إرشاد القلوب جلد 2

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

إرشَادُ القُلوبُ

المُنجي مَنْ عمل به مِنْ أليم العقاب

الحسن بن أبي الحسن محمّد الديلمي

(من أعلام القرن الثامن)

المجلّد الثاني

تحقیق

السيد هاشم الميلاني

محرر الرقمي: محمد مهدي فصيحي

اشارة

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ »

إرشَادُ القُلوبُ

المُنجي مَنْ عمل به مِنْ أليم العقاب

الحسن بن أبي الحسن محمّد الديلمي

(من أعلام القرن الثامن)

المجلّد الثاني

تحقیق

السيد هاشم الميلاني

دار الأسرة للطباعة والنشر

ارشاد القلوب

تأليف : الحسن بن ابي الحسن محمد الديلمي

تحقيق : سيد هاشم الميلاني

الناشر : دار الأسوة للطباعة والنشر

تنضيد الحروف : الخزرجي

المطبعة والتجليد : اسوه

الطبعة : الأولى

تاريخ النشر : 1375 ه- . ش - 1417ه- . ق

عدد المطبوع : 3000 دورة

ثمن الدورة : 2400 تومان

جميع الحقوق محفوظة للناشر

طهران ، ص . ب 684 - 13145 ، تلفون 6401439 و 6418299 و 6418099 ، فاكس 6418022 قم، ص . ب 3999 - 37185 ، تلفون 52212 و 55080 ، فاكس 617757

[المقدمة]

[المقدمة](1)

لله تحت قباب العرش طائفة*** أخفاهم عن عيون الناس إجلالا

السلاطين في أطمار مسكنة*** جرّوا على الفلك الدوّار أذيالا

هذى المكارم لا ثوبان من عدن***خيطا قميصاً فعادا بعد اسمالا

هذى المكارم لا قعبان من لبن*** شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

مرفوعاً إلى أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام: يا ابن رسول الله هل تعرف مودّتي لكم، وانقطاعي إليكم، وموالاتي إيّاكم؟ قال: فقال: نعم، قال: فقلت: إنّى أسألك عن مسألة تجيبني فيها، فإنّى مكفوف البصر، قليل المشي ،ولا أستطيع زيارتكم كلّ حين.

قال: هات حاجتك، قلت: أخبرني بدينك الذي تدين به أنت وأهل بيتك لأدين الله به، قال: إن كنت اقتصرت الخطبة فقد أعظمت المسألة، والله لأعطينّك


1) ليست هذه المقدّمة - على الظاهر - من أصل الكتاب ،لأنّها أولاً: لم ترد في نسخة «ج»، وثانياً: فيها أبيات للحافظ رجب البرسي، وهو من علماء المائة التاسعة، فيكون متأخراً عن المؤلف رحمه الله، والظاهر أنها من اضافة النسّاخ ،والله العالم.

ديني ودين آبائي تدين الله به: «شهادة أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّداً رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، والإقرار بما جاء من عند الله، والولاية لوليّنا،والبراءة من عدوّنا، والتسليم لأمرنا ،وانتظار قائمنا، والاجتهاد والورع» (1).

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: إنّا نجد الرجل يحدّث، فلا يخطئ بلام ولا واو، خطيباً مصعقاً، وقلبه أشدّ ظلمةً من الليل المظلم، ونجد الرجل لا يستطيع يعدّ عمّا في قلبه بلسانه، وقلبه يزهر كما يزهر المصباح.

مرفوعاً إلى يحيى بن زكريّا الأنصاري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من سرّه أن يستكمل الايمان كلّه فليقل: القول منّى في جميع الأشياء قول آل محمد في جميع ما أسرّوا، وفيما أعلنوا، وفيما بلغني عنهم، وفيما لم يبلغني. (2)

مرفوعاً إلى جابر قال: قال أبو جعفر عليه السلام: قال رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلم: حدیث آل محمد صعب مستصعب، لا يؤمن به إلّا ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للايمان، فما ورد عليكم من حديث آل محمد فلانت له قلوبكم، وعرفتموه فاقبلوه. وما اشمأزّت منه قلوبكم وأنكرتموه، فردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى القائم من آل محمد، وإنّما الهلاك أن يحدّث أحدكم بشيء فلا يحتمله، فيقول: والله ما كان هذا، والله ما كان هذا، والانكار هو الكفر (3).

مرفوعاً إلى بعض أصحابنا قال: كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر عليه السلام :جعلت فداك ما معنىٰ قول الصادق عليه السلام «حديثنا لا يحتمله ملك مقرّب، ولا نبّي مرسل، ولا مؤمن امتحن الله قلبه للايمان».

فجاء الجواب: إنّما معنىٰ قول الصادق عليه السلام، أي لا يحتمله ملك مقرَّب ولا نبيّ مرسل ولا مؤمن، انّ الملك لا يحتمله حتّى يخرجه إلى ملك غيره، والنبي


1) الكافي 2 : 21 ح 10: عنه البحار 69 : 14 ح 15.

2) مختصر بصائر الدرجات : 93؛ عنه البحار 25 : 364 ح2 .

3) الكافي 1 : 401 ح 1: وبصائر الدرجات : 40 ح 1 باب 11: عنه البحار 2: 189 ح 21 .

لا يحتمله حتّى يخرجه إلى نبّي غيره، والمؤمن لا يحتمله حتّى يخرجه إلى مؤمن غيره، فهذا معنى قول جدّي عليه السلام (1).

شعراً لبعضهم:

أينشق قيصوم الحجاز وشيخه*** فتى لم يكن قدمن فيه ينادي

ومن لم يجد يوماً سعاد وحسنها*** فيعذر وإن لم يهو حسن سعاد

شعراً لمولانا رجب رحمه الله :

هم القوم آثار النبوّة منهم*** تلوح وأعلام الإمامة تلمع

مهابط وحى الله خزّان علمه*** وعندهم غيب المهيمن مودع

إذا جلسوا للحكم فالكلّ أبكم*** وإن نطقوا فالدهر اذن ومسمع

وإن ذكروا فالكون ندّ ومندكٌ ***له أرج من طيبهم يتضوّع

وإن بادروا فالدهر يخفق قلبه*** لسطوتهم والأسد في الغاب تجزع

وإن ذكر المعروف والجود في الورىٰ*** فبحر نداهم زاخر يتدفع

بوهم سماء المجد والأمّ شمسه*** نجوم لها برج الجلالة مطلع

دهم خير البرية أحمد*** نبي الهدى الطهر الشفيع المشفّع

فيا نسب كالشمس أبيض واضح*** ویا شرف من هامة النجم أرفع

فمن مثلهم إن عد في الناس مفخر*** أعد نظراً يا صاح إن كنت تسمع

ميامين قوامون عزّ نظيرهم ***ولاة هداة للرسالة منبع

فلا فضل إلا حين يذكر فضلهم*** ولا علم إلا عنهم حين يرفع

ولا عمل ينجي غداً غير حبّهم*** إذا قام يوم البعث للخلق مجمع

فيا عترة المختار يا راية الهدىٰ*** إليكم غداً في موقفي أتطلّع

مددت يدي بالذلّ في باب عزّكم ***فحاشاكم أن تدفعوها وتمنعوا


1) معاني الأخبار : 188 ح 1 : عنه البحار 2 : 184 ح 6 نحوه.

أتيتكم مستردفاً من نوالكم ***بحقّكم يا ساداتى لا تضيّعوا

ووحدة لحدي آنسوها بنوركم*** فعبدكم من ظلمة القبر يجزع

ولو أنّ عبداً جاء في الله جاهداً*** بغير ولاء آل العبا ليس ينفع

خذوا بيد الأبدال عبد ولائكم*** فمن غيركم يوم القيامة يشفع

جعلتكم يا آل طه وسيلتي*** فنعم معاذ في المعاد ومفزع

وكربة موني فاحضروها وامنعوا*** عدوّي أن يغتالني أو يروّع

وإن خفّ ميزاني فإنّي بحبّكم ***بني الوحي في رجح الموازين أطمع

علیکم سلام الله يا راية الهدىٰ*** فويل لعبد غيرها جاء يتبع

لأبي نواس:

لا تحسبيني هويت الطهر حيدرة*** لفضله وعلاه في ذوي النسب

ولا شجاعته في يوم معركة ***ولا التلدّد في الجنّات من أرب

ولا البراءة من نار الجحيم ولا ***رجوت أنّ ليوم الحشر يشفع بي

لكن عرفت هو السرّ الخفّي فإن*** أذعته حلّلوا قتلي وكُفّر بي

يصدّهم عنه داء لا دواء له ***كالمسك يعرض عنه صاحب الكلب

وقيل فيه أيضاً:

لا تلمني في ترك مدح عليّ ***أنا أدرىٰ بالحال منك وأخبره

رجل ما عرفه إن رمت إلّا الله ***والمصطفیٰ قل الله أكبر

ان أهل السماء والأرض في العجز*** سواء عن حصر أوصاف قنبر](1)


1) إلى هنا تمّت المقدّمة، والتي نقلناها من «الف» و «ب».

باب:[في فضائله عليه السلام]

اشارة

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ »

عن النبي صلّى الله عليه وآله أنّه قال: لأخى علّي بن أبي طالب فضائل لا تحصىٰ كثرة، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرَّاً بها، غفر الله له ما تقدّم من ذنوبه (1)

وما تأخّر، ومن كتب فضيلة من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لذلك الكتاب رسم، ومن استمع إلى فضيلة من فضائله غفرت له ذنوبه التي اكتسبها بالسماع، ومن نظر إلى فضيلة من فضائله غفرت له ذنوبه التي اكتسبها بالنظر (2).

وقال صلّى الله عليه وآله: حبّ علىّ عبادة، والنظر إلى عليّ عبادة، ولا يقبل الله ايمان عبد إلّا بولايته والبراءة من أعدائه (3).

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو أنّ الغياض (4)أقلام، والبحر مداد،


1) فى «ج» : ذنبه.

2) المناقب للخوارزمي : 32 ح 2؛ عنه كشف الغمة 1: 109؛ وفي أمالي الصدوق : 119 ح 9 مجلس 28؛ عنه البحار 38: 196 ح 4؛ وأيضاً في مائة منقبة : 154 رقم 100؛ ونهج الحق : 231.

3) المناقب للخوارزمى: 32 ذیل حدیث 2 عنه كشف الغمة 1 : 109

4) الغياض: جمع غيضة، وهي الشجر الملتف (لسان العرب)

والجنّ حسّاب، والانس كتّاب، ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1).

ولا شك أنّ فضائله وحاله فى الشرف والكمال، لا يعرفه إلّا الله سبحانه ورسوله صلّى الله عليه وآله، كما قال صلّى الله عليه وآله: «ما عرفك يا علي حقّ معرفتك إلّا الله وأنا» ولهذا السبب سمّى النبيّ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام بالخمسة الأشباح، لأنّ الناس لا يعرفون ماهيّتهم وصفاتهم لجلال شأنهم، وارتفاع منازلهم، كالشبح الذي لا تعرف حقيقته.

وقال بعض الفضلاء - وقد سئل عن علي عليه السلام - فقال: ما أقول في شخص أخفیٰ فضائله أعداؤه حسداً له، وأخفىٰ أولياؤه فضائله خوفاً وحذراً على أنفسهم، وظهر فيما بين هذين فضائل طبقت الشرق والغرب ،(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (2).

وقد اشتهرت فضائله عليه الصلاة والسلام حتّى رواها المخالف والمؤالف (3)

ما زلت في درجات المجد مرتقياً*** تسمو وينمي بك الفرعان من مضرا

حتى بهرت فلا تخفى على أحد*** إلا على أحد لا يبصر القمرا

وكما قيل:

أعد ذكر نعمان لنا أن ذكره*** هو المسك ما كرّرته يتضوّع

،وقد أحببت أن أورد هذه الفضائل من طريقهم مع أنها مشهورة من طريقنا، لتأكيد الحجّة عليهم، وكما قال:

ومليحة شهدت بها ضراتها*** والحسن ما شهدت به الضرّات (4)


1) المناقب للخوارزمي : 32 ح 1؛ عنه كشف الغمة 1 : 109 : وفي كنز الفوائد : 128 و 129 : عنه البحار 40 : 70 ح 105؛ وابن شاذان في المائة منقبة : 153 رقم 99

2) التوبة : 32.

3) ولنعم ما قيل:

4) هو الفتىٰ إن تصف أدنىٰ خلائقه ***فيا لها قصة في شرحها طول

[و مناقب شهد العدو بفضلها*** والفضل ما شهدت به الأعداء] (1)

وقد روي عن أخطب خوارزم - وهو من أعظم مشايخ أهل السنّة - عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: لمّا خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه من روحه عطس فقال: الحمد لله، فأوحى الله تعالى: حمدني عبدي، وعزّتي وجلالي لولا عبدان أريد أن أخلقهما في دار الدنيا ما خلقتك.

قال: الهي فيكونان منّى؟ قال: نعم ،يا آدم ارفع رأسك وانظر، فرفع رأسه فإذا مكتوب على العرش: «لا إله إلّا الله، محمد نبيّ الرحمة، وعليّ مقيم الحجة، من عرف حق عليّ زكىٰ وطاب، ومن أنكر حقّه لعن وخاب، أقسمت بعزّتي وجلالي أن أدخل الجنّة من أطاعه وإن عصاني ،وأقسمت بعزّتي وجلالي أن أدخل النار من عصاه وإن أطاعنى»(2).

وروي أيضاً عن أخطب خوارزم، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: يا عبد الله أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا قبلك من رسلنا على ما بعثوا ،قال: قلت :على ما بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية عليّ بن ابی طالب .(3)

وروى أيضاً باسناده إلى ابن عباس قال: سئل النبي صلى الله عليه وآله عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه، قال: سأله بحقّ محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين علیه السلام إلّا تبت عليّ، فتاب عليه .(4).

ومن كتاب المناقب لأهل السنّة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: كنت أنا وعليّ نوراً بين يدي الله عز وجل من قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف


1) أثبتناه من «ج».

2) المناقب للخوارزمي : 318 ح 320 : عنه كشف اليقين : 7؛ وفي البحار 27 10 ح 22.

3) المناقب للخوارزمي : 312 ح 312 : عنه كشف اليقين : 6: وفي البحار 307:26 ح 70.

4) عنه كشف اليقين : 14: ومناقب ابن المغازلي : 63 ح 89: وفي البحار 24 : 183 ح 20؛ ينابيع المودة : 283 .

سنة، فلمّا خلق الله آدم سلك ذلك النور في صلبه، فلم يزل الله عز وجل ينقله من صلب إلى صلب حتّى أقرّه في صلب عبد المطلب.

ثمّ أخرجه من صلب عبد المطلب وقسّمه قسمين، قسم في صلب عبدالله وقسم في صلب أبي طالب، فعليّ منيّ وأنا منه، لحمه لحمي، ودمه دمي، فمن أحبّه فيحبّني، ومن أبغضه فيبغضني وأبغضه (1).

وروی صاحب کتاب بشائر المصطفى صلّى الله عليه وآله، عن يزيد(2)بن قعنب، قال: كنت جالساً مع العباس بن عبد المطلب، وفريق من بني عبد العزى بازاء بيت الله الحرام، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أمّ أمير المؤمنين عليه السلام، وكانت حاملاً به تسعة أشهر، فأخذها الطلق، فقالت: يا ربّ إنّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإنّي مصدقة بكلام جدي ابراهيم الخليل عليه السلام، وإنّه بنى البيت العتيق، فبحق الذي بنىٰ هذا البيت، والمولود الذي في بطني إلا ما يسّرت علّى ولادتي.

قال يزيد بن قعنب: فرأيت البيت قد انشقّ من ظهره، فدخلت وغابت عن أبصارنا، وعاد إلى حاله ،فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا انّ ذلك من أمر الله تعالى.

ثمّ خرجت في اليوم الرابع وعلى يدها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ثمّ قالت: إنّي فضّلت على من تقدمني من النساء، لأنّ آسية بنت مزاحم عبدت الله سراً فى موضع لا يحب الله أن يُعبد فيه إلّا اضطراراً، وانّ مريم بنت عمران هزّت النخلة اليابسة بيدها حتّى أكلت منها رطباً جنيّاً، وإنِّى دخلت بيت


1) المناقب للخوارزمي : 145 ح 170: عنه كشف اليقين : 11: ونحوه كفاية الطالب : 315: وفي البحار 35: 33 ح 30

2) هكذا في المصادر ونسخة «ج»، وفي «الف» و «ب»: زيد.

الله الحرام، فأكلت من ثمار الجنّة وأرزاقها، فلمّا أردت أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة سمّيه عليّاً، فهو علي والله العليّ الأعلى.

يقول: شققت اسمه من اسمي ،وأدّبته بأدبي، وأوقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي، ويؤذّن فوق ظهر بيتي، ويقدّسني ويمجّدني، فطوبىٰ لمن أحبّه وأطاعه ،وويل لمن أبغضه وعصاه (1).

قال: فولدت عليّاً عليه السلام يوم الجمعة الثالث عشر من رجب ،سنة ثلاثين من عام الفيل، ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه، اكراماً له من الله عزّ اسمه، واجلالاً لمحلّه في التعظيم.

وكان يومئذٍ لرسول الله صلّى الله عليه وآله من العمر ثلاثين سنة، فأحبه رسول الله صلّى الله عليه وآله حبّاً شديداً، وقال لها: اجعلي مهده بقرب فراشي، وكان صلّى الله عليه وآله يتولّىٰ أكثر تربيته، وكان يطهّر عليّاً في وقت غسله ،ويوجره اللبن عند شربه، ويحرّك مهده عند نومه ،ويناغيه في يقظته، ويحمله على صدره، ويقول: هذا أخي وولیّي وناصري وصفتي وخليفتي وكهفي وظهري ووصتي وزوج كريمتي، وأميني على وصيّتي، وكان يحمله على كتفه دائماً، ويطوف به جبال مكة وشعابها وأوديتها.

واعلم أنّ هذه الفضائل التي حصلت له قبل الولادة وحين الولادة، وأمّا الفضائل التي حصلت له بعد ولادته إلى حين وفاته فلا يمكن حصرها، ولا التعبير عنها لأنها غير متناهية، فلابد أن نذكر منها شيئاً يسيراً، وتقرير ذلك أن نقول: قد ثبت عند العلماء أنّ أصول الفضائل أربعة: العلم، والعفّة، والشجاعة، والعدالة، وأمير المؤمنين عليه السلام بلغ في هذه الأصول الغاية، وتجاوز النهاية.


1) بشارة المصطفى : 7 و 8: عنه كشف اليقين : 18؛ وكشف الغمة 1 : 61 ونحوه في روضة الواعظين : 76؛ ومعاني الأخبار : 62 ح 1: وأمالي الصدوق : 114 ح 9 مجلس 27؛ عنه البحار 8:35 ح 11.

أمّا العلم: فوصل إليه حيث قال النبي صلّى الله عليه وآله: أنا مدينة العلم وعليّ بابها (1).

وقال صلّى الله عليه وآله: قسّمت الحكمة عشرة أجزاء، فأعطي عليّ تسعة والناس جزءاً واحداً (2).

وقال صلّى الله عليه وآله : أقضاكم عليّ(3)، والقضاء يستدعي العلم.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام في حقّ نفسه: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً (4)

وقال عليه السلام :اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوىٰ (5)البعيدة (6).

وقال عليه السلام :والله لو كسرت (7)لى الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الانجيل بانجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم (8)وهذا يدلّ على أنّه بلغ في كمال العلم إلى أقصىٰ ما تبلغ إليه القوة البشرية، واختصاصه بعلوم ليس في قوىٰ غيره من الصحابة الوصول إليها، وقوله عليه السلام: انّ هاهنا لعلماً جمّاً لا أجد له حملة .

وهذا يدلّ على وصوله في العلم إلى مرتبة لا يمكن لأحد من المخلوقات من


1) انظر صحيح الترمذي 5 : 637 ح 3723؛ وكفاية الطالب : 220 وكنز العمال 11 : 614 ح 32978: وكشف الغمة 1: 111

2) المناقب للخوارزمي : 82 ح 67 : عنه كشف الغمة 1 : 111

3) المناقب للخوارزمي : 81 ح 66: عنه كشف الغمة 1 : 110.

4) المناقب لابن شهر اشوب :2 38 والبحار 153:40 ح 54.

5) الأرشية: جمع رشاء بمعنى الحبل والطوى جمع طويّة وهي البئر والبئر البعيدة: العميقة.

6) نهج البلاغة : الخطبة رقم 5

7) فى :«ج»: ثنيت.

8) راجع البحار 35 391 ح 14

الملائكة والبشر الوصول إليها سوىٰ رسول الله صلى الله عليه وآله، لكونه نفسه بآية المباهلة، فإنّ الله تعالى جعل فيها نفس رسول الله صلى الله عليه وآله نفس عليّ عليه السلام حيث قال: (وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) (1)، والمراد به نفس عليّ عليه السلام كما نقله جمهور المفسّرين.

وليس المراد الحقيقة، لأنّ الاتحاد محال فيحمل على أقرب المعاني وهو المواساة له في جميع الوجوه الممكنة، وثبت له عليه السلام حينئذ جميع ما ثبت للرسول صلّى الله عليه وآله من الفضائل العلمية والعملية ما خلا النبوّة، لقوله صلّى الله عليه وآله: «لا نبّي بعدي»، وكفىٰ بهذه الآية دليلاً واضحاً، وبرهاناً لائحاً على فضائله عليه السلام.

وقد روى المخالف والمؤالف ما ظهر عنه عليه السلام من الفتاوى المشكلة، والقضايا الصعبة التي عجز عنها كلّ من عاصره، وراجعوه في أكثر الأحكام، وقضوا بقوله، وعملوا بفتواه.

فمن ذلك انّ عمر أتي بامرأة قد زنت وهى حامل فأمر برجمها، فقال له عليّ عليه السلام: إن كان لك عليها سلطان فليس لك سلطان على ما في بطنها، فأمر بتركها وقال: لولا عليّ لهلك عمر(2)

ومنها أنّه أتي بامرأة قد زنت وهي مجنونة فأمر برجمها، فقال له علي عليه السلام: رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتّى يفيق، والنائم حتّى يستيقظ ، والغلام حتّى يحتلم، فقال: لولا عليّ لهلك عمر (3)

ومنها أنّه أرسل إلى امرأة فخافت منه فأجهضت، فاستفتى الناس فكّل قال له: ليس عليك بأس، فسأل علياً عليه السلام فقال: أرىٰ أنّ الدية على عاقلتك،


1) آل عمران: 61 .

2) كشف الغمة 1 : 110 نحوه.

3) مناقب الخوارزمي : 80 ح 64: عنه كشف الغمة :1 : 110؛ والبحار 30 : 681 .نحوه.

فقبل فعمل بقوله (1).

ومنها أنّه أتى بامرأة قد ولدت لستة أشهر فأمر برجمها، فنهاه عليه السلام وتلا قوله تعالى: ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ) (2)مع قوله تعالى: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) (3)فأمر بتخليتها (4).

ومنها أنّه لم يعرفوا حدّ المسكر حتّى قال هو عليه السلام: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى ،وإذا افترى فاجلدوه حد المفتري ،فجلدوه ثمانين جلدة. وتعديد قضاياه العجيبة، وفتاويه الصعبة الغريبة أكثر من أن تحصىٰ، ولاشك أنّ أهل العلم كافة ينسبون إليه.

أمّا علم الكلام فأصله أبو هاشم بن محمد بن الحنفية الذي استفاده منه عليه السلام، وأمّا علم الأدب فهو الذي قسّم الكلام إلى ثلاثة أضرب، وأمر أبا الأسود بوضعه بعد أن نبّهه على أصله، وأمّا علم التفسير فأصله ابن عباس تلميذ عليّ عليه السلام، وأمّا علم الفصاحة، فهو عليه السلام علّم الناس الخطب والكلام الفصيح.

وأمّا الفقه، فانتساب الشيعة إليه ظاهر، وأبو حنيفة كان تلميذ الصادق عليه السلام، والشافعي قرأ على محمد بن الحسن الشباني تلميذ أبي حنيفة، وأحمد تلميذ الكاظم عليه السلام، ومالك قرأ على ربيعة الرأي، وربيعة الرأي قرأ على عكرمة، وعكرمة قرأ على، ابن عباس تلميذ عليّ عليه السلام.

فقد روى المخالف والمؤالف والخاص والعام قول النبي صلّى الله عليه وآله:


1) البحار 40 : 250 ح 25 باختلاف

2) الأحقاف : 15

3) لقمان : 14

4) المناقب لابن شهر آشوب 2 : 365؛ عنه البحار 40 : 232 ح 12 نحوه، وتوضيح ذلك: ان أقل الحمل أربعون يوماً وهو زمن انعقاد النطفة، وأقله لخروج الولد حيّاً ستة أشهر، وذلك لأنّ النطفة تبقى في الرحم أربعين يوماً. ثم تصير علقة أربعين يوماً، ثمّ تصير مضغة أربعين يوماً، ثم تتصوّر في أربعين يوماً، وتلجها الروح في عشرين يوماً، فذلك ستة أشهر، فيكون الفطام في أربعة وشهراً، فيكون الحمل في ستة أشهر.

«أنت منّى بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» فإنّه يدلّ علىّ أنّه كلّما كان لرسول الله من الفضائل والكمالات فإنّها ثابتة لعلي عليه السلام سوىٰ درجة النبوّة، وهذا كله دليل على إمامته لقوله تعالى: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)(1).

وأمّا العفّة :فقد كان فيها الآية الكبرىٰ، والمنزلة العظمىٰ، ويكفيه في التنبيه على حاله مطالعة كلامه في نهج البلاغة، نحو كتابه إلى عثمان بن حنيف الأنصاري عامله بالبصرة، وقد بلغه أنّه دُعى إلى وليمة قوم فأجاب إليها، وقوله فيه:

«فانظر یا ابن حنيف إلى ما تقضمه(2)من هذا المطعم (3)، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجهه فنل (4)منه، ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه (5)، ومن مطعمه بقرصيه، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفّة وسداد (6). وقوله عليه السلام :ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّىٰ هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ (7)، ولكن هيهات هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع، أأقنع [من نفسي](8)بأن يقال: أمير المؤمنين،


1) الزمر : 9.

2) قَضِمَ - كسمع - : أكل بطرف أسنانه، والمراد الأكل مطلقاً.

3) في المصدر: المقضم، وهو المأكل.

4) في «ب»: فكل.

5) الطمر - بالكسر : الثوب الخلق البالي

6) نهج البلاغة : الكتاب :45 عنه البحار 40 : 340 27.

7) القز: الحرير.

8) أثبتناه من المصدر.

ولا أشاركهم في مكاره الدهر، وجشوبة (1)العيش (2).

وقوله عليه السلام فيه:وأيم الله يميناً أستثني فيها بمشية الله لأروضنّ نفسي رياضة تهش معها إلى القرص مطعوماً، وتقنع بالملح مأدوماً (3).

إلى غير ذلك من كلامه عليه السلام، ولا شك أنّه عليه السلام كان أزهد الناس، لم يشبع من طعام قط، وكان يلبس الخشن، ويأكل جريش الشعير، وإذا ائتدم فبالملح، فإن ترقّىٰ فبنبات الأرض، فإن ترقّىٰ فباللبن.

روي عن سويد بن غفلة، قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب عليه السلام ،فوجدته جالساً وبين يديه إناء فيه لبن أجد ريح حموضته، وفي يديه رغيف أرىٰ قشار الشعير في وجهه وهو يكسره بيده ويطرحه فيه، فقال: أدن فأصب من طعامنا، فقلت: إنّي صائم.

فقال عليه السلام: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من منعه الصيام من طعام يشتهيه كان حقاً على الله تعالى أن يطعمه من طعام الجنّة، ويسقيه من شرابها، قال: فقلت لفضّة وهي قريب منه قائمة : ويحك يا فضة ألا تتّقين الله في هذا الشيخ بنخل (4)هذا الطعام من نخاله التي فيه.

قالت: قد تقدّم إلينا أن لا ننخل له طعام، قال: ما قلت لها؟ فأخبرته، فقال: بأبي وأمّي من لم ينخل له طعام ولم يشبع من خبز البر ثلاثة أيام حتّى قبضه الله تعالى (5)وروي عن عدي بن ثابت قال: أوتي أمير المؤمنين عليه السلام بفالوذج،


1) في المصدر: أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش، والجشوبة: الخشونة.

2) نهج البلاغة : كتاب 45 عنه البحار 40 : 340 ح 27 .

3) المصدر نفسه.

4) في «ج»: ألا تنخلين.

5) المناقب للخوارزمي : 118 ح 130 : عنه كشف الغمة :1: 162: وفي البحار 40: 330 ح

فأبىٰ أن يأكل منه وقال: شيء لم يأكل منه رسول الله صلى الله عليه وآله لا أُحبّ أن

آكل منه (1).

وكان عليه السلام يجعل جريش الشعير في وعاء ويختم عليه، فقيل له في ذلك،فقال عليه السلام :أخاف هذين الولدين أن يجعلا فيه شيئاً من زيت أو سمن (2)

لها أحاديث من ذكراك يشغلها ***عن الشراب ويلهيها عن الزاد

.

فانظر أيّها المنصف إلى شدّة زهده وقناعته، فإنّ ايراده الحديث وقوله: «من منع نفسه من طعام يشتهيه» دليل على رضاه بمطعمه، وكونه عنده طعاماً مشتهى منع يرغب فيه من يراه، وقد طلّق الدنيا ثلاثاً وقال لها: غرّي غيري لا حاجة لي فيك، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك (3).

فدلّ ذلك على أنّه أزهد الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله، وإذا كان أزهد الناس كان أفضلهم، فدّل ذلك أيضاً على أنّه هو الإمام، لقبح تقديم المفضول على الفاضل.

وأمّا الشجاعة: فإنّه لا خلاف بين المسلمين وغيرهم أنّ علياً عليه السلام كان أشجع الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأعظمهم بلاء في الحروب، تعجبت من حملاته ملائكة السماء، وبسبب جهاده ثبتت قواعد الإسلام، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله ضربته لعمرو بن عبدود العامرى يوم الخندق أفضل من أعمال أمته إلى يوم القيامة (4).

ونزل جبرئيل عليه السلام يوم بدر وسمعه المسلمون كافة وهو يقول: «لا سيف إلّا ذو الفقار ، ولا فتىٰ إلّا علي »،ووقائعه مشهورة عند الخاص والعام في زمن


1) المناقب للخوارزمي : 119 ح 131 : عنه كشف الغمة .1 : 163

2) عنه البحار 66 : 322 ضمن حديث .

3) نهج البلاغة : قصار الحكم 77 عنه البحار 40 : 345 ح 28

4) قال ابن شهر آشوب في المناقب 2 : 298، تحت عنوان «معجزاته في نفسه»: ويروى وثبته أربعون ذراعاً إلى عمرو، ورجوعه إلى خلف عشرون ذراعاً، وذلك خارج عن العادة.

النبي صلّى الله عليه وآله وبعده في حرب الجمل وصفين والنهروان.

روى الخوارزمي قال: كان أبطال المشركين إذا نظروا إلى عليّ عليه السلام في الحرب عهد بعضهم إلى بعض .(1)

وبالجملة فشجاعته مشهورة عند جميع الناس حتّى صارت تضرب بها الأمثال ، وإذا كان أشجع الناس كان أفضلهم لقوله تعالى: ( وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ) (2)فيكون هو الإمام لقبح تقديم المفضول على الفاضل.

وأمّا العدالة: فقد بلغ فيها الغاية القصوىٰ، ويكفيك في التنبيه عليها كلامه في نهج البلاغة أيضاً لأخيه عقيل الذي لم يكن عنده أحد أحب إليه منه، وهو قوله عليه السلام: والله لئن أبيت على حَسَك السعدان مسهَّداً (3)، وأجَرُّ في الأغلال مصفّداً (4)، أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله ظالماً لبعض العباد، أو غاصباً لشيء من الحطام، وكيف أظلم أحداً لنفس تسرع إلى البلاء قفولها، ويطول في الثرىٰ حلولها.

والله لقد رأيت عقيلاً وقد أملق (5)حتّى استماحني من برّكم صاعاً، ورأيت صبيانه شعث الألوان من فقرهم كأنما سوّدت وجوههم بالعظلم (6)، وعاودني مؤكداً، وكرّر عليّ مردداً ، فأصغيت إليه سمعي، فظنّ انّى أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقاً طريقتي.


1) عنه كشف اليقين : 84؛ وفي المناقب لابن المغازلي : 72 ح 106؛ وقال الراغب في محاضرات الأدباء (3 : 138): قيل : كانت قريش إذا رأت أمير المؤمنين في كتيبة تواصت خوفاً منه.

2) النساء : 95

3) كأنه عليه السلام يريد من الحسك الشوك، والسعدان نبت ترعاه الابل له شوك تشبه به حلمة الثدي، والمسهد من سهده : إذا أسهره

4) المصفد: المقيد.

5) أملق: افتقر أشدّ الفقر .

6) العظلم: سواد يُصبغ به.

فأحميت له حديدة ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر، فضجّ ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها، فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل، أتئنّ من حديدة أحماها انسانها للعبه، وتجرّني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه، أتئنّ من الأذىٰ ولا أئنّ من لظىٰ.

وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها (1)، ومعجونة قد شنتها (2)كأنّها عجنت بريق حيّة أو قيئها، فقلت: أصلة أم زكاة أم صدقة، فذلك محرّم علينا أهل البيت، قال : لا ذا ولا ذا، ولكنّها هدية.

فقلت: هبلتك الهوابل (3)، أعن دين الله أتيتني لتخدعني، أمختبط أنت، أم ذي جنّة، أم تهجر، والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته، وإنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي ونعيم يفنى، ولذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل، وبه نستعين (4).

فهذه أصول الفضائل وأمّا فروع الفضائل التي له عليه السلام فغير متناهية، روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى ابراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته فلينظر إلى على بن أبي طالب (5).

فأثبت له ما تفرّق فيهم من الفضل والكمال الذي هو المراد من كلّ واحد منهم، وروىٰ ذلك البيهقي أيضاً في كتابه باسناده عن رسول الله صلى الله عليه وآله،


1) الملفوفة : نوع من الحلواء أهداها الأشعث بن قيس إلى علي عليه السلام.

2) شنئتها :كرهتها.

3) فى المصدر و «ج»: الهبول.

4) نهج البلاغة : الخطبة 224 عنه البحار 41 : 162 ح 57.

5) كشف الغمة 1 : 111 عن فضائل الصحابة للبيهقي ومناقب الخوارزمي : 83 ح

فجلّ من أنعم عليه بالعلم والخلق والعُلىٰ، وجميع ما تشتت في الورىٰ.

لیس من الله بمستنكر*** أن يجمع العالم في واحد

فصل :في عبادته وزهده

واعلم أنّه إذا نظرت إلى العبادة وجدته أعبد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ،منه تعلّم الناس صلاة الليل والتهجد والأدعية المأثورة، ولقد كان يُفرش له بين الصَّفين والسهام تتساقط حوله، وهو لا يلتفت عن ربه ولا يغيّر عادته [ولا يفتر عن عبادته] (1).

وكان إذا توجه إلى الله تعالى توجّه بكلّيته، وانقطع من الدنيا نظره وما فيها حتى لا يبقیٰ يدرك الألم، لأنّهم كانوا إذا أرادوا اخراج الحديد والنشاب من جسده الشريف تركوه حتّى يصلّى، فإذا اشتغل بالصلاة وأقبل على الله تعالى أخرجوا الحديد من جسده ولم يحسّ به، فإذا فرغ من صلاته يرى ذلك فيقول لولده الحسن عليه السلام: إن هي إلّا فعلتك يا حسن.

ولم يترك صلاة الليل قط حتّى في ليلة الهرير، وكان عليه السلام يوماً في حرب صفّين مشتغلاً بالحرب والقتال وهو مع ذلك بين الصفَّين يراقب الشمس، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين ما هذا الفعل؟ قال عليه الصلاة والسلام: أنظر إلى الزوال حتّى نصلّى (2)، فقال له ابن عباس: وهل هذا وقت صلاة؟ إن عندنا لشغلاً بالقتال عن الصلاة ،فقال عليه السلام: على ما نقاتلهم؟ إنّما نقاتلهم على


1) أثبتناه من «ج».

2) في «ب»: أصلي.

الصلاة .(1)

ولله درّ القائل:

يسقي ويشرب لا تلهيه نشوته*** عن النديم ولا يلهو عن الكأس

أطاعه سكره حتى تمكن من ***فعل الصحاة فهذا أفضل الناس

وبالجملة انّ العبادات الخمس: الصلاة والزكاة والصوم والحجّ والجهاد، فقد أتىٰ بها جميعاً، وبلغ الغاية في كلّ واحد منها، ومقاماته العظيمة في التهجّد والخشوع والخوف من الله تعالى لم يسبقه إليها سوىٰ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم(2)

قال: فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلا معرض عنه بوجهه، ثمّ انتدب له رجل من الأنصار فقال له: يا عويمر لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها فقال أبو الدرداء يا قوم إنّي قائل ما رأيت وليقل كلّ قوم منكم ما رأوا، شهدت عليّ بن أبي طالب بشويحطات النجار وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممن يليه، واستتر بمغيلات النخل، فافتقدته وبعدَ علي مكانه، فقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجيّ وهو يقول: «إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك».

فشغلني الصوت واقتفيت الأثر، فإذا هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام بعينه، فاستترت له وأخملت الحركة. فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثمّ فرغ إلى الدعاء والبكاء والبثّ ،والشكوى فكان مما به الله ناجاه أن قال: إلهي أفكر في عفوك فتهون علي خطيئتي، ثمّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليّ بليتي»، ثمّ قال: «آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها فتقول: خذوه، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء ثمّ قال: «آه من نار تنضج الأكباد والكلى آه من نار نزاعة للشوى آه من عمرة ملهبات لظىٰ».

قال: ثم أنعم في البكاء، فلم أسمع له حسّاً ولا حركة، فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر أوقظه لصلاة الفجر، قال أبو الدرداء: فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحرّكته فلم يتحرّك، وزويته فلم ينزو، فقلت: «إنا لله وإنا إليه راجعون مات والله عليّ بن أبي طالب قال فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم فقالت فاطمة عليها السلام يا أبا الدرداء ما كان من شأنه ومن قصته؟ فأخبرتها الخبر فقالت: هي والله يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله، ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه حتى أفاق ونظر إلي وأنا أبكي، فقال: ممّا بكاؤك يا أبا الدرداء؟ فقلت: ممّا أراه تنزله بنفسك، فقال: يا أبا الدرداء فكيف لو رأيتني ودعي بي إلى الحساب، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار، قد أسلمني الأحباء ورحمني أهل الدنيا، لكنت أشدّ رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية، فقال أبو الدرداء: فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله.

، حتّى أنّه عليه السلام قال:

1) عنه البحار 83 : 23 ح 43.

2) روى المجلسي في البحار 41 : 11 ح 1 ، عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير قال: كنا جلوساً في مجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فتذاكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان، فقال أبو الدرداء: يا قوم ألا أخبركم بأقل القوم مالاً، وأكثرهم ورعاً، وأشدّهم اجتهاداً في العبادة؟ فقالوا: من؟ قال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

الجلسة في الجامع خير لي من الجلسة في الجنّة، فإنّ الجنّة فيها رضىٰ نفسي والجامع

فيه رضىٰ ربي.

أفلا تنظروا إلى ما وصفه ضرار بن ضمرة الليثي من مقاماته عليه السلام حيث (1)دخل على معاوية فقال له : صف لي عليّاً، فقال: أولا تعفيني من ذلك ؟ فقال: لا أعفيك، فقال: كان والله بعيد المدىٰ، شديد القوىٰ، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق(2)الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته.

كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقّلب كفّه، ويحاسب(3)نفسه، ويناجي ربّه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، كان والله فينا كأحدنا ،بدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكنا مع دنوه منا وقربنا منه لا نكلّمه لهيبته، ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته، فإن تبسم فعن (4)مثل اللؤلؤ المنظوم.

يعظم أهل الدين، ويحبّ المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله (5)، وغارت نجومه، وهو قائم في محرابه، قابض على لحيته، يتململ تململ السليم (6)، ويبكي بكاء الحزين، فكأنّى الآن أسمعه وهو يقول: يا دنيا دنية أبي تعرّضت؟ أم بي تشوّقت؟ هيهات هيهات غرّي غيري، لا حاجة لي فيك، قد


1) في «ج»: حين.

2) في «ج»: تنطلق.

3) في «ج»: يخاطب.

4) في «ج»: ظهر أسنانه.

5) السدول جمع السدل شبه ظلم الليل بالأستار المسدولة.

6) تململ تقلب، والسليم: من لدغته الحية.

بنتك (1)ثلاثاً لا رجعة لي فيها، فعمرك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه آه

من قلّة الزاد ،وبعد السفر، ووحشة الطريق، وعظم المورد.

فوكفت دموع معاوية على لحيته، فنشفها بكمّه، واختنق القوم بالبكاء، ثمّ قال: كان والله أبو الحسن كذلك، فكيف صبرك عنه يا ضرار؟ قال: صبر من ذبح واحدها (2)على صدرها، فهى لا ترقى عبرتها، ولا تسكن حرارتها، ثمَّ قام فخرج وهو باك، فقال معاوية: أما انّكم لو فقدتموني لما كان فيكم من يثني علي مثل هذا الثناء، فقال بعض من كان حاضراً: الصاحب على قدر صاحبه (3).

وروي أنه عليه السلام لمّا كان يفرغ من الجهاد يتفرّغ لتعليم الناس والقضاء بينهم، فإذا تفرّغ من ذلك اشتغل في حائط له يعمل فيه بيده، وهو مع ذلك ذاكراً الله تعالى جلّ جلاله .(4)

وروى الحكم بن مروان ،عن جبير بن حبيب قال: نزل بعمر بن الخطاب نازلة قام لها وقعد وتريخ وتقطر، ثمّ قال: معاشر المهاجرين ما عندكم فيها؟ قالوا: يا عمر أنت المفزع والمهرع، فغضب ثمّ قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ) (5)أما والله أنا وإيّاكم لنعرف أين نجدتها والخبير بها.

قالوا: كأنك أردت ابن أبي طالب؟ قال: وأنّىٰ يعدل بي عنه، وهل لقحت حرّة بمثله، قالوا: فلو بعثت إليه، قال: هيهات ،هناك [شيخ من بني] (6)هاشم ولحمة من الرسول وأثرة من علم يؤتىٰ لها ولا تأتي، امضوا إليه.

فأفضوا إليه وهو في حائط له عليه ثياب، يتوكّأ على مسحاته وهو يقول:


1) في «ب» و «ج»: طلّقتك

2) في «ج»: ولدها.

3) عنه البحار 41 : 120 ح 28؛ ونحوه كنز الفوائد : 270.

4) عنه مستدرك الوسائل 13 : 25 ح 14636

5) الأحزاب : 70.

6) أثبتناه من «ج».

(أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى) (1)ودموعه تهمل على خدّيه، فأجهش القوم لبكائه، ثمّ سكن وسكنوا وسأله عمر عن مسألته، فأصدر جوابها، فلوى عمر يديه ثمّ قال: أما والله لقد أرادك الحق ولكن أبىٰ قومك، فقال له: يا أبا حفص عليك من هنا ومن هنا (2)، انّ يوم الفصل كان ميقاتاً ، فانصرف وقد أظلم وجهه، كأنَّما ينظر من ليل(3)

وقد عرفت قول النبي صلى الله عليه وآله: لمبارزة علي بن أبي طالب عمر بن عبدود العامري أفضل من عمل أُمّتي إلى يوم القيامة (4).

ولقد نقل المؤرّخون ان مبارزاته كانت اثنين وسبعين مبارزة، فإذا فكّر العاقل انّ قسماً واحداً من أصل اثنين وسبعين قسماً من أصل خمسة أقسام -وهى العبادات الخمس- ، من أصل قسمين - وهي العمل والعلم لأنّ العلم أيضاً عمل نفساني - أفضل من عمل الأمة إلى يوم القيامة عرف من ذلك أنه مجهول القدر، وإذا كان أعبد الناس كان أفضلهم، فتعين أن يكون هو الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله.

فصل :[في حلمه وجوده وحسن خلقه واخباره بالغيب واجابة دعائه]

و من فضائله عليه السلام الحلم ،والكرم ،والجود ،والسخاء، وحسن الخلق،واخباره بالغيب، واجابة دعائه بسرعة، فجلّ من أنعم عليه بالفضل الجسيم ،والرتبة العالية، والمنزلة العظيمة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.


1) القيامة : 36-38.

2) فى «ب»: هاهنا.

3) البحار 40 : 122 ح 12؛ عن الفضائل لابن شاذان : 136.

4) راجع البحار 36: 165 ح 147

وأمَّا الحلم: فكان عليه السلام من أكثر الناس حلماً، لم يقابل مسيئاً بإساءته، ولقد عفى عن أهل البصرة بعد أن ضربوا وجهه بالسيف، وقتلوا أصحابه، وردّ عائشة إلى المدينة، وأطلق عبد الله بن الزبير بعد الظفر به على عداوته وتأليبه (1)عليه وشتمه له على رؤوس الخلائق، وصفح عن مروان بن الحكم يوم الجمل مع شدّة عداوته.

وأمَّا الكرم: فقد بلغ فيه الغاية القصوىٰ التي لم تحصل لغيره صلوات الله عليه، روى الثعلبي في تفسيره عن أبي ذر الغفاري قال، وذكر في أوّل الحديث من طريقنا ان عبد الله بن عباس كان على شفير زمزم وهو يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول - وهو يكرر الأحاديث - إذ أقبل رجل معتم بعمامة وقد غطّىٰ أكثر وجهه بها، وكان ابن عباس لا يقول: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله» إلا قال ذلك الرجل: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله».

فقال له ابن عباس: بالله عليك من أنت ؟! فكشف العامة عن وجهه وقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جندب بن جنادة أبو ذر الغفاري، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله بهاتين وإلا صُمتا - يعني اذنيه - ورأيته بهاتين - يعنى عينيه - وإلّا عمينا يقول: «علي قائد البررة، على قاتل الكفرة،منصورٌ من نَصَرَه، مخذول من خَذَلَه، ملعون من جَحَدَ ولايته».

أما إنّي صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم اشهد إنّي سألت في مسجد رسول الله فلم يُعطنى أحد شيئاً.

وكان أمير المؤمنين عليه السلام راكعاً، فأومى إليه بخنصره اليمنى - وكان يتختم فيها - فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، والنبي صلى الله عليه وآله


1) في «ج»: تألبه.

يشاهد، فلمّا فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال:

«اللّهم إن موسىٰ سألك فقال: ربّ اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي، أشدد به أزري، وأشركه في أمري، اللهم فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا ) (1)، اللّهم فأنا محمد نبيّك وصفيّك، اللهم فاشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي، عليّاً أخي، أشدد به ظهري».

قال: فما استتم رسول الله صلى الله عليه وآله حتى نزل جبرئيل عليه السلام من عند الله تعالى وقال: يا محمد إقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: إقرأ (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ )(2).

وروي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام دخل مكة في بعض حوائجه، فوجد أعرابياً متعلّقاً بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يحويه مكان، ولا يخلو منه مكان بلا كيفية كان، أرزق الأعرابي أربعة آلاف درهم.

قال: فتقدّم إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: ما تقول يا أعرابي؟ فقال الأعرابي: من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب، قال: أنت والله حاجتي، قال عليه الصلاة والسلام: سل يا أعرابي ،قال: أريد ألف درهم للصداق، وألف درهم أقضي بها ديني، وألف درهم أشتري بها داراً، وألف درهم أتعيش بها ،قال عليه السلام: أنصفت يا أعرابي، إذا خرجت من مكة فسل عن داري بمدينة الرسول صلى الله عليه وآله.


1) القصص : 35

2) المائدة : 55 راجع الطرائف : 47 ح 39؛ والعمدة : 119 ح 158: وكشف الغمة 1 : 317 عن تفسير الثعلبي.

فأقام الأعرابي أسبوعاً بمكَّة، وخرج في طلب أمير المؤمنين عليه السلام إلى المدينة، ونادىٰ: من يدلّني على دار أمير المؤمنين عليه السلام، فلقيه الحسين(1)عليه السلام فقال: أنا أدلك على دار أمير المؤمنين.

فقال له الأعرابي : من أبوك؟ قال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: من اَمّك؟ قال: فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين، قال: من جدّك ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب، قال: من جدَّتك؟ قال: خديجة بنت خويلد، قال: من أخوك؟ قال: الحسن بن عليّ (2)، قال: قد أخذت الدنيا بطرفيها، امش (3)إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقل له: انَّ الأعرابي صاحب الضمان بمكّة على الباب.

فدخل الحسين عليه السلام وقال: يا أبت أعرابي بالباب يزعم أنّه صاحب ضمان بمكة، قال: فخرج عليه السلام وطلب سلمان الفارسي رحمة الله عليه وقال له : يا سلمان أعرض الحديقة التي غرسها لي رسول الله صلى الله عليه وآله على التجار، فدخل سلمان السوق وعرض الحديقة، فباعها باثني عشر ألف درهم، وأحضر المال وأحضر الأعرابي، فأعطاه أربعة آلاف درهم وأربعون درهم للنفقة.

ووقع الخبر إلى فقراء المدينة، فاجتمعوا إليه والدراهم مصبوبة بين يديه، فجعل عليه السلام يقبض قبضة فيعطي رجلاً رجلاً حتى لم يبق له درهم واحد منها، ودخل منزله فقالت فاطمة عليها السلام :يا ابن عم بعت الحديقة التي غرسها لك رسول الله صلى الله عليه وآله والدي؟ قال: نعم بخير منها عاجلاً وآجلاً. قالت له: جزاك الله في ممشاك. ثمّ قالت: أنا جائعة وابناي جائعان ولا شك


1) في «ج»: الحسن عليه السلام.

2) في «ج»: الحسين بن علي بن أبي طالب

3) في «ب»: أمض.

أنّك مثلنا، فخرج عليّ عليه السلام ليقترض شيئاً يخرجه على عياله، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: يا فاطمة أين ابن عمّي ؟ فقالت له: خرج يا رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال صلوات الله عليه وآله: هاك هذه الدراهم فإذا جاء ابن عمّي فقولي له يبتاع لكم بها طعاماً.

و خرج رسول الله صلى الله عليه وآله، فجاء علي عليه السلام وقال: جاء ابن عمّى فإنّي أجد رائحة طيبة؟ قالت: نعم، وناولته الدراهم وكانت سبعة دراهم سود هجرية، وذكرت له ما قال صلى الله عليه وآله، فقال: يا حسن قم معي.

فأتيا السوق فإذا هما برجل واقف وهو يقول: من يقرض الوفي المليّ؟ فقال: يا بني أعطيه الدراهم، فقال: بلى والله يا أبت، فأعطاه عليه السلام الدراهم ومضىٰ إلى باب رجل يستقرض منه شيئاً، فلقيه أعرابي ومعه ناقة، قال: اشتر منّى هذه الناقة، قال: ليس معي ثمنها ، قال : فإنّي أنظرك بها، قال: بكم يا أعرابي؟ قال: بمائة درهم، قال عليه السلام: خذها يا حسن .

فأخذها ومضيا عليهما السلام، فلقيه أعرابي آخر فقال: يا علي أتبيع الناقة؟ قال عليه السلام: وما تصنع بها؟ قال: أغزو عليها أوّل غزوة يغزوها ابن عمّك، قال له عليه السلام: إن قبلتها فهي لك بلا ثمن، قال: معي ثمنها، فبكم اشتريتها؟ قال: بمائة درهم ،قال الأعرابي: فلك سبعون ومائة درهم، فقال عليه السلام: خذها يا حسن وسلّم الناقة إليه، والمائة للأعرابي الذي باعنا الناقة، والسبعون لنا نأخذ منها شيئاً.

فأخذ الحسن عليه السلام الدراهم وسلّم الناقة، قال عليه السلام: فمضيت أطلب الأعرابي الذي ابتعت منه الناقة لأعطيه الثمن، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في مكان لم أره فيه قبل ذلك على قارعة الطريق، فلما نظر إليَّ صلى الله عليه وآله تبسّم وقال: يا أبا الحسن أتطلب الأعرابي الذي باعك الناقة لتوفّيه

ثمنها ؟

فقلت: إي والله فداك أبي وأمّي، فقال: يا أبا الحسن الذي باعك الناقة جبرئيل، والذي اشتراها منك ميكائيل، والناقة من نوق الجنّة، والدراهم من عند ربّ العالمين المليّ الوفيّ (1).

وروى الثعلبي وغيره من المفسّرين : انّ الحسن والحسين مرضا، فعادهما جدّهما رسول الله صلّى الله عليه وآله وعادهما عامة العرب، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت لولديك نذراً ، فقال عليه السلام :إن برئ ولداي ممّا بهما صمت ثلاثة أيّام شكراً الله تعالى، وقالت فاطمة عليها السلام مثل ذلك، وقالت جاريتها فضّة: إن برئ سيّداي ممّا بهما صمت ثلاثة أيّام شكراً لله عز وجل.

فالبسا العافية وليس عند آل محمد لا قليل ولا كثير، فآجر عليّ عليه السلام نفسه ليلة إلى الصبح يسقي نخلاً بشيء من شعير، وأتىٰ به لمنزله، فقامت (2)فاطمة صلوات الله عليها إلى ثلثه، فطحنته واختبزت منه خمسة أقراص لكلّ واحد منهم قرصاً.

وصلّىٰ أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام صلاة المغرب مع رسول الله صلّى الله عليه وآله، ثمّ أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، فجاء مسكين فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فسمعه عليّ عليه السلام فقال: أطعموه حصّتي، فقالت فاطمة عليها السلام والباقون كذلك، فأعطوه (3)الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا إلّا الماء القراح.

فلمّا كان اليوم الثاني طحنت فاطمة عليها السلام ثلثاً آخر واختبرته، وأتىٰ


1) أمالي الصدوق : 377 ح 10 مجلس 71؛ عنه البحار 41 : 44 ح 1 باختلاف قليل.

2) في «ج»: فقسمت.

3) في «ج»: فأطعموه.

أمير المؤمنين عليه السلام من صلاة المغرب مع رسول الله صلّى الله عليه وآله ووضع الطعام بين يديه، فأتىٰ يتيم من أيتام المهاجرين وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، يتيم من أيتام المهاجرين ،استشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فسمعه عليّ وفاطمة عليها السلام [والباقون] (1)فأعطوه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا إلّا الماء القراح.

فلمّا كان اليوم الثالث قامت فاطمة عليها السلام إلى الثلث الباقي وطحنته واختبزته، وصلّىٰ عليّ عليه السلام مع النبي صلّى الله عليه وآله المغرب ثمّ أتى المنزل، فوضع الطعام بين يديه فجاء أسير فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، تأسرونا ولا تطعمونا، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فإنّي أسير محمد صلى الله عليه وآله، فسمعه علي عليه السلام فآثره وآثروه معه ومكثوا ثلاثة أيَّام بلياليها لم يذوقوا شيئاً إلّا الماء.

فلَّما كان اليوم الرابع وقد وفوا بنذرهم أخذ أمير المؤمنين عليه السلام الحسن بيده اليمنىٰ والحسين بيده اليسرىٰ وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، فلمّا بصر بها النبي صلّى الله عليه وآله قال:

يا أبا الحسن ما أشد ما يسوؤني ما أرىٰ بكم، انطلقوا بنا إلى ابنتي فاطمة.

فانطلقوا إليها وهى في محرابها تصلّى، وقد لصق بطنها بظهرها من شدّة الجوع، فلمّا رآها النبي صلّى الله عليه وآله قال: واغوثاه ،بالله يا أهل بيت محمد تموتون جوعاً ، فهبط جبرئيل عليه السلام وقال: خذ يا محمد هنّأك الله تعالى في أهل بيتك، قال: وما أخذ يا جبرئیل؟ قال: فاقرأ: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ) (2).


1) أثبتناه من «ج».

2) راجع الطرائف : 107 ح 160 عن تفسير الثعلبي. وفي شواهد التنزيل :2 : 394 ح 1042: والمناقب للخوارزمي : 267 ح 250؛ عنه كشف الغمة 1 : 307؛ و تفسیر فرات : 519 ح 676 عنه البحار 35 249 ح 7 وكفاية الطالب : 345؛ والكشاف 4 : 670؛ ومصادر أخر.

و من كان أكرم الناس كان أفضل، فيكون هو الإمام دون غيره.

وأمّا الجود والسخاء: فقد بلغ فيه ما لم يبلغه أحد، جاد بنفسه والجود بالنفس أقصىٰ غاية الجود.

روىٰ أبو سعيد الخدري قال: لمّا خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى الغار أوحى الله عز وجل إلى جبرئيل وميكائيل: إنّي قد آخيت بينكما، وجعلت أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فكلاهما اختار عمر وأحبّ الحياة، فأوحى الله عز وجل إليهما: أفلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يقيه بنفسه، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه.

وكان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي: من مثلك؟بخ یخ من مثلک يا ابن أبي طالب؟! يباهي الله بك الملائكة، وأنزل الله عزوجل في حقّه:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (1)، وإذا كان كذلك وجب أن يكون هو الإمام دون غيره.

وأمّا حسن الخلق :فقد بلغ فيه الغاية القصوىٰ حتّى نسبه أعداؤه إلى الدعابة، وممّا يدلّ على ذلك مساواته للرسول صلّى الله عليه وآله الّا النبوّة، وقد مدح سبحانه نبيّه صلّى الله عليه وآله بقوله: ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (2)فكذا يجب أن يكون علياً عليه السلام لمساواته له صلّى الله عليه وآله.

وأمّا اخباره بالغيب: فكثير وهي معجزة عظيمة دالّة على إمامته عليه السلام، لأنّها لم تتيسّر لأحد من أمة محمد صلى الله عليه وآله غير عليّ عليه


1) أنظر كفاية الطالب : 239؛ والعمدة : 239 - 367؛ والطرائف : 37 - 27 عن الثعلبي؛ وأيضاً كشف الغمة 1: 316؛ ونور الأبصار : 175؛ والبحار 19 : 38 ح 6؛ والآية في سورة البقرة : 207.

2) القلم : 4.

السلام .

منها أنّه لمّا بويع بذي قار قال: يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا ينقصون رجلاً ولا يزيدون رجلاً، يبايعون على الموت، آخرهم أويس القرني، قال ابن عباس: فأحصيت المقبلين فنقصوا واحداً، فبينما أنا أفكّر إذ أقبل أويس القرني (1).

ومنها انّ رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إنّى مررت بوادي القري فرآيت خالد بن عرفطة قدمات فاستغفر له، فقال عليه السلام: إنّه لم يمت ولا يموت حتّى يقود جيش ضلالة، صاحب لوائه حبيب بن جماز، فقام رجل من تحت المنبر فقال: يا أمير المؤمنين إنِّي لك شيعة وإنِّي لك محبّ، قال: ومن أنت؟ قال: أنا حبيب بن جماز.

فقال عليه السلام: إيّاك أن تحملها ولتحملنّها فتدخل بها من هذا الباب، وأومئ بيده إلى باب الفيل، فلمّا مضىٰ أمير المؤمنين عليه السلام، ومضى الحسن ابنه عليه السلام من بعده، وكان من أمر الحسين عليه السلام ماكان، بعث ابن زیاد بعمر بن سعد إلى الحسين عليه السلام، وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته ،و حبيب بن جماز صاحب رايته، فسار بها حتّى دخل المسجد من باب الفيل (2).

ومنها اخباره عن قتل نفسه الشريفة صلوات الله عليه، وقال: والله لتخضبنّ هذه من هذه، ووضع يده على رأسه ولحيته (3).

ومنها اخباره بصلب ميثم التمار وطعنه بحربة عاشر عشرة على باب دار عمرو بن حريث، وأراه النخلة التي يُصلب على جذعها، وكان ميثم يأتيها ويصلّى عندها ويقول لعمرو بن حريث: إنّي مجاورك فأحسن جواري، فصلبه عبيد الله بن


1) الارشاد : 166: عنه البحار 42 : 147 ح7

2) الارشاد : 173؛ ومناقب ابن شهر آشوب 2 : 270 في اخباره بالبلايا والمنايا عنه البحار 41 : 313 ح 39: وكشف اليقين : 79؛ وشرح نهج البلاغة 2 : 287

3) الارشاد : 168 : عنه البحار 42 : 192 ح6.

زياد وطعنه بحربة (1).

ومنها أنّه قال لأصحابه لما رفع معاوية المصاحف: إنّهم لم يريدوا القرآن فاتّقوا الله وامضوا على بصائركم، فإن لم تفعلوا تفرّقت بكم السبل وندمتم حيث لا ينفعكم الندامة، وكان كما أخبر (2).

ومنها أنّه أخبر بقتل ذي الثدية، فلم يُر بين القتلىٰ، فقال: والله ما كذبت وما كذبت فاختبروا القتلىٰ، فاختبروهم فوجدوه في النهر، وشقّ عن ثوبه فوجد سلعة على كتفه كثدي المرأة، ينجذب كتفه إذا جذبت، ويرجع إذا تركت (3).

ومنها أنّه أخبر عن الخوارج بعبور النهر فقال: والله ما عبروا، ثمّ أخبر ثانية وثالثة فقال: والله ما عبروا وما يعبرون حتّى يقتل منهم بعدد هذه الاجمة، قال جندب بن عبد الله الأزدي : والله لئن كانوا قد عبروا وإلّا أكون أوّل من يقاتله، فلمّا وصلوا إليهم لم يجدوهم عبروا،فقال: يا أخا الأزد أتبّين لك الأمر، فلمّا قتل الخوارج قطعوا الاجمة وتركوا على كلّ قتيل قصبة فلم تزد عليهم ولا نقصت عنهم.(4)

ومنها أنّه خرج ذات ليلة من مسجد الكوفة متوجّهاً إلى داره قد مضىٰ هزيع (5)من الليل ومعه كميل بن زياد - وكان من خيار شيعته ومحبّيه - فوصل في الطريق إلى باب رجل يتلو القرآن في ذلك الوقت، ويقرأ قوله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (6)بصوت شجيّ حزين.


1) الارشاد : 170؛ عنه البحار 42 : 124 7: شرح النهج لابن أبي الحديد 1 : 210.

2) الارشاد : 167: عنه البحار 33: 311 ح 561 .

3) البحار 41 : 339 - 59: عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 275 .

4) الارشاد : 167؛ عنه البحار 41 : 284 ح3.

5) في «ج»: ربع.

6) الزمر : 9.

فاستحسن كميل ذلك في باطنه، وأعجبه حال الرجل من غير أن يقول شيئاً ، فالتفت إليه صلوات الله عليه وقال: يا كميل لا يعجبك طنطنة الرجل انّه من أهل النار، سأنبئك فيما بعد.

فتحيّر كميل لمكاشفته له على ما في باطنه ،و لشهادته لدخول النار (1)مع كونه في هذا الأمر وتلك الحالة الحسنة ظاهراً في ذلك الوقت، فسكت كميل متعجباً متفكّراً في هذا الأمر، ومضىٰ مدَّة متطاولة إلى أن آل حال الخوارج إلى ما آل، وقاتلهم أمير المؤمنين عليه السلام، وكانوا يحفظون القرآن كما أنزل.

فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى كميل بن زياد وهو واقف بين يديه والسيف في يده يقطر دماً، ورؤوس أولئك الكفرة الفجرة محلّقة على الأرض، فوضع رأس السيف على رأس من تلك الرؤوس وقال: يا كميل (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ) أي هو ذلك الشخص الذي كان يقرأ في تلك الليلة فأعجبك حاله، فقبّل كميل قدميه واستغفر الله (2)، فصلّى الله على مجهول القدر.

ومنها أنّه لما اشترىٰ عليه السلام ميثم التمار من امرأة أخبره بأنّ اسمه سالم ،فقال عليه السلام: انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أخبرني بأنّ أباك سماك ميثماً فارجع إليه، فقال ميثم: صدقت [يا مولاي]، ثمّ أخبره بأنّ عبيد الله بن زياد يصلبه، كما تقدّم الحديث (3).

وأخبر رشيد الهجري بقطع يديه ورجليه وصلبه، ففعل به ذلك زياد بن النضر(4)،وأخبر عليه السلام مزروع بن عبد الله بأنه يصلب بين شرفتين من


1) في (ج) شهادته للرجل بالنار.

2) عنه البحار 33 399 ح 620.

3) الارشاد : 170 والبحار 41 : 343؛ عن شرح نهج البلاغة 1 : 210.

4) الارشاد : 171 نهج الحق : 242؛ وشرح نهج البلاغة .1 : 211 .

شرف المسجد فصلب هناك (1)، وأخبر بأنّ الحجاج يقتل كميل بن زياد (2).

وأخبر قنبراً بذبحه فذبحه الحجاج (3)، وقال للبراء بن عازب :انّ ولدي الحسين يقتل وأنت حی لا تنصره، فقتل وهو حيّ ولم ينصره، وكان يظهر الندم على ذلك (4)، وأخبر بقتل الحسين عليه السلام ومصرعه وقبره لمّا توجه إلى صفين، وكان كما قال ((5).

وأخبر عليه السلام بأنّه يعرض على أصحابه سبّه، فأباحه لهم دون البراءة منه فوقع ما أخبر به (6)، وأخبر بقطع يد جويرية بن مسهر ورجله وصلبه على جذع، ففعل به ذلك في أيام معاوية وزياد بن أبيه (7)، وأخبر بعمارة بغداد(8)،وملك بني العباس وذكر أحوالهم وأخذ المغول الملك منهم .(9)

وإخباره بالغيب كثير يطول بذكره الكتاب، وهذا مما يدلّ على علوّ شأنه، وارتفاع محلّه، واتّصال نفسه الشريفة الطاهرة بعالم الغيب.

وأما إجابة دعائه: فكثير ،منها أنّه دعا فردّت عليه الشمس مرّتين، احداهما في زمن النبي صلى الله عليه وآله.

روت أمّ سلمة، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي سعيد الخدري وجماعة من الصحابة بأن النبي صلى الله عليه وآله كان ذات يوم في منزله وعليّ عليه السلام بين يديه إذ جاءه جبرئيل عليه السلام يناجيه عن الله تعالى، فلمّا تغشّاه الوحي


1) الارشاد : 172؛ عنه البحار 41 : 285 ح 5: مناقب ابن شهر آشوب 2: 272.

2) الارشاد : 172 .

3) الارشاد : 173؛ نهج الحق : 242.

4) الارشاد : 174؛ ومناقب ابن شهر آشوب :2 270 عنه البحار 41: 315 ح 40.

5) الارشاد : 175 عنه البحار 41 : 286 ح 6.

6) الارشاد : 169

7) البحار 301:41 ح 31 عن الخرائج وفي نهج الحق : 242.

8) البحار 41 : 125 عن مناقب ابن شهر آشوب ونهج الحق : 243.

9) شرح نهج البلاغة 2 : 125 و 241: نهج الحق : 243.

توسّد فخذ أمير المؤمنين عليه السلام، فلم يرفع رأسه حتّى غابت الشمس، ولم يتمكن أمير المؤمنين عليه السلام من صلاة العصر، فاضطرّ عليه السلام لأجل ذلك أن صلّى العصر جالساً، يومئ لركوعه وسجوده إيماءً.

فلمّا أفاق رسول الله صلّى الله عليه وآله من تغشّيه (1)قال لأمير المؤمنين عليه السلام: فاتتك صلاة العصر ؟ فقال: لم أستطع أن أصليها قائماً لمكانك يا رسول الله، والحالة التي كنت عليها في استماع الوحي.

فقال له صلى الله عليه وآله: ادع الله ليرد عليك الشمس حتّى تصليها قائماً في وقتها، فإنّ الله تعالى يجيبك لطاعتك الله ولرسوله، وسأل أمير المؤمنين عليه السلام الله تعالى في ردّ الشمس، فردّت عليه حتّى صارت في موضعها من السماء وقت العصر، فصلّى أمير المؤمنين عليه السلام ثم غربت (2).

وأمّا الثانية بعد النبي صلى الله عليه وآله لمّا رجع من صفين ،وأراد عبور الفرات ببابل، واشتغل جمع من أصحابه بتعبير دوابهم ورحالهم، وصلّىٰ عليه السلام بنفسه في طائفة معه العصر، فلم يفرغ الناس من عبورهم الماء حتّى غربت الشمس، ففاتت الصلاة كثيراً منهم، وفات الجمهور فضل الجماعة معه.

فتكلّموا في ذلك، فلمّا سمع كلامهم فيه سأل الله تعالى بردّ الشمس عليه ليجتمع كافة أصحابه على صلاة العصر في وقتها، فأجابه الله سبحانه إلى ردّها عليه، فهال الناس ذلك وأكثروا التسبيح والتهليل والاستغفار (3)

يمدح علياً عليه السلام، فقاربت الشمس الغروب وأظلم الأفق، فقال مخاطباً للشمس: لا تغربي يا شمس حتى ينقضي*** مدحي لصنو المصطفى ولنجله

واثنى عنانك إذ عزمت ثناءه ***أنسيت يومك إذ رددت لأجله

إن كان للمولى وقوفك فليكن ***هذا الوقوف الخيله ولرجله

فوقفت الشمس وأضاء الأفق حتى انقضى المدح، وكان ذلك بمحضر جماعة كثيرة تبلغ حد التواتر، واشتهرت هذه القصة عند الخواص والعوام.


1) في «ج»: غشيته.

2) كشف الغمة 1 : 285؛ كشف اليقين : 111؛ ارشاد المفيد : 182؛ ونحوه مناقب الخوارزمي : 306 ح 301؛ و مناقب ابن شهر آشوب 2 : 316 عنه البحار 41 : 174 ح 10: كفاية الطالب : 385.

3) کشف الغمة :1 : 286 وكشف اليقين : 113؛ وارشاد المفيد : 182؛ ومناقب ابن شهر آشوب 2 : 318؛ عنه البحار 41 : 174 ح 10. قال العلامة رحمه الله في كتاب كشف اليقين»: كان بعض الزهاد يعظ الناس، فوعظ في بعض الأيام وأخذ ومنها أنّه دعا على بسر بن أرطاة فقال: اللهم ان بسراً باع آخرته بدنياه

ومنها لما زاد ماء الكوفة وخاف أهلها الغرق وفزعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وخرج والناس معه حتى أتىٰ شاطئ الفرات، فنزل عليه السلام وأسبغ الوضوء وصلّىٰ منفرداً بنفسه والناس يرونه، ثمّ دعا الله سبحانه بدعوات سمعها أكثرهم.

ثمّ تقدّم إلى الفرات متوكئاً على قضيب بيده و ضرب صفحة الماء وقال: انقص باذن الله تعالى ومشيئته ،فغاض الماء حتّى بدت الحيتان في قعر الفرات، فنطق كثير منها بالسلام عليه بامرة المؤمنين، ولم ينطق منها أصناف من السموك ،وهي الجري والمارماهي والزمار ، فتعجّب الناس من ذلك وسألوه عن علّة ما نطق منها وصموت ما صمت، فقال عليه السلام: أنطق الله ما طهر من السموك ،وأصمت عنّى ما حرّمه ونجّسه وبعّده (1).

ومنها أنّه قال على منبر الكوفة: أيّها الناس من حضر قول رسول الله صلى الله عليه وآله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» فليقم وليشهد، فقام جماعة وأنس بن مالك جالس لم يقم ، فقال له: يا أنس ما منعك أن تشهد ولقد سمعت ما سمعوا؟ فقال: يا أمير المؤمنين كبرت ونسيت، فقال عليه السلام: اللّهمّ إن كان كاذباً فارمه ببياض لا تواريها العامة، فصار أبرص (2).


1) ارشاد المفيد : 183؛ وكشف اليقين : 113؛ ومناقب ابن شهر آشوب :2 330 عنه البحار 41 : 268 22.

2) الارشاد للمفيد : 185؛ مناقب ابن شهر آشوب :2 : 279؛ عنهما البحار 41 : 204 ح 19.

فاسلبه عقله، ولا تبق له من دينه ما يستوجب به رحمتك، فاختلط عقله (1).

ومنها أنّه اتٌّهم المغيرة (2)انه يرفع أخباره إلى معاوية، فأنكر ذلك فقال له: إن كنت كاذباً فأعمى الله بصرك، فما دارت عليه جمعة حتّى عمي(3)

وهذا أيضاً كثير فلنقتصر منه على اليسير ، ولا شك انّ اجابة الدعاء بسرعة من الفضائل التي لا تتيسر لكلّ أحد، فصلّى الله على مجهول القدر، ومن بولايته والبراءة من أعدائه يُقبل العمل، ويحصل الأجر.

روى الخوارزمي في مناقبه عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يا عليّ لو أنّ عابداً عبد الله عز وجل مثل ما قام نوح في قومه، وكان له مثل جبل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله تعالى، وحجّ ألف عام على قدميه، ثمَّ قتل بين الصفا والمروة مظلوماً، ولم يوالك يا علىَّ لم يشمّ رائحة الجنّة ولم يدخلها (4).

وتصديق هذا قوله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ) (5)وقوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا .الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا )(6).

وقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ . عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ . تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً . تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ) (7)فصلّى الله على من بولايته يحصل الايمان، وبمحبته والبراءة من أعدائه يقبل العمل بالأركان.


1) مناقب ابن شهر آشوب :2 280؛ عنه البحار 41: 204 ح 19.

2) كذا في «ج»، وفي «الف» و «ب» كلمة مبهمة، لعلها «اتهم العين»، وفي بعض المصادر: رجل يقال له: الغيزار.

3) مناقب ابن شهر آشوب :2 : 279؛ ارشاد :المفيد : 184 : وفي البحار 41: 198 ح 11؛ كشف اليقين : 111؛ نهج الحق : 246.

4) المناقب للخوارزمي: 67 ح 40؛ عنه كشف الغمة 1 : 100؛ والبحار 27 : 194 ح 53.

5) الفرقان : 23

6) الكهف : 103-104.

7) الغاشية 2-5 .

فصل :[في كسر الأصنام، وأنه عليه السلام أوّل من صلَّىٰ]

ومن فضائله أنَّه نشأ وربا في الايمان، ولم يُدنس بدنس الجاهلية بخلاف غيره من سائر الصحابة، فإنّ المسلمين أجمعوا على أنه صلى الله عليه وآله ما أشرك بالله طرفة عين، ولم يسجد لصنم قط، بل هو الذي تولّىٰ كسر الأصنام لمّا صعد على كتف النبي صلّى الله عليه وآله.

روى أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي مريم، عن عليّ عليه السلام قال: انطلقت أنا والنبي صلى الله عليه وآله حتّى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه و آله: اجلس حتّى أصعد على منكبك، فذهبت لأنهض فرأىٰ منَّي ضعفاً، فنزل وجلس لي نبي الله صلى الله عليه وآله وقال: اصعد على منكبي.

فصعدت على منكبه ونهض بي، فرأيت انّى لو شئت لنلت أفق السماء حتّى صعدت على البيت وعليه صنم كبير من صفر، فجعلت أزاوله عن يمينه وشماله وبين يديه ومن خلفه حتّى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: اقذف به ،فقذفت به فتکسّر كما تتكسر القوارير.

ثمَّ نزلت وانطلقنا أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله نستبق حتَّى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس (1).

وقال بعض الشعراء في هذا المعنىٰ، وقد قيل له امدح عليّاً:

قيل لي قل في عليَّ مدحة*** ذكره يخمد (2)ناراً مؤصدة

قلت هل أمدح من في فضله*** حار ذو اللب إلى أن عبده


1) مسند أحمد 1 : 84 645: عنه كشف الغمة 1 : 79؛ وكشف اليقين : 24؛ ومثله مناقب الخوارزمي : ح 140؛ ومناقب ابن المغازلي : 202 ح 240؛ عنه العمدة : 364؛ وكفاية الطالب : 257.

2) في «ب»: فانتضا يطفئ.

والنبي المصطق قال لنا ***ليلة المعراج لّما صعده

وضع الله على ظهري يداً ***فأراني القلب أن قد برده

وعليّ واضع رجليه لي (1)***في مكان وضع الله يده

فانظر أيّها المنصف الفطن إلى حال هذا الرجل المجهول القدر، فعند المسلمين ما ذكرناه من عدم اشراكه بالله طرفة عين، وارتقائه فوق كتف النبي صلى الله عليه وآله، وعند غيرهم من العقلاء والأذكياء من أُمّة محمد صلى الله عليه وآله ما قلناه من غلوّهم فيه حتى عبدوه، وقالوا بألوهيّته من عظم ما شاهدوا منه من الآثار والأفعال التي لم تصدر من بشرٍ، فجلّ من أعطاه هذه المرتبة، وحباه بهذه المنزلة.

[كم بين شك في هدايته*** وبين من قيل انّه الله](2)

ومن كتاب مسند ابن حنبل أيضاً عن عفيف الكندي قال: كنت تاجراً فقدمت الحج، فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه شيئاً - وكان تاجراً - فوالله إنّي لعنده بمنىٰ إذ خرج رجل من خباء قريب منه فنظر إلى الشمس، فلمّا رآها قد زالت قام يصلّى، ثم خرجت امرأة من الخباء الذي خرج الرجل منه، فقامت خلفه فصلّت، ثمّ خرج غلام حيّن (3)راهق الحلم من ذلك الخباء الذي خرج الرجل منه ،فقام معه فصلّىٰ.

فقلت للعباس: من هذا يا عباس؟ قال: هذا محمد بن عبد الله ابن أخي، فقلت: من هذه المرأة؟ قال امرأته خديجة بنت خويلد، فقلت :من هذا الفتى؟ فقال: علي بن أبي طالب ابن عمّه، فقلت: وما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلّى وهو


1) في «ج»: أقدامه.

2) أثبتناه من «ب».

3) في «ج»: حسن الوجه.

يزعم أنّه نبيّ، ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمّه هذا الفتىٰ ((1).

فصل :في حبّه والتوعّد على بغضه وفضائل فاطمة عليها السلام]

ومن فضائله عليه السلام أنّه واجب المودّة، لكونه من ذوي القربىٰ وهاشميّاً، ولا شك انّ النسب والقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله فضيلة عظيمة ومرتبة عالية، أمّا دنياً فظاهر، وأمّا الآخرة فقوله صلى الله عليه وآله: «كلّ نسب منقطع يوم القيامة إلّا نسبي» (2)وكلّ من كان أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله كان أعظم قدراً، وأشرف ذكراً، وأكبر فخراً ممَّن ليس له ذلك.

فكفىٰ بنا فضلاً على مَنْ غيرنا*** قرب النبي محمد إيّانا

وأمير المؤمنين عليه السلام كان ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله لأبيه وأُمّه، لأنّه عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب، ورسول الله صلى الله عليه وآله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فعبد المطلب جدّهما وفيه يجتمعان صلّى الله عليهما، وأبو طالب وعبد الله أخوان لا غير من أب وأم واحدة، فلم يكن أحد حينئذ أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله من أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام.

ومن فضائله مؤاخاته النبي صلى الله عليه وآله، روى أحمد بن حنبل في مسنده انّ النبي صلى الله عليه وآله آخا بين الصحابة ولم يؤاخ بين علي وأحد منهم، فضاق صدر عليّ عليه السلام حيث لم يؤاخ بينه وبين أحد.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أخّرتك إلا لنفسي، فأنت منيّ


1) مسند أحمد (1 : 209 ح 1790؛ عنه كشف الغمة 1 : 82؛ وكشف اليقين : 33؛ ونحوه في العمدة : 63 ح 75 وكفاية الطالب : 128 والعدد القوية : 246 ح38.

2) مناقب ابن المغازلي : 108 ح 150 : كفاية الطالب : 380 .

بمنزلة هارون من موسىٰ إلا أنه لا نبيّ بعدي، وأنت أخي ووارثي، وأنت معي في قصري في الجنّة، ثم تلىٰ رسول الله صلى الله عليه وآله :(اخواناً على سرر متقابلين) (1)

وروى حذيفة بن اليمان: وآخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين المهاجرين والأنصار وكان يؤاخي بين الرجل ونظيره، ثمّ أخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: هذا أخى (2).

ورسول الله صلى الله عليه وآله سيد ولد آدم، كما قال النبي صلى الله عليه وآله : أنا سيّد ولد آدم ولا فخر (3)، وعليّ عليه السلام أخوه ووزيره وشبيهه ونظيره، وهذه منزلة شريفة، ومقام عظيم لم يحصل لأحد سواه.

قال الشاعر:

لو رأى مثلك النبي لآخاه*** وإلّا فأخطأ الانتقادا(4)

فصل:[فی مواخاته من النبی صلی الله علیه وآله]

ومن فضائله عليه السلام أنّه كان أحب الخلق إلى الله تعالى، والدليل على ذلك خبر الطائر المشوي (5)، والمحبة من الله تعالى زيادة الثواب.


1) الحجر : 47. مناقب أحمد بن حنبل : 42: عنه كشف الغمة 1: 333؛ وكشف اليقين : 200؛ ونحوه في مناقب ابن المغازلي : 37 وكفاية الطالب : 194.

2) مناقب ابن المغازلي : 38 ح 60: عنه كشف اليقين : 208؛ وأمالي الطوسي : 587 ح 1115؛ عنه البحار 38 : 333 ح 5

3) راجع البحار 16 325 ح 21.

4) في «ب»: الانتفاء.

5) راجع المناقب لابن المغازلي : 156: وكفاية الطالب : 144.

ومنها فضيلة المباهلة، وهي تدلَّ على فضل تام وورع كامل لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام ولولديه ولزوجته صلى الله عليهم، حيث استعان بهم رسول الله صلّى الله عليه وآله فى الدعاء إلى الله تعالى، والتأمين على دعائه لتحصل له الاجابة (1).

ومنها أنّه خُصّ بتزويج فاطمة عليها السلام التي قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حقّها :فاطمة بضعة منّى، من آذاها فقد آذاني، يرضى الله لرضاها، ويغضب لغضبها، وهي سيدة نساء العالمين (2).

وقال صلى الله عليه وآله: إنّما سميت ابنتي فاطمة لأنّ الله عز وجل فطمها وفطم من أحبّها من النار (3).

وقال صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة نادىٰ مناد تحت الحجب :يا أهل الجمع غُضَّوا أبصاركم ونكّسوا رؤوسكم فهذه فاطمة بنت محمد تريد أن تمرّ على الصراط (4).

قال ابن عباس: خطب جماعة من الأكابر والأشراف فاطمة عليها السلام، فكان لا يذكر أحد عند رسول الله صلى الله عليه وآله إلّا أعرض عنه وقال: أتوقّع الأمر من السماء فإنّ أمرها إلى الله تعالى.

قال سعد بن معاذ الأنصاري لعليّ عليه السلام: خاطب النبي صلّى الله عليه وآله في أمر فاطمة ،فوالله إنى ما أرى انّ النبي صلى الله عليه وآله يريد لها غيرك،


1) راجع المناقب لابن المغازلي : 263 ح 310؛ وكشف اليقين : 213 والبحار 35 : 257

2) كفاية الطالب : 364 و 365؛ ومناقب ابن المغازلي : 351 نحوه ؛ وقال الكنجي في كفاية الطالب ص 370 : ان فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا نورث ما تركناه صدقة .... قال: فغضبت فاطمة وهجرته ولم تكلّمه حتى ماتت فدفنها ليلاً ولم يؤذن أبا بكر.

3) مناقب ابن المغازلي : 65 ح 92؛ والبحار 43: 12 ح 4.

4) كفاية الطالب : 364؛ وكشف الغمة :2 : 78؛ وفي البحار 37 : 70 ح 38 .

فجاء أمير المؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وتعرّض لذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وآله : كأنّ لك حاجة يا علي؟ فقال: أجل يا رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: هات.

قال: جئت خاطباً إلى الله وإلى رسوله فاطمة بنت محمد، فقال النبي صلى الله عليه وآله: مرحباً وحبّاً وزوّجه بها، فلما دخل البيت دعا فاطمة وقال لها: قد زوجتك يا فاطمة سيداً في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين، ابن عمّك علىّ بن أبي طالب.

فبكت فاطمة عليها السلام حياءً ولفراق رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لها النبي صلّى الله عليه وآله: ما زوّجتك من نفسي بل الله تعالى تولّىٰ تزويجك في السماء، وكان جبرئيل عليه السلام الخاطب والله تعالى الولي، وأمر شجرة طوبىٰ فنثرت الدر والياقوت والحلي والحلل، وأمر الحور العين فاجتمعن ولقطن، فهنّ يتهادينه إلى يوم القيامة ويقلن :هذا نثار فاطمة [الزهراء ](1).

ولما كان ليلة زفافها إلى عليّ عليه السلام كان النبي صلّى الله عليه وآله قدّامها، وجبرئيل عن يمينها، وميكائيل عن يسارها، وسبعون ألف ملك خلفها يسبّحون الله تعالى ويقدسونه إلى طلوع الفجر (2).

ومنها انّ أولاده عليهم السلام هم الأئّمة المعصومون الذين أوجب الله تعالى طاعتهم على جميع العباد، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فأوّلهم الإمام المعصوم أبو محمد الحسن بن عليّ الزكي، وآخرهم الإمام القائم المهدي صلوات الله عليهم أجمعين، وكلّ واحد منهم هو إمام زمانه ، وأفضل أهل عصره وأوانه، وكمالهم وفضلهم أشهر من الأمس وأظهر من الشمس، واتّباعهم والتزامهم هو السعادة والهداية، وتركهم والتخلّف عنهم هو الشقاوة والغواية.


1) أثبتناه من «ب».

2) كشف اليقين : 195.

روى الخوارزمي في مناقبه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك .(1)

و في الجمع بين الصحيحين عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يكون من بعدي اثنا عشر أميراً كلّهم من قريش (2).

ومن مسند أحمد بن حنبل، عن مسروق قال: كنّا جلوساً في المسجد مع عبد الله بن مسعود فأتاه رجل وقال: يا ابن مسعود هل حدّثكم نبيّكم كم يكون من بعده خليفة؟ قال: نعم، كعدة نقباء بني إسرائيل (3).

وقال النبي صلّى الله عليه وآله للحسين عليه السلام: هذا ابني امام ابن امام أخو امام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم، والأخبار في فضائلهم وكمالاتهم أكثر من أن تحصىٰ.

ومنها من كتاب كفاية الطالب للحافظ الشافعي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :مررت ليلة أسري بي إلى السماء وإذا بملك جالس على منبر من نور والملائكة تحدق به، فقلت :يا جبرئيل من هذا الملك؟ :فقال: أدن منه وسلّم عليه. فدنوت منه وسلّمت عليه، فإذا أنا بأخي وابن عمّي عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقلت: يا جبرئيل سبقني عليّ بن أبي طالب إلى السماء الرابعة ؟ فقال: لا يا محمد، ولكن الملائكة شكت حبّها لعلي، فخلق الله هذا الملك من نورٍ علىٰ صورة عليّ، فالملائكة تزوره في كلّ ليلة جمعة ويوم جمعة سبعين ألف مرّة، يسبحون الله تعالى ويقدّسونه ويهدون ثوابه لمحبّ عليّ عليه السلام(4).


1) مناقب ابن المغازلي : 132 ح 173 : والطرائف : 132 ح 206؛ عنه البحار 23 : 123 ح 49: ولم نجده في مناقب الخوارزمي.

2) العمدة : 419 ح 871 عن الجمع بين الصحيحين والطرائف : 170 ح 260 عن البخاري ومسلم.

3) مسند أحمد 1: 398 - 3772

4) كفاية الطالب : 133 عنه كشف الغمة :1 : 137؛ والبحار 18 : 386 ح 94.

ومنها من كتاب المناقب للخوارزمي عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد سئل : بأيَّ لغة خاطبك ربّك ليلة المعراج ؟ فقال: خاطبني بلغة علي بن أبي طالب، فألهمني أن قلت: يا ربّ خاطبتني أم عليّ؟

فقال: يا أحمد أنا شيء ليس كالأشياء، ولا أقاس بالناس، ولا أوصف بالأشياء، خلقتك من نوري وخلقت علياً من نورك، فاطلعت على سرائر قلبك فلم أجد إلى قلبك بأحبّ من علي بن أبي طالب، فخاطبتك بلسانه كيما يطمئنّ قلبك (1).

ومنها ما روي في محبته والتوعّد على بغضه وهو كثير، منها ما رواه صاحب كتاب الفردوس عن معاذ، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: حبّ عليّ بن أبي طالب حسنة لا يضرّ معها سيئة، وبغضه (2)سيئة لا ينفع معها حسنة (3).

وروى الخوارزمي أيضاً في مناقبه ذلك .(4)

ومن كتاب الفردوس أيضاً عن ابن عباس أنّه قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وآله لعليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال له: أنت سيّد في الدنيا وسيّد في الآخرة، من أحبّك فقد أحبني وحبيبي حبيب الله، ومن أبغضك فقد أبغضني ومبغضي مبغض الله، فالويل لمن أبغضك بعدي (5).

ومن الفردوس عن ابن عباس انّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: ليلة عُرج بي إلى السماء رأيت على باب الجنّة مكتوب: «لا إله إلا الله ،محمد رسول الله، عليّ حبيب الله ،الحسن والحسين صفوة الله، فاطمة أمة الله، على باغضهم لعنة


1) المناقب للخوارزمي : 78 ح 61؛ عنه البحار 18 : 386 ح 94.

2) في «ج»: بغض عليّ.

3) الفردوس 2 : 142 ح 2725 عنه كشف الغمة :1 : 92 والبحار 39: 248 ح 10.

4) المناقب : 75ح 56.

5) الفردوس 5 : 324 ح 8325؛ وكشف الغمة 1: 93 .

الله» (1)

ومن كتاب المناقب عن ابن عباس انّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو اجتمع الناس على حبّ عليّ بن أبي طالب لما خلق الله عز وجل النار (2).

ومن كتاب اليواقيت لأبي عمر الزاهد انّ رسول الله صلى الله عليه وآله بعث علياً في سريَّة - قال الراوي : فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله رافعاً يديه وهو يقول: اللّهم لا تمتني حتّى ترينى علياً (3).

ومن كتاب المناقب للخوارزمي عن عائشة أنّها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في بيتي لما حضره الموت قال: ادعوا لي حبيبي ،فدعوت أبا بكر، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله ووضع رأسه، ثمّ قال: ادعوا لي حبيبي، قلت: ويلكم ادعوا له عليّ بن أبي طالب فوالله لا يريد غيره، فلمّا رآه فرج الثوب الذي كان عليه ثمّ أدخله فيه، فلم يزل يحتضنه صلوات الله عليه حتّى قبض ويده عليه .(4)

ومنه عن أنس بن مالك انّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :خلق الله تعالى من نور وجه عليَّ بن أبي طالب سبعون ألف ملك يستغفرون له ولمحبّيه إلى يوم القيامة (5).

ومنه عن الحسن البصري أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة يجلس علي بن أبي طالب عليه السلام على الفردوس، وهو جبل


1) راجع كشف الغمة 1 : 93؛ ومناقب الخوارزمي : 302 ح 297 .

2) المناقب للخوارزمي : 67 ح 39؛ عنه كشف الغمة 1 : 98؛ والبحار 39 : 248 ح 10: وفي الفردوس 3 : 373 248 ح 5135

3) راجع مناقب ابن المغازلي : 122 ح 160؛ ومناقب الخوارزمي : 70 ح 46؛ وكشف الغمة 1 : 101؛ وكنز الفوائد .

4) المناقب للخوارزمي : 68 ح 41: عنه كشف الغمة :1 : 100؛ عنه البحار 38 : 307 ح 9؛ وكفاية الطالب : 262.

5) المناقب للخوارزمي : 71ح 47؛ عنه كشف الغمة 1 : 101؛ ومائة منقبة : 66 ح 19 والبحار :39: 275 ح 52 .

قد علا على الجنّة، وفوقه عرش ربّ العالمين، ومن سفحه تتفجر أنهار الجنة وتتفرّق في الجنّة، وعليّ عليه السلام على كرسي من نور يجري بين يديه التسنيم(1)، لا يجوز أحد على الصراط إلا معه براءة بولايته وولاية أهل بيته، يشرف على الجنّة فيدخل محبّيه الجنّة ومبغضيه النار (2).

ومنه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أوّل من اتخذ علىّ بن أبي طالب عليه السلام أخاً من أهل السماء اسرافيل، ثمّ ميكائيل، ثمّ جبرئيل، وأوّل من أحبّه من أهل السماء حملة العرش، ثمّ رضوان خازن الجنّة، ثمّ ملك الموت، وانّ ملك الموت يترحّم على محبّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام كما بترحم على الأنبياء عليهم السلام (3).

ومنه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحبّ علياً قبل الله صلاته وصيامه وقيامه، واستجاب دعاءه، ألا ومن أحبّ علياً أعطاه الله بكلّ عرق في بدنه مدينة في الجنّة. ألا ومن أحب آل محمد أمن من الحساب والميزان والصراط، ألا ومن مات على حب آل محمد فأنا كفيله بالجنة مع الأنبياء، ألا ومن أبغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله تعالى .(4)

ومن مناقب ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: أقبلت ذات يوم قاصداً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا أبا سعيد، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ان الله عموداً تحت العرش يضيء لأهل الجنة كما تضيء الشمس لأهل الدنيا ، لا يناله إلّا عليّ ومحبّوه (5).


1) التسنيم ماء في الجنّة، سمّى بذلك لأنه يجري فوق الغرف والقصور، يقال: تسنمه إذا علاه.

2) المناقب للخوارزمي : 71 ح 48 عنه كشف الغمة :1 : 101 : ومائة منقبة : 107 ح 52: والبحار 39 202

3) المناقب للخوارزمي : 71 ح 49: عنه كشف الغمة 1 : 101؛ ومائة منقبة : 119 ح 64: والبحار 39 : 110 ح 17.

4) المناقب للخوارزمي : 72 ح 51 عنه كشف الغمة 1 : 102: ومائة منقبة : 149 ح 95؛ والبحار 68 : 40 ح 83 .

5) راجع البحار 39 : 269 ح 43 عن مناقب ابن مردويه.

وروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أنّه قال: إذا كان يوم القيامة نادىٰ مناد من بطان العرش: أين خليفة الله في أرضه، فيقوم داود النبي عليه السلام، فيأتي النداء من عند الله : لسنا إيّاك أردنا وإن كنت الله تعالى خليفة.

ثم ينادي: أين خليفة الله في أرضه، فيقوم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فيأتي النداء من قبل الله عز وجل: يا معشر الخلائق هذا عليّ بن أبي طالب خليفة الله في أرضه وحجته على العباد، فمن تعلّق بحبله في دار الدنيا فليتعلّق بحبله في هذا اليوم، يستضيء بنوره ،وليتبعه إلى درجات العلىٰ من الجنان.

قال: فيقوم أناس قد تعلّقوا بحبله في الدنيا فيتبعونه إلى الجنّة، ثم يأتي النداء من عند الله جلّ جلاله: من إئتم بإمام فليتبعه إلى حيث يذهب به، فحينئذٍ يتبرّأ الذين اتّبعوا من الذين اتّبعوا، ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب (1)

ومن مناقب الخوارزمي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: انّ الله عز وجل منع بني اسرائيل قطر السماء بسوء رأيهم في أنبيائهم، واختلافهم في دينهم، وأنّه أخذ هذه الأمّة بالسنين، ومنعهم قطر السماء ببغضهم عليّ بن أبي طالب عليه السلام (2).

ومنه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : انَّ الله خلقاً ليسوا من ولد آدم يلعنون مبغض علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: من هم يا رسول الله صلّى الله عليه وآله.

قال: هم القنابر، ينادون في السحر على رؤوس الشجر: ألا لعنة الله على مبغض عليّ بن أبي طالب، بسم الله الرحمن الرحيم، وسلام على عباده الذين اصطفیٰ(3)


1) أمالي الطوسي : 63 ح 1 مجلس 3؛ عنه البحار 8: 10 ح 3 وكشف الغمة 1: 139 .

2) مناقب ابن المغازلي : 141 ح 186؛ والبحار :39: 309 ح 125؛ ولم نجده في المصدر.

3) مناقب ابن المغازلي : 142 ح 187؛ والعمدة : 358 ح 692؛ ولم نجده في المصدر.

ومنه عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من ناصب (1)علياً الخلافة بعدي فهو كافر وقد حارب الله ورسوله، ومن شك في عليّ فهو كافر. (2)

ومنه عن معاوية بن وحيد القشيري (3)قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي عليه السلام: يا عليّ لا يبالي من مات وهو يبغضك مات يهودياً أو نصرانياً (4).

ومن المناقب أيضاً عن أبي سعيد الخدري، عن سلمان قال: قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله لكلّ نبي وصي، فمن وصيّك ؟ فقال صلى الله عليه وآله: من وصيّ موسى؟ قلت: يوشع بن نون ،قال:لم؟ قلت: لأنه أعلمهم، قال: فوصيّي وموضع سري وخير من أتركه بعدي، ينجز عدّتي ويقضي ديني عليّ بن أبي طالب عليه السلام.(5)

ومن كتاب الأربعين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا وعلى حجة الله على عباده(6).

و من كتاب المناقب للخوارزمى ومناقب ابن مردويه انّ النبي صلى الله عليه وآله كان في صحن الدار ورأسه في حجر دحية الكلبي، فدخل عليّ عليه السلام، فلمّا رآه دحية الكلبي سلّم عليه، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام :[السلام عليك] (7)كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال: بخير يا أخا رسول الله ،فقال له عليّ عليه السلام: جزاك الله عنّا أهل البيت خيراً.


1) في «ج»: غصب.

2) مناقب ابن المغازلي : 45 ح 68: والطرائف : 23 ح 18 : ولم نجده في المصدر.

3) في «الف»: القرشي، وفي المناقب لابن المغازلي: معاوية بن حيدة.

4) مناقب ابن المغازلي : 50 ح 74: والبحار :27 : 79 ح 16؛ ولم نجده في المصدر.

5) كشف الغمة :1 : 155؛ والبحار :38 : 11 ح 17؛ ولم نجده في المصدر.

6) كشف الغمة 1 : 161؛ عنه البحار :38: 138 ح 98؛ عن الأربعين للحافظ أبي بكر محمد بن أبي نصر اللفتواني.

7) أثبتناه من «ب» و «ج».

فقال له دحية: إنى أحبّك، وان لك عندي مدحة أزفها إليك ،أنت أمير المؤمنين، لواء الحمد بيدك يوم القيامة، تزف أنت وشيعتك إلى الجنان، أفلح من تولّاك وخسر من تخلّاك (1)، أدن منّى يا صفوة الله وخذ رأس ابن عمك فأنت أحقّ به منّی.

فأخذ عليّ عليه السلام رأس النبي صلى الله عليه وآله فوضعه في حجره، فانتبه النبي صلى الله عليه وآله وقال: ما هذه الهمهمة؟ فأخبره علي عليه السلام ،فقال له صلى الله عليه وآله: لم يكن دحية الكلبي، وإنّما هو جبرئيل، يا علي سماك باسم سماك الله به (2)

ومن المناقب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما أسري بي إلى السماء

ثمّ من السماء إلى سدرة المنتهىٰ وقفت بين يدي الله عز وجل، فقال: يا محمد، فقلت: لبيك وسعديك، قال: قد بلوت خلقي فأيهم رأيت أطوع لك؟ قلت: يا ربّ علياً، قال: صدقت یا محمد، فهل اتّخذت لنفسك خليفة يؤدّي عنك، ويعلّم عبادي من كتابي ما لا يعلمون؟

قال: قلت: ربّي اختر لي فإنّ خيرتك خيرتي، قال: قد اخترت لك علياً فاتّخذه لنفسك خليفة ووصياً، ونحلته علمي وحلمي، وهو أمير المؤمنين حقاً، لم ينلها (3)أحد قبله وليست لأحد بعده، يا محمد عليّ راية الهدىٰ، وإمام من أطاعني، ونور أوليائي، وهو الكلمة التي ألزمتها المستّقين ،من أحبّه فقد أحبّني، ومن أبغضه فقد أبغضني، لولا عليّ لم يكونوا (4)حزبي ولا أوليائي(5).


1) في «ب» و «ج»: عاداك.

2) مناقب الخوارزمي : 322 ح 329؛ عنه كشف الغمة 1 : 350 والبحار 39: 96 ح 8 .

3) في «ج»: لم يبلغها.

4) في «ج»: لم يعرف.

5) مناقب الخوارزمي : 303 ح 299 عنه كشف الغمة 1: 355 والبحار 40 : 13 ح 28

فصل:[ في جهاده عليه السلام]

ومن فضائله عليه السلام أنّه كان قوي البأس، رابط الجأش، سيف الله وكاشف الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله، تعجبت الملائكة من حملاته على المشركين، ابتلىٰ بجهاد الكفّار والمارقين والقاسطين والناكثين.

وروى أحمد بن حنبل في مسنده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يبعثه بالراية جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، لا ينصرفا حتى يُفتح له (1).

ونقل الواقدي (2)قال: انّ علياً عليه السلام وطلحة والعباس افتخروا ،فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفاتيحه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، فقال علي عليه السلام: لا أدري ما تقولان، لقد صلّيت ستّة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد.

فأنزل الله تعالى عليهم: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ )إلى قوله: ( أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (3)

فصدَّق الله علياً عليه السلام في دعواه، وشهد له بالايمان والمهاجرة والجهاد والزكاة، ورفع قدره بما نزل فيه وأعلاه، وكم له من المزايا التي لم يبلغها أحد سواه. وأمّا مواقف جهاده، ومواطن جدَّه واجتهاده فمنها ما كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ومنها ما تولاه على انفراده، أمّا الأولىٰ وهي الغزوات التي كانت أيّام


1) مسند أحمد 1: 199 ح 1721؛ عنه كشف الغمة 1 : 178؛ وكشف اليقين : 123.

2) لعله الواحدي

3) راجع أسباب النزول : 139؛ عنه نور الأبصار : 157؛ وكشف الغمة 1 : 179؛ وكشف اليقين : 123؛ والطرائف : والعمدة : 193 ؛ ومناقب ابن شهر آشوب 2: 69 .

رسول الله صلى الله عليه وآله فكثير يطول بذكرها الكتاب، ولنذكر منها خمس غزوات من مشاهرها وأعلاها، ومن أعظمها وأقواها.

الاولىٰ: غزاة بدر.

وبدر اسم موضع بين مكة وبين المدينة، وكانت الواقعة عنده، وهذه الغزاة هي الداهية العظمىٰ التي هدّت قوى الشرك ،وقذفت طواغيته في قليب الهلكة، ودوّخت مردة الكفّار، وسقتهم كاسات البوار، وهي أوّل حرب كان به الامتحان، وأراد فريق من المسلمين التأخّر عن النبي صلّى الله عليه وآله لخوفهم وكراهيتهم لها على ما نطق به القرآن، حيث يقول جلّ اسمه:(كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ «يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ) (1).

فيومها اليوم الذي لم يأت الدهر بمثله، وكان فضل الله فيه من أحسن فضله، إذ أنزل فيه الملائكة الكرام لنصر رسوله تفضيلاً له على جميع رسله ،وعليّ عليه السلام فارس تلك الملحمة، فما تعد الأسد الغضاب (2)بشسع نعله، ويسعر تلك الحروب العوان، ينصب على الأعداء انصباب السحاب ووبله، ونار سطوته تتسعّر تسعّر النار في دقيق الغضا وجزله.

وهذه الغزاة كانت على رأس ثمانية عشر شهراً من قدومه صلّى الله عليه وآله المدينة، وعمر عليّ عليه السلام سبع وعشرين سنة، وكان من جملة خبرها انّ المشركين حضروا بدراً مصرّين على القتال، مشتهرين بكثرة الأموال والأبطال والعدد والرجال، والمسلمون إذ ذاك نفر يسير ضعيف، كما قال تعالى: (ولقد


1) الأنفال : 5-6.

2) في «ب»: الغضبان.

نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (1).

قال بعضهم: سمعت علياً عليه السلام يقول : لقد حضرنا بدراً وما فينا فارس إلّا المقداد بن الأسود الكندي، لقد كنّا ليلة بدر وما فينا إلّا من نام سوىٰ رسول الله صلّى الله عليه وآله، فإنّه كان في أصل شجرة يدعو ويصلّي إلى الصباح (2)

وروي أنّه لما أصبح الناس يوم بدر اصطفّت قريش، أمامها عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد، فنادىٰ عتبة رسول الله صلّى الله عليه وآله: يا محمد اخرج لنا أكفّاءنا من قريش، فبدر إليهم ثلاثة من شبّان الأنصار، فمنعهم النبي صلّى الله عليه وآله وقال لهم: إنّ القوم دعوا الأكفّاء منهم.

ثمّ أمر علياً عليه السلام بالبراز إليهم، وبعث معه حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحرث رحمهما الله ، فلمّا اصطفّوا قال مشركوا قريش: من أنتم ؟ فانتسبوا إليهم، ونشبت بينهم الحرب، فوقف عليّ عليه السلام للمبارزة (3)، فبارزه الوليد بن عتبة وكان شجاعاً جريئاً، فاختلفا بينهما ضربتين، فأخطأت ضربة الوليد، واتَّقىٰ بيده اليسرىٰ ضربة (4)أمير المؤمنين عليه السلام فأبانها.

وروي أنّه عليه السلام كان يذكر بدراً وقتله الوليد، فقال في حديثه: كأنّى أنظر إلى وميض خاتمه في شماله، ثمّ ضربته أخرىٰ فصرعته وسلبته، فرأيت به درعاً من خلوق، فعلمت أنّه قريب عهد بعرس (5).

ثمَّ بارزه العاص بن سعيد بن العاص بعد أن أحجم عنه الناس، لأنّه كان


1) آل عمران : 123 .

2) كشف الغمة :1 : 184؛ وارشاد المفيد : 40: عنه البحار 19 : 279 ح 17 .

3) في «ب»: للمحاربة.

4) في «ج»: فضربه.

5) كشف الغمة :1 : 185؛ ونور الأبصار : 176؛ والبحار 19 : 279 .

هولاً عظيماً فقتله، وقال عمر بن الخطاب: مررت بالعاص بن سعيد يوم بدر فرأيته يبحث برجله للقتال كما يبحث الثور بقرنه، وإذا شدقاه قد أزبدا كالوزغ، فهبته ورعت (1)عنه، فقال لي: إلى أين يا ابن الخطّاب؟ فقال له عليّ عليه السلام: دعه وخذني إليك يا ابن العاص، قال عمر: فاختلفا ضرباً فما برحت من مكاني حتّى قتله علي عليه السلام (2).

إذا اشتبكت دموع في خدود*** تبيّن من بكىٰ ممّن تباكىٰ

ثمَّ برز إليه حنظلة بن أبي سفيان، فلمّا دنا منه ضربه أمير المؤمنين عليه السلام ضربة بالسيف أسالت عينيه، ولزم الأرض قتيلاً.

ثمّ برز إليه طعمة بن عدي فقتله، ثمَّ برز إليه نوفل بن خويلد وكان من شياطين قريش، وكانت تعظّمه وتقدّمه وتطيعه، وكان قد قرن أبا بكر وطلحة قبل الهجرة بمكة في قرن واحد، وأوثقهما بحبل وعذّبها يوماً إلى الليل حتّى سئل في أمرهما.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله لما عرف بحضور نوفل بدراً: اللّهّم اكفني نوفلاً، فقصده أمير المؤمنين عليه السلام ثمّ ضربه بالسيف، فنشب في بيضته، فانتزعه ثمّ ضرب به ساقه وكانت درعه مشمرّة فقطعها، ثمَّ أجهز عليه فقتله، فلمَّا عاد إلى النبي صلّى الله عليه وآله سمعه يقول: من له علم بنو فل؟ فقال علي عليه السلام: أنا قتلته يا رسول الله، فكبّر النبي صلى الله عليه وآله وقال: الحمد لله الذي أجاب دعوتى (3).

ولم يزل عليّ عليه السلام يقتل واحداً بعد واحد من أبطال المشركين حتَّى قتل بانفراده نصف المقتولين، وقتل المسلمون كافة وثلاثة آلاف من الملائكة


1) في «ب»: رغبت.

2) كشف الغمة 1 : 186؛ وارشاد المفيد : 42: عنه البحار 19: 281 ح 18.

3) كشف الغمة :1 : 186؛ وكشف اليقين : 125 وارشاد المفيد : 42: عنه البحار 19 : 281 ح18 .

مسوّمين النصف الآخر، وشاركهم عليّ عليه السلام فيه أيضاً ، ثمّ رمىٰ رسول الله صلّى الله عليه وآله باقي القوم بكفّ من الحصىٰ وقال: شاهت الوجوه، فانهزموا جمیعاً.

