موسوعة من حیاة المستبصرین المجلد 2

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

موسوعة من حياة المستبصرين

المجلد الثاني

تأليف مركز الأبحاث العقائدية

مركز الأبحاث العقائدية :

إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم 34

العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)

جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله

الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com

البريد الإلكتروني : info@aqaed.com

شابك (ردمك) :0-431-319-964

موسوعة من حياة المستبصرين (ج2)

مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحيا, التراث

تأليف : مركز الأبحاث العقائدية

الطبعة الأُولى ـ 1000 نسخة

سنة الطبع : 1424

اشارة

موسوعة من حياة المستبصرين

المجلد الثاني

((المختص بالمؤلفين))

تأليف: مركز الأبحاث العقائدية

موسوعة من حياة المستبصرين

المجلد الثاني

((المختص بالمؤلفين))

تأليف

مركز الأبحاث العقائدية

مركز الأبحاث العقائدية :

إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم 34

ص . ب : 3331 / 37185

الهاتف : 7742088 {251} {0098}

الفاكس : 7742056 {251} {0098}

العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)

جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله

ص . ب : 729

الهاتف : 332679 {33} {00964}

الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com

البريد الإلكتروني : info@aqaed.com

شابك (ردمك) :0-431-319-964

موسوعة من حياة المستبصرين (ج2)

مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحيا, التراث

تأليف : مركز الأبحاث العقائدية

الطبعة الأُولى ـ 1000 نسخة

سنة الطبع : 1424

المطبعة : ستارة

• جميع الحقوق محفوظة للمركز *

{1} أحمد حسن العنثري(زيدي / اليمن)

اشارة

ولد عام 1974م في اليمن بقرية المبنى مديرية الزاهر محافظة الجوف، نشأ في أجواء غذته العقيدة الزيدية، درس الابتدائية والاعدادية والثانوية في قريته، وكان معروفاً بالذكاء والنباهة.

وضع الخطى على طريق الايمان:

لم يكن الأخ أحمد في بداية أمره مهتماً بالأمور الدينية، حتّى حظى برعاية السيد يحيى بن أحمد سيف مؤسس وباني مسجد المبنى والخطيب وإمام الجمعة والجماعة فيه، فدعاه ذات يوم ليرشده إلى سواء السبيل وليدعوه إلى الحضور في الأجواء الدينية والاهتمام بأمر الآخرة وعدم الاغترار بزينة الحياة الدنيا، فتركت نصيحة السيد يحيى اثرها البالغ في قلب الأخ أحمد، فقرر بعدها أن يسلك سبيل الايمان وأن يتوجه إلى تطهير قلبه وتزكية نفسه وتنقية سريرته.

ومن ذلك الحين تعلّق قلب الأخ أحمد بالدين والمتدينين فتوجه بعدها إلى تلقّي العلوم الدينية، فذهب إلى معهد الجوف الديني وتلقى هناك على أيدي الاساتذة الأفاضل دورة في العلوم الدينية والقضايا الشرعية، ثمّ عاد إلى قريته

شخصاً فاضلا وعالماً وشرع بعمل التبليغ، فذاع صيته بين الناس واصبح له مؤيدين.

مواجهة التيار الوهابي:

لم يسكت أتباع التيار الوهابي إزاء تحركات الأخ أحمد، وأرادوا في البدء أن يستغلّوا موقعه الاجتماعي في سبيل التمهيد لهيمنتهم على المنطقة، فطلبوا منه تأييد مرشحهم في الانتخابات، ولكنه رفض ذلك، وكان الأخ أحمد آنذاك مسؤولا في التربية والتعليم وكان مدير المخازن فيها في تلك المنطقة، فهدّده الوهابيون بتنحيته عن وظيفته إذا لم يؤيد مرشحهم ولكنه لم يلبّي طلباتهم، فبدأ نشاط الوهابية لسلب وظيفته منه، ولم تمض فتره حتى تمكّنوا من ذلك، ثم حاولوا جهد إمكانهم أن يضيّقوا عليه الأمر، لكنه لم يعبأ بهم وسار صامداً على المنهج الديني الذي كان قد ارتسمه لنفسه، ولم يفتر قط عن موعظة الناس وتوجيههم إلى الجانب الديني السليم من الشوائب.

المفاجأة باستبصار أصدقائه:

كان للأخ أحمد مجموعة أصدقاء لهم مكانة خاصة في قلبه، وكان الأخ أحمد يسأل عنهم بين الحين والآخر، وكان من هؤلاء السيد يحيى طالب والأخ ميخوت كرشان، إذ كانا من أصدقائه القدماء، فصادف أن زاراه ذات يوم وكان ذلك بعد استبصارهما وبعد اعتناقهما عن يقين لمذهب أهل البيت(عليهم السلام).

فقال له السيد يحيى: لقد أتيناك بخير الدنيا والآخرة إن شاء الله تعالى.

فاستغرب الأخ أحمد من قول السيد يحيى وقال له: ما هو هذا الخير ياترى؟!

فقال له السيد يحيى: أوجّه لك في البدء سؤالا، أودّ أن تجيب عنه بصراحة،

والسؤال هو: من هو الذي يختار الإمام الله أم البشر؟

يقول الأخ أحمد: عرفت ماذا يقصد السيد يحيى، وتبيّن لي أنه يشير إلى مسألة الإمامة والخلافة التي لم أصل فيها حين مواصلتي للدراسة الدينية إلى اليقين، ومن هذا المنطلق تحفّزت للبحث مرة أخرى حول هذا الموضوع.

ويضيف الأخ أحمد: كان ظنّي أنّ سؤال السيد يحيى هو مجرّد إثارة بحث علمي، ولكنني حينا ربطت السؤال بقوله في البداية: لقد أتيناك بخير الدنيا والآخرة، عرفت أنّهما قد غيرا انتماءهما المذهبي وقد اعتنقا المذهب الجعفري الامامي الاثني عشري، فاستغربت من ذلك كثيراً، وكان ذلك المحفز الكبير للتوجه الجاد إلى البحث حول هذا الموضوع.

حالة عدم الاستقرار النفسي:

يقول الأخ أحمد: لم يثمر لي البحث سوى سلب استقراري النفسي، لأنني كنت كلّما أتقدّم في البحث، أواجه عشرات الأدلة المخالفة لما أنا عليه، ووجدت نفسي مقلّداً حتى في أصول الدين وبقيت أيام وشهور وأنا أعيش حالة القلق والاضطراب، وكم تألّمت بعدما وجدت نفسي أوالي من اختاره البشر سواء ما حدث بالشورى في السقيفة أو ما حدث من اختيار البشر بشروط محدّدة ما أنزل الله بها من سلطان.

الوصول إلى القناعة التامة:

يضيف الأخ أحمد: واصلت بحثي لكي يطمئن قلبي، حتى وصلت في نهاية مطاف البحث إلى قناعة تامة بأن الاختيار في الخلافة خاص بالله عزوجل وليس بالبشر.

ويقول الأخ أحمد حول المفارقات التي واجهها بعد اعتناقه المذهب

الجعفري: من المؤسف أنني وجدت بعض علمائنا الأفاضل ومعلّمينا الكرام كانوا يعلّموننا ويقولون لنا أنّ نهجنا أعظم نهج وليس فيه تعصّب، وابحثوا أينما وجدتم الحق فاتبعوه مع من كان وأين ما كان، فقلت: فعلا هذا الكلام هو المجدي والمعقول، ولكننا ما إن طالعنا بعض الكتب، فإذا بهم يحذّروننا من قراءتها، وما إن بادرت بمناقشة بعض مبادئهم العقائدية وطلبت الدليل على ما يذهبون إليه، إلاّ وواجهوني بعنف واتهموني بالارتداد!!

ويقول الأخ أحمد مخاطباً لمن يسمع كلامه: أخي العزيز هل تعرف ما هو ذنبي؟ وما هي مخالفتي التي جعلت البعض أن يجعلوها مبرراً لمحاربتي والاطاحة بكياني واتهامي بالارتداد؟!

هي لأنني بحثت وتركت التعصّب، ووجدت الطريق المؤدّي إلى سفينة النجاة التي ذكرها الرسول(صلى الله عليه وآله) هي الطريق الصحيح وهي الطريق الأولى بالاتباع، فكان ذلك سبباً في اتهامي بالارتداد.

كلمته للقراء الأعزاء:

يقول الأخ أحمد: أدعو كافة إخواننا القرّاء والباحثين وخاصة الشباب ذوي العقول النيرة والقلوب الطاهرة والأرواح الزكية، التوسّع والتعمّق في بحث الولاية وخاصة الامامة، لأنّها محطة النجاة العظمى، حتى لا تزلّ أقدامهم في يوم تزل فيه الأقدام.

ويضيف الأخ أحمد: وأهم ركن من أركان البحث أن لا ينظر الباحث إلى جوانب البحث من خلال مذهبه أو تراث أسلافه أو تراثه الركامي الخليط بغثه وسمينه، لأنّ المذهبية أشبه ما تكون بالحزبية وكل حزب بما لديهم فرحون. فالملاحظ أن الشخص المنتمي ينطلق في أي موقف من موقع مصلحة انتمائه

ورؤية انتمائه، سواء كان الموقف مبدئي أو يتعارض مع المبدأ، وسواء كان الموقف صادقاً أو كاذباً، المهم أن تسير الأمور في صالح انتمائه بأي أسلوب من الأساليب الشرعية أو غير الشرعية بغض النظر عن المبادىء السماوية ومصلحة الشعوب، والشريعة تحكم بأنّ الله سبحانه وتعالى لم يتعبد الناس بالمذهبية أو الحزبية إلاّ بخط واحد هو الخط الإلهي المحمدي "كتاب الله والعترة الطاهرة" وما بعد الحق إلاّ الضلال وأن النظام الأكمل والأفضل هو الاختيار السماوي الإلهي، لأنّ الله سبحانه وتعالى هو العليم الأزلي بمصالح عباده، ومن أخطر المصائب في عالم التعصّب أنّا نلاحظ بعض المثقفين وادعياء العلم حينما تدعوهم إلى بحث مسألة عقائدية، يتمسكون بذرائع أوهن من بيت العنكبوت فيقولون لا يمكن أن نترك تراث السلف، أو لا يمكن أن نترك هويتنا فهؤلاء يعبدون الهوى من حيث لا يشعرون ومن اضل من اتبع هواه، فانا لله وإنا إليه راجعون وإلى الله المصير.

مؤلفاته:

{1} "الامامة في الميزان، اختيار الله أم اختيار البشر؟" مخطوط.

سيصدر عن مركز الأبحاث العقائدية ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.

يجيب المؤلف على هذا السؤال الهام في كتابه هذا بعد التدبّر والدراسة المتأنية والمركّزة من خلال استقراء أحوال الأمم السالفة والبحث عن موضع الابتلاء لكل أمة خلت منذ بداية الخلق وحتى أمة محمّد، حيث تركّزت كافة الابتلاءات في الولاية لله عبر الولي المختار من الله سبحانه وتعالى سواء كان هذا الولي نبياً أو وصياً، ومن خلال البحث في كتب أهل السنة.

ويتضمن هذا الكتاب مجموعة أبحاث منها: كيف يتم تعيين الخليفة؟ الخلافة وآية الشورى، القيادة ضرورة اجتماعية، خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله) الشرعي،

مصادر واقعة الغدير، عدد خلفاء الرسول(صلى الله عليه وآله) والأمراء اثنى عشر، ابتلاءات الأمم، أهل البيت ابتلاء واختبار أمة محمد، الائمة الاثنى عشر(عليهم السلام) من القرآن الكريم، الأحاديث الدالة على الأئمة الاثني عشر(عليهم السلام) باسمائهم من كتب العامة، حول المهدي المنتظر (عج).

{2} "الجواب المبين في الردّ على المروجين"، مخطوط.

سيصدر عن مركز الأبحاث العقائدية ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.

ذكر المؤلف في المقدمة: تشهد الساحة الاسلامية هذه الأيام محاولات كثيرة لإثارة الفتن وايجاد الشقاق بين الطوائف الاسلامية وتشهد حملة مركّزة على الشيعة بتناول عقائدهم الاسلامية المحمدية والهجوم عليها، وقد اغرقت الساحة الاسلامية بكثير من الكتب التي تطعن في معتقدات هذه الطائفة التي لا يخفى على أحد أن أكثرها تؤلف بايعاز من الوهابية وتمول منهم، متسترين بثياب الدفاع عن أهل السنة والجماعة.

وقد تعرّض المؤلف لدرء بعض هذه الشبهات والاجابة عليها، ومن هذه الشبهات ما يرتبط بمسح الأرجل والجمع بين الصلاتين ومصحف فاطمة(عليها السلام)، السجود على التربة الحسينية، المتعة، التقية، الرجعة، البداء، تحريف القرآن، زيارة القبور، التوسل و...

وقفة مع كتابه: "الجواب المبين في الردّ على المروجين"

من أهم الدواعي التي دفعت الأخ أحمد حسن العنثري لتأليف هذا الكتاب هو أنه رأى بعد استبصاره أن الساحة الاسلامية تشهد حملة مكثفة على الشيعة تتناول عقائدهم الاسلامية المحمدية، وشاهد أن الساحة قد أغرقت بكثير من الكتب التي تطعن في معتقدات هذه الطائفة وتتناول دراستها بصورة مشوهة ومزيفة ومن منطلق غير علمي ومن دوافع غير نزيهة تحكمها عقد الماضي وأحابيل السياسة المناهضة لآل الرسول(صلى الله عليه وآله) والتي لا تقوم على أساس سليم.

فدفعه هذا الأمر إلى كتابة هذا البحث ليقوم بدرء الشبهات التي يثيرها البعض ويطرحونها على العوام بمفاهيم خاطئة وأساليب غير موضوعية.

وتناول المؤلّف عدة أبحاث، ثم بادر إلى تبيين معتقد المذهب الشيعي والأدلة التي يعتمدون عليها في إثبات ما ذهبوا إليه، ثم حاول أن يجيب على أهم الشبهات المطروحة في هذا الباب.

وإليك في هذا المجال مقتطفات من الأمور التي بيّنها المؤلّف خلال أبحاثه:

الشيعة والتشيع:

ذكر المؤلّف: أن كثيراً ما نقرأه في كتب المعاندين لأهل البيت(عليهم السلام) ونسمع منهم بأنهم يعتبرون التشيع ابتداعاً وأنه نشأ في العصور المتأخرة.

أولا: عليناً أن نعرف ماذا تعني كلمة شيعة.. ومن الذي أطلقها وعلى من؟ حتى لا تكون هناك مصداقية للمغررين الذين يقولون بأن الشيعة هم أهل البدعة.

فكلمة شيعة: بمعنى الأتباع والأنصار، قال ابن خلدون في مقدمته ص138

(إعلم أن الشيعة لغة هم الصحب والأتباع ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على أتباع علي وبنيه).

وقال ابن الأثير في كتابه نهاية اللغة (وقد غلب هذا الاسم على كل من يزعم أنه يتولى عليّ رضي الله عنه وأهل بيته).

وقال الفيروزآبادي في القاموس في كلمة (شاع وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره.. إلى أن قال وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى علياً وأهل بيته، حتى صار اسماً لهم خاصاً، جَمْعَهُ. أشياع وشيع).

فهذا هو معنى كلمة (الشيعة).

وقد نزلت آيات بشأن هذا الموضوع وأحاديث نبوية تؤكّد ذلك.

وروى الحافظ أبو نعيم وهو من علماء السنة يقول ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان بأن أبي نعيم من أكبر الحفاظ الثقات وأعلام المحدثين فماذا يقول أبو نعيم الحافظ؟

قال: لمّا نزلت الآية الشريفة (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)(1).

خاطب رسول الله(صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب وقال: يا علي هو أنت وشيعتك تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ورواه الموفق بن أحمد الخوارزمي في الفصل 17 من كتاب المناقب، ورواه على هذا المعنى الحاكم عبدالله الحسكاني، وجلال الدين السيوطي، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة.

وروى المير سيد علي الهمداني الشافعي في (مودة القربى) عن أم سلمة أم المؤمنين وزوجة النبي(صلى الله عليه وآله) أنها قالت قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): يا علي أنت وأصحابك


1) البينة: 7.

في الجنة، أنت وشيعتك في الجنة، رواه عنها ابن حجر في الصواعق المحرقة أيضاً.

وروى الحافظ ابن المغازلي الشافعي في كتابه (مناقب علي بن أبي طالب(عليه السلام)) بسنده عن جابر بن عبدالله قال: لما قدم علي بن أبي طالب بفتح خيبر قال له النبي(صلى الله عليه وآله): (يا علي لولا أن تقول عنك طائفة من أمتي ما قالت النصارى في عيسى ابن مريم لقلت فيك مقالا لا تمر بملاء من المسلمين إلاّ أخذوا التراب من تحت رجليك تبركاً، إلى أن قال.. وإن شيعتك على منابر من نور مبيّضة وجوههم حولي أشفع لهم ويكونون في الجنة جيراني وإن حربك حربي وسلمك سلمي).

قد روى هذا الحديث الكنجي الشافعي في كفاية الطالب الباب 62.

وفي تاريخ بغداد ج12، ص289، قال النبي(صلى الله عليه وآله) لعلي: أنت وشيعتك في الجنة.

والكتب المصرّحة بهذا المعنى كثيرة جداً.

ومما تقدم يتضح: إن اسم الشيعة أول من أطلقه وبدأ به هو نبي الإسلام محمد(صلى الله عليه وآله) هادي الأنام، وقد صرح به مراراً وتكرار بين أصحابه حتى صار علماً لموالي علي(عليه السلام) وأنصاره، وقد اشتهر أربعة من الصحابة بهذا الاسم في حياة النبي(صلى الله عليه وآله) وهم 1 ـ أبو ذر الغفاري. 2 ـ سلمان الفارسي. 3 ـ المقداد ابن الأسود. 4 ـ عمار بن ياسر.

فقد روى الحافظ أبو نعيم في المجلد الأول من حلية الأولياء ص172، وابن حجر المكي في كتابه الصواعق المحرقة في الحديث الخامس من الأحاديث الأربعين التي نقلها في فضائل الإمام علي(عليه السلام) قالا عن الترمذي، والحاكم عن بريده أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم فقيل من هم؟ قال(صلى الله عليه وآله): (علي وأبو ذر والمقداد وسلمان).

وقد نقل ابن حجر أيضاً في الحديث 39 عن الترمذي والحاكم عن أنس بن

مالك أن النبي(صلى الله عليه وآله) قال: (الجنة تشتاق إلى ثلاثة علي وعمار وسلمان).

المذهب الجعفري:

هو نسبة للإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي السجاد بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

فالإمام الصادق عندما انتقل الحكم إلى بني العباس اغتنم الفرص التي أُتيحت له بانشغال الدولتين العباسية والأموية بالصراع بينهما ففتح باب بيته على مصراعيه ليستقبل رواد العلم وطلابه، فوفد نحوه العلماء من كل صوب ومن كل مكان ليرتووا من منهله وليستقوا من منبعه الصافي، وقد عد بعض المحققين والمؤرخين تلاميذه فجاوزوا الأربعة آلاف طالب، فالتف حوله طلاب الحق، فكشف لهم الحقائق العلمية، وأوضح لهم المسائل العقائدية، وبين لهم المسائل الدينية، مستنداً فيها على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي وصلت عن طريق آبائه الطيبين الأئمة المعصومين من أهل البيت(عليهم السلام)، فعمد على ترسيخ منهاج أهل البيت(عليهم السلام) عقيدةً وسلوكاً، ولذلك اشتهر هذا المذهب باسمه وانتسب إليه.

الجمع بين الصلاتين:

ذكر المؤلف في هذا المجال: إن الأدلة على ذلك كثيرة ومتواترة من القرآن الكريم وعند الفريقين.

قال تعالى (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَ قُرْءَانَ الْفَجْرِ)(1).

الدلوك: معناه الزوال.


1) الاسراء: 78.

الغسق: فيه قولان: أ ـ أول ظلمة الليل. ب ـ شدة الظلمة في نصف الليل.

قرآن الفجر: صلاة الفجر.

وبناءً على تفسير الغسق بأول الليل يكون النص قد حدد ثلاث أوقات للصلاة.

الوقت الأول: الزوال وهو بداية الوقت للظهر والعصر معاً.

الوقت الثاني: أول الليل وهو بداية الوقت للمغرب والعشاء معاً.

الوقت الثالث: الفجر وهو الوقت الخاص بالصبح.

وبناءً على تفسير الغسق بنصف الليل يكون النص دالا على جواز الجمع، فالظهر والعصر يشتركان في الوقت من الزوال إلى الغروب إلاّ أن الظهر قبل العصر، ويشترك المغرب والعشاء في الوقت من الغروب إلى نصف الليل غير أن المغرب قبل العشاء، أما فريضة الصبح فقد اختصها الله بوقتها المنوّه بها في قوله تعالى: (وقرآن الفجر) راجع كتاب التشيع، للسيد عبدالله الغريفي.

يقول الفخر الرازي في تفسيره لهذه الآية: يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات: وقت الزوال ووقت أول المغرب ووقت الفجر، وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتاً للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركاً بين هاتين الصلاتين، وأن يكون المغرب وقتاً للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين على الترتيب، فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً. راجع تفسير الفخر الرازي ج21، 27.

وهذا مسلم بن الحجاج يروي في صحيحه في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، بسنده عن ابن عباس أنه قال: صلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله) الظهر والعصر جمعاً، والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر. وروى أيضاً بسنده عن ابن عباس أنه قال: صلّيت مع النبي ثمانياً جمعاً وسبعاً جمعاً، يقصد بذلك الثمان الظهر والعصر

والسبع المغرب والعشاء.

وروى هذا الخبر بعينه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج2، ص221، وأضاف إليه حديث آخر عن ابن عباس أيضاً: انه صلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله) في المدينة مقيماً غير مسافر سبعاً وثمانياً.

وقد روى مسلم في صحيحه، ومالك في الموطأ، وأحمد بن حنبل في المسند، والترمذي في صحيحه في باب الجمع بين الصلاتين، بإسنادهم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمع رسول الله(صلى الله عليه وآله) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف ولا مطر فقيل لابن عباس ما أراد بذلك؟ قال أراد أن لا يحرج على أمته. والظاهر أن الأصل في الشريعة هو الجمع بين صلاتي العصرين والعشائين وفقاً لنصوص القرآن الكريم كما سبق ذكره، وليس هناك دلالة نقلية قوية تعارض النص القرآني أو تبينه.

كما أن النووي في شرح صحيح مسلم، والعسقلاني، والقسطلاني، وزكريا الأنصاري، في شروحهم لصحيح البخاري، وكذلك الزرقاني في شرح موطأ مالك، وغير هؤلاء من كبار علماء السنة ذكروا هذه الروايات والأخبار ثم وثقوها وصححوها، وصرحوا بأنّها تدل على الجواز والرخصة في الجمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر ولا مطر، وخاصة بعد رواية ابن عباس وتقرير صحتها فإنهما علقوا عليها بأنها صريحة في جواز الجمع مطلقاً حتى لا يكون أحد من الأمة في حرج ومشقة.

التقية:

ذكر المؤلف: أن التقية هي من القضايا التي يُشَنَّع بها على شيعة أهل بيته(عليهم السلام)، ولو تَثَبَّت في الأمر كل من شنَّع على شيعة أهل البيت(عليهم السلام) لعرف أن التقية التي تقول بها الشيعة لا تختص بهم ولم ينفردوا بها إطلاقاً، وكل إنسان مجبول

على الدفاع عن نفسه والمحافظة على حياته فطرياً، وهي أعز الأشياء عليه وأحبها إليه، فهم قد لا يهمون بذلها في سبيل الشرف وحفظ الكرامة وصيانة الحق، أما من غير هذه المقاصد الشريفة والغايات المقدسة فالتفريط بها وإلقائها في مواطن الخطر سفه وحماقه لا يرتضيها عقل ولا شرع، وقد أجاز الإسلام للمسلم في مواطن الخوف إخفاء الحق والعمل به سراً وبينما تنتصر دولة الحق على دولة الباطل مصداقاً لقوله تعالى (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَـفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَ لِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِى شَىْء إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ...)(1).

وقوله تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالاِْيمَـنِ وَ لَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ )(2).

ولقد محى رسول الله(صلى الله عليه وآله) اسمه عام الحديبية حينما طالبت قريش منه ذلك وكان معه من الشجعان العدد الكثير وفيهم علي(عليه السلام) على ما مر تسجيله في صحيح البخاري ج2 ص960 ح2551 باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان ابن فلان.. الخ ولم يقل هذا ما صالح رسول الله(صلى الله عليه وآله) بل أن الله تعالى قد شرع التقية في محكم كتابه العزيز بشأن المؤلفة قلوبهم وجعل لهم سهماً من الزكاة ضمن مصارف الزكاة الثمانية في قوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَـتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَـكِينِ...)(3).

ومن سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله) في موقفه من عمار بن ياسر عندما جازه أن يقول كلمة الكفر أو الشرك، كيف لا وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، ومع هذا الوضوح والبيان فإن هذا المصطلح العقائدي قد


1) آل عمران: 28.

2) النحل: 106.

3) التوبة: 60.

أسيء فهمه، وحاول بعض المغرضين والمسخرين لتفريق الصف الإسلامي أن يثيره للشبهات ويحاول أن يصوّره نفاقاً فكرياً.

الأئمة وعلم الغيب:

وأيضاً من ضمن الإشاعات الكاذبة التي يروّج بها العامة أنهم يقولون أن شيعة أهل البيت(عليهم السلام) يقولون بأن أئمتهم يعلمون الغيب من ذات أنفسهم، وهذا لا يوافق العقل إطلاقاً، فليس فيهم من يقول بأن الأئمة يعلمون الغيب من عند أنفسهم ومن ينسب ذلك عليهم فهو مفترى عليهم، لأن علم الغيب المحض مخصوص بالله وحده، وإنما يقولون بأنهم ينبئون عن بعض المغيبات بتعليم الله لهم من طريق الإلهام وعلوماً خاصة توارثوها عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) إماماً بعد إمام قال تعالى (فَإِن تَنَـزَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ...)(1)فعرفنا كيفية الرد في حياة الرسول(صلى الله عليه وآله)فكيف الرد بعد وفاته؟ فإن قلتم بالرجوع إلى سنته فقد تم إيقاف تدوين الحديث "الرواية" في عصر أبي بكر وأحرقت مدونات السنة التي دونت أيام النبي(صلى الله عليه وآله).

إذاً فأين المرجع في مقام الرسول(صلى الله عليه وآله) هل أن الله عزوجل عدل في الناس الذين وجدوا في عهد الرسول(صلى الله عليه وآله) ولم يعدل في غيرهم، حاشاً وكلا أن يقترف الله سبحانه شيئاً من الظلم، بل عدله أوسع مما تحيطه العقول والنقول.

فمن هنا يتضح للباحث المنصف أنه لابدّ من مَن يقوم بمهام الرسول(صلى الله عليه وآله) من بعده وخاصة في المرجعية بعد الله سبحانه وتعالى وإن لم يكن نبياً أو مكلف بالدعوة، فيظهر لنا من ذلك أن الإمامة هي الحل الأجلي لإزالة كافة الإشكالات والمعضلات التي تقع فيها الأمة كالاختلاف والتنازع فيما بينها.


1) النساء: 60.

فما بالك أن يكون الاختلاف ما بين أغلب الامة والإمام نفسه وقد عينه الله ورسوله(صلى الله عليه وآله) بأدلة قطعية جلية ليست خفية بل واضحة في الكتاب والسنة، فما بعد الحق إلاّ الضلال.

زيارة القبور:

ومن ضمن الإشاعات التي يروج بها على العامة قول المروجين بأن شيعة أهل البيت(عليهم السلام) يعبدون الأصنام وذلك من خلال زيارتهم القبور، ويقولوا بأن شيعة أهل البيت(عليهم السلام)، يعكفوا على القبور كما يعكف المشركين على الأصنام.

فنقول على كلامهم إن العكوف على القبر هو الذي جعل الزيارة شركاً، فعلى هذا المنوال إذا كان المعكوف على القبر شركاً فالمسلمين مشركين، لماذا..؟

لأن المسلمين في وقت الصلاة يحوطون حول الكعبة للصلاة، فالواقف في طرف المغرب يجعل ظهره على المغرب ويتوجه إلى الكعبة، والواقف طرف الجنوب يجعل ظهره على الجنوب ويتوجه إلى الكعبة، وكل في أية جهة كان يجعل ظهره على تلك الجهة ويتوجه إلى الكعبة بالصلاة والركوع والسجود.

إذاً المسلمون على المفهوم الأول مشركون لأنهم يتوجهوا إلى الكعبة حال العبادة، كما يتوجه عبدة الأصنام إلى أصنامهم حال عبادتهم، وهذا خطاء لأن عبدة الأصنام يتوجهون ـ حال العبادة ـ إلى أصنامهم التي صنعوها بأيديهم، والمسلمون يتوجهون حال الصلاة إلى بيت مرتفع متخذ من حجر أمر ببنائه الباري جل وعلا.

وتلك نظرة المروجون وهي نظرة خاطئة، وليس زيارة القبور لها صلة بعبادة الأصنام، فالمسلمون عندما يتوجهوا إلى الكعبة في الصلاة لا يعتبرونها إلهاً يعبدونها من دون الله بل يتوجهون إليها لأن الله أمرهم بذلك.

أما عبدة الأصنام فإنهم يتوجهون إلى أصنامهم ـ في عبادتهم ـ متخذين من

الأصنام آلهه، يعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى فهم يتوجهون حال العبادة بقلوبهم إلى أصنامهم، أما المسلمون فيتوجهوا حال الصلاة بقلوبهم إلى الله عزّوجل.

فالتشبه ليس سبب الشرك، وإلاّ كان عملنا شركاً لتشابهه مع عمل عبدة الأصنام (لكل أمر ما نوى)، والسبب الذي جعل عمل عبدة الأصنام شركاً هو قصدهم عبادة الأصنام، والسبب الذي أخرجنا من الشرك هو أننا عندما نتوجه نحو الكعبة لا نقصد بهذا التوجه عبادة الكعبة وإنما نقصد عبادة رب الكعبة.

وزيارة القبور ليست محرّمة وهي جائزة وتأكيد الاستحباب فيها شديد، وقد زار الرسول(صلى الله عليه وآله) شهداء أحد، راجع صحيح مسلم ج2، ص63، سنن النسائي ج3، ص76.

قد حضر(صلى الله عليه وآله) لزيارة البقيع، راجع كتاب إحياء العلوم للغزالي، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة، راجع سنن ابن ماجة ج1، ص494، باب 36، صحيح مسلم ج2، ص365، باب 35.

ثم يقول المؤلف في نهاية كتابه: فهذه بعض الردود الصادعة في مقابل افتراءات المروجين ضد شيعة أهل البيت(عليهم السلام) إنما أوجهها إلى المنصفين (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)(1)، وإلى العامة من أبناء المذاهب الذين آمل منهم أن يتحرروا فكرياً من المبادىء الهدامة والأفكار الخاطئة فقد خلقتم أحراراً ليس عبيد لفكر من الأفكار والعبودية لله عزّوجلّ إلى المتحريين فكرياً الذين يترقبوا الدليل الواضح: (اولئك الذين هداهم الله واولئك هم اولوا الألباب أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى النَّارِ)(2)، وذلك للرد بها على مزاعم


1) الزمر: 18.

2) الزمر: 19.

المشككين وشبهات المرجفين، إذاً فالسلف والخلف من شيعة أهل البيت(عليهم السلام)إنما دانوا بدين الله الصافي عن أهل البيت(عليهم السلام)، عن النبي(صلى الله عليه وآله)، عن الله عَزَّوجل، وأهل البيت(عليهم السلام)أدرى بما في بيت الرسول(صلى الله عليه وآله)، والرسول(صلى الله عليه وآله) هو المصدر الأعظم المعبر عن الله عزَّوجلّ، وقد أوصانا بأهل بيته الطّاهرين وليس بغيرهم، فما الذي ياترى يدعونا أن نتّبع غيرهم وهم الحق وأدلتهم مستقاة من كتاب الله عزّوجلّ، والرسول(صلى الله عليه وآله)يوصينا بهم أنهم سفن النجاة من كُلّ هلكة، وأمانها من الاختلاف في الدين، وأعلام هدايتها ما خالفتها قبيلة من العرب إلاّ اختلفوا فصاروا حزب إبليس، وقال (فلا تقدموهم فتهلكوا ولا تأخروا عنهم فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم) فمن هم الذين رزقوا فهم وعلم رسول الله(صلى الله عليه وآله) أفلا شك أنّهم الأئمة الطّاهرين الذين هم سفينة نوح، وباب حطة من تمسك بهم نجى ومن تخلف عنهم غرق بل وفي النار هوى، وهم الذين لم يختلفوا فيما بينهم، وهم قرناء الكتاب، وهم عديلهُ في الحجية، فكما أن القريب إلى المقارن ينسب، فكذلك القرآن لم يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه أي معصوم، فكذا الثقل الثاني للقرآن عترة الرسول(صلى الله عليه وآله)معصومين بقرينة لا يفترقا حتى يردا علي الحوض.

اللّهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل وارزقنا اجتنابه، وارزقنا حبّ محمد وآله الطاهرين من يومنا إلى يوم الدين، واللعنة الدائمة على أعدائهم من الجِنة والناس والإنس أجمعين من يومنا إلى يوم الدين.

{2} أحمد حسين يعقوب(شافعي / أردن)

اشارة

الصورة

A01

ولد في الأردن، مدينة "جرش" عام 1939م في أسرة شافعية المذهب، حصل على الثانوية العامة من مصر، أكمل دراسة الحقوق في جامعة دمشق وسجل للدراسات العالية / دبلوم القانون العام في الجامعة اللبنانية، محامي وخطيب جمعة ورئيس بلدية.

إنهيار تصوري القديم عن التاريخ الإسلامي:

يقول الأستاذ أحمد: "سافرت إلى بيروت لمناقشة بحث قدمته للجامعة اللبنانية عن رئاسة دولة الخلافة في الشريعة والتاريخ وهو تقليدي، من جميع الوجوه، ويحمل وجهة نظر العامة ومعتقداتها في هذا المجال.

وأثناء وجودي في بيروت قرأت بالصدفة كتاب (أبناء الرسول في كربلاء) لخالد محمد خالد، ومع أنّ المؤلف يتعاطف مع القتلة ويلتمس لهم الأعذار إلاّ أنني فجعت إلى أقصى الحدود بما أصاب الإمام الحسين(عليه السلام) وأهل بيت النبوة وأصحابهم.

وكان جرحي النازف بمقتل الحسين هو نقطة التحول في حياتي كلّها، وأثناء وجودي في بيروت قرأت كتاب (الشيعة بين الحقائق والأوهام) لمحسن

الأمين، وكتاب (المراجعات) للإمام العاملي، وتابعت بشغف بالغ المطالعة في فكر أهل بيت النبوة وأوليائهم، فتغيرت فكرتي عن التاريخ كله، وانهارت تباعاً كل القناعات الخاطئة التي كانت مستقرة في ذهني".

هكذا عرفت أهل البيت(عليهم السلام):

يضيف الأستاذ أحمد "لقد تبيّن لي: أنّ أهل بيت النبوة ومن والاهم موالاة حقيقية هم المؤمنون حقاً وهم الفئة الناجية، وهم شهود الحق طوال التاريخ، وأنّ الإسلام النقي لا يُفهم إلاّ من خلالهم، فهم أحد الثقلين، وهم سفينة نوح، وهم باب حطة، وهم نجوم الهدى، ولولا هم لضاع الاسلام الحقيقي ولما بقي للحق من شهود، لقد رفعوا لواء المعارضة طوال التاريخ، وتحملوا في سبيل الله فوق ما يتحمله البشر حتى أوصلوا لنا هذا الدين الحنيف بصورته النقية الكاملة المباركة.

وباختصار شديد لقد اهتديت وعرفت أن لأهل بيت النبوة قضية عالمية عادلة، وعاهدت ربي أن ادافع عن هذه القضية ما حييت، فكانت كل مؤلفاتي مرافعات ومدافعات عن عدالة هذه القضية، واستنهاضات للعقل المسلم خاصة وللعقل البشري عامة لينتقل من التقليد الأعمى إلى الايمان المستنير المبدع"(1).

مؤلفاته:

{1} "النظام السياسي في الإسلام" (رأي الشيعة، رأي السنة، حكم الشرع):

صدر في طبعته الثانية عام 1412 هـ عن مؤسسة أنصاريان / قم.

قال المؤلف في المقدمة: "الكتابة عن النظام السياسي الإسلامي بالاسلوب المنهجي المعاصر لدراسة الفكر السياسي، ليست نزهة فكرية كما يبدو وللوهلة الأولى، إنّما هو عملية شاقة ومضنية، تتطلب:


1) مجلة المنبر العدد العاشر، ذي الحجة/ 1421 هـ: 14 ـ 15.

1 ـ معرفة مميزة بقواعد الشرع الحنيف...

2 ـ إطلاع واسع على التاريخ الاسلامي...

3 ـ الاطلاع الموضوعي على رأي المعارضة...

كل ذلك من خلال استرداد الحوادث التاريخية وتحليلها وفقاً لمناهج الاستقراء والاستدلال والمقارنة".

ويتضمن هذا الكتاب أربعة أبواب وهي:

الباب الأول: الإمام وكيفية توليته. قد جاء فيه:

أ ـ تبيين رأي أهل السنة من مصادرهم مع مراعاه الموضوعية والتجرد العلمي.

ب ـ تبيين رأي أهل الشيعة من مصادرهم مع مراعاة الموضوعية والتجرد العلمي.

ح ـ ذكر الرأي الشرعي الحنيف.

د ـ مرافقة الإمام مع لحاظه مواطن في الدولة الإسلامية، ثم ولياً للعهد، ثم إماماً، ثم ذكر كيفية ممارسته لدوره.

هـ ـ الاجابة على جميع الأسئلة والشبهات المحتملة في هذا المجال.

و ـ الاستناد إلى مئات المراجع.

2 ـ الباب الثاني: كيفية قيام دولة الرسول مع ذكر مقتطفات من تاريخ حياته منذ كان فرداً محاصراً في جزيرة الشرك حتى تكوينه لمقومات الدولة ركناً فركناً وحتى ممارسته للسلطة كرئيس للدولة.

3 ـ الباب الثالث: مفهوم الدولة وطبيعتها في الإسلام.

4 ـ الباب الرابع: الأحزاب السياسية في الإسلام.

2 ـ "نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام" (رأي الشيعة،

رأي السنة. حكم الشرع).

ترجمه الى الفارسية محمد قاضي زاده، الناشر: اميد، عام 1374هـ ش.

قال المؤلف في تعريفة الكتاب: "بهذا البحث المتواضع حاولت جهدي إثبات أن ما أنزله الله شيء، وأن فهمنا له شيء آخر، وأن الانهيارات التي بدأت بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) وتوالت حتى اقتلعت النظام السياسي الإسلامي من واقع الحياة، لم تكن بسبب علّة في الدين ولا لنقص أو خطأ في منظومته الحقوقية الخالدة، إنما بسبب المسلمين الذين بدلوا نعمة الله، بما تهوى الانفس بدلاً من حكم الله، وهنا يكمن جذر البلاء.

ويحتوي هذا الكتاب على أربعة أبواب:

الباب الأول: مفهوم الصحبة والصحابة.

الباب الثاني: الجذور التاريخية لنظرية عدالة كل الصحابة.

الباب الثالث: المرجعية في الإسلام.

الباب الرابع: القيادة السياسية في الإسلام.

وفي كل موضوع من هذه المواضيع ساق المؤلف رأي أهل السنة وذلك على حدّ قوله باعتباره رأياً إسلامياً قاد أصحابه الأمة الاسلامية طوال التاريخ، ثم ساق رأي أهل الشيعة، باعتباره رأياً إسلامياً تولى مهمة المعارضة طوال التاريخ، وبعد ذلك يصف المؤلف منهجه في البحث أنه وضع تحت تصرف عشاق الحقيقة الشرعية المجردة حكم الشرع في كل موضوع من تلك المواضيع.

3 ـ "مرتكزات الفكر السياسي (في الإسلام، في الرأسمالية، في الشيوعية):

صدر عن شركة شمس المشرق للخدمات الثقافية سنة 1413 هـ.

يقول المؤلف في المقدمة: "عالجت في هذا البحث المقاطع الأساسية للفكر السياسي كفكر، وعلى صعيد الجنس البشري كله، ماضيه وحاضره ومستقبله،

متجاوزاً الأقاليم والقارات والشعوب والقوميات واختلاف الديانات".

وقد قسم المؤلف هذا البحث إلى ستة أبواب:

الباب الأول: مقومات التفكير، معناه، ركيزتيه، مجاله، تاريخ نشوئه، ضبطه، تدوينه، اثرائه، زيادته السمات المشتركة بين الكائنات المفكرة، وبين أركان عملية التفكير ومنهجية العملية الفكرية.

الباب الثاني: الشواخص الفكرية أو المرتكزات المائلة على طريق الفكر حتى لا يضل المفكر ولا يزيغ، فيمزج الفكر مع الخيال والوهم مع الحقيقة مع تبيين مرتكزات التوحيد والابتلاء والولاية والمرجعية والثنائية.

الباب الثالث: العقائد السياسية والمذاهب السياسية منها الدينية والوضعية، مفاهيمها ومرتكزاتها الاساسية ونظرتها للفرد والجماعة وللدولة وقيمها، نقض المذاهب السياسية الوضعية واثبات فسادها.

الباب الرابع: السلطة والقيادة في المذاهب الدينية والوضعية.

الباب الخامس: معالجة دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية على اعتبار أنّه أول محاولة في العصر الحديث تقوم بها دولة لوضع نظام الإسلام موضع التطبيق، فقام المؤلف بتأصيله وتوضيحه وتبيين حكم الاسلام فيه، ثم ساق حجج مناوئيه وردّ عليها.

الباب السادس: الأحزاب السياسية في العالم العربي، فتناول الأحزاب الدينية منها والعلمانية، على اعتبار أنها ـ كما تقول ـ تحمل فكراً سياسياً.

وقد اعتمد في ذلك كلّه ـ حسب تعبيره ـ على القرآن الكريم بالدرجة الأولى وعلى السنّة المطهرة بفروعها الثلاثة; القول والفعل والتقرير بالدرجة الثانية، غير مهمل لعلم ولا مزدر لتجربة.

أما ما يتعلق بالمذهبين الرأسمالي التحرري والماركسي الشيوعي فقد

اعتمد على ما كتبه بناة هذين المذهبين، وعلى الدساتير المطبقة في الدول التي تتبناها، فجاء البحث بغير ادعاء جديداً بمنهجيته ومضمونه وشكله.

{4} "الخطط السياسية لتوحيد الامة الاسلامية":

صدر عن دار الثقلين / بيروت عام 1415هـ.

ذكر المؤلف في المقدمة بشأن هذا الكتاب: "على الرغم من أن الوحدة الإسلامية، أمنية غالية، وفريضة ربانية، وهدف مشترك، وضرورة من ضرورات الحياة المعاصرة، إلا أن المسلمين محتلفين بوسائل تحقيقها، سلمياً وبدون عنف، بالحكمة والاقناع لا بالقوة والاكراه، والاحزاب الدينية الاسلامية عرضت وجربت عشرات الخطط لاقامة الوحدة الاسلامية، ففشلت خططها، وهي لا تتوقف عن اختراع خطط جديدة.

وتسهيلاً لمهمة المنادين بوحدة الأمة الإسلامية، وضعت هذا الكتاب".

يحتوي هذا الكتاب على ثلاثة أبواب:

الباب الأول: الأركان الشرعية لوحدة الأمة الإسلامية، ومن خلاله عرض المؤلف التقاطيع الأساسية والتفصيلية للخطة الالهية لتوحيد الأمة الإسلامية.

وقد قسم هذا الباب إلى اثني عشر فصلاً، وقسم كل فصل إلى عشرات البحوث المترابطة، ساق فيها مختلف الافهام للنصوص الشرعية، وحمل من مختلف الجهات لتوضيح كل خافية.

الباب الثاني: الاختلاف بعد الوحدة والائتلاف.

بين المؤلف فيه كيفية انقسام الأمة، وبداية تآكل الوحدة من الداخل، ثم انهيارها نهائياً وسقوطها بسقوط آخر سلاطين بني عثمان، وعلل المؤلف هذا الانهيار يومذاك على أنّه نتيجة لتآمر دول الغرب وذكر: أنّ تآمر الأمم الكافرة على الأمة المسلمة لم يتوقف حتى في عهد النبوة، لكن السبب الجوهري لانهيار

وحدة الأمة الإسلامية يكمن في التآكل الداخلي الناتج عن الصراع الصامت بين الشرعية والواقع، والتفاوت المذهل بين هذين البعدين، وقد قسم هذا الباب إلى أربعة فصول، وقسم كل فصل إلى عشرات البحوث.

الباب الثالث: تخريب المنظومة الحقوقية الالهية وابطال مفعولها بعد وفاة النبيّ.

وقد قسّم هذا الباب إلى ثلاثة عشر فصلاً، وقسم كل فصل إلى عشرات البحوث، ذكر أن فيه تشابكت الشرعية مع الوقائع التاريخية تشابكاً عجيباً، وقد حاول أن يفك الاشتباك والتداخل بين الشرعية والوقائع التاريخية، بين المنظمة الحقوقية الالهية وبين أفعال الحكام.

{5} "طبيعة الأحزاب السياسية العربية" (الأحزاب العلمانية، الأحزاب الدينية، معالم فكر أهل بيت النبوة).

صدر عن الدار الإسلامية / بيروت عام 1417 هـ.

تناول المؤلف في هذه الدراسة طبيعة الأحزاب السياسية العربية بشقّيها العلماني والديني من خلال مقالات مترابطة ومتكاملة نشر أغلبها في جريدة اللواء الأردنية، وذكر أن هذه الدراسة تاريخ تكويني دقيق وفريد لطبيعة الاحزاب السياسية العربية ومواقفها، ومن خلال هذه الدراسة لوح بالبديل الفرد، وهم أهل بيت النبوة الكرام. ذكر أنه لم يقصد الزراية أو الاستهانة بالمنظمة الحزبية السياسية العربية وانّما قصد النصح، وعبر عن الرغبة بالمشاركة باستكشاف طرق خلاص وفلاح هذه الأمة الماجدة.

وقد قسم المؤلف هذا البحث إلى ستة أبواب:

الباب الأول: تعرض فيه إلى حقيقة الأحزاب العلمانية العربية فعرّف بها، ووضح تأثرها العميق بالغرب وأفكاره، وطرح مضامين سفاراتها وطبيعة فكرها

العلماني وفلسفتها ونظرتها للدين والدنيا، كما عرّف بروّاد العلمانية في العالم العربي وتعرض لنشاطاتهم وبعض مؤتمراتهم.

الباب الثاني: بحث فيه حول الأحزاب الدينية العربية، فبيّن دورها وتعددها، ومدى رواجها، وما هو موقف الإسلام منها، وتحديد المرجعية التي وضعها الإسلام لقيادة الأمة، وحاول فهم النظام السياسي الإسلامي وموقفه من المفاهيم الجديدة كالحرية والديمقراطية وتوضيح منهجه التغييري كما تعرض إلى دور بني هاشم وما خصهم الإسلام به من حقوق وواجبات وولاية ومحبة.

الباب الثالث: تعرض فيه الى تصرفات الأحزاب الدينية التي اضرّت بأصل الإسلام وخاصة الوهابيين.

الباب الرابع: ذكر فيه دور الأحزاب العربية في الحرب العراقية الايرانية وما قامت به من نشاطات.

الباب الخامس: تناول فيه القضية الفسلطينية، متعرضاً لطبيعتها وأسباب نشوئها وما قامت به الأحزاب من دور فيها.

الباب السادس: تعرض فيه إلى بعض المشاكل التي واجهته من قبل وزارة الاوقاف الأردنية.

{6} "الوجيز في الإمامة والولاية":

صدر عن دار الغدير سنة 1417 هـ.

ذكر المؤلف في المقدمة: "قمت بدراسة معمقة لموضوع الرئاسة العامة في العقائد السياسية الوضعية لأن هذا الموضوع يكاد يقابل موضوع الإمامة والولاية في الإسلام".

وبعد ذلك شرعت بالكتابة في هذا الموضوع ملتزماً بالخطة المنهجية للبحث، وتطرق المؤلف إلى هذا الموضوع من أربعة أبواب، جاعلا لكل باب

سبلاً متعددة:

الباب الأول: مفهوم الإمامة والولاية فى الشريعة والتاريخ.

الباب الثاني: اختيار الإمام وتوليته وتنصيبه.

الباب الثالث: الإمامة والولاية من بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله).

الباب الرابع: الانقلاب الأسود وقيام الإمامة غير الشرعية.

{7} "المواجهة مع رسول الله وآله ـ القصة الكاملة ـ ":

صدر عن دار الغدير في طبعته الثانية عام 1417 هـ.

ذكر المؤلف في المقدمة: "قد عنيت بالمواجهة تلك المجابهة التي حدثت عبر التاريخ بين رسول الله(صلى الله عليه وآله)من جهة وبين أعداء الله الذين كرهوا ما أنزل الله، فتبرعوا نيابة عن الجنس البشري فجابهوا رسول الله وآله، وقاوموهم وكادوا لهم كيداً، ومكروا بهم مكراً، وحاربوهم حرباً مسلحة طوال إحدى وعشرين سنة منها ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة وثماني سنين بعد الهجرة".

الباب الثاني: ذكر فيه أنباء المواجهة من اللحظة التي وصل فيها النبيّ(صلى الله عليه وآله)الى المدينة حتى اللحظة التي تم فيها فتح مكة واستسلام سادات بطون قريش للنبيّ(صلى الله عليه وآله)بدون قيد أو شرط، من خلال خمسة فصول.

الباب الثالث: ذكر فيه وقائع المواجهة التي جرت بين الشرعية الالهية وبين بطون قريش المتحدة بعد اسلامها من خلال ستة فصول، ابرز فيها كل خفي في هذه المواجهة، حتى تعرت مواقف البطون على حقيقتها المذهلة.

الباب الرابع: أبرز فيه الأحكام الشرعية المتعلقة بالإمامة أو القيادة أو المرجعية من بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله)، من خلال ثلاثة عشر فصلا.

الباب الخامس: ذكر فيه بدقة وقائع الانقلاب الأسود على الشرعية واثاره المدمرة من خلال ثلاثة عشر فصلاً.

وقد حرص المؤلف على توثيق هذه الأبواب الخمسة توثيقاً كاملا، وعلى ربطها مع بعضها برباط محكم وثيق.

{8} "مساحة للحوار، من أجل ا لوفاق ومعرفة الحقيقة":

صدر عام 1418 هـ عن دار الغدير / بيروت.

جاء في مقدمة مركز الغدير لهذا الكتاب: "في مساحة تتسع للأنا وللآخر المتعدِّد، يسعى الباحث إلى الحوار، وان كان محاوره يقول: "وبالرغم من سعة صدري وتسامحي إلا أن مجرد ذكر كلمة "شيعة" كاف لاثارة حنقي ونفوري حتى لكأنني مسكون في لاشعوري بكراهية الشيعة والتشيع...".

يتفق الباحث ومحاوره (صديقه المثقف السنِّي) ان يعقدا عدة جلسات يجريان فيها الحوار الفكري، فيقدم المحاور في الجلسة الأولى سلسلة متماسكة من الأسئلة حول موضوع معيَّن فيحمل هذه الأسئلة، ليضع في مدة كافية اجابات موثقة عنها، ثم يقدم هذه الاجابات إلى محاوره، يقرأها هذان ويعود ليقدم طائفة جديدة من الأسئلة، وهكذا دواليك إلى أن يتم الوفاق على أحد أمرين: إمّا أن يبقى الصديق أسيراً لما سمّاه "السكن اللاشعوري" أو تتغير نظرته ومشاعره فيجد في التشيع طريق الهدى.

وهذا ما كان، فتمَّ الحوار...

صاغ الصديق أسئلة تتعلق بسبع قضايا أساسية هي:

1 ـ مفهوم الشيعة والتشيُّع ومسار تكونه التاريخي، وانتشاره.

2 ـ الإمامة بعد وفاة النبيّ، وطبيعة الخلاف الذي حدث في هذا الصدر جعل المسلمين فرقاً، وحجج كل فريق النصية والاجتهادية.

3 ـ مصادر التشريع، وما يتصل بها من جمع القرآن الكريم وذات رسول الله(صلى الله عليه وآله)والأئمة(عليهم السلام).

4 ـ نظرية عدالة الصحابة.

5 ـ التقية والمتعة في الإسلام، وعند شيعة أهل بيت النبوة.

6 ـ الاختلاف الفقهية بين أهل بيت النبوّة وشيعة الخلفاء (أهل السنة).

7 ـ الدعوة إلى وحدة المسلمين.

وقد أجاب الباحث عن هذه الاسئلة اجابات موثقة، وجرى حوار معمق بشأنها أدّى إلى وفاق.

{9} "كربلاء، الثورة والمأساة":

صدر عام 1418 هـ عن دار الغدير / بيروت.

إن كربلاء تعتبر ملحمة كبرى تمسك فيها الامام الحسين(عليه السلام) باهدافه رغم تحمله المظلومية العظمى التي لم ولن يكن لها مثيل على وجه التاريخ إلى يوم القيامة، كما أننا نجد وجه الإمام الحسين(عليه السلام) رغم فداحة المأساة التي تتالت عليه كان يتلألأ نوراً أكثر وأكثر كلما كان يدنو الإمام من الهدف المقدس الذي ضحى بنفسه من أجله والذي لم يدرك مغزاه أبناء عصره، بل لم يدركه الكثيرون في القرون التالية ولا زالوا مختلفين في فهم حقيقته:

وجاء هذا الكتاب ليدلو بدلوه فيغترف أكبر حجم ممكن من الفهم والاستيعاب لحقيقة ثورة الإمام الحسين(عليه السلام).

الباب الأول: أضواء على الفئتين المتواجهتين في كربلاء، مع ذكر عددهما، قادتهما، أركان قيادتهما، المواقف النهائية لكل فئة وذلك من خلال أربعة فصول.

الباب الثاني: دور الأمة وموقفها من مذبحة كربلاء، من خلال أربعة فصول، غطت بالكامل كل ما يتعلق بهذا الموضوع.

الباب الثالث: بواعث رحلة الشهادة ومحطاتها الأولى ومعالجة الأسباب التي أدت إلى إنتفاضة الإمام الحسين وثورته وقادت لمذبحة كربلاء، وذاك عبر خمسة فصول.

الباب الرابع: استعدادات الخليفة وأركان دولته لمواجهة الإمام والنتائج

المؤلمة لهذه المواجهة، من خلال ستة فصول.

فجاء الكتاب جديداً بشكله ومضمونه ومنهجيته ومميزاً بتفرده بالشكل والمضمون والمنهج، فهو ليس مقتلا من المقاتل المألوفة ولا تاريخاً من التواريخ المخطوطة، ولا وصفاً أدبياً حزيناً لمأساة من اكثر المآسي البشرية إيلاماً للنفس، وإنّما كان محاكمة موضوعية وعادلة بلغة العصر لنظام حكم همجي جائر، جاء بالقوة والقهر. وحكم باسم الإسلام ثم انقلب على الإسلام، ورفعه عملياً من واقع الحياة.

{10} "الهاشميون في الشريعة والتاريخ":

صدر في طبعته الثانية 1999م.

"الهاشميون هم أولاد عمرو العلي بن عبد مناف، الملقب بهاشم، لأنّه كان يطعم الناس ويشبعهم، وهو أول من سن الرحلتين لقريش، ترحل احداهما في الشتاء إلى اليمن والحبشة، فيكرمه النجاشي ويحبوه، ورحلة في الصيف إلى بلاد الشام وغزة، فيدخل على قيصر فيكرمه ويحبوه. وفي السنين العجاف لم يكن لمكة غير هاشم وفي ذلك يقول الزبعري:

عمرو العلي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف(1)

ذكر المؤلف عن الكتاب في المقدمة:

"وضحت فيه مكانة الهاشميين في الجاهلية، وموقفهم قبل الهجرة، وبعد الهجرة، ثم سقت النصوص الشرعية المتعلقة بهم والواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وبعد ذلك قدمت عمداء أهل بيت النبوة اللذين اجمعت الأمة ومعها العالم كله على عمادتهم لاهل بيت النبوة وعلى فضلهم وتميزهم، وبمنتهى الايجاز أشرت للظروف السياسية التي عايشها


1) من الكتاب: 22.

العمداء وتوسعت عند تقديمي للإمام عليّ وسبطي رسول الله الحسن والحسين. وبعد ذلك سقت نماذج من معاناة أهل بيت النبوة والمرارة التي تجرعوها طوال التاريخ".

{11} "حقيقة الاعتقاد بالامام المهدي المنتظر":

صدر عام 2000 م عن دار الملاك الاردن.

"شاع الاعتقاد بحتمية ظهور المنقذ "المهدي" وانتشر في كافة أرجاء المعمورة، وأخذ اشكالاً مختلفة، ولكنها تتعلق بالمآل بذات الفكرة. وسلمت بفكرة ظهوره كافة التيارات الكبرى في كافة المجتمعات البشرية القديمة.

وأجمعت على حتمية هذا الظهور الطلائع المستنيرة من أتباع الديانات السماوية الثلاث وعلى الأخص الديانة الاسلامية، والطلائع المستنيرة من اتباع الملل الاخرى الشائع بين الناس أنها غير سماوية.

واحتل الاعتقاد بالمهدي مكانة بارزة في الإسلام كدين، على صعيدي القرآن والسنة المطهرة وقد قدم الإسلام هذه النظرية كجزأ لا يتجزأ من النظام السياسي الذي أنزله الله على عبده ومصطفى محمد(صلى الله عليه وآله). فالمهدي المنتظر عند شيعة أهل بيت النبوة هو الإمام الثاني عشر من الأئمة أو القادة الشرعيين"(1).

ويتضمن هذا الكتاب خمسة أبواب:

الباب الأول: نقض عرى الإسلام والتهيئة لظهور المهدي المنتظر، في أربعة فصول.

الباب الثاني: الاعتقاد بالمهدي المنتظر، وفيه سبعة فصول.

الباب الثالث: البنى الشرعية الأساسية لنظرية المهدي المنتظر في الإسلام.


1) من الكتاب: 69 و75.

وفيه تسعة فصول:

الباب الرابع: هوية الامام المهدي الذي بشر به الرسول وعلامات ظهوره. وفيه سبعة فصول.

الباب الخامس: أنصار المهدي وأعوانه ونمط حكومته، وفيه ثمانية فصول.

{12} "أين سنة الرسول، وماذا فعلوا بها":

يقول المؤلف في المقدمة:

لقد أجبت على هذين السؤالين في كتابي هذا الذي اتخذ من هذين السؤالين عنواناً له، وقدمت الجواب من خلال ثمانية أبواب. فتحت في كل باب نوافذ متعددة، تظافرت جميعاً. فصبّت فى خانة الاجابة.

الباب الأول: مكانة السنة في دين الإسلام.

الباب الثاني: من يؤدى عن النبي، من يبين القرآن، ومن يبلغ السنة بعد موت النبي؟

الباب الثالث: فقد كشف المخططات التي رمت إلى نسف الإسلام وتدمير سنّة الرسول بعد موته.

الباب الرابع: كشفت حالة سنة الرسول بعد موت النبي مباشرة، وكيف نقضت أول عروة من عرى الإسلام وهي نظام الحكم، ومن الذين نقضوها ولماذا؟

الباب الخامس: منع كتابة سنة الرسول قبل وبعد استيلائهم على الخلافة.

الباب السادس: معالجة كارثة استبدال سنة الرسول بسنة الخلفاء.

الباب السابع: تبيين ما أصاب سنة الرسول بعد مائة عام ونيف على منع كتابتها وروايتها.

الباب الثامن: أهل بيت النبوة في سنة الرسول، دور أهل بيت النبوة في حفظ سنة الرسول.

{13} "الاجتهاد بين الحقائق الشرعية والمهازل التاريخية".

{14} "المرجعية السياسية في الاسلام".

{15} "مختصر المواجهة".

المقالات:

{1} "مفهوم الإمامة والولاية في الشريعة والتاريخ":

نشرت في مجلة المنهاج العدد الثالث ـ خريف 1417 هـ / 1996 م.

يستعرض الكاتب في هذا المقال معنى الإمامة في القرآن الكريم والسنة بذكر الكثير من الآيات والروايات عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين في ذلك. كما استعرض معنى الإمامة بالمقابل عند علماء دولة الخلافة. ثم بيّن المصطلحات المرادفة لمصطلح الإمامة كالخلافة والولاية وامارة المؤمنين.

{2} "الحزب الوحيد في القرآن الكريم":

نشرت في مجلة المنهاج ـ العدد السادس ـ صيف 1418 هـ 1997م.

جاء في هذه المقالة: إن الافتراض الرئيسي، في هذه الدراسة، هو أن النصوص القرآنية، تبتنى "نظرية الحزب الواحد" وتتناول النموذج والإطار من خلال بيان "القيادة" من خلال توصيف "حزب الله" عقيدة وسلوكاً، نظرية وتطبيقاً، واستقطاباً قيادةً واتباعاً، وابراز "مواصفات" و "عناصر توصيف" هذا الحزب، وصفات اعضائه على أنهم "الصفوة" أو " النُّخبة".

ورد مصطلح "حزب الله" في القرآن الكريم ثلاث مرات في سورتي "المائدة" و"المجادلة" وقد ورد هذا المصطلح في سياق عام مرتبط مع "الولاية".

وسوف نستعرض في هذا المقام، الآيات القرآنية التي ورد ذكر مصطلح "حزب الله" في سياقها لاستخلاص "نظرية الحزب الواحد" في القرآن، أو نظرة القرآن إلى "حزب الواحد".

وقفة مع كتابه: "كربلاء الثورة والمأساة"

كانت ملحمة كربلاء ولا زالت مناراً ينير الدرب في تاريخنا الاسلامي، فلمعرفة كيفية مواجهة الإسلام المتمثل في الإمام المعصوم(عليه السلام) للظالمين المتسترين بظاهر خلافة المسلمين وفي الوقت نفسه لا يرتدعون عن ارتكاب أي جريمة انتهاك كل مقدس، يمكن استيحاء دروس هذه الملحمة واستيعابها لتبين للأجيال معنى انتصار الفئة القليلة التي لا تملك إلاّ انفسها الكريمة الأبية على الفئة الكثيرة المدججة بانواع السلاح والامكانات، ولتبين كذلك معنى انتصار دم الشهداء على سيوف المجرمين العتاة والجبناء في الوقت نفسه، ثم لتوضح كيفية إقامة الحجة من الإمام المعصوم(عليه السلام)الشاهد على عصره على الأمة المتخاذلة التي أحبت الدنيا وكرهت الموت في سبيل الله.

قائد الفئة المجرمة:

يوضح الكاتب أنّ المسؤول الحقيقي عن مجزرة كربلاء هو الخليفة الأموي يزيد الملعون على لسان رسول الله(صلى الله عليه وآله)(1)، ويرد بذلك على ما قيل في بعض كتب التاريخ بعدم علم يزيد بالمذبحة وسبّه لعبيد الله بن زياد محاولا تبرئة نفسه والصاق المسؤولية بتابعه الذليل، فيقول:

"القائد الفعلي لجيش الخلافة الجرار في كربلاء، هو يزيد بن معاوية بن صخر المكنَّى بأبي سفيان، فهو المهندس الفعلي لمجزرة كربلاء، وصانعها، وما كان عبيد الله بن زياد، ولا عمر بن سعد بن أبي وقاص، ولا بقية أركان القتل والإجرام


1) راجع كنز العمال: 6 / 39، وراجع مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 189.

في كربلاء إلا مجرد جلاوزة، أو عبيد، يأتمرون بأمر سيدهم يزيد بن معاوية وينفذون توجيهاته العسكرية بدقة كاملة، أو مجرد أدوات أو دمى يحركها حيثما يشاء، وكيفما يشاء، ومتى شاء!! وَلِمَ لا؟! فهو "أمير المؤمنين وخليفة رسول الله على المسلمين"!!!! بيده مفاتيح خزائن الدولة "الاسلامية" وتحت إمرته تعمل كافة جيوشها الجرارة، والأكثرية الساحقة من رعايا دولته تصفق له رغبة أو رهبة!! متأملة باستمرار وصول "الأرزاق" إليها من خليفتها، ووجلها من أن يغضب فيقطع عنها "الأرزاق" فتموت جوعاً!!!".

ثم يضيف موضحاً طبيعة يزيد بذكر بعض خصائصه وأفعاله، فيقول: "وأخرج الواقدي عن عبد الله بن حنظلة الغسيل، قال: "والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إنه رجل ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة"، تجد ذلك في "الصواعق المحرقة" لابن حجر ص137، وقال الذهبي: "ولما فعل يزيد ما فعل بأهل المدينة مع شربه الخمر، وإتيانه المنكرات اشتد عليه الناس". وجاء في مستدرك على الصحيحين للحاكم: "إن يزيد رجل يشرب الخمر، ويزني بالحرم!!!" راجع فضائل الخمسة ج/3 ص 390.

هذه طبيعة يزيد الذي قاد جيش الخلافة في كربلاء، وصنع مجزرتها الرهيبة، فذبح آل محمد وأهل بيته ومن والاهم وأخذ بنات النبي سبايا، بعد أن مَثَّل بضحاياه شرَّ تمثيل!!!

وقد ولي الحكم ثلاث سنوات، ففي السنة الأولى من حكمه قتل أولاد النبي وأحفاده وبني عمومته ومَن والاهم بمذبحة كربلاء، وفي السنة الثانية، استباح المدينة، وفضَّ جيشهُ ألفَ عذراء وقتل عشرة آلاف مسلم بيوم واحد وهو "يوم الحَرّة"، وختم أعناق الصحابة وأخذ البيعة على أنهم خول وعبيد "لأمير

المؤمنين" يتصرف بهم تصرُّف السيد بعبيده، أما في السنة الثالثة فقد هدم الكعبة وأحرقها. وهذه أمور قد أجمعت الأمة على صحة وقوعها وتوثيقها!!!

