالى أو إنكار للسنة النبوية.
وهذا جمهور المسلمين يعتقدن بحياة النبي الخضر(عليه السلام) وهو أكثر عمراً من الحجة(عليه السلام)، فقد جاء في هامش الصواعق المحرقة (ص223 طبعة القاهرة سنة 1375هـ) ما نصه: (ذكر النووي في تهذيب الأسماء أن أكثر العلماء مقرّين على أن الخضر حي موجود بين أظهرنا، وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح، وحكاياتهم في رؤيته، والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن يحصى وأشهر من أن يذكر).
ولو غيرنا من كلام النووي إلى قوله (الخضر) بكلمة (الحجة بن الحسن) لكان ما تقوله الشيعة تماماً بلا أدنى تفاوت، فإن الكلام في (خضر) و(الحجة) واحد، إذ كلاهما ثبت بالسُّنَّة النبوية الصحيحة ـ وعلى الأقل من وجهة نظر معتقديها ـ والاعتقاد بحياتهما امتداد للاعتقاد بقدرة الله تعالى الذي هو على كل
شيء قدير.
ويبقى سؤال جدير بالملاحظة هو أن غيبة الإمام تنافي وجوب الإمامة، فإن الغرض من نصب الإمام إنما هو بيان أحكام الإسلام وتنفيذها ومن هنا نشأ اتهام الشيعة بـ (اليوتيبية) والغيبية البعيدة عن واقع الحياة ولكنه اتهام ظالم ذلك أن طائفة عاشت برهة طويلة من التاريخ واحتفظت بكيانها ـ رغم المضايقات ـ لا يمكنها أن تعيش بدون نظام أو بنظام غير صالح للتطبيق حيث طبق فعلا في هذه الفترة من الزمن، (ومن الناحية النظرية) هناك نظرية اللطف القائلة بأن (وجوده(عليه السلام)لطف وتصرفه لطف آخر وغيبته منا) كما تفصله كتب العقائد، راجع الغيبة للنعماني والغيبة للطوسي وتجريد الاعتقاد لنصير الدين، وأخيراً البرهان على وجود صاحب الزمان للسيد الأمين.
ومن الناحية العلمية باشرت المرجعية الدينية (الخاصة والعامة) في القيادة الفكرية أداء دورها العملي وحتى ظهور الحجة(عليه السلام).
بما أن القيادة الفكرية أمر ضروري في حياة المسلمين ولها مواصفاتها وشروطها المشروحة في الفقه لذلك لم يخل تاريخ الشيعة في أي دور من الأدوار من مرجع ديني يؤدي مهمته الرسالية الدينية حسب الملابسات والظروف، ولهذه المرجعية دوران (الدور الأول) ويعبّر عنه (الغيبة الصغرى) من سنة 260هـ. إلى 319هـ. وكانت المرجعية لأربعة أشخاص يعبّر عنهم بـ (السفراء) والنواب كانت لهم نيابة خاصة عن الإمام(عليه السلام) وكان مركزهم بغداد وهم:
1 ـ أبو عمرو عثمان بن سعيد الأسدي العمري المتوفى 280هـ.
2 ـ أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد الأسدي المتوفى 305هـ.
3 ـ أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي المتوفى 326هـ.
4 ـ أبو الحسن علي بن محمد السمري المتوفى 329هـ.
(الغيبة الثانية): ويعبّر عنها بـ (الكبرى) وابتدأت بوفاة السفير الرابع السمري 329هـ، وانتقلت القيادة الدينية إلى المرجعية في الافتاء والحكم منذ ذلك العهد حتى اليوم استناداً إلى الحديث عن الحجة(عليه السلام) (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم).
وأيضاً (من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه)، وأهم الشروط المعتبرة في شخصية المرجع الديني هي الحياة والعدالة والاجتهاد ويزيد الأكثر، الأعلمية، ولا يعتبر الانتساب إلى النبي اطلاقاً، فكل من وجدت فيه الشروط عد أهلا للمرجعية، ويمكن معرفة المرجع بإحدى الطرق الثلاثة: العلم، أو شهادة عدلين، أو الشياع المفيد للعلم، وكثيراً ما تختلف وجهات النظر فيقلد كل فرد بحريته الكاملة من شاء في حدود شروط المرجعية.
ولكن سرعان ما تنصهر المرجعية في شخصية واحدة تعلو بمرور الزمن على الشخصيات الأخرى لعوامل خاصة يكون أهمها المكانة العلمية والصفات الشخصية والخدمات الاجتماعية.
وهكذا تعتبر الشيعة الإمامية طائفة إسلامية لها استقلالها الفكري في حدود التشريع الإسلامي تؤمن بالله رباً، وبمحمد(صلى الله عليه وآله) نبياً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن كتاباً، وبالكعبة قبلة، والأئمة الاثني عشر(عليهم السلام) أئمة وسادة وقادة، وهم مستودع السنّة النبوية تتسلسل رواياتهم في العقيدة والشريعة إلى النبي الأعظم(عليه السلام)، وهم أهل بيت النبوة و(أهل البيت أدرى بما في البيت)، وهذا ما يؤكده الإمام الصادق(عليه السلام)بقوله: (حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث الحسين وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أمير
المؤمنين وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) وحديث رسول الله(صلى الله عليه وآله)قول الله عزّوجلّ) ـ وهذا ما يشير إليه الشاعر بقوله:
(ووال أناساً قولهم وحديثهم روى جدنا عن جبرئيل عن الباري)
وهكذا نجد أئمة أهل البيت(عليهم السلام) يطبّقون شريعة الله وسنّة جدهم النبي(صلى الله عليه وآله)المروية بطرقهم التي هي أقرب الطرق ومن هنا نستنتج القول أن السنّة النبوية تلازم التشيع، فكل من استن بسنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) الصحيحة فهو متشيّع، وكل من شايع أهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) فهو مستن بسنّته(صلى الله عليه وآله) وما فرق المسلمين فرقاً متناحرة سوى الأطماع والأهواء والبدع أعاذ الله من شرها(1).
الفقه الجعفري يستمد ويستنبط أحكامه من القرآن والسنّة والإجماع والعقل، لذلك ينبغي أن نوضّح بعض المصطلحات التي تبين هذا الاستنباط والأحكام في الفقه الجعفري في أمور:
الأمر الأول: الأحكام الشرعية تنقسم إلى خمسة أقسام:
1 ـ الوجوب: وهو ما يجب فعله ويحرم تركه والمكلف يثاب على فعله ويعاقب على تركه كالصلاة والصوم والحج... الخ.
2 ـ الحرمة: وهو ما يحرم فعله ويعاقب على فعله كالسرقة والغيبة والتهمة والكبائر.
3 ـ المستحب أو المندوب: وهو ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه مثل الصدقة والإحسان والنوافل.
4 ـ المكروه: وهو ما لا يعاقب على فعله وتركه أفضل كزيادة النوم من دون
1) شرح الأربعين النبوية: 36.
حاجة إليه.
5 ـ المباح: وهو ما يجوز فعله وتركه وكلاهما على حدٍّ سواء عند الله تعالى.
وكل فعل يصدر من إنسان مسلم لا يخرج عن هذه الخمسة وإذا شك في احدها تسمى الشبهة الحكمية.
الأمر الثاني: هناك ثلاث طرق لمعرفة تلك الأحكام الخمسة وهي:
1 ـ الاجتهاد.
2 ـ التقليد.
3 ـ والاحتياط.
قال في شرح الأربعين ما لفظه الآتي:
إن معرفة الأحكام الشرعية ـ على الوجه الصحيح ـ إنّما يكون باجتهاد أو تقليد أو احتياط ذلك إنّ الإنسان في حياته لا بدّ له إما من اختصاص أو تلمّذ أو حذر، فلا يجوز معالجة المريض إلاّ للطبيب الأخصائي أو من يعمل بإرشاد الطبيب، وفيما إذا فُقد فاللازم الوقاية والاحتياط حتى لا يزداد المريض سوءاً كذلك بالنسبة إلى الأحكام الشرعية، فلابدّ من تحصيلها بإحدى الطّرق الآتية وبدونها يكون العمل باطلا وهي:
1 ـ الاجتهاد: وهو معرفة الأحكام الشرعية عن أدلّتها من القرآن والسُّنَّة والإجماع والعقل، وهذا لا يتيسّر إلاّ لمن اختصّ بالاستنباط.
2 ـ الاحتياط: وهو العمل بما يتيقّن سقوط التكليف الشرعي واليقين بالعمل بالواجب كتكرار الصلاة فيما إذا شكّ بين القصر والتمام وهذا أيضاً لا يتيسّر بل قد يستلزم العسر والحرج.
3 ـ التقليد: وهو تطبيق العمل على رأي المجتهد الواجد لشرائط المرجعيّة وهذا هو المتيسّر لعامة النّاس، فيجب على المشهور تقليد المجتهد الأعلم الحيّ
ولا يجوز تقليد الميّت ابتداءً، وقد أباحت روايات أهل البيت(عليهم السلام) التقليد في الافتاء والقضاء منها عن الحجّة(عليه السلام) قوله: (من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه)(1).
الأمر الثالث: حيث ان الاجتهاد عملية تستغرق جهداً كثيراً واضطلاعاً تاماً على كثير من العلوم الإسلامية فيجوز تقليد لمن له الكفاء ويسمى هذا (بالمرجع)، وتعني كلمة المرجع الرجوع إليه في المسائل الشرعية، والمرجع المجتهد يصدر فتواه في كتاب خاص لعمل من يُقلده يسمى (بالرسالة العملية) ليسير عليه مقلدوه في الاستنباط، وأهم الشروط المعتبرة في المرجع أن يكون على قيد الحياة، فلا يجوز تقليد الميت ابتداءً، وان يكون أعلم فلا يجوز تقليد من دونه في العلم، وأن يكون عادلا فلا يجوز تقليد الفاسق والظالم مهما بلغ من العلم.
ويعرف المجتهد باحدى الطرق الثلاث التي يعرف بها الشبهة الموضوعية، وهي العلم الشخصي، أو شهادة عدلين أو الشياع المفيد للعلم، وكل شبهة في غير الأحكام الشرعية تسمى (الشبهة الموضوعية) كالاختلاف على شيء تراه أمامك، ولا يكون من الأحكام الفقهية.
وهي الصلاة والصوم والحج والخمس والزكاة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتولي للنبي وآله والتبري من أعدائهم، وهي أمور يجب الالتزام بها ضمن شروط وحدود وضوابط ذكرت في أبواب الفقه.
ونحن هنا نفصّل بعض الشيء في اثنين منهما وهما التولي والتبري، ونوردهما معاً في موضوع واحد.
1) شرح الأربعين النبوية: 59.
"يجب على كل مسلم ومسلمة تولي ومحبة الله ورسله والأنبياء والأوصياء والصديقة الطاهرة سلام الله عليهم أجمعين ويجب التبري من أعدائهم.
(يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَـبَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )(1).
وقال جلّ جلاله: (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)(2).
وقال تبارك وتعالى: (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَ نَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِْيمَـنِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـلـِكَ هُمُ الظَّـلِمُونَ)(3).
وقال الله تعالى: (وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُو وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَـلِبُونَ)(4).
ـ عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): "ودُّ المؤمن للمؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان، ألا ومن أحبَّ في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع في الله فهو من أصفياء الله".
ـ عن أبي جعفر(عليه السلام) في حديث له قال: "يا زياد ويحك وهل الدّين إلاّ الحبُّ؟ ألا ترى إلى قول الله: (إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)(5)أو لاترى قول الله لمحمّد(صلى الله عليه وآله): (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الاِْيمَـنَ وَ زَيَّنَهُو فِى
قُلُوبِكُمْ)(1)وقال: (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)(2)فقال: الدين هو الحبُّ والحبُّ هو الدِّين".
ـ عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: "من أحبّ الله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فهو ممّن كمل إيمانه".
ـ عن أبي محمّد العسكري(عليه السلام)، عن آبائه(عليهم السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) لبعض أصحابه ذات يوم: "يا عبدالله أحبب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله، فانّه لا تنال ولاية الله إلاّ بذلك، ولا يجد رجل طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصيامه حتّى يكون كذلك وقد صارت مواخاة الناس يومكم هذا اكثرها في الدنيا عليها يتوادّون وعليها يتباغضون وذلك لا يغني عنهم من الله شيئاً، فقال له: وكيف لي أن أعلم أنّي قد واليت وعاديت في الله عزَّوجلَّ؟ ومن وليُّ الله عزَّوجلَّ حتّى أُواليه، ومن عدوُّه حتّى أُعاديه فأشار له رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى عليّ(عليه السلام)فقال: أترى هذا؟ فقال: بلى، قال: وليُّ هذا وليُّ الله، فواله، وعدوُّ هذا عدوُّ الله فعاده، وال وليَّ هذا ولو أنه قاتل مالك بن عطيّة".
ـ عن سعيد الأعرج، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: "إنّ من أوثق عرى الإيمان أن تحبُّ في الله، وتبغض في الله، وتعطي في الله، وتمنع في الله عزّوجلّ".
ـ عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: "إذا أردت أن تعلم أنَّ فيك خيراً فانظر إلى قلبك فان كان يحبُّ أهل طاعة الله عزَّوجلَّ ويبغض أهل معصيته ففيك خير والله يحبّك وإذا كان يبغض أهل طاعة الله ويحبُّ أهل معصيته فليس فيك خيرٌ، والله يبغضك، والمرء مع من أحبَّ"(3).
وقال عزّ من قائل: (قُل لاَّ أَسْـَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى)(1).
لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمرنا الله تعالى بمودتهم؟ قال: "علي وفاطمة وابناهما"(2).
ولما نزلت هذه الآية: (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)(3)قال لعلي: هو أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيين ويأتي أعداؤك غضاباً مقمحين(4).
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): "من مات على حب آل محمد مات شهيداً: ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له.
ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً.
ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان.
ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير.
ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها.
ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة.
ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة.
ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنّة والجماعة.
ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس
1) الشورى: 23.
2) نور الأبصار للشبلنجي الشافعي: 112 طبع عبدالحميد أحمد حنفي بمصر ورواه الفخر الرازي في التفسير الكبير: 27 / 166، والزمخشري في الكشاف: 4 / 219 هكذا (لما نزلت ـ هذه الآية ـ قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقال: علي وفاطمة وأبناهما).
3) البينة: 7.
4) نور الأبصار: 112.
من رحمة الله.
ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً.
ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة"(1).
وهكذا عرض الكاتب أسباب تشيعة أو تجعفره، فبالإضافة إلى نسبه الجعفري آمن بالعقيدة الجعفرية الشيعية، وكذلك آمن بالفقه وفق المذهب الجعفري، فصار جعفرياً نسباً وأصلا وعقيدة ومذهباً، والعقيدة والمذهب الجعفري هما الإسلام المحض بعينه، فهنيئاً له.
1) نور الأبصار للشبلنجي: 114، طبع عبدالحميد أحمد حنفي، التفسير الكبير للفخر الرازي: 27 / 165، الكشاف للزمخشري: 4 / 220.
من مواليد مصر، ترعرع في أجواء غذته بعقيدة أهل السنة، وفرضت عليه بعض الأفكار والرؤى، ولم تسمح له أن يمس تلك العقائد الموروثة، فسار وفق ما تملي عليه الأجواء التي تحيطه. لكنه انطلاقاً من حب الاستطلاع توجّه للبحث عن أدلّة ما يحمله من أفكار ومعتقدات، وأحبّ أن يوفّر لنفسه عقيدة يطمئن إليها قلبه ويجد فيها زاداً لإيمانه ونوراً لبصيرته.
واجه الشيخ محمد عصمت في بداية بحثه عقبة مسألة عدالة الصحابة التي اجمع عليها أهل السنة، في حين أنه وجد من خلال مطالعته لتاريخ الصحابة أنّهم اختلفوا بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وقد أدّى بهم هذا الاختلاف إلى الوقوع في البلاء والويلات بحيث تمخّض عنه أن اصبحت الأمة الواحدة فرقاً واحزاباً، كل فرقة ترى أنّ الحق معها فيما تنتهجه من تصوّرات وأساليب وأن الباطل في خلاف ذلك.
فاستدعى هذا الأمر من الشيخ محمد عصمت أن يقوم ببحث موضوعي يبيّن له الأسباب التي دفعت الأمة إلى التمزّق والتناحر عقيب رحلة النبي المصطفى(صلى الله عليه وآله)، كما استهدف الشيخ محمد عصمت من بحثه أن يتعرّف على الفرقة
الناجية من بين هذه الفرق.
توصّل الشيخ محمد عصمت خلال بحثه إلى نتائج قلبت عنده الموازين التي كان عليها فيما سبق ومجمل هذه النتائج هي ما يصفها بقوله:
"إن من المسلم به، أن الأمة الاسلامية انقسمت بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى فريقين سياسيين:
قال فريق بأن الخليفة بعد النبي(صلى الله عليه وآله) هو عليّ بن أبي طالب، وذهب الفريق الآخر إلى أنَّ الخليفة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) هو أبو بكر، وقد جاء اختيارهم له بناءً على أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) لم ينص على أحد من بعده بالخلافة، وإنما جعل أمر سياسة الناس إلى من يختارونه بأنفسهم. ولكن هذا الفريق جعل حقَّ سياسة الناس، في المهاجرين دون الأنصار، وفي قريش دون سائر المهاجرين من القبائل الأخرى، ولم يجعلوا للموالي فيها أي حق، حتى حق الاختيار..
وعلى كل حال فقد سبق الفريق الثاني إلى الحكم، واختاروا أبا بكر خليفة على الناس.
وسكت الفريق الأول الذي ذهب إلى إمامة علي بن أبي طالب(عليه السلام)، اللهم إلاّ ما احتجَّ به بعضهم على صحة ما ذهب إليه، كالإمام علي(عليه السلام) نفسه، والسيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، والعباس عمّ الرسول الأعظم، والزبير بن العوام، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، وأبي ذر الغفاري، وغيرهم ممن أظهروا بعض المعارضة لخلافة أبي بكر، ولكنهم في النهاية سكتوا حفاظاً على بيضة الإسلام، ووحدة المسلمين.
إلاّ أنَّ هذا الخلاف ظلَّ في طي الصدور والكتمان، ولربما ظهر في آنات متفرقة، ومناسبات مختلفة، ولكنه لم يرتفع عن مستوى القيل والقال، حتى الشطر الثاني من خلافة عثمان بن عفان.
فبعد أنْ رأى المسلمون منه ما خالف به الإسلام، وتحيزه غير المنصف إلى بني أمية، رأوا عزلهُ، ولكن زمام المبادرة أفلت من أيدي الحكام، فانتهى الأمر إلى قتله، واختاروا على أثره مولانا الإمام علياً(عليه السلام).
هنا ظهر ما كان مكتوماً، وخرج ما كان في الصدور، فأخذ الخلاف السياسي شكلا جديداً لم تعرفه الأمة الإسلامية من قبل، حيث تحول من خلاف في الآراء، إلى نزاع مسلح، أُريقت فيه دماء العديد من المسلمين.
فالذين تجنبوا خلافة أمير المؤمنين(عليه السلام)، لم يجدوا أسباباً في الخروج على إمامته، لأنّهم لا يملكون القدرة على القدح في عدالته، وقدرته على سياسة الناس، فتعلّلوا حينئذ بالمطالبة المسلّحة بدم عثمان بن عفان، وشهروا سيوفهم في وجه خليفة المسلمين الإمام علي(عليه السلام).
واستمر هذا النزاع المسلح بين الطائفتين، طائفة الإمام علي(عليه السلام) بصفته خليفة المسلمين، وبين الطائفة الأخرى، التي لم يكن لها خليفة، ولا راية، وهذه الطائفة الأموية هي التي مثلت بعد ذلك السلطة الحاكمة، والتي وردت الروايات بوسمها بالملك العضوض تارة، والظلم أخرى، والبغي ثالثة، وغير ذلك.
ويضيف الشيخ محمّد:
"وعلى كل حال فقد أجمعت الأمة الإسلامية على فضل الإمام علي(عليه السلام)، وعلو منزلته وعدالته، وصحة خلافته، وأنَّ حكومته هي الحكومة الشرعيّة.
واجمعت الأمة كذلك على خطأ معاوية وظلمه، وعدم مشروعية دولته، إلاّ من شذّ ممن لا وجاهة لهم آنذاك، ولا من العلماء الذين يعتدّ بهم في المجال العلمي والتحقيقي.
ولما استولى الجانب الأموي على السلطة، بعد استشهاد أمير المؤمنين(عليه السلام)،
أصبحت أموال المسلمين ورقابهم في أيديهم، وضعف الجانب العلوي، وصار لا يستطيع أنْ يجهر، أو يصرّح برأيه في الأمور السياسية، وأحوال الساسة.
ولما كان ذلك، مالت طائفة من السَّلف إلى الجانب الأموي، وانحازت إليه، وتجنبت الفريق العلوي الذي لم يملك من الدنيا شيئاً، ساعدهم على ذلك الطبيعة الكائنة في كل من الحق والباطل، كما قال الإمام علي(عليه السلام): "الحق ثقيل مرىء، والباطل خفيف وبيء".
وبطبيعة الحال، استغلّ هؤلاء النفر مكانتهم الدينية المرموقة بين المجتمع، فزينوا للناس أعمال الحكام، وبرّروا قبائحهم، وثبطوا الناس عن الثورة عليهم، فحدّثوا بأحاديث عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، وأدلوا بآرائهم، وأفتوا الناس بلزوم طاعتهم، وتحريم الخروج عليهم.
وهذه الأحاديث إما أنْ تكون صحيحة عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، واستعملت في غير مقامها، واستُشهد بها في غير محلها.
أو أنْ تكون غير صحيحة عنه(صلى الله عليه وآله)، وكانت وليدة الأحداث، والمتغيرات السياسية في ذلك الوقت، ويمكن أنْ تكون قد وضعت مدحاً وثناءً للسلطة، أو ذماً وطعناً في خصومها، ومن جانبهم رفعت السلطات هذه الروايات، وهؤلاء الرواة، إلى منزلة لا تنالها يد المعارضة، ولا يد النقد، ودأبوا على دعمها وتقويتها عبر التاريخ.
فأصبحت بعد دعمها من قبل السلطة الحاكمة، كقميص عثمان، يستغلها السلاطين، واحداً بعد الآخر، في تقوية سلطانه، وإضعاف معارضيه.
وقد ساروا على ذلك زماناً، حيث صارت تلك الروايات، وهؤلاء الرواة، من القوة، حيث أصبح المؤمنون يتعبدون، ويتقربون بها إلى الله سبحانه وتعالى.
وبذلك رتع السلاطين والحكام في غيّهم، وظلمهم، ونعموا ببطرهم وفسادهم. آمنين من غضبة العلماء الأحرار، دون أنْ ينغصوا عليهم ترفهم، فسعوا في الأرض فساداً، وحلّوا عرى الإسلام عروة عروة، حتى لم يبق منه إلاّ رسمه،
إلى أنْ شبّ جيلٌ من الحكام، قاموا بتسليم بلادهم ورعاياهم إلى أعدائهم، فعلوا ذلك وأكثر منه، في ظلّ وحماية تلك الروايات والفتاوى التي أصدرها بعض السلف، لصالح فريقهم الأموي الذي تحيزوا إليه".
وبهذه الصورة التي توصّل إليها الشيخ محمد عبر البحث، بادر إلى تغيير انتمائه المذهبي وتصحيح مفاهيمه الخاطئة والعدول عما كان عليه من أمور عقائدية، وتوجه إلى رحاب أهل البيت(عليهم السلام) لينهل من معينهم المعارف العذبة والعلوم النقية التي لم تمسها ايدي التحريف والتلاعب.
صدر عن الدار الاسلامية، بيروت سنة 1413هـ ـ 1993م.
جاء في مقدمة المؤلف: "قصدت من هذا البحث الذي اسميته (السلف بين السياسة والدين) بيان تميز هؤلاء النفر إلى فريق سياسي من الفرق السياسية في ازمانهم، مما أثر ذلك على فتواهم، وعلى رواياتهم سواء كانت هذه الروايات مما يحتمل فيها الوضع، أم محل الاستشهاد بها، إذا كانت صحيحة.
وقد كان من ابرز هؤلاء السلف (عبدالله بن عمر بن الخطاب) ولذلك آثرنا ان نبدأ بالبحث في مواقفه السياسية وبعض رواياته وفتاويه، التي تأثرت بهذا الموقف، واثرت فيما بعد على اجيال الشباب المسلم".
ويحتوي هذا الكتاب على عدة مواضيع منها: قعود عبدالله بن عمر عن بيعة الإمام علي(عليه السلام) وأسباب ذلك، بيعة ابن عمر ليزيد بن معاوية، قبول ابن عمر جوائز الأمراء، وبحث في بعض رواياته.
يعرف الكتاب هذه الشخصية ويوضّح خصائصها ودورها السياسي والديني في صدر الاسلام باهم المظاهر وهو البيعة، فيقول:
هو عبدالله بن عمر بن الخطاب بن نفيل، القرشي، العدوي.
أمّه: زينب بنت مظعون الجهمية، أُخت عثمان بن مظعون.
وهو أخو حفصة بنت عمر، زوج الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله).
عاش عبدالله بن عمر، ستاً، أو سبعاً وثمانين سنة، ومات على الأشهر سنة أربع وسبعين (74هـ) من الهجرة النبوية الشريفة، وذلك في زمن عبدالملك بن مروان.
عاش عبدالله بن عمر في صدر الإسلام، وعاصر أحداثاً سياسية، واجتماعية، ودينية خطيرة، غيّرت وجه التاريخ، ولا زالت آثار تلك التغيرات تعاني منها الأجيال الإسلامية، جيلا بعد جيل، حتى يومنا هذا الذي نعيشه.
فكل الآلام والمصاعب التي تواجه الأمة الإسلامية هي من نتاج تلك التغيرات والأحداث في ذلك الزمان الذي عاش فيه عبدالله بن عمر، الذي كان له فيه مواقف ظاهرها الحياد، وواقعها الإنحياز إلى طائفة دون طائفة، وإلى حدث دون حدث.
فقد كان له موقف تجاه بيعة أبي بكر، وعمر، وعثمان، ثم كان له موقف آخر مغاير، تجاه بيعة الإمام علي(عليه السلام).
وكذلك كانت له مواقف أخرى، يختلف بعضها عن البعض الآخر، مع وحدة الموضوع فيها.
هذه المواقف المنحازة، كان لها الأثر الكبير في فتاواه ورواياته، خاصة التي كانت تتعلق بالمجال السياسي، هذا الأثر كان بشكل ملحوظ، لا يمكن إنكاره، أو تجاهله، لما كان له من تأثير على مسيرة التاريخ الاسلامي.
من المقطوع به، ومن المسلمات التاريخية، أنَّ عبدالله بن عمر إمتنع عن مبايعة الإمام علي(عليه السلام)، وتخلّف عنها طيلة سنوات حكم أمير المؤمنين(عليه السلام). الذي امتدّ من السنة الخامسة والثلاثين (35هـ) من الهجرة النبوية الشريفة، إلى السنة الأربعين (40هـ)، منها. وهذه طائفة من الروايات الدالة على ذلك:
قال المسعودي في (مروج الذهب):
"وقعد عن بيعته(عليه السلام) جماعة عثمانية، لم يروا إلاّ الخروج عن الأمر، منهم سعد بن أبي وقاص، وعبدالله بن عمر، وبايع يزيد بعد ذلك، والحجاج، لعبد الملك بن مروان، ومنهم قدامة بن مظعون، وأهبان بن صفي، وعبدالله بن سلام، والمغيرة بن شعبة الثقفي.
"وممن اعتزل من الأنصار: كعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وكانا شاعرين، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، حليف بني عبدالأشهل، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، ونعمان بن بشير، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة، ومسلمة بن خالد" انتهى.
وقال ابن عبدالبر في كتابه المعروف بـ (الاستيعاب)، في ترجمة عبدالله بن عمر، قال: "وكان رحمه الله لورعه، قد أشكلت عليه حروب علي، وقعد عنه" انتهى.
بمعنى أنّه أشكلت عليه حروب علي، فقعد عن بيعته.
وعلى كل حال، فإنَّ تخلف عبدالله بن عمر، عن بيعة أمير المؤمنين(عليه السلام)، ممّا لا خلاف فيها، ولا إنكار لها.
قال ابن عبدالبر في (الاستيعاب)، في ترجمة عبدالله بن عمر:
"وكان رحمه الله لورعه، أشكلت عليه حروب علي وقعد عنه"، الظاهر أنَّ "الواو" في قوله "وقعد عنه" بمعنى "الفاء" حيث لا معنى لحملها على العطف المجرد المسمَّى عند البيانيين ـ أي أهل البلاغة ـ بالوصل. ومراده من قوله "قعد عنه": أي قعد عن بيعة الإمام(عليه السلام) لأنّ الضمير في "عنه" يعود عليه(عليه السلام).
ويكون المعنى حينئذ: "أشكلت عليه حروب علي، فقعد عن بيعته" أي إنَّ سبب قعوده عن البيعة هو استشكاله حروبه(عليه السلام).
والواقع إنَّ صدور مثل هذا الإعتذار من ابن عبدالبر في غاية الغرابة، لأنّ الرجل من العلماء المعتبرين والمعدودين في فنهم. فسعة علمه بالفقه والأصول وخاصة علم الحديث والرجال، لا ينكر.
ولكن المحتمل أنّه كغيره ممن وقعوا في أسر العصبية، لأنّ ما اعتذر به عن ابن عمر، فيه من السذاجة ما لا يقبله صبي دون الحلم، لأنَّ قعوده عن البيعة كان متقدماً على الحروب. فكيف يكون سبب قعوده عن البيعة هو استشكاله حروباً لم تقع أصلا، ولم يتخذ في شأنها قرار في ذلك الوقت الذي تمت فيه البيعة، بل لم يظهر أحد عداءه إلى الإمام(عليه السلام) في ذلك الوقت ولم يشهر أحد سيفه في وجهه. فأي صبيّ يصدق أنَّ النهار يكون سبباً في طلوع الشمس؟!
ومن المسلم أنَّ البيعة شيء، والحروب شيء آخر، فيمكن أنْ يبايع ثم إذا
أُشكلت عليه حروبه(عليه السلام)، قعد عن الحروب، وذلك لا يناقض بيعته.
وهناك كثير ممن بايعوا أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولم يحاربوا معه، وعلى ذلك فقد قبل بيعتهم، ولم يردها، وهناك كثير ممن استأذنوا أمير المؤمنين في القعود عن الحرب، فأذن لهم، ولم يعنفهم.
فالبيعة لا تستلزم المشاركة في الحروب، وهذه من المسائل التي لا إشكال فيها فقهياً، باستثناء ما إنْ صدر أمر بمشاركة مُعَيّن في الحرب، فامتناع المعين عن المشاركة في الحروب يتنافى مع البيعة، ولكنها لا تعتبر خلعاً لها.
ونضيف إلى هذا أنْ ابن عمر نفسه لم يبرر قعوده بمثل هذا التبرير. حيث لو أشار ابن عمر بمثله، لكانت الطامة أكبر، والمصيبة أعظم، لأنّه استشكل حروب علي(عليه السلام)للناكثين، والقاسطين، والمارقين(1)
وروى بسنده عن مخنف بن سُليم قال: "أتينا أبا أيوب الأنصاري، فقلنا: قاتلت بسيفك المشركين مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ثم جئت تقاتل المسلمين؟ قال: أمرني رسول الله(صلى الله عليه وآله) بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين". يراجع (أسد الغابة).
، فقعد عن بيعته، ولم يستشكل قتل يزيد للإمام الحسين(عليه السلام)، وأولاد الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، وسبي نسائه في (كربلاء).ولم يستشكل استباحته لمدينة الرسول(صلى الله عليه وآله) وفيها بقية المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم، واستحيى فيها نساءهم، وذبّح أبناءهم.
ولم يستشكل حرقه للكعبة المشرفة، وتهديمها بالمنجنيق!
فكيف يستشكل حروب علي، ويقعد عنه، ولم يستشكل فظائع، يزيد ويبايعه؟ وأما قوله "كان لورعه...":
الحق إنَّه ليس من الإنصاف في شيء أنْ نسمي القعود عن بيعة الإمام(عليه السلام)،
1) إشارة إلى ما ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، يخبر فيها بقتال أمير المؤمنين(عليه السلام) للناكثين، والقاسطين، والمارقين، كما روى صاحب (أسد الغابة) بسنده عن أبي سعيد الخدري أنّه قال: "أمرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين، فقلنا: يا رسول الله أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من. فقال: مع علي بن أبي طالب، معه يقتل عمار بن ياسر".
والتخلف عنه، ورعاً، خاصة بعد أنْ وردت الروايات المستفيضة والمشهورة بين المسلمين عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) صحيحة، صريحة، بأنَّ الإمام علي(عليه السلام) إمام البررة. وأمير المؤمنين، وإمام المتقين.
وحيث أنّنا لسنا في مقام سردها، إلاّ أنّنا نشير إلى حديث واحد منها بقصد الانسجام مع الموضوع، أو التذكر، أو الإشارة إليها، للرجوع إلى مظانها:
روى الترمذي عن زيد بن أرقم أنَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: "إني تارك فيكم ما إنْ تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما".
وروى مثله النسائي عن جابر بن عبدالله، وكذلك أخرجه كل من أحمد بن حنبل، عن زيد بن ثابت، وكذلك الحاكم في (المستدرك)، وقال: "هذا الحديث صحيح الإسناد، وعلى شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
والمعلوم من الدين ضرورة أنّ الإمام علي(عليه السلام) من عترة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)وهذا أمر صريح بالتمسك به، وأقلّ ما يمكن أنْ يتمسك به هو البيعة له(عليه السلام).
فلا يصح بحال أنْ تكون مخالفة الرسول(صلى الله عليه وآله) ورعاً، كما قال ابن عبدالبر!
بايع عبدالله بن عمر يزيد بن معاوية، وتمسك ببيعته إيّاه، أيما تمسّك، وعضّ عليها بالنواجذ.
وحال يزيد بن معاوية لا يخفى على أحد من المسلمين، فقد تربّع على صدور المسلمين ثلاث سنوات.
السنة الأولى منها: قتل الإمام الحسين(عليه السلام)، وأبناءه، وأبناء أخيه الحسن(عليه السلام)، وأخوانه من الإمام علي(عليه السلام)، وسبي بنات رسول الله صلّى الله عليهم أجمعين.
وفي السنة الثانية: استباح فيها مدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقتل فيها من قتل، واستعبد فيها الأحرار، وقتل الأطفال، وبقر بطون الحبالى، وفضَّ جيشه بكارات العذارى، في وقعة (الحَرَّة) الشهيرة.
وفي السنة الثالثة: حارب عبدالله بن الزبير في الكعبة المشرفة، فأحرقها، وهدمها.
قال ابن الأثير في (الكامل)، في أحداث سنة ست وخمسين، من الجزء الثالث قال:
"وفي هذه ـ السنة ـ بايع الناس يزيد بن معاوية بولاية عهد أبيه، وكان ابتداء ذلك وأوّله من المغيرة بن شعبة. فإنَّ معاوية أراد أنْ يعزله عن (الكوفة)، ويستعمل عوضه سعيد بن العاص، فبلغه ذلك، فقال: الرأي أنْ أشخص إلى معاوية، فاستعفيه، فيظهر للناس كراهتي للولاية، فسار إلى معاوية، وقال لأصحابه حين وصل إليه: إنْ لم أكسبكم الآن ولاية وأمارة، لا أفعل ذلك أبداً".
ومضى حتى دخل على يزيد ـ قبل دخوله على معاوية ـ وقال له: إنَّه قد ذهب أعيان أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) وكبراء قريش، وذوو أسنانهم، وإنما بقي أبناؤهم، وأنت من أفضلهم، وأحسنهم رأياً، وأعلمهم، بالسنّة والسياسة، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أنْ يعقد لك البيعة! قال ـ يزيد ـ: أوَترى ذلك يتم؟ قال: نعم".
"فدخل يزيد على أبيه، وأخبره بما قال المغيرة، فأحضره وقال له ما يقول يزيد؟ فقال: يا أمير المؤمنين قد رأيت من سفك الدماء، والاختلاف بعد عثمان، وفي يزيد منك خلف، فاعقد له، فإنْ حدث بك حادث كان كهفاً للناس، وخلفاً منك، ولا تكون فتنة! قال: ومن لي بهذا؟".
"قال: أكفيك أهل (الكوفة)، ويكفيك زياد أهل (البصرة)، وليس بعد هذين
المصرين أحد يخالفك. قال: فارجع إلى عملك وتحدث مع من تثق إليه في ذلك، وترى ونرى".
"فودّعه ورجع إلى أصحابه فقالوا: مه؟ قال لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمة محمد، فتقت عليهم فتقاً لا يرتق أبداً".
واستطرد ابن الأثير قائلا: "وقيل: أرسل ـ المغيرة ـ أربعين رجلا، وجعل عليهم ابنه عروة، فلما دخلوا على معاوية قاموا خطباء فقالوا: إنما أشخصهم إليه النظر لأُمة محمد. وقالوا: يا أمير المؤمنين كبرت سنك، وخفنا انتشار الحبل، فانصب لنا علماً، وحدَّ لنا حدّاً ننتهي إليه! فقال معاوية: أشيروا عَليَّ.
"فقالوا: نشير بيزيد ابن أمير المؤمنين. فقال: أوَ قد رضيتموه؟ فقالوا: نعم. قال: وذلك رأيكم؟ قالوا: نعم ورأي مَن ورائنا. فقال معاوية لعروة سراً عنهم: بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ا قال: بأربعمائة دينار. قال; لقد وجد دينهم عندهم رخيصاً" (انتهى).
وذكر المسعودي في (مروج الذهب، الجزء الثالث)، في شأن هذه البيعة قال:
"ثم قال رجل من الأزد ـ ارتقى منبر معاوية ـ فأشار إلى معاوية، وقال: أنت أمير المؤمنين، فإذا مِتَّ فأمير المؤمنين يزيد، فمن أبى فهذا وأخذ بقائمة سيفه فسلّه".
"فقال معاوية: أقعد فأنت أخطب الناس".
هذا نزر يسير في كيفية البيعة ليزيد بن معاوية، وقد اكتفينا بذكره حيث أنّ ما فعله معاوية من أجل إتمام هذه البيعة وإمضائها، ليس بالقليل، وليس بالسهل اليسير، ومن أراد الزيادة والوقوف على هذه الأعمال، فليراجع ذلك في محله حتى يرى الأهوال في كيفيّة عقد البيعة، وإتمامها.
هكذا انعقدت البيعة ليزيد بن معاوية، وبهذا الشكل المروِّع، وبهذه الكيفية من شراء الضمائر والأديان، تمّت البيعة له، ووضع على صدور المؤمنين.
فمع ذلك، ومع علم ابن عمر به، فقد سارع بالبيعة له من اليوم الأول الذي بلغه فيه هلاك معاوية، والبيعة ليزيد، ولم يتهمّل حتى يرى رأي المسلمين فيها، هل سيرضى كلُّ المسلمين بها فيبايعه، أم إنهم لا يرضون بها كلهم، فيقعد عنها، كما قعد عن بيعة أمير المؤمنين(عليه السلام).
ومن الثوابت التاريخية التي لا مجال للشك فيها أنَّ سادات المسلمين، ومن وعى في الأمة الإسلامية، امتنع عن البيعة ليزيد، ولم يرضوا بها، ومن رضي بها من تلك الأمة، إما لحبه للدنيا، أو إنّه حمل عليها قسراً.
فالإمام الحسين(عليه السلام) وهو من أعالي سادات المسلمين، رفض تلك البيعة، ونقم عليها، وكذلك أهل بيته، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن الزبير، ومن معه من أهل مكة، وكذلك أهل الكوفة، وأهل البصرة، والعقلاء من المدينة، وخلق كثير مما لا يحصيهم إلاّ الله، سبحانه وتعالى.
كلُّ هؤلاء قعدوا عن بيعة يزيد، بل رفضوها أشدّ الرفض، وأعلنوا رفضهم لها، بكل صراحة، ورفعوا أصواتهم بالتنديد بها، وأسلحتهم لمحاربتهم، ولم يبايعه إلاّ من كان مكرهاً على ذلك، أو مغفلا لا يستطيع أنْ يميز بين الحق والباطل. ولا بين الناقة والجمل!
فمع ذلك، لم يتمهل ابن عمر في قبولها، والدفاع عنها، دونما روية منه، قال ابن الأثير في (الكامل، الجزء الثالث)، وكذلك الطبري في (تاريخه) من الجزء الرابع عن الواقدي، قالا ما محصله:
"وقيل إنّ ابن عمر كان هو وابن عباس بمكة، فعادا إلى المدينة، فلقيهما الحسين، وابن الزبير، فسألاهما ما وراؤكما؟ فقالا: موت معاوية وبيعة يزيد. فقال ابن عمر: لا تفرقا جماعة المسلمين!" (انتهى).
فهل يمكن اعتبار القعود عن بيعة يزيد تفريقاً لجماعة المسلمين، والقعود
عن بيعة الإمام علي(عليه السلام) غير ذلك؟ سؤال نوجهه إلى ابن عمر في عالم البرزخ، أو نوجهه إلى أصحاب العقول النيّرة ليجيبوا عنه.
لا شك في أنَّ ابن عمر كانت له علاقات حميمة مع ملوك وأمراء بني أمية، فكانوا يرسلون إليه الجوائز، والهدايا، وغيرها من أنواع العطايا، في مناسبة، وفي غير مناسبة، وخاصة في المناسبات السياسية الخطيرة، كالتي ذكرناها من قبل.
وهو أنّه قبل جائزة معاوية، لما أراد البيعة ليزيد، وأمثال ذلك، وكان عبدالله يقبلها، ولا يرد منها شيئاً، ثم تنقل عنه الأخبار والآثار التي لو نُظر إليها بإمعان، وبعين الإنصاف، والخلوص من العصبية، لوجدناها تنصب في قالب واحد، وهو خدمة الجانب السياسي الذي انحاز إليه، سواء أكان مدحاً ودفاعاً عنه، أم ذماً في خصومهم، والطعن فيهم.
ومسألة قبول ابن عمر لجوائز الأمراء، بلا تحفّظ، مسألة لا يجهلها أحد لاستفاضة الروايات والأخبار بمضمونها، نذكر منها:
ما رواه ابن سعد في (الطبقات الكبرى) في ترجمته:
"حدثنا حمّاد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن مينا: أنَّ عبدالعزيز بن مروان ـ ابن الحكم الأموي ـ بعث إلى ابن عمر بمال في الفتنة فقبلها".
وروى ابن سعد بسندآخر، عن نافع مولى ابن عمر قال: "كان يرسل إلى ابن عمر بالمال فيقبله، عن نافع أيضاً قال: كان المختار ـ ابن عبيد الله الثقفي ـ يبعث بالمال إلى ابن عمر فيقبله، ويقول: لا أسأل أحداً شيئاً، ولا أرد ما رزقني الله!".
وذكرنا قبل ذلك رواية ابن كثير التي ذكر فيها "أنّ معاوية بعث إليه بمائة ألف لمّا أراد أنْ يبايع ليزيد، فما حال عليه الحول، وعنده منها شيء".
وكذلك ما رواه ابن الأثير في الرواية السابقة: "وعزم معاوية على البيعة
لإبنه يزيد، فأرسل إلى عبدالله بن عمر بمائة ألف درهم فقبلها".
ومن ثم فلا ريب في أنه كان يقبل جوائز الأمراء والسلاطين، بلا تحفّظ في وقت الفتن والخلافات السياسية، وهذه المسألة من المسائل المعلومة والمسلّم بها عند أصحاب السير، والتواريخ.
والواقع إنَّ قبول علماء الدين الهدايا، والجوائز، من الأمراء المتهمين بالفساد، والمعروف عنهم استهتارهم بالقيم الإسلامية، ويكون عرضة للوقوع في شباك سياستهم الخادعة، بالإضافة إلى المخالفة الصريحة لقوله جلّ شأنه: (وَ لاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَـلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَ مَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ )(1).
روى صاحب (تفسير البرهان)، وفي تفسير هذه الآية الشريفة، عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: "الرجل يأتي السلطان، فيحب بقاءه إلى أنْ يدخل يده في كيسه، فيعطيه".
وبلا شك إنَّ النفس البشرية تميل إلى من يعطيها، فتكون المودة والولاء، فضلا عن الركون المنهي عنه الذي هو أقل درجة من درجات الموالاة.
وقبول عطايا الولاة الظلمة، اعتراف وإقرار بولايتهم، وهذا يعني مشاركته في كل إثم يرتكبونه، وفي كل معصية يأتون بها.
في (الطبقات الكبرى) من الجزء الرابع، قال ابن سعد:
"أخبرنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي أنّ ابن عمر قال: لقد بايعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) فما نكثت ولا بدلت إلى يومي هذا، ولا بايعت صاحب فتنة، ولا
1) هود: 113.
أيقظت مؤمناً من مرقده".
هذه الرواية صحيحة السند إلى ابن عمر بالاعتبار الخاص. وأقصد بالاعتبار الخاص هنا هو أنّ السند صحيح بحسب اعتبار أهل الجرح والتعديل، كالذهبي، ومن نهج نهجه، ولولا هذا لما تناولت هذه الرواية بالبحث والتحليل لما تنطوي عليه من أمور خطيرة في الدين، لا أعلم كيف يغفرها الله سبحانه وتعالى.
ذكرنا في أول البحث أنَّ عبدالله بن عمر مات سنة أربع وسبعين من الهجرة النبوية الشريفة، وذلك في خلافة عبدالملك بن مروان، وحينئذ يكون قد عاصر كلاّ من خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، ويزيد، ومروان بن الحكم، وعبدالملك بن مروان.
وذكرنا أنّه بايع لكل هؤلاء الولاة، ولم يتخلف عن بيعة أحد منهم إلاّ عن بيعة أمير المؤمنين(عليه السلام).
فقد بايع لأبي بكر، وعمر، وعثمان، ثم قعد عن بيعة علي(عليه السلام)، ثم بايع لمعاوية، ومن بعده بايع ليزيد بن معاوية، ثم بايع لمروان بن الحكم، ومن بعده بايع الحجاج بن يوسف الثقفي الملعون، لعبدالملك بن مروان.
وقد جاء في بعض الروايات أنَّ الحجاج بن يوسف الثقفي، السفاح المعروف، لما أراد أنْ يأخذ البيعة لعبد الملك بعد هزيمة عبدالله بن الزبير، وقتله، وهدّم أجزاءً من الكعبة المشرّفة، مدَّ لابن عمر رجله ليأخذ البيعة منه، فبايعه عبدالله بن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، على هذا الحال المؤسف المخزي.
على كل حال فقد بايعه سواء صحّت رواية مبايعة الحجاج له برجله، أم لا.
فياليت ابن عمر بايع أمير المؤمنين(عليه السلام)، وقاتل معه، واستشهد تحت رايته الشريفة الطاهرة، كعمار بن ياسر، وغيره ممن شُرفوا في دنياهم وأخراهم، وفازوا بسعادة الدارين، لأنَّ من يأبى الذلّ، لا يُذل، ومن يرضى بالهوان، يهن، ومن لم
يرضى بالحق، رضي بالباطل.
نعود إلى ما نحن في مقام بحثه، فنقول: إنَّه لا مناص من حمل قوله: "ولا بايعت صاحب فتنة" إلاّ على الإمام علي(عليه السلام) لأنَّه، وكما ذكرنا لم يقعد عن بيعة أحد، إلاّ عن بيعته(عليه السلام).
وبذلك يكون قد رمى الإمام(عليه السلام) بأنّه صاحب فتنة! وهذا يتعارض كل التعارض والنصوص القطعية القرآنية، والروايات المستفيضة، عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، والتي لا يمكن أنْ يساورنا الشك في أنها قد طرقت مسامعه، فلا شك أنّه قرأ قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(1).
فأهل البيت المعنيون في الآية الكريمة، قد بيّنهم الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)وعيَّنهم. وهذا البيان هو من خصائصه(صلى الله عليه وآله) كما بيّن ذلك الحق، تبارك وتعالى: (وَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ فَسْـَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَـتِ وَ الزُّبُرِ وَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )(2).
وقال: (وَ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَـبَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَ هُدًى وَ رَحْمَةً لِّقَوْم يُؤْمِنُونَ )(3).
فقد بيّن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) بحكم وظائفه المكلف بأدائها، مصاديق أهل البيت(عليهم السلام)، وبيَّنهم للناس في أكثر من موضع، وفي أكثر من مناسبة، فأحصاهم، وعدّهم عدّا، وهم كما جاء في الروايات الشريفة هم: رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وعلي،
وفاطمة، والحسن، والحسين، عليهم جميعاً سلام الله، وصلواته، وتحنناته، ورحماته، وبركاته.
إنَّ الله، سبحانه وتعالى، هو الحق، والله هو خالق كل الموجودات، فالموجودات وجدت بالحق، ومن الحق، وبقاؤها بفيوضات الحق، تبارك وتعالى.
ولما خلق الله سبحانه وتعالى عباده، ما أراد منهم سوى عبادة الحق (وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الاِْنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(1)ومن أعالي ما يتعبد به لله، وذروة سنام دينه، تبارك وتعالى، هو التقرب إليه بمقارعة أعداء الحق، ومقارعة أهل الضلال والفساد، الذين لا همّ لهم سوى ملذاتهم الذاتية، وشهواتهم الشخصية، وترفهم المضيع لحقوق غيرهم، سواء أكان هؤلاء من عوام الناس، أم من حكامهم، ووجهائهم.
ولكن الخطر يزداد على البشرية والأديان، إذا كان أعداء الحق هم الحكام والولاة، فإنّهم في هذه الحالة يكون عملهم مضاداً لعمل الأنبياء، فالأنبياء والرسل، صلوات الله عليهم أجمعين، عملهم هو سياقة الناس إلى الرحمن، تباركت أسماؤه، أما حكام الجور، وولاة الفساد، فعملهم سياقة الناس إلى الشيطان لعنه الله، ولعن مَن تابعه!
ولكي يسير العالم وفق ما أراده الله، قضى ألاّ تقرّ عينه على كظة ظالم، وألاّ تهدأ أنفس وتطمئن في جوار الطغاة الأشرار، ولذلك قال الإمام الحسين(عليه السلام): "إنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برما".
فالمؤمن الذي يعرف الله، ويعرف حقه، يعرف جيداً أولياء الله، فيواليهم،
1) الذاريات: 56.
ويعرف أعدائه فيعاديهم.
فسعادة الدنيا والآخرة لا تكون إلاّ مع أهل الحق، ولا تكون إلاّ في مقارعة الطغاة، وأعداء الله.
فالحياة لا تكون حياة إلاّ إذا عاش الإنسان فيها كريماً حراً، ولا يكون الإنسان كريماً حراً إلاّ إذا كان مع أهل الحق، في مواجهة أهل الباطل، قال تعالى: (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ى وَأَنَّهُو إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ )(1).
فما يدعو إليه الرسول هو الحياة; الحياة الحرة، الحياة الكريمة، الفاضلة، لأنّ ما يدعو إليه الرسول، هو الحق، والحق هو شرف الدنيا والآخرة، وعزّهما، ولا عزيز إلاّ من اعتزّ بالله، واعتصم بأوليائه الذين جعلهم وجوهاً للحق المتمثل في البشر فقال(صلى الله عليه وآله): "الحق مع علي، وعلي مع الحق"، والمعنى أنّ الحق لا ينفك عن علي، وعلي لا ينفك عن الحق" فمن كان مع الحق كان مع علي، ومن كان مع علي كان مع الحق.
وقال(صلى الله عليه وآله): "يا علي من فارقني فقد فارق الله، ومن فارقك يا علي فقد فارقني"، وقال: "القرآن مع علي، وعلي مع القرآن".
فعلي(عليه السلام) كان بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وجهاً من وجوه الحق، ومثلا له، لأنّه كان قرآناً بشرياً، كما قال الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله): "القرآن مع علي، وعلي مع القرآن".
فأبو ذر(رضي الله عنه) مثلا، كان من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام) والموالين له، عاش كريماً، حراً، شريفاً، ومات كريماً، حراً، شريفاً، لأنّه تشرف بالانتساب إلى الحق، وكذلك عمار بن ياسر(رضي الله عنه) استظل بظل راية الإمام(عليه السلام)، وكان من الموالين له، ولذلك عاش مجاهداً أبياً، ومات مجاهداً أبياً.
1) الأنفال: 24.
فأصحاب الإمام(عليه السلام) لما والوا الحق، ورفضوا الظلم بكل أبعاده، وأشكاله، عاشوا شرفاء، وماتوا شرفاء، وفازوا بسعادة الدارين.
وأما من تخلّف عن بيعته(عليه السلام)، ورضي ببيعة معاوية ويزيد، وقعدوا عن مقارعة الظالمين والمفسدين، سلطهم الله عليهم، فأساؤوا إليهم.
فالظالم لا يعرف إلاّ نفسه، فكل من يقربهم الظالم إليه ليس حباً أو ولاء لهم، ولكن تقريبه لهم لما يمكن أنْ يستفيده منهم، وبعد أن يستنفذ طاقاتهم وقدراتهم، يتخلى عنهم، وينقلب عليهم، وأكبر مثال لذلك هو عبدالله بن عمر، فبعد أنْ نصر بني أمية، وعاش مدافعاً عن دولتهم، وقعد عن بيعة أمير المؤمنين(عليه السلام) ولم يحارب معهم الفئة الباغية، حصد نتاج عمله، وأبدى الندامة والحسرة، لأنه لم يقاتل مع أمير المؤمنين(عليه السلام) الفئة الباغية، وذلك لمَّا رأى منهم الصدود والهجران، والكلمات القاسية التي كان لا يتصوَّر أنْ يُخاطب بها، وتعدى استهانة الأمويين به إلى أنْ قتلوه كما ذكرت الروايات.
قال ابن الأثير في (الكامل) في أحداث سنة (ثلاث وسبعين) قال:
"وفي هذه السنة مات عبدالله بن عمر بمكة، ودفن بـ (ذي طوى)، وقيل بـ (فخ)، وكان سبب موته أنّ الحجاج أمر بعض أصحابه بضرب ظهر قدمه بزجِّ رمح مسموم، فمات منها. وعاده الحجاج في مرضه فقال: من فعل بك هذا؟ قال: أنت لإنّك أمرت بحمل السلاح في بلد لا يحل حمله فيه" (انتهى).
فهذه نتيجة حتمية لعبدالله بن عمر، لأنّه كان أحد المثبتين لدعائم الحكم الأموي، وعندما لم يجدوا منه منفعة مرجوة، قتلوه بهذه الطريقة المؤلمة.
إضافة إلى ذلك إنّه كان يرى الكعبة المشرفة، التي هي شرف المسلمين وقبلتهم، تحرق وترجم بالمنجنيق من قبل الحجاج بن يوسف الثقفي، ولا يستطيع أنْ يحتج، ولو بكلمة واحدة!
إنَّ هذه النهاية المؤسفة والمؤلمة، ما كان ينبغي أنْ تليق بعبدالله بن عمر كما لا تليق بأي مسلم آخر، ولذلك كان يكثر من التأسف، وإبداء الحسرة والندامة، على أنّه لم يقف موقفاً شجاعاً، تجاه الفئة الباغية، الظالمة، التي أذاقت المسلمين ويلات ظلمهم وفسادهم. وقد روى الحاكم عن الزهري، عن حمزة بن عبدالله بن عمر، أنّه بينما هو جالس مع أبيه، إذ جاءه رجل من أهل العراق، فقال:
"يا أبا عبدالرحمن إنّي والله لقد حرصت أنْ أتمسّك بسمتك، وأقتدي بك في أمر فُرقة الناس، وأعتزل الشر ما استطعت، وإنّي أقرأ آية من كتاب الله محكمة، قد أخذت قلبي، فأخبرني عنها قول الله عزوجل: (وَ إِن طَـائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الاُْخْرَى فَقَـتِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ..)(1)، أخبرني عن هذه الآية، فقال عبدالله بن عمر: مالك ويلك! إنصرف عني، فانطلق حتى توارى عنّا سواده. وأقبل علينا عبدالله بن عمر فقال: ما وجدت في نفسي من شيء، ما وجدت في أمر هذه الآية إنّي لم أقاتل الفئة الباغية كما أمرني الله عزوجل".
وروى ابن عبدالبر في (الاستيعاب) بسنده عن ابن عمر أنّه قال: "ما آسي على شيء إلاّ أنني لم أقاتل مع علي الفئة الباغية".
وذكر في رواية أخرى: "أنْ لا أكون قاتلت الفئة الباغية، على صوم الهواجر".
هكذا كان الاغتيال هو نهاية عبدالله بن عمر على أيدي من ثبّت دعائم حكمهم، وناضل وناصب العداء لأهل المدينة، من أجل دولتهم، ومن ثم يتضح بصورة جلية أنّ لواء الغدر الذي ينصب يوم القيامة، لا ينصب إلاّ لمن خلع، أو قعد عن بيعة أهل الحق، حيث لو كان هذا اللواء ينصب لمن خلع يزيد، أو من هم على
1) الحجرات: 9.
شاكلته، ولذلك تأسف عبدالله بن عمر وأظهر الحسرة والندامة، على عدم محاربته أهل البغي.
وعلى كل حال إنْ كانت حسرته وندامته بعنوان التوبة أمر بينه وبين الله، سبحانه وتعالى، إن شاء عاقب، أو شاء عفى، فهذه المسألة لا تخصنا حيث أنَّ الذي يخصنا هو أنّ عبدالله بن عمر لا تصح متابعته في رواياته، وفتاويه، أو أعماله التي لها تعلق بالسياسة، وأمور الناس.
ولد في السودان فى أوائل الستينات، وترعرع في أسرة سنية المذهب، واصل دراسته حتى تخرج سنة 1988م من جامعة القاهرة في الخرطوم.
خاض مع جملة من أصدقائه رحلة بحث فكرية، انتهت بهم إلى شواطىء الولاية لأهل البيت(عليهم السلام)، وكان ثمرة تلك الرحلة ـ بحسب تعبيره ـ هي الاكتشاف الكبير الذي أماط اللثام لا عن الحقيقة ولكن عن الأعين التي كان قد أعماها التقليد، وحجبها الموروث عن الإبصار.
يقول الأخ محمد علي: "كان التناقض واضحاً بين المعلومات الأولية التي نفذت إلى ذهني قبل مرحلة المدرسة والتي كان منها التقدير والتقديس للأولياء والصالحين وبين تلك التي زودتني بها المناهج الدراسية، ومن بعدها الجماعات الدينية السلفية التي كانت ترى كل ذلك شركاً وخرافات.
فلهذا تراكمت عندي أسئلة حيرى لا تنتهى واجابات يناقض بعضها بعضاً، فكنت لا انتقل من مرحله دراسية إلى أخرى إلاّ وازداد حيرة وضياعاً، وكلما كانت تزداد حصيلتي من المعلومات الدينية كنت أزداد معها تمزقاً في سريرتي".
ويضيف: "فلم أجد ملاذاً بعد أن أعيتني الحيرة واشتبهت على الأمور سوى الانتماء إلى الجماعة السلفية، وكان ذلك في المرحلة الثانوية، حيث يكون الشاب متنازعاً بين عدد من محاور الاستقطاب الفكري والسياسي...
وفي هكذا اجواء تسنى لي أن اتعرف على جماعة من الوهابيه فكنت اتردد معهم على المركز العام للجماعة، وهكذا تبينت معظم أفكارهم وعقائدهم، لا عن قناعة ولكن بحكم التوافق الاجتماعي وعامل الحشد، لأنّ معهم لا مجال للتفكير ولا دور للعقل بل عليك أن تسلّم بما يقولون.
فاستمرت علاقتي بهم فترة قصيرة، بدأت أشعر بعدها بالضياع من جديد، وانتابني احساس بأن المفاهيم التي اتلقاها منهم ناتجة عن فهم قشري للعبادة والاحكام الشرعية، وأن عبادة الله مع هؤلاء ليست إلاّ طقوس منضبطة شكلاً وفارغة من حيث المضمون، فلهذا بادرت إلى مفارقتهم وقطعت كل صلة لي بهم.
ومع الأيام كانت الحيرة تتفاقم والشك يتمدد في النفس على حساب كثير من المسلمات الهشة التي لا أساس لها إلاّ في العواطف الساذجة والقداسات المزعومة.
وكانت النتيجة أن فقدت الثقة بكثير من الاطروحات الدينية السائدة، واقبلت على حياة الشباب بعيداً عن قيود الدين. وهذا ما يحدث في الغالب مع اكثر الذين خاضوا تجربة الدين على النمط السلفي، ما لم ترتبط مصالحهم بالجماعة، عندئذ يكون الانتماء بدوافع غير دينية ويكون خطر الجماعة على المجتمع وخاصة الشباب عظيماً".
التحق الأخ محمد علي سنه 1983م بكلية الحقوق في فرع جامعة القاهرة في الخرطوم، وواجه فيها تيارات فكرية وسياسية متعددة، لكنه توخى الحذر في التعامل معها جميعاً.
فكان يتردد على أركان النقاش ويتجول بين الصحف ويسمع ويقرا للجميع، فلما احاط علماً بتيارات الساحة قرّر أن يلتحق بالحركة الإسلامية السودانية.
ومع انتصار الثورة الإسلامية في إيران لفت هذا الحدث انظار الحركيين في العالم السني إلى التشيع كمنهاج ديني ثوري قادر على قلب موازين الصراع الحضاري على مستوى العالم، فنشأ بين الطلبة نوع تعاطف مع هذه الثورة وقد اسهمت حالة التسامح الفكري داخل الاتجاه الاسلامي فى تعزيز هذه الاتجاهات والميول.
يقول الأخ محمد علي: "في فبراير من عام 1986م، بينما كنا في "الجبهة الاسلامية" نعد العدّة للانتخابات التشريعية، وقعت أحداث دامية بالجامعة أثر مشكلة افتعلها اليساريون، فتعرضت لإصابة كادت أن تؤدي بحياتي، فلهذا تقرر أن انتقل من الخرطوم إلى موطني في الشمالية وهناك شاركنا في قيادة الحملة الانتخابية للجبهة".
يقول الأخ محمد علي: "كان معي في تلك الفترة أحد أقدم أصدقائي وكان على اتصال بمجموعة الثقافة الشيعية بالجامعة، فتعرف منهم على بعض ملاحظات الشيعة على التاريخ الإسلامي، ولهذا تشكلت لديه بعض القناعات التاريخية
الخاصة، وكان يود أن يخبرني بما توّصل اليه من نتائج، لكنني كنت في ظروف لم تسمح لي التفرغ للاستماع إلى ما توصل إليه.
وانتهت الانتخابات بفوز مرشحينا، ففرحت بذلك فرحاً شديداً، لكن لم تدم نشوة النصر طويلاً، لأنني كنت على موعد مع صديقي حتى يطلعني على بعض النتائج التي توصل اليها نتيجة لبحوث أجراها في التاريخ الإسلامي، وما احدثته تلك النتائج من اهتزاز في بعض مسلماته التاريخية.
وعند اللقاء افتتح حديثه بالكلام عن تعدد المذاهب في ظل الاسلام ونشأتها وما يتصف به بعضها من قوة أو ضعف، فعرفت من طريقة كلامه أنه يمهد للدخول في موضوع ربّما يكون به شيء من الغرابة.
وبالفعل فقد تطرق إلى الفتن التي تلت عهد الرسالة، وأخذ يضع جملة من الاستفهامات حول الواقعة وأسبابها واطرافها ونتائجها والمسؤول عن تبعاتها والدماء التي أهدرت فيها و...
فقلت له وقد غشيتني سحابة من الكآبة: يا أخي ما لنا وفتح ملفات كهذه، وأي نفع يأتي من ذلك، أليس حرياً بنا أن ننظر إلى الجوانب التي نفهمها من حياة الصحابة وندع تلك التي تستعصي على أفهامنا لأهلها؟
فقال: ولكن لو كنت تعلم أنّ انقساماً كبيراً وقع بين المسلمين نتيجة لتلك الأحداث أصبحوا بمقتضاه مذاهب شتى، لا تعدو مذاهب أهل السنة التي ننتمى اليها أن تكون بعضها، لعرفت عندئذ أن تلك الوقائع لم تقتصر آثارها على وقتها وأهلها وحسب، ولكنها امتدت إلى وقتنا هذا، ولا زال الشيعة، وهم قطاع من المسلمين لا يستهان به، ينتصرون للإمام عليّ في كل خلافته التاريخية...
قلت لصاحبي وقد بلغ الغضب منّي كل مبلغ:... هذه الموضوعات التي تريد
بحثها، دع أمرها للعلماء الذين يعلمون أكثر منا حقيقة هذه الشبهات التاريخية... وانني لأن أنفي وقوع تلك الفتن تاريخياً وانسب الكذب للمؤرخين أهون عندي من أن ادين صحابياً.
فلاذ صاحبي بالصمت، لا أدري إذا ما كان صمته اقتناعاً بما قلته أم مداراة لي وتاجيلاً للنقاش".
يضيف الأخ محمد علي: "ثم عدنا إلى العاصمة، وهناك صادف أن التقيت بالمجموعة التي كانت تهتم بالشيعة، والفيت أنهم يصرون على أن هناك حلقات مفقودة في التاريخ الإسلامي الذي يجب أن يقرأ بعيداً عن العواطف والآراء المسبقة، فدارت بيني وبينهم حوارات عديدة، حتى تبين لي أنني بحاجة ماسة إلى اماطة اللثام عما خفي عليَّ من حقائق، فقررت مع فتية امتلكوا الشجاعة الكافية أن نخوض غمار البحث وأن نستسلم لنتائجه مهما كانت قاسية ومهما اصطدمت بالموروث وتعارضت معه.
وعقدنا جميعاً العزم على مواصلة البحث والتحقيق، وكانت المشكلة الأساسية التي تعترض طريقنا هي عدم وجود المصادر الشيعية وكان بين أيدينا مجموعة من الكتيبات الصغيرة ذات الطابع الثقافي ولكنها لم تكن تفي بالغرض إذ لا تتعرض كثيراً للمسائل الخلافية.
ومرت شهور ونحن بين مندفع يريد باباً يلج منه إلى عالم التشيع وآخر يتردد في حيرته يتمنى أن لو يزول الشك عنه فيعود إلى ما كان عليه من مذهب ومعتقد. اذ ما أقسى أن تتزلزل ثوابت الإنسان وتنحل سواري يقينه وهو يبحث
عن الحقيقة ولا يجد اليها طريقا.
فحاولنا الاتصال ببعض من يحتمل اطلاعه على مسائل التاريخ والعقائد، إلا أن أحداً من الذين لجأنا اليهم لم يكن مستعداً للسماع منا والإجابة على تساؤلاتنا.
ومن ناحية أخرى فقد كنا فى حاجة إلى السماع من الشيعة والاطلاع على عقائدهم أكثر من حاجتنا لسماع خصومهم.
وفي تلك الفترة تنبهنا عن طريق بعض الكتيبات الشيعية التي كان طابعها ثقافيا وتربوياً إلى جهلنا بجانب كبير ومضىء من التاريخ الاسلامي يمثله رجال ونساء ولِدوا من رحم الرسالة وتفرعوا عن شجرة النبوة ونشأوا في مهبط الوحي، رجال طالما نشدناهم وبحثنا عنهم، يقيناً من أن الرسالة لابد لها من أمثالهم، وعندما غيبتهم عنا المؤامرة قمنا بإسقاط خصائصهم على غيرهم، وتوسمنا العصمة في من تعوزه العدالة، والعلم فيمن اعماه جهله.
ياله من وهم نسجناه على منوال اسلافنا ورحنا نقدسه تديُّناً ووفاء.
تلك الكتب كانت نوافذ فتحتها الأقدار لنا على أفق جديد من آفاق المعرفة والرشاد فكان لابد لنا أن نمضي قدماً لاستكشاف المجهول وازالة الحجب التي اسدلها المضلون على وجه الحقيقة".
يقول الأخ محمد علي: "وهنا كانت الحاجة ملحة إلى من يمسك بأيدينا ويكون دليلاً لنا فى متاهات التاريخ ومنعطفاته، فتوجهنا إلى المولى جل وعلا بالدعاء ضارعين، وفي مثل وضعنا ذاك يكون الدعاء هو السبيل الأوحد للخروج
من دوامة الشك والحيرة، وأي نور يكون لنا في تلك الظلمات إن لم يجعل الله لنا نورا؟
ولم يمض إلاّ القليل حتى استجاب الله لدعائنا وجاء الفرج من حيث لم نحتسب.
ويضيف الأخ محمد علي: وهنا لابد أن أؤكد أني وحتى ذلك الوقت لم أكن أسعى لاعتناق مذهب جديد أو للتخلي عن ثوابت المذاهب السنية في العقائد والفقه والتاريخ، وكل الذي أردته هو التخلص من الشبهات التي طرأت لي بعد أن أثار الإخوة أمر الخلافات التي كانت بين الصحابة بُعيد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله).
ومن جهة أخرى اردت الحصول على المزيد من المعلومات والحقائق حول أهل البيت الذين خلت مناهجنا الدراسية من ذكرهم مع أنها حوت الغث والسمين من السِيَر والأخبار، وهذا في حد ذاته كان مثار تساؤل كبير!".
استجاب الله دعاء هذه الثلة الطيبة فقيض لهم رجلاً جاء إلى السودان من ايران يُدعى الشيخ حسين الكربلائي، وكان يرغب في التعّرف على التجربة الديمقراطية الثالثة في السودان، وتبادل الرؤى والأفكار مع بعض القادة الإسلاميين حول قضايا التحالفات والتكتلات التي كانت سمة التجربة في بدايتها.
فيقول الأخ محمد علي: "ساقت الأقدار الشيخ حسين الكربلائي إلينا فنزل بالفندق الذي أعمل به، فوجدت في نفسي رغبة في التعرف عليه، فقمت ذات ليلة بالجلوس عنده في صالة الفندق وهو يشاهد النشرة الاخبارية المسائية، فعلقت على خبر ورد بالنشرة، وكان هدفي أن استدرجه حتى أفتح معه باب الحوار، وبالفعل حدث ذلك ودار بيننا حوار هادى فبهرني سعة أفقه ودقة معلوماته، ثم خطر لي خلال حديثه أنه قد يكون شيعياً.
فسألته بعد التردد: هل انت شيعي؟ وتوقعت أن يخرجه سؤإلى عن هدوئه واتزانه، وكأني عندما سألته كنت أقول له: هل أنت زنديق؟! ولكنه أجاب ودون أن يطرف له جفن: نعم أنا شيعي.
فقلت في نفسي: سبحان الله! يقولها غير متحرج ولا متأثم، أيحسب أنه يحسن صنعا!".
