ghaemiyeh.com
مركز الأبحاث العقائدية - سلسلة ردّ الشبهات (5)
موسوعة عبد الله بن عباس
حبر الأمة وترجمان القرآن
الجزء الخامس عشر
عطاء غير مجذوذ من المقبول والمنبوذ
تأليف: السيد محمّد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان عفي عنه
مركز الأبحاث العقائدية
شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن عليه السلام
الهاتف: 332679 -33- -964+-
ص -- ب 729
ص . ب : 3331 / 37185
الهاتف : 37742088-25- -98 +-
فاكس : 37742056-25- -98 +-
البريد الإلكتروني: info@aqaed.com
الموقع على الإنترنت: www.aqaed.com
شابِك (ردمك) :
موسوعة عبد الله بن عبّاس حَبر الأُمّة وترجمان القرآن
تأليف: السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
الجزء الخامس عشر
الطبعة الأُولى - 2000 نسخة
سنة الطبع :
المطبعة : ستارة
سلسلة ردّ الشبهات- 5
مركز الأبحاث العقائدية
شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن عليه السلام
الهاتف: 332679 -33- -964+-
ص -- ب 729
ص . ب : 3331 / 37185
الهاتف : 37742088-25- -98 +-
فاكس : 37742056-25- -98 +-
البريد الإلكتروني: info@aqaed.com
الموقع على الإنترنت: www.aqaed.com
شابِك (ردمك) :
موسوعة عبد الله بن عبّاس حَبر الأُمّة وترجمان القرآن
تأليف: السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
الجزء الخامس عشر
الطبعة الأُولى - 2000 نسخة
سنة الطبع :
المطبعة : ستارة
تأليف: السيّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة المهتدين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد، فهذه هي الإضمامة السادسة عشرة من العطاء غير المجذوذ من المقبول والمنبوذ، تتضمّن ما يتعلّق بفقه ابن عبّاس رضي اللع عنه، ولمّا كان حبر الأُمّة كثير العطاء، وبحراً في العلم والسخاء، فيعسر الإحاطة بجميع ما ورد منسوباً إليه، وقد مرّ في الجزء الثامن من الموسوعة، تخصيص الفصل الثالث (ابن عبّاس فقيهاً)، وقد استعرضنا الشواهد على ذلك، فاستوعبت جميع الفصل الذي نافت صفحاته على السبعين.
وكان في تقديري الاكتفاء به للدلالة على أنّ ابن عبّاس في فقهه ومعارفه لم يخرج من رحاب أهل البيت عليهم السلام في فقههم وسائر معارفهم، لولا أنّي قرأت حديثاً (موسوعة فقه عبد الله بن عبّاس) في (سلسلة موسوعات فقه السلف)، التي يكتبها الدكتور محمّد روّاس قلعةجي، بلغت صفحاتها أكثر من سبعمائة صفحة في جزئين، وذكر في مقدّمتها: أنّ لابن عبّاس فتاوى خالف فيها عليّاً عليه السلام وجمهور الصحابة، فعدّدها، وقد ناهزت المائة مسألة، كان لنصيب مخالفاته لآراء الإمام سبعاً وستّين مسألة، والتي انفرد ابن عبّاس بها، وخالف فيها جمهور الصحابة ثمانية وعشرين مسألة... ولئن صحّ جميع ما ذكره، فهو أمر خطير! وبالبحث جدير، لذلك فضّلت العودة إلى البحث عن فقهه، والتحقيق في صحّة ما نسب إلى ابن عبّاس من
فتاوى شهّروا بها عليه لمخالفته للآخرين من فقهاء الصحابة، وفيهم من هو أفقه منه، وعليه تفقّه، ومنه تخرّج، وصار مذعناً له، فكيف إذاً التصديق بمخالفته له؟! في حين هو يروي وصايا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم له خاصّة وللأُمّة عامّة باتّباع من نصبه علماً لأُمّته! إنّها تناقضات ليس من السهل الخضوع لها والبخوع بصحّة نسبتها.
وقد اخترت لبحثي هذا الجانب فقط عنوان: (أقباس واقتباس من فقه ابن عبّاس)، فهو من العطاء غير المجذوذ، وفيه المقبول والمنبوذ، وسأذكر فيه المسائل التي ذكرها الدكتور قلعةجي، وأبحث عن صحّة نسبتها مسألة مسألة، لأنّي رأيت أقطاب مدرسة الكذب قد نسبوا إليه الكثير من الفتاوى المتناقضة، ما حملني الشكّ في صحّة ما قيل فيها.
وتبقى بقية مسائل فقهية من كتاب الطهارة إلى كتاب الديات، إلى آخر أجزاء الموسوعة فيما يخص (ابن عبّاس في رحاب أهل البيت)، حيث نقرأ الفقه المقارن بين فتاواه وما روي عن الإمام أمير المؤمنين وأهل بيته عليهم السلام .
أمّا الآن، فإلى قراءة:
1- تمهيد في بيان كثرة الفتاوي.
2- ميزان الصحّة في النسبة.
3- المصادر المعتمدة عند ابن عبّاس في منهجه الفقهي.
قال ابن حزم (ت456ه- أو 459ه-) في كتابه (جمهرة أنساب العرب): (ومنهم -- ذرّية المأمون -- الفقيه المحدّث الشافعي محمّد بن موسى بن يعقوب بن المأمون، مات بمصر، وله تواليف، ومنها فقه عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما ، مجزءاً على أبواب الفقه في عشرين كتاباً)(1).
وقال أيضاً في كتابه (الإحكام في أُصول الأحكام): في الباب الثامن والعشرين: (المكثرون من الفتيا من الصحابة رضي الله عنهم فيما روي من الفتيا: عائشة أُمّ المؤمنين، عمر بن الخطّاب، ابنه عبد الله، عليّ بن أبي طالب، عبد الله بن العبّاس، عبد الله بن مسعود، زيد بن ثابت، فهم سبعة يمكن أن يجمع من فتيا كلّ واحد منهم سفر ضخم، وقد جمع أبو بكر محمّد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن العبّاس في عشرين كتاباً، وأبو بكر المذكور أحد أئمّة الإسلام في العلم والحديث)(2). أه-
أقول: وقد حلّى كتابه (المحلّى) بفتاوى ابن عبّاس، كما حذا حذوه الذهبي في (سير أعلام النبلاء)(3)، فذكر جميع الفتاوى نقلاً عنه، وزاد فقال:
(وروى مالك عن نافع -- مولى ابن عمر -- قال: كان ابن عمر وابن عبّاس يجلسان للناس عند مقدم الحاج، فكنت أجلس إلى هذا يوماً وإلى هذا يوماً، فكان ابن عبّاس يجيب ويفتي في كلّ ما سُئل عنه، وكان ابن عمر يردّ أكثر ممّا يفتي)(1).
وذكر ابن النديم في (الفهرست) في ذكر الكتب المؤلّفة في أحكام القرآن، فقال: (كتاب أحكام القرآن للكلبي عن ابن عبّاس)، وقد مرّ ذكر كتبه برواية الجلودي، كما ذكرها الشيخ النجاشي في رجاله(2)، فراجع ماذا بقي من آثاره، فستجد التفصيل. وقد رويت عنه بعض كتبه في حياته، فقد روى الذهبي في (سير أعلام النبلاء): (عن عكرمة، قال: كان ابن عبّاس في العلم بحراً ينشق له الأمر من الأمور، وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (اللّهمّ ألهمه الحكمة وعلّمه التأويل)، فلمّا عمي أتاه الناس من أهل الطائف، ومعهم علم من علمه -- أو قال: كتب من كتبه -- فجعلوا يستقرؤونه، وجعل يقدّم ويؤخّر، فلمّا رأى ذلك، قال: إنّي قد تلهت من مصيبتي هذه، فمن كان عنده علم من علمي فليقرأ علَيَّ، فإنّ إقراري له كقراءتي عليه، قال: فقرأوا عليه)(3).
إذاً لا غرابة في كثرة فتاواه، فإنّه كان مرجعاً للناس، يستفتونه، حتّى الخوارج يأتون ويسألون منه، وربّما كاتبوه في مسائلهم الفقهية، وقد مرّت شواهد هذا كلّه في أجزاء الموسوعة؛ فراجع.
وباختصار فلنقرأ بيان المعروف من السيّد هاشم معروف -- وهو رحمه الله من المعاصرين، وله عدّة كتب دافع فيها عن أهل مذهبه، ومنها كتابه (تاريخ الفقه الجعفري)، فذكر ابن عبّاس وأثنى عليه بما هو أهله وفيه، فقال:
(ولو لم يكن لأحد من رجال الشيعة أثر في التشريع الإسلامي، لكان ما دونته كتب الحديث والفقه والتفسير لعبد الله بن العبّاس من الآثار الإسلامية الخالدة مصدراً غنياً بالشواهد والبراهين، على أنّ التشيع قام بنصيب وافر في التشريع ونشر الآثار الإسلامية وتدوينها في عهدي الصحابة والتابعين الأوّلين.
قال العلاّمة المجلسي في رجاله: كان عبد الله تلميذاً لعليّ، ومن المحبّين له، وحاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين أشهر من أن يخفى.
ومع ولائه لعليّ عليه السلام وإيمانه بحقّه في الخلافة الإسلامية التي يراها ابن عبّاس وغيره من الشيعة حقّاً لعليّ بن أبي طالب عليه السلام، وقد قال له الخليفة يوماً: (أما والله، إنّ صاحبك لأولى الناس بالأمر بعد الرسول إلاّ أنّنا خفناه على اثنين)، وهنا استغل ابن عبّاس الفرصة التي فسحها له الخليفة ليدلي برأيه بكلّ صراحة وبدون مواربة، ويدفع عن صاحبه ما تخوّفه الخليفة وغيره من استخلافه على حدّ زعمه.
ولمّا سأله ابن عبّاس عنهما، قال: (خفناه على حداثة سنّه وحبّه لبني عبد المطلب)، ثمّ قال: (إنّ قريشاً كرهت أن تجتمع لكم الخلافة والنبوة،
فتجحفوا الناس جحفاً، فنظرت قريشاً لنفسها فاختارت وأصابت).
فأجابه ابن عبّاس غير متهّيب لإمارته: أمّا قولك: كرهت قريش، فإنّ الله قال في حقّ قوم كرهوا ما أراد الله لهم: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ(1).
وأمّا قولك: إنّا نجحف، فلو جحفنا في الخلافة جحفنا بالقرابة، ولكنّا قوم أخلاقنا من خلق رسول الله الذي قال فيه ربّه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(2)، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(3).
وأمّا قولك: إنّ قريشاً اختارت، فإنّ الله سبحانه يقول: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ(4)، ولقد علمت يا أمير المؤمنين! أنّ الله اختار من خلقه من اختار، ولو نظرت قريش حيث نظر الله لوفقت وأصابت(5).
وعلى الرغم من صراحته مع عمر بن الخطّاب وغيره من الخلفاء الثلاثة، فقد استطاع أن يفرض نفسه عليهم، ويكون محلّ ثقتهم وتقديرهم، وهو أوّل من ألّف في تفسير القرآن، وقد تلمذ على عليّ عليه السلام، وأصبح بنظر المسلمين ترجمان القرآن، ورئيس المفسّرين(6).
وقال عنه أبو الخير في (طبقات المفسّرين): إنّه حبر الأُمّة، ورئيس المفسّرين، دعا له رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم بأن يفقّهه الله في الدين، ويعلّمه التأويل، وقد روي عنه في التفسير ما لا يحصى كثرة، وقلّما توجد آية في كتاب الله إلاّ وله رأي في تفسيرها...).
وقال: (وإذا استعرضنا البارزين من أعلام الفقه والحديث في جميع العواصم الإسلامية على عهد التابعين، نجدهم بين من أخذ عن عليّ وابن عبّاس، وبين من أخذ عن تلاميذهما، فسعيد بن المسيّب، وعكرمة، وعطاء، ومجاهد بن جبر، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن جبير، والشعبي، وحبيب بن ثابت، وغيرهم من فقهاء التابعين في مختلف العواصم الإسلامية، هؤلاء أقطاب الفقه عند أهل السُنّة، وهم بين من تلمذ على عليّ، وبين من أخذ الفقه والحديث عمّن أخذ عنهما، كما يظهر من كتب الحديث والفقه والتفسير).
وقال: (وليس بوسعنا أن نستقصي جميع آثار هذا الحبر الجليل الذي بلغ عمره أكثر من ثمانين عاماً(1)(؟) قضاها في نشر تعاليم الإسلام وبيان الحلال من الحرام، وملأت آراؤه في التفسير والفقه كتب الحديث والفقه، وأصبح مصدراً لكلّ من جاء بعده من التابعين وتابعيهم)(2)(3).
1) - هذا من هفوات المؤلّفين، فابن عبّاس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات بعد الهجرة بثمان وستّين سنة، فيكون عمره 71 سنة.
2) - ذكر مصطفى عبد الرزّاق في كتابه (تمهيد لتاريخ الفلسفة): إنّ محمّد بن موسى بن يعقوب جمع فتيا عبد الله بن عبّاس فبلغت عشرين كتاباً.
3) - لم يكن هذا من بنات أفكاره، فقد سبقه إلى هذا ابن حزم، والذهبي، وغيرهما.
وقال: (ولا بدّ لنا في هذا الفصل من ذكر نبذة يسيرة من آرائه في الفقه، لنعرف تماماً الغرض الذي نهدف إليه في هذا الكتاب، ونعني به دور التشيع في التشريع الإسلامي وأثره في ذلك.
ومن ثمّ يتبيّن لنا أنّ الفقهاء من الشيعة مع اختلافهم مع غيرهم من فقهاء المسلمين أحياناً، اختلافاً بيّناً، لم يعتمدوا على غير الأصلين الكريمين: الكتاب والسُنّة، منذ اليوم الأوّل لوفاة الرسول، وفي جميع مراحل نمو الفقه وتطوّره، مستلهمين في اجتهاداتهم وآرائهم مقاصد هذين الأصلين المقدّسين عندهم وما يهدفان إليه من خير الإنسان وسعادته.
-- كما يبدو ذلك من الأمثلة التالية(1)-- :
أوّلاً: من المعروف عند الشيعة الإمامية وجوب المسح على الرجلين في الوضوء بدلاً من غسلهما عند غيرهم...
ثانياً: من المعروف عند الشيعة الإمامية تحديد الزواج بزمان خاص، ويسمّى ذلك في عرفهم (بالعقد المنقطع)...
ثالثاً: من المعروف عند الشيعة الإمامية أنّ المرأة لها أن تزوّج نفسها ممّن تريد، سواء كانت بكراً أو ثيباً...
رابعاً: من المعروف عند الشيعة الإمامية أنّ الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع إلاّ طلقة واحدة...
خامساً: من المعروف عند الشيعة الإمامية أنّ من قال: إن ذهبت إلى
1) - ما ورد في بعض الأمثلة فيه خلاف بين الفقهاء.
السوق مثلاً، أو فعلت كذا، فامرأتي طالق، أو هي علَيَّ كظهر أُمّي...
سادساً: من المعروف عند الشيعة الإمامية مسألة التعصيب...
سابعاً: من المعروف عند الشيعة الإمامية مسألة العول...
وقال: والمتتبع لآرائه المنتشرة في الكتب التي دوّن العلماء فيها الفقه والحديث في أواخر المائة الثانية وما بعدها، يجد أنّه في جميع آرائه في الفقه لا يعتمد على غير نصوص الكتاب والسُنّة، ويعتمد على اجتهاده وتفكيره أحياناً في فهم آيات الكتاب وأحاديث الرسول، إذا لم تكن الآية أو الحديث نصّاً على الحكم المطلوب)(1). أه-
لقد رسم ابن عبّاس رضي الله عنه الخط البياني الصحيح لمعرفة صحّة ما ينسب إليه من فتاوى فقهية أو تفسيرية، وحتّى الأحاديث التي تروي مخالفته لأهل البيت عليهم السلام وتنسب إليه رواياتها، فقد بيّن لنا ميزان الصحّة كما قد مرّت مكرّراً الإشارة إلى قوله: (ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب)(2).
وقال: (...عليّ علّمني، وكان علمه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علّمه الله من فوق عرشه، فعلم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الله، وعلم عليّ من النبيّ، وعلمي من علم عليّ، وعلم أصحاب محمّد كلّهم في علم عليّ كالقطرة
الواحدة في سبعة أبحر)(1).
وعلى هذا القول عرفنا وجه التشابه التام، بل هو نبع من فيض ينبوع ثرّ، ولقد نبهت في الجزء السادس من هذه الموسوعة إلى أنّ بعض ما نراه منسوباً إلى ابن عبّاس نجده بعينه مروياً عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام (2)فراجع.
فعلى هذا الخط البياني نسير نحن بتدبر في قراءة مروياته، وفي مقدّمتها أقواله التي ذكر فيها فضل الإمام عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام، ووجوب اتّباعهم والاهتداء بمعالم سيرتهم، وقد مرّ الكثير من الشواهد ممّا رواه عنه الفريقان الشيعة والسُنّة، وحسبنا منها مثلاً: (حديث الثقلين)(3)، وهو متواتر عند الفريقين، وعلى ضوء ما كان عنده من خزين علم كان يقول لأصحابه: (ستكون فتنة فمن أدركها فعليه بخصلتين كتاب الله وعليّ بن أبي طالب، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول -- وهو آخذ بيد عليّ --: (هذا أوّل من آمن بي، وأوّل من يصافحني يوم القيامة، وهو فاروق هذه الأُمّة يفرّق بين الحقّ والباطل، فهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة، وهو الصدّيق الأكبر، وهو خليفتي من بعدي)(4).
وقال: (ما أنزل آية في القرآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ، إلاّ كان عليّ
أميرها وشريفها، ولقد عاتب الله تعالى أصحاب محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في غير آية، فما ذكر عليّاً إلاّ بخير)(1).
وفي لفظ أخرجه ابن عساكر، والحافظ الكنجي الشافعي، والطبراني، والحاكم الحسكاني، وقريب منه أخرجه أحمد في فضائل الإمام(2)، وأبو نعيم في (حلية الأولياء)(3)، وغيرهم، قال ابن عبّاس: (ما نزل في القرآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ، إلاّ وعليّ سيّدها وشريفها وأميرها، وما أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ وقد عاتبه الله في القرآن، ما خلا عليّ بن أبي طالب، فإنّه لم يعاتبه في شيء منه)(4).
فمن كان يقول الأقوال المتقدّمة، هل يعقل منه أن يتخلّف هو عن الالتزام بها فيخالف عليّاً في بعض الفتاوى، إنّها دعاوى فارغة، وأكاذيب مفتراة من نسائج مدرسة الكذب التي أرسى دعائمها معاوية، وشيّد بنيانها أتباعه وأشياعه، لإثبات الفجوة والمخالفة بين الإمام والمأموم، وساعدهم على باطلهم عناصر غافلة أو مغفلة، فاستخدموا الدين للسياسة، وتنازعوا الحكم، وتحزّبت فرق المسلمين، واتّخذوا من ابن عبّاس كبش فداء، فجعلوا ينسبون إليه ما وافق أغراضهم، فكان من الطبيعي أن تكثر الآراء المنقولة على ما بينها من تضارب حسب أقوال جاعليها، وجاء المعذّرون
فقالوا: هو فيما ينقل عنه من تضارب الآراء كحال بقية أئمّة المذاهب، كالشافعي مثلاً الذي يروى عنه القولين المتضاربين، ففي الجديد غير القديم، وكذلك قال أحمد بن حنبل، وأبو حنيفة، فكلّهم رويت عنهم آراء مختلفة في المسألة الواحدة، وكتاب الرحمة في اختلاف الأُمّة خير شاهد.
وهذا التعذير في نظري هو من التبرير أقبح من التعذير، فلا يثبت حجّية، ولا يقطع عذراً، بل الأصحّ والأولى بالقبول، هو الالتزام بما رسمه ابن عبّاس لنفسه ولغيره من ميزان لمعرفة الصحيح من السقيم، وهو متابعة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وليس من محض الصدفة أن نجد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كرّمه بقوله صلى الله عليه وآله وسلم بعين اللفظ الذي كرّم به الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فدعا لكلّ منهما بقوله: (اللّهمّ فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل)، دعاء شريف دعا به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمّا بعثه إلى اليمن(1)، ودعا به لابن عبّاس رضي الله عنهما ، ولم أقف على ثالث دعا له به، ولا غرابة في رواية هذا في مصادر الحديث والتاريخ والتفسير لكلّ منهما، بعد أن كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إذا أراد الله بعبد خيراً يفقّهه في الدين)، وهو صلى الله عليه وآله وسلم كان حريصاً على تبليغ أُمّته ما أمر به من أحكام وآداب في أمور دينهم ودنياهم، فبلّغ ما أمر بتبليغه، فوعاه من وعاه، وتفاضل المسلمون في التحمّل والأداء، فكان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يقول عن تلقيه العلم من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، كما في (نهج البلاغة) الخطبة القاصعة: (ولقد كنت أتبعه اتّباع الفصيل أثر أُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به...)، حتّى بلغ مبلغاً من العلم لم
1) - تقدم تخريجه، فانظر الموسوعة ، الجزء الثاني، فترة بين العهدين/ نصوص ذات دلالة.
يبلغه غيره من الصحابة، فقال فيه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : (أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب)، و(أنا مدينة الفقه وعليّ بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب)، و(أنا مدينة الحكمة وعليّ بابها، فمن أراد الحكمة فليأت الباب)، أخرجه الخطيب في (تاريخ بغداد)(1).
(أنا دار العلم وعليّ بابها)، أخرجه المحب الطبري في (ذخائر العقبى، والرياض النضرة).
(أنا دار الحكمة وعليّ بابها، فمن أراد الحكمة فليأت الباب)، أخرجه الترمذي في (السنن)، وأبو نعيم في (الحلية)، وابن المغازلي في (المناقب)، وغيرهم.
إلى غير هذا من أقواله صلى الله عليه وآله وسلم في تفضيل الإمامu بالعلم، وقد ذكرت ما يتعلّق بهذا الجانب في كتاب (عليّ إمام البررة)(2)فراجع.
ولمّا كان ابن عبّاس قد تشّرف بصحبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مضافاً إلى شرف نسبه، وحظي برعايته في سنيّ صحبته التي لم تطل ولعطفه صلى الله عليه وآله وسلم عليه وصاه باتّباع عليّ والأخذ منه، وقد مرّت الإشارة إلى هذا الجانب مكرّراً في أجزاء الموسوعة، فلا حاجة لإعادتها.
فصار هو آخذ منه فيتّبع الإمام عليه السلام كاتّباعه للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فطار صيته في شأنه مع الإمام كما كان مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يأخذ منه ويقتدي به ويستضيء بنور علمه، حتّى صار في علمه حبر الأُمّة وترجمان القرآن، وشهد له أعلام
الصحابة بتفوقه عليهم، ومرّت بعض أقوالهم، فعائشة تقول: هو أعلم بالسُنّة، وابن مسعود يقول: لو عاشرنا...
وابن أبي مليكة يقول: إذا أفتى فأفقه الناس.
وقال مجاهد: (ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عبّاس، إلاّ أن يقول قائل: قال رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
وروى الطبري في (تهذيب الآثار)(1)، مسند ابن عبّاس، عن ميمون بن مهران، قوله: (ما رأيت أحداً قط أفقه من ابن عبّاس)، وقد مرّ الكلام في هذا كلّه في أجزاء الموسوعة؛ فراجع.
ولولاه لضاع الكثير من فقه الإمام عليه السلام في غيابات النُصب التي عمل معاوية وأشياعه على تضييعه، ومرّت بعض الشواهد في أجزاء الموسوعة، فكان ابن عبّاس في علمه وفقهه وسائر جوانب حياته الثقافية، فذّاً في نصرة ابن عمّه، الذي عملت الزمرة الأموية على تضييع معالم حياته، ونال ابن عبّاس بعض ما نال الإمام من ظلم تلك الحكومة الغاشمة فكثر الكذب عليه أيضاً، وقد أشرت إلى ذلك فيما مرّ(2)وذكرت أنّ كثرة الأقوال المنقولة عن ابن عبّاس، المتضاربة والتي يصعب على الباحث التوفيق بينها، فلا يمكن قبولها جميعاً لتناقضها، ولا ردّها جميعاً لصحّة نقل بعضها، ولتمييز الصحيح من غيره رأيت في الرجوع إلى رحاب أهل البيت عليه السلام مجالاً رحباً وطريقاً
مستقيماً، فما وافق ما جاء عنهم قلنا بصحّته وإلاّ فلا، استناداً إلى حديث الثقلين الذي كان ابن عبّاس أحد رواته (عليّ إمام البررة)(1)مضافاً إلى قوله: (إذا حدّثنا ثقة عن عليّ بفتيا لا نعدوها)(2)ن وسيأتي مزيد بيان في تمييز الصحيح.
ونحن عندما نستعيد قراءة ما مرّ بنا في أجزاء الحلقتين الأولى والثانية ممّا يتعلّق بأدوار حياة ابن عبّاس رضي الله عنه وأطوارها مع الحاكمين المخالفين من بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ونستذكر مواقفه في نصرة إمامه ومعلّمه وابن عمّه، نتلمس الجواب الواضح على السؤال التالي:
ما هي أهم موازين الصحّة عند ابن عبّاسt لتمييز الصحيح من الزيف المبهرج الذي شاب تاريخه علماً وعملاً؟
نجد الجواب واضحاً من ابن عبّاس قولاً وعملاً.
أمّا قولاً فمّما رواه عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ووصايا أمره بها خاصّة، في سلوك النهج الذي يجب عليه أن ينهجه في اتّباعه من بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، كما في الأحاديث التالية:
1- قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يا بن عبّاس! خالف من خالف عليّاً ولا تكونن لهم ظهيراً ولا وليّاً...)(3).
2- قال ابن عبّاس: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين حضرته وفاته، فقلت: إذا
كان ما نعوذ بالله منه فإلى من؟ فأشار إلى عليّ، فقال: (إلى هذا فإنّه مع الحقّ والحقّ معه، ثمّ يكون من بعده أحد عشر إماماً مفترضة طاعتهم كطاعتي)(1).
3- قال صلى الله عليه وآله وسلم: (...يا بن عبّاس! سوف يأخذ الناس يميناً وشمالاً، فإذا كان كذلك فاتّبع عليّاً وحزبه، فإنّه مع الحقّ والحقّ معه، ولا يفترقان حتّى يردا علَيَّ الحوض...).
هذا ما رواه ابن عبّاس رضي الله عنه من وصايا نبوية تخصّه بالخطاب، وتعّمه والأُمّة بالاهتداء إلى الطريق الصواب، فهو قد أطاع قولاً وعملاً، فلقد قرأنا في الحلقتين السابقتين في مواقفه إلى جانب الحقّ مع عليّ عليه السلام ، بدءاً من بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وإلى حين شهادة الإمام عليه السلام ، طيلة ثلاثين سنة بما مرّ فيها من خطوب وحروب، حتّى كان هو المنظور إليه في نظر الحاكمين، وأنّه رأس الناس بعد عليّ على حدّ تعبير معاوية حين أمر ابن العاص أن يكتب إليه يخادعه في صفّين، وقد مرّ حديثه في الجزء الرابع(2)، فراجع ما جرى.
وبقي على خالص ولائه بعد شهادة الإمام عليه السلام لأبنائه، فوقف بين يدي الإمام الحسن داعياً إلى بيعته ونصرته، وحتّى بعد مهادنته بالصلح، ثمّ من بعده كان مع الإمام الحسين عليه السلام باذلاً جهده في الدفع عنه مكائد معاوية، حتّى في نصيحته ليثني عزمه عن الخروج إلى العراق حفاظاً على سلامته. ومن بعده مع الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام الذي كان يحبّه حبّاً شديداً، وقد دخل عليه الإمام الباقر عليه السلام في صغره مع غلمان بني عبد المطلب بعدما
كُفّ بصره، فسأله عن نفسه فعرفه، فقال: مرحباً بالحبيب بن الحبيب، حسبك لأعرفك من عرفك. إلى غير هذا ممّا كان في سلوكه القولي والعملي نسخة مفردة من بين الصحابة والأقربين فضلاً عن الأبعدين، يمثل الصدق والإخلاص لأمير المؤمنين وآله، ومن كان هكذا باعتراف المسلمين، لا يمكن قبول جميع ما ينسب إليه من فتاوى قالوا يخالف فيها فتاوى ما صحّ عن الإمام عليه السلام ، فهو حين يمتح العلم من نبع الحكمة الصافي، وقد دخل المدينة من بابها فامتار من لبابها، حتّى عرف الصحيح من غيره ممّا نسب إليها، حتّى صار مرجعاً في التمييز بين الصحيح والسقيم منها، كيف يفتي بخلاف ما أخذ منها؟ فقد روى مسلم في صحيحه(1)، بسنده عن ابن أبي مليكة، قال: كتبت إلى ابن عبّاس أسأله أن يكتب لي كتاباً ويخفي عنّي، فقال: ولد ناصح، أنا اختار له الأمور اختياراً وأخفي عنه، فدعا بقضاء عليّ فجعل يكتب منه أشياء، ويمرّ به الشيء ويقول والله ما قضى بهذا عليّ إلاّ أن يكون ضلّ.
وروى أيضاً، فقال: حدّثنا عمرو الناقد، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاووس، قال: أُتي ابن عبّاس بكتاب فيه قضاء عليّ عليه السلام فمحاه إلاّ قدر -- وأشار سفيان بن عيينة بذراعه --.
وهذان شاهدان على أنّ نسخ قضاء الإمام عليه السلام كانت متداولة بين الناس، وعبثت بها يد الأهواء في دسّ الشّواذ من الآراء بين سطورها، لغاية تمريرها، فكان ابن عبّاس المرجع في معرفة ما صحّ منها وما لم يصح، وما
1) - صحيح مسلم 1/10.
أحسنهما من شاهدين على ما أصاب الفقه الإمامي من تطاول عليه، لتشويهه بما يشوبه لمصلحة فقهاء السلطة، فتداولوه باسم (عليّ)، ومن ذا هو أحسن اسماً من عليّ ليُتستر به لإنفاق الكاسد والفاسد؟!
لكن ابن عبّاس رضي الله عنه كان بالمرصاد لرماة السوء، سواء في كذبهم على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، أو على عليّ عليه السلام ، فأبان زيفهم، وأظهر بهرجهم علانية أمام الناس، وفي روايات مسلم في مقدّمة صحيحه ما فيه دلالة واضحة على هذا الجانب(1).
فقد قال: وحدّثني محمّد بن عباد وسعيد بن عمرو الأشجعي جميعاً، عن ابن عيينة، قال سعيد: أخبرنا سفيان، عن هشام بن حجير، عن طاووس، قال: جاء هذا إلى ابن عبّاس -- يعني: بشير بن كعب -- فجعل يحدّثه، فقال له ابن عبّاس: عد لحديث كذا وكذا، فعاد له، ثمّ حدّثه، فقال له: عد لحديث كذا وكذا، فعاد له، فقال له: ما أدري أعرفت حديثي كلّه وأنكرت هذا، أم أنكرت حديثي كلّه وعرفت هذا؟ فقال له ابن عبّاس: إنّا كنّا نحدّث عن رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم إذ لم يكن يُكذب عليه، فلمّا ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه.
وقال: وحدّثني محمّد بن رافع، حدّثنا عبد الرزّاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن ابن عبّاس، قال: إنّما كنّا نحفظ الحديث، والحديث يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأمّا إذا ركبتم كلّ صعب وذلول، فهيهات.
1) - المصدر نفسه.
وقال: وحدّثني أبو أيوب سليمان بن عبيد الله الغيلاني، حدّثنا أبو عامر -- يعني: العقدي -- حدّثنا رباح، عن قيس بن سعد، عن مجاهد، قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عبّاس، فجعل يحدّث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فجعل ابن عبّاس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا بن عبّاس! مالي لا أراك تسمع لحديثي، أحدّثك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا تسمع؟ فقال ابن عبّاس: إنّا كنّا مرّة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلمّا ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلاّ ما نعرف.
أقول: ولقد كشف ابن الأثير في (أسد الغابة) زيف بشير العدوي هذا في عدّه من الصحابة، فقال: (قال أبو موسى: قال عبدان: وإنّما ذكرناه في الصحابة لأنّ بعض مشايخنا وأُستاذينا ذكره، ولا نعلم له صحبة، وهو رجل قد قرأ الكتب، ثمّ ذكر ما مرّ أوّلاً من حديث مسلم...
ثمّ قال: ولا صحبة له).
وأيّده ابن الأثير بقوله: (قلت): لا شكّ أنّه لا صحبة له، وإنّما روايته عن أبي ذرّ، وعن أبي الدرداء، وأبي هريرة...)(1)أه-
فتبيّن أنّ بشيراً إن لم يكن من الكذّابين فهو من المدّلسين، والتدليس أخو الكذب، لذلك لم يكن ابن عبّاس يأذن لحديثه ولا لسماعه. ولكم من نظير لبشير، ابتلي بهم ابن عبّاس في عصره، كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذبوا على عليّ عليه السلام ، وكذبوا عليه في حياته تشويها لسمعته وسماعه.
1) - أسد الغابة 1/200.
وقد مرّ في الجزء الثامن من الموسوعة(1)الخبر الذي رواه الشيخ الطوسي في كتابيه (تهذيب الأحكام)(2)، و(الخلاف)(3)، ولفظه: (... عن قاربة -- حارثة -- بن مضرب، قال: جلست عند ابن عبّاس وهو بمكّة، فقلت: يا بن عبّاس! حديث يرويه أهل العراق عنك، وطاووس مولاك يرويه: إنّما أبقت الفرائض فلأولي عصبة ذكر؟
قال: أمن أهل العراق أنت؟
قلت: نعم.
قال: أبلغ من وراءك أنّي أقول: إنّ قول الله عزّ وجلّ: آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ(4)، وقوله: وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ(5)، وهل هذه إلاّ فريضتان؟ وهل أبقتا شيء؟ ما قلت هذا، ولا طاووس يرويه عنّي.
قال قاربة -- حارثة -- بن مضرب: فلقيت طاووساً، فقال: لا والله، ما رويت هذا على ابن عبّاس قط، وإنّما الشيطان ألقاه على ألسنتهم.
قال سفيان -- أحد رجال السند -- أراه من قبل ابنه عبد الله بن طاووس، فإنّه كان على خاتم سليمان بن عبد الملك، وكان يحمل على هؤلاء القوم
حملاً شديداً، يعني: بني هاشم.
قلت: لقد أخرج هذا الخبر الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) في آخر ترجمة عبد الله بن طاووس، نقلاً عن تهذيب الشيخ الطوسي بتفاوت يسير، وفيه حارثة بن مضرب بدل قاربة بن مضرب، وفي آخره في قول سفيان: (ولا أراه إلاّ من قبل ولده، وكان على خاتم سليمان بن عبد الملك، وكان كثير الحمل على أهل البيت)(1). وكذا في (لسان الميزان) أشار إليه، ولم يعجبه أن يكشف زيف عبد الله بن طاووس، كما هو شأن مرضى النفوس.
وممّا مرّ في الجزء الثامن من الموسوعة(2)(مدرسة الوضع تنال ابن عبّاس بالكذب عليه في حياته). فذكرت هناك جملة شواهد ذات مغزىً في الدلالة على ما لحق ابن عبّاس في معارفه، فمن دسّ وتشويه، وحذف وتمويه، فعلى القارئ، مراجعة ذلك، ومن الحزم أيضاً قراءة شهادة ابن حزم، ففي كلامه ما يشكف البُهمة، وينير الظلمة عمّا لحق بحبر الأُمّة.
وقلت فيما شهروا به عليه من مخالفات فقهية لرأي الجمهور أكثره عن عكرمة البربري مولاه، فقد كان يكذب عليه، حتّى صار مضرب المثل في كذب الموالي على ساداتهم، فابن عمر يقول لمولاه نافع: (اتّق الله، ويحك يا نافع! لا تكذب علَيَّ كما كذب عكرمة على ابن عبّاس)(3).
وقد نبّهت إلى أنّ في موالي ابن عبّاس عكرمةٍ آخر غير البربري، وذلك الذي تقبل روايته إن صحّ السند إليه، ويُعرف من المتن وجه التمييز بينهما، فما كان موافقاً في مؤداه لما عرفناه من ميزان الصحّة الذي ذكرناه فهو عن عكرمة (المستقيم)، وما كان مخالفاً فهو عن عكرمة الكذّاب فهو من المنبوذ.
من راجع مصادر الفقه الإسلامي في التراثين الشيعي والسُنّي، يجد ذكر آراء ابن عبّاس مبثوثة في الأحكام من الطهارة إلى الديات، ويسع الباحث أن ينتظم منها كتاب فقه ابن عبّاس موافقاً لفقه أهل البيت عليهم السلام ، ففي كتب الفقه المقارن عند الشيعة ك-(الانتصار) للشريف المرتضى رحمه الله، و(الخلاف) للشيخ الطوسي رحمه الله ، وغيرهما من كتب العلاّمة الحلّي رحمه الله ، ك-(التذكرة)، و(المنتهى)، وغيرها من مصادر الفقه الجعفري، يجد حضور ابن عبّاس على انفتاح واسع، وإن كان في الموسوعات الفقهية المتأخّرة بصورة أقلّ، فراجع الحدائق والجواهر، تجد ذكره بتحفّظ حين يذكرونه أخذاً من طرق العامّة، وهذا غير ضائر ما دام الرأي الاجتهادي يتجاوب تأثراً وتأثيراً مع آراء المذاهب الأُخرى.
فهو تذكره بقية مصادر الفقه الإسلامي للمذاهب السبعة الأُخرى التي لا تزال مدارسها الفكرية قائمة، ولها رموز وأئمّة يرعوون ثقافتها، كالزيدية، والإسماعيلية من مذاهب الشيعة المحسوبة عليها، وكالحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، والأباضية، فقد أخذت ببعض آراء ابن
عبّاس، وكثير منها مقروناً بآراء الإمام عليّ عليه السلام ، نحو: (وبهذا قال عليّ وابن عبّاس)، أو (وإليه ذهب عليّ وابن عبّاس).. إلى غير هذا ممّا ورد ذكرهما مزدوجاً، وللمقارنة بين ما ذكر من رأي ابن عبّاس موافقاً لرأي عليّ عليه السلام ، وما ذكر من رأيه موافقاً لعمر في تلك المصادر المعنية بفقه أصحاب المذاهب الأُخرى، أذكر ما وجدته في مصادر المكتبة الشاملة (الإصدار الثاني).
فقد جاء في كتب الفقه الزيدي ذكر عليّ وابن عبّاس مزدوجاً في -41- موضعاً، ولم يرد عن عمر وابن عبّاس مزدوجاً ولا في مورد واحد.
وجاء في كتب الفقه الحنفي ذكر عليّ وابن عبّاس مزدوجاً في -89- موضعاً، وعن عمر وابن عبّاس مزدوجاً في تسعة مواضع.
وجاء في كتب الفقه المالكي ذكر عليّ وابن عبّاس مزدوجاً في -20- موضعاً، ولم يرد عن عمر وابن عبّاس مزدوجاً ولا في مورد واحد.
وجاء في كتب الفقه الشافعي ذكر عليّ وابن عبّاس مزودجاً في تسعة وستّين موضعاً، بينما ورد عن عمر وابن عبّاس مزدوجاً في عشرة مواضع.
وجاء في كتب الفقه الحنبلي ذكر عليّ وابن عبّاس مزدوجاً في مائة وستّة وستّين موضعاً، بينما ورد عن عمر وابن عبّاس مزدوجاً في -49- موضعاً.
وجاء في كتب الفقه الظاهري ذكر عليّ وابن عبّاس مزدوجاً في تسعة وثلاثين موضعاً، بينما ورد عن عمر وابن عبّاس مزدوجاً في ستّة مواضع.
وجاء في كتب الفقه العام ذكر عليّ وابن عبّاس مزدوجاً في خمسة
وثلاثين موضعاً، بينما ورد عن عمر وابن عبّاس مزدوجاً في خمسة مواضع.
ومن اللافت للنظر! أن يرد ذكر عليّ وابن عبّاس مزدوجاً في الفقه الشيعي في ثمانية مواضع، وورد اسم عمر وابن عبّاس في تسعة مواضع.
ولا غرابة بعد أن نعرف أنّ طريقة الفقهاء عند الشيعة في الاستدلال على الحكم ما جاء من طريق أئمّة أهل البيت عليهم السلام بصيغة: أبي، عن آبائه، عن عليّ، أو: أنّ عليّاً عليه السلام قال، ويذكر رأي ابن عبّاس عن طريق العامّة غالباً، وإن لم نعدم شاهداً على نقل بعض أئمّة أهل البيت عليهم السلام رواية عنه بعض آرائه في التفسير أو الفقه، وحتّى في السيرة والتاريخ، وقد مرّت الإشارة في ذكر تلامذته عند ذكر الإمام محمّد الباقر عليه السلام وفي الجزء الثامن من الموسوعة ذكر ثلاث روايات نقلاً عن (قرب الإسناد) رواها الصادق، عن الباقر، عن ابن عبّاس(1).
ولا يفوتني التنبيّه على أنّ الأرقام المذكورة آنفا فيها من المكرر عند أصحاب المصادر الفقهية للمذاهب الأُخرى.
كما ينبغي التنبيّه أيضاً إلى أنّ ما يجده الباحث من تفاوت في نقل فتاوى ابن عبّاس في تلكم المصادر فيه دلالة على التزيّد الذي طرأ على الفتاوى لتأييد مذهب على الآخر في استغلال اسم ابن عبّاس، كجواز المرور للعبور، فلا يستوحش القارئ من ذلك! لأنّ للوضاعين دوراً بارزاً في هذا الشأن، ولا ينسى ما مرّ في الكذب عليه حتّى من باب الحسبة، فقد قال
1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الثامن، الفعل الثاني، المبحث الأوّل/ أحاديث مختارة عن ابن عباس في التراث الشيعي.
السيوطي في (تدريب الراوي): (ومن أمثلة ما وضع حسبة: ما رواه الحاكم بسنده إلى أبي عمّار المروزي، أنّه قيل لأبي عصمة نوح بن إبراهيم: من أين صحّ ذلك عن عكرمة، عن ابن عبّاس، في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إنّي رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة)(1).
ثمّ قال السيوطي: (وكان يقال لأبي عصمة هذا (نوح الجامع)، قال ابن حبّان: جمع كلّ شيء إلاّ الصدق)(2)؟!
وحكى السيوطي أيضاً بسنده عن الحاكم، ما أسنده عن سيف بن عمر التميمي، قال: كنت عند سعد بن طريف، فجاء ابنه من الكتّاب يبكي، فقال: ما لك؟ قال: ضربني المعلّم، قال: لأخزينّهم اليوم، حدّثني عكرمة، عن ابن عبّاس مرفوعاً: معلّموا صبيانكم شراركم، أقلّهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المسكين(3)(؟!)
وقد ذكر الذهبي في (الميزان) ترجمة موسى بن عبد الرحمن الثقفي الصنعاني، فقال: (معروف ليس بثقة، فإنّ ابن حبّان قال فيه: دجّال وضع على ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس كتاباً في التفسير).
وقال: (بكر بن سهل، حدّثنا عبد الغني بن سعيد، حدّثنا موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس مرفوعاً: ما في الأرض شيطان إلاّ وهو يفرق من عمر، وما في السماء ملك إلاّ وهو يوقّر عمر، قال ابن عدي: هذه الأحايث بواطيل)(1).
إلى غير هذا من الشواهد على تعمّد الكذب على ابن عبّاس.
ولولا إحساسه بسوء سماع بعض السامعين لأحاديثه وفي الأداء، لما قال: (أيّها الناس اسمعوا منّي ما أقول لكم، وأسمعوني ما تقولون، ولا تذهبوا فتقولوا قال ابن عبّاس، قال ابن عبّاس... من طاف بالبيت فليطف من وراء الحِجر، ولا تقولوا الحطيم، فإنّ الرجل في الجاهلية كان يحلف فيلقي سوطه، أو نعله، أو قوسه)(2).
وروى ابن حجر في (تلخيص الحبير)(3)، عن مصنّف ابن أبي شيبة، بسنده عن ابن عبّاس، قال: (احفظوا عنّي ولا تقولوا قال ابن عبّاس).
وما هذا التحذير عن إضافة القول إليه إلاّ بعد حسن الاستماع والإسماع لولا خشية ما كان يضاف إليه من زيادة أو نقصان، فطلب منهم أن يعرضوا عليه قوله ليصحّح لهم خشية أن يزيدوا فيه، أو ينقصوا منه(4).
فتلخص من جميع ما مرّ أنّ ابن عبّاس كان مستهدفاً من قبل المنبوذين
من فقهاء السلطة وأذناب الحاكمين، فينسبوا إليه ما لم يقله، ويحملوا على فتاواه ما لم يفت به، ولا غرابة فقد جاء في تاريخ المجتمع الصحابي الإسلامي يومئذ ما شاع وذاع من وجود كذّابين يفترون على الله وعلى رسوله الكذب، وفي آيات القرآن الكريم كآية النبأ، وسورة المنافقين ما يغني عن الإطناب في الدلالة، وأيضاً حديث: (من كذب علَيَّ فليتبوأ مقعده من النار)(1)، خير شاهد على المدّعى.
ومرّت شواهد كثيرة على النشاط السلطوي المعادي لأهل البيت وعلى رأسهم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، فنسبوا إليه ما لم يقله، واستهدفوا تشويه شيعته ومن والاه، فحملوهم أوزار الغلّو، وجعلوا بينهم من يروي الأكاذيب وينسبوها إلى الإمام عليه السلام ، فشاع ما رووه باسم الإمام عليه السلام ، فصار ابن عبّاس بحكم مرجعيته يكشف زيف المبطلين، وجعل العدول عن المنسوب إلى الإمام عليه السلام في الإعراض عنه دليل كذب الرواة في نسبتهم إلى الإمام عليه السلام ، لأنّه كان أدرى وأشدّ التصاقاً بالإمام، فهو تلميذه ومعه لم يفارقه منذ فجع بفقد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، عملاً بوصايا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم له خاصّة باتّباع عليّ عليه السلام ، وقد مرّت في الجزء الأوّل من الموسوعة بعض تلك الوصايا؛ فراجع.
مضافاً إلى الوصايا العامّة بأنّ عليّاً هو الوليّ والمفزع من بعده، ومنها ما رواه الطبرسي بسنده عن ابن عبّاس رضي الله عنه، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين
1) - راموز الأحاديث: 441، ط استانبول نقلاً عن كتب: الطيالسي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجة.. عن 38 صحابياً.
حضرته الوفاة، فقلت: إذا كان ما نعوذ بالله منه فإلى من؟
فأشار إلى عليّ عليه السلام، فقال: (إلى هذا فإنّه مع الحقّ والحقّ معه، ثمّ يكون من بعده أحد عشر إماماً مفترضة طاعتهم كطاعتي)(1).
فابن عبّاس حين يروي هذا، ثمّ هو يفتي بخلاف ما صحّ من فتاوى الإمام؟ إنّ هذا إلاّ افتراء! وما ذكره الدكتور محمّد روّاس قلعةجي في كتابه (موسوعة فقه ابن عبّاس) من مسائل خالف فيها ابن عبّاس فتاوى الإمام لا تخلو من ملاحظة نقدية، فيقتضي أن نعرض ما عنده، ثمّ ما عندنا تعقيباً عليه (كلّ بما عنده راضٍ والرأي مختلف)، ولكلّ مجتهد أجر، وصاحب الرأي حرّ، والأعمال بالنيات، ولكلّ امرئ ما نوى، والله الهادي إلى الصواب، ويبقى تمييز الصحيح من السقيم ما صحّ عن ابن عبّاس رحمه الله الذي قلنا إنّه رسم لنا الخط البياني في مرجعيته فيما هو من أهل البيت عليهم السلام ، فتقوّلوه أو حمّلوه وكذّبوا عليه، فصار يجاهر مدافعاً عن إمامه وعن نفسه بقوله الذي تعدّدت ألفاظ روايته، ولا ضير في ذلك ما دام المعنى صحيحاً في الدلالة على مراد ابن عبّاس، فسواء قال: (إذا حدّثنا ثقة عن عليّ لا نعدوها)، كما في طبقات ابن سعد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس(2)، أو قال: (إذا ثبت لنا الشيء عن عليّ لم نعدل به)، كما في (الاستيعاب، والإصابة) في ترجمة الإمام(3)، أو قال: (إذا ثبت لنا الشيء عن عليّ لم نعدل
عنه إلى غيره)، كما في (أسد الغابة) لابن الأثير في ترجمة الإمام(1)، فلا يصحّ بعد هذا ما نجده مذكوراً من اختلاف في الفتاوى الفقهية بين ابن عبّاس والإمام عليه السلام مهما قيل في اجتهاد ابن عبّاس، وفي خبر المستحاضة، وقد كتبت إليه من الكوفة تستفتيه (بسم الله الرحمن الرحيم من امرأة من المسلمين أنّها استحيضت فاستفتت عليّاً فأمرها أن تغتسل وتصلّي)؟ فقال ابن عبّاس: اللّهمّ لا أعلم القول -- لا أجد لها -- إلاّ ما قال عليّ، غير أنّها تجمع الظهر والعصر بغسل واحد، والمغرب والعشاء بغسل واحد، وتغتسل للفجر غسلاً واحداً، فقيل لابن عبّاس: إنّ الكوفة أرض باردة وأنّه يشقّ عليها؟ فقال: لو شاء الله لابتلاها بأشدّ من ذلك(2)، وستأتي شواهد أُخرى على اتّباع ابن عبّاس عليّاً في فقهه.
1) - ذكرت المصادر التالية مقولة ابن عبّاس على اختلاف ألفاظها حسب رواتها عنه، ففي أنساب الأشراف 2/100 عن عكرمة، وفي تاريخ دمشق لابن عساكر في ترجمة الإمام عليه السلام ، وتهذيب الكمال للمزّي 20/486، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي 1/475، والمغني لابن قدامة كتاب الطلاق: فصل إذا قال الرجل لنسائه إحداكن طالق...7/333، والخصائص الكبرى للسيوطي 2/228، وتاريخ الخلفاء: 115، وسمط النجوم العوالي 1/482، والشرف المؤبد للنبهاني: 65، والجوهرة في نسب النبيّ وأصحابه العشرة 1/292 عن سعيد بن جبير، وغيرهم، وغيرهم.
2) - المصنّف لابن أبي شيبة 1/127، ط دار العلوم الإسلامية كراتشي باكستان 1/22، وسنن البيهقي 1/356، والمحلّى 2/213، وغيرهما.
مطالعة نقدية في موسوعة فقه
عبد الله بن عبّاس
تأليف
الدكتور محمّد روّاس قلعةجي
دار النفائس
صفحة 40
قال: (... وإذ أنّنا لو رجعنا إلى ما نقل من فقه عن ابن عبّاس وما نقل من فقه عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وقارنا بين الفقهين، لوجدنا ابن عبّاس رضي الله عنه كثيراً ما يخالف عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في اجتهاداته.
ومن الاستقراء والتتبع لما أوردناه من فقه عليّ بن أبي طالب في (موسوعة فقه عليّ بن أبي طالب)، ومن فقه ابن عبّاس في موسوعة (فقه عبد الله بن عبّاس)، وجدنا أنّ ابن عبّاس يخالف عليّ بن أبي طالب في سبع وستّين مسألة، ووافقه فيما عدا ذلك.
والمسائل التي خالفه فيها هي:
1- كان عليّاً يرى جواز العقوبة بالإحراق بالنار، وقد مارس هذه العقوبة فعلا (ر: ردة/4)، و(لواطة/3)، ولكن ابن عبّاس كان يرى عدم مشروعية هذه العقوبة، وكان ينكرها (ر: إحراق)، ويروى أنّ ابن عبّاس ناقش عليّاً في ذلك، فرجع عليّ إلى قول ابن عبّاس (ر: موسوعة فقه عليّ، مادّة: زندقة/2).
2- وأباح عليّ للمحرم عقد النكاح لنفسه ولغيره دون دخول (ر: حج/5ب4)، ومنع ذلك ابن عبّاس (ر: إحرام/9ح).
3- وأوجب عليّ رضي الله عنه، في بيضة حمام الحرم يتلفها المحرِم درهماً (ر: حج/5ج-)، ولكن ابن عبّاس لم يوجب فيها إلاّ نصف درهم (ر: إحرام/ 9ط2ب).
4- وأوجب عليّ في بيضة النعام إذا أتلفها المحرم جنين ناقة (ر: حج/5ج-)، أمّا ابن عبّاس فقد أوجب على المحرم فيها قيمتها (ر: إحرام/9ط2ب).
5- وكان عليّ يرى أنّ المكاتب يرث من مورثه بمقدار ما أدّى من بدل الكتاب، فإن كان قد أدّى ثلث بدل الكتابة، ورث ثلث سهمه من الميراث (ر: إرث/4ج3)، أمّا ابن عبّاس فإنّه يرى في إحدى الروايتين عنه أنّ المكاتب يرث ميراث الأحرار بمجرّد كتابة عقد المكاتبة، ويرى في رواية أُخرى أنّ المكاتب إن أدّى أكثر بدل الكتابة ورث ميراث الأحرار (ر: إرث/4د1).
6- وكان عليّ يقاسم بالجدّ الإخوة إلى السدس -- يعني: يعطي الجدّ أفضل الحالين: السدس أو المقاسمة -- مع تفصيلات دقيقة في ذلك (ر: إرث/4ه- 2ه-)، أمّا ابن عبّاس فإنّه كان يجعل الجدّ أباً ويحجب به الأخوة عن الميراث (ر: إرث/6ب).
7- وكان عليّ وجمهور الصحابة يرون أنّ الاثنتين من البنات إذا لم يكن معهن ذكر يُعصبهن يأخذن من الميراث الثلثين (ر: إرث/4ه- 6)، أمّا
ابن عبّاس فكان يرى أنّهن لا يأخذن إلاّ النصف، ولا بدّ من أن يكنّ ثلاث بنات حتّى يأخذن الثلثين (ر: إرث/6ه-).
8- ويرى عليّ أنّ الأخوات يرثن مع البنات، ويصرن معهن عصبة (ر: إرث/4ه8)، بينما يرى ابن عبّاس أنّ الأخوات يُحجَبن بالبنات ولا يرثن معهن شيئاً (ر: إرث/6و4).
9- ويرى عليّ بن أبي طالب أنّ الإخوة والأخوات يحجبن الأُمّ حجب نقصان من الثلث إلى السدس إذا كانوا اثنين فأكثر ذكوراً أو إناثاً، وهذا السدس الذي حجبوها عنه يوزع على باقي الورثة (ر: إرث/11أ)، أمّا ابن عبّاس فيرى أنّ الإخوة لا يحجبون الأُمّ عن الثلث إلى السدس إلاّ إذا كانوا ثلاثة فأكثر، ثمّ يأخذون هم -- أي الإخوة -- هذا السدس الذي حجبوا الأُمّ عنه (ر: إرث/6 و5).
10- وكان عليّ يرى أنّ الأخوة لأُمّ يقتسمون ما يستحقونه من الميراث للذكر مثل الأنثى (ر: إرث/4 ه- 3ب)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّهم يقتسمونه بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين (ر: إرث/6ح2).
11- وكان عليّ لا يوِّرث الجدّة التي أدلّت إلى الميت بذكر غير وارث (ر: إرث/4ه- 12أ)، أمّا ابن عبّاس فكان يورثها (ر: إرث/6 ط1).
12- وكان عليّ يورث الجدّة للسدس، ولا يقيمها مقام الأُمّ عند عدمها (ر: إرث/4 ه- 12أ)، أمّا ابن عبّاس فكان يقيمها مقام الأُمّ عند عدمها، فيعطيها الثلث عند عدم وجود العدد الثلاثة من الأخوة، ويعطيها السدس عند وجود هذا العدد من الإخوة (ر: إرث/6ط 3).
13- وكان عليّ بن أبي طالب يأخذ بإعالة الفرائض عندما يضيق أصل المسألة عن سهامها (ر: أرث/5)، أمّا ابن عبّاس فكان لا يعيل المسائل ويقول: أُقدِّم من قدّمه الله وأؤخر من أخره الله (ر: إرث/7ج-).
14- وكان عليّ بن أبي طالب يردّ على الجدّة إن فاض أصل المسألة في الميراث عن سهامها (ر: إرث/6)، أمّا ابن عبّاس فكان لا يردّ عليها (ر: إرث ك).
15- وكان عليّ يرى أنّ الأَمة المعتقة تستبريء رحمها بثلاث حيضات (ر: استبراء/2)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّها يكفيها أن تستبريء رحمها بحيضة واحدة (ر: استبراء/3).
16- وكان عليّ لا يرى الضمان على المستعير إذا تلفت العارية في يده إلاّ إذا تعدّى (ر: إعارة/3)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى تضمينه مطلقاً، تعدّى أم لم يتعدّ (ر: إعارة/3).
17- وكان عليّ يبيح للمعتكف الخروج من معتكفه لعيادة المريض وتشييع الجنازة (ر: اعتكاف/3د)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّه لا يجوز له الخروج لذلك (ر: إعتكاف/4ب).
18- وكان عليّ يرى أنّ البئر ينجس بمجرّد وقوع النجاسة فيه (ر: ماء/2ب)، أمّا ابن عبّاس فإنّه كان يرى أنّه لا ينجس إلاّ إذا ظهر أثر النجاسة فيه (ر: بئر/2).
19- وكان عليّ يرى أنّ البائع في بيع السلم إذا عجز عن تسليم المبيع فإنّه يرد الثمن الذي قبضه، لا غيره (ر: بيع/3ج-)، أمّا ابن عبّاس فإنّه كان
يرى أنّه يجوز له أن يسلم غير المبيع المسمّى إذا تراضيا على ذلك (ر: بيع/6ز).
20- وكان عليّ بن أبي طالب يرى أنّ الأًمة المطلّقة ثلاثاً لا يجوز لها أن تعود لزوجها الذي طلّقها بوطء سيّدها لها -- أي إن وطء السيّد لها بملك اليمين لا يحلّها لمطلّقها -- (ر: طلاق/16ب)، أمّا ابن عبّاس فإنّه يرى أن وطء السيّد أَمته المطلّقة ثلاثاً يحلّها لمطلّقها (ر: تحليل/3).
21- وكان عليّ يكره الرهن والكفالة في السلم (ر: بيع/3د)، أمّا ابن عبّاس فكان يكره الرهن دون الكفالة في الأصحّ عنه (ر: بيع/6ز).
22- وكان عليّ يرى أنّ التنفيل من الغنيمة يكون قبل القسمة (ر: تنفيل)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ التنفيل يكون بعد القسمة، ويكون من خمس الدولة (تنفيل/2).
23- وكره عليّ لمن لم يجد الماء أن يجامع حليلته (ر: تيمم)، وأباح له ابن عبّاس ذلك، ولم يكرهه له (ر: تيمم/2ه-).
24- وكان عليّ يمنع الجنب من قراءة القرآن الكريم (ر: جنابة/2)، وأباح ابن عبّاس للجنب قراءة القرآن (ر: جنابة/3ه-).
25- وكان عليّ يرى أنّ الرجل إذا قتل المرأة عمداً يُقتص منه، أمّا إذا كانت جنايته عليها فيما دون النفس فإنّه لا قصاص عليه فيها، وتجب الديّة في العمد وغيره (ر: جناية/2ه-)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّه يقتص من الجاني على المرأة عمداً في النفس وفيما دونها (ر: جناية/4أ).
26- وكان عليّ يرى أنّ الجناية إذا وقعت على عضو قد تعطلت منفعته
المقصودة منه تجب فيها حكومة عدل (ر: جناية/2ي)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ فيها ثلث الديّة (ر: جناية/4ز).
27- ولا يشترط عليّ فيمن يريد الحجّ عن غيره أن يكون قد حجّ عن نفسه (ر: حج/2د)، أمّا ابن عبّاس فكان يشترط ذلك (ر: حج/8ب).
28- وكان عليّ يرى أنّ على القارن في الحجّ طوافين وسعيين (ر: حج/4ب 3ج-)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ الواجب عليه طواف واحد وسعي واحد (ر: حج/12ب).
29- وكان عليّ يرى أنّ أقلّ الحيض يوم وليلة، وأقلّ الطهر ثلاثة عشر يوماً (ر: حيض/2)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ أقلّ الحيض دفقة، ولا حدّ لأقل الطهر، إذ الحائض إذا رأت الطهر ساعة اغتسلت وصلّت (ر: حيض/3).
30- وكان عليّ يرى أنّه لا يجب شيء من الكفّارات في وطء الحائض (ر: حيض/4ب)، أمّا ابن عبّاس فقد أوجب الكفّارة في وطء الحائض (ر: حيض/5 و4).
31- وكان عليّ يرى أنّه لا يجتمع معاً عشر وخراج في أرض واحدة (ر: خراج/3)، وقال ابن عبّاس يجتمعان معاً في أرض واحدة (ر: أرض/1).
32- وكان عليّ يرى مشروعية المسح على الخفّين مطلقاً (ر: وضوء/ 2ط2)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى مشروعيته في حالتي البرد الشديد والسفر الطويل دون غيرها من الأحوال المعتادة (ر: خف/2أ1).
33- وكان عليّ يرى أنّ الخلع طلقة واحدة بائنة (ر: خلع/4)، أمّا ابن
عبّاس فكان يرى الخلع فسخاً ولا يقع به شيء من الطلاق (ر: خلع/3 ب ج-).
34- وكان عليّ يرى أنّ عدّة المختلعة كعدّة المطلّقة (ر: خلع/5)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ المختلعة لا عدّة عليها، ويكفيها أن تستبريء رحمها بحيضة (ر: خلع/3د).
35- وكان عليّ يرى أنّه لا تحلّ ذبائح الكتابيين الذين تحلّلوا من دينهم (ر: ذبح/1ج-)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى إباحة أكل ذبائحهم وإن تحلّلوا من العمل بدينهم ما داموا لم يكفروا به (ر: ذبح/2ب1ج-).
36- وكان عليّ يرى أنّ المرتدّ يجوز أن يُقتل بالحرق بالنار (ر: ردة/4د)، وقال ابن عبّاس لا يقتل إلاّ بالسيف (ر: ردة/4ب).
37- وكان عليّ يرى أنّ الرضاع لا يثبت بشهادة امرأة واحدة (ر: رضاع/2د)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى ثبوته بها إذا حلفت مع شهادتها (ر: رضاع/3).
38- وكان عليّ يرى أنّ المدبّر يعتق من الثلث (ر: رق/3ب)، ولكن ابن عبّاس كان يرى أنّه يعتق من جميع المال (ر: رق/2ج-).
39- وكان عليّ يرى أنّ نصاب زكاة الزروع خمسة أوسق، ولا زكاة في أقلّ من ذلك (ر: زكاة (10/ب)، ويرى ابن عبّاس أنّ زكاة الزروع واجبة في القليل والكثير (ر: زكاة/4د2).
40- وكان عليّ يرى أن لا تعتق الرقاب من الزكاة (ر: زكاة/16و)، أمّا ابن عبّاس فإنّه كان يرى إعتاق الرقاب منها (ر: (زكاة/7ج-).
41- وكان عليّ يرى أنّه لا يشترط الزواج لإقامة حدّ الزنا على العبد
(ر: زنا/5أ2ب)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ الرقيق لا يقام عليه حدّ الزنا إذا كان متزوّجاً (ر: زنا/3ب).
42- وكان عليّ يرى أنّه لا يحلّ الزواج بمن زني بها (ر: نكاح/3ب)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ الزانية إن كانت مختصّة بالزاني فيجوز له الزواج بها، أمّا إن كانت تبيح نفسها لكلّ طالب، فلا يجوز له الزواج بها (ر: زنا/ 5ب1).
43- وكان عليّ يرى أنّ الزاني غير المحصن يجلد مائة ويحبس سنة (ر: زنا/5أ 2أ)، ولكن ابن عبّاس كان يرى أن يجلد مائة ثمّ يترك (ر: زنا/ 5ه- 2).
44- وكان عليّ يرى أنّ العبد إذا سرق تقطع أنامله فقط (ر: سرقة/5ب)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ العبد لا يقطع إذا سرق، ولكن يعزَّر (ر: سرقة/4ب).
45- وكان عليّ يرى أنّ مسافة السفر الذي تتعلّق به أحكام السفر من الكوفة إلى النخيلة (ر: سفر/2ب)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّها لا بدّ من أن تكون مسيرة يوم وليلة (ر: سفر/2 أ).
46- وكان عليّ يرى أنّ حالة السفر تزول بنية الإقامة عشرة أيام (ر: سفر/2ج-)، وكان ابن عبّاس يرى سبعة أيام، وفي رواية خمسة عشر يوماً، وفي رواية ثالثة تسعة عشر يوماً (ر: سفر/ 2أ).
47- وكان عليّ يرى أفضلية حلق شعر الرأس في الأحوال المعتادة (ر: شعر/1)، وكان ابن عبّاس يكره حلق شعر الرأس كلّه (ر: شعر/1أ).
48- وكان عليّ يقبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض (ر: شهادة4
أ1)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى عدم قبول شهادة الصبيان في شيء (ر: شهادة/4أ).
49- وكان عليّ لا يشترط الحرية في الشاهد لقبول شهادته (ر: شهادة/4أج-)، أمّا ابن عبّاس فكان يشترطها فيه (ر: شهادة/4د).
50- وكان عليّ يرى أنّ الطهارة من النجس شرط لصحّة الصلاة (ر: صلاة/5ب)، أمّا ابن عبّاس فكان لا يراها شرطاً، وإن كان من السُنّة تحاشيها (ر: صلاة/7ب).
51- ويختلف دعاء استفتاح الصلاة عند عليّ (ر: صلاة/8ج-) عنه عند ابن عبّاس (ر: صلاة/9ج-).
52- وكره عليّ الإقعاء في القعود في الصلاة (ر: صلاة/8م)، ولم يكرهه ابن عبّاس (ر: صلاة/9ك).
53- وألفاظ التشهد في الصلاة عند عليّ (ر: صلاة/8ن) تختلف عنها عند ابن عبّاس (ر: صلاة/9م2).
54- وكان عليّ يستحبّ تأخير صلاة الوتر إلى آخر الليل (ر: صلاة/5ه2)، وكان ابن عبّاس يستحبّ صلاتها في أوّل الليل (ر: صلاة/10و).
55- وتختلف ألفاظ دعاء القنوت عند عليّ (ر: صلاة/10د) عنها عند ابن عبّاس (ر: صلاة/10ه-).
56- وكان عليّ يرى أنّ صلاة الخوف في السفر ركعتان (ر: صلاة/28)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّها ركعة واحدة (ر: صلاة/15).
57- وكان عليّ يرى أنّ أحقّ الناس بالصلاة على الميت الإمام، ثمّ أولياؤه (ر: صلاة/27ه-)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ أحقّ الناس بذلك هو الوليّ (ر: صلاة/18ج-).
58- وكان عليّ يرى تحريم أكل الضبّ (ر: طعام/9)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى إباحته (ر: طعام/3أ).
59- وكان عليّ يرى أنّ الرجل إذا خيّر امرأته بين الطلاق والإبقاء على الزوجية فاختارت الطلاق يقع طلقة بائنة (ر:طلاق/3ب3)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى وقوع طلقة رجعية (ر: طلاق/ 3ب).
60- وكان عليّ يرى أنّ العمرى لا تنقل الملكية (ر: هبة/4)، أمّا ابن عبّاس فإنّه يرى أنّ العمرى تنقل الملكية (ر: عمرى/2).
61- وكان عليّ يرى وجوب الغسل من تغسيل الميت (ر: غسل/1د)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى كراهة الغسل من تغسيل الميت (ر: غسل/3أ).
62- وكان عليّ يرى أنّ سهم رسول الله وسهم قرابة رسول الله قد سقطا بوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ر: غنيمة/3ب)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى استمرار هذين السهمين لقرابة رسول الله الذين لا يحقّ لهم الأخذ من الزكاة (ر: غنيمة/3ب).
63- وكان عليّ بن أبي طالب يحدّد الماء القليل في البئر بما يمكن نزحه (ر: ماء/2ب)، وأمّا ابن عبّاس فكان يحدّده بالقلتين، فما بلغ القلتين فهو كثير (ر: ماء/5ج-).
64- وكان عليّ يرى أنّ المعتدّة الحامل لها النفقة، سواء أكانت معتدّة
من طلاق أم من وفاة (ر: عدّة/4أ)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ المعتدّة من الوفاة والمعتدّة من الطلاق البائن لا نفقة لهما، لا فرق في ذلك بين الحامل وغير الحامل (ر: عدّة/3د3) و(عدّة/5د3).
66- وكان عليّ يعطي الأُمّ ثلث الباقي بعد فرض الزوج أو الزوجة إذا كان الوارث هي مع أحد الزوجين (ر: إرث/4ه- 11ب)، وكان ابن عبّاس يعطيها ثلث جميع المال (ر: إرث/6ز10).
وممّا يؤيد ما ذهبنا إليه، ويؤكّد أنّ ابن عبّاس لم يكن يقلّد أحداً من الصحابة، وأنّه كان ذا شخصية فقهية مستقلّة، ما انفرد به من المسائل التي خالف فيها سائر الصحابة، أو خالف فيها جمهورهم لدليل صحّ عنده، أو فهم انقدح في ذهنه.
ومن استقرائنا لفقه عبد الله بن عبّاس، وجدنا أنّه انفرد بمسائل كنّا نودّ أن نتناولها بالتفصيل مقارنة بفقه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وأن نخضعها للتحليل والدراسة لرسم خطوط أعمق لشخصية ابن عبّاس الفقهية، لولا أنّ هذا البحث لا يتسع لذلك، ولولا أنّ ذلك يخرجنا من غايتنا في عرض فقه السلف، فحسبنا أنّنا جمعنا، ولنترك الدراسة والتحليل لغيرنا من الباحثين.
والمسائل التي انفرد بها عبد الله بن عبّاس، أو خالف فيها جمهور الصحابة هي:
1- إقامة الجدّة مقام الأُمّ عند عدمها واستحقاقها سهمها قياساً على الجدّ (ر: إرث/6ط3).
2- لا عدّة على المختلعة، ويكفيها استبراء رحمها بحيضة (ر: خلع/3د).
3- لا يقام حدّ السرقة على العبد (ر: سرقة/4ب).
4- الطهارة من النجس ليست بشرط لصحّة الصلاة (ر: صلاة/7ب).
5- لا نفقة للمعتدّة من الوفاة، ولا للمعتدّة من الطلاق البائن ولو كانت حاملاً (ر: عدّة/3د3) و(عدّة: 5د3).
6- إذا كان الأخوة ثلاثة وحجبوا الأُمّ حجب نقصان من الثلث إلى السدس، فإنّهم يأخذون هذا السدس الذي حجبوا الأُمّ عنه ويقتسمونه بينهم (ر: إرث/6و5).
7- الأخت لا تصير عصبة مع البنت (ر: أرث/6و4).
8- الإخوة لأُمّ يقتسمون الميراث بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين (ر: إرث/6ح2).
9- إذا اجتمع أخوة لأُمّ وإخوة أشقّاء عصبات، واستغرقت الفرائض المال كلّه ولم يبق للإخوة الأشقاء شيء، فإنّهم لا يشاركون الإخوة لأُمّ في فرضهم (ر: إرث/6ح3).
10- لا تستحقّ البنات الثلثين إلاّ إذا كنّ ثلاثاً فصاعداً (ر: إرث/6 ه2).
11- لا يحجب الأُمّ من الثلث إلى السدس إلاّ ثلاثة أخوة أو أخوات (ر: إرث/6 و5) و(6ز2).
12- للأُمّ ثلث جميع المال فيما إذا ترك الميت الأبوين وزوجاً أو زوجة (ر: إرث/6ز1).
13- كان ينكر العول، ولا يأخذ به في الميراث (ر: إرث/7).
14- كان لا يشترط في الاستثناء أن يكون متصلاً (ر: استثناء/3).
15- إباحة التيمم للنوم على طهارة (ر: تيمم/2ه-).
16- إباحة قراءة القرآن للجنب (ر: جنابة/3ه-).
17- عدم إقامة الحدود على الكافر (ر: حد/4ب).
18- اعتبر الخلع فسخاً لا طلاقاً، وعدم وجوب العدّة فيه، والاكتفاء به بالاستبراء (ر: خلع/3).
19- اعتبار الأَمة كالبهيمة، ويتفرّع على ذلك إعارة فرجها (ر: تسري/2أ2)، وإباحة نوم الرجل بين أَمتيه (ر: نكاح/10ب4).
20- إباحة ربا الفضل، ولكن الصحيح الرجوع عنه (ر: ربا/3).
21- عدم اشتراط التوجّه إلى القبلة في سجود التلاوة (ر: سجود/6د).
22- عدم قبول شهادة الأقلف، وعدم أكل ذبيحته (ر: أقلف/2).
23- جواز الصلاة قبل الوقت لمن خاف فوتها (ر: صلاة/7 ه3).
24- كراهة الصلاة في جوف الكعبة (ر:صلاة/7د) و(8ب).
25- المعتدّة من الوفاة تعتدّ حيث شائت، ولها أن تسافر في العدّة (ر: عدّة/5د) و(حج/6د5).
26- مصارف الفيء هي مصارف الغنيمة (ر: غنيمة/ و(فيئ).
27- الاكتفاء بالإتيان بالفريضة لسقوط الفريضة النذر (ر: نذر/4) و(حج/4).
28- يجوز للولي أن يعفو عن شيء من مهر مولاته (ر: مهر/4ج).
هذه هي المسائل التي ذكرها الدكتور قلعةجي في كتابه (موسوعة فقه عبد الله بن عبّاس)، وهي التي خالف فيها ابن عبّاس عليّاً عليه السلام وجمهور الصحابة، وقد ناهزت المائة مسألة.
وهذا رقم كبير، فلئن صحّ جميعه فهو خطير، وبالبحث جدير، لذلك فضّلت البحث عن صحّة نسبة مسائله إلى ابن عبّاس، لأنّي شككت فيها، ومنشأ الشكّ ما قرأت كثيراً عن ابن عبّاس وتفرّده ببعض الفتاوى التي شهّروا به من أجلها، فلم تبلغ العشرين فيما أحصيت سابقاً، أمّا الآن وقد ذكر صاحب الموسوعة أضعاف ما عندي سابقاً، فلا بدّ من العكوف عليها مسألة مسألة، والنظر في رواتها وملابساتها زماناً ومكاناً، ثمّ النظر في مستند ابن عبّاس فيها إن صحّت النسبة إليه.
فإلى القارئ بيان هذا حسب ورودها مرتّبة على نهج كتب الأحكام الفقهية من كتاب الطهارة إلى كتاب الديات، لا على النهج المعجمي الذي اتّبعه المؤلّف:
ملاحظة عابرة
هنا وقفة عتاب مع الدكتور محمّد روّاس في موسوعتيه (فقهي عليّ وابن عبّاس).
أستفتح أوّلاً الكلام بحمد الله تعالى والثناء عليه، والصلاة على نبيّه وخاتم رسله وعلى آله الهداة البررة من العترة الخيّرة، ورضي الله عن الصحابة المهتدين والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين.
ثانياً: أحييّ الدكتور روّاس بالاستغفار لنا وله ولجميع الناس، وأسأله -- وحقّي أن أسأل -- هل كان في غفلة أنّ عليّاً وابن عبّاس، كانا يعيشان مع الناس في ظرف عصيب، تولّت حكوماته رجال فيهم من يؤبه به، وفيهم من لا يؤبه؟ فالراشدون هم غير معاوية سلوكاً ومنهجاً، أبو بكر وعمر هما غير عثمان، الذي انفلتت الوكاء من بين يديه فأغرق التاريخ بالدم، ثمّ تعاقبت حكومات تولّتها رجالات كلّهم خصوم لعليّ ولابن عبّاس، ومن الصعب أن يتخلّى الباحث عن بيئته وعقيدته أزاء أولئك الحاكمين، لأنّها -- الحيثيات -- تغلبه سلباً أو إيجاباً، وقليل منهم من راعى في قراءة التاريخ الموازنة الصحيحة، واسترشد نور الإيمان دون مكابرة الواقع في نتائج العرض والتحليل.
ولا شكّ أنّ الدكتور روّاس يعلم يقيناً أنّ لعليّ ولابن عبّاس من الآثار في التراث الإسلامي الشيء الكثير الكثير، ومن الممتنع عقلاً أنّه لم يطّلع على ما زخرت به كتب الجوامع الحديثية من النسب إليهما حقّاً أو باطلاً.
ولمّا كان هدف الباحث الوصول إلى الحقيقة في عرض ما رآه، ممّا يمكنه عرضه، مؤمناً هو أوّلاً بصحّة نسبته، ثمّ يعرضه مطمئناً لقرّآء كتابه، بواقعية بعيدة عن الأوهام فضلاً عن الافتعال، أو التخبط في متاهات لا تخدم القارئ في معرفة الحقائق، فيشكّل خطورة على المعلومات، والزمان كفيل بكشف الزيف، وفي تقدّم التقنيات في الحاسوب ما سوف يمزّق ستر الضبابية المهلهل ونساجة العنكبوت، التي عاشها القارئ المسلم بتضليل عن تراثه الفقهي والحديثي، بل وحتّى عن تاريخه المشوب بأدغال السياسة التي ضربت المسلمين بعضهم ببعض.
فيا أيّها الأُستاذ.. إنّ الكتابة عن فقه السلف استناداً إلى ما ورد في المصادر التي اعتمدتها، فهي ليست غنيّة بما يكفي لمعرفة آراء من كتبتَ عنهم، على ما فيها من همز ولمز مخلّ بموازين القسط، فليس من الحكمة أن تأخذ رأي إنسان من خصمه، ولا من الإنصاف غضّ النظر عمّا رواه عنه أتباعه، فالجدير بالباحث أن يقرأ عن موضوعه كلّ ما يمتّ له بصلة له، أو عليه، ثمّ يخلص بنتيجة بحثه فيعرضها لقرائه.
فهل تجهل أنّ لعليّ شيعة هم أعرف بآرائه من أعدائه؟ وهل تجهل أنّ في آل عليّ -- أهل البيت -- من هم أدرى بفقهه؟ فهلاّ كنت كبعض كتّاب العصر في مصر كأبي رية، وأبي زهرة، وو ...
أتدري ما قال أبو زهرة في كتابه (الإمام الصادق حياته وعصره -- آراؤه الفقهية)؟
لقد قال في تعقيبه على ما قاله ابن القيم في (أعلام الموقعين): (إنّ العلم انحصر على أربعة: هم ابن مسعود، وابن عبّاس، وابن عمر، وزيد بن ثابت)(1).
قال أبو زهرة: (وهنا نبدي ملاحظتين على القصر الذي اشتمل عليه كلام ابن القيم، ونقله عن ابن جرير...).
فإلى القارئ ما قاله في:
(الملاحظة الثانية: إنّ القصر على الأربعة الذين ذكروا لا يمكن أن يكون قصراً حقيقياً، فإنّ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كثيرين غير هؤلاء، وناهيك بعمر ابن الخطّاب الذي فتح عين الفقه المصلحي الذي لا يخالف نصّاً...
1) - أعلام الموقعين 1/16.
ثمّ إنّ هناك عليّ بن أبي طالب الذي مكث نحواً من ثلاثين سنة بعد أن قبض الله تعالى رسوله إليه يفتي، ويرشد، ويوجّه، وقد كان غوّاصاً طالباً للحقائق، وقد أقام في الكوفة نحو خمس سنوات، ولا بدّ أنّه ترك فيها فتاوى وأقضية، وكان فيها المنفرد بالتوجيه والإرشاد، وإنّه قد عرف بغزارة في العلم كرّم الله وجهه، وعمق وانصراف إلى الإفتاء في مدّة الخلفاء قبله، والمشاركة في كلّ الأمور العميقة التي تحتاج إلى فحص وتقليب للأُمور من كلّ وجوهها مع تمحيص وقوّة استنباط.
وإنّه يجب علينا أن نقرّر هنا أنّ فقه عليّ وفتاويه وأقضيته لم ترو في كتب السُنّة بالقدر الذي يتّفق مع مدّة خلافته، ولا مع المدّة التي كان منصرفاً فيها إلى الدرس، والإفتاء في مدّة الراشدين قبله، وقد كانت حياته كلّها للفقه وعلم الدين، وكان أكثر الصحابة اتصالاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد رافق الرسول وهو صبي قبل أن يبعث عليه السلام ، واستمر معه إلى أن قبض الله تعالى رسوله إليه، ولذا كان يجب أن يذكر له في كتب السُنّة أضعاف ما هو مذكور فيها.
وإذا كان لنا أن نعرف السبب الذي من أجله اختفى عن جمهور المسلمين بعض مرويات عليّ وفقهه.
فإنّا نقول: إنّه لا بدّ أن يكون للحكم الأموي أثر في اختفاء كثير من آثار عليّ في القضاء والإفتاء، إنّه ليس من المعقول أن يلعنون عليّاً فوق المنابر، وأن يتركوا العلماء يتحدّثون بعلمه، وينقلون فتاويه وأقواله للناس، وخصوصاً ما كان يتّصل منها بأساس الحكم الإسلامي.
والعراق الذي عاش فيه عليّ رضي الله عنه وكرّم الله وجهه، وفيه انبثق علمه، كان يحكمه في صدر الدولة الأموية ووسطها حكّام غلاظ شداد، لا يمكن أن يتركوا آراء عليّ تسري في وسط الجماهير الإسلامية، وهم الذين يخلقون الريب والشكوك حوله، حتّى أنّهم يتّخذون من تكنية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم له ب-(أبي تراب) ذريعة لتنقيصه، وهو رضي الله عنه كان يطرب لهذه الكنية، ويستريح لسماعها، لأنّ النبيّ قالها في محبّة، كمحبّة الوالد لولده.
ولكن هل كان اختفاء أكثر آثار عليّ رضي الله عنه، وعدم شهرتها بين جماهير المسلمين سبيلاً لاندثارها، وذهابها في لجّة التاريخ إلى حيث لا يعلم بها أحد..!! إنّ عليّاً رضي الله عنه قد استشهد وقد ترك من ورائه ذرّية أبراراً أطهاراً كانوا أئمّة في علم الإسلام، وكانوا ممّن يقتدى بهم، ترك ولديه من فاطمة الحسن والحسين، وترك روّاد الفكر محمّد بن الحنفية، فأودعهم رضي الله عنه ذلك العلم، وقد قال ابن عبّاس: (إنّه ما انتفع بكلام بعد كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما انتفع بكلام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه).
لقد قام أولئك الأبناء بالمحافظة على تراث أبيهم الفكري، وهو إمام الهدى، فحفظوه من الضياع، وقد انتقل معهم إلى المدينة لمّا انتقلوا إليها بعد استشهاده رضي الله عنه.
وبذلك ننتهي إلى أنّ البيت العلوي فيه علم الرواية كاملة عن عليّ رضي الله عنه. رووا عنه ما رواه عن الرسول كاملاً، أو قريباً من الكمال، ورووا عنه فتاويه كاملة، وفقهه كاملاً، أو قريباً من الكمال، واستكنوا بهذا العلم المشرق في كنّ من البيت الكريم.
وقد يقول قائل: إنّه قد يكون في الاستتار مجال للتزيّد.
ونقول في الإجابة عن هذا: إنّ التزيّد لا يمكن أن يكون من رجال البيت الكريم، الذين اشتهر رجاله بالصدق في القول والعمل والإخلاص في كلّ شؤون دينهم، فهل يتصوّر التزيّد من الحسين، أو عليّ زين العابدين، أو الباقر، أو الصادق؟! إنّ ذلك لا يتصوّر، ولا يمكن أن يفرضه عالم مسلم مهما تكن نحلته.
ولكن التزيّد قد يكون من الغلاة الذي لا يرجون للإسلام وقارا، ولا يمكن أن يكون من أئمّة الهدى الذين يقتدى بهم في علم الدين والتقى والزهادة والمحافظة على تراث الإسلام، حتّى يصل إلى الناس نقياً غير مشوب بأي شائبة.
وإنّ ذلك يتقاضانا أن نفرض أن تكون ثمّة مجموعة عند آل البيت، حملها أولاد الإمام عليّ كرّم الله وجهه، ثمّ حمّلوها أولادهم من بعدهم، وقد كانت إقامتهم جميعاً بالمدينة، فنقلوا إليها علم الإمام، وربّما كانوا يستخفون به أحياناً، ويعلنونه أحياناً، ومهما يكن فقد كان جزء كبير من علم آل البيت هو علم عليّ، آل إليهم من تركته الموروثة).
ثمّ قال أبو زهرة: (هذه كلمة عارضة ذكرناها لبيان أنّ عليّاًt كان له علم لا يقل عن علم عبد الله بن مسعود، وأنّ ابن عبّاس قبس منه وانتفع به، وأنّه كان من صحابته الأدنين، وقرابته المقربيّن، وإن كان غضب عليه وقتاً من الأوقات، فهي غضبة المحبّ العاتب، لا المبغض الشانيء)(1)
نقلنا كلامه بطوله لغرض تنبيّه الذين يتجاهلون قدر علم الإمام وأهل البيت عليهم السلام، فلا ينظرون إلى ما عند الإمام إلاّ من مصادر الأغيار ممّن شاب فشابها بالأكدار، مع أنّ الواجب الأخذ من أهل البيت الأطهار، فهم أدرى بما فيه، وسيأتي إن شاء الله في الحلقة الرابعة تفنيد الهُمزة اللُمزة في آخر كلامه.
.1) - الإمام الصادق، محمّد أبو زهرة: 160 -- 164 مط أحمد علي مخيمر.
ثمّ يا أيّها الدكتور الذي منحه الله تعالى نعمة العقل ونور العلم، هلاّ فكّرت وأنت الخبير القدير، هل أنّ فقه عليّ عليه السلام وهو الذي قال فيه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : (أقضاكم عليّ) يقضي بحكم، فينقده ابن عبّاس فيه، فيرجع عن قوله، وابن عبّاس هو القائل: (ما عندي من علم فهو عن عليّ عليه السلام)؟! ولم يرو الرواة عن ابن عبّاس أنّه قال: قال هذا عن غير عليّ عليه السلام !
وإذا أردنا الموازنة بين آراء الرجلين، حتّى مع اختلال الموازين، لا تكون النتيجة كما ذكرت، فإنّ عليّاً عليه السلام كما هو معلوم عاش منذ صباه مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وحتّى قبض الله تعالى نبيّه إليه، أكثر من ثلاثين سنة، يضمه إليه، ويُشمّه عرفه، ويرفع له في كلّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمره بالاقتداء به، فيتّبعه اتّباع الفصيل أثر أُمّه(1)! كيف يكون ابن عبّاس الذي اقتبس منه موازياً له، ثمّ هو يخالفه في الرأي؟!
حبّذا وإن لم تكن أخذت بفقه عليّ عن رواية أهل بيته، كنتَ ناظراً إليه كما نظر المرحوم الشيخ محمود أبو رية حين وازن في كتابه (أضواء على السُنّة المحمّدية) بين مرويات كبار الصحابة، فقال:
(ما رواه عليّ:
ولد عليّ قبل البعثة بنحو عشر سنين، وتربّى في حجر النبيّ، وعاش تحت
1) - راجع الخطبة: 192 من النهج.
كنفه قبل البعثة، وظلّ معه إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، لم يفارقه أبداً لا في سفر ولا في حضر -- وهو ابن عمّه وزوج ابنته فاطمة الزهراء -- شهد المشاهد كلّها سوى تبوك، فقد استخلفه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيها على المدينة، فقال: (يا رسول الله! أتخلفني في النساء والصبيان)؟ فقال الرسول: (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي) (رواه الشيخان)(1).
ولمّا قال معاوية لسعد بن أبي وقاص: ما يمنعك أن تسبّ أبا تراب؟ قال له: أما ذكرت ثلاث قالهنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إلَيَّ من حمر النعم، فلن أسبّه(2).. ثمّ ذكر له هذه الثلاث التي ذكرناها من قبل(3)، وقال النبيّ: (من كنت مولاه فعليّ مولاه)(4)
وقال ابن حنبل: ((ما بلغنا عن أحد من الصحابة ما بلغنا عن عليّ))، وقال هو والنسائي والنيسابوري وغيرهم: ((لم يرد في حقّ أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر ممّا جاء فيه))، وأخرج مسلم عن عليّ: (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد إليَّ أنّه لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق).
وقد جمع النسائي في مناقبه كتاب الخصائص، وقال الجاحظ: ((لا يعلم رجل في الأرض متى ذكر لسبق في الإسلام والتقدّم فيه، ومتى ذكر الفقه في الدين، ومتى ذكر الزهد في الأموال التي يتناظر الناس عليها، ومتى ذكر الإعطاء في الماعون ،كان مذكوراً في هذه الخلال كلّها إلاّ عليّ رضي الله عنه وأرضاه)). هامش المصدر.
.1) - أضواء على السُنّة المحمّدية: 204، ط الأولى سنة 1277 الناشر مطبعة دار التأليف.
2) - أضواء على السُنّة المحمّدية: 191.
3) - فيرجع إليها لمعرفة بعض ما قيل فيه ممّا لم يأت به هنا، هامش المصدر، فراجعنا فوجدناه قد قال: وروى مسلم عن سعيد بن العاص، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟ فقال: أما ذكرت ثلاثاً قالهنّ الرسول فلن أسبّه، لأن تكون واحدة منهنّ لي أحبّ أليَّ من حمر النعم، سمعت رسول الله يقول له لمّا خلفه في بعض مغازيه: يا رسول الله! خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله: (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة -- كذا والصواب نبيّ -- بعدي)، وسمعته يقول يوم خيبر: (لأعطين الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله)، فتطاولنا لها، فقال: (ادعوا عليّاً)، فأتي به أرمد، فبصق في عينيه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولمّا نزلت هذه الآية: فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ (سورة آل عمران/61) الآية، دعا رسول الله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، وقال: (اللّهمّ هؤلاء أهلي).
4) - قال العجلوني في كشف الخفاء عن هذا الحديث: رواه الطبراني وأحمد والضياء في المختارة، عن زيد بن أرقم وعليّ وثلاثين من الصحابة، بلفظ: (اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه)، فالحديث متواتر مشهور ص274 ج2.
وقال ابن تيمية فيه: هو أفضل أهل البيت، وأفضل بني هاشم بعد النبيّ، وقد ثبت عن النبيّ أنّه أدار كساء على عليّ وفاطمة، وحسن وحسين، وقال: (اللّهمّ هؤلاء أهلي، فأذهب الرجز عنهم وطهرهم تطهيرا)(1).
ومغازيه التي شهدها مع رسول الله وقاتل فيها كانت تسعة: بدراً، وأحداً، والخندق، وخيبر، وفتح مكّة، ويوم حنين، وغيرها، وثبت في الصحيح أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لأعطين الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله يفتح الله على يديه)، فأعطاها لعليّ.
هذا عليّ رضي الله عنه الذي لو كان حفظ كلّ يوم عن النبيّ -- وهو الفطن اللبيب الذكي ربيب النبيّ -- حديثاً واحداً وقد قضى معه رشيداً أكثر من ثلث قرن، لبلغ ما كان يجب أن يرويه حوالي 12 ألف حديث على الأقلّ، هذا إذا روى حديثاً واحداً في كلّ يوم، فما بالك لو كان قد روى كلّ ما سمعه! ولقد كان له حقّ في روايتها، ولا يستطيع أحد أن يماري فيها، ولكن لم
1) - 1/250 من فتاوى ابن تيمية. (هامش المصدر).
يصحّ عنه كلّ ما جاء بكتاب الفصل إلاّ نحو خمسين حديثاً لم يحمل البخاري ومسلم إلاّ نحو عشرين حديثاً)(1). هذا ما قاله أبو رية.
أمّا ما قاله الدكتور محمّد سلام مدكور (مصر):
(ويمتاز عليّ بين فقهاء المسلمين في عصره، بأنّه جعل الدين موضوعاً من موضوعات التفكير والتأمّل، ولم يقصره على العبادة وإجراء الأحكام، فقد امتاز بالفقه الذي يراد به الفكر المحض والدراسة الخالصة، وأمعن فيه ليغوص في أعماقه على الحقيقة العلمية، قال عنه ابن عبّاس رضي الله عنهما : (إذا حدّثني ثقة بفتوى عن عليّ لا أعدوها أبداً)(2). أه-
وكلمة ابن عبّاس تداولها الرواة بتفاوت في النقل، كما مرّت الإشارة إلى هذا، أمّا الذي لم يمرّ ذكره فهو ما ذكره المستشار محمّد عزّت الطهطاوي من مصر، فقال في مقالة (قضاء عليّ كرّم الله وجهه): وقد حكى أقوال عمر، وأبي هريرة، وابن مسعود، ويقول ابن عبّاس رضي الله عنهما : (إذا بلغنا شيء تكلّم به عليّ قضاء وفتيا لم نتجاوزه إلى غيره)(3).
فلماذا أيّها الأُستاذ الباحث الإعراض عن فقه عليّ المحفوظ عند أهل بيته ومنهم عند شيعتهم، والاعتماد على مصادر تعد ثانوية في التقسيم وكلا شيء في التقييم، لكثرة ما فيها من هنات وهفوات في المتون والأسانيد، كما سيأتي ذكر بعض من هذا؟!!
ثمّ ما دامت مصادرك تجمع الغث والسمين، وتروي عن القوي والضعيف، وحتّى أنّ فيها بعض كتب المتصوّفة، مثل (كشف الغمّة) -- وأحسبه الذي للشعراني -- وبعض كتب الزيدية، فلماذا ضاقت عليك برحبها عن ذكر مصدر واحد من كتب فقه الجعفرية؟!!
إنّها الازدواجية التي أودت بحياة الفكر الإسلامي ظلماً وعدواناً..
ففي كتاب الطهارة ثماني مسائل، وهي: 18/ 23/ 24/ 29/ 30/ 32/ 61/ 63.
وفي كتاب الصلاة عشر مسائل: 45/ 46/ 50/ 51/ 52/ 53/ 54/ 55/ 56 /57.
وفي كتاب الزكاة مسألة واحدة: 39.
وفي كتاب الصوم والاعتكاف مسألة واحدة: 17.
وفي كتاب الخمس ثلاث مسائل: 22/31/62.
وفي كتاب الحجّ ستّ مسائل: 2/3/4/27/28/47.
وفي كتاب البيع مسألتان: 19/21.
وفي كتاب الهبة مسألة واحدة: 60.
وفي كتاب العارية مسألة واحدة: 16.
وفي كتاب العتق ثلاث مسائل: 15/38/40.
وفي كتاب الشهادات مسألتان: 48/49.
وفي كتاب النكاح أربع مسائل: 37/42/59/64.
وفي كتاب الطلاق خمس مسائل: 20/33/34/59/64.
وفي كتاب الأطعمة مسألتان: 35/38.
وفي كتاب المواريث عشر مسائل: 5/7/8/9/10/12/13/14/66.
وفي كتاب الحدود أربع مسائل: 1/36/41/44.
وفي كتاب القصاص والديات مسألتان: 25/26.
1- في أحكام المياه:
كان عليّ يرى أنّ البئر ينجس بمجرّد وقوع النجاسة فيه (ر: ماء/2ب)، أمّا ابن عبّاس فإنّه كان يرى أنّه لا ينجس إلاّ إذا ظهر أثر النجاسة فيه (ر: بئر/2).
أقول: من الغريب أن يجعل المسألة خلافية بينهما! وقد ذكر هو نفسه في (ماء6) مخالطة النجاسة الماء نقلاً عن الجصّاص في (أحكام القرآن)(1)عن ابن عبّاس: إن كان الماء قليلاً فإنّه ينجس بمجرّد وقوع النجاسة فيه، سواء ظهرت فيه أوصافها أم لم تظهر. وما حكاه عن غير الجصّاص، فمحمول على الماء الكثير الذي لا ينجس إلاّ إذا ظهرت آثار النجاسة فيه، وبالنسبة إلى منزوحات البئر إذا سقط فيها حيوان ومات، فلم يرد عنه سوى ما ورد في ميتة الزنجي في بئر زمزم، والخبر ليس ثابتاً.
1) - أحكام القرآن 3/344.
وعليه فهذه ليست مخالفة لعليّ عليه السلام .
ولقد حكى البيهقي في (السنن الكبرى)(1)، بحاشية (الجوهر النقي)، بسنده عن الشافعي: (في احتجاج من احتجّ بالأثر عن عليّ وابن عبّاس، قلت: فيخالف ما جاء عن رسول الله(صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) إلى قول غيره؟ قال: لا، قلت: قد فعلت وخالفت مع ذلك عليّاً وابن عبّاس، زعمت أنّ عليّاً قال: إذا وقعت الفأرة في البئر تنزح منها خمسة أو سبعة دلاء، وزعمت أنّها لا تطهر إلاّ بعشرين أو ثلاثين، وزعمت أنّ ابن عبّاس نزح زمزم من زنجي وقع فيها، وأنت تقول: يكفي من ذلك أربعون أو ستّون دلواً، وهذا عن عليّ وابن عبّاس غير ثابت).
(وقال الشافعي لمخالفيه: قد رويتم عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، أنّه قال: (الماء لا ينجسه شيء)، أفترى أنّ ابن عبّاس يروي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خبراً ويتركه إن كانت هذه روايته، وتروون عنه: أنّه توضأ من غدير يدافع جيفة، وتروون عنه: الماء لا ينجس، فإن كان شيء من هذا صحيحاً فهو يدلّ على أنّه لم ينزح زمزم للنجاسة، ولكن للتنظيف، إن كان فعل، وزمزم للشرب، وقد يكون الدم ظهر على الماء حتّى رئي فيه)(2).
(وقال الزعفراني: قال أبو عبد الله الشافعي: لا نعرفه عن ابن عبّاس،
وزمزم عندنا ما سمعنا بهذا)(1).
2- في الوضوء:
كان عليّ يرى مشروعية المسح على الخفّين (ر: وضوء/2ط2)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى مشروعيته في حالتي البرد الشديد والسفر الطويل دون غيرها من الأحوال المعتادة (ر: خف/2/أ1).
أقول: كلا القولين لم تصحّ نسبتهما كما ذكرهما المؤلّف، وكلاً من الإمام وابن عبّاس ممّن لا يجيز المسح على الخفّين مطلقاً.
فقد قال العلاّمة الحلّي في (تذكرة الفقهاء) في المبحث الخامس في مسح الرجلين مسألة -50-: (ذهب الإمامية كافّة إلى وجوب المسح على الرجلين، وإبطال الوضوء بغسلهما اختياراً، وبه قال عليّ عليه السلام وابن عبّاس...)(2).
وفي (سنن البيهقي)(3)، و(سنن الدارقطني)(4): عن ابن عبّاس، أنّه قال: ما أجد في كتاب الله إلاّ غسلتين ومسحتين.
وفي (مسند أحمد) قوله: ما أبالي أمسح على الخفّين، أو على ظهر عير بالفلاة(5). وهذا هو عين قول الإمام عليه السلام كما في حديثه مع عمر حين أتاه سعد بن أبي وقاص يشكو عمّاراً لأنّه أنكر عليه مسحه على الخفّين.
وفي (وسائل الشيعة)، بسنده عن الشيخ الطوسي، بسنده عن أبي الورد، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إنّ أبا ظبيان حدّثني أنّه رأى عليّاً عليه السلام أراق الماء، ثمّ مسح على الخفّين؟ فقال: كذب أبو ظبيان، أما بلغك قول عليّ عليه السلام فيكم: (سبق الكتاب الخفّين)؟ فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: لا، إلاّ من عدوّ تتقيه، أو ثلج تخافه على رجليك.
وفي المسح على الخفّين في وضوء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عدّة روايات دلّت على أنّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يمسح عليهما بعد نزول المائدة.
منها: ما رواه ابن عبّاس كما أخرجه عنه أحمد في المسند(1)، والبيهقي في (السنن الكبرى)(2)، والطبراني في (الكبير)(3)، عن كلّ من مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، عن ابن عبّاس -- واللفظ لأحمد -- : قال ابن عبّاس رضي الله عنه: إنّا عند عمر رضي الله عنه حين سأله سعد وابن عمر عن المسح على الخفيّن، فقضى عمر لسعد، فقلت: يا سعد! قد علمنا أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مسح على خفّيه، ولكن أقبل المائدة أم بعدها؟ -- فقال روح أو بعدها -- قال: لا يخبرك أحد أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مسح عليهما بعدما أنزلت المائدة، فسكت عمر.
ثمّ قال البيهقي: أخبرنا بصحّة ذلك أبو محمّد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد.
وروى ابن أبي شيبة في (المصنّف) عن ابن عبّاس رضي الله عنه أنّه قال: (ما
أبالي مسحت على الخفيّن، أو مسحت على ظهر بختيّ هذا)(1).
وروي عنه أيضاً قال: (لأن أمسح على ظهر عير في الفلاة أحبّ إليَّ من أن أمسح على الخفّين)(2).
إلى غير ذلك من أقواله في المنع من المسح على الخفّين.
ومنها ما روي عنه أنّه سُئل: هل مسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الخفيّن؟ فقال: والله ما مسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الخفّين بعد نزول المائدة، وأن أمسح على ظهر عير في الفلاة أحبّ إليَّ من أن أمسح على الخفّين(3).
وراجع (المبسوط) للسرخسي، فستجد مؤلّفه السرخسي يقول: وقد صحّ رجوعه عنها على ما قاله عطاء بن أبي رباحt: لم يمت ابن عبّاسt حتّى اتبع أصحابه في المسح على الخفّين(4).
وهذا دفع منه بالصدر لأنّه من الأحناف وهم يقولون به!
ولكن إذا رجعنا إلى فقه أهل البيت عليهم السلام، لم نجد فيهم من يقول بالمسح على الخفيّن بغير ضرورة، فعن زيد بن علي، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ عليه السلام: (إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسح قبل نزول المائدة، فلمّا نزلت آية المائدة لم يمسح بعدها). وقال: (إنّا ولد فاطمة عليها السلام لا نمسح على الخفّين، ولا عمامة)(5).
3- في أحكام الحيض:
كان عليّ يرى أنّ أقلّ الحيض يوم وليلة، وأقلّ الطهر ثلاثة عشر يوماً (ر: حيض/2)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ أقلّ الحيض دفقة، ولا حدّ لأقلّ الطهر، إذا الحائض رأت الطهر ساعة اغتسلت وصلّت (ر: حيض/3).
أقول: من الغريب أن يذكر المؤلّف هذا عن الإمام عليه السلام وعن ابن عبّاس بضرس قاطع، بقوله: (كان عليّ يرى...) إلى آخر ما ذكره، نقلاً عن (المحلّى) لابن حزم(1)، و(المغني) لابن قدامة(2)!
ورجعنا إلى (المحلّى)، فوجدنا الخبر وليس فيه: أنّ عليّاً قال في أقلّ الحيض يوم وليلة، وأقلّ الطهر ثلاثة عشر يوماً، كما نسبه إليه المؤلّف! وزعم أنّه استفاد ذلك من قول الإمام لشريح (قالون)، معناها: أصبت (؟!)
وحتّى قضاء شريح ليس فيه: أقلّ الحيض يوم وليلة، وأقلّ الطهر ثلاثة عشر يوماً؛ فراجع!
قال محقّق (المحلّى): (هذا الأثر ذكره البخاري في الصحيح تعليقاً بلفظ: (ويذكر عن عليّ وشريح أن جاءت...) الخ. قال ابن حجر (1/360): (وصله الدارمي، ورجاله ثقات، وإنّما لم يجزم به للتردّد في سماع الشعبي من عليّ، ولم يقل أنّه سمع من شريح، فيكون موصولاً)...
والأثر في (مسند الدارمي)-80-: أخبرنا يعلي -- هو ابن عبيد -- ثنا إسماعيل -- هو ابن أبي خالد -- عن عامر -- هو الشعبي -- قال: جاءت امرأة إلى عليّ
تخاصم زوجها طلّقها، فقالت، قد حضت في شهر ثلاث حيض.
فقال عليّ لشريح: اقض بينهما.
قال: يا أمير المؤمنين! وأنت ههنا!
قال: اقض بينهما.
قال: إن جاءت من بطانة أهلها ممّن يُرضى دينه وأمانته يزعم أنّها حاضت ثلاث حيض تطهر عند كلّ قُرء وتصلّي، جاز لها، وإلاّ فلا.
فقال عليّ: قالون. وقالون: بلسان الروم: أحسنت...)(1).
هذا ما في (المحلّى) متناً وهامشاً، وليس فيه ذكر الحيض يوم وليلة، وأقلّ الطهر ثلاثة عشر يوماً!
نعم، ورد هذا في كلام ابن قدامة المقدسي في (المغني) ، حيث قال: (فصل: وأقلّ الطهر بين الحيضتين: ثلاثة عشر يوماً، لأنّ كلام أحمد لا يختلف أنّ العدّة تصحّ أن تنقضي في شهر واحد إذا قامت به البينة...
ولنا ما روي عن عليّ رضي الله عنه: أنّ امرأة جاءته وقد طلّقها زوجها، فزعمت أنّها حاضت في شهر ثلاث حيض طهرت عند كلّ قُرء وصلّت، فقال عليّ لشريح: قل فيها، فقال شريح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممّن يرضى دينه وأمانته فشهدت بذلك، وإلاّ فهي كاذبة. فقال عليّ: قالون، وهذا بالرومية، ومعناه: جيد، وهذا لا يقوله إلاّ توقيفاً. ولأنّه قول صحابي انتشر، ولم نعلم خلافه، رواه الإمام أحمد بإسناده، ولا يجيء إلاّ على قولنا: أقلّه
1) - المحلّى 1/128.
ثلاثة عشر، وأقلّ الحيض يوم وليلة، وهذا في الطهر بين الحيضيتين، فأمّا الطهر في أثناء الحيضة فلا توقيت فيه، فإنّ ابن عبّاس قال: (أمّا رأت الدم البُحراني فإنّها لا تصلّي، وإذا رأت الطهر ساعة، فلتغتسل)(1).
قال في (بدائع الصنائع): (وإنّما أراد شريح بذلك تحقيق النفي أنّها لا تجد ذلك، وأنّ هذا لا يكون، كما قال الله تعالى: وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)(2)(3).
أقول: فأين هذا ممّا قاله عن ابن عبّاس فيما أحال عليه في (موسوعة فقه عبد الله بن عبّاس (حيض/3) ، فإنّه قال فيها: (كان ابن عبّاس يرى أنّ الحيض لا حدّ لأقلّه)، ويظهر لنا ذلك من قوله المتقدّم: (إذا رأت الدم البحراني فإنّها لا تصلّي)، كما أنّه يرى أنّ الطهر لا حدّ لأقلّه أيضاً، حتّى أنّ الحائض لو رأت الطهر بعد ساعة اغتسلت وصلّت... ولم نعثر على قول لابن عبّاس في أكثر الحيض، ولعلّه يردّه إلى العادة، فيكون أكثر حيض كلّ امرأة ما جرت عادتها به، أو لا يجعل لأكثره حدّاً، لأنّه محدود بوجود الدم البحراني، فإذا انقطع ذلك الدم البحراني فقد انتهى الحيض.
أقول: فكيف يفسّر الخلاف في المقام وهو يقول عن عليّ، ولم نعثر على قول صريح في ذلك، وعن ابن عبّاس ولم نعثر! إنّها بلية الفهم المقيم على الموروث السقيم.
4- في أحكام الحيض:
كان عليّ يرى أنّه لا يجب شيء من الكفّارات في وطء الحائض (ر: حيض/4ب)، أمّا ابن عبّاس فقد أوجب الكفّارة في وطء الحائض (ر: حيض/5 و4).
أقول: أمّا ما ذكره المؤلّف عن الإمام عليه السلام فغير صحيح! لأنّ أهل بيته أعرف بفقهه، وقد رووا ورأوا المنع من ذلك، وقالوا: لو فعل فقد عصى ربّه.
واحتجّ الشيخ الطوسي في (التهذيب) بما رواه عن محمّد بن مسلم، قال: سألته -- يعني الإمام -- عمّن أتى امرأته وهي طامث؟ فقال: (يتصدّق بدينار ويستغفر الله)، وتأوله على أنّه في أوّله.
وما رواه عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (من أتى حائضاً فعليه نصف دينار يتصدّق به)، وتأوّله على الوسط(1).
وهناك روايات أُخرى في الموضوع نفسه، فكان على المؤلّف أن يقرأ بعض مصادر فقه أهل البيت عليهم السلام فيعرف رأي الإمامu في هذا المقام.
وأمّا ما رواه من رأي ابن عبّاس، فقد ذكر في موسوعته في صفحة -299- من مباشرة الحائض ووطئها، فقال: (من استقراء النصوص الواردة عن ابن عبّاس رضي الله عنه في مباشرة الحائض، نجد تضارباً واضحاً، وللتوفيق بينها نقول).
ثمّ ذكر ما رآه أوفق، وهو لا يخلو من مناقشة في بعض ما ذكره،
1) - التهذيب 1/163.
كاستدلاله بخبر منبوز المكّي -- وهو كاسمه لجهالته -- عن أُمّه -- وهي كابنها في الجهالة -- قالت: كنّا عند ميمونة، فدخل عليها ابن عبّاس، فقالت له: أي بنيّ ما لي أراك شعث الرأس؟ فقال: إنّ مرجلّتي حائض، ونقله عن (المحلّى) لابن حزم(1).
فرجعنا إليه، وقرأنا ما قاله ابن حزم في هذه المسألة -1916- وتفنيد الاستدلال به وبغيره، فراجع تجد عرضاً مفصّلاً للأقوال ومناقشتها سنداً ودلالة...
إلى أن قال: (ووجدنا أهل هذه المقالة -- وجوب الكفّارة -- يحتجّون بخبر رويناه من طريق مقسم، عن ابن عبّاس مسنداً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومقسم ضعيف.
ورويناه أيضاً من طريق شريك، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشريك وخصيف ضعيفان.
ومن طريق فيها عبد الملك بن حبيب، عن المكفوف، عن أيوب بن خوط، عن قتادة، عن ابن عبّاس مسنداً، وعبد الملك وأيوب هالكان، والمكفوف مجهول.
ومن طريق عبد الملك بن حبيب، عن أصبغ بن الفرج، عن السبيعي، عن زيد بن عبد الحميد: أنّ عمر سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال له: (تصدّق بدينار)، وعبد الملك هالك والسبيعي مجهول، ولا يظنّ جاهل أنّه
1) - المحلّى 10/76.
أبو إسحاق، مات أبو إسحاق قبل أن يولد أصبغ بدهر، وهو أيضاً مرسل. وقد رواه الأوزاعي أيضاً مرسلاً، وفيه: تصدّق بخمسي دينار...).
ثمّ قال ابن حزم: (واحتجّ أهل هذه المقالة بخبر رويناه من طريق أحمد بن شعيب، أخبرني محمود بن خالد، نا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن زيد بن تميم السلمي، قال: سمعت علي بن بذيمة يقول: سمعت سعيد بن جبير يقول: سمعت ابن عبّاس يقول: قال رجل: يا رسول الله! إنّي أصبت امرأتي وهي حائض، فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعتق رقبة، قال ابن عبّاس: وقيمة الرقبة يومئذ دينار.
ورويناه أيضاً من طريق موسى بن أيوب، عن الوليد بن مسلم، عن جابر، عن علي بن بذيمة بإسناده.
قال أبو محمّد -- هو ابن حزم -- موسى بن أيوب، وعبد الرحمن بن يزيد ابن تميم ضعيفان، فسقط كلّ ما في هذا الباب)(1).
أقول: فبعد هذا العرض، تبيّن أنّ لا خلاف بين الرأيين على الروايتين، وقد روي عن كلّ من الإمام وابن عبّاس في عدم وجوب شيء من الكفّارات سوى الاستغفار، لأنّه فعل معصية، كما روي عنهما التصدّق بدينار، أو نصف دينار، ومرّ جانب من المناقشة في أدلّة الروايتين، فلا خلاف بين الإمام وابن عبّاس في الرأيين.
5- في أحكام الجنابة:
1) - المحلّى: 80 .
كان عليّ يمنع الجنب من قراءة القرآن الكريم (ر: جنابة/2)، وأباح ابن عبّاس للجنب قراءة القرآن (ر: جنابة/3).
أقول: إنّ ما ذكره المؤلّف عن عليّ عليه السلام في منع الجنب من قراءة القرآن الكريم، إن صحّ، فهو منع تنزيه لا منع تحريم، لأنّه وردت إباحة القراءة -- عدا سور العزائم -- من طريق أهل البيت، وهم آل عليّ عليه السلام، وأعرف بفقهه، ولو كان المنع تحريمياً لما أفتوا بخلافه.
فقد روى الشيخ الطوسي في (التهذيب) بسنده عن الصادق عليه السلام ، وقد سُئل: أتقرأ النفساء والجنب والحائض شيئاً من القرآن؟ قال: (يقرؤون ما شاؤا)(1).
وما ورد عن أبيه الباقر عليه السلام : (الجنب والحائض يفتحان المصحف من وراء الثياب، ويقرآن من القرآن ما شاءا إلاّ السجدة)(2).
وما ورد عن ابن عبّاس في إباحة القراءة بقوله: (يقرأ ورده وهو جنب)(3)، فقيل له في ذلك، فقال: ما في جوفي أكثر منه(4).
فهذا ليس بخلاف معتدّ به.
6- في أحكام الغسل:
كره عليّ لمن لم يجد الماء أن يجامع حليلته (ر: تيمم)، وأباح له ابن
عبّاس ذلك ولم يكرهه له (ر: تيمم/2ه-).
وقد رجعنا إلى مصادره التي أحال عليها، فكان ما ذكره عن عليّ نقله عن أربعة مصادر، أوفاها (المحلّى) لابن حزم.
فجاء في مسألة -247-: قال ابن حزم: (ومن كان في سفر ولا ماء معه، أو كان مريضاً يشقّ عليه استعمال الماء، فله أن يقبّل زوجته وأن يطأها، وهو قول ابن عبّاس، وجابر بن زيد، والحسن البصري، وسعيد بن المسيّب، وقتادة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وداود، وجمهور أصحاب الحديث، وروي عن عليّ، وابن مسعود، وابن عوف، وابن عمر، النهي عن ذلك...).
-- وحكى أقوال آخرين، إلى أن قال --: (ولا حجّة للمانع من ذلك أصلاً، لأنّ الله تعالى جعل نساءنا حرثاً لنا ولباساً لنا...)(1)إلى آخر كلامه.
أقول: فهذا ما ذكره ابن حزم عن النهي ممّا روي عن عليّu مرسلاً، ولم يبيّن من روى ذلك، فلا مجال لصحّة نسبة روايته عن عليّu في النهي!
وأمّا ما ذكره المؤلّف عن ابن عبّاس، فقد حكاه عن (المحلّى) أيضاً، وقد مرّ هذا عنه، وعن ابن عوف، وابن عمر، وأضاف المؤلّف: (فواقع ابن عبّاس، فعابوا ذلك عليه)، نقله عن ابن أبي شيبة في (المصنّف)، و(المغني) لابن قدامة.
1) - المحلّى 2/142.
وفي المصدرين ما يلفت النظر!
ففي (المصنّف): (حدّثنا وكيع، عن علي بن صالح، عن أبي عبد الله الموصلي، قال: كان ابن عوف، وابن عبّاس، وابن عمر في سفر لا يجدون الماء، فواقع ابن عبّاس، فعابوا ذلك عليه)(1).
بينما المذكور في (المغني)، قال: (وأصاب ابن عبّاس من جارية له رومية، وهو عادم للماء، وصلّى بأصحابه وفيهم عمّار فلم ينكروه)(2).
ونترك التعليق لقرّاء (موسوعة فقه عبد الله بن عبّاس) للدكتور محمّد روّاس القلعةجي! فينظروا في مدى جهد واجتهاد المؤلّف. على أنّ جهالة الموصلي تكفي في الوصول إلى القول بعدم صحّة النسبة.
7- في أحكام غسل الميت:
وكان عليّ يرى وجوب الغسل من تغسيل الميت (ر: غسل/1د)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى كراهة الغسل من تغسيل الميت (ر: غسل/3أ).
إنّ ما نقله عن الإمام عليه السلام من وجوب الغسل من تغسيل الميت، وأحال إلى مصادره، فرجعنا إلى ما ذكره في مادّة (غسل/1د)، فوجدنا اختلاف النقل عن الإمام عليه السلام بين الوجوب والسُنّية، وهو حكى ذلك، فقال: وقد اتّفقت الرواية عن عليّ رضي الله عنه في أنّ على من غسّل ميتاً أن يغتسل، فقد قال عليّ رضي الله عنه: من غسّل ميتاً فليغتسل، وروى إبراهيم النخعي: أنّ أصحاب عليّ كانوا يغتسلون من غسل الميت، ولكن اختلفوا في حكم هذا الغسل عند
عليّ رضي الله عنه، فذهب البعض أنّه واجب، وذهب البعض الآخر إلى أنّه سُنّة، ونقلوا من كلام عليّ رضي الله عنه قوله: (الغسل من غسّل الميت سُنّة، وإن توضأت أجزأك)، ورجّح السياغي في (الروض النضير) سُنّيته عن عليّ رضي الله عنه.
أقول: فيما ذكره في عنوان المسألة في خلاف ابن عبّاس لما جاء عن عليّ عليه السلام ، فقال: وكان عليّ يرى وجوب الغسل... ليس كما ذكر، بل قد مرّ ما حكاه من اختلاف، ففي الرواية عن الإمام عليه السلام بين الوجوب والسُنّية.
وأمّا ما حكاه عن ابن عبّاس من أنّه يرى كراهة الغسل من تغسيل الميت، وقد أحال إلى مصادره، فرجعنا إلى ما ذكره مادّة (غسل/3/أ)، فقال: (وقد اقتصر الفقهاء على النقل من مذهب ابن عبّاس أنّه لا يجب الغسل من تغسيل الميت)، وذكر رواية عطاء أنّ ابن عبّاس سُئل: هل على من غسّل ميتاً غسل؟ فقال: أنجستم صاحبكم، يكفي منه الوضوء.
وبناء على صحّة هذه الرواية، وصحّة ما مرّ عن عليّ (والغسل من غسل الميت سُنّة، وإن توضأت أجزأك)، فلا خلاف بين الرأيين، وما رآه المؤلّف من نسبة الكراهة إلى رأي ابن عبّاس هو من فهمه الشخصي، كما اعترف به؛ راجع (موسوعة فقه عبد الله بن عبّاس 1/557)، وقد مرّ في (ميزان التصحيح عند ابن عبّاس): إنّ ما صحّ ثبوته عن عليّ عليه السلام لا يعدوه ابن عبّاس، وفي هذه المسألة (الغسل من مسّ الميت بتغسيله)، كيف لم يثبت عند ابن عبّاس أنّ عليّاً يرى وجوب الغسل من المسّ، وهو قد اشترك معه في تغسيل أبيه العبّاس؟ فهل يعقل لم يعرف الحكم منه؟! فقد ذكر ابن سعد والذهبي وغيرهما في وفاة العبّاس وصف تشييعه ومن تولّى غسله
ودفنه. قال ابن سعد في حديثه: (لمّا مات العبّاس أرسل إليهم -- إلى بني هاشم -- إن رأيتم أن أحضر غسله فعلتم، فأذنوا له، فحضر فكان جالساً ناحية البيت، وغسّله عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وعبد الله، وعبيد الله، وقثم، بنو العبّاس، وحدّت نساء بني هاشم سنة)(1).
ثمّ إنّه شارك الإمام الحسن عليه السلام في تغسيل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، كما مرّ في الجزء الرابع من الموسوعة(2)، نقلاً عن مقاتل الطالبيين(3)، وأمالي الهاروني(4)، فهل يعقل أنّه بعد لم يعرف حكم الغسل من مسّ الميت؟
وأيضاً مرّ في الجزء الخامس من الموسوعة ذكر مشاركته في تغسيل الإمام الحسن عليه السلام (5)فراجع.
فمن كان بهذه القربى الخصيصة، والمودّة القريبة مع أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، لا تعقل مخالفته لهم في حكم المسألة، وهو القائل: (إذا أتانا الثقة عن عليّ بفتيا لا نعدوها)، وها هو مع عليّ وأبناء عليّ عليهم السلام، فدعوى رأيه في كراهته غير مقبولة من المؤلّف، على أنّه حكي عنه الاستحباب، كما قاله العلاّمة الحلّي في (التذكرة) ، فقال: (وقال السيّد المرتضى، وابن
عمر، وابن عبّاس، وعائشة، والفقهاء مالك وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في القول الثاني: إنّه مستحبّ للأصل)(1).
أقول: ولابن حزم في (المحلّى)(2)كلام في وجوب الغسل على من مسّ ميتاً، ومناقشة ما روي من عدم الوجوب، تحسن مراجعته.
8- في أحكام البئر:
وكان عليّ بن أبي طالب يحدّد الماء القليل في البئر بما يمكن نزحه (ر: ماء/ 2ب)، وأمّا ابن عبّاس فكان يحدّده بالقلتين، فما بلغ القلتين فهو كثير (ر: ماء/5ج).
أقول: ليس ما ذكره المؤلّف من تحديد الإمامu للماء القليل في البئر بما يمكن نزحه بدقيق! وقد أحال على مراجعة ما ذكره في (ماء/2ب)، فراجعنا ذلك وهو في صفحة -536-، فراجعناها فليس فيه قليل أو كثير، وإنّما ورد ذكر بئر بضاعة، وقد أمر عليّ بنزحها لمّا وقعت فيها الفأرة.
وهذا الأثر غير صحيح!
أوّلاً: لما ورد في حديث أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله! أنتوضأ من بئر بضاعة؟ قال: وهي بئر يلقى فيها النتن، والجيف، والحيض، والكلاب، فقال: (الماء طهور لا ينجسه شيء)(3).
1) - التذكرة 2/134.
2) - المحلّى 2/22 -- 23.
3) - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 1/257 بأسانيد عديدة، في باب الماء الكثير لا ينجس بنجاسة تحدث فيه ما لم يتغيّر، وقد عقد باباً لبئر بضاعة في ص265، روى فيه عن الشافعي قوله: أمّا حديث بئر بضاعة، فإنّ بئر بضاعة كثيرة الماء واسعة، كان يطرح فيها من الأنجاس ما لا يغير لوناً ولا طعماً ولا يظهر له فيها ريح، فقيل للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: تتوضأ من بئر بضاعة وهي يطرح فيها كذا وكذا، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مجيباً: (الماء لا ينجسه شي)، ثمّ ذكر البيهقي عن أبي داود قدّر بئر بضاعة بردائه، فإذا عرضها ستّة أذرع.
فكيف يخالف عليّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيأمر بنزحها لوقوع الفأرة، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (الماء طهور لا ينجسه شيء)؟!
وثانياً: أنّ الأثر عن عليّ لم يرد صحيحاً، لا سنداً، ولا متناً.
وإليك ما حكاه البيهقي عن الشافعي، قال: (حكاية عن خالد الواسطي، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري، عن عليّ: في الفأرة تقع في البئر فتموت؟ قال: تنزح حتّى تغلبهم، فهذا غير قوي، لأنّ أبا البختري لم يسمع من عليّ، فهو منقطع، قال الزعفراني: قال أبو عبد الله الشافعي: روى ابن أبي يحيى، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه: أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (إذا وقعت الفأرة في البئر فماتت فيها فانزح دلواً أو دلوين، يغني، فإن تفسخت ينزح منها خمسة أو سبعة)، وهذا أيضاً منقطع)(1).
وأمّا ما ذكره عن تحديد ابن عبّاس للقليل بالقلتين، فيه قصور في التعبير! والصواب بعد أن ذكره عن عليّ أن يقول: وأمّا ابن عبّاس فكان يحدّده بما دون القلتين، فما بلغ القلتين فهو كثير، وتحديده للكثير بالقلتين فهو صحيح، ورد عنه مرفوعاً وموقوفاً، كما في (سنن البيهقي)(2)، وغيرها، حيث أشار المؤلّف أيضاً في صفحة -614-، غير أنّه ليس فيه أيّ مخالفة
بعد أن عرفنا عدم صحّة ما نسب إلى الإمام عليه السلام، كما مرّ.
وإنّ قول ابن عبّاس مرفوعاً أو موقوفاً، قاله غيره من الصحابة، وحتّى ورد مروياً عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام، ففي (من لا يحضره الفقيه): قال الصادق عليه السلام: (إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شيء، والقلتان جرّتان)(1)، وهذا هو في (الاستبصار) سنداً ومتناً(2)فراجع، وعمّا تقدّم في (الوسائل)(3).
1- إباحة التيمم للنوم على طهارة (ر: تيمم/2ه-).
قال المؤلّف: كان ابن عبّاس رضي الله عنه يرخّص بالتيمم لمن استيقظ في الليل ثمّ أراد العودة إلى النوم لينام على طهارة، لأنّ الوضوء يطير النوم من عينيه، فقد روى ابن أبي شيبة، عن ابن عبّاس أنّه كان إذا قام من الليل تيمّم، ويحتمل أن يكون هذا التيمّم عندما لا يجد الماء، وهو بعيد(4).
أقول: لقد أخرجه ابن أبي شيبة في مصنّفه، فقال: (حدّثنا حميد بن عبد الرحمن، عن الأعمش، قال: حدّثت عن ابن عبّاس أنّه كان إذا قام الليل يتيمّم)(5)، وهذا في باب -147- من كان يقول: نم على طهارة(6)، وعنه في
(موسوعة أطراف الحديث)(1)، ولم أقف عليه في مصادر أُخرى.
فمن أين أتى المؤلّف بالترخيص بقوله: (كان ابن عبّاس رضي الله عنه يرخّص بالتيمّم لمن استيقظ في الليل، ثمّ أراد العودة إلى النوم لينام على طهارة، لأنّ الوضوء يطير النوم من عينيه)؟! وكيف احتمل أن يكون هذا التيمّم عندما لا يجد الماء، وهو بعيد؟ ولماذا لم يحتمل أنّه كان معذوراً من استعمال الماء؟ ومن أين له كان هذا التيمّم بدل الوضوء، ولعلّه كان بدلاً لغسل؟
وقبل هذا وذاك، فالأثر في طريق سنده جهالة، ما بين الأعمش وابن عبّاس؛ وحميد بن عبد الرحمن إن كان الذي ذكره الذهبي في (الميزان) فقال: عن أبيه، عن جدّه، فحكى عن الخطيب قوله فيه مجهول، وإن كان الذي بعده الكوفي، عن الضحاك، قال: لا يعرف فلعلّه الذي قبله.
ثمّ من هو كان من الصحابة يمنع من ذلك ليجعل فعل ابن عبّاس ما خالف فيه جمهور الصحابة؟!
إنّها أوهام في الأفهام، لا تبنى عليها الأحكام.
2- إباحة قراءة القرآن للجنب (ر: جنابة/3ه-).
وهذا ممّا خالف فيه جمهور الصحابة، كما يقول المؤلّف! وقد ذكر مستنده في هذا القول نقلاً عن (المغني)(2)، و(المجموع)(3)، وزاد قوله:
(وكان هو نفسه رضي الله عنه يقرأ سورة البقرة وهو جنب)، وذكر مستنده في نسبة هذا نقلاً عن (المحلّى)(1)، و(الأوسط)(2)، وأحال أيضاً على ما ذكره في (قرآن/10)، فراجعناه، فلم يزد على ما مرّ سوى ذكر عدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر ولا الأكبر لقراءة القرآن ولمسه، وذكر مصادره.
ولا نطيل معه النقاش في صحّة ما قاله عن ابن عبّاس، إلاّ أنّ الحكمة التي لا بديل عنها في المقام الأوّل قولهم: (إن كنت مدّعياً فالدليل، أو كنت راوياً فالصحّة).
وهنا نذكر أنّ روايته عن ابن عبّاس: وكان يقرأ البقرة وهو جنب، رواها ابن حزم في (المحلّى) بسند فيه السمتي، عن نصر الباهلي. فمن هو يوسف السمتي؟ ذكره الذهبي في (الميزان)، فقال: (يوسف بن خالد... كذّبه يحيى بن معين، وضعّفه ابن سعد، وقال أبو حاتم: رأيت له كتاباً وضعه في التجهم ينكر فيه الميزان والقيامة، وقال النسائي: ليس بثقة)(3).
وقال الشيخ أحمد محمّد شاكر في هامش (المحلّى): (... وقال ابن معين: كذّاب زنديق لا يكتب حديثه، وكذلك كذّبه الفلاس وأبو داود، وضعّفه الشافعي، وابن قانع، والساجي، وقال ابن حبّان: كان يضع الأحاديث على الشيوخ، مات سنة 189)(4).
وهذا يكفي وحده في إسقاط ما اعتمده المؤلّف فضلاً عن آخرين ممّن لا يؤبه بهم، ولا يعتمد عليهم، إمّا لجهالتهم، وإمّا لتجريحهم.
فكيف غفل أو تغافل عن هذا مؤلّف (موسوعة فقه عبد الله بن عبّاس) وجعل هذا ممّا شنّع به على ابن عبّاس في مخالفة جمهور الصحابة، وهو ممّا لم تثبت صحّة نسبته؟! وإنّ لابن حزم في (المحلّى) كلام في المقام يحسن نقله لإفادة القاريء لولا طوله، وأنّ لا تهويل في مخالفة الصحابة في هذه المسألة، ومنع قراءة الجنب من قراءة القرآن، فمن أراده فليرجع إليه(1).
1- كان عليّ يرى أنّ الطهارة من النجس شرط لصحّة الصلاة (ر: صلاة/5ب)، أمّا ابن عبّاس فكان لا يراها شرطاً، وإن كان من السُنّة تحاشيها (ر: صلاة/7ب).
أقول: لقد جرى المؤلّف على عادته في حشر كلّ ما تخيله نحو خلاف بين فتاوى ابن عبّاس وفتاوى الإمام عليه السلام، فيتسقط شواذ الروايات، وحتّى التي صرّح الأعلام أنّ رأي ابن عبّاس بخلافها، وفي المقام شاهد ذلك! فقد قال المؤلّف: (أمّا ابن عبّاس فكان لا يراها -- يعني الطهارة من النجس -- شرطاً -- يعني لصحّة الصلاة -- وإن كان من السُنّة تحاشيها)، وأحال
1) - المحلّى 1/77 -- 80 ، ط دار الفكر.
إلى مادّة (صلاة/7ب) في موسوعته، فرجعنا إلى هناك، فوجدناه يقول في صفحة -439-: (الطهارة من النجس كالبول والغائط والدم ونحو ذلك واجبة، ويعفى عن اليسير منها)(1).
ولكن ابن عبّاس رضي الله عنه لم يضع حدّاً بين اليسير والفحش كما فعل الفقهاء اللاحقون، بل تركه للتقدير الشخصي، حيث قال: (الفاحش ما فحش في قلبك)(2). ولكن في اعتبار الطهارة من النجس شرطاً من شروط الصلاة حيث لا تصحّ الصلاة بدونها، خلاف عن ابن عبّاس رضي الله عنه.
فقد حكى ابن قدامة في (المغني) عن ابن عبّاس: (أنّ الطهارة من النجس شرط لصحّة الصلاة)(3). ونقل الجمهور عن ابن عبّاس: أنّ الطهارة ليست شرطاً لصحّة الصلاة(4)، فقد كان يقول: (ليس على ثوب جنابة)(5)، ويقول: (من صلّى وفي ثوبه دم علم فلا يعيد الصلاة)(6)، ويقول: (اعزلوا صلاتكم ما استطعتم، وأشدّ ما يتّقى عليها مرابض الكلاب)(7)، يقول الشوكاني في (نيل الأوطار): هذا لا يدلّ على اشتراط الطهارة لصحّة الصلاة، وإن دلّ على افتراض الطهارة، وليس هناك أي دليل يدلّ على
اشتراط الطهارة لصحّة الصلاة عند من يقول بعدم اشتراطها، ومنهم ابن عبّاس(1).
أقول: هذا جميع ما ذكره بلفظه، ولدى التحقيق فيما ورد في المصادر التي أشار إليها، رأيناه يتسقط كلّ ما يوافق هواه في تكثير جهات الخلاف في روايات فتاوى ابن عبّاس، حتّى الشاذة المروية بأسانيد لا يصلح الاستدلال بها! كخبر رواه البيهقي في (السنن)، وفيه: (عن ابن عبّاس قال: أربع لا ينجسن: الإنسان، والماء، والثوب، والأرض)(2)، وهذا قد أحال المؤلّف عليه.
ولدى مراجعته، وجدناه برواية زكريا، عن الشعبي، عن ابن عبّاس... وزكريا هذا هو ابن يحيى الكندي، عن الشعبي، قال يحيى -- ابن معين -- ليس بشيء(3)، والشعبي غنيّ عن التعريف في نُصبه وكذبه، فراجع حاله في كتاب (عليّ إمام البررة)(4)، تجد شواهد كذبه. وحسبنا ما ذكره ابن عبد البرّ في (جامع بيان العلم وفضله): (قال الأعمش: ذُكر إبراهيم النخعي عند الشعبي، فقال: ذاك الأعور الذي يستفتيني في الليل، ويجلس يفتي الناس بالنهار! قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: ذاك الكذّاب لم يسمع من مسروق شيئاً)(5)، فخبر يرويه هذا الكذّاب وعنه زكريا -- بين يحيى الكندي --
ليس بشيء كما عن ابن معين، وعنه سفيان -- وهو من المدلّسين، والتدليس أخو الكذب كما يقولون -- كيف يصحّ الاحتجاج به؟!
وما حكاه عن (حلية العلماء)، فراجعناه، فقد ورد مرسلاً بلفظ: (وروي عن ابن عبّاس رضي الله عنه أنّه قال: ليس على الثوب جنابة).
وأمّا ما أحال عليه في (المغني)، فإلى القارئ ما فيه: (مسألة: قال: إذا لم تكن ثيابه طاهرة أعاد.. وجملة ذلك: أنّ الطهارة من النجاسة في بدن المصلّي وثوبه شرط لصحّة الصلاة في قول أكثر أهل العلم، منهم ابن عبّاس و... ويروى عن ابن عبّاس أنّه قال: ليس على ثوب جنابة...)(1).
أقول: لقد بحثت كثيراً عن مصدر يوثّق هذا عن ابن عبّاس مسنداً، فلم أقف عليه، وأقدم مصدر ورد فيه هو (الأوسط) لابن المنذر، وما ورد فيه: (وروينا عن ابن عبّاس وأبي مجلز أنّهما قالا: ليس على ثوب جنابة)، فبهذا المرسل يدان ابن عبّاس بالمخالفة؟!!
إنّها تهاويل وأباطيل للتضليل.
2- ويختلف دعاء استفتاح الصلاة عند عليّ (ر: صلاة/8ج) عنه عند ابن عبّاس (ر: صلاة/9ج).
أقول: من العجيب الغريب إصرار المؤلّف على إيجاد موارد للخلاف بين ابن عبّاس وبين الإمام عليه السلام في الفتاوى الفقهية، وما ذكره في المقام كشاهد على ما أراد ليس فيه أي إشارة على مرامه، ولنترك النصوص هي التي تتحدّث.
1) - المغني 2/63.
لقد أحال في استفتاح الصلاة عند عليّ على (صلاة/8ج) من (موسوعة فقه عليّ بن أبي طالب)، وراجعناه(1)، فذكر وقال: (ثمّ يقرأ دعاء التوجه، فهو يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه كان إذا استفتح الصلاة، قال: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً...)، ونقله عن صحيح مسلم في الصلاة، والبيهقي في السنن، وغيرهما...
ثمّ قال: (وكان عليّ يتوجّه بهذا الدعاء أيضاً نقلاً عن المحلّى(2)، وكان أحياناً يضيف إليه، أو يستبدله، فيقول: الله أكبر لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي...)، ونقله عن مصنّف عبد الرزّاق، و(الأُمّ) للشافعي... وعن ابن أبي شيبة.
وهذا الذي ذكره عن الإمام عليه السلام جعله: (كان إذا افتتح الصلاة...).
وإذا راجعنا مصادره التي ذكرها، نجد شيئاً من التفاوت غير مغيّر للمعنى، لكن الذي حكاه عن ابن عبّاس في موسوعته(3)، وزعم أنّه يختلف عن دعاء الاستفتاح عند عليّu هو العجيب الغريب!!
فإنّ ما ذكره عن ابن عبّاس، إنّما هو روايته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أخرجه الشيخان في صحيحهما، وأكثر من عشرين مصدراً، كلّهم قالوا، عن ابن عبّاس: (كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل إذا تهجد من الليل)، فأين هذا ممّا زعمه في دعاء الاستفتاح؟! فذاك في صلاة الفرائض،
وهذا في التهجد ليلاً.. وكلّ من الإمام وابن عبّاس روى عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جانباً من أدعيته، فأين الخلاف، أو الاختلاف؟!
3- وتختلف ألفاظ القنوت عند عليّ (ر: صلاة/10د) عنها عند ابن عبّاس (ر: صلاة/10ه-).
أقول: لم يكن المؤلّف دقيقاً في تعبيره، ولا مصيباً في تفسيره، لتفاوت ألفاظ الدعاء في القنوت، فجعله من شواهد (ما خالف فيه ابن عبّاس عليّ ابن أبي طالب)! فإنّ تفاوت الأدعية لا يدلّ على نحو خلاف أبداً، فإنّ القنوت في الوتر أو في غيره ليس له لفظ معيّن لا يجوز تجاوزه، بل الدعاء فيه بما تيّسر، ولو كان فيه لفظ مخصوص لكان عليّ وابن عبّاس والحسين ابن عليّ وابن مسعود، وغيرهم، كلّهم قد خالفوا المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقد روى ابن أبي شيبة في مصنّفه، فقال (في قنوت الوتر من الدعاء): (حدّثنا... عن الحسن بن عليّ، قال: علّمني جدّي رسول الله(صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) كلمات أقولها في قنوت الوتر: (اللّهمّ أهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولّني فيمن تولّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما قضيت، فإنّك تقضي ولا يقضى عليك، وإنّه لا يذلّ من واليت، تباركت وتعاليت)(1).
ثمّ ذكر بسنده عن ابن عبّاس: (كان يقول في قنوت الوتر: (لك الحمد ملأ السموات السبع، وملأ الأرضين السبع، وملأ ما بينهما من شيء بعد، أهل الثناء والحمد، أحقّ ما قال العبد، وكلّنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا
1) - مصنّف ابن أبي شيبة 2/300، ط باكستان.
معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)(1).
ثمّ ذكر بسنده (أنّ الحسين بن عليّ كان يقول في قنوت الوتر: (اللّهمّ إنّك ترى ولا تُرى، وأنت بالمنظر الأعلى، وأنّ إليك الرجعى، وأنّ لك الآخرة والأولى، اللّهمّ إنا نعوذ بك من أن نذلّ ونخزى)(2).
ثمّ ذكر بسنده أنّ ابن مسعود علّم أصحابه أن يقرأوا في القنوت: (اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونثني عليك الخير، ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللّهمّ إياك نعبد ولك نصلّي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ونخشى عذابك إنّ عذابك الجد بالكفار ملحق)(3).
ثمّ ذكر بسنده عن إبراهيم -- هو النخعي -- قال: (ليس في قنوت الوتر شيء موقّت، إنّما هو دعاء واستغفار)(4).