موقف الإمام الحسين(عليه السلام):

في المقابل يوضح الكاتب موقف الإمام الحسين(عليه السلام) من خلافة يزيد وأساس هذا الموقف، فيقول:

"منذ اللحظة التي تأكد فيها الإمام الحسين من هلاك معاوية ومن استخلافه رسمياً لابنه يزيد من بعده قرّر الإمام وصمم تصميماً نهائياً على عدم مبايعة يزيد ابن معاوية مهما كانت النتائج.

أساس الموقف: عهد رسول الله للإمام الحسين بالإمامة والقيادة الشرعية للأمة، كما عهد بها من قبل لأبيه علي ولأخيه الحسن، فهو موقن أنه:

1 ـ إمام زمانه بعهد من الله ورسوله، وباستخلاف معاوية لابنه وتجاهله للإمام الحسين يكون معاوية قد غصب حق الإمام الشرعي بقيادة الأمة، تماماً كما فعل هو والذين من قبله بأبيه وأخيه، وهذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن الأمة هي أمة محمد رسول الله، فمحمد هو الذي كوّن الأمة وأسّس دولتها والإمام الحسين كأبيه وأخيه أولى المسلمين بمحمد رسول الله، ومن جهة ثالثة فإن آل محمد وذوي قرباه هم الّذين احتضنوا النبي ودينه، وضحوا بأرواحهم لتكون الأمة وتكون الدولة، بالوقت الذي حاربه فيه الأمويون وناصبوه العداء. فهل من العدل أن يتقدم أعداء الله ورسوله على أولياء الله ورسوله، المؤهلين لقيادة الأمة قيادة شرعية!!!

2 ـ لما تمكن معاوية من هزيمة الأمة، والاستيلاء على أمرها بالقوة والقهر والتغلب، قطع على نفسه عهد الله أن يجعل الأمر من بعده شورى بين المسلمين

ليختاروا بمحض إرادتهم من يريدون، واستخلاف معاوية ليزيد بهذه الحالة هو نقض لعهد الله.

3 ـ الأمة كلها تعلم حال يزيد، فهو مستهتر، تارك للصلاة، شارب للخمر، وزان، ثم إنه يجاهر بفجوره ويجاهر حتى بكفره!!!(1)ومن غير الجائز شرعاً أن يتولى أمر المسلمين من كانت هذه حاله!! وفيهم ابن النبي المعهود إليه بالإمامة من الله ورسوله!!!. ولا ميزة ليزيد بن معاوية سوى أنه قد ورث ملكاً مغصوباً حصل عليه وأبوه بالقوة والقهر والتغلب!!!

4 ـ إن الأمة كلها تعرف الإمام الحسين، وتعرف قرابته القريبة من رسول الله، وأنه المعهود إليه بإمامة الأمة وقيادتها، وتعرف الأمة كلها علمه، ودينه، ومكانته الدينية المميزة، فعندما يضع الإمام الحسين يده المباركة بيد يزيد القذرة النجسة ويبايعه خليفة لرسول الله على المسلمين!!! فإن الإمام الحسين يصدر فتوى ضمنية بصلاحية يزيد للخلافة، وبشرعية غصبه لأمر المسلمين، ويتنازل ضمنياً عن حقه الشرعي بقيادة الأمة!!! وفي ذلك مس بالدين والعقيدة.

5 ـ إنَّ من واجب الإمام الحسين أن يرشد الأمة إلى الطريق الشرعي، فإن سلكته الأمة وأخذت به فقد اهتدت وإن تنكبت عنه فلا سلطان للحسين عليها ولا قدرة له، بل ولا ينبغي له إجبارها على الحق وجرها إليه جرّاً فعاجلاً أو آجلاً ستدفع الأمة ضريبة تنكبها عن الشرعية وتهاونها بأمر الله.

6 ـ وبهذه الحالة فإن أقصى ما يتمناه الإمام الحسين أن لا يجبر على البيعة، وأن يترك وشأنه حتى يستبين الصبح للأمة!!!".


1) راجع روح المعاني للآلوسي: 26 / 73، وتذكرة الخواص لابن الجوزي: 2 / 148، وفتوح ابن اعثم: 5 / 241. والصواعق المحرقة لابن حجر: 134.

أين كانت الأمة:

يتساءل الكاتب عن دور الأمة الإسلامية ودور عقلائها بالخصوص، فيقول:

"أين كانت الأمة الإسلامية عندما وقعت مذبحة كربلاء!!! أين كان المسلمون!! وأين كان عقلاء الأمة ووجهاؤها!! هل كانوا بالحج فشغلوا بمناسكه!! أم كانوا غزاة ـ يجاهدون في سبيل الله!!! أم كانوا نياماً وقد استغرقوا في نومهم فلم يسمعوا صرخات الاستغاثة، ولا قرقعة السيوف، ووقع سنابك جيش الخليفة!!!

الأدلة القاطعة تشير بأنهم لم يكونوا بالحج، ولا كانوا غُزّىً، ولا كانوا مستغرقين بالنوم، بل جرت أمامهم فصول المذبحة فصلاً فصلاً، وبالتصوير الفني البطيء، وأنهم تابعوا وشاهدوا وقائع المذبحة البشعة في كربلاء، بنظرات ساكنة، وأعصاب باردة، تماماً كما يشاهدون فلماً من أفلام الرعب على شاشة التلفاز، وكان دور الأكثرية الساحقة من الأمة الإسلامية، ودور وجهائها وعقلائها مقتصراً على المتابعة والمشاهدة باستثناء بعض التعليقات أو الإنفعالات الشخصية المحدودة التي أبداها بعضهم همساً وهو يتابع ويشاهد المذبحة!!

كان بإمكان عقلاء الأمة الإسلامية ووجهائها، وكان بإمكان أكثرية تلك الأمة على الأقل أن يحجزوا بين الفئتين المتنازعتين قبل وقوع المذبحة!! فالوجهاء والعقلاء الذين لا دين لهم يحجزون بمثل هذه الحالات!!".

موقف الأكثرية الساحقة:

يوضح الكاتب حالة الأمة الإسلامية وموقف الاكثرية فيها، فيقول:

"لم يقف يزيد بن معاوية وحده في وجه الإمام الحسين وأهل بيت النبوة، إنما وقفت مع يزيد بن معاوية واستنكرت موقف الإمام الحسين وأهل بيت النبوة

مجموعة من القوى الكبرى التي كانت تكوِّن رعايا دولة الخلافة أو ما عرف باسم "الأمة الإسلامية" وهذه القوى هي:

1 ـ بطون قريش الـ 23 وأحابيشها وموالوها وهي القوة نفسها التي كذبت النبي وقاومته وتآمرت على قتله، وحاربته 21 عاماً حتى أحاط بها النبي فاستسلمت واضطرَّت مكرهة لإعلان إسلامها وهي تخفي في صدورها غير الإسلام، ويزيد بن معاوية ليس غريباً على البطون، فجده أبو سفيان هو الذي قاد البطون ووحدَّها للوقوف ضد محمد، لمحاربة محمد. ومعاوية والد يزيد هو الذي قاد البطون، ووحَّدها لحرب علي، ثم إن يزيد موتور شأنه كل واحد من أبناء البطون، وتشترك بطون قريش الـ 23 بكراهية آل محمد والحقد عليهم ورفضها المطلق لقيادتهم وإمامتهم وخلافتهم.

2 ـ ووقف المنافقون من أهل المدينة وممن حولها من الأعراب، ومن خَبُثَ من ذرياتهم، ومنافقو مكة ومن حولها جميعاً مع يزيد بن معاوية، لا حباً بيزيد، ولا حباً ببطون قريش ولكن كراهية وحقداً على محمد وآل محمد وطمعاً بهدم أساسيات الدين بيد معتنقيه وقد اعتقدوا أن الفرص قد لاحت لإبادة آل محمد إبادة تامة لذلك ايدوا يزيد بن معاوية.

3 ـ ووقفت المرتزقة من الأعراب مع يزيد أيضاً، وقد وجدت ظاهرة الإرتزاق جنباً إلى جنب مع ظاهرة النفاق، ومات النبي وبقيت الظاهرتان، والمرتزقة قوم لا مبادىء لهم إلا مصالحهم، مهنتهم اقتناص الفرص، وتأييد المواقف، وترجيح الكفات والانقضاض على المغلوب، وهم على استعداد لمناصرة من يدفع لهم أكثر كائناً من كان، ولا فرق عندهم سواء أيدوا رسول الله أم أيدوا الشيطان، فهم يدورون مع النفع العاجل حيث دار، انظر إلى قول سنان بن أنس، قاتل الإمام الحسين لعمر بن سعد بن أبي وقاص عندما جاءه طالباً المكافأة

على قتل الحسين:

إملأ ركابي فضة أو ذهبا إنّي قتلت السيّد المحجبا

وخيرهم من يذكرون النسبا قتلت خير الناس أماً وأبا(1)

فاللعين يعرف الإمام الحسين، ويعرف مكانته العلية، ولكن ما يعني هذا التافه هو المال، إعطه المال وكلفه بقتل نبي يقتله مع علمه بأنه نبي، أو كلفه بقتل الشيطان يقتله إن رآه وبأعصاب باردة، لا فرق عنده بين الإثنين!!.

لقد أدركت المرتزقة بأن الإمام الحسين وأهل بيته سيغلبون وأن يزيد سينتصر وسيعطيهم بعض المال لذلك أيدوا يزيد بن معاوية.

4 ـ الأكثرية الساحقة من الأنصار، وقفت مع يزيد بن معاوية، فقد بايعته أو قبلت به، أو تظاهرت بقبوله، فليس وارداً على الإطلاق أن تقف مع الإمام الحسين، وليس وارداً أن تعصي أمر يزيد بن معاوية، فلو طلب منها يزيد أن تميل على الإمام الحسين وأهل بيت النبوة فتحرق عليهم بيوتهم وهم أحياء لأجابته أكثرية الأنصار إلى ذلك، فللأنصار تاريخ بالطاعة، فالسرية التي أرسلها الخليفة الأول وقادها الخليفة الثاني لحرق بيت فاطمة بنت محمد على من فيه ـ وفيه علي، والحسن، والحسين، وفاطمة بنت محمد وآل محمد ـ كانت من الأنصار(2)لذلك يمكنك القول وبكل ارتياح إنَّ أكثرية الأنصار كانت سيوفهم مع يزيد وتحت تصرفه، وكانوا عملياً من حزبه ومن حزب خلفاء البطون أو على الأقل ليسوا من حزب أهل بيت النبوة!!

5 ـ المسلمون الجدد الّذين دخلوا في الإسلام على يد جيش الخلفاء الفاتح كانوا بأكثريتهم الساحقة مع يزيد بن معاوية، لأنهم فهموا الإسلام على طريقة قادة


1) مقتل الامام الحسين، السيد المقرم، دار الاضواء، بيروت، 1979، ص 304.

2) راجع تاريخ الطبري: 2 / 443 ـ 444 وشرح نهج البلاغة: 1 / 130 ـ 134 لتجد أسماء الأنصار الذين اشتركوا بعملية التحريق!!!

البطون وأبنائها، وتلقوا تعليمهم في مدارس البطون وأكثريتهم لا يعرفون أهل بيت محمد، ولا ذوي قرباه ويجهلون تاريخهم الحافل بالأمجاد، لأن الخلفاء وأبناء بطون قريش الـ 23 تعمّدوا تجهيل الناس بذلك، بل وأبعد من ذلك فإن أكثريتهم يعتقدون أن علي بن أبي طالب قاتل ومجرم "حاشاه" وأنه وأهل بيت النبوة ينازعون الأمر أهله، وأنهم أعداء للدين، وإلا فلماذا فرض "الخليفة معاوية" سَبَّه ولعنه على رعايا الدولة!!! ولماذا أصدر الخليفة معاوية أمراً بقتل كل من يوالي علياً وأهل بيته!!(1)لذلك وقفت الأكثرية الساحقة من المسلمين الجدد من يزيد بن معاوية.

6 ـ ووقف مع يزيد بن معاوية أبناء وبطون وشيع الخمسة الّذين عرفوا "بأهل الشورى" ويكفي أن تعلم بأن مذبحة كربلاء قد نُفذت على يد عمر بن سعد بن أبي وقاص، وكان أبوه أحد الخمسة الذين اختارهم عمر بن الخطاب لمنافسة علي بن أبي طالب صاحب الحق الشرعي بالإمامة من بعد النبي!!.

7 ـ كذلك وقف مع يزيد بن معاوية أبناء الخلفاء الّذين استولوا على مقاليد الأمور من بعد النبي، ووقفت معهم أيضاً بطون الخلفاء وشيعهم، ويكفي أن تعلم بأن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان من أكثر المتحمسين لبيعة يزيد بن معاوية، ومن أكثر المشجعين على هذه البيعة!! وهو نفسه الذي امتنع عن مبايعة علي بن أبي طالب!!

الأقليَّة التي أيّدت ثورة الإمام الحسين:

الأقلية المؤمنة التي أيدت ثورة الإمام الحسين تنقسم إلى فئتين أيضاً:

الفئة الأولى: وهي الفئة التي خرجت مع الإمام الحسين، فرافقته دربه وشاطرته قناعاته وتحليلاته، وأيدت موقفه، ونالت شرف الدفاع عنه، وقاتلت


1) راجع شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: 3 / 595 تحقيق حسن تميم.

بكل قواها حتى قتلت بين يديه، وهم بتعبير أدق شهداء مذبحة كربلاء ومن نجا منهم بعذر شرعي.

الفئة الثانية: وهم فئة مؤمنة، أحبوا الإمام الحسين بالفعل وتفهموا شرعية وعدالة موقفه، ولكنهم قدروا أن الحسين ومن معه لا طاقة لهم بمواجهة الخليفة وأركان دولته والأكثرية التي تؤيده، وقد اكتفت هذه الفئة بالتعاطف القلبي مع الإمام الحسين، وتصعيد خالص الدعاء لله لحفظه وسلامته، وتابعت أنباءه بشغف بالغ، ولكنها فضلت حياتها على الوقوف معه ومناصرته، ولما استشهد الإمام الحسين بكت هذه الفئة عليه بصدق وحرقة، وندمت على موقفها وتمنت لو ماتت دونه، بعد أن تيقنت أن الإمام الشرعي قد قتل، وأن قمر العز والأمل قد اختفى نهائياً من سماء العالم الإسلامي!!!

معقولية قرار الامام الحسين(عليه السلام) بالتوجه إلى الكوفة:

اقترح بعض المشفقين على الإمام الحسين(عليه السلام) أن لا يذهب إلى العراق وان يبقى في مكة أو يعود إلى المدينة أو يذهب إلى اليمن، وقد اصغى الإمام لأصحاب المقترحات وشكرهم دون الافصاح عن رأيه، وهنا يحاول الكاتب أن يبين دواعي اختيار الإمام للكوفة، فيقول:

"لقد سمعت جماعات الأمة الإسلامية كلها بامتناع الإمام الحسين عن البيعة وبخروجه من المدينة، وباستقراره مؤقتاً في مكة، وعرفت كذلك أن الإمام الحسين يبحث عن مأوى ومكان آمن، وجماعة تحميه وتحمي أهل بيت النبوة من الامويين واذنابهم، فأغمضت كل تلك الجماعات عيونها، وأغلقت آذآنها وتجاهلت بالكامل محنة الإمام الحسين وأهل بيت النبوة، وأهل الكوفة هم وحدهم الَّذين كتبوا للإمام الحسين، وأرسلوا له رسلاً ودعوه لا ليحموه فحسب بل دعوه ليكون إماماً وقائداً لهم، وليس في ذلك غرابة، فالكوفة كانت عاصمة دولة

الخلافة في زمن الإمام علي، والأكثرية الساحقة من أهل الكوفة عرفوا فضل علي خاصة وأهل بيت النبوة، وقارنوا بين حكم الإمام علي وسيرته وبين حكم الجبابرة وسيرهم، وادركوا البون الشاسع بين هذين الخطين من الحكم، فليس عجيباً بعد أن هلك معاوية أن يدركوا أن الفرصة مؤاتية لإعادة الحق إلى أهله خاصة بعد أن سمعوا بامتناع الإمام الحسين عن البيعة وخروجه من المدينة وبحثه عن المأوى الآمن له ولأهل بيته. فالمعقول أن يصدَّقهم الناس، والمعقول أيضاً أن يصدِّقهم الإمام الحسين، ثم إنه ليس أمام الحسين أي خيار آخر فإلى أين عساه أن يلجأ، وممن سيطلب الحماية والمنعة، والأهم أن ثمانية عشر ألفاً من أهل الكوفة قد بايعوه فإن كانوا صادقين بالفعل، فإن قائداً مثل الإمام الحسين له القدرة على أن يفتح بهم العالم كلّه!!

وفكرة المؤامرة بارسال الرسل والكتب، وفكرة الإختراق الأمويّ لعملية إرسال الرسل والكتب، لم تكن ببال عاقل!!.

إذاً فإن اختيار الإمام الحسين للكوفة كان اختياراً معقولاً في مثل ظروف الحسين، وخياراته المحدودة.

الإمام يقيم الحجة قبل بدء القتال:

لم يبدأ الإمام(عليه السلام) جيش الخلافة بالقتال قبل اقامة الحجة عليهم كاملة، وقد سنحت عدة فرص لأصحاب الإمام للنيل من أعداء الله لكن الإمام منعهم من ذلك. وقد صور الكاتب كيفية اقامة الحجة واهميتها، فقال:

"أحاط "الجيش الإسلامي!" بمعسكر الإمام الحسين إحاطة تامة، وأشرفوا عليه إشرافاً كاملا، فما من حركة يتحركها الإمام أو أحد في معسكره إلاّ ويشاهدها جيش الخلافة كله بوضوح تام، وما من كلمة يتلفظ بها الامام أو أحد من معسكره إلاّ ويسمعها جيش الخلافة!! إنها حالة من الاحاطة التامة!!

إنه وإن كان ذلك الوضع من الناحية العسكرية كارثة محققة على الامام الحسين وأهل بيت النبوة ومن والاهم وأقام في معسكرهم. إلاّ أنّه من ناحية ثانية هو الوضع الأمثل لاقامة الحجة على القوم قبل القتال، فاذا تكلم الامام الحسين بذلك الوضع، فان بامكان جيش الخلافة كلّه ان يسمع كلامه، فالجيش يحيط به من كل جانب، ولا يبعدون عنه إلاّ بضع عشرات من الامتار. فكأن الله سبحانه وتعالى قد جمعهم على هذه الصورة ليمكن الامام الحسين من اقامة الحجة عليهم تمهيداً لا نزال العذاب بهم".

تجاوز حدّ التصور والتصديق:

اعتاد الكثير من الذين يمسكون بالقلم أن يبرروا للسلطات جرائمها، وان ينتقدوا إضافة إلى ذلك الثوار والأحرار الذين يقاومون الظلم ويجعلوهم السبب في المآسي التي يرتكبها الطغاة، والكاتب هنا يفعل العكس فينتقد السلطات ويبين جرائمها وعدم امكانية تبريرها، ويمتدح ابي الأحرار الإمام الحسين(عليه السلام) ويبين خصائصه ومزاياه، وهذا هو الخط الصحيح لكل الكتاب الذين يريدون أن يلتزموا الحياد والانصاف في عرض الحقائق.

يقول الكاتب: "عندما تستعرض بذهنك صور كثرة جيش الخلافة، وصور عدته واستعداداته وإمكانيات وطاقات الدولة التي تدعمه، ومكانتها في العالم السياسي المعاصر لها كدولة عظمى، وتستعرض صورة الجمع الآخر الذي كان يضم الإمام الحسين وآل محمد وذوي قرباه، والقلة القليلة التي أيدتهم ووقفت معهم، فإنك لا تستطيع أن تصدّق أن مواجهة عسكرية يمكن أن تحدث بين هذين الجمعين!! وان احتمال حدوث مواجهة عسكرية أمر يفوق حد التصوّر والتصديق، فجيش الخلافة بغنى عن هذه المواجهة، لأنه ليست له على الإطلاق ضرورة عسكرية وليست هنالك ضرورة لتعذيب الإمام الحسين وأهل بيت النبي

وذوي قرباه وصحبه وأطفالهم ونسائهم وهم أحياء، والحيلولة بينهم وبين ماء الفرات الجاري، ومنعهم من الماء، حتى يموتوا عطشاً في صيف الصحراء الملتهب!!! ثم ان جيش الخلافة لو حاصرهم يومين آخرين فقط لماتوا من العطش من دون قتال، ولَمَا كانت هنالك ضرورة لتلك المواجهة العسكرية المخجلة!!! إن أي إنسان يعرف طبيعة الإمام الحسين، وطبيعة آل محمد، وذوي قرباه يخرج بيقين كامل بأنهم أكبر وأعظم من أن يعطوا الدنية مخافة الموت، لأن الموت بمفاهيمهم العلوية الخالدة أمنية، وخروج من الشقاء إلى السعادة المطلقة!! ثم لو أن جدَّ الإمام الحسين كان رجل دين لأي ملّة من الملل لوجد الجيش ـ أي جيش ـ حتى جيوش المشركين حرجاً كبيراً لمجرد التفكير في قتله!!! ولكان وضعه الديني حاجزاً لذلك الجيش عن سفك دمه!! فكيف بابن بنت رسول الله محمد، وبإمام كالإمام الحسين!!! ثم إن قتل الرجل وأولاده وأهل بيته دفعة واحدة يُثير بالإنسان أي إنسان!! حتى إنسان العصور الحجرية شعوراً بالإشمئزاز والاستياء، لأنه عمل يعارض الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، فكيف برجل كالإمام وبأهل بيت كأهل بيت النبوة!!! ويظهر لنا أن تصرفات الخليفة وأعماله، وأعمال أركان دولته، ما هي في الحقيقة إلا انعكاس لقلوب مملوءة بالحقد على النبي، وعلى آل محمد، ومسكونة بشبح الوتر والثأر كما بينّا، وسيظهر بهذا التحليل أن الَّذين وقفوا على أهبة الاستعداد لقتال الإمام الحسين وقتله، وإبادة أهل بيت النبوة لم يكونوا بشراً، إنما كانوا وحوشاً مفترسة ضارية ولكن على هيئة البشر!!! لم يعرف التاريخ البشري جيشاً بهذا الخلق والإنحطاط، ولا حاكماً بتلك الجلافة، والفساد، والحقد، إنها نفوس مريضة نتنة، وتغطي على مرضها ونتنها بالإدعاء الزائف بالإسلام، والإسلام بريء منهم، فلقد دخلوه مُكرَهين، وخرجوا منه طائعين، ألا بُعداً لهم كما بَعُدَت ثمود".

{3} احمد راسم النفيس(سني / مصر)

اشارة

الصورة

A02

ولد عام 1372هـ في مدينة "المنصورة" بجمهورية مصر العربية، كان أبوه من رجال التعليم، وأما جده فكان عالماً من علماء الأزهر الشريف يقوم بالخطابة في مسجد القرية، وكان له "منتدى" يجتمع فيه المثقفون من أبناء هذه القرية، يتعلمون على يديه العلوم الدينية والفقهية والأدبية.

الأجواء التي نشأ فيها:

يقول الدكتور أحمد: تفتحت عيناي على أسماء الكتب والمؤلفات الحديثة...، وكم دارت مساجلات في بيتنا حول الشعر والأدب بين أبي (رحمة الله عليه) وبين اصدقائه من الشعراء والأدباء الذين حفلت بهم أنئذ مدينة المنصورة...، فتعلمت من أبي وجدي (رحمة الله عليهما) حبّ القراءة والاطلاع، وقرأت كل ما وقع تحت يدي من كتب اثناء طفولتي إلا كتاب واحد عجزت عن مواصلة القراءة فيه، ووهو "أبناء الرسول في كربلاء" للكاتب المصري خالد محمد خالد، حيث كنت أجهش بالبكاء في اللحظة التي أمسك فيها الكتاب وأعجز عن مواصلة قراءته....

الأجواء الجامعية التي عاشها:

توجّه الدكتور أحمد بعد ذلك إلى الدراسة الاكاديمية حتى حصل عام 1970هـ على الثانوية العامة بمجموع أهله للدخول في كلية الطب بمدينة المنصورة، وفي الكلية بادر الدكتور أحمد إلى الالتحاق باتحاد الطلبة، لأنّه وجده افضل مكان يتيح له العمل في المجال الثقافي، ومن هذا المنطلق تفتحت ذهنيته على الصراعات الفكرية والسياسية التي امتلأت بها الساحة المصرية في اوائل السبعينات.

فيصف الدكتور أحمد اوضاع تلك الحقبة الزمنية قائلا: كان التيار الشيوعي لا يزال نشطاً من خلال الموقع التى احتلها في الحقبة الناصرية. والواقع أن الحجم الإعلامي لهذا التيار تجاوز بكثير حجمه الحقيقي، وكان التيار الديني يتحرّك بصورة خجولة محاولا اكتساب بعض المواقع، وكان من الطبيعي أن يحدث الصدام بين التيارين المتناقضين، وخاصة أنّ التيار اليساري كان يتحرَّك بصورة مستفِزّة للجميع.

ويضيف الدكتور أحمد: في عام 1975م وبعد سلسلة من الاستفزازات اليسارية، خضنا الانتخابات الطلابية تحت راية التيّار الإسلامي في مواجهة التيار اليساري، وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة لليسار وانتصار باهر للتيار الإسلامي، وتسلمت رئاسة الطلاب بكلية طب المنصورة لعامين متتالين.

أوّل التفاتته الجادّة للتشيع:

انتصرت الثورة الاسلامية في ايران 1979م، فكان لهذا الحدث اكبر تأثير في اعجاب الدكتور أحمد بهذا الشعب المسلم الذى تلقى الرصاص بصدره واستعذب الشهادة والتف حول قائدة بحماس حتى حقق لنفسه

النجاح والانتصار.

يقول الدكتور أحمد: "ضايقني أن يكون ذلك الشعب "منحرف العقيدة" كما وصفه بعضهم من غير المنصفين،... وعندما حاولنا طباعة كتيّب لمناصرة الثورة الاسلامية في ايران، رفض ذلك بعض رفاقنا في العمل الثقافي، ولم يكن بوسعي يومها إلا السكوت، فليست هناك مصادر للمعرفة حول هذا الأمر".

التشنيع العام ضد التشيّع:

بقي الدكتور أحمد متأنياً في اتخاذه الموقف ازاء الثورة الاسلامية في ايران، وبقي على هذه الحالة حتى وقعت الحرب العراقية الايرانية.

فيقول الدكتور أحمد في هذا المجال: "في الآونة (1982 ـ 1985) كانت هذه الحرب على أشدها، وفجأة تحوّل جزء من النفط عن مساره المعهود في تمويل آلة الحرب العراقية،... وفي هذه الآونة أمطرت الساحة المصرية بوابل من الكتب الصفراء التي تتهجّم على المسلمين الشيعة، وانطلق التيار السلفي ليقوم بالدور المرسوم له في مهاجمة المسلمين الشيعة وبيان بطلان عقائدهم. ومن الواضح تماماً أنّ هؤلاء كانوا ينفذون خطاً مرسوماً ومدعوماً، بل ويحاولون الايحاء بأنّ وراء التشيع في الجمهورية الاسلامية خطاً عنصرياً فارسياً في مواجهة الاسلام العربي! وهذه مقولة تكشف بوضوح الرؤية البعثية العراقية التي امتطت ظهر السلفية".

دواعي اختياره لمذهب أهل البيت(عليهم السلام):

يقول الدكتور أحمد حول أسباب تركه لانتمائه السابق وتمسكه بمذهب التشيع: كنت في سفرة عائلية في أحد أيام صيف عام 1984 م، فعثرت في احدى المكتبات على كتاب عنوانه: "لماذا اخترت مذهب أهل البيت؟"، فاستأذنتُ في

أخذه، ولم يكن أحد يعبأ به أو يعرف محتواه فأخذت الكتاب، وقرأته، فتعجبت، ثم تعجبت كيف يمكن لعالم أزهري هو الشيخ محمد مرعي الأمين الأنطاكي مؤلف الكتاب أن يتحول إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فأرقتني هذه الفكرة آونة، وقلت في نفسي: هذا الرجل له وجهة نظر ينبغي احترامها، فلم أقرر شيئاً أنئذ واحتفظت بالكتاب.

وبعد عام وفى التوقيت نفسه، وفي المكان نفسه، عثرت على الكتاب الثاني: "خلفاء الرسول الاثنا عشر" فقرأته وفهمته ولم أقرر شيئاً، ولكنني شعرت بأنني اقترب بصورة تدريجية إلى فكر أهل البيت(عليهم السلام).

ويضيف الدكتور أحمد: مضت أيام، وكان هناك معرض للكتاب في كلية الطب بالمنصورة، فمررت به فوجدت كتاباً بعنوان "الإمام جعفر الصادق" تأليف المستشار عبد الحليم الجندي، طبعة مجمع البحوث الاسلامية 1997م.

فقلت في نفسي: هذا كتاب عن الإمام جعفر الصادق من تأليف كاتب مصري سُنّي، وصادر من قبل مؤسسة رسمية قبل قيام الثورة الاسلامية في ايران، فأخذته وقرأته وتزلزل كياني لما فيه من معلومات عن أهل البيت(عليهم السلام) طمستها الأنظمة الجائرة وكتمها علماء السوء، فان القوم لا يطيقون أن يذكر آل محمد بخير.

فعدتُ إلى الكتابين السابقين، وأخرجت ما فيهما من المعلومات، ووجدتها جميعها من مصادر سُنية، فقلت في نفسي: لعلّ المسلمين الشيعة كذَّبوا فاوردوا على الناس ما لم يقولوه! فلنعد إلى هذه المصادر بنفسها، فقمتُ بعملية جرد دقيق لجميع هذه الكتب، سواء منها ما كان في مكتبتي الخاصة، أم كان كان في مكتبة جمعية الشبان المسلمين، وتحققت فعلاً من صحة هذه المعلومات.

مرحلة الانتماء إلى مذهب التشيع:

يقول الدكتور أحمد: لم تمض إلا أسابيع بعد البحث الجاد والمقارنة بين المذهب السني والمذهب الشيعي إلا وكانت المسألة محسوسة تماماً من الناحية العقائدية، ثم التقيت بواحد من الأصدقاء القدامى الذي وجدته على هذا الأمر، وبدأنا في دراسة بعض الاحكام الفقهية اللازمة لتصحيح العبادات.

وكنت مشغولاً في هذا الوقت في إنهاء رسالة الدكتوراه، حتى أنني اقفلت عيادتي للتفرغ للعمل بهذه الرسالة، وقبلت في نيسان عام 1986 وبدأت اتأهب لدخول امتحانات الدكتوراه في تخصص "الباطنية العامة". فاقبلت على القراءة العلمية وكانت راحتي ومتعتي الوحيدة إذا اصابني الملل من القراءة في الطب، هي اللجوء إلى كتب أهل البيت(عليهم السلام).

ردود الفعل الاجتماعية:

لم تمض فترة قصيرة من شيوع خبر استبصار الدكتور أحمد إلاّ وبادر أصحاب العقليات المنغلقة بالصاق تهمة الانحراف الفكري والخلل والعقلي بشخصية الدكتور، ثم تصدى البعض لتسقيط شخصيته والاطاحة بسمعته، بحيث أدى هذا الأمر إلى مقاطعة من قبل جمع غفير من الناس.

فيقول الدكتور أحمد: كنت أتساءل بيني وبين نفسى عن سر هذا العداء والشراسة في مواجهة كل من ينتمى إلى خط آل بيت النبوة، وما هي الجريمة التي ارتكبها أولئك المنتمون؟

ويضيف أيضاً: ثم اخذ التآمر شكلاً آخر، وخطّط البعض لإخراجي من عملي بالجامعة، فبذلوا اقصى جهدهم لذلك وحاولوا استخدام كل ما لديهم من وسائل، ومن هنا تم تأخير حصولي على الدكتوراه من عام 1987م حتى 1992 م

ست سنوات كاملة من الضغوط الوظيفية والمعاشية كي يجبروني على تغيير عقيدتي لكنهم لم يستطعيوا أن يزعزعوا أنملة من التزامي بمذهب أهل البيت(عليهم السلام).

مؤلفاته:

{1} "الطريق إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)":

صدر عن مركز الغدير / بيروت سنة 1418 هـ ـ 1997 م.

جاء في مقدمة الناشر: "يروى لنا في مؤلفه هذا قصه سعيه إلى هذه المعرفة وتوصله إليها في رحلة طويلة بدأت منذ نشأته في اسرة علمية واتصلت في المدرسة والمحيط والجامعة وفي دروب الحياة الملأى بالاحداث...

وتبين للمسافر في سبيل المعرفة في نهاية الرحلة، ان سفينة النجاة للامة الاسلامية تتمثل في أهل بيت النبوة، فطوبى لمن اهتدى الى هذه السفينة وانضوى تحت شراعها".