ثم توجه الشيخ إلى الأخ محمد علي قائلا: وماذا تعرف أنت عن الشيعة؟
قال الأخ محمد علي: وما عساني أعرف عنهم غير مفارقتهم للسنة والجماعة وجرأتهم على الصحابة وغلوهم في تقديس الإمام عليّ.
ثم أردف: لقد اطلعت مؤخراً على آراء الشيعة ومعتقداتهم ومواقفهم من الصحابة وكنت آمل أن التقي بشيعي حتى اسأله عن صحة ما ينسب اليهم.
ويقول الأخ محمد علي: قلت ذلك وأنا أحاول جاهداً أن اخفي عنه خليطاً من الاحاسيس التي اجتاحتني في تلك اللحظة وأنا التقي وجهاً لوجه بشيعي لأنني كنت اخشى أن يثبت لي بالادلة والبراهين أن كل الأمور التي اعتقد بها ليست إلا اباطيل واوهام.
لكنني حرصت أن أبدو أمامه متماسكاً ومعتداً بانتمائي المذهبي! فالمرء مهما كان هو ابن مذهبه، وإن جاز له الاعتراف بينه وبين قومه، باهتزاز الثقة فيه فليس له أن يكشف ذلك لأهل المذاهب المناوئة! انطلاقاً من روح العصبية هذه، ثم سمحت لنفسي أن أحادثه بلهجة فيها شيء من النصح والكثير من الاستهجان، فنحن ننتمي إلى الأصل، إلى السنة والجماعة وغيرنا مفارق لهذا الأصل.
يقول الأخ محمد علي: "وكأنّ الشيخ حسين الكربلائي أدرك عمق الأزمة التي أعيشها، فتجاهل الهجوم الذي واجهته به وأخذ يحدثني عن العقل ودوره والمنهج السليم في قراءة التاريخ وخطر التعصب وخطأ التقليد في العقائد، حتى كاد ينسيني الموضوع الأساسي، وللحقيقة فقد استطاع بلباقته أن يمتص حماسي وينتزع تعصبي، فلم املك إلاّ أن أصغي إليه.
وبعد أن فرغ من حديثه حول مناهج البحث واُصول الفكر، لم يبد أي حرص على استدراجي أو تغيير قناعاتي، وكان خلاصة الحديث نصحه لي أن أبحث عن الحقيقة بتجرد وأن أحرر عقلي من إسار التقليد والموروث.
يضيف الأخ محمد علي: لم أكن أتوقع أن يكون للقائنا ذاك ما بعده، فهو نزيل بالفندق يغادره بين يوم وليلة فلا تبقى منه إلا ذكرى هذا اللقاء المثير، لذلك سألته أن يعد لي قائمة بالكتب الضرورية للبحث التاريخي والعقائدي.
فقال: هناك كتابان يعد كل منهما دليلاً كاملاً لمراجع البحث، كما يعدان من أقوى ما كتب حول الإمامة والمذاهب أحدهما (المراجعات) للسيد شرف الدين ولا اتوقع وجوده بالمكتبات السودانية، والثاني كتاب (الغدير) للعلامة الأميني وهو موجود عند مكتبة الدار السودانية للكتب.
وهكذا ودعته وقد عقدت العزم على شراء كتاب (الغدير)، ولم يهنئني المنام في ليلتي تلك، إذ كان ذهني يسترجع محاور الحوار الذي دار بيننا مرّة بعد
مرّة، وقد شغلني أمر الكتاب الذي تذكرت أنه الكتاب ذاته الذي اطلع صديقنا طاهر على أحد أجزائه فدخل وأدخلنا معه في هذه الطرق الشائكة التي لا تؤمن عقباها.
في صباح اليوم التالي وبينما كنت أتأهب للذهاب إلى المكتبة لشراء كتاب الغدير كان ساعي البريد يسلم إلى موظف الاستقبال مجموعة من الرسائل بينها مظروف مرسل عبري إلى أحد أصدقائي وكان على اتصال بمؤسسة البلاغ الإيرانية التي ترسل له كتيبات ثقافية صغيرة، غير أن الأمر كان مختلفاً هذه المرة فالمظروف أكبر من المعتاد، وكالعادة فضضت الظرف فوراً لأعرف الكتاب الذي بداخله.
وكم كانت المفاجأة كبيرة عندما أخرجت كتاب (المراجعات) من المظروف، بصراحة انتابني شيء من الخوف في تلك اللحظة، فالحدث لم يكن بكل المقاييس عادياً، في الليلة السابقة تجمعني الأقدار بعالم من علماء الشيعة وكنت من قبل أبحث عن أحد عوامهم! ثم أسمع بكتاب (المراجعات) للمرة الأولى فأجده في طريقي وأنا ذاهب لشراء الغدير! فلم يخامرني شك في تلك اللحظات أن أمرا ما له علاقة بالغيب يتحكم في إتجاه بحثنا، فليكن ذلك هو توفيق الله وهدايته التي يمن بها على من يسعى إليها (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)(1).
أخذت أتصفح الكتاب وأتنقل بين عناوينه، فما من سؤال راود ذهني قبل ذلك إلا وكان الكتاب قد تناوله بشكل أو بآخر، وكأنه كُتب لأمثالي ممن تبيّنوا، في جانب من الطريق، أن هناك سبيلاً أخرى ربما كانت هي الأقرب; بل الأصوب. عدت بالكتاب إلى غرفتي وقد توقفتْ تلقائيا كل برامجي وأعمالي، وتعطلت
1) القصص: 69.
الهموم إلا همّ واحد; هو اكتشاف الحقيقة.
شرعت في القراءة، وكأن الشيخ سليم البشري يجادل عنّي، ويطرح أسئلتي; بل يطرح ما هو أشمل وأعمق منها فيرد عليه السيد شرف الدين الموسوي بثقة العارف ويقين المؤمن، وأنا بين هذا وذاك تقذفني موجة من شك إلى أخرى من يقين ثم يحدث العكس، ويخامرني الشك حول الشيخ البشري وبساطة تعاطيه مع مناظره إذ يتنازل دون تردد عن موقفه كلما واجهه الآخر بالحجج والأدلة، وكأني وددت لو أنه يماري قليلا أو يبدي إصراراً على رأيه!! فأراجع نفسي وأقول ماذا يضير الرجل إن كان موضوعياً ومخلصاً للحقيقة؟ فهو بذاك إلى القوة أقرب منه الضعف، إذ لا يجد حرجاً في الاعتراف للطرف الآخر بقوة الحجة وسلامة الموقف وصحة المعتقد حتى ولو كان في ذلك اعتراف بالعكس.
كنت أطوي الصفحات طيا، في شبه ذهول عن الوقت وما يجري من حولي، وعندما كان وقت صلاة العصر كنت قد بلغت من الكتاب مداه وقلبت آخر صفحاته. ولقد قرأت من قبله الكثير، وتأثرت ببعض ما قرأت حتى اتخذته مرجعاً لحركتي وسكوني، بيد أن (المراجعات) كان شيئاً آخر! وساعات من نهار قضيتها متنقلاً بين صفحاته أجبرتني على العودة من أول الطريق، أرغمتني على وضع كل الماضي وكل الموروث على صدر علامة استفهام كبيرة!!
ويضيف الأخ محمد علي: والآن عليَّ أن أرى ذلك الذي أوصاني بهذا الكتاب، لأقول له إن الذي جمعني بك قد وضع بين يدي كتاب (المراجعات) الذي عهدي باسمه البارحة، فمن أنت؟ وماذا تريد؟ وكيف أتيت إلى هنا؟ ومن ذا الذي أرسلك إلينا؟ أتراك تعي أو تقصد ما تحدثه في حياتنا؟...
كل تلك الأسئلة كانت تتشابك في ذهني بينما كنت أطرق باب غرفته بيد
مرتجفة، مددت إليه الكتاب، تناوله قائلا: نعم،إنه هو، من أين أتيت به؟ فأخبرته بقصته.
ثم سألني عن رأيي فيما قرأت، فقلت له: أرجعني (المراجعات) إلى نقطة الصفر، محا من ذهني وروحي كل الماضي، فما أحوجني الآن إلى من يمسك بيدي ويخرجني مما أنا فيه، وما أحسبه إلاّ أنت.
فرد بكل تواضع: استغفر الله، وهل أنا وأنت إلا سواسية في طلب الحق والبحث عن الهدى، ومع ذلك لا بأس في التحاور والتباحث فـ (إن أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله).
عندئذ حدثته عن المجموعة التي أشاركها البحث والتنقيب عن الحقيقة، فبدا متحمساً لرؤيتهم، وكنت بدوري أتعجل لقياهم حتى أزف إليهم الأخبار الجديدة وأطلعهم على (المراجعات).
وهكذا أطلعتهم على المستجدات التي كانت في نظرهم فتحاً وتوفيقاً إلهياً، ودليلاً على سلامة التوجه واستقامة طريق البحث.
وفي أول لقاء للمجموعة مع الشيخ، كان هناك إحساس مشترك يغمر الجميع، الأحساس بآثار رحمة الله ودلائل الاستجابة للدعاء، وإحساس آخر بالألفة تجاه ذاك الرجل الذي كان بمثابة يد امتدت لغريق.
انتظمت جلساتنا معه صباحاً ومساء، طيلة شهر كامل، فتحنا خلاله كل الملفات المغلقة، تنقلنا بين أطلال الماضي وبحثنا تحت الأنقاض، أيقظنا الكثير من الحقائق النائمة في طي النسيان. تارة لا نملك إلا أن نسلم له ونوافقه الرأي، وتارة نعارضه ونقف وإياه على طرفي نقيض، ونثير الشبهات ونطرح الأسئلة. كنا، كمجموعة، نتنفق في بعض الأحيان، وأحيانا أخرى نختلف، عندما ينضم بعضنا
إلى جانبه ويعارضه الآخرون، وهكذا كانت الرؤية تزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، وقد تصدرت القضايا التاريخية قائمة الموضوعات المثارة".
يقول الأخ محمد علي: "كان الشيخ يتحاشى التطرق إلى المسائل التي من شأنها استفزاز مشاعرنا، وبالمقابل يسهب في الحديث عن أهل البيت فلا نمل ولا نسأم; بل نطالب بالمزيد، إذ كنا لا نعرف شيئاً عنهم، ومن لم يعرف أهل البيت لم يعرف شيئاً من الإسلام.
شيئاً فشيئاً بدأنا ندرك أن الكثير من الحقائق المكتشفة لا يمكن قبولها إلا بعد التخلي عن مسلمات قديمة، وأننا بصدد التوصل إلى دعائم جديدة يقوم عليها الدين، وهي أعلى وأسمى من تلك التي توهمنا أن الدين قائم بها، بتعبير آخر، لقد بتنا، على ضوء تلك المستجدات، مطالبين باتخاذ موقف فاصل، ولا مجال للتمييع.
سارع بعضنا إلى اجتياز هذه العقبة النفسية واستطاع أن يتخطى الماضي ومخلفاته، والتقليد وقيوده، فلم يعد يتردد في القبول بنتائج البحث، مهما كانت قاسية ومريرة، ولكني ومعي آخرون، توقفت كثيراً وفكرت طويلاً لعلي أوفِّق بين هذا الولاء الذي أخذ يتجذر في قلبي لأهل البيت، وبين ولاءات سابقة، انتفت عوامل بقائها، ولم يبق منها سوى بعض الرواسب النفسية. ولكن هيهات (مَا جَعَل اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)(1). ولا مكان للغير في نفس بات يعمرها الحب والولاء لأهل البيت.
في نهاية المطاف، وبعد شهر من الحوار الدائم، والتحقق من صحة الأدلة التي أوردها الشيخ في المصادر السُنية، كانت الرؤية قد اتضحت تماماً، وزالت
1) الأحزاب: 4.
الشبهات، وتخطينا الحواجز النفسية والعاطفية، ولم يبق إلا أن نتعرف إلى الدين من جديد بعد أن اكتشفنا الطريق الموصل له، وحددنا الجهة التي منها نأخذ ديننا.
عندئذ قرر الشيخ الرحيل، تاركاً خلفه خمسة مستبصرين وآخرين على طريق الاستبصار، يكونون فيما بعد نواة للتشيع في السودان، وبداية لحركة استبصار واسعة النطاق تشمل، في غضون عشرة أعوام، كافة أنحاء السودان، وتؤسس العديد من المؤسسات الثقافية التي تضطلع حتى الآن بدور مشهود في تصحيح المسار الفكري والعقائدي الذي تعرض عبر القرون لمؤامرات الطمس والتحريف".
1 ـ "ودخلنا التشيع سُجداً":
صدر في طبعته الثانية عن دار الخليج العربي للطباعة والنشر سنة 1422 هـ.
كتاب يعرض تجربة جماعية في الاهتداء إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ـ ذكرنا طرفاً منها أعلاه ـ وكذلك يبحث في الشبهات المنهجية التي تتعرض طريق هذا الاهتداء مع الجواب عليها وفقاً لما يقوله أهل البيت(عليهم السلام)، كما يبحث في الإمامة والخلافة ويعرض الحوادث التاريخية التي مرّ بها المسلمون بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله).
ويحتوي الكتاب على ستة فصول:
الفصل الأول: في الطريق إلى حصن الولاية.
الفصل الثاني: شبهات منهجية: الإمامة في القرآن، أهل البيت، الوصاية، عدالة الصحابة.
الفصل الثالث: التبشير بالإمامة مع النبوة.
الفصل الرابع: الإمامة والخلافة.
الفصل الخامس: السقيفة الحقبة الثالثة.
الفصل السادس: وعاد الأمر إلى نصابه.
تواجه الباحث السني شبهات منهجية عندما يدرس نظرية الإمامة التي يقول بها مذهب أهل البيت(عليهم السلام) إذا أراد الاقتناع بها والاعتقاد بمحتواها خصوصاً بعد الشك بما تقوله مدرسة الخلفاء في هذا المجال، وذلك لرغبة هنا ببديلا يقينياً لا تعتريه الشبهات، فتراه يعيش في صراع فكري عميق ونزاع عقائدي شديد نتيجة تراكم شبهات الباطل خلال ما يربو على أربعة عشر قرناً من عمر الإسلام.
يتعرض الكاتب في هذا الكتاب إلى قصة استبصاره واعتناقه لمذهب أهل البيت التي تقدم طرف منها، ثم يذكر بعضاً من الشبهات المنهجية التي واجهته في مرحلة التحول من المذهب السني إلى المذهب الشيعي.
ويوضح أنّ الإمامة كانت موضع اهتمام النبيّ(صلى الله عليه وآله) منذ بدء الدعوة، بل أنّ العناية الالهية كانت تهيء الإمام عليّ(عليه السلام) حتى قبل الدعوة لهذا المنصب حالها حال اعدادها للنبوة والدين الإسلامي كَكُل، فلا يستطيع أحد أن ينكر العنايات الالهية بالنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) قبل زمان نبوته، وهكذا كان الإمام عليّ(عليه السلام) محوطاً بها في ذلك الزمان أيضاً حتى قال أهل السنة: كرم الله وجهه.
ثم يستعرض الواقع التاريخي لقضية الإمامة بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) من يوم السقيفة المشؤوم إلى أيام حرب صفين، التي كانت امتداداً واحداً سعى فيه مغتصبي الخلافة وأنصارهم إلى إطفاء نور الإمامة الملازم لنور النبوة وأصل الدين.
لا يوجد في القرآن نص صريح على ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، أو آية لا يعتريها الشك في خلافة الإمام عليّ(عليه السلام)، وإنّما هناك آيات تنوه بفضلهم وتحث على مودتهم يؤولها البعض خطأ بالإمامة وولاية الأمر. ولو كان الأمر صريحاً لما اختلف إثنان فيه.
1 ـ القرآن يتحدث عن قصص الماضين للاعتبار بها في بناء الحاضر والمستقبل ولا ينقلها فقط للتسلية، والرسالات السابقة تمهيد للرسالة الخاتمة لأنّ القرآن ينظر للبشرية باعتبارها كياناً واحداً يجري على آخرها ما جرى على أولها من السنن الالهية الثابتة.
ومن هذه السنن بل من أهمها سنة الاصطفاء الالهي للقادة، حيث نلاحظ الطرق المتواصل عليها في القرآن وذلك برفع شأن ذرية الأنبياء والتنويه بهم باعتبارهم صفوة الله وخاصته وأقدر الناس على تمثيل خلافة الله في أرضه.
وأهل البيت(عليهم السلام) وإن لم يذكروا مباشرة في القرآن إلاّ قليلا، إلاّ أنّ القرآن ما ذكر غيرهم من ذريات الانبياء إلاّ من أجلهم. وإذا كان ربّ العزة قد اتخذ من آل إبراهيم وآل عمران أنبياء فقد اتخذ من آل محمد(صلى الله عليه وآله) أئمةً. والإمامة أعظم درجة من النبوة وقد نالها إبراهيم(عليه السلام) النبيّ والرسول والخليل بعد هذه الدرجات وبعد ابتلاء خاص.
2 ـ لا فرق في الأهمية بين أحكام القرآن وأحكام السنة، وقد أوكل الله إلى نبيه أمر تبليغ الكثير من الأحكام المهمة التي لا يمكن التعرف عليها من ظاهر القرآن.
وقد قام الرسول(صلى الله عليه وآله) بتفصيل كل ما ورد في القرآن مجملاً، فالصلاة ـ مثلاً ـ
ورد الأمر بها في القرآن مجملاً ولولا ما فصله الرسول من شأنها لما عرف عدد الصلوات ولا كيفية أدائها، وليس لأحد أن يقول كان ينبغي للقرآن أن يبيّن جميع تفاصيلها لأنّها عمادُ الدين، ولقد صرح النبيّ(صلى الله عليه وآله) بما لا يدع مجالاً للشك في أمر ولاية أهل البيت(عليهم السلام) وتواترت عنه الأحاديث في ذلك وتضمنتها الموسوعات الحديثية لمختلف المذاهب.
3 ـ لو أنّ الإمامة لم يقررها القرآن كسنة إلهية، ولم يدع رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى أهل بيته أئمة يهدون بأمر الله من بعده، ولو أنّ أتباع مذهب أهل البيت لم يقولوا بإمامتهم، لو أنّ كل ذلك لم يكن، لكان ضرورياً بحكم الفطرة أن نفترض ذلك النظام كما افترضنا وجود الله وترقبنا رسله، فأمر الدين لا يستقيم أبداً إلاّ بنبيّ أو وصي نبيّ، ولابدّ من قائم لله بالحجة في كل زمان كما يقول الإمام عليّ(عليه السلام) في نهج البلاغة: "لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً"(1).
الشبهة الثانية: الشورى ثابتة في القرآن والسنة كنظام للحكم والولاية بعد رحيل النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وهذا ما فهمه الصحابة من بعد النبيّ وعملوا به، فكان العهد الراشدي نموذجاً نادراً للشورى وحرية الاختيار على أساس من القيم والمصلحة العامة للإسلام والمسلمين، وهي خير من النظام السياسي القائم على الوراثة التي تعتبر من أسوأ الانظمة في التاريخ، وهذا ما توصلت البشرية إليه مؤخراً وبصورة غير مبرأة من العيوب فيما سمي بالديمقراطية.
مناقشتها: إنّ أمر الإمامة ليس مسألة توارث للسلطة أو اتباعاً لمعايير الأحساب والأنساب، بل هو إصطفاء الهي جرياً على سنة الله في الماضين التي لا تتبدل ولا تتحول، وهذا الاصطفاء له مقومات ولم يكن اختياره سبحانه وتعالى للأئمة عشوائياً، وإنّما وفق معايير التفاضل التي بينها للناس وحضهم على التنافس فيها.
1) نهج البلاغة: 97.
فكان لابد أن يكون قادة المسيرة هم الذروة في الكمال البشري، وهذه المواصفات هي مما لا يدركها في العباد إلاّ ربّهم، ومن هنا كان تنصيب أئمة البشرية وقادتها جعلاً الهياً على أساس الاجتباء والاصطفاء. وهذا لا يتعارض مع القول أن الله يؤيد أصفياءه ويعصمهم تمكيناً لهم من تبليغ رسالاته وتولي أمر عباده.
ولو أنّ الخيار كان قد ترك للناس ليتخذوا من بين أنفسهم أئمة، لاختاروا وفق معايير خاطئة ولمالت بهم الأهواء عن الحق، وحادت بهم العصبيات عن سواء السبيل.
وأما ما ادعي من شورى فهي ما أُتي بها إلاّ لتوجيه ما حصل بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)من اقصاء للخلافة عن أولي الأمر الحقيقيين، وإلاّ فهي نظرياً تحتاج إلى ولي أمر حسب القرآن الكريم، وعملياً ما كانت إلاّ تنصيب بعد تنصيب ولم يدعها الخلفاء أنفسهم.
الشبهة الثالثة: إنّ حال الأمة الإسلامية يختلف عن أحوال الاُمم من عدة جهات:
1 ـ انقطاع الوحي بعد النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله) وليس هناك أنبياء بعده فلا اصطفاء كما في الاُمم السابقة فكان لابد أن يتصدى الناس لولاية الأمر لسد الفراغ فيختاروا أحدهم لخلافة النبيّ عملا بقوله تعالى (وَ أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)(1).
2 ـ لقد بلغت الاُمة الإسلامية من النضج بحيث لا تحتاج إلى وصاية بخلاف الاُمم السابقة، والدليل هو توقف الوحي وانقطاع بعث الأنبياء.
3 ـ القرآن لا يمكن تحريفه بينما حرفت الكتب السماوية السابقة فلا حاجة إلى أوصياء يقومون الانحراف.
مناقشتها:
1 ـ إنّ اصطفاء الأئمة من آل البيت(عليهم السلام) قد تم في زمان الوحي على لسان
1) الشورى: 38.
النبيّ(صلى الله عليه وآله) أيام تنزل القرآن وبهذا الاصطفاء اكتملت الرسالة وتمت النعمة.
2 ـ ادعاء نضج الاُمة ادعاء التوى عنق الحقيقة مرات ومرات لاجل اثباته، ومع ذلك لم يثبت منه شيء، فالأمة تحتاج إلى وصي يدير شؤونها وهذا ما أثبتته الاحداث بعد وفاة النبيّ بدءاً من السقيفة ومروراً بكل الفتن التي لفّت الصحابة كقطع الليل المظلم، ومن ثم قتل ابن بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله) الحسين بن عليّ(عليه السلام) الإمام المعصوم، ومروراً أيضاً بكل عصور الجور والطغيان والفساد في القرون التالية، وانتهاء بما نحن عليه اليوم.
3 ـ نعم لم يحصل تحريف لفظي في القرآن، لكن قد حصل تحريف معنوي ناشيء عن الرأي واتباع المناهج الخاطئة في التفسير والاعتماد على الاحاديث الموضوعة والتزوير في اسباب النزول واتباع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، كل ذلك أدى إلى افراغ القرآن من محتواه فلم يبق إلاّ رسمه، والتاريخ يقول أنّ الاُمة قد ارتكبت في حق كتابها كل الذي حذرت منه، وصار الكتاب في مختلف العصور أداة طيعة بيد الطغاة وأئمة الجور يصرفون آياته وفق ما تمليه مصالحهم واهواؤهم.
وقد افترقت الاُمة إلى عشرات الفرق العقائدية والفقهية والكل يزعم صدوره عن القرآن ووروده إليه. ولقد ضلت الاُمة ـ والقرآن معها ـ يوم أن فصلت بينه وبين الثقل الآخر ـ أهل البيت ـ بينما كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) يدعوهم للتمسك بهما معاً حتى لا يضلوا.
الشبهة الرابعة: عليّ كرم الله وجهه هو الرابع في ترتيب الصحابة، ولا أحد من المسلمين ينكر فضائله، على أنّ ذلك لا يعني تقديمه على الثلاثة الأوائل (أبو بكر وعمر وعثمان)، كما أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يخصه بشيء أكثر مما خص به خلفاءه، أما ما يعتقده الشيعة في عليّ فهو غلوياً يأباه الدين، خاصة إذا عرفنا أنّ فريقاً من الشيعة يرفعونه إلى مرتبة الالوهية، حتى أنّه في أيام خلافته عاقب بعض المغالين
المؤلهين له بالاحراق بالنار.
مناقشتها: لقد نزل أتباع مدرسة الخلفاء بمقام الإمام عليّ(عليه السلام) كثيراً فجعلوه رابع الخلفاء والصحابة ولم يقبل حتى هذا أمثال ابن عمر فنزل به دون الرابع.
والواقع إنّ الإمام عليّ(عليه السلام) له من الكرامات والمناقب مما جعله أن يكون نفس النبيّ(صلى الله عليه وآله) باختيار ربّ العزة في آية المباهلة.
وأول كراماته مولده الشريف في جوف الكعبة فكان أول وآخر من يولد فيها، وقد ربّاه النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) رداً لجميل أبي طالب وفاطمة بنت أسد اللذين ربياه في صغره، وهكذا قدّر الله لعليّ أن يلازم خير خلقه ويتتلمذ لدى معلم البشرية واستاذها الأعظم نبيّه محمد(صلى الله عليه وآله)، فكان إسلامه لم يسبق بشرك كما حصل للآخرين، فكيف يقارن به غيره فضلاً عن أن يقدم عليه؟! وهو أحد الدعائم الأساسية التي قام الدين متكئاً عليها، ولكل ذلك كان تبشير النبيّ(صلى الله عليه وآله) بامامته يسير جنباً إلى جنب مع تبليغ أركان الدين الاخرى، ولذلك أيضاً ضاق المنافقون ذرعاً وحسدوه فعملوا على منع تنفيذ وصية النبي(صلى الله عليه وآله) فاستهدفوا قداسة النبيّ(صلى الله عليه وآله)أيضاً.
الشبهة الخامسة: القول بالوصية، وبموقف متميز لأهل البيت، وخلافة الإمام عليّ للرسول من دون فاصل، كل ذلك ينطوي على اتهام صريح لجميع الصحابة وقد بايعوا خلاف من استخلف نبيهم، وبالتالي الطعن في عدالة الجميع بما فيهم كبار المهاجرين والأنصار، بل والخلفاء الثلاثة.
وعدالة الصحابة ثابتة باتفاق الجميع، وقام عليها الدليل من القرآن والسنة، فلا يجوز الطعن فيهم لأنّا عرفنا الدين والحق من خلالهم.
وأضف إلى ذلك أن القدح فيهم هو قدح في امكانيات الرسول(صلى الله عليه وآله) وقدراته التربوية التي بذلها معهم، مع أنّ الثابت هو أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) أعظم مرب شهدته البشرية وأنجح معلم في التاريخ.
مناقشتها:
1 ـ لا دليل للقائلين بعدالة كل الصحابة إلاّ التأويل الخاطيء لبعض آيات القرآن وتجاهل البعض الآخر، والاعتماد على المفتريات من الروايات، وتخصيص الأحاديث التي تذكر الصفات السلبية لبعضهم والتي تتنبأ بردّة بعض وانقلابهم وانحرافهم من الخط.
2 ـ الدور المفترض للصحابة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله) كنقلة لأحكام الدين عنه إنّما يرد إذا تحقق افتراض آخر، هو وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله) دون وصية ودون تعيين لمن يشغل مكانه بعد رحيله.
3 ـ القرآن ذكر كثرة المنافقين مع النبيّ(صلى الله عليه وآله) كما سلط الضوء على سيرة أصحاب الأنبياء السابقين وذكر نقاط ضعفهم، وأورد قصصهم بتفاصيلها ليقرر حقيقة أن العدالة ليست ملازمة للصحبة، وأنّ ما جرى لأصحاب الرسل السابقين يجري مع أصحاب رسولنا الأعظم(صلى الله عليه وآله) حذوا النعل بالنعل وحذوا القذه بالقذة.
وبناء على ما تقدم نستطيع القول: أنّ الصحابة بشر اعتياديون خصهم الله بصحبة نبيّه الأكرم، فمنهم من أحسن الصحبة وأخلص الولاء، ومنهم من أضاع الفرصة منذ البداية، ومنهم نكث غزله من بعد قوة أنكاثاً.
وبالتالي ليس غريباً أن يكون المخلصون هم الأقلون عدداً، وأن تنقلب الاكثرية على الاعقاب وتتجاهل وصية النبي(صلى الله عليه وآله) أو تقوم بتأويلها بما يتفق مع مصالحها وأهوائها ثم تزعم أنها ما ارادت بما فعلت إلاّ إصلاحاً.
لقد بشر النبيّ(صلى الله عليه وآله) منذ أوائل الرسالة بإمامة الإمام عليّ(عليه السلام)من بعده، فقد أنذر عشيرته الاقربين استجابة لأمر الله فعرفهم برسالته وعرض على من يؤازره منهم أن يكون له أخاً ووصيّاً وخليفةً من بعده، فأبى القوم إلاّ علي، هنالك توجه
النبيّ(صلى الله عليه وآله) إليهم بقوله: "إنه أخي ووزيري ووصيّي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا"(1).
ومن هنا يظهر أنّ إهتمام النبيّ(صلى الله عليه وآله) بمستقبل الرسالة اقترن منذ الوهلة الأولى بالإعلان عن نبوته، ثم استمر في مختلف مراحل الدعوة إلى أن خفقت أجنحة الموت فوق رأسه الشريف، ويدل على ذلك أحاديث كثيرة منها: حديث المنزلة، وحديث الغدير، ورزية يوم الخميس، حيث أراد أن يكتب كتاباً لا تضل الأُمة بعده أبداً فمنعه عمر وقال: "انه يهجر"(2).
وبعد أن لبى رسول الله(صلى الله عليه وآله) نداء ربّه، انقلب القوم على أعقابهم واغتصبوا الخلافة والحكم، واضطر الإمام عليّ(عليه السلام) أن يساير القوم حفاظاً على أصل الدين ـ رغم مأساة السقيفة وما جرته على أهل البيت والاُمة من ويلات أولها ما أصاب الزهراء(عليها السلام) وآخرها لم ينته بكربلاء بل استمرت واستمرت إلى يومنا هذا ـ فكان يهدي الناس وهو خارج الحكم وينصح الخلفاء في مواقع الخطر على الإسلام أو في مجال تبيين أحكامه وتدعيم أركانه.
يلاحظ في هذه القضية أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) دخل فيها وهو يعلم سلفاً أنّ النتيجة محسومة لغير صالح الإسلام والإمامة، لكنه أراد أن يوضح للناس بطلان دعوى القوم، فعندما اشترط عليه ابن عوف الذي حصل على امتياز الحسم في قضية الشورى من عمر الالتزام بسيرة الشيخين رفض ذلك مبيّناً بطلان سيرتيهما، كما أراد أن يبين تناقض قول عمر وفعله، لأنّ عمر قد أهله للخلافة في قضية الشورى، وكان من قبل يقول أنّ النبوة والخلافة لا تجتمع في بيت واحد.
وبعد أن رست الخلافة بالشورى العمرية على الشاطيء الأموي خرج
عليّ(عليه السلام)، ليخاطب الناس بقوله: "أيها الناس لقد علمتم أني أحق الناس بهذا الأمر من غيري، أما وقد انتهى الامر إلى ما ترون، فو الله لاسالمنَّ ما سلمت أُمور المسلمين ولم يكن جور إلاّ عليّ خاصة إلتماساً لاجر ذلك وفضله وزهداً فيما تنافستموه من زخرف".
يلاحظ المرء عندما يطالع لأول مرّة وقائع البيعة التي تمت للإمام عليّ(عليه السلام)في أعقاب مقتل عثمان، إن الإمام قال للناس: "دعوني والتمسوا غيري، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً"، ويتساءل كيف تقول الشيعة أنّ الإمامة وولاية أمر المسلمين من مختصات عليّ وأهل بيته بالنص، وأنها لا تنبغي لغيرهم، بينما يرد الإمام عليّ الأيدي التي امتدت لتبايعه؟
وفي مقام الجواب نقول: أنّ الإمامة ـ كما تقدم ـ لا تكون إلاّ عن طريق الاصطفاء والاجتباء الرباني شأنها في ذلك شأن النبوة، وليس على الناس إلاّ التسليم والطاعة، ويبقى الإمام إماماً حتى وإن لم يبايعه أحد.
إذاً فالإمام عليّ(عليه السلام) كان يدفع عن نفسه الامارة والحكم لا الإمامة، فهو لم يزل إماماً واجب الطاعة منذ أن مات النبيّ(صلى الله عليه وآله)، لم يقدح في إمامته إن تولى الحكم غيره، ويذهب البعض إلى أنّ علياً(عليه السلام) إنّما تمنّع أول الأمر حتى يلتف الناس حوله مع علمه أنهم غير تاركيه، ولو تركوه بناءً على طلبه "دعوني والتمسوا غيري" لا سقط في يده.
ونقول: إنّ مثل هذه المناورات والأساليب السياسية قد تصدر عن غيره(عليه السلام)، أما أن تصدر عنه، فذاك ما يأباه المبدا الذي أقامه الإمام عليّ(عليه السلام) وسار عليه، ولو كان مناوراً لما ردّ الشروط التي أملاها عليه عبد الرحمن بن عوف من داخل الشورى العمرية، بل لوافق عليها وتسلّم ـ بالتالي زمام الإمارة، وما كان لأحد بعد
ذلك ان يسأله عن سيرة الشيخين التزم بها أم لا.
والحقيقة إنّ الإمام عليّ(عليه السلام) كان صادقاً مع نفسه ومع الناس إذ قال: "دعوني والتسموا غيري" لأنه أعطى تبريره لهذا الموقف بقوله: "إنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت، والمحجة قد تنكرت".
وقد كان(عليه السلام) خبيراً بما انطوت عليه نفوس القوم من الشبهات والاحقاد والأطماع، كما أن المتغيرات التي طرأت على الدولة الإسلامية في سائر نواحيها ـ خلال حكومة الثلاثة ـ كانت من السعة بحيث لا يمكن لعليّ(عليه السلام) ازالتها إلاّ بقرارات ومواقف حاسمة لا تقوم لها القلوب ولا تركن لها النفوس، وهو من جانبه لا يرضى أن يقرّ أوضاعاً لا تمت إلى الدين بصلة.
وفي ذات الوقت كانت ثقته بمن حوله ضعيفة ولا يأمن غوائلهم ولا يضمن مساندتهم له إذا ما قام بحركة اصلاحية كبيرة تعيد الوضع إلى سابق عهده أيام رسول الله(صلى الله عليه وآله); كما برهنت عليه الأحداث فيما بعد.
لكن الإمام عليّ(عليه السلام) تحت إلحاح الناس واجتماعهم عليه نهض بالأمر، وفي ذلك يقول: "أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لو لا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ على العلماء ألاّ يقاروّا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت اخرها بكأس اولها ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز"(1).
بهذه الكلمات العميقة يبين الإمام الدواعي والأسباب التي حملته على التصدي للامارة والامساك بمقاليد الدولة وأزمّة الأمور، ولولاها لظلّ كما هو يؤدي رسالته إماماً شاهداً على عصره.
1) نهج البلاغة: 49.
الصورة
ولد عام 1975م في اليمن، بمدينة ذَمار، نشأ في أسرة تعتنق المذهب الزيدي، توجّه بعد الحصول على الابتدائية العامة إلى الدراسة الدينية في المذهب الذي نشأ فيه، ثم توجّه إلى العمل التوجيهي، فأصبح مبلّغاً وداعياً في الكثير من المناطق وكاتباً في عدد من الصحف المحلية.
كان دأب السيد محمد العمدي التعطش للبحث والتنقيب والاحاطة بالحقائق، فدفعه ذلك إلى غربلة معتقداته الفكرية والتخلّي عن الضعيف منها، ثم الاندفاع إلى البحث في المذاهب والتيارات الفكرية الأخرى من أجل الوصول إلى العقيدة التي تروي ظمأه الفكري.
وبذلك تراكمت عنده الاستفسارات والتساؤلات الفكرية والعقائدية، فاندفع إلى الهجرة من منطقته إلى باقي المناطق من أجل الوصول إلى الأجوبة المقنعة لاسئلته الحائرة، فالتقى بالعديد من الأدباء والشعراء ورواد الحداثة والعلمانيين و... فلم يجد بغيته عند أحد منهم، عندها فقد توازنه الروحي واعترته انتكاسات شديدة بحيث لم يجد لها حلاً سوى التوجه باخلاص إلى الله سبحانه وتعالى.
اعتكف السيد محمد العمدي متصوفاً في جامع النهرين بصنعاء ممارساً ـ كما اسماه في تلك المرحلة من حياته ـ بدء دور "النقه الروحي" ليمضي بعدها سبيله في الصراع مع أمواج أفكار العالم واطروحات صراع الحضارات!
وبقي على هذه الحالة حتى زاره أحد الأخوة من أصدقائه القدماء مستفسراً منه الحالة التي يمّر بها في تلك الفترة.
فيقول السيد محمد العمدي: "قال لي ذلك الأخ المؤمن: ما الذي أتى بك إلى هنا؟ قد سمعنا عنك أنك قد لويت عنانك لعالم الأفكار الحديثة والمنهج العلمي المادي فما أنت وهذا المكان؟!
قلت: لا عليك، أنا كما سمعت; إلاّ أنني أحببت أن أمرّ بدور "نقه روحي" لأتوثب من جديد لمواصلة طريقي في عالم الفكر الحديث وطرحه العلمي البحث (التجريبي).
قال: وما زلت في مطالعاتك كما كنت؟
قلت: لا
قال: وكيف تدير رحى "نقهك الروحي" هذا اذن؟
قلت: بما يعنيني ولا يعنيك!
قال: فهلاّ عرّجت على كتاب أو كتب للصوفية تبهج روحك وتؤنس خلوتك؟!
قلت: لي في كتاب الله سلوة وعزاء!
قال: لجدّك الإمام يحيى بن حمزة كتاب اسمه "تصفية القلوب" فلم لا تجعله مُصفّياً لقلبك؟!
قلت: ذاك كتاب قرأته منذ زمن!
قال: "فإحياء علوم الدين"
قلت: الحق أني بين الفينة والأخرى أقلّب صفحات أحد مجلداته وأقرؤها!
قال: فهل لك إلى كتاب آخر أعطيكه لترى ما فيه من تهذيب للنفس وسير بها في معارج العرفان؟
قلت: لا بأس
قال: آتيك به.
وبعد يومين أو ثلاثة جاء صديقه وأعطاه، كتاباً عرفانياً من كتب الشيعة الاثني عشرية.
يتحدث العمدي حول انطباعه عن ذلك الكتاب: "كان كتاباً عجيباً! كنت أغرق في بحوره ساعات وساعات وهو يذهب بي ذات اليمين وذات الشمال...، ومنتقى القول أنه كان عاصفة في حياتي هوجاء لا أرى مجالا متّسعاً للاستطراد في تسطيرها!
وبعدها بأيام جاءني ذلك الأخ بكتاب آخر حول جهاد النفس.
وحصلتُ بعدها على كتب أُخرى في تهذيب النفس، ويالتلك الذكريات العذبة التي ما زالت مخيّلتي تحتفظ بها عن تلك الأيّام".
ويضيف السيد العمدي: "انقضت فترة وجيزة و"غرَقي" في تلك الكتب كان قد بلغ مداه، ولما وصلتُ إلى الساحل قلت: من أين أتى كاتب تلك الكتب بما في تلك الكتب!؟
إنّه لم يكن ليأتيَ بشيء من عنده ومن جعبته الخاصة!!
كلّ ما هناك أنوارٌ وأحاديث لأهل البيت(عليهم السلام).
وأغرقتُ في التساؤل والاستعجاب!
قلت: ولكن أوليس "المؤلّف" من "الاثني عشرية" وهم من هم في مخالفتهم لعقائد "الزيدية" الحقّة!؟
وأعقبتْ ذلكم السؤال محاورات تَترى بيني وبين نفسي ومخزوني الفكري والعقائدي والمذهبي.
كانت رياح توجهّي "الحديث" حينها تصرفه عن ما هو فيه إلاّ أني كنتُ أرجعها إليه في مفارقات عدّة لا مجال لتسطيرها هنا!!
ومن ثمَّ رجعت في نهاية المطاف إلى نفسي وقلت: أولستَ قد أخذت على نفسك عهداً أن لا تدع قول فرقة في فرقة قائدك ومقنعك إلاّ بعد "فحص" ما جاء عنها في كتبها؟
أيقبلُ عقلُك أن يكون "للزيدية" هذه الردود والنقوض على مذهب الاثني عشرية وتظلُّ واقفةً حائرة لا تردّ ولا تدافع عن نفسها، وهي من عرفتَ في ردودها على أهل السنّة ودحض أقاويلهم عليها.
وكم لهم من المؤلفات في ذلك!! اضرب بطرفك لاترى إلاّ "الغدير" و"عبقات الأنوار" و"إحقاق الحقّ" و"المراجعات" و...
يقول السيد محمد العمدي: "وقبل أن تراودني نفسي على الإطّلاع على ما عند "الشيعة الإثني عشرية" أدرت حواراً مع نفسي "كعادتي"! كان نتاجه:
البحث العلمي والمنهجي يتطلّب موضوعيةً بحتة، أي أن يرتكز على نقاط أُسُسيّة مبدئيّة ويناقش فقرات مفصلية في عقيدة أي نحلة أو فرقة.
والبحث في "الزيدية" و "الإثني عشرية" هو البحث في "الشيعة" و "التشيع".
إذن هو البحث في "الإمامة" و "الخلافة".
البحث عن "التقية والمتعة والمسح على الأرجل و(أشهد أن علياً وليّ الله) والسجود على التربة" للوصول إلى حلّ جذري وحاسم عند النقاش بين "الزيدية" و"الاثني عشرية" ـ بنظر صاحب هذه السطور ـ ليس إلاّ لجاجةً وتعنّتاً واستعراض عضلات في الفقه والحديث وأبواب الصلاة وكتاب النكاح!
وليس المقصود ـ لا سمح الله ـ أن لا تُناقش تلك المسائل وأن لا تطرح، إذ قد تكون في أغلب الأحيان هي القضيّة المحورية للنقاش ـ وإن كان هذا النقاش ممّا لا أراه مجدياً من أجل التوصّل إلى أحقيّة فرقة عن أُخرى ـ بل إن هنالك حاجةً ملحةً أحياناً لإبداء وجهة نظر المذهب المدافَع عنه في تلك المسائل، خصوصاً إذا كانت في دائرة "الشُبَه" التي تُلقى هنا وهناك! هكذا على عواهنها!، لا لشيء إلاّ للتهويل والتخويف والتحوير والتنفير!!
أقصد أن هنالك ما هو أكبر في دائرة النقاش، بل وما هو أهمّ عند الحديث عن فرقتين من فرق الشيعة كتب لهما البقاء مع أختهما الثالثة "الإسماعيليّة" حتّى هذا العصر، ولم تنقرض كما انقرضت الفرق الأُخرى سواءاً من الشيعة أو السنة".
يقول السيد محمد العمدي: "إنّ البحث في المذاهب ومنها "الاثنا عشرية" و "الزيدية" يختزل اختلافاً ـ قد يكون واسعاً في بعض أطروحاته ـ في شتّى مناحي التفكير عند تلك المذاهب بدءاً من "العقيدة" وما فيها من: "عدل" و"نبوّة" و"معاد" و"إمامة" بل و"توحيد" مروراً بـ "الحديث ورجاله ومتونه وأسانيده
ومسانيده" و"التاريخ وحركاته وتطوّراته وانكماشاته" و"الفقه واختلافاته واستنباطاته واجتهاداته ومراحله وتدوينه" و"التفسير" و"الكلام" وانتهاءاً بالطرح المعاصر لذلك المذهب أو ذاك.
من هنا: كان لابدّ من تلمّس أشدِّ المواضيع صلةً برأس الاختلاف وأُسُّ الانشقاق حيث نرى أن للشيعة بمذاهبها الثلاثة المعاصرة: الاثني عشرية والزيدية والإسماعيلية قاسماً مشتركاً من عنده افترقت.
فما هو أصل اختلاف "الاثني عشرية" و"الزيدية"؟
من المعلوم أنّ الفرقتين شيعيّتان أي أنهما تقولان بأحقيّة أهل البيت النبوي في الخلافة "الإمامة" بل وتتفقان على النصّ على "علي(عليه السلام) والحسنين(عليهما السلام)".
بغضّ النظر عن كونه "جليّاً" أو "خفيّاً"!
ومن بعد الحسين(عليه السلام) يبدأ الخلاف:
فالإثنا عشرية تقول: النصُّ ثابتٌ في من بعد الحسين(عليه السلام) وهو ابنه الامام زين العابدين(عليه السلام) وفي من بعده... هكذا حتّى "الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر(عليه السلام)".
والزيدية تقول: لا نصّ بعد الحسين(عليه السلام) إلاّ ما كان نصاً على أهل البيت صلوات الله عليهم بشكل عام، كقوله(صلى الله عليه وآله): "تركت فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي".
إذن أصل خلاف الفرقتين في "الإمامة" ومنها انقسامهما.
ومنهجية خلاف الفرقتين "الزيدية" و"الاثني عشرية" يتم مروراً بالخطوات التالية:
1 ـ تعريف "الإمامة" عند المذهبين الزيدي والاثني عشري.
2 ـ صفات الإمام أو شروط الإمام عند المذهبين الزيدي والاثني عشري.
3 ـ الطريق إلى معرفة الإمام عند المذهبين الاثني عشري والزيدي.
وبطرح آخر:
إنّ قول "الزيدية" بأنّ "طريق معرفة الإمام هو الدعوة والقيام" ضرورة اقتضاها قولهم بأنّ "شروط الإمام شروط أفضلية بشريّة وملكات احتيازية" ـ أوصلوها إلى أربعة عشر شرطاً ـ وهذا القول كان ـ هو الآخر ـ ضرورة اقتضاها قولهم بأنّ "الإمامة رئاسة عامة في أُمور الدنيا لم يوجبها اللطف بل المصلحة".
ومن المنطق أن يقول شخصٌ: بأنّ طريق معرفة الإمام هو قيامه ودعوته ما دام وقد قال بأنّ الشروط المتطلّبة في الإمام هي شروط كماليّة بالإمكان حصولها في أي شخص اتّفق، والقول الأخير هذا يفرضه المنطق أيضاً!! ـ بناءاً على القول بأنّ "الإمامة رئاسة عامة لاحتياج الناس للّطف الذي يُطرح في بحث النبوّة وأن الإمامة ليست في طول النبوّة أو في عرضها".
لكن الأمر يختلف إذا ما قلنا بأنّ طريق معرفة الإمام ليست قيامه ودعوته، وإنما الطريق إلى معرفة الإمام هو "النصّ"، وهذا بدوره يقود إلى القول بأنّ المنصوص عليه لابدّ وأن تكون له خصوصياتٌ غير تلك التي تكون ملكةً واحتيازية، أي أنّه لابدّ أن يكون "معصوماً" حتّى يُنصَّ عليه; كما هو الحال في النبوّة والنبيّ.
والقول بهذا ضرورة تقتضيها العقيدة بأنّ "الإمامة رئاسة عامة في الدين والدنيا للّطف الإلهي" وأن "الإمامة لطفٌ واستمرارٌ للنبوّة".
إذن من النقطة الأُولى "يتمنهج" البحث بشكل أكثر منطقيّةً!!
وكما يعبّر "القدماء" إن قالوا فنقول وإن قلتَ قلتُ!!
إن قلنا: كما هو رأى الزيدية ـ إنّ "الإمامة" رئاسة عامة لشخص معيّن في الدنيا وأُمور الناس; فسنقول ـ ضرورةً ـ إنّ مواصفات هذا الإمام كماليّة بشرية أو
فقل: "أربعة عشر شرطاً".
وعليه فسنقول: إن طريق معرفته قيامُه ودعوته لنفسه إذ لا طريق غيره.
أما لو قلنا كما تقول "الإثنا عشرية": إن الإمامة لطف واستمرارٌ للنبوّة أو رئاسة عامة في الدين والدنيا يقتضيها اللطف فلابدَّ من القول بعصمة صاحبها "الإمام" وعندها فلا طريق لمعرفة إمامته إلاّ "النصّ".
وهكذا كانت حركة بحثي في العقيدتين والمذهبين.
تحركتُ من نقطة "اللطف أو المصلحة" فقادتني "الإشارات المرورية الإلهيّة والعقليّة المنطقية" إلى "ضرورة" القول بـ "اللطف"! ثمّ قادني "اللطف" بدوره إلى الإعتقاد "بضرورة العصمة" التي أدّت بذاتها إلى الإعتقاد بـ "النص" مخلِّفاً ورائي: أن لا يمكن الإيمانُ بـ "الشروط الأربعة عشر" و"القيام والدعوة"، لأعتنق بعد ذلك مذهب الشيعة الإثني عشرية تاركاً مذهبي السابق.
وكم كان صعباً ذلك التحوُّل والاعتناق الجديد!! لو لم تكن للنفحات الرحمانيّة جولات وصولات هدّأت النفس وطمأنت القلب وعقّلت العقل!!".
صدر سنة 1420 هـ عن مركز الأبحاث العقائدية في سلسلة الرحلة إلى الثقلين.
كتاب يعرض فيه المؤلف رحلته إلى المذهب الاثني عشري، كما يتعرض لوجوه الاتفاق والخلاف بين الاثنا عشرية والزيدية.
يقول المؤلف في آخر الكتاب: "والى هنا تنتهي بنا "رحلة عقل" مصغرة،
استوقفتنا ـ فيها ـ محطات جادّة للمباني الهرمية الاسسية في نظرية الامامة عند الزيدية والاثني عشرية.
آمل أن تكون هذه الأوراق والتساؤلات "إثارات" للباحثين عن الطريق الصحيح، و"برنامج عمل عقائدي بحثي موضوعي" لمن يريد لنفسه "الخلاص" من الموروث العقائدي الذي لم يقم على "إقناعات" تامة وجلية، وترك فراغات واسعة لم تُحلّ ـ ولن تُحلّ ـ إلا بغربلة واسعة النطاق لكل مفردات ذلك الموروث العقائدي".
سيصدر عن مركز الأبحاث العقائدية، ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.
الكتاب اطروحة توحيدية في مقابل اطروحة ـ الزيدية والإمامية وجهاً لوجه ـ الاطروحة الارتجالية والتي ظهرت كحالة انفعالية في الساحة اليمنية.
يقول المؤلف في المقدمة: "وقد حاولت هذه "القراءات" ان تعرض وتقف عند "لوحات" خالدة من الفكر الشيعي في ملمحيه الرئيسين في اليمن "الزيدية والامامية" كما قامت بلمسات الترسيم الاولى لبعض الاصول الهامة المشتركة عند المذهبين.
وحاولت القيام بعملية تجذير أو بحث عن جذور صلبة. تجعل من الحركة المعاصرة هادفة أكثر ومحافظة على اصول من الانتماء لعلي(عليه السلام) قد تكون أهم بكثير مما قد يشغل الساحة ويخطط له الأباعد من تمييع قضية الولاء في أرض الولاء".
واستعرض المؤلف في كتابه شيئاً من تاريخ اليمن وأهلها وقدم تشيعهم لأهل البيت(عليهم السلام) ودفاعهم عن عقيدتهم في مفترق طرق المذاهب الإسلامية. ثم يعرض شيئاً من تاريخ الزيدية واليمنيون منهم بالخصوص كما يذكر سيرة زيد بن
علي واحترامه من قبل الفرقتين وأسباب خروجه على الظالمين، كما تعرض لمن خرج بعده من الزيدية، ومكانة أهل البيت(عليهم السلام) في كتب الزيدية، ثم يستعرض الملامح التوحيدية بين الفرقتين، ثم يناقش في عصمة الأئمة وأهمية النص لدى الفرقتين، ثم بحث في قضية المهدي والروايات والأقوال الواردة فيه لدى الطرفين.
يتعرض فيه إلى اوضاع دولة اليمن سياسياً واقتصادياً وفكرياً وثقافياً واجتماعياً ودينياً في عالم السياسة، يذكر الاحزاب والشخصيات السياسية اليمنية ويتعرض للخلافات اليمنية السعودية على الحدود بين البلدين وكذلك الخلافات اليمنية الارتيرية، ثم يبحث حرية الصحافة، أما في مجال الاقتصاد فيستعرض الحالة الاقتصادية في اليمن منذ حوالي أربعين سنة إلى فترة الوحدة والحرب الاهلية التي أثرت على الاقتصاد اليمني وكذلك اخراج العمال اليمنيين من دول الخليج في حرب الخليج الثانية.
وفي مجال الفكر تعرض للدين والتدين من قبل الناس، واستعرض المذاهب الموجودة في اليمن وصراعاتها الحزبية والسياسية.
يقارن الكاتب في كتابه هذا بين نظرية الإمامة عند الإمامية الاثنا عشرية ونظرية الإمامة عند الزيدية، ويرى تكامل هذه النظرية عند الإمامية ويشخص نقاط الضعف في نظرية الإمامة عند الزيدية مما حدا بها إلى الاستعانة بنظريات أهل السنة. كالمعتزلة وبعض الاشاعرة.
تُعَرَّف الإمامة عند الزيدية بأنّها "تابعة للنبوّة في الوجه الذي وجبت له، لأنّ الأئمّة(عليهم السلام) يقومون مقام الأنبياء(عليهم السلام) في تبليغ الشريعة وإحياء ما اندرس منها ومقاتلة من عَنَدَ عنها، ولهذا لم تكن إلاّ بإذن من الشارع واختيار منه كالنبوّة.
ومسألة الإمامة من أكبر مسائل أُصول الدين وأعظمها، لأنّه يترتبُ عليها طاعة الله وطاعة الرسول والقيام بالشرائع والجهاد والموالاة والمعاداة والحدود وغير ذلك...
وشرعاً ـ أي في عرف الشرع ـ رئاسة عامة ـ أي على جميع الناس ـ تثبت باستحقاق شرعي أي بدليل من الشرع; أي باختيار من الشرع لصاحبها لأنّها، تالية للنبوّة....
وهي واجبةٌ عقلاً وسمعاً.
وقال بعض أئمتنا وهم بعض المتأخرين منهم والجمهور من غيرهم: بل وجبت سمعاً فقط!!
قالوا: ولا إشكال أن الإمام لطف ومصلحة للخلق، لكن العلم بكونه لطفاً
ومصلحةً إنّما طريقه الشرع كالنبوّة عندهم"(1)....والمختار عندنا من هذه المذاهب ما عليه أئمة الزيدية وشيوخ المعتزلة ومحققو الأشعرية هو: أن الطريق إلى وجوب الإمامة هو الشرع"(2).
والزيدية رغم إجلالها لعقيدة الإمامة لم تستطع أن تقول باللطف!! وذلك لأسباب كثيرة، لا تستطيع أن تكون مقنعةً للباحث المدقق والمتعامل مع الأقوال بروح موضوعيّة منطقية; جوُّها الدائمُ تحكيم العقل والمنطق في الآراء الكلامية والعقائدية والفسلفية، ولعلّ أهمَّ تلك الأسباب هي التخلّص من تبعات القول بـ "اللطف" الضرورية والتي على رأسها ـ كما أسلفنا ـ القول بالحاجة إلى "إمام معصوم" وبالتالي القول: بالحاجة إلى "النصّ" الطريق الوحيد لمعرفة "المعصوم" وهو الشيء الذي لا تملكه الزيدية على آحاد أئمتها; وإن كانت قد افتعلت نصوصاً ما في حق بعض ائمتها(3)إن سُلّم بها: وهو بعيدٌ جدّاً!! ـ فلا تعدو أن تكون فضائل ومناقب ليس فيها أدنى رائحة من نصٍّ على أمر خطير كالإمامة.
وبمجرّد نظرة موضوعية إلى استدلالات الاثني عشرية على القول باللطف، سنجد اللطف الطريق الوحيد والمتكامل لإيجاب الإمامة، إذ لا معنى للقول بإيجابها "شرعاً" مع ذلك الاستدلال "العقلي" الفريد ـ عند الزيدية ـ مع عدم القول بإيجابها عقلاً!!
1) عدة الأكياس: 2 / 109 ـ 115.
2) الإمام المجتهد يحيى بن حمزة وآراؤه الكلامية، صبحي: 144، 145، وأهم مرجع لصبحي في نقل آراء يحيى بن حمزة هو كتابه "الشامل" كما يذكر هو نفسه ذلك في كتابه "الإمام المجتهد يحيى بن حمزة...": 11.
3) انظر: التحف شرح الزلف: 52، 79، 100، 102، 114، وغير "التحف" من الكتب التي تعرضت لسير أئمة الزيدية، وهذا يجعلنا في ريب من موقف الزيدية من النصِّ; فهذه المرويات في "الناصر الاطروش والمنصور ابن حمزة ويحيى بن الحسين الرسي وغيرهم" تكشف لنا عن توق شديد عند الزيدية ـ كان ولا يزال ـ للنص في الإمامة!
وكإطلالة بسيطة على دفاع الاثني عشرية عن عقيدة "اللطف" والقول بها ومنافحتهم عنها نستعرض هذا النصّ للسيّوري(1)
انظر: معجم رجال الحديث: 19 / 348، أعيان الشيعة: 10 / 134، الأعلام: 7 / 282، وانظر مقدمة تحقيق "إرشاد الطالبين".
:"قال(2)
والعلامة الحلّي هو: الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي (647 ـ 726) هو الوحيد الذي أطلق عليه في التاريخ العلمي الشيعي الطويل لقب: "العلامة" من مصنفاته: المختلف، التذكرة، القواعد، التبصرة، وغيرها، لم تزل كتبه محطّ أنظار العلماء من عصره إلى اليوم تدريساً وشرحاً وتعليقاً قال عنه الشيخ الحرّ: الشيخ العلاّمة، جمال الدين أبو منصور، الحسن بن يوسف...، فاضل، عالم، علاّمة العلماء، محقق مدقق، ثقة ثقة، فقيه محدّث متكلّم، ماهر، جليل القدر...، لا نظير له في الفنون والعلوم والعقليات والنقليات" انظر مقدّمة "كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد". أعيان الشيعة: 5 / 396، الأعلام: 2 / 227، معجم رجال الحديث: 6 / 171.
: لا يقال: اللطف إنّما يجب إذا لم يقم غيره مقامه، أمّا مع قيام غيره مقامه فلا يجب، فَلِمَ أنّ الإمامة من قبيل القسم الأول(3).أو نقول: إنّما يجب اللطف إذا لم يشتمل على وجه قبح، فلم لا يجوز استعمال الإمامة على وجه قبح لا يعلمونه؟ ولأنّ الإمامة إنّما تكون لطفاً إذا كان الإمام ظاهراً مبسوط اليد ليحصل منه منفعة الإمامة، وهو انزجار العاصي، أمّا مع غيبة الإمام وكفِّ يده فلا يجب، لانتفاء الفائدة.
لأّنا نقول(4): التجاء العقلاء في جميع الأصقاع والأزمنة إلى نصب الرؤساء
1) أبو عبد الله المقداد بن عبد الله بن محمّد السيّوري الأسدي الحلّي "ت / 826) الشيخ الفاضل الفقيه المتكلم، كان من أعيان العلماء، قال عن تصانيفه العلامة المجلسي صاحب البحار: تصانيفه في نهاية الاعتبار والاشتهار.
2) القائل هو العلامة الحلّي، لأن كتابَ "إرشاد الطالبين" للسيوري شرحٌ لمتن "نهج المسترشدين" للحلّي.
3) وهو الذي يجب إذا لم يقم غيره مقامه.
4) هذا ردٌ على من قال: إنّه مع غيبة الإمام وكفِّ يده لا يجب اللطف في الإمامة حينها.
في حفظ نظامهم، يدلُّ على إنتفاء طريق آخر سوى الإمامة، وجهة القبح معلومة محصورة، لأنّا مكلّفون باجتنابها، فلابدّ وأن تكون معلومة، وإلاّ لزم تكليف ما لا يطاق، ولا شيء من تلك الوجوه بمتحقق في الإمامة، والفائدة موجودة وإن كان الإمام غائباً، لأنّ تجويز ظهوره في كلِّ وقت لطفٌ في حقِّ المكلّف.
أقول(1): لما قرّر الدليل على مطلوبه، شرع في الاعتراض عليه والجواب عنه، وأورد منع الكبرى(2)أولاً ثمّ منع الصغرى(3)، والمناسب للترتيب البحثي هو العكس، وتوجيه الاعتراض(4): هو أنّ دليلكم ممنوع بكلتا مقدّمتيه(5)، فلا تصدق نتيجته التي هي عين مطلوبكم.
أمّا منع كُبراه فلوجهين:
الأوّل: أنّ لطفيّة الإمامة إنّما يتعيّن للوجوب إذا لم يَقُم غيرها مقامها، وهو ممنوعٌ، لجواز أن يقوم غيرُها مقامَها، كوعظ الواعظ فإنّه قد يقوم غيره مقامه مع كونه لُطفاً، فلا يكون متعيّنةً للوجوب، كالواحدة من خصال الكفّارة، وهو المطلوب.
الثاني: أنّ الواجب لا يكفي في وجوبه وجهُ وجوبه، بل لابدَّ مع ذلك من انتفاء سائر وجوه القبح والمفاسد عنه، لاستحالة وجوب ما يشتمل على مفسدة وإن اشتمل على مصلحة، وإلاّ لكان الله تعالى فاعلاً للمفسدة، وهو قبيحٌ.
وحينئذ نقول: الإمامة على تقدير تسليم لطفيّتها لا يكفي ذلك في وجوبها،
1) القائل هو الشيخ جمال الدين مقداد بن عبد الله السيّوري الحلّي.
2) الكبرى في القضيتين هنا هى: القول بتعيّن وجوب لطفّيّة الإمام.
3) والصغرى هي: أن الإمامة إنّما تكون لطفاً إذا كان الإمام ظاهراً مبسوط اليد.
4) يصوغ "السيوري" إشكال المخالفين لمسألة اللطف ـ والذى ذكره العلاّمة الحلّي ـ صياغة جديدةً تتناسب وما أسماهُ بالترتيب البحثي.
5) المقدّمتين الصغرى والكبرى.
بل لابدّ مع ذلك من انتفاء وجوه المفاسد منها، فَلِمَ قلتم بانتفائها؟ ولِمَ لا يجوز اشتمالها على نوع مفسدة لا نعلمها؟(1)
وحينئذ لا يمكن الجزم بوجوبها عليه تعالى.
وأمّا صغراه: فلأنّا نمنع كون الإمامة لطفاً مطلقاً، بل إذا كان ظاهراً مبسوط اليد جاز الانزجار عن المعاصي، والانبعاث على الطاعات إنّما يحصل بظهوره وانبساط يده وانتشار أوامره، لا مع كونه خائفاً مستوراً.
والجواب عن الأوّل(2): أنَّا نختار أن الإمام لطف لا يقوم غيره مقامه، كالمعرفة بالله تعالى: فإنّها لا يقوم غيرها مقامها، والدليل على ما قلناه أنّ العقلاء في سائر البلدان والأزمان يلتجئون في دفع المفاسد إلى نصب الرؤساء دون غيره، ولو كان له بدلٌ لالتجؤوا إليه في وقت من الأوقات أو بلد من البلدان.
وعن الثاني(3): أنّ وجوه القبح والمفاسد معلومةٌ محصورةٌ لنا، وذلك لأنّا مكلّفون باجتنابها، والتكليف بالشيء من دون العلم به محال، وإلاّ لزم تكليف ما لا يطاق، ولا شيءَ من تلك المفاسد موجودةٌ في الإمامة.
وفي هذا الجواب نظرٌ(4): فإنّه إنما يصلح جواباً لمن قال بوجوبها على الخلق "كأبي الحسين"(5)، لا لمن قال بوجوبها على الله تعالى كأصحابنا، فإنّه إنّما
1) ورد التلميح بكون الإمامة مشتملةً على مفسدة ـ بناءاً على أنّ العقل يقضي بقبحها ـ في بعض كتب الزيدية كمقدِّمة لوجوبها الشرعي، الذي يحفظها من المفسدة. راجع: ينابيع النصيحة: 250.
2) وهو الإشكال على "لطفيّة الإمامة" بأنّها لا تجب إذ أن غيرها يمكن أن يقوم مقامها.
3) وهو الإشكال بـ "لم لا يجوز استعمال الإمامة على وجه قبح لا يعلمونه".
4) هذا النظر للسيّوري شارح متن "نهج المسترشدين".
5) أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخيّاط (م ـ 311) شيخ المعتزلة البغداديّين من نظراء الجُبّائي، كان من بحور العلم، ترجم له "القاضي عبد الجبّار" في "فضل الاعتزال" وقال: "كان عالماً فاضلاً من أصحاب جعفر (بن مبشر الثقفي المتكلم) وله كتب كثيرة في النقوض على ابن الراوندي وغيره، من أشهر كتبه "الانتصار" ردّ فيه على كتاب "فضيحة المعتزلة" لابن الراوندي، وله آراء شنيعة في حق الشيعة. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: 14 / 220، الأعلام: 3 / 347، بحوث في الملل والنحل: 3 / 284.
يجب عليه تعالى أن يعرِّفنا المفاسد إذا كانت من أفعالنا أو من لوازم أفعالنا، لئلاّ يلزم ما لا يطاق كما ذكرتم، أمّا إذا لم تكن من أفعالنا بل من فعله فلا يجب أن يُعرِّفنا المفسدة اللازمة لو كانت ثابتةً، وحينئذ يجوز أن لا يكون نصب الإمام واجباً عليه تعالى، لاستلزامه مفسدةً لا نعلمها.
والأجود في الجواب أن نقول: لو كان هناك مفسدةٌ لكانت إمّا لازمةً للإمامة، وهو باطل وإلاّ لما فعلها الله تعالى، لكنّه فعلها بقوله تعالى (إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً...)(1)، ولاستحال تكليفنا باتّباعه، لكنّا مكلّفون باتّباعه أو (مفارقته) وحينئذ يجوز انفكاكها عنه، فيكون واجبةً على تقدير الانفكاك، وأيضاً هذا السؤال وارد على كلِّ ما يوجبه المعتزلة على الله تعالى، فكلّما أجابَ به فهو جوابنا.
وعن الثالث(2): أنّا نختار أن الإمام لطفٌ مطلقاً، أمّا مع ظهوره وانبساط يده فظاهرٌ، وأمّا مع غيبته فلأنَّ نفس وجوده لطفٌ، لأنّ اعتقاد المكلفّين لوجود الإمام وتجويز ظهوره وإنفاذ أحكامه في كلٍّ وقت سببٌ لردعهم عن المفاسد ولقربهم إلى الصلاح، وهو ظاهر.
وتحقيق هذا المقام: هو أنّ لُطفيّة الإمام تتمُّ بأُمور ثلاثة:
الأوّل: ما هو واجب عليه تعالى، وهو خلق الإمام وتمكينه بالقدرة والعلم، والنصِّ عليه باسمه، ونصبه، وهذا قد فعله الله تعالى.
الثاني: ما هو واجبٌ على الإمام، وهو تحمُّله الإمامةَ وقبولُها، وهذا قد فعله الإمام.
الثالث: ما هو واجبٌ على الرعيّة، وهو أن ينصروه ويطيعوه، ويذبّوا عنه ويقبلوا أوامره، وهذا ما لم يفعله أكثر الرعيّة.
فمجموع هذه الأمور هو السبب التامُّ للطفيّة، وعدم السبب التامّ ليس من الله ولا من الإمام لما قلناه، فيكون من الرعيّة.
إن قلت: إنّ الله تعالى قادرٌ على أن يُكَثِّرَ أولياءَه ويحملهم على طاعته، ويقلّلَ أعداءه ويقهرهم على طاعته، فحيث لم يفعل كان مُخِلاًَّ بالواجب.
قلتُ: لمّا كان فعلُ ذلك مؤدّياً إلى الجبر المنافي للتكليف لم يفعله تعالى، فقد ظهر أنّ نفس وجود الإمام لطفٌ وتصرُّفه لطفٌ آخر، وعدم الثاني(1)لا يلزم منه عدم الأوّل(2). فتكون الإمامة لطفاً مطلقاً، وهو المطلوب"(3).
ترى الإماميةُ الإثنا عشرية ـ بناءاً على قولها باللطف الإلهّي المطلق ـ أنَّ الإمامَ لابُدَّ أن يكون معصوماً، وأنّ منصب الإمامة منصبٌ لا يستحقه إلاّ المعصوم.
يقول الشيخ المفيد(4)في "أوائل المقالات"(5)
وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات، وهو من أجود الكتب في بابه.
: "واتَّفَقَتْ الإماميّةُ على أنّ1) وهو تصرّف الإمام "انبساط يده وظهوره".
2) وهو أن وجوده ـ بحد ذاته ـ لطفٌ.
3) إرشاد الطالبين: 328 ـ 332.
4) محمّد بن محمّد بن النعمان البغدادي الكَرْخي (336 أو 338 ـ 413هـ) الشيخ المفيد، ابن المعلّم، عالم الشيعة، صاحب التصانيف الكثيرة، شيخ مشائخ الطائفة الإمامية الاثني عشرية، لسان الإمامية، رئيس الكلام والفقه، كان يناظر أهل كلّ عقيدة، كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس، له أكثر من مائتي مصنّف، كانت جنازته مشهودة، وشيّعه ثمانون ألفاً. انظر: حياة الشيخ المفيد ومصنّفاته، أعيان الشيعة: 9 / 420، سير أعلام النبلاء: 17 / 344، تاريخ الإسلام: (حوادث 411 ـ 420هـ: 332) الأعلام: 7 / 21، معجم رجال الحديث: 18 / 213.
5) "أوائل المقالات في المذاهب المختارات" للشيخ المفيد، كتاب يشتمل على "الفرق بين الشيعة والمعتزلة وفصل ما بين العدلية من الشيعة ومن ذهب إلى العدل من المعتزلة والفرق ما بينهم من بعد وبين الإمامية فيما اتفقوا عليه من خلافهم فيه من الأصول، وذكر ـ في أصل ذلك ـ ما اجتباه هو من المذاهب المتفرعة عن اصول التوحيد والعدل والقول في اللطيف من الكلام...".
إمام الدين لا يكون إلاّ معصوماً من الخلاف للهِ تعالى، عالماً بجميع علوم الدين، كاملاً في الفضل، بايناً من الكلِّ بالفضل عليهم في الأعمال التي يُسْتَحَقُّ بها النعيم المُقيم"(1).
ويُستدل على ذلك بالعقل قبل النقل، جاءَ في "الذخيرة"(2)للشريف المرتضى:
"فأمّا الذي يدلُّ على وجوب العصمة له من طريق العقل، فهو أنّا قد بيّنَا وجوب حاجة الأُمّة إلى الإمام، ووجدنا هذه الحاجة تثبت عند جواز الغلط عليهم(3)، وانتفاء العصمة عنهم، لما بيّنّاه من لزومها لكلِّ من كان بهذه الصفة، وينتفي بانتفاء جواز الغلط، بدلالة أنّهم لو كانوا بأجمعهم معصومين لا يجوز الخطأُ عليهم; لما احتاجوا إلى إمام يكون لطفاً لهم في ارتفاع الخطأ، وكذلك لمّا كان الأنبياء معصومين لم يحتاجوا إلى الرؤساء والأئمة، فثبت أن جهة الحاجة هي جواز الخطأ.