فهذه الغزاة العظمىٰ على ما شرحناه كانت عبارة عنه عليه السلام، وما أحقّه بقول القائل:

لك خلّتان (1)مسالماً ومحارباً ***بالعدل منك وسيفك المخضوب

فرّقت ما بين الذوائب والطلا ***و جمعت ما بين الطلا والذيب

الثانية: غزاة أحد.

وكانت في شوال، ولم يبلغ عمر أمير المؤمنين عليه السلام تسعاً وعشرين سنة، وأحد جبل عظيم قريب من المدينة، وكانت هذه الغزاة عنده، وسببها أنّ قريشاً لما كسروا يوم بدر، وقتل بعضهم وأسر بعضهم ،جزعوا لقتل رؤسائهم فتجمّعوا وبذلوا الأموال وجيّشوا الجيوش، وتولّىٰ ذلك أبو سفيان، وقصدوا النبي صلّى الله عليه وآله والمؤمنين بالمدينة.

فخرج النبي صلّى الله عليه وآله بالمسلمين، ودخل النفاق والشك والريب بين جماعة منهم، فرجع قريب من ثلثهم إلى المدينة، وبقى صلّى الله عليه وآله في سبعمائة من المسلمين، كما حكاه الله سبحانه وتعالى: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (2)الآيات.

وصفّ النبي صلّى الله عليه وآله المسلمين صفّاً طويلاً، وجعل على الشعب خمسين رجلاً من الأنصار، وأمر عليهم رجلاً منهم وقال لهم: لا تبرحوا من


1) في «ج»: حالتان.

2) آل عمران: 121 .

مكانكم وإن قتلنا عن آخرنا ،فإنّما نؤتىٰ من موضعكم .

واشتدّت الحرب ودارت رحاها ولواء المسلمين بيد عليّ عليه السلام، وهو قدَّام النبي صلّى الله عليه وآله يضربهم بسيفه بين يديه، ولواء الكفّار بيد طلحة بن أبي طلحة العبدي من بني عبد الدار، وكان يُسمّى كبش الكتيبة، فتلاقىٰ هو وعلي عليه السلام وتقاربا ، واختلفت بينهما ضربتان، فضربه عليّ عليه السلام على مقدّم رأسه فبدرت عينه وصاح صيحة عظيمة، وسقط اللواء من يده، وأخذه آخر من بني عبد الدار فقتله.

ولم يزل عليه السلام يقتل واحداً بعد واحد حتَّى قتل منهم سبعة، ثمَّ أخذ اللواء عبد لهم اسمه صواب، وكان من أشدَّ الناس، فضرب عليّ عليه السلام يده [اليمنىٰ](1)فقطعها، فأخذ اللواء بيده اليسرىٰ فضربه عليها فقطعها، فأخذ اللواء على صدره وجمع ساعديه عليه ويداه مقطوعتان، فضربه عليّ عليه السلام على رأسه فسقط صريعاً وانهزم القوم، وأكبّ المسلمون على الغنائم.

ورأىٰ أصحاب الشعب الناس يغتنمون ، فخافوا فوات الغنيمة، فاستأذنوا رئيسهم في أخذ الغنائم فقال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أمرني أن لا أبرح من موضعي (2)هذا، فقالوا: إنما قال ذلك وهو لا يدري ان الأمر يبلغ ما ترىٰ، ومالوا إلى الغنائم وتركوه.

فحمل عليه خالد بن الوليد فقتله، وجاء من ظهر النبي صلّى الله عليه وآله ،فنظر إليه وقد حفّ به أصحابه، فقال لمن معه: دونكم هذا الذي تطلبون، فحملوا عليه حملة رجل واحد ضرباً بالسيوف، وطعناً بالرماح، ورمياً بالنبال ،ورضخاً بالحجارة.


1) أثبتناه من «ج».

2) في «ج»: مكاني.

وجعل أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله يقاتلون عنه حتّى قٌتل منهم سبعون رجلاً، وانهزم الباقون، وبقي النبي صلّى الله عليه وآله وما زال من موضعه شبراً واحداً، وباشر القتال بنفسه، ورمىٰ صلّى الله عليه وآله حتّى فنيت نباله ،وكان تارة يرمى بقوسه وتارة يرمى بالحجارة.

وأصاب عتبة بن أبي وقاص بشفتيه ورباعيته، وضرب ابن قميّة على كريمته الشريفة، فلم يصنع سيفه شيئاً إلّا وهن الضربة بثقل السيف، ثمَّ وقع صلّى الله عليه وآله في حفرة مغشياً عليه وحجب الله أبصار المشركين عنه، وصاح صائح بالمدينة: قٌتل رسول الله صلّى الله عليه وآله، فاختلفت(1)القلوب وخرجت فاطمة صلوات الله وسلامه عليها صارخة.

قال أمير المؤمنين عليه السلام: لمّا انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله لحقني من الجزع ما لم أملك نفسي، وكنت أمامه أضرب بسيفي المشركين، فرجعت أطلبه فلم أره، فقلت: ما كان رسول الله صلّى الله عليه وآله ليفر، وما رأيته في القتلىٰ وأظنّه رفع من بيننا إلى السماء.

فكسرت جفن سيفي وقلت :لأقاتلنَّ به حتّى أقتل، وحملت على القوم فأفرجوا، فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وآله قد وقع مغشيّاً عليه، فنظر إليَّ وقال: ما فعل الناس يا عليّ؟ فقلت: كفروا يا رسول الله وولّوا الدبر وأسلموك إلى عدوّك، فنظر إلى كتيبة قد أقبلت فقال :ردهم عنّى، فحملت عليهم أضربهم يميناً وشمالاً حتّى قتلت منهم هشام بن أميّة المخزومي وانهزم الباقون.

وأقبلت كتيبة أخرىٰ فقال لي صلّى الله عليه وآله: احمل على هذه، فحملت عليهم وقتلت منهم عمر بن عبد الله الجمحي وانهزموا أيضاً، وجاءت أخرىٰ فحملت عليها وقتلت منها بشر بن مالك العامري وانهزموا.


1) في «ج»: فانخلعت

ولم يزل عليه السلام يُقاتل في ذلك اليوم ويفرّق جموع القوم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله حتّى أصابه في رأسه ووجهه وبدنه سبعون جراحة وهو قائم وحده بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله لا يغفل عنه طرفة عين، فقال له صلّى الله عليه وآله: يا عليّ أما تسمع مديحك في السماء، إنّ ملكاً اسمه رضوان ينادي بين الملائكة:

لا سيف إلّا ذو الفقار*** ولا فتىٰ إلّا علي (1)

ورجع الناس إلى النبي صلّى الله عليه وآله وكان جبرئيل عليه السلام يعرج إلى السماء في ذلك اليوم وهو يقول: «لا سيف إلّا ذو الفقار، ولا فتىٰ إلّا عليّ» وسمعه الناس كلّهم، وقال جبرئیل علیه السلام: يا رسول الله قد عجبت الملائكة من حسن مواسات أمير المؤمنين عليّ لك بنفسه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: وما يمنعه من ذلك وهو منّى وأنا منه، فقال جبرئيل عليه السلام: وأنا منكما (2).

وذكر أهل السير قتلىٰ أحد من المشركين ،فكان جمهورهم مقتولين بسيف أمير المؤمنين عليه السلام، وكان الفتح له وسلامة رسول الله صلّى الله عليه وآله من المشركين بسببه (3)، ورجوع الناس إلى النبي صلّى الله عليه وآله بمقامه وثباته.

يذبّ عنه بسيفه دونهم، ويبذل نفسه العزيزة في نصرته، وتوجّه العتاب من الله تعالى إلى جميعهم لموضع الهزيمة، والملائكة في السماء مشغولون بمدحه، متعجّبون من مقامه وثباته وسطوته، فصلّى الله على مجهول القدر.

الثالثة: غزاة الأحزاب.

وهي غزاة الخندق، وبيانها انّ جماعة من اليهود جاؤوا إلى أبي سفيان


1) ارشاد المفيد : 46: عنه البحار 20 : 86 ح 17؛ ونحوه كشف الغمة 1 : 194.

2) ارشاد المفيد : 46: عنه البحار 20: 85 ح 17.

3) في «ج»: بسبب سيفه.

لعلمهم بعداوته للنبي صلّى الله عليه وآله وسألوه المعونة، فأجابهم وجمع لهم قريشاً وأتباعها من كنانة وتهامة وغطفان وأتباعها من أهل نجد، واتّفق المشركون مع اليهود، وأقبلوا بجمع عظيم، ونزلوا من فوق المسلمين ومن أسفلهم، كما قال الله تعالى: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) (1).

فاشتدّ الأمر على المسلمين، وكان سلمان رضي الله عنه قد أشار بحفر الخندق، فَحُفِرَ وخرج النبي صلّى الله عليه وآله بالمسلمين وهم ثلاثة آلاف والمشركون مع اليهود يزيدون على عشرين ألفاً، وجعلوا الخندق بينهم وبين المسلمين.

وركب عمرو بن عبدود ومعه فوارس من قريش وأقبلوا حتّى وقفوا على أضيق مكان في الخندق، ثمّ ضربوا خيلهم فاقتحمته وصاروا بين الخندق والمسلمين، فخرج إليهم عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال عمرو: هل من مبارز ؟ فقال عليّ عليه السلام: أنا له يا رسول الله، فقال له النبي صلّى الله عليه وآله: إنّه عمرو، فسكت.

فقال عمرو: هل من مبارز ؟ فقال عليّ عليه السلام: أنا له يا رسول الله صلى الله عليه وآله،فقال: إنّه عمرو، فسكت، ونادىٰ عمر و ثالثة فقال علي عليه السلام: أنا له يا رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: إنّه عمرو، فسكت، وكلّ ذلك يقوم عليّ عليه السلام فيأمره النبي صلّى الله عليه وآله بالثبات انتظاراً لحركة غيره من المسلمين، وكأنّ على رؤوسهم الطير لخوفهم من عمرو.

وطال نداء عمر و بطلب المبارزة، وتتابع قيام أمير المؤمنين عليه السلام، فلمّا لم يقدم أحد من الصحابة قال النبي صلّى الله عليه وآله: أدن منّى يا علىّ، فدنا منه، فنزع عمامته من رأسه وعمّمه بها وأعطاه سيفه وقال: امض لشأنك، ودعا له ثمّ


1) الأحزاب : 10.

قال برز الايمان كلّه إلى الشرك كلّه.

فسعىٰ عليّ عليه السلام نحو عمر و حتّى انتهىٰ إليه، فقال له: يا عمر و إنّك كنت تقول: لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلّا قبلتها أو واحدة منها، قال: أجل ،قال عليه السلام: إنّى أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن تسلم لربّ العالمين.

قال: يا ابن أخى أخّر هذا عنّى، فقال عليه السلام: أما أنها خير لك لو أخذتها، ثمّ قال عليه السلام :هاهنا أخرىٰ، قال: وما هي؟ قال عليه السلام: ترجع من حيث أتيت، قال: لا، تحدّث (1)نساء قريش عنّى بذلك أبداً، قال عليه السلام: فها هنا أخرىٰ، قال: وما هي ؟ قال عليه السلام :أبارزك وتبارزنى.

فضحك عمرو وقال: إنّ هذه الخصلة ما كنت أظنّ أحداً من العرب يطلبها منّى، وأنا أكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، وقد كان أبوك نديماً لي، فقال عليه السلام: وأنا كذلك، ولكنّى احبّ أن أقتلك ما دمت أبيّاً للحق.

فحمىٰ عمرو ونزل عن فرسه وضرب وجهه حتّى نفر، وأقبل على أمير المؤمنين عليه السلام مصلتا سيفه وبدره بضربة ، فنشب السيف في ترس عليّ عليه السلام، فضربه أمير المؤمنين عليه السلام (2).

قال جابر الأنصاري رحمه الله: وتجاولا وثارت بينهما فترة ،وبقيا ساعة طويلة لم أرهما ولا سمعت (3)لهما صوتاً، ثمّ سمعنا التكبير فعلمنا أنّ علياً عليه السلام قد قتله، وسرّ النبي صلى الله عليه وآله سروراً عظيماً لما سمع صوت أمير المؤمنين عليه السلام بالتكبير ، وكبّر وسجد الله تعالى شكراً، وانكشف الغبار وعبر أصحاب عمر و الخندق، وانهزم عكرمة بن أبي جهل وباقي المشركين، فكانوا كما


1) في بعض المصادر: إذاً تتحدّث وفي بعضها الآخر: لا تتحدث.

2) کشف اليقين : 133 : وكشف الغمة 1 : 203 وارشاد المفيد : 53 و 54 ؛ عنه البحار 20: 255 ح 19.

3) في «ج»: لم نرهما ولا سمعنا لهما.

قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ) (1).

ولما قتله عليّ عليه السلام احتزّ رأسه وأقبل نحو النبي صلّى الله عليه وآله ووجهه يتهلل، فألق الرأس بين يدي النبي صلى الله عليه وآله، فقبل النبي صلى الله عليه وآله رأس علي عليه السلام ووجهه، وقام أكابر الصحابة فقتلوا أقدامه عليه السلام، وقال له عمر بن الخطاب: هلّا سلبته درعه فما لأحد درع مثلها؟ فقال: إنّى استحييت أن أكشف سوأة ابن عمّى (2)، وكان ابن مسعود يقرأ من ذلك اليوم كذا: «وكفى الله المؤمنين القتال بعلى وكان الله قوياً عزيزاً».

وقال النبي صلّى الله عليه وآله ذلك اليوم في حقّه عليه السلام :لمبارزة عليّ عمرو بن عبدود العامري أفضل من عبادة أُمّتي إلى يوم القيامة.

وقال ربيعة السعدي: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبد الله أنا لنتحدّث عن عليّ عليه السلام ومناقبه، فيقول لنا أهل البصرة: إنّكم تفرطون في عليّ، فهل أنت محدّثي (3)بحديث ؟

فقال حذيفة: يا ربيعة وما تسألني عن عليّ عليه السلام، والذي نفسي بيده لو وضع جميع أعمال أُمّة (4)محمد صلى الله عليه وآله في كفّة ميزان منذ بعث محمد صلّى الله عليه وآله إلى يوم يقوم الناس، ووضع عمل عليّ عليه السلام في الكفّة الأخرىٰ (5)لرجح عمل عليّ على جميع أعمالهم.

فقال ربيعة: هذا الذي لا يُقام له ولا يُقعد له، فقال حذيفة: يا لكع وأين كان أبو بكر وعمر وحذيفة وجميع أصحاب محمد صلّى الله عليه وآله يوم عمرو بن


1) الأحزاب : 25.

2) ارشاد المفيد : 55: عنه البحار 20 : 257 ح 19؛ وكشف الغمة 1 : 205.

3) في «ب» و «ج»: تحدثني.

4) في «ج»: أصحاب

5) في «ج»: الثانية.

عبدود وقد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلّهم ما خلا علياً عليه السلام، فإنّه برز إليه فقتله، والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من عمل أصحاب محمد صلّى الله عليه وآله إلى يوم القيامة (1).

وقالت أخت عمرو - وقد نُعي إليها أخوها - : من ذا الذي اجترأ عليه؟ فقالوا: عليّ بن أبي طالب ،فقالت: لم يعد يومه (2)إلّا على يد كفو كريم، لا رقأت دمعتي إن هرقتها عليه، قتل الأبطال، وبارز الأقران، وكانت منّيته على يد كريم قومه، وما سمعت أفخر من هذا يا بني عامر، وأنشدت:

لو كان قاتل عمر و غير قاتله ***لكنت أبكي عليه دائم الأبد

لكن قاتله من لا نظير له ***وكان يُدعىٰ قديماً بيضة البلد (3)

الرابعة: غزاة خيبر.

وكان الفتح فيها بأمير المؤمنين عليه السلام أيضاً، لأنّ النبي صلّى الله عليه وآله حاصر اليهود بخيبر بضعاً وعشرين ليلة، ففي بعض الأيّام فتحوا الباب وكان قد خندقوا على أنفسهم خندقاً ، وخرج مرحب بأصحابه يتعرّض للحرب.

فدعا النبي صلّى الله عليه وآله أبا بكر وأعطاه الراية في جمع من المسلمين والمهاجرين فانهزم، فلمّا كان من الغد أعطاها عمر، فسار بها غير بعيد، فأقبل عليه مرحب ثمّ انهزم، فقال النبي صلّى الله عليه وآله :آتوني بعليّ، فقيل: إنّه أرمد العين، قال :أرونيه تروني رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ،کرّار غير فرّار (4)

وكان عليّ أرمد العين يبتغي*** دواءً فلما لم يحس مداويا

شفاه رسول الله منه بتفلة*** فبورك مرقيّاً وبورك راقيا

وقال سأعطي الراية اليوم صارماً ***كميّاً محباً للرسول مواليا

يحبّ الهى والإله يحبّه ***به يفتح الله الحصون الأوابيا

فأصفى بها دون البرية كلها*** عليا وسمّاه الوزير المواخيا

.

1) الارشاد للمفيد : 54 عنه البحار 20 : 256 ح 19: وكشف الغمة 1 : 204.

2) في «ب» و «ج»: موته.

3) الارشاد للمفيد : 57 ؛ عنه البحار 20 : 260 ح 19 وكشف الغمة 1 : 206

4) قال حسان بن ثابت في ذلك:

فجاءه عليّ عليه السلام فقال له النبي صلّى الله عليه وآله: ما تشتكي يا عليّ؟ قال: رمد ما أبصر معه وصداع برأسي، فقال: اجلس وضع رأسك على فخذي، ثمّ تفل صلّى الله عليه وآله في يده ومسح بها عينيه ورأسه ودعا له، ففتحت عيناه وسكن الصداع وأعطاه الراية وقال له: امض بها جبرئيل معك والنصر أمامك.

فضىٰ علىّ عليه السلام حتّى أتى الحصن، فخرج مرحب وعليه درع ومغفر قد نقبه (1)مثل البيضة على رأسه، فاختلفا ضربتين، فضربه عليّ عليه السلام فقدّ الحجر والمغفر ورأسه حتّى وقع السيف على أضراسه وخرّ صريعاً، وانهزم من كان مع مرحب وأغلقوا باب الحصن، وعالجه جماعة كثيرة من المسلمين فلم يتمكّنوا من فتحه.

فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فقلعه وأخذه وجعله (2)جسراً على الخندق حتّى عبر المسلمون عليه، فظفروا بالحصن وأخذوا الغنائم، ولما انصرفوا دحا به (3)بيمناه سبعين ذراعاً ، وكان يغلقه عشرون رجلاً، ورام المسلمون حمل ذلك فلم ينقله (4)إلا سبعون رجلاً، وقال عليه السلام :والله ما قلعت باب خيبر بقوّة جسمانيّة، ولكن بقوّة ربّانيّة (5).


1) في «ج»: ثقبه.

2) في «ج»: اتخذه.

3) في «(ج)» رمى باب الحصن بيمناه.

4) في «ج»: فلم يستطع قلبه.

5) راجع البحار 102 : 138

الخامسة: غزاة [ذات] السلسلة.

وخبر هذه الغزاة انّه جاء أعرابي إلى النبي صلّى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله انّ جماعة من العرب اجتمعوا بوادي الرمل على أن يبيّتوك بالمدينة، فأمر بالصلاة جامعة فاجتمعوا وعرّفهم وقال: من لهم؟ فابتدرت جماعة من أهل الصفة وغيرهم عدّتهم ثمانون وقالوا: نحن، فَوَلٌّ (1)علينا من شئت .

فاستدعىٰ أبا بكر [وقال: امض] (2)فمضىٰ وتبعه القوم، فهزموه وقتلوا جمعاً كثيراً من المسلمين، وانهزم أبو بكر وجاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله، فبعث عمر فهزموه أيضاً، فساء النبي صلى الله عليه وآله ذلك، فقال عمرو بن العاص: ابعثني يا رسول الله فإنّ الحرب خدعة ولعلّى أخدعهم، فأنفذه مع جماعة فلّما صاروا (3)إلى الوادى خرجوا إليه، فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة.

ثمّ دعا أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ بعثه إليهم ودعا له وخرج معه مشيّعاً له إلى مسجد الأحزاب، وأنفذ معه جماعة منهم أبو بكر وعمر وعمرو بن العاص، فسار بهم نحو العراق منكبّاً عن الطريق حتّى ظنّوا أنه يريد بهم غير ذلك الوجه، ثمّ أخذهم (4)على طريق غامضة، واستقبل الوادي من فمه.

وكان عليه السلام يسير الليل ويكمن النهار ، فلمّا قرب من الوادي أمر أصحابه أن يخفوا حسّهم (5)، وأوقفهم مكاناً وتقدّم أمامهم ناحية، فلمّا رأىٰ عمرو بن العاص فعله لم يشك في كون الفتح له، فخوّف أبا بكر وقال: إنّ هذه أرض ذات ضباع وذئاب، كثيرة الحجارة، وهي أشد علينا من بني سليم ،والمصلحة أن نعلوا


1) في «ج»: أمر .

2) أثبتناه من «ج».

3) في «ب»: صعدوا.

4) في «ج»: اتجه بهم.

5) في «ج»: يخفوا أصواتهم.

الوادي، وأراد فساد الحال على أمير المؤمنين عليه السلام حسداً له وبغضاً، وأمره أن يقول ذلك لأمير المؤمنين عليه السلام.

فقال له أبو بكر فلم يجبه أمير المؤمنين عليه السلام بحرف واحد، فرجع أبوبكر وقال: والله ما أجابني بحرف واحد، فقال عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب :امض أنت إليه فخاطبه، ففعل فلم يجبه أمير المؤمنين عليه السلام، فقال عمرو :أنضيّع أنفسنا؟! انطلقوا بنا نعلوا الوادي، فقال المسلمون: إنّ النبي صلّى الله عليه وآله أمرنا أن لا نخالف علياً، فكيف نخالفه ونسمع قولك؟.

فما زالوا حتّى طلع الصبح (1)، فكبس القوم وهم غافلون، فأمكنه الله منهم ونزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى الله عليه وآله بسورة (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا. فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا .فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ) (2)السورة، قسماً منه تعالى بخيل أمير المؤمنين عليه السلام، وعرّفه الحال.

ففرح النبي صلّى الله عليه وآله وبشّر أصحابه بالفتح وأمرهم باستقبال أمير المؤمنين عليه السلام، فخرجوا والنبي صلّى الله عليه وآله يقدمهم، فلمّا رأىٰ أمير المؤمنين عليه السلام النبي صلّى الله عليه وآله ترجّل عن فرسه، فوقف بين يديه وقال النبي صلّى الله عليه وآله: لولا أنّني أشفق أن تقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النصارىٰ في المسيح لقلت اليوم فيك مقالاً لا تمرّ بملأ منهم إلّا أخذوا التراب من تحت قدميك [اللبركة ] (3)، اركب فإنّ الله ورسوله عنك راضيان (4).

وسمّيت هذه الغزاة ذات السلاسل لأنّه أسرّ منهم وقتل منهم، وأتىٰ بالأسارىٰ منهم مكتفين بالحبال كأنَّهم في السلاسل.


1) في «ج»: الفجر.

2) سورة العاديات.

3) أثبتناه من «ج».

4) ارشاد المفيد : 86 عنه البحار 21 77 و 79 ح 5: وكشف الغمة 1 : 230.

وأمّا الثاني: وهو مواطن جهاده بعد الرسول صلّى الله عليه وآله، فإنّه ابتلى وامتحن بحرب الناكثين والمارقين والقاسطين كما أمره (1)النبي صلّى الله عليه وآله.

وبيان هذه الحروب على سبيل الاختصار انّه بعد أن آل الأمر إليه صلوات الله عليه وبايعه المسلمون ،نهض طلحة والزبير ونكثا بيعته وانحازا (2)إلى عائشة ،واجتمعوا إلى قتاله وتوجّهوا إلى البصرة ، وانضمّ إليهم منها خلق كثير وخرجوا ليحاربوه.

فخرج عليه السلام وردعهم فلم يرتدعوا، ووعظهم فلم ينزجروا (3)بل أصرّوا على القتال، فقاتلهم حينئذٍ حتّى قتل منهم ستة عشر ألف وسبعمائة وتسعين وكانوا ثلاثين ألفاً، وقتل من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ألف وسبعون رجلاً وكانوا عشرين ألفاً ، وهذه الواقعة تُسمّىٰ واقعة الجمل، وهي حربه للناكثين، وبعد ذلك اشتغل بوقعة صفين وحربه مع معاوية، وهي جهاد القاسطين.

وهذه الحروب من الوقائع العظام التي لا يكاد أن يضطرب لها فؤاد الجليد (4)، ويشيب منها رأس اللبيب (5)، وبقي عليه السلام يكابد هذه الواقعة ثمانية عشر شهراً ، وقتل فيها من الفريقين على أقلّ الروايات مائة ألف وخمسة وسبعون ألفاً من أهل الشام، وعشرون ألفاً (6)من أهل العراق.

وفي ليلة الهرير من هذه الوقعة - وهى أشدّ أوقاتها - قُتل من الفريقين ستّة وثلاثون ألفاً، وقتل عليه السلام بانفراده خمسمائة وثلاثة وعشرون فارساً (7)، لأنه


1) في «ج»: أخبره.

2) في «ب»: صارا.

3) في «ب» و «ج»: فلم يتعظوا.

4) في «ج»: الجنين.

5) في «ج»: الوليد.

6) في «ج»: خمسة وعشرون ألفاً.

7) في «ب»: قتيلاً.

كان عليه السلام كلّما قتل فارساً أعلن بالتكبير، فأحصيت تكبيراته في تلك الليلة فكانت خمسمائة وثلاث وعشرين تكبيرة ،بخمسمائة وثلاثة وعشرين قتيلاً، وعرفوا قتلاه نهاراً بضرباته فإنّها كانت على وتيرة واحدة، إن ضرب طولاً قد أو عرضاً قطّ، وكانت كلّها مكواة.

وروي أنّه عليه السلام في تلك الليلة فتق درعه لثقل ما كان يسيل من الدم على ذراعه (1)، وفي صبيحة هذه الليلة انتظم أمر أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ولاحت لهم امارات الظفر ولاحت لهم علامات النصر، وزحف مالك الأشتر حتّى ألجأهم إلى معسكرهم، ولم يبق إلّا أخذهم وقبض معاوية.

فلما رأىٰ عمرو بن العاص الحال على هذه قال لمعاوية: نرفع المصاحف وندعوهم إلى كتاب الله، فقال: أصبت، فرفعوها فرجع القرّاء من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام عن القتال، وأقبلوا إليه وهم أربعة آلاف فارس كأنّهم السد من الحديد ،وقالوا: ابعث ردّ الأشتر عن قتال هؤلاء.

فقال لهم: إنّها خديعة ابن العاص وشيطنته وهؤلاء ليسوا من رجال القرآن، فلم يقبلواو قالوا: لابدَّ أن تردً الأشتر وإلّا قتلناك أو سلّمناك إليهم، فأنفذ عليه السلام يطلب الأشتر، فقال: قد أشرفت على الفتح وليس هذا وقت طلبي، فعرّفه اختلال أصحابه، فرجع وعنّف القرّاء وسبهم وسبّوه، وضرب وجه دوابهم فلم يرجعوا.

ووضعت الحرب أوزارها، فبعث إليهم أمير المؤمنين عليه السلام وقال لهم: لماذا رفعتم المصاحف؟ قالوا: للدعاء إلى العمل بمضمونها، وأن نقيم حَكَماً وتقيموا حَكَماً ينظران في هذا الأمر، ويقرّان الحق مقرّه، فتبسّم أمير المؤمنين عليه السلام تعجباً وقال: يا ابن أبي سفيان أنت تدعوني إلى العمل بكتاب الله، وأنا كتاب الله (2)


1) لاحظ كشف الغمة 1: 255.

2) في «ج»: كتابه.

الناطق، إنّ هذا لهو العجب العجيب والأمر الغريب.

ثمّ قال لأولئك القرّاء: إنّها حيلة وخديعة فعلها ابن العاص لمعاوية، فلم يسمعوا وألزموه بالتحكيم، فعيّن معاوية عمرو بن العاص وعيّن أمير المؤمنين عبد الله بن العباس، فلم يوافقوا، قال: فالأشتر، فأبوا واختاروا أبا موسى الأشعري، فقال عليه السلام :أبو موسىٰ ضعيف العقل وهواه مع غيرنا، فقالوا: لابدّ منه وحكّموه.

فخدع أبو موسىٰ وحمله على خلع أمير المؤمنين عليه السلام وأنّه يخلع معاوية، وأمره بالتقدّم حيث هو أكبر سنّاً ، فصعد أبو موسى المنبر وخطب ونزع أمير المؤمنين عليه السلام من الخلافة، ثمّ قال: قم يا عمرو فافعل كذلك.

فقام وصعد المنبر وخطب وأقرّ الخلافة في معاوية، فشتمه أبو موسىٰ وتلاعنا، فقال علي عليه السلام لأصحابه القرّاء العبّاد الذين غلبوا على رأيه بالتحكيم: ألم أقل لكم انّها حيلة فلا تنخدعوا بها، فلم تقبلوا؟ قالوا لعنهم الله: ماكان ينبغي لك أن تقبل منّا، فأنت قد عصيت الله بقبولك منّا ولا طاعة لمن عصى الله .

وخرجوا من الكوفة مصرّين على قتاله، وأمّروا عليهم عبد الله بن وهب وذا الثدية وقالوا: ما نريد بقتالك إلا وجه الله والدار الآخرة، فقرأ عليه السلام: (قٌل هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا .) (1)

ثمّ التحم القتال، فحمل عليهم أمير المؤمنين عليه السلام حملة واحدة، فلم يكن (2)إلّا ساعة حتّى قتلوا بأجمعهم سوىٰ تسعة أنفس فإنّهم هربوا، وقتل من أصحاب عليّ عليه السلام تسعة عدد من سلم من الخوارج، وكان عليه السلام قد


1) الكهف : 103 و 104.

2) في «ج»: فلم تمض.

أخبر من قبل القتال بأنّا نقتلهم (1)ولا يُقتل منّا عشرة ولا يسلم منهم عشرة.

فهذه وقعة النهروان وهو قتاله عليه السلام للخوارج المارقين الذين قال النبي صلّى الله عليه وآله في حقهّم :إنّهم شرّ الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة، وأعظمهم عند الله يوم القيامة وسيلة (2).

[الجمع بين الفضائل المتضادّات]

ومن فضائله صلوات الله عليه التي انفرد بها من المشاركة فيها، أنّه جمع بين الفضائل المتضادّات، وألّف بين الكمالات المتباينات (3)

جمعت في صفاتك الأضداد ***ولهذا عزّت لك الأنداد

زاهد حاكم حليم شجاع*** فاتك ناسك فقير جواد

شيم ما جمعن في بشر قط***ولا حاز مثلهن العباد

خُلُق يخجل النسيم من اللطف ***وبأس يذوب منه الجماد

جل معناك أن تحيط به*** الشعرو يحصي صفاتك النقاد

.

فإنّه كان يصوم النهار ويقوم الليل مع هذه المجاهدات التي ذكرناها، ويفطر على اليسير من جريش الشعير بغير إدام كما قلناه في صفة زهده، ومن يكون بهذه الحال يكون ضعيف القوّة، وأمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام كان مع ذلك أشدّ الناس قوّة، وأنّه قلع باب خيبر وقد عجز عن حملها سبعون نفراً من المسلمين، ورمىٰ بها (4)أذرعاً كثيرة ثمّ أعادها إلى مكانها بعد أن وضعها على الخندق جسراً.

وكان أكثر الوقت في الحروب يباشر قتل النفوس، ومَنْ هذا حاله يكون شديد اللقاء عبوس الوجه، وأمير المؤمنين عليه السلام كان مع ذلك رحيماً رقيق القلب، حسن الأخلاق، طلق الوجه، حتّى نسبه بعض المنافقين إلى الدعابة لشرف


1) في «ب»: نقاتلهم.

2) راجع البحار :33: 331 ح 577؛ عن كشف الغمة 1 : 158

3) قال صفي الدين الحلى المتوفي في المائة الثامنة:

4) في «ب»: دحا بها.

أخلاقه صلوات الله عليه.

وهذه الفضائل قد وردت من طريق الخصم ولم يمكنه اخفاؤها لشهرتها من طريقهم وطريقنا (1)

صفات أمير المؤمنين من اقتفىٰ*** مدارجها أقنته ثوب ثوابه

صفات جلال ما اعتدىٰ بلبانها ***سواه ولا حلّت بغیر جنابه

تفوقها طفلاً وكهلاً فأينعت ***معاني المعالي فهي ملىٰ إهابه

مناقب من قامت به شهدت له ***بازلافه من ربه واقترابه

مناقب لطف الله أنزلها له*** وشرف ذكراه بها في كتابه

، وجميعها يدلّ على إمامته فكيف من طريق أهل البيت عليهم السلام.

إنّ علماء الشيعة رضوان الله عليهم قد ألّفوا في فضائله والأدلّة على إمامته كتباً كثيرة لا تُحصىٰ، من جملتها كتاب واحد من جملة تصانيف الشيخ الأعظم ،والبحر الخضم ،ينبوع الفضائل والحكم، جمال الإسلام والمسلمين، الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلي قدّس الله نفسه الزكية، سماًه بكتاب «الألفين» فيه ألف دليل من الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - كما قال سبحانه وتعالى - ، وألف دليل من سنّة النبي صلّى الله عليه وآله على إمامة عليّ بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه.

ولولم يكن من الدلائل على إمامته سوى العصمة والنص من النبي صلّى الله عليه وآله لكان كافياً، وذلك لأنّ الإمام إذا لم يكن معصوماً لجاز عليه الخطأ، فيحتاج إلى امام آخر يردّه عن خطائه، ويلزم التسلسل وهو محال لأنّ السبب المحوج إلى الإمام جواز الخطأ على الأمّة، فلا يجوز أن يكون الإمام كذلك وإلّا لا نتفت الفائدة من إمامته.

ولأنّ الإمام حافظ للشرع، فلولم يكن معصوماً لجاز عليه الاخلال بشيء من الشرع والزيادة فيه، فلا يكون الشرع محفوظاً.


1) قال الشاعر:

ولأنّ الإمام مع جواز المعصية عليه امّا أن يتبع أو لا، فإن اتّبع لزم التعاون على الاثم المنفي بقوله تعالى: ( وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (1)أو لا يتّبع فلا أولا يكون إماماً لعدم الفائدة، ومع هذا فالإمامة لطف من الله تعالى، والله تعالى حكيم فلا يختار إلّا المعصوم، فحينئذ يجب أن يكون الإمام بعد النبي صلّى الله عليه وآله بلا فصل عليّ بن أبي طالب عليه السلام للاجماع على عصمته عليه السلام دون غيره.

وأمّا النصّ فكثير تواترت به الشيعة خلفاً عن سلف انّ النبي صلّى الله عليه وآله نصّ عليه بالخلافة نصّاً جليّاً، كقوله : أنت الخليفة من بعدي، سلّموا عليه بامرة المؤمنين ،اسمعوا له وأطيعوا، إلى غير ذلك من الأخبار.

وأمّا الدلائل على إمامته كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (2)أي المعلوم منهم الصدق، ولا يعلم الصدق إلّا من المعصوم، ولا معصوم ممّن قيل بإمامته إلّا هو، فتعيّن للإمامة.

ومنها انّ أبا بكر والعباس كانا كافرين فلا يصلحان للإمامة لقوله تعالى: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (3)فتعيّن هو لها.

ومنها انّ غيره ظالماً لكونه كافراً، والركون إلى الظالم منهى عنه لقوله تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (4)فتعيّن هو لها .

ومنها قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (5)والولي هو الأولىٰ بالتصرّف، كقولهم: لا نكاح إلّا بولي، والسلطان وليّ من لا وليّ له، فلا يخلو امّا أن يكون المراد بالذين


1) المائدة : 2.

2) التوبة : 119 .

3) البقرة : 124.

4) هود : 113.

5) المائدة : 55 .

آمنوا الجمع أو البعض، والأوّل باطل وإلا لكان الولي والمولّىٰ عليه واحداً، ولأنه قيّده بايتاء الزكاة حال الركوع وهو وصف له لم يحصل للكل، فتعيّن أن يكون المراد البعض، وحينئذ يكون هو علياً عليه السلام.

لأنّ كلّ من قال المراد بالآية البعض قال انّه علىّ عليه السلام، فلو قيل غيره مع انّ المراد به البعض كان خرقاً للاجماع، ولأنّ علياً عليه السلام مراد بالاجماع، امّا على قول من يقول المراد به الجميع فدخوله ظاهر لأنه سيَّدهم، وأما على قول الآخر فظاهر.

ومنها خبر الغدير المشهور وسيأتي، ومنها قوله تعالى: ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (1)وليس المراد بذلك الجميع وإلّا لكان المطاع والمطيع واحداً، فتعيّن أن يكون البعض وهو المعصوم لاستحالة الترجيح من غير مرجح ،ولا معصوم سواه فيكون هو المطاع.

ومن أعجب الأشياء انّ علياً عليه السلام ما زال في زمن النبي صلّى الله عليه وآله أميراً والياً مستخلفاً مطاعاً، وولّاه المدينة، واستقضاه على اليمن، وأخذ(2)الراية واللواء في جميع الحروب، ولم يكن في عسكر غاب النبي صلّى الله عليه وآله عنه إلّا كان هو الأمير عليه، واستخلفه حين هاجر في مكة في قضاء ديونه، وردّ ودائعه، وحمل نسائه وأهله.

وبات على فراشه، وبذل نفسه وقاية له مع انّ غيره لم يستصلح لشيء من ذلك في حياة النبي صلّى الله عليه وآله مع كونه ظهيراً له، وعزل عن تبليغ براءة ولم يستصلح لها، ولما استخلفته عائشة في الصلاة سأل من المصلّى ؟ فقيل له: أبو بكر، فخرج متّكناً على عليّ والفضل بن العباس فزحزحه وصلّىٰ، وكان أسامة أميراً


1) النساء : 59 .

2) في «ج»: وأعطاه.

عليه وعلى عمر وعثمان ،ولم يكن عليّ فيه.

فليت شعري كيف يفوّض إليه أمر الأمّة مع أنّه لم يصلح لتفويض البعض اليسير، ويترك من استصلحه صلّى الله عليه وآله لأكثر الأمور وشدائد الوقائع ؟ انّ هذا لشيء عجاب، أعاذنا الله وإيّاكم من اتّباع الهوىٰ ،والاغترار بالأباطيل والمنىٰ بمحمد وآله الطاهرين.

فصل :يذكر فيه طرف من فضائله عليه السلام من طرق أهل البيت عليهم السلام

روي عن ابن عباس قال: سأل رجل رسول الله صلّى الله عليه وآله عن عمل يدخل به الجنّة، قال :صلّ المكتوبات، وصم شهر رمضان، واغتسل من الجنابة، وأحب عليّاً وأولاده، وادخل الجنّة من أيّ باب شئت.

فوالذي بعثني بالحقّ لو صلّيت ألف عام، وصمت ألف عام، وحججت ألف حجة، وغزوت ألف غزوة، وعتقت ألف رقبة، وقرأت التوراة والانجيل والزبور والفرقان، ولقيت الأنبياء كلّهم، وعبدت الله مع كلّ نبيّ ألف عام، وجاهدت معهم ألف غزوة، وحججت مع كلّ نبيّ ألف حجّة، ثمّ مت ولم يكن في قلبك حبّ علي وأولاده أدخلك [الله] النار مع المنافقين.

ألا فليبلغ الشاهد الغائب قولي في عليّ عليه السلام، فإنّى لم أقل في عليّ إلّابأمر جبرئيل عليه السلام ،وجبرئيل لا يخبرني إلّا عن الله عز وجل، وإنّ جبرئيل عليه السلام لم يتخّذ أخاً في الدنيا إلّا عليّاً ، ألا من شاء فليحبّ ومن شاء فليبغض، فإنّ الله سبحانه اتّخذ (1)على نفسه أن لا يخرج مبغض عليّ بن أبي طالب من النار


1) في «ج»: حتم.

أبداً.

وروي عن الصادق عليه السلام يقول: من أحبنا لله وأحبّ محبّنا لا لغرض دنيا يصيبه منه، وعادىٰ عدوّنا لا لاحنّة كانت بينه وبينه، ثمّ جاء يوم القيامة وعليه من الذنوب مثل رمل عالج وزبد البحر غفرها الله تعالى له (1).

وعنه عليه السلام: انّ الله تعالى ضمن للمؤمن (2)ضماناً، قال: قلت: وما هو ؟ قال: ضمن له إن أقر لله بالربوبيّة، والمحمّد صلّى الله عليه وآله بالنبّوة، ولعليّ عليه السلام بالامامة، وأدّىٰ ما افترض الله عليه،أن يسكنه في جواره، قال: قلت :والله هذه الكرامة التي لاتشبهها كرامة الآدميين، ثمّ قال أبو عبد الله عليه السلام: اعملوا قليلاً تنعموا كثيراً (3).

وباسناده عن الرضا عليّ بن موسى، عن أبيه، عن جدّه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: حبّنا أهل البيت يكفّر الذنوب، ويضاعف الحسنات، والله تعالى ليتحمّل عن محبّينا أهل البيت ما عليهم من مظالم العباد إلّا من كان منهم على اصرار وظلم للمؤمنين، فيقول للسيّئات :كوني حسنات (4)

وروي عن الحسين بن عليّ عليهما السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: ألزموا مودّتنا أهل البيت فإنّه من لقى الله يوم القيامة وهو يودّنا دخل الجنّة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلّا بمعرفته حقنا (5).

وروي باسناده إلى ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله


1) أمالي الطوسي : 156 259؛ عنه البحار 27 : 54 ح 7.

2) في «ب» و «ج»: للمؤمنين.

3) أمالي الطوسي : 150 ح 266: عنه البحار 67 : 146 ح 2.

4) أمالي الطوسي : 164 ح 274 : عنه البحار 68 : 100 ح 5.

5) أمالي الطوسي : 186 ح 314؛ عنه البحار 27 : 170 ح 10؛ ونحوه في المحاسن 1 : 134 ح118.

يقول: أعطاني الله خمساً وأعطىٰ علياً خمساً، أعطاني جوامع الكلم وأعطىٰ علياً جوامع العلم، وجعلني نبيّاً وجعل عليّاً وصيّاً، وأعطاني الكوثر وأعطىٰ عليّاً السلسبيل، وأعطاني الوحي وأعطىٰ علياً الإلهام، وأسرىٰ بي إليه وفتح له أبواب السماء حتّى رأىٰ ما رأيت ونظر ما نظرت إليه..

ثمّ قال: يا ابن عباس من خالف علياً فلا تكوننّ ظهيراً له ولا وليّاً، فوالذى بعثني بالحق ما يخالفه أحد إلّا غيّر الله ما به من نعمة، وشوّه خلقه قبل إدخاله النار، يا ابن عباس لا تشك في عليّ فإنّ الشك فيه كفر يُخرج عن الايمان، ويوجب الخلود في النار (1).

وروي عن جابر بن عبد الله قال: أتيت رسول الله صلّى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله من وصيّك ؟ قال: فأمسك عنّى عشراً لا يجيبني، ثمّ قال: يا جابر ألا أخبرك عمّا سألتني؟ فقلت: بأبي وأمّي أنت يا [رسول الله] (2)والله لقد سكت عنّى حتّى ظننت إنّك وجدت علىَّ.

فقال: ما وجدت عليك يا جابر ولكن كنت أنتظر ما يأتيني من السماء، فأتاني جبرئيل فقال: يا محمد ربّك يقول لك: «إنّ عليّ بن أبي طالب وصيّك وخليفتك على أهلك وأمّتك، [وأمينك] (3)والذائد عن حوضك، وهو صاحب لوائك يقدمك إلى الجنّة».

فقلت: يا نبيّ الله أرأيت من لا يؤمن بهذا أقتله؟ قال: نعم يا جابر، ما وضع هذا الموضع إلّا ليتابع عليه، فمن تابعه كان معي غداً، ومن خالفه لم يرد عليّ الحوض أبداً (4).


1) أمالي الطوسي : 188 ح 317؛ عنه البحار 16 : 322 - 12؛ ونحوه الخصال : 293 ح 57 باب الخمسة.

2) أثبتناه من «ج».

3) أثبتناه من «ج».

4) أمالي الطوسي : 190 ح 321؛ عنه البحار 38 : 114 ح 52: وأمالي المفيد : 108المجلس الحادي والعشرون.

وروى أبو ذر رضی الله عنه قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله قد ضرب كتف عليّ عليه السلام بيده وقال: يا عليّ من أحبّنا فهو العربي ومن أبغضنا فهو العلج، فشيعتنا أهل البيوت والمعادن والشرف وما كان مولده صحيحاً، وما على ملّة ابراهيم إلّا نحن وشيعتنا وسائر الناس منها براء، وإنّ الله وملائكته يهدمون سيئّات شيعتنا كما يهدم القوم البنيان (1).

وروي عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : لما أسري بي إلى السماء وانتهيت إلى سدرة المنتهىٰ ،نودیت: یا محمد استوص بعليّ خيراً، فإنّه سيد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين (2).

وعن الباقر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام على منبر الكوفة :أيّها الناس! انّه كان لي من رسول الله صلّى الله عليه وآله عشر خصال احداهنّ أحبّ إلي مما طلعت عليه الشمس ، قال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله: يا علىّ أنت أخى في الدنيا والآخرة، وأنت أقرب الخلق إلىّ يوم القيامة في الموقف بين يدي الجبّار، ومنزلك في الجنّة مواجه منزلي كما يتواجه منزل الاخوان فى الله عز وجل.

وأنت الوارث منّي، وأنت الوصيّ من بعدي في عدّتي وأسرتي، وأنت الحافظ لي في أهلي عند غيبتي، وأنت الإمام لأمتّي، والقائم بالقسط في رعيّتي، وأنت وليّى ووليّي ولي الله، وعدوّك عدوّي وعدوّي عدوّ الله (3).

وعن زيد بن علي، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: يا عليّ انّ الله أمرني أن أتّخذك أخاً ووصيّاً، فأنت أخي ووصيّي وخليفتي على أهلي في حياتي وبعد موتي، من تبعك فقد تبعني، ومن تخلّف


1) أمالي الطوسي : 190 ح 322؛ عنه البحار 68: 23 ح 41؛ وأمالي المفيد : 108 المجلس الحادي والعشرون.

2) أمالي الطوسي : 193 ح 328؛ عنه البحار 18: 409 ح 119؛ وأمالي المفيد : 111 المجلس الثاني والعشرون

3) أمالي الطوسي : 193 ح 329؛ عنه البحار 38 : 150 ح 130: وأمالي المفيد : 111 المجلس الثاني والعشرون.

عنك فقد تخلّف عنّى، ومن كفر بك فقد كفر بي، ومن ظلمك فقد ظلمني [ومن خادعك فقد خادعني] (1).

يا عليّ أنت منى وأنا منك، يا عليّ لولا أنت ما قاتل أهل النهر أحداً، قال: فقلت له: يا رسول الله ومن أهل النهر ؟ قال: قوم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية (2).

وقال الصادق عليه السلام: ما جاء عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام يؤخذ به، وما نهىٰ عنه ينتهىٰ عنه، جرىٰ له من الفضل(3)ما جرىٰ لرسول الله صلّى الله عليه وآله، ولرسوله الفضل على جميع من خلق الله، العائب على أمير المؤمنين عليه السلام في شيء كالعائب على الله وعلى رسوله، والراد عليه في صغير أو كبير على حدّ الشرك بالله.

كان أمير المؤمنين عليه السلام باب الله الذي لا يؤتىٰ إلّا منه، وسبيله الذي من تمسّك بغيره هلك، وكذلك جرىٰ حكم الأئمة عليهم السلام من بعده واحد بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض، وهم الحجة البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرىٰ .

أما علمت انّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: أنا قسيم بين الجنّة والنار، وأنا الفاروق الأكبر، وأنا صاحب العصىٰ والميسم، ولقد أقرّ لي جميع الملائكة والروح مثل ما أقرّوا المحمّد صلّى الله عليه وآله، ولقد حملت مثل حمولة محمد وهى حمولة الرّب سبحانه.

وانّ محمداً يُدعىٰ فيكسىٰ ويُستنطق فينطق، وأدعىٰ فاكسىٰ واستنطق فأنطق، ولقد أعطيت خصالاً لم يعطها أحد قبلي، علمت المنايا والبلايا والقضايا


1) أثبتناه من «ب».

2) أمالي الطوسي : 200 ح 341: عنه البحار 33: 325 ح 570 .

3) في «ب» و «ج»: الفضائل.

والأنساب وفصل الخطاب، ولقد نظرت في الملكوت بإذن ربّي فما غاب عنّى ماكان قبلي ولا ما يأتي بعدي، وإنّ بولايتي أكمل الله لهذه الأمّة دينهم (1).

وروي عن الباقر عليه السلام قال: أحبب حبيب آل محمد وإن كان فاسقاً زانيا(2)، وابغض مبغض آل محمد وإن كان صوّاماً قوّاماً ، فإنّي سمعت عن رسول الله صلّى الله عليه وآله انّه قال: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (3)ثمّ التفت إلى عليّ عليه السلام فقال: والله أنت وشيعتك يا علي وميعادك وميعادهم الحوض غداً، غرّاً محجلين مكحلين متوّجين، فقال أبو جعفر عليه السلام :هكذا هو عياناً في كتاب عليّ عليه السلام (4).

وعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة وكلّنا الله بحساب شيعتنا، فما كان الله سألنا الله أن يهبه لنا فهو لهم، وما كان لنا فهو لهم، ثمّ قرأ أبو عبد الله عليه السلام: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ) (5).

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: انّ الله عز وجل جعل عليّاً علماً بينه وبين خلقه ليس بينهم علم غيره ،فمن أقرّ بولايته كان مؤمناً، ومن جحدها كان كافراً، ومن جهله كان ضالّاً، ومن نصب معه كان مشركاً، ومن جاء بولايته دخل الجنّة، ومن أنكرها دخل النار (6).

وروي عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: إذا حُشر الناس يوم القيامة نادىٰ مناد: يا رسول الله ان الله جلّ


1) أمالي الطوسي : 203 ح 352؛ عنه البحار 25 : 352 ح 1؛ ونحوه الكافي 1 : 196 ح 1.

2) في «ج»: جانياً.

3) البينة : 7.

4) أمالي الطوسي : 405 ح 909 ؛ عنه البحار 27 : 220 ح 5.

5) الغاشية : 25 و 26. أمالي الطوسي : 406 ح 911؛ عنه البحار 7 : 264 ح 19.

6) أمالي الطوسي : 410 ح 922؛ عنه البحار 38: 117 ح 59. 38 117

اسمه أمكنك من مجازات محبّيك ومحبّى أهل بيتك الموالين لهم فيك [والمعادين لهم فيك]فكافهم بما شئت ،فأقول: يا ربّ الجنّة، فأنادىٰ(1): بوّئهم منها حيث شئت فلك المقام المحمود الذي وعدت به (2).

وعن الصادق عليه السلام قال شيعتنا جزء منّا، خلقوا من فضل طينتنا، يسوؤهم ما يسوؤنا ويسرّهم ما يسرّنا ، فإذا أرادنا أحد فليقصدهم فإنّهم الباب الذي يوصل منه إلينا (3).

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: اوّل من اتّخذ عليّ بن أبي طالب أخاً من أهل السماء حملة العرش ثمّ جبرئيل ثمّ ميكائيل ثمّ رضوان خازن الجنان ثمّ ملك الموت، وانّ ملك الموت يترحّم على محبّى عليّ بن طالب علیه السلام كما يترحم على الأنبياء، ولو أنّ عبداً عبد الله ألف عام من بعد ألف عام بين الركن والمقام ثمّ لقى الله مبغضاً لعليّ لأكبّه الله يوم القيامة على منخريه في النار (4).

وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: من صافح علياً كأنّما صافحني، ومن صافحني فكأنما صافح أركان العرش، ومن عائقه فكأنّما عانق الأنبياء كلّهم، ومن صافح محبّاً لعليّ غفر الله ذنوبه وأدخله الجنّة بغير حساب(5).

وقال عليه السلام: مكتوب على العرش: لا إله إلّا الله، محمد نبيّ الرحمة، وعليّ مقيم الحجة، ومن عرف حق علي زكى وطاب، ومن أنكر حقه لعن وخاب، أقسمت (6)بعزّتي وجلالي أن أدخل الجنة من أطاعه وإن عصاني، وأقسمت


1) في ((ب)): فأنا الذي أبونهم منها .

2) أمالي الطوسي : 298 ح 586: عنه البحار 8: 39 ح 20

3) أمالي الطوسي : 219 ح 588: عنه البحار 68 : 24 ح 43.

4) مانة منقبة : 119 ح 94: كشف الغمة 1 : 101: عنه البحار 39 : 110 ح 17: المناقب للخوارزمي : 71 ح49 .

5) راجع البحار :27: 115 ح 90 عن مناقب ابن شاذان : 92 ح 39 .

6) زاد في «ج»: وفي الحديث القدسي قال: أقسمت ...

بعزّتي وجلالي أن أدخل النار من عصاه وإن أطاعنى (1).

وقال عليه السلام :إذا كان يوم القيامة ينادون عليّ بن أبي طالب عليه السلام بسبعة أسماء: يا صديق، یا دالّ، یا عابد، يا هادي، يا مهديّ، يا فتى، يا عليّ، أدخل أنت وشيعتك إلى الجنة بغير حساب.

وقال عليه السلام: إذا كان يوم القيامة أقام الله عز وجل جبرئيل ومحمداً عليهما السلام على الصراط ،لا يجوز أحد إلّا من كان معه براءة من علي بن أبي طالب عليه السلام (2).

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله :يحشر الشاك في عليّ من قبره في عنقه طوق من نار، فيه ثلاثمائة شعلة، على كلّ شعلة شيطان يلطم وجهه حتّى يوقف موقف الحساب (3).

وقال عليّ عليه السلام :تفترق هذه الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة في النار وواحدة في الجنّة، وهم الذين قال الله تعالى: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) (4)أنا وشيعتي(5).

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقول الله لي ولعلىّ بن أبي طالب: أدخلا الجنّة من أحبّكما وأدخلا النار من أبغضكما، وذلك قوله تعالى: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) (6).

وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله : يا عليّ انّ الله عز وجل قد غفر لك


1) البحار :27: 10 ح 3 عن مناقب ابن شاذان : 106 ح 50.

2) راجع البحار 39 : 208 ح 27

3) أمالى المفيد : 94 مجلس 18 والبحار 39 : 304 ح 120

4) الأعراف : 181

5) راجع البحار 24 : 146 ح 18.

6) أمالي الطوسي : 290 - 563: عنه البحار 7: 338 ح 27؛ والآية في سورة ق : 24.

ولشيعتك ومحبّي شيعتك ومحبّى محبّى شيعتك، أبشر فإنّك الأنزع البطين، منزوع من الشرك ،بطين من العلم (1).

وباسناده عن النبي صلّى الله عليه وآله انه قال: يا عليّ خلقني الله وأنت من نوره حین خلق آدم، فافرغ ذلك النور في صلبه، فأفضىٰ به إلى عبد المطلب ثمّ افترقا من عبد المطلب، فأنا في عبد الله وأنت في أبي طالب، لا تصلح النبوّة إلّا لي ،ولا تصلح الوصية إلّا لك، فمن جحد وصيّتك فقد جحد نبوّتي، ومن جحد نبوّتي أكتبه الله على منخريه في النار (2).

و باسناده قال: دخل سماعة بن مهران على الصادق عليه السلام فقال له: يا سماعة من أشرّ الناس؟ فقال: نحن يا ابن رسول الله، قال: فغضب حتّى احمرّت وجنتاه، ثمّ استوىٰ جالساً - وكان متّكئاً - فقال : يا سماعة من أشرّ الناس عند الناس؟ فقلت: والله ما كذبتك يا ابن رسول الله، نحن أشرّ الناس عند الناس، لأنّهم سمّونا كفاراً ورافضة.

فنظر إلىَّ ثمّ قال: كيف بكم إذا سيق بكم إلى الجنّة وسيق بهم إلى النار، فينظرون إليكم فيقولون: (مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ) (3).

يا ابن مهران انّه من أساء منكم إساءة مشينا إلى الله تعالى يوم القيامة بأقدامنا ونشفع فيه فنشفّع، والله لا يدخل النار منكم عشرة رجال، والله لا يدخل النار منكم خمسة رجال، والله لا يدخل النار منكم ثلاثة رجال، والله لا يدخل النار منكم رجل واحد، فتنافسوا في الدرجات، واكمدوا عدوّكم بالورع (4).


1) أمالي الطوسي : 293 ح 570: عنه البحار 68 : 101 ح 9.

2) أمالي الطوسي : 294 ح 577: عنه البحار 15: 12 ح 15 .

3) ص : 62 .

4) أمالي الطوسي : 295 ح 581 عنه البحار 68 : 117 ح 41.

في احتجاجه عليه السلام يوم الشورى

وروي عن أبي المفضل باسناده عن أبي ذر رضي الله عنه انّ علياً عليه السلام وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص أمرهم عمر بن الخطاب أن يدخلو بيتاً ويغلقوا عليهم بابه ويتشاوروا في أمرهم، وأجلّهم ثلاثة أيام، فإن توافق خمسة على قول واحدٍ وأبى رجل منهم قتل ذلك الرجل، وإن توافق أربعة وأبىٰ اثنان قتل الاثنان.

فلمّا توافقوا جميعاً علىّ رأي واحد قال لهم علي بن أبي طالب عليه السلام :إنّي أحبّ أن تسمعوا منّى ما أقول لكم، فإن يكن حقّاً قاقبلوه، وإن يكن باطلاً فانكروه، قالوا: قل، قال: أنشدكم بالله - أو قال: أسألكم بالله - الذي يعلم سرائركم ويعلم صدقكم إن صدقتم ويعلم كذبكم إن كذبتم ،هل فيكم أحد آمن قبلي بالله ورسوله، وصلّى القبلتين قبلى؟ قالوا :اللّهمّ لا.

قال: هل فيكم أحد من يقول الله عز وجل فيه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (1)سواى؟ قالوا: اللّهمّ لا، قال: فهل فيكم أحد نصر أبوه رسول الله صلى الله عليه وآله وكفله غيري ؟ (2)قالوا: اللّهمّ لا .

[قال: فهل فيكم أحد أخوه ذي الجناحين في الجنّة، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا ،] (3)قال: فهل فيكم أحد وحدّ الله قبلي ولم يشرك به شيئاً؟ قالوا: اللّهمّ لا ، قال : فهل فيكم أحد عمّه حمزة سيّد الشهداء غيري؟ قالوا: اللهّمّ لا، قال: فهل فيكم أحد زوجته سيدة نساء أهل الجنة، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا .

قال: فهل فيكم أحد ابناه سيدا شباب أهل الجنة، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا ،


1) النساء : 59

2) في «ج»: غير أبي.

3) أثبتناه من البحار.

قال: فهل فيكم أحد أعلم بناسخ القرآن ومنسوخه والسنّة منّى؟ قالوا: اللّهمّ لا ، قال: فهل فيكم أحد سماّه الله عزوجل في عشر آيات من القرآن مؤمناً، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا، قال: فهل فيكم أحد ناجىٰ رسول الله صلّى الله عليه وآله عشر مرّات يقدّم بين يدي نجواه صدقة، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا .

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، ليبلغ الشاهد الغائب ذلك، غيري؟ قالوا :اللّهمّ لا، قال: فهل فيكم رجل قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله :لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، كرّار غیر فرّار، لا يولىّ الدبر، يفتح الله على يديه، وذلك حيث رجع أبو بكر وعمر منهزمين فدعاني وأنا أرمد، فتفل في عيني وقال: اللهمّ أذهب عنه الحرّ والبرد، فما وجدت بعدها حرّاً ولا برداً يؤذياني، ثمَّ أعطاني الراية فخرجت بها فتح الله على يدي خيبر، فقتلت مقاتلهم وفيهم مرحب، وسبيت ذراريهم، فهل كان ذلك غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا .

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: اللّهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك وإلي وأشدّهم لي ولك حبّاً، يأكل معى من هذا الطائر، فأتيت فأكلت معه، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا، قال: فهل فيكم أحد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: لتنتهينّ يا بني وليعة أو لأبعثنّ عليكم رجلاً نفسه كنفسي وطاعته كطاعتي و معصيته معصيتي، يعصاكم أو يقصعكم (1)بالسيف، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا.

قال: فهل فيكم أحد قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله: كذب من زعم أنّه يحبّني ويبغض علياً، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا، قال: فهل فيكم من سلّم عليه في ساعة واحدة ثلاثة آلاف من الملائكة وفيهم جبرئيل وميكائيل واسرافيل ليلة القليب لما جئت بالماء إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله، غيري؟ قالوا: لا.


1) في «ج»: يقطعكم.

قال: فهل فيكم أحد قال له جبرئيل: هذه هي المساواة، وذلك يوم أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :[وما يمنعه من ذلك ] (1)أنّه منّى وأنا منه، فقال جبرئيل عليه السلام :وأنا منكما، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد نودي به من السماء« لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا عليّ» غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم من يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين على لسان النبي صلى الله عليه وآله ،غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنّي قاتلت على تنزيل القرآن وستقاتل أنت يا عليّ على تأويله، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد غسَّل رسول الله صلى الله عليه وآله مع الملائكة المقرَّبين بالروح والريحان تقلّبه لي الملائكة وأنا أسمع قولهم وهم يقولون: استروا عورة نبيّكم ستركم الله، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم من كفّن رسول الله صلى الله عليه وآله ووضعه في حفرته ،غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد بعث الله عز وجل إليه بالتعزية حيث قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ،وفاطمة عليها السلام تبكيه إذ سمعنا حسّاً على الباب وقائلاً يقول نسمع صوته ولا نرى شخصه وهو يقول:

«السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، ربّكم عزوجل يقرئكم السلام ويقول لكم : انّ في الله خلفاً من كلّ مصيبة، وعزاء من كلّ هالك، ودركاً من كلّ فوت، فتعزّوا بعزاء الله واعلموا انّ أهل الأرض يموتون، وانّ أهل السماء لا يبقون، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» وأنا في البيت وفاطمة والحسن والحسين أربعة لا خامس لنا سوىٰ رسول الله صلّى الله عليه وآله مسجّىٰ بيننا، غيرنا؟ قالوا: لا.


1) أثبتناه من «ج».

قال: فهل فيكم أحد ردّت له الشمس بعدما غربت أو كادت تغيب حتّى صلّى العصر في وقتها، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد أمره رسول الله صلّى الله عليه وآله أن يأخذ براءة من أبي بكر بعدما انطلق أبو بكر بها، فقبضتها منه فقال أبو بكر بعدما رجع:يا رسول الله أنزل فيّ شيء؟ فقال: إنَّه لا يؤدّي عنى إلا عليّ، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم من قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت منّى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، ولو كان بعدي نبيّ لكنته يا عليّ، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: انّه لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا كافر ،غيري؟ قالوا: لا، قال: أتعلمون أنّه أمر بسد أبوابكم وفتح بابي فقلتم في ذلك، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: ما أنا سددت أبوابكم ولا فتحت بابه بل الله سدّ أبوابكم وفتح بابه؟ قالوا: نعم.

قال: أتعلمون انّ رسول الله صلى الله عليه و آله ناجاني يوم الطائف دون الناس فأطال ذلك، فقال بعضكم: يا رسول الله صلى الله عليه و آله انتجيت علياً دوننا، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: ما أنا انتجيته بل الله عز وجل انتجاه؟ قالوا: نعم، قال: أتعلمون انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: الحقّ بعدي مع عليّ وعليّ مع الحق يدور الحق معه حيث ما دار؟ قالوا: نعم.

قال: فهل تعلمون انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال :إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ،إنّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض، وإنّكم لن تضلّوا ما اتّبعتموهما واستمسكتم بهما؟ قالوا: نعم.

قال: فهل فيكم أحد وقىٰ رسول الله صلّى الله عليه وآله بنفسه، وردّ به مکر المشركين ،واضطجع في مضجعه، وشرى بذلك من الله نفسه، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد حيث آخىٰ رسول الله صلى الله عليه وآله بين أصحابه وكان له

أخ، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد ذكره الله عز وجل بما ذكرني، إذ قال:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ )(1)غيري؟ فهل سبقني أحد إلى الله ورسوله؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد آتى الزكاة وهو راكع، فنزلت فيه :( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (2)غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد برز لعمرو بن عبدود حيث عبر خندقكم ودعا جميعكم إلى البراز فنكصتم عنه وخرجت إليه فقتلته، وفتّ(3)الله بذلك في أعضاد المشركين والأحزاب، غيري؟ قالوا:لا.

قال: فهل فيكم أحد ترك رسول الله صلّى الله عليه وآله بابه مفتوحاً في المسجد يحلّ له ما يحلّ لرسول الله صلى الله عليه وآله، ويحرم عليه ما يحرم على رسول الله صلى الله عليه وآله، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد أنزل الله فيه آية التطهير حيث يقول تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (4)غيري وغير زوجتي وابنيّ؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله : أنا سيد ولد آدم وعليّ سيد العرب، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: ما سألت الله عز وجل شيئاً إلا سألت لك مثله، غيرى؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد ناول رسول الله صلّى الله عليه وآله قبضته من تراب من تحت قدميه فرمیٰ به وجه الكفّار فانهزموا، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قضیٰ دین رسول الله صلّى الله عليه وآله وأنجز عداته، غيري؟ قالوا: لا.


1) الواقعة : 10-11 .

2) المائدة : 55 .

3) فت الشيء أي كسره، يقال: فت عضدي، وهد ركني.

4) الأحزاب : 33.

قال: فهل فيكم أحد اشتاقت الملائكة إلى رؤيته فاستأذنت الله في زيارته، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد ورث سلاح رسول الله صلّى الله عليه وآله و آدابه (1)، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد استخلفه رسول الله صلّى الله عليه وآله وجعل أمر أزواجه إليه من بعده، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد حمله رسول الله صلّى الله عليه وآله على كتفه حتّى كسر الأصنام التي كانت على الكعبة ،غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد اضطجع هو ورسول الله صلّى الله عليه وآله في لحاف واحد إذ كفلني ،غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد كان صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله: فى المواطن كلّها ،غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنت صاحب رايتي ولوائي في الدنيا والآخرة ،غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد كان أوّل وارد (2)على رسول الله صلّى الله عليه وآله وآخر خارج من عنده ولا يحجب عنه ،غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد نزلت فيه وفى زوجته وولديه (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) (3)إلى سائر ما اقتص(4)الله تعالى من ذكرنا في هذه السورة، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) (5)غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد أنزل الله تعالى فيه:( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا


1) في «ج»: ودوابه، وفي البحار: وأداته.

2) في «الف»: داخل.

3) الإنسان : 8

4) في «ج»: قص.

5) في «ج»: قص.

يَسْتَوُونَ ) (1)إلى آخر ما اقتصّ الله تعالى به من خبر المؤمنين، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد أنزل الله فيه وفي زوجته وولديه آية المباهلة، وجعل الله عزوجل نفسه نفس رسوله، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ )(2)لما وقيت رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة الفراش، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد سقىٰ رسول الله صلى الله عليه وآله من المهراس (3)لما اشتدّ ظمأه واحجم عن ذلك أصحابه، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: اللّهمّ إنّى أقول كما قال عبدك موسى «ربّ اشرح لي صدري ،ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري» إلى آخر دعوة موسى عليه السلام إلّا النبوّة، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد أدنى الخلائق برسول الله صلّى الله عليه وآله يوم القيامة وأقرب إليه منّى، كما أخبركم بذلك صلوات الله عليه وآله، غيري؟ قالوا: لا، [قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله : انّ من شيعتك رجلاً يدخل في شفاعته الجنّة مثل ربيعة ومضر، غيري؟ قالوا: لا ](4)قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله :أنت وشيعتك الفائزون، تردون يوم القيامة روّاء مرویّين ويرد أعداءكم ظماء مقمحين (5)،غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: من أحبّ هذه


1) السجدة : 18 .

2) البقرة : 207.

3) قال في لسان العرب بعد ذكر مجيء علي عليه السلام بالماء من المهراس: المهراس صخرة منقورة تسع كثيراً من الماء وقد يعمل منه حياض للماء، وقيل: المهراس في هذا الحديث اسم ماء باحد.

4) أثبتناه من البحار.

5) في «ب»: مقبحين.

الشعرات فقد أحبّني ومن أحبّني فقد أحبّ الله تعالى، ومن أبغضها وآذاها فقد آذاني وأبغضني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى، ومن آذى الله تعالى لعنه وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً، فقال أصحابه: وما شعراتك هذه يا رسول الله؟ قال: عليّ وفاطمة والحسن والحسين، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنت يعسوب الدين، والمال يعسوب الظالمين، وأنت الصدّيق الأكبر، وأنت الفاروق الأعظم الذي يفرق بين الحقّ والباطل، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد طرح عليه رسول الله صلى الله عليه وآله ثوبه وأنا تحت الثوب وفاطمة والحسن والحسين ثمّ :قال: اللّهمّ أنا وأهل بيتى هؤلاء إليك لا إلى النار، غيري؟ قالوا: لا.

قال :فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله بالجحفة بالشجيرات من خم: من أطاعك فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاك فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى الله تعالى، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد كان رسول الله صلى الله عليه و آله بينه وبين زوجته، وجلس بين رسول الله وزوجته، وقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله : لا ستر دونك يا عليّ، غيري؟

قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد احتمل باب خيبر يوم فتحت حصنها ثمّ مشىٰ به ساعة ثمّ ألقاه، فعالجه بعد ذلك أربعون رجلاً فلم يقلّوه(1)من الأرض ،غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنت معي في قصري ومنزلك تجاه منزلي في الجنّة، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنت أولى الناس بأمّتي من بعدي، والىٰ الله من والاك، وعادى الله من عاداك، وقاتل من قاتلك بعدي ،غيري؟ قالوا: لا.


1) أقل الشيء واستقله: حمله ورفعه، وفي «ب»: يقلبوه، وفي «ج»: ينقلوه.

قال: فهل فيكم أحد صلّىٰ مع رسول الله صلى الله عليه وآله قبل الناس سنين وأشهر ، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنّك عن يمين العرش يكسوك الله عزوجل بردين أحدهما أحمر والآخر أخضر، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد أطعمه رسول الله صلّى الله عليه وآله من فاكهة الجنّة لما هبط بها جبرئيل عليه السلام وقال: لا ينبغي أن يأكله في الدنيا إلّا نبي أو وصيّ نبي، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنت أقومهم بأمر الله ،وأوفاهم بعهد الله ،وأعلمهم بالقضيّة، وأقسمهم بالسويّة، وأرأفهم بالرعيّة، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنت قسيم النار تخرج منها من آمن وأقرّ، وتدع فيها من كفر، (1)غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال للعين - وقد غاضت - : انفجري، فانفجرت فشرب منها القوم، وأقبل رسول الله صلّى الله عليه وآله والمسلمون معه فشرب وشربوا، وشربت خيلهم وملؤوا رواياهم، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد أعطاه رسول الله صلّى الله عليه وآله حنوطاً من حنوط الجنّة فقال: اقسم هذا ثلاثاً، ثلثاً حنّطنى به وثلثاً لابنتى، وثلثاً لك، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فما زال يناشدهم ويذكرهم ما أكرمه الله تعالى وأنعم عليه به حتّى قام قائم الظهيرة ودنت الصلاة، ثمّ أقبل عليهم وقال: أمّا إذا أقررتم على أنفسكم، وبان لكم من سببي الذي ذكرت فعليكم بتقوى الله وحده، وأنهاكم عن سخط الله فلا تعرضوا له وتضيّعوا أمري، وردّوا الحقّ إلى أهله، واتّبعوا سنّة نبيّكم صلّى الله عليه وآله وسنّتي من بعده.

فإنّكم إن خالفتموني خالفتم نبيّكم، فقد سمع الله ذلك من جميعكم، وسلّموها


1) في «ج»: كفر واغتر.

إلى من هو لها وهى له أهل، أما والله ما أنا بالراغب في دنياكم ولا قلت ما قلت لكم فتخاراً ولا تزكية لنفسي، ولكن حدّثت بنعمة ربّي وأخذت عليكم بالحجة، ثمّ نهض إلى الصلاة.

قال: فتآمر القوم بينهم وتشاوروا فقالوا: قد فضّل الله عليّ بن أبي طالب بما ذكر لكم، ولكنّه رجل لا يفضّل أحداً على أحد، ويجعلكم ومواليكم سواء، وإن ولّيتموه إيّاها ساوىٰ بين أسودكم وأبيضكم ووضع السيف على عاتقه، ولكن ولّوها عثمان فهو أقدمكم ميلاداً، وألينكم عريكة، وأجدر أن يتبّع مسرّتكم (1)، والله رؤوف رحيم (2).

[في قول رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي بكر في مسجد قبا]

وروي عن الصادق عليه السلام: أنّ أبا بكر لقى أمير المؤمنين عليه السلام في سكة [من سكك ] (3)بني النجار، فسلّم عليه وصافحه وقال له: يا أبا الحسن أفى نفسك شيء من استخلاف الناس إيّاي، وما كان من يوم السقيفة وكراهيتك للبيعة، والله ما كان ذلك من ارادتي إلّا ان المسلمين أجمعوا على أمر لم يكن لي أن أخالف عليهم فيه، لأنّ النبي صلّى الله عليه وآله قال: لا تجتمع أمّتي على الضلال.

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام :يا أبا بكر أمّته الذين أطاعوه في عهده من بعده، وأخذوا بهداه، وأوفوا بما عاهدوا الله عليه، ولم يبدلّوا ولم يغيّروا، قال له أبو بكر: والله يا علىّ لو شهد عندي الساعة من أثق به إنّك أحق بهذا الأمر سلّمته إليك رضى من رضى، وسخط من سخط.


1) في «ج»: بسير تكم.

2) عنه البحار :31: 372 - 24 (كتاب الفتن والمحن)؛ ونحوه في أمالي الطوسي : 545 ح 1168 مجلس العشرون

3) أثبتناه من «ج».

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام :يا أبا بكر فهل تعلم أحداً أوثق من رسول الله صلّى الله عليه وآله، وقد أخذ بيعتى عليك في أربعة مواطن، وعلى جماعة معك وفيهم عمر وعثمان ،في يوم الدار، وفي بيعة الرضوان تحت الشجرة، ويوم جلوسه في بيت أمّ سلمة، ويوم الغدير بعد رجوعه من حجة الوداع، فقلتم بأجمعكم :سمعنا وأطعنا الله ولرسوله.

فقال لكم: الله ورسوله عليكم من الشاهدين؟ فقلتم بأجمعكم: الله ورسوله علينا من الشاهدين، فقال لكم: فليشهد بعضكم على بعض وليبلغ شاهدكم غائبكم، ومن سمع منكم فليسمع من لم يسمع، فقلتم : نعم يا رسول الله، وقمتم بأجمعكم تهنّون رسول الله صلّى الله عليه وآله وتهنّوني بكرامة الله لنا، فدنىٰ عمر وضرب على كتفي وقال بحضرتكم: بخ بخ يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي (1)ومولى المؤمنين.

فقال أبو بكر: لقد ذكرّتني أمراً يا أبا الحسن لو يكون رسول الله صلّى الله عليه وآله شاهداً فأسمع منه، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: الله ورسوله عليك من الشاهدين يا أبا بكر إن رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله حيّاً يقول لك إنّك ظالم لي في أخذ حقّی الذي جعله الله ورسوله لي دونك ودون المسلمين، أن تسلّم هذا الأمر لي، وتخلع نفسك منه؟.

فقال أبو بكر: يا أبا الحسن وهذا يكون أن أرىٰ رسول الله صلّى الله عليه وآله حيّاً بعد موته ويقول لى ذلك ؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: نعم يا أبابكر، قال: فأرني ذلك إن كان حقّاً، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: والله ورسوله عليك من الشاهدين إنّك تفى بما قلت؟ قال أبو بكر: نعم.

فضرب أمير المؤمنين عليه السلام على يده وقال: تسعىٰ معي نحو قبا، فلمّا


1) فى «الف»: مولانا.

ورداه تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام فدخل المسجد وأبو بكر من ورائه، فإذا هم برسول الله صلّى الله عليه وآله جالس في قبلة المسجد، فلمّا رآه أبو بكر سقط لوجهه كالمغشّي عليه، فناداه رسول الله صلى الله عليه وآله: ارفع رأسك أيّها الضليل المفتون، فرفع أبو بكر رأسه وقال :لبيك يا رسول الله ،صلى الله عليه وآله، أحياة بعد الموت يا رسول الله صلى الله عليه وآله ؟

فقال له: ويلك يا أبا بكر إنّ الذي أحياها لمحيي الموتىٰ إنّه على كلّ شيء قدير، قال :فسكت أبو بكر و شخصت عيناه نحو رسول الله صلّى الله عليه وآله ،فقال: ويلك يا أبا بكر أنسيت ما عاهدت الله ورسوله عليه في المواطن الأربعة لعليّ عليه السلام؟ فقال: ما أنساها (1)يا رسول الله صلى الله عليه وآله.

فقال: ما بالك اليوم تناشد عليّاً فيها ويذكرك فتقول: نسيت، وقصّ عليه رسول الله صلّى الله عليه وآله ما جرىٰ بينه وبين عليّ بن أبي طالب عليه السلام إلى آخره ،فما نقص منه كلمة ولا زاد فيه كلمة، فقال أبو بكر: يا رسول الله فهل من توبة؟ وهل يعفو الله عنّى إذا سلّمت هذا الأمر إلى أمير المؤمنين؟ قال: نعم يا أبابكر ،وأنا الضامن لك على الله ذلك إن وفيت.

قال: وغاب رسول الله صلّى الله عليه وآله عنهما، فتشبّث أبو بكر بأمير المؤمنين عليه السلام وقال: الله الله فيّ يا علىّ، سر معى إلى منبر رسول الله صلّى الله عليه وآله حتى أعلو المنبر فأقص على الناس ما شاهدت ورأيت من أمر رسول الله، وما قال لي وما قلت له وما أمرني به، وأخلع نفسي من هذا الأمر وأسلّمه إليك.

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا معك إن تركك شيطانك، فقال أبوبكر: إن لم يتركني تركته وعصيته، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إذن تطيعه ولا تعصيه، وإنّما رأيت ما رأيت لتأكيد الحجة عليك.


1) في «ج»: ما نسيتها .

وأخذ بيده وخرجا من مسجد قبا يريدان مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وأبو بكر يخفق بعضه بعضاً ويتلوّن ألواناً ، والناس ينظرون إليه ولا يدرون ما الذي كان حتّى لقيه عمر، فقال له : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله ما شأنك، وما الذي دهاك؟ فقال أبو بكر: خلّ عنّى يا عمر، فوالله لا سمعت لك قولاً، فقال له عمر: وأين تريد يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال أبو بكر: أريد المسجد والمنبر.

فقال: هذا ليس وقت صلاة ومنبر، قال: خلّ عنّى فلا حاجة لي في كلامك، فقال عمر: يا خليفة رسول الله أفلا تدخل قبل المسجد منزلك فتسبغ الوضوء؟ قال: بلىٰ، ثمّ التفت أبو بكر إلى عليّ عليه السلام فقال: يا أبا الحسن تجلس إلى جانب المنبر حتّى أخرج إليك، فتبسّم أمير المؤمنين عليه السلام ثمّ قال له: يا أبا بكر قد قلت لك انّ شيطانك لا يدعك أو يرديك، ومضىٰ أمير المؤمنين عليه السلام وجلس بجانب المنبر.

فدخل أبو بكر منزله ومعه عمر، فقال له: يا خليفة رسول الله لم لا تنبئني أمرك، وتحدّثني بما دهاك به عليّ بن أبي طالب؟ فقال أبو بكر: ويحك يا عمر يرجع رسول الله صلى الله عليه وآله بعد موته حياً فيخاطبني في ظلمي لعليّ وبردّ حقّه عليه وخلع نفسي من هذا الأمر، فقال له عمر: قص على قصتك من أوّلها إلى آخرها، فقال له أبو بكر: ويحك يا عمر والله قد قال لي عليّ إنّك لا تدعني أخرج من هذه المظلمة، وإنّك شيطاني فدعني عنك.

فلم يزل يرقبه (1)إلى أن حدّثه بحديثه كلّه، فقال له: يا أبا بكر أنسيت شعرك من أوّل شهر رمضان فرض علينا صيامه، حيث جاءك حذيفة بن اليمان، وسهل بن حنيف، ونعمان الأزدي، وخزيمة بن ثابت فى يوم جمعة إلى دارك ليقضيك (2)ديناً


1) رقبه: انتظره (القاموس)

2) في «ج»: ليتقاضونك.

عليك، فلمّا انتهوا إلى باب الدار سمعوا لك صلصلة في الدار ، فوقفوا بالباب ولم يستأذنوا عليك، فسمعوا أمّ بكر زوجتك تناشدك وتقول: قد عمل حرّ الشمس بين كتفيك، قم إلى داخل البيت وأبعد عن الباب لا يسمعك بعض أصحاب محمد فيهدر دمك، فقد علمت انّ محمداً قد أهدر دم من أفطر يوماً من شهر رمضان من غير سفر ولا مرض خلافاً على الله وعلى محمد.

فقلت لها: هات لا أمّ لك فضل طعامي من الليل، وأترعي (1)الكأس من الخمر، وحذيفة ومن معه بالباب يسمعون محاورتكما، فجاءت بصحفة (2)فيها طعام من الليل وقعب مملوء خمراً، فأكلت من الصحفة وكرعت الخمر في ضحى النهار وقلت لزوجتك هذا الشعر:

ذريني أصطبح (3)يا أُمّ بكر ***فإنّ الموت نقب عن هشام

إلى أن انتهيت في شعرك:

يقول لنا ابن كبشة سوف تُحيىٰ*** وكيف حياة أشلاء (4)وهام

ولكن باطل قد قال هذا ***وإفك من زخاريف الكلام

ألا هل مبلغ الرحمن عنّى*** بانّى تارك شهر الصيام

وتارك كلّما أوحىٰ إلينا ***محمد من أساطير الكلام

قل الله يمنعني شرابي ***وقل الله يمنعني طعامي

ولكن الحكيم رأىٰ حميراً ***فالجمها فتاهت في اللجام

فلمّا سمعك حذيفة ومن معه تهجو محمداً قمحوا عليك في دارك، فوجدوك وقعب الخمر فى يدك وأنت تكرعها، فقالوا لك: يا عدوّ الله خالفت الله ورسوله،


1) أترعه ملأه (القاموس)

2) فی «الف» و «ب» صحيفة.

3) اصْطَبَحَ: أسرج وشرب الصبوح (القاموس)

4) أشلاء الإنسان أعضاؤه بعد البلى والتفرّق.

وحملوك كهيأ تك إلى مجمع الناس بباب رسول الله ،صلى الله عليه وآله، وقصّوا عليه قصّتك ،وأعادوا شعرك.

فدنوت منك وشاورتك وقلت لك في ضجيج الناس: قل إنّي شربت الخمر ليلاً فثملتُ (1)فزال عقلى فأتيت ما أتيته نهاراً ولا علم لي بذلك، فعسىٰ أن يدراً عنك الحّد، وخرج محمد فنظر إليك فقال: استيقضوه، فقلت: رأيناه وهو ثمل يا رسول الله صلى الله عليه وآله لا يعقل، فقال: ويحكم الخمر يزيل العقل، تعلمون هذا من أنفسكم فأنتم تشربونها، فقلنا: نعم يا رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد قال فيها امرء القيس الشاعر:

شربت الخمر حتّى زال عقلي ***كذاك الاثم (2)يفعل بالعقول

ثمّ قال محمد: أنظروا إلى افاقته من سكرته، فأمهلوك حتّى أريتهم انّك قد صحوت، فساء لك محمد فأخبرته بما أوعزته إليك من شربك لها بالليل، فما بالك اليوم تؤمن بمحمد وما جاء به وهو عندنا ساحر كذّاب؟

فقال: ويحك (3)يا أبا حفص لا شكّ عندي فيما قصصته علي، فاخرج إلى ابن أبي طالب فاصرفه عن المنبر.

قال: فخرج عمر وأمير المؤمنين عليه السلام جالس بجنب المنبر، فقال: ما بالك يا عليّ قد تصدّيت لها، هيهات هيهات دون والله ما تروم من علوّ هذا المنبر خرط القتاد، فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام حتّى بدت نواجذه ثمّ قال: ويلك منها والله يا عمر إذا أفضت إليك، والويل للأمة من بلائك.

فقال عمر:هذه بشرىٰ يا ابن أبي طالب صدقت ظنونك وحقّ قولك، وانصرف أميرالمؤمنين عليه السلام إلى منزله وكان هذا من دلائله عليه


1) الثمل السكر. (القاموس)

2) في «ب» و «ج»: الخمر.

3) في «ج»: ويلك.

السلام (1).

[في حديث البساط وأصحاب الكهف]

روي عن سلمان الفارسي رحمه الله قال: دخل أبو بكر وعمر وعثمان على رسول الله صلّى الله عليه وآله فقالوا: ما بالك يا رسول الله تفضّل علينا عليّاً في كلّ حال ؟ فقال: ما أنا فضّلته بل الله تعالى فضّله، فقالوا: وما الدليل ؟ فقال صلّى الله عليه وآله: إذا لم تقبلوا منّى فليس من الموتىٰ عندكم أصدق من أهل الكهف، وأنا أبعثكم وعليّاً، وأجعل سلماناً شاهداً عليكم إلى أصحاب الكهف حتّى تسلّموا عليهم، فمن أحياهم الله له وأجابوه كان الأفضل، قالوا: رضينا.

فأمر فبسط بساطاً له ودعا بعليّ عليه السلام فأجلسه وسط البساط، وأجلس كلّ واحد منهم على قرنة من البساط، وأجلس سلماناً على القرنة الرابعة، ثمّ قال: يا ريح أحمليهم إلى أصحاب الكهف وردّيهم إلىّ.

قال سلمان :فدخلت الريح تحت البساط وسارت بنا وإذا نحن بكهف عظيم، فحطتنا عليه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام :يا سلمان هذا الكهف والرقيم ، فقل للقوم يتقدّمون أو نتقدّم، فقالوا: نحن نتقدّم، فقام كلّ واحد منهم فصلّىٰ ودعا وقال: السلام عليكم يا أصحاب الكهف، فلم يجبهم أحد.

فقام أمير المؤمنين عليه السلام بعدهم فصلّىٰ ركعتين ودعا ونادىٰ: (يا أصحاب الكهف)، فصاح الكهف وصاح القوم من داخله بالتلبية، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: السلام عليكم أيّها الفتية الذين آمنوا بربّهم فزادهم (2)


1) عنه البحار 29 : 35 ح 18: ومدينة المعاجز 3: 14 ح 693 : وفي هداية الحضيني : 102: وقال العلامة المجلسي ذيل الحديث أقول: أوردت هذا الخبر - ولا أعتمد عليه كل الاعتماد - لموافقته في بعض المضامين السائر الآثار والله أعلم بحقائق الأمور.

2) في «ج»: فزدناهم.

هدى، فقالوا: وعليك السلام يا أخا رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيّه وأمير المؤمنين، لقد أخذ الله علينا العهد بايماننا (1)بالله وبرسوله محمد صلّى الله عليه وآله وبالولاية بأمير المؤمنين عليه السلام (2)إلى يوم القيامة يوم الدين.

فسقط القوم على وجوههم وقالوا لسلمان :يا أبا عبد الله ردّنا، فقال: ما ذاك إليّ، فقالوا: يا أبا الحسن ردّنا، فقال عليه السلام :يا ريح ردّينا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله، فحملتنا فإذا نحن بين يديه، فقصّ عليهم رسول الله صلّى الله عليه وآله كلّما جرىٰ وقال: هذا حبيبي جبرئيل عليه السلام أخبرني به، فقالوا: الآن علمنا فضل عليّ علينا من عند الله عز وجل لا منك (3).

[في نزول سورة والنجم وتكلّم الشمس معه]

وروى باسناده إلى الباقر عليه السلام قال: لمّا كثر قول المنافقين وحسّاد أمير المؤمنين صلوات الله عليه فيما يظهره رسول الله صلّى الله عليه وآله من فضل عليّ عليه السلام وينص عليه ويأمر بطاعته، ويأخذ البيعة له على كبرائهم ومن لا يؤمن غدره، ويأمرهم بالتسليم عليه بامرة المؤمنين ويقول لهم: أنّه وصيّي وخليفتي وقاضي ديني ومنجز عداتي والحجة الله على خلقه أطاعه من بعدي ،من سعد ومن خالفه ضلّ وشقیٰ.

قال المنافقون: لقد ضلّ محمد في ابن عمّه عليّ وغوىٰ وجنّ والله ،وما أفتنه فيه وحببّه إليه إلّا قتل الشجعان والأقران والفرسان يوم بدر وغيرها من قريش وسائر العرب واليهود، وإنّ كلّما يأتينا به ويظهر في عليّ من هواه.


1) في «ج»: بعد ايماننا.

2) في «ج»: لك يا أمير المؤمنين بالولاء.

3) عنه البحار 144:39 ح 10؛ وفي مدينة المعاجز 3 : 159 ح 813؛ عن الهداية للحضيني : 111.

وكلّ ذلك يبلغ رسول الله صلّى الله عليه وآله حتّى اجتمعت التسعة المفسدون في الأرض في دار الأقرع بن حابس التميمي، وكان يسكنها في ذلك الوقت صهيب الرومي، وهم التسعة الذين إذا عُدّ أمير المؤمنين عليه السلام معهم كان عدّتهم عشرة ، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة ،والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف الزهري، وأبو عبيدة بن الجراح.

فقالوا: لقد أكثر محمد في حق علىّ (1)حتّى لو أمكنه يقول لنا: اعبدوه لقال، فقال سعد بن أبي وقاص:ليت محمداً أتانا فيه بآية من السماء كما آتاه الله في نفسه من الآيات مثل انشقاق القمر وغيره.

وباتوا ليلتهم تلك، فنزل نجم من السماء حتّى صار في ذروة جدار أمير المؤمنين عليه السلام متعلّقاً، يضيء في سائر المدينة حتّى دخل ضياؤه في البيوتات وفي الآبار (2)وفي المفازات (3)وفي المواضع المظلمة من بيوت الناس، فذعر أهل المدينة ذعراً شديداً، وخرجوا وهم لا يعلمون ذلك النجم على دار من نزل، ولا أين هو متعلّق لكن يروه على بعض منازل رسول الله صلّى الله عليه وآله.

فلمّا سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله ضجيج الناس خرج إلى المسجد ونادىٰ في الناس: ما الذي أرعبكم وأخافكم، هذا النجم علىّ دار علي بن أبي طالب ؟ فقالوا: نعم يا رسول الله، قال: أفلا تقولون لمنافقيكم التسعة الذين اجتمعوا في أمسكم في دار صهيب الرومي، فقالوا فيّ وفي أخي عليّ ما قالوه: وقال قائل منهم: ليت محمداً أتانا بآية من السماء [في علىّ] (4)كما آتىٰ بآية في نفسه من شقّ القمر وغيره، فأنزل الله عز وجل هذا النجم متعلّقاً على مشربة أمير المؤمنين عليّ


1) في «ج»: في حق عليّ حبّاً.

2) في «ج»: الآثار.

3) في «ج»: المغارات.

4) أثبتناه من «ب».

بن أبي طالب عليه السلام، وبقى إلى أن غاب كلّ نجم من السماء.

وصلّىٰ رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الفجر مغلساً، وأقبل الناس يقولون: ما بقي نجم في السماء وهذا النجم معلّق، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله: هذا حبيبي جبرئيل عليه السلام قد أنزل على هذا النجم قرآناً تسمعونه، ثمّ قرأ صلى الله عليه وآله:

(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى . مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى . وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى • عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) (1).

ثمّ ارتفع النجم وهم ينظرون إليه، والشمس قد بزغت وغاب النجم في السماء، فقال بعض المنافقين: لو شاء لأمر هذه الشمس فنادت باسم عليّ وقالت هذا ربّكم فاعبدوه، فهبط جبرئيل عليه السلام فخبر النبي صلّى الله عليه وآله بما قالوه - وكان ذلك في ليلة الخميس وصبيحته - فأقبل بوجهه الكريم على الناس وقال: استدعوا لي عليّاً من منزله، فاستدعوه.

فقال له: يا أبا الحسن انّ قوماً من منافق أمّتى ما قنعوا بآية النّجم حتّى قالوا: لو شاء محمد لأمر الشمس أن تنادي باسم عليّ وتقول: هذا ربّكم فاعبدوه، فإنّك يا عليّ في غدٍ بعد صلاتك - صلاة الفجر - تخرج معي إلى بقيع الغرقد، فقف نحو مطلع الشمس فإذا بزغت الشمس فادع بدعوات أنا القنك إيّاها، وقل للشمس: السلام عليك يا خلق الله الجديد، واسمع ما تقول لك وما ترد عليك وانصرف إلىّ به.

فسمع الناس ما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله، وسمع التسعة المفسدون في الأرض، فقال بعضهم لبعض: لا تزالون تغرون محمداً بأن يظهر في ابن عمّه عليّ كلّ آية، وليس (2)مثل ما قال محمد في هذا اليوم، فقال اثنان منهم، وأقسما بالله جهد


1) النجم : 1-5 .

2) في «ج»: لبنس ما قال.

أيمانهما - وهما أبو بكر وعمر - انّهما لابد أن يحضرا البقيع حتّى ينظرا أو يسمعا(1)ما يكون من عليّ والشمس.

فلمّا صلّىٰ رسول الله صلّى الله عليه وآله صلاة الفجر وأمير المؤمنين عليه السلام معه في الصلاة، أقبل عليه وقال: قم يا أبا الحسن إلى ما أمرك الله به ورسوله، فأت البقيع حتّى تقول للشمس ما قلت لك، وأسرّ إليه سرّاً كان فيه الدعوات التي علّمه إيَّاها.

فخرج أمير المؤمنين عليه السلام يسعىٰ إلى البقيع حتّى بزغت الشمس، فهمهم بذلك الدعاء همهمة لم يعرفونها وقالوا :هذه الهمهمة ما علّمه محمد من سحره، وقال للشمس: السلام عليك يا خلق الله الجديد، فأنطقها الله بلسان عربي مبين، فقالت: والسلام عليك يا أخا رسول الله ووصيّه، أشهد بأنك الأوّل والآخر والظاهر والباطن، وانّك عبد الله وأخو رسوله حقاً.

فأرعدوا (2)واختلطت عقولهم وانكفّوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله مسودّة وجوههم تغيظ أنفسهم، فقالوا: يا رسول الله ما هذا العجب العجيب الذي لم نسمع من النبيّين ولا من المرسلين ولا من الأمم الغابرة القديمة، كنت تقول لنا: انّ علياً ليس ببشر وهو ربّكم فاعبدوه، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله بمحضر من الناس في مسجده: تقولون بما قالت الشمس وتشهدون بما سمعتم.

فقالوا: يحضر عليّ فيقول فنسمع ونشهد بما قال للشمس وقالت له الشمس، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله: لا بل تقولون، فقالوا: قال علي للشمس: السلام عليك يا خلق الله الجديد بعد أن همهم همهمة تزلزل منها البقيع، فأجابته الشمس: وعليك السلام يا أخا رسول الله ووصيّه، اشهد أنّك الأوّل والآخر


1) في «ج»: أن نحضر البقيع حتى ننظر ونسمع.

2) في «ب» و «ج» : فارتعدوا.

والظاهر والباطن، وانّك عبد الله وأخو رسوله حقّاً.

فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله : الحمد لله الذي خصّنا بما تجهلون، وأعطانا ما لا تعلمون، قال: قد تعلمون (1)انّى آخيت علياً دونكم، وأشهدتكم انّه وصيّي فماذا أنكرتم؟ عساكم تقولون (2)ما قالت له الشمس: انّك الأوّل والآخر والظاهر والباطن، قالوا: نعم يا رسول الله لأنك أخبرتنا بأن الله هو الأول والآخر في كتابه المنزل عليك.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله :ويحكم وأنّىٰ لكم يعلم ما قالت له الشمس، أمّا قولها: «انّك الأوّل »فصدقت، أنّه أوّل من آمن بالله ورسوله ممّن دعوته إلى الايمان من الرجال وخديجة من النساء، وأمّا قولها: «الآخر» فإنّه آخر الأوصياء وأنا خاتم (3)الأنبياء وخاتم الرسل.

وأمّا قولها: «الظاهر» فإنّه ظهر على كلّ ما أعطاني الله من عَلِمَهُ، فما علمه معي غيره ولا يعلمه بعدي سواه، ومن ارتضاه بسرّه من ولده، وأمّا قولها :«الباطن» فهو والله باطن علم الأوّلين والآخرين وسائر الكتب المنزلة على النبيّين والمرسلين، وما زادني الله تعالى به من علم ما لم تعلموه وفضل ما لم تعطوه، فماذا تنكرون؟

فقالوا بأجمعهم: نحن نستغفر الله يا رسول الله، لو علمنا ما تعلم لسقط الاقرار بالفضل لك ولعليّ، فاستغفر الله لنا، فأنزل الله سبحانه: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (4)وهذا في سورة المنافقين، فهذه من دلائله عليه السلام (5)


1) في «ج»: علمتم.

2) في «ج»: فماذا أنكرتم عليه لم تقولوا ما قالت.

3) في «ج»: آخر.

4) لمنافقون : 6.

5) عنه البحار :35 276 ح 5: ومدينة المعاجز 3 : 161 ح 814 ؛ عن الهداية للحضيني : 116.

[في قوله عليه السلام لرجل إخسأ ]

وباسناده إلى أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: بينما أمير المؤمنين يتجهّز إلى معاوية ويحرّض الناس على قتاله إذ اختصم إليه رجلان في فعل، فعجل أحدهما في الكلام وزاد فيه، فالتفت إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: إخساً، فإذا رأسه رأس كلب، فبهت من حوله وأقبل الرجل باصبعه المسبّحة يتضرّع إلى أمير المؤمنين عليه السلام ويسأله الاقالة.

فنظر إليه وحرّك شفتيه، فعاد كما كان خلقاً سويّاً، فوثب إليه بعض أصحابه فقال له: يا أمير المؤمنين هذه القدرة لك كما رأينا، وأنت تجهز إلى معاوية، فما لك لا تكفيناه ببعض ما أعطاك الله من هذه القدرة؟

فأطرق قليلاً ورفع رأسه إليهم فقال: والذي فلق الحبّة وبرئ النسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة في طول هذه الفيافي والفلوات والجبال والأودية حتى أضرب صدر معاوية على سريره، فأقلبه على رأسه لفعلت، ولو أقسمت على الله عز وجل أن أوتي به قبل أن أقوم من مجلسي هذا، وقبل أن يرتد إلى أحدٍ منكم طرفه لفعلت، ولكنّها كما وصف الله عز وجل في قوله: ( عِبَادٌ مُكْرَمُونَ • لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (1)فكان هذا من دلائله عليه السلام (2).

[أغارة خيل معاوية على الشيعة وضربه عليه السلام معاوية برجله]

وروى باسناده إلى ميثم التمّار قال: خطبنا (3)أمير المؤمنين عليه السلام في


1) الأنبياء : 26 و 27 .

2) عنه البحار 33 : 280 ح 545: ونحو الثاقب في المناقب : 242 ح 206: عنه مدينة المعاجز 2 : 297 ح 560: وأيضاً في :3 : 173 ح 817: عن الهداية للحضيني : 124.

3) في «ب» و «ج»: خطب لنا.

جامع الكوفة، فأطال خطبته وأعجب الناس تطويلها وحسن وعظها وترغيبها وترهيبها، إذ دخل نذير (1)من ناحية الأنبار مستغيثاً يقول: الله الله يا أمير المؤمنين في رعيّتك وشيعتك، هذه خيل معاوية قد شنّت علينا الغارة في سواد الفرات ما بين هيت(2)والأنبار (3).

فقطع أمير المؤمنين عليه السلام الخطبة وقال: ويحك بعض خيل معاوية قد دخل الدسكرة (4)التي تلي جدران الأنبار، فقتلوا فيها سبع نسوة وسبعة من الأطفال ذكراناً وسبعة أناثاً، وشهروا بهم ووطؤوهم بحوافر خيلهم، وقالوا: هذه مراغمة أبي تراب، فقام ابراهيم بن الحسن الأزدي بين يدي المنبر فقال: يا أمير المؤمنين هذه القدرة التي رأيت بها وأنت على منبرك ان في دارك خيل معاوية ابن آكلة الأكباد، وما فعل بشيعتك ولم يعلم بها هذا، فلم تقصر (5)عن معاوية؟

فقال له: ويحك يا ابراهيم (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) (6)، فصاح الناس من جوانب المسجد: يا أمير المؤمنين فإلىٰ متىٰ يهلك (7)من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة وشيعتك تهلك ؟ قال لهم عليه السلام:


1) في «ج»: بريده.

2) هيت - بالكسر وآخره تاء مثناة : قال ابن السكيت: سميت هيتُ هيت لأنها في هوّة من الأرض.... وهي بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار ذات نخل كثير وخيرات واسعة وهي مجاورة للبرية طولها من جهة المغرب تسع وتسعون درجة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة ونصف ربع وهي في الاقليم الثالث. (معجم البلدان )5 : 420

3) الأنبار مدينة على الفرات في غربي بغداد بينهما عشرة فراسخ .... قال أبو القاسم: الأنبار حد بابل، سميت به لأنه كان يُجمع بها أنابير الحنطة والشعير والقتّ والتبن، وكانت الأكاسرة ترزق أصحابها منها، وكان يقال لها: الأهراء، فلما دخلتها العرب عربتها فقالت: الأنبار (معجم البلدان )(1 : 257)

4) الدسكرة - فتح أوّله وسكون ثانيه وفتح كافه - : قرية كبيرة ذات منبر بنواحي نهر الملك من غربي بغداد والدسكرة في اللغة: الأرض المستوية. (معجم البلدان 2 : 455)

5) في «ج»: تقصيرك.

6) الأنفال : 42.

7) في «ج»: فإلى متى تمثلك ليهلك.

( لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ) (1).

فصاح زيد بن كثير المرادي وقال: يا أمير المؤمنين تقول بالأمس وأنت متجهّز إلى معاوية وتحرّضنا على قتاله، ويحتكم إليك الرجلان في الفعل فيعجل عليك أحدهما في الكلام، فتجعل رأسه رأس الكلب، فيستجير بك فتردّه بشراً سويّاً، ونقول لك (2): ما بال هذه القدرة لا تبلغ معاوية فتكفينا شرّه، فتقول لنا: وفالق الحبّة وبارئ النسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة صدر معاوية وأقلبه على أمّ رأسه لفعلت ،فما بالك لا تفعل ما تريد، إلّا أن تضعف نفساً (3)فتشكّ فيك فتدخل النار.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام :لأفعلنّ ذلك ولأعجلتّه على ابن هند، فمدّ رجله على منبره فخرجت عن أبواب المسجد وردّها إلى فخذه، وقال :معاشر الناس أقيموا تاريخ الوقت واعلموه، فقد ضربت برجلي هذه الساعة صدر معاوية فقلبته عن سريره على أمّ رأسه، فظنّ أنّه قد أحيط به، فصاح: يا أمير المؤمنين فأين النظرة، فرددت رجلي عنه.

وتوقّع الناس ورود الخبر من الشام وعلموا انّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه لا يقول إلّا حقاً، فوردت الأخبار والكتب بتاريخ تلك الساعة بعينها [من ذلك اليوم ] (4)انّ رجلاً جاءت من ناحية الكوفة ممدودة متّصلة، فدخلت من ديوان معاوية والناس ينظرون حتّى ضربت صدره، فقلبته عن سريره على أمّ رأسه، فصاح: يا أمير المؤمنين فأين النظرة؟ وردّت تلك الرجل عنه، وعلم الناس ما قال أمير المؤمنين عليه السلام حقّاً، فكان هذا من دلائله عليه السلام(5).


1) في «ج»: فإلى متى تمثلك ليهلك.

2) في «ج»: ويقول لك بعض أصحابك.

3) في «ب»: نفوسنا.

4) أثبتناه من «ب» و «ج».

5) عنه البحار 33 : 281 - 546: وهداية الحضيني : 125.

قصّة اليهودى وافتقاده حميره

وبالاسناد إلى أبي حمزة الثمالي، عن أبي اسحاق السبيعي قال: دخلت المسجد الأعظم بالكوفة فإذا أنا بشيخ أبيض الرأس واللحية لا أعرفه، مستنداً إلى أسطوانة وهو يبكي ودموعه تسيل على خديّه، فقلت له: يا شيخ ما يبكيك؟ فقال: أنّه أتت عليّ نيف ومائة سنة لم أر فيها عدلاً ولا حقاً ولا علماً ظاهراً إلا ساعتين من نهار، وأنا أبكى لذلك.

فقلت: وما تلك الساعة والليلة واليوم الذي رأيت فيه العدل؟ فقال: إنّي رجل من اليهود، وكان لي ضيعة بناحية سوراء (1)، وكان لنا جار في الضيعة من أهل الكوفة يقال له: الحارث الأعور الهمداني، وكان رجلاً مصاب العين، وكان لي صديقاً وخليطاً، وإنّى دخلت الكوفة يوماً من الأيام ومعى طعام على احمرة لي اريد بيعه بالكوفة.

فبينما أنا أسوق الأحمرة وقد صرت في سبخة الكوفة، وذلك بعد عشاء الآخرة، فافتقدت حميري، فكأنّ الأرض ابتلعتها أو السماء تناولتها، أو كأنّ الجنّ اختطفتها، وطلبتها يميناً وشمالاً فلم أجدها، فأتيت منزل الحارث الهمداني من ساعتي أشكو إليه ما أصابني وأخبرته الخبر، فقال: انطلق بنا إلى أمير المؤمنين عليه السلام حتّى نخبره.

فانطلقنا إليه فأخبرته(2)الخبر ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام للحارث: انصرف إلى منزلك وخلّني واليهودي، فأنا ضامن لحميره وطعامه حتّى أردّها له، فمضى الحارث إلى منزله وأخذ أمير المؤمنين عليه السلام بيدي حتّى أتينا الموضع


1) سوراء - بضم أوله وسكون ثانيه ثمّ راء وألف ممدودة - : موضع يقال هو إلى جانب بغداد، وقيل: هو بغداد نفسها، ويُروى بالقصر. (معجم البلدان )3 (278)

2) في «ج»: فأخبرناه.

الذي افتقدت فيه حميري وطعامي، فحوّل وجهه عنّى وحرّك شفتيه ولسانه بكلام لم أفهمه، ثمّ رفع رأسه فسمعته يقول: والله ما على هذا بايعتموني وعاهدتموني يا معشر الجنّ، وأيم الله لئن لم تردّوا على اليهودي حميره وطعامه لأنقضنّ عهدكم ولأجاهدنّكم في الله حقّ جهاده.

قال: فوالله ما فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من كلامه حتّى رأيت حميري وطعامي بين يديّ، ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السلام: اختر يا يهودي احدىٰ خصلتين، امّا أن تسوق حميرك وأحثّها عليك، أو أسوقها (1)أنا وتحثّها عليّ.

قال: قلت بل أسوقها (2)وأنا أقوىٰ على حثّها، وتقدّم أنت يا أمير المؤمنين أمامها، واتّبعته بالحمير حتّى انتهىٰ بنا إلى الرحبة ،فقال: يا يهودي إنّ عليك بقية الليل فأحْفِظُ حميرك حتّى تصبح وحط أنت عنها، أو أحط عنها وتحفظ أنت حتّى تصبح، فقلت: يا أمير المؤمنين أنا أقوىٰ على حطّها وأنت على حفظها حتّى يطلع الفجر، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: خلّنى وإيَّاها وتم أنت حتى يطلع الفجر .

فلمّا طلع الفجر انتبهت وقال: قم قد طلع الفجر فاحفظ حميرك وليس عليك بأس، ولا تغفل عنها حتّى أعود إليك إن شاء الله تعالى، ثمّ انطلق أمير المؤمنين عليه السلام فصلّىٰ بالناس الصبح ، فلمّا طلعت الشمس أتاني وقال: افتح برّك على بركة الله وسعّر طعامك، ففعلت.

ثمّ قال: اختر منّى خصلة من خصلتين، أمّا أن أبيع أنا وتستوفي أنت الثمن، أو تبيع أنت وأستوفي أنا لك الثمن؟ فقلت: بل أبيع أنا وتستوفي أنت الثمن، فقال: أفعل، فلمّا فرغت من بيعي سلّم إلىّ الثمن وقال: ألك حاجة؟ فقلت: نعم، أريد أدخل في شراء حوائج لي، قال: فانطلق حتّى أعينك فإنك ذمّى.


1) في «ب»: أسبقها أنا.

2) في «ب»: بل أسبقها وأنا أقوى .