يمكن تقسيم الكتاب إلى قسمين: القسم الأول يتعرض فيه إلى تعرفه على التشيع ومراحل ذلك، والقسم الثاني يتعرض لبحث الإمامة ويدعم إمامة أهل البيت من القرآن والسنة، كما يتعرض لصلح الإمام الحسن(عليه السلام) وقيام الإمام الحسين(عليه السلام).

{2} "على خطى الحسين":

صدر عن مركز الغدير سنة 1418 هـ ـ 1997م.

جاء في تقديم الناشر: "يمهد المؤلف بالحديث عن رؤيا للنبي(صلى الله عليه وآله) تكشف ان ملوك السوء سيرتقون منبره من بعده، فيحذر منهم ويدعو إلى نصرة سبطه الامام الحسين(عليه السلام)، ويعين جماعة المنافقين ثم يبحث بشي من التفصيل في تحقق

هذه الرؤيا، فيتحدث في فصل أول، عن ابناء الشجرة الملعونة وهم روّاد الفتنة في الاسلام، وتبين أسس بوصفهم الخارجين على قيادة الامة الشرعية، ويقارن هذا الخطاب الشرعية، ويحدد مفهوم الفتنة وملابسات خديعة التحكيم واسباب وقوع فئة من المسلمين فيها، وفي فصل ثان عن قيام "ارباب السوء" ويتبين أسس شريعته، ويتبع المحاولات التي قاومت هذا النهج المزيف، وعملت على احياء قيم الاسلام. وفي فصل ثالث عن الثورة الحسينية بوصفها نهوضاً بمهمة حفظ الدين فتبين نهجها، ويتتبع مراحلها:

التمهيد، والتصميم والتخطيط، اكتمال عناصر التحرك، الهجرة الثانية: من مكة إلى الكوفة، في الطريق إلى كربلاء، ويناقش هذا السياق آراء بن كثير الذي حاول اخفاء الحقيقة وناقض نفسه، وفي فصل رابع "كربلاء: النهوض بالأمة المنكوية" ويكشف ان الموقف الحسيني معيار وقدوة، ويتجلى هذا الموقف في مواجهة إمام الحق لإمام الباطل، حيث تتبين الحقيقة وتقام الحجة، وتستنهض الأمة".

المقالات:

{1} "فقه التغيير بين سيِّد قطب والسيد محمد باقر الصدر":

نشرته مجلة المنهاج التي تصدر في بيروت ـ العدد السابع عشر 1421هـ ـ ربيع 2000م.

مما جاء في هذه المقالة: "التاريخ لقضية التغيير في مدرسة أهل البيت يبدأ في موعد مبكر عن التاريخ للمسألة نفسها في فكر سيد قطب، ولأسباب تختلف تماماً عن الأسباب المودعة في ملف تلك القضية عند مدرسة "الاخوان المسلمين" التي نبت فيها سيد قطب.

مدرستان:

إذن فنحن أمام مدرستين: مدرسة ترى أنّ العلة التي ضربت الأمة الإسلامية، بعد كمالها وتمامها، إنما تنبع من تبنيها لمفاهيم خاطئة لشهادة أن لا إله إلاّ الله وتنحية الشريعة الاسلامية جانباً، ومن ثمّ انقطع وجود الأمة الإسلامية، وأصبحنا نعيش في جاهلية معاصرة، ولا خروج من هذا الظلام إلاّ بظهور طليعة تعيد اعتناق الاسلام وتجعل إعلان الشهادتين معلّقاً بتأكيد مفهوم الحاكمية واعتباره ركناً اساسياً من اركان الشهادتين. وان هذه الطليعة عليها ان تواجه البشرية كما واجهتها الطليعة الاولى من المسلمين التي التفت حول رسول الله(صلى الله عليه وآله)واستعلاء على الجاهلية المعاصرة ومواجهة لها بالقوة والجهاد والهجومي لا زالة جميع العوائق.

وبالنسبة للأمور الفقهية ومسائل الاجتهاد، فهي مسائل سهلة وميسرة، ويمكن الاستعانة بأي كتاب فقهي في مكتبة المجاهدين لتحقيق الغرض، وبخاصة أنّه لا اجتهاد مع النص، إنها وصفة سهلة ومبسطة!

أما في مدرسة الشهيد الصدر، فالأمة الإسلامية تمضي في مسيرة تكاملية تتحرك نحو غاية مطلقة هي الله عزّوجلّ، وهي في مسيرها الطويل المستمر نحو المثل الاعلى، ستواجهها المثل المنخفضة من حكام ذلك الزمان وحكام هذا الزمان، ومن "وعاظ السلاطين" فضلا عن مواجهتها لـ "مثل عليا" اخرى من صنع البشر من الأخسرين أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا.

فالمسألة إذن ليست مجرَّد قرار باعلان الثورة، أو اعادة اعتناق "لا إله إلا الله" من جديد، أو مواجهة المجتمع المسلم بتكفيره، بل هي مسألة مسير متواصل نحو الله لا تحدَّه حدود ولا تقيده قيود نحو المطلق في إطار أصول الدين الخمسة:

التوحيد والنبوة والامامة والعدل والمعاد. تلك الاصول التي لم يتطرق سيّد قطب إلى الحديث عنها، باعتبار ان العامل الأساس في فكره هو مسألة تطبيق الشريعة الاسلامية، ومع ذلك لاحظنا مدى البساطة التي تعامل من خلالها مع تلك القضية الجوهرية...

لم يكن سيد قطب صاحب مشروع ثوري بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، إنها ثورية ناقصة تخاصم الهة المرحلة الراهنة. وتثني على الهة المراحل السابقة خير الثناء، وتكيل لهم جميع اصناف المديح.

وعلى كل حال، فقد ظهرت ثمار ذلك الزرع واخفقت تلك الحركات في الوصول إلى أي نتيجة نافعة لها، أو للمجتمعات التي تحركت فيها. ونحن نقول هذا من موقف الاعتبار والتأمل الحقيقي، لان المراجعة الجذرية تثبت ان الخلل الرئيسي كان بسبب موقف هؤلاء السلبي من قضية الامامة بوصفها حجر الزاوية، والركن الاساس في بناء الامة ومحاولة اعادة وجودها الفاعل إلى ساحة التاريخ".

وقفة مع كتابه: "على خطى الحسين"

هذا الكتاب يمثل إحدى محاولات استلهام ملحمة كربلاء التي اسست نهجاً في مقاومة الطغيان، وشقت درباً يسير على هدية الساعون إلى الحق، ومثلت الخطى التي سارها الإمام الحسين(عليه السلام) هجرة ثانية تعيد سيرة هجرة جدّه المصطفى(صلى الله عليه وآله) من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.

ونبدأ مع الكتاب في عرضه للصراع الاسلامي ـ الأموي في معركة صفين:

شهدت "صفّين"، وهي مكان يقع بالقرب من شاطىء الفرات بين الشام والعراق. "واقعة صفّين"، التي دارت بين جيش الإمام علي الذي يمثل القيادة الشرعية للأمة الإسلامية وبين جيش القاسطين الظالمين، بقيادة معاوية بن آكلة الأكباد ووزيره الأول عمرو بن العاص.

توشك النبوءة أن تتحقَّق، يوشك من حذَّر رسول الله(صلى الله عليه وآله)، منهم أن يتسنموا منبره. الصراع محتدم بين قيم الإسلام لمحمدي الأصيل، كما يمثله إمام الحق علي بن أبي طالب(عليه السلام) والفئة الباغية بقيادة ابن آكلة الأكباد ووزيره الأول ابن النابغة. وسنعرض نماذج متقابلة لخطاب كل فريق من الفريقين ولسلوكه، ثم نرى النهاية الفاجعة لهذا الصراع، أو نهاية البداية لفجر الإسلام المضيء، على يد هذه العصابة، وهو عين ما حاولوه يوم عقبة تبوك، فلم يحالفهم التوفيق.

خطاب رواد الفتنة، الخارجين على القيادة الشرعيّة:

رفع معاوية بن أبي سفيان شعار الثأر لعثمان بن عفان، فهل كان ابن آكلة الأكباد ووزيره الأول صادقّيْن في دعواهما؟ فلنقرأ سوياً في صفحات التاريخ.

روى ابن جرير الطبري، في تاريخه: "لما قتل عثمان قدم النعمان بن بشير على أهل الشام بقميص عثمان ووضع معاوية القميص على المنبر، وكتب بالخبر إلى الأجناد، وثاب إليه الناس، وبكوا سنة وهو على المنبر والأصابع معلقة فيه (أصابع نائلة زوجة عثمان) وآلى الرجال من أهل الشام ألاّ يأتوا النساء ولا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان، ومن عرض دونهم بشيء أو تفنى أرواحهم، فمكثوا حول القميص سنة، والقميص يوضع كل يوم على المنبر ويجلله أحياناً فيلبسه، وعلق في أرادنه أصابع نائلة".

"ثم مضى معاوية ينشر في الناس أن عليّاً(عليه السلام) قتل عثمان"(1). كان هذا هو الشعار المعلن، فهل كان هذا الشعار يمثل الحقيقة؟، فلنقرأ أولاً في تاريخ عمرو بن العاص.

الشعار المعلن وحقيقته، الاستحواذ على السلطان:

وروى الطبري، أيضاً: "لما بلغ عمراً قتل عثمان...، قال: أنا أ بو عبد الله قتلته [يعني عثمان] وأنا بوادي السباع، من يلي هذا الأمر من بعده؟ إن يَلِه طلحة فهو فتى العرب سيْبا، وإن يَلِه ابن أبي طالب فلا أراه إلاّ سيستنطق الحق وهو أكره من يليه إليّ. قال: فبلغه أن عليّاً قد بويع له، فاشتد عليه وتربّص أياماً ينظر ما يصنع الناس، فبلغه مسير طلحة والزبير وعائشة، وقال أستأني وأنظر ما يصنعون، فأتاه الخبر أن طلحة والزبير قد قتلا، فارتج عليه أمره فقال له قائل: إن معاوية بالشام لا يريد أن يبايع لعلي، فلو قاربت معاوية، فكان معاوية أحب إليه من علي بن أبي طالب. وقيل له: إن معاوية يعظم شأن قتل عثمان بن عفان ويحرض على الطلب بدمه، فقال عمرو: ادعوا لي محمداً وعبد الله فدُعيا له، فقال: قد كان ما قد بلغكما من قتل عثمان... وبيعة الناس لعلي وما يرصد معاوية من مخالفة علي،


1) تاريخ الأمم والملوك للطبري: 3 / 561، مؤسسة الأعلمي، بيروت، لا. ت.

وقال: ما تريان؟ أما علي فلا خير عنده وهو رجل يدل بسابقته، وهو غير مشركي في شيء من أمره، فقال عبد الله بن عمرو:

... أرى أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعه، وقال محمد بن عمرو، أنت ناب من أنياب العرب، فلا أرى أن يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صوت ولا ذكر، قال عمرو: أما أنت، يا عبد الله، فأمرتني بالذي هو خير لي في آخرتي واسلم في ديني، وأما أنت، يا محمد، فأمرتني بالذي هو أنبه لي في دنياي وشرّ لي في آخرتي. ثم خرج عمرو بن العاص، ومعه ابناه، حتى قدم على معاوية، فوجد أهل الشام يحضّون معاوية على الطلب بدم عثمان.

فقال عمرو بن العاص: أنتم على الحق، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم، ومعاوية لا يلتفت إلى قول عمرو. فقال ابنا عمرو لعمرو: ألاترى إلى معاوية لا يلتفت إلى قولك، انصرف إلى غيره، فدخل عمرو على معاوية فقال: والله لعجب لك إني أرفدك بما أرفدك وأنت معرض عني، أما والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة، إن في النفس من ذلك ما فيها حيث تقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته، ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا، فصالحه معاوية وعطف عليه"(1).

هذا هو حال الوزير الأول، فهو نفسه ممن ألبّوا على عثمان وهو القائل: "أنا أبو عبد الله، قتلته وأنا بوادي السباع"، وهو المقرّ بأن انضمامه لابن آكلة الأكباد إنما هو من أجل الدنيا".

أمّا معاوية، صاحب القميص الذي صار مضرباً للمثل على الادعاءات الكاذبة، فنورد فقرة من خطبته التي استهل بها عهده المشؤوم. روى أبو الفرج الأصفهاني فى مقاتل الطالبيين: "لما انتهى الأمر لمعاوية، وسار حتى نزل النُخَيْلة وجمع الناس بها فخطبهم قبل أن يدخل الكوفة خطبة طويلة". وأورد بعض


1) الطبري، م. س: 3 / 559 ـ 560.

مقاطعها ومنها:

"ما اختلفت أمة بعد نبيها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقّها... فندم فقال: إلاّ هذه الأمة فإنها وإنها...".

"ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمّي هاتين لا أفي به".

"إني والله ما قاتلتكم لتصلّوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكّوا، إنكم لَتَفْعَلُون ذلك. وإنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون"(1).

هل كان ابن آكلة الأكباد ووزيره الأول عمرو بن العاص يطالبان بدم عثمان أو أن السلطة كانت هدفاً لهما؟ وهل يبقى شك; بعد قراءتنا خطاب كل منهما في طبيعة الادعاءات المرفوعة من قبل الفئة الباغية والصورة الحقيقية لحركة الردّة التي ما كان لها ان تحقق هدفها لو لا تخاذل بعض المسلمين ووهن بعضهم الآخر.

كانت هذه هي الأهداف الحقيقية: "الاستحواذ على السلطة" و "إذلال المؤمنين"، وهي تختلف عن الأهداف الدعائية: "الثأر من قتلة عثمان".

وسائل التأمّر على الناس:

أما عن الوسائل التي اتبعها ابن آكلة الأكباد من أجل تحقيق غاياته الشيطانية (وهي إقامة حكومة من بدوا في رؤيا رسول الله(صلى الله عليه وآله) "قردة"، في مواجهة حكومة العدل الإلهية) فهي في المستوى نفسه، ومن نماذجها نذكر:

أولاً: الرشوة والإغراء بالمناصب وإليك النموذج الآتي، حاول معاوية رشوة قيس بن سعد بن عبادة، والي


1) مقاتل الطالبيين: 76 ـ 77، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1408هـ ـ 1987م.

الإمام علي على مصر، فكتب له: "... فإن استطعت، يا قيس، أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل. تابعنا على أمرنا ولك سلطان العراقَيْن، إذا ظهرت ما بقيت، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطاني. وسلني غير هذا مما تحب فإنك لا تسألني شيئاً إلاّ أوتيته"(1).

أما رد قيس بن سعد بن عبادة، رضوان الله عليه، على ابن آكلة الأكباد فكان ردّاً مخرساً فقد كتب إليه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد، فإن العجب من اغترارك بي وطمعك في، واستسقاطك رأيي، أتسومني الخروج من طاعة أولى الناس بالإمرة وأقولهم للحق وأهداهم سبيلاً وأقربهم من رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وتأمرني بالدّخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم للزّور وأضلّهم سبيلاً، وأبعدهم من الله عزّوجلّ ورسوله(صلى الله عليه وآله)، وسيلة، ولد ضالين مضلين، طاغوت من طواغيت إبليس. وأما قولك إني مالىء عليك مصر خيلاً ورجلاً، فو الله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون نفسك أهم إليك، إنك لذوجد، والسلام"(2).

ثانياً: الاغتيال السياسي جاء في تاريخ الطبري: "فبعث عليُّ الأشتَر أميراً إلى مصر حتى إذا صار بالقلزم، شرب شربة عسل كان فيها حتفه، فبلغ حديثهم معاوية وعمراً، فقال عمرو: إن لله جنوداً من عسل"(3).

ثالثاً: الاختلاق والخداع جاء في تاريخ الطبري: "ولما أيس معاوية من قيس أن يتابعه على أمره،


1) تاريخ الطبري: 3 / 552، مؤسسة الأعلمي، بيروت، د. ت.

2) تاريخ الطبري: 3 / 552 ـ 553.

3) المصدر نفسه: 3 / 554.

شق عليه ذلك لما يعرف من حزمه وبأسه، وأظهر للناس قبله أن قيس بن سعد قد تابعهم فادعوا الله وقرأ عليهم كتابه الذي لان له فيه وقاربه. قال: واختلق معاوية كتاباً من قيس، فقرأه على أهل الشام"(1).

رابعاً: الإغارة على المدنيين وقتل النساء والأطفال ذكر ابن جرير الطبري في تاريخه:

1 ـ "وجّه معاوية، في هذا العام، سفيان بن عوف في ستة آلاف رجل وأمره أن يأتي "هيت"، فيقطعها، وأن يغير عليها ثم يمضي حتى يأتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها"(2).

2 ـ "وجّه معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء، وأمره أن يصدق (يأخذ صدقة المال) من مرَّ به من أهل البوادي، وأن يقتل من امتنع من إعطائه صدقة ماله. ثم يأتي مكة والمدينة والحجاز ويفعل ذلك"(3).

3 ـ وجّه معاوية الضحّاك بن قيس، وأمره أن يمر بأسفل واقصة، وأن يغير على كل من مر به ممن هو في طاعة علي من الأعراب، ووجّه معه ثلاثة آلاف رجل فسار، فأخذ أموال الناس وقتل من لقي من الأعراب، ومر بالثعلبية فأغار على مسالح علي، وأخذ أمتعتهم ومضى حتى أنتهى إلى القطقطانة فأتى عمرو بن عميس بن مسعود، وكان في خيل لعلي وأمامه أهله وهو يريد الحج، فأغار على من كان معه وحبسه عن المسير، فلما بلغ ذلك علياً سرّح حجر بن عدي الكندي في أربعة آلاف وأعطاهم خمسين خمسين، فلحق الضحّاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلاً، وقتل من أصحابه رجلان وحال بينهم الليل فهرب الضحّاك وأصحابه


1) المصدر نفسه: 3 / 554.

2) تاريخ الطبري: 4 / 103.

3) المصدر نفسه.

ورجع حجر ومن معه(1).

4 ـ في عام 40هـ، أرسل معاوية بن أبي سفيان بسر بن أبي أرطأة في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز حتى قدموا المدينة، وعامل علي على المدينة يومئذ أبو أيوب الأنصاري، ففر منهم أبو أيوب، وأتى بسر المدينة فصعد المنبر وقال: يا أهل المدينة، والله لو لا ما عهد إلي معاوية ما تركت بها محتلماً إلاّ قتلته. ثم مضى بسر إلى اليمن وكان عليها عبيد الله بن عباس عاملاً لعلي، فلا بلغه مسيره فرَّ إلى الكوفة حتى أتى علياً، واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثي على اليمن، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه، ولقي بسر ثقل عبيد الله بن عباس وفيه ابنان له صغيران فذبحهما، وقد قال بعض الناس أنه وجد ابني عبيد الله بن عباس عند رجل من بني كنانة من أهل البادية، فلما أراد قتلهما قال الكناني: علام تقتل هذين ولا ذنب لهما؟ فإن كنت قاتلهما فاقتلني، قال: أفعل، فبدأ بالكناني فقتله ثم قتلهما، وقتل في مسيره ذلك جماعة كثيرة من شيعة علي باليمن. ولمَّا أرسل علي جارية بن قدامة في طلبه هرب"(2).

تلك هي لمحات من أهداف الدولة الأموية وملامحها وأساليبها في الوصول إلى هذه الأهداف. لا فارق بين معاوية وصدّام حسين وهتلر. الغاية، عند كل هؤلاء، تبرر الوسيلة، بل ونزعهم أن ابن آكلة الأكباد، على قرب عهد بالنبوة، أشد وزراً من صدّام حسين الذي قتل النساء والأطفال واستخدم السلاح الكيمياوي في قتل الأبرياء، فصدّام حسين لم يرَ رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولا سمع منه ولا ادعى له بعض المؤرخين أنه كان كاتباً للوحي، إلى آخر هذه الادعاءات التي يمزج فيها الحق بالباطل.


1) تاريخ الأمم والملوك لابن جرير الطبري: 4 / 104.

2) المصدر نفسه: 4 / 107.

خطاب قيادة الأمة الشرعيّة، (وَقَـتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ):

على الجانب الآخر كان معسكر الحق، معسكر القيادة الشرعية للأمة الإسلامية، قيادة أهل البيت، ورمزها يومئذ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، يجاهد للحفاظ على الإسلام نقياً صافياً.

وكان هذا هو الهدف الحقيقي الذي تهون من أجله كل التضحيات.

كان الإمام علي(عليه السلام) ومن حوله كوكبة المؤمنين الخلص من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله).

روى ابن أبي الحديد، في شرح نهج البلاغة، نقلاً عن "كتاب صفّين" لنصر بن مزاحم: "خطب علي(عليه السلام)، في صفيّن، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد، فإن الخيلاء من التجبُّر، وإن النَّخوة من التكبر، وإن الشيطان عدوٌّ حاضر، يعدُكم الباطل. ألا إنّ المسلم أخو المسلم فلا تنابذُوا ولا تجادلوا، ألا إنّ شرائع الدين واحدة، وسبله قاصدة، من أخذ بها لَحِق، ومن فارقها مُحِق، ومن تركها مَرَق، ليس المسلم بالخائن إذا ائتمِن، ولا بالمخلِف إذا وعد، ولا بالكذاب إذا نطق. نحن أهل بيت الرحمة، وقولنا الصدق، وفعلنا الفضل، ومنا خاتم النبيين، وفينا قادة الإسلام، وفينا حملة الكتاب.

ألا إنا ندعوكم إلى الله ورسوله، وإلى جهاد عدوِّه والشدَّة في أمره، وابتغاء مرضاته، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجِّ البيت، وصيام شهر رمضان، وتوفير الفيء على أهله. ألا وإنّ من أعجب العجائب أنّ معاوية بن أبي سفيان الأموي وعمرو بن العاص السهميَّ، يحرِّضان الناس على طلب الدِّين بزعمهما، ولقد علمتم أني لم أخالف رسول الله(صلى الله عليه وآله) قط، ولم اعصمه في أمر، أقيه بنفسي في المواطن التي ينكص فيها الأبطال، وترعد فيها الفرائص، بنجدة أكرمني الله

سبحانه بها، وله الحمد. ولقد قبض رسول الله(صلى الله عليه وآله) وإنّ رأسه لفي حِجْري، ولقد وَليتُ غسله بيدي وحدي، تقلِّبه الملائكة المقربون معي. وأيّم الله ما اختلفت أمةٌ قط، بعد نبيها، إلاّ ظهر أهلُ باطلها على أهلِ حقها إلاّ ما شاء الله"(1).

لنسمع الكلمات المضيئة لأبي الهيثم بن التّيهان وكان من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله)، بدريًّا نقيباً عقبيّاً يسوِّي صفوف أهل العراق، ويقول: "يا معشر أهل العراق، إنه ليس بينكم وبين الفتح في العاجل، والجنة في الآجل، إلاذ ساعة من النهار، فأرْسُوا أقدامَكم وسوُّوا صفوفكم، وأعيروا ربّكم جماجمكم، واستعينوا بالله إلهكم، وجاهدوا عدوَّ الله وعدوكم، واقتلوهم قتلهم الله وأبادهم، واصبروا فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين"(2).

أما عن مواقف عمّار بن ياسر، رضوان الله عليه، في صف الإمام، فهي في المكانة العليا، ويمكن أن نتبيَّنها من خلال هذه الرواية: "عن أسماء بن حكيم الفزاري، قال: كنا بصفّين مع علي، تحت راية عمّار بن ياسر، ارتفاع الضحى، وقد استظللنا برداء أحمر، إذ أقبل رجل يستقري الصفّ حتى انتهى إلينا، فقال: أيّكم عمّار بن ياسر؟ فقال عمّار: أنا عمّار، قال: أبو اليقظان؟ قال: نعم، قال: إنّ لي إليك حاجةً أفأنطقُ بها سراً أو علانية؟، قال: اختر لنفسك أيهما شئت، قال: لا بل علانية، قال: فانطق، قال: إنّي خرجت من أهلي مستبصراً في الحق الذي نحن عليه، لا أشكُّ في ضلالة هؤلاء القوم، وأنّهم على الباطل، فلم أزلْ على ذلك مستبصراً، حتى ليلتي هذه، فإني رأيتُ في منامي منادياً تقدّم، فأذّن وَشِهِدَ أنْ لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ونادى بالصلاةن ونادى مناديهم مثل ذلك، ثم أقيمت


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم: 5 / 181، الطبعة الأولى، دار الجيل ـ بيروت 1407 هـ ـ 1987م.

2) المصدر نفسه: 5 / 190.

الصلاة، فصلَّينا صلاة واحدة، وتلونا كتاباً واحداً، ودعونا دعوة واحدة، فأدركني الشكّ في ليلتي هذه، فبت بليلة لا يعلمُها إلاّ الله، حتى أصبحت، فأتيتُ أميرَ المؤمنين، فذكرت ذلك له فقال: هل لقيت عمار بن ياسر؟، قلت: لا، قال: فالقه، فانظر ما يقول لك عمّار فاتَّبِعه، فجئتك لذلك. فقال عمّار: تعرف صاحبَ الراية السوداء المقابلة لي، فإنها راية عمرو بن العاص، قاتلتُها مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ثلاث مرات وهذه الرابعة فما هي بخيرهنّ ولا أبرِّهن، بل هي شرُّهن وأفجرهُنّ، أشهِدْت بدراً وأحداً ويوم حُنين، أو شهدها أب لك فيخبرك عنها؟، قال: لا، قال: فإن مراكِزنا اليوم على مراكز رايات رسول الله(صلى الله عليه وآله)، يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين، وإنّ مراكز رايات هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب، فهل ترى هذا العسكر ومَن فيه؟ والله لوددتُ أن جميع مَن فيه ممن أقبلَ مع معاوية يريد قتالنان مفارقاً للذي نحن عليه كانوا خَلْقاً واحداً، فقطّعته وذبحته، والله لدماؤهم جميعاً أحلُّ من دم عصفور، أفترى دم عصفور حراماً؟، قال: لا بل حلال، قال: فإنهم حلال كذلك، أتراني بيّنت لك؟، قال: قد بيّنتَ لي، قال: فاختر أيّ ذلك أحببت.

فانصرف الرجل، فدعاه عمّار ثم قال: أما إنّهم سيضربونكم بأسيافكم حتى يرتابَ المبطلون منكم فيقولوا: لو لم يكونوا على حقّ ما ظهروا علينا، والله ما هم من الحق ما يقذى عين ذباب، والله لو ضربونا بأسيفاهم حتى يبلغونا سعفات هجر، لعلمنا أنّا على حق وأنّهم على باطل"(1).

وعمّار، إذ يقف هذا الموقف، إنّما يصغي إلى صوت الله تعالى يدعوه: (وَقَـتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)(2).


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم: 5 / 256 ـ 257 ـ 258، ط1، دار الجيل ـ بيروت 1407 هـ ـ 1987م.

2) البقرة: 193.

مسؤولية من أرادها أموية وكرهها إسلاميّة:

قام ملك "بني فلان" الذين رأى النبي(صلى الله عليه وآله) أنهم ينزون على منبره نزو القردة، ولا نعفي أحداً من المسؤولية، لا الذين أضعفوا سلطان آل محمد على قلوب الناس وجعلوا منهم مستشارين عند الضرورة، ولا الذين جعلوا الإمام علياً سادساً في ما أسموه بالشورى، وقد قال(عليه السلام) في ذلك: "متى اعترض الريب فيَّ مع الأوّل منهم، حتى صرت أُقْرَنُ إلى هذه النظائر"، ولا الذين مهّدوا لمعاوية سلطانه في الشام، ولما رأوا ما هو فيه من الأبهة والسلطان قالوا: "لا نأمرك ولا ننهاك"، كأن ابن آكلة الأكباد استثناء، ولا الذين حرصوا على سلب أهل البيت أموالهم التي أعطيت لهم من قبل السماء، فأخذوا فدكاً من الزّهراء وحرموا آل محمد حقهم في الخمس، ولا الذين حرصوا على إعطاء بني أمية ما يتقوون به لإقامة دولتهم، فأعطوا مروان بن الحكم وابن أبي سرح خمس غنائم أفريقيا، ولا الذين أشعلوا نار الفتنة في موقعة الجمل،... الخ الخ، كلهم مسؤولون وشركاء في هذه الكارثة (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْـُولُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ)(1)، كلهم أرادوها أموية وكرهوها إسلاميّة خالصة لله.

شريعة ملوك السّوء:

لا بأس بأن نورد نماذج من تطبيق الشريعة الإسلامية، على الطريقة الأموية، وهو ما يتمناه بعض المخدوعين في هذا الزمان:

أولاً: النهج الأموي يبيح شرب الخمور

روى أحمد بن حنبل في مسنده عن عبد الله بن بريدة قال: "دخلت أنا وأبي


1) الصافات: 24 ـ 26.

على معاوية فأجلسنا على الفرش، ثم أتينا بالطعام، فأكلنا. ثم أتينا بالشراب، فشرب معاوية، ثم ناول أبي، ثم قال: ما شربته منذ حرمه رسول الله"(1).

ثانياً: النهج الأموي يبيح الربا

أخرج مالك والنسائي وغيرهما، من طريق عطاء بن يسار أنَّ معاويةَ باعَ سِقايَة من ذهب، أو ورق، بأكثر من وزنِها، فقال له أبو الدرداء(رضي الله عنه): سمعتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله)، يَنْهى عن مِثْلِ هذا إلاّ بِمِثْل، فقال له معاوية: ما أرى بمثلِ هذا بأساً(2).

ثالثاً: استلحاق زياد

"وصّى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أن الولد للفراش وللعاهر الحجر". متفق عليه.

"وقال (صلى الله عليه وآله) من ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام". رواه البخاري ومسلم وأبو داود.

أمّا ابن آكلة الأكباد فجاء بزياد، وكان يدعي زياد ابن أبيه، وتارة زياد ابن أمّه، وتارة زياد بن سميّة، وأقام الشهادة أن أباه أبا سفيان قد وضعه في رحم سميّة، وكانت بغيّا، وسماه زياد بن أبي سفيان ليستخدمه في قمع المسلمين الشيعة وقتلهم.

رابعاً: قتل الأحرار من أصحاب محمد(صلى الله عليه وآله)

قال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَ لِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْرَ ائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسَاً بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِى الاَْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)(3).

روى الطبري في تاريخه: "استعمل معاوية المغيرة بن شعبة على الكوفة


1) مسند أحمد بن حنبل: 5 / 407، ح 23005، ط دار الكتب العلمية بيروت 1413هـ ـ 1993م.

2) سنن النسائي بشرح السيوطي: 7 / 279. دار الكتب العلمية ـ بيروت، الموطأ لمالك بن أنس، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي: 2 / 634 ح 33 توزيع دار الكتب العلمية ـ بيروت.

3) المائدة: 32.

وأوصاه: لا تحجم عن شتم علي وذمه والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب علي والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان... والإدناء لهم والاستماع منهم. وأقام المغيرة على الكوفة عاملاً لمعاوية سبع سنين وأشهراً، وهو من أحسن شيء سيرة، وأشدّه حبّاً للعافية غير أنه لا يدع ذم علي والوقوع فيه والعيب لقَتلة عثمان واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتزكية لأصحابه، فكان حجر بن عدي، إذا سمع ذلك قال: بل إياكم فذمّم الله ولعن. ثم قال فقال: إنّ الله عزّ وجلّ يقول: (كُونُواْ قَوَّ مِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ)(1)وأنا أشهد أن من تذمّون وتعيرون لأحق بالفضل وإن من تزكّون وتطرون أولى بالذم"(2). واستمرت هذه الحال حتى ولي زياد الكوفة فقال مثلما كان يقول المغيرة، وردّ عليه حجر رضوان الله عليه بمثل ما كان يرد على المغيرة، فأرسل زياد إلى أميره معاوية فأمر باعتقاله (وفقاً لقانون طوارىء بني أمية) وأرسل إلى ابن آكلة الأكباد مشدوداً في الحديد فأمر بقتله، فقال حجر للذين يلون أمره: دعونى حتى أصلي ركعتين، فقالوا: صلّ، فصلى ركعتين خفّف فيهما ثم قال: لو لا أن تظنوا بي غير الذي أنا عليه، لأحببت أن تكونا أطول مما كانتا، ثم قال لمن حضره من أهله: لا تطلقوا عني حديداً ولا تغسلوا عني دماً فإني ألاقي معاوية غداً على الجادة، ثم قدم فضربت عنقه.

لم يكن حجر بن عدي النموذج الوحيد الدال على ظلم هذه الدولة الجائرة التي يزعم جاهلو أمرها، وحدهم، أنها كانت تُحكم أو تَحكم بشريعة الإسلام. لقد كان بنو أميّة يدأبون ليل نهار لإطفاء نور الله، وفي الوقت نفسه كان خط الأئمة(عليهم السلام) قد تحول إلى مشروع تأسيس لإقامة دولة المهدي المنتظر وإن تأخر ذلك قروناً


1) النساء: 135.

2) تاريخ الطبري: 4 / 188 ـ 190، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت.