فإنّ هؤلاء الصحابة إن لم يسمعوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يدعو بما علّمه لسبطه الحسن عليه السلام فدعا كلّ لنفسه بما شاء؟ أو هم سمعوه، ولكنّهم لم يروه شيئاً موقوتاً؟ كيف ما قلت، فليس ثمّة خلاف فيما بينهم ما دام هو دعاء واستغفار، كما قال إبراهيم النخعي، ثمّ إنّ المروي عن عليّ عليه السلام فيما قلت، هو عين ما كان يقوله عمر، وعثمان، وأُبيّ بن كعب، وهو الذي كان مدعاة
التشهير والنكير على ابن مسعود فيما سمّي بسورتي الحفد.
وإلى القارئ ذكر من كان يقرأ بهما في قنوت الفجر:
روى ابن أبي شيبة في (المصنّف) في (ما يدعو به في قنوت الفجر)، فقال:
(حدّثنا... عن عبيد بن عمير، قال: صلّيت خلف عمر بن الخطّاب الغداة، فقال في قنوته: اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللّهمّ إياك نعبد ولك نصلّي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ونخشى عذابك، إنّ عذابك بالكفار ملحق)(1)
ورواه ابن أبي شيبة مرّة ثانية بزيادة في آخره: (اللّهمّ عذّب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك)، راجع المصنّف 2/314 -- 315، ط باكستان.
2- جاء في كنز العمّال 8/48، ط حيدر آباد الثانية، راوي الحديث أنّه بلغه أنّهما سورتان من سور القرآن في مصحف ابن مسعود نقلاً عن (عبد الرزّاق، وابن أبي شيبة، ومحمّد بن نصر، والطحاوي، وابن ماجة)، وفيه برقم 333 عن ابن عبّاس: أنّ عمر بن الخطّاب كان يقنت بالسورتين: (اللّهمّ إنّا نستعينك، اللّهمّ إياك نعبد)، نقلاً عن ابن أبي شيبة، ومحمّد بن نصر في كتاب الصلاة، والطحاوي.
وفي كنز العمّال 8/52 رقم 367، عن عبد الله بن زرير الغافقي، قال لي عبد الملك بن مروان: لقد علمت ما حملك على حبّ أبي تراب، إلاّ أنّك أعرابي جاف، فقلت: والله، لقد جمعت القرآن من قبل أن يجتمع أبواك، ولقد علّمني منه عليّ بن أبي طالب سورتين علّمهما إياه رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم، ما علمتهما أنت ولا أبواك: (اللّهمّ إنا نستعينك ونثني عليك القرآن ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللّهمّ إياك نعبد، ولك نصلّي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إنّ عذابك بالكفار ملحق)، نقلاً عن الطبراني في الدعاء.
وفي كنز العمّال 8/52 رقم 366، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: بعث عبد العزيز بن مروان إلى عبد الله بن زرير الغافقي، فقال له: والله، إنّي لأراك جافياً، ما أراك تقرأ القرآن، قال: بلى والله إنّي لأقرأ القرآن، وأقرأ منه ما لا تقرأ به، فقال له عبد العزيز: وما الذي لا أقرأ به من القرآن؟ قال: القنوت، حدّثني عليّ بن أبي طالب أنّه من القرآن, نقلاً عن محمّد بن نصر في الصلاة.
.(حدّثنا... عن عبد الملك بن سويد الكاهلي: إنّ عليّاً قنت بهاتين السورتين(2): (اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير، ولا نكفرك
1) - المصنّف 2/314، ط باكستان.
ونخلع ونترك من يفجرك، اللّهمّ إياك نعبد وإياك نصلّي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إنّ عذابك بالكفار ملحق)(1).
(حدّثنا... عن حصين، قال: صلّيت الغداة ذات يوم، وصلّى خلفي عثمان بن زياد، قال: فقنت في صلاة الصبح، قال: فلمّا قضيت صلاتي، قال لي: ما قلت ما في قنوتك، قال: فقلت ذكرت هؤلاء الكلمات: (اللّهمّ إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير كلّه ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللّهمّ إياك نعبد ولك نصلّي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إنّ عذابك الجدّ بالكفار ملحق)، فقال عثمان: كذا كان يصنع عمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفان)(2).
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنّف (في تسمية الرجل القنوت)، فقال:
(حدّثنا... عن أبي هريرة، قال: لمّا رفع النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم رأسه من صلاة الصبح، قال: (اللّهمّ أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن ربيعة، والمستضعفين بمكّة، اللّهمّ اشدّد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف )(1).
(حدّثنا... عن سعيد بن زيد، قال: قنت رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم، فقال: (اللّهمّ العن رعلاً، وذكواناً، وعضلاً، وعصية عصت الله ورسوله، والعن أبا الأعور السلمي)(2).
(حدّثنا... عن عبد الرحمن بن مغفل، قال: صلّيت مع عليّ صلاة الغداة، قال: فقنت، فقال في قنوته: (اللّهمّ عليك بمعاوية وأشياعه، وعمرو بن العاص وأشياعه، وأبا الأعور السلمي وأشياعه، وعبد الله بن قيس وأشياعه)(3).
(حدّثنا... عن خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري، قال: صلّى بنا رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم الفجر، فلمّا رفع رأسه من الركعة الأخيرة، قال: (لعن الله لحياناً ورعلاً وذكواناً وعصية عصت الله ورسوله، أسلم سالمها الله، غفّار غفر الله لها)، ثمّ خرّ ساجداً فلمّا قضى الصلاة أقبل على الناس بوجهه، فقال: (أيّها الناس! إنّي أنا لست قلت هذا، ولكن الله قاله)(4).
ولو كان دعاء القنوت موقوتاً لما تعدّاه من ذكرنا أسماءهم من الصحابة.
وقبل هذا كلّه، فإنّ عليّاً وابن عبّاس روى الرواة عنهما أنّهما كان يقنتان بالدعاء الذي علّمه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لسبطه الحسن عليه السلام.
فقد أخرج البيهقي في (السنن الكبرى) في (باب دعاء القنوت): بسنده عن أبي الحوراء، قال: (سألت الحسن بن عليّ: ما عقلت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال: علّمني دعوات أقولهن: (اللّهمّ اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولّني فيمن تولّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما قضيت، إنّك تقضي ولا يقضى عليك، إنّه لا يذلّ من واليت، تباركت وتعاليت)، قال -- الراوي -- فذكرت ذلك لمحمّد بن الحنفية، فقال: إنّه الدعاء الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر في قنوته)(1).
وأخرج أيضاً: بسنده عن بريد بن أبي مريم، عن عبد الله بن عبّاس، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلّمنا دعاءً ندعو به في القنوت من صلاة الصبح: (اللّهمّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت، إنّك تقضي ولا يقضى عليك، إنّه لا يذلّ من واليت، تباركت ربّنا وتعاليت)، ثمّ قال بريد: سمعت محمّد بن الحنفية، وابن عبّاس، يقولان: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولها في قنوت الليل)(2).
4- وكره عليّ الإقعاء في القعود في الصلاة (ر: صلاة/8م)، ولم يكرهه
ابن عبّاس (ر: صلاة/9ج).
أقول: لمّا كان معنى الإقعاء يختلف بحسب المفهوم اللغوي عن المفهوم بالمعنى الشرعي، والذي اتّفق العلماء على كراهته هو جلوس الرجل على إليتيه في الصلاة ناصباً فخذيه كإقعاء الكلب، ولا خلاف بينهم أنّ هذه الهيئة ليست من هيئات الصلاة، أمّا الذي اختلفوا فيه هو جلوس المصلّي بصدور قدميه على الأرض ويجلس على عقبيه، فمنع قوم وأجازه غيرهم، ولمّا كانت الأسماء في أفعال الصلاة إنّما ثبت لها معان شرعية تبعاً لعنوان الصلاة بعد أن كان لمطلق الدعاء، فصار له حقيقة شرعية، وهي أفعال وأذكار مخصوصة وهيئات علّمها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم صحابته حين قال: (صلّوا كما رأيتموني أصلّي)(1)، ولم يرد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه صلّى مرّة فأقعى على المعنى اللغوي، وهو الذي كرهه عليّ عليه السلام، وإنّما كان صلى الله عليه وآله وسلم يجلس الجلوس الطبيعي على قدميه وعقبيه، وهو الذي كان ابن عبّاس يراه من السُنّة، وعلى هذا فلا خلاف بين الفقهين في مسألة الإقعاء بعد التمييز بين المعنيين اللغوي والإصطلاحي الشرعي.
ولقد أسيء فهم الرأيين، فتخيّلوا الخلاف.
5- وكان عليّ يستحبّ تأخير صلاة الوتر إلى آخر الليل (ر: صلاة/5ه2)، وكان ابن عبّاس يستحبّ صلاتها في أوّل الليل (ر: صلاة/10و).
أقول: ما ذكره عن الإمام عليه السلام من أنّه استحبّ تأخير صلاة الوتر إلى آخر الليل، ليس فيه شكّ بعد أن ورد عنه عليه السلام أنّه قال: (الوتر ليس بحتم مثل
1) - المصنّف لابن أبي شيبة 1/285، ط باكستان.
الصلاة المكتوبة، ولكنّه سُنّة سنّها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )، وقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوتر في أوّل الليل، وفي وسطه، وفي آخره، ثمّ ثبت له الوتر في آخره)، وفي لفظ: (وانتهى وتره إلى السحر)(1).
وأمّا الذي حكاه عن ابن عبّاس، فقد ورد عنه ذلك غير أنّه ورد عنه أيضاً كما في (مسند أحمد)، و(معجم الطبراني الكبير)، أنّه قال: (الوتر ركعة من آخر الليل)(2).
وورد عنه أيضاً قال: (أوتر ما لم تطلع الشمس)، كما في (مصنّف عبد الرزّاق)(3)، وعنه في (كنز العمّال)(4).
وعلى هذا فلا خلاف إذاً بين الرأيين في تقديم أو تأخير صلاة الوتر، فكلّ من الإمام روى عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أوتر في أوّل الليل وفي وسطه وفي آخره، ثمّ ثبت له في آخره.
وابن عبّاس كذلك، فقد قال في أوّل الليل، وبيّن أنّ ذلك لمن يخاف فوته، وقال في سعة الوقت: الوتر في الليل كلّه ما لم تطلع الشمس(5)، وهو قال: (النوم على وتر خير)(6)، وهو كان يوتر عند الإقامة(7)، وكما كان يوتر
إذا بقي من الليل، مثل ما ذهب منه إلى صلاة المغرب(1).
فهذه الروايات عنه دلّت على أنّه يرى وقت صلاة الوتر في أوّل الليل، وفي آخره، وفي الليل كلّه ما لم تطلع الشمس، فأين الخلاف يا أيّها الأُستاذ؟!
6- وكان عليّ يرى أنّ مسافة السفر الذي تتعلّق به أحكام السفر من الكوفة إلى النخيلة (ر: سفر 2/ب)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّه لا بدّ من أن تكون مسيرة يوم وليلة (ر: سفر/1/أ).
أقول: إنّ الذي ذكره عن الإمام لا تصحّ نسبته إليه، لأنّه(2)من رواية هشيم، أنا جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، وهؤلاء كلّهم لم يسلموا من التجريح.
فعن هشيم، قال سفيان الثوري: لا تكتبوا عنه، وقال أبو الحسن بن القطان: ولهشيم صنعة محذورة في التدليس، كما ذكره الذهبي في (الميزان) في ترجمته.
وأمّا جويبر، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال الجوزجاني: لا يشتغل به، وقال النسائي والدار قطني وغيرهما: متروك الحديث، وقال يحيى القطان: تساهلوا في أخذ التفسير عن القوم، لا تولعوهم في الحديث، ثمّ ذكر ليث بن أبي سليم، وجويبر، والضحّاك، ومحمّد بن السائب، وقال: هؤلاء لا يحمد حديثهم، ويكتب التفسير عنهم(3).
وعجيب أمر مؤلّف الموسوعة حين يأخذ برواية أمثال من ذكرنا، ويترك ما صحّ عن الإمام عليه السلام برواية أهل بيته، وهم أدرى وأعلم بفقه أبيهم؟!! إنّها لكبيرة إلاّ على المؤمنين المتمسكين بحديث الثقلين.
وأمّا ما حكاه عن ابن عبّاس، فقد أحال على (المحلّى)(1)، وقد جاء فيه: وروي عن ابن عبّاس أربعة برد، وروي عنه يوم تام.
وهذا هو عين ما ورد في فقه أهل البيت وهو المروي عن الإمام عليه السلام.
7- وكان عليّ يرى أنّ حالة السفر تزول بنيّة الإقامة عشرة أيام (ر: سفر/2ج)، وكان ابن عبّاس يرى سبعة أيام، وفي رواية خمسة عشر يوماً، وفي رواية ثالثة تسعة عشر يوماً (ر: سفر/2أ).
أقول: فما ذكره عن عليّ عليه السلام في زوال حالة السفر بنية الإقامة عشرة أيام فصحيح، إلاّ أنّ ما ذكره عن ابن عبّاس في اختلاف عدد أيام الإقامة التي تزول معها حالة السفر، ويجب على المسافر أن يتم الصلاة بعدها، فهو كما ذكر في اختلاف النقل عنه، غير أنّه في رواية عنه أنّها عشر ليال، وهذا هو الموافق لما روي عن عليّ عليه السلام، وأمّا باقي الروايات فلا نقبلها لأنّها غير موافقة لما مرّ عن ابن عبّاس من إعلانه بأنّ علمه من علم عليّ عليه السلام، وما صحّ عن عليّ فلا نعدوه.
8- وألفاظ التشهد في الصلاة عند عليّ (ر: صلاة/8م) تختلف عنها عند ابن عبّاس (ر: صلاة/9م2).
1) - المحلّى 6/244.
أقول: ليس تفاوت نقل الرواة يعدّ من موارد الخلاف، وما رووه في ألفاظ التشهد عن عمر، وابن مسعود، وابن عبّاس، يدلّ على أنّ للرواة دور في الاختلاف حتّى عند أصحاب المذاهب.
فمالك اختار تشهد عمر الذي كان يعلّمه الناس على المنبر(1).
واختار أبو حنيفة وغيره وأهل الكوفة تشهد عبد الله بن مسعود، وبه قال أحمد وأكثر أهل الحديث(2).
وأختار الشافعي وأصحابه تشهد عبد الله بن عبّاس الذي رواه عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلّمنا التشهد كما يعلّمنا السورة من القرآن، فكان يقول: (التحيات المباركات، الصلوات الطيّبات لله، سلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله)(3).
ولمّا كان الشافعي اختار تشهد ابن عبّاس، وهو قد اشترط الصلاة على النبيّ في الصلاة، وقال إنّها فرض لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً(4)، وهذا ما جاءت به الرواية عن ابن عبّاس.
فقد أخرج ابن جرير، عن يونس بن خباب، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ... الآية، قال: أنبأني من سمع ابن عبّاس رضي الله عنه يقول: هكذا أنزل،
فقالوا: يا رسول الله! قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: (قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وارحم محمّداً وآل محمّد كما رحمت إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وآل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد)(1). وهذا هو المروي عن عليّ عليه السلام أيضاً، قال: قلت: يا رسول الله! كيف نصلّي عليك؟ قال: قولوا: (اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد)(2).
وأخرج عبد الرزّاق، وعبد بن حميد، عن ابن عبّاسt: أنّه كان إذا صلّى على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (اللّهمّ تقبل شفاعة محمّد الكبرى، وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله في الآخرة والأولى، كما آتيت إبراهيم وموسى)(3).
وقد عقد البيهقي في (السنن الكبرى) ، باب في التشهد الذي علّمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن عمّه عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه وأقرانه، ولا شكّ في كونه بعد التشهد الذي علّمه ابن مسعود وأضرابه، فذكر الخبر بعدّة أسانيد، ثمّ قال: (رواه مسلم بن الحجّاج في الصحيح...)(4)إلى آخر كلامه. وقد تعقبه ابن التركماني في (الجوهر النقي) ناقداً، فقال: (لا أدري من أين له أنّ تشهد
ابن عبّاس وأقرانه متأخّر عن تشهد ابن مسعود وأضرابه، حتّى قطع بذلك؟ ولا يلزم من صغر سنّه تأخّر تعليمه وسماعه عن غيره، ولا أعلم أحداً من الفقهاء وأهل الأثر رجّح رواية صغار الصحابة على رواية كبّارهم عند التعارض، وابن عبّاس كثيراً ما يسمع الحديث من غيره من الصحابة فيرسله، وابن مسعود وإن تقدّم إسلامه فقد دامت صحبته إلى أن قبض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم...)(1).
ثمّ ذكر عن الدارقطني بسند حسن، عن ابن عبّاس: أنّ عمر بن الخطّاب أخذ بيده فعلّمه، وزعم أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيده فعلّمه التشهد، فدلّ هذا على أنّ ابن عبّاس أخذ التشهد من عمر وعمر قديم الصحبة...
ثمّ ناقشه في تنكير السلام ونسبته روايته إلى مسلم في صحيحه، مع أنّ الموجود في الصحيح: (السلام عليك أيّها النبيّ، السلام علينا) بالتعريف فيهما، فوجب على البيهقي أن يبيّن ذلك(2).
أقول: فهذا يكشف عن تفاوت الرواة في النقل عنه.
9- وكان عليّ يرى أنّ صلاة الخوف في السفر ركعتان (ر: صلاة/28)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّها ركعة واحدة (ر: صلاة/15).
أقول: من قرأ في (السنن الكبرى) للبيهقي(3)، في آخر باب (العدو يكون وجاه القبلة في صحراء لا يواريهم شيء في قلّة منهم وكثرة من المسلمين)، يجد ثلاثة أحاديث رواها البيهقي بأسانيده عن ابن عبّاس، كلّها
يصف ابن عبّاس فيها صلاة الخوف التي صلاها النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم وهو معه، وأنّها كانت ركعتين على النحو التالي، كما في الحديث الثاني من أحاديث البيهقي... عن ابن عبّاس، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصلاة الخوف، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقمنا خلفه صفيّن، فكبّر وركع وركعنا جميعاً الصفان كلاهما، ثمّ رفع رأسه، ثمّ خرّ ساجداً وسجد الصف الذي يليه وثبت الآخرون قياماً يحرسون إخوانهم، فلمّا فرغ من سجوده وقام خرّ الصف المؤخّر سجوداً، فسجدوا سجدتين ثمّ قاموا، فتأخّر الصف الذي يليه، وثبت الآخرون قياماً يحرسون إخوانهم، فلمّا قعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرّ الصف المؤخّر سجوداً فسجدوا، ثمّ سلّم النبيّ صلى الله عليه وآله و سلم. اه-
فما بال المؤلّف يتسقّط شواذ الأخبار عن ابن عبّاس ليثبت الخلاف في آرائه الفقهية مع ما روي عن الإمام عليه السلام؟! على أنّه لم يذكر آراء الإمام عليه السلام عن أبنائه وأئمّة شيعته عليه السلام، الذين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتمسك بهم، كما في حديث الثقلين!
10- وكان عليّ يرى أنّ أحقّ الناس بالصلاة على الميت الإمام، ثمّ أولياؤه (ر: صلاة/27ه-)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ أحقّ الناس بذلك هو الوليّ (ر: صلاة/18ج).
أقول: عجيب غريب أمر هذا الدكتور!! فهو ذكر في صفحة -24- من مقدّمة كتابه ما ذكرناه عنه أنفاً.
ولمّا رجعنا إلى الموضع الذي أشار إليه في رأي ابن عبّاس، وجدناه في صفحة -468-، قال: (أحقّ الناس بالصلاة على الجنازة)، لعلّ ابن عبّاس
يرى أنّ الأولياء أحقّ من السلطان بالصلاة على الميت، والزوج أحقّ من الأولياء بالصلاة على زوجته، قال رضي الله عنه: (أحقّ الناس بالصلاة على المرأة زوجها)، ونقله عن عبد الرزّاق(1)، وابن أبي شيبة(2)، و(المغني)(3).
ورجعنا إلى المصادر المذكورة، فكان ما ذكره عن عبد الرزّاق(4)صحيحاً متناً، ولكن لا يصحّ عندنا، لأنّه رواه عن رجل من أهل المدينة (؟) عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: (أحقّ الناس بالصلاة على المرأة زوجها).
على أنّ عبد الرزّاق ذكر في صفحة -410- -- وهو الموضع الذي أشار إليه المؤلّف -- ففيه خطأ في ذكر الصفحة، والصواب: 409، حيث يبدأ السند هكذا: عبد الرزّاق، عن رجل من أسلم، عن داود بن الحصين، عن -410- عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: (أحقّ الناس بغسل المرأة والصلاة عليها زوجها)، وجهالة الرجل الذي روى عنه عبد الرزّاق، سواء كان بلفظ أهل المدينة أو بلفظ من أسلم تكفي في عدم الأخذ بروايته.
وأمّا ما ذكره عن ابن أبي شيبة، فقد راجعت (المصنّف) ط باكستان -- وهي الطبعة التي تحضرني -- فوجدته ذكر في أوّل عنوان (في الرجل يغسل امرأته): حدّثنا معتمر -- كذا والصواب معمر -- بن سليمان الرقي، عن حجّاج،
عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: (الرجل أحقّ بغسل امرأته)(1). وأين هذا ممّا حكاه في أمر الصلاة؟!
وأمّا ما ذكره عن (المغني)، فقد قال ابن قدامة: (فصل: وإن اجتمع زوج المرأة وعصبتها، فظاهر كلام الخرقي تقديم العصبات... وروي ذلك عن ابن عبّاس والشعبي...)(2).
فأين سند الرواية عن ابن عبّاس؟!
وبهذا الإرسال يُغضّ الطرف عن الإهمال والإجمال.
ومن المسائل التي خالف فيها جمهور الصحابة
1- عدم اشتراط التوجّه إلى القبلة في سجود التلاوة (ر: سجود/6د).
أقول: أحال على مصنّف ابن أبي شيبة، فراجعناه فوجدنا في (الرجل يقرأ السجدة وهو على غير القبلة)، قال: (حدّثنا أبو خالد الأحمر، عن محمّد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عبّاس: في الرجل يقرأ السجدة وهو على غير القبلة أيسجد؟ قال: لا بأس به)(3).
وهذا الخبر يكفي في سقوطه رواية محمّد بن كريب، عن أبيه، والرجل قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي وغيره: ضعيف، هكذا ذكره الذهبي في (ميزان الاعتدال)(4)، ومع هذا فقد حكى عن ابن
عدي قوله فيه: هو مع ضعفه يكتب حديثه؟! يا للعجب! إنّه أكوس عريض اللحية! فإنّ ابن حجر ذكره في (التهذيب) وحكى عن ابن معين قوله: ليس حديثه بشيء، وقال ابن نمير والدارقطني: ضعيف، وقال أبو حاتم: لا يحتجّ به، والذي روى عنه الخبر أبو خالد الأحمر وهو سليمان بن حيّان، قال ابن معين وابن عدي: ليس بحجّة، ونحوه في (التهذيب)، عن البزّار(1).
فكيف اعتمد المؤلّف في موسوعته على روايات أمثال هؤلاء من الرواة المجروحين؟!
2- جواز الصلاة قبل دخول الوقت لمن خاف فوتها (ر: صلاة/7ه3).
أقول: لم أقف على سنده في مستنده، ففي (المغني): (وروي عن ابن عبّاس: في مسافر صلّى الظهر قبل الزوال يجزئه، ونحوه قال الحسن والشعبي...)(2)، فهذا مرسل كيف يحتجّ به؟
وكذلك ما جاء في المصدر الثاني الذي ذكره -- وهو (الأوسط) لابن المنذر -- ففيه: (وقد روينا عن ابن عبّاس: أنّه قال في رجل صلّى الظهر في السفر قبل أن تزول الشمس؟ قال: تجزيه، أرأيت إن كان على أحدكم دين إلى أجل فقضاه قبل محلّه أليس قد كان قضاه)(3)، وهذا أيضاً مرسل لا يدرى من رواه، فكيف يمكن الاحتجاج به لإدانة ابن عبّاس في فتياه على خلاف ما هو الثابت في الشريعة في أداء الواجبات المؤقتة بوقت معلوم؟!
وما أحسن ما قاله ابن حزم في (المحلّى): (فإنّ الله تعالى قد حدّ أوقات الصلاة على لسان نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، وجعل لكلّ وقت صلاة منها أوّلاً ليس ما قبله وقتاً لتأديتها، وآخراً ليس ما بعده وقتاً لتأديتها، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من الأُمّة، فلو جاز أداؤها بعد الوقت لما كان لتحديده عليه السلام آخر وقتها معنى، ولكان لغوا من الكلام، وحاش لله من هذا.
وأيضاً فإنّ كلّ عمل عُلّق بوقت محدود فإنّه لا يصحّ في غير وقته، ولو صحّ في غير ذلك الوقت لما كان ذلك الوقت وقتاً له، وهذا بيّن، وبالله التوفيق)(1).
3- كراهة الصلاة في جوف الكعبة (ر: صلاة/7د) و(8/ب). نقلاً عن عبد الرزّاق(2)، وابن أبي شيبة(3).
أقول: هذا الذي ذكره لم يكن من انفراده في فتياه بكراهة الصلاة في جوف الكعبة، فقد روي عن أسامة بن زيد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لمّا دخل البيت دعا في نواحيه كلّها، ولم يصلّ فيه حتّى خرج، فلمّا خرج ركع ركعتين في قبل القبلة، فقال: هذه القبلة، قلت: ما نواحيه؟ [في زواياه]؟ قال: بل في كلّ قبلة من البيت. وحسبت أنّي رأيت الحسن بن عليّ دخل البيت فدعا في نواحيه كلّها ولم يصلّ فيه، ثمّ خرج فركع ركعتين في القبلة.
وروى أبو الطفيل، قال: دخلت مع الحسن والحسين ومحمّد بن
الحنفية الكعبة، فلم يصلّوا فيها(1).
فهؤلاء ثلاثة من سادة الصحابة ومن أئمّة أهل البيت عليهم السلام، ورابعهم تابعي جليل، دخلوا ولم يصلّوا في الكعبة، وثمّة أخبار نحو هذا منثورة في مصادر التراث المكّي تؤكد وجود رجال في الصحابة اتّفقت آراؤهم مع رأي ابن عبّاس في كراهة الصلاة في جوف الكعبة، فذكر المؤلّف لانفراده في موسوعته من الأوهام بلا كلام!
وكان عليّ يبيح للمعتكف الخروج من معتكفه لعيادة المريض، وتشييع الجنازة (ر: اعتكاف/3د)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّه لا يجوز له الخروج لذلك (ر: اعتكاف/4ب).
لقد راجعنا فتيا ابن عبّاس في الموضع المشار إليه، فكان في صفحة -139- تحت عنوان: (ما يمتنع عنه المعتكف الفقرة الثانية (ب) ، فقال: ولا يخرج من معتكفه ليعود مريضاً أو يتبع -- كذا والظاهر يشيّع -- جنازة، فقد روى مجاهد بن جبر عن ابن عبّاس أنّه قال: (ليس على المعتكف أن يعود مريضاً، ولا يتبع جنازة)، وأشار إلى المصدر برقم-5-.
وفي الهامش ذكر (أحكام القرآن) للجصّاص(2)، وقد راجعنا المصدر
فكان كما ذكر بحرفه وتحريفه (يشيع) ب- (يتبع)، وعند البحث عن سند ما ذكره الجصّاص في مصدر آخر، فلم نقف عليه، لا في كتب أحكام القرآن، ولا في كتب الفقه الحنفي، وحتّى بقية المذاهب الإسلامية، ومن الغريب أنّه لم يذكر هذا سوى الجصّاص! ومعلوم أنّ ولادة الجصّاص كانت سنة (305ه-)، ومجاهد توفي سنة (102 أو 103ه-)، وبين التاريخين أكثر من قرنين، فمن هم الوسائط في البين؟
إنّها لطفرة بجرّة قلم وغمضة عين! اعتمدها -- الرواية -- المؤلّف، وجعلها دليلاً على مخالفة ابن عبّاس لعليّ في هذه المسألة، فبورك مسعى المحقّقين من الأكاديميين، الذين يمثلهم المؤلّف الذي جمع بين الدين والطين، حيث لا هو يدري ولا المنجم يدري عمّن روى الجصّاص عن مجاهد، وهو لا يدري هل هو ممّن يوثق به أو لا يوثق به، فهو إسناد منقطع؛ على أنّ مجاهد من المجروحين، ومتن غريب.
وكان عليّ يرى أنّ نصاب زكاة الزرع خمسة أوسق، ولا زكاة في أقلّ من ذلك (ر: زكاة/10ب)، ويرى ابن عبّاس أنّ زكاة الزروع واجبة في القليل والكثير (ر: زكاة/4د2).
لقد رجعنا إلى محلّ الإحالة في (موسوعة فقه ابن عبّاس)، فكان في صفحة -371 -- 372-: (عن الشوكاني، عن ابن عبّاس: أنّه ليس للزروع نصاب معيّن يجب توفّره حتّى تجب فيه الزكاة، بل هي واجبة فيما أخرجته
الأرض من قليل أو كثير)(1)، وهذا منه نقل بالمعنى! وإلاّ فعبارة الشوكاني، كما قال: (وذهب ابن عبّاس، وزيد بن عليّ، والنخعي، وأبو حنيفة إلى العمل بالعام، فقالوا تجب الزكاة في القليل والكثير ولا يعتبر النصاب)(2).
ثمّ قال: (نقل عنه ابن زنجويه ما يفيد اشتراط النصاب في زكاة الزروع، وأنّه لا يضم بعض أصناف الزرع إلى بعض لتتميم النصاب إذا كان من جنس واحد، فقد قالt في رجل له أذهاب برّ وأذهاب دجرة -- أي لوبياء -- وأذهاب شعير، وأشباه ذلك من الحبوب، فإذا اجتمع ذلك كان فيه ما تجب فيه الزكاة، وإذا فرّق لم يكن على واحد زكاة، أتجب فيه زكاة؟ قال: نعم تجب فيه الزكاة)(3).
ولمّا راجعنا كتاب (الأموال) لابن زنجويه في الرقم المشار إليه، رأينا مؤلّفه يقول: (أخبرنا حميد، نا علي بن الحسن، عن ابن المبارك، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة مولى ابن عبّاس: في رجل تكون له أذهاب برّ...). فذكر هذا عن ابن عبّاس غريب وعجيب!! فخبر ابن زنجويه عن عكرمة مولى ابن عبّاس، وليس عن ابن عبّاس؛ فلاحظ السند كما ذكرته!
ثمّ إنّه قد ذكر في الفقرة -3- من الموضع المشار إليه، فقال: (والواجب في المزرع العشر إن كان يسقي بكلفة، ونصف العشر إن كان يسقي بغير كلفة، فقد كان ابن عبّاس يأخذ من دساتج الكراث العُشر
بالبصرة(1). وفي الزيتون العشر(2)، وفي هذا أيضاً من الوهم ما لا يخفى! وحيث جعل أخذ العُشر فيما يسقى بكلفة، ونصف العشر فيما كان يسقى بغير كلفة، والحكم فيها بالعكس، أي: ما سقي بكلفة نصف العشر، وما سقي بغير كلفة العُشر، كما هو المروي أيضاً عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، حيث حكم فيما سقي بالنضح بنصف العشر(3)، (وفيما سقت السماء العشر)(4)، ووجهه ظاهر، فالعشر فيما سقي بغير مؤنة، ونصف العُشر مع المؤنة.
ثمّ إنّه ذكر أخذ ابن عبّاس من دساتج الكراث العُشر بالبصرة، وذكر أخذه عن (أحكام القرآن) للجصّاص، وراجعناه، فوجدناه كما نقل ذكره مرسلاً. وبحثت عن إسناد هذا الخبر، فوجدته عند يحيى بن آدم القرشي المتوفّى (203ه-) في كتاب الخراج، قال: (أخبرنا إسماعيل، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا سعيد بن سالم ابن أبي الهيفاء، عن الصلت بن دينار، عن أبي رجاء العطاردي، قال: كان ابن عبّاس بالبصرة يأخذ صدقاتها حتّى دساتج الكراث)(5).
وأنا نقلت عنه هذا الخبر في الجزء الرابع من الحلقة الأولى من هذه الموسوعة(6)، دون التعقيب عليه بتصحيح أو تجريح، والآن وقد استدعى
البحث مزيداً من التحقيق، فقد رأيت في رجال السند بعض المجهولين والمجروحين.
فإلى القارئ بيان ما وقفت عليه من أحوالهم:
سعيد بن أبي سالم ابن أبي الهيفاء، لم أجد له ترجمة بهذا الاسم، وأظنّه سعيد بن سالم القدّاح، أبو عثمان المكّي، الذي ترجمه ابن حجر في (التهذيب)، وقال عنه ابن حبّان: يهم في الأخبار حتّى يجيء بها مقلوبة، لا يحتجّ به، وقال ابن معين: كانوا يكرهونه؛ إلى غير هذا من تجريح، يكفي فيه قول البخاري وأبي داود والعجلي: يرى الإرجاء، فهو ليس بحجّة.
فإن كان هو فهذا حاله، وإن لم يكنه، فيكفي في سقوط الخبر بعد جهالته، وجود الصلت بن دينار، الذي قال فيه الذهبي في (الميزان): أبو شعيب المجنون، وحكى عن ابن معين أنّه ليس بشيء، وكان يحيى بن معين وابن مهدي لا يحدّثان عنه، وقال البخاري: كان شعبة تكلّم فيه، فقال: إذا حدّثكم سفيان عن رجل لا تعرفونه فلا تقبلوا منه، فإنّما يحدّثكم عن مثل أبي شعيب المجنون)، وقال أحمد: متروك، وقال عبد الله بن أحمد: نهاني أبي أن أكتب حديثه، وقال يحيى بن سعيد: ذهبت أنا وعوف نعوده، فذكر عليّاً فنال منه، فقال عوف: لا شفاك الله -- كما في (التهذيب) -- لا رفع الله صرعتك، كما في (ميزان الاعتدال).
فالخبر الذي يرويه هذا كيف يعتمد عليه؟!!
وقد فاتني أنّي قد ذكرته نقلاً عن المرسلات، وقبل الوقوف على سنده، فعذراً ممّا فات من تقصير، والله العاصم.
1- وكان عليّ يرى أنّ التنفيل من الغنيمة يكون قبل القسمة (ر: تنفيل/2)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ التنفيل يكون بعد القسمة، ويكون من خمس الدولة (ر: التنفيل/2).
راجعت الإحالة، فرأيت أنّ المؤلّف نقل رأي الإمام عليه السلام عن (مسند زيد)، ولم ينقله بلفظه، والمروي في المسند... قال عليّ عليه السلام : (إنّما النفل قبل القسمة، ولا نفل بعد القسمة)، وهذا المسند هو برواية أبي خالد الواسطي، الذي كذّبه غير واحد من أئمّة الجرح، فقال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وسئل عنه وكيع؟ فقال: كان كذّاباً، فلمّا عرفناه بالكذب تحول إلى مكان آخر، وقال الدارقطني: كذّاب، وقال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين: أبو خالد الواسطي كذّاب(1).
أقول: وأورده الكشي في جماعة من العامّة لهم ميل ومحبّة شديدة(2)، وذكره العلاّمة الحلّي في (الخلاصة) أنّه من البترية ومن رؤساء الزيدية(3)، وفي الكشي عن الصادق عليه السلام: (لو أنّ البترية صف واحد ما بين المشرق إلى المغرب ما أعزّ الله بهم ديناً).
فمن كان منهم كيف يؤخذ بروايته في حكم شرعي؟!
على أنّ لصحّة رأي ابن عبّاس في التنفيل، ما هو مرفوعاً عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (لا نفل بعد الخمس)(1)، وقال ابن عبّاس: (السلب من النفل، والنفل من الخمس)(2)، وفي رواية ابن حزم في (المحلّى): (سُئل ابن عبّاس عن السلب؟ فقال: لا سلب إلاّ من النفل، وفي النفل الخمس)(3)، وقد روى ابن زنجويه في كتابه (الأموال) بسنده عن عليّ، أنّه قال: (لا نائل حتّى يؤدى الحقّ)(4)، وفيه بسنده عن ابن عبّاس قال: (لا تحلّ الغنيمة حتّى تخمّس، ولا يحلّ النفل حتّى يقسم بين الناس)(5).
2- وكان عليّ يرى أنّ سهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسهم قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد سقط بوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ر: غنيمة/3ب)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى استمرار السهمين لقرابة رسول الله الذين لا يحقّ لهم الأخذ من الزكاة (ر: غنيمة/3ب).
أقول: لم يكن برأي عليّ عليه السلام ما حكاه، كيف وهو القائل فيما رواه عنه أهل بيته: (هلك الناس في بطونهم وفروجهم، لأنّهم لم يؤدّوا إلينا حقّنا...)(6)، وإنّما أمضى ما سار عليه المسلمون منذ عهد الشيخين كراهة أن يُدّعى عليه خلافهما، كما لم يسترجع فدكاً ولا ما استولى عليه أبو بكر ممّا
كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير سهمه وسهم ذوي القربى، وقد سار عمر على ما سار عليه أبو بكر، وفي عهد عثمان ازدادت الأمور سوءاً، وبقيت كذلك إلى عهد الإمام عليه السلام، فلم يتمكّن من التغيير خشية التعيير، وصيحة (واعمراه) في وجه ابنيه الحسن والحسين عليهما السلام تكفي في الدلالة على عدم التمكّن من التغيير!
فقد جاء في (شرح النهج) للمعتزلي: (وقد روي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا اجتمعوا إليه بالكوفة فسألوه أن ينصب لهم إماماً يصلّي بهم نافلة شهر رمضان، زجرهم وعرّفهم أنّ ذلك خلاف السُنّة، فتركوه واجتمعوا لأنفسهم وقدّموا بعضهم، فبعث إليهم ابنه الحسن عليه السلام، فدخل عليهم المسجد ومعه الدرّة، فلمّا رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا واعمراه)(1).
فهو لم ير سقوط السهمين بوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل لم يتمكّن من إنفاذهما! وعلى هذا أيضاً كان رأي ابن عبّاس، وقد ذكر المؤلّف رأيه، فلا خلاف بين الفقهين، وإنّما آفته من الفهم السقيم.
(كتاب الخراج)
3- وكان يرى أنّه لا يجتمع معاً عشر وخراج في أرض واحدة (ر: خراج/3)، وقال ابن عبّاس يجتمعان معاً في أرض واحدة (ر: أرض/1).
أقول: لقد حكى المؤلّف رأي عليّ من (الروض النضير) -- من مصادر الزيدية -- حيث ورد أنّ الإمام عليه السلام قال: (لا يجتمع عشر وخراج على أرض
1) - شرح نهج البلاغة 2/235. وراجع: تهذيب الأحكام 3/70، وسائل الشيعة 5/192، تلخيص الشافي 4/58.
واحدة، إذا أدّى خراجها، فلا شيء عليها فيما بقي وإن كان مائة وسق)(1)، ثمّ حكى قول يحيى بن آدم في خراجه حاكياً فعل عليّ: (كان لا يأخذ من أرض الخراج إلاّ الخراج)(2).
وفي كلا النقلين تسامح لا يغتفر! وذلك أنّ الذي في (الروض النضير) حكاية رأي لا نقل لفظ، فقد جاء فيه: (الثاني -- من التنبيّهين -- هل يجب في غلتها العشر مع الخراج، أو لا؟ فذهب زيد بن عليّ، والناصر، وأبو حنيفة وأصحابه إلى سقوط العشر فيها، وقد روي عن جماعة من السلف، ففي (المصنّف لابن أبي شيبة) بسنده إلى الشعبي وعكرمة قالا: لا يجتمع خراج وعشر في أرض، وهو في (الجامع الكافي) عن أحمد بن عيسى ومحمّد، وفيه أيضاً قال محمّد رضي الله عنه: قول أحمد بن عيسى عليه السلام هو قول أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وأبي جعفر محمّد بن علي، والشعبي، وعكرمة، وأبي حنيفة وأصحابه: لا يجتمع عشر وخراج على أرض واحدة إذا أدّي خراجها، فلا شيء عليها فيما بقي وإن كان مائة وسق). أه-
هذه عبارة (الروض النضير)، فأين حاق القول عن عليّ عليه السلام ؟! إنّما حكى صاحب (الروض) قول محمّد رضي الله عنه: قول أحمد بن عيسى عليه السلام : هو قول أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وأبي جعفر محمّد بن علي...
فأين هذا من حاقّ اللفظ؟! إنّما يعني الموافقة في الرأي! فهذا هو الذي دعاني إلى وصفه بالتسامح في النقل عن الروض النضير.
وأمّا التسامح عن يحيى بن آدم في خراجه(1)، فقد راجعناه، فوجدناه ذكر الأثر في الخبر برقم -616-، فقال: يحيى حدّثني حسن بن ثابت، عن أبي طلق، عن أبيه، عن عليّ رضي الله عنه : أنّه كان لا يأخذ من أرض الخراج إلاّ الخراج، هذا معناه. هذا نصّ ما في (خراج) يحيى بن آدم.
ولا يخلو سنداً ومتناً من النقد، فأمّا السند فإنّ جهالة أبي طلق وأبيه تكفي في سقوطه، وأمّا في المتن فإنّ يحيى بن آدم لم يكن واثقاً بصحّة ما رواه أبو طلق عن أبيه... لذلك عقب بقوله: هذا معناه، ممّا دلّ على رواية أبي طلق، عن أبيه، عن عليّ عليه السلام إنّما هي نقل بالمعنى.
هذا ممّا يتعلّق بذكره لرأي الإمام عليه السلام وتسامحه في النقل، ولو رجع إلى مصادر فقه أهل البيت عليهم السلام لوجد فيها خيراً من ذلك، نحو ما رواه الشيخ الطوسي في (تهذيب الأحكام)(2)بإسناده: (عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال: سألته عن سيرة الإمام عليه السلام في الأرض التي فتحت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد سار في أهل العراق سيرة فهم إمام لسائر الأرضين، وقال: إنّ أرض الجزية لا ترفع عنهم الجزية، وإنّما الجزية عطاء المهاجرين، والصدقة لأهلها الذين سمّى الله في كتابه، فليس لهم من الجزية شيء، ثمّ قال: ما أوسع العدل، ثمّ قال: إنّ الناس يستغنون إذا عدل بينهم وتنزل السماء رزقها وتخرج الأرض بركتها بإذن الله)(3).
أرأيت يا أبا المنتصر! كيف اجتمعا العشر والخراج في أرض واحدة؟ وكيف اجتمع رأي ابن عبّاس ورأي عليّ عليه السلام في معنى الرواية الواحدة تصريحاً وتلويحاً؟
وليتك نظرت فيما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب (الأموال)(1)في باب (أرض الخراج من العنوة يسلم صاحبها، هل فيها عشر مع الخراج أم لا)، فقال: (حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: كتب إلَيَّ عمر بن الخطّاب في دهقانة نهر الملك أسلمت، فكتب: أن ادفعوا إليها أرضها تؤدّي عنها الخراج.
وحدّثنا هشيم، قال: حدّثنا سيّار، عن الزبير بن عدي، قال: أسلم دهقان على عهد عليّ رضي الله عنه، فقال له عليّ: (إن أقمت في أرضك رفعنا عنك جزية رأسك، وإن تحوّلت عنها فنحن أحقّ بها).
وحدّثنا يزيد، عن المسعودي، عن أبي عون الثقفي محمّد بن عبيد الله، قال: أسلم دهقان، فقام إلى عليّ عليه السلام، فقال له عليّ: (أمّا أنت فلا جزية عليك، وأمّا أرضك فلنا).
قال أبو عبيد: فتأوّل قوم لهذه الأحاديث: أن لا عُشر على المسلمين في أرض الخراج، يقولون: لأنّ عمر وعليّاً رضي الله عنهما لم يشترطاه على الذين أسلموا من الدهاقين، وبهذا كان يفتي أبو حنيفة وأصحابه.
قال أبو عبيد: وليس في ترك عمر وعليّ العُشر دليل على سقوطهم
1) - الأموال: 124.
عنهم، لأنّ العشر حقّ واجب على المسلمين في أرضيهم لأهل الصدقة، لا يحتاج إلى اشتراطها عليهم عند دخولهم في الأرضين، ألا ترى أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له)، ولم يقل: على أن يؤدي عنها العُشر، فهل لأحد أن يقول: لا عشر عليه فيها؟ وكذلك إقطاعه للأرضين التي أقطعها هو والخلفاء بعده لم يأت عنهم شيء من العُشر عند الإقطاع. وذلك أنّ حكم الله وسُنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على كلّ مسلم في أرضه -- إن ذكر ذلك أو ترك -- وإنّما أرض الخراج كالأرض التي يكتريها الرجل المسلم من ربّها الذي يملكها بيضاء فيستردّ ربحها، أفلست ترى أنّ عليه كراءها لربّها، وعليه عُشر ما تُخرج إذا بلغ ذلك ما يجب فيه الزكاة.
وممّا يفرّق بين العُشر، إنّما ذلك في أعطية المقاتلة، وأرزاق الذرّية، وهذا صدقة يعطاها الأصناف الثمانية، فليس واحد من الحقين قاضياً عن الآخر...)(1).
ثمّ ذكر من كان يقول الخراج على الأرض، والعشر على الحبّ، وذكر أسماء جماعة، ثمّ قال: (فهؤلاء أهل العلم بالسُنّة (رحمهم الله)، وقد روي عن ابن عبّاس حديث تأوّله بعضهم على أنّه لا يجتمع العشر والخراج: حدّثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، عن عبيد الله بن أبي جعفر، قال: قال ابن عبّاس: ما أحبّ أن يجمع -- أو قال يجتمع -- على المسلم صدقة المسلم وجزية الكافر.
1) - المصدر نفسه.
قال أبو عبيد: وليس وجهه ذلك عندي، إنّما مذهبه فيه الكراهة للمسلم أن يدخل في أرض الخراج فيجتمع عليه الحقّان، أعرف ذلك بكراهته للدخول فيها حين سُئل عنها، فقرأ: قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حتّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ(1)، ثمّ قال: لا تنزعوه من أعناقهم وتجعلوه في أعناقكم، وقد ذكرنا حديثه هذا(2)(3).
1- ولا يشترط عليّ فيمن يريد الحجّ عن غيره أن يكون قد حجّ عن نفسه (ر: حج/2د)، أمّا ابن عبّاس فكان يشترط ذلك (ر: حج/8ب)؟
لقد راجعت الإحالة فيما ذكره عن عليّ عليه السلام في الحجّ عن الغير، فكان في صفحة -204- من موسوعة فقهه، فقال: وأمّا الاستطاعة: فلقوله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(4)، وهذه الاستطاعة
1) - سورة التوبة/29.
2) - لقد مرّ ذكره في ص111 رقم 198 ولفظه: حدّثنا حجّاج، عن شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: تبعنا ابن عبّاس رضي الله عنه فسأله رجل، فقال: إنّي أكون بهذا السواد فأتقبّل، ولست أريد أن ازداد، ولكنّي أدفع الضيم؟ فقرأ عليه ابن عبّاس عليه السلام (؟) قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ... إلى آخر الآية، فقال: لا تنزعوه من أعناقهم وتجعلوه في أعناقكم.
3) - الأموال: 128.
4) - سورة آل عمران/97.
مالية، واستطاعة أمنيّة، واستطاعة بدنية. فالشيخ الفاني، وكلّ من أصيب بعلّة لا يستطيع معها الحجّ وله مال، عليه أن يرسل من يحجّ عنه، قال عليّ(كرّم الله وجهه): (الشيخ الفاني الذي لا يستطيع أن يحجّ يجهز رجلاً على نفقته فيحجّ عنه)(1)، وفي هذه الحالة لا يشترط فيمن يخرج ليحجّ عن غيره أن يكون قد سبق وحجّ عن نفسه، فقد روى ابن أبي شيبة: أنّ عليّاً كان لا يرى بأساً أن يحجّ الرجل عن الرجل ولم يحجّ قط(2).
أقول: إنّ ما ذكره عن عليّ عليه السلام من الحجّ عن الشيخ الفاني، وأحال في ذكره على مصادره، فكان أوّلها (مصنّف ابن أبي شيبة)، ولم يعيّن الطبعة التي راجعها، ولم أقف عليه في مظانّه في طبعة باكستان (إدارة القرآن والعلوم الإسلامية)، وهوّن الخطب أنّ ابن حزم ذكره في (المحلّى) وهو ثاني المصادر، فقال: (ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة، نا حفص -- هو ابن غياث -- عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب، أنّه قال في الشيخ الكبير: (أنّه يجهز رجلاً بنفقته فيحجّ عنه). اه-
أقول: وآفة هذا الخبر، وجود حفص بن غياث، الذي كان قاضي الكوفة، وقاضي بغداد أيضاً، وقال فيه أبو زرعة: ساء حفظه بعدما استقضي، وقال ابن سعد وأحمد: أنّه يدلّس(3)، وهذا يكفي في عدم قبول الخبر من هذا الطريق.
وأمّا الخبر الثاني، فقد رواه ابن أبي شيبة في (المصنّف)(1): عن يزيد ابن هارون، عن حميد بن الأسود... قال ابن معين: يزيد كان يدلّس، من أصحاب الحديث، لأنّه لا يميّز ولا يبالي عمّن روى(2).
ولمّا كان يزيد قد روى الخبر عن حميد بن الأسود، الذي قال فيه أحمد: سبحان الله! ما أنكر ما يجيء به، وقال الساجي والأزدي: عنده مناكير(3). فكيف يصحّ لمؤلّف نسبة رأي إلى الإمام عليه السلام عن هؤلاء؟!
ولقد راجعت الإحالة، فوجدت فيما ذكره عن ابن عبّاس، فقال: (ويشترط فيمن يحجّ عن غيره أن يكون قد حجّ حجّة الإسلام عن نفسه، فإن أحرم عن غيره ولم يكن قد حجّ عن نفسه وقع عن نفسه لا عن الغير، فيروي ابن عبّاس: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سمع رجلاً يقول لبيك عن شبرمة، قال: ومن شبرمة؟ قال: أخ لي، أو قريب لي، فقال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: فحجّ نفسك، ثمّ حجّ عن شبرمة، ثمّ ذكر في الهامش المصادر التي راجعها وهي بألفاظه: أبو داود في الحجّ باب الرجل يحجّ عن غيره، وابن ماجة في المناسك باب الحجّ عن الميت، وابن حبّان في صحيحه(4)، والبيهقي في السنن(5)، ورواه موقوفاً الشافعي في مسنده(6)، وانظر: التلخيص
ولمّا لم يعيّن الطبعات التي أحال عليها، وأنا قد راجعت (تلخيص الحبير) لابن حجر، نشر مكتبة ابن تيمية، القاهرة، تحقيق وتعليق الدكتور شعبان محمّد إسماعيل، جامعة الأزهر، فرأيت في صفحة (237 برقم/7) حديث: (قال ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سمع يقول لبيك عن شبرمة، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله س: من شبرمة؟ قال: أخ لي، أو قريب لي، قال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حجّ عن نفسك ثمّ عن شبرمة. وفي رواية: هذه عنك، ثمّ حجّ عن شبرمة).
ثمّ قال ابن حجر: (أبو داود، وابن ماجة من حديث عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عنه باللفظ الثاني).
أقول: ثمّ استمر ابن حجر في ذكر الأقوال في السند والمتن وتعدّد القصّة وعدمه مرفوعاً وموقوفاً في كلام كثير ممّن قَبِل الحديث ومن أعلّه، وجلّ ما فيه قد ذكره البيهقي في (السنن الكبرى) في باب (من ليس له أن يحجّ عن غيره)(3)، الطبعة التي بهامشها (الجوهر النقي) لابن التركماني، وقد علّق هو أيضاً على بعض كلام البيهقي.
ومن المجموع تبيّن أنّ المنقول عن ابن عبّاس لم يثبت رفعه، وبهذا
أعلّه من قبول الحديث، والذي قَبِلَه احتجّ بالرفع، ومع أنّ في السند اسم عزرة، وقالوا فيه: هو عزرة بن يحيى، قال ابن التركماني في (الجوهر النقي): (وليس في كتاب أبي داود أحد يقال له عزرة بن يحيى، ولا في بقية الكتب الستّة...)(1)، وأطال الكلام في تعيين عزرة، فراجع.
وفي (تهذيب التهذيب) في عزرة: فقال قتادة: (قد روى عن ثلاثة كلّ منهم اسمه عزرة، فقول: النسائي في التمييز عزرة الذي روى عنه قتادة ليس بذلك القوي لم يتعيّن)(2).
2- وكان عليّ يرى أنّ على القارن في الحجّ طوافين وسعيين (ر: حج /4ب3ج)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ الواجب عليه طواف واحد وسعي واحد (ر:حج/12ب).
أقول: ما ذكره عن عليّ لم يكن إلاّ رواية عن ابن أبي شيبة، وآثار أبي يوسف كما أشار إليهما في الهامش، ثمّ قال: وفي رواية أُخرى عن عليّ: أنّ القارن يطوف طوافاً واحداً، ويسعى سعياً واحداً بين الصفا والمروة، وحكاها عن (المحلّى 7/174)، وهي كذلك.
ومن الطرافة بمكان أن يذكر ابن حزم هذا عن ابن عبّاس، وعن عليّ متعاقبين في مكان واحد هكذا!
وقال: (ومن طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عبّاس، قال: (ويكفيك لهما طوافك الأوّل بين الصفا والمروة، يعني:
القارن بالحجّ والعمرة)(1).
ثمّ قال: (ومن طريق سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، قال: حلف لي طاووس: ما طاف أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحجّه وعمرته إلاّ طوافاً واحداً.
ومن طريق جعفر بن محمّد، عن أبيه: أنّه كان يحفظ عن عليّ بن أبي طالب: للقارن طوافاً واحداً بين الصفا والمروة، خلاف ما يحفظ أهل العراق)(2).
ثمّ قال ابن حزم(3): (وقالت طائفة: بل يطوف طوافين ويسعى سعيين)(4).
ثمّ قال بعد ذكره عدّة أسانيد: (ثمّ اتّفق أبو نصر بن عمر، والرجل السلمي، والرجل العذري، وعبد الرحمن بن أذينة، والحكم بن عتيبة، وزياد ابن مالك، وابن شبرمة، كلّهم عن عليّ، أنّه قال: (يطوف القارن طوافين، ويسعى سعيين)(5).
ثمّ قال: (وأمّا الرواية عن عليّ، فأبو نصر بن عمرو، وعبد الرحمن بن أذينة، وزياد بن مالك، ورجل من بني عذرة، ورجل من بني سالم، لا يدري
أحد من خلق الله تعالى مَن هم؟! وأمّا الحكم بن عتيبة، وابن شبرمة فلم يدركا عليّاً ولا ولدا إلاّ بعد موته؟!)(1).
أقول: فأين الخلاف المزعوم، يا أيّها الدكتور؟!
3- وكان عليّ يرى أفضلية حلق شعر الرأس في الأحوال المعتادة (ر: شعر/1)، وكان ابن عبّاس يكره حلق شعر الرأس كلّه (ر: شعر/1أ).
أقول: راجعت الإحالة فيما ذكره عن رأي الإمامu، فذكر (كشف الغمّة)(2)بلا تعيين اسم المؤلّف، أو إشارة مميّزة للمصدر، ثمّ إنّ اسم (كشف الغمّة) لعشرات من الكتب، والتي يحتمل أن يكون أحداها مقصود المؤلّف هو (كشف الغمّة عن جميع الأئمّة) للشعراني، أو (كشف الغمّة في معرفة الأئمّة) للإربلي، أو (كشف الغمّة) للكردودي الإدريسي، و(كشف الغمّة الجامع لأخبار الأُمّة)... وهذه كلّها مطبوعة، وفي إهماله ذكر قائمة بأسماء المصادر في آخر الكتاب تسبب في زيادة المعاناة، وهذا ممّا يؤاخذ عليه ويعتب عليه فيها.
ومع غضّ النظر عن هذا، فإنّ في التراث الحديثي السُنّي ورد: أنّ عليّاً كان يروي الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم من ترك شعرة لم يصبها الماء من الجنابة، فعل الله به كذا وكذا.. قال: فلذلك عاديت رأسي، أو قال: شعري، وكان يجزّ شعره، وهذا رواه أبو داود في السنن(3)، وقال الألباني: ضعيف، ورواه أبو
نعيم في (الحلية)(1)، ورواه ثانية بلفظ عن عليّ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (مع كلّ شعرة جنابة، ولذلك عاديت رأسي)، ورواه أحمد في مسنده(2)بسنده عن عفّان، عن حمّاد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان: أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال...
ورواه البيهقي في (السنن الكبرى)(3)بسنده إلى عفّان.. إلى آخر إسناد أحمد، وأبو داود الطيالسي في مسنده(4)، و(عون المعبود)(5)، والدارمي في سننه(6)، وغير هؤلاء، فلماذا أهمل المؤلّف ذكرهم، وذكر (كشف الغمّة) فقط؟ وأحسب إعراضه عن تلك المصادر التي ذكرتها لأنّها روت الحديث مسنداً، ولمّا كان في الإسناد آفة سيطلع عليها القارئ الواعي، فيسقط الخبر عن الاعتبار، والمؤلّف يريد أن يجعله بمثابة دليل يحتجّ به!
وإظهاراً للواقع، أذكر للقارئ: أنّ في السند حمّاد بن سلمة، قال فيه الذهبي الكثير الكثير من المديح الفسيح، مع ذكره عنه روايات في التجسيم، جميعها عن حمّاد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس -- مرفوعاً -- : (رأيت ربّي جعداً أمرد، عليه حلّة خضراء)، وفي رواية ثانية: أنّ محمّد رأى ربّه في صورة شاب أمرد، دونه ستر من لؤلؤ، قدميه أو رجليه
في خضرة، وفي ثالثة: قال: (رأيت ربّي...)، وعنه بسند آخر: عن صهيب مرفوعاً: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ(1)، قال: النظر إلى وجه الله سبحانه؛ ومن غرائب ما قيل فيه: أنّه من الأبدال، لأنّه تزوّج سبعين امرأة، فلم يولد له، وهذه علامة الأبدال! كما في (الميزان والتهذيب) (؟!).
ومن رجال الخبر المبحوث عنه عن عليّ، هو عطاء بن السائب، الذي قال فيه ابن معين: لا يحتجّ به، وقال الحاكم: تركوه، وحاول أحمد بن حنبل تمشية حاله، فقال: من سمع منه قديماً فصحيح، ومن سمع منه حديثاً لم يكن بشيء، وقال أبو حاتم: محلّه الصدق قبل أن يختلط.
وطامّة الطامات، وجود عكرمة، وهو البربري -- مضرب المثل في كذب الموالي على ساداتهم -- قال يحيى بن سعيد: كذّاب، وكذّبه ابن المسيّب مراراً، ذكر عند أيوب أنّه لا يحسن الصلاة، فقال: أو كان يصلّي؟! وكان مالك يكره أن يذكره، وقال ابن سعد: ليس يحتجّ بحديثه، ويتكلّم الناس فيه، وكان يرى رأي الأباضية، وقيل: ينتحل مذهب الصفرية.. إلى غير هذا، وسيأتي المزيد عن حاله في الحلقة الرابعة من هذه الموسوعة.
فلهذا فيما أحسب عدل المؤلّف عن ذكر خبر عليّ وكان يجزّ شعره، عن بعض مصادر الحديث التي روته بإسناد، وذكره عن (كشف الغمّة)؟ ولم يكشف بفعله البهمة فزاد الغمّة غمّة.
أمّا ما ذكره عن كراهة ابن عبّاس لحلق شعر الرأس كلّه، وأحال على كتابه (شعر/1أ)، فراجعناه في صفحة -421-، فقال: (كان ابن عبّاس رضي الله عنه
1) - سورة يونس/26.
يكره أن يحلق الرجل شعر رأسه في المصر بغير عذر، ويقول: (الذي يحلق رأسه في المصر شيطان)، وذكر في الهامش مصدره (سنن البيهقي)(1)، وقد راجعت المصدر، فكان فيه ما يتعلّق بتفسير قوله تعالى: وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ(2)، فنسخ من ذلك واستثنى من ذلك، فقال في سورة الشعراء: إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً(3)، وهذا هو ما ذكره في أعلى الصفحة من المتن، وخرّجه عن تفسير ابن كثير(4)، و(الدرّ المنثور)(5).
فأين قول الشِعر من حلق الشَعر؟! إنّه التحريف والتخريف، أجارنا الله من التزييف لصالح التصريف.
4- وأوجب عليّ في بيضة النعام إذا أتلفها المحرم جنين ناقة (ر: حج/5ج)، أمّا ابن عبّاس فقد أوجب على المحرم فيها قيمته (ر: إحرام/9ط2ب).
لقد أحال على الموضع المشار إليه في رأي عليّ، فكان في صفحة -212- من موسوعة فقهه، فقال: (لقد قضى عليّ في النعامة ببدنة -- جمل -- وفي بيضها جنين ناقة، فعن ابن عبّاس، قال: قضى عليّ بن أبي طالب في بيض النعامة يصيبها المحرم، ترسل الفحل على إبلك، فإذا تبيّن لقاحها
سمّيت عدد ما أصبت من البيض، فقلت: هذا هدي، ثمّ ليس عليك ضمان ما فسد، قال ابن عبّاس: فعجب معاوية من قضاء عليّ، قال ابن عبّاس: لم يعجب معاوية من عجب، ما هو إلاّ ما يباع به البيض في السوق فيتصدّق به(1).
وفي سنن البيهقي: إنّ هذا القضاء كان ممّا قضى به عليّ في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فانطلق الرجل إلى نبيّ الله فأخبره بما قال عليّ، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : (قد قال عليّ ما تسمع، ولكن هلّم إلى الرخصة عليك في كلّ بيضة صيام يوم، أو إطعام مسكين) (2). انتهى ما ذكره في كفّارة بيض النعام.
ولمّا راجعت المصادر التي أحال عليها في الهامش، فكان في (مصنّف عبد الرزّاق) هكذا: (أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، قال: أخبرني عكرمة، عن ابن عبّاس...)(3)، وفي الهامش ذكر زيادة مولى بعد ابن جريج، وتصويب اسم عبد الحميد كما في (المحلّى) كما في نسخة (ص) عبد الرحمن.
أقول: وهذا السند بدءاً من معمر، وهو ابن راشد البصري، قال أبو حاتم: ما حدّث به بالبصرة ففيه أغاليط، وقال ابن معين: إذا حدّثك معمر عن العراقيين فخالفه إلاّ عن الزهري، وابن طاووس، فأمّا أهل الكوفة والبصرة فلا... وحديثه عن ثابت البناني، وعاصم بن أبي النجود، وهشام بن
عروة، وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام. وهذا روى عن ابن جريج، فمن هو هذا؟
إنّه عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأُموي، مولاهم المكّي، قال الذهبي في (الميزان): يدلّس، تزوّج من نحو سبعين امرأة نكاح المتعة، يرى الرخصة فيها، وكان فقيه أهل مكّة في زمانه، قال أحمد: بعض الأحاديث التي يرسلها موضوعة، كان لا يبالي من أين أخذها، وقال مالك: كان حاطب ليل...
وهذا روى الخبر عن عبد الحميد بن جبر المجهول اسماً ورسماً، وإن صحّحناه على ما في نسخة (ص) من (مصنّف عبد الرزّاق)، وسمّيناه عبد الرحمن بن جبر، فقد خالفنا ابن حزم في ذكره باسم عبد الحميد بن جبر، وهو الصواب، وهذا عن عكرمة، ويكفي أنّه هو الطامّة الكذّاب، وقد مرّت الإشارة إلى حاله مكرّراً، فالخبر ساقط سنداً فلا يحتجّ به.
ولو أغمضنا النظر عن رجاله، فكيف يرويه ابن عبّاس لمعاوية حتّى يعجب من قضاء عليّ، ثمّ يعقب بقوله: لم يعجب معاوية من عجب ما هو إلاّ ما يباع به البيض في السوق، فيتصدّق به!! أليس هي السخرية التي تأباها سيرة ابن عبّاس؟
قال الشافعي في كتاب المناسك: رووا هذا عن عليّ من وجه، لا يثبت أهل العلم بالحديث مثله، ولذلك تركناه(1).
1) - سنن البيهقي 5/208.
ونحن فيما ذكره المؤلّف عن ابن عبّاس أيضاً تركناه.
5- وأوجب عليّ في بيضة حمام الحرم يتلفها المحرم درهماً (ر: حج/5ج)، ولكن ابن عبّاس لم يوجب فيها إلاّ نصف درهم (ر: إحرام/9ط 2ب).
لقد راجعنا موضع الإحالة لرأي عليّ في بيضة حمام الحرم، فكان في صفحة -212- من موسوعة فقهه، فقال: (وفي كلّ بيضتين من بيوض الحرم درهم)(1).
أقول: وهذا خلاف ما عنون به، فهو فيه قال: (وأوجب عليّ رضي الله عنه في بيضة الحرم يتلفها المحرم درهماً). وفي مكان الإحالة قال: (وفي كلّ بيضتين من بيوض الحمام درهم)، فأيّهما الصحيح؟!
وإذا اعتمدنا ما رواه عبد الرزّاق عن عليّ: في كلّ بيضتين درهم، وعن ابن عبّاس قال: في كلّ بيضة من بيض حمام الحرم نصف درهم، فأين الخلاف أيّها الأُستاذ؟!
6- وأباح عليّ للمحرم عقد النكاح لنفسه ولغيره دون دخول (ر: حج/ 5ب4)، ومنع ذلك ابن عبّاس (ر: إحرام/9ح).
أقول: لقد وهم المؤلّف في هذا المقام! فحكى عن عليّ إباحة عقد المحرم لنفسه ولغيره عقد النكاح دون دخول، وأحال كما مرّ، فكان هذا في صفحة -211- في موسوعة فقهه، وإذا الذي فيها عدم الجواز لا الإباحة! ومن فمه أدينه.
1) - مصنّف عبد الرزّاق 4/420، المجموع 7/339.
ولنقرأ النص، قال: (4- النكاح ودواعيه: ولا يجوز للمحرم النكاح، فإن فعل رُدّ نكاحه، قال عليّ كرّم الله وجهه: (المحرم لا يَنكح ولا يُنكح، فإن نكح فنكاحه باطل)، ومن رواية أنّه قال: (من تزوّج وهو محرم نزعنا منه امرأته)(1).
وراجعنا مصادره التي ذكرها في الهامش، فقد جاء فيها: (ففي (المحلّى)، قال: وروينا عن عليّ بن أبي طالب: (لا يجوز نكاح المحرم، إن نكح نزعنا منه امرأته...)(2).
وفي (سنن البيهقي)، قال: أخبرنا أبو سعد الماليني... عن عليّ، قال: (من تزوّج وهو محرم نزعنا منه امرأته)، وأخبرنا أبو نصر بن قتادة... عن جعفر بن محمّد، عن أبيه: أنّ عليّاً رضي الله عنه قال: (من تزوّج وهو محرم نزعنا منه امرأته، ولم نجز نكاحه)(3).
وفي (كنز العمّال): عن جعفر، عن أبيه: أنّ عمر وعليّاً قالا: لا يَنكح المحرم ولا يُنكح، فإن نكح فنكاحه باطل. (ش) = ابن أبي شيبة(4).
هذه نصوص المصادر التي ذكرها صريحة فصيحة أنّ عليّاً عليه السلام، قال: (لا يَنكح المحرم ولا يُنكح، فإن نكح ردّ نكاحه، فنكاحه باطل، نزعنا منه
امرأته)، فمن أين قال: (وأباح عليّ للمحرم عقد النكاح لنفسه ولغيره دون دخول)؟ أليس هذا الوهم من سوء الفهم؟!
وأمّا ما ذكره عن ابن عبّاس، فقال: (ومنع ذلك ابن عبّاس)، وأحال على (إحرام/9ج)، وراجعناه فكان في صفحة -59- من موسوعة فقهه، قال: (عقد نكاح المحرم: وإذا كان وطء المحرم يُفسد إحرامه، فإنّ ذلك لا يعني تحريم عقد نكاحه ما لم يصاحب ذلك جماع، أو دواعي جماع، فقد أجاز ابن عبّاس للمحرم أن يعقد النكاح لنفسه ولغيره، قال ابن عبّاس: (لا بأس أن يتزوّج المحرم)(1)، وكان ابن عبّاس يروي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوّج ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال(2)، ويرى أنّ ذلك لم يكن خاصّاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع اشتهار هذا عن ابن عبّاس، فقد حكى النووي عنه: أنّ المحرم لا يتزوّج(3)، ناصراً بذلك مذهبه (ر: نكاح/4)، فراجعناه أيضاً، فكان في صفحة -276- من موسوعة فقهه فقال: (4- الزوج: يشترط في الرجل الذي يريد أن يتزوّج مسلمة أ- الإسلام.. ب -- الكفاءة... ج -- أن يكون غير مُحرم: لأنّ المحرم ممنوع من النكاح حتّى ينهي إحرامه، سواء أكان إحرامه بحجّ أو بعمرة (ر: إحرام، 9ح)، وذكر في الهامش: (المغني 6/332).
أقول: لقد اختلط عليه الحابل بالنابل، فلم يميّز بين التحليل والتحريم، والتصويب والتجريم، فذكر عن ابن عبّاس المنع أوّلاً، ثمّ ذكر عنه الجواز ثانياً، ونسب إلى النووي ما لم يرد له ذكر في المسألة.
وفي الهوامش تهميش وتشويش، فذكر (المغني 6/3329)، ولدى المراجعة في المكان المذكور، كان الكلام في طلاق المريض زوجته قبل الدخول بها وما تستحقّ من الميراث والصداق والعدّة...
ثمّ فصّل في طلاق المدخول بها طلاقاً رجعياً، ثمّ مرض في عدّتها ومات...
ثمّ فصّل في أنّ الزوج طلّقها ثلاثاً في مرضه فارتدّت، ثمّ أسلمت، ثمّ ماتت في عدّتها...
فأين هذا ممّا نحن فيه من مسألة منع ابن عبّاس من نكاح المحرم؟!
وبعد الفحص وبذل الجهد، تبيّن أنّ الوهم في ذكر تعيين الجزء -6- من المغني وصوابه -3-، فثمّة قال ابن قدامة: (مسألة): قال: (ولا يتزوّج المحرم ولا يزوّج، فإن فعل فنكاحه باطل)... وأجاز ذلك ابن عبّاس، فقد روى يزيد بن الأصم عن ميمونة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تزوّجها حلالاً، وبنى بها حلالاً، وماتت بسرف في الظّلة التي بنى بها فيها)، رواه أبو داود، والأثرم.
وعن أبي رافع، قال: (تزوّج رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما)، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وميمونة أعلم بنفسها، وأبو رافع صاحب القصّة، وهو السفير فيها، فهما أعلم بذلك من ابن عبّاس، وأولى بالتقديم لو كان ابن عبّاس كبيراً، فكيف وقد
كان صغيراً لا يعرف حقائق الأمور ولا يقف عليها؟ وقد أنكر عليه هذا القول، وقال سعيد بن المسيّب: وهم ابن عبّاس، وما تزوّجها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ حلالاً.
أقول: وهذا الخلط والخبط الذي وقع فيه المؤلّف، جعلنا في شكّ من صحّة معلوماته التي كتبها في موسوعاته في فقه السلف، خصوصاً (موسوعة فقه عليّ بن أبي طالب)، و(موسوعة فقه عبد الله بن عبّاس)، فينبغي الحذر من أخذها على نحو الجدّ في الصحّة!
7- قال في صفحة -248-: (اجتماع حجّ نذر وحجّ فريضة، إذا نذر شخص أن يحجّ ولم يكن قد حجّ حجّة الفريضة، ثمّ حجّ، كان حجّه مسقطاً لحجّ النذر وحجّة الفريضة(1)، فقد سُئل عكرمة عن ذلك؟ فقال: يقضي حجّه عن نذره وعن حجّة الإسلام، أرأيت لو أنّ رجلاً نذر أن يصلّي أربع ركعات، فصلّى العصر، أليس ذلك يجزئه عن العصر والنذر؟ قال: وذكرت قولي لابن عبّاس، فقال: أصبت وأحسنت(2).
وأتت امرأة ابن عبّاس نذرت الحجّ ولم تحجّ -- حجّة الإسلام -- فحجّت، فسألت ابن عبّاس؟ فقال: (قضيتها وربّ الكعبة)(3)، أي قضيت النذر بحجّة الإسلام).
أقول: لقد أعاد المسألة ثانية في صفحة -658- في مسائل النذر برقم
-4- بعنوان: (اندماج قضاء النذر بغيره)، ولم يغيّر شيئاً عمّا سبق، سوى تغيير العنوان، وتقديم سؤال المرأة من ابن عبّاس قبل السؤال عن عكرمة، وذكر نفس المصادر التي ذكرها أوّلاً. فرجعنا لها، فما كان في (المغني) ليس بمغنٍ، حيث حرّر المسألة والخلاف فيها، إلى أن قال: (وهذا قول ابن عبّاس وعكرمة، وروى سعيد بإسناده عن ابن عبّاس وعكرمة، أنّهما قالا: في رجل نذر أن يحجّ ولم يكن حجّ الفريضة، قال: يجزي لهما جميعاً، وسُئل عكرمة عن ذلك؟ فقال: يقضي حجّه عن نذره وعن حجّة الإسلام. أرأيتم لو أنّ رجلاً نذر أن يصلّي أربع ركعات فصلّى العصر، أليس ذلك يجزئه عن العصر ومن النذر؟ قال: وذكرت قولي لابن عبّاس، فقال: أصبت، أو أحسنت).
فهذا الذي في (المغني) ليس فيه ما يغني عن البحث عن صحّة النسبة إلى ابن عبّاس، نعم، فيه قول عكرمة لمّا حكى قول ابن عبّاس: أصبت أو أحسنت، وهذا الترديد كما في (المغني) في كلمة ابن عبّاس، جمعهما المؤلّف، وهذا خلاف الأمانة!
وما ذكره ابن قدامة مرسلاً، فقد وجدته مسنداً في (مصنّف ابن أبي شيبة)، قال: (حدّثنا أبو بكر، قال: ثنا حفص، عن هشام، عن واصل مولى أبي عيينة، قال: حدّثني شيخ سمع ابن عبّاس وأتته امرأة، فقالت: إنّي نذرت أن أحجّ ولم أحجّ حجّة الإسلام؟ فقال ابن عبّاس: قضيتهما وربّ الكعبة)(1). اه-
1) - مصنّف ابن أبي شيبة 1/4/91 رقم 596، ط كراتشي باكستان.
وهذا السند ظاهر البطلان في الاحتجاج به، لجهالة الشيخ الذي سمع ابن عبّاس عند جوابه المرأة عن المسألة.
وأعطف عليه واصل، فهو غير واصل حدّ السلامة عن التجريح، فعن ابن القطّان ومالك ما يجرحه، وليس الراوي عنه بدونه، فهو حفص -- وهو ابن غياث -- الذي ولي القضاء ببغداد، ولابن حجر في تهذيبه عرض الأقوال في مدحه وذمّه؛ فراجع!
ومع سقوط هذا السند، أكاد أجزم بصحّة فقه الخبر، لموافقته في فقهه ما جاء عن أهل البيت عليهم السلام، فقد ذكر الشيخ الحرّ العاملي في كتاب الحجّ من كتابه (الوسائل) باباً بعنوان (باب حكم من نذر الحجّ، هل يجزيه عن حجّة الإسلام؟ ومن نذر فحجّ عن غيره هل يجزيه عن النذر؟)، وذكر ثلاثة أحاديث نقلاً عن (تهذيب الأحكام) للشيخ الطوسي وغيره، وعقّب عليها بقوله: (حمله جماعة من الأصحاب على من نوى بالنذر حجّة الإسلام، وعلى من نذر حجّاً مطلقاً ولو عن غيره... ويمكن الحمل على الإجزاء المجازي أي يجزيه حتّى يستطيع...)(1).
وجاء في (تذكرة الفقهاء): (تذنيب: لو أحرم بالمنذورة مَن عليه حجّة الإسلام، فوقعت عن حجّة الإسلام، كما اختار بعض علمائنا -- يعني الشيخ الطوسي قاله في (النهاية)(2)-- لم تسقط المنذورة، وهو قول ابن عمر، وأنس،
وعطاء، وأحمد، لأنّها حجّة واحدة فلا تجزئ عن حجّتين، كما لو نذر حجّتين فحجّ واحدة)(1)، وقال نحو ما مرّ عن (المغني) حكاية لقولي ابن عبّاس، وعكرمة.
ثمّ قال: (وقد روى علماؤنا مثل ذلك عن الصادقu، وقد سلف -- يشير إلى ما مرّ منه في صفحة -102- في المسألة -71-، حيث قال: وقال بعض علمائنا: إن حجّ ونوى النذر أجزأ عن حجّة الإسلام، وإن نوى حجّة الإسلام لم يجزئ عن النذر، لما رواه رفاعة بن موسى -- في الصحيح -- عن الصادقu، قال: سألته عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله، هل يجزئه ذلك عن حجّة الإسلام؟ قال: نعم(2)(3).
1- وكان عليّ يرى أنّ البائع في بيع السلم إذا عجز عن تسليم المبيع، فإنّه يرد الثمن الذي قبضه لا غيره (ر: بيع/3ج)، أمّا ابن عبّاس فإنّه كان يرى أنّه يجوز له أن يسلم غير المبيع المسمّى إذا تراضيا على ذلك (ر: بيع/6ز).
لقد راجعنا مكان الإحالة في صفحة -142- من موسوعة فقهه، فقال فيه: (العجز عن تسليم المبيع: إذا عجز البائع في السلم عن تسليم المبيع فإنّ
المشتري بين خيرتين، إمّا أن ينتظر إلى أن يصبح البائع قادراً على التسليم، وإمّا أن يستردّ رأس ماله من غير زيادة ولا نقص، قال عليّ: من أسلف في الطعام إلى أجل ولم يجد عند صاحبه ذلك الطعام، فقال: خذ مني بسعر يومه لم يكن له أن يأخذ إلاّ الطعام الذي أسلف فيه أو رأس ماله، وليس له أن يأخذ نوعاً من الطعام غير ذلك النوع)(1).
أقول: لقد تقدّم منّي ما يتعلّق بمسند زيد، وأنّه من رواية أبي خالد الواسطي الذي كان من البترية، وقال فيه أحمد: كذّاب، وقال ابن معين: كذّاب غير ثقة، وفي تهذيب ابن حجر، عن أحمد يروي عن زيد بن عليّ، عن آبائه، أحاديث موضوعة يكذب، وقال أبو زرعة: يضع إلى غير هذا من تجريح العامّة له، وأمّا عند الشيعة فهو من رؤساء الزيدية من البترية، فلا يعتمد عليه.
وأمّا ما ذكره عن ابن عبّاس، فقد أحال على الرجوع إلى (بيع/6/ز)، فراجعناه فكان الرمز (ز) في صفحة -177- من موسوعة فقهه في الرهن والكفيل في السلم، وهو آخر ما عنده في البيع، وبعد الفحص تبيّن وهمه في ذكر الرمز بالحرف (ز) وصوابه ه-، في تسليم غير المعقود عليه في صفحة -176- من الموسوعة، فننقله بلفظه على طوله، لبيان تعمّد المؤلّف في تصوير الخلاف بين الإمام وابن عمّه وتلميذه، تشهيراً بهما معاً، وكأنّه ذو حساسية عدائية على آرائهما يضرب بالاثنين حجراً واحداً.
1) - مسند زيد 3/613.
فإلى النص الذي ذكره، فقال: (ه- -- تسليم غير المعقود عليه: إذا أسلم شخص في طعام موصوف في الذمّة إلى أجل معلوم، فلمّا جاء الأجل لم يجد المعقود عليه عند البائع، ووجد عنده غيره، وتراضيا على أن يأخذ سلعة أُخرى إلى أجل معلوم، فلمّا جاء الأجل لم يجد المعقود عليه عند البائع، ووجد عنده غيره، وتراضيا على أن يأخذ سلعة أُخرى بقيمة السلعة الأولى، جاز ذلك، ويستحبّ أن تكون قيمة السلعة الحاضرة أقلّ من القيمة المتّفق عليها للسلعة الأولى.
قال ابن عبّاس رضي الله عنه : (إذا أسلفت في طعام، فحلّ الأجل فلم تجد طعاماً فخذ منه عرضاً بأنقص ولا تربح عليه مرّتين)(1)، ومعنى: (لا تربح عليه مرّتين) -- والله أعلم -- أنّه لا يجوز له أن يبيع المشتري للبائع السلعة المسلم فيها، لأنّه يكون بذلك قد ربح عليه مرّتين، مرّة بشرائها منه بأقلّ من قيمتها، وذلك عندما اشتراها منه سلماً، ومرّة أُخرى حين باعه إياها، وسُئل رضي الله عنه عن رجل باع بزّاً -- قماشاً -- أيأخذ مكانه برّاً -- قمحاً --؟ فقال: لا بأس(2).
أمّا ما رواه طاووس، قال: سألت ابن عبّاس عن رجل سلف في حُلَلٍ فلم يجدها عند صاحبه، أيأخذ حُللاً بقيمتها؟ فكرهه، قال: لا يأخذ منه غير ذلك(3)، فإنّه يحمل على أنّه أراد أن يأخذ حُللاً بغير إرادة البائع، والله أعلم).
أقول: إنّ الخبر الذي رواه عن عطاء بن أبي رباح، فهو من مرسلاته، فقد ورد في (مصنّف عبد الرزّاق)(1): عن الثوري، عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح، قال: سمعته يحدّث عن ابن عبّاس، أنّه سُئل عن رجل باع بزّاً، أيأخذ مكانه بُرّا؟ قال: لا بأس به.
قال أحمد: ليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء، كانا يأخذان من كلّ واحد.
وقال ابن المديني: تركه بآخره ابن جريج، وقيس بن سعد(2).
ومن روى هذا الخبر أخذه عن عبد الرزّاق، وما رواه فهو من مرسلات عطاء، وليس ثمّة أضعف منها، ومرسلات الحسن، كما قال أحمد بن حنبل. ويبقى ما رواه طاووس من كراهة ابن عبّاس أن يأخذ عوض ما أسلف أن لم يجده، وقال: يأخذ منه غير ذلك، يعني: الذي أعطاه، فعلى هذا لا خلاف بين الرأيين.
2- وكان عليّ يكره الرهن في الكفالة في السلم (ر: بيع/3د)، أمّا ابن عبّاس فكان يكره الرهن دون الكفالة في الأصحّ عنه (ر: بيع/6ز).
ورجعنا إلى الإحالة في رأي عليّ عليه السلام، فكانت في صفحة -143- من موسوعة فقهه، حيث قال المؤلّف: (الرهن والكفيل في السلم: كره عليّt أن يأخذ المشتري في السلم رهناً أو كفيلاً، ففي (مصنّف عبد الرزّاق)
وغيره أنّ عليّاً كان يكره الرهن والقبيل -- الكفيل -- في السلم(1)، وذلك لأنّ أمر السلم منّي على التيسير، وطلب الرهن والكفيل فيه ينافي حكمة مشروعيته).
أقول: لقد راجعت من المصادر التي ذكرها في الهامش هنا، (مصنّف عبد الرزّاق)، فوجدت في ج8/9: أخبرنا عبد الرزّاق، عن الثوري، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي يزيد، عن أبي عياض، عن عليّ بن أبي طالبt: أنّه كره الرهن والكفيل في السلم. وفي (مصنّف ابن أبي شيبة)(2): قال: حدّثنا وكيع بن الجرّاح، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي زائدة، عن أبي عياض: أنّ عليّاً كان يكره الرهن والفتيل -- كذا والصواب: القبيل بمعنى الكفيل -- في السلم.
وهذا مع الإغماض عمّا في السند من تجريح رجاله، كتدليس الثوري، وما مرّ في ابن جريج، وجهالة عبد الله بن أبي يزيد -- عن أبي زائدة -- وأبي عياض، فإنّ الأخذ به عن عليّ ليس من انفراده وخالفه ابن عبّاس، بل كان ابن عبّاس نفسه أيضاً يكرهه، كما في (المغني)(3)، وهذا من مصادر المؤلّف، وعليه فلا خلاف بين الرأيين فلماذا التشهير؟ وقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنّفه(4)بسنده عن ابن عبّاس: أنّه كان يكره الرهن في السلم.
1- وكان عليّ يرى أنّ العمرى لا تنقل الملكية (ر: هبة/4)، أمّا ابن عبّاس فإنّه يرى أنّ العمرى تنقل الملكية (ر: عمرى/2).
أقول: ممّا يؤاخذ عليه أنّه ذكر الرأيين في عنوانين مع أنّهما في مسألة واحدة زعم اختلاف الحكم فيها عند الإمام وعند ابن عبّاس، فذكر عن أحدهما في الهبة وعن الثاني في العمرى لا فائدة فيه سوى معاناة الباحث فيهما.
ومهما يكن فقد رجعت إلى محلّ الإحالة فكان ما نقله في رأي عليّ في صفحة -602- من موسوعة فقهه، وما نقله في رأي ابن عبّاس في صفحة -549- من موسوعة فقهه، ولنقرأ ما كتبه المؤلّف:
قال عن رأي الإمام في صفحة -256- من موسوعة فقهه: (والعمرى والرقبى تشتركان في الأحكام عند عليّ رضي الله عنه، قال عليّ: (العمرى والرقبى سواء)(1)، فإنّ شرط الواهب في العمرى انتقال الملكية العين لشخص معيّن بعد موته كان له شرطه، وانتقلت العين إلى ملكية من عيّنه، فقد سُئل عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه عمّن قال: هي لك حياتك فإذا مت فهي لفلان، قال: (هو على شرطه)(2)...
ومن هناك كانت العمرى كالرقبى عند عليّ بن أبي طالب كما قدّمنا، وقال عليّ: العمرى بتات)(1).
وقال عن رأي ابن عبّاس في صفحة -549- من موسوعة فقهه: (كان ابن عبّاس رضي الله عنه يرى أنّ العمرى تنقل الملك من الواهب إلى الموهوب، فقد كان ابن عبّاسt يقول: (من أعمر شيئاً فهو له)(2)، وقال: (لا تصلح العمرى ولا الرقبى، فمن أعمر شيئاً، أو أرقبه فإنّه لمن أعمره وأرقبه حياته ومماته)(3).
أقول: لقد أخرج ابن أبي شيبة في (المصنّف) بسنده، قال عليّ: (العمرى والرقبى سواء)(4)، وهو كذلك في (المحلّى)(5).
وقال أيضاً بسنده عن ابن عبّاس، قال: (الرقبى والعمرى سواء)(6).
وذكر ابن قدامة في (المغني) انتقال الملك إلى المعمر، فقال: (وبهذا قال جابر بن عبد الله، وابن عمر، وابن عبّاس، وشريح، ومجاهد، وطاووس، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي وروي ذلك عن عليّ)(7).
فتبيّن ممّا تقدّم أن لا خلاف بين الرأيين، فقد قال كلّ من عليّ عليه السلام
وابن عبّاس: (الرقبى والعمرى سواء). وقالا بانتقال الملك إلى المعمر، كما حكاه ابن قدامة، كما سبق، وقول عليّ: (للعمرى بتات)، هو بمعنى القطع بين الواهب والهبة، وتنتقل الملكية إلى الموهوب له (المعمر).
1- وكان عليّ لا يرى الضمان على المستعير إذا تلفت العارية في يده إلاّ إذا تعدى (ر: إعارة/3)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى تضمينه مطلقاً، تعدى أم لم يتعد (ر: إعارة/3).
رجعنا إلى الإحالة، فكان رأي عليّ في صفحة -105- من موسوعة فقهه، فقال: قال عليّ(كرم الله وجهه): (ليس على صاحب العارية ضمان)(1)، وقال: (ليست العارية مضمونة إنّما هو معروف إلاّ أن يخالف فيضمن)(2).
وكان رأي ابن عبّاس في صفحة -137- من موسوعة فقهه... فقد روى ابن أبي مليكة، قال: (كان ابن عبّاس يضمن العارية وكتب إليَّ أن أضمنها)(3)، وروى الجصّاص الحنفي عن ابن عبّاس: (أنّ العارية أمانة لا
تضمن إلاّ إذا تعدّى المستعير في إتلافها)(1)، ناصراً بذلك مذهبه، والمحفوظ عن ابن عبّاس هو القول الأوّل.
أقول: ونحو هذا ما رواه الكليني في (الكافي)، ونحوه في (قرب الإسناد)، و(التهذيب)، و(الاستبصار): بأنّ عليّاًu كان يقول: (من استعار عبداً مملوكاً لقوم فعيب فهو ضامن)، وقال: (من استعار حرّاً صغيراً فعيب فهو ضامن)، فهو ألزم المستعير بالضمان، ولم يذكر وجه العيب بسبب التعدّي أو غيره، وقد جوّز حمله على من فرّط أو على من شرط الضمان.
فابن عبّاس لم يخالف عليّاً في الحكم على ما رواه الجصّاص الحنفي عنه، وأمّا الذي رواه عنه ابن أبي مليكة، فليس على إطلاقه، فإنّ في (مصنّف عبد الرزّاق) -- وهو من مصادر المؤلّف -- بسنده عن ابن أبي مليكة -- وكان قاضياً -- قال: سألت ابن عبّاس: أضمن العارية؟ فقال: نعم إن شاء أهلها, وهذا رواه عبد الرزّاق بسندين، وفي الهامش عنه ابن حزم في (المحلّى)(2)، ولم أجده في الموضع المشار إليه.
ومهما يكن فإنّ ورود ذكر الشرط: (إن شاء أهلها)، معناه: الضمان بالاشتراط، وإن لم يشأ أهلها فلا ضمان؛ أليس كذلك؟ فأين الخلاف؟!
وإنّ لابن قدامة كلام يؤيد هذا، فقد قال في (المغني): ويجب ردّ العارية إن كانت باقية بغير خلاف، ويجب ضمانها إن كانت تالفة، تعدّى
فيها المستعير أو لم يتعدّ، روى ذلك عن ابن عبّاس وأبي هريرة(1)... واستدّل بحديث صفوان، وقد استعار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم منه الدروع، فقال: (بل عارية مضمونة)، و(العارية مؤدّاة)، غير أنّ ابن حزم في (المحلّى) ناقش في صحّة خبر صفوان؛ فراجع!
1- وكان عليّ يرى تحريم أكل الضبّ (ر: طعام/9)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى إباحته (ر: طعام/3أ).
راجعنا الإحالة لرأي عليّ عليه السلام، فكانت في صفحة -428- من موسوعة فقهه، فقال: (ويحرم أكل الضبّ)، وأخرجه كما في هامشه عن (المحلّى)(2)، و(تهذيب الآثار)(3).
وكانت الإحالة لرأي ابن عبّاس في صفحة -506- من موسوعة فقهه، فقال: (ويباح أكل الضب)، وأخرجه كما في هامشه عن (المغني).
فرجعنا إلى المصدر فكان فيه:
(مسألة) (قال: ولا بأس بأكل الضب والضبع).
أمّا الضبّ فإنّه مباح في قول أكثر أهل العلم، منهم: عمر بن الخطّاب،
وابن عبّاس، وأبو سعيد، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورضي عنهم.
قال أبو سعيد: كنّا معشر أصحاب محمّد صلى الله عليه وآله وسلم لأن يهدى إلى أحدنا ضبّ أحبّ إليه من دجاجة، فقال عمر: ما يسرني أنّ مكان كلّ ضبّ دجاجة سمينة، ولودّدت أن في كلّ جحر ضبّ ضبّين، وبهذا قال مالك، والليث، والشافعي، وابن المنذر.
وقال أبو حنيفة هو حرام، وبهذا قال الثوري لما روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه نهى عن أكل لحم الضبّ، وروي نحوه عن عليّ، ولأنّه ينهش، فأشبه ابن عرس)(1).
وقال: (ولنا ما روى ابن عبّاس، قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت ميمونة، فأتي بضبّ محنوذ، قيل: هو ضبّ يا رسول الله؟ فرفع يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: (لا، ولكنّه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه). قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينظر، متّفق عليه.
قال ابن عبّاس: ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الضبّ تقذراً، وأكل على مائدته، ولو كان حراماً ما أكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقال عمر: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحرّم الضبّ، ولكنّه قذّره، ولو كان عندي لأكلته...)(2).
وفي (المحلّى) لابن حزم:
(مسألة: والضبّ حلال، ولم ير أبو حنيفة أكله، وروينا من طريق الحارث عن عليّ بن أبي طالب أنّه كره الضبّ... واحتجّ -- أصحاب هذه المقالة -- بأحاديث، منها صحيح، كالذي رويناه من طريق يحيى بن سعيد القطّان، وأبي معاوية الضرير، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن حسنة، قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزاة فأصابتنا مجاعة، فوجدنا ضباباً، فبينا القدور تغلي بالضباب، خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (إنّ أُمّة من بني إسرائيل فقدت، وإنّي أخاف أن تكون هذه هي فاكفئوها، فألقينا بها)... ومنها غير صحيح من طريق إسماعيل بن عياش... أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن أكل لحم الضب)، وجاءت أخبار فيها التوقّف فيه...)(1).
وقال كلاماً كثيراً في إثبات حلّية أكله جاء في آخره خبر حديث ابن عبّاس المتقدّم.
وللردّ عليه: يكفي عدم أكل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واستقذاره، فلو كان حلالاً ما امتنع من أكله هو وابن عبّاس وزوجته ميمونة، وقالت: (لا آكل من طعام لم يأكل منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)، أخرجه مسلم في صحيحه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر(2)، وكذلك في حديث عائشة، قالت: (أهدي لنا ضبّ فقدّمته إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فلم يأكل منه، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! ألا نطعمه السؤّال؟ فقال: (إنا لا نطعمهم ممّا لا نأكل)(3)، فهذا يؤكّد التحريم
الذي قال به عليّ عليه السلام، ولو كان حلالاً لماذا لم يصرّح به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ ولو كان امتنع لتقذره فقط لما أمر فأكفأت القدور وهم في غزاة وأصابتهم مجاعة، أو ليس هذا يكفي في أنّ نسبة الإباحة إلى ابن عبّاس نسبة غير صحيحة!
2- وكان عليّ يرى أنّه لا تحلّ ذبائح الكتابيين الذين تحلّلوا من دينهم (ر: ذبح/1ج)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى إباحة أكل ذبائحهم وإن تحلّلوا من العمل بدينهم ما لم يكفروا به (ر: ذبح/2- أ ج).
راجعنا الإحالة، فكانت عن رأي عليّ عليه السلام في صفحة -259- من موسوعة فقهه، قال فيها: (ذبيحة نصارى بني تغلب. كان عليّ(كرّم الله وجهه)، ينظر إلى نصارى بني تغلب فيراهم لا يتمسّكون بشيء من تعاليم النصرانية، وهم يستغلون إباحتها لشرب الخمر، ولذلك تراهم يعكفون على شربها، وليس هذا بشأن تابع دين، ولذلك كان لا يحلّ ذبائحهم(1)، فعن عبيدة السلماني، قال: سألت عليّاً عن ذبائح نصارى بني تغلب؟ فقال: (لا تأكلوه، فإنّهم لم يتعلّقوا من دينهم بشيء إلاّ بشرب الخمر)(2).
وأمّا رأي ابن عبّاس، فكانت الإحالة في صفحة -329- من موسوعة فقهه، قال فيها: (وذبائح نصارى العرب، كبني تغلب، وتنوخ، وبهراء،
كذبائح النصارى من غير العرب، وقد سُئل ابن عبّاس عن ذبائح نصارى العرب؟ فقال: لا بأس بها، وتلا قوله تعالى في سورة المائدة: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ(1)(2).
وعند مراجعة المصادر المشار إليها في الهوامش، وجدنا في بعضها الاختلاف في نقل الأقوال.
ففي (سنن البيهقي)، في باب ما جاء في ذبائح نصارى بني تغلب، أورد البيهقي في عدّة أسانيد روايات، أوّلها نقل عن عمر، قال: (ما نصارى العرب بأهل كتاب، وما يحلّ لنا ذبائحهم، وما أنا بتاركهم حتّى يسلموا أو أضرب أعناقهم...)(3)، ثمّ ذكر خبر عبيدة السلماني الذي ذكره المؤلّف، وبعده أنّ عليّاً عليه السلام قال: (لئن بقيت لنصارى بني تغلب لأقتلن المقاتلة ولأسبين الذرّية، فإنّي كتبت الكتاب بين النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم وبينهم على أن لا ينصّروا أبناءهم)(4).
أقول: وهذا كلّه ليس فيه ما يخالف ما حكاه المؤلّف عن رأي عليّ عليه السلام ، ولكن الذي رواه البيهقي بعدما مرّ بسنده عن شهر بن حوشب، قال: حدّثني ابن عبّاس رضي الله عنه بخلافه! فذكر بإسناده: عن مالك، عن ثور بن زيد
الديلي، عن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه: أنّه سُئل عن ذبائح نصارى العرب؟ فقال: (لا بأس بها، وتلا هذه الآية: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)، وأعاد الخبر بسند آخر عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، فذكره بمثله.
فعقّب عليه بإسناده بقول الشافعي: والذي يروى من حديث ابن عبّاس في إحلال ذبائحهم إنّما هو من حديث عكرمة: أخبرنيه ابن الدراوردي وابن أبي يحيى، عن ثور الديلي، عن عكرمة، عن ابن عبّاسt: عن ذبائح نصارى العرب؟ فقال: قولاً حكيناه وهو إحلالها وتلا: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ. ولكن صاحبنا سكت عن اسم عكرمة، وثور لم يلق ابن عبّاس!
(قال الشيخ) -- البيهقي -- يعني بصاحبنا: مالك بن أنس، لم يذكر عكرمة في أكثر الروايات عنه، وكأنّه كان لا يرى أن يحتجّ به، وثور الديلي بما رواه عن ابن عبّاس، فلا ينبغي أن يحتجّ به والله أعلم -- كذا قال ابن عبّاس فيما روى عنه عكرمة، ونحن إنّما رغبنا عنه لقول عمر وعليّ رضي الله عنهما .
أقول: لقد تبيّن أنّ نسبة القول إلى ابن عبّاس بإباحة أكل ذبائحهم إنّما هو من رواية عكرمة -- وعكرمة هو ذلك الكذّاب الذي صار مضرب المثل في كذب الموالي على ساداتهم، كما مرّ هذا مراراً عن ابن عمر في قوله لمولاه نافع، وقول ابن المسيّب لمولاه برد.. وسيأتي المزيد عن حاله في الحلقة الرابعة -- فعلى هذا لا تصحّ النسبة إلى ابن عبّاس، وقد مرّ أنّ شهر بن حوشب حدّث عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذبيحة نصارى العرب، ولمّا كان شهر مطعوناً فيه لعلّه ما قاله البيهقي في خبره:
وإسناده ضعيف من أجله.
ومهما يكن فإنّ نسبة القول بالإباحة إلى ابن عبّاس يخالفها ما روي عنه من التحريم! فقد أشار إليه الشيخ الطوسي بقوله في (الخلاف)، قال: (إذا قلنا أنّ ذبائح أهل الكتاب ومن خالف الإسلام لا تجوز، فقد دخل في جملتهم ذبائح نصارى تغلب، وهم: تنوخ، وبهراء، وبنو وائل، ووافقنا في نصارى العرب الشافعي، وقال أبو حنيفة تحلّ ذبائحهم.
دليلنا: ما قدّمناه من الأدلّة على ذلك، فلا وجه لإعادته، وأيضاً: فقد قال بتحريم ذبائحهم عليّ عليه السلام ، وعمر، ولا مخالف لهما، وروي عن ابن عبّاس روايتان)(1).
أقول: وإذا عدنا إلى المصادر التي ذكرها في الهامش، ومنها (المغني) لابن قدامة، نجد قوله: (اختلفت الرواية عن أبي عبد الله -- أحمد بن حنبل -- في أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، فعنه لا يحلّ ذلك، وهو قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ومذهب الشافعي... وقال عليّ رضي الله عنه : (إنّهم لم يتمسكوا من دينهم إلاّ بشرب الخمر)...
والرواية الثانية تحلّ ذبائحهم ونساؤهم، وهذا الصحيح عن أحمد... وهذا قول ابن عبّاس، وروي نحوه عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه)(2).
فتبيّن أنّ اختلاف النقل في الأقوال في المصادر تسبّب في صحّة النسبة لأصحابها وعدمها! فعن ابن عبّاس كما مرّ سابقاً، فتكون الرواية التي
نسبت التحليل إلى ابن عبّاس ساقطة سنداً، لأنّها عن عكرمة الكذّاب، وعنه ثور، وهو لم يلق ابن عبّاس، وإن دلّسه مالك في (الموطأ) كما مرّت الإشارة إليه، ومتناً، لأنّها خالفت ما هو ثابت عن عليّ عليه السلام، وقد كان ابن عبّاس قال: (إذا ثبت عن عليّ فتيا لم نعدل عنها إلى غيره)، وهذا ممّا ثبت عن عليّ.
ثمّ في رواية شهر بن حوشب أنّ ابن عبّاس حدّثه أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذبيحة نصارى العرب، ما يُطمئن الباحث أنّه ملتزم بالنهي، إذ لا يعقل أن يحدّث بالنهي ثمّ هو يخالفه.
1- وكان عليّ يرى أن لا تعتق الرقاب من الزكاة (ر: زكاة/16و)، أمّا ابن عبّاس فإنّه كان يرى إعتاق الرقاب منها (ر: زكاة/7ج).
رجعنا إلى الإحالة، فكانت عن رأي عليّ عليه السلام في صفحة -308- من موسوعته الفقهية، فقال المؤلّف: (سهم الفقراء: كان عليّ لا يعتق منه الأرقاء، قال عليّ: (لا يعتق من الزكاة(1)، ولكنّه يصرف إلى المكاتبين ليستعينوا به على دفع بدل الكتابة)(2).
وكانت الإحالة عن رأي ابن عبّاس في صفحة -374- من موسوعة فقهه فقال المؤلّف: (أجاز ابن عبّاس أن يشتري الرجل بزكاة ماله رقاباً
ويعتقها(1)، وكان يقول: اعتق من زكاتك(2)، وقال: يعتق من زكاة ماله ويعطي في الحجّ(3).
أقول: لقد سبق أن ذكرت ما يتعلّق بالكتاب المسمّى بمسند زيد، وأنّه من رواية عمرو بن خالد أبي خالد الواسطي الذي كان من رؤوس البترية من الزيدية، وهو غير مقبول عندنا لما في ذمّ البترية، وفي الكتاب المطبوع باسم (مسند الإمام زيد) من منشورات مكتبة الحياة بيروت سنة 1966م لم يذكر فيه ما نقله المؤلّف عن عليّ عليه السلام ، بل ورد فيه في آخر باب زكاة الذهب والفضة: وقال زيد بن عليّ (ع م): لا يعطى من الزكاة في كفن ميت، ولا بناء مسجد، ولا تعتق منها رقبة.
على أنّ الوارد في فقه أهل البيت عليهم السلام عن الإمام الصادقu وغيره في جواز صرف الزكاة في شراء العبيد من المسلمين الذين تحت الشدّة خاصّة وعتقهم. وجوازه مطلقاً مع عدم المستحقّ ما يغني عن الرجوع إلى غيرهم. كما ورد أيضاً عنهم جواز صرف الزكاة إلى المكاتبين مع حاجتهم(4)، ولا يعقل مخالفتهم لرأي عليّu لو صحّ النقل عنه.
وكذلك في المنقول عن ابن عبّاس من رأيه إعتاق الرقاب من الزكاة،
1) - تفسير ابن كثير 2/365، والمغني 6/430 و6/211.
2) - الأموال لأبي عبيد/566 و607، والمحلّى 6/150، وأحكام القرآن للجصّاص 3/124.
3) - البخاري في الزكاة باب قوله تعالى وَفِي الرِّقَابِ ، ومصنّف ابن أبي شيبة 1/137، والأموال لأبي عبيد/566 و607، والمحلّى 6/151.
4) - وسائل الشيعة 9/291 -- 293، ط مؤسسة آل البيت عليه السلام .
فقد ورد -- كما مرّ قريباً -- عن أهل البيت عليهم السلام ؛ فأين الخلاف الذي تشدّق به؟!
على أنّ جلّ مصادره التي رجع إليها حكت رأي ابن عبّاس بالجواز، ونقل بعضهم عن بعض، كما في (المحلّى) عن ابن أبي شيبة، أو مرسلاً كما في البخاري الذي هو أصحّ كتاب بعد كتاب الله كما يراه قومه، فقد جاء فيه(1)في عنوان الباب: باب قوله تعالى: وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللّهِ(2)، ويذكر عن ابن عبّاس رضي الله عنهما : يعتق من زكاة ماله، ويَعطي في الحجّ. ولم يرد في (أحكام القرآن) للجصّاص سوى قوله: (وقال ابن عبّاس: اعتق من زكاتك)، وكذلك ما ورد في تفسير ابن كثير سوى قوله: (وقال ابن عبّاس والحسن: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة، وهو مذهب أحمد، ومالك، وإسحاق)، فلم يذكر له سنداً ولا مستنداً.
وأكثر مصادره التي أشار إليها في المقام غمّة ذكره لكتاب (الأموال) لأبي عبيدة، فذكره في هامشيه رقم -8 و9-، وأحال فيهما على مراجعته في صفحتي -566 و607-، وقد راجعنا فكان المذكور في الصفحة -566-: (قال أبو عبيد: فقد تأوّل الناس -- أو من تأوّله منهم -- أنّ ابن عبّاس أراد الذهب والفضة، ولا أحسبه أنا أراد ذلك، وكان عندي أفقه من أن يقول هذا، لأنّه خارج من قول الأئمّة، ولكنّي أراه أراد زكاة ما تخرج الأرض، فإنّ أهل المدينة يسمون الأرضين أموالاً، ولا نعلم في السُنّة مالاً يجب فيه الصدقة حين يملكه ربّه سوى ما تخرج الأرض، فإن لم يكن ابن عبّاس
-- رحمه الله -- أراد هذا، فلا أدري ما وجه حديثه؟!) اه- .
فأين ما أشار إليه المؤلّف من قول ابن عبّاس: (اعتق من زكاتك)، أو قوله: (يعتق من زكاة ماله ويعطي من الحجّ)؟!
وأمّا إحالته على الصفحة -607-، فلم يرد فيها ذكر لابن عبّاس أصلاً! فراجع طبعة نشر مكتبة الكلّيات الأزهرية، بتحقيق محمّد خليل هراس سنة1388ه-.
نعم، جاء ما أشار إليه في صفحة -749- من هذه الطبعة، وكلا القولين عن ابن عبّاس رواهما عنه مجاهد، وعنه ابن أبي نجيح في الأوّل، وحسّان ابن الأشرس في الثاني، ثمّ عنهما الأعمش. ويكفي في نقد الخبر: رواية مجاهد عن ابن عبّاس، وقد مرّ في الجزء الحادي عشر من هذه الموسوعة كشف حاله، وأنّه كان مدلّساً، بل وكاذباً؛ فراجع!
2- وكان عليّ يرى أنّ المدّبر يعتق من الثلث (ر: رق/3ب)، ولكن ابن عبّاس كان يرى أنّه يعتق من جميع المال (ر: رق/2ج).
رجعنا إلى الإحالة، فكانت في رأي عليّ عليه السلام في صفحة -283- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف: (... كان عليّ رضي الله عنه يجريه مجرى الوصية فيحتسبه من الثلث، فقد قال رضي الله عنه: (المدبّر يعتق من الثلث)(1).
وكانت الإحالة في رأي ابن عبّاس في صفحة -355- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف: (المدبّر هو العبد الذي علّق سيّده عتقه على موته -- أي
1) - مصنّف عبد الرزّاق 9/137، وسنن البيقهي 10/314، وكنز العمّال رقم 29765، والمغني 9/387، والأشراف 1/313، والمبسوط 7/178.
موت السيّد -- وهو يبقى عبداً لسيّده، يترتّب عليه ما يترتب على العبد من الحقوق، ويتصرّف به سيّده كما يتصرّف في عبده غير المدبّر، فإن كانت المدبّرة أَمة كان لسيّدها أن يطأها، قال ابن عبّاس: يصيب الرجل مدبرته إن شاء(1)، والمعروف أنّ الأولاد يتّبعون أُمّهم حريّة ورقاً، والمدبّرة إذا مات سيّدها أعتقت هي وأعتق معها جميع أولادها بعتقها(2)، هذا جميع ما ذكره عن ابن عبّاس في العنوان الذي أحال عليه.
أقول: فأين هذا من عنوان المسألة التي جعله فيها مخالفاً لرأي عليّ عليه السلام ؟ فعليّ عليه السلام قال بعتق المدبّر من الثلث، وابن عبّاس قال من جميع المال؟!
ثمّ إنّ في مراجعة المصادر التي نضّدها في الهوامش وجدناه غير دقيق في النقل، ويغلب عليه الوهم في الفهم.
وإلى القارئ عرضاً لبعض ما فيها -- المصادر -- بدواً من:
1- (مصنّف عبد الرزّاق)، قال عبد الرزّاق: (أخبرنا ابن جريج، عن عطاء: أنّ ابن عبّاس وابن عمر وغيرهما قالوا: يصيب الرجل وليدته إذا دبّرها إن أحبّ...)(3). فأين في هذا النص ذكر (من جميع المال)؟!
2- (كنز العمّال): (عن عطاء: أنّ ابن عبّاس وعمر وغيرهما قالوا: يصيب الرجل وليدته إذا دبّرها إن أحبّ (عب) -- يعني: نقلاً عن عبد الرزّاق --)(4). فأين
في هذا النص ذكر (من جميع المال)؟!
3- (المغني): (مسألة: (قال: وله إصابته مدبرته)، يعني: له وطؤها، روي عن ابن عمر أنّه دبّر أمتين وكان يطؤهما، وممّن رأى ذلك ابن عبّاس وسعيد بن المسيّب...)(1). وهذا النص كسابقه خلو من ذكر (من جميع المال)؟!
4- (المحلّى)، لم يرد فيما عيّنه من موضع ما يتعلّق بالتدبير، بل فيه أحكام الكتابة التي بدأها في صفحة -222-، وأنهاها في صفحة -249- ط دار الفكر(2). وراجعنا أحكام العتق، فلم يذكر عن التدبير إلاّ في مسألة -1682- في صفحة -217-، فقال: (والمدبّر عبد موصى بعتقه، والمدبرة كذلك، وبيعهما حلال والهبة لهما كذلك، وقد ذكرناه في كتاب البيوع فأغنى عن إعادته، ولا حجّة لمن منع من ذلك إلاّ حديث موضوع قد بيّنا علّته هناك، وبالله تعالى التوفيق).
ونحن رجعنا إلى كتاب البيوع، قال: (مسألة: ولا يحلّ بيع كتابة المكاتب، ولا بيع خدمة المدبّر...).
فذكر ما يتعلّق بكتابة المكاتب، ثمّ قال بعد ذلك: (وأمّا خدمة المدبر فبيعها ظاهر الفساد والبطلان، لأنّها لا يدري كم يخدم، ولعلّه سيخدم خمسين سنة، أو لعلّه يموت غداً، أو بعد ساعة، أو يخرج حرّاً كذلك، فهذا هو الحرام البحت، وأكل المال بالباطل، وبيع الغرر، وبيع ما ليس عيناً، وبيع
ما لم يخلق بعد، فقد جمع كلّ بلاء، فإن قيل: فقد رويتم من طريق محمّد ابن علي بن الحسين: (إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باع خدمة المدبّر)، روينا ذلك من طريق شعبة، عن الحكم، عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين. قلنا: هذا مرسل، والمرسل لا تقوم به حجّة، وكذلك لا يجوز بيع خدمة المخدم أصلاً، لما ذكرنا في خدمة المدبّر، ولا فرق والله تعالى وليّ التوفيق)(1). فأين في هذا ذكر ابن عبّاس، فضلاً عن ذكر يعتق من جميع المال؟!
ولعلّ الأغرب من هذا كلّه! أنّ ابن حزم ذكر في أحكام البيوع في صفحة -35- (بيع المدبر والمدبرة)، وأطال الكلام والنقض والإبرام، إلى صفحة -40-، فلم يرد ذكر ابن عبّاس إلاّ مرّة واحدة في صفحة -39-، قال: (واحتجّ المخالفون على القول بأنّ ولد المدبّرة بمنزلة أُمّهم، بأنّه قد صحّ عن عثمان، وجابر، وابن عمر، وروي عن عليّ، وابن عبّاس، وزيد، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف)(2). فأين هذا ممّا ذكره عنه من أنّ العتق من جميع المال؟!
وهذا الذي أباح لي التعبير عن المؤلّف: بأنّه غير دقيق في النقل، وغلب عليه الوهم في الفهم، ولستُ ممّن يشغب على الآخرين، وغفر الله لنا أجمعين.
ثمّ إنّ الذي ذكره عن رأي عليّ عليه السلام في جعل المدبّر من الثلث، وذكر مستنده عن عبد الرزّاق، عن الثوري، عن أشعث، عن الشعبي: (أنّ
عليّاً جعل المدبّر من الثلث)، فهذا لا يصحّ إثباته عن هذا الطريق! لآفات الإسناد على الموازين التي نصبها قومه في الجرح والتعديل، فإنّ سفيان الثوري كان يدلّس عن الضعفاء عن أشعث -- هو ابن سوار قاضي الأهواز -- ضعّفه النسائي والدارقطني، وقال ابن حبّان: فاحش الخطأ كثير الوهم(1)عن الشعبي -- هو الكذّاب على عليّ، فقد قال ابن أبي حاتم وسُئل عن الفرائض التي رواها الشعبي عن عليّ؟ فقال: هذا عندي ما قاسه الشعبي على قول عليّ، وقال الحاكم: لم يسمع من عائشة، وابن مسعود، وأسامة بن زيد، ولا من عليّ، إنّما رآه رؤية...(2).
أقول: ولقد ذكرت جانباً من حاله في كتاب (عليّ إمام البررة)(3)فراجع.
فعلى هذه الحالة التي كانت عليها رواة الخبر، كيف يمكن أن يجعل مستنداً في إثبات الحكم ونسبته؟! ولو أنّ المؤلّف رجع إلى مصادر فقه أهل البيت(عليهم السلام) وأحاديثهم، لوجد ما يدعم زعمه، فقد جاء في كتاب (الخلاف) للشيخ الطوسي: (المدبّر يعتبر من الثلث، وبه قال جميع الفقهاء، وقال سعيد بن جبير ومسروق: يعتبر من رأس المال، وهو قول داود.
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً فقد بيّنا أنّه بمنزلة الوصي، ولا خلاف أنّ الوصية تعتبر من الثلث.
وروى ابن عمر أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم قال: (والمدبّر من الثلث)، وروي ذلك عن عليّ عليه السلام وابن عمر، ولا مخالف لهما)(1).
فتبيّن من ختام قول الشيخ الطوسي في كتابه (الخلاف) في هذه المسألة أن لا خلاف بين عليّ عليه السلام) وابن عبّاس في هذه المسألة، حيث قال: (وروي ذلك عن عليّ عليه السلام وابن عمر ولا مخالف لهما)، ولو كان ابن عبّاس مخالفاً لذكره كما ذكر من قبل رأي سعيد بن جبير ومسروق.
ثمّ إنّ قول عليّ عليه السلام رواه الشيخ الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه) في باب التدبير: (وقال عليّ عليه السلام: (المعتق عن دبر هو من الثلث، وما جنى هو والمكاتب وأُمّ الولد، فالمولى ضامن لجنايتهم)(2).
وأيضاً رواه الشيخ الطوسي في كتابيه (تهذيب الأحكام)(3)، و(الاستبصار)(4).
3- وكان عليّ يرى أنّ الأمة المعتقة تستبرئ رحمها بثلاث حيضات (ر: استبراء/2)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّه يكفيها أن تستبرئ رحمها بحيضة واحدة (ر:استبراء/3).
رجعنا إلى الإحالة في رأي عليّu، فكانت في صفحة -82- من موسوعة فقهه، فقال: (...قال عليّ رضي الله عنه: (تستبرأ الأمة إذا اشتريت بحيضة، فإن
كانت لا تحيض فبخمس وأربعين ليلة)(1)، ويكون استبراء الأمة المعتقة سواء كانت أُمّ ولد أم لا -- وأُمّ الولد بوفاة سيّدها بثلاث حيضات، قال عليّ: (السرية إذا اعتقها سيّدها تعتد ثلاث حيض)(2)، وقال: (عدّة أُمّ الولد إن أعتقها سيّدها ثلاث حيض)(3)، لأنّها حرّة تستبرأ، فكان استبراؤها ثلاث حيض كالحرّة المطلّقة، وروى ابن المنذر عن عليّ: (أنّ عدّة أُمّ الولد إن مات سيّدها أربعة أشهر وعشراً)(4).
أمّا الإحالة إلى رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -113- من موسوعة فقهه، فقال: (يكون الاستبراء بحيضة... وقد تقدّم قول ابن عبّاس رضي الله عنه: (إذا هاجرت المرأة من أهل الحرب لم تخطب حتّى تحيض وتطهر، فإذا تطهرت حلّ لها النكاح)(5).
أقول: ليت المؤلّف قرأ ما علّق على هذا ابن التركماني في (الجوهر النقي) بهامش (السنن الكبرى) للبيهقي، فقد قال: (ثمّ ذكر البيهقي حديث البخاري (عن ابن جريج، قال عطاء: قال ابن عبّاس: كان المشركون على منزلتين)، قلت: في أطراف أبي مسعود الدمشقي حديث: كان المشركون
1) - الروض النضير 3/567، والأشراف 1/180.
2) - مصنّف عبد الرزّاق 7/232، ومصنّف ابن أبي شيبة 1/249 ب، والأشراف 1/196.
3) - مسند زيد 3/605 و4/348، والمغني 7/501.
4) - الأشراف على مسائل الخلاف والإجماع لابن المنذر 1/45 مخطوط في الرباط الأحمدي في المدينة المنورة، والمطبوع في قطر 2/194.
5) - سنن البيهقي 7/187، وصحيح البخاري في كتاب الطلاق باب نكاح من أسلم من المشركات.
على منزلتين.. الحديث، وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتّى تحيض إلى آخره.
ثمّ قال أبو مسعود: ثبت هذا الحديث والذي قبله في تفسير ابن عطاء الخراساني، عن ابن عبّاس، والبخاري ظنّه ابن أبي رباح، وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخراساني، إنّما أخذ الكتاب من ابنه عثمان ونظر فيه، وذكر المزّي في أطرافه عن ابن المديني قصّة تدلّ على أنّه الخراساني ثمّ قال: قال علي بن المديني: وإنّما كتبت هذا القصّة، لأنّ محمّد بن ثور كان يجعلها عطاء عن ابن عبّاس، فظنّ الذين حملوها عنه أنّه عطاء بن أبي رباح، انتهى كلامه.
والخراساني، قال البيهقي في باب المحرم ينظر في المرآة: (ليس بالقوي)، وقال في باب المفسد لحجّه لا يجد بدنة: (لم يدرك ابن عبّاس)، وقال في باب فديّة النعام: (ولم يثبت له سماع من ابن عبّاس، وتكلّم فيه أهل العلم بالحديث).
ثمّ لو سلّمنا أنّ هذا هو ابن أبي رباح كما ظنّه البخاري، فلم يصرّح ابن جريج بسماعه منه، بل قال: قال عطاء كما أورده البخاري، وقد قال يحيى بن سعيد: إذا قال ابن جريج حدّثني فهو سماع، وإذا قال: قال فهو شبه الريح، وقال الأثرم: قال لي أبو عبيد الله: إذا قال ابن جريج: قال فلان، جاء بمناكير)(1).
أقول: وتعقيباً منّي على ما مرّ: فكلا العطاءين لا مزيد عطاء في
1) - الجوهر النقي: 187.
أخبارهما! فابن أبي رباح تركه ابن جريج، وعن أحمد: أنّه كان يدلّس، وكان يأخذ من كلّ ضرب(1)، وعطاء الخراساني كذّبه سعيد بن المسيّب، وقال ابن حبّان: كان رديء الحفظ كثير الوهم يخطيء ولا يعلم، وقال الترمذي: قال البخاري: لم أعرف رجلاً يروي عنه مالك يستحقّ الترك غير عطاء الخراساني، عامّة أحاديثه مقلوبة، قال الدارقطني: لم يسمع من ابن عبّاس(2).
فبعد هذا الذي مرّ كيف يطمئن المرء بصحّة الرواية التي في المقام عن ابن عبّاس ويجعله رأياً له في الاستبراء بحيضة واحدة!
1- وكان عليّ يقبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض (ر: شهادة/4أ1)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى عدم قبول شهادة الصبيان في شيء (ر: شهادة/4أ).
رجعنا إلى الإحالة في رأي عليّ عليه السلام، فكانت في صفحة -349- من موسوعة فقهه، فقال: (يشترط في الشاهد أن يكون عدلاً... ولا يكون عدلاً إلاّ إذا توفّرت فيه الصفات التالية: -1- البلوغ والعقل، فلا تقبل شهادة صغير على كبير، ولكن تقبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض إذا أدّوها قبل تفرّقهم، لاحتمال تلقينهم إن أدّوها بعد التفرّق، فقد روى عبد الرزّاق في مصنّفه: أنّ عليّاً كان يجيز شهادة الصبيان بعضهم على بعض، ولا يجيز
شهادتهم على غيرهم من الرجال، وكان لا يقضي بشهادتهم إلاّ إذا كانوا على تلك الحال، قبل أن يعلّمهم أهلهم(1)، فعن مسروق: أنّ ستّة غلمان ذهبوا يسبحون فغرق أحدهم، فشهد ثلاثة على اثنين أنّهما غرقاه، وشهد اثنان على ثلاثة أنّهم غرقوه، فقضى عليّ بن أبي طالب على الثلاثة خمسي الديّة، وعلى الاثنين ثلاثة أخماسها(2).
وأمّا الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -426- من موسوعة فقهه، فقال: (يشترط في الشاهد... كمال العقل، ويعتبر المرء كامل العقل بالبلوغ، وعلى هذا فلا تقبل شهادة الصغير في شيء، قال ابن عبّاس: لا تقبل شهادة الصبيان في شيء(3)، وكان عبد الله بن أبي مليكة قاضياً لعبد الله بن الزبير، فأرسل إلى ابن عبّاس يسأله عن شهادة الصبيان، فقال: لا أرى أن تجوز شهاداتهم، إنّما أمر الله -- أن نُشهد -- ممّن نرضى وأنّ الصبي ليس يُرضى(4).
أقول: إنّ مصادره في رأي عليّ عليه السلام لم تكن متّفقة على ما حكاه على إطلاقه، ففي (مصنّف عبد الرزّاق): عن عليّ أنّه قال: (يؤخذ بأوّل شهادة الصبيان -- يعني: فيما بينهم --)(5)، وبعده عن عليّ: أنّه كان يجيز شهادة
1) - مصنّف عبد الرزّاق 8/351 و350، وكنز العمّال رقم 17791، والمحلّى 9/420، والمغني 9/164 (راجعت الطبعة الثالثة نشر دار المنار فلم يكن فيها).
2) - المحلّى 9/420، والمغني 9/164.
3) - المحلّى 9/421، والمغني 9164، (راجعت طبعة دار المنار فلم يكن فيها)، وأحكام القرآن للجصّاص 1/496، وسنن البيهقي 10/161.
4) - مصنّف عبد الرزّاق 8/348، وسنن البيهقي 1/161.
5) - مصنّف عبد الرزّاق رقم 15503.
الصبيان بعضهم على بعض، ولا يجيز شهادتهم على غيرهم من الرجال، قال: وكان عليّ لا يقضي بشهادتهم إلاّ إذا قالوا على تلك الحال، قبل أن يعلّمهم أهلهم(1). فهذا الخبر الثاني فسّر الخبر الأوّل: كان عليّ يجيز شهادة الصبيان بعضهم على بعض... لا يقضي بشهادتهم إلاّ إذا قالوا على تلك الحال قبل أن يعلّمهم أهلهم.
والذي في (كنز العمّال) في كتاب الشهادات: عن عليّ قال: (شهادة الصبي على الصبي، وشهادة العبد على العبد جائزة)(مسدد)(2). ولم يرد في كتاب الشهادات عن شهادة الصبيان غير هذا.
والذي في (المحلّى) لم يزد على ما مرّ من قول عليّ عليه السلام، كما في (كنز العمّال)، إلاّ ما رواه من طريق ابن أبي شيبة: عن وكيع، عن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن الشعبي، عن مسروق: أنّ ستّة غلمان ذهبوا يسبحون، فغرق أحدهم...(3)إلى آخر ما ذكر آنفاً.
وأمّا (المغني) فلم أقف في الموضع الذي عيّنه على شيء ممّا ذكره(4).
وأمّا الذي ذكره عن رأي ابن عبّاس في (المحلّى)، فليس فيه سوى سؤال ابن أبي مليكة، وذكره (المغني) وليس فيه شيء، كما مرّت الإشارة إليه.
وأمّا (أحكام القرآن) للجصّاص، فليت المؤلّف ذكر ما فيه تعقيباً على
ما حكاه من قضاء عليّ عليه السلام في الصبي الغريق، وما قضاه في ديته، كما مرّ من المؤلّف نقله.
وإلى القارئ ما قاله الجصّاص الحنفي:
(وقد اختلف الفقهاء في شهادة الصبيان... قال أبو بكر: روي عن ابن عبّاس، وعثمان، وابن الزبير: إبطال شهادة الصبيان.
وروي عن عليّ: إبطال شهادة بعضهم على بعض... وروى عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، قال: قيل للشعبي: إنّ أياس بن معاوية لا يرى بشهادة الصبيان بأساً؟ فقال الشعبي: حدّثني مسروق أنّه كان عند عليّ(كرّم الله وجهه) إذ جاءه خمسة غلمة فقالوا: كنّا ستّة نتغاط في الماء فغرق منّا غلام، فشهد الثلاثة على الاثنين أنّهما غرّقاه، وشهد الاثنان أنّ الثلاثة غرّقوه، فجعل على الاثنين ثلاثة أخماس الديّة، وعلى الثلاثة خمسي الديّة).
ثمّ قال الجصّاص: (إلاّ أنّ عبد الله بن حبيب غير مقبول الحديث عند أهل العلم، ومع ذلك فإنّ معنى الحديث مستحيل لا يصدّق مثله عن عليّ رضي الله عنه ، لأنّ أولياء الغريق إن ادّعوا على أحد الفريقين فقد أكذبوهم في شهادتهم على غيرهم، وإن ادّعوا عليهم كلّهم فهم يكذبون الفريقين جميعاً، فهذا غير ثابت عن عليّ(كرّم الله وجهه)(1). ثمّ استمر الجصّاص في الاستدلال على بطلان شهادة الصبيان..
وهذا الذي ذكرته من تعقيبه على خبر الغريق متين لا ينبغي الإعراض عنه، وعليه فلا يثبت زعم المؤلّف في مخالفة ابن عبّاس لعليّ في عدم قبول
1) - أحكام القرآن 1/496.
شهادة الصبيان.
2- وكان عليّ لا يشترط الحرّية في الشاهد لقبول شهادته (ر: شهادة/4ج)، أمّا ابن عبّاس فكان يشترط فيه (ر: شهادة/4د).
راجعنا الإحالة، فكانت في رأي عليّ صفحة -350- من موسوعة فقهه، فقال: (شهادة العبيد: كان عليّ يجيز شهادة العبد إذا توفّرت فيه شروط الشهادة، فعن الشعبي، قال: قال شريح: لا تجوز شهادة العبد، فقال عليّ: لكنّا نجيزها، فكان شريح بعد ذلك يجيزها إلاّ لسيّده(1).
وأمّا الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -428- من موسوعة فقهه، فقال: (الحرّية: فلا تقبل شهادة العبد، قال ابن عبّاس: لا تجوز شهادة العبد(2).
أقول: لقد مرّ التنبيّه على حال الشعبي وتجريحه، وكذلك عن عطاء، فلا نطيل المقام بالتعليق على ما حكاه المؤلّف عنهما منسوباً إلى عليّ عليه السلام وابن عبّاس.
ولو أنّه راجع ما ذكره الجصّاص الحنفي في (أحكام القرآن)، حيث قال: (وما روي عن عليّ بن أبي طالب في جواز شهادة العبد فإنّه لا يصحّ من طريق النقل، ولو صحّ كان مخصوصاً في العبد إذا شهد على العبد...)(3).
فلو راجع هذا، لما قال بضرس قاطع: (وكان عليّ لا يشترط الحرّية في الشاهد لقبول شهادته)!
1- وكان عليّ يرى أنّ المرأة التي زوّجها غير الولّي يفسخ نكاحها ما لم يدخل بها زوجها، فإن دخل بها فالنكاح لازم (ر: نكاح/5ب3ج)، أمّا ابن عبّاس فإنّه كان يرى أنّ النكاح فاسد (ر: نكاح/5أ).
رجعنا إلى الإحالة، فكانت في رأي عليّ عليه السلام في صفحة -590- من موسوعة فقهه، فقال: (وإن زوّجها غير الولّي برضاها ودخل بها الزوج، فقد لزم النكاح، وإن لم يدخل بها فرّق القاضي بينهما، فعن أبي قيس الأودي: أنّ امرأة من عائذ الله يقال لها: سلمة، زوّجتها أُمّها وأهلها، فرفع ذلك إلى عليّ، فقال: أليس قد دخل بها؟ فالنكاح جائز(1)، وقال رضي الله عنه: إن تزوّج بغير إذن الوليّ، ثمّ دخل بها، لم يفرّق بينهما(2)، وإن لم يصبها، فرّق بينهما. وعن بحرية بنت هانيء من قبيصة، أنّها زوّجت نفسها من القعقاع بن شور، وبات عندها ليلة، وجاء أبوها فاستعدى عليّاً، فقال: أدخلت بها؟ قال: نعم، فأجاز النكاح(3). وفي (المحلّى) لابن حزم: أنّ بحرية هذه زوّجتها أُمّها وكان أبوها غائباً؟ فلمّا قدم أبوها أنكر ذلك، فرفع ذلك إلى عليّ، فأجاز النكاح(4).
وعلى هذا يحمل ما رواه ابن أبي شيبة وغيره: أنّه رفعت إلى عليّ
امرأة زوّجها خالها وأُمّها، فأجاز عليّ النكاح(1)، أعني: أنّه أجازه لأنّه قد حصل فيه دخول، كما صرّحت بذلك رواية سعيد بن منصور(2).
وأمّا الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -673- من موسوعة فقهه، فقال: (إذن ولّي المرأة ومباشرته عقد النكاح شرط لصحّة عقد النكاح، فإن تولّته المرأة نفسها، أو تزوّجت بغير إذن وليّها، فنكاحها باطل، قال ابن عبّاس رضي الله عنه: (أدنى ما يكون في الزواج أربعة: الذي يزوّج -- يعني الوليّ -- والذي يتزوّج، وشاهدين)(3)، فإن غاب الوليّ أو عدم فوليّها القاضي، قال ابن عبّاس: (لا نكاح إلاّ بوليّ، أو سلطان، فإن أنكحها وليّ مسخوط عليه، فلا نكاح عليه)(4)، وقال: (لا نكاح إلاّ بوليّ مرشد، وشاهدي عدل)(5)، وقال: (لا تلي امرأة عقد النكاح)(6)، وقال: (البغايا يتزوّجن بغير وليّ)(7).
أقول: لقد رجعنا إلى أوّل مصادره في رأي عليّ عليه السلام ، فكان (سنن
1) - مصنّف ابن أبي شيبة 1/208، ومصنّف عبد الرزّاق 6/197، وسنن البيهقي 7/112، وكشف الغمّة 2/59.
2) - سنن سعيد بن منصور 3/1/144.
3) - مصنّف ابن أبي شيبة 1/207، ومصنّف عبد الرزّاق 6/197.
4) - سنن سعيد بن منصور 3/1/139، وسنن البيهقي 7/124، ومصنّف عبد الرزّاق 6/198، وكنز العمّال 16/530، والمغني 6/466.
5) - سنن البيهقي 7/112 و124، والمغني 6/450.
6) - مصنّف عبد الرزّاق 6/200.
7) - مصنّف عبد الرزّاق 6/197، وسنن سعيد بن منصور 3/1/134، والمحلّى 9/454، وكنز العمّال 16/530.
البيهقي)، فقرأنا فيها ما ذكره المؤلّف وما زاغ عن ذكره.
وإلى القارئ عرضاً سريعاً لما ذكره البيهقي(1)في باب (لا نكاح إلاّ بوليّ)، فساق عدّة أحاديث مرفوعة وموقوفة في عدم صحّة النكاح بغير إذن الوليّ.
ومن المرفوع: ما روته عائشة: إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل، ولها مهرها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان وليّ من لا وليّ له)(2).
وأطال البيهقي في إخراج الأحاديث في الباب، فذكر عدّة أخبار بأسانيد، منها:
قال: (أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمر، وقالا: ثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، أنا أحمد بن عبد الحميد، ثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن معاوية بن سويد -- يعني: ابن مقرن -- عن أبيه، عن عليّt قال: (أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل، لا نكاح إلاّ بإذن وليّ) -- هذا إسناده صحيح (وقد روي) عن عليّ رضي الله عنه بأسانيد أُخر، وإن كان الاعتماد على هذا دونها)(3).
ثمّ ذكر البيهقي عدّة أخبار عن عليّ عليه السلام، وذكر معه عمراً، وشريحاً ومسروقاً، وعبد الله، ممّن كانوا يقولون: لا نكاح إلاّ بوليّ، وحكى عن الشعبي قوله: (ما كان أحد من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أشدّ في النكاح بغير وليّ
من عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، حتّى كان يضرب فيه)(1).. وأتبع هذا بعدّة أخبار بأسانيد متعدّدة عن عليّ عليه السلام كقوله: (لا نكاح إلاّ بشهود، وشاهدي عدل، فمن نكح أو أنكح بغير إذن وليّ، فنكاحه باطل)(2). وهذا جميعه لم يذكره المؤلّف ولا أشار إليه.
ثمّ قال البيهقي: (وروينا عن عليّ رضي الله عنه أنّه أجاز نكاح الخال والأُمّ: أخبرنا أبو القاسم زيد بن أبي هاشم العلوي، وأبو القاسم عبد الواحد بن محمّد بن مخلد بن النجار بالكوفة، قالا: أنبأنا أبو جعفر بن دحيم، ثنا إبراهيم بن إسحاق، ثنا قبيصة، عن أبي سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل: أنّ عليّاً رضي الله عه أجاز نكاح الخال، (وقد روى) عن أبي قيس الأودي، عمّن أخبره، عن عليّ رضي الله عنه أنّه أجاز نكاح امرأة زوّجتها أُمّها برضا منها).
ثمّ ذكر الأخبار الثلاثة التي ذكرها المؤلّف، ثمّ عقّب عليها البيهقي بقوله: (وهذا الأثر مختلف في إسناده ومتنه، ومداره على أبي قيس الأودي، وهو مختلف في عدالته، وبحرية مجهولة، واشتراط الدخول في تصحيح النكاح |إن كان ثابتاً، والدخول لا يبيح الحرام، والإسناد الأوّل عن عليّ رضي الله عنه في اشتراط الوليّ إسناد صحيح، فالاعتماد عليه وبالله التوفيق).
أقول: وأضيف إلى ما قاله البيهقي في أبي قيس الأودي: قال أحمد: لا يحتجّ بحديثه عن هزيل(3).
وإلى ما قاله عن جهالة بحرية: فقد قاله الدارقطني أيضاً(1).
وليس فيما ذكره عن (المبسوط) ما يؤيد زعمه بسند! فقال السرخسي صاحب (المبسوط) في أوّل باب النكاح بغير وليّ: (قال رضي الله عنه: بلغنا عن عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه: أنّ امرأة زوّجت ابنتها برضاها فجاء أولياؤها فتخاصموا عند عليّ رضي الله عنه، فأجاز النكاح).
فإذاً في هذا غير البلاغ من دون إشباع أو إسباغ.
فتبيّن من جميع ما تقدّم أن لا خلاف بين الفِقهين، ورأي كلّ من الفَقيهَين، فالإمام يرى لا نكاح إلاّ بوليّ، وابن عبّاس مثله.
2- وكان عليّ يرى أنّه لا يحلّ الزواج بمن زنى بها (ر: نكاح/3ب)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ الزانية إن كانت مختصّة بالزاني فيجوز له الزواج بها، أمّا إذا كانت تبيح نفسها لكلّ طالب فلا يجوز الزواج بها (ر: زنا/ 5ب1).
رجعنا إلى الإحالة في رأي عليّu، فكانت في صفحة -580- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف: (ب -- أن يكون غير محدود بالزنا إذا كانت المرأة شريفة غير محدودة به، فعن العلاء بن بدر: أنّ رجلاً تزوّج امرأة فأصاب فاحشة وضرب الحدّ، ثمّ جيء به إلى عليّ ففرّق بينه وبين امرأته، وقال للرجل: (لا تتزوّج إلاّ محدودة مثلك)(2)، وعن قتادة: أنّ عليّ بن أبي طالب قال في البكر: (إذا زنى بها قبل أن يدخل بأهله، جلد الحدّ، وفرّق بينه
وبين أهله، ولها نصف الصداق، فإن زنت هي جلدت، وفرّق بينهما ولا صداق لها)(1).
و(ر: طلاق/8ج)، فرجعنا إلى هذه الإحالة أيضاً، فكانت في صفحة -446- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(ج- -- الزنا: يعتبر الزنا عيب في الزوج، يفسخ به النكاح إن كان قبل الدخول، فقد أتي عليّ رضي الله عنه برجل قد أقّر على نفسه بالزنا، فقال له عليّ: (أحصنت)؟ قال: نعم، قال: (إذاً ترجم)، قال: فرفعه إلى السجن، فلمّا كان العشي دعا به فقص أمره على الناس، فقال رجل من الناس: إنّه قد تزوّج امرأة لم يدخل بها، ففرح بذلك عليّ، فضربه الحدّ، وفرّق بينه وبين امرأته وأعطاها نصف الصداق(2). وأتي برجل قد زنى بامرأة وقد تزوّج بامرأة ولم يدخل بها، قال: (أزنيت)؟ قال: نعم، ولم أُحصن، قال: فأمر به فجلد مائة، وفرّق بينه وبين امرأته وأعطاها نصف الصداق(3). وأتي بمحدود تزوّج غير محدودة، ففّرق بينهما(4).
أمّا زنا الزوجة فإنّه لا يبيح التفريق بين الزوجين، بل يجعل الزوج بالخيار بين إمساك زوجته الزانية أو طلاقها، فعن كلثوم بن جبر، قال: تزوّج رجل من امرأة فزنت قبل أن يدخل، فجلدها عليّ بن أبي طالب مائة سوط
ونفاها سنة إلى نهر كربلاء، فلمّا رجعت دفعها إلى زوجها، وقال: (امرأتك فإن شئت فطلّق، وإن شئت فأمسك)(1).
فهذا جميع ما ذكر في إحالتيه في فقه عليّ عليه السلام.
والآن إلى ما عندي بما فيه، فأقول:
(أوّلاً): لقد أطال الكلام بما لا ضرورة لذكره في المقام.
(وثانياً): فيما ذكره من المصادر لم يسلم بعضه من مناقشة أصحابها، كما في الأوّل منها، حيث ذكر سند البيهقي، فرجعنا إليها حيث روى البيهقي بسنده خبر العلاء بن بدر، وفيه: (إلاّ مجلودة مثلك)، ثمّ قال البيهقي: فهذا منقطع. فلماذا اعتمده المؤلّف فيما استدلّ به؟!