فإن كان الإمام مشاركاً لهم في جواز الخطأ عليه فيجب أن يكون مشاركاً
1) أوائل المقالات: 4،5.
2) "الذخيرة في علم الكلام أو ذخيرة العالم وبصيرة المعلِّم وهو من تتمة كتاب الملخص في أصول الدين" هو أحد كتابين جليلين في علم الكلام حلاّ في الرعيل الأوّل من الكتب الكلامية التي تناولت بيان مذهب الشيعة الإمامية وتبنّت الذبَّ عن أصوله الاعتقادية وتركيز الأسس العلمية التي اعتمدتها في دعم عقيدتها، كما يصفه المحقق السيّد أحمد الحسيني.
3) أي على الأُمّة.
لهم في الحاجة إلى إمام يكون وراهُ، لأن الإشتراك في العلّة يقتضي الاشتراك في المعلول.
والقول في الإمام الثاني كالقول في الأوّل، وهذا يُؤدِّي إلى إثبات ما لا يتناهى من الأئمة أو الوقوف إلى إمام معصوم، وهو المطلوب"(1).
وترى الاثنا عشرية أنّ لقولها بالعصمة أدلةً من النقل أيضاً; فالآية الشريفة (وَ إِذِ ابْتَلَى إِبْرَ هِيمَ رَبُّهُو بِكَلِمَـت فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَ مِن ذُرِّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّـلِمِينَ)(2)، دليلٌ كبيرٌ على العصمة من كتاب الله تعالى مع تفصيل وتفسير طويلان جدّاً، ليس هذا مجال بحثهما!
ولكن على سبيل الاختصار يمكن أن يقال: "إن الظلم بكلِّ ألوانه وصوره مانعٌ عن نيل هذا المنصب الإلهي(3)، فالاستغراق في جانب الأفراد يستلزم الاستغراق في جانب الظلم، وتكون النتيجة ممنوعيّة كلِّ فرد من أفراد الظَّلَمَة عن الارتقاء إلى منصب الإمامة، سواء أكان ظالماً في فترة من عمره ثم تاب وصار غير ظالم، أو بقي على ظلمه، فالظالم عندما يرتكب الظلم يشمله قوله سبحانه: (لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّـلِمِينَ)، فصلاحيته بعد ارتفاع الظلم يحتاج إلى دليل.
وعلى ذلك، فكلّ من ارتكب ظلماً، وتجاوز حدَّاً في يوم من أيام عمره، أو عبد صنماً، أو لاذ إلى وثن، وبالجملة ارتكب ما هو حرام، فضلاً عمّا هو كفر، يُنَادَى من فوق العرش: (لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّـلِمِينَ) أي أنتم الظلمة الكفرة المتجاوزون عن الحدّ، لستم قابلين لتحمل منصب الإمامة; من غير فرق بين أن يصلح حالهم بعد تلك الفترة، أو يبقوا على ما كانوا عليه.
وهذا يستلزم أن يكون المؤهَّل للإمامة طاهراً من الذنوب من لدن وُضِعَ عليه القلم إلى أن أُدْرِجَ في كفنه وأدخل في لحده، وهذا ما نسميه بالعصمة في مورد الإمامة"(1).
ومن أدلة الإمامية الاثني عشرية على العصمة من الكتاب العزيز قوله تعالى: (أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاَْمْرِ)(2)"فإنه تعالى أوجب طاعة أولي الأمر على ا لإطلاق كطاعته وطاعة الرسول، وهو لا يتم إلاّ بعصمة أولي الأمر، فإنّ غير المعصوم قد يأمر بمعصية وتحرم طاعته فيها، فلو وجبت أيضاً اجتمع الضدّان: وجوب طاعته وحرمتها، ولا يصحّ حمل الآية على إيجاب الطاعة له في خصوص الطاعات; إذ ـ مع منافاته لإطلاقها ـ لا يجامع ظاهرها من إفادة تعظيم الرسول وأولي الأمر بمساواتهم لله تعالى في وجوب الطاعة، إذ يقبح تعظيم العاصي، ولا سيّما المنغمس بأنواع الفواحش.
على أن وجوب الطاعة في الطاعات ليس من خواص الرسول وأولي الأمر، بل تجب طاعة كل آمر بالمعروف، فلابدّ أن يكون المراد بالآية بيان عصمة الرسول وأولي الأمر وأنّهم لا يأمرون ولا ينهون إلاّ بحقّ"(3).
ومن السنة: قول رسول الله(صلى الله عليه وآله): "إني تارك فيكم الثقلين ـ أو الخَليفتين ـ: كتاب الله وعترتي أهل بيتي"، فقد قال السيّد محسن الأمين العاملي بعد ذكر هذا الحديث وغيره: "دلّت هذه الأحاديث على عصمة أهل البيت من الذنوب والخطأ، لمساواتهم فيها بالقرآن الثابت عصمته في أنّه أحد الثقلين المخلّفين في الناس، وفي الأمر بالتمسّك بهم كالتمسّك بالقرآن، ولو كان الخطأ يقع منهم لما صحّ الأمر
بالتمسّك بهم الذي هو عبارة عن جعل أقوالهم وأفعالهم حجةً، وفي أنّ المتمسِّكَ بهم لا يضِلّ كما لا يضِلّ المتمسّكُ بالقرآن، ولو وقع منهم الذنوب أو الخطأ لكان المتمسّك بهم يضلُّ، وإنّ في اتباعهم الهدى والنور كما في القرآن، ولو لم يكونوا معصومين لكان في اتباعهم الضلال، وأنَّهم حبلٌ ممدودٌ من السماء إلى الأرض كالقرآن، وهو كنايةٌ عن أنّهم واسطةٌ بين الله تعالى وبين خلقه، وأنّ أقوالهم عن الله تعالى، ولو لم يكونوا معصومين لم يكونوا كذلك. وفي أنّهم لم يفارقوا القرآن ولن يفارقهم مُدّةَ عمر الدنيا، ولو أخطأوا أو أذنبوا لفارقوا القرآن وفارقهم، وفي عدم جواز مفارقتهم بتقدّم عليهم بجعل نفسه إماماً لهم أو تقصير عنهم وائتمام بغيرهم، كما لا يجوز التقدّم على القرآن بالإفتاء بغير ما فيه أو التقصير عنه باتّباع أقوال مخالفيه، وفي عدم جواز تعليمهم(1)وردّ أقوالهم، ولو كانوا يجهلون شيئاً لوجبَ تعليمهم ولم يُنه عن ردِّ قولهم"(2).
وأمّا الزيديةُ فإنها لاترى ضرورة عصمة الإمام، بل أنّ لهُ شروطاً أربعة عشر.
يقول الشرفي(3): "وشروط صاحبها ـ أي شروط الإمام ـ أربعة عشر شرطاً:
1) اشارة إلى رواية لحديث الثقلين فيها (... ولا تعلموهم فإِنَّهم أعلم منكم...) راجع تخريجه في "المراجعات" لشرف الدين ص 36 طبع دار الكتاب الإسلامي أو ص 16 طبعة (مطبوعات النجاح بالقاهرة). وراجع تخريج حديث الثقلين في: حديث الثقلين تواتره فقهه كما في كتب السنة، الاعتصام: 1 / 132 ـ 152، لوامع الأنوار: 1 / 51، بحار الأنوار: 22 / 475، 36 / 329، 45 / 313، 68 / 22، نفحات الأزهار: الجزء الأوّل.
2) الغدير: 3 / 297، 298، وراجع: الأصول العامة للفقه المقارن: 164 ـ 189.
3) أحمد بن محمد بن صلاح الشرفي (975 ـ 1055) كان من ولاة الامام القاسم ابن محمد وشرح كتابه الاساس بشرحين صغير وكبير، عالم موسوعي... وأديب يصفه صاحب "نسمات الأسحار" بخاتمة المحقِّقين له مؤلفات ومصنفات يُدرس بعضها في حلقات العلم عند الزيدية، انظر: عدة الأكياس: 1 / 17، البدر الطالع: 1 / 82، الأعلام: 1 / 238.
الأوّل: البلوغ والعقل، للإجماع على أن لا ولاية للصبي والمجنون على أنفسهما فضلاً عن غيرهما".
الثاني: الذكورة، لقوله(صلى الله عليه وآله): ما أفلح قومٌ ولّوا أمرهم امرأةً، ولأنّ المرأة لا تولّى جميع أمرها، ولأنها ممنوعة من مخالطة الناس وغير ذلك.
والثالث: الحرية....
والرابع:... المنصب، فلا تصح الإمامة إلاّ في منصب مخصوص بيّنه الشارع....
الخامس:... الإجتهاد...
والسادس:... الورع...
الثامن: الأفضلية...
والتاسع: الشجاعة...
والعاشر: التدبير....
والحادي عشر: القدرة على القيام بثمرة الإمامة...
والثاني عشر: السخاء بوضع الحقوق في مواضعها...
والثالث عشر: السلامة من المنفرات نحو الجذام والبرص...
والرابع عشر: سلامة الحواس والأطراف..."(1).
وهي تستدلّ على كلِّ شرط على حدة باستدلالات عقلية ونقلية.
وليس لديهم استقرارٌ على القول بأربعة عشر شرطاً، فهذا "يحيى بن حمزة" يقول:
".. أن طريق الإمامة عندنا ـ ممن ليس بمنصوص عليه ـ هي الدعوة، فمن قام منهم ودعا إلى الإمام مستجمعاً لأُمور أربعة:... وجب على كافّة المسلمين
1) عدة الأكياس: 1 / 120 ـ 134.
نصرتُه والدعاءُ إليه، والاحتكام لأمره، والتقوية لسلطانه"(1).
ويرى عبد الله بن حمزة أن تلك الشروط "ستة"(2).
وأمّا "العصمة" فالزيدية لا تراها:
يقول "الشرفي":
"قال(3)...: "ولا دليل عليها" أي على اشتراطها أي العصمة "إلاّ تقدير حصول المعصية من الإمام "لو لم يكن معصوماً" أي لا دليل لهم(4)على اشتراط العصمة إلاّ تقدير حصول المعصية وهو لا يصلح دليلاً; لما ذكره... بقوله:
"قلنا: ذلك التقدير حاصل في المعصوم فيفرض حصول المعصية منه كما قال تعالى في سيد المعصومين (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)(5).
ولا يلزم من هذا الفرض وقوع الشرك منه(صلى الله عليه وآله).
"قالوا: لا سواءَ فإنّه "امتنع وقوعها من المعصوم" قطعاً ولو قُدِّرت منه تقديراً فإنّا نعلم انتفاءَها "بخلاف غيره" أي غير المعصوم فإنّه ـ مع تقديرها منه ـ يمكن وقوعها ولا يمتنع فلم يستوِ التقديران "قلنا ما دام" الإمام "عدلاً فلا وقوع" للمعصية منه "وإن وقعت منه" المعصية "فَكَلوْماتَ المعصومُ"; لأنّ تقدير موت الإمام المعصوم ووقوع المعصية من الإمام غير المعصوم سواءٌ في كونهما مبطلين للإمامة، فهلاّ منعتم من قيام الإمام المعصوم ـ لتقدير موته، كما منعتم من
1) المعالم الدينية: 144.
2) ديوان عبد الله بن حمزة وعنه دائرة المعارف الاسلامية الشيعية: 7 / 222.
3) القائل هو القاسم بن محمّد {1029} صاحب المتن المشروح والمسمّى بـ "الأساس" وقد طبع هذا المتن في بيروت عام 1980 هـ بتحقيق الدكتور البيرنصري نادر عن دار الطليعة، وطبعه بتحقيق آخر / محمد قاسم الهاشمي ـ مكتبة التراث الإسلامي / صعدة ـ اليمن وصدرت الطبعة الثانية منه عام 1415 هـ.
4) أي الاثني عشرية.
5) الزمر: 65.
إمامة العدل لتقدير معصيته، وكذلك تقدير العمى والجذام أو نحو ذلك؟"(1).
وأمّا قول "القاسم بن محمّد"(2)
القاسم بن محمد بن علي بن الرشيد (967 ـ 1029) فقيه، عالم، قام بدور سياسي بارز في محاربة الأتراك بعد أن ادّعى الإمامة سنة 1006، ترك كثيراً من المؤلّفات منها: "الإعتصام" في الحديث و "الاساس" في أصول الدين، أُلّف في ترجمته كتاب باسم "النبذة المعشيرة" لُقّب بالمنصور بالله، انظر: التحف: 229، البدر الطالع 1: 385، الموسوعة اليمنية 2: 738، الأعلام 5: 182.
بأنه لا دليل عليها (أي على اشتراطها العصمة) إلاّ تقدير حصول المعصية; فمجازفة!!لأدلة كثيرة!، منها:
أولاً: أنّ الإمامية المتقدمين والمتأخرين(3)لم يذكروا أنّ مستندهم الوحيد في ايجابهم العصمة للإمام هو "تقدير حصول المعصية"، بل لم يذكروه ـ اصلاً ـ كدليل على إيجاب العصمة.
ما نراه في كتبهم استدلالاً على العصمة وضرورتها هو:
1 ـ أنّه لو لم يكن (الإمام) معصوماً لزم التسلسل(4)، والتالي باطلٌ فالمقدَّم مثله"(5).
"والدليل على وجوب كونه معصوماً: أنّ الرئاسة إنّما وجبت من حيث
1) عدّة الأكياس: 2 / 134، 135.
2) عدّة الأكياس: 2 / 134 ـ 135.
3) راجع: الذخيرة: 430، مناهج اليقين: 297 ـ 299، أوائل المقالات: 19، عقائد الإمامية: 313، أصل الشيعة وأصولها: 212، الإلهيات: 4 / 116 ـ 130.
4) أي حاجة "الامام" غير المعصوم إلى "إمام معصوم".
5) "اصطلاح منطقي" بعبارة أُخرى: إن التسلسل باطلٌ، والقول بعدم عصمة الإمام يستلزم احتياجه إلى من هو أعلم وأكمل منه وهذا العلم والأكمل هكذا يحتاج إلى من هذا أعلم وأكمل منه وهذا يؤدّي إلى التسلسل; إذن القول بعدم العصمة للإمام ـ القول الذى يؤدّي إلى التسلسل ـ باطل، فيثبت القول بعصمة الإمام مناهج اليقين: 297.
كانت لطفاً، يقلُّ الفسادُ ويَكْثُرُ الصلاحُ عندها، وكان الأمر منعكساً مع فقدها من كثرة الفساد وقلّة الصلاح، فالرئيس لا يخلو من أن يكون معصوماً أو لا يكون معصوماً. إن كان معصوماً فهو المقصود، وإن لم يكن معصوماً كان محتاجاً إلى رئيس آخر، ثم الكلام في رئيسه كالكلام فيه، في أنّه إن لم يكن معصوماً احتاج إلى رئيس آخر، فكذا الثالث يحتاج إلى رابع، والرابع إلى خامس، وذلك يؤدِّي إلى إثبات ما لا ينحصر من الرؤساء، وهو باطلٌ، أو إلى إثبات رئيس معصوم، وبه يتُم المقصود، فإنّه يكون إماماً للكلِّ ومن عداه يكونون نوّابه وعمّاله وأمراءه، وإنّما قلنا: إذا لم يكن معصوماً احتاج إلى رئيس آخر من حيثُ: إن العِلّة المحوجة إلى رئيس ـ وهي ارتفاع العصمة وجواز الخطأ ـ تكون قائمة فيه"(1).
2 ـ آية التطهير:
(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(2).
"وأمّا دلالتها على العصمة، فتظهر إذا اطّلعنا على أنّ المرادَ من الرجس هو القذارة المعنوية لا المادية...
وعلى ضوء هذا، فالمراد من الرجس في الآية: كل عمل قبيح عرفاً أو شرعاً، لا تقبله الطباع، ولذلك قال سبحانه بعد تلك اللفظة: (وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، فليس المراد من التطهير، إلاّ تطهيرهم من الرجس المعنوي الذي تُعدُّ المعاصي والمآثم من أظهر مصاديقه.
وقد ورد نظير الآية في حقّ السيدة مريم، قال سبحانه (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَالَمِينَ)(3).
ومن المعلوم أنَّ تعلّق الإرادة التكوينية على إذهاب كلِّ رجس وقذارة،
وكلِّ عَمَل مُنَفِّر ـ عرفاً أو شرعاً ـ يجعل مَنْ تعلَّقت به الإرادة إنساناً مثاليّاً، نزيهاً عن كلِّ عيب وشين، ووصمة عار"(1).
3 ـ ما سبق ذكره من استشهاد الإمامية بآية الإمامة(2)، وطريقة استدلالها بتلك الآية.
وغيرها من الأدلّة.
ثانياً: أنّ من عرف "مبنى" الإمامية الاثني عشرية ـ وهو "قاعدة اللطف" ـ جزم ـ بإنصاف ـ بأنّ قولهم بعصمة الإمام إنما هو نابعٌ من صميم النتائج العقلية الضرورية لمن التزم بقاعدة اللطف في مسألة الإمامة.
ثالثاً: أنّ الزيدية ـ نفسها ـ احتارت أمام الدلائل التي تفرض نفسها للعصمة، فاضطّرت إلى القول بالعصمة، ولكنّها وقعت في مأزق خطير وهو أدّعاء العصمة في العترة ـ هكذا، مُطْلَقةً ـ في أولاد الحسنين!!(3)، وكما يعبّر الفلاسفة والمنطقيون "في الجملة لا بالجملة" بدون أن تحدّد، بل قالت: "وجماعة العترة معصومة" فالقول بالعصمة هو قول الزيدية أيضاً!! إلاّ أنها جعلته في العترة عامّة، وهذا القول فيه ما فيه!! خصوصاً إذا ما لوحظ أنَّ الزيديّة تنفي عن نفسها القول بعصمة آحاد أهل البيت(4).
وتبقى مسألة النصّ كمرحلة أخيرة للتدرج الذي اتبعناه في بحث نظرية الإمامية تدرّجاً هَرَميّاً!!
ولنا في البداية "وقفة" عند النصّ عند الزيدية.
فالزيدية تختلف اختلافاً جِدَّ خطير في مسألة النصّ!!
منشأه من "مسألتين" اختلفت فيهما اختلافاً واسعاً:
أما المسألة الأولى: فهي أنّ الأئمة قسمان:
فالقسم الأوّل: مَن نُصَّ عليه "بالإمامة" وهؤلاء هم: أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب والإمام الحسن بن علي والإمام الحسين بن علي(عليهم السلام).
والثاني: من لم يُنصَّ عليه بالإمامة، وقد اختلفوا في هذا القسم أيضاً!!
فبعضهم قال: بل نُصَّ عليه نصٌّ جُمليٌّ وهم العترة، ـ واختلفوا في هذا النص الجملي أيضاً!! فبعضهم قال: إنما هم أولاد عليٍّ(عليه السلام) من الحسن والحسين(عليهما السلام) ابني فاطمة(عليها السلام)، وعبروا عن قولهم هذا بـ "حصر الإمامة في البطنين"، والبعض الآخر قال بدخول أولاد عليٍّ(عليه السلام) من غير الحسنين(عليهما السلام) كمحمد بن الحنفية والعباس بن علي وعمر بن علي(1).
والمسألة الثانية: أصل "النصّ" هل هو جليٌّ أو خفي؟
والحقُّ يقال!!: أنه لم يكن للقائلين "بالنص الخفي" "غرضٌ" سوى تنزيه مقام المتقدمين على أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه ممّا يمكن أن يلحق بهم من تفسيق أو تكفير!!; جرّاء مخالفة النصوص القطعية على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بالإمامة الكبرى(2).
1) عدة الأكياس: 2 / 122.
2) حتّى أن كثيراً من مؤلفي "الزيدية" في العقائد كانوا يعقدون فصلاً أو باباً في سياق ذكرهم "للإمامة" تحت عنوان: "حكم من تقدّم أمير المؤمنين(عليه السلام)". انظر: عدة الأكياس: 2 / 166، وراجع: أنوار اليقين للحسن ابن بدر الدين، وحقائق المعرفة لأحمد بن سليمان وغيرها، ومن المضحك ـ وشرّ المصائب ما يضحك ـ أن يؤدِّي هذا الدَوَران ـ بعد عناء ـ إلى القول بالنص "الجلي" في الإمامين الحسن والحسين(عليهما السلام) والنصِّ "الخفّي" في أمير المؤمين(عليه السلام)!! انظر: شرح الأزهار: 4 / 522، لوامع الأنوار: 2 / 142 ـ 144، وهذا كلّه باعتبار ان من أكبر أدلة القائلين بالنص الخفي: مخالفة الصحابة له ببيعتهم لأبي بكر وظنهم بأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) وافقهم وسار معهم على خطتهم غافلين أو متغافلين عن كثير من القضايا التي أشار إلى بعض منها الشاعر.
نخلص من هذه الوقفة القصيرة ـ التي قد لا يكون لذكرها هنا معنىً سوى الإثارة، ويا لها من إثارة دقيقة جدّاً كثيرة المفارقات غزيرة النتاج عميقة المداليل!! ـ إلى قول الزيدية في النصّ على من بعد الحسين(عليه السلام).
فالزيديّة ـ بشكل عام ـ(1)لاترى النصَّ على من بعد الحسين تخصيصاً، ولكنها تراهُ عاماً في العترة(2)!!
ولكنّ المشكلة ستكون حينها في نفس متمسك الزيدية على "إمامة" العترة أو قُل: أحد مستمسكاتها وهو: حديث الثقلين.
فإنّ هذا الحديث ـ بحد ذاته ـ يُلحُّ علينا أن نطالب بالمنصوص عليه، وإلاّ فكيف يوكل أمر الأُمة إلى "عترة" لا نعرف من هم وبأي حق هم أئمة؟
أضف إلى ذلك أن الأحاديث التي قد "خصصت" العترة في "اثني عشر إماماً" أو "خليفةً" قد كفتنا عناءَ البحث والتكلّف وتجشم "الالتواء" على "النصوص" وعرقلة مسيرتها الطبيعية التكوينية(3)!!
وأمّا الاثنا عشرية فقد قالت: أن الأئمة من بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) اثنا عشر إماماً(4).
1) لأنّ لهم كلاماً في الوصية إلى زين العابدين علي بن الحسين(عليه السلام) راجع: التحف: 42.
2) عدة الأكياس: 2 / 188.
3) تاريخ الخلفاء: 10 ـ 12، أنوار التمام (تتمة الاعتصام للقاسم بن محمد): 5 / 400 ـ 402.
4) وليست الاثنا عشرية وحدها هي التي قالت هكذا; بل أنَّ أكثر محدِّثي المذاهب الإسلامية أوردوا في صحاحهم ومسانيدهم حديث الأئمة الاثني عشر، إما إجمالاً أو تفصيلاً. انظر: صحيح البخاري: 9 / 147 / 79، صحيح مسلم: 3/ 1452 / 5 {1821}، مسند أحمد ابن حنبل: 1 / 398 / 406، ينابيع المودة: 3 / 281، للتوسّع انظر: إعلام الورى: 2 / 157 ـ 208، نفحات الأزهار: 2 / 337، دلائل الصدق: 2 / 485، بحار الأنوار: 36 / 192 ـ 418، الإلهيّات: 4 / 109 ـ 115، وراجع: إثبات الهداة للحرِّ العاملي.
واستدلّوا على حصرهم ذلك بالنقل والعقل!!
يقول "الشريف المرتضى":
"الذي يدلّ على إمامة الأئمة(عليهم السلام) من لدن حسن بن علي بن أبي طالب إلى الحجة ابن الحسن المنتظر صلوات الله عليهم نقل الإمامية وفيهم شروط الخبر المتواتر المنصوص عليهم بالإمامة وأن كل إمام منهم لم يمض حتّى ينصَّ على من يليه باسمه عنه، وينقلون عن النبي(صلى الله عليه وآله) نصوصاً في إمامة الاثني عشر صلوات الله عليهم، وينقلون زمان غييبة المنتظر صلوات الله عليه وصفة هذه الغيبة عن كل من تقدّم من آبائه، وكل شيء دللنا به على صحة نقلهم لما انفردوا به من النصّ الجلّي على أمير المؤمنين(عليه السلام) يدلّ على صحة نقلهم، فالطريقة واحدة.
وجولتنا الأخيرة ـ في هذا الطواف السريع على الأسس الهرمية لنظرية الإمامة عند الزيديّة والاثني عشرية ـ هي في نظرية القيام والدعوة عند الزيدية:
وفي البداية نقول: إنه قد أصبح من شبه البديهي أن الزيدية تقول بقيام الإمام ودعوته، خصوصاً لمن عرف تاريخها ودرسه ابتداءاً بزيد بن علي... وانتهاءاً بآخر إمام لهم في اليمن على اختلاف لهم فيه!! هل هو هو أم أبوه(1)؟!
ولندع صاحبة النظرية نفسها تُرينا تعريف القيام والدعوة وكيف صارت طريقاً لتعيين الإمام ومعرفته بعد الحسين(عليه السلام).
يقول الشرفي:
"قال أئمتنا(عليهم السلام) وشيعتهم: وطريقها ـ أي الإمامة ـ أي الطريق إلى كون
1) ومع التسليم ـ فرضاً ـ بأنّ زيد بن علي يُعتبَر محوراً لتلك الدائرة او ابتداءاً لخطّ الزيدية الذي نمىـ من بعده ـ مذهباً وفكراً حركةً وسلطةً.
الشخص إماماً تجب طاعته بعد الحسنين(عليهما السلام): القيام والدعوة ممّن جمع شرائطها التي تقدّم ذكرها.
ومعنى ذلك أن ينصب نفسه لمحاربة الظالمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويشهر سيفه وينصب رايته ويبث الدعاة للناس إلى إجابته ومعاونته وعلى هذا إجماع العترة(عليهم السلام) وشيعتهم..."(1).
وجاء في كتاب شرح الأزهار:
"واعلم أنّه لابدّ من طريق إلى اختصاص الشخص بالإمامة، وقد اختلف الناس في الطريق إلى ثبوت الإمامة، فعند الزيدية أن طريقها الدعوة فيما عدا علياً(عليه السلام)والحسن والحسين، ومعنى الدعوة أن يدعو الناس إلى جهاد الظالمين وإقامة الحدود والجُمع وغزو الكفّار والبغاة ومباينة الظالمين حسب الإمكان"(2).
إذن فقد عَرَّفَنا هذان النصّان على "لُبّ لباب" في مسألة القيام والدعوة. ولكن ما هو دليل القول بهذه المسألة؟!
هذا ما يحدّثنا به الإمام يحيى بن حمزة في هذا النصّ التالي:
"اتفقت الأمة على أنّ الرجل لا يصير إماماً بمجرد صلاحيته للإمامة، واتفقوا على أنّه لا مقتضى لثبوتها إلاّ أحد أمور ثلاثة: النص والاختيار والدعوة، وهي أن يباين الظلمة من هو أهل للإمامة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى اتِّباعه، واتفقوا على كون النص من جهة الرسول طريقاً إلى إمامة المنصوص عليه، واختلفوا في الطريقين الآخرين، فالإماميّة اتفقت على بطلانهما، وذهبت المعتزلة والأشعريّة والخوارج والزيدية الصالحية إلى أن الاختيار طريق إلى ثبوتها، وذهبت الزيدية غير الصالحية إلى أن الاختيار طريق إلى ثبوتها،
وذهبت الزيدية غير الصالحية إلى أن الدعوة طريق الإمامة، ووافقهم عليه الجبائي من المعتزلة وأبو حامد الغزالي، أما النص فسيأتي تقديره ولم يبقَ إلاّ الاختيار أو الدعوة، فإذا بطل الاختيار ثبت ما نقوله من أن الدعوة طريق الإمامة، والذي يدلّ على بطلان الاختيار، أن كون الاختيار طريقاً إلى ثبوت الإمامة حكم يثبت بالشرع ولا دلالة من جهة الشرع عليه، فوجب سقوطه، والذي يتصور فيه من الأدلة الإجماع، ومن أنصف عرف أن مثل هذا الإجماع الذي وقع الشجار والتفرق فيه والاختلاف لا يمكن أن يقضى بمثله في مسألة ظنية، فضلاً عن أعظم الأشياء وأخطرها وهي الإمامة"(1).
ومن هذا النصّ الجامع لعقيدة الزيدية في مسألة القيام والدعوة قد تتضح لنا أمورٌ عدّة يهمّنا منها الآن:
1 ـ ان بعض الزيدية لم يقولوا بالقيام والدعوة، بل قالوا بالاختيار كإخوان لهم من اهل السنة.
2 ـ أن دليل القيام والدعوة يبتني في البداية على عدم صلاحية العقد والإختيار والنصّ كطريق لمعرفة الإمام، وحينها لا يبقى لدينا إلاّ القيام والدعوة كطريق أخير للإمامة فنعتقده.
3 ـ إنّ "يحيى بن حمزة" لا يرى الإجماع على مسألة القيام والدعوة ويخالف بذلك بعض أئمة الزيدية، إن لم يكن كلّهم، أو أنّ أئمة الزيدية لهم نظريات متعددّة في الدليل على القيام والدعوة!!
4 ـ وهكذا يتركنا يحيى بن حمزة حيارى بعده دون أن يعطينا دليلاً قاطعاً على "القيام والدعوة"!!
وأما "الإثنا عشرية" فالمسألة محلولة عندهم سلفاً وذلك بقولهم بالنصّ من
1) المعالم الدينية: 130، 131.
الرسول(صلى الله عليه وآله) على اثني عشر إمام.
ولكن لا بأس بذكر نموذج من استدلالاتهم العقلية والموضوعية على القول هذا وردّ آراء مخالفيهم:
"فأمّا الطريق إلى تعيين الإمام فعندنا إنّما هو النصُّ من جهته تعالى عليه أو ما يقوم مقامه من المعجز، وعند أكثر مخالفينا طريقة الاختيار والعقد، وعند الزيدية طريقه النصّ او الخروج أو الدعوة، ونحن ندلّ على صحّة ما ذهبنا إليه نفي صحّة بطلان قول جميع من خالفنا في ذلك.
والذي يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه هو ما قد دللنا عليه من وجوب عصمة الإمام، والعصمة لا طريق إلى معرفتها إلاّ إعلام الله تعالى بالنصّ على لسان نبي صادق أو بإظهار معجزة على الإمام نفسه، فأمّا اختيار الأمّة وعقدهم وبيعتهم فلا يصلح أن يكون طريقاً إلى معرفة المعصوم، فبطل أن يكون الاختيار طريقاً إلى تعيين الإمام، وكذلك الخروج والدعوة لا يكونان طريقاً إلى العصمة، لجواز حصولهما في غير المعصوم، فلا يكونان طريقاً إلى تعيين الإمام"(1).
1) المنقذ من التقليد: 2 / 296.
ولد في دولة المغرب، وترعرع في أجواء أسرة مالكية المذهب، فاتبع هذا المذهب تقليداً للآباء، كباقي ابناء مجتمعه.
كان للسيد الكثيري مجموعة اصدقاء تجمعهم هواية البحث عن الصحوة والفكر الجديد، وبمرور الزمان ومن خلال مفاجئتهم بوجود التناقضات في الصعيد العقائدي والفقهي بدأوا يعانون من القلق الفكري.
يقول الكثيري في هذا المجال: "هذا التخبط والاختلاف العقائدي الذي كان سبباً في انتشار موجه من القلق الفكري والروحي داخل صفوف أبناء الصحوة، دفع البعض إلى التحرر تدريجياً من الالتزام الديني والتوجه نحو الانشغالات الدنيوية والنظر إلى الإسلام بنوع من الحذر والريبة. ومنهم من هرب قاصداً الطرق الصوفية على اعتبار أن التعبد هو الحقيقة الوحيدة... وبقيت فئات عريضة داخل هذه البؤرة تتخبط في الاختلاف والتناقض وتتوزعها كيانات فكرية وحركية لا تتوقف عن الانقسام والتكاثر، كل كيان يسفه احلام خصومه، بل يكفرهم ويرمي بهم بعيداً عن جماعة المسلمين".
ويضيف السيد الكثيري: "الواقع أنني كنت ممن أكتوي بنار هذا الاختلاف
واصابه شرر من لهيبها المتطاير، أيام بل شهور من القلق الفكري والعقائدي كادت أن تعصف بكباني الايماني والالتزامي.
لكن العناية الالهية أدركتني في الوقت المناسب، فانتشلتني من هذا التخبط الذي حشرت فيه، وأمدتني بالقوة والعزم الكافيين لمواصلة مسيرة البحث والدراسة لمعرفة اسباب الخلاف وعوامله ومن يقف وراءه.
فعقدت العزم لدراسة المذاهب الإسلامية المتعددة والتعرف على رجالاتها وكتبهم والبحث عن الدراسات المهمة التي تعالج القضية المذهبية وتاريخ المذاهب.
ولما لم يكن ذلك متيسراً في وطني لقلة المراجع والمصادر الخاصة بالمذاهب الإسلامية المختلفة قررت السفر إلى الشرق لتحقيق هذا الغرض".
وفي الشرق بدأ الكثيري بدراسة التاريخ وسلط الضوء على الخلفيات التاريخية، لأنه كان يرى بأن هذه الخلفيات تعطى للفكرة الأبعاد العميقه، فتظهر الحقيقة من خلال هذا العمق، وهذا هو الذي يساعد الانسان على حسن الاختيار والتمييز بين الحق والباطل.
ومن هنا اكتشف الكثيري: "أن السلطات السياسية الحاكمة للمجتمع الإسلامي خصوصاً مع بداية القرن الرابع قد اضفت الشرعية المطلوبة على بعض المدارس الأصولية والفقهية. وتلقاها عامة الجمهور بالقبول وأضفوا عليها مع مرور الزمن القداسة والاحترام حتى اضحت تمثل الإسلام في شكله ومضمونه، وغد الخارج عنها مارقاً عن الإسلام، كافراً ضالا وفي أحسن الظروف مبتدعاً، لذلك أحلّوا دمه وماله.
في المقابل عاشت فرق ومذاهب أخرى في الظل، ليس فقط لشذوذها الفكري أو العقائدي، وركوبها الغلو الذي تنفر منه فطرة اغلبية الناس ولكن
لمعاداتها السلطات السياسية القائمة. وأفضل مثال على ذلك الفرق الشيعية بعامة والإمامية الاثنا عشرية بخاصة.
فإذا كانت هذه الفرق لم تعترف بشرعية اغلب السلطات السياسية التي قامت على طول التاريخ الإسلامي، فإن رد فعل تلك السلطات كان مماثلا وزيادة بعض الشيء، فشُوهت أفكار الفرق المعارضة وحُرفّت عقائدها وقُتل دعاتها ورجالات دعوتها وأرباب مدارسها، ولم يسمح لها بنشر مذاهبها إلا بطرق سرية وحفية.
لذلك لم تعرف حقيقة الكثير من المدارس الكلامية إلاّ بعد فترة طويلة من انتهاء هذا الصراع.
ولكن هذا النمو في الظل والخفاء لبعض الفرق، قد جعل قطاعات واسعة لا تعرف عنها شيئاً".
وتبيّن للكثيري أن المذاهب الاربعة لم تستطع الانتشار إلاّ في ظل عناية الخلفاء والولاة وذلك لأن عناية السلطة تكسب الشيء لونا من الاعتبار والعظمة، كما أن السلطات الحاكمة حصرت المذاهب في أربعة ومنعت العامة من تقليد غيرها، ثم منعت الاجتهاد واغلقت بابه وجعلته حكراً على من مضى من السلف وفرضت على الخلف التقليد والامتثال.
ثم واصل الكثيري بحثه، بعيداً عن كل تعصب أو انحياز مسبق لجهة ما على اعتبار أنها الحق أو أنها الميزان الذي يوزن به غيره، وكان هدفه من بحثه الموضوعي هو حب الوصول للحقيقة.
واكتشف الكثيري خلال مطالعته للتاريخ حقائق مهمة وخطيرة، غيرت من حياته الكثير لأنّها انتزعته من مذهبه السابق وأخذت بيده إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ثم واصل الكثيري بحثه حتى لم يبق له أدنى شك في تغيير انتمائه المذهبي لأنه اكتشف أن من قوة مذهب التشيع أنه قادر على اثبات احقيته من كتب أهل
السنة، فزاده ذلك اطمئناناً وايماناً بصحة عقائد الشيعة وما يدعون إليه.
فاعلن استبصاره، ثم جند نفسه لنشر علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) فاختار القلم وسيلة لتحقيق هذه الغاية، فتوجه إلى التأليف والكتابة ونشر المقالات في الصحف والمجلات الاسلامية من أجل انارة بصائر... الذين لا يعرفون عن التشيع شيئاً وارشادهم إلى الحقائق التاريخية التي وقفت السلطات الجائرة فيما سبق دون وصولها إلى الناس.
صدر سنة 1418 عن مركز الغدير ـ بيروت.
يقول المؤلف في المقدمة: "أما هذا الكتاب وفصوله الستة فيأتي كمساهمة في ايجاد إجابات لمئات التساؤلات التي تطرحها مسيرة الصحوة الإسلامية اليوم على المستوى العقائدي والمذهبي، ومحاولة لتسليط الضوء على أسباب وعلل الاختلاف الديني، ومن يقف وراء الفتن المذهبية والحروب الطائفية التي تمزق وحدة المسلمين في الوقت الراهن. كل ذلك من خلال متابعة تاريخية شاملة لنشوء المذهب الحنبلي في الفقه والعقائد، ورصد ليومياته في الدعوة والانتشار وعلاقته بخصومه ومخالفيه من المذاهب الإسلامية الاخرى، مع عرض لبعض خصوصياته العقائدية والفقهية".
ويتألف الكتاب من الأبواب والفصول التالية:
الفصل الأول: التعاريف، السلفية، الحشوية، أهل السنة والجماعة، الشيعة الإمامية.
الفصل الثاني: المذهب الحنبلي رحم الحشوية.
الفصل الثالث: تقي الدين أبو العباس ابن تيمية وعقليته الحشوية.
الفصل الرابع: محمد بن عبد الوهاب وقيام الدعوة السلفية.
الفصل الأول: مع أهل السنة.
الفصل الثاني: مع الشيعة الإمامية.
ومن آثاره أيضاً التي نشرها في مجلة المنهاج كمقالات تحت عنوان: "قراءة في كتاب".
نشرته مجلة المنهاج ـ العدد السابع ـ خريف 1418 هـ ـ 1997م.
مما جاء في هذه القراءة: "التاريخ الاسلامي وبحكم أصالته وبفعل العوامل الخاصة التي ساهمت في تكوينه قد اصبح شريكاً للقرآن والسنة في تكوين الرؤى والمواقف وصياغة كثير من المعتقدات والمعارف...
هذه الحقيقة... دفعت مجموعة من المؤرخين والمفكرين الاسلاميين منذ مطلع القرن العشرين إلى التفكير والدعوة إلى اعادة النظر في هذا الموروث التاريخي الضخم...
من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي لم يتحسس مؤلفه فقط عمق المشكلة وخطورتها، ولم يقنع بترديد الدعوة إلى كتابة التاريخ الاسلامي، بل حاول ان يقدم مساهمة عملية وموضوعية لاعادة كتابة هذا التاريخ وتصحيحه".
محمد نور ولي".
مما جاء في هذه القراءة: "هناك العشرات من الدراسات الجامعية تتنوع بين بحوث تمهيدية لنيل درجة الماجستير في العلوم الإسلامية، ورسائل ماجستير واطروحات دكتوراه، انجزت خلال السنوات الماضية داخل الجامعات السعودية، كان الغرض منها أولا واخيراً، الانتصار لمذهب الحنابلة في الاصول والفروع، بالاضافة إلى تزييف الحقائق التاريخية وتحريفها، دفاعاً عن ظلم بني أمية، والتستر عما ارتكبوه من جرائم في حق الاسلام والمسلمين والانسانية جمعاء".
ومن هذه الرسائل رسالة الدكتوراه للمؤلف السلفي المذكور من الجامعة الاسلامية.
وجاء في القراءة أيضاً: "يمكن أن نجزم بأن ما قام به الباحث السلفي، في بحثه هذا، ليس سوى تطبيق وفي منهج ابن تيمية وتلامذته في تحريف التاريخ والتراث الاسلامي بشكل عام. لذلك سنعرض لهذا المنهج باختصار شديد لأنّ هذه الدراسة لا تتحمل التفصيل، لكن المهم هو تنبيه أبناء الصحوة الإسلامية والباحثين في مجال التاريخ الإسلامي، لهذه الطرق والوسائل التي يتبعها السلفيون لقلب حقائق التاريخ الإسلامي لغاية وحيدة ونهائية، وهي الدفاع عن بني أمية وتبرئتهم من كل ظلم وطغيان، أو كفر ونفاق".
وله مقالات اخرى في مجلة المنهاج نشرها باسم "محمد دكير"، منها:
1 ـ الفكر التربوي عند الشهيد الثاني (المنهاج ـ العدد العاشر).
2 ـ حقوق الانسان في الاسلام (المنهاج ـ العدد الحادي عشر).
3 ـ الامامة والسلفية (المنهاج ـ العدد الخامس عشر).
4 ـ الاصابة بوباء الغرب (المنهاج ـ العدد التاسع عشر).
5 ـ الفسلفة المتعالية (المنهاج ـ العدد العشرون).
يتناول الكاتب في كتابه هذا عنوان السلفية كحركة دينية ظهرت على الساحة الإسلامية، فيعرّفها ويبحث عن جذورها وكيفية نشؤها وعلاقاتها مع الطوائف الإسلامية، ويبيّن أهم عقائدها التي تضادت عموماً مع عقائد معظم المسلمين والذي حدا بها إلى تكفير معظم أهل القبلة، وردود المسلمين عليها ووقوفهم في وجهها.
المقصود بالسلفية هم أولئك الذين ظهروا في القرن الرابع الهجرى. وكانوا من الحنابلة، وزعموا أن جملة آرائهم تنتهي إلى الإمام أحمد بن حنبل الذي أحيى عقيدة السلف، وحارب دونها، ثم تجدد ظهورهم في القرن السابع الهجري، أحياه (ابن تيمية) وشدد فى الدعوة إليه، وأضاف إليه أموراً أخرى قد بعثت إلى التفكير فيها أحوال عصره، ثم ظهرت تلك الآراء في الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر الهجري، أحياها "محمد بن عبد الوهاب" ـ في الجزيرة العربية ـ وما زال الوهابيون ينادون بها(1).
ويطلق على السلفية الذين ظهروا في القرن الرابع: الحشوية.
الحشو لغة ما يملأ به الوسادة أو الحشية أو الخضر وغير ذلك. و "الحشوية"
1) محمد أبو زهرة، المذاهب الاسلامية: 311.
بتسكين الشين وفتحها أو أهل الحشو: لقب تحقير أطلق على أولائك الفريق من أصحاب الحديث الذين اعتقدوا بصحة الأحاديث المسرفة في التجسيم من غير نقد. بل فضلوها على غيرها وأخذوها بظاهر لفظها. ومن هؤلاء أيضا السالمية. وقد إزدرى المعتزلة أصحاب الحديث جميعا وعدوهم من الحشوية.
لأنهم قبلوا التفاسير المنطوية على التجسيم، وإن كانوا تحفظوا في التجسيم فقالوا "بلا كيف" ولم يفسد ذوقهم كما فسد ذوق الحشوية الخلص(1).
وقالوا: إنّ الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وجوز قوم منهم على الأنبياء الكبائر كالزنى واللواط وغيرهما. إلى غيره من الأقوال الواضحة البطلان(2).
أما ابن رشد الفيلسوف، فيقول: "الحشوية فإنهم قالوا ان طريقة معرفة وجود الله تعالى هو السمع لا العقل: أعني أن الإيمان بوجوده الذي كلف الناس التصديق به يكفي فيه أن يتلقى من صاحب الشرع ويؤمن به إيماناً كما تتلقى منه أحوال المعاد، وغير ذلك مما لا مدخل للعقل فيه، وهذه الفرقة الضالة، الظاهر من أمرها أنها مقصرة عن مقصود الشارع في الطريق التي نصبها للجميع مفضية إلى معرفة وجود الله تعالى... وذلك يظهر من غيرما آية من كتاب الله تعالى أنه دعى الناس إلى التصديق بوجود الباري سبحانه بأدلة عقلية منصوص عليها"(3).
ويمكن أن نستخلص عناصر الموقف الحشوي كما يفهم من النص السابق وغيره على النحو التالي:
1 ـ الإعتماد على النص وحده طريقاً إلى المعرفة الإعتقادية خاصة والدينية بصفة عامة، ورفض العقل وأدلته.
2 ـ سوء الفهم للنصوص الدينية نفسها " أو الإعتماد على الأحاديث الضعيفة أو المدسوسة في السنة للإستدلال بها في العقائد" حيث أن هذه النصوص كما سبق بيانه وكما يشير إبن رشد في نصه الآنف الذكر، تعتمد العقل وتتضمن براهين عقلية لإثبات العقائد الدينية الواجب اعتناقها، ولا نكتفي بتقرير هذه العقائد عارية عن البرهنة والإستدلال.
3 ـ النزوع إلى الفهم الحرفي لتلك النصوص مما يؤدي إلى التجسيم والتشبيه. أي تشبيه صفات المخلوقات والأشياء المادية الجسمية إلى الله سبحانه(1).
إن فرقة (السلفية المعاصرة) اليوم هي تيار حشوي له جذور عميقة في التاريخ الفكري للحشو وعقائده.
وأنه مذهب إنتقائي تكاد ترجع أغلب آرائه في العقائد إلى الإسرائيليات، التي حشا بها الرواة من الأعراب ومتأسلمة اليهود والنصارى أحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله).
على أن مصطلح "الحشوية الحنبلية" ليس من مبتكرات خصوم "السلفية" اليوم، وإنما ورد في كثير من كتب التاريخ وكان يقصد به سلف "السلفية الوهابية المعاصرة". فقد ذكر إبن عساكر في كتابه "تبيين كذب المفتري عن الإمام أبى الحسن الأشعري" قوله: "وفي منتصف القرن الخامس استفحل أمر هؤلاء الحشوية ببغداد حتى (أخطر) أمثال أبي إسحاق الشيرازي وأبي بكر الشاشي وغيرهما من أئمة الشافعية أن يكتبوا محضراً عليه خطوطهم ورفعوه إلى نظام الملك، ومن جملة ما فيه. "إن جماعة الحشوية والأوباش الرعاع المتسمين
1) د. حسن محمود الشافعي، المدخل إلى دراسة علم الكلام، مكتبة وهبة، والقاهرة ط2 1991م، ص 76.
بالحنبلية أظهروا ببغداد من البدع الفظيعة والمخازي الشنيعة مالم يتسمع به ملحد فضلا عن موحد"(1).
ومن خلال تتبعنا للجذور التاريخية لمصطلح "السلفية" تبين واضحا أن أتباع هذه المدرسة اليوم، ليسوا سوى "خلف حشوية أهل الحديث" المتوسمين بالحنابلة. وأن مصطلح "السلفية" سيضيق مفهومه ليصبح علما متميزاً لما توصل إليه ابن تيمية الحراني... من آراء في العقائد خصوصاً، بعدما تصدى للكم الهائل من أحاديث التشبيه والتجسيم ورام الدفاع عنها، وسلك منهجا وطريقة في اثباتها وجعلها أساساً لعقائد السلف.
والسلفية أو الوهابية اليوم هي دعوة متميزة لبعث هذه العقائد، مدعومة بمخزون أهل الحشو من أحاديث وروايات. لذلك كثرت الطبعات والتحقيقات لكتب مثل "السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد، و "التوحيد" لإبن خزيمة، وغيرهما من المصادر المعتمدة لدى الحشوية الأوائل.
إن المتتبع لمجمل آراء علماء أهل السنة والجماعة وغيرهم في ابن تيمية يمكن ان يستنتج التالي:
1 ـ لم يكن ابن تيمية إلا حشوياً متستراً بتبعيته للسلف الذين جعل لهم مذهباً موحداً يرجع إليه.
2 ـ سقط في أخطاء عقائدية وأصولية نتيجة دراسته للفلسفة، خالف بها ما أجمعت عليه الأمة وخصوصاً علماء أهل السنة والجماعة من أشاعرة وما تريدية.
3 ـ كان كثير الكذب على السلف في نقله أقوالهم وآرائهم وإجماعهم في
1) هذه عقيدة السلف: 89، أنظر دفع شبه التشبيه والرد على المجسمة ممن ينتحل مذهب الإمام أحمد، لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي، المتوفي سنة 597هـ.
بعض المسائل العقائدية. مع تعمده التحريف وعدم الضبط في نقل النصوص.
4 ـ لم يكن أتباعه من عقلاء الأمة أو علمائها وانما جلهم من العوام الجهلة، وقد انتصر بهم وبالسلطان فحقن دمه واكتفي فقط بسجنه إلى أن مات فيه.
5 ـ عدم الإعتراف له بالأعلمية التي تؤهله للإجتهاد، فقد كان سطحياً في فهمه للنصوص، مؤمنا بظواهرها الإبتدائية. وهذا خلاف ما عليه المحققون من رجال الشريعة.
6 ـ إن آراءه العقائدية الشاذة ترمي به بعيداً عن الجماعة، واذا أضفنا ما ابتدعه من فتاوي ضالة في الفقه وآرائه في الصحابة فهو إن لم يحكم عليه بالكفر الصراح فلا شك في زندقته ونفاقه(1).
كان ابن تيمية حدة في الطبع وجفاء وغلظة في التعامل مع من جعلهم خصوماً له. وقد حاول البعض أن يُرجع هذه الحدة والمزاج الصعب والمتقلب إلى كون الشيخ لم يتزوج طيلة حياته. ولا شك أن الكبت الجنسي كما اثبت العلم المعاصر، يضغط على الأعصاب ويؤثر عليها، فيتعرض الإنسان على أثر ذلك لموجات عصبية حادة. وهذا القول لا شك أن فيه بعضاً من الصحة ويمكن أن يكون مفتاحاً لحل لغز التناقض الحاد في أفكار الشيخ وأحكامه.
فقد عثر الباحثون على أحكام وآراء متناقضة له في المسألة الواحدة. فهو حينا يعالج القضية بهدوء وتفهم وكأنه تلميذ يشرح كلام أستاذه بصدق وأمانة، وتراه حينا آخر مندفعاً لا يلوي على شيء مجرداً خصومه من كل فضيلة أو علم
1) رد العلاء البخاري الحنفي على ابن تيمية، وقال في حقه: "ان من سمى إبن تيمية "شيخ الاسلام فهو كافر"، وقال به غيره، انظر كتاب "الرد الوافر للامام ابن ناصر الدين الدمشقي: 60 و 21، كما اعترض الشيخ زاهد الكوثري على التسمية.
ناسبا إياهم إلى الضلال والإبتداع أو الكفر، بل ليسوا سوى تلامذة لفلاسفة اليونان الوثنيين أو أتباع بوذية الهند وأنباط الفرس.
ونحن نقول بعد متابعة شاملة لحياة الشيخ ومذهبه وسيرة أصحابه، بأن الحدة والمزاج الصعب والجاف الذى يتكلم عنه الباحثون، يجدون تفسيره في مسألتين مهمتين بالإضافة إلى الكبت الجنسي أو كونه عاش وحيداً دون أهل أو زوجة.
المسألة الأولى: تتمثل في البيئة الجغرافية التي فتح الشيخ فيها عينيه وتربى ونشأ، وهي مدينة حران التي وصفها الرحالة ابن جبير بقوله: "ولا تزال تتقد بلفح الهجير ساحاته وأرجاؤه ـ أي بلد حران ـ ولا تجد فيها مقيلا، ولا تتنفس فيها إلاّ نفساً ثقيلاً، قد نبذ بالعراء، ووضع في وسط الصحراء فعدم رونق الحضارة، وتعرت أعطافه من ملابس النضارة"(1). فلا شك أن هذه البيئة الصحراوية الجافة كان لها تأثير على نفسية الصبي، وهذا معلوم بالضرورة فأخلاق وسلوكيات البدو الذين يعيشون في الصحاري والقفار تكون جافة غليظة، بخلاف سكان الحواضر والبوادي الخصبة حيث الأنهار والبساتين والأشجار الكثيفة. وهذا من تأثير الطبيعة والجغرافية على الإنسان، وهي مسلمة علمية وعرفية.
المسألة الثانية: ترجع إلى المذهب الحنبلي فقد ولد الشيخ إبن تيمية في بيت المشيخة الحنبلية واستمر يرتع وينمو في أحضان هذا المذهب إلى أن تولى رئاسته. والصفة المميزة والخاصة لأتباع هذا المذهب كانت وما زالت تتمثل في الجفاء والغلظة، وقد وصفهم إبن عقيل الحنبلي قائلا: "قوم خشن تقلصت أخلاقهم عن المخالطة وغلظت طباعهم عن المداخلة...(2).
ويقول صاحب النهج الأحمد: "فقد كنا في عهد الصبا نسمع الرجل يصف رجلا آخر فإذا أراد أن ينعته بضيق الصدر والتزمت وصلابة الرأي وعدم انقياده للحديث يلقي إليه قال "أنه حنبلي" ولا يزال الناس إلى يومنا هذا يذكرون هذه العبارة في مثل هذا المعرض(1).
أما موقف إبن تيمية من أهل البيت فكان غريباً جداً، فعندما ستصادفه عشرات الأحاديث الصحيحة ومن في حكمها، وكلها تشهد لأهل البيت، علي وفاطمة والحسن والحسين، بالأفضلية، وتدعو لاحترامهم ومحبتهم وتقديمهم على غيرهم. وهذه الأحاديث تملأ الصحاح وكتب الحديث المختلفة، فإن شيخ الحنابلة، سيقول: "ان فكرة تقديم آل الرسول هي من أثر الجاهلية، فى تقديم أهل بيت الرؤساء"(2)!؟
إذن هذا الإجتباء الإلهي لآل الأنبياء هو من أثر الجاهلية، وكل هذا الذي في القرآن هو من أثر الجاهلية؟!
وهذه الصلاة على آل محمد وآل إبراهيم التي ترددها في صلاتك هي من أثر الجاهلية!! أتدري لماذا جدع قصير أنفه؟! لأنه لا يستريح حين يذكر لآل محمد(صلى الله عليه وآله)حق في ذلك الإصطفاء(3). أما عندما يصطدم بحديث غدير خم الواضح في ولاية علي وأهل بيته، فإنه يحذف أوله ويثبت آخره. وهذا تحريف ليس جديداً على الشيخ، وقد تكلمنا في فصله عن إتهام أهل السنة له بالتحريف لأقوال الفرق الإسلامية والكذب على أصحابها.
ويتابع الشيخ الحنبلي نقض متسمسكات الشيعة الإمامية عروة عروة. لقد أجمعت الأمة أن الرسول آخى بين المهاجرين والأنصار، وآخى بينه وبين علي بن أبي طالب، وروي أحمد بن حنبل في مسنده عن الرسول(صلى الله عليه وآله) في حق عليّ: "أنت أخي وأنا أخوك"، لكن إبن تيمية ينفي ذلك، ويحكم ببطلان الأحاديث الواردة في ذلك. مع أن أحاديث المؤاخاة صحيحة وقد رواها الحاكم والترمذي وذكرها أصحاب التواريخ.
ويبلغ التهافت والتجني على الحقيقة منتهاه، عندما يرفض هذا الحنبلي حديث الطير(1). لأنه يصرح بأفضلية الإمام علي(عليه السلام) على جميع الناس ما عدا الرسول(صلى الله عليه وآله). يقول إبن تيمية "إن حديث الطائر من المكذوبات الموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائق النقل" وقال: "وقد سئل الحاكم عن حديث الطير فقال: لا يصح"(2).
أما إذا رجعنا إلى أهل العلم لنعرف مصداق كلام الشيخ فسنجد أن هذا الحديث، قد رواه الترمذي من طريق السدي ووثقه، ورواه النسائي، وصححه الحاكم في المستدرك وقال: رواه عن أنس أكثر من ثلاثين نفسا، وصححه الذهبي وألف جزءاً في ما صح عنده من طرقه، ورواه البغوي أيضاً وآخرون. وقال الخوارزمي اخرج إبن مردويه هذا الحديث بمئة وعشرين إسناداً... وقال سبط إبن الجوزي: قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: حديث الطائر صحيح، يلزم البخاري ومسلم إخراجه في صحيحيهما لأن رجاله ثقات، وهو على شرطهما(3).
ماذا يقول علماء السلفية عندما يكذب شيخهم السلفي على علماء الحديث
فالحاكم صحح الحديث، لكن إبن تيمية يقول لم يصححه؟! ان الانتصار لملوك بني أمية أعداء الإسلام والإنسانية، قد أعمى الشيخ وصمه، لدرجة رد أحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله) وضربها عرض الحائط.
وكذا فعل مع حديث الإنذار، الذي ذكره أهل التفسير عندما، شرحوا قوله تعالى: (وَ أَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَْقْرَبِينَ)(1). وهذا الحديث يعلن صراحة وبوضوح كون الإمام علي هو الوصي والخليفة. بل إن الشيخ الحنبلي سيتنكر لبعض الحقائق الواضحة والتي لا تحتاج إلى عناء لتحقق منها. فهو يقول عن سورة الدهر أنها "مكية باتفاق العلماء"(2). وسورة الدهر أو الإنسان مدنية، باتفاق الأمة وهذه المصاحف بين أيدينا تشهد على ذلك؟! ولا ندري، ألم يكتف الشيخ بضرب السنة وتجريحها، فهل انتقل إلى القرآن لتغيير حقائقه. نقول هذا الكلام للسلفية، ليسرعوا إلى تصحيح عثرات شيخهم، لأنها عثرات قاتلة؟!.
إن كذب الشيخ على علماء الحديث والمفسرين، وتحريف أقوالهم، كثير جداً في منهاجه، وقد جئنا بهذه الأمثلة لمعرفة منهجه وطريقة رده على الشيعة الإمامية، ولو كان المقام يسع لجئنا بعشرات الأمثلة على هذا التحريف والكذب الصريح على علماء الإسلام وتراثهم.
كان إبن قيم الجوزية من تلامذة الشيخ إبن تيمية ومن أكثر الناس التصاقا به لدرجة أنه أُدخل معه السجن في القلعة. ولما توفي الشيخ تحمل التلميذ المخلص مهمة جمع تراث أستاذه والحفاظ عليه، بل تنقيحه وترتيبه وتبويب مسائله وإغناء مواضيعها بالشرح والتفصيل والتأليف. كل ذلك، ضم إلى تراث الحنابلة بشكل عام
وحوفظ عليه من صروف الأيام، إلى أن أدركته يد العناية فتلقفه طالب علم حنبلي فشرب منه حتى الثمالة وتشبع بمقاصد أفكاره ومعاني آرائه واتخذها لنفسه طريقاً ومذهباً، وحين استغاث بالفرصة كي يصدع بما وعي، أغاثه الزمان بها، فطفق يدعو لما إرتضاه ديناً واحتواه عقله يقينا.
فكان بدء قيام الدعوة "السلفية الجديدة" التي اتخذت من بلاد نجد منطلقاً. حيث عضد السيف القلم فانتشرت الدعوة، ولبست أفكار الشيخ الحراني حللا جديدة، ونزعت عنها أسمالها البالية، وظهرت للوجود دولة تدافع وتنافح عن أفكار الشيخ الحنبلي وتتخذها مذهباً في الدين وأساساً للشرعية السياسية.
إنطلقت دعوة الشيخ كما يقول صاحب "عنوان المجد" بين أبناء الدرعية الذين كانوا في غاية الجهل والشرك الأصغر والأكبر ورفض شرائع الإسلام.
فعلمهم الشيخ أحوال الإسلام وأركانه وعرفهم مبادىء التوحيد والبعث. كما عرفهم برسول الإسلام محمد(صلى الله عليه وآله) وبالغاية التي بعث من أجلها وهي محاربة الشرك وإفراد الألوهية والربوبية لله وحده. ثم بعث رسله وكتبه إلى رؤساء البلدان وعلمائها يدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك.
ولما اطمأن الشيخ لمسيرة الدعوة في الدرعية واقبل عليه بعض المهاجرين من القبائل المجاورة وكثر عددهم، "أمر الشيخ بالجهاد وحضهم عليه فامتثلوا. فأول جيش غزا سبع ركايب فلما ركبوها واعجلت بهم النجايب في سيرها سقطوا من أكوارها لأنهم لم يعتادوا ركوبها. فأغاروا، أظنه على بعض الأعراب، فغنموا ورجعوا سالمين(1). أنطلق الغزو والجهاد في سبيل الله لمحاربة المشركين والكفار من أبناء القبائل وأعراب البادية من سكان نجد أولاً. والذين حكم الشيخ ابن عبد
1) عنوان المجد لابن بشر: 14 ـ 15.
الوهاب بكفرهم وأقنع اتباعه "المسلمين" بذلك.
وإنطلاقاً من الحقائق التي ذكرها الباحثون والرحالة حول طبيعة البدوي وأنه طماح للسلب والنهب سواء انطلق من شريعة أو دفعت به الحاجة والفاقة وحب الغنى إلى الهجوم على غيره من الغرباء والأعداء. والمقارنة بين حروب البدو قبل إعلان محمد بن عبد الوهاب دعوته وحروب اتباعه مع خصومهم من البدو بعد ذلك، يمكن أن نسجل مماثلة تامة في الأسلوب والنتائج. اللهم الا دخول العنصر الديني وإقحامه في هذه الحرب الظالمة لتبريرها وإلباسها ثوب المشروعية لضمان استمراريتها. والتغطية على أنهار الدماء التي تراق أثناء ذلك.
وعليه يمكننا أن نجزم بكل صراحة وإطمئنان تعضدنا وقائع الغزو الوهابي ويومياته. بأن الحرب الوهابية التي أعلنها إبن عبد الوهاب وأتباعه على قبائل نجد وقراها لم تكن حرباً مقدسة وفي سبيل الله، لنشر التوحيد والإسلام بين المشركين والكفار. وإنما كانت حرباً بدوية على شاكلة الحروب البدوية السابقة، أولا، ثم أخذت بعداً جدياً بفضل أيدلوجية الشيخ الخاصة بالشرك والإرتداد، ومحاولة نشر الإسلام من جديد. لتوضع في خدمة تأسيس دولة سياسية جديدة تطمح للسيطرة على مجمل أراضي شبه الجزيرة العربية.
وإلا فلم يحدثنا التاريخ الإسلامي أن الرسول(صلى الله عليه وآله) وصحابته كانوا يهجمون على القرى والمدن، يقتلون الناس ويغنمون إبل القوم ومواشيهم ويحرقوا زروعهم ويقطعوا نخيلهم ثم يرجعوا من حيث أتوا لتقسيم الغنائم، الخمس منها لبيت المال، ويقسم الباقي للراجل سهم وللفارس سهمين. دون أن يكون للدعوة ونشر الإسلام أي مكان في هذا الغزو والفتح. نستحضر بعض الوقائع التاريخية للغزو الوهابي ليتضح لنا انعدام الحس الدعوي أو الديني في هذه الغزوات.
يقول ابن بشر: "في رمضان صار سعود بن عبد العزيز بالجنود المنصورة من جميع نواحي نجد وبواديها وقصد الشمال وأغار على سوق الشيوخ وقتل منهم قتلى كثيرة وإنهزم منهم أناس وغرقوا في الشط"؟!.
يقول: ابن بشر ثم دخلت (سنة 1216هـ) وفيها سار سعود بالجيوش المنصورة والخيل العتاق المشهورة من جميع حاضر نجد وباديها والجنوب والحجاز وتهامة وغير ذلك وقصد أرض كربلاء ونازل أهل بلد الحسين. وذلك في ذي القعدة فحشد عليها المسلمون وتسوّروا جدرانها ودخلوها عنوة وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت. وهدموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها على قبر الحسين. وأخذوا ما في القبة وما حولها وأخذوا النصيبة التي وضعوها على القبر وكانت مرصوفة بالزمرد واليواقيت والجواهر وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد من أنواع الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة وغير ذلك ما يعجز عنه الحصر ولم يلبثوا فيها إلا ضحوة وخرجوا منها قرب الظهر بجميع تلك الأموال وقتل من أهلها قريب ألفي رجل. ثم أن سعود ارتحل منها على الماء المعروف بالأبيض فجمع الغنائم وعزل أخماسها وقسم باقيها في "المسلمين" غنيمة للراجل سهم وللفارس سهمان ثم إرتحل قافلاً إلى وطنه(1)
يقول الباحث رايمون في تقرير له حول فاجعة كربلاء: "رأينا مؤخراً في المصير الرهيب الذي كان من نصيب ضريح الامام الحسين مثالاً مرعباً على قساوة تعصب الوهابيين فمن المعروف أنه تجمعت في هذه المدينة ثروات لا تعد ولا تُحصى وربما لا يوجد لها مثيل في كنوز الشاه الفارسي. لأنه كانت تتوارد على ضريح الحسين طوال عدة قرون هدايا من الفضة والذهب والأحجار الكريمة وعدد كبير من التحف النادرة... وحتى تيمور لنك صفح عن هذه الحضرة، وكان الجميع يعرفون ان نادر شاه قد نقل إلى ضريح الإمام الحسين وضريح الإمام علي قسماً كبيراً من الغنائم الوافرة التي جلبها من حملته على الهند وقدم معه ثروته الشخصية وها هي الثروات الهائلة التي تجمعت في الضريح الأول تثير شهية الوهابيين وجشعهم منذ أمد طويل.
فقد كانوا دوماً يحلمون بنهب هذه المدينة وكانوا واثقين من نجاحهم لدرجة أن دائنيهم حددوا موعد تسديد الديون في ذلك اليوم السعيد الذي تتحقق فيه أحلامهم. وها قد حل هذا اليوم في الأخير وهو (20 نيسان ـ أبريل 1802م) فقد هجم 12 ألف وهابي فجأة على ضريح الإمام الحسين وبعد أن أستولوا على الغنائم الهائلة التي لم تحمل لهم مثلها أكبر الأنتصارات تركوا ما تبقى للنار والسيف. وهلك العجزة والأطفال والنساء جميعاً بسيوف هؤلاء البرابرة. وكانت قساوتهم لا تشبع ولا ترتوي فلم يتوقفوا عن القتل حتى سالت الدماء أنهاراً... وبنتيجة هذه الكارثة الدموية هلك أكثر من أربعة آلاف شخص... ونقل الوهابيون ما نهبوه على أكثر من أربعة آلاف جمل.
وبعد النهب والقتل دمروا كذلك ضريح الإمام وحولوه إلى كومة من الأقذار والدماء. وحطموا خصوصاً المنابر والقباب لأنهم يعتقدون بأن الطابوق الذي بنيت منه مصبوب من ذهب. أنظر أرشيف السياسة الخارجية لروسيا (1803 الاضبارة 2235: 38 ـ 40) نقلا عن تاريخ العربية السعودية، لفاسيليف: 116 ـ 117.
.1) عنوان المجد: 121 ـ 122. ويقول الدكتور همايون همتي: وفي داخل المدينة ارتكبوا الكثير من الأعمال الوحشية من تدمير ونهب وفساد، فكانوا يقتلون كل من يصادفهم من دون أية رحمة ولا شفقة، ونهبوا جميع الدور. لم يغامرهم في هذه المذبحة أي عطف على الشيخ والشاب والصغير والكبير والمرأة والرجل، بحيث لم ينج أحد من قسوتهم البربرية"، أنظر، الوهابية نقد وتحليل: 148.
وكتب السيد محسن الأمين عن وقعة الحاج اليماني يقول في هذه السنة (1341 هـ). إلتقى الوهابيون بالحاج اليماني وهو أعزل من السلاح وجميع آلات الدفاع وهم في الطريق وأعطوهم الأمان ثم غدروا بهم فلما وصلوا إلى سفح جبل مشى الوهابيون في سفح الجبل واليمانيون تحتهم فعطفوا على اليمانيين واطلقوا عليهم الرصاص حتى قتلوهم عن بكرة أبيهم وكانوا ألف إنسان ولم يسلم منهم غير رجلين هربا وأخبرا بالحال(1).
1) كشف الارتياب: 53 ـ 54.
كان أول إعتراض قدمه الشيخ سليمان على أخيه هو عدم إعترافه باجتهاده وأنه لم يحقق شروط الإجتهاد وإنما كان مدعياً ومخالفاً لما عليه سيرة المذهب الحنبلي. وما قرره ابن القيم في أعلام الموقعين من أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ من الكتاب والسنة ما لم يجتمع فيه شروط الاجتهاد ومن جميع العلوم". وبعد ان يعرض الشيخ سليمان شروط الاجتهاد وما إتفق عليه العلماء قاطبة في هذا الباب. يقول: "لو ذهبنا نحكي من حكى الأجماع لطال وفي هذا كفاية للمسترشد وإنما ذكرت هذه المقدمة لتكون قاعدة يرجع إليها فيما نذكره فإن اليوم ابتلى الناس بمن ينتسب إلى الكتاب والسنة ويستنبط من علومهما ولا يبالي من خالفه، وإذا طلبت منه أن يعرض كلامه على أهل العلم لم يفعل بل يوجب على الناس الأخذ بقوله وبمفهومه ومن خالفه فهو عنده كافر. هذا وهو لم يكن فيه خصلة واحدة من خصال أهل الأجتهاد ولا والله عُشر واحدة، ومع هذا فراج كلامه على كثير من الجهال"(1).
وإذن فالشيخ لم يكن مجتهداً حتى يتسنى له الإستنباط أو تُحمل آراؤه على محمل الإجتهاد، وأنما إلتف حوله بعض الجهال من البدو الذين لم يكونوا يعلمون شيئاً. لذلك لما ناظر علماء الحرمين تلامذة الشيخ الوهابي أفحموهم وحكموا عليهم بالضلال وحبسوهم.
أما بخصوص تكفير عامة المسلمين وأهل نجد بالخصوص لأنهم ارتدوا الى الشرك وعبدوا القبور والأولياء والملائكة والجن فإن الشيخ سليمان وهو
1) الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية، سليمان بن عبد الوهاب النجدي: 7.
نجدى كذلك ويعرف ظروف البلد وعقائد أهلها لا يرى ان ما يقوم به الناس هناك من طلب الشفاعة واحترام القبور والحج إليها شركاً، أو ردة عن الإسلام. كما يفند إدعاء أخيه وأتباعه من أن أهل نجد قد نبذوا أصول التوحيد ومبادىء الإسلام.