وقروناً. أما بنو أمية فيجهدون لإحداث أكبر قدر من الدمار بالأمة الإسلامية وبرجالاتها وبقيمها. وفي الوقت نفسه كان خط آل بيت محمد حريصاً على إبقاء قيم الإسلام الرسالي الأصيل حية ومتوهجة، والتأكيد على أن مرحلة التمهيد وتأسيس دولة الإمام المهدي ليست مرحلة هدنة سلبية، وليست إيثاراً للإبقاء على حياة مجموعة من البشر وإنما إبقاءً للقيم وإمدادها بكل ما يبقيها متألقة وحية حتى زمن الظهور.

محاولة تحويل "النهج الأموي" إلى قدر أبدي:

نفذ معاوية سياسة واضحة المعالم، من أبرز معالمها:

أ ـ لعن آل البيت(عليهم السلام)، وخاصة إمام الأئمة علي بن أبي طالب(عليه السلام) على منابر الأمة، صباح مساء.

ب ـ العمل على رفع مكانة مناوئي أهل البيت ومنافسيهم باختلاق الروايات المنسوبة إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله).

ج ـ القضاء على خطوط الدفاع بقتل رجال الشيعة واغتيالهم، مثل حجر وعمرو ابن الحمق، كما أسلفنا بل وحتى قتل أي معارض آخر له وزن وإن لم يكن من شيعة أهل البيت، ومثال ذلك سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد.

د ـ إستعمال سياسة الرشوة وإفساد الذمم لاستمالة من تبقى.

وهذه السياسات نفسها هي التي بدأ بها تمدّده السرطاني في جسد الأمة.

امتداد الملك، يزيد ولي عهد:

أراد ابن آكلة الأكباد أن يمهِّد الأمر ليزيد ابنه ليمتد الملك في عقبه حتى قيام الساعة. ومن يتتبع أخبار الرواة، في هذا الصدد، يجد تبايناً، فمن قائل يقول:

إن هذا الأمر كان بمبادرة من المغيرة بن شعبة ليمد له معاوية في ولايته على الكوفة، ومن قائل يقول: إن هذا كان بأمر من معاوية، واتفاق مع الضحّاك بن قيس، وما اعتقده أن هذه أمور واحدة... كل المنافقين يعلمون رغبة سيدهم والكل يتبارى في اختيار الأسلوب الملائم للتنفيذ، ولا باس بإيراد بعض النماذج التي توضح طبيعة الملك الأموي وسياسته:

"أوفد المغيرة بن شعبة عشرة من شيعة بني أمية إلى معاوية، ليطالبوا ببيعة يزيد، وعليهم موسى بن المغيرة، فقال معاوية: لا تعجلوا بإظهار هذا، وكونوا على رأيكم، ثم قال لموسى: بكم اشترى أبوك هؤلاء من دينهم، قال: بثلاثين ألفاً، قال: لقد هان عليهم دينهم".

لما اجتمعت عند معاوية وفود الأمصار بدمشق، بإحضار منه، دعا الضحاك بن قيس، فقال له: إذا جلست على المنبر، وفرغتُ من بعض موعظتي وكلامي، فاستأذني للقيام، فإذ أذنت لك، فاحمد الله تعالى، واذكر يزيد، وقل فيه الذي يحق له عليك، من حسن الثناء عليه، ثم ادعني إلى توليته من بعدي، فإني قد رأيتُ وأجمعتُ على توليته، فاسأل الله في ذلك، وفي غيره الخيرة وحسن القضاء. ثم دعا عدة رجال فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك، وأن يصدقوا قوله، ويدعو إلى يزيد. ثم خطب معاوية فتكلم القوم بعده على ما يروقه من الدعوة إلى يزيد فقال معاوية: أين الأحنف؟ فأجابه، قال: ألا تتكلم؟ فقال الأحنف، فحمد الله وأثنى عليه وقال بعد مقدمة: إن أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حياً.

فغضب الضحّاك ورد غاضباً: ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي استخلف به معاوية في أرضه؟ هيهات ولا تورث الخلافة عن كلالة ولا يحجب غير الذكر العصبة، فوطّنوا أنفسكم يا أهل العراق على المناصحة لإمامكم، وكاتب

نبيكم وصهره، يسلم لكم العاجل، وتربحوا من الآجل. ثم قام الأحنف بن قيس فحمد الله وأثنى عليه فقال: قد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة، ولم تظهر عليها قصعا، ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت، ليكون له الأمر بعدك(1).

أما عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان من خواص أصحاب معاوية فقد لقي حتفه مسموماً حيث حدثته نفسه بالسلطة والإمارة بدلاً من يزيد.

جاء في تاريخ الطبري: "أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظم شأنه بالشام، أو مال إليه أهلها كما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه حتى خافه معاوية، وخشي على نفسه منه لميل الناس إليه فأمر ابن آثال أن يحتال في قتله وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش وأن يوليه جباية خراج حمص. فلما قدم عبد الرحمن بن خالد لحمص منصرفاً من بلاد الروم دس إ ابن آثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربها، فمات بحمص"(2).

ويحكي لنا التاريخ صورة أخرى من مشاورات معاوية في خلافة يزيد، ومن بينها كلمات ذلك الأحمق الذي قام فقال: "هذا أمير المؤمنين ـ وأشار إلى معاوية ـ فإن هلك فهذا ـ واشار إلى يزيد ـ ومن أبى فهذا ـ وأشار إلى سيفه ـ قال معاوية: إجلس فأنت سيد الخطباء"(3).

لم يكن عبد الرحمن بن خالد وحده هو الذي طمع في الخلافة بعد معاوية، فهناك سعيد بن عثمان بن عفان الذي وجد له أنصاراً من أهل المدينة يقولون: والله لا ينالها يزيد حتى يعض هامه الحديد، إن الأمير بعده سعيد، ولكن كان أمره هيناً;


1) الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري، تحقيق علي شيري: 1 / 188، 191 ـ 192.

2) الإستيعاب في معرفة الأصحاب للقرطبي: 2 / 372 ـ 373، رقم 1410.

3) تاريخ الأمم والملوك للطبري: 4 / 171.

حيث خرج من حلبة المنافسة راضياً بولاية خراسان(1).

من الواضح أن الصراع السياسي كان دائراً على أشدّه حول قضية خلافة معاوية، وقد هددت هذه القضية الصف الأموي بالتفكك والانهيار، وأن الخلافة اليزيدية لم تكن أمراً مستقراً حتى في داخل البيت الأموي نفسه، حتى أن معاوية اضطر لتأجيل إعلان هذا الأمر إلى ما بعد هلاك زياد، وأن مروان بن الحكم، والي معاوية على المدينة، عارض هذا الأمر بشدة ما اضطر معاوية إلى إعفائه من منصبه، ويمكننا أن نُرجع هذه المعارضة الداخلية لعدة أسباب منها:

أ ـ إن انتقال السلطة إلى يزيد، من طريق ولاية العهد، كان اقتباساً من النظام السياسي البيزنطي الذى لم يعرفه العرب في سابق تاريخهم، ولعل قرب موقع معاوية من دولة الروم كان مصدر معرفته بهذا النظام الملكي الإمبراطوري الذي صار هو النظام السياسي في الأمة الإسلامية في ما بعد.

ب ـ إن هذا الأسلوب كان إهداراً لنظام الشورى الذي توهم المسلمون أنه القانون الأساسي للمسلمين. والواقع أن الشورى لم تكن قد مورست بصورة جيدة في الحِقَب السابقة مما يسمح باستقرار معالمها وأساليب ممارستها. فأن يأتي معاوية لينقل المداراة إلى ديكتاتورية صريحة كان هذا أمراً ثقيلاً على كثيرين، وخاصة على أولئك الذين توهموا أنهم أهل الحل والعقد، ولم يكن معاوية ليبقي على نفوذهم ولا على وجودهم نفسه، إذا تعارض ذلك مع رغباته السلطوية الجامحة.

ج ـ صفات يزيد الشخصية وافتقاده الحد الأدنى من المقومات جعلت زياداً، وهو من هو في بغيه وعدوانه ونسبه، كارهاً لبيعته وإمارته قائلاً: "ويزيد


1) الكامل في التاريخ لابن الأثير: 3 / 214 ـ 216.

صاحب رَسْلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد"(1)وكتب إلى معاوية يأمره بالتؤدة وألا يعجل".

لم تستعصِ الأغلبية على معاوية ولا على أساليبه، فهناك المتطوعون السابقون إلى مرضاة الطواغيت، مثل الضحّاك بن قيس والمغيرة بن شعبة وسمرة بن جندب، ولا بأس هنا بأن نورد بعضاً من منجزات سمرة، هذا "الصحابي" الذي استخلفه زياد على الكوفة ثم عاد إليه فوجده قد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له: "هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً برئياً؟، قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت. أو كما قال، وعن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً كلهم قد جمع القرآن"(2)"ثم عزله ـ معاوية ـ فقال سمرة: لعن الله معاوية والله لو أطعتُ الله كما أطعتُ معاوية ما عذّبني أبدا"(3).

لقد أجاد معاوية سياسة "فرّق تسد"، فلما أحس أن رجالات المدينة يمتنعون من بيعة يزيد، راسلهم أولاً ثم ذهب إليهم نفسه، في عام خمسين للهجرة، مستخدماً سياسة المخادعة عازفاً على أوتار النفوس ومكامن الأهواء، عالماً أن الامة التي أسلمت علياً والحسن لن تجتمع كلمتها خلف الحسين(عليه السلام)، ومن ثمّ فإن المطلوب هو كسب الوقت وتفتيت المعارضة وضرب الناس بعضهم ببعض حتى يصل الملك إلى يزيد غنيمة باردة.

نهج الثورة الحسينية:

ما أحوج الأمة، وسط هذا الظلام الأموي وهذه الفتنة العمياء إلى موقف حسيني يبدد الظلمات، موقف حسيني لا يتحدث عن الحق وإنما يفعله، ولا يفعله


1) الإمامة والسياسة، تحقيق علي شيري: 1 / 213 ـ 214.

2) تاريخ الأمم والملوك للطبري: 4 / 224 ـ 225.

3) المصدر نفسه: 4 / 176.

فعلاً يراه بعض الناس ويغفل عنه بعضهم الآخر، وإنما يفعله فعلاً يبقى مسطوراً ومحفوراً في عمق الأرض وفي عمق الوجدان البشري. ما أحوج الأمة الإسلامية والبشرية كلها إلى هذا النور المتوهج لتبقى شمس الحسين تهدي الحائرين وتدل السائلين على الحدود الفاصلة بين الحق والباطل، بين مرضاة الله وسخطه.

هكذا كانت ثورة الحسين. لم تكن حالة انفعالية نشأت عن حالة الحصار التي تعرض لها أبو عبد الله الحسين ولا كانت حركة إلى المجهول أملتها أجواء رسائل البيعة المشكوك في صدقها، منذ البدء كانت فعلاً مدروساً وخططاً منذ لحظة ولادته وبدأت خطوات تنفيذها في اللحظة التي تخيل فيها ابن آكلة الأكباد أنه لا إسلام حقيقيّاً بعد اليوم، وليبق الدين لعقٌ على ألسنة بعض القادة يصعدون به على أعناق الناس يطلبون الدنيا بادعاء النسك والزهادة على أن يدعوا ما لقيصر لقيصر، وما تبقى إن تبقى شيء فهو لله.

اكتمال عناصر التحرّك:

كتب أهل الكوفة إلى الحسين(عليه السلام) يقولون: ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق. وتوالت الكتب تحمل التوقيعات تدعوه إلى المجيء لاستلام البيعة وقيادة الأمة في حركتها في مواجهة طواغيب بني أمية، وهكذا اكتملت العناصر الأساسية للحركة الحسينية، وهي:

أ ـ وجود قيادة شرعية تمثل التصور الحقيقي للإسلام، وهي قيادة أبي عبد الله الحسين.

ب ـ وجود الظروف الداعية إلى حمل لواء التغيير، وتتمثل في تمادي الفساد الأموي ورغبته في مصادرة إرادة الأمة مرة واحدة وإلى الأبد في شكل مبايعة يزيد "القرود".

ج ـ وجود إرادة جماهيرية تطلب التغيير وتستحث الإمام الحسين للمبادرة إلى قيادة الحركة وكان موقع هذه الإرادة في الكوفة، تمثلت في رسائل البيعة القادمة من أهلها.

وهكذا لم يكن بوسع أبي عبد الله الحسين أن يقف من هذه الأمور كلها موقف المتفرج الهارب بنفسه من ساحة الوغى أو "الفار بدينه" إلى ساحات الاعتزال والانعزال، وهي جميعها أشكال مختلفة من الهروب والتهرب من تحمل المسؤولية، وهو مسلكٌ فضلاً عن ضرره البليغ على الواقع الراهن في تلك اللحظة يعطي المبرر لكل من تعرض لهذه الظروف أو ما شابهها أن يهرب بنفسه وينجو بشحمه ولحمه حتى يستوفي الأجل المحتوم، ويبقى في وجدان الأمة رمزاً من رموز الكهنوت الهارب من مواجهة الشيطان في أرض الواقع واللائذ بالنصوص والتبريرات.

كان بوسع الحسين(عليه السلام)، أن يفعل مثلما فعل ابن عمر فيبايع بيعة المضطر ليزيد، ونضيف إلى لائحة الروايات التبريرية التي رواها الرجل على لسانه أو على لسان النبي الأكرم عدة نصوص أخرى ربما كانت تحتل مكاناً أبرز من نصوص أبن عمرو كان البخاري ومسلم سيحتفلان بها، فها هو ابن الرسول وعلي وفاطمة يوجب السمع والطاعة ليزيد القرود ويدعو إلى توحيد الجماعة صفاً واحداً خلف حفيد آكلة الأكباد وحفيد أبي سفيان عدو الله ورسوله حتى آخر نفس.

ولو كان فعل هذا ـ وحاشاه ـ لاستشهد به الأفاقون والمنافقون والمخادعون في كل موقف يرون فيه ضرورة إسناد حزب الشيطان ومنعه من الانهيار، ولما قال أحد: ثار الحسين رافضاً الظلم واستشهد في سبيل الله، ولماتت هذه الأمة إلى نهاية الدهر.

إقامة الحجّة وبيان الحقيقة:

ثمّ جاء صباح عاشوراء، ووقف الحسين(عليه السلام) يدعو ربه: "أللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو أنزلته بك وشكوته إليك رغبة مني إليك عمن سواك ففرجته وكشفته فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة"(1).

ثم إن الحسين أضرم ناراً وراء البيوت لئلا يأتيه أعداء الله من الخلف، فجاءه شمر بن ذي الجوشن وقال: "يا حسين استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة؟،فقال الحسين: من هذا؟، كأنّه شَمر بن ذي الجوشن؟ فقالوا: نعم أصلحك الله، هو... هو. فقال: يا ابن راعية المعزى أنت أولى بها صُليَّاً. فقال مسلم بن عَوْسَجَة: يا ابن رسول الله جُعلتُ فداك ألا أرميه بسهم. فإنه قد أمكنني وليس يسقط سهم، فالفاسق من أعظم الجبارين. فقال له الحسين: لا ترمِه فإني أكره أن أبدأهم"(2).

سلام الله عليك يا أبا عبد الله،ها أنت، وأنت في قمة المواجهة مع أعداء الله من بني أمية محافظاً على موقف فقهي، وأخلاقي، وعقائدي راسخ.

سلام الله عليك يا من أنت من نور أبيك وأمك، ومن نور رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فالإمام علي(عليه السلام) لم يبدأ أعداءه، أعداء الله يوماً بقتال لا أصحاب الجمل، ولا الخوارج، ولا بني أمية يوم صفين، فالقوم أدعياء إسلام دخلوا هذا الدين من بوابة النبوة، ولسنا بصدد تكفيرهم ولا استباحة دمائهم (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ


1) تاريخ الأمم والملوك للطبري: 4 / 321 ط. الأعلمي ـ بيروت (غير مؤرّخ).

2) المصدر نفسه: 4 / 322.

عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)(1)، (فَلاَ عُدْوَ نَ إِلاَّ عَلَى الظَّـلِمِينَ)(2).

هذا هو المبدأ الراسخ في العلاقة بين أبناء الأمة المنتمين إليها حتى ولو كان ذلك بمجرد الإسم والادعاء. وإن فتح باب التكفير وقتل المسلمين، حتى الأدعياء منهم، فإن ذلك يعني فتح باب فتنة لا يُغلَق.

معاني خروج حرائر آل البيت:

بقي أن نسجل ما كشفته الأحداث عن معانى خروج حرائر أهل البيت(عليهم السلام)مع الحسين. لقد قتل الحسين(عليه السلام) ولم يشهد أحد من المؤمنين هذه الجريمة إلا حرائر أهل بيت النبوة، من ينعاك إذاً يا ابا عبد الله إلا بنات علي وفاطمة؟،ها هي زينب(عليها السلام)حتى تمرُّ بالحسين(عليه السلام) صريعاً فتبكيه، وتقول: "يا محمداه يا محمداه صلّى عليك ملائكة السماء هذا الحسين بالعرا مرمَّل بالدما مقطع الأعضا، يا محمداه وبناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا. فأبكت والله كل عدو وصديق"(3).

ثم ها هي أسيرة في مجلس ابن زياد، فيسأل: "من هذه الجالسة؟. فلم تكلّمه، فقال ذلك ثلاثاً كل ذلك لا تكلّمه، فقال بعضُ إمائها: هذه زينب ابنة فاطمة. فقال لها عبيد الله: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم. فقالت: الحمد لله الذى أكرمنا بمحمد(صلى الله عليه وآله) وطهرنا تطهيراً لا كما تقول أنت، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر. قال: كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟. قالت: كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتخاصمون عنده. قال: فغضب ابن زياد واستشاط. قال له عمر بن حريث: أصلح الله الأمير


1) البقرة: 194.

2) البقرة: 193.

3) المصدر السابق: 4 / 348.

إنما هي امرأة، وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها (...)(1)فقال لها ابن زياد: قد أشفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة والمردة من أهل بيتك. فبكت ثم قالت: لعمري لقد قتلت كهلي وأبرت أهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي فإن يشفك هذا فقد اشتفيت"(2).

محاولات إخفاء الحقيقة، ابن كثير يناقض نفسه:

كلمات واضحة يفهمها من يقرأها، تستعصي على التزوير، لكن يد الغش والخيانة أخفت كل شيء وزورت كل شيء، ونشأت أجيال وأجيال لا تعرف من ذكرى الحسين إلا أنه ابن بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأنه خرج يطلب الملك والإمارة فخذله المسلمون الشيعة، وقتله بنو أمية وهم أصحاب الدولة الشرعية، وأما الشيعة فهم يضربون أنفسهم ويسيلون دماءهم لأنهم قتلوه، قليل أولئك الذين يعرفون الحقيقة بتفصيلاتها حتى ابن كثير يكتب فصلاً، في البداية والنهاية، بعنوان "صفة مقتل الحسين بن علي(رضي الله عنه) مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب الصريح والبهتان".

ولا يلام ابن كثير الدمشقي على حب قومه من بني أمية، ولا على سبابه للمسلمين الشيعة واتهامه لهم بالكذب الصريح والبهتان.

ولكن العجب كل العجب انه لم يخالف حرفاً واحداً مما رواه أئمة التشيع في كتبهم عن مقتل الحسين(عليه السلام)، ويكذب عدة روايات وردت في هذا الشأن ليست محورية ولا أساسية في القضية وهو يتناقض مع نفسه فيقول: "ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء فوضعوا أحاديث كثيرة كذباً وفحشاً من كون الشمس


1) عبارة محذوفة.

2) الطبري: م. س: 4 / 349 ـ 350.

كسفت يومئذ حتى بدت النجوم..."(1).

ثم يقول ناقضاً ما ذهب إليه: "وأما ما روي من الأحاديث والفتن التي أصابت من قتله فأكثرها صحيح!!! فإنه قلّ من نجا من أولئك الذين قتلوه من آفة أو عاهة في الدنيا فلم يخرج منها حتى أصيب بمرض وأكثرهم أصابهم الجنون"(2).

ثم يناقض نفسه، ويتخبط ويواصل الشتم والسب، ويقول: "للشيعة والروافض في صفة مصرع الحسين كذب كثير وأخبار باطلة وفي ما ذكرناه كفاية، وفي بعض ما أوردناه نظر، ولو لا أن ابن جرير وغيره من الحفاظ ذكرو ما سقته وأكثره من رواية أبي مخنف لوط بن يحيى، وقد كان مسلماً شيعياً وهو ضعيف الحديث عن الأئمة، ولكنه إخباري حافظ عنده من هذه الأشياء ما ليس عند غيره. ثم يقول: "وقد أسرف الرافضة في دولة بني بويه فكانت الدبادب تضرب بغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء" إلخ...

"وقد عاكس الرافضة والشيعة يوم عاشوراء النواصب من أهل الشام فكانوا يوم عاشوراء يطبخون ويغتسلون ويتطيبون ويلبسون أفخر ثيابهم، ويتخذون ذلك اليوم عيداً يصنعون فيه أنواع الأطعمة ويظهرون فيه السرور والفرح يريدون بذلك عناد الروافض ومعاكستهم"(3).

إذاً الشيخ ابن كثير يقر ويعترف أن أجهزة الدعاية الأموية قلبت الحقائق وحولت يوم الكارثة إلى عيد وسرور، وهو الذي ما زال متداولاً إلى يومنا هذا. ويمضي الرجل يكشف على استحياء دخيلة نفسه فيقول: "وقد تأول عليه من قتله


1) البداية والنهاية لابن كثير: 4 / 731.

2) المصدر نفسه: 4 / 731.

3) المصدر نفسه: 4 / 732.

أنه جاء ليفرق كلمة المسلمين بعد اجتماعها وليخلع من بايعه من الناس واجتمعوا عليه فقدورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك والتحذير منه والتوعيد عليه".

عفواً، أيها الشيخ، يبدو أن "خطأ" الإمام الحسين(عليه السلام) أنه ولد واستشهد قبل مجيء "مسلم" وكتابه، فلم يدر بالحديث المزعوم على رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولم يعلم أن الأمة بعد قرنين ستعرف "صحيح مسلم" وتجعل "صحيح الحسين". عفواً، أيها الشيخ، فقد جهلت الأمة (حديث الثقلين): "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به بعدي لن تضلوا أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض"، وهو حديث رواه "مسلم" في صحيحه بعد الحسين بقرنين، لقد جهلت الأمة هذا الحديث يوم كان عليها أن تذكره ثم روته بعد ذلك ولم تفهمه هذه الأمة التي نسيت وتناست ما صحّ نصاً وما جسَّده الإمام الحسين، مارست الدين على الطريقة الأموية ومن حاول المقاومة كان مصيره القتل كما أسلفنا من قبل.

ثم يمضي الشيخ في منطقه ويقول بعدما عدّد القتلى ممن عدّهم أفضل من الحسين وأبيه: "ولم يتخذ أحدٌ يومَ موتهم مأتماً يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم صرع الحسين"(1). ثم يناقض نفسه كعادته: "وأحسن ما يقال، عند ذكر هذه المصائب وأمثالها، ما رواه علي بن الحسين، عن جده رسول الله(صلى الله عليه وآله)أنه قال: ما من مسلم يصاب بمصيبة فيتذكرها وإن تقادم عهدها فيحدث لها استرجاعاً إلا أعطاه الله من الأجر مثل يوم أصيب فيها".

إننا نستعرض كلمات ابن كثير لأنها نموذج لحالة التناقض والارتباك التي وقع فيه الكثيرون ممن أذهلهم الحدث وعجزوا عن متابعته وقول كلمة الحق فيه، ومن أولئك الذين أرادوا استتباب الأمر لبني أمية وظنوا أن قضية آل البيت قد


1) المصدر نفسه: 4 / 732.

طويت وانتهت فلما أعلن الحسين ثورته وخط كلمة الحق بدمائه على الأرض، وفي السماء بل وفي الكون كله، لجأوا مرة أخرى إلى الكتمان والتزييف لعل الناس ينسون، ولكن هيهات هيهات.

من يُقيل عثرة الأمة المنكوبة؟:

وهكذا انقضت هذه الجولة ونال كل طرف ما يستحقه، نال الحسين وآل بيته الشهادة التي أرادوها واستحقوها، فيما نال بنو أمية ومن والاهم اللعنة الدائمة، والخسران المبين.

أما هذه الأمة المنكوبة فلا نجد من يصف حالها ومآلها إلا هذه الرواية التي يذكرها الطبري في "تاريخ الأمم والملوك" فيقول ما نصّه: "لما وضع رأس الحسين(عليه السلام) بين يدي ابن زياد أخذ ينكت بين ثنيتيه ساعة، فلما رآه زيد بن أرقم لا ينجِمُ عن نكته بالقضيب قال له:

أعلُ بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين فهو الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله(صلى الله عليه وآله) على هاتين الشفتين يقبلهما. ثم انفضخ الشيخ يبكي، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك، فو الله لو لا أنك شيخ قد خرفتَ وذهب عقلك لضربت عنقك. قال: فنهض فخرج. فلما خرج سمعت الناس يقولون: والله لقد قال زيد بن أرقم قولاً لو سمعه ابن زياد لقتله، فقلت: ما قال؟ قالوا: مر بنا وهو يقول: ملك عبد عبداً، فاتخذهم تُلدا. أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم قتلتم ابن فاطمة وأمَّرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم فرضيتم بالذل فبعداً لمن رضي بالذل"(1).

أي والله، أيها الشيخ، إنها لشهادة حق ولكن بعد فوات الأوان، ولكنها


1) تاريخ الأمم والملوك للطبري: 4 / 349 أحداث سنة (61 هـ).

تحكي الواقع الذي احتار الناس في تفسيره، لماذا وكيف صرنا لما نحن عليه الآن عبيد في ديارنا لا نملك من الظالمين دفعاً ولا نفعاً، هذا يحكي لنا عن الحرية في أوروبا! وذاك يحكي لنا عن طبيعة هذا الشعب أو ذاك الذي يحب العبودية ولم يحاول أحد أن يصل إلى الحقيقة.

إن ما جرى علينا هو استجابة لدعوة دعاها أبو عبد الله على من قتله أو رضي بذلك أو سمع فلم ينكر. فها هو أبو عبد الله الحسين يدعو عليهم وقد أثخنته الجراح: "اللهم امسك عنهم قطر السماء، وامنعهم بركات الأرض، اللهم فإن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقاً واجعلهم طرائقَ قِددا ولا تُرْض عنهم الولاة أبداً فإنهم دعونا لينصرونا فعدوا علينا فقتلونا"(1).

ثم هو قبل قتله مباشرة: "سمعته يقول قبل أن يقتل وهو يقاتل على رجليه قتالَ الفارس الشجاع يتقي الرمية ويفترض العورة ويشد على الخيل وهو يقول: أعلى قتلي تحاثون؟، أما والله لا تقتلون بعدي عبداً من عباد الله، الله أسخط عليكم لقتله مني وايم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون، أما والله أن لو قد قتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم وسفك دماءكم ثم لا يرضى لكم حتى يضاعف لكم العذاب الأليم".

وهكذا ضاعت الفرصة تلو الفرصة من هذه الأمة دون أن تستفيد منها وكان أمر الله قدراً مقدوراً.

والفرص لا تمنح للأمم مائة مرة، ولا عشرين مرة، ولا عشر مرات، إن الفرص التاريخية لإصلاح الأحوال والسير على نهج مستقيم لا تأتي إلاّ قليلا. وهكذا ضاعت من هذه الأمة فرصة السير على نهج نبيها ثلاث مرات، فرصة الإمام علي، ثم فرصة الإمام الحسن، ثم كانت فرصة الإمام الحسين هي القاصمة


1) المصدر نفسه: 4 / 344 ـ 345.

التي ما بعدها قاصمة، وكان لابد من انتظار طويل. وأسدل ستار الليل في سماء هذه الأمة وهو ليل لن يجلوه إلا ظهور قائم أهل البيت(عليهم السلام)، الإمام الثاني عشر محمد المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

وهكذا قُدِّر لنا أن ننتظر ذلك الانتظار الطويل وأن نعيش ذلك الصراع المرير بين قوى الحق والباطل داخل هذه الأمة، وأن نرى كل هذه المصاعب والويلات من سفك دماء وطاقات تهدر في صراعات داخلية ورؤوس تطير وسجون تملأ وغزوات خارجية تترية وصليبية وأخيراً صهيونية وقبلها أوروبية وحكومات من كافة الأنواع والأشكال مملوكية وعباسية وأموية وعثمانية، وهل هناك أسوأ من أن يحكم المماليك العبيدُ أمة وهم لا يملكون حق التصرف في ذواتهم، كل هذه الحكومات أكثرت من الظلم، وقلّلت من العدل وادعى الجميع أنهم يطبقون الإسلام، والكل يقتل بالظنة، والكل يستبيح الخمور، وانتهاك الأعراض وأخيراً جاءت إلينا الحكومات العلمانية والقومية والاشتراكية والملكية والشيوعية، جربوا فينا كل شيء إلا العدل، ذلك الممنوع علينا من يوم أن جاء بنو أمية.

وهكذا قدر لنا أن نعيش الصراع والانتظار.

{4} إدريس الحسيني(مالكي / المغرب)

اشارة

الصورة

A03

ولد عام 1967م بمدينة "مولاى إدريس" المغربية، وترعرع في مدن المغرب: القصر الكبير، مكناس، الرباط، وذلك نتيجة الظروف التي كانت تحددها وظيفة والده في وزارة الفلاحة.

الأجواء التي ترعرع فيها:

نشأ السيد إدريس في أوساط عائلية وبيئة اجتماعية منحته منذ البداية الثقة بالنفس والعقلية المنفتحة والواعية نتيجة هيمنة قانون حرية الرأي وحرية الفكر فيها، فكان متحرّراً من كل فكر عقائدي في بيئته ولم يواجه أي لون من ألوان الأزمة في الحرية.

فيقول السيد إدريس في هذا المجال: "إنني لم أنشأ في أسرة تضرب أبناءها اطلاقاً، لأنّ المغاربة لا يعرفون كيف يضربون أبناءهم. وهذه الحرية العقائدية في بيتي ساعدتني على أن أدخل في معترك الاختيارات الفكرية دون مسبقات".

كما أنّ دولة المغرب بشكل عام كما يصفها السيد إدريس بلد يتمتع بمجتمع مدني، وفيه أن تختار فكراً لا يعني أن المسألة أصبح لها مدلولا طائفياً، كما هو

الوضع في بلدان أخرى، بل الكل حرّ في أن يختار طريقته دون أن يذهب به ذلك إلى الاخلال بالأمن العام.

وفي هكذا أجواء ترعرع السيد إدريس متسماً بالعقلية المتفتحة والناقدة، فنمى لديه طموح البحث في الفكر الانساني عموماً والفكر الاسلامي على وجه الخصوص، وهذا هو الطموح الذي ظل يراوده منذ الصبا والذي دفعه ليجتاز كل العقبات التي اعترته من أجل تحققه.

بداية الرحلة الجادة في البحث:

أدرك السيد إدريس في بداية توجهه للبحث أن ليس ثمة شيء في الدين إلاّ وله علاقة بالتاريخ، وأنّ ما تملكه اليوم الأمة الإسلامية من عقائد وأحكام وثقافات كلّها جاءت عن طريق الرواية، فلهذا ينبغي أن يكون التاريخ هو أحد المصادر العلمية المهمة. فتوجه السيد إدريس إلى الأبحاث التاريخية بصورة موضوعية ومن دون تحيّز أو تعصّب لاتجاه معين.

مرحلة اجتياز العقبات:

أول عقبة واجهها السيد إدريس في مسيرته تحذير بعض العلماء له من البحث في القضايا التاريخية القديمة، محتجين لذلك بأن هذا الأمر باعث على الفتنة وأنه يورث الباحث شبهات توجب تزلزل بنيته العقائدية.

لكن السيد إدريس سرعان ما تمكّن من اجتياز هذه العقبة، فلم يتقبل هذه الفكرة فيقول في هذا المجال: "لقد تحوّل البحث عن الحقيقة، فتنة في قاموس هذا الصنف من الناس، وكأنّهم يرون البقاء على التمزق الباطني، حيث تتشوش الحقيقة وتغيب، أفضل من الافصاح عن الحق الذي من أجله أنزل الوحي، وكأن مهمة الدين هو أن يأتى بالغموض، وكأن الله عزّوجلّ أراد أن يبلبل الحقائق".

وكانت العقبة التالية أمامه هي قداسة بعض الشخصيات، لكن بعد عزمه على معرفة الحق أدرك أن الحقيقة أغلى وأنفس من الرجال دون استثناء، وأنّه لابدّ أن يوطن نفسه ويهيئها للطوارىء في معترك التنقيب عن الحقائق الضائعة. فلهذا لم يفسح المجال لأي قداسة مزعومة أن تجمّد فكره في مجال البحث عن الحقيقة.

وبهذه العقلية خاض السيد إدريس غمار البحث، واستغرقت رحلة بحثه فترة طويلة عاشها بين أنقاض التاريخ المدفون.

ويقول السيد إدريس: "لقد قمت بكل ما يمكن أن يفعله باحث عن الحقيقة، ومصرّ على المضي في دربها المضني والوعر".