على إنّ في سنده من لا يؤبه به، كالعوام بن حوشب، الذي كان أبوه على شرطة الحجّاج، وكان رجل سوء، وكان أخوه على شرطة يوسف بن عمرو، وكان هو صاحب سُنّة ثبت صالح! وأمّا العلاء بن بدر، فقد ذكره الخزرجي في (خلاصة تهذيب الكمال)، وقال: العلاء بن عبد الله بن بدر الهندي: بصري أرسل عن عليّ...
ثمّ ذكر البيهقي خبراً آخر عن حنش بن المعتمر: أنّ قوماً اختصموا إلى عليّt في رجل تزوّج امرأة، فزنى أحدهما قبل أن يدخل بها، قال: ففّرق بينهما. ثمّ قال البيهقي: وحنش هذا غير قوي.
أقول: وسيأتي في ذكره قول ابن حزم: ساقط مُطّرح.
1) - المحلّى 11/184، ومصنّف عبد الرزّاق 6/248، ومسند زيد 4/480.
وأمّا خبر قتادة، فيعطف على سابقه في الانقطاع والتجريح، فإنّ قتادة أرسل الخبر، وهو ممّن قالوا فيه: مدلّس، ورمي بالقدر، حاطب ليل، لم يسمع من صحابي، كان رأساً في بدعة القدر(1). فكيف يستدلّ به على إثبات حكم شرعي؟!
وأمّا ما ذكره في الإحالة الثانية، ورجعنا إليها، فكان في استدلاله على أنّ الزنا عيب يفسخ فيه النكاح، فقال: أتي عليّ برجل قد أقر... الخ، وذكر مصدره في الهامش نقلاً عن ابن أبي شيبة، فراجعنا المصدر، فكان في (ج4/1/263 ط باكستان)، والسند ينتهي إلى حنش بن المعتمر، الذي قال البخاري فيه: يتكلّمون فيه، وقال النسائي: ليس بالقوي(2)، وعنه سماك، قال فيه أحمد: مضطرب الحديث، ضعّفه الثوري وشعبة وصالح جزرة وابن المبارك(3)، وعنه أبو الأحوص، قال: لم يعرفه النسائي، وقال ابن معين: ليس بشيء(4)، مضافاً إلى إرساله.
ثمّ ذكر كتاب (الأُمّ) للشافعي في مصادره، فراجعناه، فكان فيه: أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا وكيع، عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن حنش: أنّ رجلاً تزوّج امرأة، فزنى بها قبل أن يدخل بها، فرفع إلى عليّ، ففرّق بينهما وجلده الحدّ، وأعطاها الصداق، ثمّ قال: ولسنا ولا
إياهم ولا أحد علمناه يقول بهذا(1)، فهذا عطفاً على سابقه من مرسلات حنش، وهذا أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى)، وقال: وحنش هذا غير قوي.
فخبر كهذا سنداً ومتناً كما قال الشافعي: ولسنا ولا إياهم ولا أحد علمناه يقول بهذا، يجعله المؤلّف مستنداً له في نسبة الرأي إلى عليّ عليه السلام؟!
وأعطف عليه ما ذكره بعده، وذكر مصدره أيضاً ابن أبي شيبة، فرجعنا إلى مصنّفه(2)، وإسناده منقطع على جرح في رجاله الذين ذكرهم في (المصنّف)، ويكفي عن ليث عن ابن سابط، فالليث مضطرب الحديث، قاله أحمد، وضعّفه النسائي، وابن عدي، وابن سعد، والجوزجاني، والساجي، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: لا يشتغل به، وهو مضطرب الحديث(3)، وأمّا ابن سابط، فهو عبد الرحمن، وإن وثّقه بعضهم، إلاّ أنّ الدارقطني أعلّه في كتابه (العلل)(4).
وأمّا آخر ما ذكره في زنا الزوجة وتغريبها -- بعد الجلد -- إلى نهر كربلاء سنة، فقد ذكره عن كلثوم بن جبر، الذي قال فيه النسائي: ليس بالقوي، وهو لم يدرك عليّاًu ليروي عنه، والذي في (مصنّف عبد الرزّاق) فهو عن الحسن بن عمارة، قال فيه شعبة: أفادني الحسن بن عمارة،
عن الحكم -- قال أحمد: أحسبه سبعين حديثاً، فلم يكن لها أصل، وقال شعبة: لا يحلّ لي أن أُحدّث عن الحسن بن عمارة، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال مسلم: متروك الحديث.. إلى غير هذا من تجريح، وهو يروي الخبر عن العلاء بن جابر، ولم أقف على من ترجمه مع كثرة البحث عنه.
ومهما يكن، فهذه الإطالة من المؤلّف وكثرة الإحالة لم تفد القارئ بشيء ثابت عن رأي عليّ عليه السلام، سوى اطّلاعنا على تهميش المؤلّف في الطول والعرض بما هو جُفاء، ويبدو أنّه لا يعتني بالإسناد، لذلك ينقل ما رآه كما رآه على ما فيه من علّة، ممّا يعاب عليه! فإنّ اختلاف الأقوال في الرجال، مضافاً إلى جانب التعديل والتجريح، كلّه يحتاج إلى نظر صحيح.
وإشارة عابرة إلى سند لآخر ما ذكره من تغريب المرأة إلى نهر كربلاء سنة، فقد أشار في الهامش إلى تخريجه عن (المحلّى)(1)، و(مصنّف عبد الرزّاق)(2)، و(مسند زيد)(3)، وهذا لم أجد ما نقله عنه فيما يحضرني فعلاً من نسخته طبع مكتبة الحياة بيروت، لكن لدى المقارنة بين روايتي المصدرين الأوّلين، نجد التفاوت في العَرضَ سنداً ومتناً، وهو لم يشر إليه المؤلّف!
وإلى القارئ إشارة عابرة إلى ما بين الروايتين من تفاوت في السند:
ففي (المحلّى)، قال: (وعن ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن
الحسن بن عمارة، عن العلاء بن بدر، عن كلثوم بن جبير، قال: ...).
وفي (مصنّف عبد الرزّاق)، قال عبد الرزّاق: (عن الحسن بن عمارة، عن العلاء بن جابر، قال: ...).
ولقد بيّنت حال الحسن بن عمارة، والعلاء بن بدر، وكلثوم بن جبر، وهو في (المحلّى): (ابن جبير)، أمّا ابن وهب الذي في سند (المحلّى)(1).
وأمّا إحالته في رأي ابن عبّاس، فقد كانت في صفحة -381- من موسوعة فقهه، فقال:
(ب -- منع ابتداء النكاح لا استمراره:
1- وفي صدد الكلام على منع الزنا من ابتداء النكاح، لا بدّ لنا من أن نفرّق بين حالتين:
الحالة الأولى: هي أن يتّخذ الرجل خليلة اختصت به، فهي تزني معه ولا تزني مع غيره، ثمّ يريد أن يتزوّجها ليصلح ما أفسده بزناه بها، وهذا تصرّف جائز ولا غبار عليه عند ابن عبّاس رضي الله عنه، فقد قال: في الرجل يزني بالمرأة ثمّ يريد نكاحها؟ قال: (أوّل أمرها سفاح وآخره نكاح)(2)، وقال مرّة: (إن تابا فإنّه ينكحها)(3)، ونحن نرى أنّ نكاحها توبة، ولذلك فإنّه لمّا سأل
رجل ابن عبّاس عن الرجل يفجر بالمرأة ثمّ يتزوّجها؟ قرأ عليه عبد الله بن عبّاس قوله تعالى في سورة الشورى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ(1)، وسأله رجل، فقال: إنّي كنت ألِمّ بامرأة، وآتي منها ما حرّم الله عزّ وجلّ، فرزقني الله من ذلك توبة، فأردت أن أتزوّجها؟ فقال ناس: إنّ الزاني لا ينكح إلاّ زانية أو مشركة، فقال ابن عبّاس: ليس هذا في هذا، أنكحها، فما كان من إثم فعليَّ(2).
وقد كان ابن عبّاس يشبّه الرجل الذي يزني بامرأة ثمّ يتزوّجها، بالذي يسرق من كرم ثمّ يشتريه، فقد ذكر في (المغني): أنّ رجلاً سأل ابن عبّاس عن نكاح التي زنى بها؟ فقال: يجوز، أرأيت لو سرق من كرم ثمّ ابتاعه أكان يجوز؟(3).
الحالة الثانية: أن تمارس المرأة الزنا مع رجل، ويريد رجل آخر غيره أن يتزوّجها، أو تمارس الزنا مع عدّة رجال ويريد أحدهم أن يتزوّجها، وفي هذه الحالة لا يجوز له أن يتزوّجها إلاّ بشرطين اثنين:
الشرط الأوّل: أن تترك الزنا وتتوب منه.
الشرط الثاني: أن تستبرئ رحمها بحيضة، ليُعلم خلّوه من الولد(4)، ولذلك كانt يقول في قوله تعالى في سورة النور: الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ
زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ(1): ليس هذا بالنكاح، إنّما هو الجماع، لا يزني بها إلاّ زان، أو مشرك، وحرّم الله الزنا على المؤمنين(2)، وقال: ذلك حكم الله بينهما(3). وروى ابن أبي شيبة، عن ابن عبّاس: أنّه لا يتزوّجها إلاّ زانٍ، فقد روي عن عبد الله بن شدّاد، قال: كنت جالساً مع ابن عبّاس في زمزم، فأتاه رجل فذكر له أنّه تَسقّطَ امرأته فزعمت أنّها فجرت، فقال ابن عبّاس: فبئس ما صنعت، إن كنت فعلت مثل الذي أقرّت به على نفسها -- أي زنت -- فأمسك امرأتك، وإن كنت لم تفعل فخلّ سبيلها(4).
أقول: وهذا الذي ذكره عن ابن عبّاس لا يخلو من نظر!
ففي تصويره الحالة الأولى، قال: (إن يتّخذ الرجل خليلة اختصّت به فهي تزني معه ولا تزني مع غيره...)، وذكر في هذا عن ابن عبّاس، أنّه قال: في الرجل يزني بالمرأة ثمّ يريد نكاحها، قال: (أوّل أمرها سفاح وآخره نكاح)، وأحال على سبعة مصادر:
أوّلها (مصنّف عبد الرزّاق)، فراجعته، فكان ما ذكره هو أوّل ما في عنوان: باب الرجل يزني بامرأة ثمّ يتزوّجها. وهذا ليس فيها ما يدلّ على الاختصاص الذي زعمه؛ وكذلك الخبر الثاني الذي ذكره باختصار ومن
دون ذكر السند، وهو كما في (المصنّف): عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة، عن عكرمة: أنّ ابن عبّاس قال في الرجل يزني بالمرأة ثمّ ينكحها: إذا تابا فإنّه ينكحها، أوّله سفاح وآخره نكاح، أوّله حرام وآخره حلال.
ثمّ إنّ (المصنّف) نقل مثله: عبد الرزّاق، عن ابن التيمي، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عبّاس..
فمع غض النظر عمّا في السند الأوّل لذكر قتادة وعكرمة، وهما من المجروحين بما تقدّم فيهما، وفي السند الثاني داود بن أبي هند، الذي قال فيه أحمد: كان كثير الاضطراب والخلاف، مضافاً إلى وجود عكرمة أيضاً، فإنّ الخبر ليس فيه ما يدلّ على اختصاص المرأة بالرجل في الزنا، إنّما الذي فيه ذكر ممارسة العمل بينهما، أمّا أنّها كانت مختصّة به فمن أين؟
وقد ساق عبد الرزّاق ثلاثة أحاديث أُخرى بأسانيده: فعن طاووس: قيل لابن عبّاس: الرجل يصيب المرأة حراماً ثمّ يتزوّجها؟ قال: إذ ذاك خير، أو قال: ذاك حسن. وعن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سألت ابن عبّاس عن الرجل يصيب المرأة حراماً ثمّ يتزوّجها؟ قال: الآن حسن أصاب الحلال، قال: وقال لي ابن عبّاس: وما يكره من ذلك؟ قال: قلت: أنّه يقول: إنّه كذا وكذا، قال: هو كذا. وعن أبي مجلز، عن ابن عبّاس، قال: اعلم أنّ الله يقبل التوبة منهما جميعاً كما يقبلها منهما متفرّقين.
وجميع ما مرّ أشار محقّق (المصنّف) إلى تخريج البيهقي له في سننه(1)، وهذا ما ذكره أيضاً المؤلّف وهو كذلك.
1) - سنن البيهقي 7/155.
وأمّا ما في (سنن سعيد بن منصور)، فقد عنون (باب الرجل يفجر بالمرأة ثمّ يتزوّجها)(1)، وساق فيه ثمانية أحاديث في الجواز، فجاء في ستّة منها كلمته: (أوّله سفاح، وآخره نكاح)، ولم يظهر في واحد منهما ما زعمه المؤلّف من كون المرأة تلك مختصّة بالرجل الذي يتزوّجها، وكذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنّف)(2)ليس فيه ما يدلّ على الاختصاص.
وأمّا ذكر المؤلّف في المصادر (أحكام القرآن) للجصّاص(3)، فليس فيه ما ذكره، بل الذي جاء فيه في تفسير قوله تعالى: الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً، وروى حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: يعني بالنكاح جماعها... وقال شعبة مولى ابن عبّاس، عن ابن عبّاس: بغايا كنّ في الجاهلية يجعلن على أبوابهن رايات كرايات البياطرة يأتيهن ناس يعرفن بذلك..
فأين هذا من الاختصاص المزعوم؟! بل هو صريح في الدلالة للزائرين على العموم لمن يروم.
وذكر في المصادر (المحلّى)(4)، فراجعناه، فإذا في أوّل الصفحة خبر عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعت ابن عبّاس يقول: الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً، قال: حكم بينهما. وأين هذا ممّا قاله المؤلّف؟!
ثمّ ذكر المؤلّف (تفسير ابن كثير) في مصادره، فراجعناه، فإذا فيه الذي ذكره عن ابن أبي ذئب، قال: سمعت شعبة مولى ابن عبّاس رضي الله عنه، قال: سمعت ابن عبّاس وسأله رجل، فقال: إنّي كنت أَلمّ بامرأة آتي منها ما حرّم الله عزّ وجلّ علَيَّ، فرزقني الله عزّ وجلّ من ذلك توبة فأردت أن أتزوّجها، فقال أناس: إنّ الزاني لا ينكح إلاّ زانية أو مشركة، فقال ابن عبّاس: ليس هذا في هذا، إنكحها فما كان من إثم فعليَّ. أه-
فأين في هذا: أنّها كانت مختصّة به؟!
ويبقى قول ابن عبّاس في: الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً، قال: هو حكم بينهما، وقوله لأبي مجلز -- كما مرّ --: اعلم أن الله يقبل التوبة منهما جميعاً، كما يقبلها منهما متفرّقين.
3- وكان عليّ يرى أنّ الرضاع لا يثبت بشهادة امرأة واحدة (ر: رضاع/2د)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى ثبوته إذا حلفت مع شهادتها (ر: رضاع/3).
رجعنا إلى الإحالة في رأي عليّ عليه السلام، فكانت في صفحة -277- من موسوعة فقهه، فقال: (كان عليّ رضي الله عنه يشترط في إثبات الرضاع ما يشترطه في الشهادة على الغير من العدد، فلم يقبل فيه شهادة المرأة الواحدة، ولم يفرّق بين الزوجين بهذه الشهادة(1)، فعن بكير بن قائد: أنّ امرأة جاءت إلى رجل تزوّج امرأة، فزعمت أنّها قد أرضعتهما، فأتى عليّاً فسأله؟ فقال: (هي امرأتك ليس أحد يحرّمها عليك، وإن تنزهت فهو أفضل)(2).
ورجعنا إلى الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -35- من موسوعة فقهه، فقال بعد كلام في إثبات الرضاع: (قال ابن عبّاس رضي الله عنه: (شهادة المرأة الواحدة جائزة في الرضاع إذا كانت مرضيّة، وتستحلف مع شهادتها). فقد جاء رجل ابن عبّاس، فقال: زعمت فلانة أنّها أرضعتني وامرأتي وهي كاذبة؟ فقال ابن عبّاس: استحلفها عند المقام، فإنّها إن كانت كاذبة فسيصيبها بلاء، فلم يحل الحول حتّى برص ثديها(1)، وفي رواية أنّه قال: (إن كانت مرضيّة استحلفت وفارق أهله)، وقال: (إن كانت كاذبة لم يحل الحول حتّى تبيّض ثدياها)(2).
أمّا ما روي عن ابن عبّاس أنّه لم يفرّق بشهادة امرأة واحدة في الرضاع(3)، وذلك ممّا رواه بكير بن قائد: أنّ امرأة جاءت إلى رجل تزوّج امرأة فزعمت أنّها قد أرضعتهما، فأتى عليّاً فسأله، فقال: (هي امرأتك، ليس أحد يحرّمها عليك، وإن تنزهت فهو الفضل)، وسأل ابن عبّاس، فقال: مثل ذلك(4)، فإنّه يحتمل أن تكون هذه المرأة قد رفضت أن تحلف مع شهادتها، ويحتمل أن تكون غير مرضية تمام الرضى، فإنّ ما يحدث بين النساء من المكائد كثير وخفي، ولذلك لم يشأ أن يجزم بصحّة قولها أنّها أرضعتهما، ولكنّه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يجزم بكذبها فيما تدعيه، والله أعلم.
أقول: لقد ذكر المؤلّف في رأي عليّ عليه السلام وجعل من أُولى مصادره (المحلّى) لابن حزم، فقد راجعته، فرأيت قوله في أحكام الشهادات: (وأمّا اختلافهم في عدد ما يقبل منهنّ -- يعني النساء -- حيث يقبلن منفردات، فروينا عن عمر بن الخطّاب... وعن عليّ بن أبي طالب مثل ذلك... إلاّ أنّهم قالوا: تقبل في الرضاع امرأة واحدة...
قال: وصحّ عن ابن عبّاس، وروي عن عثمان وعليّ -- أميري المؤمنين --(1)وابن عمر... الحكم في الرضاع بشهادة امرأة واحدة... وروي عن ابن عبّاس: أنّها تستحلف مع ذلك...)(2).
ثمّ قال ابن حزم: (وروينا عن عمر، وعليّ، والمغيرة بن شعبة، وابن عبّاس: أنّهم لم يفرّقوا بشهادة امرأة واحدة في الرضاع...)(3).
فهذا أوّل مصادر المؤلّف في رأي عليّ عليه السلام ، فقد ورد فيه ذكر ابن عبّاس موافقاً لرأي الإمام، سواء في رواية القبول، أو الرواية في عدم التفريق. فأين الخلاف المزعوم؟!
وأمّا الخبر الذي ذكره عن بكير بن قائد، وذكر نقله عن (المحلّى)(4)، فليس فيه عين ولا أثر، فراجع الموضع الذي عينه، وحتّى الذي قاله نقلاً عن (المغني)، فليس فيه إلاّ خبر: (حتى تبيضّ ثدياها)، وهذا هو الذي نقله عن
عبد الرزّاق في جزئين من مصنّفه، و(سنن البيهقي)، وبقية المصادر، فأين هو موضع الخلاف؟!
1- وكان عليّ يرى أنّ الرجل إذا خيّر امرأته بين الطلاق والإبقاء على الزوجية، فاختارت الطلاق، يقع طلقة بائنة (ر: طلاق/3ب3)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى وقوعه طلقة رجعية (ر:طلاق /3ب).
رجعنا إلى الإحالة في رأي عليّ عليه السلام ، فكانت في صفحة -432- من موسوعة فقهه، فقال: (كما اتّفقت الرواية عن عليّ رضي الله عنه أنّ المخيّرة والممّلكة الطلاق إن اختارت الطلاق، فهي كما اختارت، ويقع الطلاق بائناً، ولكن في حالة التخيير يقع واحدة بائنة(1)، وفي التمليك يقع واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثاً، كما أوقعته المرأة المملكة الطلاق، ولا عبرة لقول الزوج بعد ذلك إنّي ملّكتها الطلاق ولم أرد بذلك إلاّ واحدة(2)، قال عليّ(كرّم الله وجهه): (إن خيّرها فاختارت نفسها، فواحدة بائنة، وإن قال لها: أمركِ إليكِ، فالقضاء ما قضت)(3)، وقال: (إذا جعل أمرها بيدها فالقضاء ما قضته هي)(4).
وأمّا الإحالة في رأي ابن عبّاس، فهي في صفحة -510- من موسوعة
فقهه، فقال: (ويجوز للرجل بعد أن يثبت له حقّ الطلاق بعقد النكاح أن يتنازل عن هذا الحقّ لغيره، سواء أكان ذلك الغير الزوجة أم غيرها، وسواء أكان ذلك بصورة تمليك، أم بصورة تخيير، فإن ملّكها الطلاق(1)، فطلّقت نفسها ثلاثاً، فقال الزوج: لم أجعل لها إلاّ واحدة، لم يلتفت إلى قوله، والقضاء ما قضت، أمّا إن طلقته طلقة، فلا يقع الطلاق(2)، لأنّ الرجل لا يُطلَّق... وإن خيّرت فردّت الخيار، فلا يقع شيء من أمر الطلاق، وإن قالت اخترتُ نفسي، أو اخترتُ الطلاق، لم يقع بذلك إلاّ طلقة واحدة رجعية(3).
أقول: ولدى مراجعة المصادر التي أشار إليها في هوامشه، فكان منها ما في (المغني)، قال ابن قدامة:
(مسألة) ... وجملة الأمر أنّ المملّكة والمخيّرة إذا قالت اخترت نفسي، فهي واحدة رجعية، روي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وابن عبّاس... وروي عن عليّ: أنّها واحدة بائنة...
وسبق وأن قال: في رجل وضع أمر امرأته بيدها، قال -- عليّ رضي الله عنه --: هو لها حتّى تنكل، ولا نعرف له في الصحابة مخالفاً، فيكون إجماعا...
وقال: وممّن قال القضاء ما قضت: عثمان، وابن عمر، وابن عبّاس،
وروي ذلك عن عليّ و...)(1).
فظهر من (المغني) أنّ الخلاف في المسألة بين ابن عبّاس وعليّ عليه السلام في الفتيا في نسبة الرواية عنهما معاً، ثمّ هي مرسلة لم يذكر لها سنداً. فكيف يصحّ الاعتماد عليها؟!
وفي مسألة التخيير فقد اتّفقا على أنّ القضاء ما قضت في الرجل إذا جعل أمرها بيدها فطلّقت نفسها، وما ذكره عن ابن عبّاس فيما لو طلّقت المرأة زوجها، قال: خطّأ الله نوءها إنّما الطلاق لك عليها وليس لها عليك. وهذا لم يذكر فيه عن عليّ عليه السلام شيئاً فأين الخلاف؟!
والذي ذكره من مورد الخلاف، فقد جاءت الرواية عن عليّ عليه السلام مختلفة، ولم يسلم السند فيها.
وإلى القارئ ما ذكره ابن أبي شيبة في (المصنّف) وهو ممّن أحال عليه المؤلّف، قال: (حدّثنا أبو بكر، قال: نا عبد الله بن إدريس، عن موسى ابن مسلم، عن مجاهد، قال: قال عليّ: (إذا خلع الرجل أمر امرأته من عنقه، فهي واحدة وإن اختارته).
حدّثنا أبو بكر، قال: نا وكيع، عن جرير بن حازم، وعن عيسى بن عاصم، عن زاذان، قال: كنّا جلوساً عند عليّ، فسُئل عن الخيار؟ فقال: سألني عنها أمير المؤمنين عمر، فقلت: إن اختارت نفسها فواحدة، وإن اختارت زوجها فلا شيء، وهو أحقّ بها، فقال: ليس كما قلت، إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فلا شيء، وهو أحقّ بها، فلم أجد بداً من
1) - المغني 7/141 -- 144.
متابعة أمير المؤمنين، فلمّا وليت وأتيت في الفروج، رجعت إلى ما كنت أعرف. فقيل له: رأيكما في الجماعة أحبّ إلينا من رأيك في الفرقة، فضحك عليّ، فقال: أما أنّه أرسل إلى زيد بن ثابت فسأله؟ فقال: إن اختارت نفسها فثلاث، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة)(1).
أقول: لقد جاء في الهامش: (سبق هذا الحديث في السنن 7/315 بهذا الوجه، واختلفت الألفاظ كثيراً بعد متابعة أمير المؤمنين، فهناك: فلمّا خلص الأمر إليَّ وعلمت أنّي مسئول عن الفروج أخذت بالذي كنت أرى، فقالوا: والله لئن جامعت عليه أمير المؤمنين وتركت رأيك الذي رأيتَ إنّه لأحبّ إلينا من أمر تفردّتَ به بعده، قال: فضحك، ثمّ قال: أما أنّه قد أرسل إلى زيد ابن ثابت فسأل زيداً، فخالفني وإياه، فقال زيد رضي الله عنه: إن اختارت نفسها فثلاث، وإن اختارت زوجها فواحدة، وهو أحقّ بها)، فلاحظ الفرق بين قول زيد هنا وهناك! فإنّه قد وقع في: (وإن اختارت زوجها فواحدة، وهو أحقّ بها)، ووقع هنا: (وإن اختارت زوجها، فواحدة بائنة)، وليس هذا الفرق يستحقّ إغماض البصر؛ فتدّبر!
وجاء في (سنن سعيد بن منصور): (حدّثنا سعيد، قال: نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عبّاس: أنّه سُئل عن رجل جعل أمر امرأته بيدها؟ فقال: أنت الطلاق، أنت الطلاق، فقال ابن عبّاس: خطأ الله نوءها)(2).
ويكفي في سقوطه: وجود سفيان -- من المدلّسين -- عن عمرو بن دينار، إن كان هو البصري، فلا يحلّ كتب حديثه إلاّ على جهة التعجّب، ينفرد بالموضوعات -- عن الأثبات -- وإن كان هو المكّي، قال البخاري: لم يسمع من ابن عبّاس حديثه عن عمر في البكاء على الميت -- عن عطاء -- سواء كان هو ابن أبي رباح، فقد كان مدلّساً، أو ابن السايب، فهو لا يحتجّ به، أو ابن يسار، وهو مدلّس، راجع عن حالهم (الإفصاح) في تراجمهم.
وجاء الخبر في (سنن البيهقي)(1)عن الحسن بن عمارة -- وهو متروك -- عن حبيب بن أبي ثابت -- كان مدلّساً، وعن أبي داود: ليس له شيء يصحّ، انظر (الإفصاح) في تراجمهم.
ومهما يكن حال رجال الأسانيد، فإنّ أصل مسألة التخيير والتمليك مختلف فيها عندنا وعند غيرنا.
فقد ذكر الشيخ الطوسي في كتابه (الخلاف) في كتاب الطلاق، مسألة -3231- ما قاله أصحاب المذاهب في المسألة(2)، وأوضح ذلك في كلامه في (التهذيب)، فقال: (فأمّا ما روي من جواز الخيار إلى النساء واختلاف أحكامه، لأنّ منهم من جعله تطليقة بائنة، ومنهم من جعله تطليقة يملك معها الرجعة، ومنهم من جعله تطليقة إذا أتبع بطلاق، ومنهم من جعله كذلك وإن لم يتبع بطلاق، ومنهم من جعله كذلك إذا اختارت نفسها قبل
أن تقوم من مجلسها، ومنهم من جعله كذلك في جميع الأحوال، فالوجه فيها كلّها أن نحملها على ضرب من التقية، لأنّ الخيار موافق لمذاهب العامّة، وإنّما حملناه على ذلك لما قد ثبت من صحّة العقد، فلا يجوز العدول عنه إلاّ بطريقة معلومة، وجميع هذه الأخبار لا يمكن العمل عليها لأنّها متضادّة الأحكام، وليس بأن نعمل على بعضها أولى من أن نعمل على البعض الآخر لتساويها في الطرق، على أنّا إن عملنا على شيء منها احتجنا أن نطرح الأخبار التي قد قدّمناها في أنّ الخيار غير واقع، وإنّما ذلك شيء كان يختصّ به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا عملنا على ما قلناه، كان لهذه وجه، وهو خروجها مخرج التقية...)(1).
وحسبنا من تلك الأخبار التي أشار إليها في عدم وقوع الخيار، ما أخرجه في (التهذيب)، و(الاستبصار): (عن محمّد بن يعقوب في الكافي(2)بسنده، عن محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنّي سمعت أباك يقول: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيّر نساءه فاخترن الله ورسوله فلم يمسكهنّ على طلاق، ولو اخترن أنفسهن لبنّ، فقال: (هذا حديث كان يرويه عن عائشة، ما للناس والخيار، إنّما هذا شيء خصّ الله عزّ وجلّ به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم)(3).
ونعود إلى قول المؤلّف، وقد مرّ في مورد الإحالة عن رأي ابن عبّاس، فقد قال: (ويجوز للرجل بعد أن يثبت له حقّ الطلاق بعقد النكاح
أن يتنازل عن هذا الحقّ لغيره، سواء كان ذلك الغير الزوجة أم غيرها، وسواء أكان ذلك بصورة تمليك أم بصورة تخيير).
وهذا الذي قاله لم يسنده بدليل يدلّ على جواز تنازل الزوج عن حقّه في الطلاق للغير؟ فإن أراد به التوكيل، فهو ليس تنازلاً عن الحقّ! وإنّما هو إجراء للحقّ بالنيابة عنه، ولا يسمّى تنازلاً. فمن أين أتى بهذه الدعوى؟!
ولا يفوتني التنبيّه في المقام إلى أنّ التخيير من المسائل المختلف فيها عند أصحاب الفقه من المذاهب الإسلامية.
قال الشيخ الطوسي في (المبسوط): (والتخيير كناية عن الطلاق عند قوم إذا نويا معاً، فإن لم ينويا، أو لم ينو أحدهما لم يقع به شيء، وقال قوم: إنّه صريح في الطلاق، وعندنا أنّه ليس له حكم)(1).
وقال أيضاً: (...وإن أراد أن يجعل -- الرجل -- الأمر إليها، فعندنا لا يجوز على الصحيح من المذهب، وفي أصحابنا من أجازه... وإن اختارت نفسها فلا يقع عندنا به طلاق، نويا أو لم ينويا، وعلى ما حكيناه عن بعض أصحابنا يقع ذلك، وعند بعض المخالفين أنّه كناية من الطرفين ليفتقر إلى نيّة الزوجين، وفيه خلاف...)(2).
2- وكان عليّ بن أبي طالب يرى أنّ الأَمة المطلّقة ثلاثاً لا يجوز لها أن تعود لزوجها الذي طلّقها بوطء سيّدها لها -- أي أنّ وطء السيّد لها بملك اليمين لا يحلّها لمطلّقها -- (ر: طلاق/16ب)، أمّا ابن عبّاس فإنّه يرى أنّ وطء
السيّد أَمته المطلّقة ثلاثاً يحلّها لمطلّقها (ر: تحليل/3).
لقد راجعنا الإحالة في رأي عليّ عليه السلام في صفحة -449- من موسوعة فقهه، فلم يكن فيها سوى إحالة أُخرى (16 -- أرث المطلّقة/4ب2)، فرجعنا إليها، فلم نجد ما يتعلّق بالموضوع شيئاً! وبعد الفحص الكثير تَبيّن وهم المؤلّف في ذكر الرقم -16- في الإحالة الأولى، بل الصحيح -12- في صفحة -448- من موسوعة فقهه، وهو العودة إلى الزوج بعد الطلقة الثالثة، فقال: (ب -- ووطء سيّد الأَمة المطلّقة ثلاثاً لها لا يحلّها لزوجها الذي طلّقها عند عليّ رضي الله عنه، لأنّ الوطء الذي يحلّ المطلّقة لزوجها هو الوطء الذي تقبل عليه برضاها، لا الذي تكون مكرهة عليه، وذلك ما يكون ناتجاً عن عقد نكاح، وليس كذلك وطء التسري، فعن أبي رافع، قال: سُئل عثمان، وعليّ، وزيد بن ثابت عن الأَمة هل يحلّها سيّدها لزوجها إذا كان لا يريد التحليل، يعني: إذا بتّ زوجها طلاقها؟ فقال عثمان وزيد: نعم، فقام عليّ غضبان وكره قولهما(1)، وعن الحكم بن عتيبة عن عليّ رضي الله عنه، قال: حتّى تحلّ له من حيث حرمت عليه(2)، يعني: إنّها حرمت عليه نتيجة أثر نتج عن عقد -- وهو عقد النكاح -- فلا تحلّ إلاّ بعقد).
وراجعنا الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -188- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف: (3- التحليل بوطء السيّد، كان ابن عبّاس يرى أنّ الأَمة يطلّقها زوجها فعادت إلى سيّدها، فوطء سيّدها لها يحلّها
لزوجها(1)، وقد خالف ابن عبّاس في هذا الكثير من الصحابة رضوان الله عليهم).
أقول: لقد راجعنا (المحلّى)، و(مصنّف عبد الرزّاق) في رأي عليّ عليه السلام ، فكان ما حكاه المؤلّف من خبر أبي رافع، رواه مروان الأصفر، وعنه خالد الحذاء، الذي قال عنه أبو حاتم: لا يحتجّ به كما في (ميزان الذهبي)، وفيه تجريح، ختمه بقوله: وكان قد استعمل على القبة ودار العشور بالبصرة، وعنه رواه هشيم، الذي قال عنه الثوري: لا تكتبوا عنه, وقال الجوزجاني: كان يروي عن قوم لم يلقهم. انظر (الإفصاح) في ترجمته.
فكيف يعتمد عليه المؤلّف..؟! وما أدري كيف غفل عن أن تطليق الأَمة الطلاق الذي لا تحلّ لزوجها بعده إلاّ أن تنكح زوجاً غيره هو مرّتان وليس ثلاثاً، فإنّ تحريم الطلاق الثلاث للحرّة وليس للأَمة! فكيف عنون المسألة بذلك؟ّ
ولو رجع إلى فقه أهل البيت عليهم السلام، لوجد عندهم من فقه أبيهم عليّu ما يغنيه عن مراجعة الآخرين، ففي (وسائل الشيعة)(2)باب أنّ الأَمة إذا طلّقت طلقتين ثمّ وطأها مولاها، لم تحلّ لزوجها حتّى تنكح زوجاً غيره.
أمّا إحالته في رأي ابن عبّاس على (المحلّى)، و(مصنّف عبد الرزّاق)، فرأينا في (المحلّى) هو النقل عن عبد الرزّاق، فراجعنا، فكان فيه ما رواه
عبد الرزّاق، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس.. وقد مرّ ما في ابن جريج وعطاء من تجريح، ويكفي قول يحيى بن سعيد: حديثه عن عطاء ضعيف لا شيء كلّه. انظر (الإفصاح).
فكيف يثبت رأياً أو قولاً لابن عبّاس يخالف فيه رأي عليّ عليه السلام، وهو القائل: (إذا جاءنا الثبت عن عليّ لم نعدل عنه)؟!
3- وكان عليّ يرى أنّ المعتدّة الحامل لها النفقة، سواء أكانت معتدّة من طلاق، أم من وفاة (ر: عدّة/4أ)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ المعتدّة من الوفاة والمعتدّة من الطلاق البائن لا نفقة لهما، لا فرق في ذلك بين الحامل وغير الحامل (ر: عدّة/3د3) و(عدّة/5د3).
فراجعنا الإحالة في رأي عليّu، فكانت في صفحة -461-، وليس فيما ذكره في الفقرة/أ من رقم/4 ما يتعلّق بنفقة المعتدّة، بل فيها على من تجب عدّة الوفاة, ووجدت نفقة المعتدّة في فقرة د من رقم/3 في صفحة -460- من الموسوعة، حين قال: (جعل عليّ رضي الله عنه للمطلّقة السكنى والنفقة (ر: نفقة/4). فرجعنا إلى إحالته الثانية، فكانت في صفحة -576- من الموسوعة، فقال: (المعتدّة الحامل لها النفقة سواء كانت معتدّة من طلاق أو من وفاة، لأنّ حبسها لحقّ الزوج من أجل ولده، ويستمر الإنفاق عليها إلى أن تضع حملها، لقوله تعالى في سورة الطلاق: وَإِن كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ(1)، فإن كانت العدّة من الوفاة، فإنّ هذه النفقة تصرف من مجموع ما تركه الزوج الميت، قال عليّ رضي الله عنه: (النفقة في
1) - سورة الطلاق/6.
جميع المال للمعتدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها (1).
وكانت الإحالة في رأي ابن عبّاس في مكانين: الأوّل في صفحة -53- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف: (المطلّقة الرجعية ينفق عليها زوجها الذي طلّقها، لأنّها ما زالت زوجته، أمّا المطلّقة ثلاثاً، فإنّ ابن عبّاس يرى أن لا نفقة لها إن لم تكن حاملاً، فيقول: (ليس للمطلّقة ثلاثاً نفقة)(2)، أمّا الحامل فإنّ لها النفقة حتّى تضع حملها(3)، وهو بذلك يخالف عمر بن الخطّاب(4)وجماهير الصحابة، وحجّته في ذلك حديث فاطمة بنت قيس، وهو أنّ أبا عمرو بن حفص طلّقها وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله مالكِ علينا من شيء، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقال: (ليس لك عليه نفقة)، فأمرها أن تعتدّ في بيت أُمّ شريك، ثمّ قال: (تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدّي عند ابن أُمّ كلثوم (5).
هذه هي الإحالة الأولى، وفيها من نافلة القول: كذكره مخالفة ابن عبّاس لعمر بن الخطّاب، ثمّ ذكر اعتداد فاطمة في بيت أُمّ شريك أوّلاً، ثمّ
1) - مصنّف عبد الرزّاق 7/39، ومصنّف ابن أبي شيبة 1/253، والمحلّى 1/290، وكنز العمّال: 28016، والأُمّ 7/172، والأشراف 4/278.
2) - سنن البيهقي 7/475، والمحلّى 10/300.
3) - الأشراف 4/277.
4) - انظر موسوعة فقه عمر بن الخطّاب: مادّة: نفقة/5ب، والأشراف 4/100.
5) - أخرجه مسلم في الطلاق في باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها، والموطأ 2/580، وأبو داود في الطلاق باب نفقة المبتونة، والترمذي في النكاح، ومصنّف ابن أبي شيبة 1/247 ب، وغيرهم.
عدل إلى بيت ابن أُمّ كلثوم. وهذا خطأ! والصواب: ابن أُمّ مكتوم كما في المصادر التي رجع إليها.
ومهما يكن، فإنّ الإحالة الثانية كانت في صفحة -538- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف: (وكان ابن عبّاس يرى أنّ المتوفّى عنها زوجها لا تستحقّ النفقة عليها في عدّتها، سواء أكانت حاملاً أم غير حامل، قال ابن عبّاس رضي الله عنه: (لا نفقة للمتوفى عنها الحامل، وجبت المواريث (1).
أقول: إنّ الذي ذكره في عنوان المسألة فإنّ المعتّدة الحامل لها النفقة سواء أكانت معتدّة من طلاق أم من وفاة، ولكن الذي في أوّل المصادر التي أحال عليها ليس كذلك، فإنّ عبد الرزّاق ذكر في (مصنّفه)(2)باب النفقة للمتوفى عنها من رقم 12081- إلى -- 12098، فلم يرد في تلك الأحاديث إلاّ ما رواه: عن الثوري، عن أشعث، عن الشعبي: أنّ عليّاً وابن مسعود كانا يقولان: (النفقة من جميع المال للحامل). ويكفي في ردّه: روايته عن الثوري -- وهو من المدلّسين -- عن أشعث -- وهو ابن سوار، قال فيه ابن حبّان: فاحش الخطأ، كثير الوهم -- عن الشعبي -- الناصبي الكذّاب الذي كان يقول: لقد دخل عليّ حفرته وما حفظ القرآن -- ومن كذبه، قوله: لم يشهد الجمل من الصحابة إلاّ أربعة، فإن جاؤوا بخامس فأنا كذّاب: عليّ،
وعمّار، وطلحة، والزبير، وقد ذكرت هذا وغيره عنه في كتابي (عليّ إمام البررة)(1). فكيف يصدّق بعد هذا؟!
ومع الإغماض عمّا في رجال السند، فإنّ الخبر مذكور في باب النفقة للمتوفى عنها، وليس للمعتدّة من طلاق!
وأغرب من هذا، ذكره ابن أبي شيبة -- ولم يعيّن هوية النسخة التي رجع إليها -- إلاّ أنّي راجعت طبعة باكستان، منشورات إدارة القرآن والعلوم الإسلامية(2)، من قال في المطلّقة ثلاثاً لها النفقة، فلم يرد فيه ذكر عليّ عليه السلام ولا غيره من الصحابة سوى ذكر عمر بن الخطّاب! وقوله: لا ندع كتاب الله وسُنّة رسوله لقول امرأة لا ندري حفظت أو نسيت، وكان عمر يجعل لها السكنى والنفقة.
وكذلك لم يرد ذكر عليّ عليه السلام في عنوان: (ما قالوا فيه إذا طلّقها وهي حامل من قال عليه النفقة)(3)، وكذلك لم يرد ذكر عليّ عليه السلام في عنوان المتوفّى عنها زوجها وهي حامل، (من قال: ينفق عليها من نصيبها)(4)، ولا في عنوان: (من قال: ينفق عليها من جميع المال)(5).
فمن أين أتى المؤلّف بهذا عن عليّ عليه السلام نقلاً عن ابن أبي شيبة؟!!
واحتمال وجود ذكره في عناوين أُخرى، كان عليه أن يعيّن الهوية كاملة، إمّا بتعيين طبعة الكتاب والجزء والصفحة، وإن كانت مخطوطة فبتعيين عنوان الباب، ولكنّه لم يفعل!
وثالث مصادره، هو (المحلّى)(1)، وراجعناه، فكان ما فيه نقلاً عن عبد الرزّاق من خبر الشعبي، وقد مرّ.
ورابع مصادره (كنز العمّال)، فراجعت منها الطبعة الثانية(2)، في نفقة المطلّقة وسكناها، فذكر فيه خبر فاطمة بنت قيس مكرّراً سبع مرّات، وليس فيها ذكر لعليّu، وفي آخر العنوان: (عن جعفر بن محمّد، عن أبيه: أنّ عليّاً قال في المبتونة: لا نفقة لها ولا سكنى (عب)(3)، وهذا أخرجه عبد الرزّاق في مصنّفه، وعنه ابن حزم في (المحلّى)، فقال: (ومن طريق عبد الرزّاق، عن إبراهيم بن محمّد -- هو أبي يحيى -- عن جعفر بن محمّد، عن أبيه: أنّ عليّ بن أبي طالب قال في المبتونة: لا نفقة لها)(4).
فأين هذا ممّا زعمه المؤلّف أنّ لها النفقة؟! وهذا هو الذي قال به ابن عبّاس، فأين الخلاف؟
وخامس مصادره كان (كتاب الأًمّ) للشافعي، فراجعناه، فإذا فيه: (وأخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا هشيم، عمّن سمع الحكم
يحدّث عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ، عن عليّ رضي الله عنه ، قال: (الحامل المتوفّى عنها لها النفقة من جميع المال، وليسوا يقولون بهذا وينكرون هذا القول فيقولون ما نقول بهذا)(1). أه-
فأين هذا من وجوب النفقة للمعتدّة من طلاق؟! إنّه تلبيس وتشويش!
وأمّا ما ذكره عن ابن عبّاس، وفي إحالاته المتعدّدة، فلا أطيل الوقوف عنده، إلاّ أنّي أذكر له ولقرائه تعليقاً على ما حكاه من حديث فاطمة بنت قيس، فقد قال ابن حزم في (المحلّى) -- وهو قد أخذ منه -- بعد كلام طويل: (وقوله عليه الصلاة والسلام: بل المطلّقة ثلاثاً لا سكنى لها ولا نفقة، يغني عن هذا كلّه وعن تكلّف الظنون الكاذبة، وبالله التوفيق.
فلم يبق إلاّ إنكار عمر وعائشة أُمّ المؤمنين عليها، فكان ماذا؟! فكيف ولا حجّة في شيء من ذلك، إنّما الحجّة على كلّ أحد ما صحّ عن رسول الله صل الله عليه وآله وسلم، ونحن نعلن ونهتف ونصرّح أنّ رأي أُمّ المؤمنين وعمر أمير المؤمنين لا نأخذ به إذا صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلافه، ولا يحلّ الأخذ برأيهما حينئذٍ، ولا أن يقول أحد عندهما في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سُنّة كتماها، فليصرّحوا هم بأن يقولوا إنّ رأي عمر وأُمّ المؤمنين أحقّ أن يتّبع بما صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتّى يرون حالهم عند الله تعالى وعند أهل الإسلام، وليت شعري أين كان عنهم هذا الانقياد لأُمّ المؤمنين عائشة إذ لم يلتفتوا قولها بتحريم رضاع الكبير، إذ قد نسبوا إليها ما قد برأها الله تعالى
1) - الأُمّ 7/172.
عنه، من أنّها تولج حجاب الله تعالى الذي ضربه على نساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لا يحلّ له ولوجُه، فهذه هي العظيمة التي تقشعر لها جلود المؤمنين، وفي إباحتها للمتوفى عنها أن تعتدّ حيث شاءت.
وأين كانوا من هذه الطاعة لعمر رضي الله عنه إذ خالفوه في المسح على العمامة، وجعلوه يفتي بالصلاة بغير وضوء، وما قد جمعناه عليهم ممّا قد خالفوهما فيه في كتاب أفردناه لذلك، إذا تأمّله المتأمّل رآهم كأنّهم مغرمون بخلاف الصاحب فيما وافق فيه السُنّة وتقليده في رأيٍ وهم فيه أبدا، ولكن من لم يعدّ كلامه من عمله، كثر كلامه بالباطل، وحسبنا الله ونعم والوكيل) (1). انتهى كلام ابن حزم.
4- وكان عليّ يرى أنّ الخلع طلقة واحدة بائنة (ر: خلع/4)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى الخلع فسخاً، ولا يقع به شيء من الطلاق (ر: خلع/ 3ب ج).
راجعنا الإحالة في رأي عليّu، فكانت في صفحة -245- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف: (إذا وقع الخلع بين الزوجين فهو طلقة واحدة بائنة(2)، قال عليّ: (إن أخذ للطلاق ثمناً فهي واحدة)(3)، وقال: (إذا خلع الرجل أمر امرأته من عنقه فهي واحدة وان اختارته)(4).
وراجعنا الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -313- من
موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(ب -- فسخ النكاح بين الزوجين وإنّما قلنا: فسخ النكاح، لأنّ الخلع ليس بطلاق عند عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه، بل هو فسخ، وإذا كان الخلع فسخاً فإنّه لا ينقص عدد الطلاق(1)، فقد قال: (كلّ شيء أجازه المال فليس بطلاق)(2)، وروى طاووس أنّ إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأل ابن عبّاس عن رجل طلّق امرأته تطليقتين ثمّ اختلعت منه، أينكحها؟ قال ابن عبّاس: نعم ليس الخلع بطلاق، ذكر الله تعالى الطلاق في أوّل الآية وآخرها، والخلع بين ذلك، فليس الخلع بطلاق(3)، قال الجصّاص: (هذا ممّا أخطأ فيه طاووس، وكان كثير الخطأ)(4).
أقول -- والقائل هو المؤلّف -- وليس كذلك -- والله أعلم -- فطاووس لم يكن كثير الخطأ، كما قال الجصّاص، ولم يخطئ في هذه، فقد روى نقله هذا عن ابن عبّاس الكافّة، وهو واثق ممّا يرويه، ويدلّنا على ذلك ما رواه عبد الرزّاق بسنده عن طاووس، قال: لولا أنّه علم لا يحلّ كتمانه -- يعني الفداء -- ما حدّثته أحداً، كان ابن عبّاس لا يرى الفداء إطلاقاً -- كذا
1) - كشف الغمّة 2/95، ومصنّف ابن أبي شيبة 1/244 ب، والمحلّى 1/237، وأحكام القرآن للجصّاص 1/396، والمغني 7/56، والأشراف 4/218، ونيل الأوطار 7/95.
2) - مصنّف عبد الرزّاق 6/487، وكشف الغمّة 2/95.
3) - مصنّف عبد الرزّاق 6/487، وسنن سعيد بن منصور 3/1/341، ومصنّف ابن أبي شيبة 1/244ب، وسنن البيهقي 7/316، والمحلّى 10/237، وتفسير ابن كثير 1/275، وكشف الغمّة 2/95.
4) - أحكام القرآن للجصّاص 1/396.
والصواب طلاقاً -- حتّى تطلّق، ثمّ يقول: ألا ترى أنّ الله تعالى ذكر الطلاق من قبله، فقال: الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ، ثمّ ذكر الفداء، فقال: فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ(1)، فلم يجعله طلاقاً، ثمّ قال في كتابه في سورة البقرة:فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ(2)، ولم يجعل الفداء بينهما طلاقاً(3)، فطاووس يروي ذلك عن ابن عبّاس، وهو يودّ ألاّ يرويه لما فيه من المخالفة لما ذهب إليه جمهور الصحابة(رضوان الله عليهم)، ولا يكون ذلك إلاّ من الواثق ممّا يروي).
أقول: تعقيباً على ما قاله في موسوعتي: (فقه الإمام عليه السلام ، وابن عبّاس رضي الله عنه)، إنّ القاعدة المتسالم عليها في أمثال المقام: إن كنتَ مدّعياً فالصحّة، وإن كنت راوياً فالدليل. أمّا أن يروي الباحث حكماً شرعياً إلى الآخرين -- أفراداً أو جماعات -- مستنداً في ذلك إلى رواة مخدوش فيهم بلسان قومه، فلا يقبل منه ذلك.
وما ذكره في المقام من غمز وهمز ولمز للجصّاص الحنفي، لأنّه قال في طاووس: هذا ممّا أخطأ فيه طاووس، وكان كثير الخطأ، فليس بمقبول.
وكون عبد الرزّاق رواه بسنده عن طاووس لم يكن توثيقاً لطاووس، فإنّ عبد الرزّاق روى في باب الفداء أربع روايات عن ابن عبّاس، ثلاثاً منها عن طاووس، وواحدة عن عكرمة، واللاتي عن طاووس، روى الأولى عبد
الرزّاق، قال: (أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني حسن بن مسلم: أنّ طاووساً قال: كنت عند ابن عبّاس إذ سأله إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، فقال: إنّي أُستعمل ههنا -- وكان ابن الزبير يستعمله على اليمن على السعايات -- فعلّمني الطلاق، فإنّ عامّة تطليقهم الفداء، فقال ابن عبّاس: ليست بواحدة، وكان يجيزه يفرّق به، قال: وكان يقول: إنّما هو الفداء، ولكن الناس أخطوا اسمه.
فقال لي حسن بن مسلم: قال طاووس: فراددت ابن عبّاس بعد ذلك، فقال: ليس الفداء بتطليق، قال: كنت أسمع ابن عبّاس يتلو في ذلك: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ(1)، ثمّ يقول: فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ(2)، ثمّ ذكر الطلاق بعد الفداء. قال: فلا أسمعه ذكر في الفداء طلاقاً؟ قال: وكان لا يراه تطليقة)(3).
ثمّ روى عبد الرزّاق -- الرواية الثانية -- : (عن معمر، عن أيوب، عن طاووس، أنّه قال: لولا أنّه علمٌ لا يحلّ لي كتمانه -- يعني الفداء -- ما حدّثته أحداً، قال: كان ابن عبّاس لا يرى الفداء طلاقاً حتّى يطلّق، ثمّ يقول: ألا ترى أنّه ذكر الطلاق من قبله، ثمّ ذكر الفداء، فلم يجعله طلاقاً، ثمّ قال في الثانية: فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ(4)، ولم يجعل الفداء بينهما طلاقاً)(5).
ثمّ روى عبد الرزّاق: (عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، قال: سأل إبراهيم بن سعد ابن عبّاس عن رجل طلّق امرأته تطليقتين، ثمّ اختلعت منه، ثمّ أينكحها؟ فقال: نعم، ذكر الله الطلاق في أوّل الآية وآخرها، والخلع بين ذلك فلا بأس به)(1).
فهذه هي روايات طاووس عن ابن عبّاس، وقد ذكر في الثانية، قوله: (لولا أنّه علمٌ لا يحلّ كتمانه -- يعني الفداء -- ما حدّثته أحداً)، فمن أين للمؤلّف ظهر أنّ طاووساً يروي ذلك عن ابن عبّاس، وهو يودّ ألاّ يرويه لما فيه من المخالفة لما ذهب إليه جمهور الصحابة؟! فإن كان كذلك، فلماذا كان هو يقول: (إن طلّقها بعد الفداء في عدّة جاز فطلاقه جائز)(2)؟ إذا كان لا يرى الفداء فسخاً، كما روى عن ابن عبّاس، فلماذا روى عنه ابنه قوله: لا يتوارثان في العدّة، ولا يملك أن يردّها إلاّ أن تشاء، فإن فعلت فبخطبة وصداق(3)؟ وكيف قال: إن أخذ منها درهماً واحداً على أنّ أمرها بيدها فإنّما هو الفداء، فسأله ابنه: لا تطلّق نفسها؟ قال: لا(4)؟
ثمّ من هم أولئك الجمهور من الصحابة الذين خشي طاووس مخالفتهم؟ ألم تروي عائشة: أنّ حبيبة بنت سهل تزوّجت ثابت بن قيس بن شماس، فأصدقها حديقتين، وكان بينهما اختلاف فضربها حتّى بلغ أن كسر
يدها، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الفجر، فوقفت له حتّى خرج عليها، فقالت يا رسول الله! هذا مقام العائذ من ثابت بن قيس بن شماس، قال: (ومن أنتِ)؟ قالت: حبيبة بنت سهل، قال: (ما شأنك تربت يداكِ)، قالت: ضربني، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثابت بن قيس، فذكر ثابت ما بينهما، فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (ماذا أعطيتها)؟ قال: قطعتين من نخل، أو حديقتين، قال: (فهل لك أن تأخذ بعض مالك وتترك لها بعضه)؟ قال: هل يصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: (نعم)، فأخذ أحدهما، ففارقها، ثمّ تزوّجها أبي بن كعب بعد ذلك، فخرج بها إلى الشام فتوفيت هناك(1).
فأين هم الكافّة التي روت ذلك عن ابن عبّاس؟! أو ليس فعل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقوله حجّة على جميع المسلمين، من صحابة وتابعين إلى يوم الدين؟ فأين هي المخالفة في رواية طاووس عن ابن عبّاسt في جعل الفداء فسخاً وليس طلاقاً؟
وأخيراً لا آخراً: إنّ ما حكاه عن الجصّاص ليس من قوله، ولو أمعن النظر وصحّح النظر، لرأى الجصّاص حاكياً عن غيره، وممرضاً له بقوله: ويقال!
وإلى القارئ نصّ ما ذكره الجصّاص في كتابه (أحكام القرآن):
فقال: (وقد اختلف في الخلع، هل هو طلاق، أم ليس بطلاق، فروي عن عمر، وعبد الله، وعثمان، والحسن، وأبي سلمة... ومكحول: أنّ الخلع تطليقة بائنة، وهو قول فقهاء الأمصار لا خلاف بينهم فيه.
1) - سنن البيهقي 7/315.
وروي عن ابن عبّاس: أنّه ليس بطلاق، حدّثنا عبد الباقي بن قانع، قال: حدّثنا علي بن محمّد، قال: حدّثنا أبو الوليد، قال: حدّثنا شعبة، قال: أخبرني عبد الملك بن ميسرة(1)، قال: سأل رجل طاووساً عن الخلع؟ فقال: ليس بشيء، فقلت: لا تزال تحدّثنا بشيء لا نعرفه؟ فقال: والله لقد جمع ابن عبّاس بين امرأة وزوجها بعد تطليقتين وخلع، ويقال هذا ممّا أخطأ فيه طاووس، وكان كثير الخطأ مع جلالته وفضله وصلاحه، يروي أشياء منكرة، منها أنّه روى عن ابن عبّاس، أنّه قال: من طلّق ثلاثاً كانت واحدة، وقد روي من غير وجه عن ابن عبّاس: أنّ من طلّق امرأته عدد النجوم بانت منه بثلاث، قالوا: وكان أيوب يتعجّب من كثرة خطأ طاووس، وذكر ابن أبي نجيح عن طاووس، أنّه قال: الخلع ليس بطلاق، قال: فأنكره عليه أهل مكّة، فجمع ناساً منهم واعتذر إليهم، وقال: إنّما سمعت ابن عبّاس يقول ذلك) (2). أه-
هذا ما ذكره الجصّاص بلفظه، وهو قد سمّى الذين استنكروا على طاووس أقواله وفيهم أهل مكّة، وهو قد جمع منهم ناساً واعتذر إليهم، وقال: أنا سمعت ابن عبّاس يقول ذلك. ولو كان سماعه صحيحاً لأتى بأسماء بعض من سمع ذلك من ابن عبّاس غيره!
ومن هنا يعلم أيضاً مدى الإسفاف بتعبير المؤلّف، (فقد روي نقله هذا عن ابن عبّاس الكافّة)، فأين هم الكافّة؟! ومن هم الكافّة؟ فهل طاروا مع
الطيور الزافّة(1)والدافّة(2)، فأحصاهم المؤلّف من الحافّة إلى الحافّة، فلم يعرف منهم غير طاووس، ولعلّه رأى الطاووس فازدهى باسمه؟
5- وكان عليّ يرى أنّ عدّة المختلعة كعدّة المطلّقة (ر: خلع/5)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ المختلعة لا عدّة عليها، ويكفيها أن تستبرئ رحمها بحيضة (ر: خلع/3د).
راجعنا الإحالة في رأي عليّ عليه السلام، فكانت في صفحة -246- من موسوعة فقهه، فكانت االنتيجة هي إحالة أُخرى، فقال: (5- عدّة المختلعة عدّة المطلّقة (ر: عدّة/3)، فرجعنا إليها، فكانت في صفحة -461- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف: (3- عدّة المختلعة. قال عليّ(كرّم الله وجهه): (عدّة المختلعة عدّة المطلّقة)(3)، هذا كلّ ما ذكره في الإحالة الثانية، وكان عليه أن يذكره في الإحالة الأولى، ويحيل عليه في الثانية، كما هو مقتضى الإحالات المرتبة.
وراجعنا الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -314- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف: (د -- الاستبراء ويترتب على كون الخلع فسخاً لا طلاقاً، أنّ المرأة لا تجب عليها العدّة منه، ولكن يكفيها استبراء رحمها بحيضة، قال ابن عبّاس رضي الله عنه: (عدّة المختلعة حيضة)(4).
1) - الزافّة: من الطير الجماعة السريعة الطيران سرعان ما تبسط أجنحتها وترمي بنفسها.
2) - الدافّة: الجماعة من الطير تحرّك أجنحتها إذا اقتربت من الأرض إذا انقضّت.
3) - مصنّف عبد الرزّاق 6/506، والمغني 7/450، وكنز العمّال: 15275، وتفسير ابن كثير 1/276، والأشراف 4/288.
4) - تفسير ابن كثير 1/276، ونيل الأوطار 7/38، والمغني/449 (هكذا ذكر في المغني ولم يعين الجزء، وهو الجزء 7).
أقول: إنّ ما ذكره عن قول عليّ عليه السلام بعد تلك الجعجعة التي أحدثها بإحالة على إحالة، وذكر في الهامش خمسة مصادر، كان أوّلها (مصنّف عبد الرزّاق 6/506)، وقد وهم في ذكر الصفحة والصواب: -507-، فراجع من منشورات المجلس العلمي.
وهذا الخبر رواه عبد الرزّاق عن إسرائيل -- الذي قال فيه عبد الرحمن ابن مهدي: إسرائيل لص يسرق الحديث(1)، وكان القطان لا يرضاه، وقال: روى عنه مناكير(2)-- عن عبد الأعلى -- الذي قال فيه البخاري: قال عبد الله بن أبي الأسود سمعت يحيى بن سعيد، قال: سألت الثوري عن أحاديث عبد الأعلى عن محمّد بن الحنفية؟ فضعّفها، وقال الدارقطني: ليس بالقوي عندهم، مضطرب الحديث(3)-- عن محمّد بن الحنفية، عن عليّ بن أبي طالب، قال: عدّة المختلعة مثل عدّة المطلّقة.
فتبيّن الآن أنّ ما ذكره المؤلّف عن رأي عليّ عليه السلام من هذا الطريق لم يسلم سنداً، ولم يذكر لهذا الخبر في (المغني)، و(الكنز)، و(التفسير) سنداً آخر، لننظر في حال رجاله، فلا حاجة للتطويل في الوقوف عنده.
أمّا عن رأي ابن عبّاس، فقد راجعنا أوّل مصادره، وهو (تفسير ابن كثير)، فكان فيه النقل: (عن ابن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن محمّد بن المحاربي، عن ليث، عن طاووس، عن ابن عبّاس، قال: عدّتها حيضة).
ورجال السند غير منزّهين عن التجريح، فأوّلهم المحاربي، قال أحمد والعجلي: يدلّس، وقال ابن سعد: كثير الغلط، وقال عثمان الدارمي: ليس بذاك، وقال عثمان بن أبي شيبة: هو مضطرب(1)، وهذا يروي عن ليث، وهو ابن أبي سليم الذي قال فيه أحمد: ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأياً منه في ليث وهمام ومحمّد بن إسحاق لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم، وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: لا يشتغل به، وهو مضطرب الحديث(2). فنحن أيضاً لا نشتغل به ولا بالباقين من رجاله من أمثاله.
1- وكان عليّ وجمهور الصحابة يرون أنّ الاثنتين من البنات إذ لم يكن معهنّ من يعصبهنّ يأخذن من الميراث الثلثين (ر: إرث/ 4ه6)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّهنّ لا يأخذن إلاّ النصف، ولا بدّ من أن يكنّ ثلاث بنات حتّى يأخذن الثلثين (ر: إرث/6ه-).
راجعنا الإحالة في رأي عليّu، فكانت في صفحة -62- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(أ -- النصف للواحدة، لقوله تعالى:وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ(3).
ب -- الثلثان للاثنتين فصاعداً، لقوله تعالى: فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ(1).
قال عليّ: (للبنت الواحدة النصف وللاثنتين فأكثر الثلثان)(2).
وراجعنا الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -88- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(ه- -- ميراث البنات: للبنات ثلاثة أحوال في الميراث:
أقول: ما ذكره عن ابن عبّاس لم يثبت عنه بطريق صحيح، وإن وردت النسبة إليه في بعض الكتب الفقهية، ولكن عبّر عنه بشذوذ الرواية عن ابن عبّاس!
فقد جاء في (إحكام القرآن) للجصّاص قوله: (ولم يخالف في ذلك أحد إلاّ شيئاً روي عن ابن عبّاس إنّه جعل للبنتين النصف كنصيب الواحدة،
واحتجّ بقوله تعالى: فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ، وليس في ذلك دليل على أنّ للبنتين النصف، وإنّما فيه نصّ على أنّ ما فوق الثنتين، فلهنّ الثلثان...).
فقول الجصّاص: (روي عن ابن عبّاس...)، مشعر بتمريض النسبة.
وأصرح منه قول ابن قدامة في (المغني)، حيث قال: (أجمع أهل العلم على أنّ فرض الابنتين الثلثان إلاّ رواية شاذّة عن ابن عبّاس أن فرضها النصف). أه-
وقال ابن حزم في (المحلّى): (وأمّا البنتان، فقد روي عن ابن عبّاس: أنّه ليس لهما إلاّ النصف كما للواحدة...).
هذه هي المصادر التي ذكرها المؤلّف لإثبات مخالفة ابن عبّاس لعليّu في هذه المسألة، ورأينا الذي فيها لا يمكن اعتماده في ذلك دليلاً، لأنّ ما فيها لم يذكر بسند لننظر في رجاله، وإنّما الذي فيها (روي)، وهذا يعني رواية مجهولة الراوي، أو رواية شاذّة، فمن هو الراوي يا ترى؟! فهو بعد في خزانة الصدور مطمور.
2- ويرى عليّ أنّ الأخوات يرثن البنات، ويصرن معهنّ عصبة (ر: إرث/4ه8)، بينما يرى ابن عبّاس أنّ الأخوات يُحجبن بالبنات، ولا يرثن معهن شيئاً (ر: إرث/6و4).
رجعنا إلى الإحالة في رأي عليّ عليه السلام، فكانت في صفحة -65- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف: (كما يصرن -- الأخوات -- عصبة مع البنت،
ويأخذن الباقي، قال عليّ: (الأخوات مع البنات عصبة)(1)، وقضى في بنت وأخت: (للبنت النصف فرضاً، وللأخت الباقي تعصيباً)(2).
ورجعنا إلى الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -59- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف: (يُحجبن -- الأخوات -- عن الميراث بالولد وولد الولد، ذكراً كان أو أنثى، فالأخت عند ابن عبّاس رضي الله عنه، وعند عبد الله ابن الزبير لا ترث مع البنت شيئاً، وهو يخالف بذلك جمهور الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهو يحتجّ على صواب ما ذهب إليه بظاهر قوله تعالى: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ(3)، فهذه الآية كما يرى ابن عبّاس رضي الله عنه قد جعلت للأخت الميراث بشرط عدم وجود الولد، وهذا يعني إذا وجد الولد فلا شيء للأخت، وقد جاء رجل إلى ابن عبّاس يستفتيه في رجل توفي وترك ابنته وأخته لأبيه وأُمّه، فقال ابن عبّاس: (للابنة النصف، وليس للأخت شيء، وما بقي فهو لعصبته)، فقال له رجل: فإنّ عمر بن الخطّاب قد قضى بغير ذلك جعل للابنة النصف وللأخت النصف، فغضب ابن عبّاس، وقال: أنتم أعلم أم الله؟ يقول الله تعالى في سورة النساء: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ، فقلتم أنتم: لها النصف وإن كان له ولد(4).
1) - مسند زيد 5/91.
2) - مصنّف ابن أبي شيبة 2/180.
3) - سورة النساء/176.
4) - سنن البيهقي 6/233، وأحكام القرآن للجصّاص 2/93، وتفسير ابن كثير لهذه الآية 1/593، والمحلّى 9/256، والمغني 6/168، وشرح السراجية: 41، والرياض الزهية: 49 وما بعدها لشيخنا علاّمة الدنيا بالفرائض والقراءات الشيخ محمّد نجيب خياطة(رحمه الله تعالى).
ثمّ قال المؤلّف: (واستدلّ الجمهور على صحّة ما ذهبوا إليه من توريث الأخوات مع البنات، وجعلهن عصبة معهن بأدلّة، منها:...)، ثمّ ذكر ثلاثة منها، جميعها لا تخلو من مناقشة!
وليس يعنينا أمرها، بل الذي ينبغي أن نحيط به علماً، هو ما ذكره عن ابن عبّاس مخالفاً لعليّ عليه السلام، فراجعنا المصادر التي ذكرها لرأي كلّ منهما، فكان ما نسبه إلى الإمام عليه السلام من تشريك الأخوات مع البنات في الإرث ويصرنّ معهن عصبة، نقلاً عن (مسند زيد)، و(مصنّف ابن أبي شيبة)، فغير صحيح! لأنّ التعصيب عند عليّ عليه السلام باطل، كما هو في فقه أهل بيته عليهم السلام، وإنّ الأخبار عنهم في هذا صحيحة صريحة، كقول الإمام الرضا عليه السلام في كتابه إلى المأمون: (ولا يرث مع الولد والوالدين أحد إلاّ الزوج والمرأة، وذو السهم أحقّ ممّن لا سهم له، وليست العصبة من دين الله عزّ وجلّ)(1)، وفي قول أبي عبد الله الصادق عليه السلام وقد سُئل: المال لمن هو؟ للأقرب أو للعصبة؟ فقال: (المال للأقرب والعصبة في فيه التراب)(2).
وقد ذكر الشيخ الطوسي في (المبسوط) فصلاً في ذكر العصبة، فقال: (القول بالعصبة باطل، ولا نُعرف في موضع من مواضع الميراث بالتعصيب،
وقال جميع الفقهاء -- يعني من العامّة -- أنّ الميراث بالتعصيب صحيح)(1).
وقال الطوسي في (الخلاف): (...وقال عبد الله بن مسعود: لا ترث الأخت -- مع البنات -- لأنّ الأخوات لا يرثن مع البنات، ولا يكنّ عصبة مع البنات، وبه قال ابن عبّاس، وهذا مثل قولنا)(2).
فما حكاه المؤلّف عن رأي الإمام عليه السلام غير صحيح، مضافاً إلى ما مرّ في عدم صحّة نسبة مسند زيد عليه السلام إليه، ثمّ إنّ ما في مصنّف ابن أبي شيبة لم أقف عليه بلفظه الذي حكاه، والذي رأيت فيه(3): (حدّثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، قال: كان عليّ، وابن مسعود، ومعاذ يقولون في ابنة وأخت: [النصف والنصف وهو قول] أصحاب محمّد(صلّى الله عليه وسلّم)، إلاّ ابن الزبير، و[ابن عبّاس])، وهذا ساقط بالمرّة إسناداً! ويغني عن التطويل في المقام رواية عامر له، وهو الشعبي، وقد مرّ من قبل ذكره وشواهد نصبه. وكيف تقبل روايته عن رأي عليّ عليه السلام؟!
وفي روايته الاختلاف في مسألة الخرقاء، كما في رواية البيهقي في (السنن الكبرى)(4)جانباً منها، ما يجعلنا في قبول روايته على تحفّظ من حاله قبل الخروج على الحجّاج أو بعده.
وأمّا ما ذكره عن ابن عبّاس رضي الله عنه، وذكر في هوامشه عدّة مصادر،
فراجعنا ما وسعنا مراجعته، وهي الخمسة الأولى، فكان فيها المكرّر والمعاد، وتركنا (شرح السراجية)، و(الرياض الزهية)، التي أطنب في تعريف مؤلّفها، بقوله: (علاّمة الدنيا بالفرائض والقراءات...)؟ ولا يلام المرء على حبّ واحترام شيخه من دون غلو وإسراف، ولكن وصفه (علاّمة الدنيا) دعوى يعوزها برهان الاستقراء، وهو إن تمّ من مراتب الإثبات العليا لا الدنيا، ومهما يكن فإنّ ابن عبّاس لم يكن بدعاً فيما ذهب إليه، بل لقد روت بعض مصادره عنه قوله مستنكراً ما روي مرفوعاً: (أمر ليس في كتاب الله تعالى ولا في قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وستجدونه في الناس كلّهم ميراث الأخت مع البنت)، كما رواه ابن حزم(1)، وقال: هذا يريك أنّ ابن عبّاس لم ير ما فشا في الناس واشتهر بينهم حجّة، وأنّه لم ير القول به إذا لم يكن في القرآن ولا في سُنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ثمّ إنّ ما أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى) في آخر باب الأخوات مع البنات عصبة، فقال: (أخبرنا محمّد بن عبد الله الحافظ، أخبرني الإمام أبو الوليد، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا إسحاق بن إبراهيم، وفياض بن زهير، قالا: ثنا عبد الرزّاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: جاء ابن عبّاس رجل، فقال: رجل توفي وترك ابنته وأخته لأبيه وأُمّه؟
فقال: للابنة النصف، وليس للأخت شيء، ما بقي فهو لعصبته.
فقال له رجل: قال عمر بن الخطّابt قد قضى بغير ذلك، جعل للابنة
1) - المحلّى 9/257.
النصف، وللأخت النصف.
قال ابن عبّاس: أنتم أعلم أم الله؟
قال معمر: فلم أدر ما وجه ذلك، حتّى لقيت ابن طاووس، فذكرت له حديث الزهري، فقال: أخبرني أبي أنّه سمع ابن عبّاس يقول: قال الله تبارك وتعالى: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ(1).
قال ابن عبّاس: فقلتم أنتم لها النصف وإن كان له ولد)(2).
أقول: إنّ هذا لا يصحّ الاستدلال به على قول ابن عبّاس بالتعصيب، لأنّ الخبر مروي عن الزهري، عن ابن عبّاس، فسّره ابن طاووس لمعمر، واختلاف لفظه في المصادر الحديثية مع اتحاد طريقه دليل ضعفه، ومذهب ابن عبّاس في نفي التوريث بالعصبة مشهور، وابن طاووس كان على خاتم سليمان بن عبد الملك، وكان يحمل على بني هاشم حملاً شديداً، وقد مرّ ذكره، وراجع (تهذيب الأحكام) للشيخ الطوسي(3).
3- ويرى عليّ بن أبي طالب أنّ الأخوة والأخوات يحجبن الأُمّ حجب نقصان من الثلث إلى السدس، إذا كانوا اثنين فأكثر، ذكوراً أو إناثاً، وهذا السدس الذي حجبوه عنه يوزّع على باقي الورثة (ر: إرث/11أ)، أمّا ابن عبّاس فيرى أنّ الأخوة لا يحجبون الأُمّ عن الثلث إلى السدس، إلاّ إذا كانوا ثلاثة فأكثر، ثمّ يأخذون هم -- أي الأخوة -- هذا السدس الذي حجبوا الأُمّ
عنه (ر: إرث/6و5).
راجعنا الإحالة في رأي عليّu، فكانت في صفحة -66 -- 68- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
-11- الأُمّ: ولها الحالات التالية:
أ- السدس مع الفرع الوارث ذكراً كان أو أنثى، فعن زيد بن عليّ، قال: كان عليّ بن أبي طالب لا يزيد الأُمّ على السدس مع الولد(1)، وتأخذ السدس أيضاً إن كان معها أكثر من أخ، ذكر لقوله تعالى: فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ(2)، أمّا إن كان معها أخ وأخت، أو كان معها أختان، فقد اختلفت الرواية في ذلك عن عليّ.
-- فعن رواية: أنّ الأُمّ لا تحجب بهما من الثلث إلى السدس، وهذا رواه زيد بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ(كرّم الله وجهه)، قال: كان عليّ لا يحجب الأُمّ بالأختين، ولا بأخ وأخت، ولا بأخوات وإن كثرن، من الثلث إلى السدس، إلاّ أن يكون معهن أخ لهنّ(3)، وهذا يعني أنّه كان يحجبها من الثلث إلى السدس بالأختين إن كان معهما أخ.
-- وفي رواية ثانية ذكرها في (الجامع الكافي): أنّ عليّاً(كرّم الله وجهه) كان لا يحجب الأُمّ من الثلث إلى السدس بالاثنين من الأخوة والأخوات(4)...
ثمّ قال: والمعروف أنّ هذه المسألة عُرضت أوّل ما عُرضت لعمر، فأعطى عمر الأُمّ الثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين لئلا تأخذ أكثر ممّا يأخذه الأب، ولذلك سمّيت بالمسألة العمرية، وهي إحدى الروايتين عن عليّ(كرّم الله وجهه)، وهو الصحيح عن عليّ رضي الله عنه.
ثمّ قال: وفي رواية ثانية: إنّ الأُمّ تستحقّ في هذه الحالة ثلث جميع المال، لا ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين(1)، وقد ضعّف البيهقي هذه الرواية عن عليّ رضي الله عنه). إه-
وبعد هذا البسط الطويل العريض، تبيّن اختلاف الرواية عن الإمام عليه السلام بحسب المصادر التي ذكرها، ولمّا كانت لم تسلم من تحفّظ على ما فيها، ومع الإغماض عن هذا، فإنّ إحدى الروايتين توافق المروي عن ابن عبّاس كما سيجيء النقل عن موسوعته، فكيف يصحّ من المؤلّف عدّ الموارد من موارد المخالفة؟!
والآن إلى الإحالة في رأي ابن عبّاس، وهي في صفحة -91- من موسوعته الفقهية، قال المؤلّف:
(5- إذا كانت الأخوات ثلاثاً فأكثر وحجبن الأُمّ حجب نقصان من الثلث إلى السدس، فإنّهن يأخذن السدس الذي نقص من فرض الأُمّ إضافة إلى فرضهن، وإن لم يكن لهنّ فرض فإنّهن يأخذن هذا السدس يقتسمنه بينهن...).
1) - سنن البيهقي 6/228 وضعّفه، وكنز العمّال: 30573 نقلاً عن سنن سعيد بن منصور، والمحلّى 9/260، والمغني 6/180.
وقال في صفحة -94-: (وهذا السدس الذي يُنقص من الأُمّ -- أي تحجب الأُمّ عنه -- بسبب الإخوة يأخذه الإخوة، فقد روي عنه أنّه قال: في أبوين وأخوة: للأُمّ السدس وللإخوة السدس الذي حجبوا عنه الأُمّ، وللأب الباقي، وقال: إنّما حجب الإخوة الأُمّ من الثلث إلى السدس ليكون السدس لهم(1).
وعن طاووس، قال: كان ابن عبّاس يقول: السدس الذي حُجزته الأُمّ هو الأخوة. قلت: فالأخوة من الأُمّ؟ قال: ما أخالهم إلاّ إياهم، قلت: أمثلهم الأخوة من الأب، ومن الأُمّ والأب؟ قال: فمه.
وقد كنت سمعت من بعض أشياخنا عن ابن عبّاس ذلك(2)...
وقد خالف ابن عبّاس جمهور الصحابة عندما حجب عنه من الثلث إلى السدس بالثلاثة من الأخوة دون الاثنين، وحين أعطى السدس الذي حجبت عنه الأُمّ بالإخوة إلى الإخوة.
وكان الجمهور من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحجبون الأُمّ من الثلث إلى السدس بالاثنين من الإخوة...).
وذكر كلاماً كثيراً في حجّة الجمهور، وختم بقوله: (إنّ الإجماع قد انعقد قبل ابن عبّاس على ذلك).
أقول: رجعنا إلى مصدره الذي ذكره، وهو (مصنّف عبد الرزّاق)،
فكان الخبر عن ابن عبّاس في المسألة إعطاء السدس الذي حجبه الإخوة للأُمّ هو للإخوة. روى هذا عبد الرزّاق عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، وابن طاووس هذا كان على خاتم سليمان بن عبد الملك، وكان كثير التحامل على أهل البيت، كما في (تهذيب التهذيب) لابن حجر حكاية عن بعض الرافضة (؟!) فمن كان كذلك لا يصدّق في نقله بمجرّد قوله، وآية النبأ تكفي: إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا(1).
ويبقى ابن عبّاس طريقاً للتحامل على أهل البيت، حتّى قال فيه إبراهيم -- النخعي -- خالف ابن عبّاس أهل الصلاة في زوج وأبوين، فجعل النصف للزوج وللأُمّ الثلث من رأس المال، وللأب ما بقي(2)، وهذا الذي شهّر به إبراهيم إنّما كان ابن عبّاس يقول به لقوله تعالى: فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ(3).
قال الشيخ ابن إدريس الحلّي: (وهذا نص في موضع الخلاف، إنّه لا يفهم من إيجاب الثلث لها إلاّ الثلث من الأصل، كما لا يفهم من إيجاب النصف للبنت أو للزوج مع عدم الولد إلاّ ذلك، وأيضاً فإنّه تعالى لم يسمّ للأب مع الأُمّ شيئاً، وإنّما يأخذ الثلثين، لأنّ ذلك هو الباقي بعد المسمّى للأُمّ، لا لأنّه الذي لا بدّ أن يستحقّه، بل الذي اتّفق له، فإذا دخل عليهما زوج أو زوجه وجب أن يكون النقص داخلاً على من له يبقى، وهو الأب،
كما أنّ له الزيادة دون صاحب السهم المسمّى وهو الأُمّ، ولو جاز نقصها عمّا سمّي لها في هذا الموضع لجاز ذلك في الزوج أو الزوجة، وقد علمنا خلاف ذلك)(1). وحمل المخالف الآية على أنّ المراد للأُمّ الثلث مع الأب إذا لم يكن وارث غيرهما، ترك للظاهر من غير دليل(2).
4- وكان عليّ يرى أنّ الأخوة لأُمّ يقتسمون ما يستحقونه من الميراث للذكر مثل الأنثى (ر: إرث/4ه- 3ب)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّهم يقتسمونه بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين (ر: إرث/6ح/2).
فراجعنا الإحالة في رأي عليّu، فكانت في صفحة -62- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف: (ب -- الثلث للاثنتين فصاعداً ذكوراً كانوا أو إناثاً يقتسمونه بالسويّة ذكورهم كإناثهم، لقوله تعالى: فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ(3). ولم يذكر المؤلّف المصدر الذي أخذ منه.
وأمّا إحالته في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -65 -- 66- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(وإن كان الإخوة لأُمّ أكثر من واحد، فلهم الثلث، لقوله جلّ شأنه: فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ(4)، فإن كان الإخوة لأُمّ
رجالاً ونساءً، يقتسمون الثلث بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، لقوله تعالى في الآية السابقة: فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ، وقد فسرت هذه الشركة بآية أُخرى -- فيما يراه ابن عبّاس -- وهي قوله تعالى: وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ(1)، وقد خالف ابن عبّاس في ذلك جمهور الصحابة، حيث كانوا يقولون: إنّ أولاد الأُمّ يقتسمون نصيبهم بالسوّية ذكورهم كإناثهم، واحتجّ الجمهور لذلك بقوله تعالى في سورة النساء: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ(2)، فسوّى بين الذكر والأنثى، وقوله: فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ من غير تفصيل، وهكذا تفسّر الآية الأولى الآية الثانية، لأنّ كلاً من الآيتين قد وردت في الإخوة لأُمّ.
أمّا ما احتجّ به ابن عبّاس من قوله تعالى في سورة النساء: وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ(3)، فلا يجوز أن يجعل مفسّراً لقوله تعالى: فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ، لاختلاف موضوع كلّ من الآيتين، إذ موضوع الآية الأولى: الإخوة الأشقاء والإخوة لأب، وموضوع الآية الثانية الأخوة لأُمّ.
ثمّ إنّ الاجتماع قد انعقد قبل ابن عبّاس على اقتسام الأخوة لأُمّ نصيبهم بالسوية ذكورهم كإناثهم، لأنّ ابن عبّاس من صغار الصحابة).
أقول: ليس لنا من تعقيب إلاّ على قول المؤلّف: (ثمّ إنّ الإجماع قد
انعقد قبل ابن عبّاس على اقتسام الأخوة لأُمّ نصيبهم بالسوية ذكورهم كإناثهم، لأنّ ابن عبّاس من صغار الصحابة)، فهو قول تعوزه الدقّة! لأنّ القبلية التي قصدها لم يحدّد لها أمداً معلوماً لننظر فيه، والذي قاله في موسوعة (فقه عمر بن الخطّاب ص54 -- 55)، في مسألة ميراث الجدّ مع الأخوة: أنّ عمر لم يكن له رأي واحد معلوم، بل له آراء، قال عنها المؤلّف هناك: (ومحصل الآراء التي وقفنا عليها عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه في الجدّ مع الأخوة، هي: الرأي الأوّل: الجدّ كالأب لا يرث معه الأخوة شيئاً -- ثمّ ذكر أنّ ذلك رأي أبي بكر قبله، وأنّ عمر كتب به إلى أبي موسى الأشعري ليأخذ به --
الرأي الثاني: إنّ الجدّ يقاسم الأخوة كواحد منهم...
وذكر كلاماً كثيراً، وحكى عن الشعبي قوله: كان عمر كره الكلام في الجدّ حتّى صار جدّاً، فقال: كان من رأيي ورأي أبي بكر أنّ الجدّ أولى من الأخ، وأنّه لا بدّ من الكلام فيه، فخطب الناس ثمّ سألهم: هل سمعتم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه شيئاً...)، إلى آخر ما ذكره المؤلّف ممّا جرى وما قاله بعض الصحابة، ومنهم: عليّ، وزيد بن ثابت، وكلّ له رأي، وكتب عمر إلى عمّاله برأي استقر عنده.
ثمّ قال المؤلّف في صفحة -55-: (الرأي الثالث: أنّ الجدّ يقاسم الإخوة ما كانت المقاسمة له خيراً من الثلث، فإذا كان الثلث خيراً له أخذ الثلث، ويظهر أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه لم يكن مطمئناً إلى مقاسمة الجدّ الإخوة إلى السدس، ولذلك أحبّ أن يعيد النظر في شأنه، فدعا رضي الله عنه عليّ
بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عبّاس، فسألهم عن الجدّ، فقال عليّ: له الثلث على كلّ حال، وقال زيد بن ثابت: له الثلث مع الإخوة، وله السدس من جميع الفريضة، ويقاسم ما كانت المقاسمة خيراً له، وقال ابن ابن عبّاس: هو أب، فليس للإخوة معه ميراث، وقد قال تعالى: مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ(1)، وبيننا وبينه آباء، قال: فأخذ عمر بقولة زيد(2)
(*) أخرج سعيد بن منصور في سننه 3/1/65، ط حيدر آباد في أوّل باب قول عمر في الجدّ برقم 53، سعيد، قال: نا هشيم، عن أبي بشر، قال: نا سعيد بن جبير، قال: مات ابنُ ابن لعمر بن الخطّاب رضي الله عنه وترك جدّه عمر وإخوته، فأرسل عمر إلى زيد بن ثابت، فجعل زيد يحسُب، فقال له عمر: شَغّب ما كنت مشغّباً، فلعمري إنّي لأعلم أنّي أحقّ به منهم.
وأخرج عبد الرزّاق في المصنّف 10/261 باب فرض الجدّ، فذكر في أوّله برقم 19041: عن الثوري، عن عاصم، عن الشعبي، قال: عمر أوّل جدّ وُرّث في الإسلام، وفي الهامش أخرجه الدارمي من طريق حسن (وهو الحسن بن صالح)، وعلي بن مسهر عن عاصم ص390.
...)، وأطال الكلام في هذا.ثمّ ذكر في الرأي الرابع الذي عزم عليه عمر، ولكنّه توفي قبل أن يعلنه للناس.
ولا يعنينا في المقام تصويب أو تخطئة عمر في تلونه في الفتيا، وتفوح رائحة السياسة والنفعية من قول زيد بن ثابت لصالح عمر، الذي قيل عنه: هو أوّل جدّ ورث في الإسلام(*).
إنّما الذي يعنينا هو قول المؤلّف، الذي مرّ نقله عن ابن عبّاس: وأنّ الإجماع انعقد قبله على اقتسام الإخوة لأُمّ نصيبهم بينهم بالسوية ذكورهم كإناثهم، لأنّ ابن عبّاس من صغار الصحابة.
فمتى حدث الإجماع؟ ومن هم المجمعون؟ وما بال ابن عبّاس -- وهو من صغار الصحابة -- يدعوه عمر مع كبار الصحابة يستفتيه؟ وما بال المؤلّف خالف الإجماع الذي حكاه وارتآه، فذكر في صفحة -58- من (موسوعة فقه عمر بن الخطّاب) (ج- -- ميراث الإخوة لأُمّ)، فقال: للإخوة لأُمّ أربع حالات... فذكر الحالات إلى أن قال: (وكان عمر قبل ذلك يعطي الإخوة لأُمّ فريضتهم، وبذلك لا يبقى للإخوة الأشقاء شيء باعتبارهم عصبة، فلمّا أشرك الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأُمّ فريضتهم، وبذلك لا يبقى للإخوة الأشقاء شيء باعتبارهم عصبة، فلمّا أشرك الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأُمّ في الثلث، قال له رجل: انّك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا؟! فقال عمر: تلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما قضينا(1). فأين الإجماع المزعوم؟!
وفي (مصنّف ابن أبي شيبة)، بسنده عن عبيدة، قال: حفظت عن عمر مائة قضية في الجدّ(2). وأخرج عبد الرزّاق في مصنّفه: عن محمّد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: سألته عن فريضة فيها جدّ؟ فقال: لقد حفظت من عمر بن الخطّاب فيها مئة قضية مختلفة، قال: قلت عن عمر؟ قال: عن عمر(3). فإن كان إجماع لماذا تخطاه عمر؟! وإن لم يكن إجماع فلماذا المؤلّف ادّعاه؟!
ثمّ إنّ ابن عبّاس كان ينظر إليه في علمه مثل كبار الصحابة الأعلام، فيعبّر عنه أنّه من جبال العلم، وقد استعمل المؤلف فيه هذا النعت، فذكره مع عليّ وزيد بن ثابت، حين استدعاهم عمر وهو يريد أن يستفتيهم في مسألة معضلة، كما ستأتي بعد هذا، وهي مسألة توريث الجدّ مع الأخوة، فقال: (فدعى عمر عليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عبّاس (جبال علم المواريث آنذاك)، فسألهم...)، فما بال ابن عبّاس أنزله المؤلّف من قمّة الجبل إلى الحضيض! وقال عنه: (إنّ الإجماع انعقد قبل ابن عبّاس... ابن عبّاس من صغار الصحابة)؟!!
إنّها موازين العواطف ترفعها المعارف، وتهبطها المعازف.
5- وكان عليّ يقاسم بالجدّ الإخوة إلى السدس -- يعني يعطي الجدّ أفضل الحالين: السدس أو المقاسمة -- مع تفصيلات دقيقة في ذلك (ر: /4ه- 2ه-)، أمّا ابن عبّاس فإنّه كان يجعل الجدّ أباً ويحجب به الأخوة عن الميراث (ر: إرث/6ب).
فراجعنا الإحالة في رأي عليّ عليه السلام، فكانت في صفحة -53 -- 56-، فقال المؤلّف: (أمّا إذا اجتمع الجدّ مع الأخوة، فإنّ هذه المسألة من المسائل التي توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبيّنها للناس، وترك الأمر فيها لاجتهاد العلماء، لحكمة يعلمها الله تعالى، ولعلّها ليحمد الناسُ الله تعالى على نعمة بيان الشريعة، إذ لولا أن يبيّن الله ورسوله الأحكام لاختلف الناس فيها أشدّ من اختلافهم في حكم توريث الجدّ مع الإخوة، وكان صحابة رسول الله يتهيّبون القضاء في المسألة، فقد سأل رجل عليّاً(كرّم الله وجهه) عن
فريضة؟ فقال: (هاتها إن لم يكن فيها جدّ)(1)، وقال رضي الله عنه: (من أحبّ أن يقتحم جراثيم جهنّم، فليقض بين الجدّ والإخوة)(2).
وتشعبت وجوه الرأي في هذه المسألة بين الصحابة، حتّى أنّ الصحابي الواحد قد تبدّل اجتهاده مرّات عديدة، وقد أشرنا إلى تبدّل اجتهاد عمر بن الخطّاب رضي الله عنه في هذه المسألة في كتابنا (موسوعة فقه عمر بن الخطّاب/ مادّة: إرث)، وما أصاب عمر من تبدّل الاجتهاد فيها فقد أصاب عليّاً، بل كان تبدّل اجتهاد عمر تبعاً لتبدّل اجتهاد عليّ(كرّم الله وجهه)، ورضي عنه وأرضاه.
لقد كان كلّ من عمر وعليّ يقول في الجدّ مع الأخوة بقول أبي بكر الصدّيق، وكان رأي أبي بكر: أن يعامل الجدّ مع الإخوة معاملة الأب مع الإخوة، فهم لا يرثون معه شيئاً، ومن هنا قال عطاء بن أبي رباح: كان عليّ يجعل الجدّ أبّاً(3).
ولكن لدى النظر في هذه المسألة وجد أنّه لا يصحّ قياس حال الجدّ مع الإخوة على حال الأب مع الإخوة، لأنّ الأخ يعصب أخته كالابن، فلا يسقطه الجدّ كما لا يسقط الابن؛ ووجد أنّ ميراث الإخوة قد ثبت بالقرآن الكريم، فلا يجوز حجبهم عن هذا الميراث إلاّ بنص، ولا يوجد نص، وإنّما
هو اجتهاد، وهل ينسخ القرآن بالاجتهاد؟!. وهكذا ترجّح لعليّ رضي الله عنه توريث الإخوة مع الجدّ. فأوحى بالفكرة لعمر رضي الله عنه ، فجمع عمر الصحابة واستشارهم في الأمر، فأشار زيد بن ثابت بأن يقاسم الجدّ الأخوة إلى الثلث. وأشار عليّ بن أبي طالب بأن يقاسم الجدّ الإخوة إلى السدس، فعمل عمر برأي عليّ، وكان يرتاح إليه كثيراً(1).
ثمّ تبدل اجتهاد عليّ في ذلك، فأوحى بهذا التبدل إلى عمر، فدعا عمر عليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عبّاس (جبال علم المواريث آنذاك) فسألهم عن الجدّ مع الإخوة؟ فقال عليّ: (له الثلث على كلّ حال)، وقال زيد: (له الثلث مع الإخوة، وله السدس من جميع الفريضة -- أي إن لم يكن معه ذو فرض -- ويقاسم الإخوة ما كانت المقاسمة خيراً له)، وقال ابن عبّاس: (هو أب، فليس للإخوة معه ميراث)، فأخذ عمر بقول زيد وعليّ(2).
ولا يعني عليّ بقوله: (له الثلث على كلّ حال): إنّه يأخذ الثلث دائماً، ولكنّه يعني: أنّه يقاسم الإخوة إلى الثلث، ومن هنا روى عبيدة السلماني أنّ عليّاً كان يعطي الجدّ مع الإخوة الثلث، فلمّا قدم العراق أعطاه السدس(3)، ومثله ما رواه عبيد بن نضلة(4).
وبذلك يكون قد تبدّل اجتهاد عليّ بعد قدومه إلى العراق. فجعل رضي الله عنه يقاسم بالجدّ الإخوة إلى السدس، حتّى إذا كانت المقاسمة أفضل له من السدس أعطاه المقاسمة، وإن كان السدس خيراً له من المقاسمة أعطاه السدس، فقد روى زيد بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب: أنّه قال في أُمّ وامرأة وإخوة وأخوات وجدّ: (للمرأة الربع، وللأُمّ السدس، ويجعل ما بقي بين الأخوات والإخوة والجدّ، للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو بمنزلة أخ، إلاّ أن يكون سدس جميع المال خيراً له فيعطيه سدس جميع المال)(1)، وحكى الجمهور من مذهب عليّ أنّه كان يقاسم بالجدّ الإخوة إلى السدس(2).
أمّا ما روي من أنّ ابن عبّاس كتب إلى عليّ يسأله عن ستّة أخوة وجدّ، فكتب إليه عليّ: (اجعله كأحدهم، وامح كتابي)(3)، فإنّه لا يثبت، أنّه من رواية قيس بن الربيع، وهو ليس بالقوي.
وقد حكى لنا إبراهيم النخعي -- إمام أئمّة فقهاء العراق -- خلاصة مذهب عليّ بن أبي طالب في توريث الجدّ مع الإخوة، فقال: (كان عليّ يشرك الجدّ إلى ستّة مع الإخوة، ويعطي كلّ صاحب فريضة فريضته، ولا يورث أخاً لأُمّ مع الجدّ، ولا يزيد الجدّ مع الولد على السدس إلاّ أن يكون معه أخ أو أخت، وإذا كانت أخت لأب وأُمّ وجدّ وأخ لأب، أعطى الأخت
النصف، وما بقي أعطاه الجدّ والأخ بينهما نصفين، وإن أكثر الأخوة شركة معهم حتّى يكون السدس خيراً له من المقاسمة، فإذا كان السدس خيراً له أعطاه السدس. وتفصيل ذلك:...). ثمّ ذكر المؤلّف عدّة صور لهذه المسألة.
ولسنا بصدد تحقيق ما ذكر، إلاّ أنّ الذي يستدعي النظر والوقوف عنده هو قول المؤلّف: (هذه المسائل من المسائل التي توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبيّنها للناس، وترك الأمر فيها لاجتهاد العلماء لحكمة يعلمها الله تعالى)، هذا أوّلاً.
وثانياً: قوله في تبدل اجتهاد عمر تبعاً لتبدل اجتهاد عليّ.
وثالثاً: مناقشته في صحّة كتاب ابن عبّاس إلى الإمام عليه السلام في هذه المسألة.
وسيأتي ما عندي في هذا بعد بيان ما في إحالته عن رأي ابن عبّاس.
وراجعنا الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -85- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(ب -- ميراث الجدّ: كان عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه يرى أنّ الجدّ أباً، ويعامل في الميراث معاملة الأب، فيأخذ السدس مع ابن الابن الذكر وإن نزل، ويأخذ السدس وما بقي بعد أخذ أصحاب الفرائض...
ثمّ قال: وإذا كان الجدّ أباً عند ابن عبّاس رضي الله عنه، فإنّه لا يرث معه أحد من الأخوة شيئاً(1)، ويحتجّ ابن عبّاس على صحّة ما ذهب إليه من جعله الجدّ أباً بجملة من الأدلّة، منها: إنّ الله تعالى سمّى الجدّ أباً، فقال جلّ شأنه:
1) - مصنّف ابن أبي شيبة 2/183، وعمدة القارئ شرح البخاري 22/240، والمغني 6/167، وكشف الغمّة 2/39.
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِ-ي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ(1)، هؤلاء ليسوا بآباء، وإنّما هم أجداد، وكان رضي الله عنه يقول: (من شاء لاعنته عند الحجر الأسود أنّ الجدّ أب، والله ما ذكر جدّاً ولا جدّة، إلاّ أنّهم آباء وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِ-ي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ(2). وجاءه رجل يسأله عن الجدّ؟ فقال له ابن عبّاس: أي أب لك أكبر؟ فلم يدْرِ الرجل ما يقول، قلت -- القائل هو الراوي -- آدم، فقال ابن عبّاس: إنّ الله تعالى يقول: يَا بَنِي آدَمَ(3)وجاءه رجل غيره يسأله عن الجدّ؟ فقال له ابن عبّاس: ما اسمك؟ قال: ابن فلان، قال ابن عبّاس: ما أراك تعدّ إلاّ آباء- ثمّ تلا هذه الآية من سورة يوسف: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِ-ي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ(4)ودعاه عُمر بن الخطّاب مع عليّ ابن أبي طالب وزيد بن ثابت فسألهم عن الجدّ؟ فقال عليّ: له الثلث على كلّ حال، وقال زيد: له الثلث مع الإخوة، وله السدس من جميع الفريضة، ويقاسم ما كانت المقاسمة خيراً له، وقال ابن عبّاس: هو أبٌ، ليس للإخوة معه ميراث، وقد قال الله تعالى في سورة الحجّ: مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ(5)، وبيننا وبينه آباء، فأخذ عمر بقول زيد(6).
1) - سورة يوسف/38. سنن سعيد بن منصور 3/1/22، ومصنّف عبد الرزّاق 10/264، والمحلّى 9/287، والبخاري في الفرائض باب ميراث الجدّ، وكنز العمّال 11/62، وغيرها.
2) - أحكام القرآن للجصّاص 1/81، وسنن الدارمي 2/356.
3) - مصنّف ابن أبي شيبة 2/183، وسنن الدارمي 2/356.
4) - سنن سعيد بن منصور 3/1/23.
5) - سورة الحجّ/78.
6) - مصنّف عبد الرزّاق 10/266، وكنز العمّال 11/62، والمحلّى 9/284.
-- واحتجّ أيضاً على اعتبار الجدّ أباً وعدم إرث الإخوة معه بنظائر الشريعة، فإنّ الشريعة تقضي بسقوط الإخوة دون الجدّ عند ازدحام الفروض، إذ الجدّ لا يسقطه أحد غير الأب(1).
-- واحتجّ أيضاً بالمعقول، فقال: إنّ الجدّ أقرب من الإخوة، لأنّ له قرابة إيلاد وبعضية كالأب، وليس ذلك للإخوة(2).
وقال أيضاً متعجّباً: يرثني ابنُ ابني دون أخي، ولا أرث ابن ابني دون أخيه(3)؟!
-- وبناء على ذلك، فقد قضى ابن عبّاس في رجل مات وترك أخاه لأبيه وأُمّه، وجدَّه، بأنّ المال كلّه للجدّ وليس للأخ شيء، لأنّ الجدّ أب فحجبه عن الميراث(4).
قضى في زوج وأُمّ وأخت وجدّ: بأنّ للزوج النصف، وللأُمّ الثلث، وللجدّ الباقي، وليس للأخت شيء لأنّها حُجبت عن الميراث بالجدّ(5).
وقضى في أُمّ وجدّ وأخت، بأنّ للأُمّ الثلث، وللجدّ الباقي، وليس
1) - المغني 6/216.
2) - المصدر نفسه.
3) - سنن سعيد بن منصور 3/1/23، والمحلّى 9/287، وفي سنن سعيد بن منصور ((يرثني ابني دون أخي ولا أرث ابني دون أخيه؟!)) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.
4) - اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى: 48.
5) - مصنّف ابن أبي شيبة 2/184، والمحلّى 9/290، وفي مصنّف ابن أبي شيبة ((زوج وإخوة وجدّ)) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه,
للأخت شيء، لأنّها حجبت بالجدّ، إذ الجدّ كالأب عند ابن عبّاس(1)، وهذه المسألة هي التي عرضت للحجّاج بن يوسف الثقفي فلم يدر كيف يقول فيها، فأرسل إلى الشعبي يستفتيه، قال الشعبي: بعث إلَيَّ الحجّاج، فقال: ما تقول في جدّ وأُمّ وأخت؟ قلت: اختلف فيها خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ابن مسعود، وعليّ، وزيد، وعثمان، وابن عبّاس، فقال الحجّاج: فما قال ابن عبّاس، إن كان لمتقناً؟ قلت: جعل الجدّ أباً ولم يعط الأخت شيئاً وأعطى الأُمّ الثلث؛ قال: فما قال فيها ابن مسعود؟ قلت: جعلها من ستّة، أعطى الأخت ثلاثة، وأعطى الجدّ اثنين، وأعطى الأُمّ ثلث الباقي؛ قال: فما قال فيها أمير المؤمنين عثمان؟ قلت: جعلها أثلاثاً؛ قال: فما قال فيها أبو تراب؟ -- يعني عليّ بن أبي طالب -- قلت: جعلها من ستّة، أعطى الأخت ثلاثة، وأعطى الأُمّ اثنين، وأعطى الجدّ سهماً، قال: فما قال فيها زيد؟ قلت جعلها من تسعة، أعطى الأُمّ ثلاثة وأعطى الجدّ أربعة، وأعطى الأخت اثنين. قال الحجّاج: مُر القاضي أن يمضيها على ما أمضاها عليه أمير المؤمنين عثمان(2). انتهى ما اقتضى نقله من كلام المؤلّف حول رأي ابن عبّاس.
والآن عودة إلى التعقيب على كلامه في الإحالتين في رأي عليّu، ورأي ابن عبّاس.
تعقيب وتصويب:
لقد مرّت الإشارة إلى ما يستدعي النظر فيه من تعقيب وتصويب عند قول المؤلّف: (هذه المسائل من المسائل التي توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبيّنها للناس، وترك الأمر فيها لاجتهاد العلماء لحكمة يعلمها الله تعالى...)، فهذا القول من المؤلّف صحيح في أوّله، وغير صحيح في آخره!
وبيان ذلك: أنّه لا شكّ في أنّ الله سبحانه وتعالى له في كلّ واقعة حكم من الأحكام، وقد أرسل إلى الناس رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً(1).
وكان نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيّين المرسلين، قال تعالى: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً(2)، وقال: لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ(3)، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً(4)، وقال تعالى مخاطباً نبيّه في تبليغ رسالته: وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا
عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(1)، وقال له تعالى: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ(2). وقال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام : (إنّ الله بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم وليس أحد من العرب يقرأ كتاباً، ولا يدّعي نبوّة، فساق الناس حتّى بوأهم محلّتهم، وبلّغهم منجاتهم، فاستقامت قناتهم، واطمأنت صفاتهم)(3).
وقالu: (ثمّ اختار سبحانه لمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم لقاءه، ورضي له ما عنده، وأكرمه عن دار الدنيا، ورغّب به عن مقارنة، فقبضه إليه كريماً صلى الله عليه وآله وسلم، وخلّف فيكم ما خلّفت الأنبيّاء في أُممها، إذ لم يتركوهم هَمَلاً بغير طريق واضح، ولا عَلَم قائم، كتاب ربّكم فيكم: مبيّناً حلاله وحرامه، وفرائضه وفضائله، وناسخه ومنسوخه، ورُخَصَه وعزائمه، وخاصّه وعامّه، وعِبره وأمثاله، ومرسله ومحدوده، ومحكمه ومتشابهه، مفسّراً مجمله، ومبيّناً غوامضه، بين مأخوذ ميثاق في علمه، وموسّع على العباد في جهله، وبين مُثبت في الكتاب فرضه، ومعلوم في السُنّة نسخه، وواجب في السُنّة أخذه، ومرّخص في الكتاب تركه، وبين واجب بوقته، وزائل في مستقبله، ومباينٌ بين محارمه،
من كبير أوعد عليه نيرانه، أو صغير أرصد له غفرانه، وبين مقبول في أدناه، موسّع في أقصاه)(1).
فهذا هو واقع الحال الذي قام به صلى الله عليه وآله وسلم من التبليغ، فبيّن للناس أمور الشريعة جُملاً فيما يخص شؤونهم في النشأتين، وعلّمهم الأحكام تدريجياً كلّما حان وقت الداعي، ولمّا كانت شؤون الحياة فيها من المستجدات، فلم يترك أُمّته هَمَلاً كَهَمل النَعَم، بل أقام لهم علماً يهتدون به، كما مرّ في قول الإمام أمير المؤمنينu كتاب الله تعالى، ولمّا كان الكتاب لا يتمكّن كلّ مسلم معرفة فريضته منه، ويحتاج إلى قائم عالم به، لذلك فقد عيّن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذلك القائم العالم في عدّة مواقف في حياته، منذ بدء الدعوة ونزول قوله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ(2)، ومروراً بمواقفه الأُخرى في سنيّ حياته، خاصّة حجّة الوداع، ويوم الغدير، وحتّى آخر أيام حياته صلى الله عليه وآله وسلم، وفي مرضه، وما جرى له يوم الخميس قبل وفاته بأربعة أيام، حيث أراد أن يكتب لأُمّته كتاباً لن يضلّوا بعده، ولكن منع منه عمر، وقد مرّ في الجزء الأوّل من الموسوعة حديث الرزية(3)فراجع.
ومع ما حدث وكان، ممّا لم ينبغي أن يحدث والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يودّع أُمّته، أمر صحابته الذين امتلأت بهم الحجرة، كما روت السيّدة أُمّ المؤمنين أُمّ
سلمة رضي الله عنها ، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي قبض فيه، وقد امتلأت الحجرة من أصحابه: (أيّها الناس! يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً فيُنطلق بي، وقد قدمت إليكم معذرة إليكم، ألا إنّي مخلّف فيكم كتاب ربّي عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي -- ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها، فقال -- هذا عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتّى يردا علَيَّ الحوض، فاسألوهما ما خلّفت فيهما)(1). مضافاً إلى ما قد مرّ منه من أقوال وأفعال تلزم الأُمّة بالرجوع إلى أهل بيته عليهم السلام والتمسّك بهم، ولمّا كان الإمام عليه السلام هو أوّل المعنييّن منهم، فقد خصّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بما يدلّ على فضله وتفضيله، نحو أقواله صلى الله عليه وآله وسلم : (أنا مدينة العلم وعليّ بابها)(2)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (عليّ منّي وأنا منه، وهو وليّكم بعدي)(3)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (عليّ باب علمي، ومبيّن لأُمّتي ما أرسلت به من بعدي، حبّه إيمان وبغضه نفاق، والنظر إليه رأفة، ومودّته عبادة)(4)، رواه أبو ذرّ أصدق الناس لهجة(5)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عليّ! أنت مبيّن لأُمّتي ما اختلفوا فيه من بعدي)(6)، رواه أنس، إلى غير هذا.. ممّا دلّ على وجوب الرجوع إلى
1) - جمع الفوائد للروداني 2/332، والصواعق المحرقة لابن حجر: 75، ط الميمنية.
2) - راجع كتاب عليّ إمام البررة 2/96 -- 117.
3) - عليّ إمام البررة 2/80 -- 86.
4) - مستدرك الحاكم 3/122، والفصول المهمة: 111، وسبل الهدى والرشاد 11/293، وكنز العمّال 6/156، وفردوس الأخبار 3/91.
5) - قال فيه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (ما أضلّت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ).
6) - الإصابة 2/271، ومستدرك الحاكم 3/122 و137، وحلية الأولياء 1/63 و66، وكفاية الطالب: 92، وغيرها.
عليّ عليه السلام، ولذا كان عمر بن الخطّاب يرجع إليه في المعضلات، واشتهر قوله: (لولا عليّ لهلك عمر)(1)، ولم يقل هذا مجاملة ولا اعتباطاً، وهو المعروف بصرامته، بل كان يقول: (أُمرنا أن نشاوره)(2).
وأظهر من هذا قوله لرجل: (اجعل بيني وبينك مَن كنّا أُمرنا إذا اختلفنا في شيء أن نحكّمه)(3)، يعني عليّ بن أبي طالب، فمن هو الآمر يا ترى غير النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ؟
إذاً فكلّ حكم توفي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن قد حدث في عهده موجب بيانه، فعلمه عند عليّ عليه السلام لمعرفته بتبيانه، فما ذكره المؤلّف: من أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ترك الأمر في حكم المسائل التي لم يبينها للناس، ترك الأمر فيها لاجتهاد العلماء لحكمة يعلمها الله تعالى... ليس بصحيح! بل عيّن للأُمّة من إليه المرجع والمآب، في ردّهم عن الخطأ إلى الصواب، لكنّ الأُمّة قصّرت، فأخطأت حين انصرفت وجوه الناس عنه، واتّخذت أولياء من دونه، فأصابهم الوهن والفشل، لتقصير منهم وقصور في مرجعياتهم، فصار يبذل قصارى جهده في التسديد ما وسعه البيان، مع تبدّل الوقائع في الزمان والمكان، وهذا ما تخيله المؤلّف بتبدّل الاجتهاد.
فباب الاجتهاد عند الصحابة مفتوح منذ عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن حصّة أبي حفصة كانت فوق كلّ حصّة! لذلك كثرت أقضيته في الجدّ إلى مائة أقضية كان يحفظها عبيدة، كلّها ينقض بعضها بعضاً(1).
وقال عبيدة: حفظت عن عمر مائة قضية في الجدّ، قال: (وقال: إنّي قد قضيت في الجدّ قضايا مختلفة كلّها لا آلو فيه عن الحقّ، ولئن عشت إن شاء الله إلى الصيف لأقضين فيها بقضية تقضي بها المرأة وهي على ذيلها)(2).
وهكذا يتبدّل عنده الاجتهاد، وكلّه فيما يراه على السداد، فعلى أيّ من تلك الآراء يكون الاعتماد؟ إنّها أزمة الأُمّة في التفكير وسوء التدبير من دون تقصير.
ونعود إلى المؤلّف وقد ناقش سند كتاب ابن عبّاس إلى عليّ عليه السلام يسأله عن ميراث الجدّ مع الإخوة، فأعلّه بوجود قيس بن الربيع، وهو ليس بالقوي.
أقول: هو كذلك إن لم يكن فوق ذلك، غير أنّ أبا داود أخرج عنه في (السنن)(3)، وقال فيه أبو حاتم: محلّه الصدق، وليس بقوي(4)، وقال محمّد ابن عبيد الطنافسي: استعمله أبو جعفر على المدائن فعلّق النساء بثديهنّ،
وأرسل عليهن الزنابير، ولم يكن عندنا بدون سفيان، إلاّ أنّه لمّا استعمل أقام على رجل الحدّ فمات فطغى أمره(1). وهذا هو الذي نفّر الناس عنه، وإلاّ فالرجل كان عالماً بالحديث. ترجمه الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) وحكى فيه قول محمّد بن عبد الله بن عمّار: كان عالماً بالحديث، لكنّه ولي المدائن علّق رجالاً -- فيما بلغني -- فنفر الناس عنه(2).
وقد ذكره البخاري في (التاريخ الصغير)، فقال: حدّثني عمرو بن عليّ، قال: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدّثان عن قيس بن الربيع، وكان عبد الرحمن حدّثنا عنه ثمّ تركه، قال أبو داود أيضاً: أتي قيس من قبل ابنه، كان ابنه يأخذ حديث الناس فيدخلها في فُرج كتاب قيس، ولا يعرف الشيخ ذلك(3).
وقال الآجري: قال: سمعت أبا داود، قال: ما أخرجت له إلاّ ثلاثة أحاديث(4).
فبعد هذا العرض لآراء أعلام أهل الحديث، تبيّن بعض وجوه الإعراض عن حديثه، أنّه ولي المدائن وعلّق الرجال، وعلّق النساء بثديهن، وأرسل عليهن الزنابير، فنفر الناس عنه، وكان له ابن يأخذ حديث الناس
فيدّسه في فُرَج كتاب أبيه، ومع هذا فقد أخرج له أبو داود، وابن ماجة، والترمذي في جوامعهم الحديثية.
والحديث الذي رواه عن كتاب ابن عبّاس لم تنحصر روايته بقيس بن الربيع، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في مصنّفه، قال: (حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا سفيان، عن فراس، عن الشعبي، قال: كتب ابن عبّاس إلى عليّ يسأله عن ستّة أخوة وجدّ؟ فكتب إليه: اجعله كأحدهم وامح كتابي)(1).
وأخرج هذا البيهقي في (السنن الكبرى)، فقال: (أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أنا أبو عبد الله محمّد بن يعقوب، ثنا محمّد بن نصر، ثنا يحيى ابن يحيى، أنا وكيع، عن سفيان، عن فراس، عن الشعبي، قال: كتب ابن عبّاس إلى عليّ رضي الله عنهما من البصرة في ستّة أخوة وجدّ، فكتب إليه عليّ رضي الله عنه أن أعطه سبع المال، وهذا ليس فيه وامح كتابي)(2).
لكن رواة هذا الخبر الآخرين ذكروا ذلك، فأخرجه ابن حزم في (المحلّى)، فقال: (ومن طريق وكيع، نا سفيان -- هو الثوري -- عن فراس، عن الشعبي، قال: كتب ابن عبّاس من البصرة إلى عليّ بن أبي طالب في سبعة أخوة وجدّ، فكتب إليه عليّ: اقسم المال بينهم سواء وامح كتابي ولا تخلده)(3)، وخبر الشعبي هذا هو الذي رواه ابن قدامة في (المغني)، فقال: (روي عن الشعبي أنّه قال: إنّ ابن عبّاس كتب إلى عليّ في ستّة أخوة
وجدّ، فكتب إليه: اجعل الجدّ سابعهم وامح كتابي هذا)(1).
وقد رواه الحافظ أبو نعيم في (تاريخ أصبهان) في ترجمة محمّد بن الحارث الصيداوي الأسدي، بتفاوت أيضاً في السند، إذ رواه قيس بن الربيع عن سليمان وفراس المكتب، وتفاوت في المتن: (كتب ابن عبّاس إلى عليّ في سبعة أخوة وجدّة، فكتب إليه اقسم المال بينهم وانسخ كتابي ولا تجلده)(2)، فراوية الحفّاظ لهذا الخبر دون الغمز في سنده أو متنه، ممّا يكشف عن قناعتهم بصحّة روايته.
وعلى هذا فلا خلاف بين فقهي عليّ عليه السلام وابن عبّاس في هذه المسألة المعقّدة، وقد مرّ في الجزء العاشر من الموسوعة(3)ما يتعلّق بخبر هذا الكتاب، ولماذا كتب الإمام إلى ابن عبّاس: (وامح كتابي)؛ فراجع.
وآخر الكلام في المقام، حيث غالى في تعقيبه على خبر كتاب ابن عبّاس من البصرة، حين قال: (وقد حكى لنا إبراهيم النخعي -- إمام أئمّة فقهاء العراق -- خلاصة مذهب عليّ بن أبي طالب في توريث الجدّ مع الإخوة، فقال: كان عليّ يشرك الجدّ إلى ستّة من الإخوة، ويعطي كلّ صاحب فريضة فريضته، ولا يورث أخاً لأُمّ مع الجدّ، ولا يزيد الجدّ مع الولد على السدس إلاّ أن يكون معه أخ أو أخت، وإذا كانت أخت لأب وأُمّ وجدّ وأخ لأب، أعطى الأخت النصف، وما بقي أعطاه الجدّ والأخ
بينهما نصفين، وإن كثر الإخوة شرّكه معهم حتّى يكون السدس خيراً له من المقاسمة، فإذا كان السدس خيراً له أعطاه السدس(1)، وتفصيل ذلك...).
ولا نقف طويلاً عند ذكر ما قاله وصوّره مجدولاً في فروع ما حكاه له إبراهيم النخعي -- إمام أئمّة فقهاء العراق -- خلاصة مذهب عليّ بن أبي طالب عليه السلام في توريث الجدّ مع الأخوة.
من أين لإبراهيم النخعي معرفة ذلك من آراء عليّ عليه السلام وهو لم يعايشه فيسمع منه، لأنّه كانت ولادته في سنة سبع وثلاثين، وأمير المؤمنين عليه السلام قتل في سنة أربعين؟! فلا يصحّ روايته عنه(2)!
مضافاً إلى أنّ ما قاله فيه -- أيضاً أحد أئمّة فقهاء العراق أيضاً -- وهو الشعبي، فقد ذكر ابن عبد البرّ في (جامع بيان العلم وفضله): (عن الأعمش، قال: ذكر إبراهيم النخعي عند الشعبي، فقال: ذاك الأعور الذي يستفتيني بالليل ويجلس يفتي الناس بالنهار. قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: ذاك الكذّاب لم يسمع من مسروق شيئاً...)(3).
وهذا الإمام لأئمّة فقهاء العراق، لم يسند ما ذكره إلى كتاب قرأ فيه ذلك؟ أو أنّه سمع ممّن سمعه من عليّ عليه السلام ؟ فكيف نحتجّ بخبره المرسل؟!
ومن الغريب وصف المؤلّف له بما تقدّم -- إمام أئمّة فقهاء العراق --
وهو الذي قال فيه الذهبي في (الميزان): (وكان لا يُحكم العربية، وربّما لحن، ونقموا عليه قوله: لم يكن أبو هريرة فقيها...)(1)!
6- وكان عليّ لا يورّث الجدّة التي أدلت إلى الميت بذكر غير وارث (ر: 4ه- 12أ)، أمّا ابن عبّاس فكان يورّثها (ر: إرث/6ط1).
فراجعنا الإحالة في رأي عليّ عليه السلام، فكانت في صفحة -68- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف: (وكان عليّ رضي الله عنه يورّث ثلاث جدّات معاً، ثنتان من جهة الأب وواحدة من جهة الأُمّ(2)، فقضى في رجل هلك وترك جدّتي أبيه وجدّتي أُمّه، فوّرث عليّ جدّتي الأب وإحدى جدّتي الأُمّ التي من قبل أُمّها، وأسقط التي من قبل أبيها فلم يوّرثها شيئاً لأنّها جدّة فاسدة اعترض بينها وبين الميت ذكر(3).
وراجعنا الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -97- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف: (ذهب جمهور الصحابة(رضوان الله عليهم) إلى أنّ الجدّة التي تدلي إلى الميت بذكر غير وارث لا ترث شيئاً، كأُمّ أب الأُمّ، وسمّاها الفرضيون بالجدّة الفاسدة، وخالف في ذلك عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه، وقال: أنّها ترث(4).
لقد راجعت المصادر التي ذكرها عن رأي عليّ عليه السلام للتأكد من صحّة
النسبة، فكان أوّلها (سنن البيهقي)، وقد جاء فيه باب توريث ثلاث جدّات متحاذيات أو أكثر... وذكر عدّة أخبار، قال في رابعها: (وأخبرنا أبو سعيد، أنا أبو عبد الله، ثنا محمّد بن نصر، ثنا يحيى بن يحيى، أنا هشيم، عن ابن أبي ليلي، عن الشعبي: أنّ زيد بن ثابت وعليّاً رضي الله عنهما كانا يورّثان ثلاث جدّات، ثنتين من قبل الأب وواحدة من قبل الأُمّ)(1).
أقول: وهذا الخبر يكفي في عدم الاحتجاج به، وجود هشيم في سنده، الذي قال عنه الثوري: لا تكتبوا عنه، وقال ابن سعد: كان يدلّس كثيراً، وقال له ابن المبارك: لَمّ تدّلس وأنت كثير الرواية؟ فقال: كبيراك قد دلّسا: الأعمش وسفيان. إلى غير هذا من أقوال العلماء فيه، ثمّ إنّ الخبر رواه الشعبي، وقد مرّ بنا ذكر حاله ونُصبه، فكيف أن نصدقه في خبره؟!
وراجعت بقية المصادر التي أشار إليها، وكان منها (المحلّى)، قال: (ومن طريق حمّاد بن سلمة، عن داود بن أبي هند وحميد قالا جميعاً: إنّ زيد بن ثابت قال: يرثن ثلاث جدّات، جدّتا الأب، وجدّة الأُمّ لأُمّها، وقد روي أيضاً عن عليّ بن أبي طالب)(2).
أقول: مَن الراوي وأين روى؟ فمرسل عن مصدر مجهول، يكون الخبر مقبول؟!
ثمّ ذكر ابن حزم في نفس الصفحة بقية أقوال الطوائف المختلفة في توريث الجدّة، فقال: (وقالت طائفة: ترث أربع جدّات، كما روينا من
طريق حمّاد بن سلمة، عن ليث بن أبي سليم، عن طاووس، عن ابن عبّاس أنّه كان يورث الجدّات الأربع...
ثمّ قال نقلاً عن الشعبي، قال: كان عبد الله بن مسعود يورّث ما قرب من الجدّات وما بعد.
ثمّ قال ابن حزم: وقد روي هذا أيضاً عن عليّ بن أبي طالب وزيد بن ثابت...)(1).
أقول: فعلى هذا تبيّن أن لا خلاف بين رأي ابن عبّاس ورأي الإمام عليه السلام في توريث الجدّات، وما مرّ نقله عن رأي الإمام عليه السلام لم يصحّ لإرساله كما في (المحلّى)، أو لآفة السند الذي رواه البيهقي من طريق هشيم، كما مرّ حاله.
7- وكان عليّ بن أبي طالب يردّ على الجدّة إن فاض أصل المسألة في الميراث عن سهامها (ر: إرث/6)، أمّا ابن عبّاس فكان لا يردّ عليها (ر: إرث/6ك).
فراجعنا الإحالة في رأي عليّu، فكانت في صفحة -76- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(6- الردّ:
أ -- كان عليّt يقدّم الردّ على التوريث بالولاء، وقد تقدّم ذلك.
ب -- وكان يردّ على كلّ ذي سهم بقدر سهمه، إلاّ الزوجين، فإنّه لا يردّ عليهما.
1) - المصدر نفسه.
ج- -- وكان يردّ على ذوي الأرحام بقدر سهامهم أيضاً).
ثمّ قال: (وبناء على هذه القواعد الثلاثة (كذا والصواب: ثلاث)، فقد قضى في المسائل التالية، كما يلي)، فذكر أربع مسائل: 39 و40 و41 و42..
ولم يرد أي ذكر للجدّة فيها! فأين صار زعم الردّ عليها في الميراث إن فاض أصل المسألة، وهي لم يرد لها ذكر فيما ذكر من المسائل؟!
وراجعنا الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -101- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف: (وكان ابن عبّاس رضي الله عنه يردّ على جميع أصحاب الفروض إلاّ على الزوجين، فإنّه كان لا يردّ عليهم(1)، ونقل في (شرح السراجية) عن ابن عبّاس أنّه كان لا يردّ على الجدّة أيضاً(2).
أقول: من العجيب الغريب من المؤلّف إصراره على تصيّد شواذّ الأقوال، لإثبات غرضه في أن ابن عبّاس قد خالف عليّاً عليه السلام في هذه المسألة!!
وعند مراجعتنا لما ذكره من مصدر عدم الردّ، كما في (المغني)، فراجعناه فكان فيه: (وجملة ذلك: أنّ الميت إذا لم يخلّف وارثاً إلاّ ذوي فروض ولا يستوعب المال كالبنات والأخوات والجدّات، فإنّ الفاضل عن ذوي الفروض يردّ عليهم على قدر فروضهم إلاّ الزوج والزوجة. روي ذلك عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عبّاس رضي الله عنهم...)(3).
فأين الخلاف بين ابن عبّاس وبين عليّ عليه السلام في المسألة؟!
وفي (مصنّف عبد الرزّاق)، روى بسنده عن الشعبي: (وقاله منصور قالا: كان عليّ يردّ على كلّ ذي سهم بقدر سهمه إلاّ الزوج والمرأة، وكان عبد الله لا يردّ على أخت لأُمّ مع أُمّ، ولا على بنت ابن مع بنت لصلب، ولا على أخت لأب مع أخت لأب وأُمّ، ولا على جدّة، ولا على امرأة ولا على زوج)(1).
وفي (مصنّف ابن أبي شيبة)، قال: (حدّثنا جرير، عن مغيرة والأعمش قالا: لم يكن أحد يردّ على جدّة إلاّ أن يكون غيرها)(2).
8- وكان عليّ يورّث الجدّة السدس، ولا يقيمها مقام الأُمّ عند عدمها (ر: إرث/4ه- 12أ)، أمّا ابن عبّاس فكان يقيمها مقام الأُمّ عند عدمها، فيعطيها الثلث عند عدم وجود العدد الثلاثة من الإخوة، ويعطيها السدس عند وجود هذا العدد من الإخوة (ر: إرث/6ط3).
فراجعنا الإحالة في رأي عليّ عليه السلام ، فكانت في صفحة -68- من موسوعة فقهه، قال المؤلّف: (أ -- السدس للجدّة الواحدة، وللجدّات المتعدّدات الوارثات إن كنّ ثابتات متحاذيات في درجة القرابة، فقد روى البيهقي عن عليّ أنّه كان يطعم الجدّة والثنتين والثلاث السدس، لا ينقصهنّ منه ولا يزدن عليه إذا كانت قرابتهن إلى الميت سواء(3)، وقال عليّ: (تورث
الجدّات السدس، فإن كانت واحدة أو الثنتين أو ثلاثاً فبينهنّ سهم)(1).
وراجعنا الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -97- من موسوعة فقهه، قال المؤلّف:
(3- فإن لم تكن أُمّ، فإنّ ابن عبّاس رضي الله عنه كان يجعل الجدّة أُمّ الأُمّ -- إن وجدت -- كالأُمّ في استحقاق الميراث، فتأخذ السدس مع الولد وولد الولد وإن نزل، ومع الجمع -- ثلاثة -- من الإخوة أو الأخوات، وتأخذ الثلث عند عدمهم، وهي لا يشاركها أحد من الجدّات في فرضها هذا. وذلك قياساً على الجدّ حيث يقوم مقام الأب عند عدمه، وعلى ابن الابن حيث يقوم مقام الأب عند عدمه.
قال في (شرح السراجية) حاكياً مذهب ابن عبّاس في الجدّة أُمّ الأُمّ: (الجدّة أُمّ الأُمّ لا تقوم مقام الأُمّ عند عدمها، فتأخذ الثلث إن لم يكن للميت ولد ولا إخوة، والسدس إن كان له أحدهما، كما أنّ الجدّ أبا الأب يقوم مقام الأب عند عدمه، وابن الابن يقوم مقام الابن عند عدمه، ثمّ إنّ الأُمّ لا يزاحمها في فرضها أحد من الجدّات، فكذلك أُمّ الأُمّ لا يزاحمها في فرضها أحد منهن)(2)..
ثمّ انصرف المؤلّف عن ابن عبّاس فذكر ابن مسعود(3)، فقال: وقد
خالف ابن مسعود جمهور الصحابة(رضوان الله عليهم) في إقامة الجدّة مقام الأُمّ. وأحسبه من سهو القلم، إذ لم يتقدّم لابن مسعود ذكر في المقام، ولو كان صحيحاً ما ذكره، فإنّ ابن عبّاس يوافقه في هذا ويخرج عن الجمهور.
ومهما كان الصحيح، فقد قال المؤلّف: (إذ كان الصحابة(رضوان الله عليهم) يعطون الجدّة والجدّات السدس، ويستدلّ الجمهور على ذلك بما رواه قبيصة بن ذؤيب، قال: جاءت جدّة إلى أبي بكر تسأله ميراثها، فقال لها أبو بكر: ما لكِ في كتاب الله شيء، وما علمت لكِ في سُنّة رسول الله شيئاً، فارجعي حتّى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ وقال محمّد بن مسلمة الأنصاري مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر، ثمّ جاءت الجدّة الأُخرى إلى عمر تسأله ميراثها، فقال لها: ما لكِ في كتاب الله شيء، وما كان القضاء الذي قضى به أبو بكر إلاّ لغيركِ، وما أنا بزائد في الفرائض شيئاً، ولكنّه ذلك السدس، فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيتّكما خلت به فهو لها(1).
أقول: وخير تعقيب على جميع ما مرّ من رأي عليّ عليه السلام في توريث الجدّة السدس ولا يقيمها مقام الأُمّ، وكذلك رأي ابن عبّاس في إقامتها مقام الأُمّ عند عدمها...الخ. ننقل للقارئ ما قاله ابن حزم في (المحلّى)، وهو مذكور في مصادره في المقام، كما مرّ:
1) - الموطأ 2/513، وسنن الترمذي وابن أبي داود في الفرائض باب ميراث الجدّة، ومصنّف عبد الرزّاق 10/274، وسنن البيهقي 6/236، والمحلّى 9/275، والمغني 6/208 و209.
قال ابن حزم: (والجدّة ترث الثلث إذا لم يكن للميت أُمّ حيث ترث الثلث، وترث السدس حيث ترث الأُمّ السدس إذا لم يكن للميت أُمّ...
وقد جسر قوم على الكذب ههنا، فادّعوا الإجماع على أن ليس للجدّة إلاّ السدس، وهذا من تلك الجسرات، كتب إليَّ علي بن إبراهيم التبريزي الأزدي، قال: نا أبو الحسين محمّد بن عبد الله، المعروف بابن اللبان، نا دعلج بن أحمد، نا الجارودي، نا محمّد بن إسماعيل الصائغ، نا أبو نعيم الفضل بن ركين، عن شريك، عن ليث، عن طاووس، عن ابن عبّاس، قال: الجدّة بمنزلة الأُمّ إذا لم تكن.
وقال طاووس: الجدّة بمنزلة الأُمّ ترث ما ترث الأُمّ.
وما وجدنا إيجاب السدس للجدّة إلاّ مرسلاً عن أبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وعليّ، وزيد خمسة فقط، فأين الإجماع؟)(1).
ثمّ ساق كلاماً في رواية جمع من التابعين: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أطعم ثلاث جدّات السدس.. وذكر خبر قبيصة بن ذؤيب الذي مرّ ذكره عند المؤلّف، وبعده خبراً رواه مجاهد عن عليّ: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أطعم جدّتين السدس إذا لم تكن أُمّ أو شيء دونهما، فإن لم توجد إلاّ واحدة فلها السدس، وخبر أبي داود السجستاني بسنده عن بريدة: أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جعل للجدّة السدس إذا لم يكن دونها أُمّ. وقال: وروي نحو هذا عن ابن عبّاس، قالوا: ومن المحال أن يكون هذا عن ابن عبّاس ويخالفه.
1) - المحلّى 9/272 مسألة 1129.
قلنا -- والقائل هو ابن حزم --: (هذا كلّه لا يصحّ منه شيء، حديث قبيصة منقطع لأنّه لم يدرك أبا بكر ولا سمعه من المغيرة ولا محمّد، وخبر إبراهيم مرسل، ثمّ لو صحّا لما كان فيه خلاف لقولنا، لأنّنا نقول بتوريثها السدس من حيث ترث الأُمّ السدس مع الولد والإخوة.
وأمّا خبر بريدة، فعبد الله العتكي مجهول، وخبر عليّ أفسدها كلّها، لأنّ ابن وهب لم يسم من أخبره به عن عبد الوهاب، وأيضاً فعبد الوهاب هالك ساقط، وأيضاً فلا سماع يصحّ لمجاهد من عليّ.
والرواية عن ابن عبّاس لا يعرف مخرّجها، ولو صحّت لكان كما ذكرنا من أنّ لها السدس حيث للأُمّ السدس)(1).
أقول: ما بال المؤلّف أعرض عن هذا ممّا ذكره ابن حزم وهو يشير إلى (المحلّى) في مصادره؟!
9- وكان عليّ يعطي الأُمّ ثلث الباقي بعد فرض الزوج أو الزوجة إذا كان الوارث هي مع أحد الزوجين (ر: إرث/4ه11ب)، وكان ابن عبّاس يعطيها ثلث جميع المال (ر: إرث 6ز10).
فراجعنا الإحالة في رأي الإمام عليه السلام، فكانت في صفحة -67 -- 68- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(ب -- وترث الأُمّ ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين فيما إذا كانت المسألة تشمل الأبوين وأحد الزوجين فقط.
1) - المصدر نفسه.
والمعروف أنّ هذه المسألة عرضت أوّل ما عرضت لعمر، وأعطى عمر الأُمّ ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين، لئلا تأخذ أكثر ممّا أخذ الأب، ولذلك سمّيت بالمسألة العمرية، وهي إحدى الروايتين عن عليّ(كرّم الله وجهه)، وهو الصحيح عن عليّ رضي الله عنه.
وفي رواية ثانية: إنّ الأُمّ تستحقّ في هذه الحالة ثلث جميع المال، لا ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين. وقد ضعّف البيهقي هذه الرواية عن عليّ).
ورجعنا إلى إحالته في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -92- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف كلاماً كثيراً.. وقد مرّت المسألة بطولها ومناقشتها برقم -3-، فراجع.
وما دام المروي عن عليّ عليه السلام في إحدى الروايتين عنه يوافق المروي عن ابن عبّاس، فلا خلاف.
10- وكان عليّ يرى أنّ المكاتب يرث من مورثه بمقدار ما أدّى من بدل الكتاب، فإن كان قد أدّى ثلث بدل الكتابة ورث ثلث سهمه من الميراث (ر: إرث/4ج3)، أمّا ابن عبّاس فإنّه يرى في إحدى الروايتين عنه أنّ المكاتب يرث ميراث الأحرار بمجرّد كتابة عقد المكاتبة، ويرى في رواية أُخرى عنه أنّ المكاتب إن أدّى أكثر بدل الكتابة ورث ميراث الأحرار (ر: إرث/4دأ).
فراجعنا الإحالة في رأي عليّ عليه السلام ، فكانت في صفحة -50- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(...المكاتب فإنّه يرث بمقدار ما أدّى بدل الكتابة، فإن كان قد أدّى الثلث ورث ثلث نصيبه فيما لو كان حرّاً... قال عليّ(كرّم الله وجهه): (المكاتب يرث بمقدار ما أدّى)(1)، كما في إحدى الروايات عن عليّ (ر: رق/أو)، ورجعنا إلى هذه الإحالة، فكانت في صفحة -280-، فقال المؤلّف:
(و -- وقت عتق المكاتب: اختلفت الرواية عن عليّ(كرّم الله وجهه) في وقت عتق المكاتب.
-- ففي رواية: أنّ المكاتب يعتق بدفعه النجم الأوّل من بدل الكتابة، ويترتب على ذلك أنّه إذا مات وترك وفاء لما بقي عليه من بدل الكتابة وزيادة، فإن ورثته يدفعون لسيّده ما بقي عليه من بدل الكتابة، وما بقي من ماله بعد ذلك فهو لهم(2)، فعن الحكم بن عتيبة، عن عليّ، قال: (تجزي العتاقة في المكاتب من أوّل نجم)(3)، وعن عطاء، عن عليّ في مكاتب مات وله ولد أحرار، قال: (يؤدّي ممّا ترك ما بقي من كتابته، ويصير ما بقي ميراثاً لولده)(4)، وكتب محمّد بن أبي بكر الصدّيق إلى عليّ يسأله في مكاتب ترك بقية من كتابته وترك ولداً أحراراً؟ فكتب إليه عليّ: (يؤدي بقية كتابته، وما بقي فلولده الأحرار)(5)(ر: إرث/4ج3).
وفي رواية ثانية: أنّ المكاتب إذا أدّى نصف بدل الكتابة فقد أعتق، وهو غريم بالباقي، قال عليّ: (إذا أدّى المكاتب النصف فهو غريم)(1).
وفي رواية ثالثة: إنّ المكاتب يعتق منه بقدر ما أدّى من بدل الكتابة، فإن أدّى الربع عتق منه ربعه، وإن أدّى الثلث عتق منه ثلثه، وإن أدّى النصف عتق منه نصفه، وهكذا، قال عليّ: (المكاتب يعتق منه بقدر ما أدّى، ويرقّ منه بقدر ما بقي)(2)... قال عليّ: (المكاتب يرث بقدر ما أدّى ويعتق منه بقدر ما أدّى، ويجلد الحدّ بقدر ما أدّى، وتكون ديته بقدر ما أدّى)(3)، وحكى القرطبي عن عليّ(كرّم الله وجهه): أنّه إذا مات قبل أن يؤدّي ما عليه يؤدّي عنه من ماله جميع كتابته، ويجعل كأنّه قد مات حرّاً، ويرثه جميع ولده، وسواء في ذلك من كان حرّاً قبل موته ومن كاتب عليهم ومن ولدوا في كتابته(4).
هذا جميع ما ذكر المؤلّف في إحالتيه الأصلية والفرعية حول رأي الإمامu، وأنّه وردت عنه ثلاث روايات.
والآن إلى ما ذكره في إحالته عن رأي ابن عبّاس الذي خالف فيه عليّاًu على حدّ زعمه، فكانت في صفحة -82- من موسوعة فقهه، فقال:
1) - كنز العمّال رقم 29792، والمغني 9/420 و6/268، والأشراف 1/349.
2) - المحلّى 9/33 و241 و6/137 واثار أبي يوسف رقم 860، ومصنّف عبد الرزّاق 8/406 و410، والمغني 9/420، وسنن البيهقي 10/331.
3) - المحلّى 6/137 و9/33 و239 و241، وكنز العمّال رقم 29790 و29794 و29789، ومصنّف عبد الرزّاق 8/410، والمغني 6/268 و9/420، والأشراف 1/356.
4) - تفسير القرطبي 12/254.
(والمكاتب حرّ عند ابن عبّاس بمجرّد عقد الكتابة(1)في إحدى الروايتين عنه، وفي الرواية الأُخرى إذا بقي عليه خمسة أواق، أو خمس زودٍ، أو خمسة أوسق، فهو غريم (ر: رق/2ب7).
فرجعنا إلى هذه الإحالة الثانية، فكانت في صفحة -355- من موسوعة فقهه، فقال:
(7- اختلف النقل عن ابن عبّاس في مسألة متى يعتق المكاتب، فقد نقل عنه أنّه يصبح حرّاً حين توقيع عقد المكاتبة، ويصبح بدل المكاتبة ديناً عليه، ولكن قال ابن حزم والجصّاص في هذا القول: (لم نجد له سنداً ولم يقل به أحد نعلمه)(2).
وروي عنه أنّه إذا بقي عليه من بدل الكتابة خمس أواق، أو خمس زودٍ، أو خمسة أوسق، فهو غريم(3).
أقول: ومن عجيب أمر هذا المؤلّف في إصراره على تلقّط ما يوهم بالخلاف، ويعرض عن أقوال أصحاب المصادر التي اعتمدها!!