يقول: إنكم الآن تكفرون من شهد أن لا إله إلا الله وحده وأن محمداً عبده ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحج البيت مؤمناً بالله وملائكته وكتبه ورسله ملتزماً لجميع شعائر الإسلام، وتجعلونهم كفاراً وبلادهم بلاد حرب فنحن نسألكم من إمامكم في ذلك وممن أخذتم هذا المذهب عنه؟!(1)
من أين لكم أن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إذا دعا غائبا أو ميتاً أو نذر له أو ذبح لغير الله أو تمسح بقبر أواخد من ترابه أن هذا هو الشرك الأكبر الذي من فعله حبط عمله وحل ماله ودمه... فإن قلتم فهمنا ذلك من الكتاب والسنة، قلنا لا عبرة بمفهومكم ولا يجوز لكم ولا لمسلم الأخذ بمفهومكم فإن الأمة مجمعة كما تقدم أن الاستنباط مرتبة أهل الاجتهاد المطلق. ومع هذا لو اجتمعت شروط الاجتهاد في رجل لم يجب على أحد الأخذ بقوله دون نظر. قال الشيخ تقي الدين: من أوجب تقليد الإمام بعينه دون نظر إنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل(2).
وقد ذكر السيد محسن الأمين مجمل نقاط الإلتقاء بينهم وبين الخوارج كما ذكرها غيره من العلماء متفرقة في كتبهم التي ردوا بها على هذه الفرقة نذكر منها:
1 ـ إن الخوارج قد رفعوا في حربهم للمسلمين شعار (لا حكم إلا لله) وهي
كلمة حق يراد بها باطل. كذلك الوهابيون شعارهم لا دعاء إلاّ لله لا شفاعة إلاّ لله، لا توسل إلاّ بالله، لا إستغاثة إلاّ بالله ونحو ذلك، كلمات حق يراد بها باطل. كلمات حق لأن المدعو والمتوسل به حقيقة لدفع الضر وجلب النفع والمغيث الحقيقي وما لك أمر الشفاعة هو الله. يراد بها باطل وهو منع تعظيم من عظمه الله بدعائه والتوسل به ليشفع عند الله تعالى ويدعوه لنا، وعدم جواز التشفع والاستغاثة والتوسل بمن جعله الله شافعاً مغيثاً وجعل له الوسيلة.
2 ـ إن الخوارج كانوا متصلبين في الدين مواظبين على الصلوات وتلاوة القرآن والبعد عن المحرمات المذكورة في القرآن. كذلك الوهابيون متصلبون في الدين يؤدون الصلاة لأوقاتها ويواظبون على العبادة ويطلبون الحق وان أخطأوه ويتورعون عن المحرمات حتى بلغ من تورعهم أنهم توقفوا في إستعمال التلغراف.
3 ـ إن الخوارج قد كفروا من عاداهم من المسلمين واستحلوا دماءهم وأموالهم وسبوا ذراريهم وقالوا إن دار الإسلام تصير بظهور الكبائر فيها دار كفر؟. كذلك الوهابيون حكموا بشرك من خالف معتقدهم من المسلمين واستحلوا ماله ودمه وبعضهم استحل سبي الذرية.. وجعلوا دار الإسلام دار حرب ودارهم دار إيمان تجب الهجرة إليها. وحكموا بقتال تارك الفرض وإن لم يكن مستحلاً كما في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية ونقلوه فيها أيضاً عن ابن تيمية.
4 ـ إستند الخوارج في شبهتهم على ظواهر بعض الآيات والأدلة التي زعموها دالة على أن كل كبيرة كفر. كذلك الوهابيون استندوا في هذه الشبهة إلى ظواهر بعض الآيات والأدلة التي توهموها دالة على أن الاستغاثة والاستعانة بغير الله شرك وعلى غير ذلك من معتقداتهم كما يظهر من استشهاداتهم بالآيات التي لا دلالة فيها على معتقداتهم.
5 ـ إن الخوارج لا يبالون بالموت ويقدمون على الحرب لأنهم رائحون بزعمهم إلى الجنة حتى إن بعضهم طعن برمح فمشى والرمح فيه إلى طاعنه فقتله وهو يتلو (وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)(1). كذلك الوهابيون يظهرون بسالة واقداما ولا يبالون بالموت لأنهم بزعمهم رائحون إلى الجنة ويقولون في حروبهم مع المسلمين.
هبت هبوب الجنة وين انت يا باغيها
6 ـ كان الخوارج على جانب من الجمود والغباوة فبينما هم يتورعون عن أكل ثمرة ملقاة في الطريق ويرون قتل الخنزير الشارد في البر فساداً في الأرض، تراهم يرون قتل الصحابي الصائم وفي عنقه القرآن طاعة لله تعالى ويكفرون جميع المسلمين ويرون كل كبيرة كفراً. ولقيهم قوم مسلمون فسألوهم من أنتم وكان فيهم رجل ذو فطنة فقال اتركوا الجواب لي قال نحن قوم من أهل الكتاب استجرنا بكم حتى نسمع كلام الله ثم تبلغونا مأمننا فقالوا لا تكفروا نعمة نبيكم فأسمعوهم شيئاً من القرآن وأرسلوا معهم من يوصلهم إلى مأمنهم.
كذلك وقع للوهابيين مثل ذلك عندما دخلوا الطائف وقتلوا أهلها وسلبوهم أموالهم وقتلوا مفتي الشافعية الشيخ الزواوي وأبناء الشيبي. إلا الشيخ عبد القادر الشيبي سادن الكعبة، فقد نجا من الإخوان بحيلة طريفة. فقد أجهش بالبكاء عندما وقع في أيديهم فلما سلوا السيف عند رأسه سأله بعضهم لماذا تبكي أيها الكافر؟ فأجاب الشيخ: أبكي والله من شدة الفرح أبكي يا إخوان لأني قضيت حياتي كلها في الشرك والكفر، ولم يشأ الله إلا أن أموت مؤمناً موحداً. الله أكبر، لا إله إلا الله... وقد أثر هذا الكلام في الاخوان فبكوا لبكاء الشيخ، ثم طفقوا يقبلونه
1) طه: 84.
ويهنئونه بالإسلام(1).
والوهابيون الذين يحرمون الترحيم والتذكير لأنه بزعمهم بدعة ويتوقفون في التلغراف لعدم وقوفهم على نص فيه، ويحرمون التدخين ويعاقبون عليه، تراهم يكفرون المسلمين ويشركونهم ويستحلون أموالهم ودماءهم ويقاتلونهم بالبنادق والمدافع لطلبهم الشفاعة ممن جعل الله له الشفاعة وتوسلهم بمن له عند الله الوسيلة.
7 ـ كما ان الخوارج قال بمقالتهم جماعة ممن ينسب الى العلم لظهورهم بمظهر مقومة الضلال ورفع الظلم الذي لا شك أنه كان موجوداً. كذلك الوهابيون قال بمقالتهم جماعة ممن تُنسب إلى العلم لظهورهم بمظهر رفع البدع التي لا شك في وجودها في الجملة. لكن بعض أهل العلم غير رأيه فيهم بعد ما تبين له حقيقة أمرهم، مثل الأمير اليمني الصنعاني الذي نظم قصيدة في الإشادة بالحركة الوهابية لما وصله خبرها بأنها تحارب البدع يقول في مطلعها:
سلام على نجد ومن حل في نجد وإن كان تسليمي على البعد لا يُجدي
لكنه لما تحقق من أعمال وافعال هذه الحركة. أنشد قائلا:
رجعت عن القول الذي قلت في النجدي فقد صح لي عنه خلاف الذى عندي
أما الشيخ محمد عبد المصلح والزعيم السلفي فإنه قد عرف حقيقة حالهم منذ البداية لذلك كان موقفه منهم واضحاً رغم ما سمعه عنهم من حربهم للبدع والضلالات، لأنه كان يعلم تورطهم في البداوة والجمود وبعدهم عن الاجتهاد والمدنية.
8 ـ إن الخوارج يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية كما وصفهم
1) نجد وملحقاتها: 333.
الرسول(صلى الله عليه وآله)، وفي رواية يتعمقون في الدين حتى يخرجون منه كما يخرج السهم من الرمية، كذلك الوهابيون أشار إليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده باسناده عن ابن عمر: أن النبي(صلى الله عليه وآله) قال: اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا قالوا وفي نجدنا قال: اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا يمننا قالوا وفي نجدنا قال هنالك الزلازل والفتن منها، أو قال بها يطلع قرن الشيطان.
وأخرج البخاري في كتاب الفتن عن إبن عمر ذكر النبي(صلى الله عليه وآله) اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا قالوا يا رسول الله في نجدنا فأظنه قال في الثالثة هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان. وأخرجه الترمذي في المناقب. وقد أخرج أصحاب المسانيد عدة أحاديث بهذا المعنى وفيها إشارة واضحة على ظهور الفتن من بلاد نجد. وبالفعل فقد خرج منها مسيلمة الكذاب وكذا القرامطة الذين أخذوا الحجر الأسود من الكعبة. وقد أطال الشيخ سليمان في رده على أخيه محمد بن عبد الوهاب "زعيم الوهابية" في الإستشهاد بهذه الأحاديث وغيرها مبينا أنها تنطبق على حركتهم وتصف فتنتهم. وإذا كان أغلب رؤساء الخوارج من بني تميم كشبث بن ربعي ومسعر بن فدكي، وذي الخويصرة فإن الشيخ ابن عبد الوهاب يلتقي معهم في هذا الأصل فقد أجمع المؤرخون على أنه كان من قبيلة تميم.
9 ـ إن الخوارج قد عمدوا إلى الآيات الواردة في الكفار والمشركين فجعلوها في المسلمين والمؤمنين، كذلك الوهابيون جعلوا الآيات النازلة في المشركين منطبقة على المسلمين.
10 ـ كان الخوارج سيماهم التحليق أو التسبيد. وعن "النهاية" في حديث الخوارج، التسبيد فيهم فاش هو الحلق واستئصال الشعر. وقد جاء في أخبار كثيرة
ذكر قوم سيماهم التحليق كقوله(صلى الله عليه وآله) إن أناساً من أمتي سيماهم التحليق يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. يخرج ناس من قبل المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم الى قوسه. قيل ما سيماهم قال سيماهم التحليق. رواهما البخاري. وعن علي، في آخر الزمان قوم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية سيماهم التحليق (رواه النسائي) في الخصائص. وفي خلاصة الكلام، في قوله(صلى الله عليه وآله)سيماهم التحليق تنصيص على هؤلاء الخارجين من المشرق التابعين لمحمد بن عبد الوهاب لأنهم كانوا يأمرون من إتبعهم أن يحلق رأسه، لا يتركونه يفارق مجلسهم إذا تبعهم حتى يحلقوا رأسه قال: ولم يقع من أحد قط من الفرق التي مضت أن يلتزموا مثل ذلك. فالحديث صريح فيهم.
يقول السيد أحمد بن زيني دحلان: "كان السيد عبد الرحمان الأهدل مفتي زبيد يقول لا حاجة إلى التأليف في الرد على الوهابية بل يكفي في الرد عليهم قوله(صلى الله عليه وآله)"سيماهم التحليق" فإنه لم يفعله أحد من المبتدعة غيرهم. واتفق مرة أن إمرأة أقامت الحجة على ابن عبد الوهاب لما أكرهوها على إتباعهم ففعلت، أمرها ابن عبد الوهاب أن تحلق رأسها فقالت له حيث إنك تأمر المرأة بحلق رأسها ينبغي لك أن تأمر الرجل بحلق لحيته لأن شعر رأس المرأة زينتها وشعر لحية الرجل زينته فلم يجد لها جواباً(1).
11 ـ كان الخوارج يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الاوثان كما أخبر النبي(صلى الله عليه وآله) عنهم كما جاء في السيرة الحلبية. والوهابيون يقتلون أهل الإسلام
1) فتنة الوهابية، م س: 19.
ويدعون أهل الأوثان. ولم ينقل عنهم أنهم حاربوا أحداً سوى المسلمين أو قتلوا أحداً من أهل الأوثان. وفي قتلهم أهل الطائف أولا وآخراً بلا ذنب وقتلهم أهل كربلاء (سنة 1216 هـ)، وغزوهم بلاد الإسلام المجاورة لهم كالعراق والحجاز واليمن وشرقي الأردن وغيرها وقتلهم من ظفروا به من المسلمين وقتلهم ألف رجل من اليمانيين جاؤوا لحج بيت الله الحرام (سنة 1340هـ)، وذبحهم لهم ذبح الأغنام. وعدم غزوهم لأهل الأوثان وقد امتلأت الأرض كفراً والحاداً، وتوجيه بأسهم وحربهم كله إلى المسلمين خاصة بعدما ضعفت قواهم واستعمرت بلادهم وممالكهم وصار الإسلام غريباً في وطنه.
12 ـ كان الخوارج كلما قطع منهم قرن نجم قرن كما أخبر عنهم أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب. وكذلك الوهابيون كلما قطع منهم قرن نجم قرن فقد حاربهم محمد علي باشا واستأصل شأفتهم ووصل ولده إبراهيم باشا إلى قاعدة بلادهم الدرعية وأخربها، ثم نجم قرن لهم بعد ذلك وقطع ثم نجم وقطع مراراً(1).
لن نسترسل طويلاً في وصف أسلوب الدعوة السلفي المعاصر، هذا الأسلوب الذي ورثه الخلف عن السلف، والذي يجعل من العنف والتهجم على المخالفين ورميهم بكل أنواع السباب والشتائم ونهش أعراضهم، النهج القويم الذي يتم من خلاله نشر عقائد وافكار دعاة السلفية. فإثارة الفتن ونشر البغضاء بين فئات المجتمع الإسلامي. وتعميق الخلافات المذهبية وصولاً إلى الطائفية البغيضة، غدت من مميزات التحرك السلفي. فحيث تستعر نار الطائفية والخلافات المذهبية، تجد هناك دون شك أو ريب عقل سلفي وهابي حنبلي يؤجج هذه النار
1) كشف الإرتياب، بتصرف، من: 114 إلى 126.
ويمدها بالوقود كي تشتعل أكثر وتدوم. ولا شك أن هذه النار قد أحرقت مساحات واسعة من أراضي التفاهم والتسامح التي كانت سائدة بين مجمل الفرق والمذاهب الإسلامية. خصوصاً بين الشيعة والسنة.
فلم يسمع عن قلاقل واضطرابات بين التجمعات السكانية الشيعية والسنية. مثلاً في مناطق تواجدهم معاً إلا بعد ما نفخ العقل السلفي في بوق الطائفية البغيض(1). فبدأ السني يسمع من أفواه الدعاية السلفية أن الشيعي كافر مرتد يسبب أصحاب النبي محمد(صلى الله عليه وآله)، في المقابل وجد الشيعي نفسه محاصراً بدعاوي التكفير والردة أينما حل وتوجه. ولنا أن نتصور حجم المأساة، ففي باكستان والهند والعراق تعيش الملايين من الناس في تداخل وانسجام، تحت راية لا إله إلا اله محمد رسول الله. يتزاوجون في ما بينهم، ويستحل الشيعي مأكل ومشرب السني ويحرم دمه وماله وعرضه. لكن هذا الانسجام تحول في الآونة الأخيرة وخصوصاً في باكستان والهند إلى تباغض وأحقاد، راح ضحيتها عشرات القتلى من الطرفين وأحرقت المساجد. وما زالت نار الفتنة يتصاعد لهيبها ويكبر حجمها، دون أن يكون هناك أمل في إخمادها أو التقليل من انتشارها.
فالأطنان من الكتب والفتاوى في تكفير الشيعة والتهجم على مذهبهم تنزل إلى الأسواق باستمرار وتتابع. والفضل كل الفضل لأموال النفط السلفي التي توزع وتدفع بسخاء لكل مرتزق يستطيع أن يغذّي هذه المعركة الخسيسة، بين فئات
1) يقول حمزة الحسن: إن معظم الحروب السياسية التي نشهدها في كل مكان في العالم إنما مولت بأموال النفط السعودي، بل إن الحروب السنوية في باكستان لم تثرها إلا الجماعات المتحالفة والمدعومة من السعودية، وقد وصل أعلام آل سعود الطائفي الى كل الدنيا، أذ أن مهمة المؤسسات الدينية الرسمية السعودية ومهمة أعلام السعوديين، هو إثارة الفتنة والبلبلة في صفوف المسلمين لكي يدعوا بعدئذ أنهم حماة "السنة" وما هم كذلك. الشيعة في المملكة العربية السعودية، مؤسسة البقيع لإحياء التراث، ط 1: 1993م، 2: 149.
المجتمع الإسلامي الواحد.
أما تشويه الإسلام، في نظر أهله أولا وخصومه ثانياً، فحدث ولا حرج. فاعتناق الإسلام في أوربا أمريكا، يعني أولا وقبل كل شيء لبس دشداشة بيضاء ونعل واطلاق اللحية، والظهور بمظهر الدروشة والفقر. أما من حيث الأحكام الإسلامية ومبادىء الدين. فإن الخرق قد اتسع على الراقع، وقد ترسخ لدى الغربيين بفضل الفكر والممارسة السلفية بأن الإسلام دين دموي لا إنساني يدعو إلى القتل والارهاب وعدم التسامح. وهو إلى جانب تلك عدو لدود لنصف المجتمع أي عدو للمرأة.
يقول محمد الغزالي: بلغني ان مسؤولاً في جماعة اسلامية اقتربت من الحكم يوما فقال: لن تخرج النساء من البيوت بعد اليوم! وهذا وعيد أخرق! كان يجب أن يقول سنلزم الرجال والنساء آداب الإسلام، ولن نسمح بالتبرج وإثارة الغرائز... أما أن يخطب متحمس طائش فيقول: لا تخرج المرأة من البيت إلا إلى الزوج أو القبر، فهذا كلام فارغ يدفع الإسلام ثمنه مصادرة لعقائده وتعاليمه كلها... ويضيف قائلا:
ان الحضارة الاسلامية ليست هذا اللغو!! إنه ضيق العقل وضحالة المعرفة واختلال الفطرة واعوجاج الخطو، لا يمكن أن يتم إسلام، أو تزدهر حضارة (إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ)(1).
1) محمد الغزالي بحث بعنوان "المسلمون وحوار الحضارات في العالم المعاصر" مقدم إلى الدورة العاشرة لمؤتمر المجمع الملكي لبحوث الحضارة الاسلامية ص 7. انظر مجلة الكلمة، العدد العاشر، 1996.
انطلقت جل الردود والكتابات من توضيح مفهوم التوحيد لدى أهل السنة والجماعة وقضاياه التفصيلية، وأن ما قرره الأئمة من السلف يختلف عما تدعوا إليه هذه الفرقة. وأن مستندها في أفكارها الشاذة إنما هو تراث إبن تيمية الحراني والحنبلي وآراؤه التي رد عليها علماء عصره وفندوها، وصولاً إلى تكفيره وتكفير من إعتقد عقيدته، لأنه كان يدعو إلى التجسيم صراحة.
أما بخصوص مسائل الشفاعة والزيارة والتوسل وبناء القبور والعبادة قرب مشاهد الأنبياء والصالحين. فإن مجمل الردود قد أتت بما يخالف مذهب الوهابية وشيخهم الحراني، سواء من السنة الشريفة أو القرآن الكريم أو أقوال السلف الصالح وأئمة المذاهب وسيرة عامة المسلمين.
لقد كانت الردود كثيرة ومتنوعة وعلى رأسها كتابات الحنابلة الذين وقفوا في وجه هذه الحركة، وأعلنوا إنحرافها عن المذهب الحنبلي وتحريفها وعدم فهمها لما قاله الشيخ ابن تيمية وما كتبه في مصنفاته. والشيء الملاحظ في هذه الردود هو تنوع المرجعيات واختلافها عند من قاموا بالرد على "فتنة الوهابية".
فبالإضافة إلى الحنابلة هناك فقهاء الشافعية والمالكية والأحناف، وفيهم مؤرخون وعلماء أصول ومفتون كبار، زد على ذلك مجموعة من رواد التصوف الطرقي الذين حاربتهم، الوهابية "السلفية" ورمتهم بالضلال والانحراف. فقاموا بإعداد ردود كثيرة ومتنوعة. كما شارك في هذه الحملة علماء وفقهاء الشيعة الإمامية والزيدية، بالإضافة إلى مؤلفات فكرية عامة ألفها مفكرون إسلاميون لمعالجة بعض الظواهر الإجتماعية والسلوكية والفكرية التي نجمت عن إنتشار
الفكر الوهابي بشكل واسع بين أبناء الصحوة الإسلامية.
يقول العلامة السبحاني: "إن الوهابية تعترف بنوعين من التوحيد وهما التوحيد الربوبي والتوحيد الألوهي ويفسرون الأول بالتوحيد في الخالقية، والثاني بالتوحيد في العبادة، وكلا الإصطلاحين خطأ. أما الأول فالمراد من الربوبية هو تدبير المربوب وادارته، وأن وظيفة الرب الذي هو بمعنى الصاحب. إدارة مربوبه، كرب الدابة والدار والبستان بالنسبة إليها. فالتوحيد في الربوبية غير التوحيد في الخالقية، وإن كان ربما تنتهي الربوبية إلى الخالقية. وأما الثاني، أعني التوحيد في الألوهية فهو مبني على أن الإله بمعنى المعبود، ولكنه خطأ، بل هو ولفظ الجلالة بمعنى واحد، غير أن الأول كلي والثاني علم لواحد من مصاديق ذلك الكلي(1).
ويقول أبو حامد في إبطاله هذا التقسيم "لم يقل أحمد بن حنبل لأصحابه: أن التوحيد قسمان: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وإن من يعرف توحيد الألوهية لا تعتبر معرفته لتوحيد الربوبية، لأن هذا كان يعرفه المشركون، وهذه عقيدة الإمام أحمد مدونة في مصنفات أتباعه، في مناقبه لإبن الجوزي وفي غيره، ليس فيه هذا الهذيان. وكذا لم يقل أي واحد من أتباع التابعين لأصحابه، ولا أى صحابي من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله)...: أن التوحيد ينقسم إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وان من لم يعرف توحيد الالوهية لا يعتد بمعرفته لتوحيد الربوبية، لأن هذا يعرفه المشركون، فلو اجتمع الثقلان مع ابن تيمية على إثبات هذا التقسيم عند أي واحد منهم لا يستطيعون، وإني أتحدى كل من له إلمام بالعلم أن ينقل لنا هذا
1) بحوث في الملل والنحل، م س، ج 4، أنظر الهامش: 67.
التقسيم المخترع ولو برواية واهية"(1).
أفتى ابن تيمية بتحريم شد الرحال لزيارة الصلحاء والأنبياء والأئمة مستدلا بما ورد من النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة(2).
وقالت الوهابية لا تجوز زيارة قبور الأئمة ولا تشد الرحال من الأماكن البعيدة لأجل زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله)، وأنها من الشرك وعبادة لغير الله تعالى(3).
أما أهل السنة والإمامية فاتفقوا على جواز زيارة القبور، ويظهر ذلك لمن راجع الكتب الفقهية الحديثية. ويكفي في ذلك ما أفتى به أئمة المذاهب الأربعة حيث جاء في كتاب "الفقه على المذاهب الربعة" ما يلي: "زيارة القبور مندوبة للاتعاض وتذكر الآخرة، وتتأكد يوم الجمعة ويوماً قبلها ويوماً بعدها.
وينبغي للزائر الانشغال بالدعاء والتضرع والاعتبار بالموتى، وقراءة القرآن للميت فإن ذلك ينفع الميت على الأصح، إلى أن قال: ولا فرق في الزيارة بين كون المقابر قريبة أو بعيدة، بل يندب السفر لزيارة الموتى خصوصاً مقابر الصالحين، وأما زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله) فهي من أعظم القرب"(4).
ومن الروايات التي تحث على زيارة القبور قوله(صلى الله عليه وآله): "قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكّر بالآخرة". ورواه الخمسة الا البخاري واللفظ للترمذى. ولا تنحصر الروايات الواردة في هذا
المجال بهذا، بل هناك روايات متضافرة جمعها العلامة السمهودي في كتابه "وفاء الوفاء"(1).
أما الحديث الذي تشبث به ابن تيمية والوهابية فقد تعرض له العلماء بالشرح والتحليل وأوضحوا المقصود منه. فقد روي عن الرسول(صلى الله عليه وآله) أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام، ومسجد النبي، والمسجد الأقصى" رواه البخاري عن أبي هريرة.
وهذا الحديث الذي تمسك به الوهابيون لا يدل على حرمة شد الرحال إلى زيارة القبور، والاماكن والمشاهد المشرفة، وذلك لأن الاستثناء الوارد في الحديث مفرغ قد حذف فيه المستثنى منه، فكما يمكن ان يكون تقدير المستثنى منه: "لا تشد الرحال إلى مكان من الأمكنة" يمكن ان يكون تقديره: "لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد". ولكن المتعين هو الثاني لكون الإستثناء متصلا وهو يقتضي تقدير "المسجد" بعنوان مستثنى منه، لا غيره.
أضف إلى ذلك يقول الشيخ السبحاني: "أن الضرورة قاضية بجواز شد الرحال إلى طلب التجارة، وإلى طلب العلم، وإلى الجهاد، وزيارة العلماء والصلحاء، وإلى التداوي والنزهة، وان المسلمين في مواسم الحج يشدون الرحال إلى عرفة والمزدلفة ومنى.. هذا مضمون الحديث ومعناه ومع ذلك لا يفهم من هذا الحديث وأشباهه حرمة السفر إلى باقي المساجد، بل هي ظاهرة في أفضلية هذه المساجد على ما عداها بحيث بلغ فضلها ان تستحق شد الرحال والسفر اليها للصلاة فيها. أما سائر المساجد فليس لها هذا الشأن. كما ان النهي عن شد الرحال إلى سائر المساجد دون الثلاثة ليس نهياً إلزامياً بل هو للارشاد إلى عدم ترتب ثواب وافر على التوجه إلى سائر المساجد.
1) التوحيد والشرك: 207.
ويدل على ذلك ان الرسول(صلى الله عليه وآله) كان يشد الرحال إلى غير المساجد المذكورة في الحديث كما في صحيح البخاري: ففي باب إتيان مسجد قباء راكباً وماشياً "عن ابن عمر قال: كان النبي(صلى الله عليه وآله) يأتي قباء راكباً وماشيا"(1).
أما الدليل على زيارة قبر الرسول(صلى الله عليه وآله) وقبور الصالحين وغيرهم، فنذكر منها:
روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال النبي(صلى الله عليه وآله): من جاءني زائراً لا تعلمه (تحمله) إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة.
وروي أيضاً عن عبد الله بن عمر عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنه قال: من حج فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي.
وأما فعله، فقد روي عن طلحة بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله يريد قبور الشهداء إلى ان قال: فلما جئنا قبور الشهداء، قال: هذه قبور إخواننا(2).
أما الإجماع فإطباق السلف والخلف، لأن الناس لم يزالوا في كل عام إذا قضوا الحج يتوجهون إلى زيارته(صلى الله عليه وآله)، وأن منهم من يفعل ذلك قبل الحج، قال السبكي: هذا شاهدناه، وشاهده من قبلنا وحكاه العلماء عن الأعصار القديمة، وكلهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه وان لم يكن طريقهم، ويقطعون فيه مسافة بعيدة، وينفقون فيه الأموال، ويبذلون فيه المهج، معتقدين ان ذلك قربة وطاعة، واطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الأرض ومغاربها على مر السنين وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم يستحيل ان يكون خطأ، وكلهم يفعلون ذلك على وجه التقرب به إلى الله عزوجل، ومن تأخر فإنما يتأخر بعجز أو تعويق المقادير مع تأسفه عليه، وود لو تيسر له، ومن ادعى ان هذا الجمع العظيم مجمع
على الخطأ فهو المخطىء(1).
وأقوال علماء أهل السنة في استحباب الزيارة لقبر الرسول كثيرة جداً وقد تتبع بعضها المحقق الأميني وجمعها في موسوعته القيمة. نورد منها مثالاً واحداً:
قال أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الفقيه البغدادي الحنبلي المتوفي (سنة 510 هـ) في مناسكه: إذا كمل لك حجك وعمرتك على الوجه الشروع، لم يبق بعد ذلك إلا إتيان مسجد رسول الله للسلام على النبي والدعاء عنده، والسلام على صاحبيه، الوصول إلى البقيع وزيارة ما فيه من قبور الصحابة والتابعين(2).
إن وقوف أهل السنة والشيعة الإمامية اليوم في صف واحد أصبح ضرورة لابد منها لمواجهة الدعوة السلفية، أولاً: لأن دعاة السلفية يكفرون الفريقين ويستحلون دماءهم وأموالهم وأعراضهم. والنصوص التي اوردناها من قبل دليل على ما نقول والواقع الحالي يؤكد ذلك.
ثانياً: هذا الوقوف هو دفاع عن الإسلام والمسلمين في نفس الوقت، فالإسلام يشهد موجة من التحريف والتلاعب بعقائده لم يشهد لها مثيلاً من قبل، أطفال ومراهقون وعوام الناس أصبحوا بفضل المنهج السلفي يمارسون الإجتهاد والإستنباط للإحكام، ويفتون في الدماء والأعراض.
ومن يريد أن يرى ويسمع الأمثلة الواقعية على ذلك، فليزر الجزائر وليلتقي بدعاة السلفية هناك، ليرى كيف يعقد أتباع ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب عقود الزواج بالإكراه وتحت ضغط الإرهاب، وكيف يفسرون الكثير من تعاليم الإسلام،
وكيف يمارسونها، وكيف يتصرفون مع من يخالفهم، في هذا التفسير والشرح والممارسة؟. كيف يهجم المراهقون المتمسلفة على بعض الشبان الملتزمين ويأخذونهم للمحاكمة. فإذا نجا البعض منهم بالكذب ونفعه ذكاؤه، فإن البعض الآخر ينفذ فيه حكم الإعدام مباشرة، لأنه كافر زنديق مخالف لما كان عليه السلف؟!
ولولا أن يقال إننا نخدم النظام العسكري الدموي في الجزائر، لنقلنا من القصص والروايات الواقعية والصحيحة، ما يندى له جبين الصحوة الإسلامية التي حرفها هؤلاء الدعاء عن الصراط القويم. ففتاوى التكفير تطال كل من يخالف دعاة السلفية؟! وفي هذا الجو التكفيري الإرهابي الخانق تضيع الحقائق وينعق الغراب في الخرابات التي يحدثها نشر الفكر السلفي الوافد من نجد والحجاز.
كل ذلك على حساب الإسلام والصحوة الإسلامية، فإذا كان الناس والشباب خاصة، قد اقبلوا في العقود المنصرمة على الالتزام بالإسلام أفواجاً وجماعات، فإننا نُسجل اليوم وبفضل الدعوة السلفية هروب وتراجع الناس أفواجاً وجماعات عن الالتزام بالإسلام. فهذا يخاف من الحكومات والأنظمة السياسية، التي قد تحشره في صف الإرهابيين، والآخر يقول إذا كان الإسلام هو هذا التشدد السلفي في الملبس والمظهر، فأنا غير مستعد للذهاب إلى الصحراء واعتناق عادات وتقاليد البداوة؟! وبالجملة هناك نكوص حقيقي وارتداد للصحوة الإسلامية!!
الصورة
ولد عام 1968م في تركيا، بمدينة "ميارفارقين" التابعة لديار بكر، وترعرع في أسرة تعتنق المذهب الشافعي، حصل على الشهادة الثانوية، ثم توجه إلى الدراسة الدينية فتتلمذ على يد بعض الشيوخ الشوافع وكان من جملة الكتب التي درسها كتاب (جمع الجوامع) في الأصول وكتاب النووي في الفقه.
ثم توجه بعد ذلك نحو العمل في حقل الدعوة الاسلامية، مستهدفاً ايقاظ المسلمين من سباتهم وتنيمة الصحوة عندهم عن طريق تنوير عقولهم بالفكر الإسلامي.
كما كان الشيخ محمد كوزل في نفس الوقت منهمكاً في مطالعة الكتب الإسلامية ومقتبساً من آراء المفكرين الإسلاميين ومن علماء العصر ما يرفع مستواه العلمي والمعرفي.
يقول الشيخ محمد كوزل: "انقدح في ذهني خلال فتره نشاطي في العمل التوجيهي استفساراً آثار اهتمامي حول أسباب فشل المسلمين وتدهورهم في شتى الأصعدة وخضوعهم لسلطة الاستعمار المهيمن على بلادهم.
فأخذ هذا الاستفسار بيدي إلى التأمل في تاريخ المسلمين بحثاً عن هذه الأسباب حتى بلغ بي البحث إلى صدر الاسلام، لعلي أفلح بمعرفة العوامل التي أدت إلى انحدار مسيرة المسلمين والتي لم يسع المسلمين بعد ذلك اعادة مجدهم وعزتهم التي كانوا عليها زمن الرسول(صلى الله عليه وآله)".
ويقول الشيخ محمد كوزل: "تبيّن لي بعد البحث والتتبع في صفحات التاريخ الإسلامي منذ البداية أنّ منشأ هذا الفشل يعود إلى الأحداث التي وقعت بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) والتي من بعدها تعرضت الأمة للاختلافات الجذرية فيما بينها، فتفرقت وبدأت تتآكل من الداخل بسبب انشقاقاتها الداخلية".
سلّط الشيخ محمد كوزل أضواء بحثه على الأحداث التي تلت وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فرأى أن الطوائف الإسلامية تختلف فيما بينها أشد الاختلاف في هذا المجال فتوجه إلى البحث حول معرفة نشأة هذا الاختلاف، فتبين له بعد التنقيب أن معظم الطوائف الإسلامية لا تلتزم بالمنهج الصحيح الذي لابد أن تسير عليه في بحثها عن الحق وأن العصبية المذهبية قد أدت إلى تغطية وجه الحق، مما كان ذلك سبباً لخفاء الحق عن طالبيه.
كما وجد الشيخ محمد كوزل بعد امعانه النظر في العقائد الإسلامية أن بعض المسائل العقائدية تحولت بمرور الزمان إلى مسلمات لا يمكن اقتحامها أو إثارة أي استفسار حولها.
يقول الشيخ محمد كوزل: "بدأت أسأل نفسي: ما هو الداعي للتعصب في الانتماء إلى العقيدة الأشعرية التي أنا عليها؟ ومن كان الاشعري؟! ألم يكن بشراً
مثلي أجتهد في العقائد حتى توصل إلى رأى ما؟ بل الاشعري بنفسه كان في بداية أمره معتزلياً ثم تحوّل بعدها إلى مذهب أهل الحديث وألف كتابه "الابانة عن أصول الديانة" وسرد فيه عقيدته على نهج أهل الحديث ومدح أحمد بن حنبل وأيّد عقائده وآرائه، ولم تمض فتره حتى غير عقيدته وعمد إلى تأليف كتابه "اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع" فتبلورت عنده عقيدة مركبة من أفكار المعتزلة وآراء الحنابلة.
فيقول الشيخ محمد كوزل: "بدأت أسأل نفسي، ما الداعي للجمود على تقليد المذهب الأشعري، وعدم مواصلة البحث وتوسيع دائرة الوعي في مجال العقيدة، لأن المذهب الأشعري ليس إلاّ اجتهاد بشري توصل إليه الأشعري في فترة من حياته بعد أن أمضى فترة طويلة في الاعتزال، وما يدرينا لو كان الأشعري بقى مدة أطول لكان استبدل عقيدته بعقيدة أخرى".
ومن هذا المنطلق بدء الأخ محمد يبحث في مجال العقيدة من دون تهيب مخالفة أحد، بل توجه نحو البحث من منطلق "إن دين الله لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله".
قام الشيخ محمد في البدء عند بحثه بغربلة المسائل التي كان يحسبها من الحقائق القطعية وبعض القضايا التي كان يعتبرها ـ تبعاً للنهج السائد ـ من المسلمات التاريخية، فكانت النتيجة بعد الفحص والتحقيق أنه وجد الحق خلاف ذلك.
بل أنه وجد أن منهج العامة في دراستها لتاريخ السلف هو محاولة تبرير الأخطاء الواقعة واضفاء المشروعية عليها، اندفاعاً من خشية اذعانها ببعض الأمور المخلة بقداسة سلفها، وهذا ما أدى بها إلى الانحراف عن الصراط المستقيم.
أدرك الشيخ محمد كوزل خلال رحلة بحثه عن الحق أن التعصب يحجب بصيرة الانسان عن رؤية نور الحق، فجاهد نفسه ليتخلى عن هذا الحجاب وليتمكن من الحصول على الرؤية الواضحة.
فكانت النتيجة أن توصل إلى نتائج قلبت عنده الموازين وأدرك بعدها أن مذهب أهل السنة والجماعة مبتنياً على أسس وأركان غير متينة، وأيقن بأنّ الإسلام الحقيقي هو الاهتداء بهدي الأئمة الأطهار من آل الرسول(صلى الله عليه وآله)، وأن الصراط المستقيم هو السير في سبيلهم وأنهم ملاذ العصمة لهذه الأمة من الفرقة والضلالة وسفينة النجاة من الهلاك والغواية.
ووقف الشيخ محمد خلال بحثه على نصوص كثيرة واردة في الكتاب ومتواترة في السنة معلنة بخلافة أمير المؤمنين والأئمة المعصومين من ذريته(عليهم السلام)، آمرة بالاقتداء بهم والسير على نهجهم وناهية عن مخالفتهم ومعاداتهم.
ووجد رغم سعي سلطات الجور وبذلها قصارى الجهد لاخفاء وكتمان هذه النصوص، أنّ الباري عزّوجلّ أنعم على هذه الأمة أن حفظ لها كثير من تلك النصوص لتكون سبباً في هداية الذين يجاهدون في سبيل الله من أجل الوصول إلى الحقيقة.
صدر عن دار المصطفى لاحياء التراث ـ قم ـ الطبعة الأولى ـ عام 1420.
دراسة مقارنة بين المذاهب الإسلامية حول اختلاف الفقهاء في مسألة
المسح في الوضوء، أورد فيه المؤلف العديد من الأقوال المنسوبة إلى أئمة المذاهب وآراء أكابر العلماء والتابعين وغيرهم من مصادر أهل السنة والجماعة، واتبع فى طريقة بحثه ذكر أدلة كل قول والمبادرة إلى مناقشة بعض هذه الأدلة.
وقد قسّم المؤلف دراسته إلى مبحثين أساسيين، وأورد في ذيل كل منهما، مجموعة من المسائل كما يلي:
المبحث الأول: في طهارة الرأس
ـ معنى المسح في اللغة والاصطلاح ـ المسألة الاولى: في القدر المجزيء منه.
ـ المسألة الثانية: في مشروعية تكرار المسح أو عدمها.
ـ المسألة الثالثة: في المسح بالبلل الباقي على الأعضاء.
ـ المسألة الرابعة: في إجزاء الغسل أو الرش عن المسح.
ـ المسألة الخامسة: في مشروعية طهارة الاذنين.
ـ المسألة السادسة: في المسح على العمامة.
المبحث الثاني: في طهارة الرجلين
ـ المسألة الاولى: في كيفية طهارتهما.
ـ المسألة الثانية: في المسح على الخفَّين.
صدر عن مركز الأبحاث العقادية ـ قم ـ ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين. الطبعة الأولى، عام 1421هـ.
يتضمن هذا الكتاب مباحث عديدة حول المسائل العقائدية التي كان يحسبها المؤلف من الحقائق والقضايا التاريخية التي كان يعدها من المسلمات، والتي اكتشف بعد الفحص والتحقيق أن الحق خلاف ذلك.
وقد حاول المؤلف أن يقتصر على الجانب العلمي في تبيينه للمراحل التي اجتازها في رحلة بحثه من الشك إلى اليقين ومن الحيرة إلى الثبات والاستقرار.
فقسّم رحلته العقائدية إلى مرحلتين تحتوي كل منهما على أبحاث أهمها كما يلي:
أسباب ودواعي ابتعاد المسلمين عن الإسلام.
التعريف بأهل السنة.
ما جرى بعيد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله).
اسباب منع تدوين الحديث.
بعض مواقف اصحاب النبي(صلى الله عليه وآله).
سمات أبوبكر وعمر وعثمان.
اجتهادات عمر في مقابل النص.
وضع الأخبار والأحاديث.
فضائل الإمام عليّ(عليه السلام).
اثبات ولاية أمر الإمام عليّ والأئمة من ولده بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله).
ما خلّفه النبيّ(صلى الله عليه وآله) لأمته من بعده.
الفرقة الناجية.
التعريف بالأئمة الاثني عشر(عليهم السلام).
الهجرة تكون على أنواع وتختلف بحسب أهدافها وما يراد منها، وكل نوع منها يكتسب أهميته من أهمية الهدف المراد منه، وعندما تكون الهجرة إلى الله وفي سبيله تكتسب أهمية عظيمة وقيمة كبيرة لقداسة الهدف وعظمته.
والهجرة إلى الله تفتح أمام الانسان آفاق الرحمة الالهية التي يرجوها، وتعطيه الأمل في الخلاص من وزر السيئات التي تصدأ الروح الانسانية وتكدر صفوها، وتنقله إلى عالم أرحب يكثر فيه الخير والايمان والرزق الحسن، وتدفع عن ايمان الانسان الشك والوساوس والحجب التي يضعها الظالمين في طريقه، وتجعله يتمسك بعقائده براحة ويقين فلا يشوش عليه جنود الجهل ودعاته.
وهذا ما فعله الشيخ محمد كوزل الذي ترك عقائده السابقة التي ورثها عن آبائه عندما رآى فيها كثرة المتناقضات التي اوقعته في الشك فيها، فبحث عن الحق واليقين فيها فاهتدى بعد جهد الى حقيقة الثقلين العظيمين اللذين خلفهما رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أمته، فتمسك بهما عن يقين بعد أن قادته الأدلة القاطعة إليهما.
يقول الشيخ محمد گوزل: "كنت افكر في سبب سقوط المسلمين تحت نير العبودية وخضوعهم للقوى الامبريالية واستعمار بلادهم من قبيل الصهيونية، وأفكر في علة بعدهم عن الاسلام، بل ونفرتهم من الانتساب إليه، وتسلسل بي
التفكير في الاسباب إلى صدر الإسلام".
ثم يقول: "عندما كنت أقرأ قوله تعالى: (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُم بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً )(1)أتفكر في نفسي: كيف كان رب العزة في تفكير الأوائل ويرسل لهم الرسل كى يتضح دينه لهم ولا يبقي حجة لهم، ولم يكن في تفكير الأواخر! فيكتفي بارسال خاتم النبيين، ثم يتركهم هملاً بمئات من السنين ويكلهم الى أنفسهم، حتى لا يبين لهم قائدهم بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله)ولم يكن هناك فرق إلاّ أن الكتاب المنزل على هذا النبيّ يبقى محفوظاً الى يوم القيامة، بخلاف كتب الأوائل.
وبعد أن وجدت هذا الفرق، قلت في نفسي: إذا لم يكن الإسلام الحقيقي واضحاً وكانت كل فرقة من فرق المسلمين ترى نفسها على الحق وترى غيرها على الباطل فكيف يمكن ان يكتفي رب العزة بذلك الفرق لحل المشكلة؟ فهل يمكن أن يرسل الله من يبين الحق؟ أو هل يمكن أن يكون الله قد بيّن طريقاً لحل المشكلة ولم يصل إلينا؟".
يقول الشيخ محمد گوزل: " كنت عندما أفكر في الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن بطرق كثيرة عن جماعة من الصحابة... وهو قوله(صلى الله عليه وآله): "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقه، الناجية منهم واحدة، والباقون هلكي" أو "كلهم في النار إلاّ واحدة"(2).
كنت أقول في نفسي: إنّ الفرقة الناجية في الحديث واحدة، وإنّ الذين كنّا نعدهم من أهل النجاة وهم أهل السنة والجماعة كانوا أربعة مذاهب بل أكثر، ولم يكونوا فرقة واحدة، ولا نستطيع أن نقول إن الاختلاف في الفروع غير مخل بالوحدة، بعد أن تسرب هذا الاختلاف الى العقائد أيضاً:
فترى الشافعية معتنقين لعقيدة الأشعري الأخيرة، والحنفية متمسكين بعقائد الماتريدي والحنابلة مستندين الى عقائدهم وآرائهم الخاصة... وهكذا.
فإن تكلّفنا وحسبناهم بجميع فرقهم فرقة واحدة عظيمة فسيحصل خلاف المطلوب; لأنّها حينئذ ستكون الفرقة المذمومة بلسان النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) في ذيل الحديث المذكور كما أخرجه الحاكم: "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فرقة قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحرمون الحلال ويحللون الحرام". وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"(1).
يقول الشيخ محمد گوزل: "عندما كنت أقرأ الحديث المشهور بين أهل السنة والجماعة: "تركت فيكم شيئين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي"(2).
كنت أفكر في نفسي وأقول: ما هو الدليل على أننا من أهل السنة؟ مع أن رؤساءنا أمثال الخليفة الأول والثاني والثالث هم الذين أمروا بترك السنة ومحوها ومنعوا عن روايتها وانتشارها تحت ذريعة قول النبيّ(صلى الله عليه وآله): "من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"، بل جمعوا أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأحرقوها وسجنوا الصحابة الذين رووها...
قال أبو رية: أورد الذهبي في تذكرة الحفاظ عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه: أن عمر حبس ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الانصاري، فقال قد أكثرتم الحديث عن الرسول(صلى الله عليه وآله).
وقال في الهامش: قال أبو بكر بن العربي: فقد روي أن عمر بن الخطاب سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة سنة بالمدينة(1).
أقول: كان على الخليفة أن يكافئهم ويجازيهم بالخير بدل السجن، لأنّ عليّاً(عليه السلام)قال: خرج علينا رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال: "اللهم ارحم خلفائي" ـ ثلاث مرات ـ قيل يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون أحاديثي ويعلّمونها الناس"(2)...
وعن قرظة بن كعب، قال: خرجنا نريد العراق، فمشى معنا عمر بن الخطاب الى صرار، فتوضأ ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم نحن أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) مشيت معنا، قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دويٌّ بالقرآن كدوي النحل، فلا تبدونهم بالأحاديث فيشغلونكم، جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وامضوا وانا شريككم، فلما قدم قرظة، قالوا: حدِّثنا، قال: نهانا ابن الخطاب(3)...
ولا يخفى أن جمود هؤلاء العراقيين على كتاب الله وتجريده من السنة كان سبباً لنشأة ذهنية الخوارج في العراق.
فهكذا كان حال السنة في عصر الصحابة.
ولما وَصَلَتِ النوبة إلى عصر التدوين رأينا أئمة الحديث أمثال البخاري ومسلم والترمذي يطرحون أو يقطعون أكثر ما انفلت من أيدي هؤلاء من الأحاديث بسبب مخالفتها لشروطهم; لأنهم اشترطوا لصحة الحديث ـ إضافة إلى الاتصال والوثاقة في الإسناد ـ أن لا يكون مضمون الحديث مخالفاً لمذهب أهل السنة والجماعة، وأن لا تكون فيه علة خفية، وكانت طريقة معرفة تلك العلة تشخيص هؤلاء المحدثين; فإذا كان الحديث مخالفاً لمذهبهم يحكمون بشذوذه وضعفه ولو كان جميع رجال السند من الثقات.
وقد اعترف البخاري فيما حكي عنه قائلاً: لم أخرج في هذا الكتاب إلاّ صحيحاً، وما تركت من الصحيح كان أكثر(1).
فبدل أن يجعلوا السنة معيارا لصحة الرأي والمذهب تراهم يجعلون المذهب ميزاناً لصحة الحديث، حتى وصل الأمر إلى توصيف من لم يذكر في تأليفه ما يخالف المذهب بالأضبطية والأدقية، واتهام من أورد شيئاً مخالفاً لمذهبهم في كتبه بكونه من أهل الخلاف وتوصيفه بالسذاجة والجهالة.
كنت أتساءل في نفسي: إذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن لمن يريد الوقوف على الحقيقة أن يصل إلى هدفه؟ وكيف يمكنه أن يميز الحق من الباطل إذا كان ميزان التمييز وطريقة التحقيق هو نفس المذهب؟!".
يقول الشيخ محمد گوزل: "ومن أهم ما وقع في قلبي من الشبهات والأسئلة: لماذا ترك الخلفاء والصحابة جنازة الرسول(صلى الله عليه وآله) بدون تشييع وتغسيل وتكفين وذهبوا إلى السقيفة فتنازعوا لأجل الإمارة والرئاسة؟ ولم يبق على جنازة الرسول(صلى الله عليه وآله)إلاّ عدّة نفر، على رأسهم أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)!!
1) صحيح البخاري (المقدمة): 8 ـ 9.
أخرج ابن أبي شيبة عن عروة: أن أبابكر وعمر لم يشهدا دفن النبي(صلى الله عليه وآله)، كانا فى الأنصار فدفن قبل أن يرجعا(1).
ولماذا لم يبايع أمير المؤمنين(عليه السلام) إلاّ بعد ستة أشهر وهو مكره عليها؟ ولماذا كشفوا عن بيت فاطمة الزهراء(عليها السلام) حتى كان سبباً لندم الخليفة الأول وتأسفه عليه وهو في مرض موته يقول: وددت أني لم أكشف عن بيت فاطمة، وتركته ولو أُغلِق على حرب...(2).
ولماذا أخذوا نحلتها (فدك) التي نحلها رسول الله(صلى الله عليه وآله) في حياته بأمر من الله؟
كما روي عن أبي سعيد الخدري وابن عباس: أنه لما نزلت هذه الآية: (وَ ءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُو)(3)دعا النبي(صلى الله عليه وآله) فاطمة وأعطاها فدك.
أخرجه البزار وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري، وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس كما قال السيوطي(4).
ولماذا هَجَرتْهما حتى لم تأذن لهما أن يحضرا على جنازتها وأمرت أن تُدفن ليلاً ـ كما رواه البخاري ومسلم وغيرهما(5)ـ وهي بنت نبيهم التي قال لها
1) المصنف لابن أبى شيبة: 7 / 433 ح: 37035، كنز العمال: 5 / 652 ح: 14139، وراجع ما جرى في السقيفة; تاريخ الطبري: 2 / 234 ـ 238 و 241 ـ 246، العقد الفريد: 5 / 11 ـ 13، شرح نهج البلاغة: 6 / 5 ـ 45.
2) شرح نهج البلاغة: 6 / 51، تاريخ الطبري: 2 / 353 أحدايث سنة: 13، مروج الذهب: 2 / 301 ذكر خلافة أبي بكر، العقد الفريد: 5 / 21، لسان الميزان: 4 / 198، مسند فاطمة للسيوطي: 17 ـ 18 ح: 28 عن جماعة من المحدثين.
3) الإسراء: 26.
4) الدر المنثور: 5 / 273 ـ 274 من تفسير آية: 26 من سورة الاسراء، المسند لأبي يعلى: 2 / 334، 534 ح: 1075 و 1409، مجمع الزوائد: 7 / 49.
5) صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة خيبر: 3 / 142 ح: 4240 و 4241، صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير باب قول النبي(صلى الله عليه وآله): لا نورث الخ: 12 / 320 ـ 325 ح: 1759، العقد الفريد: 5 / 14، تاريخ أبي الفداء: 1 / 219، تاريخ الطبري: 2 / 236، شرح نهج البلاغة: 6 / 46.
الرسول(صلى الله عليه وآله): "إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك"، وهذا الحديث مروي عن عليّ وفاطمة(عليهما السلام) ومسور بن مخرمة وأم سلمة.
قال المعلّق على المعجم الكبير: وفي هامش الأصل: هذا حديث صحيح الإسناد، وروي من طرق عن علي، رواه الحارث عن علي، وروي مرسلاً، وهذا الحديث أحسن شيء رأيته وأصح إسناد قرأته(1).
وروى البخاري عن المسور بن مخرمة أن النبي(صلى الله عليه وآله) قال: "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني"(2).
ولماذا أمرت باخفاء قبرها الشريف؟ ولا يعلم بمحل دفنها إلى الآن أحد، وهي سيدة نساء العالمين!!".
يقول الشيخ محمد گوزل: "ومما أثار الشبهة في ذهني: أنّه قد وردت روايات صحيحة مستفيضة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) في بشارة بعض الصحابة بالجنة: كحمزة بن عبد المطلب، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وأبي ذر الغفاري، ومقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر وغيرهم من الصحابة
1) المعجم الكبير: 1 / 108 ح: 182 و 22 / 401 ح: 1001، مجمع الزوائد: 9 / 203، ميزان الاعتدال: 2 / 492 م: 4560 و 1 / 535 م: 2002، المناقب لابن المغازلي: 351 ـ 353 ح: 401، 402، أسد الغابة: 5 / 522، الاصابة: 4 / 378، حلية الأولياء: 2 / 40، تهذيب التهذيب: 12 / 392 م: 9005، المستدرك: 3 / 154، 159، وصححه، مختصر تاريخ دمشق: 2 / 269، فرائد السمطين: 2 / 46، 67، ح: 378، 391. كنز العمال: 12 / 111 ح 34237 و 34238 عن الديلمي وأبي يعلي والطبراني، علل الحديث للدراقطني: 3 / 103 س: 305،وعن الكامل لابن عدي: 1 / 2 / 137 ومعرفة الصحابة: 2 / 319 / 2، الذرية الطاهرة للدولابي: 167 ح: 226.
2) صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة باب مناقب فاطمة(عليها السلام): 3 / 35 ح 3767، كنز العمال: 12 / 108، 112 ح: 34222 و 34244.
رضوان الله عليهم.
بل يوجد من بين هؤلاء من بلغوا إلى درجة من الأهمية حتى كان سبباً لأن يوجب الله على نبيه أن يحبهم، كما روي عن بريدة بعدة طرق بعضها صحيحة وبعضها حسنة: أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: "إنّ الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنّه يحبهم"، قيل يا رسول الله سمهم لنا: قال: "عليّ منهم" ـ يقول ذلك ثلاثاً ـ "وأبو ذر والمقداد وسلمان، وأمرني بحبهم وأخبرني أنه يحبهم"، أخرجه أحمد وابنه عبد الله والقطيعي والترمذي وابن ماجه وأبو نعيم وابن عساكر وغيرهم، وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه(1)
وعن البخاري في التاريخ، جامع المسانيد والسنن: 19 / 25، فرائد السمطين: 1 / 294 ح: 232 ب: 55، فضائل الصحابة لاحمد بن حنبل: 2 / 648 و 689، 691 ح: 1103 و 1176 و 1181، ينابيع المودة: 183.
.وجاء في حديث صحيح مروي عن أنس: أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: "إنّ الجنة لتشتاق إلى عليّ وعمار وسلمان". وقد روي في ذلك عن علي(عليه السلام) وحذيفة بن اليمان أيضاً(2).
ورغم كل ذلك لم يُروّجوها بين الناس، وعندما وجدوا رواية واحدة فيها
1) سنن الترمذي: 5 / 400 ح: 3739، المستدرك: 3 / 130، مسند أحمد: 5 / 351 و 356، وابن ماجه في المقدمة: 1 / 53 ح 149، مناقب علي(عليه السلام) لابن المغازلي: 290 ـ 292 ح: 331 ـ 333 بثلاث طرق، وحلية الأولياء: 1 / 172 و 190، وكفاية الطالب: 82، 83، مختصر تاريخ دمشق: 10 / 40 و 17 / 366 و 28 / 290، المناقب للخوارزمي: 74، 69 ح: 42، 54، الصواعق المحرقة: 122.
2) مناقب علي بن أبي طالب لابن أخي تبوك: 436 ح: 21، سنن الترمذي: 5 / 438 ح: 3822، المستدرك مع تلخيصه وصححاه: 3 / 137، الصواعق المحرقة: 125، جامع المسانيد والسنن: 19 / 34 و 21 / 307 ح: 685، فرائد السمطين: 1 / 293 ح: 231 ب: 55، أنساب الأشراف: 2 / 364، ينابيع المودة: 126، مختصر تاريخ دمشق: 10 / 40 ـ 41.
بشارة بالجنة لعشرة أشخاص ـ وجلّهم من الذين كان مدحهم ينفع السلطة الحاكمة وسياستهاـ أذاعوها بين الناس وحفَّظوها صبيانهم ونساءهم، وحرروها في كتبهم العقائدية بأن المبشرين بالجنة كانوا عشرة نفر، فلم كل هذا؟! مع أنّ الحديث ليس بصحيح، بل الظاهر أنه وضع في مقابل حديث (الطير) وحديث (أول داخل) الواردين في حق أمير المؤمنين(عليه السلام)".
يقول الشيخ محمد گوزل: "مع أنّه لو لم يكن هناك دليل على بطلان مذاهب الجمهور إلاّ العقل السليم والمنطلق الصحيح لكان كافياً لاثبات ذلك، لأنه كيف يستطيع العاقل أن يلتزم بأن الله عزّوجلّ اكتفى ببعث خاتم النبيين وترك الناس هملا مئات السنين من دون أن ينصب من يبيّنُ لهم دينهم ويخرجهم من الحيرة والفرقة؟! وقد بعث مائة وأربعة وعشرين ألف نبي (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُ)(1)ولئلاّ يبقوا في الحيرة، مع أنّ حال هذه الأمة لا يختلف عن حال الأمم السابقة، بل تسلك سلوكها حتى لو دخلوا جُحر ضبٍّ لتبعتها، وأنها ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كافتراقها، ولا ينجو منها إلاّ فرقة واحدة، وأن أكثر أصحابه سيرتدون بعده على أعقابهم القهقرى، ولا ينجو منهم إلاّ مثل هَمَلِ النعم، كما تقدّم ذكر الأخبار المستفيضة في جميع ذلك.
وكيف يستطيع اللبيب أن يقنع نفسه بأن النبي(صلى الله عليه وآله) لم يعيّن وصيّاً لأمتّه من بعده وتركهم بدون راع، وقد رأى إلحاحَ ذلك النبي وإصراره على أمته كي لا يتركوا وصاياهم الشخصية، مع أنه كان راعياً لأكبر الأمم ولا يجىء بعده نبي آخر، وقد رأى بعينه تمرُّدَ صحابته عليه ومخالفتَهم لأمره في كثير من المقامات وشاهد اعتراضاتهم على أمرائه في كثير من الأوقات.
1) النساء: 165.
وعرفتَ أنّ الفرقة الناجية هم شيعتهم والمتمسكون بهداهم وأنّهم خير البرّية والفائزون يوم القيامة.
وفي هذه المرحلة وقفتُ على نصوص كثيرة واردة في الكتاب والسنّة معلنة بخلافة أمير المؤمنين والأئمة المعصومين من ذريته(عليهم السلام) آمرة بالاقتداء بهم والسير على نهجهم، وناهية عن مخالفتهم ومعاداتهم، وتواترت بذلك الأخبار من كتب السنة والشيعة.
وإن كانت سلطات الجور سعت وصرفت قصارى جهدها لاخفاء تلك النصوص وكتمانها، وعذّبت وسجنت من أفشاها ونشرها، وبذلت أموالاً كثيرة وجوائز نفيسة لمن وضع مخالفها ومناقضها على لسان النبي(صلى الله عليه وآله).
ورغم كل ذلك فقد أنعم الله على هذه الأمة أن حفظ لهم مقداراً كثيراً من تلك النصوص كي يكون كافياً (لِمَن كَانَ لَهُو قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ)(1)، ويكون حجة على من ألقى العذر وهو عنيد".
1) ق: 37.
الصورة
ولد عام 1314هـ. في سوريا بقرية تدعى "عنصو" التابعة إلى مدينة أنطاكية، ترعرع في أسرة تنتمي إلى المذهب الشافعي.
لما بلغ الشيخ محمد مرعي سن الرشد وقع في نفسه حُبّ أهل العلم والعلماء، وكان حينئذ شيخ في قرية قرب قريته يُدعى الشيخ رجب، وهو من أهل العلم، فسافر الشيخ محمد مرعي مع أخيه الشيخ أحمد اليها وبقيا عنده ما يقرب من ثلاث سنين.
بعد ذلك دخل المدرسة في انطاكية بواسطة شيخ يدعى الشيخ نظيف، حيث يقول الشيخ مرعي: فأخذنا بالدراسة عنده، وعند والده الشيخ أحمد أفندي الطويل، وبقينا فيها مدة سبع سنين تقريباً.
ثم ارتحلنا إلى مصر، وكان السابق إليها أخي، ودخلنا الجامع الأزهر للدراسة، وتتلمذنا على أيدي جملة من الاساتذة في الأزهر، منهم العلامة الشيخ مصطفى المراغي، شيخ الجامع الأزهر، ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى.
ولما فرغنا من التحصيل، وحصلت لنا شهادات راقية، أردنا العودة إلى
بلادنا، طلب منّا بعض أعلام مصر، أن نبقى فيها لنكون من عداد المدرسين بالأزهر، غير أنّا وجدنا بلادنا أحوج إلينا من بقائنا في (مصر)، فعدنا إلى البلاد، وأخذنا نمتهن إمامة الجماعة والجمعة، والتدريس والإفتاء، والخطابة، مدة طويلة، نحو خمسة عشر عاماً.
يقول الشيخ محمد مرعي: كنت أسمع عن الوهابيّة بأنهم يقيمون الحدود، ويجرون الأحكام الشرعية تماماً، فهاجرت إلى الحجاز، وتخلّلت بينهم مدّة، فوجدت الأخبار التي وصلتني من القطر الحجازي كانت خلاف الواقع، فإنهم أضرّ على الإسلام من كل شيء، وقد شوّهوا سمعة الإسلام بأعمالهم وأفعالهم، وبسوء فتاوى علمائهم، وبسوء صنيعهم بالعترة الطاهرة الأئمة الصالحين وغيرهم، وذلك بهدم قبورهم.
ولعمري! لقد أرادوا هدم ضريح النبيّ المقدس(صلى الله عليه وآله وسلم)، فعارضهم كثير من المؤمنين من شرق الأرض وغربها، فتركوه خوف الفتنة والإثارة فانظر إلى غريب فتواهم.
وبالجملة، لما رأيت ما رأيت منهم، رجعت إلى بلادي، وعدت إلى ما كنت امتهن من ذي قبل.
يقول الشيخ محمد مرعي: ثم حدثت لي أسباب دعتني الى الاتصال بالطائفة الشيعية، فجرت بيني وبين بعض علماء الشيعة مناظرات كثيرة، وفي حال المناظرة كنت أجد نفسي محجوجاً معهم، غير أني اتجلّد وأدافع دفاع المغلوب، مع ما أنا عليه بحمد الله تعالى من الاطلاع الواسع، والعلم الغزير في مذهب السنّة
الشافعية، وغيره، إذ أنني تلمّذت حوالي ربع قرن على فطاحل العلماء والجهابذة في مشيخة الأزهر، حتى حصلت على شهادات راقية، وقد طالت المناظرة بيننا زماناً طويلا، لا يقل عن ثلاث سنين تقريباً، وقد وقع في نفسي شيء من الريب في المذاهب الأربعة، لكثرة الخلاف فيها.
يقول الشيخ محمد مرعي: عثرت ذات يوم على كتاب جليل وهو كتاب (المراجعات) للسيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي العاملي (قدس الله روحه الطاهرة، وأسكنه فسيح جنّته) فأخذت الكتاب، وبدأت أتصفحه، وأتدبّر مقالاته بدقة وإمعان، فأدهشتني بلاغته، وسبك جمله، وعذوبة ألفاظه، وحسن معانيه التي قلّ أنْ يأتي كاتب بمثلها، فقمت أفكّر في هذا الأثر القيّم، والسفر العظيم، وما فيه من الحكميات والمحاكمات بين مؤلفه المفدّى، وبين الشيخ الأكبر، الشيخ سليم البشري، شيخ الجامع الأزهر، وذلك بأدلته القاطعة وحججه البالغة، مما يفحم الخصم، ويقطع عليه حجّته.
وقد رأيت مؤلفه العظيم لم يعتمد في احتجاجه على الخصم من كتب الشيعة، بل كان اعتماده على كتب السنّة والجماعة ليكون أبلغ في الردّ على الخصم، فبذلك زدت إعجاباً على إعجاب مما جرى به قلمه الشريف.
هذا ولم يمض عليّ الليل، إلاّ وأنا مقتنع تماماً بأنَّ الحق والصواب مع الشيعة، وأنهم على المذهب الحق الثابت عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، عن أهل بيته الطاهرين(عليهم السلام)، ولم يبق لي أدنى شبهة البتة، واعتقدت بأنهم على خلاف ما يقال فيهم من المطاعن والأقاويل المفتعلة الباطلة.
يضيف الشيخ محمد مرعي: ثم في صبيحة تلك الليلة، عرضت الكتاب الشريف على أخي وشقيقي، فضيلة العلامة الفذ، الحافظ، الشيخ أحمد أمين الأنطاكي، حفظه الله.
فقال لي: ما هذا؟
قلت: كتاب شيعي لمؤلف شيعي.
فقال: أبعده عنّي (ثلاثاً)، فإنه من كتب الضلال، وليس لي به حاجة، وإني أكره الشيعة، وما هم عليه.
فقلت: خذه واقرأه، ولا تعمل به، وماذا يضرك إن قرأته؟
فأخذ الكتاب ودرسه وطالعه بدقّة وإمعان، وحصل له ما حصل لي من الاعتراف بأحقّية المذهب الشيعي، وقال: إن الشيعة على الحق والصواب، وغيرهم خاطؤون.
ثم تركت أنا وأخي المذهب الشافعي، واعتنقنا المذهب الشيعي الجعفري الإمامي، وذلك لقيام الأدلة الكثيرة الواضحة، والبراهين الرصينة الناصعة، فاستراح ضميري بهذا التمسّك بالمذهب الجعفري، وهو مذهب آل بيت النبوّة ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ أبداً ما دام الليل والنهار، لعلمي أني قد حصلت على أقصى غاية ما أُريد بأخذ مذهب العترة الطاهرة.
وبذلك أعتقد يقيناً لا يشوبه شك أني قد نجوت من عذاب الله تعالى، وأحمد الله تعالى ثانياً على نجاة عائلتي كلها، وكثير من أقربائي وأصدقائي وغيرهم، وهذا فضل ونعمة من الله لا يقدر قدرها إلاّ هو، وهي ولاية آل الرسول،
فإنه لا نجاة إلاّ بولايتهم، والحديث متّفق عليه سُنّة وشيعة، وهو قول رسول الله(صلى الله عليه وآله): "مثل أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهلك".
ثم تشيّع معي وكذلك مع أخي، خلق كثير جداً من إخواننا السنة من (سورية)، و(لبنان) و(تركية)، وغيرها من البلاد، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وقد اشتهر هذا الأمر في البلاد، وذاع وشاع، وملأ الأسماع، حتى أخذ الناس يتراكضون إليهما يسألونهما عن السبب الذي دعاهما إلى الأخذ بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، مذهب الحق، وترك المذهب الشافعي.
فيقول الشيخ محمد مرعي: وكنا نجيبهم بأنّ الأدلة قامت لدينا، فمن أراد منكم أن نوضّح له المذهب الحق فليأت إلينا.
وفي هذه الفترة القصيرة التي هدانا الله تعالى خلالها، كانوا يأتون إلينا من كل حدب وصوب، ومن مختلف الطبقات من العلماء والأساتذة، والوجهاء والتجار، والكسبة والموظفين، وغيرهم، فكنا نلقي عليهم الحقائق من المصادر الموثوقة من مصادرهم، فمنهم من يسمع ويقتنع ويأخذ بالمذهب (مذهب أهل البيت(عليهم السلام))، ويرفض مذهبه السابق، ومنهم من يتعصّب على مذهبه، وعذره جهله وتعصّبه، مع العلم أنه غير قادر على الدفاع عن مذهبه.
عندما شاع خبر استبصارهما وانتشر في البلاد، وهدى الكثير على أيديهما، تكتلت فئات مناوئة لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) وشنّت حرباً شعواء عليهما، وأخذ جملة ممن يتزيا بزي العلماء يحكم بكفرهما وارتدادهما عن الدين، وأخذوا
يحذرون الناس على المنابر من التعامل والاحتكاك بهما، بل تعدّى الأمر إلى إغراء الاشقياء والسفهاء والصبيان بالتعرض لهما بالكلام البذيء والفاحش ورشقهم بالحجارة.
ولما حاولت جراثيم الحقد والتعصّب الاحاطة والتضييق على الشيخ محمد مرعي الانطاكي وأخيه، وضاقت بهما الحال، وصل الخبر إلى السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي ـ وقد كان حياً آنذاك ـ فبادر إلى نجدتهما بشتى الصور، وكان أبرزها، رفعه كتاباً إلى المرجع الديني الكبير السيد البروجردي(رحمه الله)، يحثه فيه على دعمهما ورعايتهما والأخذ بأيديهما لئلا يقعا فريسة التعصب الأعمى.
وبالفعل سارع السيد البروجردي(رحمه الله) إلى اسعافهما وتبنيهما، وكانت هذه الخطوة الكبيرة اسناداً لهما في عملهما التبليغي، ورفعاً لشأنهما في اوساط المجتمع.
وهكذا طالت الأيام بالشيخ محمد مرعي الانطاكي وهو دؤب على عمله في سبيل الدعوة حتى تلقته يد المنون فانتقل إلى رحمة ربه في شهر ذي القعدة من عام 1383 هجرية، بعد أن كرّس حياته لنشر مذهب الحق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
صدر في طبعته الرابعة عن مكتب الاعلام الاسلامي، قم سنة 1417هـ ـ 1375م في نسخة محقّقة من قبل الشيخ عبد الكريم العقيلي.
يتأليف الكتاب من ثمانية فصول:
الفصل الأول: ترجمة المؤلف.
الفصل الثاني: الشيعة والكتاب والسنّة.
الفصل الثالث: النصوص الواردة في حصر النبي(صلى الله عليه وآله) خلفائه في اثني عشر خليفة.
الفصل الرابع: نبذة لطيفة من الأحاديث الواردة في فضائل أمير المؤمنين وذريته الطاهرة(عليهم السلام).
الفصل الخامس:
أ ـ شهادة النبي(صلى الله عليه وآله) بأعلمية علي وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام).
ب ـ شهادة بعض العظماء بأعلمية علي وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام).
الفصل السادس: مدح النبي(صلى الله عليه وآله) لشيعة علي(عليه السلام) وأهل بيته(عليهم السلام) وأنه الواضع الأول لاسم التشيّع.
الفصل السابع: كارثة السقيفة.
الفصل الثامن:
1 ـ حادثة طارئة (مناظرة قبل استبصاره).
2 ـ مناظراته (بعد استبصاره).