فلم يزل معي حتّى فرغت من حوائجي، ثم ودّعني، فقلت له عند الفراق: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، وأشهد أنّك عالم هذه الأمة، وخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله على الجنّ والانس، فجزاك الله عن الإسلام خيراً.

ثمّ انطلقت إلى ضيعتي، فأقمت بها شهوراً ونحو ذلك، فاشتقت إلى رؤية أمير المؤمنين عليه السلام، فقدمت وسألت عنه، فقيل لي: قد قتل أمير المؤمنين عليه السلام، فاسترجعت وصليت صلاة كثيرة وقلت عند فراغي: ذهب العلم، وكان أوّل عدل رأيت منه تلك الليلة، وآخر عدل رأيته منه في ذلك اليوم، فما لي لا أبكي؟ وكان هذا من دلائله عليه السلام (1).

[خبر الذين بايعوا الضب]

روي مرفوعاً إلى أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: لما أراد أمير المؤمنين عليه السلام يسير إلى الخوارج بالنهروان، واستنفر أهل الكوفة وأمرهم أن يعسكروا بالمدائن، فتخلّف عنه شبث بن ربعي، والأشعث بن قيس الكندي، وجرير بن عبد الله البجلي، وعمرو بن حريث.

فقالوا: يا أمير المؤمنين تأذن لنا أيّاماً نقضي حوائجنا ،ونصنع ما نريد ثمّ نلحق بك، فقال لهم: فعلتموها سوءة لكم من مشايخ، والله ما لكم حاجة تتخلّفون عليها ولكنّكم تتخذون سفرة، وتخرجون إلى النزهة، وتجلسون وتنظرون في منظر تتنحون عن الجادة، وتبسط سفرتكم بين أيديكم، فتأكلون من طعامكم، ويمرّ ضبّ فتأمرون غلمانكم فيصطادوه لكم ويأتوكم به فتخلعوني وتبايعون الضبّ وتجعلونه إمامكم.


1) عنه البحار 39 : 189 ح 26؛ وفي هداية الحضيني : 126.

وتعلموا انّ أخي (1)رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إذا كان يوم القيامة نادىٰ مناد ليخلوا كلّ قوم بما كانوا يأتمون به في الحياة الدنيا، فمن أقبح وجوهاً منكم وأنتم تخلعون أخا رسول الله صلى الله عليه وآله وابن عمه وصهره، وتنقضون ميثاقه الذي أخذه الله ورسوله عليكم، وتحشرون يوم القيامة وإمامكم ضبّ، وهو قول الله عز وجل: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) (2).

فقالوا: والله يا أمير المؤمنين ما نريد إلا أن نقضى حوائجنا ونلحق بك، فولّىٰ عنهم وهو يقول: عليكم الدمار [والبوار] (3)، والله ما يكون إلّا ما قلت لكم وما قلت إلّا حقّاً، ومضىٰ أمير المؤمنين عليه السلام حتى إذا صار بالمدائن خرج القوم إلى الخورنق، وهيّأ وا طعاماً في سفرة وبسطوها في الموضع، وجلسوا يأكلون ويشربون الخمر.

فمرّ بهم ضبّ فأمروا غلمانهم فصادوه وأتوهم به، فخلعوا أمير المؤمنين عليه السلام وبايعوا له، وبسط لهم الضبّ يده فقالوا: أنت والله إمامنا ما بيعتنا لك ولعليّ بن أبي طالب إلا واحدة، وانّك لأحبّ إلينا منه، فكان كما قال أمير المؤمنين عليه السلام، وكان القوم كما قال الله عز وجل: (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ) (4).

ثم لحقوا به فقال لهم لما وردوا عليه: فعلتم يا أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء أمير المؤمنين ما أخبرتكم به، فقالوا: لا يا أمير المؤمنين ما فعلنا، فقال: والله ليبعثنّكم الله مع إمامكم ، فقالوا: قد فلحنا يا أمير المؤمنين إذا بعثنا الله معك، قال: كيف تكونون معي وقد خلعتموني وبايعتم الضبّ؟ والله لكأنّى أنظر إليكم يوم القيامة والضبّ يسوقكم إلى النار.


1) في «(ج)»: اعلموا اني سمعت أخي

2) الاسراء : 71

3) أثبتناه من «ب» و «ج».

4) الكهف : 50.

فحلفوا له بالله إنا ما فعلنا ولا خلعناك ولا بايعنا الضبّ، فلما رأوه يكذّبهم ولا يقبل منهم أقرّوا له وقالوا: اغفر لنا ذنوبنا، قال: والله لا غفرت لكم ذنوبكم قد اخترتم مسخاً مسخه الله وجعله آية للظالمين (1)، وكذبتم رسول الله صلى الله عليه وآله، وحدّثني بحديثكم عن جبرئيل عن الله سبحانه، فبعداً لكم وسحقاً.

ثم قال: لئن كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله منافقون فإنّ معي منافقون وأنتم هم، أما والله يا شبث بن ربعي، وأنت يا عمرو بن حريث ومحمد ابنك، وأنت يا أشعث بن قيس لتقتلنّ ابني الحسين، هكذا حدّثني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله، فالويل لمن رسول الله صلى الله عليه وآله خصمه، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله.

فلمّا قتل الحسين عليه السلام كان شبث بن ربعي، وعمرو بن حريث، ومحمد بن الأشعث فيمن سار إليه من الكوفة وقاتلوه بكربلاء حتّى قتلوه، وكان هذا من دلائله عليه السلام (2).

[في اعطائه عليه السلام الأمان لمروان، وتكلّمه مع الأسد والأفعى]

وروي باسناده إلى حنان بن سدير الصيرفي، عن رجل من مراد يقال له: رباب بن رياح، قال: كنت قائماً على رأس أمير المؤمنين عليه السلام بالبصرة بعد الفراغ من أصحاب الجمل إذ أتىٰ عبد الله بن عباس فقال: يا أمير المؤمنين لي إليك حاجة، فقال عليه السلام :ما أعرفني بحاجتك قبل أن تذكرها، جئت تطلب منّى الأمان لمروان بن الحكم.


1) في «ج»: للعالمين.

2) راجع مدينة المعاجز 3 : 168 ح 815؛ عن الهداية للحضيني : 134؛ ونحوه في الخرائج 1 : 225 ح 70؛ عنه البحار :33 384 ح 614 .

فقال: يا أمير المؤمنين أحب أن تؤمنه، فقال: قد آمنته (1)، لكن اذهب فجئني به يبايعني ولا تجتني به إلا رديفاً صاغراً، قال: فما لبثت إلا قليلاً حتى أقبل ابن عباس وخلفه مروان بن الحكم رديفاً، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: هلمّ أبايعك.

قال مروان: على انّ النفس فيها ما فيها، قال أمير المؤمنين عليه السلام: لست أبايعك على ما في نفسك، إنما أنا أبايعك على الظاهر، قال: فمدّ يده فبايع أمير المؤمنين عليه السلام، فلمّا بايعه قال: هبه يا ابن الحكم فلكنت تخاف أن يقع رأسك في هذه البقعة، كلّا أبى الله أن يكون ذلك حتّى يخرج من صلبك طواغيت يملكون هذه الرعية، يسومونهم خسفاً (2)وظلماً وجوراً، يسقونهم كأساً مرّاً.

قال مروان لمن يثق به :والله ما كان منى إلا ما أخبرني به على عليه السلام، ثمّ هرب فلحق بمعاوية فكان ما قال أمير المؤمنين عليه السلام حقّاً، فكان هذا من دلائله عليه السلام (3).

وروي باسناده إلى الحارث الأعور الهمداني قال : كنّا مع أمير المؤمنين عليه السلام بالكناس إذ أقبل أسد يهوي من البر، فتضعضعنا له وانتهىٰ إلى أمير المؤمنين عليه السلام وطرح نفسه بين يديه خاضعاً ذليلاً، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ارجع ولا تدخلنّ دار هجرتي وبلّغ ذلك عنّى جميع السباع ما أطاعوني، فإذا عصوا الله في وخلعوا طاعتي فقد حكمتكم (4)فيهم.

قال: فلم تزل جميع السباع تتجافى الكوفة وجميع ما حولها إلى أن قبض أمير المؤمنين عليه السلام وتقلّدها زياد بن أبيه دعيّ أبا سفيان، فلمّا دخلها سلّطت


1) في «ج»: قد آمنته لك.

2) في «ب»: عسفاً.

3) نحوه باختلاف في الخرائج 1 : 197 ح 35 عنه البحار 41 : 298 ح 26: والهداية : 161.

4) حكمتك (خ ل).

السباع على الكوفة وما حولها حتّى أفنت أكثر الناس، فكان هذا من دلائله عليه السلام (1).

وعن الحارث الأعور الهمداني قال: بينما أمير المؤمنين علىّ عليه السلام يخطب للناس يوم الجمعة في مسجد الكوفة إذ أقبل أفعى من ناحية باب الفيل، رأسه أعظم من رأس البعير، يهوي نحو المنبر، فانفرق الناس فرقتين في جانب المسجد خوفاً.

فجاء حتّى صعد المنبر، ثمّ تطاول إلى أذن أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فأصغىٰ إليه باذنه وأقبل عليه يسارّه مليّاً ثمّ نزل، فلما بلغ باب أمير المؤمنين الذي يسمّونه «باب الفيل» انقطع أثره وغاب ، فلم يبق مؤمن ولا مؤمنة إلِّا قال: هذا من عجائب أمير المؤمنين عليه السلام، ولم يبق منافق إلا قال: هذا من سحره.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أيّها الناس لست بساحر، وهذا الذي رأيتموه وصيّ محمد صلى الله عليه وآله على الجنّ وأنا وصيّه على الجن والانس،وهذا يطيعني أكثر ممّا تطيعوني، وهو خليفتي فيهم، وقد وقع بين الجن ملحمة تهادروا فيها الدماء، لا يعلمون ما الخروج عنها ولا ما الحكم فيها، وقد أتاني سائلاً عن الجواب في ذلك، فأجبته عنه بالحق، وهذا المثال الذي تمثّل لكم به أراد أن يريكم فضلي عليكم الذي هو أعلم به منكم، وكان هذا من دلائله عليه السلام (2).

وعنه بهذا الاسناد قال: خرجنا مع أمير المؤمنين عليه السلام حتّى انتهينا إلى العاقول بالكوفة على شاطئ الفرات، فإذا نحن بأصل شجرة وقد وقع أوراقها وبقي عودها يابساً، فضربها بيده المباركة وقال لها: ارجعي باذن الله خضراء ذات ثمر ، فإذا هي تهتزّ(3)بأغصانها مثمرة مورقة وحملها الكمثرىٰ الذي لم ير مثله في


1) الثاقب في المناقب : 250 ح 1؛ والخرائج 1 : 191 ح 27؛ عنه البحار 41 : 231 ح 2؛ والهداية : 28 (الحجرية).

2) مدينة المعاجز 3: 171 ح 816؛ عن الهداية للحضيني : 152؛ وفي الثاقب : 248 ح 213.

3) في «ج»: تخضر.

فواكه الدنيا، وطعمنا منها وتزوّدنا وحملنا، فلمّا كان بعد أيّام عُدنا إليها فإذا بها خضراء وفيها الكمثرىٰ ، وكان هذا من دلائله عليه السلام (1).

[في قضاء ديون النبي صلى الله عليه وآله وقصة الأعرابي]

وروي مرفوعاً إلى جابر الجعفى عن الباقر عليه السلام قال: لما أراد أمير المؤمنين عليه السلام قضاء ديون النبي صلى الله عليه وآله وانجاز عداته أمر منادياً ينادي: من كان له على رسول الله صلى الله عليه و آله دين أو عدة فليقل إلينا (2).

وكان يأتي (3)الرجل وأمير المؤمنين عليه السلام كان لا يملك شيئاً، فقال: اللّهمّ اقض عن نبيك صلوات الله عليه، فيصيب ما وعد النبي صلى الله عليه وآله تحت البساط لا يزيد درهماً ولا ينقص درهماً.

فقال أبو بكر لعمر : هذا يصيب ما وعد النبي تحت البساط ونخشىٰ أن تميل الناس إليه، فقال: ينادي مناديك أيضاً فإنّك ستقضي كما قضىٰ، فنادىٰ مناديه: ألا من كان له عند رسول الله صلى الله عليه و آله دين أو عدة فليقل (4)، فسلّط الله عليه أعرابياً، فقال: إنّ لي عند رسول الله صلى الله عليه وآله عدة ثمانون ناقة حمراء (5)سود المقل بأزمتها ورحالها.

فقال أبو بكر : يا أعرابي تحضر عندنا في غد، فمضى الأعرابي، فقال أبو بكر لعمر: ألا ترىٰ إلى هذا الأمر؟ إنّك لتلقيني في كلّ أذيّة، ويحك من أين في الدنيا


1) مدينة المعاجز 3 : 175 ح 818؛ عن الهداية للحضيني : 28 (الحجرية) وفي الثاقب : 246 ح 211؛ والبحار .248:41

2) ي «ج»: فليأت إلينا.

3) في «ج»: يُقبل.

4) في «ج»: فليُقبل.

5) في «ج»: حمر الوبر

عشرون ناقة بهذه الصفة، ما تريد إلّا أن تجعلنا كذّابين عند الناس، فقال عمر: يا أبا بكر انّ هنا حيلة تخلّصك منه، فقال: وما هي؟ فقال: تقول: احضرنا (1)بيّنتك على رسول الله بهذا الذي ذكرته حتّى نوفّيك إيَّاه، فإنّ رسول الله لا تقوم عليه بيّنة في دين ولا عدة.

فلمّا كان من الغد حضر الأعرابي فقال: قد جئت للوعد، فقال له أبو بكر وعمر: يا أعرابي أحضرنا بيّنتك على رسول الله حتّى نوفيك، فقال الأعرابي: أترك رجلاً يعطيني بلا بينة وأجىء إلى قوم لا يعطونى إلا ببيّنة، وما أرىٰ إلّا وقد انقطعت بكم الأسباب، أو تزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان كذّاباً ، لآتينّ أبا الحسن علياً فإن قال لى مثل ما قلتم لأرتدّنّ عن الإسلام.

فجاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: إنّ لي عند رسول الله صلى الله عليه وآله عدة ثمانون ناقة حمراء (2)سود المقل، فقال أمير المؤمنين عليه السلام :اجلس يا أعرابي فإنّ الله تعالى سيقضي عن نبيه صلى الله عليه وآله، ثمّ قال عليه السلام :یا حسن یا حسین تعاليا فاذهبا إلى وادي فلان، وناديا عند شفير الوادي بأنا رسولا وصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله إليكم وحبيباه، وان لأعرابي عند رسول الله صلى الله عليه وآله ثمانون ناقة حمراء (3)سود المقل[ فمضيا وناديا ] (4).

فأجابهما مجيب من الوادي :نشهد أنكما حبيبا رسول الله صلى الله عليه وآله و وصيّاه، فانتظرا حتّى نجمعها بيننا، فما جلسا إلا قليلاً فظهرت ثمانون ناقة حمراء سود المقل ،وانّ الحسن والحسين عليهما السلام ساقاهما إلى أمير المؤمنين عليه


1) في «ب»: احضر لنا.

2) في «ج»: حمر الوبر.

3) في «ج»: حمر الوبر.

4) أثبتناه من «ج».

السلام، فدفعها إلى الأعرابي، وكان هذا من دلائله عليه السلام (1).

[في بيان أحوال عمرو بن الحمق الخزاعي]

وباسناده إلى أبي حمزة الثمالي ،عن جابر بن عبد الله بن عمر بن حزام (2)الأنصاري قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله سرية فقال: انّكم تصلون ساعة كذا وكذا من الليل أرضاً لا تهتدون فيها مسيراً، فإذا وصلتم إليها فخذوا ذات الشمال، فإنّكم تمرّون برجل فاضل خير في شأنه، فاستر شدوه فيأبىٰ أن يرشدكم حتى تأكلوا من طعامه، ويذبح لكم كبشاً فيطعمكم، ثمّ يقوم معكم فير شدكم الطريق، فاقرؤوه منّى السلام وأعلموه انّى قد ظهرت بالمدينة.

فمضوا فلمّا وصلوا في ذلك الوقت إلى الموضع المسمّىٰ ضلوا، قال قائل منهم: ألم يقل لكم رسول الله صلى الله عليه وآله خذوا بذات الشمال ؟ [فأخذوا ذات الشمال ] (3)فمرّوا بالرجل الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله لهم، فاستر شدوه الطريق، فقال: لا أرشدكم حتّى تأكلوا من طعامي، وذبح لهم كبشاً، فأكلوا من طعامه وقام معهم فأرشدهم الطريق وقال لهم : أَظهَرَ النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة؟ قالوا: نعم، وأبلغوه سلامه.

فخلّف في شأنه (4)من خلّف ومضىٰ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو عمرو بن الحمق الخزاعي بن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن درّاج بن


1) مدينة المعاجز 3 : 175 ح 815؛ عن الهداية للحضيني : 153 : وفي الخرائج 1 : 175 8: عنه البحار 41: 192 ح 4؛ ونحوه الثاقب في المناقب : 127 ح 4 والخصائص للرضي : 49

2) في بعض المصادر: حرام.

3) أثبتناه من «ج».

4) في «ب»: في بستانه .

عمرو بن سعد بن كعب .(1)

أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله العبد الصالح الذي أبْلَتْه العبادة فنحل جسمه، وصفر لونه بعد ما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً نزل عليك من رأس الجبل ثمّ قتلته جرأةٌ على ربّك واستخفافاً بذلك العهد ... » (البحار 213:44).

فلبث معه صلّى الله عليه وآله ما شاء الله، ثمّ قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: ارجع إلى الموضع الذي هاجرت إليّ منه، فإذا جاء أخي عليّ بن أبي طالب عليه السلام الكوفة وجعلها دار هجرته فآته (2)، فانصرف عمرو بن الحمق إلى شأنه حتى إذا نزل أمير المؤمنين عليه السلام الكوفة أتاه فأقام معه [بالكوفة] (3)، فبينما أمير المؤمنين عليه السلام جالس وعمر و بين يديه فقال له: يا عمرو ألك دار؟ قال: نعم

قال: بعها واجعلها في الأزد، فإنّي في غد لو غبت عنكم لطلبت فتتبعك الأزد (4)حتّى تخرج من الكوفة متوجهاً نحو الموصل، فتمرّ برجل نصرانيّ فتقعد عنده وتستسقيه الماء، فيسقيك ويسألك عن شأنك فتخبره فتصادفه مقعداً، فادعه إلى الإسلام فإنّه يسلم، فإذا أسلم فمر يدك على ركبتيه فإنّه ينهض صحيحاً سليماً ويتبعك.

وتمرّ برجل محجوب جالس على الجادة ،فتستسقيه الماء فيسقيك ويسألك عن قضيّتك (5)وما الذي أخافك وممّ تتوقّىٰ، فحدّثه بأنّ معاوية طلبك ليقتلك


1) قال الشيخ عباس القمي رحمه الله في منتهى الآمال 1 : 400 : عمرو بن الحمق الخزاعي، العبد الصالح الإلهي من حواري باب علم النبي صلى الله عليه وآله، ولقد وصل إلى المقام الأستى بخدمته لأمير المؤمنين عليه السلام وأدرك حضوره، وقد شارك في جميع حروبه (الجمل وصفين والنهروان) وسكن الكوفة، وساعد حجر بن عدي بعداستشهاد علي عليه السلام في منع بني أمية عن سبه، وكتب الإمام الحسين عليه السلام في رسالته إلى معاوية :

2) فى «ج»: تنزل معه.

3) أثبتناه من «ج».

4) في «ج»: لطلبت منك الأزد.

5) في «ب» و «ج»: قصتك.

ويمثّل بك بايمانك بالله ورسوله صلى الله عليه وآله، وطاعتك واخلاصك في ولايتي ،ونصحك الله تعالى في دينك، وادعه إلى الإسلام فإنّه يسلم، ومرّ يدك على عينيه فإنّه يرجع بصيراً باذن الله تعالى، فيتابعك ويكونان معك، وهما اللذان يواريان جسدك في الأرض.

ثمّ تصير إلى دير على نهر يُدعىٰ بالدجلة فإنّ فيه صدّيقاً عنده من علم المسيح عليه السلام، فاتّخذه لك أعون الأعوان على سرّك، وما ذاك إلّا ليهديه الله بك، فإذا أحسّ بك شرطة ابن أُمّ حكم - وهو خليفة معاوية بالجزيرة، ويكون مسكنه بالموصل - فاقصد إلى الصدّيق الذي في الدير في أعلى الموصل.

فناده فإنه يمتنع عليك، فاذكر اسم الله الذي علّمتك إيّاه فإنّ الدير يتواضع لك حتى تصير في ذروته، فإذا رآك ذاك الراهب الصدّيق قال لتلميذ معه: ليس هذا من أوان المسيح، هذا شخص كريم، ومحمد صلى الله عليه وآله قد توفّاه الله ووصيه قد استشهد بالكوفة، وهذا من حواريه.

ثمّ يأتيك ذليلاً خاشعاً فيقول لك: أيّها الشخص العظيم لقد أهلتني بما لم أستحقّه، فبم تأمرني؟ فتقول له: استر تلميذي هذين عندك، وتشرف على ديرك هذا فانظر ماذا ترىٰ، فإذا قال لك: إنّى أرىٰ خيلاً عابرة نحونا، فخلف تلميذيك عنده وانزل واركب فرسك، واقصد نحو غار على شاطئ الدجلة فاستتر فيه، فإنّه لابد أن يسترك، وفيه فسقة من الجنّ والانس.

فإذا استترت فيه عرفك فاسق من مردة الجنّ، يظهر لك بصورة تنين أسود، فينهشك نهشاً يبالغ في اضعافك ويفرّ فرسك، فيبتدر بك الخيل فيقولون: هذا فرس عمرو ويقصون أثره، فإذا أحسست بهم دون الغار فابرز إليهم بين الدجلة والجادة، فقف لهم في تلك البقعة فإنّ الله تعالى جعلها حفرتك وحرمك، فألقهم بسيفك فاقتل منهم من استطعت حتى يأتيك أمر الله، فإذا غلبوك جزوا رأسك

وشهر وه على قناة إلى معاوية، ورأسك أوّل رأس يُشهر في الإسلام من بلد إلى بلد. وبكىٰ أمير المؤمنين عليه السلام وقال: بنفسي ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وثمرة فؤاده وقرة عينه ولدي الحسين، فإنّي رأيته يسير وذراريه (1)بعدك یا عمرو من كربلاء بغربيّ (2)الفرات إلى يزيد بن معاوية.

ثمّ ينزل صاحبك المحجوب والمقعد فيواريان جسدك في موضع مصرعك، وهو من الدير والموصل على مائة وخمسين خطوة، فكان كما ذكره أمير المؤمنين عليه السلام، وكان هذا من دلائله عليه السلام (3).

[في خبر رميلة وانهم عليهم السلام يمرضون لمرض شيعتهم ويحزنون لحزنهم]

وروي مرفوعاً إلى حمران بن أعين عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن رميلة - وكان رجلاً من خواص أمير المؤمنين عليه السلام - قال رميلة :وعكت وعكاً شديداً في زمان أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ وجدت منه خفّاً في نفسي في يوم الجمعة، فقلت: لا أعمل شيئاً أفضل من أن أفيض علىّ الماء وآتي المسجد وأصلّى خلف أمير المؤمنين عليه السلام.

ففعلت ذلك فلمّا علا المنبر في جامع الكوفة عاودني الوعك، فلمّا خرج أمير المؤمنين عليه السلام من المسجد تبعته، فالتفت إليّ وقال: ما أراك إلّا مشتكياً (4)بعضك في بعض، قد علمت ما بك من الوعك، وما قلت إنّك لا تعمل شيئاً أفضل من غسلك لصلاة الجمعة خلفي، وأنك كنت وجدت خفّاً فلمّا صلّيت وعلوتُ المنبر


1) فى «ب»: يسيّروا ذراريه

2) في «ج»: بقرب.

3) مدينة المعاجز 3: 179 ح 820 عن الهداية للحضيني : 154.

4) في «ج»: مشتبكاً.

عاد عليك الوعك [ثانياً ] (1).

قال رميلة: فقلت: والله يا أمير المؤمنين ما زدت في قصّتي ولا نقصت حرفاً، فقال لي: يا رميلة ما من مؤمن ولا مؤمنة يمرض مرضاً إلا مرضنا المرضه، ولا يحزن حزناً إلا حزّنًا لحزنه، ولا دعا إلّا أمنا على دعائه، ولا يسكت إلا دعونا له.

فقلت: هذا يا أمير المؤمنين لمن كان معك في هذا المصر، فمن كان في أطراف الأرض منزله فكيف ؟ فقال : يا رميلة ليس يغيب عنّا مؤمن ولا مؤمنة في مشارق الأرض ومغاربها إلّا وهو معنا ونحن معه، وكان هذا من دلائله عليه السلام (2).

[في انطاق المسوخ له عليه السلام]

وروي مرفوعاً إلى الأصبغ بن نباتة قال: جاء نفر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا له : انّ المعتمد يزعم أنّك تقول هذا الجري مسخ، فقال: مكانكم حتّى أخرج إليكم، فتناول ثوبه ثمّ خرج إليهم، فضىٰ حتّى انتهىٰ إلى الفرات بالكوفة، فصاح: يا جري، فأجابه: لبّيك لبّيك.

قال: من أنا؟ قال: أنت إمام المتّقين، وأمير المؤمنين، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: فمن أنت؟ قال: أنا ممّن عرضت عليه ولايتك فجحدتها ولم أقبلها فَمُسِختُ جرياً، وبعض هؤلاء الذين معك يمسخون جرياً، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: فبيّن قصّتك وممّن كنت، ومن مُسِخَ معك.

قال: نعم يا أمير المؤمنين، كنّا أربعاً وعشرين طائفة من بني اسرائيل قد تمرّدنا وطغينا واستكبرنا وتركنا المدن لا نسكنها أبداً، وسكنا المفاوز رغبة منّا في البعد عن المياه فأتانا آت - أنت والله أعرف به منّا - في ضحى النهار، فصرخ


1) أثبتناه من «ب» و «ج».

2) نحوه بصائر الدرجات : 279 ح 1 باب 16: عنه البحار 26 : 140 ح 11؛ ومدينة المعاجز 2 : 175 ح 479: واختيار معرفة الرجال 1 : 319 ح 162 والهداية : 156

صرخة فجعلنا في مجمع واحد، وكنّا منبثّين (1)في تلك المفاوز والقفار، فقال لنا: ما لكم هربتم من المدن والأنهار والمياه وسكنتم هذه المفاوز؟

فأردنا أن نقول لأنا فوق العالم - تعزّزاً وتكبّراً - فقال: قد علمت ما في أنفسكم، فعلى الله تتعزّزون وتتكبّرون؟ فقلنا له: لا، فقال: أليس قد أخذ عليكم العهد أن تؤمنوا بمحمد بن عبد الله المكّي؟ فقلنا : بلىٰ، قال: وأخذ عليكم العهد بولاية وصيّه وخليفته من بعده أمير المؤمنين [عليّ بن أبي طالب] (2)؟

فسكتنا، فلم نجب إلّا بألسنتنا، وقلوبنا ونيّاتنا لم تقبلها ولا تقرّ بها، فقال: أو تقولون بألسنتكم خاصّة؟ ثمّ صاح بنا صيحة وقال لنا: كونوا باذن الله مسوخاً كلّ طائفة جنساً، ثمّ قال: أيّتها القفار كوني باذن الله أنهاراً تسكنك هذه المسوخ، واتّصلي ببحار الدنيا وبأنهارها حتّى لا يكون ماء إلا كانوا فيه.

فمسخنا ونحن أربعة وعشرون طائفة، فمنّا من قال: أيها المقتدر علينا بقدرة الله تعالى فبحقه عليك إلّا ما أغنيتنا عن الماء، واجعلنا (3)على وجه الأرض كيف شئت ،قال: قد فعلت ،قال أمير المؤمنين عليه السلام: يا جري فبيّن لنا ما كانت أجناس المسوخ البرّية والبحرّية.

فقال: أمّا البحرية فنحن الجري، والرق (4)، والسلاحف ،والمارماهي (5)والزمار (6)، والسراطين، وكلاب الماء، والضفادع، وبنت هرس ،والعرصان (7)


1) في «ج»: مقيمين.

2) أثبتناه من «ب» و «ج».

3) في «ج»: وجعلتنا.

4) الرق: نوع من دواب الماء شبه التمساح، وقيل: هو العظيم من السلاحف (لسان العرب)

5) المارماهي معرب أصله حية السمك. (مجمع البحرين)

6) الزمار: سمكة جسمها ممدود شديد الانضغاط من الجانبين، مقدمها طويل أحدب، وجسمها أملس لا تغطّيه الشعور .

7) في «ب»: صرصاف.

والکوسج ،والتمساح.

قال أمير المؤمنين عليه السلام :وأما البريّة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين ،الوزغ ،والخفاش، والكلب، والدب، والقرد، والخنازير، والضب، والحرباء، والأوز، والخنافس، والأرنب والضبع، قال أمير المؤمنين عليه السلام: صدقت أيّها الجري ،فما فيكم من طبع الانسانية وخلقها؟ قال الجري: أفواهنا والبعض لكلّ صورة، وكلّنا تحيض منّا الاناث، قال أمير المؤمنين عليه السلام: صدقت أيّها الجري، فقال الجري: يا أمير المؤمنين فهل من توبة ؟ فقال عليه السلام :الأجل هو يوم القيامة وهو اليوم المعلوم، والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.

قال الأصبغ :فسمعنا والله ما قال ذلك الجري ووعيناه، وكتبناه وعرضناه على أمير المؤمنين عليه السلام (1).

[فى إحياء ميّت]

وباسناده إلى الصادق عليه السلام قال :ان أمير المؤمنين عليه السلام كانت له خؤولة من جهة الأبوّة في بني مخزوم، وانّ شاباً منهم أتاه فقال له: يا خالي انّ صاحبتي (2)ورائي، وانّ أخى مات ضالاً وأنّى عليه حزين، قال له أمير المؤمنين عليه السلام: أفتحب أن تراه؟ قال: نعم.

فلبس بردة رسول الله صلى الله عليه وآله وخرج معه حتّى انتهىٰ إلى قبره ،فركض(3)برجله القبر فخرج من قبره وهو يقول: ويته ويته (4)سلان، فقال له


1) مدينة المعاجز 3 : 183 ح 821؛ ومستدرك الوسائل 16 : 170 ح 19480: عن الهداية للحضيني : 157: وباختصار في البحار :27 271 ح 24.

2) في «ج»: صاحبي

3) في «(ج)»: فوكز.

4) في «ج»: ويه ويه.

أخوه المخزومي: أولم تمت وأنت رجل من العرب؟ قال: كنّا على سنة أبي بكر وعمر في العربيّة، ونحن اليوم على سنّة الفرس، فليست ألسنتنا على دين الله بالفارسية، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ارجع إلى مضجعك، وانصرف المخزومي معه ،وكانت هذه من دلائله عليه السلام (1).

[في اخباره عن القائم عليه السلام]

وروي عن بن نباتة قال: خرجنا (2).عن أمير المؤمنين عليه السلام وهو يطوف بالسوق فيأمرهم بوفاء الكيل والميزان حتّى انتصف النهار، فمرّ برجل جالس، فقام إليه وقال: يا أمير المؤمنين مر معي فادخل بيتي وتغدّىٰ عندي، وادع الله لي فإنّك ما تغديت اليوم. فقال عليه السلام :على شرط أشرطه عليك، قال: لك شرطك، قال: على أن لا تدخر ما في بيتك (3)ولا تتكلّف ما وراء بابك، ثمّ دخل ودخلنا معه، فأكلنا خلاً وزيتاً وتمراً، ثمّ خرج يمشى حتّى انتهىٰ إلى باب قصر الامارة بالكوفة، فركض (4)برجله فتزلزلت الأرض.

ثمّ قال: أما والله لو علمتم ما هاهنا، أما والله لو قد قام قائمنا لأخرج من هذا الموضع اثني عشر ألف درع، واثني عشر ألف بيضة لها وجهان، ثمّ ألبسها اثني عشر ألف رجل من ولد العجم، ثمّ ليأمرهم أن يقتلوا كل من كان على خلاف ما هم عليه، وانّي لأعلم ذلك وأراه كما أعلم هذا اليوم وأراه، وكان هذا من دلائله (5)


1) الكافي 1 : 456 ح 7؛ والبصائر : 293 ح 3 باب 4 عنه البحار 41 : 195 ح 8: والثاقب في المناقب : 228 ح 4: ومدينة المعاجز 1 : 232 - 146: والخرائج 1: 173 ح 5: والهداية : 159

2) في «ج»: كنّا.

3) في «ج»: على أن لا تدخلن في بيتك.

4) في «ج»: فوكز رجله.

5) الهداية الكبرى : 31 (الحجرية).

[في شفائه عليه السلام للمكفوف والزمن والأبرص]

وروي مرفوعاً إلى مالك الأشتر قال: دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام في ليلة مظلمة فقلت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك السلام، ما الذي أدخلك عليّ في هذه الساعة يا مالك؟ قلت: حبّك (1)يا أمير المؤمنين وشوقي إليك، فقال: صدقت والله يا مالك، فهل رأيت أحداً ببابي هذه الليلة المظلمة ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين رأيت ثلاثة نفر.

فقام أمير المؤمنين عليه السلام فخرج فخرجنا معه، فإذا بالباب رجل مكفوف ورجل زمن ورجل أبرص، فقال أمير المؤمنين عليه السلام :ما تصنعون يبابي في هذا الوقت؟ قالوا: جئناك يا أمير المؤمنين تشفينا ممّا بنا، فمسح عليه السلام عليهم جميعاً، فقاموا من غير عمى ولا زمانة ولا برص، فكان هذا من دلائله عليه السلام (2)

[فی اخباره عليه السلام بقتل عمر، وحوادث آخر الزمان]

وباسناده إلى هارون بن سعيد قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول العمر: من علّمك الجهالة يا مغرور؟ أما والله لو كنت بصيراً، وكنت بما أمرك به رسول الله صلى الله عليه وآله خبيراً، وكنت في دينك تاجراً تحريراً لركبت العقر، ولفرشت القصب ،ولما أحببت أن تتمثّل لك الرجال قياماً، ولما ظلمت عترة النبي صلى الله عليه وآله بفعل القبيح (3)، غير أنّى أراك في الدنيا قتيلاً بجراحة من عبد اُمّ ،معمر تحكم عليه جوراً فيقتلك، وذلك توفيقاً يدخل والله به الجنان على الرغم منك.


1) في «الف»: جنتك.

2) الهداية للحضيني : 159: والثاقب في المناقب : 204 ح 181: والخرائج 1 : 196 ح 34: عنه البحار 41 : 195 ح : ومدينة المعاجز 2 : 74 ح 407.

3) في «ج»: بقبيح الفعل.

ولو كنت من رسول الله صلى الله عليه وآله سامعاً مطيعاً لما وضعت سيفك على عاتقك ولما خطبت على المنبر ، وكأنّي أراك وقد دعيت فأجبت ونودي باسمك فأحجمت، وانّ لك [بعد القتل] (1)حسن أما تستحي لنفسك من هذا [التهكّن ](2)؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: والله ما قلت إلّا ما سمعت ،ولا نطقت إلا بما علمت ،قال: فمتىٰ يكون هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا خرجت جيفتكما عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قبريكما الذين لم ترقدا فيهما نهاراً، كيلا يشك أحد فيكما إذ نبشتا ،ولو دفنتها بين المسلمين لشك شاك وارتاب مرتاب.

وصلبتها على أغصان دوحات شجرة يابسة، فتورق تلك الدوحات بكما وتفرع وتخضر، فتكون فتنة لمن أحبّكما ورضىٰ بفعالكما، ليميز الله الخبيث من الطيب، وكأنّى أنظر إليكما والناس يسألون العافية ممّا قد بليتما به، فقال: فمن يفعل ذلك يا أبا الحسن؟

قال: عصابة قد فرقت بين السيوف وأغمادها، وارتضاهم الله لنصرة دينه، فما تأخذهم في الله لومة لائم، ولكأنّى أنظر إليكما وقد أخرجتها من قبريكما، غضّين طرّيين رطبين حتّى تصلبا على الدوحات، فيكون ذلك فتنة لمن أحبّكما، ثمّ يؤتىٰ بالنار التي أضرمت لابراهيم عليه السلام، ويجيء جرجيس ودانيال وكل نبيّ وصدّيق ومؤمن، ثمّ يؤمر بالنار التي أضر متموها على باب داري لتحرقوني وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ،وابني الحسن والحسين، وابنتي زينب وأمّ كلثوم، فتحرقا بها.


1) أثبتناه من «ج».

2) أثبتناه من «ج».

ويرسل الله عليكما ريحاً مرّة فتنسفكما في اليم نسفاً بعد أن يأخذ السيف ما كان منكما، ويصير مصيركما جميعاً إلى النار، وتخرجان إلى البيداء إلى موضع الخسف الذي قال الله عز وجل: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ) (1)يعنى من تحت أقدامكم.

قال: يا أبا الحسن يفرق بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: نعم، :قال: يا أبا الحسن انّك سمعت هذا وانّه حق؟ قال: فحلف أمير المؤمنين عليه السلام انّه سمعه من النبي صلى الله عليه وآله، فبكىٰ عمر وقال: إنّي أعوذ بالله ممّا تقول فهل لذلك علامة؟ قال: نعم، قتل فضيع، وموت سريع، وطاعون شنيع.

ولا يبقىٰ من الناس في ذلك الوقت إلّا ثلثهم، وينادي مناد من السماء باسم رجل من ولدي، وتكثر الآيات حتّى تتمنىّ الأحياء الموت ممّا يرون من الآيات ،فمن هلك استراح ومن كان له عند الله خير نجا.

ثمّ يظهر رجل من ولدي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلما،ً يأتيه الله ببقايا (2)قوم موسى ويحيى، له أصحاب الكهف، ويؤيّده الله بالملائكة والجنّ وشيعتنا المخلصين، وينزل من السماء قطرها، وتخرج الأرض نباتها، فقال له: يا أبا الحسن امّا إنّي أعلم انك لا تحلف إلا على الحقّ، فوالله لا تذوق أنت ولا أحد من ولدك حلاوة الخلافة أبداً.

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إنّكم لا تزدادون لي ولولدي إلّا عداوة، فلمّا حضرت عمر الوفاة أرسل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: يا أبا الحسن اعلم انّ أصحابي هؤلاء قد أحلّوني مما وليت من أمورهم فإن رأيت أن تحلّني، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أرأيت لو أحللتك أنا فهل لك بتحليل من قد


1) سبأ : 51 .

2) في «ج»: ببقيا.

مضىٰ رسول الله صلى الله عليه وآله وابنته، ثمّ ولىّٰ وهو يقول: (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ )(1)فهذا كان من دلائله عليه السلام (2).

[في حديث الجام]

وباسناده مرفوعاً إلى الصادق عليه السلام قال: جلس رسول الله صلّى الله عليه وآله في رحبة مسجده بالمدينة، وطائفة من المهاجرين والأنصار حوله، وأمير المؤمنين عن يمينه، وأبو بكر وعمر عن يساره إذ أظلّته غمامة لها زجل وحفيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا الحسن قد أوتينا بهدية من عند الله.

ثمّ مدّ رسول الله صلى الله عليه وآله يده إلى الغمامة، فنزلت (3)ودنت من يده، فبدا منها جام يلمع حتّى غشى أبصار من في المسجد، وله روائح زالت من طيبها عقول الناس، والجام يسبّح الله تعالى ويقدّسه ويمجده بلسان عربی مبين، حتّى نزل في بطن راحة رسول الله صلى الله عليه وآله اليمنىٰ وهو يقول:

«السلام عليك يا حبيب الله وصفوته ورسوله المختار من ربّ العالمين، والمفضل على أهل ملك الله أجمعين من الأولين والآخرين، وعلى وصيّك خير الوصيّين، وأخيك خير المؤاخين، وخليفتك خير المستخلفين، وإمام المتّقين، وأمير المؤمنين، ونور المستنيرين، وسراج المقتدين، وعلى زوجته ابنتك فاطمة خير نساء العالمين، الزهراء في الزاهرين ،البتول أمّ الأئّمة الراشدين المعصومين، وعلى سبطيك، ونوريك، وريحانتيك، وقرّتي عينيك الحسن والحسين».

فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والحسن والحسين


1) يونس : 54 .

2) عنه مدينة المعاجز 2 : 243 ح 528؛ ونحوه الهداية الكبرى : 162.

3) في «ج»: فتدلت.

عليهم السلام وجميع من حضر يسمعون ما يقول الجام، ويغضّون أبصارهم عن تلألؤ نوره، ورسول الله صلى الله عليه وآله يكثر من حمد الله وشكره حتّى قال الجام وهو في كفّه: يا رسول الله ان الله بعثني إليك وإلى أخيك عليّ وابنتك فاطمة وإلى الحسن والحسين، فردني يا رسول الله إلى كفّ عليّ.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: خذه يا أبا الحسن تحفة الله إليك، فمدّ يده اليمنىٰ وصار في بطن راحته، فقبّله (1)واشتمّه وقال: مرحباً بزلفة الله لرسوله وأهل بيته، وأكثر من حمد الله والثناء عليه، والجام يكبر الله ويهلله ويقول الرسول الله : قل لعليّ يردني إلى فاطمة والحسن والحسين كما أمرني الله عز وجل، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: قم يا أبا الحسن فاردده في كفّ فاطمة وكفّ حبيبي الحسن والحسين.

فقام أمير المؤمنين عليه السلام فحمل الجام ونوره يزيد على نور الشمس، ورائحته قد أذهبت العقول طيباً حتّى دخل على فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وردّه في أيديهم، فحيوا به وقبّلوه وأكثروا من ذكر الله وحمده وشكره والثناء عليه، ثمّ ردّوه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله.

فلمّا صار في كفّ رسول الله صلى الله عليه و آله قام عمر على قدميه وقال: يا رسول الله ما بالك تستأثر بكلّ ما أتاك من عند الله من تحيّة وهديّة أنت وعليّ وفاطمة والحسن والحسين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ويحك يا عمر ما أجرأك ! أما سمعت ما قال الجام؟ تسألني أن أعطيك ما ليس لك، فقال: يا رسول الله أفتأذن بأخذه واشتمامه وتقبيله؟

فقال: ويحك يا عمر، والله ما ذاك لك ولا لغيرك من الناس أجمعين غيرنا، فقال: يا رسول الله أفتأذن لي أن أمسَّه بيدي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:


1) في «الف»: فقلبه.

ما أشدّ إلحاحك، قم فإن نلته فما محمد (1)رسول الله حقّ ولا جاء بحقّ من عند الله، فمدّ عمر يده نحو الجام فلم تصل إليه، فانصاع الجام وارتفع نحو الغمام وهو يقول: يا رسول الله هكذا يفعل المزور بالزائر ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ويلك يا عمر من جرأتك (2)على الله ورسوله، قم يا أبا الحسن على قدميك وامدد يدك إلى الغمام فخذ الجام وقل له: ماذا أمرك الله أن تؤدّيه، فقام إلى الجام فأخذه وقال له: رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لك ماذا أمرك الله أن تقوله فأنسيته (3).

قال الجام: نعم يا أخا رسول الله، أمرني أن أقول لكم : انّى قد أوقفني الله على نفس كلّ مؤمن ومؤمنة من شيعتكم، وأمرني بحضور وفاته حتّى لا يستوحش بالموت فيستأنس بالنظر إليّ، وأن أنزل على صدره وأسكره بروائح طيبي، فتفيض نفسه وهو لا يشعر.

فقال عمر لأبي بكر : يا ليت مضى الجام بالحديث الأوّل ولم يذكر شيئاً، فكان هذا من فضل الله على رسوله وعلى أمير المؤمنين عليهما السلام ودلائلها(4).

[خبر حبابة الوالبية]

روي مرفوعاً إلى رشيد الهجرى قال: كنت وأبو عبد الله سلمان، وأبو عبد الرحمن قيس بن ورقاء، وأبو القاسم مالك بن التيهان، وسهل بن حنيف بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بالمدينة إذ دخلت حبابة الوالبيّة وعلى رأسها كوز (5)


1) في «ب»: فما أنا محمد

2) في «ج»: ما أجرأك.

3) في «ج»: فنسيته.

4) الهداية للحضيني : 164؛ عنه مدينة المعاجز 1 : 155 - 92.

5) في «ج»: مجمرة.

شبه المنسف وعليها أسمار(1)سابغة، وهي متقلّدة بمصحف وبين أناملها سبحة من حصى ونوى.

فسلّمت وبكت كثيراً وقالت: يا أمير المؤمنين آه من فقدك، ووا أسفاه من غيبتك، وواحسرتاه على ما يفوت من الغنيمة منك، لا نلهو ولا نرغب عنك (2)، وانّني من أمري لعلىٰ يقين وبيان حقيقة، وانّى لقيتك وأنت تعلم ما أريد، فمدّ يده اليمنىٰ وأخذ منها حصاة بيضاء تلمع من صفائها، وأخذ خاتمه من يده وطبع به الحصاة وقال لها: يا حبابة هذا كان مرادك منّى ؟

فقالت: اي والله يا أمير المؤمنين، هذا أريد لما سمعناه من تفرّق شيعتك واختلافهم من بعدك، فأردت هذا البرهان ليكون معي إن عمّرت بعدك - ولا عمّرت - ويا ليتني وأهلي وقومي لك الفداء، وإذا وقعت الاشارة وأرسلت (3)الشيعة إلى من يقوم مقامك أتيته بهذه الحصاة، فإذا فعل بها ما فعلتَ علمتُ أنّه الخلف من بعدك، وأرجو أن لا أؤجّل لذلك.

فقال لها: بلى والله يا حبابة، لتلقين بهذه الحصاة الحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى الرضا، وكلّ إذا أتيتيه استدعىٰ الحصاة منك وطبعها بهذا الخاتم لك، فعند علي بن موسى ترين في نفسك برهاناً عظيماً منه ،وتختارين الموت، فتموتين ويتولّىٰ أمرك ويقوم على حفرتك ويصلّى عليك، وأنا مبشّرك بأنك مع المكرورات [من المؤمنات] (4)مع المهدي من ذرّيتي إذا أظهر الله أمره.

فبكت حبابة وقالت: يا أمير المؤمنين من أين هذا لأمتك الضعيفة اليقين،


1) في «ج»: أثمار.

2) في «الف»: لا تلهو ولا ترغب عنك.

3) في «ج»: أو شكت.

4) أثبتناه من «ج».

القليلة العمل لولا فضل الله وفضل رسوله وفضلك يا أمير المؤمنين، فبكم نلت هذه المنزلة وأنا والله بما قلته موقنة كيقينى انك أمير المؤمنين حقاً لا سواك، فادعُ لي يا أمير المؤمنين بالثبات على ما هداني الله عليه، لا أسلبه ولا أفتن فيه ولا أضل عنه، فدعا لها أمير المؤمنين عليه السلام وأصحبها خيراً.

قالت حبابة: فلّما قبض أمير المؤمنين عليه السلام بضربة عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله في مسجد الكوفة أتيت مولاي الحسن عليه السلام، فقال لي: أهلاً وسهلاً يا حبابة هاتي الحصاة، وطبعها كما طبعها أمير المؤمنين عليه السلام وأخرج الخاتم بعينه، فلمّا مضى الحسن عليه السلام بالسم أتيت الحسين عليه السلام، فلمّا رآني قال مرحباً يا حبابة هاتي الحصاة، فأخذها وختمها بذلك الخاتم.

فلمّا استشهد عليه السلام مضيت إلى عليّ بن الحسين عليه السلام وقد شكّ الناس فيه، ومالت شيعة الحجاز إلى محمد بن الحنفية، وصار إليّ من كبارهم جمع فقالوا: يا حبابة الله الله فينا ،اقصدي علي بن الحسين بالحصاة حتّى يتبيّن الحق ،فصرت إليه فلمّا رآني رحّب بي وقرّبني ومدّ يده وقال: هاتي الحصاة، فأخذها وطبعها بذلك الخاتم.

ثمّ صرت بعده إلى محمد بن عليّ، وإلى جعفر بن محمد، وإلى موسى بن جعفر، وإلى عليّ بن موسى الرضا، فكلّ يفعل مثل أمير المؤمنين والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين، ثمّ علت سنّى، ورقّ جلدي ،ودقّ عظمي، وحال سواد شعري، وكنت بكثرة نظري إليهم صحيحة البصر والعقل والفهم والسمع.

فلمّا صرت بحال استولى الكبر فيه قلت لمولاي عليّ بن موسى الرضا عليه السلام: لا تغفل عنّى، تحضر جنازتي وتصلّى عليّ كما وعدني جدك أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: نعم أبشري (1)فإنّك معنا.


1) في «ج»: إلتزمي.

فكان من أمرها أنّها ذات ليلة نائمة على فراشها إذ نزل بها الحمام المحتوم، فأيقضوها فإذا هي قد سلّمت، فلمّا كان من الغد وإذا برسول عليّ بن موسى الرضا عليه السلام عندهم وعنده كفن وحنوط ، ثمّ قاموا في جهازها، فصلّىٰ عليها الرضا عليه السلام ولقّنها ثمّ قام على قبرها يبكى [عليها ](1)ثمّ قال: أبلغى آبائي عنّى السلام (2).

[إخبر اللوح الذي كان عند جابر]

وفي حديث [جابر بن عبد الله] (3)عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري: ان لي إليك حاجة فمتىٰ يخفّ عليك أن أخلو بك فأسألك عنها ؟ فقال له جابر :في أيّ الأوقات أحببت.

فخلا به أبي في بعض الأوقات، فقال له: يا جابر [بحقیّ عليك](4)أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أُمّي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وما أخبرك به أبي ما كان في اللوح مكتوباً (5)، فقال جابر: أشهد بالله انّي دخلت على أمّك فاطمة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله أهنئها بولادة الحسين، ورأيت في يدها لوحاً أخضر ظننت أنّه زمردة خضراء، ورأيت فيه كتاباً أبيض شبه (6)نور الشمس، فقلت لها :بأبي أنت وأمّي يا بنت رسول الله ما هذا اللوح؟

فقالت: هذا اللوح أهداه الله إلى رسوله صلى الله عليه وآله، فيه اسم أبي


1) أثبتناه من «ب».

2) هداية الحضيني : 167: عنه مدينة المعاجز 3 : 190 ح 824

3) أثبتناه من «ج».

4) أثبتناه من «ب».

5) في «ج»: ما أخبرتك أُمِّي أنه في ذلك اللوح مكتوب .

6) في «ب» و «ج»: شبيه.

واسم بعلي واسم ابني واسم الأوصياء من ولدي، فأعطانيه أبي ليسرّني بذلك.

قال جابر: فأعطتنيه أمّك فاطمة فقرأته واستنسخته، فقال: هل لك يا جابر أن تعرضه عليّ؟ قال: نعم، فمشىٰ معه أبي حتّى انتهىٰ إلى منزل جابر، فأخرج إلى أبي صحيفة من رق(1)، [فقال: يا جابر أنظر في كتابك لأقرأ عليك، فنظر جابر في نسخته فقرأه أبي فما خالف حرف حرفاً] (2).

قال جابر: أشهد بالله هكذا رأيته في اللوح: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا کتاب من عند الله العزيز الحكيم لمحمّد [بن عبد الله نبيه ] (3)ونوره وسفيره وحجابه، نزل به الروح الأمين من عند ربّ العالمين، عظّم يا محمد أسمائي، واشكر نعماني، ولا تجحد آلاني، انّى أنا الله لا إله إلّا أنا، قاصم الجبارين، ومذلّ الظالمين، وديّان الدين .

إنّى أنا الله لا إله إلّا أنا وحدي، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذّبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإياي فاعبد وعليَّ فتوكل، إني لم أبعث نبياً وأكملت أيامه وأنقصت مدته إلا جعلت له وصيّاً، وإنّي فضّلتك على الأنبياء، وفضّلت وصيّك على الأوصياء (4)، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسناً وحسيناً، فجعلت حسناً معدن [حلمي و ] (5)علمي بعد انقضاء مدّة أبيه، وجعلت حسيناً خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة، فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة.

جعلت كلمتي التامّة معه، والحجّة البالغة عنده، بعترته أثيب وأعاقب، أوّلهم عليّ سيّد العابدين وزين أوليائي الماضين، وابنه شبيه جدّه المحمود محمد الباقر


1) في «ب» و «ج»: شبيه.

2) فى «ب» و «ج» ورق.

3) أثبتناه من «ج».

4) في «الف»: الأولياء

5) أثبتناه من «ج».

لعلمي والمعدن لحكمتي، سيهلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد علىَّ، حقّ القول منّى لأكر منّ مثوىٰ جعفر، ولأبشرنّه في أشياعه وأنصاره وأوليائه.

انتجبت بعده موسىٰ، فتنة عمياء حندس، لأنّ خطط فرضي لا تنقطع وحجتّي لا تخفىٰ، وانّ أوليائي لا يشقون، ألا ومن جحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي، ومن غير آية من كتابي فقد افترىٰ عليّ، وويل للمغيّرين(1)الجاحدين عند انقضاء مدّة عبدي موسى وحبيبي وخيرتي. انّ المكذّب بالباقى (2)مكذّب بكلّ أوليائي، وعلي ولیّي وناصري ومن أضع عليه أعباء النبوّة، وأمنحه القيام بالاطلاع بها (3)، يقتله عفريت مستكبر، يدفن بالمدينة التي بناها عبد صالح إلى جنب شرّ خلقي.

قد حقّ القول منى لأقرّنّ عينه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه، فهو معدن علمي، وموضع سرّي، وحجّتي على خلقِی، جعلت الجنّة مثواه، وشفّعته في سبعة (4)من أهل بيته كلّهم قد استوجبوا النار، وأختم بالسعادة لابنه عليّ وليّي وناصري، والشاهد في خلقي، وأميني على وحيي.

أخرج منه الداعي إلى سبيلي، والخازن العلمي الحسن، ثمّ أكمل ذلك بابنه رحمة للعالمين، عليه كمال وبهاء عيسى وصبر أيّوب، سيد الأولياء في زمانه.

ويتهادون رؤوسهم كما تهادىٰ رؤوس الترك والديلم، فيقتلون ويحرقون ويكونون خائفين مرعوبين وجلين ،تصبغ الأرض بدمائهم، ويفشو الويل والرنين في نسائهم، أولئك أوليائي حقاً، بهم أرفع (5)كلّ فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف


1) في «ج»: للمفترين.

2) في «ج»: بالثامن.

3) في «ج»: وامتحنه بالاضطلاع بها.

4) في «ج»: سبعين.

5) في «ج»: أدفع.

الزلازل، وأرفع الآصار والأغلال، أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة وأولئك هم المهتدون».

قال عبد الرحمن بن سليم (1): قال أبو بصير: لولم تعرف في دهرك إلّا هذا الحديث لكفاك قصة(2)إلّا عن أهله (3).

[أحاديث في فضائل أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ]

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة يأتيني جبرئيل عليه السلام ومعه لواء الحمد وله سبعون شقة، الشقة منه أوسع من الشمس والقمر، وأنا على كرسي من كراسي الرضوان فوق منبر من منابر القدس، فأخذه وأدفعه إلى علي بن أبي طالب.

قال: فوتب عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله وكيف يطيق علىّ حمل اللواء وقد ذكرت أنه سبعون شقّة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا عمر إذا كان يوم القيامة يعطى الله عليّاً من القوّة مثل قوّة جبرئيل، ومن النور مثل نور آدم، ومن الحلم مثل حلم رضوان، ومن الجمال مثل جمال يوسف، ومن الصوت ما يداني صوت داود، [ولولا أن يكون] (4)داود خطيباً في الجنان لأعطى مثل صوته.

وانّ علياً أوّل من يشرب من السلسبيل والزنجبيل، لا تزلّ لعليّ عليه السلام قدم على الصراط إلا وثبت له مكانها أخرىٰ، وانّ لعلي وشيعته من الله مكاناً يغبط به الأوّلون والآخرون (5).


1) في «ج»: سالم.

2) فى «ج»: فطنة.

3) کمال الدین : 308 ح 1 باب 28؛ عنه البحار 36: 195 ح 3: ونحوه في الاختصاص : 210؛ والكافي 1 : 527 : وأمالي الطوسي : 291 ح 566.

4) أثبتناه من «ج».

5) الخصال : 582 ح 7 أبواب السبعين؛ عنه البحار 8: 3ح3.

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : يخرج يوم القيامة قوم من قبورهم بيض وجوههم (1)كبياض الثلج، عليهم ثياب بياضها كبياض اللبن ،عليهم نعال من ذهب شراكها من زبرجد، فيؤتون بنوق من نور عليها رحائل من ذهب، أزمّتها من زبرجد، فيركبون حتّى ينتهون إلى الرحمن والناس في المحاسبة يغتمّون ويهتمون، وهؤلاء يأكلون ويشربون.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام :من هؤلاء يا رسول الله، فضرب بيده على منكب عليّ بن أبي طالب عليه السلام ثمّ قال: هو لشيعتك (2)وأنت إمامهم، وهو قول الله عز وجل: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ) (3).

وعن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: لقد مثّلت لي أمتي في الطين حتّى رأيت كبيرهم وصغيرهم أرواحاً قبل أن يخلق الأجساد، وانّي مررت بك وشيعتك فاستغفرت لكم.

فقال عليّ عليه السلام: يا نبيّ الله زدني منهم ،قال :نعم تخرج أنت يا عليّ وشيعتك من قبورهم ووجوههم (4)كالقمر ليلة البدر وقد فرجت عنكم الشدائد، وذهبت عنكم الأحزان، تستظلّون تحت العرش، يخاف الناس ولا تخافون، وتوضع لكم مائدة والناس في المحاسبة (5).

وعن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: انّ للشمس وجهين؛ وجه يضيء لأهل السماء ووجه يضي لأهل الأرض وعلى


1) في «ج»: بياض وجوههم.

2) في «ب» و «ج»: هؤلاء شيعتك.

3) مریم : 85 المحاسن 1 : 286 ح 565؛ عنه البحار 7 185 37

4) في «ب» و «ج»: من قبوركم ووجوهكم.

5) فضائل الشيعة : 32 ح 27؛ عنه البحار 7: 180 ح 20؛ ونحوه بصائر الدرجات : 104 ح 5 باب 14.

الوجهين كتابة، ثمّ قال: أتدرون ما تلك الكتابة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: الكتابة التي تلي أهل السماء «الله نور السماوات والأرض» وأمّا الكتابة التي تلي أهل الأرض :«على نور الأرضين» (1).

عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: معاشر المسلمين اعلموا انّ الله تعالى باباً من دخلها أمن من النار ومن الفزع الأكبر، فقام إليه أبو سعيد الخدري فقال: يا رسول الله إهدنا إلى هذا الباب حتّى نعرفه.

قال: هو عليّ بن أبي طالب سيّد الوصييّن، وأمير المؤمنين، وأخو رسول ربّ العالمين، وخليفته على الخلق أجمعين، معاشر الناس من أحبّ أن يستمسك (2)بالعروة الوثقىٰ التي لا انفصام لها فليستمسك بولاية على بن أبي طالب، فإنّ ولايته ولايتي، وطاعته طاعتي، معاشر الناس من أحبّ أن يعرف الحجّة بعدي فليعرف عليّ بن أبي طالب عليه السلام ،معاشر الناس من سره أن يتوالىٰ بولاية الله فليتقلّد (3)بعلي بن أبي طالب عليه السلام فإنّه خزانة علمي، [معاشر الناس من أحبّ أن يلقى الله وهو عنه راض فليوال عدّة الأئمة ] (4).

فقام جابر بن عبد الله فقال: وما عدّة الأئمة ؟ فقال: يا جابر سألتني - يرحمك الله - عن الإسلام بأجمعه ،عدّتهم عدّة الشهور وهي عند الله اثني عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، وعدّتهم عدّة العيون التي انفجرت لموسى بن عمران عليه السلام حين ضرب بعصاه البحر(5)فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وعدّتهم عدة نقباء بني اسرائيل.


1) مائة منقبة : 100 ح 45: عنه البحار :27: 9 ح 21 مدينة المعاجز 2 : 406 ح 631.

2) في «ج»: يتمسك.

3) في «ب» و «ج»: فليقتد.

4) أثبتناه من «ج».

5) فى «ب»: الحجر.

قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ) (1)، والأئمة يا جابر اثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب وآخرهم القائم صلوات الله عليهم أجمعين (2).

وعن سلمان الفارسي رحمه الله قال: قال النبي صلّى الله عليه وآله: يا سلمان من أحبّ فاطمة فهو في الجنّة معي، ومن أبغضها فهو في النار، يا سلمان حبّ فاطمة ينفع في مائة من المواطن أيسر تلك المواطن الموت، والقبر، والميزان، والحشر، والصراط، والمحاسبة، فمن رضيت عنه ابنتي رضيت عنه، ومن رضيت عنه رضى الله عنه، ومن غضبت عليه فاطمة غضبت عليه، ومن غضبت عليه غضب الله عليه، وويل لمن يظلمها ويظلم بعلها أمير المؤمنين عليّ، وويل لمن يظلم ذرّيتها وشيعتها 7(3).

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: خلق الله من نور وجه عليّ بن أبي طالب سبعون ألف ملك يستغفرون له ولمحبيه إلى يوم القيامة (4).

وفي رواية عن جابر، عنه عليه السلام أنّه قال : إذا كان يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين لفصل الخطاب، ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله ودعا بأمير المؤمنين عليه السلام، فيكسي رسول الله صلى الله عليه وآله حلّة خضراء يضيء لها ما بين المشرق والمغرب، ويكسي عليّ مثلها ، ثمّ يُدعىٰ بنا فيدفع إلينا حساب الناس، فنحن والله نُدخل أهل الجنّة الجنّة، وندخل أهل النار النار.


1) المائدة : 12.

2) مائة منقبة : 94 ح 41؛ وفي البحار 36: 263 ح 84 عن كشف اليقين.

3) مائة منقبة : 116 ح 61؛ عنه البحار 27 : 116 ح 94؛ ومقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : 60.

4) مناقب الخوارزمي : 71 ح 47؛ عنه كشف الغمة 1 : 101 عنه البحار :39: 275 ح 52: ومائة منقبة : 66 ح 19؛ ومدينة المعاجز 3 : 35 ح 699 و 700.

ثمّ يُدعىٰ بالنبيّين عليهم السلام فيُقامون صفّين عند عرش الله عز وجل حتّى يفرغ من حساب الناس، فإذا دخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار بعث الله ربّ العزّة تبارك وتعالى عليّاً فأنزلهم منازلهم في الجنّة وزوجّهم، فعلي والله يزوّج أهل الجنة في الجنة، وما ذاك إلى أحد غيره كرامة من الله عزّ ذكره، وفضلاً فضله به ومَنْ به عليه، وهو والله يدخل أهل النار النار، وهو الذي يغلق على أهل الجنة إذا دخلوا فيها أبوابها، لأن أبواب الجنة إليه وأبواب النار إليه (1).

وذكر الشيخ ابن بابويه في أماليه يرفع مسنداً إلى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة يزيّن عرش ربّ العالمين بكلّ زينة، ثمّ يؤتىٰ بمنبرين من نور طولها مائة ميل، فيوضع أحدهما عن يمين العرش والآخر عن يساره (2)، ثم يؤتى بالحسن والحسين عليهما السلام فيقوم الحسن على أحدهما والحسين على الآخر، يزيّن الرب تبارك وتعالى بهما عرشه كما يزين المرأة قرطاها (3).

وفي أماليه يرفعه إلى ابن عباس في خبر طويل فيه فضائل شتّىٰ أخذنا منه بعضها، قال: انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسن عليه السلام، فلمّا رآه بكىٰ ثمّ قال: إلي إليّ يا بني، فما زال يدنيه حتّى أجلسه على فخذه اليمنىٰ، ثمّ أقبل الحسين عليه السلام، فلمّا رآه بكىٰ ثمّ قال: إليّ إليّ يا بني، فما زال يدنيه حتّى أجلسه على فخذه اليسرىٰ.

ثمّ أقبلت فاطمة عليها السلام فلمّا رآها بكىٰ ثمّ قال: إلىّ إلیّ يا بنية، فأجلسها بين يديه، ثمّ أقبل أمير المؤمنين عليه السلام، فلمّا رآه بكىٰ ثم قال: إليّ إليّ


1) الكافي 8 : 159 ح 154 : عنه البحار 7 : 337 - 24.

2) في «ج»: عن يسار العرش

3) أمالي الصدوق : 98 ح 1 مجلس 24: عنه البحار 43: 261 ح3.

يا أخي فما زال يدنيه حتّى أجلسه إلى جانبه الأيمن، فقال له أصحابه: يا رسول الله ما ترىٰ واحداً من هؤلاء إلّا بكيت، أما فيهم من تسرّ برؤيته؟

فقال صلّى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق واصطفاني على جميع البرية إنّى وإياهم لأكرم الخلق على الله عز وجل، وما على وجه الأرض نسمة أحبّ إليّ منهم، أما عليّ بن أبي طالب فهو أخي وشقيق، وصاحب الأمر من بعدي، وصاحب لوائي في الدنيا والآخرة، وصاحب حوضي وشفاعتي، وهو إمام كل مؤمن [ومؤمنة ](1)، وقائد كلّ تقي ،بولايته صارت أمتي مرحومة، وبعداوته صارت المخالفة ملعونة، وإنّى بكيت حين أقبل لأني ذكرت غدر الأمّة به بعدي .

وأما ابنتي فاطمة فإنّها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي بضعة منّى، ونور عيني، وثمرة فؤادي، إذا قامت في محرابها زهر (2)نورها للملائكة، فيقول الله عز وجل: يا ملائكتي أنظروا إلى أمتي فاطمة سيّدة إمائي قائمة بين يدي، ترتعد فرائصها من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي، أشهدكم انّي قد آمنت شيعتها من النار، وانّى لمِا رأيتها ذكرت ما يُصنع بها بعدي، وكأنّى بها وقد دخل الذلّ بيتها، وغُصب حقّها، وكسر جنبها ، وأسقطت جنينها(3)، وهي تنادي: «يا محمّداه »فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث.

وأمَّا الحسن فهو منّى وولدي، وقرّة عيني، وضياء قلبي، وثمرة فؤادي، وهو سيّد شباب أهل الجنّة، وحجّة الله على الأمّة، أمره أمري، وقوله قولي ،ومن تبع قوله فهو منّى، ومن عصاه فليس منّى، وإنّي لمّا نظرت إليه فذكرت ما يجري عليه


1) أثبتناه من «ج».

2) في «ج»: ظهر.

3) روى الشيخ الصدوق في معاني الأخبار ص 205، عن علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا عليّ انّ لك كنزاً في الجنّة وأنت ذو قرنيها .... ثم قال الشيخ الصدوق رحمه الله : وقد سمعت بعض المشايخ يذكر أنّ هذا الكنز هو ولده محسن عليه السلام، وهو السقط الذي ألقته فاطمة لما ضغطت بين البابين .....

من الذل بعدي، فلا يزال بالأمر حتّى يُقتل بالسم عدواناً وظلماً.

وأمّا الحسين فهو منّى، وهو ابني وولدي وخير الخلق بعد أبيه(1)، وهو إمام المسلمين، ومولى المؤمنين، وخليفة ربّ العالمين، وحجّة الله على خلقه أجمعين، وسيّد شباب أهل الجنّة، وباب نجاة الأمّة، أمره أمري، وطاعته طاعتى، وإنّى لمّا رأيته تذكّرت ما يُصنع به بعدي، كأنّى به وقد استجار بحرمى وقبرى فلا يُجار، فأضمّه في منامه إلى صدري، وآمره بالرحلة عن دار هجرتي ،وأبشره بالشهادة .

فير تحل عنها إلى أرض مقتله، وموضع مصرعه، أرض كرب وبلاء، تنصره عصابة من المسلمين، أولئك سادة شهداء أمّتي يوم القيامة، ثمّ بكىٰ رسول الله صلى الله عليه وآله وبكىٰ من حوله، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، ثمّ قام عليه السلام وهو يقول: اللّهمّ إنّي أشكو إليك ما يلقىٰ أهل بيتي بعدي، ودخل منزله (2).

[فى خبر الحارث الهمداني ]

وروى الشيخ المفيد عن الأصبغ بن نباتة قال: دخل الحارث الهمداني علىّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في نفر من الشيعة وكنت فيهم، فجعل - يعني الحارث - يتأوّد في مشيته ويخطّ الأرض بمحجنه (3)وكان مريضاً، فأقبل - على أمير المؤمنين عليه السلام وكان له منه منزلة، فقال: كيف تجدك يا حارث؟

فقال: نال الدهر منّى يا أمير المؤمنين، وزادني أواراً (4)وغليلاً اختصام شيعتك ببابك، فقال: وفيم خصومتهم؟ قال: في شأنك والبلية من قبلك، فمن مفرط


1) في «ج»: بعد أخيه.

2) أمالي الصدوق : 99 ح 2 مجلس 24.

3) المحجن كالصولجان .

4) الأوارُ - بالضم - : شدّة حرّ الشمس، ولفح النار ، ووهجها، والعطش. (لسان العرب)

غال ومقتصد قال، ومن متردّد مرتاب لا يدري يقدم أم يحجم.

قال: فحسبك يا أخا همدان، ألا انّ خير شيعتي النمط الأوسط، إليهم يرجع الغالي وبهم يلحق القالي، قال: لو كشفت فداك أبي وأمي الريب عن قلوبنا، وجعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا، قال: أفانّك (1)أمر ملبوس عليك؟ انّ دين الله لا يُعرف بالرجال بل بآية الحق، فاعرف الحقّ تعرف أهله.

يا حارث انّ الحق أحسن الحديث، والصادع به مجاهد، وبالحق أخبرك فأعرني سمعك، ثمّ خبّرته (2)من كان له حظاة من أصحابك.

ألا إنى عبد الله وأخو رسوله وصديقه الأوّل، صدقته وآدم بين الروح والجسد، ثمّ صدقّته [في أمتكم] (3)حقاً، فنحن الأولون ونحن الآخرون، ألا وأنا خاصّته باختصاصه یا حارث، وخالصته محمد نبّيه، وأنا وصيّه ووليّه وصاحب نجواه وسرّه، أوتيت فهم الكتاب وفصل الخطاب وعلم القرون والأسباب (4)استودعت ألف مفتاح يفتح كلّ مفتاح ألف باب، يقضى كل باب ألف ألف عهد.

وأيّدت - أو قال: وأمددت - بثلاثة، وإنّ ذلك ليجري لي ولمن استحفظ من ذرّيتي ما جرى الليل والنهار حتّى يرث الله الأرض ومن عليها، وابشرك يا حارث ليعرفني والذي فلق الحبة وبرئ النسمة وليّي وعدوّي في مواطن :ليعرفني عند الممات، وعند الصراط، وعند المقاسمة، قال: وما المقاسمة يا مولاي ؟ قال مقاسمة النار، أقاسمها قسمة صحاحاً، أقول: هذا وليّى وهذا عدوّي.

ثم أخذ أمير المؤمنين عليه السلام بيد الحارث ثمّ قال: يا حارث أخذت بيدك كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيدي فقال لي - واشتكيت إليه حينئذ


1) في «ج»: فإنّه.

2) فى «ب» و «ج» خبر به

3) آثبتناه من «ج»، وفي «الف» و «ب» كلمة غير مفهومة.

4) فى «ب»: الأنساب.

قريشاً والمنافقين - [فقال لي] (1): أنه إذا كان يوم القيامة أخذت بحبل أو بحجزة (2)-يعني عصمة - من ذي العرش تعالى، وأخَذْتَ أنت يا عليّ بحجزتي، وأخذ ذرّيتك بحجزتك، وأخذ شيعتكم بحجزتكم، فماذا يصنع الله بنبيّه، وما يصنع نبيه بوصيّه ؟!(3)

وقال رحمه الله مخاطباً أئمة الهدى ومصابيح الدجى:

عن حماكم كيف أنصرف*** وهواكم لي به شرف

سيدي لا عشت يوم أرى ***في سوى أبوابكم أقف

خذها إليك قصيرة من طويلة، أنت مع من أحببت ولك ما احتسبت - أو قال: اكتسبت - قالها ثلاثاً، ثمّ قام الحارث يجرّ رداءه جذلاً وقال: ما أبالي وربي بعد هذا متى لقيت الموت أو لقينى (4).

[في تأويل ما نزل فيهم عليهم السلام من الآيات]

وروى الشيخ الصدوق عن أبي جعفر محمد بن عليّ عليه السلام انّ سائلاً سأله عن قول الله تعالى: («يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي


1) أثبتناه من «ب» و «ج».

2) في «ج»: بحبل الله أو بحجزته.

3) روى المحدث القمي رحمه الله في منتهى الآمال 2 : 283 قال: حُكي انّ أبا عبد الله عليه السلام كان عنده غلام يمسك بغلته إذا هو دخل المسجد، فبينا هو جالس ومعه بغلة إذ أقبلت رفقة من خراسان، فقال له رجل من الرفقة: هل لك يا غلام أن تسأله أن يجعلني مكانك وأكون له مملوكاً وأجعل لك مالي كله؟ فإنّي كثير المال من جميع الصنوف، إذهب فاقبضه وأنا أقيم معه مكانك فقال: أسأله ذلك، فدخل على أبي عبد الله عليه السلام فقال: جعلت فداك تعرف خدمتي وطول صحبتي فإن ساق الله إلى خيراً تمنعنيه؟ قال: أعطيك من عندي وأمنعك من غيري فحكى له قول الرجل، فقال: إن زهدت في خدمتنا ورغب الرجل فينا قبلناه وأرسلناك، فلمّا ولّى عنه دعاه فقال له: أنصحك لطول الصحبة ولك الخيار إذا كان يوم القيامة كان رسول الله صلى الله عليه وآله متعلقاً بنور الله، وكان أمير المؤمنين عليه السلام متعلقاً بنور رسول الله، وكان الأئمة متعلّقين بأمير المؤمنين، وكان شيعتنا متعلّقين بنا يدخلون مدخلنا ويردون موردنا، فقال له الغلام بل أقيم في خدمتك وأؤثر الآخرة على الدنيا ....

4) أمالي المفيد : 10؛ وأمالي الطوسي : 625 ح 1292؛ عنه البحار 39 : 239 ح 28؛ ونحوه بشارة المصطفى : 4: ومعالم الزلفى : 69.

الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (1)وكان جوابه أن قال:(2)( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا )(3)أئمة الضلال والدعاة إلى النار هؤلاء أهدىٰ من آل محمد سبيلاً.

(أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا . أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ) (4)يعني الإمامة والخلافة ( فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ) (5)نحن الناس الذين عنى الله هاهنا، والنقير النقطة التي رأيت في وسط النواة.

(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) نحن هؤلاء الناس المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة دون خلق الله جميعاً (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ) أي جعلنا منهم الرسل والأنبياء والأئمة (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ) (6).

قال وكذلك قوله تعالى: (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) (7)قال: نحن الأمّة الوسط، ونحن شهداء الله على خلقه وحجّته في أرضه. قال: فقوله تعالى في آل ابراهيم:( وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ) إذ جعل فيهم أمة من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصى الله ، وهذا الملك العظيم (8).

وعن الشيخ الصدوق، عن الباقر عليه السلام أنّه قال في قول الله تعالى:


1) النساء : 59

2) في «ج»: فكان جواب قومه أن قالوا.

3) النساء : 59

4) النساء : 52-53

5) النساء : 53

6) النساء : 54-55

7) البقرة : 143

8) نحوه تفسير العياشي 1 : 246 ح 153؛ عنه البحار 23 : 289 ح 17.

(وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ) (1)قال: نحن أولو الأمر الذين أمر الله بالرّد إلينا.

وعن الشيخ المذكور (2)عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلىّ بن أبى طالب علیه السلام: يا علي أنت والأوصياء من ولدك أعراف الله بين الجنّة والنار، لا يدخلها إلّا من عرفكم وعرفتموه، ولا يدخل النار إلا من أنكرتموه (3).

[خبر النصراني الذي كان من ولد حواري عيسى عليه السلام]

يرفعه الشيخ المفيد رحمه الله إلى سليم بن قيس الهلالي قال: لمّا أقبلنا من صفين مع أمير المؤمنين عليه السلام نزل (4)قريباً من دير نصراني إذ خرج علينا شيخ من الدير جميل الوجه، حسن الهيئة والسمت، ومعه كتاب في يده حتّى أتىٰ إلى أمير المؤمنين عليه السلام فسلّم عليه [بالخلافة ](5)، ثمّ قال: إنّى رجل من ولد حواري عيسى بن مريم، وكان أبي أفضل حواري عيسى عليه السلام الاثني عشر، وأحبّهم إليه وآثرهم عنده.

وانّ عيسى أوصىٰ إليه ودفع إليه كتبه وحكمته، فلم يزل أهل هذا البيت على دينه، متمّسكين بمنزلته، لم يكفروا ولم يرتد،وا ولم يغيّروا (6)، وتلك الكتب عندي باملاء عيسى عليه السلام وخطّ أبينا بيده، فيها كلّ شيء تفعل الناس من بعده، واسم كلّ ملك منهم.


1) النساء : 83

2) في :«ج» يرفعه الشيخ المفيد رحمه الله إلى سليم بن قيس الهلالي

3) نحوه البحار 39 : 225 ضمن حدیث 1؛ عن مناقب ابن شهر آشوب وفي دعائم الإسلام 1 25

4) في «ج»: نزلنا.

5) أثبتناه من «(ج)».

6) في «ج»: لم يفتروا.

وانّ الله يبعث رجلاً من العرب من ولد اسماعيل بن ابراهيم خليل الله من أرض يقال لها «تهامة» من قرية يقال لها «مكة»، يقال له أحمد ،له اثنى عشر اسماً ،وذكر مبعثه ومولده وهجرته، ومن يُقاتله، ومن ينصره، ومن يعاديه، وما يعيش، وما تلقىٰ أمّته من بعده إلى أن ينزل عيسى بن مريم عليه السلام [من السماء ] (1).

و في ذلك الكتاب ثلاثة عشر رجلاً من ولد اسماعيل بن ابراهيم خليل الله تعالى من خير خلق الله تعالى، الله وليٌّ لمن والاهم وعدوٌّ لمن عاداهم ،من أطاعهم اهتدىٰ ومن عصاهم ضلّ وغوىٰ، وطاعتهم الله طاعة ومعصيتهم الله معصية، مكتوبة أسماؤهم وأنسابهم ونعوتهم، وكم يعيش كلّ رجل منهم واحداً بعد واحد ،وكم رجل منهم يستتر بدينه ويكتمه من قومه، ومن الذي يُظهر منهم لدينه وتقاد له الناس حتّى ينزل عيسى بن مریم علیه السلام على آخرهم، فيصلّى عيسى خلفه ويقول له: إنّكم أمة لا ينبغي لأحد أن يتقدّمكم، فيتقّدم ويصلي بالناس وعيسى خلفه في صف أوّلهم وأفضلهم وخيرهم، وله مثل أجورهم وأجور من أطاعهم واهتدىٰ بهم (2)

[حكاية الجائليق الأوّل]

بسم الله الرحمن الرحيم، بحذف الاسناد مرفوعاً إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه (3)قال: كان من البلاء العظيم الذي ابتلى الله عز وجل به قريشاً بعد نبيّها


1) أثبتناه من «ب» و «ج».

2) راجع كتاب سليم : 115؛ عنه مدينة المعاجز 1 : 499 ح 325؛ وفضائل ابن شاذان : 142؛ عنه البحار 38 51 ح 8 وغيبة النعماني : 74 ح 9؛ عنه البحار :36 210 ح 13.

3) قال العلامة المجلسي في البحار 84/30: ان المحدثين فرّقوا أجزاء. أي أجزاء هذا الحديث] على الأبواب. وهي مروية في الأصول المعتبرة، وهذا مما يدلّ على صحتها، ويؤيده أيضاً أنه قال الشيخ قدس الله روحه فهرسته سلمان الفارسي رحمة الله عليه ... روى خبر الجائليق الرومي الذي بعثه ملك الروم بعد النبي صلى الله عليه وآله .....

صلى الله عليه وآله ليعرّفها أنفسها، ويخرج شهاداتها عّما ادّعته(1)على رسول الله صلّى الله عليه وآله بعد وفاته، ودحض حجّتها وكشف غطاء ما أسرت في قلوبها، وأخرجت ضغائنها لآل الرسول صلى الله عليه وآله، أزالتهم عن إمامتهم وميراث كتاب الله فيهم ،ما عظمت خطيئته، وشملت فضيحته (2)، ووضحت هداية الله فيه لأهل دعوته وورثة نبيه صلى الله عليه وآله وأنار قلوب أوليائهم، وعمّهم نفعه، وأصابهم بركاته (3)

انّ ملك الروم لما بلغه خبر وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وخبر اُمّته واختلافهم في الاختيار عليهم، وتركهم سبيل هدايتهم، وادّعائهم على رسول الله صلى الله عليه وآله انّه لم يوص إلى أحد بعد وفاته، واهماله إيّاهم يختاروا لأنفسهم، وتوليتهم الأمر بعدهم الأباعد من قومه، وصرف ذلك عن أهل بيته وورثته وقرابته (4)، دعا علماء بلده واستفتاهم (5)، فناظرهم في الأمر الذي ادّعته قريش بعد نبيها صلّى الله عليه وآله، وفيما جاء به محمد صلى الله عليه وآله.

فأجابوه بجوابات من حججهم على أنه محمد صلى الله عليه وآله، فسأل أهل ينته أن مدينته يوجههم إلى المدينة لمناظرتهم والاحتجاج عليهم، فأمر الجاثليق أن يختار من أصحابه وأساقفته، فاختار منهم مائة رجل، فخرجوا يقدمهم الجائليق لهم، قد أقرّت العلماء له جميعاً بالفضل والعلم، متبحّراً في علمه، يخرج الكلام من


1) قال العلامة المجلسي في البحار 84/30: انّ المحدثين فرّقوا أجزاءه [أي أجزاء هذا الحديث ] على الأبواب وهي مروية في الأصول المعتبرة، وهذا مما يدل على صحتها، ويؤيده أيضاً أنه قال الشيخ قدس الله روحه في :فهرسته سلمان الفارسي رحمة الله عليه ... روى خبر الجائليق الرومي الذي بعثه ملك الروم بعد النبي صلى الله عليه وآله

2) فى «ج»: قضيّة.

3) في «ج»: أضاء به برهانه.

4) في «ج»: ذريته وأقربائه.

5) في «ج»: وأساقفتهم.

تأويله، ويرد كلّ فرع إلى أصله، ليس بالخرق ولا بالنزق(1)ولا البليد ولا الرعديد (2)ولا النكل ولا الفشل، ينصت لمن يتكلّم (3)، ويجيب إذا سئل ، ويصبر إذا منع.

فقدم المدينة بمن معه من أخيار قومه وأصحابه حتّى نزل القوم عن رواحلهم، فسأل أهل المدينة عمّن أوصىٰ إليه محمد صلى الله عليه وآله ومن قام مقامه، فدّلوه على أبي بكر، فأتوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فدخلوا على أبي بكر وهو في حشدة من قريش، فيهم عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، وعثمان بن عفان، وأنا في القوم.

فوقفوا عليه، فقال زعيم القوم: السلام عليكم ، فردّوا عليه السلام، فقال: أرشدونا إلى القائم مقام نبيّكم فإنا قوم من الروم، فإنّا على دين المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، فقدمنا لمّا بلغنا وفاة نبيّكم واختلافكم، نسأل عن صحّة نبوّته ونسترشد لديننا ونتعرّض لدينكم، فإن كان أفضل من ديننا دخلنا فيه وسلّمنا وقبلنا الرشد منكم طوعاً، وأجبناكم إلى دعوة نبيّكم، وإن يكن خلاف ما جاءت به الرسل وجاء به عیسیٰ رجعنا إلى دين المسيح، فإنّ عنده من عهد ربّنا (4)في أنبيائه ورسله دلالة ونوراً واضحاً، فأيكم صاحب الأمر بعد نبيكم؟.

فقال عمر بن الخطاب: هذا صاحبنا ووليّ الأمر بعد نبيّنا، قال الجائليق: هو هذا الشيخ؟ فقال: نعم، فقال: أيّها الشيخ أنت القائم الوصيّ لمحمّد في أُمته، وأنت العالم المستغني بعلمك ممّا علّمك نبيّك من أمر الأمّة وما تحتاج إليه؟.

قال أبو بكر: لا ما أنا بوصىّ، قال له: فما أنت؟ قال عمر: هذا خليفة رسول


1) النزق: الخفّة والطيش.

2) الرعديد - بالكسر : الجبان

3) في «ج»: لم يتكلم

4) في «الف»: رأينا.

الله صلى الله عليه وآله، قال النصراني :أنت خليفة رسول الله استخلفك في أمّته؟ قال أبو بكر: لا، قال: فما هذا الاسم الذي ابتدعتموه وادّعيتموه بعد نبيّكم؟ وإنّا قد قرأنا كتب الأنبياء صلوات الله عليهم فوجدنا الخلافة لا تصلح إلا لنبي من أنبياء الله، لأنّ الله عز وجل جعل آدم خليفة في الأرض، فَرَضَ طاعته على أهل السماء والأرض، ونوّه باسم داود عليه السلام فقال:( «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ) (1)فكيف تسمّيت (2)بهذا الاسم، ومن سمّاك به؟ أنبيّك سمّاك به؟ قال: لا ولكن تراضوا الناس فولّوني واستخلفوني.

فقال: أنت خليفة قومك لا خليفة نبيّك وقد قلت ان النّبي لم يوص إليك، وقد وجدنا في كتب من سنن الأنبياء ان الله لم يبعث نبياً إلا وله وصيّ يوصي إليه، وتحتاج الناس كلّهم إلى علمه، وهو مستغن عنهم، وقد زعمت أنّه لم يوصّ كما أوصت الأنبياء، وادّعيت أشياء لست بأهلها، وما أراكم إلّا وقد دفعتم نبوّة محمد، وقد أبطلتم سنن الأنبياء في قومهم.

قال: فالتفت الجائليق إلى أصحابه وقال: إنّ هؤلاء يقولون انّ محمداً لم يأتهم بالنبوة وإنّما كان أمره بالغلبة، ولو كان نبياً لأوصى كما أوصت الأنبياء، وخلّف فيهم كما خلّفت الأنبياء من الميراث والعلم، ولسنا نجد عند القوم أثر ذلك.

ثمّ التفت كالأسد فقال: يا شيخ أما أنت فقد أقررت انّ محمداً النبيّ صلّى الله عليه وآله لم يوص إليك، ولا استخلفك وإنّما تراضوا الناس بك، ولو رضى الله عز وجل برضى الخلق، واتباعهم لهواهم، واختيارهم لأنفسهم، ما بعث الله النبيين مبشّرين ومنذرين، وآتاهم الكتاب والحكمة (3)ليبيّنوا للناس ما يأتون ويذرون


1) ص : 26 .

2) في «الف»: تسميتم.

3) في «ب»: والحكم والنبوة.

وما فيه يختلفون، ولئلا يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل.

فقد دفعتم النبييّن عن رسالاتهم، واستغنيتم بالجهل من اختيار الناس عن اختيار الله عز وجل الرسل للعباد، واختيار الرسل لأمّتهم، ونراكم تعظمون بذلك الفرية على الله عز وجل وعلى نبيّكم، ولا ترضون إلا أن تتسمون بعد ذلك بالخلافة، وهذا لا يحل إلا لنبي أو وصي نبي، وإنّما تصح الحجّة لكم بتأكيدكم النبوّة لنبيّكم وأخذكم بسنن الأنبياء في هداهم، وقد تغلّبتم فلابد لنا أن نحتجّ عليكم فيها ادّعيتم حتى نعرف سبيل ما تدّعون إليه، ونعرف الحق فيكم بعد نبيّكم أصواب فعلتم بايمان أم بجهل أو كفرتم.

ثمّ قال: يا شيخ أجب، قال: فالتفت أبو بكر إلى أبي عبيدة ليجيب عنه، فلم يحر (1)جواباً ، ثمّ التفت الجائليق إلى أصحابه فقال: بناء القوم على غير أساس ولا أرىٰ لهم حجّة، أفهمتم ؟ قالوا: بلى، ثمّ قال لأبي بكر: يا شيخ أسألك؟ قال: سل، قال: أخبرني عنّي وعنك، ما أنت عند الله وما أنا [عنده](2)؟

قال: فأما أنا فعند نفسى مؤمن وما أدرى ما أنا عند الله فيما بعد، وأمّا أنت فعندي كافر ولا أدري ما أنت عند الله، قال الجاثليق: أمّا أنت فقد منيت نفسك الكفر بعد الايمان، وجهلت مقامك فى ايمانك أمحق أنت فيه أم مبطل، وأمّا أنا فقد منيتني الايمان بعد الكفر، فما أحسن حالي وأسوء حالك عند نفسك إذ كنت لا توقن بما لك عند الله، فقد شهدت لي بالفوز والنجاة، وشهدت لنفسك بالهلاك والكفر.

ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: طيبوا نفساً فقد شهد لكم بالنجاة بعد الكفر، ثمّ التفت إلى أبي بكر فقال: يا شيخ أين مكانك الساعة من الجنّة إذا ادّعيت الايمان، وأين مكاني من النار؟ قال: فالتفت أبو بكر إلى عمر وأبي عبيدة مرّة أخرىٰ ليجيبا


1) في «ب»: يجد.

2) أثبتناه من «ب».

عنه، فلم ينطق أحد منها.

قال: ثمّ قال: ما أدري أين مكاني وما حالي عند الله، قال الجاثليق: يا هذا أخبرني كيف استجزت لنفسك أن تجلس في هذا المجلس وأنت محتاج إلى علم غيرك، فهل في أُمّة نبيّك من هو أعلم منك؟ قال: نعم.

قال: ما أعلمك وإيَّاهم، إلّا وقد حملوك أمراً عظيماً، وسفهوا بتقديمهم إياك على من هو أعلم منك، فإن كان الذي هو أعلم منك يعجز عمّا سألتك كعجزك فأنت وهو واحد في دعواكم، فأرىٰ نبيّكم - إن كان نبيّاً - فقد ضيّع علم الله عز وجل وعهده وميثاقه الذي أخذه على النبييّن من قبله فيكم في إقامة الأوصياء لأمتهم ليفزعوا إليه فيما يتنازعون في أمر دينكم، فدلّوني على هذا الذي هو أعلم منكم فعساه في العلم أكثر (1)منكم في محاورة وجواب وبيان ما يحتاج إليه من أثر النبوّة وسنن الأنبياء، ولقد ظلمك قومك وظلموا أنفسهم فيك.

قال سلمان رضي الله عنه : فلمّا رأيت ما نزل بالقوم من البهت والحيرة والذلّ والصغار، وما حلّ بدين محمد صلى الله عليه وآله، وما نزل بالقوم من الحزن نهضت لا أعقل أين أضع قدمي إلى باب أمير المؤمنين عليه السلام، فدققت عليه الباب فخرج وهو يقول: ما دهاك يا سلمان؟

قال: قلت: هلك دين الله وهلك الإسلام بعد محمد صلى الله عليه وآله، وظهر أهل الكفر على دينه وأصحابه بالحجّة، فأدرك يا أمير المؤمنين دين محمد صلى الله عليه وآله ،والقوم قد ورد عليهم ما لا طاقة لهم به ولا بدّ ولا حيلة، فأنت اليوم مفرج كربها ، وكاشف بلواها، وصاحب ميسمها، وتاجها ،ومصباح ظلمها ،وفتاح (2)مبهمها.


1) في «ج»: أقلّ.

2) في «ب» و «ج»: مفتاح.

قال: فقال عليّ عليه السلام: ما ذاك؟ قال: قلت: قد قدم قوم[ لهم قوّة ] (1)من ملك الروم في مائة رجل من أشراف قومهم يقدمهم جاثليق ،لم أر مثله يورد الكلام على معانيه ويصرفه على تأويله، ويؤّكد حجّته، ويحكم ابتداءه، لم أسمع مثل حججه ولا سرعة جوابه من كنوز علمه.

فأتىٰ أبا بكر - وهو في جماعة - فسأله عن مقامه ووصيّة رسول الله صلى الله عليه وآله، فأبطل دعواهم بالخلافة، وغلبهم بادّعائهم تخليفهم مقامه، فأورد على أبي بكر مسألة أخرجه بها عن ايمانه وألزمه الكفر والشك في دينه، فعلتهم لذلك ذلّة وخضوع وحيرة، فأدرك يا أمير المؤمنين دين محمد فقد ورد عليهم ما لا طاقة لهم به.

فنهض أمير المؤمنين صلوات الله عليه معي حتّى أتينا القوم وقد ألبسوا الذلّة والمهانة والصغار والحيرة، فسلّم عليّ عليه السلام ثمّ جلس فقال: يا نصراني أقبل عليّ بوجهك واقصدني بمسألتك (2)، فعندي جواب ما تحتاج الناس إليه فيما يأتون ويذرون، وبالله التوفيق.

قال: فتحوّل النصراني إليه فقال: يا شاب إنّا وجدنا في كتب الأنبياء إنّ الله عز وجل لم يبعث نبيّاً قط إلا كان له وصيّ يقوم مقامه، وقد بلغنا اختلاف عن أُمّة محمد في مقام نبوّته، وادّعاء قريش على الأنصار، وادّعاء الأنصار على قريش واختيارهم لأنفسهم، فأقدمنا ملكنا وفداً وقد اختارنا لنبحث عن دين محمد صلى الله عليه وآله، ونعرف سنن الأنبياء فيه، والاستماع من قومه الذين ادعوا مقامه، أحقّ ذلك أم باطل؟ قد كذّبوا عليه كما كذبت الأمم بعد أنبيائها على نبيّها، ودفعت الأوصياء عن حقّها.


1) أثبتناه من «ج».

2) في «ج»: بحاجتك.

وإنّا وجدنا قوم موسىٰ عليه السلام بعده عكفوا على العجل (1)، ودفعوا هارون عن وصيّته، واختاروا ما أنتم عليه، وكذلك سنّة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً، فقدمنا فأرشدنا إلى هذا الشيخ، فادّعىٰ مقامه والأمر له من بعده، فسألناه عن الوصية إليه عن نبيّه فلم يعرفها، وسألته عن قرابته منه إذا كانت الدعوة من إبراهيم عليه السلام فيما سبقت في الذرية (2)في إمامته أنّه لا ينالها إلا ذرية بعضها من بعض، ولا ينالها إلّا مصطفىٰ مطهّر، فأردنا أن نتبيّن (3)السنّة من محمد صلى الله عليه وآله وما جاء به النبيّون صلوات الله عليهم، واختلاف الأمّة على الوصي كما اختلفت على من مضىٰ من الأوصياء، ومعرفة العترة فيهم.

فإن وجدنا لهذا الرسول وصيّاً قائماً بعده وعنده علم ما يحتاج إليه الناس، ويجيب بجوابات نبيّه، ويخبر عن أسباب البلايا والمنايا وفصل الخطاب والأنساب، وما يهبط من العلم ليلة القدر في كلّ سنة، وما تنزل به الملائكة والروح إلى الأوصياء صدّقنا بنبوّته، وأجبنا دعوته، واقتدينا بوصيّته، وآمنّا به (4)وبكتابه وما جاءت به الرسل من قبله، وإن يكن غير ذلك رجعنا إلى ديننا، وعلمنا انّ أحمد لم يُبعث.

وقد سألنا هذا الشيخ فلم نجد عنده تصحيح بنبوّة محمد صلى الله عليه وآله ،وإنّما ادّعوا له وكان جبّاراً غلب على قومه بالقهر وملكهم، ولم يكن عنده أثر النبّوة، ولا ما جاءت به الأنبياء قبله، وأنّه مضىٰ وتركهم بهماً يغلب بعضهم بعضاً، وردّهم جاهلية جهلاء مثل ما كانوا يختارون بآرائهم لأنفسهم أي دين أحبّوا ،وأيّ ملك 100


1) في «ب»: السامري.

2) زاد في «ج» بعد قوله في الذرية: أنّي جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين وان الإمامة لا ينالها ....

3) في «ج»: يتبين لنا.

4) في «(ج)»: اقتدينا بوصيه وأمنائه.

أرادوا.

فأخرجوا محمداً صلّى الله عليه وآله من سبيل الأنبياء، وجهلوه في رسالته، و دفعوا وصيّته، وزعموا انّ الجاهل يقوم مقام العالم، وفي ذلك هلاك الحرث والنسل، وظهور الفساد في الأرض والبرّ والبحر، وحاشا لله عز وجل أن يبعث نبيّاً إلّا مطهّراً مسدّداً مصطفى على العالمين، وانّ العالم أمير على الجاهل أبداً إلى يوم القيامة.

فسألته عن اسمه فقال الذي إلى جنبه: هذا خليفة رسول الله، فقلت: إنّ هذا الاسم لا نعرفه لأحد بعد النبي إلّا أن يكون لغة من لغات العرب، فأمّا الخلافة فلا تصلح إلّا لآدم وداود عليهما السلام، والسنّة فيها للأنبياء والأوصياء، وإنّكم لتعظمون الفرية على الله وعلى رسوله، فانتفىٰ من العلم واعتذر من الاسم وقال: إنّما تراضوا الناس بي فسمّوني خليفة، وفي الأمة من هو أعلم منّى، فاكتفينا بما حكم على نفسه وعلى من اختاره، وقدمت مستر شداً وباحثاً عن الحقّ، فإن وضح لي اتبّعته ولم تأخذني في الله عز وجل لومة لائم، فهل عندك أيّها الشاب شفاء لما في صدورنا؟.

قال عليّ عليه السلام: بلىٰ عندي شفاء الصدوركم، وضياء لقلوبكم، وشرح لما أنتم عليه، وبيان لا يختلجكم الشك معه، واخبار من أموركم، وبرهان الدلالتكم ،فأقبل إليّ بوجهك، وفرّغ لي مسامع قلبك، واحضرني ذهنك، وع ما أقول لك، انّ الله بمنّه وطوله وفضله - له الحمد كثيراً دائماً - قد صدق وعده، وأعزّ دينه، ونصر محمداً عبده ورسوله، وهزم الأحزاب وحده، فله الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، تبارك وتعالى.

اختصّ محمداً صلى الله عليه وآله واصطفاه وهداه وانتجبه لرسالته إلى الناس كافة برحمته، وإلى الثقلين برأفته ، وفرض طاعته على أهل السماء وأهل

الأرض، وجعله إماماً لمن قبله من الرسل، وخاتماً لمن بعده من الخلق، وورّثه مواريث الأنبياء، وأعطاه مقاليد الدنيا والآخرة، واتّخذه نبيّاً ورسولاً وحبيباً وإماماً، ورفعه إليه فقربه عن يمين عرشه بحيث لا يبلغه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل.

فأوحى الله إليه في وحيهک( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) (1)وأنزل علاماته على الأنبياء، وأخذ ميثاقهم :( لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) (2)ثّ قال: ( َأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) (3).

وقال: (يالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (4).

فما مضىٰ صلى الله عليه وآله حتى أتمّ الله عز وجل مقامه، وأعطاه وسيلته، ورفع له درجته، فلن يذكر الله عز وجل إلا كان معه مقروناً، وفرض دينه، ووصل طاعته بطاعته، فقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) (5)وقال: (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (6).

فأبلغ عن الله عز وجل رسالته، وأوضح برهان ولايته، وأحكم آياته، وشرع شرائعه وأحكامه، ودلّهم على سبيل نجاتهم، وباب هدايته وحكمته، وكذلك بشّر به النبيون عليهم السلام قبله، وبشّر به عيسى روح الله وكلمته، إذ يقول في الانجيل: أحمد العربي الأمّي، صاحب الجمل الأحمر والقضيب.


1) النجم : 11.

2) آل عمران : 81

3) آل عمران : 81

4) الأعراف : 157.

5) النساء : 80

6) الحشر : 7.

وأقام لأمّته وصيّه فيهم، وعيبة علمه، وموضع سرّه، و محکم آیات کتابه، وتاليه حقّ تلاوته وتأويله، وباب حِطَّتِه، ووارث كتابه، وخلّفه مع كتاب الله فيهم ،وأخذ فيهم الحجّة فقال: قد خلّفت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا (1)، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وهما الثقلان كتاب الله الثقل الأكبر، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، سبب بأيديكم وسبب بيد الله عز وجل، وإنّهما لم يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فلا تقدموهم فتمرقوا، ولا تأخذوا عن غيرهم فتعطبوا، ولا تعلموهم فإنّهم أعلم منكم.

وأنا وصيّه، والقائم بتأويل كتابه، والعارف بحلاله وحرامه، وبمحكمه ومتشابهه، وناسخه و منسوخه، وأمثاله وعبره وتصاريفه، وعندي علم ما تحتاج إليه أمته من بعده وكلّ قائم وملتوي، وعندي علم البلايا والمنايا والوصايا والأنساب ،وفصل الخطاب، ومولد الإسلام، ومولد الكفر، وصاحب الكرّات،ودولة الدول.

فاسألني عمّا يكون إلى يوم القيامة، وعمّا كان على عهد عيسىٰ عليه السلام منذ بعثه الله تبارك وتعالى، وعن كلّ وصيّ، وكلّ فئة تضل مائة وتهدي مائة، وعن سائقها وقائدها وناعقها إلى يوم القيامة، وكلّ آية نزلت في كتاب الله، في ليل نزلت أم نهار، وعن التوراة والانجيل والقرآن العظيم، فإنّه صلّى الله عليه وآله لم يكتمني شيئاً من علمه ولا شيئاً تحتاج إليه الأمم من أهل التوراة والانجيل، وأصناف الملحدين، وأحوال المخالفين، وأديان المختلفين.

وكان صلى الله عليه وآله خاتم النبييّن بعدهم، وعليهم فرضت طاعته والايمان به والنصر له (2)، تجدون ذلك مكتوباً في التوراة والانجيل والزبور، وفي


1) في «ج»: لن تضلوا أبداً.

2) في «ج»: النصرة له.

الصحف الأولىٰ صحف ابراهيم وموسى، ولم يكن ليضيّع عهد الله عز وجل في خلقه ويترك الأمّة تائهين بعده ، وكيف يكون ذلك وقد وصفه الله بالرأفة والرحمة والعفو

والأمر بالمعروف [والنهي عن المنكر] (1)وإقامة القسطاس المستقيم.

وان الله عز وجل أوحىٰ إليه كما أوحىٰ الىٰ نوح والنبييّن من بعده، وكما أوحىٰ الى موسىٰ وعيسىٰ عليها السلام، فصدّق الله، وبلّغ رسالته، وأنا على ذلك من الشاهدين، وقد قال الله تبارك وتعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ) (2)

وقال: ( كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (3).

وقد صدّقه الله وأعطاه الوسيلة إليه وإلى الله عز وجل فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (4)فنحن الصادقون، وأنا أخوه في الدنيا والآخرة، والشاهد منه عليهم بعده، وأنا وسيلته بينه وبين أمّته، وأنا وولدي ورثته، وأنا وهم كسفينة نوح في قومه، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق.

وأنا وهم كباب حطّة في بنى اسرائيل، وأنا بمنزلة هارون من موسىٰ إلّا انّه لا نبيّ بعده، وأنا الشاهد منه في الدنيا والآخرة، ورسول الله صلى الله عليه وآله على بينة من ربّه، وتعرض طاعتي ومحبتي بين أهل الايمان (5)وأهل الكفر وأهل النفاق، فمن أحبّني كان مؤمناً، ومن أبغضني كان كافراً، والله ما كذبت ولا كذبت ولا ضللت ولا ضلّ بي، وانّى لعلىٰ بيّنة بينها ربّي عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وآله فبيّنها لي ،فاسألوني عمّا كان وعمّا هو كائن إلى يوم القيامة.


1) أثبتناه من «ج».

2) النساء : 41

3) الرعد : 43.

4) التوبة : 119.

5) في «ب» و «ج»: وفرض ... على أهل الايمان.

قال: والتفت الجائليق إلى أصحابه فقال: هذا هو والله الناطق بالعلم والقدرة، الفاتق الرائق، ونرجوا [من الله ] (1)أن يكون قد صادفنا حظّنا، ونور هدايتنا، وهذه والله حجج الأوصياء من الأنبياء على قومهم.

قال: ثمّ التفت إلى عليّ عليه السلام فقال: كيف عدل بك القوم عن قصدهم إيّاك،وادّعوا ما أنت أولىٰ به منهم ؟ ألا وقد وقع القول عليهم فضرّوا أنفسهم، وما ضرّ ذلك الأوصياء مع ما أغناهم الله عز وجل به من العلم، واستحقاق مقامات رسله، فأخبرني أيها العالم الحكيم عنّى وأنت ،ما أنت عند الله وما أنا عنده؟.

قال عليّ عليه السلام: أمّا أنا فعند الله عز وجل مؤمن وعند نفسي مؤمن، مستيقن بفضله ورحمته وهدايته ونعمته عليّ، وكذلك أخذ الله جل جلاله ميثاقي على الايمان، وهداني لمعرفته، ولا أشك في ذلك ولا أرتاب، لم أزل على ما أخذه الله عليّ من الميثاق، ولم أبّدل ولم أغيّر، وذلك بمنّ الله ورحمته وصنعه، أنا في الجنة لا أشك في ذلك ولا أرتاب، لم أزل على ما أخذ الله عز وجل علي من الميثاق، فإنّ الشك شرك لما أعطاني الله من اليقين والبيّنة.

وأمّا أنت فعند الله كافر بجحودك الميثاق والاقرار الذي أخذ الله عليك بعد خروجك من بطن أمّك، وبلوغك العقل، ومعرفة التمييز للجيّد والردي، والخير والشر، واقرارك بالرسل، وجحودك لما أنزل الله في الانجيل من أخبار النبييّن عليهم السلام ما دمت على هذه الحال كنت في النار لا محالة.

قال: فأخبرني عن مكاني من النار ومكانك من الجنّة، فقال علي عليه السلام :فلم أدخلها فأعرف مكاني من الجنّة ومكانك من النار، ولكن أعرف(2)ذلك من كتاب الله عز وجل، انّ الله جلّ جلاله بعث محمداً صلى الله عليه وآله


1) أثبتناه من «ب» و «ج».

2) في «ب»: أعرفك.

بالحق، وأنزل عليه كتاباً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، أحكم فيه جميع علمه.

وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله عن الجنّة بدرجاتها ومنازلها، وقسّم الله جلّ جلاله الجنان بين خلقه لكلّ عامل منهم ثواباً منها، وأحلّهم على قدر فضائلهم في الأعمال والايمان، فصدّقنا الله وعرفنا منازل الأبرار، وكذلك منازل الفجّار وما أعد لهم من العذاب في النار وقال:( لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ )(1)فمن مات على كفره وفسوقه وشركه ونفاقه وظلمه فلكّل باب منهم جزء مقسوم ،وقد قال عز وجل:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) (2)وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله هو المتوسّم، وأنا والأئمة من ذرّيتي المتوسّمون إلى يوم القيامة.

قال: فالتفت الجائليق إلى أصحابه وقال: قد أصبتم إرادتكم وأرجو أن تظفروا بالحقّ الذي طلبنا ،إلا انه(3)قد نصبت له مسائل فإن أجابنا عنها نظرنا في أمرنا وقبلت منه.

قال عليّ عليه السلام: فإن أجبتك عمّا سألتني عنه - وفيه تبيان وبرهان واضح لا تجد له مدفعاً، ولا من قبوله بدّاً - أن تدخل في ديننا؟ قال: نعم، فقال عليّ عليه السلام: الله عليك راع كفيل إذا أوضح لك الحق وعرفت الهدىٰ أن تدخل في ديننا أنت وأصحابك ؟ قال الجاثليق : نعم، لك الله عليّ راع كفيل انّي أفعل ذلك.

فقال عليه السلام: فخذ على أصحابك الوفاء، قال: فأخذ عليهم العهد، ثمّ قال عليّ عليه السلام: سل عمّا أحببت ،قال : أخبرني عن الله عز وجل أحمل العرش


1) الحجر : 44.

2) الحجر : 75

3) في «(ج)»: إلّا أنّي.

أم العرش يحمله ؟

قال عليه السلام: الله حامل العرش ،والسماوات والأرض وما فيها وما بينهما، وذلك قول الله عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا )(1)7، قال: فأخبرني عن قوله عز وجل: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) (2)فكيف ذلك وقلت انه يحمل العرش والسماوات والأرض؟.

قال عليّ عليه السلام: انّ العرش خلقه الله تبارك وتعالى من أنوار أربعة: نور أحمر احمرّت منه الحمرة، ونور أخضر اخضرت منه الخضرة، ونور أصفر اصفرّت منه الصفرة، ونور أبيض ابيض منه البياض، وهو العلم الذي حمله الله الحملة، وذلك نور من عظمته، فبعظمته و نوره ابيّضت قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغىٰ من في السماوات والأرض من جميع خلائقه.

إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة، والأديان المنشئة (3)، وكلّ محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، وكلّ شيء محمل والله عزوجل الممسك لها أن تزولا، والمحيط بها وبما فيها من شيء، وهو حياة كلّ شيء، ونور كلّ شيء، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

قال: فأخبرني عن الله عز وجل أين هو ؟ قال عليه السلام: هو هاهنا وهاهنا، وهاهنا وهاهنا، وهو فوق وتحت ومحيط بنا ومعنا، وهو قوله تعالى: (ما


1) فاطر : 41 .

2) الحاقة : 17 .

3) في «ب» و «ج»: المتشتتة.

يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (1)والكرسي محيط بالسماوات والأرض، ولا يؤده حفظهما وهو العليّ العظيم.

فالذين يحملون العرش هم العلماء ،هم الذين حملهم الله علمه، وليس يخرج عن هذه الأربعة شيء خلق الله (2)عز وجل في ملكوته، وهو الملكوت الذي أراه الله أصفياءه، وأراه الله عز وجل خليله عليه السلام، قال: ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) فكيف يحمل العرش الله وبحياته حييت قلوبهم، وبنوره اهتدوا إلى معرفته [وانقادوا ](3)؟

قال: فالتفت الجائليق إلى أصحابه فقال: هذا والله الحق من عند الله عز وجل على لسان المسيح والنبييّن والأوصياء عليهم السلام، قال: أخبرني عن الجنّة، في الدنيا هي أم في الآخرة؟ وأين الآخرة والدنيا؟.

قال عليه السلام: الدنيا في الآخرة، والآخرة محيطة بالدنيا، إذا كانت النقلة عن الحياة إلى الموت ظاهرة، وكانت الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون، وذلك أنّ الدنيا نقلة والآخرة حياة، ومقام مثل ذلك النائم، وذلك انّ الجسم ينام والروح لا تنام، والبدن يموت والروح لا تموت ،قال الله عز وجل: ( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ )(4). والدنيا رسم الآخرة، والآخرة رسم الدنيا ،وليس الدنيا الآخرة ولا الآخرة الدنيا، إذا فارق الروح الجسم يرجع كلّ واحد منهما إلى ما منه بدأ وما منه خلق ،وكذلك الجنّة والنار في الدنيا موجودة وفي الآخرة موجودة، لأنّ العبد إذا مات


1) المجادلة : 7: وزاد في «ج»: ان الله بكل شيء عليم. وهو تمام الآية.

2) فى البحار خلقه الله عز وجل.

3) أثبتناه من البحار.

4) العنكبوت : 64.

صار في دار من الأرض، أمّا روحة في روضة من رياض الجنّة، وأمّا بقعة من بقاع النار، وروحه إلى أحد دارين: امّا في دار نعيم مقيم لاموت فيها ،وامّا في دار عذاب أليم لا موت فيها ، والرسم لمن عقل موجود واضح، وقد قال الله عز وجل:( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ . لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ . ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ .ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) (1)، وعنّى الكفّار فقال: (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ) (2)ولو علم الإنسان علم ما هو فيه مات حيّاً (3)ما من الموت ،ومن نجا فبفضل اليقين.

قال: فأخبرني عن قوله عز وجل: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (4)

فإذا طويت السماء وقبضت الأرض فأين تكون الجنّة والنار، وهما فيهما؟.

قال: فدعا بدواة وقرطاس ثمّ كتب فيه الجنّة والنار، ثمّ درج القرطاس ودفعه إلى النصراني وقال له: أليس قد طويت هذا القرطاس؟ قال: نعم، قال: فافتحه، قال: ففتحه، قال: هل ترىٰ آية النار وآية الجنّة أمحاهما [طي] (5)القرطاس؟ قال: لا، قال: فهكذا في قدرة الله تعالى إذا طويت السماوات وقبضت الأرض لم تبطل الجنّة والنار كما لا يبطل طىّ هذا الكتاب آية الجنّة وآية النار.

قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل: ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) (6)ما هذا الوجه ؟ وكيف هو؟ وأين يؤتى (7)؟ وما دليلنا عليه ؟ قال عليّ عليه السلام: يا غلام


1) الكهف : 101.

2) الكهف : 101.

3) في «ج»: خوفاً.

4) الزمر : 67 .

5) أثبتناه من «ج» والبحار.

6) القصص : 88

7) في «ب»: وأين هو.

عليّ بحطب ونار، فأتىٰ بحطب ونار، فأمر أن تُضرم ،فلمّا استوقدت واشتعلت قال له :يا نصراني هل تجد لهذه النار وجهاً دون وجه ؟ قال : لا [بل ](1)حيثما أتيتها (2)فهو وجه.

قال عليه السلام :فإذا كانت هذه النار المخلوقة المدبرة في صنعها (3)وسرعة زوالها لا تجد لها وجهاً، فكيف من خلق هذه النار وجميع ما في ملكوته من شيء أجابه ؟ كيف يوصف بوجه، أو بحدّ يُحدّ، أو يُدرك ببصر، أو يُحيط به عقل، أو يضبطه وهم، وقال الله تعالى:( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (4)؟!.

قال الجاثليق: صدقت أيّها الوصيّ العليم الحكيم الرفيق الهادي، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق بشيراً ونذيراً، وانك وصيّه وصديقه ودليله، وموضع سرّه، وأمينه على أهل بيته، وولي المؤمنين من بعده، من أحبّك وتولاك هديته ونوّرت عينه وقلبه، وأعنته وكفيته وشفيته، ومن تولّىٰ عنك، وعدل عن سبيلك غبن عن حظّه، واتّبع هواه بغير هدى من الله ورسوله، وكفىٰ هداك ونورك هادياً وكافياً وشافياً.

قال: ثمّ التفت إلى القوم فقال: يا هؤلاء قد أصبتم أمنيتكم وأخطأتم سنّة نبيّكم، فاتّبعوه تهتدوا وترشدوا، فما دعاكم إلى ما فعلتم ؟ ما أعرف لكم عذراً بعد آيات الله والحجّة عليكم، أشهد أنّها سنّة في الذين خلوا من قبلكم ولا تبديل لكلمات الله، وقد قضىٰ عزوجل الاختلاف على الأمم والاستبدال بأوصيائهم بعد أنبيائهم، وما العجب إلّا منكم بعدما شاهدتم، فما هذه القلوب القاسية، والحسد الظاهر ، والضغن والافك المبين؟!.


1) أثبتناه من «(ج)».

2) في «ج»: لقيتها .

3) في «ب» و «ج»: ضعفها.

4) الشورى: 11

قال: وأسلم النصراني ومن معه، وشهدوا لعليّ عليه السلام بالوصيّة، ولمحمّد صلّى الله عليه وآله بالحق والمروة (1)، وأنّه الموصوف المنعوت في التوراة والانجيل، ثمّ خرجوا منصر فين إلى ملكهم ليردّدوا إليه(2)ما عاينوا وما سمعوا.

فقال عليّ عليه السلام: الحمد لله الذي أوضح برهان محمد صلى الله عليه وآله، وأعزّ دينه ونصره، وصدّق رسوله وأظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، والحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله.

قال: فتباشر القوم بحجج عليّ عليه السلام وبيان ما أخرجه إليهم وانكشفت (3)عنهم الذلة، وقالوا: أحسن الله جزاك (4)يا أبا الحسن في مقامك بحقّ نبيّك، ثمّ تفرّقوا وكأن الحاضرين لم يسمعوا شيئاً مما فهمه القوم الذين هم عندهم أبداً، وقد نسوا ما ذكّروا به، والحمد لله ربّ العالمين.

قال سلمان الخير: فلمّا خرجوا من المسجد وتفرّق الناس وأرادوا الرحيل أتوا عليّاً عليه السلام مسلّمين عليه، ويدعون الله له (5)، واستأذنوا فخرج إليهم عليّ عليه السلام فجلسوا، فقال الجاثليق: يا وصيّ محمد وأبا ذرّيته ما نرى الأمة إلّا هالكة كهلاك من مضىٰ من بني اسرائيل من قوم موسى، وتركهم هارون وعكوفهم على أمر السامري، وإنّا وجدنا لكلّ نبي بعثه الله عدوّاً شياطين الانس والجن يفسدان على النبي دينه، ويهلكان أمّته، ويدفعان وصيّه، ويدعيان الأمر بعده (6).


1) في البحار: النبوة.

2) في البحار :ليردوا عليه.

3) في «ج»: كشف.

4) في «ب»: جزاك الله.

5) في «ج»: مودعين له.

6) في «ب»: ان الأمر بعده.

وقد أرانا الله عز وجل ما وعد الصادقين من المعرفة بهلاك هؤلاء القوم، وبيّن سبيلك وسبيلهم، وبصرنا ما أعماهم عنه، ونحن أولياؤك، وعلى دينك، وعلى طاعتك، فمرنا بأمرك إن أحببت أقمنا معك ونصرناك على عدوّك، وإن أمرتنا بالمسير سرنا وإلى ما صرفتنا إليه صرنا ، وقد نرىٰ صبرك على ما ارتكب منك ،وكذلك سيماء الأوصياء وسنّتهم بعد نبيّهم، فهل عندك من نبيك صلى الله عليه وآله فيها أنت فيه وهم؟

قال علي عليه السلام: نعم والله عندي لعهداً من رسول الله صلى الله عليه وآله ممّا هم صائرون إليه وما هم عاملون، وكيف يُخفى علىّ أمر أمّته وأنا منه بمنزلة هارون من موسى، ومنزلة شمعون من عيسىٰ؟! أوما تعلمون ان وصي عيسىٰ شمعون بن حمّون الصفا - ابن خاله - اختلفت عليه امّة عيسى عليه السلام ،وافترقوا أربع فرق ،فافترقت الأربع على اثنين وسبعين فرقة، كلّها هالكة إلّا فرقة، وكذلك أمّة موسى عليه السلام افترقت على احدىٰ وسبعين فرقة كلّها هالكة إلّا فرقة.

وقد عهد إلىّ محمد صلّى الله عليه وآله انّ أُمّته يفترقون على ثلاث وسبعين فرقة، ثلاث عشرة فرقة تدّعى مودّتنا ،كلّها هالكة إلا فرقة واحدة، وإنّى لعلىٰ بينة من ربّي، وإنّي عالم بما يصير القوم له، ولهم مدّة وأجل معدود لأن الله عز وجل يقول: (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) (1).

وقد صبر (2)عليهم القليل لما هو بالغ أمره وقدره المحتوم فيهم، وذكر نفاقهم وحسدهم أنّه سيخرج أضغانهم، ويبين مرض قلوبهم بعد فراق نبيّهم صلى الله عليه وآله، قال تعالى: ( «يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ


1) الأنبياء : 111.

2) في «ج»: صبرت .

قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ ) [أي تعلمون](1)(قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ • لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) (2).

فقد عفا عن القليل من هؤلاء، ووعدني أن يظهرني على أهل الفتنة، ويردّ الأمر إليّ ولو كره المبطلون، وعندكم كتاب من رسول الله صلى الله عليه وآله في المصالحة والمهادنة على أن لا تحدثوا ولا تأووا محدثاً، فلكم الوفاء بما وفيتم، ولكم العهد والذمّة ما أقمتم على الوفاء بعهدكم، وعلينا مثل ذلك لكم.

وليس هذا أوان نصرنا، ولا يسلّ سيف، ولا يقام عليهم بحق ما لم يقبلوا أو يعطوني طاعتهم إذ كنت فريضة من الله عز وجل ومن رسوله صلى الله عليه وآله، مثل الحج والزكاة والصلاة والصيام، فهل يقام بهذه الحدود إلّا بعالم قائم يهدي إلى الحق وهو أحق أن يتّبع، ولقد أنزل الله سبحانه: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (3).

فأنا - رحمك الله - فريضة من الله ومن رسوله عليكم، بل أفضل الفرائض وأعلاها وأجمعها للحق وأحكمها لدعائم الايمان وشرائع الإسلام، وما يحتاج إليه الخلق لصلاحهم ولفسادهم ولأمر دنياهم وآخرتهم، فقد تولّوا عنّى ودفعوا فضلي، وفَرَضَ رسول الله صلى الله عليه وآله إمامتي وسلوك سبيلي، فقد رأيتم ما شملهم من الذل والصغار من بعض الحجة.

وكيف أثبت الله عز وجل عليهم الحجة وقد نسوا ما ذكّروا به من عهد نبيّهم، و ما أكد عليهم من طاعتي، وأخبرهم من مقامي، وبلغهم من رسالة الله عزوجل في


1) أثبتناه من «ب».

2) التوبة : 64 و 66 .

3) یونس : 35 .

فقرهم إلى علمي، وغنائي عنهم وعن جميع الأمّة ممّا أعطاني الله عز وجل، فكيف أسى على من صدّ(1)عن الحق بعدما تبيّن له، واتّخذ إلهه هواه، وأضلّه الله على علم،

وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله.

انّ هداه للهدىٰ، وهما السبيلان: سبيل الجنّة وسبيل النار والدنيا والآخرة، فقد ترىٰ ما نزل بالقوم من استحقاق العذاب الذي عذّب به من كان قبلهم من الأمم، وكيف بدّلوا كلام الله ، وكيف جرت السنّة من الذين خلوا من قبلهم، فعليكم بالتمسك بحبل الله وعروته، وكونوا حزب الله (2)ورسوله، وألزموا عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وميثاقه عليكم، فإنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً.

وكونوا في أهل ملّتكم كأصحاب الكهف، وإيّاكم أن تفشوا أمركم إلى أهل أو ولد أو حميم أو قريب، فإنّه دين الله عز وجل الذي أوجب له التقية ولأوليائه فيقتلكم قومكم، وإن أصبتم من الملك فرصة ألقيتم على قدر ما ترون من قبوله، وانّه باب الله وحصن الايمان لا يدخله إلّا من أخذ الله ميثاقه، ونوّر له في قلبه (3)، وأعانه على نفسه، انصرفوا إلى بلادكم على عهدكم الذي عاهدتموني عليه، فإنّه سيأتي على الناس برهة من دهرهم ملوك بعدي وبعد هؤلاء يغيّرون دين الله عز وجل، ويحرّفون كلامه، ويقتلون أولياء الله، ويعزّون أعداء الله.

وتكثر البدع، وتدرس السنن حتّى تملأ الأرض جوراً وعدواناً وبدعاً، ثمّ يكشف الله بنا أهل البيت جميع البلاء عن أهل دعوة الله بعد شدّة من البلاء العظيم حتّى تملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً.

ألا وقد عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله انّ الأمر صائر إليّ بعد الثلاثين من وفاته وظهور الفتن، واختلاف الأمّة عليّ، ومروقهم من دين الله


1) في «ب»: ضل.

2) فى «ب»: من حزب الله.

3) فى «الف»: في قبره.

عز وجل، وأمرني بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين، فمن أدرك منكم ذلك الزمان وتلك الأمور وأراد أن يأخذ بحظّه من الجهاد معى فليفعل، فإنّه والله الجهاد الصافي، صفّاه لنا كتاب الله وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وآله، فكونوا رحمكم الله من أجلاس (1)بيوتكم إلى أوان ظهور أمرنا، فمن مات منكم كان من المظلومين، ومن عاش منكم أدرك ما تقر به عينه إن شاء الله تعالى.

ألا وإنّى أخبركم انه سيحملون على خطّة [من] (2)جهلهم، وينقضون علينا ] عهد نبيّنا صلى الله عليه وآله لقلّة علمهم بما يأتون ويذرون، وسيكون منهم ملوك يدرس عندهم العهد، وينسوا ما ذكّروا به، ويحلّ بهم ما يحلّ بالأمم حتى يصيروا إلى الهرج والاعتداء وفساد العهد (3)، وذلك لطول المدّة وشدّة المحنة التي أمرت بالصبر عليها، وسلّمت لأمر الله في محنة عظيمة يكدح فيها المؤمن حتّى يلق الله ربّه.

واهاً للمتمسّكين بالثقلين وما يعمل بهم، وواها لفرج آل محمد صلى الله عليه وآله من خليفة مستخلف عريف مترفٍ (4)يقتل خلفي وخلف الخلف، بلى اللّهمّ لا تخلو الأرض من قائم بحجة امّا ظاهراً مشهوراً أو باطناً مستوراً، لئلّا تبطل حجج الله وبيناته، ويكون نحلة لمن اتّبعه واقتدىٰ به.

وأين أولئك؟ وكم أولئك ؟ أولئك الأقلّون عدداً، الأعظمون عند الله خطراً، بهم يحفظ الله دينه وعلمه حتّى يزرعها في صدور أشباههم ويودعها أمثالهم، هجم بهم العلم على حقيقة الايمان، واستروحوا روح اليقين، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ،واستلانوا ما استوعر منه المترفون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها


1) في البحار أحلاس .

2) أثبتناه من «ج».

3) في «ب»: العهود

4) في البحار: عتريف .

معلّقة بالمحلّ الأعلىٰ، أولئك حجج الله في أرضه وأمناؤه على خلقه، هاه شوقاً إليهم (1)وإلى رؤيتهم، وواهاً على صبرهم على عدوّهم، وسيجمعنا الله وإياهم في جنّات عدن ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّياتهم.

ثمّ قال: ثمّ بكى وبكى القوم معه، ثمّ ودّعوه وقالوا :نشهد لك بالوصيّة والإمامة والاخوة وانّ عندنا لصفتك وصورتك، وسيقدم وفد بعد هذا الرجل من قريش على الملك، ولنخرجن إليهم صورة الأنبياء، وصورة نبيّك وصورتك، وصورة ابنيك الحسن والحسين، وصورة فاطمة زوجتك سيّدة نساء العالمين بعد مريم الكبرىٰ البتول، وانّ ذلك لمأثور عندنا ومحفوظ، ونحن راجعون إلى الملك ومخبروه بما أودعتنا من نور هدايتك وبرهانك وكرامتك وصبرك على ما أنت فيه، ونحن المرابطون لدولتك، الراعون (2)لك ولأمرك، فما أعظم هذا البلاء، وما أطول هذه المدّة، ونسأل الله التوفيق والثبات ،والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (3).

[في إجابته عليه السلام سؤال يهودي]

بحذف الاسناد قيل: لمّا كان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله دخل يهودي المسجد فقال: أين وصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله، فأشاروا إلى أبي بكر، فوقف عليه وقال: انّى أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلّا نبيّ أو وصّي نبيّ، قال أبو بكر: سل عمّا بدا لك، فقال اليهودي: أخبرني عمّا ليس الله، وعمّا ليس عند الله، وعمّا لا يعلمه الله.

فقال أبو بكر: هذه مسائل الزنادقة يا يهودي، أو في السماء [والأرض] (4)


1) في «ج»: فوا شوقاه.

2) في «ب» و «ج»: الداعون.

3) عنه البحار 30 : 53 ح 1 : ونحوه في أمالي الطوسي : 218 ح 382؛ عنه البحار 10: 54 ح 2.

4) أثبتناه من «ج».

شيء لا يعلمه الله وليس الله، وهمّ به المسلمون، وكان في القوم ابن عباس فقال: ما أنصفتم الرجل، قال أبو بكر: أوما سمعت ما تكلّم به؟ فقال ابن عباس: إن كان عندكم جواب وإلّا فاذهبوا به إلى من يجيبه، فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول لعلىّ بن أبي طالب: اللّهمّ اهد قلبه، وثبّت لسانه.

قال: فقام أبو بكر ومن حضر من المهاجرين والأنصار حتى أتوا علياً عليه السلام واستأذنوا عليه فدخلوا، فقال أبو بكر: يا أبا الحسن انّ هذا اليهودي سألنى مسائل الزنادقة، فقال عليّ عليه السلام لليهودي: ما تقول يا يهودي؟ قال: إنّي أسألك عن أشياء لا يعلمها إلّا نتي أو وصىّ نبّي، فقال عليه السلام :سل يا يهودي فأنبئك به، قال: أخبرني عمّا ليس الله، وعمّا ليس عند الله، وعمّا لا يعلمه الله.

فقال [على عليه السلام ](1): أما قولك أخبرنى عمّا ليس الله فليس الله شريك، وأمّا قولك عمّا ليس عند الله فليس عند الله ظلم للعباد، وأمّا قولك عمّا لا يعلمه الله فذلك قولكم أنّ عزير ابن الله والله لا يعلم أنّ له ولداً، فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأنّك وصيّه، فقام أبو بكر ومن معه فقبّلوا رأس عليّ عليه السلام وقالوا: يا مفرّج الكرب (2).

[في جوابه عليه السلام عن مسائل اليهوديين]

وبحذف الاسناد أيضاً مرفوع إلى ابن عباس قال: قدم يهوديان أخوان من رؤوس(3)اليهود، فقالا: يا قوم [انّ] (4)نبيّنا حدّثنا أنّه يظهر بتهامة رجل يمحي


1) أثبتناه من «ج».

2) عنه البحار 30 : 85 ح 2: ونحوه الفضائل لابن شاذان : 132: والاحتجاج 1 : 484 ح 118: عنه البحار 10 : 52 ح 1.

3) في «ج»: رؤساء.

4) أثبتناه من «ج».

بسيفه أحلام اليهود ويطعن في دينهم، ونحن نخاف أن يزيلنا عمّا كانت عليه آباؤنا ،فأيّكم هذا النبي؟ فإن كان المبّشر به داود آمنّا به واتّبعناه، وإن كان يورد الكلام على ابلاغه (1)ويورد الشعر ويقهرنا (2)جاهدناه بأنفسنا وأموالنا ، فأيّكم هذا النبي؟

فقال المهاجرون والأنصار: انّ نبيّنا قبض، فقالا: الحمد الله، فأيّكم وصيّه، فما بعث (3)الله نبياً إلى قوم إلا وله وصيّ يؤدّي من بعده، ويحكي ما أمره به ربّه، فأوماً المهاجرون والأنصار إلى أبي بكر، فقالوا: هو وصيّه، فقالا: إنّا نلقي عليك من المسائل ما يلق على الأوصياء، ونسألك ما تسأل الأوصياء عنه، فقال أبو بكر: ألقيا سأخبركما عنه (4)إن شاء الله تعالى.

فقال له أحدهما :ما أنا وأنت عند الله ؟ وما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة؟ وما قبر سار بصاحبه؟ ومن أين تطلع الشمس وأين تغرب؟ وأين سقطت (5)الشمس ولم تسقط (6)في ذلك الموضع ؟ وأين تكون الجنّة وأين تكون النار ؟ وربّك يَحمل أو يُحمل؟ وأين يكون وجه ربّك؟ وما اثنان شاهدان؟ وما اثنان غائبان؟ وما اثنان متباغضان؟ وما الواحد وما الاثنان، وما الثلاثة، وما الأربعة، وما الخمسة، وما الستّة، وما السبعة، وما الثمانية، وما التسعة، وما العشرة ،وما الاحدى عشر، وما الاثنى عشر ، وما العشرون، وما الثلاثون، وما الأربعون وما الخمسون ،وما الستّون، وما السبعون، وما الثمانون، وما التسعون، وما المائة؟

قال ابن عباس: فبق أبو بكر لا يردّ جواباً، وتخوفنا أن يرتدّ القوم عن


1) في «ج»: بالبلاغة.

2) في «ج»: يقهرنا بلسانه

3) في «ج»: أرسل.

4) في «ج»: مسائلكما.

5) في «ج»: طلعت.

6) في «ج»: لم تطلع فيه بعد ذلك.

الإسلام، فأتيت منزل عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقلت له: يا عليّ انّ رؤساء اليهود (1)قد قدموا المدينة وألقوا على أبي بكر مسائل وقد بق لا يردّ جواباً.

فتبسّم علي عليه السلام ضاحكاً ثمّ قال: هو الذي وعدني رسول الله صلّى الله عليه وآله وأخذ يمشي أمامى، فما أخطأت مشيته مشية رسول الله صلى الله عليه وآله حتّى قعد في الموضع الذي كان يقعد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، ثمّ التفت إلى اليهوديين فقال: يا يهوديان أدنوا منّى وألقيا ما ألقيتها على الشيخ، فقالا: من أنت؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب، أخو النبي، وزوج فاطمة ،وأبو الحسن والحسين، ووصيّه في خلافته (2)كلّها، وصاحب كل نفيسة (3)وغزاة، وموضع سرّ النبي صلى الله عليه وآله.

فقال اليهودي (4): ما أنا وأنت عند الله؟ قال: أنا مؤمن منذ عرفت نفسي وأنت كافر منذ عرفت نفسك، وما أدري ما يحدث الله فيك يا يهودي بعد ذلك، قال اليهودي :فما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة؟ قال: يونس عليه السلام في بطن الحوت ، قال : فما قبر ساربصاحبه؟ قال: يونس حين طاف به الحوت في سبعة أبحر.

قال له: فالشمس من أين تطلع ؟ قال : من قرن (5)الشيطان، قال: فأين تغيب (6)؟ قال: في عين حمئة فوقال لي حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله : لا تصلّى في اقبالها ولا في ادبارها حتّى تصير في مقدار رمح أو رمحين، قال: فأين سقّطت الشمس ولم تسقط (7)في ذلك الموضع ؟ قال : البحر حين فرقه الله تعالى لقوم


1) في «ب»: رؤوساً من اليهود.

2) في «ج»: في حالاته.

3) في «ج»: منقبة

4) في «ج»: فقال له أحد اليهوديين.

5) في «ج»: قرني.

6) في «ج»: في أين تغرب.

7) في «ج»: طلعت الشمس ثمّ لم تطلع .

موسى عليه السلام .

قال له: ربّك يحمل أو يُحمل؟ قال: ربّي يحمل كلّ شيء ولا يحمله شيء، قال: فكيف قوله: ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) (1)؟ قال: يا يهودي ألم تعلم انّ الله له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، وما تحت الثرىٰ ،وكلّ شيء على الثرىٰ، والثرىٰ على القدرة، والقدرة عند ربي.

فقال: فأين تكون الجنّة؟ وأين تكون النار؟ قال: الجنّة في السماء، والنار في الأرض، قال: فأين يكون وجه ربّك ؟ فقال علي عليه السلام لابن عباس: ائتني بنار وحطب فأضرمها، فقال: يا يهودي أين وجه هذه النار؟ قال: لا أقف لها على وجه، قال: كذلك ربّي، أينما تولّوا فثم ّوجه الله.

قال :فما اثنان شاهدان (2)؟ قال : السماء والأرض لا يغيبان، قال: فما اثنان غائبان؟ قال: الموت والحياة لا نقف عليها، قال: فما اثنان متباغضان؟ قال: الليل والنهار، قال: فما نصف الشيء؟ قال: المؤمن، قال: فما لا شيء؟ قال: يهودي مثلك لا يعرف ربّه، قال: فما الواحد؟ قال الله عز وجل، قال: فما الاثنان؟ قال: آدم وحواء، قال فما الثلاثة :قال: كذبت النصارى على الله عز وجل وقالوا عيسى بن مريم ابن الله ،والله لم يتخذ صاحبة ولا ولداً.

قال: فما الأربعة؟ قال: التوراة والانجيل والزبور والفرقان (3)العظيم، قال: فما الخمسة ؟ خمس صلوات مفروضات ،قال فمّا الستّة ،قال: خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام ثمّ استوىٰ على العرش، قال: فما السبعة؟ قال: سبعة أبواب النار متطابقات، قال: فما الثمانية؟ قال: ثمانية أبواب الجنّة، قال: فما التسعة؟ قال:


1) الحاقة : 17.

2) زاد في «ج»: لا يغيبان .

3) في «ج»: القرآن.

تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، قال: فما العشرة؟ قال: عشرة أيّام من العشر.

قال: فما الأحد عشر ؟ قال: قول يوسف لأبيه:( إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ) (1)قال: فما الاثنى عشر ؟ قال شهور السنة، قال: فما العشرون؟ قال: بيع يوسف بعشرين در هماً، قال: فما الثلاثون؟ قال: ثلاثون ليلة (2)من شهر رمضان صيامه فرض واجب على كلّ مؤمن، إلّا من كان مريضاً أو على سفر.

قال فما الأربعون؟ قال: كان ميقات موسى ثلاثين ليلة قضاها والعشرة كانت تمامها، قال: فما الخمسون؟ قال: دعا نوح [قومه ](3)ألف سنة إلا خمسين عاماً، قال: فما الستّون؟ قال: قال الله عز وجل: فاطعام ستيّن مسكيناً (أو) صيام شهرين متتابعين (4)، قال: فما السبعون؟ قال: اختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقات ربّه، قال فما الثمانون؟ قال: قرية بالجزيرة يقال لها «ثمانين» [منها] (5)قعد نوح في السفينة واستوت على الجودي وغرّق(6)الله القوم.

قال: فما التسعون؟ قال: الفلك المشحون اتّخذ [نوح فيه تسعين] (7)بيتاً للبهائم، قال: فما المائة ؟ قال : كان لداود عليه السلام ستون سنة وهب له آدم أربعين [سنة من عمره] (8)، فلمّا حضر آدم الوفاة جحد، فجحد ذرّيته.


1) يوسف : 4.

2) في «ج» يوماً.

3) أثبتناه من البحار.

4) تلفيق من سورة المجادلة آية : 4.

5) في «ج»: أغرق.

6) في «ج»: أغرق.

7) أثبتناه من «ج»، وفي البحار اتخذ يوماً فيها بيتاً للبهائم.

8) أثبتناه من «ج».

فقال: یا شاب صف لي محمداً صلى الله عليه وآله كأني أنظر إليه حتى أؤمن به الساعة، فبكىٰ عليّ عليه السلام ثمّ قال: يا يهودي هيّجت أحزاني، كان [رسول الله ] (1)صلى الله عليه وآله صلب (2)الجبين، مقرون الحاجبين، أدعج (3)العينين، سهل الخدّين، أقنى (4)الأنف، دقيق المسربة (5)، كثّ اللحية، براق الثنايا، كأن عنقه ابريق فضّة.

كان له شعرات من لبته (6)إلى سرّته متفرّقة كأنّها قضيب كافور، لم يكن بالطويل الذاهب، ولا القصير النزر ، كان إذا مشىٰ مع الناس غمرهم (7)، كان إذا مشىٰ كأنّه ينقطع من صخرة أو ينحدر من صبب، كان مبدول (8)الكعبين، لطيف القدمين، دقيق الخصر، عمامته السحاب، سيفه ذو الفقار، بغلته دلدل ،حماره اليعفور ، ناقته العضباء، فرسه المبدول (9)، قضيبه الممشوق، كان أشفق الناس على الناس، وأرأف الناس ،بالناس كان بين كتفيه خاتم النبوّة، مكتوب على الخاتم سطران، أوّل سطر « لا إله إلا الله» والثاني «محمد رسول الله »هذه صفته يا يهودي.

فقال اليهوديان: نشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله، وأنك وصىّ محمّد حّقاً، وأسلما وحسن اسلامهما ولزما أمير المؤمنين عليه السلام ،فكانا معه حتّى كان من أمر الجمل ما كان، فخرجا معه إلى البصرة، فقتل أحدهما في وقعة


1) أثبتناه من «ب».

2) في «ج» والبحار صلت

3) الدعج والدعجة: السواد في العين وغيرها.

4) القنا في الأنف: طوله ودقة أرنبته مع حدب في وسطه

5) المسربة: ما دق من شعر الصدر مائلاً إلى الجوف.

6) اللبة المنحر، والجمع اللبات

7) في «ج»: غمرهم .نوره

8) في «ج»: مدوّر.

9) في «ج»: لزار.

الجمل وبق الآخر حتّى خرج معه إلى صفين فقُتل (1).

[في جوابه عليه السلام عن مسألة يهودي آخر]

ويحذف الاسناد مرفوعاً إلى الصادق عليه السلام قال: لما بايع الناس عمر بعد وفاة أبي بكر أتاه رجل من شبّان اليهود وهو في المسجد، فسلّم عليه والناس حوله فقال: يا عمر (2)دلّني على أعلمكم بالله وبرسوله وبكتابه وسنّته، فأومأ إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال: هذا.

فتحوّل الرجل إلى عليّ عليه السلام فسأله: أنت كذلك؟ فقال: نعم، فقال: انّى أسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة، قال: أفلا قلت عن سبع ؟ قال اليهودي: لا، إنّما أسألك عن ثلاث فإن أصبت (3)فيهنّ سألتك عن ثلاث بعدها، وإن لم تصب لم أسألك، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أخبرني إذا أجبتك بالصواب والحقّ تعرف ذلك - وكان الفتىٰ من علماء اليهود وأحبارها، يروون (4)انّه من ولد هارون أخي موسى بن عمران_ ؟ فقال: نعم.

قال أمير المؤمنين عليه السلام: بالله الذى لا إله إلّا هو لئن أجبتك بالصواب والحق لتسلمنّ وتدع اليهودية؟ فحلف له وقال: ما جئتك إلّا مرتاداً أريد الإسلام ،فقال: يا هاروني سل عمّا بدا لك تخبر إن شاء الله تعالى.

[قال اليهودي ](5): فأخبرني عن أوّل شجرة نبتت على وجه الأرض، وعن أوّل عين نبعت في الأرض، وعن أوّل حجر وضع على وجه الأرض، فقال أمير


1) عنه البحار 30: 386.

2) في «الف»: يا أمير المؤمنين.

3) في «ب»: أجبت.

4) في «ج»: يرون.

5) أثبتناه من «ج».

المؤمنين عليه السلام :أمّا أوّل شجرة نبتت على وجه الأرض فإنّ أهل الأرض يزعمون أنها الزيتونة وكذبوا، إنّها هي النخلة وهي العجوة ،هبط بها آدم من الجنّة فغرسها، وأصل النخل كلّه منها.

وأمّا أوّل عين نبعت على وجه الأرض فإنّ اليهود يزعمون أنّها العين التي في بيت المقدس تحت الحجر وكذبوا، بل هي عين الحياة التي انتهى موسى وفتاه اليها ،فغسلا فيها السمكة (1)فحييت، وليس من ميّت يصيبه ذلك الماء إلّا حيي، وكان الخضر عليه السلام شرب منها ولم يجدها ذو القرنين.

وأمّا أوّل حجر وضع على وجه الأرض فإنّ اليهود يزعمون أنه الحجر الذي في بيت المقدس وكذبوا، إنّما هو الحجر الأسود هبط به آدم من الجنّة، فوضعه على الركن والناس يستلمونه، وكان أشد بياضاً من الثلج فاسودّ من خطايا بني آدم.

قال: فأخبرني كم لهذه الأمّة من امام هدى، هادين ،مهديين لا يضرهم خذلان من خذهم؟ وأين منزل محمد من الجنّة ؟ ومن معه من أمته فى الجنّة؟ قال أمير المؤمنين عليه السلام: أما قولك كم لهذه الأمة من امام هدى، وأين منزل محمد من الجنّة، ومن معه من أمته في الجنّة، فإنّ أئمة الهدى اثنا عشر، اما منزل محمد صلى الله عليه وآله ففي أشرف الجنان وأفضلها وجنّة عدن، وأما الذين معه فهؤلاء الأئمة الاثني عشر أئمة الهدىٰ.

قال الفتىٰ: صدقت، فوالله الذي لا إله إلا هو انه لمكتوب عندي باملاء موسى وخطّ هارون بيده، قال: فأخبرني كم يعيش وصيّ محمد بعده، وهل يموت موتاً أو يقتل قتلاً؟ قال له: ويحك أنا وصيّ محمد، أعيش بعده ثلاثين لا يزيد يوماً ولا ينقص يوماً (2)، ثم يبعث أشقاها شقيق عاقر ناقة صالح، فيضربني ضربة في قرني


1) في «ج»: السمكة المالحة.

2) قال العلامة المجلسي رحمه الله في ذيل الحديث أقول: ليس هذا في أكثر الروايات، ويشكل تصحيحه لعدم اتحاد يومي وفاتهما صلوات الله عليهما، ويمكن أن يقال بناء الثلاثين على التقريب وقوله عليه السلام: «لا يزيد استئناف لبيان ان الموعد الذي وعدت لك لا يتخلّف وأعلمه بحيث لا يزيد يوماً ولا ينقص يوماً، وقيل: الضمير راجع إلى كتاب هارون، وربما يُقرأ تزيد وتنقص على صيغة الخطاب [أقول: كما هو في نسخة «ب»] أي انك رأيت في كتاب أبيك هارون ثلاثين سنة فتتوهم انه لا كسر فيها، وليس ذلك بل هو مبني على إتمام الكسر ولا يخفى بعدها .

فتخضب منه لحيتي، ثمّ بكىٰ علي عليه السلام بكاء شديداً، قال: فصرخ الفتىٰ وقطع سبحته (1)وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، [وأنك وصيه وخليفته، وهادي الأمة، ومحيي السنة من بعده] (2)والحمد لله ربّ العالمين(3).

[ خبر حذيفة بن اليمان رحمه الله من تآمر القوم ونكثهم البيعة وتخلفهم عن جيش أسامة]

بحدف الاسناد قال: لمّا استخلف عثمان بن عفّان أوىٰ إليه عمّه الحكم بن العاص وولده مروان والحارث بن الحكم، ووجّه عمّاله في الأمصار ، وكان فيمن وجّه عمر بن سفيان بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية إلى مشكان، والحارث بن الحكم إلى المدائن ،فأقام بها مدّة يتعسّف أهلها ويسيء معاملتهم.

فوفد منهم إلى عثمان وفد يشكوه، وأعلموه بسوء ما يعاملهم به، وأغلظوا عليه في القول، فولّى حذيفة بن اليمان عليهم - وذلك في آخر أيّامه - فلم ينصرف حذيفة بن اليمان عن المدائن إلى أن قتل عثمان واستخلف عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فأقام حذيفة عليها وكتب إليه :


1) في البحار كستيجه، وهو خيط غليظ يشدّه الذمي فوق ثيابه دون الزنّار، معرب كشتي.

2) أثبتناه من «ج».

3) عنه البحار 30 : 95 ح 4 ونحوه في كمال الدين : 297 ح 5 باب 26 عنه البحار 36 : 374 ح 5: والخصال : 476 ح 40 أبواب الاثنى عشر، والاحتجاج 1 : 537 ح 128 : والكافي 1 : 531 ح 8: وغيبة النعماني : 97 ح 29

«بسم الله الرحمن الرحيم ،من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى حذيفة بن اليمان، سلام عليك، أما بعد فإنّي قد ولّيتك ما كنت عليه (1)لمن كان قبلي من حرف المدائن، وقد جعلت إليك اعمال الخراج والرستاق وجباية أهل الذمّة، فاجمع إليك ثقاتك ومن أحببت ممّن ترضىٰ دينه وأمانته ،واستعن بهم على أعمالك فإنّ ذلك أعزّ لك ولوليّك وأكبت لعدوّك.

وإنّي آمرك بتقوى الله وطاعته في السرّ والعلانية، وأحذرك عقابه في المغيب والمشهد، وأتقدم إليك بالاحسان إلى المحسن، والشدّة على المعاند، وآمرك بالرفق في أمورك، واللين والعدل على رعيّتك، فإنّك مسؤول عن ذلك، وانصاف المظلوم، والعفو عن الناس، وحسن السيرة ما استطعت، فالله يجزي المحسنين.

وأمرك أن تجبي خراج الأرضين على الحق والنصفة، ولا تتجاوز ما تقدّمت به إليك، ولا تدع منه شيئاً، ولا تبتدع فيه أمراً، ثمّ اقسمه بين أهله بالسوية والعدل، واخفض لرعيّتك جناحك، وواس بينهم في مجلسك ، وليكن القريب والبعيد عندك في الحق سواء، واحكم بين الناس بالحق، وأقم فيهم بالقسط، ولا تتّبع الهوىٰ، ولا تخف في الله لومة لائم، فإنّ الله مع الذين اتّقوا والذين هم محسنون.

ولقد وجّهت إليك كتاباً لتقرأه على أهل مملكتك ليعلموا رأينا فيهم وفي جميع المسلمين، فأحضرهم واقرأه عليهم، وخذ البيعة لنا على الصغير والكبير منهم إن شاء الله تعالى».

قال: فلمّا وصل عهد أمير المؤمنين عليه السلام إلى حذيفة جمع الناس فصلّىٰ بهم، ثمّ أمر بالكتاب فقرئ عليهم وهو:

«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين، سلام عليكم، فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلّا هو، وأسأله أن


1) في «ج»: ما كنت تليه.

يصلّى على محمد وآله، فأما بعد فإنّ الله تعالى اختار الإسلام ديناً لنفسه وملائكته ورُسله إحكاماً لصنعه، وحسن تدبيره، ونظر الله (1)لعباده، وخصّ (2)به من أحبّ من خلقه، فبعث إليهم محمداً صلى الله عليه وآله فعلّمهم الكتاب والحكمة اكراماً وتفضيلاً لهذه الأمّة، وأدبّهم لكى يهتدوا، وجمعهم لئلّا يتفرّقوا، وفقّههم لئلا يجوروا.

فلمّا قضىٰ ما كان عليه من ذلك مضىٰ إلى رحمة الله حميداً محموداً، ثمّ انّ بعض المسلمين أقاموا بعده رجلين رضوا بهداهما وسيرتهما، فأقاما ما شاء الله ثمّ توفّاهما الله عز وجل، ثمّ ولّوا بعدهما الثالث، فأحدث أحداثاً، ووجدت الأمّة عليه فعالاً، فاتّفقوا عليه ثمّ نقموا منه فغيّروا، ثمّ جاؤوني كتتابع الخيل فبايعوني، فإنّي أستهدي الله بهداه وأستعينه على التقوىٰ.

ألا وانّ لكم علينا العمل بكتاب الله وسنّة نبيّه، والقيام عليكم بحقّه، واحياء سنّته، والنصح لكم بالمغيب والمشهد ،وبالله نستعين على ذلك وهو حسبنا ونعم الوكيل، وقد ولّيت أموركم حذيفة بن اليمان، وهو ممّن ارتضى بهداه وأرجو صلاحه، وقد أمرته بالاحسان إلى محسنكم، والشدة على مريبكم، والرفق بجميعكم، أسأل الله لنا ولكم حسن الخيرة والاحسان ورحمته الواسعة في الدنيا والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

ثمّ انّ حذيفة صعد المنبر فحمد الله وأثنىٰ عليه وصلّى على النبي وآله ثمّ قال: الحمد لله الذي أحيى الحق، وأمات الباطل، وجاء بالعدل، ودحض الجور، وكبت الظالمين (3)، أيّها الناس! إنّما وليّكم والله (4)أمير المؤمنين حقّاً حقاً، وخير من نعلمه بعد نبينا عليه وآله السلام ،وأولى الناس بالناس، وأحقّهم بالأمر، وأقربهم إلى


1) في «ب»: نظراً منه لعباده.

2) في «ج»: اختص.

3) في «ب»: الباطل.

4) في «ب» و «ج»: وليكم الله ورسوله وأمير المؤمنين .

الصدق، وأرشدهم إلى العدل، وأهداهم سبيلاً، وأدناهم إلى الله وسيلة، وأمّسهم (1)برسول الله صلى الله عليه وآله رحماً .

أنيبوا إلى طاعة أوّل الناس سلماً، وأكثرهم علماً، وأقصدهم طريقاً، وأسبقهم ايماناً، وأحسنهم يقيناً، وأكثرهم معروفاً، وأقدمهم جهاداً، وأعزّهم مقاماً، أخي رسول الله وابن عمّه، وأبي الحسن والحسين، وزوج الزهراء البتول سيّدة نساء العالمين، فقوموا أيّها الناس فبايعوا على كتاب الله وسنّة نبيه، فإنّ الله في ذلك رضى، ولكم مقنع وصلاح، والسلام.

فقام الناس [بأجمعهم] (2)فبايعوا أمير المؤمنين عليه السلام أحسن بيعة وأجمعها، فلمّا استتمّت البيعة قام إليه فتى من أبناء العجم وولاة الأنصار لمحمد بن عمارة بن التيهان أخو أبي الهيثم بن التيهان، يقال له: «مسلم» متقلّداً سيفاً، فناداه من أقصى الناس: أيّها الأمير !إنّا سمعناك تقول [في أوّل كلامك: إنّما](3)وليّكم الله [ورسوله و ] (4)أمير المؤمنين حقاً حقاً، تعرض (5)لمن كان قبله من الخلفاء إنّهم لم يكونوا أمراء المؤمنين حقّاً، فعرفنا ذلك أيها الأمير رحمك الله ولا تكتمنا، فإنّك ممّن شهد وعاين(6)، ونحن مقلّدون ذلك أعناقكم، والله شاهد عليكم فيها تأتون به من النصيحة لأمّتكم، وصدق الخبر عن نبيّكم صلى الله عليه وآله.

فقال حذيفة: أيّها الرجل أمّا إذا سألت وفحصت هكذا، فاسمع وافهم ما اخبر به، أمّا من تقدّم من الخلفاء قبل عليّ بن أبي طالب ممن تسمّىٰ بأمير المؤمنين، فإنّهم تسمّوا بذلك وسمّاهم الناس به، وأمّا عليّ بن أبي طالب فإنّ جبرئيل عليه


1) في «ج»: أقربهم.

2) أثبتناه من «ج».

3) أثبتناه من «ج».

4) أثبتناه من «ج».

5) في «ج»: تعريضاً ممن.

6) في «ج»: وغبنا.

السلام سمّاه بهذا الاسم عن الله تعالى، وشهد له رسول الله صلّى الله عليه وآله عن سلام جبرئيل له بإمرة المؤمنين، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يدعونه في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله بإمرة المؤمنين (1).

قال الفتى: خبّرنا كيف كان ذلك يرحمك الله ،قال حذيفة: انّ الناس كانوا يدخلون على رسول الله صلّى الله عليه وآله قبل الحجاب إذا شاؤوا، فنهاهم صلّى الله عليه وآله أن يدخل أحد إليه وعنده دحية بن خليفة الكلبي، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يراسل قيصراً ملك الروم وبني حنيفة وبني غسّان (2)على يده، وكان جبرئيل عليه السلام يهبط عليه في صورته، ولذلك نهىٰ رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدخل المسلمون عليه إذا كان عنده دحية.

قال حذيفة: وإنى أقبلت يوماً لبعض أموري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله مهجراً رجاء أن ألقاه خالياً ، فلمّا صرت بالباب نظرت فإذا أنا بشملة قد سدلت على الباب، فرفعتها وهممت بالدخول - وكذلك كنّا نصنع - فإذا أنا بدحية قاعد عند رسول الله صلى الله عليه وآله والنبي نائم ورأسه في حجر دحية، فلمّا رأيته انصرفت.

فلقيني عليّ بن أبي طالب عليه السلام في بعض الطريق، فقال: يا ابن اليمان من أين أقبلت؟ قلت :من عند رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: وماذا صنعت عنده ؟ قلت: أردت الدخول عليه في كذا وكذا - وذكرت الأمر الذي جئت له - فلم يتهيّأ لي ذلك، قال: ولم؟ قلت: كان عنده دحية الكلبي، وسألت عليّاً عليه السلام


1) روى صاحب الفردوس عن حذيفة قال: لو علم الناس متى سمّي عليّ أمير المؤمنين ما أنكروا فضله، سمّي أمير المؤمنين وآدم بين الروح والجسد، قال الله عز وجل: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالت الملائكة: بلى، قال تبارك وتعالى: أنا ربكم، ومحمد نبيكم، وعلي أميركم (الفردوس 3 354 ح 5066)

2) في «ج»: ملوك بني غسان.

معونتي على رسول الله صلّى الله عليه وآله في ذلك الأمر.

قال: فارجع معي فرجعت معه، فلمّا صرنا إلى باب الدار جلست بالباب ورفع عليّ عليه السلام الشملة ودخل فسلّم ،فسمعت دحية يقول: وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثمّ قال له :اجلس فَخُذْ رأسَ أخيك وابن عمّك من حجري فأنت أولى الناس به، فجلس عليّ عليه السلام وأخذ رأس رسول الله صلى الله عليه وآله فجعله في حجره، وخرج دحية من البيت، فقال عليّ عليه السلام: أدخل يا حذيفة.

فدخلت وجلست فما كان بأسرع أن انتبه رسول الله صلى الله عليه وآله، فضحك في وجه عليّ عليه السلام ثمّ قال: يا أبا الحسن من حجر مَنْ أخذت رأسي؟ قال: من حجر دحية الكلبي، فقال: ذلك جبرئيل عليه السلام، فما قلت له حين دخلت وما قال لك؟

قال: دخلت فسلّمت فقال لي: وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عليّ سلّمت عليك ملائكة الله وسكّان سماواته بإمرة المؤمنين من قبل أن تسلّم عليك أهل الأرض، يا علي إنّ جبرئيل عليه السلام فعل ذلك عن أمر الله عز وجل، وقد أوحىٰ إليّ عن ربّي عز وجل من قبل دخولك أن أفرض ذلك على الناس، وأنا فاعل ذلك إن شاء الله.

فلمّا كان من الغد بعثني رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى ناحية فدك في حاجة، فلبثت أيّاماً ثمّ قدمت ،فوجدت الناس يتحدّثون انّ رسول الله صلى الله عليه وآله أمر الناس أن يسلّموا علىٰ عليّ بإمرة المؤمنين، وانّ جبرئيل عليه السلام أتاه بذلك عن الله عز وجل. فقلت: صدق رسول الله صلّى الله عليه وآله وأنا فقد سمعت جبرئيل عليه السلام يسلّم على عليّ عليه السلام بإمرة المؤمنين - وحدّثتهم الحديث - فسمعني

عمر بن الخطاب وأنا أحدث الناس في المسجد، فقال لي: أنت رأيت جبرئيل وسمعته، اتق القول فقد قلت قولاً عظيماً ، وقد خولط بك، فقلت: نعم أنا رأيت ذلك وسمعته، فأرغم الله أنف من رغم، فقال: يا أبا عبد الله لقد رأيت وسمعت عجباً.

قال حذيفة: فسمعني بريدة بن الحصيب الأسلمي وأنا أحدّث ببعض ما رأيت وسمعت، فقال لي: والله يا ابن اليمان لقد أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالسلام على عليّ بإمرة المؤمنين، فاستجابت له طائفة يسيرة من الناس، وردّ ذلك عليه وأباه كثير من الناس، فقلت: يا بريدة أكنت شاهداً ذلك اليوم؟ فقال: نعم من أوّله إلى آخره، فقلت له: حدّثني به رحمك الله فإنّي كنت عن ذلك اليوم غائباً.

فقال بريدة: كنت أنا وعمّار أخي مع رسول الله صلّى الله عليه وآله في نخيل بني النجار، فدخل علينا علي بن أبي طالب عليه السلام فسلّم، فردّ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله ورددنا، ثمّ قال له: يا علي اجلس هناك فجلس، فدخل رجال فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالسلام على عليّ بإمرة المؤمنين، فسلّموا وما كادوا، ثمّ دخل أبو بكر وعمر فسلّمها فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله: سلّما على عليّ بإمرة المؤمنين، فقالا: الأمر (1)من الله ورسوله؟ فقال: نعم.

ثمّ دخل طلحة وسعد بن مالك فسلّما، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله: سلّما على عليّ بإمرة المؤمنين، فقالا :عن الله ورسوله؟ فقال: نعم، قالا: سمعنا وأطعنا، ثّم دخل سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري رضي الله عنهما فسلّها، فردّ عليهما السلام ثمّ قال: سلّما على على بإمرة المؤمنين، فسلّما ولم يقولا شيئاً، ثمّ دخل خزيمة بن ثابت وأبو الهيثم بن التيهان فسلّما، فردّ عليهما السلام ثم قال: سلمّا على عليّ بإمرة المؤمنين، ففعلا ولم يقولا شيئاً.

ثمّ دخل عمّار والمقداد فسلّما، فردّ عليهما السلام فقال: سلّما على عليّ بإمرة


1) في «ج»: الامرة.

المؤمنين، ففعلا ولم يقولا شيئاً، ثمّ دخل عثمان وأبو عبيدة فسلّما، فردّ عليهما السلام وقال: سلّما على علىّ بإمرة المؤمنين، قالا: عن الله ورسوله؟ قال: نعم، [فسلما] (1).

ثمّ دخل فلان وفلان - وعدّ جماعة من المهاجرين والأنصار -كلّ ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، فبعض سلّم ولا يقول شيئاً، وبعض يقول للنبي: عن الله ورسوله؟ فيقول: نعم، حتىّ غصّ المجلس بأهله، وامتلأت الحجرة، وجلس بعض على الباب وفي الطريق، وكانوا يدخلون فيسلّمون ويخرجون، ثمّ قال لي ولأخي: قم يا بريدة أنت وأخوك فسلّما على عليّ بإمرة المؤمنين، فقمنا وسلّمنا ثمّ عُدنا إلى مواضعنا فجلسنا.

قال: ثمّ أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله عليهم جميعاً فقال: اسمعوا وعوا، إنّى أمرتكم أن تسلّموا على على بإمرة المؤمنين، وانّ رجالاً سألوني أذلك عن أمر الله وأمر رسوله، وما كان لمحمد أن يأتي أمراً من تلقاء نفسه بل بوحي ربّه وأمره، أفرأيتم والذي نفسي بيده لئن أبيتم ونقضتموه لتكفرون ولتفارقون ما بعثني به ربّي، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

قال بريدة: فلمّا خرجنا سمعت بعض أولئك الذين أمروا بالسلام على علىّ بإمرة المؤمنين [ن قريش](2)يقول لصاحبه - وقد التقّت بهما طائفة البطاء من الإسلام من قريش -: أما رأيت ما صنع محمد بابن عمه من علوّ المنزلة والمكان؟ ولو يستطيع والله لجعله نبياً من بعده، فقال له صاحبه: أمسك ولا يكبرنّ عليك هذا، فإنّا لو فقدنا محمداً لكان هذا فعله تحت أقدامنا.

قال حذيفة: ومضى (3)بريدة إلى بعض طريق الشام ورجع وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وبايع الناس أبا بكر، فأقبل بريدة فدخل المسجد


1) أثبتناه من «ج».

2) أثبتناه من «ج».

3) في «ج»: ثم خرج.

وأبو بكر على المنبر وعمر دونه بمرقاة، فناداهما من ناحية المسجد :يا أبا بكر ويا عمر، فقالا: وما لك يا بريدة أجننت ؟ فقال لهما: والله ما جننت ولكن أين سلامكما بالأمس على علىّ بإمرة المؤمنين؟

فقال له أبو بكر: يا بريدة الأمر يحدث بعده الأمر، وأنّك غبت وشهدنا والشاهد يرىٰ ما لا يرى الغائب، فقال لهما: رأيتها ما لم يره الله ولا رسوله، وفيٰ لك صاحبك (1)بقوله: ولو فقدنا محمداً لكان هذا قوله تحت أقدامنا، ألا انّ المدينة حرام عليّ أن أسكنها أبداً حتّى أموت.

فخرج بريدة بأهله وولده، فنزل بين قومه بني أسلم، فكان يطلع في الوقت دون الوقت، فلمّا قضى الأمر إلى أمير المؤمنين عليه السلام سار إليه وكان معه حتّى قدم العراق، فلمّا أصيب أمير المؤمنين عليه السلام صار إلى خراسان، فنزلها ولبث هناك إلى أن مات رحمه الله.

قال حذيفة: فهذا أنباء ما سألتني عنه، فقال الفتى: لا جزى الله الذين شهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسمعوه يقول هذا القول في على خيراً، فقد خانوا الله ورسوله، أزالوا الأمر عمّن رضيه الله ورسوله، وأقروه فيمن لم يره الله ولا رسوله لذلك أهلاً، لا جرم والله لن يفلحوا بعدها أبداً.

فنزل حذيفة عن منبره فقال: يا أخا الأنصار انّ الأمر كان أعظم ممّا تظنّ ،انّه عزب والله البصر، وذهب اليقين، وكثر المخالف، وقلّ الناصر لأهل الحق، فقال له الفتى: فهلاّ انتضيتم أسيافكم، ووضعتموها على رقابكم، وضربتم بها الزائلين الحق قدماً حتّى تموتوا أو تدركوا الأمر الذي تحبّونه من طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله؟ فقال: يا أيّها الفتى انّه أخذوا (2)بأسماعنا وأبصارنا، وكرهنا الموت،


1) في «(ج)»: ولكن هذا وفاء صاحبك.

2) في «ج»: أخذ والله بأسماعنا.

وزيّنت عندنا الحياة، سبق عند(1)الله بإمرة الظالمين، ونحن نسأل الله التغمّد (2)الذنوبنا، والعصمة فيما بقى من آجالنا، فإنّه مالك رحيم، ثمّ انصرف حذيفة إلى منزله وتفرّق الناس.

قال عبد الله بن سلمة: فبينا أنا ذات يوم عند حذيفة أعوده في مرضه الذي مات فيه، وقد كان يوم قدمت فيه من الكوفة وذلك من قبل قدوم علي عليه السلام إلى العراق، فبينا أنا عنده إذ جاء الفتى الأنصاري فدخل على حذيفة ،فرحّب به فأدناه (3)وقرب مجلسه، وخرج من كان عند حذيفة من عوّاده، وأقبل عليه الفتى فقال : يا أبا عبد الله سمعتك يوماً تحدّث عن بريدة بن الخصيب الأسلمي انّه سمع بعض القوم الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن يسلّموا على علىّ عليه السلام بإمرة المؤمنين يقول لصاحبه :أما رأيت اليوم ما صنع محمد بابن عمّه من التشريف وعلوّ المنزلة حتى لو قدر أن يجعله نبيّاً لفعل، فأجابه صاحبه فقال: لا يكبرنّ عليك، فلو قد فقدنا محمداً لكان قوله تحت أقدامنا، وقد ظننت نداء بريدة لهما وهما على المنبر انّهما صاحبا القول.

قال حذيفة: أجل القائل عمر والمجيب أبو بكر، فقال الفتى: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، هلك والله القوم وبطلت أعمالهم، قال حذيفة: ولم يزل القوم على ذلك الارتداد وما يعلم الله منهم أكثر ، فقال الفتى :قد كنت أحبّ أن أتعرّف هذا الأمر من فعلهم ولكنّى أجدك مريضاً، وأنا أكره أن أملّك بحديثي ومسألتي، وقام لينصرف.

فقال حذيفة: لا بل اجلس يا ابن أخي، وتلق منى حديثهم وإن كربني ذلك، فلا أحسبني إلّا مفارقكم انّى لا احبّ أن يغتر بمنزلتهما في الناس، فهذا ما أقدر عليه


1) في «ج»: علم الله.

2) في «ج»: الصفح

3) في «ج»: فرحب به وأقبل به وأدناه.

من النصيحة لك، ولأمير المؤمنين عليه السلام من الطاعة له ولرسوله صلى الله عليه وآله وذكر منزلته، فقال: يا أبا عبد الله حدّثني بما عندك من أمورهم لأكون على بصيرة من ذلك.

فقال حذيفة: اذاً والله لا خبرنّك بخبر سمعته ورأيته، ولقد والله دلّنا ذلك من فعلهم على انّهم والله ما آمنوا بالله ولا رسوله طرفة عين، واخبرك ان الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وآله في سنة عشر من مهاجرته من مكة إلى المدينة أن يحج هو ويحجّ الناس معه، فأوحى إليه بذلك:( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) (1).

فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله المؤذّنين فأذّنوا في أهل السافلة والعالية: ألا انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قد عزم على الحجّ في عامه هذا ليفهم (2)الناس حجّهم، ويعلّمهم مناسكهم، فيكون سنّة لهم إلى آخر الدهر.

قال: فلم يبق أحد ممّن دخل في الإسلام إلّا حجّ مع رسول الله صلّى الله عليه وآله سنة عشر ليشهدوا منافع لهم ويعلّمهم حجهم ويعرّفهم مناسكهم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس وخرج بنسائه معه وهي حجة الوداع، فلمّا استتم حجّهم، وقضوا مناسكهم، وعرف الناس جميع ما احتاجوا إليه، وأعلمهم انه قد أقام لهم ملة ابراهيم عليه السلام، وقد أزال عنهم جميع ما أحدثه المشركون بعده، وردّ الحج إلى حالته الأولىٰ، ودخل مكة فأقام بها يوماً واحداً، فهبط عليه جبرئيل الأمين عليه السلام بأوّل سورة العنكبوت، فقال: يا محمد اقرأ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ . أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ


1) الحج : 27.

2) في «ب»: ليعلّم.

يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) (1).

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله : يا جبرئيل وما هذه الفتنة؟ فقال: يا محمد انّ الله يقرئك السلام ويقول لك: إنّي ما أرسلت نبيّاً قبلك إلّا أمرته عند انقضاء أجله أن يستخلف على أمته من بعده من يقوم مقامه، ويحيى لهم سنّته وأحكامه، فالمطيعون الله فيما يأمرهم به رسوله هم الصادقون، والمخالفون عليه أمره هم الكاذبون، وقد دنا يا محمد مصيرك إلى ربّك وجنّته، وهو يأمرك أن تنصب لأمتّك من بعدك عليّ بن أبي طالب وتعهد إليه، فهو الخليفة القائم برعيّتك وأمتك، إن أطاعوه [أسلموا ](2)وإن عصوه [كفروا ]، وسيفعلون ذلك وهي الفتنة التي تلوت عليه الآي فيها.

وانّ الله عز وجل يأمرك أن تعلمه جميع ما علمّك، وتستحفظه جميع ما حفظك (3)واستودعك، فإنّه الأمين المؤتمن ،يا محمد انّي اخترتك من عبادي نبيّاً ، واخترته لك وصيّاً. قال: فدعا رسول الله صلّى الله عليه وآله عليّاً فخلا به يومه ذلك وليلته، واستودعه العلم والحكمة التي آتاه الله إيّاها، وعرّفه ما قال جبرئيل عليه السلام ،وكان ذلك في يوم عائشة بنت أبي بكر، فقالت: يا رسول الله لقد طال استخلاؤك بعليّ منذ اليوم؟ قال: فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالت: لم تعرض عنّى يا رسول الله بأمر لعلّه يكون لي صلاحاً؟ فقال: صدقت، وأيم الله لأمر صلاح لمن أسعده الله بقبوله والايمان به، وقد أمرت بدعاء الناس جميعاً إليه وستعلمين ذلك إذا أنا قمت به في الناس.


1) العنكبوت : 1-4

2) أثبتناه من «ب» و «ج».

3) في «ج»: استحفظك.

قالت: يا رسول الله ولم لا تخبرني به الآن لأتقدّم بالعمل به والأخذ بما فيه الصلاح؟ قال: سأخبرك به فاحفظيه إلى أن أؤمر بالقيام به في الناس جميعاً، فإنّك إن حفظتيه حفظك الله في العاجلة والآجلة جميعاً، وكانت لك الفضيلة بسبقه والمسارعة إلى الايمان بالله ورسوله، وإن أضعتيه وتركت رعاية ما ألقي إليك منه كفرت بربّك، وحبط أجرك، وبرئت منكِ ذمّة الله وذمّة رسوله، وكنتِ من الخاسرين، ولم يضرّ الله ذلك ولا رسوله.

فضمنت له حفظه والايمان به ورعايته، فقال: إن الله تعالى أخبرني انّ عمري قد انقضى، وأمرني أن أنصب علياً للناس علماً، وأجعله فيهم إماماً، وأستخلفه كما استخلف الأنبياء من قبلي أوصياءها، وأنا صائر إلى أمر ربي وآخذ فيه بأمره، فليكن هذا الأمر منك تحت سويداء قلبك إلى أن يأذن الله بالقيام به، فضمنت له ذلك، وقد اطلع الله نبيه على ما يكون منها فيه ومن صاحبتها حفصة وأبويهما، فلم تلبث أن أخبرت حفصة، وأخبرت كلّ واحدة منهما أباها.

فاجتمعا فأرسلا إلى جماعة الطلقاء والمنافقين فخبراهم بالأمر، فأقبل بعضهم على بعض وقالوا: انّ محمّداً يريد أن يجعل هذا الأمر في أهل بيته كسنّة كسرىٰ وقيصر إلى آخر الدهر، ولا والله ما لكم في الحياة من حظّ إن أفضىٰ هذا الأمر إلى عليّ بن أبي طالب، وانّ محمداً عاملكم على ظاهركم وان علياً يعاملكم على ما يجد في نفسه منكم، فأحسنوا النظر لأنفسكم فى ذلك وقدموا رأيكم فيه.

ودار الكلام فيما بينهم وأعادوا الخطاب وأحالوا الرأي، فاتفقوا على أن ينفروا بالنبي صلّى الله عليه وآله ناقته على عقبة هرشي (1)، وقد كانوا صنعوا مثل ذلك في غزاة تبوك فصرف الله الشرّ عن نبيه صلّى الله عليه وآله، واجتمعوا في أمر


1) في «ج»: الهريش، وهو - بالفتح ثم السكون والقصر - : ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة ترى من البحر ولها طريقان فكل من سلك واحداً منها أفضى به إلى موضع واحد.

رسول الله صلى الله عليه وآله من القتل والاغتيال واسقاء السمّ على غير وجه، وقد كان اجتمع أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله من الطلقاء من قريش والمنافقين من الأنصار، ومن كان في قلبه الارتداد من العرب في المدينة وما حولها، فتعاقدوا وتحالفوا على أن ينفروا به ناقته ،وكانوا أربعة عشر رجلاً، وكان من عزم رسول الله صلّى الله عليه وآله أن يقيم علياً عليه السلام وينصبه للناس بالمدينة إذا قدمها.

فسار رسول الله صلّى الله عليه وآله يومين وليلتين، فلمّا كان في اليوم الثالث أتاه جبرئيل عليه السلام بآخر سورة الحجر فقال: اقرأ: ( لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ . إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) (1).

قال: ورحل رسول الله صلى الله عليه وآله وأغذّ السير (2)مسرعاً إلى دخول المدينة لينصب علياً علماً للناس، فلمّا كانت الليلة الرابعة هبط جبرئيل عليه السلام في آخر الليل فقرأ عليه: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (3)وهم الذين همّوا برسول الله صلّى الله عليه وآله.

فقال صلى الله عليه وآله: أما تراني يا جبرئيل أغذّ السير مجدّاً فيه لأدخل المدينة فأفرض ولايته على الشاهد والغائب، قال له جبرئيل عليه السلام: إنّ الله يأمرك أن تفرض (4)ولايته غداً إذا نزلت منزلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: نعم يا جبرئيل غداً أفعل ذلك إن شاء الله.

وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالرحيل من وقته وسار الناس معه حتّى نزل بغدير خم، وصلّىٰ بالناس وأمرهم أن يجتمعوا إليه، ودعا عليّاً عليه السلام


1) الحجر : 92-95

2) أي أسرع، وفي «ب»: أعد، وفي «ج»: أغدق.

3) المائدة : 67.

4) في «ب»: تعرض.

ورفع رسول الله صلى الله عليه وآله يد عليّ اليسرىٰ بيده اليمنىٰ، ورفع صوته بالولاء لعليّ على الناس أجمعين، وفرض طاعته عليهم، وأمرهم أن لا يختلفوا عليه بعده، وخبّرهم انّ ذلك عن أمر الله عز وجل.

وقال لهم: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فمن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، ثمّ أمر الناس أن يبايعوه، فبايعه الناس جميعاً ولم يتكلّم منهم أحد، وقد كان أبو بكر وعمر تقدّما إلى الجحفة، فبعث وردّهما ثمّ قال لهما النبي صلّى الله عليه وآله متهجّماً : يا ابن أبي قحافة ويا عمر بايعا عليّاً بالولاية من بعدي، فقالا: أمر من الله ومن رسوله؟ فقال: وهل يكون مثل هذا عن غير أمر الله (1)؟! نعم أمر من الله ومن رسوله، فبايعا ثمّ انصرفا.

وسار رسول الله صلى الله عليه وآله باقي يومه وليلته حتّى إذا دنوا من عقبة هرشي تقدّمه القوم فتواروا في ثنية العقبة، وقد حملوا معهم دباباً وطرحوا فيها الحصى.

فقال حذيفة: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله ودعا عمّار بن ياسر، وأمره أن يسوقها وأنا أقودها حتّى إذا صرنا في رأس العقبة ثار القوم من ورائنا، ودحرجوا الدباب بين قوائم الناقة، فذعرت وكادت تنفر برسول الله صلى الله عليه وآله، فصاح بها النبي صلّى الله عليه وآله: أسكنى وليس عليك بأس، فأنطقها الله بقول عربي فصيح فقالت: والله يا رسول الله لا أزلت يداً عن مستقر يد، ولا رجل عن موضع رجل وأنت على ظهري.

فتقدّم القوم إلى الناقة ليدفعوها ،فأقبلت أنا وعّمار نضرب وجوههم


1) في «ب» و «ج»: من غير أمر الله ورسوله.

بأسيافنا - وكانت ليلة مظلمة - فزالوا عنّا وأيسوا ممّا ظنّوا وقدروا(1)، فقلت: يا رسول الله من هؤلاء القوم الذين يريدون (2)ما ترى؟ فقال: يا حذيفة هؤلاء المنافقون في الدنيا والآخرة، فقلت: ألا تبعث إليهم يا رسول الله رهطاً فيأتوا برؤوسهم ؟ فقال: انّ الله أمرني أن أعرض عنهم، وأكره أن تقول الناس أنّه دعا أناساً من قومه وأصحابه إلى دينه فاستجابوا له، فقاتل بهم حتّى ظهر على عدوّه ثمّ أقبل إليهم فقتلهم، ولكن دعهم يا حذيفة فإنّ الله لهم بالمرصاد ،وسيمهلهم قليلاً ثمّ يضطرّهم إلى عذاب غليظ.

فقلت: من هؤلاء المنافقون يا رسول الله ،أمن المهاجرين أم من الأنصار؟ فسماهم لي رجلاً رجلاً حتّى فرغ منهم، وقد كان فيهم أناس [كنت](3)كاره أن يكونوا فيهم، فأمسكت عند ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا حذيفة كانّك شاك في بعض من سميّت لك ارفع رأسك إليهم، فرفعت طرفي إلى القوم وهم وقوف على الثنية، فبرقت برقة فأضاءت جميع ما حولنا، وثبتت البرقة حتّى خلتها شمساً طالعةً، فنظرت والله إلى القوم فعرفتهم رجلاً رجلاً، فإذا هم كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله، وعدد القوم أربعة عشر رجلاً، تسعة من قريش وخمسة من سائر الناس.

فقال له الفتى: سمّهم لنا يرحمك الله ، فقال حذيفة: هم والله أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجرّاح، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن عاص - هؤلاء من قريش - وأمّا الخمسة الآخر: فأبو موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة الثقفي، وأوس بن الحدثان البصري، وأبو هريرة، وأبو طلحة الأنصاري.


1) في «ج»: دبروا.

2) في «ج»: من هؤلاء القوم وما يريدون.

3) أثبتناه من «ب».

قال حذيفة: ثمّ انحدرنا من العقبة وقد طلع الفجر، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله فتوضّأ وانتظر أصحابه، فانحدروا من العقبة واجتمعوا، فرأيت القوم بأجمعهم وقد دخلوا مع الناس وصلّوا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله، فلمّا انصرف من صلاته التفت فنظر إلى أبي بكر وعمر وأبي عبيدة يتناجون، فأمر منادياً فنادىٰ في الناس: لا يجتمع ثلاثة نفر من الناس فيما بينهم بسرّ.

وارتحل رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس منزل العقبة، فلمّا نزل المنزل الآخر رأىٰ سالم مولىٰ أبي حذيفة أبا بكر وعمر وأبا عبيدة يسارّ بعضهم بعضاً، فوقف عليهم وقال: أليس قد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا يجتمع ثلاثة نفر من الناس علىٰ سرّ؟ والله لتخبروني فيما أنتم وإلّا أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بذلك منكم.

فقال أبو بكر: يا سالم عليك عهد الله وميثاقه لكن نحن خبرناك بالذي نحن فيه وبما اجتمعنا له، إن أحببت أن تدخل معنا فيه دخلت وكنت رجلاً منّا، وإن كرهت ذلك كتمته علينا ؟ فقال سالم : لكم ذلك (1)، وأعطاهم بذلك عهده وميثاقه -وكان سالم شديد البغض والعداوة لعليّ بن أبي طالب عليه السلام، وعرفوا ذلك منه - فقالوا له: إنّا قد اجتمعنا على أن نتحالف ونتعاقد على أن لا نطيع محمداً فيها فرض علينا من ولاية علي بن أبي طالب بعده.

فقال لهم سالم: عليكم عهد الله وميثاقه انّ في هذا الأمر كنتم تخوضون وتتناجون؟ قالوا: أجل، علينا عهد الله وميثاقه أنّا انّما كنّا في هذا الأمر بعينه لا في شيء سواه، قال سالم: وأنا والله أوّل من يعاقدكم على هذا الأمر ولا يخالفكم عليه، انّه والله ما طلعت الشمس على أهل بيت أبغض لي من بني هاشم، ولا في بني هاشم أبغض لي ولا أمقت من علي بن أبي طالب، فاصنعوا في هذا ما بدا لكم فإنّي واحد


1) في «ج»: ذلك لكم مني.

منكم.

فتعاقدوا من وقتهم على هذا الأمر ثمّ تفرّقوا، فلمّا أراد رسول الله صلّى الله عليه وآله المسير أتوه فقال لهم: فيما كنتم تتناجون في يومكم هذا وقد نهيتكم عن النجوىٰ؟ فقالوا: يا رسول الله ما التقينا غير وقتنا هذا، فنظر إليهم النبي صلّى الله عليه وآله مليّاً، ثمّ قال لهم: أنتم أعلم أم الله، (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (1).

ثمّ سار حتّى دخل المدينة واجتمع القوم جميعاً وكتبوا صحيفة بينهم على ذكر ما تعاهدوا (2)عليه في هذا الأمر، وكان أوّل ما في الصحيفة النكث لولاية علي بن أبي طالب عليه السلام، وانِّ الأمر لأبي بكر وعمر وأبي عبيدة وسالم معهم ليس بخارج منهم، وشهد بذلك أربعة وثلاثون رجلاً، هؤلاء أصحاب العقبة، وعشرون رجلاً آخر، واستودعوا الصحيفة أبا عبيدة بن الجراح، وجعلوه أمينهم عليها.

قال: فقال الفتى: يا أبا عبد الله يرحمك الله ،هبنا نقول انّ هؤلاء القوم رضوا أبا بكر وعمر وأبا عبيدة لأنّهم من مشيخة قريش [و من المهاجرين الأولينه (3)، فما بالهم رضوا بسالم وليس هو من قريش ولا من المهاجرين ولا من الأنصار؟ وإنّما هو عبد لامرأة من الأنصار .

قال حذيفة: يا فتى انّ القوم أجمع تعاقدوا على إزالة هذا الأمر عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام حسداً منهم له وكراهة لأمره، واجتمع لهم مع ذلك ما كان في قلوب قريش عليه من سفك الدماء، وكان خاصّة رسول الله صلى الله عليه وآله ،وكانوا يطلبون الثأر الذي أوقعه رسول الله صلى الله عليه وآله بهم عند عليّ من بني هاشم، فإنما كان العقد على إزالة الأمر عن عليّ بن أبي طالب على هؤلاء الأربعة


1) البقرة : 140.

2) في «ج»: تعاقدوا .

3) أثبتناه من «ج».

عشر، وكانوا يرون انّ سالماً رجل منهم.

قال الفتى: فخبرني يرحمك الله عمّا كتب جميعهم في الصحيفة لأعرفه، فقال حذيفة: حدّثتني (1)بذلك أسماء بنت عميس الخثعميّة امرأة أبي بكر، انّ القوم اجتمعوا في منزل أبي بكر فتآمروا في ذلك - وأسماء تسمعهم وتسمع جميع ما يدبرونه في ذلك - حتّى اجتمع رأيهم على ذلك، فأمروا سعيد بن العاص الأموي فكتب لهم الصحيفة باتّفاق منهم، وكانت نسخة الصحيفة:

«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اتفق عليه الملأ من أصحاب محمد رسول الله من المهاجرين والأنصار الذين مدحهم الله في كتابه على لسان نبيّه، اتَّفقوا جميعاً بعد أن اجتهدوا في رأيهم، وتشاوروا في أمرهم (2)، وكتبوا هذه الصحيفة نظراً منهم إلى الإسلام وأهله على غابر الأيام وباقي الدهور، ليقتدي بهم من يأتي من بعدهم من المسلمين.

أمَّا بعد، فإنّ الله بمنّه وكرمه بعث محمداً رسولاً إلى الناس كافة بدينه الذي ارتضاه لعباده، فأدّىٰ من ذلك وبلغ ما أمره الله به، وأوجب علينا القيام بجميعه حتّى إذا أكمل الدين، وفرض الفرائض، وأحكم السنن ،واختار الله له ما عنده، فقبضه إليه مكرماً محبوراً من غير أن يستخلف أحداً من بعده، وجعل الاختيار إلى المسلمين يختارون لأنفسهم مَنْ وثقوا برأيه ونصحه.

وانّ للمسلمين في رسول الله أسوة حسنة، قال الله عز وجل: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ) (3)وانّ رسول الله لم يستخلف أحداً لئلّا يجري ذلك في أهل بيت واحد فيكون ارثاً دون سائر


1) في «ج»: حدثني.

2) في «ج»: أمورهم.

3) الأحزاب : 21 .

المسلمين، ولئلا يكون دولة بين الأغنياء منهم ،ولئلّا يقول المستخلف انّ هذا الأمر باق في عقبه من والد إلى ولد إلى يوم القيامة.

والذي يجب على المسلمين عند مضيّ خليفة من الخلفاء أن يجتمع ذوو الرأي والصلاح منهم فيتشاوروا في أمورهم، فمن رأوه مستحقّاً لها ولّوه أمورهم، وجعلوه القيّم عليهم، فإنّه لا يخفى على أهل كلّ زمان من يصلح منهم للخلافة، فإن ادعّىٰ مدّع من الناس جميعاً انّ رسول الله استخلف رجلاً بعينه، نصبه للناس ونصّ عليه باسمه ونسبه، فقد أبطل في قوله، وأتىٰ بخلاف ما يعرفه أصحاب رسول الله ،وخالف على جماعة من المسلمين.

وإن ادعّى مدّع انّ خلافة رسول الله ارثاً وانّ رسول الله يورث، فقد أحال في قوله، لأنّ رسول الله قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة، وان ادّعىٰ مدّع ان الخلافة لا تصلح إلا لرجل واحد من بين الناس جميعاً وانّها مقصورة فيه ولا تنبغي لغيره لأنها تتلو النبوّة، فقد كذب لأنّ النبي صلّى الله عليه وآله قال: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم (1).

وإن ادّعىٰ مدّع انه مستحق الخلافة والامامة بقربه من رسول الله ثمّ هي مقصورة عليه وعلى عقبه ، يرثها الولد منهم عن والده، ثم هي كذلك في كل عصر وزمان لا تصلح لغيرهم ولا تنبغي أن تكون لأحد سواهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فليس له ولا لولده وإن دنا من النبي نسبه لأنّ الله يقول - وقوله القاضي على كلّ أحد : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ).


1) قال الشيخ المفيد رحمه الله في كتابه «الافصاح» ص 49 ذيل هذا الحديث: هذه أحاديث آحاد وهي مضطربة الطريق والاسناد والخلل ظاهر في معانيها والفساد وماكان بهذه الصورة لم يعارض الاجماع ولا يقابل حجج الله تعالى وبيناته الواضحات مع انه قد عارضها من الأخبار التي جاءت بالصحيح من الاسناد، ورواها الثقات عند أصحاب الآثار، وأطبق على نقلها الفريقان من الشيعة والناصبة على الاتفاق، ما ضمن خلاف ما انطوت عليه فأبطلها على البيان ... ثم ذكر الشيخ رحمه الله عدة أحاديث في الرد على هذا الحديث، فليراجع].

وقال رسول الله: إنّ ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، وكلّهم يد على من سواهم، فمن آمن بكتاب الله وأقرّ بسنّة رسول الله فقد استقام وأن--اب وأخذ بالصواب، ومن كره ذلك من فعلهم فقد خالف الحق والكتاب، وفارق جماعة المسلمين فاقتلوه فإنّ قتله صلاح للأمّة، وقد قال رسول الله : من جاء إلى أُمّتي وهم جميع ففرّق بينهم فاقتلوه واقتلوا الفرد كائناً من كان من الناس، فإنّ الاجتماع رحمة والفرقة عذاب، ولا تجتمع أمتي على ضلال أبداً، وانّ المسلمين يد واحدة على من سواهم، فإنّه لا يخرج من جماعة المسلمين إلّا مفارق معاند لهم مظاهر عليهم أعداءهم، فقد أباح الله ورسوله دمه وأحلّ قتله.

وكتب سعيد بن العاص باتّفاق ممّن اثبت اسمه و شهادته آخر هذه الصحيفة في المحرّم سنة عشر من الهجرة، والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلّم».

ثمّ دفعت الصحيفة إلى أبي عبيدة بن الجراح فوجّه بها إلى مكة، فلم تزل الصحيفة في الكعبة مدفونة إلى أن ولى عمر بن الخطاب، فاستخرجها من موضعها وهي الصحيفة التي تمنّىٰ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا توفىّٰ عمر فوقف به وهو مسجّى بثوبه، قال: ما أحبّ إلىّ أن ألق الله بصحيفة هذا المسجّىٰ.

ثمّ انصرفوا وصلّىٰ رسول الله صلى الله عليه و آله بالناس صلاة الفجر، ثمّ جلس في مجلسه يذكر الله عز وجل حتّى طلعت الشمس، فالتفت إلى أبي عبيدة بن الجراح، فقال له: بخ بخ من مثلك قد أصبحت أمين هذه الأمة، ثمّ تلا:( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (1)لقد أشبه هؤلاء رجال في هذه الأمَّة :(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ


1) البقرة : 79

الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ) (1).

ثمّ قال: لقد أصبح في هذه الأمّة في يومي هذا [قوم ](2)ضاهوهم (3)في صحيفتهم التي كتبوها علينا في الجاهلية وعلّقوها في الكعبة، وإنّ الله تعالى يعذّبهم غداً ليبتليهم (4)ويبتلي من [يأتي] (5)بعدهم ، تفرقة بين الخبيث والطيب، ولولا انّه سبحانه أمرني بالاعراض عنهم للأمر الذي هو بالغه لقدمتهم فضربت أعناقهم.

قال حذيفة: فوالله لقد رأينا هؤلاء النفر عند قول رسول الله صلّى الله عليه وآله لهم هذه المقالة وقد أخذتهم الرعدة، فما يملك أحد منهم من نفسه شيئاً، ولم يخف على أحد ممّن حضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك اليوم انّ رسول الله إيّاهم عنىٰ بقوله، ولهم ضرب تلك الأمثال بما تلا من القرآن.

قال :ولما قدم رسول الله صلّى الله عليه و آله من سفره ذلك نزل بمنزل أم سلمة رضي الله عنها زوجته، فأقام به شهراً لا ينزل منزلاً سواه من منازل أزواجه كما كان يفعل قبل ذلك، قال: فشكت عائشة وحفصة ذلك إلى أبويهما، فقالا لهما: إنّا نعلم لم صنع ذلك ولأيّ شيء هو، أمضيا إليه فلاطفاه في الكلام وخادعاه عن نفسه،

فإنّكما تجدانه حيياً كريماً، فلعلّكما تسلّان ما في قلبه وتستخرجان سخيمته.

قال: فمضت عائشة وحدها إليه، فأصابته في منزل أمّ سلمة وعنده عليّ بن أبي طالب، فقال لها النبي صلّى الله عليه وآله: ما جاء بك يا حميراء؟ قالت: يا رسول الله أنكرتُ تخلّفك عن منزلك هذه المدّة، وأنا أعوذ بالله من سخطك يا رسول الله، فقال: لو كان الأمر كما تقولين لما أظهرت بسرَّ وصَّيتك بكتمانه، لقد هلكت وأهلكت


1) النساء : 108 .

2) أثبتناه من «ب» و «ج».

3) في «ج»: شابهوهم.

4) في البحار يمتعهم ليبتليهم.

5) أثبتناه من «ج».

اُمه من الناس.

قال: ثمّ أمر خادمة لأمّ سلمة فقال اجمعي لي هؤلاء - يعني نساءه - فجمعتهنَّ له في منزل أمّ سلمة فقال لهنّ: اسمعن ما أقول لكنّ - وأشار بيده إلى علىّ بن أبي طالب فقال لهنّ :-هذا أخي ووصيّي ووارثي والقائم فيكنّ وفي الأمّة من بعدي، فأطعنه فيما يأمركنّ به ولا تعصينه فتهلكن بمعصيته، ثمّ قال: يا علي أوصيك بهنّ فأمسكهنّ ما أطعن الله ورسوله وأطعنك، وأنفق عليهنّ من مالك، ومرهنّ بأمرك، وانههنّ عمّا يريبك، وخلّ سبيلهنّ إن عصينك.

فقال عليّ عليه السلام:يا رسول الله إنّهنّ نساء ومنهنّ الوهن وضعف الرأي، فقال: ارفق بهنّ ما كان الرفق أمثل، فمن عصاك منهنّ فطلقها طلاقاً يبرأ الله ورسوله منها، قال: وكلّ نساء النبي صلى الله عليه وآله قد صمتن فما يقلن شيئاً، فتكلّمت عائشة فقالت: يا رسول الله ما كنا لتأمرنا بشيء فنخالفه إلى ما سواه.

فقال لها: بلى يا حميراء، قد خالفت أمري أشدّ خلافٍ، وأيم الله لتخالفين قولي هذا ولتعصينه بعدي، ولتخرجين من البيت الذي اخلّفك فيه متبرّجة، قد حفّ بك فئام (1)من الناس، فتخالفينه ظالمة له عاصية لربّك، ولتنبحنّك في طريقك كلاب حوأب، ألا انّ ذلك لكائن، ثمّ قال: قمن فانصرفن إلى منازلكنّ، قال: فقمن فانصرفن.

قال: ثمّ إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله جمع أولئك النفر ومن مالأهم (2)على عليّ عليه السلام، وطابقهم على عدواته، ومن كان من الطلقاء والمنافقين- وكانوا زهاء أربعة آلاف رجل - فجعلهم تحت يدي أسامة بن زيدمولاه، وأمّره عليهم وأمره بالخروج إلى ناحية من الشام، فقالوا: يا رسول الله إنّا قد قدمنا من


1) في «ج»: فئات.

2) في «ج»: ومن والاهم.

سفرنا الذي كنّا فيه معك، ونحن نسألك أن تأذن لنا في المقام لنصلح من شأننا ما

يُصلحنا في سفرنا.

قال: فأمرهم أن يكونوا في المدينة ريث اصلاح ما يحتاجون إليه، وأمر أسامة بن ز بن زید فعسکر بهم على أميال من المدينة، فأقام بمكانه الذي حدّ له رسول الله صلى الله عليه وآله منتظراً للقوم أن يوافوه إذا فرغوا من أمورهم وقضاء حوائجهم، وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله بما صنع من ذلك أن تخلوا المدينة منهم ولا يبقىٰ بها أحد من المنافقين.

قال: فهم على ذلك من شأنهم ورسول الله صلى الله عليه وآله دائب يحثّهم ويأمرهم بالخروج والتعجيل إلى الوجه الذي ندبهم إليه، إذ مرض رسول الله صلّى الله عليه وآله مرضه الذي توفي فيه، فلمّا رأوا ذلك تباطؤوا عمّا أمرهم رسول الله من الخروج، فأمر قيس بن سعد بن عبادة - وكان سيّاف رسول الله صلى الله عليه وآله - والحباب بن المنذر في جماعة من الأنصار أن يرحلوا بهم إلى عسكرهم ،فأخرجهم قيس بن سعد والحباب بن المنذر حتّى ألحقاهم بمعسكرهم وقالا الأسامة: انّ رسول الله لم يرخص لك في التخلّف، فسر من وقتك هذا ليعلم رسول الله ذلك، فارتحل اسامة وانصرف قيس والحباب إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله فأعلماه برحلة (1)القوم، فقال لهم: انّ القوم غير سائرين [من مكانهم](2).

قال: وخلا أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بأسامة وجماعة من أصحابه فقالوا: إلى أين تنطلق ونخلّى المدينة، ونحن أحوج ماكنّا إليها وإلى المقام بها ؟ فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: انّ رسول الله قد نزل به الموت، والله لئن خلّينا المدينة ليحدثنّ بها أمور لا يمكن اصلاحها ،ننظر ما يكون من أمر رسول الله ثمّ المسير بين أيدينا.


1) في «ب»: برحيل.

2) أثبتناه من «ج».

قال: فرجع القوم إلى المعسكر الأوّل، فأقاموا به وبعثوا لهم رسولاً يستعرّف لهم [بالخبر من ](1)أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله، فأتى الرسول عائشة فسألها عن ذلك سرّاً، فقالت: امض إلى أبي بكر وعمر ومن معهما فقل لهما : إنّ رسول الله قد ثقل فلا يبرحنّ أحد منكم، وأنا اعلمكم بالخبر وقتاً بعد وقت، واشتدت علة رسول الله صلى الله عليه وآله فدعت 8(2)عائشة صهيباً فقالت: امض إلى أبي بكر وعمر وأعلمه أن محمداً في حال لا يُرجىٰ، فهلمّ (3)إلينا أنت وعمر وأبو عبيدة ومن رأيتم أن يدخل معكم، وليكن دخولكم في الليل سرّاً.

قال :فأتاهم الخبر فأخذوا صهيب فأدخلوه إلى أسامة بن زيد، فأخبروه الخبر وقالوا له: كيف ينبغي لنا أن نتخلّف عن مشاهدة رسول الله؟ واستأذنوه في الدخول فأذن لهم وأمرهم أن لا يعلم بدخولهم أحد، وإن عو في رسول الله صلى الله عليه وآله رجعتم إلى عسكركم، وإن حدث حادث الموت عرّفونا ذلك لنكون في جماعة الناس.

فدخل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ليلاً المدينة ورسول الله صلى الله عليه وآله قد ثقل، قال: فأفاق بعض الافاقة فقال: لقد طرق ليلتنا هذه المدينة شرّ عظيم، فقيل له: وما هو يا رسول الله ؟ فقال: إنّ الذين كانوا في جيش أسامة قد رجع منهم نفر مخالفون على أمري، ألا إنى إلى الله منهم بريء، ويحكم نفّذوا جيش أسامة، فلم يزل يقول ذلك حتّى قالها مرّات كثيرة.

قال: وكان بلال مؤذّن رسول الله صلّى الله عليه وآله يؤذّن بالصلاة في كلّ وقت صلاة، فإن قدر على الخروج تحامل وخرج وصلّىٰ بالناس، وإن هو لم يقدر


1) أثبتناه من «ج».

2) في «ج»: فدفعت

3) في «ج»: فهلموا.

على الخروج أمّ عليّ بن أبي طالب فصلّىٰ بالناس، وكان عليّ بن أبي طالب والفضل بن العباس لا يزايلانه في مرضه ذلك.

فلمّا أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله من ليلته تلك التي قدم فيها القوم الذين كانوا تحت يد أسامة، أذن بلال ثمّ أتاه يخبره كعادته، فوجده قد ثقل فمنع من الدخول إليه، فأمرت عائشة صهيباً أن يمضي إلى أبيها فيعلمه انّ رسول الله قد ثقل (1)وليس يطيق النهوض إلى المسجد، وعليّ بن أبي طالب قد شغل به وبمشاهدته عن الصلاة بالناس، فاخرج أنت إلى المسجد فصّل بالناس، فإنّها حالة تهنئك (2)وحجة لك بعد اليوم.

قال: فلم يشعر الناس وهم في المسجد ينتظرون رسول الله أو عليّاً يصلّى بهم كعادته التي عرفوها في مرضه إذ دخل أبو بكر المسجد وقال: انّ رسول الله تقل وقد أمرني أن أصلّي بالناس، فقال له رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: وأنّىٰ لك ذلك وأنت في جيش أسامة ، ولا والله ما أعلم أحد بعث إليك ولا أمرك بالصلاة، ثمّ نادى الناس بلالاً فقال: على رسلكم رحمكم الله لأستأذن رسول الله في ذلك.

ثمّ أسرع حتى أتى الباب فدقَّه دقاً شديداً، فسمعه رسول الله صلّى الله عليه وآله فقال: ما هذا الدقّ العنيف؟! فانظروا ما هو ، قال : فخرج الفضل بن العباس ففتح الباب فإذا بلال، فقال: ما وراؤك يا بلال؟ فقال: انَّ أبا بكر دخل المسجد وتقدّم حتّى وقف في مقام رسول الله صلى الله عليه وآله ،وزعم انَّ رسول الله أمره بذلك، فقال: أوليس أبا بكر مع أسامة في الجيش؟ هذا والله هو الشرَّ العظيم الذي طرق البارحة المدينة، لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك.


1) في «ب»: قد ثقل في مرضه

2) في «ج»: تهيئك.

ودخل الفضل وأدخل بلالاً معه فقال: ما وراؤك يا بلال، فأخبر رسول الله الخبر، فقال: أقيموني أقيموني اخرجوني إلى المسجد، والذي نفسي بيده قد نزلت بالاسلام نازلة وفتنة عظيمة من الفتن، ثمّ خرج صلّى الله عليه وآله معصوب الرأس، يتمادىٰ بين عليّ والفضل بن العباس رضي الله عنها ورجلاه يجرّان في الأرض حتّى دخل المسجد، وأبو بكر قائم في مقام رسول الله، وقد طاف به عمر وأبو عبيدة وسالم وصهيب والنفر الذين دخلوا، وأكثر الناس قد وقفوا عن الصلاة ينتظرون ما يأتي به بلال، فلمّا رأى الناس رسول الله صلّى الله عليه وآله قد دخل المسجد وهو بتلك الحالة العظيمة من المرض أعظموا ذلك.

و تقدّم رسول الله صلّى الله عليه وآله فجذب أبا بكر من ورائه فنحّاه عن المحراب، وأقبل أبو بكر والنفر الذين كانوا معه فتواروا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله، وأقبل الناس فصلّوا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو جالس وبلال يسمع الناس التكبير حتّى قضىٰ صلاته، ثمّ التفت فلم ير أبا بكر فقال :يا أيّها الناس لا تعجبوا من ابن أبي قحافة وأصحابه الذين أنفذتهم وجعلتهم تحت يدي أسامة، وأمرتهم بالمسير إلى الوجه الذي وجهوا إليه، فخالفوا ذلك ورجعوا إلى المدينة ابتغاء الفتنة، ألا وانّ الله قد أركسهم فيها ،أعرجوا بي المنبر.

فقام وهو مربوط حتَّى قعد على أدنى مرقاة، فحمد الله وأثنىٰ عليه ثمّ قال: أيّها الناس أنّه قد جاءني من أمر ربّي ما الناس إليه صائرون، وانّي قد تركتكم على الحجّة الواضحة ليلها كنهارها، فلا تختلفوا من بعدي كما اختلف من كان قبلكم من بني اسرائيل، أيّها الناس انه لا أحّل لكم إلّا ما أحله القرآن، ولا أحرّم عليكم إلّا ما حرّم القرآن، وإنّى مخلّف فيكم ما إن تمسّكتم بهما لن تضّلوا ولن تزلّوا :كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وهما الخليفتان فيكم، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض،

فأسائلكم بماذا أخلفتموني فيهما، ولأذيدن (1)يومئذ رجالاً عن حوضى كما تذاد الغريبة من الابل، فيقول رجلان :أنا فلان وأنا فلان، فأقول: أمّا الأسماء فقد عرفت ولكنّكم ارتددتم من بعدي، فسحقاً لكم سحقاً.

ثمّ نزل عن المنبر وعاد إلى حجرته، ولم يظهر أبو بكر ولا أصحابه حتّى قبض صلوات الله عليه، وكان من الأنصار وسعد [وغيرهم](2)من السقيفة ما كان، فمنعوا أهل بيت نبيّهم حقوقهم التي جعلها الله عز وجل لهم، وأمّا كتاب الله فرّقوه كلّ ممزق، وفيما أخبرتك يا أخا الأنصار من خطب معتبر لمن أحب الله هدايته.

فقال الفتى: سمّ لي القوم الآخرين الذين حضروا الصحيفة وشهدوا فيها ،فقال حذيفة: أبو سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية بن خلف، وسعيد بن العاص، وخالد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وبشر بن سعد، وسهيل بن عمر، وحكيم بن حزام، وصهيب بن سنان، وأبو الأعور الأسلمي ومطيع بن الأسود المدري ،وجماعة من هؤلاء ممّن سقط عنّى احصاء عددهم.

فقال الفتى: يا أبا عبد الله ما هؤلاء فى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله حتّى قد انقلب الناس أجمعون بسببهم ؟ فقال حذيفة: إنّ في هؤلاء رؤوس القبائل ،وما من رجل من هؤلاء إلا ومعه من الناس خلق عظيم يسمع له ويطيع (3)، وأشربوا في قلوبهم من أبي بكر كما شرب قلوب بني اسرائيل من حبّ العجل والسامري حتّى تركوا هارون واستضعفوه.

قال الفتى: فإنّي أقسم بالله حقّاً حقاً إنّى لا أزال لهم مبغضاً، وإلى الله منهم ومن أفعالهم متبرّئاً، ولا زلت لأمير المؤمنين عليه السلام متوالياً، ولأعدائه معادياً، ولا لحقنّ به وإنّى لأؤمل أن أرزق الشهادة معه وشيكاً إن شاء الله، ثمّ وّدع


1) في «ج»: ليزدادون.

2) أثبتناه من «ج».

3) في «ج»: يسمعون له ويطيعون.

حذيفة وقال: هذا وجهي (1)إلى أمير المؤمنين عليه السلام.

فخرج إلى المدينة، واستقبله (2)وقد شخص من المدينة يريد العراق فسار معه إلى البصرة، فلمّا التقى أمير المؤمنين عليه السلام مع أصحاب الجمل كان ذلك الفتى أوّل من قتل من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وذلك لمّا صاف القوم واجتمعوا على الحرب، أحب أمير المؤمنين عليه السلام أن يستظهر عليهم بدعائهم إلى القرآن وحكمه، فدعا بمصحف وقال: من يأخذ هذا المصحف يعرضه عليهم ويدعوهم إلى ما فيه، فيحيى ما أحياه ويميت ما أماته؟ قال: وقد شرعت الرماح في العسكرين حتّى لو أراد امرء أن يمشى عليها لمشيٰ.

قال: فقال الفتى: يا أمير المؤمنين أنا آخذه وأعرضه عليهم وأدعوهم إلى ما فيه، قال: فأعرض عنه أمير المؤمنين عليه السلام ثمّ نادى الثانية: من يأخذ هذا المصحف فيعرضه عليهم ويدعوهم إلى ما فيه؟ فلم يقم إليه أحد، فقام الفتى وقال: يا أمير المؤمنين أنا آخذه وأعرضه عليهم وأدعوهم إلى ما فيه، قال: فأعرض عنه أمير المؤمنين عليه السلام ثمّ نادى الثالثة فلم يقم أحد من الناس إلّا الفتى، فقال: أنا آخذه وأعرضه عليهم وأدعوهم إلى ما فيه.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إنّك إن فعلت ذلك فأنت مقتول، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما شيء أحبّ إليّ من أن أرزق الشهادة بين يديك وأن أقتل في طاعتك، فأعطاه أمير المؤمنين المصحف فتوجّه به نحو عسكرهم، فنظر إليه أمير المؤمنين عليه السلام وقال: انّ الفتى ممّن حشى الله قلبه نوراً وايماناً وهو مقتول، ولقد أشفقت عليه من ذلك، ولن يفلح القوم بعد قتلهم إيّاه.

فضى الفتى بالمصحف حتّى وقف بازاء عسكر عائشة، وطلحة والزبير


1) في «ج»: وتوجه إلى ...

2) في «ج»: واستقبله علي.

حينئذ عن يمين الهودج وشماله - وكان له صوت - فنادىٰ بأعلى صوته: معاشر الناس هذا كتاب الله وانّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام يدعوكم إلى كتاب الله والحكم بما أنزل الله فيه، فأنيبوا إلى طاعة الله والعمل بكتابه.

قال: وكانت عائشة وطلحة والزبير يسمعون قوله فأمسكوا (1)، فلمّا رأىٰ ذلك أهل عسكرهم بادروا إلى الفتىٰ والمصحف في يمينه فقطعوا يده اليمنىٰ، فتناول المصحف بيده اليسرىٰ وناداهم بأعلى صوته مثل ندائه أوّل مرّة، فبادروا إليه وقطعوا يده اليسرىٰ، فتناول المصحف واحتضنه و دماؤه تجري عليه وناداهم مثل ذلك، فشدّوا عليه فقتلوه ووقع ميتاً فقطّعوه ارباً ارباً، ولقد رأينا شحم بطنه أصفر.

قال: وأمير المؤمنين عليه السلام واقف يراهم، فأقبل على أصحابه وقال: إنّي والله ما كنت في شك ولا لبس من ضلالة القوم وباطلهم، ولكن أحببت أن يتبيّن لكم جميعاً ذلك من بعد قتلهم الرجل الصالح حكيم بن جبلة العبدي في رجال صالحين معه، و [تضاعف] (2)ذنوبهم بهذا الفتى، وهو يدعوهم إلى كتاب الله والحكم به والعمل بموجبه ،فثاروا إليه فقتلوه ولا يرتاب بقتلهم مسلم، ووقدت (3)الحرب واشتدّت، فقال أمير المؤمنين عليه السلام :احملوا عليهم ،بسم الله حم لا ينصرون، وحمل هو بنفسه والحسنان وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله.

فغاص في القوم بنفسه، فوالله ما كانت إلا ساعة من نهار حتّى رأينا القوم شلايا يميناً وشمالاً صرعىٰ تحت سنابك الخيل، ورجع أمير المؤمنين عليه السلام مؤيداً منصوراً وفتح الله عليه ومنحه أكتافهم، وأمر بذلك الفتى وجمع (4)من قتل


1) قال الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب الجمل : 339 : «فأقبل الغلام حتى وقف بازاء الصفوف ونشر المصحف وقال: هذا كتاب الله عز وجل وأمير المؤمنين عليه السلام يدعوكم إلى ما فيه، فقالت عائشة: اشجروه بالرماح قبحه الله، فتبادروا إليه بالرماح فطعنوه من كل جانب ......

2) أثبتناه من البحار، وفي «ج»: ووثوبهم بهذا الفتى.

3) في «ب»: وقعت.

4) في «ج»: جميع.

معه، فلفّوا في ثيابهم بدمائهم لم تُنزع عنهم ثيابهم، وصلّىٰ عليهم ودفنهم، وأمرهم أن لا يجهزوا على جريح ولا يتبعوا لهم مدبراً، وأمر بما حوى العسكر فجمع له فقسمه بين أصحابه، وأمر محمد بن أبي بكر أن يدخل أخته إلى البصرة، فيقيم أيّاماً ثمّ يرحلها (1)إلى منزلها بالمدينة.

قال عبد الله بن سلمة: كنت ممّن شهد حرب أهل الجمل، فلمّا وضعت الحرب أوزارها رأيت أمّ ذلك الفتىٰ واقفة عليه، فجعلت تبكي عليه وتقبّله، ثمّ أنشأت تقول:

يا ربّ انّ مسلماً أتاهم*** يتلو كتاب الله لا يخشاهم

يأمرهم بالأمر من مولاهم*** فخضبوا من دمه قناهم

وأُمّهم ((2)قائمة تراهم*** تأمرهم بالغى لا تنهاهم (3)

[إمكالمته عليه السلام مع رأس اليهود]

بحذف الاسناد مرفوعاً إلى الباقر عليه السلام قال: قال محمد بن الحنفية: أتىٰ رأس اليهود إلى أمير المؤمنين عليه السلام عند منصرفه من وقعة النهروان وهو جالس في مسجد الكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ، قال: سل عمّا بدا لك يا أخا اليهود.

قال: إنّا نجد في الكتاب ان الله عز وجل إذا بعث نبيّاً أوحىٰ إليه أن يتّخذ من (4)أهل بيته من يقوم [مقامه] (5)في أمّته من بعده، وأن يعهد إليهم فيه عهداً


1) في «ج»: يرتحل بها.

2) اي عائشة

3) عنه البحار 28 : 386.

4) في «ج»: يخلف في

5) أثبتناه من «ج».

يحتذى عليه ويعمل به في أمّته من بعده، قال: نعم، ثمّ قال: وانّ الله عز وجل يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء ويمتحنهم بعد وفاتهم، فأخبرناكم يمتحن الله الأوصياء في حياة الأنبياء (1)من مرّة، وكم يمتحنهم بعد وفاتهم، وإلى من يصير أمر الأوصياء إذا رضى بمحنتهم؟

قال له عليّ عليه السلام: تحلف بالله الذي لا إله إلّا هو الذي فلق البحر لموسى، وأنزل عليه التوراة لتن خبرتك بحق عمّا سألتني عنه لتؤمننّ به؟ قال: نعم ،قال عليّ عليه السلام: [انّ الله تعالى يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء في] (2)سبعة مواطن ليبتلي طاعتهم، فإذا رضى طاعتهم ومحنتهم أمر الأنبياء أن يتخذوهم أولياء في حياتهم وأوصياء بعد وفاتهم، فتصير طاعة الأوصياء في أعناق الأمم موصولة بطاعة الأنبياء، ثمّ يمتحن الأوصياء بعد وفاة الأنبياء في سبعة مواطن ليبتلي صبرهم، فإن رضى محنتهم ختم لهم بالسعادة.

قال له رأس اليهود: صدقت يا أمير المؤمنين، فأخبرني كم امتحنك الله في حياة محمد صلّى الله عليه وآله من مرّة؟ وكم امتحنك بعد وفاته من مرّة؟ وإلى ما يصير آخر أمرك ؟ فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام بيده وقال: انهض معي لأنبئك بذلك يا أخا اليهود، فقام إليه جماعة من أصحابه وقالوا: يا أمير المؤمنين أنبئنا بذلك معه، قال: إنّي أخاف أن لا تحتمله قلوبكم، قالوا: ولم ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: لأمور بدت لي من كثير منكم. فقام إليه الأشتر فقال: يا أمير المؤمنين أنبئنا بذلك فوالله انّا لنعلم أنّه ما على ظهر الأرض وصيّ نبيّ سواك، وأنّا لنعلم انّ الله عز وجل لا يبعث بعد نبينا صلّى الله عليه وآله نبيّاً سواه، وانّ طاعتك في أعناقنا موصولة بطاعة نبيّنا، فجلس عليّ


1) في (ج): في حياتهم.

2) أثبتناه من «ج».

عليه السلام وأقبل على اليهودي فقال: يا أخا اليهود انّ الله عز وجل امتحنني في حياة نبيّنا صلّى الله عليه وآله في سبعة مواطن فوجدني فيهنّ - من غير تزكية لنفسي بنعمة الله - له مطيعاً، قال: فيم وفيم يا أمير المؤمنين، قال:

أما أولهن فإنّ الله تعالى أوحى إلى نبيّنا محمد صلّى الله عليه وآله وحمّله الرسالة، وأنا أحدث أهل بيته سنّاً، أخدمه في بيته، وأسعىٰ بين يديه في أمره، فدعا صغير بني عبد المطّلب وكبيرهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً(1)رسول الله، فامتنعوا من ذلك وأنكروه عليه، وهجروه ونابذوه واعتزلوه واجتنبوه، وسائر الناس مقصية له مخالفة عليه لما ورد عليهم (2)ما لا يحتمله قلوبهم، ولم تدركه عقولهم.

فأجبت رسول الله وحدي إلى ما دعاني إليه مسرعاً مطيعاً موقناً، لم يختلجني في ذلك الأخاليج (3)، فمكثنا بذلك ثلاث حجج ليس على ظهر الأرض خلق يصلّى الله ويشهد لرسول الله صلّى الله عليه وآله بما آتاه الله غيري وغير ابنة خويلد رحمها الله - وقد فعل- ، ثمّ أقبل على أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأمّا الثانية يا أخا اليهود فإنّ قريشاً لم تزل تخيل الآراء وتعمل الحيل في قتل النبي صلّى الله عليه وآله حتّى إذا كان آخر ما اجتمعت في ذلك الدار - دار الندوة - وابليس الملعون حاضر في صورة أعور ثقيف ،فلم تزل تضرب أمرها ظهراً لبطن حتّى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب من كلّ فخذ من قريش رجلاً، ثم ّيأخذ كلّ رجل منهم سيفه، ثمّ يأتي النبي صلّى الله عليه وآله وهو نائم على فراشه، فيضربوه


1) في «ج» وأنّه.

2) في «ج»: مبغضون له ومخالفون عليه قد استعظموا ما أورده عليهم.

3) في «ج»: في ذلك شك.

بأسيافهم جميعاً ضربة رجل واحد فيقتلوه، فإذا قتلوه منعت قريش رجالها فلم تسلّمه، ويمضى (1)دمه هدراً.

فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى الله عليه وآله فأنبأه بذلك، وخبره بالليلة التي يجتمعون فيها والساعة التي يأتون فراشه فيها، وأمره بالخروج في الوقت الذي خرج فيه إلى الغار، فأنبأني رسول الله صلى الله عليه وآله بالخبر، وأمرني أن أضطجع في مضجعه وأقيه بنفسي، فأسرعت في ذلك مطيعاً مسروراً به نفسي لأقتل دونه.

فضىٰ صلّى الله عليه وآله لوجهه واضطجعت في مضجعه، ثمّ أقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها بقتل النبي صلّى الله عليه وآله، فلمّا استوىٰ بي وبهم البيت الذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي، ودفعتهم عن نفسي بما علمه الله والناس منّى، ثم أقبل على أصحابه وقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأمّا الثالثة يا أخا اليهود فإنّ ابني ربيعة وابني عتبة كانوا فرسان قريش، ودعوا إلى البراز يوم بدر، فلم يبرز لهم خلق من قريش، فأنهضني رسول الله صلّى الله عليه وآله مع صاحبيّ رضي الله عنهما - يريد بصاحبيه (2)حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب - وقد فعل، وأنا أحدث أصحابي سنّاً وأقلّهم بالحرب تجربة، فقتل الله بيدي وليداً وشيبة سوى من قتلته من جحاجحة قريش في ذلك اليوم وسوى من أسرت، وكان منّى أكثر ممّا كان من أصحابي، واستشهد ابن عمّي في ذلك اليوم رحمه الله، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأمّا الرابعة يا أخا اليهود فإنّ أهل مكة أقبلوا إلينا عن بكرة أبيهم، قد


1) في «ج»: مضى.

2) في «ج»: بهما.

استجاشوا مَنْ يليهم من قبائل العرب (1) وقريش طالبي بثأر مشركي قريش في بدر، فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى الله عليه وآله فأنبأه بذلك، فتأهّب النبي صلى الله عليه وآله وعسكر بأصحابه في سد سفح أحد، وأقبل المشركون فحملوا علينا حملة رجل واحد، فاستشهد من المسلمين من استشهد ،وكان ممّن بقي ما كان من الهزيمة، وبقيت مع رسول الله صلّى الله عليه وآله ومضى المهاجرون والأنصار إلى منازلهم من المدينة، كلّ يقول: قتل رسول الله وقتل أصحابه.

ثمّ ضرب الله عز وجل وجوه المشركين، وقد جرحت بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وآله نيف وسبعين جراحة، منها هذه وهذه - ثمّ ألقىٰ رداءه وأمرّ يده على جراحاته - وكان منّى في ذلك ما على الله ثوابه إن شاء الله، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأمّا الخامسة يا أخا اليهود فإنّ قريشاً والعرب تجمّعت وعقدت بينها عقداً وميثاقاً لا ترجع من وجهها حتّى تقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وتقتلنا معه معاشر بني عبد المطلب، ثمّ أقبلت بحدّها وحديدها حتّى أناخت علينا بالمدينة وأيقنت لأنفسها (2) بالظفر فيما توجّهت له ،فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى الله عليه وآله فأنبأه بذلك، فخندق على نفسه ومن معه من المهاجرين والأنصار، فَقَدمت قريش فأقامت على الخندق محاصرة لنا ترى في أنفسها القوّة وفينا الضعف، تبرق وترعد ورسول الله صلّى الله عليه وآله يدعوها إلى الله ويناشدها بالقرابة والرحم فتأبىٰ ولا يزيدها ذلك إلّا عتوّاً.

وفارسها فارس العرب يومئذ عمرو بن عبدود، يهدر كالبعير المغتلم يدعو إلى البراز ويرتجز ويخطر برمحه مرّة وبسيفه أخرى، لا يقدم عليه مقدم، ولا يطمع

له (1)طامع، لا حمية تهيّجه ولا بصيرة تنجعه (2)، فأنهضنيٰ إليه رسول الله صلّى الله عليه وآله وعمّمني بيده، وأعطاني سيفه هذا - وضرب بيده إلى ذي الفقار - فخرجت إليه ونساء أهل المدينة (3)بواكي إشفاقاً عليّ من ابن عبدود، فقتله الله بيدي والعرب لا تعد لها فارساً غيره، وضربني هذه الضربة - وأوماً بيده إلى هامته - فهزم الله قريشاً والعرب بذلك وبما كان منّى فيهم من النكاية، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأمّا السادسة يا أخا اليهود فإنّا وردنا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله مدينة أصحابك خيبر على رجال اليهود وفرسانها من قريش وغيرها، فتلقونا بأمثال الجبال من الخيل والرجال والسلاح، وهم في أمنع دار وأكثر عدد، كلّ ينادي للبراز وينادي (4)للقتال، فلم يبرز لهم من أصحابي أحد إلّا قتل حتّى إذا احمرّ الحدق، ودعيت إلى البراز، وأهمت كلّ امرء نفسه، والتفت بعض أصحابي إلى بعض وكلّ يقول: يا أبا الحسن،يا أبا الحسن انهض.

فأنهضني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى دارهم، فلم يبرز إليّ منهم أحد إلّا قتلته، ولا ثبت لي فارس إلّا طعنته (5)، ثمّ شددت عليهم شدّة الليث على فريسته حتّى أدخلتهم مدينتهم مشدّداً عليهم ،واقتلعت باب حصنهم بيدي، ثمّ دخلت عليهم مدينتهم وحدي أقتل من يظهر فيها من رجالها، وأسبي من أجد من نسائها حتّى افتتحتها وحدي، ولم يكن لي فيها معاون إلّا الله وحده، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.


1) في «ب» و «ج»: لا يطمع فيه.

2) في «ج»: تشجعه.

3) في «ج»: أهل البلد.

4) في «ج»: ويدعو.

5) في «ج»: ولا يشب لي فارس إلا طحنته.

وأمّا السابعة يا أخا اليهود فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لمّا توجّه لفتح مكة أحبّ أن يعذر إليهم ويدعوهم إلى الله عز وجل آخراً كما دعاهم أوّلاً، فكتب إليهم كتاباً يحذّرهم فيه وينذرهم عذاب ربّهم، ويعدهم الصفح عنهم ويمنّيهم مغفرة ربّهم، ونسخ لهم فيه آخر (1) سورة براءة لتقرأ عليهم، ثمّ عرض على أصحابه المضيّ به إليهم، فكلّهم يرى التثاقل فيه، فلمّا رأى ذلك ندب منهم رجلاً يوجه به، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إنّه لا يؤّدي عنك إلّا أنت أو رجل منك.

فأنبأني رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، ووجّهني بكتابه ورسالته إلى أهل مكة، فأتيت مكة وأهلها من قد عرفتم ليس منهم أحد إلّا ولو قدر أن يضع على كلّ جبل منى إربااً لفعل، ولو بذل في ذلك نفسه وأهله وماله وولده، فبلّغتهم رسالة النبي صلّى الله عليه وآله، وقرأت عليهم كتابه، فكلّ (2) تلقّاني بالتهدّد والوعيد، ويبدي لي البغضاء، ويظهر لي الشحناء من رجالهم ونسائهم، فكان منّى في ذلك ما قد رأيتم، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

قال: يا أخا اليهود هذه المواطن السبعة التي امتحنني ربّي مع نبيّه فوجدني فيها كلّها بمنّه مطيعاً، ليس لأحد فيها مثل الذي لي ،ولو شئت لوصفت ذلك ولكنّ الله تعالى نهىٰ عن التزكية.

فقالوا (3): والله يا أمير المؤمنين لقد صدقت، فوالله لقد أعطاك الله عز وجل الفضيلة بالقرابة من نبيّنا صلّى الله عليه وآله، وأسعدك بأن جعلك أخاه تنزل منه بمنزلة هارون من موسى، وفضّلك بالمواقف التي باشرتها والأهوال التي ركبتها،

وذكر (1)لك الذي ذكرت وأكثر منه ممّا لم تذكره ،وممّا ليس لأحد من المسلمين مثله، يقول ذلك من شهدك منّا مع نبيّنا ومن شهدك بعده. فأخبرنا يا أمير المؤمنين بما امتحنك الله به بعد نبيّنا صلّى الله عليه وآله فاحتملته وصبرت عليه، فلو شئت (2)أن نصف نحن ذلك لوصفناه علماً منّا به، وظهور منّا عليه، إلّا انّا نحبّ أن نسمع ذلك منك كما سمعنا منك ما امتحنك الله به في حياته فأطعته فيه.

قال عليه السلام :يا أخا اليهود انّ الله عز وجل امتحنني بعد وفاة نبيّه صلّى الله عليه وآله في سبعة مواطن، فوجدني فيهنّ من غير تزكية لنفسي بمنّه ونعمته صبوراً.

أمّا أولهنّ يا أخا اليهود فإنّه لم يكن لي خاصة دون المسلمين عامة أحد أنس به، ولا أستقيم إليه، ولا أعتمد عليه، ولا أتقرّب به غیر رسول الله صلّى الله عليه وآله، هو ربّاني صغيراً، وبوّأني كبيراً، وكفاني العيلة، وجبرني من اليتم، وأغناني الطلب، ووقاني التكسّب وعالني في النفس والأهل والولد، هذا في تصاريف أمور الدنيا مع ما خصّني به من الدرجات التي قادتني إلى معالي الحظوة عند الله عن عز وجل.

فنزل بي من وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله ما لم يكن (3)أظنّ انّ الجبال لو حملته كانت تنهض به ،فرأيت الناس من أهل بيتي من بين جازع لا يملك جزعه، ولا يضبط نفسه، ولا يقوى على حمل فادح ما نزل به حتّى قد أذهب الجزع صبره، وأذهل عقله، وحال بينه وبين الفهم والافهام والقول والاستماع، وسائر الناس من غير بني عبد المطلب بين معزى يأمر بالصبر، وبين مساعد على البكاء جازعين


1) في «ج»: ذخر.

2) في «ج»: ولو شئنا

3) في «ج»: أكن.

الجزعي (1).

فحملت نفسي على الصبر بعد وفاته، ولزمت (2)الصمت والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه وتغسيله وتحنيطه وتكفينه، والصلاة عليه، ووضعه في حفرته، وجمع كتاب الله وعهده إلى خلقه، لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة، ولا هائج زفرة ،ولا لاذع حرقة، ولا جليل مصيبة حتّى أدّيت في ذلك الحقّ الواجب الله عز وجل عليّ لرسوله صلى الله عليه وآله، وبلغت فيه الذي أمرني به ،فاحتملته صابراً على جميع محتسباً، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

أمّا الثانية يا أخا اليهود، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أمرني في حياته أمّته، وأخذ على جميع من أحضره منهم البيعة لي بالسمع والطاعة، وأمرهم أن يبلغ الشاهد منهم الغائب في ذلك، فكنت المؤدّي إليهم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أمره إذا حضرته، والأمير على من حضرني منهم إذا فارقته، لا يختلج في نفسى منازعة أحد من الخلق لي في شيء من الأمر في حياة النبي صلى الله عليه وآله ولا بعد وفاته.

ثمّ أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله بتوجيه الجيش الذي وجهه مع أسامة بن زيد عندما أحدث الله به من المرض الذي توفّاه فيه، فلم يدع النبي صلّى الله عليه وآله أحد من قبائل (3)العرب ولا الأوس ولا الخزرج وغيرهم من سائر الناس ممّن يخاف على نقضه أو منازعته، ولا أحد ممّن يراني بعين البغضاء ممّن قد وترته بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه إلا وجهّه في ذلك الجيش، ولا من المهاجرين والأنصار والمسلمين وغيرهم من المؤلّفة قلوبهم والمنافقين، لتصفوا قلوب من يبقى معي بحضرته، ولئلا يقول قائل شيئاً ممّا أكره، ولا يدفعني دافع عن الولاية والقيام


1) في «ج»: باك لبكائهم جازع لجزعهم.

2) في «ج»: بلزوم.

3) في «ج»: افناء.

بأمور رعيّته وأمّته من بعده.

ثمّ كان آخر ما تكلّم به في شيء من أمر أمّته أن يمضي جيش أسامة ولا يتخلّف عنه أحد ممّن أنهض معه، وتقدّم في ذلك أشدّ التقدّم، وأوعز فيه أبلغ الايعاز، وأكد فيه أكثر التأكيد، فلم أشعر بعد أن قبض النبي صلّى الله عليه وآله إلّا برجال ممّن بعث مع أسامة بن زيد وأهل عسكره قد تركوا مراكزهم، وأخلوا مواضعهم ،وخالفوا أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله فيا أنهضهم له وأمرهم به وتقدّم إليهم(1)من ملازمة أميرهم، والمسير معه تحت لوائه حتّى ينفذ لوجهه الذي وجّهه إليه (2).

فخلّفوا أميرهم مقيماً في عسكره، وأقبلوا يتبادرون على الخيل ركضاً إلى حل عقدة عقدها الله عز وجل ورسوله لي في أعناقهم، فحلّوها ونكثوها وعقدوا لأنفسهم عقداً ضجّت به أصواتهم واختصّت به آراؤهم من غير مناظرة لأحد منّا من بني عبد المطلب، أو مشاركة في رأي، أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي.

فعملوا ذلك وأنا برسول الله صلّى الله عليه وآله مشغول بتجهيزه عن سائر الأشياء، فإنّه كان أهمّها وأحقّ ما بدئ منها، وكان هذا يا أخا اليهود أفدح (3)ما ورد على قلبي مع الذي أنا فيه من عظيم الرزية، وفاجع المصيبة، وفقد من لا خلف منه إلّا الله عز وجل، فصبرت عليها إذ أتت بعد اختها على تقاربها وسرعة اتّصالها، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

أمّا الثالثة يا أخا اليهود فإنّ القائم بعد النبي صلى الله عليه وآله كان يلقاني معتذراً في كلّ أيّامه ويلزم غيره ما ارتكبه من أخذ حقیّ ونقض بيعتي، ويسألني


1) في «ج»: تقيدهم.

2) في «ج»: أنفذه إليه.

3) في «ج»: أقرح.

تحليله، فكنت أقول: تنقضي أيامه ثمّ أرجع إلى (1)حقیّ الذي جعله الله عز وجل لي عفواً هنيئاً من غير أن أحدث في الإسلام مع حدوثه وقرب عهده بالجاهلية حدثاً في طلب حق بمنازعة، لعلّ فلاناً يقول فيها: نعم، وفلاناً يقول: لا، فيؤول ذلك من القول إلى الفعل. وجماعة من خواص أصحاب محمد صلى الله عليه وآله [ممّن] (2)أعرفهم بالنصح الله ولرسوله ولكتابه ولدينه والإسلام يأتونى عوداً وبدواً (3)وعلانية وسرّاً فيدعوني إلى أخذ حقیّ، ويبذلون أنفسهم في نصرتي ليؤدّوا (4)إلىّ بذلك بيعتي في أعناقهم، وأقول: رويداً وصبراً قليلاً لعلّ الله أن يأتيني بذلك عفواً بلا منازعة ولا إراقة الدماء، فقد ارتاب كثير من الناس بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، وطمع في الأمر بعده من ليس له بأهل، فقال كلّ قوم: منّا أمير و[منكم أمير ](5)، وما طمع القائلون في ذلك إلّا لتناول الأمر غيري.

فلمّا قربت وفاة القائم وانقضت أيامه صيّر الأمر من بعده لصاحبه، فكانت هذه أخت أختها، ومحلّها منّى مثل محلهّا، وأخذا منّى ما جعله الله عز وجل لي ،فاجتمع إلىّ نفر من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ممّن مضى رحمه الله ومن بقى ممّن أخّره الله من اجتمع ،فقالوا لي فيها مثل الذي قالوا لي في أختها.

فلم يعد قولي الثاني قولي الأوّل صبراً واحتساباً ويقيناً ،اشفاقاً من أن تفنى عصبة تألّفهم رسول الله صلى الله عليه وآله باللين مرّة وبالشدة أخرى، وبالبذل مرّة وبالسيف أخرى، حتّى لقد كان من تألفه لهم أن كان الناس في الكن والقرار


1) في «ج»: يرجع إليّ.

2) أثبتناه من (ج)».

3) فى «ب»: عدوّاً وجداً.

4) فى «الف»: ليروا

5) أثبتناه من «ب» و «ج».

والشبع والري واللباس والوطأة والدثار، ونحن أهل بيت محمد لا سقوف لبيوتنا ولا أبواب ولا ستور إلا الجرائد وما أشبهها، ولا وطاء لنا، ولا دثار علينا، يتناول الثوب الواحد في الصلاة أكثرنا، ونطوي الأيام والليالي جوعاً مشاعاً (1)، وربّما أتانا الشيء ممّا أفاء الله علينا وصيّره لنا خاصة دون غيرنا، ونحن على ما وصفت من حالنا، فيؤثر به رسول الله صلى الله عليه وآله أصحاب(2)النعم والأموال تألّفاً لهم.

فكنت أحق من لم يفرق هذه العصبة التي ألّفها رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يحملها على الخطيئة التي لا خلاص لها منها دون بلوغها أو فناء آجالها، لأنّى لو نصبت نفسي بدعوتي (3)إلى نصرتي كانوا في أمري على أحد منزلتين، امّا متّبع مقاتل وامّا مقتول إن لم يتبع الجميع، وامّا خاذل يكفر بخذلانه إن قصّر في نصرتي أو أمسك عن طاعتي، وقد علم انّى منه بمنزلة هارون من موسى، يحلّ بهم في مخالفتي والامساك عن نصرتي ما أحلّ قوم موسى بأنفسهم في مخالفة هارون وترك طاعته.

ورأيت تجرّع الغصص، وردّ أنفاس الصعداء، ولزوم الصبر حتّى يفتح الله عز وجل أو يقضي بما أحبّ أن يُدان في حقیّ، وأرفق بالعصابة التي وصفت (4)أمرهم، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، ولو لم اتق هذه الحال يا أخا اليهود ثم طلبت حقّی لكنت أولىٰ ممّن طلبه، لعلم من مضى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ومن بحضرتك منهم، فإنّي كنت أكثر عدداً، وأعزّ عشيرة، وأمنع رجالاً، وأطوع أمراً، وأوضح حجّة، وأكثر في هذا الدين مناقباً وآثاراً لسوابقي وقرابتي


1) في «ج»: جوعاً عامتنا.

2) في «ج»: أرباب.

3) في «ب» و «ج»: فدعوتهم.

4) في «الف»: وضعت.

ووراثتي، فضلاً فضلاً عن استحقاقي ذلك بالوصية التي لا مخرج للعباد منها، والبيعة

المقدمة في أعناقهم ممّن تناولها.

ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وانّ ولاية الامامة في يده وفي بيته لا في يد الذي تناولوها ولا في بيوتهم، وانّ أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس أهل البيت وطهرهم تطهيراً أولى بالأمر بعده من غيرهم في جميع الخصال، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأما الرابعة يا أخا اليهود، فإنّ القائم بعد صاحبه كان يشاورني في موارد الأمور فيصدرها عن أمري، ويناظرني في غوامضها فيمضيها عن رأيي لا أعلم أحداً ولا يعلمه أصحابي، ولا يناظره في ذلك غيري، ولا يطمع في الأمر بعده سواي، فلمّا أتته منيّته على فجأة بلا مرض كان قبله، ولا أمر كان أمضاه في صحّة من بدنه، لم أشك أن قد استرجعت حقّی في عافية بالمنزلة التي كنت أطلبها، والعافية(1)التي كنت ألتمسها، وانّ الله عز وجل يأتي بذلك على أحسن ما رجوت،وأفضل ما أمّلت.

فكان من فعله أن أختم أمره بأن سمّىٰ قوماً أنا سادسهم، ولم يساوني بواحد منهم، ولا ذكر لي حالاً (2)في وراثة الرسول، ولا قرابة ولا صهراً ولا نسباً، ولا كان لواحد منهم سابقة من سوابقي ،ولا أثر من آثاري ،فصيّرها شورى بيننا وصيّر ابنه حاكماً علينا، وأمره أن يضرب أعناق السنة الذين صيّر الأمر فيهم إن لم ينفذوا أمره، وكفىٰ بالصبر على هذا يا أخا اليهود صبراً.

فمكث القوم أيّامهم كلّ يخطبها لنفسه وأنا ممسك، قد سألوني عن أمري فناظرتهم في أيّامي وأيّامهم وآثاري وآثارهم، وأوضحت لهم ما لم يجهلوه من


1) في «ب» و «ج»: العاقبة.

2) في «(ج)»: حقا.

وجوه استحقاقي لها دونهم، وذكّرتهم عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله إليهم وتأكيد ما أكّده لي من البيعة في أعناقهم، دعاهم حبّ الامارة، وبسط الأيدي والألسن في الأمر والنهي، والركون إلى الدنيا، والاقتداء بالماضين قبلهم إلى تناول ما لم يجعل الله عز وجل لهم، فإذا خلوت بالواحد منهم ذكّرته أيّام الله، وحذّرته ما هو قادم عليه وصائر إليه، التمس منّى شرطاً أن أصيّرها له بعدي.

فلما لم يجدوا عنّى إلا المحجّة البيضاء، والحمل على كتاب الله عز وجل، ووصيّة الرسول صلى الله عليه وآله من إعطاء كلّ امرئ منهم ما جعله الله له، ومَنْعِهِ ما لم يجعل الله له أزواها (1)عنّى إلى ابن عفان طمعاً في التبحبح معه فيها، وابن عفان رجل لم يستويه بواحد ممّن حضره حال قط فضلاً عمّن دونهم، لا ببدر التي هي سنام فخرهم، ولا غيرها من المآثر التي أكرم الله عز وجل بها رسوله ومن اختصه معه من أهل بيته.

ثمّ لم أعلم القوم أمسوا من يومهم حتّى ظهرت ندامتهم، ونكصوا على أعقابهم، وأحال بعضهم على بعض ،كلّ يلوم نفسه ويلوم صاحبه، ثمّ لم تطل الأيام بالمستبد بالأمر ابن عفان حتّى كفروه وتبرؤّوا منه، ومشى إلى أصحابه خاصة وسائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يستقيلهم من بيعته، ويتوب إلى الله عز وجل من فلتته، فكانت هذه يا أخا اليهود أكبر من أختها وأقطع (2)وأحرىٰ أن لا يُصبر عليها، فنالني منها الذي وصفه ما لم يجد فيه، ولم يكن عندي إلّا الصبر على ما أمض وأبلغ منها.

ولقد أتاني الباقون من الستة من يومهم كلّ راجع عما كان ركب منّى يسألني خلع ابن عفان والوثوب عليه وأخذ حقّی، ويعطيني صفقته وبيعته على الموت تحت


1) في «ج»: زووها.

2) في «ب»: أعظم، وفي «ج»: أفظع.

رايتي أو يردّ الله عز وجل عليّ حقّی، فوالله يا أخا اليهود ما منعني منها إلّا الذي منعني من أختيها قبلها، ورأيت الابقاء على من بقى من الطائفة أبهج لي وآنس لقلبي من فنائها، وعلمت انّي إن حملتها على دعوة الموت ركبته، فامّا نفسي فقد علم من حضر ممّن ترىٰ ومن غاب من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله انّ الموت عندي بمنزلة شربة الباردة في اليوم الشديد الحر من ذي العطش الصدي.

ولقد كنت عاهدت الله عز وجل ورسوله أنا، وعمّي حمزة، وأخي جعفر، وابن عمّي عبيدة على أمر وفينا به الله عز وجل ولرسوله، فتقدّمني أصحابي وخلفت بعدهم لما أراد الله عز وجل، فأنزل عزوجل فينا :(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (1)حمزة وعبيدة وجعفر [قضوا نحبهم ](2)، وأنا والله المنتظر يا أخا اليهود وما بدّلت تبديلاً.

وما سكتني عن ابن عفان وحتّني على الامساك إلّا انّى عرفت من أخلاقه فيما اختبرت منه ما لن يدعه حتّى يستدعى الأباعد إلى قتله وخلعه فضلاً عن الأقارب وأنا في عزلة، فتصبّرت حتّى كان ذلك لم أنطق فيه بحرف من لا ولا نعم، ثمّ أتاني القوم وأنا يعلم الله كاره لمعرفتی بما تطامعوا به من اعتقال الأموال، والمرح في الأرض، وعلمهم بأنّ تلك ليست لهم عندي، وشديد عادة منتزعة، فلما لم يجدوها عندي تعلّلوا الأعاليل، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأمّا الخامسة يا أخا اليهود، فإنّ المبايعين لي لمّا لم يطمعوا في ذلك منّى وثبوا بالمرأة عليّ - وأنا وليّ أمرها والوصيّ عليها - فحملوها على الجمل، وشدّوها على


1) الأحزاب : 23.

2) أثبتناه من «ج».

الرحال، وأقبلوا بها تخبط الفيافي (1)، وتقطع البراري، وتنبح عليها كلاب الحوأب، وتظهر لهم علامات الندم في كلّ ساعة وعلى كلّ حال، في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الأولىٰ في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله حتّى أتت أهل بلدة قصيرة أيديهم، طويلة لحاهم ،قليلة عقولهم، عارية آراؤهم، وهم جيران بدو ووراء بحر.

فأخرجتهم يخبطون بسيوفهم بغير علم، ويرمون بسهامهم بغير فهم، فوقفت من أمرهم على اثنتين كلتاهما في محلّة المكروه ممّن إن كففت لم يرجعوا ولم يقلعوا، وإن أقدمت (2)كنت قد صرت إلى الذي كرهت، فقدّمت الحجّة بالأعذار والانذار ودعوت المرأة إلى الرجوع إلى بيتها، والقوم الذين حملوها إلى الوفاء ببيعتهم لي، والترك لنقضهم عهد الله عز وجل فيّ، وأعطيتهم من نفسي كلّ الذي قدرت عليه، وناظرت بعضهم [فرجع] (3)وذكرته فذكر، ثمّ أقبلت على الناس بمثل ذلك فلم يزدادوا إلّا جهلاً وتمادياً وغيّاً.

فلمّا أبوا إلّا هي ركبتها منهم، وكانت عليهم الدائرة، وبهم الهزيمة، ولهم الحسرة، وفيهم الفناء والقتل، وحملت نفسي على التي لم أجد منها بدّاً، ولم يسعني إذ فعلت ذلك وأظهرته آخراً مثل الذي وسعني منه أوّلاً من الاغضاء والامساك، ورأيت انّى إن أمسكت كنت معيناً لهم عليّ بامساكي فيها صاروا إليه وطمعوا فيه من تناول الأطراف، وسفك الدماء، وقتل الرعية، وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كلّ حال، كعادة بني الأصفر ومن مضىٰ من ملوك سبأ والأمم الخالية، فأصير إلى ما كرهت أوّلاً وآخراً.

وقد أهملت المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس ولم


1) الفيف والفيفاة المفازة التي لا ماء فيها، وجمعها الفيافي (لسان العرب)

2) في «ج»: أقمت.

3) أثبتناه من «ج».

أهجم على الأمر إلّا بعدما قدّمت وأخّرت وتأنّيت وراجعت و راسلت (1)وشافهت وأعذرت وأنذرت وأعطيت القوم كلّ شيء التمسوه، بعد أن عرضت عليهم كلّ شيء لم يلتمسوه، فلمّا أبوا إلا تلك أقدمت عليها، فبلغ الله عز وجل بي وبهم منهم ما أراد (2)، وكان منّى عليهم بما كان منّى إليهم شهيداً، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأمَّا السادسة يا أخا اليهود، فتحكيمهم الحكمين ومحاربة ابن آكلة الأكباد وهو طليق ابن طليق، معاند الله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وآله وللمؤمنين منذ بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله إلى أن فتح الله عز وجل عليه مكة عنوة، فأخذت بيعته وبيعة أبيه لي معه في ذلك اليوم وفي ثلاثة مواطن بعده ، وأبوه بالأمس أوّل من سلّم علي بإمرة المؤمنين، وجعل يحضّني على النهوض بأخذ حقّی من الماضين قبلي، يجدّد لي بيعته كلّما أتاني.

وأعجب العجب انّه لما رأى ربّي تبارك وتعالى قد ردّ لي حقّی وأقرّه في معدنه، وانقطع طمعه في دين الله (3)وفي أمانة حمّلناها حاكماً ، كرّ على العاصي ابن العاص فاستماله فمال إليه ، ثمّ أقبل به بعد أن أطمعه مصر - وحرام عليه أن يأخذ من الفيء فوق قسمته در هماً، وحرام على الراعي ايصال درهم إليه فوق حقّه - فأقبل يخبط البلاد بالظلم ويطأهم بالغشم، فمن تابعه أرضاه ومن خالفه ناواه، ثمّ توجّه إلىّ ناكثاً علينا، مغيراً في البلاد شرقاً وغرباً ويميناً وشمالاً، والأنباء تأتيني والأخبار ترد عليّ بذلك.

فأتاني أعور ثقيف فأشار أن أولّيه البلاد الذي هو بها لأداريه (4)بما أُولّيه


1) في «ب»: أرسلت.

2) في «ب»: على ما أرادوا.

3) في «ج»: انقطع طمعه أن يصير في دين الله رابعاً.

4) في «ب»: لأدراه.

منها، وفي الذي أشار به الرأي في أمر الدنيا، ولو وجدت عند الله في توليته لي مخرجاً، وأصبت لنفسي في ذلك عذراً فأعملت الرأي في ذلك، وشاورت من أثق بنصيحته الله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه و آله ولي وللمؤمنين، فكان رأيه في ابن آكلة الأكباد كرأيي، ينهاني عن توليته ويحذّرني أن أدخل في المسلمين يده، ولم يكن الله يراني أن أتّخذ المضلّين عضداً.

فوجّهت إليه أخا بجيلة مرّة وأخا الأشعر أخرى وكلاهما ركن إلى الدنيا وتابع (1)هواه فيها أرضاه، فلمّا لم أره يزداد فيها انتهك في محارم الله إلّا تمادياً شاورت من معي من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله البدريين، والذين ارتضى الله عز وجل أمرهم ورضى عنهم بيعتهم، وغيرهم من صلحاء المسلمين والتابعين، فكلّ يوافق رأيه رأيي في غزوه ومحاربته ومنعه ممّا نالت يده.

وانّى أنهضت إليه أصحابي، أنفذ إليه من كلّ موضع كتبي، وأوجّه إليه رسلي أدعوه إلى الرجوع عمّا هو فيه والدخول فيما فيه الناس معي، فكتب يتحكّم عليّ ويتمنّىٰ عليّ الأماني، ويشترط عليّ شروطاً لا يرضاها الله عزوجل ولا رسوله ولا المسلمون ولا المؤمنون، ويشترط في بعضها أن أدفع إليه أقواماً (2)من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله أبراراً فيهم عمار بن ياسر - وأين مثل عمّار، والله لقد رأيتنا مع النبي صلى الله عليه وآله وما يعد (3)منّا خمسة إلا كان سادسهم، ولا أربعة إلّا كان خامسهم - اشترط دفعهم إليه ليقتلهم ويصلبهم.

وانتحل دم عثمان، ولعمر الله ما ألّب على عثمان ولا جمع الناس على قتله إلّشا هو وأشباهه من أهل بيته ،أغصان الشجرة الملعونة في القرآن، فلمّا لم أجب إلى ما


1) في «ج»: اتبع.

2) في «ج»: أدفع إليه أصحابي وهم أقواماً ...

3) في «ج»: وما تقدم.

اشترط كرّ مستعلياً في نفسه بطغيانه وبغيه بحمير لا عقول لهم ولا بصائر (1)، فموّه هم أمراً فاتّبعوه وأعطاهم من الدنيا ما أمالهم (2)به إليه، فناجزناهم وحاكمناهم إلى الله عز وجل بعد الاعذار والانذار.

فلمّا لم يزده ذلك إلّا تمادياً وبغياً لقيناه بعادة الله التي عوّدنا من النصر على أعدائه وعدوّنا، وراية رسول الله صلى الله عليه وآله بأيدينا لم يزل الله تعالى يقتل حزب الشيطان بها حتّى يقضي الموت عليه، وهو معلم راية أبيه التي لم أزل أقاتلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله في تلك المواطن، فلم يجد من الموت منجا إلّا الهرب. فركب فرسه وقلب رايته لا يدري كيف يحتال، فاستعان برأي ابن العاص فأشار عليه باظهار المصاحف ورفعها على الأعلام والدعاء إلى ما فيها، فقال له : انّ ابن أبي طالب وحزبه أهل بصائر ورحمة وفقها (3)، وقد دعوك إلى كتاب الله أوّلاً وهم مجيبوك إليه آخراً، فأطاعه فيا أشار به عليه إذ رأى أن لا منجا له من القتل أو الهرب غيره.

فرفع المصاحف يدعو إلى ما فيها بزعمه، فمالت إلى المصاحف قلوب من بقى من أصحابي بعد فناء خيارهم، وجهدهم في جهاد أعداء الله وأعدائهم على بصائرهم، وظنّوا ان ابن آكلة الأكباد له الوفاء بما دعا إليه، فأصغوا إلى دعوتهم، وأقبلوا بأجمعهم في اجابته، فأعلمتهم انّ ذلك منه مكر ومن ابن العاص معه، وانّها إلى النكث أقرب منهما إلى الوفاء، فلم يقبلوا قولي ولم يطيعوا أمري، وأبوا إلّا اجابته كرهت أم هويت، شئت أم أبيت، حتى بعضهم يقول لبعض: إن لم يفعل فألحقوه بابن عفان أو ادفعوه إلى ابن هند يرميه (4).


1) في «ب»: بصيرة.

2) في «ب»: أمالوا

3) في «ب» و «ج»: فقهاء.

4) في «ب» و «ج»: برمته.

فجهدت علم الله جهدي، ولم أدّع علة في نفسي إلّا بلغتها في أن يخلّونى ورأيي فلم يفعلوا، وراودتهم على الصبر على مقدار فواق الناقة أو ركضة الفرس، فلم يجيبوا ما خلا هذا الشيخ - وأومأ بيده إلى الأشتر - وعصبة من أهل بيتي، فوالله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان - وأومأ بيده (1)إلى الحسن والحسين عليهما السلام - فيقطع نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وذريته من أمّته، ومخافة أن يقتل هذا وهذا - وأومأ بيده إلى عبد الله بن جعفر، ومحمد بن الحنفية - فإنّي أعلم لولا مكاني لم يقفا ذلك الموقف، فلذلك صبرت على ما أراد القوم مع ما سبق فيه من علم الله عز وجل.

فلمّا رفعنا عن القوم سيوفنا تحكّموا في الأمور وتخيّروا الاحكام، وما كنت بالذي احكم في دين الله أحداً إذ كان التحكيم في ذلك الخطأ الذي لا شك فيه ولا امتراء، فلما أبوا إلا ذلك أردت أحكّم رجلاً من أهل بيتي أو رجلاً ممّن أرضى رأيه وعقله، وأثق بنصيحته ومودّته ودينه، وأقبلت لا أسمّي أحداً إلّا امتنع منه ابن هند، ولا أدعوه إلى شيء من الحقّ إلا أدبر عنه، وأقبل ابن هند يسومنا عسفاً، وما ذلك إلّا باتّباع أصحابي له على ذلك.

فلمّا أبوا إلا غلبتي على التحكيم برئت إلى الله عز وجل منهم وفوّضت ذلك إليهم، فقلّده (2)أمراً فخدعه ابن العاص خديعة ظهرت في شرق الأرض وغربها وأظهر المخدوع عليه ندماً، ثمّ أقبل عليه السلام على أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. أمّا السابعة يا أخا اليهود فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان عهد إليّ أن أقاتل في آخر الزمان من أيّامي قوماً من أصحابي، يصومون النهار ويقومون


1) في «ج»: وأشار إلى.

2) في «ج»: فقلدوه.

الليل، ويتلون الكتاب ،يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فمنهم ذو الثدية ،يُختم لي بقتلهم بالسعادة، فلمّا انصرفت إلى موضعي هذا - يعني بعد الحكمين - أقبل بعض القوم على بعض باللائّمة فيما صاروا إليه من تحكيم الحكمين، فلم يجدوا لأنفسهم مخرجاً إلا أن قالوا: كان ينبغى لأمير المؤمنين انّه لا يتابع من أخطأ، وأن يقضي بحقيقة رأيه على قتل نفسه وقتل من خالفه منّا، فقد كفر بمتابعته إيّانا وطاعته لنا في الخطأ، وأحلّ لنا بذلك قتله وسفك دمه.

فجمعوا على ذلك وخرجوا راكبين رؤوسهم ينادون بأعلىٰ أصواتهم :لا حكم إلا الله، ثمّ تفرّقوا فرقة بالنخيلة والأخرىٰ (1)محروراء، [وأخرىٰ] (2)راكبة رأسها تخبط(3)الأرض شرقاً حتّى عبرت دجلة، فلم تمرّ بمسلم إلّا امتحنته، فمن تابعها استحنّته(4)ومن خالفها قتلته، فخرجتُ إلى الاولتين واحدة بعد أخرى أدعوهم إلى طاعة الله عز وجل والرجوع إليه، فأبيا إلا السيف لا يقنعها غير ذلك.

فلمّا أعييتُ الحيلة فيهما حاكمتهما إلى الله عز وجل، فقتل الله (5)هذه وهذه ،وكانوا يا أخا اليهود لولا ما فعلوا لكانوا ركناً قويّاً وسدّاً منيعاً، فأبى الله إلّا ما صاروا إليه، ثمّ كتبت إلى الفرقة الثالثة ووجهت رسلي تترىٰ، وكانوا من جملة أصحابي وأهل التعبّد والزهد في الدنيا، فأبت إلّا اتّباع أختيها والاحتذاء على مثالهما، وأسْرَعَتْ في قتل من خالفها من المسلمين.

وتتابعت إلىّ الأخبار بفعلهم ، فخرجت حتّى قطعت إليهم دجلة وأوجّه إليهم السفراء والنصحاء، وأطلب العتبىٰ بجهدي بهذا مرّة وبهذا مرّة وبهذا مرّة - وأوماً


1) في «ج»: وفرقة.

2) اثبتناه من«ج».

3) في «ب»: تخط.

4) في «ج»: تركته.

5) في «ج»: فقتلت.

بيده إلى الأشتر، والأحنف بن قيس، وسعيد بن قيس الأرحبي، والأشعث بن قيس الكندي - فلمّا أبوا إلّا تلك ركبتها منهم فقتلهم الله يا أخا اليهود عن آخرهم وهم -أربعة آلاف أو يزيدون - حتّى لم يفلت منهم مخبر، فاستخرجت ذا الثدية من قتلاهم بحضرة من ترىٰ، له ثدي كندي المرأة، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ فقالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال عليه السلام: قد وفيت سبعاً وسبعاً يا أخا اليهود، وبقيت أخرىٰ وأوشك بها فكأنّ قد قربتْ، فبكىٰ أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وبكىٰ رأس اليهود وقال: أخبرنا الأخرىٰ، فقال :الأخرىٰ أن تخضب هذه من هذه -وأوماً بيده إلى لحيته وأومأ بيده إلى هامته _.

قال :فارتفعت أصوات القوم في المسجد الجامع بالضجة والبكاء حتّى لم يبق بالكوفة دار إلّا خرج أهلها فزعاً(1)، وأسلم رأس اليهود علىّ يد علي عليه السلام من ساعته، ولم يزل مقيماً حتّى قتل أمير المؤمنين عليه السلام وأخذ ابن ملجم لعنة الله عليه، فأقبل رأس اليهود حتّى وقف على الحسن عليه السلام والناس حوله وابن ملجم لعنه الله بين يديه، فقال له: يا أبا محمد اقتله قتله الله، فإنّي رأيت في الكتب التي أنزلت على موسى بن عمران عليه السلام انّ هذا أعظم جرماً عند الله من ابن آدم قاتل أخيه، ومن القدار عاقر ناقة ثمود (2).

تمّ الحديث والحمد لله وحده وصلّى الله على سيّدنا محمد النبي وآله الطاهرين وسلّم تسليماً كثيراً (3).


1) في «ب»: جزعاً.

2) في «ج»: صالح.

3) الخصال : 364 ح 58 باب السبعة عنه البحار 38 : 167 ح 1؛ وفي الاختصاص : 163.

[جوابه عليه السلام عن مسائل أحبار اليهود، وفيه خبر أصحاب الكهف]

بحذف الاسناد مرفوعاً إلى ابن عباس قال: لمّا ولى عمر بن الخطاب الخلافة أتاه أقوام من أحبار اليهود فقالوا: يا عمر أنت وليّ الأمر بعد محمد؟ قال: نعم، قالوا: نريد أن نسألك عن خصال إن أخبرتنا بها دخلنا في الإسلام، وعلمنا ان دين الإسلام حق، وانّ محمداً كان نبيّاً، وإن لم تخبرنا بها علمنا انّ دين الإسلام باطل، وانّ محمداً لم يكن نبيّاً، قال عمر: سلوا عمّا بدا لكم ولا قوة إلا بالله .

قالوا: أخبرنا عن أقفال السماوات ما هي ،وأخبرنا عن مفاتيح هذه الأقفال ما هى، و[أخبرنا عن قبر سار بصاحبه ما هو] (1)، وأخبرنا عمّن أنذر قومه لا من الجنّ ولا من الانس، وأخبرنا عن خمسة أشياء مشت على الأرض لم تخلق في الأرحام، وأخبرنا ما يقول الدراج في صياحه، وما يقول الديك في صدحه، وما يقول الفرس في صهيله، وما يقول الحمار في نهيقه، وما يقول الضفدع في نقيقه وما يقول القبّر (2)في أنيقه.

قال: فنكس عمر رأسه في الأرض، ثمّ رفع رأسه إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا أبا الحسن ما أرىٰ جوابهم إلّا عندك، فإن كان لها جواب فأجب، فقال لهم عليّ عليه السلام: سلوا عمّا بدا لكم ولي عليكم شريطة، قالوا فما شريطتك ؟ قال عليه السلام: إذا أخبرتكم بما في التوراة دخلتم في ديننا، قالوا: نعم، قال عليه السلام: سلوني عن خصلة خصلة.

فقالوا: أخبرنا عن أقفال السماوات ما هي ؟ قال عليه السلام: أمّا أقفال السماوات فهو (3)الشرك بالله، فإنّ العبد والأمة إذا كانا مشركين لم يرتفع لهما إلى الله


1) أثبتناه من «ج».

2) في «ج»: القنبرة.

3) في «ب»: فهي.

عز وجل عمل، فهذه أقفال السماوات، قالوا: أخبرنا عن مفاتيح هذه الأقفال، قال عليه السلام: مفاتيحها شهادة (1)أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله.

قالوا: أخبرنا عن قبر سار بصاحبه، قال ذلك الحوت حين ابتلع يونس بن متّىٰ فدار به في البحار السبعة ،قالوا :فأخبرنا عمّن أنذر قومه لا من الجن ولا من الانس، قال: تلك نملة سليمان إذ قالت: يا أيّها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان وجنوده، قالوا: أخبرنا عن خمسة أشياء مشوا على الأرض لم يخلقوا في الأرحام، قال عليه السلام :ذاك آدم، وحوّاء، وناقة صالح، وكبش ابراهيم ،وعصى موسى عليه السلام.

قالوا: أخبرنا ما يقول الدرّاج في صياحه، قال: يقول: الرحمن على العرش استوى، قالوا: أخبرنا ما يقول الديك في صدحه، قال: فإنّه يقول: اذكروا الله يا غافلين ،قالوا: أخبرنا ما يقول الفرس في صهيله، قال: يقول: اللّهمّ انصر عبادك المؤمنين على عبادك الكافرين، قالوا: أخبرنا ما يقول الحمار في نهيقه، قال: الحمار يلعن العشار (2)وينهق في أعين الشياطين.

قالوا: أخبرنا ما يقول الضفدع في نقيقه، قال: الضفدع يقول: سبحان ربّي المعبود المسبَّح في لحج البحار، قالوا: فأخبرنا ما يقول القبر (3)في أنيقه، قال: يقول: اللّهمّ العن مبغض محمد ومبغض آل محمد ومبغض أصحاب محمد صلى الله عليه وآله.

قال: وكانت الأحبار ثلاثة فوثب اثنان وقالا :نشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمداً عبده ورسوله، قال: فوقف الحبر الآخر (4)فقال : يا عليّ لقد وقع في قلبي .


1) في «ج»: أشهد.

2) في «ج»: العشارين.

3) في «ج»: القنبرة.

4) في «ب»: الثالث.

وقع في قلوب أصحابي ولكن بقيت خصلة، أخبرني عن قوم كانوا في أوّل الزمان، فماتوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين ثمّ أحياهم الله ،ما كانت قصّتهم؟

فابتدأ عليه السلام فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، أراد أن يقرأ سورة الكهف فقال اليهودي: ما أكثر ما سمعنا قراءتكم (1)، فإن كنت فاعلاً (2)فأخبرنا بقصّة هؤلاء وبأسمائهم وعددهم، واسم كلبهم، واسم كهفهم ،واسم ملكهم، واسم مدينتهم.

فقال عليّ عليه السلام: لا حول ولا قوّة إلّا بالله ،يا أخا اليهود حدّثني حبيبي محمد صلى الله عليه وآله انّه كان بأرض الروم مدينة يقال لها: «اقسوس»، وكان لها ملك صالح، فمات ملكهم وتشتّت أمرهم (3)واختلفت كلمتهم، فسمع بهم ملك من ملوك الفارس يقال له: «دقيانوس» فأقبل في مائة ألف حتّى دخل مدينة «اقسوس» فاتّخذها دار مملكته، واتّخذ فيها قصراً طوله فرسخ في عرض فرسخ، واتّخذ في ذلك القصر مجلساً طوله ألف ذراع في عرض ذلك من الزجاج الممّرد.

واتّخذ في المجلس أربعة آلاف أسطوانة من ذهب، واتّخذ ألف قنديل من ذهب لها سلاسل من اللجين تسرج بأطيب الأدهان، واتّخذ في شرقي المجلس ثمانين كوّة وفي غربيه ثمانين كوّة، وكانت الشمس إذا طلعت تدور في المجلس كيف ما دارت، واتّخذ سريراً من ذهب [طوله ثمانون ذراعاً في أربعين ذراعاً] (4)له قوائم من فضة مرصّعة بالجواهر وعلاه بالنمارق، واتّخذ عن يمين السرير ثمانين كرسياً من الذهب مرصعة بالزبرجد الأخضر فأجلس عليها بطارقته، واتّخذ عن يسار السرير ثمانين كرسياً من الفضة مرصّعة بالياقوت الأحمر فأجلس عليها هر اقلته،


1) في «ج»: من قرآنكم.

2) في «ج»: عالماً.

3) في «ج»: تشتتت أُمورهم.

4) أثبتناه من .(ج)».

ثمّ جلس على السرير فوضع التاج على رأسه.

قال: فوثب اليهودي فقال: يا أمير المؤمنين ممّ كان تاجه؟ فقال عليه السلام: لا حول ولا قوّة إلّا بالله ،كان تاجه من الذهب المشبّك له شبه سبعة أركان، على كلّ ركن لؤلؤة بيضاء [تضيء ] (1)كضوء المصباح في الليلة الظلماء، واتّخذ خمسين غلاماً من أولاد الهراقلة فقر طقهم بقراطق (2)الديباج الأحمر، وسر ولهم سراويلات من الفرند الأخضر، وتوجّهم ودملجهم وخلخلهم وأعطاهم أعمدة من الذهب وأوقفهم على رأسه، واتّخذ ستّة أغلمة (3)من أولاد العلماء واتّخذهم وزراءه، فأقام ثلاثة عن يمينه وثلاثة عن يساره.

قال اليهودي :ما كان أسماء الثلاثة الذين عن يمينه والثلاثة الذين عن يساره؟ فقال عليه السلام: أمّا الثلاثة الذين كانوا عن يمينه فكان أسماؤهم :تمليخا ومكسلمينا ومحسمينا(4)، وأمّا الثلاثة الذين كانوا عن يساره فكانت أسماؤهم: مرطوس وكينطوس وسارينوس(5)، وكان يستشيرهم في جميع أموره.

قال: وكان يجلس كلّ يوم في صحن داره والبطارقة عن يمينه والهراقلة عن يساره، قال: ويدخل ثلاثة أغلمة في يد أحدهم جام من ذهب مملوء من المسك المشرق (6)، وفي يد الآخر جام من فضّة مملوء من ماء الورد، وفي يد الآخر طائر أبيض له منقار أحمر.

قال: فإذا نظر إلى ذلك الطائر صفر به، فيطير الطير (7)حتّى يقع في جام ماء


1) أثبتناه من «ج».

2) في «ج»: فقر طهم بقراط

3) في «ج»: غلمان.

4) في «ج»: مجسلينا.

5) في «ب»: مرطوس وكسطوس وسارسوس. وفي «ج» مرنوس وديرنوسوشاذرنوس

6) في «ج»: المسحوق.

7) في «ج»: الطائر.

الورد، فيتمرّغ فيه فيحمل ما في الجام بريشه وجناحيه، ثمّ يصفر به الثانية، فيطير الطائر حتّى يقع في جام المسك، فيحمل ما في الجام بريشه و جناحيه ،ثم يصفر به الثالثة فيطير الطائر على تاج الملك فينفض ريشه وجناحيه على رأس الملك.

فلمّا نظر (1)الملك إلى ذلك عتا (2)وتجبّر وادّعى الربوبية من دون الله عز وجل، قال: فدعا إلى ذلك وجوه قومه، فكلّ من أطاعه على ذلك أعطاه وحباه وكساه، وكلّ من لم يتابعه قتله، فاستجاب له أناس فاتّخذ لهم عيداً في كل سنة مرّة (3)، فبينما هم ذات يوم في عيدهم والبطارقة عن يمينه والهراقلة عن شماله إذا ببطريق من بطارقته قد أخبره ان عساكر الفرس قد غشيته، فاغتمّ لذلك غمّاً شديداً حتى سقط التاج عن ناصيته (4).

فنظر إليه أحد الفتية الثلاثة الذين كانوا عن يمينه يقال له «تمليخا» فقال في نفسه: لو كان دقيانوس إلها كما يزعم ما كان يغتمّ ولا كان يفزع، ولا كان يبول ولا يتغوّط، ولا كان ينام ولا كان يستيقظ ، وليس هذا من فعل الآلهة.

قال: وكان الفتية السنّة كلّ يوم عند أحدهم يأكلون ويشربون، وكان ذلك اليوم يوم (5)تمليخا، فاتّخذ لهم من أطيب الطعام وأعذب الشراب، فطعموا وشربوا ثمّ قال: يا اخوتاه قد وقع في نفسي شيء قد منعني الطعام والشراب والمنام، قالوا: وما ذلك يا تمليخا ؟ قال : أطلت فكري في هذه السماء فقلت: من رفع سقفها محفوظاً بلا علاقة من فوقها ولا دعائم من تحتها؟ ومن أجرى فيها شمساً وقرأ نيّران مضيئان (6)؟ ومن زيّنها بالنجوم؟


1) في «ب»: رأى.

2) في «ب» و «ج»: طغى.

3) في «ب»: مرتين.

4) في «ج»: رأسه.

5) في «ج»: وكانوا في ذلك اليوم عند تمليخا.

6) في «ج»: آيتين مبصرتين.

ثمّ أطلت الفكر في هذه الأرض فقلت: من سطحها على صميم الماء الزاخر ؟ ومن حبسها بالجبال أن تميد على كلّ شيء، وأطلت فكري في نفسي فقلت: من أخرجني جنيناً من بطن أمّي ؟ ومن غذّاني ؟ ومن ربّاني في بطنها؟ انّ لهذا صانعاً ومدبراً غير دقيانوس الملك، وما هو إلّا ملك الملوك وجبّار السماوات.

فأكبّت (1)الفتية على رجليه يقبّلوهما ويقولون له: قد هدانا الله من الضلالة إلى الهدى بك فأشر علينا، قال: فوثب تمليخا فباع تمراً من حائط له بثلاثة دراهم(2)وصرّها في كمّه وركبوا على خيولهم وخرجوا من المدينة، فلمّا ساروا ثلاثة أميال قال تملیخا يا اخوتاه ذهب ملك الدنيا وزال أمرها انزلوا عن خيولكم، وامشوا على أرجلكم [العلّ الله يجعل لكم من أمركم فرجاً ومخرجاً، فنزلوا عن خيولهم ](3)، ومشوا سبع فراسخ في ذلك اليوم، فجعلت أرجلهم تقطر دماً.

قال: فاستقبلهم راع فقالوا: يا أيّها الراعي هل من شربة لبن؟ هل من شربة ماء؟ فقال الراعي: عندي ما تحبّون ولكن أرىٰ وجوهكم وجوه الملوك، وما أظنّكم إلا هرابا من دقيانوس الملك، فقالوا: يا أيّها الراعى لا يحلّ لنا الكذب، أفينجينا معك الصدق؟ قال: نعم، فأخبروه بقصّتهم، فأكبّ الراعي على أرجلهم يقبّلها وقال: يا قوم لقد وقع في قلبي ما وقع في قلوبكم، ولكن امهلوني حتّى أردّ الأغنام على أربابها وألحق بكم، فوقفوا له فردّ الأغنام وأقبل يسعىٰ يتبعه كلب له.

فقال اليهودي: يا عليّ ما كان اسم الكلب وما لونه ؟ قال علي عليه السلام: يا أخا اليهود أمّا لون الكلب فكان أبلق بسواد، وأمّا اسمه فكان قطمير، فلمّا نظر الفتية إلى الكلب قال بعضهم لبعض: إنّا نخاف أن يفضحنا هذا الكلب بنباحه،


1) في «ج»: قال: فانكبّت

2) في «ج»: بثلاثة آلاف درهم.

3) أثبتناه من «ج».

فألحّوا عليه بالحجارة، فلمّا نظر الكلب إليهم قد ألحّوا عليه بالطرد أقعىٰ على ذنبه وتمطىٰ، ونطق بلسان طلق ذلق وهو ينادي: يا قوم لم تطردوني (1)وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له؟ ذروني أحر سكم عن عدوّكم، قال: فجعلوا يبتدرونه فحملوه على أعناقهم.

قال: فلم يزل الراعي يسير بهم حتّى علا بهم جبلاً، فانحطّ بهم على كهف يقال له «الوصيد» فإذا بازاء الكهف عين وأشجار مثمرة، فأكلوا من الثمرة وشربوا من الماء، وجنّهم الليل فآووا إلى الكهف، فأوحى الله جل جلاله إلى ملك الموت أن يقبض أرواحهم، ووكّل الله عز وجل بكلّ رجل منهم ملكين يقلبانهم ذات اليمين إلى ذات الشمال ومن ذات الشمال إلى ذات اليمين، فأوحى الله إلى خزّان الشمس وكانت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وتقرضهم ذات الشمال.

فلمّا رجع دقيانوس من عيده سأل عن الفتية فأخبر أنّهم خرجوا هرابا ،فركب في ثمانين ألف حصان، فلم يزل يقفو أثرهم حتّى علا الجبل وانحطّ إلى الكهف، فلمّا نظر إليهم إذا هم نيام، فقال الملك: لو أردت أن أعاقبهم بشيء ما عاقبتهم بأكثر ما عاقبوا به أنفسهم ولكن ائتوني بالبنائين، وسدّ باب الكهف بالكلس (2)والحجارة، ثمّ قال لأصحابه : قولوا لهم يقولون لإلهٰهم الذي في السماء يذهب بهم(3)إن كانوا صادقين أن يخرجهم من هذا الموضع.

ثمّ قال عليّ عليه السلام :يا أخا اليهود فمكثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فلمّا أراد الله أن يحييهم أمر اسرافيل الملك أن ينفخ فيهم الروح، قال: فنفخ فقاموا من رقدتهم، فلمّا أن بزغت الشمس قال بعضهم لبعض: قد غفلنا هذه الليلة عن عبادة


1) في «ب»: أتطردوني.

2) الكلْسُ : مثل الصاروج يُبنى به، وقيل: الكلس ما طلي به حائط أو باطن قصر شبه الجص من غير أجر. (لسان العرب)

3) في «ج»: لينجيهم مما بهم.

إله السماوات، فقاموا فإذا العين قد غارت والأشجار قد جفّت، فقال بعضهم لبعض: إنّ في أمرنا لعجباً، مثل تلك العين الغزيرة قد غارت في ليلة واحدة، ومثل تلك الأشجار قد جنّت في ليلة.

قال: ومسّهم الجوع فقالوا: ابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيّها أزكىٰ طعاماً فليأتكم برزق منه، وليتلطف ولا يشعرنّ بكم أحداً، فقال لهم تمليخا: لا يذهب في حوائجكم غيري، ولكن ادفع إليّ أيّها الراعي ثيابك، قال: فدفع الراعي ثيابه إليه ومضى إلى المدينة، فجعل يرىٰ مواضع لا يعرفها وطرقاً هو منكرها حتّى أتى باب المدينة، وإذا عليه علم أخضر مكتوب عليه بصفرة: «لا إله إلا الله عيسى رسول الله [وروحه]»(1)

قال: فجعل ينظر إلى العلم ويمسح عينيه ويقول: كأنّى نائم، ثمّ دخل المدينة حتّى أتى السوق، فإذا رجل خبّاز فقال: أيّها الخبّز ما اسم مدينتكم هذه؟ قال: اقسوس، قال: وما اسم ملككم؟ قال: عبد الرحمن ،قال: يا هذا حرّكني كأنّى نائم، فقال الخبّاز: أتهزأ بي؟ تكلّمني وأنت نائم ،فقال تمليخا للخبّاز: فادفع إلىّ بهذا الورق طعاماً.

قال: فتعجّب الخبّاز من ثقل الدرهم ومن كبره، قال: فوثب اليهودي وقال: يا عليّ وما كان وزن كلّ درهم؟ قال على عليه السلام: يا أخا اليهود كان وزن كلّ درهم منها عشرة دراهم وثلثي درهم، فقال له الخباز: يا هذا انّك أصبت كنزاً؟ فقال تمليخا :ما هذه إلّا ثمن تمرة بعتها منذ ثلاث ،وخرجت من هذه المدينة وتركت الناس يعبدون دقيانوس الملك ،فغضب وقال: ألا تعطيني بعضها وتنجو، تذكر رجلاً خمّاراً(2)كان يدّعي الربوبية قد مات أكثر من ثلاثمائة سنة.


1) أثبتناه من «ج».

2) فى «ب»: جباراً.

قال: فتثبت بتمليخا حتّى أدخله على الملك فقال: ما شأن هذا الفتى ؟ قال الخباز : هذا الرجل أصاب كنزاً ، قال له الملك: يا فتى لا تخف فإنّ نبينا عيسى بن مريم عليه السلام أمرنا أن لا نأخذ من الكنوز إلّا خمسها، فأعطني خمسها وامض سالماً.

قال تمليخا :انظر أيّها الملك في أمري ما أصبت كنزاً، أنا من أهل هذه المدينة، فقال له الملك: أنت من أهلها؟ قال: نعم، قال: فهل تعرف بها أحداً؟ قال: نعم، قال: فسم، قال: فسمّى تمليخا نحواً من ألف رجل لا يعرف منهم رجل واحد، قال (1): ما هذه الأسماء أسماء أهل زماننا، قال: فهل لك في هذه المدينة دار؟ قال: نعم، اركب أنها الملك معي.

قال: فركب الناس معه فأتىٰ بهم أرفع باب دار بالمدينة، فقال تمليخا: هذه الدار داري، فقرع الباب فخرج إليهم شيخ كبير قد وقع حاجباه على عينيه من الكبر فقال: ما شأنكم؟ فقال له الملك: أتينا بالعجب، هذا الغلام يزعم انّ هذه الدار داره، فقال له الشيخ: من أنت؟ فقال: أنا تمليخا قسطيطين (2).

قال: فأكبّ الشيخ على رجليه يقبّلها ويقول: هذا جدّي وربّ الكعبة، فقال: أيّها الملك هؤلاء السنّة الذين خرجوا هرابا من دقيانوس الملك، قال: فنزل الملك عن فرسه وحمله على عاتقه، وجعل الناس يقبّلون يديه ورجليه ،فقال :يا تملیخا ما فعل أصحابك؟ فأخبرهم انّهم في الكهف - وكان يومئذ بالمدينة واليها ملكان: ملك مسلم وملك نصراني - فركبا أصحابهما.

فلمّا صاروا قريباً من الكهف قال لهم تمليخا: يا قوم إنّي أخاف أن يسمع أصحابي أصوات حوافر الخيل فيظنّوا أنّ دقيانوس الملك قد جاء في طلبهم، ولكن


1) زاد في «ج»: قال: ما اسمك؟ قال: اسمي تمليخا، قال: ..

2) في «ج»: تمليخا بن قسطين.

أمهلونى حتّى أتقدّم فأخبرهم، قال: فوقف الناس وأقبل تمليخا حتّى دخل الكهف، فلمّا نظروا إليه اعتنقوه وقالوا: الحمد لله الذي نجّاك من دقيانوس.

قال تملیخا: دعوني عنكم وعن دقيانوس ، كم لبثتم ؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، قال تمليخا :بل لبثتم ثلاثمائة وتسع سنين، وقد مات دقيانوس وذهب قرن بعد قرن، وبعث الله عز وجل نبياً يقال له المسيح عيسى بن مريم، ورفعه الله عز وجل إليه، وقد أقبل إلينا الملك والناس معه، قالوا: يا تمليخا أتريد أن تجعلنا فتنة للعالمين؟ قال تمليخا :فما تريدون؟ قالوا: تدعو (1)الله وندعوه معك أن يقبض أرواحنا، ويجعل عشانا عنده في الجنّة.

قال: فرفعوا أيديهم وقالوا: إلٰهنا بحقّ ما أتينا (2)من الدين فمر بقبض أرواحنا، فأمر الله عز وجل بقبض أرواحهم، وطمس الله عز وجل على باب الكهف عن الناس، وأقبل الملكان يطوفان على باب الكهف سبعة أيام لا يجدان للكهف باباً، فقال الملك المسلم: ماتوا على ديننا أبني على باب الكهف مسجداً، قال النصراني: لا بل ماتوا على ديني أبني على باب الكهف ديراً، فاقتتلا فغلب المسلم النصراني وبنىٰ على باب الكهف مسجداً.

ثمّ قال عليّ عليه السلام: سألتك بالله يا يهودي أيوافق ما في توراتكم؟ فقال اليهودي: والله ما زدت حرفاً ولا نقصت حرفاً، وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمداً رسول الله، وأنّك يا أمير المؤمنين وصىّ رسول الله، فأسلم، وهذا ما انتهىٰ إلينا من حديث أهل الكهف، والحمد لله حق حمده وصلّى الله على محمد و آله (3).


1) في «ج»: أدع.

2) في «ج»: آتيناه.

3) راجع عرائس المجالس : 371؛ وكشف اليقين : 431 وقصص الأنبياء للراوندي : 255 ح 300؛ عنه البحار 14 : 411 ح 1: وتفسير البرهان 2 : 460 - 2؛ والتحصين : 642 باب 27.

[في إجابته عليه السلام عن مسائل قيصر]

بحذف الاسناد قال: لمّا جلس عمر في الخلافة جرىٰ بين رجل من أصحابه يقال له الحارث بن سنان الأزدي وبين رجل من الأنصار كلام ومنازعة، فلم ينتصف له عمر فلحق الحارث بن سنان بقيصر وارتّد عن الإسلام، ونسى القرآن كلّه إلّا قوله عز وجل: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (1).

فسمع قيصر هذا الكلام قال: سأكتب إلى ملك العرب بمسائل فإن أخبرني بتفسيرها (2)أطلقت مَنْ عندي مِن الأسارىٰ، وإن لم يخبرني بتفسير مسائلي عهدت إلى الاسارىٰ فعرضت عليهم النصرانية، فمن قبل منهم استعبدته ومن لم يقبل قتلته.

وكتب إلى عمر بن الخطاب بمسائل أحدها سؤاله عن تفسير الفاتحة، وعن الماء الذي ليس من الأرض ولا من السماء، وعمّا يتنفّس ولا روح فيه، وعن عصى موسى ممّ كانت وما اسمها وما طولها، وعن جارية بكر لأخوين في الدنيا وفي الآخرة لواحد، فلمّا وردت هذه المسائل علىّ عمر لم يعرف تفسيرها ففزع في ذلك إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فكتب إلى قيصر :

«من عليّ بن أبي طالب صهر محمد، ووارث علمه، وأقرب الخلق إليه، ووزيره، ومن حقّت له الولاية، وأمر الخلق بالبراءة من أعدائه، قرّة عين رسول الله ،وزوج ابنته وأبو ولده (3)إلى قيصر ملك الروم، أمّا بعد فإنّي أحمد الله الذي لا إله إلّا هو، عالم الخفيّات، ومنزل البركات، من يهدي الله فلا مضلِ له، ومن يضلل الله


1) آل عمران: 85

2) في «ج»: عنها.

3) في «ب»: ولديه.

فلا هادي له.

ورد كتابك وأقرأنيه عمر بن الخطاب، فأما سؤالك عن اسم الله فإنّه اسم فيه شفاء من كلّ داء وعون على كلّ دواء، وأمّا الرحمن فهو عون لكلّ من آمن به وهو اسم لم يتسمّ به غير الرحمن تبارك وتعالى (1)، وأمّا الرحيم فرحيم (2)من عصىٰ وتاب وآمن وعمل صالحاً، وأمّا قوله: الحمد لله ربّ العالمين، فذلك ثناء منّا على ربنّا تبارك وتعالى بما أنعم علينا.

وأمّا قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )، فإنّه يملك نواصي الخلق يوم القيامة، وكلّ من كان في الدنيا شاكاً أو جباراً أدخله النار، ولا يمتنع من عذاب الله عز وجل شاك ولا جبّار ، وكلّ من كان في الدنيا طائعاً مديماً محا خطاياه وأدخله الجنّة برحمته.

وأمّا قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، فإنّا نعبد الله ولا نشرك به شيئاً. وأما قوله :(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فإنّا نستعين بالله عزوجل على الشيطان لا يضلّنا كما أضلّكم وأما قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ )، فذلك الطريق الواضح من عمل في الدنيا عملاً صالحاً فإنّه يسلك على الصراط إلى الجنّة، وأما قوله: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ، فتلك النعمة التي أنعمها الله عز وجل على من كان قبلنا من النبيّين والصدّيقين، فنسأل الله ربّنا أن ينعم علينا كما أنعم عليهم.

وأمّا قوله عز وجل: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)، فأولئك اليهود بدّلوا نعمة الله كفراً فغضب عليهم، فجعل منهم القردة والخنازير، فنسأل الله ربّنا أن لا يغضب علينا كما غضب عليهم، وأمّا قوله:( وَلَا الضَّالِّينَ)، فأنت وأمثالك يا عابد الصليب الخبيث ضللتم من بعد عيسى بن مريم ،نسأل الله ربّنا أن لا يضلّنا كما ضللتم.


1) في «ب»: غيره هو الله تبارك وتعالى.

2) في «ب»: فرحم.

وأمّا سؤالك عن الماء الذي ليس من الأرض ولا من السماء، فذلك الذي بعثه بلقيس إلى سليمان بن داود عليه السلام، وهو عرق الخيل إذا جرت في الحروب، وأمّا سؤالك عمّا يتنفّس ولا روح له فذلك الصبح إذا تنفّس، وأما سؤالك عن عصى موسى ممّا كانت وما طولها وما اسمها وما هي، فإنّها كان يقال لها البرنية، وتفسير البرنية الزائدة (1)، وكان إذا كانت فيها الروح زادت وإذا خرجت منها الروح نقصت، وكانت من عوسج، وكانت عشرة أذرع، وكانت من الجنّة أنزلها جبرئيل عليه السلام على شعيب عليه السلام.

وأمّا سؤالك عن جارية تكون في الدنيا لأخوين وفي الآخرة لواحد، فتلك النخلة هی في الدنيا لمؤمن مثلي ولكافر مثلك ونحن من ولد آدم، وفي الآخرة للمسلم دون المشرك وهي في الجنّة ليست في النار ، وذلك قوله عز وجل: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ )(2).

ثمّ طوى الكتاب وأنفذه، فلمّا قرأه قيصر عمد إلى الأسارىٰ واختارهم ودعا أهل مملكته إلى الإسلام والايمان بمحمّد صلى الله عليه وآله، فاجتمعت عليه النصارىٰ وهمّوا بقتله، فجاء بهم (3)فقال: يا قوم إنّي أردت أن أجرّبكم، وإنّما أظهرت منه ما أظهرت لأنظر كيف تكونون، فقد حمدت الآن أمركم عند الاختبار، فسكنوا (4)واطمأنّوا فقالوا: كذلك الظنّ بك.

وكتم قيصر اسلامه حتّى مات وهو يقول لخواص أصحابه ومن يثق به: إنّ عليه السلام عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ومحمد صلى الله عليه وآله نبيّ بعد عيسى، وانّ عيسى بشّر أصحابه بمحمد صلى الله عليه


1) في «ج»: الزابدة.

2) الرحمن : 68.

3) في «ج»: فأجابهم.

4) في «ج»: فسكتوا.

وآله ويقول: من أدركه منكم فليقرأه منّى السلام، فإنّه أخى وعبد الله ورسوله.

ومات قيصر على القول مسلماً ، فلمّا مات وتولّىٰ بعده هر قل أخبروه بذلك، :قال اكتموا هذا وأنكروه ولا تقرّوا فإنّه إن ظهر طمع ملك العرب، وفي ذلك فسادنا وهلاكنا، فمن كان من خواص قيصر وخدمه وأهله على هذا الرأي كتموه، وهر قل أظهر النصرانية وقوى أمره، والحمد لله وحده وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وسلّم" (1)

[خبر الراهب مع خالد بن الوليد]

بحذف الاسناد قال سهل بن حنيف الأنصاري: أقبلنا مع خالد بن الوليد فانتهينا (2)إلى دير فيه ديراني فيما بين الشام والعراق، فأشرف علينا وقال: من أنتم ؟قلنا :نحن المسلمون أمّة محمد صلى الله عليه وآله، فنزل إلينا فقال: أين صاحبكم؟ فأتينا به خالداً، فسلّم على خالد فردّ عليه السلام ،قال: وإذا بشيخ كبير، فقال له :خالد كم أتىٰ (3)عليك؟ قال: مائتا سنة وثلاثون سنة.

قال: منذ كم سكنت ديرك هذا؟ قال: سكنته منذ نحو ستّين سنة، قال: هل لقيت أحداً لق عيسى بن مريم عليه السلام؟ قال: نعم لقيت رجلين، قال: وما قالا لك؟ قال: قال لي أحدهما: انّ عيسى عبد الله ورسوله وروح الله وكلمته ألقاها إلى مريم أمته، وانّ عيسى مخلوق غير خالق، فقبلت منه وصدّقته، وقال لي الآخر: إنّ عيسى هو ربّه، فكذبّته ولعنته.

قال خالد :انّ ذا لعجب، كيف يختلفا (4)وقد لقيا عيسى عليه السلام؟ قال


1) عنه البحار 10: 60 ح 4.

2) في «ج»: فأتينا.

3) في «ج»: مضى.

4) في «ب»: مختلفان، وفي «ج»: اختلفا.

الديراني: اتّبع هذا هواه وزيّن له الشيطان سوء عمله، واتبّع ذلك الحق وهداه الله عز وجل، قال: هل قرأت الانجيل ؟ قال: نعم، قال: فالتوراة؟ قال: نعم، قال: فآمنت بموسىٰ؟ قال: نعم، قال: فهل لك في الإسلام أن تشهد أن محمداً رسول الله، وتؤمن به وبما جاء به؟ قال: آمنت به قبل أن تؤمن به وإن كنت لم أسمعه ولم أره.

قال: فأنت الساعة تؤمن بمحمد وبما جاء به؟ قال: وكيف لا أؤمن به وقد قرأته في التوراة والانجيل، وبشّرني به موسى وعيسى عليها السلام ،قال: فما مقامك في هذا الدير؟ قال: فأين أذهب وأنا شيخ كبير، ولم يكن لى أمراً (1)انهض به، وبلغني مجيئكم فكنت أنتظر أن ألقاكم والتي إليكم اسلامي (2)وأخبركم انّي على ملّتكم، فما فعل نبيّكم؟ قالوا: توفّى صلى الله عليه وآله.

قال: فأنت وصيّه ؟ قال : لا ، ولكن رجل من عشيرته وممّن صحبه، قال: فمن بعثك إلى هاهنا وصيّه ؟ قال: لا ولكن خليفته، قال غير وصيّه؟ قال: نعم، قال: فوصيه حيّ؟ قال: نعم، قال: فكيف ذلك؟ قال: اجتمع الناس على هذا الرجل، وهو رجل من عشيرته ومن صالح الصحابة ،قال :فما أراك إلّا أعجب من الرجلين اللذين اختلفا في عيسى وقد لقياه وسمعا به، وهو ذا أنتم قد خالفتم نبيّكم وفعلتم مثل ما فعل ذلك الرجل.

قال :فالتفت خالد إلى من يليه وقال :هو والله ذلك ،اتّبعنا هوانا والله وجعلنا رجلاً مكان رجل، ولولا ما كان بيني وبين عليّ من الخشونة على عهد النبي صلى الله عليه و آله ما مالات (3)عليه أحداً، فقال له الأشتر النخعي - مالك بن الحارث- : ولم كان ذلك بينك وبين عليّ ما كان؟


1) في البحار لم يكن لي عمر ..

2) في «ج»: سلامي.

3) في «ج»: ما واليت.

قال خالد: نافسته في الشجاعة ونافسني فيها، وكان له من السوابق والقرابة ما لم يكن لي، فداخلني حمية قريش فكان ذلك، ولقد عاتبتني في ذلك أُم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وآله وهي لي ناصحة فلم أقبل منها، ثمّ عطف على الديراني فقال: هلم (1)حديثك وما تخبر (2)، قال: أخبرك انّي كنت من أهل دين كان جديداً فخلق حتّى لم يبق منهم من أهل الحق إلّا الرجلان أو الثلاثة، ويخلق دينكم حتّى لا يبقى منه إلّا الرجلان أو الثلاثة.

واعلموا انّ بموت نبيّكم قد تركتم من الإسلام درجة، وستتركون بموت وصيّ نبيكم من الإسلام درجة أخرىٰ إذ لم يبق أحد رأىٰ نبيكم صلى الله عليه وآله أو صحبه، وسيخلق دينكم حتّى تفسد صلاتكم وحجّكم وغزوكم وصومكم، وترتفع الأمانة والزكاة منكم، ولن تزال فيكم بقية ما بقي كتاب ربكم عز وجل فيكم، وما بقي فيكم أحد من أهل بيت نبيكم، فإذا رفع هذان منكم لم يبق من دينكم إلا الشهادتان: شهادة التوحيد وشهادة انّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله، فعند ذلك تقوم قيامتكم وقيامة غيركم، ويأتيكم ما توعدون، ولم تقم الساعة إلا عليكم لأنكم آخر الأمم، بكم تختم الدنيا وعليكم تقوم الساعة.

قال له خالد: قد أخبرنا بذلك نبيّنا، فأخبرنا بأعجب شيء رأيته منذ سكنت ديرك هذا وقبل أن تسكنه، قال: لقد رأيت ما لا أحصي من العجب، وأفنيت ما لا أحصي من الخلق، قال: فحدّثنا ببعض ما تذكره، قال: نعم، كنت أخرج بين الليالي إلى غدير كان في سفح الجبل أتوضأ منه وأتزوّد من الماء ما أصعد به معي إلى ديري ،وكنت أستريح إلى النزول فيه بين العشائين، فأنا عنده ذات ليلة إذا أنا برجل قد أقبل، فسلّم فرددت عليه السلام، فقال: هل مرّ بك قوم معهم غنم


1) في «ج»: هات.

2) في «ب»: وما الخبر.

وراعي أو حسستهم؟ قلت: لا.

قال: إنّ قوماً من العرب مرّوا بغنم وفيها مملوك لي يرعاها، فاستاقوها وذهبوا بالعبد معها ،قلت: وممّن أنت؟ قال: أنا رجل من بني اسرائيل(1)، قال: فما دينك؟ قلت: أنت فما دينك؟ قال: ديني اليهوديّة، فقلت: أنا ديني النصرانيّة ،وأعرضت عنه بوجهي، قال لي: ما لك فإنكم أنتم ركبتم الخطأ ودخلتم فيه وتركتم الصواب، فلم يزل يحاورني فقلت له: هل لك أن نرفع أيدينا فنبتهل؟ فأيّنا كان على الباطل دعونا الله عليه أن ينزل عليه ناراً تحرقه من السماء.

فرفعنا أيدينا فما استتمّ الكلام حتّى نظرت إليه يلتهب وما تحته من الأرض، فلم ألبث أن أقبل رجل فسلّم، فرددت عليه فقال: هل رأيت رجلاً من صفته كيت وكيت؟ قلت: نعم وحدثّته، قال: كذبت ولكنّك قتلت أخي يا عدوّ الله - وكان مسلماً - فجعل يسبّني فجعلت أردّه عنى بالحجارة، وأقبل يشتمني ويشتم المسيح ومن هو على دين المسيح، فبينما هو كذلك إذ نظرت إليه يحترق وقد أخذته النار التي أخذت أخاه، ثمّ هوت به النار في الأرض.

فبينما أنا كذلك قائماً أتعجّب إذ أقبل رجل ثالث: فسلّم فرددت عليه السلام ،فقال: هل رأيت رجلين من حالهما وصفتهما كيت وكيت؟ قلت: نعم وكرهت أن أخبره كما أخبرت أخاه فيقاتلني، فقلت له هلمّ أريك أخويك، فانتهيت به إلى موضعهما، فنظر إلى الأرض يخرج منها الدّخان، فقال: ما هذه ؟ فأخبرته، فقال: والله لئن أجابني أخواي بتصديقك لأتّبعك (2)في دينك، ولئن كان غير ذلك لأقتلنّك أو تقتلني.

فصاح به :یا دانيال أحق ما يقول هذا الرجل، قال: نعم يا هارون، فصدّقه


1) هكذا في «الف» والبحار، لكن زاد في «ب» و «ج»: فمن أنت؟ قلت: أنا رجل من بني اسرائيل.

2) في «ب»: لا تبعتك.

فقال: أشهد انّ عيسى بن مريم روح الله وكلمته وعبده ورسوله، قلت: الحمد لله الذي قد هداك، قال: فإنّي أجبتك ((1)في الله وانّ لى أهلاً وولداً وغنماً ولولاهم لسحت في الأرض، ولكن بقياي (2)عليهم شديدة، وأرجو أن أكون في القيامة بهم مأجوراً، ولعلّى أنطلق فآتي بهم فأكون بالقرب معك.

فانطلق فغاب عنّى ليالي ثمّ انّه أتاني فهتف بي ليلة من الليالي، فإذا هو قد جاء ومعه أهله وغنمه، فضرب له خيمة هاهنا بالقرب منّى، فلم أزل أنزل إليه في آناء الليل وأتعاهده والاقيه [وأقعد عنده ](3)، وكان لي أخ صدق في الله، فقال لي ذات ليلة : يا هذا إنّي قرأت في التوراة فإذا فيها صفة محمد النبيّ الأمين (4)، فقلت: وأنا قرأت صفته في التوراة والانجيل فآمنت به، وعلمته من الانجيل وأخبرته بصفته فى الانجيل، فآمنّا به - أنا وهو - وأحببناه وتمنيّنا لقاءه.

قال: فمكث كذلك زماناً وكان من أفضل ما رأيت وكنت أستأنس إليه، وكان من فضله أنّه يخرج بغنمه يرعاها، فينزل بالمكان المجدب (5)فيصير ما حوله أخضر من البقل، وكان إذا جاء المطر جمع غنمه حوله فيصير حول غنمه وخيمته مثل الاكليل من أثر المطر ولم يصب خيمته ولا غنمه منه شيء، وإذا كان الصيف كان على رأسه أينما توجّه سحابة، وكان بيّن الفضل كثير الصوم والصلاة.

قال: فحضرته الوفاة فدعيت إليه فقلت له: ما كان سبب مرضك ولم أعلم به؟ قال: انّى ذكرت خطيئة فارقتها في حداثتي فغشي عليّ ثمّ أفقت، ثمّ ذكرت خطيئة أُخرىٰ فغشي عليّ فأورثني ذلك مرضاً، فلست أدري ما حالي، ثمّ قال: فإن


1) في «ج»: أحببتك في الله ، وفي البحار: فإنّي أواخيك في الله

2) في «(ج)»: محنتي بقيامي، وفي البحار مفارقتي.

3) أثبتناه من (ج)».

4) في البحار: النبي الأمّي.

5) المِجْدَابُ: الأرض التي لا تكاد تُخْصِبُ. (القاموس)

لقيت (1)محمّداً صلى الله عليه وآله نبيّ الرحمة فاقرأه منّى السلام، وإن لم تلقه ولقيت وصيّه فاقرأه منّى السلام، وهي حاجتي إليك ووصيّتي، قال الديراني: وإنّي مودعكم إلى وصيّ أحمد منّى ومن صاحبي السلام.

قال سهل بن حنيف: فلمّا رجعنا إلى المدينة لقيت علياً عليه السلام فأخبرته خبر الديراني وخبر خالد ،وما أودعنا إليه الديراني من السلام منه ومن صاحبه، قال: فسمعته يقول: وعليهما وعلى من مثلها السلام ،وعليك يا سهل بن حنيف السلام، وما رأيته اكترث بما أخبرته من خالد بن الوليد وما قال، وما ردّ علىّ شيئاً غير أنّه قال: يا سهل بن حنيف انّ الله تبارك وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله فلم يبق في الأرض شيء إلا علم انه رسول الله إلا أشقى الثقلين وعصاتها، قال سهل: وما فى الأرض من شيء داخره (2)إلا شقّی الثقلين وعصاتهما.

قال سهل: فعبرنا (3)زماناً ونسيت ذلك، فلمّا كان من أمر عليّ ما كان توجهّنا معه، فلمّا رجعنا من صفين نزلنا أرضاً قفراء ليس بها ماء فشكونا ذلك إلى عليّ، فانطلق يمشي على قدميه حتّى انتهىٰ إلى موضع كأنّه يعرفه، فقال: احفروا هاهنا، فحفرنا فإذا صخرة صماء عظيمة، قال: اقلعوها، قال: فجهدنا أن نقلعها فما استطعنا، قال: فتبسّم أمير المؤمنين عليه السلام من عجزنا عنها، ثمّ أهوىٰ بيديه جميعاً كأنما كانت في يده كرة فإذا تحتها عين بيضاء كأنّها من شدة بياضها اللجين المجلو ،قال: دونكم فاشربوا واسقوا وتزوّدوا ثمّ آذنوني بها.

قال: ففعلنا ثمّ أتينا، فأقبل يمشي إليها بغير رداء ولا حذاء، فتناول الصخرة بيده ثمّ دحا بها في فم العين فألقمها إيّاها، ثمّ حثا بيده التراب عليها، وكان ذلك بعين


1) في «ج»: رأيت.

2) دَخَرَهُ يَدْخِرُهُ دَخراً ودُحُوراً: دفعه وأبعده (السان العرب) وجاء في «ج»: (ما في الأرض من شيء ذي حسرة). وفى البحار .... (من شيء فاخره).

3) في «ج»: فعمرنا.

الديراني، وكان بالقرب منها ومنّا يرانا ويسمع كلامنا.

قال: فنزل فقال: أين صاحبكم ؟ فانطلقنا به إلى عليّ عليه السلام، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأنك وصيّ محمد صلى الله عليه وآله ولقد كنت أرسلت بالسلام عنّى وعن صاحب لي مات كان أوصاني بذلك - مع جيش لكم منذ كذا وكذا من السنين، قال سهل: فقلت: يا أمير المؤمنين هذا الديراني الذي كنت أبلغتك عنه وعن صاحبه السلام، قال: وذكر الحديث يوم مررنا مع خالد، فقال له علي عليه السلام: وكيف علمت اني وصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله ؟

قال أخبرني أبي - وكان قد أتى عليه العمر مثل ما أتى علي - عن أبيه، عن جدّه، عمّن قاتل مع يوشع بن نون وصي موسى عليه السلام حين توجّه فقاتل الجبارين بعد موسى بأربعين سنة، أنّه مروا بهذا المكان وان أصحابه عطشوا فشكوا إليه العطش فقال: اما ان بقربكم عيناً نزلت من الجنّة استخرجها آدم عليه السلام فقام إليها يوشع بن نون فنزع عنها الصخرة، ثم شرب وشرب أصحابه وسقوا، ثم قلب الصخرة وقال لأصحابه: لا يقلبها إلا نبي أو وصي نبي.

قال: فتخلّف نفر من أصحاب يوشع بعدما مضى فجهدوا الجهد على أن يجدوا موضعها فلم يجدوه، وإنما بني هذا الدير على هذه العين وعلى بركتها وطلبتها، فعلمت حين استخرجتها انك وصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله الذي كنت أطلب، وقد أحببت الجهاد معك، قال: فحمله على فرس وأعطاه سلاحاً، فخرج مع الناس وكان ممن استشهد يوم النهر(1).

قال: وفرح أصحاب علي بحديث الديراني فرحاً شديداً، قال: وتخلّف قوم بعدما رحل العسكر وطلبوا العين فلم يدروا أين موضعها فلحقوا بالناس، قال


1) في «ج»: النهروان.

صعصعة بن صوحان وأنا رأيت الديراني يوم نزل إلينا حين قلب علي عليه السلام الصخرة عن(1)العين وشرب منها الناس وسمعت حديثه لعلي، وحدثني ذلك اليوم سهل بن حنيف بهذا الحديث حين مروا مع خالد (2).

تمّ الحديث والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلّم. عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قام عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه واله فقال: انك لا تزال تقول لعلي: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي وقد ذكر الله هارون في القرآن ولم يذكر علياً، فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا عمر (3)یا غليظ أما سمعت قول الله عز وجل: ( هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ )(4)

[إخباره عليه السلام بما يقول الناقوس]

بحذف الاسناد عن الحارث الأعور قال: بينما أنا أسير مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في الحيرة إذا نحن بديراني يضرب الناقوس، قال علي عليه السلام يا حارث أتدري ما يقول هذا الناقوس؟ قلت: الله ورسوله وابن عمّ رسوله أعلم.

قال انه يضرب مثل الدنيا وخرابها ويقول : لا إله إلا الله حقاً حقاً، صدقاً صدقاً ، ان الدنيا قد غرّتنا وشغلتنا واستهوتنا واستغوتنا، يا ابن الدنيا مهلاً مهلاً، يا


1) أثبتناه من «ب» و «ج».

2) عنه البحار 10 : 62 ح 5.

3) في «ج»: يا أعرابي.

4) الحجر : 41 مناقب ابن شهر آشوب 3 : 107؛ فصل في تسميته بعلي والمرتضى ... : عنه البحار 35 : 58: مائة منقبة لابن شاذان : 139 ح 85 وفي فرايد السمطين :2 258 وشواهد التنزيل 1 : 60 قطعة منه.

ابن الدنيا دقّاً دقاً، يا ابن الدنيا جمعاً جمعاً، تفنى الدنيا قرناً قرناً، ما من يوم يمضي عنا إلا أوهن منا ركناً، قد ضيعنا داراً تبقىٰ واستوطنا داراً تفنىٰ ، لسنا ندري ما فرطنا فيها إلا لو قَدِمْنَا (1).

قال :الحارث يا أمير المؤمنين النصارىٰ يعلمون ذلك ؟ قال : لو علموا ذلك ما اتخذوا المسيح إلهاً دون الله، قال: فذهبت إلى الديراني فقلت له بحق المسيح لما ضربت بالناقوس على الجهة التي تضر بها، قال: فأخذ يضرب وأنا أقول حرفاً تضربها، حرفاً حتى بلغ إلى موضع «إلا لو قدمنا».

قال: بحقّ نبيّكم من أخبركم بهذا؟ قلت هذا الرجل الذي كان معى أمس قال: فهل بينه وبين نبيكم قرابة؟ قلت: هو ابن عمه، قال: بحق نبيكم أسمع هذا من نبيكم؟ قال: قلت: نعم، قال: فأسلم ثم قال: إنى وجدت في التوراة انه يكون في آخر الأنبياء نبيّ وهو يفسّر ما يقول الناقوس(2).

[خبر ذعلب، وقول عليّ عليه السلام: سلوني قبل أن تفقدوني]

بحذف الاسناد مرفوعاً إلى الأصبغ بن نباتة قال: لما جلس علي عليه السلام في الخلافة وبايعه الناس خرج إلى المسجد (3)متعمّماً بعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله لابساً بردة رسول الله منتعلاً بنعل رسول الله صلى الله عليه وآله متقلّداً سيف رسول الله، فصعد المنبر فجلس عليه السلام [عليه] (4)متكئاً (5)، ثمّ


1) في «ج»: لو قد متنا.

2) أمالي الصدوق: 187 ح 3 مجلس 40؛ ومعاني الأخبار : 230 عنهما البحار 14 : 334 ح 1: وفي مناقب ابن شهر اشوب 2 : 56

3) هكذا في النسخ، وفي «الف»: الى المدينة.

4) أثبتناه من البحار.

5) في «ج»: والبحار متمكناً.

شبّك بين أصابعه فوضعها على بطنه وقال:

معاشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني ، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول الله، هذا ما زقّني رسول الله صلى الله عليه وآله زقّاً زقاً، سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين والآخرين، أما والله لو ثنّيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل الانجيل بانجيلهم، وأهل التوراة بتوراتهم (1)، حتّى ينطق التوراة والانجيل فيقولا: صدق عليّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله عز وجل فينا، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتّى ينطق القرآن فيقول : صدق علىّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ، ولولا آية من كتاب الله لأخبرتكم بما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي قوله تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (2).

ثمّ قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالذي فلق الحبّة وبرئ النسمة لو سألتموني عن آية آية في ليل نزلت أم في نهار، مكّيها ومدنيّتها، سفرها وحضرها، ناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها لأخبرتكم.

فقام إليه رجل يقال له: «ذعلب» -وكان ذرب اللسان، بليغاً في الخطب، شجاع القلب - قال: لقد ارتق ابن أبي طالب مرقاة صعبة، لأخجلنّه اليوم لكم بمسألتي إيّاه، فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك؟ قال: ويلك يا ذعلب لم أكن أعبد ربّاً لم أره، قال: فكيف رأيته صفه لنا؟ قال: ويلك لم تره العيون بمشاهدة الأبصار (3)ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان.

ويلك يا ذعلب انّ ربّي لا يوصف بالبعد [ولا بالقرب ](4)ولا بالحركة ولا بالسكون، ولا بقيام فيقال: انتصب، ولا بجيئة ولا بذهاب ،لطيف اللطف لا يوصف


1) زاد في «ج»: وأهل الزبور بزبورهم.

2) الرعد : 39

3) في «ب»: الأعيان.

4) أثبتناه من (ج).

باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة (1)لا يوصف بالرقة، مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بحاسّة، قائل لا بلفظ، هو في الأشياء على غير ممازجة ،خارج منها على غير مباينة ،فوق كلّ شيء ولا يقال شيء فوقه، وأمام كلّ شيء ولا يقال له أمام، داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل ،خارج منها لاكشي من شيء خارج، فخرّ ذعلب مغشيّاً عليه، ثمّ قال: بالله ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لا عُدت إلى مثلها.

ثمّ قال عليه السلام: سلوني قبل أن تفقدوني، فقام إليه الأشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين كيف يؤخذ (2)من المجوس الجزية ولم يُبعث إليهم نبي ولم ينزل عليهم كتاب، قال: بلى يا أشعث قد أنزل الله عليهم كتاباً ، وبعث إليهم نبيّاً حتى كان لهم ملك سكر ذات ليلة، فدعا إليه ابنته إلى فراشه فارتكبها، فلمّا أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا على بابه فقالوا: أيّها الملك دنست علينا ديننا وأهلكته، فاخرج نطهرك ونقيم عليك الحد.

فقال: اجتمعوا واسمعوا كلامي فإن لم يكن لي مخرج ممّا ارتكبت وإلّا فشأنكم،فاجتمعوا فقال لهم: هل علمتم انّ الله لم يخلق خلقاً أكرم عليه من أبينا آدم وأمّنا حواء؟ قالوا: صدقت أيّها الملك، قال: أوليس قد زوّج بنيه ببناته وبناته من بنيه؟ قالوا: صدقت هذا هو الدين، فتعاقدوا على ذلك، فمحا الله ما في صدورهم من العلم، ورفع عنهم الكتاب، فهم الكفرة يدخلون النار بغير حساب والمنافقون أشدّ عذاباً منهم، فقال الأشعث بن قيس: والله ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لا عُدت إلى مثلها أبداً.

ثمّ قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكّئاً


1) فى «ب» وذو الرحمة

2) في «ج»: تأخذ.

على عصاه، فلم يزل يتخطّى الناس حتّى دنا منه فقال: يا أمير المؤمنين دلّني على عمل إذا أنا عملته نجّاني الله عز وجل من النار، فقال له: اسمع يا هذا ثمّ افهم ثمّ استيقن، قامت الدنيا بثلاث :عالم ناطق مستعمل لعلمه، وبغنيّ لا يبخل بماله على أهل دينه، وبفقير صابر، فإذا كتم العالم علمه، وبخل الغني، ولم يصبر الفقير فعندها الويل والثبور، وعندها يعرف العارفون بالله ان الدار قد رجعت إلى بدئها، أي الكفر بعد الايمان.

أيّها السائل فلا تغترنّ بكثرة المساجد وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة وقلوبهم شتّىٰ ، إنّما (1)الناس ثلاثة: زاهد، وراغب، وصابر، فأمّا الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه ولا يحزن على شيء منها فاته، وأمّا الصابر فيتمنّاها بقلبه فإذا أدرك منها شيئاً صرف عنها نفسه لما يعلم من شرّ عاقبتها، وأمّا الراغب فلا يبالي من حلّ أصابها أم من حرام.

قال: يا أمير المؤمنين فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟ قال: ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حقّ يتولّاه، وينظر إلى ما خالفه فيبرأ منه وإن كان حميماً قريباً، قال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، ثمّ غاب الرجل فلم نره، فطلبه الناس فلم يجدوه، قال: فتبسّم عليّ عليه السلام.

ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني فلم يقم إليه أحد، ثم قال للحسن عليه السلام: قم فاصعد المنبر فتكلّم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي فيقولون: انّ الحسن لا يحسن شيئاً ، فقال : يا أبت كيف أصعد وأتكلّم وأنت في الدنيا تسمع وترىٰ ؟ قال: بأبي وأُمِّي أُواري نفسي عنك وأسمع يا ولدي ولا تراني.

فصعد الحسن عليه السلام المنبر فحمد الله بمحامد شريفة بليغة، وصلّىٰ على النبيّ وآله صلاة موجزة، ثمّ قال: أيّها الناس سمعت جدّي رسول الله صلى الله عليه


1) في «ج»: أيها السائل الناس ....

وآله يقول: أنا مدينة العلم وعليّ بابها، وهل يدخل المدينة إلا من بابها؟ ثمّ نزل فوثب إليه عليّ عليه السلام فحمله وضمّه إلى صدره، ثمّ قال للحسين عليه السلام: يا بني قم فاصعد المنبر فتكلّم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي فيقولون الحسين بن علي لا يبصر (1)شيئاً، وليكن كلامك تبعاً لكلام أخيك.

فصعد الحسين عليه السلام المنبر، فحمد الله وأثنىٰ عليه، وصلّىٰ على نبيّه صلاة موجزة، ثمّ قال: يا معشر الناس سمعت جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنّ عليّاً هو مدينة الهدىٰ، فمن دخلها نجا ومن تخلّف عنها هلك، فوثب عليّ عليه السلام فضمّه إلى صدره فقبله، ثم قال: معاشر الناس ، اشهدوا انّهما فرخا رسول الله صلى الله عليه وآله ووديعته التي استودعنيها، وأنا أستودعكموها أيّها الناس، انّ رسول الله صلى الله عليه وآله سائلكم عنها(2)

[قوله عليه السلام سلوني قبل أن تفقدوني]

وبحذف الاسناد روي أنّ قوماً حضروا (3)عند أمير المؤمنين عليه السلام وهو يخطب بالكوفة ويقول: سلوني قبل أن تفقدوني فأنا لا أسأل عن شيء دون العرش إلا أجبت فيه، لا يقولها بعدي إلّا مدّع أو كذّاب مفتر(4)، فقام إليه رجل من جنب مجلسه في عنقه كتاب كالمصحف - وهو رجل أدم ضرب طوال جعد الشعر كأنّه من يهود العرب - فقال رافعاً صوته لعليّ عليه السلام: يا أيّها الداعي لما


1) في «ب»: لا يحسن شيئاً.

2) التوحيد للصدوق : 304 ح 1 باب 42: وأمالي الصدوق : 280 ح 1 مجلس 55: عنهما البحار 10 : 117 ح1؛ والاختصاص : 235

3) في «ج»: ان يوماً حضر الناس.

4) قال المحدّث القمي رحمه الله في منتهى الآمال 1 : 288 : ومن الغرائب ان من تفوّه بهذه الجملة بعده عليه السلام انفضح أمره وذل عند الناس، كما وقع هذا الأمر لابن الجوزي، ومقاتل بن سليمان، والواعظ البغدادي عهد الناصر لدين الله العباسي ... فمن أراد المزيد فليراجع الكتاب المذكور.

لا يعلم، والمتقدّم لما لا يفهم، أنا سائلك فأجب.

قال:فوتب به أصحابه وشيعته من كلّ ناحية وهموا به، فنهرهم عليّ عليه السلام وقال: دعوه ولا تعجلوه فإنّ الطيش (1)لا تقوم به حجج الله، ولا باعجال السائل تظهر براهين الله عز وجل، ثم التفت إلى السائل فقال: سل بكلّ لسانك ومبلغ علمك أجبك إن شاء الله بعلم لا تختلج فيه الشكوك، ولا يهيجنّه دنس ريب الزيغ، ولا حول ولا قوّة إلا بالله.

قال الرجل: كم بين المشرق والمغرب ؟ قال عليّ عليه السلام مسافة الهوىٰ، قال الرجل: وما مسافة الهوىٰ؟ قال عليه السلام :دوران الفلك، قال الرجل: وما دوران الفلك ؟ قال علىّ عليه السلام: مسيرة يوم للشمس، قال: صدقت، فمتی القيامة؟ قال علي عليه السلام :عند حضور المنية وبلوغ الأجل.

قال الرجل: صدقت، فكم عمر الدنيا؟ قال عليّ عليه السلام: يقال سبعة (2)ثمّ لا تحديد، قال الرجل: صدقت، فأين بكّة من مكّة ؟ قال عليه السلام: مكة أكناف الحرم وبكّة موضع البيت، قال الرجل: صدقت، فلم سميّت مكة؟ قال عليه السلام: لأنّ الله عز وجل مدّ الأرض من تحتها، قال صدقت، فلم سميت بكة؟ قال علي عليه السلام :لأنّها بكت رقاب الجبارين وعنوق المذنبين.

قال: صدقت، فأين كان الله قبل أن يخلق عرشه ؟ قال عليه السلام: سبحان من[ لا تدركه الأبصار و ](3)لا تدرك كنه صفته حملة العرش على قرب ربواتهم من كرسي كرامته، ولا الملائكة [المقربون من أنوار ] (4)سبحات جلاله، ويحك لا يقال: الله أين، ولا فيم، ولا أي، ولا كيف.


1) في «ب» و «ج»: فإنّ العجلة والبطش والطيش.

2) في البحار سبعة آلاف.

3) أثبتناه من «ج».

4) أثبتناه من البحار، وفي «ج»: من زاخر رشحات جلاله.

قال الرجل: صدقت، فكم مقدار ما لبث عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض والسماء ؟ قال عليه السلام :أتحسن تحسب؟ قال الرجل: نعم، قال للرجل: لعلّك لا تحسن أن تحسب، قال الرجل: بلى إني لأحسن أن أحسب، قال عليه السلام: أرأيت إن صبّ خردل في الأرض حتّى سد الهواء وما بين الأرض والسماء، ثمّ أذن لك على ضعفك بنقله حبّة حبّة من مقدار المشرق إلى المغرب، ومُدّ في عمرك، وأعطيت القوّة على ذلك حتى نقلته وأحصيته، لكان ذلك أيسر من احصاء عدد أعوام ما لبث عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض والسماء، وإنما وصفت ذلك منتقص عشر عشر العشير من جزء، من مائة ألف جزء، وأستغفر الله من التقليل والتحديد.

قال: فحرّك الرجل رأسه وأنشد يقول:

أنت أصل العلم يا ذا الهدىٰ (1)***تجلو من الشكّ الغياهبا

حزت أقاصي علوماً (2)فما*** تبصر أن غولبت مغلوبا

تقوم إن قمت مقالاته*** حولاً يعانيه وقلوبا

لا تنثني عن كلّ أُشكولة ***تبدي إذا حلت أعاجيبا

لله درّ العلم من صاحب***يطلب انساناً ومطلوباً(3)

عن النبي صلى الله عليه وآله قال: انّ حلقة باب الجنّة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فإذا دقت الحلقة على الصفيحة طنّت وقالت: يا علي (4).

وعن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعلي بن أبي طالب ،وعلّي بن أبي طالب أفضل لكم من كتاب الله،


1) في «ب»: أنت أهل العلم يا هادي الهدى. في «ب»: أنت أهل العلم يا هادي الهدى.

2) في «ج»: كلّ علم.

3) عنه البحار 126:10 ح6.

4) أمالي الصدوق : 471 ح 13 مجلس 86؛ عنه البحار 39: 235 18.

لأنّه يترجم لكم كتاب الله (1).

[خبر خالد بن الوليد والطوق]

عن جابر بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن العباس قالا: كنّا جلوساً عند أبي بكر في ولايته وقد أضحى النهار وإذا بخالد بن الوليد المخزومي قد وافيٰ في جيش قام غباره، وكثر صواهل خيله، وإذا بقطب رحىٰ ملوي في عنقه قد فتل فتلاً، فأقبل حتى نزل عن فرسه بازاء أبي بكر ، فرمقه الناس بأعينهم وهالهم منظره.

ثمّ قال: أعدل يا ابن أبي قحافة حيث جعلك الناس في هذا الموضع الذي ليس له أنت بأهل، وما ارتفعت إلى هذا المكان إلّا كما يرتفع الطافي(2)من السمك على الماء، وإنّما يطفو ويعلو حين لا حراك به، ما لك ولسياسة الجيوش، وتقويم العساكر، وأنت بحيث أنت من لين (3)الحسب، ومنقوص النسب، وضعف القوى، وقلّة التحصيل، لا تحمى ذماراً، ولا تضرم ناراً، فلا جزى الله أخا ثقيف وولد صهاك خيراً.

إنّى رجعت منكفئاً (4)من الطائف إلى جدّة في طلب المرتدّين، فرأيت ابن أبي طالب ومعه رهط عتاة من الدين،حماليق شزرت أعينهم من حسدك (5)،وبدرت حنقاً عليك، وقرحت آماقهم لمكانك منهم، ابن ياسر ،والمقداد، وابن جنادة، وأخو غفار، وابن العوام، وغلامان أعرف أحدهما بوجهه، وغلام أسمر


1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : 32: مائة منقبة لابن شاذان : 140 ح 86 .

2) الطافي: الحوت الميت الذي يعلو الماء ولا يرسب فيه، يقال: طفى الشيء على الماء أي علاه.

3) في «ج»: أليم الحسب.

4) الانكفاء: الرجوع، وفي «ج»: متكفياً.

5) في «ج»: من الذين شزرت حماليق أعينهم.

لعلّه من ولد عقيل أخوه ، فتبيّن لي المنكر في وجوههم، والحسد في احمرار أعينهم، وقد توشّح علي بدرع رسول الله صلى الله عليه وآله، ولبس رداءه السحاب، ولقد أسرج له دابته العقاب، وقد نزل على عين ماء [اسمها روبة](1).

فلمّا رآني اشمأزّ وبربر (2)، وأطرق موحشاً يقبض على لحيته، فبادرته بالسلام استكفاء شرته واتقاء وحشته، واستغنمت سعة المناخ وسهولة المنزل، فنزلت ومن معي بحيث نزلوا اتقاء عن مراوغته، فبدأني ابن ياسر بقبيح لفظه ومحض عداوته، فقر عني هزواً بما تقدّمت به إليّ بسوء رأيك.

فالتفت إليّ الأصلع الرأس، وقد ازدحم الكلام في حلقه كهمهمة الأسد أو كقعقعة الرعد، فقال لي بغضب منه: أوكنت فاعلاً يا أبا سليمان؟ فقلت: والله لو أقام على رأيه لضربت الذي فيه عيناك، فأغضبه قولي إذ صدقته، وأخرجه إلى طبعه الذي أعرفه له عند الغضب فقال: يا ابن اللخناء! مثلك من يقدر على مثلي أن يجسر، أو يدير اسمي في لهواته التي لا عهد لها بكلمة حكمة؟ ويلك إنّي لست من قتلاك ولا قتلىٰ صاحبك (3)، وإنّي لأعرف بمنيّتي منك بنفسك.

ثمّ ضرب بيده إلى ترقوتي فنكسني عن فرسي، وجعل يسوقني دعّاً إلى رحى للحارث بن كلدة الثقفي، فعمد إلى القطب الغليظ فمّد عنق بكلتا يديه وأداره في عنقي ينفتل له كالعلك المسخن، وأصحابي هؤلاء وقوف ما أغنوا عنّى سطوته، ولا كفوا عنّى شرته، فلا جزاهم الله عنى خيراً، فإنّهم لما نظروا إليه كأنهم قد نظروا إلى ملك موتهم، فوالذي رفع السماء بلا عمادها لقد اجتمع على فك هذا القطب مائة رجل أو يزيدون من أشدّ العرب فما قدروا على فكّه. فدلّني عجز الناس عن فتحه نه سحر منه أو قوة ملك قد ركبت فيه، ففكه الآن عنى إن كنت فاكّه، وخذ لي بحقّی


1) أثبتناه من «ج».

2) البربرة الصوت وكلام في غضب

3) في «ج»: أصحابك.

إن كنت آخذاً، وإلا لحقت بدار عزّي ومستقر مكرمتي، قد ألبسني ابن أبي طالب من العار ما صرت به ضحكة لأهل الديار.

فالتفت أبو بكر إلى عمر وقال: ما ترىٰ إلى ما يخرج من هذا الرجل؟! كأن ولايتي والله ثقل على كاهله أو شجاً في صدره، فالتفت إليه عمر فقال: فيه والله دعابة لا تدعه حتى تورده فلا تصدره، وجهل وحسد قد استحكما في جلده (1)،فجرىٰ منه مجرى الدماء لا يدعانه حتّى يهينا منزله، ويورطاه ورطة الهلكة (2).

ثمّ قال أبو بكر لمن بحضرته: أدعوا قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري فليس لفكّ هذا القطب غيره، قال:[ وكان قيس سيّاف النبي] ((3)وكان قيس رجل طوله ثمانية عشر شبراً في عرض خمسة أشبار، وكان أشدّ الناس في زمانه بعد أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، فحضر قيس فقال له: يا قيس إنّك من شدّة البدن بحيث أنت، ففك هذا القطب عن عنق أخيك.

فقال قيس:ولم لا يفكّه خالد من عنقه ؟ قال : لا يقدر عليه، قال: فما لا يقدر عليه أبو سليمان - وهو نجم العسكر وسيفكم على أعدائكم فكيف أقدر عليه أنا؟! قال عمر: دعنا من هزئك وهزلك وخُذ فيما حضرت له، فقال: أحضرت لمسألة تسألونها [طوعاً] (4)أو كرهاً تجبروني عليه؟.

فقال له: إن كان طوعاً وإلّا فكرهاً، قال قيس: يا ابن الصهاك !خذل الله من يكرهه مثلك، إنّ بطنك لعظيمة، وإنّ كرشك لكبيرة، فلو فعلت أنت ذلك ما كان منك [عجب، قال: ] (5)فخجل عمر من قيس بن سعد وجعل ينكث أسنانه بالانملة،


1) في «ج»: في صدره.

2) قال العلامة المجلسي: وفي رواية أخرى ... فقال له [أي لعمر] أبو بكر: دعني عن تمردك وحديثك هذا، فوالله لو هم بقتلي وقتلك لقتلنا بشماله دون يمينه ....

3) أثبتناه من البحار.

4) أثبتناه من «ج».

5) أثبتناه من «ج».

فقال أبو بكر: دع عنك وما بداك به اقصد لما سئلت، فقال قيس: والله لو أقدر على

ذلك ما فعلت، فدونكم وحدّادين المدينة فإنهم أقدر على ذلك منّى.

فأتوا بجماعة من الحدّادين فقالوا: لا ينفتح حتّى نحميه بالنار، فالتفت أبو بكر إلى قيس مغضباً فقال: والله ما بك من ضعف عن فكّه ولكنّك لا تفعل فعلاً (1)يعيب عليك فيه إمامك وحبيبك أبو الحسن، وليس هذا بأعجب من انّ أباك رام الخلافة ليبتغى الإسلام عوجاً، فحصد الله شوكته، وأذهب نخوته، وأعزّ الإسلام بوليه، وأقام دينه بأهل طاعته، وأنت الآن في حال كيد وشقاق.