ففي المقام لمّا كانت الروايات عن عليّ عليه السلام مختلفة فيما يقول، وعن ابن عبّاس كذلك، ولدى ملاحظة الأقوال والمقارنة فيما بينها نجد الاتّفاق في بعض الوجوه! وما قرأت في الردّ أحسن من قول ابن حزم في (المحلّى) في المكاتب إذا أدّى شيئاً من كتابته، قال:
(فلما رويناه من طريق أحمد بن شعيب، أنا أحمد بن عيسى الدمشقي، نا يزيد بن هرون، أنا حمّاد بن سلمة، عن قتادة، وأيوب السختياني، قال قتادة، عن خلاس، عن عليّ بن أبي طالب، وقال أيوب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس. ثمّ اتّفق عليّ وابن عبّاس كلاهما عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (المكاتب يعتق منه بقدر ما أدّى ويقام عليه الحدّ بقدر ما اعتق منه، ويورث بقدر ما عتق منه).
قال علي -- هو ابن حزم --: وهذا إسناد في غاية الصحّة، وما نعلم أحد عابه إلاّ بأنّه قد أرسله بعض الناس فكان هذا عجباً! لأنّ المعترضين بهذا يقولون: أنّ المرسل أقوى من المسند أو مثله، فالآن صار إرسال من أرسل يبطل، ويبطل به الإسناد ممّن أسنده، وما يسلك في دينه هذه الطريق إلاّ من لا دين له ولا حياء، ونعوذ بالله من الخذلان)(1).
وأعاد الحديث مرّة ثانية وقد ذكر المسألة برقم -1688-، فقال: (والمكاتب عبد ما لم يؤد شيئاً، فإذا أدّى شيئاً من كتابته فقد شرع فيه العتق والحرّية بقدر ما أدّى وبقي سائره مملوكاً، وكان لما عتق منه حكم الحرّية في الحدود والمواريث والديات وغير ذلك، وكان لما بقي منه حكم العبيد في الديات والمواريث والحدود وغير ذلك، وهكذا أبداً حتّى يتم عتقه بتمام أدائه، لما رويناه من طريق أحمد بن شعيب...)(2). وساق السند والحديث كما مرّ، وذكر عدّة أحاديث بأسانيده عن عليّ وابن عبّاس،
كليهما عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (يؤدّي المكاتب بقدر ما أدّى)، وذكر مناقشته لأصحاب المذاهب من الحنفية، والمالكية، والشافعية.. واستمر هذا إلى حيث ختم الكلام بقوله: (والعجب كلّه ممّن يعلّل خبر عليّ وابن عبّاس وهو في غاية الصحّة...)(1).
وبهذا نختم الكلام مع المؤلّف، وأن لا خلاف بين عليّ عليه السلام وابن عبّاس في الرأي.
11- وكان عليّ بن أبي طالب يأخذ بإعالة الفرائض عندما يضيق أهل المسألة عن سهامها (ر: إرث/5)، أمّا ابن عبّاس فكان لا يعيل المسائل ويقول: أقدّم من قدّمه الله وأؤخّر من أخّره الله (ر: إرث/7ج).
راجعنا الإحالة في رأي عليّ عليه السلام ، فكانت في صفحة -75 -- 76- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(5- العول: كان عليّ رضي الله عنه من القائلين بالعول إذا ضاق أصل المسألة عن استيعاب سهام المستحقّين، فقد قال رضي الله عنه: (الفرائض تعول)(2).
وبناء على هذا، فقد أفتى في المسألة وذكرها مجدولة برقم -37-، ثمّ قال: (وقد اشتهر عن عليّ رضي الله عنه أنّه كان يخطب على منبر الكوفة، فقال: (الحمد لله الذي يحكم بالحقّ قطعاً، ويجزي كلّ نفس بما تسعى، وإليه المآل والرجعى...)، فقطع عليه ابن الكواء خطبته ليسأله عن رجل توفي وترك زوجته وبنتين وأُمّاً وأباً؟ فأدرك عليّ(كرّم الله وجهه) بما حباه من
ذكاء أنّ القصد من السؤال هو التأكّد من نصيب الزوجة، فبادره عليّ بالجواب، وقال متابعا خطبته دون توقّف: (صار ثمنها تسعاً)، ومضى في خطبته...
وكأنّه أراد أن يقول رضي الله عنه: إنّ المسألة قد عالت، ولذلك نقص نصيب الزوجة من الثمن إلى التسع(1).
وراجعنا الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -104- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(ج -- مذهب ابن عبّاس في العول: لمّا توفي عمر بن الخطّاب أظهر عبد الله بن عبّاس خلافه وأنكر العول، فعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: دخلت أنا وزفر بن أوس بن الحدثان على عبد الله بن عبّاس بعد ذهاب بصره، فتذاكرنا فرائض الميراث، فقال: أترون الذي أحصى رمل عالج عدداً لم يحصي في المال نصفاً ونصفاً وثلثاً؟! إذا ذهب نصف ونصف فأين موضع الثلث؟
فقال له زفر: يا بن عبّاس من أوّل من أعال الفرائض؟ قال: عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، قال زفر: ولم؟ قال: لما تدافعت عليه وركب بعضها بعضها، قال: والله ما أدري كيف أصنع بكم، والله ما أدري أيّكم قدّم الله وأيّكم أخّر، قال: وما أجد في هذا المال شيئاً أحسن من أن أقسّمه بينكم بالحصص.
1) - مصنّف ابن أبي شيبة 2/183، ومصنّف عبد الرزّاق 10/258، وسنن البيهقي 6/253 ومسند زيد 5/66، والمغني 6/193.
ثمّ قال ابن عبّاس: وأيم الله لو قدّم من قدّم الله وأخّر من أخّر الله ما عالت فريضة، فقال له زفر: أيّهم قدّم وأيّهم أخّر؟
فقال ابن عبّاس: كلّ فريضة لا تزول إلى فريضة، فتلك التي قدّم الله، وتلك فريضة الزوج له النصف، فإن زال فإلى الربع لا ينقص منه، والمرأة لها الربع، فإن زالت عنه صارت إلى الثمن لا ينقص منه، والأخوات لهنّ الثلثان، والواحدة لها النصف، فإن دخل عليهن البنات كان لهنّ ما بقي، فهؤلاء الذين أخّر الله، فلو أعطى من قدّم الله فريضة كاملة، ثمّ قسم ما بقي بين من أخّر الله بالحصص ما عالت فريضة، فقال زفر: ما منعك بأن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال ابن عبّاس: هبته والله(1).
وقال ابن عبّاس: المرأة والزوج والأب والأُمّ هؤلاء لا ينقصون، إنّما النقصان في البنات والبنين والإخوة والأخوات(2).
2- وقد نُقض مذهب ابن عبّاس هذا بمسألة النقص، وهي: زوج وأُمّ وأخوات لأُمّ، لأنّه إن أعطى الزوج النصف، وأعطى الأُمّ لكون الإخوة أقلّ من ثلاثة، وأعطى الأخوين لأُمّ الثلث، عالت المسألة وهو لا يرى العول. وإن أعطى الأُمّ السدس، يكون قد نقض مذهبه في إدخال النقص على من لا يصير عصبة بحال، ولذلك سُميّت هذه المسألة بمسألة الإلزام(3).
أقول: وفيما ذكره المؤلّف مواقع للنظر، سنمرّ على ذكر بعضها باختصار حول رأي الإمام عليه السلام في العول، وفتياه فيه، مثل قوله: (وكان عليّ ابن أبي طالب يأخذ بإعالته الفرائض عندما يضيق أهل المسألة عن سهامها)، وهذا زعم باطل!
وقد ذكر في الإحالة، أنّه قال: (الفرائض تعول)، وذكر مصادره في هذا.
فكان أوّلها: (مصنّف ابن أبي شيبة)، وراجعناه فجاء فيه: (حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا سفيان، عن رجل لم يسمّه، قال: ما رأيت رجلاً كان أحسب من عليّ، سُئل عن ابنتين وأبوين وامرأة؟ فقال: (صار ثمنها تسعاً)(1)، فأوّل ما فيه جهالة من لم يسمّه سفيان، وسفيان قالوا عنه: من المدّلسين، فقد ذكره الذهبي في (تذكرة الحفّاظ) في ترجمته عن الفريابي، قال: سمعت سفيان يقول: لو أردنا أن نحدّثكم بالحديث كما سمعناه، ما حدّثناكم بحديث واحد. فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ(2).
ثانيها: (مصنّف عبد الرزّاق)، وراجعناه، فجاء فيه: (وبلغنا عن عليّ أنّه أتي في امرأة وأبوين وبنات، فقال: (للمرأة أرى ثمنك قد صار تسعاً)(3)، وهذا بلاغ مرسل فهو مهمل.
ثالثها: (سنن البيهقي)، فراجعناها، فجاء فيها: (وأخبرنا أبو سعيد، أنبأنا
أبو عبد الله، ثنا محمّد بن نصر، ثنا إسحاق، ثنا يحيى بن آدم، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه: في امرأة وأبوين وبنتين صار ثمنها تسعاً.
ثمّ ساقه بسند آخر، وهو باقتضاب: أبو بكر بن الحارث الفقيه، عن علي بن عمر الحافظ، عن عبد الله بن محمّد بن عبد العزيز، عن محرز بن عون، عن شريك...)(1)، فذكر نحوه. ويكفي في ردّه من رواته شريك، الذي قال فيه الجوزجاني: سيء الحفظ، مضطرب الحديث مائل، وقال فيه ابن القطان: مشهور بالتدّليس، وقال ابن المبارك: ليس حديثه بشيء. (الإفصاح في ترجمته).
رابعها: (مسند زيد)، سبق أن ذكرت أنّه من رواية أبي الجارود، وهو من البترية.
خامسها: (المغني) لابن قدامة، وجاء فيه بعد ذكر المسألة: (وتسمّى المنبرية، لأنّ عليّاً رضي الله عنه سُئل عنها على المنبر، فقال: (صار ثمنها تسعاً)، ومضى في خطبته)(2).
فهل بهذه المصادر تصحّ نسبة العول إلى الإمام عليه السلام ؟ وهو عليه السلام القائل فيما رواه عنه أهل بيته، وعندهم كتابه الفرائض التي هي إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخطّ عليّ عليه السلام بيده، وفيه: (إنّ السهام لا تعول)(3)؟! وهو القائل: (إنّ
الذي أحصى رمل عالج ليعلم أنّ السهام لا تعول لو كانوا يبصرون وجوهها...)؟!
ومثل ما ذكره من المسألة المنبرية وجوابه عليه السلام: (صار ثمنها تسعاً)، فهي وقد ذكرت في عدّة من مصادر الفريقين، وكلّ يفسّر الجواب على مرماه ويبكي على ليلاه، على أنّها لا تصحّ سنداً، فضلاً عمّن أرسلها كابن شهر آشوب!
ولست بصدد التفضيل فلا أخوض في التفصيل، لكن من ألمَّ بشيء من التاريخ في فترة حكم الإمام عليه السلام وأيامه في الكوفة، وعرف هويّة ابن الكوا، وأنّه كان من رؤوس الخوارج، وأدرك بطبيعة السؤال زماناً ومكاناً، عرف أنّ الجواب كان منه خرج مخرج النكير لا مخرج الإخبار، كما يقول الواحد منّا إذا أحسن إلى غيره، فقابله ذلك بالإساءة وبالذمّ على فعله، فيقول: قد صار حسني قبيحاً؟! وليس يريد بذلك الخبر عن ذلك على الحقيقة، وإنّما يريد الإنكار حسب ما قدّمناه.
وإن كان الشيخ الطوسي في كتابه (تهذيب الأحكام)، قد ذكر ما تقدّم، ثمّ قال: (والوجه الآخر: أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام قال ذلك، لأنّه كان قد تقرّر ذلك من مذهب المتقدّم عليه، فلم يمكنه المظاهرة بخلافه، كما لم يمكنه المظاهرة بكثير من مذاهبه، حتّى قال لقضاته -- وقد سألوه: بم نحكم يا أمير المؤمنين؟ -- فقال: (اقضوا كما كنتم تقضون، حتّى يكون الناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي)(1).
1) - تهذيب الأحكام 9/258 -- 259.
ثمّ قال الشيخ الطوسي: (وقد روي هذا الوجه المخالفون لنا.
روى أبو طالب الأنباري، قال: حدّثني الحسن بن محمّد بن أيوب الجوزجاني، قال: حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدّثنا يحيى بن أبي بكر، عن شعبة، عن سماك، عن عبيدة السلماني، قال: كان عليّ عليه السلام على المنبر، فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين! رجل مات وترك ابنتيه وأبويه وزوجة؟ فقال عليه السلام : (صار ثمنها تسعاً)، قال سماك: قلت لعبيدة: وكيف ذلك؟ قال: إنّ عمر وقعت في إمارته هذه الفريضة، فلم يدر ما يصنع، وقال: للبنتين الثلثان، وللأبوين السدسان، وللزوجة الثمن، قال: هذا الثمن باقياً بعد الأبوين، والبنتين، فقال له أصحاب محمّد صلى الله عليه وآله وسلم : أعط هؤلاء فريضتهم للأبوين السدسان، وللزوجة الثمن، وللبنتين ما بقي، فقال: فأين فريضتهما الثلثان؟ فقال له عليّ بن أبي طالب عليه السلام: (لهما ما يبقى)، فأبى ذلك عليه عمر، وابن مسعود، فقال عليّ عليه السلام بعد ذلك في مثلها: أنّه أعطاها الزوج الربع مع الابنتين، وللأبوين السدسين، والباقي ردّ على البنتين، وذلك هو الحقّ وإن أباه قومنا)(1).
وقال الشيخ ابن إدريس في (السرائر): (وقد قيل: إنّ الخبر لو صّح، لاحتمل أن يكون المراد به صار ثمنها تسعاً عند من يرى العول على سبيل التهجين والذمّ، كما قال الله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ(2)، أي: عند قومك وأهلك. ولاحتمل أيضاً أن يكون أراد الاستفهام وأسقط حرفه،
كما روي عن ابن عبّاس في قوله تعالى: فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ(1)(2).
فتلخّص من مجموع ما تقدّم لم يكن الإمام عليه السلام قائلاً بالعول.
قال ابن إدريس: (ودعواهم -- العامّة -- على أمير المؤمنين عليه السلام أنّه كان يقول بالعول، وروايتهم عنه أنّه قال بغير روية، وقد سُئل وهو على المنبر عن ابنتين وأبوين وزوجة: صار ثمنها تسعاً، غير صحيحة، لأنّ أبناءه عليه السلام وشيعته أعلم بمذهبه من غيرهم، وقد نقلوا عنه خلاف ذلك، وابن عبّاس ما أخذ مذهبه في إبطال العول إلاّ عنه، وقد روى المخالف عنه أنّه قال: من شاء بأهلته أنّ الذي أحصى رمل عالج ما جعل في مال نصفاً وثلثاً وربعاً.
ثمّ اعتمادهم في الرواية عن أمير المؤمنين عمّا ادّعوه من قوله بالعول في الفرائض على أخبار آحاد لا يعوّل على مثلها في الشرع، ثمّ هي موقوفة على الشعبي، والنخعي... والحسين (الحسن) بن عمارة.
والشعبي ولد في سنة ستّ وثلاثين، والنخعي ولد في سنة سبع وثلاثين، وأمير المؤمنينu قتل في سنة أربعين، فلا يصحّ روايتهما عنه، والحسين (الحسن صح) بن عمارة مضعّف عند أصحاب الحديث، ولمّا ولي المظالم، قال سليمان بن مهران الأعمش: ظالم ولي المظالم.
فأمّا ما ادّعوه من قوله عليه السلام: صار ثمنها تسعاً، فرواية سفيان عن رجل، ولم يسمّه، والمجهول لا يعتد بروايته، على أنّه يتضمن ما لا يليق به عليه السلام، لأنّه سُئل عن ميراث المذكورين، فأجاب عن ميراث الزوجة فقط، وأغفل
من عداها، وقد سُئل عنه غير جائز عليه)(1).
ثمّ إنّ ما قاله المؤلّف في رأي ابن عبّاس حول العول، وختمه بما سمّاه بمسألة الإلزام، فهو غير ملزم، ولولا خوف الملل وإضاعة الوقت، لسطرت جميع ما قاله الشيخ الطوسي في (التهذيب) في إبطال العول، وذكر المسائل التي احتجّ بها ردّاً على المخالفين، وهي تنفع في المقام؛ فلتراجع.
1- وكان عليّ يرى أنّ الرجل إذا قتل المرأة عمداً يقتص منه، أمّا إذا كانت جنايته عليها فيما دون النفس فإنّه لا قصاص عليه فيها، وتجب الديّة في العمد وغيره (ر: جناية/2ه-)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّه يقتص من الجاني على المرأة عمداً في النفس وفيما دونها (ر: جناية/4أ).
راجعنا الإحالة في رأي عليّu، فكانت في صفحة -186- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(ه- الجناية على المرأة: يرى عليّ رضي الله عنه أنّ ديّة المرأة لا تكافئ الرجل، وأنّ ديتها على النصف من ديّة الرجل فيما قلّ أو كثر(2)، إذا جنى رجل على امرأة فأماتها، فهو بها قود، إن شاء أولياء المرأة قتلوه وأدّوا نصف الديّة إلى أولياء الرجل، وإن شاءوا استحيوه وأخذوا ديّة المرأة، وإن قتلت
امرأة رجلاً فهي به قود، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الديّة، وإن شاءوا استحيوها وأخذوا ديّة الرجل كاملة(1).
أمّا إذا كانت الجناية على ما دون النفس من المرأة، فلا قصاص بين الرجل والمرأة، قال عليّ: (لا قصاص بين الرجل والنساء فيما دون النفس)(2)، والواجب في ذلك الديّة، وهي على النصف من ديّة الرجل، قال عليّ: (جراحات المرأة على النصف من جراحات الرجل من كلّ شيء)، أي: في النفس وما دونها(3)، لأنّهما شخصان تختلف ديتهما فاختلف إرشهما).
ورجعنا إلى الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -227- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(أ -- الجناية على المرأة إمّا أن تقع عمداً، أو خطأ.
فإن وقعت عمداً، فالواجب في ذلك القصاص، سواء أوقعت على النفس أم على دون النفس، قال ابن عبّاس رضي الله عنه: (تقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتنزع السنّ بالسنّ، وتقتص الجراح بالجراح، فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم ونساؤهم إذا كان عمداً في النفس وما دون النفس)(4).
2- أمّا إن كانت الجناية خطأ... -- وساق كلاماً كثيراً ذكر فيه رأي عمر وعليّ واختلاف الصحابة -- ثمّ قال: فإنّنا لم نعثر على قول في ذلك لابن عبّاس).
أقول: ونحن أيضاً ليس لنا فعلاً إطالة الوقوف فيما ذكره، لكن علينا النظر في صحّة نسبة الرأيين إلى كلّ من الإمام عليه السلام، وإلى ابن عبّاس رضي الله عنه، ولمّا كانت المصادر التي ذكرها فيها المرسل، وهذا لا حاجة إلى الوقوف عنده بعد التوقّف في قبوله، وفيها المسند، وهذا هو الذي يقتضينا النظر فيه لمعرفة حاله من خلال رجاله، وإلى القارئ عرضاً موجزاً يكشف خبيئة مقاله:
فالمصادر أقدمها:
1- (مصنّف عبد الرزّاق) المتوفّى سنة (211ه-): (عن الثوري، عن حمّاد، عن إبراهيم، عن عليّ، قال: (جراحات المرأة على النصف من جراحات الرجل)(1). وهذا كما تراه (فيه انقطاع) على حدّ قول الشوكاني في خبره الآخر، كما سيجيء، مضافاً إليه ما تقدّم منّا ذكره حول إبراهيم النخعي وتسقيطه مع الشعبي لتكاذبهما، ولمّا كان عبد الرزّاق لم يصرّح بأنّه النخعي، وكان ثمّة إبراهيم آخر في طبقته أيضاً غير مقبول هو إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، قال ابن المديني: لم يسمع من عليّ، ولا من ابن عبّاس، كما في (المغني في ضعفاء الرجال) للذهبي(2)، قال فيه ابن حجر في
(التقريب): يرسل ويدلّس(1)، فعلى هذا لا يصحّ الاحتجاج بذكر خبره.
فإذا كان هذا أقدم المصادر وأوثقها سنداً في رأي عليّu، فما ظنّك بالباقي، مثل (سنن البيهقي) الذي اعتمده المؤلّف في نقل رأي ابن عبّاس؟!
فقد أخرج البيهقي من طريق الدارمي: (عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس رضي الله عنه، في قوله عزّ وجلّ: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ(2)؟ قال: تقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتنزع السنّ بالسنّ، ويقتص الجراح بالجراح، فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم ونساؤهم، إذا كان عمداً في النفس وما دون النفس)(3).
وفي هذا السند أكثر من آفة، ممّا يخفى أمرها على الكافة، ولا بدّ من كشف حال رجال سند الحديث الذي ذكره البيهقي في سننه، فاعتمده المؤلّف، فأحال إليه في الهامش، ونبدأ من عبد الله بن صالح، ثمّ معاوية بن صالح، ثمّ بعلي بن أبي طلحة:
أمّا عبد الله بن صالح، فحسبنا أن نذكر ما قال فيه الذهبي في (ميزان الاعتدال)، وهو غير متّهم عليه، قال: (عبد الله بن صالح [خ، د، ت، ق] بن محمّد بن مسلم الجهني المصري، أبو صالح، كاتب الليث بن سعد على أمواله، وهو صاحب حديث وعلم مكثر، وله مناكير، حدّث عن معاوية بن صالح...
قال صالح جزرة: كان ابن معين يوثّقه، وهو عندي يكذب في الحديث.
وقال النسائي: ليس بثقة... وقال ابن المديني: لا أروي عنه شيئاً...
قلت -- والقائل هو الذهبي -- وقد روى عنه البخاري في الصحيح على الصحيح، ولكنّه يدلّسه، فيقول: حدّثنا عبد الله ولا ينسبه وهو هو، نعم علّق عليه البخاري حديثاً، فقال فيه: قال الليث بن سعد: حدّثني جعفر بن ربيعة.. ثمّ قال في آخر الحديث: حدّثني عبد الله بن صالح، حدّثنا الليث، فذكره، ولكن هذا عند ابن حمّويه السرخسي دون صاحبيه، وفي الجملة ما هو بدون نعيم بن حمّاد، ولا إسماعيل بن أبي أويس، ولا سويد بن سعيد، وحديثهم في الصحيحين، ولكلّ منهم مناكير تغتفر في كثرة ما روى، وبعضها منكر واه، وبعضها غريب محتمل.
وقد قامت القيامة على عبد الله بن صالح بهذا الخبر، الذي قال: حدّثنا نافع بن يزيد، عن زهرة بن معبد، عن سعيد بن المسيّب، عن جابر -- مرفوعاً: (إنّ الله اختار أصحابي على العالمين، سوى النبيّين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعليّاً، فجعلهم خير أصحابي، وفي أصحابي كلّهم خير).
قال سعيد بن عمرو عن أبي زرعة: بُلي أبو صالح بخالد بن نجيح في حديث زهرة بن معبد، عن سعيد، وليس له أصل...
وقال أحمد بن محمّد التستري: سألت أبا زرعة عن حديث زهرة في الفضائل؟ فقال: باطل...
قال النسائي: حدّث أبو صالح بحديث: (إنّ الله اختار أصحابي)، وهو موضوع)(1).
هذا بعض ما ذكره الذهبي عن عبد الله بن صالح، ذكرته بطوله باقتضاب لما فيه من فوائد كشفت قيم الرجال من البخاري المدلّس وغيره، وقيمة صحيحه الذي لعبت به أيدي الرواة عنه، فما عند ابن حمّويه غير الذي عند صاحبيه، وشهادة الحفّاظ من أئمّة الحديث بكذب حديث زهرة في الفضائل الذي رواه عبد الله بن صالح، وقد قامت القيامة عليه بذلك الخبر.
ومن راجع بقية ما ذكره الذهبي في ترجمته، يجد جملة أحاديث من مناكيره، وحسبنا بهذا.
ولنرجع إلى ذكر معاوية بن صالح، وجاء في ترجمته في (ميزان الذهبي): (وكان يحيى القطان يتعنّت ولا يرضاه. وقال أبو حاتم: لا يحتجّ به، وكذا لم يخرج له البخاري... قال يحيى بن معين: كان ابن مهدي -- هو الدارقطني -- إذا حدّث بحديث معاوية بن صالح زجره يحيى بن سعيد...)(2). وحسبنا بهذا في المقام فلا نطيل الكلام.
أمّا ثالث القوم وهو علي بن أبي طلحة، فقد مرّت ترجمته في الجزء الأوّل من هذا الحلقة(3)فراجع، وهو ممّن لم يلق ابن عبّاس، فالخبر منقطع الإسناد، ومع هذا كلّه كان عند المؤلّف غاية الاستناد وعليه الاعتماد (؟!)
3- وكان عليّ يرى أنّ الجناية إذا وقعت على عضو قد تعطّلت منفعته المقصودة منه تجب فيه حكومة عدل (ر: جناية/2ي)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ فيها ثلث الديّة (ر: جناية/4ز).
رجعنا إلى الإحالة في رأي عليّu، فكانت في صفحة -178- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(ي -- الجناية على عضو قد بطلت منفعته، كلسان الأخرس، والرجل الشلاء، وذكر الخصي، أو العنّين، ونحو ذلك، وكان عليّ يرى أنّ في ذلك حكومة، قال عليّ: (في لسان الأخرس، ورجل الأعرج، وذكر الخصيّ، وفي العنّين حكومة)(1).
ورجعنا إلى الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -231- من موسوعة فقهه، فقال:
(ز -- الجناية على عضو قد تعطّلت منفعته المقصودة منه، إذا وقعت الجناية على عضو قد تعطّلت منافعه المقصودة منه، فإنّ ضمانه يكون بثلث ديّته، قال ابن عبّاس رضي الله عنه : في اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها(2)، وفي العين العوراء إذا خسفت ثلث ديتها(3)، وقضى رضي الله عنه في اليد الشلاء والرجل الشلاء والعين القائمة بالعوراء، والسنّ السوداء، في كلّ واحد منهن ثلث ديتها(4).
أقول: إنّ المؤلّف حكى رأي الإمام عليه السلام نقلاً عن مسند زيد، ولمّا كان الموجود منه برواية أبي الجارود، وهو مطعون فيه، لأنّه من البترية، إحدى فرق الزيدية، وغير مقبول الرواية عند الشيعة الاثنى عشرية، وهو عند العامّة مجروح بأشدّ ألفاظ الجرح، قال ابن معين: كذّاب عدوّ الله لا يسوي فلساً، وقال الدارقطني: متروك، وقال أحمد: متروك، وضعّفه جدّاً، وقال البخاري: يتكلمون فيه، وقال يحيى بن يحيى: يضع الحديث، وقال ابن عبد البرّ: اتّفقوا على أنّه ضعيف الحديث منكره، ونسبه بعضهم إلى الكذب(1). فمن كان بهذه الصفة كيف يوثق بروايته ويحتجّ بها؟!
ومع الإغماض عن هذا، فإنّ المروي عن عليّ عليه السلام أنّه قال: (في العين النصف)، كما في (المحلّى) لابن حزم(2)، وهذا ما رواه أهل البيت عليهم السلام، عن أبيهم عليه السلام، فقد أخرج الكليني في (الكافي)(3)، والشيخ الطوسي في (التهذيب)(4)، بإسنادهما: عن أبي عبد الله -- الصادق -- في العين العوراء تكون قائمة فتخسف، فقال: (قضى فيها عليّ بن أبي طالبu نصف الديّة في العين الصحيحة).
فأين صارت الحكومة المزعومة؟
وأمّا ما حكاه في رأي ابن عبّاس في مكانين عن (المحلّى)، فراجعناه،
فكان الأوّل في المسألة -2043-، قال ابن حزم: (ومن طريق وكيع، نا أبو هلال محمّد بن سليم الراسبي، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عبّاس: في اليد الشلاء إذا قطعت ثلث الديّة)(1).
وهذا الخبر يكفي في ردّه قول النسائي في أبي هلال الراسبي: ليس بالقوي، وقال الفلاّس: كان يحيى بن سعيد لا يحدّث عنه، وأخرجه البخاري في الضعفاء، وقال أحمد: مضطرب الحديث، وقال ابن عدي: له أحاديث كلّها أو عامّتها غير محفوظة(2).
وراجعنا المكان الثاني، فكان ما حكاه مرسلاً، ولفظه: (وعن ابن عبّاس: في العين العوراء إذا خسفت ثلث الديّة)(3).
وأمّا ماحكاه عن (كنز العمّال)، وإذ لم يعيّن الطبعة التي رجع إليها، فقد راجعنا الطبعة الثانية بحيدر آباد : (عن ابن عبّاس، وابن المسيّب: أنّ عمر بن الخطّاب قضى في اليد الشلاء، والرجل الشلاء، والعين القائمة العوراء، والسنّ السوداء، في كلّ واحدة منهنّ ثلث ديتها (عب، ص، ش، ق)(4).
فأين هذا ممّا حكاه عنه بأنّ ابن عبّاس قضى، بينما في المصدر الذي رجع إليه: أنّ عمر قضى! ومَن لم يفرّق بين الرجلين كيف يعتمد على نقله؟!
1- كان عليّ يرى العقوبة بالإحراق بالنار، وقد مارس هذه العقوبة فعلاً (ر: ردة/4د) و(لواطة/3)، ولكن ابن عبّاس كان يرى عدم مشروعية هذه العقوبة، وكان ينكرها (ر: إحراق).
ويروى أنّ ابن عبّاس ناقش عليّاً في ذلك، فرجع عليّ إلى قول ابن عبّاس (ر: موسوعة فقه عليّ مادّة (زندقة/2).
أقول: لقد مرّ الكلام في مناقشة هذه المسألة في الجزء الثامن في فصل (ابن عبّاس فقيهاً)(1)، فلا حاجة إلى إعادته، غير أنّ الذي نزيده هنا هو ما ذكره الطبري في (تهذيب الآثار) في مسند عليّ بن أبي طالب، ننقله عنه بطوله وبقوله، ليتبيّن للقارئ كذب من زعم أنّ عليّاً عليه السلام أحرق، وابن عبّاس نقد وأنكر:
(ذكر من قال: إنّ عليّاً إنّما أمر بقتل قاتله، ولم يأمر بإحراقه، ونهى عن المثلة به، وأنّ الذي أحرق قاتله قومٌ من العامّة:
137- حدّثني موسى بن عبد الرحمن الكندي، قال: حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن الحرّاني، قال، أخبرنا إسماعيل بن راشد، قال: ذكروا أنّ ابن حنيف(2)، قال: والله إنّي لأصلّي الليلة التي ضُرب عليّ فيها في المسجد
الأعظم، في رجالٍ كثير من أهل المصر يُصلّون قريباً من السُّدَّة، ما هم إلاّ قيام وركوع وسجود، وما يسأمون من أوّل الليل إلى آخره ، إذ خرج عليٌّ لصلاة الغداة، فجعل ينادي: (أيّها الناس! الصلاة، الصلاة). فما أدري: أخرج من السُّدَّة فتكلّم بهذه الكلمات، أو نظرت إلى بريق السيف، وسمعت قائلاً يقول(1): الحكم لله لا لك يا عليّ، ولا لأصحابك. فرأيت سيفاً، ثمّ رأيت ناساً(2)، وسمعت عليّاً يقول: (لا يفوتنكم الرجل)! وشدَّ الناس عليه من كلّ جانب، فلم أبرح حتّى أُخذ ابن ملجم، وأُدخل على عليّ، فدخلت فيمن دخل من الناس، فسمعت عليّاً يقول: (النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيتُ رأيت فيه رأيي)، قال: وقد كان عليٌّ نهى الحسن عن المثلة، وقال: (يا بني عبد المطلب! لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون: (قتل أمير المؤمنين)، ألا لا يُقتلن بي إلاّ قاتلي، انظر يا حسن! إن أنا متُّ من ضربته هذه فاضربه ضربة، ولا تمثل بالرجل). فلمّا قبض عليّ رضوان الله عليه، بعث الحسن إلى ابن ملجم، فقال للحسن: هل لك في خصلة؟ إنّي والله، ما أعطيت عهداً إلاّ وفيت به، إنّي كنت أعطيتُ الله عهداً عند الحطيم أن أقتل عليّاً ومُعاوية، أو أموت دونهما، فإن شئت خلَّيْت بيني وبينه، ولك والله علَيَّ إن لم أقتله أو قتلته ثمّ بقيت، أن آتيك حتّى أضع يدي في يدك. فقال له الحسن: (أما والله حتّى تعاين النار، فلا). ثمّ قدَّمه فقتله، ثمّ أخذهُ الناس فأدرجوه في بوارٍ ثمّ أحرقوه بالنار(3)
((موسى بن عبد الرحمن الكندي، المسروقي)) ثقة صدوق، مترجم في التهذيب.
((عثمان بن عبد الرحمن بن مسلم الحرّاني، أبو عبد الرحمن)) يعرف بالطرائفي، لأنّه كان يتتبع طرائف الحديث، وهو صدوق، لكنّه يروي عن قوم ضعاف، ولذلك أسقط ابن حبّان الاحتجاج به، مترجم في التهذيب.
((إسماعيل بن راشد السلمي))، كوفي مترجم في الكبير 1/1/353، والجرح والتعديل 1/1/169.
.1) - في التاريخ: ((فنظرت إلى...)).
2) - في التاريخ: ((ثمّ رأيت ثانياًً...)).
3) - الخبر: 137، رواه الطبري بهذا الإسناد مطوّلاً في تاريخه (2/83 -- 86)، في أخبار سنة 40 من الهجرة، وأمّا الهيثمي في مجمع الزوائد (9/139 -- 145)، فرواه مطولاً جدّاً، عن إسماعيل بن راشد مطولاً، ثمّ قال: ((رواه الطبراني، وهو مرسل، وإسناده حسن)).
ذكر ما في هذا الخبر، أعني: خبر عليّ(رضوان الله عليه) عن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم الذي ذكرناه قبل، من الفقه والذي فيه من ذلك، الإبانة عن صحّة قول القائلين بإطلاق إحراق جيفه المشركين، ومن كان سبيله سبيلهم ممّن قتل بحقّ وهو مقيم على الكفر، أو الردّة عن الإسلام، مُصرٌّ عليها غير تائب منها(1)، وفساد قول من أنكر إحراق جيفة من قتل كذلك.
إن قال لنا قائل: ما أنت قائلٌ فيما:
138- حدّثكم به ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد ابن إسحاق، قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن سليمان بن يسار، عن أبي إسحاق الدوسي، عن أبي هريرة، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية أنا فيهم، فقال لنا: (إن ظفرتم بهبَّار بن الأسود، أو بنافع بن عبد القيس، فحرِّقوهما بالنار). فلمّا كان الغدُ بعث إلينا، فقال: (إنّي قد كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما، ثمّ رأيت أنّه لا
1) - السياق: ((...الإبانة عن صحّة قول القائلين... وفساد قول من أنكر...)).
ينبغي لأحد أن يعذّب بالنار إلاّ الله، فإن ظفرتم بهم فاقتلوهما)(1)
السرية التي كان فيها أبو هريرة، هي سرية ((حمزة بن عمرو الأسلمي))، فرواه أبو داود في كتاب الجهاد ((باب في كراهية حرق العدو بالنار)) من طريق أبي الزناد، عن محمّد بن أبي حمزة الأسلمي، عن أبيه، ثمّ روى بعده حديث الليث، فذكر معناه. ورواه الترمذي في كتاب السير، ((باب الحرق بالنار))، ورواه أحمد في المسند رقم 8054 (أخي)، ثمّ في المسند 2/338، 453، وانظر جميع ذلك في سنن البيهقي 9/71، ثمّ انظر كتاب المنتخب من ذيل المذيل لأبي جعفر الطبري، الملحق بالتاريخ 13/30.
.وما أشبه ذلك من الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنهي عن تحريق ذوات الأرواح؟
قيل: هذا خبرٌ صحيح غير مدافع، معناه معنى ما روى عليٌّ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أمره بإحراق جيفة المشرك الذي جُعل له على قتله بعد قتله. وذلك أنّه لا تعذيب على مقتول أو ميّت في إحراق جيفته، وإنّما التعذيب له في إحراقه حيّاً، وهو الإحراق الذي روى أبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه نهى عنه، فغير جائز لأحد إحراق حيّ بالنار، لنهي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أُمّته عن أن يعذّب أحد منهم أحداً بالنار، مشركاً كان أو مسلماً، فأمّا إحراق جيفته فإنّه غير محظور، إذا كان المحرَّقةُ جيفته مات، أو قتل على الشرك، أو على كبيرة مصِرٍّ عليها، ولا سيما إن كان القتل قتلاً على الرِّدة، فقد فعل ذلك الصدّيق
1) - الخبر:138، هو في سيرة ابن هشام، بإسناد ابن إسحق 2/312، ورواه البخاري معلقاً في كتاب الجهاد، ((باب التوديع))(سورة الفتح 6/82)، ثمّ رواه متصلاً في كتاب الجهاد ((باب لا يعذب بعذاب الله))، فأسقط ذكر: ((أبي إسحق الدوسي)) من رواية ابن إسحاق في سيرته. قال الحافظ: ((وقد أشار الترمذي إلى هذه الرواية، ونقل عن البخاري أنّ رواية الليث أصحّ، وسليمان قد صحّ سماعه عن أبي هريرة، يعني: هو غير مدلّس، فتكون رواية ابن إسحاق من المزيد في متّصل الأسانيد)).
بين ظهراني المهاجرين بكثير من أهل الردّة، فأحرق جيفهم بعد القتل، وفعله أيضاً من بعده أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بقوم ارتدّوا عن الإسلام.
ذكر الأخبار الواردة بذلك:
139- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال، حدّثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: بعث عُتبة بن فرقد إلى عليّ برجل تنصّر، ارتّد عن الإسلام، قال: فقدم عليه رجل على حمار، أشعر عليه صوف(1)، فاستتابه عليّ طويلاً وهو ساكتٌ. ثمّ قال كلمةً فيها هلكته، قال: ما أدري ما تقول غير أنّ عيسى كذا وكذا، فذكر بعض الشرك، فوطئه عليّ، ووطئه الناس، فقال: (كفُّوا، أو أمسكوا). فما كفُّوا عنه حتّى قتلوه، فأمر به فأحرق بالنار، فجعلت النصّارى تقول: (شهيذا، شهيذا)، يقولون: شهيدٌ، وجعل أحدهم يأتي بالدينار، أو الدرهم يُلقيه، ثمّ يجيء كأنّه يطلبه، يعتلُّ به ليصيبه من رماده، أو دمه(2)
و((أبو عمرو الشيباني))، هو ((سعد بن إياس الكوفي))، ثقة روى له الجماعة، روى عن ابن مسعود وعليّ وحذيفة وغيرهم من الصحابة، وقال أبو عمرو: ((بُعث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا أرعى إبلاً لأهلي بكاظمة))، وقال: ((تكامل شبابي يوم القادسية، فكنت ابن أربعين سنة))، كانت القادسية سنة ستّة عشر، ليست له صحبة.
و((عتبة بن فرقد السلمي))، صحابي، ونزل الكوفة.
فهذا إسناد حسنٌ.
.140- حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال، حدّثنا ابن عُليَّة، عن سليمان التيمي، عن أبي عمرو الشيباني: أنّ رجلاً من بني عجل كان طويل الجهاد، فتنصّر، فكتب فيه عُتبة بن فرقد إلى عليّ، قال: فكتب إليه أن يُسَرِّح به إليه، قال: فجيء به رجلاً مكبَّلاً في الحديد، فوُضع بين يدي عليّ، فجعل عليّ يكلّمه ويُديره، حتّى تكلّم بكلمة كانت فيها هلكته، قال: ما أدري ما تقول، غير أنّه شهد أنّ عيسى ابن الله! قال: فوثب عليه فوطئه، ووطِئه الناس، فقال: (أمسكوا، فأمسكوا)، فإذا هو قد مات، فأمر به فحُرِّق، فجعلت النصارى تقول: (شهيداً)، فجعلوا يأخذون ما وجدوا من عظامه ومن دمه(1).
141- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدّثنا مُعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال، حدّثني نُعيم بن أبي هندٍ، قال: حدّثني سويد بن غفلة، قال: ارتدّ ناس من السودان عن الإسلام. قال: فأمر بهم عليٌّ أن يحرَّقوا، قال: فجعل ينظر إلى السماء، وينظر إلى الأرض، ويقول: (الله أكبر، صدق الله وبلَّغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، احفروا ها هنا)، ففعل ذلك مرّة، أو مرّتين، أو أكثر من ذلك، قال: ثمّ انطلق فدخل، قال: فانطلقت حتّى ضربت عليه الباب، قال، فقيل: من هذا؟ قلت: سُويد بن غفلة، قال: فذهب ليجلس، فأخذت بيده، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! إنّ هذه الشيعة قد شمتت بنا، فأخبرني: أرأيت نظرك إلى السماء ونظرك إلى الأرض، وقولك: (ألله أكبر، صدق الله وبلّغ الرسول)، عهد إليك نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا؟ قال: فقال: (لأن أقع من السماء أحبّ إليَّ من أن أقول: (قال رسول الله، ولم يقل، هل علَيَّ بأس
1) - في المخطوطة: ((ومن ومن))، وهذا صوابها كما في الأثر السالف.
أن أنظر إلى السماء؟ هل علَيَّ بأس أن أنظر إلى الأرض)؟ قلت: لا. قال: (فهل علَيَّ بأس أن أقول: صدق الله ورسوله)؟ قلت: لا. قال: (فإنّي رجل مُكَايِدٌ)(1).
142- حدّثنا ابن بشار، قال: حدّثنا ابن أبي عدي ومحمّد بن جعفر، عن عوفٍ، وحدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عُلّيَّة، قال: أخبرنا عوف ابن أبي جميلة، عن أبي رجاء: أنّ ناساً من أهل اليمن ارتدّوا عن الإسلام زمن عليّ بن أبي طالب، فبعث عليّ جارية بن قدامة، وبعث معه جيشاً، وكنتُ في ذلك الجيش، قال: فسار حتّى إذا بلغ حفر عدي وتيم، أراد أن يُسرع السير، فأرذى رجالاً، وأرذاني فيهم(2)، ثمّ أسرع السير. حتّى إذا بلغ البلد، جمع أولئك الذين ارتدُّوا عن الإسلام، فضرب أعناقهم، وحرَّق أجسادهم بالنار، وبذلك أمره عليٌّ، فقال القائل من أهل اليمن:
ألا صبحاني قبل جيش محرِّق*** ومن قبل بينٍ من سليمى مُفرِّق(3)
((أبو رجاء))، هو العطاردي: ((عمران بن ملحان)) ثقة، روى له الجماعة، مترجم في التهذيب.
((جارية بن قدامة بن زهير، السعدي التميمي))، قيل: إنّه عمّ الأحنف بن قيس وهو صحابي، روى أحاديث، مترجم في التهذيب.
وأمّا تلقيب جارية ((محرِّقاً))، فالذي عندنا في تراجمه وفي التاريخ: أنّ معاوية وجّه من الشام عبد الله بن عامر الحضرمي في جيش إلى البصرة (سنة 38ه-) ليأخذها، وبها زياد بن أبيه من قبل عليّ رضي الله عنه. فنزل الحضرمي في بني تميم، وتحول زياد إلى الأزد، فكان بينهما شيء، فندب عليّ رضي الله عنه جارية بن قدامة، فحاصر ابن الحضرمي في الدار التي هو بها (هي دار سنبيّل)، ثمّ أحرق عليه الدار، وكان معه سبعون رجلاً، ويقال أربعون. (انظر تاريخ الطبري حوداث سنة 38 (6/65)، والبداية والنهاية لابن كثير 7/316، وأسد الغابة والإصابة في ترجمة ((جارية))، والمحبر لابن حبيب:290، وابن حجر في التهذيب، هو الذي قال: ((وكان يقال له محرّق، لأنّه أحرق ابن الحضرمي؛ بالبصرة))، فنص على تلقيبه ((محرَّقاً)). وانظر الذين يسمّون ((محرّقاً)) في اللسان والتاج (حرق)، ولم يذكروه فيهم.
وظاهراً أنّ الذي هنا، مخالف لما في سائر الكتب، لأنّه خبر فيمن ارتدّوا عن الإسلام، فإن كانت حادثة أُخرى غير الأولى، فإنّ جارية كان يلقب ((محرّقاً)) من قبل هذه، وتكون هذه المرّة الثانية التي حرّق فيها على أحد من الناس.
1) - ((مكايد))، لفظ غريب، وأرجح أنّه من قولهم: ((كاد الأمر يكيده))، ومنه ((المكايدة))، وكلّ شيء تعالجه، وتحتال له، فأنت ((تكيده))، يعني: أنّه مجتهد طالبٌ لغاية الجهد والحيلة. والله أعلم. ولم أجد الخبر في مكان آخر.
2) - في المخطوطة: ((أردى... وأرداني))، والصواب كما أثبته، وسيأتي تفسير أبي جعفر هذا اللفظ في آخر الباب: وأمّا قوله: ((حفر عدي وتيم))، فلم أجده إلاّ هنا.
3) - الأثر: 142. ((عوف بن أبي جميلة الأعرابي، العبدي الهجري))، ثقة، روى له الجماعة، مترجم في التهذيب.
143- حدّثني الحسين بن علي، قال: حدّثنا أبو أسامة (حمّاد بن أسامة)، حدّثنا نوح بن ربيع الأنصاري أبو مكين، قال: حدّثني شريح أبو أُميّة، قال -- وكان خال أبي --: أنّهم وجدوا ثلاثة نفر في سَرَب ومعهم أصنام، قال: فرُفعوا إلى عليّ بن أبي طالب، فأمر بهم عليّ فأدرجوا في بَوارٍ، ثمّ أحرقهم(1)
و((شريح)) هو القاضي: ((شريح بن الحارث بن قيس الكندي)) أبو أُميّة، وقد نص هنا على أنّه خال أبي ((نوح بن ربيعة)).
.144- حدّثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: حدّثنا عبد الصمد بن عبد
1) - الخبر: 143، ((نوح بن ربيع الأنصاري، أبو مكين))، في التهذيب وغيره: ((...ربيعة)) بالتاء في آخره. ونوح منكر الحديث، وفي هذا الخبر فائدة في صلته بشريح.
الوراث، قال: حدّثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أنّ عليّ بن أبي طالب أُتي بناس من الزُّطِّ يعبدون وثناً، فأحرقهم(1).
145- حدّثنا ابن بشار، قال: حدّثنا عبد الوهاب، قال: حدّثنا أيوب، عن عكرمة: أنّ عليّاً أحرق ناساً ارتدُّوا عن الإسلام.
146- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، وأبو كريب محمّد بن العلاء، قالا: حدّثنا ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، عن عليّ، مثله.
147- حدّثنا محمّد بن خلف، قال: حدّثنا خلف بن عمر، عن علي بن هاشم، عن معروف بن خرَّبُوذ، عن أبي الطفيل، قال: أُتي عليّ بقوم زنادقة، فقالوا: أنت هو. قال: (من أنا)؟ قالوا: أنت هو. قال: (ويلكم من أنا)؟ قالوا: أنت ربّهم. فقال عليّ: (إنَّ قومَ إبراهيم غضبوا لآلهتهم فأرادوا أن يُحرِّقوا إبراهيم بالنار، فنحن أحقّ أن نغضب لربّنا). ثمّ قال: (يا قنبر! دونكهم)، فضرب أعناقهم، ثمّ حفر لهم حفر النار وألقاهم فيها.
فأنشأ النجاشي الحارثي يقول:
لترم بنا المنايا حيث شاءت*** إذا لم ترم بي في الحفرتين
إذا ما قرَّبوا حطباً ونارا*** فذاك الهُلك نقداً غير دين(2)
((خلف بن عمر))، لم أجد له ذكراً أطمئن إليه.
((علي بن هاشم بن البريدي العائذي))، متكلّم فيه، كان غالياً في التشيّع، وروى المناكير عن المشاهير، وهو ثقة ليس به بأس، مترجم في التهذيب.
((معروف بن خربوذ المكّي))، سمع أبا الطفيل، وقال أبو حاتم: ((إنّ الناس أخذوا شعر هذيل منه))، يكتب حديثه، مترجم في الكبير للبخاري 4/1/414، والجرح والتعديل 4/1/321.
وهذا الخبر بهذا الإسناد لم أجده، ولكنّه بلفظ آخر مختلف، وفيه هذا الشعر في مسند الحميدي 1/245، وفي سنن البيهقي 9/71، وفي فتح الباري 6/106.
148- حدّثني ابن خلف، قال، حدّثنا شبابة بن سوار، عن سلام بن أبي القاسم، عن أبيه، وحدّثني ابن خلف، قال: حدّثنا نصر بن مُزاحم، عن معروف بن خَرَّبُوذ، عن أبي الطفيل، قال: أُتي عليّ بناس من الزنادقة، فقالوا: أنت ربُنا. فقال: (ويلكم ما تقولون)؟ فاستتابهم، فلم يرجعوا، فأمر قنبراً فضرب أعناقهم، ثمّ حفر لهم حُفر النيران، فأضرمها، ثمّ ألقاهم فيها.
149- كتب إليَّ السري بن يحيى الحنظلي، يقول: حدّثنا شعيب، عن سيف، عمّن حدّثه، عن نافع، قال: كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد في قتاله أهل الردّة: لا تظفرن بأحدٍ قتل المسلمين إلاّ قتلته، ونكَّلت به عبرة، ومن أحببت ممّن حادَّ الله أو صاده ممّن ترى أنّ في ذلك صلاحاً فاقتله. فأقام على بُزاخة شهراً يُصعِّد عنها ويُصوِّب، ويرجع إليها في طلب أولئك وقتلهم، فمنهم من أحرق، ومنهم من قمطه ورضخه بالحجارة، ومنهم من رمى به من رؤوس الجبال(1).
150- وكتب إليَّ السري، يقول: حدّثنا شعيب، عن سيف، عن هشام
1) - الخبر: 149، رواه أبو جعفر في تاريخه 3/233، ((قمطه الرجل قمطاً))، شدّ يديه ورجليه بحبل، واسم ذلك الحبل ((القماط)) بكسر القاف، وأصله من شدّ الصبي في المهد، إذا ضمّ أعضاؤه إلى جسده، ثمّ لف عليه القماط، و((رضخه رضخاً))، كسر رأسه بالحجّارة.
ابن عروة، عن أبيه، قال: قتلهم، والله، كلَّ قتلة: بالنيران، والرّديِ، والرضخ، والحرق على غير قصاص(1).
فإن قال قائل: فهل من خبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالإذن بإحراق جيفة من قتل من المشركين، أو من أهل الكبائر، بعد قتله، غير الذي رويت لنا عن عليّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقد علمت منازعة من ينازعك في صحّة خبر عليّ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
قيل: إنّ فيما ذكرت من فعل الصديق وأمير المؤمنين من ذلك بين ظهراني المهاجرين والأنصار، من غير نكيرهم(2)ذلك، أوضح البرهان على أنّ ذلك سُنّة ماضية من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لولا ذلك لم يتقدّم الصدّيق وأمير المؤمنين على فعل ذلك بينهم، ولو كان فعلهما ما فعلا من ذلك غير سُنّة ماضيةٍ، لكان من يحضرهم من المهاجرين والأنصار قد أنكروا ذلك، مع أنّ عندنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبراً غير الذي روينا عن عليّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، نذكر ما صحّ عندنا منه سنده.
151- حدّثنا محمّد بن الحسن بن شقيق المروزي، قال: سمعت أبي يقول: أخبرنا أبو حمزة، عن عبد الكريم -- وسُئل عن أبوال الإبل -- فقال: حدّثني سعيد بن جبير، عن المحاربين، قال: كان ناس أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: نبايعك على الإسلام. فبايعوه وهم كذبة، وليس الإسلام يريدون. ثمّ
قالوا: إنّا نجتوي المدينة. فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : (هذه اللقاح تغدوا عليكم وتروح، فاشربوا من أبوالها وألبانها)، قال: فبينا هم كذلك إذ جاء الصَّريخ يصرُخ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال: قتلوا الراعي وساقوا النَّعم! فأمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فنودي في الناس: أن (يا خيل الله اركبي). قال: فركبوا لا ينتظر فارسٌ فارساً، قال: وركب رسول الله على أثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم حتّى أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فأنزل الله: إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ...(1)، قال: فكان نفيهم أن نفوهم حتّى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين، وقتل نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وصلب، وقطع، وسمر الأعين، قال: فما مثل نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل ولا بعد. قال: ونهى عن المثلة، وقال: (لا تُمثلوا بشيء)، قال: وكان أنس بن مالك يقول نحو ذلك، غير أنّه قال: أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم. قال: وبعضهم يقول: هم ناس من بني سليم، ومنهم من عُرينة، وناس من بجيلة(2)
و((أبو حمزة)) هو ميمون، أبو حمزة القصاب الأعور))، ضعيف جدّاً.
والأخبار الصحيحة الجياد في خبر العرنيين، المحاربين رواه الأئمّة بأسانيدهم، انظر فتح الباري كتاب الطهارة ((في باب أبوال الأبل والدواب... ))، الفتح 1/288 -- 294، ثمّ الفتح 6/108 ومواضع أُخر، ومسلم في كتاب القسامة ((باب حكم المحاربين والمرتدّين))، وسنن أبي داود في كتاب الحدود ((باب ما جاء في المحاربة))، والنسائي في سننه 7/93 -- 101.
((واجتوى الأرض)) كره المقام بها ولم يحمدها. و((اللِقاح)) بكسر اللام جمع (لِقحة) بكسر فسكون، ذوات الألبان من النوق (الصريخ) و(الصارخ) المستغيث، وكان في الأصل (ناس من بجيلة) بلا واو عطف وأثبتها من التفسير
.فإذ كان صحيحاً عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ما ذكرنا من إحراق جيفة المشرك مرّة، وقذفه بها أُخرى في قليب، وتركه إياها ثالثة بالعراء، وكان الله تعالى ذكره قد جعل لأُمّته التأسي في أفعاله، فللمسلمين من الفعل بمن قتلوا من أعدائهم من المشركين، ولإمامهم من الفعل بمن قتله على ردّة أو موبقة عظيمة مثل الذي فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمن ذكرنا من أهل الشرك والردّة(1)(2).
أقول: فماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال، فإنّ أهل العلم إذا اختلفوا في أمر من أمور الدين، فالفاصل بينهم حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسُنّته، وقد صحّ عنه صلى الله عليه وآله وسلم ما تقدّم بيانه، فلا عبرة بما تنطعه من لا حريجة له في الدين في نقله خلاف ابن عبّاس ونقده على أمير المؤمنين عليه السلام .
2- وكان عليّ يرى أنّ المرتدّ يجوز أن يقتل بالحرق بالنار (ر: ردة، 4د)، وقال ابن عبّاس: لا يقتل إلاّ بالسيف (ر: ردة/4ب).
فراجعنا الإحالة في رأي عليّ عليه السلام ، فكانت في صفحة -273- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(د- كيفية القتل: رغم أنّ الإجماع قد انعقد على وجوب قتل المرتدّ، إلاّ أنّه لم تحدّد كيفية هذا القتل، ويظهر أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كان يرى القتل بالكيفية التي تحقّق الردع، ومن هنا نراه قد قتل مرّة بالسيف، وقد
كتب إلى محمّد بن أبي بكر بضرب أعناق المرتدّين(1)، ومرّة بالوطء بالأقدام والركل بالأرجل، فعن أبي عمرو الشيباني: أنّ رجلاً من بني عجلان تنصّر، فكتب بذلك عيينة بن فرقد السلمي إلى عليّ بن أبي طالب، فكتب عليّ أن يؤتى به، فجيء به حتّى طرح بين يديه، رجل أشعر عليه ثياب صوف موثوق بالحديد، فكلّمه عليّ، فأطال كلامه وهو ساكت، فقال: لا أدري ما تقول، غير أنّي أعلم أنّ عيسى ابن الله، فلمّا قالها قام إليه عليّ فوطئه، فلمّا رأى الناس أنّ عليّاً قد وطئه قاموا فوطئوه، وفي رواية: فرفسه عليّ برجله، فقام إليه الناس فضربوه حتّى قتلوه(2).
ومرّة أحرق المرتدّ، ولكن من الاستقراء رأينا أنّ هذا الإحراق كان للمرتدّين من غير الزنادقة بعد القتل، كما في قصّة المستورد العجلي، فإنّ عليّاً رضي الله عنه أحرقه بعد أن قتله(3). ولعلّ عليّاً رضي الله عنه أحرق المستورد لما خاف أن ينبش قومه جثته بعد أن رفض عليّ تسليمها مقابل مبلغ من المال بذلوه له. ففي (سنن البيهقي)، و(محلّى ابن حزم)، وغيرهما: أنّ عليّاً استتاب المستورد فلم يتب فقتله، فأعطاه النصارى بجيفته ثلاثين أ لفاً، فأبى أن يبيعهم إياه وأحرقه(4).
كما أحرق بعد القتل الذين ادّعوا أُلوهيته رضي الله عنه.
فقد روى ابن عساكر، قال: (جاء ناس إلى عليّ من الشيعة فقالوا: يا أمير المؤمنينّ أنت هو؟ قال: (من أنا؟) قالوا: أنت هو؟، قال: (ويلكم، من أنا؟) قالوا: أنت ربّنا، أنت ربّنا، قال: (ارجعوا)، فأبوا، فضرب أعناقهم ثمّ خدَّ لهم في الأرض، ثمّ قال: (يا قنبر! إتني بحزم الحطب)، فأحرقهم بالنار، ثمّ قال:
(لمّا رأيت الأمر أمراً منكرا*** أوقدت ناري ودعوت قنبرا(1)
كما أحرق الزنادقة الذين يظهرون الإسلام ويمارسون الكفر سرّاً ويدعون إليه، بعد أن قتلهم، فقد خرج بهم إلى السوق فحفر لهم حفراً، ثمّ رمى بهم في الحفر فأحرقهم بالنار(2)، وفي مسند زيد بن عليّ: أنّه أحرقهم وهم أحياء(3)، ولعلّه فعل ذلك جميعاً.
جاء رجل إلى عليّ، فقال له: يا أمير المؤمنين! إنّ ههنا أهل بيت لهم وثن في دراهم يعبدونه، فقام عليّ يمشي، حتّى انتهى إلى الدار، فأمرهم أن يدخلوا، فأخرجوا له تمثال رخام، فألهب عليّ الدار(4).
وعن سويد بن غفلة، قال: إنّ عليّاً حرق زنادقة بالسوق، فلمّا رمى عليهم بالنار قال: (صدق الله ورسوله)، ثمّ انصرف(5)، وكان أناس يأخذون
العطاء والرزق ويصلّون مع الناس، كانوا يعبدون الأصنام في السرّ، فأتى بهم عليّ بن أبي طالب، فوضعهم في المسجد، أو قال: في السجن، ثمّ قال: (أيّها الناس! ما ترون في قوم كانوا يأخذون العطاء والرزق ويعبدون هذه الأصنام؟) قال الناس: اقتلهم، قال: (لا، ولكن أصنع بهم كما صُنع بأبينا إبراهيم)، فحرقهم بالنار(1).
وراجعنا الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -347- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(ب -- إقامة الحدّ: المرتدّ إمّا أن يكون رجلاً، أو امرأة:
1- فإذا كان رجلاً فاستتيب فلم يتب، فإنّه يقتل بالإجماع، قال ابن عبّاس: لا يشارككم اليهود والنصارى في أمصاركم إلاّ أن يُسلموا، فمن ارتدّ منهم فأبى، فلا يقبل منه دون دمه(2). وفي رواية: فمن أسلم منهم ثمّ ارتدّ فلا تضربوا إلاّ عنقه(3).
-- ويكون قتله بالسيف لا بغيره، فقد روى البخاري وغيره، عن عكرمة، قال: أتي عليّ رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عبّاس، فقال: لو كنت أنا لم أحرّقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (لا تعذبوا بعذاب الله)، ولقتلتهم، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (من بدّل دينه فاقتلوه)(4)(ر: إحراق).
1) - مصنّف ابن أبي شيبة 2/137ب.
2) - مصنّف عبد الرزّاق 10/362.
3) - مصنّف ابن أبي شيبة 2/137ب، وانظر المغني 8/123.
4) - البخاري في استتابة المرتدّين، والترمذي في الحدود باب المرتدّ، وأبو داود في الحدود باب الحكم فيمن ارتدّ، والنسائي في تحريم الدم، وأحمد في المسند 1/282، ومصنّف عبد الرزّاق 5/213، وتفسير ابن كثير 2/588، ومصنّف ابن أبي شيبة 2/137، وكشف الغمّة 2/146.
فرجعنا إلى هذه الإحالة في صفحة -49-، فقال المؤلّف: (إحراق: كان عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه ينكر أن يُعاقب شخص بالإحراق بالنار، والمعروف أنّ عليّاً(كرّم الله وجهه) قتل قوماً كفروا بعد إسلامهم وأحرقهم بالنار، فبلغ ذلك عبد الله بن عبّاس، فقال: لو كنت لقتلتهم لم أحرقهم لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من بدّل دينه فاقتلوه، ولا تعذبوا بعذاب الله)، يعني: النار، فبلغ قول ابن عبّاس عليّاً، فقال: ويح ابن عبّاس، وفي رواية أنّه قال: صدق ابن عبّاس(1)(ر: زندقة/2).
ورجعنا إلى هذه الإحالة الثالثة، وهي في صفحة -386-، فقال المؤلّف: (من كان مسلماً فتزندق فعقوبته القتل بالسيف، وقد بلغ ابن عبّاس أنّ عليّاً(كرّم الله وجهه) أخذ زنادقة فأحرقهم، فقال: أمّا أنا فلو كنت لم أعذبّهم بعذاب الله، ولو كنت أنا لقتلتهم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من بدّل دينه فاقتلوه)(2)، و(ر: إحراق).
أقول: لقد أسرف المؤلّف في كثرة الإحالات في المسألة الواحدة،
1) - البخاري في استتابة المرتدّين، والترمذي في الحدود باب المرتدّ، وأبو داود في الحدود باب الحكم فيمن ارتدّ، والنسائي في تحريم الدم، وأحمد في المسند 1/282، ومصنّف عبد الرزّاق 5/213، وتفسير ابن كثير 2/588، ومصنّف ابن أبي شيبة 2/137، وكشف الغمّة 2/146.
2) - مصنّف ابن أبي شيبة 2/137، وكشف الغمّة 2/146.
وأظنّه هذا ما أزعجه قبل غيره، لإعادة الحكم عن نفس المصادر التي ذكرها، كما في رأي ابن عبّاس في إحالتيه (الأولى والثانية)، ثمّ ما ذكره في رأي الإمام عليّ عليه السلام، وأنّه قتل مرّة بالسيف... ومرّة بالوطء بالأقدام... ومرّة أحرق المرتدّ بعد القتل، ومرّة أحياء كما عند مسند زيد، وأطال بذكر الشواهد.
وختم بما رواه عن ابن أبي شيبة، عن سويد بن غفلة، قال: إنّ عليّاً حرق زنادقة بالسوق، فلمّا رمى عليهم بالنار، قال: (صدق الله ورسوله)، ثمّ انصرف، وثنّى بما رواه ابن أبي شيبة أيضاً بما ذكره: في أناس يأخذون العطاء والرزق ويصلّون مع الناس، كانوا يعبدون الأصنام في السرّ، فأتي بهم عليّ بن أبي طالب فوضعهم في المسجد، أو قال في السجن، ثمّ قال: (أيّها الناس! ما ترون في قوم كانوا يأخذون العطاء والرزق ويعبدون هذه الأصنام؟) قال الناس: اقتلهم، قال: (لا ولكن أصنع بهم كما صنع بأبينا إبراهيم)، فحرقهم بالنار.
وما دام واسع الأفق في لملمة الشاردة والواردة، فكان عليه أن يتّسع يراعه فينقل الخبر كما هو في المصدر بتمامه، أو يشعر القارئ باقتضابه، فإنّ ما ذكره عن سويد بن غفلة، ونقله عن ابن أبي شيبة، له تتمة تلقي ضوءاً على ما استبهمه سويد، وربّما أيضاً غيره، حيث قال الإمام عليه السلام : (صدق الله ورسوله).
وإليك الخبر كما في المصدر: (... عن سويد بن غفلة: أنّ عليّاً حرّق زنادقة بالسوق، فلمّا رمى عليهم بالنار، قال: (صدق الله ورسوله)، ثمّ
انصرف، فاتبعته، قال: (أسويد؟) قلت: نعم، يا أمير المؤمنين! سمعتك تقول شيئاً، قال: (يا سويدّ إنّي مع قوم جهّال، فإذا سمعتني أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو حقّ)(1). وليس دون هذا تسامحاً ما ذكره بعد خبر سويد.
وفي المصدر: أنّ الإمام عليه السلام استشار الناس، فقال: (ما ترون في قوم...) قال الناس: اقتلهم، قال: (لا، ولكنّي أصنع بهم كما صنع بأبينا إبراهيم صلوات الله عليه)، فلماذا استشارهم ما دام هو الحاكم والعالم بما يجب عليه إجراؤه من حكم على من وصف حاله؟ ثمّ لماذا حذف من قول الإمام عليه السلام ذكر التصلية على أبينا إبراهيم عليه السلام وعلى آله؟!
وأخيراً هل عرف أنّ الخبر راويه مجهول عن مجهول! فمن هو عبد الرحمن بن عبيد الذي رواه عن أبيه؟ ومن هو أبوه؟
ولمّا كانت مسألة التحريق فيها تلفيق وتخريق، وليست مقبولة بالتصديق، وقد تقدّم الكلام فيها، فلا حاجة إلى الإعادة في المقام.
3- وكان عليّ يرى أنّ الزاني غير المحصن يجلد مائة ويحبس سنة (ر: زنا/5أ2أ)، ولكن ابن عبّاس كان يرى أن يجلد مائة ويترك (ر: زنا، 5ه2).
راجعنا الإحالة في رأي عليّ عليه السلام فكانت في صفحة -318-، فقال المؤلّف:
(2- عقوبة غير المحصن: وغير المحصن إمّا أن يكون حرّاً أو عبداً.
أ -- عقوبة الحرّ: إذا زنى وهو غير محصن (ر: إحصان) جلد مائة سوط،
1) - مصنّف ابن أبي شيبة 10/141، ط باكستان رقم 9051.
وهذا ممّا لا خلاف فيه عن عليّ(كرّم الله وجهه)، قال تعالى في سورة النور: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ(1).
ولكن هل يُنفى بعد الجلد أم لا؟ اختلفت الرواية عن عليّ(كرّم الله وجهه) عنه في النفي.
ففي رواية: أنّه يُنفى سنة، فعن كلثوم بن جبير، قال: تزوّج رجل امرأة، فزنت قبل أن يدخل بها، فجلدها عليّ بن أبي طالب مائة سوط، ونفاها سنة إلى نهر كربلاء، فلمّا رجعت دفعها إلى زوجها، وقال: (امرأتك فإن شئت فطلّق، وإن شئت فأمسك)(2)، وأتي بجارية من همدان قد زنت، فضربها وسيّرها إلى البصرة سنة(3)، وكان يجلد وينفي من الكوفة إلى البصرة(4).
وفي رواية: أنّ عليّاً قد ترك النفي لمّا رأى فيه من الفتنة، فعن إبراهيم النخعي عن عليّ بن أبي طالب: في البكر يزني بالبكر يجلدان مائة ولا ينفيان. وقال: حسبهما من الفتنة أن ينفيا(5)، وقد أُتي برجل زنى، فقال:
1) - سورة النور/2.
2) - مصنّف عبد الرزّاق 7/305، والمحلّى 11/184 و232، وكنز العمّال: 13488، والروض النضير 4/480، والمغني 8/167.
3) - مصنّف ابن أبي شيبة 2/134، والأشراف 2/32.
4) - مصنّف عبد الرزّاق 7/315، ومصنّف ابن أبي شيبة 2/134، وكنز العمّال: 13497.
5) - مصنّف عبد الرزّاق 7/312، وكنز العمّال: 13490، والمحلّى 11/184 واختلاف أبي حنيفة مع ابن أبي ليلى/218.
(أدخلت بامرأتك؟) قال: لا، فضربه مائة(1)، ولم يذكر النفي، ولو نفاه لذكره، لأنّه من تتمّات الحدّ عند من يقول به.
وإذا كان عليّ رضي الله عنه قد رأى في النفي فتنة يتعرّض لها الزاني لضعف مراقبته وفساد الزمن، فإنّه قد استبدل النفي بالحبس، فعن إبراهيم النخعي، عن عليّ، قال: (إذا زنى البكر بالبكر يجلدان مائة ويحبسان، ومن الفتنة أن ينفيا (2).
ورجعنا إلى إحالته في (إحصان) في صفحة -29-، فذكر الإحصان على نوعين: إحصان الرجم، وذكر الصفات التي يجب توفّرها في الزاني والمزني بها ليستحقّ الرجم على زناه، فذكر: العقل، والبلوغ، والحرّية، والإسلام، والدخول في نكاح صحيح، وختمها بقوله: ويشترط في الزوجة التي تحصنه أن تستجمع الشروط التي ذكرناها، وهي التي يجب أن تتوفّر فيه، قال رضي الله عنه : (لا يحصّن المسلم باليهودية، ولا بالنصرانية، ولا بالأَمة، ولا بالصبية (3).
هذا ما ذكره المؤلّف في رأي عليّ عليه السلام نقلته بلفظه في إحالته الأولى، وباقتضاب في إحالته الثانية (إحصان)، وحيث قد مرّ قبل هذا ذكر هذه المسألة في كتاب النكاح المسألة الثانية، كما مرّت المناقشة فيها، فلا حاجة إلى الإعادة، وأولى منها الرجوع إلى ما ذكره في الإحالة في رأي ابن عبّاس.
فراجعنا، فكانت في صفحة -384- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف: (2- أمّا التغريب بعد الجلد، فهو أمر مختلف فيه عند الصحابة، وما ندري إن كان ابن عبّاس يقصد بقوله: (من زنى جُلد وأرسل)(1)، أنّه لا تغريب عليه، أم كان يقصد أنّه إذا جُلد تُرك ولم يحبس؟) اه-.
فهذا الذي أشار إليه في إحالته، ولمّا كان لا يدري ما هو قصد ابن عبّاس بقوله: (من زنى جُلد وأرسل)، هل مراده لا تغريب عليه، أم أنّه كان يقصد أنّه إذا جُلد تُرك ولم يحبس؟
أقول: وما دام ما ذكره من قول ابن عبّاس أخذه عن (المحلّى) لابن حزم، وأخذه دليل اعتماده، فهلا نظر في كلام ابن حزم الذي فسّر به كلام ابن عبّاس، وإلى القارئ ما قاله ابن حزم في (المحلّى):
(قال أبو محمّد رحمه الله: فليس قول ابن عبّاس من زنى جُلد وأُرسل، دليلاً على أنّه لا يوجب النفي عنده، بل قد يكون قوله: وأُرسل، يريد به أن يُرسل إلى بلد آخر. وكذلك قول عليّ: (حسبهما من الفتنة أن ينفيا)، يخرج على إيجاب النفي، وأنّ ذلك حبسهما من البلاء، قال الله تعالى: ألم _ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ، إلى قوله: وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(2)(3).
فأين موضع الخلاف ما دمت لا تدري مراد ابن عبّاس بقوله: (من زنى
جلد وأُرسل)؟ وكيف فسّرتها، فقلت: ولكن ابن عبّاس كان يرى أن يجلد مائة ويترك؟!
4- وكان عليّ يرى أنّه لا يشترط الزواج لإقامة حدّ الزنا على العبيد (ر: زنا/5أ2ب)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ الرقيق لا يقام عليه حدّ الزنا إلاّ إذا كان متزوّجاً (ر: زنا/3ب).
رجعنا إلى الإحالة في رأي عليّu، فكانت في صفحة -319- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(ب) عقوبة العبد: والعبد إذا زنى متزوّجاً كان أو غير متزوّج، فجلده خمسون جلدة على النصف من حدّ الحرّ غير المحصن، ولا نفي عليه، قال عليّ: (حدّ العبد نصف حدّ الحرّ)(1)، وقال في أُمّ الولد إذا بغت: (تجلد ولا تنفى)(2)، فإن كان العبد قد عتق جزء منه فزنى، فإنّه يضرب بقدر ما أعتق منه حدّ الحرّ، وبقدر ما أعتق حدّ العبد؟(3)فقد رفع إلى عليّ عبد عتق نصفه، قد زنى فجلده عليّ خمساً وسبعين جلدة(4).
ورجعنا إلى الإحالة في رأي ابن عبّاس، فكانت في صفحة -379- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(ب) زنا الرقيق: كان ابن عبّاس يرى أنّ الرقيق إذا زنى ولم يكن
متزوّجاً فلا حدّ عليه، فإن كان متزوّجاً فليس عليه من الحدّ إلاّ خمسين جلدة، قال ابن عبّاس: ليس على الأَمة حدّ حتّى تحصن بنكاح، فيكون عليها شطر العذاب، لقوله تعالى في سورة النساء: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ(1)، وكان ابن عبّاس يرى أنّ لمالك الأَمة أن يبيح فرجها لمن شاء، ولا تعتبر هي زانية بذلك، ولم يتابعه على ذلك غير عطاء بن أبي رباح، وقد تحدّثنا عن هذا في (تسري/2/2).
فرجعنا إلى إحالته الثانية هذه، فكانت في صفحة -192-، فقال: (يشترط في المتسرّى بها ما يلي:
2- أن تكون مملوكة للمتسرّي، أو أباح له مالكها وطأها، سواء كان ذلك المبيح زوجة، أو أختاً، أو بنتاً، أو نحو ذلك، وبذلك يكون ابن عبّاس ممّن يبيح إحلال فروج الإماء للغير من قبل المالك، لأنّ الأَمة لا حرمة لها، وهي بمثابة المتاع، يعيره مالكه لمن يشاء، قال عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه: (إذا أحلَّت امرأة، أو ابنته، أو أخته، جاريتها، فليصبها وهي لها)(2)، ولكن عليها الاستبراء (ر: استبراء) انتقال حقّ وطئها من رجل آخر).
ورجعنا إلى إحالته (استبراء)، فكانت في صفحة -112 -- 113-، فقال: (... تستبرأ الأَمة في حال نقل ملكيتها ببيع، أو هبة، أو نحو ذلك بالإجماع(3).
وتستبرأ المسبيّة ذات الزوج لكي يحلّ وطؤها، قال ابن عبّاس رضي الله عنه : (السبايا لهنّ أزواج لا بأس بمجامعتهن إذا استبرئن)(1).
والمهاجرة إلينا دون زوجها من أهل الحرب تستبرأ إن أرادت أن تتزوّج منّا، قال ابن عبّاس رضي الله عنه : (وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تُخطب حتّى تحيض وتطهر، فإذا تطهرت حلّ لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردّت إليه)(2).
أقول: وبعد هذا التطواف بين الإحالات، تبيّن لنا أنّ المؤلّف رجع من الحدود إلى مسائل النكاح، ومن إباحة ملك اليمين إلى المسبيّة والمهاجرة والمختلعة، وكأنّه في إحالاته كمن أصابه دوّار -- ولست أتجنّى عليه -- ولكن من حقّ القارئ أن يسأله عن هذا التطويل الممل لحساب أنّ ابن عبّاس لا يرى إقامة الحدّ في الزنا على الرقيق ما لم يكن محصناً، بينما كان عليّ عليه السلام لا يشترط الإحصان، فهو إذاً قد خالف ابن عمّه، وهذا هو المطلوب للمؤلّف؟! لكن ابن عبّاس قد فوّت على المؤلّف اغتنام هذه البادرة النادرة بقوله، وقد تقدّم بعدّة ألفاظ في أوّل هذا البحث في: ما هي أهم موازين الصحّة عند ابن عبّاس: (إذا حدّثنا ثقة عن عليّ بفتيا لا نعدوها).
فمتى صحّ عن عليّ عليه السلام نسبة تلك الفتيا؟! إذاً لا تصحّ نسبة المخالفة عن ابن عبّاس.
ونظرة فاحصة في النصوص التي نقلها عن مصادره، نجد التفاوت المخلّ! فمثلاً ذكر أنّ عليّاً عليه السلام قال في أُمّ الولد: (إذا بغت تجلد ولا تنفى)، وذكر لهذا في الهامش عدّة مصادر، منها: (مصنّف عبد الرزّاق)، فرجعنا إليه، فكان النص كما يلي سنداً ومتناً:
(3315- عبد الرزّاق: عن عثمان، عن سعيد، عن حمّاد، عن إبراهيم: أنّ عليّاً قال في أُمّ الولد: إذا أعتقها سيّدها، أو مات عنها، ثمّ زنت، فإنّها تجلد ولا تُنفى)(1)اه.
فإلغاء المؤلّف جملة: (إذا أعتقها سيّدها أو مات عنها)، ليخضع النص لمرامه، يكفي في زعزعة الثقة بكلامه، فأُمّ الولد إذا أعتقها سيّدها، أو مات عنها، عتقت من نصيب ولدها، فصارت حرّة، وخرجت عن عنوان العبيد الذي وضعه المؤلّف، على أنّ هذا النص مخدوش سنداً، لأنّه منقطع بإبراهيم -- فهو النخعي -- لم يلق عليّاً عليه السلام ، ولم يسمع منه، وقد مرّ أنّه ولد سنة (37ه-)، وشهادة الإمام سنة (40ه-). فمتى رآه أو سمع منه؟!
ثمّ إنّ فيما ذكره عن ابن عبّاس مواضع للنظر:
أوّلها: لم يذكر الحديث بتمامه، وهو كلّه من قول ابن عبّاس، واقتصر منه على قوله: (وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتّى تحيض وتطهر، فإذا تطهرت حلّ لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح رُدّت إليه)، وأشار في الهامش إلى مصدره (سنن البيهقي 7/187،
1) - مصنّف عبد الرزّاق 7/213.
وصحيح البخاري...).. وفي (الجوهر النقي/ بهامش سنن البيهقي) مناقشة صحّة هذا الخبر، كان على المؤلّف أن يلاحظها قبل نسبة القول إلى ابن عبّاس، خضوعاً للقاعدة المتّفق عليها: (إن كنت راوياً فالصحّة، وإن كنت مدّعياً فالدليل)، وهذا الذي نقله عن ابن عبّاس غير صحيح.
وإلى القارئ بيان وجه ذلك بلسان ابن التركماني في (الجوهر النقي)، قال:
(... ثمّ ذكر البيهقي حديث البخاري: عن ابن جريج، قال عطاء: قال ابن عبّاس: (كان المشركون على منزلتين).
قلت -- والقائل هو ابن التركماني -- : في أطراف أبي مسعود الدمشقي حديث: (كان المشركون على منزلتين...) الحديث، وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتّى تحيض... إلى آخره.
ثمّ قال أبو مسعود: ثبت هذا الحديث والذي قبله في تفسير ابن عطاء الخراساني عن ابن عبّاس، والبخاري ظنّه ابن أبي رباح، وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخراساني، إنّما أخذ الكتاب من ابنه عثمان ونظر فيه، وذكر المزّي في أطرافه عن ابن المديني قصّة تدلّ على أنّه الخراساني.
ثمّ قال: قال علي بن المديني: وإنّما كتبت هذه القصّة، لأنّ محمّد بن ثور كان يجعلها عطاء عن ابن عبّاس، فظنّ الذين حملوها عنه أنّه عطاء بن أبي رباح. انتهى كلامه.
والخراساني قال البيهقي في باب المحرم ينظر في المرآة: (ليس بالقوي)، وقال في باب المفسد لحجّه لا يجد بدنة: (لم يدرك ابن
عبّاس)، وقال في باب فديّة النعام: (لم يثبت له سماع من ابن عبّاس، وتكلّم فيه أهل العلم بالحديث).
ثمّ لو سلّمنا أنّ هذا هو ابن أبي رباح كما ظنّه البخاري، فلم يصرّح ابن جريج بسماعه منه، بل قال عطاء كما أورده البخاري، وقد قال يحيى بن سعيد: إذا قال ابن جريج: حدّثني، فهو سماع، وإذا قال: قال، فهو شبه الريح، وقال الأثرم: قال لي أبو عبد الله: إذا قال ابن جريج: قال فلان، جاء بمناكير...)(1).
أقول: هذا الذي ذكره ابن التركماني الحنفي، يكفي في ردّ زعم المؤلّف! فهل بعد هذا ما يحتاج إلى التعقيب، أهو تصويب أو تكذيب؟
5- وكان عليّ يرى أنّ العبد إذا سرق تقطع أنامله فقط (ر: سرقة/5ب)، أمّا ابن عبّاس فكان يرى أنّ العبد لا يقطع إذا سرّق ولكن يعزّر (ر: سرقة/4ب).
فراجعنا الإحالة في رأي عليّu، فكانت في صفحة -332- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(ب -- من أين يتمّ القطع: اختلفت الرواية عن عليّ(كرّم الله وجهه) في موضع القطع من اليد والرجل.
ففي رواية: أنّه في قطع اليد تقطع أصابعها من الحرّ، وأناملها من العبد، وفي قطع الرجل: يقطع نصف القدم من خصرها، ويبقى العقب، فعن قتادة
1) - الجوهر النقي 11/187، ط دار الفكر .
قال: كان عليّ يقطع اليد من الأصابع والرجل من نصف القدم(1)، ونقل عنه أنّه قطع سارقاً من خصر القدم(2)، وروى ابن حزم عن عليّ: أنّ العبد إذا سرق تقطع أنامله فقط(3).
وفي رواية ثانية: أنّه كان يقطع اليد من المفصل، والرجل من الكعب(4)، فعن سمرة بن عبد الرحمن، قال: رأيت بالحيرة رجلاً مقطوعاً من المفصل، فقلت: من قطعك؟ قال: قطعني الرجل الصالح عليّ، أمّا أنّه لم يظلمني(5).
وفي (مصنّف ابن أبي شيبة): كان عليّ يقطع اللصوص ويحسمهم ويحبسهم ويداويهم، فإذا برئوا، قال: أرفعوا أيديكم، فيرفعونها كأنّها أيور الحمير، ثمّ يقول: من قطعكم؟ فيقولون: عليّ، فيقول: ولم؟ فيقولون: إنّا سرقنا، فيقول: اللّهمّ اشهد، اللّهمّ اشهد، اذهبوا(6)، وعن أبي المقدام، قال: أخبرني من رأى عليّ بن أبي طالب يقطع يد رجل من المفصل(7).
وفي رواية ثالثة ذكرها ابن حزم: إن سرق العبد تقطع أنامله فقط، وهو
1) - المحلّى 11/161 و357، ومصنّف عبد الرزّاق 10/185، والأُمّ 7/182، والأشراف 1/511.
2) - مصنّف ابن أبي شيبة 2/130، وكنز العمّال: 13925، وخراج أبي يوسف/199، وتفسير القرطبي 6/171، والمحلّى 11/161.
3) - المحلّى 11/357، والمغني 8/261.
4) - كنز العمّال: 13905.
5) - مصنّف ابن أبي شيبة 2/130ب.
6) - مصنّف ابن أبي شيبة 2/130ب، وكنز العمّال: 13924.
7) - المحلّى 11/161.
نصف اليد فقط، وإن سرق الحرّ قطعت يده من الكوع وهو المفصل، وأمّا في المحاربة: فتقطع يد الحرّ من المفصل، ورجله من المفصل، وتقطع من العبد أنامله من اليد، ونصف القدم من الساق(1).
أقول: فهذا الذي ذكره من اختلاف الروايات عن الإمام عليه السلام، لم يخل من مناقشة تأتي الإشارة إليها.
وأمّا الإحالة في رأي ابن عبّاس، فقد كانت في صفحة -401- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(ب -- سرقة العبد: كان ابن عبّاس يرى أنّ العبد إذا سرق فإنّه لا تقطع يده، بل يعاقب بعقوبة أُخرى، أنّ الواجب في حقّ العبد نصف الحدّ المقرّر في حقّ الحرّ، وقطع اليد الواجب في السرقة هو حدّ الحرّ، وهو حدّ لا يمكن تنصيفه، فسقط(2)ووجبت عقوبة أُخرى يراها القاضي رادعة، ويستوي في ذلك العبد الآبق وغيره، فالآبق أيضاً لا قطع عليه(3).
أقول: وعودة إلى المصادر التي نقل عنها رأي الإمام.
فأوّلها: (المحلّى) لابن حزم، فقد نقل عنه خبر قتادة، وذكر أنّه في صفحة -161- وهذا صحيح، وأشار إليه في -357-.
وثاني مصادره في هذا: (مصنّف عبد الرزّاق)، ولدى مراجعته في الموضع المذكور، وجدنا ثلاثة أخبار رواها عن الإمام عليه السلام : أحدها خبر
قتادة، والثاني عن أبي المقدام، والثالث عن حبال بن رفيدة، وهي على ما بينها من تفاوت في تحديد القطع، لم يرد فيها ذكر لهوّية السارق كان حرّاً أم عبداً. فمن أين للمؤلّف أنّ عليّاً عليه السلام يرى أنّ العبد إذا سرق تقطع أنامله؟!
وقد ذكر المؤلّف عن ابن حزم: أنّه روى عن عليّ: أنّ العبد إذا سرق تقطع أنامله فقط.
أقول: فدونك (المحلّى) إن وجدت هذا مسنداً فدلّنا عليه! إنّ الذي وجدناه، هو قول ابن حزم: (وتقطع من العبد أنامله من اليد ونصف قدمه من الساق، كما روي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه)(1). اه- ولم يذكر له سنداً.
وذكر المؤلّف أيضاً (المغني)، فراجعناه فكان الذي فيه: (وروى القاسم بن محمّد، عن أبيه: أنّ عبداً أقرّ بالسرقة عند عليّ، فقطعه. وفي رواية قال: كان عبداً -- يعني الذي قطعه عليّ --. رواه الإمام أحمد بإسناده...)(2)، فأين القطع من الأنامل؟!
ولندع متابعة ما في المصادر التي ذكرها في رأي عليّ عليه السلام، ولنرجع البصر إلى ما ذكره عن ابن عبّاس في أنّ العبد لا يقطع ولكن يعزّر، فذكر (المغني 8/267)، فراجعناه، فكان فيه: (فأمّا العبد والأَمة: فإنّ جمهور الفقهاء وأهل الفتوى على أنّهما يجب قطعهما بالسرقة، إلاّ ما حكي عن ابن عبّاس، أنّه قال: لا قطع عليهما، لأنّه حدّ لا يمكن تنصيفه، فلم يجب في حقّهما كالرجم، ولأنّه حدّ فلا يساوي العبد فيه الحرّ كسائر الحدود). أه-
فمن هو الحاكي رأي ابن عبّاس؟ وأين حكاه، فذكره عنه ابن قدامة في (المغني)؟
ولا يفاجأ القارئ إذا أخبرته أنّ جميع ما رواه المؤلّف من الروايات المختلفة عن عليّ عليه السلام ممّا لا ينبغي له الاحتجاج بها على مباني قومه، من عدم الاحتجاج بالمقطوع سنداً!!
وهو قد ذكر أوّل الروايات عن (المحلّى)، وما فيه هو عن عبد الرزّاق؛ وسند عبد الرزّاق: عن معمر، عن قتادة، وقتادة هذا مدلّس، ورمي بالقدر، قال فيه الشعبي: حاطب ليل. وقال الحاكم: لم يسمع من صحابي غير أنس. وقال أحمد مثله، وزاد: جماعة من التابعين لم يسمع منهم، ولذا قال شعبة: كان قتادة إذا جاء ما سمع، قال: حدّثنا، وإذا جاء ما لم يسمع، قال: قال فلان(1). فكيف يحتجّ بخبره؟!
وثاني رواياته عن سمرة بن عبد الرحمن، وهو المجهول الذي لم يرد له ذكر في معاجم الرجال. فمن كان مجهولاً يستدلّ بما رواه إن صحّت رواية المصدر عنه؟
وقد مرّ ما في روايته الثالثة عن عليّ عليه السلام، نقلاً عن ابن حزم في (المحلّى) وما فيه.
والآن بنظرة عابرة فيما رواه عن ابن عبّاس نقلاً عن (المغني)، وقد مرّ ذكر حكايته عن ابن عبّاس، فلم يعرف الحاكي، ولا مصدر الحكاية! فمن
1) - الإفصاح 2/355 -- 356.
أين أخذها ابن قدامة المقدسي المتوفّى سنة (962ه-)، فحكاها في كتابه (المغني)؟! فهو في المقام غير مغني.
ثمّ ما ذكره من وجوب عقوبة أُخرى يراها القاضي رادعة، لم يذكر مصدره في نسبتها إلى ابن عبّاس، بل قال: (ويستوي في ذلك العبد الآبق وغيره، الآبق أيضاً لا قطع عليه)، وذكر عبد الرزّاق مصدراً.
ورجعنا إليه فكان فيه: (عبد الرزّاق: عن الثوري ومعمر، عن عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عبّاس: أنّه كان لا يرى على عبد آبق سرق قطعاً). أه- فأين صار ذكر العقوبة الرادعة: (ويستوي العبد الآبق وغيره)؟! وهذا مع الإغماض عمّا في رجال السند من تجريح بدءاً من الثوري -- الذي عدّ من المدلّسين، وقال فيه ابن المبارك: حدّث سفيان بحديث فجئته وهو يدلّسه، فلمّا رآني استحيى، قال: نرويه عنك، ومع هذا فهو أمير المؤمنين في الحديث(1)؟!!
ومعمر -- هو ابن راشد، الذي قال فيه ابن معين: إذا حدّثك معمر عن العراقيين فخالفه، إلاّ عن الزهري وابن طاووس، فأمّا أهل الكوفة والبصرة فلا(2)-- وهما -- الثوري ومعمر -- عن عمرو بن دينار -- الذي قال البخاري: لم يسمع من ابن عبّاس حديثه عن عمر في البكاء على الميت، فقال فيه ابن حجر في (التهذيب): ومقتضى ذلك أن يكون مدلّساً(3)-- وهو عن مجاهد --
قال القطب الحلبي في شرح البخاري: مجاهد معلوم التدليس، فعنعنته لا تفيد الوصل(1)-- فضلاً عمّا قالوا فيه من أخذه عن أهل الكتاب في تفسيره.
فهذا الذي ذكره المؤلّف من تسقط الأخبار الواهية والموضوعة، ليسجل مخالفة بين فتيا عليّ عليه السلام وفتيا ابن عبّاس، مع ما مرّ في كلامه من تلبيس.
6- لقد ذكر المؤلّف من المسائل التي انفرد بها عبد الله بن عبّاس، أو خالف فيها جمهور الصحابة: عدم إقامة الحدود على الكافر (ر: حد/4ب).
فرجعنا إلى الإحالة، فكانت في صفحة -285- من موسوعة فقهه، فقال المؤلّف:
(ب -- الحدّ على الكافر: كان ابن عبّاس يرى أنّ الحدود هي خالص حقّ الله تعالى، وخالص حقّ الله تعالى لا يطالب به إلاّ المؤمنون، وأمّا الكافرون فإنّهم لا يطالبون إلاّ بحقوق العباد فحسب، وبناءاً على ذلك، فإنّه كان يرى أنّه لا يقام على كافر حدّ، لا حدّ شرب الخمر(2)، ولا حدّ السرقة(3)، ولا غيرهما من الحدود، فقد روى مجاهد عن ابن عبّاس رضي الله عنه : أنّه كان لا يرى على أهل الذمّة حدّاً، وإذا كان لا يرى على أهل الذمّة حدّاً، فعدم رؤيته وجوبه على غيرهم من الكافرين أولى، وإذا كان الكفار لا حدّ عليهم، فليس معنى ذلك إعفاءهم من العقوبة، بل هم يعاقبون بعقوبة أُخرى مناسبة).
أقول: وهذا الذي ذكره عن ابن عبّاس فيه ما لم يقله ابن عبّاس! ولا تصحّ نسبته إليه من الطريق التي اعتمدها! فهو ذكر (مصنّف ابن أبي شيبة)، و(المحلّى)، و(مصنّف عبد الرزّاق) في مصادره.
فراجعناها، فكان ما في (المحلّى) هو نقله عين ما في (مصنّف عبد الرزّاق)، وهو الخبر السابق في المسألة السابقة بسنده عن عمرو بن دينار، عن مجاهد: أنّ ابن عبّاس كان لا يرى على العبد ولا على الذمّة حدّاً، غير أنّ عبد الرزّاق أخرج أيضاً بسنده عن معمر، عن أيوب، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: لا حدّ على عبد ولا على معاهد.
وفي كلا روايتي مجاهد نظر! أمّا ما في الأولى: فقد تقدّم بيان تجريح رجالها، فلا يجوز الاعتماد عليهم والاحتجاج بها، وأمّا الثانية: فهي مثلها، خصوصاً في مجاهد، ولابن حزم في (المحلّى) -- وهو أحد مصادر المؤلّف -- كلام ينبغي نقله في المقام، قال:
(قال أبو محمّد رحمه الله -- هو ابن حزم -- فلمّا اختلفوا وجب أن ننظر في ذلك لنعلم الحقّ فنتبعه.
فنظرنا في قول من قال: لا حدّ على ذمّي، فوجدناهم يقولون: قال الله تعالى: فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ(1)، ووجدناهم يقولون: قد عاهدناهم على الترك لهم على كفرهم، وكان كفرهم يدخل فيه كلّ شريطة من أحكامهم، فوجب أن لا يعترض عليهم بخلاف ما عوهدوا عليه.
1) - سورة المائدة/42.
قال أبو محمّد رحمه الله: ما نعلم لهم حجّة غير هذا، فلمّا نظرنا في ذلك وجدناه لا حجّة فيه للحنفيين والمالكيين أصلاً، لأنّ الآية المذكورة عامّة لا خاصّة، وهم قد خصّوا، فأوجبوا عليهم الحدّ في السرقة، وفي القذف لمسلم وفي الحرابة، وأسقطوا الحدّ في الزنا وفي الخمر فقط، وهذا تحكّم لم يوجبه قرآن ولا سُنّة صحيحة ولا سقيمة، ولا أجماع ولا قول صاحب.
(فإن قالوا): السرقة ظلم ولا يقروّن على ظلم مسلم، ولا على ظلم ذمّي، والقذف بينهم وبين المسلم، وإذا كان ذلك فلا خلاف في أنّه يحكم في ذلك بحكم الإسلام.
قلنا لهم: وكذلك الزنا إذا زنوا بامرأة مسلم أو بأَمته، أو بامرأة ذمّي، أو أَمته، فإنّه ظلم للمسلم أو سيّدها.
وظلم الذمّي كذلك، ولا يقرون على ظلم، وعلى كلّ حال فقد خصصتم الآية بلا دليل وتركتم ظاهرها بلا حجّة، فإن شغبوا بقول عليّ وابن عبّاس رضي الله عنهما في ذلك، قلنا لهم: لا حجّة لكم في ذلك، لأنّ الرواية عن عليّ في ذلك لا تصحّ، لأنّها عن سماك بن حرب، وهو ضعيف يقبل التلقين، وعن قابوس بن المخارق: وهو مجهول، ثمّ لو صحّ لما كان لهم فيه حجّة، لأنّه لا حجّة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وأمّا الرواية عن ابن عبّاس فأبعد، لأنّه لا حجّة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّهم قد خالفوا ابن عبّاس في هذه القضية، لأنّ فيها لا حدّ على عبد، وهم لا يرون، هذا، ولا حدّ على ذمّي، وهم يرون الحدّ عليه في القذف والسرقة.
قال أبو محمّد رحمه الله : فإذا قد تعارضت الروايتان عن مجاهد عن ابن عبّاس، فقد بطل التعلّق بإحداهما دون الأُخرى، ووجب ردّهما إلى كتاب الله تعالى، فلأي القولين شهد القرآن والسُنّة فهو الحقّ)(1).
وفي الختام، لم نعلم لماذا لم يحشر المؤلّف بقية مسائل متناثرة تصلح أن تكون شواهد لما يروم! فمثلاً كيف تغافل المؤلّف عن ذكر ما أخرجه عبد الرزّاق في مصنّفه، في باب الرجل يبيع الحرّ: (عن ابن جُريج، قال: أخبرت أنّ عليّاً قطع البائع، وقال: لا يكون الحرّ عبداً، قال: وقال ابن عبّاس: ليس عليه قطع، وعليه شبيه بالقطع، الحبس)(2)؟
فهذا صريح في المخالفة المزعومة، لكنّها عن ابن جُريج، وقد مرّ بعض حاله، فقال فيه مالك: حاطب ليل، وقال أحمد: إذا قال ابن جريج، قال فلان، وأُخبرت، جاء بمناكير.. إلى غير هذا، وما رواه عبد الرزّاق عنه، كما مرّ، فهو، قال ابن جريج: أخبرت، إذاً فهو من المناكير، وقال أحمد: بعض الأحاديث التي يرسلها موضوعة، كان لا يبالي من أين أخذها(3).
وتبقى لنا بعض الملاحظات العابرة:
حشره مسائل لم يعثر فيها على نصّ لابن عبّاس في أحكامها، فلماذا يذكرها وهي لا تخصّ ابن عبّاس من جانب إيجابي؟! وهي كما يلي:
1- في الإجهاض في صفحة -47-، قال: (ولكنني لم أعثر على نصّ في ذلك عن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه).
2- في إحصان صفحة -72-، قال: (معلوماتنا عن شروط الإحصان عند ابن عبّاسt قليلة جدّاً، إذ لم نعثر فيما روي عنه على ما يشفي الغليل).
3- في أعرابي صفحة -140-، قال: (لم نعثر على كثير من أحكام الأعرابي عند ابن عبّاس، وما عثرنا عليه منها، بأنّ الأعرابي إذا حجّ ثمّ هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا عبرة لحجّه وعليه إعادته(1).
4- في جناية صفحة -223-، قال: (فإنّنا لم نعثر على قول في ذلك لابن عبّاس).
5- في جناية صفحة -228-، قال: (أمّا إذا كانت الجناية على ما دون النفس، فإنّنا لم نعثر على قول في ذلك لابن عبّاس).
6- في جناية صفحة -230-، قال: (ولم نعثر عن ابن عبّاس على تفريق بين ما إذا كان الحرّ القاتل سيّداً للعبد، أو أجنبيّاً).
7- في الغَلَس = التغليس صفحة -282-، قال: (ولم أعثر على شيء من ذلك عن ابن عبّاس).
8- في صفحة -288- في إحداد المعتدّة من الطلاق البائن بينونة كبرى، قال: (فإنّّنا لم نعثر على شيء من ذلك عن ابن عبّاس).
9- في صفحة -291- في منع الكفار من دخول الحرم، قال: (فإنّنا لم نعثر على شيء من ذلك عن ابن عبّاس رضي الله عنه).
1) - سنن البيهقي 4/325.
10- في صفحة -297- في أكثر الحيض، قال: (ولم نعثر على قول لابن عبّاس في أكثر الحيض).
11- في صفحة -299-، قال: (ولم نعثر على نصّ في ذلك = قضاء ما أفطرته الحائض في رمضان عن ابن عبّاس رضي الله عنه).
12- في صفحة -301- في الخطأ في الأقوال يمنع ترتب آثارها عليها: (فمن جرى على لسانه لفظ الكفر خطأ، فإنّه لا يعتبر مرتدّاً، لأنّ التصرفات القولية تفتقر إلى الإرادة لكي تترتب آثارها عليها، والإرادة لا تجامع الخطأ، ولم نعثر على مثال لذلك عند ابن عبّاسرضي الله عنه).
13- في صفحة -371-، قال: (لم نعثر على شيء في زكاة المواشي عن ابن عبّاس، إلاّ ما سبق عنه في (زكاة، 3أ) من أنّه لا زكاة على خيل الجهاد، ولا على المال الموقوف لجهة خير).
14- أمّا شرط الإسلام -- فيمن تصرف إليه الزكاة -- وعدم القعود عن الكسب، فقد تبيّنا في السُنّة، ولم نعثر عن ابن عبّاس على شيء فيهما، ولعلّه ترك النصّ عليهما اكتفاءً بما ثبت في السُنّة.
15- في صفحة -390-: (سؤر الإنسان طاهر بالإجماع، ولم نعثر على نص خاص عند ابن عبّاس رضي الله عنه).
16- في صفحة -391- عن سؤر الحيوان: (وإن كان ممّا لا تعم به البلوى، فإنّنا لم نعثر في ذلك على نصّ عن ابن عبّاس رضي الله عنه).
17- في صفحة -396 -: (كيفية سجود السهو... وهل يقرأ التشهد بعدهما أم لا يقرأ، لم نعثر في ذلك عن ابن عبّاس).
18- في صفحة -401- في سرقة الصغير والمجنون: (انعقد الإجماع على أنّه لا قطع على الصغير والمجنون إذا سرقا، لأنّ الصغير لم يكلّف بعد، ولسقوط التكليف عن المجنون، ولكنّنا لم نعثر على نص في ذلك عن ابن عبّاس رضي الله عنه).
19- في صفحة -564- في قسمة الغنائم: (يعطى المحاربون الحائزون لهذه الغنائم الأربعة أخماس، وتوزّع على رؤوسهم، ويحسب للراجل سهم واحد، وللفارس سهمان، أو ثلاثة، لم نعثر على شيء في ذلك عن ابن عبّاس رضي الله عنه).
20- في صفحة -635-: (وحكى بعضهم أنّ مذهب ابن عبّاس: أنّه لا يجوز لولي المرأة أن يحطّ من مهرها شيئاً، ولم أعثر على قول في ذلك عن ابن عبّاس، وإنّما هو تخريج للعلماء في مذهب ابن عبّاس...).
كثرة اختلاف الروايات في حكم المسألة الواحدة، مروية عن ابن عبّاس، ممّا تمنع الباحث من الجزم في نسبة الرأي إلى ابن عبّاس، والمؤلّف قد أشار إلى عدّة موارد صرّح فيها باختلاف الرواية، ومع ذلك اتّخذ بعضها نماذج مخالفة لما ورد في فقه الإمام عليّu، بينما الصحيح عدم جعلها كذلك ما دامت الروايات الأُخرى في المسألة تكون موافقة، أو لا تشير إلى الخلاف، وقد أحصيت ما وقفت عليه من تصريح المؤلّف باختلاف الرواية، فكانت أكثر من ثلاثين مورداً، كما يلي في الصفحات التالية: (1 و245 و246 و247 و273 و273 و274 و299 و300 و302 و321 و326 و331 و338 و349 و351 و355 و356 و367 و370
و377 و406 و407 و410 و413 و438 و439 و445 و461 و467 و575 و588 و613 و617 و624 و708).
ولولا خوف الإطناب المملّ لذكرت الموارد بالتفصيل، وحسب القارئ دلالة عليها.
عدم الدقّة في صحّة نسبة الآثار عن ابن عبّاس، فالمؤلّف حين ينقل ما رآه في كتاب ما، دون التأكّد من صحّة نسبة ما وجده فيه عن ابن عبّاس، وهذا له شواهد في موسوعة فقه عبد الله بن عبّاس، أشير إلى أحدها باختصار:
في صفحة -129- في الأشربة، قال: ونقل الجصّاص عن ابن عبّاس جواز الوضوء بالنبيّذ الذي لا يسكر: وهذا من غرائب الفتاوى لو صحّت النسبة!
غير إنّا وجدنا البيهقي كذّب هذه النسبة في (السنن الكبرى)، فقال: (وأمّا الحديث الذي أخبرنا أبو سعد الماليني، أنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، أنا أحمد بن عبد الله، نا يوسف بن بحر، ثنا المسيّب بن واضح، نا مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : (النبيّذ وضوء لمن لا يجد الماء)، قال: وأنبأ أبو أحمد، ثنا محمّد بن تمام، نا المسيّب بن واضح، نا مبشر، ذكره بإسناد مثله موقوفاً. فهذا حديث مختلف فيه على المسيّب بن واضح، وهو واهم فيه في موضعين، في ذكر ابن عبّاس، وفي ذكر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، والمحفوظ أنّه من قول عكرمة غير مرفوع، كذا رواه معقل بن الزياد والوليد بن مسلم، عن
الأوزاعي، وكذلك رواه شيبان النحوي وعلي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، وكان المسيّب رحمنا الله وإياه كثير الوهم...
وروي بإسناد ضعيف عن أبان بن أبي عياش، عن عكرمة، عن ابن عبّاس مرفوعاً، وأبان متروك.
قال أبو الحسن الدارقطني فيما أخبرنا به أبو بكر بن الحارث عنه المحفوظ: أنّه من قول عكرمة غير مرفوع إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا إلى ابن عبّاس)(1).
أقول: وحسبنا معرفة عكرمة، وأنّه كان ممّن يضرب به المثل في الكذب على ابن عبّاس، كما أشرنا إلى هذا مراراً.
تجنّب المؤلّف عند ذكر البغاة في صفحة -161 -- 162- ذكر أهل الجمل وصفّين، فذكر الخوارج في دعوة الإمام لهم إلى الرجوع إلى الطاعة ووحدة الكلمة، وهل من محذور لو ذكرهم وكانت دعوة الإمامu لهم إلى الطاعة ووحدة الصف والكلمة؟! وسفارات ابن عبّاس يوم الجمل بين زعماء الناكثين طلحة والزبير وعائشة روتها كتب التاريخ، وفي أهل صفّين كان البغي أظهر لقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لعمّار تقتله الفئة الباغية، إنّها النعرات الأَموية!
الملاحظة الخامسة: ذكر المؤلّف في صفحة -206 -- 207- في قطع التلبية في الحجّ، فقال: (وقد غضب ابن عبّاس لمّا سمع معاوية ينهى عنها)،
1) - السنن الكبرى 1/12.
وعزا ذلك إلى أنّ هذا النهي هو نهي سياسي مخالفة لعليّ بن أبي طالب الذي كان يأمر بها، فقال رضي الله عنه : (لعن الله فلاناً أنّه كان ينهى عن التلبية في هذا اليوم لأنّ عليّاً كان يلبي فيه)(1)، وقال: (لعن الله فلاناً عمدوا إلى أعظم أيام الحجّ فمحوا زينة الحجّ، وإنّما زينة الحجّ التلبية)(2).
وهذا النهي السياسي ألزم علماء الدولة بالتعتيم الإعلامي، فلم يصرّحوا باسم معاوية وهو الملعون على لسان ابن عبّاس، وفي ذلك الموقف! ولئن كنّوا عنه بفلان في بعض المصادر، فقد صرّح بعضهم باسمه ممّن لم يخش لائمة الصنيع، كالنسائي في (السنن)(3)، وابن خزيمة في (الصحيح)(4)، والبيهقي في (السنن الكبرى)(5)، وإليك الحديث بلفظ البيهقي:
(...عن سعيد بن جبير، قال: كنّا عند ابن عبّاس بعرفة، فقال: يا سعيد! مالي لا أسمع الناس يلبّون؟
فقلت: يخافون من معاوية.
فخرج ابن عبّاس من فسطاطه، فقال: لبيك اللّهمّ لبيك وإن رغم أنف معاوية، اللّهمّ العنهم فقد تركوا السُنّة من بغض عليّ عليه السلام ).
ذكر المؤلّف في صفحة -268- في رمي جمرة
العقبة: (... وكان عرب الجاهلية يرمون الجمار حتّى قال ابن عبّاسt: رمينا الجمار في الجاهلية بسبع، وفي الإسلام بسبع، نقلاً عن ابن أبي شيبة(1).
ومن الغريب ذكر هذا دون الالتفات إلى كذب الخبر! حيث استبطن كذبه بقول ابن عبّاس: رمينا الجمار في الجاهلية بسبع... متى أدرك هو أيام الجاهلية ليقول رمينا؟! أو ليست ولادته كانت في الإسلام بمكّة قبل الهجرة بثلاث سنين؟!
ومن رجع إلى المصدر الذي ذكره المؤلّف، يجد الخبر مرسلاً، معطوفاً على خبر رواه قتادة عن ابن عمر، أنّه قال: (ما أبالي رميت الجمار بستّ، أو بسبع، وقال ابن عبّاس: رمينا في الجاهلية بسبع، وفي الإسلام بسبع)(2)، فمهما تجاوزنا عن حساب سنّي ولادة ابن عبّاس، فلا يسعنا التجاوز عن الراوي قتادة المدّلس، كما في ميزان الذهبي: وقال الشعبي: كان حاطب ليل، وقال الحاكم: لم يسمع من صحابي غير أنس، وقال شعبة: كان قتادة إذا جاء ما سمع، قال حدّثنا، وإذا جاء ما لم يسمع، قال: قال فلان(3).
أقول: وهذا الذي رواه ابن أبي شيبة عن قتادة ممّا لم يسمعه، لا من ابن عمر، ولا من ابن عبّاس، فلماذا صار المؤلّف مثل قتادة حاطب ليل!
ذكر المؤلّف في صفحة -221- حلق الشعر، فقال: (كان ابن عبّاس رضي الله عنه يكره أن يحلق الرجل شعر رأسه في المصر بغير عذر ويقول: (الذي يحلق رأسه في المصر شيطان)(1).
ولمّا راجعت المصدر، فكان الذي فيه ما يتعلّق بالشِعْر لا بالشَعْر، وهو الخبر الذي ذكره المؤلّف في أوّل الصفحة: (قال ابن عبّاس: قال تعالى: وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ(2)، فنسخ من ذلك واستثنى، فقال في سورة الشعراء: إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً(3)، نقلاً عن تفسير ابن كثير، والدرّ المنثور(4)، فهذا هو الذي رواه البيهقي في سننه(5)، وأين هذا من مسألة كراهة حلق شعر الرأس في المصر؟! على أنّ ما رواه البيهقي أيضاً لا يعتمد عليه، لأخذه من رواية عكرمة، وهو مضرب المثل في كذب الموالي على أوليائهم.
ما ذكره في صفحة -442- في ذكر الصلاة قبل وقتها، فقال: (لقد أجاز ابن عبّاس رضي الله عنه أداء الصلاة قبل وقتها للضرورة، لا من باب الجمع بين الصلاتين، بل من باب تعجيل الصلاة خوف فواتها(6)، فقد سُئل رضي الله عنه عن رجل صلّى الظهر في السفر قبل أن تزول الشمس؟ قال: تجزئه:
أرأيت إن كان على أحدكم دين إلى أجل فقضاه قبل محلّه، أليس كان قد قضاه(1)، ونقل عنه النووي، أنّه قال: تجوز صلاة الجمعة قبل الزوال(2).
وهذه المسألة اشتهرت عن ابن عبّاس فتياه فيها، ولقد بحثت كثيراً عن مصدر موثوق يذكرها بسند وثيق فلم أقف عليه، وما وقفت عليه في المصادر الموثوقة، إنّما هو مرسل لا يصحّ الاعتماد عليه بوجه!
ولننظر في أوّل مصادر المؤلّف التي مرّ ذكرها:
فأوّلها المحلّى (2/236 و6/98): فقد قال ابن حزم في الموضع الأوّل مستدلاًّ على عدم قضاء الفوائت من الصلاة: (...ونسألهم لم أجزتم الصلاة بعد الوقت، ولم تجيزوها قبل الوقت؟ فإن ادّعوا الإجماع كذبوا، لأنّ ابن عبّاس والحسن البصري يجيزان الصلاة قبل الوقت...).
وقال في الموضع الثاني: (...بل لو كان القياس حقّاً، لكان قياس تعجيل الزكاة قبل وقتها على تعجيل الصلاة قبل وقتها والصوم قبل وقته أصحّ، لأنّها كلّها عبادات محدودة بأوقات لا يجوز تعدّيها، وهذا ممّا تركوا فيه القياس. فإن ادّعوا إجماعاً على المنع من تعجيل الصلاة، أكذبهم الأثر الصحيح عن ابن عبّاس والحسن). أه-
ومهما أحسنّا الظنّ بابن حزم في هذا المقام بأنّه لم يتعمّد الكذب على ابن عبّاس، ولكن هذا لا يعني تقليده في قوله: (الأثر الصحيح عن ابن عبّاس)، فمن أين عرف صحّته وهو لم يذكر له سنداً لننظر فيه، ولا إمارة
شاهدة على الصحّة؟!
وثاني مصادره (المغني 1/396): فراجعت (المغني) فجاء فيه: (وروي عن ابن عبّاس في مسافر صلّى الظهر قبل الزوال: يجزئه، ونحوه قال الحسن والشعبي...)، فهذا مرسل لا ندري من رواه؟ وهل هو مستجمع لشرائط القبول؟ إذاً فهو عطف على ما مرّ في عدم صحّة النسبة لعدم سلامة الطريق لجهالة راويه.
وثالث المصادر هو (الأوسط 2/384): ولم يحصل عندي فعلاً، وعوضاً عنه نذكر ما ذكره ابن رجب الحنبلي في (فتح الباري)، فقال: (... وقد روينا عن ابن عبّاس أنّه قال في رجل صلّى الظهر في السفر قبل أن تزول الشمس قال: يجزئه)(1)، وبحثت في عدّة مصادر فقهية من كتب الفريقين، فما وجدت ذلك منقولاً عن ابن عبّاس بسنده، بل كلّ من ذكره إنّما ذكره بإرسال، نحو ما في كتاب (الخلاف) للشيخ الطوسي، حيث قال في أوّل كتاب الصلاة:
(مسألة1: لا يجوز افتتاح الصلاة قبل دخول وقتها، وبه قال جميع الفقهاء.
وروي في بعض الروايات عن ابن عبّاس أنّه قال: يجوز استفتاح الصلاة قبل الزوال بقليل.
دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع المسلمين، فإنّ خلاف ابن عبّاس إن
1) - فتح الباري لابن رجب 4/189، ط الأولى سنة 1417ه- و2/25، ط الثانية بالدمام سنة1422ه-.
صحّ عنه ذلك فقد انقرض، وأجمعوا على خلافه...)(1).
وجاء في (مفتاح الكرامة): وعن ابن عبّاس في مسافر صلّى الظهر قبل الزوال أنّه يجزيه، ونحوه عن الحسن والشعبي(2).
وفي (المنتهى): لا تجوز الصلاة قبل دخول وقتها بإجماع أهل العلم كافّة، إلاّ ما روي عن ابن عبّاس والحسن والشعبي، وخلاف هؤلاء قد انقرض فلا تعويل عليه(3).
ومثله قال المحقّق الحلّي في (المعتبر) في كتاب الصلاة(4).
وأشار إليه صاحب (مفتاح الكرامة) مرّة ثانية، وذكر عن العلاّمة وغيره حول رواية الحلبي الوارد بجواز الصلاة للمسافر في غير وقتها وحملها على التأخير عن وقت الفضيلة(5).
ولكن صاحب (الوسائل) نقلها عن (التهذيب)، و(الاستبصار) للشيخ الطوسي، وعن الصدوق في (الفقيه)، وهي: (...عن عبيد الله الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا صلّيت في السفر شيئاً من الصلوات في غير وقتها فلا يضرّك)... ثمّ قال: حمله الشيخ -- الطوسي -- على خروج الوقت فتكون قضاءً، ويحتمل الحمل عن وقت الفضيلة لا الإجزاء).
وهذا الذي ذكره الشيخ الطوسي وجهاً لحمل خبر الحلبي، قاله الفقيه أبو الصلاح الحلبي (ت447ه-) بما هو أوضح فتيا، وعليه يمكن حمل ما نسب إلى ابن عبّاس إن صحّ ذلك عنه، قال: (ولا يجوز الصلاة قبل وقتها، فإن صلّى قبله قاصداً بطلت صلاته، وإن كان جاهلاً به أو ساهياً عنه، فإن دخل الوقت وهو في شيء منها فهي تجزيه، وإن خرج عنها ولمّا يدخل الوقت لم تجزه، وعليه إعادتها فيه...)(1).
وللسيّد الشريف المرتضى كلام في بعض أجوبة مسائله الرسيّات الأولى، كما في مجموع مسائله، يحسن نقله في المقام للاستئناس به في تفسير ما نقل عن ابن عبّاس إذا صحّت الرواية عنه:
قال الشريف: (مسألة: وما الوجه في الفتيا بمضيّ صلاة من فعلها قبل الوقت مع الجهل به أو السهو عنه، مع دخول الوقت وهو في شيء منها، والأُمّة متّفقة على أنّ من فعل من الركعات قبل الزوال والغروب وطلوع الفجر، فليس بظهر ولا مغرب ولا غداة، وإذا ثبت هذا بغير تنازع، فكيف يكون ما فعل قبل تعلّق وجوبه بالذمّة مجزياً عمّا يتعلّق به في المستقبل؟ وكيف يكون صلاته ظهراً يجزيه، وبعضها واجب لو سلم، وبعضها غير واجب؟ وكيف يكون ما لو قصد إليه لكان قبيحاً استحقّ به العقاب من فعلها قبل الوقت مجزياً عمّا لو قصد إليه لكان واجباً يستحقّ به الثواب من فعلها بالوقت)(2). أه-
هكذا حرّر الشريف المسألة، وأجاب عمّا فيها من السؤال ، فقال:
(وأمّا المسألة الرابعة:
[حكم الواقع بعض صلاته قبل الوقت]
بأنّ الصلاة الواقعة بعضها قبل الوقت جهلاً أو سهواً، وبعضها في الوقت مجزية ماضية.
فأوّل ما نقوله: إنّ عندي أنّ هذه الصلاة غير مجزية ولا ماضية، ولا بدّ من أن يكون جميع الصلاة في الوقت المضروب لها، فإن صادف شيء من أجزائها ما هو خارج الوقت لم تكن مجزية.
وبهذا يفتي محصلو أصحابنا ومحقّقوهم، وقد وردت روايات(1)به، وإن كان في بعض كتب أصحابنا ما يخالف ذلك من الرواية. وإذا كنّا لا نذهب إلى ما تعجب منه فلا سؤال له علينا.
والوجه في صحّة القول بأنّ من صلّى بعض صلاته، أو جميعها قبل دخول وقتها يلزمها الإعادة، وأنّ صلاته غير ماضية. أنّ معنى ضرب الوقت للعبادة هو التنبيّه على أنّها لا تجزي إلاّ فيه، وإذا كان من صلّى قبل الوقت مخالفاً للمشروع له، ومخالفة المشروع له يقتضي فساد العبادة، فيجب القضاء بترك الاعتداد بما وقع من الصلاة في غير الوقت، ولأنّ الصلاة بدخول الوقت تلزم لا محالة.
وقد علمنا أنّ ما يفعله منها في الوقت يسقط عن ذمّته وجوبها
1) - راجع وسائل الشيعة 3/122 ب13.
بالإجماع، ولم نعلم أنّ ما فعله قبل دخول الوقت مسقطاً عن ذمّته ما تنقلها(1)، فيجب عليه أن يفعل الصلاة في وقتها ما يعلم به براءة ذمّته من وجوبها.
وما يرويه أصحابنا فيما يخالف ما ذكرناه من أخبار الآحاد لا يتعبّد به، لأنّه ليس بحجّة ولا موجب علماً.
ولو قامت دلالة على أنّ من صلّى بعض الصلاة، أو كلّها قبل دخول الوقت أجزأه، ولم يجب عليه الإعادة لجاز ذلك عندنا، ولم يكن مخالفاً لقانون الشرع.
فلا خلاف بين أصحابنا في أنّ من اجتهد في جهة القبلة وصلّى، ثمّ تبيّن له بعد خروج الوقت أنّه أخطأها وصلّى إلى غيرها، فإنّه لا إعادة عليه، وأنّ صلاته الماضية مجزية عنه، إذا كان ما استدبر القبلة.
وقال أبو حنيفة، ومالك، وهو أحد قولي الشافعي: إنّه لا إعادة عليه على كلّ حال. ولم يفرّقوا بين الخطأ بالاستدبار أو اليمين أو اليسار.
فما هذا التعجّب من الرواية الواردة بإجزاء هذه الصلاة؟ ونحن كنّا وفقهاء العامّة نقول في جهة القبلة مثل ذلك بعينه، ونحن نعلم أنّ القبلة شرط في الصلاة كالوقت.
فإذا جاز أن يقوم الخطأ مع الاجتهاد في القبلة مقام الصواب، ويقال: إن فرضه أدّاه اجتهاده إلى سمت بعينه هو ذلك السمت دون غيره.
1) - ظ: ما تعلّق بها.
فلم لا أجاز أن يقال أيضاً: إنّ فرضه إذا اجتهد فأدّاه اجتهاده إلى دخول الوقت هو إيقاع الصلاة فيه، فما فعل إلاّ ما هو فرضه في الحال، وإن ظهر له في المستقبل خلافه، كما لو ظهر له في جهة القبلة خلاف اجتهاده.
ولم نقل ذلك نصرة لهذا المذهب، فقد بيّنا أنّ ذلك عندنا باطل، وأنّ الصحيح خلافه، وإنّما قابلنا بذلك الاستبعاد له والشناعة به.
فأمّا ما مضى في أثناء السؤال من أنّه يكون ما فعله قبل تعلّق وجوبه بالذمّة مجزياً عمّا يتعلّق بها في المستقبل، فكيف تكون صلاته مجزية، وبعضها واجب وبعضها غير واجب، وكيف يكون ما لو قصد إليها لكان قبيحاً يستحقّ به العقاب من فعلها قبل الوقت مجزياً عمّا لو قصد إليها لكان واجباً يستحقّ به الثواب في فعلها في الوقت؟
فممّا لا يقدح في المذهب الذي قصد إلى القدح فيه، لأنّ لمن ذهب إليه أن يقول: إنّني لا أسلّم أنّ وجوب الصلاة تعلّق بالذمّة، مع غلبة ظنّه بدخول الوقت، ولا أنّ أوّل صلاته غير واجب. وليس يمتنع أن يكون ما لو قصد إليه أن يكون قبيحاً يستحقّ به العقاب مجزية، بل هو فرضه فيه، مع غلبة الظنّ المؤدّي إليه اجتهاده.
ألا ترى أنّه لو قصد أن يصلّي إلى غير جهة القبلة، لكان ذلك منه قبيحاً يستحقّ به العقاب، ومع ذلك فإذا أدّاه اجتهاده إلى تلك الجهة أجزأه صلاته، ولم يكن له الإعادة وإن تبيّن الخطأ، فلا وجه لاستبعاد هذا المذهب إلاّ من حيث ما ذكرناه)(1).
1) - رسائل الشريف المرتضى2/350 -- 352.
وقال العلاّمة الحلّي في كتابه (تذكرة الفقهاء): (لو صلّى قبل الوقت لم تجزئه صلاته عمداً، أو جهلا، أو سهواً، كلّ الصلاة وبعضها عند علمائنا أجمع، وهو قول الزهري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، لأنّ الخطاب بالصلاة توجّه إلى المكلف عند دخول وقتها، فلا تبرأ الذمّة بدونه، ولقول الصادقu: (من صلّى في غير وقت فلا صلاة له).
وروي عن ابن عبّاس في مسافر صلّى الظهر قبل الزوال، قال: يجزيه، ونحوه قال الحسن والشعبي)(1).
ونعود إلى شيخ الطائفة الذي قال في (المبسوط): (فإن صلّى قبل الوقت متعمداً أو ناسياً أعاد الصلاة، فإن دخل فيها بإمارة وغلب معها في ظنّه دخوله، ثمّ دخل الوقت وهو في شيء منها فقد أ جزأه، فإن فرغ منها قبل دخول الوقت أعاد على كلّ حال)(2).
وقال في (النهاية): (فمن صلّى الفرض قبل دخول الوقت عامداً أو ناسياً ثمّ علم بعد ذلك، وجب عليه إعادة الصلاة، فإن كان في الصلاة لم يفرغ منها بعد ثمّ دخل وقتها، فقد أجزأت عنه)(3)، فإن صحّت لديه النسبة إلى ابن عبّاس، فمن المحتمل أن يكون السائل كذلك.
هذه جملة من أقوال علماء الشيعة في عدم جواز الصلاة قبل وقتها، ومن صلاّها قبل وقتها عامداً أو ناسياً أعادها، واستثنوا من ظنّ دخول الوقت
بإمارة معتبرة فدخل فيها، ثمّ دخل الوقت وهو بعد فيها فقد أجزأت، وهذا يمكن أن يدّعى في المسافر الذي صلّى قبل دخول الوقت، وسُئل عنه ابن عبّاس، فقال: يجزئه.
وإذا أردنا المناقشة فيما روي عن ابن عبّاس، فأوّلها: السؤال من هو الراوي؟ وأين روي؟ وما هي المصادر الموثوقة في نقلها عنه في هذا المقام؟
وجملة ما وقفت عليه فيها فمراسيل، لا يصحّ معها نسبة القول إليه بوجه، بعد أن نعرف أنّه هو أحد رواة المواقيت في تعييّنها، وأنّ جبرئيل عليه السلام هو الذي علّمها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والنبيّ علّمها لأُمّته، فكيف يفتي هو بصحّة صلاة من صلّى قبل الوقت؟! وقد أخرج عبد الرزّاق في (مصنّفه) في أوّل باب المواقيت حديث ابن عبّاس في تعيين المواقيت مرفوعاً وموقوفاً(1)فراجع.
وليت ما قاله بعض الأعلام، وهو الشيخ الطوسي في (الخلاف): (وروي في بعض الروايات عن ابن عبّاس أنّه قال: يجوز استفتاح الصلاة قبل الزوال بقليل)، ذكر لنا أين رأى ذلك البعض من الروايات فاعتمده في نسبة القول إلى ابن عبّاس؟ مع أنّ جميع ما رأيت في التراث ممّن نسب ذلك إلى ابن عبّاس، نسبه مشعراً بالتمريض لإرساله! كما في:
1- (المغني) لابن قدامة، قال: (وروي عن ابن عبّاس في مسافر صلّى الظهر قبل الزوال: يجزئه، ونحوه قال الحسن والشعبي)(2).
2- (بداية المجتهد) لابن رشد، في المسألة الأولى، قال: (اتّفقوا على أنّ أوّل وقت الظهر الذي لا تجوز قبله هو الزوال، إلاّ خلافاً شاذاً روي عن ابن عبّاس)(1).
إلى غيرها من مصادر الفقه من مذاهب الفريقين.
نعم، جاء هذا مسنداً في (الأوسط) لابن المنذر: (... وقد روينا عن ابن عبّاس أنّه قال في رجل صلّى الظهر في السفر قبل أن تزول الشمس، قال: تجزيه، أرأيت إن كان على أحدكم دين إلى أجل فقضاه قبل محلّه أليس قد كان قضاه؟ وهذا مرسل)(2).
ولكن ابن المنذر أسنده في (الأوسط) أيضاً، فقال: (حدّثنا موسى بن هارون، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، سُئل عن رجل صلّى الظهر في السفر قبل أن تزول الشمس؟ قال: تجزيه، ثمّ قال: أرأيت إن كان على أحدكم دين إلى أجل فقضاه قبل محلّه أليس ذلك قد قضاه)(3).
فهذا كلّه هو الخبر الفريد الذي وجدته مسنداً! ونظرة فاحصة في أحوال رجاله، بدءاً من شريك -- وهو بن عبد الله النخعي القاضي بالكوفة، الذي قال فيه ابن معين: لا يتقن ويغلط -- عن سماك -- وهذا هو الذي قال فيه أحمد: مضطرب الحديث، وقال فيه ابن المديني: روايته عن عكرمة
مضطربة -- وهذا الخبر كما تراه هو عن عكرمة، وقد مرّ مكرّراً ذكر حال عكرمة وكذبه حتّى صار في كذبه مضرب المثل. فكيف بخبر هذا سنده الوحيد الفريد يمكن أن ينسب إلى ابن عبّاس ما قيل عنه في هذه المسألة؟!
ثمّ هذا الخبر بروايتي ابن المنذر لهما مرسلاً ومسنداً، ذيّلهما بما يشعر الاستنكار من تلك الفتيا، وبتحقيق النظر فيما ذيّلهما به، نجد الجواب لا يتّفق ولوذعية ابن عبّاسt في إقامة الحجّة، ولا ألمعيته في الفقه، فهو يقيس ما لم يجب على المكلّف وجوب أدائه فعلاً، لعدم توجّه الخطاب إليه على ما توجّه إليه الخطاب بوجوب أدائه عند حلول وقته، وقد مرّ في كلام الشريف المرتضى ما فيه إشارة إلى هذا الجانب، فمرحلة وجوب الأداء الفعلية لواجب سيأتي وجوبه في المستقبل، ممّا لا تصحّ نسبته إلى فقاهة ابن عبّاس، والأحرى بنسبته إلى عكرمة الأباضي الخارجي الكذّاب.
قال المؤلّف في صفحة -454-: (الاستفتاح: ثمّ يستفتح الصلاة بدعاء، وقد روى طاووس بن كيسان، قال: كان ابن عبّاس إذا قام من الليل، قال:...).
أقول: لقد وهم المؤلّف في فهمه (إذا قام من الليل قال...) أنّ المراد القيام بصلاة الليل، وهذا دعاء ابن عبّاس في الاستفتاح، بينما المذكور في عدّة مصادر حديثية، ومنها (الجمع بين الصحيحين)، و(صحيح ابن حبّان)، و(سنن الترمذي)، و(سنن البيهقي)، و(معجم الطبراني الكبير)، وحتّى (الأدب المفرد) للبخاري، و(اللؤلؤ والمرجان)، وغيرها، فقد جاء فيها: إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل، فأين هذا من دعاء الاستفتاح عند الشروع في الصلاة؟
قال المؤلّف في صفحة -457-: (الجلوس بين السجدتين: ثمّ ينهض من السجود ويجلس ليسجد بعد ذلك للسجدة الثانية، وكيفية هذا الجلوس: أن يفرش قدميه ويجلس بإليتيه على عقبيه، قال ابن عبّاس: من السُنّة أن تضع إليتيك على عقبيك في الصلاة(1)وهو الإقعاء، قال ابن عبّاس: الإقعاء في الصلاة من السُنّة(2)، وعن طاووس قال: قلنا لابن عبّاس في الإقعاء على القدمين؟ فقال: هو السُنّة، فقلنا له: أما تراه جفاء بالرجل؟ فقال ابن عبّاس: بل هو سُنّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم (3)، وكان ابن عبّاس يفعله، فعن طاووس أنّه رأى ابن عمر، وابن الزبير، وابن عبّاس يُقعون بين السجدتين(4)، وعن عطية قال: رأيت العبادلة يُقعون في الصلاة بين السجدتين).أه-
أقول: لقد أخطأ المؤلّف مرماه حين جعل الإقعاء بما فسّره عن ابن عبّاس من السُنّة، وهو منهيّ عنه في الصلاة.
فهلّم إلى صحاح اللغة في معنى: (قعا)، قال الجوهري: (أقعى الكلب، إذا جلس على أُسته مفترشاً رجليه وناصباً يديه، وقد جاء النهي عن الإقعاء
1) - مصنّف عبد الرزّاق 2/191، والمغني 1/524، والمجموع 3/414، وسنن البيهقي 2/119، وكنز العمّال 8/130، وكشف الغمّة 1/106، والأوسط 3/191، ونيل الأوطار 2/311.
2) - مصنّف عبد الرزّاق 2/191، وكنز العمّال 8/149.
3) - أخرجه مسلم في المساجد باب جواز الإقعاء على العقبين وأبو داود في الصلاة باب الإقعاء بين السجدتين، والترمذي في الصلاة باب الرخصة في الإقعاء، وسنن البيهقي 2/119، والمغني 1/524.
4) - مصنّف عبد الرزّاق 2/191.
في الصلاة وهو أن يضع إليته على عقبيه بين السجدتين، وهذا تفسير الفقهاء، فأمّا أهل اللغة فالإقعاء عندهم: أن يلصق الرجل أليته بالأرض وينصب ساقيه ويتساند إلى ظهره)(1).
والذي دلّ على الإقعاء مكروه وليس بسُنّة: ما رواه عبد الرزّاق في (المصنّف)(2)، بسنده عن الحارث، عن عليّ، قال: (الإقعاء عقبة الشيطان)(3). وروى النهي عنه أبو هريرة، وإبراهيم، وقتادة، وروى عبد الرزّاق: (عن معمر، قال: سألت عطاء الخراساني وأيوب عن الرجل يُقعي إذا رفع رأسه من المسجد حتّى يسجد الأُخرى؟ فقال أيوب: كان الحسن وابن سيرين لا يقعيان، قال عطاء: كذلك كنّا نسمع حتّى جاءنا أهل مكّة بغير ذلك)(4).
أقول: وقد صدق في نسبة هذا إلى أهل مكّة، فإنّ جلّ ما رأيته من روايات الإقعاء وأنّه سُنّة كما عن ابن عبّاس، فقد رواه ابن طاووس عن أبيه، وليث عن طاووس، وإبراهيم بن سمرة عن طاووس. وقد مرّ من المؤلّف ذكر بعض هذا.
ولمّا كان موضوع الإقعاء مختلفاً في مفهومه بين الفقهاء واللغويين، كما مرّ عن الصحاح، فقد حاول النووي التوفيق بينهما ليجمع بين الأخبار
الناهية والآمرة، فقال: (الصواب الذي لا يُعدل عنه: أنّ الإقعاء نوعان: أحدهما: أن يلصق إليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد النهي عنه، والثاني: أن يجعل إليته على العقبين بين السجدتين، قلت: وهذا الذي كان يفعله العبادلة وغيرهم، وقال ابن عبّاس أنّه سُنّة نبيّكم، وأحاديث النهي عن الإقعاء محمولة على الأوّل، وبهذا ينتفي التعارض بين الروايات.. هذا ملخص ما قال البيهقي، والشوكاني، وابن الهمام. وقال البيهقي: إنّ الافتراش بين السجدتين أفضل من الإقعاء بالمعنى الثاني لكثرة الرواية)(1).
وفي (سنن البيهقي) باب القعود على العقبين بين السجدتين(2)، وفي باب كيف القيام من الجلوس(3)، كلام كثير له حول التوفيق بين أخبار النهي والأمر، يطول المقام بشرحه.
ذكر المؤلّف في صفحة -533-: (نفقة المطلّقة الرجعية: ينفق عليها زوجها الذي طلّقها لأنّها لا زالت زوجته. أمّا المطلّقة ثلاثاً فإنّ ابن عبّاس يرى أنّ لا نفقة لها إن لم تكن حاملاً، فيقول: (ليس للمطلّقة ثلاثاً نفقة)، أمّا الحامل فإنّ لها النفقة حتّى تضع حملها، وهو بذلك يخالف عمر بن الخطّاب وجماهير الصحابة، وحجّته في ذلك حديث فاطمة بنت قيس، وهو أنّ أبا عمرو بن حفص طلّقها البتة وهو غائب،
فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لكِ علينا من شيء، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له، فقال: (ليس لكِ عليه نفقة)، فأمرها أن تعتدّ في بيت أُمّ شريك، ثمّ قال: (تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدّي عند ابن أُمّ كلثوم).أه-
أقول: وهذا من سهو القلم! والصواب هو: ابن أُمّ مكتوم، لأنّه كان أعمى، وهذا الحديث ممّا وهم فيه الرافعي في (الشرح الكبير) أيضاً، وقد نبه على ما فيه ابن حجر في (تلخيص الحبير) باب السكنى للمعتدّة، فقال:
(2- حديث: (إنّ فاطمة بنت أبي حبيش بتّ زوجها طلاقها، فأمرها أن تعتد في بيت ابن أُمّ مكتوم)، هذا ممّا في الكتاب من الأوهام الواضحة، والقصّة إنّما هي لفاطمة بنت قيس، كما تقدّم في النهي عن الخطبة على الخطبة على الصواب، والحديث في صحيح مسلم)(1).
أقول: فما دام ابن حجر قد عدّ الوهم في النسبة من الأوهام الواضحة، فإنّ الوهم في الاسم أيضاً من الأوهام الفاضحة! وكان على المؤلّف مراجعة مصادره لهذا الحديث، وهي من أُمّهات المصادر الحديثية، كصحيح مسلم، والموطأ، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وأخيراً مصنّف ابن أبي شيبة، فهل في واحد منها ذكر ابن أُمّ كلثوم؟! وهذا ليس فيه كبير مؤاخذة، غير أنّ المؤلّف له في بعض موارد موسوعته في فقه ابن عبّاس بعض الآراء لا يساعده التاريخ في إثباتها. ولست وأيم الحقّ في مقام تنقيده، ولا نكران فضله في جهده، ولولا أنّها تغري بعض القرّاء بصحّتها، لشموخ ذكر
1) - تلخيص الحبير 3/268.
الذوات فيها، لما ذكرتها، وحسبي أن أذكر مورداً واحداً منها، وهو مصادر الفتوى عند ابن عبّاس، فقد قال في صفحة -141-:
(2- مصادر الفتوى: كان ابن عبّاس يرى أنّ مصادر الفتوى أربعة، القرآن، ثمّ السُنّة، ثمّ ما أفتى به الأئمّة الأعلام المشهود لهم بالعلم والتقوى؟ ثمّ الاجتهاد بنحو القياس والاستحسان وغيرها؟ فلا اجتهاد مع وجود النص، ولا اجتهاد مع ما أثر فيه شيء عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقد أفصح عن هذا ابن عبّاس فيما رواه عنه أبي يزيد، قال: وكان ابن عبّاس إذا سُئل عن الأمر فكان في القرآن أخبر به، فإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر به، وإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه(1).
أمّا ما أُثر عن ابن عبّاس ممّا خالف فيه أبو بكر وعمر، فإنّ ابن عبّاس كان يتمسّك فيه بالقرآن، ويعتقد أنّ ظاهر القرآن معه، وأنّ من خالفه خالف هذا الظاهر، والأخذ بالقرآن مقدّم على الأخذ بتقليد أبي بكر وعمر، كما رأينا ذلك في: (إرث/6ه2)، و(إرث/6و4)، و(إرث، ز1، 2)، و(إرث/ ح2، 3)، و(إرث/ط3، 4)، وغيرها).
ولقد راجعنا الموارد المذكورة، وقد جعلها ممّا خالف فيها ابن عبّاس جماهير الصحابة، فراجع الصفحات التالية في موسوعة فقهه صفحة -88-، و-90-، و-92-، و-97-، و-98-، وأفاض في ذكر الأدلّة من مصادره التراثية، ولا غضاضة في هذا؛ لكن اللافت للنظر ما حكاه عن سنن الدارمي عن عبد الله بن أبي يزيد!
1) - سنن الدارمي 1/59، وانظر الموافقات للشاطبي 4/8.
وقد بحثت عنه في مصادر كتب الرجال، فكان خلاصة ما فيها في (خلاصة تهذيب الكمال) للخزرجي، فقد قال: (عبد الله بن أبي يزيد المازني، أبو عبد الرحمن القارئ المدني، عن الحسن، وعنه زيد بن الحباب، وثّقه ابن حبّان)(1)، وجاء بهامشها: (وذكره مسلم في فضائل ابن عبّاس)(2).
ورجعت إلى (سنن الدارمي)، فكان فيه: (أخبرنا عبد الله بن محمّد، ثنا ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي زيد، قال: كان ابن عبّاس إذا سُئل عن الأمر فكان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه)(3)، وهذا الذي ذكره عن (سنن الدارمي) ليس فيه [أفصح عن هذا ابن عبّاس] وإنّما الإفصاح كما سمّاه هو من زعم عبد الله بن أبي يزيد!
أقول: قد ذكر هذا عنه غير الدارمي أيضاً، ففي (نصب الراية) للزيلعي(4)، مرسلاً، وفي (جامع بيان العلم) لابن عبد البرّ(5)، وهذا خرجّه مسنداً، ولا يخلو السند من آفة، كجهالة بعض رجاله، كأبي عمر أحمد بن دحيم، وأبي جعفر الدؤلي، وتدليس سفيان بن عيينة، وغيره.