بعد أن يعرض الكاتب نبذة من ترجمة حياته ويوضّح كيفية اختياره لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) ـ والتي تقدم الاشارة إليها ـ يذكر الأدلة والمطالب العلمية من القرآن والسنة التي حدت به الى اختيار هذا المذهب.
ورد في القرآن المجيد آيات عديدة، تؤيد مدّعى الشيعة، وقد فسّرها علماء الفريقين وفقاً لما ذهب إليه الشيعة، منها:
(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُو وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَ كِعُونَ )(1).
نزلت في عليّ أمير المؤمنين(عليه السلام)عندما تصدّق بخاتمه على المسكين، وهو يصلّي في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله).
وقد أنشأ حسّان بن ثابت ـ شاعر الرسول ـ في هذه الواقعة شعراً، منه ما قال:
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي وكل بطيء في الهدى ومسارع
أنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً زكاة فدتك النفس يا خير راكع
1) المائدة: 55.
فأنزل فيك الله خير ولاية وبيّنها في محكمات الشرائع(1)
والمراد بالوليّ هنا انما هو الأولى بالتصرّف، ولا يكون أولى إلاّ إذا كان خليفة وإماماً، وهذا المعنى مشهور عند أهل اللغة والشرع(2).
(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )(3).
وهي مختصّة بالخمسة أصحاب الكساء ودالة على عصمتهم من جميع الذنوب والآثام، ولا تشمل هذه الآية ازواج النبي(صلى الله عليه وآله) كما ادّعاه بعض العامة لوضوح اختلاف الضمير وسياق الآيات، وورود آية المباهلة وحديث الكساء وغيرهما كثير مفسّرة لأهل البيت بالخمسة دون سواهم.
(فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنم بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَـذِبِينَ)(4).
والمراد بالأبناء هما الحسن والحسين(عليهما السلام)، والنساء: فاطمة الزهراء(عليها السلام)، والأنفس الرسول(صلى الله عليه وآله)والإمام عليّ(عليه السلام)، فجعلت هذه الآية الإمام أمير المؤمنين نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله) وظهر أنّ الخليفة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله) هو علي بن أبي طالب، فلا يجوز تقديم أحد عليه مطلقاً، لأنّ المتقدم عليه كالمتقدم على رسول الله(صلى الله عليه وآله).
(قُل لاَّ أَسْـَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى وَ مَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ )(1).
والقربى هم عليّ وفاطمة والحسن والحسين باعتراف علماء الفريقين، وأجر الرسالة هو المودّة لآل رسول الله وهو أجر ينفع دافعي الأجر من المسلمين أكثر مما ينفع الرسول وآله فبالرسول وآله اهتدى المسلمون وعرفوا طريق النجاة.
(إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَ سَلِّمُواْ تَسْلِيماً )(2).
والصلاة تكون بذكر محمد وآله وبدون ذكر الآل تكون الصلاة بتراء، وقد نهى الرسول عن ذلك بنفسه وأوضح أن الصلاة تكون بالصلاة عليه وعلى آله(3)، ومن هذه الآية تتبيّن مكانة الآل وتثبت خلافة عليّ بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذ قرنه الله تعالى مع رسوله في ذكر الصلاة عليه، وعليه فلا يجوز تقدّم أحد عليه كما لا يجوز تقدم أحد على رسول الله(صلى الله عليه وآله).
(يَـأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَـفِرِينَ )(1).
وفيها يأمر الله تعالى نبيّه في غدير خم بتبليغ ولاية عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)وإمامته للناس، وأنّ الله سيحميه ويعصمه من أذى المخالفين والرافضين، وقد أنشأ حسان بن ثابت شعراً بالمناسبة فقال:
يناديهم يوم الغدير نبيّهم بخمّ وأسمع بالرسول مناديا
يقول: فمن مولاكم ووليّكم؟ فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وانت وليّنا ولم تر منّا في الولاية عاصيا
فقال له قم يا علي فانّني رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليّه فكونوا له أنصار صدق مواليا
هناك دعا اللّهم وال وليّه وكن للذي عادى عليّاً معاديا(2)
وقد قال الغزالي في كتابه (سرّ العالمين) في المقالة الرابعة بما لفظه: "لكن أسفرت الحجة وجهها، وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته في يوم عيد غدير خم باتفاق وهو يقول: "من كنت مولاه فعليّ مولاه" فقال عمر: بخ بخ يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي، ومولى كل مولى، فهذا تسليم ورضى وتحكيم.
ثم بعد هذا غلب الهوى لحب الرئاسة، وحمل عمود الخلافة، وعقود النبوة وخفقان الهوى في قعقعة الرايات، واشتباك ازدحام الخيول، وفتح الامصار وسقاهم كأس الهوى، فعادوا إلى الخلاف الأول، فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلا"(3).
وهذا اعتراف من الغزالي بحجة الشيعة واثبات مدّعاهم فنطق الحق
وأفصح عن الواقع.
وهناك آيات كثيرة اخرى يستدلّ بها على ولاية علي(عليه السلام) وامامته ومناقبه وفضائله فهل يلام بعد ذلك الشيعة وهم يتمسّكون بالقرآن.
أخذ الشيعة السنة النبوية عن طريق أئمة أطهار معصومين عن الخطأ، بسندهم الموثوق إمام معصوم عن إمام مثله، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن جبرئيل، عن الربّ الجليل.
وقد استدل الشيعة بأحاديث كثيرة من السنة النبوية في اثبات مدّعاهم في إمامة أهل البيت(عليهم السلام) وقيادتهم للامة، منها:
وهو قول النبي(صلى الله عليه وآله): "هذا عليّ أخي ووزيري، ووصيّي، وخليفتي من بعدي"(1).
وفيه دلالة واضحة وحجّة قاطعة على ان الخليفة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) هو علي بن أبي طالب(عليه السلام).
"إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً"(2).
وهو حديث شهير عند الفريقين ذكره الرسول(صلى الله عليه وآله) في عدّة مواطن منها يوم
الغدير، وله طرق كثيرة وردت من نيّف وعشرين صحابياً، ودلالته صريحة واضحة على خلافة أمير المؤمنين(عليه السلام) وابنائه الائمة الأحد عشر المعصومين(عليهم السلام)لأن النبي الأمين(صلى الله عليه وآله) قرنهم بالكتاب المبين، والقرآن هو المرجع الأوّل للأمة الاسلامية بلا منازع من بدء الدعوة إلى آخر الدنيا، وهما لن يفترقا حتى يردا على الرسول الحوض يوم القيامة، ولا يجوز التمسّك بأحدهما دون الآخر وسماهما النبي ثقلين لخطرهما وعظم قدرهما، ويدلّ الحديث أيضاً على عصمة أهل البيت(عليهم السلام) كعصمة القرآن لأمر النبي(صلى الله عليه وآله)بالرجوع إليهم من بعده ولا يتم ذلك إلاّ لمن عصمه الله من الخطأ والزلل.
وهو قوله(صلى الله عليه وآله) لعلي(عليه السلام): "أما ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي" عند خروجه إلى غزوة تبوك واستخلافه علياً في المدينة.
وهو يدلّ ان علياً(عليه السلام) هو ولي عهده، وخليفته من بعده ولم يستثن من منازل هارون إلاّ النبوة، واستثناؤها دليل لعموم الحديث لبقية المنازل كلها وقد قال الله تعالى: (وَ اجْعَل لِّى وَزِيراً مِّنْ أَهْلِى * هَـرُونَ أَخِى * اشْدُدْ بِهِ ى أَزْرِى * وَ أَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى)(1)وقال أيضاً: (وَقَالَ مُوسَى لأَِخِيهِ هَـرُونَ اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ )(2).
"مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنهِا
غرق وهوى"(1).
قال ابن حجر في صواعقه: "ووجه تشبيههم بالسفينة أن من أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم(صلى الله عليه وآله) وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان"(2).
وقال الشافعي:
ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم مذاهبهم في أبحر الغيّ والجهل ركبت على اسم الله في سفن النجا وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل.
"أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد المدينة فليأت بابها"(3).
وهو حديث صحيح لا مغمز فيه ولما لم يجد المزيفون سبيلا الى انكاره نقلوه هكذا: "أنا مدينة العلم، وأبو بكر اساسها، وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعليّ بابها"، وقد تفطّن بعض علماء القوم لبعض ما يلزم من الشناعة بجعل عثمان سقفها وقالوا: ان المدينة لا سقف لها.
وردت نصوص كثيرة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) تحصر خلفاء النبيّ(صلى الله عليه وآله) في اثني عشر.
منها ما اخرجه أحمد بن حنبل في مسنده: عن الشعبي عن مسروق قال: كنا جلوساً عند عبدالله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا ابا عبدالرحمن! هل سألتم رسول الله(صلى الله عليه وآله) كم تملك الامة من خليفة؟ فقال عبدالله بن
مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك ثم قال: نعم ولقد سألنا رسول الله(صلى الله عليه وآله)فقال: اثنا عشر، كعدة نقباء بني اسرائيل"(1).
وقد تحيّر علماء العامة في تفسير هذا الحديث، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لأنهم أقل من اثني عشر، ولا يمكن أن يحمل على الملوك الأمويين ولا العباسيين لأنهم أكثر من اثني عشر فلزم أن يكون مراد رسول الله(صلى الله عليه وآله) من حديثه هذا الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته.
بلغت فضائل ومناقب أمير المؤمنين حدوداً لا تحصى، وشهد له بالفضل والتقدّم والعلم حتى مناوئيه واعداءه فضلا عما ورد بحقّه من آيات قرآنية وأحاديث نبوية لا تحصر، وممن شهد له بذلك أبو بكر وعمر وعثمان، بل وحتى معاوية وعمرو بن العاص وعائشة والمنصور والرشيد والمأمون وائمة المذاهب الأربعة، وقد قال الشافعي:
إذا في مجلس ذكروا علياً وشبليه وفاطمة الزكيّة
هربت إلى المهيمن من اناس يرون الرفض حب الفاطمية
على آل الرسول صلاة ربّي ولعنته لتلك الجاهلية(2)
بل تأثر به حتى اتباع الديانات الاخرى قديماً وحديثاً.
حاول ويحاول البعض القاء الفاصلة بين عليّ وشيعته ومحبيه، ويزعمون أن الشيعة غير صادقين في حبهم للأئمة الأطهار ـ والعياذ بالله ـ بل اخترعوا
احاديث نسبوها للنبيّ والأئمة الأطهار في سب الشيعة والوقيعة فيهم بل والدعوة إلى قتلهم ـ وعجب من منطق هؤلاء الذين ينسبون إلى المعصومين أن يقتل الناس اتباع الحق والدين الذي يدعوا إليه هؤلاء المعصومين(عليهم السلام)، وهناك نصوص كثيرة في أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) هو الذي سمّى أتباع عليّ(عليه السلام) بالشيعة، وأنّهم الراضين المرضيين، وأنّهم الفائزون يوم القيامة وهم السابقون وهم المقرّبون.
"كثير ممن جرى قلمه في صفحات التاريخ، تعرّض إلى حادث السقيفة، وما جرى فيها وبها من كوارث مؤلمة تقض المضاجع وتندي الجبين.
ولقد عالج هذا الحادث في كل قرن مضى كثير من المؤرخين راجين قشع ما تلبّد عليه من سحب، وما أحاط به من دخان، وازالة ما وضع في سبيل الأمة من عقبات كئود لا يجتازها عابرها إلاّ بشق الانفس.
وهيهات النجاة وكشف القناع عما وضعه الوضّاعون، ودسّه الدسّاسون في القرن الأول، والقرن الثاني، وما يليهما من القرون.
إذن فالكتابة عن يوم السقيفة وطوارئها، والبحث عن إدراك غوامضها ليس بالأمر السهل إذ هو السبب إلى انقسام الأمة إلى فرقتين في يومه، ثم إلى فرق تبلغ الثلاث والسبعين فرقة".
تمخّضت السقيفة عن خلافة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان باسم الصحبة والهجرة والشورى، فحكموا رقاب المسلمين وظهر الكثير من الفساد والتخبّط الذي عالجه الإمام عليّ(عليه السلام) وذلك بمساعدة الخلفاء على حلّ الكثير من المشاكل التي واجهوها وبالصبر عن حقه الذي نصّ عليه الرسول أكثر من مرّة.
ثم تولّى الإمام علي(عليه السلام) الخلافة ـ ولكن بعد فوات الأوان ـ فحاول إصلاح
ما يمكن إصلاحه فنهض في وجهه الناكثون والقاسطون والمارقون وواجهوه بالحرب والعدوان فلم يفسحوا له المجال لاصلاح امور المسلمين إلى أن ذهب شهيداً إلى ربّه في محراب الصلاة على يد أحد الخوارج المارقين.
ثم استلم الأمر بعد ذلك معاوية وجعلها ملوكية وراثية، فهذه هي نتائج السقيفة المشؤومة التي ارادت بباطل من اجتمع فيها ان تطفأ نور الحق ولكن هيهات فيأبى الله إلاّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
وهكذا اهتدى هذا الشيخ الجليل الى الفرقة الناجية وعرف الحق وتمسّك بالهدى وترك ظلمات الباطل وهو يمتلك الدليل عن تبصر فكان من اوائل المستبصرين في عصرنا هذا الذي اهتدى فيه الكثير من الناس إلى نور أهل البيت(عليهم السلام).
الصورة
ولد الاستاذ مروان خليفات عام 1973م في كفر جايز التابعة لمدينة أربد في الأردن، ترعرع في أسرة تعتنق المذهب الشافعي، واصل دراسته حتى تخرّج من جامعة اليرموك، حائزاً شهادة البكالوريوس في الشريعة الاسلامية عام 1995م.
تأثّر الاستاذ مروان في دراسته الجامعية بالتيار السلفي نتيجة تتلمذه على أيدي مجموعة من الاساتذة السلفية الذين كانوا يمارسون مهمة التدريس في الجامعة.
فكان يستمع اليهم بآذان صاغية ويتلّقى منهم ـ دون أي تمحيص ـ كل ما يبدونه له حول القضايا الدينية والأمور العقائدية.
كان للاستاذ مروان صديق شيعي، كان قد تعرف عليه منذ أيام الطفولة، وكان لانسجامهما في الطباع وارتياح كل منهما للآخر عند الصحبة سبباً في
استدامة صداقتهما رغم اختلافهما في الفكر والعقيدة.
وكان مع ذلك يندفعان بين حين وآخر إلى النقاش والجدال حول الأمور العقائدية وكان هذا الأمر يزداد يوماً بعد يوم نتيجة ارتقاء مستوى كل منهما في جانب الفكر واتساع معلومات كل منهما فيما يخص دعم مبادئه العقائدية.
واشتد هذا الأمر وبلغ ذروته بعد التحاق الاستاذ مروان بالجامعة، فكان لا يأتي عليهما يوم إلاّ ويحتد النقاش بينهما.
وكان الاستاذ مروان يبذل قصارى جهده لتجميع الأدلة التي يطرحها اساتذته السلفية، ليستدل بها في اطاحته للفكر الشيعي وليتمكّن ـ وعسى ـ من هداية صديقه على حسب زعمه.
لكنه كان يجد نفسه ضعيفاً أمام البراهين المتينة والأدلة المحكمة التي يطرحها صديقه بكل هدوء واتزان.
كان من جملة المواضيع التي كان لها الدور الكبير في اندفاع الاستاذ مروان إلى الاستبصار هو موضوع رزية الخميس التي كان غافلا عنها فيما سبق.
وكان هذا حينما وجد صديقه تحمسه في تمجيد عمر بن الخطاب. فذكر له رزية الخميس وتبنيه له موقف عمر من الرسول حينما قال النبيّ(صلى الله عليه وآله) لأصحابه بأيام قبل وفاته: "ائتوني بكتف ودواة اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده ابداً" فقال عمر: إن النبيّ غلبه الوجع، أو يهجر، حسبنا كتاب الله!!
فلم يطق الاستاذ مروان استيعاب هذا الأمر! فبادر مسرعاً إلى إنكار وتكذيب هذا الأمر، وثارت ثائرته قائلا لصديقه: "هل وصل بكم الأمر أن تنسبوا هذا الكلام للفاروق الذي ما عصى النبي قط؟!".
فارشده صديقه إلى مصدر هذا الحديث من كتابي صحيح مسلم والبخاري.
فلم يتحمل الاستاذ مروان قبول هذه الحقيقة والتجأ إلى التبرير بقوله: وإن قال ذلك يبقى صحابياً!! اسأل الله الغفران له.
واردف قائلا لصديقه: كيف تأتّى لك معرفة هذه الحادثة المروية في الصحيحين؟
فقال: وجدتها في كتاب "ثم اهتديت" لأحد علماء أهل السنة الذين تشيعوا.
فقال مستغرباً: وهل هناك عالم من علمائنا تشيع؟!
فقال: نعم هو ذاك التيجاني صاحب هذا الكتاب، يذكر اسباب وكيفية تشيعه في كتابه.
فطلب الاستاذ مروان منه الكتاب ليبادر إلى مطالعته بسرعة.
يقول الاستاذ في وصف الحالة التي عاشها مع كتاب "ثم اهتديت": "اخذتني قصة الكاتب الممتعة واسلوبه الجذّاب، قرأت نصوص إمامة آل البيت، ومخالفات الصحابة للرسول، ورزية الخميس... والمؤلف يوثق كل قضية من صحاحنا المعتبرة، فدهشت لما أقرأ وشعرت أن كل طموحاتي انهارت وسقطت أرضاً، وحاولت اقناع نفسي بأن هذه الحقائق غير موجود في كتبنا.
وفي اليوم الثاني عزمت على توثيق نصوص الكتاب من مكتبة الجامعة، وبدأت برزية الخميس، فوجدتها مثبتة في صحيحي مسلم والبخاري بعدة طرق".
يقول الاستاذ مروان:
"كان أمامي احتملان: إمّا أن أوافق عمر على قوله، فيكون النبيّ يهجر ـ
والعياذ بالله ـ وبهذا أدفع التهمة عن عمر. وإمّا أن اُدافع عن النبيّ وأقرّ بأن بعض الصحابة بقيادة عمر ارتكبوا خطأ جسيماً بحق النبي(صلى الله عليه وآله) حتى طردهم. وهنا أتنازل أمام صديقي عن معتقدات طالما ردّدتها وافتخرت بها أمامه.
وفي نفس اليوم سألني صديقي عن صحة ما في الكتاب فقلت وقلبي يتعصّر ألماً: نعم، صحيح.
بقيت فترة حائراً تأخذني الأفكار شرقاً وغرباً، وعرض عليّ صديقي كتاب "لأكون مع الصادقين" لمؤلفه التيجاني، وكتابه "فسئلوا أهل الذكر" وغيرها، فكشفت هذه الكتب أمامي حقائق كثيرة وزادت حيرتي وشكي.
وحاولت إيقاف حيرتي، بقراءة ردود علمائنا على هذه الحقائق، لكنّها لم تنفعني بل زادتني بصيرة بأحقيّة مذهب أهل البيت. وقرأت كتباً كثيرة، لا يسعني ذكرها، فكانت ترسم لي صورة الحقيقة بألوان من الحجج الدامغة، التي كان عقلي يقف مبهوراً محتاراً أمامها، فضلا عن حيرة علمائنا في التعامل معها.
إلى أن اكتملت صورة الحقيقة في ذهني كالشمس في رابعة النهار، واعتنقت مذهب آل البيت الأطهار أبناء الرسول، وأشقّاء القرآن، وأولياء الرحمن، سفن النجاة، وأعلام الورى، ورحمة الله للملأ، بكل قناعة واطمئنان قلب.
وها أنا الآن ـ وبعد تخرجي من كلية الشريعة ـ على يقين تام بصحة ما أنا عليه. أقول هذه الكلمات ويمر بذهني كيف عزمت على هداية صديقي الشيعي وأهله، وإذا بالصورة قد أنعكست، فكان هو سبب هدايتي، وفّقه الله.
ولا أنسى تلك اليد ـ يد الرحمة الإلهية ـ التي كانت تعطف عليّ باستمرار أيّما عطف. فلك الحمد ربّاه حمداً يليق بجلالك العظيم ومنِّك الجسيم".
صدر عن مركز الغدير سنة 1997م ـ 1418هـ.
جاء في مقدمة الناشر: "إن كتاب (وركبت السفينة) للاستاذ مروان خلفيات نموذج لوقفة التأمل مع الذات، والنظر في الموروث، والانطلاق ببحث علمي مقارن، وتحقيق موضوعي رصين يكشف عن وعي الكاتب للتاريخ، كما يسجل مساهمة في إعادة كتاب فصل من فصوله ووقائعه.
وهي رحلة علمية ومذهبية رائعة تجلّت فيها حرية الفكر، والبحث المحايد عبر السفينة التي أبحر فيها من شاطئه الذي كان يستقرّ في مآويه إلى الشاطيء الآخر آمناً من مخاطر الأمواج وقصف الريح الكواسح، مستهدياً بالكتاب والسنّة وأدلّة العقل وشواهد التاريخ، وهذا العمل الثقافي الرصين يشكّل مساهمة فعّالة في التقريب بين المسلمين واسقاط الحواجز النفسية، وتعريف بعضهم بالبعض الآخر".
وجاء في تقديم الدكتور عبدالهادي الفضلي: "الكتاب... هو من تلكم الكتب التي كتبت انتصاراً لمذهب أهل البيت من مؤلف تخصص جاميعاً بدراسة المذاهب الإسلامية، وحملته روح المقارنة والموازنة الى تأليف كتابه هذا ليتوصل إلى معرفة الفرقة الناجية التي أشارت إليها رواية "ستفترق امتي..." كما ذكر هذا في مدخل كتابه.
فتناول في بحثه نشوء المذاهب السنية في العقيدة والتشريع، واضعاً اصبعه على ابرز المعالم الفكرية فيها وأهم الاشكالات في اسس هذه المذاهب، من واقع حياة الصحابة في اجتهادهم وعدالتهم وشؤونهم الاخرى التي ترتبط بموضوع البحث.
ثم انتقل إلى مدرسة أهل البيت موثقاً مشروعيتها، ومبرهناً على النجاة في إتباع أهل البيت(عليهم السلام)، معقباً ذلك وخاتماً بذكر شيء من سيرة الأئمة الاثني عشر(عليهم السلام).
وقد كان المؤلف الكريم ملتزم الى حد كبير باصوليات البحث العلمي فخرج موفقاً إلى حد غير قليل في بحثه ونتائجه.
وهو بهذا الكتاب يضم سفراً آخر من أسفار الدراسات المقارنة، التي نرجو ان تكثر وتلتزم بالمقارنة دائماً لنلتقي كمسلمين مؤمنين بالاعتصام بحبل الله الذي هو عصام التوحيد والتوحد على جادة سواء وكلمة سواء".
يتألف الكتاب من ثلاثة أبواب:
الباب الأول: الأشعري والمذاهب الأربعة، ويتضمّن فصلين وهما: تقليد الأئمة الأربعة، وعدّة عقبات أمامنا.
الباب الثاني: مدرسة السلفية، ويتضمّن فصول، وهي: إشكالات في الطريق، ضياع السنة، إشكالات على مرجعية الصحابة، عدالة الصحابة، مخالفات الصحابة للرسول، صور من حياة الصحابة، أربعة نماذج من الصحابة، أدلة أهل السنة على عدالة الصحابة، بحث حول قيمة الصحبة، اجتهاد الصحابة أمام المحكمات.
الباب الثالث: مدرسة أهل البيت، ويتضمّن عدة فصول، وهي: شهادات، القول المختصر فيمن تشيع وشعر، المرجعية السياسية، الأئمة الاثنا عشر، شبهات ليست بشبهات.
صدرت الطبعة الاولى سنة 1419هـ ـ 1999م، وصدرت الطبعة الثانية سنة 1421هـ ـ 2000م عن مؤسسة السيدة زينب ـ بيروت.
جاء في مقدمة الطبعة الأولى: "بعد طبع كتابنا "وركبت السفينة" تلقاه
الناس بقبول حسن وأثنوا عليه الثناء الجميل، فلله الحمد أولا وآخراً، وقد عرض عليّ بعض الاخوان تلخيص الكتاب، وقد تكون هذه الفكرة صائبة، فالكتاب تتجاوز صفحاته الستمائة صفحة، وليس باستطاعة كل انسان ان يقرأه أو يشتريه، لهذا قمت بتلخيصه...
أما الكتاب الأصلي فهو يحكي قصة انتقالي من مذهب إلى آخر، طلباً للإسلام الصحيح، وهو محاولة للوصول إلى المنظومة الالهية التي تعبر عن الإسلام من خلال طرح ثلاث مدارس فكرية موجودة بشكل ملحوظ على الساحة، وهي:
1 ـ اتباع الأئمة الأربعة والاشعري.
2 ـ اتباع السلف "السلفية".
3 ـ اتباع آل البيت "الشيعة الامامية".
ولأنّ البحث مختصر، فقد اضطررت الى أن احصره بين المدرستين الأولى والثالثة، ومن يرد أن يطلع على المدرسة السلفية فعليه بمراجعة كتابنا المذكور، وأسال الله أن يوفّقنا لكتابة بحث مستقل عن السلفية في القريب العاجل".
صدر عن مركز الأبحاث العقائدية وهو باكورة سلسلة الرحلة الى الثقلين صدر سنة 1420هـ.
جاء في توطئة بحثه في الكتاب: "ما هي حقيقة المشروع الالهي الذي اعد لهداية الانسان بعد ختم النبوة؟ ما هو موقف النبيّ(صلى الله عليه وآله) من مستقبل الاسلام؟ فهل اتخذ(صلى الله عليه وآله)الترتيبات اللازمة لحفظ رسالته وضمان انتشارها ما موقفه(صلى الله عليه وآله) من الكتاب والسنة وهما عهد الله إلى خلقه؟
إن الاجابة على هذه الاسئلة وغيرها قد يكون لها تأثير كبير على حياة الإنسان.
ولو عرضت هذه الأسئلة على المدارس والفرق الاسلامية، لكانت أجوبتنا متوافقة مع انتماءاتها المذهبية وهذه احدى مشاكلنا، فنحن ننتمي ثم نجيب وهو على حساب الحقيقة".
وقد قام المؤلف في هذا الكتاب بتبيين النظريتين حول موقف النبيّ(صلى الله عليه وآله) من مستقبل دعوته، فذكر ابتداءاً نظرية أهل السنة فيما تخص موقف النبيّ(صلى الله عليه وآله) من القرآن والسنة، ثم قام بمناقشة هذه النظرية وتبين مواطن ضعفها.
ثم ذكر المؤلف النظرية الثانية فبيّن موقف النبيّ(صلى الله عليه وآله) الايجابي حول جمع القرآن وتدوين السنة واعلان مرجعية آل البيت(عليهم السلام).
وفي نهاية الكتاب قام المؤلف بمقارنة موجزة بين هذين النظريتين، ثم استنتج قائلا: "لا نرى على المدرسة الشيعية أي مؤاخذة في حق النبيّ(صلى الله عليه وآله)، فهو ذلك القائد البصير الذي نظر للأمد البعيد فلم يترك الأمر بعده مهملا فارغاً بل رتبه أروع ترتيب، فالكتاب والسنة مدوّنان، ولحسم الخلاف في فهمهما جعل ناطقاً عنهما لا يخلو من زمن".
ثم يضيف المؤلف: "إنّ الفكر الذي يقدم هذه الاطروحات لصيانة الإسلام من التحريف وإدامته لهو فكر عظيم، فلا يمتلك المرء إلاّ أن ينحني أمامه".
صدر عن مركز الغدير للدراسات الاسلامية سنة 1419هـ ـ 1998م في 170 صفحة في القطع الرقعي.
وهي اقتباسات أعدها المؤلف من كتاب الغدير للعلامة الشيخ الأميني، وذكر فيها أربعة من رموز البيت الأموي الذين عادوا رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وهم: أبو سفيان، والحكم بن أبي العاص، ومروان بن الحكم، والوليد بن عقبة، فذكر المؤلف نماذج عديدة من مواقفهم المخزية ازاء الإسلام وعدائهم للرسول(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام).
{5} "مزامير الانتظار المقدس":
صدر سنة 2001م ـ 1422هـ عن مركز الفردوس للثقافة والاعلام. (72 صفحة من القطع الرقعي) تأليف مشترك مع السيد غياث الموسوي.
قصائد شعرية حول الإمام المهدي المنتظر(عليه السلام) تتبعها اضاءات متضمنة لروايات أهل البيت(عليهم السلام)، وذكر بعض الآيات القرآنية المناسبة للموضوع وجملة من أحاديث وأقوال أهل السنة فيما تخص ولادة الإمام المهدي وغيبته وصفاته واحاديث انتظاره وانه ابن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام).
في البحر عندما تعصف الرياح وتتلاطم الأمواج يتوجّه المرء إلى ربه، يدعوه لينجيه من الغرق ويكون دعاؤه حاراً خارجاً من أعماق الروح، يتعهد لربّه بالسير على الصراط المستقيم إذا نجا فيما تبقى له من العمر، وهذا هو نداء الفطرة الذي اودعه الله في الانسان عندما خلقه يُسمع واضحاً عندما تختفي موجات الأصوات الاخرى...
وعندما تلوح في الافق سفينة النجاة يهرع إليها كل من له فطرة سليمة، أما إذا أغمض الانسان عينيه فلم يرد رؤية أشرعة السفينة، وصمّ اذنيه فلم يرد أن يسمع أبواقها التي تتلهف لها روحه ونفسه التي بين جنبيه، فماذا يكون المصير غير الغرق ولا ينفع حينئذ التشبّث بالقشاش والاخشاب إلاّ إذا كانت وسيلة توصل المرء إلى السفينة.
وهكذا حال الانسان إذا أراد النجاة من الغرق في الأمواج المتلاطمة في دنيا الفكر والعقيدة، فعليه الركوب في سفينة يقودها ربّان يحميه الله تعالى كما فعل بنوح(عليه السلام).
وترك هكذا سفينة والتشبث بأمور اخرى لا يؤديّ إلاّ إلى الغرق والهلاك في أمر الدين الذي هو الطريق إلى السعادة الأبدية ولا غير.
ونحن إذا تركنا الأديان الاخرى ونظرنا في رسالة النبيّ الخاتم(صلى الله عليه وآله)وجدناها واضحة المعالم عميقة المحتوى في زمانه(صلى الله عليه وآله)، فهو المحور الذي يدور حوله الناس ويرتشفون منه رحيق الهداية.
أما بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله) فقد تلبدت الأجواء بالغيوم، وتتابعت قطع الليل المظلم، فضاعت المحجة وتنكر السبيل إلاّ على الذين اصطفاهم الله ومن اهتدى بهم وهم قليل يومئذ.
والمسلم اليوم ـ إذا أراد أن لا يقلد الآباء في أمر دينه كما أمره القرآن، وأراد النجاة في هذا الأمر الذي قد يقود الى النار الأبدية إذا لم يحسن النظر فيه، ولم يستخدم ما اعطاه الله من نعمة العقل في تمييز الحق من الباطل المتراكم حوله، يجد ثلاث فرق كبيرة في الساحة تتفرع منها الفرق الاخرى، وكلّها تدعي أنها هي الاسلام الحق. فمن أين يأخذ الانسان دينه وأين هي سفينة النجاة ومن يقودها.
قسم المؤلف بحثه في هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام، يبحث في الأول عن مدرسة أهل السنة التقليديين من مقلدي الأشعري في العقائد والأئمة الأربعة في الفقه، ويبحث في الثاني عن المدرسة السلفية الذي يتمسّكون بفهم السلف (الصحابة) للدين، ويبحث في الثالث عن مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).
فيناقش أدلة هذه الفرق وتاريخها ويبيّن مالها وما عليها، ويوضّح أنّ سفينة النجاة هي مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) التي يقودها أئمة الهيون تحميهم السماء كما كانت تحمي نوح(عليه السلام) وسفينته.
لا دليل من قرآن أو سنة يوجب على المسلم اتباع الأشعري أو أحد أئمة المذاهب الأربعة، فهم لم يروا النبيّ(صلى الله عليه وآله) ولم يسمعوا منه وبينهم وبينه أكثر من مئة سنة، وهم مختلفون فيما بينهم، بل الاختلاف قائم بين فقهاء المذهب الواحد، ونحن نعلم بديهة أنّ حكم الله في أي موضوع واحد لا ثاني له، ولا مرجّح لأحد هذه المذاهب على غيره والترجيح بلا مرجّح فاسد عقلا، وهم الآن أموات
والميت لا قول ولا رأي له فكيف يؤخذ عنهم الدين. اضف إلى ذلك أن المسائل المستحدثة لا جواب لهم فيها فكيف حصر أخذ الدين منهم فقط دون غيرهم؟! وهم انفسهم قبل اجتهادهم هل كانوا في ضلال وهكذا المسلمون هل كانوا على ضلال قبل قيام هذه المذاهب؟!
هذا وقد نهى أئمة المذاهب الأربعة الناس عن تقليدهم.
قال أبو حنيفة:
1 ـ (لا يحلّ لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعرف من أين أخذنا)(1).
وقال الشوكاني معلّقاً على هذا القول: (وهذا هو تصريح بمنع التقليد، لأن من علم بالدليل فهو مجتهد مطالب بالحجة، لا مقلد فإنّه الذي يقبل القول ولا يطالب بحجة)(2).
2 ـ (قولنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منّا)(3). وقد أورد ابن حزم هذا القول ضمن أقوال أبي حنيفة في النهي عن التقليد.
وقال مالك بن أنس:
1 ـ (إنما أنا بشر أخطيء واصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنّة فاتركوه)(4).
1) الانتقاء، ابن عبد البر: 145، مجموعة الرسائل المنيرية، الصنعاني: 1 / 28، حجة الله البالغة، الشاه دهلوي: 1 / 158.
2) القول المفيد، الشوكاني: 49.
3) تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي: 3 / 42، حجة الله البالغة: 1 / 157، "ملخّص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد" ابن حزم: 66.
4) (جامع بيان العلم وفضله)، ابن عبد البر: 1 / 775، تحقيق ابي الاشبال الزهيري، "معنى قول الامام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي" تقي الدين السبكي: 125، تحقيق علي نايف بقاعي.
وقال ابن حزم معلّقاً على كلام مالك: "فهذا مالك ينهى عن تقليده، وكذلك أبو حنيفة، وكذلك الشافعي..."(1).
وقال الشوكاني: "ولا يخفى عليك ان هذا تصريح منه ـ أي مالك ـ بالمنع من تقليده"(2).
2 ـ قال مالك: "إن نظن إلاّ ظنّاً وما نحن بمستيقنين"(3).
وقال الشافعي:
1 ـ "ما قلت وكان النبي(صلى الله عليه وآله) قد قال بخلاف قولي، فما صحّ من حديث النبي أولى ولا تقلدوني"(4).
وقد استدلّ السبكي بقول الشافعي هذا في نهيه عن التقليد.
2 ـ "لا يقلد أحد دون رسول الله(صلى الله عليه وآله)"(5).
وقال أحمد بن حنبل:
1 ـ "لا تقلدوني، ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي، ولا الاوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا"(6).
2 ـ "من قلة فقه الرجل ان يقلد دينه الرجال"(7).
1) الإحكام في اصول الأحكام: 6 / 294.
2) القول المفيد، الشوكاني: 50.
3) جامع بيان العلم وفضله: 2 / 33.
4) آداب الشافعي ومناقبه، ابن ابي حاتم الرازي: 93، "معنى قول الامام المطلبي..." السبكي: 71.
5) "الرد على من أخلد الى الأرض وانكر ان الاجتهاد وفي كل عصر فرض"، السيوطي: 138.
6) "مختصر المؤمل" ابو شامة الشافعي: 61، مجموعة الرسائل المنيرية: 1 / 27.
7) مجموعة الرسائل المنيرية: 1 / 27، إعلام الموقعين: 2 / 201.
إنّ المتتبّع لآراء الأئمة الاربعة يجد أن فيها ما يخالف السنة ومن ذلك رأيهم في الطلاق، فمن المعلوم أن طلاق الثلاث بلفظ واحد اوقعه النبيّ(صلى الله عليه وآله) طلقة واحدة، أما الأئمة الأربعة فقد عدّوه ثلاث طلقات.
وقد جمع المحقق ابن دقيق العيد المسائل التي خالف مذهب كل واحد من الأئمة الأربعة الحديث الصحيح فيها انفراداً واجتماعاً في مجلد ضخم(1).
وقال الليث بن سعد: "أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلّها مخالفة لسنة النبي(صلى الله عليه وآله) قال فيها برأيه"(2). فكيف يجوز للمسلم ترك ما صحّ عن النبي(صلى الله عليه وآله)والأخذ بخلافه.
قال أبو حنيفة: "لو أن رجلا في مصر وكَّل آخر بالاندلس بأن يزوجه فلانه فيعقد له عليها، ولا يلتقيان أصلا فيما يرى الناس ثم تجيء المرأة بولد يكون نسبه ثابتاً للرجل الذي في مصر"(3).
وفي فقه المالكية: لو نوى الرجل أن يطلق زوجته ولم يتلفظ فانها تطلق!!
وأجاز الشافعي نكاح الرجل بنته من الزنا!
أما الأشاعرة:
يقول النووي الأشعري: "مذهب أهل السنة أنّ الله تعالى لا يجب عليه شيء، بل العالم كله ملكه والدنيا والآخرة في سلطانه، يفعل ما يشاء، فلو عذب
المطيعين والصالحين أجمعين وأدخلهم النار كان عدلا، ولو أنعم على الكافرين وادخلهم الجنة كان له ذلك"(1).
أجل إنّ العالم كلّه ملكه والدنيا والآخرة في سلطانه، لكن الله وعد المؤمنين بالجنة والكافرين بالنار والله لا يخلف وعده (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)(2)وهذا الكلام هو عين الظلم (وَلاَ يَظْـلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)(3).
إن الله يجب عليه ما أوجبه على نفسه كالرحمة، قال تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)(4)وإذا كان الله لا يجب عليه شيء فلماذا أوجد الثواب والعقاب وبعث الانبياء والرسل؟!!
وقال القاضي الإيجي في المواقف: "المقصد السابع: تكليف ما لا يطاق جائز عندنا"(5).
وهذه العقيدة الأشعرية مخالفة لصريح القرآن، قال تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا)(6)، وقال تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ ءَاتَاهَا)(7)فأين هذه العقيدة من القرآن؟!
وقال الأشاعرة: إنّ الله يأمر بما يكره وينهى عما يحب!! وإن الله يفعل بدون غرض، وانّ افعال العباد مخلوقة لله، وأن أفعالهم خيرها وشرّها من الله!!(8)
إنّ السياسة وأوامر السلاطين هي التي منحت الحياة للمذاهب الأربعة وأماتت المذاهب الاخرى، ولولا ذلك لكانت المذاهب الاخرى موجودة أيضاً يتعبد بها الناس ولا يرضون عنها بدلا. فالناس وجدوا هذه المذاهب مرضياً عنها فقلدوها والناس على دين ملوكهم كما قيل، وليس في هذا دليل على وجوب اتّباعها.
يقول المقريزي: "استمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 566 هـ. حتى لم يبقَ في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة، وعُودِيَ من تمذهب بغيرها، وافتى فقهاؤهم في هذه الأمصار بوجوب إتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها، والعمل على هذا إلى اليوم، وأعلن الظاهر بيبرس سد باب الاجتهاد، وما زال أمر بيبرس نافذاً بالرغم من زوال ملكه"(1).
ومن هنا، نخلص إلى القول بأنّ هذا المنهج ليس هو المنظومة الإلهية التي يريد الله لنا أن نتبعها، لكثرة الثغرات والجوانب السلبية فيها.
يقول الزمخشري المفسّر المعروف:
إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به وأكتمه كتمانه لي أسلمُ
فان حنفياً قلتُ قالوا بأنّه يبيحُ الطلا وهو الشرابُ المحرّمُ
وإن مالكياً قلتُ قالوا بأنَّني ابيح لهم أكل الكلاب وهم هُم
وإن شافعياً قلتُ قالوا بأنَّني ابيح نكاح البنت والبنت تحرمُ
وإن حنبلياً قلت قالوا بأنّني ثقيل حلولي بغيض مجسِّمُ(2)
يدّعي أتباع هذا المذهب بأنّهم يأخذون الأحكام والدين من النص أي ـ القرآن والسنة ـ ولا يقبلون باتباع أئمة المذاهب الأربعة في الفروع الفقهية فضلا عن الاصول العقائدية، والنص يأخذونه عن الصحابة الذين رووا عن النبي(صلى الله عليه وآله)ونقلوا الشريعة إلى الأجيال التالية، ويرون أن الصحابة أحسن فهماً للدين لقربهم من النبيّ(صلى الله عليه وآله) وصحبتهم له، ولأنّ الله والرسول رضوا عنهم فهم عدول جميعاً ولا يجوز الخدش في عدالة أي واحد منهم ولو ارتكب المنكر لانه مجتهد متأول فله أجر واحد، ويرون أنّ الطعن بمن يطعن بالصحابة أهون من الطعن بالصحابة.
قال ابن حجر: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب الرسول فاعلم إنه زنديق"(1).
لم يترك الصحابة شيئاً لم يختلفوا فيه، فقد اختلفوا في التفسير والفقه والعقيدة والحديث، وقد اختلفوا فيما بينهم حتى قامت بينهم الحروب وقتل بعضهم بعضاً، فادّى ذلك الى ضياع معظم السنة وتنكُر معالم الدين.
والاسلام المتمثّل بالكتاب والسنة، كيان وبناء واحد متكامل، بحيث إذا فقد شيء منه أثر على الباقي، ولا يفهم الإسلام عقيدة وشريعة إلاّ بجمع جميع مواده من السنة والقرآن وخلطها مع بعض، ثم من خلال إستقراء النصوص ينتج الحكم الاسلامي الصحيح.
ونحن نرى أنّ مرجعية الصحابة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله) لا يمكن أن تستقيم إلاّ إذا
1) الاصابة: 17 ـ 18.
أراد سبحانه إن يضيع دينه تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
ومن أهم الاشكالات على مرجعيتهم:
1 ـ إنّ الصحابة كانوا يقلون السؤال من النبيّ(صلى الله عليه وآله) وينتظرون أن يجيء الأعرابي فيسأله ليستفيدوا(1)وهذا الأمر أدى إلى ضآلة النصوص التشريعية، فاحتاج علماء السنة الى مصادر اخرى غير الكتاب والسنة كالاستحسان والقياس.
2 ـ صدرت الأوامر بالنهي عن كتابة السنة ومحوها من الصحف، بل وتحريفها، الأمر الذي أدّى إلى منع الاستفادة من هذه السنن، وهذه ليست من صفاة الدعاة إلى الله الذين يريدهم لنشر دينه في كل مكان، فقد كانوا إذا رأوا تجارة تركوا النبيّ(صلى الله عليه وآله) قائماً وذهبوا يطلبون المعاش وهذا لا يتناسب مع المهمة الملقاة على عاتقهم.
وقد اعترف عمر بذلك فقال مرة: "خفي عليّ هذا من أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله) ألهاني الصفق بالأسواق"(2).
3 ـ والصحابة لم يكونوا يتقنون نقل الحديث، فقد يسمع الصحابي طرفاً من حديث النبي(صلى الله عليه وآله) ولم يكن حضر أوله، فيظن انه سمع حديثاً تاماً، فيحدث بما سمع(3). وهذه واحدة من أخطر علل الحديث أو ان النبي(صلى الله عليه وآله) كان يتكلم عن أهل الكتاب أو أهل الجاهلية مثلا فينقل الصحابي الحديث على انه تعبير عن الإسلام(4).
4 ـ إن هناك من الصحابة من كان يسمع الحديث من مخبر وينسبه للنبي كأبي هريرة مثلا، يقول ابن قتيبة: "وكان أبو هريرة يقول: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) كذا،
وانما سمعه من الثقة عنده فحكاه"(1)، وربما يأخذ الصحابي من أحد المنافقين أو يهودي دخل الاسلام ليكيد له.
5 ـ كان الصحابة يخطئون بالرواية عن النبي(صلى الله عليه وآله) كما اعترف بذلك بعض الصحابة انفسهم(2).
6 ـ لقد نسي بعض الصحابة ما أخذ عن النبي(صلى الله عليه وآله)، ومن هؤلاء زيد بن أرقم، فعن يزيد بن حبان قال: "انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا قال له حصين:... لقد لقيت يا زيدُ خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله(صلى الله عليه وآله). قال: يا ابن أخي، والله لقد كبر سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله(صلى الله عليه وآله)..."(3).
7 ـ لقد عاش عدد كبير من الصحابة أكثر حياتهم في المجتمع الجاهلي وشاركوا أهل الجاهلية في جميع أعمالهم من وأد البنات وشرب الخمر وأكل الربا و... وهذه الملاحظة لوحدها تكفي لان يجعلنا نقول: إن الله لم يخترهم لبيان دينه.
فالله سبحانه منذ أن أوجد الانسان لم يبعث نبياً ولا سفيراً قد شارك قومه عاداتهم المنحرفة وهذه سنة الله في خلقه (وَ لَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا)(4).
8 ـ كان الصحابة يفتون بارائهم في الوقائع الشرعية إذا لم يجدوا نصاً من كتاب أو سنة، وهذا يدلّ أن الصحابة لم يحرزوا جميع النصوص الصادرة عن النبي(صلى الله عليه وآله)الذي اتى بالدين الكامل بنص القرآن من هنا نعلم أن الصحابة غير مخولين بنقل وبيان الدين للناس.
9 ـ إن الصحابة لم يكونوا يرون لانفسهم منزلة القيمومة على الدعوة التي
جعلها أهل السنة لهم فيما بعد قال ابن عمر: "لو علمت أني أبقى حتى يفتقد لي لتعلمت لكم!"(1).
ومن هنا يظهر ان منهج السلفية القائلين بعدالة كل الصحابة ليس هو المنظومة الالهية التي وضعها الله بعد نبيه فكثرة الثغرات التي فيها والاشكالات التي تعرض لها تخرجها عن كونها أطروحة الاسلام الصحيحة.
وهم أتباع أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وعندما يسألون عن أدلة تمسكهم بأهل البيت تجد لديهم الأدلة الكثيرة من القرآن والسنة ومن كتب أهل السنة فضلا عن كتبهم، فهناك الكثير من الآيات التي تشير إلى أهل البيت وأنهم أولياء الأمر التي تجب طاعتهم(2)، وهم خير البرية(3)، وهم حبل الله(4)، وهم أهل الذكر(5)، وهم الصادقين(6)، وهم الذين اذهب عنهم الرجس(7)، وهم الذين باهل بهم الرسول(8)، وهم القربى التي أوجبت مودّتهم(9)، وهم الذين أوجب الله الصلاة عليهم مع النبي(10)، وقد اشير إلى ذلك كلّه في كتب وتفاسير أهل السنة.
وأما الأدلّة من السنة فهذا حديث الثقلين وحديث السفينة وحديث مدينة
العلم و... و... كلّها تشير إلى احقّية أهل البيت بالاتباع حتى لا تضل الاُمة وحتى تنجو وحتى تتعلم و... و...
ولو جعلنا أدلّة الامامية على كفة ميزان وجعلنا ادلة الاشاعرة والسلفية (المفقودة) على الكفة الاخرى منه لثقلت كفة الميزان لدى الامامية بحديث الثقلين وحده.
وبهذا يكون الواجب إتباع آل البيت(عليهم السلام) والأخذ عنهم دون سواهم لانهم سبب النجاة الوحيد يوم القيامة.
وهذا قد أدّى انتشار الكتب في العصور الحديثة وتوفر بدايات الحوار العلمي بين المسلمين أدّى ذلك إلى تجلّي حقيقة أحقية أهل البيت بالاتباع لدى كثير من علماء أهل السنة ومثقّفيهم لذلك قام ثلة من هؤلاء العلماء باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)وكتبوا كتباً مملوءة بالادلة الناصعة، وكتابنا هذا يعرف ببعضهم وبعضكتبهم.
إن أغلب من كتبوا عن الامامية ـ من كتّاب أهل السنة ـ حادوا عن الصواب حين رجعوا الى كتب خصوم الشيعة ونقلوا عنهم دون تحقيق ولا نظر، يقول حامد داود حفني: "يخطىء كثيراً من يدّعي أنه يستطيع ان يقف على عقائد الشيعة الامامية وعلومهم وآدابهم مما كتبه عنهم الخصوم، مهما بلغ هؤلاء الخصوم من العلم والاحاطة، ومهما أحرزوا من الأمانة العلمية في نقل النصوص والتعليق عليها باسلوب نزيه بعيد عن التعصب الاعمى، أقول ذلك جازماً بصحة ما أدّعي"(1).
واليوم نجد في المكتبة الإسلامية ما يقرب من خمسة آلاف كتاب ورسالة تهاجم اتباع أهل البيت(عليهم السلام)، وتنفّر الناس منهم، وقد عرضوا صورة سيئة عن عقائدهم إذ طرحوا التشيع كما يريدون لا كما هو.
1) من مقدمة حامد داود حفني على "عقائد الإمامية" للمظفر.
ونتناول هنا بعض هذه الشبهات والردّ عليها.
زعم بعض الكتاب أن الامامية يقولون بتحريف القرآن، وهذه تهمة باطلة ردّها العلماء وكذبوا الروايات الواردة في هذا الشأن، حتى أنّ علماء السنة دافعوا عن الامامية قال الشيخ محمد الغزالي: "سمعت من هؤلاء من يقول في مجلس علم: ان للشيعة قرآناً آخر يزيد وينقص عن قرآننا المعروف، فقلت له: أين هذا القرآن؟ ولماذا لم يطلع الإنس والجن على نسخة منه خلال هذا الدهر الطويل؟ لماذا يساق هذا الافتراء؟.. ولماذا هذا الكذب على الناس وعلى الوحي"(1).
قال الشيخ الصدوق ـ شيخ محدثي الشيعة ـ: "اعتقادنا في القرآن الذي انزله الله تعالى على نبيه محمد(صلى الله عليه وآله) هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومن نسب إلينا أنا نقول انه أكثر من ذلك فهو كاذب"(2).
وقد ألّف أحد علماء أهل السنة كتاباً ليثبت تحريف القرآن أسماه "الفرقان" وردّ عليه علماء مصر في وقته(3).
ويوجد في كتب أهل السنة روايات كثيرة تشير إلى تحريف القرآن وخاصة في صحيحي البخاري ومسلم(4). فعن عائشة انها قالت: "كان فيما انزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرمن ثم نسخن بخمس معلومات. فتوفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن"(5).
1) "دفاع عن العقيدة والشريعة"، وممن دفع هذه التهمة عن الامامية الشيخ محمد ابو زهرة، الشيخ رحمة الله الهندي، الاستاذ محمد المديني، الدكتور مصطفى الرافعي، الدكتور محمد عبدالله دراز...
2) رسالة الاعتقادات.
3) مجلة "رسالة الاسلام" العدد الرابع، مقال الاستاذ محمد المديني: 382 ـ 383.
4) راجع صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا، وصحيح مسلم: 4 / 167، ومسند أحمد: 5 / 132.
5) صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات.
والخلاصة ان هذه الروايات سواء التي عند الامامية أو التي عند أهل السنة، روايات مردودة، والقرآن محفوظ بحفظ الله له: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(1)هذا هو رأي الامامية، أما مصحف فاطمة(عليها السلام) فهو ليس قرآناً آخر وانما فيه روايات تتصل بمستقبل الامة الإسلامية.
قد يكون الفهم الخاطىء للتقية هو الذي يدعو البعض لمهاجمة الإمامية، إن الشيعة ليسوا باطنيين، فأمهات كتبهم التي منها أخذوا عقائدهم منتشرة، وهم يقومون بطباعتها ونشرها أمام الناس بمختلف مذاهبهم، فالتقية ليست خداع ومراوغة ونفاق كما يسميها البعض، ولكنها اخفاء الاعتقاد في بعض الظروف دفعاً لاذى الآخرين.
والتقية التي يشنع بها على الامامية، مشروعة في الاسلام، يقول مصطفى الرافعي: "والتقية عمل مشروع في الاسلام كما كان مشروعاً من قديم الزمان لدى جميع الشعوب والامم والاديان، ودليل مشروعيتها الكتاب والسنة والعقل، فدليلها في القرآن قول الله تعالى: (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَـفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَ لِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِى شَىْء إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً)(2).
وهذا يعني أنه يجوز مداراتهم من قبيل التقية دفعاً لأذاهم(3).
وقد مارس الصحابة التقية التي يمارسها الشيعة، فهذا عمار بن ياسر(رحمه الله)أظهر بلسانه الكفر وقلبه مطمئن بالايمان فنزل قول الله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُو مُطْمَئِنٌّ بِالاِْيمَانِ)(4). وقال له رسول الله: "إن عادوا فعد، فقد انزل الله فيك قرآناً، وأمرك ان تعود إن عادوا إليك".
إن أتباع أهل البيت(عليهم السلام) ونتيجة الظروف الصعبة التي مرت بهم كانوا
يمارسون التقية كما مارسها عمار(رحمه الله) وهذا التشريع الذي نزل من أجل عمار هو تشريع لجميع المسلمين، إذا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
يتخذ الشيعة أقراصاً من التراب يسجدون عليها، وقد وجد بعض الكتاب هذا الأمر فرصة لمهاجمتهم، ولتوضيح هذه القضية نقول: إنّ القاعدة في المدرسة الإمامية أنّه لا يجوز السجود إلاّ على الأرض أو ما أنبتت ما عدا المأكول والملبوس، وبعد استشهاد الامام الحسين(عليه السلام) دأب الشيعة ـ وبتوجيه من أئمتهم(عليهم السلام) بالسجود على تربة كربلاء فهم يسجدون على التراب لا له كما يزعم بعض المغرضين، مثلما أهل السنة حين يسجدون على السجّاد يسجدون عليه لا له!
وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يسجد على التراب حتّى الطين كما في صحيح البخاري(1).
وقال(صلى الله عليه وآله): "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً"(2).
فالسجود على التراب جائز لانه جزء من الأرض، ولا فرق بين أن يسجد الانسان على التراب أو يعمل منه قرصاً يسجد عليه فهذا تراب وهذا تراب ولا عبرة بالشكل!
وتبقى مسألة السجود على التربة مسألة فقهية انفرد بها الشيعة عن المذاهب الاخرى كما أنّ لكل مذهب من المذاهب الأربعة مسائل خاصة به، انفرد بها عن سائر المذاهب، وقد اتّبع الشيعة في هذه المسألة وغيرها ما صحّ عن النبي(صلى الله عليه وآله).
الصورة
ولد في قرية "ندى" الواقعة شمال السودان على ضفاف نهر النيل.
نشأ في أسرة مسلمة تعتنق المذهب الشافعي، واصل دراسته الاكاديمية حتى نال شهادة البكالوريوس في مجال الاقتصاد الإسلامي.
كانت فطرة الأخ معتصم تشدّه منذ الصغر نحو الالتزام بالدين، ولهذا تبلورت جميع هواياته ورغباته في هذا الإطار، وجعل يبحث عن النماذج التي ينبغي الاقتداء بها في هذا الصعيد.
تعرّف في المرحلة المتوسطة عن طريق مادة التاريخ على تاريخ الدولة المهدوية في السودان، فأُعجب بشخصية أحد قواد جيش المهدي الثائر، ومن هنا شرع ببناء آماله في هذا المسار، وجعل يخطط من أجل تحديد الاتجاه الذي يوصله إلى قيادة الحركات الجهادية ضد الطغاة والظلمة.
فارتأى أنّ الطريق الوحيد الذي يمهّد له سبيل تحقق هذه الغاية هو التخرج في المستقبل من الكلية الحربية العسكرية، ليتدرب على فنون القتال واستعمال السلاح، فعاش على هذا الهوس فترة من عمره حتى انتقل إلى المرحلة الثانوية.
في المرحلة الثانوية اتسعت آفاق وعي الأخ معتصم وتفتحت مداركه الذهنية، فتعرف على نشاط جملة من قادة الحركات الاصلاحية في العالم الاسلامي، وأدرك بأن اسلوب التوعية والتثقيف الاجتماعي ورفع المستوى العلمي للأمة أفضل واجدى تأثيراً لنيل الاهداف الاصلاحية من أسلوب رفع السيف وخوض الحروب والمعارك، وذلك لأنه أزمة الأمة هي أزمة فكر وثقافة، وأن المجتمع في الوضع الراهن بحاجة إلى توعية أكثر من زجه في مواجهات عنيفه وطاحنة.
من هذا المنطلق بدأ الأخ معتصم يبرمج مسار حياته لطلب العلم والوصول إلى مرحلة سامية من الإلمام بالحقائق الدينية.
وكان بداية توجهه إلى البحث عن المنهج والفكر الناضج والثقافة المسؤولة مقارنة بالغزو الوهابي للمنطقة التي كان فيها، فلهذا أكثر اهتمامه بالوهابية متابعاً لمناظراتهم وندواتهم.
ويقول الأخ معتصم في مجال تأثره بالمد الوهابي الذي اجتاح منطقتهم: "واصلت معهم السير، ودار بيني وبينهم كثير من المناقشات، التي كانت في الواقع عبارة عن تلك الأسئلة التي كانت حائرة في ذهني، فوجدت لبعضها أجوبة أرضتني في تلك المرحلة، وأسئلة لم أجد لها أجوبة عندهم، فكان هذا كافياً بالنسبة لي للتعاطف معهم، وشد أزرهم، مع بقاء بعض الملاحظات التي كانت حائلا بيني وبين أن ألتزم تماماً بالمنهج الوهابي".
كان من أهم الأمور التي منعت الأخ معتصم من الانصهار بالفكر الوهابي، هو أنه وجد هذا المذهب في حدّ قوله: "عبارة عن قواعد وقوانين جامدة، تطبّق من غير أن تكون لها انعكاسات حضارية واضحة في حياة الانسان، وفي فن تعامله مع هذه الدنيا في شتى الأصعدة... وحتى فى كيفية العلاقة مع الله تعالى. بل العكس تماماً فكثيراً ما تجعل الانسان متوحشاً في عزلة عن المجتمع بما يحمله من صكوك التكفير لكل قطاعاته".
ويضيف الأخ معتصم: "كنت أحس منهم ـ الوهابية ـ الغرور والكبر والأنفة، لأنّهم ينظرون إلى الناس من شاهق عال، لا يتفاعلون معهم ولا يشاركونهم في حياتهم".
كما لاحظ الأخ معتصم أن المجموعة الكبيرة من الشباب الذي انضم إلى الخط الوهابي في مدّة قليلة ومن غير دراسة ووعي، بدأوا بعد مضي فترة قصيرة من الزمن يبتعدون عنهم نتيجة العقلية غير المنفتحة التي كان يحملها رجال هذا الاتجاه.
فحال هذا الأمر بينه وبين أن يكون من اتباع هذا الاتجاه الفكري رغم أنه كان متأثراً بكثير من أفكارهم.
بقى الأخ معتصم على هذه الحالة مدة من الزمن تائهاً لا قرار له ولا اتجاه، يقترب من الوهابية حيناً ويبتعد عنها حيناً آخر، حتى رأى أن الحل الوحيد أمامه ـ بدلا من مواصلة الدارسة في الكلية العسكرية ـ أن يدرس في كلية أو جامعة
اسلامية، لأنه وجد نفسه بحاجة إلى ارتقاء مستواه المعرفي في الصعيد الديني.
وبالفعل بذل جهده من أجل الالتحاق باحدى الكليات والجامعات الاسلامية حتى وفقه الله سبحانه وتعالى لذلك، حيث تم قبوله بكلية الدراسات الاسلامية والعربية في جامعة وادي النيل في السودان، فالتحق بها بعد أداء التدريب العسكري، ولما استقر به المقام فيها انطلق متلهّفاً إلى مكتبة الكلية واصبح ملازماً لها، ينتقل فيها من كتاب إلى آخر منهمكاً في البحث والتنقيب ومتتبّعاً آراء ومباني المذاهب الاسلامية ابتغاءً لمعرفة الحق من بينها.
استمر الأخ معتصم على هذا المنوال حتى صادف ذات يوم أن يلتقي بقريبه عبد المنعم ـ وهو خريج كلية القانون ـ في منزل ابن عمه في مدينة عطبرة، فجرى في ذلك الحين حوار بين عبد المنعم وأحد الضيوف الوافدين حول بعض المسائل العقائدية، فبادر الأخ معتصم اندفاعاً من شغفه بالابحاث الدينية إلى الجلوس بالقرب منهم ومراقبة المحاورة التي امتاز فيها ـ على حد قوله ـ عبدالمنعم بالهدوء التام رغم استفزازات الطرف الآخر وتهجّمه.
يقول الأخ معتصم: "لم أعرف طبيعة النقاش بتمامه إلى أن قال ذلك الضيف: الشيعة كفار، زنادقة...!! هنا انتبهت، وامعنت النظر، ودار في ذهني استفهام حائر... من هم الشيعة؟! ولماذا هم كفّار".
واستمر الحوار على هذا المنوال، وكان الأخ عبدالمنعم يفحم الطرف الآخر في كل مسألة تطرح في النقاش، بالاضافة إلى لباقة منطقه وقوة حججه.
وبعد الانتهاء من الحوار، انفرد الأخ معتصم بقريبه عبد المنعم، وشرع يسأله حول التشيع، فبدأ يبين الأخ عبدالمنعم له تجربته في الانتقال من مذهب السنة إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وذكر له الأسباب التي دعته للاستبصار والانتماء إلى
التشيع، ثم دعاه للبحث والتنقيب في مكتبة الجامعة.
فاستغرب الأخ معتصم قائلا: "مكتبتنا سنية، فكيف ابحث فيها عن الشيعة؟!" فذكر له الأخ عبدالمنعم أن من دلائل صدق التشيع هي امكان الاستدلال على مبانيهم من كتب وروايات علماء السنة.
فقبل الأخ معتصم اقتراح قريبه، ثم بدأ بتسجيل ما يملي عليه من اسماء الكتب السنية ولا سيما الصحاح الستة مع ذكر الجزء والصفحة، ليقوم بمراجعتها بنفسه.
ذهب الأخ معتصم إلى مكتبة جامعته في أقرب فرصة ممكنة، وبدأ بمراجعة تلك الأحاديث في كتب الصحاح وغيرها.
فيقول الأخ معتصم: "بعد مراجعة تلك الأحاديث في البخاري ومسلم والترمذي في مكتبة جامعتنا، تأكّد لي صدق مقالته، وفوجئت بأحاديث أخرى، اكثر منها دلالة على وجوب اتباع أهل البيت مما جعلني اعيش في حالة الصدمة".
واستغرب الأخ معتصم من عدم استماعه لهذه الأحاديث من قبل، ولعدم تطرّق العلماء إليها في المحافل العلمية والكتابات الدينية التي وقعت بيده.
ثم أحب الأخ معتصم طرح هذه الأحاديث على بعض زملائه في الكلّية ليشاركونه في البحث، فكانت النتيجة أن تفاعل معه البعض في حين لم يكترث لها البعض الآخر، ولكنّه صمم على مواصلة البحث مهما كلّفه ذلك.
بدأ الأخ معتصم بعد ذلك يتردّد على قريبه المستبصر عبد المنعم ويتزوّد منه الماماً ومعرفة بمبادىء واصول مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
كما صادف أن كان أحد اساتذته في الكلية رغم انتمائه إلى المالكية متعاطفاً مع أهل البيت ومحبّاً لهم فأهداه كتاب صحيح الكافي المتكون من عدة أجزاء.
ثم خاض الأخ معتصم عدّة حوارات مع زملائه واساتذته، فلم يجد من خلال ادلّتهم وتهجمهم على الشيعة ما يردعه عن الالتحاق بمذهب أهل البيت، لكنه أحب التريث وعدم الاستعجال في اتخاذ الموقف.
وقع بيد الأخ معتصم كتاب المراجعات ومعالم المدرستين، فبدأت رؤيته تتضح أكثر فاكثر للأمور لما كان في هذين السفرين من أدلة واضحة وبراهين ساطعة بأحقية مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ومن ثم تمكّن الأخ معتصم من اتخاذ القرار النهائي بكل قوة ومتانة فاعلن تشيعه وانتماءه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ثارت ضجة كبيرة نتيجة استبصار الأخ معتصم بين زملائه في الكلّية، وكان موقف معظم الذين عجزوا عن طريق الحوار هو الالتجاء إلى السخرية والسب والشتم والتهديد والافتراء وغير ذلك من الأساليب غير العلمية، لكنه صمد بوجه التيار محتسباً أمره عند الله.
ثم اجتهد الأخ معتصم امتثالا بأخلاق أهل البيت(عليهم السلام) أن يخمد نيران الفتنة التي شبت في الجامعة، وبالفعل استطاع بعد مضي فترة من الزمن أن يعيد علاقته مع الجميع وبصورة أفضل من السابق.
ولكن لم يستمر هذا الأمر طويلا، إلاّ وشبّت نار الفتنة من جديد بعدما أعلن ثلاثة من الطلبة تشيّعهم، بالاضافة إلى اظهار مجموعة كبيرة من الطلبة تعاطفهم
وتأييدهم للشيعة، فتمسّك مرة أخرى بعض الطلبة بالاساليب غير العقلائية لمواجهة الفكر والعقيدة، فلم يجد الأخ معتصم ومن معه سبيلا سوى الالتزام بضبط النفس والتحكّم بالانفعال من أجل امتصاص ثورة الغضب الموجهة ضدهم.
يتحدث الأخ معتصم عن قريته بعد عودته إليها قائلا: "استغل الوهابيون أهلها الطيبين في نشر الفكر الوهابي، فأثروا بطريقة غير مباشرة على مفاهيمهم وعقولهم، لكثرة المحاضرات والندوات التي يقيمونها، فابديت تحفظي في البداية، وملأت أوقاتي بالقراءة والاطلاع والدعوة إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بين الأهل والأقارب".
وخاض في هذه الفترة الأخ معتصم مجموعة حوارات مع أخيه الأكبر حتى ادّى هذا الأمر إلى استبصاره في نهاية المطاف، وبهذا ذاع أمره في القرية، فبدأ الأخ معتصم بطرح مذهب أهل البيت(عليهم السلام) على كثير من أهلها، فتأجج غضب مروجي الوهابية، واصبحت كل محاضراتهم في أية مناسبة عبارة عن سب وشتم للشيعة والافتراء عليهم.
ويقول الأخ معتصم: "واجهت كل ذلك بالصبر والصفح الجميل".
ثم التجأ الأخ معتصم بعد ذلك إلى اُسلوب الحوار والمناظرة مع شيوخ الوهابية طالباً منهم العقلانية وترك التهجّم والتعنّت والتعصّب.
كان اسلوب الأخ معتصم في دعوته لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) هو الثقة بالله والتوكّل عليه تعالى والدعوة إلى التحرّر من مقولة (قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ)(1).
1) المائدة: 104.
كما أنه كان يدعو إلى تجنّب خداع الذات ومنع تسرّب الحقيقة إلى العقل بإغلاق المنافذ المطلة على الواقع الخارجي، كما يدعو الناس إلى الانفتاح والبحث وطلب المعرفة من أجل التحرّر من أسر الذين يستغلون جهل الناس ليخدعوهم بافكارهم الضالة والمنحرفة.
وكان يحث أبناء مجتمعه على تقوية الارادة أمام تيارات الشهوة وخطورة ضغط المجتمع، كما كان يحذرهم من الوقوع في شرك الحجب المانعة من اكتشاف الحق والتي منها حب النفس والاتباع الاعمى للاباء والسلف والتقديس غير الواعي لرجال الدين، وكان يدعو إلى التعقل ومناقشة أفكار السلف والتدقيق فيها حتى لا يكونوا من مصاديق قوله تعالى: (وَ قَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّـآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَ كُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ )(1).
وبهذا تمكن الأخ معتصم أن يترك أسمى التأثير على أبناء قريته ممّا أدّى بالكثير منهم إلى التعاطف مع مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
صدر سنة 1417هـ، عن مؤسسة المعارف الاسلامية ـ قم.
يتضمّن هذا الكتاب تفاصيل رحلة المؤلف من المذهب السني إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، والمراحل التي بلورت قناعته بأحقّية مذهب العترة، مع ذكره الحواجز والعقبات التي اعترت طريقه في هذه الرحلة الشاقة.
يحتوي الكتاب على تسعة فصول متضمنة كما يلي:
الفصل الأوّل: مقتطفات من حياته.
1) الاحزاب: 67.
ذكر فيه أحلام طفولته وتأثره بالشخصيات الاسلامية، ودخوله إلى الجامعة وبحثه عن المذاهب الإسلامية والتفاته بالتشيع متأثراً بأحد أقربائه، ومن ثم خوضه غمار البحث وتوصله إلى النتائج التي دفعته للتشيع، ثم ذكر اصداء استبصاره في الجامعة وردود فعل المخالفين في منطقة سكناه، كما عرض بعض المناظرات التي حدثت بينه وبين بعض الوهابيين في المنطقة.
الفصل الثاني: تحت عنوان وانكشف الزيف.
تعرّض فيه إلى ضعف حديث "كتاب الله وسنتي" الذي وضع مقابل الحديث المتواتر " كتاب الله وعترتي" فذكر اسناده في كتب أهل السنة، كما عرض مناظرة جرت له مع أحد شيوخ الشام في هذا الموضوع.
الفصل الثالث: حديث كتاب الله وعترتي في المصادر السنّية.
تعرّض فيه لتفاصيل أكثر عن هذا الحديث في كتب أهل السنة مع ذكر رواته من الصحابة والتابعين وحفاظ الحديث، ودفع بعض الشبهات الموجهة على هذا الحديث.
الفصل الرابع: من هم أهل البيت.
تصدّى في هذا الفصل لتحديد مصادق أهل البيت(عليهم السلام) مستفيداً من آية التطهير وآية المباهلة وحديث الكساء.
الفصل الخامس: ولاية عليّ(عليه السلام) في القرآن.
استدل فيه بالآيات الدالة على ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) من قبيل آية الولاية والمصادر التي تثبت نزولها في أمير المؤمنين(عليه السلام)، وآية التبليغ.
الفصل السادس: الشورى والخلافة الاسلامية.
تطرّق فيه حول دلالة آيات الشورى، ثم تعرّض للشورى في الواقع العملي للمسلمين فذكر السقيفة وما جرى فيها من أحداث وبعدها من اعتداء على بنت
رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ثمّ تعرّض إلى آية الانقلاب وكيفية انقلاب الصحابة على اعقابهم بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله).
الفصل السابع: الثلاثي وتحريف الحقائق.