بداية تعرفه على التشيع:

يقول السيد إدريس: "وقع بيدي كتابان يتحدّثان عن فاجعة كربلاء وسيرة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، وكنت لأوّل مرّة أجد كتاباً يحمل لهجة من نوع خاص مناقضه تماماً لتلك الكتب التي عكفت على قراءتها، لم أكن أعرف أنّ صاحب الكتاب رجل شيعي، لأنني ما كنت أتصوّر أنّ الشيعة مسلمون!

فكانت تختلط عندي المسألة الشيعية بالمسألة البوذية أو السيخية!!".

ومن هنا تفتحت ذهنية السيد إدريس فتعرف على بعض أفكار ورؤى التشيع فتبادر إلى ذهنه: لماذا هؤلاء شيعة ونحن سنة.

ويقول السيد إدريس: "تحوّل هذا السؤال في ذهني إلى شبح، يطاردني في كل مكان، فتجاهلت الأمر في البداية وتناسيته حتى اخفف عن نفسي مضاضة البحث، بيد أن ثقل البحث كان أخف عليّ من ثقل السؤال وأقل ضغطاً من الحيرة والشك المريب".

ومن هذا المنطلق قرّر السيد إدريس ولأجل التخلص من هذا الضغط

النفسي أن يزوّد فكره بالجديد حتى يحسم مسلماته الموروثة، لأنه أدرك عدم قيمة أفكار تتراكم في ذهنه من دون أن تبلور عنده أساس عقائدي متين.

فلهذا قرّر السيد إدريس أن يتوجه إلى معرفة الفكر الشيعي من أجل الالمام بالفوارق بينه وبين الفكر السني.

ثمار الانغماس في التراث الشيعي:

لم تمض فترة قصيرة من دراسة السيد إدريس للتراث الشيعي إلاّ وأدرك أموراً خطيرة قلبت عنده الموازين، وكان منها وعيه بأن الوضع السني لا يجد حرجاً في أن يملي على اتباعه صورة مشوّهة عن معارضيه وأنّه لا يستحي من الله ولا من التاريخ في تغذيته نزعة التجهيل والتمويه لمنتميه.

ويقول السيد إدريس: "وفجأة وجدت نفسي مخدوعاً".

وانتفض ضميره قائلا: "لماذا هؤلاء لا يكشفون الحقائق للناس، كما هي في الواقع؟ لماذا يتعمّدون ابقاءنا على وعينا السخيف".

فقرّر السيد إدريس أن يبحث عن الحق الضائع في منعطفات التاريخ الإسلامي، وكان من أكبر الأحداث التاريخية التي تركت الأثر العميق في وجدانه هي فاجعة الطف الدامية، ومنها عرف أنّ هذا الظلم الذي يشكو منه اليوم ليس جديداً على الأمة، وأن الظالمين اليوم يسلكون طريقاً أسسه رجالات كانوا يشكّلون حجر عثرة أمام مسيرة الأئمة من آل البيت(عليهم السلام).

عقبة أحقية الأكثرية:

يقول السيد إدريس: "كنت كلما طرحت سؤالا على نفسي، رأيت شيطاناً يعتريني ويقول لي: دع عنك هذا السؤال، فهل أنت أعظم من ملايين المسلمين الذين وجدوا قبلك، وهل أنت أعلم من هؤلاء الموجودين حتى تحسم في هذه

المسألة" ويضيف: "كنت أعلم أنّ هؤلاء الملايين لم يطرحوا هذا السؤال على أنفسهم بهذه القوّة والإلحاح".

وعلى كل حال لم تكن هذه الاعتراضات بذلك المستوى الذي تردع السيد إدريس عن اندفاعه إلى كشف الحجاب عن الحقيقة المستورة.

ولقد حزّ في نفسه هذه الكثرة الغالبة، حيث أنها كبرت في عينه وصعب عليه مخالفتها، بيد أن شيئاً واحداً جعله ينتصر عليها وذلك بايمانه بأنّ الأكثرية فقط لا يمكنها أن تمثل الحقيقة، ولا يسع في البحث الموضوعي عدّ الأكثرية ملاكاً لمعرفة الحق، وهذا ما جعله يتمكن من الصمود أمام الأمواج البشرية الهائلة التي ليس لها منطق في عالم الحقائق سوى كثرتها.

ويقول السيد إدريس: "كنت أطرح دائماً على أصدقائي قضية الحسين [(عليه السلام)] المظلوم، وآل البيت(عليهم السلام)... فأنا ضمآن إلى تفسير شاف لهذه المآسي... كيف يستطيع هؤلاء السلف "الصالح" أن يقتلوا آل البيت(عليهم السلام) تقتيلا! لكن أصحابي، ضاقوا مني وعزّ عليهم أن يروا فكري يسير حيث لا تشتهي سفينة الجماعة".

ويضيف السيد إدريس: "من هنا بدأت قصة ـ الحركة نحو الاستبصار ـ وجدت نفسي أمام موجة عارمة من التساؤلات التي جعلتني حتماً أقف على قاعدة اعتقادية صلبة. أنني لست من أولئك الذين يحبون أن يخدعوا أو أن ينوّموا، لا، أبداً، لا أرتاح حتى أجدد منطلقاتي، وأعالج مسلماتي، فلتقف حركتي في المواقف، ما دامت حركتي في الفكر صائبة".

ومن هنا شدّ السيد إدريس عزمه لمواصلة طريق البحث مهما كانت النتائج، كما أنّه أدرك بأن هذا الطريق وعر، تتجلى فيه أقوى معاني التضحية، وفيه يكون الاستقرار والهناء بدعاً. لأنّ أئمة هذا الطريق ما ارتاح لهم بال ولا قرّ لهم جنان،

حتى يُتّموا، وذبحوا، وحوربوا عبر الأجيال!

فأدرك السيد إدريس مدى قيمة الحقيقة في حسبان الباحثين عنها، وأدرك مدى الجهد الذي ينبغي بذله لخلع جبة التقليد عن نفسه، واختراق الجدار السميك من الضلالات والاعراف والتقاليد.

فعد لنفسه العدة المطلوبة لهذه الرحلة الفكرية، فكانت نتيجه هذا الجهد الذي بذله في البحث هو انجلاء تلك الصورة التي ورثها عن الشيعة، وحلّ محلها المفهوم الموضوعي الذي يتأسس على العمق العلمي المتوفر في الكتابات التأريخية. كما تبيّن له أن مذهب أهل البيت(عليهم السلام) هو أول مذهب في الاسلام، وهذا لا يعني أن الشيعة انفردوا عن غيرهم بطريقة ابتدعوها، ولكنهم احتفظوا بموقعهم الاصيل الذي عُرفوا به، هذا في الوقت الذي شردت فيه جميع الملل والنحل، وتفرّقت تبتغي الحق عند غير أهله.

اتخاذ الموقف النهائي:

يقول السيد إدريس: "في اللحظات التي ظهرت لي الأحداث على حقيقتها، قامت ـ فوراً ـ حرب بين عقلي ونفسي، فالنفس عزّ عليها اقتلاع "ضرس" العقيدة السابقة، والعقل عزّ عليه أن يتغاضى عن الحقائق الواضحة القطعية، فإما أن أتبع طريقاً موروثاً، وإما أن أسلك سبيل القناعة ونور العقل".

ويضيف: "كان هذا أخطر قرار اتخذته في حياتي، لكي انتقل بعدها إلى رحاب التحديات الفكرية والاجتماعية".

ومن هنا استقر المقام بالسيد إدريس في هدى الأئمة الأطهار، فأعلن تشيعه في المغرب ثم هاجر إلى سوريا من أجل الالتحاق بالحوزة العلمية في دمشق. فتلقى دراسته الحوزوية على يد جملة من المشايخ والعلماء، ولا يزال متابعاً لدراسته إلى جانب مزاولة التدريس بالحوزة العلمية، اضافة إلى عمل

الصحافة والكتابة الاخرى.

وقد تبلور عند الاستاذ اتجاهين في رحاب العلم والمعرفة: الأول الاهتمام بالمباحث المعاصرة والجديدة والحديثة التي تطرح بكثافة في ساحة المغرب، الثاني هو الاهتمام بالمباحث الدينية والمذهبية التي بدأ يتلقاها على أيدي اساتذة الحوزة العلمية التي انتسب إليها.

وقد أبدع الاستاذ في نتاجاته في كلا الاتجاهين، فألّف بعض الكتب فيما يخص المباحث الدينية مثل كتاب لقد شيعني الحسين، وكتاب الخلافة المغتصبة، والّف جملة من الكتب تدور حول الافكار والرؤى المعاصرة ككتاب: محنة التراث الآخر.

ولقد ارتأينا فيما يخص وقفه مع كتب المستبصرين أن نقف عند كتابين من كتب الاستاذ إدريس الحسيني، أحدهما يرتبط بالكتب التي دوّنها حول المباحث المذهبية، والثاني يرتبط بالكتب الي دوّنها على غرار الاسلوب المعاصر في البحث(1).

مؤلّفاته:

{1} "لقد شيعني الحسين(عليه السلام)" (الانتقال الصعب في رحاب المعتقد والمذهب):

صدرت الطبعة الأولى عام 1414هـ ـ 1994م عن دار النخيل للطباعة والنشر ـ بيروت، ترجمه مالك محمودي إلى اللغة الفارسية تحت عنوان "راه دشوار از مذهب به مذهب" وصدرت الترجمة عام 1416 عن دار القرآن الكريم ـ قم.


1) مصادر الترجمة: لقد شيعني الحسين للمترجم له، الخلافة المغتصبة للمترجم له، مجلة المنبر العدد 3، السنة الأولى، جمادى الاولى 1421هـ.

يتضمّن هذا الكتاب دراسة موضوعية حول بعض الأمور العقائدية التي من خلالها تمكّن المؤلف أن ينتقل من المذهب السني إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

ويحتوي الكتاب على مقدمة ذكر فيها المؤلف الأهداف التي توخاها من نشره لهذا الكتاب، ثم أعقبها بموضوع حول الرجوع إلى التاريخ وأسباب الحديث عن الشيعة والسنة. وفي الكتاب ستة فصول متضمنة لمجموعة محاور أهمها:

الفصل الأول: تصوّر المؤلف للتاريخ الإسلامي والخلافة الراشدة.

الفصل الثاني: مرحلة تحول المؤلف وانتقاله الفكري من السنة إلى الشيعة.

الفصل الثالث: اعادة تحليل التاريخ ودرء جملة من الشبهات المثارة ضد الشيعة والتشيع.

الفصل الرابع: حقائق ورؤى جديدة من التاريخ حول سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله)ووفاته والملابسات التي اعقبت رحيله، وسيرة الخلفاء الذين جاؤوا بعده، ثم ذكر بيعة الإمام عليّ(عليه السلام) وما جرى في زمن خلافته، ثم التطرّق إلى خلافة الإمام الحسن(عليه السلام)وكيفية تحوّل الخلافة إلى مُلك، ثم الاشارة إلى ملحمة كربلاء التي كانت سبباً في تشيع المؤلف.

الفصل الخامس: مفاهيم كشف عنها الغطاء من قبيل مفهوم الصحابي، وشخصية عائشة بنت أبي بكر، ومفهوم الإمامة.

الفصل السادس: التركيز على خصائص العقيدة الإمامية في ما يخص: الصفات، التفويض والجبر، الرؤية والبداء.

{2} "الخلافة المغتصبة" (أزمة تاريخ أم أزمة مؤرخ):

صدرت الطبعة الأولى عن دار الخليج، والطبعة الثانية عام 1416هـ عن دار النخيل العربي للطباعة والنشر ـ بيروت.

يحتوي هذا الكتاب على مقدمة ومدخل وثلاثة أبواب وخاتمة:

يتضمن المدخل مجموعة أبحاث منها: حركة النفاق في المجتمع الاسلامي; التدابير النبوية في تركيز الأمّة.

وأما الابواب:

الباب الأول: اصطلاح ومفهوم أهل البيت والخلفاء والواقع التاريخي.

الباب الثاني: أزمة تاريخ أم أزمة مؤرخين، نموذج ابن خلدون ومناقشة ما ذكره حول وفاة النبي(صلى الله عليه وآله)، بدء الخلافة، خبر السقيفة، خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ثم ذكر شبهات ابن خلدون والرد عليها.

الباب الثالث: أوهام مقدسة، أضواء على خلافة عمر وخلافة عثمان.

الخاتمة: ذكر الزبدة والنتيجة التي توصل إليها المؤلف خلال البحث.

{3} "هكذا عرفت الشيعة" (توضيحات وردود):

صدر عام 1418هـ. عن دار النخيل العربي للطباعة والنشر ـ بيروت.

يحتوي الكتاب على مقدمة وثلاثة أبواب، يتضمّن كل باب مواضيع متعددة، منها:

الباب الأول: تقييم الصاح، عبدالله بن سبأ، القرآن، المتعة.

الباب الثاني: الوهابية وهوس التكفير، اصول الدين عند الشيعة الامامية، القبوريون، القضاء والقدر، البداء، الامام المهدي.

الباب الثالث: الوحدة وامكانية التقريب، الوجه الآخر للتشيع، اعيان الشيعة.

{4} محنة التراث الآخر: النزعات العقلانية في الموروث الامامي" صدر عن دار الغدير ـ بيروت سنة 1419هـ.

وهو بحث ينطلق لصياغة رؤية موضوعية ومتكاملة للتراث الشيعي الذي

تعرّض طوال تأريخيه للاقصاء من دائرة التأثير.

ويتناول الاستاذ ادريس في هذا الكتاب أربعة حقول وهي: الكتابة التاريخية وعلم الكلام والحكمة واصول التشريع.

المقالات:

{1} "في نقد الاسطورة السبئية" نشرتها مجلة المنهاج التي تصدر عن مركز الغدير ـ بيروت، العدد الثالث ـ خريف 1417هـ ـ 1996.

تتضمّن هذه المقالة نقاش وردّ لما أورده بعض القائلين: بالأصل السبئي للتشيع تلك الخرافة لاتي لم يزيدها تكرار الألسن لها إلاّ انفضاحاً وتهرءاً. وقد ركّز الكاتب نقاشه مع صاحب الكتاب "أصول مذهب الشيعة الاثني عشرية" ناصر بن عبدالله القفاري.

وقد أورد الكاتب: " وسوف اقتصر في النقاش على كتاب "اصول مذهب الشيعة..." لجمعة تلك الافتراءات ولاشتباهه في الكثير من الامور في هذا المجال!".

ويذكر الكاتب في نهاية المقالة د "ان غاية ما نصبوا إليه، وزبدة بحثنا في الموضوع، هو العمل على دحض الفكرة القائلة بالأصل السبئي للتشيع.

لقد اكتظت رفوف المكتبات والخزانات بما يخرس الألسنة في الأصل النبوي للتشيع".

{2} "الجابري... واللامعقول الشيعي" نشرته مجلة المنهاج ـ العدد الثامن ـ شتاء 1418هـ. ـ 1997م.

والجابري هو الكاتب المغربي صاحب كتاب: "نقد العقل العربي".

جاء في أحد هوامش المقالة بشأن الجابري: "التركيز هنا على الجابري لما يسوِّغه، فهو أول مغامر جازف في قراءة التراث قراءةً لم تسىء إلى المنهج العلمي

فحسب، بل تم فيها التركيز على الشيعة، حتى كان أشد عليهم من السلفية وأكثر حقداً. فلم يخل كتاب من كتبه هذه من تشنيع على الشيعة وتعريض بهم".

وجاء في أول المقالة: "الخاصية التي تتبادر الى الذهن ونحن نقرأ أبحاث د. الجابري حول الفكر الشيعي وتاريخيه السياسي، هي تلك المحاولة التي لم تقطع من طرائق الجدل، ونعني بها طرائق الخطاب القائمة على كثرة الاقيسة الناقضة والمصادرات على المطلوب، والمغالطات...، حتى وهي تتستر وراء مناهج ومفايهم، تبدو ـ في مظاهرها ـ علمية وبرهانية، على أنه لا يكفي، في التحليل العلمي، إيراد المفاهيم العلمية هذه التي من اليسير تحويلها إلى أساس لرؤية مفارقة، حينما لا نحسن استخدامها أو توظيفها".

{3} "الانطلوجيا المشائية في افق انفتاحها، ومقاربة لنظرية الوجود عند صدر المتألهين الشيرازي".

نشرته مجلة المنهاج ـ العدد التاسع ـ ربيع 1418هـ ـ 1998م.

جاء في بداية المقالة: "إذا جاز الحديث عن تيار وجودي بامتياز داخل حقل الثقافة الاسلامية، فليس هناك من هو أقدر بهذا الوصف من الفيلسوف صدر الدين الشيرازي، المعروف بـ "الملا صدرا" و"صدر المتألهين"; إذ انه جعل إشكالية "الوجود" مدار فلسفته وانشغالاته المعمَّقة، انطلاقاً من أنّ الوجود هو أشرف الأشياء عنده. وحتى نكون موضوعيين يجب ان نضع فلسفة "ملا صدرا"، بخصوص إشكالية الوجود في إطارها التاريخي، من حيث أنّها مثلت ثمرة عمل لجيل كامل من الفلاسفة. غير أنّ هذه المسيرة من النظر في إشكالية الوجود لم تجد مخرجاً لها إلاّ مع مجيء "ملا صدرا". ونستطيع التحدث عند مذهبية إمامية متجانسة ـ باستثناء السهروردي ـ في مجال البحث الوجودي، تلك التي دشنها الخواجة نصير الدين الطوسي، وبلغت قمة نضجها مع "ملا صدرا" وأصبحت، بعد

ذلك تمثّل وجهة النظر الفلسفية الإمامية".

وجاء في الخاتمة: "إذا جاز أن تنسب نظرية "ملا صدرا" في الوجود إلى جهة ما، فانما إلى جوهر التصور الاسلامي، الذي يثبت موضوعية العالم، ويقرّ بحقيقة الموجود، مع التأكيد على عالم المثل، غير الخاضع لقانون الطبيعة، وهو عالم الروح".

{4} "مع ابن تيمية في ردوده على المنطقيين" نشرتها مجلة المنهاج ـ العدد الرابع عشر ـ صيف 1420هـ ـ 1996م.

جاء في بداية المقالة: "ليس ابن تيمية خصماً أشعرياً تقليدياً للفلسفة، على غرار أبي حامد الغزالي أو الشهرستاني أو ابن خلدون، أولئك الذين وان وقفوا منها موقفاً سلبياً، فهم ممّن مارس إحدى كيفياتها بصورة ما. لكننا الآن أمام حالة فارقة في عالم النقض على الحكماء والمناطقة، إنه المدعو ابن تيمية الحراني، ذلك المحدّث السلفي الذي حمل على عاتقه مهمة الدفاع عن الحديث، وعقيدة السلف من وجه النظر الظاهرية، وهو موقف صريح وواضح في انتصاره للسماع، ودحضه للعقل".

وجاء فيها أيضاً: "لقد صنف ابن تيمية كتابه الشهير "نقض المنطق" دفاعاً عن أهل الحديث ودحضاً لمزاعم المتكلمين والفلاسفة وأهل المنطق، طبعاً، وعلى طريقة أهل التجريح من المحدثين، لم يدخر شيخ الاسلام شيئاً من الذم والقدح إلاّ وجاد به في مصنفه، حيث نعت الفلاسفة بالكفر والزندقة والبدعة...

لقد ربط ابن تيمية بين المنطق والالهيات. وربما انه جعل المنطق سبيل الالهيات اليونانية فانه لا مناصة من الحكم بضلال هذه الصنعة المتكلفة وفسادها; فمن "حسن الظن بالمنطق وأهله" ان لم يكن له مادة من دين وعقل يستفيد بها الحق الذي ينتفع به، وإلاّ فسد عقله ودينه".

{5} "آفاق النهضة في الفكر العربي المعاصر وجدلية العلاقة مع الغرب من منظار نقدي":

نشرتها مجلة البصائر ـ بيروت ـ العدد (10) ـ ربيع 1413هـ ـ 1993م.

جاء في بداية المقالة: "اثيرت ولا تزال ـ في الآونة الأخيرة ـ زوبعة من الاهتمامات بمستقبل العالم في ظل نظام عالمي جديد. رسم الغرب مبادئه، وحدد آلياته. مستقبل الحداثة وما بعدها في عالم متغير، وفي تاريخ بعيد المسار، تحاول الأيدلوجية الليبرالية ـ عبثاً ـ ايقافه أو الاستئثار به، ذلك المستقبل كما يتحدّد في الرؤية الغربية للعالم المعاصر. وفي هذا الافق المختنق بدخان كثيف، يصدر عن ذلك الغرب المستهتر، والممعن في التفوق والسيطرة، وتلك الشعوب التي خضعت قهراً وتغريراً، لنمط من الارغام والقسر على ثقافة واحدية، جاءت مع البضاعة الغربية... في هذا الافق الضيق المختنق، تعلو احتجاجات، للتأكيد على التميز، ومناهضة الثقافة العالمية الجديدة، التي تسيرها أجهزة الغرب، من أجل خلق نوع من المركزية الحضارية، ونبذ التميز والتنوع. لغايات تسلطية".

وجاء في اواخر المقالة: "من أجل التفاعل الحقيقي مع الحياة، في انتعاشها المتواصل ستكون الأمة، أمام مسؤوليتين:

أولا: كيف تبعث إسلامها الحضاري من تحت قرون من الانحطاط والتمزق وتجعله يقفز من زمن الانحطاط الى مرحلتنا بعد توقف زمن طويل لم يمارس فيه البعد الحضاري من الاسلام، توقف شل جزءاً هائلا من امكانيات الاسلام الحيوية في عملية التفاعل مع الحياة.

ثانياً: كيف تواجه الأمّة باسلامها كيانات حضارية تؤمن بالخصوصية لنفسها، وتلغيها عن الآخرين، بل وتجعل من خصوصيتها محوراً كونياً لباقي الشعوب.

{6} "المقبول واللامقبول في "اصوليات" روجيه غارودي":

نشرته مجلة البصائر ـ العدد (10) ربيع 1413هـ ـ 1993م.

قراءة في كتاب: "الأصوليات المعاصرة، أسبابها ومظاهرها" لروجيه غارودي، الكاتب الفرنسي المعروف.

جاء في مقدمة القراءة: "لعل ما يميز الكتابة عند "روجيه غارودي" هو أنها ليست من جنس الكتابات الاستهلاكيه، ذات الطابع الحرفي إنها انتاج يعكس جهد الباحث المخلص للمعرفة، ويتميز بالعمق والتحليل والمتابعة، يضاف إلى ذلك عمق التجربة التي خاضها "غارودي" على طول إحتكاكه بالفكر الغربي، الماركسي والمسيحي، وسعة إطلاعه على الفلسفات القديمة والحديثة. ولا تزال الرحلة "الغارودية" مستمرة إلى أن استقرت راحلتها على واحة العقيدة الإسلامية حيث باتت تلك هي أرضيته في كل إبداع يصدره للوجود".

ذكر غارودي أنّ "الاصولية" التي يتهم الغرب بها الإسلاميين لا تختص بهم، بل هناك "أصولية" علمانية غربية، وأصولية مسيحية فاتيكانية، وأصولية يهودية اسرائيلية، وأصولية ماركسيه ستالينيه.

وجاء في قراءة الكتاب عند تعرض غارودي للاصولية الإسلامية: "الدخول المباشر في مناقشة غارودي في أخطر ثغرة تحليلية وجدت في كتابه وهو حديثه عن الأسباب الموضوعية لنشوء الظاهرة الاصولية في العالم العربي، تتطلب طرح السؤال عن مدى الجديد الذي اتى به غارودي، في تقريبه الأخير، للمسألة الاصولية، فالتحليل كان "أعرجاً" من ناحية التماس الدقة في المعلومات التاريخية".

ولخّص الكاتب قراءته لكتاب غارودي بالقول: "لقد تمكّن غارودي من المواجهة الفكرية والسياسية للغرب، لكنه اخفق في محاولته للعبث بأساسيات الشريعة الاسلامية.. انه الوجه غير المقبول في مقاربة غارودي".

{7} "حوار الحضارات":

صدر عن المركز الثقافي العربي ـ الدار البيضاء ـ المغرب ـ الطبعة الأولى، عام 2000.

يقول المؤلف في مقدمة الكتاب: "هذا العمل الذي بين يدي القارىء، محاولة لمزيد من التوضيح (حول حوار الحضارات). فالخطر المترتب على الوهم بوجود حضارات متعاصرة يجعل الانهام بالذات المسلوبة الاقتدار، بداية الكارثة، ما يجعل حواراً بين بين الخواء والعمران، وبين السلب والايجاب، مشروعاً ناجزاً".

ويشتمل هذا الكتاب على الأقسام والفصول التالية:

القسم الأول: مأزم الحداثة وبؤس آليات التثاقف.

الفصل الأول: مشكلة الحداثة في الثقافة العربية ـ الإسلامية.

الفصل الثاني: من المدينة الكالفانية إلى المدينة الإسلامية.

القسم الثاني: تحرير النزاع فيما بين الحضارة والثقافة من اتصال أو انفصال.

القسم الثالث: انشودة المثاقفة وآفاق الحوار الحضاري بين قمع الحداثة وصرخة الهامش.

الفصل الأول: الوجه الآخر لاطروحة هنتنغتون.

الفصل الثاني: مساءلات في الحوار الحضاري.

ملحق: مداخلات في مؤتمر: كيف ندخل حوار الحضارات.

{8} "المفارقة والمعانقة" (سؤال المقابسة في قرن جديد، رؤية نقدية في مسارات العولمة وحوار الحضارات":

صدر عن المركز الثقافي العربي ـ الدار البيضاء ـ المغرب، الطبعة الأولى عام 2001م.

يقول المؤلف في مقدمة الكتاب: "لقد سعينا من خلال هذا العمل إلى ابراز الوجه الآخر للعولمة غير وجهها البادي الغارق في المساحيق. نظرنا إليها بوجدان قلق لا بشبق غريزة. فانتهينا إلى ما انتهى إليه غربيون من ذوي الرأي والاختصاص والاحتكاك. وهم في الخندق المتقدم في مواجهة اجهاضات العولمة... هذا في القسم الأول. أما في القسم الثاني فقد تطرقنا إلى موضوع حوار الحضارات وعدنا حينئذ إلى البدايات حتى لا نقف في مأزق النهايات، مؤصلين ومقاربين للمفاهيم والمحدّدات الأولى. وخالفنا في ذلك من رام القول بتعدد الحضارات" ويحتوي هذا الكتاب على عدة مواضيع منها:

العولمة والعالم، أعولمة حقاً أم صناعة الحرب؟، العرب والعولمة: التحدي والاستجابة، العولمة الثقافية كمشروع اختراق، حوار حضارات أم ثقافات، اشكالية حوار الحضارات وراهنية العلاقات الدولية، الموضوعي واللاموضوعي في النموذج الحضاري.

وقفة مع كتابه: "لقد شيعني الحسين"

يعتبر هذا الكتاب، تدوين تجربة خاضها الاستاذ إدريس الحسيني في دائرة الفكر والاعتقاد، ليختار لنفسه المعتقد الذي يفرض نفسه بالدليل والبرهان، فكانت النتيجة أنه وجد الحق في غير ما ورثه من اسلافه.

وفي هذا الكتاب يسجل المؤلف تجربته في التحوّل من المذهب السني إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فيقول في المقدمة: "في تجربتي هذه، ليس هاماً أن أعرّف الناس بشخصيتي، فقيمة الموضوع الذي يتبنّاه هذا الكتاب، أهم بكثير، هذه تجربتي في خط العقيدة وأنا مسؤول عنها، لذلك أتوخى لها أن تكون حرّة، طليقة بلا قيود!".

الفصل الأول: كيف كان تصوري للتاريخ الاسلامي؟

يرى المؤلف أن الأجواء التي عاش فيها، تركت اسمى التأثير في صياغة اطاره الفكري الذي ينظر من خلاله إلى التاريخ، فيقول: "فمنذ البداية كانوا قد زرقوني بهذا التاريخ... ونكف إذا رأينا الدم والفسق والكفر، ليس لنا الحق سوى أن نغمض الأعين، ونكف الألسن ـ حين قراءة التاريخ الاسلامي ـ ثم نقول: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت...".

ويصف المؤلف هذه الحالة أنها عملية لجم مبرمجة وقيود توضع على عقل الانسان، قبل أن يدخل إلى محراب التاريخ المقدس: "لقد علمونا، أن نرفض عقولنا، لنكون كائنات "روبوت"، توجهنا كمبيوترات مجهولة، وغلبت السياسية على التاريخ، وحولته إلى بؤس حقيقي".

ولكن ما إن سمى وعي الاُستاذ ادريس تحوّل إلى صاحب عقلية ناقدة لا تقبل شيء إلاّ بعد البحث والتنقيب ومن هنا كانت الازمة التي يصفها بقوله: "ما اثقلها من ازمة على طلاب الحقيقة!".

الفصل الثاني: مرحلة التحوّل والانتقال

يذكر المؤلف في هذا الفصل قصة استبصاره، ويرى أنّ من أهم الموانع التي كان يضعها أبناء مجتمعه حين مبادرته إلى البحث العقائدي ودراسة احداث صدر الإسلام أنهم كانوا يقولون له: "تلك فتنه طهرنا الله منها، وليس لنا مصلحة في استحضارها والخوض فيها".

لكن الاستاذ إدريس يذكر أنه كان يقول: "كيف طهرنا الله منها، وهي ما زالت حاضرة فينا، بعيوبها ومسوخاتها".

وكان يطرح الاستاذ إدريس دائماً على اصدقائه قضية مظلومية الإمام الحسين(عليه السلام)يوم عاشوراء، وكان يبحث عن تفسير شاف لهذه المأساة، ومن هنا بدأت قصة استبصاره! لأنه خلال التفكير حول هذه القضية وجد نفسه أمام موجه عارمة من التساؤلات التي جعلته أن يقف حتماً على قاعدة اعتقادية صلبة، فاندفع ليجدد منطلقاته ويعالج مسلماته!

فيقول الاستاذ: "لم تكن عندي يومها المراجع الكافية لاستقصاء المذهب الشيعي... ويعلم الله، أنني رسخت قناعاتي الشيعية، من خلال مستندات أهل السنة والجماعة انفسهم. ومن خلال ما رزحت به من تناقضات".

الفصل الثالث: وسقطت ورقة التوت

يحاول المؤلف في هذا الفصل أن يعيد تحليل التاريخ، فيتناول المسألة "الشيعية" من وجهة نظر تاريخية، وليس من وجهة نظر مذهبية، ثم يبحث حول

أصل نشوء الشيعة.

فيقول حول ادعاء انتساب التشيع إلى عبدالله بن سبأ: "ليس هذه أول خرافة، تلقى بهذا الشكل "التهريجي على التشيع" بل أخريات من تلكم الشبهات المحبوكة بالأصابع المأجورة والمسيئة، بالترغيب والترهيب الأموي، لابد من الوقوف على هزالها!".

ثم يذكر تهمة فارسية التشيع ويقول: "لم يكن التشيع من ابداع الفرس إلاّ عند مهرجي التاريخ، والعرب سباقون إلى التشيع، وهم الذين ادخلوه إلى فارس، والدليل على ذلك، أن معظم علماء السنة الكبار في التفسير والحديث والأدب واللغة... هم من فارس، وبقيت ايران ـ لفترة ـ على السنة الأموية في سبّ علي(عليه السلام)ولعنه في المساجد وعلى المنابر".

الفصل الرابع: من بؤس التاريخ إلى تاريخ البؤس!

يدعو المؤلف في هذا الفصل إلى الحكم بالوجدان حين قراءة التاريخ، ثم يبيّن سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله) مع التركيز على المحطّات الحساسة التي يعتبرها مفتاحاً لفهم الظاهرات التي شهدها التاريخ الإسلامي فيما بعد.

ثم يوضّح أن المؤامرة على الرسول(صلى الله عليه وآله) قد بدأت بعد الفتح، حيث حاول المنافقون الذين كانوا يشكلون جزءً من المجتمع الإسلامي أن يغتالوا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في اللحظات التي توفرت لديهم فيها الفرصة.

ويطرح المؤلف مسألة الوصاية والخلافة، فيقول: "إن المشروع الرسالي في عصر النبي(صلى الله عليه وآله) يقتضي الإهتمام، ولفت الأنظار لذلك الامتداد القيادي لرسالة الإسلام، حتى لا يطرأ على التصوّر المناوىء أن المشروع النبوي، مشروع وقتي ينتهي بانتهاء صاحبه.

ولم يكن من منطق الرسالات السابقة أن تغيب هذه المسألة المتصلة بواقع

الرسالة الإسلامية ومستقبلها المصيري".

ويخرج المؤلف في نهاية المطاف بهذه النتيجة: "إنّ الأصل في القيادة، هي الوصية، ولم تكن الشورى، سوى تبرير تاريخي لما وقع في سقيفة بني ساعدة. إذ أن التاريخ يفضح حقيقة الشورى التي اعتمدوها في السقيفة. بل أنّها ـ أي الشورى ـ اثبت "بؤسها" في انتخاب صيغة الحكم، وفي خلق الممانعة الشرعية والمطامع النفسية والقبلية التي كانت سائدة يومها وليس من السهولة التغاضي، عما وقع حول الخلافة من خلاف وتضارب!".