ومهما يكن فليس يمكن تصديق الراوي في أنّ ابن عبّاس كان يأخذ
عن أبي بكر وعمر إن لم يجد في الكتاب والسُنّة ما يفي بحاجته(1)، وكلّ من زعم ذلك فلم يدعمه بشاهد واحد، وقد مرّ في الجزء الثاني من الموسوعة (في عهد عمر) ما يعكس الأمر ويجعل عمر ممّن يأخذ عن ابن عبّاس، مع ذكر عدّة شواهد(2)فلتراجع. كما مرّ في الجزء السادس (الأوّل من الحلقة الثانية) مناقشة قول القائل: (عامّة علم ابن عبّاس من عمر وعليّ وأُبيّ)(3).
فما ذكره المؤلّف في المقام يكذّبه واقع الحال، ولعلّ من أظهر مصاديق التكذيب ما أخرجه الشاطبي في (الموافقات)، قال: (وروي أنّ عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين، فقدم الجارود على عمر، فقال: إنّ قدامة شرب فسكر.
فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟
قال الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول... وذكر الحديث.
فقال عمر: يا قدامة! إنّي جالدك.
قال: والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني.
قال عمر: ولم؟
قال: لأنّ الله يقول: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ
1) - لقد مرّ في الهامش السابق: وانظر الموافقات للشاطبي 4/8. فنظرنا فيها فلم يذكر أخذ ابن عبّاس عن أبي بكر وعمر، ومع ذلك فقد ذكره مرسلاً، ولم يذكر راوياً؛ فراجع.
2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الثاني، الفصل الثالث.
3) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء السادس، الباب الأوّل، الفصل الثاني/ البحث في أخذه الرواية من عمر.
جُنَاحٌ...(1)الخ. فقال عمر: إنّك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرّم الله.
وفي رواية، فقال: ولم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله.
فقال عمر: وأي كتاب الله تجد أن لا أجلدك.
قال: إنّ الله يقول في كتابه: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ إلى آخر الآية، فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثمّ اتّقوا وآمنوا، ثمّ اتّقوا وأحسنوا، شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدراً وأحداً والخندق، والمشاهد.
فقال عمر: ألا تردون عليه قوله؟
فقال ابن عبّاس: إنّ هذه الآيات أنزلن عذراً للماضين، وحجّة على الباقين، فعذر الماضين بأنّهم لقوا الله قبل أن تحرّم عليهم الخمر، وحجّة على الباقين، لأنّ الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ(2). ثمّ قرأ إلى آخر الآية الأُخرى، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثمّ اتّقوا وآمنوا، ثمّ اتّقوا وأحسنوا، فإنّ الله قد نهى أن يشرب الخمر.
قال عمر: صدقت...)(3)الحديث.
وأظهر ممّا مرّ، ما أخرجه ابن سعد في (الطبقات): (عن ابن عبّاس، قال: دخلت على عمر بن الخطّاب يوماً، فسألني عن مسألة كتب إليه بها
يعلى بن أُميّة من اليمن، وأجبته فيها، فقال عمر: أشهد أنّك تنطق عن بيت نبوّة)(1).
وأظهر من هذا كلّه، ما أخرجه أحمد بن حنبل في فضائله، بسنده: (...كان عمر يوماً جالساً وعنده العبّاس، فسُئل عمر مسألة، فقال فيها، فقام إليه ابن عبّاس فسارّه، فقال: يا أمير المؤمنين! ليس الأمر هكذا، فأقبل عمر على العبّاس، فقال: يا أبا الفضل! بارك الله لك في عبد الله، إنّي قد أمّرته على نفسي، فإذا أخطأت فليأخذ عليَّ)(2).
وما رواه عبد الرزّاق، أكثر وضوحاً في أخذ عمر من ابن عبّاس، فقد روى في (المصنّف): (أنّ ابن عبّاس، قال: إنّي لصاحب المرأة التي أُتي بها عمر وضعت لستّة أشهر، فأنكر الناس ذلك، فقلت لعمر: لم تظلم؟ فقال: كيف؟ قلت له اقرأ: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً(3)، وقال: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ(4)، كم الحول؟ قال: سنة، قال: قلت كم السنة؟ قال: اثني عشر شهراً، قال: قلت: فأربعة وعشرون شهراً حولان كاملان، ويؤخّر من الحمل ما شاء الله ويقدّم، فاستراح عمر إلى قولي)(5).
وهذا أخرجه السيوطي في (الدرّ المنثور)، عن عبد الرزّاق، وابن
المنذر، وفيه: (فقلت لعمر: لا تظلم)(1).
إلى غير هذا من الشواهد التي دلّت على أخذ عمر من ابن عبّاس، لا العكس.
وقد مرّت مصادر علم ابن عبّاس في الجزء السادس من هذه الموسوعة(2)، وفي أوّل هذا الجزء من هذه الحلقة في أهم موازين الصحّة(3)فراجع، لتتبيّن غلبة الموروث الموبوء عند المؤلّف.
ويبدو أنّه امرؤ نسيّ! إذ أنّه ذكر في صفحة -14- من موسوعة فقه ابن عبّاس، شخصية ابن عبّاس الفقهية، فذكر: (أ- تأثره بالفكر الفقهي لعليّ بن أبي طالب)، وذكر عوامل هذا التأثر ثمّ دليل هذا التأثر.
وذكر في صفحة -16-: (ب -- استقلاله بالاجتهاد الفقهي)، وذكر التفريق بين التأثر والاتّباع والتقليد..
إلى أن قال: (واتّفاق ابن عبّاس مع عليّ بن أبي طالب في بعض المسائل فيما علمه عنه، هو تأثر بالمنحى الفكري لعليّ بن أبي طالب.
وموافقته إياه فيما علمه عنه هو اتّباع وليس بتقليد، لأنّه لم يوافقه فيما وافقه به إلاّ بناءً على دليل معقول أو منقول صحّ عنه، وإلاّ للزم أن يوافقه في كلّ ما علمه عنه، ولم يحدث ذلك لعبد الله بن عبّاس رضي الله عنه، إذ أنّنا لو رجعنا إلى ما نقل من فقه عن ابن عبّاس، وما نقل من فقه عليّ بن أبي
طالب رضي الله عنه، وقارنّا بين الفقهين، لوجدنا ابن عبّاس رضي الله عنه كثيراً ما يخالف عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه اجتهاداته...).
ثمّ ذكر المسائل التي خالف فيها، وهي التي مرّت مناقشتها.
ثمّ قال في صفحة -28- منهجه في أخذ الأحكام من النصوص: (كان ابن عبّاس رضي الله عنه إذا عرضت عليه مسألة من المسائل يطلبها في كتاب الله تعالى، فإن لم يجدها في كتاب الله طلبها في سُنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... فإن لم يجدها في القرآن ولا في السُنّة، التمسها في فتاوى وأقضية أبي بكر وعمر، لأنّ أكثر ما كانا يصدران عنه كان عن مشورة، فإن لم يجده في قولهما طلبه في قول عليّ ابن أبي طالب، فقد كان يقول: إذا ثبت لنا عن عليّ قول لم نعده إلى غيره).
أقول: بعد أن ذكر المؤلّف شخصية ابن عبّاس الفقهية، وتأثره بالفكر الفقهي لعليّ بن أبي طالب، وذكر التفريق بين التأثر والاتّباع والتقليد، وما وافق وما خالف، فهل بعد هذا ما يستدعي إقحام: (التمسها في فتاوى وأقضية أبي بكر وعمر...)؟ وهذا هو النشاز على أُصول البحث التحقيقي، إذ لم يذكر له شاهداً واحداً، ولا مناسبة عابرة أخذ فيها ابن عبّاس عن أبي بكر وعمر، وسياق الكلام كلّه كان عن ابن عبّاس وتأثره بالفكر الفقهي لعليّ بن أبي طالب!
إنّها مخلفات القرون الأولى عشعشت في الأذهان، حتّى صارت جزءاً من العقيدة، لا يسع ابنها التخلّي عنها.
وإلى هنا فلنوّدع أبا المنتصر في كتابه القيّم: (موسوعة فقه ابن عبّاس)، وإنّه لجهد بالغ، وأثر باقٍ في صحيفة الأعمال، وتاريخ الرجال.
الدكتور إسماعيل سالم عبد العال
كلية دار العلوم - جامعة القاهرة
دار النصر للتوزيع والنشر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا خاتم المرسلين وسيّد النبيّين وعلى آله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة المهتدين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد، فهذه خلاصة قراءة نقدية لكتاب بذل فيه مؤلّفه جهداً لا ينكر في إثبات هويته الفقهية، غير أنّه لم يستطع أن يتخطى العين اللوامة، حيث غلبه الموروث فانصاع لداعيه، وسار على نهج من تقدّمه فيه، وهذه آفة أصحاب النظرة الضيّقة، فلا ينظر إلاّ إلى قومه دون الانفتاح على الآخرين، لمعرفة ما لديهم من معارف تسدّد خطاه، وتزّين أبحاثه.
أمّا الانغلاق على الذات فهو من الكبرياء المذموم، ولا غضاضة أنّ يكون للباحث نهجاً يرتضيه، لكنّه غير مرضي عنه أن يكون متحيّزاً إلى فئة دون مبرّر في التفضيل، بل يعدّ هذا من الفهاهة في الفقاهة، ومؤلّف الكتاب من أصحاب الدراسات الأكاديمية العالية، وهو في كلّية العلوم بجامعة القاهرة، فهل يعقل لم يعلم بأنّ شخصية كتابه حبر الأُمّة عبد الله بن عبّاس كان من الشيعة، ومن أعلامهم في التفسير والحديث والفقه، فكان عليه أن يمرّ ولو عابراً على ما عند هؤلاء الشيعة الذين يُعزى إليهم ابن عبّاس بإعزاز، وهو يعتّز بهم وبالانتماء إليهم، وقد مرّت في أجزاء هذه الموسوعة ما يثبت هذا.
أمّا المواقف المتشنجة من أصحاب الدراسات الحديثة من آراء
الشيعة فغير محمودة، وقد ذكرت في مقدّمة كتابي: (السجود على التربة الحسينية) من كلام أعلام السُنّة من قدامى ومحدّثين من دعاة التقريب لا التخريب ما تحسن مراجعته، وحتّى مثل ابن حزم، والعزّ بن عبد السلام، على تحفظ ممّا عندهما، فهما كمن سبقهما أمثال أئمّة المذاهب، كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، لم يتنكّروا لفقه أهل البيت عليهم السلام، ومن تأمّل كلمات المتأخّرين حتّى من المعاصرين، أمثال السيّد سابق، والشيخ أحمد حسن الباقوري، ومحمّد حياة السندي، فسيجد حضوراً لفقه الشيعة وأئمّة الشيعة في مؤلّفاتهم، ولقد ذكرت في كتابي: (السجود على التربة) آراء جميع المذاهب الإسلامية التي ما زال لها أتباع، كالمذاهب الأربعة، والخوارج، وحتّى الذين ليس لهم اليوم من ينتمي إليهم، كالأوزاعي، وأبي ثور، وابن سيرين، ولم أغفل ذكر الظاهرية، ولا المحسوبين على الشيعة، كالزيدية والإسماعيلية، ولم أفرّق بين زيد وعمرو في النقل والمفاضلة، وهذا نهج يجب إتّباعه لمن يروم (دراسة فقهية مقارنة).
أمّا الاقتصار على ذكر آراء بعض المذاهب دون الآخرين، أو التعريض بهم، فذلك نهج مرفوض، وغير مقبول من أُستاذ أكاديمي يحمل شهادة الدكتوراه، وكم أعجبني ما انتهجه الدكتور وهبة الزحيلي (دكتوراه في الحقوق والشريعة الإسلامية من جامعة القاهرة) في كتابه: (آثار الحرب في الفقه الإسلامي، دراسة مقارنة)، طبع المكتبة الحديثية، وكتابه هذا من الكتب القيّمة في بابه، لخصوبة مراجعه، وسعة أفقه، حيث ذكر آراء أصحاب المذاهب الإسلامية جميعها، آخذاً من مصادر أتباعهم، وتلك
طريقة حسنة، يشكر عليها، لبعدها عن التعصّب الأعمى، كما هو عند بعض أصحاب الدراسات الفقهية المقارنة، فهم وإن كتبوا عليها: (دراسة فقهية مقارنة)، لكنّها لدى المراجعة تجدها جعجعة بلا طحين، ومقتصرة على بعض مذاهب المسلمين؛ وإذا لم يسعهم التجاهل بالمرّة، ذكروا نبذة عن الفقه الشيعي، واكتفوا بالمرّة لا التكرار، كما صنع الدكتور قلعةجي في (موسوعة فقه عليّ بن أبي طالب عليه السلام ).
فقد ذكر في صفحة -32- في إحياء الموات، فقال: (قال الإمام الباقر(رحمه الله تعالى): وجدنا في كتاب عليّ عليه السلام : إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(1)... إلى أن قال: فإن تركها وأضرّ بها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمّرها أو أحياها، فهو أحقّ بها من الذي تركها(2).
ثمّ ذكر في صفحة -48- في إرث القاتل، فقال: (فقد روى ابن أبي شيبة، عن علي بن المبارك -- هو الهنائي البصري -- عن يحيى بن أبي كثير، عن عليّ في رجل قتل أُمّه، فقال: (إن كان خطأ ورث، وإن كان عمداً لم يرث (3)، وروى نحو هذا الأثر الإمام أبو جعفر عن عليّ رضي الله عنه ، أنّه قال: (إذا قتل الرجل أُمّه خطأ ورثها، وإن قتلها عمداً لم يرثها (4)، ثمّ لم نجد عنده مكانا آخر يتسع
ليذكر فيه إمّا من أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، أو كتاباً من تراث شيعتهم. أليس هذا من الغبن الفاحش المتفحش؟ والرين الطائش المتوحش؟ فهلاّ ذكرهم كما ذكر (مسند زيد)، و(الروض النضير)، و(تتمة الروض) من كتب الزيدية؟! إنّها الانتقائية على غير هدى.
لك الله يا عليّ! إذا قال فيك عمر: (لولا عليّ لهلك عمر)(1)، لكن قال: دعابة! فكيف يكون معك بقية الصحابة؟!
وهم الذين قالوا: قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لابنته فاطمة عليها السلام : (أما ترضين أن أزوّجك أقدم أُمّتي سلماً (إسلاماً)، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً)(2).
وقالوا فيك قول عمر لرجل سأله عن بيض النعام يصيبه المحرم؟ فقال عمر: (أرأيت عليّاً اسأله، فإنّا أمرنا أن نشاوره)(3).
فهم رجعوا إليك، وهم حاربوك، فلعنتهم، وقلت: (لعن الله قوماً يرضون بحكمنا ويستحلّون قتالنا)(4).
وأنت كما قال الله تعالى: وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ(5).
لقد أغنانا مؤلّفه الدكتور إسماعيل سالم عبد العال، عن بيان قيمة كتابه في تعريفه، حيث قال: (وكتابنا هذا يكشف شخصية ابن عبّاس الفقهية من زاوية معيّنة اشتهر بها، وهي الرُخَص والمفردات التي انفرد بها، أو خالف فيها جمهور الصحابة، وقد أحصينا مفردات ابن عبّاس ورُخصه، فكانت ستّاً وأربعين مسألة فقهية، شملت أكثر أبواب الفقه، ودرسناها دراسة فقهية مقارنة، تكشف عن تميّز ابن عبّاس الفقهي، وقوّة حجّته، وسعة علمه، وهو عمل علمي لم أرَ مؤلّفاً قام به من قبل، ولله الحمد والمنّة.
ومفردات ابن عبّاس، منها ما هو رُخص، والترخص في بعضها ظاهر جدّاً، ومنها ما هو تشدّد، والتشدّد في بعضها ظاهر جدّاً، ومنها ما لا يوصف بالترخص ولا التشدّد، وكتابنا هذا يميط اللثام عن ذلك كلّه)(1).
وإلى هنا ذكرنا نحن ما ذكره المؤلّف في مقدّمة كتابه في صفحة مؤطرة بعنوان هذا الكتاب، ولا مناقشة لنا معه، إلاّ ملاحظة عابرة في تسمية الكتاب ب-(رُخص ابن عبّاس)، وهو يضمّ ما هو متشدّد فيه، ويضمّ ما لا يوصف بالترخص والتشدّد، فكان الأولى الاقتصار في تسميته ب-(مفردات ابن عبّاس الفقهية)، وهذا عنوان يشمل الرُخص وغيرها.
1) - مقدّمة هذا الكتاب.
وذكر في (تقديم): أنّه كانت تواجهه مسائل فقهية لابن عبّاس قد تفرّد بها عن سائر الصحابة والفقهاء، كمسألة نكاح المتعة، وقراءة الجنب والحائض للقرآن، وإنكار العول في الميراث، وغير ذلك ممّا يثير في نفسه التساؤل عن الأدلّة التي اعتمد عليها ابن عبّاس في رأيه، ثمّ ذكر ما حصل عنده من مراجعة (موسوعة فقه عبد الله بن عبّاس) للدكتور محمّد روّاس قلعةجي، فوجده قد جمع ثمانية وعشرين مسألة ما انفرد به ابن عبّاس عن جمهور الصحابة، أو خالف فيها معظم سائر الصحابة، وتمنّى لو درس باحث هذه المسائل التي تكشف عن شخصية ابن عبّاس واستقلالها الفقهي، ونقل كلام د. محمّد روّاس، وأنّه صادف هوى في نفسه، فقال: (وعزمت على جمع المسائل التي انفرد بها ابن عبّاس، أو خالف فيها جمهور الصحابة وتحليلها، ومقارنتها ليس بفقه الصحابة فقط كما تمنّى الدكتور قلعةجي، بل بفقه أشهر المذاهب).
ثمّ ذكر أنّ المسائل التي جمعها قلعةجي لا تزيد عن ثمانية وعشرين مسألة، منها مسألة لا يراها من مفردات ابن عبّاس. وذكر أنّه بلغت عنده ستّاً وأربعين مسألة، زاد عمّا ذكره الدكتور قلعةجي تسع عشرة مسألة، وذكر أنّه رتّبها ترتيب الأبواب الفقهية عند المالكية (؟) ثمّ ذكر المسائل مرتّبة على النحو التالي:
في الطهارة: تسع مسائل.
في الصلاة: أربع مسائل.
في سجود التلاوة: مسألة.
في الصيام: ثلاث مسائل.
في الذبائح: مسألتان.
في الأيمان: مسألة.
في النذر: مسألة.
في الجهاد وتوابعه: مسألة.
في النكاح: ثلاث مسائل.
في الفرقة بين الزوجين: خمس مسائل.
في الربا: مسألة واحدة.
في الجنايات: مسألتان.
في الحدود: مسألتان.
في الفرائض: عشر مسائل.
ثمّ قال: (فتلك خمس وأربعون مسألة. وهناك مسألة أُخرى أثبتناها في المقدّمة عن ابن كثير، وهي: أنّ ابن عبّاس كان أوّل من عرّف بالبصرة...
أمّا المسألة التي ذكرها الدكتور قلعةجي ولم نعتبرها من مفرداته، فهي أنّ ابن عبّاس يجوّز للولي أن يعفو عن شيء من مهر مولاته)..
ثمّ ذكر ما عنده حول هذه المسألة، وأنّها ليست من مفردات ابن عبّاس، لأنّ ظاهر الآية يدلّ على ما قال ابن عبّاس، ثمّ حكى قول القرطبي وابن العربي.
واستمرّ يستعرض المسائل التي تفرّد بها ابن عبّاس، فذكر نماذج من
رُخصه ونماذج من تشدّده، ونماذج ما ليس فيه ترخّص ولا تشدّد.
ثمّ ذكر كثرة فتاوى ابن عبّاس، ومن جمعها، وكلمة ابن تيمية فيما نقله عن ابن حزم في معرض إشادته بابن عبّاس وفقهه.
ثمّ طفر الدكتور أعلى من طفرة النظّام، وبغير انتظام، على غير مناسبة، فصار يمايز بين ابن عبّاس وأبي هريرة على غير سابقة منه لذكره، فقال: (وأين تقع فتاوى ابن عبّاس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره (؟) وأبو هريرة أحفظ منه، بل هو حافظ الأُمّة على الإطلاق (؟) يؤدّي الحديث كما سمعه، ويدرسه بالليل درساً، فكانت همّته مصروفة إلى الحفظ، وتبليغ ما حفظه كما سمعه. وهمّة ابن عبّاس مصروفة إلى التفقّه والاستنباط، وتفجير النصوص وشقّ الأنهار منها، واستخراج كنوزها(؟).
واستمر في إطراء ابن عبّاس ومدرسته الفقهية بمكّة، وعكوف التلاميذ عليه حظراً وسفراً..
ثمّ قال في صفحة -13-: (وقد عزا العلماء (؟) عامّة علم ابن عبّاس إلى ثلاثة: عمر، وعليّ، وأُبي بن كعب. لكن ابن عبّاس بعد أن استقى العلم من هؤلاء وغيرهم، تكونت شخصيته وتميّزت، وصار يستدرك على مشايخه، فقد خالف عليّاً رضي الله عنه في سبع وستّين مسألة، أحصاها الدكتور قلعةجي ووافقه فيما عدا ذلك، وقد يكون العدد أكثر من ذلك عند الاستقصاء، وهو -- على كلّ حال -- بحث جيد لطلاب الدراسات الفقهية.
وهذه المخالفات لعليّ ولغيره (؟) تدلّ على تميّز شخصيته الفقهية وتفرّدها، وسعة فقهه واستنباطه. ومن أشهر المسائل التي خالف فيها ابن
عبّاس عليّاً رضي الله عنه ، ما رواه الإمام أحمد عن عكرمة، قال: إنّ عليّاً حرّق ناساً ارتدّوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عبّاس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم...).
ثمّ حكى قول ابن كثير، وقد كافأه عليّ، فإنّ ابن عبّاس كان يرى إباحة المتعة وأنّها باقية، وتحليل الحمر الإنسية، فقال عليّ: (انّك امرؤ تائه)...
وختم التقديم بذكر محاورة ابن عبّاس مع الخوارج، ورجوع جماعة منهم (بتلك المحاجة الطيّبة من ابن عبّاس من الفتنة المهلكة)، ووعدنا بمزيد بيان عن سعة علم ابن عبّاس في التفسير والحديث وغيرها في ترجمته..
ثمّ ذكر في صفحة -17-: (تمهيد: ترجمة ابن عبّاس)، فذكر اسمه ونسبه وأُمّه وأتمّ تعريفه، بقوله: (وابن عبّاس ابن خالة خالد بن الوليد) (؟)
وذكر في صفحة -18-: تحنيك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابن عبّاس بريقه، برواية ابن كثير. وعليها علائم استفهام، كما سيأتي بيانها) (؟)
وأطال في الترجمة إلى صفحة -26-، فذكر العلوم التي نبغ فيها ابن عبّاس، وختم قوله في صفحة -27-: (بل قد نبغ ابن عبّاس في علم الأنساب، والطعام، أو الأطعمة كما نقول في عصرنا الحاضر) (؟)
ثمّ ذكر نبوغه في التفسير في صفحة -28-، فقال: (ومن ورعه وتقواه أنّه إذا سُئل عن شيء من تفسير القرآن تمضمض ثمّ فسّر) (؟)
وقال في صفحة -30-: (وكان رضي الله عنه شديد الأخذ بسُنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد غضب يوماً على رجل سأله عن مسألة، فأجابه فيها بحديث، فقال له الرجل: قال أبو بكر وعمر، فقال ابن عبّاس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر) (؟)
ثمّ ذكر في صفحة -31- أسماء جماعة من الذين نبغوا على يدي ابن عبّاس، وقد أساء كثيراً في الترتيب، فذكر في آخرهم عليّ بن الحسين، وأخاه كثير بن العبّاس، وابنه علي (؟) وهذا لا يخلو من سوء أدب!
وختم الترجمة في صفحة -32-، وجاء فيها: (وأقام ابن عبّاس سنتين لم يبايع أحداً كما تقدّم) (؟)
ثمّ شرع المؤلّف بعرض المسائل مرتّبة كما مرّت الإشارة إليه، بدءاً من كتاب الطهارة، وهكذا إلى بقية الكتب حسب ترتيب الفقه المالكي.
ولمّا كانت بعض الملاحظات حين قراءتي للتقديم والترجمة، فعلّمت عليها بعلائم الاستفهام، فلا بدّ لي الآن من العودة إلى مواضع تلك العلامات، وبيان ما عندي ممّا يتعلّق بها من ملاحظات على ما ذكره المؤلّف، فإليها الآن:
1- قال في صفحة -6-: (وعزمت على جمع تلك المسائل التي انفرد بها ابن عبّاس، أو خالف فيها جمهور الصحابة، وتحليلها، ومقارنتها، ليس بفقه الصحابة فقط كما تمنّى الدكتور قلعةجي، بل بفقه أشهر المذاهب).
ولم يحدّد المؤلّف للقرّاء عنوان الشهرة التي على ضوئها سيقارن بفقه مذهبها الأشهر ما جاء عن ابن عبّاس! وهل أنّ المذهب الإمامي هو من تلك المذاهب المشهورة عند المؤلّف؟ فإن كان ذلك، فلماذا إذاً تخلّف عن المقارنة؟! أم هو من المذاهب المهجورة المطمورة في تاريخ أمس الدابر، فلا مؤاخذة لو أعرض عن فقه أهله؟ ونترك الجواب لقرّاء الكتاب ممّن يخشى سوء الحساب!
2- قال في صفحة -7-: (وصنّفنا هذه المسائل حسب ترتيب الأبواب الفقهية عند المالكية، فهي أقرب ما يكون إلى الترابط الموضوعي، مع ملاحظات أثبتناها على هذا الترتيب...).
لا شكّ في أنّ ترتيب المسائل حسب الأبواب الفقهية هو ترتيب حسن، غير أنّ الأحسن منه في الترتيب أن لا يكون النهج الذي نهجه المؤلّف مختصّاً بالمالكية فقط، بل كلّ كتب الفروع الفقهية في المذاهب الإسلامية هي على هذا النهج في طابعها العام، على تفاوت في الترتيب فيما بينها أحياناً، ثمّ إنّ ما نهجه المؤلّف أيضاً لم يكن دقيقاً في ترتيبه كما هو عند المالكية، فإمامهم مالك بن أنس في (الموطأ) له ترتيب يتفاوت عمّا ذكره المؤلّف في التقديم والتأخير، وكذلك في (الاستذكار)، و(التمهيد) لابن عبد البرّ، و(نهاية المجتهد) لابن رشد، وغيرها.
3- قال في صفحة -11-: (وأين تقع فتاوى ابن عبّاس وتفسيره، واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره، وأبو هريرة أحفظ منه، بل هو حافظ الأُمّة على الإطلاق (؟) يؤدي الحديث كما سمعه، ويدرسه بالليل درساً، فكانت همّته إلى الحفظ، وتبليغ ما حفظه كما سمعه.
وهمة ابن عبّاس مصروفة إلى التفقّه والاستنباط، وتفجير النصوص، وشقّ الأنهار منها واستخراج كنوزها...).
أقول: ما أدري كيف تفتقت عبقرية الأُستاذ الدكتور عن هذه البادرة النادرة في الطفرة إلى المقارنة بين الصاحبين المتصاحبين، المكثرَين في الرواية المرفوعة، مع ما فيها الكثير من الأحاديث الموضوعة؟! وكان في موقفه الصلحي لحفظ ماء الوجه لكلّ من الصاحبين.
فأبو هريرة -- حافظ الأُمّة على الإطلاق -- يؤدي الحديث كما سمعه يدرسه بالليل درساً..
وابن عبّاس مصروف الهمّة إلى التفقّه والاستنباط، وتفسير النصوص وشق الأنهار منها لاستخراج الكنوز التي فيها..
إنّه لتعبير أدبي رائع، لولا أنّه خيال ضائع، وهملجة ظالع!
ونعود لنسأل من الدكتور: ألست أنت ذكرت لابن عبّاس تفسيراً، فهو أمر شائع ذائع، ولكن الخطب الأفضع أن يدّعي باحث كالدكتور ليفضّل أبا هريرة في فتاواه وتفسيره! فمن أين لشيخ المضيرة فتاوى وتفسير؟! فمن رآهما؟ ومن رواهما؟ وكيف عرفهما المؤلّف؟
أوليس أبو هريرة هو الذي أكذبه في الحديث من علية الصحابة: عمر، وعليّ، وعائشة، وحفصة؟!(1)
أوليس هو الذي تنطّع في الشهادة على قدامة فضربه عمر؟!
أوليس هو الذي شاطره عمر فضربه بالدرّة حتّى أدماه؟!(2)
أوليس هو الذي كذب في دخوله على رقيّة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوجة عثمان فروى حديثاً في فضله، ولمّا حوقق عليه في سماعه لأنّها توفيت قبل مجيئه من اليمن، فقال: سمعته من الفضل بن العبّاس! وهذا أيضاً بعد موت الفضل؟!(3)
1) - صحيح مسلم 8/229، ط صبيح.
2) - شيخ المضيرة أبو هريرة: 80، ط دار المعارف بمصر.
3) - راجع موسوعة عبد الله بن عبّاس، الباب الأوّل، الفصل الأوّل، وستجد استنكار الحاكم والذهبي لخبره هذا، حتّى قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد واهي المتن، فإنّ رقيّة ماتت سنة ثلاث من الهجرة عند فتح بدر، وأبو هريرة إنّما أسلم بعد فتح خيبر، وراجع شيخ المضيرة أبو هريرة: 137.
أوليس هو الذي ضرب صلعته في مسجد الكوفة لما دخل مع معاوية، وقال: أترون أنّي أكذب وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال: المدينة حرمي... فمن أحدث... وعليّ قد أحدث فيها! وخصمه الشاب الكوفي فانصرف مهزوماً مخصوماً(1).
أوليس هو الذي روى للأُمّة -- وهو راويها على الإطلاق، كما قال الدكتور -- فروى فضل آية الكرسي عن شيخه الشيطان، وهذا سند عال غال، انفرد به، لا يشاركه فيه أيّ إنسان على الإطلاق، ومن لم يؤمن بصحّة هذا، فليتهم الإمام البخاري في روايته لهذا في صحيحه في فضل سورة البقرة!
وما كان ينبغي للدكتور أن يقحم ذكر أبي هريرة في موضوع يخصّ ابن عبّاس في فتاواه الفقهية.
وللمطارفة نذكر للقارئ ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنّفه، بسنده: (عن غندر، عن شعبة، قال: سمعت عثمان مولى ثقيف يحدّث عن أبي زياد، قال: شهدت ابن عبّاس وأبا هريرة وهم ينتظرون جدياً لهم في التنور، فقال ابن عبّاس: أخرجوه لنا لا يفتنّا في الصلاة، فأخرجوه فأكلوا منه، ثمّ إنّ أبا هريرة توضأ، فقال له ابن عبّاس: أكلنا رجساً؟! قال: فقال أبو هريرة: أنت خير منّي وأعلم، ثمّ صلّوا)(2).
وقد ردّ ابن عبّاس خبر أبي هريرة بالقياس فيما ذكروه، ولهذا قال ابن عبّاس: (فماذا تصنع بالمهراس؟)، والمهراس كان حجراً عظيماً يصب فيه
الماء لأجل الوضوء.
وقد وافق ابن عبّاس على ما تحمله من الاستبعاد عائشة، حيث قالت: (رحم الله أبا هريرة، لقد كان رجلاً مهذاراً، فما يصنع بالمهراس)(1).
وقد روى الخطيب في (الفقيه والمتفقّه)، بسنده: (عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (توضؤا ممّا مسّت النار، ولو من تور من أقط)، فقال ابن عبّاس: يا أبا هريرة! إنّا لنتوضأ بالحميم وقد أغلي على النار، وإنّا لندهّن بالدهن وقد طبخ على النار؟ فقال أبو هريرة: يا ابن أخي إذا سمعت بالحديث يحدّث به عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا تضرب له الأمثال)(2).
وقد روى الفخر الرازي في (المحصول): (يط: إنّ أصحاب عبد الله لمّا بلغهم خبر أبي هريرة: من قام من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتّى يغسلها ثلاثاً، قالوا: إنّ أبا هريرة مكثار، فكيف نصنع بالمهراس...
ك: لمّا قال أبو هريرة: من أصبح جنباً فلا صوم له، أرسل مروان في ذلك إلى عائشة وحفصة رضي الله عنهما؟ فقالتا: كان النبيّ عليه الصلاة والسلام يصبح ثمّ يصوم، فقال للرسول: اذهب إلى أبي هريرة فأخبره بذلك، فقال أبو هريرة: أخبرني بذلك الفضل بن عبّاس.
قال النظام: والاستدلال به من ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه استشهد ميّتاً، وثانيها: أنّه لو لم يكن متّهماً فيه لما سألوا غيره، وثالثها: إنّ عائشة وحفصة كذّبتاه)(3).
وهكذا يبقى دور حافظ الأُمّة على الإطلاق له في كلّ قدر ملعقة، وفي كلّ واد أثر من ثعلبة، وقد مرّ في الجزء السادس من هذه الموسوعة(1)بعض ما يتعلّق بكثرة مروياته.
4- قال في صفحة -13-: (وقد عزا العلماء (؟) عامّة علم ابن عبّاس إلى ثلاثة: عمر، وعليّ، وأبي بن كعب).
ليت المؤلّف الدكتور تفضّل فذكر لنا اسم واحد من أولئك العلماء الذين عزوا علم ابن عبّاس إلى الثلاثة؟
وإحالته في الهامش على (البداية والنهاية)، فرجعنا إليها، فكان فيها: (وقال أحمد: عن عبد الرزّاق، عن معمر، قال: عامّة علم ابن عبّاس من ثلاثة، من عمر، وعليّ، وأبي بن كعب)(2).
وهذا الأثر سبق أن ناقشت في صحّته، فراجع الجزء السادس من هذه الموسوعة(3)، فهل صار معمر يمثّل العلماء على الإطلاق؟! كحافظ الصحابة على الإطلاق!
5- قال في صفحة -13-: (لكن ابن عبّاس بعد أن استقى العلم من هؤلاء -- عمر، وعليّ، وأبي بن كعب -- وغيرهم، تكونت شخصيته وتميّزت، وصار يستدرك على مشايخه. فقد خالف عليّاً رضي الله عنه في سبع وستّين مسألة،
أحصاها الدكتور قلعةجي، ووافقه فيما عدا ذلك، وقد يكون العدد أكثر من ذلك عند الاستقصاء، وهو -- على كلّ حال -- (بحث جيّد لطلاّب الدراسات الفقهية).
يا لله، ما أجود ما دعا إليه الدكتور طلاّب الدراسات الفقهية من بحث المسائل التي خالف فيها ابن عبّاس عليّاًu باستقصاء! غير أنّ الأجود بحثاً، والأفيد نفعاً والأعود على القارئ علماً، بحث ما استدركه ابن عبّاس على بقية مشايخه الذين عزا العلماء عامّة علمه إليهم، وهم: عمر، وعليّ، وأبي بن كعب.
ولمّا كفاهم الدكتور قلعةجي ما استدركه على عليّ عليه السلام، وبقي بحث ما استدركه ابن عبّاس على عمر وأبيّ بن كعب، اللّذين أزوّر الدكتور عن ذكرهما ولو بشاهد واحد يثبت زعمه في بلوغ ابن عبّاس، الذي تكوّنت شخصيته وتميّزت حتّى صار يستدرك على مشايخه(؟) (وهذا بحث جيّد لطلاب الدراسات الفقهية)!
ولئن أعرض ونأى الأُستاذان الدكتوران قلعةجي وإسماعيل سالم عبد العال، عن ذكر الشواهد على استدراك ابن عبّاس على عمر، وأبيّ بن كعب، وهما من أعيان مشايخه! ومنهما ومن عليّ عليه السلام كان عامّة علمه كما مرّ عن المؤلّف، فعلينا ذكر بعض ما استدركه على عمر خاصّة، ونترك ذكر ما استدركه على أُبيّ إن كان له استدراك عليه، لأنّه داخل في عنوان مشايخه! ولم أعهد له شاهداً واحداً على مخالفته له!
أمّا ما خالف فيه عمر، فإلى القارئ بعض الشواهد ممّا ذكره أعلام
المحدّثين والفقهاء وغيرهم ممّن يدين لعمر بالطاعة من أهل السُنّة والجماعة، ولم أقف على من جمع تلك الموارد باستقصاء (وهذا بحث جيّد لطلاب الدراسات الفقهية)، وبين يدي ذلك أرشد من يروم البحث عن هذا الموضع إلى قراءة ما ذكره الحافظ نور الدين الهيثمي في (موارد الظمئآن إلى زوائد ابن حبّان): (...فتكلّم ابن عبّاس وكان عند رأسه -- يعني عمر -- وكان خليطه كأنّه من أهله، وكان ابن عبّاس يقرئه القرآن...)(1)، فهو أُستاذ عمر في تعلّم القرآن! فكيف يصحّ زعم الزاعم عامّة علم ابن عبّاس من عمر، وعليّ، وأُبيّ؟!
وإلى القارئ بعض هذه الموارد، ننقلها من (موسوعة فقه عمر بن الخطّاب)، تأليف الدكتور محمّد روّاس قلعةجي (طبعة موسعة منقّحة)، دار النفائس:
جاء في صفحة -61-: (... فقضى عمر بن الخطّاب في ابنة وأُخت، المال بين البنت والأُخت نصفان، وكان هذا القضاء لا يروق لعبد الله بن عبّاس، فقد روى أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: جاء ابن عبّاس مرّة رجل فقال: رجل توفّي وترك بنته وأُخته لأبيه وأُمّه؟ فقال ابن عبّاس: لابنته النصف، وليس لأُخته شيء، وما بقي لعصبته، فقال له الرجل: إنّ عمر قضى بغير ذلك، قد جعل للأُخت النصف، وللبنت النصف، فقال ابن عبّاس: أنتم أعلم أَم الله؟ فلم أدر ما قوله: أنتم أعلم أَم الله؟ حتّى لقيت ابن طاووس،
1) - موارد الظمئآن إلى زوائد ابن حبّان: 538 تح: محمّد عبد الرزّاق حمزة، ط السلفية والخبر رقم 2690.
فذكرت ذلك له، فقال ابن طاووس: أخبرني أبي أنّه سمع ابن عبّاس يقول: قال الله تعالى: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ(1)، قال ابن عبّاس: فقلتم أنتم لها النصف وإن كان له ولد).
وقال في صفحة -63 -- 64-: (وقضى -- عمر -- في جدّ وأُمّ وأُخت، فجعل للأُخت النصف، وللأُمّ سهماً وللجدّ سهمين، لم يُفضل أُمّاً على جدّ...
وقال ابن عبّاس، وابن الزبير: للأُمّ الثلث، وللجدّ ما بقي، وليس للأُخت شيء).
وقال في صفحة -73-: (العول: لقد رفعت إلى عمر في خلافته مسألة كانت المتوفاة فيها زوجة تركت زوجاً وأُختاً وأُمّاً، فحار عمر كيف يقسّم التركة بينهم، فشاور الصحابة، فقال العبّاس: أرى أن تقسّم المال بينهم على قدر سهامهم، وذلك قياساً على الديون، فإنّ الإجماع منعقد على المحاصّة بين الدائنين إذا استوت ديونهم ثبوتاً إذا لم تتسع التركة لوفاء جميع الديون، فأخذ عمر برأي العبّاس، واتّبعه الناس على ذلك، ولم يخالف منهم إلاّ عبد الله بن عبّاس حيث أنكر القول، وقال: من شاء باهلته، إنّ المسائل لا تعول، إنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً أعدل من أن يجعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، هذان النصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟).
أقول: وهذه المسألة في العول من أظهر موارد الخلاف التي وقف فيها ابن عبّاس بصلابة ضدّ رأي عمر، وصار يدعو إلى المباهلة من ينكر عليه قوله، والخبر عنه مروي عند الفريقين من السُنّة والشيعة.
1) - سورة النساء/176.
وإلى القارئ بعض ما في تراثهما حول المسألة:
أقول: لقد مرّ منا الكلام حول العول وكلام ابن عبّاس رضي الله عنه فيه، وما قاله علماء الشيعة في إنكار العول مثل قوله، وقد مرّ في المورد -11- ملاحظة ما قاله الدكتور قلعةجي في (موسوعة فقه عبد الله بن عبّاس) في جعل ابن عبّاس مخالفاً لعليّ عليه السلام في مسألة العول، وكما ذكر في مصادره من خبر المسألة المنبرية، وجواب الإمام عليه السلام صار ثمنها تسعاً، وبيّنت عدم صحّة الخبر سنداً ومتناً، وذكرت أنّ للشيخ الطوسي في إبطال العول ما ذكره في (التهذيب)، ولولا خوف الملل لذكرته من هناك.
أمّا الآن فسأذكر الخبر عن ابن عبّاس في إبطال العول، عن بعض المصادر الحديثية عند الفريقين:
-- منها ما رواه (الكافي)، من أخبار باب إبطال عوله من مواريثه، بإسناده: (عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدّثني أبي، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: جالست ابن عبّاس فعرض ذكر الفرائض في المواريث.
فقال ابن عبّاس: سبحان الله العظيم أترون أنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، فهذا النصفان قد ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟
فقال له زفر بن أوس البصري: يا أبا العبّاس فمن أوّل من أعال الفرائض؟
قال: عمر بن الخطّاب، لما التفت عنده الفرائض ودفع بعضها بعضاً،
قال: والله ما أدري أيّكم قدّم الله وأيّكم أخر، وما أجد شيئاً هو أوسع من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص، فأدخل على كلّ ذي حقّ ما دخل عليه من عول الفريضة، وأَيم الله، أن لو قدّم من قدّم الله، وأخّر من أخّر الله، ما عالت فريضة.
فقال له زفر بن أوس: فأيّها قدَّم (الله) وأيّها أخر؟
فقال: كلّ فريضة لم يهبطها الله عزّ وجلّ إلاّ إلى فريضة، فهذا ما قدّم الله، وأمّا ما أخّر الله، فكلّ فريضة إذ زالت عن فرضها ولم يكن لها إلاّ ما بقي، فتلك التي أخّر الله، وأمّا التي قدّم فالزوج له النصف، فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع ولا يزيله عنه شيء، والزوجة لها الربع، فإذا زالت عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء، والأُمّ لها الثلث، فإذا زالت عنه صارت إلى السدس ولا يزيلها عنه شيء، فهذه الفرائض التي قدّم الله عزّ وجلّ. وأمّا التي أخّر الله: ففريضة البنات والأخوات لها النصف والثلثان، فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهنّ إلاّ ما بقي فتلك التي أخّر الله، فإذا اجتمع ما قدّم فإن لم يبق شيء فلا شيء له.
فقال له زفر بن أوس: ما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟
فقال: هبته..
فقال الزهري: والله لولا أنّه تقدّمه إمام عدل كان أمره على الورع فأمضى أمراً فمضى، ما اختلف على ابن عبّاس في العلم اثنان)(1).
1) - الكافي 3/60.
ورواه (التهذيب) في 6 من أخبار إبطال عوله، بإسنادين له عن يعقوب مثله، ورواه (الفقيه) في 3 من أخبار إبطال عوله عن يعقوب مثله.
-- ومن مصادر العامّة (مستدرك الحاكم النيسابوري)، فروى بإسناده: (عن يعقوب، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن الزهري -- لكن باسمه ونسبه -- عن عبيد الله، عن ابن عبّاس، أنّه قال: أوّل من أعال الفرائض عمر، وأَيم الله، لو قدّم من قدّم الله، وأخّر من أخّر الله، ما عالت فريضة.
فقيل له: وأيّها قدّم الله، وأيّها أخّر؟
فقال: كلّ فريضة لم يهبطها الله عزّ وجلّ عن فريضة إلاّ إلى فريضة، فهذا ما قّدم الله عزّ وجلّ، وكلّ فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلاّ ما بقي، فتلك التي أخّر الله عزّ وجلّ، كالزوج والزوجة والأُمّ، والذي أخّر كالأخوات والبنات، فإذا اجتمع من قدّم الله عزّ وجلّ ومن أخّر، بُدئ بمن قدّم فأعطي حقّه كاملاً، فإن بقي شيء كان لمن أخّر، وإن لم يبق شيء فلا شيء له). وقال الحاكم بعده: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجّاه(1).
قلت: ويعقوب من ولد عبد الرحمن بن عوف، حَكَم عمر في الشورى، عنونه (تاريخ بغداد): (يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف). ومحمّد بن إسحاق، صاحب (المغازي)، من معروفي رجال العامّة؛ وكذلك الزهري. وأمّا عبيد الله، فجدّه أخو عبد الله بن مسعود الذهلي الصحابي المعروف، وعبيد الله أيضاً معروف في رجالهم.
ثمّ قول الزُهري: (والله لولا أنّه تقّدمه إمام عدل كان أمره على الورع
1) - المستدرك على الصحيحين 4/340.
فأمضى أمراً فمضى ما اختلف على ابن عبّاس في العلم اثنان)، غريب بعد نقله عن ابن عبّاس: (هبته)! وهذا ما يدلّ على الغلظة فيه، والتقية منه.
ومهما يكن فقد أخرج الخبر من غير أهل الحديث جماعة: كالآمدي في (الإحكام في أُصول الأحكام)(1)، وأبو المعالي الجويني في (التلخيص في أُصول الفقه)(2)، وابن أمير الحاج في (التقرير والتحبير)(3)، وغيرهم.
وقال في صفحة -628-: (قال عمر في الذي يقول لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، إنّها تبين منه بالطلقة الأولى، واثنتان ليستا بشيء.
أمّا إذا طلّقها ثلاثاً بلفظ واحد، فقد كان في بدء خلافته -- يعني عمر -- وعلى وجه التحديد في السنتين الأوليتين من خلافته يوقعها واحدة بائنة، ولكنّه رأى تهاون الناس في الطلاق، واقتحامهم جراثيمه، فرأى أن يشدّد عليهم في ذلك ردعاً لهم، فأوقع الثلاث ثلاثاً، فقد قال أبو الصهباء لعبد الله ابن عبّاس: أما علمت أنّ الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وصدراً من إمارة عمر؟ قال ابن عبّاس: بلى، كان الرجل إذا طلّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وصدراً من إمارة عمر، فلمّا رأى الناس قد تتايعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم، وكان يعاقب على ذلك).
وقال في صفحة -673-، في موضوع تقسيم الغنائم: (تقسّم الغنائم إلى ثلاثة أقسام:
1- الصفي: وهو ما يصطفيه الإمام -- يختاره -- من الغنيمة قبل القسمة، فلا يدخله في القسمة (ر: صفى).
2- خمس ما بقي بعد الصفيّ: وهذا الخمس تأخذه الدولة وتصرفه في المصارف التي ذكرها الله تعالى، بقوله في سورة الأنفال: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ(1)، فهذه مصارف خمسة.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصرفه في مصارفه، فيأخذ منه هو صلوات الله وسلامه عليه خمس الخمس، فينفق منه على نفسه وعياله، فإن بقي منه شيء ردّه في الفقراء والمساكين، ويعطي خمس الخمس الثاني لذوي قرباه بني هاشم وبني المطلب، ولم يعط لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من ذلك الخمس شيئاً، وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسقط أبو بكر سهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسهم قرابته، أمّا سهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنّه سقط بوفاته، وأمّا سهم قرابته فإنّهم استحقوه بنصرتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقرابتهم منه، ومن لم تكن منه نصرة لرسول الله فلا شيء له منه، ولذلك أسقط أبو بكر سهم القرابة، وأدخل استحقاق الفقراء منهم في سهم فقراء المسلمين، وأجرى بقية السهام كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجريها(2).
فلمّا كان عهد عمر تبع في ذلك أبا بكر، واعتبر الخمس الذي تأخذه الدولة من الغنائم لهذه الأصناف الخمسة التي ذكرها الله تعالى في الآية الكريمة جملة، وسقط سهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بوفاته، وبقيت ثلاث فئات تستحقّ هذا الخمس، وهم: الفقراء، والمساكين، وابن السبيل، وأحقّهم بهذا الخمس من كان أشدّ حاجة إليه. وقد أفصح لنا عن ذلك ابن عبّاس رضي الله عنه حين قال: كان عمر يعطينا الخمس نحواً ممّا يرى أنّه لنا، فرغبنا عن ذلك، وقلنا: حقّ ذوي القربى خمس الخمس، فقال عمر: إنّما جعل الله الخمس لأصناف سمّاها، فأسعدهم به أكثرهم عدداً وأشدّهم فاقة، قال: فأخذ ذلك منّا ناس وتركه ناس(1).
وكتب نجدة الحروري إلى ابن عبّاس يسأله عن سهم ذوي القربى؟ فكتب إليه ابن عبّاس: سهم ذوي القربى لنا، وقد كان عمر دعانا لينكح منه أيامانا، ويخدم منه عائلنا، فأبينا عليه إلاّ أن يسلمه لنا لنأكله؛ فأبى ذلك علينا(2)
أقول: وفي الخبر تصحيف وتحريف ينبئ عن سوء طوّية! وذلك قوله: (إلاّ أن يسلّمه لنا لنأكله)، بينما الصحيح: (إلاّ أن يسلّمه لنا كلّه)، ولعلّه تحريف طباعي لم يتنبّه له المؤلّف.
3- الأموال: 335.
4- شرح معاني الآثار 3/234.
وكان عمرt قد قال: إن جائني خمس العراق، لا أدع هاشمياً إلاّ زوّجته، ولا من لا جارية له إلاّ أخدمته(3)، وذلك لفقرهم وحاجتهم، ولذلك أطلق الفقهاء من بعدُ قولهم بأنّ أبا بكر وعمر لم يريا لقرابة رسول الله في ذلك حقّاً خلاف حقّ سائر المسلمين(4)، وقولهم: قسم عمر الغنائم -- أيخمس الغنائم -- على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل(1)، وانعقد على ذلك الإجماع، وانطفأت كلّ مخالفة.
فعن قيس بن مسلم الجدلي، قال: سألت الحسن بن محمّد بن الحنفية: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى(2)، فاختلفوا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في هذين السهمين، قال قائل: سهم ذوي القربى لقرابة النبيّ، وقال قائل: سهم ذوي القربى لقرابة الخليفة، واجتمع رأي أصحاب محمّد أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدّة في سبيل الله، وكان ذلك في خلافة أبي بكر وعمر، قلت له: ما منع عليّاً أن يعمل فيه برأيه؟ قال: إنّه كان يكره أن يُدّعى عليه خلافهما(3).
قال الجصّاص معقباً على قول الحسن بن محمّد بن الحنفية هذا: لا، لم يكن هذا رأي عليّ لما قضى به، أنّه خالفهما في أشياء، مثل الجدّ، والتسوية في العطايا، وأشياء أُخرى، فثبت أنّ رأيه ورأيهما كان سواء في أنّ سهم ذوي القربى إنّما يستحقّه الفقراء منهم، ولمّا اجمع الخلفاء الأربعة عليه ثبتت حجّته بإجماعهم، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (عليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين من بعدي)(4)، والحقّ ما قاله الجصّاص).
يبدو أنّ الدكتور قلعةجي أعجبه قول الجصّاص في مسألة توزيع الخمس، فمنحه القبول، فقال: (والحقّ ما قاله الجصّاص)؛ وإنّما الباعث له على ذلك ما قاله الجصّاص: (ولمّا أجمع الخلفاء الأربعة عليه ثبتت حجّته بإجماعهم، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (عليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين من بعدي)، فقال قلعةجي: (والحقّ ما قاله الجصّاص)(1).
وهذا من العجيب الغريب أن يجعل ما ذكره الجصّاص حقّاً! استناداً إلى ما ذكره من إجماع الخلفاء الأربعة، والإجماع منهم حجّة، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (عليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين من بعدي)، مع أنّ الخلفاء لم يجمعوا على رأي واحد في مسألة الخمس! ويكفي ما مرّ من جواب ابن عبّاس لسؤال نجدة منه. وقد مرّ في الجزء التاسع من الموسوعة(2)ما يتعلّق بهذا الموضوع، فأين الإجماع المدّعى؟!
ثمّ استدلال الجصّاص بخبر: (عليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين من بعدي)، خبر مزعوم لم يصحّ سنداً، وإن زعموا صحّته! كما لا يستقيم دلالة كما سيأتي.
على أنّ ما ذكره الجصّاص ليس هو الذي رواه أصحاب السنن والمسانيد! وإن أقدم من رواه -- فيما وقفت عليه -- هو أحمد بن حنبل المتوفّى سنة 246ه-، ولم أقف على من رواه قبله، ولقد رواه بخمسة أسانيد، جميعها مدارها على العرباض بن سارية، وهو من صحابة أهل الصُفة.
وإلى القارئ روايات أحمد التي وردت في (مسنده):
الأُولى: (حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا معاوية، عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي أنّه سمع العرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله! إنّ هذه لموعظة مودّع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلاّ هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين، وعليكم بالطاعة، وإن عبداً حبشياً، عضّوا عليها بالنواجذ، فإنّما المؤمن كالجمل الأنف حيثما انقيد انقاد)(1).
الثانية: (حدّثنا عبد الله، حدّثنا أبي، ثنا الضحاك بن مخلد، عن ثور، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن عرباض بن سارية، قال: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم الفجر، ثمّ أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت لها الأعين، ووجلت منها القلوب، قلنا -- أو قالوا -- يا رسول الله! كانت هذه موعظة مودّع، فأوصنا قال: (أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، فإنّه من يعش منكم يرى بعدي اختلافاً كثيراً، فعليكم بسُنّتي وسُنّة
1) - مسند أحمد 4/126، ط صادر.
الخلفاء الراشدين المهديين، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة)(1).
الثالثة: (حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ثور بن يزيد، ثنا خالد بن معدان، قال: ثنا عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر، قالا: أتينا العرباض بن سارية -- وهو ممّن نزل فيه: وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ(2)-- فسلّمنا، وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين، فقال عرباض: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصبح ذات يوم، ثمّ أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كانت هذه موعظة مودّع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: (أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، فإنّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة)(3).
الرابعة: (حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا حيوة بن شريح، ثنا بقية حدّثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن ابن أبي بلال، عن عرباض ابن سارية أنّه حدّثهم أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعظهم يوماً بعد صلاة الغداة... فذكره)(4).
الخامسة: (عبد الله، حدّثني أبي، حدّثنا إسماعيل، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمّد بن إبراهيم بن الحارث، عن خالد بن معدان، عن أبي بلال، عن العرباض بن سارية، أنّه حدّثهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعظهم يوماً بعد صلاة الغداة... فذكره)(1).
هذه هي روايات أحمد في (مسنده)، فلماذا اختلفت صورها في أسانيدها ومتونها، وهي جميعها عن صحابي واحد؟! إنّها بليّة الرواة -- وما آفة الأخبار إلاّ رواتها -- وقبل التعليق على الدلالة التي أحيطت بأكبر هالة، فلنقرأ ما قاله علماء الجرح والتعديل في رجال أسانيد الروايات، فإن تمّ تعديلهم ولو على أضعف الوجوه، نذكر ما عندنا حول الدلالة.
فالآن إلى ذكر رجال الأسانيد بدءاً من مشايخ أحمد:
(رجال سند الرواية الأولى من مسند أحمد)
1- عبد الرحمن بن مهدي، فبالرغم ممّا ذكر فيه من ثناء عليه، إلاّ أنّ الذهبي في (الميزان) قال في ترجمة: (معاوية بن صالح، قال الليث بن عبدة: قال يحيى بن معين: كان ابن مهدي إذا حدّث بحديث معاوية بن صالح زجره يحيى بن سعيد، وكان ابن مهدي لا يبالي)(2)، وإذا عرفنا ما قيل في معاوية بن صالح، كما سيأتي، نعرف لماذا كان الزجر عن الرواية عنه، ولعلّ في هذا ما ذكره الكعبي في (قبول الأخبار)، قال: (وقد روى الناس أنّ مالك بن أنس كتب إلى والي المدينة -- أو بعث إليه -- ليضرب عبد
الرحمن ثلاثين درّة، فضربه...)(1)، وذكر القصّة في ذلك!
2- معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي، قاضي الأندلس، ذكره الذهبي في (الميزان)، وذكر ما مرّ في عبد الرحمن بن مهدي، وقال أبو حاتم: لا يحتجّ به، وفي (تهذيب) ابن حجر: قال الدوري، عن ابن معين: ليس بمرضيّ، وقال أبو إسحاق الفزاري: ما كان بأهل أن يُروى عنه، وقال سعيد بن مريم: سمعت خالي موسى بن سلمة يقول: أتيته لأكتب عنه فرأيت عنده -- أراه قال: الملاهي -- فتركته ولم أكتب عنه، وفي (قبول الأخبار) للكعبي: (عن علي، قال: سألت يحيى عن معاوية بن صالح؟ فقال: ما كنّا نأخذ من حديثه في ذلك الزمان حرفاً)(2).
3- ضمرة بن حبيب، وهو الحمصي، قال الذهبي في (الميزان): تابعي ثقة، وفي (تهذيب) ابن حجر: كان مؤذن المسجد بدمشق.
4- عبد الرحمن بن عمرو السلمي الشامي، قال الخزرجي في (الخلاصة): عن العرباض، وعنه ابنه جابر وخالد بن معدان، وثّقه ابن حبّان(3)، وفي (تهذيب) ابن حجر: عن القطان الفاسي أنّه لا يصحّ لجهالة حاله(4).
5- العرباض بن سارية، أبو نجيح، من أهل الصُفّة، سكن حمص، قال الخزرجي في (الخلاصة): له أحاديث، وعنه جبير بن نفير وخالد بن معدان،
قال أبو مسهر: مات سنة 75ه-(1)، وسيأتي بعد هذا ما يكشف زيفه.
(تنبيّه على ما في هذه الرواية من التزييف)
لقد مرّ في ذيلها: (فإنّ المؤمن كالجمل الأنف حيثما اقيد انقاد)، ولم يذكر أحد أنّها من التزيّد الأجنبيّ عن الرواة والرواية!!
لكن الحاكم النيسابوري ذكر في (المستدرك) هذه الرواية، فقال: (فكان أسد بن وداعة يزيد في هذا الحديث: (فإنّ المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد)(2).
وهذا الإدراج لم يذكره أحمد عن أسد بن وداعة، ولم يأت له ذكر بين الرواة، ولمّا ذكره الحاكم، فذكر به، لأنّه في روايته للحديث عنده زيادة، فمن هو أسد بن وداعة؟
قال أبو داود: بلغني عن يحيى بن سعيد، قال: كان أسد بن وداعة وأزهر بن عبد الله الحرازي يقعان في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قال أبو داود: حدّثنا أبو توبة، حدّثنا أبو هريرة الحمصي، قال: كان أسد بن وداعة يقول: احمدوا الله ثلاثاً وثلاثين، وسبحوه ثلاثين، والعنوا فلاناً ثلاثاً وثلاثين(3).
أتريد سنداً أصحّ من هذا؟!!
(رجال سند الرواية الثانية من مسند أحمد)
1- الضحاك بن مخلد، وهذا هو أبو عاصم النبيّل، من رجال الصحيحين،
اثنوا عليه كثيراً، وعابوا عليه ميله إلى أصحاب الرأي، قال فيه الكعبي: كان مولعاً بالرأي(1).
وذكره العقيلي في (الضعفاء الكبير)، وقال: حدّثنا عبد الله بن أحمد، قال: سمعت أبي يقول لأبي عاصم: مالك تشبّه بأصحابك ابن عون، وذلك أنّه كان يجلس إلى هلال صاحب الرأي)(2).
وقال الدارقطني: (لم يسمع من جعفر بن محمّد)(3)، وإذا صحّ قول الدارقطني فيه، فقد دلّ على مبلغ النُصب فيه، فهو إذ لا يسمع من جعفر بن محمّدu، وهو الإمام الصادق بلا مراء عند أهل الأهواء، لكنّه يروي عن ثور بن يزيد القدري الناصبي، الحاقد الخبيث، الذي تكلّم فيه أصحاب الجرح بكلّ قبيح، فلنقرأ بعض ما قيل فيه:
2- ثور بن يزيد بن زياد الكلاعي، أبو خالد الحمصي، قال ابن معين: ما رأيت أحداً يشكّ أنّه قدري، وقال ابن سعد: كان قدرياً، وكان جدّه قتل بصفّين مع معاوية، فكان ثور إذا ذكر عليّاً، قال: لا أحبّ رجلاً قتل جدّي، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعليّ عليه السلام : (لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق)، وأبو عاصم المنافق لا يحبّ عليّاً، ولا يسمع الحديث من جعفر بن محمّد، ومع ذلك فهو من رجال الصحيحين، قال أبو مسهر وغيره: كان الأوزاعي يتكلّم فيه ويهجوه، وقال أحمد: نهى مالك عن مجالسته، وقال
عبد الله بن المبارك:
أيّها الطالب علماً*** ائت حمّاد بن زيد
فاطلب العلم منه*** ثمّ قيّده بقيد
لا كثور وكجهم*** وكعمرو بن عبيد(1)
3- خالد بن معدان بن أبي كريب الكلاعي، أبو عبد الله الحمصي، ويكفي في توثيقه وتصديقه ما قاله ابن عساكر فيه: كان يتولّى شرطة يزيد ابن معاوية(2)، ومع هذا وفوقه فهو شيخ أهل الشام(3)، وزاد ابن حبّان في الطنبور نغمة فعدّه في الثقات، وقال: كان من خيار عباد الله (؟) كان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة، سوى ما يقرأ من القرآن، فلمّا مات وضع على سريره ليغسّل جعل يشير باصبعه كذا ويحركها يعني التسبيح(4)(؟)
4- عبد الرحمن بن عمرو السلمي، مرّ حاله في رجال الرواية الأولى.
5- عرباض بن سارية، كسابقه.
(رجال سند الرواية الثالثة من مسند أحمد)
1- الوليد بن مسلم، أبو العبّاس الدمشقي، مولى بني أُميّة، عالم الشام، قال أبو داود: روى عن مالك عشرة أحاديث لا أصل لها، وقال أبو مسهر: كان يأخذ من أبي السفر حديث الأوزاعي -- وكان أبو السفر كذّاباً -- وهو
يقول فيها: قال الأوزاعي، وقال أحمد: كان رفّاعاً، وكان كثير الخطأ، وقال: اختلطت عليه أحاديث ما سمع وما لم يسمع، وكانت له منكرات، وقال الدارقطني: كان الوليد يرسل عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء، عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي، فيسقط أسماء الضعفاء ويجعلها عن الأوزاعي، عن نافع، وعن عطاء(1).
2- ثور بن يزيد، مرّت حاله في سند الرواية الثانية.
3- خالد بن معدان، كسابقه.
4- عبد الرحمن بن عمرو السلمي، كسابقه.
5- حجر بن حجر، ذكره الذهبي في (الميزان)، وقال: (الكلاعي ما حدّث عنه سوى خالد بن معدان بحديث العرباض مقروناً بآخر)، إذاً هو مجهول الحال.
6- عرباض بن سارية، مرّ ذكره في رجال سند الرواية الأولى.
(رجال سند الرواية الرابعة في مسند أحمد)
1- حيوة بن شريح، هو ابن صفوان بن مالك التجيبي، أبو زرعة المصري، قال العجلي: ثقة رجل صالح، وقال يعقوب بن سفيان: شريف ثقة، عدل رضي(2)، ومع هذا الإطراء فقد ذكر الكعبي في (قبول الأخبار)، وقال: (وكان أبو عبد الرحمن الذي يقعد في المسجد الجامع بالبصرة مع يحيى، فإذا قال: حدّثنا حيوة بن شريح عن مشرح، وحدّثنا حيوة عن أبي
عُثانة، يقطّب يحيى وجهه، وينكر أحاديثه أشدّ الإنكار، وكان يحيى بن سعيد يذكر أحاديث أهل الشام، ويقول: كلّهم جند بني مروان)(1).
2- بقية، هو أبو الوليد الكلاعي، أبو يحمد الحمصي. قال العجلي: ثقة ما روى عن المعروفين، وما روى عن المجهولين فليس بشيء، وقال الدارقطني: يروي عن قوم متروكين(2)، وسيأتي المزيد من حاله.
3- بحير بن سعد الشحولي، أبو خالد الحمصي، وثّقه العجلي، وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم: من الثبت بحمص؟ قال: صفوان وبحير(3).
4- خالد بن معدان، وقد مرّ حاله في رجال الرواية الثانية.
5- ابن أبي بلال، هو عبد الله بن أبي بلال الخزاعي الشامي، قال العجلي: ابن أبي بلال، روى عنه خالد بن معدان، شامي تابعي ثقة(4).
6- العرباض بن سارية، مرّ حاله في رجال الرواية الأولى.
(رجال سند الرواية الخامسة من مسند أحمد)
1- إسماعيل -- وهذا هو ابن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم -- أبو بشر البصري المعروف بابن عُليّة. قال ابن سعد: كان ثقة ثبتاً في الحديث حجّة، وقد ولي صدقات البصرة، وولي ببغداد المظالم في آخر خلافة هارون،
وذكره ابن حجر في (تهذيب التهذيب)(1)، وذكر أنّ ابن المبارك كان يتجر ويقول: لولا خمسة ما أتجرت: السفيانان، وفضيل، وابن السمّاك، وابن عُلّية فيصلهم، فقيل له: قد ولي ابن عليّة القضاء، فلم يأت ولم يصله، فركب ابن عُليّة إليه، فلم يرفع به (له) رأساً، فانصرف، فلمّا كان من غد كتب إليه رقعة يقول: قد كنت منتظراً لبرّك، وجئتك فلم تكلّمني، فما رأيته منّي؟ فقال ابن المبارك: يأبى هذا الرجل إلاّ أن تقشر له العصا، ثمّ كتب إليه:
يا جاعل العلم له بازيا*** يصطاد أموال المساكين
احتلت للدنيا ولذاتها*** بحيلة تذهب بالدين
فصرت مجنوناً بها بعدما*** كنت دواءً للمجانين
أين رواياتك فيما مضى*** عن ابن عون وابن سيرين
أين رواياتك في سردها*** في ترك أبواب السلاطين
إن قلت أُكرهت فذا باطل*** زل حمار العلم في الطين
فلمّا وقف على هذه الأبيات قام من مجلس القضاء فوطئ بساط الرشيد، وقال: الله الله، ارحم شيبتي فإنّي لا أصبر على القضاء، قال: لعلّ هذا المجنون أغراك، ثمّ أعفاه.
فوجّه إليه ابن المبارك بالصرّة، وقيل: إنّ ابن المبارك إنّما كتب إليه بهذه الأبيات لما ولي صدقات البصرة، وهو الصحيح.
وذكر ابن حجر أيضاً: عن علي بن خشرم، قلت لوكيع: رأيت ابن عُليّة
1) - تهذيب التهذيب 1/277.
شرب النبيّذ حتّى يحمل على الحمار يحتاج من يردّه، فقال وكيع: إذا رأيت البصري يشرب النبيّذ فاتهمه، وإذا رأيت الكوفي يشربه فلا تتهمه، قلت: وكيف ذاك؟ قال: الكوفي يشربه تديّناً، والبصري يتركه تديّناً.
وقال المفضل بن زياد: سألت أحمد بن حنبل عن وهيب، وابن عُليّة؟ قال: وهيب أحبّ إليَّ، ما زال ابن عُليّة وضيعاً من الكلام الذي تكلّم به إلى أن مات، قلت: أليس قد رجع وتاب على رؤوس الناس؟ قال: بلى(1)، ولكن ما زال لأهل الحديث بعد كلامه ذلك مبغضاً، وكان لا ينصف في أهل الحديث، كان يحدّث بالشفاعات، وكان معنا رجل من الأنصار يختلف إلى الشيوخ فأدخلني عليه، فلمّا رآني غضب، وقال: من أدخل علَيَّ هذا؟(2).
2- هشام الدستوائي -- هو ابن أبي عبد الله سنبر، أبو بكر البصري -- قال ابن سعد: حجّة لكنّه يرى القدر(3)، وقال العجلي: بصري، ثقة، ثبت في الحديث، حجّة، إلاّ أنّه يرى القدر، وقال الجوزجاني: كان ممّن تكلّم في القدر... (4)، وكان لا يطفئ سراجه بالليل، فقالت له امرأته: إنّ هذا السراج يضرّ بنا، فقال لها: ويحك إنّكِ إذا اطفئتيه ذكرت ظلمة القبر فلم أتقار(5).
3- يحيى بن أبي كثير، قال العقيلي: كان يذكر بالتدليس، قال حسين المعلّم: قلنا ليحيى بن أبي كثير هذه المرسلات عمّن هي؟ قال: أترى رجلاً
أخذ مداداً وصحيفة يكتب على رسول الله الكذب، قال: قلت: فإذا جاء مثل هذا فأخبرنا؟ قال: إذا قلت بلغني، فإنّه من كتاب. وعن يحيى بن سعيد مرسلات يحيى بن أبي كثير شبه الريح.
وقال ابن المبارك، عن همام: كنّا نحدّث يحيى بن أبي كثير بالغداة، فإذا كان العشيّ قلبه علينا.
وقال ابن حبّان: كان يدلّس(1):
أقول: ومع هذا التجريح الصريح، فقد قال معمر: أُريد يحيى بن أبي كثير على البيعة لبعض بني أُميّة، فأبى حتّى ضُرب وفُعل به كما فُعل بسعيد ابن المسيّب(2).
4- محمّد بن إبراهيم بن الحارث -- هو ابن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة القرشي التيمي، أبو عبد الله المدني، قال العقيلي، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو منكرة، وقال أبو حسّان الزيادي: كان عريف قومه.
5- خالد بن معدان، وقد مرّت حاله.
6- ابن أبي بلال، كسابقه.
7- العرباض بن سارية، كسابقه.
لقد قرأنا الأسانيد التي ذكرها أحمد في روايته للحديث، فكان كثير منهم من أهل حمص، وهي من بلاد الشام، قال ابن المديني: كان يحيى بن
سعيد يذكر أحاديث أهل الشام، ويقول: كلّهم جند بني مروان.
وحدّث أبو بكر الهذلي، قال: سمعت الحسن -- البصري -- يقول، وقال له رجل: أتعذر أهل الشام؟ قال: أنا أعذرهم! لا عذرهم الله، والله لقد حدّث ابن عبّاس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (اللّهمّ إنّي حرّمت المدينة بما حرّمت به حرمك)، فدخلها أهل الشام ثلاثاً: لا يغلق لهم باب إلاّ أحرقوه بما فيه، حتّى إنّ الأقباط والأنباط ليدخلون على نساء قريش فينتزعون خمورهن عن رؤوسهن، وخلاخيلهن من أرجلهن، ثمّ ساروا إلى الكعبة، فنصبوا عليها القدامات بأحجارها، وألهبوا النيران في أستارها، كتاب الله تحت أقدامهم، وسيوفهم على عواتقهم، اتّخذوا بني أُميّة أرباباً من دون الله.
قال: وهم طغام استهواهم معاوية، فلم يتخلّف عنه واحد منهم متخلّف، فاتبعوا باطلاً مكشوفاً، يدفعون حقّاً واضحاً، فكلّما رووا حديثاً فإنّما يروون عن أولئك، فأيّ حديث لهم(1).
محمّد، حدّثنا أبي، قال: سمعت أبي يقول: أدركت أهل الكوفة وهم لا يعتدون بحديث أهل الشام، ولا بعامّة حديث أهل البصرة(2).
ولئلا نتجاوز الخطوط الحمراء حول أحمد بن حنبل، نذكر فقط ما قاله ابن أبي خيثمة. قال: قيل ليحيى بن معين: إنّ أحمد بن حنبل قال: إنّ علي بن عاصم ثقة ليس بكذّاب، قال: لا والله، ما كان علي عنده قطّ ثقة،
ولا حدّث عنه بحرف قطّ، فكيف صار عنده اليوم ثقة؟!(1)
وأخيراً نذكر ما قاله ياقوت الحموي، وهو من حماة، وكانت من عمل حمص، وبينهما يوم، قال: (ومن عجيب، ما تأمّلته من أمر حمص، فساد هوائها وتربتها اللذان يفسدان العقل، حتّى يضرب بحماقتهم المثل، إنّ أشدّ الناس على عليّ رضي الله عنه بصفّين مع معاوية كان أهل حمص، وأكثرهم تحريضاً عليه وجدّاً في حربه، فلمّا انقضت تلك الحروب ومضى ذلك الزمان صاروا من غلاة الشيعة، حتّى إنّ في أهلها كثيراً من رأى مذهب النصيرية، وأصلهم الإمامية الذين يسبّون السلف، فقد التزموا الضلال أوّلاً وأخيراً، فليس لهم زمان كانوا فيه على الصواب)(2). أه-.
ولا يخلوا كلامه من تجنّ ظاهر! فقد ذكر الذهبي في (ميزان الاعتدال) في ترجمة إسماعيل بن عيّاش، قال: (عثمان بن صالح السهمي: كان أهل حمص ينتقصون عليّاً، حتّى نشأ فيهم إسماعيل بن عيّاش، فحدّثهم بفضائله، فكفّوا عن ذلك)(3).
أقول: وسيأتي عن الكلاعيين الذين أشار إليهم ياقوت، فكانوا مع معاوية ما يكشف تبع الذراري لآبائهم في ضلالاتهم.
والآن وبعد هذا التطواف بحثاً عن حال الرجال الذين روى عنهم أحمد حديث العرباض، فلم نجد سند رواية واحدة من رواياته الخمس ما
يصلح الاستدلال به، لما ورد من تجريح صريح، أو تلويح في نقدهم، ولمّا كان أعلام المحدّثين من بعد أحمد اعتبروا رواية العرباض يتيمة الدراري، فعكفوا على إخراجها بأسانيدهم الخاصّة، ونحن سنمرّ سراعاً على ذكر أصحاب المصادر التي روت رواية العرباض هذه، حسب سنيّ وفياتهم.
فأوّلهم الدارمي المتوفّى سنة (255ه-)، ثمّ ابن ماجة المتوفّى سنة (273ه-)، ثمّ أبو داود المتوفّى سنة (275ه-)، ثمّ الترمذي المتوفّى سنة (279ه-)، ثمّ البزّار المتوفّى سنة (292ه-)، ثمّ ابن حبّان المتوفّى سنة (354ه-)، ثمّ الطبراني المتوفّى سنة (360ه-)، ثمّ الحاكم النيسابوري المتوفّى سنة (405ه-)، ثمّ أبو نعيم المتوفّى سنة (430ه-)، وأخيراً البيهقي المتوفّى سنة (458ه-).
والآن إلى عرض ما عند هؤلاء الحفّاظ من أئمّة الصحاح والسنن والمسانيد، من أسانيد:
فأوّلهم: أخرج الدارمي (ت255ه-) في (سننه)، في باب اتّباع السُنّة، قال: (أخبرنا أبو عاصم، أنا ثور بن يزيد، حدّثني خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو، عن عرباض بن سارية، قال: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الفجر، ثمّ وعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! كأنّها موعظة مودّع فأوصنا، فقال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم والمحدثات، فإنّ كلّ محدثة بدعة).
وقال أبو عاصم مرّة: (وإيّاكم ومحدثات الأمور فإنّ كلّ بدعة ضلالة)(1).
هذا ما أخرجه الدارمي، وليس فيه من جديد الرواة، ومن ذكرهم فقد مرّ ذكرهم في أسانيد أحمد الرواية الثانية؛ فراجع!
وثانيهم: ابن ماجة (ت273ه-)، فقد ذكر الحديث في باب اتّباع سُنّة الخلفاء الراشدين المهديين، ولم يذكر في الباب غيره، فقال:
(42- حدّثنا عبد الله بن أحمد بن بشير ذكوان الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبد الله بن العلاء (يعني: ابن زبر) حدّثني يحيى بن أبي المطاع قال: سمعت العرباض...
43- حدّثنا إسماعيل بن بشر بن منصور وإسحاق بن إبراهيم السوّاق، قالا: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي أنّه سمع العرباض بن سارية يقول:...
44- حدّثنا يحيى بن حكيم، ثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي، ثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو، عن العرباض ابن سارية...)(2).
معرفة رجال الإسناد بدءاً من مشايخه.
ففي السند الأوّل، رواه عن: عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي.
ترجمه ابن حجر في (تهذيب التهذيب)، ووصفه بإمام الجامع، وذكر عن ابن معين قوله: ليس به بأس، وعن أبي حاتم قوله: صدوق(1)...
وهذا روى الحديث عن الوليد بن مسلم، وهو القرشي مولى بني أُميّة، وقيل: مولى بني العبّاس، أبو العبّاس الدمشقي عالم الشام، ذكره ابن حجر وأطراه بنقل الأقوال في مدحه، ثمّ عقب على ذلك بما فيه عن أحمد: كان الوليد كثير الخطأ، وقال حنبل عن ابن معين: سمعت أبا مسهر يقول: كان الوليد ممّن يأخذ عن أبي السفر حديث الأوزاعي، وكان أبو السفر كذّاباً، وقال مؤمل بن أهاب عن أبي مسهر: كان الوليد بن مسلم يحدّث حديث الأوزاعي عن الكذّابين ثمّ يدلّسها عنهم(2).. إلى غير هذا.
وهذا روى الحديث عن عبد الله بن العلاء بن زبر، عن يحيى بن أبي المطاع، عن العرباض.
قال ابن حجر في ترجمة يحيى بن أبي المطاع: (قال أبو زرعة لدحيم تعجباً من حديث الوليد بن سليمان، قال: صحبت يحيى بن أبي المطاع كيف يحدّث عبد الله بن العلاء بن زبر عنه أنّه سمع العرباض مع قرب عهد يحيى، قال أنا من أنكر الناس لهذا والعرباض قديم الموت، وزعم ابن القطان أنّه لا يعرف حاله -- يعني يحيى بن أبي المطاع)(3).
وفي السند الثاني لابن ماجة: إسماعيل بن إبراهيم بن بشر بن منصور.
قال الآجري: سألت أبا داود عنه، فقال: صدوق، وكان قدرياً(1).
وإسحاق بن إبراهيم السوّاق، ذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث(2).
وقد مرّت حال بقية رجال السند.
وفي السند الثالث: يحيى بن حكيم.
ذكره ابن حجر في (التهذيب) في ترجمته، وحكى توثيقه عن الآخرين، ومن ذلك قال أبو عروبة: ما رأيت بالبصرة أثبت من أبي موسى ومن يحيى بن حكيم، وكان ورعاً.
وهذا روى الحديث عن عبد الملك بن الصباح المسمعي، الذي ترجمه ابن حجر في (التهذيب)، وحكى عن الخليلي قوله: (عبد الملك بن الصباح متّهم بسرقة الحديث، عن مالك كذا قال، ولم أر في الرواة عن مالك للخطيب ولا للدارقطني أحداً يقال له عبد الملك بن الصباح، فإن كان محفوظاً فهو غير المسمعي)(3).
أقول: سواء أكان هو أم غيره، فهو يروي الحديث عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، وقد مرّت حالهما، فلا سند نقيّ عند ابن ماجة، ولا أرى في كشف حاله من حاجة، بعدما قال ابن حجر: (كتابه في السنن جامع جيد كثير الأبواب والغرائب، وفيه أحاديث ضعيفة جدّاً، حتّى بلغني
أنّ السري كان يقول: مهما انفرد بخبر فهو ضعيف غالباً وليس الأمر في ذلك على إطلاقه باستقرائي، وفي الجملة ففيه أحاديث كثيرة منكرة)(1).
وثالث أصحاب المصادر الذين أخرجوا الحديث بأسانيدهم: أبو داود (ت275ه-)، فقد أخرجه في (سننه) كتاب السُنّة باب في لزوم السُنّة(2)، قال: حدّثنا أحمد بن حنبل... ثمّ ساق عنه الحديث بإسناده كما مرّ في الصورة الثالثة من أحاديث أحمد، فلا حاجة بنا إلى الوقوف عند ما رواه أبو داود، فهو سنداً ومتناً ومناقشة قد مرّ بنا.
ورابع أصحاب المصادر الذين أخرجوا الحديث مسنداً، هو الترمذي (ت279ه-)، فقد أخرجه في (سننه) في كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسُنّة واجتناب البدع، فقال: حدّثنا علي بن حجر(3)...
وهذا من مشايخ الحديث شأناً وسنّاً، ترجمه ابن حجر في (التهذيب)(4).
وهذا روى الحديث عن بقية بن الوليد، ترجمه ابن حجر في تهذيبه -- وما وجدت له فعلاً ترجمة أُخرى أكبر منها، إلاّ ما ذكره الذهبي في (الميزان)(5)-- وجاء فيها ممّا يسقطه عن الاعتبار، نحو ما: (قال ابن المبارك: كان صدوقاً، ولكنّه كان يكتب عمّن أقبل وأدبر... وقال ابن عيينة: لا
تسمعوا من بقية ما كان في سُنّة، واسمعوا منها ما كان في ثواب وغيره... قال يحيى بن معين: كان يحدّث عن الضعفاء بمائة حديث قبل أن يحدّث عن الثقات. قال يعقوب: بقية ثقة حسن الحديث إذا حدّث عن المعروفين، ويحدّث عن قوم متروكي الحديث وعن الضعفاء، ويحيد عن أسمائهم إلى كناهم، وعن كناهم إلى أسمائهم، ويحدّث عمّن هو أصغر منه... وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجّ به... وقال أبو مسهر الفسائي: بقية ليست أحاديثه نقية، فكن منها على تقية... وقال الجوزجاني: رحم الله بقية ما كان يبالي إذا وجد خرافة عمّن يأخذ، وإذا حدّث عن الثقات فلا بأس به... وقال ابن خزيمة: لا احتجّ ببقية، حدّثنا أحمد بن الحسن الترمذي، سمعت أحمد بن حنبل يقول: توهمت أنّ بقية لا يحدّث المناكير إلاّ عن المجاهيل، فإذا هو يحدّث المناكير عن المشاهير، فعلمت من أين أُتي، قلت: أُتي من التدليس.
وقال ابن حبّان: لم يسر أبو عبد الله شأن بقية، وإنّما نظر إلى أحاديث موضوعة رويت عنه عن أقوام ثقات فأنكرها، ولعمري إنّه موضع الإنكار، وفي دون هذا ما يسقط عدالة الإنسان...).
إلى غير هذا ممّا ذكره ابن حجر في تهذيبه في ترجمته المطوّلة، وختمها بما قاله البيهقي في الخلافيات: (اجمعوا على أنّ بقية ليس بحجّة, وقال عبد الحقّ في الإحكام في غير ما: حديث بقية لا يحتجّ به. وقال ابن القطان: بقية يدلّس عن الضعفاء ويستبيح ذلك، وهذا إن صحَّ مفسد لعدالته)(1).
1) - التهذيب 1/473 -- 478.
ثمّ قال الذهبي: (قلت: نعم والله، صحّ هذا عنه، إنّه يفعله، وصحّ عن الوليد بن مسلم، بل ومن عامّة كبار فعله، وهذه بلية منهم، ولكنّهم فعلوا ذلك باجتهاد، وما جوّزوا على ذلك الشخص الذي يسقطون ذكره بالتدليس، إنّه تعمّد الكذب، هذا أمثل ما يعتذر به عنهم)(1).
أقول: وقد فاتني ذكر نسبته (الكلاعي) وأنّها نسبة إلى ذي الكلاع الحميري، الذي كان مع معاوية في صفّين وقتل بها، فقال معاوية: (لأنا أشدّ فرحاً بقتل ذي الكلاع منّي بفتح مصر لو فتحتها)(2)، فقال عمرو: (والله يا معاوية! ما أدري بقتل أيّهما أنا أشدّ فرحاً، والله لو بقي ذو الكلاع حتّى يقتل عمّار لمال بعامّة قومه إلى عليّ، ولأفسد علينا جندنا)(3)، وبقية من ذرّية ذاك، وما في الآباء ترثه الأبناء.
وتبقى بلدة حمص مصدر الإنتاج لرواة هذا الحديث، فبقية بن الوليد رواه عن بحير بن سعيد السحولي أبو خالد الحمصي، ويكفي في تعريفه حكاية أبي طالب عن أحمد: ليس بالشام أثبت من حريز إلاّ أن يكون بحير.
أقول: أعلمتم من هو حريز الذي هو أثبت من في الشام؟ إنّه حريز بن عثمان الحمصي(4)
وقال ابن عمّار: يتهمونه أنّه كان ينتقص عليّاً، ويروون عنه ويحتجّون به ولا يتركونه (؟!)
وقال الحسن بن علي الخلال: سمعت عمران بن إياس: سمعت حريز بن عثمان يقول: لا أحبّ قاتل آبائي، يعني: عليّاً، وفي آخر ترجمته في تهذيب ابن حجر 2/240: وقال غنجار: قلت ليحيى بن صالح: لِم لَم تكتب عن حريز؟ فقال: كيف أكتب عن رجل صلّيت معه الفجر سبع سنين، فكان لا يخرج من المسجد حتّى يلعن عليّاً سبعين مرّة.
وقال ابن حبّان: كان يلعن عليّاً بالغداة سبعين مرّة، وبالعشي سبعين مرّة، فقيل له في ذلك: فقال هو القاطع رؤوس آبائي وأجدادي، وكان داعية إلى مذهبه يتنكّب حديثه.
أقول: ومع هذا فقد أخرج له البخاري في صحيحه! حشرهم الله جميعاً في فيلوق واحد، ولعن الله من سبّ عليّاً من الأولين والآخرين، بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من سبّ عليّاً فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله)(راجع عليّ إمام البررة 1/160، وراجع الجزء 10/195 من الموسوعة في احتجاج ابن عبّاس رضي الله عنه مع تسعة رهط.
، فما ظنّك بمن كان قرينه في المفاضلة -- بئس الفريق --1) - ميزان الاعتدال 1/339.
2) - وقعة صفّين: 341.
3) - وقعة صفّين: 987
4) - الذي قال أحمد: صحيح الحديث إلاّ أنّه كان يحمل على عليّ، وقال المفضل بن غسّان: يقال في حريز مع تثبته كان سفيانياً. وقال العجلي: شامي ثقة، وكان يحمل على عليّ، وقال عمرو بن علي: كان ينتقص عليّاً وينال منه. وقال في موضع آخر: ثبت شديد التحامل على عليّ.
والمفضّل عليه هو حريز بن عثمان؟ الذي قال فيه من طفحت كتبهم بتوثيقه: (كان يحمل على عليّ عليه السلام)، و(كان شديد التحامل على عليّ عليه السلام)، وقال إسماعيل بن عياش: (عادلت حريزاً من مصر إلى مكّة، فجعل يسبّ عليّاً ويلعنه)، وقال إسماعيل أيضاً: (سمعت حريزاً يقول: هذا الذي يرويه الناس عن النبيّ صلى الله عليه وآله و سلم، قال لعليّ: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى) حقّ، لكن أخطأ السامع، فإنّه قال: أنت منّي بمنزلة قارون من موسى، قلت: عمّن ترويه؟ قال سمعت الوليد بن عبد الملك يقوله وهو على المنبر)، وقال ابن عدي: (قال يحيى بن صالح: أملى علَيَّ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حديثاً في تنقيص عليّ، لا يروي مثله من يتّقي الله)، فلمّا حدّثني به قمت وتركته.. إلى غير هذا من أقوال في حقّه.
ومع هذا فهو الذي قال فيه أحمد: ثقة ثقة، ثقة!! وقال البخاري: (قال
محمّد بن المثنى، حدّثنا معاذ بن معاذ، قال: حدّثنا حريز بن عثمان -- ولا أعلم أنّي رأيت أحداً من أهل الشام أفضّله عليه)؟ وقال أبو زرعة الدمشقي: (قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم (دحيم): من الثبت بحمص؟ قال: صفوان، وبحير، وحريز، وثور، وأرطاة)(1).
أدريت من هو (دحيم) صاحب هذا القول؟! هو الذي قال فيه العجلي: ثقة، كان يختلف إلى بغداد سمعوا منه، فذُكر الفئة الباغية هم أهل الشام، فقال: من قال هذا فهو ابن الفاعلة، فنكب الناس عنه، ثمّ سمعوا منه(2)!
ألا أنّهم جميعاً في الهوى سواء، ويبقى بيننا وبينهم سدّان منيعان لا يمكن القفز عليهما، وسندّان قويان لا يمكن الطعن فيهما: قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: (لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق)، ولعمّار: (تقتلك الفئة الباغية)، و(قاتله في النار).
وقد أخرج الأوّل: مسلم في صحيحه(3)، والنسائي(4)، والترمذي(5)، وابن ماجة(6)، وأحمد في المسند(7)، وأبو يعلى في مسنده(8)، والحاكم في
1) - راجع الإفصاح 1/332 -- 335، وجامع الجرح والتعديل 1/158، وكتاب عليّ إمام البررة 1/281.
2) - جامع الجرح والتعديل 2/58.
3) - صحيح مسلم: كتاب الإيمان رقم 131.
4) - سنن النسائي، علامة الإيمان باب 19 .
5) - سنن الترمذي: الحديث (3736) المناقب باب 20.
6) - ابن ماجة: الحديث (114) المقدّمة باب 11.
7) - مسند أحمد: ج1 الحديث (642 و731 و1062).
8) - مسند أبي يعلى 1/250.
(المستدرك)، قال الذهبي: (وقد جمعت طرق حديث الطير في جزء، وطرق حديث: (من كنت مولاه) وهو أصحّ، وأصحّ منهما ما أخرجه مسلم عن عليّ، قال: (إنّه لعهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إليَّ: أنّه لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق)، وهذا أشكل الثلاثة، فقد أحبّه قوم لا خلاق لهم، وأبغضه بجهل قوم من النواصب، فالله أعلم)(1).
وأخرج الثاني في عمّار كلّ من ترجمه من المؤرخين والمحدّثين، ورواه عدّة من الصحابة ممّن لا يتهم، وحسبنا منهم رواية عثمان، كما في مسند أبي عوانة، وأبو يعلى في مسنده معاً، عن زيد بن وهب: أنّ عمّاراً قال لعثمان: حملتَ قريشاً على رقاب الناس، عدوا علَيَّ فضربوني، فغضب عثمان، ثمّ قال: ما لي ولقريش؟ عدوا على رجل من أصحاب محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فضربوه، سمعت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعمّار: (تقتلك الفئة الباغية، وقاتله في النار)(2).
ونعود إلى الترمذي الذي أخرج حديث العرباض المبحوث عنه، وقال: (هذا حديث حسن صحيح)(3)(؟!) أرأيت كيف حسّنه وصحّحه، مع إسناده بمن لا يساوي شروى نقير؟!
ثمّ لم يكتفي بذلك حتّى أخرجه ثانية، فقال: (وقد روى ثور، عن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض ابن سارية، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.. نحو هذا.
حدّثنا بذلك الحسن بن عليّ الخلاّل، وغير واحد، قالوا: أخبرنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد...) (1).
أقول: وجميع رجال السند هذا مرّت حالهم، سوى (الحسن بن عليّ الخلال، وغير واحد). فمن هو الخلال؟ ونُعرض عن (غير واحد) من المجهولين، فنقول:
الحسن بن عليّ الخلال، ذكره ابن حجر في (تهذيب التهذيب)، فقال: (الحسن بن محمّد الهذلي، أبو علي، وقيل: أبو محمّد الحلواني، نزيل مكّة، وقال داود بن الحسين البيهقي: بلغني أنّ الحلواني قال: لا أكفّر من وقف في القرآن، قال داود: فسألت سلمة بن شبيب عن الحلواني؟ فقال: يرمى في الحشّ(2)، من لم يشهد بكفر الكافر فهو كافر، وقال أحمد: ما أعرفه بطلب الحديث، ولا رأيته بطلبه، ولم يحمده، ثمّ قال: بلغني عنه أشياء أكرهه...)(3)، وأحسبه هذا هو الذي قال عنه الذهبي في (الميزان) بعنوان الحسن بن علي الهذلي: بصري مجهول(4)، وكذا في (ديوان الضعفاء والمتروكين)(5).
ومهما يكن، فسند الترمذي الثاني إلى رواية حديث العرباض لم يكن سنداً يعتمد عليه لتجريح رجاله، ومن هذا يعرف سوء حاله.
وعاد الترمذي ثالثة، فقال: (وقد روي هذا الحديث عن حجر بن حجر، عن عرباض بن سارية، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : ... نحوه)(1)، ولم يذكر سنده إلى حجر بن حجر، ولكن قدّ مرّ بنا ذكره في ثالث روايات أحمد، فراجعه تجده كبقية رجاله في سوء حاله.
الخامس من المصادر التي روت الحديث بإسناد مسند البزّار (ت292ه-)، فقد جاء في (البحر الزخار مسند البزّار): (حدّثنا زياد بن يحيى الحسائي، قال: حدّثني الوليد بن مسلم، قال: نا عبد الله بن العلاء بن زبر، قال: سمعت يحيى بن أبي المطاع يحدّث عن العرباض بن سارية، قال...)(2).
وليس في رجاله من جديد علينا اسمه، سوى زياد بن يحيى الحسائي، وهذا لم أقف على من ذكره، فهو مجهول عندي فعلاً.
السادس من المصادر التي روت الحديث بإسناد صحيح ابن حبّان (ت354ه-)، فقد أخرج الحديث، فقال: (أخبرنا أحمد بن مكرم بن خالد البرقي، حدّثنا علي بن المديني، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا ثور بن يزيد، حدّثني خالد بن معدان، حدّثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر الكلاعي، قالا: أتينا العرباض بن سارية وهو ممّن نزل فيه قوله تعالى: وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ(3)--
فسلّمنا وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين، فقال العرباض: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصبح ذات يوم، ثمّ أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كانت هذه موعظة مودّع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: (أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً مجدعاً، فإنّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة)(1).
السابع من المصادر التي روت الحديث بإسناد (المعجم الكبير) للطبراني (ت360ه-)، أخرج الحديث تسع مرّات(2)عن عدّة رجال من التابعين رووه عن العرباض، وليس بين تلك الصور التوافق التام، بل بين بعضها تنافر وتنافي، ولولا خوف الإطالة لذكرتها جميعاً، لما كان بينها من اختلاف، ولكن أشير إلى ما أخرجه من ثالث ما أسند عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض، فقد جاء في آخره: (فإنّ المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد)، وهذه الزيادة ممّا زادها أسد بن وداعة، وقد مرّ حاله وخبثه في تعليقي على الرواية الأولى من روايات مسند أحمد بن حنبل؛ فراجع.
وذكر الحديث خامساً بسنده عن خالد بن معدان، عن عمّه، عن العرباض: (...فوعظ الناس ورغّبهم وحذّرهم، وقال ما شاء الله أن يقول، وقال: (اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأطيعوا من ولاّه الله أمركم، وتنازعوا
الأمر أهله وإن كان عبداً أسود، وعليكم بما تعرفون من سُنّة نبيّكم والخلفاء الراشدين المهديين، وعضّوا عليها بالنواجذ)(1)، فأين هذا ممّا سبق؟! ثمّ من هو عمّ خالد بن معدان المجهول الهوية؟!
ولقد انكشفت الغمّة وصرح الحقّ عن مخضه، حين أخرج الطبراني بسنده عن خالد بن معدان، عن العرباض، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: أنّه قام يوماً في الناس فقال: (أيّها الناس توشكون أن تكونوا أجناداً مجنّدة، جند بالشام، وجند بالعراق، وجند باليمن)، فقال ابن حوالة: يا رسول الله! إن أدركني ذلك الزمان فاختر لي، قال: (إنّي أختار لك الشام، فإنّه خيرة المسلمين، وصفوة الله من بلاده، يجتبي إليه صفوته من خلقه، فمن أبى فليلحق بيمنه، ولَيسقَ من غُدره، فإنّ الله قد كفل لي بالشام وأهله)(2).
وزاد في كشف الهوية حين أخرج عنه الطبراني، فقال: (أبو رهم السمعي، عن العرباض بن سارية، حدّثنا أبو يزيد القراطيسي، ثنا أسد بن موسى (ح) وحدّثنا بكر بن سهل، ثنا عبد الله بن صالح، قالا: ثنا معاوية، حدّثني يونس بن سيف، عن الحارث بن زياد، عن أبي رهم: أنّ عرباض بن سارية حدّثه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعاه إلى السحور في رمضان، فقال: (هلّم إلى الغداء المبارك)، وسمعته يقول: (اللّهمّ علّم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب)(3).
ونظرة خاطفة في كتب أصحاب معاوية الذين أخرجوا هذا في زبرهم، فقد رواه أحمد في مسنده، وأبو داود، والنسائي، والبزّار، والهيثمي في (مجمع الزوائد)، وقال: (وفيه الحارث بن زياد، ولم أجد من وثقه، ولم يرو عنه غير يونس بن سيف، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف)(1)
(باقتضاب عن تخريج أحمد السلفي في الطبراني)، وقال: والحديث رواه المصنّف في مسند الشاميين (2010)، وانظر تعلقينا على مسند الشاميين (333)).
2- ميزان الاعتدال 1/207.
3- ميزان الاعتدال 1/345.
4- ديوان الضعفاء والمتروكين للذهبي: 170.
.فمع هذا التهالك على إخراجه، نجد اعترافهم بأنّ يونس والحارث، كما قال البزّار: لا أعرفهما!
ونجد أسد بن موسى، هو ابن إبراهيم بن الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي الحافظ، الملقّب بأسد السُنّة، كذا قاله الذهبي في (ميزانه) في عنوانه، وحكى عن النسائي قوله: ثقة، ولو لم يصنف كان خيراً له... وقال ابن حزم: منكر الحديث، وقال أبو سعيد بن يونس في الغرباء: حدّث بأحاديث منكرة(2).
وهلّم إلى بكر بن سهل، شيخ الطبراني، قال الذهبي: (حمل الناس عليه، وهو مقارب الحال)(3).
وتعال إلى عبد الله بن صالح، قال أحمد: كان متماسكاً ثمّ فسد، وقال النسائي: ليس بثقة(4).
1) - مجمع الزوائد 9/356.
فهلّموا إلى أسد بن موسى الآنف الذكر، قال: ثنا معاوية...
أعلمتم من هو؟ هو معاوية بن صالح الحمصي، قال أبو حاتم: لا يحتجّ به(1).
وهو عن يونس، عن الحارث -- اللذين لم يعرفهما البزّار كما مرّ -- عن أبي رهم، فمن هو هذا؟
إنّه أحزابٍ بن أسيد، قال العجلي: شامي تابعي ثقة (؟) ذكره الخزرجي في (خلاصة تهذيب الكمال)، وحكى عن البخاري قوله: له أربعة أحاديث، واختلاف في صحبته، والصحيح أنّه مخضرم(2)(؟)
فهؤلاء رجال أحاديث الطبراني عن العرباض بن سارية، وقد افتتح ترجمته بخبر عن أبي الفيض، قال: (شهدت معاوية وأعطى المقداد بن الأسود حماراً، فقام رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقال له العرباض بن سارية، فقال: ما لك أن تأخذه، وما لمعاوية أن يعطيك، كأنّي أنظر إليك يوم القيامة تحمله على عنقك رأسه أسفله)(3).
وقال الهيثمي في (المجمع): (وأبو الفيض لم يدرك المقداد، والمقداد لم يدرك خلافة معاوية)(4).
وعلى هذا فقس ما سواها، وبهذه الأكاذيب تولد أحاديث كأبناء الأنابيب.
وما أخرجه الحاكم في (المستدرك)، وأبو نعيم في (معرفة الصحابة)، و(الحلية)، والبيهقي في (السنن الكبرى)، كلّهم في الهوى سواء، ليس لديهم في الخبر المبحوث مزيد تجديد مفيد، ويبقى العرباض الخالي الوفاض(1)مشغلة الحفّاظ، بحديثه الكاذب سنداً ومتناً.
ولقد قرأنا الأسانيد التي ذكرها أحمد وغيره في روايتهم للحديث، فكان كثير منهم من أهل حمص، وهي من بلاد الشام التي قال ابن المديني: (كان يحيى بن سعيد يذكر أحاديث أهل الشام، ويقول: كلّهم جند بني مروان).
وحدّث أبو بكر الهذلي، قال: سمعت الحسن -- البصري -- يقول، وقال له رجل: أتعذر أهل الشام؟ قال: أنا أعذرهم؟! لا عذرهم الله، والله لقد حدّث ابن عبّاس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (اللّهمّ إنّي حرّمت المدينة بما حرّمت به حرمك)، فدخلها أهل الشام ثلاثاً: لا يغلق لهم باب إلاّ أحرقوه بما فيه، حتّى أنّ الأقباط والأنباط ليدخلون على نساء قريش فينتزعون خمورهن عن رؤوسهن، وخلاخيلهن من أرجلهن، ثمّ ساروا إلى الكعبة فنصبوا عليها القدامات بأحجارها، وألهبوا النيران في أستارها، كتاب الله تحت أقدامهم، وسيوفهم على عواتقهم، اتّخذوا بني أُميّة أرباباً من دون الله(2)
فأخبرني محمّد بن راشد أنّه دسّ إلى الجالد دراهم كثيرة على أن يبالغ في ضربه وجيء بسير موثوق فيه، فضرب سبعة وعشرين سوطاً، وأحدث في ثوبه، وكملت له ثلاثون، وجعل جميع من حضر يصيح بالجالد: أوجع قطع الله يدك أوجع الكافر. ثمّ أمر به غسّان إلى الحبس، فقال أبو بلال الأشعري:
يا سالم الجهل لا تجزع لفادحة*** أخنت عليك فقد أهملت ما صلحا
من يركب الجهل يركب مركباً وعرا*** إذا أراد به قصد الهدى جمحا
قد كنت في غفلة عمّا ابتليت به*** حتّى جحدت رسول الله ما منحا
جحدت حقّ أمير المؤمنين أبي*** سبطي محمّد المرضي ما كدحا
لم يشتهر بعليّ في المقالة إلا*** وقد أوجب الإسلام مطرحا
لو كان غيرك فيما قد ركبت به*** وقال ما قلت عند الضرب ما سلحا
هذي العقوبة في الدنيا معجلة*** وآجل لعلّي أجر ما قدحا
يا قاضي الحقّ كم من مدغل ظهرت*** آراؤه مذ فضحت الجهل فافتضحا
تركت سالمَ لا تظما جوارحه*** بالذلّ مغتبقاً بالضرب مصطبحا
.1) - الوفاض: حقيبة الراعي التي فيها زاده وأداته.
2) - وللمطارفة ننقل خبر من اتّهم بسبّ الإمام عليه السلام : فقد جاء في أخبار القضاة لوكيع: 191، ط عالم الكتب، في ترجمة غسّان بن محمّد المروزي -- أحد قضاة الكوفة -- وقال القاسم بن أحمد الكاتب أبو الحسن: كان محمّد بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى على صلاة الكوفة، وصالح بن يحيى الحرسي على أحداثها، وغسّان بن محمّد على قضائها. وكان إبراهيم بن أبي بكر بن عياش يلزم المسجد الجامع في جماعة من نظرائه فيهم ابن أبي معاوية المزيّن وهناد، وكان لا يغشى الولاة، ونازع ابناً له يدعى سالماً رجلاً في السلف وتفضيلهم، فادعى الرجل على سالم أنّه ذكر عليّاً عليه السلام ، فقال: كان عادياً قتالاً للنفس الحرام، غير مستحقّ للخلافة، فشهد عليه بذلك رجلان لم يشهدا عند قاضٍ قطّ، أحدهما يعلّم الحمام لأصحاب الحمام، فأمر غسّان فجلس سالم في مجلس يعرف بالزاوية، فلبث أياماً ثمّ أحضر جماعة من الفقهاء فيهم يحيى بن عبد الحميد الحماني، وقطنة بن العلاء، والوليد بن حمّاد، وبنو أبي شيبة، وأحضر سالماً وخصمه وعدل الشاهدين عليه، وقال للفقهاء: ما ترون؟ وحضر جماعة من العبّاسيين والطالبيين، فقال قطبة: أقتله ودمه في عنقي، وقال وليد بن حمّاد: هذا جزاء مثله، لأنّه إنّما قال ما قال عناداً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووقيعة فيه. فأقبل عليه يحيى ابن عبد الحميد، وقال: يا سالم! أرأيت هذه المقالة التي حكيت عنك في عليّ، لو ثبتت عندك على رجل قالها في أبي بكر، أو عمر، أو عثمان ما كنت موجباً عليه؟ قال: هذا القول؟ قال: نعم، هذا القول، قال: القتل والإحراق، فأقبل على غسّان فقال: أصلح الله القاضي قد أوجب على نفسه شيئاً لا نوجبه عليه؛ وقد جعل الله أبو بكر وعمر وعثمان وعليّاً في مكان واحد لهم الفضل جميعاً، فقال يعقوب بن موسى بن عيسى وكان المتولّي الكلام من العبّاسيين: إنّ الفضل وإن كان لهم جميعاً فو الله ما نقر أنّهم خير من صاحبنا، ولكنّا نقول: إنّهم أفضل، فقال محمّد بن جعفر بن محمّد بن زيد بن عليّ بن حسين: معاذ الله أن يطّلع الله على أنّا نقرّ لك ولا نسلّم هذه، بل الفضل والخير مقصوران على بني هاشم وعلى هذا الرجل، فوثب غسّان وقد اجتمع على باب المسجد عالم من الناس كلّهم متشوف إلى قتله، فقال سالم لغسّان: إنّي مقتول، ثمّ أقبل على العبّاسيين، فقال: دمي في أعناقكم، فأقبل عليه الوليد بن حمّاد، فقال: لعنة الله عليك وعلى أبيك، فإنّكما تجنيان على أنفسكما هذا وأمثاله، وبعث غسّان إلى صالح بن يحيى الحرسي، فوجّه خليفته ففرّق الجماعة، وخرج غسّان من المسجد حتّى صار إلى الحذائين، وحضر آل معن بن زائدة ومحمّد بن أسد بن يزيد بن مزيد. وقال مصعب بن حتام العجليون للتسع [هكذا في الأصل].
قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثمّ يَقُولُونَ هَ-ذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ(1).
إنّ المسلم الواعي ليحار في تفسير اتّفاق جمهرة من العلماء ذوي الشأن على تخريج حديث مكذوب سنداً مع تجريحهم لرواته، فتخرج -- في أقلّ من نصف قرن -- عشرة مصادر فيها روايته!!
1) - سورة البقرة/79.
وقد مرّ ذكر أحمد بن حنبل المتوفّى سنة (246ه-) رواه في مسنده بخمسة أسانيد، ثمّ توالت من بعده تباعاً مصادر الحديث يتلو بعضها بعضاً في روايته، وأصحابها من مختلف المذاهب والمشارب. وهذا أمر يلفت النظر! فأين كان أصحاب الصحاح كالبخاري، ومسلم، وأصحاب المصنّفات كعبد الرزّاق، وابن أبي شيبة، عن اقتناص هذه العنقاء الكبيرة، ليطيروا معها في إثبات شرعية الحاكمين؟
على أنّ الحديث كما لم يصحّ سنداً، كذلك أيضاً لا يصحّ متناً! فهو يستبطن كذبه في عدّة نقاط:
الأولى: قال العرباض: (صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصبح ذات يوم، ثمّ أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. قلنا: يا رسول الله.. قالوا: يا رسول الله.. (من هو القائل؟) كانت هذه موعظة مودّع فأوصنا، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة).
س1: فما بال العرباض وحده حفظ الموعظة البليغة، ولم يحفظها بقية الصحابة الذين صلّى بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الغداة؟! فأين أصحاب الصُفّة الباقين، وهو واحد منهم، فلماذا لم يرووا مثله بعض ما سمع؟ وأين غاب عنهم راوية الإسلام أبو هريرة، وهو من أهل الصفة، وقالوا عنه وهو عريفهم؟
س2: كيف يوصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باتّباع سُنّته وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين، مع أنّ سُنّة الخلفاء غير سُنّته وعلى غير هداه في كثرة اختلافهم. فكيف يوصي بها وحاشاه أن يأمر بالأمر ونقيضه، فإن كانت سُنّتهم عين سُنّته، فلا معنى لإفرادها بالذكر بعد أن كانت هي جزءاً من سُنّته؟
س3: ولو تجاوزنا الجواب عن السؤالين الأوّلين، لكن يبقى الجواب على هذا السؤال محيّراً، فإنّ (سُنّة الخلفاء الراشدين المهديين) لم تكن جميعها على هدى واحد، بل كانت سُنناً متفاوتة متضاربة، بل كانت سُنّة الخليفة الواحد هي متناقضة، فكيف يأمرنا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالتمسّك بالمتناقضات؟! إنّه لبهتان عظيم.
س4: إذا كان حديث العرباض حجّة ثابتة، فلماذا غابت هذه الحجّة عند الحاجة إليها، فلا عين لها ولا أثر في يوم السقيفة، ولا فيما بعدها من أيام، حين تخلّف من تخلّف عن بيعة أبي بكر وجرى ما جرى؟!
س5: ما دام حديث العرباض حجّة ثابتة، فلماذا لم يحتجّ به من كان يرى حجّية سيرة الشيخين على من لا يراها حجّة؟ أو ليس هذا ابن عبّاس، يعلن استنكاره لمن يذكر له مخالفته لفتاوى الشيخين؟! ألم يقل لعروة بن الزبير: يا عرية!
لقد أخرج ابن عبد البرّ في (التمهيد): (إنّ عروة قال لابن عبّاس: أضللت الناس، فقال: وما ذاك؟ قال: تفتي الناس إذا طافوا بالبيت فقد حلّوا، وقال أبو بكر وعمر: من أحرم بالحجّ لم يزل محرماً إلى يوم النحر. فقال ابن عبّاس: أحدّثكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتحدّثوني عن أبي بكر وعمر!)(1).
1) - التمهيد 3/522.
وأخرج الذهبي في (تذكرة الحفّاظ) في ذيل ترجمة محمّد بن عبد الملك بن أيمن بن فرج، بسنده عن سعيد بن جبير: (فقال ابن عبّاس: ما تقول يا عرية؟ قال: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال: أراهم سيهلكون، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويقولون قال أبو بكر وعمر)(1).
قال ابن عبّاس: تمتع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عروة: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، قال ابن عبّاس: أراهم سيهلكون، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويقولون قال أبو بكر وعمر(2).
وقال عبد الرزّاق: حدّثنا معمر، عن أيوب، قال عروة لابن عبّاس: ألا تتق الله ترخّص في المتعة؟ فقال ابن عبّاس: سل أُمّك يا عروة، فقال عروة: أمّا أبو بكر وعمر فلم يفعلا، قال ابن عبّاس رضي الله عنه : أما والله لا أراكم منتهين حتّى يعذبكم الله، أحدّثكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتحدّثونا عن أبي بكر وعمر(3).
وعن ابن أبي مليكة: أنّ عروة بن الزبير قال لرجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يأمر الناس بالعمرة في هؤلاء الأشهر وليس فيها عمرة، فقال: أو لا تسأل أُمّك عن ذلك؟ فقال عروة: إنّ أبا بكر وعمر لم يفعلا ذلك، قال الرجل: من ههنا هلكتم، ما أرى الله إلاّ يعذبكم، أحدّثكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتخبرونني بأبي بكر وعمر.
ففي (إيقاظ همم أولي الأبصار)، وفي (الإحكام) لابن حزم: (ألا تخافون أن يخسف الله بكم الأرض، أقول لكم: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر)(1).
وفي (الخلاصة في أحكام الاجتهاد والتقليد): (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر) (2)، نقلاً عن (زاد المعاد)(3).
وفي مسند أحمد(4)، و(الأحاديث المختارة) للضياء(5)، و(الفقيه والمتفقّه) للخطيب(6).
وفي (الخلاصة)(7)الآنفة الذكر، في الهامش تسعة مصادر، بينها: (الأحكام) لابن حزم(8)، و(أعلام الموقعين) لابن القيم(9).
وقد ذكر الغزالي في (المستصفى): من أسباب السكوت على قضاء عمر في العول، سبعة أسباب، قال: الخامس أن يعلم أنّه لو أ نكر لم يلتفت
إليه، وناله ذلّ، وهو كما قال ابن عبّاس في سكوته عن إنكار العول في حياة عمر: كان رجلاً مهيباً فهبته(1).
وجاء في (إيثار الإنصاف) لسبط ابن الجوزي، ذكر بعض موارد الخلاف بين الفتاوى الصحابية، منها في عقوبة اللوطي، قال أبو بكر رضي الله عنه : يحرق بالنار، وقال ابن عبّاس: ينكسان من شاهق ويتبعان بالحجارة(2).
وفي (السنن الكبرى) للبيهقي: (عن أبي غطفان: أنّ ابن عبّاس كان يقول في الأصابع عشر عشر، فأرسل مروان إليه، فقال: أتفتي في الأصابع عشر عشر وقد بلغك عن عمر رضي الله عنه في الأصابع؟ فقال ابن عبّاس: رحم الله عمر، قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحقّ أن يتّبع من قول عمر رضي الله عنه)(3).
وكم لهذا من أمثال خالف فيها ابن عبّاس فتاوى الشيخين، ولم يأخذ بأقوالهما، وبهذا نعلم مدى كذب ابن أبي يزيد الذي زعم أنّ ابن عبّاس إذا سُئل عن شيء فإن كان في كتاب الله... وإن كان عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... وكان عن أبي بكر وعمر قال به...
ومن راجع المصادر المعنية بأُصول الأحكام، نجد لابن عبّاس منهجاً لم يتعدّ كتاب الله وسُنّة نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وليس من أثر لفتاوى الشيخين عنده.
وإلى القارئ:
1- قال ابن عبّاس: (إنّما هو كتاب الله وسُنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمن قال بعد ذلك برأيه، فما أدري أفي حسناته أم في سيئاته)(1).
2- عن عطاء بن أبي رباح، قال: قلت لابن عبّاس: إنّ الناس لا يأخذون بقولي ولا بقولك، ولو مت أنا وأنت ما اقتسموا ميراثنا على ما نقول؟ قال ابن عبّاس: (فليجتمعوا فلنضع أيدينا على الركن، ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين، ما حكم الله بما قالوا)(2).
3- قال ابن عبّاس: (من شاء باهلته عند الحجر الأسود في العول في الفرائض وفي تخليد القاتل).
وقال ابن عبّاس: (ءأنتم أعلم أم الله تعالى يقول: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ(3)، فقلتم أنتم: لها نصف ما ترك وإن كان له ولد)(4).
4- وقال ابن عبّاس: (ما بعث محمّد صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ محرماً ومحلّلاً)، قاله لإنسان سمعته يقول إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال في الضبّ: (لا أحلّه ولا أحرّمه)(5).
5- قال ابن عبّاس: (إنّ الله لم يجعل لأحد أن يحكم في دينه برأيه، وقال الله تعالى لنبيّهu: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ(1)، ولم يقل: بما رأيت، وقال: إيّاكم والمقاييس فما عبدت الشمس إلاّ بالمقاييس)(2).
6- وجاء في (سنن الدارمي)، قال ابن عبّاس: (أما تخافون أن تعذّبوا أو يخسف بكم، أن تقولوا قال رسول الله وقال فلان)(3).
لا شكّ بأنّ مدرسة الوضع التي شادها معاوية لها فروع وأتباع، في كلّ زمان ومكان للحاكمين ثمّة سلطان.
ويعكس مدى اهتمام أئمّة الحديث بروايته مع تخريجه بعدّة أسانيد، يثير التساؤل، هل للسياسة دور في ذلك؟ لأنّه يحث على السمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، وهل للإقليمية تأثير في روايته، لأنّ جلّ رواته الذين عليهم مدار الحديث هم من أهل حمص وبلاد الشام؟ فهو أمويّ المنشأ والنزعة، مع أنّ الحديث في جوهره واحد، لكنّه مختلف الطبعة!
كلّ هذا يحتمل بقوّة وشدّة تستدعي البحث الجاد في اختلاف هويات أصحاب المصادر بعد الكشف عن هويات الرواة، كما نذكر للقارئ باختصار من هم:
1- أحمد بن حنبل (164 -- 246ه-)، أشهر من أن يعرّف، بعدما قال عنه الذهبي: هو الإمام حقّاً، وشيخ الإسلام صدقاً؟ وقال أبو زرعة: حُزرت كتب أحمد يوم مات فبلغت اثني عشر حملاً وعدلاً، ما كان على ظهر كتاب منها حديث فلان، ولا في بطنه حدّثنا فلان، كلّ ذلك كان يحفظه(1)، وترجمه الذهبي في (سير أعلام النبلاء)(2).
2- عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (ت255ه-)، قال أبو حاتم بن حبّان: كان الدارمي من الحفّاظ المتعنتين، وأهل الورع في الدين، ممّن حفظ وجمع وتفقّه وصنّف وحدّث، وأظهر السُنّة ببلده ودعا إليها، وذبّ عن حريمها، وقمع من خالفها(3).
3- محمّد بن يزيد بن ماجة القزويني (ت273ه-)، قال الذهبي: قد كان ابن ماجة حافظاً ناقداً صادقاً، واسع العلم، وإنّما غض من رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير، وقيل من الموضوعات، وقول أبي زرعة -- إن صحّ -- فإنّما عنى بثلاثين حديثاً الأحاديث المطرحة الساقطة، وأمّا الأحاديث التي لا تقوم بها حجّة فكثيرة لعلّها نحو الألف(4).
4- أبو داود سليمان بن الأشعث بن عمرو بن عامر السجستاني (ت275ه-)،
روى عنه شيخه أحمد بن حنبل فردّ حديث(1)، فكان أبو داود يفتخر بذلك، كما روى عنه من أصحاب السنن الترمذي والنسائي سوى غيرهم من شيوخ العلم، وقال عن كتابه: (كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن، جمعت فيه -4800- حديثاً، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه)، وعن الخطابي -- وهو شارح السنن -- قال: سمعت أبا سعيد ابن الأعرابي -- ونحن نسمع منه كتاب السنن لأبي داود، وأشار إلى النسخة التي بين يديه -- يقول: (لو أنّ رجلاً لم يكن عنده شيء من كتب العلم إلاّ المصحف الذي فيه كلام الله، ثمّ هذا الكتاب، لم يحتج معها إلى شيء من العلم البتة)(2).
5- أخرج الحديث في كتاب (السُنّة) في باب لزوم السُنّة(3)، ابن أبي عاصم أبو بكر أحمد بن عمرو النبيّل أبي عاصم الشيباني (ت287ه-)، ترجمه الذهبي في (سير أعلام النبلاء)(4)، وأطراه كثيراً، وذكر تصانيفه، منها: الآحاد والمثاني نحو عشرين ألف حديث في الأصناف.
أخرج الحديث مقطّع الأوصال في كتاب (السُنّة)، وقد طبع مع (ظلال الجنّة في مخرج السُنّة) للألباني، وعني بتصحيح مقاطيع أحاديث العرباض،
1) - وهو حديث: (لا فرع ولا عثيرة)، عن أبي هريرة مرفوعاً، والفرع أوّل نتاج الناقة، كان أهل الجاهلية يذبحونه لطواغيتهم (والعثيرة) ما يذبح أوّل رجب تعظيماً له، فنهى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك.
2) - مقدّمة سنن أبي داود مقتبسة من تهذيب الأسماء واللغات للنووي.
3) - السنن 4/200 رقم 4606 تح- محمّد محي الدين عبد الحميد.
4) - سير أعلام النبلاء 11/7 -- 13.
فراجع الأرقام التالية: 26/ 31/ 34/ 48/ 49/ 54/ 55/ 57/ 59/ ومن 37 إلى 1045، وفي جميعها تصحيح الألباني(؟)
6- ابن بطّة العكبري مصنّف (الإبانة) في ثلاثة مجلّدات (ت287ه-)، قال الذهبي: لابن بطّة مع فضله أوهام وغلط، وذكر عن الخطيب ما يوهنه، وسطوه على معجم البغوي وغيره ممّا زعم سماعه، حتّى قال الخطيب: وروى ابن بطة كتب ابن قتيبة عن ابن أبي مريم الدينوري، وابن أبي مريم، هذا لا نعرفه أخذ العلم من أهل العلم، ولا روى عنه سوى ابن بطة، وروى في (الإبانة)، فقال: ثنا إسماعيل الصفار، ثنا الواحد.. فتتبع ابن بطة النسخ التي كتبت عنه، وجعلها عن ابن الراجيان، عن الفتح بن شخرف، عن رجاء. وذكره الذهبي في (الميزان): إمام لكنّه ذو أوهام، لحق البغوي وابن صاعد، وذكره في (المغني في الضعفاء).
7- البزّار أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخاق البصري (ت292ه-)، صاحب (المسند الكبير) الذي تكلّم على أسانيده، ذكره الدارقطني، فقال: ثقة يخطيء ويتّكل على حفظه، وقال أبو أحمد الحاكم: يخطئ في الإسناد والمتن، وقال الحاكم أبو عبد الله: سألت الدارقطني عن أبي بكر البزّار؟ فقال: يخطئ في الإسناد والمتن، حدّث بالمسند بمصر حفظاً، ينظر في كتب الناس ويحدّث من حفظه، ولم يكن معه كتاب، فأخطأ في أحاديث كثيرة.
فهؤلاء الأعلام من أئمّة الحديث كلّهم لم يسلموا من غمز وهمز، يجعل الباحث في ريبة من أمرهم! فهل كانوا في تقية من السلطات
الحاكمة فرووا لها حديث العرباض؟! أو أنّهم كانوا في غفلة عمّا يراد بهم ولهم في روايتهم للحديث المزبور؟! أم لا هذا ولا ذاك، بل كانوا على يقين من صحّته؟
فأي الوجوه اخترنا لهم، تبقى المسؤولية في أعناقهم، ويسألون عمّا يكتبون.
6- ذكر الدكتور إسماعيل سالم عبد العال ترجمة ابن عبّاس، ورفع نسبه، وذكر أنّه ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنّ أُمّه أُمّ الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، وأُخت أُمّ المؤمنين ميمونة بن الحارث، وهذا كلّه ليس فيه مؤاخذة.
ولكن الذي لفت النظر، قوله: (وابن عبّاس ابن خالة خالد بن الوليد)!
أقول: هذا ممّا دلّ على عدم خبرة تامّة للأُستاذ في تقييم الرجال، بل وحتّى في المبادئ العربية، إذ لا يعرّف الأشهر بمن هو دونه شهرة، ولا الأشرف بمن هو مشروف، فإنّ ابن عبّاس في شخصيته العلمية ومكانته الاجتماعية ونسبه الرفيع لا يعرّف بعلقة نسبية عابرة ودابرة بمن هو دون، كما صنع الأُستاذ: (وابن عبّاس ابن خالة خالد بن الوليد...)!! والمظنون في الأُستاذ غلبة الموروث عليه، وأنّ خالد بن الوليد كان سيف الله كما يقولون! وهذا من قلّة معرفة بتاريخ خالد غير المحمود.
ولو رجع إلى ترجمته منذ إسلامه إلى يوم حمامه، لرأى العجاب في
كتب الصحاب! ويكفي فعلته الشنعاء ببني جذيمة -- لثارات في الجاهلية بينه وبينهم -- وقد تبرأ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من فعله، وأرسل ابن عمّه عليّاًu ومعه المال فودّى قتلاهم، وأعطاهم ما فضل تطييباً لقلوبهم(1)، وكذلك كان موقف خالد أيام أبي بكر من قتله الصحابي مالك بن نويرة، وزناه بامرأته، ممّا أثار حفيظة الصحابة الذين كانوا معه، فاستنكروا فعلته الشنعاء وعادوا إلى المدينة ساخطين، فاستشاط عمر بن الخطّاب غضباً وقال لأبي بكر: إنّ عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله، ثمّ نزا على امرأته، فأقبل خالد... قد غرز في عمامته أسهما فلمّا أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطّمها، ثمّ قال: أرئاء؟ قتلت امرأ مسلماً ثمّ نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بأحجارك... وودى أبو بكر مالكاً(2).
وأخيراً هزيمته بالجيش في مؤتة بعد شهادة قادته الأبرار، حتّى أنّ
1) - اقرأ الخبر في تاريخ الطبري 3/66 -- 69، ط دار المعارف بمصر بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم. ففيه: ((فلمّا انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفع يديه إلى السماء، ثمّ قال: (اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد). ثمّ دعا عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، فقال: (يا عليّ! أخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم...)، فخرج عليّ حتّى جاءهم ومعه مال قد بعثه رسول الله، فودى لهم الدماء وما أصيب من الأموال، حتّى أنّه ليدي ميلغة الكلب... فقال لهم عليّ عليه السلام حين فرغ منهم: هل بقي لكم من دم أو مال لم يود إليكم؟ قالوا: لا، قال فإنّي أعطيكم هذه البقية من المال احتياطاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممّا لا يعلم ولا تعلمون، ففعل، ثمّ رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره الخبر، فقال: (أصبت وأحسنت)، ثمّ قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه، حتّى أنّه ليرى بياض ما تحت منكبيه، وهو يقول: (اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد.. ثلاث مرّات).
2) - تاريخ الطبري 3/278 -- 280.
أهل المدينة لما خرجوا لاستقبال الجيش المنهزم عيّروهم بأنّهم الفرّارون.
وروى الطبري في تاريخه بسنده: (عن عروة بن الزبير، قال: وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فُرّار في سبيل الله، فيقول رسول الله: (ليسوا بالفُرّار ولكنّهم الكُرّار إن شاء الله)(1).
ولنطو كشحاً عن خالد، ونذّكر للأُستاذ جانباً من الأنساب، وأنّ لابن عبّاس من أبناء الخالة من هم أشرف من خالد حسباً ونسباً، فمنهم عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، ومحمّد بن أبي بكر، ويحيى بن عليّ، كلّهم أُمّهم أسماء بنت عميس أخت لبابة لأُمّها، وعبد الله بن شدّاد بن الهادي الليثي، وهذا الأخير هو الذي قال عنه ابن قتيبة في (المعارف): (وكان فقيهاً محدّثاً)(2)، وهذا هو الذي سألته عائشة عن حرب الخوارج، وطلبت منه أن يحدّثها بصدق عن ذلك، والحديث شيّق أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده، وإليك حديثه بطوله لتعرف قيمة الرجال في مواقفهم.
(470- حدّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدّثنا يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبيد الله(3)بن عياض بن عمرو القارى: أنّه جاء عبد الله بن شدّاد فدخل على عائشة، ونحن عندها جلوس مرجعه من العراق، ليالي قتل عليّ بن أبي طالب.
فقالت له: يا بن شدّاد ابن الهاد! هل أنت صادقي عمّا أسألك عنه؟ حدّثني عن [هؤلاء](1)القوم الذين قتلهم عليّ؟
قال: وما لي لا أصدُقك؟
قالت: فحدّثني عن قصّتهم؟
قال: فإنّ عليّ بن أبي طالب لمّا كاتب معاوية وحكّم الحكمان، خرج عليه ثمانية آلاف من قُرّاء الناس، فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة، وأنّهم عتبوا عليه، فقالوا: انسلخت من قميص كساكه الله، واسمٍ سمّاك الله به، ثمّ انطلقت فحكّمت في دين الله، فلا حكم(2)إلاّ لله.
فلمّا بلغ عليّاً ما عتبوا عليه وفارقوه عليه، أمر مؤذناً فأذّن أن لا يدخلنّ على أمير المؤمنين إلاّ من قد حمل القرآن، فلمّا امتلأت الدار من قرّاء الناس، دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه عليّ بين يديه، فطفق يصُكه(3)بيده ويقول: أيّها المصحف حدّث الناس.
فناداه الناس: يا أمير المؤمنين! ما تسأل عنه؟ إنّما هو مداد في ورق، ونحن نتكلّم بما رأينا منه، فما تريد؟
قال: أصحابكم أولاء الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله! يقول الله في كتابه في امرأةٍ ورجل: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ
وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا(1)، فأُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم أعظم حرمة أو ذمّة من امرأة ورجل؟ ونقموا علَيَّ أنّي كاتبت معاوية كتبت: (عليّ بن أبي طالب)، وقد جاءنا سهيل بن عمرو فكتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم، قال: لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال: وكيف نكتب(2)؟ فقال سهيل: أكتب باسمك اللّهمّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فأكتب محمّد رسول الله، فقال: لو أعلم أنّك رسول الله لم أخالفك، فكتب: هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله قريشاً. يقول الله في كتابه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ(3). فبعث إليهم عبد الله بن عبّاس، فخرجت معه حتّى إذا توسطت عسكرهم، قام ابن الكواء فخطب الناس، فقال: أيا حملة! القرآن هذا عبد الله بن عبّاس، فمن لم يكن يعرفه [فليعرفه](4)، فإنّما أعرفه من كتاب الله، هذا ممّن نزل فيه وفي قومه: قَوْمٌ خَصِمُونَ(5)، فردّوه إلى صاحبه، ولا تواضعوه كتاب الله.
قال: فقام خطباؤهم، فقالوا: والله لنواضعنّه الكتاب، فإن جاءنا بحقّ نعرفه لنتبعنّه، وإن جاء بباطل لنبكّتنه بباطل، ولنردنّه إلى صاحبه، فواضعوا
عبد الله بن عبّاس الكتاب ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف كلّهم تائب، فيهم ابن الكواء، حتّى أدخلهم عليّ الكوفة، فبعث عليّ إلى بقيتهم، قال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم فقفوا حيث شئتم، بيننا وبينكم ألاّ تسفكوا دماً حراماً، أو تقطعوا سبيلاً، أو تظلموا ذمّة، فإنّكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء، إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ(1).
قال: فقالت له عائشة: يا بن شدّاد! فقد قتلهم؟
قال: فوالله ما بعث إليهم، حتّى قطعوا السبيل، وسفكوا الدماء، واستحلّوا الذمّة.
قالت: والله؟
قال: والله الذي لا إله إلاّ هو لقد كان.
قالت: فما شيء بلغني عن أهل العراق يتحدّثونه، يقولون: ذا الثدية مرّتين؟
قال: قد رأيته، وقمت مع عليّ عليه في القتلى، فدعا الناس، فقال: هل تعرفون هذا؟ فما أكثر من جاء يقول: رأيته في مسجد بني فلان يصلّي، ولم يأتوا فيه بثبت يعرف إلاّ ذلك.
قالت: فما قول عليّ حين قام عليه، كما يزعم أهل العراق؟
قال: سمعته يقول: صدق الله ورسوله.
قالت: فهل سمعت أنّه قال غير ذلك؟
1) - سورة الأنفال/58.
قال: اللّهمّ لا.
قالت: أجل صدق الله ورسوله، يرحم الله عليّاً إنّه كان من كلامه لا يرى شيئاً يعجبه إلاّ قال صدق الله ورسوله، فذهب أهل العراق فيكذبون عليه ويزيدون عليه في الحديث)(1).
فذكر هذا الإنسان أولى من ذكر خالد، فهذا كما قال ابن قتيبة: كان فقيهاً محدّثاً، وخالد لم يكن يحسن القراءة في الصلاة! فقد روى ابن أبي شيبة في (المصنّف): (أنّ خالداً أمّ الناس مرّة في الحرّة، فقرأ من سور شتى، ثمّ التفت إليهم حين انصرف، فقال: شغلني الجهاد عن تعلم القرآن)(2).
ولغرض التنبيّه والتنوير فقط، نذكّر القارئ أنّ سبب اهتمام أُمّ المؤمنين عائشة بمعرفة الصحيح في قتل الخوارج، لأنّها هي من رواة قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : (يقتله خير أُمّتي من بعدي)، وهذا قاله عن قتل ذي الثدية، وكان عمرو بن العاص قد موّه عليها، وزعم أنّه قتله بالإسكندرية بمصر! فقد روى أبو يعلى الموصلي في (مسنده)(3)، وعنه الهيثمي في (مجمع الزوائد)(4)، في باب ما جاء في ذي الثدية وأهل النهروان: وقال رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات(5).
1) - مسند أبي يعلى 1/338 رقم 470.
2) - المصنّف 2/532، ط إدارة القرآن والعلوم الإسلامية كراتشي باكستان.
3) - مسند أبي يعلى 1/227، ط العلمية بيروت.
4) - مجمع الزوائد 6/235.
5) - وأخرجه البوصيري في مختصر إتحاف السادة المهرة 10/447 رقم 8306، وقال: رواه محمّد ابن بجير بن أبي عمرو، وأبو يعلي الموصلي، وجاء في هامش المسند: الحديث في المقصد العلي برقم 989، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 6/235 -- 237، وقال: رواه أبو يعلى ورجاله ثقات، وأخرجه أحمد 1/86 -- 87 من طريق إسحاق بن عيسى الطباع، حدّثنا يحيى بن سليم، بهذا الإسناد، وأورده ابن كثير في البداية والنهاية 7/279 -- 280، وقال: تفرّد به أحمد، وإسناده صحيح، واختاره الضياء في المختارة.
فلذلك سألت عبد الله بن شدّاد بن الهاد، كما مرّ، وازدادت توثيقاً من طريق مسروق الذي تبنّته، وحديثه أخرجه الحاكم النيسابوري في (المستدرك)، وأقرّه الذهبي في (التلخيص): (عن مسروق، قال: قالت لي عائشة: إنّي رأيت على تل وحولي بقر تنحر، فقلت لها: إن صدقت رؤياك لتكونن ملحمة حولك، قالت: أعوذ بالله من شرّك، بئس ما قلت، فقلت لها: فلعلّه إن كان أمراً سيسوؤك، فقالت: والله لئن أخرّ من السماء أحبّ إليَّ من أن أفعل ذلك، فلمّا كان بعدُ ذُكر عندها أنّ عليّاً قتل ذا الثدية، فقالت: إذا أنت قدمت الكوفة فاكتب لي ناساً ممّن شهد ذلك ممّن تعرف من أهل البلد، فلمّا قدمت وجدت الناس أسباعاً، فكتبت لها من كلّ سُبع عشرة ممّن شهد ذلك، قال: فأتيتها بشهادتهم، فقالت: لعن الله عمرو بن العاص، فإنّه زعم أنّه قتله بمصر)(1)، وفي لفظ ابن أبي الحديد نقلاً عن كتاب (صفّين) للمدائني: (لعن الله عمرو بن العاص، فإنّه كتب إليَّ يخبرني أنّه قتله بالإسكندرية، إلاّ أنّه ليس يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (يقتله خير أُمّتي من بعدي)(2). ونحن نلعن عمرو بن العاص كما لعنته أُمّ المؤمنين عائشة، فنقول: لعن الله عمرو بن العاص وإن غضب المتهوكون.
7- قال الدكتور في صفحة -17-: (مولده: قال ابن عبّاس فيما ذكره ابن كثير عن الواقدي: ولدت قبل الهجرة بثلاث سنين ونحن في الشعب، (أي: والمسلمون محاصرون في الشعب).
أقول: هذا التفسير من المؤلّف ليس بصحيح! إذ لم يكن في الشعب غير بني هاشم، وبني المطلب مؤمنيهم، ومن لم يكن قد آمن بعد غير أبي لهب، ولم يكن معهم أحد من غيرهم(1).
8- قال في صفحة -18-: (تحنيك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن عبّاس بريقه).
أقول: لقد ناقشت الخبر في الموسوعة(2)فراجع.
9- قال في صفحة -27-: (...بل قد نبغ ابن عبّاس في علم الأنساب، والطعام، أو الأطعمة، كما نقول في عصرنا).
أقول: وهذا من هفوات المؤلّف! فإنّ الذي ورد في مصادره التي أشار إليها هو قول عمرو بن دينار، ورد فيه ذكر للطعام، فقد قال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلساً أجمع لكلّ خير من مجلسه -- يعني ابن عبّاس -- الحلال والحرام، وتفسير القرآن، والعربية، والشعر، والطعام، وغرضه إطعام الطعام، ولو أنّ الدكتور تفطّن إلى قول مجاهد المذكور قبل هذا أيضاً في (البداية والنهاية)، حيث قال: (كان ابن عبّاس أمدّهم قامة، وأعظمهم جفنة، وأوسعهم علماً) ، لعرف أنّ المراد هو إطعام الطعام لا علم الأطعمة.
ويكفيك دلالة على ما أقول ما أخرجه الطبري في (تهذيب الآثار)
السفر الأوّل من مسند ابن عبّاس، بسنده: (عن سعيد بن جبير، قال: ما رأيت بيتاً كان أكثر طعاماً وشراباً ولا فاكهة ولا علماً من بيت ابن عبّاس)(1)، وهذا الخبر رواه الحاكم في (المستدرك)(2)، والبلاذري في (أنساب الأشراف)(3)من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش.
10- قال في صفحة -28-: (ومن ورعه وتقواه أنّه إذا سُئل عن شيء من تفسير القرآن تمضمض ثمّ فسّر).
أقول: وهذا أيضاً من الهفوات التصحيفية! والصواب: (توضأ)، وقد مرّ في خبر أبي صالح الذي رآه المؤلّف ورواه، ففيه قال أبو صالح: لقد رأيت من ابن عبّاس مجلساً... لقد رأيت الناس اجتمعوا على بابه حتّى ضاق بهم الطريق... فدخلت عليه فأخبرته... فقال لي: ضع لي وضوءاً، قال: فتوضأ وجلس...(4).
11- قال في صفحة -30-: (وكان رضي الله عنه شديد الأخذ بسُنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد غضب يوماً على رجل سأله عن مسألة، فأجابه عنها بحديث، فقال له الرجل: قال أبو بكر وعمر! فقال ابن عبّاس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!).
أقول: وهذا نحو من أنحاء التدليس والتلبيس، حفاظاً على قداسة
الموروث، فلماذا كتمان اسم الرجل السائل؟! وهو معروف ومصرّح به في مصادر الخبر التي يعتمدها الباحث وقومه.
ولم تكن مسألته مسألة سائل متفقّه، بل كانت مسألة متعنت مستكبر، لذلك كان جواب ابن عبّاس رضي الله عنه جواب مستحقر ومستصغر، فصغّر له اسمه، فقال: ما يقول عرية؟ وهذا هو عروة بن الزبير كما في (مسند أحمد)(1)، وعنه في جملة من كتب المعاصرين(2)، وقد مرّت عدّة صور من روايات خبره؛ فراجع.
12- قال في صفحة -31-: (لكن الذين نبغوا على يد ابن عبّاس وحملوا عنه العلم كانوا -- كما هو الشأن -- أقلّ من العدد الهائل الذين كان الطريق ينسدّ بهم.
ومن هؤلاء: عطاء بن أبي رباح، وطاووس...)، وذكر ستّة عشر إنساناً، ثمّ قال: (وعليّ بن الحسين، وشقيق ابن عبّاس كثير بن عبّاس، وابنه علي...).
أقول: إنّ الأدب الإسلامي كان يقتضي أن يذكر هؤلاء الأشراف في أوّل من ذكرهم، لا أن يجعلهم في آخر قائمته التي ضمّت حتّى الكذّابَيْن مثل عكرمة والشعبي! وسوء الأدب هذا غير مغتفر له، لأنّ من سمّاهم أخيراً هم أشرف نسباً، وأكثر علماً، وأعلا منصباً وحسباً وأدباً، سيما منهم الإمام
عليّ بن الحسين عليه السلام، الذي ترجم له ابن كثير -- وهو على شاميّته -- في (البداية والنهاية) ترجمة وافية من صفحة -103- إلى صفحة -115- في الجزء الثامن.
ثمّ إنّ سماعه حديثاً من ابن عبّاس لا يعني نبوغاً على يديه، بل كما يسمع من غيره بعض ما يُسمع من سائر الناس عن بعض الحوادث، لأنّ ابن عبّاسt كان من شيوخ بني هاشم، وقد عاصر أحداثاً لم يدرك هو زمانها، فإن كان ثمّة سؤال، فليس يعني هذا أخذ العلم الذي يمارسه الطلاب. وقد مرّ في الجزء السادس من الموسوعة ذكر الإمام محمّد الباقر بن الإمام زين العابدين عليه السلام في جملة من روى عن ابن عبّاس(1).