قال: فاستشاط قيس غضباً وامتلأ غيظاً ، فقال : يا ابن أبي قحافة انّ لك عندي جواباً حمياً بلسان طلق وقلب جري، ولولا البيعة[ التي في عنقي لسمعته منّى] (2)، والله لئن بايعتك يدي لم يبايعك قلبي ولا لساني، ولا حجة في عليّ بعد يوم الغدير، ولا كانت بيعتي لك إلّا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً، أقول قولي هذا غير هائبك ولا خائف من معرتك، ولو سمعت هذا القول منك بداء لما فتح لك منّى صلاحاً.

إن كان أبي رام الخلافة فحقيق من يرومها بعد من ذكرته، لأنه رجل لا يقعقع بالسنان(3)، ولا يغمز جانبه كغمز التينة (4)، خضم صنديد، سمك منيف (5)، وعز باذخ (6)أشوس (7)، فقام بخلافك والله أيها النعجة العرجاء والديك النافش، لا عزّ صميم، ولا حسب كريم، وأيم الله لئن عاودتني في أبي لألجمنّك بلجام من القول يمج


1) في «ج»: لئلا .

2) أثبتناه من «ج».

3) في «ب»: باللسان، وفي البحار بالشنان

4) غمز التين كناية عن سرعة الانقياد ولين الجانب

5) سمك البيت سقفه، والمنيف: المشرف المرتفع.

6) الباذخ العالي.

7) الشوس - بالتحريك : النظر بمؤخر العين تكبراً وتغيظاً، والرجل أشوس

فوك منه دماً، فدعنا نخوض في عمايتك، ونتردّى في غوايتك على معرفة منا بترك الحقّ واتّباع الباطل.

أمّا قولك انّ علياً إمامى فوالله ما أنكر إمامته، ولا أعدل عن ولايته، وكيف أنقض وقد أعطيت الله عهداً بإمامته وولايته يسألني عنه، فأنا إن ألقى الله بنقض بيعتك أحبّ إليَّ من نقض عهده وعهد رسوله وعهد وصيّه وخليله، وما أنت إلا أمير قومك، إن شاؤوا تركوك وإن شاؤوا عزلوك.

فتب إلى الله ممّا اجترمته، وتنصل (1)إليه ممّا ارتكبته، وسلّم الأمر إلى من هو أولىٰ منك بنفسك، فقد ركبت عظيماً بولايتك دونه، وجلوسك في موضعه، وتسميتك باسمه، وكأنك بالقليل من دنياك وقد انقشع عنك كما ينقشع السحاب، ويعلم أيّ الفريقين شرّ مكاناً وأضعف جنداً.

وأمّا تعييرك إياي بأنه مولاي فهو والله مولاي ،ومولاك ومولى المسلمين أجمعين، آه آه أنّىٰ لي بثبات قدمه، وتمكن وطأته حتّى ألفظك لفظ المنجنيق الحجرة، ولعلّ ذلك يكون قريباً ونكتفى بالعيان عن الخبر، ثمّ قام ونفض ثوبه ومضىٰ، فندم أبو بكر عمّا أسرع إليه من القول إلى قيس، وجعل خالد يدور في المدينة والقطب في عنقه أيّاماً.

ثمّ أتىٰ آتٍ إلى أبي بكر فقال له : قد وافىٰ عليّ بن أبي طالب الساعة من سفره، وقد عرق جبينه واحمرّ وجهه، فأنفذ إليه أبو بكر الأقرع بن سراقة الباهلي والأشوس بن الأشجع الثقفى يسألانه المضى إلى أبي بكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، فأتياه فقالا: يا أبا الحسن إن أبا بكر يدعوك لأمر قد أحزنه، وهو يسألك أن تصير إليه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، فلم يجبهما.

فقالا: يا أبا الحسن ما ترد علينا فيا جئناك به، فقال: بئس والله الأدب


1) في «ب»: تبتل.

أدبكم، أوليس يجب على القادم أن يصير إلى الناس في حوائجهم (1)إلّا بعد دخوله في منزله؟! فإن كان لكم حاجة فأطلعاني عليها في منزلي حتّى أقضيها إن كانت ممكنة إن شاء الله تعالى.

فصارا إلى أبي بكر فأعلماه بذلك، فقال أبو بكر: قوموا بنا إليه، فمضى الجمع بأسره إلى منزله، فوجدوا الحسين عليه السلام قائماً على الباب يقلب سيفاً ليبتاعه، فقال له أبو بكر: يا أبا عبد الله إن رأيت أن تستأذن لنا على أبيك، فقال: نعم، فاستأذن للجماعة فدخلوا ومعهم خالد بن الوليد، فبدأ به الجمع بالسلام فردّ مثل ذلك، فلمّا نظر إلى خالد قال: نعمت صباحاً يا أبا سليمان، نعم القلادة قلادتك.

فقال: والله يا عليّ لا نجوت منى إن ساعدني الأجل، فقال له عليّ عليه السلام: أفّ لك يا ابن دميمة، إنّك ومَنْ فلق الحبة وبرئ النسمة عندي لأهون [شيء ] (2)، وما روحك في يدي لو أشاء إلّا كذبابة وقعت في إدام حار فطفقت منه، فاغن عن نفسك غناها ودعنا [بحالنا ](3)حكماء، وإلّا ألحقتك بمن أنت أحقّ بالقتل منه، ودع عنك يا أبا سليمان ما مضىٰ وخُذ فيما بق، فوالله ما تجرعت من جرار المختمة إلّا علقمها، والله لقد رأيت منيتي ومنيتك وروحي وروحك، وروحي في الجنة وروحك في النار.

قال: وحجز الجمع بينهما وسألوه قطع الكلام، فقال أبو بكر لعلىّ عليه السلام: إنّا ما جئناك لما تناقض منه أبا سليمان وإنّما حضرنا لغيره، وأنت لم تزل يا أبا الحسن مقيماً على خلافي والاجتراء (4)على أصحابي، فقد تركناك فاتركنا ولا تردنا فيردك منّا ما يوحشك ويزيدك نبوة على نبوتك (5).


1) في «ب»: في اجابتهم.

2) أثبتناه من «ج».

3) أثبتناه من البحار.

4) في «ج»: الافتراء.

5) في البحار تنويماً إلى تنويمك.

فقال عليّ عليه السلام: لقد أو حشني الله منك ومن جمعك ، و آنس(1)بي كلّ مستوحش، وأمّا ابن الوليد الخاسر فإنّي أقصّ عليك نبأه، إنّه لمّاٰ رأى تكاثف جنوده وكثرة جمعه زها في نفسه، فأراد الوضع منّى في موضع رفع ومحفل ذي جمع ليصول بذلك عند أهل الجمع، فوضعت منه عندما خطر بباله وهم ّبه، وهو عارف بي حقّ معرفته وما كان الله ليرضىٰ بفعله.

فقال له أبو بكر: فنضيف هذا إلى تقاعدك عن نصرة الإسلام، وقلّة رغبتك في الجهاد، فبهذا أمرك الله ورسوله، أم عن نفسك تفعل هذا؟

فقال له علي عليه السلام: يا أبا بكر وعلى مثلي يتفقّه الجاهلون؟ انّ رسول الله صلى الله عليه وآله أمركم ببيعتي، وفرض عليكم طاعتي، وجعلني فيكم كبيت الله الحرام يؤتىٰ ولا يأتي، فقال: يا عليّ ستغدر بك أمّتي من بعدي كما غدرت الأمم بعد مضّي الأنبياء بأوصيائها إلّا قليل، وسيكون لك ولهم بعدي هناة وهناة فاصبر ،أنت كبيت الله من دخله كان آمناً ومن رغب عنه كان كافراً، قال الله عز وجل:( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ) (2)، وانّي وأنت سواء إلّا النبوّة، فإنّي خاتم النبيين وأنت خاتم الوصيين.

وأعلمني عن ربّي سبحانه بأنّى لست أسلّ سيفاً إلا في ثلاث مواطن بعد وفاته، فقال: تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ولن يقرب أوان ذلك بعد، فقلت: فما أفعل يا رسول الله بمن ينكث بيعتي منهم ويجحد حقّی؟ قال: تصبر(3)حتّى تلقاني وتستسلم لمحنتك حتّى تلق ناصراً عليهم.

فقلت: أفتخاف علي منهم أن يقتلوني ؟ فقال: تالله لا أخاف عليك منهم قتلاً ولا جراحاً، وانّى عارف بمنيتك وسببها وقد أعلمني ربّي، ولكنّي خشيت أن تفنيهم


1) البقرة : 125

2) في «ب»: فاصبر.

3) في «ب»: فاصبر.

بسيفك فيبطل الدين وهو حديث فيرتدّ القوم عن التوحيد، ولولا انّ ذلك كذلك -وقد سبق ما هو كائن- لكان لي فيما أنت فيه شأن من الشأن، [ولرويت ](1)أسيافاً قد ظمئت إلى شيء (2)من الدماء، وعند قراءتك صحيفتك تعرف نبأ ما احتملت من وزر (3)، ونعم الخصم محمد، والحكم الله.

فقال أبو بكر: يا أبا الحسن إنا لم نرد هذا كلّه ونحن نأمرك أن تفتح (4)الآن عن عنق خالد هذا الحديد، فقد آلمه بثقله وأثر في حلقه بحمله، ولقد شفيت غليل صدرك.

فقال علي عليه السلام: لو أردت أن أشفي غليل صدري لكان السيف أشقّی للداء (5)وأقرب للفناء، ولو قتلته والله ما [قدرته ] (6)برجل ممّن قتلتهم يوم فتح مكة وفي كرّته هذه، وما يخالجني الشك في انّ خالداً ما احتوىٰ قلبه من الايمان على قدر جناح بعوضة، امّا الحديد الذي في عنقه فلعلّى لا أقدر على فكه، فيفكّه خالد عن نفسه أو فكوه عنه، فأنتم أولىٰ به إن كان ما تدّعونه صحيحاً.

فقام إليه بريدة الأسلمي وعامر بن الأشجع فقالا: يا أبا الحسن والله لا يفكّه من عنقه إلّا من حمل باب خیبر بفردید و دحا به وراء ظهره، وحمله فجعله جسراً تعبر الناس عليه وهو فوق زنده (7)، وقام إليه عمار بن ياسر فخاطبه أيضاً فيمن خاطبه، فلم يجب أحداً إلى أن قال له أبو بكر: سألتك بالله وبحقّ أخيك المصطف رسول الله إلّا ما رحمت خالداً وفككته من عنقه.


1) أثبتناه من البحار، وفي «ج»: لرأيت.

2) في البحار و «ج»: إلى شرب الدماء.

3) في «ب»: وزري.

4) في «ج»: أن تفك

5) فى «ب» للمرء.

6) أثبتناه من «ب» وفي النسخ: قدته.

7) في «ج»: يده.

فلمّا سأله بذلك استحيىٰ - وكان عليّ عليه السلام كثير الحياء - فجذب خالداً إليه وجعل يحذف (1)من الطوق قطعة قطعة، ويفتلها في يده فتفتل كالشمع، ثمّ ضرب بالأولىٰ رأس خالد ثمّ الثانية فقال: آه يا أمير المؤمنين، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: قلتها على كره منك ولو لم تقلها لأخرجت الثالثة من أسفلك.

ولم يزل يقطع الحديد جميعه إلى أن أزاله من عنقه، وجعل الجماعة يكبرّون لذلك ويهلّلون ويتعجبون من القوّة التي أعطاها الله سبحانه أمير المؤمنين عليه السلام، وانصرفوا شاكرين [الذلك](2).

[إخبر الأشجع بن مزاحم الثقفي - لقاه الله غب عمله ]

بحذف الاسناد مرفوعاً إلى جابر الجعفي قال: قلّد أبو بكر الصدقات بقرى المدينة وضياع فدك رجلاً من ثقيف يقال له: الأشجع بن مزاحم الثقفي وكان شجاعاً، وكان له أخ قتله علي بن أبي طالب عليه السلام في وقعة هوازن وثقيف، فلمّا خرج الرجل عن المدينة جعل أوّل قصده ضيعة من ضياع أهل البيت تُعرف ب- «بانقیا» (3).


1) في «ج»: يجذب.

2) أثبتناه من .(ج)». عنه البحار 29 : 161 37؛ وقطعة منه في مناقب ابن شهر آشوب 2 : 290 وقال العلامة المجلسي رحمه الله وفي الرواية الأخرى زيادة وهي هذه فانصرفت الجماعة شاكرين له وهم متعجبون من ذلك، فقال أبو بكر: لا تعجبوا من أبي الحسن والله لقد كنت بجنب رسول الله صلّى الله عليه وآله يوم قلع علي باب خیبر، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله قد ضحك حتى بدت ثناياه، ثم بكى حتى اخضلّت لحيته، فقلت: يا رسول الله أضحك وبكاء في ساعة واحدة؟ قال: نعم، أما ضحكي ففرحت بقلع عليّ باب خيبر، وأما بكائي فلعلي عليه السلام، فإنّه ما قلعه إلا وهو صائم منذ ثلاثة أيام على الماء القراح، ولو كان فاطراً على طعام لدحابه من وراء السور.

3) بانقيا: رستاق على أميال من المدينة، وهناك ناحية من نواحي الكوفة تسمّى بهذا الاسم أيضاً، كما ذكر ذلك في معجم البلدان 1: 331

فجاء بغتة واحتوىٰ عليها وعلى صدقات كانت لعليّ عليه السلام ،فوكّل بها وتغطرس (1)على أهلها، وكان الرجل زنديقاً منافقاً، فابتدر أهل القرية إلى أمير المؤمنين عليه السلام برسول يعلمونه ما فرط من الرجل. فدعا علىّ عليه السلام بدابة له تسمّى السابح - وكان أهداه إليه ابن عمّ لسيف بن ذي يزن - وتعمّم بعمامة سوداء، وتقلّد بسيفين، واجنب إلى دابته المرتجز، وأصحب معه الحسين عليه السلام ،وعمّار بن ياسر، والفضل بن العباس، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن العباس حتى وافى القرية، فأنزله عظيم القرية في مسجد يُعرف بمسجد القضاء، ثمّ وجّه أمير المؤمنين عليه السلام بالحسين عليه السلام يسأله المصير (2)إليه.

فصار إليه الحسين عليه السلام فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: ومن أمير المؤمنين؟ فقال: علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: أمير المؤمنين أبو بكر خلفته بالمدينة، فقال له الحسين:فأجب عليّ بن أبي طالب، فقال: أنا سلطان وهو من العوام والحاجة له، فليصير هو إليّ.

قال له الحسين: ويلك أيكون مثل والدي من العوام ومثلك يكون سلطان، فقال: أجل لأنّ والدك لم يدخل في بيعة أبي بكر الّأكرهاً، وبايعناه طائعين وكنا له غير كارهين ،فشتان بيننا وبينه.

فصار(3)الحسين عليه السلام فأعلمه ما كان من قول الرجل، فالتفت إلى عمّار فقال: يا أبا اليقظان صِر إليه وألطف له في القول واسأله أن يصير إلينا، فإنّه لا يجب لوصيّ من الأوصياء أن يصير إلى أهل الضلالة، فنحن مثل بيت الله يؤتىٰ ولا يأتي.

فصار إليه عمّار وقال: مرحباً يا أخا ثقيف، ما الذي أقدمك على مثل أمير


1) الغِطريس: الظالم المتكبر .

2) في «(ج)» المسير.

3) في «ب»: فسار.

المؤمنين في حيازته، وحملك على الدخول في مساءته، فصر إليه وأفصح عن حجّتك، فانتهر عمار وأفحش له في الكلام، وكان عمّار شديد الغضب، فوضع حمائل سيفه في عنقه فمدّ يده إلى السيف، فقيل لأمير المؤمنين عليه السلام: الحق عمّاراً فالساعة يقطّعوه.

فوجّه أمير المؤمنين بالجميع وقال لهم: لا تهابوه وصيروا به إليّ، وكان مع الرجل ثلاثون فارساً من جياد قومه (1)، فقالوا له: ويلك هذا عليّ بن أبي طالب قتلك والله وقتل أصحابك عنده دون النطفة (2)، فسكت القوم جزعاً (3)من أمير المؤمنين، فَسُحِبَ الأشجع إلى أمير المؤمنين على حرّ وجهه سحباً.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: دعوه ولا تعجلوه، فإنّ العجلة والطيش لا يقوم بها حجج الله وبراهينه ،ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السلام: ويلك بما استحللت أخذ أموال أهل البيت، وما حجتك في ذلك؟ فقال لأمير المؤمنين: وأنت فيما استحللت قتل هذا الخلق في كلّ حق وباطل، وانّ مرضاة صاحبي لهي أحبّ إليّ من اتبّاع موافقتك.

فقال عليّ عليه السلام :أيهاً عليك، ما أعرف من نفسي إليك ذنباً إلّا قتل أخيك يوم هوازن، وليس بمثل هذا الفعل تطلب الثارات، فقبّحك الله وترحك، فقال له الأشجع: بل قبّحك الله وبتر عمرك - أو قال: ترحك - فإنّ حسدك الخلفاء لا يزال بك حتّى يوردك موارد الهلكة والمعاطب، وبغيك عليهم يقصر بك عن مرادك.

فغضب الفضل بن العباس من قوله ،ثم تمطى عليه بسيفه فحمل عنقه (4)


1) في «ج»: رجلاً من خيار قومه.

2) في «ج»: دون النقطة.

3) في «ج»: خوفاً.

4) في «ب»: فجز عنقه.

ورماه عن جسده بساعده اليمنىٰ، فاجتمع أصحابه على الفضل فسلّ أمير المؤمنين عليه السلام سيفه ذو الفقار ، فلمّا نظر القوم إلى بريق عيني أمير المؤمنين عليه السلام ولمعان ذي الفقار في كفّه ((1)رموا سلاحهم وقالوا: الطاعة الطاعة.

فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: أفّ لكم انصرفوا برأس صاحبكم هذا الأصغر إلى صاحبكم الأكبر، فما بمثل قتلكم يطلب الثار، ولا تنقضي الأوتار، فانصرفوا ومعهم رأس صاحبهم حتّى ألقوه بين يدي أبي بكر، فجمع المهاجرين والأنصار وقال: يا معاشر الناس انّ أخاكم الثقفي أطاع الله ورسوله وأولي الأمر منكم، فقلّدته صدقات المدينة وما يليها، فغافصه (2)ابن أبي طالب فقتله أخبث (3)قتلة، ومثّل به أخبث (4)مثلة، وقد خرج في نفر من أصحابه إلى قرى الحجاز، فليخرج إليه من شجعانكم وليردوه عن سنته، واستعدوا له من رباط الخيل والسلاح وما يتهيّأ لكم، وهو من تعرفونه الداء الذي لا دواء له، والفارس الذي لا نظير له.

قال: فسكت القوم مليّاً كأنّ الطير على رؤوسهم، فقال: أخرس أنتم أم ذو ألسن ؟! فالتفت إليه رجل من الأعراب يقال له: الحجاج بن السخر (5)فقال له: إن سرت إليه سرنا معك، فأمّا لو سار إليه جيشك هذا لينحر نّهم عن آخرهم كنحر البدن، ثمّ قام آخر فقال: أتعلم إلى من توجّهنا إليه، إنّك توجهنا إلى الجزّار الأعظم الذي يختطف الأرواح بسيفه خطفاً، والله إنّ لقاء ملك الموت أسهل (6)علينا من لقاء عليّ بن أبي طالب.


1) في «ج»: في يده.

2) في «ج»: فاعترضه.

3) في «ج»: أشنع.

4) في «ج»: أعظم.

5) في البحار الصخر.

6) في «ج»: أهون.

فقال ابن أبي قحافة: لا جزيتم قوم عن إمامكم خيراً، إذا ذكر لكم عليّ بن أبي طالب دارت أعينكم في وجوهكم وأخذتكم سكرة الموت، أهكذا يقال لمثلى ؟! قال :فالتفت إليه عمر بن الخطاب فقال: ليس له إلّا خالد بن الوليد، فالتفت إليه أبو بكر فقال: يا أبا سليمان أنت اليوم [سيف] (1)من سيوف الله وركن من أركانه، وحتف الله على أعدائه، وقد شق عليّ بن أبي طالب عصى هذه الأمّة ،وخرج في نفر من أصحابه على ضياع الحجاز، وقد قتل من شيعتنا ليثاً[صؤولا] (2)وكهفاً منيعاً، فصر إليه في كثيف من قومك وسله أن يدخل الحضرة فقد عفونا عنه، وإن نابذك الحرب فجئنا به أسيراً.

فخرج خالد في خمسمائة فارس من أبطال قومه قد أشحنوا سلاحاً (3)حتّى قدموا على أمير المؤمنين عليه السلام، قال :فنظر الفضل بن العباس إلى غبرة الخيل من البعد فقال: يا أمير المؤمنين قد وجّه إليك ابن أبي قحافة بقسطل (4)يدّقون الأرض بحوافر الخيل دقّاً، فقال: يا ابن العباس هوّن عليك، فلو كانوا صنادید قریش و قبائل حنين وفرسان هوازن لما استوحشت إلّا من ضلالتهم.

ثمّ قام أمير المؤمنين عليه السلام فشدّ محزم الدابة، ثمّ استلقیٰ نائماً على قفاه- تهاوناً بخالد - حتّى وافاه، فانتبه لصهيل الخيل فقال: يا أبا سليمان ما الذي أعدل (5)بك إليّ؟ فقال: أعدل(6)بي إليك ما أنت أعلم به منّي، فقال: فأسمعنا الآن ،فقال: يا أبا الحسن أنت فهم غير مفهم، وعالم غير معلم، فما هذه اللوثة (7)التي قد


1) أثبتناه من «ج».

2) أثبتناه من «ج».

3) في «ج»: أثقلوا بالسلاح

4) القسطل: الغبار. وهو كناية عن الجم الغفير.

5) في «ج»: أتى.

6) في «ج»: أتنى.

7) اللوثة - بالضم - : الاسترخاء والبطء، ومس الجنون.

بدرت منك، والنبوة (1)التي قد ظهرت فيك؟!

إن كنت كرهت هذا الرجل فليس يكرهك ، ولا تكوننّ ولايته ثقلاً على كاهلك ولا شجاً في حلقك، فليس بعد الهجرة بينك وبينه خلاف، ودع الناس وما تولّوه، وضلّ من ضلّ وهدي من هدي، ولا تفرّق بين كلمة مجتمعة، ولا تضرم النار بعد خمودها، فإنّك إن فعلت ذلك وجدت غبّه غير محمود.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: تهدّدني يا خالد بنفسك وبابن أبي قحافة؟! فما بمثلك ومثله تهديد، فدع عنك ترهاتك التي أعرفها منك، واقصد نحو ما وجّهت (2)له، قال: فإنّه قد تقدّم إلى إن رجعت عن سنتك كنت مخصوصاً بالكرامة والحبور، وإن أقمت على ما أنت عليه من خلاف (3)الحقّ حملتك إليه أسيراً.

فقال له عليّ عليه السلام: يا ابن اللخناء وأنت تعرف الحقّ من الباطل؟! ومثلك يحمل مثلي أسيراً؟! يا ابن الرادة عن الإسلام أتحسبني ويلك مالك بن نويرة حيث قتلته ونكحت امرأته، يا خالد جئتني برقة عقلك، وتغاير نحيرتك، واكفهرار وجهك، وتشمخ أنفك والله لئن تمطيت بسيفي هذا عليك وعلى أوغادك لا شبعنّ من لحومكم عرج (4)الضباع، وطلس الذئاب، لست ويلك ممّن تقتلني أنت ولا صاحبك، وإنّي لأعرف قاتلي وأطلب منيّتي صباحاً ومساءً، وما مثلك يحمل مثلي أسيراً، ولو أردت ذلك لقتلتك في فناء هذاالمسجد.

فغضب خالد وقال: توعد وعيد (5)الأسد و تروغ روغان الثعالب، ما أعداك في المقال، وما مثلك إلّا من اتبع قوله بفعله، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا كان


1) النبوة: الرفعة.

2) في «ج»: وجهك له.

3) في «ج»: مخالفة

4) في في «ب»: جوع

5) في «ب»: ترعد رعيد.

هذا قولك فشأنك، وسلّ أمير المؤمنين على خالد ذا الفقار وحقّق عليه.

فلمّا نظر خالد إلى بريق عيني أمير المؤمنين عليه السلام وبريق (1)ذي الفقار في يده، وتصمّمه عليه نظر إلى الموت عياناً، فاستحقّها (2)خالد وقال: يا أبا الحسن لم نرد هذا، فضربه أمير المؤمنين عليه السلام بقفاء رأس ذي الفقار على ظهره فنكسه عن دابته، ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام ليردّ يده إذا بدت به(3)لئلا يُنسب إلى الجبن.

فلحق أصحاب خالد من فعل أمير المؤمنين عليه السلام هولاً عجباً وخوفاً عنيفاً (4)، ثمّ قال: ما لكم لا تكافحون عن سيّدكم، والله لو كان أمركم إلىّ لتركت رؤوسكم، وهو أخفّ على يدي من جني الهبيد (5)على أيدي العبيد، وعلى هذا السبيل تقضمون مال الفيء؟ أفّ لكم.

فقام إليه رجل من القوم يقال له المثنّى بن الصباح(6)، وكان عاقلاً فقال: والله ما جئناك لعداوة بيننا وبينك ،ولا عن غير معرفة بك، وإنّا لنعرفك كبيراً وصغيراً، وأنت أسد الله في أرضه ،وسيف نقمته على أعدائه، وما مثلنا من جهل مثلك ونحن اتباع مأمورون، وجند موازرون، وأطواع غير مخالفين، فتبّاً لمن وجّه بنا إليك، أما كان له معرفة بيوم بدر واحد وحنين؟!.

فاستحىٰ أمير المؤمنين عليه السلام من قول الرجل وترك الجميع، وجعل أمير المؤمنين عليه السلام يمازح خالداً لما به من ألم الضربة(7)وهو ساكت، فقال له


1) في «ج»: لمعان.

2) في ((ج)»: فاستخفى

3) في «ج»: إذا رفعها

4) في «ج»: هول عجيب ورعب عنيف.

5) الهبيد: الحنظل أو حبه.

6) في البحار الصياح.

7) في «ج»: الذي كان ساكتاً لا ينطق بكلمة من ألم الضربة، قائلاً له.

أمير المؤمنين عليه السلام: ويلك يا خالد ما أطوعك للخائنين الناكثين، أما كان لك بيوم الغدير مقنع إذ بدر إليك صاحبك في المسجد حتّى كان منك ما كان، فوالذي فلق الحبّة وبرئ النسمة لو كان ما رمته أنت وصاحبك (1)ابن أبي قحافة وابن الصهاك شيء لكانا هما أوّل مقتولين بسيفي هذا وأنت معها، ويفعل الله ما يشاء.

ولا يزال يحملك على افساد حالتك عندي، فقد تركت الحق على معرفة وجئتني تجوب مفاوز البسابس (2)لتحملني إلى ابن أبي قحافة أسيراً بعد معرفتك انّي قاتل عمرو بن عبدود ومرحب، وقالع باب خيبر، وانّي لمستحي منكم ومن قلّة عقولكم.

أو تزعم أنّه قد خفى علىّ ما تقدّم به إليك صاحبك حين أخرجك إليّ وأنت تذكره ماكان منّى إلى عمرو بن معدي كرب وإلى أصيد (3)بن سلمة المخزومي، فقال لك ابن أبي قحافة: لا تزال تذكر له ذلك، وإنّما كان ذلك من دعاء النبي صلى الله عليه وآله وقد ذهب ذلك كلّه وهو الآن أقل من ذلك، أليس كذلك يا خالد؟!.

فلولا ما تقدّم به إلىّ رسول الله صلى الله عليه وآله لكان منّى إليهما وهما أعلم به منك، يا خالد أين كان ابن أبي قحافة وأنت تخوض معي المنايا في لحج الموت خوضاً، وقومك بادون في الانصراف كالنعجة القوداء والديك النافش، فاتّق الله يا خالد ولا تكن للخائنين رفيقاً (4)ولا للظالمين ظهيراً.

فقال خالد: يا أبا الحسن إنّى أعرف ما تقول، وما عدلت العرب والجماهير عنك إلّا طلب ذحول أيّامهم (5)قديماً وتنكل رؤوسهم قريباً، فراغت عنك


1) في «ج»: صاحباك.

2) البسبس القفر الخالي

3) فى البحار أسيد.

4) في البحار خصمياً.

5) في «ج» والبحار آبائهم.

كروغان الثعلب فيما بين الفجاج والدكادك (1)، وصعوبة اخراج ملك من يدك ،وهرباً من سيفك، وما دعاهم إلى بيعة أبي بكر إلا استلانة جانبه، ولين عريكته، وأمن جانبه، وأخذهم الأموال فوق استحقاقهم، وأقلّ ما تره اليوم (2)يميل إلى الحق، وأنت قد بعت الدنيا بالآخرة، ولو اجتمعت أخلاقهم إلى أخلاقك لما خالفك خالد.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: والله ما أوتى خالداً إلّا من قبل (3)هذا الخؤون الظلوم المفتن ابن الصهاك، فإنّه لا يزال يؤلّب على القبائل ويفزعهم منّى ويؤيسهم (4)من عطاياهم، ويذكرهم ما أنساهم الدهر، وسيعلم غب أمره إذا فاضت نفسه

فقال خالد: يا أبا الحسن بحقّ أخيك لما قطعت هذا من نفسك، وصرت إلى منزلك مكرماً إذا كان القوم رضوا بالكفاف منك ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام :لا جزاهم الله عن أنفسهم ولا عن المسلمين خيراً.

قال: ثمّ دعا بدابته فاتبعه أصحابه وخالد يحدّثه ويضاحكه حتّى دخل المدينة، فبادر خالد إلى أبي بكر فحدّثه بما كان منه، فصار أمير المؤمنين عليه السلام إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله ثمّ صار إلى الروضة فصلّىٰ أربع ركعات فدعا وقام يريد الانصراف إلى منزله، وكان أبو بكر جالساً في المسجد والعباس جالساً إلى جنبه.

فأقبل أبو بكر على العباس فقال: يا أبا الفضل أدع لي ابن أخيك علياً لأعاتبه على ما كان منه إلى الأشجع، فقال له العباس: أوليس قد تقدّم إليك


1) الدكادك: الأراضي التي فيها غلظ

2) في «ج»: ولقل اليوم من يميل.

3) في «ب» جهة.

4) في «ج»: يواسيهم.

صاحبك خالد بترك معاتبته، وإنّي أخاف عليك منه إن عاتبته ألّا تنتصر منه، فقال أبو بكر: انّى اراك يا أبا الفضل تخوّفني منه دعني وإيّاه، فاما ما كلّمني خالد بترك معاتبته فقد رأيته يكلّمنى بكلام خلاف الذي خرج به إليه، ولا أشك إلا أنه قد كان منه إليه شيء أفزعه.

فقال له العباس: أنت وذاك يا ابن أبي قحافة، فدعاه العباس فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فجلس إلى جنب العباس، فقال له العباس: انّ أبا بكر استبطاك وهو يريد أن يسألك بما جرىٰ، فقال: يا عم لو دعاني لما أتيته، فقال له أبوبكر: يا أبا الحسن ما أرضىٰ لمثلك هذا الفعال، قال: وأيّ فعل؟ قال: قتلك مسلماً بغير حق، فما تملّ من القتل قد جعلته شعارك ودثارك.

فالتفت إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أمّا عتابك عليّ في قتل مسلم فمعاذ الله أن أقتل مسلماً بغير حق لأن من وجب عليه القتل رفع عنه اسم الإسلام ،وأمّا قتلي الأشجع فإن كان اسلامك كاسلامه فقد فزت فوزاً عظيماً، أقول وما عذري إلا من الله، وما قتلته إلّا عن بيّنة من ربّي، وما أنت أعلم بالحلال والحرام منّى، وما كان الرجل إلّا زنديقاً منافقاً وان لفي منزله صنماً من رخام يتمسح به ثم يصير إليك، وما كان من عدل الله أن يؤاخذ بقتل عبدة الأوثان والزنادقة.

وافتتح أمير المؤمنين عليه السلام الكلام، فحجز بينها المغيرة بن شعبة وعمار بن ياسر، وأقسموا على عليّ فسكت وعلى أبي بكر فأمسك، ثمّ أقبل أبو بكر على الفضل بن العباس وقال: لو قيدتك بالأشجع لما فعلت مثلها، ثمّ قال: كيف أقيّدك بمثله وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وغاسله.

فالتفت إليه العباس فقال: دعونا ونحن حكماء، بلغ من شأنك انك تتعرّض لولدي وابن أخي، وأنت ابن أبي قحافة بن مرّة، ونحن بنو عبد المطلب بن هاشم أهل بيت النبوة وأولوا الخلافة، تسمّيتم بأسمائنا، ووثبتم علينا في سلطاننا، وقطعتم

أرحامنا، ومنعتم ميراثنا، ثمّ أنتم تزعمون أن لا ارث لنا وأنتم أحق وأولىٰ بهذا الأمر منّا، فبعداً وسُحقاً لكم أنّىٰ تؤفكون.

ثمّ انصرف القوم وأخذ العباس بيد عليّ وجعل علي عليه السلام يقول: أقسمت عليك يا عمّ لا تتكلّم، وإن تكلّمت لا تتكلّم إلا بما يسرّه، وليس لهم عندي إلّا الصبر كما أمرني نبيّ الله صلى الله عليه و آله دعهم ما كان لهم يا عمّ بيوم غدير مقنع، دعهم يستضعفونا جهدهم فإنّ الله مولانا وهو خير الحاكمين.

فقال له العباس: يا ابن أخي أليس قد كفيتك، وإن شئت حتى أعود إليه فاعرفه [مكانه] (1)وأنزع عنه سلطانه، فأقسم عليه عليّ عليه السلام فأسكته (2)

وقال العلامة المجلسي رحمه الله في ذيل الحديث بعد تفسير بعض كلماته: ولم نبالغ في تفسير هذا الحديث وشرحه لعدم اعتمادنا عليه لما فيه مما يخالف السير وسائر الأخبار.

.

[خبر وفاة أبي بكر وعمر ومعاذ بن جبل]

بحذف الاسناد مرفوعاً إلى عبد الرحمن بن غنم (3)الأزدي حين مات - ختن معاذ بن جبل - وكانت ابنته تحت معاذ بن جبل، وكان أفقه أهل الشام وأشدّهم اجتهاداً، قال: مات معاذ بن جبل بالطاعون فشهدت يوم مات والناس متشاغلون بالطاعون فقال: وسمعته حين احتضر وليس معه في البيت غيري - وذلك في الخطاب - فسمعته يقول: ويل لي، فقلت في نفسي: أصحاب الطاعون يهذون ويقولون الأعاجيب، فقلت له: أتهذي؟ قال: لا.

قلت: [فلم] (4)تدعو بالويل والثبور ؟ قال : لموالاتي عدّو الله على وليّ الله،


1) أثبتناه من «ج».

2) عنه البحار 29 : 46 ح 19.

3) في «ب»: غانم.

4) أثبتناه من البحار.

فقلت له: من هم؟ فقال: موالاتي عتيقاً وعمر على خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيّه عليّ بن أبي طالب، فقلت: إنّك لتهجر (1).

قال: يا ابن غنم هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وعليّ بن أبي طالب يقولان لي: أبشر بالنار أنت وأصحابك، أفليس قلتم إن مات رسول الله زوينا الخلافة عن عليّ بن أبي طالب فلن تصل إليه ؟! فاجتمعت أنا وأبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسالم، قال: قلت: متىٰ يا معاذ؟ قال: في حجة الوداع، قلت لهم (2): أكفيكم قومي الأنصار واكفوني قريشاً.

ثمّ دعوت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله )إلى هذا الذي قلت ،فعاهدونا عليه بشر بن سعد وأسد (3)بن حصين فبايعاني على ذلك، فقلت: يا معاذ انّك لتهجر، فألصق خدّه بالأرض فما زال يدعو بالويل والثبور حتّى مات.

فقال ابن غنم :ما حدّثت بهذا الحديث غير قيس بن هلال أحداً إلّا ابنتي امرأة معاذ ورجل آخر، فإنّي فزعت مما رأيت وسمعت من معاذ قال: [فحججت ](4)ولقيت الذي غمض أبا عبيدة وسالم، فأخبرني انّه حصل لهما نحو ذلك عند موتهما ولم يزد فيه حرفاً، ولم ينقص حرفاً، كأنّها قالا مثل ما قال معاذ بن جبل.

قال سليم: فحدّثت بحديث ابن غنم هذا كلّه محمد بن أبي بكر فقال لي: اكتم عليّ وأشهد انّ أبي قال عند موته مثل مقالتهم، فقالت عائشة: إنّ أبي يهجر.

قال: ولقيت عبد الله بن عمر في خلافة عثمان وحدّثته ما سمعت من أبي عند


1) في «ج»: لتهجو.

2) اد في البحار و «ج»: قلنا: نتظاهر على عليّ فلا ينال الخلافة ما حيينا، فلمّا قُبض رسول الله صلى الله عليه وآله قلت لهم

3) في «ج» والبحار: أسيد.

4) أثبتناه من «ج» والبحار.

موته، وأخذت عليه العهد والميثاق ليكتم عليّ، فقال لي ابن عمر: اكتم عليّ فوالله لقد قال أبي مقالة مثل ما قال أبوك ما زاد ولا نقص، ثمّ تداركها ابن عمر بعد وتخوّف أن أخبر بذلك عليّ بن أبي طالب عليه السلام لمّا علم من حبّى له وانقطاعى إليه، فقال: إنّما كان يهجر.

فأتيت أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب صلوات الله عليه فأخبرته بما سمعته من أبي وبما حدّثني به ابن عمر، قال عليّ: قد حدّثني بذلك عن أبيك وعن أبيه وعن أبي عبيدة وسالم وعن معاذ ما هو أصدق منك ومن ابن عمر، فقلت: ومن ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: من حدثني، فعرفت ما عنى، فقلت: صدقت، إنّما ظننت (1)إنساناً حدّثك، وما شهد أبي وهو يقول ذلك غيري.

قال سليم : قلت لابن غنم :مات معاذ بالطاعون فيها مات أبو عبيدة؟ قال: مات بالدبيلة (2)، فلقيت محمد بن أبي بكر فقلت: هل شهد موت أبيك غيرك وغير أخيك عبد الرحمن وعائشة وعمر ؟ قال: لا قلت وسمعوا منه ما سمعت؟ قال: سمعوا منه طرفاً فبكوا وقالوا: هو يهجر، فامّا كلّ ما سمعت فلا ،قلت فالذي سمعوا ما هو ؟

قال: دعا بالويل والثبور (3)، قال عمر: يا خليفة رسول الله لم تدعو بالويل والثبور؟ قال: هذا رسول الله ومعه عليَّ يبشّراني بالنار ومعه الصحيفة التي تعاهدنا عليها في الكعبة وهو يقول: لقد وفيتَ بها وظاهرت على ولي الله فأبشر أنت وصاحبك بالنار في أسفل السافلين.

فلمّا سمعها عمر خرج وهو يقول: انّه ليهجر، قال: لا والله ما أهجر أين


1) في «ب»: طلبت.

2) داء في الجوف.

3) رفي «الف» و «ب»: دعا إلى النار فادخل، وما أثبتناه في المتن من «ج» والبحار.

تذهب؟ قال عمر: كيف لا تهجر وأنت ثاني اثنين في الغار، قال: الآن أيضاً (1)لم أحدّثك انّ محمداً - ولم يقل رسول الله - قال لي وأنا معه في الغار: انّى أرىٰ سفينة جعفر وأصحابه تعوم (2)في البحر، فقلت: أرنيها، فمسح يده على وجهي فنظرت إليها، فأضمرت عند ذلك أنّه ساحر، وذكرت لك ذلك بالمدينة فأجمع رأيي ورأيك على انّه ساحر.

فقال عمر: يا هؤلاء إنّ أبا بكر يهذي فاجتنبوه (3)واكتموا ما تسمعون منه لئلّا يشمت بكم أهل هذا البيت، ثمّ خرج وخرج أخي وخرجت عائشة ليتوضّؤوا للصلاة، فأسمعني من قوله ما لم يسمعوا، فقلت له لمّا خلوت (4)به: قل لا إله إلا الله ،قال: لا أقولها ولا أقدر عليها أبداً حتّى أرد النار فأدخل التابوت.

فلمّا ذكر التابوت ظننت أنّه يهجر، فقلت: أي تابوت؟ فقال: تابوت من نار، مقفل بقفل من النار فيه اثنا عشر رجلاً أنا وصاحبي هذا، قلت: عمر؟ قال: نعم ،وعشرة في (5)جب من جهنّم عليه صخرة، قلت: تهذي؟ قال: لا والله ما أهذي،لعن الله ابن صهاك هو الذي أضلّني عن الذكر بعد إذ جاءني فبئس القرين، ثمّ ألصق خدّه بالأرض فألصقت خدي بالأرض، فما زال يدعو بالويل والثبور حتّى غمّضته(6)

ثمّ دخل عمر علىّ فقال: هل قال (7)بعدنا شيئاً ؟ فحدّثتهم، فقال عمر: يرحم الله خليفة رسول الله اكتم هذا كله فإنّ هذا كلّه هذيان، وأنتم أهل بيت يُعرف فيكم


1) في «ج»: أولم أحدثك.

2) تعوم تسبح وتسير.

3) في «ب»: فخذوه.

4) في «ج»: انفردت به.

5) في «ب»: قل له عني

6) في «ج»: غلبه النوم.

7) في «ج»: هل حدث.

الهذيان في موتاكم، قالت عائشة: صدقت ، ثمّ قال عمر: إيّاك أن يخرج منك شيئاً ممّا سمعت فیشمت به ابن أبي طالب وأهل بيته.

قال: قلت لمحمّد : من تراه حدّث أمير المؤمنين عليه السلام عن هؤلاء الخمسة بما قالوا ؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه و آله، أنّه يراه كلّ ليلة في المنام وحدّثه إيّاه في المنام مثل ما حدّثه(1)إيّاه في اليقظة والحياة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من رآني في المنام فقد رآني فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي في نوم ولا يقظة ولا بأحد من أوصيائي إلى يوم القيامة.

[قال سليم :] (2)فقلت لمحمّد : فمن حدّثك بهذا؟ قال: عليّ، قال: وأنا سمعته أيضاً منه، قلت لمحمّد: فملك من الملائكة حدّثه؟ قال: أو ذاك، قلت: فهل تحدّث الملائكة إلّاالأنبياء، [قال] (3)أما تقرأ كتاب الله عز وجل: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ) (4)ولا محدّث.

قلت :فأمير المؤمنين عليه السلام محدّث؟ قال: نعم، وفاطمة محدّثة ولم تكن نبيّة، ومريم محدّثة ولم تكن نبيَّة، وأمّ موسىٰ كانت محدثة ولم تكن نبيّة، وسارة امرأة ابراهيم عليه السلام قد عاينت الملائكة ولم تكن نبيّة، فبشّروها باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب.

قال سليم: فلمّا قتل محمد بن أبي بكر بمصر ونعى، عزّيت أمير المؤمنين عليه السلام وخلوت به ،فحدّثته بما أخبرني (5)به محمد بن أبي بكر وبما حدّثني به ابن غنم، قال: صدق محمد رحمه الله، أما أنّه شهيد حيّ مرزوق، يا سليم إنّي وأوصيائي


1) في البحار :مثل حديثه

2) أثبتناه من «ج»البحار.

3) أثبتناه من البحار.

4) الحج : 52.

5) في «ج»: بما حدثني.

أحد عشر رجلاً من ولدي أمة هدىَّ مهديّون محدّثون، قلت: يا أمير المؤمنين ومن هم؟

قال: ابنيَّ الحسن والحسين، ثمّ ابني هذا - وأخذ بيد عليّ بن الحسين وهو رضيع - ثمّ ثمانية من ولده واحد بعد واحد، وهم الذين أقسم الله بهم فقال: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ )(1)[فالوالد رسول الله صلى الله عليه وآله وما ولد] (2)يعني هؤلاء الأحد عشر وصيّاً صلوات الله عليهم، قلت: يا أمير المؤمنين يجتمع إمامان؟ قال: لا إلّا أحدهما صامت لا ينطق حتّى يهلك الأوّل.

تمّ حديث موتهم، والحمد لله وحده وصلّى الله على خير خلقه محمد وآله وسلّم (3).

[ابيانه عليه السلام في سبب قعوده عن القتال]

[في الفتن عن كتاب سليم بن قيس بعد خطبة لعليّ عليه السلام استنفر بها القوم ووتخّهم على تقاعدهم عن الجهاد، قال الأشعث بن قيس: فهلّا فعلت كما فعل عثمان بن عفّان، فأجابه وكان ممّا أجابه أن قال: إنّ هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون في النار ، وشرّها وأبعدها وأبغضها السامرة الذين يقولون لا قتال وكذبوا، قد أمر الله بقتال الباغين في كتابه وسنّة نبيّه، وكذلك المارقة.

فقال ابن قيس وقد غضب من قوله عليه السلام: فما منعك يا ابن أبي طالب فلان حين بويع وفلان أن تضرب بسيفك؟ فأجابه بما يشبه هذا الكلام أو هو،


1) البلد : 3

2) أثبتناه من «ج» والبحار.

3) عنه البحار 30 : 127؛ ومعالم الزلفى : 329 و 439؛ ومدينة المعاجز 2 : 89 ح 419؛ وروي نحوه في كتاب سليم : 182

فراجع الفتن حتّى تطّلع على حقيقة الحال](1).

قال الأشعث بن قيس :يا أمير المؤمنين لم لا ضربت بسيفك وأخذت حقّك ،وأنت لم تخطب خطبة إلّا قلت فيها: انّى لأولى الناس بالناس، وما زلت مظلوماً منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، فما منعك أن تضرب بسيفك دون مظلمتك؟

قال عليّ عليه السلام :قد قلت يا ابن قیس فاسمع، لم يمنعني من ذلك الجبن ولا كراهية الباري، وأن لا أكون أعلم (2)انّ ما عند الله خير من الدنيا والبقاء فيها، بل منعني من ذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله ونهيه إيّاي وعهده إليّ، وأخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله ما الأمّة صانعة بعده.

ولم أكن حين عاينته أعلم به ولا أشدّ استيقاناً منّى به قبل ذلك، بل أنا بقول رسول الله صلى الله عليه وآله أشدّ يقيناً منّى بما عاينته وشهدته، فقلت: يا رسول الله فما تعهد إلى إذا كان ذلك ؟ قال : إن وجدت أعواناً فانتدب إليهم وجاهدهم، وإن لم تجد أعواناً فكفّ يدك واحقن دمك حتّى تجد على اقامة كتاب الله وسنّتي أعواناً.

وأخبرني أنّه ستخذلني الناس وتبايع (3)غيري، وأخبرني انّى منه بمنزلة هارون من موسى، وانّ الأمّة من بعدي سيصيرون بمنزلة هارون ومن تبعه والعجل ومن تبعه، إذ قال له موسى: (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا . أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي .قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) (4).

يعني انّ موسى أمره حين استخلفه عليهم إن ضلّوا فوجدت أعواناً عليهم


1) أثبتنا ما بين المعقوفتين من «ج» ولم ترد في «الف» و «ب»، وفي كتاب سليم بعد قول الأشعث «فما منعك ...» هكذا: فما يمنعك يا ابن أبي طالب حين بويع أبو بكر أخو بني تيم، وأخو بني عدي بن كعب، وأخو بني أمية بعدهم أن تقاتل .

2) في (ج) وأنّي لأعلم أنّ ما عند الله ..

3) في «ج»: يبايعون.

4) طه : 92-91

فجاهدهم، وإن لم تجد أعواناً فكف يدك واحقن دمك ولا تفرّق بينهم، وانّى خشيت أن يقول ذلك أخى رسول الله صلى الله عليه وآله، ويقول: لم فرّقت بين الأمّة ولم ترقب قولي ، وقد عهدت إليك إن لم تجد أعواناً أن تكفّ يدك وتحقن دمك ودماء أهل بيتك وشيعتك.

فلمّا قبض رسول الله صلى الله عليه وآله مال الناس إلى أبي بكر فبايعوه، واستنصرت الناس فلم ينصروني غير أربعة: سلمان والمقداد وأبو ذر والزبير بن العوام، ولم يكن أحد من أهل بيتي أصول به ولا أقوى به، أما حمزة فقتل يوم أحد، وأمّا جعفر فقتل يوم موتة، وبقيت في خليفتين(1)خائفين ذليلين حقيرين قريبي عهد بالاسلام: عباس وعقيل ،فأكرهوني وقهروني، فقلت كما قال هارون لأخيه: يا ابن أمّ انّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ولي في هارون أسوة حسنة، ولي بقول رسول الله صلى الله عليه وآله حجّة قويّة.

قال الأشعث: كذلك فعل عثمان لما استغاث ودعا الناس إلى نصرته، فلمّا لم يجد أعواناً كفّ يده حتّى قتل قال: ويلك يا ابن قيس، انّ القوم حين قهروني واستضعفوني وكادوا يقتلونني لو قالوا نقتلك البتة لا متنعت من قتلهم إيّاي ولو لم أجد أحداً غير نفسي، ولكنهم قالوا: إن بايعت كففنا عنك وأكرمناك وفضّلناك وقدمّناك، وإن لم تفعل قتلناك، فلمّا لم أجد أعواناً بايعتهم ،وبيعتي لهم لما لاحق لهم فيه لا توجب لهم حقّاً ولا يلزمني لهم رضى.

ولو أنّ عثمان لما قالوا اخلعها وإلّا نحن قاتلوك فكف يده حتّى قتلوه، ولعمري خلعه إيّاها كان خيراً له لأنه أخذها بغير حق، فلم يكن له فيها نصيب، لأنّه ادعىٰ ما ليس له وتناول حقّ غيره.


1) في «ج»: رجلين.

يا ابن قيس انّ عثمان لم يعد (1)أن يكون أحد رجلين، اما أن يكون دعا الناس إلى نصرته فلم ينصروه واما أن يكون القوم دعوه إلى نصرتي(2)فلم يحل له أن ينهى المسلمين أن يعبدوا الله ويطيعوه بنصرة إمامهم، وسيهدي الله الذي لم يحدث به حدثاً ، فبئس ما صنع حيث نهاهم، وبئس ما صنعوا حيث أطاعوه.

وامّا أن يكون قد بلغ من حدّته وسوء سيرته ما لم يروه أهلاً لنصرته، وحكم بخلاف الكتاب والسنّة، وكان وراءه من أهل بيته ومواليه وأصحابه أكثر من أربعة آلاف فارس ليمتنع بهم، ولم ينه أصحابه عن نصرته، ولو كنت وجدت يوم بويع أخو تيم (3)أربعين رجلاً يطيعون الجاهدتهم (4)فأما يوم بويع عمر وعثمان فلا، لأنّى كنت بايعت ومثلي لا ينكث بيعته.

ويلك يا ابن قيس كيف رأيتني صنعت يوم قتل عثمان، لو وجدت أعواناً هل رأيت منّى فشلاً أو جبناً أو تقصيراً، وانّك لتعرفني يوم البصرة وهم في جملهم الملعون [من معه ] (5)، والملعون من قتل حوله، والملعون من ينصره، والملعون من ركبه، والملعون من بقي بعده غير راجع ولا تائب ولا مستغفر، قتلوا أنصاري ،ونكثوا بيعتي، ومثّلوا بعاملي، وبغوا عليّ، فسعيت إليهم باثني عشر ألفاً وهم نيف وعشرون ومائة ألف، فنصرنا الله عليهم بأيدينا وشفىٰ صدور قوم مؤمنين.

وكيف رأيت يا ابن قيس وقعتنا بصفين، إنّ الله قتل بأيدينا في صعيد واحد خمسين ألفاً إلى النار، وكيف رأيتنا يوم النهروان ،لقينا المارقين وهم مستبصرون بين يدي الذين(6)ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً،


1) في «ج»: لابد.

2) في «ج»: دعوه أن ينصروه.

3) في «ج»: بويع أبو بكر بالخلافة.

4) في «ج»: لما قعدت عن القتال.

5) أثبتناه من «ج»

6) في «ج»: متديّنون قد ضلّ.

قتلهم الله في صعيد واحد أربعة آلاف، ولم يبق منهم عشرة ولم يقتلوا منّا عشرة.

يا ابن قيس أرأيت لي لواء رد أو راية رُدّت بجبن، يا ابن قيس وأنا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع مواطنه ومشاهده المتقدّمة، في الشدائد بين بديه لا أفرّ ولا ألوي ولا أتنحّىٰ ولا أمنح العدوّ دبري، أنّه لا ينبغي لنبي ولا لوصي نبي إذا لبس لامة أو برز لعدو أن يرجع، ولا ينثنى حتّى يقتل أو يقتل بين يديه (1).

ويلك يا ابن قيس هل سمعت لي بفرار أو نبوة، يا ابن قيس اما أنا - والذي فلق الحبّة وبرئ النسمة - لو وجدت أعواناً (2)ما كففت يدي ولناهضت القوم ،ولكن لم أجد خامساً، [قال الأشعث: من كان هؤلاء ](3)الأربعة؟ قال: سلمان والمقداد وأبو ذر وابن صفية، ثمّ رجع ابن صفية بعد بيعته إيّاي بعد قتل عثمان.

أمّا بيعته التى أتاني فيها مخلوفاً فقد وفىٰ بها، وهي البيعة الأولىٰ التي بويع فيها عتيق، وذلك أنّه أتاني أربعون رجلاً من المهاجرين والأنصار فبايعوني فيهم الزبير، أمرتهم أن يصبحون عند بابي محلقين [رؤوسهم] (4)عليهم السلاح، فما وفوا ولا صحبني منهم إلّا أربعة، وأما بيعته الأخرىٰ فإنّه أتاني هو وصاحبه طلحة بعد قتل عثمان بن عفّان طائعين غير مكرهين، ثم رجعا عن دينهما مرتدّين ناكثين باغين معاندين خاسرين، فقتلها الله إلى النار .وأمّا الثلاثة - أبو ذر والمقداد وسلمان - فثبتوا على دين محمد وملته وملة ابراهيم حتى لقوا الله - يرحمهم الله - فقال الأشعث: إن كان الأمر كما تقول لقد هلكت الأمّة غيرك وغير شيعتك.

قال: فإنّ الحقّ والله كما أقول (5)، وما هلك من الأمة إلّا الماضين (6)المكابرين


1) في «ج»: أو يفتح الله له.

2) وزاد في «ج»: على مثل بصيرة الأربعة الذين وجدت.

3) أثبتناه من «ج».

4) أثبتناه من .(ج).

5) في «ب»: كما تقول.

6) في «ج»: الناصبون.

الجاحدين المعاندين، فامّا من تمسّك بالتوحيد والاقرار بمحمد صلى الله عليه وآله لم يخرج من الملّة، ولم يظاهر علينا الظلمة، وينصب لنا العداوة، ويشك في الخلافة، ولم يعرف أهلها وولاتها، ولم ينكر لنا ولاية ولم ينصب لنا عداوة، فإنّ ذلك مسلم ضعيف يُرجىٰ له الرحمة من ربّه ويتخوّف (1)عليه ذنوبه.

قال: فلم يبق يومئذ من شيعته أحد إلّا تهلهل (2)وفرح بمقالته إذ شرح أمير المؤمنين عليه السلام الأمر وباح به وكشف الغطاء وترك التقية، ولم يبق أحد من العرب كان شاكاً أو يكفّ ويدع البراءة منهم إلّا استيقن واستبصر وترك الشك والوقوف، ولم يبق أحد ممّن كان حوله ممن بايعه على وجه ما بويع عثمان إلّا عرف ذلك في وجهه وترك مقالته ثمّ استبصروا وذهب شكهّم.

قال أبو عبد الله (3)سليم بن قيس: فما شهد الناس يوماً قط على [رؤوس](4)العامة كان أقر للأعين من ذلك اليوم لما كشف للناس من الغطاء، وأجهر فيه من الحق، وشرح فيه من الأمر، وألقىٰ فيه من التقيّة والكتمان، وكثرت الشيعة من ذلك اليوم وتكلّموا، وقد كانوا أهل عسكره وسائر الناس يقاتلون معه على غير علم بمكانه من الله ومن رسوله، وصارت الشيعة بعد ذلك اليوم وذلك المجلس أجلّ الناس وعظماؤهم، وذلك بعد وقعة النهروان وهو يأمرهم بالتهيؤ والمسير معه إلى معاوية، قال قيس: ثم لم يلبث أن قتله ابن ملجم عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

قال: وأقبل علىّ عليه السلام على الناس ممّن كان حوله فقال: أوليس قد ظهر لكم رأيي، وحملهم علينا أهل البيت من كلّ جانب ووجه، لا يألون به ابعاداً


1) في «ب»: ولا يتخوّف.

2) في «(ج)»: تهلل وجهه.

3) في «ج»: قال أبان عن سليم بن قيس.

4) اثبتناه من «ج».

وتقاصياً وأخذ حقوقنا، أليس العجب بحبسه وصاحبه عنّا سهم ذي القربي الذي فرض لنا في القرآن، وقد علم الله انّهم سيظلمونا وينزعوه منّا، قال الله تبارك وتعالى: ( إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ )(1).

ثمّ العجب لهدمه منزل أخى جعفر وادخاله في المسجد، ولم يعطني منه قليلاً ولا كثيراً، ولم تعب عليه الناس كأنّه يأخذ منزل رجل من الديلم، والعجب من جهله وجهل الأمناء (2)إذ كتب إلى عمّاله ان الجنب إذا لم يجد الماء فليس له أن يتيّمم بالصعيد حتّى يجد الماء وإن لم يجده حتّى يلقى الله، ثمّ قبل ذلك منه الناس ورضوا به ،وقد علم الناس انّ رسول الله صلى الله عليه وآله أمر عماراً وأبا ذر أن يتيمّما من الجنابة، وقد شهدا به عنده وغيرهما، فما قبل ولا رفع به رأس.

والعجب لما قد خلط أنصاباً مختلفة في الجّد بغير علم تعسّفاً وجهلاً، وادّعىٰ ما لم يعلم خبره على الله قلة ورع، [وادّعىٰ] (3)أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقض للجد شيئاً، ولم يدع أحداً يعطي للجد من الميراث، ثمّ تابعوه على ذلك وصدّقوه، وعتق أمّهات الأولاد وأخذ الناس بقوله وتركوا أمر الله تبارك وتعالى وأمر رسوله.

والعجب لما صنع بنصر بن الحجاج وبجعدة بن سليمان وبابن زيد، وأعجب من ذلك أنّه لمّا أتاه العبدي فقال له: إنّى طلّقت امرأتي وأنا غائب، فوصل إليها الطلاق ثمّ راجعتها وهي في عدّتها فكتبت إليها فلم يصل إليها كتابي حتّى تزوّجت .

فكتب له: إن كان هذا الذي تزوّج بها قد دخل بها فهي امرأته، وإن كان لم


1) الأنفال : 41.

2) في «ج»: الأمة.

3) أثبتناه من «ج».

يدخل بها فهي امرأتك، فكتب بذلك وأنا شاهد لم يشاورني ولم يسألني استغناء بجهله، فأردت أن أنهاء ثمّ قلت لا أبالى أن يفضحهه الله، ثمّ لم تعيبه الناس بذلك. استحسنوا قوله واتّخذوه سنّة ورأوه صواباً ، فقضىٰ في ذلك قضّاء لو قضىٰ به مجنون لحمّق منه(1).

وقضيّة المفقود زوجها أجّلها أربع سنين ثمّ تتّزوج، فإذا جاء زوجها خير بين امرأته وبين الصداق، ثمّ استحسنه الناس واتّخذوه سنّة، وقبلوا منه جهالته بكتاب الله وقلة بصيرة لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، واخراجه كلّ أعجمي من المدينة وارساله إلى عمّاله بحبل خمسة أشبار، وأمرهم في من بلغ من الأعاجم وكان في طول مثله يضرب عنقه، وردّه سبايا المشركين حبالىٰ وقبله الناس.

وأعجب منه انّ كذّاباً رجم بكذبه ما قبله هو وقبله كلّ جاهل، وزعموا انّ الملك ينطق على لسانه ويلقنّه ،واعتاقه سبايا أهل اليمن، وتخلّفه وصاحبه عن جيش أسامة، وتسليمه عليه بالامرة.

ثمّ أعجب من ذلك أنّه قد علم وعلم الذين معه وحوله أنّه الذي صدق رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، قال: وأنّه الذي قال مثل محمد في قومه كنخلة نبتت في كناسة، ثمّ قال كما قال صاحبه :الحمد لله الذي كفانا عن قتل الرجل، حين أمرهما رسول الله صلى الله عليه وآله بقتله فلم يقتلاه وتركا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله من ردّهما أمره وأمرني بعدما رجعا أن أقتله، فقال في ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ما قال، وأمر رسول الله صاحبه أن ينادي في الناس: انّه من مات دخل الجنة من موحّد لا يشرك بالله شيئاً.

وردّ طاعته وطاعة رسوله ولم ينفذ أمره حتّى قال رسول الله صلى الله عليه


1) في «ج»: لعيب عليه.

وآله في ذلك ما قال، ومساوئه ومساوئ صاحبه أكثر من أن تُحصىٰ أو تُعد، ولم يبغضهما (1)عند ذلك الجهلة بل هما أحبّ إلى الناس من أنفسهم، وانّهم ليغضبون لهما ما لا يغضبون لرسول الله صلى الله عليه وآله، ويتورعون عن ذكرهما ما لا يتورعون عن ذكر رسول الله صلى الله عليه و آله (2).

[سؤال الخضر عليه السلام عن ثلاث مسائل]

قيل: أقبل ذات يوم رجل حسن الهيئة فسلّم على أمير المؤمنين عليه السلام، فجلس وقال: يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل إنّ أجبتني علمت ان القوم ركبوا (3)من أمرك ما أقضي عليهم انّهم ليس بمأمومين (4)في دنياهم ولا في آخرتهم، وإن كانت الأخرىٰ علمت انّك وهم شرع سواء، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: سلني عمّا بدا لك. قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه ،وعن الرجل كيف يذكر وينسىٰ، وعن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال.

فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى ولده أبي محمد الحسن فقال: يا أبا محمد أجبه، فقال عليه السلام: أما ما ذكرت من أمر الرجل ينام أين تذهب روحه، فإنّ روحه متعلّقة بالروح ،والروح (5)متعلّق بالهواء إلى وقت ما يتحرّك صاحبها لليقظة، فإن أذن الله تعالى برّد الروح جذبت تلك الروح الروح، وجذب الروح الهواء فرجعت الروح فأسكنت في بدن صاحبها، وإن لم يأذن الله تعالى بردّ الروح


1) في «ج»: لم ينقصهما.

2) راجع کتاب سليم : 90 وفيه اختلاف كثير.

3) في «ج»: تركوا.

4) في «ب»: بمؤمنين.

5) في «ج»: متعلّقة بالريح والريح.

جذب الهواء الروح وجذب الروح تلك الروح فلم ترد على صاحبها.

وأمّا ما ذكرت من أمر الذكر والنسيان، فإنّ قلب الرجل في حق وعلى الحق طبق، فإن صلّىٰ عند ذلك على محمد وآل محمد صلاة تامة انكشف ذلك الطبق عن ذلك الحق، فأضاء القلب وذكر الرجل ما كان نسي، وإن هو لم يصلّ وأنقص (1)من الصلاة عليهم انطبق ذلك الطبق على ذلك الحق، فاظلم القلب ونسى الرجل ما كان ذكره.

وأمّا ما ذكرته من أمر المولود الذي يشبه أعمامه وأخواله، فإنّ الرجل إذا أتىٰ أهله فجامعها بقلب ساكن، وعروق هادئة، وبدن غير مضطرب أسكنت تلك النطفة في جوف الرحم فخرج الرجل يشبه أباه، وإن أتاها بقلب غير ساكن اضطربت النطفة فوقعت على بعض العروق، فإن وقعت على عرق من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه، وإن وقعت على عرق من عروق الأخوال أشبه أخواله.

فقال الرجل عند ذلك: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ثمّ قام فمضىٰ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام لولده: أتبعه فانظر أين يقصد فخرج في أثره، قال: فما كان إلّا أن وضع رجله خارج المسجد فما علمت أين أخذ من أرض الله، فأعلمت أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أبا محمد أتعرفه؟ فقلت الله ورسوله وأمير المؤمنين أعلم، فقال: هو الخضر عليه السلام (2).


1) في «ج»: أو نقص.

2) راجع كمال الدين : 313 ح 1 باب 19؛ عنه البحار 36 : 414 ح 1: وفي علل الشرائع : 96 ح 6؛ والاحتجاج 2 : 9 ح 148 .

[باب] :[فيه بعض قضايا أمير المؤمنين عليه السلام ]

اشارة

في أخذ الحد. روي انّ رجلاً وافىٰ (1)إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين خذ حدّ الله في جنبي، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ماذا صنعت؟ قال: لطت بغلام، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: لم توقب، قال: بل أوقبت يا أمير المؤمنين، فقال له : اختر من احدىٰ ثلاث (2)، ضرباً بالسيف أخذ السيف منك ما أخذ، أم هدم جدار عليك، أو حرقاً بالنار.

فقال الرجل: يا أمير المؤمنين وأيّها أشدّ تمحيصاً لذنوبي؟ فقال عليّ عليه السلام :الحرق بالنار، فقال: إنّي قد اخترته، [فنادى أمير المؤمنين بقنبر و ] (3)قال: يا قنبر اضرم له ناراً، فأضرم له النار فقال: يا أمير المؤمنين أتأذن لي أن أصلِى ركعتين وأحسن ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: صلّ.


1) في «ب»: أتى.

2) في «ج»: واحداً من ثلاث.

3) أثبتناه من «ج».

قال: فتوضّأ الغلام وأسبغ ثم صلى ركعتين وأحسن، فلمّا فرغ من صلاته سجد سجدة الشكر، وجعل يبكي في سجوده ويدعو ويقول: (اللّهمّ إنّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك ،مذنب خاطئ ارتكبت من ذنبي كيت وكيت، وقد أتيت حجّتك في أرضك وخليفتك في بلادك وكشفت له عن ذنبي، فعرّفني انّ تمحيصي في احدىٰ ثلاث خصال: ضرباً بالسيف، أو هدم جدار، أو حرقاً بالنار، اللّهمّ وقد سألته عن أشدّها تمحيصاً لذنبي فعرّفني ان الحرق بالنار، اللّهمّ وانّي قد اخترته، وصلّ على محمد وآل محمد، واجعله تمحيصاً لي من النار).

قال: فبكى أمير المؤمنين صلوات الله عليه ثمّ التفت إلى أصحابه وقال: من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا، ثمّ قال له: قم يا هذا الرجل فقد غفر الله لك ذنبك، ودرأ عنك الحد، فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين فحدّ الله في جنبه لا تقيمه؟ فقال: الحدّ الذي عليه الله هو ،للإمام، فإن شاء أقامه وإن شاء وهبه (1)

مرفوعاً إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وآله في المسجد إذ دخل العباس بن عبد المطلب، فسلّم فردّ النبي صلى الله عليه وآله ورحّب به، فقال: يا رسول الله بما فضل علينا عليّ بن أبي طالب أهل البيت والمعادن واحدة ؟

فقال النبي صلى الله عليه وآله: اذن أخبرك يا عم ان الله خلقني وخلق علياً ولا سماء ولا أرض ولا جنّة ولا نار ولا لوح ولا قلم، فلمّا أراد الله عز وجل بدو خلقنا تكلّم بكلمة فكانت نوراً، ثمّ تكلّم بكلمة ثانية فكانت روحاً، فزج فيما بينهما واعتدلا فخلقني وعلياً منهما، ثمّ فتق من نوري نور العرش فأنا أجلّ من العرش، ثمّ فتق من نور عليّ نور السماوات فعلي أجلّ من السماوات، ثمّ فتق من نور الحسن


1) عنه البحار 79: 73 ح 29

نور الشمس ومن نور الحسين نور القمر فهما أجلّ من نور الشمس والقمر.

وكانت الملائكة تسبّح الله وتقدسه وتقول في تسبيحها: سبّوح قدّوس من أنوار ما أكرمها على الله، فلمّا أراد الله عز وجل أن يبلو الملائكة أرسل عليهم سحاباً ظلمة، وكانت الملائكة لا تنظر أوّلها من آخرها ولا آخرها من أولّها، فقالت الملائكة: إلهنا وسيّدنا منذ خلقتنا ما رأينا مثل ما نحن فيه، فنسألك بحقّ هذه الأنوار إلّا ما كشفت عنّا.

فقال الله: وعزّتي وجلالي لأفعلنّ، فخلق الله نور فاطمة عليها السلام يومئذٍ كالقنديل وعلّقه في قرط العرش ،فزهرت السماوات السبع، والأرضون السبع، ومن أجل ذلك سميّت فاطمة الزهراء، وكانت الملائكة تسبّح الله وتقدّسه فقال الله عز وجل: وعزّتي وجلالي لأجعلنّ ثواب تسبيحكم وتقديسكم إلى يوم القيامة لمحبّى هذه المرأة وأبيها وبعلها وبنيها.

قال سلمان: فخرج العباس فلقيه عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فضمّه إلى صدره وقبل ما بين عينيه وقال: بأبي عترة المصطفىٰ من أهل بيت ما أكرمكم على الله (1)

يرفعه إلى أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: افتخر اسرافيل على جبرئيل فقال: أنا خير منك، قال: ولم أنت خير منّى؟ قال: لأنّى صاحب الثمانية حملة العرش، وأنا صاحب النفخة في الصور، وأنا أقرب الملائكة إلى الله عز وجل.

قال جبرئيل: أنا خير منك، فقال: بما أنت خير منّى؟ قال: لأنّى أمين الله على وحيه، وأنا رسوله إلى الأنبياء والمرسلين، وأنا صاحب الخسوف والقذوف (2)، وما


1) عنه البحار 43 : 17 ح 16.

2) في :«ج»: الكسوف والخسوف

أهلك الله أمّة من الأمم إلّا على يديّ، فاختصما إلى الله تبارك وتعالى، فأوحى الله إليهما: اسكتا فوعزّتي وجلالي لقد خلقت من هو خير منكما، قالا: يا ربّ أو تخلق مَن هو خير منّا ونحن خلقتنا من نور؟

قال الله تعالى: نعم، وأوحىٰ(1)إلى القدرة أن انكشف فانكشفت، فإذا على ساق العرش الأيمن مكتوب: لا إله إلا الله، محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين [عليهم السلام أحبّاء الله] (2)، فقال جبرئيل: يا ربّ فإنّي أسألك بحقّهم عليك إلّا جعلتني خادمهم، قال الله تعالى: قد فعلت، فجبرئیل عليه السلام من أهل البيت وانّه لخادمنا (3).

يرفعه إلى محمد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعليّ عليه السلام: أنا رسول الله والمبلغ عنه، وأنت وجه الله والمؤتمّ به، فلا نظير لي إلّا أنت ولا مثلك إلّا أنا.

وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعليّ عليه السلام: يا عليّ انّ الله تبارك وتعالى خلقني وإيّاك من نوره الأعظم، ثمّ رشّ من نورنا على جميع الأنوار من بعد خلقه لها، فمن أصابه من ذلك النور اهتدىٰ إلينا، ومن أخطأه ذلك النور ضلّ عنّا، ثمّ قرأ: ( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ) (4)يهتدي إلى نورنا(5)

وروي مسنداً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله انّه قال : نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد، من عادانا عادى الله، ومن والانا وائتمّ بنا وقبل منّا ما أوحى الله


1) في «ج»: أوماً.

2) أثبتناه من «ج».

3) عنه البحار 16 : 364 - 68.

4) النور : 40.

5) عنه البحار 68 : 44 ح 90 .

إلينا، وعلّمنا الله إيّاه، وأطاع الله فينا فقد وإلى الله، ونحن خير البريّة، وولدنا منّا ومن أنفسنا، وشيعتنا [معنا] (1)، من آذاهم آذانا ومن أكرمهم أكرمنا، ومن أكرمنا كان من أهل الجنّة (2).

يرفعه إلى محمد بن زیاد قال: سأل ابن مهران عبد الله بن العباس في تفسير قول الله: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ . وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) (3).

قال: كنّا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبل علي بن أبي طالب عليه السلام، فلمّا رآه النبي صلى الله عليه وآله تبسّم في وجهه وقال: مرحباً بمن خلقه الله تعالى قبل أبيه آدم (4)بأربعين ألف عام، فقلت: يا رسول الله أكان الابن قبل الأب؟ فقال: نعم، انّ الله تعالى خلقني وخلق علياً قبل أن يخلق آدم بهذه المدّة، خلق نوراً فقسّمه نصفين، فخلقني من نصفه وخلق علياً من النصف الآخر قبل الأشياء، فنورها من نوري ونور عليّ ثمّ جعلنا عن يمين العرش، ثمّ خلق الملائكة فسبّحنا فسبّحت الملائكة، وهلّلنا فهلّلت الملائكة، وكبّرنا فكبّرت الملائكة، وكان ذلك من تعليمي وتعليم عليّ، وكان ذلك في علم الله السابق انّ الملائكة تتعلم منا التسبيح والتهليل والتكبير، وكلّ شيء سبّح الله وكبّره وهلّله بتعليمي وتعليم علي.

وكان في علم الله السابق أن لا يدخل النار محبّ لي ولعلي، وكذا كان في علمه أن لا يدخل الجنّة مبغض لي ولعليّ، ألا وإنّ الله عز وجل خلق ملائكة بأيديهم أباريق اللجين مملوّة من ماء الجنّة من الفردوس، فما أحد من شيعة عليّ إلّا وهو طاهر الوالدين تقي نقي مؤمن بالله، فإذا أراد أبو أحدهم أن يواقع أهله جاء ملك من الملائكة الذين بأيديهم أباريق الجنّة، فطرح من ذلك الماء في إنائه الذي يشرب


1) أثبتناه من «ج».

2) عنه البحار 68 : 45 ح 90

3) الصافات : 165-166

4) في «ج»: خلقه الله تبارك وتعالى قبل كل شيء خلقني الله وعلياً قبل أن يخلق آدم

به فيشرب ،وذلك الماء ينبت الايمان في قلبه كما ينبت الزرع، فهم على بيّنة من ربّهم، ومن نبيّهم، ومن وصيّي علي، ومن ابنتي الزهراء، ثمّ الحسن ثمّ الحسين والأئمة من ولد الحسين صلوات الله عليهم أجمعين.

قلت: يا رسول الله ومن هم (1)؟ قال: أحد عشر منّى أبوهم علي بن أبي طالب، ثمّ قال النبي صلى الله عليه وآله: الحمد لله الذي جعل محبّة عليّ والايمان سببين (2)

مرفوعاً إلى مسعدة قال: كنت عند الصادق عليه السلام إذ أتاه شيخ كبير قد انحنىٰ ظهره متكئاً على عصاه فسلّم عليه فردّ عليه السلام، ثمّ قال الشيخ: يا ابن رسول الله ناولني يدك لأقبّلها، فأعطاه يده فقبلها ثمّ بكىٰ، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما يبكيك يا شيخ؟

فقال: جعلت فداك أقمت [أنتظر] (3)على قائمكم منذ مائة سنة، أقول هذا الشهر وهذه السنة، وقد كبر سنّى، ودقّ عظمي، واقترب أجلي، ولا أرىٰ فيكم ما أحبّ، أراكم مقتولين مشرّدين، وأرىٰ أعداؤكم يطيرون بالأجنحة، وكيف لا أبكي.

فدمعت عينا أبي عبد الله عليه السلام ثمّ قال: يا شيخ إن أبقاك الله حتّى ترىٰ قائمنا كنت في السنام الأعلىٰ، وإن حلّت بك المنية جئت يوم القيامة مع ثقل محمد صلى الله عليه وآله، ونحن ثقله فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: أنا مخلف فيكم الثقلين فتمّسكوا بهما فلن تضلّوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي.

فقال الشيخ: لا أبالي بعدما سمعت هذا الخبر، ثمّ قال الشيخ: يا سيّدي


1) في «ج»: كم هم.

2) عنه البحار 26 : 345 ح 18 .

3) أثبتناه من «(ج)».

بعضكم أفضل من بعض؟ قال: لا نحن في الفضل سواء ولكن بعضنا أعلم من بعض، ثمّ قال: يا شيخ ألا إنّ شيعتنا يقعون في فتنة وحيرة في غيبته، هناك يثبت على هداه المخلصون، اللّهمّ أعنهم على ذلك (1).

مرفوعاً إلى محمد بن يعقوب النهشلي قال: حدّثني الإمام عليّ بن موسى الرضا، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وآله، عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن اسرافيل، عن الله تعالى، قال الله: أنا الله الذي لا إله إلّا أنا، خالق الخلق بقدرتي، واخترت منهم من شئت نبيّاً، واخترت من جملتهم (2)محمداً حبيباً وخليلاً وصفيّاً، وبعثته رسولاً إلى سائر خلقي، وجعلته سيّدهم وخيرهم وأحبّهم إلي.

واصطفيت عليّاً فجعلته أخاً له ووزيراً ووصيّاً ومؤدياً عنه بعده إلى خلقی، وخليفته على عبادي يبيّن لهم كتابي، ويسير فيهم بحجّتي، وجعلته العلم الهادي من الضلالة، وبابي الذي أوتي منه، وبيتي الذي من دخله كان آمناً من ناري، وحصني الذي من لجأ إليه حصنته من مكروه الدنيا والآخرة، ووجهي الذي من توجّه به لم أصرف وجهي عنه، وحجّتي في أهل السماوات والأرض على جميع من فيهنّ من خلقي.

لا أقبل عمل عامل منهم إلّا بالاقرار بولايته مع نبوّة أحمد، فهو يدي المبسوطة على عبادي، وعيني الناظرة إلى خلقي بالرحمة، وهو النعمة التي أنعمت بها على من أحببت من عبادي، فمن أحبه وتولاه أنعمت عليه بولايته ومعرفته، فبعزتي حلفت وبجلالي أقسمت أنه لا يتولاه أحد من عبادي إلا حرمت عليه النار وأدخلته الجنّة، ولا أبغضه أحد من عبادي أو عدل عن ولايته إلا أبغضته وأدخلته النار (3).


1) راجع البحار :36 : 408 ح 17 عن كفاية الأثر.

2) في «ج»: جميعهم.

3) أمالي الصدوق : 184 ح 10 مجلس 39: عنه البحار 38: 98 ح 17.

[في جوابه عليه السلام عن حبر اليهود]

يرفعه إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قال: حدّثني أبي جعفر، عن أبيه قال: حدّثني أبي قال: حدّثني أبي الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام قال: بينما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله جلوس في مسجده بعد وفاته يتذاكرون فضل رسول الله صلى الله عليه وآله إذ دخل علينا حبر من أحبار اليهود من أهل الشام، قد قرأ التوراة والانجيل والزبور وصحف ابراهيم والأنبياء عليهم السلام، وعرف دلائلهم، فسلّم علينا وجلس ثمّ لبث هنيئة ثمّ قال: يا أُمّة محمد ما تركتم لنبيّ درجة ولا لمرسل فضيلة إلا وقد نحلتموها لنبيّكم، فهل عندكم جواب إن أنا سألتكم؟.

فقال له أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: سل يا أخا اليهود ما أحببت فإنّي أجيبك عن كلّ ما تسأل بعون الله ومشيئته (1)، فوالله ما أعطى الله عز وجل نبيّاً ولا مرسلاً درجة ولا فضيلة إلا وقد جمعها لمحمد صلى الله عليه وآله ،وزاده على الأنبياء والمرسلين أضعافاً مضاعفة، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ذكر لنفسه فضيلة قال: ولا فخر، وأنا ذاكر لك اليوم من فضله صلى الله عليه وآله من غير إزراء على أحد من الأنبياء ما يقرّ الله به أعين المؤمنين، شكراً الله على ما أعطىٰ محمداً صلى الله عليه وآله [وزاده عليهم] (2)الآن.

فاعلم يا أخا اليهود أنّه كان من فضله صلى الله عليه وآله عند ربّه تبارك وتعالى وشرفه ما أوجب المغفرة والعفو لمن خفض الصوت عنده، فقال جلّ ثناؤه في كتابه: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ


1) فى «ب»: ومَنه

2) أثبتناه من «ج».

قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ )(1).

ثمّ قرن طاعته بطاعته فقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) (2)ثمّ قربه من قلوب المؤمنين وحبّبه (3)إليهم، وكان يقول صلى الله عليه وآله: حتى خالط دماء أمّتى، فهم يؤثروني على الآباء والأمّهات وعلى أنفسهم، ولقد كان أقرب الناس وأرأفهم، فقال تبارك وتعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )(4)، وقال عز وجل: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ )(5).

والله لقد بلغ من فضله صلى الله عليه وآله في الدنيا ومن فضله في الآخرة ما تقصر عنه الصفات، ولكن أخبرك بما يحمله قلبك ولا يدفعه عقلك، ولا تنكره بعلم إن كان عندك، لقد بلغ من فضله صلى الله عليه وآله ان أهل النار يهتفون ويصرخون بأصواتهم ندماً أن لا يكونوا أجابوه في الدنيا، فقال الله عز وجل:

(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ) (6)

والله لقد ذكره الله تبارك وتعالى مع الرسل، فبدأ به وهو آخرهم لكرامته صلى الله عليه وآله فقال جلّ ثناؤه: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ )(7)وقال: («إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ) (8)والنبيونقبله فبدأ به صلى الله عليه وآله وهو آخرهم.


1) الحجرات : 3

2) النساء : 80

3) في «الف»: أحبه.

4) التوبة : 128

5) الأحزاب : 6.

6) الأحزاب : 66.

7) الأحزاب : 7.

8) النساء : 163.

والله لقد فضّله الله على جميع الأنبياء، وفضّل أمّته على جميع الأمم، فقال عز وجل: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) (1).

فقال اليهودي: إنّ آدم عليه السلام أسجد الله عز وجل له ملائكته، فهل فضل لمحمّد مثل ذلك؟ فقال عليّ عليه السلام: قد كان ذلك، ولئن أسجد الله لآدم ملائكته فإنّ ذلك لما أودع الله عز وجل صلبه من الأنوار والشرف إذ كان هو الوعاء، ولم يكن سجودهم عبادة له وإنّما كان سجودهم طاعة لأمر الله وتكرمة وتحيّة، مثل السلام من الإنسان على الإنسان، واعترافاً لآدم عليه السلام بالفضيلة.

وقد أعطى الله محمداً صلى الله عليه وآله أفضل من ذلك، وهو انّ الله عز وجل صلّىٰ عليه وأمر ملائكته أن يصلّوا عليه، وتعيد (2)جميع خلقه بالصلاة عليه إلى يوم القيامة، فقال جل ثناؤه: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (3)فلا يصلّى عليه أحد في حياته ولا بعد وفاته إلّا صلّى الله عليه بذلك عشراً، وأعطاه من الحسنات عشراً بكلّ صلاة صلّىٰ عليه، ولا أحد يصلّى عليه بعد وفاته إلّا وهو يعلم ذلك، ويرد على المصلّى والمسلّم مثل ذلك.

ثمّ انّ الله عز وجل جعل دعاء أُمّته فيما يسألون ربهم جلّ ثناؤه موقوفاً عن الاجابة حتى يصلّوا فيه عليه صلى الله عليه وآله ، فهذا أكبر وأعظم ممّا أعطى الله لآدم عليه السلام، ولقد أنطق الله عز وجل صمّ الصخور والشجر بالسلام والتحيّة له، وكنّا نمرّ معه صلى الله عليه وآله فلا يمّر بشعب ولا شجرة إلّا قالت : السلام عليك یا رسول الله، تحية له واقراراً بنبوّته صلى الله عليه وآله.


1) آل عمران: 110.

2) في «ج»: أمر.

3) الأحزاب : 56.

وزاده الله عز وجل تكرمة بأخذ ميثاقه قبل النبيّين، وأخذ ميثاق النبييّن بالتسليم والرضا والتصديق له، فقال جلّ ثناؤه: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ ) (1)أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنّا .

وقال الله عز وجل: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) (2)وقال تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) (3)فلا يرفع رافع صوته بكلمة الاخلاص بشهادة أن لا إله إلّا الله، حتّى يرفع صوته معها بأنّ محمداً رسول الله في الأذان، والاقامة ،والصلوات، والأعياد، والجمع، ومواقيت الحجّ، وفي كل خطبة حتى في خطب النكاح وفي الأدعية.

ثمّ ذكر اليهودي مناقب الأنبياء، وأمير المؤمنين عليه السلام يثبت للنبي ما هو أعظم منها تركنا ذكرها طلباً للاختصار، حتّى وصل إلى أن قال اليهودي: فإنّ الله عزوجل ناجىٰ موسى على جبل طور سيناء بثلاثمائة وثلاث عشرة كلمة مع كلّ كلمة يقول له فيها: يا موسىٰ إنّى أنا الله، فهل فعل بمحمد شيئاً من ذلك؟

قال عليّ صلوات الله عليه: [لقد كان كذلك ومحمد] (4)ناجاه الله جلّ ثناؤه فوق سبع سماوات ،رفعه عليهّن فناجاه في موطنين، أحدهما عند سدرة المنتهىٰ وكان له هناك مقام محمود، ثمّ عرج به حتّى انتهىٰ به إلى ساق العرش، فقال عز وجل: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) (5)ودنا ودلى له رفرفاً أخضر غشي عليه نور عظيم حتّى كان في دنوّه كقاب قوسين أو أدنىٰ، وهو مقدار ما بين الحاجب إلى الحاجب ،وناجاه بما ذكره الله عز وجل في كتابه، قال الله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي


1) إلى هنا في سورة الأحزاب : 7.

2) الأحزاب : 6.

3) الشرح : 4.

4) أثبتناه من «ج».

5) النجم : 8

الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (1).

وكانت هذه الآية قد عرضت على سائر الأمم من لدن آدم إلى مبعث محمد صلى الله عليه وآله، فأبوا جميعاً أن يقبلوها من ثقلها وقبلها محمد صلى الله عليه وآله وأمّته، فلما رأى الله عز وجل منه ومن أمته القبول خفّف عنه ثقلها، فقال الله عزوجل:( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ) (2)ّثم انّ الله عز وجل تكرّم على محمد، وأشفق على أمّته (3)من تشديد الآية التي قبلها هو وأمّته، فأجاب عن نفسه وعن أُمّته فقال: (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ و ) (4). فقال الله عز وجل: لهم المغفرة والجنّة إذا فعلوا ذلك.

فقال النبي صلى الله عليه وآله:( سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) (5)يعني المرجع في الآخرة، فأجابه سبحانه: قد فعلت ذلك بتأبي أُمتك (6)، قد أوجبت لهم المغفرة، ثمّ قال الله عز وجل: أمّا إذا قبلتها أنت وأمّتك وقد كانت عُرضت من قبل على الأنبياء والأمم فلم يقبلوا، فحقّ عليّ أن أرفعها عن أمّتك،فقال الله : لا يكلّف الله نفساً إلّا وسعها لها ما كسبت من خير وعليها ما اكتسبت من شر.

ثم ألهم الله عز وجل نبيّه صلى الله عليه وآله أن قال: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) (7)فقال الله سبحانه: لكرامتك يا محمد عليّ انّ الأمم السالفة كانوا


1) النجم : 8

2) البقرة : 284

3) البقرة : 285

4) في «ج»: أشفق عليه.

5) البقرة : 285

6) في «ج»: تباهي أمتك الأمم.

7) لبقرة : 286

إذا نسوا ما ذكروا فتحت عليهم أبواب عذابي، وقد رفعت ذلك عن أمّتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :(رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ) (1)يعني بالآصار الشدائد التي كانت على الأمم ممّن كان قبل محمد صلى الله عليه وآله، فقال عز وجل: قد رفعت عن أمتك الآصار التي كانت على الأمم السالفة، وذلك إنّي جعلت على الأمم أن لا أقبل فعلاً إلا في بقاع من الأرض اخترتها لهم وإن بعدت، وقد جعلت الأرض لك ولأمتك طهوراً ومسجداً، فهذه من الآصار وقد رفعتها عن أمتك.

وقد كانت الأمم السالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى البيت المقدس، فمن قبلت ذلك منه أرسلت على قربانه ناراً تأكله، وإن لم أقبل ذلك منه رجع به مثبوراً، وقد جعلت قربان أمتك في بطون فقرائها ومساكينها، فمن قبلت ذلك منه أضاعف له الثواب أضعافاً مضاعفة، وإن لم أقبل ذلك منه رفعت به عنه عقوبات الدنيا، وقد رفعت ذلك عن أمتك وهي من الآصار التي كانت [على الأمم السالفة] (2).

وكانت الأمم السالفة مفروضاً عليها صلواتها في كبد الليل وأنصاف النهار، وهي الشدائد التي كانت وقد رفعتها عن أمّتك، وفرضت عليهم صلواتهم في أطراف الليل والنهار وفي أوقات نشاطهم.

وكانت الأمم السالفة مفروضاً عليهم خمسون صلاة في خمسين وقتاً، وهي من الآصار التي كانت عليهم وقد رفعتها عن أمّتك، وكانت الأمم السالفة حسنتهم بحسنة واحدة وسيئتهم بسيّئة واحدة، وجعلت لأمتك الحسنة بعشر (3)والسيئة بواحدة.

وكانت الأمم السالفة إذا نوىٰ أحدهم حسنة لم تكتب له، وإذا همّ بالسيئة


1) البقرة : 286 .

2) أثبتناه من «ج».

3) في «ب»: بعشرة أمثالها.

كتبتها عليه وإن لم يعملها، وقد رفعت ذلك عن أمتك، فإذا هم أحدهم بسيئة ولم

يعملها لم تكتب عليه ، وإذا هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة.

وكانت الأمم السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم، وجعلت توبتهم من الذنب أن أحرّم عليهم بعد التوبة أحبّ الطعام إليهم، وكانت الأمم يتوب أحدهم من الذنب الواحد المائة سنة والمائتي سنة، ثم لم أقبل توبته دون أن أعاقبه في الدنيا بعقوبة، وقد رفعت ذلك عن أمتك، وانّ الرجل من أمتك ليذنب المائة سنة ثم يتوب ويندم طرفة عين فأغفر له ذلك كله وأقبل توبته.

وكانت الأمم السالفة إذا أصابهم أدنى نجس قرضوه من أجسادهم، وقد جعلت الماء طهوراً لأمّتك من جميع الأنجاس والصعيد في الأوقات، وهذه من الآصار التي كانت عليهم ورفعتها عن أمتك.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذ قد فعلت ذلك بي فزدني، فألهمه الله سبحانه أن قال: ( رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) (1)قال الله عز وجل: قد فعلت ذلك بأمّتك، وقد رفعت عنهم عظيم بلايا الأمم، وذلك حكمي في جميع الأمم أن لا أكلّف نفساً فوق طاقتها، قال:(وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا ) (2)قال الله عز وجل: قد فعلت ذلك بتأبي أُمّتك.

ثمّ قال:( َانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (3)قال الله عز وجل: قد فعلت ذلك وجعلت أمّتك يا أحمد كالشامة البيضاء في الثور الأسود، هم القادرون وهم القاهرون، يستخدمون ولا يُستخدمون لكرامتك، وحقَّ علىَّ أن أظهر دينك على الأديان حتّى لا يبقیٰ في شرق الأرض ولا في غربها دين إلّا دينك، ويؤدّون إلى أهل


1) البقرة : 286 .

2) البقرة : 286

3) البقرة : 286

دينك الجزية وهم صاغرون، (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عند سدرة المنتهى . عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى . مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى . لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ).(1).

فهذه أعظم يا أخا اليهود من مناجاته لموسىٰ على طور سيناء، ثمّ زاد الله محمداً صلى الله عليه وآله ان مثّل النبييّن فصلّىٰ بهم وهم خلفه يقتدون به، ولقد عاين تلك الليلة الجنّة والنار، وعرج به إلى السماء (2)فسلّمت عليه الملائكة، فهذا أكثر من ذلك.

قال اليهودي: فإنّ الله عز وجل ألقىٰ على موسى محبّة منه ،فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك ومحمد صلى الله عليه وآله ألقىٰ عليه محبّة منه فسماه حبيباً ،وذلك ان الله جلّ ثناؤه أرىٰ ابراهيم صورة محمّد وأمّته فقال: يا ربّ ما رأيت من أمم الأنبياء أنور [ولا أزهر] (3)من هذه الأمّة، فمن هذا؟ فنودي: هذا محمد حبيبي ،لا حبيب لي من خلق غيره، أجريت ذكره (4)قبل أن أخلق سمائي وأرضي، وسميته نبياً وأبوك آدم يومئذ من الطين ما أجريت فيه روحاً، ولقد ألقيت أنت معه في الذروة الأولىٰ، وأقسم بحياته في كتابه فقال عز وجل: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (5)أي وحياتك يا محمد ، وكفىٰ بهذا رفعة وشرفاً من الله عز وجل ورتبة.

قال اليهودي: فأخبرني بما فضّل الله به أمّته على سائر الأمم ؟ قال علي عليه السلام: لقد فضّل الله اُمّته صلى الله عليه وآله على سائر الأمم بأشياء كثيرة أنا أذكر لك منها قليلاً من كثير ،من ذلك قول الله عز وجل: («كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ


1) النجم : 13-18.

2) عرج به إلى سماء سماء.

3) أثبتناه من «ب».

4) في «ج»: أحببته.

5) الحجر : 72

لِلنَّاسِ) (1).

ومن ذلك أنّه إذا كان يوم القيامة و جمع الله الخلق في صعيد، سأل الله عز وجل النبييّن: هل بلغتم ؟ فيقولون: نعم، فيسأل الأمم فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا ،نذير، فيقول الله جلّ ثناؤه - وهو أعلم بذلك - للنبيّين: من شهداءكم اليوم؟ فيقولون: محمد وأمّته، فتشهد لهم أمة محمد بالتبليغ وتصدق شهادتهم شهادة محمد صلى الله عليه وآله ،فيؤمنون عند ذلك، وذلك قول الله عز وجل:(لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) (2)يقول: يكون محمد عليكم شهيداً انكم قد بلغتم الرسالة. ومنها أنّه أوّل الناس حساباً، وأسرعهم دخولاً إلى الجنّة قبل سائر الأمم كلّها، ومنها أيضاً انّ الله عز وجل فرض عليهم في الليل والنهار خمس صلوات في خمس أوقات اثنتان بالليل وثلاث بالنهار ، ثم جعل هذه الخمس صلوات تعدل خمسين صلاة، وجعلها كفارة خطاياهم، فقال عز وجل: ( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ) (3)يقول : صلوات الخمس تكفّر الذنوب ما اجتنب العبد الكبائر.

ومنها أيضاً انّ الله تبارك وتعالى جعل لهم الحسنة الواحدة التي يهمّ بها العبد ولا يعملها حسنة واحدة يكتبها له، فإن عملها كتب له عشر حسنات، وأمثالها إلى سبعمائة ضعف فصاعداً.

ومنها انّ الله عز وجل يدخل الجنّة من أهل هذه الأمة سبعين ألفاً بغير حساب، ووجوههم مثل القمر ليلة البدر ، والذين يلونهم على أحسن ما يكون الكوكب الدري في أفق السماء، والذين [قلوبهم](4)على أشدّ كوكب في السماء


1) آل عمران: 110

2) البقرة : 143 .

3) هود : 114.

4) أثبتناه من «ب»، وفي «الف»: يلوهم.

إضاءة، ولا اختلاف بينهم ولا تباغض بينهم.

ومنها انّ القاتل منهم عمداً إن شاء أولياء المقتول أن يعفوا عنه فعلوا، وإن شاؤوا قبلوا الدية، وعلى أهل التوراة - وهم أهل دينك - يقتل القاتل ولا يُعفىٰ عنه ولا تؤخذ منه دية، قال الله عز وجل :ذلك تخفيف من ربِّكم ورحمة.

ومنها انّ الله عز وجل جعل فاتحة الكتاب نصفها لنفسه، ونصفها لعبده، قال الله تعالى : قسمت بيني وبين عبدي هذه السورة، فإذا قال أحدهم: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) فقد حمدني، وإذا قال: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) فقد عرفني، وإذا قال: ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) فقد مدحني، وإذا قال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) فقد أثنىٰ عليَّ، وإذا قال:( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) فقد صدق عبدي في عبادتي بعدما سألني، وبقية هذه السورة له.

ومنها انّ الله عز وجل بعث جبرئيل إلى النبي صلى الله عليه وآله أن بشّر اُمّتك بالزين والسناء (1)والرفعة والكرامة والنصر.

ومنها انّ الله سبحانه أباحهم صدقاتهم يأكلونها، ويجعلونها في بطون فقرائهم يأكلون منها ويطعمون، وكانت صدقات من كان قبلهم من الأمم المؤمنين(2)يحملونها إلى مكان قصي فيحرقونها بالنار.

ومنها انّ الله عز وجل جعل الشفاعة لهم خاصة دون الأمم، والله تعالى متجاوز (3)عن ذنوبهم العظام لشفاعة نبيّهم صلى الله عليه وآله.

ومنها أنه يقال يوم القيامة: ليتقدّم الحامدون، فتتقدّم أمّة محمد صلى الله عليه وآله قبل الأمم، وهو مكتوب أمّة محمد الحامدون، يحمدون الله عزوجل على كلّ منزلة ويكبرونه على كلّ محل، مناديهم في جوف السماء لهم دوي كدوي النحل.


1) في «ج»: النساء.

2) في «ج»: الماضين.

3) في «ج»: يتجاوز.

ومنها انّ الله لا يهلكهم بجوع، ولا يجمعهم على ضلالة، ولا يسلّط عليهم عدوّاً من غيرهم، ولا يساخ ببقيّتهم، وجعل لهم الطاعون شهادة.

ومنها انّ الله جعل لمن صلّىٰ منهم على نبيّه صلى الله عليه وآله صلاة واحدة عشر حسنات ،ومحا عنه عشر سيئات، وردّ الله سبحانه عليه مثل صلاته على النبي صلى الله عليه وآله.

ومنها أنّه جعلهم أزواجاً ثلاثة أمماً، منهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات، والسابق بالخيرات يدخل الجنّة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً، والظالم لنفسه مغفوراً له إن شاء الله.

ومنها انّ الله عز وجل جعل توبتهم الندم والاستغفار والترك للاصرار، وكانت بنو اسرائيل توبتهم قتل أنفسهم، ومنها قول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله: أمتك هذه مرحومة، عذابها في الدنيا الزلزلة والفقر.

ومنها انّ الله عز وجل يكتب للمريض الكبير من الحسنات على حسب ما كان يعمل في شبابه وصحّته من أعمال الخير، يقول الله سبحانه للملائكة: اكتبوا لعبدي مثل حسناته قبل ذلك مادام في وثاقي.

ومنها انّ الله عز وجل ألزم أُمّة محمد صلى الله عليه وآله كلمة التقوىٰ، وجعل بدو الشفاعة لهم في الآخرة.

ومنها انّ النبي صلى الله عليه وآله رأىٰ في السماء ليلة عرج به إليها ملائكة قياماً وركوعاً منذ خلقوا، فقال: يا جبرئيل هذه هي العبادة، فقال له جبرئيل: صدقت یا محمد فسل الله ربّك أن يعطي أمّتك (1)القنوت والركوع والسجود في صلاتهم، فأعطاهم الله عز وجل ذلك، فأمة محمد صلى الله عليه وآله يقتدون بالملائكة الذين في السماء.


1) في «ج»: يعطيك

وقال النبي صلى الله عليه وآله :انّ اليهود يحسدونكم على صلاتكم وركوعكم وسجودكم، فالحمد لله الذي اختص أمة محمد صلى الله عليه وآله بهذه الكرامة فبعث إليهم خير النبييّن، ووفّقهم للاقتداء بالملائكة الذين في السماوات، ونسخ بكتابهم كلّ كتاب نزل من السماء، وجعله مهيمناً على الكتب، وجعلهم يدخلون الجنّة قبل مؤمني الأمم كلّها، كرامة من الله عز وجل ورحمة بها (1)

[أحاديث في فضائل أهل البيت عليهم السلام]

يرفعه الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان قدّس الله روحه إلى زيد الشهيد قال: دخل أحمد بن بكر على زيد بن عليّ فقال له: يا ابن رسول الله حدّثني من فضل ما أنعم الله به عليكم؟ قال: نعم، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحبنا أهل البيت فنحن شفعاؤه يوم القيامة.

يا ابن بكر من أحبّنا في الله حشر معنا وأدخلناه معنا الجنّة، يا ابن بكر من تمسك بنا فهو معنا في الدرجات العلىٰ، يا ابن بكر انّ الله تعالى اصطفى محمداً صلى الله عليه وآله واختارنا ذريّته، فلولانا لم يخلق الله الدنيا والآخرة، يا ابن بكر بنا عُرف الله، وبنا عبد الله، ونحن السبيل إلى الله، ومنّا المصطفیٰ والمرتضىٰ، ومنّا يكون المهدي قائم هذه الأمة.

فقلت: هذا الذي تقوله عنك أو عن رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: بل عهد عهده إلينا رسول الله صلى الله عليه و آله (2).

يرفعه المفيد أيضاً إلى عبد الله بن العباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه


1) عنه البحار 16 : 341 ح :33؛ ونحوه باختصار في الاحتجاج 1 : 497

2) راجع البحار 46 : 202 ح 77 عن كفاية الأثر بتفصيل أكثر.

وآله: انّ الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني نبيّاً، ثمّ اطلع ثانية فاختار منها عليّاً فجعله اماماً، ثمّ أمرني أن اتّخذه أخاً ووصيّاً وخليفة ووزيراً، فعليّ منىّ وهو زوج ابنتي وأبو سبطى الحسن والحسين، ألا وان الله تعالى جعلني أنا وهم (1)حججاً على عباده، وجعل من صلب الحسين أئمة يقومون بأمري، ويحفظون وصيّتى، التاسع منهم قائمهم (2).

يرفعه الشيخ المفيد إلى أنس بن مالك قال: كنت أنا وأبو ذر وسلمان، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم عند النبي صلى الله عليه وآله إذ دخل الحسن والحسين صلوات الله عليهما، فقبّلها رسول الله صلى الله عليه وآله، وقام أبو ذر فانكبّ عليهما وقبل أيديهما، ثمّ رجع فقعد معنا فقلنا له سرّاً: يا أبا ذر أنت رجل شيخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، تقوم إلى صبيّين من بني هاشم فتنكبّ عليهما وتقبل أيديهما؟

فقال: نعم، لو سمعتم ما سمعت فيهما من رسول الله صلى الله عليه وآله لفعلتم بهما أكثر ممّا فعلت فقلنا: وماذا سمعت يا أبا ذر ؟ قال: سمعته يقول لعليّ ولهما: يا عليّ والله لو أنّ رجلاً صام وصلّىٰ حتى يصير كالشنّ البالي، إذن ما نفعته صلاته وصومه إلّا بحّبك، يا علي من توسّل إلى الله عز وجل بحبّكم فحق على الله أن لا يرّده، يا على من أحبّكم وتمسّك بكم فقد تمسك بالعروة الوثقیٰ.

قال: ثمّ قام أبو ذر وخرج وتقدّمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقلنا: يا رسول الله أخبرنا أبو ذر عنك بكيت وكيت فقال: صدق أبو ذر ، والله ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.

ثمّ قال صلى الله عليه وآله: خلقني الله تبارك وتعالى وأهل بيتي من نور واحد


1) في «ج»: إياهم.

2) عنه البحار 36: 301 - 139.

قبل أن يخلق آدم بسبعة آلاف عام، ثم نقلنا إلى صلب آدم، ثمّ نقلنا من صلبه إلى أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطّهرات، قلت (1): يا رسول الله فأين كنتم، وعلى أيّ مثال كنتم؟ قال: كنّا أشباهاً من نور تحت العرش نسّبح الله ونقدّسه ونمجّده.

ثم قال صلى الله عليه وآله : لما عرج بي إلى السماء وبلغت سدرة المنتهىٰ ودعني جبرئيل عليه السلام، فقلت له: جبرئيل حبيبي أفي هذا المكان تفارقني؟ فقال: إنّى لا أجوزه فتحترق أجنحتي، قال: ثم زج بي في النور ما شاء الله، وأوحى الله إلي: يا محمد إنّي اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبياً، ثمّ اطلعت ثانية فاخترت منها علياً وجعلته وصيّك، ووارث علمك، والإمام بعدك ،وأخرج من أصلا بكما الذرية الطاهرة، والأئمة المعصومين خزّان علمي، فلولاكم ما خلقت الدنيا ولا الآخرة ولا الجنّة ولا النار.

يا محمد أتحبّ أن تراهم؟ قلت :نعم يا رب ،فنوديت:يا محمد ارفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا أنا بأنوار عليّ، والحسن ّوالحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى ومحمد بن علي ،وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والحجة يتلألأ من بينهم كأنه كوكب درّي.

فقلت: يا ربّ من هؤلاء؟ ومن هذا؟ قال: يا محمد هم الأئمة من بعدك المطهرون من صلبك، وهذا الحجّة الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ويشفي صدور قوم مؤمنين، فقلنا: بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله لقد قلت عجباً، فقال صلى الله عليه وآله :وأعجب من هذا ان قوماً يسمعون منِى هذا الكلام ثمِ يرجعون على أعقابهم بعد إذ هداهم الله ويؤذونني فيهم، ما لهم؟ لا أنا لهم الله شفاعتي (2).

وعنه يرفعه إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال لي أمير المؤمنين


1) في «ج»: فقلنا.

2) عنه البحار 36 301 ح 140؛ ومعالم الزلفى : 252؛ وانظر أيضاً كفاية الأثر : 70.

عليه السلام: يا سلمان الويل كلّ الويل لمن لا يعرفنا حقّ معرفتنا وانكر فضلنا، يا سلمان أيّما أفضل محمداً صلى الله عليه وآله أو سليمان بن داود عليه السلام؟ قال سلمان: بل محمد صلى الله عليه وآله [أفضل] (1).

فقال: يا سلمان فهذا آصف بن برخيا قدر أن يحمل عرش بلقيس من فارس وعندي إلى سبأ في طرفة عين وعنده علم من الكتاب، ولأفعل أنا أضعاف ذلك ألف كتاب ،أنزل الله على شيث بن آدم عليه السلام خمسين صحيفة، وعلى ادريس النبي عليه السلام ثلاثين صحيفة، وعلى ابراهيم الخليل عليه السلام عشرين صحيفة، والتوراة والانجيل والزبور والفرقان.

فقلت: صدقت يا سيّدي، قال الإمام عليه السلام: اعلم يا سلمان انّ الشاك في أمورنا وعلومنا كالممتري (2)في معرفتنا وحقوقنا، وقد فرض الله ولايتنا في كتابه في غير موضع ،وبيّن فيه ما وجب العمل به وهو غير مكشوف (3).

وعن الشيخ محمد بن يعقوب مرفوعاً إلى اسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه كتب إلى أصحابه المؤمنين بهذه الرسالة، من جملتها قال: من سرّه أن يلقی الله وهو مؤمن حقاً حقاً فليتولى الله ورسوله والذين آمنوا، وليتبرأ إلى الله من عدوّهم (4)، وليسلم لما انتهى إليه من فضلهم، لأنّ فضلهم لا يبلغه ملك مقرّب، ولا نبي مرسل، ولا من دون ذلك.

ألم تسمعوا ما ذكر (5)من فضل اتّباع الأئمة الهداة وهم المؤمنون، قال:( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ


1) أثبتناه من «ج».

2) في «ب»: كالمستهزئ.

3) عنه البحار 26 : 221 - 47

4) في «ج»: من أعدائهم.

5) في «ج»: ما ذكر الله تعالى.

وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) (1)فهذا وجه من وجوه فضل اتّباع الأئمة، فكيف بهم وبفضلهم، واعلموا انّ أحداً من خلق الله لم يصب رضى الله إلا بطاعته، وطاعة رسوله، وطاعة ولاة الأمر من آل محمد صلوات الله عليهم، ومعصيتهم من معصية الله، ولم ينكر لهم فضلاً عظم أو صغر (2).

وعن أبي جعفر بن بابويه رضي الله عنه يرفعه إلى ابراهيم بن أبي محمود قال: قال الرضا عليه السلام :نحن حجج الله في أرضه، وخلفاؤه على عباده، وأمناؤه (3)على سرّه، ونحن كلمة التقوىٰ والعروة الوثقى (4)، ونحن شهداء الله وأعلامه في بريّته، بنا يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا، وبنا ينزل الغيث وينشر الرحمة، ولا تخلو الأرض من قائم منّا ظاهر أو خاف، ولو خلت يوماً بغير حجّة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله(5).