ثم يثبت المؤلف بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) أقام عليّاً(عليه السلام) كمؤازر ووزير ووصي، ثم يستنطق التاريخ وليكشف عن اعماقه فيذكر عدّة مواقف نصّب فيها النبيّ(صلى الله عليه وآله) عليّاً كوصي وخليفه من بعده، منها: حديث الدار، والمؤاخاة، وحديث غدير خم و....

ثم يقول: "إن الرسول(صلى الله عليه وآله) لم يكن ـ حاشاه ـ غافلا عن قيمة الخلافة والاستخلاف، وكانت خطبة الوداع، برنامجاً لهم، يقيهم عثرات المستقبل، واكّد فيها على آل بيته(عليهم السلام) وولّى فيها الإمام عليّاً(عليه السلام)... وحذّرهم من مغبّة التجاوز للنص ابتغاء الرأي والباطل، كما حذّرهم من مغبة التضليل والردة والافتتان. ذكر اليعقوبي في تاريخه: "لا ترجعوا بعدي كفاراً مضللين يملك بعضكم رقاب بعض إني خلفت فيكم الثقلين ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي"، ثم أمر الناس بالالتزام بما أعلنه واودعه فيهم قائلا: "إنكم مسؤولون فليبلغ الشاهد الغائب"(1).

ملابسات وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله):

اشار الاستاذ إدريس الحسيني في هذا الخصوص إلى جملة من الأحداث التي وقعت اثناء مرض الرسول(صلى الله عليه وآله) واحتضاره وبعد وفاته، وخص


1) تاريخ اليعقوبي: 3 / 90 ـ 93.

بالذكر الأحداث التي خلفت وراءها محناً سياسية واجتماعية رهيبة. منها: تجهيز الرسول لجيش أسامة بن زيد، وتخلّف بعض الصحابة عن تلبية أمره، ووقوف عمر موقفاً قمعياً حينما حال بين الرسول(صلى الله عليه وآله) في مرضه والكتابه، وقوله "حسبنا كتاب الله".

وأمّا بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله): "فبقى(صلى الله عليه وآله) جثة هامدة بين يدي آل البيت، يغسلونه، في الوقت الذي راح الآخرون يتطاحنون على حق محسوم بالنص واستغلالا للظرف، وركوباً لفرصة غياب الإمام عليّ(عليه السلام) وآل البيت".

وفيما يخص مقولة عمر بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله): "إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) توفي وإنه والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران..." يذكر المؤلف: إنّ عمر لم يكن يجهل وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله)، ولم يكن يجهل الآية التي تلاها عليه أبو بكر بعد مجيئه وهي قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَئِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَـبِكُمْ)(1)، بل كان غرضه من اثارة هذا الموضوع، هو أن يصرف الناس عن التفكير بأمر الخلافة، حتى يربح الوقت لكي يأتي أبو بكر وتتم العملية.

ثم يذكر احداث السقيفة واللعبة التي لعبها أبو بكر وعمر وأبو عبيدة من أجل الوصول إلى مآربهم.

عصر ما بعد السقيفة:

يركّز المؤلف في هذا الخصوص على المحطات المهمة بعد السقيفة، ثم يورد المشاكل المعقدة التي افرزها واقع السقيفة، منها:


1) آل عمران: 144.

1 ـ منع فاطمة الزهراء(عليها السلام) من ميراث ابيها لفدك وموقف الزهراء ازاء ذلك.

2 ـ دخول أبي بكر في معركة مع المسلمين واتهامهم بأهل الردة، ذلك لمنعهم اعطاء الزكاة له.

3 ـ استبداد أبي بكر في تنصيبه عمر بن الخطاب من بعده رغماً عن المسلمين وتحدياً لحرياتهم وتسفيهاً لمقاماتهم الكبرى.

ويقول: "الكل يحاول أن يرسم عمر بن الخطاب في صورة اسطورية كما شاءها له مناوئو بني هاشم، حتى يغطّوا بدخانها الكثيف فضائل البيت العلوي! بينما الواقع أن عمر بن الخطاب لم تكن له مؤهلات الخلافة النفسية والاجتماعية".

ثم يقول: "إن سلبيات عمر التاريخية، ونوادره في السلوك السياسي والاجتماعي والفقهي لم ينسها التاريخ، ومن تلك النوادر:

1 ـ سطحيته السياسية:

ـ ويسرد المؤلف اثباتاً لهذا الأمر شواهد كثيرة ثم يقول: فملخص القضية أن عمر راح ضحية قشريته السياسية، إذ ركز على عليّ(عليه السلام) وشيعته، وأرخى اللجام للزمرة الأموية ـ.

2 ـ القمع الاجتماعي:

ـ إنّ عمر بن الخطاب لم يكن رجلا مذكوراً، عند العرب، ولم يكن له وزن قبلي يثبته ولا سند من الأنساب يسنده. لذلك كان يحاول الانتقام من خلال الخلافة، ليس من أجل كسب ما ضاع منه، وإنما من أجل الانتقام من الأمراء واصحاب الرفعة والشرف ـ.

3 ـ الشذوذ الفقهي:

يؤخذ على عمر بن الخطاب، أنه خلافاً لما يدعي مؤرخو البلاط، رجل

عديم الملكة الفقهية، وليس هذا فحسب، بل متجرىء على الفتوى فكان يأتي بالنوادر، متجاوزاً كل النصوص. يقول ابن أبي الحديد: "وكان عمر يفتي كثيراً بالحكم ثم ينقضه، ويفتي بضدّه وخلافه..."(1).

كما اعترف عمر غير مرة بقصوره الفقهي أمام جمهور المسلمين، وشاع عنه قوله: "كل الناس افقه من عمر"".

الخلافة بعد وفاة عمر:

يقول الاستاذ إدريس في هذا الصدد: "دخلت الخلافة في المشهد الثالث من لعبتها، لتفضي ويفضي معها الاختيار الأرعن إلى اسوأ وضع عرفته الأمة وإلى أول اهتزاز سياسي شهده المجتمع الاسلامي".

ويرى المؤلف أنّ الاطروحة التي قدمها عمر لتعيين الخليفة من بعده، كانت لعبه متقنة، ثمّ يتساءل: هل إن عمر هو الذي رأى أن الأمر بعد الرسول متروك للمسلمين ينظرون فيه؟ إذن لماذا لم يترك للناس حرية النظر في شؤون الأمة؟ ثم لماذا يلزم المرشحين الستة بمخططه ويقضى بقتل من خالف؟

ويجيب على هذه التساؤلات: إنّ عمر بن الخطاب كان يمهد منذ البداية لخلافة عثمان، ولكن الحرص على إحضار الستة له أسبابه التكتيكية. لقد حاول عمر من خلال هذا الترتيب أن يظهر للناس من بعده، أن عليّاً(عليه السلام) على الرغم من حضوره، فإنه لم يستطيع الفوز بها لعدم جدارته، ورفض الناس له، وبهذا سيسلب منه ورقة الخلافة ويسقطه سياسياً، كما أنه أراد أن يسقط معه مناوئيه القدامى وهما طلحة والزبير، وما وجود سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف سوى لتحقيق التوازن في المخطط، ليفضي الأمر في نهاية الجولة إلى عثمان بن عفان".


1) شرح النهج لابن ابي الحديد: 3 / 181.

عثمان أو الفتنة الكبرى:

يرى المؤلف أن الخليفة الثالث عثمان صنيعة وضع هو في حدّ ذاته مسلسل لواقع التآمر التاريخي على عصبة بني هاشم، وأن عثمان كان ضعيف الشخصية، لا يقوى على اتخاذ القرار ولا على الصمود في العدل بين العامة والأقرباء.

ولهذا استفز عثمان بسياسته المسلمين جميعاً، لأنه سلك منذ البداية نمطاً من الخلافة العشائرية حيث حمل بني أمية على رقاب الناس، فادى ذلك إلى انفجار ثورة شعبية عامة أدت إلى مقتله.

ويصف الاستاذ إدريس هذه الثورة: "لقد كانت حقاً ثورة من أجل تثبيت العدالة الاجتماعية من جديد، ثورة شاركت فيها كل فصائل المعارضة في المجتمع، بكل همومها وأهدافها، فكل الناس قتل عثمان وما من صغير وكبير إلاّ ونقم عليه.

ثم يتساءل: لكن هل استطاعوا ارجاع الأمور إلى نصابها، هل قضوا فعلا على النفوذ الأموي؟

فيجيب: إنهم لم يفعلوا سوى أن صنعوا المنعطف الآخر، ليدخل التاريخ الإسلامي، إلى حقبة الاضطرابات الكبرى، فنفوذ بني أمية أوسع وأعمق وأقوى من أن تزيحه ثورة فقراء، وسنين من الخلافة مضت كان فيها بنو امية على يقظة في بناء قدراتهم.

ثم يضيف: إنّ قتل عثمان قوّاهم بدلا من أن يضعفهم، وما أن قتل عثمان، حتى اكفهَّر التاريخ عن وجوه ذميمة، طالما بيّتت النفاق، مقتل عثمان كان مدخلا لفهم حقيقة التاريخ الاسلامي!".

بيعة الامام علي(عليه السلام):

يرى المؤلف أنّ المؤامرة ضد الإمام عليّ(عليه السلام) اصطدمت مع التاريخ، ولم

يبق أمام الناس سوى الرجوع إليه، وكان لابد أن يكون للمؤامرة سقف تقف عنده، وكان هذا السقف هو يقظة الجماهير المسلمة على اثر مقتل عثمان.

ولكن الإمام عليّ(عليه السلام) واجه في حكومته بيئة تحكمها الامتيازات الطبقية، فتقدّم ليرفع صخوراً ثقال، إلى سماء الروح ليعطي للجميع حقه، فلهذا سخط عليه من الذين اعتادوا على الاستئثار، فانحاز هؤلاء في النهاية إلى معسكر الآخر: معسكر بني امية، حيث يجدون فيه تحقيقاً لأطماعهم.

ولذلك دخل الامام عليّ(عليه السلام) في معركة تاريخية مع فئتين احداهما إقطاعية والاخرى فقيرة انتهازية.

ومن هذا المنطلق وقعت حرب الجمل وهي الحرب التي كانت تلقائية، تخططها عقول ارتجالية وتقودهم امرأة ضعيفة العقل، ثم تلتها حرب صفين نتيجة محاولة الإمام عليّ(عليه السلام) لعزل معاوية من الحكم مهما كانت مضاعفات هذا الاجراء، ثم وقعت حرب النهروان نتيجة سذاجة البعض ومخالفتهم لما ارتآه الإمام عليّ(عليه السلام)من موقف ازاء معاوية في الظروف الحرجة التي كانت تحيطه والتي دفعته للتمسك بجعل الحكمين فيما بين جماعته وفئة معاوية.

ثمّ يستمر المؤلف بسرد أهم الأحداث التاريخية التي صاغتها ايدي المخالفين للوقوف بوجه الحق، فيذكر ما حدث في خلافة الحسن(عليه السلام) والمؤامرة الكبرى لقتله(عليه السلام)، ثم مبادرة معاوية لتغيير الخلافة إلى ملك، ثم دخول يزيد إلى معمعة السلطة مما أدى إلى وقوع ملحمة كربلاء، ويذكر المؤلف عموميات مختصرة حول المشهد الدراماتيكي لملحة كربلاء كما اتفقت عليها تواريخ المسلمين، ثم يبين استنتاجاته التي ادت به إلى التشيع والانتماء إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

الفصل الخامس: مفاهيم كُشف عنها الغطاء

يختار المؤلف في هذا الفصل مفهومي الصحابي والإمامة، فيكشف في الأول عن السلوك السياسي والاخلاقي للجماعة التي سميت بالصحابة، فيذكر نماذج منهم: أبو بكر، وعائشة، فيجعلهم في الميزان.

ثم يخرج بهذه النتيجة: ليس كل الصحابة عدول، ويبين أن الرسول(صلى الله عليه وآله) ذكر بأن بعض الصحابة سيرتدّون على اعقابهم.

وأما بالنسبة إلى مفهوم الإمامة، فيورد بحثاً كاملا حوله وحول ضرورته وصفات الإمام وافضليته وعصمته و...

الفصل السادس: في عقائد الإمامية

يبين المؤلف في هذا الفصل كيفية ظهور علم الكلام، فيقول: "لقد ظهر علم الكلام على أثر الأحداث التي تلت وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) إذ أن أمواجاً من التحديات الفكرية والفلسفية التي وردت على المسلمين من البلدان المفتوحة، كانت تفرض على المسلمين الاهتمام بالكلام، لإثبات عقيدتهم اثباتاً عقلياً يلزم حتى الخارجين عن الاسلام".

ثم يركّز الاستاذ إدريس على بعض مباحث علم الكلام، منها: التوحيد والصفات، العدل الالهي، الرؤية والتجسيم، في كلام الله والبداء، فيستعرض في كل من هذه الخصائص بايجاز وجهة نظر كل من الفرق الثلاثة: الشيعة، المعتزلة، الاشاعرة، ويذكر الأدلّة التي دفعته للاقتناع بآراء مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

ويلخّص الاستاذ إدريس الحسيني في نهاية الكتاب رحلته السريعة في رحاب المعتقد قائلا: "نعلن أهمية الرجوع إلى أصل المعتقدات لإعادة بناء

القناعة، على أسس علمية دقيقه، بعيداً عن ذوي التقليد".

ثم يضيف: "إنني لم أتذوق حلاوة العقيدة إلاّ في ظل هذه الجولة وفي ضوء تلك الرحلة".

وقفة مع كتابه الآخر: "محنة التراث الآخر"

إنّ من أهم القضايا التي قد أولاها المسلمون الأهمية الكبرى في زماننا المعاصر، هي السعي من أجل تشييد منهج متكامل لحلّ الأزمة الفكرية التي يعاني منها المجتمع في يومنا هذا.

وكان من جملة الأبحاث التي طرحت في هذا المجال على طاولة البحث هي صياغة رؤية واضحة ومتكاملة للتراث الذي واجه على مرّ العصور مختلف أشكال النفي والالغاء.

وقد خصّص الأستاذ إدريس هاني جزء من وقته للبحث في هذا المجال من أجل غربلة التراث وفرز الصحيح والنقي منه وطرح الباطل الذي تراكم عليه بمرور الزمان.

ودعت شمولية البحث واتباع الموضوعية أن يوسع الاستاذ دائرة بحثه ولا يقتصر على التراث الرسمي الذي نال مشروعيته من الحكومات ورجال السياسة، فتناول في هذا المجال التراث الآخر غير الرسمي.

وقد ارتأى البحث عن الموروث الإمامي الذي تعرّض على مرّ العصور لأشدّ ألوان الاضطهاد والمحاربة.

الدافع للنظر في دفائن التراث:

يذكر المؤلف أنّ من أهم الأسباب التي دفعته للخوض في مغامرة استكشاف التراث هي مفاجئته بالكم الهائل من القراءات التي اجتاحت حقل التراث، والتي شرعت في اقامة الحدّ عليه بسوط الحداثة كما استضعفته تحت

سلطة خطاب مناهج شتى.

فيقول الاستاذ: "آنئذ عزمنا على اقتحام هذا المعترك، عنوة ـ لا خلسة ـ، كي نساهم قدر الوسع، بجهدنا الذي لا يسمح لنفسه بأكثر من العمل في إطار مشروع محاولة للفهم، وتقريب ما تعذّر استيعابه من قبل الناظرين في دفائن التراث، أو ما استنكفوا عن مقاربته، لأسباب، ما زلنا نصرّ على أنها غير موضوعية وغير نزيهة، البته!".

ثم يعترف المؤلف: "إننا لا ننكر أنّ الحداثة، بغض النظر عن انشقاقاتها وخلافاتها، ظلت قضية فارضة نفسها على عالمنا العربي بمنظومته الفكرية والقيمية".

ثم يضيف المؤلف: "أمام هذا الوضع، كيف نستطيع الظفر بفهم شمولي وتكاملي للتراث؟ وما هو السبيل إلى بلورة وعي تاريخ عربي، ينزهنا عن هذه النزعات المؤثرة على البحث التاريخي وآليات النظر في وقائعه؟".

ثم يذكر المؤلف نماذج متعددة من اطروحات قراءة التراث لجملة من الشخصيات، منهم: حسين مروة، حسن حنفي، اركون، الجابري، وصرّح بأنّ هذه النماذج تمثل الخيارات البارزة على صعيد التفكير العربي المعاصر.

مشروع المؤلِّف في الكتاب:

يذكر المؤلف في صدد ما يريد العمل على ابرازه في هذه المناسبة، فيقول: "تأتي محاولتنا هذه، من أجل تقديم صورة عن الآخر المقصي، في صميم موروثنا الثقافي والتاريخي، وقد اخترنا نموذجاً من التراث ـ كتأطير اجرائي للبحث ـ: الموروث الإمامي".

واختار المؤلف المجال الأول هو "الكتابة التاريخية"، ثم انتقل إلى مجال "علم الكلام، فاستحضر أهم الاشكاليات المطروحة، فأوضح ما به امتيازها وما

هو من مختصات النظر في الخطاب الكلامي الامامي، وفي الحقل الثالث، يتطرّق المؤلف إلى مجال الحكمة، فيقدّم نموذجاً لهذه الحكمة من خلال الفيلسوف الشيرازي صدر المتألهين. وأمّا الحقل الرابع فيتعلق بمجال اصول التشريع، حيث تتبع المؤلف تاريخية التأصيل وآليات الاشتغال الفقهي وبيّن مواقع الخصوصية والتمييز في مسار النظر الفقهي الإمامي.

الفصل الأول: الكتابة التاريخية

ذكر المؤلف في بدء هذا الفصل اشكالين يرتبطان بنقد الخطاب التاريخي العربي وهما: أولا: كيف نقدّم فهماً معقولا وواقعياً لأحداث الماضي، والثاني: كيف يمكن تخطّي أزمة العقل العربي وتخلّفه التاريخي.

ثم ألحق المؤلف بهذين الاشكالين سؤالا آخر وهو: هل أزمة الخطاب التاريخي العربي، ظاهرة لازمة لهذا الخطاب من حيث هو عربي، أم أنها تتعلّق بالخطاب التاريخي بصورة عامة.

ومن هنا بدأ المؤلف بحثه فقال حول استطاعة التاريخ الظفر بعلميته: "إنّ الخطاب التاريخي العربي يشكو أكثر من أي قطاع معرفي آخر شدة الفقر العلمي، لأنّه صورة عن الماضي قد تمّ تبينها على هوى المؤرخ".

ثم ميّز المؤلف بين التاريخ والاسطورة، ويذكر أنّ التاريخ هو علم حقيقي بالماضي، وأن الاسطورة هي تأمل تخييلي لا زماني ولا مكاني.

وأمّا ما يخص العرب والمسلمين في مجال الكتابة التاريخية، قال المؤلف: "إنّ مشكلتهم تكمن في كونهم حوّلوا هذه الممارسة الموضوعية إلى وظيفة لتركيز ايديولوجيا ما أو اثبات الشرعية لكيانات سياسية مختلفة".

وقال المؤلف في هذا الصدد: "التاريخ العربي قتلته السياسة، لذا جاء مجزءاً ومتلبّساً، بناء على تجزئة الخريطة السياسية والمذهبية التاريخية للعرب

والمسلمين. فالمؤرخ، بالدرجة الأولى رجل منخرط في الصراع السياسي، لأن قطاع المعرفة كلّه بيد البلاط، ولا حديث حينئذ عن استقلال المؤرخ! وحينما لا يستقل المؤرخ لا يستقل التاريخ، هكذا ورثنا تاريخاً عربياً متناقضاً ومتمذهباً ومنمطاً.

ومن هنا تطلب الموقف أمام التاريخ هو ضبط الرجال وابتكار علم جديد يُعني بأحوال الراوي فقال المؤلف في هذا المجال: "غير أن التجربة الاسلامية انتهت إلى نوع من التجزئة السياسية والمذهبية، جعل مفهوم الثقة ذاته يخضع لمعايير ذلك التشطير المذهبي".

نماذج الكتابة التاريخية العربية:

يعرض المؤلف في هذا الخصوص أولا ابن جرير الطبري، ويذكر أن السبب الذي مكّنه من الاستئثار بالريادة على صعيد الكتابة التاريخية العربية هي أن الطبري لم يكن مؤرخاً خالصاً، بل هو قبل كل شيء فقيه ومحدّث وقاضي، وهذا ما ساعده على انجاز مدوّنته الأخبارية الشاملة على أساس اسلوب "الاسناد" الذي ظل يمثل المنهج الأكثر أهمية لدى المحدّثين.

ثم يذكر المؤلف ابن كثير ويقول عنه أنه مارس التاريخ بدافع اعادة بناء الحقيقة القدسانية كما يتصوّرها السلفي، وهي التي تجعل من الانتصار للمذهب غايتها القصوى.

ثم يقارن المؤلف بين الطبري وابن كثير فيقول: "الطبري قد يضحي بالنص من أجل الوصول إلى الوفاق، في حين نجد ابن كثير يضحي بالوفاق من أجل تحديد موقف السلف".

ثمّ يقول: "وكلاهما قد يضحي بالحقيقة من أجل بلوغ غاية ايديولوجية ما!".

ثم يذكر المؤلف نموذج آخر، وهو ابن خلدون، ويصف نمط كتابته للتاريخ بـ: "التاريخ المتسيس"، وهو نوع من الكتابة التاريخية، تنطلق من داخل الظروف والملابسات السياسية.

الآخر الامامي، في ضوء الرؤية "المللية":

يستعرض المؤلف في هذا المقطع رؤية معظم الفرق الاسلامية حول التشيع، فيقول: "إن معظم أصحاب الملل والنحل تعتقد بأن التشيع ظل محلا للبدع ومأوى للضلالات الوافدة عبر الترجمة أو بواسطة الاحتكاك بالفلسفات الإغريقية والتيار الغنوصي والهرمسي.

ثم يقول المؤلف: لكن وعلى الرغم من الهجمة الواسعة التي ساهم في تعميقها جمهرة من العلماء، وأيضاً الخلفاء، الذين احتفظوا بعدائهم الشديد للشيعة، نجد الشيعة تمكّنوا من الاستمرار في الوجود باصرار نادر وعزيمة فذّة".

الإمامية في المقروئيات الاستشراقية:

يذكر المؤلف تحت هذا العنوان نماذج من المستشرقين من قبيل: فلهوزن، ودوزي، وجولد زهير، ولوي ماسينيون، وكوربان، ثم يورد آراءهم حول الشيعة والتشيع، ويقوم بعد ذلك بتحليل سرد الأسباب التي دعت هؤلاء إلى اتخاذ هذه الرؤية حول الشيعة والتشيع، ويبين كيف أنّ جملة منهم اكتفوا بملامسات سطحية كان لها أثر على تحليلهم في هذا المجال، ويذكر اسماء من توجهوا إلى البحث الموضوعي والانصاف في كتاباتهم حول الشيعة والتشيع.

الجابري واللامعقول الشيعي:

يورد المؤلف تحت هذا العنوان بحثاً موجزاً حول موقف الجابري من الفكر الشيعي، فيقول: لم تكن محاولة الجابري سوى عملية لتحيين ذلك الصراع

التقليدي، الذي يتم فيه الانتصار لعقلانية فانتازية، تجد إطارها في ظاهرية ابن حزم وسلفية ابن تيمية".

ثم يذكر المؤلف حول السبب الذي دفع الجابري لاتخاذ هذا الموقف قائلا: "وحينما نعود إلى جملة المصادر التي اعتمدها الجابري في تناوله للفكر الشيعي، وهي العملية التي ستكشف، ليس فقط، عن عجز في الاستيعاب، بل، وهو الأخطر من ذلك، عن عجز في الفرز بين مختلف الفرق الشيعية".

ثم قام المؤلف بالرد على جملة من وجهات نظر الجابري الحادة بالنسبة للفكر الشيعي، وبادر إلى تفنيد مزاعمه التي ذكرها في جملة من كتبه.

الفصل الثاني: علم الكلام

يذكر المؤلف في بدء هذا الفصل أن معرفة أصول الاعتقاد عند الإمامية، مقدمات ضرورية ـ عقلانية وعرفانية ـ ممّا يجعلنا نؤكد على أن التشيع في كليته ينطوي على رصيد فلسفي وعرفاني كامن في ثنايا أكثر نصوصه وتعاليمه!

ثم يذكر المؤلف مبحث الحسن والقبح العقليين، ويعتبر هذا المبحث في علم الكلام من أكثر المباحث أهمية وأغناها مضموناً، فطرحه على طاولة البحث مع ذكره لآراء الاشاعرة والمعتزلة في هذا المجال، ثم اتبعه بمبحث التوحيد، ثم العدل الالهي، ثم القضاء والقدر، ثم عقيدة الجبر والاختيار، ثم البداء وقدم القرآن.

وذكر في كل من هذا المباحث العقيدة الإمامية واقوال فقهاء ومتكلّمي الشيعة فيها، وموقف أهل السنة منها وردود فعل باقي الفرق منها، والفهم الخاطىء الذي تلتقه بعض الفرق من الطرح الشيعي، وقد ألحق بكل من هذه الأبحاث الأدلة التي دفعت الشيعة لما ذهبوا إليه، كما قام في بعض المباحث بدرء بعض الشبهات المطروحة حول تلك المواضيع.

الفصل الثالث: الحكمة

يطرح المؤلف في بداية هذا الفصل موضوع، التفكير الفلسفي عند الإمامية، فيقول: "إنّ الامامية ظلوا ـ على الرغم من النبوغ الفلسفي لعدد من أبنائهم ـ المدرسة الشيعية الوحيدة التي لم تقطع صلتها بموروثها الإمامي، الشيء الذي جعلها حقّاً، رائدة فلسفة إسلامية، خالصة".

ثم يقول المؤلف: "لم تكن معالم الفلسفة الامامية قد انتظمت قبل مجيء نصير الدين الطوسي خارج اطار علم الكلام; الذي وجد فيه الإمامية مجالا خصباً لبلورة معقولهم، وقد ظل موقفهم من الفلسفة محكوماً بنوع من التردّد والحذر... غير أن الإمامية سرعان ما اقتحموا مجال الفلسفة من أوسع أبوابه".

ثم ذكر المؤلف جملة من الأسماء الشيعية اللامعة في سماء الفلسفة، منها: نصير الدين الطوسي، السهروردي، حيدر آملي، الشيخ زين الدين الأحسائي، ميرداماد، ملا صدرا الشيرازي، وملا هادي السبزواري.

ويقول المؤلف: "إنّ الفيلسوف الإمامي قبل كل شيء أو بعد كل شيء، هو فقيه ومتشرّع مهما بلغ مقدار تخصصه الفلسفي".

ثم يصرح المؤلف: "لقد نجح الإمامية في أن يزاوجوا ـ فعلياً ـ بين الفلسفة والشريعة... كما أن الفقه ظل عنصراً أساسياً حتى لدى أولئك الذين غاصوا في الفلسفة إلى الاعماق".

ثم يسلط المؤلف الضوء على الموقف الإمامي الآخر قبال الفلسفة، فيقول: "غير أننا سرعان ما نفاجأ بموقف إمامي آخر، يستدعي منا وقفة خاصة، وهو موقف خصوم الفلسفة، تلك الظاهرة التي لا يخلو منها مذهب من المذاهب الدينية والفكرية".

ويعتبر المؤلف أنّ الموقف الإمامي المعادي للفلسفة يمثّله فريق من

الأخبارية، لكنه يقول: "إنّ الذين حاربوا الفلسفة من الإمامية، لم يتنكّروا للعقل الذي ناصرته الفلسفة، بل أنّهم وضعوا جملة من المحاذير حول الفلسفة، لكي لا تكون بديلا عقدياً، يغني عن تعاليم الوحي، فضلا عمّا كان يروجه الفلاسفة من أفكار تناقض في ظاهرها ـ وربما ايضاً في حقيقتها ـ مفهوم التوحيد ومصير النفس الانسانية".

ويرى المؤلف أن موقف خصوم الفلسفة الإمامية: "لم يكن موقفاً جذرياً من النظر الفلسفي، إلاّ من حيث كونه ظل مأوى للوافد الأجنبي من الثقافات والأفكار اليونانية والفارسية القديمة، لقد حاربوا ـ إذن ـ موقفاً ايديولوجياً داخل الفلسفة، وليس جوهرها من حيث هي موقف متسائل من العالم".

صدر المتألهين الشيرازي:

يحاول المؤلف بعد ذلك أن يتعرّض بصورة موجزة إلى معالم الفلسفة الإمامية، فيما يتعلّق بمباحث الوجود ونظرية المعرفة، من خلال اسم بارز، هو الفيلسوف الشيرازي المعروف بصدر المتألهين.

فيقوم المؤلف في البدء بذكر نبذة من حياته، والفترة التي قضاها في تحصيل العلوم، ثم المضايقات التي لاقاها من قبل الفقهاء والعداوة التي كان كثيراً ما يقدحها الكيان السياسي ويؤججها صخب العامة.

ثم يطرح المؤلف جملة من آراء ووجهات نظر ملا صدرا، فيقول: "يعتبر ملا صدرا تحصيل المعارف والمباحث الفلسفية، لا فائدة منه على صعيد تملك الحقائق، فهي ليست سوى أدواة لشحذ الذهن وتقويته، لإذكاء الانتباه وحصول الشوق إلى الوصول، إنها بالتالي مما يعد الطالب لسلوك سبيل المعرفة، والوصول إلى الأسرار إن كان مقتدياً بطريقة الأبرار".

ويضيف المؤلف: "لقد استطاع الشيرازي حقاً أن يقحم عنصراً أساسياً، لا

نكاد نجد له نظيراً عند اسلافه، ألا وهو "المنهج" الذي حاول بواسطته، ايجاد تخطيط جديد للمباحث الفلسفية، وخلق صيغ ناظمة للمعقول تتميز عن الطرق المتعارف عليها.

إن المحور الأساس لهذا المنهج، يخضع لثنائية طرائقية في مجال البحث الفلسفي، مسلك الفلاسفة البحثي والبرهاني، ومسلك العرفاء الالهامي; بمعنى آخر، يجمع بين طريقة المشائية والطريقة الاشراقية، وينتقد بشدة الفصل بين الطريقتين أو سلوك أحدهما بمعزل عن الآخر".

ثم يذكر المؤلف نظرية ملا صدرا في وحدة الوجود والتي تعرف بـ "الوحدة في عين الكثرة"، ثم اتبعها بذكر أهم ابتكاراته التي جعلت الفلاسفة الإمامية ـ حقاً ـ جديرين بلقب آباء المشائية والمتيافيزقا الإسلامية خلال القرن الحادي عشر الهجري.

فيقول المؤلف: "هذه الابتكارات التي أكسبت الفلسفة الاسلامية مزيداً من النضج والأهمية ووضعت خطواتها على طريق التفكير الايجابي للعالم".

ثم يعرض المؤلف المعالم الكبرى لهذه النظرية بالقدر المتوخّى من الاقتضاب، فيبحث حول الحركة، ثم يبحث حول الجوهر ثم يقارن نظرية ملا صدرا حول الحركة الجوهرية مع تفاسير باقي العلماء في هذا المجال من قبيل ابن سينا والرازي والسهروردي.

ثم قال المؤلف في نهاية الفصل: "لقد اشتغل الامامية داخل حقل الفلسفة مثلما اشتغلوا داخل حقول اُخرى، برؤية نقدية، ما كانوا ليرتادوها، لولا هذه النزعة العقلانية التي اتحفهم بها تراثهم النظري، من حيث تفتحه على عالم المعرفة من أوسع أبوابه، ألا وهو: أهمية التفكير، وحجية العقل، وبالتالي الاجتهاد المستدام والنظر المبدع".

الفصل الرابع: أصول التشريع

ذكر المؤلف في بداية هذا الفصل سبب نشوء الاجتهاد، وذكر أن وفاة المعصوم ـ بشكل عام ـ أدى إلى نشوء حيرة في موقف المكلفين، ازاء التراكمات المتدفقة للحالات والموضوعات المتجددة في يوميات المكلفين.

وذكر أنّ لهذا العامل دور كبير في نشأة الاجتهاد وقيام القياس مقام نصوص محنطة فاقدة لديناميكيتها الدلالية، حيث انتهت إلى صيغ لفظية جامدة، تتأطر داخل سياج المعنى الوحيد، بالاحاطة الوحيدة ـ الممكنة ـ إلى أسباب النزول، وخصوصية المورد الأول.

عصر التدوين:

ذكر المؤلف السنة كمصدر للتشريع، ثم اشار إلى عصر التدوين والملابسات التاريخية والنزاعات الايديولوجية التي واكبت أحداث مشروع التدوين، فقال المؤلف: "فقد لعبت ظروف تاريخية وسياسية دوراً حاسماً في تحديد ضوابط النظر الفقهي وآلياته، وهي ظروف فجرّتها أزمة النظام السياسي التاريخي للمسلمين".