13- قال في صفحة -32-: (قال محمّد بن الحنفية حين مات ابن عبّاس: مات والله اليوم حبر هذه الأُمّة، وقال مجاهد: مثلها -- كذلك).
أقول: في هذا وهم في النقل وتحريف في القول! فإنّ ابن الحنفية لم يقل ما ذكره المؤلّف عنه قوله: (حبر هذه الأُمّة)، بل الذي ذكره عنه المؤرخون أنّه قال: (ربّانيّ هذه الأُمّة)، وهذا رواه ابن سعد في (الطبقات) ترجمة ابن عبّاس(2)، ورواه أحمد في (فضائل الصحابة) مكرّراً(3)، كما رواه الفسوي في (المعرفة والتاريخ)(4)، وأبو نعيم في (الحلية)(5)، والبلاذري في
(أنساب الأشراف) في ترجمته(1)، والخطيب في (تاريخ بغداد)(2)، والبغوي في معجمه، كما في (ذخائر العقبى)(3)، والذهبي في (سير أعلام النبلاء)(4)، والصفدي في (نكت الهميان)(5)، وغيرهم وغيرهم، فلماذا التغيير وهو مدعاة التزوير؟
14- وقال في صفحة -32-: (وأقام ابن عبّاس سنتين لم يبايع أحداً).
أقول: ليس هذا هو الصحيح إذ إنّه بحاجة إلى التوضيح، لماذا لم يبايع من بعد معاوية أحداً؟
والحديث الثابت كما هو الحقيقة الأولى من:
الحقائق المغيبة فعلاً عند كثير من المسلمين:
لقد ورد الحديث في هذا متفاوت الألفاظ في جملة من المصادر، وإلى القارئ عشر صور منها، نقلاً عن (موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف):
(1- (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)، ضعيفة/350 = سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني.
2- (من مات وليس عليه إمام جماعة فإنّ موتته جاهلية)، المنثور 2/61 = الدرّ المنثور للسيوطي طبعة أفست الإسلامية.
3- (من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية)، عاصم = في كتاب السُنّة/459 برقم/1057 تح الألباني، وقال: إسناده حسن، ورجاله ثقات على ضعف يسير في عاصم، وهو ابن أبي النجود، وأبي بكر بن عياش، وقال الألباني: والحديث أخرجه أحمد (4/96)... وذكره الهيثمي (5/218) عن معاوية بهذا اللفظ، وبلفظ: (من مات وليس في عنقه بيعة...)، وقال: رواه الطبراني...
4- (من مات وليس عليه طاعة...)، مجمع الزوائد 5/223.
5- (من مات وليس عليه طاعة مات ميتة جاهلية)، ابن عدي في الضعفاء 5/227 ط دار الفكر.
6- (من مات وليس في عنقه بيعة...)، ضعيفة/350.
7- (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)، صحيح مسلم الإمارة/58، سنن البيهقي 8/156، الطبراني في الكبير 19/335، إتحاف المهرة 6/122، الأحاديث الصحيحة للألباني 2/715، ابن كثير 2/302.
8- (من مات وليس عليه طاعة....)، مسند أحمد 3/446، مجمع الزوائد 5/223، كنز العمّال/14861.
9- (من مات ولا بيعة عليه مات ميتة جاهلية)، كنز العمّال/463.
10- (من مات ولا طاعة عليه مات ميتة جاهلية)، المصنّف لابن أبي شيبة 15/38، عاصم كتاب السُنّة/459 برقم/58)(1).
1) - موسوعة أطراف الحديث 8/562 -- 563.
هذه عشر صور مختلفات لفظاً، متّفقات معنى، جميعهن محذّرات من موت الإنسان بلا معرفة لإمام زمانه.
واللافت للنظر فيهن! أنا إذا راجعنا الأحاديث النبوية التي تساوي عاقبة أمرها في ألفاظها، نجد فيها عدّة أحاديث أناطت بغض عليّ عليه السلام بميتة الجاهلية، وإلى القارئ بعضاً منها:
1- (من مات وهو يبغضك يا عليّ مات ميتة جاهلية يحاسبه الله).
أخرج الطبراني في (المعجم الكبير)، بسنده: (عن ابن عمر، قال: بينما أنا مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ظلّ بالمدينة وهو يطلب عليّاً رضي الله عنه، إذ انتهينا إلى حائط، فنظرنا فيه فنظر إلى عليّ وهو نائم في الأرض وقد اغبّر، فقال: (لا ألوم الناس يكنونك أبا تراب)، فلقد رأيت عليّاً تغيّر وجهه واشتدّ ذلك عليه، فقال: (ألا أرضيك يا عليّ؟) قال: بلى يا رسول الله، قال: (أنت أخي ووزيري، تقضي ديني، وتنجز موعدي، وتبرئ ذمّتي، فمن أحبّك في حياة منّي فقد قضى نحبه، ومن أحبّك في حياة منك بعدي ختم الله له بالأمن والإيمان، ومن أحبّك بعدي ولم يرك ختم الله له بالأمن والإيمان وآمنه يوم الفزع الأكبر، ومن مات وهو يبغضك يا عليّ مات ميتة جاهلية يحاسبه الله بما عمل في الإسلام)(1).
2- (من مات يبغضك مات ميتة جاهلية وحوسب بما عمل في الإسلام)، الهيثمي(2)، رواه أبو يعلى، كما أنّه وردت أحاديث فيمن يبغض الإمام فإنّه
يموت يهودياً نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم .
3- (من مات وفي قلبه بغض لعليّ بن أبي طالب فليمت يهودياً)، ابن الجوزي(1).
4- (من مات وفي قلبه بغض لعليّ فليمت يهودياً أو نصرانيا)، العقيلي(2)، والسيوطي(3).
5- (من مات وفي قلبه بغض عليّ...)، الدارقطني(4)، والكناني(5).
إلى غير ذلك ممّا يوحي بأنّ عليّاً عليه السلام لمّا كان هو الإمام في وقته، فمن مات وليس في عنقه بيعة له مات ميتة جاهلية، وعلى هذا كانت ميتة من تخلّف عنه، أو قاتله، فكلّهم بجرّة واحدة من القلم أقوام لا خلاق لهم، وقد ماتوا ميتة جاهلية؟!
ونعود إلى فحوى الحديث بلفظ أحمد في مسنده(6): (من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية)، وهذا أخرجه الطيالسي في (مسنده)(7)، وأبو نعيم في (الحلية)(8)، والهيثمي في (مجمع الزوائد)(9)، وغيرهم.
وأمّا بلفظ مسلم في (صحيحه) في كتاب الإمارة: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)(1)، وهذا أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى)(2)، وصحّحه الألباني في (سلسلة الأحاديث الصحيحة)(3).
وأمّا بلفظ ابن أبي عاصم في كتاب (السُنّة)، بتحقيق الألباني: (من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية)(4)، قال الألباني: إسناده حسن ورجاله ثقات على ضعف يسير في عاصم بن أبي النجود، وأبي بكر بن عياش... والحديث أخرجه أحمد (4/96)، والهيثمي (5/218) عن معاوية بهذا اللفظ، وبلفظ: (من مات وليس في عنقه بيعة...)، وقال: رواه الطبراني في (المعجم الكبير)(19/769 و910)، وذكره الهيثمي مرّة ثانية في (5/255)، وقال: رواه الطبراني في (الأوسط)، وفيه العبّاس بن الحسن القنطري، ولم أعرفه، قلت -- والقائل هو الألباني -- الظاهر أنّه العبّاس بن الحسين -- مصغّراً -- القنطري، وهو ثقة من شيوخ البخاري، فلا أدري هل تحرّف (الحسين) في نسخة الطبراني، فلم يعرفه الهيثمي، أم ماذا؟
أقول: فنحن إذ نعود إلى صيغ الحديث بأيّ لفظ أخذناها، فكلّها هي صحيحة عند أهل السُنّة، وليس التفاوت بين متونها كبيراً، بل المؤدّى واحد، وهو لا بدّ للناس في كلّ زمان من إمام لا يخلو منه أيّ زمان يدينون الله تعالى بطاعته.
وخلوّ الزمان من إمام إمّا لعدمه -- وهو غير معقول ولا مقبول، لتخلّفه عن صدق الحديث -- أو لعدم القول بإمامته، فهو يستلزم الموت ميتة جاهلية، وتبقى الأحاديث النبوية المحذّرة حبراً على ورق، ومن مات لم يمت ميتة جاهلية، وهذا خلاف النص.
والآن في عصرنا هذا يفرض السؤال الآتي نفسه:
من هو إمام العصر الذي يوجب التخلّف عنه ميتة الجاهلية؟
والجواب المحيّر في المقام، وهو بنفس الواقع المعاش: (أن لا إمام جامع شرائط الإمامة عند أهل السُنّة).
ويبقى الشيعة الذين يقولون بإمامة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيت عليهم السلام هم أقرب للتقوى، لأنّهم تبعوا قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أمره بالتمسّك بالثقلين، وحديث الثقلين قد تظافر نقله، بل تواتر عند الفريقين، وابن عبّاس من أحد رواته الذين قال عنهم ابن حجر الهيتمي في (الصواعق المحرقة) في جملة من كلامه على الآية الرابعة من الآيات الواردة في حقّ أهل البيت عليهم السلام :
(ثمّ اعلم إنّ لحديث التمسك بذلك -- يعني حديث التمسك بالثقلين -- لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (ما إن تمسكتم بهما) طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً، ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه، وفي بعض تلك الطرق أنّه قال ذلك: بحجّة الوداع بعرفة، وفي أُخرى: أنّه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أُخرى: أنّه قال ذلك بغدير خم، وفي أُخرى: أنّه قاله لما قام خطيباً بعد منصرفه من الطائف، كما مرّ.
ولا تنافي إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها، اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة، وفي رواية الطبراني عن ابن عمر: آخر ما تكلّم به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (اخلفوني في أهل بيتي)(1).
فهل بعد هذا يبقى شكّ أو ريب في صحّة الحديث سنداً ووضوحه دلالة، وبعد بيان معنى الثقلين، وأنّهما أهم من الشيء الخطير النفيس المصون -- كما هو المعنى اللغوي لهما -- وبعد بيان من هم العترة الذين استخلفهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ونصبهم أئمّة من بعده، وأمر الأُمّة بالاقتداء بهم، كما في أحاديث ابن عبّاس رضي الله عنه الآتية؟!
فهل يعقل أن يقول عاقل عن ابن عبّاس مات ميتة جاهلية، لأنّه لم يبايع لأحد المتنازعين على الحكومة (أقام سنتين لم يبايع أحداً). (ثمّ مات وليس في عنقه بيعة لإمام)؟!
والصواب: أنّه منذ حكم يزيد في سنة (60ه-) إلى سنة (68ه-)، سنة وفاته، لم تكن في عنقه بيعة لأحد، ومن يقرأ كتابه في جواب يزيد حول البيعة وذلك بعد شهادة الإمام الحسين عليه السلام يدرك أنّه لم يكن في عنقه بيعة لأحد.
فهل كان ابن عبّاس كذلك، وقد مات ميتة جاهلية؟
والجواب: لا يكون ذلك أبداً.
وليس هو وحده كان كذلك، بل كان مثله ابن الحنفية، وسائر بني
1) - الصواعق المحرقة: 89، ط الميمنية سنة 1312، وصفحة 148، ط الثانية بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف.
هاشم، ممّن لم يروا شرعية الحكومات القائمة، فهل مات جميع أولئك ميتة جاهلية، ومن مات كذلك فمصيره إلى النار؟ إنّها لطامة العامّة الذين لم يقولوا بإمامة أئمّة أهل البيت عليهم السلام .
أمّا ابن عبّاس، وابن الحنفية، وبقية بني هاشم وأشياعهم ممّن يرون إمامة الأئمّة من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم والذين أمر الناس بطاعتهم، فهم على سبيل نجاة، لأنّهم يرون شرعية إمامتهم وإن لم يمارسوا الحكم لعدم طاعة الناس لهم، وحسب ابن عبّاس ومن كان على وتيرته روايتهم الأحاديث في هذا.
وإلى القارئ مرويات ابن عبّاس حبر الأُمّة في الأئمّة الاثني عشر خاصّة، نقلاً عن كتابي (عليّ إمام البررة):
فقد قلت: (لمّا كانت مروياته في هذا الشأن كثيرة، فسنختار منها اثني عشر خبراً، تيّمنا بعدد الخلفاء الاثني عشر، وإلى القارئ ما اخترناه:
1- عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله تبارك وتعالى اطّلع إلى الأرض اطّلاعة، فاختارني منها فجعلني نبيّاً، ثمّ اطّلع الثانية فاختار منها عليّاً فجعله إماماً، ثمّ أمرني أن أتخذه أخاً ووصياً وخليفة ووزيراً، فعليّ منّي وأنا من عليّ، وهو زوج ابنتي، وأبو سبطيّ الحسن والحسين، ألا وإنّ الله تبارك وتعالى جعلني وإياهم حججاً على عباده، وجعل من صلب الحسين أئمّة يقومون بأمري ويحفظون وصيتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي ومهدي أُمّتي، أشبه الناس بي في شمائله وأقواله وأفعاله، ليظهر بعد غيبة طويلة وحيرة مضلّة، فيعلن أمر الله، ويُظهر دين الحقّ، ويُؤيَّد بنصر الله، ويُنصَر بملائكة الله، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملأت جوراً وظلماً).
أخرجه الخزّاز في (كفاية الأثر)، والفتوني في (ضياء العالمين) برواية النخعي، وغيره(1).
2- عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا سيّد النبيّين، وعليّ بن أبي طالب سيّد الوصيين، وإنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، وآخرهم المهدي). أخرجه الحمويني في (فرائد السمطين)، ورواه الفتوني في (ضياء العالمين) عن القطان.
3- عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّات عدن غرسها ربّي، فليوال عليّاً من بعدي، وليوال وليَّه، وليقتد بالأئمّة من بعدي، فإنّهم عترتي، خُلقوا من طينتي، ورُزِقُوا فهماً وعلماً، ويلٌ للمكذبين بفضلهم من أُمّتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي). أخرجه أبو نعيم في (حلية الأولياء)، والحمويني في (فرائد السمطين)، والمتّقي الهندي في (كنز العمّال) بتحريف كلمة (بالأئمّة) إلى كلمة (بأهل بيتي)، ورمز في آخره طب = الطبراني والرافعي عن ابن عبّاس. فظن خيرا!(2)
وأخرجه الفتوني في (ضياء العالمين) عن مصادر أُخرى وزيادات؛ فراجع الفصل الحادي عشر المقام الثاني.
4- عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ بن أبي طالب: (يا عليّ! أنا مدينة الحكمة وأنت بابها، ولن تؤتى المدينة إلاّ من قبل
الباب(1)، وأنت إمام أُمّتي وخليفتي عليها بعدي(2)، ومن تخلّف عنها غرق(3)، ومثلكم مثل النجوم كلّما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة)(4). أخرجه الحمويني في (فرائد السمطين)، والقندوزي الحنفي في (الينابيع)(5)بتغيير جملة: (خليفتي من بعدي) بكلمة: (ووصيي)، وأيّها صحّ فهو حجّة في المقام.
5- عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا ميزان العلم وعليّ كفّتاه، والحسن والحسين خيوطه، وفاطمة علاقته، والأئمّة من أُمّتي عموده، يوزن فيها أعمال المحبّين لنا والمبغضين لنا). أخرجه الخوارزمي الحنفي في (مقتل الحسين عليه السلام)، وذكر إسناده بتوثيق عن نظيره، فقال: (وأخبرني سيّد الحفّاظ هذا -- يعني أبا منصور الديلمي -- فيما كتب إليَّ، أخبرني والدي، أخبرني أبو خلف عبد الرحيم بن محمّد الفقيه بالري، وسألني أن لا أبذله. حدّثني أبو الفتح عبيد بن مروك الرزاي وسألني أن لا أبذله, حدّثني يوسف بن عبد الله بأردبيل وسألني أن لا أبذله، حدّثني إسحاق بن سيار واستحلفني
1) - مرّ ذكر الحديث في هذا الجزء في ذيل حديث مدينة العلم، وذكرنا من مصادره تأريخ بغداد ومناقب ابن المغازلي وفرائد السمطين ولسان الميزان لابن حجر فراجع. (جميع الهوامش عن هامش المصدر).
2) - مرّ في الجزء الأول من هذا الكتاب ص105 ما يتعلّق بالمقام؛ فراجع.
3) - مرّ ذكر الحديث ومصادره في الجزء الأوّل: 328 -- 341 ؛ فراجع.
4) - ذكر الحاكم في المستدرك على الصحيحين 3/149 وغيره قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان أُمّتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة اختلفوا وصاروا حزب إبليس). ثمّ قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
5) - فرائد السمطين: الجزء الثاني، الباب47، ينابيع المودّة: 130.
أن لا أبذله، حدّثني عبد الله بن موسى واستحلفني أن لا أبذله، حدّثني الأعمش واستحلفني أن لا أبذله، حدّثني مجاهد، عن ابن عبّاس)(1).
أقول: لم أذكر السند بنصّه وفصّه سرفاً أو ترفاً، لكن رأيت السخاوي ذكر الحديث في (المقاصد الحسنة)، وقال: (إسناده ضعيف)(2)، ولم يبيّن وجه الضعف فيه، ورأيت ابن عراق ذكره في (تنزيه الشريعة)، وقال: (أخرجه الديلمي)، وعقّب بقوله: (ولم يبيّن علّته)(3).
والآن فليرجع القارئ البصر إلى رجال الحديث في سند الخوارزمي -- المار ذكرهم -- ليرى جمل الثناء والإطراء، وليس فيهم سبب للتضعيف إلاّ روايتهم مثل هذا الحديث الذي اتخذّوا منتهى الحيطة والحذر عند تحديثهم خوفاً من النواصب الذين ينكرون فضل آل محمّد!
وقد أخرج الحديث القندوزي الحنفي في (ينابيع المودّة)، نقله عن المناقب السبعين، الحديث -36-(4)، وأخرجه ثانياً نقلاً عن كتاب (مودّة القربى)، المودّة الثانية(5)، وأخرجه آخرون. فلتسخن أعين النصَّاب.
6- عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ خلفائي وأوصيائي وحُجج الله على الخلق بعدي الاثني عشر: أوّلهم أخي، وآخرهم ولدي).
قيل: يا رسول الله! ومن أخوك؟
قال: (عليّ بن أبي طالب).
قيل: فمن ولدك؟
قال: (المهدي الذي يملؤها قسطاً وعدلاً كما مُلِئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحقّ بشيراً لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي، ينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلّي خلفه، وتشرق الأرض بنور ربّها، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب). أخرجه الحمويني في (فرائد السمطين) آخر الجزء الثاني في أخبار المهدي، وعنه القندوزي في (ينابيع المودّة) بتفاوت يسير(1).
7- عن عبد الله بن عبّاس، قال: دخلت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والحسن على عاتقه، والحسين على فخذه يلثمهما ويقبلهما، ويقول: (اللّهمّ وال من والاهما، وعاد من عاداهما).
ثمّ قال: (يا بن عبّاس! كأنّي به -- يعني الحسين -- وقد خُضبت شيبته من دمه، يدعو لا يُجاب ويستنصر فلا ينصر).
قلت: من يفعل ذلك يا رسول الله؟
قال: (شرار أُمّتي، ما لهم؟ لا أنالهم الله شفاعتي).
ثمّ قال: (يا بن عبّاس! من زاره عارفاً بحقّه كتب له ثواب ألف حجّة وألف عمرة، ألا ومن زاره فكأنّما زارني، ومن زارني فكأنّما زار الله، وحقّ الزائر على الله أن لا يعذبه بالنار).
1) - ينابيع المودّة: 447.
قلت: يا رسول الله! فكم الأئمّة بعدك؟
قال: (بعدد حواري عيسى، وأسباط موسى، ونقباء بني إسرائيل).
قلت: يا رسول الله! فكم كانوا؟
قال: (كانوا اثني عشر، والأئمّة بعدي اثنا عشر: أوّلهم عليّ بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، فإذا انقضى فابنه عليّ، فإذا انقضى عليّ فابنه محمّد، فإذا انقضى محمّد فابنه جعفر، فإذا انقضى جعفر فابنه موسى، فإذا انقضى موسى فابنه عليّ، فإذا انقضى عليّ فابنه محمّد، فإذا انقضى محمّد فابنه عليّ، فإذا انقضى عليّ فابنه الحسن، فإذا انقضى الحسن فابنه الحجّة).
قال ابن عبّاس: قلت: يا رسول الله! أسامي لم أسمع بهنّ قط.
قال لي: (يا بن عبّاس! هم الأئمّة بعدي، وإن قهروا، أمناء معصومون نجباء أخيار.
يا بن عبّاس! من أتى يوم القيامة عارفاً بحقّهم أخذت بيده فأدخلته الجنّة.
يا بن عبّاس! من أنكرهم أو ردّ واحداً منهم فكأنّما قد أنكرني وردَّني، ومن أنكرني وردَّني فكأنّما أنكر الله وردَّه.
يا بن عبّاس! ولايتهم ولايتي، وولايتي ولاية الله، وحربهم حربي، وحربي حرب الله، وسلمهم سلمي، وسلمي سلم الله.
ثمّ قال عليه السلام : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن
يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(1). أخرجه الخزّاز في (كفاية الأثر)، والفتوني في (ضياء العالمين)، نقلاً عن كتاب (الفصوص)(2). 8- عن عبد الله بن عبّاس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أنا وعليّ والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مُطهّرون معصومون). أخرجه الحمويني في (فرائد السمطين) في الجزء الثاني في أحوال المهدي.
9- عن عبد الله بن عبّاس، قال: أنّ يهودياً اسمه نعثل سأل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن أشياء، فلمّا أجابه، قال: من وصيك؟ ما من نبيّ إلاّ وله وصي؟
قال صلى الله عليه وآله وسلم : (وصيي عليّ بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، تتلو تسعة من صلب الحسين أئمّة أبرار، فإذا مضى الحسين فابنه عليّ، فإذا مضى فابنه محمّد، فإذا مضى فابنه جعفر، فإذا مضى فابنه موسى، فإذا مضى فابنه عليّ، فإذا مضى فابنه الحسن، فإذا مضى فالحجّة بن الحسن).
فأسلم اليهودي، وقال: وجدت هذا في الكتب السالفة، وفيما عهد إلينا موسى: أنّ أحمد خاتم الأنبيّاء، ويخرج من صُلبه أئمّة أبرار عدد الأسباط، غاب منهم لاوي عن بني إسرائيل طويلاً، ثمّ عاد فأظهر شريعته، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (كائن في أُمّتي مثله، يغيب الثاني عشر من ولدي حتّى لا يُرى ولا يبقى من الإسلام إلاّ رسمه، فيأذن الله بالخروج فيظهر الإسلام). أخرجه الشيباني كما في (ضياء العالمين)، والبياضي في (الصراط المستقيم)، وأخرجه الخزّاز في (كفاية الأثر)، ومروي في (غاية المرام) مكرّراً، نقله عن الحمويني
في (فرائد السمطين)(1).
10- عن عبد الله بن عبّاس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (معاشر الناس اعلموا أنّ لله تعالى باباً، من دخله أمن من النار ومن الفزع الأكبر).
فقام إليه أبو سعيد الخدري، فقال: يا رسول الله! اهدنا إلى هذا الباب حتّى نعرفه؟
قال: (هو عليّ بن أبي طالب، سيّد الوصيين، وأمير المؤمنين، وأخو رسول ربّ العالمين، وخليفة الله على الناس أجمعين.
معاشر الناس، من أحبّ أن يستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها فليتمسك بولاية عليّ بن أبي طالب، فإنّ ولايته ولايتي وطاعته طاعتي.
يا معشر الناس، من أحبّ أن يعرف الحجّة من بعدي فليعرف عليّ بن أبي طالب.
معاشر الناس، من سرَّه أن يتولى ولاية الله فليقتد بعليّ بن أبي طالب والأئمّة من ذريتي، فإنّهم خزان علمي).
فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاري، فقال: يا رسول الله! وما عدّة الأئمّة؟
فقال: (يا جابر! سألتني -- رحمك الله -- عن الإسلام بأجمعه، عدّتهم عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ(2)، وعدّتهم عدّة العيون التي انفجرت منه لموسى بن عمران حين
ضرب بعصاه الحجر فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً(1)، وعدتهم عدّة نقباء بني إسرائيل، قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً(2) (3)، فالأئمّة يا جابر اثنا عشر إماماً: أوّلهم عليّ بن أبي طالب، وآخرهم القائم صلوات الله عليهم). أخرجه الكراجكي في كتاب (الاستبصار)، والإربلي في (كشف الغمّة)، وأبو الحسن بن شاذان في (فضائله) الحديث -41-، كما في كتاب (اليقين) لابن طاووس الباب -81-، والفتوني في (ضياء العالمين)(4).
11- عن عبد الله بن عبّاس -- وذكر حديثاً طويلاً في ولادة الحسين عليه السلام وتهنئة الملائكة لجدّه، جاء فيه: (لا يُقتل حتّى يكون منه الإمام تكون منه الأئمّة). ثمّ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (والأئمّة بعدي: عليّ، والحسن والحسين، وعليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمّد بن عليّ، والحسن بن عليّ، والقائم عليهم السلام ). أخرجه الحمويني في (فرائد السمطين)، في أحاديث المهدي(5).
12- عن عطاء، قال: دخلنا على ابن عبّاس وهو عليل بالطائف في العلّة التي توفّي فيها، ونحن رهطاً ثلاثين رجلاً من شيوخ الطائف، وقد ضعف
فسلّمنا عليه وجلسنا.
فقال لي: يا عطاء من القوم؟ قلت: يا سيّدي هم شيوخ هذا البلد، منهم عبد الله بن سلمة الحضرمي الطائفي، وعمارة بن أبي الأجلح، وثابت بن مالك، فما زلت أعدّ له واحداً بعد واحد.
ثمّ تقدّموا إليه، فقالوا: يا بن عمّ الرسول! إنّك رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسمعت منه ما سمعت، فأخبرنا عن اختلاف هذه الأُمّة، فقوم قد قدَّموا عليّاً على غيره، وقوم جعلوه بعد ثلاثة.
قال: فتنفس ابن عبّاس، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، وهو الإمام والخليفة من بعدي، فمن تمسَّك به فاز ونجا، ومن تخلّف عنه ضلّ وغوى، يلي تكفيني وتغسيلي ويقضي ديني، وأبو سبطي الحسن والحسين، ومن صلب الحسين تخرج الأئمّة التسعة، ومنّا مهدي هذه الأُمّة).
فقال له عبد الله بن سلمة الحضرمي: يا بن عمّ رسول الله! فهلا كنت تعرّفنا قبل هذا؟
فقال: قد والله أديت ما سمعت، ونصحت لكم، ولكنّكم لا تحبّون الناصحين.
ثمّ قال: اتّقوا الله عباد الله تقاة، من اعتبر بهذا واتقى في وجل، وكمش في مهل، ورغب في طلب، ورهب في هرب، واعملوا لآخرتكم قبل حلول آجالكم، وتمسّكوا بالعروة الوثقى من عترة نبيّكم، فإنّي سمعته يقول: (من تمسّك بعترتي من بعدي كان من الفائزين).
ثمّ بكى بكاءاً شديداً، فقال له القوم: أتبكي ومكانك مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكانك؟!
فقال لي: يا عطاء أبكي لخصلتين: هول المطّلع، وفراق الأحبّة.
ثمّ تفرّق القوم، فقال لي: يا عطاء خذ بيدي واحملني إلى صحن الدار.
فأخذنا بيده أنا وسعيد (يعني ابن جبير)، وحملناه إلى صحن الدار، ثمّ رفع يديه إلى السماء، وقال: (اللّهمّ إنّي أتقرب إليك بمحمّد وآله، اللّهمّ إنّي أتقرب إليك بولاية الشيخ عليّ بن أبي طالب).
فما زال يكرّرها حتّى وقع إلى الأرض، فصبرنا عليه ساعة، ثمّ أقمناه فإذا هو ميت رحمة الله عليه.
أخرجه بطوله الخزّاز في (كفاية الأثر)(1)، وأخرج توسّل حبر الأُمّة عبد الله بن عبّاس في آخر حياته بولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، الكشي في رجاله، كما في (اختيار الرجال) للطوسي(2).
وقال المحمودي في هامش ترجمة الإمام من (تاريخ دمشق): (رواه أحمد في فضائل الإمام برقم -251-، وعنه رواه المحبّ الطبري في (الرياض النضرة 2/227)، والباعوني في (جواهر المطالب)، والعصامي في (سمط النجوم 2/484). نقلاً عن الديلمي)(3).
فهذه بعض أحاديث ابن عبّاس التي ذكرت الأئمّة الاثني عشر من
أهل البيت عدداً ووصفاً واسماً ونسباً، ولو أردنا استيفاء جميع ما ورد عنه وعن بقية الصحابة في ذلك لاحتجنا إلى تأليف خاص به، وقد أغنانا عن ذلك علماؤنا الأعلام جزاهم الله خيراً، فقد جمعوا الكثير الطيب في موسوعاتهم الحديثية وكتبهم الكلامية، ونحن لسنا بحاجة إلى التطويل في الاستدلال على تعيين المراد بالاثني عشر في الحديث النبوي، بعد وضوح الحقّ عندنا، لكنّنا إنّما ذكرناه لنطالب الآخرين ممّن رووا لنا تلك الأحاديث وتحيّروا في تفسيرها، أن يبيّنوا لنا -- دون مكابرة -- من هم الاثنا عشر الذين لا يزال الإسلام بهم عزيزاً وقائماً حتّى تقوم الساعة؟
ما لهم من محيص:
رحم الله علي بن عيسى الإربلي، حيث يقول: (ونحن نطالبهم بعد نقل هذه الأخبار بتعيين هؤلاء الاثني عشر.
فلا بدّ لهم من أحد أمرين:
إمّا تعيين هذه العدّة في غير الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام، ولا يمكنهم ذلك، لأنّ ولاة الأمر من الصحابة وبني أُميّة وبني العبّاس يزيدون على الخمسين.
وإمّا أن يقرّوا ويسلّموا أنّ الأخبار الواردة في هذا الكتاب واهية ضعيفة غير صحيحة، ولا يحلّ أن يعتمد عليها، فنحن نرضى منهم بذلك ونشكرهم عليه، لما يترتب لنا عليه من المصالح الغزيرة والفوائد الكثيرة.
أو يلتزمون بالقسم الثالث، وهو الإقرار بالأئمّة الاثني عشر لانحصار ذلك في هذه الأقسام، وهذا الإلزام يلزم الزيدية كما يلزمهم، وهذا إلزام لا
محيص لهم عنه متى استعملوا الإنصاف، وسلكوا طريق الحقّ، وعدلوا عن سنن المكابرة والمباهتة، وتركوا بيّنات الطريق، وقد خلص الحقّ من هذه العهدة. فإنّ الأئمّة الاثني عشر قد تعينوا عندنا بنصوص واضحة جلية لا شكّ فيها ولا لبس، ولم نحتج في الإقرار بهم عليهم السلام والاعتراف بإمامتهم إلى استنباط ذلك من كتبهم، وإنّما أوردنا من ذلك ما أوردناه ليكون حجّة عليهم.
ولا يقدح في مرادنا كونهم صلّى الله عليهم مُنعوا الخلافة، وعُزلوا عن المنصب الذي اختارهم الله له، واستُبد به دونهم، إذ لم يقدح في نبوة الأنبيّاء عليهم السلام تكذيب من كذّبهم، ولا وقع الشكّ فيهم لانحراف من انحرف عنهم، ولا شوَّه وجوه محاسنهم تقبيح من قبحها، ولا نقص شرفهم خلاف من عاندهم ونصب لهم العداوة وجاهرهم بالعصيان.
وقد قال عليّ عليه السلام: (وما على المؤمن من غضاضة في أن يكون مظلوماً، ما لم يكن شاكّاً في دينه، ولا مرتاباً بيقينه).
وقال عمّار بن ياسرt في أيام صفّين: (والله لو ضربونا حتّى يبلغونا سعفات هجر، لعلمنا أنّا على الحقّ وأنّهم على الباطل).
وهذا واضح لمن تأمّله)(1).
ماذا قال بعض المحقّقين؟
حكى القندوزي الحنفي في (الينابيع) عن بعض المحقّقين أنّه قال:
1) - كشف الغمّة 1/79 -- 80، ط المكتبة الإسلامية.
(إنّ الأحاديث الدالّة على كون الخلفاء بعده صلى الله عليه وآله وسلم اثنا عشر، قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان عُلم أنّ مراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حديثه هذا الأئمّة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلّتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يُحمل على الملوك الأمويين لزيادتهم على اثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلاّ عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كلّهم من بني هاشم) في رواية عبد الملك، عن جابر، وإخفاء صوته صلى الله عليه وآله وسلم في هذا القول يرجَّح هذه الرواية، لأنّهم لا يحسِّنون خلافة بني هاشم.
ولا يمكن أن يحمل على الملوك العبّاسية لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلّة رعايتهم للآية: قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(1)، وحديث الكساء.
فلا بدّ من أن يحمل هذا الحديث على الأئمّة الاثني عشر من أهل بيته وعترته صلى الله عليه وآله وسلم، لأنّهم كانوا أعلم أهل زمانهم، وأجلّهم، وأورعهم، وأتقاهم، وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأكرمهم عند الله، وكانت علومهم عن آبائهم متصلة بجدّهم صلى الله عليه وآله وسلم بالوراثة واللّدنية، كذا عرفهم أهل العلم والتحقيق، وأهل الكشف والتوفيق.
ثمّ قال القندوزي: (ويؤيد هذا المعنى -- أي: أنّ مراد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الأئمّة الاثنا عشر من أهل بيته -- ويشهد له ويرجحه: حديث الثقلين، والأحاديث
1) - سورة الشورى/23.
المتكثرة المذكورة في هذا الكتاب وغيرها.
وأمّا قوله: (كلّهم تجتمع عليهم الأُمّة) في رواية عن جابر بن سمرة، فمراده صلى الله عليه وآله وسلم أنّ الأُمّة تجتمع على الإقرار بإمامة كلّهم وقت ظهور قائمهم المهدي رضي الله عنهم)(1)(2).
فابن عبّاس كان يقول بإمامة أئمّة أهل البيت عليهم السلام، وهو الرواي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (من دان بديني، وسلك منهاجي، واتبع سُنّتي، فليدِن بتفضيل الأئمّة من أهل بيتي على جميع أُمّتي، فإنّ مثلهم مثل باب حطة)(3).
وقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (عليّ بن أبي طالب باب حطة، من دخل منه كان مؤمناً، ومن خرج منه كان كافراً)، أخرجه جملة من حفّاظ أهل السُنّة في كتبهم، منهم:
1- شيرويه الديلمي في (الفردوس)(4).
2- السيوطي في (الجامع الصغير)(5).
3- العزيزي في (السراج المنير)(6).
4- المناوي في (فيض القدير)، وقال: (يعني أنّه -- سبحانه وتعالى -- كما
جعل بني إسرائيل دخولهم الباب متواضعين شعثين سبباً للغفران، جعل لهذه الأُمّة مودّة عليّ والاهتداء بهديه وسلوك سبيله وتوليه سبباً للغفران ودخول الجنان ونجاتهم من النيران، والمراد يخرج منه، يخرج عليه)(1).
وهناك بقية مصادر كثيرة راجع بشأنها (الكشّاف المنتقى)(2).
قال في صفحة -33-: (في الطهارة: المسألة الأولى: هل الطهارة من النجس شرط لصحّة الصلاة، أم لا؟
يرى جمهور الفقهاء وأهل العلم أنّ الطهارة من النجاسة في بدن المصلّي وثوبه، ومكان صلاته شرط لصحّة الصلاة.
وقد جعل ابن قدامة ابن عبّاس أحد القائلين بهذا، وجعل اسمه في صدر أصحاب هذا القول، فقال: (ومنهم ابن عبّاس، وسعيد بن المسيّب، وقتادة، ومالك، والشافعي)، وأصحاب الرأي...
وفي رواية أُخرى لابن عبّاس: أنّها ليست بواجبة الإزالة...).
واستمر بنقل أقوال أصحاب الآراء التي توافق رأي ابن عبّاس والتي تخالفه، وهو على نهج قلعةجي، لكن بصورة أوسع إذ بحث هذه المسألة، وما يمت إليها في عشر صفحات تقريباً، ولمّا كان قد سبق منّي مناقشة قلعةجي في هذا فنحيل إلى ما مرّ، ولا حاجة للإعادة.
وقال في صفحة -43-: (المسألة الثانية:مسح الرجلين في الوضوء.
يرى ابن عبّاس رضي الله عنه أنّ فرض الوضوء المتعلّق بالرجلين الوارد في قوله تعالى: فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَينِ(1)، إنّما هو المسح لا الغسل. فقد ذكر عبد الرزّاق الصنعاني بسنده: عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار أنّه سمع عكرمة يقول: قال ابن عبّاس: (الوضوء مسحتان وغسلتان)...).
واستمر المؤلّف بنقل الأقوال في هذا المسألة، وأطال الحديث عنها، إلى أن قال في صفحة -60- وهو يريد ختم كلامه: (وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ أضعف الأقوال قول الإمامية بوجوب المسح، مخالفين القراءة الصحيحة الموجبة للغسل، مبطلين العمل بها، ومخالفين أيضاً سُنّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المتواترة في الغَسل، فضلاً عن مخالفتهم اللغة العربية.
يقول الشوكاني: (وأمّا الموجبون للمسح -- وهم الإمامية -- فلم يأتوا مع مخالفتهم الكتاب والسُنّة المتواترة قولاً وفعلاً بحجّة نيّرة). (؟!)
أقول: وهذا من أقبح التجاوز على أُمّة اتّبعت كتاب الله تعالى وسُنّة نبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذت بهما من طريق أهل البيت عليهم السلام، وما كانوا وحدهم في هذا السبيل، بل هناك من أعلام العامّة من ذهب مثلهم إلى القول بوجوب المسح على الرجلين، وكان لكلّ منهم شرعة ومنهاجاً.
ولئلا تكون دعواي بلا دليل، أشير إلى أسماء جماعة منهم بدون استقصاء، لضيق المقام، نقلاً عن مصادر العامّة:
قال ابن حزم في (المحلّى): (وأمّا قولنا في الرجلين، فإنّ القرآن نزل
1) - سورة المائدة/6.
بالمسح، قال الله تعالى: وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ، وسواء قرئ بخفض اللام أو بفتحها هي على كلّ حال عطف على الرؤوس، إمّا على اللفظ، وإمّا على الموضع، لا يجوز غير ذلك، لأنّه لا يجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدأة، وهكذا جاء عن ابن عبّاس: (نزل القرآن بالمسح)، يعني بالرجلين في الوضوء.
وقد قال بالمسح على الرجلين جماعة من السلف، منهم: عليّ بن أبي طالب، وابن عبّاس، والحسن، وعكرمة، والشعبي، وجماعة غيرهم، وهو قول الطبري، ورويت في ذلك آثار:
منها أثر من طريق همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ثنا علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمّه -- هو رفاعة بن رافع -- أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أنّه لا تجوز صلاة أحدكم حتّى يسبغ الوضوء كما أمر الله عزّ وجلّ، ثمّ يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين).
وعن إسحاق بن راهويه، ثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن عبد خير، عن عليّ: (كنت أرى باطن القدمين أحقّ بالمسح، حتّى رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح ظاهرهما)(1).
وقال الفخر الرازي في (تفسيره): (المسألة الثامنة والثلاثون) اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما، فنقل القفّال في تفسيره عن ابن عبّاس، وأنس بن مالك، وعكرمة، والشعبي، وأبي جعفر محمّد بن علي
1) - المحلّى 2/56 مسألة 200.
الباقر: أنّ الواجب فيهما المسح، وهو مذهب الإمامية من الشيعة.
وقال جمهور الفقهاء والمفسّرين: فرضهما الغَسل، وقال داود الأصفهاني: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحقّ من أئمّة الزيدية.
وقال الحسن البصري، ومحمّد بن جرير الطبري: المكلّف مخيّر بين المسح والغَسل، حجّة من قال بوجوب المسح مبنيّ على القراءتين المشهورتين في قوله: وَأَرْجُلَكُمْ، فقرأ ابن كثير، وحمزة، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجرّ، وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب، فنقول: أمّا القراءة بالجرّ كما في قوله: جحر ضبّ خرب. وقوله: (كبير أناس في بجاد مزمّل)...)(1).
وقال الطبري في (تفسيره): (وقرأ ذلك -- قوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ -- من قرّاء الحجاز والعراق: وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ، بخفض (الأرجل)، وتأوّل قارئو ذلك: كذلك أنّ الله إنّما أمر عباده بمسح (الأرجل) في الوضوء دون غسلها، وجعلوا (الأرجل) عطفاً على الرأس، فخفضوها لذلك...)(2).
ثمّ ذكر من قال ذلك من أهل التأويل، وهم باقتضاب:
1- عن ابن عبّاس، قال: الوضوء غسلتان ومسحتان.
2- قال موسى بن أنس لأنس: يا أبا حمزة! إنّ الحجّاج خطبنا بالأهواز ونحن معه، فذكر الطهور، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم، وامسحوا
برؤوسكم وأرجلكم، وأنّه ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونها وظهورها وعراقيبهما، فقال أنس: صدق الله وكذب الحجّاج، قال الله: وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ، قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما. وقال أنس: نزل القرآن بالمسح، والسُنّة بالغسل.
3- عن عكرمة، قال: ليس على الرجلين غسل، إنّما نزل فيهما المسح.
4- عن جابر، عن أبي جعفر، قال: امسح على رأسك وقدميك.
5- عن الشعبي، قال: نزل جبريل بالمسح، ألا ترى أنّ التيمم أن يمسح ما كان غسلاً، ويلغي ما كان مسحاً.
6- عن قتادة: افترض الله غسلتين ومسحتين.
7- 8- 9- وعلقمة، والأعمش، ومجاهد: كانوا يقرأون: (وأرجلِكم) مخفوضة اللام.
10- 11- أبو جعفر، والضحاك(1).
ومع هذا الذي ذكره الطبري، فلم يسلم من سلاطة ابن كثير الذي عطفه على الشيعة فيما يلصقه فيهم من سوء قول.
فقال: (ومن أوجب من الشيعة مسحهما كما يمسح الخف فقد ضلّ وأضلّ، وكذا من جوّز مسحهما وجوّز غسلهما فقد أخطأ أيضاً، ومن نقل عن أبي جعفر ابن جرير أنّه أوجب غسلهما للأحاديث، وأوجب مسحهما للآية، فلم يحقّق مذهبه في ذلك، فإنّ كلامه في تفسيره إنّما يدلّ على أنّه
1) - المصدر نفسه.
أراد أنّه يجب دلك الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء، لأنّهما يليان الأرض والطين وغير ذلك، فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، ولكنّه عبّر عن الدلك بالمسح، فاعتقد من لم يتأمّل كلامه أنّه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما، فحكاه من حكاه كذلك، ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء، وهو معذور، فإنّه لا معنى للجمع بين المسح والغسل سواء تقدّمه أو تأخّر عليه لاندارجه فيه، وإنّما أراد الرجل كما ذكرته والله أعلم. ثمّ تأملت كلامه أيضاً فإذا هو يحاول الجمع بين القرائتين في قوله: وَأَرْجُلَكُمْ خفضاً على المسح وهو الدلك، ونصباً على الغسل فأوجبهما آخذاً بالجمع بين هذه وهذه)(1).
وقال الآمدي(2)في (الأحكام): (المسألة الثامنة:
ومن أبعد التأويلات ما يقوله القائلون بوجوب غسل الرجلين في الوضوء في قوله تعالى: فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَينِ(3)، من أنّ المراد به الغسل، وهو في غاية البعد، لما فيه من ترك العمل بما اقتضاه ظاهر العطف من التشريك بين الرؤوس والأرجل في المسح من غير ضرورة.
1) - تفسير ابن كثير 2/26، ط الاستقامة.
2) - أحد أذكياء العالم ولد سنة 551 في آمد، وتوفي سنة 631 في دمشق، كان في أوّل اشتغاله حنبلياً، ثمّ صار شافعياً، وبلغ مبلغاً من العلم حتّى قالوا فيه: لو ورد على الإسلام متزندق يشكّك ما تعيّن لمناظرته غير الآمدي. (باختصار عن تاريخ ابن خلكان، وطبقات الشافعية للسبكي).
3) - سورة المائدة/6.
فإن قيل: العطف إنّما هو على الوجوه واليدين في أوّل الآية، وذلك موجب للتشريك في الغَسل، وبيان ذلك من وجهين:
الأوّل: قوله تعالى: إِلَى الْكَعْبَينِ، قدر المأمور به إلى الكعبين، كما قدر غسل اليدين إلى المرفقين، ولو كان الواجب هو المسح لما كان مقدّراً كمسح الرأس.
الثاني: ما ورد من القراءة بالنصب من قوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ، وذلك يدلّ على العطف على الأيدي دون الرؤوس.
وأمّا الكسر فإنّما كان بسبب المجاورة، فإنّها موجبة لاستتباع المجاور، ومنه قول امرئ القيس:
كأنّ ثبيرا في عرانين ويله*** كبير أناس في بجاد مزمل
كسر (مُزمَّل) استتباعاً لما قبله، وإلاّ فحقّه أن يكون مرفوعاً لكونه وصف (كبير)، وإن سلّمنا أنّ الأرجل معطوفة على الرؤوس، غير أنّه ليس من شرط العطف الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في تفاصيل حكم المعطوف عليه، بل في أصله، كما سبق تقريره، وذلك ممّا قد وقع الاشتراك فيه، فإنّ الغسل والمسح قد اشتركا في أنّ كلّ واحد منهما فيه إمساس العضو بالماء، وإن افترقا في خصوص المسح والغسل، وذلك كافٍ في صحّة العطف، ودليله قول الشاعر:
ولقد رأيتك في الوغى*** متقلّداً سيفاً ورمحا
عطف الرمح على التقلد بالسيف، وإن كان الرمح لا يتقلد وإنّما يعتقل به، لاشتراكهما في أصل الحمل.
وكذلك عطف الشاعر الماء على التبن في قوله: (وعلفتها تبنا وماءً باردا)، والماء لا يعلف لاشتراكهما في أصل التناول.
والجواب، قولهم: إنّ العطف إنّما هو على الأيدي، فأبعد من كلّ بعيد، لما فيه من ترك العطف على ما يلي المعطوف إلى ما لا يليه. وأمّا التقدير بالكعبين فممّا لا يمنع من العطف على الرؤوس الممسوحة، وإن لم يكن مسح الرؤوس مقدّراً في الآية كما عطف الأيدي على الوجوه في حكم الغسل، وإن كان غسل اليدين مقدّراً وغسل الوجوه غير مقدّرٍ.
وأمّا القراءة بالنصب، فإنّما كان ذلك عطفاً على الموضع، وذلك لأنّ الرؤوس في موضع النصب، بوقوع الفعل عليها، غير أنّه لما دخل الخافض على الرؤوس، أوجب الكسر.
ومنه قول الشاعر:
معاوي إنّنا بشر فأسجح*** فلسنا بالجبال ولا الحديدا
عطف (الحديد) على موضع (الجبال)، إذ هي في موضع نصب، غير أنّها خفضت بدخول الجار عليها.
وقولهم: إنّ الكسر بسبب المجاورة إنّما يصحّ إذا لم يكن بين المتجاورين فاصل، كما ذكروه من الشعر، وأمّا إذا فصل بينهما حرف العطف فلا. وإن سلّمنا جوازه، غير أنّه ممّا لا يتحمّل إلاّ لضرورة الشعر، فلا ينتهض موجباً لاتّباعه، وترك ما أوجبه العطف. ومثل ذلك، وإن ورد في النثر، كما في قولهم: (جحر ضبّ خرب وماء شنٍ بارد)، فمن النوادر الشاذّة التي لا يقاس عليها.
قولهم: إنّ العطف وإن وقع على الرؤوس، فذلك غير موجب للاشتراك في تفاصيل حكم المعطوف عليه.
قلنا: هذا هو الأصل، وإنّما يصار إلى خلافه لدليل، ولا دليل، وإنّما ذكرنا هذه النبذة من مسائل التأويلات لتدرب المبتدئين بالنظر في أمثالها)(1).
فهل بعد هذا العرض لأقوال القائلين بالمسح تعييناً أو تخييراً، يبقى الشيعة الإمامية مرمى لغرض الذين يفترون بالكذب، فيقولون عنهم كما قال الشوكاني: (فلم يأتوا مع مخالفتهم الكتاب والسُنّة المتواترة قولاً وفعلاً بحجّة نيّرة)(2).
يالله، لماذا الازدواجية في المعايير، وتبقى عين الرضا لغير الإمامية، ولهم عين السخط اللوّامة، مع أنّ استدلال الإمامية هو عين أو نحو ما استدلّ به غيرهم ممّن يرى المسح على الرجلين، وطريقة استدلالهم هي نفس طريقة أولئك.
ولئلا أكون مدّعياً باطلاً، فأعرض للقارئ ما قاله شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي رحمه الله في ثلاثة من كتبه التي هي في ثلاث موضوعات:
فمن التفسير، ما قاله في كتابه (التبيان).
ومن الفقه المقارن، ما قاله في كتابه (الخلاف).
ومن الحديث، ما قاله في كتابه (تهذيب الأحكام).
ولئن أطلت المُقام في المَقام، فغرضي وأيم الحقّ درء الخصام، وطلب الوئام، وحبّ التعايش بسلام. وامتثالاً لقوله تعالى: ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(1).
قال الشيخ الطوسي في كتابه (التبيان):
(وقوله: وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَينِ(2)، عطف على الرؤوس، فمن قرأ بالجرّ ذهب إلى أنّه يجب مسحهما كما وجب مسح الرأس، ومن نصبهما ذهب إلى أنّه معطوف على موضع الرؤوس، لأنّ موضعها نصب لوقوع المسح عليها، وإنّما جرّ الرؤوس لدخول الباء الموجبة للتبعيض على ما بيناه فالقراءتان جميعاً تفيدان المسح على ما نذهب إليه.
وممّن قال بالمسح: ابن عبّاس، والحسن البصري، وأبو علي الجبائي، ومحمّد بن جرير الطبري، وغيرهم ممّن ذكرناهم في الخلاف، غير أنّهم أوجبوا الجمع بين المسح والغسل المسح بالكتاب، والغسل بالسُنّة، وخيرة الطبري في ذلك. وأوجبوا كلّهم استيعاب جميع الرجل ظاهراً وباطناً.
وعندنا أنّ المسح على ظاهرهما من رؤوس الأصابع إلى الكعبين، وهما الناتئان في وسط القدم على ما استدلّ عليه.
وقال عكرمة عن ابن عبّاس: الوضوء غسلتان ومسحتان، وبه قال أنس ابن مالك.
وقال عكرمة: ليس على الرجلين غسل إنّما فيهما المسح، وبه قال الشعبي: ألا ترى أنّ التيمم يمسح ما كان غسلاً ويلغي ما كان مسحاً.
وقال قتادة: افترض الله مسحتين وغسلتين.
روى أوس بن أبي أوس، قال: رأيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم توضأ ومسح على نعليه، ثمّ قام فصلّى.
وروى حذيفة، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سباطة قوم، فبال عليها قائماً، ثمّ دعا بماء، فتوضأ ومسح على نعليه.
وروى حبّة العرني، قال: رأيت عليّ بن أبي طالب عليه السلام شرب في الرحبة قائماً، ثمّ توضأ ومسح على نعليه.
وروي عن ابن عبّاس أنّه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمسح على رجليه. وعنه أنّه قال: إنّ في كتاب الله المسح ويأبى الناس إلاّ الغسل.
وعن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام أنّه قال: (ما نزل القرآن إلاّ بالمسح).
فإن قيل: القراءة بالجرّ ليست على العطف على الرؤوس في المعنى، وإنّما عطف عليها على طريق المجاورة، كما قالوا: جحر ضبّ خرب، وخرب من صفات الجحر لا الضبّ، وكما قال الشاعر:
كان بثيرا في عرانين وبله*** كبير أناس في بجاد مزمل
والمزمل من صفة الكبير لا البجاد.
وقال الأعشى:
لقد كان في حول ثواء ثويته*** تقضى لبانات ويسأم سائم
قلنا: هذا لا يجوز من وجوه:
أحدها -- ما قال الزجاج: إنّ الإعراب بالمجاورة، لا يجوز في القرآن، وإنّما يجوز ذلك في ضرورة الكلام والشعر.
والثاني -- أنّ الإعراب بالمجاورة لا يكون مع حرف العطف.
فأمّا قول الشاعر:
فهل أنت إن ماتت أتانك راحل*** إلى آل بسطام بن قيس فخاطب
قالوا: جرّ مع حرف العطف الذي هو الفاء، فإنّه يمكن أن يكون أراد الرفع، وإنّما جرّ الراوي وهماً، ويكون عطفاً على راحل يكون قد أقوى لأنّ القصيدة مجرورة، وقال قوم: أراد بذلك الأمر وإنّما جرّ لإطلاق الشعر.
والثالث -- أنّ الإعراب بالمجاورة إنّما يجوز مع ارتفاع اللبس، فأمّا مع حصول اللبس، فلا يجوز، ولا يشتبه على أحد أن خرب من صفة جحر، لا الضبّ. وكذلك قوله: مزمل من صفة الكبير لا البجاد. وليس كذلك في الآية؛ لأنّ الأرجل يمكن أن تكون ممسوحة ومغسولة.
فأمّا قول الشاعر: ثواء ثويته، فإنّما جرّه بالبدل من الحول، والمعنى: لقد كان في ثواء ثويته تقضى لبانات، وهو من بدل الاشتمال، كقوله: قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ _ النَّارِ(1).
وقول الشاعر:
لم يبق إلاّ أسير غير منفلت*** وموثق في عقال الأسر مكبول
فليس خفض موثق على المجاورة؛ لأنّ معنى البيت لم يبق غير أسير،
1) - سورة البروج/4 -- 5.
ف-(إلاّ) بمعنى غير، وهي تعاقبها في الاستثناء. فقوله: غير موثق، عطف المعنى على موضع أسير، وتقديره لم يبق غير أسير وغير منفلت.
وأمّا قوله: وَحُورٌ عِينٌ(1)في قراءة من جرّهما، فليس بمجرور على المجاورة، بل يحتمل أمرين:
أحدهما -- أن يكون عطفاً على قوله: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ _ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ(2)، إلى قوله: وَحُورٌ عِينٌ، عطف على أكواب.
وقولهم: أنّه لا يطاف إلاّ بالكأس غير مسلّم، بل لا يمتنع أن يطاف بالحور العين كما يطاف بالكأس، وقد ذكر في جملة ما يطاف به الفاكهة واللحم.
والثاني -- أنّه لمّا قال: أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ _ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(3)، عطف بحور عين على جنات النعيم، فكأنّه قال: هم في جنات النعيم،. وفي مقاربة أو معاشرة حور عين، ذكره أبو علي الفارسي.
فأمّا من قال: الرجلان ممسوحان ويراد بالمسح الغسل، فقوله: يبطل بما قلناه من أنّ المسح غير الغَسل. واستشهادهم بقولهم: تمسحت للصلاة، وأنّهم سمّوا الغَسل مسحاً.
وقوله: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ(4)، وأنّه أراد غسلها باطل بما
قدّمناه، ولأنّه لو كان ذلك محتملاً لغة، لما احتمل شرعاً، لأنّ الشرع فرّق بين الغَسل والمسح، ولذلك قالوا: بعض أعضاء الطهارة مغسولة، وبعضها ممسوحة، وفلان يرى غَسل الرجلين، وفلان يرى مسحهما، ولأنّه لا خلاف أنّ الرأس ممسوح مسحاً ليس بغسل، فلا بدّ أن يكون حكم الرجلين حكمه، لكونهما معطوفتين عليه، وقولهم: تمسّحت للصلاة، فلأنّهم لمّا أرادوا أن يخبروا بلفظ مختصر عن جميع أفعال الصلاة، لم يجز أن يقولوا: اغتسلت للصلاة، لأنّ في الطهارة ما ليس بغسل، واستطالوا أن يقولوا: اغتسلت وتمسّحت للصلاة، قالوا بدلاً من ذلك: تمسّحت، توسعاً، ومجازاً.
وقوله: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ، فأكثر المفسّرين على أنّ المراد به فطفق ضرباً، ذهب إليه الفرّاء وأبو عبيدة. وقال آخرون: أراد المسح في الحقيقة، وأنّه كان مسح أعراقها وسوقها، وإنّما حمل على الغسل شاذّ منهم.
ومن قال: القراءة تقتضي المسح غير أنّه المسح على الخفّين، فقوله باطل، لأنّ الخف لا يسمّى رجلاً في لغة ولا شرع، والله (تعالى) أمر بإيقاع الفرض على ما يسمّى رجلاً في الحقيقة.
وأمّا القراءة بالنصب، فقد بينا أنّها معطوفة على موضع الرؤوس، لأنّ موضعها النصب، والحكم فيها المسح والعطف على الموضع جائز، لأنّهم يقولون: لست بقائم ولا قاعداً، ويقولون: حسبت بصدره وصدر زيد، وإنّ زيداً في الدار وعمرو، فيرفع عمرو بالعطف على الموضع.
وقال الشاعر:
معاوي أنّنا بشر فاسجح*** فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وقال آخر:
هل أنت باعث دينار لحاجتنا*** أو عبد ربّ أخا عون بن مخراق
وإنّما نصب عبد ربّ، لأنّ التقدير باعث ديناراً، فحمله على الموضع، وقد سوغوا العطف على المعنى وإن كان اللفظ لا يقتضيه.
قال الشاعر:
جئني بمثل بني عمرو لقومهم*** أو مثل أسرة منظور بن سبار
لمّا كان معنى جئني هات مثلهم، أو أعطني مثلهم، قال: أو مثل بالنصب عطفاً على المعنى، وعطف الأرجل على الأيدي لا يجوز، لأنّ الكلام متى حصل فيه عاملان: قريب وبعيد لا يجوز إعمال البعيد دون القريب مع صحّة حمله، عليه.
لا يجوز أن يقول القائل: ضربت زيداً وعمراً، وأكرمت خالداً وبكراً، ويريد بنصب بكر العطف على زيد أو عمرو المضروبين، لأنّ ذلك خروج عن فصاحة الكلام، ودخول في معنى اللغو، وبمثل ما قلناه ورد القرآن وأكثر الشعر.
قال الله تعالى: وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً(1)، ولو أعمل الأوّل، لقال: كما ظننتموه.
وقال: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً(2)، ولو أعمل الأوّل، لقال: أفرغه.
وقال: هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ(3)، ولو أعمل الأوّل، لقال: هاؤم اقرأوه.
وقال الشاعر:
قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمه*** وعزّة ممطول معنّىً غريمها
ولو أعمل الأوّل، لقال: فوفاه غريمه.
فأمّا قول امرئ القيس:
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة*** كفاني ولم أطلب قليل من المال
فإنّما أعمل الأوّل للضرورة، لأنّه لم يجعل القليل مطلوباً، وإنّما كان المطلوب عنده الملك، وجعل القليل كافياً. ولو لم يرد هذا ونصب، لفسد المعنى.
فأمّا من نصب بتقدير واغسلوا أرجلكم، كما قالوا: متقلداً سيفاً ورمحاً، وعلفتها تبناً وماء بارداً، فقد أخطأ، لأنّ ذلك إنّما يجوز إذا استحال حمله على اللفظ. فأمّا إذا جاز حمله على ما في اللفظ، فلا يجوز هذا التقدير.
ومن قال: يجب غسل الرجلين، لأنّها محدودتان كاليدين، فقوله ليس بصحيح، لأنّا لا نسلّم أنّ العلّة في كون اليدين مغسولتين كونهما محدودتين، وإنّما وجب غسلهما، لأنّهما عطفا على عضو مغسول، وهو الوجه. فكذلك إذا عطف الرجلين على ممسوح هو الرأس، وجب أن يكونا ممسوحين.
والكعبان عندنا هما الناتئان في وسط القدم، وبه قال محمّد بن الحسن وإن أوجب الغّسل. وقال أكثر المفسّرين والفقهاء: الكعبان هما عظما الساقين، يدلّ على ما قلناه أنّه لو أراد ما قالوا، لقال إلى الكعاب، لأنّ في الرجلين منها أربعة. وأيضاً فكلّ من قال: يجب مسح الرجلين، ولا يجوز الغسل قال الكعب هو ما قلناه، لأنّ من خالف في أنّ الكعب ما قلناه على قولين: قائل يقول بوجوب الغسل، وآخر يقول بالتخيير. قال الزجاج: كلّ مفصل للعظام فهو كعب)(1).
1) - تفسير التبيان 3/452 -- 456، صحّحه ورتب حواشيه ووضع فهارسه أحمد شوقي الأمين وأحمد حبيب قصير، مصر الطبعة الثانية.
وقال في كتابه (الخلاف):
(مسألة 39: الفرض في الطهارة الصغرى المسح على الرجلين.
وقال جميع الفقهاء: الفرض هو الغسل(1).
وقال الحسن بن أبي الحسن البصري، ومحمّد بن جرير(2)، وأبو علي الجبائي(3): بالتخيير(4).
وروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، كابن عبّاس(5)، وعكرمة(6)،
1) - المبسوط للسرخسي 1/8، وأحكام القرآن للجصّاص 2/345، ومسائل أحمد بن حنبل: 8، والأُمّ 1/27، وفتح الباري 1/266، وفتح المعين: 6، ومقدّمات ابن رشد 1/52، ومراقي الفلاح: 9، وعمدة القاري 2/236 و238، وبدائع الصنائع 1/5، ومغني المحتاج 1/53، وتفسير الطبري 6/83، وبداية المجتهد 1/14، والتفسير الكبير 11/161.
2) - محمّد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، أبو جعفر، المفسّر الكبير، صاحب (جامع البيان). أصله من طبرستان مات سنة 310 ه.، قال ابن حجر في لسان الميزان: ثقة صادق، فيه تشيّع يسير، وموالاة لا تضرّ، وإنّما نبز بالتشيع لأنّه صحّح حديث غدير خمّ. وحكى الذهبي في التذكرة عن الفرغاني: ((انّه لمّا بلغه أنّ ابن أبي داود تكلّم في حديث غدير خمّ، عمل كتاب الفضائل، وتكلّم على تصحيح الحديث، قلت: رأيت مجلّداً من طرق الحديث لابن جرير، فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق)). انظر لسان الميزان 5/100، وطبقات المفسّرين: 30، وتذكرة الحفّاظ 2/251، والبداية والنهاية 11/145.
3) - أبو علي، محمّد بن عبد الوهاب بن سلام بن أبي السكن الجبائي، رأس المعتزلة، ومن انتهت إليه رئاستهم، روى عن أبي يعقوب الشحام وغيره، مات سنة (303 ه-). لسان الميزان 5/271.
4) - التفسير الكبير 11/161، وتفسير الطبري 6/83، وأحكام القرآن لابن العربي 2/575، والمبسوط للسرخسي 1/8، وبدائع الصنائع 1/5، وعمدة القاري 2/238، وبداية المجتهد 1/14.
5) - أبو العبّاس، عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد المناف، توفّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وله ثلاثة عشر سنة. أخذ عنه الفقه جماعة منهم: عطاء بن أبي رباح، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة. مات سنة (68 ه-). طبقات الفقهاء: 18.
6) - عكرمة مولى ابن عبّاس، وأصله من البربر، وكان ممّن ينتقل من بلد إلى بلد. مات سنة (107 ه-). وقيل غير ذلك. طبقات الفقهاء: 46.
وأنس(1)، وأبي العالية(2)، والشعبي: القول بالمسح(3).
دليلنا: قوله تعالى: فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ(4)، فأوجب بظاهر اللفظ غسل الوجه، ثمّ عطف اليدين عليه، فأوجب ذلك غسلهما، ثمّ استأنف حكماً آخر، فقال: وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ(5)، فأوجب المسح على الرأس، ثمّ عطف الرجلين عليه، فيجب أن يكون حكمهما حكمه في وجوب المسح بمقتضى العطف، كما أنّ الفرض في غسل اليدين بمجرّد العطف، وقد استوفينا الكلام على هذا الدليل في كتاب (تهذيب الأحكام)(6).
وأيضاً روي عن أمير المؤمنين عليه السلام ، وابن عبّاس، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه توضأ ومسح على قدميه ونعليه(7).
وروي أيضاً عن ابن عبّاس، أنّه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فمسح على
1) - أبو حمزة، أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم -- بفتح الضادين المعجمتين -- بن زيد بن حرام الأنصاري، الخزرجي. خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات سنة (93 ه-). وقيل غير ذلك. تهذيب الأسماء 1/127، وصفوة الصفوة 1/298.
2) - أبو العالية، رفيع بن مهران الرياحي البصري، مولى امرأة من بني رياح من تميم، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين، مات سنة (106 ه-). وقيل: (93 ه-). طبقات الفقهاء: 70.
3) - التفسير الكبير 11/161، وتفسير الطبري 6/82.، وأحكام القرآن للجصّاص 2/345، والدرّ المنثور 2/262، والمبسوط للسرخسي 1/8، وأحكام القرآن لابن العربي 2/575، وبداية المجتهد 1/14، وفتح الباري 1/266، وعمدة القاري 2/238، ومقدّمات ابن رشد 1/53.
4) - سورة المائدة/6.
5) - سورة المائدة/6.
6) - تهذيب الأحكام 1/60 -- 63.
7) - تهذيب الأحكام 1/63 حديث 172.
رجليه(1). وفي رواية أُخرى قال: إنّ في كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلاّ الغسل(2). وروي عنه أنّه قال: غسلتان ومسحتان(3).
وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: (ما نزل الفرقان إلاّ بالمسح)(4)، وعليه إجماع الفرقة.
وروى محمّد بن الحسين(5)، عن الحكم بن مسكين(6)، عن محمّد بن مروان(7)، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام : إنّه يأتي على الرجل ستّون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلاة، قلت: وكيف ذلك؟ قال: لأنّه يغسل ما أمر الله بمسحه(8).
مسألة 40: مسح الرجلين من رؤوس الأصابع إلى الكعبين. والكعبان: هما
1) - تهذيب الأحكام 1/63 حديث 173.
2) - تهذيب الأحكام 1/63 حديث 174، الدرّ المنثور 2/262، وفيه: عن ابن عبّاس قال: ((أبى الناس إلاّ الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلاّ المسح))، ونحوه في سنن ابن ماجة 1/156 حديث 458.
3) - تفسير الطبري 6/82، والدرّ المنثور 2/262، والتهذيب 1/63 حديث 176، وأحكام القرآن لابن العربي 2/575، وعمدة القاري 2/238.
4) - التهذيب 1/63 حديث 175، ولفظ الحديث: (ما نزل القرآن إلاّ بالمسح).
5) - أبو جعفر، محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب الزيات الهمداني، وثقه الشيخ في رجاله، وعدّه من أصحاب الإمام الجواد والهادي والعسكريG. وقال النجاشي بعد عنوانه: واسم أبي الخطّاب زيد، جليل من أصحابنا عظيم القدر كثير الرواية، ثقة، عين، حسن التصانيف، مسكون إلى روايته. توفي سنة (262ه-). رجال النجاشي: 257، ورجال الطوسي: 407، 423، 435، وتنقيح المقال 3/106.
6) - قال النجاشي في رجاله: 105: حكم بن مسكين، مولى ثقيف المكفوف، أبو محمّد، كوفي. روى عن أبي عبد الله عليه السلام ، ذكره أبو العبّاس.
7) - محمّد بن مروان الكلبي. عده الشيخ في رجاله: 135، من أصحاب الباقر عليه السلام . وعده أيضاً من أصحاب الصادق عليه السلام : 305.
8) - التهذيب 1/65 حديث 184، والاستبصار 1/64 حديث 191، والكافي 3/31 حديث 9.
الناتئان في وسط القدم.
وقال من جوّز المسح من مخالفينا: إنّه يجب استيعاب الرجل بالمسح(1). وقالوا كلّهم: إنّ الكعبين: هما عظما الساقين(2)، إلاّ ما حكي عن محمّد بن الحسن، فإنّه قال: هما الناتئان في وسط القدم، مع قوله بالغسل(3).
دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضاً فقد دللنا على أنّ المسح ببعض الرأس والرجلان معطوفتان عليه، فوجب أن يكون حكمهما حكمه، بحكم العطف.
وروى زرارة وبكير ابنا أعين، عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال في المسح: (تمسح على النعلين، ولا تدخل يدك تحت الشراك، وإذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك)(4).
فأمّا الذي يدلّ على أنّ الكعبين ما قلناه، هو أنّه إذا ثبت وجوب مسح الرجلين من غير تخيير، فكلّ من قال بذلك، قال: إنّ الكعبين ما قلناه، ومن خالف في ذلك، قال بوجوب الغسل أو التخيير، وقد دللنا على أنّه لا يجوز غير المسح. فالتفرّقة بين المسألتين خروج عن الإجماع.
1) - أحكام القرآن للجصّاص 2/345.
2) - المبسوط للسرخسي 1/9، وأحكام القرآن للجصّاص 2/347، والأُمّ 1/27، ومراقي الفلاح: 9، وأحكام القرآن لابن العربي 2/577، وبدائع الصنائع 1/7، ومغني المحتاج 1/54، وشرح فتح القدير 1/10، والدراري المضية 1/55 والتفسير الكبير 11/162.
3) - المبسوط للسرخسي 1/9، وأحكام القرآن للجصّاص 2/347، وأحكام القرآن لابن العربي 2/577، وبدائع الصنائع 1/7، وشرح فتح القدير 1/10، والتفسير الكبير 11/162.
4) - التهذيب 1/90 حديث 237، والاستبصار 1/61 حديث 182، وفي تفسير العياشي 1/298 حديث 51، والكافي 3/25 حديث 5 الحديث بطوله، فراجع.
وروى زرارة وبكير ابنا أعين، أنّهما سألا أبا جعفر عليه السلام ، عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فوصف لهما، ثمّ قالا له: أصلحك الله، فأين الكعبان؟ قال: هاهنا، يعني المفصل دون عظم الساق، فقالا: هذا ما هو؟ قال(1): هذا عظم الساق)(2).
وقال في كتابه (تهذيب الأحكام): (فإن قال قائل: قد مضى في كلامكم أنّ المسح على الرجلين هو الفرض، ومخالفوكم يدفعونكم عن ذلك ويقولون: أنّ ذلك بدعة، وأنّ الفرض هو الغسل دون المسح، فما دليلكم عليه؟
قيل له: دليلنا عليه قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَينِ(3)، فصرّح في الآية بحكمين في عضوين، ثمّ عطف الأيدي على الوجوه، فأوجب لها بالعطف مثل حكمها، وعطف الأرجل على الرؤوس، فأوجب أن يكون لها في المسح مثل حكمها بمقتضى العطف، ولو جاز أن يخالف بين حكمها مع العطف، جاز أن يخالف بين حكمها في الوجوه.
ويدلّ على ذلك أيضاً.
-172- 21: ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام ، وابن عبّاس رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، أنّه توضأ ومسح على قدميه ونعليه.
-173- 22: ورووا أيضاً عن ابن عبّاس، أنّه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فمسح على رجليه.
-174- 23: وروي عنه أيضاً، أنّه قال: إنّ في كتاب الله المسح ويأبى الناس إلاّ الغسل.
-175- 24: وقد روي مثل هذا عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال: (ما أنزل القرآن إلاّ بالمسح).
-176- 25: وروي عن ابن عبّاس أيضاً، أنّه قال: غسلتان ومسحتان.
وكلّ هذه الأخبار قد رواها مخالفونا، والذي تفرّد به أصحابنا أكثر من أن يحصى، وأنا أذكر طرفاً من ذلك إن شاء الله، فمن ذلك:
-177- 26(1): ما أخبرني به الشيخ أيده الله تعالى، قال: أخبرني أحمد ابن محمّد بن الحسن، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعاً، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن حمّاد بن عثمان، عن سالم وغالب بن هذيل، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام : عن المسح على الرجلين؟ فقال: (هو الذي نزل به جبرئيل عليه السلام).
-178- 27(2): وبهذا الإسناد، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن العلا، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهماu، قال: سألته عن المسح على الرجلين؟ فقال: (لا بأس).
-179- 28(1): وبهذا الإسناد، عن الحسين بن سعيد، عن أحمد بن محمّد، قال سألت أبا الحسن عليه السلام عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفّه على الأصابع ثمّ مسحها إلى الكعبين، فقلت له: لو أنّ رجلاً قال بإصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين؟ قال: (لا إلاّ بكفه كلّها).
-180- 29(2): وأخبرني الشيخ أيده الله تعالى، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد، عن أيوب بن نوح، قال: كتبت إلى أبي الحسنu أسأله عن المسح على القدمين؟ فقال: (الوضوء بالمسح ولا يجب فيه إلاّ ذلك، ومن غسل فلا بأس).
يعني: إذا أراد به التنظيف، يدلّ على ذلك:
-181- 30(3): ما أخبرني به الشيخ أيده الله تعالى، قال: أخبرني أحمد ابن محمّد، عن أبيه، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن علي، عن أبي همام، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام: في وضوء الفريضة في كتاب الله تعالى المسح، والغسل في الوضوء للتنظيف.
-182- 31(4): وبالإسناد الأوّل، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد، عن الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام : (أنّ عليّاً عليه السلام مسح على النعلين ولم يستبطن الشراكين).
يعني: إذا كانا عربيين، لأنّهما لا يمنعان من وصول الماء إلى الرجل بقدر ما يجب فيه عليه المسح.
-183- 32(1): وأخبرني الشيخ أيده الله تعالى، قال: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمّد، عن محمّد بن يعقوب، عن أحمد بن إدريس، عن محمّد ابن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، قال: أخبرني من رأى أبا الحسن عليه السلام بمنى يمسح ظهر قدميه من أعلى القدم إلى الكعب، ومن الكعب إلى أعلى القدم.
وقد مضى تفسير هذا الحديث.
-184- 33(2): وبهذا الإسناد عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن الحكم بن مسكين، عن محمّد بن مروان، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (أنّه يأتي على الرجل ستّون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلاة)، قلت: وكيف ذلك؟ قال: (لأنّه يغسل ما أمر الله بمسحه).
-185- 34(3): محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن علي بن إسماعيل، عن علي بن النعمان، عن القاسم بن محمّد، عن جعفر بن سليمان عمّه، قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام ، فقلت: جعلت فداك يكون خفّ الرجل مخرقاً فيدخل يده فيمسح ظهر قدميه أيجزيه؟ قال: نعم.
-186- 35(1): الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، قال: قال لي: لو أنّك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلاً، ثمّ أضمرت أنّ ذلك من المفروض، لم يكن ذلك بوضوء، ثمّ قال: إبدء بالمسح على الرجلين فإن بدا لك غسل فغسلته فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفروض.
-187- 36(2): فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن عمرو بن سعيد المدايني، عن مصدق بن صدقة، عن عمّار بن موسى، عن أبي عبد اللهu: في الرجل يتوضأ الوضوء كلّه إلاّ رجليه، ثمّ يخوض الماء بهما خوضاً؟ قال: أجزأه ذلك.
فهذا الخبر محمول على حال التقية، فأمّا مع الاختيار فإنّه لا يجوز إلاّ المسح عليهما على ما بيناه.
فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون ما اعتمدتموه في الآية من القراءة بالجرّ لا يوجب المسح، وإنّما يفيد اشتراك الرجل بالرأس في الإعراب، لا أن يوجب اشتراكهما في الحكم، فيكون ذلك على المجاورة، كما جاء في كثير من كلام العرب، مثل قولهم: (جحر ضبّ خرب)، وإن كان خرب من صفات الجحر لا الضبّ، وإنّما جرّ لمجاورته للضبّ، وكما قال الشاعر:
كأنّ بثيرا في عرانين وبله*** كبير أناس في بجاد مزمّل(3)
والمزمّل من صفات الكبير لا البجاد، وكما قال الأعشى:
لقد كان في حول ثواء ثويته*** تقضي لبانات ويسأم سائم(1)
هريرة ودعها وإن لام لائم*** غداة غد أم أنت للبين واجم
وبعده البيت -- الشاهد -- وهي مثبتة في ديوانه: 56 طبع بيانة.
وعلى هذا لا ينكر أن تكون الأرجل مغسولة وإن كانت مجرورة.
قلنا: هذا باطل من وجوه:
(أحدها) أنّه لا خلاف بين أهل العربية في أنّ الإعراب بالمجاورة لا يتعدّى إلى غيرها، وما هذه منزلته في الشذوذ والخروج عن الأُصول لا يجوز أن يحمل كلام الله تعالى عليه.
(وثانيها) إنّ كلّ موضع أعرب بالمجاورة ممّا ذكره السائل وممّا لم يذكره مفقود منه حرف العطف الذي تضمنته الآية، وعليه اعتمدنا في تساوي حكم الأرجل والرؤوس، فلو كان ما أورده من حكم المجاورة يسوغ القياس عليه، لكانت الآية خارجة عنه، لتضمنها من دليل العطف ما فقدناه في المواضع المعربة بالمجاورة، ولا شبهة على أحد ممّن يفهم العربية في أنّ المجاورة لا حكم لها مع العطف.
(وثالثها) أنّ الإعراب بالجوار إنّما استحسن بحيث ترتفع الشبهة في المعنى، ألا ترى أنّ الشبهة زائلة في كون خرب صفة للضبّ، والمعرفة حاصلة بأنّه من صفات الجحر، وكذلك قوله: مزمل معلوم، أنّه من صفات الكبير لا البجاد، وليس هكذا الآية، لأنّ الأرجل يصحّ أن يكون فرضها
1) - البيت لأعشى قيس أبي بصير من قصيدة طويلة أوّلها:
المسح، كما يصحّ أن يكون الغسل، والشكّ في ذلك واقع غير ممتنع، فلا يجوز إعمال المجاورة فيها لحصول اللبس والشبهة، ولخروجه عن باب ما عهد استعمال القوم الجوار فيه، فأمّا البيت الذي انشدوه للأعشى، فقد أخطأوا في توهمهم أنّ هناك مجاورة، وإنّما جرّ ثواء بالبدل من الحول، والمعنى: لقد كان في ثواء ثويته تقضي لبانات، وهذا القسم من البدل هو بدل الاشتمال، كما قال تعالى: قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ _ النَّارِ(1)، وقال: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ(2).
فإن قيل: كيف ادّعيتم أنّ المجاورة لا حكم لها مع واو العطف مع قوله تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ _ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ(3)، إلى قوله: وَحُورٌ عِينٌ(4)فخفضهن بالمجاورة لأنّهن يطفن ولا يطاف بهن، ومثل ذلك أيضاً قول الشاعر:
لم يبق إلاّ أسير غير منفلت*** وموثق في عقال الأسر مكبول(5)
فخفض موثقاً بالمجاورة للمنفلت، وكان من حقّه أن يكون مرفوعاً، لأنّ تقدير الكلام لم يبق إلاّ أسير وموثق؟
قلنا: أوّل ما يبطل هذا الكلام، أنّه ليس جميع القرّاء على جرّ (حورٍ
عين)، بل أكثر قرّاء السبعة على الرفع، وهم: نافع، وابن كثير، وعاصم في رواية، وأبو عمرو، وابن عامر، والذي جرّ: حمزة، والكسائي، وفي رواية المفضل عن عاصم، وقد حكي أنّه كان ينصب (وحورا عينا).
وللجرّ وجه غير المجاورة، وهو أنّه لمّا تقدّم قوله تعالى: أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ _ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(1)، عطف بحور عين على جنّات النعيم، فكأنّه قال: هم في جنّات النعيم، وفي مقارنة أو معاشة حور العين، وحذف المضاف، وهذا وجه حسن ذكره أبو علي الفارسي في كتاب (الحجّة في القراءة).
فأمّا البيت الذي أنشده السائل، فعلى خلاف ما توهمه، لأنّ معنى قوله: لم يبق إلاّ أسير، أي: لم يبق غير أسير، وغير تعاقب إلاّ في الاستثناء، ثمّ قال: وموثق بالجرّ عطفاً على المعنى وعلى موضع أسير، فكأنّه قال: لم يبق غير أسير، وغير منفلت، ولم يبق غير موثق.
فأمّا قول الشاعر:
فهل أنت إن ماتت أتانك راحل*** إلى آل بسطام بن قيس فخاطب(2)
يمكن أن يكون الوجه في خاطب الرفع، وإنّما جرّ الراوي وهماً، ويكون عطفاً على راحل، ويمكن أن يكون المراد بخاطب الأمر، وإنّما جرّ لإطلاق الشعر.
فإن قيل: ما أنكرتم على تسليم إيجاب الآية لمسح الرجلين أن يكون المسح بمعنى الغسل، لأنّ المسح عند العرب هو الغسل الخفيف، حكي ذلك عن أبي زيد الأنصاري، واستشهد بقولهم: (تمسّحت للصلاة)، فسمّوا الغسل مسحاً، وعلى ذلك حمل المفسّرون قوله تعالى: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ(1)، أي: أنّه غسل سوقها وأعناقها.
قلنا: هذا باطل من وجوه:
(منها) أنّه لا معتبر باحتمال اللفظة في اللغة إذا كانت في عرف الشرع مختصّة بفائدة واحدة، فلو سلّمنا أنّ الغَسل في اللغة مسح، لم يقدح ذلك في تأويلنا الآية، لأنّ إطلاق المسح في الشرع يستفاد به ما لا يستفاد بالغسل، ولهذا جعل أهل الشرع بعض أعضاء الطهارة ممسوحاً وبعضها مغسولاً، وفصلوا بين الحكمين، وفرّقوا بين قول القائل: فلان يرى أنّ الفرض في الرجلين المسح، وبين قوله فلان يرى الغسل.
(ومنها) أنّ الرؤوس إذا كانت ممسوحة المسح الذي لا يدخل في معنى الغسل بلا خلاف وعطف الأرجل عليها، فواجب أن يكون حكمها مثل حكم الرؤوس في المسح وكيفيته، لأنّ من فرّق بينهما مع العطف في كيفية المسح، كمن فرّق بينهما في المسح.
(ومنها) أنّ المسح لو كان غَسلا والغَسل مسحا لسقط ما لا يزال يستدلّ به مخالفونا ويجعلونه عمدتهم من روايتهم عنه عليه السلام أنّه توضأ
1) - سورة ص/33.
وغسل رجليه، لأنه كان لا ينكر أن يكون الغسل المذكور إنما هو المسح، فصار تأويلهم الآية على هذا يبطل أصل مذهبهم في غَسل الرجلين.
(ومنها): أنّ شبهة من جعل المسح غَسلا من أهل اللغة، هي من حيث اشتمال الغسل على المسح، وليس كلّ شيء اشتمل على غيره يصحّ أن يسمّى باسمه، لأنّا نعلم أنّ الغَسل يشتمل على أفعال، مثل الاعتماد والحركة، ولا يجوز أن يسمّى بأسماء ما يشتمل عليه.
وأمّا استشهاد أبي زيد بقولهم: (تمسّحت للصلاة)، فالمعنى فيه أنّهم لمّا أرادوا أن يخبروا عن الطهور بلفظ مختصر ولم يجز أن يقولوا اغتسلت للصلاة لأنّ في الطهارة ما ليس بغَسل، واستطالوا أن يقولوا اغتسلت وتمسحت للصلاة، قالوا بدلاً من ذلك تمسحت، لأنّ المغسول من الأعضاء ممسوح أيضاً، فتجوّزوا بذلك اختصاراً أو تعويلاً على أنّ المراد مفهوم، وهذا لا يقتضي أن يكونوا جعلوا المسح من أسماء الغسل.
فأمّا الآية، فأكثر المفسّرين ذهبوا فيها إلى غير ما ذكر في السؤال، وقال أبو عبيدة، والفرّاء، وغيرهما: معنى فَطَفِقَ مَسْحاً: أي ضرباً، وقال آخرون: أراد المسح في الحقيقة، وأنّه كان مسح أعرافها وسوقها، وقال شاذّ منهم: أنّه أراد الغسل، ومن قال بذلك لا يدفع أن يكون حمل المسح على الغسل استعارة وتجوّزاً، وليس لنا أن نعدل في كلام الله تعالى عن الحقيقة إلى المجاز إلاّ عند الضرورة.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون القراءة بالجرّ تقتضي المسح إلاّ أنّه متعلّق بالخفّين لا بالرجلين، وإن كانت القراءة بالنصب توجب الغَسل
المتعلّق بالرجلين على الحقيقة، ويكون الآية بالقرائتين مفيدة لكلا الأمرين.
قلنا: الخف لا يسمّى رجلاً في لغة ولا شرع، كما أنّ العمامة لا تسمّى رأساً، ولا البرقع وجهاً، فلو ساغ حمل ما ذكر في الآية من الأرجل على أنّ المراد به الخفاف لساغ في جميع ما ذكرناه.
فإن قيل: فأين أنتم عن القراءة بنصب الأرجل وعليها أكثر القرّاء، وهي موجبة للغسل ولا يحتمل سواه؟
قلنا: (أوّل) ما في ذلك أنّ القراءة بالجرّ مجمع عليها، والقراءة بالنصب مختلف فيها، لأنّا نقول إنّ القراءة بالنصب غير جائزة، وإنّما القراءة المنزلة هي القراءة بالجرّ، والذي يدلّ على ذلك:
-188- 37: ما أخبرني به الشيخ أيده الله تعالى، قال: أخبرني أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن أحمد بن إدريس وسعد بن عبد الله، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أبي عبد الله، عن حمّاد، عن محمّد بن النعمان، عن غالب بن الهذيل، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَينِ، على الخفض هي أم على النصب؟ قال: (بل هي على الخفض).
وهذا يسقط أصل السؤال.
ثمّ لو سلّمنا أنّ القراءة بالجرّ مساوية للقراءة بالنصب، من حيث قرأ بالجرّ من السبعة: ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وفي رواية أبي بكر عن عاصم، والنصب قرأ به نافع، وابن عامر، والكسائي، وفي رواية حفص عن عاصم، لكانت أيضاً مقتضية للمسح، لأنّ موضع الرؤوس موضع نصب
بوقوع الفعل الذي هو المسح عليه، وإنّما جرّ الرؤوس بالباء، وعلى هذا لا ينكر أن تعطف الأرجل على موضع الرؤوس لا لفظها فتنصب وإن كان الفرض فيها المسح كما كان في الرؤوس كذلك، والعطف على الموضع جائز مشهور في لغة العرب، ألا ترى أنّهم يقولون: (لست بقائم ولا قاعدا)، فينصب قاعداً على موضع بقائم لا لفظه، وكذلك يقولون: (خشنت بصدره وصدر زيد)، (وإنّ زيداً في الدار وعمرو)، فرفع عمرو على الموضع، لأنّ أنّ وما عملت فيه في موضع رفع، ومثله من كلامهم: (إنّ تأتني فلك درهم وأكرمك)، لما كان قولهم: فلك درهم في موضع جزم عطف وأكرمك عليه وجزم، ومثله: مَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ(1)، بالجزم على موضع قوله هادي لأنّه في موضع جزم، وقال الشاعر:
معاوي إنّنا بشر فأسجح***
فلسنا بالجبال ولا الحديدا(2)
معاوي إنّنا بشر فأسجح*** فلسنا بالجبال ولا الحديد
أكلتم أرضنا وجذذتموها*** فهل من قائم أو من حصيد
فهبنا أُمّة هلكت ضياعا*** يزيد أميرها وأبو يزيد
أتطمع بالخلود إذا هلكنا*** وليس لنا ولا لك من خلود
ذروا خول الخلافة واستقيموا*** وتأمير الأراذل والعبيد
ولم يرو البيت منصوباً إلاّ سيبويه في (الكتاب)، وتبعه النحاة، وقد آخذه العلماء قديماً وحديثاً على ذلك، ورواه المبرد (ولا الحديد)، وقال: (إنّ هذه القصيدة مشهورة وهي مخفوضة كلّها)، وعزى بعضهم السبب في ذلك أنّ سيبويه لفقّه ببيت يتلوه، وهو:
أديروها بني حرب عليكم*** ولا ترموا بها الغرض البعيدا
ويروى خلافة ربّكم حاموا عليها.
وهذا البيت من قصيدة لعبد الله بن همام السلولي (منصوبة)، قالها ليزيد، وهو الذي حمله على أن يأخذ البيعة لابنه معاوية من بعده، رواها الجمحي والتبريزي وغيرهما، مضافاً إلى ذلك الاختلاف بين غرض ابن هبيرة الأسدي، فهو يؤنّب ويوبّخ ويطلب العدل، وبين غرض ابن همام السلولي، وهو يحث على حبس الخلافة على الأمويين، وأنّها لهم دون غيرهم.
فنصب الحديدا على موضع بالجبال.
وقال آخر:
هل أنت باعث دينار لحاجتنا*** أو عبد ربّ أخا عون بن مخراق(1)
وإنّما نصب عبد ربّ، لأنّ من حقّ الكلام أن يكون باعث ديناراً، فحمله على الموضع لا اللفظ، وقد سوّغوا ما هو أبعد من هذا، لأنّهم عطفوا على المعنى وإن كان اللفظ لا يقتضيه، مثل قول الشاعر:
جئني بمثل بني بدر لقومهم*** أو مثل أسرة منظور بن سيار(2)
لما كان معنى جئني، أي: هات مثلهم، أو أعطني مثلهم، قال: أو مثل بالنصب عطفاً على المعنى.
فإن قيل: ما تنكرون أن يكون القراءة بالنصب لا تقتضي إلاّ الغسل ولا تحتمل المسح لأنّ عطف الأرجل على موضع الرؤوس في الإيجاب توسع
وتجوّز، والظاهر والحقيقة يوجبان عطفها على اللفظ لا الموضع؟
قلنا: ليس الأمر على ما توهمتم، بل العطف على الموضع مستحسن في لغة العرب وجائز لا على سبيل الاتساع والعدول عن الحقيقة، والمتكلّم مخيّر بين حمل الإعراب على اللفظ تارة، وبين حمله على الموضع أُخرى، وهذا ظاهر في العربية مشهور عند أهلها، وفي القرآن والشعر له نظائر كثيرة، على أنّا لو سلّمنا أنّ العطف على اللفظ أقوى، لكان عطف الأرجل على موضع الرؤوس أولى مع القراءة بالنصب، لأنّ نصب الأرجل لا يكون إلاّ على أحد الوجهين، إمّا بأن يعطف على الأيدي والوجوه في الغسل، أو يعطف على موضع الرؤوس فينصب ويكون حكمها المسح وعطفها على موضع الرؤوس أولى، وذلك أنّ الكلام إذا حصل فيه عاملان أحدهما قريب والآخر بعيد فإعمال الأقرب أولى من إعمال الأبعد، وقد نصّ أهل العربية على هذا، فقالوا: إذا قال القائل: أكرمني وأكرمت عبد الله، وأكرمت وأكرمني عبد الله، فحمل المذكور بعد الفعلين على الفعل الثاني أولى من حمله على الأوّل، لأنّ الثاني أقرب إليه، وقد جاء القرآن وأكثر الشعر بإعمال الثاني، قال الله تعالى: وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً(1)، لأنّه لو أعمل الأوّل، لقال كما ظننتموه، وقال: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً(2)، ولو أعمل الأوّل، لقال أفرغه، وقال: هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ(3)، ولو أعمل الأوّل لقال هاؤم اقرؤه
كتابيه، وقال الشاعر:
قضى كلّ ذي دين فوفى غريمه*** وعزة ممطول معنّى غريمها(1)
إذا سمت نفسي هجرها واجتنابها*** رأت غمرات الموت فيما أسومها
أصابتك نبل الحاجبية أنّها*** إذا ما رمت لا يستبل كليمها
2- البيت لطفيل بن عوف بن ضبيس الغنوي من قصيدة طويلة يصف فيها الخيل والخباء أوّلها:
وبيت تهب الريح في حجراته*** بأرض فضاء بابه لم يحجب
والشاهد عطف على قوله:
وفينا رباط الخيل كلّ مطهم*** وخيل كسرحان الغضى المتأوب
3- البيت ثاني بيتين أثبتا في ديوانه وقبله:
وليس بعدل إن سببت مقاعسا*** بأبائي الشم الكرام الخضارم
ولكن عدلاً لو سببت...الخ
4- البيت من قصيدة له قرينة معلقته في الجودة مثبتة في ديوانه أوّلها:
فاعمل الثاني دون الأوّل، لأنّه لو أعمل الأوّل، لقال قضى كلّ ذي دين فوفاه غريمه، وممّا أعمل فيه الثاني قول الشاعر:
وكمتا مدّماة كأنّ متونها*** جرى فوقها فاستشعرت لون مذهب(2)
ولو أعمل الأوّل، لرفع لون، وفي الرواية منصوب، ومثله قول الفرزدق:
ولكن نصفا لو سببت وسبّني*** بنو عبد شمس من مناف وهاشم(3)
فقال: بنو، لأنّه أعمل الثاني دون الأوّل، فأمّا قول امرئ القيس وإعماله الأوّل:
كفاني ولم أطلب قليل من المال(4)
1) - البيت لكثير بن عبد الرحمن المعروف بكثير عزة من أبيات قالها في محبوبته (عزة) لأسباب ذكرها الأصبهاني في أغانيه وبعد البيت:
ولو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة
فأوّل ما فيه، أنّه شاذ خارج عن بابه، ولا حكم على شاذ، والثاني إنّما رفع لأنّه لم يجعل القليل مطلوباً، وإنّما كان المطلوب عنده الملك، وجعل القليل كافياً، ولو لم يرد هذا ونصب فسد المعنى)(1).
وقال في صفحة -61-: (المسألة الثالثة: التيمم خشية فوت الصلاة.
ذهب ابن عبّاس رضي الله عنه إلى أنّ واجد الماء إذا خشي فوت وقت الفريضة جاز له أن يتيمم ويصلّي.
فقد ذكر الطحاوي بسنده إلى ابن عبّاس، في الرجل تفجأه الجنازة، وهو على غير وضوء، قوله: (يتيمم ويصلّي عليها)، وذكر مثل هذه الرواية عن الحسن، وإبراهيم النخعي، وعطاء، وغيرهم(2).
أقول: لقد ذكر مستنده (شرح معاني الأخبار) للطحاوي، وذكر عنه سنده، وقد رجعت إلى (ديوان الضعفاء والمتروكين) للذهبي لمعرفة رجال الطحاوي.
1) - تهذيب الأحكام تح سيّدنا الحجّة السيّد حسن الموسوي الخرسان، ط الثانية، نشر الشيخ على الآخوندي، مطبعة النعمان -- النجف سنة 1377.
2) - سند الطحاوي، هو كما يلي: حدّثنا سليمان بن شعيب، ثنا يحيى بن حسّان، قال: ثنا عمر ابن أيوب الموصلي، عن المغيرة بن زياد، عن عطاء، عن ابن عبّاس. (شرح معاني الآثار 1/86).
فكان الأوّل، وهو سليمان بن شعيب، قال فيه الذهبي: سليمان بن شعيب بن الليث، عن ابن لهيعة، فذكر حديثاً ساقطاً (ت)(1).
وذكر في (ديوان الضعفاء والمتروكين): مغيرة بن زباء الموصلي عن عبادة بن نسي وغيره، تركه ابن حبّان وهو من رجال السنن (عو)(2).
وهذا هو الذي ترجمه ابن حجر في تهذيبه وحكى قول أحمد فيه: مضطرب الحديث، منكر الحديث، له أحاديث مناكير، وذكر قول الحاكم النيسابوري فيه: صاحب مناكير لم يختلفوا في تركه... ويقال أنّه حدّث عن عطاء وأبي الزبير بجملة من المناكير...
فهل بعد هذا يصحّ الاعتماد على ما ذكره الطحاوي عنه، عن عطاء، عن ابن عبّاس، كما في آخر السند، فمن هو عطاء؟
ولمّا كان في أسماء الرواة عن ابن عبّاس: بركة، وعطاء، فقد تكرّر اسم عطاء لعدّة أشخاص، وفيهم المقبول، وفيهم غير المقبول، والأثر هنا لم يعيّن مشخصاً لراويه عطاء عن ابن عبّاس (؟)، فمن هو ذا؟ فالخبر ساقط!
ثمّ إنّ الأثر عند الطحاوي لا يحكي العنوان الذي جعله الدكتور، فالأثر إن صحّ: (لمن تفاجأه الجنازة وهو على غير وضوء)، فأين هذا من العنوان: التيمم خشية فوت الصلاة في آخر وقتها ليدرك من تأخّر الوقت ولو أداء ركعة؟!
وتبقى كلمة (تفاجأه)، يعني: بغتة على غير عدّة وسابق علم، وتدلّ
على الحرص على إدراك ثواب الصلاة على الميت.
قال: (يتيمم ويصلّي عليها)، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم، ورواه الترمذي: (من صلّى على الجنازة فله قيراط، ومن تبعها حتّى يقضي دفنها فله قيراطان، أحدهما أو أصغرهما مثل أحد)، ورواه الحاكم في (المستدرك) بالقصّة التي لابن عمر وعائشة مع أبي هريرة، وقول ابن عمر: فرطنا في قراريط كثيرة(1).
قال في صفحة -69-: (المسألة الرابعة: التيمم للنوم على طهارة).
لقد مرّت المسألة في (موسوعة فقه عبد الله بن عبّاس).
ومرّت المناقشة فيها برقم -1- من المسائل التي خالف فيه جمهور الصحابة في كتاب الطهارة(2). فلا حاجة للإعادة.
قال في صفحة -73-: (المسألة الخامسة: التيمم بطين يطلي به جسده:
من مفردات ابن عبّاس التي لم أجدها لغيره، أنّه إذا كان في طين لا يجد ما يتيمم به، فإنّ ابن عبّاس قال: (يأخذ الطين فيطلي به جسده، فإذا جفّ تيمم به)(3).
أقول: لقد راجعت (المغني) لابن قدامة فكانت المسألة في الجزء الأوّل من طبعة دار المنار بمصر، قال: (فصل: إذا كان في طين لا يجد تراباً، فحكي عن ابن عبّاس أنّه قال: يأخذ الطين فيطلي به جسده، فإذا جف تيمّم به، وإن خاف فوت الوقت قبل جفافه فهو كالعادم، ويحتمل أنّه إن
كان يجف قريباً انتظر جفافه، وإن فات الوقت لأنّه كطالب الماء القريب، والمشتغل بتحصيله من بئر ونحوه، وإن لطخ وجهه بطين لم يجزه، لأنّه لم يقع عليه اسم الصعيد، ولأنّه لا غبار فيه، أشبه التراب الندي)(1). أه-
أقول: وهذا الذي حكاه ابن قدامة عن ابن عبّاس وإن لم يذكر له سنداً، إلاّ أنّه موافق لمذهب أهل البيت عليهم السلام، فقد قال العلاّمة الحلّي في (منتهى المطلب): (مسألة: ولو لم يجد إلاّ الوحل تيمم منه، وهو مذهب علمائنا، إلاّ إذا تمكن من أخذ شيء من الوحل يلطخ به جسده حتّى يجف، وجب عليه ذلك ليتيمم بتراب، وإن لم يتمكّن لضيق الوقت أو لغيره، وجب عليه التيمم به، وقال أبو حنيفة: إذا لم يتمكّن لم يصلّ، وبه قال الشافعي، وقال أبو يوسف: يصلّي بالإيماء ثمّ يعيد، واختاره محمّد في إحدى الروايات عنه.
لنا: ما رواه الجمهور عن ابن عبّاس، أنّه قال: يأخذ فيطلي به جسده فإذا جف تيمم به(2)(3).
وهذا يبطل قول أبي يوسف، ويدلّ على بطلان قول أبي حنيفة: إنّه مأمور بالصلاة فلا يجوز تركها، لفقد صفة الشرط، كغيره من الشروط، ولأنّه بممازجته للماء لم يخرج عن حقيقة الأرضية فجاء التيمم به، خصوصاً ومن مذهبه جواز التيمم بكلّ ما كان من جنس الأرض، ولأنّه مركّب من
العنصرين المطهّرين، فكان مطهراً كأحدهما.
ويؤيده ما رواه الشيخ -- يعني الطوسي -- عن أبي بصير في الحسن، وما رواه في الموثق، عن زرارة، وما رواه في الصحيح عن رفاعة، وقد تقدّمت(1)
وما رواه في الموثق عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال: (إن أصابك الثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو من شيء معه، وإن كان في حال لا يجد إلاّ الطين فلا بأس أن يتيمم منه) المصدر نفسه.
وما رواه في الصحيح، عن رفاعة، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: (إذا كانت الأرض مبتلة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر أجفّ موضع تجده فتيمم منه، فإنّ ذلك توسيع من الله عزّ وجلّ) المصدر نفسه.
2- الوسائل 2/973.
، وما رواه عن علي بن مطر، عن بعض أصحابنا، قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل لا يصيب الماء ولا التراب أيتيمم بالطين؟ فقال: (نعم صعيد طيب وماء طهور)(2)، وعلى هذا فليس كما قال الدكتور في المسألة من مفردات ابن عبّاس.وقال في صفحة -74-: (المسألة السادسة: هل يجب التيمم لكلّ فرض؟ أم يصلّي ما شاء من الفرائض والنوافل؟).
وحكى فيها عن ابن عبّاس قولين: الجواز، وعدمه، والجواز هو الذي ذهب إليه من العامّة: سعيد بن المسيّب، والحسن، والزهري، والثوري، وداود، وابن المنذر، والمزني، وأصحاب الرأي، وهذا المروي عن ابن
1) - ما رواه الشيخ في الحسن، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: (إذا كنت في حال لا تقدر إلاّ على الطين فتيمم به، فإنّ الله تعالى أولى بالعذر، إذا لم يكن معك ثوب جاف ولا لبد تقدر على أن تنفضه وتتيمم به) الوسائل 2/972، الباب 9 من أبواب التيمم حديث 7.
عبّاس كما في (المغني)(1)، و(المجموع) للنووي(2)، و(عمدة القارئ)(3).
وهو الموافق لمذهب أهل البيت عليهم السلام، واستدلّ عليه العلاّمة الحلّي بقوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ، ثمّ قال: أوجب علينا الغسل عند القيام إلى جنس الصلاة المتناول للقلّة والكثرة، ثمّ عقب بالتيمم بقوله: فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ، فكأنّه تعالى قال: الطهارة بالماء إذا وجدتموه تجزيكم لجنس الصلاة، وإذا فقدتموه أجزأكم التيمم للجنس، وما رواه الجمهور عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال لأبي ذرّ رضي الله عنه: (يا أبا ذرّ! الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسّه بشرتك)، وما رووه عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يحدث أو يجد ماء)، الحديث(4).
أمّا القول الثاني عن ابن عبّاس بعدم الجواز استناداً إلى قوله: (من السُنّة أن لا يصلّى بالتيمم إلاّ صلاة واحدة، ثمّ يتيمم للأُخرى)، كما في (سنن الدارقطني)(5)، و(سنن البيهقي)(6)، وقد احتجّ به الشافعي.
وقد أجاب العلاّمة الحلّي رحمه الله عن هذا بقوله: (والجواب من وجهين:
أحدهما: أنّ لفظة السُنّة قد يعني به ذلك -- سُنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم -- وقد يعني به
الندب على التساوي، فصرفه إلى أحد المعنيين يحتاج إلى دليل.
الثاني: ضعف السند، فإنّ راويه الحسن بن عمارة، وهو ضعيف، ثمّ هو معارض بالنوافل.
واحتجّ مالك بمثل ما احتجّ به الشافعي، والجواب ما تقدّم.
واحتجّ شريك برواية ابن عبّاس، والجواب قد سلف) (1).
قال في صفحة -80-: (المسألة السابعة: مسّ المصحف وحمله لغير الطاهر)، وأفاض في المسألة، وذكر عن ابن عبّاس في قوله تعالى:
لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ(2): الكتاب الذي في السماء، نقلاً عن الطبري في تفسيره، والجصّاص في (أحكام القرآن)، عن ابن كثير في تفسيره نقلاً عن العوفي، عن ابن عبّاس، قال: (يعني الملائكة)، وعلى هذا إن صحّت الرواية عنه، لا مانع من أن يمس المصحف من لم يكن على طهارة. وقال في صفحة -87-: (المسألة الثامنة: قراءة القرآن للجنب والحائض).
وهذه المسألة قد مرّ الكلام فيها في المسألة الخامسة من مسائل كتاب الطهارة، من المسائل التي ذكرها قلعةجي، خالف ابن عبّاس فيها الإمام عليّ عليه السلام ؛ فراجع.
وقال في صفحة -92-: (المسألة التاسعة: اعتزال بدن الحائض كلّه واجتناب فراشها).
وذكر فيها ثلاثة أقوال عن ابن عبّاس:
الأوّل: ما رواه ابن حزم بطريق صحيحة عن ابن عبّاس قوله: (للرجل من امرأته وهي حائض كلّ شيء إلاّ مخرج الدم)، وروى عنه أيضاً قوله: (اعتزلوا نكاح فروّجهن).. ص93 (رُخص).
الثاني: ما رواه الطبري، والجصّاص، وابن كثير، وارتضوه، فقد سُئل ابن عبّاس عن الحائض ما لزوجها منها؟ فقال: ما فوق الأزار.
القول الثالث: ما قاله من اعتزال الحائض بدنا وفراشاً، وحتّى منعها من أن تغسل رأسه، أو ترجّل شعره، وحكى ذلك برواية عبد الرزّاق، وابن جرير، وابن العربي، وابن حزم، فذكروا الأثر عن ندبة مولاة آل عبّاس.
وحكى الدكتور في الهامش الخلاف، فمن كونها صحابية كما عن أبي نعيم وابن منده، إلى كونها مجهولة وأسقط خبرها عند ابن حزم، إلى كونها من الثقات عند ابن حبّان، وذكر خبرها، ثمّ قول العيني في (عمدة القاري): (اعلم أنّه لم يختلف أحد في غسل الحائض رأس زوجها ورجليه، إلاّ ما نقل عن ابن عبّاس رضي الله عنه)، ثمّ قال: (ويذكر عبد الرزّاق الصنعاني، عن ابن جريج، قال: أخبرني منبوذ (المكّي): أنّ أُمّه أخبرته، أنّها بينما هي جالسة عند ميمونة زوج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، إذ دخل عليها ابن عبّاس، فقالت: أي بني! ما لي أراك شعثاً؟ فقال: أُمّ عمّار مرجلتي حاضت، فقالت: أي بني! وأين الحيضة من اليد؟ قالت: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدخل علَيَّ وهي مضطجعة حائضة، قد علم ذلك، فيتكئ عليها فيتلو القرآن وهو متكئ عليها... ويدخل عليها قاعدة وهي حائض فتبسط له الخُمرة -29- في
مصلاّه، فيصلّي عليها في بيتي، أي بني! وأين الحيضة من اليد؟).
أقول: لقد علّق في الهامش -29- على الخُمرة، فقال: (الخمرة: حصير صغير مضفور من ليف أو غيره بقدر الكف الذي يتّخذه الشيعة الآن للسجود) (جامع الأُصول لابن الأثير الجزري المتوفّى سنة (606ه-) (7/351).
ثمّ قال: (وقد غيّرت الشيعة هذا في زماننا (1411ه-)، واتّخذوا حجارة معينة بدلاً عنه، لكن ابن الأثير نفسه عن النسائي حديث ميمونة (رقم/5397 ج7/351)، وجاء فيه: (وتقوم إحدانا بخمرته إلى المسجد فتبسطها وهي حائض)، فكيف تبسطها وهي بقدر الكف؟! ثمّ رأيت في شرح النووي على مسلم (3/209) طبعة (المطبعة المصرية) إنّ القول السابق وهو قول الأكثرين، وصرّح جماعة منهم بأنّها لا تكون إلاّ هذا القدر، وقال الخطابي: هي السجادة يسجد عليها المصلّي، قال: وقد جاء في سنن أبي داود عن ابن عبّاس رضي الله عنه ،قال: (جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة، فجاءت فألقتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الخمرة التي كان قاعداً عليها، فأحرقت منها مثل موضع درهم)، فهذا تصريح بإطلاق الخمرة على ما زاد على قدر الوجه، وسمّيت خمرة لأنّها تخمر الوجه، أي تغطيه، وأصل التخمير التغطية، ومنه خمار المرأة، والخمر لأنّها تغطي العقل).
وتعقيباً منّي على ما ذكره الدكتور، ولزيادة الإيضاح في معنى قوله: (وقد غيّرت الشيعة هذا في زماننا (1411ه-) واتّخذوا حجارة معينة بدلاً عنه)، أقول: يعني بها التربة الحسينية، وإنّ الشيعة لم يغيّروا شيئاً، بل هم
يرون السجود على الأرض، أو ما أنبتت من غير المأكول والملبوس، وقد بيّنت في كتابي (السجود على التربة الحسينية)، أنّ التربة هي من الأرض ولم تخرج عن طبيعة كونها من الأرض التي يجب السجود عليها أو على ما أنبتت من غير المأكول والملبوس. ولم يخرج الشيعة عن الدين حين يسجدون لله تعالى على التربة، فلماذا التشهير بهم؟!
لقد قال السرخسي الحنفي في (المبسوط): (وسُئل نصير بن يحيى عمّن يضع جبهته على حجر صغير، هل يجوز سجوده، أم لا؟ قال: إنّ وضع أكثر الجبهة على الأرض)(1).
وجاء في (الفتاوى الهندية) لعالمكير: (ولو وضع جبهته على حجر صغير إنّ وضع أكثر الجبهة على الأرض يجوز وإلاّ فلا، وكذا في التجنيس، وهكذا في المحيط)(2).
أقول: إنّ (المحيط) هو للسرخسي صاحب (المبسوط)، وما ذكرناه عن الحنفية من صحّة السجود على حجر صغير إن وضع أكثر الجبهة عليه هو السجود على الأرض، أليس هو عين ما شنّع به على الشيعة الإمامية في سجودهم على التربة؟! وهل هي إلاّ حجر صغير طاهر؟ فأي فرق بين الحجرين؟ لو كان ثمّة إنصاف في البين، سوى اشتراط الطهارة عند الشيعة، ولم يشترطها الأحناف، فلماذا يُشنّع على الشيعة وليس عندهم من خلاف(3).
وتصحيحاً للمعلومة الخاطئة عند الدكتور في تحديده زمان التغيير في زمانه (1411ه-)، فإنّه ليس ثمّة تغيير، بل كان السجود على حجارة معيّنة! كما قال من قبل زمانه بقرون، ولو كان محيطاً خبراً بفقاهة ابن عبّاس، لرأى أنّ ابنه علي بن عبد الله بن عبّاس قد كتب إلى رزين مولى ابن عبّاس: أن ابعث لي بلوح من حجارة المروة أسجد عليه(1). فضلاً عن مسروق ومحمّد ابن سيرين -- وهما من مشهوري التابعين -- كانا إذا سافر أحدهما حمل معه في السفينة لبنة ليسجد عليها(2).
يقول المرحوم الشيخ أحمد حسن الباقوري، في مقدّمة (المختصر النافع) للمحقّق الحلّي الفقيه الإمامي: (وعندما ندخل في مجال الفقه المقارن، ونقيس الشقة التي يحدثها الخلاف العلمي بين رأي ورأي، وبين تصحيح حديث وتضعيفه، نجد أنّ المدى بين الشيعة والسُنّة كالمدى بين المذهب الفقهي لأبي حنيفة والمذاهب الفقهية لمالك، أو الشافعي، أو المدى بين من يُعملون ظاهر النص ومن يأخذون بموضوعه وفحواه، ونحن نرى الجميع سواء في نشدان الحقيقة وإن اختلفت الأساليب)(3).
فيا لله ويا للمسلمين! ما بالنا يكفِّر بعضنا بعضاً، لأنّه اتّبع ما أمر الله به أن
يتّبع، وهذا العدو الغاشم الكافر يتربّص بالجميع الدوائر، وقد تداعت الأُمم -- الكافرة -- على أفكار المسلمين وبلاد المسلمين، كتداعي الأكلة على قصعتها، كما في الحديث النبوي الشريف، يتناهبون خيراتهم، وينعمون بثمراتهم، ثمّ هم يسمّمون أفكارهم، ويخرّبون ديارهم، فأصبحوا نهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام، يخافون أن يتخطّفهم الناس من حولهم.
ألا فليتق الله المسلم في أخيه المسلم، (إنّما المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه)، لا أن يطعنه من خلفه بسنانه، ويرميه بعظائم زوره وبهتانه.
فليس السجود على التربة سجوداً لها، بل السجود لله تعالى وحده، وهو عبادة مأمور بها، يجب عليه الإتيان بها صحيحة تامّة غير منقوصة ولا مزيداً فيها.
فإذا لم يأت بالسجود متيقناً بصحّته، لم تصحّ له صلواته التي صلاها ورُدّت عليه، وإذا لم تصحّ له صلاته على حسب تكليفه الشرعي كان كمن لم يصلّ، وإذا كان كمن لم يصلّ لم ينفعه أي عمل بعد الصلاة.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (مثل الصلاة مثل عمود الفسطاط، إذا ثبت العمود نفعت الأطناب والأوتاد والغشاء، وإذا انكسر لم ينفع طنب ولا وتد ولا غشاء)(1).
وقال الإمام الصادق عليه السلام: (أوّل ما يحاسب به العبد عن الصلاة، فإذا قُبلت قبل سائر عمله، وإذا ردّت عليه رُدّ عليه سائر عمله)(2).
ولمّا كان السجود هو ثلث الصلاة، لا بل عبّر به عن الصلاة نفسها،
كما في قوله تعالى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ(1)، كما يأتي في المبحث الأوّل، وعلى ذلك جاء قوله صلى الله عليه وآله وسلم لمن سأله الدعاء أن يدخله الجنّة، قال: (أعنّي بكثرة السجود)(2).
قال ابن الحاج في (المدخل): (لأنّ هذا طلب منصباً عظيماً فأرشده عليه الصلاة والسلام إلى الأسباب الموصلة إليه، لقوله عليه الصلاة والسلام: (أقرب ما يكون العبد في الصلاة، وأقرب ما يكون في الصلاة إذا كان ساجداً)، فأرشد عليه الصلاة والسلام لذلك، وطالب المعيَّة تشمله الدار، وهي واحدة وإن كانت المنازل تتفاوت فيها)(3).
وهذا المعنى الإيماني للقرب الإلهي عند الفرد المسلم حال الصلاة أدركه المستشرق جب، فقال في كتابه (بنية الفكر الديني في الإسلام): (للسجود من حيث النظام قيمة معروفة في الغالب، ولكنّنا لا نستطيع أن نمرّ عليها مرور الكرام، بل إنّ قيمة النظام بحدّ ذاته -- كنظام -- هي أوفى من قيمة ما يؤدي إليه.
وليس بمستبعد أن يكون أهم أجزاء الصلاة هو الجزء الذي لا يُنتبه عليه في الأغلب عند وصف هذه العبادة، أعني اللحظات القليلة من التأمّل ومن التضرّع الصامت عقب آخر السجود، فالسجدات -- إن صحّ القول -- هي
التمارين التي تعمر المتعبد بروح التواضع والورع، وتتيح له أن يدخل باتحاد (!) مع الله، وأن يبلغ على هذا المنوال علاقة شخصية هي التي تبدلّ كلّ فكر، وتسيطر على كلّ عمل)(1).
ولمّا كان من الواجب على كلّ مسلم يريد التقرّب إلى الله تعالى بامتثال أوامره والوقوف عند نواهيه، أن يأتي بالصلاة صحيحة على وجهها المفروض، وحدودها المعيَّنة، وشرائطها المبيَّنة، في كلّ مقدّماتها وأعمالها، ولا يتهاون بأمرها، فلا يزيد فيها من عنده شيئاً، ولا ينقص منها شيئاً.
إنّ الشيعة الاثني عشرية هم أتقى لله من أن يفرِّطوا في أمر الصلاة فيأتوا بها كيفما صارت، كما هو ديدن جهال المسلمين، ممّن لا يفهمون من الدين إلاّ التظاهر بكلمتي الشهادة، والتفاخر بتسابقهم إلى مساجد العبادة، وهم يجهلون محَّها ومخّها.
وكيف يسع الشيعة الاثني عشرية التهاون بالصلاة، وهم يتلون وعيد أئمّتهم أهل بيت العصمة عليهم السلام، المتمثل بقول صادقهمu: (إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة)(2).
وهم يروون عنه قوله عليه السلام: (الصلاة لها أربعة آلاف حدّ)(1).
وهم يروون عن حفيده الإمام الرضا عليه السلام قوله: (الصلاة لها أربعة آلاف باب)(2).
وهم يروون عنه قوله عليه السلام : (الصلاة قربان كلّ تقي).
وهم يروون عنه عليه السلام: (امتحنوا شيعتنا عند مواقيت الصلاة، كيف محافظتهم عليها)(3)... وهم يروون ويروون.
وقد يعجب قاصر النظر بما مرّ من كثرة عدد الحدود والأبواب، وما عليه من جهد إلاّ بالرجوع إلى ما قاله فقهاؤهم جزاهم الله خيراً في بيان تلك الأحكام المتضمنّة -- استيعاباً -- لتلك الأبواب وتلك الحدود. بدءاً من مقدّماتها، ومروراً بوصفها من فاتحتها إلى خاتمتها، وانتهاءاً بأحكام ما يعرض للمكلف في مختلف حالاته حضراً وسفراً، وأمناً وخوفاً، وصحّة ومرضاً، وسهواً وعمداً، وعلماً وجهلاً... وغير ذلك ممّا يتعلّق بالصلاة من فروض وسنن وشروط وآداب.
وقد كتب واحد من مشاهير فقهائهم هو الإمام السعيد محمّد بن محمّد بن مكّي قدس سره الشهيد سنة (786ه-) رسالتين، سمّى الأولى (الألفية) لاشتمالها على ذكر ألف واجب من واجبات الصلاة، وسمَّى الثانية (النفلية) لاشتمالها على المستحبّات في الصلاة، وهما من خيرة المتون الفقهية على
وجازتهما، وقد عكف عليهما بالشرح والتعليق ما يقرب من أربعين عالماً(1).
فإذا كانت تربية الشيعة الاثني عشرية على أيدي هكذا فقهاء، وهم خريجوا مدرسة أهل البيت الطاهرين والعترة الميامين الذين هم قرناء القرآن المبين بنص حديث الثقلين، فما ظنّك في احتياطهم لأنفسهم في امتثال أوامر ربّهم، وتعاليم نبيّهم، وإرشادات أئمّتهم، وبيانات فقهائهم، ممّن أبانوا لهم أحكام الصلاة جملة وتفصيلاً.
وعلّموهم كيف يكون السجود هيئة وعدداً، ومسجِداً ومسجَداً، وذكراً ومورداً... إلى آخر ما له من أحكام، إذ لا تصحّ الصلاة إلاّ بإتيان السجود صحيحاً، فهو جزء وركن منها، ولا يصحّ الكلّ إلاّ بصحّة جميع أجزائه، وركن الواجب أُسّ في بنائه، كما هو شأن سائر العبادات المركبة ذات الأجزاء(2)
قال ابن عابدين: أكثرها صور عقلية لا خارجية كما ستعرفه.
أقول: من شاء الاستزادة فليرجع إليه، وإنّما ذكرت هذا لرفع الاستغراب عند القاصرين عن فهم كُنه الصلاة، وأنّه كيف يكون لها أربعة آلاف حدّ؟ وكيف يكون لها أربعة آلاف باب؟ وكيف كتب الشهيد السعيد كتابيه (الألفية) و(النفلية)؟ فمن تبصّر أبصر، ومن تفكّر استخبر.
.وإذ لا تصحّ الصلاة إلاّ بإتيانها كما أمر الله وبلّغها -- قولاً وعملاً
1) - الذريعة إلى تصانيف الشيعة 13/107 -- 114، 14/110.
2) - ذكر ابن عابدين في حاشيته على ردّ المحتار على الدرّ المختار 1/441 في شرح قوله: (وإنّما تفسد الصلاة -- بمخالفته في الفروض كما بسطنا في الخزائن)، قلت: فبلغت أُصولها نيفاً وأربعين، وبالبسط أكثر من مائة ألف، إذ أحدها ينتج 390 من ضرب خمسة: قعدة المغرب بتشهدها، وترك منه أو زيادة فيه أو عليه، في 78 كما مرّ، والتتبع ينفي الحصر فتبصَّر، فيُلغز أي واجب يستوجب -390- واجباً.
وتقريراً -- نبيّه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وليس يصحّ إتيانها إلاّ إذا استوفت جميع الأجزاء والشروط صحيحة. ومن شرط صحّة السجود -- اختياراً -- أن يكون على الأرض، أو على ما أنبتت من غير المأكول والملبوس، كما سيأتي بيان ذلك مفصّلاً. فبماذا يطالب الشيعة؟ ويشهَّر بهم لسجودهم على التربة كأنّها فعلة شنيعة؟ لا ها الله ليس ذلك بإنصاف.
وبعدُ، فهذه رسالتي إلى كلّ مسلم يؤمن بالله تعالى وباليوم الآخر، ضمَّنتها آراء جميع أهل المذاهب الإسلامية كما أشرت سابقاً، وذكرت فيها جملة من أحكام السجود، وربّما بعض السنن فيه أيضاً، مقارناً في ذلك، ليرى القارئ أنّ كلّ أئمّة المذاهب الإسلامية يرون السجود على الأرض على تفاوت بينهم في مفهومها سعة وضيقاً، وفي بعض الشرائط والموانع، ومن تلك المذاهب الإسلامية المذهب الشيعي الاثنا عشري، الذي يسجد أتباعه على التربة. والتربة التي هي مثار الجدل -- أكرّر وأكرّر -- هي طائفة من تراب طاهر من الأرض ديفت بماء طاهر، ثمّ تُركت فصارت لوحاً أو قرصاً -- كيف ما شئت فعبّر -- فيسجدون عليها.
فليقرأها المسلم بإمعان، وليعامل أخاه بإحسان، وليحكّم الضمير والوجدان، فهل يستوجب سجود المسلم لله تعالى على تربة من الأرض أن يرميه بالإفك والبهتان؟! وهل يرى فيما استنكره مجالاً يستدعي إلى النكير والتشهير؟! وهل الخلاف -- إن وُجد -- إلاّ كسائر الخلاف بين بقية المذاهب في سائر الفروع الفقهية؟
فلا داعي لكلّ تلك الجلبة والصخب، والتهريج والشغب.
وقال في صفحة -103-: (في الصلاة المسألة الأولى: هل تجوز الصلاة في جوف الكعبة:
في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأوّل... الثاني... والثالث، وهو لابن عبّاس ومن وافقه، فإنّ الصلاة داخل الكعبة لا تجوز عنده، لا الفرض ولا النفل).
أقول: لقد مرّت هذه المسألة في (موسوعة فقه ابن عبّاس) لقلعةجي، وعدّها من المسائل التي انفرد بها ابن عبّاس وخالف فيها جمهور الصحابة، وذكرت مناقشته في هذا، وذكرت له رواية أبي الطفيل، قال: (دخلت مع الحسن والحسين ومحمّد بن الحنفية الكعبة، فلم يصلّوا بها)(1).
فتبيّن أنّ المسألة ليست ممّا انفرد به ابن عبّاس.
وأمّا ما ذكره الدكتور من كلام لأصحاب الرأي والمذاهب الفقهية، فليس فيه ما ينقض كلام ابن عبّاس، إذ فيهم من أيّده وتبعه، ومنهم من ناقش رأيه وحاول توجيهه، وليس في ذكره طائل.
وقال في صفحة -112-: (المسألة الثانية: أجزاء الصلاة قبل وقتها).
أقول: لقد مرّت المسألة كسابقتها في (موسوعة فقه ابن عبّاس) لقلعةجي، وناقشته في صحّة النسبة، إذ لم ترد في مصدر بسند كما هي هنا، وإنّما رواها ابن قدامة في (المغني) مرسلاً، فقال: (وروي عن ابن عبّاس في مسافر صلّى الظهر قبل الزوال يجزئه، ونحوه قال الحسن, والشعبي، فهذا مرسل كيف يعتمد عليه ويحتجّ به، كما ذكرت أنّ ابن المنذر روى هذا
1) - مصنّف ابن أبي شيبة 4ق2/61، ط باكستان.
أيضاً مرسلاً، وذكرت في ردّه ما قاله ابن حزم في (المحلّى)؛ فراجعه.
وقال في صفحة -115-: (المسألة الثالثة: جواز صلاة الجمعة قبل الزوال.
أقول: من العجيب أن يذكر الدكتور هذا، ثمّ يفيض الكلام فيمن استدلّ لهذا الرأي وذكر الأحاديث، ثمّ النقض والإبرام بين الحنفية والحنابلة، وبعدها ختم الكلام بقوله: (هذا وقد روى ابن حزم عن ابن عبّاس نفسه قوله: (خرج علينا عمر حين زالت الشمس فخطب)، يعني الجمعة ممّا يرجح رأي الجمهور ويقوّيه، والله تعالى أعلم وأحكم.
إذاً فليس ثمّة من خلاف بين ابن عبّاس ورأي الجمهور، فلماذا يشهّر به بما هو غير ثابت عنه بسند صحيح معتمد؟!
وقال في صفحة -120-: (المسألة الرابعة: ماذا يجب على الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس أو قبل الفجر؟
عن ابن عبّاس رضي الله عنه أنّه قال: (إذا طهرت الحائض قبل أن تغيب الشمس صلّت الظهر والعصر، وإذا طهرت بعد العشاء صلّت المغرب والعشاء)، وذكر في الهامش مصدر الأثر، وفي المتن من قال بقوله من التابعين نقلاً عن أحمد، ومن هؤلاء طاووس، والشعبي، ومجاهد، والنخعي، والزهري، وربيعة وفقهاء المدينة السبعة رضي الله عنهم ، وأخذ بهذا القول المالكية والشافعية والحنابلة...
وأطال البحث والنقل، وذكر مسألة الجمع بين الصلاتين وأحاديث عن ابن عبّاس فيها، وصلاته بالبصرة بعد دخول الوقت وهو يخطب وإنكار
ذلك عليه وجوابه.. إلى أن انتهى إلى: (أنّ الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس أو بعد العشاء، فلا يجب عليها الظهر ولا المغرب إذ قد انقضى وقتهما، وهي صاحبة عذر يسقط عنها الفريضة، ولا يجعلها ديناً في ذمّتها حتّى تطهر، وإذا كان عذر السفر يؤجّل الظهر أو يقدّم العصر عن وقته، وكذلك المغرب والعشاء، فإنّ عذر المسافر -- وما في معناه -- عذر مؤجّل أو معجّل للفريضة عن وقتها، لا كعذر الحائض المسقط لها إذا خرج وقتها وهي حائض(1).
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف نوجب عليها الظهر -- وهي حائض -- إذا طهرت بعد العصر، ونوجب عليها المغرب إذا طهرت بعد العشاء، إنّ هذا إيجاب ما لا يجب، وإلزام عليها بما لا يلزم، والله تعالى أعلم وأحكم).
أقول: وهذا الذي انتهى إليه المؤلّف وإن ورد فيه خبر في فقه أهل البيت عليهم السلام, وقد عقد الشيخ الطوسي باباً له وروى في (التهذيب)(2)، وفي (الاستبصار)(3)بإسناده عن الفضل بن يونس، قال: سألت أبا الحسن الأوّل -- يعني الإمام موسى بن جعفر عليه السلام -- قلت: المرأة ترى الطهر قبل غروب الشمس، كيف تصنع بالصلاة؟ قال: (إذا رأت الطهر بعدما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام فلا تصلّي إلاّ العصر، لأنّ وقت الظهر دخل عليها وهي في الدم، وخرج عنها الوقت، وهي في الدم، فلم يجب عليها أن تصلّي
الظهر، وما طرح الله عنها من الصلاة وهي في الدم أكثر).
قال: وإذا رأت المرأة الدم بعدما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام، فلتمسك عن الصلاة، فإذا طهرت من الدم فلتقض الظهر، لأنّ وقت الظهر دخل عليها وهي طاهرة، وخرج عنها وقت الظهر وهي طاهرة، فضيّعت صلاة الظهر فوجب عليها قضاؤها.
ثمّ ذكر الشيخ الطوسي عدّة أخبار تقول: أنّ المرأة إذا طهرت قبل أن تغيب الشمس صلّت الظهر والعصر، وكذا إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلّت المغرب والعشاء الآخرة.
ثمّ قال: فالوجه في الجمع بين هذه الأخبار أن نقول: أنّ المرأة إذا طهرت بعد زوال الشمس إلى أن يمضي أربعة أقدام فإنّه يجب عليها قضاء الظهر والعصر معاً، وإذا طهرت بعد مضي أربعة أقدام فإنّه يجب عليها قضاء العصر لا غير، ويستحبّ لها قضاء الظهر إذا كان طهرها إلى مغيب الشمس، وكذلك يجب عليها قضاء المغرب والعشاء إلى نصف الليل، ويستحبّ لها قضاؤهما إلى عند طلوع الفجر، وعلى هذا الوجه لا تنافي بين الأخبار(1).
فما ذكره عن ابن عبّاس له شواهد كثيرة في أخبار أهل البيت عليهم السلام، كما مرّ عن الشيخ الطوسي رحمه الله ، فراجع.
وقال في صفحة -132-: (في سجود التلاوة: هل يشترط في سجود التلاوة ما يشترط في الصلاة؟
روى عبد الرزّاق الصنعاني، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس،
1) - الاستبصار 1/144، ط النجف.
قال: (إنّما السجدة على من جلس لها فإن مررت فسجدوا فليس عليك سجود)(1)، فسجود التلاوة سُنّة وليس بواجب(2)
أقول: ولست مدافعاً عن النووي، فإنّ مثل هذا الفرز الدقيق للأحكام والمصطلحات كان معروفاً في عصر الصحابة، فقد روى الفاكهي في أخبار مكّة في الرمل بالبيت عن أبي الطفيل، قال: قلت لابن عبّاس رضي الله عنه إنّ قومك يزعمون أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم رمل بالبيت وبين الصفا والمروة وهي سُنّة؟ فقال: (صدقوا وكذبوا)، صدقوا قد فعله صلى الله عليه وآله وسلم وكذبوا ليست سُنّة، وأيضاً روى بسنده عن عروة، قال: قلت لعائشة: ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئاً... قالت: بئس ما قلت يا بن أختي، طاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطاف المسلمون فكانت سُنّة...
وأصرح من هذا ما رواه الزهري عن أبي إدريس الخولاني، قال: كنت في مجلس من مجالس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم عبادة بن الصامت فذكروا الوتر، فقال بعضهم: واجب، وقال بعضهم سُنّة فقال عبادة... (إتحاف الخيرة المهرة في باب فرض الصلاة 1/407 رقم 743).
فهذه الآثار دلّت على أنّ الصحابة كانوا يعرفون الفرز بين السُنّة والواجب لا كما قاله قلعة جي.
.وأخيراً، ممّا يلفت النظر في كلام المؤلّف في سجود التلاوة نقطتان:
أوّلاهما: قوله: (وهذا من ابن عمر وهو من أعلم الصحابة وأفقههم، وأتبعهم للسُنّة، قد بقي إلى آخر الأمر ويسجد للتلاوة على غير طهارة).
أقول: ولا مناقشة مع المؤلّف فيما رأى وروى عن ابن عمر من عدم
1) - المصنّف 3/345 أثر رقم 5098 وقد ذكر ابن حجر في تلخيص الحبير (مع المجموع) 4/188 أنّه قد أخرجه البيهقي، وابن أبي شيبة من طريق ابن جريج عن عطاء عنه. هامش المؤلّف.
2) - قال المؤلّف في الهامش: ذكر صاحب موسوعة فقه ابن عبّاس 2/48 إنّ النووي حكى في المجموع عن ابن عبّاس إنّ سجود التلاوة سُنّة وليس بواجب وتساءل: ((من اين أتى النووي بهذا؟ مع أنّ هذا الفرز الدقيق للأحكام والمصطلحات لم يكن معروفا في عصر الصحابة)، والحقيقة أنّ عبارة النووي -- رحمه الله تعالى -- كانت كما يلي: (مذهبنا أنّه سُنّة وليس بواجب، وبهذا قال جمهور العلماء، ومن قال به عمر بن الخطّاب، وسلمان الفارسي، وابن عبّاس... ) المجموع 4/61، فالعبارة ليس فيها نسبة الحكم إلى ابن عبّاس مباشرة، ثمّ أنّنا قد رأينا في كلام عطاء السابق التصريح في السؤال بأنّه واجب؟ فقال: لا.
اشتراط الطهارة في سجود التلاوة، مع أنّ ابن عمر كان يقول: إذا استطعت ألاّ تذكر الله إلاّ وأنت طاهر فافعل(1)، والسجود فيه ذكر الله تعالى.
لكن المؤاخذة التي لا تتجاوز، قوله عن ابن عمر: (أعلم الصحابة وأفقههم وأتبعهم للسُنّة...)، ثلاثة أوصاف أفعال تفضيل! وهذا ممّا يستوقف النظر! فلا يقبله حتّى أبوه عمر الذي أتى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره أنّ عبد الله بن عمر طلّق امرأته وهي حائض، فتغيّظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ قال: (ليراجعها ثمّ يمسكها حتّى تطهر، ثمّ تحيض ثمّ تطهر، فإن بدا له أن يطلّقها فليطلّقها قبل أن يمسّها، فتلك العدّة كما أمر الله عزّ وجلّ).
وهذا أخرجه البخاري في الطلاق، باب: إذا طلّقت الحائض، ومسلم(2)، والترمذي(3)، وأبو داود(4)، والنسائي(5).
فمتى فقه ابن عمر؟ ففي أيام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولقد مرّ عنه الطلاق البدعي الذي جاء في حديثه: فتغيّظ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ أم في أيام الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان؟ إذ لم تظهر لفقاهته آثار تذكر، بل بالعكس، فقد قال مجاهد: كنت مع ابن عمر، فسمع رجلاً يثوّب في المسجد، فقال: أخرج بنا من عند هذا المبتدع. رواه عبد الرزّاق والضياء(6).
وقال نافع: إنّ ابن عمر أقام بأذربيجان ستّة أشهر يقصر الصلاة، وكان يقول: إذا رفعت إقامة فأتم (؟). رواه عبد الرزّاق(1).
وكان ابن عمر يقول: إذا أقسمت مراراً فكفّارة واحدة. رواه عبد الرزّاق(2).
وقال ابن عمر: إذا رأى الإنسان في ثوبه دماً وهو في الصلاة فانصرف يغسله، أتمّ ما بقي على ما مضى ما لم يتكلّم. رواه عبد الرزّاق(3).
وقال ابن عمر: إذا رعف الرجل في الصلاة، أو ذرعه القيء، أو وجد مذياً، فإنّه ينصرف فيتوضأ، ثمّ يرجع فيتمّ ما بقي على ما مضى ما لم يتكلّم. رواه عبد الرزّاق(4).
وقال ابن عمر: ارتقيت فوق سطح لنا، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بيت حفصة يضرب الخلاء بين لبنتين وهو متوجّه نحو بيت المقدس. رواه عبد الرزّاق(5).
إلى غير هذا من فتاواه التي شذّ فيها، نحو ما رواه نافع: إنّ ابن عمر كان ينام وهو جالس فلا يتوضأ، وإذا نام مضطجعاً أعاد الوضوء. رواه عبد الرزّاق(6).
وعن نافع: إنّ ابن عمر بن الخطّاب كان إذا أراد أن يشتري جارية فواطأهم على ثمن، وضع يده على عجزها، وبطنها، وقُبلها، وكشف عن ساقيها، رواه عبد الرزّاق(1).
وأخيراً عن نافع، قال: سُئل ابن عمر عن عدّة أُمّ الولد؟ فقال: حيضة، فقال رجل: إنّ عثمان كان يقول: ثلاثة قروء، فقال: عثمان خيرنا وأعلمنا. رواه البيهقي، وابن عساكر(2).
هذه نماذج من فتاوى ابن عمر (وهو من أعلم الصحابة وأفقههم وأتبعهم للسُنّة)، كما قال الدكتور المؤلّف!!
النقطة الثانية: قال: (وممّا يبين هذا أنّ السجود -- ليس من الصلاة فلا تجب فيه الطهارة -- يسرع منفرداً عن الصلاة كسجود التلاوة وسجود الشكر، وكالسجود عند الآيات، فإنّ ابن عبّاس لمّا بلغه موت بعض أُمّهات المؤمنين سجد، وقال: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا إذا رأينا آية أن نسجد)(3).
فمن هي تلك الأُمّ المتوفاة التي رأى ابن عبّاس في موتها آية؟ سؤال يستتبع مثله، فكم هنّ أُمّهات المؤمنين اللاتي توفين على عهده، ولم يذكر عنه السجود لموت إحداهنّ؟
فقد ذكر ابن قتيبة في (المعارف)(4)التعريف بأزواج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في
صفحة (132 -- 141)، فذكر وفياتهن، كما يلي:
-- أُمّ المؤمنين خديجة عليها السلام، توفيت قبل الهجرة، وكانت وفاتها بعد وفاة أبي طالب عليه السلام عمّه بثلاثة أيام، وهذه توفّيت وابن عبّاس في سنّ الرضاعة، فليست هي قطعاً.
-- أُمّ المؤمنين عائشة، توفّيت سنة (58ه-)، قال ابن قتيبة: (وبقيت إلى خلافة معاوية، وتوفيت سنة ثمان وخمسين، وقد قاربت السبعين، وقيل لها: ندفنك مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقالت: إنّي قد أحدثت بعده، فادفنوني مع أخواتي، فدفنت بالبقيع)(1). فهل هي التي سجد ابن عبّاس عندما بلغه موتها؟ ربّما! ولكن لا دليل في المقام.
-- أُمّ المؤمنين حفصة، أخت عبد الله بن عمر لأُمّه وأبيه، وماتت بالمدينة في خلافة عثمان(2).
-- أُمّ المؤمنين زينب بنت خزيمة، أُمّ المساكين، توفيت قبل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3).
-- أُمّ المؤمنين زينب بنت جحش، أوّل من مات من أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم، بعد وفاته في خلافة عمر(4).
-- أُمّ المؤمنين أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وبقيت إلى خلافة معاوية(5).
-- أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة... وتوفيت سنة (59ه-) بعد عائشة بسنة وأيام(1).
-- أُمّ المؤمنين ميمونة بن الحارث... وتوفيت بسرف سنة ثمان وثلاثين، فدفنت هناك(2).
-- أُمّ المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب... وتوفيت سنة (36ه-)(3).
-- أُمّ المؤمنين جويرية بنت الحارث... وتوفيت سنة (56ه-)(4).