تناول مبحث التحريف الذي حصل في الدين من قبل المؤرخين والمحدّثين والكتّاب، فبيّن أهمية التاريخ ودور السلطات في تحريفه، كما ذكر مبحث منع تدوين الحديث وتحريفه وحذف فضائل أهل البيت(عليهم السلام) وذكر فضائل مصطنعة للخلفاء، مع بيان دور بعض الكتاب المعاصرين في محاربة التشيع والولاء لأهل البيت(عليهم السلام)، وذكر بعض كتب الشيعة التي تردّ عليهم.
الفصل الثامن: المذاهب الأربعة تحت المجهر.
ذكر الاختلاف بين المذاهب والطعون الواردة على أئمة المذاهب ودور السياسة والسلطان في انتشارها مع ذكر لمحات من الفقه الشيعي، ثم أورد مناظرة يوحنا مع علماء المذاهب الأربعة.
الفصل التاسع: عقائد أهل السنة ذكر فيه عقائد السلفية والوهابية والاشاعرة وذكر عقائد أعلامهم كأحمد بن حنبل، وابن تيمية، والاشعري، ومحمد بن عبد الوهاب، ثم ناقش هذه العقائد معتمداً على القرآن والسنة.
صدر عن دار الرسالة والتضامن ـ بيروت سنة 1419هـ ـ 1998م.
يتضمّن هذا الكتاب مجموعة حوارات ومناظرات وقعت بين المؤلف وجملة من علماء أبناء العامة ومشايخ الوهابية.
وجاء في مقدمة هذا الكتاب: "وانطلاقاً من مبدأ أهمية الحوار والمناظرة، ومساهمة مني في نشر هذه الثقافة قمت بكتابة هذا الكتاب الذي يعتبر مجهوداً
متواضعاً لا يتعدى كونه تجربة شخصية تشوبها كثير من السلبيات، ولكنها تعتبر انجازاً في عصر قل فيه هذا الفن وانصرفت اهتمامات الناس عنه، هذا بالاضافة إلى ان هذه المناظرات والحوارات تمت في بيئة بعيدة كل البعد عن هذه الأمور وهي السودان، التي دخلت مؤخراً في معمعة الجدال السني الشيعي، وعلى رغم السنوات القصيرة من دخول التشيع في السودان، إلاّ أنه جدير بتوثيق تجربته، باعتبار أن لها طابعاً خاصاً ومميزاً يختلف عن التجارب الشيعية الاُخرى".
هل تضيع الحقيقة؟
سؤال قد يبدو غريباً لأول وهلة، فكيف يمكن أن تضيّع؟!
وإنها إن تكون ساطعة وحاضرة في كل وقت، لكنها قد تضيّع كما تلبد الغيوم الشمس وتحجب نورها، وهي عزيزة لا تصل إليها النفوس غير المستعدة، ولا تستقر في القلوب التي لا تعرف قدرها فتكون عارية قلقة تبحث عن قلب يعي الحكمة لتتضم إلى أمثالها.
وأن للحقيقة أعداء لا يريدون لها أن تعرف أبداً، لأنها تمسّ مصالحهم وتأخذ من دنياهم، فتراهم يتبعون الأهواء ويبتدعون في الأحكام فتكون الفتنة، فيضلون فيها ويضلون.
وقد تمرّ قرون وقرون حتى تزول الغيوم ويهتدي طلاب الحقيقة إليها بعد جد واجتهاد لا يعرف الملل والكلل، فيجاهدون الهوى ويرفضون البدع لكي يتمسّكوا بالحقيقة، ويثقون بالله ويتوكّلون عليه حتى لا يحطم الآخرين قدراتهم ويتجنبون خداع انفسهم بقبول الحقائق ولو كان على خلاف ميولهم، فتقوى ارادتهم في طلب الحق ومقاومة الضغوط، ثم يرفعون الحجب التي قد تحجز الحقيقة عن الاكتشاف من حب ذات، وحب راحة، وحب آباء، وحب سلف، وهذا هو المنهج الذي اتبعه الشيخ معتصم في اكتشاف الحقيقة والاعتصام بها، ثم أبى إلاّ أن يفوه بها وينشرها لتعم الفائدة لكل من أراد أن يستفيد.
ترتسم علامات الدهشة على وجه المسلم السنّي العادي وغير المتخصص عندما يسمع لأول مرة حديث الثقلين: "ايها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي"(1)، فهو لم يسمع بالثقلين وان احدهما العترة، بل قيل له ان الرسول(صلى الله عليه وآله) يقول: "إني تارك ما أن تمسّكتم به لن تضلّوا كتاب الله وسنتي"(2)، ويردف بأحاديث اخرى مثل: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ"(3).
ويعلم الأطفال في الكتاتيب والمدارس أنّ الخلفاء الراشدين بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)هم أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ فيشبّون على ذلك ولا يشكون فيه ولا يعرفون غيره. يقول لك أحدهم: إذا كان هذا الحديث صحيحاً فلماذا لم يذكره علماؤنا؟ وعندما تجيبه أنّ هذا الحديث ورد متواتراً في الصحاح الستة، وأن حديث (وسنتي) لم يرد فيها، بل أول ما ورد في موطأ مالك مرفوعاً بغير سند، يزداد تعجبه ويبدأ بالتساؤل: لماذا يكتم مثل هذا الحديث؟! أو يشوش عليه بغيره؟!
وإذا تابع الأمر أكثر من ذلك تبدأ مرحلة التشكيك في السند لكنها لا تدوم طويلا ولا تصمد للنقاش العلمي، ثم يبدأ التشكيك بالدلالة وأنّ هذا الحديث لا يدل إلاّ على التمسّك بالقرآن لوحده، كما فعل ابن تيمية في كتابه منهاج السنة بايراد حديث آخر مبتور لا يذكر العترة ويذكر القرآن فقط وجعله حاكماً ومفسّراً
لحديث الثقلين، وعجيب هذا التفسير الذي لا يقبله حتى المبتدئون! والأعجب منه ترديد هذا الكلام إلى الآن تبعاً وتقليداً بدون تبصّر!! ولو فرضنا صحته فهو يرد على حديث "سنتي" أيضاً.
وبعد ردّ الشبهات تتّضح صحّة الحديث وتتبيّن دلالته لكل ذي عينين، فهو يدل على عصمة العترة لاقترانهم بالكتاب وعدم افتراقهم عنه، ويدل أيضاً أنه لا يخلو زمان منهم لكي يصحّ التمسك بهم وبالقرآن معاً إلى يوم القيامة، وليكون هذا التمسّك مانعاً من الضلالة دائماً وأبداً، ويدل أيضاً على علمهم بتفاصيل الدين والشريعة مثل القرآن الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، وعليه يكون أخذ الدين منهم وهم القيمون عليه وقادته.
أهل البيت(عليهم السلام) معروفون تهفوا إليهم القلوب السليمة ولا تشكّ فيهم المهج البصيرة ولا يحتاج الأمر إلى دليل، ومع ذلك فقد وردت الأدلّة في القرآن والسنة تبين فضلهم وتحدد اشخاصهم، ومن أراد فليراجع آية التطهير، وآية المباهلة، وحديث الكساء، وحديث الأئمة اثنا عشر وغيرها كثير، وما قاله المفسّرون ورواة الحديث في ذلك، فهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين وأولاد الحسين(عليهم السلام).
عندما توفي رسول الله(صلى الله عليه وآله) كانت ولاية عليّ(عليه السلام) من أوضح الواضحات، حيث سعى رسول الله(صلى الله عليه وآله) الى تثبيتها منذ أوائل دعوته المباركة والى الساعات الأخيرة من عمره الشريف ولم يدع مجالا للشك في هذا الأمر، بل هيأ الأسباب لمبايعة الناس له قبل وفاته وذلك بارسال من يحتمل معارضته لهذا الأمر
في سرية اسامة.
ومن المؤيدات على أن الأمر كان من الواضحات تعجّب الإمام عليّ(عليه السلام) من رجوع العرب عن حقه في بعض خطبه(1)، وقدوم أبو سفيان رأس بني امية يدعوه إلى المطالبة بحقّه(2)ممّا يدلّ أنّ هذا الأمر كان واضحاً حتى عند أكثر أعداء رسول الله(صلى الله عليه وآله)وان لم تكن نواياه سليمة.
وانكار البراء بن عازب عقله عندما رأى رهط السقيفة يزفون أبا بكر إلى المسجد، فأقبل يركض مشتداً ليطرق الباب على بني هاشم المشغولين بجنازة الرسول(صلى الله عليه وآله) ليخبرهم بما جرى لوضوح الأمر عنده بأنّ هذا الأمر من حقّ عليّ(عليه السلام)لا غير.
لكن طبيعة الاختلاف الموجودة في الناس والتي تشير إليها الكثير من آيات القرآن الكريم خبطت هذا الحقّ الواضح بباطل السقيفة، فتنكّرت معالم الدين وضاعت سبل الحقيقة فكان انقلاب اصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) على اعقابهم فتركوا نصرة الحق واتبعوا الأهواء والمصالح الدنيوية القريبة، وبغوا على آل الرسول(صلى الله عليه وآله)وهم المأمورون بمودّتهم، وابتدعوا ما يسمى بالشورى إتباعاً للمتشابه من القرآن فقلبوها عن واقعها، فكانت النتيجة حرمان الامة من ولاية عليّ(عليه السلام) التي ورد عليها النص تلو النص باتباع آراء الصحابة المتضادّ لها.
أضف إلى ذلك لو عمل بمقاييس السقيفة والشورى لكان عليّاً هو الأحق بالخلافة، فهو الأقرب من الرسول(صلى الله عليه وآله) والأعلم والأفضل وفق كل المقاييس، لكن انقلاب الناس حتى على المقاييس التي يرفعون عقيدتهم في تأييدها يضيع الحق ويجعله مشتبهاً حتى على العلماء من أمثال ابن أبي الحديد المعتزلي الذي يقول
في مقدمة شرحه لنهج البلاغة: "الحمد لله الذي... قدم المفضول على الأفضل..."(1).
وهكذا جرت سنن الله التي لا تتبدّل على هذه الأمة كما جرت على سابقاتها فاختلفوا واقتتلوا وضيّعوا الحق الواضح فكانوا من الخاسرين الذين لم يضروا الله شيئاً ولكن عاد الضرر عليهم دون سواهم لبغيهم واختلافهم.
كان لعلماء السوء من مؤرخين ورواة احاديث وفقهاء وكتاب الدور الأكبر في قلب الاُمور رأساً على عقب طمعاً في أموال السلاطين أو دعماً لمذاهب باطلة انتحلوها يريدون تشييدها بأي ثمن.
المؤرخون: قد ارتكب الكثير من مؤرخي الاسلام إسلوب تحريف الحقائق موجهين ذلك بداعي عدم اثارة الفتنة أو عدم تحمل العامة لحقائق التاريخ، فورثت الامة جيلا بعد جيل حقائق مشوّهة أضرتها وجعلتها لا تعرف وضع الحلل لمشاكلها، وقد عانى المخلصون من أبناء الأمة وخصوصاً أهل البيت(عليهم السلام) وأتباعهم في رفع هذا التشويه، وقدموا جهوداً جبارة في هذا السبيل كان يمكن أن تدخر لامور أهم في صالح الأمة.
ومن نماذج تحريفات المؤرخين ما أورده الطبري ومن نقل عنه، أنّ مؤسس الشيعة هو يهودي اسمه عبدالله بن سبأ من أهل صنعاء أسلم في زمان عثمان وأحدث انقلاباً هائلا ـ حسب زعمهم ـ فاوجد تيار التشيع وكل ذلك في غفلة من المسلمين!
وهذا كلام لا يصدقه العقل وحقائق التاريخ، لكنه للأسف تطلب جهوداً
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1 / 3 المقدّمة.
كثيرة لا زال علماء التشيّع يقومون بها إلى الآن للردّ على هذه الفرية التي يتمسّك بها بعض المعاندين إلى اليوم كراهية للشيعة ونصباً لهم ولائمتهم، تبعاً لاسلافهم في كتم فضائل أهل البيت(عليهم السلام) واصطناع فضائل لغيرهم وتشويه حقائق التشيع.
المحدّثون: حوربت السنة النبوية الشريفة بشكل عجيب فمنعت من التداول والكتابة وحرّق المكتوب منها.
وأول من ابتدع هذه البدعة أبو بكر فمحا الأحاديث التي كتبها بنفسه، واخترع أحاديث انفرد بنقلها لحلّ المشاكل التي واجهته من قبيل (الانبياء لا يورثون ما تركناه صدقه) الذي واجه الزهراء(عليها السلام) به عندما طالبته بفدك، أو (خالد سيف الله المسلول) لتوجيه جريمته بقتل مالك بن نويرة والزنا بزوجته.
وقد كافئه أتباعه من رواة الحديث فوضعوا له فضائل مكذوبة اتباعاً لبدعته وبغضاً لعليّ(عليه السلام) وآل البيت(عليهم السلام)، ومثال ذلك افتراءهم على رسول الله(صلى الله عليه وآله) انه قال: ان الشمس تتوسل بأبي بكر لينقذها الله من الكسوف(1)، وانه كان في قاب قوسين مع الرسول(صلى الله عليه وآله)(2)، وانه ألف القرآن(3)ونماذج اخرى لا تعد ولا تحصى من التحريف وردت بالخصوص في صحيحي البخاري ومسلم.
الكُتّاب: ظهر في العصر الحديث كتّاب مذهبيون يرتشون من السلطان لاطفاء نور الحق وتشويه مذهب آل البيت(عليهم السلام) خصوصاً بشتى أساليب الدعاية، فصوروا التشيع بابشع واقبح ما يكون من الصور من جرّاء ما نسجوه من خرافات وأوهام وعمّقوا الجهل في نفوس أهل مذاهبهم ووسعوا الفجوة بينهم وبين معرفة الحقيقة، وقائمة الكُتاب طويلة وتحريفاتهم لا تكاد تقف على حصر، الذي منهم
أحمد أمين، وموسى جار الله، ومحب الدين الخطيب، وإحسان الهي ظهير، والقفاري والغريب و... و...
وقد ردّ علماء التشيع على ما كتبوا وافتروا، والذي كان منهم شرف الدين، والأميني صاحب الغدير، وحامد حسين صاحب العبقات و... و...
تعدّدت المدارس الفقهية والعقائدية عند المسلمين وذلك نتيجة الاختلاف الذي حصل منذ يوم السقيفة وتحويل الخلافة عن أهل البيت(عليهم السلام) إلى غيرهم، وقد نقل التاريخ تعصّب كل جماعة لمدرستهم الفقهية أو العقائدية وما حصل بينهم من مشادات ونزاعات وصلت إلى أن يكفر بعضهم البعض، وكشف لنا أيضاً دور السلطات الحاكمة وكيف كانت تتلاعب بدين المسلمين، فالعالم الذي يوافق هواها يكون إماماً للمسلمين ويلزم الناس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بتقليده والاقتداء به.
وقد رست المرجعية الفقهية عند أهل السنة بعد ظروف وملابسات متعدّدة على أربع من بين مئات المجتهدين، وهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل، ثمّ حرم الاجتهاد من بعدهم وأمر الجميع بتقليدهم من غير أن تكون لهم ميزة تميزهم عن غيرهم، ويرجع ذلك تاريخ 645هـ عندما رأت السلطات الحاكمة أنّ مصلحتها تتطلّب حصر الاجتهاد في المراجع الأربعة.
وفي المقابل كان الشيعة يأخذون عن أئمتهم المعصومين(عليهم السلام)، ثم عن الفقهاء المجتهدين في عصر الغيبة، ولم ينسد باب الاجتهاد عندهم على فقهاء معدودين بل استمر إلى اليوم.
أما المرجعية العقائدية عند أهل السنة فقد رست على مدرستين رئيسيتين، هما: السلفية والاشاعرة، بعد أن كانوا فرق متعدّدة من مرجئة ترى أنّه لا علاقة
بين الايمان والعمل، وقدريّه تنفي القدر، وجهمية تنفي كل صفة لله سبحانه، إضافة إلى الخوارج والمعتزلة.
وقد تبادلت هاتين المدرستين (السلفية والاشاعرة) السيطرة العقائدية على جمهور أهل السنة، ففترة كانت مدرسة أحمد بن حنبل هي المتّبعة، ثم جاءت فترة سيطرت فيها أفكار أبو الحسن الأشعري الذي كان وسطاً بين الحنابلة والمعتزلة، ثم ظهر في كل من هاتين المدرستين أئمة ينصرون عقيدتهم ويضيفون إليها كابن تيمية وابن عبدالوهاب في المدرسة السلفية، وكالباقلاني والفخر الرازي والتفتازاني في المدرسة الأشعرية.
التزمت هذه المدرسة في مرحلة ابن حنبل بسماع الحديث ولم تسمح بتأويله أو استخدام العقل في فهم معانيه وجمدوا على ظاهر النصوص، ممّا أدّى بهم إلى إثبات التشبيه والتجسيم لله تعالى من دون تدقيق في مدلولات الأحاديث التي تذكر اليد والوجه وما شابه ذلك.
وجاء ابن تيمية فزاد الطين بلّة، حيث زاد في اثبات الصفات لله واتهم الآخرين بالضلال ودافع عن عقائده ووصفها بانها عقائد السلف والصحابة التي لا يجوز الانحراف عنها، وبهذا اتّبع نفس طريقة خلط الحق بالباطل لا ضلال الناس لكن معظم العلماء في وقته ردّوا عليه واسكتوا فتنته.
وجاء بعد ذلك محمد بن عبدالوهاب، وكانت الظروف مهيأة له من دعم السلطان وجهل البدو بحقائق الدين، فاتخذ منهم جيشاً ونصر دولة اعتدت على الحرمات وروعت المسلمين، وقد ادّعى التوحيد الخالص والصحيح وأنكر الزيارة لقبور الصالحين والتوسّل بالمعصومين وقال إن ذلك شرك لا يغتفر يخرج صاحبه من الاسلام إلى الكفر، وقد ردّه الكثير من علماء المسلمين وأولهم أخوه
سليمان بن عبدالوهاب، فاوضحوا اشتباهاته ومواضع خلطه وبيّنوا أنّ زيارة القبور لا تعدّ عبادة لصاحب القبر، بل هي عبادة خالصة لله ما دام المرء يعتقد أنّ صاحب القبر عبد من عبيد الله وليس مستقلا عن الله، وقد وردت الأحاديث الكثيرة التي تجوز زيارة القبور والتوسل بالأولياء.
كان أبو الحسن الأشعري معتزلياً ثم انتقل إلى أهل الحديث وحاول اضفاء الصبغة العقلية على معتقدات الحنابلة التي ترفض العقل، ولكنّه فشل في ذلك لأنّ الكثير من الأحاديث كانت مزورة فتناقضت مع العقل فتحير في أمره ووقع في مشاكل كثيرة.
ومثال على ذلك مبحث الرؤية سبحانه وتعالى فقد اثبتها الاشاعرة بالتفسير الخاطىء للآيات والأحاديث ثم قالوا انه لا يلزم من ذلك محذور أو مُحال عقلي كالحدوث والتشبيه واثبات الجهة وغير ذلك، وهي ادعاءات لا تصمد أمام النقاش العلمي.
وقد وردت الأحاديث الكثيرة عن أهل البيت(عليهم السلام) تنفي الرؤية وتحيل وقوعها، لكن أهل السنة حرموا أنفسهم منها مستبدليها بروايات كعب الأحبار ووهب بن منبه وأبو هريرة... وغيرهم، التي أوقعتهم في محاذير شنيعة لا يدرون كيف علاجها والخلاص من إلزاماتها المؤدية إلى التشبيه والتجسيم الذي يرفضونه عندما يستعملون عقولهم.
الصورة
ولد في عام 1952م في مدينة القليوبية بمصر، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب الشافعي، درس الآداب واللغات السامية في جامعة الأزهر في مصر، والنقوش السامية في جامعة روما في ايطاليا، والآثار الكلاسيكية اليونانيّة والرومانية في جامعتي زيوريخ في سويسرا وغوتنغن في ألمانيا. يجيد عدداً من اللغات الحية والقديمة، عمل في الترجمة والتدريس الجامعي وهو يعمل الآن في الحقل الاعلامي في الصحافة والإذاعة والتلفزيون. وكان اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)عام 1984م.
ادرك الاستاذ معروف خلال دراساته المتنوعة والموسوعية أنّ العقيدة ينبغي أن تبني على الوعي الكامل والقناعة التامة، وينبغي أن يتوجه الإنسان إلى البحث في هذا المجال بصورة جادة كي يصل إلى العقيدة الصحيحة التي يطمئن إليها القلب وتسكن إليها النفس.
فبادر الأستاذ معروف من هذا المنطلق إلى البحث في مجال العقيدة، وتوجه إلى قراءة العديد من الكتب العقائدية بروح بناءة وبنفس موضوعية.
اجتهد الأستاذ معروف خلال بحثه أن يزيل عن نفسه غيوم العصبية ليتمكن من ازالة الموانع التي تسلب منه امكانية رؤية الحقيقة، ثم توجه إلى البحث بقوة ليتحدّى كل العقبات التي تواجه حركته باتجاه الحقيقة، فوجد أن الأمر يتطلّب منه التحلي بالانصاف والموضوعية في تقييمه للمدارس الفكرية المتضاربة، فجاهد نفسه في هذا السبيل مؤملا أن يهديه الله سبحانه وتعالى إلى سواء السبيل.
توصّل الاستاذ معروف خلال ابحاثه إلى افكار ورؤى تخالف ما كان عليه، وهنا دخل الاستاذ في ساحة الصراع مع نفسه، لأنّ رأى أن تبنّيه لهذه الأفكار والمعتقدات يتطلب منه الكثير من التضحية، لأنّ التزامه بما توصّل إليه جديداً قد يدفع الكثير ممن حوله إلى نبذه والاستهزاء به وطرده والاستخفاف به، وقد يدفعه ذلك إلى تغيير مصيره وهدم الكثير مما بناه من مجد وعز بين أبناء مجتمعه.
ووجد الاستاذ معروف أن نفسه تجتذبه باتجاه ما يتناغم مع مبتغياتها ومآربها، لكنه سعى ليؤمّر العقل ويمنحه زمام القيادة في كيانه، وبالفعل تمكّن من ذلك، فجاهد نفسه ليوطّنها على الاذعان بالحق وإن كان الحق مغايراً لهواه ولما اعتاد عليه فيما سبق.
ومن هنا هاجر الاستاذ معروف إلى الله سبحانه وتعالى، وهجر كل المعتقدات الموروثة والتي كشف خواءها وتوجه إلى المعتقدات الرصينة التي توصل إليها بالأدلة والبراهين.
من هذا المنطلق بدأ الاستاذ معروف خلال بحثه المقارن بين المذاهب الإسلامية ينتقي المعتقدات التي تدعمها الأدلة ويتخلّى بالتدريج عن معتقداته السابقة التي ما كان سبب اعتناقه له سوى وراثتها من الآباء والمجتمع.
ولم تمض فترة حتى وجد الاستاذ معروف نفسه معتقداً بكل اصول ومباني مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وجد نفسه أنه شيعي بالفعل ولا ينقصه شيء سوى الإجهار بذلك.
وهنا ثارت نفسه مرة أخرى، وبدأ الاستاذ معروف يعاني من صراع عنيف في داخله بين عقيدة توارثها عن أهله وأخرى اختارها بنفسه عن قناعة، بين عقيدة مترسّخة في ذهنه منذ الصغر وعقيدة جديدة ليس لها إلاّ القوة على اقناع العقل.
وكان الصراع الذي يعانيه الاستاذ معروف هذه المرّة اشدّ واعنف من قبل، لأنّه كان يواجه امراً خطيراً يحدّد مصيره، وكان يعي الاستاذ عواقب الأمر والمتاعب التي سيتعرض لها بعد هذه الرحلة العقائدية، وما سيلاقيه من ايذاء واضطهاد وعدم احترام وجفاء وشنّ الحملات المسعورة من قِبَل الذين لا يروق لهم انفصاله عن الركب الذي هم فيه. ولكنه رأى أنّ الحق أحق أن يتبع، فتغلّب على كل الموانع التي وقفت بوجهه لتمنعه عن التوجه إلى الحق وقرّر قراره النهائي واعلن استبصاره واعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وكان ذلك عام 1984م.
ولم يكتف الاستاذ معروف بانقاذ نفسه من الفهم الخاطىء الذي كان عليه، بل توجه إلى العمل في مجال الصحافة والاذاعة والتلفاز، ليجعلها ذريعة لايصال فكر أهل البيت(عليهم السلام) إلى أوسع شريحة ممكنة، ولينوّر بذلك الأذهان
المتلهفة لنور الحق.
كما أن الاستاذ استغل موهبته الشعرية لخدمة مذهب أهل البيت، وكتب الكثير من الشعر المتلوّن بأنوار الرسالة المحمدية والمتضمخ باريج الولاية العلوية.
مجموعة شعرية صدرت 1418هـ ـ 1997م.
وهي سبعة عشر قصيدة موضوعها فلسطين والانتفاضة والقدس. نظمت هذه القصائد في فترات وأمكنة مختلفة ونشرت في الصحف والمجلات الصادرة بالعربية في المهجر.
جاء في المقدمة: "ليست هذه القصائد للحداثة أو العصرنة ولا للكلاسيكية أو التقليدية الراسخة..! ولا لغيرها..!
وإنما هي احاسيس عفوية ينتظمها الاشراق من وحي بطل عفوي..!
ذلك الشاب الفارع، وتلك الفتاة السمراء، وهؤلاء الصبية المعجزات.. الذين يقذفون حداثة الماكينة الحربية المحمومة بحجر.. وهم متفائلون بالغد الواعد..! ومعطيات الوجود الأزلي البديعة..! انه الايمان الكامل.. والنعمة التامة.. والثقة التي لا تنتهي.. والعزيمة التي لا تهون ولا تخور. وأنها الكاشفة، وسفر رفع الحجب بين الشعر والانسان الرباني أو الربّ الانساني.. بلا تقعر.. ولا طنطنة..!!
مجموعة قصصية صدرت 1418هـ ـ 1997م
وهي عشر قصص قصيرة ذات مواضيع مختلفة.
جاء في المقدمة: "هل أحكي لكم تاريخ القصة القصيرة..؟ وهل أُحدد
مسقط رأسها..؟ وهل من المفترض ان اسجل بعض الأسماء اللامعة. ولا سيما تلك التي تعد من خلصاء السيد "نوبل" لكي ابرهن انني على شيء ما..؟
وهل من الواجب ان اخوض غمار النقد الأدبي وابدع عدداً من التعابير والمصطلحات حول التراث والحداثة وما بعد الحداثة..؟ أما ماذا..؟
وهل من الضروري ان اكتب ايضاحاً عن مذهبي في تأليف القصة القصيرة..؟ وهل..؟ وهل..؟! كلا لن يكون شيء من ذلك بل ساترككم مع هذه الباقة النابتة من عمق اعماقي، وابقى وحدي مع نزيفي الذي لا يتوقف.. فلعلنا نلتقي يوماً ما في خميلة ما.. ذات ربيع قادم".
مجموعة شعرية صدرت عام 1418هـ ـ 1997م.
وهي أربعة عشر قصيدة، واحدة منها بعنوان: "الهدايا العشر" هي في الواقع عشر قصائد:
قدم لها بهذه الأبيات:
يرحلُ الناس وتبقى الذكريات مثل شمس... لا تغيب
قد طواني القبرُ من قبل الممات مثل بستان.. جديب
فافتح الدفتر يوماً... لتراني نهرَ ذكرى
مرَّ في حلم الرُّبى مثل الأماني واستقرّا
فوق هذي الصفحات
مجموعة شعرية صدرت 1418هـ ـ 1997م.
وهي ثلاثة عشر قصيدة ذات مواضيع مختلفة.
قدّم لها بهذه الأبيات:
هل تأذنون لي بكلِمة..؟
هل تسمعون مني عبرةً وحكمة..؟
إن كان ذاك.. يا اعزتي الكرام
فانني أقولْ: لا خير في الكلام
ما دام حدّ حرفِهِ المُفتَرِّ اثلم الاسنان
وليس من رصاصة.. تؤازر اللسان..!
مجموعة شعرية صدرت عن مركز الأبحاث العقائدية ضمن سلسلتها: الرحلة إلى الثقلين سنة 1420هـ.
وهي احدى وعشرون قصيدة تدور في فلك الولاء لأهل البيت(عليهم السلام).
جاء في المقدمة: "ويستمر الشعر سلاحاً فتاكاً في سوح الصراع، فيكون أولَ حِجَاج جاء لنصرة أهل البيت النبوي(عليهم السلام) منطلقاً من لسان شاعر مؤيد بروح القدس يحمل خشبته على ظهره ضارباً في طول البلاد وعرضها منتظراً لمن يصلبه عليها..! فيسجل الشعر بذلك دوره الريادي في الولاء ويكون هو الصوت الوحيد الذي علا عندما خفتت كل الأصوات خشية التكميم والتعقيب والحبس والفتك والقتل، ويكون الشاعر هو أول من قال: كلا للسلطات الغاشمة وحكام الباطل والطواغيت والمتحكيمن في رقاب عباد الله الأحرار..!".
هذا الكتاب يضم بين دفتيه مجموعة قصائد شعرية جميلة تلونت بانوار الرسالة المحمدية، وتضمخت باريج الولاية العلوية اللذين هما جوهرين فريدين من معدن مصطفاً واحداً. أحدهما كان خاتم الرسالة. والآخر كان اس الامامة، تعاصرا وتعانقا فكانا أبوا هذه الأمة المرحومة، وركني آل بيت الله..
ومن هنا.. حق للشعراء أن يتغنوا بهما ما راق لهم الغناء، وان ينشدوا لهما ما طاب لهم الانشاد، فمن ذا الذي تشع عليه انوارهما، ويتنشق روائحهما، ولا تشتاق نفسه إلى الفناء فيهما، فكيف بالشعراء ذوي الاحساس المرهف، وأولي الأرواح التي تهيم بأول إشراقة جمال.
يقدم الشاعر لكتابه مقدمة يبين فيها بلاغة القرآن ودور الشعر في صدر الاسلام، فيقول:
"استيقظ أهل مكة ذات صباح مشرق محمّل بعطر البنفسج، فسمعوا كلاماً لم يسمعوا مثله من قبل، كلاماً لم يصادفوه في (سوق عكاظ) ولا في أندية البيان في مكة!
فأُسقط في أيديهم!
وغرقوا في بحر الدهشة!
ثم ذهبوا إلى كبير لهم في البلاغة والفصاحة والحكمة والمال والبنين، فعرضوا عليه أن يرى رأياً (نقديّاً) في هذه (الحداثة) الوافدة إليهم من (غار حراء) دون أن يستطيعوا مجاراتها مع أنها مكونة من (ا ب ج د) و (ن)
و (القلم) و (ما يسطرون)!
إنه التحدي الصارخ بنفس الأداء وبنفس السلاح، فما بالهم عجزوا عن المواجهة؟!
فاستمع كبيرهم.
فدخله العجب!
واقشعر بدنه!
ووقف شعره!!
ولكنه جحد، واستكبر، وتعملقت فيه صنميته التقليدية، وتحركت بين أضلاعه وثنية الآباء الأولين، ففكر وقدَّر. ثمّ نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال إن هذا إلاّ سحر يؤثر!
بَيْد أن القرآن لم يكن سحراً، وكانوا يعلمون أنه ليس بسحر، وأن هذا (الناقد) العتيد ربما أصابه مس من الشيطان، ولربما أسره سحر البيان، فاعتمدوا صيغة (النقد الجماعي) ووقفوا معاً وقالوا بصوت واحد: بل هو شاعر!!
وكانوا يظنون بذلك أنهم ربما اقتربوا من (الموضوعية النقدية) إذْ أن الشعر عندهم هو الكلام، والشعراء عندهم سادة الكلام والشعر هو الصيغة المثلى للبيان اللغوي والفصاحة اللفظية، وليس سوى الشعر بمقدوره أن يرسّخ قناعة ما في عقل ما..!!
وهذه هي خطورة الشعر عند العرب، فلا عجب إذاً أن يعتبرونه ديوانهم وصندوق عهدهم الذي تخرج منه المعجزات فيتحول اليابس إلى أخضر، ويتحول الأخضر إلى أشجار تمشي، ثم تتدلى أغصانها.. فتسبّح!!
فهل المعجزة إلاّ هذا؟!
ومنذ تلك اللحظة يحتل الشعر خندقاً في المواجهة، وينتقي له دوراً رسالياً،
ويغدو سلاحاً أحدّ من السيف، وأسنّ من الرمح، وأبرى من السهم..!
ثم ما تلبث أن تنزل سورة باسم (الشعراء) ليصوغ القرآن الكريم للشاعر أسلوبه ويحدد له هدفه، بل ويوضح للمتلقي طريقه، فتنطلق الأشعار لتستقر في صدر الخصوم، وتُرتجل الأرجاز في خضم المعركة لتزيدها حماسة وبأساً وضراماً، وتجعلها أشد شراسة وضراوة، ثم تتولد أغراض جديدة لتضاف إلى أغراض الشعر التقليدية.
وليس الشعر هكذا عند العرب وحدهم، فهو كذلك أيضاً عند الاغريق والرومان والفرس، وهو كذلك في الهند والصين واليابان، وهو الاطار الأوسع الذي بمقدوره أن يحتوي الملاحم التي أبدعتها شعوب المعمورة في الشرق والغرب، قديماً وحديثاً".
اخترنا للقارىء الكريم بعض المقاطع من قصائده التي يذوب فيها حباً بآل البيت، وتتلون كلماته فيها بلون الغار المحمدي الذي بات علي في فراش النبي(صلى الله عليه وآله) فداءاً له ومقدمة لسلامة النبي في الغار بولاية علي وقد نصّبه الرسول(صلى الله عليه وآله)إماماً للمسلمين بأمر من الله، ولم يكن غيره ليليق بالامامة ولا كرامة واين الثريا من الثرى، فهل يقاس بأهل البيت أحد.
عنوان قصيدته التي يناجي فيها الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) في ذكرى مولده الشريف، وقد اقتطفنا منها هذه الأبيات العشرة التي وردت في مطلعها:
ذكراكَ باقية مدى الأعوامِ يا خيرَ مولود لخير أنامِ
الأرض حين وُلدْتَ حجّت للسما والكون منذ وُلِدْت في إحرامِ
والكعبة العصماء شعت بالسّنا من فيض نور الوحي والالهامِ
يا مصطفى والمصطفوْن جميعهم خُتموا بأفضل مصطفى وختامِ
بشرى بمولدك الكريم وفرحة عمّت ربوع العُرْب والاعجامِ
الفارق التقوى، فكل من اتقى عند الاله يُخص بالاكرامِ
يا والدّ الزهراء انقذتَ الدنَى من نعرة وجهالة وظلامِ
صلّى الاله عليك في عليائه وصلاته قد أُتبعت بسلامِ
الدين قد أكملته، ورضيته ديناً، وتمّت نعمته بإمامِ
فمن ابتغى ديناً، فدينك وحده لا يُبتغى دين سوى الاسلامِ
عنوان قصيدته التي يتغنى فيها بحبه لأمير المؤمنين علي(عليه السلام)، ويذكر بعضاً من خصائصه وفضائله، وقد وجه هذه القصيدة تحية للسيد الحميري شاعر أهل البيت المشهور، وقد اخترنا منها هذه الأبيات:
لا تحسبي أني جفوت، وإنما آثرت أن أنسى هوى لم ينفعِ
وقصدْتُ وجه أحبة، في حبهم هام الخلائق، فاعذليني أوْ دَعي
أحببت صهر المصطفى ووصيّه ذاك الملقبَ بالبطين الأنزعِ
بعل البتول، يزفّه ويزفّها ركبُ الملائك للمقام الأرفع
مولود بيت الله، جاء يحفَّه نور الامامة والتقى من أربعِ
هو من بمكةَ كان أول مسلم للاّت أو لمناة لمّا يركعِ
وهو المراد بقول "كُرّم وجههُ" قُصرت عليه ومالها من مدّعي
وهو الذي والى الرسول بمكة إذْ ناهضوه بكل فعل أشنعِ
وهو الذي ملأ الفراش بليلة حين القبائل أقبلت في مجمعِ
لتنال من طه وتطعن صدره شُلت يد الدهماء إن لم تُقطعِ
حتى إذا انبلج الصباح بنورهِ وجدوا عليّاً راقداً في المضجعِ
واذكره في بدر يبارز جحفلا الجند فيه تدثّروا بالأدرعِ
واذكره في أُحد، ودونك شأنها!! ثبتت جوانحه ولم يتزعزعِ
وبخندق الأحزاب جندل فارساً يخشاه كل مدجّج ومدرّعِ
وهو الذي في خيبر دانت له اعتى الحصون وأوذنت بتضعضعِ
وهو الذي حمل اللواء مؤذّناً في يوم فتح بيّن ومشعشعِ
فإذا أتى يوم الغدير تنزّلت آيات ربك كالنجوم اللمّعِ
قم يا محمد، أنها لرسالة إن لم تبلّغها فسلت بصادعِ
وقف الرسول مبلّغاً ومناديا في حَجة التوديع بين الأربُعِ
وأبو تراب في جوار المصطفى طلق المحيّا كالهلال الطالعِ
رفع النبيّ يد الوصيّ وقال في مرأى من الجمع الغفير ومسمعِ
"من كنتُ مولاه فهذا المرتضى مول له"... فبخ بخ لسميدعِ..!
وسَعَتْ جموعُ الناس نحو أميرها ما بين مقطوع الرجا، ومُبايعِ..!
وصَّى بها موسى، وهذا أحمدٌ وصّى أخاه، فذلَّ من لم يبخعِ..!!
عنوان قصيدته التي يمدح فيها فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وقد اخترنا منها:
زهراء يا أم الأئمهْ يا أمّةً في خير أُمَّهْ
يا بضعه الهادي، وصفـ ـوته، وفلذته، وأمَّهْ
وكريمة امرأة حَصان فاقت الذُّكْرانَ همَّهْ
أفلت نجوم بنات حواء، وأنت طلعت نجمهْ
تتلألئين على الوجود، فشعّ بعد طويل عتمهْ
وتنافسين سواك علماً عزّ مطلبه وحكمهْ
يا من وُلدْتِ من الكمال، فكنت سيدةً وقمّهْ
وخُلقت من أجل الخلود، فكنت كنيته وإسمَهْ
أعطاك ربك كوثراً للمصطفى المبعوث رحمَهْ
وحباك بعلا من به تمت على الثقلين نعمَهْ
قد خصك المولى بفضل أنت معدنه، وعصمَهْ
فحظيت منه بكلْمتين، ومريم حظيت بكلْمَهْ
عنوان القصيدة التي يناجي فيها الشهيد بكربلاء أبي عبدالله الحسين(عليه السلام)الذي ألهم الشعراء على مدى القرون، وقد اخترنا منها هذه الأبيات:
طغى الحزن سيلا فغطّى الحمى ودمع المحبين أمسى دَمَا
يعود المحرّم في كل عام فنبكي عليك لحدّ العمى
فأنت المجدّل فوق الرمالِ وأنت القتيل، قتيل الظما
وماء الفرات صداق الّتي تفوق بمن أنجبت مريما
نعبّ الدموع فلا نرتوي وقد أغلقوا دوننا زمزما
فديتك يا أعظم الأعظمِينَ ومن أصعد المرتقى هَاشما
تفضلْتَ فخراً على العالمين بأصل وجذع وفرع سَمَا
فأنت الحسين وسبط الرسولِ به حُزْتَ مَحتدك الأكرما
أبوك عليٌّ وصيُّ النبيّ وأمّك من سُمّيَت فاطما
هما الأعليان، هما الفاطمانِ وخيرُ البريّة طرّاً.. هُما
مدحتك شعرا، فتاه القريضُ بمدحك، ثم ارتقى سُلَّمَا
إلى المجد يا أمجد الأمجدينَ وبزّ الكواكبَ والأنجما
وأزهرتِ المفردات اللواتي صحون، وكنّ مدىً نُوَّما
فواحدة قد غدت وردةً وأخرى غدت جنبها برعما
ولكنّ دمعي بذكر المصابِ تحدَّر كالغيث لمّا هَمَى
فناح قصيدي كمثل الثكالي وقافيتي أصبحت مأتما..!
قصيدة جميلة يمدح فيها الإمام الرضا(عليه السلام) الذي مات في الغربة، وفيها إشارات لطيفة يعرفها من زار الإمام الرضا(عليه السلام)، وهذه هي القصيدة:
قطار الليل يحملني على زوج من القضبانْ..
كنجم طائر يسري ويعرج في دجى الأكوانْ..
يحرك فيّ أشواقي ويحرق فيّ أعماقي
ويُحيي فيّ ما قد كانْ..: (جفاني الأهل والخلاّنْ..
وعشاقي.. أعيش مقطّع الأغصانْ..
وحيداً بين أوراقي.. وصارت دارنا قفراءَ
من فلّ ومن ريحانْ.. ومن صبح وإشراقِ
تزاحمني بها الغربانْ من الباب..
إلى الطّاقِ.. فلا أرنو سوى الدنيا
غدت قبراً بأحداقي..) وعند الباب خلّفني
عليلا.. ليس من راقِ.. يضيف السم من حلقي
وخلفي يضحك الساقي..! وساقي عظمة عرجاءُ
تلتفّ علي ساقي أمام عيادة الرحمانْ..!
وليَّ الله، يا من عند حضرتهِ يزول الهمّ والكربهْ..
وتُمحى ظُلمة الآثامِ تحت جلالة القبّهْ..
إليك أتيت شيعياً لأرفع عندك التوبهْ..
شهيدَ الظلمِ، والسلطانُ لفّ مراسه الدامي على الرقبهْ..!
أبا الغرباء.. يا من متَّ في الغربهْ..
"رضاً" قد عشتَ، مرضيّا بمهجة عابد رطبهْ..
يبللها ندى الايمانْ فتورق روحنا الجدبهْ..
وتعلن ثورةَ العصيانْ على الأشباح، والدبَبَهْ..!
غريباً جئتُ، يجذبني نداء غريبْ كئيباً، هدّني حزني، وأيّ كئيبْ..!!
شربت الدمع في مهدي وفي صغري جَلسْتُ بمأتمي
المنصوبْ وجاء العمر بشباب
به ضُرُّ يمزقني ويستعصي على "أيوبْ"!
فجئت أزور من يشفي ـ باذن الله ـ أدوائي
ويسمع دعوة المكروبْ.. سألت "ثلاثتي" ورجعت مقروراً
أرش الطيبْ.. على آثار من ذهبوا
وأرقب عودة المحبوبْ..!
عنوان قصيدته التي تغنى بها في ولادة الإمام الحسن(عليه السلام)، وهي الولادة لأول معصوم من أبوين معصومين، والتي فرح بها الرسول(صلى الله عليه وآله) وعلي والزهراء(عليهما السلام)فرحاً شديداً، والتي يحتفل بها المؤمنون ويجددون فيها الفرحة وخاصة أطفالهم
بطقوس خاصة امتداداً لأفراح آل البيت(عليهم السلام)، وحتى يصدق (شيعتنا يفرحون لفرحنا..).
وكان من حق هذه القصيدة أن تُقدم، ولكن اخرناها لاشارته في اخرها إلى استبصاره نتيجة حبه لآل البيت(عليهم السلام)، والذي نريد أن نجعله خاتمة لوقفتنا هذه مع كتابه:
رقصت فوق شفاهي كلمات الولهِ
كغصن البانِ
تمايل.. وتثنَّى
حتى صار نسيماً.. فتكسَّرْ..
وتغنت باسمك شمعات عيوني
وفراشاتُ الصبح الحالمِ
وسط الأنداء الفضيةِ
في صحو البلورِ.. على طبق جفوني..
فتحول صوف الأعرابِ حريراً
وتبدل صخر البيداءِ
إلى مرمرْ..
أنا طفل عشق اللهَ
فلما لم يره رأيَ العينِ
تملّى وجهكَ..
فتبدّى فيه جمال القدوسِ
وأشرق نور الملكوتِ
وأسفَرْ..
يا "حَسَنَ" العترةِ
وشبيهَ نبيِّ اللهِ
ويا مجد القربى والبيتِ الذاهبِ عنه
الرجسُ بكنْ فيكونُ
فكان الأزكى.. والأطهَرْ..
يا بكر الزهراءِ
ويا قُبلةَ حجج السُّبُّوحِ
على وجهة هارونَ الأمةِ
يا شُبَّرْ..!
ميلادك.. فَرَحٌ
فالفاء المفتوحة: فاطمةٌ
والراء: رسولُ اللهِ
وحاءهما: حيدرْ..!!
سامحني أن غبت طويلا
عن محفل شيعتكِ..
وقد قاموا في محراب العشقِ
سكارى..
وعلى جبهة كل منهم
جُرحٌ أحمَرْ..!
وحنانيكَ..
فهآنذا بين يديكَ..
أطأطىء رأسيَ مقلوب الترسِ
وحسبي أن أتمثل في زمن الذلة
(بالحُرُّْ)..
لقد كنتُ نبيا أبق إلى الفلك المشحونِ
فساهم في الأنواءِ..
فأُدحضَ..
فالتقمته الفِرَقُ..
فنادى في الظلماتِ
فجاء إليه بشير الميلادِ
بريح قميصك..
فتفيأ شجرة يقطينِ..
وارتد سليماً..
واستبصرْ..
وهكذا تكون ولاية أهل البيت(عليهم السلام) شفاءاً للقلوب وسلامة من كل داء، لكل من تتوق نفسه إلى معرفة الحق والاستبصار بالدين، فهنيئاً له ولكل من عرف محمداً وآل محمد عليهم الصلاة والسلام، وما ضاع الناس وتاهوا إلاّ لعدم معرفتهم لآل البيت(عليهم السلام)، ولو عرفوهم حق المعرفة لاتبعوهم ولنجوا من المهالك وضنك البعد عن دين الله الحق.
الصورة
ولد عام 1973 م في المغرب بمدينة مكناس في أسرة مالكية المذهب ، واصل دراسته الأكاديمية حتى حصل على الإجازة في علوم البيولوجيا - تخصص علم النباتات - وهو حالياً يحضّر للماجستير .
ترعرع الأخ نور الدين في أجواء تسودها الحرية والانفتاح ، ونشأ في أجواء تمنح كل شخص حقه الطبيعي في حرية الاطلاع على مختلف المعطيات المعرفية . فلهذا غدا صاحب عقلية متفتحة لا تقبل أي معتقد عن تقليد أعمى أو اتباع عشوائي ، بل كان دأبه البحث عن العقيدة التي تفرض نفسها بالأدلة والبراهين .
بداية التفاته إلى مذهب التشيّع :
يقول الأخ نور الدين حول أوّل قضية أخذت بيده إلى عالم التشيع : شاهدت ذات يوم عبر إحدى القنوات التلفزيونية الفضائية تشييع جثمان شارك فيه الملايين من الناس ، فلما استفسرت حول ذلك ، عرفت أنّه تشييع جثمان الإمام الخميني ( رحمة الله عليه ) ، فاستغربت من الموقف ودارت في ذهني تساؤلات كثيرة ، ومن هنا أحسست بدافع وجداني يدفعني للاستطلاع حول المذهب
الاسلامي الذي يتبنّاه هؤلاء .
وكنت لا أعرف عن الشيعة الإمامية الإثنى عشرية سوي أنّهم يؤلّهون الإمام علي ( عليه السلام ) وأن لهم قرآناً خاصاً ، وأمور أخرى كنت قد سمعتها ممن حولي .
ولكنني بعد إتخاذي قرار البحث بموضوعية ، رأيت أن جميع معلوماتي حول هذه الطائفة لا تستند على الأدلة العلمية ، ورأيت أن الأمر يتطلّب مني التوجّه إلى البحث الجاد والمبتني على الأُسس والمباني العلمية والموضوعية .
منهجه في البحث عن الحقيقة :
ومن هنا شرع الأخ نور الدين في البحث حول مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وحاول أن لا يستند إلى قول أو معتقد إلاّ بعد الحصول على الحجة والبرهان ، ثم وطّن نفسه لقبول النتائج وإن كانت مخالفة لما هو عليه ، وقرّر مع نفسه أن يتبع الموضوعية والانصاف خلال البحث .
واستمر الأخ نور الدين المنوال ، وبدأ بالبحث عن معتقدات ورؤى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .
وحاول خلال ذلك أن تكون له مراجعة لأدلة مذهبه المالكي ، لئلا يقع ضحية الرأي الواحد ، واجتهد أن يتحلّى حين البحث بالرؤية الشمولية ، وأن يوفّر لنفسه الأجواء النقية التي لا تحجب بصيرته عن رؤية الواقع كما هو عليه .
على اعتاب الاستبصار :
ولم تمض فترة والأخ نور الدين مشغول بتجميع الأدلة والبراهين التي يعتمد عليها طرفي السني والشيعي إلاّ ووجد الأخ نور الدين أنه على أعتاب تحول مذهبي يأخذ بيده مما كان عليه ويدخله في مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .
ويصف الأخ نور الدين ما واجهه خلال البحث : رويداً رويداً أخذت
تتساقط صروح مدرسة الخلفاء لتحلّ محلها فكرة الارتباط بآل البيت ( عليهم السلام ) ، وكان محفّزي في ذلك الأدلة الهائلة التي تفاجأت بها وكنت غافلا عنها فيما سبق .
ويضيف الأخ نور الدين : ومن هنا بدأت أدخل في رحاب مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) خطوة خطوة ، وبالتدريج نتيجة اتجاهي نحو قراءة كتب الشيعة ارتقى مستوى وعيي بأصول ومبادي مذهب التشيع .
وكانت من جملة الكتب التي تأثرت بها وكان لها الدور الكبير في تغيير مرتكزاتي الفكرية هي بعض كتب الدكتور التيجاني السماوي ، وكتب الشيخ محمد جواد مغنية ، وبعض الكتب الحديثية من قبيل : الكافي للكليني ، ومن لا يحضره الفقيه لابن بابويه القمي وغيرها ، حتى ثبت عندي بالقطع أحقية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فأعلنت بعد ذلك عام 1991 م استبصاري واعتناقي لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .
مرحلة العمل التوجيهي :
تتالت على الأخ نور الدين والاستفسارات من كل حدب وصوب بعد اعلانه التشيع والموالاة لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، فدفعه هذا الأمر للدخول في مرحلة التبليغ والدعوة ، ونشر الأدلة التي دفعته إلى تغيير انتمائه المذهبي .
ثم حدث بين الأخ نور الدين , والأستاذ " إدريس الحسيني " صاحب كتاب " لقد شيعني الحسين " اتصال ، فاستفاد الأخ نور الدين كثيراً من معلومات الأستاذ الحسيني ، وتفتح ذهنه من خلال ذلك على الكثير من الأدلة المثبتة لأحقية مذهب التشيع ، فزاده ذلك رسوخاً وثباتاً على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .
مؤلفاته :
( 1 ) " التاريخ بين الحقيقة والمؤرخ " : مخطوط .
سيصدر عن مركز الأبحاث العقائدية ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين .
يقول المؤلف في المقدمة :
المباحث المدروجة في الكتاب هي محاولة للثورة على المعتقد القديم والسائد ، وكمحاولة لاخراج دراسة تاريخ الاسلام من الحالة التي وجد عليها إلى حالة أكثر دينامية ، تكشف القناع عن المستور وتفعله كي تهتز الأسس المهترئة والتي وقعت تحت تعسّف التاريخ ، ومطارحة جديدة لفكر ظل طوال التاريخ يمارس حالة المعارضة على كل الأصعدة سواءاً منها السياسية أو الثقافية ، ومحاولة إبراز بعض المعالم المعرفية التي حاول التاريخ الرسمي تهميشها واخراجها من دائرة الفكر الإسلامي ، كي نستطيع الوصول إلى تاريخ جماعي تسوده سلطة المعرفة . . .
إن هذه الدراسة حاولت ملامسة بعض الجوانب الغامضة من التاريخ الاسلامي ، من خلال موسوعتين تاريخيتين ، وهما البداية والنهاية ، وموسوعة التاريخ الاسلامي .
وهي ليست كافية بالشكل الذي نجيب فيه عن الثغرات الموجودة ، لكن هي محاولة جادة للخروج من المألوف ، وإحداث نمط خاص وهو الوقوف عند علل هذا الخلل التاريخي .
ويحتوي هذا الكتاب على ستة فصول وهي :
الفصل الأول : الخطاب التاريخي من أين ؟
الفصل الثاني : ابن كثير والتاريخ .
الفصل الثالث : ابن كثير . . . الوهم والحقيقة .
الفصل الرابع : قراءة نقدية - نموذج أحمد شلبي .
الفصل الخامس : التشيع . . تاريخ مذهب .
الفصل السادس : النظام السياسي - نظرية الولاية في الفكر السياسي الاسلامي .
وقفة مع كتابه : " التاريخ بين الحقيقة والمؤرخ "
يتناول الكاتب في كتابه هذا التاريخ كعلم أسسه وقوانينه ومنهجه ، فيبين أهمية التاريخ بالنسبة لحياة الشعوب حيث يقول عن التاريخ بأنّه " يعكس تلك الصيرورة البشرية والتطور الناتج عنها ; من ذلك المجتمع البدائي الذي كان الانسان فيه بالكاد يجد قوت يوم حيث كان يصارع قساوة الطبيعة وظروف الحياة إلى زمان صارت فيه امكانية الراحة المادية متاحة ، لتظهر لنا بذلك التفوق البشري على معطيات الطبيعة تحت عامل الحاجة ، والبحث عن امكانيات أفضل وطريقة عيش أحسن " .
ثم يبين العلاقة بين التاريخ والمؤرخ وعلاقتهما بالحقيقة ، فالتاريخ هو ما يكتبه المؤرخ وفق ما يراه ويفهمه من أحداث الواقع لا هو أحداث الواقع بعينها ، يقول الكاتب في هذا المجال : " قد يكون هذا منطق المؤرخ ، أي أنه ينسجم وذاته بحيث يعكس واقعه كمؤرخ ناطق باسم الجهة التي ينتسب إليها سواء كانت سياسية ، وتتمثّل خصوصاً في النظام الحاكم بحيث صارت أغلب التواريخ السائدة معبرة عن منتجاتها والحامية لها ، أو كتيار فكري يظل المؤرخ في أغلب الأوقات محروم الجماهير وأسير النخبة المتبنية له " .
وقد تجلى هذا بوضوح في التاريخ الاسلامي ، حيث لم يلعب المؤرخ دور الباحث عن أحداث التاريخ ، بل حاول اضفاء الشرعية على الواقع الموجود ، وقد ساعد على ذلك عدم التخصص ، بل ممارسة التاريخ بالإضافة إلى الفقه والقضاء كما هو عند الطبري أو ابن كثير مثلا ، أضف إلى ذلك التقديس والتقليد الذي أفرزه الواقع الاسلامي ، والذين وقفا حجر عثرة أمام تحرر الفكر والبحث عن الحقيقة ، " إذ
تعرض التاريخ الاسلامي لعملية تحوير ، فأُلحق بالمقدس من الدين مقدسات تاريخية لها نفس الأثر الذي لعبته الخرافات التي كانت تحبس الفكر المسيحي عن التحرك " .
وللخلاص من الجمود في التاريخ الاسلامي لا بد من الفصل بين ما هو مقدس وما هو غير مقدس ، وتحديد المقصود بالمقدس الاسلامي بالضبط دون تداخل في حدوده ، إذ يقول الكاتب " ان هذه النقطة جوهرية ، بحيث أن مجموعة من الأشياء اكتسبت قدسيتها من قوتها كواقع ، سواء كأشخاص ، وهذا ما أظهر لنا مثلا عدالة الصحابة رغم ان هذا المبدأ يخالف الطبيعة البشرية " ، ثم يضيف " ان الإشكالية التي يمكن أن نخلص إليها من خلال الاطلاع على المدوّنات التاريخية ، وخصوصاً منها التي كرست تاريخ الافراد تتمثّل في تكريس حتمية النص الرسمي وإصباغه بصبغة الاجماع ، كي يتم التوافق على حقيقته وواقعيته . لذا يبقى المخرج الوحيد لهذه الإشكالية هو رفض هذه الحتمية وادخال المبحث التاريخي موقع الشك حتى يتسنّى التعامل معه من جميع النواحي " .
ابن كثير والتاريخ :
تعرض الكاتب إلى كتاب البداية والنهاية لابن كثير كمثال للموسوعة التاريخية التي تدون التاريخ الاسلامي الرسمي بطريقة تحفظ من خلالها كرامة هذا التاريخ وعزته ، إذ ان ابن كثير الذي يلبس رداء المسلم الذي أشبع بالمؤثرات السلفية يصبغ المرحلة الأولى من التاريخ الاسلامي رجالاتها بقداسة خارقة يتوقف فيها العقل عن ممارسة فعله الحقيقي في البحث والتنقيب .
يرى ابن كثير ان القرن الأول هو خير القرون ورجاله خير الرجال ، لأن الحديث المنسوب للنبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول : خير القرون قرني هذا ثم الذي يليه ثم الذي يليه ، " ومن هنا ندخل في النقطة الحساسة وهي هذه القداسة المفتعلة التي حاول صبغ التاريخ بها ، حيث لم يكن ذلك المؤرخ الذي يعمل على توثيق الأحداث
التاريخية بضرب بعضها ببعض ، بل التعامل مع الحدث التاريخي من خلال وضعيته العلمية والتي يطغى عليها المحدث على المؤرخ . إذا اهتم في تاريخه بالرواية تماشياً مع صبغته كإمام محدّث يكره الاجتهاد وابداء الرأي " .
ويوضّح الكاتب أسلوب كثير في كتابة التاريخ بالقول : " ان عملية نقد الروايات والأخبار لم تكن واردة في ذهن ابن كثير بقدر ما كان الهم الكبير هو جمع عدد كبير من الروايات والأحداث ومحاولة اخراجها بشكل يساير طابعه الإيديولوجي الطاغي عليه ، حيث إن النظر عنده في الرواية أو الحدث التاريخي لا يخرج عن إطارين هما تمجيد مرحلة الصحابة والتابعين ، والانتصار لهذا التاريخ الملغوم ، فيقبل كل ما روي حتى ولو عن كذاب مشهود عليه بالكذب ، كمثال روايات سيف بن عمر التميمي . . . وكما أنه يرفض روايات [ الوضاعين ] التي قد تمس ببعض شخصيات هذا التاريخ ، وقد يكون سبب رفضه الرواية هو التوجه المذهبي للراوي " .
ويوضّح الكاتب بعد ذلك أسلوبه الإنتقائي وتجاهله لكثير من أحداث التاريخ كرواية أسامة ، أو تزويرها بالشكل الذي يخدم ما يراه صحيحياً كحادثة رزية الخميس ، ثم يضيف : " ان عملية التاريخ عنده لم تكن إلاّ حالة من محاولات الانتصار المذهبية العقيمة التي لا تفيد العلم في شيء بقدر ما هي محاولات لتكريس التخلف " . ثم يورد الكاتب أمثلة كثيرة توضّح تناقضات ابن كثير في تاريخه للاحداث المهمة كأحداث السقيفة وتاريخ الخلفاء الأربعة .
موسوعة التاريخ الاسلامي لأحمد شلبي(1):
ثم يتناول الكاتب هذه الموسوعة كمثال لما كتب حديثاً عن التاريخ
1) الدكتور أحمد شلبي مصري حاصل على دكتوراه من جامعة كمبردج في التاريخ له موسوعة التاريخ الاسلامي ، وموسوعة الحضارات الاسلامية ، ومقارنة الأديان .
الاسلامي ، والذي ادعى كاتبها ان يعيد كتابة التاريخ بطريقة تتجاوز ركام التخلف التاريخي ، ويحاول استخلاص العبر من التاريخ بحيث تصبح الموضوعية هي المطلب الرئيسي للمؤرخ .
وقد لاحظ الكاتب انه رغم الدقة العلمية والمنهجية الظاهريتين في كتابته للتاريخ لكنه يتعثر كثيراً عندما يصل إلى النقاط الحساسة ، فتضيع الموضوعية والعلمية كما في تناوله لشخصية عبد الله .
أو تجاهله تماماً لاحداث مهمة كحادثة رزية الخميس ، وسرية أسامة وغيرها ، أو تجاهله المتعمد لكل فضيلة للإمام علي ( عليه السلام ) ، أو أهل بيته الكرام فانتفت نزاهة هذا المؤرخ وظهرت إنتقائيته ، وتعامله اللا علمي مع الحدث التاريخي .
التاريخ أسباب ونتائج :
لكي يتوصل الباحث في التاريخ - شأنه شأن البحث في أي علم - إلى نتائج صحيحة يمكن قبولها والاعتماد عليها لا بد أن يتوفر على دراسة موضوعية للأسباب الممهدة لمثل هذه النتائج ، وبدون ذلك لا يمكن الاعتماد والاطمئنان إلى مثل هذه النتائج لأنها يمكن أن تصمد أمام البحث العلمي أو الواقع الخارجي .
وهذا الأمر شبه البديهي الذي يورده الكاتب يضيف إليه أنّ : " هذه العملية مهمة في دراسة التاريخ الاسلامي ، لأنني باستطاعتي ان أعطي حكماً قيمياً أَصِلُ من خلاله إلى حكم يخالف الواقع وما جرت به الأحداث . . . وهو ما سيترتب عليه التعامل مع باقي الفرق الأخرى متطرف واخراجها عن ملة الاسلام " .
ويلاحظ الكاتب ان هذا هو ما حدث مع كاتب موسوعة التاريخ الاسلامي ، الدكتور أحمد شلبي في تفسيره للأحداث التاريخية المهمة كخلافة أبي بكر بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) الذي أدعى أنها كانت بالاجماع دون ان يقدم أي مقدمات تؤيد الوصول إليه ، وهو مسألة خلافية مهمة بين المسلمين ، وهكذا كان الأمر مع أحداث
أخرى أشار الكاتب إلى بعضها .
القرآن والتاريخ :
يشير الكاتب إلى نقطتين مهمتين في هذا المجال ، ويقول :
" ان الاعتبار من التاريخ كان جزءاً مهماً في الطرح القرآني ; بحيث تناول أغلب الموضوعات ، وصدر مفهوماً لتطور الأحداث والتواريخ وسمّاه بالقصص ، حيث قال تعالى : ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ )(1)، مما يعطي للحدث التاريخي مفهوماً من خلال معنى القصة التي يتوخى منها العبرة " .
وهذا وقد دعا القرآن إلى الاعتبار صريحاً في قوله تعالى : ( قُلْ سِيرُواْ فِي الاْرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِبِينَ )(2).
" مما يعطي القرآن بعداً تاريخاً في تتبع الوقائع واعطاء الأسباب واستخلاص النتائج " .
ويضيف الكاتب قائلا ان هذا : " مما يلزمنا بنهج منهج القرآن ، وهو تقفي الآثار ، وطرح التساؤلات والإجابة عن الإشكالات ، كي ترجع للأمة هويتها المفقودة في ظل فكر اسلامي منسجم من أجل البناء المستقبلي لدولة العدل الإلهيأَنَّ الاَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ )(3).
الصورة
ولد في مدينة قابس بتونس عام 1968م، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب المالكي، حصل على شهادة الليسانس في اللغتين الانجليزية والايطالية سنة 1994م من جامعة تونس.
كما أنه يجيد اللغة الفرنسية.
كان الهاشمي منذ طفولته متعلقاً بالدين والمذهب وكان يرى وفق ما املته عليه البيئة الاجتماعية أن المذهب المالكي هو أفضل المذاهب الإسلامية الأربعة، فيقول:
"كنت افاخر بأن المذهب المالكي هو روح الإسلام ولبه، وأنه المذهب الوسط بين المذاهب الإسلامية، فلا هو يميل إلى المعتزلة المتعقلين أكثر من اللازم، ولا يقترب من الحنابلة المجسمة والخرافيين والمضحكين. وفي الحقيقة ما كنت اعرف عن المذهب المالكي ولا عن مؤسسة القليل ولا الكثير!".
فلهذا ما كان يشعر الهاشمي بالحاجة إلى البحث، لأنه يرى أنه على الحق، فكان يقول "ما الحاجة إلى البحث والتنقيب؟! أو ليس قد ولدنا مالكيين وعشنا مالكيين ونموت مالكيين؟!".
بقي الهاشمي على هذه الحالة حتى دخل مرحلة التعليم الثانوي. فاتجهت رغبته وانصب شوقه إلى المطالعة التي كان المعلمون يشجعونهم عليها ويوفرونها لهم مجاناً في المدرسة.
ويقول الهاشمي: "كان المعلمون يرغبوننا بالمطالعة لتقوية زادنا في العربية والفرنسية، وكان اعطاؤنا القصص يتجاوز المنحى الترفيهي إلى المنحى التعليمي".
ويضيف: "مع مرورالزمان بدأت اقرا بشغف قصصاً اكبر حجماً واعمق مضموناً.
لكن مع دخولي مرحلة المراهقة بدا وضعي الجديد يفرض علىّ الابتعاد عن القصص الملوّنة الجميلة، حيث صارت تمثل لي مرحلة من العمر بدأت في مفارقتها. ولم تعد تلكم القصص تروى غليلى اذ أنّها من ناحية كمّها كانت تبدو صغيرة جداً ومن ناحية كيفها بدأ الجو الدراسي العام يشعرنا بأننا كبرنا عليها وينبغي الاتجاه إلى تلخيص وتحليل روايات وآثار معاصرة لأدباء معاصرين".
يقول الهاشمي: "سرعان ما استعضت عن هذه الروايات بشيء أكثر بريقاً وأكثر امتاعاً، حيث وجدت في التاريخ ضالتي المشودة التي تحقق لي حاجتي إلى التسلية والتحليق في فضاء ارحب وأوسع، لكن شغفي بالتاريخ فتح عيني على حقيقة عظمى وغير من حياتي الشيء الكثير".
لاحظ الهاشمي حين قراءته للتاريخ الإسلامي أن فيه تناقضات غريبة وعجيبة من بينها خلاف الصحابة واقتتالهم ومخالفة البعض منهم
للكتاب وللرسول(صلى الله عليه وآله).
فيقول: شعرت بتمزق نفسي كبير بين ما نشأت عليه من عقائد ومقدسات وبين ما أرى بعيني من حقائق.
وكانت من جملة الحقائق التي اصطدم بها الهاشمي، أنه سمع ذات يوم من استاذ مادة التاريخ، حينما مرّ على معركة صفين أنه قال مبتسماً: "فاقترح الداهية عمرو بن العاص فكرة رفع المصاحف حتى يخدعوا جيش علي وينجوا من الهزيمة المنكرة التي بدأت تلوح لهم".
فيقول الهاشمي: "صعقنى جداً هذا الكلام، فقلت في نفسي: أعمرو بن العاص يفعل هذا؟!
هذا الصحابي الجليل ـ الذي عرفناه من أقطاب الصحابة كما قال لنا شيوخنا ـ يخدع ويمكر؟!
اذن أين تقوى الصحابة واخلاصهم الذي ذكره لنا شيوخنا؟!
شعرت حينها بتمزق نفسي شديد بين ثقافتي الاسلامية التي تقدم كل الصحابة وترفعهم إلى صفوف الملائكة وبين حقائق التاريخ إن كانت حقة؟!
رجعت إلى البيت مغموماً وسألت أخي عن المسألة فقال لي: إن هذا ليس من شأننا فلا تخض فيه وهم ـ أي الصحابة ـ ادرى بزمانهم و...
لم يقنعني هذا الكلام البارد الفارغ من كل معنى، وهل يمكن أن يمارس المؤمن العادي الخداع والمكر؟! فكيف بالصحابة؟!"
وبحث الهاشمي عن هذه المسألة قليلاً، لكنه لم يجد أي تفاعل ممن حوله، فلم يصل إلى الجواب المقنع، فيقول: "قفلت عليها في صدري والقيت حبلها على غاربها ومضيت".
مضت على هذه الحادثة التي واجهها الهاشمي سنوات، حتى شاءت الأقدار أن تجمعه مع صديق قديم وزميل دراسة كان قد افترق عنه مدة من الزمن وإذا به يسمع أنه شيعي!
يقول الهاشمي بعد استغرابه من تشيع زميله: "كنت قاطعاً ببطلان مذهب الشيعة وأنهم متطرفون في عقائدهم، وكنت اسمع ما كان ينقله البعض حول بكاءهم على الحسين وسبهم للصحابة، فيزداد عجبي، وكنت أتمنى أن التقي بواحد منهم لأقنعه أو على الأقل لأعرف لماذا هم هكذا".
ومن هنا بدأ الهاشمي يناقش صديقه الشيعي، وخاض معه نقاشات عديدة، حتى بان له الحق، وتعرف على واقع الأمر، واتضح له احقية مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
فيقول: "رأيت أن الشيعة مذهب صاف عقلاني ملىء بالحجج الدامغة من القرآن الكريم والسنة المحمدية ولا مجال للخرافات والتحريفات والاكاذيب فيه، وهكذا اذ بينما كنت انسب إلى الشيعة كل قبيح، استفقت على أن مذهبهم حق".
يقول الهاشمي: "أنا من موقعي هذا ادع كل انسان حرّ أن يطلع على كتب الشيعة وعلى آرائهم من دون واسطة".
ويدعو الهاشمي جميع أبناء العامة إلى البحث حول التشيع، فيقول: "جربوا أن تطالعوا عن التشيع والشيعة الاثني عشرية، فليس في ذلك بأس ولا ضرر ولا فتنة ولا سمّ كما يدعي بعض العلماء المتحجرين، بل إن أحدنا يفاخر بأنه يقرا
مجموعة آثار فيكتور هيجو مثلا أو اطلع على مسرحيات شكسبير وتجده جاهلاً بما يقوله اخوانه وبما يعتقدونه جهلاً مطبقا".
صدر عام 1420، عن مركز الأبحاث العقائدية، ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.
وهو دراسة عقائدية وتاريخية ترفع الضبابية عن الاعين في شأن عدالة جميع الصحابة وقد استند المؤلف في هذه الدراسة إلى القرآن واقوال الرسول(صلى الله عليه وآله)ورأي الصحابة في بعضهم البعض رأي التابعين في الصحابة.
صدر عن مركز الأبحاث العقائدية، ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.
وهو خلاصة لنقاشات وحوارات دارت بينه وبين احد اصدقائه الشيعة في مدينة "قابس" والتي خاض فيها مع صديقه حول أهم عقائد الشيعة الاثنى عشرية، منها: التقية والمتعة والتوسل والامام المهدي وعدالة الصحابة.
الصحابة جيل من الناس عاصر الرسول محمد(صلى الله عليه وآله) أيام بعثته فرأوه وآمنوا به وكان معظمهم من أهل المدينة وأهل مكة وما حولهما من القبائل العربية، وكانوا قبل الرسالة يعبدون الاصنام كبقية أبناء الجاهلية في مناطق الجزيرة العربية، وبعد أن بعث الله سبحانه وتعالى الرحمة الهداة الرسول محمد المصطفى(صلى الله عليه وآله) من أبناء إبراهيم(عليه السلام)، والذي يتحدث بلغتهم وينتسب إلى بني هاشم من قبيلة قريش التي كانت تسكن مكة في جوار الكعبة بيت الله العتيق الذي بناه إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام)، شملتهم الرحمة الالهية فاهتدوا بهدى الإسلام الدين الذي ارتضاه الله للناس أجمعين.