سوى الله لم يعرفكم يا بني الهدى ***وما عرف الله العلي سواكم

وما عرف الأملاك من عظم قدركم ***وجبريل يعنو (6)رفعة لعلاكم

فمن فوه مثلي أن يفوه بفضلكم*** ومن للساني أن يعد علاكم

خذوا بيدي يوم المعاد (7)واغفروا ***ذنوبي فما للعبد إلا ولاكم


1) في «ج»: ما ذكر الله تعالى.

2) لكافي :: 10 ح 1 عنه البحار 78 : 219 ح 93

3) في «ج»: وأوصياؤه.

4) قال العلّامة المجلسي رحمه الله ذيل الحديث قوله عليه السلام: «نحن كلمة التقوى» اشارة الى قوله تعالى وألزمهم كلمة التقوى وفسّرها المفسّرون بكلمة الشهادة وبالعقائد الحقة إذ بها يتقى من النار، أو هي كلمة أهل التقوى واطلاقها عليهم اما باعتبار أنهم عليهم السلام كلمات الله يعبرون عن مراد الله كما ان الكلمات تعبر عمّا في الضمير، أو باعتبار ان ولايتهم والقول بامامتهم سبب للاتقاء من النار، ففيه تقدير مضاف أي ذو كلمة التقوى والعروة الوثقى» اشارة الى أنّهم هم المقصودون بها في قوله تعالى: فقد استمسك بالعروة الوثقى ويحتمل هنا أيضاً حذف المضاف والعروة: كلّ ما يتعلّق أو يتمسّك به.

5) كمال الدين : 202 ح 6: عنه البحار 23 : 35 59.

6) لعله بمعنى يخضع، وفي «ج»: يعلو.

7) في «ج»: يوم القيامة.

فإن تغفروا فالله راض وغافر*** لأنّ رضى الله العلي رضاكم

يرفعه إلى خيثمة الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته وهو يقول: نحن جنب الله، ونحن صفوته، ونحن خيرته (1)، ونحن مستودع مواريث الأنبياء، ونحن أمناء الله عز وجل، ونحن حجته، ونحن أركان الايمان ودعائم الإسلام، ونحن رحمة الله على خلقه، ونحن بنا يفتح وبنا يختم.

ونحن أئمة الهدىٰ ومصابيح الدجىٰ، ونحن منار الهدىٰ، ونحن السابقون، ونحن الآخرون، ونحن العلم المرفوع للخلق، من تمسّك بنا لحق ومن تأخّر عنّا غرق، ونحن قادة الغرّ المحجّلين، ونحن خيرة الله ،ونحن الطريق الواضح والصراط المستقيم إلى الله عز وجل، ونحن من نعم الله على خلقه، ونحن المنهاج، ونحن معدن النبوّة، ونحن موضع الرسالة.

ونحن الدين، ونحن النبأ ومختلف الملائكة، ونحن السراج لمن استضاء بنا، ونحن السبيل لمن اقتدىٰ بنا، ونحن الهداة إلى الجنّة، ونحن عرى(2)الإسلام، ونحن الجسور والقناطر ، من مضىٰ عليها لم يسبق ومن تخلّف عنها محق، ونحن السنام الأعظم، ونحن الذين ينزل الله عز وجل بنا الرحمة، وبنا يسقون الغيث، ونحن الذين بنا يصرف الله عنكم العذاب، فمن عرفنا وأبصرنا وعرف حقّنا وأخذ بأمرنا فهو منّا وإلينا (3).

مرفوعاً إلى الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: تكون الأرض بغير إمام؟ قال: لا، قلت: [فيكون ](4)إمامان في وقت واحد؟ قال:


1) في «ج»: خيرة الله.

2) في «ج»: عزّ الإسلام.

3) بصائر الدرجات : 82 ح 10 الجزء الثاني عنه البحار 26 : 248 ح 18: وكمال الدين : 205 ح 20؛ وانظر أمالي الطوسي : 654 ح 1354.

4) أثبتناه من «ج».

لا ،إلا وأحدهما صامت، قلت: الإمام يعرف الإمام الذي بعده؟ قال: نعم، قلت: القائم إمام؟ قال: إمام ابن إمام، قد ائتمّ (1)به قبل ذلك (2).

يرفعه إلى عليّ بن أبي حمزة عن أبيه، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : حدّثني جبرئيل عن ربّ العزّة تبارك وتعالى قال: من علم أنّه لا إله إلّا أنا وحدي، وأنّ محمداً عبدي ورسولي، وأنّ علي بن أبي طالب خليفتي، وأن الأئمة من ولده حججي على بريّتي، أدخلته الجنةّ ونجيته من النار بعفوي، وأبحت له جواري، وأوجبت له كرامتي، وأتممت عليه نعمتي، وجعلته من خاصتي وخالصتي. إن ناداني لبيته، وإن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته، وإن سكت ابتدأته، وإن أساء ،رحمته، وإن فرّ منى دعوته، وإن رجع إليّ قبلته، وإن قرع بابي فتحته.

ومن لم يشهد أن لا إله إلّا أنا وحدى، أو شهد ولم يشهد أن محمداً عبدى ورسولي، أو شهد بذلك ولم يشهد أنّ علي بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك ولم يشهد أنّ الأئمة من بعده حججي، فقد جحد نعمتي، وصغر عظمتي، وكفر بآياتي وكتبي، إن قصدني حجبته، وإن سألني حرمته، وإن ناداني لم أسمع نداءه، وإن دعاني لم أسمع دعاءه، وإن رجاني خيبته، وذلك جزاؤه منّى، وما أنا بظلام للعبيد (3).

يرفعه إلى سلمان الفارسي رحمه الله قال: كنت جالساً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضته التي قبض فيها فدخلت فاطمة عليها السلام ،فلمّا رأت ما بأبيها من الضعف بكت حتّى جرت دموعها على خدّيها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: ما يبكيك يا فاطمة؟ قالت: يا رسول الله أخشى الضيعة على نفسي وولدي بعدك.


1) في البحار قد او ذنتم به .

2) كمال الدين : 223 ح 17 باب :22 عنه البحار 107:25 ح7

3) كمال الدين : 258 ح 3 باب 24؛ عنه البحار 36 : 251 ح68.

فاغرورقت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله بالبكاء ثمّ قال: يا فاطمة أما علمت إنّا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وأنّه حتم الفناء على جميع خلقه، وانّ الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك، ثمّ اطلع اطلاعة فاختار منها زوجك، فأوحى الله إلي أن أزوجك إيّاه وأن أتخذه وليّاً ووزيراً، وأن أجعله خليفتي في أمّتي، فأبوك خير أنبياء الله ورسله، وبعلك خير الأوصياء، وأنت أوّل من يلحق بي من أهلي.

ثمّ اطلع اطلاعة ثالثة فاختارك وولدك، فأنت سيدة نساء [العالم و] (1)أهل الجنّة، وابناك حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنّة، وأبناء (2)بعلك أوصيائي إلى يوم القيامة كلّهم هادون مهديّون، فالأوصياء بعدي أخي عليّ، ثمّ حسن، ثمّ حسين، ثمّ تسعة من ولد الحسين في درجتي، وليس في الجنّة درجة أقرب إلى الله عز وجل من درجتي ودرجة أبي ابراهيم، أما تعلمين يا بنيّة انّ من كرامة الله عز وجل إيّاك أن زوجك خير أُمّتي وخير أهل بيتي، أقدمهم سلماً، وأعظمهم حلماً، وأكثرهم علماً.

فاستبشرت فاطمة صلوات الله عليها وفرحت بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال: يا بنية ان لبعلك مناقب ،ايمانه بالله ورسوله قبل كلّ أحد لم يسبقه إلى ذلك أحد من أمّتي، وعلمه بكتاب الله عز وجل وسنّتي، وليس أحد من أمّتي يعلم جميع علمي غير عليّ، فإنّ الله عز وجل علّمني علماً لا يعلمه غيري ،وعلم ملائكته ورسله علماً، فكل ما علمه ملائكته ورسله فأنا أعلمه، وأمرني عز وجل أن أعلمه إيَّاه ففعلت، فليس أحد من أمّتي يعلم علمي وفهمي وحكمي غيره، وانك يا بنية زوجته، وابناه سبطاي حسن وحسين ،وهما سبطا امّتی، امره


1) أثبتناه من «ج».

2) في «ب»: وأبناؤك وبعلك.

بالمعروف ونهيه عن المنكر، وان الله عز وجل آتاه الحكمة وفصل الخطاب.

يا بنيّة إنا أهل بيت أعطانا الله عز وجل ست خصال لم يعطها أحداً من الأولين كان قبلكم، ولا يعطيها أحداً من الآخرين غيرنا: نبينا خير الأنبياء والمرسلين وهو أبوك، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة بن عبد المطلب عمّ أبيك، قالت: يا رسول الله هو سيد شهداء الذين قتلوا معه؟ قال: لا بل سيد شهداء الأولين والآخرين ما خلا الأنبياء والأوصياء، وجعفر أبي طالب ذو الجناحين الطائر في الجنّة مع الملائكة، وابناي حسن وحسين سبطا أمّتي وسيّدا شباب أهل الجنّة، ومنا والذي نفسي بيده مهدي هذه الأمة ،الذي تملأ الأرض به قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

قالت: فأي هؤلاء أفضل من الذين سميّت؟ قال: عليّ بعدي أفضل أمّتي، وحمزة وجعفر أفضل أهل بيتي بعد عليّ وبعدك وبعد ابنيّ وسبطيّ حسن وحسين ،وبعد يد الأوصياء من ولد ابني هذا - وأشار إلى الحسين عليه السلام - منهم المهدي إنا أهل بيت اختار الله عز وجل لنا الآخرة على الدنيا.

ثمّ نظر رسول الله صلى الله عليه وآله إليها وإلى بعلها وإلى ابنيها فقال: يا سلمان اشهد إنّى سلم لمن سالمهم وحرب لمن حاربهم، أما إنّى معهم (1)في الجنّة، ثمّ أقبل على عليّ عليه السلام فقال: يا أخي إنّك ستبقىٰ بعدي، وستلقیٰ من قريش شدّة من تظاهرهم عليك وظلمهم لك ، فإن وجدت عليهم أعواناً فقاتل خالفك بمن أطاعك ووافقك، وإن لم تجد أعواناً فاصبر وكف يدك ولا تلق بها إلى التهلكة، فإنّك منى بمنزلة هارون من موسىٰ، ولك بهارون أسوة حسنة إذ استضعفه قومه وكادوا يقتلونه، فاصبر لظلم قريش إيّاك وتظاهرهم عليك، فإنّك بمنزلة هارون ومن تبعه وهم بمنزلة العجل ومن تبعه.


1) في «ب»: أنّهم معي وأنا معهم.

يا عليّ ان الله تبارك وتعالى قد قضى الفرقة والاختلاف على هذه الأمة، ولو شاء لجمعهم على الهدى حتى لا يختلف اثنان من هذه الأمة، ولا يتنازع في شيء من أمره، ولا يجحد المفضول ذا الفضل فضله، ولو شاء لجعل (1)النقمة وكان منه التغيير حتى يكذب الظالم ويعلم الحق أين مصيره، ولكنّه جعل الدنيا دار الأعمال والآخرة دار القرار، ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وقال علي عليه السلام الحمد لله وشكراً على نعمائه، وصبراً على بلائه (2).

يرفعه إلى الأعمش عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: سألته عن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وأحقهم بالأمر، فقال: علي بن أبي طالب إمام المتقين، وأمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين، وأفضل الوصيين، وخير الخلق أجمعين بعد رسول ربّ العالمين، وبعده الحسن ثم الحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وابنا خيرة النسوان.

ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي (3)، ثم من بعده الأئمة الهادية المهديّة (4)صلوات الله عليهم أجمعين، فإنّ فيهم الورع، والعفّة، والصدق، والصلاح والاجتهاد، وأداء الأمانة إلى البر والفاجر، وطول السجود، وقيام الليل، واجتناب المحارم، وانتظار الفرج بالصبر وحسن الصحبة، وحسن الجوار (5).

يرفعه المفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ) (6)ما هذه الكلمات؟ قال: هي الكلمات التي تلقاها آدم عليه السلام من ربه فتاب عليه، وهو أنّه قال: يا ربّ أسألك بحق


1) في «ج»: لعجل.

2) كمال الدين : 262 ح 10 باب 24 عنه البحار 28 : 52 ح 21

3) زاد في «ج»: ثم جعفر بن محمد.

4) في «ج»: الهداة المهديون.

5) راجع کمال الدین : 336 ح 9 باب 33؛ والخصال : 478 ح 46 أبواب الاثني عشر، باختلاف.

6) البقرة : 124

محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين الا تبت عليّ، فتاب الله عليه إنّه هو التوّاب

الرحيم.

فقلت: یا ابن رسول الله فما معنىٰ قوله عز وجل: (فأتمهنّ) قال: يعني فأتمهنّ إلى القائم عليه السلام اثنا عشر إماماً، تسعة من ولد الحسين، قال المفضل: فقلت له: يا ابن رسول الله فكيف صارت الامامة في ولد الحسين دون الحسن، وهما جميعاً ولدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسبطاه وسيّدا شباب أهل الجنّة.

فقال عليه السلام: إنّ موسى وهارون كانا نبیيّن مرسلين ،أخوين فجعل الله تبارك وتعالى النبوّة في صلب ولد هارون دون صلب موسىٰ، ولم يكن لأحد أن يقول لم فعل الله ذلك، وان الامامة خلافة من الله عز وجل ليس لأحد أن يقول لِمَ جعل الله الامامة في صلب الحسين دون صلب الحسن، فإنّ الله عز وجل هو عز وجل هو الحكيم

فى أفعاله لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون (1).

يرفعه إلى سعد بن عبد الله القمي قال: أعددت نيفاً وأربعين مسألة صعاب المسائل لم أجد لها مجيباً، فقصدت مولانا أبا محمد الحسن بن عليّ العسكري عليه السلام بسر من رأىٰ، فلمّا انتهينا إلى باب سيّدنا عليه السلام فاستأذنا عليه فخرج الاذن بالدخول.

قال سعد: فما شبهت مولانا أبا محمد عليه السلام حين غشينا نور وجهه إلّا ببدر قد استوفىٰ لياليه أربعاً بعد عشر، وعلى فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة والمنظر، فسلّمنا عليه فألطف في الجواب وأوماً إلينا بالجلوس، فلمّا جلسنا سألته شيعته عن أمورهم في دينهم ودنياهم (2)، فنظر أبو محمد الحسن عليه السلام


1) كمال الدين : 358 - 55 باب 33؛ عنه البحار 24 : 177 ح 8: وانظر الخصال : 304 ح 84 باب 5 ومعاني الأخبار : 126 ح 1.

2) في «الف» و «ج»: وهداياهم.

إلى الغلام وقال: يا بني أجب شيعتك ومواليك، فأجاب كل واحد عمّا في نفسه وعن حاجته من قبل أن يسأله عنها في أحسن جواب، وأوضح برهان، حتّى حارت عقولنا من غامر علمه، واخباره بالغائبات.

ثمّ التفت إليّ أبو محمد عليه السلام وقال: ما جاء بك يا سعد؟ قلت: شوقي إلى لقاء مولانا، فقال: المسائل التي أردت أن تسأل عنها؟ قلت: على حالها يا مولاي، قال: فسل قرة عيني - وأوماً إلى الغلام - عمّا بدا لك منها.

فكان من بعض ما سألته أن قلت له: يا ابن رسول الله أخبرني عن تأويل: (كهيعص)(1)، قال: هذه الحروف من أنباء الغيب اطلع الله عليها عبده زكريا ثمّ قصّها على محمد صلى الله عليه وآله ،وذلك انّ زكريا سأل الله تعالى أن يعلمه أسماء الخمسة، فهبط عليه جبرئيل عليه السلام فعلّمه إيّاها ، وكان زكريا إذا ذكر محمداً وعلياً وفاطمة والحسن سري عنه همّه وانجلى عنه كربه، فإذا ذكر الحسين خنقته العبرة، ووقعت عليه البهرة.

فقال ذات يوم :يا الهي ما بالي إذا ذكرت أربعة منهم تسلّيت بأسمائهم من همومي، وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي، فأنبأه الله عزوجل عن ،قصّته فقال: كهيعص، فالكاف اسم كربلاء، والهاء هلاك العترة، والياء يزيد ظالم الحسين، والعين عطشه، والصاد صبره.

فلما سمع بذلك زكريا عليه السلام لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام، ومنع فيهنّ الناس من الدخول عليه، وأقبل على البكاء والنحيب، وكانت ندبته: «الهي أتفجع خير جميع خلقك بولده الهي أتنزل هذه الرزية بفنائه، الهي أتلبس علياً وفاطمة ثياب هذه المصيبة الهى أتحلّ كربة هذه الفجيعة بساحتها؟!».

ثمّ قال: اللّهمّ ارزقني ولداً تقرّ به عيني على الكبر، وتجعله وارثاً رضيّاً


1) مريم: 1.

يوازي محلّه منّى محلّ الحسين عليه السلام، فإذا رزقتنيه فافتى بحبه ثمّ افجعني به كما تفجع محمداً حبيبك، وكان حمل يحيى ستة أشهر وكان الحسين عليه السلام كذلك، وله قصة طويلة (1).

مرفوعاً إلى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعليّ عليه السلام :يا عليّ شيعتك هم الفائزون يوم القيامة، من أهان واحد منهم فقد أهانك، ومن أهانك فقد أهانني، ومن أهانني أدخله الله نار جهنّم خالداً فيها وبئس المصير.

يا عليّ أنت منّي وأنا منك، روحك من روحي، وطينتك من طينتي، وشعيتك خلقوا من فضل طينتنا، فمن أحبّهم فقد أحبّنا، ومن أبغضهم فقد أبغضنا، ومن عاداهم فقد عادانا، ومن ردّهم فقد ردّنا ، يا علي ان شيعتك مغفور لهم على ما كان منهم من ذنوب وعيوب، يا عليّ أنا الشفيع لشيعتك غداً إذا قمت المقام المحمود فبشّرهم بذلك، يا عليّ سعد من تولّاك وشقي من عاداك، يا عليّ لك كنز في الجنّة وأنت ذو قرنيها (2)

يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: حدثنّي أبي، عن أبيه، عن الحسين بن عليّ عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فاطمة بهجة (3)قلبي، وابناها ثمرة فؤادي، وبعلها نور بصري، والأئمة من ولدها أمناء ربّي، وحبله


1) كمال الدين : 461 ضمن حديث 21 عنه البحار 52 : 80 ح 1.

2) أمالي الصدوق : 23 ح 8 مجلس 4 عنه البحار 68: 7 ح 1؛ وانظر أيضاً بشارة المصطفى : 18. قال الشيخ الصدوق رحمه الله في معاني الأخبار ص 206 .... وقد سمعت بعض المشايخ يذكر ان هذا الكنز هو ولده المحسن عليه السلام وهو السقط الذي ألقته فاطمة عليها السلام لما ضغطت بين البابين، واحتج في ذلك بما روي في السقط في السقط من أنه يكون محبطاً على باب الجنّة، فيقال له: أدخل الجنة، فيقول: لا حتى يدخل أبواي قبلي ... وأما قوله صلى الله عليه وآله: «وأنت ذو قرنيها فإنّ قرني الجنّة الحسن والحسين لما روي ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله عز وجل يزيّن بهما جنته كما تزين المرأة بقرطيها، وفي خبر آخر يزين الله بهما عرشه، وفي وجه آخر معنى قوله صلى الله عليه وآله: «وأنت ذو قرنيها» أي إنك صاحب قرني الدنيا وانك الحجّة على شرق الدنيا وغربها وصاحب الأمر فيها والنهي فيها.

3) في «الف»: مهجة.

الممدود بينه وبين خلقه، من اعتصم بهم نجا، ومن تخلف عنهم هوىٰ (1).

وروى الشيخ المفيد رحمه الله عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه ذكر في خبر طويل من جملته قال: انّ لمحمد صلى الله عليه وآله يوم القيامة قبل الحساب مقاماً يقوم فيه، وهو المقام المحمود الذي ذكره الله عز وجل، يقوم فيثني على الله تبارك وتعالى بما لم يثن أحد من قبله، ثمّ تثنى عليه الملائكة فلا يبقیٰ ملك إلّا أثنىٰ على محمد و آل محمد .

ثمّ تثني عليهم الرسل، ثمّ يثني عليهم كلّ مؤمن ومؤمنة، يبدأ بالصدّيقين والشهداء والصالحين، ثمّ تحمده أهل السماوات والأرض، وذلك قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) (2)فطوبىٰ لمن كان له في ذلك المقام حظّ ونصيب، وويل لمن لم يكن له فيه حظ ولا نصيب (3).

يرفعه إلى أبي حمزة قال: قدم قتادة على أبي جعفر عليه السلام وحوله أهل خراسان وغيرهم يسألونه عن مناسك الحجّ وغيره فجلس قريباً منه، فلمّا قضىٰ أبو جعفر عليه السلام حوائج القوم وانصرفوا التفت إلى الرجل فقال له: من أنت؟ قال: أنا قتادة بن دعامة السدوسي البصري، قال أبو جعفر عليه السلام: فقيه أهل البصرة؟ قال: نعم.

قال: ويحك يا قتادة ان الله تعالى خلق خلقاً من خلقه فجعلهم حججاً على عباده، أوتاداً في أرضه، قواماً بأمره نجباء في علمه، اصطفاهم قبل خلقه أظلّة عن يمين عرشه، قال: فسكت قتادة طويلاً ثمّ قال: أصلحك الله، والله لقد جلست بين يدي العلماء والفقهاء وبين يدي ابن عباس، فما اضطرب قلبي قدام أحد منهم


1) فضائل ابن شاذان : 146: ومائة منقبة : 100 ح 44: عنهما البحار 23 : 142 ح 95

2) الاسراء : 79

3) انظر التوحيد للصدوق : 261 ح 5 باب 36 عنه البحار 7 : 119 ح 55: وانظر الاحتجاج 1 : 567 ح 136 : ولم : 7 1 نعثر عليه في كتب الشيخ المفيد رحمه الله.

اضطرابه قدامك.

فقال أبو جعفر : ويحك أتدري بين يدي من أنت، أنت بين يدي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبّح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة، فأنت ثمّ ونحن أولئك، قال قتادة: صدقت و الله جعلني الله فداك يا ابن رسول الله، ماهي بيوت حجارة ولا بيوت طين(1).

مرفوعاً إلى الحسين بن خالد، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحبّ أن يركب سفينة النجاة، ويتمسّك بالعروة الوثقىٰ، ويعتصم بحبل الله المتين فليتوال علياً من بعدي ولياً، وليعادي عدوّه، ثمّ يتوال (2)الأئمة الهداة من ولده، فإنّهم خلفائي، وأوصيائي، وحجج الله على الخلق بعدي، وسادة أُمّتي، وقادة الأتقياء إلى الجنّة، حزبهم حزبي وحزبي حزب الله، وحزب أعدائهم حزب الشيطان (3).

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ان الله عزوجل يقول: يا عبادي أوليس من كان له اليكم حاجة من كبار الحوائج لا تجودون (4)بها إلّا إذا تحمل عليكم بأحّب الخلق اليكم تقضونها كرامة لشفيعهم، ألا فاعلموا ان أكرم الخلق علىّ، وأحبّهم إلىّ، وأفضلهم لديّ محمد وأخوه علىّ من بعده والأئمة الذين هم الوسائل، ألا فليدعني من أهمّته حاجة يريد نفعها، أو دهمته داهية يريد كشف ضرّها(5)بمحمد و آله الطاهرين أقضها أحسن ما


1) الكافي 6 : 256 ح 1: عنه البحار 46: 357 ح 11.

2) في «ج»: ثمّ ليأتم بالأئمة.

3) أمالي الصدوق : 26 - 5 مجلس 5: عنه البحار 38: 92 ح 5

4) في «ج»: لا تجدون

5) في «الف»: ضررها.

يقضيها من يتشفّعون إليه بأحب الخلق إليه.

فقال له قوم من المنافقين والمشركين - وهم يستهزؤون : يا أبا عبد الله ما لك لا تقترح (1)على الله وتتوسل بهم أن يجعلك أغنىٰ أهل المدينة؟ فقال لهم سلمان رضي الله عنه :قد دعوت الله وسألته بهم ما هو أجل وأنفع وأعظم وأفضل من الدنيا بأسرها، سألته بهم صلى الله عليهم أن يهب لي لساناً بحمده وثنائه ذاكراً، وقلباً لآلائه شاكراً، وبدناً على الدواهى الداهية لي صابراً، وهو عز وجل قد أجابني إلى ملتمسي من ذلك، وهو أفضل من ملك الدنيا بحذافيرها، وما يشتمل عليه من خيراتها بمائة ألف ألف مرّة (2).

وعن الإمام الحسن العسكري عليه السلام أنّه قال: حدّثني أبي، عن أبيه ،عن آبائه عليهم السلام انّ أبا ذر الغفاري جاء ذات يوم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله - وكان من خيار أصحابه - فقال: يا رسول الله انّ لي غنيمات قدر ستين شاة أكره أن أبدو فيها وأفارق حضرتك وخدمتك، وأكره أن اكلها إلى راع فيظلمها ويسيء إليها في رعايتها، فكيف أصنع ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ابد فيها فبدا فيها، فلمّا كان اليوم السابع جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و آله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا ذر فقال: لبيّك يا رسول الله، فقال: ما فعلت غنمك ؟ فقال : يا رسول الله إنّ لها قصة عجيبة، فقال: وما هي؟ فقال: يا رسول الله بينا أنا في صلاتي إذا عدا على غنمي الذئب، فقلت في قلبي: يا ربّ صلاتي يا ربّ غنمى، فأخطر الشيطان على بالي: يا أبا ذر أين أنت إن عدت الذئاب على غنمك وأنت تصلّى، فأهلكتها جميعاً، وما يبقىٰ لك فى الدنيا ما تعيش به.


1) في «الف»: تقرح.

2) راجع البحار 22 : 369 ح 9 عن تفسير الإمام العسكري عليه السلام.

فقلت للشيطان :يبقیٰ لي توحيد الله والايمان بمحمد صلى الله عليه وآله، وموالاة أخيه سيد الخلق بعده عليّ بن أبي طالب، وموالاة الأئمة الطاهرين من ولده عليهم السلام، ومعاداة أعدائهم وكلّ ما فات من الدنيا بعد ذلك باطل، وأقبلت على صلاتي، فجاء الذئب فأخذ حملاً وذهب، وأنا أحس به إذ أقبل على الذئب أسد فقطعه نصفين واستخلص الحمل وردّه إلى القطيع، ثمّ نادىٰ: يا أبا ذر أقبل على صلاتك فإنّ الله سبحانه قد وكّلني بغنمك إلى أن تصلّى.

فأقبلت على صلاتي وقد غشيني من العجب ما لا يعلمه إلّا الله، فجاءني الأسد وقال لي: امض إلى محمد واقرأه عنّى السلام، وأخبره انّ الله قد أكرم صاحبك الحافظ لشريعتك، ووكل أسداً بغنمه يحفظها، فسرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وعجب من كان حوله لما سمعوا ذلك (1).

مرفوعاً إلى سماعة قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: إذا كان يا سماعة لك حاجة إلى الله فقل: «اللهم إني أسألك بحق محمد وعلى (2)فإن لهما عندك شأناً من الشأن، وقدراً من القدر، فبحق ذلك الشأن وبحق ذلك القدر أن تصلى على محمد وآل محمد، وأن تفعل بي كذا وكذا» فإنّه إذا كان يوم القيامة لم يبق ملك مقرّب، ولا نبي مرسل، ولا مؤمن امتحن الله قلبه للايمان إلّا وهو محتاج إليهما في ذلك اليوم (3).

مرفوعاً إلى الحسن بن عليّ العسكري قال: إنّ الله تعالى قال: يا عبادي اعملوا أفضل الطاعات وأعظمها لأسامحكم إن قصّرتم فيا سواها، واتركوا أعظم المعاصى وأقبحها لئلا أناقشكم في ركوب ما عداها ،إنّ أعظم الطاعات توحيدي وتصديق نبيّي، والتسليم لمن ينصبه بعده، وهو عليّ بن أبي طالب والأئمة الطاهرين من نسله، وانّ أعظم المعاصي عندي الكفر بي وبنبيّي، ومنابذة وليّ محمد بعده عليّ


1) راجع البحار 22 : 393 ح 1: عن تفسير الإمام العسكري عليه السلام : 73 ح 37

2) زاد فى «ب»: وفاطمة

3) دعوات الراوندي : 51 ح 127؛ عنه البحار 8: 59 ح 81

بن أبي طالب وأوليائه من بعده.

وإن أردتم أن تكونوا عندي في المنظر الأعلىٰ والشرف الأشرف، فلا يكون أحد من عبادي آثر عندكم من محمد وبعده من أخيه عليّ، وبعدهما أبناؤهما (1)القائمين بأمر عبادي بعدهما، فإنّ من كان ذلك عقيدته جعلته من أشرف ملوك جناني.

واعلموا انّ من أبغض عبادي من الخلق إليّ من تمثّل بي وادّعىٰ ربوبيّتي، وأبغضهم إليّ بعده من تمثّل بمحمّد ونازعه في محلّه وشرفه وادّعاهما، وأبغض الخلق لهؤلاء المدّعون لما هم (2)به لسخطي متعرّضون، ومن كان لهم على ذلك من المعاونين، وأبغض الخلق إليّ بعد هؤلاء مَنْ كان من الراضين وإن لم يكن لهم من المعاونين.

كذلك أحبّ الخلق إلىّ القوّامون بحقّی، وأفضلهم لديّ وأكرمهم عليّ سيّد الورىٰ، وأكرمهم وأفضلهم بعده علىّ أخو المصطفى المرتضى، ثمّ من بعده القوّامون بالقسط من أئمة الحق، وأفضل الناس بعدهم من أعانهم على حقّهم، وأحبّ الخلق إليّ بعدهم من أحبهم وأبغض أعداءهم وإن لم يمكنه معرفتهم (3).

ثمّ قال الإمام العسكري عليه السلام :انّ رجلاً قال للصادق عليه السلام :يا ابن رسول الله إنّى عاجز ببدني عن نصرتكم ولم أملك إلا البراءة من أعدائكم واللعن عليهم، فكيف حالي؟.

فقال له الصادق عليه السلام: حدّثني أبي عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من ضعف عن نصرتنا أهل البيت فلعن في صلاته أعداءنا بلغ الله صوته جميع الأملاك من الثرى إلى العرش، وكلّما لعن هذا الرجل أعداءنا


1) في «ج»: إيناهما.

2) في البحار وأبغض الخلق إلي بعد هؤلاء المدعين لما هم به.

3) إلى هنا البحار :27 : 96 59: عن تفسير الإمام العسكري عليه السلام : 42 ح 19.

ساعدوه فلعنوا من يلعنه، ثمّ ثنّوا (1)وقالوا: اللّهمّ صلّ على عبدك هذا بَذَلَ ما في وسعه، ولو قدر على أكثر منه لفعل، فإذا النداء من قبل الله عز وجل: قد أجبت دعاءكم وسمعت نداءكم، وصلّيت على روحه في الأرواح، وجعلته عندي من المصطفين الأخيار (2).

وجميع هذه الأخبار تدلّ على ان آل محمد هم أشرف خلق الله تعالى، وهم الوسائل إليه لا يقبل الله عملاً إلّا بولايتهم والبراءة من أعدائهم، حتّى الملائكة والأنبياء والرسل لا شرف للجميع إلّا بهم، وانّ فضلهم عليهم السلام لا يحصىٰ، كما ورد عنهم عليهم السلام: انفوا عنّا الربوبية وقولوا ما شئتم، ولا سيما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فإنّ فضائله لا تحصيها البشر، فلنقتصر على هذا القدر.

من رام أن يحصى فضائلكم*** رام المحال وحاول التلفا

إنّي وفضل الله ليس له ***عد وأنتم فضله وكفىٰ

وقد ذكرنا في الكتاب ما يتضمّن حصول الفضائل له قبل وجوده وولادته ،فلنذكر أيضاً بعض ما له من الفضائل بعد مضيّه وحياته، ونختم الكتاب بذكر شيء من صفات أعدائه بعد ايراد هذين الحديثين.


1) في «ج»: أثنوا.

2) تفسير الإمام العسكري عليه السلام : 47 ح 21؛ عنه البحار 27 : 222 ح .11.

باب :[الفضائل الثابتة له عليه السلام بعد مضيه ووفاته]

اشارة

منقول من كتاب الأربعين للشيخ القدوة ،أخطب الخطباء، موفق الدين بن أحمد المكي، بالاسناد عن سليمان بن مهران الأعمش رحمه الله قال: بينا أنا ذات ليلة إذ أيقظني صياح الحرس وصك الباب عليّ، فقمت مرعوباً وناديت الغلام: ما هذا؟ فقال: رسل أبي جعفر المنصور، فقلت: إنّا لله وإنا إليه راجعون وفتحت الباب، فقال الرسول: أجب أمير المؤمنين.

فدخلت لألبس ثيابي وقلت في نفسي: ما بعث إليّ هذا الظالم في هذا الوقت إلّا ويسألني(1)عن شيء من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، إن قلت ما عندي من الحق قتلني لا محالة، وإن ملت إلى هواه تبوّأت جهنّم، فأيست من الحياة والحرس يستحثّوني، فلبست تحت ثيابي كفناً محنّطاً كنت قد أعددته لوفاتي، ثمّ ودعت أهلي وأطفالي، وخرجت معهم ولم أعقل شيئاً حتّى أدخلت عليه، فسلّمت سلام خائف ذاهل اللب.


1) في «ج»: ليسألني.

فأومأ إليّ بالجلوس فلم أجلس رعباً، ونظرت فإذا عمرو بن عبيدة عنده، فرجع إليّ ذهني حين رأيته ثمّ سلّمت ثانياً ثمّ جلست، فعلم إنّي رعبت (1)منه فقال لي: أدن منّى، فقمت ودنوت منه ،فشمّ منّى رائحة الحنوط فقال: ويلك يا ابن مهران لتصدّقني أمرك وإلّا أمرت بك (2)، فقلت: سل والله لا أكذبك.

فقال: ويحك ما هذا الحنوط، وما حدّثتك به نفسك حتّى فعلت هذا؟ فقلت: يا أمير المؤمنين الصدق أنجا، وأخبرته بجميع ما خطر ببالي، وما حدّثت نفسي به حتّى لبست كفني، وودعت قومي وصيّتي (3)، فلمّا سمع كلامي وثبت في نفسه صدقي قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، فلمّا سمعت حوقلته سكن روعي، وذهب بعض ما بي لما أعرف من سطوته.

ثمّ قال: يا سليمان أخبرني كم تروي حديثاً في فضائل عليّ عليه السلام، قلت: عشرة آلاف حديث، فقال: والله لأحدّثتّك بحديثين في فضل عليّ عليه السلام، إن يكونا ممّا سمعت ورويت فعرّفني وإلّا فاروهما عنّى، قلت: نعم يا أمير المؤمنين.

قال: إنّى أيّام كنت هارباً من بني مروان لا تسعني منهم بلد، ولا تحويني دار ولا ينالني قرار، كلّما دخلت بلداً خالطت (4)أهل ذلك البلد فيما يحبّون لأنال من نفعهم بما يطعموني ويزوّدوني إذا خرجت إلى بلد آخر، حتّى قدمت بلاد الشام متنكراً وعليّ كساء لا يواريني غيره، فبينا أنا أدور إذ سمعت الأذان في المسجد، فدخلت ذلك المسجد وركعت ركعتين، وأقيمت (5)الصلاة فصلّيت معهم العصر،


1) في «ج»: انّ بي رعباً منه

2) في «ب»: بقتلك.

3) في «ج»: ودعت عيالي وأطفالي ووصيت.

4) فى «الف» و «ب» خالفت

5) في «الف» و «ب»: أقمتُ.

و في نفسي إذا قضيت الصلاة أسأل من القوم عشاء ليلتي تلك.

ولمّا سلّم الإمام وجلس إذا هو شيخ ذو وقار ونعمة ظاهرة، فأقبل إليه صبيان وضيئان ذوا جمال وبهجة فسلّما، فقال الشيخ: مرحباً بكما ومن سمّيتا ،باسمهما، وكان إلى جانبي فتى فقلت له: ما هذان الصبيّان مِنْ هذا الشيخ؟ فقال: هو جدّهما، وليس في هذه البلدة رجل يحبّ على بن أبي طالب عليه السلام غيره، وأنّه من حبِّهِ عليّاً سمّىٰ سبطيه بالحسن والحسين عليهما السلام.

فقلت في نفسي: الله أكبر، وقمت فرحاً مسروراً ودنوت منه وقلت: أيها الشيخ هل لك أن أحدثك بحديث تقرّ به عينك؟ قال: نعم، فقلت: أخبرني والدي عن أبيه عن جدّه قال: كنّا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أتت فضّة جارية فاطمة عليها السلام فقالت - وهي باكية العين - : انّ الحسن والحسين خرجا من عند سيّدتي فاطمة آنفاً وما تدري أين ذهبا وهى باكية [حزينة] (1).

فقام صلى الله عليه وآله من ساعته حتّى دخل منزل فاطمة فوجدها باكية حزينة، فقال: لا تبكي يا فاطمة ولا تحزني فوالذي نفسي بيده انّ الله هو ألطف بهما منك وأرحم، ورفع يده إلى السماء وقال: اللّهمّ إنّهما ولداي وقرّتا عيني وثمرة فؤادي، وأنت أرحم بهما وأعلم بموضعهما ، يا لطيف بلطفك الخفي احفظهما لي، وسلّمهما أين كانا من الأرض.

فما استتمّ كلامه ودعاءه حتّى هبط الأمين جبرئيل عليه السلام وقال: يا محمد لا تحزن ولا تغتمّ فإنّ ولديك وجيهان عند الله في الدنيا والآخرة وأبوهما خير منهما، وهما الآن نائمان في حظيرة بني النجار، وقد وكل الله عز وجل بهما ملكاً يحفظها.

فلمّا سمع رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك مضىٰ ومن حضر معه حتّى انتهىٰ


1) أثبتناه من «ب».

إليهما، فوجدهما نائمان وهما متعانقان، والملك الموكّل بهما قد وضع أحد جناحيه وطاءً لهما (1)والآخر قد جلّلها به وقاية من حرّ الشمس، فهوىٰ رسول الله صلى الله عليه وآله عليهما يقبّلهما واحداً واحداً ويمسح بيده عليهما حتّى استيقضا.

فحمل النبي صلى الله عليه وآله الحسن و حمل جبرئيل عليه السلام الحسين حتّى خرجنا من الحظيرة وهو يقول: والله لأشر فكما اليوم كما شرفكما الله من لدنه، وكان جبرئيل يتمثّل بدحية الكلبي دائماً، فصادفها أبو بكر فقال: يا رسول الله ناولني أحد الصبيّين أخفّف عنك أو عن صاحبك، فقال: دعهما فنعم الحاملان ونعم الراكبان وأبوهما خير منهما.

ومضيا بهما حتّى دخلا المسجد ثمّ أقبل صلى الله عليه وآله على بلال فقال: هلمّ عليّ بالناس فنادِ فيهم واجمعهم، ثمّ قام صلى الله عليه وآله على قدميه خطيباً، فخطب الناس خطبة أبلغ فيها بحمد الله عز وجل والثناء عليه بما هو مستحقّه، ثمّ :قال معاشر المسلمين هل أدلّكم على خير الناس جداً وجده؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين، جدهما رسول الله، وجدّبتهما خديجة سيّدة نساء أهل الجنّة، وأوّل من سارعت إلى الايمان بالله تعالى، والتصديق بما أنزل الله على نبيّه.

ثمّ قال: ألا أدلّكم على خير الناس أباً وأمّاً؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الحسن والحسين أبوهما (2)أمير المؤمنين عليِ بن أبي طالب، وأمِهما فاطمة بضعة رسول الله التي شرّفها الله عز وجل في سمائه وأرضه، يرضى الله برضاها ويغضب الغضبها، ثمّ قال: ألا أدلكم على خير الناس خالاً وخالة؟ قالوا: بلى يا رسول الله ،قال: الحسن والحسين، خالهما القاسم بن رسول الله، وخالتها زينب بنت رسول الله.

ثمّ قال: ألا أدلّكم على خير الناس عمّاً وعمّة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال:


1) في «ج»: وظلّلهما.

2) زاد في «ج»: أبوهما إمام المتقين، ومن افترض الله طاعته على الخلائق أجمعين.

الحسن والحسين، عمّها جعفر الطيّار ذو الجناحين يطير مع الملائكة في الجنّة حيث یشاء، وعمّتهما أمّ هاني بنت أبي طالب المقبولة الايمان، ثمّ قال: اللّهمّ إنّك تعلم انّ الحسن والحسين في الجنّة، وجدهما وجدتهما في الجنّة، وأبوهما في الجنّة، وأمّهما في الجنّة، وخالهما في الجنّة، وخالتهما في الجنّة، وعمّهما في الجنّة، وعمتهما في الجنّة، ومن يحبّهما في الجنّة، ومن يبغضهما في النار.

قال: فتهلّل وجه الشيخ وقال: أنشدك الله تعالى من أنت؟ قلت: رجل من أهل الكوفة، فقال: عربي أم مولىٰ، قلت بل عربي شريف، قال: تحدّث بمثل هذا الحديث وتكون في مثل هذا الكساء الرث، قلت: نعم ،أنا هارب من بني مروان على هذه الحالة ولو غيّرتها ربّما عُرفت ،فلا آمن على نفسي منهم القتل، فقال: لا خوف عليك إن شاء الله، وكساني خلعتين (1)وحملني على بغلته إلى منزله وقال: أقرّ الله عينك كما قررت عيني بروايتك، ولأرشدك إلى فتى يقرّ الله به عينك.

ثمّ بعث معى رجلاً بعد أن [أكرمنى و ] ((2)أكرم ضيافتي، فأتىٰ بي ذلك الرجل إلى باب دار وقرع الباب واستأذن لي ،فخرج الخادم إليّ وأدخلنى الدار، وإذا بفتىٰ جالس على سرير منجّد (3)، فسلّمت فأحسن الردّ وأخذ بيدي وأجلسني قريباً منه، وكان صبيح الوجه حسن الخلقة، فقال - وقد نظر إلى ملبوسي - : قد عرفت هذه الكسوة والخلعة والبغلة، وما كان أبو محمد ليكسوك خلعته ويحملك على مركوبه إلّا بأنك من محبّي أهل بيت رسول الله وعترته، واحبّ رحمك الله أن تحدّثني بشيء من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام.

قلت: نعم، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي صلى الله عليه وآله انّه قال: دخلت يوماً إلىّ فاطمة فقامت إليّ والحسن على كتفها وهي تكفكف عبرتها،


1) في «ج»: حلّتين.

2) أثبتناه من «ج».

3) المنجد المزيّن (أقرب الموارد)

فقلت: ما يبكيك لا أبكى الله عينك ،قالت: يا أبة سمعت انّ نساء قريش قد عيّرتني

في المحافل فقلن: زوجها معدوماً لا مال له.

فقال لها صلى الله عليه وآله: لتقرّ عينك يا فاطمة، والله ما أنا زوّجتك ولكنّ الله عز وجل زوّجك من فوق سبع سماوات، وأشهد جبرئيل وميكائيل واسرافيل، وانّ الله سبحانه اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار من الخلائق أباك لرسالته، ثمّ اطلع ثانية فاختار علياً لولايته وزوجك إيّاه فاتخذته وصيّاً، فعلي منّى وأنا منه.

ألا وانّ علياً أوفر الناس علماً، وأعظمهم حلماً، وأقدمهم سلماً، والحسن والحسين ولداه سيدا شباب أهل الجنة من الأولين والآخرين، وسمّاهما الله تعالى في التوراة على لسان موسى عليه السلام شبّراً وشبيراً، يا فاطمة أبشري فإنّي إذا دعيت غداً إلى ربّ العالمين فعليّ معي، وإذا جئت (1)فمعي عليّ، وهو صاحب لواء الحمد في موقفي، يا فاطمة ان علياً وشيعته الفائزون يوم القيامة بالجنّة يوم لا ينفع مال ولا بنون.

قال: فلمّا سمع الفتىٰ حديثي بدت عليه البهجة وتلألأ وجهه مسرّة وقال: أنشدتك الله من تكون؟ قلت: رجل من أهل الكوفة، فلم يزد على ذلك، ثمّ أمر لي بثلاثين ثوباً مع عشرة آلاف درهم ثم قال: أقرّ الله عينك بما بشرتنا، ثم قال: ولي إليك حاجة، قلت: قضيت إن شاء الله، قال: إذا كان السحر (2)فآت مسجد فلان لكي ترىٰ أخي الشقي. قال: فوالله ما بتّ ليلتى من الحرص لأن أرىٰ أخاه، فلمّا كان الصبح أتيت ذلك المسجد للصلاة، فقمت في الصف الأوّل، فلمّا قضيت أداء الفرض نظرت وإلى جانبي (3)شاب معتم بعمامة كبيرة وقد أهوىٰ للسجود عجلاً، فسرحت العمامة عن


1) في «ب»: وإذا أجبت.

2) في «ج»: الفجر.

3) في «ج»: وإذا بجانبي.

نصف رأسه وهو على هيئة رأس خنزير، وبان صفحة وجهه وجه خنزير.

فدهشت ممّا عاينت حتّى لم أعقل في يقظة أنا أم في نوم ،وانّ الرجل ابتدرها عجلاً فردّها على رأسه ولاحت منه التفاتة نحوي، فاستبان منّى انّي قد عاينته، فقلت له: يا فتىٰ ما هذا الذي لمحت منك؟ فأخذ بيدي وقال: أظنّك غريباً فصر معى إلى منزلى لأضيّفك واخبرك، وأتىٰ بي إلى منزله وإلى جانب داره دكان خراباً، فأومأ إليه وقال: رأيته؟ قلت: نعم.

فأدخلني الدار وجلسنا واستدعىٰ بمأكول فأكلت، ثمّ قلت: هل تخبرني؟ فصعد نفساً طويلاً وبكىٰ حتّى كادت نفسه تزهق، ثمّ قال: اعلم انّي كنت أؤذّن في المسجد على أهل هذا الدكان وأؤم في المسجد، وكنت أشتم عليّاً عليه السلام عقيب كلّ أذان مائة مرّة حتّى إذا كان يوم الجمعة أذنت وأقمت [الصلاة ](1)ولعنت بينهما ألف مرّة، ولمّا خرجت من المسجد أتيت هذا الدكان الذي أريتك، فجلست على طرفه متكئاً على جانب الحائط إذ أخذتني رقدة، فرأيت في منامي كأنّما قد فتح باب من الجنّة مقابل هذا الدكان، فبان لي منه قبة خضراء مكلّلة بالاستبرق والديباج.

وكان النبي وعلياً والحسن والحسين عليهم السلام قد أقبلوا فدخلوها ،و جبرئيل عن يمين الرسول صلى الله علیه و آله بیده ابریق فضّة بيضاء يشرق نوره ،وعن يساره علي عليه السلام بيده كأس يتلألأ نوراً، وكأنما النبي صلى الله عليه ومن معه، وكأنما وآله قال للحسين خذ الكأس واسق أباك، فسقاه ثم سقى النبي ومن معه ،قال النبي صلى الله عليه وآله للحسين اسق هذا الذى على هذا الدكان فدمعت عينه وقال: يا جدّاه أتأمرني أن أسقى من يلعن أبي عقيب كلّ أذان مائة مرّة في كلّ يوم، وفي هذا يوم الجمعة قد لعنه ألف مرّة.


1) أثبتناه من «ب».

فإذا النبي صلى الله عليه وآله يقول بأعلىٰ صوته: ما لك عليك لعنة الله - قالها ثلاثاً - ويلك أتشتم علياً وهو منّى وأنا منه - قالها ثلاثاً - ما لك عليك غضب الله قالها ثلاثاً - ويلك أتسبّ علياً وعلي منّى، ثمّ تفل في الهواء نحوي وقال: بدّل الله خلقك، وسوّد وجهك، وجعلك عبرة لغيرك، قال: والله قد أحسست برأسي وكأنّه انفطر، فانزعجت مرعوباً فإذا رأسي ووجهي على ما رأيت.

ثمّ قال :المنصور يا ابن مهران انّ هذين الحديثين رويتها على ما ترىٰ؟!(1)فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين، فقال: هذا من ذخائر الأحاديث ونوادره، ثمّ قال: حبّ على ايمان وبغضه نفاق، فقلت: الأمان يا أمير المؤمنين، فقال: لك الأمان ،قلت: ما تقول في قاتل الحسين عليه السلام؟ قال: في النار أخزاه الله، فقلت: وكذلك من قتل من ولدهم أحداً، قال: فحرّك رأسه قليلاً ثمّ قال: ويحك يا سليمان الملك عقيم - قالها ثلاثاً -. تم ّالحديثان والحمد لله المنّان (2).

وأمّا الفضائل الثابتة بعد مضيّه صلى الله عليه وآله فكثيرة يطول بذكرها الكتاب، فلنذكر منها شيئاً يسيراً.

روي انّ الشاعر الببغا وفد على بعض الملوك، وكان يفد عليه في كلّ سنة فوجده في الصيد، فكتب وزير الملك يخبره بقدومه، فأمره أن يسكنه في بعض دوره، وكان على باب تلك الدار غرفة كان الببغا يبيت ليله فيها ولها مطلع إلى الدرب، وكان على الحارس أن يخرج كلّ ليلة بعد نصف الليل فيصيح بأعلىٰ صوته: يا غافلين اذكروا الله، على باغض معاوية لعنة الله.

وكان الببغا الشاعر ينزعج لصوته، فاتّفق في بعض الليالي انّ الشاعر رأىٰ في منامه انّ النبي صلى الله عليه وآله قد جاء هو وعليّ بن أبي طالب عليه السلام إلى


1) ي «ج»: فيما تروي.

2) راجع مناقب الخوارزمي : 284؛ ومناقب ابن المغازلي : 143؛ وفضائل ابن شاذان : 116؛ وانظر أيضاً أمالي الصدوق : 353 ح 1 مجلس 67: عنه البحار 37 : 88 55؛ ولم نعثر على كتاب أربعين الخوارزمي.

ذلك الدرب، فوجدا الحارس، فقال النبي صلى الله عليه وآله [لعليّ بن أبي طالب] (1): اصفعه بيدك فإنّه يسبّك، فضربه أمير المؤمنين عليه السلام بين كتفيه، وانتبه الشاعر منزعجاً من المنام.

ثمّ انتظر الصوت الذي كان يسمعه من الحارس كلّ ليلة فلم يسمعه فعجب من ذلك، ثمّ سمع صياحاً ورأىٰ رجالاً قد أقبلوا إلى دار الحارس، فسألهم الخبر فقالوا: انّ الحارس قد حصل له بين كتفيه ضربة بقدر الكف وهي تتشقّق وتمنعه القرار، فلم يكن وقت الصباح حتّى مات وشاهده بذلك الحال أربعون نفساً(2).

وروي أيضاً أنّه كان لأبي دلف ولد، فتحادث أصحابه في حبّ علي عليه السلام وبغضه، فروىٰ بعضهم عن النبي صلى الله عليه وآله انّه قال: يا عليّ ما يحبّك إلّا مؤمن تقّي، ولا يبغضك إلّا كافر منافق شقي ولد زنية أو حيضة.

فقال ولد أبي دلف :ما تقولون في الأمير هل يؤتىٰ في أهله؟ فقالوا: لا، فقال: أنا أبغض عليّاً وليس كما روىٰ هذا الرجل، فخرج أبوه وهم في التشاجر فقال: ما تقولون ؟ فقالوا :كذا، وحكوا كلام ولده، فقال والله انّ هذا الخبر حق، وأنّه لولد زنية وحيضة معاً، إنّى كنت مريضاً في دار أخي فتماثلت ودخلت عليّ جاريته لقضاء حاجة، فدعتني نفسي إليها، فأبت وقالت :انّى حائض، فكابرتها على نفسها ووطأتها ، فحملت بهذا الذى يبغض علياً فهو لزنية وحيضة(3).

وروي أيضاً انه كان ببلد الموصل شخص يقال له حمدان بن حمدون العدوي، وكان شديد العناد كثير البغض لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام، فأراد بعض أعيان أهل الموصل الحج، فجاء إليه يودّعه وقال: انّي قد عزمت على


1) أثبتناه من «ج».

2) راجع كشف اليقين : 478 عنه البحار 42 : 9 ح 12.

3) كشف اليقين : 482 عنه البحار 39 : 287 ح 80

الخروج إلى الحجّ، فإن كان لك حاجة هناك فعرفني حتّى أقضيها (1)، فقال: إنّ لي حاجة مهمّة وهي عليك سهلة، فقال له: مرني حتّى أفعلها.

قال: إذا وردت المدينة وزرت النبي صلى الله عليه وآله فخاطبه عنّى وقل له: يا رسول الله ماذا أعجبك من علي بن أبي طالب حتى زوجته ابنتك؟ عظم بطنه، أم دقة ساقيه، أم صلعة رأسه؟! وحلّفه وعزم عليه أن يبلغ هذا الكلام.

فلمّا بلغ الرجل المدينة وقضىٰ أمره نسىٰ تلك الوصيّة، فرأى أمير المؤمنين عليه السلام في منامه وهو يقول: لمَ لا تبلغ وصيّة فلان؟ فانتبه ومضىٰ لوقته إلى القبر المقدّس، وخاطب رسول الله صلى الله عليه و آله بما أوصاه ذلك الرجل، ثمّ نام فرأىٰ أمير المؤمنين عليه السلام قد أخذه ومشىٰ هو وإيّاه إلى منزل ذلك الرجل، وفتح الأبواب وأخذ مدية (2)فذبحه أمير المؤمنين عليه السلام بها، ثمّ مسح المدية ملحفة كانت عليه، ثمّ جاء إلى سقف باب الدار فرفعه بيده ووضع المدية تحته وخرج.

فانتبه الحاج منزعجاً من ذلك وكتب صورة المنام هو وأصحابه، وانتهى الخبر إلى سلطان الموصل في تلك الليلة، فأخذ الجيران والمشتبهين ورماهم في السجن، واستعجب (3)أهل الموصل من قتله حيث لم يجدوا نقباً، ولا أثر تسلّق على حائط، ولا باباً مفتوحاً.

وبقي السلطان متحيّراً في أمره ما يدري ماذا يصنع في قضيّته، ولم يزل الجيران وغيرهم في السجن حتّى ورد الحاج من مكة، فلق الجيران في السجن فسأل عن سبب ذلك، فقيل له: انّ في الليلة الفلانية وجد فلان في داره مذبوحاً ولم نعرف قاتله، فكبّر هو وأصحابه وقال لأصحابه : اخرجوا صورة المنام المكتوبة


1) في «ج»: حتّى نجيبها لك.

2) المدية الشفرة (القاموس)

3) في «ج»: تعجب.

عندكم، فأخرجوها فوجدوا ليلة المنام هي ليلة القتل.

ثمّ مضىٰ هو وأصحابه إلى دار المقتول، وأمرهم باخراج الملحفة، وأخبرهم بالدم الذي كان فيها، فوجدوها كما قال، ثمّ أمر برفع المردم (1)فرفع فوجدوا السكين تحته فعرفوا صدق منامه، وافرج عن المسجونين (2)ورجع أهل المقتول وكثير من أهل البلد إلى الايمان، وكان ذلك من لطف الله سبحانه وتعالى في حقّهم (3)، وهذه القصة مشهورة وهي من الغرائب، فماذا تقول في فضل هذا الرجل وعظم شأنه، وارتفاع منزلته، وعلوّ مكانه. تمّ الخبر.

[في فضائل مشهده الشريف عليه السلام]

ومن فضائله ما خصّ الله تعالى مشهده الشريف، وحرمه المقدّس من الفضل والمزيّة التي ليست لمكان آخر من الأمكنة الشريفة، وما جاء في فضل زيارته عليه السلام.

الأول: في ذكر قبره، وكيفية دفنه عليه السلام، وما يتعلق بذلك.

اعلم انّ عمره عليه السلام المبارك كان ثلاثاً وستيّن سنة، وقبض بالكوفة ليلة الجمعة احدىٰ وعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة قتيلاً بالسيف، قتله ابن ملجم المرادي لعنه الله في مسجد الكوفة وهو في الصلاة، وحمل إلى الغري ودفن حيث الآن قبره، والغري يقال بالافراد للتخفيف، والمسموع الغرّيان، قال الجوهري: بناء ان طويلان (4).


1) في «ج»: السقف

2) في «ج»: فأخرج المحبوسين.

3) كشف اليقين : 480؛ عنه البحار 42 : 10 ح12.

4) الصحاح 4 : 2445 / غرا.

وأمّا كيفية دفنه فهو لمّا قبض عليه السلام وغسل وكفن، أخرج إلى مسجد الكوفة أربع توابيت وصلّى عليها، ثمّ أدخل تابوت إلى البيت، والثلاثة الباقية منها ما بعث إلى جهة بيت الله الحرام، ومنها ما بعث إلى مدينة الرسول، ومنها ما نقل إلى بيت المقدس، وفعل ذلك لاخفائه عليه السلام، ويأتي سبب ذلك.

وكان عليه السلام قال لولديه الحسن والحسين عليهما السلام عند الوفاة: إذا أنّا متّ فاحملاني على سريري، وانتظرا حتّى إذا ارتفع لكما مقدّم السرير فاحملا مؤخره، فلمّا مضىٰ هزيع من الليل قام الحسن والحسين عليهما السلام وخواصّهما وارتفع مقدّم السرير وحملا مؤخّره.

قال من حضر من خواصّهم :كنّا حال حمل الجنازة نسمع دوي الملائكة بالتسبيح والتكبير والتهليل، وناطقاً لنا بالتعزية يقول: أحسن الله لكم العزاء في سيدكم وحجة الله على خلقه، حتّى أتينا الغريين فإذا صخرة بيضاء تلمع نوراً، فوضع المقدّم عندها فوضعنا المؤخّر، وحفرنا الصخرة فإذا ساجة مكتوب عليها: «هذا قبر ادخره نوح النبي لوصي محمد صلى الله عليه وآله قبل الطوفان بسبعمائة عام». فدفناه هناك وأخفي قبره الشريف، وبقي مخفيّاً إلى زمان الرشيد، وظهر في زمانه.

و [أمّا ](1)كيفيّة ظهوره ما روي عن عبد الله بن حازم قال: خرجنا يوماً مع (1) الرشيد من الكوفة وهو يتصيّد، فصرنا إلى ناحية الغريين فرأينا ضباء، فأرسلنا عليها الصقور والكلاب فجاولتها ساعة، ثمّ لجأت الضباء إلى اكمة فسقطت عليها، فتراجعت الصقور والكلاب عنها، فتعجّب الرشيد من ذلك.

ثمّ ان الضباء هبطت من الاكمة فسقطت الطيور والكلاب عليها، فرجعت الضباء إلى الاكمة فتراجعت الكلاب عنها مرّة ثانية، ثمّ فعلت ذلك مرّة أخرىٰ،


1) أثبتناه من «ج».

فقال الرشيد: اركضوا إلى الكوفة فأتوني بأكبرها سناً، فأتي بشيخ من بني أسد فقال له الرشيد: أخبرني ما هذه الاكمة، فقال: حدّثني أبي عن آبائه انّهم كانوا يقولون انّ هذه الاكمة قبر عليّ بن أبي طالب عليه السلام، جعله الله تعالى حرماً لا يأوي إليه شيء إلّا أمن.

فنزل هارون الرشيد ودعا بماء وتوضّأ وصلّىٰ عند الأكمة، وجعل يدعو ويبكي ويمرغ عليها وجهه، وأمر أن يبنىٰ فيه [قبة] (1)بأربعة أبواب، فبني وبقي إلى أيّام السلطان عضد الدولة رحمه الله، فجاء وأقام في ذلك الطرف قريباً من سنة هو وعساكره، فبعث فأتي بالصنّاع والأساتذة من الأطراف، وخرّب تلك العمارة وصرف أموالاً كثيراً جزيلة، وعمّر عمارة جليلة حسنة، وهي العمارة التي كانت قبل عمارة اليوم (2).

وأمّا الدليل الواضح والبرهان اللّائح على ان قبره الشريف -عليه السلام بالغري فمن وجوه: الأوّل: تواتر الامامية الاثنا عشرية يروونه خلفاً الثاني: اجماع الشيعة والاجماع حجة، و [الثالث ] (3)منها: ما حصل عنده ،من الأسرار والآيات وظهور المعجزات، ومنها ما ذكر في كيفية ظهوره في أيام الرشيد ومنها ما حصل فيه من قيام الزمن وردّ بصر الأعمىٰ.

ومنها ما حكى عن جماعة خرجوا بليل مختفين إلى الغ-ري لزيارة أمير المؤمنين عليه السلام، قالوا: فلمّا وصلنا إلى القبر الشريف - وكان يومئذ قبراً حوله حجارة ولا بناء عنده، وذلك بعد أن أظهره الرشيد وقبل أن يعمّره - فبينما نحن عنده بعضنا يقرأ وبعضنا يصلّى وبعضنا يزور ، وإذا نحن بأسد مقبل نحونا ، فلمّا قرب منّا


1) أثبتناه من «ب».

2) فرحة الغري : 119؛ عنه البحار 42 : 329 ح 16.

3) أثبتناه من «ج».

قدر رمح قال بعضنا لبعض: ابعدوا عن القبر لننظر ما يصنع.

فتباعدنا عن القبر الشريف، فجاء الأسد وجعل يمرغ ذراعيه على القبر، فمضىٰ رجل منّا فشاهده وعاد فأعلمنا، فزال الرعب عنّا فجئنا فأجمعنا فشاهدناه يمرغ ذراعيه على القبر وفيه جراح، فلم يزل يمرغه ساعة ثمّ انزاح عن القبر ومضىٰ، وعدنا إلى ما كنّا عليه لاتمام الزيارة والصلاة وقراءة القرآن (1).

ومنها ما روي عن كمال الدين بن عنان(2)القمى قال: دخلت حضرة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فزرت وتحوّلت إلى المسألة ودعوت وتوسلت بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ قمت فعلق مسمار من الضريح المقدس سلام الله على مشرفه في قبائي فرّقه ، فقلت مخاطباً لأمير المؤمنين عليه السلام: ما أعرف عوض هذا القباء إلّا منك.

وكان إلى جانبي رجل رأيه غير رأيي، فقال لي مستهزئاً: ما يعطيك عوضه إلّا قباء وردياً (3)، وانفصلنا من الزيارة وجئنا إلى الحلّة، وكان جمال الدين بن قشتم (4)الناصري قد هيّاً لشخص يريد أن ينفذه إلى بغداد قباء وردياً (5)، فخرج الخادم على لسان ابن قشتم وقال: أطلبوا كمال الدين القمي.

فجئت وأخذ بيدي ودخل الخزانة وألبسني قباء وردياً (6)، فخرجت ودخلت حتّى أسلّم على ابن قشتم وأقبّل كفّه، فنظر نظراً شزراً عرفت الكراهية في وجهه، والتفت إلى الخادم كالمغضب وقال له : طلبت فلان فأين هو ؟ فقال الخادم: إنّما طلبت كمال الدين القمي، وشهد الجماعة الذين كانوا جلساء الأمير أنّه أمر


1) فرحة الغري : 141: عنه البحار 42 : 315 ح 2.

2) في «ج»: غياث

3) في «ج»: قباء ورداء.

4) في «ج»: قشم وفي فرحة الغري قشتمر

5) في «ج»: قباء ورداء.

6) في «ج»: قباء ورداء.

بحضور كمال الدين القمي.

فقلت: أيّها الأمير ما خلعت أنت على هذه الخلعة بل أمير المؤمنين عليه السلام خلعها عليّ، فالتمس منّى الحكاية فحكيت له، فخرّ ساجداً وقال: الحمد لله إذ كانت الخلعة على يدي(1)

ومنها ما روي عن عليّ بن يحيى بن الحسن بن الطحال المقدادي قال: أخبرني أبي، عن أبيه، عن جده - وكان من الملازمين للقبة الشريفة صلوات الله على مشرفها - أنّه أتاه رجل مليح الصورة نقي الأثواب ودفع إليه مثقالين (2)وقال له: اغلق عليّ باب القبة وذرني وحدي أعبد الله.

فأخذهما منه وأغلق عليه الباب، فنام فرأىٰ أمير المؤمنين عليه السلام في منامه وهو يقول: أقعد أخرجه عنى فإنّه نصراني. فنهض عليّ بن طحال فأخذ حبلاً فوضعه في عنق الرجل وقال له: أخرج تخدعني بالمثقالين وأنت نصراني، فقال: لست بنصراني، قال: بلى انّب أمير المؤمنين عليه السلام أتاني في المنام وأخبرني أنك نصراني، وقال أخرجه عنّى.

فقال الرجل: امدد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ،وانّ علياً أمير المؤمنين خليفة الله ،والله ما علم أحد بخروجي من الشام، ولا عرفني أحد من أهل العراق، ثمّ حسن اسلامه (3).

ومنها ما حكي انّ عمران بن شاهين من أهل العراق عصىٰ على السلطان عضد الدولة، فطلبه طلباً شديداً فهرب منه إلى المشهد الشريف متخفيّاً (4)، وقصد أمير المؤمنين عليه السلام ودعا عنده وسأله السلامة.


1) فرحة الغري : 142: عنه البحار 42 : 3316.

2) في «ج»: دينارين.

3) فرحة الغري : 146 : عنه البحار 42 : 319 ح 6.

4) في «ج»: مستخفياً.

فرأىٰ أمير المؤمنين عليه السلام في منامه وهو يقول: يا عمران انّ في غد يأتي فناخسر و إلى مشهدي للزيارة، فتقف أنت هاهنا - وأشار إلى زاوية من زوايا القبة - وانّهم لا يرونك، ويدخل هو إلى الضريح ويزور ويصلّى ويبتهل في الدعاء والقسم بمحمد وآله أن يظفر بك، فادن منه وقل له: أيّها الملك ما هذا الذي قد ألجأت (1)بالقسم بمحمد وآله أن يظفرك به ؟ فيقول: رجل عصاني ونازعني في ،سلطانى فقل له ما لمن يظفرك به ؟ فيقول : إن طلب منّى العفو عنه قبلت منه ،فأعلمه بنفسك فإنّك تجد منه ما تريد.

قال: فكان ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: أنا عمران بن شاهين (2)، قال له: من أوقفك هاهنا ؟ فقال: هذا مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أوقفني هاهنا، وقال لي في منامي: غداً يحضر فناخسر و إلى هاهنا، وأعاد عليه القول، فقال له السلطان: بحقّه عليك قال لك فناخسرو؟ قلت: اي وحقّه.

فقال عضد الدولة: انّه لحق والله، ما عرف أحد ان اسمي فناخسر و إلّا أُمّي والقابلة وأنا، ثمّ خلع عليه خلع الوزارة وطلع بين يديه إلى الكوفة.

وكان عمران هذا قد نذر عليه أنه متىٰ عفىٰ عنه عضد الدولة أن يأتي إلى زيارة أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام حافياً حاسراً، فلمّا جنّه الليل خرج من الكوفة وحده، فرأىٰ بعض من كان في الحضرة الشريفة من القوّام - وهو علي بن طحال المقدادي - مولانا وسيدنا أمير المؤمنين عليه السلام في منامه وهو يقول: اقعد وافتح لوليّي عمران بن شاهين الباب.

فقعد وفتح الباب فإذا بالرجل قد أقبل، فلمّا وصل قال له: بسم الله يا مولانا، فقال له: ومن أنا ؟ فقال عمران بن شاهين فقال: لست بعمران بن شاهين (3)،


1) في «ج»: ألحت.

2) زاد في :«ج»: فقال: من أنت؟ قال: أنا عمران ....

3) في «ج»: من أين علمت اني عمران بن شاهين.

فقال: بلى انّ أمير المؤمنين عليه السلام أتاني في منامي فقال لي: اقعد وافتح الباب لوليّي عمران بن شاهين.

قال له :بحقّه هو قال لك؟ فقال: اي وحقّه هو قال لي ،فوقع على العتبة الشريفة يقبّلها ويبكي، وأحال لذلك الرجل بستّين مثقالاً، وبنى الرواق المعروف برواق عمران في المشهدين الشريفين - الغروي والحائري على مشرفهما أفضل الصلاة والسلام - والأخبار الواردة في هذا المعنىٰ كثيرة (1).

وأمّا السبب الموجب لاخفاء قبره فهو انه قد تحقّق وعلم ما جرىٰ لأمير المؤمنين عليه السلام من الوقائع العظيمة والحروب الكثيرة زمان النبي صلى الله عليه وآله وبعده، وأوجب ذلك حقد المنافقين المارقين عليه حتّى ابن ملجم لعنه الله لمّا أخذ ليقتل قال للحسن (2)عليه السلام: انّى أريد أن أسارّك (3)بكلمة يا ابن رسول الله، فأبى الحسن (4)عليه السلام وقال: أنّه يريد أن يعضّ أذني، فقال ابن ملجم لعنه الله: والله لو أمكنني منها لأخذتها من صماخه (5).

فإذا كان هذا فعال هذا الكافر وحقده إلى هذه الغاية، وهو على تلك الحال وقد أتي به للقتل، فكيف يكون حال معاوية وأصحابه وبني أميّة والدولة لهم والملك بيدهم، وكانوا يبالغون في اطفاء نور أهل البيت واخفاء آثارهم، فلهذا السبب أوصىٰ عليه السلام أن يدفن سراً خوفاً من بني أمية وأعوانهم، والخوارج وأمثالهم أن يتهجموا على قبره الشريف لو كان ظاهراً .

وأيضاً ربّما لو نبشوه مع العلم بمكانه لحمل ذلك بني هاشم على المحاربة


1) فرحة الغري : 147؛ عنه البحار 42 : 319 ح 7 باختلاف .

2) في «الف»: للحسين عليه السلام.

3) في «ب»: أشاورك.

4) في «الف: للحسين عليه السلام

5) انظر فرحة الغري : 19.

والمشاقة (1)التي أغضىٰ عنها عليه السلام في حال حياته فكيف لا يرضىٰ بترك ما فيه مادة النزاع بعد وفاته، ولما عرف أهل بيته عليهم السلام أنّهم متىٰ أظهروه لم يتوجه له إلّا التعظيم والتبجيل، لا جرم أنّهم دلّوا عليه وأظهروه.

الثاني: فضل مشهده الشريف الغروي على مشرفه أفضل الصلاة والسلام وما لتربته والدفن فيها من المنزلة والشرف.

روي عن أبي عبد الله (2)عليه السلام انّه قال: الغري قطعة من الجبل الذي كلّم الله عليه موسىٰ تكليماً، وقدّس عليه تقدسياً، واتخذ عليه ابراهيم خليلاً، ومحمداً صلى الله عليه وآله حبيباً، وجعله للنبيّين مسكناً (3).

وروي انّ أمير المؤمنين عليه السلام نظر إلى الكوفة فقال: ما أحسن منظرك، وأطيب قعرك، اللهم اجعل قبري بها (4).

ومن خواص تربته اسقاط عذاب القبر، وترك محاسبة منكر ونكير للمدفون هناك، كما وردت به الأخبار الصحيحة عن أهل البيت عليهم السلام.

وروي عن القاضي ابن بدر الهمداني الكوفي - وكان رجلاً صالحاً متعبداً - قال :كنت في جامع الكوفة ذات ليلة وكانت ليلة مطيرة، فدقّ باب مسلم جماعة ففتح لهم، وذكر بعضهم انّ معهم جنازة، فأدخلوها وجعلوها على الصفة التي تجاه باب مسلم بن عقيل رضي الله عنه.

ثمّ انّ أحدهم نعس فنام ،فرأىٰ في منامه قائلاً يقول لآخر : ما نبصره (5)حتّى نبصر هل لنا معه حساب أم لا؟ فكشف عن وجه الميّت وقال لصاحبه: بل لنا معه


1) في «ج»: المناقشة.

2) في «ج»: ابن عباس والظاهر انه خطأ.

3) عنه البحار 100 : 232

4) عنه البحار 100 : 232

5) في البحار ما تبصره.

حساب وينبغى أن نأخذه منه معجلاً قبل أن يتعدّى الرصافة، فما يبقىٰ لنا معه طريق، فانتبه وحكى لهم المنام وقال: خذوه عجلاً، فأخذوه ومضوا به في الحال إلى المشهد الشريف صلوات الله وسلامه على مشرفه (1)

إذا مت فادفني إلى جنب حيدر*** أبي شبر أكرم به وشبير

فلست أخاف النار عند جواره*** ولا أتقي من منكر ونكير

فعار على حامي الحمى وهو في الحمى*** إذا ضلّ (2)في المرعى عقال بعير

وروىٰ جماعة من صلحاء المشهد الشريف الغروي صلّى الله على مشرفه، أنّه رأىٰ أنّ كلّ واحد من القبور التي في المشهد الشريف وظاهره، قد خرج منه حبل ممتد متصل بالقبة الشريفة صلوات الله على مشرفها (3).

وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه كان إذا أراد الخلوة بنفسه أتى إلى طرف الغري، فبينما هو ذات يوم هناك مشرف على النجف وإذا رجل قد أقبل من البرية راكباً على ناقة وقدامه جنازة، فحين رأى علياً عليه السلام قصده حتّى وصل إليه وسلّم عليه، فردّ عليه السلام وقال له: من أين؟ قال: من اليمن.

قال: وما هذه الجنازة التي معك ؟ قال :جنازة أبي أتيت لأدفنه في هذه الأرض، فقال له عليه السلام: لِمَ لا دفنته في أرضكم؟ قال: أوصىٰ إلّى بذلك وقال: أنّه يُدفن هناك رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر ، فقال له عليه السلام أتعرف ذلك الرجل؟ قال: لا، فقال عليه السلام :أنا والله ذلك الرجل، أنا والله ذلك الرجل، أنا والله ذلك الرجل، قم فادفن أباك ، فقام فدفنه (4)

ومن خواص ذلك الحرم الشريف انّ جميع المؤمنين يحشرون فيه، روي عن


1) عنه البحار 100 : 232

2) في «ج»: ضاع.

3) عنه البحار 100: 233

4) عنه البحار 100 : 233: ومستدرك الوسائل 2 : 310 - 2056.

أبي عبد الله عليه السلام انّه قال: ما من مؤمن يموت في شرق الأرض وغربها إلّا

حشر الله روحه إلى وادي السلام.

قال: ما جاء في ذلك من الأخبار والآثار أنّه(1)بين وادي النجف والكوفة، كأنّي بهم حلق قعود يتحدّثون على منابر من نور (2). والأخبار في هذا المعنى كثيرة.

الثالث: في فضل زيارته عليه السلام وما جاء في ذلك من الأخبار والآثار.

روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال للحسين عليه السلام :تزوركم طائفة من أمّتي تريد برّي وصلتي، إذا كان يوم القيامة زرتها في الموقف، وأخذت بأعضادها فأنجيتها من أهواله وشدائده (3).

وعنه صلى الله عليه وآله انه قال لعلي عليه السلام: والله لتقتلنّ بأرض العراق فتدفن بها ،قلت :يا رسول الله ما لمن زار قبورنا وعمّرها وتعاهدها؟ فقال لي: يا أبا الحسن انّ الله تعالى جعل قبرك وقبر ولدك بقاعاً من بقاع الجنّة، وعرصة من عرصاتها، وانّ الله تعالى جعل قلوباً من خلقه وصفوة من عباده تحنّ اليكم ،وتحمل الأذىٰ فيكم، فيعمرون قبوركم تقرّباً منهم إلى الله ومودة لرسوله، أولئك يا علّي المخصوصون بشفاعتي الواردون حوضي، وهم زوّاري غداً في الجنة.

يا عليّ من زار قبوركم عدل ذلك له ثواب سبعين حجة بعد حجة الإسلام، وخرج من ذنوبه حين يخرج (4)من زيارتكم كيوم ولدته أمّه فأبشر وبشر أولياءك ومحبّيك من النعيم وقرة العين بما لا عين رأت ،ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ، ولكن حثالة من الناس يعيرون زوّار قبوركم بزيارتكم كما تعيّر


1) هكذا في «الف» و «ب» والبحار، وفي «ج»: قيل: وأين وادي السلام؟ قال: بين وادي النجف

2) عنه البحار 100 : 233؛ ونحوه في الكافي 3: 243 ح 2: عنه البحار 6 : 268 ح 118.

3) البحار 10 : 441 ومستدرك الوسائل 10 : 228 ح 11910 عن الفصول للسيد المرتضى.

4) في «ج»: حين يرجع.

الزانية بزناها، أولئك شرار أمّتى لا تنالهم شفاعتي ولا يردون حوضي (1).

وروي عن صفوان الجمال قال: لما وافيت مع مولاي جعفر بن محمد الصادق عليه السلام الغرّي (2)يريد أبا جعفر المنصور، قال لي: يا صفوان أنخ الناقة فإنّ هذا حرم جدّي أمير المؤمنين عليه السلام، فأنختها فنزل واغتسل وغيّر ثوبه وتحفیٰ وقال لي: افعل مثل ما أفعل.

ففعلت ثمّ قال: خُذ نحو الذكوات، وقال لي: قصّر خطاك، وألق ذقنك (3)الأرض، فإنّ لك بكلّ خطوة مائة ألف حسنة، ويمحىٰ عنك [مائة] (4) ألف سيئة، ويرفع لك مائة ألف درجة، ويقضى لك مائة ألف حاجة، ويكتب لك ثواب كلّ صديق وشهيد مات أو قتل.

ثمّ مشىٰ ومشيت معه [حافياً] أثبتناه من «ج». وعلينا السكينة والوقار، نسبّح الله ونقدّس ونهلل إلى أن بلغنا الذكوات، فوقف عليه ونظر يمنة ويسرة وخط بعكازه وقال لي: اطلب،فطلبت فإذا أثر القبر في الخط، ثم أرسل دمعه وقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون،

ثمّ قال:

«السلام عليك أيّها الوصي البرّ التقی، السلام عليك أيّها النبأ العظيم ،السلام عليك أيها الصديق الشهيد، السلام عليك أيّها الوصي (4)الزكي، السلام عليك يا وصيّ [رسول] (5)ربّ العالمين، السلام عليك يا خيرة الله من الخلائق أجمعين ،أشهد أنك حبيب الله وخاصته وخالصته، السلام عليك يا ولّي الله وموضع سرّه،


1) فرحة الغري : 77؛ عنه البحار 100 : 120 ح 22.

2) في «ب»: الكوفة.

3) في «ج»: عينيك.

4) في «ج»: الرضي.

5) أثبتناه من «ج».

وعيبة علمه، وخازن وحيه».

ثمّ انكب على القبر وقال:

«بأبي أنت وأمى يا أمير المؤمنين،بأبي أنت وأمّى يا حجّة الخصام، بأبي أنت وأمي يا باب المقام، بأبي أنت وأمي يا نور الله التام، أشهد أنّك قد بلغت عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وآله ما حمّلت، ورعيت ما استحفظت، وحفظت ما استودعت، وحلّلت حلال الله ،وحرمت حرام الله، وأقمت أحكام الله، ولم تتعدّ حدود الله، وعبدت الله مخلصاً حتى أتاك اليقين، صلى الله عليك وعلى الأئمة من بعدك».

ثمّ قام فصلّىٰ ركعتين عند الرأس الكريم، ثمّ قال: يا صفوان! من زار أمير المؤمنين عليه السلام بهذه الزيارة، وصلّىٰ هذه الصلاة، رجع إلى أهله مغفوراً ذنبه، مشكوراً سعيه، ويكتب له ثواب كلّ من زاره من الملائكة، وأنه ليزوره في كلّ ليلة سبعون قبيلة، قلت: وكم القبيلة؟ قال: مائة ألف.

ثمّ خرج القهقرىٰ وهو يقول: «يا جدّاه يا سيّداه يا طيباه يا طاهر، لا جعله الله آخر العهد منك (1)ورزقني العود إليك، والمقام في حرمك، والكون معك ومع الأبرار من ولدك، صلى الله عليك وعلى الملائكة المحدقين بك»، قلت: يا سيّدي أتأذن لي أن أخبر أصحابنا (2)من أهل الكوفة؟ فقال: نعم، وأعطاني درهم فأصلحت القبر (3).

وقال الصادق عليه السلام: من ترك زيارة أمير المؤمنين عليه السلام لم ينظر الله إليه، ألا تزوروا من تزوره الملائكة والنبيّون عليهم السلام، وانّ أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام أفضل من كلّ الأئمة، وله مثل ثواب أعمالهم وعلى قدر


1) في «ج»: من زيارتك.

2) في «ج»: أصحابك.

3) فرحة الغري : 94 عنه البحار 279:100 ح 15

أعمالهم فضّلوا (1).

وقال عليه السلام: انّ أبواب السماء لتفتح عند دخول الزائر لأمير المؤمنين عليه السلام (2).

وقال عليه السلام: انّ بظاهر الكوفة قبر ما زاره مهموم إلّا فرّج الله همّه.

وحكىٰ بعضهم قال: كنت عند الصادق عليه السلام فذكر أمير المؤمنين علیه السلام فقال: (3)یا ابن مارد من زار جدّي عارفاً بحقّه كتب الله له بكلّ خطوة حجة مقبولة، وعمرة مبرورة، والله يا ابن مارد ما يطعم الله النار قدماً تغيّرت في زيارة أمير المؤمنين عليه السلام ماشياً كان أو راكباً، يا ابن مارد اكتب هذا الحديث بماء الذهب(4)والأخبار في هذا المعنىٰ كثيرة.

الرابع: إيتاء ذي القربىٰ.

وهو صلة الذرية العلوية، فإنّ الله تعالى أكد الوصية فيهم، وجعل مودّتهم أجر الرسالة بقوله تعالى: ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (5).

وقال النبي صلى الله عليه وآله :إنّى شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاؤوا بذنوب أهل الأرض، رجل نصر ذريتي (6)، ورجل بذل ماله لذريتي عند المضيق، ورجل سعىٰ في قضاء حوائج ذريتي إذا طردوا وشردوا، ورجل أحبّ ذريتي باللسان والقلب (7).


1) الخصائص للرضي : 40؛ عنه مستدرك الوسائل 10 : 212 ح 11883.

2) عنه البحار 262:100 ح 16.

3) زاد في «ج»: فقال ابن مارد لأبي عبد الله عليه السلام: ما لمن زار جدك أمير المؤمنين عليه السلام؟ فقال:...

4) فرحة الغري : 75 عنه البحار 100 : 260 ح 10.

5) الشورى : 23

6) في «ب»: ديني.

7) الكافي 4 : 60 ح 9؛ من لا يحضره الفقيه 2 : 65 ح 1726.

وقال الصادق عليه السلام: إذا كان يوم القيامة نادىٰ مناد: أيّها الخلائق انصتوا فإنّ محمّداً يكلمكم، فتنصت الخلائق فيقوم النبي صلى الله عليه وآله ويقول: يا معاشر الخلائق من كان له عندي يداً أو منة أو معروفاً فليقم حتّى أكافيه، فيقولون: وأيّ يد، وأيّ منّة، وأي معروف لنا؟! بل اليد والمنّة والمعروف الله ولرسوله على جميع الخلائق.

فيقول صلى الله عليه وآله: من آوىٰ أحداً من أهل بيتي، أو برّهم، أو كساهم من عرىٰ، أو أشبع جائعهم فليقم حتّى أكافيه، فيقوم أناس قد فعلوا ذلك، فيأتي النداء من عند الله : يا محمد يا قد جعلت مكافأتهم إليك، فأسكنهم حيث حبيبي شئت من الجنّة، فيسكنهم في الوسيلة حيث لا يحجبون عن محمّد وأهل بيته صلوات الله عليهم (1).

وذكر ابن الجوزي - وكان حنبلي المذهب - في كتاب تذكرة الخواص انّ عبد الله بن المبارك كان يحج سنة ويغزو سنة وداوم على ذلك خمسين سنة، فخرج في بعض سنيّ الحج وأخذ معه خمسمائة دينار إلى موقف الجمال بالكوفة ليشتري جمالاً للحج، فرأىٰ امرأة علوّية على بعض المزابل تنتف ريش بطة ميتة.

قال: فتقدّمت إليها فقلت: لم تفعلين [هذا] (2)؟ فقالت : يا عبد الله لا تسأل عمّا لا يعنيك (3)، قال: فوقع من كلامها في خاطري شيء فألححت عليها، فقالت: يا عبد الله قد ألجأتني أن أكشف سرّي إليك، أنا امرأة علوية ولي أربع بنات يتامىٰ مات أبوهنّ من قريب وهذا اليوم الرابع ما أكلنا شيئاً وقد حلّت لنا الميتة، فأخذت هذه البطة أصلحها وأحملها إلى بناتي ليأكلنها.

قال: فقلت في نفسي: ويحك يا ابن المبارك أين أنت من هذه الفرصة،


1) من لا يحضره الفقيه 2 : 65 ح 1727 والوسائل 11 : 3556.

2) أثبتناه من «ج».

3) زاد في «ب»: تقع في ما لا يرضيك.

[قلت :] (1)افتحي ازارك، فصببت الدنانير في طرف ازارها وهي مطرقة لا تلتفت، قال: ومضيت إلى المنزل ونزع الله من قلبي شهوة الحج في ذلك العام، ثمّ تجهزت إلى بلادى وأقمت حتّى حجّ الناس وعادوا، فخرجت أتلقّىٰ جيراني وأصحابي، فجعلت كلّ من أقول له : قبل الله حجّك وسعيك، يقول: وأنت قبل الله حجك وشكر سعيك، إنّنا قد اجتمعنا بك فى مكان كذا وكذا، وأكثر على الناس في هذا القول.

فبّت متفكّراً فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام وهو يقول: يا عبد الله أغثت ملهوفة من ولدي، فسألت الله عز وجل أن يخلق على صورتك ملكاً يحجّ عنك كلّ عام إلى يوم القيامة، فإن شئت أن تحجّ وإن شئت أن لا تحج (2).

وذكر ابن الجوزي أيضاً قال: كان ببلخ رجل من العلويين نازلاً بها وله زوجة وبنات فتوفىٰ، قالت المرأة: فخرجت بالبنات إلى سمرقند خوفاً من شماتة الأعداء، واتّفق وصولي في شدّة البرد، فأدخلت البنات مسجداً ومضيت لأحتال في القوت.

فرأيت الناس مجتمعين على شيخ فسألت عنه فقيل: هذا شيخ البلد،فشرحت له الحال فقال: أقيمي البيّنة أنّك علوية ولم يلتفت إلىّ ،فيئست منه وعدت إلى المسجد فرأيت في طريقي شيخاً جالساً على دكّة وحوله جماعة، فقلت: من هذا؟ فقيل: ضامن البلد وهو مجوسي، فقلت: [أمضي إليه ] (3)عسىٰ أن يكون لنا عنده فرج.

[فجئت إليه ](4)فحدّثته حديثي وما جرىٰ لي مع شيخ البلد، فصاح بخادم له فخرج فقال: قل لسيّدتك تلبس ثيابها، فدخل وخرجت امرأته ومعها جوارها ،


1) أثبتناه من «ج».

2) تذكرة الخواص : 381؛ عنه كشف اليقين : 485؛ والبحار 42: 11 ح 12؛ وينابيع المودة : 467.

3) أثبتناه من «ج».

4) أثبتناه من «ج».

فقال لها: اذهبي مع المرأة إلى المسجد الفلاني واحملي بناتها إلى الدار، فجاءت معي وحملت البنات، فجئنا وقد أفرد لنا مقاماً في داره وأدخلنا الحمّام وكسانا ثياباً فاخرة، وجاءنا بألوان الطعام، وبتنا بأطيب .ليلة.

فلمّا كان نصف الليل رأىٰ شيخ البلد المسلم في منامه كأنّ يوم القيامة قد قامت واللواء على رأس محمّد صلى الله عليه وآله، وإذا بقصر من الزمرد الأخضر، فقال: لمن هذا القصر ؟ فقيل لرجل مسلم موحّد، فتقدّم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فأعرض عنه فقال: يا رسول الله تعرض عنّى وأنا رجل مسلم ؟! فقال صلى الله عليه وآله: أقم البيّنة عندي انّك مسلم، فتحيّر الشيخ فقال له رسول الله صلى الله علیه و آله نسيت قولك للعلوية، وهذا القصر للشيخ الذي هي في داره.

فانتبه الشيخ وهو يلطم ويبكي، وبعث غلمانه إلى البلد وخرج بنفسه يدور على العلوية، فأخبر انّها في دار المجوسي فجاء إليه وقال له: أين العلوية ((1)؟ قال: عندی، قال :أريدها ،فقال: ما إلى هذا من سبيل، قال: هذه ألف دينار وسلمهنّ(2)إليّ، فقال: لا والله ولا مائة ألف دينار.

فلمّا ألحّ عليه قال: المنام الذي رأيته أنت رأيته أنا أيضاً، والقصر الذي رأيته لي أعدّ وأنت تدلّ عليّ باسلامك ،والله ما نمت أنا ولا أحد في داري حتّى أسلمنا على يد العلوية، وعادت بركتها علينا، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول لي: القصر لك ولأهلك بما فعلت مع العلوية، وأنت من أهل الجنّة ،خلقكم الله عز وجل مؤمنين في القدم (3).

والأخبار في هذا المعنىٰ كثيرة لا نطوّل بذكرها الكتاب.


1) في «ج»: ألك علم بالعلوية.

2) في «ج»: خذها وسلّمها إليّ.

3) تذكرة الخواص : 383؛ عنه كشف اليقين : 486؛ والبحار 42 : 12 ح 12: وينابيع المودة : 468.

[باب ] [في صفات أعدائه]

[باب ] [في صفات أعدائه](1)

وأمّا صفات أعدائه وما نُسب إليهم من المثالب وكثرة الخطايا والمعايب فكثيرة جداً، مرّ بعضها في الكتاب ونذكر أيضاً منها جملة يسيرة نختم بها الكتاب.

فمنها ما تضمّنه خبر وفاة الزهراء عليها السلام، قرّة عين الرسول ،وأحبّ الناس إليه، مريم الكبرىٰ، والحوراء التي أفرغت من ماء الجنّة من تفاحة من صلب رسول الله صلى الله عليه وآله (2)التي قال في حقها رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ يرضىٰ لرضاك يا فاطمة ويغضب لغضبك (3)، وقال عليه وآله السلام: فاطمة


1) إنّ هذا الباب حذف من النسخة المطبوعة الموجودة في الأسواق، وجاءت في جميع النسخ الخطية، وكذلك أورده العلّامة المجلسي في البحار 30 347 ح 164 ،فلاحظ، وقال في ذيل الحديث: إنما أوردت هذا الكلام لاشتماله على بعض الأخبار الغريبة، وإن كان في بعض ما احتج به وهن أو مخالفة للمشهور، فسيتضح لك حقيقة الأمر فى الأبواب الآتية، والله الموفق.

2) ورد هذا الخبر بطرق مختلفة في عدة مصادر منها: ميزان الاعتدال 2 : 518؛ نظم درر السمطين : 177 ذخائر العقبى : 36: فرائد السمطين 1 : 50 تحت رقم 381؛ الدر المنثور 4 : 153 في سورة الاسراء؛ المستدرك على الصحيحين 3 : 169

3) قد ورد هذا الحديث بطرق مختلفة في مصادر الشيعة والسنة، منها مستدرك الحاكم 3 : 167 ح 4730: مناقب الإمام علي عليه السلام للمغازلي : 351 ح 401: ذخائر العقبى للمحبّ الطبري : 39: المعجم الكبير للطبراني 22 : 401 ح 1001: وغيرها.

بضعة منى من آذاها فقد آذاني (1).

وروي أنّه لمّا حضرتها الوفاة قالت لأسماء بنت عميس: إذا أنا متّ فانظري إلى الدار فإذا رأيت سجفا (2)من سندس من الجنّة قد ضرب فسطاطاً في جانب الدار، فاحمليني وزينب وأمّ كلثوم فاجعلوني من وراء السجف وخلّوني وبين نفسي (3)

فلمّا توفّيت عليها السلام وظهر السجف حملتها وجعلتها وراءه، فغسلت وكفنت وحنطت بالحنوط، وكان كافوراً أنزله جبرئيل عليه السلام من الجنّة في ثلاث صرر، فقال: يا رسول الله ربّك يقرؤك السلام ويقول لك: هذا حنوطك وحنوط ابنتك وحنوط أخيك على مقسوم أثلاثاً، وان أكفانها وماءها وأوانيها من الجنّة، وأنّها أكرم على الله تعالى أن يتولّىٰ ذلك منها أحد غيرها.

وروي أنّها توفّيت عليها السلام بعد غسلها وتكفينها وحنوطها لأنّها طاهرة لا دنس فيها وأنّه لم يحضرها إلّا أمير المؤمنين عليه السلام، والحسن، والحسين، وزينب، وأمّ كلثوم، وفضة جاريتها ، وأسماء بنت عميس، وانّ أمير المؤمنين عليه السلام أخرجها ومعه الحسن والحسين في الليل وصلّوا عليها، ولم يعلم بها أحد ولا حضروا ،وفاتها، ولا صلّىٰ عليها أحد من سائر الناس غيرهم لأنّها عليها السلام أوصت بذلك وقالت: لا تصلّى عليّ أُمّة نقضت عهد الله وعهد أبي رسول الله صلى الله عليه وآله في أمير المؤمنين عليّ، وظلموني حقّی ،وأخذوا


1) صحيح البخاري 4 : 210 باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله: الجامع الصحيح للترمذي 5: 359 ح 3959؛ المسند لأحمد بن حنبل 4 : 326: المعجم الكبير للطبراني 22 : 405 1014؛ مستدرك الحاكم 3 : 195 ح 1013.

2) السجف الستر

3) في البحار خلوا بيني وبين نفسي.

ارثي، وحرقوا صحيفتي التي كتبها إلىّ أبي بملك فدك، وكذبوا شهودي، وهم - والله - جبرئيل وميكائيل وأمير المؤمنين وأمّ أيمن.

وطِفْتُ عليهم في بيوتهم وأمير المؤمنين يحملني ومعي الحسن والحسين ليلاً ونهاراً، أتى منازلهم أذكرهم الله بالله وبرسوله ألا تظلمونا ولا تغصبونا حقّنا الذي جعله الله لنا، فيجيبونا ليلاً ويقعدون عن نصرتنا نهاراً. ثمّ ينفذون إلى دارنا قنفذاً ومعه عمر وخالد بن الوليد ليخرجوا ابن عمّي علياً إلى سقيفة بني ساعدة لبيعتهم الخاسرة، فلا يخرج إليهم متشاغلاً بوصاة (1)رسول الله صلى الله عليه وآله وبأزواجه وبتأليف القرآن، وقضىٰ ثمانين ألف درهم وصاه بقضائها عنه عداتاً وديناً، فجعلوا الحطب الجزل على بابنا وأتوا بالنار ليحرقونا (2).

فأخذت(3)بعضادة الباب وناشدتهم بالله وبأبي عليه السلام أن يكفّوا عنّا وينصرفوا (4)، فأخذ عمر السوط من يد قنفذ مولىٰ أبي بكر فضرب به عضدي، فالتوى السوط على عضدي حتّى صار كالدملج، وركل الباب برجله فردّه عليّ وأنا حامل، فسقطت لوجهي والنار تستعر، وسفع (5)وجهي بيده حتّى انتثر قرطي من أذني، فجاءني المخاض فأسقطت محسناً قتيلاً بغير جرم(6)

لكن كسر الضلع ليس ينجبر*** الا بصمصام عزيز مقتدر

إذ رض تلك الأضلع الزكية*** رزيّة لا مثلها رزيّة

ومن نبوع الدم من ثدييها*** يعرب عظم ما جرى عليها

و جاوزوا الحد بلطم الخد ***شلّت يد الطغيان والتعدي

فاحمرت العين وعين المعرفة*** تذرف بالدمع على تلك الصفة

ولا تزيل حمرة العين سوى*** بيض السيوف يوم ينشر اللوى

وللسياط رنّة صداها ***في مسمع الدهر فما أشجاها

والأثر الباقي كمثل الدملج ***في عضد الزهراء أقوى الحجج

ولست أدري خبر المسمار*** سل صدرها خزانة الأسرار

والباب والجدار والدماء ***شهود صدق ما به خفاء

، فهذه أمة تصلّى عليّ

1) في البحار: بما أوصاه به.

2) في البحار ليحرقوه ويحرقونا.

3) في البحار فوقفت

4) في البحار وينصرونا.

5) سَفَعَ فلانٌ فلاناً : لطمه وضربه (القاموس)

6) وفي ذلك كله يقول العلامة محمد حسين الاصفهاني:

وقد تبرّأ الله ورسوله منهم وتبرأت منهم(1).

فعمل أمير المؤمنين عليه السلام بوصيّتها ولم يعلم أحداً بها، فأصبح في البقيع ليلة دفنت فاطمة عليها السلام أربعون قبراً جدداً.

ثمّ انّ المسلمين لمّا علموا بوفاة فاطمة عليها السلام ودفنها جاؤوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام يعزّونه لها وقالوا: يا أخا رسول الله أمرت (2)بتجهيزها وحفر تربتها ؟ فقال عليه السلام: قد ورّيت ولحقت بأبيها صلوات الله عليه وآله، فقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون ،تموت ابنة نبينا محمّد صلى الله عليه وآله ولم يخلّف فينا ولداً غيرها ولا يصلّىٰ عليها، إن هذا لشيء عظيم.

فقال عليه السلام: حسبكم ما جنيتم على الله وعلى رسوله في أهل بيته، ولم أكن والله لأعصيها في وصيّتها التي أوصت بها في أن لا يصلى عليها أحد منكم، وما بعد العهد فأغدر، فنفض القوم أثوابهم وقالوا: لابد لنا من الصلاة على ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله ،ومضوا من فورهم إلى البقيع فوجدوا فيه أربعين قبراً جدداً، فاشتبه عليهم قبرها عليها السلام بين تلك القبور، فضجّ الناس ولام بعضهم بعضاً وقالوا: لم تحضروا وفاة بنت نبيّكم ولا الصلاة عليها، ولا تعرفوا


1) ان حديث الدار والباب والضرب واسقاط محسن وكسر الضلع ورد في كثير من مصادر الخاصة والعامة، منها: دلائل الإمامة للطبري : 45؛ وأمالي الصدوق : 116 ح 2 مجلس 28: أمالي الطوسي 1 : 191؛ كامل الزيارات لابن قولویه : 332-333؛ تفسير العياشي 2 : 307-308؛ اقبال الأعمال لابن طاووس : 625: اثبات الوصية : 2 - 24: المناقب لابن شهر آشوب 3 358 على ما نقله عن كتاب المعارف لابن قتيبة الملل والنحل للشهرستاني :1 : 57 الفرق بين الفرق للاسفرائيني : 107: الوافي بالوفيات 5 : 347 على ما نقله المحدّث القمي في سفينة البحار؛ وغيرها من المصادر الكثيرة.

2) في البحار: لو أمرت.

قبرها فتزوروه، فقال أبو بكر: هاتوا من ثقاة المسلمين ينبش هذه القبور حتّى تجدوا قبرها، فنصلّى عليها ونزورها.

فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام ،فخرج من داره مغضباً وقد احمرّ وجهه وقامت عيناه ودرّت أوداجه، وعلى يده قباه الأصفر الذي لم يكن يلبسه إلا في كلّ كريهة، يتوكّاً على سيفه ذي الفقار حتّى ورد البقيع، فسبق الناس النذير فقال لهم :هذا عليّ قد أقبل كما ترون، يقسم بالله لأن بحث من هذه القبور حجر واحد لأضعنّ السيف على غابر الأمّة، فولّى القوم هاربين قطعاً قطعاً .

ومنها ما فعله الأوّل من التآمر على الأمة من غير أن أباح الله له ذلك ولا رسوله، ولا مطالبته جميعهم بالبيعة له والانقياد إلى طاعته طوعاً وكرهاً، وكان ذلك أوّل ظلم ظهر في الإسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ كان هو وأولياؤه جميعاً مقرّين بأنّ الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله لم يولياه ذلك، ولا أوجبا طاعته ولا أمرا ببيعته (1).

وطالب الناس بالخروج إليه ممّا كان يأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله من الأخماس والصدقات والحقوق الواجبات، ثمّ تسمّىٰ بخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وقد علم هو ومن معه من الخاص والعام انّ رسول الله صلى الله عليه وآله لم يستخلفه، فقد جمع بين الظلم والمعصية والكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد قال صلى الله عليه وآله:من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار(2).


1) وممّا يدلّ على عدم أهليته للخلافة قول صاحبه الثاني: كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله المسلمين شرها، فمن عاد مثلها فاقتلوه»، ورد هذا النص أو ما يقاربه في عدة مصادر، منها: تاريخ الخلفاء للسيوطي : 67: صحيح البخاري باب رجم الحبلى 5 : 208 السيرة الحلبية 3: 363: الصواعق المحرقة 5 : 5 و 8 و 21 تاريخ الطبري 3 : 210

2) كنز العمال : ح 29168

ولمّا امتنع طائفة من الناس في دفع الزكاة إليه وقالوا: انّ رسول الله صلى الله عليه وآله لم يأمر بدفع ذلك إليك، فسماهم أهل الردة وبعث إليهم خالد بن الوليد في جيش، فقتل مقاتلهم وسبىٰ ذراريهم واستباح أموالهم، وجعل ذلك فيئاً اللمسلمين، وقتل خالد بن الوليد رئيس القوم مالك بن نويرة ،وأخذ امرأته فوطأها من ليلته تلك، واستحلّ الباقون فروج نسائهم من غير استبراء.

وقد روىٰ أهل الحديث جميعاً بغير خلاف عن القوم الذين كانوا مع خالد انّهم قالوا: أذن مؤذننا وأذن مؤذّنهم، وصلّينا وصلّوا وتشهّدوا، فأي ردة هاهنا مع ما رووه جميعاً انّ عمر قال لأبي بكر : كيف تقاتل قوماً يشهدون أن لا إله إلا الله ،وأنّ محمداً رسول الله، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وانى محمد رسول الله، فإذا قالوها حقنوا دماءهم وأموالهم؟!

فقال: لو منعوني عقالاً مما كانوا يدفعونه إلى رسول الله لقاتلتهم - أو قال لجاهدتهم - وكان هذا فعلاً فضيعاً في الإسلام وظلماً عظيماً، فكفیٰ بذلك خزياً وكفراً ،وجهلاً، وإنّما أخذ عليه عمر بسبب قتل مالك بن نويرة، لأنه كان [بين عمر و ] (1)بين مالك خلّة أوجبت العصبية له من عمر(2).

ثمّ رووا جميعاً ان عمر لما ولى جمع من بقى من عشيرة مالك، واسترجع ما وجد عند المسلمين من أموالهم وأولادهم ونسائهم، وردّ ذلك جميعاً عليهم، فإن كان فعل أبي بكر بهن خطأ فقد أطعم المسلمين الحرام من أموالهم، وملكهم العبيد الأحرار من أبنائهم، وأوطأهم فروجاً حراماً من نسائهم، وإن كان ما فعله حقّاً


1) أثبتناه من البحار.

2) راجع تاريخ الطبري :3 : 280؛ والفتوح لابن أعثم 1 : 25:والصراط المستقيم للبياظي : 279 الباد : 279 الباب الثاني عشر والغدير :7 159 والملل والنحل 1 : 25: الإمامة والسياسة 1: 23

فقد أخذ عمر نساء قوم ملكوهنّ بحقّ، فانتزعهنّ من أيديهم غصباً وظلماً، وردّهم إلى قوم لا يستحقونهنّ بوطئهنّ حراماً من غير مباينة وقعت ،ولا أثمان دفعت إلى من كنّ عنده في تملّكه. فعلىٰ كلا الحالين قد أخطئا جميعاً أو أحدهما، لأنهما أباحا للمسلمين فروجاً حراماً، وأطعماهم طعاماً حراماً من أموال المقتولين على دفع الزكاة إليه، وليس له ذلك على ما تقدّم ذكره .

ومنها تكذيبه لفاطمة صلوات الله عليها في دعواها فدك (1)، وردّ شهادة أمّ أيمن مع انهم رووا جميعاً انّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أم أيمن امرأة من أهل الجنّة، وردّ شهادة أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام، وقد رووا جميعاً ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث ما دار، وأخبرهم أيضاً بتطهير علي وفاطمة من الرجس عن الله تعالى، فمن توهّم أنّ علياً وفاطمة يدخلان - بعد هذه الأخبار عن الله عز وجل - في شيء من الكذب والباطل فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر بغير خلاف.

ومنها قوله في الصلاة: لا يفعل خالد ما أمر (2)، فهذه بدعة يقارنها كفر، وذلك أنّه أمر خالداً بقتل أمير المؤمنين عليه السلام إذا هو سلّم من صلاة الفجر، فلمّا قام في الصلاة ندم على ذلك وخشيٰ إن فعل خالد ما أمر به من قتل عليّ عليه السلام أن تهيج عليه فتنة لا يقومون لها، فقال: لا يفعل خالد ما أمر قبل أن يسلّم، وكان الكلام في الصلاة بدعة والأمر بقتل عليّ عليه السلام كفر.

ومنها أنّهم رووا عنه بغير خلاف انّه قال وقت وفاته: ثلاث فعلتها ووددت انّي لم أفعلها، وثلاث لم أفعلها ووددت أنّي فعلتها، وثلاث أغفلت المسألة عنها


1) راجع شرح النهج لابن أبي الحديد 4 : 80 و 82؛ والصواعق : 22؛ السيرة الحلبية 3 : 362؛ على ما في نهج الحق : 265؛ والصراط المستقیم: 282 باب 12 مجمع الزوائد للهيثمي 399

2) راجع كتاب سليم : 214؛ عنه البحار 28 : 305؛ مناقب ابن شهر آشوب 2 : 290

ووددت أنى سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عنها. أمّا الثلاث التي وددت انّي لم أفعلها فبعث خالد بن الوليد إلى مالك بن نويرة وقومه المسمّين بأهل الردة، وكشف بيت فاطمة عليها السلام وإن كان اغلق على حرب ... ، واختلف أولياؤه في باقي الخصال فأهملنا ذكرها وذكرنا ما اجتمعوا عليه (1).

فقد دلّ قوله: انّى لم أكشف بيت فاطمة بنت رسول الله .... أنّه أغضب فاطمة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ان الله يغضب لغضبك ويرضىٰ الرضاك، فقد أوجب بفعله هذا غضب الله عليه بغضب فاطمة، وقال صلى الله عليه وآله: فاطمة بضعة منى من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله عز وجل، فقد لزمه أن يكون قد آذى الله ورسوله بما لحق فاطمة عليها السلام من الأذىٰ بكشف بيتها، وقال الله عز وجل:

(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ) (2).

وأمّا الثلاث التي ودّ أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله عنها فهي: الكلالة ما هي، وعن الجد ما له من الميراث، وعن الأمر لمن هو بعده ومن صاحبه. وكفىٰ بهذا الاقرار على نفسه خزياً وفضيحةً لأنه شهر نفسه بالجهل بأحكام الشريعة، ومن كان هذا حاله كان ظالماً فيما دخل فيه من الحكومة بين المسلمين بما لا يعلمه، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

وقوله :انّى وددت أنى سألت رسول الله صلى الله عليه وآله لمن الأمر بعده صاحبه، فقد أقرّ وشهد على نفسه بأنّ الأمر لغيره وانه لا حق له فيه، لأنه لو ومن كان له فيه حق لكان قد علمه من الله عز وجل ومن رسوله صلى الله عليه وآله، فلمّا


1) ورد هذا الكلام بنصوص مختلفة متحدة المعنى، منها: تاريخ الطبري :2 : 353 في ذكر أسماء قضاته وكتابه .... تاريخ اليعقوبي 2 : 137 شرح النهج لابن أبي الحديد 2 : 45-47: الصراط المستقيم : 301 باب 12؛ الخصال : 171 - 173 ح 288 باب 3 عنه البحار 30 : 122 2 مروج الذهب :2 : 3302: الإمامة والسياسة : 24.

2) الأحزاب : 57

لم يكن له فيه حق لم يعلم لمن هو بزعمه، وإذا لم يكن له فيه حق ولم يعلم لمن هو فقد دخل فيما لم يكن له، وأخذ حقاً هو لغيره، وهذا يوجب الظلم والتعدي وقال الله

عز وجل:( أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (1)، وقال: والكافرون هم الظالمون.

ومنها ما وافقه عليه صاحبه الثاني انه لما أراد أن يجمع ما تهيّأ له من القرآن أمر منادياً ينادي في المدينة: من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به، ثمّ قال: لا نقبل من أحد شيئاً إلا بشاهدي عدل، وهذا منهم مخالف لكتاب الله عز وجل، إذ يقول: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) (2).