هاتيك أزواج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اللاتي توفّين على عهد ابن عبّاس، ولم يذكر عنه أنّه سجد عند موت كلّ واحدة ماتت منهنّ! غير أنّ التي أشار إليها المؤلّف بقوله: (فإنّ ابن عبّاس لمّا بلغه موت بعض أُمّهات المؤمنين سجد، وقال: (إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا إذا رأينا آية أن نسجد) تبعث علامة الاستفهام، فمن هي يا ترى؟ وما هي تلك الآية التي رآها ابن عبّاس في موتها حتّى سجد امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إذا رأينا آية أن نسجد)؟ ولماذا لم ير تلك الآية غيره من الصحابة؟ فهل هم كما قال الله تعالى: وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ(5)؟ أم أنّ الخبر كان من فتاوى ابن تيمية، فهو أعلم به ومسئول عنه؟ بلا ترديد ولا مزيد.
وقال المؤلّف في صفحة -140-: (في الصيام: المسألة الأولى: ابن
عبّاس واختلاف المطالع).
وذكر بحثاً طويلاً، استعرض فيه آراء العلماء من المتقدّمين والمحدّثين في وحدة المطالع واختلافها، وهذه المسألة ما تزال موضع نقاش بالرغم من التقدّم التقني في علم الفلك، ولا أظنّ عاماً يأتي على المسلمين ليس فيه خلاف على الصيام والعيد والحجّ، فاختلاف الآفاق، والمطالع جزء من أجزاء هي بؤرة الخلاف بين المسلمين، وليس هو تماماً العلّة، ويبقى كلٌّ يعمل على شاكلته، وربّكم هو أعلم بمن هو أهدى سبيلا، جمع الله تعالى كلمة المسلمين على الهدى والسداد، وجنّبنا وإياهم مخاطر العناد، إنّه وليّ الرشاد.
ونعود إلى ما ذكره المؤلّف من حديث ابن عبّاس مع كريب مولى أُمّ الفضل، وقد كان بعثته أُمّ الفضل إلى معاوية بالشام، قال: (قدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علَيَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثمّ قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله ابن عبّاس رضي الله عنه، ثمّ ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنّنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتّى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)(1).
فقد قال النووي بعد أن عقد باباً لخبر كريب (باب أنّ لكلّ بلد رؤيتهم، وأنّهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعُد عنهم): (فيه
1) - شرح صحيح مسلم للنووي، باب إنّ لكلّ بلد رؤيتهم الهلال 3/141 -- 142 رقم 27.
حديث كريب عن ابن عبّاس، وهو ظاهر الدلالة للترجمة، والصحيح عند أصحابنا أنّ الرؤية لا تعمّ الناس، بل تختص بمن قرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وقيل: إن اتّفق المطلع لزمهم، وقيل: إن اتّفق الإقليم وإلاّ فلا، وقال بعض أصحابنا: تعم الرؤية في موضع جميع أهل الأرض، فعلى هذا نقول: إنّما لم يعمل ابن عبّاس بخبر كريب، لأنّه شهادة فلا تثبت بواحدة. لكن ظاهر حديثه أنّه لم يردّه لهذا، وإنّما ردّه لأنّ الرؤية لم يثبت حكمها في حقّ البعيد)(1).
وقال الوشتابي الآبي المالكي في (إكمال إكمال المعلم): (عدم اعتداده برؤية معاوية يحتمل أنّه بناءاً على مذهبه أنّ لكلّ قوم رؤيتهم، و لأنّه لم يقبل خبر الواحد، أو لأمر كان يعتقده في ذلك، أو لاختلاف أُفقهم، وقيل: لأنّ السماء كانت بالمدينة مصحية، فلمّا لم يروه ارتابوا في الخبر)(2)، وهذا قاله بلفظه السنوسي الحسيني في (مكمّل إكمال الإكمال)(3).
ومهما يكن الصحّة وعدمها في التفسير، إلاّ أنّ اللافت للنظر قول الوشتابي في عدم اعتداد ابن عبّاس برؤية معاوية: (أو لأمر كان يعتقده في ذلك)! فما هو ذلك الأمر، وماذا يعني به؟ هل هو عدم شرعية الحكم وظلم الحاكم ممّا له دخل في هذا المقام فلم يصرّح به؟ يبقى التفسير في ضمير أهل التبرير وضمير أهل النكير.
ومهما يكن ذلك الأمر، فإنّ المؤلّف نفث قلمه بحقائق مريرة في صفحة -143-، فقال: (ويعدّ اجتهاد ابن عبّاس الذي حواه حديث كريب أقدم خلاف حول رؤية الهلال، وعدم لزوم أهل بلد لغيرهم، ممّا يترتّب عليه اختلاف الأحكام المبنية على الرؤية.
وإذا ساغ هذا الاختلاف لتباعد البلدان فيما مضى، وعدم العلم بالرؤية، إنما التكليف يتبع العلم، فكيف يسوغ هذا الاختلاف في بلدين مسلمين متجاورين، فيصوم أهل أحدهما ويفطر الآخرون المجاورون مع علمهم بصيام جيرانهم المسلمين؟ بل كيف يسوغ هذا الاختلاف واعتباره ديناً وشرعاً في البلد الواحد؟!
يقول ابن نجيم المصري في (البحر الرائق): (وقع في زماننا سنة خمس وخمسين وتسعمائة (سنة955ه-) أنّ أهل مصر افترقوا فرقتين، فمنهم من صام، ومنهم من لم يصم، وهكذا وقع لهم في الفطر، بسبب أنّ جمعاً قليلاً شهد عند قاضي القضاة الحنفي، ولم يكن بالسماء علّة، فلم يقبلهم، فصاموا وتبعهم جمع على الصوم، وأمر الناس بالفطر(1).
وهكذا في هلال الفطر، حتّى أنّ بعض مشايخ الشافعية صلّى العيد بجماعته دون غالب أهل البلدة، وأنكر عليه ذلك لمخالفته الإمام)(2).
وإذا كان هذا الاختلاف قد أدّى إلى الانقسام بين المسلمين -- وهو ما يخالف مقاصد الشرع -- وأعقبه الإنكار على مشايخ الشافعية الذين صلّوا
العيد مخالفة جمهرة المسلمين، فإنّ الأمر قد وصل إلى ارتداد بعض المسلمين بسبب هذا الاختلاف في زمن ابن عابدين، وبالتحديد في سنة أربعين ومائتين وألف من الهجرة (سنة1240ه-) ممّا دعا ابن عابدين إلى تأليف رسالة في هذا الشأن أسماها: (تنبيّه الغافل والوسنان على أحكام هلال رمضان)(1).
يقول رحمه الله تعالى -- مصوّراً مخالفة بعض الشافعية لجمهور المسلمين -- وهم الذين يقولون باختلاف المطالع: (استفاض الخبر عن كثير من بلاد المسلمين أنّهم صاموا يوم الاثنين كما صام أهل الشام، فأعرضوا عن ذلك ولم يلتفتوا إليه، وأصرّوا على ما تعاهدوا وتحالفوا عليه، وقالوا (أي: الشافعية): إنّ هذه البلاد لا تفيد لاعتبار اختلاف المطالع عند الشافعي، وصممّوا على صوم يوم الأربعاء الذي هو يوم العيد، ولمّا كانت ليلة أوّل نصف الشهر على ما أثبته عامّة المسلمين، وتركوا قنوت الوتر المسنون في مذهبهم بيقين، ثمّ لمّا عيّد الناس صاموا وتركوا صلاة العيد في ذلك اليوم السعيد. ثمّ صلّوا العيد في اليوم التالي، وأشاعوا ذلك بين القاصي والداني، ووقع الجدال في الجدال، وكثر القيل والقال، وصارت مذاهب الأئمّة المجتهدين ضحكة بين الجاهلين، حتّى ارتدّ بسبب ذلك كثير منهم كما بلغنا عنهم)(2).
أقول: إنّ مرارة نقله هذا أشدّ منه مرارة قوله: (وقد كان هذا الخلاف
بين البلدان الإسلامية في بدء الصيام خلافاً صارخاً في سنة (1398ه-/ 1978م)، وهي السنة التي عقد فيها المؤتمر الإسلامي في استانبول بتركيا تحت عنوان: (المنهاج المشترك لتحديد بداية شهر رمضان والأعياد)(1)، وقد عرضت رئاسة الشؤون الدينية التركية هذا الخلاف الصارخ بين يدي المؤتمرين.
ففي 4 أغسطس سنة 1978م كانت بداية شهر رمضان في العراق والكويت.
وفي 5 من أغسطس من العام نفسه بدأ صيام المسلمين في مصر، والمملكة العربية السعودية، ولبنان، وسورية.
وفي 6 من أغسطس كانت بداية الصيام في تركيا، وأفغانستان، والمغرب ونيجريا.
وفي 7 من أغسطس بدأ رمضان في باكستان.
ثمّ قال: وقد شهدنا في السنوات الأخيرة خلافات حادّة في بدء الصيام بين بعض البلدان الإسلامية المتجاورة، حتّى وصل الأمر إلى الحدّ الذي قتل فيه أربعة من الشباب المسلم في سنة 1412ه- لأنّهم صلّوا العيد تبعاً للسعودية التي أعلنت الصيام قبل مصر بيوم(2)
أقول: وهل هذا إلاّ التقية التي يعاب بها على الشيعة؟!
، فصام المسلمون في جدّة1) - كان ذلك في ذي الحجّة سنة 1398ه- الموافق 27/11/1978.
2) - كان ذلك في محافظة بني سويف، وهذا ما نشرته الصحف، وأخبرني به بعض طلاب كلّية التربية أنّهم سبعة، والله أعلم. ولا شكّ إنّ الشباب في مجاهرته بالعيد قد أخطأ، وقد نصّ الفقهاء على أنّ المسلم في مثل هذه الحالة مخيّر بين أن يصوم مع الصائمين ولو بلغ الشهر واحداً وثلاثين يوماً، وهذا ما فعله أنس بن مالك في بعض السنوات، وما فعلته شخصياً في تلك السنة، أو أن يفطر سرّاً حتّى لا تحدث فتنة بين المسلمين.
وإخوانهم المصريون على الشاطئ المقابل غير صائمين، ثمّ عيّدوا تبعاً للرؤية وإخوانهم على الشاطئ المقابل صائمون).
أقول: ولقد عشنا مثل هذا المرار مراراً، ولكن كانت لنا في التقية مندوحة، وفي تراثنا الفقهي تحرير المسألة وتعيين التكليف من دون أيّ حرج، فقد أخرج الكليني بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام -- الصادق -- قال: (دخلت على أبي العبّاس -- السفاح -- بالحيرة، فقال: يا أبا عبد الله! ما تقول في الصيام اليوم؟ فقلت: ذاك إلى الإمام، إن صمت صمنا، وإن أفطرت أفطرنا، فقال: يا غلام! علَيَّ بالمائدة، فأكلت معه وأنا أعلم والله إنّه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر علَيَّ من أن يضرب عنقي ولا يُعبد الله)(1).
ثمّ قال المؤلّف: (وهكذا تطوّر الاختلاف والمطالع من الإنكار في أيام ابن نجيم المصري، إلى ردّة بعض المسلمين في عهد ابن عابدين، إلى قتل بعض الشباب المسلم في عصرنا الحاضر، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فهل دين التوحيد والرحمة يجيز مثل هذه الاختلافات وما يترتب عليها؟
إنّ ربّنا واحد، وكتابنا واحد، وعقيدتنا عقيدة التوحيد، وقبلتنا واحدة، والهدف من الصيام والحجّ والوقوف بعرفات هو اجتماع المسلمين لا تفرّقهم، إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ(2)،
وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ(1). وإذا كنّا نطرح من بحثنا اختلاف المطالع الناشئ عن الاختلافات السياسية بين بعض البلدان الإسلامية، وحبّ الزعامة، لأنّه لا يجوز أصلاً أن يختلف المسلمون من أجل هذا، فإنّا نبحث الأدلّة الشرعية التي دعت ابن عبّاس والشافعية من بعده إلى نصرة اختلاف المطالع).
قال في صفحة-160-: (المسألة الثانية:
الحامل والمرضع إذا أفطرتا تطعمان ولا قضاء عليهما، ذكر ابن قدامة عن ابن عبّاس وابن عمر رضي الله عنهما، أنّ الحامل والمرضع إذا أفطرتا في رمضان وجب عليهما الإطعام ولا قضاء(2).
أقول: وهذا أيضاً حكاه الشيخ الطوسي في (الخلاف) عنهما(3)، ويبدوا اختلاف الرواية عن ابن عبّاس، فإنّ عبد الرزّاق ذكر في (المصنّف): (عن الثوري، وعن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، قال: تفطر الحامل والمرضع في رمضان، وتقضين صياماً ولا تطعمان)(4).
وروى أيضاً في اختلاف الرواية عن ابن عبّاس، بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: (أنّه كان يأمر وليدة له حبلى أن تفطر له في شهر رمضان، وقال: أنتِ بمنزلة الكبير لا يطيق الصيام، فافطري وأطعمي عن كلّ
يوم نصف صاع من حنطة)(1). وهذا أخرجه الطبري في تفسيره، وزاد عن ابن عبّاس قوله: (ولا قضاء عليك)(2).
وحكى ابن حزم في (المحلّى) كلتا الروايتين، فراجع تجد قوله: (ومن طريق حمّاد بن سلمة، عن أيوب السختياني وقتادة، كلاهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: أنّه قال لأمة له مرضع: أنت بمنزلة: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ(3)، أفطري وأطعمي كلّ يوم مسكيناً ولا تقضي. ثمّ قال: روينا كليهما -- يعني: ما رواه عن ابن عمر أوّلاً وهذا عن ابن عبّاس -- من طريق إسماعيل بن إسحاق، عن الحجّاج بن المنهال، عن حمّاد، ومن طريق عبد الرزّاق، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير...)(4).
وإذا راجعنا تراجم رجال الإسناد، نجدهم ممّن لا يجوّز الأخذ بما رووه، فحمّاد بن سلمة قد ذكره الذهبي في (الميزان)، وأخرج له عدّة أحاديث في الرؤية، رواها عن عكرمة، عن ابن عبّاس، مرفوعاً: (رأيت ربّي جعداً أمرد، عليه حلّة خضراء)، وروى عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: (أنّ محمّداً رأى ربّه في صورة شاب أمرد دونه ستر من لؤلؤ قدميه أو رجليه في خضرة) إلى غير هذا ممّا قيل فيه(5).
وقتادة الراوي عن سعيد بن جبير، هو قتادة بن دعامة السدوسي، وهذا
كما في (تهذيب التهذيب) لابن حجر: ولد أكمه، وذكره الذهبي في ميزانه: مدلّس ورمي بالقدر، كما قال يحيى بن معين، وقال الشعبي: حاطب ليل.. إلى غير هذا.
وإذا نظرنا في إسناد عبد الرزّاق في حديث الوليدة الحبلى، نجده قد رواه عن ابن التيمي، عن أبيه، عن قتادة، عن سعيد بن جبير.. وابن التيمي هذا هو المعتمر بن سليمان التيمي البصري، الذي قال فيه ابن معين: ليس بحجّة، كما في ميزان الذهبي. وهو يروي عن أبيه سليمان، وهو ابن طرخان أبو المعتمر البصري، قال فيه ابن معين: يدلّس، وهو روى الحديث عن قتادة، وقد مرّ حاله.
والآن نعيد النظر في الروايتين عن ابن عبّاس لنرى أيّهما أصحّ أن تكون من فقه ابن عبّاس.
ولمّا كانت الرواية الأولى تتّفق وفقه أهل البيت عليهم السلام الذين هم تبع فيه لأبيهم عليّ عليه السلام، وابن عبّاس كان ملتزماً بأن لا يخالف عليّاً عليه السلام فيما صحّ منه، كما تقدّم في أوّل هذا الجزء، فهي الصحيحة، وتلك الأُخرى غير صحيحة لما مرّ فيها.
وقال في صفحة -164-: (المسألة الثالثة: من مات وعليه صوم، ورد عن ابن عبّاس حديث مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفتوى عنه رضي الله عنه تخالف هذا الحديث.
فأمّا الحديث فهو ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عبّاس، قال: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله! إنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهراً
أفأقضيه عنها؟ فقال: (لو كان على أُمّك دين أكنت قاضيه عنها)؟ قال: نعم، قال: (فدين الله أحقّ أن يقضى)(1)...).
ثمّ ذكر خبراً آخر عن ابن عبّاس وعن عائشة في معناه، ثمّ قال: (وورد عن ابن عبّاس وعائشة فتوى تخالف ما روياه، فقد روى النسائي عن ابن عبّاس -- بإسناد صحيح كما يقول الشوكاني -- قوله: (لا يصلّي أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد...)، وذكر نحوه من قول ابن عمر...
فقال: فهل يؤخذ بفتوى ابن عبّاس وعائشة وابن عمر، وفتوى الراوي بخلاف مروية بمنزلة روايته للناسخ كما ذهبت إليه الحنفية والحنابلة؟ أم يعمل بالمروي المرفوع كما أخذ أهل الحديث؟...).
واستعرض آراء أصحاب المذاهب الأربعة، وما بينهم من كلام ونقض وإبرام، وأطال في ذلك، ولم يخطر بباله أن يمرّ ولو عابراً بفقه أهل البيت عليهم السلام، الذين كان ابن عبّاس يعيش في رحابهم علماً وعملاً، ويتّبع في فتاواه لما صحّ عنده من فتاوى أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، كما مرّت الإشارة إلى هذا، ثمّ هو الآن كيف يخالف موقوفاً ما رواه مرفوعاً؟!
ولقد صحّ من حديث أهل البيت عليهم السلام ما أخرجه الشيخ الطوسي، بإسناده: (عن عمّار بن عمير، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : بلغني عنك أنّك قلت: لو أنّ رجلاً مات ولم يحجّ حجّة الإسلام فأُحجّ عنه بعض أهله أجزأ
1) - وهذا الحديث عمل عليه فقهاء الشيعة في قضاء الحجّ عن الميّت من أصل المال... وقال ابن حزم: من الكبائر أن يقول قائل: بل دين الناس أحقّ أن يقضى من دين الله تعالى عزّ وجلّ، وقد سمع هذا القول (المحلّى 7/8).
ذلك عنه؟! فقال: (أشهد على أبي عليه السلام أنّه حدّثني عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنّه أتاه رجل، فقال: يا رسول الله! إنّ أبي مات ولم يحجّ حجّة الإسلام، فقال: حجّ عنه فإنّ ذلك يجزي عنه)(1).
فالرواية أصحّ إسناداً من نقل الفتيا عنه التي لم يصحّ إسنادها، ولابن حزم في هذه المسألة كلام ناقش فيه الذين يقولون: لا يجب القضاء عن الميت، وما تعلّقوا به من رواية عبد الرزّاق، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن الحجّاج بن أرطاة، عن عبادة بن نسي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من مرض في رمضان فلم يزل مريضاً حتّى مات لم يطعم عنه، وإن صحّ لم يقضه حتّى مات أطعم عنه).
فقال ابن حزم: (وأمّا حديث عبد الرزّاق، فلا تحلّ روايته إلاّ على سبيل بيان فساده لعلل ثلاث فيه: إحداها أنّه مرسل، والثانية أنّ فيه الحجّاج ابن أرطاة، وهو ساقط، والثالثة أنّ فيه إبراهيم بن أبي يحيى، وهو كذّاب...
ثمّ قال: وأمّا تمويههم بأنّ عائشة وابن عبّاس رويا الخبر وتركاه، فتقّول فاسد لوجوه:
أحدها: أنّه لا يجوز ما قالوا، لأنّ الله تعالى إنّما افترض علينا اتّباع رواية الصاحب عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يفرض علينا اتّباع رأي أحدهم.
والثاني: أنّه قد يترك الصاحب اتّباع ما روى لوجوه غير تعمد المعصية، وهي أن يتأوّل فيما روى تأويلاً ما اجتهد فيه فأخطأ فأجر مرّة، أو أن يكون نسي ما روى فافتى بخلافه، أو أن تكون الرواية بخلافه وهماً ممّن
1) - في تهذيب الأحكام 5/404، ط النجف.
روى ذلك عن الصاحب، فإذا كلّ ذلك ممكن فلا يحلّ ترك ما افترض علينا اتّباعه من سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما لم يأمرنا باتّباعه، لو لم يكن فيه هذه العلل، فكيف وكلّها ممكن فيه، ولا معنى لقول من قال: هذا دليل على نسخ الخبر، لأنّه يعارض بأن يقال: كون ذلك الخبر عند ذلك الصاحب دليل على ضعف الرواية عنه بخلافه، أو لعلّه قد رجع عن ذلك.
والثالث: أنّهم إنّما يحتجّون بهذه الجملة إذا وافقت تقليد أبي حنيفة، ومالك والشافعي، وأمّا إذا خالف قولُ الصاحب رأيَ أحد ممّن ذكرنا، فأهون شيء عندهم إطراح رأي الصاحب والتعلّق بروايته، وهذا فعل يدلّ على رقّة الدين، وقلّة الورع...
إلى أن قال: والخامس: أنّه قد روي عن ابن عبّاس الفتيا بما روي من الصوم عن الميت...
روي عن حمّاد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن أبي يزيد المدني: أنّ رجلاً قال لأخيه عند موته: إنّ علَيَّ رمضانين لم أصمهما، فسأل أخوه ابن عمر، فقال: بدنتان مقلّدتان، ثمّ سأل ابن عبّاس، فقال ابن عبّاس: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما شأن البدن وشأن الصوم، أطعم عن أخيك ستّين مسكيناً.
قال أبو محمّد: إن لم يكن قول ابن عمر في البدنتين حجّة، فليس قول ابن عبّاس في الإطعام حجّة، ولا فرق...
ثمّ قال: وأمّا قول أحمد، فروينا من طريق أبي ثور، نا عبد الوهاب -- هو ابن عطاء -- عن سعيد بن أبي عروبة وروح بن القاسم، عن علي بن الحكم
البناني، عن ميمون بن مهران، عن ابن عبّاس: سُئل رجل مات وعليه رمضان وصوم شهر؟ فقال: يطعم عن رمضان ويصام عنه النذر، وهذا إسناد صحيح، فإن كان ترك ابن عبّاس لما ترك من الخبر حُجّة، فأخذه بما أخذ منه حُجّة، وإن لم يكن أخذه بما أخذ به حجّة فتركه ما ترك ليس بحجّة، وما عدا هذا فتلاعب بالدين)(1).
أقول: وأخيراً فإنّ ابن حجر قال في (فتح الباري): (إنّ الآثار عن عائشة وابن عبّاس فيها مقال)(2).
وقال الشوكاني في (نيل الأوطار): (والحقّ إنّ الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما رآه...)(3).
وقال في صفحة -170-: (في الذبائح: المسألة الأولى: لا تؤكل ذبيحة الأقلف.
وروى عبد الرزّاق بسند صحيح، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: كان ابن عبّاس يكره ذبيحة الأغرل ويقول: لا تجوز شهادته، ولا تقبل صلاته. قال معمر: فسألت عنه حمّاداً؟ فقال: لا بأس بذبيحته، وتجوز شهادته، وتقبل صلاته.
وما ذكره عبد الرزّاق عن ابن عبّاس، رواه ابن حزم، عن ابن أبي شيبة، عن قتادة أيضاً، عن حيّان، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس، قال: (الأقلف
لا تؤكل له ذبيحة، ولا تقبل له صلاة، ولا تجوز شهادته).
أقول: لقد راجعت (المحلّى)، فكان فيه بعد تحرير المسألة -1057-، فقال: (روينا من طريق ابن أبي شيبة، نا أبو أسامة سعيد -- هو ابن أبي عروبة -- عن قتادة، عن حيّان، عن جابر -- هو ابن زيد -- عن ابن عبّاس، قال: الأقلف لا تؤكل ذبيحته، ولا تقبل له صلاة، ولا تجوز له شهادة...
قال أبو محمّد: لا يعرف لابن عبّاس في ذبيحة الأقلف مخالف من الصحابة...)(1).
أقول: وهذا الذي رُوي له عن طريق ابن أبي شيبة، راجعت رجال إسناده في كتب الجرح والتعديل، فكانوا من المخدوشين، وحسب القارئ أن يجد سعيد بن أبي عروبة الذي تغيّر بآخره ورمي بالقدر -- قاله الذهبي في ميزانه -- وحدّد ابن حبّان سنيّ اختلاطه بخمس سنين، وزادها الخفاف، فقال: تسع سنين، لذلك قال ابن حبّان: لا يحتجّ إلاّ بما روى عنه القدماء، مثل يزيد بن زريع، وابن المبارك، ومع ذلك فقد وصفه بالتدليس(2).
ولو أغمضنا النظر، فهل نتجاوز عن قتادة، وقد مرّ حاله، وأنّه كان يرى القدر، وكان حاطب ليل، وهو يرسله في خبر عبد الرزّاق عن ابن عبّاس!
ولو تجاوزناه إلى جابر بن زيد، الذي كان إباضياً، كما عن ابن معين، وحكاه الساجي في (الضعفاء)! فهل بهؤلاء يحتجّ لإثبات حكم شرعي؟
على أنّ ما ذكره ابن حزم بقوله: (لا يعرف لابن عبّاس مخالف في
الصحابة)، لا يخلو من وهم، فإنّ الإمام عليّ بن أبي طالب وهو سيّد الصحابة، بل سيّد العرب، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم برواية السيّدة عائشة(1)
وهذا اللقب سيادة العرب الذي روته السيّدة عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقد رواه أبو سعيد الخدري.(ابن عساكر ج2/265).
ورواه الإمام الحسن عليه السلام ، ورواه حذيفة، ورواه جابر، ورواه أنس، وغيرهم.
وإلى القارئ حديث الإمام الحسن عليه السلام ، كما أخرج أبو نعيم في (حلية الأولياء 1/63)، بإسناده: عن الحسن بن عليّ: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أدعوا لي سيّد العرب) -- يعني عليّ بن أبي طالب -- فقالت عائشة: ألست سيّد العرب؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا سيّد ولد آدم، وعليّ سيّد العرب)، فلمّا جاء أرسل إلى الأنصار فأتوه، فقال لهم: (يا معشر الأنصار! ألا أدلّكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده أبدا؟)، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: (هذا عليّ فأحبّوه بحبّي، وأكرموه بكرامتي، فإنّ جبريل أمرني بالذي قلت لكم من الله عزّ وجلّ)، رواه أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن عائشة نحوه في السؤدد مختصراً. وأخرجه أبو نعيم ثانية في (5/38)، وهذا الحديث له مصادر كثيرة نيّفت على الأربعين بينها (المستدرك على الصحيحين) للحاكم، ومعجما الطبراني (الأوسط والكبير)، و(مجمع الزوائد)، و(مناقب ابن المغازلي)، ومن كتب الذهبي (تاريخ الإسلام)، و(ميزان الاعتدال) في مكانين (3/185)، وفي (4/115 برقم 8545)، المسيّب بن عبد الرحمن، قال: تابعي كبير شهد القادسية، قال البخاري: حديثه منكر. عبد الله بن عثمان البصري، عن المسيّب بن عبد الرحمن -- وكان ممّن شهد القادسية -- قال: أتيت حذيفة، فأقبل يحدّثنا بوقائع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: لمّا تهيأ عليّ يوم خيبر للحملة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عليّ! بأبي أنت والذي نفسي بيده إنّ معك من لا يخذلك، هذا جبرائيل عن يمينك بيده سيف لو ضرب به الجبال لقطعها، فاستبشر بالرضوان والجنّة، يا عليّ إنّك سيّد العرب، وأنا سيّد ولد آدم...) الحديث بطوله.
، كان لا يرى بأساً بذبيحة الأقلف، رواه عنه أهل بيته، كما في حديث جعفر عليه السلام : أنّه سُئل1) - أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام بتحقيق المرحوم المحمودي 2/26، بإسناده عن سعيد بن جبير، عن عائشة، قالت: كنت قاعدة مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل عليّ بن أبي طالب، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عائشة! هذا سيّد العرب)، قالت: فقلت: يا رسول الله! ألست سيّد العرب؟ قال: (أنا سيّد ولد آدم وهذا سيّد العرب).
عن ذبيحة الأغلف؟ قال: (كان عليّ عليه السلام لا يرى به بأساً)(1)، وابن عبّاس كما تقدّم لا يخالف عليّاً عليه السلام في الفتيا إذا صحّت لديه.
وقال في صفحة -173-: (المسألة الثانية: ابن عبّاس وأكل لحم الحمر الأهلية).
ثمّ قال: (تدلّ الآثار المروية عن ابن عبّاس رضي الله عنه في حكم الحُمر الأهلية، أنّه أفتى -- أوّلاً بحلّ الحمر الأهلية، ثمّ توقّف فيها ثانياً، ثمّ رجع أخيراً إلى الحكم بالحرمة. وإفتاؤه بالحلّ أشهر في الكتب وبين العلماء من توقّفه ورجوعه إلى التحريم).
أقول: لقد أطال الدكتور البحث في هذه المسألة، حتّى ذكر أسماء تسعة من الصحابة ممّن قالوا بالتحريم، نقلاً عن البخاري ومسلم عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، ثمّ حكى عن الصنعاني أسماء ستّة آخرين بمن فيهم ابن عبّاس، وحكى أقوال بعض أئمّة المذاهب والفقهاء للتأكيد على التحريم.
ولست في مقام الدفاع عن ابن عبّاس بقدر ما هو بيان الحكم في إباحة لحوم الحُمر الأهلية، فقد ورد في (صحيح البخاري) وغيره: (عن عمرو بن دينار، قال: قلت لجابر بن زيد، يزعمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن حمر الأهلية، فقال: قد كان يقول بذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحر ابن عبّاس وقرأ: قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً(2)...)، وهذا هو الحديث الثاني من باب لحوم الحمر الإنسية من كتاب الذبائح والصيد في (صحيح البخاري).
ولابن حجر وغيره من شرّاح الصحيح كلام عريض يحاولون فيه إثبات التحريم، وأنّ ابن عبّاس تعاقبت أقواله بالتحريم، ثمّ التحليل، ثمّ العودة إلى التحريم، وهذا إصرار منهم على ما لا ينبغي لهم، فإنّ الحديث الذي مرّ عن جابر نقلاً عن البخاري صريح بأنّ ابن عبّاس أبى إلاّ القول بالحلّية، فهو قرأ الآية مستدلاً على صحّة رأيه وإصراره، وقد تابعه جملة من الفقهاء منهم الطحاوي، فقد قال: (لو تواتر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتحريم الحمر الأهلية، لكان النظر يقتضي حلّها، لأنّ كلّ ما حرّم الله من الأهلي أجمع على تحريمه إذا كان وحشياً كالخنزير، وقد أجمع العلماء على حلّ الحمار الوحشي، فكان النظر يقتضي حلّ الحمار الأهلي)(1). وقد ردّ عليه ابن حجر في (فتح الباري)، ولا نطيل المقام في هذا، بعد أن نعرف الحكم في فقه أهل البيت عليهم السلام كان هو الحلّية، وتبعهم على ذلك فقهاء الإمامية، فقد قال الشيخ الطوسي في (الاستبصار): فيما اختلف من الأخبار، باب حكم الحمر الأهلية والخيل والبغال... وابتدأ الباب بما رواه محمّد بن يعقوب -- وهو الكليني -- عن علي بن إبراهيم -- وهو صاحب التفسير المعروف باسمه -- عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن محمّد بن مسلم وزرارة، عن أبي جعفر عليه السلام : أنّهما سألاه عن لحم الحمر الأهلية؟ فقال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أكلها يوم خيبر، وإنّما نهى عن أكلها في ذلك الوقت لأنّها كانت حمولة الناس، وإنّما الحرام ما حرّم الله عزّ وجلّ في القرآن)(2).
ثمّ ذكر ثلاثة أخبار في الحلّية، وبعدها خبرين في المنع عن أكلها، ثمّ قال: (فالوجه في هذه الأخبار كلّها أن نحملها على ضرب من الكراهية دون الحظر بدلالة الأخبار الأولى، ويزيد ذلك بياناً ما رواه الحسين بن سعيد... عن أبي جعفر عليه السلام : سُئل عن سباع الطير والحمير... فقال: (ليس الحرام إلاّ ما حرّم الله في كتابه العزيز، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر عن أكل لحوم الحمير، وإنّما نهاهم من أجل ظهورهم أن يفنوه، وليست الحمر بحرام)، ثمّ قال: (اقرأ هذه الآية: قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ(1)(2). اه-
فعلى هذا لم يكن الحكم بالحلّية من مفردات ابن عبّاس، بل هو قول الإمامية تبعاً لما صحّ عندهم من فقه أهل البيت عليهم السلام، وقد روي عن عائشة أيضاً وعن ابن عمر، وهو أحد قولي مالك كما في (تفسير القرطبي)(3)، وما نسب إلى ابن عبّاس من الرجوع عن هذا إلى التحريم لم يثبت بسند صحيح.
وقال في صفحة -187-: (في الإيمان: جواز الاستثناء بعد اليمين ولو بعد سنة.
ذكر ابن العربي، والقرطبي، وابن قدامة، والزيلعي: أنّ ابن عبّاس يجوّز
الاستثناء بعد سنة(1)، واستدلّ بقوله تعالى: وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ(2)، فلمّا كان بعد عام من نزولها نزل قوله تعالى: إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً(3)إلى آخر الآية...).
أقول: لقد ذكر الشيخ الطوسي في (الخلاف) أنّ في رأي ابن عبّاس في هذه المسألة روايتان: إحداهما: له أن يستثني أبداً، حتّى أنّه لو حلف وهو صغير ثمّ استثنى وهو كبير جاز. والثانية: له أن يستثني إلى حين، والحين سنة. ولم يذكر الشيخ مستنده(4).
ولمّا كانت فتيا ابن عبّاس مدار البحث في الاستثناء بعد اليمين قد ذكرت في مصادر العامّة، أكثر ممّا رويت عنه في مصادر الحديث والفقه الإمامي، فلننظر إلى السند فيما رواه ابن حزم -- وهو أوفى تحريراً من غيره في المقام -- فقد قال في (تحرير):
(المسألة: وقالت طائفة: الاستثناء جائز أبداً متى أراد أن يستثني كما روينا من طريق الحجّاج بن المنهال نا عبد الله بن داود -- هو الخريبي -- عن سليمان الأعمش عن مجاهد عن ابن عبّاس قال له: ثنياه بعد كذا وكذا...
وقالت طائفة من نسي فله أن يستثني متى ما ذكر، كما روينا من طريق ابن أبي شيبة نا وكيع عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عبّاس قال: يستثني
في يمينه متى ما ذكر، وقرأ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ(1)(2).
والآن فلننظر السند الأوّل:
فأوّل رجاله الجرّاح بن المنهال، وهذا قال فيه البخاري: منكر الحديث(3)، وقال فيه النسائي: متروك الحديث، وذكره الذهبي في (ديوان الضعفاء والمتروكين)، فقال: متروك، ومثله قال الدارقطني، وقال أبو داود: ليس بشيء.
فمن كان هذا حاله هل يُسأل عن بقية رجال السند؟ ومهما بلغوا في الوثاقة مقاماً فلا يضفي ذلك القبول على الخبر لروايته عن الجرّاح بن المنهال.
وأمّا السند الثاني: عن ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد:
فأوّل السند: عبد الله بن أبي شيبة، الذي ذكره الذهبي في (الميزان)، وحكى فيه قول أحمد: دعه انظر فيما يقول غيره. وقال جعفر الفريابي: سألت محمّد بن عبد الله بن نمير عن بني أبي شيبة ثلاثتهم؟ فقال: فيهم قولاً لم أحبّ أن أذكره(4).
وثاني رجال السند: وكيع، فهو ابن الجرّاح، أثنى عليه غير واحد، إلاّ
أنّ الذهبي ذكره في ميزانه(1)، وحكى قول ابن المديني فيه: كان وكيع يلحن، ولو حدّث بألفاظه لكانت عجباً، كان يقول: حدّثنا الشعبي عن عائشة، وغمزه أحمد بسبّ السلف وشرب المسكر، وغير ذلك.
وثالث رجال السند: سليمان بن مهران الأعمش، الذي رمي بالتشيّع، وأثنوا عليه كثيراً، إلاّ أنّهم قالوا فيه: كان مدلّساً، وإن صحّت النسبة، فهو عيب فيه، وهو في هذا الخبر لم يصرّح بالسماع، بل جرى في العنعنة، وهو يروي الخبر عن مجاهد، وهذا مرّ بعض أحواله عند ذكر تفسيره في الجزء الحادي عشر من الموسوعة، وأنّه كان مدلّساً وكاذبا والتغبيش حول رواياته؛ فراجع.
فتبيّن لنا أنّ ما نسب إلى ابن عبّاس من الاستثناء بعد اليمين وإن طال أمده فهو مجز، فغير ثابت!
وقال في صفحة -191-: (في النذر: إجزاء أداء العبادة عن النذر واندماجه فيها.
ذهب ابن عبّاس رضي الله عنه إلى أنّ من نذر عبادة معيّنة كالصلاة والصوم والحجّ وغير ذلك، فإنّه يجوز له أن يدمج نذره بعبادة أُخرى مماثلة مفروضة عليه، فقد روى عكرمة عن ابن عبّاس: في رجل نذر أن يحجّ، ولم يكن حجّ الفريضة، قال: يجزي لهما جميعاً).
أقول: لقد مرّت المسألة فعلاً عن (موسوعة فقه ابن عبّاس/ قلعةجي)، ومرّت مناقشتها، فلا حاجة لإعادتها.
1) - الميزان 3/336 رقم 9356.
وقال في صفحة -193-: (في تقسيم الفيء والغنائم: هل مصارف الفيء هي مصارف الغنيمة؟
قال الإمام البخاري في تفسير سورة الأنفال من صحيحه: قال ابن عبّاس: الأنفال: المغانم(1).
وما ذكره البخاري معلّقاً عن ابن عبّاس، رواه ابن جرير الطبري موصولاً عن علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس(2).
وذكر أبو بكر الجصّاص هذه الرواية عن ابن عبّاس، ثمّ قال: (وروي عن ابن عبّاس رواية أُخرى عن عطاء: أنّ الأنفال ما يصل إلى المسلمين عن المشركين بغير قتال من دابة، أو عبد، أو متاع، فذلك للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يضعه حيث يشاء)(3).
وقد ورد عن ابن عبّاس ما يدلّ على أنّ شيوخ الصحابة كانوا يذهبون إلى أنّ الأنفال هي الغنائم، فقد أخرج أبو داود عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر: (من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا)، قال: فتقدّم الفتيان ولزم المشيخة الرايات فلم يبرحوها، فلمّا فتح الله عليهم، قالت المشيخة: كنّا ردءاً لكم لو انهزمتم لفئتم إلينا فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى، فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنا. فأنزل الله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ
الأَنفَالُ لِلّهِ، إلى قوله: وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ(1)، يقول: فكان ذلك خيراً لهم، فكذلك أيضاً فأطيعوني فإنّي أعلم بعاقبة هذا منكم(2). أمّا ابن كثير فقد روى ما ذكره عبد الرزّاق: (عن القاسم بن محمّد، قال: قال ابن عبّاس: كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه إذا سُئل عن شيء، قال: لا آمرك ولا أنهاك. ثمّ قال ابن عبّاس: والله ما بعث الله نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ زاجراً آمراً محلاًّ محرِّماً. قال القاسم: فسلّط على ابن عبّاس رجل يسأله عن الأنفال، فقال ابن عبّاس: كان الرجل ينفل فرس الرجل وسلاحه، فأعاد عليه الرجل، فقال له مثل ذلك، ثمّ أعاد عليه حتّى أغضبه، فقال ابن عبّاس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ(3)الذي ضربه عمر بن الخطّاب حتّى سالت الدماء على عقبيه -- أو على رجليه -- فقال الرجل: أمّا أنت فقد انتقم الله لعمر منك) (؟)
وعلّق ابن كثير على الإسناد، فقال: (وهذا إسناد صحيح إلى ابن عبّاس: أنّه فسّر النفل بما ينفله الإمام لبعض الأشخاص من سلب أو نحوه، بعد قسم أصل المغنم، وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفل، والله أعلم).
ثمّ أيد ذلك بما رواه الإمام أحمد في سبب نزول الآية: (عن سعد بن
1) - سورة الأنفال/1، 5.
2) - سنن أبي داود: كتاب الجهاد، باب النفل حديث رقم 2737.
3) - صبيغ هذا هو: صبيغ بن عسل، وقيل: صبيغ بن سهل، وقد كان يسأل عمر عن المتشابه في القرآن، فضربه حتّى سالت الدماء منه، فقال: ((حسبك يا أمير المؤمنين! قد ذهب الذي كنت أجد في نفسي))، ونفاه من المدينة إلى البصرة. وانظر في ترجمته: الإصابة لابن حجر 2/191 ترجمة رقم 123، وانظر: هامش صفحة 546 من الجزء الثالث من تفسير ابن كثير.
أبي وقاص، فقال: لمّا كان يوم بدر، وقتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يسمّى (ذا الكثيفة)، فأتيت به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (اذهب فاطرحه في القبض)(1)، قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلاّ الله من قتل أخي وأخذ سلبي، قال: فما جاوزت إلاّ يسيراً حتّى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اذهب فخذ سيفك)(2).
أقول: لمّا كانت الروايات عن ابن عبّاس في تفسيره الأنفال مختلفة، وقد ذكرها الطبري في تفسيره في أوّل سورة الأنفال، وهي باختصار:
1- الأنفال: هي الغنائم، وقد ذكر هذا المؤلّف نقلاً عن الطبري برواية علي بن أبي طلحة، وأعرض عن ذكرها برواية عطية العوفي، وهي قد ذكرها الطبري أيضاً، وهي أولى بالذكر، لأنّ عطية رأى ابن عبّاس وسمع منه، وعلي بن أبي طلحة لم يره ولم يسمع منه، ولكنّها الشناشن الأخزمية، فإنّ عطية كان يتشيّع، كما قال سالم المرادي وضعّفه، ومع هذا قال ابن عدي: مع ضعفه يكتب حديثه، وكان يعد مع شيعة الكوفة، وقال الساجي: ليس بحجّة، وكان يقدّم عليّاً على الكلّ، إلى غير هذا من التحامل على الرجل، مع أنّه روى عنه جلّة الناس، كما قال البزّار، ووثّقه ابن سعد وغيره.
أمّا علي بن أبي طلحة، فقد مرّ في الجزء الحادي عشر من هذه
1) - القبض بفتح القاف والباء، أي المقبوض، والمراد ما جمع من الغنائم قبل القسم.
2) - تفسير ابن كثير 3/546 -- 547، وهو في مسند الإمام أحمد 1/180، وقد ذكر ابن كثير بعد ذلك من طريق آخر بما يقارب المعنى السابق، وخرّجه عن الإمام أحمد أيضاً، وأبي داود، والترمذي، والنسائي من طرق، ثمّ قال: قال الترمذي: حسن صحيح.
الموسوعة تحقيق حاله ومآله، لكنّه سبق له جواز المرور بتخريج البخاري عنه، ومن روى عنه فقد جاز القنطرة، إنّها أحبولة منتشرة ومنكرة.
2- الأنفال: السلب والفرس، رواه الطبري بسنده عن الزهري، عن ابن عبّاس(1).
3- الأنفال: ما أخذ ممّا سقط من المتاع بعدما تقسم الغنائم فهي نفل لله ورسوله، رواه الطبري بسنده عن عطية العوفي، عن ابن عبّاس(2).
ولمّا كانت الروايات مختلفة إسناداً ومتناً، فإن كان فيها ما هو المشترك بينها، فهو المعتمد في صحّة نسبة الرأي عن ابن عبّاس في الأنفال، وإلاّ فلينظر إلى الرواية السالمة من جرح الرواة فيؤخذ بها، ويبدو من مراجعة المصادر التفسيرية والفقهية صحّة الرواية الأولى المروية عن عطية العوفي، والسند عنه مقبول. ويبقى زعم نسبة النسخ إلى ابن عبّاس غير مقبول رواية من جهة السند، وإن اعتمده بعضهم في الاستدلال.
وقال في صفحة -205-: (في النكاح: المسألة الأولى: ابن عبّاس ونكاح المتعة).
وقد أطال البحث في هذه المسألة من صفحة -205- إلى -234-، وحكى جملة من الأقوال المختلفة عن ابن عبّاس تبعاً للروايات التي وقف عندها، وفي المقدّمة حاول إثبات التحريم إلى يوم القيامة، وهذا زعم باطل، كما سيجيء بيان ذلك، وتعرّض لرأي الإمامية في آثار نكاح المتعة،
وقد زاغ القلم في نسبة تلك الآثار كما في الأثر التالي:
(3- لا يثبت به نسب إلاّ أن يشترط ذلك، وإن اتّفقا على إلحاق الولد بأبيه فليس له حقّ طلبه، قال الشيخ الذهبي: والصحيح أنّه يثبت به النسب وإن نفاه لا يلاعن).
وهذا من زخرف القول غروراً! فإنّ كتب الحديث والفقه الإمامي من الكثرة والانتشار ممّا لم يجهل موقعها عند القرّاء، ففي أي مصدر رأى الدكتور أنّه لا يثبت النسب للولد من نكاح المتعة؟ حتّى جاء بقول الشيخ الذهبي!
ولمّا كان الدكتور قد أشار إلى (الاستبصار) للطوسي، ومن (لا يحضره الفقيه) للصدوق، و(المختصر النافع في فقه الإمامية) لجعفر بن الحسن الحلّي، كما في هامش صفحة -206-، فنحن نطالبه أن يثبت لنا زعمه من هذه المصادر التي راجعها فيما يبدو؟
أو ليس قد ذكر الطوسي في (الاستبصار)، باب إنّ ولد المتعة لاحق بأبيه، وذكر فيه أربعة أحاديث صريحة في إلحاق الولد بأبيه، كان رابعها: (عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، قال سأل رجل الرضا عليه السلام وأنا أسمع، عن الرجل يتزوّج المرأة متعة ويشترط عليها ألاّ يطلب ولدها(1)، فتأتي بعد ذلك بولد أفينكر الولد؟ فشدّد في ذلك، وقال: (يجحد وكيف يجحد؟!) إعظاماً لذلك، قال الرجل: فإنّي أتهمها، قال: (لا يينبغي لك أن تتزوّج إلاّ مأمونة، إنّ الله تعالى يقول: الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا
1) - يعني العزل عنها عند المواقعة، وهذا معنى ما ورد في بعض الأحاديث: (ولا أطلب ولدكِ).
إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ(1)(2)، وقد أخرج الصدوق في (من لا يحضره الفقيه) هذه الرواية أيضاً بعينها، فلماذا الافتراء على الشيعة؟! ولمّا كان الدكتور ذكر في صفحة -207- عنوان: إباحة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المتعة ثمّ تحريمه إلى يوم القيامة؟ فذكر فيه عن ابن العربي وصفه نكاح المتعة بأنّها: من غرائب الشريعة، لأنّها أبيحت في صدر الإسلام، ثمّ حرّمت يوم خيبر، ثمّ أبيحت في غزوة أوطاس، ثمّ حرّمت بعد ذلك، واستقر الأمر على التحريم(3).. ثمّ نقل عن القرطبي تعقيباً على ما مرّ، وإنّ التحليل والتحريم جرى سبع مرّات، أربع منها في صحيح مسلم.. واستمرّ في توجيه تلك المرّات، وذكر طوائف الفقهاء من المذاهب القائلين بالتحليل والتحريم، واختلافهم في العدد، ثمّ حكى عن ابن عبّاس أربعة أقوال، وانتهى إلى ثلاثة منها:
1- إباحتها بإطلاق.
2- إباحتها للضرورة.
3- التحريم.
وصار بصدد التوجيه، فذكر أقوال الآخرين، وفيها ما ليس بوجيه.
إلى أن انتهى في صفحة -220- إلى أنّ الشيعة الإمامية تمسّكوا بالآية
-- يعني (فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل) على قراءة ابن عبّاس -- وبقراءة ابن عبّاس وغيره، واستدلّوا بها من جهات ثلاث:
الأولى: أنّها عبّرت بالاستمتاع دون النكاح، فقالت: فَمَا اسْتَمْتَعْتُم، فدلّ ذلك على صحّة عقد المتعة، كصحّة عقد النكاح الدائم.
الثانية: أنّها ذكرت الأجور دون المهور، قال تعالى: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، فالإجارة هنا عقد على منفعة، والمنفعة هي التمتع بالمرأة إلى أجل.
الثالثة: أنّ إتيان الأجور -- كما جاء في الآية -- يكون بعد الاستمتاع بهنّ، وهذا يكون في نكاح المتعة، ولكن المهر يجب في النكاح الصحيح بالعقد نفسه، ولا يتوقّف على الاستمتاع بالزوجة، فبمجرّد حصول عقد النكاح يجب المهر على الزوج، فيؤخذ الزوج بالمهر أوّلاً، ثمّ يمكّن من الاستمتاع بالزوجة(1).
ثمّ قال: (وهذا الاستدلال مردود من وجوه:
أوّلاً: إنّ الاستمتاع في الآية ليس مراداً به نكاح المتعة، كما قالت الشيعة الإمامية، وكما روى الطبري عن مجاهد والسدي، وإنّما المراد به الوطء في نكاح صحيح، وهذا ما روي بسند صحيح عن ابن عبّاس نفسه بطريق علي بن أبي طلحة، وعن الحسن ومجاهد بسند صحيحين).
ثمّ استمرّ في المناقشة لغرض الردّ على الشيعة الإمامية، إلى أن قال في الوجه الثالث: (إنّ هذه الآية: فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ(2)، لا دليل فيها مطلقاً
لا من قريب ولا من بعيد على نكاح المتعة، ولو كان فيها أدنى دليل على المتعة لردّ بها الصحابة عمر حين نهاهم عنها، كما في حديث جابر الذي في مسلم وغيره)، وذكر تعقيب الطحاوي على نهي عمر، فقال: (فهذا عمر -- رضي الله عنه -- قد نهى عن متعة النساء بحضرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم ينكر ذلك عليه منكر، وفي هذا دليل على متابعتهم له على ما نهى عنه من ذلك، وفي إجماعهم على النهي في ذلك عنها دليل على نسخها وحجّة)، أمّا الصحابة الذين أفتوا بحلّ نكاح المتعة وفعلوها بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث جابر، فلعلّهم لم يبلغهم خبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولمّا بلغهم انتهوا عن فعلها، إذ قال جابر: (فلم نعد لهما) (؟)
ثمّ ذكر عن الشوكاني جواباً قال فيه لا يخلو من تعسّف، إلى آخر ما رآه وقاله في تبرير نهي عمر وسكوت الصحابة وفيهم مثل عليّ: (فلماذا سكتوا وسكت عليّ عن نهي عمر عن المتعة، وهل هم أقلّ شأناً من المرأة التي عارضت عمر في المهر علناً وخضع عمر لرأيها؟ ولماذا لم يعلن عثمان أو عليّ حين تولّى كلّ منهما الخلافة خطأ عمر؟ ويفصحا عن الرأي الصحيح؟!)، هذا كلّه في القول الأوّل لابن عبّاس وهو إباحتها مطلقاً.
ولمّا كان في كلامه مواقع للنظر، وتعسّف وتزيّف لغرض الردّ على الشيعة الإمامية، ولا أطيل البحث معه في المقام، واكتفي بنقل كلام عَلَمين من أعلام الإمامية:
الأوّل: الشيخ الطوسي المتوفّى سنة (460ه-)، فقد قال في كتابه (الخلاف): (مسألة 119: نكاح المتعة عندنا مباح جائز، وصورته أن يعقد
عليها مدّة معلومة بمهر معلوم، فإن لم يذكر المدّة كان العقد دائماً. وإن ذكر الأجل ولم يذكر المهر بطل العقد، وإن ذكر مدّة مجهولة، لم يصحّ على الصحيح من المذهب، وبه قال عليّ عليه السلام على ما رواه أصحابنا(1).
وروي ذلك عن ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، وأبي سعيد الخدري، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية بن أبي سفيان، وابن عبّاس، وابن جريج(2)(3)، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء(4).
وحكى الفقهاء تحريمه عن عليّu وعمر بن الخطّاب، وابن مسعود، وابن الزبير وابن عمر(5)، وقالوا: إن ابن عبّاس رجع عن القول بإباحتها(6).
1) - الكافي 5/448 حديث 2، والتهذيب 7/250 حديث 1080، والاستبصار 3/141 حديث 508.
2) - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد المكّي أصله رومي، روى عن عطاء بن أبي رباح، وزيد بن أسلم، والزهري، وجماعة، وعنه محمّد، والأوزاعي، والليث، وآخرين. مات سنة 150 هجرية، تهذيب التهذيب 6/402.
3) - في النسخة الحجرية: ابن جريح.
4) - أحكام القرآن للجصّاص 2/150، وشرح معاني الآثار 3/24، والمحلّى 9/519، والنتف 1/277، والمغني لابن قدامة 7/571، وبداية المجتهد 2/58، والشرح الكبير 7/537، ونيل الأوطار 6/270، و271، وشرح النووي على صحيح مسلم المطبوع بهامش إرشاد الساري 6/119.
5) - صحيح مسلم 2/1027 حديث 30، والأُمّ 5/79 و7/174، ومختصر المزني/175، وشرح معاني الآثار 3/25، وأحكام القرآن للجصّاص 2/150، والسنن الكبرى 7/201، والمحلّى 9/520، والمبسوط 5/152، والمغني لابن قدامة 7/571 و572، والشرح الكبير 7/536، وفتح الباري 9/167 و174، وشرح فتح القدير 2/386، والمجموع 16/249 و254، وتبيين الحقائق 2/115، وشرح النووي على صحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 6/118.
6) - أحكام القرآن للجصّاص 2/151 و152، والمبسوط 5/152، والمغني لابن قدامة 7/572، وشرح فتح القدير 2/386، وفتح الباري / 386، وفتح الباري 9/173، وبداية المجتهد 2/58، والمجموع 16، 251، ونيل الأوطار 6/271، وشرح النووي على صحيح مسلم في هامش إرشاد الساري 6/122.
دليلنا: إجماع الفرقة المحقّة.
وأيضاً: قوله تعالى: فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء(1)، وهذا ممّا قد طاب له منهن، وقال تعالى: وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم(2)، وهذا ممّا قد ابتغاه بماله. وقال تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً(3)، ولفظ الاستمتاع إذا أطلق لا يفيد إلاّ نكاح المتعة.
وفي قراءة ابن مسعود: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهنّ)(4)، وهذا نص.
وأيضاً: لا خلاف أنّها كانت مباحة(5)، فمن ادّعى نسخها فعليه الدلالة.
وأيضاً: الأصل الإباحة، والمنع يحتاج إلى دليل.
وأيضاً: قول عمر: متعتان كانتا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا أنهى عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحجّ(6). وقوله: (كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)، إخبار منه عن كونها مباحة في زمانه، وما كان في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم
1) - سورة النساء/3.
2) - سورة النساء/24.
3) - سورة النساء/24.
4) - مجمع البيان 3/32، ونيل الأوطار 6/275، وشرح النووي على صحيح مسلم 6/118.
5) - أحكام القرآن للجصّاص 2/152 و153، والمبسوط 5/152، والمغني لابن قدامة 7/571 و572، والجامع لأحكام القرآن 5/130، وفتح الباري 9/167 و174، والمجموع 16/254، ونيل الأوطار 6/272 و274.
6) - السنن الكبرى 7/206، وأحكام القرآن للجصّاص 2/152، والمغني لابن قدامة 7/571 و572، والشرح الكبير 7/537.
مفعولاً فهو شرعه ودينه.
وأمّا ما رووه من الأخبار في تحريمها، فكلّها أخبار آحاد، وفيهما مع ذلك اضطراب، لأنّ فيها أنّه صلى الله عليه وآله وسلم حرّمها يوم خيبر في رواية ابن الحنفية، عن أبيه(1).
وروى الربيع بن سبرة(2)، عن أبيه، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكّة عام الفتح، فأذن في متعة النساء، فخرجت أنا وابن عمّ لي، وعلينا بردان لنفعل ذلك، فلقتني امرأة فأعجبها حسني، فتزوّجت بها، وكان الشرط عشرين ليلة، فأقمت عندها ليلة، فخرجت فأتيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو بين الركن والمقام، فقال: (كنت أذنت لكم في متعة النساء، وقد حرّمها الله تعالى إلى يوم القيامة، فمن كان عنده شيء من ذلك فليخل سبيلها ولا يأخذ ممّا آتاها شيئاً)(3)، وهذا اضطراب، لأنّ بين الوقتين قريب من ثلاث سنين.
فإن قالوا: حرّمها يوم خيبر، وأعاد ذكرها بمكّة، وهذا لا يمنع.
قلنا: هذا باطل، لأنّ ابن سبرة روى أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أذن فيها بمكّة.
فإن قالوا: حرّمها بخيبر، ثمّ أحلّها بمكّة، ثمّ حرّمها، وهذا سائغ في شرعه يحلّ شيئاً ثمّ يحرّمه.
قيل: هذا يسقط بالإجماع، لأنّ أحداً ما قال أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أباحها دفعتين
1) - صحيح مسلم 2/1027 حديث 29 و30، وسنن النسائي 6/126، والسنن الكبرى 7/201 و202، والأُمّ 7/174، وشرح معاني الآثار 3/25، وعمدة القاري 20/111.
2) - الربيع بن سبرة بن معبد، ويقال: ابن عوسجة الجهني المدني روى عن أبيه وغيره. تهذيب التهذيب 3/244.
3) - السنن الكبرى 7/203، وسنن الدارمي 2/140 باختلاف يسير، وفيهما: وكان الأجل عشراً بدل (عشرين ليلة).
وحرّمها دفعتين، ودخل بينهما نسخ دفعتين، وتحليل دفعتين، فالإجماع يسقط هذا التأويل.
وابن عبّاس كان يفتي بها، وناظره على ذلك ابن الزبير، وهي مناظرة معروفة رواها الناس كلّهم(1)، ونظم الشعراء فيها القول.
فقال بعضهم:
يا صاح هل لك في فتوى ابن عبّاس*** أقول للشيخ لما طال مجلسه
هل لك في قينة(2)بيضاء تهكته(3)
تكون مثواك حتّى يصدر الناس(4)
قد قلت للشيخ لما طال محبسه*** يا صاح هل لك في فتوى ابن عبّاس
وهل ترى رخصة الأطرف آنسة*** تكون مثواك حتّى مصدر الناس
5- الخلاف 4/340 -- 343.
فإن قالوا: رجع عن ذلك.
قيل: لا يقبل ذلك، لأنّ قوله مجمع عليه، ورجوعه ليس عليه دليل)(5).
وأمّا العلم الثاني الذي ردّ على مزاعم الذين حرّموا نكاح المتعة، وتحاملوا على الشيعة الإمامية، فبهتوهم بما ليس فيهم، فهو المرحوم سيّدنا الأُستاذ السيّد الخوئي قدس سره، فقد قال في كتابه (البيان) -- وإلى القارئ كلامه نذكره بطوله -- :
1) - السنن الكبرى 7/206، وشرح معاني الآثار 3/24، وشرح فتح القدير 2/386.
2) - قينة: الأمة المغنية.
3) - الهكتة: الندامة.
4) - حكاهما أكثر من مصدر باختلاف في الألفاظ: انظر المجموع 16/251، والمغني لابن قدامة 7/573، والسنن الكبرى 7/205، والدراية في تخريج أحاديث الهداية 2/58، ونيل الأوطار 6/270 وفي بعضها لفظه:
(13- فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً(1).
فقد اشتهر بين علماء أهل السُنّة أنّ حلّية المتعة قد نسخت، وثبت تحريمها إلى يوم القيامة، وقد أجمعت الشيعة الإمامية على بقاء حلّية المتعة وأنّ الآية المباركة لم تنسخ، ووافقهم على ذلك جماعة من الصحابة والتابعين.
قال ابن حزم: ثبت على إباحتها -- المتعة -- بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ابن مسعود، ومعاوية، وأبو سعيد، وابن عبّاس، وسلمة ومعبد ابنا أُميّة بن خلف، وجابر، وعمرو بن حريث، ورواه جابر عن جميع الصحابة: (مدّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر)، ثمّ قال: (ومن التابعين طاووس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وسائر فقهاء مكّة)(2).
ونسب شيخ الإسلام المرغيناني القول بجواز المتعة إلى مالك، مستدلاً عليه بقوله: (لأنّه -- نكاح المتعة -- كان مباحاً فيبقى إلى أن يظهر ناسخه)(3).
ونسب ابن كثير جوازها إلى أحمد بن حنبل عند الضرورة في
1) - سورة النساء/24.
2) - هامش المنتقى للفقي 2/520.
3) - الهداية في شرح البداية: 385، ط بولاق مع فتح القدير، وهذه النسبة قد أقرّها الشيخ محمّد البابرتي في شرحه على الهداية، نعم إنّ ابن الهمام الحنفي أنكر ذلك في فتح القدير، والله العالم. وقال عبد الباقي المالكي الزرقاني في شرحه على مختصر أبي الضياء 3/190: ((حقيقة نكاح المتعة الذي يفسخ مطلقاً أن يقع العقد مع ذكر الأجل من الرجل أو المرأة أو وليّها بأن يعلمها بما قصده، وأمّا إذا لم يقع ذلك في العقد، ولكنّه قصده الرجل، وفهمت المرأة ذلك منه فإنّه يجوز، قاله مالك، وهي فائدة حسنة تنفع المتغرب)).
رواية(1)، وقد تزوّج ابن جريج أحد الأعلام وفقيه مكّة في زمنه سبعين امرأة بنكاح المتعة(2)، وسنتعرض إن شاء الله تعالى للبحث في هذا الموضوع عند تفسيرنا الآية الكريمة، ولكنّا نتعرّض هنا تعرضاً إجمالياً لإثبات أنّ مدلول الآية المباركة لم يرد عليه ناسخ.
وبيان ذلك: أنّ نسخ الحكم المذكور فيها يتوقّف.
أوّلاً: على أنّ المراد من الاستمتاع في الآية هو التمتع بالنساء بنكاح المتعة.
ثانياً: على ثبوت تحريم نكاح المتعة بعد ذلك.
أمّا الأمر الأوّل: (إرادة التمتع بالنساء من الاستمتاع)، فلا ريب في ثبوته، وقد تظافرت في ذلك الروايات عن الطريقين. قال القرطبي: قال الجمهور: المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام، وقرأ ابن عبّاس، وأبي، وابن جبير (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن)(3)، ومع ذلك فلا يلتفت إلى قول الحسن بأنّ المراد منها النكاح الدائم، وأنّ الله لم يحلّ المتعة في كتابه، ونسب هذا القول إلى مجاهد، وابن عبّاس أيضاً، والروايات المروية عنهما أنّ الآية نزلت في المتعة تكذب هذه النسبة، وعلى كلّ حال فإنّ استفاضة الروايات في ثبوت هذا
النكاح وتشريعه تغنينا عن تكلّف إثباته، وعن إطالة الكلام فيه.
وأمّا الأمر الثاني: (تحريم نكاح المتعة بعد جوازه)، فهو ممنوع، فإنّ ما يحتمل أن يعتمد عليه القائل بالنسخ هو أحد أمور، وجميعها لا يصلح لأن يكون ناسخاً، وهي:
1- أنّ ناسخها هو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ(1).
ونسب ذلك إلى ابن عبّاس(2)، ولكن النسبة غير صحيحة، فإنّك ستعرف أنّ ابن عبّاس بقي مصرّاً على إباحة المتعة طيلة حياته.
والجواب عن ذلك ظاهر؛ لأنّ الالتزام بالنسخ إن كان لأجل أنّ عدد عدّة المتمتع بها أقلّ من عدّة المطلّقة فلا دلالة في الآية، ولا في غيرها، على أنّ عدّة النساء لا بدّ وأن تكون على نحو واحد، وإن كان لأجل أنّه لا طلاق في نكاح المتعة، فليس للآية تعرّض لبيان موارد الطلاق، وأنّه في أي مورد يكون، وفي أي مورد لا يكون.
وقد نقل في (تفسير المنار) عن بعض المفسّرين أنّ الشيعة يقولون بعدم العدّة في نكاح المتعة(3).
سبحانك اللّهمّ هذا بهتان عظيم! وهذه كتب فقهاء الشيعة من قدمائهم ومتأخّريهم، ليس فيها من نسب إليه هذا القول، وإن كان على سبيل
الشذوذ، فضلاً عن كونه مجمعاً عليه بينهم، وللشيعة مع هؤلاء الذين يفترون عليهم الأقاويل، وينسبون إليهم الأباطيل يوم تجتمع فيه الخصوم، وهنالك يخسر المبطلون(1).
2- أنّ ناسخها قوله تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ(2).
من حيث إنّ المتمتع بها لا ترث ولا تورث فلا تكون زوجة، ونسب ذلك إلى سعيد بن المسيّب، وسالم بن عبد الله، والقاسم -- بن محمّد -- بن أبي بكر(3).
الجواب: إنّ ما دلّ على نفي التوارث في نكاح المتعة يكون مخصصاً لآية الإرث، ولا دليل على أنّ الزوجية بمطلقها تستلزم التوارث. وقد ثبت أنّ الكافر لا يرث المسلم، وأنّ القاتل لا يرث المقتول، وغاية ما ينتجه ذلك أنّ التوارث مختصّ بالنكاح الدائم، وأين هذا من النسخ؟!!
3- أنّ ناسخها هو السُنّة، فقد رووا عن عليّ عليه السلام، أنّه قال لابن عبّاس: (إنّك رجل تائه. إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر).
وروى الربيع بن سبرة، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائماً بين الركن والباب وهو يقول: (يا أيّها الناس إنّي قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإنّ الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنّ شيء
فليخل سبيله، ولا تأخذوا ممّا آتيتموهن شيئاً).
وروى سلمة، عن أبيه، قال: (رخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام أو طاس في المتعة ثلاثاً ثمّ نهى عنها).
والجواب:
أوّلاً: أنّ النسخ لا يثبت بخبر الواحد، وقد تقدّم مراراً.
ثانياً: أنّ هذه الروايات معارضة بروايات أهل البيت عليهم السلام المتواترة التي دلّت على إباحة المتعة، وأنّ النبيّ لم ينه عنها أبداً.
ثالثاً: أنّ ثبوت الحرمة في زمان ما على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكفي في الحكم بنسخ الآية، لجواز أن يكون هذا الزمان قبل نزول الإباحة، وقد استفاضت الروايات من طرق أهل السُنّة على حلّية المتعة في الأزمنة الأخيرة من حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى زمان من خلافة عمر، فإن كان هناك ما يخالفها فهو مكذوب، ولا بدّ من طرحه.
ولأجل التبصرة نذكر فيما يلي جملة من هذه الروايات:
1- روى أبو الزبير، قال: (سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر، حتّى نهى عنه -- نكاح المتعة -- عمر في شأن عمرو بن حريث)(1).
2- وروى أبو نضرة، قال: (كنت عند جابر بن عبد الله، فأتاه آتٍ، فقال: ابن عبّاس وابن الزبير اختلفا في المتعتين -- متعة الحجّ ومتعة النساء --
1) - صحيح مسلم باب نكاح المتعة 4/141.
فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما)(1).
3- وروى أبو نضرة عنه أيضاً: (قال: متعتان كانتا على عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فنهانا عنهما عمر فانتهينا)(2).
4- وروى أبو نضرة عنه أيضاً: (تمتعنا متعتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الحجّ والنساء، فنهانا عنهما عمر فانتهينا)(3).
5- وروى أبو نضرة عنه أيضاً: (قال: قلت إنّ ابن الزبير ينهى عن المتعة، وإنّ ابن عبّاس يأمر بها، قال: -- جابر -- على يدي جرى الحديث، تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع أبي بكر، فلمّا ولي عمر خطب الناس، فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الرسول، وإنّ القرآن هذا القرآن، وإنّهما كانتا متعتان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، إحداهما متعة النساء، ولا أقدر على رجل تزوّج امرأة إلى أجل إلاّ غيبته بالحجارة...)(4).
6- وروى عطاء: (قال: قدم جابر بن عبد الله معتمراً، فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء، ثمّ ذكروا المتعة، فقال: نعم، استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبي بكر، وعمر)(5). وأخرج ذلك أحمد في مسنده، وزاد فيه: (حتّى إذا كان في آخر خلافة عمر)(6).
7 -- وروى عمران بن حصين: (قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى، وعملنا بها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم تنزل آية تنسخها، ولم ينه عنها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حتّى مات)(1). وذكرها الرازي عند تفسيره الآية المباركة بزيادة: (ثمّ قال رجل برأيه ما شاء)(2).
8- وروى عبد الله بن مسعود: (قال: كنّا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس معنا نساء، قلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثمّ رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثمّ قرأ عبد الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(3)(4).
أقول: إنّ قراءة عبد الله الآية صريحة في أنّ تحريم المتعة لم يكن من الله ولا من رسوله، وإنّما هو أمر حدث بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
9- وروى شعبة عن الحكم بن عيينة: (قال: سألته عن هذه الآية -- آية المتعة -- أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال عليّ: (لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي)(5). وروى القرطبي ذلك عن عطاء عن ابن عبّاس(6).
أقول: لعلّ المراد بالشقي -- في هذه الرواية -- هو ما فسرّ به هذا اللفظ في رواية أبي هريرة، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يدخل النار إلاّ شقي)،
قيل: ومن الشقي؟ قال: (الذي لا يعمل بطاعة، ولا يترك لله معصية)(1).
10- وروى عطاء: (قال: سمعت ابن عبّاس يقول: رحم الله عمر، ما كانت المتعة إلاّ رحمة من الله تعالى رحم الله بها أُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ولولا نهيه لما احتاج إلى الزنا إلاّ شفا)(2).
ثمّ إنّ الروايات التي استند إليها القائل بالنسخ على طوائف، منها: ما ينتهي سنده إلى الربيع بن سبرة، عن أبيه، وهي كثيرة، وقد صرّح في بعضها بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام بين الركن والمقام، أو بين الباب والمقام، وأعلن تحريم نكاح المتعة إلى يوم القيامة.
ومنها: ما روي عن عليّ عليه السلام أنّه روى تحريمها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومنها: ما روي عن سلمة بن الأكوع.
أمّا ما ينتهي سنده إلى سبرة، فهو وإن كثرت طرقه، إلاّ أنّه خبر رجل واحد (سبرة)، وخبر الواحد لا يثبت به النسخ. على أنّ مضمون بعض هذه الروايات يشهد بكذبها، إذ كيف يعقل أن يقوم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً بين الركن والمقام، أو بين الباب والمقام، ويعلن تحريم شيء إلى يوم القيامة بجمع حاشد من المسلمين، ثمّ لا يسمعه غير سبرة، أو أنّه لا ينقله أحد من ألوف المسلمين سواه! فأين كان المهاجرون والأنصار الذين كانوا يلتقطون كلّ شاردة وواردة من أقوال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله؟! وأين كانت الرواة الذين كانوا يهتمون بحفظ إشارات يد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولحظات عينيه، ليشاركوا سبرة في
رواية تحريم المتعة إلى يوم القيامة؟
ثمّ أين كان عمر نفسه عن هذا الحديث ليستغني به عن إسناد التحريم إلى نفسه؟!!
أضف إلى ذلك أنّ روايات سبرة متعارضة، يكذب بعضها بعضاً! ففي بعضها أنّ التحريم كان في عام الفتح(1)، وفي بعضها أنّه كان في حجّة الوداع(2).
وعلى الجملة إنّ رواية سبرة هذه في تحريم المتعة لا يمكن الأخذ بها من جهات شتّى.
وأمّا ما روي عن عليّ عليه السلام في تحريم المتعة، فهو موضوع قطعاً! وذلك لاتّفاق المسلمين على حلّيتها عام الفتح، فكيف يمكن أن يستدلّ عليّ عليه السلام على ابن عبّاس بتحريمها في خيبر، ولأجل ذلك احتمل بعضهم أن تكون جملة (زمن خيبر) في الرواية المتقدّمة راجعة إلى تحريم لحوم الحمر الأهلية، لا إلى تحريم المتعة، ونقل هذا الاحتمال عن ابن عيينة، كما في (المنتقى)، و(سنن البيهقي)، في باب المتعة.
وهذا الاحتمال باطل من وجهين:
1- مخالفته للقواعد العربية؛ لأنّ لفظ النهي في الرواية لم يذكر إلاّ مرّة واحدة في صدر الكلام، فلا بدّ وأن يتعلّق الظرف به، فالذي يقول: أكرمت
زيداً وعمراً يوم الجمعة، لا بدّ وأن يكون مراده أنّه أكرمهما يوم الجمعة، أمّا إذا كان المراد أنّ إكرامه لعمرو بخصوصه كان يوم الجمعة فلا بدّ له من أن يقول: أكرمت زيداً، وأكرمت عمرواً يوم الجمعة.
2- إنّ هذا الاحتمال مخالف لصريح رواية البخاري، ومسلم، وأحمد، عن عليّ عليه السلام أنّه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية)(1). وروى البيهقي -- في باب المتعة -- عن عبد الله بن عمر أيضاً رواية تحريم المتعة يوم خيبر(2).
وأمّا ما روي عن سلمة بن الأكوع عن أبيه، قال: (رخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثمّ نهى عنها)، فهو خبر واحد، لا يثبت به النسخ، على أنّ ذلك لو كان صحيحاً لم يكن خفياً عن ابن عبّاس، وابن مسعود، وجابر، وعمرو بن حريث، ولا عن غيرهم من الصحابة والتابعين؟ وكيف يصحّ ذلك ولم يحرّم أبو بكر المتعة أيام خلافته، ولم يحرّمها عمر في شطر كبير من أيامه، وإنّما حرّمها في أواخر أمره؟!
وقد مرّ عليك كلام ابن حزم في ثبوت جماعة من الصحابة والتابعين على إباحة المتعة، وممّا يدلّ على ما ذكره ابن حزم من فتوى جماعة من الصحابة بإباحة المتعة: ما رواه ابن جرير في (تهذيب الآثار): (عن سليمان ابن يسار، عن أُمّ عبد الله ابنة أبي خيثمة: أنّ رجلاً قدم من الشام فنزل عليها، فقال: إنّ العزبة قد اشتدت علَيَّ فابغيني امرأة أتمتع معها، قالت: فدللته على
امرأة فشارطها وأشهدوا على ذلك عدولاً، فمكث معها ما شاء الله أن يمكث، ثمّ إنّه خرج فأخبر عن ذلك عمر بن الخطّاب، فأرسل إلَيَّ فسألني أحقّ ما حدّثت؟ قلت: نعم: قال: فإذا قدم فآذنيني به، فلمّا قدم أخبرته فأرسل إليه، فقال: ما حملك على الذي فعلته؟ قال: فعلته مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ لم ينهنا عنه حتّى قبضه الله، ثمّ مع أبي بكر فلم ينهنا عنه حتّى قبضه الله، ثمّ معك فلم تحدّث لنا فيه نهيا، فقال عمر: أما والذي نفسي بيده لو كنت تقدّمت في نهي لرجمتك، بينوا حتّى يعرف النكاح من السفاح).
وما رواه ابن جرير أيضاً، وأبو يعلى في مسنده، وأبو داود في ناسخه، عن عليّ عليه السلام، قال: (لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطّاب لأمرت بالمتعة، ثمّ ما زنى إلاّ شقي)(1).
وفي هاتين الروايتين وجوه من الدلالة على أنّ التحريم إنّما كان من عمر:
الأوّل: شهادة الصحابي، وشهادة عليّ عليه السلام على أنّ تحريم المتعة لم يكن في زمان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا بعده إلى أن حرّمها عمر برأيه.
الثاني: شهادة العدول عن المتعة في الرواية الأولى، مع عدم نهيهم عنها تدلّ على أنّهم كانوا يجوزونها.
الثالث: تقرير عمر دعوى الشامي أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم ينه عنها.
الرابع: قول عمر للشامي: (لو كنت تقدّمت في نهي لرجمتك)، فإنّه صريح في أنّ عمر لم يتقدّم بالنهي قبل هذه القصّة، ومعنى ذلك: أنّ عمر
1) - كنز العمّال 8/294.
قد اعترف بأنّ المتعة لم ينه عنها قبل ذلك.
الخامس: قول عمر: (بينوا حتّى يعرف النكاح من السفاح)، فإنّه يدلّ على أنّ المتعة كانت شايعة بين المسلمين، فأراد أن يبلّغ نهيه عن المتعة إليهم لينتهوا عنها بعد ذلك، ولعلّ لهذه القصّة دخلاً مباشراً أو غير مباشر في تحريم عمر للمتعة، فإنّ إنكاره على الشامي عمله هذا مع شهادة الحديث بأنّ التمتع كان أمراً شايعاً بين المسلمين ووصول الخبر إليه، مع أنّ هذه الأشياء لا يصل خبرها إلى السلطان عادة.
كلّ هذا يدلّنا على أنّ في الأمر سرّاً جهلته الرواة، أو أنّهم أغفلوه فلم يصل إلينا خبره! ويضاف إلى ذلك أنّ رواية سلمة بن الأكوع ليس فيها ظهور في أنّ النهي كان من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فمن المحتمل أنّ لفظ نهي في الرواية بصيغة المبني للمفعول وأريد منه نهي عمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وعلى الجملة: أنّه لم يثبت بدليل مقبول نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المتعة، وممّا يدلّ على أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ينه عن المتعة: أنّ عمر نسب التحريم إلى نفسه، حيث قال: (متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما)(1)، ولو كان التحريم من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لكان عليه أن يقول: نهى النبيّ عنهما.
4- إنّ ناسخ جواز المتعة الثابت بالكتاب والسُنّة هو الإجماع على تحريمها.
1) - تقدّم ذلك في الرواية الخامسة من روايات جابر، ورواه أبو صالح كاتب الليث في نسخته، والطحاوي، ورواه ابن جرير في تهذيب الآثار، وابن عساكر، إلاّ أنّ عمر قال في ما روياه: وأضرب فيهما، كنز العمّال المتعة 8/293، 294.
والجواب عن ذلك: أنّ الإجماع لا حجّية له إذا لم يكن كاشفاً عن قول المعصوم، وقد عرفت أنّ تحريم المتعة لم يكن في عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولا بعده إلى مضي مدّة من خلافة عمر، أفهل يجوز في حكم العقل أن يرفض كتاب الله وسُنّة نبيّه بفتوى جماعة لم يعصموا من الخطأ؟ ولو صحّ ذلك لأمكن نسخ جميع الأحكام التي نطق بها الكتاب، أو أثبتتها السُنّة القطعية، ومعنى ذلك أن يلتزم بجواز نسخ وجوب الصلاة، أو الصيام، أو الحجّ بآراء المجتهدين، وهذا ممّا لا يرضى به مسلم.
أضف إلى ذلك: أنّ الإجماع لم يتم في مسألة تحريم المتعة، وكيف يدّعي الإجماع على ذلك، مع مخالفة جمع من المسلمين من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعده، ولا سيما أنّ قول هؤلاء بجواز المتعة موافق لقول أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وإذاً فلم يبق إلاّ تحريم عمر.
ومن البيّن أنّ كتاب الله وسُنّة نبيّه أحقّ بالاتّباع من غيرهما، ومن أجل ذلك أفتى عبد الله بن عمر بالرخصة بالتمتع في الحجّ، فقال له ناس: (كيف تخالف أباك وقد نهى عن ذلك، فقال لهم: ويلكم ألاّ تتقون.. أفرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحقّ أن تتبعوا سُنّته أم سُنّة عمر؟!)(1).
وخلاصة ما تقدّم: أنّ جميع ما تمسّك به القائلون بالنسخ لا يصلح أن يكون ناسخاً لحكم الآية المباركة، الذي ثبت -- قطعاً -- تشريعه في الإسلام.
الرجم على المتعة:
1) - مسند أحمد 2/95.
قد صحّ في عدّة روايات -- تقدّم بعضها -- أنّ عمر حكم بالرجم على المتعة، فمنها ما رواه جابر، قال: (تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلمّا قام عمر قال: إنّ الله كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء، وإنّ القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحجّة والعمرة لله كما أمركم، وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة)(1).
ومنها: ما رواه الشافعي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة: أنّ خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطّاب، فقالت: (إنّ ربيعة بن أُميّة استمتع بامرأة مولدة، فحملت منه، فخرج عمر يجرّ رداءه فزعاً، فقال: هذه المتعة ولو كنت تقدّمت فيه لرجمته)(2).
ومنها: ما رواه نافع عن عبد الله بن عمر: (إنّه سُئل عن متعة النساء؟ فقال: حرام، أما إنّ عمر بن الخطّاب لو أخذ فيها أحداً لرجمه)(3).
ونهج ابن الزبير هذا المنهج، فإنّه حينما أنكر نكاح المتعة، قال له ابن عبّاس: (إنّك لجلف جاف، فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين -- رسول الله -- فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك، فو الله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك)(4).
وهذا من الغريب! وكيف يستحقّ الرجم رجل من المسلمين خالف عمر
في الفتيا، واستند في قوله هذا إلى حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونصّ الكتاب؟!!
ولنفرض أنّ هذا الرجل كان مخطئاً في اجتهاده، أفليست الحدود تدرأ بالشبهات؟!
على أنّ ذلك فرض محض، وقد علمت أنّه لا دليل يثبت دعوى النسخ.
وما أبعد هذا القول من مذهب أبي حنيفة، حيث يرى سقوط الحدّ إذا تزوّج الرجل بامرأة نكاحاً فاسداً، أو بإحدى محارمه في النكاح، ودخل بها مع العلم بالحرمة وفساد العقد(1)، وأنّه إذا استأجر امرأة فزنى بها، سقط الحدّ لأنّ الله تعالى سمّى المهر أجراً! وقد روي نحو ذلك عن عمر بن الخطّاب أيضاً(2).
زعم صاحب (المنار) أنّ التمتع ينافي الإحصان، بل يكون قصده الأوّل المسافحة، لأنّه ليس من الإحصان في شيء أن تؤجر المرأة نفسها كلّ طائفة من الزمن لرجل، فتكون كما قيل:
فتلقفها رجل رجل
كرة حذفت بصوالجة
وزعم أنّه ينافي قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ _ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ _ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ(3).
ثمّ ذكر أنّ تحريم عمر لم يكن من قبل نفسه، فإن ثبت أنّه نسبه إلى نفسه، فمعناه أنّه بيّن تحريمها، أو أنّه أنفذه. ثمّ إنّه استغفر بعد ذلك عمّا كتبه في (المنار) من أنّ عمر منع المتعة اجتهاداً منه، ووافقه عليه الصحابة(1).
ودفعا لهذه المزاعم، نقول:
أمّا حكاية منافاة التمتع للاحصان فهو مبني على ما يزعمه هو من أن المتمتع بها ليست زوجة، وقد أوضحنا -- فيما تقدّم -- فساد هذا القول ومنه يظهر أيضاً فساد توهمه أن جواز التمتع ينافي وجوب حفظ الفروج على غير الأزواج.
وأمّا تعبيره عن عقد المتعة بإجارة المرأة نفسها، وتشبيه المرأة بالكرة التي تتلقفها الأيدي، فهو -- لو كان صحيحاً -- لكان ذلك اعتراضاً على تشريع هذا النوع من النكاح على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنّ هذا التشبيه والتقبيح لا يختص بزمان دون زمان، ولا يشكّ مسلم في أنّ التمتع كان حلالاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد عرفت -- فيما تقدّم -- أنّ إباحته استمرت حتّى إلى مدّة من عهد عمر.
ومن الغريب: أن يصرّح -- هنا -- أنّه لم يقصد غير بيان الحقّ، وأنّه لا يتعصّب لمذهب، ثمّ يجرّه التعصّب إلى أن يشنع على ما ثبت في الشرع الإسلامي بنص الكتاب والسُنّة وإجماع المسلمين، وإن وقع الاختلاف بينهم في نسخه واستمراره!
1) - تفسير المنار 5/13 -- 16.
أضف إلى ذلك أنّ انتقال المرأة من رجل إلى رجل لو كان قبيحاً لكان ذلك مانعاً عن طلاق المرأة في العقد الدائم، لتنتقل إلى عصمة رجل آخر، وعن انتقال المرأة بملك اليمين، ولم يستشكل في ذلك أحد من المسلمين، إلاّ أنّ صاحب (المنار) في مندوحة عن هذا الإشكال، لأنّه يرى المنع من الاسترقاق، وأنّ في تجويزه مفاسد كثيرة، وزعم أنّ العلماء الأعلام أهملوا ذكر ذلك، وذهب إلى بطلان العقد الدائم، إذا قصد الزوج من أوّل الأمر الطلاق بعد ذلك، وخالف في ذلك فتاوى فقهاء المسلمين!
ومن الغريب أيضاً: ما وجه به نسبة عمر تحريم المتعة إلى نفسه، فإنّه لا ينهض ذلك بما زعمه، فإنّ بيان عمر للتحريم: إمّا أن يكون اجتهاداً منه على خلاف قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وإمّا أن يكون اجتهاداً منه بتحريم النبيّ إياها، وإمّا أن يكون رواية منه للتحريم عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
أمّا احتمال أن يكون قوله رواية عن النبيّ، فلا يساعد عليه نسبة التحريم، والنهي إلى نفسه في كثير من الروايات. على أنّه إذا كان رواية، كانت معارضة بما تقدّم من الروايات الدالّة على بقاء إباحة المتعة إلى مدّة غير يسيرة من خلافة عمر، وأين كان عمر أيام خلافة أبي بكر؟ وهلا أظهر روايته لأبي بكر ولسائر المسلمين؟ على أنّ رواية عمر خبر واحد لا يثبت به النسخ.
وأمّا احتمال أن يكون قول عمر هذا اجتهاداً منه بتحريم النبيّ نكاح المتعة، فهو أيضاً لا معنى له بعد شهادة جماعة من الصحابة بإباحته في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى وفاته. على أنّ اجتهاده هذا لا يجدي غيره ممّن لم يؤمر
باتّباع اجتهاده ورأيه، بل وهذان الاحتمالان مخالفان لتصريح عمر في خطبته: (متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما).
وإذاً فقد انحصر الأمر في أنّ التحريم كان اجتهاداً منه على خلاف قول رسول الله بالإباحة، ولأجل ذلك لم تتبعه الأُمّة في تحريمه متعة الحجّ، وفي ثبوت الحدّ في نكاح المتعة، فإنّ اللازم على المسلم أن يتّبع قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يرفض كلّ اجتهاد يكون على خلافه.
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ(1). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما أحللت إلاّ ما أحلّ الله، ولا حرّمت إلاّ ما حرّم الله)(2).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه -- فمه -- إلاّ حق)(3).
ومع هذا كلّه: فقد قال القوشجي في الاعتذار عن تحريم عمر المتعة، خلافاً لرسول الله: (وأجيب: بأنّ ذلك ليس ممّا يوجب قدحاً فيه، فإنّ مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ببدع)(4).
وقال الآمدي: (اختلفوا في أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هل كان متعبداً بالاجتهاد فيما
لا نصّ فيه؟ فقال أحمد بن حنبل، والقاضي أبو يوسف: (إنّه كان متعبداً به)، وجوّز الشافعي في رسالته ذلك من غير قطع، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري، ثمّ قال: (والمختار جواز ذلك عقلاً ووقوعه سمعاً)(1).
وقال فيه أيضاً: القائلون بجواز الاجتهاد للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اختلفوا في جواز الخطأ عليه في اجتهاده، فذهب بعض أصحابنا إلى المنع من ذلك، وذهب أكثر أصحابنا، والحنابلة، وأصحاب الحديث، والجبائي، وجماعة من المعتزلة إلى جوازه، لكن بشرط أن لا يقرّ عليه، وهو المختار(2).
وحاصل ما تقدّم: أنّ آية التمتع لا ناسخ لها، وأنّ تحريم عمر، وموافقة جمع من الصحابة له على رأيه طوعاً أو كرهاً إنّما كان اجتهاداً في مقابل النص، وقد اعترف بذلك جماعة، وأنّه لا دليل على تحريم المتعة غير نهي عمر، إلاّ أنّهم رأوا أنّ اتّباع سُنّة الخلفاء كاتّباع سُنّة النبيّ(3).
وعلى أي، فما أجود ما قاله عبد الله بن عمر: (أرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحقّ أن تتّبع سُنّته أم سُنّة عمر؟!)، وما أحقّ ما قاله الشيخ محمّد عبده في تفسير قوله تعالى: الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ(4)(5)(6).
(التعليقة - 7 -
ص320
تحريف حديث المتعة في صحيح البخاري:
روى هذا الحديث: (كنّا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثمّ رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثمّ قرأ عبد الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(1).
رواها عن البخاري جماعة من المحدّثين، والمفسّرين، والفقهاء بهذا النص، ولكن الموجود في صحيح البخاري المتداول: الجزء 6 الصفحة 53 يخالف ما ذكره هؤلاء من وجهين:
1- حذف كلمة: (ابن مسعود) من سند الحديث -- وقد ذكره معظمهم -- لأنّه كان يقول بجواز المتعة، حتّى لا تكون قرينة على أنّ المراد بهذه الرواية هو جواز نكاح المتعة وترخيصه.
2- حذف كلمة: (إلى أجل) من آخر الرواية، لأنّها صريحة في ترخيص نكاح المتعة، كما فهمها الشرّاح وفسّروها، لأنّ الترخيص في النكاح -- في هذا المورد -- لا بدّ وأن يكون ترخيصاً لنكاح المتعة، دون النكاح الدائم، خاصّة، وإن كان المقصود من: (ليس معنا نساء) أي: نساؤنا وزوجاتنا، لا مطلق النساء، وإلاّ لم يكن معنى للترخيص في النكاح في تلك الحالة، ويؤيّد ذلك ما ورد في بعض المصادر: (ليس لنا نساء).
1) - سورة المائدة/87.
ولدلالة هذه الرواية على نكاح المتعة، ادّعى غير واحد من الفقهاء نسخ هذا الحكم الثابت في هذه الرواية بتحريم نكاح المتعة بعد ذلك بروايات أُخرى تفيد تحريمها.
ومع أنّ ذلك لا يتم لهم لأسباب مرّت عليك -- عند مناقشة تلك الروايات في آية المتعة -- فإنّ يد التحريف تناولت هذه الرواية فغيرتها عمّا كانت عليه من الصحّة. ألا قاتل الله التحريف، وأهواء المحرفين!
ومن المحدّثين، والمفسّرين، والفقهاء الذين رووا الحديث المذكور عن البخاري على وجه الصحّة، هم:
(أ) البيهقي: في سننه، الجزء 7 الصفحة 200، طبعة حيدر آباد.
(ب) السيوطي: في تفسيره، الجزء2 الصفحة 207، طبعة الميمنية بمصر.
(ج) الزيلعي: في (نصب الراية) الجزء 3 الصفحة 180، طبعة دار التأليف بمصر.
(د) ابن تيمية: في (المنتقى)، الجزء 2 الصفحة 517، طبعة الحجازي بمصر.
(ه) ابن القيم: في (زاد المعاد)، الجزء 4 الصفحة 8، طبعة محمّد علي صبيح بمصر.
(و) القنوجي: في (الروضة الندية)، الجزء 2 الطبعة 16، طبعة المنيرية بمصر.
(ز) محمّد بن سليمان: في (جمع الفوائد)، الجزء 1 الطبعة 589، طبعة دار التأليف بمصر.
ولهذه الرواية مصادر أُخرى وهي:
(ح) مسند أحمد: الجزء 1 الصفحة 420، طبعة مصر 1313.
(ط) تفسير القرطبي: الجزء 5 الصفحة 130، طبعة مصر 1356.
(ي) تفسير ابن كثير: الجزء 2 الصفحة 87، طبعة مصر علي البابي.
(ك) أحكام القرآن: الجزء 2 الصفحة 184، طبعة مصر 1347.
(ل) الاعتبار للحازمي: الصفحة 176، طبعة حيدر آباد.
وهناك مصادر أُخرى، كصحيح أبي حاتم البستي، وغير ذلك من أُمّهات المصادر.
التعليقة -8-
ص 331
رأي محمّد عبده في الطلاق الثلاث:
فإنّه بعدما أثبت أنّ الطلاق الثلاث لا يقع إلاّ واحدة، قال: (وليس المراد مجادلة المقلّدين، أو إرجاع القضاة والمفتين عن مذاهبهم فيها، فإنّ أكثرهم يطلع على هذه النصوص في كتب الحديث وغيرها، ولا يبالي بها، لأنّ العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب الله تعالى وسُنّة رسوله).(تفسير المنار/ الجزء 1/386).
وليته ذكر مثل هذا الكلام في بحث المتعة، وذلك لما عرفت أنّ نكاح المتعة قد ثبت في الشريعة الإسلامية دون أن يثبت له ناسخ، فلم يبق للقائلين بتحريمه غير اتّباع أقوال كتبهم دون كتاب الله وسُنّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم!)(1).
1) - البيان في تفسير القرآن: 510 -- 512.
لقد ذكر المؤلّف الدكتور في صفحة -217- مستدلاً على إباحة ابن عبّاس للمتعة، فقال: (وأصرح من ذلك كلّه ما رواه عبد الرزّاق في مصنّفه: (عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء أنّه سمع ابن عبّاس يراها حلالاً (أي: متعة النساء). وأخبرني أنّه كان يقرأ: (فما استمتعتم به منهن -- إلى أجل -- فآتوهن أجورهن)، وقال ابن عبّاس في حرف: (إلى أجل). قال عطاء: وأخبرني من شئت، عن أبي سعيد الخدري، قال: لقد كان أحدنا يستمتع بملء القدح سويقاً. وقال صفوان: هذا ابن عبّاس يفتي بالزنا، فقال ابن عبّاس: إنّي لا أفتي بالزنا، أفنسي صفوان أُمّ أراكة (كنية امرأة)؟ فوالله إنّ ابنها لمن ذلك. أفزنا هو؟! قال: واستمتع بها رجل من بني جمح).
ثمّ قال الدكتور: (وابن جريج (عبد الملك بن عبد العزيز) ثقة، كذلك عطاء بن أبي رباح، فإسناد الحديث صحيح...).
أقول: ولقد فاته أنّ عبد الملك بن عبد العزيز الذي هو ابن جريج، قد استمتع بسبعين امرأة (؟) وذكره الذهبي في (الميزان)، وقال: (يدلّس، تزوّج نحواً من سبعين امرأة نكاح المتعة، يرى الرخصة فيها، وكان فقيه أهل مكّة في زمانه)، وفي (تهذيب التهذيب) لابن حجر: (قال مالك: كان حاطب ليل، وقال يحيى بن سعيد: حديثه عن عطاء ضعيف لا شيء كلّه).
وأمّا عطاء بن أبي رباح، فقد ذكره الذهبي في (الميزان)، وحكى قول يحيى بن سعيد فيه: كان عطاء يأخذ من كلّ ضرب، وقال ابن المديني:
تركه بآخره ابن جريج وقيس بن سعد(1).
كما فاته التعريف بأُمّ أراكة، وقد ذكرها ابن حزم في (جمهرة أنساب العرب)، في ذكر بني جمح، فقال: (فولد سلمة بن أُميّة معبد بن سلمة، أُمّه أُمّ أراكة، نكحها سلمة نكاح متعة في عهد عمر، أو في عهد أبي بكر، فولد له منها معبد)(2).
وتعقيباً منّي على ما مرّ من استدلال الطحاوي بسكوت الصحابة عن نهي عمر:
فلنسأله: ومَن هم عمريون أكثر من عمر؟! مَن هو القائل المنكر في قصّة ضبيع الذي ضربه عمر حتّى أدماه ثمّ شهّر به، ثمّ نفاه إلى البصرة، وأمر أن لا يجالسه أحد؟ فما كان ذنب الرجل سوى أنّه ألح في السؤال عن آيات من القرآن(3)؟
ثمّ من هو القائل لابن عبّاس المنكر عليه في مسألة العول: هلا قلت له -- لعمر --؟ قال: هبته(4)؟
ثمّ ألم يذكر المحب الطبري في (الرياض النضرة في مناقب العشرة) قول بعضهم: (كانت درّة عمر أهيب من سيف الحجّاج)(5)؟
ألم يقل صاحب (الصفوة) عن عمر: (... وحمل الدرّة وأدّب بها، وكانت أهيب من سيف الحجّاج)(1)؟
ألم ينقل ابن خلكان عن الشعبي قوله: (كانت درّة عمر أهيب من سيف الحجّاج)(2)؟
ألم يقل محمّد بن علقمة: (كان الناس لدرّة عمر أهيب منكم لسوطكم وسيفكم)(3)؟
وقال أبو سلمة سلمة بن عبد الله بن سلمة: (لدرّة عمر بن الخطّاب كانت أهيب في صدور المسلمين من سيفكم هذا)(4).
ولنختم بقول ابن عبّاس رضي الله عنه: (والله، لدرّة عمر كانت أهيب في صدور الناس من سيوف غيره)(5).
فمن هو الذي كان يسعه الإنكار ولم ينكر؟ فما دامت الدرّة تخفق الرؤوس، فلا أحد!
وما ذكر من قصّة المرأة التي أنكرت عليه في المهور، فإنّها صادفت منه ساعة رضاً، فقبلها شاكراً ذاكراً، وما يدرينا أنّه تجرّعها على مضض؟ ولو كان مكان المرأة رجلاً لكان لعمر معه شأن غير موقفه مع المرأة!
لقد روى عبد الرزّاق في (المصنّف): (عن معمر، عن أيوب، عن نافع: أنّ عمر قال لرجل من ثقيف -- قال غير أيوب: وهو المغيرة بن شعبة -- فقال له عمر: ما فعل غلامك المولّد؟ قال: فذلك حين دعاه عمر فسأله عنه، فقال: خيراً يا أمير المؤمنين، وقد أنكحته، قال: فلعلّك تخالفه إلى امرأته إذا غاب، فقال: لا يا أمير المؤمنين، فقال: لو أخبرتني أنّك تفعل لجعلتك نكالاً...)(1).
وروى عبد الرزّاق هذا الخبر بسند آخر، كشف فيه تعاقب سيّد الغلام معه على الجارية، فلنقرأ هذا بسنده أيضاً: (عن نافع: أنّ رجلاً من ثقيف أخبره أنّ رجلاً منهم كانت له جارية حسناء، كان عمر يعرف تلك الجارية، فأنكحها الرجل غلاماً له، وكان الرجل يقع عليها، فأتى العبد إلى عمر فأخبره ذلك، فغيّب عمر العبد وأرسل إلى سيّده فسأله: ما فعلت فلانة؟ فقال يا أمير المومنين! عندي، وقد أنكحتها غلاماً لي، فقال عمر: هل تقع عليها -- فأشار إليه من عند عمر أن قل: لا -- فقال: لا، فقال: أما والله لو أخبرتني أنّك تفعل لجعلتك نكالاً للناس)(2). اه-
فمن كان بهذه الشدّة والصرامة، مَن الذي يجرأ على الردّ عليه؟ وما نقل عن عمر من بعض الإجراءات التي تسامح فيها مع الآخرين لا تصلح دليلاً على تساهله في قبول النصح أو الردّ.
ولا يخلو من الطرافة فعل ابن الجوزي الذي عقد في مناقبه، الباب الخامس والأربعون: في ذكر هيبته في القلوب!
إذ افتتحه بقوله: (قد ذكرنا في الحديث الصحيح: أنّ نساءً كنّ عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرفعن أصواتهنّ، فأقبل عمر رضوان الله عليه فابتدرن الحجاب، فقال عمر: أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! فقلن: نعم، أنت أفظ وأغلظ) (؟)
ثمّ قال: (عن عكرمة: أنّ حجّاماً كان يقص عمر رضوان الله عليه، وكان رجلاً مهيباً، فتنحنح عمر، فأحدّث الحجام، فأمر له بأربعين درهماً، واسم هذا الحجّام: (سعيد بن الهيلم) (؟)
وأردفه بقوله: (عن القاسم بن محمّد، قال بينا عمر رضوان الله عليه ذات يوم يمشي وخلفه عدّة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ بدا له فالتفت، فلم يبق منهم أحد إلاّ وحبل ركبتيه ساقط، قال: فأرسل عينيه فبكى، ثمّ قال: اللّهمّ إنّك تعلم أنّي منك أشدّ فرقاً منهم منّي) (؟)
وذكر بعده: (عن الحسن رحمه الله، قال: بلغ عمر بن الخطّاب رضوان الله عليه أنّ امرأة يتحدّث عندها الرجال، فأرسل إليها -- قال: وكان عمر رجلاً مهيباً -- فلمّا جاءها الرسول، قالت: يا ويلها ما لها ولعمر. فخرجت فضربها المخاض، فمرّت بنسوة فعرفن الذي بها، فقدمت بغلام فصاح صيحة ثمّ طفا، فبلغ ذلك عمر رضوان الله عليه، فجمع المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين، فاستشارهم وفي آخر القوم رجل، فقالوا: يا أمير المؤمنين! إنّما كنت مؤدّباً، وإنّما أنت راع. قال: ما تقول يا فلان؟ قال: أقول: إن كان
القوم تابعوك على هواك، فوالله ما نصحوا لك، وإن يكونوا اجتهدوا آراءهم، فوالله لقد أخطأ رأيهم يا أمير المؤمنين، أما وديته، قال: فعزمت عليك لما قمت فقسمتها على قومك، قال: فقيل للحسن: مَن الرجل؟ قال عليّ بن أبي طالب(كرّم الله وجهه)(1).
وأخيراً ختم ابن الجوزي الباب الخامس والأربعون بخبر عن عبد الله ابن جبير: (أنّه سمع عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه يحدّث، قال: مكثت سنة، وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطّاب رضوان الله عليه عن آية فلا استطيع أن أسأله هيبة)(2).
أقول: وهذا الخبر أورده البخاري، والسؤال: عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسألت عمر عنهما؟ فقال: (هما عائشة وحفصة)، وقد ذكرت الخبر وناقشت الزاعم أنّ ذلك هيبة من عمر لما فيه من فضاضة وغلظة، والسؤال فيه حساسية مثيرة لا يأمن السائل من مغبّة عاقبتها.
إلى غير هذا من الشواهد الكثيرة.
وقال في صفحة -235-: (المسألة الثانية: حرمة نكاح الكتابيات الحربيات).
وحكى عن الجصّاص الحنفي رأي ابن عبّاس في الحرمة، وحكى
نحوه عن القرطبي في تفسير قوله تعالى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ(1).
وقال: (أنّه ورد عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام الرأي نفسه، الذي يحرّم الزواج من الكتابية الحربية).
وقال: (ورأي ابن عبّاس وعليّ رضي الله عنه له وجاهته...
وهذا الذي ذهب إليه ابن عبّاس وعليّ وأخذت به الحنفية، هو ما سنّته بعض الدول في عصرنا الحاضر، فلم تجز لرعاياها الزواج أثناء الحرب من رعايا الدول المحاربة).
أقول: لقد عشنا حالة مماثلة أيام الحرب الظالمة مع إيران المجاورة، فتعدّى النظام الحاكم جميع الأعراف الدولية، والأخلاق الإنسانية، حيث أمر بتسفير الأجانب من التبعية الإيرانية، ففرّق بالقهر بين الأزواج والآباء والأُمّهات وأبنائهم، على اختلاف الجنسية.
وقال: في صفحة -238-: (المسألة الثالثة: يعار فرج الأمة؟
أخرج عبد الرزّاق الصنعاني، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار: أنّه سمع طاووساً يقول: قال ابن عبّاس: (إذا أحلّت امرأة الرجل، أو ابنته، أو أخته له جاريتها، فليصبها وهي له، قال ابن عبّاس: فليجعل به بين وركيها).
وهذا الأثر صحيح، لأنّ إسناده كذلك رجاله ثقات، فابن جريج ثقة،
1) - سورة المائدة/5.
لكنّه مدلّس، وقد صرّح هنا بالسماع، ولذلك قال ابن حزم عن قول ابن عبّاس هذا: (أمّا قول ابن عبّاس فهو عنه وعن طاووس في غاية الصحّة)(1).
ثمّ استمر المؤلّف الدكتور في نقل ما يتعلّق بهذه المسألة، وحكى مذهب مالك وأصحابه، واختلاف أقواله في الحكم في ذلك، وذكر أنّ الأقوال في المسألة ثلاثة: أوّلها: عن ابن عبّاس، كما مرّ.
ثمّ ختمها بما أخرجه عبد الرزّاق: (عن معمر، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع: أنّ رجلاً من ثقيف أخبره: أنّ رجلاً منهم كانت له جارية حسناء -- كان عمر يعرف تلك الجارية -- فأنكحها الرجل غلاماً له، وكان الرجل يقع عليها، فأتى العبد إلى عمر فأخبره بذلك، فغيّب عمر العبد، وأرسل إلى سيّده، فسأله: ما فعلت فلانة؟ فقال: يا أمير المؤمنين عندي، وقد أنكحتها غلاماً لي، فقال عمر: هل تقع عليها؟ -- فأشار إليه مَن عند عمر أن قل: لا -- فقال: لا، فقال: أما والله لو أخبرتني أنّك تفعل لجعلتك نكالاً للناس).
أقول: من الغريب أن يجعل رواية عبد الرزّاق حجّة في الدلالة على عنوان المسألة! فأين الإعارة وهي بلا عقد من الإنكاح، كما في الرواية الذي هو مع العقد، أو هو التحليل الذي هو بمقام العقد؟
ومهما أغمضنا النظر عن هذا الجانب، فلا يمكن لباحث كالدكتور أن يتغافل عمّا في الرواية من تنقيص لعمر، إذ لم يتّخذ ما كان عليه اتّخاذه من
1) - المحلّى 11/258.
مواجهة العبد مع مولاه، وتنكيل الكاذب منهما، ولكن في رواية عبد الرزّاق الثانية بسند آخر، ورد التصريح باسم الرجل مولى الجارية الحسناء، وهو المغيرة بن شعبة، وورد اسم الذي أشار إليه أن قل: لا، هو عليّ بن أبي طالب، ولا شكّ في أنّ عمر كان على علم بحال المغيرة في كثرة الزنا، وعلى يديه جرى التحقيق في قصّة زنا المغيرة مع أُمّ جميل بالبصرة واستدعائه الشهود الذين رأوه، فشهد الثلاثة وعمر يقول له عند أداء شهادة كلّ واحد: ذهب ربعك، ذهب نصفك، ذهب ثلاثة أرباعك، وقد قال للشاهد الرابع وهو زياد بن سمية: (أرى وجهاً لا يخزي الله على لسانه رجلاً من المهاجرين)(1)، وهذه إيمائة خفية له، فتلجلج في الشهادة، فدرأ الحدّ عن المغيرة، وجلد الشهود الثلاثة، وبقيت تخالج عمر هذه القصّة، ويعاني منها غصّة حتّى روى أبو الفرج الأصفهاني في (الأغاني)، بسنده عن الشعبي، قال: (كانت أُمّ جميل بنت عمرو التي رمي بها المغيرة بن شعبة بالكوفة تختلف إلى المغيرة في حوائجها فيقضيها لها، قال: ووافقت عمر بالموسم والمغيرة هناك، فقال له عمر: أتعرف هذه؟ قال: نعم، هذه أُمّ كلثوم بنت عليّ(2)، فقال له عمر: أتتجاهل علَيَّ؟! والله ما أظنّ أبا بكرة كذب عليك، وما رأيتك إلاّ خفت أن أرمى بحجارة من السماء)(3).
وروى ابن خلكان في (وفيات الأعيان) هذا أيضاً(4)، ورواها ابن أبي
الحديد في (شرح النهج)(1)، ومع هذا فقد بقي عمر ينفث إلى المغيرة ببعض ما يجد في نفسه، كما ستأتي الإشارة إلى بعض هذا.
ونبقى مع الرواية التي رواها عبد الرزّاق، والتي سمّي فيها المغيرة، من الذي أشار إليه، قل: لا، هو: عليّ بن أبي طالب، وهذا من أقبح الكذب!
كيف يشير إليه عليّ عليه السلام ليتستر على جريمته، وعليّ عليه السلام هو الذي كان يقول: (لئن لم ينته المغيرة لأتبعنه أحجاره)، وفي رواية: (لئن أخذت المغيرة لأتبعنه أحجاره)(2).
وإلى القارئ نص رواية عبد الرزّاق، التي زاغ قلم الدكتور عن ذكرها، قال في (باب أصابته وليدته عند عبده)، فأورد عدّة آثار عن عطاء وغيره، فروى: (عن معمر، عن أيوب، عن نافع: أنّ عمر قال لرجل من ثقيف -- قال غير أيوب: وهو المغيرة بن شعبة -- قال، فقال له عمر: ما فعل غلامك المولّد؟ قال: فذلك حين دعاه عمر فسأله عنه، فقال: خيراً يا أمير المؤمنين وقد أنكحته، قال: فلعلّك تخالفه إلى امرأته إذا غاب؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين، فقال: لو أخبرتني أنّك تفعل لجعلتك نكالاً. قال: وبلغني أنّ عليّاً أشار إليه أن لا يعترف)(3).
فهل يعقل أنّ عليّاً عليه السلام يشير للمغيرة أن قل لا، خشية عليه من إقامة حدّ الزنا عليه! وعليّ عليه السلام الذي مرّ قوله: (لئن أخذت المغيرة لأتبعنه
أحجاره)؟! إنّها من أعاجيب الأكاذيب.
ويبقى موروث التقديس عامل التسييس عند الأُستاذ وغيره، وإلاّ لماذا اختار رواية عبد الرزّاق المجهول فيها اسم الرجل من ثقيف، وترك الرواية التي فيها التصريح باسم المغيرة؟ وكلتا الروايتين في باب واحد، والمصرّح فيها باسم المغيرة قبل التي لم يصرّح فيها باسمه!
وما أدري كيف حال الأستاذ الدكتور حين يقرأ قول ابن سيرين: يقول الرجل لصاحبه: غضب الله عليك كما غضب عمر على المغيرة، عزله عن البصرة واستعمله على الكوفة(1).
وفي هذا إساءة إلى عمر إذ لم يقم الحدّ على المغيرة، فدرأ عنه لتلجلج زياد الذي أشار إليه بإيماءة خفيفة!
والرواية التي رواها عبد الرزّاق، وذكرها الأستاذ، لا تخلو من إساءة إلى عمر الذي لم يتّخذ أي إجراء تحقيقي فيما أخبره به العبد من خيانة المغيرة له باختلافه إلى الجارية الحسناء التي كان يعرفها عمر، والحكم في هذا لا يخفى على عمر! ولكنّها العواطف التي تغلب على الوقائع.
ويبقى عمر ينفث للمغيرة ببعض ما في نفسه، فقد روى الزبير بن بكار، عن المغيرة: أنّه قال له عمر يوماً: يا مغيرة! هل أبصرت بعينك العوراء منذ أصبت؟ قلت: لا. قال: أما والله ليعورنّ بنو أُميّة إلى الإسلام كما عوّرت عينك هذه، ثمّ ليعمينّه حتّى لا يدري أين يذهب ولا أين يجيء. قلت: ثمّ
1) - عيون الأخبار لابن قتيبة 1/316.
ماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: ثمّ يبعث الله تعالى بعد مائة وأربعين أو بعد مائة وثلاثين وفداً كوفد الملوك طيبة ريحهم، يعيدون للإسلام بصره وشتاته، قلت: من هم يا أمير المؤمنين؟ قال: حجازي وعراقي، وقليلاً ما كان، وقليلاً ما دام(1).
ونعود الآن إلى فتيا ابن عبّاس التي قد توهّم بالتشنيع، مع أنّ الفقه الإمامي يوافقه في بعض جوانبه:
وللتوضيح أنقل ما قاله الشيخ الطوسي في كتابه (النهاية) في باب السراري وملك الإيمان: (يستباح وطء الأمة بثلاثة أشياء:
أحدها: العقد عليهنّ بإذن أهلهنّ.
والثاني: بتحليل مالكهنّ الرجل من وطئهنّ وإباحته له، وإن لم يكن هناك عقد.
والثالث: بأن يملكهنّ فيستبيح وطئهنّ بملك الإيمان له.
وإذا أحلّ الرجل جاريته لأخيه، أو المرأة لأخيها، أو لزوجها، حلّ له منها ما أحلّه له مالكها...
ويحلّ له منها مقدار ما يحللّه له مالكها، إن يوماً فيوماً، وإن شهراً فشهراً...
ولا يجوز للرجل أن يجعل عبده في حلّ من وطء جاريته، فإن أراد ذلك عقد له عليها عقداً...
1) - شرح النهج لابن أبي الحديد 12/82.
وينبغي أن يراعي فيما ذكرناه لفظ التحليل، ولا يجوز لفظ العارية في ذلك)(1).
وقال ابن إدريس الحلّي: (إنّ تحليل الإنسان جاريته لغيره من غير عقد فهو جائز عند أكثر أصحابنا المحصلين، وبه تواترت الأخبار، وهو الأظهر بين الطائفة، والعمل عليه، والفتوى به، وفيهم من منع منه، فمن أجازه اختلفوا: فمنهم من قال: هو عقد والإباحة، والتحليل عبارة عنه، وهو مذهب السيّد المرتضى، ذكره في انتصاره. والباقون الأكثرون قالوا: هو تمليك منفعة مع بقاء الأصل، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله ، وشيخنا المفيد، وغيرهما من المشيخة، وهو الذي يقوى في نفسي، وبه أفتي، ويجري ذلك مجرى إسكان الدار وإباحة منافع الحيوان، إذ لا يمنع من ذلك مانع، من كتاب، ولا سُنّة، ولا دليل عقل، ولا إجماع منعقد، إلاّ أنّ شيخنا أبا جعفر في مبسوطه يجعل من شروطه أن تكون المدّة معلومة، ويكون الولد لاحقاً بأُمّه، ويكون رقاً، إلاّ أن يشترط الرجل الحرية)(2).
وهناك روايات رواها الشيخ الطوسي والكليني من قبله، تؤدّي معنى قول ابن عبّاس، نحو رواية: (ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم وحفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام : في الرجل يقول لامرأته أحلّي لي جاريتك، فإنّي أكره أن تراني منكشفاً، فأحلّتها له، قال: (لا يحلّ له منها إلاّ ذاك، وليس له أن يمسّها، ولا أن يطأها)، وزاد فيه هشام: أله أن يأتيها؟ قال: (لا
يحلّ له إلاّ الذي قالت).
فهذا هو التحليل، وليس هذا من العارية، فلماذا عنون المسألة بعنوان: هل يعار فرج الأمة؟ ورواية عبد الرزّاق عن ابن عبّاس صريحة في التحليل، حيث قال: (إذا أحلّت امرأة الرجل، أو ابنته، أو أخته له جاريته، فليصبها، وهي له، قال ابن عبّاس: فليجعل به بين وركيها).
وقال في صفحة -244-: (من آثار الفرقة بين الزوجين.
المسألة الأولى: لا عدّة وفاة على الزوجة غير المدخول بها.
ذهب ابن عبّاس إلى أنّ الزوجة التي توفي عنها زوجها ولم يدخل بها لا عدّة عليها، وهذا رأي انفرد به عن سائر الصحابة، يقول الماوردي (ره) في كتابه (الحاوي)(1): وحكي عن ابن عبّاس أنّه لا تجب على غير المدخول بها كالطلاق، وهذا قول تفرّد به، وقد خالفه فيه سائر الصحابة).
ثمّ قال في صفحة -245-: (رواية أُخرى توجب العدّة، وقد روى عبد الرزّاق الصنعاني في مصنّفه رواية عن ابن عبّاس: بأنّ عليها العدّة(2)، وهذه الرواية سندها صحيح، لأنّ رجالها ثقات، فقد رويت عن ابن عيينة، عن عمر، وعن عطاء، عن ابن عبّاس، قال: عليها العدّة. لكن رواية الماوردي لا ندري مدى صحّتها، وإن كانت صحيحة، فهل قالهما في وقتين مختلفين، بحيث تنسخ الأخيرة ما سبقها؟ ليس بين يدينا من الآثار ما يرجّح أحد الاحتمالين). اه-
أقول: ما أدري لماذا قدّم الدكتور رواية الماوردي المجهولة السند وعنون المسألة بها، مع قوله: (إنّا لا ندري مدى صحّتها)؟ ولو أنّه عكس عرض الروايتين، فقدّم رواية عبد الرزّاق ذات السند الصحيح لأنّ رجالها ثقات، كما قال، ثمّ ذكر رواية الماوردي، لكان أحسن صنعاً.
ولكن يبدو لي هو ممّن يتسقط الروايات الشاذة عن ابن عبّاس، ليقول: (وهذا ممّا تفرّد به وقد خالفه فيه سائر الصحابة)، وهذا منه على خلاف القاعدة المتسالم عليها عند أبناء قومه من أهل الحديث (إن كنت راوياً فالصحّة، وإن كنت مدّعياً فالدليل)، فلماذا خرمها في المقام، فذكر رواية الماوردي المجهولة السند فضلاً عن الصحّة وعدمها؟! إنّها الانتقائية على غير هدى.
وقال: في صفحة -246-: (المسألة الثانية: لا نفقة ولا سكن للمطلّقة ثلاثاً...
وقد اختلفت أقوال الصحابة والفقهاء من بعدهم في البائن الحائل، فابن عبّاس وردت عنه روايات مطلقة: بأنّه لا نفقة للبائن ولا سُكنى، كتلك التي ذكرها ابن حزم في (المحلّى)(1)، لينصر بها مذهبه الذي خالف به أقوال المذاهب الأربعة في البائن الحامل، ونسب هذا القول إلى ابن عبّاس وغيره. وروى عبد الرزّاق في مصنّفه(2)عن عبد الله بن عبّاس، أنّه قال: (تعتد المبتوتة حيث شاءت) وما ورد من روايات مطلقة لابن عبّاس في عدم
وجوب السكنى والنفقة للمبتوتة ورد مقيّدا عنه بالبائن الحامل كما ذكر الماوردي والنووي وابن رشد وابن قدامة وغيرهم.
وقد قال بقول ابن عبّاس من الصحابة عليّ بن أبي طالب وجابر بن عبد الله، وفاطمة بنت قيس صاحبة الحديث المشهور، والتي طلّقها زوجها البتة، لكنّهم بقولهم هذا خالفوا عمر بن الخطّاب وجماهير الصحابة الذين قالوا: إنّ لها السكنى والنفقة. والقول المعتمد عند الحنابلة والظاهرية هو قول ابن عبّاس، وانتصر لهذا القول ابن القيم والشوكاني(1)، وغالى ابن حزم في (الانتصار) لهذا القول حتّى قال: (لا نفقة للمبتوتة ولو كانت حاملاً كما سبق).
أقول: لقد بحث المؤلّف هذه المسألة في عشرين صفحة، وذكر أقوال فقهاء المذاهب فيها. وهي ثلاثة:
أحدها: قول ابن عبّاس الذي كتب الكتاب باسمه، وذكر اعتماد الحنابلة والظاهرية قول ابن عبّاس، وذكر استدلالهم عليه.
والقول الثاني: إنّ للمطلّقة ثلاثاً السكنى -- حائلاً كانت أو حاملاً -- ولها النفقة إن كانت حاملاً، وهذا قول ابن عمر، وعائشة، ومالك، والشافعي... وذكر أدلّتهم عليه.
والقول الثالث: أنّها تستحقّ السكنى والنفقة جميعاً، إلاّ إذا جاءت الفرقة من قبلها بأمر محظور كارتدادها، أو الإتيان بمعصية توجب حرمة المصاهرة، كأن ترتكب فاحشة مع أصل الزوج أو فرعه من غير إكراه،
1) - زاد المعاد 4/158.
فالحكم لها السكنى دون النفقة، وبهذا القول قال من الصحابة عمر بن الخطّاب وابن مسعود، ومن الفقهاء أبو حنيفة وصاحباه. وذكر أدلّتهم عليه.
ثمّ ذكر في صفحة -260-، فقال: (رأينا في المسألة، فقال: تلك هي الأقوال الثلاثة المشهورة في المسألة، وهناك قول رابع نسبه الشوكاني إلى بعض الشيعة، وإلى الإمام أحمد أيضاً(1)، وهو: أنّها تستحقّ النفقة دون السكنى).
أقول: إنّ ماحكاه الشوكاني عن بعض الشيعة وجعله المؤلّف قولاً رابعاً، ليس كذلك، بل الذي قاله شيخ الطائفة في كتابه (الخلاف):
(المسألة 22: من كتاب الطلاق:
(المطلّقة البائنة لا تستحقّ النفقة، ولا السكنى عندنا، إلاّ أن تكون حاملاً. وبه قال عبد الله ابن عبّاس، وجابر، وفي الفقهاء أحمد بن حنبل، وقال الشافعي: لا تستحقّ النفقة وتستحقّ السكنى. وبه قال عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعائشة. وبه قال الفقهاء السبعة، وفقهاء الأمصار بأسرهم: مالك، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: تستحقّ النفقة والسكنى معاً.
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً: الأصل براءة الذمّة، وشغلها يحتاج إلى دليل)(2).
قلت: إنّ الأخبار التي أشار إليها قد أخرج منها الكليني في (الكافي)(1)خمسة أحاديث، والطوسي في (التهذيب)(2)حديثين، وهما أيضاً رواهما في (الاستبصار)(3)فراجع.
وقبل أن أودّع الدكتور في هذه المسألة، أودّ تنبيّهه على أمر لا يحسن من مثله ذكره، وذلك ما ذكره من قول ابن حجر: (ولقد كان الحقّ ينطق على لسان عمر...)، وهذا من الغلّو غير المستحبّ، وأنّ عمر ليرضى منكم بدون هذا، وموارد النقض كثيرة، ويكفي اعترافاته ببعض ما خالف فيه الحقّ، ألا يكفي ما صدر منه ولم يسدّده الحقّ في موقفه من صلح الحديبية حتّى قال هو ما قال، وقد ندم على ما قال(4).
وأين غاب الحقّ عنه حين تنازع هو وأبو بكر في قصّة ركب تميم، وفيهما نزلت الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ
1) - الكافي 6/104.
2) - التهذيب 8/133 رقم 460 و462.
3) - الاستبصار 3/334.
4) - لقد جاء في سيرة ابن هشام 1/316، تح مصطفى السقا ورفيقيه: (عمر ينكر على الرسول الصلح)، قال: فلمّا التأم الأمر ولم يبق إلاّ الكتاب، وثب عمر بن الخطّاب فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر! أليس برسول الله؟ قال: بلى قال: أو لسنا المسلمين؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نُعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر! الزم غرزه، فإنّي أشهد أنّه رسول الله؛ قال عمر: وأنا أشهد أنّه رسول الله؛ ثمّ أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله! ألست برسول الله؟ قال: بلى؛ قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال بلى؛ قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى؛ قال: فعلام نُعطى الدنية في ديننا؟ قال: أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يُضيَّعني! قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدّق وأصوم وأصلّي وأُعتق، من الذي صنعت يومئذٍ! مخافة كلامي الذي تكلَّمت به، حتّى رجوت أن يكون خيراً.
النَّبِيِّ(1)؟ والخبر أخرجه البخاري في صحيحه، عن أبي مليكة، الذي قال: (كاد الخيّران أن يهلكا أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلاّ خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ إلى آخر الآية. قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذه الآية حتّى يستفهمه)(2). وأعطف حديث منعه كتابة الوصية، وقد دعا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالكتف والدواة، وقوله في النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ما لا ينبغي له، على خلاف ما في كتاب الله تعالى، ففيه يقول الله تعالى: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى _ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى(3)، وعمر يقول: إنّه يهجر -- هجر -- أهجر غلبه الوجع -- على اختلاف ما في المصادر الموالية لعمر، فكيف يقول ابن حجر: (ولقد كان الحقّ ينطق على لسان عمر)!! إنّ هذا غلوّ لا يرضاه عمر، ولا العقلاء من أبناء عمر.
وقال في صفحة -266-: (المسألة الثالثة، اعتداد المتوفّى عنها زوجها حيث شاءت.
ثبت عن ابن عبّاس رضي الله عنه أنّه قال: (تعتد المتوفّى عنها زوجها حيث شاءت).
فقد روى البخاري عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عبّاس، قال: (نسخت هذه الآية عدّتها في أهلها، تعتد حيث شاءت لقول الله: غَيْرَ إِخْرَاجٍ(1)، وذكر ابن حزم بسنده المتصل إلى ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت ابن عبّاس يقول: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً(2)، ولم يقل: يعتددن في بيوتهنّ، تعتد حيث شاءت)، أي: إنّ الآية مطلقة لم يقيدّها شيء.
وقد أثبت قول ابن عبّاس هذا عبد الرزّاق في مصنّفه(3)، والجصّاص في أحكامه(4)، وابن قدامة في (المغني)(5)، وغيرهم(6)، وقد قال بقول ابن عبّاس من الصحابة: عليّ بن أبي طالب، وعائشة، وجابر رضي الله عنهم أجمعين...).
ثمّ قال في صفحة -268-: (رواية أُخرى عن ابن عبّاس توافق رأي جمهور الفقهاء.
وقد ثبت بسند صحيح عن ابن عبّاس رضي الله عنه أنّه قال بما يوافق فقهاء الصحابة ومن بعدهم من الأئمّة، فقد ذكر ابن جرير الطبري عنه أنّه قال في
1) - صحيح البخاري كتاب التفسير، باب وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً ... سورة البقرة/240.
2) - سورة البقرة/234.
3) - المصنّف 7/29 رقم 12051 وما بعده.
4) - أحكام القرآن 1/418.
5) - المغني 11/290.
6) - انظر أحكام القرآن لابن العربي 1/207، وموسوعة فقه ابن عبّاس 2/245 وهامش رقم 2.
قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إلى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ، كان الرجل إذا مات ترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله، ثمّ أنزل الله تعالى ذكره بعد: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، فهذه عدّة المتوفّى عنها زوجها، إلاّ أن تكون حاملاً فعدّتها أن تضع ما في بطنها(1)
أقول: راجع /50 ط2 البابي الحلبي.
2- تاريخ الطبري 2/417.
.أقول: لقد أغرب المؤلّف إذ قال: وقد ثبت بسند صحيح، مع أنّ السند لا يخلو من مناقشة في رجاله، فإنّ الطبري رواه في تفسيره، عن المثنى، عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس.
فالأوّل المثنى، وهذا هو ابن إبراهيم الآملي، روى عنه الطبري في الجزء الأوّل من تاريخه في القصص الإسرائيلي فيما يبدو، وذكره في الجزء الثاني في مكانين، ثانيهما حول تحويل القبلة في السُنّة الثانية من الهجرة(2)، ثمّ انقطعت أخباره، ولم أقف على ذكر له في كتب الجرح والتعديل، ممّا بقي على جهالته.
وهو قد روى الخبر عن عبد الله بن صالح، وهذا هو كاتب الليث، وقد مرّت ترجمته، وتهوين حاله، ويكفي فيه قول أحمد فيما رواه عنه ابنه عبد الله، قال: سألت أبي عنه؟ فقال: كان أوّل أمره متماسكاً، ثمّ فسد بآخره،
1) - تفسير الطبري 5/50 وانظر تفسير ابن عبّاس للدكتور عبد العزيز الحميدي 1/140.
وليس هو بشيء(1).
وهذا روى الخبر عن معاوية بن صالح، وقد مرّ بعض أحواله، وفيه قول ابن معين: ليس بمرضي، وعن ابن معين: كان ابن مهدي إذا تحدّث بحديث معاوية بن صالح زبره يحيى بن سعيد، وقال: أيش هذه الأحاديث. وقال ابن عمّار: زعموا أنّه لم يكن يدري أيّ شيء في الحديث(2).
وهذا روى الخبر عن علي بن أبي طلحة، وقد مرّ حاله في الجزء الحادي عشر من هذه الموسوعة حول الأسانيد عن تفسير ابن عبّاس، وأنّه لم يسمع من ابن عبّاس حرفاً. وقال فيه أحمد: له أشياء منكرات، وهو من أهل حمص، وقال دحيم: لم يسمع التفسير من ابن عبّاس، وقال يعقوب بن سفيان ضعيف الحديث منكر ليس محمود المذهب.. وقال ابن حبّان: روى عن ابن عبّاس ولم يره. اه-
وقد أخذ الكثير بروايته في التفسير لأنّ البخاري أخذ بها.
قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب): (ونقل البخاري من تفسيره رواية معاوية بن صالح عنه عن ابن عبّاس شيئاً كثيراً في التراجم وغيرها ولكنّه لا يسمّيه، يقول: قال ابن عبّاس، أو يذكر عن ابن عبّاس)(3). اه-
أقول: وهذا نحو من التدليس والتلبيس، ولا غرابة من البخاري فقد عدّوه من المدلّسين.
فقد قال ابن منده: حيث قال البخاري: (قال لنا) فهو إجازة، وحيث قال: (قال فلان) فهو تدليس(1).
أقول: فخبر هذا حال رجال سنده كيف يقول عنه المؤلّف: (وقد ثبت بسند صحيح عن ابن عبّاس...)؟! إنّها لجرأة على حرمة أهل العلم في الحديث (حنّ قدح ليس منها)(2).
وقال في صفحة -278-: (في الخلع: المسألة الأولى: الخلع فسخ وليس بطلاق...
خالف ابن عبّاس رضي الله عنه جماهير الصحابة بقوله: الخلع فسخ وليس بطلاق، وقد شارك ابن عبّاس في قوله هذا: أبو بكر الصديق -- كما ذكر ابن قدامة -- وهو رواية عن عثمان وعبد الله ابن عمر -- رضي الله عنهما -- كما قال ابن كثير، وغيره، وذكره ابن حجر أنّه صحّ عن ابن الزبير وعليّ رضي الله عنه، وذكر ابن القيم عن الربيع بنت معوّذ وعمّها رضي الله عنهما).
أقول: لقد مرّ الكلام في هذه المسألة في نقد ما في (موسوعة فقه ابن عبّاس، فراجع الصفحات (119 -123) فلا حاجة لإعادته.
ولكن ينبغي التنبيّه على شطط التعبير عند مؤلّف (الرُخص)، حيث قال: (خالف ابن عبّاس جماهير الصحابة)، ثمّ هو يذكر من شارك ابن
1) - تدريب الراوي 2/11، ط2 العلمية بالمدينة المنورة سنة 1392ه-.
2) - حنّ: صوّت، والقِدح -- بالكسر -- السهم وإذا كان سهم يخالف السهام كان له عند الرمي صوت يخالف أصواتها، وهو مثل يضرب لمن يفتخر بقوم ليس منهم، وأصل المثل لعمر بن الخطّاب قال له عقبة بن أبي معيط: أأقتل من بين قريش؟ فأجابه حنّ قدح ليس منها، محمّد عبده في شرح نهج البلاغة 3/34 -- 35، ط الاستقامة.
عبّاس في قوله هذا، فذكر أبا بكر، وعثمان، وعبد الله بن عمر، وابن الزبير، وذكر آخرهم عليّاً نقلاً عن ابن حجر، وزاد عن ابن القيم ذكر الربيع بنت معوّذ وعمّها. فهل هؤلاء ليسوا من جماهير الصحابة، فقال عنهم المؤلّف خالفهم ابن عبّاس؟! والذي ظهر من إدامة عرض الأدلّة لرأي ابن عبّاس وغيره ترجيح قول ابن عبّاس، وختم الكلام بثمرة الخلاف، وما ذكره صحيح.
وقال في صفحة -287-: (المسألة الثانية: عدّة المختلعة حيضة واحدة).
أقول: لمّا كانت هذه المسألة قد مرّ بحثها في مسائل (موسوعة فقه ابن عبّاس)، حيث ذكرها روّاس قلعةجي من المسائل التي خالف فيها ابن عبّاس عليّاً عليه السلام، فإنّ الإمام كان يرى أنّ عدّة المختلعة كعدّة المطلّقة، بينما كان ابن عبّاس يرى أنّ المختلعة لا عدّة عليها، ويكفيها أن تستبرئ رحمها بحيضة، ومرّت المناقشة في مستند النسبة إلى الإمام عليه السلام، وكذلك في سند ما نسب إلى ابن عبّاس نقلاً عن ابن كثير، ولمّا كان مؤلّف (الرُخص) قد زاد هنا في توثيق ما جاء عن ابن عبّاس برواية الترمذي وتحسينه، ثمّ هو اختاره تبعاً لاختيار ابن تيمية، وابن قيم الجوزية، حيث قال: (وبه نقول)، ولا مناقشة فيما اختاره، فإنّ في فقهاء الإمامية من قال به، ففي (المسائل الناصريات) للشريف المرتضى ضمن الجوامع الفقهية(1)، تفصيل ذلك بين من قال أنّ الفسخ طلاق فهي على واحدة، واستدلّ بحديث مخالعة ثابت بن قيس مع زوجته بين يدي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّه صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: (اعتدّي)، ثمّ التفت
1) - المسائل الناصريات: المسألة 165، ط حجرية.
إلى أصحابه، فقال: (هي واحدة)، فهذا يدلّ على أنّه طلاق وليس بفسخ، وقال المرتضى رحمه الله على أنّ الفسخ لا يصحّ في النكاح ولا الإقالة.
ونعود إلى ما نسب إلى ابن عبّاس من أنّ عدّة المختلعة حيضة واحدة.
فنقول: لا يمكن تصديق النسبة إليه، كيف يرى خلاف ما روى! ففي حديثه عن امرأة ثابت، وقد رواه البخاري في كتاب الطلاق، باب الخلع وكيف الطلاق فيه، عن ابن عبّاس، قال: إنّ امرأة ثابت بن قيس أتت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: يا رسول الله! ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أتردين عليه حديقته)؟ قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اقبل الحديقة وطلّقها تطليقة)، فكيف يفتي ابن عبّاس بأنّ الخلع فسخ وليس بطلاق؟! وكيف يقول: تستبرئ بحيضة والعدّة ثلاثة قروء؟! إنّها لمفارقة عجيبة غريبة أن يفتي بخلاف ما يروي!
وما رواه الترمذي وغيره من حديث ابن عبّاس السالف الذكر، وأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمرها أن تعتد بحيضة، هل له الصحّة عند من يرى في صحيح البخاري أصحّ كتاب بعد كتاب الله؟!
وقال: في صفحة -290-: (في الربا: أوّل وأقدم خلاف في الربا، إباحة ابن عبّاس ربا الفضل والاختلاف في رجوعه.
يعد خلاف ابن عبّاس لجمهور الصحابة وجمهور الفقهاء من بعده في مسألة ربا الفضل وتمسّكه بأنّه لا ربا إلاّ في النسيئة، أوّل خلاف وأقدمه في ربا البيوع). وبحث المؤلّف هذه المسألة باستيفاء من صفحة -290- إلى
صفحة -347-.
أقول: ولمّا كانت هذه المسألة من جملة المسائل التي عيب بها على ابن عبّاس، وأنّه لم يزل مصرّاً على رأيه إلى أن صرفه عنه أبو سعيد، فقالوا عنه أنّه رجع عن قوله في الصرف قبل موته بسبعين يوماً.
فإنّي أخّرت الكلام فيها إلى (الحلقة الرابعة)(1)، حيث جعلت عنوانها: (ابن عبّاس في الميزان)، ومسألته هذه مع بضع مسائل فقهية أُخرى قد أخّرت الكلام فيها لأنّها من المسائل التي عيب فيها على ابن عبّاس، فهي له في ميزان النقد بالمرصاد.
وقال في صفحة -248-: (في الجنايات: المسألة الأولى: هل يجزئ الرقبة المؤمنة الصغيرة في الكفّارة؟
في كفّارة القتل الخطأ، قال تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ(2)، فلم تقيّد الرقبة إلاّ بالإيمان، فهل تجزئ الصغيرة التي لم يصلّ صاحبها بعد ولم يعقل الإيمان؟
ظاهر الآية الإطلاق الذي يشمل الكبير والصغير، لكن ابن عبّاس قيّد تلك الرقبة المؤمنة بأنّها (هي التي صلّت وعقلت الإيمان، فلا تجزئ في ذلك الصغيرة)، وقد حكى عنه ذلك الطبري، والقرطبي، وابن كثير، وصحّح القرطبي قوله، فقال: (وهو الصحيح في هذا الباب)(3).
أمّا عبارة ابن العربي، فكانت أكثر وضوحاً في تفرّد ابن عبّاس بهذا الرأي، قال رحمه الله: (سواء كانت الرقبة صغيرة أو كبيرة إذا كانت بين مسلمين، أو لمسلم فإنّه يجوز، خلافاً لابن عبّاس وجماعة من التابعين، إذ قالوا: لا يجزئ إلاّ من صام وصلّى وعقل الإسلام)(1).
أقول: وهذا الذي ذكروه عن ابن عبّاس هو الأقوى، لأنّ المؤمن في الحقيقة لا يطلق إلاّ على بالغ عاقل مظهر للإيمان، ملتزم لوجوب الصوم والصلاة، فعنوان الرقبة المؤمنة لا يكون إلاّ بالغة قد آمنت وصامت وصلّت، فأمّا الطفل فإنّه لا يجزئ ولا الكافر(2).
وقال في صفحة -349-: (المسألة الثانية: هل لقاتل العمد من توبة؟
ذكر القرطبي في تفسيره(3)-- نقلاً عن هبة الله في كتاب (الناسخ والمنسوخ) -- أنّ ابن عبّاس وابن عمر خالفا إجماع الناس في نسخ آية الخلود في النار بقوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ(4).
وفي موضع آخر، قال(5): إنّ عبد الله بن عمر ممّن يرى التوبة له، وأنّ زيد بن ثابت وأبا هريرة قالا بقول ابن عبّاس. والمشهور في الأحاديث الصحيحة أنّ هذا القول قول عبد الله بن عبّاس).
أقول: لقد سبق في الجزء السابع من الموسوعة ذكر النسخ في معارفه القرآنية(1)، ومرّ هناك ذكر هذه الآية والبحث حولها؛ فراجع.
وقال في صفحة -355-: (في الحدود: هل تقام الحدود على العبد وأهل الذمّة والمستأمنين؟
وردت روايات عن ابن عبّاس رضي الله عنه يرى فيها لا حدّ على أهل الذمّة والعبيد لا في السرقة ولا في شرب الخمر، ولا في غيرهما من الحدود(2).
أقول: لمّا كانت المسألة قد مرّ بحثها في (موسوعة فقه عبد الله بن عبّاس)، ومرّ ما قلناه فيها هناك(3)فراجع.
وقال في صفحة -382-: (في الميراث: المسائل التي وجدنا ابن عبّاس خالف فيها جمهور الصحابة عشر مسائل.
وقد اشتهر قوله في خمس مسائل عدها ابن قدامة، فقال:
(أحدهما: زوج وأبوان.
والثانية: امرأة وأبوان، للأُمّ الثلث الباقي عندهم، وجعل هو لها ثلث المال.
والثالثة: أنّه لا يحجب الأُمّ إلاّ بثلاثة من الإخوة.
والرابعة: لم يجعل البنات مع الأخوات عصبة.
والخامسة: أنّه لم يُعِل المسائل.
فهذه الخمس صحّت الرواية عنه فيها، واشتهر عنه القول فيها، وشذّت عنه روايات سوى هذه ذكرنا بعضها فيما مضى)(1).
ثمّ قال المؤلّف: (والمسائل العشر هي كما يلي:
المسألة الأولى والثانية: للأُمّ ثلث جميع المال بعد فرض أحد الزوجين.
المسألة الثالثة: لا يحجب الأُمّ عن الثلث إلى السدس أقلّ من ثلاثة أخوة، أو أخوات.
المسألة الرابعة: ابن عبّاس يعطي الأخوة السدس الذي حجبوه عن أُمّهم خلافاً للجمهور.
المسألة الخامسة: للبنتين النصف كنصيب الواحدة عند عدم الولد الذكر.