ويحكي واقع تاريخ المسلمين أنه بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) اختلف الصحابة فيما بينهم وقامت بينهم الحروب وعاد معظمهم على أدبارهم القهقرى، كما يشهد بذلك حديث الحوض(1)الذي تنبأ فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله) بانحراف معظم أصحابه.
وآلت أمور المسلمين إلى قيام الدولة الأموية على يد "الصحابي" معاوية بن أبي سفيان الذي كان أبوه قائد الكفار المحاربين للرسول(صلى الله عليه وآله). وقد عمل معاوية ـ بعد أن تسلم مقاليد الامور ـ على شراء الضمائر بالأموال ليمحو عن نفسه عار العداء للرسول(صلى الله عليه وآله) وآل بيته الأطهار، فاستجاب له ولمن أتى من بعده من الجبابرة بعض الصحابة والتابعين من عبيد الدنيا فادخلوا في الدين وفي الحديث ما أرادوا من تشويه وتزييف وتحريف.
1) صحيح البخاري: 8 / 151.
وكان من ضمن هذه الأساليب التي اتبعها أشباه العلماء هؤلاء بائتمار من الحكام الظالمين هو القول بعدالة جميع الصحابة حتى لا تنفضح مخازي بني أمية، وحتى تضيع المصادر الحقيقية للدين وهم آل البيت(عليهم السلام) الذين اصطفاهم الله بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)وجعلهم قادة للمسلمين، وكان نتيجة هذا الظلم ان لا يقبل أغلب المسلمين بقيادة اثنا عشر إماماً معصوماً من آل الرسول يتسلسلون على مدى الدهر بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله)، وأخذوا الدين بدلا من ذلك من أكثر من 120 ألف صحابياً عاصروا الرسول(صلى الله عليه وآله) فقط وفيهم المنافقون والشكاكون وضعاف الايمان والأعراب، فضاعت عليهم معالم الدين وتسلط عليهم الجبابرة فبئس للظالمين بدلا.
"إنّ مسألة الصحبة من المسائل التي أسالت حبراً كثيراً وصار حولها لغط كثير، فأهل السنّة عموماً يعتبرون الصحابة جزءاً لا يتجزأ من إيمان الفرد المسلم، وإذا طعن أي فرد بأيّ واحد من الصحابة فقد اقترف إثماً عظيماً ووزراً كبيراً.
لكن هذه المسألة ـ مسألة الصحابة ـ لو يتجّرد الباحث المسلم المنصف للخوض فيها فسيرى ويعلم علم اليقين أنّها لَيسَتْ من المعتقدات المهمة سواء التي اتفقت عليها طوائف المسلمين كالتوحيد والمعاد والنبوّة، ولا من التي اختُلِفَ حولها كالعدل والإمامة.
فأركان الإسلام عند أهل السنة خمسة وهي: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمّداً رسول الله، والصلاة والزكاة وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً والإيمان بالقضاء والقدر خيره وشرّه.
فأين الصحابة من هذه الأركان الخمسة التي يقوم عليها الإسلام؟!
وأما عند الشيعة فأُصول الدين خمسة وهي: التوحيد والعدل والنبوّة
والمعاد، والإمامة، وإن كان العدل والإمامة من أركان وأُصول المذهب عندهم أي لا يكفر الإنسان بإنكارها، وكماترى فلا أثر للصحابة في هذه العقيدة ولا وجود لهم.
وأمّا الإيمان، فكما اتفقت عليه كلمة المسلمين وكما ورد في القرآن (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)(1).
وانظر إلى قوله تعالى في سورة النساء حيث يقول: (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَـبِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَـبِ الَّذِى أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلا بَعِيداً )(2).
فأين محلّ الصحابة في هذا الإيمان؟!!
ثم أليس لكلّ نبيّ صحابة؟! فإذا كان الإيمان بصحابة رسول الله من ضرورات الإسلام أو من أركان الإيمان، فلماذا لا يكون الإيمان بصحابة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى كذلك؟!
ثم بأيّ دليل من الكتاب والسنّة نجد أن الإيمان بمسألة الصحابة جميعاً واجب علينا كالإيمان بالله ورسوله؟!
يقول ابن الأثير في مقدمة كتابه أُسد الغابة في معرفة الصحابة ما يأتي: "والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ الجرح والتعديل، فإنهم كلّهم عدول لا يتطرق الجرح إليهم، لأنّ الله عزّوجلّ ورسوله زكّياهم وعدّلاهم، وذلك
مشهور لا نحتاج لذكره"(1).
أما ابن حجر العسقلاني فيقول عن عدالة الصحابة: "اتفق أهل السنّة أنّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً في ذلك فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)(2). وقوله: (وَكَذَ لِكَ جَعَلْنَـكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)(3)، وقوله: (لقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثَـبَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)(4)، وقوله: (وَ السَّـبِقُونَ الاَْوَّلُونَ مِنَ الْمُهَـجِرِينَ وَالاَْنصَارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـن رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُواْ عَنْهُ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـت تَجْرِى تَحْتَهَا الاَْنْهَـرُ خَـلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَ لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(5)، وقوله: (يَـأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )(6)، وقوله: (لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَـجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـرِهِمْ وَ أَمْوَ لِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَ رِضْوَ ناً وَ يَنصُرُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّـدِقُونَ)(7)إلى قوله: (إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)(8)، في آيات كثيرة يطول ذكرها وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها...، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله لهم إلى
تعديل أحد من الخلق...، إلى أن يقول إلى أن روى بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق، وإنما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة وهؤلاء (وهم) يريدون أن يجرحوا شهودنا ليُبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة انتهى..."(1).
فعلى رأي علماء أهل السنّة كل شعب رسول الله الذي آمن به صحابة، وهم أيضاً عدول كلهم لا يتطرّق الشك إليهم أبداً حتّى إلى واحد منهم.
وقالوا: من يطعن في صحابي واحد فهو زنديق، وقالوا: إنّ الله طهرهم وزكّاهم جميعاً.
يقول تعالى في سورة الفتح (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَ ناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَ لِكَ مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِى الاِْنجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأهُ فَـَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْ الصَّـلِحَـتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيمَا )(2).
فمن ينظر إلى أول الآية يرى أن الممدوحين مع رسول الله هم عموم الصحابة، لكن انظر إلى قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـلِحَـتِ منهم...).
فلم يَعِدْ الله جميع الصحابة بالمغفرة والأجر، بل فقط مَنْ آمن وعمل صالحاً، ولو كان الوعد للجميع لقال: (وعدهم الله...) فتأمل.
ويقول تعالى في نفس هذه السورة: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفَى بِمَا عَـهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً )(1).
وأنت ترى في هذه الآية أنّ الله تعالى يحذّر الناكثين بأنهم إنّما ينكثون على أنفسهم وليسوا بضارّي الله تعالى شيئاً.
ولدى قراءة سورة الحجرات تصادف هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَ تِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَ اللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(2).
فانظر لوصف الله تعالى هذه الفئة من المسلمين حيث وصفهم بأبشع وصف وهو أنهم لا يعقلون، وقد وصفهم الله في صدر السورة بأنهم يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي مع أنهم مؤمنين به(صلى الله عليه وآله).
ويقول في سورة الحجرات ايضاً: (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمَا بِجَهَـلَة فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَـدِمِينَ )(3).
ومن المعلوم والمشهور أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة، وهو أخو عثمان بن عفان لأمه، عندما بعثه إلى بني المصطلق فرجع وكذب على النبي(صلى الله عليه وآله)(4)، فالله يصف الوليد بالفاسق، وأئمة السنّة يقولون إنّه عدل؟!
ويقول تعالى في سورة التوبة: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَة وَيَوْمَ حُنَيْن إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَْرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ )(1).
في هذه الآية يذكر الله ويشنّع على المسلمين فرارهم يوم حنين حيث تركوا النبي مع ثلة قليلة عدد أصابع اليد وفرّوا، وقد اغترَّ المسلمون في حنين بكثرتهم حتى قال أبوبكر: "لن نُغلَب اليوم من قلّة"(2).
وقال الله أيضاً مخاطباً الصحابة: (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَْرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا مِنَ الأَْخِرَةِ فَمَا مَتَـعُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فِى الأَْخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْـاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ)(3).
فالله هنا يقرّع الصحابة بسبب تثاقلهم عن الغزو وكما لا يخفى فإن الله تعالى توعّد الصحابة في هذه الآية بالعذاب الأليم وباستبدالهم بقوم آخرين ـ الفرس على رأي ـ إذا لم ينفروا في سبيله، فأين مدح الله للصحابة هنا؟!
ويقول الله تعالى في سورة الأحزاب: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَ الاَْخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً)(4).
إنّ الله لا يتأذّى ولكن أذى الله من أذى من أذى الرسول، وعليه فكلّ من آذى الرسول(صلى الله عليه وآله) صحابيّاً أو غيره فقد آذى الله، وهذا نظير قوله تعالى: (من يُطِعِ
1) التوبة: 25.
2) أنظر تفسير الفخر الرازي (التفسير الكبير) في سورة التوبة: 25.
3) التوبة: 38 ـ 39، يقول الفخر الرازي في تفسير سورة التوبة: وهذا يدل أن كل المؤمنين كانوا متثاقلين في ذلك التكليف، وذلك التثاقل معصية. ويقول الرازي بعد ذلك، إنّ خطاب الكل وارادة البعض مجاز مشهور في القرآن.
4) الأحزاب: 57.
الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلْنَـكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً)(1)، وما أكثر من آذى الرسول من الصحابة والصحابيّات، ومن أراد اليقين فليبحث فسيرى عجباً.
ويقول الله تعالى في سورة آل عمران: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَـعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّت طَّـائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)(2).
ويقول الفخر الرازي في تفسيره: "أنها نزلت في حيّين من الأنصار همّا بترك القتال في أُحد والعودة إلى المدينة أُسوة براس النفاق عبد الله بن أُبي بن أبي سلول"(3).
ويقول تعالى في سورة آل عمران حول معركة أُحد: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـزَعْتُمْ فِى الاَْمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الاَْخِرَةَ...)(4).
ويقول كذلك: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَد وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ فَأَثَـبَكُمْ غَمَّام بِغَمّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـبَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ)(5).
ويقول أيضاً: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَـنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)(6).
مرحى لهؤلاء الصحابة الذين يفرّون من ساحة المعركة ويتركون الرسول خلفهم والرسول يناديهم في ذلك الموقف الشديد.
وقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره: "أنّ عمر بن الخطاب كان من المنهزمين، إلاّ أنّه لم يكن في أوائل المنهزمين!! ومن الذين فرّوا يوم أُحد عثمان بن عفان ورجلين من الأنصار يقال لهما سعد وعقبة، وانهزموا حتّى بلغوا موضعاً بعيداً ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبي(صلى الله عليه وآله): لقد ذهبتم بها عريضة"(1).
ثم لنأت إلى سورة الجمعة ولنقرأ هذه الآية: (وَ إِذَا رَأَوْاْ تِجَـرَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَ تَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجَـرَةِ وَ اللَّهُ خَيْرُ الرَّ زِقِينَ )(2).
وقد نزلت هذه الآية في الصحابة الذين كانوا يصلون الجمعة مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، حتّى إذا دخل دحية الكلبي ـ وكان مشركاً ـ المدينة بتجارة من الشام فترك الصحابة المسجد وخرجوا إليه ولم يبق معه(صلى الله عليه وآله) إلاّ اثنا عشر رجلا على رواية، حتّى قال النبي(صلى الله عليه وآله) فيهم: "لو اتّبع آخرهم أوّلهم لا لتهب الوادي عليهم ناراً"(3).
ويقول الله تعالى في سورة الأنفال: (مَا كَانَ لِنَبِىّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِى الأَْرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الاَْخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلاَ كِتَـبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(4).
في هذه الآيات خطاب شديد للصحابة الذين حاربوا في بدر لأنهم أخذوا أسرى، وليس هذا من شأن الرسول(صلى الله عليه وآله) كما ليس من شأن الأنبياء السابقين، لكن الله سمح لهم بعد ذلك بأخذ الفداء، والعجيب أنّ كثيراً من المفسّرين أدخلوا الرسول(صلى الله عليه وآله) في هذا التهديد مع أنّ ظاهر الآية واضح في مخاطبة الصحابة، ثم أنّ رسول الله ما كان ليقوم بفعل أو قول دون إذن الله فلماذا يدخل في دائرة التهديد؟! نعم هذا ما فعلته أيدي بني أُمية الحاقدة على النبي(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته فينطبق عليهم قول الله تعالى: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ)(1).
وتقرأ في سورة الأنعام هذه الآية: (وَمَنْ أَظْـلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ...)(2).
وفي قول نزلت هذه الآية في عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخو عثمان بن عفان والذى أهدر النبي(صلى الله عليه وآله) دمه لأنّه قال إنني أستطيع أن أقول مثل ما أنزل الله، والعجيب أنّ هذا الأفّاك الأثيم يصبح في زمن عثمان أحد وزراء الدولة وقادة الجيش؟!
هذا غيض من فيض، ولو لا أنّ المجال لا يتّسع لأكثر من هذا لأتينا على كلّ الآيات النازلة في شأن الصحابة والتي كانت تفضح بعضاً منهم أو تُقرّع البعض الآخر او تهدّدهم وتتوعّدهم.
وهكذا ترى أنّ القرآن يضع الصحابة في محلّهم الطبيعي.
والعجب أنّ علماء أهل السنة كما أشرنا إلى ذلك سابقاً يزعمون أنّ الله والقرآن عدّلا الصحابة جميعاً، وعليه إنّ أيّ قدح في أيّ واحد منهم هو خروج
عن الإسلام وزندقة، فها هو القرآن يكذّب آراءهم النابعة من الهوى ويقول غير ما قالوا، ولا كلام بعد كلام الله، وإن كره الكارهون.
ثمّ دعنا من الصحابة ولنأت إلى أشرف ولد آدم وأفضل رسل الله ورأس أُولي العزم(عليهم السلام) حيث إنّه(صلى الله عليه وآله) لم يكتسب تلك المنزلة العظيمة بالأماني بل بأعماله، وها هو القرآن يشير إلى هذه الحقيقة قائلا: (وَ لَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَـئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَـسِرِينَ )(1).
وحاشا رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن يشرك، لكن هذا هو مقياس الله، لا مجاملة ولا محاباة مع أيّ أحد في أحكامه وشرائعه.
ثم أنظر إلى قوله تعالى في سورة الحاقة: (وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاَْقَاوِيلِ * لاََخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)(2).
فليس معنى كون الرسول(صلى الله عليه وآله) نبيّاً يحجزه عن العقاب إذا خرج عن حدود الله، فما بالك بعد هذا بالصحابة؟!
إنّ الصحابة هم أوّل المكلّفين في الإسلام وأوّل المسؤولين.
فهم إذن تحت الشرع وليسوا فوقه، وليس عندهم جواز عبور إلى الجنّة، هيهات ليس الأمر بالأماني.
إنّ الصحابة في موضع خطير حيث أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) كان بين أظهرهم ولا حجّة لمن تعدّى حدود الله منهم غداً يوم القيامة، فقد شاهدوا نور النبوّة وآيات الله نزلت بينهم وقد تمت عليهم الحجّة والويل لمن لم يُنجِه كلّ ذلك.
خالد بن الوليد: نتناول واحداً من كبار الصحابة، وخالد بن الوليد بن
المغيرة، لنرى ما فعله خالد وهل كان فعله مطابقاً للقرآن والسنّة أم...؟!
يقول ابن الأثير في كتابه أُسد الغابة في تمييز الصحابة في ترجمة مالك بن نويرة المقتول المزنّي بزوجته في نفس اللّيلة ما يلي: "...إلاّ أنّه لم تظهر عليه ردة (يقصد مالك بن نويرة الصحابي الجليل) وأقام بالبطاح، فلمّا فرغ خالد من بني أسد وغطفان سار إلى مالك وقدم البطاح، فلم يجد به أحداً، كان مالك قد فرّقهم ونهاهم عن الإجتماع (لو كان مالك مرتداً فعلاً لأعدّ العدّة لقتال خالد) فلمّا قدم خالد البطاح بثّ سراياه، فأُتي بمالك بن نويرة ونفر من قومه. فاختلفت السرية فيهم، وكان فيهم أبو قتادة، وكان فيمن شهد أنهم أذّنوا وأقاموا وصلّوا، فحبسهم في ليلة باردة وأمر خالد فنادى: أدفئوا أسراكم ـ وهي في لغة كنانة القتل ـ فقتلوهم (انظر إلى دهاء خالد ومكره) فسمع خالد الواعية فخرج وقد قُتلوا، فتزوّج خالد امرأته، فقال عمر لأبي بكر: سيف خالد فيه رهق وأكثر عليه، فقال أبو بكر: تأوّل فأخطأ ولا أشيم سيفاً سلّه الله على المشركين، وودّى مالكاً، وقَدِم خالد على أبي بكر فقال له عمر: يا عدوّ الله قتلت أمرأً مسلماً ثم نزوت على أمرأته، لأرجمنّك...".
إلى أن يقول: "فهذا جميعه ذكره الطبري وغيره من الأئمة ويدلّ على أنّه لم يرتد، وقد ذكروا في الصحابة أبعد من هذا، فتركهم هذا عجب، وقد اختلف في ردّته، وعمر يقول لخالد: قتلت امرأً مسلماً، وأبو قتادة يشهد أنهم أذنوا وصلّوا، وأبوبكر يردّ السبي ويعطي دية مالك من بيت المال، فهذا جميعه يدلّ على أنّه (مالك) مسلم"(1)انتهى كلام ابن الأثير.
إنّ لنا أن نحلّل هذه الحادثة بكلّ موضوعية وبعيداً عن أي تحيّز فنقول:
1) اسد الغاية: 5 / 52 ـ 53 في ترجمة مالك بن نويرة.
أولاً: إنّ مالك بن نويرة رجل مسلم بشهادة عمر وأبو قتادة ولم يرتدّ.
ثانياً: إنّ خالد بن الوليد أراد قتله لكي يظفر بزوجته وكانت من أجمل نساء العرب، ولهذا قال مالك قبل قتله هذه التي قتلتني ولهذا استعمل خالد كلمة ادفئوا أسراكم وكان يقصد قتلهم بالتأكيد وليس ادفاءهم من البرد.
ثالثاً: وهذا أعجب لماذا لم يُقم أبوبكر الحدّ على خالد لقتل مسلم وللزنى بزوجته لأنّه تزوّجها بدون عدّة بل في نفس تلك الليلة.
رابعاً: كان عمر غاضباً جدّاً من خالد وقال له ما قد مرّ، ومن هنا نفهم لماذا عزل عمر خالداً عندما صار خليفة وعيّن مكانه أبا عبيدة على جيوش المسلمين، ثم ما معنى قول أبي بكر: تأوّل خالد فأخطأ؟! وهل في حدود الله مزاح وخطا وصواب؟!
وليت الأمر وقف بخالد عند هذا الحدّ، لكنّه كما كان سيفاً مسلولاً ـ بالباطل ـ على المسلمين في أُحد وغيرها، فإنّه أوغل في دماء المسلمين بعد إسلامه، فهو فعلاً سيف، لكنّه سيف مسلّط على المسلمين والمؤمنين، ولتزداد يقيناً أنّ السياسة هي التي أسمت خالداً هذا بسيف الله المسلول، تعال إلى هذه الحادثة:
"لمّا فتح رسول الله(صلى الله عليه وآله) مكّة بعثه إلى بني جذيمة من بني عامر بن لؤي فقتل منهم من لم يجز له قتله فقال النبي(صلى الله عليه وآله): اللّهم إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد فأرسل مالاً مع علي بن أبي طالب(رضي الله عنه) فودّى القتلى وأعطاهم ثمن ما أخذ منهم، حتّى ثمن ميلغة الكلب..."(1).
انظر إلى خالد بن الوليد يبعثه الرسول بكلّ سلم وسلام فيقتل من شاء ويدع من شاء، انظر إلى دعاء النبي(صلى الله عليه وآله) وهو يبرأ من فعل خالد بن الوليد.
1) أسد الغابة ترجمة خالد بن الوليد، وكذلك أنظر الحديث في مسند أحمد: 2 / 151.
ثم يأتي من يقول إنّ خالداً سيف الله المسلول، نعم هو سيف مسلول، لكن ليس من أسياف الله تعالى.
ولو شئنا التفصيل في فعل خالد وفعاله في الإسلام لما صدّق الإنسان ما يرى من هول وعظم ما أتاه خالد، لكن للاختصار نكتفي بهذا المقدار.
هو صحابي، وهو أحد النُزّاق الفسّاق الذين فتقوا في الإسلام فتقاً لا يجبر إلى يوم القيامة.
ورد في ترجمته في كتاب أسد الغابة ما يلي: "دهاة العرب أربعة: معاوية ابن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد...".
"... وولاّه عمر بن الخطاب البصرة ولم يزل عليها، حتّى شُهد عليه بالزنا، فعزله، ثم ولاّه الكوفة، فلم يزل عليها حتّى قُتل عمر، فأقره عثمان عليها...".
"... وهو أوّل من وضع ديوان البصرة وأوّل من رشى (أعطى رشوة) في الإسلام أعطى "يرفأ" حاجب عمر شيئاً حتّى أدخله إلى دار عمر..."(1).
إنّ السكوت عن التعليق هنا أبلغ من التعليق، لكن نقول: العجب من عمر إذ بعد أن عزله عن البصرة بسبب زناه يعيده والياً على الكوفة وخيار الصحابة أحياء يرزقون كعلي بن أبي طالب الذي كان جليس بيته وكأبي ذرّ والمقداد وخزيمة وغيرهم...؟!
زوجة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولكن هذه المكانة التي تتمنّاها كلّ أنثى لم تمنع حفصة من ارتكاب الأهوال ومخالفة الله تعالى ورسوله، ولا عجب فحفصة أنزل الله فيها
1) أسد الغابة 5: 248 ترجمة المغيرة بن شعبة.
وفي عائشة سورة كاملة ـ وهي سورة التحريم ـ فيها من التهديد والوعيد من الله بالطلاق والإبدال بزوجات خير منهما وبعذاب النار ما لا يخفى على أيّ شخص يفهم لغة العرب، وقد تقدّمت في باب "الصحابة في القرآن" هذه السورة.
وقد ورد في ترجمة حفصة من كتاب أسد الغابة ما يلي:
"... وتزوّجها بعد عائشة، وطلّقها تطليقة واحدة ثمّ ارتجعها، أمره جبريل بذلك وقال: إنّها صوّامة قوّامة، وإنّها زوجتك في الجنّة..."(1).
وأورد كذلك: "طلّق رسول الله(صلى الله عليه وآله) حفصة تطليقة، فبلغ ذلك عمر، فحثا التراب على رأسه وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها، فنزل جبريل(عليه السلام) وقال: إنّ الله يأمرك أن تراجع حفصة بنت عمر، رحمة لعمر"(2).
وكماترى فالحديثان مُختلفان، ولذلك لا يعتّد بهما، لكن نقول: لو كانت حفصة صوّامة قوّامة فلماذا طلّقها رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟! هل كان رسول الله يريد من النساء أكثر من ذلك وهو الذي يوصينا بذات الدين؟! ثمّ أليس الطلاق أبغض الحلال عند الله تعالى؟! فما بال الرسول يطلق دونما سبب؟! وإذا كان هناك سبب فلماذا لا يذكره لنا أصحاب السير والتواريخ؟!
أمّا كون حفصة زوجة الرسول في الجنّة فهو أعجب من الأوّل، فمع وجود سورة التحريم الّتي تُتلى إلى يوم القيامة فإنّا نشكّ في ذلك.
وعلى الحديث الثاني فيكون سبب إرجاع الرسول(صلى الله عليه وآله) لحفصة ليس منزلتها عند الرسول، بل لمنزلة عمر كما يزعم الراوي.
وحفصة هذه ممّن آذت رسول الله(صلى الله عليه وآله) وكذبت عليه في قصّة المغافير
(الثوم) المشهورة والتي يرويها الصّحاح، كما آذت وحسدت زوجات رسول الله الأخر كصفيّة بنت حي اليهودي التي تزوّجها الرسول بعد خيبر بعد أن أعتقها من الأسر، وفي ترجمة هذه المرأة الصالحة من كتاب أسد الغابة تقرأ على لسانها: "... دخل عليَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلام، فذكرتُ ذلك لرسول الله(صلى الله عليه وآله)فقال: ألا قلتِ: وكيف تكونان خيرا منّي وزوجي محمّد وأبي هارون وعمّي موسى؟!..."(1).
وبهذا الكلام من رسول الله(صلى الله عليه وآله) على لسان صفيّة تعلم كذب الحديث المرويّ في الصحاح والمسانيد حول فضل عائشة حيث فيه: "وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على باقي الطّعام؟!"(2).
وحسبنا قول الله في سورة التحريم حيث هدّد عائشة وحفصة بالطلاق وبأن يبدلهّن الرسول(صلى الله عليه وآله) بزوجات أفضل منهنّ في صفات عديدة ذكرتها السورة، فلو كانت عائشة أفضل نساء العالمين فضلاً عن زوجات الرسول فكيف يهدّدها الله تعالى بنساء أفضل منها في كلّ شيء؟!
ولكي تتيقّن أنّ حفصة وعائشة هما المقصودتان من تهديد الله تعالى في سورة التحريم أقرأ هذا الخبر:
"عن ابن عباس قال: أردت أن أسأل عمر فما رأيتُ موضعاً، فمكثت سنتين، فلمّا كنّا بمر الظهران وذهب ليقضي حاجته فجاء وقد قضى حاجته فذهبتُ أصبّ عليه من الماء، قلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان اللّتان تظاهرتا على رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟! قال: عائشة وحفصة"(3).
هي زوجة حربة الكفر ورئيس الأحزاب أبي سفيان، وكانت قد أستسلمت لجيش رسول الله كما فعل بقية الطلقاء. وهي التي لاكت كبد حمزة سيّد الشهداء يوم أُحد بعد أن أمرت وحشيّا بأن يطعنه من الخلف، وإذا كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعد ذلك ـ بعد الفتح ـ كلّما رأى وحشيّاً يقول له: "غيّب وجهك عنّي" فكيف به(صلى الله عليه وآله)عندما كان يرى من لاكت كبد عمّه ومثّلث بجسده؟!
لكن القوم جعلوها مؤمنة مسلمة، بل حسن إسلامها، بل لها فضائل ومناقب يُصرف عليها الحبر والكتابة.
والكيّس يدرك أنّ ما ورد فيها وفي زوجها أبي سفيان وفي معاوية أبنهما من الفضائل لا تعدو أن تكون زخرفاً من القول وكذباً، وذلك أنّ معاوية أبنهما لمّا ملك رقاب المسلمين طمس تلك المثالب وأظهر لهم مناقب لم يقلها الرسول ولم يسمع بها الصحابة.
وهل تريدون من معاوية (أمير المؤمنين) أن يترك أهله ونفسه للفضيحة؟! وهل تريدون منه وهو يصعد منبر رسول الله أن ينبزه الصحابة ومن يأتي من بعدهم؟! هيهات.
وأقرأ معي هذه المنقبة المزعومة:
"لمّا كان يوم الفتح أسلمت هند بنت عتبة ونساء معها وأتين رسول الله وهو بالأبطح فبايعنه، فتكلّمت هند فقالت: يا رسول الله الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه لتنفعني رَحِمكُ، يا محمد (لم يتعوّد لسانها على مخاطبته بالرسول) إنّي أمرأة مؤمنة بالله مصدّقة برسوله، ثم كشفت عن نقابها وقالت: أنا هند بنت عتبة، فقال رسول الله: مرحبا بك، فقالت: والله ما كان على الأرض أهل خباء أحبّ إليّ من أن يذلّوا من خبائك، ولقد أصبحت وما على ظهر الأرض أهل
خباء أحبّ إليّ من أن يعزّوا من خبائك..."(1).
سبحان مغيّر الأحوال، ولكن لتتيقّن من كذب هذه الفضيلة الواهية أقرا من نفس هذا الكتاب (طبقات ابن سعد) لترى كيف أنّ هذه المرأة التي صار رسول الله أحبّ الناس إليها وأعزّهم لديها تسيء الأدب معه:
"عن الشعبي يذكر: أنّ النساء جئن يبايعن فقال النبي(صلى الله عليه وآله): تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئا، فقالت هند: إنّا لقائلوها (تقصد كلمة الشهادة)، قال: فلا تسرقن، فقالت هند: كنت أصيب من مال أبي سفيان قال أبو سفيان: فما أصبت من مالي فهو حلال لك، قال: ولا تزنين، فقالت هند: وهل تزني الحرّة؟ قال: ولا تقتلن أولادكّن، قالت هند: أنتَ قتلتَهم"(2).
تقصد هند بقولها: أنتَ قتلتهم، هلاك أبنها فيمن هلك يوم بدر كابيها وعمّها وأخيها.
نعم هذه حقيقة هند، خسّة ونذالة وأحقاد جاهلية رغم عفو وسماحة رسول الله(صلى الله عليه وآله) معهم يوم الفتح، ولو كان مكانه(صلى الله عليه وآله) أيّ قائد دنيوي آخر لذبح رؤوس رجالهم وبقربطون أطفالهم ولسبي نساءهم جواريا، فهم الطلقاء لا فضل لهم ولا فضيلة ولا هجرة ولا منقبة ولا غزوة ولا... بل ولا كلمة طيّبة. وسيفضحهم الله يوم القيامة بما كان يكذبون في إسلامهم، وهم أبطنوا الكفر.
هذه هي هند وأمثال هند، هذه التي يصبح أبنها معاوية الأفعى خليفة للمسلمين (وكفى بها مصيبة) بلا سابقة ولا جهاد، وهي جّدة يزيد الخمور الذي أرتضع من أسلافه الحقد على الرسول فقتل ذرّية رسول الله في كربلاء وهجم على مدينة الرسول(صلى الله عليه وآله)(3)لأنّها موطىء الأنصار الذين ساعدوا رسول الله بأموالهم
وأسيافهم، فكانوا بنظر يزيد شركاء للنبي في قتل أجداده ببدر.
وإنّي أقولها صريحة: إنّ من يقرأ تاريخ هؤلاء الخبثاء ويطّلع على فعالهم قبل إسلامهم وبعد استسلامهم ثمّ يعتقد بفضيلة بل ويعتقد بأنّهم أسلموا، اقول: هكذا شخص بليد الذهن عديم الفطنة.
إنّ الشيعة لا يسبّون كما قال أعداؤهم، لكن الشيعة أخذت طريقاً وسطاً وعقلانيّاً ينطبق مع الكتاب والسنّة، فلم يقولوا بعصمتهم جميعاً كأهل السنّة، وكيف يقولون ذلك وفي الصحابة من زنى ومن شرب الخمر ومن قتل النفس ومن حارب سنّة الرسول ومن أشعل الفتن؟!
ثم إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) نفسه كان يقيم الحدود كحدّ السرقة والزنا وشرب الخمر، فعلى من كان يقيم تلك الحدود؟! أليس على أصحابه المسلمين، وإلاّ فالكافر بعيد عن المجتمع المدني بطبيعة الحال.
ولو نظرت إلى كتب الشيعة لرأيتها مليئة بمدح الصحابة الذين لم يغيّروا ولم يتغيروا بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وتجد هذا كذلك في دعاء أئمة أهل البيت كالصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين(عليهما السلام).
فهذه الضوضاء التي يُثيرها بعض الغوغاء على الشيعة ليست بأكثر من زوبعة في فنجان، وهكذا كلّ عقائد الشيعة في الواقع كلّها متطابقة مع العقل والنقل، لكن الأعراب أبوا إلاّ التهريج وجعلوا أصابعهم في آذانهم.
وكما عرفت فإنّه تسقط بعد هذا عدّة أحاديث مكذوبة، كحديث "أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم" فالصحابة اختلفوا وتنازعوا وأفتى بعضهم خلاف
الآخر، فبأيّ واحد أم بأي فريق نقتدي؟!
نعم لقد أوصانا رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى بأن نتّبع أهل بيته(عليهم السلام)فقال(صلى الله عليه وآله): "تركت فيكم الثقلين، ما إن تمسّكتم بهما، لن تضلّوا بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما"(1)، وهكذا حدّد لنا لمن نرجع بعده(صلى الله عليه وآله)، والرسول(صلى الله عليه وآله) ما كان ليخفى عليه ما سيقع في أمته من الفتن خاصة ما سيحدث بين أصحابه، ولهذا كان من غير المعقول أن يوصي رسول الله والله من وراءه بجميع الصحابة، فهذا بمثابة اجتماع النقيضين كما يقال.
1) مسند أحمد: 3 / 17، مستدرك الحاكم: 3 / 148 وورد في مسلم بألفاظ أخرى، أنظر مسلم، كتاب الفضائل: فضائل علي بن أبي طالب.
الصورة
ولد عام 1965م في قرية البابيري التابعة لمحافظة حلب في سوريا، تخرّج عام 1992م من كلّية الآداب اللغة العربية في حلب.
بدأت رحلته الفكرية من مجموعة تساؤلات فكرية وعقائدية تبلورت في ذهنه، سلبت منه حالة الاستقرار النفسي، فاندفع إلى البحث بغية الوصول إلى حالة الاستقرار والطمأنينة، وكانت أهم الأمور التي حفّزته على البحث هي مسألة معرفة الفرقة الناجية من بين ثلاث وسبعين فرقة والتي قال عنها رسول الله أن اثنين وسبعين فرقه منها في النار. فكان يدفعه ضميره الحي إلى البحث اندفاعاً لضمان الفوز بالجنة في يوم المعاد.
في هذه الفترة التي كان يعيشها الشيخ هشام متعطّشاً للعلم والمعرفة وقع بيده كتاب المراجعات عن طريق تصفّحه لمكتبة أحد اصدقائه الذي تعرّف عليه خلال فترة خدمة العلم، ولكن نازعه الشك في مطالعة هذا الكتاب لأنّه استحضر في باله صور تحذير علمائهم من الاقتراب بالشيعة، والذين كانوا قد أحشوا أدمغتهم بأن الشيعة هم قتلة الإمام الحسين(عليه السلام)، وهم القائلين بخيانة الأمين
جبرائيل في تسليمه للرسالة الالهية إلى النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله)، وهم الذين يسجدون للحجر ويسبّون الصحابة ويعملون بالتقية، فلا يمكن معرفة حقيقة أمرهم بالحوار والمناظرة، لأنّهم يخفون عقائدهم عن الآخرين ولا يبدونها لأحد إلاّ بعد الثقة به، فلهذا إن الحوار والمناظرة معهم مبادرة محكومة بالفشل.
عاش الشيخ هشام الحيرة بين تلبية نداء العقلية التقليدية التي أملتها عليه البيئة الاجتماعية والتي كان يعيش فيها، ونداء العقلية المنفتحة التي بدأت تتبلور عنده نتيجة تخطيه حواجز التبعية والعزم على الوصول إلى الحقيقة، عن طريق البحث والتتبّع من دون الانقياد الأعمى للتيارات الفكرية السائدة.
لم تمض فترة من الانغماس في الشك والحيرة حتى اتخذ الشيخ هشام قراره النهائي فاستعار كتاب المراجعات من صديقه لمدة اسبوع، ثم بدأ بقراءته بغية توسيع آفاق مداركه الذهنية، ولم تمضِ مئتي صفحة من مطالعته هذا الكتاب إلاّ وأحس أنّه أمام تيار هائل من الأدلة والبراهين التي زعزعت أركان معقتداته الموروثة، فخشي أن تنهار ركائزه العقائدية إن واصل المطالعة، فغلق الكتاب خشية أن تحطم وتهدم العاصفة التي أثارها هذا الكتاب في كيانه كل مرتكزاته العقائدية وكل مبادئه وتقتلعها من جذورها.
وازداد اندفاع الأخ هشام للبحث بعدما لامس التحدي الذي واجهه من كتاب المراجعات، فانتفض هذه المرة بعزم ليعزز اركانه الفكرية التي فقدت ثباتها، فقصد الدكتور الشيخ عبدالفتاح صقر(1)الساكن في بيروت بغية أن يداوي
1) الدكتور الشيخ عبدالفتاح صقر، من البعثة الأزهرية في بيروت (دار الفتوى) استاذ في كلية الشريعة، واحياناً يخطب الجمعة في مسجد دار الفتوى (بيروت).
الجروح التي اصابت عقيدته الموروثه، لكنه لم يسمع منه سوى التحذير المطلق من الاقتراب بالفكر الشيعي.
ترك الشيخ هشام البحث ليدخل خدمة العلم حتى عام 1990م، ثم تعلّم مهنة الحدادة والنجارة والبناء من عمه في بيروت، ثم باشر عمله فكان يقف مع العمال العاطلين في معرض العمال على أمل أن يأتيه أحد بحاجة إلى عامل أو معلم أو حداد أو نجار فيأخذه ليعمل ازاء أجرة معينة.
وبقى الشيخ هشام على هذه الحالة حتى صادف ذات يوم أن دخل إلى المعرض صديقه الشيعي الذي كان معه في خدمة العلم والذي استعار منه كتاب المراجعات، فلمّا التقى به رحّب به ثم دعاه للعمل معه في ورشة مصلحة البلاد، فقبل الشيخ هشام ذلك.
وفي اليوم الثاني من العمل سأله صديقه عن نتائج مطالعته لكتاب المراجعات، فتعذّر منه الشيخ بأن المطالعة تتطلّب ذهنية صافية وأن الفرصة لم تسمح له في تلك الفترة للمطالعة والبحث.
قدّم له صديقه الشيعي كتاب "ثم اهتديت" للتيجاني السماوي، فحاول الشيخ هشام أن يتهرّب من أخذ هذا الكتاب متعذّراً بحجج كان ينقلها عن لسان مشايخه.
فدعاه صديقه إلى نبذ التعصب ورفض التفكير وفق الطريقة التقليدية الموروثة، ثم قال له: "دائماً تقول لي، الشيخ عندنا قال كذا، والشيخ قال كذا، فكّر
بعقليتك، لا بعقلية الشيخ".
فقال له الشيخ هشام: "أنا وانت نفهم أكثر من العلماء والشيوخ؟!".
فبيّن له صديقه الشيعي أن تعطيل العقل وتجميد الفكر والتقليد والتبعية العمياء تصنع من الانسان شخصية ضعيفة وغير واعية، وهذا ما تجعلها لقمة سائغة لاصحاب المطامع لتستغلها باسم الدين وباسم العناوين البرّاقة فتدفعها إلى الضلال والانحراف.
أما الشخصية الواعية والمتفهّمة والمستفسرة حسب نطاق قدرتها تكون محصّنة نسبةً ما، وقادرة على التمييز النسبي بين الحق والباطل.
ومن هنا بدأ الشيخ هشام يعيش حالة الصراع الحاد في داخلية بين مواصلة البحث وقراءة كتاب ثم اهتديت، وبين الابتعاد عن هذه الأجواء التي اربكت نفسيته، فاستشار جملة من العلماء، فلم يجد عندهم سوى التحذيرات الحادة من قراءة الكتب الشيعية والخوض معهم في حوار أو بحث.
وبقى على هذه الحالة يعيش الازمة النفسية والحيرة من تحديد اتجاهه العقائدي، حتى هيمن عليه الضعف فالزمه الفراش عدّة أيام، وكانت وصايا الاطباء ترشده إلى ترك العمل والاستراحه وترفيه النفس.
وفي هكذا اجواء اضطر الشيخ هشام إلى اتخاذ قراره النهائي، فعزم على مطالعة كتاب المراجعات والتوجه إلى البحث والتتبع.
انتهز الشيخ هشام فرصة أخذه الاجازة من العمل، فتوجه إلى مطالعة كتاب المراجعات، مع مراجعة مصادره من كتب أهل السنة في مكتبة دار الفتوى.
يقول الشيخ: "راجعت المصادر ووقفت عليها ووجدت صدق ما يأتي به
العالم الشيعي، فاستغربت من قوة استدلال هذا العالم واحاطته الدقيقة بالتاريخ والسيرة والصحاح واستهواني الكتاب باسلوبه الجذّاب".
صادف الشيخ هشام أن تعرّف في بيروت حين بحثه عن بعض المصادر برجل دين شيعي، فدار بينهما حوار حول الإمامة والخلافة، فأهدى الشيعي إليه كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، وأوصاه بقراءة رسالة الجاحظ في تفضيل الإمام عليّ(عليه السلام) الموجوده في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
بعد هذا بدأت تتفتّح ذهنية الشيخ هشام، واصبح لا يمرّ من ظاهرة إلاّ ومستخدماً وعيه لمعرفتها اجمالا، وأخذ يحتك بالشيعة ويتباحث معهم حول المعتقدات التي يعتقدونها، حتى تعرّف خلال ذلك على العلامة السيد علي البدري، فحكى له السيد قصته وتجربته في الانتقال من المذهب السني إلى المذهب الشيعي، وقدّم له بعض كتب المستبصرين وجرت بينهم لقاءات عديدة تحاورا معاً حول كثير من المسائل العقائدية، ثم صادف أن سافر إلسيد الى بيروت لاجراء عملية جراحية لقلبه، ثم سافر إلى ايران ولم تمض فتره حتى وصله نبأ وفاته.
واصل الشيخ البحث حتى بانت له الحقيقة بكل وضوح في نهاية المطاف، فاعلن استبصاره ولم يخف في الله لومة لائم أو هجران الناس له، بل جابه جميع العقبات التي ارادت أن تصدّه عن تحقق هدفه المنشود بصمود وتحدّي، حتى اندفع عام 1994م إلى الدراسة في الحوزة الزينبية من أجل أن ينهل من عذب
علوم أهل البيت(عليهم السلام)ولا يزال يتابع دراسته الحوزوية.
صدر عام 1417هـ ـ 1997م عن دار المحجة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت ـ لبنان ودار الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله).
كان الدافع الذي حفّز المؤلف لتأليف هذا الكتاب هو أنه استمع إلى محاضرات الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، الاستاذ المحاضر في كلية الشريعة ـ جامعة دمشق ـ فوجد فيها أن عرض صور بعض الحقائق وجملة من الأحداث التاريخية لم تذكر بالصورة المطلوبة، فألف هذا الكتاب ليزيل الغموض والتشويش التاريخي عن بعض القضايا قدر المستطاع.
وله في هذا الكتاب جملة من الملاحظات على أقوال الدكتور البوطي فيما يخص بعض المسائل منها:
مأساة أهل البيت، دراسة التاريخ، عدالة الصحابة، الإمامة والخلافة، وراثة الأنبياء، الشورى، حديث المنزلة، حديث الغدير، مكانة الإمام عليّ(عليه السلام)، اتخاذ القبور، حديث كتاب الله وسنتي، التقية، نشأة التشيع و...
صدر عام 1418هـ ـ 1998م عن دار المحجة البيضاء ـ بيروت ـ لبنان ودار الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله).
يقول المؤلف في المقدمة: "هذا البحث الذي بين يديك هو دراسة عن حدث تاريخي مهم، ومفصل من مفاصل التاريخ الاسلامي الذي حظى بشهرة عظيمة، وصيت ذائع، ومكانة مقدسة، وهالة عظيمة، لم تجرؤ بعض الاقلام على
خوض الحقيقة في غماره الشائك.
وهذه الدراسة تستهدف البحث حول واقع تلك الهالة المقدسة وما خلفته من أحداث جسام وويلات تلو الويلات، فحاولت جاهداً في هذا البحث أن احدث شرخاً في جدار التعتيم المضروب على تلك الهالة المقدسة.
فحاولت قدر المستطاع تسليط الضوء على أحداث قامت بها شخصية اسلامية مهمة، وهي زوج رسول الله(صلى الله عليه وآله) السيد عائشة أم المؤمنين لما لها من أثر في مجرى الاحداث التاريخية في الاسلام".
وقد تطرّق الكاتب خلال نقده لكتاب "عائشة أم المؤمنين" لمؤلفه الدكتور البوطي، فابدى بعض الملاحظة على جملة من المسائل العقائدية التي أوردها الدكتور البوطي من منطلق وجهة نظره.
وحاول المؤلف أن يتوقف على بعض آرائه فيناقشها بموضوعية وحوار علمي بنّاء، فكانت من جملة المواضيع التي تم التعرّض لها:
ـ مفتريات على صاحب الرسالة.
ـ النبوة في الصحيحين.
ـ سرقة القاب الصديق والفاروق ووضعها لأبي بكر وعمر.
ـ معجم شتائم واساءات الدكتور البوطي.
ـ دور الشيعة في تطور العلوم الاسلامية.
ـ التعريف بمالك الأشتر.
ـ حديث العشرة المبشّرون بالجنة.
ـ التحقيق في قضية ابن سبأ.
وأمّا موضوع سيرة عائشة فهو يعتبر المحور الأساسي الذي تم تسليط الضوء عليه، حيث قام المؤلف بتبين جوانب متعدّدة ترتبط بعائشة من قبيل:
قضية تفضيلها على بقية أُمهات المؤمنين.
غيرة عائشة من نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله).
جملة من مواقفها في عهد الرسول(صلى الله عليه وآله).
ارث عائشة من النبي(صلى الله عليه وآله).
قيادتها لجبهة المعارضة في عصر عثمان.
معارضتها الكبرى في زمن الامام عليّ(عليه السلام).
سبب اختلاف أحاديثها.
صدر عام 1421هـ ـ 2000م عن دار المنتظر ـ بيروت.
يتعرّض المؤلف في كتابه هذا الى ذكر مراحل رحلته الفكرية الشاقة والمريرة في المذهب والمعتقد، فيذكر من المراحل:
ـ مرحلة الحيرة والشك التي تمكّن أن يتحرّر منها عبر بذل الجهد في البحث والمطالعة واللقاءات العديدة التي اجراها مع السيد علي البدري، والتي من خلالها تفتحت آفاقه الذهنية على حقائق أنارت له طريق الهداية.
ـ مرحلة المامه بمجموعة من الحوارات والمناظرات التي تمت بين بعض علماء الشيعة والسنة، ثم يبين النقاط التي استوقفته بشده.
ـ مرحلة التفاته إلى ظاهرة تشيع جملة من علماء ومثقفي أهل السنة، وتبيين الدور الذي كان لها في اليفظة والتحرر من الغفلة.
ـ مرحلة الوعي بأنه كان ضحية لأحاديث اخترعتها السياسة الأموية، فيبدأ بتنقية افكاره منها واحدة تلو الاخرى حتى يصل إلى مرحلة النقاء الفكري، فعندها يجد نفسه مستعداً لتقبل الحقائق بكل ترحاب.
ـ مرحلة تخطي الاشاعات التي كانت تحول بينه وبين التشيع.
ـ أسباب تحوّله العقائدي وانتقاله إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فيذكر جملة من الأدلّة منها احاديث الدار، الثقلين، الخلفاء الاثني عشر، السفينة وغيرها.
ـ ذكر أهم الأحداث التاريخية التي الوت بعنقة لاعلان التشيع، من قبيل: رزية الخميس، حادثة الصحابة في صلح الحديبية، سرية أسامة، حادثة الشورى المصطعنة.
وفي نهاية الكتاب يذكر المؤلف مجموعة من الأدلّة والنصوص الموجبة لاتباع عليّ(عليه السلام).
طبع هذا الكتاب طبعة جديدة منقحة عام 1421هـ ـ 2000م.
يتضمّن هذا الكتاب انتقادات جملة من العلماء والفضلاء على مجموعة من أفكار ومواقف شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي، وكان من جملة الذين وجهوا انتقاداتهم اليه:
الكاتب المصري صالح الورداني، السيد محمد حسين فضل الله، الدكتور البوطي، علماء الأزهر، الدكتور وهبة الزحيلي، الاستاذ حسن الجواهري، الشيخ كامل حاتم، الدكتور أسعد علي، الدكتور عارف تامر، الشيخ عبدالله زين الدين والدكتور عمر أبو زلام.
صدر عن دار المحجة البيضاء للطباعة والنشر ـ بيروت ـ في ثلاثة أجزاء.
وهو كتاب تعريف لكثير من الشخصيات المرموقة التي تحوّلت من المذهب السني إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، مع ذكر نبذه مختصرة عن حياتهم
ونشاطهم الفكري والثقافي، وإشارة إلى بعض كتبهم واقتطاف ما اوردوه فيها حول قصة استبصارهم وأهم الأسباب والدواعي والأدلة العلمية التي دفعتهم إلى ذلك، مع ارفاق جملة من مناظراتهم وحواراتهم ولقاءاتهم الصحفية بتراجمهم، مزودة بصورهم وصور أغلفة كتبهم وما تم نشره عنهم خصوصاً في موقع مركز الأبحاث العقائدية (صفحة المستبصرين)(1)، ومجلة المنبر وكتاب المستبصرون وباقي الصحف والمجلات.
1) وذلك للاجازة الممنوحة من قبل مركز الأبحاث العقائدية في الاقتباس من موقعه على الانترنيت، ويلحظ هذا الاقتباس من المؤلف بوضوح في الجزء الثاني من كتابه، حيث نقل 58 ترجمة من موقع المركز من مجموع 80 ترجمة من تراجمه التي أوردها في الكتاب.
الحوار يحتاج إلى طرف آخر تنفتح عليه وتحاول أن تصل معه إلى قناعات مشتركة حول مواضيع الحوار، ثم إنك لا تريد أن تجبره إجباراً على افكار لا يقتنع بادلتها واصولها، ثم تحاججه بالمنطق وتخاطبه بالعاطفة فيكون الحوار حوار العقول والقلوب.
ولابدّ للمحاور إذا أراد من حواره الوصول إلى ثمرات نافعة أن يقبل بالحجّة والبرهان الساطع إذا قام لديه واقتنع به في نفسه، فلا يعاند ولا يكابر ولا يشمخ بانفه لأنّ ذلك نقض لغرض الحوار، كما أنه لا يصح من المحاور أن يرفض الأدلّة الواضحة بالتأويل والتبرير والتلبيس فيوقع نفسه في الشبهات من حيث يدري أو لا يدري، أو يجر الحوار إلى مجادلات عقيمة لا تثمر وتُضيع الوقت والجهد وتؤدي إلى تنافر القلوب.
ولكي تُحارو الطرف الآخر باسلوب أفضل مع نتائج للحوارات ذات فائدة، لابدّ أن تعرف الأصول الفكرية لهذا الطرف مع دراسة مقوّمات بناءه الفكري الشخصي والعام، فأنت مثلا لابدّ أن تقرأ كتب مدرسته الفكرية التي ينتمي إليها، فبدون ذلك قد تصطدم بعقبات في مجرى الحوار يصعب اقتحامها ولا تستطيع مواصلة الطريق نتيجة ذلك.
ولابدّ للحوار أن يكون بهدوء وترو، وأن يكون المحاور ذا نفس طويل في الحوار، لا يستعجل الوصول إلى النتائج بدون أن يستوفي الحوار كل الجوانب المحيطة بموضوع الحوار.
وطبيعة الحوار أن يسير بمسيرة تكاملية ويتدرّج في الوصول إلى مبتغاه، فكل طرف يلقي بأفكاره وحججه ثم يدافع عنها بعرض أحسن وصقل أوفى عندما ينتقدها الطرف الآخر أو يحاول أن يفنّدها، وهكذا يستمر الأمر بين طرفي الحوار بتهذيب الكلام والتدقيق في الأدلّة إلى أن يصل إلى النتائج المطلوبة والأهداف المرجوة.
والانسان المليء والواثق من أفكاره وعقائده لا يخاف من الحوار ولا يضع خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها أو الاقتراب منها، إذ لا حدود أمام الحوار إذا كان الهدف الوصول إلى الحقائق المجرّدة، لكن هذا لا يعني التوهين المتعمد للعقائد وجرح شعور الطرف المخاطب أو السامع للحوار أو حتى القارىء له بعد حين، بما يؤدي إلى التنافر والتباغض أو ترك الحوار أو نقض الغرض منه في التآليف والوصول إلى نتائج ذات منفعة].
تهيّأت للاستاذ هشام فرصة الحوار مع أحد العلماء ـ والحوار مع العلماء له ميزاته الخاصة ـ فاهتدى إلى اكتشاف حقائق لم يكن يصل إليها لو أنّه ترك الحوار في وسطه ولم يواظب عليه حتى الحصول على ثمراته النافعة التي تستريح إليها النفس ولا تعود تطلب المزيد، وقد حصل الاستاذ على هذه البشرى والراحة النفسية باستخدام عقله واستماعه للقول واتباع أحسنه والتمسك به كمنار على درب الهدى الالهي الذي يختص به ناسٌ دون آخرين.
كانت تدور في ذهن الاستاذ هشام عدّة شبهات قبل اقتناعه الكامل بالتشيع وصحة مذهب أهل البيت(عليهم السلام). وقد أجاب على هذه الشبهات أحد علماء الشيعة.
ونحن هنا نذكر بعضاً منها باختصار على شكل أسألة وأجوبة:
ـ سؤال: إذا كنتم أهل الشيعة تعتقدون بأنّ عليّاً(رضي الله عنه) هو الإمام بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله)والخليفة دون غيره، وأنّه أحق بها وأهلها، فما الوجه في تقدم الخلفاء الثلاثة وادعائهم الإمامة دونه واظهارهم أنهم أحق بها منه؟
جواب: هذه شبهة تخطر في ذهن كل سني في البداية إذ بحث في هذا الموضوع، والجواب: إن هناك نصوصاً وأدلّة من القرآن والسنة النبوية الشريفة إتفق عليها الفريقين السني والشيعي، فمن الأدلة القرآنية آية التبليغ: (يَـأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُو وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)(1)، وقد أجمع المفسّرون من السنة والشيعة على أنها نزلت في غدير خم في شأن عليّ(عليه السلام)في تحقيق أمر الخلافة والإمامة وأنّها نصٌ من الله سبحانه وتعالى.
ـ سؤال: لم أسمع جواباً على سؤالي بالتحديد خاصة وأنّ الأكثرية أجمعوا على خلافة أبي بكر؟
جواب: المصدر التشريعي الأول هو القرآن ونحن أوردنا هذا الدليل منه لتأخذه بالاعتبار، أما ما اوردته كدليل لفعل الخلفاء وهو الأكثرية فليس بحجّة ولا يعد دليلا علمياً على صوابهم وأن الحق في جانبهم.
وردت آيات قرآنية تدلّ على أن الحق لا يكون دائماً بجانب الكثرة وإنّما الأغلب هو بجانب القلّة، ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الاَْرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)(2). وقال تعالى: (وَ قَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ)(3)، وقوله تعالى: (وَمَا وَجَدْنَا لأَِكْثَرِهِم مِّنْ عَهْد وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَـسِقِين)(4)،
وقوله تعالى: (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً)(1)، وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَ لَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ)(2)، وقوله تعالى (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَ أَكْثَرُهُمُ الْكَـفِرُونَ)(3)، وقوله تعالى: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ )(4).
ـ سؤال: يقول الله تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُو أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ)(5)أليس الخلفاء الثلاثة كانوا مع النبي(صلى الله عليه وآله)؟
جواب: الآية لا تختص بالخلفاء الثلاثة وتشمل غيرهم من الصحابة ويدخل في عمومها الاطلاقي كل من كان مع النبيّ(صلى الله عليه وآله)، فاذا كان المراد من الآية كل من كان مع النبيّ(صلى الله عليه وآله) في الزمان والمكان أو بظاهر الاسلام، فقد صرت إلى أمر كبير وهو مدح المنافقين الذين (معه)(صلى الله عليه وآله) في المكان وكانوا يتظاهرون بالاسلام ويبطنون النفاق كما صرّح القرآن.
ـ سؤال: لكن الخليفة أبي بكر كان مع رسول الله في الغار، ألا يحقق ذلك معنى الآية: (والذين معه)، فلماذا تنكرون هذه الفضيلة التي تكرّرت في آية الغار (ان الله معنا)، وتغفلون شرف الهجرة مع الرسول وانزال السكينة على أبي بكر، وشرف الصحابة الذي تعبر عنه آية الغار؟
جواب: أخذ الرسول أبا بكر معه على غير ميعاد، وقال الشيخ أبو القاسم ابن الصباغ في كتابه (النور والبرهان) وهو من كبار علماء أهل السنة: "أن أبا بكر بعدما التقى بالنبيّ(صلى الله عليه وآله) في الطريق اقتضت الحكمة النبوية أن يأخذه معه ولا يفارقه
لأنّه كان من الممكن أن يفشي أمر الهجرة، وكان المفروض أن يكون سراً".
بينما نجد الرسول(صلى الله عليه وآله) أمر علياً فنام على فراشه وخشى من أبي بكر أن يدلّهم عليه فأخذه معه ومضى إلى الغار.
ثم إنّ ما ذكرت من شواهد في آية الغار لا تدل على أحقية أبي بكر بالخلافة، بل لقائل أن يقول: إنّ صحبة الأخيار والأبرار لا تكون دليلا على البر والخير، فكم من كفار كان بصحبة بعض المؤمنين والأنبياء وخاصة في الأسفار(1).
وأما الاستدلال بقوله: (ان الله معنا)، فليس فيها فضيلة لأحد لأنّ الله تعالى لا يكون مع المؤمنين فحسب، بل يكون مع غير المؤمنين، كقوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَـثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَ لاَ أَدْنَى مِن ذَ لِكَ وَ لاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ...)(2)فالله عزّ وجلّ بحكم هذه الآية يكون مع المؤمن والكافر والمنافق، ولو سلّمنا أنّها فضيلة فان الاُمور بعواقبها وهي ليست أكثر من عبادة ابليس لله سبحانه المستمرة لآلاف السنين التي ذهبت أدراج الرياح بعد رفضه أمر الله بالسجود لآدم، أو ذلك العالم الذي تذكره الآية: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى ءَاتَيْنَـهُ ءَايَـتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَـنُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ )(3).
ـ سؤال: فما تقولون في قوله تعالى: (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُو عَلَيْهِ)(4)والضمير في (عليه) يرجع لأبي بكر وهذا شرف من الله خصّه فيه؟
جواب: الضمير يرجع إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله) وليس لأبي بكر بقرينة الجملة التالية في الآية: (وَأَيَّدَهُو بِجُنُود لَّمْ تَرَوْهَا)(5)، وقد صرّح جميع المفسّرين أن المؤيد
بجنود الله سبحانه هو النبيّ(صلى الله عليه وآله)، ولا نستطيع القول أنّ السكينة نزلت على أبي بكر دون رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أما القول بأن أبا بكر يحتاج إلى السكينة فنزلت عليه أما الرسول فالسكينة معه دائماً فلا يحتاج إلى نزولها، فجوابه من القرآن بهذه الآية: (ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا)(1)وذلك في غزوة حنين، ويقول في آية اخرى: (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى)(2).
سؤال: بعد كل ما طرحناه من تساؤلات ومناقشات وردود من قبل سماحتكم إلى أين تريد أن توصلني؟
جواب: يا أخي نحن لسنا بحاجة إن تشيعت أم لم تتشيع; لدينا أكثر من 300 مليون شيعي في العالم، ولكن الواجب الشرعي يفرض عليَّ أن ابيّن لك بالأدلة والبراهين أين هوالحق، فالمسلم الواثق من عقيدته لا يهاب الحوار، ولا تخيفه المناقشات.
وأرجو منك أن تقرأ كتب الشيعة بدقة وتعمق الفكر في أدلتنا وبراهيننا، أقول هذا لأني فتشت أسواق القاهرة، والحجاز، والخليج، والاردن، وأسواق الشام، وأندونيسيا، وتنزانيا، وبومباي وغيرها من البلاد الاسلامية التي غالب سكانها من أهل السنة أو حكامها من أهل السنة والجماعة فما وجدت كتب الشيعة في مكتباتها، فكأنكم ـ مع الأسف ـ آليتم أن لا تطالعوا كتب الشيعة، فلا أدري هل حكمتم عليها بأنها كتب ضلال فحرمتم قراءتها؟!
وإني دخلت بيوت كثير من أخواننا أهل السنة علماء وغير علماء، وخاصة الذين يهوون مطالعة الكتب ويملكون مكتبات شخصية في بيوتهم، فوجدت فيها
كتب مختلفة حتى كتب غير المسلمين من الشرقيين والغربيين، ولم أجد كتاباً واحداً من كتب الشيعة!!
ولا أجد مكتبة واحدة من مكتباتنا العامة والخاصة تخلو من صحاحكم وكتبكم ومسانيدكم وتواريخكم وتفاسيركم لا لحاجة منا إليها، لأن مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) غنية والأخبار المروية عن العترة الطاهرة تناولت جميع جوانب الحياة وكل ما يحتاجه الانسان في أمر الدين والدنيا.
ـ سؤال: أليس الكلام والنقاش حول هذه المواضيع يزيد المسلمين تنافراً وحقداً وابتعاداً؟ كيفما كان الأمر فنحن ماكنا في ذلك الوقت حتى نلمس الأمر ونتحسس الأحداث، فأقول لك: (تلك أمة قد خلت) فنحن لا نحاسب عنهم إن أخطأوا.
جواب: هذا كلام من لا يملك الحجة والدليل الشرعي، فيقول: (تلك أمةٌ قد خلت)، يجب على كل مسلم أن يتبع الحق لا أنه يستسلم للأمر الواقع، فكم من ضلال وباطل قائم في الدنيا فهل يجوز للمسلم أن يتبعه ويتقبّله، ثم يقول: إنه أمر واقع وليس لنا إلاّ أن نستسلم للأمر الواقع! فالاسلام دين تحقيق لا دين تقليد.
قال سبحانه وتعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُو)(1)فهل يجوز للمسلم أن يترك هذه النصوص الجلية والأحاديث النبوية المروية عن صحاحكم وتاريخكم.
يقول الاستاذ هشام: عندما بدأت بالبحث عن الحقيقة كان إمام المسجد عندنا في القرية يقول لي: إنّ الشيعة لسانهم كالسحر إياك والجلوس معهم أو المحاورة معهم فانه يقلبون الحقائق، ويقول لك راجع البخاري وراجع مسلم
1) الزمر: 17 ـ 18.
وراجع الترمذي وراجع التواريخ... وليس فيها من كلامهم شيء.
فقلت له: شيخنا الجليل ما دمنا نحن على الحق... فلماذا نخاف من محاورة الشيعي؟ لماذا لا نرجع إلى البخاري ومسلم والتواريخ لكي نرى كلام الشيعي هل هو صحيح أم لا؟ أما أن نخاف من محاورتهم فذلك نقص عندنا والحق مع الشيعي.
وما دام عندنا القرآن وكتب الحديث والأسانيد فعلينا أن نحاورهم بالحسنى وبالدليل كما يقول تعالى: (قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـدِقِينَ)(1).
وان كنا نحن على الحق فالواجب الشرعي يفرض علينا هدايتهم إذا كانوا على ضلال، وإلاّ الخوف من محاورتهم يعني العكس، فتركني الشيخ ولم يلق عليَّ السلام بعدها، فوجدت أنّ هذا الشيخ لا يقبل الحوار قد أثرت في نفسه الاشاعات والدعايات الكاذبة على التشيع، حيث أثير نقاش في جلسة من الجلسات في القرية، فحذّر الناس مني ومن أفكاري، وهاجمني هجوماً حاداً غير عقلاني أمام الناس وقال لي: أنتم الشيعة، تحرفون القرآن، وتستعملون التقية، وتقولون في الأذان أشهد أن علياً ولي الله وتقولون بالمتعة وتقولون في آخر الصلاة خان الأمين وتسبون الصحابة وتعملون على طمس الحقائق ونشر الأضاليل...
قلت: وعلى مر التاريخ هناك دعاة للحق ودعاة للباطل، وكثير من العلماء والمثقفين السنة الذين وقفوا ضد التشيّع وحاربوه كان ذلك منهم نتيجة تصديقهم لبعض هذه الاشاعات وهذه الأكاذيب بحق أهل البيت(عليهم السلام)...
وقد توالت الاشاعات بقوة عبر التاريخ ضد أهل البيت(عليهم السلام) منذ الأيام الأخيرة لحياة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ومروراً بالتغطية الإعلامية على خلافة عليّ(عليه السلام)واغتصاب حقه ومظلوميته الفاضحة، ومظلومية زوجته الزهراء(عليها السلام) بحيث اغتصب حقها وارثها من أقرب المقرّبين لرسول الله(صلى الله عليه وآله) الذين يدّعون بأصحابه، ومروراً بمظلومية
1) البقرة: 111.
أولاد الرسول(صلى الله عليه وآله) كسم الإمام الحسن(عليه السلام) من قبل معاوية وقتل الحسين(عليه السلام) وقطع عنقه وحمل رأسه الشريف من العراق إلى الشام وأي مظلومية كهذه؟! الذي يندى لها جبين الانسانية وجبين المروءة وجبين الكرامة وجبين العزة الإسلامية.
يورد الاستاذ هشام في كتابه هذا الموضوع بما يلي:
لقد كتب الكثير حول اسطورة عبدالله بن سبأ من خصوم الشيعة، وأنّ عبدالله بن سبأ هو الذي روج للشيعة مذهبهم الذي يعتمد على الوصاية وأن الوصاية مأخوذة من أصل يهودي، وبالتالي خرجوا بنتيجة أن التشيع يهودي مصدره هذا الشيخ المسمّى عبدالله بن سبأ، وأن ابن سبأ هو الذي دفع الناس وألبها على عثمان بن عفان عندما قتل. وأن ابن سبأ استطاع بحنكته أن يشوش على عدد كبير من الصحابة ليثيروا الفتنة والشغب كما يريد، هذا وما جاء به بعض أصحاب الاقلام المأجورة قديماً وحاضراً...
والحقيقة أنّ عبدالله بن سبأ شخصية وهمية مخترعة لا حقيقة لها.
وقد ذكر الدكتور طه حسين الأسطورة السبأية، حيث استعرض أولا الصورة التي رسمت لابن سبأ، ثم مزّقها بعد تحليل دقيق، ودعم رأيه بالامور التالية:
1 ـ إنّ كل المؤرخين والثقات لم يشيروا إلى قصة عبدالله بن سبأ، ولم يذكروا عنها شيئاً.
2 ـ إنّ المصدر الوحيد لرواياته التي نقلها الطبري هو سيف بن عمر وهو رجل معلوم الكذب ومقطوع بانه وضاع.
3 ـ إنّ الاُمور التي اسندت إلى عبدالله بن سبأ تستلزم معجزات خارقة لفرد عادي كما تستلزم أن يكون المسلمون الذين خدعهم عبد الله بن سبأ وسخّرهم لمآربه، وهم ينفذون أهدافه بدون اعتراض في منتهى البلاهة والسخف.
4 ـ عدم وجود تفسير مقنع لسكوت عثمان وعماله عنه مع ضربهم لغيره من المعارضين كمحمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر وعمار وغيرهم.
5 ـ عدم جود أثر لابن سبأ ولجماعته في واقعة صفين وفي حرب النهروان، وقد انتهى طه حسين إلى القول: إن عبدالله بن سبأ شخص ادخره خصوم الشيعة للشيعة، ولا وجود له في الخارج(1).
وما قاله الباحث المصري المتشيع (سعيد أيوب) يكشف عن الحقيقة: لماذا عبدالله بن سبأ لم يمزق وحدة المسلمين في الشام!!
"ومن الثابت والذي لا خلاف عليه أن القصص وسرد الحكايات كان وجبة أساسية على امتداد العهد الأموي، وتحت ظلاله سبوا أمير المؤمنين عليّاً في البيوت والحارات وفي المساجد.
ولا ندري إذا كان عبدالله بن سبأ معروفاً لأهل الشام حتى انهم أخرجوه فلماذا لم يقتله معاوية وهو الذي قتل حجر بن عدي بعد ذلك تحت دعوى أنه خطر على النظام؟!
ثم لماذا لم يبحث عنه معاوية يوم أن جلس على رقبة الأمة؟
وهو الذي كان يبحث عن المعارضين تحت كل حجر، وأتى بعمرو بن الحمق؟ وقطع رأسه وأهداه إلى زوجته فكان أول رأس اهدي في الاسلام"(2).
ولد في سوريا بمدينة دير الزور، نشأ في أسرة تعتنق المذهب الشافعي، وببلوغه سن الرشد أدرك بأن الاسلام لا يرى التقليد كافياً في ممارسة الأصول العقائدية، بل أنه يوجب على كل فرد البحث عن صحة هذه العقائد.
وتبادر هذا التساؤل في ذهنه: "في مثل هذه الحالة العقيمة التي نعيشها وسط مذاهب متعددة وطرق اسلامية شتى، لم لا نحاول البحث عن المذهب الحقيقي، كي نتمسك به، ولماذا نأخذ الاسلام من موقع واحد، بينما هناك طرق ومشارب عديدة".
فوصل الأخ ياسين إلى هذه النتيجة: "نحن جميعاً وكل مسلم بحاجة إلى دراسة التاريخ دراسة علمية وإلى دراسة المذاهب الفقهية والسياسية دراسة عميقة، لكي نستطيع أن نتبين مواطن الخطأ ونقول يا فلان أنت مخطىء، ولكي نتبين مواطن الحق ونقول يا فلان أنت محق، وذلك بعد البحث العلمي والتمحيص".
يقول الأخ ياسين حول ما لاقاه في طريقه إلى البحث: "التقيت بعينات من أهل القرى والمدن (المجاورة) مما جعل بيني وبينهم بعض المناقشات
والمحاورات التي ولدت عندي حافزاً جديداً لأن أعيد النظر في قراءاتي السابقة وأن أقارن بينها وبين كتب أخرى وما تحمل في طياتها من قضايا التاريخ ومجرياته، ولقد وجدت عند الكثير ممن كنت أحاورهم وآخذ منهم تقاعساً عن اقتحام الحقيقة وصمتاً أمام الدليل الواضح متمشين في ذلك مع ما يطلب الواقع، ومع ما هو موروث عن الآباء والأجداد لكنني عزمت على العمل الدؤوب والاستمرار في تقصى الحقيقة ومعرفتها".
اندفع الأخ ياسين للبحث وحين بحثه في كتب التاريخ تفاجأ بأنّ المصالح السياسية والأهواء الشخصية لعبت دوراً هاماً في تشويه الحقيقة وأن السلطة حاولت أن تسيطر على نظام التاريخ وأن تصوغ محتواه وفق ما يتلاءم مع مصالحها الشخصية.