فإن كان الرجل وصاحبه جهلا هذا من كتاب الله، وظنّا أنّه لا يجوز (3)لأحد من الناس أن يأتي بمثل هذا القرآن فذلك غاية الجهل وقلّة الفهم، وهذا الوجه أحسن أحوالهما، ومن حلّ هذا المحل لم يجز أن يكون حاكماً بين المسلمين فضلاً عن منزلة الامامة، وإن كانا قد علما ذلك من كتاب الله، ولم يصدقا أخبار الله فيه، ولم يثقا بحكمه في ذلك، كانت هذه حالاً توجب عليهما ما لا خفاء به على كلّ ذي فهم.

ولكن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام قالوا: انّهما قصدا بذلك علياً عليه السلام، فجعلا هذا سبباً لترك قبول ما كان علي عليه السلام جمعه والفه من القرآن في مصحفه بتمام ما أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وآله منه، وخشيا أن يقبلا ذلك منه فيظهر ما يفسد عليهما عند الناس ما ارتكباه من الاستيلاء على أمورهم، ويظهر فيه فضائح المذمومين بأسمائهم، وطهارة الفاضلين المحمودين بذكرهم، فلذلك قالا: لا نقبل القرآن من أحد إلا بشاهدي عدل.


1) هود : 18

2) الاسراء : 88

3) لعلّ الأصح: يجوز.

هذا مع ما يلزم من يتولا هما انّها لم يكونا عالمين بتنزيل القرآن، لأنهما لو كانا يعلمانه لما احتاجا أن يطلباه من غيرهما ببينة عادلة، وإذا لم يعلما التنزيل كان محالاً أن يعلمها التأويل، ومن لم يعلم التنزيل ولا التأويل كان جاهلاً بأحكام الدين وبحدود ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله، ومن كان بهذه الصفة خرج عن حدود من يصلح أن يكون حاكماً بين المسلمين أو اماماً لهم، ومن لم يصلح لذلك ثمّ دخل فيه فقد استوجب المقت من الله عز وجل، لأنّ من لا يعلم حدود الله يكون حاكماً بغير ما أنزل الله، وقال سبحانه: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (1).

ومنها انّ الأمّة مجمعة على ان رسول الله صلى الله عليه وآله ضمّه وصاحبه مع جماعة من المهاجرين والأنصار إلى أسامة بن زيد وولاه عليهما، وأمره بالمسير فيهم، وأمرهم بالمسير تحت رايته وهو أمير عليهم إلى بلاد الشام، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لينفّذ جيش أسامة حتّى توفّى صلى الله عليه وآله في مرضه ذلك، وانهما لم ينفّذا وتأخرا عن أسامة في طلب ما استوليا عليه من أمور الأمة (2).

فبايع الناس لأبي بكر وأسامة معسكر في مكانه على حاله خارج المدينة، والأمة مجمعة على انّ من عصىٰ رسول الله وخالفه فقد عصى الله، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله بنص الكتاب العزيز، والأمة أيضاً مجمعة على انّ معصية الرسول بعد وفاته كمعصيته في حياته، وان طاعته بعد وفاته كطاعته في حياته، وانّهما لم يطيعاه في الحالتين وتركا أمره بالخروج، ومن ترك أمر رسول الله صلى الله


1) المائدة : 44

2) راجع في تخلّف القوم عن جيش أسامة : الملل والنحل 1 : 23، وفيه: «جهزوا جيش أسامة لعن الله من تخلف عنه»: السيرة الحلبية 3 : 207؛ شرح النهج لابن أبي الحديد 1: 53: الكامل في التاريخ 2 : 215 كنز العمال 5 : :312 تاريخ اليعقوبي :2 : 113 صراط المستقيم : 296 باب 12.

عليه وآله متعمّداً وخالفه وجب الحكم بارتداده.

ومنها أنّه لما حضرته الوفاة جعل ما كان اغتصبه وظلم في الاستيلاء عليه لعمر من بعده (1)، وطالب الناس بالبيعة له والرضا به ،كره في ذلك من كره ورغب من رغب، وقد أجمعوا في روايتهم ان الغالب كان من الناس يومئذ الكراهة، فلم يفكر في ذلك وجعله الوالي عليهم على كره منهم، وخوّفوه من الله عز وجل في توليته فقال: بالله تخوّفوني، إذا أنا لقيته قلت له: إنّي استخلفت عليهم خير أهلك(2).

فكان هذا القول جامعاً لعجائب من المنكرات الفضيعات، أرأيت لو أجابه الله تعالى فقال: من جعل إليك ذلك، ومن ولاك أنت حتّى تستخلف عليهم غيرك؟! فقد تقلّد الظلم في حياته وبعد وفاته.

ثمّ انّ قوله: أتخوّفوني بالله، اما هو دليل على الاستهانة بملاقاة الله تعالى، أو يزعم أنه زكيّ عند الله برئ من كل زلّة وهفوة، وهذا مخالفة لقوله تعالى، فإنّه قال: ( فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) (3)ثمّ انه لم يكتف بذلك حتى شهد لعمر انّه خير القوم ، وهذا مما لا يصل إليه مثله ولا يعرفه.

ثمّ انّه ختم ذلك بالطامة الكبرى أنّه أمر وقت وفاته بالدفن مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته وموضع قبره، وجعل أيضاً بذلك سبيلاً لعمر عليه، فإنّه فعل كما فعله وصيّرت العامة ذلك منقبة لهما بقولهم: ضجيعا رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن عقل وميّز وفهم على انهما قد جنيا على أنفسهما جناية لا يستقيلانها أبداً، وأوجبا على أنفسهما المعصية الله ولرسوله والظلم الظاهر الواضح،


1) وفي ذلك يقول أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته الشقشقية فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته إذ عَقَدَها لآخر بعد وفاته - لشد ما تشطرا ضرعيها - فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها...

2) راجع الملل والنحل :1 : 25 تاريخ الطبري 2 : 355

3) النجم : 32.

لأنّ الله سبحانه قد نهىٰ عن الدخول إلى بيوت النبي إلّا باذنه حيث يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ) (1)

والحال في ذلك بعد وفاته كالحال في حياته إلا أن يخصّ الله عز وجل ذلك أو رسوله، فإن كان البيت الذي فيه قبر رسول الله صلى الله عليه وآله للرسول، خاصة فقد عصيا الله بدخولها بيته بغير اذن الرسول، وختما أعمالهما بمعصية الله في ذلك، وإن كان البيت من جملة التركة فاما أن يكون كما زعموا انه صدقة، أو يكون للورثة، فإن كان صدقة فحينئذ يكون لسائر المسلمين لا يجوز أن يختص واحد دون واحد، ولا يجوز أيضاً شراؤه من المسلمين ولا استيها به.

وإن كان ميراثاً فليس هما ممّن يرث الرسول صلى الله عليه وآله، وإن ادّعىٰ جاهل ميراث ابنتيهما من الرسول فإنّ نصيبهما تسع الثمن، لأن الرسول مات عن تسع نسوة وعن ولد للصلب، فلكل واحدة منها تسع الثمن، وهذا القدر لا يبلغ مفحص قطاة، وبالجملة فإنّهما غصبا الموضع حتى تقع القسمة على تركة الرسول، ولا قسمة مع زعمهم أن ما تركه صدقة.

وأمّا ما جعل أولياءه له فضيلة في آية الغار فهو أيضاً رذيلة، كما ذكر الشيخ المفيد ما حكاه الطبرسي في كتاب الاحتجاج ، احتجاج الشيخ السديد المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رحمة الله عليه.

حدّث الشيخ أبو علي الحسن بن معمر الرقي بالرملة في شوال سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، عن الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رضي الله عنه أنّه قال: رأيت في المنام سنة من السنين كأنّى قد اجتزت في بعض الطرق، فرأيت حلقة دائرة فيها ناس كثير، فقلت: ما هذه؟ قالوا: هذه حلقة فيها رجل يعظ الناس، فقلت: من هو ؟ قالوا: عمر بن الخطاب.


1) الأحزاب : 53.

ففرّقت الناس ودخلت الحلقة وإذا أنا برجل يتكلّم على الناس بشيء لم أحصله،فقطعت عليه الكلام فقلت: يا شيخ أخبرني ما وجه الدلالة على فضل صاحبك أبي بكر عتيق بن أبي قحافة من قول الله تعالى: ( ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ) (1)فقال: وجه الدلالة على فضل أبي بكر من هذه الآية ستة مواضع:

الأوّل: ان الله تعالى ذكر النبي صلى الله عليه وآله وذكر أبا بكر ثانيه، وقال: ( ثَانِيَ اثْنَيْنِ ).

الثاني: أنّه وصفهما بالاجتماع في مكان واحد بتألفه بينهما، فقال: (إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ).

الثالث: أنّه أضافه إليه بذكر الصحبة ليجمع بينهما فيما تقتضي الرتبة، فقال: (ِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ).

الرابع: أنّه أخبر عن شفقة النبي صلى الله عليه وآله ورفقه به لموضعه عنده، فقال: (لَا تَحْزَنْ ).

الخامس: انّه أخبر انّ الله معهما على حدّ سواء، ناصراً لهما ودافعاً عنها، فقال: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا).

السادس: أنّه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله لم تفارقه السكينة، فقال: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ،) فهذه ستة مواضع تدلّ على فضل أبي بكر من آية الغار، لا يمكنك ولا لغيرك الطعن فيها.

فقلت له: خبرت كلامك في الاحتجاج لصاحبك، وانّى بعون الله سأجعل جميع ما أتيت به کرماد اشتّدت به الريح في يوم عاصف، فأما قولك: فإنّ الله تعالى ذكر النبي صلى الله عليه وآله وجعل أبا بكر ثانيه، فهو اخبار عن العدد، لعمري لقد كانا اثنين فما في ذلك من الفضل، ونحن نعلم انّ مؤمناً ومؤمناً أو كافراً ومؤمناً


1) التوبة : 40.

اثنان ،فما أرىٰ لك في ذكر العدد طائلاً تعتمده.

وأمّا قولك بأنّه وصفهما بالاجتماع في المكان، فإنّه كالأوّل لأن المكان يجمع المؤمن والكافر كما يجمع العدد المؤمنين والكافرين، وأيضاً فإنّ مسجد النبي صلى الله عليه وآله أشرف من الغار ولقد جمع المؤمنين والكافرين والمنافقين، وفي ذلك قوله عز وجل: (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ . عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ )(1)، وأيضاً فإنّ سفينة نوح عليه السلام قد جمعت النبي والشيطان والبهيمة، والمكان لا يدلّ على ما أوجبت من الفضيلة، فبطل وجهان.

وأما قولك أنّه أضاف إليه بذكر الصحبة، فإنّه أضعف من الفضلين الأولين ،لأنّ اسم الصحبة تجمع المؤمن والكافر، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا )(2)وأيضاً فإنّ اسم الصحبة يُطلق بين العاقل وبين البهيمة، والدليل على ذلك كلام العرب كما قيل:

إن الحمار مع الحمار مطية*** فإذا خلوت به فبئس الصاحب

وأيضاً فقد سموا الجماد مع الحي صاحباً قالوا ذلك في السيف، فقالوا:

زرت هنداً وذاك غير اختيان*** ومعي صاحب كتوم اللسان

يعني السيف، فإذا كان اسم الصحبة تقع بين المؤمن والكافر وبين العاقل والبهيمة وبين الحيوان والجماد، فأي حجة لصاحبك فيه.

وأما قولك: أنّه قال: (لاتحزن) فإنّه وبال عليه ومنقصة له، ودليل على خطائه، لأنّ قوله: (لا تحزن) نهي وصورة النهي قول القائل لا تفعل، فلا يخلو امّا أن يكون الحزن وقع من أبي بكر طاعة أو معصية، فإن كان طاعة فإنّ النبي صلى الله


1) المعارج : 36-37.

2) الكهف : 37

عليه وآله لا ينهىٰ عن الطاعات بل يأمر بها ويدعو إليها، وإن كان معصية فقد نهاه

النبي صلى الله عليه وآله عنها، وقد شهدت الآية بعصيانه بدليل انه نهاه.

وأمّا قولك انه قال (انّ الله معنا) فإنّ النبي صلى الله عليه وآله أخبر انّ الله معه وعبّر عن نفسه بلفظ الجمع ، كقوله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1)وقد قيل أيضاً في هذا أنّ أبا بكر قال: يا رسول الله حزني على أخيك علي بن أبي طالب ما كان منه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: لا تحزن ان الله معنا [أي] معي ومع أخى علىّ بن أبي طالب عليه السلام.

وأمّا قولك انّ السكينة نزلت على أبي بكر فإنّه ترك للظاهر، لأن الذي نزلت عليه السكينة هو الذي أيده الله بالجنود، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله تعالى: ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ) (2)فإن كان أبو بكر هو صاحب السكينة فهو صاحب الجنود، وفي هذا اخراج النبي صلى الله عليه وآله من النبوّة على انّ هذا الموضع لو كتمته على صاحبك كان خيراً له، لأنّ الله تعالى أنزل السكينة على النبي صلى الله عليه وآله في موضعين كان معه قوم مؤمنون فشركهم فيها.

فقال في أحد الموضعين:( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) (3)وقال في الموضع الآخر:(ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ) (4)ولمّا كان في هذا الموضع خصّه وحده بالسكينة دلّ ذلك على انّه لم يكن عنده مؤمناً، لأنه لو كان عنده مؤمناً شركه معه بالسكينة كما شرك من كان معه من المؤمنين في الموضعين الأوّلين، فدّل


1) الحجر : 9.

2) التوبة : 40 .

3) الفتح : 26 .

4) التوبة : 26.

اخراجه من السكينة على خروجه من الايمان، فلم يحر جواباً وتفرّق الناس(1)

وأمّا صاحبه الثاني فقد حذا حذوه، وزاد عليه فيما غيّر من حدود الله تعالى في الوضوء والأذان والاقامة والصلاة وسائر أحكام الدين .

أمّا الوضوء، فقد قال عزّ من قائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) (2)فقد جعل سبحانه وتعالى للوضوء حدوداً أربعة، حدّان منها غسل وحدّان منها مسح ، فلمّا قدم الثاني بعد الأوّل جعل المسح على الرجلين غسلاً وأمر الناس بذلك فاتبعوه إلّا فرقة الحق، وأفسد على من اتّبعه وضوءه وصلاته لفساد الوضوء، لأنه على غير ما أمر الله (3)من حدود الوضوء، وأجاز أيضاً المسح على الخفّين من غير أمر من الله ورسوله.

وأمّا الأذان والاقامة فأسقط منهما وزاد فيهما، أمّا الأذان فإنّه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله «حيّ على خير العمل» باجماع العلماء وأهل المعرفة بالأثر والخبر (4)، فقال الثاني: ينبغي لنا أن نسقط «حيّ على خير العمل» من الأذان لئلا يتكل الناس على الصلاة فيتركوا الجهاد، فأسقط ذلك من الأذان والاقامة جميعاً لهذه العلّة بزعمه، فقبلوا ذلك منه واتبعوه عليه(5).

فلزمهم في حقّ النظر أن يكون عمر قد أبصر من الرشد في ذلك ما لم يعلمه الله عز وجل ولا رسوله صلى الله عليه وآله، لأنّ الله ورسوله قد أثبتا ذلك في الأذان


1) الاحتجاج 2 : 607 ح 361؛ عنه البحار 27 : 327 ح 1؛ وأورده الكراجكي في كنز الفوائد : 202.

2) المائدة : 6.

3) في البحار على غير ما أنزل الله به

4) راجع في ذلك: سنن البيهقي 1 : 254 - 525: السيرة الحلبية :2 : 105 ميزان الاعتدال 1 : 139؛ لسان الميزان 1 : 268: البحار 84: 179 ح 11 ؛ عن دعائم الإسلام 1 : 145

5) راجع دعائم الإسلام :1 : 144: علل الشرائع 2 : 56: عنه البحار 84 : 140 ح 34: الصراط المستقيم : 21 تتمة

والاقامة ولم يخافا على الناس ما خشيه عليهم عمر وقدّره فيهم، ومن ظن ذلك وجهله لزمه الكفر، فأفسد عليهم الأذان بذلك أيضاً لأنه من تعمّد الزيادة أو النقيصة في فريضة أو سنة فقد أفسدها.

ثمّ انّه بعد اسقاط ما أسقط من الأذان والاقامة من حيّ على خير العمل، أثبت في بعض الأذان زيادة من عنده وذلك في صلاة الفجر، زاد في الأذان «الصلاة خير من النوم »فصارت هذه البدعة عند من اتبعه من السنن الواجبة لا يستحلون تركها، فبدعة الرجل عندهم معمورة متبعة معمول بها، يطالب من تركها بالقهر عليها، وسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله عندهم مهجورة مطرحة يضرب من استعملها ويقتل من أقامها.

وجعل أيضاً الاقامة فرادىٰ فقال: ينبغي لنا أن نجعل بين الأذان والاقامة فرقاً بيّناً، وكانت الاقامة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله سبيلها كسبيل الأذان مثنى مثنى، وكان فيها حيّ على خير «العمل» مثنى، وكانت أنقص من الأذان بحرف واحد في آخرها، لأن في آخر الأذان « لا إله إلا الله» مرتين وفي آخر الاقامة مرّة واحدة، وكان هذا هو الفرق فغيّره وجعل بينهما فرقاً من عنده.

فقد خالف الله ورسوله وزعم أنّه قد أبصر من الرشد في ذلك، وأضاف من الحق ما لم يعلمه الله ورسوله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كلّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار. ولا شك أنّه كلّ من ابتدع بدعة كان عليه وزرها ووزر العامل بها إلى يوم القيامة.

وأمّا الصلاة فقد أفسد من حدودها ما فيه الفضيحة والهتك لمذهبهم وهوانهم، رووا انّ تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم، وان الصلاة المفروضة على الحاضرين الظهر أربعاً، والعصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، والعشاء الآخرة أربعاً لا سلام إلا في آخر التسليم في الرابعة، وأجمعوا أنّه من سلّم قبل التشهّد عامداً

متعمّداً فلا صلاة له وقد لزمه الاعادة، وأنّه من سلّم في كل ركعتين من هذه الصلوات الأربع عامداً غير ناس فقد أفسد صلاته، وعليه الاعادة.

فاستنّ الرجل لهم التشهّد الأول والثاني ما أفسد صلاتهم وأبطل عليهم تشهدهم،فليس منهم أحد يتشهد في صلاته قط ولا يصلّى من هذه الصلوات الأربع التي ذكرناها،وذلك انّهم يصلّون ركعتين ثمّ يقعدون للتشهد الأوّل، فيقولون عوضاً عن التشهد: «التحيات الله الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين».

فإذا قالوا ذلك فقد سلّموا أتم سلام وأكمله، لأنه إذا سلّم المصلى على النبي وعلى نفسه وعلى عباد الله الصالحين لم يبق بعد هؤلاء من يجوز صرف التسليم إليه، فإنّ عباد الله الصالحين في جملتهم الأوّلون والآخرون والجنّ والانس والملائكة وأهل السماوات والأرض والأنبياء والأوصياء، وجميع المرسلين من الأحياء والأموات، ومن قد مضىٰ ومن هو آت فحينئذ يكون المصلى منهم قد قطع صلاته الأربع ركعات بسلامه هذا.

ثمّ يقول بعد التسليم: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» والتشهد هو الشهادتان، والمصلّى منهم يأتي بالشهادتين بعد التسليم الذي ذكرناه منهم، فلزم أنّه ليس منهم أحد يتشهد في الصلاة إذا كان التسليم موجباً للخروج من الصلاة، ولا عبرة بالتشهد بعد الصلاة، فهذا بيان فضيحتهم، وابطال ،أصولهم، وفساد مذاهبهم، وهلاكهم وهلاك من استن بهم، ومن يقتدي بهم إلى يوم القيامة.

ثمّ أتبع ذلك بقوله آمين عند الفراغ من قراءة سورة الحمد، فصارت عند أوليائه سنّة واجبة حتّى أنّ من يتلقن القرآن من الأعاجم وغيرهم وعوام الناس وجهالهم يلقنونهم من بعد قوله «ولا الضالين» آمين، فقد زيدوا آية في أمّ الكتاب،

وصار عندهم من لم يأت بها في صلاته وغير صلاته كأنه قد ترك آية من كتاب الله

عز وجل.

وقد أجمع أهل النقل عن الأئمة عليهم السلام عن أهل البيت انّهم قالوا: من قال آمين في صلاته فقد أفسد صلاته وعليه الاعادة، لأنها عندهم كلمة سريانية معناها بالعربية: افعل، كسبيل من يدعو بدعاء فيقول في آخره: اللّهمّ افعل، ثمّ استنّ أولياؤه وأنصاره رواية متخرّصة عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه كان يقول ذلك بأعلىٰ صوته في الصلاة، فأنكر أهل البيت ذلك ولما رأينا أهل البيت عليهم السلام مجمعين على انكارها صح عندنا فساد اخبارهم فيها، لأنّ الرسول صلوات الله علیه و آله حكم بالاجماع لئلّا (1)نضلّ ما تمسكنا بأهل بيته، فتعين ضلالة من تمسك بغيرهم.

وأمّا الدليل على خرص روايتهم أنّهم مختلفون في الرواية، فمنهم من يروي: إذا أمن الإمام فأمنوا، ومنهم من يروي: إذا قال الإمام (ولا الضالين) فقولوا: آمين، ومنهم من يروي رفع (2)الصوت بها، ومنهم من يروي الاخفات بها، فكان هذا اختلافهم فيما وصفناه من هذه المعاني دليلاً واضحاً - لمن فهم - على تخرّص روايتهم.

ثمّ أتبع ذلك بفعل من أفعال اليهود، وذلك عقد اليدين في الصدر إذا قاموا في الصلاة لأنّ اليهود تفعل في صلاتها ذلك، فلمّا رآهم الرجل يستعملون ذلك استعمله هو أيضاً اقتداء بهم، وأمر الناس بفعل ذلك وقال: انّ هذا تأويل قوله تعالى: (وقوموا الله قانتين) (3)يريد بزعمه التذلّل والتواضع.


1) في البحار : أن لا نضلّ.

2) في البحار: ندب رفع الصوت.

3) البقرة : 238

وممّا رووه عنه بلا خلاف انّه قال للرسول صلى الله عليه وآله يوماً :انّا لنسمع من اليهود أشياء فنستحسنها منهم فنكتب ذلك منهم، فغضب الرسول صلى الله عليه وآله وقال: أمتهوّدون(1)أنتم يا ابن الخطاب؟! لو كان موسى حياً لم يسعه إلّا اتّباعي (2).

ومن استحسن ذلك في حياة الرسول من قول اليهود فاستحسانه بعد فقد الرسول أولىٰ، وقد أنكر أهل البيت عليهم السلام ونهوا عنه نهياً مؤكداً، وحال أهل البيت ما شرحناه من شهادة الرسول لهم بازالة الضلالة عنهم وعمّن تمسّك بهم.

فليس من بدعة ابتدعها هذا الرجل إلّا أولياؤه متحفّظون بها ،مواظبون عليها وعلى العمل بها، طاعنون على تاركها، وكلّ تأديب الرسول الذي قد خالفه الرجل ببدعه فهو عندهم مطرح متروك مهجور ، يطعن على من استعمله وينسب عندهم إلى الأمور المنكرات.

ولقد رووا جميعاً أنّ الرسول قال: لا تبركوا في الصلاة كبرك البعير، ولا تنقر واكنقر الديك، ولا تقعوا كإقعاء الكلب، ولا تلتفتوا كالتفات القرد، فهم لأكثر ذلك فاعلون، ولقول رسول الله صلى الله عليه وآله مخالفون، فإذا أرادوا السجود بدأوا بركبهم فيطرحونها إلى الأرض قبل أيديهم، وذلك منهم كبرك البعير على ركبتيه، ويعملون (3)ذلك جهالهم خلافاً على تأديب رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا شأنهم في سائر أحكام الدين فلا نطول بذكرها الكتاب.

ولمّا أمر الله سبحانه نبيّه صلى الله عليه وآله بسدّ أبواب الناس عن مسجد


1) في البحار أمتهو كون، والتهوك: التحير.

2) اجع النهاية لابن الأثير 5 : 282؛ ولسان العرب 12 : 400 على ما في تدوين السنة : 342-346.

3) في البحار: يعلمون.

النبي صلى الله عليه وآله تشريفاً له وصوناً له عن النجاسة سوى باب النبي صلى الله عليه وآله وباب علي بن أبي طالب عليه السلام، وأمره أن ينادي في الناس بذلك، فمن أطاعه فاز وغنم ومن عصاه هلك وندم، فأمر النبي صلى الله عليه وآله المنادي فنادى في الناس الصلاة جامعة، فأقبل الناس يهرعون.

فلا تكاملوا صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن الله سبحانه وتعالى قد أمرني بسدّ أبوابكم المفتوحة إلى المسجد، وبعد يومي لا يدخله جنب ولا نجس فبذلك أمرني ربي جلّ جلاله، فلا يكن في نفس أحد منكم أمر ولا تقولوا: لم، وكيف، وأنّى ذلك، فتحبط أعمالكم وتكونوا من الخاسرين، وإياكم والمخالفة والشقاق، فإن الله تعالى أوحى إلى أن أجاهد من عصاني وانه لا ذمة له في الإسلام.

وقد جعلت مسجدي طاهراً من كلّ دنس محرماً على كلّ من يدخل إليه من هذه الصفة التي ذكرتها غير أنا وأخي علي بن أبي طالب، وابنتي فاطمة وولدي الحسن والحسين، كما كان مسجد هارون وموسى، فإن الله أوحى إليهما أن اجعلا بيوتكما قبلةً لقومكما، وانّى قد بلغتكم ما أمرني به ربي وأمرتكم بذلك، ألا فاحذروا الحسد والشقاق وأطيعوا الله طاعة يوافق فيها سركم علانيتكم، واتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

فقال الناس بأجمعهم : سمعنا وأطعنا الله ولرسوله لا نخالف ما أمرنا به، ثمّ خرجوا وسدّوا أبوابهم جميعاً غير باب النبي وعلي عليهما السلام، فأظهر الناس الحسد والكلام، فقال عمر: ما بال رسول الله يؤثر ابن عمه علي بن أبي طالب علينا، ويقول على الله الكذب، ويخبر عن الله بما لم يقل في ابن أبي طالب؟! وإنما قول محمد محبّة لعليّ بن أبي طالب واجابة إلى ما يريد، فلو سأل الله ذلك لنا لأجابه، وأراد عمر أن يكون له باب مفتوح إلى المسجد.

و لمّا بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله قول عمر وخوض القوم في الكلام أمر المنادي بالنداء إلى الصلاة جامعة، فلمّا اجتمعوا قال لهم النبي صلى الله عليه وآله: معاشر الناس قد بلغني ما خضتم فيه وما قال قائلكم، وإنّي أقسم بالله العظيم اني لم أتقوّل على الله الكذب ،ولا كذبت فيها قلت ولا أنا سددت أبوابكم، ولا أنا فتحت باب عليّ بن أبي طالب، ولا أمرني في ذلك إلا الله عز وجل الذي خلقني وخلقكم أجمعين، فلا تحاسدوا فتهلكوا، ولا تحسدوا الناس على ما آتاهم الله من فضله فإنّه يقول في محكم كتابه: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) (1)فاتقوا الله وكونوا من الصابرين.

ثمّ صدق الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وآله بنزول الكوكب من السماء على دار علي بن أبي طالب عليه السلام - وقد مرّ حديث النجم - وأنزل الله سبحانه قرآناً وأقسم فيه بالنجم تصديقاً لرسوله صلى الله عليه وآله وقال: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى . مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى . وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى .إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى )(2)الآيات كلّها، وتلاها النبي صلى الله عليه وآله فلم يزدادوا إلا غضباً وحسداً ونفاقاً واستكباراً ، ثم تفرقوا وفي قلوبهم من الحسد والنفاق ما لا يعلمه إلا الله سبحانه.

فلمّا كان بعد أيّام دخل عليه عمّه العباس فقال: يا رسول الله قد علمت ما بيني وبينك من القرابة والرحم الماسة، وأنا ممّن يدين الله بطاعتك، فاسأل الله تعالى أن يجعل لي باباً إلى المسجد أتشرف بها على من سواي، فقال له صلى الله عليه وآله: يا عم ليس إلى ذلك سبيل، فقال: فميزاباً يكون من داري إلى المسجد أتشرف به على القريب والبعيد.


1) البقرة : 253.

2) النجم : 1-4

فسكت النبي صلى الله عليه وآله - وكان كثير الحياء لا يدري ما يعيد من الجواب خوفاً من الله تعالى وحياءً من عمّه العباس - فهبط جبرئيل عليه السلام في الحال على النبي صلى الله عليه وآله - وقد علم الله تعالى من نبيه اشفاقه بذلك - فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تجيب سؤال عمّك، وأمرك أن تنصب له ميزاباً إلى المسجد كما أراد، فقد علمت ما في نفسك، وقد أجبتك إلى ذلك كرامةً لك، ونعمةً منى عليك وعلى عمّك العباس.

فكبّر النبي صلى الله عليه وآله وقال: أبى الله إلا إكرامكم يا بني هاشم وتفضيلكم على الخلق أجمعين، ثم قام ومعه جماعة من الصحابة والعباس بين يديه حتى صار على سطح العباس، فنصب له ميزاباً إلى المسجد وقال: معاشر المسلمين إن الله قد شرف عمّي العباس بهذا الميزاب فلا تؤذونني في عمّي فإنّه بقية الآباء والأجداد، فلعن الله من آذاني في عمّى وبخسه حقه أو أعان عليه.

ولم يزل الميزاب على حاله مدة أيام النبي صلى الله عليه وآله وخلافة أبي بكر، وثلاث سنين من خلافة عمر بن الخطاب، فلمّا كان في بعض الأيام وعك العباس ومرض مرضاً شديداً، وصعدت الجارية تغسل قميصه، فجرى الماء من الميزاب إلى صحن المسجد، فنال بعض الماء مرقعة الرجل، فغضب غضباً شديداً وقال الغلامه: اصعد واقلع الميزاب، فصعد الغلام فقلعه ورمى به إلى سطح العباس وقال: والله لإن ردّه أحد إلى مكانه لأضر بن عنقه.

فشقّ ذلك على العباس ودعا بولديه عبد الله وعبيد الله، ونهض يمشي متوكناً عليهما وهو يرتعد من شدة المرض، وسار حتى دخل على أمير المؤمنين عليه السلام، فلمّا نظر إليه أمير المؤمنين عليه السلام انزعج لذلك وقال: يا عم ما حاء بك وأنت على هذه الحالة ؟ فقص عليه القصة وما فعل معه عمر من قلع الميزاب، وتهدده من يعيده إلى مكانه وقال له: يا ابن أخى إنّه كان لي عينان أنظر بهما فمضت

احداهما وهي رسول الله صلى الله عليه وآله، وبقيت الأخرى وهي أنت يا عليّ، وما أظنّ انّى أظلم ويزول ما شرفنى به رسول الله صلى الله عليه وآله وأنت لي، فانظر في أمري.

فقال له :يا عمّ ارجع إلى بيتك فسترىٰ منّى ما يسرك إن شاء الله تعالى، ثمّ نادىٰ: يا قنبر علي بذي الفقار، فتقلّده ثم خرج إلى المسجد والناس حوله، وقال: يا قنبر اصعد فردّ الميزاب إلى مكانه، فصعد قنبر فردّه إلى موضعه، وقال على عليه السلام وحق صاحب هذا القبر والمنبر لئن قلعه قالع لأضر بن عنقه وعنق الآمر له بذلك، ولأصلبنّهما في الشمس حتى يتقدّدا.

فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فنهض ودخل المسجد، ونظر إلى الميزاب وهو في موضعه فقال: لا يُغضب أحد أبا الحسن فيما فعله ونكفّر عنه عن اليمين، فلما كان من الغداة مضىٰ أمير المؤمنين عليه السلام إلى عمّه العباس فقال له: كيف أصبحت يا عمّ؟ قال: بأفضل النعم ما دمت لي يا ابن أخي، فقال: يا عم طب نفساً فوالله لو خاصمني أهل الأرض في الميزاب لخصمتهم، ثمّ لقتلتهم بحول الله وقوّته، ولا ينالك ضيم يا عمّ، فقام العباس فقبل بين عينيه وقال: يا ابن أخي ما خاب من أنت ناصره.

فكان هذا فعل عمر بالعباس عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وقد قال في غيرموطن وصيّة منه في انّ عمّه العباس بقية الآباء والأجداد فاحفظوني فيه، كلّ في كنفي وأنا في كنف عمّي العباس، فمن آذاه فقد آذاني ومن عاداه فقد عاداني، سلمه سلمي وحربه حربي. وقد آذاه عمر في ثلاث مواطن ظاهرة غير خفية.

منها قصة الميزاب ولولا خوفه من علي لم يتركه على حاله.

ومنها ان النبي صلى الله عليه وآله قبل الهجرة خرج يوماً إلى خارج مكة ورجع طالباً منزله، فاجتاز بمناد ينادي من بني تيم، وكان لهم سيد يسمّىٰ عبد الله

بن جذعان، وكان يعد من سادات قريش وأشياخهم، وكان له منادية ينادون في شعاب مكة وأوديتها :من أراد الضيافة والقرى فليأت مائدة عبد الله بن جذعان ،وكان مناديه أبو قحافة وأجرته أربعة دوانيق، وله مناد آخر ينادي فوق سطح داره.

فأخبر عبد الله بن جدعان بجواز النبي صلى الله عليه وآله على بابه، فخرج يسعى حتى لحق به وقال: يا محمد بالبيت الحرام إلا ما شرّفتني بدخولك إلى منزلي وتحرمك بزادي، وأقسم عليه بربّ البيت والبطحاء وبشيبة عبد المطلب، فأجابه النبي صلى الله عليه وآله إلى ذلك ودخل منزله وتحرّم بزاده، فلما خرج النبي صلى الله عليه وآله خرج معه ابن جذعان مشيّعاً له، فلما أراد الرجوع عنه قال له النبي صلى الله عليه وآله: إنّي أحبّ أن تكون غداً ضيفي أنت وتيم وأتباعها وحلفاؤها عند طلوع الغزالة.

ثمّ افترقا ومضى النبي صلى الله عليه وآله إلى دار عمّه أبي طالب وجلس متفكّراً فيها وعده لعبد الله بن جذعان، إذ دخلت عليه فاطمة بنت أسد زوجة عمه أبي طالب، وكانت هي مربيته وكان يسميها أمّي، فلما رأته مهموماً قالت: فداك أبي وأُمّي ما لي أراك مهموماً، أعارضك أحد من أهل مكة؟! فقال: لا، فقالت: فبحقّی عليك إلا ما أخبرتني بحالك، فقص عليها قصة ابن جذعان وما قال له وما وعده الضيافة، فقالت: يا ولدي لا يضيق صدرك مع اتيان عمّك يقوم لك بكلّ ما ترید.

فبينما هما في الحديث إذ دخل أبو طالب رضي الله عنه فقال لزوجته: فيا أنتما ؟ فأعلمته بذلك كلّه وبما قال النبي صلى الله عليه وآله لابن جذعان، فضمّه إلى صدره وقبّل ما بين عينيه وقال: يا ولدي بالله عليك لا يضيق صدرك من ذلك، في نهار غد أقوم لك بجميع ما يُحتاج إليه إن شاء الله، وأصنع وليمة تتحدّث بها الركبان

في سائر البلدان، وعزم على وليمة تعمّ سائر القبائل، وقصد نحو أخيه العباس ليقترض من ماله شيئاً يضمه إلى ماله، فوجد بني عبد المطلب في الطريق فأقرضوه من الجمال والذهب ما يكفيه، فرجع عن القصد إلى أخيه العباس وآثر التخفيف عنه.

فبلغ أخاه العباس ذلك وعظم عليه رجوعه عن القصد إليه، فأقبل إلى أخيه أبي طالب وهو مغموم كئيب، فسلّم عليه فقال له أبو طالب :ما لي أراك حزيناً كئيباً؟ فقال: بلغني انّك قصدتني في حاجة ثمّ بدا لك عنها فرجعت من الطريق، فما هذا الحال ؟

فقصّ عليه القصة إلى آخرها ،فقال له العباس: الأمر إليك وانّك لم تزل أهلاً لكلّ مكرمة وموئلاً لكلّ نائبة، ثم جلس عنده ساعة وقد أخذ أبو طالب فيما يحتاج إليه من آلة الطبخ وغير ذلك، فقال له العباس: يا أخي ولي إليك حاجة، فقال أبو طالب: هي مقضيّة فاذكرها، فقال العباس: أقسمت عليك بحق البيت وبشيبة الحمد إلا ما قضيتها، فقال : لك ذلك ولو سألت النفس والولد، فقال: تهب لي هذه المكرمة تشرفني بها، فقال: قد أجبتك إلى ذلك مع ما أصنعه أنا.

فنحر العباس الجزر، ونصب القدور، وعقد الحلاوات، وسوّى المشويّ، وأكثر من الزاد فوق ما يراد، ونادىٰ في سائر الناس، فاجتمع أهل مكة، وبطون قريش، وسائر العرب على اختلاف طبقاتها يهرعون من كلّ مكان حتى كأنه عيد الله الأكبر، ونصب للنبي صلى الله عليه وآله منصباً عالياً وزينة بالدر والياقوت والثياب الفاخرة، وبقى الناس معجبون من حسن النبي صلى الله عليه وآله ووقاره وعقله وكماله، وضوؤه يعلو على ضوء الشمس، وتفرّق الناس مسرورين قد أخذوا في الخطب والأشعار ومدح النبي صلى الله عليه وآله وأهله وعشيرته على حسن ضيافتهم، وكانت يد العباس رحمة الله عليه عند النبي صلى الله عليه وآله اليد

العليا.

فلمّا تكامل النبي صلى الله عليه وآله وبلغ أشدّه وتزوّج خديجة، وأوحى الله إليه، وأنبأه وأرسله إلى سائر العرب والعجم، وأظهره على المشركين وفتح مكة ودخلها مؤيّداً منصوراً، وقتل من قتل وبق من بق، أوحى الله إليه: يا محمد إن عمّك العباس له عليك يد سابقة وجميل متقدّم، وهو ما أنفق عليك في وليمة عبد الله بن جذعان، وهو ستّون ألف دينار مع ما له عليك في سائر الأزمان، وفي نفسه شهوة من سوق عكاظ فامنحه إيّاه في مدة حياته، ولولده بعد وفاته.

[فأعطاه ذلك] (1)ثمّ قال صلى الله عليه وآله: ألا لعنة الله على من عارض عمّى العباس في سوق عكاظ أو نازعه فيه، ومن أخذه منه فأنا بريء منه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فلم يكترث عمر بذلك وحسد العباس على دخل سوق عكاظ، وغصبه منه ولم يزل العباس متظلماً منه عليه إلى حين وفاته.

ومنها ان النبي صلى الله عليه وآله كان جالساً في مسجده يوماً وحوله جماعة من الصحابة، إذ دخل عليه عمه العباس - وكان رجلاً صبيحاً حسناً حلو الشمائل - فلمّا رآه النبي صلى الله عليه وآله قام إليه واستقبله وقبل ما بين عينيه، ورحّب به وأجلسه إلى جانبه، وجعل يفديه بأبيه وأمّه، فجعل العباس يقول:

من قبلها كنت في الظلال (2)وفي ****ستودع حين يخصف الورق

ثم هبطت (3)البلاد لا بشر*** أنت ولا نطفة ولا علق

بل حجة تركب السفين وقد*** ألجم براً وأهله الغرق

وخضت نار الكثيب مكتتماً ***تجول فيها وليس تحترق


1) أثبتناه من البحار.

2) في «الف»: الضلال

3) كذا الظاهر، وفي «الف» و «ب»: هبطن.

من صلب طاهر إلى رحم*** إذا بدا عالم به طبق

وأنت لما ولدت أشرقت الأرض ***وتلألأ بنورك الأفق

ونحن في ذلك الضياء على الن***-ور وسبيل الرشاد نحترق

فقال النبي صلى الله عليه وآله جزاك الله يا عمّ خيراً ومكافاتك على الله عز وجل، ثمّ قال: معاشر الناس احفظوني في عمّي العباس وانصروه ولا تخذلوه، ثمّ قال: يا عم اطلب منى شيئاً أتحفك به على سبيل الهدية، فقال: يا ابن أخي أريد من الشام الملعب، ومن العراق الحيرة، ومن هجر الخط - وكانت هذه المواضع كثيرة العمارة - فقال له النبي صلى الله عليه وآله: حبّاً وكرامة.

ثمّ دعا عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال: أكتب لعمّك العباس هذه المواضع، فكتب له أمير المؤمنين عليه السلام كتاباً بذلك وأملا رسول الله صلى الله عليه وآله على عليّ، وأشهد رسول الله صلى الله عليه وآله الجماعة الحاضرين، وختمه النبي صلى الله عليه وآله بخاتمه وقال: يا عم إن يفتح الله لي هذه المواضع فهي لك هبة من الله ورسوله، وإن فتحت بعد موتي فإنّى أوصي الذي ينظر بعدي في الأمة وأمر بتسليم هذه المواضع إليك.

ثمّ قال: معاشر المسلمين إنّ هذه المواضع المذكورة لعمّى العباس، فعلىٰ من يغير عليه أو يبدل أو يمنعه أو يظلمه لعنة الله ولعنة اللاعنين ثمّ ناوله الكتاب، فلمّا ولي عمر وفتح هذه المواضع المذكورة أقبل إليه العباس بالكتاب، فلمّا نظر فيه دعا رجلاً من أهل الشام وسأله عن الملعب، فقال: يزيد ارتفاعه على عشرين ألف درهم، ثمّ سأل عن النواحى الآخر، فذكر له أنّ ارتفاعها يقوم بمال كثير، فقال: يا أبا الفضل إنّ هذا مال كثير لا يجوز لك أخذه من دون المسلمين، فقال العباس: هذا كتاب رسول الله يشهد لي بذلك قليلاً أو كثيراً، فقال عمر: لا والله إن كنت تساوي المسلمين في ذلك وإلّا فارجع من حيث أتيت.

فجرىٰ بينهما كلام كثير غليظ، فغضب عمر وكان سريع الغضب، وأخذ الكتاب من العباس ومزّقه وتفل فيه، ورمىٰ به وجه العباس وقال: والله لو طلبت منّى جنّة واحدة ما أعطيتك.

فأخذ العباس بقية الكتاب وعاد إلى منزله حزيناً كئيباً باكياً شاكياً إلى الله تعالى وإلى رسوله، فصاح العباس بالمهاجرين والأنصار، فغضبوا لذلك وقالوا: يا عمر تخرق كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وتلقی به إلى الأرض، هذا شيء لا نصبر عليه، فخاف عمر أن ينخرم عليه الأمر فقال: قوموا بنا إلى العباس نسترضيه ونفعل معه ما يصلحه. فنهضوا بأجمعهم إلى دار العباس، فوجدوه موعوكاً لشدّة ما لحقه من الغبن والألم والظلم، فقال: نحن في الغداة عائدوه إن شاء الله ومعتذرون إليه من فعلنا، فمضىٰ غد وبعد غدٍ ولم يعد إليه ولا اعتذر منه، ثمّ فرّق الأموال على المهاجرين والأنصار ، وبقى كذلك إلى أن مات.

ولو أخذنا في ذكر أفعاله لطال الكتاب، وهذا القدر فيه عبرة لأولي الألباب. وأمّا صاحبهما الثالث فقد استبد أيضاً بأخذ الأموال ظلماً على ما تقدّم به الشرح في صاحبيه، واختص بها مع أهل بيته من بني أمية دون المسلمين، فهل يستحلّ هذا أو يستجيزه مسلم، ثم أنّه ابتدع أشياء أخر:

فمنها أنّه منع المراعي من الجبال والأودية وحماها حتّى أخذ عليها مالاً باعها به من المسلمين (1)

ومنها أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله نفى الحكم بن أبي العاص عمّ عثمان عن المدينة وطرده من جواره، فلم يزل طريداً من المدينة ومعه ابنه مروان أيّام


1) راجع السيرة الحلبية :2 : 78؛ وتاريخ الخميس 2 : 262؛ تاریخ الخلفاء : 164؛ شرح النهج لابن أبي الحديد 1 135

رسول الله صلى الله عليه وآله وأيّام أبي بكر وأيام عمر يسمّىٰ طريد رسول الله، حتّى استولى عثمان فردّه إلى المدينة و آواه، وجعل ابنه مروان كاتبه وصاحب تدبیره في داره (1).

فهل هذا منه إلا خلافاً على رسول الله ومضادة لفعله؟ وهل يستجيز هذا الخلاف على رسول الله صلى الله عليه وآله والمضادة لأفعاله إلّا خارج عن الدين بريء من المسلمين؟ وهل يظنّ ذو فهم ان رسول الله صلى الله عليه وآله طرد الحكم ولعنه وهو مؤمن، وإذا لم يكن مؤمناً فما الحال التي دعت عثمان إلى ردّه والاحسان إليه وهو رجل كافر، لولا انه تعصب لرحمه ولم يفكّر في دينه، فحقت عليه الآية قوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) (2).

ومنها أنّه جمع ما كان عند المسلمين من صحف القرآن، وطبخه بالماء على النار وغسلها ورمىٰ بها إلّا ما كان عند ابن مسعود، فإنّه امتنع من الدفع إليه، فأتىٰ إليه فضربه حتى كسر منه ضلعين، وحمل من موضعه ذلك فبقیٰ عليلاً حتّى مات.

وهذه بدعة عظيمة، لأنّ تلك الصحف إن كان فيها زيادة عمّا في أيدي الناس وقصد لذهابه ومنع الناس منه فقد قصد إلى ابطال بعض كتاب الله، وتعطيل بعض شريعته، ومن قصد إلى ذلك فقد حقّ عليه قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (3).

هذا مع ما يلزمه انه لم يترك ذلك ويطرحه تعمداً إلّا وفيه ما قد كرهه، ومن


1) الاصابة 1 : 345: أسد الغابة 2 : 33: المعارف لابن قتيبة : 83؛ تاريخ اليعقوبي 2 : 154: الملل والنحل للشهرستانی 1 : 26: السيرة الحلبية 2 : 076

2) المجادلة : 22

3) البقرة : 85

كره ما أنزل الله في كتابه حبط جميع عمله ،كما قال الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) (1)فإن لم تكن في تلك الصحف زيادة عمّا في أيدي الناس فلا معنىٰ لما فعله.

ومنها: انّ عمار بن ياسر قام يوماً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وعثمان يخطب على المنبر ،فوبّخ عثمان بشيء من أفعاله، فنزل عثمان إليه فركله برجله وألقاه على قفاه وجعل يدوس على بطنه ويأمر أعوانه بذلك حتّى غشي على عمّار، وهو يفتري على عمّار ويشتمه، وقد رووا جميعاً انّ النبي صلى الله عليه وآله قال: الحق مع عمار يدور معه حيث ما دار (2).

وقال صلى الله عليه وآله: إذا افترق الناس يميناً وشمالاً فانظروا الفرقة التي فيها عمار فاتبعوها، فإنّه يدور مع الحق حيث دار، فلا يخلو حال ضربه لعمار من أمرين، أحدهما أنّه يزعم أنّ ما قال عمار وما فعل باطل، وهذا مما فيه تكذيب لقول رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال: الحقّ مع عمار، فثبت أن يكون ما قاله عمار حقاً كرهه عثمان فضربه عليه.

ومنها: ما فعل بأبي ذر حين نفاه عن المدينة إلى الربذة مع اجماع الأمة في الرواية انّ الرسول صلى الله عليه وآله قال :ما أقلّت الغبراء وما أظلّت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر (3).

ورووا انّه قال: انّ الله عز وجل أوحىٰ إليّ انّه يحبّ أربعة من أصحابي وأمرني بحبّهم، فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: عليّ سيّدهم، وسلمان، والمقداد ،


1) محمد : 9

2) الاستيعاب بهامش الاصابة 2 : 480: البحار 44: 35 ح 1.

3) الاصابة 4 : 64: وفي هامشها الاستيعاب 1 : 216؛ مستدرك الحاكم 4 : 64: أسد الغابة 1 : 301؛ التاج الجامع للأصول 404:3: نهج الحق : 300.

وأبوذر (1).

فحينئذٍ ثبت انّ أباذر أحبه الله وأحبّه رسوله، ومحال عند ذي الفهم أن يكون الله ورسوله يحبّان رجلاً وهو يجوز أن يفعل فعلاً يستوجب به النفي عن حرم الله وحرم رسوله، ومحال أيضاً أن يشهد رسول الله لرجل انه ما على وجه الأرض ولا تحت السماء أصدق منه ثمّ يقول باطلاً، فتعين أن يكون ما فعله وما قاله حقاً كرهه عثمان فنفاه عن الحرمين، ومن كره الحق ولم يحبّ الصدق فقد كره ما أنزل الله في كتابه، لأنه تعالى أمر بالكون مع الصادقين فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (2).

ومنها: أنّ عبد الله بن عمر بن الخطاب لمّا ضرب أبو لؤلؤة عمر الضربة التي مات فيها سمع قوماً يقولون :قتل العلج أمير المؤمنين، فقدّر أنّهم يعنون الهرمزان -رئيس فارس - وكان قد أسلم على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ثمّ أعتقه تقه من قسمه من الفيء، فبادر إليه عبد الله بن عمر فقتله قبل أن يموت عمر ، فقيل لعمر : ان عبد الله بن عمر ،قد قتل الهرمزان، فقال: أخطأ فإنّ الذي ضربني أبو لؤلؤة وما كان للهرمزان في أمري صنع، وإن عشت احتجت أن أقيّده به ،فإنّ عليّ بن أبي طالب لا يقبل منا الدية وهو مولاه.

فمات عمر واستولىٰ عثمان على الناس بعده، فقال علي عليه السلام لعثمان: انّ عبد الله بن عمر قتل مولاي الهرمزان بغير حق وأنا وليّه والطالب بدمه سلّمه لأقيّده به فقال عثمان بالأمس قتل عمر وأقتل ابنه أورد على آل عمر ما لا قوام لهم به، وامتنع من تسليمه إلى عليّ شفقة منه بزعمه على آل عمر، فلمّا رجع الأمر إلى عليّ عليه السلام هرب منه عبد الله بن عمر إلى الشام فصار مع معاوية، وحضر


1) كنز العمال 11: 643 ح 33127

2) التوبة : 119

يوم صفين مع معاوية محارباً لأمير المؤمنين عليه السلام، فقتل في معركة الحرب

ووجد متقلّداً بسيفين يومئذ (1).

فانظروا يا أهل الفهم في أمر عثمان كيف عطّل حداً من حدود الله لا شبهة فيه شفقة منه بزعمه على آل عمر، ولم يشفق على نفسه من عقوبة تعطيل حدود الله ومخالفته، وأشفق على آل عمر في قتل من أوجب الله قتله، وأمر به رسوله صلى الله عليه وآله.

ومنها: أنّه عمد إلى صلاة الفجر فنقلها من أوّل وقتها في حين طلوع الفجر، فجعلها بعد الإسفار واظهار ضياء النهار، واتبعه أكثر الناس إلى يومنا هذا، وزعم انه فعله ذلك اشفاقاً منه على نفسه في خروجه إلى المسجد خوفاً أن يقتل في غلس الفجر كما قتل عمر، وذلك ان عمر كان قد جعل لنفسه سرباً تحت الأرض من بيته إلى المسجد، وكان يخرج من منزله في وقت الفجر في ذلك السرب إلى المسجد، فقعد أبو لؤلؤة في السرب فضربه بخنجره في بطنه، فلما ولي عثمان أخر صلاة الفجر إلى الإسفار.

فعطّل وقت فريضة الله وحمل الناس على صلاتها في غير وقتها، لأنّ الله سبحانه قال: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) (2)يعني ظلمته، ثمّ قال:( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا )(3)والفجر هو أوّل ما يبدو من المشرق في الظلمة وعنده تجب الصلاة، فإذا علا في الأفق وانبسط الضياء وزالت الظلمة صار صبحاً وزال عن أن يكون فجراً.

ودرج على هذه البدعة أولياؤه، ثم تخرّص بنو أمية بعده أحاديث انّ النبي صلى الله عليه وآله غلس بالفجر وأسفر بها، وقال للناس: اسفروا بها أعظم


1) راجع في ذلك شرح النهج لابن أبي الحديد 1 : 242؛ تاريخ الخميس :2 : 273؛ الاصابة 1 : 619؛ تاريخ اليعقوبي :2 : 153 نهج الحق : 301

2) الاسراء : 78

3) الاسراء : 78

لأجركم، فصار المصلى للفجر في وقتها من طلوع الفجر عند كثير من أوليائهم مبتدعاً، ومن ابتدع بدعة عثمان فهو على السنّة، فما أعجب أحوالهم وأشنعها.

ثمّ ختم بدعه بأنّ أهل مصر شكوا من عامله وسألوه أن يصرفه عنهم، أو يبعث رجلاً ناظراً بينهم وبينه، فوقع الاختيار على محمد بن أبي بكر يكون ناظراً، وكان محمد ممن يشير بالحق ويأمر به وينهىٰ عن مخالفته، فثقل أمره على عثمان وكاده وبقي حريصاً على قتله بحيلة، فلمّا وقع الاختيار عليه أن يكون ناظراً بين أهل مصر وعامله خرج معهم، وكتب عثمان في عقب خروجه إلى عامله بمصر يأمره بقتل محمد بن أبي بكر إذا صار إليه، ودفع الكتاب إلى عبد من عبيده.

فركب العبد راحلته وسار نحو مصر بالكتاب مسرعاً ليدخل مصر قبل دخول محمد بن أبي بكر، فقيل: إنّ العبد مرّ يركض بحيث نظر إليه القوم الذين مع محمد بن أبي بكر، فأخبروا محمداً بذلك، فبعث خلفه خيلاً فأخذوه وارتاب به محمد، فلما ردّوه إليه وجد الكتاب معه، فقرأه وانصرف راجعاً مع القوم والعبد والراحلة معهم، فصاروا إلى عثمان في ذلك فقال: أما العبد فعبدي، والراحلة خطه راحلتي، وختم الكتاب ختمي، وليس الكتاب كتابي، ولا أمرت به.

وكان الكتاب بخطّ مروان فقيل له: إن كنت صادقاً فادفع إلينا مروان فهذا وهو كاتبك، فامتنع عليهم فحاصروه وكان ذلك سبب قتله، فهذه جملة يسيرة من بدع القوم مما يقربها أولياؤهم، فسحقاً لهم وبُعداً (1).

ثمّ ما أغفلهم عن قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) (2).

وقال عز وجل: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) (3).


1) عنه البحار 30 : 347 ح 164 .

2) النحل : 90

3) النحل : 90

وقال عزّ من قائل: ( وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (1).

وقال تعالى: ( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ) (2).

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: السلطان العادل ظلّ الله في أرضه (3).

وقال عليه السلام: عدل ساعة تعدل عبادة سبعين سنة بعد أداء الفرائض (4).

وافتخر النبي صلى الله عليه وآله بولادته في زمان أنوشيروان العادل مع كفره، بقوله صلى الله عليه وآله: ولدت في زمن الملك العادل أنوشيروان، ويكفيهم ما أعدّ الله تعالى للظالمين من النكال وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة، فقال: ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) (5).

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ولى أمور سبعة من المسلمين ولم يعدل فيهم، جعل الله رأسه ورجليه في ثقب فأس من نار حتّى يفرغ من حساب الخلائق.

ويكفي في التنبيه على فضيلة العدل حال فرعون وموسىٰ عليه السلام، فإنّ الله عز وجل أنعم عليه بجميع أنواع النعم من الأمن والصحة والملك إلى غير ذلك من النعم، وقابل على ذلك بأبلغ مراتب الكفر وأنهىٰ أحوال الشرك، وهو ادّعا من الربوبيّة مع نفيها عنه تعالى، كما حكى عنه سبحانه وتعالى: ( مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)(6)


1) الأنعام : 152.

2) النحل : 90.

3) راجع كنز العمال 6 : 6 ح 14589 .نحوه.

4) راجع الترغيب والترهيب : 167 ح 6: وفيه: عدل ساعة أفضل من عبادة ستين سنة.

5) البقرة : 270.

6) القصص : 38

ثم بعث إليه أنبياءه ورسله الذين هم أخصّ خلقه وأقربهم إليه ليعظوه ويزجروه عن ذلك، فغلظ عليهما في الكلام وخاطبهما بما يخاطب به العوام، فرجعا إليه تعالى وشكيا منه، فقال لهما الحكيم الكريم جلّ جلاله: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى )(1)وبقي موسىٰ يدعو عليه أربعين سنة فلا يُستجاب له، فخاطب الله تعالى في ذلك، فقال جلّ جلاله: يا موسىٰ ما دام آمناً ،لعبادي عامراً لبلادي ،لم أجب فيه دعوة مناد.

وقال تعالى: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا )(2)والقاسط الجائر والمقسط العادل، يقال: أقسط إذا عدل وقسط إذا جار، وقال أمير المؤمنين عليه السلام: يؤتىٰ يوم القيامة بالحاكم الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقىٰ في نار جهنّم ، فيدور فيها كما تدور الرحاء، ثمّ يرتبط في قعرها.

وقال الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (3)قال: قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة (4).

وقال بعض الحكماء: السلطان الجائر الذي يغصب مال رعيّته كمن يأخذ التراب من أساس داره ويبني به عاليها، وكان كسرىٰ قد فتح بابه، ورفع حجابه، وبسط إذنه لكلّ واصل إليه، فقال له رسول ملك الروم: لقد أقدرت عليك عدوّك بفتح بابك ورفع حجابك، فقال: أتحصن من عدوّي بعدلي، إنّما انتصبت هذا المنصب وجلست هذا المجلس لقضاء الحاجات، وإذا لم تصل الرعية إلىّ فمتىٰ أقضي الحاجة وأكشف الظلامة؟!.

وروى المظفري في تاريخه قال: لمّا حجّ المنصور في سنة أربع وأربعين ومائة


1) طه : 44

2) الجن : 15

3) الفجر : 14.

4) الكافي :2 : 331 ح 2 عنه البحار 75 323 ح 54

نزل بدار الندوة وكان يطوف ليلاً ولا يشعر به، فإذا طلع الفجر صلّىٰ بالناس وراح في موكبه إلى منزله، فبينما هو ذات ليلة يطوف إذ سمع قائلاً يقول: اللّهمّ إنّا نشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وبين أهله من الظلم.

قال: فملأ المنصور مسامعه منه ثمّ استدعاه فقال له: ما الذي سمعته منك؟ قال: إن أمنتني على نفسي نبأتك بالأمور من أصلها، قال: أنت آمن على نفسك، قال: أنت الذي دخله الطمع حتّى حال بينه وبين الحق، وسبب حصول ما ظهر في الأرض من البغي والفساد، فإنّ الله سبحانه وتعالى استرعاك أمور المسلمين فأغفلتها، وجعلت بينك وبينهم حجاباً وحصوناً من الجص والآجر، وأبواباً من الحديد، وحجبة معهم السلاح. واتّخذت وزراء ظلمة وأعواناً ،فجرة، إن أحسنت لا يعينوك وإن أسأت لا يرّدوك، وقويتهم على ظلم الناس ولم تأمرهم باعانة المظلوم والجائع والعاري ،فصاروا شركاؤك في سلطانك، وصانعهم العمال بالهدايا خوفاً منهم فقالوا: هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه، فاختزنوا الأموال وحالوا بين المتظلم ودونك، فامتلأت بلاد الله فساداً وبغياً وظلماً ، فما بق الإسلام وأهله على هذا.

وقد كنت أسافر إلى بلاد الصين وبها ملك قد ذهب سمعه فجعل يبكي، فقال له وزراؤه: ما يبكيك؟ فقال: لست أبكي على ما نزل من ذهاب سمعي ،ولكن لمظلوم يصرخ بالباب ولا أسمع نداءه، ولكن إن كان سمعي قد ذهب فبصري باق، نادوا في الناس: لا يلبس ثوب أحمر إلّا مظلوم، فكان يركب الفيل في كلّ طرف نهار هل يرىٰ مظلوماً فلا يجده.

هذا وهو مشرك بالله وقد غلبت رأفته بالمشركين على شحّ نفسه، وأنت مؤمن بالله وابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله ولا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك، فإنّك لا تجمع المال إلّا لواحدة من ثلاث، إن قلت: إنّك تجمع لولدك

فقد أراك الله تعالى الطفل الصغير يخرج من بطن أمّه لا مال له فيعطيه الله، فلست بالذي تعطيه بل الله سبحانه الذي يعطى، وإن قلت: أجمعها لتشييد سلطاني، فقد أراك الله القدير عبراً في الذين تقدّموا ما أغنىٰ عنهم ما جمعوا من الأموال، ولا ما أعدّوا من السلاح، وإن قلت: أجمعها لغاية هي أحسن من الغاية التي أنا فيها، فوالله ما فوق ما أنت فيه منزلة إلّا العمل الصالح.

يا هذا هل تعاقب من عصاك إلّا بالقتل؟! فكيف تصنع بالله الذي لا يعاقب إلّا بأليم العذاب، وهو يعلم منك ما أضمره قلبك وعقدت عليه جوارحك، فماذا تقول إذا كنت بين يديه للحساب عرياناً؟! هل يغني عنك ما كنت فيه شيئاً ؟!.

قال: فبكى المنصور بكاء شديداً وقال: يا ليتني لم أخلق ولم أك شيئاً، ثمّ قال: ما الحيلة فيما حولت؟ قال: عليك بالأعلام العلماء الراشدين، قال: فرّوا منّى، قال: فرّوا منك مخافة أن تحملهم على ظهر من طريقتك، ولكن افتح الباب، وسهّل الحجاب، وخُذ الشيء ممّا حلّ وطاب، وانتصف للمظلوم من الظالم، وأنا ضامن عمّن هرب منك أن يعود إليك فيعاونك على أمرك.

فقال المنصور: اللّهمّ وفقني لأن أعمل بما قال هذا الرجل، ثمّ حضر المؤذّنون وأقاموا الصلاة، فلمّا فرغ من صلاته قال: عليّ بالرجل، فطلبوه فلم يجدوا له أثراً، فقيل: أنه كان الخضر عليه السلام (1).

وأمّا الاحسان فهو التفضّل والمعروف، قال الله تبارك وتعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (2)

وقال جلّ جلاله: ( وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ )(3).


1) عنه البحار :75 351 ح 60 .

2) البقرة : 195

3) القصص : 77

وقال النبي صلّى الله عليه وآله :صنائع المعروف تقي مصارع السوء (1).

وقال صلّى الله عليه وآله :البيوت التي يسار فيها المعروف تضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض.

وقال صلّى الله عليه وآله: خياركم سمحاؤكم.

وقال صلّى الله عليه وآله: الخلق كلّهم عباد الله فأحبّ خلقه إليه أنفعهم لعباده.

وقال صلّى الله عليه وآله: إنّ لله سبحانه وتعالى عباداً خلقهم لقضاء حوائج الناس، آلىٰ على نفسه أن لا يعذّبهم بالنار، فإذا كان يوم القيامة وضعت لهم منابر من نور يسبّحون الله ويقدّسونه والناس في الحساب.

ومرّ صلى الله عليه وآله بيهودي يحطب، فقال لأصحابه: إنّ هذا اليهودي يلدغه اليوم أفعىٰ فيموت، فلمّا كان آخر النهار رجع اليهودي والحطب على رأسه كالعادة، فقال الجماعة :يا رسول الله ما عهدناك تخبر بما لم يكن، فقال صلّى الله عليه وآله: وما ذلك؟ قالوا: إنّك أخبرت اليوم انّ هذا اليهودي يلدغه أفعىٰ فيموت ،وقد رجع سالماً.

فقال: عليّ به، فأحضروه إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال له: يا يهودي ضع الحطب وحلّه، فحلّه فرأى فيه أفعىٰ، فقال: يا يهودي ما صنعت اليوم من المعروف؟ قال: إنّي لم أصنع شيئاً منه غير اني خرجت ومعي كعكتان، فأكلت احداهما ثمّ سألني سائل فدفعت إليه الأخرىٰ، فقال صلى الله عليه وآله: تلك الكعكة خلّصتك من شرّ هذا الأفعىٰ، فأسلم على يده (2).

ورویٰ اسحاق بن عمار قال: كنت بين يدي الإمام جعفر بن محمد الصادق


1) الترغيب والترهيب 2 : 30 ح 4.

2) الكافي 4 : 5 ح 3: عنه البحار 4 : 121 ح 67.

عليه السلام عند مقام ابراهيم عليه السلام ،فقال لي: يا ابن عمار من طاف بهذا البيت طوافاً واحداً كتب الله له ألف حسنة، ومحا عنه ألف سيئة، وأعتق عنه ألف نسمة، وغرس له ألف شجرة في الجنّة.

قال: قلت: هذا كلّه لمن طاف طوافاً واحداً؟ فقال: نعم، أفلا أخبرك بأفضل منه ؟ قلت: بلىٰ يا ابن رسول الله، قال: قضاء حاجة المؤمن أفضل من طواف وطواف - حتى عدّ عشرة (1)

ودخل عليّ بن يقطين رحمه الله على الإمام الكاظم عليه السلام - وكان قد حجّ في تلك السنة وهو يومئذ وزير الرشيد - فقال له: يا ابن رسول الله أوصني بحاجة، فقال له عليه السلام :اضمن لي واحدة أضمن لك ثلاثاً، فقال له: يا مولاي وما هي ؟ فقال: تضمن أنّه لا يقف على باب هذا الجبّار أحد من شيعتنا أو أهل بيتنا إلّا قضيت حاجته، أضمن لك أن لا يظلّ رأسك سقف سجن، ولا يصيب جسدك حدّ سيف، ولا تمسّك النار يوم القيامة(2).

وأمّا ايتاء ذي القربىٰ وقد تقدّم ذكره في مدح عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

يقولون لي قل في علي مدائحاً ***فإن أنا لم أفعل يقولوا معاند

فما صنت عنه الشعر عن ضعف هاجس ***ولا أنّني عن مذهب الحق حائد

ولكن عن الأشعار والله صنت من ***علیه بنی قرباننا والمساجد

ولو أنّ ماء السبعة الأبحر التي*** خلقن مداد والسماوات كاغد

وأشجار كلّ الأرض أقلام كاتب*** إذا الخط أفناهن عُدن عوائد

وكان جميع الانس والجن كتباً ***إذا كَلَّ منهم واحد قام واحد


1) الكافي :2 : 194 ح 8 عنه البحار 74 : 326 ح 97.

2) راجع البحار 48 : 136 ح 10 عن كتاب حقوق المؤمنين، نحوه

وخطوا جميعاً منقباً بعد(1)منقب*** لما خط من تلك المناقب واحد

وقال الصادق عليه السلام: انّ القائم عليه السلام يمدّ في أيّام غيبته ليصرح الحقّ عند من محضه، ويصفو الايمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة من الشيعة التي يخشي عليهم النفاق (2).

تمّ الكتاب بعون الله وتوفيقه، وصلى الله على من لا نبيّ بعده محمد وآله خير خلقه، وسلّم تسليماً كثيراً.


1) في «د»: اثر منقب.

2) كمال الدين : 356 ضمن حديث 53 ؛ عنه البحار 51 : 222 ح 9.

الفهارس

1 - الآيات الكريمة ....399

2 - الأحاديث الشريفة والأقوال المأثورة.... 405

3 - الأشعار ....415

4 - المَصادِرُ ....417

5 - المُحتوى ...421

1 - الآيات الكريمة

(على ترتيب السور، ثمّ الآيات)

السورة *** الآية *** ورقمها

البقرة (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ....) 79 ...200

(أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ....) 85 ...385

(وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات) 124 ...320

(ولا ينال عهدي الظالمين) 124 ...74

(وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً) 125 ...266

(ومن أظلم ممن كتم شهادة ....) 140 ...197

(جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ....) 143 ...146

(لتكونوا شهداء على الناس ....) 143 ...308

(إن الله يحب المحسنين) 195 ...393

(ومن الناس من يشري نفسه ....) 207 ...91،33

(وقوموا لله قانتين) 238 ...374

(تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) 253 ...377

(وما للظالمين من أنصار) 270 ...390

(الله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ...) 284 ...304

السورة *** الآية ورقمها

(آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ) 285 ...304

(ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا )286 ...304

آل عمران( لتؤمنن به ولتنصرته) 81 ...157

(ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ....) 85 ...242

(وأنفسنا وأنفسكم) 91 ...15

(كنتم خير أمة أخرجت للناس ....) 110 ...308،302

(وإذ غدوت من أهلك تبوء المؤمنين ....) 121...... 58

(ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) 123 ...56

(فكيف إذا جئنا من كلّ أُمّة بشهيد ....) 41 ...159

(أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله ....) 52 ...146

(أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) 54 ...146

(فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه ....) 55 ...146

(وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) 58 ...389

(أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) 59 ...75

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ....) 59 ...146،85

(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ....) 59 ...146

(فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ....) 69 ...315

(من يُطع الرسول فقد أطاع الله ) 80 ...301،157

(ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم) 83 ...147

(وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً) 95 ...20

(يستخفون من الناس ولا يستخفون ....) 108 ...201

(إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) 163 ...301

(ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) 2 ...74

(يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ....) 6 ...371

(ولقد أخذ الله میثاق بنی اسرائیل ....) 12 ...140

(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) 44 ...365

(إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ....) 55 ...89،74،28

(يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك ...) 67 ...193

السورة ***الآية ورقمها

الأنعام (وكذلك ترى ابراهيم ملكوت السماوات والأرض ....) 75 ...163

(وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ) 152 ...390

(يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل ....) 157 ...157

(وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) 181 ...83

(كما أخرجك ربّك من بيتك بالحق ....) 5 ...55

(إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا ....) 41 ...289

(ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حي عن بينة ) 42 ...107

(أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد ....) 19 ...90،54

(ثم أنزل الله سكينته على رسوله ...) 26 ...370

(يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ....) 32 ...10

(ثاني اثنين إذ هما في الغارم) 40 ...368

(يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ....) 64 ...168

(ولئن سألتهم ليقولن انما كنا نخوض ونلعب ....) 65 ...168

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ...) 119 ...387،159،74

(لقد جاءكم رسول من أنفسكم ....) 128 ...301

(قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق ....) 35 ...168

(وأسروا الندامة لما رأوا العذاب) 54 ...129

(ألا لعنة الله على الظالمين) 18 ...364

(ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) 113 ...74

(ان الحسنات يذهبن السيئات) 114 ...308

(إني رأيت أحد عشر كوكباً ....) 4 ...176

(يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) 39 ...254

(كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ....) 43 ...159

(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) 9 ...370

(هذا صراط على مستقيم) 41 ...252

(لها سبعة أبواب لكلّ باب منهم جزء مقسوم) 44 ...161

(اخواناً على سرر متقابلين) 47 ...44

(لعمرك أنّهم لفي سكرتهم يعمهون) 72 ...307

(إن في ذلك لآيات للمتوسمين) 75 ...161

(لنسئلتهم أجمعين . عمّا كانوا يعملون ....) 92 ...193

(إنّ الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى) 90 ...389

(وإذا قلتم فاعدلوا) 90 ...390

الاسراء (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم) 71 ...112

(أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) 378 ...388

(عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) 79 ...324

(لئن اجتمعت الانس والجن ...)88 ...364

(قال له صاحبه وهو يحاوره ....) 37 ...369

(بئس للظالمين بدلاً )51 ...112

(كانت أعينهم في غطاء عن ذكري ....) 1. ...164

(قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً ....) 103 ...71،40

(كهيعص) 1 ...322

(يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً) 85 ...138

(فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى) 44 ...391

(يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ....) 92 ...284

(عباد مكرمون • لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) 26 ...106

(وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) 111 ...167

(وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً ....) 27 ...190

(وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ) 52..... 282

(ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور )40 ...296

(وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً) 23 ...40

(سنشد عضدك بأخيك ....)35 ...28

(ما علمت لكم من إله غيري) 38 ...390

(وأحسن كما أحسن الله إليك) 77 ...393

العنكبوت (كلّ شيء هالك إلا وجهه )88 ...164

(أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ....) 2 ...191

(وان الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) 64 ...163

السورة *** الآية ورقمها

لقمان (وفصاله في عامين)14 ...16

(السجدة أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون) 18 ...91

(النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم .....) 6 ...303،301

(وإذ أخذنا من النبتين ميثاقهم ....) ...303،301

(إذ جاء وكم من فوقكم ومن أسفل منكم) 10 ...62

(ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ....) 21 ...198

(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ....) 23 ...224

(ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً) 25 ...64

(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) 33 ...89

(يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي ....) 53 ...367

(إن الله وملائكته يصلون على النبي ....) 56 ...302

(إنّ الذين يؤذون الله ورسوله ...) 57 ...363

(يوم تقلب وجوههم في النار ....) 66 ...301

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً) 70 ...25

(ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب) 51 ...128

(ان الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ...) 41 ...162

(وإنا لنحن الصافون . وإنا لنحن المسبحون) 165 ...297

(يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض) 26 ...151

(ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار) 62 ...84

(هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ....) ؟ ...17

(أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً ....) 9 ...36،35

(وما قدروا الله حق قدره ...) 67 ...164

(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) 11 ...165

(قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) 23 ...352

(وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) 15 ...16

(ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) 9 ...386

(فأنزل الله سكينته على رسوله ....) 26 ...370

(ان الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ....) ...301

السورة ***الآية ورقمها

(إن أكرمكم عند الله أتقاكم) 13 ...199

(ألقيا في جهنم كل كفار عنيد) 24 ...83

(والنجم إذا هوى .... )...377،103

(ثم دنا فتدلى )ه ...303

(ما كذب الفؤاد ما رأى) 11 ...157

(ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهي ....) 13 ...307

(فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) 32 ...366

(فيهما فاكهة ونخل ورمان) 68 ...244

(والسابقون السابقون . أولئك المقربون) 10 ...89

(ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ....) 7 ...163

(لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر ....) 22 ...385

(ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) 7 ...157

(سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر ....) 6. ...105

(وإنك لعلى خلق عظيم) 4 ...33

(ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) 17 ...175،162

(فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ....) 36 ...369

(وأما القاسطون فكانوا لجهنّم حطبا )15 ...391

(أيحسب الإنسان أن يترك سدى ....) 36. ...26

(هل أتى على الإنسان) 1 ...32

(ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) 8 ...90

(وجوه يومئذ خاشعة • عاملة ناصبة ....) 2 ...40

(إنّ إلينا إيابهم . ثم ان علينا حسابهم ) 25 ...81

(إن ربك لبالمرصاد ) 14 ...391

(ووالد وما ولد) 3 ...283

(ورفعنا لك ذكرك ) 4 ...303

البينة(الذين آمنوا وعملوا الصالحات ....) 7 ...81

العاديات (والعاديات ضبحاً ...) 1 ...68

التكاثر( كلا لو تعلمون علم اليقين • لترون الجحيم .... )5 ...164

2 - الأحاديث الشريفة والأقوال المأثورة

أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبد الله أنا لنتحدّث عن عليّ ...64

أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله ...78

أحبب حبيب آل محمد وإن كان فاسقاً زانياً ...81

أخبرني أبي، عن أبيه، عن جده - وكان من الملازمين للقبة ...344

آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين المهاجرين والأنصار ...44

إذا افترق الناس يميناً وشمالاً فانظروا الفرقة ...386

إذا أنا مت فانظري إلى الدار فإذا رأيت سجفاً من سندس ...357

إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى ...16

إذا كان يا سماعة لك حاجة إلى الله فقل ..327

إذا كان يوم القيامة أقام الله عز وجل جبرئيل ...83

إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أيها الخلائق ...353

إذا كان يوم القيامة نادى مناد تحت الحجب يا أهل الجمع ...45

إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطان العرش ...51

إذا كان يوم القيامة وكلنا الله بحساب شيعتنا ...81

إذا كان يوم القيامة يأتيني جبرئيل عليه السلام ...137

إذا كان يوم القيامة يجلس علي بن أبي طالب ...49

إذا كان يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين لفصل الخطاب ...140

إذا كان يوم القيامة يزيّن عرش ربّ العالمين بكل زينة...141

إذا كان يوم القيامة ينادون علي بن أبي طالب ...83

أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله سرية فقال ...118

أرى أنّ الدية على عاقلتك، فقبل فعمل بقوله ...16

أعددت نيفاً وأربعين مسألة من صعاب المسائل لم أجد لها مجيباً ...321

أقبلت ذات يوم قاصداً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال ...50

أقبل ذات يوم رجل حسن الهيئة فسلّم على أمير المؤمنين عليه السلام ...291

أقبلنا مع خالد بن الوليد فانتهينا إلى دير فيه ديراني ...245

أقضاكم عليّ ...14

ألزموا مودتنا أهل البيت فإنّه من لقى الله ...77

اللهم ان بسراً باع آخرته بدنياه فاسلبه عقله ...40

اللهم لا تمتني حتى تريني علياً ...49

أم أيمن امرأة من أهل الجنة ...362

أمتهوّدون أنتم يا ابن الخطاب؟! ...375

ان أبا بكر لقى أمير المؤمنين عليه السلام في سكة [من سكك] ...94

ان أبواب السماء لتفتح عند دخول الزائر ...352

أنا رسول الله والمبلغ عنه، وأنت وجه الله ...296

ان الحسن والحسين مرضا، فعادهما جدّهما رسول الله صلى الله عليه وآله...31

ان الشاعر الببغا وفد على بعض الملوك، وكان يفد عليه ...337

ان القائم عليه السلام يمد في أيام غيبته ليصرح الحق عند من محضه ...396

ان الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني ...312

ان الله تعالى ضمن للمؤمن ضماناً، قال: قلت: وما هو ؟ ...77

إن الله تعالى قال: يا عبادي اعملوا أفضل الطاعات وأعظمها ...327

ان الله عز وجل أوحى إلى انه يحبّ أربعة من أصحابي ...386

انّ الله عز و جل جعل عليّاً علماً بينه وبين خلقه ...81

ان الله عز وجل منع بني اسرائيل قطر السماء ...51

إن الله يرضى لرضاك يا فاطمة ويغضب لغضبك ...356

2 - الأحاديث الشريفة والأقوال المأثورة

ان النبي صلى الله عليه وآله آخى بين الصحابة ...43

انّ النبي صلى الله عليه وآله كان في صحن الدار ورأسه في حجر ...52

نّ أمير المؤمنين عليه السلام دخل مكة في بعض حوائجه ...28

ان أمير المؤمنين عليه السلام كانت له خؤولة من جهة الأبوّة ...124

ان أمير المؤمنين عليه السلام نظر إلى الكوفة فقال ...347

إنا نجد الرجل يحدّث، فلا يخطئ بلام ولا واو...6

أنا وعلي حجة الله على عباده ...52

ان بظاهر الكوفة قبر ما زاره مهموم إلا فرج الله همه ...352

ان حلقة باب الجنّة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب ...259

اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب ...14

ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان جالساً ذات يوم ...141

ان سائلاً سأله عن قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا .... )...145

انطلقت أنا والنبي صلى الله عليه وآله حتى أتينا الكعبة ...41

ان عبد الله بن المبارك كان يحج سنة ويغزو سنة ...353

ان عبد الله بن عباس كان على شفير زمزم وهو يقول: سمعت النبي ...27

ان علياً عليه السلام وطلحة والعباس افتخروا ...54

ان علياً عليه السلام وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف ...85

ان عمران بن شاهين من أهل العراق عصى على السلطان عضد الدولة ...344

انقص باذن الله تعالى ومشيئته، فغاض الماء ...39

أنّ قوماً حضروا عند أمير المؤمنين عليه السلام وهو يخطب بالكوفة ...257

إن كان لك عليها سلطان فليس لك ...15

إن كنت كاذباً فأعمى الله بصرك ...40

ان للشمس وجهين؛ وجه يضيء لأهل السماء ...138

ان الله خلقاً ليسوا من ولد آدم يلعنون مبغض ...51

إنّ الله سبحانه وتعالى عباداً خلقهم لقضاء حوائج الناس ...394

ان لمحمد صلى الله عليه وآله يوم القيامة قبل الحساب مقاماً يقوم فيه ...324

إنما سميت ابنتي فاطمة لأن الله عز وجل فطمها ...45

إنّ هذا اليهودي يلدغه اليوم أفعى فيموت...394

إنّ هذه الأمّة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة ...283

إنهم لم يريدوا القرآن فاتقوا الله وامضوا على بصائركم ...35

إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعلي بن أبي طالب ...259

إنى شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ...352

أوتي أمير المؤمنين عليه السلام بفالوذج، فأبى أن يأكل منه ...19

أوّل من اتخذ علي بن أبي طالب أخاً من أهل السماء ...82

أوّل من اتخذ علي بن أبي طالب عليه السلام أخاً ...50

أيّها الناس إنّ الله سبحانه وتعالى قد أمرني بسدّ أبوابكم ...376

أيها الناس من حضر قول رسول الله صلى الله عليه وآله: من كنت ...39

بأن النبي صلى الله عليه وآله كان ذات يوم في منزله ...37

بينا أنا ذات ليلة إذ أيقظني صياح الحرس وصك الباب عليّ ...330

بينما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله جلوس في مسجده بعد وفاته ...300

بينما أمير المؤمنين علي عليه السلام يخطب للناس يوم الجمعة ...115

بينما أمير المؤمنين يتجهز إلى معاوية ويحرّض الناس على قتاله ...106

بينما أنا أسير مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في الحيرة ...252

البيوت التي يسار فيها المعروف تضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض ...394

تزوركم طائفة من أمتي تريد بري وصلتي ...394

تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون ...83

جاء نفر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا له: ان المعتمد ...122

جلس رسول الله صلى الله عليه وآله في رحبة مسجده بالمدينة ...129

الجلسة في الجامع خير لي من الجلسة في الجنة ...24

حبّ عليّ بن أبي طالب حسنة لا يضر معها سيئة ...48

حبّ علي عبادة، والنظر إلى علي عبادة ...9

حبّنا أهل البيت يكفّر الذنوب، ويضاعف الحسنات ...77

حدثني جبرئيل عن ربّ العزّة تبارك وتعالى قال ...317

حدیث آل محمد صعب مستصعب، لا يؤمن به إلا ملك مقرّب ...6

الحق مع عمار يدور معه حيث ما دار ...386

خرج ذات ليلة من مسجد الكوفة متوجهاً إلى داره ...35

خرجنا مع أمير المؤمنين عليه السلام حتى انتهينا إلى العاقول ...115

خرجنا مع أمير المؤمنين عليه السلام وهو يطوف بالسوق ...125

خرجنا يوماً مع الرشيد من الكوفة وهو يتصيد ... 341

خطب جماعة من الأكابر والأشراف فاطمة عليها السلام ... 45

خطبنا أمير المؤمنين عليه السلام في جامع الكوفة ... 107

خلق الله تعالى من نور وجه علي بن أبي طالب ... 49

خلق الله من نور وجه عليّ بن أبي طالب سبعون ألف ملك ... 140

الخلق كلّهم عباد الله فأحب خلقه إليه أنفعهم لعباده ... 394

خياركم سمحاؤكم ... 394

دخل أبو بكر وعمر وعثمان على رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا ... 100

دخل أحمد بن بكر على زيد بن علي فقال له ... 311

دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ... 143

دخلت المسجد الأعظم بالكوفة فإذا أنا بشيخ أبيض الرأس ... 109

دخلت حضرة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فزرت ... 343

دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام في ليلة مظلمة فقلت ...126

دخلت على عليّ بن أبي طالب عليه السلام فوجدته جالساً ... 18

دخل سماعة بن مهران على الصادق عليه السلام فقال له: يا سماعة ... 84

دخل علي بن يقطين رحمه الله على الإمام الكاظم عليه السلام ... 395

دخل على معاوية فقال له: صف لي عليّاً ... 24

رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله قد ضرب كتف علي ... 79

رفع القلم عن ثلاثة المجنون حتى يفيق ... 15

سئل النبي صلى الله عليه وآله عن الكلمات التي تلقاها آدم ... 11

سأل ابن مهران عبد الله بن العباس في تفسير قول الله ... 297

سألته عن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وأحقهم بالأمر ... 320

سألته عن قول الله عز وجل: (وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات) ... 320

سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله عن عمل يدخل به الجنّة ... 76

السلطان العادل ظلّ الله في أرضه ... 390

سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول لعمر من علمك الجهالة يا مغرور؟ ... 126

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد سئل: بأي لغة ... 48

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إذا حُشر الناس ... 81

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أعطاني الله خمساً ... 78

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: افتخر اسرافيل على جبرئيل ...295

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ان الله عزوجل يقول ...325

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي عليه السلام ...52

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يكون من بعدي ...47

شيعتنا جزء منّا، خلقوا من فضل طينتنا ...82

صنائع المعروف تقي مصارع السوء ...394

عدل ساعة تعدل عبادة سبعين سنة ...390

عليّ مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث ما دار ...362

الغري قطعة من الجبل الذي كلّم الله عليه موسى تكلماً ...347

فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني ...363،357،45

فاطمة بهجة قلبي، وابناها ثمرة فؤادي ...323

فانظر يا ابن حنيف إلى ما تقضمه من هذا المطعم ...17

قال أبي الجابر بن عبد الله الأنصاري: انّ لي إليك حاجة ...134

قال الأشعث بن قيس: يا أمير المؤمنين لم لا ضربت بسيفك ...284

قال الله : أنا الله الذي لا إله إلّا أنا، خالق الخلق بقدرتي ...299

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على منبر الكوفة ...79

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في بيتي لما حضره الموت ...49

قام عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه واله فقال ...252

قدم قتادة على أبي جعفر عليه السلام وحوله أهل خراسان ...324

قدم يهوديان أخوان من رؤوس اليهود، فقالا ...172

قسمت الحكمة عشرة أجزاء، فأعطى عليّ تسعة ...14

قلت له: تكون الأرض بغير إمام؟ قال: لا ...316

قلد أبو بكر الصدقات بقرى المدينة وضياع فدك رجلاً من ثقيف ...268

قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة ...391

كان أبطال المشركين إذا نظروا إلى علي عليه السلام في الحرب ...20

كان إذا أراد الخلوة بنفسه أتى إلى طرف الغري ...348

كان ببلخ رجل من العلويين نازلاً بها وله زوجة ...354

كان ببلد الموصل شخص يقال له حمدان بن حمدون ...338

كان رسول الله صلى الله عليه وآله يبعثه بالراية جبرئيل ...54

كان لأبي دلف ولد فتحادث أصحابه في حبّ علي عليه السلام ...338

كان من البلاء العظيم الذي ابتلى الله عز وجل به قريشاً بعد ...148

كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر عليه السلام جعلت فداك ...6

كلّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ..... 372

كنا جلوساً عند أبي بكر في ولايته وقد أضحى النهار ...260

كنا جلوساً في المسجد مع عبد الله بن مسعود فأتاه رجل ...47

كنا مع أمير المؤمنين عليه السلام بالكناس إذ أقبل أسد ...114

كنت أنا وأبو ذر وسلمان وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم ...312

كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله عز وجل من قبل أن ...11

كنت بين يدي الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عند مقام ابراهيم ...395

كنت تاجراً فقدمت الحج، فأتيت العباس بن عبد المطلب ...42

كنت جالساً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضته التي قبض فيها ...317

كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وآله في المسجد إذ دخل العباس بن عبد المطلب ...294

كنت جالساً مع العباس بن عبد المطلب، وفريق ...12

كنت عند الصادق عليه السلام إذ أتاه شيخ كبير قد انحنى ظهره ...298

كنت عند الصادق عليه السلام فذكر أمير المؤمنين ...352

كنت في جامع الكوفة ذات ليلة وكانت ليلة مطيرة ...347

كنت قائماً على رأس أمير المؤمنين عليه السلام بالبصرة ...113

كنت وأبو عبد الله سلمان وأبو عبد الرحمن قيس بن ورقاء ...131

لا تبركوا في الصلاة كبرك البعير ...375

لأخى علي بن أبي طالب فضائل لا تحصى كثرة، فمن ذكر فضيلة ...9

لقد مثلت لي أُمّتي في الطين حتى رأيت كبيرهم ...138

لما أراد أمير المؤمنين عليه السلام قضاء ديون النبي ...116

لما أراد أمير المؤمنين عليه السلام يسير إلى الخوارج...111

لما استخلف عثمان بن عفان أوى إليه عمه الحكم بن العاص ...180

لما أسري بي إلى السماء ثم من السماء إلى سدرة المنتهى ...53

لما أسري بي إلى السماء وانتهيت إلى سدرة المنتهى ...79

لما أقبلنا من صفين مع أمير المؤمنين عليه السلام نزل قريباً ...147

لما بايع الناس عمر بعد وفاة أبي بكر أتاه رجل من شبّان اليهود ...178

لما جلس عليّ عليه السلام في الخلافة وبايعه الناس ...253

لما جلس عمر في الخلافة جرى بين رجل من أصحابه ...242

لما حج المنصور في سنة أربع وأربعين ومائة نزل بدار الندوة ...392

لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الغار أوحى الله عز وجل ...33

لما خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه من روحه عطس ...11

لما كان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله دخل يهودي المسجد ...171

لما كان يفرغ من الجهاد يتفرغ لتعليم الناس ...25

لما كثر قول المنافقين وحسّاد أمير المؤمنين صلوات الله عليه ...101

لما وافيت مع مولاي جعفر بن محمد الصادق عليه السلام الغري ...350

لما ولى عمر بن الخطاب الخلافة أتاه أقوام من أحبار اليهود ...232

لمبارزة علي عمرو بن عبدود العامري أفضل من عبادة ...64

لو اجتمع الناس على حبّ علي بن أبي طالب ...49

لو أنّ الغياض أقلام، والبحر مداد، والجن حساب ...10

لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ...14

ليلة عُرج بي إلى السماء رأيت على باب الجنة ...48

ما أقلّت الغبراء وما أظلّت الخضراء على ذي لهجة ...386

مات معاذ بن جبل بالطاعون فشهدت يوم مات ...278

ما جاء عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام يؤخذ به ...80

ما عرفك يا علي حق معرفتك إلا الله وأنا ...10

ما من مؤمن يموت في شرق الأرض وغربها ...349

مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ...47

مررت ليلة أسري بي إلى السماء وإذا بملك جالس ...47

معاشر المسلمين اعلموا ان الله تعالى باباً مَن دخلها أمن ...139

مكتوب على العرش: لا إله إلا الله محمد نبي الرحمة ...82

أحبّ أن يركب سفينة النجاة، ويتمسك بالعروة الوثقى ...325

من أحبّ علياً قبل الله صلاته وصيامه وقيامه ...50

من أحبنا الله وأحبّ محبّنا لا لغرض دنيا يصيبه منه ...77

من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه ...21

من ترك زيارة أمير المؤمنين عليه السلام لم ينظر الله إليه ...351

من سره أن يستكمل الايمان كله فليقل: القول منى ...6

من سره أن يلقى الله وهو مؤمن حقاً حقاً فليتولى الله ...314

من صافح علياً كأنما صافحني، ومن صافحني فكأنما ...82

من ضعف عن نصر تنا أهل البيت فلعن في صلاته أعداءنا ...328

من قال آمين في صلاته فقد أفسد صلاته وعليه الاعادة ...347

من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ...360

من ناصب عليا الخلافة بعدي فهو كافر وقد حارب الله ...52

من ولّى أمور سبعة من المسلمين ولم يعدل فيهم ...390

نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد، من عادانا عادى الله ...296

نحن جنب الله، ونحن صفوته، ونحن خيرته ...316

نحن حجج الله في أرضه، وخلفاؤه على عباده ...315

نزل بعمر بن الخطاب نازلة قام لها وقعد وتريخ وتقطر ...25

نظر رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام ...48

والله لئن أبيت على حَسَك السعدان مسهداً ...20

والله لتخضبنّ هذه من هذه، ووضع يده على رأسه ولحيته ...34

والله لتقتلنّ بأرض العراق فتدفن بها ...349

والله لو كسرت لى الوسادة لحكمت بين أهل التوراة ...14

والله ما عبروا وما يعبرون حتى يقتل منهم ...35

والله ما كذبت وما كذبت فاختبروا القتلى ...35

وأيم الله يميناً أستثني فيها بمشية الله لأروضنّ نفسي ...18

وعكت وعكاً شديداً في زمان أمير المؤمنين عليه السلام ...121

ولدت في زمن الملك العادل أنوشيروان ...390

ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ...17

هذا ابني امام ابن امام أخو امام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم ...47

يا ابن رسول الله هل تعرف مودتي لكم، وانقطاعي إليكم ...5

يا أمير المؤمنين إنّي مررت بوادي القري فرأيت خالد بن عرفطة ...34

يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا ينقصون رجلاً ...34

يا رسول الله ان لي غنيمات قدر ستين شاة أكره أن أبدو فيها ...326

يا رسول الله لكلّ نبي وصي، فمن وصيّك ؟ فقال ...52

يا سلمان الويل كلّ الويل لمن لا يعرفنا حق معرفتنا ...314

يا سلمان من أحبّ فاطمة فهو في الجنّة معى ...140

يا عبد الله أتاني ملك فقال : يا محمد سل من أرسلنا قبلك ...11

يا عليّ انّ الله أمرني أن أتخذك أخاً ووصيّاً ...79

يا علي ان الله تبارك وتعالى خلقني وإياك من نوره الأعظم ...296

يا على انّ الله عز وجل قد غفر لك ولشيعتك ومحتى شيعتك ...84

يا عليّ أنت والأوصياء من ولدك أعراف الله بين الجنة والنار ...147

يا عليّ خلقني الله وأنت من نوره حين خلق آدم ...84

يا عليّ شيعتك هم الفائزون يوم القيامة ...323

يا علي لو أنّ عابداً عبد الله عز وجل مثل ما قام نوح في قومه ...40

يحشر الشاك في عليّ من قبره في عنقه طوق من نار ...83

يخرج يوم القيامة قوم من قبورهم بيض وجوههم ...138

يقول الله لي ولعلي بن أبي طالب: أدخلا الجنة ...83

يؤتى يوم القيامة بالحاكم الجائر وليس معه نصير ...391

3 - الاشعار

(مرتبة على حروف الروي)

صدور الأبيات *** القوافي *** عدد الأبيات *** الصفحة

فكفى بنا فضلاً على مَنْ غيرنا ایانا 1 *** 43

إذا اشتبكت دموع في خدود ***تباکی *** 1 *** 57

إن الحمار مع الحمار مطية ***الصاحب *** 1 *** 369

أنت أصل العلم يا ذا الهدى الغياهبا *** 5 259

لك خلتان مسالماً ومحارباً المخضوب *** 2 58

لا تحسبيني هويت الطهر حيدرة النسب *** 5 8

ومليحة شهدت بها ضراتها الضرات 2*** 11-10

لو كان قاتل عمر و غير قاتله الأبد *** 2 65

لو رأى مثلك النبي لآخاء الانتقادا *** 1 44

جمعت في صفاتك الأضداد الأنداد *** 5 ه72

لها أحاديث من ذكراك يشغلها الزاد *** 1 ه19

يقولون لي قل في على مدائحاً معاند *** 7 395-396

ليس من الله بمستنكر واحد *** 1 22

إذا مت فادفني إلى جنب حيدر شبير *** 3 348

صدور الأبيات *** القوافى *** عدد الأبيات *** الصفحة

ما زلتَ في درجات المجد مرتقياً *** مضرا *** 2 *** ه10

لكن كسر الضلع ليس ينجبر *** مقتدر *** 10 *** 358

يسقى ويشرب لا تلهيه نشوته *** الکاس ***2 ***ه23

هم القوم آثار النبوة منهم *** تلمع *** 23 *** 8-7

أعد ذكر نعمان لنا ان ذكره *** یتضوع ***1 *** ه10

من رام أن يحصى فضائلكم *** التفا *** 2 *** 329

عن حماكم كيف أنصرف *** شرف *** 2 *** ه145

من قبلها كنت في الظلال وفي *** الورق *** 7 *** 383-382

الله تحت قباب العرش طائفة *** اجلالا *** 4 *** 5

شربت الخمر حتّى زال عقلى *** بالعقول ***1 ***99

سوى الله لم يعرفكم يا بني الهدى *** سواکم ***5 *** 316-315

ذريني أصطبح يا أُم بكر *** هشام *** 7 *** 98

يا رب ان مسلماً أتاهم *** یخشاهم *** 3 *** 210

زرت هنداً وذاك غير اختيان *** اللسان ***1 ***369

كم بين شك في هدايته *** الله *** 1 *** 42

لا تلمني في ترك مدح على ***اخبره *** 3 ***8

صفات أمير المؤمنين من اقتفى ***ثوابه ***5 *** ه73

لا تغربي يا شمس حتى ينقضي *** لنجله *** 3 *** ه38

قيل لى قل فى على مدحة *** موصده *** 5 *** 42-41

لا سيف إلا ذو الفقار *** علی *** 1 *** 61

وكان على أرمد العين يبتغي ***مداویا *** 5 *** ه65

أينشق قيصوم الحجاز وشيخه *** ینادی *** 2 *** 7

4 - المَصادِرُ

1 - اختيار معرفة الرجال الطوسي، مؤسسة آل البيت عليهم السلام.

2 - الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي، الطبعة الأولى عام 1413 انتشارات أسوة.

3 - الارشاد للشيخ المفيد، الطبعة الثالثة عام 1399 مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.

4 - الاعتقادات في دين الامامية، محمد بن علي بن بابويه، طبع عام 1412 المطبعة العلمية.

ه - الافصاح في امامة أمير المؤمنين عليه السلام الشيخ المفيد، طبع عام 1413 نشر المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.

6 - البحار للعلّامة المجلسي، طبعة بيروت.

7 - البرهان في تفسير القرآن السيد هاشم البحراني، مؤسسة اسماعيليان.

8 - الترغيب والترهيب من الحديث الشريف للمنذري المكتبة المصرية طبعة بيروت

9 - التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام، الطبعة الأولى عام 1409 نشر مؤسسة الإمام المهدي عليه السلام

10 - التوحيد، محمد بن علي بن بابويه منشورات جماعة المدرّسين.

11 - الثاقب في المناقب، محمد بن علي الطوسي، الطبعة الثانية عام 1412 مؤسسة انصاريان.

12 - الجامع الصغير للسيوطي، الطبعة الأولى عام 1401 دار الفكر.

13 - الجمل والنصرة لسيد العترة في حرب البصرة للشيخ المفيد طبع عام 1413 مكتب الاعلام الإسلامي.

14 - الخرائج والجرائح، قطب الدين الراوندي، طبع عام 1409 مؤسسة الإمام المهدي عليه السلام

15 - الخصال، محمد بن علی بن بابویه، منشورات جماعة المدرّسين.

16 - الدعوات، قطب الدين الراوندي، الطبعة الأولى عام 1407 مدرسة الإمام المهدي عليه السلام.

17 - الصحاح، اسماعيل بن حماد الجوهري، دار العلم للملايين.

18 - الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، ابن طاووس، طبع عام 1400 مطبعة خيّام. 19 - الفردوس بمأثور الخطاب، ابن شيرويه الديلمي، الطبعة الأولى عام 1406 دار الكتب العلمية.

20 - الفضائل، شاذان بن جبرئیل، منشورات الشريف الرضي

21 - القاموس المحيط للفيروزآبادي.

22 - الكافي، محمّد بن يعقوب الكليني، الطبعة الخامسة عام 1363 دار الكتب العلمية. 23- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل الزمخشري، الطبعة الأولى عام 1416، مكتب الإعلام

الإسلامي.

24 - المجازات النبوية، السيد الرضي طبع عام 1408 المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الايرانية بدمشق.

25 - المحاسن، أحمد بن محمد البرقي، الطبعة الأولى عام 1385 المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام.

26 - المناقب، الموفق بن أحمد الخوارزمي ، طبع عام 1414 منشورات جماعة المدرسين.

27 - المنجد في اللغة.

28 - الهداية الكبرى، أبي عبد الله الخصيبي طبع عام 1406 مؤسسة البلاغ. ا

29 - اليقين باختصاص مولانا علي بامرة المؤمنين ابن طاووس، طبع عام 1410 ، دار العلوم.

30 - أمالي الشيخ الصدوق، الطبعة الخامسة عام 1400 مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. 31 - أمالي الشيخ الطوسي، الطبعة الأولى عام 1414 مؤسسة البعثة.

32 - أمالي الشيخ المفيد منشورات المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف.

33- بشارة المصطفى لشيعة المرتضى، الطبري الامامي، منشورات المكتبة الحيدرية في النجف الأشرف.

34 - بصائر الدرجات ابن فروخ الصفار، طبع عام 1404 مؤسسة الأعلمي.

35 - تحف العقول عن آل الرسول الحراني، منشورات مكتبة بصيرتي.

36 - تذكرة الخواص لابن الجوزي منشورات المطبعة العلمية في النجف الأشرف.

37 - تفسير العياشي، طبع عام 1380 المكتبة العلمية الإسلامية.

38 - تفسير فرات الكوفي، الطبعة الأولى عام 1410 مؤسسة الطبع والنشر لوزارة الارشاد.

39 - جامع الأخبار محمد بن محمد السبزواري، الطبعة الأولى عام 1414 مؤسسة آل البيت عليهم السلام.

40 - خصائص الأئمة، السيد الرضي طبع عام 1406 مؤسسة الطبع والنشر للآستانة الرضوية.

41 - دعائم الإسلام، أبو حنيفة النعمان بن محمد المغربي، طبع عام 1383 دار المعارف.

42 - روضة الواعظين، محمد بن القتال النيشابوري، منشورات الشريف الرضي

43 - علل الشرائع، محمد بن علي بن بابويه طبع عام 1385 دار احياء التراث العربي.

44 - قرب الاسناد، عبد الله بن جعفر الحميري، الطبعة الأولى عام 1413 مؤسسة آل البيت عليهم السلام

45 - قصص الأنبياء عرائس المجالس)، الثعلبي نشر المكتبة الثقافية.

46 - قصص الأنبياء، قطب الدين الراوندي، طبع عام 1409 مؤسسة الطبع والنشر الآستانة الرضوية.

47 - كتاب الغيبة النعماني، طبع في مكتبة الصدوق

48 - كشف الغمة في معرفة الأئمة الأربلي، دار الأضواء.

49 - كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام الحسن بن يوسف الحلّى، طبع عام 1411 مؤسسة النشر لوزارة الارشاد.

50 - كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الاثني عشر الخزاز القمي، طبع عام 1401 انتشارات بیدار.

51 - كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب عليه السلام الحافظ الكنجي، طبع عام 1404 دار إحياء تراث أهل البيت.

52 كمال الدين وتمام النعمة الشيخ الصدوق، منشورات جماعة المدرّسين.

53 - كنز العمال، علي المتقي الهندي طبع عام 1401 مؤسسة الرسالة.

54 - كنز الفوائد محمد بن علي الكراجكي منشورات مكتبة المصطفوي

55- لسان العرب، ابن منظور

56 - مائة منقبة، ابن شاذان طبع عام 1413 انتشارات انصاريان.

57 - مجمع البحرين للطريحي.

58 - مجمع البيان الفضل بن الحسن الطبرسي، منشورات دار مكتبة الحياة.

59 - مجموعة ورّام، أبي الحسين ورّام بن أبي فراس مكتبة الفقيه.

60 - مختصر بصائر الدرجات الحسن بن سلمان الحلّى، منشورات المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف.

61 - مدينة المعاجز، السيد هاشم البحراني، الطبعة الأولى عام 1414 مؤسسة المعارف الإسلامية.

62 - مستدرك الوسائل المحدّث النوري، الطبعة الأولى عام 1407 مؤسسة آل البيت عليهم السلام.

63 - مسند أحمد بن حنبل، الطبعة الأولى عام 1412 مؤسسة التاريخ العربي، دار احياء التراث العربي.

64 - مشكاة الأنوار أبي الفضل الطبرسي، الطبعة الثانية عام 1385 المكتبة الحيدرية في النجف.

65 - معالم الزلفى السيد هاشم البحراني طبعة حجرية).

66 - معاني الأخبار محمد بن علي بن بابويه، منشورات جماعة المدرسين.

67 - معجم البلدان ياقوت الحموي، طبع عام 1399 دار احياء التراث العربي.

68 - مكارم الأخلاق الحسن بن الفضل الطبرسي، منشورات الشريف الرضي

69 - مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب الحلى، انتشارات علامة.

70 - مناقب عليّ بن أبي طالب علیه السلام ابن المغازلي، طبع عام 1402 المطبعة الإسلامية.

71 - من لا يحضره الفقيه محمد بن علي بن بابويه منشورات جماعة المدرّسين.

72 نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار الشيخ مؤمن الشبلنجي، منشورات الشريف الرضي.

73 - نهج البلاغة للشريف الرضي.

74 - نهج الحق وكشف الصدق، الحسن بن يوسف الحلّى منشورات دار الهجرة.

75 - وسائل الشيعة، الحر العاملي، الطبعة الأولى عام 1391، دار احياء التراث العربي. 76 - ينابيع المودة للقندوزي الحنفي، منشورات الشريف الرضي.

5 - المُحتوى

المقدمة... 5

باب في فضائله عليه السلام ... 9

فصل: في عبادته وزهده ... 22

فصل :في حلمه وجوده و حسن خلقه واخباره بالغيب واجابة دعائه ... 26

فصل: في كسر الأصنام، وأنه عليه السلام أوّل من صلى ... 41

فصل: في مؤاخاته وقربه من النبي صلى الله عليه وآله ... 43

فصل: في حبّه والتوعد على بغضه وفضائل فاطمة عليها السلام ... 44

فصل: في جهاده عليه السلام ... 54

الأولى: غزاة بدر ... 55

الثانية غزاة أحد. ... 58

الثالثة: غزاة الأحزاب . ... 61

الرابعة: غزاة خيبر. ... 65

الخامسة: غزاة ذات السلسلة ... 67

الجمع بين الفضائل المتضادات ... 72

فصل: يذكر فيه طرف من فضائله عليه السلام من طرق أهل البيت عليهم السلام ...76

في احتجاجه عليه السلام يوم الشورى ...85

في قول رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي بكر في مسجد قبا ...94

في حديث البساط وأصحاب الكهف ...100

في نزول سورة والنجم وتكلّم الشمس معه ...101

في قوله عليه السلام لرجل إخساً ...106

اغارة خيل معاوية على الشيعة وضربه عليه السلام معاوية برجله ...106

قصّة اليهودي وافتقاده حميره ...109

خبر الذين بايعوا الضب ...111

في اعطائه عليه السلام الأمان لمروان، وتكلّمه مع الأسد والأفعى ...113

في قضاء ديون النبي صلى الله عليه وآله وقصة الأعرابي ...116

في بيان أحوال عمرو بن الحمق الخزاعي ...118

في خبر رميلة، وانّهم عليهم السلام يمرضون لمرض شيعتهم ويحزنون لحزنهم ...121

في انطاق المسوخ له عليه السلام ...122

في إحياء ميت ...124

في اخباره عن القائم عليه السلام ...125

في شفائه عليه السلام للمكفوف والزمن والأبرص ...126

في اخباره عليه السلام بقتل عمر، وحوادث آخر الزمان ...126

في حديث الجام ...129

خبر حبابة الوالبية ...131

خبر اللوح الذي كان عند جابر ...134

أحاديث في فضائل أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ...137

فى خبر الحارث الهمداني ...143

في تأويل ما نزل فيهم عليهم السلام من الآيات ...145

خبر النصراني الذي كان من ولد حواري عيسى عليه السلام ...147

حكاية الجائليق الأول ...148

في إجابته عليه السلام سؤال يهودي ...171

في جوابه عليه السلام عن مسائل اليهوديين ...172

في جوابه عليه السلام عن مسألة يهودي آخر ...178

خبر حذيفة بن اليمان رحمه الله من تآمر القوم ونكتهم البيعة وتخلفهم ...180

عن جيش أسامة ...180

مكالمته عليه السلام مع رأس اليهود ...210

جوابه عليه السلام عن مسائل أحبار اليهود، وفيه خبر أصحاب الكهف ...232

في إجابته عليه السلام عن مسائل قيصر ... 242

خبر الراهب مع خالد بن الوليد ...245

إخباره عليه السلام بما يقول الناقوس ...252

خبر ذعلب، وقول علي عليه السلام: سلوني قبل أن تفقدوني ...253

قوله عليه السلام سلوني قبل أن تفقدوني ...257

خبر خالد بن الوليد والطوق. ...260

خبر الأشجع بن مزاحم الثقفي - لقاه الله غب عمله . ...268

خبر وفاة أبي بكر وعمر ومعاذ بن جبل ...278

بيانه عليه السلام في سبب قعوده عن القتال ...283

سؤال الخضر عليه السلام عن ثلاث مسائل ...291

:باب فيه بعض قضايا أمير المؤمنين عليه السلام ...293

في جوابه عليه السلام عن حبر اليهود ...300

أحاديث في فضائل أهل البيت عليهم السلام ...311

:باب الفضائل الثابتة له عليه السلام بعد مضيه ووفاته ...330

في فضائل مشهده الشريف عليه السلام ...340

باب في صفات أعدائه ...356