المسألة السادسة: إقامة الجدّة -- أُمّ الأُمّ -- مقام الأُمّ واستحقاقها لنصيبها قياساً على الجدّ.
المسألة السابعة: الأخوات لا يصرن عصبة مع البنات.
المسألة الثامنة: الأخوة لأُمّ يقتسمون الميراث بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
المسألة التاسعة: عدم التشريك بين الأخوة لأُمّ والأخوة الأشقاء، إذا
1) - المغني 9/30.
استغرقت الفرائض المال كلّه.
المسألة العاشرة: عدم الأخذ بالعول.
وإليك تفصيل المسائل...).
ثمّ شرع المؤلّف بشرح المسائل من صفحة -384- إلى صفحة -430-، وبها ختم الكتاب، ولمّا كانت هذه المسائل قد سبق ذكرها في (موسوعة فقه عبد الله بن عبّاس) للقلعةجي، ومرّ التعقيب عليها بما وسع المقام، فلا حاجة بنا الآن إلى الإعادة والتكرار.
وفي آخر الكتاب ذكر أهم المصادر والمراجع، وقد قسّمها إلى وحدات متجانسة، أوّلاً: الكتب المقدّسة، ثمّ ذكر ثانيها: تفسير القرآن الكريم وعلومه وأحكامه، وثالثاً: كتب الحديث وشروحه وعلومه، ورابعاً: أُصول الفقه، وخامساً: كتب الفقه. وفرّقها على حسب المذاهب الإسلامية: (أ) الفقه الحنفي، (ب) الفقه المالكي، (ج) الفقه الشافعي، (د) الفقه الحنبلي، (ه-) الفقه الظاهري، (و) الفقه الشيعي الزيدي، وبه ختم كتب الفقه، وأهمل ذكر الفقه الشيعي الإمامي، مع أنّه فيما يبدو رجع إليه في مسألة المسح على الرجلين! راجع صفحة -60-، وقد مرّ في المقدّمة ذكر هذا.
وإلى هنا ننهي الكلام مع كتاب (رُخص ابن عبّاس) للدكتور إسماعيل سالم، وسنذكر بعض ما كان ينبغي لنا ذكره ممّا يتعلّق بعنوان رُخص ابن عبّاس في رسالة مستقلة.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى على خاتم النبيّين وأشرف المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة الهداة الراشدين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: لقد عُرف ابن عبّاس بتساهله في الفتيا في بعض الوظائف الشرعية للمكلّفين، وصارت تلك الفتاوى مدعاة للتشهير به(1)، كما استغلّها
1) - لقد علق الشيخ محمّد زاهد الكوثري على ما جاء في ترجمة المنصفي في (ذيل تذكرة الحفّاظ) لأبي المحاسن الدمشقي، حيث جاء في ترجمته: (وحصل عليه محنة بسبب ما أفتى به ابن تيمية في مسألة الطلاق)، فقال الكوثري في الهامش: من أنّ إرسال الطلقات الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة، وحشد ابن تيمية حول تأييد هذه الفتوى ما هو نموذج لتمويهه ممّا لا ينخدع به إلاّ ضعفاء النظر، وليس عنده لدى النقد ما يكون شبه دليل على مدّعاه، وكاد وقوع الثلاث أن يكون من مواطن الإجماع بين الصحابة حتّى عند ابن عبّاس على ما ثبت بطرق عنه، وأمّا ما يرويه مسلم عنه فيما انفرد به عن البخاري من أنّ الثلاث كانت واحدة ففيه: (أوّلاً) أنّ لفظه محتمل وعند الاحتمال يسقط الاستدلال. و(ثانياً) أنّ ظاهره المفروض خلاف رواية جماعة من الأثبات عنه، فيكون من الشاذّ المردود على تقدير تسليم أنّ فيه بعض دلالة. و(ثالثاً) أنّه خلاف مذهبه المتواتر عنه فيكون مردوداً أيضاً عند كثيرين منهم أحمد، كما بسط ابن رجب في شرح علل الترمذي. و(رابعاً) أنّ طاووساً مع كونه من الملازمين لابن عبّاس روى ذلك بواسطة من غير لفظ يفيد السماع. و(خامساً) أنّ الواسطة أبو الصهباء، وهو إن كان من موالي ابن عبّاس فمجهول، وإن كان من غيرهم في طبقته فضعيف. و(سادساً) أنّ في بعض طرقه خاطب أبو الصهباء ابن عبّاس بقوله: هات من هناتك، وجل مقدار ابن عبّاس أن لا يرد على هذا السائل قوله وأن يقرّه على قوله. و(سابعاً) أنّ ظاهره إقرار منه بأنّه من هناته المردودة، وقد شهر بين سلف العلماء وخلفهم حكم رخص ابن عبّاس. و(ثامناً) أنّ في ذلك وصم جمهور الصحابة الذين وافقوا عمر بعدم تحكيم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيما شجر بينهم باتّباعهم للرأي دون النص، وهذا جهل عظيم.. إلى غير ذلك. وعد ذلك ممّا يجوز له سياسة من غير دليل فتح لباب تقويض دعائم الدين، أبعد هذا كلّه ترجح هذه الرواية على روايات الكافة عن الكافة. ومسلم غير معصوم، وابن تيمية الذي لا يتحاشى أن يدّعى أنّ في صحيحه موضوعاً، أيتورع عن ترجيح روايات الجماعة على روايته عند تضافر الأدلّة مع الجماعة، فكم انتهك حرمات الأبضاع بأمثال هذه الفتوى وتابعه الضعفاء من مقلدة أهل مذهبه، نابذين نصّ إمامهم وراء ظهورهم، فوقعوا في فتن ومحن، بل أوقعوا الناس فيها، وهذا الشيخ الحرّاني مع كونه ألفّ في أبطال الحيل تراه وأتباعه من أكبر المجترئين على تحليل المحرّم من الأبضاع، بقول قيل من أي قائل كان، وقد قال ابن أبي عبلة التابعي المشهور: من تبع شواذ العلماء ضلّ، بل يحكي الإمام تقي الدين الحصني عنه وعن أتباعه أنّهم كانوا يتقاضون ممّن وقع في مأزق من أمر النكاح والطلاق نحو خمسة دراهم، فيفتون له بأنّ النكاح صحيح، أو أنّ الطلاق غير واقع، استناداً على أقوال خارجة عن المذاهب المتبوعة إلى غير ذلك. وزهد الحصني وورعه وتحرّيه فيما يحكيه ممّا يستغني عن التنويه. (ذيل تذكرة الحفّاظ:187 -- 187، دار إحياء التراث العربي بيروت، أفست عن طبعة حيدر أباد).
بعض مناوئيه، مثل آل الزبير في مسألة نكاح المتعة، وقد مرّت الإشارة إلى هذا في الجزء الخامس من الموسوعة(1)، وفي الجزء الثامن في فقهه(2)، وفي هذا الجزء كما في نقد كتاب رُخص ابن عبّاس للدكتور إسماعيل سالم، ولم تكن فتياه بعدم العول وغيره دون ما مرّ في التشهير به، وتبقى بعض فتاواه كما في الربا تحتاج إلى وقفة تحقيق، لذلك فقد رأيت جمع بعض المسائل التي قيل فيها أنّه خالف رأيه آراء الصحابة بما فيهم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ويعني هذا مخالفته لموازين الصحّة التي قررّها بنفسه كما مرّت الإشارة إليها في أوّل هذا الجزء، ولمّا كان ابن عبّاس يعد من فقهاء الصحابة وهو في سنّ صغير، وأفتى في عهد مبكر في أيام عمر، مع شيوخ
الصحابة في مجلس شورى عمر يُسأل فيجيب، ويناقش فيستدلّ، وعدته في الردّ الكتاب والسُنّة، وقد مرّت الشواهد على هذا مكرّراً، فلا حاجة إلى الإعادة، كما مرّ الكلام عن كثرة فتاواه والتي كانت مدونة عند كريب مولاه، ولا ريب في أنّ التدوين يومئذ كان مختلطاً بالسُنّة والآثار، ولم يكن مبوّباً ولا مميزّاً في المواضيع، كما لا ريب أنّ ابن عبّاس تعرّض في حياته لحملات نقدية بسبب بعض فتاواه، ولا ريب ثالثاً أنّه ابتلي بالكذب عليه فنسب إليه ما لم يقل، وكانت أكبر بليته من مولاه عكرمة البربري الذي صار مضرب المثل في كذب العبيد على ساداتهم، ومرّ تحذير ابن عمر لمولاه نافع من أن يكون مثل عكرمة في كذبه على ابن عبّاس، وكذلك كان ابن المسيّب يقول نحو هذا لمولاه برد.
وشاعت عن ابن عبّاس بعض الفتاوى التي نقدها الآخرون، ولم ينكرها أو يتبرّأ منها، ممّا دلّ على صحّة النسبة، بل وقف مدافعاً عن نفسه، ويدعو للمباهلة من أنكر عليه، واعتبرت تلك التي سبح بها ضدّ التيار من جملة رُخصه، وصارت تقارن بنقائضها في شدائد ابن عمر، وعلى هذا فُسّر قول المنصور الدوانيقي لمالك بن أنس في كتابه (الموطأ) أن يتجنّب رُخص ابن عبّاس وشدائد ابن عمر، ومرّ ذكر هذا في الجزء السادس من الموسوعة(1)فراجع. وفي (وسائل الشيعة) في المقدّمة(2)، وفي رواية أُخرى: أنّ المنصور طلب منه أن يضع للناس كتاباً يتجنّب فيه تشديدات ابن عمر،
ورُخص ابن عبّاس، وشواذ ابن مسعود(1).
وجاء في كتاب (بيان المعاني)(2)لمؤلّفه عبد القادر بن ملا حويش: مطلب في الرُخص والعزائم وواقعة حنين.
وأنّ الرُخص الواردة في اختيار بعض الأمور كالنطق بكلمة الكفر عند الإكراه، وشرب الخمر مخافة القتل، وغير ذلك من الرُخص التي نقلت دعائمها عن ابن عبّاس رضي الله عنه ، فلا تنافي الآية، لأنّ ما جاء فيها إنّما نؤاخذ به إذا كان عن حبّ واختيار لاعن بغض وإكراه، وإنّما قلنا: (دعائم الرُخص)، أي أساساتها وقوائمها عن ابن عبّاس، لأنّه كانt يتوسّع في الأمور اجتهاداً منه، ويفتي بها كما كان عبد الله بن عمرt يتشدّد فيها، ولهذا صار من قبيل المثل: (رُخص ابن عبّاس وعزائم ابن عمر)، راجع (تاريخ القضاء في الإسلام) للمعري، تجد ما يتعلّق بهذا، وهو أوسع من (رسالة القضاء في الإسلام) للكنوي، والآية -24- من سورة النساء المارّة تقف على ما قيل في ابن عبّاس من أجل توسعه في الرُخص.
عَزَمُواْ(1)، تَعْزِمُواْ(2)، وأخيراً: عَزْمِ الأُمُورِ(3)، عَزْماً(4). ولم يرد عن مادّة (رُخص) شيء، لكن وردت آيات في معناها، نحو قوله تعالى: يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ(5)، ونحو قوله تعالى: يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً(6)، ونحو قوله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ(7)، ونحو قوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ(8)، ونحو قوله تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(9)، إلى غير هذا من آيات دالّة على الرُخص.
أمّا في الحديث النبوي الشريف، فقد وردت مادّة (رُخص) فعلاً ومصدراً، نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما بال أقوام يرغبون عمّا رخّص لي فيه)(10)،
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (عليكم برخصة الله التي رخّص لكم)(1)، ونحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله يحبّ أن تؤتى رُخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)(2).
وورد هذا بألفاظ أُخرى متقاربة عن عدّة من الصحابة، منهم: ابن عبّاس، رفعه: (إنّ الله يحبّ أن تقبل رُخصه كما يحبّ أن يؤتى حده)(3)، وفي لفظ: (إنّ الله يحبّ أن يؤخذ برُخصه كما يحبّ أن يؤخذ بعزائمه)(4).
وعلى نهج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقد جاء عن باب مدينة علمه النهي عن الأخذ بالرُخص التي تؤدي إلى مذاهب الظلمة، فقد قال في (نهج البلاغة) من خطبة له: (ولا ترخّصوا لأنفسكم فتذهب بكم الرُخص فيها مذاهب الظلمة)(5)، فهو عليه السلام إذاً قد نهى عن الأخذ برُخص أهل المذاهب التي ترخّص إلى ارتكاب الصغائر ومحقّرات الذنوب، تشديداً منهu على الابتعاد عن ارتكاب المعاصي، فيقعوا في مهاوي الظلمة.
ولم يخل تراث أهل البيت عليهم السلام عن ذكر الرُخص في بعض الأحكام فعلاً أو تركاً، نحو ما جاء في (الاستبصار) في خبر حنان بن سدير: أنّ أبا جعفر عليه السلام، قال: (ولا يعرض لي بابان كلاهما حلال إلاّ أخذت باليسير، وذلك لأنّ الله يسير يحبّ اليسير ويعطي على اليسير ما لا يعطي على العنت)(6).
ونحو ما في (الخصال) للصدوق في باب الثلاثة: عن أبي عبد اللهu، قال: (ثلاث لم يجعل الله لأحد من الناس فيهن رُخصة: برّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين، ووفاء بالعهد للبرّ والفاجر، وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر)(1).
فالرُخص التي رمي بها ابن عبّاس هي من سنخ ما سبق، وإذا نظرنا في أحاديثه المرفوعة والموقوفة نجد الشواهد على ما قلناه كثيرة، نحو رواياته في الجمع بين الصلاتين، والمطلّقات ثلاثاً في مجلس واحد تحسب واحدة، وفي بيع العرايا وغير ذلك ممّا ليس فيه مؤاخذة عليه، وثمّة أخبار ذكرتها الجوامع الحديثية تدلّ بوضوح بأنّه كان يأخذ بأيسر الأمرين ممّا كان يثير انتباه المتشدّدين، فقد روى ابن أبي شيبة في مصنّفه، بسنده عن ابن سيرين، قال: (انبئت أنّ ابن عبّاس شرب لبنا فذكروا له الوضوء والمضمضة، قال: لا أبا له بالة(2)يسمح لك)(3).
وروى بن أبي شيبة أيضاً: (عن أبي زياد، قال: شهدت ابن عبّاس وأبا هريرة وهم ينتظرون جدياً لهم في التنور، فقال ابن عبّاس: أخرجوه لنا لا يفتنا في الصلاة، فأخرجوه فأكلوا منه، ثمّ إنّ أبا هريرة توضأ، فقال له ابن عبّاس: أكلنا رجساً؟ قال أبو هريرة: أنت خير منّي وأعلم ثمّ صلّوا)(4).
وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام : (ألا أخبركم بالفقيه حقّ الفقيه؟ من لم
يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخّص لهم في معاصي الله)(1).
وضرب مثلاً عملياً عن الرخصة، حيث قال في يوم اجتمع فيه العيد والجمعة، فقال: (هذا يوم اجتمع فيه عيدان، فمن أحبّ أن يجمع معنا فليفعل، ومن لم يفعل فإنّ له رخصة)، يعني: من كان متنحياً(2).
فهذه هي معاني الرخصة والعزيمة عند ابن عبّاس، كما وردت عن أهل البيت عليهم السلام، وكما في الكتاب والسُنّة، أمّا ما خرج عنها، فبين مكذوب عليه، وبين مشتبه فيه.
قبل البدء ببيان تلك المسائل، نذكر للقارئ أنّ ابن عبّاس هو القائل: (ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئاً برأيه ثمّ يجد من هو أعلم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منه، فيترك قوله ذلك، ثمّ يمضي الأتباع)(3).
فمن كان يقول هذا كيف يقبل ما يُروى عنه من أحكام مخالفة لما صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ؟ أم كيف يغفل هو عن نفسه ممّا يحذر به الآخرين؟ ولقد كان بمنتهى الحيطة والحذر من الإتيان بما يوهم المخالفة فضلاً عن صريحها، أو لم يرو بعض صحابته عنه أنّه رأى ابن عبّاس وهو يسوق
راحلته وهو يرتجز وهو محرم وهو يقول:
وهنّ يمشين بها هميسا*** أن تصدق الطير (نفعل) لميسا
قال: فذكر الجماع باسمه، فلم يكنّ عنه، قال: فقلت: يا بن عبّاس! أتتكلم بالرفث وأنت محرم، فقال: إنّما الرفث ما روجع به النساء(1)، كأنّه رأى مظنّة الاعتقاد فنفاه بذلك القول، لقوله تعالى: فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ(2)، وأنّ الرفث ليس إلاّ ما كان بين الرجل والمرأة.
وفيما ورد عن ابن عبّاس في أحكام بعض المسائل من الترخيص، نجده مساوقاً مع نفي الجناح فيما أتى القرآن به في أكثر من عشرين آية، كما ذكر المفسّرون.
1- نحو قوله تعالى: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا(3).
فقد (أخرج سعيد بن منصور، والحاكم وصحّحه، عن ابن عبّاس: أنّه أتاه رجل، فقال: أبدأ بالصفا قبل المروة، أو بالمروة قبل الصفا؟ وأصلّي قبل أن أطوف، أو أطوف قبل أن أصلّي؟ وأحلق قبل أن أذبح، أو أذبح قبل أن أحلق؟ فقال ابن عبّاس: خذوا ذلك من كتاب الله فإنّه أجدر أن يحفظ قال الله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ(4)، فالصفا قبل المروة، وقال:
لاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ(1)، فالذبح قبل الحلق، وقال: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(2)، فالطواف قبل الصلاة)(3). (وأخرج وكيع، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عبّاس: لم بدئ بالصفا قبل المروة؟ قال: لأنّ الله قال: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ)(4).
2- قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ(5).
قال السيوطي في (الدرّ المنثور): (أخرج سفيان، وسعيد بن منصور، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عبّاس، قال: كانت عكاظ ومجنّة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فنزلت: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ)(6).
3- قال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ(7).
(أخرج البخاري، والنسائي، وابن ماجة، وابن مردويه، والبيهقي، عن
ابن عبّاس: (أنّ جميلة بنت عبد الله بن سلول امرأة قيس بن ثابت، قالت: ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكنّي لا أطيقه بغضاً، وأكره الكفر في الإسلام. قال: أتردّي عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال: (اقبل الحديقة وطلّقها تطليقة)(1).
(وأخرج عبد الرزّاق في (المصنّف)، وابن المنذر، والبيهقي، عن طاووس: أنّ إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأل ابن عبّاس عن امرأة طلّقها زوجها تطليقتين، ثمّ اختلعت منه أيتزوّجها؟ قال ابن عبّاس: نعم ذكر الله الطلاق في أوّل الآية وآخرها، الخلع بين ذلك، فليس الخلع بطلاق ينكحها)(2).
4- قال تعالى: فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ(3).
أخرج أحمد، والنسائي عن عبد الله بن عبّاس، قال: (إنّ الغميصاء، أو الرميصاء أتت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تشتكي زوجها أنّه لا يصل إليها، فلم يلبث أن جاء زوجها، فقال: يا رسول الله! هي كاذبة وهو يصل إليها، ولكنّها تريد أن ترجع إلى زوجها الأوّل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس ذلك لكِ حتّى يذوق عسيلتك رجل غيره)(4).
(وأخرج عبد الرزّاق، عن ابن عبّاس أنّ رجلاً سأله، فقال: إنّ عمي طلّق امرأته ثلاثاً، قال: إنّ عمك عصى الله فأندمه الله وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجاً، قال كيف ترى في رجل يحلّها له، قال من يخادع الله يخدعه)(1).
5- قال تعالى: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا(2).
(أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عبّاس، في قوله: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ، فجعل الله الرضاع حولين كاملين: لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ، ثمّ قال: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ، فلا حرج إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين وبعده)(3).
6- قال تعالى: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ(4).
(أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، والبيهقي في سننه، عن ابن عبّاس في قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ الآية، قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأة اعتدّت في بيته ينفق عليها من ماله، ثمّ أنزل الله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ
أَشْهُرٍ وَعَشْراً، فهذه الآية عدّة المتوفّى عنها، إلاّ أن تكون حاملاً فعدتها أن تضع ما في بطنها، وقال في ميراثها: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ(1)، فبيّن ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة، فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ، يقول إذا طلّقت المرأة أو مات عنها، فإذا انقضت عدّتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنّع وتتعرّض للتزويج، فذلك المعروف)(2). 7- قال تعالى: وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء(3).
(أخرج وكيع، والفريابي، وعبد الرزّاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عبّاس، في قوله وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء، قال: التعريض أن يقول: إنّي أريد التزويج وأنّي لأحبّ امرأة من أمرها وأمرها، وإن من شأنّي النساء، لوددت أنّ الله يسّر لي امرأة صالحة من غير أن ينصب لها)(4).
(وأخرج ابن جرير عن ابن عبّاس في الآية، قال: يعرض لها في عدّتها، يقول لها: إن رأيتِ أن لا تسبقيني بنفسك، ولوددت أنّ الله قد هيأ بيني وبينك، ونحو هذا من الكلام فلا حرج)(5).
(وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عبّاس: وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم، قال: يقول: إنّي فيك راغب، ولوددت أنّي تزوّجتك، حتّى يعلمها أن يريد تزويجها، من غير أن يوجب عقدة أو يعاهدها على عهد)(1).
(وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عبّاس، في قوله: وَلَ-كِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً، قال: لا يقول لها: إنّي عاشق، وعاهديني أن لا تتزوّجي غيري، ونحو هذا، إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً، وهو قوله: إن رأيتِ أن لا تسبقيني بنفسك، وفي قوله تعالى: وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حتّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، قال: حتّى تنقضي العدّة)(2).
8- قال تعالى: لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ(3).
(أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس، في قوله: لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً، قال: المسّ النكاح، والفريضة الصداق، مَتِّعُوهُنَّ، قال: هو على الرجل يتزوّج المرأة ولم يسمّ لها صداقاً، ثمّ يطلّقها قبل أن يدخل بها، فأمره الله أن يمتّعها على مقدار
عسره ويسره، فإن كان موسراً أمتعها بخادم، أو نحو ذلك، وإن كان معسراً أمتعها بثلاثة أثواب، أو نحو ذلك)(1).
(وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة)(2).
9- قال تعالى: فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ(3).
(أخرج ابن أبي حاتم، من طريق عطاء، عن ابن عبّاس، في قوله وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ... الآية، قال: كان للمتوفّى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فنسختها آية المورايث فجعل لها الربع والثمن ممّا ترك الزوج)(4).
(وأخرج أبو داود، والنسائي، والبيهقي، عن طريق عكرمة، عن ابن عبّاس في قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إلى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ، قال: نسخ الله ذلك بآية الميراث بما فرض الله لهنّ من الربع والثمن، ونسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشراً)(5).
(وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي، من طريق ابن سيرين، عن ابن عبّاس، أنّه قام يخطب الناس فقرأ لهم سورة البقرة، فبيّن لهم منها، فأتى على هذه الآية: إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ(1)، فقال: نسخت هذه، ثمّ قرأ حتّى أتى على هذه الآية: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ، إلى قوله: غَيْرَ إِخْرَاجٍ، فقال: وهذه)(2).
10- قال تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا(3).
أخرج السيوطي في (الدرّ المنثور) في تفسير آية الدين عدّة آثار عن ابن عبّاس بيّن فيها أحكام الدين وبيع السلف، نذكر منها ما له تعلّق بالمقام:
(أ -- عن ابن عبّاس، قال: أشهد أنّ السلف المضمون إلى أجل مسمّى إنّ الله أحلّه وأذن فيه، ثمّ قرأ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمّىً.
ب -- عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ، قال: نزلت في السلم في الحنطة في كيل معلوم إلى أجل معلوم.
ج -- عن ابن عبّاس، قال: قدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم).
د -- عن ابن عبّاس، قال: لا سلف إلى العطاء، ولا إلى الحصاد، ولا إلى
الذر، ولا إلى العصير، وأضرب له أجلاً.
ه- -- عن ابن عبّاس، في الآية، قال: أمر بالشهادة عند المداينة، لكيلا يدخل في ذلك جحود ولا نسيان، فمن لم يشهد على ذلك فقد عصى، ولا يأب الشهداء، يعني: من احتيج إليه من المسلمين يشهد على شهادة، أو كانت عنده شهادة فلا يحلّ له أن يأبى إذا ما دعي، ثمّ قال بعد هذا:
وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ، والضِرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غنّي: إنّ الله قد أمرك أن لا تأبى إذا دعيت فيضارّه بذلك وهو يكتفي بغيره، فنهاه الله عن ذلك، وقال: وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ، يعني: معصية)(1). 11- قال تعالى: فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً(2).
أخرج السيوطي في (الدرّ المنثور) عدّة آيات عن ابن عبّاس ممّا فيها بعض أحكام التحريم:
(أ -- كقوله: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثمّ قرأ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ، إلى قوله: وَبَنَاتُ الأَخِ، هذا من النسب، وباقي الآية من الصهر، والسابعة: وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء(3).
ب -- وقوله: سبع صهر، وسبع نسب، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
ج -- وقوله: المرّة الواحدة تحرّم.
د -- وقوله: وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ، قال: هي مبهمة إذا طلّق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحلّ له أُمّها.
ه- -- وقوله لمن سأله: أيقع الرجل على المرأة وابنتها مملوكتين له؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله.
و -- وقوله: وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، قال: ذلك في الحرائر، فأمّا في المماليك فلا بأس)(1).
12- قال تعالى: وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً(2).
(أ -- عن ابن عبّاس في الآية، يقول: كلّ امرأة لها زوج فهي عليك حرام، إلاّ أمة ملكتها ولها زوج بأرض الحرب فهي لك حلال إذا استبرأتها.
ب -- وعن ابن عبّاس، قال: طلاق الأمة ستّ، بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها.
ج -- وعن ابن عبّاس، قال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء، يعني بذلك: ذوات الأزواج من النساء لا يحلّ نكاحهن، يقول: لا تحلب ولا تعدّ فتنشز على بعلها، وكلّ امرأة لا تنكح إلاّ ببينة ومهر فهي من المحصنات التي حرّم، إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، يعني: التي أحلّ الله من النساء، وهو ما أحلّ من حرائر النساء مثنى وثلاث ورباع.
د -- وعن ابن عبّاس، في قوله: غَيْرَ مُسَافِحِينَ، وقد سُئل عن السفاح؟ قال: الزنا.
ه- -- وعن ابن عبّاس، في قوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً، يقول: إذا تزوّج الرجل منكم المرأة ثمّ نكحها مرّة واحدة فقد وجب صداقها كلّه، والاستمتاع هو النكاح، وهو قوله: وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً(1).
و -- عن ابن عبّاس، قال: يرحم الله عمر ما كانت المتعة إلاّ رحمة من الله رحم بها أُمّة محمّد، ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلاّ شقي، قال: وهي التي في سورة النساء: فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ، إلى كذا وكذا من الأجل على كذا وكذا... قال وليس بينهما وراثة، فإن بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل فنعم، وإن تفرّقا فنعم، وليس بينهما نكاح.
ز -- وسئل عن المتعة: أسفاح هي أم نكاح؟ فقال: لا سفاح ولا نكاح، قيل: فما هي؟ قال: هي المتعة كما قال الله، قيل له: هل لها من عدّة؟ قال: نعم عدتها حيضة، قيل له: هل يتوارثان؟ قال: لا.
ح -- وعن ابن عبّاس، وسُئل عن المتعة؟ فقال: حلال، فقال له جبير بن مطعم: كان عمر ينهى عنها؟ فقال ابن عبّاس: يا عدي نفسه من هنا ظللتم، أحدّثكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحدّثوني عن عمر)(2).
أقول: وقد مرّ الكلام عن المتعة مكرّراً فلا نطيل في المقام.
13- قال تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ(1).
(عن ابن عبّاس، قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين مكّة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئاً ركعتين)(2).
(وعن ابن عبّاس، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيّكم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة)(3).
14- قال تعالى: وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً(4).
(عن ابن عبّاس، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزاة له فلقي المشركين بعسفان، فلمّا صلّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه، قال بعضهم لبعض: لو حملتم عليهم ما علموا بكم حتّى تواقعوهم، فقال قائل منهم: إنّ لهم صلاة أُخرى هي أحبّ إليهم من أهليهم وأموالهم، فاصبروا حتّى تحضر فنحمل عليهم حملة، فأنزل الله: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ إلى آخر الآية، وأعلمه بما إئتمر به المشركون، فلمّا
صلّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العصر، وكانوا قبالته في القبلة، جعل المسلمين خلفه صفّين، فكبّر وكبّروا معه جميعاً، ثمّ ركع وركعوا معه جميعاً، فلمّا سجد سجد معه الصف الذي يلونه، ثمّ قام الذين خلفهم مقبلون على العدو، فلمّا فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سجوده وقام، سجد الصف الثاني ثمّ قاموا، وتأخّر الصف الذي يلونه وتقدّم الآخرون، فكانوا يلون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلمّا ركع ركعوا معه جميعاً، ثمّ رفع فرفعوا معه، ثمّ سجد فسجد الذين يلونه، وقام الصف الثاني مقبلين على العدو، فلمّا فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سجوده وقعد وقعد الذين يلونه وسجد الصف المؤخر ثمّ قعدوا، فسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلمّا سلّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلّم عليهم جميعاً، فلمّا نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعض، قالوا: لقد أخبروا بما أردناه)(1).
15- قال تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً(2).
(عن ابن عبّاس في الآية، قال: تلك المرأة تكون عند الرجل لا يرى منها كثيراً ممّا يحبّ، وله امرأة غيرها أحبّ إليه منها فيؤثرها عليها، فأمر الله إذا كان ذلك أن يقول لها: يا هذه إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الإثرة فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي، وإن كرهت خلّيت سبيلكِ، فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخبرها فلا جناح عليه، وهو قوله: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ، يعني: إنّ تخيير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي الزوج على
إثرة غيرها)(1).
16- قال تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثمّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثمّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(2).
(عن ابن عبّاس في الآية، يعني بذلك: رجالاً من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ماتوا وهم يشربون الخمر قبل أن تحرّم الخمر، فلم يكن عليهم فيها جناح قبل أن تحرّم، فلمّا حرّمت، قالوا: كيف تكون علينا حراماً وقد مات إخواننا وهم يشربونها؟ فأنزل الله: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ، يقول: ليس عليهم حرج فيما كانوا يشربون قبل أن أحرّمها إذ كانوا محسنين متّقين والله يحبّ المحسنين)(3).
17- قال تعالى: لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ(4).
(عن ابن عبّاس، قال: أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا(5)، ففسح، واستثنى من ذلك، فقال: لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ)(6).
18- قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ(1).
(عن ابن عبّاس، في قوله: لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، قال: إذا خلا الرجل بأهله بعد العشاء، فلا يدخل عليه خادم ولا صبي إلاّ بإذنه حتّى يصلّي الغداة، وإذا خلا بأهله عند الظهر مثل ذلك، ورخّص لهم في الدخول فيما بين ذلك بغير إذن، وهو قوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ، فأمّا من بلغ الحلم فإنّه لا يدخل على الرجل وأهله إلاّ بإذن على كلّ حال، وهو قوله: وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ(2)(3).
19- قال تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(4).
(عن ابن عبّاس، في قوله: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء، قال: هي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار وتضع عنها الجلباب ما لم تتبرّج لما يكره الله، وهو قوله: فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ)(5).
20- قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون(1).
(عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ(2)، قال المسلمون: إنّ الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل والطعام هو من أفضل الأموال، فلا يحلّ لأحد منّا أن يأكل من عند أحد، فكفّ الناس عن ذلك، فأنزل الله: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ، إلى قوله: أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ، وهو الرجل يوكل بضيعته، والذي رخّص الله أن يأكل من ذلك الطعام والتمر وشرب اللبن، وكانوا أيضاً يتحرّجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتّى يكون معه غيره، فرخص الله لهم، فقال: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً)(3).
21- قال تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ(4).
(عن ابن عبّاس، قال: كان من أمر زيد بن حارثة -- وذكر حديثاً طويلاً جاء في آخره -- فلم يزل زيد في الجاهلية يدعى زيد بن محمّد، حتّى نزل القرآن: ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ، فدعي زيد بن حارثة)(5).
22- قال تعالى: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً(1).
(عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ، قال: أُمّهات المؤمنين، وَتُؤْوِي يعني: نساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ويعني ب-(الإرجاء)، يقول: من شئت خلّيت سبيله منهنّ، ويعني ب-(الإيواء)، يقول: من أحببت أمسكت منهن، وقوله: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ، يعني بذلك: النساء اللاتي أحلّهنّ الله له من بنات العمّة والخال والخالة، وقوله: واللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ، يقول: إن مات من نسائك اللاتي كنّ عندك، أو خليت سبيلها، فقد أحللت لك أن تستبدل من اللاتي أحللت لك، ولا يصلح لك أن تزد على عدّة نسائك اللاتي عندك شيئاً)(2).
23- قال تعالى: لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ(3).
(عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ، حتّى بلغ: وَلاَ نِسَائِهِنَّ، قال: أنزلت هذه الآية في نساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خاصّة، وقوله: نِسَائِهِنَّ، يعني: نساء المسلمات، أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ، من المماليك والإماء، ورخص لهنّ أن يروهن بعد ما ضرب عليهن الحجاب)(4).
وعلى هذا فقد استنكر ابن عبّاس احتجاب عائشة عن الإمام الحسن عليه السلام، فقد أخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، وأبو داود في ناسخه، عن عكرمة، قال: بلغ ابن عبّاس رضي الله عنه أنّ عائشة رضي الله عنهما احتجبت من الحسنt، فقال: إنّ رؤيته لها لتحلّ(1).
أقول: في النفس من رواية عكرمة لهذا الخبر إثارة مريبة! فإن صحّ الخبر -- وهو قريب من الصحّة -- كيف تحتجب أُمّ المؤمنين عائشة من الحسن عليه السلام، وهو سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأحد سيّدي شباب أهل الجنّة، ولم تحتجب من الجموع الغفيرة التي قادتها في حرب البصرة؟ وكيف لم تحتجب من الآخرين الذين كانت تأمر بنت أخيها بإرضاعهم ليحلّ لهم الدخول عليها والتحدّث معها من دون حجاب؟! إنّها مفارقات عجيبة وغريبة! ويبقى الكشف عنها مصيبة ومريبة.
ونعود إلى رُخص ابن عبّاس، فهي ليست في تحليل حرام، بل كانت كالاستثناء من حكم عام يخصصه، كما ورد في قوله تعالى: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ(2)، وكنفي الإثم عند الاضطرار، كما في قوله: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(3).
أو الترخيص فيما نصّ عليه القرآن، نحو قوله تعالى: فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ(4)، إلى غير هذا ممّا دلّ على نفي الحرج، كقوله تعالى:
مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(1)، وقوله تعالى: يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ(2). فكانت رُخص ابن عبّاس مشمولة لأحد العناوين المذكورة، وليس فيها ما يحلّ حراماً، إلاّ ما قيل عنه من فتياه في الربا بالنقدين حاضراً بحاضر، ممّا لا شكّ فيه بربوية المعاملة، وهذا ممّا لا يزال الشكّ والغموض يحيط بها! إذ كيف يتصوّر في إنسان كابن عبّاس عاش في كنف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام باب علم مدينة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وفي مجتمع صحابي غاص برواة الحديث، ومع ولاة الأمور في الحكم ردحاً من الزمن، وكانت المسائل في شتّى مناحي الحياة ترد عليهم، فكان يسمع وربّما شارك في الجواب، كيف يقبل الباحث أن يكون ابن عبّاس لم يبلغه تحريم الربا في النقدين حاضراً بحاضر، ويفتي به حتّى أواخر عمره، حتّى نبّهه أبو سعيد الخدري على خطأ رأيه، فقالوا: رجع عن فتياه قبل موته بكذا يوم، إنّها أحجية من الألغاز، لذلك لا أزال على شكّ من صحّة الرواية، وقد أخّرت البحث عن هذه المسألة إلى الحلقة الرابعة(3)، حيث يكون موضوعها ملائماً لعنوان الحلقة الرابعة (ابن عبّاس في الميزان)، نسأله تعالى التوفيق والتيسير والتبصير بعد التنقير والتنوير، فعسى أن آتي بالمزيد من المفيد إن شاء الله تعالى.
وبهذا أودّع القارئ بسلام على أمل العودة في اللقاء معه في الحلقة
الآتية التي سنضع ابن عبّاس في أعماله وأقواله معادلاً مع ثوابت الجرح والتعديل في كفّتي الميزان، ونقرأ ما أحيط به تاريخه من شبهات وتضبيب كسراب بقيعة يحسبه الضمئآن ماء حتّى إذا ما أتاه وجده سراباً. بل وجد ابن عبّاس هو ذلك الإنسان الأوحدي في رأيه وإيمانه، والمتميّز في إخلاصه لإمامه، والمعلن بعقيدته وولائه، والفذّ في إعلانها عند موته في دعائه.
فسلام عليه حيّاً وميّتاً، ونفعنا بحبّه يوم توفّى كلّ نفس ما عملت.
رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(1). اللّهمّ اغفر لنا رمزات الألحاظ، وسقطات الألفاظ، وسهوات الجنان، وهفوات اللسان، ونعوذ بك أن نعادي لك وليّا، أو نوالي لك عدوّاً، أو نرضى لك سخطاً أبداً، اللّهمّ من صلّيت عليه فصلاتنا عليه، ومن لعنت فلعنتنا عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين، ورضي عن الصحابة المهتدين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
تمّ تحريره يوم الخميس (يوم القدر) 23 من شهر رمضان المبارك سنة 1434ه- على يد مؤلّفه الراجي عفو ربّه المنان محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان عفي عنه.
1) - سورة البقرة/286.
1- (أبجد العلوم) لصديق بن حسن القنوجي (ت1307ه-)، تحقيق عبد الجبار زكار، طبعة دار الكتب العلمية بيروت 1978م.
2- (إبراز المعاني من حرز الأماني) لعبد الرحمن بن إسماعيل الدمشقي المعروف بأبي شامة (ت665ه-).
3- (ابن عبّاس مؤسّس علوم العربية) للدكتور عبد الكريم بكار، طبعة الثانية دار الإعلام عمّان الأردن 1423ه-.
4- (ابن عبّاس ومسائل ابن الأزرق) لمنير عرفة.
5- (إتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة) لشهاب الدين أحمد بن أبي بكر البوصيري (ت840ه-).
6- (الإتقان في علوم القرآن) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، مطبعة حجازي بالقاهرة 1368ه-، وطبعة مصطفى محمّد مصر 1268ه-، وطبعة المطبعة الأزهرية 1318ه-، وطبعة دار الكتاب العربي بيروت، تحقيق فوّاز أحمد زمرلي، وطبعة الهيئة المصرية العامّة للكتاب 1975م تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.
7- (الإجابة في ما استدركته عائشة على الصحابة) لبدر الدين الزركشي (ت794ه-)، تحقيق سعيد الأفغاني، طبعة دمشق 1358ه-، وطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بمصر.
8- (الأحاديث المختارة) لمحمّد بن عبد الواحد المقدسي (ت643ه-)، طبعة مكتبة النهضة الحديثة مكّة المكرّمة 1410ه-.
9- (أحكام القرآن) لأحمد بن علي الرازي الجصاص (ت370ه-)، طبعة أفست دار الكتاب العربي بيروت.
10- (أحكام القرآن) لعماد الدين علي بن محمّد بن علي الكيا الهراسي (ت504ه-).
11- (أحكام القرآن) لمحمّد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المالكي (ت543ه-)، تحقيق محمّد علي البجاوي، طبعة عيسى البابي الحلبي وشركائه مصر 1378ه-.
12- (الإحكام في أصول الأحكام) لعلي بن حزم الأندلسي الظاهري (ت456ه-)، تحقيق أحمد محمّد شاكر، طبعة السعادة بمصر 1347ه-.
13- (الإحكام في أصول الأحكام) لعلي بن محمّد أبو الحسن سيف الدين الآمدي (ت631ه-).
14- (إحياء علوم الدين) لأبي حامد محمّد بن محمّد الغزالي (ت505ه-)، طبعة مصر.
15- (أخبار الدولة العباسية) لعلي بن عبد الله بن جعفر المديني (ت234ه-)، تحقيق عبد العزيز الدوري وعبد الجبار المطلبي، طبعة دار الطليعة بيروت 1971ه-.
16- (الأخبار الطوال) لأحمد بن داود أبي حنيفة الدينوري (ت282ه-)، طبعة تراثنا الأولى بمصر.
17- (أخبار القضاة) لمحمّد بن خلف بن حيّان الملقّب بوكيع (ت306ه-)، طبعة مصر، وطبعة عالم الكتب بيروت.
18- (أخبار مكّة وما جاء فيها من الآثار) لمحمّد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي
(ت250ه-)، تحقيق رشدي الصالح محسن، مطابع دار الثقافة مكّة المكرّمة، الطبعة الثانية 1385ه-, وطبعة الماجدية بمكّة المكرّمة 1352ه- .
19- (الأخبار الموفقيات) للزبير بن بكار (ت256ه-)، تحقيق الدكتور سامي مكّي العاني، طبعة أوقاف بغداد.
20- (أخبار النحويين) لأبي طاهر المقرئ، طبعة دار الصحابة للتراث الأولى طنطا.
21- (أخبار النحويين البصريين) لأبى سعيد الحسن بن عبد اللّه السيرافي (ت368ه-)، طبعة مصطفى البابي الحلبي.
22- (الاختصاص) لمحمّد بن محمّد بن النعمان المفيد (ت413ه-)، طبعة سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد.
23- (اختيار معرفة الرجال/ رجال الكشي) لمحمّد بن الحسن الطوسي (ت460ه-)، تحقيق حسن المصطفوي، طبعة جامعة مشهد 1348ه- ش، وطبعة بمبي.
24- (آداب اللغة العربية) لجرجي زيدان، طبعة دار الحياة بيروت.
25- (الآداب السامية) لمحمّد عطية الأبراشي، طبعة دار إحياء الكتب العربية 1365ه- .
26- (أدب التفسير/ غريب القرآن) للسيّد محمّد مهدي الخرسان (المؤلف).
27- (أدب الكاتب) لعبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت270ه-).
28- (الأدب المفرد) لمحمّد بن إسماعيل البخاري (ت256ه-)، طبعة إسلامبول 1309ه-, وطبعة السلفية بمصر 1375ه- تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي.
29- (الأربعين في أصول الدين) لمحمّد بن عمر فخر الدين الرازي (ت606ه-)، طبعة حيدر آباد.
30- (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري) لأحمد بن محمّد القسطلاني (ت923ه-)، طبعة مصر, وطبعة أفست دار الكتاب العربي بيروت.
31- (إرشاد النقّاد إلى تيسير الاجتهاد) لمحمّد بن إسماعيل بن صلاح الكحلاني الصنعاني (ت1182ه-)، طبعة الدار السلفية الكويت.
32- (الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد) لمحمّد بن محمّد بن النعمان المفيد (ت413ه-)، الطبعة الحيدرية, طبعة حجرية 1308ه-، وطبعة حجرية ثانية 1320ه- .
33- (أساس البلاغة) لجار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت583ه-).
34- (أسباب النزول) لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري (ت468ه-)، طبعة هندية في غيط النوبي بمصر 1315ه-، وطبعة مصر 1325ه- .
35- (الاستبصار) لمحمّد بن الحسن الطوسي (ت460ه-).
36- (استجلاب ارتقاء الغرف بحبّ أقرباء الرسول وذوي الشرف) لشمس الدين محمّد بن عبد الرحمن السخاوي (ت902ه-).
37- (الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار) ليوسف بن عبد الله بن عبد البرّ النمري المالكي (ت463ه-)، طبعة دار الكتب العلمية.
38- (الاستيعاب في معرفة الأصحاب) ليوسف بن عبد الله بن عبد البرّ النمري المالكي (ت463ه-)، طبعة حيدر آباد, وطبعة مطبعة النهضة مصر بتحقيق علي محمّد البجاوي، وطبعة بيروت 1412ه- الأولى، وطبعة
مصطفى محمّد 1358ه- بهامش الإصابة, وطبعة محقّقة في تراجم زياد، ونافع، وأبي بكرة، والمغيرة.
39- (أسد الغابة) لعلي بن محمّد الشيباني ابن الأثير الجزري (ت630ه-)، طبعة أفست الإسلامية، وطبعة مصر 1285ه- .
40- (إسعاف المبطأ) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، طبعة مصر, مع تنوير الحوالك له.
41- (الأسماء والصفات) لأحمد بن الحسين بن علي البيهقي الشافعي (ت458ه-)، تحقيق عبد الله عامر، طبعة دار الحديث القاهرة 1426ه- .
42- (أسنى المطالب) لأحمد زيني دحلان (ت1304ه-)، طبعة مصر 1323ه-، وطبعة ثانية 1382ه- .
43- (الإشاعة لأشراط الساعة) لمحمّد بن عبد الرسول البرزنجي (ت1103ه-).
44- (الأشباه والنظائر في القرآن الكريم) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، طبعة حيدر آباد، وطبعة مصر 1395ه- .
45- (الإصابة في تمييز الصحابة) لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852ه-)، الطبعة الأولى بنفقة عبد الحفيظ في ترجمة جندب بن عمرو بن حممة, وطبعة مصطفى محمّد بمصر 1358ه-, وطبعة البابي الحلبي, وطبعة تحقيق البجاوي، وطبعة بيروت تحقيق محمّد علي عوض، وطبعة دار الكتب العلمية بيروت 1415ه- .
46- (الأصمعيات) لعبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع (ت216ه-).
47- (أصول علم العربية في المدينة) مجلّة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، عدد 105، 106.
48- (أصول الكافي/ الفروع) لمحمّد بن يعقوب الكليني (ت329ه-)، الطبعة الحجرية 1312ه-, وطبعة دار الكتب الإسلامية طهران.
49- (أصول النحو) لأحمد أمين، طبعة دار الفكر بيروت 1964م.
50- (أصول النحو) لسعيد الأفغاني.
51- (الأضداد) لمحمّد بن القاسم بن محمّد بن بشّار أبو بكر الأنباري (ت328ه-)، طبعة الكويت بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.
52- (أضواء على السُنّة المحمّدية) لأبي رية، طبعة الأولى.
53- (الاعتصام) لإبراهيم بن موسى الشاطبي (ت709ه-)، طبعة المنار مصر 1332ه-، وطبعة دار الكتب العلمية بروت.
54- (الإعجاز البياني للقرآن) لعائشة عبد الرحمن.
55- (إعجاز القرآن) لمحمّد بن الطيب الباقلاني (ت403ه-)، طبعة السلفية 1349ه- .
56- (إعجاز القرآن) لمصطفى صادق الرافعي.
57- (إعراب ثلاثين سورة)، للحسين بن أحمد المعروف بابن خالويه (ت370ه-)، طبعة دار الكتب المصرية 1360ه- .
58- (إعراب القرآن) لأبي جعفر أحمد بن أحمد النحّاس(ت338ه-).
59- (أعلام الموقعين عن ربّ العالمين) لمحمّد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي ابن قيم الجوزية (ت751ه-)، طبعة المنيرية.
60- (إعلام الورى بأعلام الهدى) للفضل بن الحسن الطبرسي (ت548ه-)، الطبعة الحيدرية.
61- (الأعلام) لخير الدين الزركلي (ت1410ه-)، طبعة مصر، وطبعة حيدر آباد.
62- (أعيان الشيعة) للسيّد محسن الأمين (ت1371ه-)، الطبعة الأولى دمشق.
63- (الأغاني) لأبي الفرج علي بن الحسن الأصفهاني (ت356ه-)، طبعة الساسي, وطبعة السادسة دار الكتب المصرية.
64- (الإفصاح عن أحوال رواة الصحاح) للشيخ محمّد الحسن آل مظفر النجفي.
65- (الاقتراح في علم النحو) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، طبعة الهند.
66- (الاقتصاد) لمحمّد بن الحسن الطوسي (ت460ه-) تحقيق الشيخ حسن سعيد، طبعة 1400ه- .
67- (الإقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع) لشمس الدين محمّد بن أحمد الشربيني (ت977ه-).
68- (إكمال إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم) لمحمّد بن خلفة الوشتاني الآبي المالكي (ت827ه-)، طبعة دار الكتب العلمية بيروت.
69- (إكمال الدين وإتمام النعمة) لمحمّد بن علي بن الحسين بن بابويه الصدوق (ت381ه-)، طبعة الحيدرية.
70- (الأمّ) لمحمّد بن إدريس الشافعي (ت204ه-)، طبعة مكتبة الكلّيات الأزهرية الأولى 1318ه- .
71- (الأمالي) لأبى الحسين المؤيد أحمد الهاروني (ت411ه-).
72- (الأمالي) لأبي علي إسماعيل بن القاسم القالي (ت356ه-).
73- (الأمالي) لعبد الرحمن بن إسحاق الزجّاجي (ت340ه-)، تحقيق عبد السلام محمّد هارون، الطبعة الأولى القاهرة 1382ه- .
74- (الأمالي) لعلي بن الحسين المرتضى (ت436ه-)، طبعة مصر.
75- (الأمالي) لمحمّد بن الحسن الطوسي (ت360ه-)، طبعة حجرية, مطبعة النعمان النجف الأشرف 1313ه- .
76- (الأمالي) لمحمّد بن علي بن الحسين بن بابويه الصدوق (ت381ه-)، طبعة الحيدرية.
77- (الأمالي) لمحمّد بن محمّد بن النعمان المفيد (ت413ه-)، طبعة الحيدرية 1367ه-، وطبعة دار المفيد.
78- (الأمالي الخميسية) للإمام يحيى بن الحسين المرشد بالله (ت499ه-) أحد أئمّة الزيدية، طبعة عالم الكتب بيروت، مكتبة المتنبي بالقاهرة.
79- (الأمالي الشجرية) ليحيى بن الحسين الشجري (ت298ه-)، طبعة الحيدرية، وطبعة حيدر آباد.
80- (الإمام جعفر الصادقu) لعبد الحليم الجندي، طبعة القاهرة.
81- (الإمام الصادق حياته وعصره) لمحمّد أبي زهرة، طبعة أحمد علي مخيمر.
82- (الإمام عليّ بن أبي طالب) لعبد الفتاح عبد المقصود.
83- (الإمام مالك) لمحمّد أبو زهرة.
84- (الإمامة والسياسة) لمحمّد بن عبد الله ابن قتيبة الدينوري (ت276ه-)، طبعة مصر مطبعة الأُمّة 1328ه-, وطبعة مصطفى محمّد.
85- (أمثال الحديث) لأبي محمّد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي (ت360ه-)، طبعة حيدر آباد باكستان 1388ه- .
86- (الأموال) لأبي عبيد قاسم بن سلام البغدادي (ت224ه-)، طبعة الكليات الأزهرية، تحقيق محمّد خليل هراس 1388ه- .
87- (الأموال) لحميد بن زنجويه (ت251ه-)، طبع مركز الملك فيصل 1406ه- .
88- (الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة الفقهاء) ليوسف بن عبد الله بن عبد البرّ النمري المالكي (ت463ه-).
89- (أنساب الأشراف) لأحمد بن يحيى البلاذري (ت279ه-), طبعة بيروت 1417ه-, وطبعة أفست المثنى ببغداد, وطبعة بتحقيق المحمودي, وتحقيق إحسان عباس, وطبعة دار المعارف بتحقيق الدكتور محمّد حميد الله, وطبعة بولس آبل 1884م، ونسخة مخطوطة (ترجمة ابن عباس).
90- (الأنساب) لأبي سعد عبد الكريم بن محمّد بن منصور التميمي السمعاني (ت562ه-)، بمكتبة الإمام أمير المؤمنينu العامّة في النجف (مصور)، وطبعة حيدر آباد،| وطبعة الهند بتحقيق المعلمي.
91- (الأوائل) لأبي هلال العسكري (ت395ه-).
92- (الأوسط) لمحمّد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (ت319ه-).
93- (إيثار الإنصاف في آثار الخلاف) لسبط ابن الجوزي يوسف بن قزاوغلي (ت654ه-)، الطبعة الأولى دار السلام القاهرة 1408ه- .
94- (إيثار الحقّ على الخلق) لمحمّد بن المرتضى اليماني، المعروف بابن الوزير (ق8ه-)، طبعة مصر 1318ه-
95- (إيضاح المكنون) لإسماعيل باشا بن محمّد أمين بن مير سليم الباباني البغدادي (ت1339ه-).
96- (إيضاح الوقف والابتداء) لمحمّد بن القاسم بن محمّد بن بشّار أبو بكر الأنباري (ت328ه-)، تحقيق محي الدين عبد الرحمن، طبعة مجمع اللغة العربية دمشق 1390ه-، ونسخة مخطوطة بتركيا بخط المرحوم أفعالي.
97- (الإيضاح في علم النحو) لعبد الرحمن بن إسحاق الزجّاجي (ت340ه-)، طبعة مكتبة دار العروبة القاهرة.
98- (إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسُنّة سيّد المهاجرين والأنصار) لصالح بن محمد العمري الشهير بالفلاني (ت1218ه-)، طبعة دار المعرفة بيروت.
99- (إيمان أبي طالب) لمحمّد بن محمّد بن النعمان المفيد (ت413ه-)، (المجموعة الأولى من نفائس المخطوطات).
100- (بحار الأنوار) لمحمّد باقر المجلسي، طبعة حجرية الكمپاني, وطبعة المكتبة الإسلامية, وطبعة تبريز.
101- (البحر الرائق/ شرح كنز الدقائق) لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود المعروف بالنسفي (ت710ه-)، الطبعة الأولى للمطبعة العلمية.
102- (بحر الزخّار/ مسند البزّار) لأحمد بن عمرو بن عبد الخالق العتكي البزّار (ت292ه-).
103- (البحر المديد في تفسير القرآن المجيد) لأحمد بن محمّد بن المهدي بن عجينة (ت1224ه-)، تحقيق أحمد رسلان، طبعة القاهرة 1419ه- .
104- (البخلاء) لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المعتزلي (ت255ه-)، طبعة دار الكتب المصرية 1358ه- .
105- (البدء والتاريخ) لأبي زيد أحمد بن سهل البلخي (ت322ه-)، طبعة باريس أفست.
106- (البدء والتاريخ) للمطهر بن طاهر المقدسي (ت355ه-)، طبعة أوربا، طبعة أفست.
107- (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) لأبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي (ت587ه-)، طبعة مصر.
108- (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) لمحمّد بن أحمد بن محمّد بن رشد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد (ت595ه-)، طبعة المجمع العلمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.
109- (البداية والنهاية/ السيرة النبوية) لإسماعيل بن كثير الدمشقي (ت774ه-)، طبعة السعادة بمصر.
110- (البديع) لعبد الله بن المعتز العباسي (ت296ه-)، طبعة أوربا.
111- (البرهان في علوم القرآن) لبدر الدين محمّد بن عبد الله الزركشي (ت794ه-)، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، طبعة الأولى 1376ه- مصر.
112- (بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز) لمحمّد بن يعقوب مجد الدين الشيرازي الفيروز آبادي (ت817ه-).
113- (البصائر والذخائر) لعلي بن محمّد أبي حيّان التوحيدي (ت280ه-)، تحقيق إبراهيم الكيلاني، طبعة مصر 1964ه- .
114- (بغية الطالب) للسيّد محمّد بن حيدر بن نور الدين الموسوي العاملي (ق12ه-)، الطبعة الأولى مكتبة الحيدرية، النجف 1428ه- .
115- (بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى.
116- (بلاغات النساء) لأبي الفضل بن أبي طاهر المعروف بابن طيفور (ت380ه-)، طبعة مصر 1326ه- .
117- (البلغة في تاريخ أئمّة اللغة) لمحمّد بن يعقوب فيروزآبادى (ت817ه-).
118- (بلوغ الإرب في أحوال العرب) لمحمّد شكري الآلوسي (ت1342ه-)، الطبعة الثالثة مصر.
119- (بناء المقالة الفاطمية) للسيّد الشريف أحمد بن موسى بن طاووس (ت673ه-)، طبعة مؤسّسة آل البيت.
120- (بنية الفكر الديني في الإسلام) للمستشرق جب.
121- (بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة) لمحمّد تقي التستري.
122- (بهجة المحافل وبغية الأماثل) ليحيى بن أبي بكر بن محمّد بن عيسى العامري (ت894ه-).
123- (بيان المعاني) لعبد القادر ملا حويش، طبعة الترقي دمشق 1382ه- .
124- (البيان في تفسير القرآن) للسيّد أبو القاسم الخوئي(قدّس سرّه)، الطبعة الثانية 1385ه- .
125- (البيان والتبيين) لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المعتزلي (ت255ه-)، تحقيق عبد السلام هارون، الطبعة التجارية بمصر.
126- (البيان والتعريف في أسباب الحديث الشريف) لإبراهيم بن محمّد بن كمال الدين الحسيني الحنفي (ت1120ه-)، طبعة دمشق، وطبعة دار الكتب العلمية بيروت.
127- (تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة) للسيّد شرف الدين علي الحسيني الإسترآبادي النجفي (ق10ه-).
128- (تاج العروس في جواهر القاموس) لمحمّد مرتضى الزبيدي (ت1205ه-)، طبعة مصر, وطبعة أفست بيروت.
129- (تاريخ ابن خلدون) لعبد الرحمن بن خلدون (ت808ه-)، طبعة دار التربية, وطبعة دار الكتاب اللبناني بيروت 1956م, وطبعة النهضة 1355ه- .
130- (تاريخ آداب العرب) لمصطفى صادق الرافعي (ت1356ه-).
131- (تاريخ الأدب العربي) لأحمد حسن الزيات، الطبعة الثانية مصر.
132- (تاريخ الأدب العربي) لبروكلمان، ترجمة عبد الحليم النجّار، طبعة دار المعارف مصر.
133- (تاريخ الإسلام) لحسن إبراهيم.
134- (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام/ طبقات) لمحمّد بن أحمد ابن عثمان الذهبي (ت748ه-)، طبعة القدسي بمصر 1368ه- .
135- (تاريخ أصبهان/ ذكر أخبار أصبهان) لأحمد بن عبد الله أبي نعيم الأصبهاني (ت430ه-)، طبعت أفست إسماعليان عن طبعة ليدن أوروبا.
136- (تاريخ الأُمم والملوك/ تاريخ الطبري) لمحمّد بن جرير الطبري (ت310ه-)، طبعة ليدن, وطبعة الحسينية الثالثة مصر, وطبعة الاستقامة مصر، وطبعة بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم دار المعارف مصر 1970م.
137- (تاريخ بغداد) لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت463ه-)، طبعة السعادة بمصر.
138- (تاريخ التراث العربي) للدكتور فؤاد سزكين، الترجمة العربية، طبعة الهيئة المصرية 1971م.
139- (تاريخ التمدن الإسلامي) لجرجي زيدان (ت1914م)، تحقيق الدكتور حسين مؤنس، طبعة دار الهلال.
140- (تاريخ جرجان) لحمزة بن يوسف السهمي (ت427ه-)، طبعة أفست أوربا.
141- (تاريخ الخط العربي وآدابه)، لمحمّد طاهر بن عبد القادر الكردي، الطبعة الأولى 1358ه- .
142- (تاريخ الخلفاء) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، طبعة موسكو، سلسلة آثار الآداب الشرقية 1967م, والطبعة المنيرية 1351ه- .
143- (تاريخ خليفة بن خياط/ طبقات) لخليفة بن خياط العصفري (ت240ه-).
144- (تاريخ الخميس) لحسين بن محمّد الديار بكري (ت966ه-).
145- (التاريخ الصغير/ الأوسط) لمحمّد بن إسماعيل البخاري (ت256ه-)، طبعة دار الوعي مكتبة التراث.
146- (تاريخ العرب/ مطول) فليب حتي، طبعة 1952م.
147- (تاريخ قضاة الأندلس) لأبي الحسن علي بن عبد الله الجذاني النباهي (ت792ه-)، نشر الأستاذ بروفنسال.
148- (تاريخ القضاء في الإسلام) لمحمود بن محمّد بن عرنوس.
149- (تاريخ الفقه الجعفري) لهاشم معروف الحسني.
150- (التاريخ الكبير) لأحمد بن أبي خثيمة (ت279ه-).
151- (التاريخ الكبير) لمحمّد بن إسماعيل البخاري (ت256ه-)، طبعة أفست المكتبة الإسلامية ديار بكر تركيا, وطبعة دار الفكر بيروت.
152- (تاريخ المدينة المنورة) لعمر بن شبة النميري (ت262ه-)، تحقيق فهيم محمّد شلتوت.
153- (تاريخ اليعقوبي) لأحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي، طبعة الحيدرية 1358ه-, وطبعة الغري النجف الأشرف.
154- (تاريخ مدينة دمشق) لعلي بن الحسن ابن عساكر (ت571ه-).
155- (تاريخ مدينة دمشق/ ترجمة الإمام عليّ) لعلي بن الحسن ابن عساكر (ت571ه-)، تحقيق المحمودي.
156- (تاريخ اليمن/ تاريخ مدينة صنعاء) لأبي العباس أحمد بن عبد الله بن محمّد الرازي الصنعاني اليمني (ق6ه-).
157- (تاريخ مكّة) لمحمّد بن عبد الله الأزرقي (ت223ه-)، طبعة دار الثقافة بمكّة المكرّمة سنة 1385ه-، وطبعة الماجدية مكّة المكرّمة 1357ه- .
158- (التاريخ والجغرافية) لعمر كحالة، طبعة دمشق 1392ه- .
159- (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام) للسيّد حسن بن هادي بن محمّد علي الصدر (ت1354ه-).
160- (تالي تلخيص المتشابه) لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت463ه-).
161- (التبصرة) لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمّد بن علي الشهير بابن الجوزي (ت597ه-).
162- (التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية) لأبي المظفر طاهر بن محمّد الأسفراييني (ت471ه-).
163- (تبيان الحقائق في شرح كنز الدقائق) لعثمان بن علي الزيلعي (ت641ه-).
164- (التبيان في تفسير القرآن) لمحمّد بن الحسن الطوسي (ت460ه-)، تحقيق أحمد القصير، الطبعة العلمية الأولى النجف الأشرف.
165- (تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم) لجمال البنا، طبعة دار الانتشار العربي بيروت 2011م.
166- (التحبير في علم التفسير) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، الطبعة الأولى 1408ه-، دار الكتب العلمية بيروت.
167- (التحبير في المعجم الكبير) لأبي سعد عبد الكريم بن محمّد بن منصور التميمي السمعاني (ت562ه-)، طبعة مكتبة ابن تيمية القاهرة.
168- (التحرير والتنوير/ تفسير) لمحمّد الطاهر بن عاشور التونسي (ت1393ه-)، طبعة الدار التونسية 1984م.
169- (تحف العقول) للحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرّاني(ق4ه-)، طبعة حجرية 1299ه-, وطبعة كتابفروشي إسلامية.
170- (التحفة السنية بشرح المقدّمة الأجرمية) لمحمّد محي الدين عبد الحميد.
171- (تدريب الراوي بتقريب النواوي) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، الطبعة الثانية بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، والطبعة العلمية المدينة المنورة 1392ه- .
172- (التدوين في أخبار قزوين) لعبد الكريم الرفاعي (ت623ه-)، تحقيق العطاردي، طبعة عطارد الأولى 1376ه- .
173- (تذكرة الحفّاظ) لمحمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ه-)، طبعة دمج بيروت، وطبعة حيدر آباد.
174- (التذكرة الحمدونية) لمحمّد بن الحسن ابن حمدون البغدادي (ت562ه-)، تحقيق إحسان عباس وبكر عباس، طبعة دار صادر بيروت.
175- (تذكرة الخواص) لسبط ابن الجوزي يوسف بن قزاوغلي (ت654ه-)، طبعة حجرية 1285ه-، وطبعة حجرية ثانية 1299ه-، وطبعة كتابفروشي إسلامية, وطبعة منشورات الشريف الرضي بقم.
176- (تذكرة الفقهاء) للحسن بن يوسف بن المطهر العلاّمة الحلّي (ت726ه-)، طبعة مؤسّسة آل البيت.
177- (التراتيب الإدارية) لمحمّد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني (ت1382ه-)، طبعة دار إحياء التراث العربي، وطبعة بتحقيق عبد الله الخالدي الثانية بيروت.
178- (التراث العربي في مكتبات إيران العامّة) للسيّد أحمد الحسيني.
179- (التسهيل لعلوم التنزيل) لمحمّد بن أحمد الغرناطي ابن جزي الكلبي (ت741ه-)، طبعة مصطفى محمّد مصر 1355ه- .
180- (تصحيفات المحدّثين) لأبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري (ت382ه-)، طبعة بتحقيق محمود أحمد ميرة القاهرة، وطبعة 1402ه- .
181- (تطريز رياض الصالحين) لفيصل بن عبد العزيز الحرميلي.
182- (تفسير ابن أبي حاتم) لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت327ه-)، طبعة صيدا.
183- (تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السُنّة) للدكتور عبد العزيز بن عبد الله الحميدي، طبعة جامعة أمّ القرى مكّة المكرّمة.
184- (تفسير أبي السعود/ إرشاد العقل السليم) لمحمّد بن محمّد بن مصطفى أبو السعود العمادي (ت982ه-)، طبعة دار إحياء التراث العربي بيروت.
185- (تفسير البحر المحيط) لمحمّد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيّان الأندلسي (ت745ه-)، طبعة دار إحياء الفكر بيروت.
186- (تفسير البيضاوي) لعبد الله بن عمر بن محمّد الشيرازي (ت685ه-)، طبعة دار الفكر بيروت.
187- (تفسير الحبري) للحسين بن الحكم بن مسلم الحبري (ت286ه-)، تحقيق السيّد محمّدرضا الجلالي، طبعة مؤسّسة آل البيت.
188- (تفسير الخازن) لعلاء الدين بن إبراهيم الخازن (ت725ه-).
189- (تفسير السلمي) لمحمّد بن الحسين بن موسى الأزدي السلمي (ت412ه-).
190- (تفسير السمرقندي/ بحر العلوم) أبو الليث السمرقندي (ت383ه-).
191- (تفسير الصافي) للمولى محسن الملقّب ب-الفيض الكاشاني (ت1091ه-).
192- (تفسير العياشي) لمحمّد بن مسعود العياشي (ت320ه-).
193- (تفسير غريب القرآن) لعبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدنيوري (ت276ه-)، تحقيق السيد جعفر صقر، طبعة دار الكتب العلمية بيروت 1398ه- .
194- (تفسير القرآن العظيم) لإسماعيل بن كثير الدمشقي (ت774ه-)، طبعة دار الفكر بيروت، وطبعة الاستقامة مصر 1373ه- .
195- (تفسير فرات) لفرات بن إبراهيم الكوفي (ت352ه-)، طبعة الحيدرية، وطبعة طهران بتحقيق محمّد الكاظم.
196- (تفسير الكاشف) لمحمّد جواد مغنية.
197- (التفسير الكبير) لمحمّد بن عمر بن حسين الفخر الرازي (ت606ه-)، طبعة البهية مصر 1357ه-، وطبعة عبد الرحمن محمّد مصر.
198- (تفسير الكشّاف) لجار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت583ه-)، طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده مصر 1367ه-، وطبعة 1385ه- .
199- (تفسير المنار) لمحمد رشيد رضا، الطبعة الأولى بمصر.
200- (تفسير نور الثقلين) لعبد علي بن جمعة الحويزي (ت1112ه-).
201- (التفسير والمفسّرون) لمحمّد حسين الذهبي (ت1397ه-)، الطبعة الأولى بمصر 1381ه- .
202- (تقريب التهذيب) لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852ه-)، طبعة مصر.
203- (التقرير والتحبير) لمحمّد بن محمّد المعروف بابن أمير الحاج (ت879ه-)، طبعة دار الفكر بيروت.
204- (تقييد العلم) لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت463ه-)، طبعة مصر.
205- (تلخيص الحبير) لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852ه-)، تحقيق الدكتور شعبان محمّد إسماعيل، الناشر مكتبة ابن تيمية القاهرة.
206- (تلخيص الشافي) لمحمّد بن الحسن الطوسي (ت460ه-)، طبعة ملحقاً بكتاب الشافي حجرية, وطبعة النجف.
207- (التلخيص في أصول الفقه) لعبد الملك بن عبد الله أبو المعالي الجويني (ت478ه-)، طبعة دار البشائر الإسلامية بيروت.
208- (تلخيص المستدرك) لمحمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ه-)، بهامش المستدرك، طبعة أفست بيروت, وطبعة دمج.
209- (تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية) لمصطفى عبد الرازق، طبعة القاهرة 1363ه- .
210- (التمهيد لما في الموطأ من الأسانيد) ليوسف بن عبد الله بن عبد البرّ النمري المالكي (ت463ه-)، طبعة المغرب، وطبعة دار إحياء التراث العربي بيروت 1420ه- .
211- (التنبيه والإشراف) لعلي بن الحسين بن علي المسعودي (ت346ه-)، طبعة مصر.
212- (تنزيه الشريعة) لابن عراق الكناني (ت964ه-).
213- (تنوير الأذهان في تفسير روح البيان) لإسماعيل البروسوي، اختصار وتحقيق محمّد علي الصابوني.
214- (تنوير المقباس من تفسير ابن عبّاس)، مطبعة مصطفى محمّد مصر.
215- (تهذيب الآثار) لمحمّد بن جرير الطبري (ت310ه-)، طبعة مصر.
216- (تهذيب الأحكام) لمحمّد بن الحسن الطوسي (ت460ه-)، تحقيق السيّد حسن الموسوي الخرسان.
217- (تهذيب الأسماء واللغات) ليحيى بن شرف النووي (ت676ه-)، طبعة المنيرية مصر.
218- (تهذيب الألفاظ) لأبي يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت (ت244ه-).
219- (تهذيب تاريخ ابن عساكر) لعبد القادر بن أحمد ابن بدران (ت1346ه-).
220- (تهذيب التهذيب) لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852ه-)، طبعة أفست عن حيدر آباد.
221- (تهذيب التهذيب في أصول التعريب) للدكتور أحمد بك عيسى، طبعة الأولى القاهرة 1342ه- .
222- (تهذيب الكمال) ليوسف المزي الحافظ (ت742ه-)، تحقيق بشّار عواد، طبعة مؤسّسة الرسالة بيروت 1400ه- .
223- (تهذيب تاريخ دمشق) لعبد القادر بن بدران (ت1346ه-)، طبعة أفست دار المسيرة بيروت.
224- (التوحيد) لمحمّد بن علي بن الحسين بن بابويه الصدوق (ت381ه-)، طبعة حجرية 1331ه- .
225- (توضيح الدلائل على تصحيح الفضائل) لشهاب الدين أحمد بن عبد الله الإيجي الشافعي (ق9ه-).
226- (التيجان في ملوك حِمير) لعبد الملك بن هشام برهان الدين الحلبي (ت218ه-).
227- (تيسير الوصول إلى جامع الأصول) لأبي السعادات بن الأثير الجزري (ت606ه-).
228- (التيسير في شرح الجامع الصغير) لمحمّد عبد الرؤوف المناوي (ت1031ه-).
229- (جامع الأحاديث) لجعفر بن أحمد بن علي القمّي المعروف بابن الرازي(ق4ه-)، الطبعة الإسلامية طهران 1369ه- .
230- (جامع الأصول لأحاديث الرسول) لأبي السعادات مبارك بن محمّد المعروف بابن الأثير الجرزي الشافعي (ت606ه-).
231- (جامع بيان العلم وفضله) ليوسف بن عبد الله بن عبد البرّ النمري المالكي (ت463ه-)، طبعة مصر، والطبعة الثانية بتحقيق عبد الرحمن محمّد عثمان نشر المكتبة السلفية 1388ه- .
232- (جامع البيان عن تأويل القرآن/ تفسير الطبري) لمحمّد بن جرير الطبري (ت310ه-)، طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده مصر 1373ه-، وطبعة دار المعارف بتحقيق أحمد محمّد شاكر، والطبعة الأميرية الكبرى 1325ه- .
233- (جامع الجرح والتعديل).
234- (الجامع الصغير) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، طبعة دار الفكر، وطبعة بولاق.
235- (الجامع لأحكام القرآن/ تفسير) لمحمّد بن أحمد القرطبي (ت671ه-)، طبعة دار إحياء التراث العربي بيروت 1966م, وطبعة دار الشعب بالقاهرة.
236- (جامع لطائف التفسير) لعبد الرحمن بن محمّد بن عبد الحميد القماش.
237- (الجرح والتعديل) لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت327ه-)، طبعة أفست عن الطبعة الأولى بحيدر آباد 1371ه- .
238- (جمع الجوامع) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-).
239- (جمع الجواهر في الملح والنوادر) لإبراهيم بن عليّ بن تميم الأنصاري (ت453ه-)، تحقيق البجاوي، طبعة عيسى البابي الحلبي مصر سنة 1372ه- .
240- (جمع الفوائد) لمحمّد بن سليمان الروداني السوسي (ت1094ه-)، طبعة مكتبة الجامعة مكّة المكرّمة.
241- (الجمع بين الصحيحين من المتّفق عليه) لمحمّد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن حميد الأزدي الحميدي (ت488ه-).
242- (الجمل) لمحمّد بن محمّد بن النعمان المفيد (ت413ه-)، الطبعة الثانية بالحيدرية 1368ه-, ونسخة مخطوطة في مكتبة المرحوم السيّد حسن الخرسان.
243- (جمهرة الإسلام ذات النثر والنظام) لمسلم بن محمود بن نعمة بن أرسلان الشيزري (ق7)، تحقيق الدكتور محمّد إبراهيم حوّر، طبعة المجمع الثقافي أبو ظبي الإمارات 1426ه- .
244- (جمهرة أشعار العرب) لأبي زيد محمّد بن أبي الخطّاب القرشي (ت170ه-)، تحقيق علي محمّد البجاوي.
245- (جمهرة أنساب العرب) لعلي بن حزم الأندلسي الظاهري (ت456ه-)، تحقيق پروفنسال، وطبعة بتحقيق عبد السلام محمّد هارون.
246- (جمهرة اللغة) لمحمّد بن الحسن بن درُيد الأزدي (ت321ه-)، طبعة الهند.
247- (جناية البخاري إنقاذ الدين من إمام المحدّثين) لزكريا أوزون.
248- (الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ تفسير الثعالبي) لعبد الرحمن بن محمّد بن مخلوف أبي زيد الثعالبي المالكي (ت875ه-)، طبعة دار الكتب العلمية.
249- (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام) لمحمّد حسن النجفي (ت1266ه-)، تحقيق الشيخ عباس القوجاني، طبعة النجف.
250- (الجوهرة في نسب النبيّ وأصحابه العشرة) لمحمّد بن أبي بكر التاهساني المعروف بالبري (ق7ه-)، تحقيق الدكتور محمّد القوشنجي الأستاذ بجامعة حلب، طبعة دار الرفاعي حلب.
251- (الجوهر النقي في الردّ على البيهقي) لأحمد بن عثمان المارديني ابن التركماني (ت750ه-)، بهامش السنن الكبرى للبيهقي، طبعة أفست عن حيدر آباد، وطبعة دار الفكر.
252- (حاشية ردّ المحتار) لمحمّد أمين المشهور بابن عابدين (ت1252ه-)، طبعة دار الفكر بيروت.
253- (الحاوي للفتاوي) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، طبعة مصر، وطبعة دار الكتب العلمية بيروت 1408ه- .
254- (الحث على حفظ العلم) لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمّد بن علي الشهير بابن الجوزي (ت597ه-).
255- (الحدائق الوردية في أحوال الأئمّة الزيدية) لحُميد بن أحمد المحلي الشهيد الزيدي (ت652ه-), نسخة مكتبة الإمام كاشف الغطاء (مخطوطة), وطبعة محقّقة للدكتور المرتضى بن زيد المحظوري الحسني 1423ه-، مطبوعات مكتبة مركز بدر العلمي والثقافي في صنعاء.
256- (حديث هشام بن عمّار) لهشام بن عمّار بن نصير المقرئ (ت245ه-)، طبعة السعودية.
257- (حسن المحاضرة) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، طبعة مصر 1321ه- .
258- (حلية الأولياء) لأحمد بن عبد الله أبو نعيم الأصفهاني (ت430ه-)، طبعة السعادة مصر.
259- (حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء) لسيف الدين أبو بكر محمّد بن أحمد الشاشي القفّال الشافعي (ت507ه-)، طبعة مؤسّسة الرسالة الحديثة.
260- (الحماسة الصغرى/ الوحشيات) لأبي تمّام حبيب بن أوس الطائي (ت231ه-)، الطبعة الثانية.
261- (حياة الحيوان) لمحمّد بن موسى الدميري (ت808ه-)، طبعة بولاق, وطبعة مصر.
262- (الخراج) للقاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم البغدادي (ت182ه-)، الطبعة السلفية.
263- (الخراج) ليحيى بن آدم القرشي (ت203ه-)، الطبعة السلفية.
264- (خزانة الأدب) لعبد القادر بن عمر البغدادي (1093ه-).
265- (خصائص أمير المؤمنين عليّ) لأحمد بن شعيب النسائي (ت203ه-)، طبعة التقدّم مصر 1348ه-, وطبعة مكتبة المعلّى الكويت 1406ه- .
266- (الخصائص في النحو) لأبي الفتح عثمان بن جني (ت392ه-)، تحقيق محمّد علي النجّار، طبعة دار الكتب المصرية 1376ه- .
267- (الخصائص الكبرى) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، تحقيق الدكتور محمّد خليل هراس، طبعة حيدر آباد.
268- (الخصال) لمحمّد بن علي بن الحسين بن بابويه الصدوق (ت381ه-)، طبعة الحيدرية، تقديم السيّد محمّد مهدي الخرسان.
269- (خلاصة الأقوال في معرفة الرجال) للعلاّمة الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي (ت726ه-).
270- (خلاصة تذهيب تهذيب الكمال) لأحمد بن عبد الله الخزرجي (ت923ه-)، الطبعة الأولى بالخيرية مصر 1322ه- .
271- (الخلاصة في أحكام الاجتهاد والتقليد) لعلي بن نايف الشحود.
272- (الخلاف) لمحمّد بن الحسن الطوسي (ت460ه-)، طبعة جماعة المدرّسين بقم، وطبعة مؤسّسة آل البيت قم، وطبعة مؤسّسة النشر الإسلامي قم 1407ه- .
273- (دائرة المعارف) للمعلّم بطرس البستاني، طبعة دار المعرفة بيروت.
274- (دائرة المعارف الإسلامية) الترجمة العربية عبد الحميد يونس، طبعة دار المعرفة بيروت.
275- (دراسات في النحو) لصلاح الدين الزعبلاوي.
276- (الدرجات الرفيعة) لعلي خان المدني الشيرازي (ت1120ه-)، نسخة مخطوطة بمكتبة الشيخ السماوي, وطبعة الحيدرية 1382ه- .
277- (الدرّ الفريد في بيان حكم التقليد) لأحمد بن محمّد الحموي (ت1098ه-).
278- (الدرّ المنثور/ تفسير) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، طبعة أفست الإسلامية، وطبعة دار إحياء التراث العربي بيروت.
279- (دلائل النبوّة) لأحمد بن الحسين بن علي البيهقي الشافعي (ت458ه-)، طبعة بيروت.
280- (دول العرب وعظماء الإسلام) لأحمد شوقي، طبعة مصر.
281- (ديوان الأصمعي) شرح الأعلم الشنتمري، طبعة الحميدية مصر.
282- (ديوان الأعشى)، طبعة مصر بشرح وتعليق الدكتور م. محمّد حسين، وطبعة مطبعة أدلف، هلزهوسن بيانه 1927م.
283- (ديوان أُميّة بن أبي الصلت) (ت529ه-)، جمعه بشير يموت، طبعة بيروت.
284- (ديوان أمير المؤمنين).
285- (ديوان جرير) لمحمّد إسماعيل عبد الله الصاوي، الطبعة الأولى بمطبعة الصاوي بمصر.
286- (ديوان حسّان) بشرح عبد الرحمن البرقوقي، طبعة ليدن، وطبعة بتصحيح محمّد أفندي مصر، وطبعة بتحقيق عبد الرحمن البرقوقي مصر.
287- (ديوان الحطيئة/ بشرح السكري)، لأبي مليكة الحطيئة العبسي، طبعة دار الخلافة العلية 1308ه-، وطبعة المتقدّم مصر 1323ه- .
288- (ديوان السري الرفاء)، طبعة القدسي مصر.
289- (ديوان سلامة بن جندل) شرح لويس شيخو، طبعة بيروت.
290- (ديوان السيّد الحميري)، طبعة بيروت.
291- (ديوان الشريف الرضي)، لمحمّد بن الحسين الموسوي (ت406ه-)، طبعة مصر.
292- (ديوان الشماخ بن ضرار)، طبعة السعادة 1327ه- .
293- (ديوان الضعفاء والمتروكين) لمحمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ه-)، تحقيق حمّاد بن محمّد الأنصاري، مطبعة النهضة الحديثة مكّة 1378ه- .
294- (ديوان طرفة بن العبد) جمع الشنقيطي، طبعة بيروت 1889م.
295- (ديوان عدي بن زيد) تحقيق محمّد جبار المعيبد، طبعة سلسلة كتب التراث بغداد 1385ه- .
296- (ديوان الفرزدق)، طبعة تاصاوي بمصر.
297- (ديوان قيس بن الخطيم)، تحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد، كنوز الشعر.
298- (ديوان لبيد بن ربيع) لبيد بن ربيع بن مالك العامري (ت41ه-)، طبعة الكويت.
299- (ديوان المهلهل بن ربيعة).
300- (ديوان الهذليين)، طبعة دار الكتب بمصر.
301- (ديوان النابغة الذبياني).
302- (ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى) لأحمد بن عبد الله محبّ الدين الطبري (ت694ه-)، طبعة القدسي 1371ه-، وطبعة بتحقيق سامي الغريري.
303- (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) للشيخ آقا بزرك الطهراني (ت1389ه-).
304- (ذيل تاريخ بغداد) لمحمّد بن محمود المعروف بابن النجّار البغدادي (ت643ه-).
305- (ذيل الروضتين) لأبي شامة المقدسي (ت665ه-).
306- (ذيل تذكرة الحفّاظ) لمحمّد بن علي الحسيني أبو البركات (ت765ه-)، طبعة دار إحياء التراث العربي بيروت، أفست حيدر آباد.
307- (ذيل طبقات الحنابلة) لعبد الرحمن بن رجب الحنبلي (ت795ه-).
308- (راموز الأحاديث)، طبعة الأستانة استانبول 1275ه- .
309- (ربيع الأبرار ونصوص الأخبار) لجار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت583ه-)، طبعة أوقاف بغداد, ونسخة الشيخ السماوي بخطه, ونسخة الأوقاف ببغداد رقم 388, ونسخة الرضوية بخراسان.
310- (رجال المعلّقات العشر) لمصطفى بن محمّد سليم الغلاييني (ت1364ه-).
311- (رجال النجاشي) لأحمد بن علي النجاشي (ت450ه-)، طبعة بمبيء 1317ه- .
312- (رسائل الشريف المرتضى) لعلي بن الطاهر الشريف المرتضى (ت436ه-).
313- (رسالة الصداقة والصديق) لعلي بن محمّد أبي حيّان التوحيدي (ت280ه-)، طبعة الجوائب.
314- (رسالة في تأسيس علم النحو بين الواقع والخرافة).
315- (الرسالة اللدنية) لأبي حامد محمّد بن محمّد الغزالي (ت505ه-).
316- (الرسالة المستطرفة) لمحمّد بن جعفر الكتاني (ت1345ه-).
317- (رغبة الآمل من كتاب الكامل) سيّد بن علي المرصفي (ت1350ه-).
318- (روائع التراث الإسلامي/ مسائل نافع بن الأزرق لابن عبّاس)، تحقيق عبد الكريم أحمد جدبان، طبعة مكتبة التراث الإسلامي.
319- (روح البيان/ تفسير) لإسماعيل البروسوي (ت1137ه-)، طبعة استانبول.
320- (روح المعاني/ تفسير) لأبي الثناء محمود الآلوسي (ت1270ه-)، طبعة المنيرية الثانية مصر، وطبعة الأستانة.
321- (الروض الأزهر) لشاه تقي الهندي الشهير بقلندر (ق13ه-).
322- (الروض الأنف) لعبد الرحمن السهيلي (ت581ه-)، طبعة مصر.
323- (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية) لزين الدين الجبعي العاملي (الشهيد الثاني) (ت965ه-).
324- (الرياض النضرة في مناقب العشرة) لأحمد بن عبد الله المحب الطبري (ت694ه-)، طبعة بدر الدين النعساني مصر 1327ه- .
325- (زاد المسير) لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمّد بن علي الشهير بابن الجوزي (ت597ه-).
326- (زاد المعاد) لمحمّد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي ابن قيم الجوزية (ت751ه-)، طبعة دار الكتاب العربي بيروت (أفست).
327- (زعامة الشعر الجاهلي بين امرئ القيس وعدي ابن زيد) لعبد المتعال الصعيدي.
328- (زوائد النظائر وفوائد البصائر) لأبي عبد الله بن محمّد الحسين الدامغاني، نسخة خطّية في (مكتبة السيّد الحكيم) في النجف الأشرف، بخط محمّد حسين بن عبد الله الخوانساري بتاريخ (1260ه-).
329- (الزهد) لعبد الله بن المبارك (ت181ه-).
330- (زين الفتى في شرح سورة هل أتى) لأحمد بن محمّد العاصمي (ق4ه-)، (مخطوطة) في مكتبة الإمام أمير المؤمنين u، مكتبة الشيخ الأميني.
331- (الزينة) لمحمّد بن إدريس بن المنذر أبو حاتم الرازي (ت277ه-)، طبعة دار الكاتب العربي، مصر.
332- (سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود) لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت275ه-).
333- (سؤالات محمّد بن عثمان بن أبي شيبة لعلي بن المديني في الجرح والتعديل) دراسة وتحقيق موفّق بن عبد الله بن عبد القادر.
334- (سبل الهدى والرشاد) لمحمّد بن يوسف الصالحي الدمشقي (ت942ه-)، طبعة العلمية بيروت.
335- (السجود على التربة الحسينية) للسيّد محمّد مهدي الخرسان (المؤلف)، طبعة دار المحجّة البيضاء بيروت 1429ه- .
336- (السرائر/ الحاوي لتحرير الفتاوي) لأبي جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي (ت598ه-)، تحقيق السيّد مهدي الخرسان.
337- (السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربّنا الحكيم
الخبير) لمحمّد بن أحمد الخطيب الشربيني (ت977ه-)، طبعة بولاق القاهرة.
338- (السراج المنير في شرح الجامع الصغير) لعلي بن أحمد بن محمّد العزيزي (ت1070ه-)، طبعة الخيرية، وطبعة الشرقية 1304ه- .
339- (سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون) لمحمّد بن محمّد ابن نباتة المصري (ت767ه-)، الطبعة الأزهرية 1305ه-، بهامش الغيث المسجم.
340- (سعد السعود) لعلي بن موسى بن طاووس (ت664ه-)، طبعة الحيدرية 1369ه- .
341- (سفينة البحار) للشيخ عباس بن محمّدرضا القمّي، طبعة محقّقة.
342- (سفينة الراغب ودفينة المطالب) لمحمّد راغب باشا الوزير (ق12ه-).
343- (السقيفة) لأحمد بن عبد العزيز أبو بكر الجوهري (ت323ه-)، بتوسط شرح النهج لابن أبي الحديد.
344- (السقيفة والخلافة) لعبد الفتاح عبد مقصود، طبعة مكتبة غريب مصر.
345- (سلسلة الأحاديث الصحيحة) لناصر الدين الألباني، طبعة مكتبة المعارف الرياض, والمجلد الأوّل الطبعة الرابعة نشر المكتب الإسلامي 1405ه- .
346- (سلسلة الأحاديث الضعيفة) لناصر الدين الألباني.
347- (سلسلة موسوعات فقه السلف/ موسوعة فقه عبد الله بن عبّاس) للدكتور محمّد روّاس قلعةجي، طبعة دار النفائس 1406ه- .
348- (سلسلة موسوعات فقه السلف/ موسوعة فقه عليّ بن أبي طالب) للدكتور محمّد روّاس قلعةجي.
349- (سلسلة موسوعات فقه السلف/ موسوعة فقه عمر بن الخطّاب) للدكتور محمّد روّاس قلعةجي، طبعة دار النفائس 1406ه- .
350- (سمط اللئالي في شرح أمالي القالي) لعبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي (ت487ه-).
351- (سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي) لعبد الملك بن حسين العصامي المكّي (ت1111ه-)، طبعة السلفية مصر 1380ه- .
352- (السُنّة قبل التدوين) للدكتور محمّد عجاج الخطيب، طبعة دار الفكر بيروت، وطبعة مكتبة وهيبة مصر 1383ه- .
353- (السُنّة) لعمر بن أبي عاصم الشيباني (ت287ه-)، طبعة المكتب الإسلامي، تحقيق الألباني.
354- (سنن ابن ماجة) لمحمّد بن يزيد القزويني ابن ماجة (ت273ه-)، الطبعة الأولى بمصر 1313ه-, وطبعة بتحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، وطبعة الغازية.
355- (سنن أبي داود) لسليمان بن الأشعث السجستاني (ت275ه-)، طبعة محمّد محي الدين عبد الحميد، نشر دار إحياء السُنّة الشريفة, وطبعة دار الفكر, وطبعة هندية.
356- (سنن الترمذي) لمحمّد بن عيسى الترمذي (ت279ه-)، طبعة بتحقيق عطوة, وطبعة هندية, وطبعة بشرح تحفة الأحوذي بمصر، وطبعة بشرح ابن العربي.
357- (سنن الدارقطني) لعلي بن عمر الدارقطني (ت385ه-)، تحقيق هاشم، نشر المدينة المنورة.
358- (سنن الدارمي) لعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (ت255ه-)، طبعة دار المحاسن للطباعة 1386ه-، وطبعة دار الكتاب العربي 1407ه-، وطبعة الاعتدال دمشق.
359- (سنن سعيد بن منصور)، طبعة دار العصيمي الرياض.
360- (السنن الكبرى) لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت303ه-)، طبعة المصرية بالأزهر.
361- (السنن الكبرى/ المجتبى) لأحمد بن الحسين بن علي البيهقي الشافعي (ت458ه-)، طبعة دار الفكر بيروت، أفست عن حيدر آباد, وطبعة دار الباز مكّة المكرّمة 1414ه-, وطبعة بيروت 1411ه-, وطبعة مصر.
362- (سير أعلام النبلاء) لمحمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ه-)، طبعة مصر, وطبعة دار الفكر بيروت, وطبعة مؤسّسة الرسالة بيروت 1413ه- .
363- (سيرة ابن إسحاق/ كتاب السير والمغازي) لمحمّد بن إسحاق بن يسار (ت151ه-)، تحقيق الدكتور سهيل زكار، طبعة دار الفكر بيروت 1398ه- .
364- (السيرة الحلبية/ إنسان العيون في سيرة الأمين والمأمون) لعلي بن برهان الدين الحلبي (ت1044ه-)، طبعة الخيرية مصر 1329ه-، وطبعة البهية مصر 1320ه- .
365- (السيرة النبوية) لعبد الملك بن هشام برهان الدين الحلبي (ت218ه-)، طبعة البهية مصر 1320ه-, وطبعة الخيرية مصر 1329ه-، وطبعة التراث الإسلامي، وطبعة الثانية بتحقيق مصطفى السقا.
366- (السيرة النبوية) لأبي القاسم الحسين بن علي الوزير المغربي (ت418ه-).
367- (السيرة النبوية والأثار النبوية) لأحمد زيني دحلان (ت1304ه-)، بهامش السيرة الحلبية، طبعة محمّد أفندي مصطفى مصر 1320ه- .
368- (الشافي) لعلي بن الحسين المرتضى (ت436ه-)، طبعة حجرية 1301ه- .
369- (الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم) لعبد الرحمن بن معاضة الشهري، طبعة مكتبة دار المنهاج الرياض.
370- (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) لعبد الحي بن العماد الحنبلي (ت1089ه-)، طبعة المكتبة التجارية مصر، وطبعة دار التراث العربي بيروت.
371- (شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام) لنجم الدين جعفر بن الحسن المحقّق الحلّي (ت676ه-).
372- (شرح الأجرمية) لحسن حفظي.
373- (شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار) للنعمان بن محمّد المغربي (ت363ه-)، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي, وطبعة مصر.
374- (شرح أدب الكاتب) لأبي منصور الجواليقي (ت539ه-)، طبعة القدسي مصر 1350ه- .
375- (شرح أشعار الهذيليين)، طبعة دار الكتب مصر.
376- (شرح أصول الاعتقاد) للألكائي.
377- (شرح تجريد الاعتقاد) لعلاء الدين علي بن محمّد القوشجي (ت870ه-).
378- (شرح ثلاثيات الإمام أحمد بن حنبل) لمحمّد بن أحمد السفاريني الحنبلي (ت1188ه-)، طبعة المكتب الإسلامي بيروت 1380ه- .
379- (شرح ديوان الحماسة أبي تمام) للخطيب يحيى بن علي التبريزي (502ه-)، مطبعة حجازي بالقاهرة، تحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد.
380- (شرح ديوان زهير) لأبي العبّاس الشيباني ثعلب (ت291ه-)، طبعة دار الكتب المصرية.
381- (شرح شواهد ألفية ابن مالك) للسيّد محمّد العاملي.
382- (شرح صحيح مسلم) ليحيى بن شرف النووي (ت676ه-)، طبعة الهند, وطبعة مصر 1349ه- .
383- (شرح القصائد التسع) لأبي جعفر أحمد بن أحمد النحّاس(ت338ه-).
384- (شرح القصائد السبع) لمحمّد بن القاسم بن محمّد بن بشّار أبو بكر الأنباري (ت328ه-).
385- (شرح القصائد العشر) ليحيى بن علي بن محمّد الشيباني (ت502ه-).
386- (شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف) لأبي أحمد للعسكري (ت382ه-)، الطبعة الأولى محقّقة 1384ه- .
387- (شرح معاني الآثار) لأحمد بن سلامة القضاعي الطحاوي الحنفي (ت321ه-)، تحقيق محمّد زهري النجّار، طبعة دار الكتب العلمية بيروت 1399ه- .
388- (شرح المفضليات) لمحمّد بن القاسم بن محمّد بن بشّار أبو بكر الأنباري (ت328ه-).
389- (شرح المواقف) لعلي بن محمّد الجرجاني (ت816ه-)، طبعة دار الكتب العلمية بيروت.
390- (شرح المواهب اللدنية) لمحمّد بن عبد الباقي الزرقاني (ت1122ه-)، طبعة الأولى الأزهرية 1325ه- .
391- (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد المعتزلي (ت656ه-)، طبعة دار الكتب العربية بمصر الأولى, وطبعة دار الفكر بيروت، والطبعة الحديثة بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.
392- (شرح نهج البلاغة) لمحمّد عبده (ت1323ه-)، طبعة الاستقامة الأولى بمصر.
393- (الشرف المؤبد لآل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم) ليوسف بن إسماعيل الشافعي النبهاني (ت1350ه-).
394- (شعراء النصرانية) لجمعة لويس شيخو.
395- (الشعر والشعراء) لعبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت276ه-)، طبعة مصر.
396- (الشفاء بتعريف حقوق المصطفى) للقاضي عياض اليحصبي المالكي (ت544ه-)، طبعة إسلامبول 1304ه- .
397- (شواهد التفسير عند ابن عبّاس في مسائل ابن الأزرق) للدكتور أحمد الخباطي.
398- (شواهد التنزيل) لعبد الله بن أحمد الحاكم الحسكاني (ق5ه-).
399- (شيخ المضيرة أبو هريرة) لمحمود أبو ريّة، الطبعة الثالثة دار المعارف مصر.
400- (الصاحبي في فقه اللغة) لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (ت395ه-)، تحقيق مصطفى الشويمي، طبعة بيروت 1383ه-، نشر المكتبة اللغوية العربية.
401- (الصبح المنير/ مجموعة شعر المسيّب).
402- (صبح الأعشى في صناعة الانشى) لأحمد بن عليّ القلقشندي (ت821ه-)، طبعة تراثنا مصر.
403- (الصحاح/ تاج اللغة وصحاح العربية) لإسماعيل بن حمّاد الجوهري (ت393ه-).
404- (صحيح ابن حبّان/ السنن) لمحمّد بن حبّان البستي (ت354ه-)، الطبعة الثانية مؤسّسة الرسالة بيروت.
405- (صحيح ابن خزيمة) لمحمّد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري (ت311ه-)، طبعة المكتب الإسلامي بيروت.
406- (صحيح البخاري) لمحمّد بن إسماعيل البخاري (ت256ه-)، طبعة بولاق مصر 1312ه-، و 1314ه-، وطبعة دار الخلافة المطبعة العامرة.
407- (صحيح مسلم) لمسلم بن الحجاج القشيري (ت261ه-)، طبعة حجرية 1272ه-, وطبعة بولاق مصر, وطبعة محمّد علي صبيح مصر.
408- (صحيفة علي بن أبي طلحة في التفسير)، تحقيق الدكتور محمّد كامل حسين، الأستاذ المساعد بكلّية الآداب بجامعة فؤاد الأوّل.
409- (الصراط المستقيم) لعلي بن يونس البياضي العاملي (ت877ه-)، طبعة الحيدري طهران.
410- (الصواعق المحرقة) لشهاب الدين أحمد بن حجر المكّي الهيتمي الشافعي (ت973ه-)، طبعة الميمنية الأولى 1312ه-, وطبعة بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف مصر.
411- (ضحى الإسلام) للدكتور أحمد أمين (ت1373ه-)، الطبعة الثالثة 1371ه- .
412- (الضعفاء الصغير) لمحمّد بن إسماعيل البخاري (ت256ه-).
413- (الضعفاء الكبير) لمحمّد بن عمرو بن موسى بن حمّاد العقيلي (ت322ه-)، طبعة دار الكتب العلمية.
414- (الضوء اللامع لأهل القرن التاسع) لشمس الدين محمّد بن عبد الرحمن السخاوي (ت902ه-).
415- (ضياء العاملين في فضائل الأئمّة المصطفين) لأبي الحسن بن محمّد بن طاهر الفتوني (ت1140ه-)، (مخطوط) نسخة مصورة بمكتبة المؤلف.
416- (طبقات الحنابلة) لمحمّد بن أبي يعلى الحنبلي (ت516ه-)، تحقيق حامد الفقي، وطبعة المحمّدية مصر 1371ه- بتحقيق محبّ الدين الخطيب.
417- (طبقات الشافعية الكبرى) لعبد الوهاب بن علي السبكي (ت771ه-)، طبعة مصر الأولى, وطبعة 1324ه-, وطبعة بتحقيق عبد الفتاح الحلو، وطبعة بتحقيق د/ محمود محمّد 1413ه- .
418- (طبقات فحول الشعراء) لمحمّد بن سلام الجمحي (ت232ه-).
419- (الطبقات الكبير) لمحمّد بن سعد (ت230ه-)، تحقيق د محمّد بن صامل السُلمي، طبعة الطائف 1414ه-, وطبعة الخانجي مصر, وطبعة أفست ليدن, وطبعة مؤسّسة آل البيت بيروت 1414ه-, وطبعة لجنة الثقافة القاهرة 1358ه- .، وطبعة أوربا (أفست).
420- (طبقات المحدّثين بأصبهان) لعبد الله بن محمّد بن جعفر أبو الشيخ الأصبهاني (ت369ه-).
421- (طبقات المفسّرين) لشمس الدين محمّد بن علي بن أحمد الداوودي (ت945ه-)، طبعة دار الكتب العلمية بيروت.
422- (طبقات النحويين واللغويين) لمحمّد بن الحسن أبو بكر الزبيدي (ت379ه-)، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى 1373ه- .
423- (ظهر الإسلام) للدكتور أحمد أمين (ت1373ه-)، الطبعة الأوّلى.
424- (عائشة والسياسة) لسعيد الأفغاني، طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر مصر 1947م.
425- (العباب الزاخر واللباب الفاخر) للحسن بن محمّد بن الحسن العدوي الصغاني (ت650ه-).
426- (العبر) لمحمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ه-).
427- (العثمانية) لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المعتزلي (ت255ه-)، تحقيق وشرح عبد السلام محمّد هارون، طبعة دار الكتاب العربي مصر. والطبعة الأولى بالمطبعة الرحمانية مصر1352ه- .
428- (العقد الفريد للملك السعيد) لمحمّد بن طلحة القرشي النصيبيني الوزير (ت652ه-)، نسخة بمكتبة الشيخ السماوي.
429- (العقد الفريد) لأحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي (ت328ه-)، تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين وإبراهيم الأبياري، طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر 1363ه-، وطبعة مصر الأولى ابن زكريا الحريري 1359ه-، والمطبعة الأزهرية 1326ه- .
430- (علل الحديث) لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت327ه-)، طبعة السلفية مصر.
431- (العلل المتناهية في الأحاديث الواهية) لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمّد بن علي الشهير بابن الجوزي (ت597ه-).
432- (العلل الواردة في الأحاديث النبوية) لعلى بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني (ت385ه-).
433- (العلل ومعرفة الرجال) لأحمد بن حنبل (ت241ه-)، طبعة أنقرة 1963م.
434- (عليّ إمام البررة) للسيّد محمّد مهدي الخرسان، الطبعة الأولى، وطبعة دار الهادي الأولى بيروت 1424ه- .
435- (عمدة عيون صحاح الأخبار) ليحيى بن الحسن الأسدي ابن البطريق (ت600ه-)، طبعة حجرية.
436- (عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري) لمحمود بن أحمد العيني (ت855ه-)، طبعة مصر.
437- (العمدة) لابن رشيق أبو علي الحسن القيرواني (ت463ه-).
438- (العهد القديم/ سفر مزامير)، طبعة جمعيات الكتاب المتحدة بيروت 1951ه- .
439- (العواصم من القواصم) للقاضي أبي بكر ابن العربي (ت534ه-).
440- (عون المعبود شرح سنن أبي داود) لأبي الطيب محمّد شمس الحقّ العظيم آبادي (1329ه-).
441- (عين العبرة في غبن العترة) لجمال الدين السيّد أحمد بن طاووس (ت677ه-)، تحقيق محمود الأردكاني، نشر مجمع الذخائر الإسلامية قم 1421ه- .
442- (عيون الأثر) لمحمّد بن عبد الله ابن سيّد الناس (ت734ه-).
443- (عيون الأخبار) الداعي المطلق إدريس عماد الدين القرشي (ت872 ه-).
444- (عيون الأخبار) لعبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدنيوري (ت276ه-)، طبعة دار الكتب المصرية.
445- (الغارات) لمحمّد بن إبراهيم الثقفي (ت283ه-)، طبعة بتحقيق السيّد جلال الدين الحسيني المحدّث الأرموي.
446- (غالية المواعظ) لأبي البركات نعمان بن محمود الآلوسي (ت1317ه-)، طبعة دار المعرفة بيروت 1399ه- .
447- (غاية المرام في حجّة الخصام) لهاشم بن سليمان البحرّاني (ت1107ه-)، طبعة حجرية 1272ه- .
448- (غاية النهاية في طبقات القرّاء) لمحمّد بن محمّد الجزري (ت833ه-)، طبعة برجستراسر 1351ه-، وطبعة السعادة مصر 1352ه- .
449- (الغدير) لعبد الحسين أحمد الأميني، طبعة دار الكتب الإسلامية، وطبعة مركز الغدير، وطبعة مؤسّسة دار معارف الفقه الإسلامي.
450- (غرر الخصائص الواضحة) لمحمّد بن إبراهيم بن يحيى الوطواط (ت718ه-)، طبعة الشرفية مصر 1299ه- .
451- (غريب الحديث) لأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي (198 -- 285ه-).
452- (غريب الحديث) لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمّد بن علي الشهير بابن الجوزي (ت597ه-)، طبعة العلمية بيروت (كبس).
453- (غريب القرآن لابن عبّاس/ برواية عطاء بن أبي رباح)، نسخة خطّية بمكتبة (عاطف أفندي) في استابول تركيا برقم (2815/8)، ضمن مجموعة (102/أ -- 107/أ).
454- (الفائق في غريب الحديث) لجار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت583ه-)، طبعة حيدر آباد, وطبعة بتحقيق الطناحي بمصر.
455- (الفاضل والمفضول) لمحمّد بن يزيد المبّرد (ت285ه-)، طبعة دار الكتب المصرية 1375ه- .
456- (الفتاوى الهندية/ العالمكيرية) لجماعة من فضلاء الهند.
457- (فتح الباري/ شرح صحيح البخاري) لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852ه-)، الطبعة الأولى 1301ه-، وطبعة مصطفى البابي الحلبي
وأولاده 1378ه-, وطبعة دار المعرفة بتحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب بيروت.
458- (فتح الباري/ شرح صحيح البخاري) لعبد الرحمن بن أحمد بن رجب الشهير بابن رجب (ت795ه-)، الطبعة الأولى 1317ه-، والطبعة الثانية بالدمام 1422ه- .
459- (فتح الخبير ممّا لا بدّ من حفظه في علم التفسير) لولي الله الدهلوي (ت1176ه-)، طبعة الهند 1314ه-
460- (فتح القدير/ تفسير) لمحمّد بن علي الشوكاني (ت1250ه-)، طبعة مصر أفست، وطبعة دار المعرفة بيروت، وطبعة البابي الحلبي مصر 1350ه- .
461- (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) للحافظ زين الدين العراقي.
462- (فتح الملك المعبود/ تكملة المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود) لأمين بن محمود المصري، طبعة الاعتصام بالخيمية 1375ه- .
463- (الفتح الكبير) ليوسف النبهاني (ت1350ه-)، طبعة بيروت.
464- (الفتن) لنعيم بن حمّاد بن معاوية الخزاعي المروزي (ت229ه-)، تحقيق سهيل زكار، طبعة بيروت, ونسخة مصورة (ميكروفلم) عن مكتبة المتحف البريطاني في لندن (بمكتبة المؤلف)، وطبعة المكتبة التجارية مكّة، وطبعة المكتبة الحيدرية بتحقيق أبو عبد الله أيمن محمّد محمّد عرفة قم.
465- (فتوح البلدان) لأحمد بن يحيى البلاذري (ت279ه-)، طبعة الأولى القاهرة المعزية 1319ه-, وطبعة الأولى دار الكتب العربية مصر 1319ه- .
466- (الفتوح) لأحمد بن محمّد بن علي بن أعثم الكوفي (ق4ه-)، طبعة دار
الندوة الجديدة أفست بيروت, وطبعة الأولى لدار المعارف حيدر آباد، والترجمة الفارسية طبعة الهند.
467- (الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية) لسليمان بن عمر المعروف بالجمل (ق13ه-).
468- (فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين) لإبراهيم بن محمّد الجويني الحمويني (ت722ه- .)، تحقيق المحمودي.
469- (فردوس الأخبار) لشيرويه بن شهردار الديلمي (ت509ه-)، طبعة بيروت.
470- (الفَرق بين الفِرق) لعبد القاهر بن طاهر بن محمّد البغدادي (ت429ه-)، تحقيق عزّت العطّار، طبعة مصر 1367ه- .
471- (فصل المقال في شرح كتاب الأمثال) لعبد الله بن عبد العزيز بن مصعب البكري (ت487ه-)، طبعة بيروت دار الأمانة.
472- (الفصول المختارة من العيون والمحاسن) لعلي بن الطاهر الشريف المرتضى (ت436ه-)، الطبعة الأولى بالحيدرية.
473- (الفصول المهمة في معرفة الأئمّة) لعليّ بن محمد بن أحمد ابن الصباغ المالكي (ت855ه-)، طبعة حجرية.
474- (فضائل الصحابة) لأحمد بن حنبل (ت241ه-)، (نسخة مصورة بمكتبة المؤلف)، وطبعة مؤسّسة الرسالة بتحقيق وصي الله محمّد بن عباس 1403ه- .
475- (فضائل القرآن) لابن دريد، تحقيق السيّد محمّد مهدي الخرسان.
476- (الفقيه والمتفقه) لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت463ه-)، نشر دار إحياء السُنّة النبوية 1395ه- .
477- (الفهرست) لمحمّد بن إسحاق الوراق ابن النديم (ت438ه-)، تحقيق رضا تجدد، طبعة تجدد.
478- (الفهرس التمهيدي).
479- (فهرس الفهارس) لمحمّد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني (ت1382ه-).
480- (فهرس المخطوطات الفارسية).
481- (فيض القدير شرح الجامع الصغير) لمحمّد عبد الرؤوف المناوي (ت1031ه-).
482- (القاموس المحيط) لمحمّد بن يعقوب الفيروزابادي (ت817ه-)، طبعة دار الفكر مصر.
483- (قبول الأخبار ومعرفة الرجال) لأبي القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي الخراساني (ت319ه-)، طبعة دار الكتب العلمية بيروت.
484- (قراءة نقدية في كتاب رخص ابن عبّاس ومفرداته) للدكتور إسماعيل سالم عبد العال، طبعة دار النصر للتوزيع والنشر.
485- (قرب الإسناد) لعبد الله بن جعفر الحميري (ت300ه-)، طبعة سلسلة مصادر البحار.
486- (قصص الأنبياء) لإسماعيل بن كثير الدمشقي (ت774ه-)، طبعة حجازي القاهرة 1371ه- .
487- (قصص الأنبياء) لقطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي (ت573ه-).
488- (قصص الأنبياء/ العرائس) لأحمد بن محمّد إبراهيم الثعلبي (ت427ه-)، طبعة حجازي القاهرة.
489- (قطر المحيط) لبطرس بن بولس بن عبد الله البستاني، طبعة بيروت 1969م.
490- (القول المفيد في حكم التقليد) لمحمّد بن علي الشوكاني (ت1250ه-).
491- (الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستّة) لمحمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ه-).
492- (الكافي في الفقه) لأبي الصلاح الحلبي (ت447ه-).
493- (كامل البهائي) لعماد الدين الحسن بن علي بن محمّد الطبري (ق7ه-).
494- (الكامل في ضعفاء الرجال) لعبد الله بن عدي الجرجاني (ت365ه-).
495- (الكامل في اللغة والأدب) لمحمّد بن يزيد المبرد (ت285ه-)، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، طبعة دار نهضة مصر، وطبعة دار الفكر العربي مصر 1417ه- .
496- (كتاب الولاة وكتاب القضاة) لمحمّد بن يوسف بن يعقوب الكندي (ت355ه-)، طبعة بيروت 1908ه- .
497- (الكشّاف عن مخطوطات خزانة الأوقاف) الدكتور لمحمّد أسعد أطلس (ت1379ه-).
498- (كشف الخفاء) لإسماعيل بن محمّد العجلوني 1163ه-، طبعة مصر، وطبعة مؤسّسة الرسالة بيروت 1405ه- ..
499- (كشف الظنون عن أسامي الكتب والمتون) لمصطفى بن عبد الله الجلبي (ت1067ه-)، طبعة المعارف التركية، وطبعة أفست إسلامية، وطبعة باريس 1916ه- .
500- (كشف الغمّة) لعلي بن عيسى الإربلي (ت693ه-)، طبعة حجرية 1294ه-, وطبعة الحيدرية, وطبعة مكتبة الشريف الرضي قم.
501- (كشف الغمّة عن جميع الأُمّة) لعبد الوهاب بن أحمد الشعراني (ت973ه-).
502- (كشف الإلباس عمّا رواه ابن عبّاس) لمحمّد عابدين بن أحمد السندي (ق13ه-).
503- (كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام) للعلاّمة جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي (ت726ه-)، تحقيق علي آل كوثر، طبع مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، وطبعة حجرية.
504- (الكشف والبيان/ تفسير الثعلبي) لأحمد بن محمّد إبراهيم الثعلبي (ت427ه-)، طبعة دار الكتب العلمية.
505- (الكشكول/ أنيس المسافر وجليس الخاطر) ليوسف البحراني، طبعة النجف.
506- (كفاية الأثر في النص على الأئمّة الاثنى عشر) لعلي بن محمّد بن علي الخزّاز (ق4ه-)، طبعة حجرية 1305ه-, وطبعة محقّقة إيران.
507- (كفاية الطالب) لمحمّد بن يوسف الحافظ الكنجي الشافعي (ت658ه-)، طبعة الحيدرية 1390ه- .
508- (كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال) لعلاء الدين عبد الرحمن المتّقي الهندي (ت975ه-)، طبعة مؤسّسة الرسالة بحلب، وطبعة حيدر آباد, وطبعة بهامش مسند أحمد, وطبعة حيدر آباد (الأولى والثانية) 1374ه- .
509- (الكنى والألقاب) لعباس بن محمّدرضا القمّي (ت1359ه-)، طبعة صيدا, وطبعة الحيدرية 1376ه- .
510- (كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري) لمحمّد الخضر بن عبد الله الجكني الشنقيطي (ت1354ه-)، طبعة مؤسّسة الرسالة 1415ه- .
511- (الكوكب الدرّي) للأسنوي الشافعي (ت772ه-)، تحقيق محمّد حسن عواد، طبعة دار عمّان الأردن.
512- (اللئالي المصنوعة) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، طبعة مصر الأولى.
513- (لباب النقول في أسباب النزول) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، بهامش تفسير الجلالين.
514- (لسان العرب) لمحمّد بن مكرم ابن منظور (ت711ه-)، طبعة أفست عن بولاق.
515- (لغات القرآن المروية عن ابن عبّاس) لمحمّد بن علي بن المظفر الوزّان الحنفي (ق5ه-)، طبعة دار المسيرة.
516- (اللغات في القرآن/ رواية ابن حسنون المقرئ بإسناده إلى ابن عبّاس) تحقيق صلاح الدين المنجّد، دار الكتاب الجديد الطبعة الثانية بيروت 1392ه- .
517- (لمع الأدلّة في أصول النحو) لكمال الدين أبو البركات ابن الأنباري (577ه-).
518- (المؤتلف والمختلف) لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي (ت370ه-).
519- (المؤتلف من المختلف بين أئمّة السلف/ منتخب الخلاف) للفضل بن الحسن الطبرسي (ت548ه-)، طبعة مجمع البحوث الإسلامية الثانية.
520- (مباحث في علوم القرآن) لصبحي الصالح، طبعة دار العلم للملايين.
521- (مباحث في علوم القرآن) لمناع خليل القطان.
522- (المبسوط) لمحمّد بن أبي سهل السرخسي (ت482ه-)، طبعة بيروت أفست عن مصر.
523- (المبسوط) لمحمّد بن الحسن الطوسي (ت460ه-)، طبعة ونشر المكتبة المرتضوية.
524- (متشابه القرآن ومختلفه) لمحمّد بن علي بن شهر آشوب المازندراني (ت588ه-)، طبعة بيدار إيران، وطبعة شركت سهامي إيران 1317ه- .
525- (المتّفق والمفترق) لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت463ه-).
526- (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) لنصر الله بن أبي الكرم ابن الأثير (ت637ه-)، طبعة مصر 1354ه-، وطبعة بتحقيق محي الدين عبد الحميد 1358ه- .
527- (مجاز القرآن) لأبي عبيدة معكر بن المثنى البصري (ت209ه-).
528- (المجتنى) لمحمّد بن الحسن الأزدي ابن دريد (ت321ه-)، طبعة حيدر آباد.
529- (المجروحين) لمحمّد بن حبّان التميمي البستي (ت354ه-).
530- (مجلّة الدراسات الشرقية) إيطاليا أ -- /R 50.
531- (مجمع البيان/ تفسير) للفضل بن الحسن الطبرسي (ت548ه-)، طبعة صيدا، وطبعة الأعلمي.
532- (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) لعلي بن أبي بكر الهيثمي (ت807ه-)، طبعة القدسي مصر 1353ه- .
533- (المجموع/ شرح المهذب) لمحي الدين بن شرف النووي (ت676ه-)، طبعة دار الفكر.
534- (مجموعة رسائل ابن عابدين).
535- (مجموعة الفتاوى) لأحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحرّاني (ت728ه-).
536- (مجموعة المعاني) لمجموعة من الشعراء.
537- (المحاسن والمساوي) لإبراهيم بن محمّد البيهقي (ت320ه-)، طبعة السعادة, وطبعة النعساني بمصر 1325ه- .
538- (محاضرات الأدباء/ ومحاورات الشعراء والبلغاء) لحسين بن محمّد الراغب الأصفهاني (ق5ه-)، طبعة مصر الأولى, والطبعة الشرقية، ومخطوطة الرضوية برقم (4403).
539- (المحبّر) لمحمّد بن حبيب النحوي الهاشمي (ت245ه-)، طبعة حيدر آباد.
540- (المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) لعبد الحقّ بن أبي بكر بن غالب بن عطية الأندلسي (ت546ه-).
541- (المحسن السبط مولود أم سقط) للسيّد محمّد مهدي الخرسان (المؤلف).
542- (المحصول في علم أصول الفقه) لفخر الدين محمّد بن عمر بن الحسين الرازي (ت606ه-).
543- (المحكم والمحيط الأعظم) لعليّ بن إسماعيل الأندلسي ابن سيدة (ت458ه-).
544- (المحلّى) لعلي بن حزم الأندلسي الظاهري (ت456ه-)، طبعة أفست دار الفكر، وطبعة مطبعة العاصمة القاهرة.
545- (المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز/ تفسير ابن عطية) لعبد الله بن عبد الحقّ ابن عطية (ت542ه-).
546- (مختارات الشعر الجاهلي).
547- (مختارات شعراء العرب) لهبة الله بن علي ابن الشجري (ت542ه-).
548- (مختصر تاريخ دمشق) لمحمّد بن كرم ابن منظور (ت711ه-)، طبعة بيروت.
549- (المختصر في أخبار البشر) لإسماعيل بن عليّ أبي الفداء (ت732ه-)، طبعة بيروت أفست عن بولاق.
550- (المختصر النافع في فقه الإمامية) لنجم الدين جعفر بن الحسن الحلّي (ت676ه-)، تحقيق أحمد حسن الباقوري.
551- (المخصّص) لعليّ بن إسماعيل الأندلسي ابن سيدة (ت458ه-)، طبعة بولاق.
552- (مدارج السالكين) لمحمّد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي ابن قيم الجوزية (ت751ه-)، طبعة دار الجيل بيروت.
553- (المدارس النحوية) لمحمّد عطية الأبراشي.
554- (المدارس النحوية) لأحمد شوقي ضيف، طبعة دار المعارف مصر.
555- (مدارك التنزيل وحقائق التأويل/ تفسير النسفي) لعبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت537ه-).
556- (المدخل) لأبي عبد الله العبدري المالكي المعروف بابن الحاج (ت737ه-).
557- (مدرسة البصرة النحوية) لعبد الرحمن السيّد.
558- (مذاهب التفسير الإسلامي) لاجندس جولد دسيهر، ترجمة عبد الحليم النجّار.
559- (المذاهب الإسلامية) لمحمّد أبي زهرة.
560- (مرآة الجنان وعبرة اليقظان) لعبد الله بن أسعد اليافعي (ت768ه-)، طبعة بيروت، وطبعة الهند أفست.
561- (مراتب النحويين) لأبي الطيب عبد الواحد اللغوي (ت351ه-)، طبعة القاهرة.
562- (مروج الذهب) لعلي بن الحسين بن علي المسعودي (ت346ه-)، طبعة مصطفى محمّد, وطبعة بولاق 1283ه-, وطبعة الأزهرية 1303ه-, وطبعة مصرية بهامش تاريخ ابن الأثير, وطبعة العامرة البهية 1346ه-, وطبعة مطبعة السعادة مصر بتحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد 1367ه-, والطبعة الثالثة 1377ه-, وطبعة بيروت دار الفكر, وطبعة دار الأندلس، وطبعة منشورات الشريف الرضي بتحقيق شارل بلا قم.
563- (المزهّر) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، تحقيق جاد المولى والبجاوي وأبو الفضل.
564- (مزيل اللبس في مسألتي شقّ القمر ورد الشمس) للسيّد محمّد مهدي الخرسان (المؤلف).
565- (مسائل الناصريات) للسيّد علي بن الحسين بن موسى الشريف المرتضى (ت436ه-)، طبعة حجرية.
566- (مسائل نافع بن الأزرق عن عبد الله بن عبّاس من طريقين/ رواية الختلي (ت365ه-) والعلاّف (ت442ه-)، تحقيق الدكتور محمّد الدالي، طبعة الجفان والجابي للطباعة والنشر.
567- (مسائل نافع بن الأزرق عن عبد الله بن عبّاس من طريقين/ رواية الختلي (ت365ه-) سماع ابن الفرات، ورواية العلاّف (ت442ه-) سماع الصيرفي)، تحقيق الدكتور محمّد الدالي.
568- (مستدركات أعيان الشيعة) لحسن الأمين (ت1399ه-).
569- (المستدرك على الصحيحين) لمحمّد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (ت405ه-)، طبعة دار الكتب العلمية بتحقيق مصطفى عبد القادر, وطبعة دمج بحلب أفست عن حيدر آباد.
570- (المستصفى في علم الأصول) لأبي حامد محمّد بن محمّد الغزالي (ت505ه-).
571- (المستطرف في كلّ فنّ مستظرف) لمحمّد بن أحمد بن منصور الأبشيهي (ت852ه-)، طبعة دار إحياء التراث العربي أفست, وطبعة مصر.
572- (المستقصى في أمثال العرب) لجار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت583ه-).
573- (مسند أبي يعلى) لإسماعيل بن محمّد بن فضل الموصلي (ت307ه-)، طبعة دار المأمون للتراث بدمشق 1404ه-، نشر دار الكتب العلمية.
574- (مسند أحمد) لأحمد بن حنبل (ت241ه-)، طبعة أفست مصر الأولى, وطبعة مكتبة التراث الإسلامي بتحقيق أحمد محمّد شاكر, وطبعة مصر الأولى, وطبعة مؤسّسة قرطبة بمصر.
575- (مسند زيد بن عليّ)، طبعة دار الحياة بيروت.
576- (المسند الجامع)، حقّقه ورتبه مجموعة من العلماء.
577- (مسند الربيع بن حبيب).
578- (مسند الشاميين) لأبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني (ت360ه-).
579- (مسند الطيالسي) لسليمان بن داود بن جارود (ت204ه-)، طبعة حيدر آباد.
580- (مشارق الأنوار) لحسن العدوي الحمزاوي (ت1303ه-)، مطبعة الشرق مصر 1356ه- .
581- (مشكاة المصابيح) لمحمّد بن عبد الله الخطيب التبريزي (ت516ه-)، طبعة المكتب الإسلامي بتحقيق الألباني, وطبعة مصر, وطبعة الهند.
582- (مشكل الآثار) لأحمد بن سلامة القضاعي الطحاوي الحنفي (ت321ه-).
583- (المصاحف) لعبد الله بن سليمان بن أبي داود السجستاني (ت316ه-)، طبعة الرحمانية 1355ه- بتحقيق آرثر جفري، وطبعة أفست المثنى.
584- (مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية) لناصر الدين الأسد، طبعة دار المعارف مصر 1956م.
585- (مصباح الأنوار) لهاشم بن محمّد (ق6ه-)، نسخة (مخطوطة) بمكتبة المرحوم السيّد حسن الخرسان (مكتبة آل الخرسان).
586- (المصنّف) لعبد الله بن محمّد ابن أبي شيبة (ت235ه-)، تحقيق اللحام، طبعة نشر إدارة القرآن والعلوم الإسلامية كراتشي باكستان 1406ه-, وطبعة مكتبة الرشد في الرياض 1409ه-، وطبعة دار الفكر للطباعة لبنان 1409ه- .
587- (المصنّف) لعبد الرزّاق بن همام الصنعاني (ت211ه-)، طبعة المكتب الإسلامي المجلس العلمي.
588- (المصون في الأدب) للحسن بن عبد الله العسكري (ت382ه-)، تحقيق عبد السلام محمّد هارون، طبعة الكويت 1960م.
589- (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول) لمحمّد بن طلحة النصيبي الشافعي (ت652ه-)، طبعة حجرية ملحقاً بتذكرة الخواص.
590- (المعارف) لعبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت270ه-)، تحقيق ثروت عكاشة, وطبعة ليدن 1960م.
591- (معاني القرآن) لأبي جعفر أحمد بن أحمد النحّاس(ت338ه-)، نشر
جامعة أُمّ القرى مكّة المكرّمة 1409ه- .
592- (معاني القرآن وإعرابه) لإبراهيم بن السري الزجّاج (ت311ه-).
593- (معاوية) لعبد الباقي قرنة الجزائري، طبعة نينوى 1426ه- .
594- (المعتبر في شرح المختصر) لأبي القاسم جعفر بن الحسن المحقّق الحلّي (ت676ه-).
595- (معجم الأدباء/ إرشاد الأريب) لياقوت بن عبد الله الرومي الحموي (ت626ه-)، طبعة مرجليوب، وطبعة دار المأمون مصر، وطبعة دار الكتب العلمية بيروت 1411ه- .
596- (المعجم الأوسط) لسليمان بن أحمد اللخمي الطبراني (ت360ه- .).
597- (معجم البلدان) لياقوت بن عبد الله الحموي (ت626ه-)، طبعة دار صادر، وطبعة مصر الأولى، وطبعة دار إحياء التراث العربي.
598- (معجم رجال الحديث) للسيّد أبو القاسم الخوئي(قدّس سرّه)، الطبعة الأولى، وطبعة الآداب النجف الأشرف 1395ه- ..
599- (معجم شعراء لسان العرب) لياسين الأيوبي.
600- (معجم الشعراء) للمرزباني، تحقيق عبد الستار أحمد فراج.
601- (معجم غريب القرآن/ صحيفة علي بن أبي طلحة) استخرجها من ألفاظ الغريب من صحيح البخاري محمّد فؤاد عبد الباقي، تقريض محمّد حسين هيكل.
602- (المعجم الفلسفي) لجميل صليبا، طبعة عالم الكتب بيروت.
603- (المعجم الكبير) لسليمان بن أحمد اللخمي الطبراني (ت360ه-)، الطبعة الثانية بمطبعة الزهراء بالموصل, والطبعة الأولى بمطبعة الوطن العربي،
ونسخة مخطوطة في الظاهرية.
604- (معجم المؤلفين) لعمر كحالة، طبعة دار إحياء التراث العربي بيروت.
605- (معجم ما استعجم) لعبد الله بن العزيز البكري (ت487ه-)، تحقيق مصطفى السقى، طبعة القاهرة 1366ه- .
606- (معجم مصنّفات القرآن الكريم) لعلي شوّاخ إسحاق، نشر دار الرفاعي.
607- (معرفة الصحابة) لأحمد بن عبد الله أبو نعيم الأصفهاني (ت430ه-)، طبعة دار الكتب العلمية بيروت 1422ه- الطبعة الأولى ، وطبعة مكتبتي الدار بالمدينة والحرمين بالرياض.
608- (معرفة القرّاء الكبار على الطبقات والأعصار) لمحمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ه-).
609- (المعرفة والتاريخ) ليعقوب بن سفيان البسوي (ت277ه-)، طبعة الأوقاف الإرشاد بغداد 1394ه- .
610- (المغازي) لمحمّد بن واقد الواقدي (ت207ه-)، طبعة أوربا.
611- (المغني) لابن قدامة الحنبلي المقدسي، طبعة دار المنار مصر 1367ه-، والطبعة الثالثة بالمنار، وطبعة بحاشية الدسوقي، وطبعة حنفي مصر 1358ه- .
612- (المغني في الضعفاء) لمحمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ه-).
613- (مفتاح السعادة) للمولى أحمد طاش كبرى زاده (ت968ه-)، طبعة دار الكتب العلمية بيروت.
614- (مفتاح العلوم) لأبي يعقوب السكاكي (ت626ه-).
615- (مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة) للسيّد محمّد جواد الحسيني العاملي (ت1226ه-).
616- (مفردات الراغب) لحسين بن محمّد الراغب الأصفهاني (ق5ه-).
617- (مفصّل تاريخ العرب واليهود في التاريخ) لأحمد نسيم سوسة، طبعة دار الحرّية للطباعة بغداد 1981م.
618- (المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام) لجواد عليّ، الطبعة الأولى.
619- (المفضّليات) للمفضل بن محمّد الضبي (ق2ه-)، الطبعة العثمانية 1308ه- .
620- (المفيد في النحو) لأبي الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ (ت469ه-)، تحقيق محسن بن سالم العميري، طبعة الفيصلية مكّة المكرّمة 2004م.
621- (مقاتل الطالبين) لأبي الفرج الأصبهاني(356ه-)، تحقيق السيّد أحمد صقر، طبعة مصر 1368ه-, وطبعة الحيدرية.
622- (المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة) لمحمّد عبد الرحمن السخاوي (ت902ه-).
623- (مقاييس اللغة) لأحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين اللغوي (ت395ه-).
624- (مقتل الحسين عليه السلام) للموفّق بن أحمد المكّي أخطب خوارزم الحنفي (ت568ه-)، تحقيق الشيخ السماوي، طبعة مطبعة الزهراء بالنجف الأشرف، وطبعة دار أنوار الهدى قم 1418ه- .
625- (مقدّمتان في علوم القرآن) صحّحه ونشره آرثر جفري، طبعة السُنّة المحمّدية 1954م.
626- (مقدّمة في أصول التفسير) لأحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحرّاني (ت728ه-).
627- (مكارم الأخلاق) لابن أبي الدنيا القرشي (ت281ه-)، نشر مكتبة الفرات بالقاهرة 1411ه-، ومطبوع ضمن موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا، طبعة
المكتبة العصرية صيدا بيروت.
628- (الملل والنحل) لمحمّد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت458ه-)، طبعة الأزهر الحديثة الثانية 1395ه-, وطبعة بيروت.
629- (من لا يحضره الفقيه) لمحمّد بن علي بن الحسين بن بابويه الصدوق (ت381ه-)، تحقيق المرحوم السيّد حسن الخرسان، طبعة دار الكتب الإسلامية النجف الأشرف.
630- (مناقب آل أبي طالب) لمحمّد بن علي بن شهر آشوب السروي (ت588ه-)، طبعة حجرية, وطبعة الحيدرية.
631- (مناقب الإمام) لأحمد بن حنبل (مخطوط).
632- (مناقب الإمام أمير المؤمنينu) لأحمد بن محمّد الخوارزمي (ت568ه-)، طبعة حجرية, وطبعة الحيدرية.
633- (مناقب عمر بن الخطّاب) لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمّد بن علي الشهير بابن الجوزي (ت597ه-)، الطبعة العلمية بيروت.
634- (المناقب) لابن المغازلي المالكي (ت483ه-)، طبعة الإسلامية.
635- (مناهل العرفان) للزرقاني، طبعة مصر.
636- (منتخب كنز العمّال) بهامش مسند أحمد، طبعة مصر الأولى.
637- (المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم) لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمّد بن علي الشهير بابن الجوزي (ت597ه-)، طبعة حيدر آباد, وطبعة دار الكتب العلمية بيروت.
638- (منتهى المطلب في تحقيق المذهب) للحسن بن يوسف بن المطهر العلاّمة الحلّي (ت726ه-).
639- (منهاج السُنّة) لأحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحرّاني (ت728ه-)، طبعة مؤسّسة قرطبة 1406ه-, وطبعة أفست بولاق 1322ه-, وطبعة مصر (الأولى).
640- (المهذّب في ما وقع في القرآن من المعرّب) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-).
641- (مهج الدعوات ومنهج العنايات) لعلي بن موسى بن طاووس (ت664ه-)، طبعة حجرية.
642- (موارد الظمئان إلى زوائد ابن حبّان) لنور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (ت807ه-)، تحقيق محمّد عبد الرزّاق، الطبعة السلفية.
643- (الموافقات) لإبراهيم بن موسى الشاطبي (ت790ه-)، طبعة الرحمانية بمصر.
644- (المواهب اللدنية بالمنح المحمّدية) لأحمد بن محمّد القسطلاني (ت923ه-).
645- (موسوعة آثار الصحابة).
646- (موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف)، طبعة عالم التراث بيروت.
647- (موسوعة الإمامة في نصوص أهل السُنّة) لشهاب الدين المرعشي النجفي (ت1411ه-).
648- (الموسوعة العربية الميسّرة)، طبعة نهضة لبنان 1980م.
649- (موسوعة فقه إبراهيم النخعي/ عصره وحياته) لمحمّد رواس قلعةجي، طبعة دار النفائس الثانية بيروت.
650- (موسوعة كلمات الرسول الأعظم).
651- (الموضوعات) لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمّد بن علي الشهير
بابن الجوزي (ت597ه-).
652- (الموطأ لمالك بشرح تنوير الحوالك) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، طبعة مصطفى محمّد بمصر.
653- (ميزان الاعتدال) لمحمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ه-)، طبعة مصر الأولى، تحقيق البجاوي.
654- (الميزان في تفسير القرآن) لمحمّد حسين الطباطبائي (ت1412ه-)، طبعة بيروت.
655- (الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم) لأبي جعفر أحمد بن محمّد النحّاس (ت338ه-)، طبعة السعادة مصر1323ه- .
656- (نثر الدرّ في المحاضرات) لأبي سعيد منصور بن حسين الآبي (ت421ه-)، طبعة دار الكتب العلمية بيروت 2004م.
657- (نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث) لإسماعيل الكردي، طبعة دار الأوائل 2002ه- .
658- (النزاع والتخاصم) لأحمد بن عليّ بن عبد القادر المقريزي (ت845ه-)، طبعة مصر 1937م.
659- (نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء) لكمال الدين أبو البركات ابن الأنباري (ت577ه-).
660- (نزهة الجليس ومنية الأديب) للشريف العباس بن علي بن حيدر بن نور الدين العاملي المكّي (ت1180ه-)، طبعة مصر الأوّلى، وطبعة الحيدرية النجف الأشرف.
661- (نزهة المجالس ومنتخب النفائس) لعبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري (ت894ه-)، طبعة مصر.
662- (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام) للدكتور علي سامي النشار، طبعة دار المعارف الطبعة الرابعة مصر 1966م، والطبعة السابعة 1977م.
663- (النصائح الكافية لمن يتولى معاوية) للسيّد محمّد بن عقيل بن يحيى العلوي الحسيني الحضرمي الشافعي (ت1350ه-)، طبعة بمبئ 1326ه-، وطبعة الحيدرية النجف الأشرف.
664- (نصب الراية لأحاديث الهداية) لجمال الدين عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي، طبعة المجلس العلمي الأولى دار الحديث مصر 1357ه- .
665- (نظرات في اللغة والنحو) لطه الراوي، طبعة المكتبة الأهلية بيروت.
666- (نظم درر السمطين) لجمال الدين محمّد بن يوسف الزرندي الحنفي (ت750ه-)، طبعة النجف الأشرف.
667- (النقائض بين جرير والفرزدق) لمعمر بن المثنى.
668- (نقض العثمانية) لمحمّد بن عبد الله لأبي جعفر الإسكافي (ق3ه-)، مطبوع مع العثمانية بمصر.
669- (نكت الهميان) لخليل بن أيبك لصفدي (ت764ه-)، طبعة الجماهيرية مصر 1329ه- .
670- (النكت على كتاب ابن الصلاح) لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852ه-).
671- (نهاية الإرب) لأحمد بن عبد الوهاب النويري (ت733ه-)، طبعة دار الكتب بمصر.
672- (نهاية التحقيق في ما جرى في أمر فدك للصدّيقة والصدّيق بالنصّ والتوثيق)، للسيّد محمّد مهدي الخرسان (المؤلف)، طبعة الثانية دار النرجس العراق 1434ه- .
673- (النهاية) لأبي جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي (ت460ه-)، طبعة دار الكتاب العربي.
674- (النهاية في غريب الحديث) لعلي بن محمّد الشيباني ابن الأثير الجزري (ت630ه-)، طبعة الخيرية مصر 1322ه- الأولى, وطبعة محقّقة، والطبعة الأولى لدار الكتب العلمية بيروت 1418ه- .
675- (نهج البلاغة) نسخة جديدة محقّقة وموثّقة، تحقيق وتوثيق صبري إبراهيم السيّد، جامعة عين شمس وجامعة قطر.
676- (نوادر الأصول في أحاديث الرسول) لمحمّد بن علي بن الحسن أبو عبد الله الحكيم الترمذي (ق4ه-)، طبعة بيروت 1992م.
677- (نوادر المخطوطات).
678- (نوادر القالي) لأبي علي إسماعيل بن القاسم القالي (ت356ه-).
679- (النوادر) لأبي مسحل الأعرابي (ق4ه-).
680- (نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيّ المختار) لمؤمن بن حسن الشبلنجي (ت1298ه-)، طبعة مصر الأولى.
681- (نور الاقتباس في مشكاة وصية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لابن عبّاس) لعبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (ت795ه-)، تحقيق محمّد بن ناصر العجمي، طبعة دار البشائر الإسلامية الرابعة المزيدة والمنقحة.
682- (نور القبس) ليوسف بن أحمد اليغموري (ت673ه-).
683- (نيل الأوطار) لمحمّد بن علي الشوكاني (ت1250ه-)، طبعة العثمانية مصر 1357ه-, وطبعة دار الجيل بيروت 1973م.
684- (نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر) لمحمّد بن محمد زبارة الحسني اليمني الصنعاني (ق14ه-).
685- (هبة الأيام في ما يتعلّق بأبي تمّام) ليوسف البديعي (ت1073ه-).
686- (هدي الساري في مقدّمة فتح الباري) لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852ه-)، طبعة مصطفى البابي الحلبي.
687- (هدية العارفين) لإسماعيل باشا بن محمّد أمين بن مير سليم الباباني البغدادي (ت1339ه-).
688- (الوافي بالوفيات) لصلاح الدين الصفدي (ت764ه-)، طبعة دار إحياء التراث بيروت 1420ه-، والطبعة الثانية باعتناء وداد القاضي.
689- (وجوه القرآن) لإسماعيل بن أحمد الضرير النيسابوري الحيري (ت431ه-).
690- (وسائل الشيعة) لمحمّد بن الحسن الحرّ العاملي (ت1104ه-)، الطبعة الإسلامية، وطبعة مؤسّسة آل البيت قم، وطبعة طهران 1388ه- .
691- (الوسائل إلى معرفة الأوائل) لعبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي (ت911ه-)، تحقيق سعد طلس، طبعة بغداد 1369ه- .
692- (الوسيط في تفسير القرآن المجيد) لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري (ت468ه-).
693- (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى) لعلي بن عبد الله السمهودي (ت911ه-).
694- (وفيات الأعيان في أنباء أبناء الزمان) لأحمد بن محمّد ابن خلكان (ت681ه-)، تحقيق إحسان عباس، طبعة بولاق, وطبعة بيروت في ترجمة يزيد بن زياد بن مفرغ, وطبعة حجرية في إيران.
695- (وقعة صفين) لنصر بن مزاحم المنقري، تحقيق عبد السلام هارون, وطبعة حجرية الثانية مصر 1382ه-, والطبعة الأولى بالقاهرة 1365ه- .
696- (ينابيع المودّة لذوي القربى) لسليمان بن إبراهيم القندوزي (ت1294ه-)، طبعة إسلامبول 1302ه-, وطبعة الحيدرية تقديم السيّد محمّد مهدي الخرسان.