وبما أن الشيعة كان لهم موقفاً صلباً أمام السلطان منذ صدر الإسلام إلى يومنا هذا، أدى ذلك إلى تشويه صورتهم والصاق التهم المختلفة بهم.
ومن هنا ادرك الأخ ياسين أهمية إعمال العقل حين البحث وحين تقصى الحقيقة، فيقول في هذا المجال: "قد ينشأ من اهمال العقل ورفضه حالة قشرية تدفع الفرد إلى التمسك بالتقاليد والاعراف الماضية أياً كانت".
وبذلك توجه الأخ ياسين إلى غربلة التاريخ والبحث عن الحقيقة من خلال التعرّف على الأمور المتناقضة الموجودة فيه، فأخذ هذا الأمر بيده إلى الاستبصار ومعرفة الخط الإسلامي الصحيح الذي حاولت السلطات بشتى السبل أن تبعد الناس عنه.
فيقول الأخ ياسين في هذا المجال: "إنّ الناس غرقوا مرغمين في متاهات
واسعة ولدتها السيطرات السلطوية والمصالح الدنيوية الخاصة أيام الأمويين والعباسيين، فطمسوا الطريق الحقة ونكلوا بأهلها وجعلوا من انفسهم خلفاء الله في الأرض وقادة للدين، فكانوا ـ والحال هذه ـ لا يدعمون إلاّ المذهب الذي يؤيد نظامهم ويبرر اخطاءهم، فيرفعون من شأنه ويحيطونه بهالة من التقديس والعظمة، ويطلبون من الناس ولاءً مطلقاً واتباعاً أعمى لأي إمام صاحب مذهب يقوم بالباطل بين أيديهم"... وقد ذكرنا هذا، ليتوضح عند المثقفين والواعين (هذا) الأمر، وليعرفوا أن هذه المذاهب هي من صنع السياسات الحاكمة".
يقول الأخ ياسين حول أهمية التوجه إلى البحث لابراء الذمة وانقاذ النفس من الوقوع في شباك الضلال: "ومع مرور الزمن السيء والصعب بلياليه الحالكة السوداء وظروفه الخانقة صار الناس يرون رؤية مشوهة، فيحسبون الحق باطلا، والباطل حقا، وعم الخلط والتشويه في سيرة الأئمة الاطهار، وبمرور الزمن ايضاً سوف تنعدم النعمة الالهية عن هؤلاء الناس المشوهين... حتى يأتي يوم يصبح فيه المسلم مقولباً مصنوعاً في مصانع الافتراءات، وفريسة سهلة للأخطاء والضلالات، وهو ـ المسكين المغرور ـ ما يزال يظن أنه هو المؤمن الحقيقي وهو التقى النقي الطاهر، بينما في واقعة بعيد كل البعد عن الخط الرسالي وطهره ونقائه".
يرى الأخ ياسين أن من أهم الموانع التي تقف بوجه العلماء وتدفعهم ليكونوا سداً مانعاً لتعرف الآخرين على الحقائق هو العناد الطائفي والتعصب الأعمى، فيقول: "قاتل الله العناد الطائفي، والتعصب الأعمى الذي طال ليله وكثر
عشاقه المتعلقون بقشور الاشياء والذين سببوا نكسات وجروا جنايات على المسلمين لا تغتفر".
ويقول أيضاً: "من المؤسف ومن المؤلم أن الجاهل وضعيف الإيمان كلّما مرّ به الزمن يزداد تعصباً وضعفاً، فلا ينطق بقول الحق وهذا ما يؤلمنا ويحز في نفوسنا أسفاً وحزناً على أمتنا".
ويرى الأخ ياسين أيضاً أن الميل إلى المصالح الدنيوية، يعد أحد الدوافع لتشويه الحقيقة وكتمانها على الآخرين، فيقول في هذا المجال: "تعودت بعض الاقلام المأجورة أن تعيش في النفاق وعلى النفاق مقدمة نتاجها الفكري للمجتمع الذي تعيش فيه مزيفاً ومغلوطاً. وذلك بدافع من مصلحة دنيوية تافهه".
جند الأخ ياسين نفسه بعد الاستبصار والانتماء إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)للعمل الجاد في سبيل انقاذ أبناء مجتمعه ودعوتهم للعودة إلى سبيل الرشاد والركوب في سفينة أهل البيت(عليهم السلام)، لكنه واجهته عقبات كثيرة في هذا المجال.
فيقول حول ما لاقاه من عقبات في سبيل نشره لمذهب أهل البيت: "إنّ الطريق شائك وطويل واجتيازه مجهد، عبر مجتمع لم يعقل ولم يعرف البحث عن الحقيقة، الأمر الذي لا يتيح للداعية أن يوضح ما يريد أو أن يمد بصره حتى نهاية الطريق ذلك، لأن الأمة انحدرت وانحرفت في اتجاه مظلم خطه لها المستعمرون والطامعون الغاشمون الذين يقفون لأمتنا الاسلامية بالمرصاد ويضعون في سبيل الداعية من الحواجز والعراقيل ما يصعب عليه تجاوزها والتغلب عليها".
ويضيف الأخ ياسين حول تجربته في الدعوة: "لقد أجهدنا أنفسنا لأكثر من عشرين عاماً، كي نتلاحم مع أبناء بلدنا في حوار دؤوب، إلاّ أننا وجدنا الاعذار والاجابات التي كانت بالأمس هي نفسها اعذار اليوم لا تختلف في جوهرها ولا
مضامينها الخاوية من الحقيقة ويتعلل البعض بطول الطريق لكن الله سبحانه وتعالى يقول:
(لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِنم بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـذِبُونَ)(1).
صدر عن مؤسسة المعارف للطباعة والنشر ـ بيروت ـ لبنان.
يعرض المؤلف في هذا الكتاب تجربته الشخصية في التحول من المذهب السني إلى المذهب الشيعي، ويذكر أهم الأدلة التي أخذت بيده فنقلته إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ويحتوى الكتاب على عدة مواضيع منها: شرعية الإمامة، حب أهل البيت(عليهم السلام)، لماذا نكره كلمة شيعة، نظرية عدالة الصحابة، نشوء المذاهب، الاختلافات الهامشية بين السنة والشيعة، العرفان ونشأته، التعريف بالأئمة الأطهار.
1) التوبة: 42.
يقدم الكاتب في هذا الكتاب خلاصة ما حصل عليه من معارف وعلوم ـ في تجربته الطويلة في الانتقال إلى مذهب آل البيت(عليهم السلام) ـ إلى الناس وخصوصاً أهل بلده أداءاً للواجب الديني والاخلاقي الذي امتزج عنده بمحبة قومه، فسعى في هدايتهم إلى المعارف الحقة التي حصل عليها بعد جهد طويل مخلصاً في ذلك لدين الله ورسوله وأهل بيته رغم صدود الناس وغفلتهم وعناد المعاندين منهم.
يتحدث الكاتب عن كتابه فيقول: "لقد بذلت قصارى جهدي في هذا الكتاب الصغير بحجمه، والكبير العظيم في موضوعه ومحتواه، مدفوعاً إلى ذلك ليس بمحبتي وحدها وتقديسي لرسول الله الكريم، ولأخيه ووزيره ووليه من بعده، بطل التاريخ الاسلامي علي بن أبي طالب، ولآل بيته الائمة الاطهار الأبرار من بعده، لكنني كنت مدفوعاً في عملي أيضاً بأمر الرسول الكريم: "من رأى منكم منكراً فليقومه بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان"".
وقد تناول الكاتب مواضيع مختلفة، فبحث في إمامة أهل البيت المعصومين(عليهم السلام)وشفع ذلك في الثقل الآخر فتحدث عن هجر القرآن، وأورد أيضاً بعض المسائل الخلافية ووضح موقف أهل البيت(عليهم السلام) منها ونفي الشبهات التي أوردها خصومهم جهلاً أو عناداً، وكان في كل ذلك يدعو إلى الوحدة والتآلف واتباع الحق والعقل وعدم الخضوع لارباب المذاهب إن كانوا على باطل بيّن مخالف للقرآن وما صح من السنة الشريفة.
شاءت حكمة الله سبحانه وتعالى أن ينظم هذا الكون تنظيماً ربانياً يسير بدقة متناهية بلا خلل ولا نقص ومن حكمته جل وعلا أن جعل البشرية تسير بنظم سماوية وتشريع رباني لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ثم جعل لهذه الامة ولهذا التشريع قادةً وقيادةً من صفوة الخلق طهرهم الله من حب الدنيا وأرجاسها ومنحهم العلم والمعرفة، فمنهم الأنبياء، ومنهم الأئمة(عليهم السلام)هؤلاء هم الذين يستحقون أن يكونوا خلفاء على الخلق وأمناء على الشرع ومنهم نبي الله إبراهيم(عليه السلام) الذي خصه الله بالنبوة والإمامة يقول تعالى: (إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَ مِن ذُرِّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّـلِمِينَ)(1).
لقد جعل الله سبحانه وتعالى إبراهيم(عليه السلام) نبياً ثم خليلاً، ثم أعطاه مرتبة ثالثة، تشريفاً له وهي الإمامة لتكون في ذريته من بعده فكانت في الرسول الكريم محمد(صلى الله عليه وآله) وفي آله، بدليل قولنا في كل صلاة اللهم صلى وسلم وبارك على محمد، وآل محمد، كما صليت، وباركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
لقد ربط الله الآل بالآل، آل إبراهيم بآل محمد، والحكم دائماً يبدأ بالأهم فالخليفة أهم من الخليقة لأن كل مجتمع وكل أمة تحتاج إلى مرشد فلابد وأن يكون ذلك المرشد أكمل وأشرف الخلائق في الطهارة والصفاء ورجحان العقل وقوة الإيمان ولن يتسنى ذلك إلا للمعصوم من عند الله ويبطل اختيار من هو أدنى
1) البقرة: 124.
منه مرتبةً في الناس. قال تعالى: (يَـدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـكَ خَلِيفَةً فِى الاَْرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ)(1).
وهذا دليل واضح على أن الله سبحانه هو الذي يختار النبي والخليفة والإمام لأنه أعلم الناس من أنفسهم، ولما كانت الأمة بعد رسول الله في حاجة ماسة إلى إمام وقائد، فهل نضع هذه الإمامة والقيادة في غير الذين اختارهم الله ورسوله؟، هل ننتزع هذا الحق منهم وندع للناس اختيارهم؟ إن ذلك لعبثّ وجهل، والناس لن يستطيعوا اختيار المعصوم وليس من حقهم تبديله لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي اختاره.
قال الله تعالى: (وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَ يَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)(2).
ويقول تعالى: (وَ جَعَلْنَـهُمْ أَئمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَ تِ)(3).
يقول الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَة مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الاَْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ )(4).
هذا من خُلق القرآن ترابط اجتماعي كامل وواضح بين الرعية والقائد بالمشورة والاستئناس برأي ذوي الرأي ليتحسس الناس بمسؤولياتهم، وليفكروا بجدية أكثر في أمور الدين والدنيا وقد يضطر القائد خلال المشاورة إلى تبيان
مختلف وجوه الأمر للناس مما يعمق في نفوسهم ابعاد المعرفة لكن من واجب القائد المعصوم إذا رأى في الناس ضعفاً في الارادة أو تحيزاً للمصالح أقول من واجبه اتخاذ القرار المناسب الحازم وهم مأمورون باتباعه لأن قرار القائد يتجاوز الخلافات في الرأي ويعطي للأمة ما تحتاجه من الحيوية لتجاوز العقبات التي يرونها ضخمة بسبب ما بينهم من خلاف في الأهواء والآراء فالمشاورة اذاً وجدت لتحقيق الترابط ولإصابة الهدف بحثاً عن الحق والحقيقة ولكن إذا دخل الضعف والتراجع في الأمة عندها يتحتم على القائد أن يتخذ قراراً لا رجعة فيه لأنه إنما يسير على الهدى وبحكم الله فيكون بهذا العمل مربياً وموجهاً للأمة زارعاً فيها الرؤية الصالحة، وكيف تكون المشورة والمشاورة أو تصح في صدر الإسلام بين قلة من الصحابة يتفقون على اتخاذ قرار لتنصيب وكيل الله وخليفته على الناس في الأرض،ترى هل كان هذا هو الحق والصواب أم أنه استعجال في الأمر دفعهم إليه التعلق بالدنيا وهم يفتقرون إلى الدليل وإلى القدرة على الاختيار، حتى ولو سلمنا جدلاً وقلنا بأنهم تشاوروا فليسوا جميعاً معصومين بل إنهم تركوا المعصوم مشغولاً بتجهيز جنازة النبي وكان عملهم غير متطابق مع احكام القرآن لأن القرآن أمر الرسول الكريم بإعلان الخليفة والإمام عند وفاته قائلا:
"آتوني بكتف ودواة أكتب لكم ما ان تمسكتم به لم تضلوا من بعدي".
وكثر الخلاف واللغط حول النبي حتى اضطر أن يقول للناس اخرجوا عني لا ينبغي أن يكون خلافاً عند نبي.
ويقول(صلى الله عليه وآله): (أنا مدينة العلم وعلي بابها).
وقد قال(صلى الله عليه وآله): (الحق يدور مع علي حيث دار).
يقول تعالى: (أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن
يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ )(1).
قال الله تعالى: (يَـأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَـنٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً)(2).
وقال سبحانه: (كِتَـبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـتُهُو ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيم خَبِير )(3).
يتأثر الإنسان ويهتز ويشعر بالقشعريرة والإعجاب المعجز عند قراءته لهذه الآيات الكريمة ثم يعتريه العجب وتصيبه الحيرة والذهول والأسى عندما يرى القسم الكبير من المسلمين على بعد ساشع من هذا الكتاب العظيم مع أنهم يقرأونه آناء الليل وأطراف النهار ولا يقدرونه حق قدره.
قال تعالى: (وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَ رَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)(4).
لقد أودع الله في كتابه الكريم من المنافع والخيرات والعظات والعبر ما لا يحيط به الواصفون ولا يبلغ بعضه العادّون الذين يحاولون إدراك أسراره ومعجزاته. ففيه شفاء للصدور وبيان يزيل عمى الجهل وحيرة الشك، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه وإن من جعله إماماً وخُلقاً له قاده إلى الجنة ومن رمى به خلف ظهره ساقه إلى النار.
قال سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ ى ءَايَـتِم بَيِّنَـت لِّيُخْرِجَكُم
مِّنَ الظُّـلُمَـتِ إِلَى النُّورِ وَ إِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ)(1).
في هذا الكتاب الكريم من الأدلة الواضحة ما يلزم البشرية بالمتابعة لينقذهم من الجهل ومن العقائد الفاسدة والتقاليد الذميمة وليهديهم إلى ينبوع الحق (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً)(2).
إن هذا القرآن الكريم هو حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم الذي يدفع الأهواء والشبهات عن العلماء الذين يدركون محاسن أنواره التي لا يفقهها إلاّ ذووا البصائر الجليلة ولا تقطف لطيف ثماره إلاّ الأيدي الزكية ومنافع شفائه تنالها إن شاء الله الأنفس التقية.
قالت فاطمة الزهراء(عليها السلام) بنت رسول الله في مسجد أبيها رسول الله(صلى الله عليه وآله):
(أنتم عباد الله نُصب أمره ونهيه وحملة دينه ووحيه وأمناء الله على أنفسكم وبلغائه إلى الأمم زعيم حق له فيكم وعهد قدمه إليكم وبقيةٌ استخلفها عليكم كتاب الله الناطق والقرآن الصادق والنور الساطع والضياء اللامع بصائره منكشفة وسرائره متجلية. تغتبط به أشياعه قائداً إلى الرضوان اتباعه مؤدياً إلى النجاة استماعه).
أخي الكريم ـ رعاك الله وهداك ـ إن هذا لنداءٌ من القرآن الكريم إلى العالم أجمع على اختلاف المشارب والمذاهب يلزمهم بهذا النداء ولا سيما في عصر العلم والتحرر، والحذار الحذار من أن يتعلق بك الشيطان فتتمسك بدين الآباء وتشقى شقاءً أبدياً ثم تكون من الخالدين في النار.
إذاً القرآن الكريم هو القانون الإلهي الذي يعالج كل أبعاد القضايا في الحياة والذي يخلص البشرية من ألغام الدنيا ومن ظلماتها وإن من قرأه وتدبره وعمل
بمضمونه ينال شرف الدنيا والآخرة لأنه الرسالة التي لا يأتيها الباطل ولا يعتريها التحريف والزيف وهي رابطة الإنسان بربه وهي آخر وأعظم اطروحة سماوية ومنهج رباني.
إن كل من لم يدرس القرآن الكريم دراسة صحيحة على يد علماء عارفين بحقائقه ومضامينه فإنه سيقع في الكثير من الشبهات التي تغير المفاهيم الحقيقية لتحل محلها مفاهيم مغلوطة تنمو في عقول البسطاء الذين ينعقون عن جهل خلف كل ناعق ويميلون مع كل ريح منحرفين عن القرآن ومبدعين بدعاً محرمةً.
يقول تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَآ)(1).
ويشكو الرسول الكريم من بعض قومه فيعبر الحق سبحانه وتعالى من هذه الشكوى بقوله: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَـرَبِّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُواْ هَـذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُوراً)(2).
أو ليست هذه الشكوى من الرسول الكريم من الذين يقرأوون القرآن على المنابر بأصوات جميلة وهذرمة خاوية ويتخذونه للتحنث والمكاسب المادية بعد أن هجروا معاني القرآن الحقيقية وأهدافه الرسالية ووجدوه ثقيلا عليهم فكان مثلهم مثل من يبر والديه بالجلوس إليهم فقط ثم لا يحترمهما ولا يعاملهما بإحسان ومعروف، فهل هكذا يكون البر للوالدين.
مثل هؤلاء الناس إذا كانوا يريدون أن يجعلوا الإسلام مرحلةً تاريخية أو تحفةً أثرية يتواءمون معه بما يحقق مصالحهم فنحن نرفض ذلك لأننا نريد أن يكون هذا الكتاب الكريم هو بداية حياتنا بالأمس وقضية جهادنا اليوم ونظام وهدف مسيرتنا غداً، نريده شعلةً من النور تضيء الطريق لكل الشعوب المؤمنة.
وإذا كان هدف العلماء القشريين هو تمزيق المسلمين فرقاً وأحزاباً بدافع من قصر نظرهم وعدم فهمهم لمعاني القرآن الكريم فنحن سنبقى مصرين على الاعتصام بحبل الله المتين ولن نعمد أبداً إلى سماعهم والرجوع إلى جاهليتنا لنكون رهباناً في المساجد بعيدين عن الفكر الحركي البناء لن نقرأ القرآن بظاهره، طربين على أنغامه الصوتية راقصين عليها متخذين منها وجداً مع الله سبحانه وتعالى لأننا نرى أن الإسلام الحق هو غير ذلك وهو فهم القرآن الكريم والعمل به كما نرى أن الإسلام هو وعي بناء نحتمي بأسواره وحصونه المنيعة من الغزوات الثقافية الكافرة ومن الحضارة العصرية المدمرة لكل القيم والأخلاق.
إننا نريد أن تهاجر النفوس إلى الله لتعبده عن إيمان ولتخشاه عن بينة، نريد أن نكون كما يريد الله تعالى لنا أن نكون.
يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَ أَمْوَ لَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَـتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِى التَّوْرَاةِ وَ الاِْنجِيلِ وَ الْقُرْءَانِ وَ مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ وَ ذَ لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَـبِدُونَ الْحَـمِدُونَ السَّـائِحُونَ الرَّ كِعُونَ السَّـجِدُونَ الاَْمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَ الْحَـفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)(1).
يجب أن نكون واعين لإسلامنا العظيم حق الوعي وأن نرتبط بالقرآن الكريم ارتباطاً روحياً فنعمل لأوامره ولا نكون متنسكين وخانعين نكتفي بالتعبد الطقسي القشري الخاوي من الروح ونمشي في الشوارع مطأطئي الرؤوس مرتدين خرق التذلل لأن الإسلام الحنيف والقرآن الكريم يرفضان هذا ولا يقبلان به.
1) التوبة: 111 ـ 112.
لقد انبثق علينا الإسلام الحنيف من عمق الحياة بخطوط القدرة الخالقة من لدن حكيم عليم وهو المدرسة الجامعة التي نتمسك بها نجاةً وعلاجاً لكل جوانب الحياة ولكل حاجيات الإنسان الدنيوية والاخروية الجسمية منها والروحية، الإسلام يرسم لنا بكل وضوح الأصول العقائدية الخمسة التي هي أساس مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وهي: العدل والتوحيد والنبوة والإمامة والمعاد.
الإسلام لا يرى التقليد والتعبد كافياً في ممارسة الاصول العقائدية التي ذكرناها بل إنه يوجب على كل فرد البحث عن صحة هذه العقائد وبصورة مستقلة بعيدة عن العاطفة والتقليد الأعمى ذلك لأن الإسلام لا يحصر العبادة بالعبادة البدنية كالصلاة والصوم أو العبادة المالية كالخمس والزكاة لأن هناك ما هو أعظم من هذا وهي العبادة الفكرية التي تحث الإنسان وتطلب إليه التأمل والتفكر في آلاء الله سبحانه وتعالى، كما تحثنا على وجوب الاستنتاج الفكري بحثاً عن الحقيقة ووصولاً إليها، ذلك لأن الأصول كلها محورها مفهوم الفكر، كالعدل والتوحيد والمعاد وبالتبعية النبوة والإمامة إن كتاب الله يحثنا على أن نفكر مخلصين في الذات الإلهية كي ما نعرف العدل والتوحيد.
(اللَّهُ نُورُ السَّمَـوَ تِ وَالاَْرْضِ مَثَلُ نُورِهِ ى كَمِشْكَوة)(1).
(الله لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُو سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ)(2).
قال سبحانه: (هُوَ الاَْوَّلُ وَ الاَْخِرُ وَ الظَّـهِرُ وَ الْبَاطِنُ)(3).
إن القرآن الكريم يحثنا على التدبير والتفكر في وقائع ما وراء الطبيعة ليصبح بمثابة المرئي، كقوله سبحانه وتعالى:
(وَكَذَ لِكَ نُرِى إِبْرَ هِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَـوَ تِ وَالاَْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)(1).
إنه لأمر طبيعي في المجتمع وفي ترسبات الاجيال أن يحافظوا وأن يدافعوا عن العقائد المتوارثة ذلك لأن العادة والتلقائية تؤثر حتى على ذوي الشهادات العالية وتجعلهم لا يسيرون إلا على طريق الاتباع والتقليد المتوارث الاعمى، برغم أن القرآن الكريم نبهنا وحذرنا أن لا نقبل معتقدات ومفاهيم قديمة قبل عرضها على العقل وعلى قواعد القرآن الكريم وقبل أن نتأمل فيها بعمق وبفكر منفتح.
(وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ أَوَ لَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْـاً وَ لاَ يَهْتَدُونَ )(2).
يقول كتاب الله العظيم إن التقليد الأعمى يوجب الشقاء الأبدي وبشكل خاص لأهل المعرفة لأنه سبحانه وتعالى يقول:
(وَ قَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّـآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَ كُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ)(3).
إنه من واجب الإنسان الواعي أن يجعل الفكر والتبصر والتأمل رائداً له في سلوك الطريق التي توصل إلى الحق سبحانه وتعالى آخذاً بالعقائد الصحيحة وتاركاً النزعات القبلية والعنصرية والقومية التي لا تولد عنده إلا القلق الدائم والخوف المستمر وعدم الاستقرار النفسي.
العلم والإيمان يكمل احدهما الاخر بحيث لا يمكن الفصل بينهما ولو فصلنا لتسببنا في اضرار جسيمة توقعنا بالخرافات والجمود الفكري والدوران في
المكان حول النفس.
يا أخوتي في مثل هذه الحال العقيمة المرة التي نعيشها وسط مذاهب متعددة وطرق إسلامية شتى لم لا نحاول البحث عن المذهب الحقيقي كي نتمسك به ولماذا نأخذ الإسلام من موقع واحد بينما هناك طرق ومشارب عديدة والله سبحانه وتعالى يقول:
(فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)(1).
يقول الإمام علي(عليه السلام):
(من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ).
وعلى هذا فمن واجب المسلم أن يدرس وأن يتأمل المذاهب المطروحة في الساحة الإسلامية وأن يعتمد على عقله وتفكيره وعلى عوامل الاستدلال والاطمئنان المتوافرة لديه، وعند الاختلاف فإن الحق بين واضح لا يتعدد ولا يأخذ مظاهر وصوراً واشكالاً شتى خلافاً لما يرى ويقول المصوّبة المغرضون.
يبدو أن هناك إشكالاً عميقاً يكمن في مناهج الدراسة في الجامعات والمعاهد الدينية حيث تقتصر كل مؤسسة على تدريس اتجاه معين ونمط واحد من العقائد والفقه والعلوم الدينية متجاهلةً سائر الاتجاهات والمذاهب الأخرى وإن الانكى والاخطر من ذلك هو تعبئة الطلاب فكرياً ونفسياً ضد كل ما يخالف مذهب تلك المؤسسة ومنهجها فيتخرج طلاب هذه العلوم بفكر منغلق وعقلية ضيقة محدودة جاهلين الرأي الآخر ومنحازين بتعصب اعمى ضد كل ما لا يوافق فكرهم.
إن احترام العالم يقاس بمدى احترامه للحقيقة لانها ضالته أينما وجدت، وفي كتب الشيعة الإمامية اجتهادات قد لا يعرفها حتى الخواص من العلماء السنة
1) الزمر: 17 ـ 18.
ولو أنهم اطلعوا عليها لقويت ثقتهم بالشيعة الإمامية ولاحترموا علماء المسلمين ومذاهبهم ولقويت البواعث على تمهيد السبيل ووحدة الفكر والعقيدة بين الاخوة المؤمنين من حيث يريدون أو لا يريدون.
إنّ الله سبحانه وتعالى وهو الخالق السيد العظيم لا يأنف أن يدخل مع عباده الضعفاء في حوار وأن يجيب على تساؤلاتهم وأن يشاركهم ويهديهم حل إشكالاتهم، فهل يحق لأحد بعد ذلك أن يترفع عن النقاش والحوار مع أخوانه في العقيدة والاصول.
عندما يقول الكفار والمشركون ويتقولون في نبوة الرسول(صلى الله عليه وآله) ويتهمونه بالكهانة والجنون مدعين أن القرآن لون من ألوان الشعر الذي نسجه محمدٌ ثم نسبه إلى الله.
يرد عليهم القرآن الكريم مستعرضاً ومناقشاً ويدخل معهم في حوار مثيراً الوجدان الفطري لتكون محكمة الإنسان الوجدانية الداخلية هي الحكم وليبرز الضمير ليميز بين الصحيح والكذب.
(أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُو بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيث مِّثْلِهِ ى إِن كَانُواْ صَـدِقِينَ * أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْء أَمْ هُمُ الْخَـلِقُونَ)(1).
(وَ لَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَ حِدَةً وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (هود:118) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَ لِذَ لِكَ خَلَقَهُمْ وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاََمْلاََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ)(2).
الله سبحانه وتعالى جعل الاختلاف سبباً إلى التمحيص والاختبار لمن يريد
أن يتمسك بالحقيقة وإن الصورة المثالية التي تتمناها لوحدة المسلمين يستحيل تحقيقها إلاّ بوجود قيادة معصومة تخضع لها الأمة وتنفذ أوامرها لانها تمثل قيادة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) وما جاء به ولكن أين هي هذه القيادة، إن القرآن الكريم لم يترك أمراً أو قضية تتعلق بحياة الأمة إلا ورسمها وأوضحها لنا وقد بين الله سبحانه وتعالى القيادة المعصومة التي هي عدل القرآن تلك التي خصها ربها بفضائل عديدة لم يخص بها غيرهم من العباد.
ليس في الخليقة مثل الإنسان حين يستخدم عقله ويُنير بالوحي بصيرته لأن العقل قبس من نور الله الذي أودعه في ضمير الإنسان وبدونه لا يكون الإنسان إلاّ حفنةٌ من التراب وإن ما نجده اليوم من الحضارات والتقدم العلمي وماننعم بخيراته ما هو إلاّ من بركة التجليات العقلية حيث أبدع العقل عند المبدعين واكتشفوا كنوز أنفسهم وتمتعوا بلذة التحرر والانطلاق بقوة نور البصيرة لقد جاء الإسلام الحنيف تتويجاً لرسالات الله منبهاً العقل إلى أهداف الرسالة حتى أنه جاء ذكر العقل بمترادفاته المختلفة سبعمائة وخمسين مرة في القرآن الكريم دلالةٌ وتوكيداً على أهميته.
قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الاُْمِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَالإِْنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَـتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ...)(1).
وقد ينشأ عن الجاهلية المتمثلة في إهمال العقل ورفضه حالةٌ قشرية تدفع الفرد إلى التمسك بالتقاليد والأعراف الماضية أياً كانت تمسكاً شديداً لأنه في
1) الأعراف: 157.
هذه الحالة لا يرد أن يتحمل مسؤولية التفكير وإعمال الفكر في حركة منطلقة نحو المستقبل وفي محاولة لانقاذ النفس والعباد من الأصنام البشرية وتحريرهم من الخوف والرهبة والجزع والاستسلام أمام الطبيعة.
إن اهتمام الإنسان بالماضي وجعله بديلاً عن الحاضر هو الذي يحد من تطلعات الإنسان ويعرقل طموحه فيجعل دروبه مليئةً بالعراقيل حتى ليعجز عن الفهم والتحصيل واستخدام إرادته الحرة للوصول إلى أهدافه.
وما أسرع ما دخلت على المسلمين القشريين البدع المختلفة وذلك عن طريق التفسير الخاطىء للدين الذي قلب الحقائق رأساً على عقب لأن القناعات والمفاهيم الفكرية متى فسدت فقد فسد كل شيء في الإنسان.
والآن لنتسائل ما هي البدعة:
البدعة: لغوياً هي الاضافة وليس النقصان وهي هنا إضافة منسوبةٌ إلى الدين. يقول الرسول(صلى الله عليه وآله):
"إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة الله"(1).
ويقول الرسول(صلى الله عليه وآله) أيضاً: "ما أحدثت بدعة إلاّ بترك سنة فاتقوا البدع وألزموا السنة إن عوازم الأمور أفضلها وإن محدثاتها شرارها"(2)وكثيراً ما تكون البدعة ذريعةٌ لصاحبها طلباً للنفعة ولكن محاولته لا تنجح لإنه اتبع سبيل البدعة.
حديث من الرسول(صلى الله عليه وآله): "عمل قليل في سنة خيرٌ من عمل كثيرة في بدعة"(3)ويأمرنا الدين بمحاربة أهل البدع ومحاصرتهم اجتماعياً ونهيهم عما هم فيه حتى لا تنشر بدعُهم ويضل الناس بها.
يقول الرسول(صلى الله عليه وآله): "من أتى ذا بدعة فوقره فقد سعى في هدم الإسلام"(1)، إن الاختلاف بين المسلمين ليس في أصول الدين ولا في نزول الوحي وإنما هو في تفسير المبادىء، فإذا راح يفسر كل واحد حسب رأيه وعلى هواه ثم ينسب ذلك إلى الدين فقد تعصب وابتدع وافترى على الله كذباً ولذلك يتوجب على الفقهاء العدول والعلماء والدعاة إلى الله أن يرفضوا هذه البدع وأن يحولوا دون انتشارها بين العوام لئلا تكون لهم ديناً وعقيدة من دون الدين الصحيح.
1) البحار: 72 / 267.
الصورة
ولد عام 1974م في اليمن بمحافظة الجوف، نشأ في أسرة تعتنق المذهب الزيدي، واصل دراسته الأكاديمية حتى حصل على شهادة الدبلوم.
كان السيد يحيى منذ صغره مهتماً بالأمور الدينية، وكان يحب الاصغاء إلى آيات الذكر الحكيم وقصص الأنبياء والعرفاء، فوفّر له هذا الأمر أرضية الاندفاع إلى دراسة العلوم الدينية، فلهذا هاجر من منطقته وذهب إلى منطقة اخرى من أجل دراسة العلوم الدينية في المعهد الديني خلال الدورة الصيفية.
يقول السيد يحيى حول دراسته في هذا المعهد: "بعد بدء الدراسة، تفاجأت بأن القضايا الدينية المطروحة كانت على خلاف ما سمعناه من قبل في المدارس الأكاديمية، ثم بعد مضي فترة لم اشعر بالفائدة المطلوبة، ولكنني واصلت الدراسة في المعهد حتى انتهت الدورة، ثم حاولت بعد ذلك الاستفادة من مدير المعهد الاستاذ حسن الداهوق، فتتلمذت على يده بصورة خاصة ودرست عنده مدة سنة كاملة، وكانت لي هذه الفترة مثمرة، لأنني اضافة إلى الانتفاع من علوم الاستاذ استفدت كثيراً من مجالسة تلاميذه".
ويضيف السيد يحيى: "وكان من حسن حظي أن جاء عدد من علماء صعدة إلى منطقتنا، وكان على رأسهم السيد العلامة عبدالله بن صلاح العجري، فلهذا سنحت لي الفرصة للاستفادة منهم وتلقّي العلوم والمعارف الدينية منهم، وبقيت على هذه الحالة مدة طويلة حتى قرّرت العودة إلى منطقتنا من أجل التبليغ والدعوة.
ثم شعرت بعد مضي فترة من العمل في مجال التبليغ انني بحاجة إلى التعمّق الأكثر في العلوم الدينية، فلهذا قرّرت الهجرة إلى مدينة صعدة، فسافرت إليها وبقيت هناك في بيوت بعض أقاربي.. ثم تعرّفت عن طريقهم على أشهر العلماء في صعده، ثم التحقت باحدى المدارس الدينية التابعة للعلامة المتعيش، وبقيت فيها سنة ثم التحقت بمدرسة السيد العلامة عبدالله بن صلاح العجري ومن بعدها واصلت دراستي في مدرسة أحمد صلاح الهادي".
بقي السيد يحيى مواصلا لدراسته الدينية في صعده أربعة سنوات، حتى بلغه أن التيار الوهابي قد غزا منطقته، وأن الوهابية استغلت في منطقتهم فرصة عدم وجود مرشد ديني، فقاموا بتعبئة الناس بأفكارهم الضالة، فعاد إلى منطقته وبادر إلى التدريس والارشاد والتبليغ.
كانت بداية تعرف السيد يحيى على الامامية، أنّه التقى ذات يوم بأحد الامامية من أهالي احساء، فتعرّف من خلاله على المذهب الإمامي الاثني عشري، وعرف أنّه كان فيما سبق يحمل صورة خاطئه عن هذا المذهب، ثم بدأ السيد يحيى بمطالعة الكتب الشيعية الجعفرية فدفعه هذا الأمر إلى محبة تراث أهل البيت(عليهم السلام)
والاشتياق للتعرّف الأكثر عليهم.
وبقي السيد يحيى على هذه الحالة حتى تعرّف على بعض الشيعة الاثني عشرية الوافدين من ايران للحضور في احدى المؤتمرات الإسلامية التي كان فيها، فلما رأى هؤلاء اشتياق السيد يحيى لتلقي علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام)عرضوا عليه وعلى بعض الأخوة المتعاطفين مع المذهب الجعفري السفر إلى ايران من أجل دراسة العلوم الدينية.
فيقول السيد يحيى: قبلت أنا وأحد زملائي ذلك، وسجّلنا أسماءنا ثم لم تمض فتره حتى وفرت لنا الأسباب وسافرنا إلى ايران والتحقنا بالحوزة العلمية في مدينة قم، وكان من اللطف الالهي أن جاء السيد العلامة بدرالدين الحوش (أحد كبار العلماء الزيدية) في نفس الوقت إلى مدينة قم التي كنا فيها، فذهبنا إليه وطلبنا منه أن يقوم بتدرسينا على شكل خاص، فقبل ذلك، فبدأنا ندرس عنده، وكنا له طلاب ومرافقين في السفر، وبعد عام طلب السيد منا مرافقته لليمن فقبلت ذلك، ثم طلب مني الذهاب إلى منطقتنا، لأنّه قرر أن لا يعود إلى منطقته خشيةً من ردود فعل أهلها الذين تأثروا بالوهابية، فوافقت على ذلك، فتوجهنا معاً إلى اليمن ثم للجوف، وبعد أسبوع من وصولنا تحركت بعض الجهات الرسمية مطالبة بخروج السيد الحوش من الجوف، وتعهدت له بالتأمين والحراسة وعدم السماح للوهابيين بالتعرّض له، وبالفعل عاد السيد الحوش إلى دياره آمناً مستقر البال، وبقيت أنا في المنطقة أفكر في شأن الاختلافات التي بين الزيدية والجعفرية، وكان يشدّني على التفكير في هذه المسألة سؤال الناس عن الجعفرية وعاداتهم ومذهبهم، وكان البعض ـ مع الأسف ـ يطلب مني أن أتّهمهم بما يشينهم ولكنني كنت أقول الحقيقة، فلهذا كان البعض يبدون عدم ارتياحهم من ذلك.
يقول السيد يحيى: "كانت معلوماتي عن المذهب الامامي الاثني عشري لم تصل الحد المطلوب، فلهذا كنت غير قادر على إجابة اسئلة المثقفين الذين كانوا يوجهون لي الأسئلة العقائدية والفكرية حول هذا المذهب، فدفعني هذا الأمر للتعرف الأعمق على هذا المذهب، ومن هنا توجهت إلى البحث بصورة جادة حول مسائل الخلاف بين المذهب الزيدي والمذهب الجعفري، وبمرور الزمان اكتشفت نتيجة البحث أن اساس الاختلاف والتفرق بين الطوائف الاسلامية هو مسألة الخلافة والحكم. فسلّطت أضواء بحثي على هذا الموضوع وركّزت جهدي في البحث على هذه المسألة، وبدأت ابحث عن الذين اختارهم الله للزعامة والقيادة والخلافة الإلهية".
يقول السيد يحيى: تبيّن لي خلال البحث أن الحجج لم تنطمس مع ما بذله أرباب المذاهب ووعاظ السلاطين وحكّام الجور من جهود في تضييع الحقيقة، وتبيّن لي أنهم قد اضروا كثيراً، ولكن الباحث المنصف يعرف كيف يستفيد من تلك النصوص الممزقة التي يراها هنا وهناك.
ويضيف السيد يحيى: ومن خلال تجميع النصوص المتناثرة أيقنت بأنّ الأمر الإلهي والخلافة الإلهية قد جُعلت في الإمام علي(عليه السلام) وأولاده الطاهرين، وتبيّن لي خلال البحث أن رواة أهل السنة قد حاولوا بكل جهدهم تضييع النصوص الدالة على امامتهم، لكن ما ورد فيهم(عليهم السلام) قد بلغ الحدّ الذي لا يمكن اخفاؤه كلّه، فلذا حاول هؤلاء تمزيق وبعثرة ما تواتر من تلك النصوص وتضييع ما أمكن تضييعه.
ويقول السيد يحيى حول أهم الأدلة التي دفعته لاعتناق المذهب الجعفري: أنني وجدت الروايات الواردة عند الزيدية في أهل البيت(عليهم السلام) على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الروايات العامة، وهذه الروايات من قبيل ما ورد فيهم(عليهم السلام)من أنّهم قرناء القرآن وأمان أهل الأرض وسفينة نوح و... وهذه الروايات ونظيراتها كثيرة جداً عندهم وهي تشكّل الجزء الأساسي في العقيدة عندهم ولا يشك فيها أحد منهم.
القسم الثاني: الروايات المحددة بالوصف، وهي روايات مقبولة عند الزيدية، وهي تعطي لأهل البيت صفات عظيمه من قبيل أنّهم أفضل الخلق بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)، وأنّهم رزقوا علم وفهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأنّهم يقتلون على أيدي الأمة وغير ذلك.
وهذه الروايات بشكل عام تعتبر من ركائز العقيدة الزيدية، ولكن الباحث المنصف لا يرى لتلك الروايات من مصاديق في الخارج، بل يُلاحظ أنّ أئمة الزيدية لم يدّعوا تلك المقامات ولا ذلك العلم لذا تعاملوا مع بعضهم تعامل المجتهدين.
القسم الثالث: الروايات المحدّدة بالعدد، وهذه الروايات قليلة جدّاً ولا يعتبرها أغلبهم جزء من العقيدة، ولكن بعض قدمائهم حاول أن يأول تلك الروايات، وهي من قبيل حديث الأئمة بعدي اثني عشر، والتي حاول بعض علماء الزيدية من خلال تلك الروايات تقسيم الأئمة إلى ستة من أولاد الحسن(عليه السلام)وستة من أولاد الحسين(عليه السلام)، ولكن ذلك التقسيم كان عاجزاً عن حل المشكلة، والمهم أنّ الباحث يلاحظ أن تلك الروايات من القسم الأول والثاني ليس لها مصداق قابل للتطبيق عليه، ويرى ان القسم الثالث قد قدم الحل لتلك المشكلة، وهو الاشارة إلى الأئمة المختارة من قبل الله وهم الأئمة الاثني عشر(عليهم السلام).
يقول السيد يحيى: وبسبب وجود هذه الروايات الصحيحة عند الزيدية حسب مبانيهم، ومسائل اُخرى اتجنبها نظراً للاختصار، رأيت ان الحق واضح، وان العناد من عمل أهل النار، لذا آمنت بالاختيار الإلهي الذي يتمثّل في الأئمة المعصومين الاثني عشر، وسلّمت الأمر لله، ولم اتكبّر على حكم الله، والحمد لله المعين الناصر لعباده المؤمنين، والهادي له إلى اقوم السبيل والله ولي الهداية والتوفيق.
سيصدر عن مركز الأبحاث العقائدية ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.
يعالج هذا الكتاب ظاهرة الاختلاف والتفرّق بين المسلمين ويبحث المؤلف فيه اسباب نشوء الاختلاف الديني الذي مزّق كيان المسلمين، وجعلهم من أضعف الأمم في مواجهة اعدائهم.
ويتضمن هذا الكتاب مواضيع عديدة منها: الاختلاف بين المسلمين، سرّ الافتراق بين المسلمين، قصة آدم(عليه السلام) وابليس، موقف قريش من الاسلام، الاختيار الالهي بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله).
يقول الكاتب في تعريفه بموضوع الكتاب: "هذا الكتاب يعالج ظاهرة خطيرة ظهرت بين المسلمين، وهي ظاهرة الاختلاف والتفرّق والتمزق التي انهكت المسلمين وطعنتهم من الداخل، وجعلتهم من اضعف الأمم في مواجهة اعدائهم...".
ثم يضيف: "وهذا الكتاب يكشف عن السر الذي تفرّق المسلمون من أجله وليس هو من عند المؤلف، بل من النصوص القرآنية المحكمة...
فالكتاب يثبت أولا ان الاختلافات العقائدية ـ بمالها من الاتساع في كل المجالات ـ ما هي إلاّ فروع تفرّعت بعد وجود أصل واحد، وهو أصل التفرّق، و... تفرعت عليه الاختلافات العقائدية والسياسية، بل الكثير من المسائل الفقهية...".
يقول الكاتب في هذا المجال: "من يتأمل قليلا وينظر إلى التاريخ بدقة سيجد:... ان الرسول(صلى الله عليه وآله) ترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وان الصحابة لم يكن بينهم أي اختلاف عقائدي. إذاً ما هو السبب الذي أدى إلى الاختلاف فيما بينهم؟!
ومن يقول انهم لم يختلفوا فهو إما جاهل لم يطلع على تاريخ الاسلام، أو معاند لا يزيده العلم إلاّ جهلا، فمن الواضح أن الخلاف وقع بين الصحابة بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) مباشرة ثم تطور إلى مرحلة نفي وطرد فيها بعض الصحابة كما حصل
لأبي ذر، وقتل بعضهم البعض كما حصل للخليفة الثالث، وحارب بعضهم بعضاً كما في حرب الجمل وصفين وغيرها...
وكما قلنا ان تفرّقهم لم يكن من أجل الاختلافات العقائدية المطروحة كما نراها اليوم، بل هناك أمر خفي وخطير لم يلتفت إليه إلاّ القليل.
ويؤيد ما ذكرنا ان الخلافات العقائدية ما هي إلاّ فروع تفرّعت من أصل الفرقة قوله تعالى: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَـتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ )(1)...
وقوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَ حِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَـبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَـتُ بَغْيَا...)(2).
فالاختلاف لم يكن عقائدياً، وانما هو اختلاف من نوع آخر، انّه البغي، انه عدم التسليم وعدم التواضع للحكم الإلهي.
يتحدّث المؤلّف عن ذلك السرّ بما ملخّصه:
انّه سرٌ يشمل الأمم السابقة على الاسلام أيضاً وكان السبب في افتراقها، وهو السبب الذي جعل قريشاً تحارب الرسول(صلى الله عليه وآله)، وكذلك هو السبب الذي جعل اليهود يحاربون الإسلام ويواجهونه ويلجأون إلى تحريف كتبهم ونبذها ورا ظهورهم.
إن هذا السر هو: النزاع على الاستخلاف على هذه الأرض والحكم والتسلط وعلو الكلمة الذي يؤدّي بالتالي إلى نزاع على المنصب الإلهي الذي
خصّه الله لبعض عباده. فمن أجل هذا قامت الدنيا وقعدت، وتفرّقت الأمم وتشتّت، وتشكّلت المذاهب وتشعّبت، وهناك أدلة قرآنية كثيرة تدعم هذا القول، نورد منها البعض:
يوضّح المؤلف هذا الدليل بما ملخّصه:
ذكر القرآن هذه القصة لتكون عبرة للعالمين، وبالأخص المسلمين، وكذلك لتوضيح أسباب نشوء النزاع بين الشيطان والإنسان وما هي جذورها؟
يتوضّح في هذه القصة مسألة الاصطفاء والاختيار الإلهي، وضرورة الخضوع والتسليم لهذا الحكم الإلهي، وعدم المعاندة معه كما فعل إبليس الذي كان مع الملائكة وعبدالله ستة آلاف سنة، لكنه احبط عمله الطويل لكبر ساعة واحدة، يقول الإمام علي(عليه السلام): "فمن ذا بعد ابليس يسلم على الله بمعصيته؟ كلا، ما كان الله سبحانه ليدخل الجنّة بشراً بأمر أخرج به منها ملكاً. انّ حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد. وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمىً حرمه على العالمين"(1).
فكلام المعصوم هذا يوضّح أهمية مسألة الخضوع لاحكام الله باصطفاء من يصطفيه، ويبين العواقب الوخيمة لرفضها من أي كان وان جللته أغشية القداسة الظاهرية.
ورفض إبليس للاختيار الإلهي لم يكن لأسباب عقائدية، وان حاول توجيه موقفه بقياس باطل مفاده ان النار خير من الطين، كلا انه لم يستطيع تحمل هذا الاختيار وفضل نفسه على آدم المختار من قبل الله، فوقع ابليس في اللعنة والرجم رغم علمه بعاقبة الامور، قال تعالى: (قَالَ يَـإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا
1) نهج البلاغة: 386، تعليق صبحي الصالح، دارة الاسرة للطباعة والنشر.
خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّار وَ خَلَقْتَهُو مِن طِين * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ)(1).
وأما نحن فما هو موقفنا من هذه القصة؟ هل يجوز لنا الوقوف على الحياد، ونقول تلك امة قد مضت، وهذين شخصين عظيمين كلاهما مجتهد، وهو على الصواب بل وله أجر؟ أم يجوز لنا القول ان ابليس له المقام العالي فهو الأول والأكثر عبادة؟ أم نقول انهما لو كانا صالحين ما تنازعا اذن فلنتركهما معاً؟ كلا ان الموقف الصحيح والواضح هو أن آدم صفوة الله وخيرته فيجب التسليم بذلك والاعتراف له بما أراده الله له.
ثم أورد الكاتب أدلة اخرى كقصة ابني آدم عندما رفض أحدهما اختيار الله لقربان اخيه فقتله نتيجة هذا الرفض، وكذلك قصة يوسف واخوته الذين حسدوه لمحبة أبيه له التي كانت بسبب اختيار الله له دونهم، وكذلك ما فعله اليهود مع نبيهم موسى(عليه السلام) الذي اختاره من دونهم للمناجاة، ومع نبينا الخاتم(صلى الله عليه وآله) حيث رفضوه وهم الذين كانوا يستفتحون به على الذين كفروا من قبل، ثم يأتي إلى قريش وموقفها من رسول الله(صلى الله عليه وآله) ودينه المبين.
يتساءل الكاتب عن موقف قريش ويقول بما ملخّصه:
لماذا حاربت قريش الدين الاسلامي؟ ولماذا بذلت الغالي والنفيس من أجل الاطاحة بالاسلام؟ ولماذا ضحّت بأعز رجالها وقدمتهم للموت؟
إذا سألنا كبار قريش عن السبب فيسغلفون جوابهم بواجهة عقائدية ويقولون: ان محمداً سفّه احلامنا وكفر بالهتنا، ولكن القرآن لا يقبل منهم ذلك
1) ص: 75 ـ 78.
ويفضحهم ويبين السبب الأساسي في آيات عديدة منها: (وَ قَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُل مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم )(1)و(بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِى مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً)(2). فهم يريدون أن يشركهم الله في اختياره، والله لا يقبل أن يعبد ويطاع إلاّ من حيث يشاء، قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )(3).
يوجّه الكاتب خطابه إلى الباحث عن الحق، ويقول بما ملخّصه "ينبغي للباحث عن الحق أن يركّز جهده في البحث عن مسألة واحدة فقط وهي: هل اختار الله للامة الاسلامية بعد الرسول(صلى الله عليه وآله) هداة وأئمة؟ وإذا كان قد اختار فمن هم أولئك الهداة؟
إذا عرفت الذين اختارهم الله واصطفاهم لقيادة الأمة فيجب عليك طاعتهم والانضمام إلى حزبهم والبراءة من أعدائهم ومن لم يسلم لهم، وليس لك الحق ـ بعد ذلك ـ ان تعترض على علم من اختارهم الله فهو ادرى بما يريد، نعم لك الحق ان تستفهم وتتعلم منهم فلا يجوز التقدم عليهم والتأخر عنهم.
والمسألة واضحة فالخلافات بين الصحابة ـ كما قلنا ـ لم تكن عقائدية، بل حسد البعض من اختارهم الله ونازعوهم ما منحه الله لهم دون سواهم، فكان ان افترقت هذه الأمة وسارت حذو الأمم السابقة، ثم تغلف النزاع بمسائل عقائدية لا تعد ولا تحصى يضيع فيها الباحث عن الحق فلا توجد مسألة وإلاّ وفيها خلاف إلاّ القليل من الاجماعات البديهية.
إذاً النزاع الأصلي في الواقع بين المسلمين على مسألة الامامة والولاية، وقد صدق الشهرستاني حيث قال: "واعظم خلاف بين الامة خلاف الامامة، إذ ما سل سيف في الاسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الامامة في كل زمان..."(1).
1) الملل والنحل: 1 / 24.
معلومات حول اليزيديّة:... 5
السلطة الدينية اليزيدية:... 6
بداية تأثره بالاسلام:... 6
دواعي توجهه للبحث حول الاسلام:... 7
أهم كتب الشيعة التي تأثّر بها:... 8
مؤلفاته:... 9
وقفة مع كتابه: "من الظلمات إلى النور"... 10
الأصل الديني لليزيديين قبل القرن السادس:... 12
الدليل التاريخي:... 18
كيف حصلت الفتنة:... 20
المنتفعون من الفتنة:... 24
الخلاصة:... 26
بداية تعرفه على مذهب أهل البيت(عليهم السلام):... 43
نبذه للتعصب المذهبي:... 44
نتائج بحثه الموضوعي:... 45
تقييمه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام):... 45
عتابه لعلماء أهل السنة:... 46
موانع الاستبصار:... 46
مؤلفاته:... 47
وقفة مع كتابه: "القطوف الدانية في ست عشرة مسألة خلافية"... 49
الأولى: الجمع بين الصلاتين:... 49
المقام الأول:... 51
المقام الثاني:... 52
اتفاق الكتاب والسنة:... 53
تساؤلان وجوابان:... 54
الثانية: التكتف في الصلاة:... 56
دليل أهل المذاهب الأربعة على التكتف:... 57
من كان يرسل يديه في الصلاة من التابعين:... 58
الخلاصة:... 60
دراسته الآكاديمية:... 63
التعرف على شخصية متكاملة:... 64
أحببناه لورعه وإذا به شيعي!... 65
انفتاح باب الحوار والنقاش:... 65
عدم الاذعان بالحق:... 66
واخيراً بنور فاطمة اهتديت:... 66
مشاعر حالة الاستبصار:... 67
مؤلفاته:... 68
وقفة مع كتابه: "بنور فاطمة(عليها السلام) اهتديت"... 70
البحث في التاريخ ضرورة:... 70
لمحات من التشيع في السودان:... 72
بنور فاطمة(عليها السلام) اهتديت:... 73
فدك الرمز:... 74
الخلفاء واقتحام الدار:... 74
استشهاد الزهراء(عليها السلام):... 76
الخلافة بالشورى أم بالتعيين:... 77
كربلاء ثمرة للسقيفة:... 79
من ركام الباطل إلى النور:... 79
تصوره السابق عن المذهب الشيعي:... 83
إعادته النظر حول التشيع:... 83
المفاجأة الأولى في البحث:... 84
اكتشافه للحقيقه:... 84
اعتناقه لمذهب التشيع:... 86
مؤلفاته:... 86
وقفة مع كتابه: "المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين"... 87
بعض خصائص الحوار المطلوب:... 87
مراحل المنهج:... 91
الجهل بمعنى الغلو:... 94
المستقبل للمذهب الاثني عشري:... 97
وقفة مع مناظرة الدكتور عصام العماد مع الشيخ عثمان الخميس... 102
أهمية المناظرة بين الشيعة والسنة:... 102
سمات وشروط المناظرة البناءة:... 102
الأرضية التمهدية لمناظرة الدكتور عصام مع الشيخ عثمان:... 104
بداية مناظرة الدكتور عصام مع الشيخ عثمان:... 106
من ثمار هذه المناظرة:... 107
المفاجأة بانسحاب الشيخ عثمان من المناظرة:... 107
مقتطفات من كلام الشيخ عثمان قبل انسحابه:... 108
أثر هذه المناظرة في الصعيد العالمي:... 109
سبب تسميته بالحافظ:... 111
تفوّقه في المجال العلمي:... 111
دراسته للتشيع وفق الأسس العلمية... 112
استبصاره وتأليفه في مجال الامامة:... 113
وفاته:... 113
مؤلفاته:... 114
وقفة مع كتابه: "فُلك النجاة في الامامة والصلاة"... 115
تغير الصلاة بعد النبي(صلى الله عليه وآله):... 115
مسح الأرجل في الوضوء:... 118
تنبيه:... 121
في مسح (الرِجْلَين) عند الإمامية:... 122
الجمع بين الصلاتين:... 123
الأذان:... 125
فائدة:... 127
السجود على الأرض أو على ما أنبتت:... 127
الصلاة على النبي والآل في التشهد:... 129
إرسال اليدين:... 131
إمامة صلاة الجماعة:... 133
الانفتاح على الرؤى الجديدة في الجامعة:... 137
وهم نسجناه على منوال أسلافنا:... 137
اللقاء الأول بالشخصية الشيعية:... 138
المصادر الحقيقية للتعرف على التشيع:... 139
المذهب الجعفري والمذاهب الأربعة:... 140
بعض الشبهات الواهية ضد الشيعة:... 140
بوادر نشوء الشكوك والحيرة:... 140
طلب المزيد من العلم:... 141
بداية التوجه إلى المطالعة والتحقيق:... 141
المفاجأة بقضية رزية الخميس:... 142
الاستبصار وإزاحة دواعي الانحياز الوهمي:... 142
أول اعلان عن الاستبصار:... 143
مواساة العترة في احزانهم:... 143
الصمود أزاء التيارات المعاكسة:... 144
مؤلفاتها:... 144
وقفة مع كتابها: "أخيراً أشرقت الروح"... 146
حياتها مع النبيّ(صلى الله عليه وآله):... 148
حياتها بعد وفاة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله):... 149
مؤلفاته:... 153
وقفة مع كتابه: "الإمامة وأهل البيت(عليهم السلام)"... 156
أهل البيت(عليهم السلام):... 156
الرأي الأول: أهل البيت أزواج النبي... 156
الرأي الثاني: أهل البيت(عليهم السلام) من حرمت عليهم الصدقة:... 161
الإمامة:... 162
اختيار الامام:... 164
الإمامة عند الشيعة الامامية:... 168
المولد والنشأة:... 171
بداية اثارة التساؤلات حول العقيدة الموروثة:... 172
سفر الدكتور التيجاني إلى العراق:... 173
الانفتاح على كتب الشيعة:... 174
بداية التوجه إلى البحث الجاد:... 175
الشك والحيرة ثمّ الاستبصار:... 175
وصف حالة الاستبصار... 176
مؤلفاته:... 176
وقفة مع كتابه: "ثم اهتديت"... 183
الشيعة وفهمهم لمسألة التقليد:... 184
الشيعة وزيارة القبور... 188
الصحابة عند الشيعة:... 189
اختلاف المذاهب الأربعة في الفقه:... 193
بداية اندفاعه للبحث عن التشيّع:... 203
دراسة كتاب المراجعات:... 204
ثمرة البحث في نهاية المطاف:... 205
تحمّل مسؤولية الدعوة:... 205
المضايقات بعد الاستبصار:... 206
مؤلفاته:... 207
وقفة مع كتابه: "دراسة مقارنة في التوحيد والنبوة"... 208
أهمية التوحيد في العقيدة الاسلامية:... 208
أدلة التوحيد عند أهل البيت(عليهم السلام):... 209
كلام الامام الرضا(عليه السلام) في التوحيد:... 212
التوحيد عند غير أهل البيت(عليهم السلام):... 215
توحيد الادعياء:... 218
طريقان لا ثالث لهما:... 219
اهتمامه بالشؤون الدينية:... 221
بداية تعرّفه على التشيع:... 221
المامه بمأساة واقعة الطف:... 222
قراءته لكتاب المراجعات:... 223
ردود فعل ابناء مجتمعه:... 224
مؤلفاته:... 228
وقفة مع كتابه "إفادات من ملفات التاريخ"... 229
وتقمصها ابن أبي قحافة:... 230
السقيفة:... 232
اجتماع الانصار:... 235
عهد أبي بكر باستخلاف عمر:... 235
أبو حفص العدوي:... 238
عمر بن الخطاب (الخليفة الثاني)... 238
رزية الخميس:... 240
منع إعلان وفاة الرسول:... 241
كراهية جمع النبوة والخلافة لبني هاشم:... 242
حجر الأساس لبني أمية:... 243
شورى عمر:... 244
أبو عمرو الاموي:... 247
معارضة الصحابة:... 248
ابن السوداء (عبدالله بن سبأ):... 250
نهاية أمر عثمان:... 252
أبو تراب علي بن أبي طالب أمير المؤمنين(عليه السلام):... 253
الدعوة إلى الوحدة:... 253
بحثه عن الحقيقة:... 255
العثور على مصدر تلقي العلم:... 256
بداية رحلة بحثه عن التشيع:... 257
أهم دوافع انتمائه إلى التشيّع:... 257
اعلانه للاستبصار ونشره للتشيع:... 258
مؤلفاته:... 259
وقفة مع كتابه: "لماذا أنا جعفري"... 260
البحث عن الأصل: جعفر الصادق أم مالك:... 260
مالك والغناء والمزاح:... 262
العقيدة الجعفرية:... 264
الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) والحكام العباسيين:... 264
التوحيد:... 265
النبوة:... 266
البعث والمعاد:... 268
العدل:... 271
الإمامة:... 273
موقف الإسلام من القيادة:... 274
المهدي المنتظر(عليه السلام):... 275
المرجعية الدينية:... 278
الفقه الجعفري:... 280
فروع الدين:... 282
تولي أولياء الله والتبرؤ من اعدائهم:... 283
النتائج التي توصّل إليها خلال البحث:... 288
اجماع الأمة على فضل الإمام علي(عليه السلام):... 289
اقتطاف ثمار البحث:... 291
مؤلّفاته:... 291
وقفة مع كتابه "عبدالله بن عمر بين السياسة والدين"... 292
عبدالله بن عمر:... 292
قعود عبدالله بن عمر عن بيعة الإمام علي(عليه السلام):... 293
إعتذار ابن عبدالبر عن ابن عمر:... 294
بيعة ابن عمر ليزيد بن معاوية... 296
قصة البيعة ليزيد:... 297
قبول ابن عمر جوائز الأمراء:... 300
ماذا قال ابن عمر نفسه:... 301
الحسرة والندامة:... 304
مرحلة الحيرة والضياع:... 309
الإنتماء إلى الجماعة السلفية:... 310
ارتقاء الوعي في الجامعة:... 311
تأثر بعض الجامعيين بالفكر الشيعي:... 311
الحوار مع المتأثر بالفكر الشيعي:... 312
الشعور بالحاجة الماسة إلى البحث:... 313
عقبات أمام البحث والتحقيق:... 313
بداية الالمام بمكانة أهل البيت(عليهم السلام):... 314
التمسك بالدعاء للخروج من الحيرة:... 314
اللقاء الأول بشخصية شيعية:... 315
خشية الحوار مع الشيعة:... 316
الاسلوب الرائع في الحوار:... 317
البحث في طي الكتب:... 317
تدخّل الألطاف الالهية في الأمر:... 317
مع كتاب المراجعات:... 318
التأثر الشديد بكتاب المراجعات:... 319
لقاءات المجموعة مع الشيخ:... 320
اسلوب الشيخ في طرح الابحاث:... 321
مؤلفاته:... 322
وقفة مع كتابه: "ودخلنا التشيع سجداً"... 323
شبهات منهجية:... 324
الشبهة الأولى: لا يوجد في القرآن نص صريح على ولاية أهل البيت (عليهم السلام)... 324
مناقشتها:... 324
تصدي الإمام عليّ(عليه السلام) للحكم:... 331
مرحلة تراكم التساؤلات في ذهنه:... 333
التوجه إلى الباري عزوجل:... 334
بداية تعرفه على التراث الشيعي:... 335
حواره مع ذاته:... 336
البحث عن مكمن الخلاف المذهبي:... 337
نهاية مطافه في البحث:... 340
مؤلفاته:... 340
وقفة مع كتابه: "واستقر بي النوى"... 343
وجوب الامامة باللطف العقلي أم السمعي:... 343
العصمة أم الشروط الأربعة عشر؟... 349
النصّ وملابساته:... 358
الطريق إلى الإمام:... 361
مؤلفاته:... 368
وقفة مع كتابه: "السلفية بين أهل السنة والامامية"... 371
من هم السلفية:... 371
الحشوية:... 371
علماء أهل السنة وابن تيمية:... 374
ابن تيمية، حدّة في الطبع وغلظة في التعامل:... 375
ابن تيمية وأهل البيت(عليهم السلام)... 377
الوهابية أو السلفية الجديدة:... 379
انتشار الدعوة الوهابية واعلان الجهاد على "المشركين":... 380
الهجوم على كربلاء ونهب ضريح الإمام الحسين(عليه السلام):... 382
الشيخ سليمان يرد على أخيه محمد بن عبد الوهاب:... 384
أوجه الشبه بين الوهابية والخوارج:... 385
نشر الطائفية البغيضة:... 391
تشويه صورة الاسلام:... 393
علماء أهل السنة والإمامية وغيرهم يردون على الوهابية:... 394
التوحيد عند السلفية:... 395
زيارة القبور وشدّ الرحال إليها:... 396
مواجهة التحريف والتلاعب بعقائد الإسلام:... 399
البحث عن أسباب فشل المسلمين:... 401
البحث عن أسباب نشوء الاختلاف الديني:... 402
بداية التحرر من التقليد الأعمى:... 402
غربلة المسائل واقتحام المسلمات:... 403
تخطى الحجب والاهتداء بهدي العترة:... 404
مؤلفاته:... 404
المرحلة الأولى: مرحلة الشك والحيرة... 406
المرحلة الثانية: مرحلة اليقين بعد الشك... 406
وقفة مع كتابه: "الهجرة إلى الثقلين"... 407
أسئلة حائرة وشكوك مؤلمة:... 407... 2 ـ لا ينجو من هذه الأمة إلاّ طائفة واحدة:... 408... 3 ـ من هم أهل السنة:... 409... 4 ـ ما جرى بعيد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله):... 411... 5 ـ المبشّرون بالجنة:... 413
حياته العلمية:... 417
البحث حول الوهابية:... 418
التعرف على بعض علماء الشيعة:... 418
الظفر بكتاب المراجعات:... 419
الانتماء إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام):... 420
ردود فعل المخالفين:... 421
موقف رائع للمرجعية الشيعية:... 422
مؤلفاته:... 422
وقفة مع كتابه: "لماذا اخترت مذهب الشيعة مذهب أهل البيت(عليهم السلام)؟"... 424
الشيعة والقرآن:... 424
آية الولاية:... 424
آية التطهير:... 425
آية المباهلة:... 425
آية المودّة:... 426
آية الصلوات:... 426
آية التبليغ:... 426
الشيعة والسنّة النبوية:... 428
حديث الدار أو حديث الانذار:... 428
حديث الثقلين:... 428
حديث المنزلة:... 429
حديث السفينة:... 429
حديث مدينة العلم:... 430
خلفاء الرسول(صلى الله عليه وآله): اثنا عشر:... 430
شهادة الآخرين للإمام علي(عليه السلام):... 431
شيعة علي(عليه السلام):... 431
كارثة السقيفة:... 432
التأثّر بالتيار السلفي:... 435
مع صديقه الشيعي:... 435
أهم المواضيع التي تأثر بها:... 436
مع كتاب "ثم اهتديت":... 437
الشك والحيرة ثم الاستبصار:... 437
مؤلفاته:... 439
وقفة مع كتابه: "وركبت السفينة"... 444
الأشعري والمذاهب الأربعة:... 445
الأئمة الأربعة والسنة:... 448
الأئمة الأربعة والفقه:... 448
السياسة أوجدت المذاهب:... 450
السلفية:... 451
إشكالات في مرجعية الصحابة:... 451
الامامية:... 454
شبهات ـ في عقائد الامامية ـ ليست بشبهات:... 455... 1 ـ تحريف القرآن الكريم:... 456... 2 ـ التقيّة:... 457... 3 ـ التربة الحسينية:... 458
بداية تحديد الاتجاه وبلورة الاهداف... 459
اتساع آفاق الوعي:... 460
رحلة البحث واصطدامها بالغزو الوهابي:... 460
سمات الاتجاه الوهابي:... 461
الشعور بالحاجة لارتقاء المستوى المعرفي:... 461
بداية التعرّف على التشيع:... 462
الاصطدام بالواقع:... 463
طلب المزيد من معرفة التشيع:... 463
مرحلة التحوّل إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)... 464
ردود فعل التيارات المخالفة:... 464
العودة إلى البلد والتخطيط للدعوة:... 465
المنهج في الدعوة لمذهب أهل البيت(عليهم السلام):... 465
مؤلفاته:... 466
وقفة مع كتابه: "الحقيقة الضائعة"... 470
حديث الثقلين... وانكشف الزيف:... 471
من هم أهل البيت(عليهم السلام):... 472
ولاية عليّ(عليه السلام) أم الشورى:... 472
تحريف الحقائق:... 474
فقهاء وعقائديون:... 476
المدرسة السلفية:... 477
الأشاعرة:... 478
اهتمامه بالعقيدة:... 479
نبذهُ للتعصب:... 480
الصراع بين القوى النفسية:... 480
اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام):... 481
مؤلفاته:... 482
وقفة مع كتابه: "بلون الغار.. بلون الغدير"... 485
مقاطع من شعره:... 487
ذكرى الخلود:... 487
شايعت عليّاً:... 488
برديات فاطميّة:... 489
فاجعة عاشوراء:... 490
غريب الغرباء:... 491
موعد مع الشراع:... 492
الشعور بالاستغناء عن البحث:... 507
بلورة هوايته نحو المطالعة:... 508
التوجه إلى مطالعة التاريخ:... 508
المفاجئة بحقائق التاريخ الإسلامي:... 508
بداية التعرف على التشيع:... 510
كلمة اخيرة لكل انسان حر:... 510
مؤلفاته:... 511
وقفة مع كتابه: "الصحابة في حجمهم الحقيقي"... 512
الصحابة وأصول الدين أو أركانه:... 513
ما استدلّوا به في عدالة الصحابة:... 514
الصحابة في القرآن:... 516
صحابة وصحابيات تحت المجهر:... 522
المغيرة بن شعبة:... 525
حفصة بنت عمر بن الخطّاب:... 525
هند بنت عتبة:... 528
الشيعة والصحابة:... 530
بداية الرحلة الفكرية:... 533
الحيرة والاضطراب:... 534
التوجه إلى البحث:... 534
عدم مواصلة البحث:... 535
توفير أجواء البحث:... 535
العودة إلى البحث مرّة اخرى:... 536
الاحتكاك بالشيعة:... 537
اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام):... 537
مؤلفاته:... 538
وقفة مع كتابه: "ومن الحوار اكتشفت الحقيقة"... 543
خصائص الحوار والمحاور:... 543
تجربة الاستاذ هشام:... 544
شبهات زالت مع الحوار:... 544
فعل الأكثر لا يدلّ على الصواب:... 545
لا تحاور الشيعي:... 549
اسطورة عبدالله بن سبأ:... 551
اعادة النظر في القراءات السابقة:... 553
عقبات دون ادراك الواقع:... 554
أهمية إعمال العقل حين البحث التاريخي:... 554
أهمية البحث لانقاذ النفس من الانحراف:... 555
قاتل الله العناد الطائفي:... 555
التصدي للدعوة بعد الاستبصار:... 556
مؤلفاته:... 557
وقفة مع كتابه: "يا ليت قومي يعلمون"... 558
شرعية الإمامة:... 559
بيان آية (وشاورهم في الأمر):... 560
هجر القرآن:... 562
ابحث عن الحق تجد أهله:... 566
الحوار يولد التقارب:... 569
البدع:... 570
دراساته الدينية:... 573
مواجهة وهابية منطقته:... 574
بداية تعرّفه على الامامية:... 574
الاندفاع للبحث عن التشيع:... 576
اكتشاف الحقيقة:... 576
اعتناق الحق:... 578
مؤلفاته:... 578
وقفة مع كتابه: "في ظلال الاسلام ـ السر الكامن وراء الاختلاف بين المسلمين"... 579
الاختلاف بين المسلمين:... 579
سر الافتراق بين المسلمين:... 580
قصة آدم(عليه السلام) وابليس:... 581
موقف قريش من الاسلام:... 582
الاختيار الالهي بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله):... 583