وأضاف المؤلف: "على هامش تلك الصراعات الطاحنة بين مختلف الفرقاء في المجال السياسي، ظهرت عدّة انعكاسات في صميم الموقف الفكري الذي بلغ أوجه في الخلافات الكلامية واستمر الجدال على أشده في مجالات أخرى، كالفقه وأصوله وعلم اللغة وآدابه".

ثم ذكر المؤلف: "إنّ تراث عصر التدوين لم يتحرر بصورة جذرية من تلك الملابسات، بل ظل مرهوناً بالأيديولوجيا السياسية السائدة، ولا شك أن أمراً كهذا، يبدو طبيعاً، خصوصاً لما نعلم أن الغموض والالتباس والتردد، الذي واكب مجمل حركة التدوين، ينبع من صميم الأيديولوجيا التلفيقية التي ظلت رهاناً

تاريخياً للكيان السياسي العربي".

تدوين القرآن:

أشار المؤلّف إلى القرآن كمصدر للتشريع، ثم ساق الحديث حول تدوين القرآن وما يتعلّق بكتابة الوحي وما يتصل بقرار جمع القرآن في عهد الخليفة الأول، وما يتعلّق بمحنة توحيد القراءات في عصر عثمان.

ثم يخرج المؤلف بهذه النتيجة: بأن القرآن قد جمع ودون كاملا، على عهد الرسول(صلى الله عليه وآله)، وأن ما شاع من أن عملية كتابة القرآن، كانت غير منتظمة، وتعتمد وسائل بدائية مثل عظام الحيوانات وسعف النخل لا تقوم على دليل واضح.

وأمّا فيما يخص محنة توحيد القراءات في عهد عثمان "فيقول المؤلف: تحيلنا العديد من الأخبار، إلى أن القرآن، نزل بأكثر من حرف، وأنه كان يحتمل اكثر من قراءة وكانت كلها قراءات تحظى بتقدير المسلمين واقرار من النبيّ(صلى الله عليه وآله)، بل وأكثر من ذلك اعتبر نزول القرآن على سبعة أحرف رحمة للناس...

وأن توحيد القراءات وحرق كل المصاحف وحمل الناس على قراءة واحدة في عهد عثمان أدّى إلى حدوث اضطرابات كثيرة في شأن حقيقة الأحرف السبعة التي وردت في مختلف الأخبار".

التأويل:

طرح المؤلّف مفهوم التأويل وثنائية الظاهر والباطن، وذكر أنّ جملة من النصوص التي وردت عن الإمامية تؤكد على أهمية الباطن وضرورته في اغناء المعرفة.

ثم ذكر المؤلف: "إنّ تحميل النصوص، بعضاً من المعاني المحددة، وهو من باب التعاصر الذي تفرضه ديناميكية النص، التي هي ديناميكية متصلة بحركة

الواقع ومتغيرات الظروف، أي أن النص يقدم نفسه كفعالية تاريخانية، لا جرم أن يكون خاضعاً لتوجيه ما تقتضيه متطلبات المرحلة التاريخية على أن يتم ذلك وفق آلية محددة، وفي اطار من الاحتمال".

تاريخية الاجتهاد عند الإمامية:

ذكر المؤلف في هذا الخصوص: على الرغم من أن أئمة أهل البيت ظلوا يمثّلون رافداً تربوياً وتعليمياً مهماً في العصور المبكرة من التاريخ العربي والاسلامي، إلاّ أن المعالم الكبرى لمذهبيتهم لم تظهر إلاّ في عهود متأخرة جدّاً، وتحديداً إبان العصر العباسي، هاهنا برز اسم الإمام السادس، جعفر الصادق، حيث اصطبغ المذهب الفقهي الإمامي بتراثه التعليمي وأخذ بعد ذلك اسم "المذهب الجعفري"... وقد ظل الإمامية يعتبرون تعاليم جعفر بن محمد الصادق، بمثابة "النص" في حين اعتبروا غيرها من التعاليم، ضرباً من الاجتهاد مقابل النص".

المدرسة الصادقية:

ذكر المؤلف أنّ المعارك والمؤامرات السياسية التي كانت تهدف إلى زعزعة الكيان الأموي البائد مثلت منعطفاً جديداً في المسار الفكري عند الإمامية، فقد قدر للإمام الصادق(عليه السلام) أن يعيش هذه الفترة وأن يستغلها في سبيل تفعيل الساحة الثقافية وخلق واقع تعليمي وتربوي في المجتمع.

وفي هذه الفترة استطاع هشام بن الحكم أن يشكل تراثاً نظرياً من خلال عدد من المناظرات، وأيضاً بعضاً من مصنفاته، كما قد دافع اتباع الإمام الصادق عن مدرستهم الفقهية التي يعود إليهم الفضل في نشر تعاليمها.

عصر الغيبة، وبداية التأصيل الإمامي:

ذكر المؤلف في هذا المجال: أنه كانت الفترة الممتدة من الإمام عليّ بن أبي طالب إلى الغيبة الكبرى، تمثّل مرحلة سيادة النص وحضوره المكثّف، فإن ما جاء بعدها، يمثّل مرحلة تأصيل العلوم الإسلامية، بما يحفظ للتراث الإمامي فرادته واستقلاله النسبي من تراث عصر التدوين.

ثم ذكر أنه يمكننا أن نعتبر الاجتهاد الإمامي بعد عصر الغيبة، يتأطّر ضمن أربع مراحل:

1 ـ المرحلة الممتدة ما بين الغيبة الكبرى، حتى القرن السابع الهجري.

2 ـ مرحلة القطيعة وتكامل النظرية الاجتهادية.

3 ـ مرحلة الاصطدام بالتيار الاخباري.

4 ـ عودة المدرسة الأصولية، ونهوض مدرسة الوحيد البهباني.

ثم شرع بتوضيح كل من هذه المراحل الأربعة، وذكر ما لاقاه التراث الإمامي من تغيّر خلال هذه المراحل.

ثم ذكر المؤلف في نهاية الكتاب: "وقد كانت هذه المحاولة التي بين أيدينا، مقاربة عملية في إطار المشروع، الذي يهدف إلى معالجة منصفة في إعادة بناء الرؤية المعاصرة للممنوع والمهمش بلغة ديمقراطية أليق بوعينا المعاصر، كخطوة لإعادة بناء الصرح المعرفي العربي الإسلامي على أسس حوارية متينة، ولحمل ما لم يقو على حملة الأسلاف".

{5} الأسعد بن علي(مالكي / تونس)

اشارة

الصورة

A04

ولد عام 1964م في صفاقس بدولة تونس، ترعرع في أسرة مالكية المذهب، واصل دراسته الأكاديمية حتى أتم الثانوية ثم دخل الجامعة في فرع العلوم الطبيعية.

تبلور اهتمام الأخ الأسعد بعد بلوغه سن الرشد في مجال مطالعة الكتب والمقالات المختصة بالعلوم الحديثة والأفكار المعاصرة المهتمة بشأن طرح الايديولوجية من المنظور الاسلامي، وجعل يتصفّح ما يُقال في هذا المجال، وجعل يبحث حول التاريخ ونواميسه وقوانين حركته ليصل إلى رؤية شمولية حول التاريخ الذي يندمج فيه الانسان من جديد في الكون مع الله وبالله جل جلاله.

البحث عن الوعي الاسلامي:

حاول الأخ الأسعد أن يصل إلى الوعي الاسلامي الذي يقود الحياة إلى آفاق مستقبلية رحبة وأن يُرقي مستوى معرفته من أجل الإحاطة بالنظم الفكرية والثقافية والحضارية الشاملة للاسلام، والتي تخلّص الانسان والمجتمع وتبشّر بحياة سعيدة عادلة.

واجتهد الأخ الأسعد في رحلة بحثه هذه أن يتعرّف على الشخصيات المتبحرة في هذا المجال، فتعرّف خلال بحثه على كتب السيد محمد باقر الصدر (قدس سرّه الشريف)، فوجد انتاجه يشكل نسيجاً متماسكاً لمدرسة إسلامية متكاملة الأبعاد. فانبهر بشخصيته وذاب في عطائه الفكري.

وكانت من جملة المواضيع التي نالت اعجاب الأخ الأسعد من كتب السيد محمد باقر الصدر هي مسألة التجديد الكلامي والمضامين والأفكار الاعتقادية التي خاضها في ضوء منهجه الجديد.

ومن هذا المنطلق انفتح الأخ الأسعد على التراث الشيعي، وبدأ يتعرّف بالتدريج على اصول ومبادىء هذا المذهب، والمرتكزات الفكرية التي يعتمد عليها اتباع هذا المذهب.

معرفة الامامة:

تعرّف الأخ الأسعد خلال مطالعته لكتب السيد محمد باقر ومراجعته لباقي الكتب الشيعية على مسألة الإمامة ومكانتها في الدين، وتبيّن له أن الإمامة كالنبوة حاجة حضارية متأصلة في حركة المجتمع والتاريخ، وأن الإمام كالنبي شهيد وخليفة لله في الأرض من أجل أن يواصل الحفاظ على الثورة ضد الجاهلية والانحراف بكل محتواه الفكري والنفسي وبكل جذوره ومظاهره المختلفة من استبداد واستغلال، غير أن جزء من دور الرسول يكون قد اكتمل وهو إعطاء الرسالة والتبشير بها والبدء بالثورة الاجتماعية على أساسها، فالوصي ليس صاحب رسالة ولا يأتي بدين جديد بل هو المؤتمن على الرسالة والثورة التي جاء بها الرسول.

دارسته لموقف الرسول ازاء الخلافة من بعده:

واصل الأخ الأسعد بحثه حول الإمامة، ثم احبّ أن يتعرّف على موقف النبي(صلى الله عليه وآله)من الخلافة، فرأى أن الأمر لا يخرج من ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: الطريق السلبي وإهمال أمر الخلافة، وهذا لا يمكن قبوله في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله)، لأنّه ناشىء من أحد أمرين: الأمر الأوّل: أن يعتقد الرسول أنّ ذلك غير مؤثر في مستقبل الرسالة، الأمر الثاني: نظرته للدعوة نظرة مصلحية ولا يهمه إلاّ أن يحافظ على الرسالة ما دام حياً ولا يعنيه مستقبلها وحمايتها من بعده.

الاحتمال الثاني: الموقف الإيجابي المتمثل في نظام الشورى، ولكن الأخ الأسعد خلال استقراء جملة من الشواهد من تاريخ الرعيل الأول ومواقفه لم يجد أن الرسول قد طرح هذا الأمر أو بيّن له الطريقة الخاصة للاتباع، ولم يجد سوى النصوص المصرّحة على خلافة الإمام علي(عليه السلام) من بعده.

الاحتمال الثالث: الايجابية المتمثّلة في اعداد من يقود الأمة، ويقول الأخ الأسعد: وجدت أن هذا الطريق هو الطريق الوحيد الذي ينسجم مع طبيعة الأشياء، ويعقل في ضوء ظروف الدعوة والدعاة وسلوك النبي(صلى الله عليه وآله)، وهو أن يقف النبي(صلى الله عليه وآله)من مستقبل الدعوة بعد وفاته موقفاً ايجابياً، فيختار بأمر الله سبحانه وتعالى شخصاً يعدّه اعداداً رسالياً وقيادياً خاصاً لتمثّل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية.

وكانت من جملة الشواهد التاريخية والنصوص المروية عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، والتي دفعت الأخ الأسعد للتثبت من صحة هذا المسلك هي حديث "الدار" وحديث "الثقلين" و"المنزلة" و"الغدير" وغيرها.

صعوبة التحول الفكري:

لم يكن من السهل للأخ الأسعد بعد اكتسابه القناعات الجديدة أن يتحرّر من الجانب العاطفي الذي كان يشدّه بمعتقداته السابقة، ولكنه وقف بكل صمود وتحدي ازاء كل التيارات التي حاولت أن تسلب منه القناعات التي توصّل إليها عبر الأدلة والبراهين الساطعة.

واستعان الأخ الأسعد بالله تعالى، فشعر بعدها أنه يمتلك القدرة على تخطي كافة الحواجز والعقبات التي وقفت بوجهه لتصرفه عن السير باتجاه الحقيقة.

اعلان الاستبصار:

ورغم الموانع النفسية التي واجهها الأخ الأسعد خلال اتخاذه القرار النهائي بشأن الانتماء المذهبي، لكنه واصل سيره نحو الحق هادىء النفس، قوي الحجة، ثابت الجنان، واعلن عام 1984م في تونس اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ثم سافر إلى سوريا وأقام في دمشق بجوار مرقد العقيلة زينب بنت الإمام علي(عليه السلام) والتحق بالحوزة العلمية الموجودة هناك من أجل تلقي علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام)والالمام بسيرتهم ومنهجهم وتراثهم الذي جاؤوا به ليخرجوهم من الظلمات إلى النور.

مؤلّفاته:

{1} "التجديد الكلامي عند الشهيد الصدر(قدس سره)":

صدر عن مركز الأبحاث العقائدية ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.

وهو دراسة تحليلة تستهدف الكشف عن أوجه التجديد والإبداع منهجياً ومفاهيمياً في دراسة اصول الدين عند الشهيد الصدر.

ويحتوي هذا الكتاب على ثلاثة فصول وخاتمه:

الفصل الأول: مراحل علم الكلام.

الفصل الثاني: معالم التجديد المنهجي.

الفصل الثالث: المضامين الجديدة في ضوء المنهج الجديد.

الخاتمة: على طريق التجديد الكلامي.

{2} "المنهج الجديد في تدريس العقائد": مخطوط.

{3} "فصول في ثقافة الانتظار": مخطوط.

وله أيضاً العديد من المقالات في مجلة الثقافة الاسلامية الصادرة في دمشق ومجلة المنهاج الصادرة في بيروت، ومجلة النور الصادرة في لندن.

وقفة مع كتابه: "التجديد الكلامي عند الشهيد الصدر(قدس سره)"

يقدّم الكاتب لكتابه هذا، فيقول:

بدأ التاريخ في المشرق... وأذن التاريخ بنهايته في الغرب نهاية تمخضت في تحولات سياسية خطيرة عرفها المعسكر الاشتراكي... ولا نزال نترقب تمثلاتها في المعسكر الرأسمالي... بدأ التاريخ في المشرق بعودة الوعي وعودة الإسلام يقود الحياة إلى آفاق مستقبلية رحبة... ويؤسس لنظم فكرية وثقافية وحضارية شاملة... تخلص الإنسان والمجتمع.. وتبشر بحياة سعيدة عادلة.

لقد ساهم في صنع هذه اللحظة التاريخية العظيمة من فجر هذه الأمة رجالات كثر.. يشمخ على رأس قائمتهم... (محمد باقر الصدر(قدس سره)) الذي استشهد ليمْنَحَ كيان الأمة الإسلامية نفحة من روحه الطاهرة.. فيشارك إلى جانب آخرين في بعث الحياة في هذا الكيان.

لقد مثل باقر الصدر نموذجاً متميزاً من منظري الساحة وعلماً بارزاً في سماء نهضتها الفكرية وانبعاثها الحضاري.

وبعد عقدين من رحيله لا يزال انتاج باقر الصدر يشكل نسيجاً متماسكاً لمدرسة إسلامية متكاملة الابعاد.. وبالرغم من التطورات الثقافية والفكرية التي عرفها العالم منذ استشهاده إلاّ أن مشروعه الفكري لا يزال يمثل من عناصر القوة والجدية ما يبقيه حاجة مستمرة إلى قراءة جديدة...

ثم يتحدّث عن الجانب الفكري والكلامي بالخصوص عند الشهيد

الصدر(قدس سره)، فيقول:

يمتاز بأنه أسس لنقلات منهجية خطيرة خاصة على مستوى نظرية المعرفة، حيث أنّه بنى لنفسه نظرية خاصة في المعرفة (المذهب الذاتي) طبقها على العديد من المسائل في علم الكلام في بحوثه المتفرقة وهي ميزة يفتقدها غيره من المجددين.

إن باقر الصدر رغم عدم امتلاكه أثراً متكاملا لتجديد المنهج الكلامي وطرق مسائله وفق منظوره الجديد لكن ما تركه من نتاج عقائدي متناثر في مؤلفاته المختلفة ومحاضراته العديدة يشكل أرضية صلبة لنقد المنهج القديم، وصياغة النهج الجديد، وقراءة لأصول الدين من وجهة نظر مبتكرة بلحاظ ثقافة العصر وحاجاته وأسئلته واستفساراته.

لقد تحولت لوحة أصول الدين في منهج الصدر إلى نظريات متكاملة في الثورة، والتغيير الاجتماعي والقيادة والخلافة والحياة..

وفي هذا السياق وفي مجال البحث العقائدي يتجلى إبداع (محمد باقر الصدر) في القدرة على الانتقال بعلم الكلام نقلات منهجية كبرى من شأنها أن تسهم في أرساء أسس جديدة لعلم عقائدي جديد.

وباستقراء الانتاج الكلام والعقائدي للسيد محمد باقر الصدر المبثوث هنا وهناك في أكثر كتبه يمكن أن نستكشف: خمس نقلات منهجية أساسية:

أولا: من المنطق الأرسطي إلى المذهب الذاتي ثانياً: من الاتجاه التجزيئي إلى المنهج الترابطي الموضوعي ثالثاً: من النزعة الثبوتية إلى المنهج التكاملي رابعاً: من عقيدة الفرد إلى عقيدة المجتمع خامساً: من المذهبية الجدلية إلى الإنسانية اليقينية.

ونقف هنا بعض الشيء عند النقلة المنهجية الأولى.

من منطق أرسطو إلى المذهب الذاتي:

يقول الكاتب في هذا المجال:

في كتاب فلسفتنا تبنّى باقر الصدر النظرية الأرسطية في المعرفة حيث سلّم بالبديهيات الست، وضرورة مبدأ العلية، ومسألة: بداهة الواقع الخارجي، لكنه لم يكن ليقف في حدود منطق أرسطو الذي حكم إلى حد ما تراثنا الفكري وخاصة الكلامي الذي تأثر بالمباحث المنطقية والفلسفية إثر ترجمة التراث اليوناني. واتخذ طابعاً جدلياً وتطرف أحياناً كثيرة في ملاحقة إشكالات الفلسفة والمنطق الارسطي حتى سقط في التجريد المطلق، والبحث عن شبهات افتراضية أكثر منها واقعية لا ثمرة عملية من ورائها.

"لكن باقر الصدر لم يستسلم للهيبة التاريخية للمنطق الأرسطي رغم كل التعديلات التي أدخلها عليه المفكرون الإسلاميون، وقطع مع هذا التراث الطويل بأطروحته المتميزة: الأسس المنطقية للاستقراء، والذي قال عنها باقر الصدر نفسه.. أنها استطاعت أن تملأ فراغاً كبيراً في نظرية المعرفة البشرية لم يستطع الفكر الفلسفي أن يملأه خلال الفي سنة"(1).

ليس كتاب الأسس المنطقية للاستقراء، كما قد يوحي عنوانه دراسة لمشكلة الاستقراء فحسب، وحل لقضية التعميم الاستقرائي، وانما هو أطروحة لنظرية معرفية جديدة أسماها باقر الصدر: المذهب الذاتي في المعرفة: إنه مذهب ثالث مقابل المذهب التجريبي والمذهب العقلي.


1) محمود الهاشمي، بحوث في علم الأصول، المجمع العلمي للشهيد الصدر، مج4، ص140.

مقارنة بين المذهب الذاتي والمذهب العقلي:

سنحرّر هذه المقارنة في النقاط التالية:

أولا: تحديد مصدر المعرفة: فالمذهب الذاتي يتفق مع المذهب العقلي حول وجود قضايا وإدراكات قبلية التي تمثّل أساساً يقوم عليه البناء الفوقي للمعرفة.

ثانياً: يختلف مع المذهب العقلي في الأساس المنطقي للتعميم الاستقرائي، فالمذهب العقلي يستند في هذا التعميم إلى مبادىء ثلاثة: مبدأ السببية ومبدأ عدم تكرر الصدفة باستمرار، ومبدأ: ان الحالات المتشابهة من الطبيعة تؤدي إلى نتائج متماثلة، ويعتقد هؤلاء أن هذا المبدأ مستقل عن التجربة، ومستقبل برهانيا عن مبدأ السببية، ومن نقطة الخلاف هذه حول رجوع الاستقراء إلى القياس حسب المنطق العقلي ينطلق باقر الصدر ليشيد نظريتة في المعرفة.

ثالثاً: إن المذهب العقلي يؤمن اساساً بالتوالد الموضوعي في المعرفة، والقياس هو العمدة في الاستدلال، وحتى الاستقراء يرجع في الأخير إلى قياس صغراه الملازمة بين ظاهرتين كما تعكسها ملاحظاتنا، وكبراه ان الصدفة لا تتكرر باستمرار.

والتلازم الموضوعي يعني أنه اعتماداً على التلازم بين قضية وأُخرى، أو بين قضية ومجموعة قضايا أخرى يمكن أن تحصل معرفتنا بتلك القضية من معرفتنا بالقضية أو القضايا التي تستلزمها. مثال ذلك من قولنا: (سقراط انسان) و(كل إنسان فان) نستنج ان (سقراط فان)، فهذا توالد موضوعي لأنه ناشىء عن التلازم بين الجانب الموضوعي للمقدمات والجانب الموضوعي للنتيجة. (فالتوالد الموضوعي هو الأساس في كل استنتاج يقوم على القياس الأرسطي، لأن النتيجة دائماً ملازمة للمقدمات على أساس التوالد الموضوعي والتلازم بين القضايا

المستدل بعضها على البعض الآخر بصورة قياسية(1).

أما التوالد الذاتي الذي يعتقد المذهب الذاتي أنها الطريقة التي تحصل بها أكثر معارفنا فهي تؤمن بأنه يمكن أن تنشأ معرفة جديدة انطلاقاً من التلازم بين الجانبين الذاتيين للمقدمات والنتائج دون تلازم في الجانبين الموضوعيين والمقصود من الجانب الذاتي الادراك. في حين ان المنطق الأرسطي يعتبر أن هذا التلازم الذاتي دون تلازم في الجانب الموضوعي غير كاف للانتقال إلى النتيجة وهكذا حاول المنطق الارسطي أن يفسّر كل معارفنا بأنها إمّا أن تكون أولية أو أنها مستنتجة على أساس التوالد الموضوعي. أما المذهب الذاتي فيؤمن: بوجود معارف أولية تمثل الجزء العقلي القبلي من المعرفة (مبدأ عدم التناقض)، وأن هناك معارف ثانوية مستنتجة على طريقة التوالد الموضوعي (مثال ذلك نظريات الهندسة الاقليدية والمستنتجة من بديهيات تلك الهندسة)، وهناك معارف ثانوية مستنتجة من معارفنا السابقة بطريقة التوالد الذاتي (التعميمات الاستقرائية) وهي تهم أكثر معارفنا.

رابعاً: إن المذهب الذاتي لا يشترط أن تكون المعرفة الأولية يقينية: فهو يُرجع بداية المعرفة إلى قسمين: أحدهما: المعرفة التي تفرضها بديهيات نظرية الاحتمال. والآخر: نفس الخبرة الحسية بالموضوعات، فنحن حين نشاهد سحاباً في السماء تعتبر مشاهدتنا خبرة حسيّة والسحاب في السماء هو موضوع هذهِ المشاهدة، ومعرفتنا بالمشاهدة نفسها معرفة ابتدائية أولية وليست مستدلة، وأما معرفتنا بوجود سحاب في السماء فهي معرفة مستدلة بطريقة استقرائية، ومع


1) محمد باقر الصدر، الأسس المنطقية للاستقراء، دار التعارف للمطبوعات، لبنان، 1981، ص135.

تمسك المذهب الذاتي بوجود بداية للمعرفة حتى لا يلزم التراجع إلى ما لا نهاية، لا يقر بأن تكون هذه البدايات ضرورية ويتصور المذهب الذاتي المعرفة الأولية احتمالية في مجالين: المجال الأول: مجال الخبرة الحسيّة والثاني مجال القضايا العقلية الأولية التي يكون ثبوت المحمول فيها للموضوع ثبوتاً مباشراً دون حدّ أوسط. هذه القضايا التي لا يمكن اثباتها باستنباط عقلي قد تكون متقدمة بدرجة عالية من التصور، وكذلك بدرجات أقل (وما دامت بعض المعارف الأوليّة بالامكان أن تحصل بقيم احتمالية في البداية فمن الممكن تنمية هذه القيم الاحتمالية وفقاً لنظرية الاحتمال، فكلما وجدت احتمالات تتضمن تلك المعرفة الأولية المحتملة ازدادت قيمتها الاحتمالية(1).

ومن المهم ونحن نتحدث عن نظرية المذهب الذاتي كنقلة منهجية في المبحث الكلامي أن نلخص طريقة التوالد الذاتي للمعرفة.

ذكرنا سابقاً أن المذهب الذاتي يرى أن أكثر معارفنا تتوالد بطريقة ذاتية لا موضوعية، وهذا التوالد يمر بمرحلتين مرحلة موضوعية ومرحلة ذاتية: (إن كل معرفة ثانوية يحصل عليها العقل على أساس التوالد الذاتي تمر بمرحلتين إذ تبدأ أولا مرحلة التوالد الموضوعي، وفي هذه المرحلة تبدأ المعرفة احتمالية وينمو الاحتمال باستمرار، ويسير نمو الاحتمال في هذه المرحلة بطريقة التوالد الموضوعي حتى تحظى المعرفة بدرجة كبيرة جداً من الاحتمال غير ان طريقة التوالد الموضوعي تعجز عن تصعيد المعرفة إلى درجة اليقين، وحينئذ تبدأ مرحلة التوالد الذاتي لكي تنجز ذلك وترتفع بالمعرفة إلى مستوى اليقين)(2).


1) م. ن، ص504.

2) م. ن، ص141.

مضامين جديدة في ضوء المنهج الجديد:

يبين الكاتب ذلك بالقول:

مع تحقق النقلات المنهجية الهامة كان لابد لعلم الكلام أن يتجدد لا في آليات البحث فقط وانما في المضامين والمفاهيم، حتى انه يمكن القول أن (العقيدة) اضحت في تعريفها كنظرية للانسان والحياة والثورة أقرب ما تكون من قاعدة للنهضة والتقدم والتغيير.

ولكن كيف يمكن أن ندرس المضامين الجدية والمفاهيم الناتجة عن المنهج المبتكر؟ خاصة وأن العقيدة في ضوء هذا المنظور الجديد تتقاطع مع الرؤية الكونية وفلسفة الدين وفلسفة التاريخ والنظام الاجتماعي.

إن دراسة هذه المضامين خارج الاطار الكلاسيكي (التقسيم الخماسي) يجعلنا نواجه صعوبات ما.. أدناها انه لن تتضح العلاقات بين المطالب العقائدية والمجالات الأخرى.

خاصة في ظل العقليّة القديمة التي تشكلت عبر قرون عديدة ورؤيتها المسبقة لأصول الدين في تعيناتها الثابتة، في حين أن المشروع الفكري العام لباقر الصدر يستند إلى حلقات متلاحمة ومتراصة تحتل فيها العقيدة (الرؤية الكونية) إلى جانب نظرية المعرفة الأسس الجذرية للبناء الفكري العام في شتى ميادين الحياة (اجتماع، سياسة، اقتصاد... الخ).

لأجل ذلك حافظنا على الاطار القديم للتصنيف المعروف في أصول الدين (اللوحة الخماسية) وهذا سيساعد على تلمس معالم التجديد العميق الذي أحدثه باقر الصدر في مستوى المفاهيم والمضامين، والتي لا تقل أهمية التجديد في مجالها عن التجديد من المناهج والآليات. لأن السيد باقر الصدر يولي دائماً المفاهيم أهمية خاصة.. ويعتبرها قاعدة السلوك والخط الذي يختاره ويشقه

الانسان في الحياة.

وسوف نقف مع بعض ما أورده في الأصل الأول.

التوحيد:

أدرك القدماء أهمية التوحيد ومحوريته لكل الأصول الاخرى فسمّوه: أصل الأصول. واطلق على العقائد اسم (علم التوحيد)، لأن الأصول الاخرى متوقفة عليه. وعرّف بعضهم علم الكلام بأنّه العلم الذي يبحث عن ذات الله وصفاته وأفعاله. ويندرج تحت أفعاله: النبوة والامامة والمعاد، لانها تمثل تجليات الفعل الإلهي في الكون والحياة وما بعد الحياة.

يلتقي باقر الصدر مع رؤية القدماء حول مركزية التوحيد، ويفجر في كتاباته مفاهيم عديدة وتصورات مستجدة تواكب المعركة التي يعيشها الإسلام في عصره الحالي ولحظته التاريخية.

ويختار القضية التالية كعنوان للتجديد في مستوى هذا الأصل:

التوحيد والمثل الأعلى المطلق:

نظرة جديدة تلك التي يطرحها باقر الصدر عبر مفهوم (المثل الأعلى المطلق)، فالمجتمع والفرد سواء بسواء يتشخص سيرهما، ومعالم هذا السير من خلال اختيار المثل الأعلى (فبقدر ما يكون المثل للجماعة البشرية صالحاً وعالياً وممتداً تكون الغايات صالحة وممتدة، وبقدر ما يكون هذا المثل الأعلى محدوداً أو منخفضاً تكون الغايات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة أيضاً)(1). فالمثل الأعلى هو محور أي حركة تاريخية لأنه يحدد غاياتها وأهدافها، وبدورها هذه الأهداف هي التي ترسم حدود الانشطة والحركات ضمن


1) محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، م. س، ص145.

مسار ذلك المثل الأعلى.

لقد صنف المثل العليا إلى ثلاثة أقسام:

ـ القسم الأول: المثل الأعلى المنتزع من الواقع المعيش بكل ما يحويه من ظروف وملابسات.

ـ القسم الثاني: المثل الأعلى المحدود هذا النوع ليس تعبيراً تكرارياً عن الواقع كما هو القسم الأول بل هو تطلع للمستقبل، لكنه منتزع عن جزء من هذا الطريق المستقبلي الطويل.

ـ القسم الثالث: المثل الأعلى المطلق: الذي تؤمن به عقيدة التوحيد وهو الله جل جلاله.

النوع الأول يمثل محاولة لتجميد الواقع، ويكون المستقبل تكراراً للواقع و(هذا النوع من الآلهة يعتمد على تجميد الواقع، وتحويل ظروفه النسبية إلى مطلقة لكي لا تستطيع الجماعة البشرية أن تتجاوز الواقع، وأن ترتفع بطموحاتها عن هذا الواقع)(1).

إن تبني هذا النوع من المثل العليا يرجع إلى أحد سببين:

أولا: سبب نفسي: وهي حالة الخمول والالفة التي تجعل المجتمع يعيش حالة ضياع فينغلق على آلهة ينتزعها من واقعه يحوّلها إلى حقيقة مطلقة، وقد عبّر القرآن الكريم عن ظاهرة تقديس الواقع الموروث وتحويل رموزه النسبية إلى حقائق مطلقة في آيات عديدة(2).

(قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ أَوَ لَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ


1) م. ن، ص149.

2) من نماذج هذه الآيات: (المائدة 104)، (يوسف 78)، (ابراهيم 10)، (الزخرف 22)، (هود 62)..).

شَيْـاً وَ لاَ يَهْتَدُونَ)(1).

السبب الثاني: اجتماعي ويتمثّل في التسلط الفرعوني: فالفراعنة يرون في التوحيد تجاوزاً للواقع الذي يسيطرون عليه، وبالتالي خطراً يهدد سلطانهم ويزلزل كيانهم، فيكون من مصلحتهم أن يغمضوا عيون الناس عن أي أفق وراء الواقع.. ولن يحصل ذلك إلاّ بتحويل هذا الواقع إلى مطلق إلى مثل أعلى لا يمكن تجاوزه.. ففرعون يحاول دائماً أن يعبىء الجماهير ويؤطرها في ظل وجوده ورؤيته هو (قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَى وَ مَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ)(2)، (وَ قَالَ فِرْعَوْنُ يَـأَيُّهَا الْمَلاَُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـه غَيْرِي)(3).. إنه خط الطاغوت في التاريخ الذي يسعى لتجميد حركة المجتمع البشري، وتحويل الواقع إلى مطلق، وسجن الجماعة البشرية في ضيق الماضي وحُدُودِ رموزه.. هكذا تتحول معركة التوحيد والكفر إلى معركة بين قوى التقدم وقوى التآمر والجمود، وتكون (الفرعونية) بكل مظاهرها الاقتصادية والاجتماعية والسياسة.. المؤسسة وتحررها الرسالي.. إن مصير الأمم التي تخضع لهذه المثل العليا المنخفضة إنها تتحول إلى ما أسماه(قدس سره).. (شبح أمة) تعيش الفرقة والتمزق، لأنه بغياب عقيدة التوحيد.. ينتفي الإطار الذي يوحد صفوف الأمة، و(يبقى كل إنسان مشدود إلى حاجاته المحدودة إلى مصالحه الشخصية إلى تفكيره في أموره الخاصة، كيف يصبح؟ كيف يمسي؟ كيف يأكل؟ كيف يشرب؟ كيف يوفر الراحة والاستقرار لأولاده ولعائلته أي راحة؟ أي استقرار؟ الراحة بالمعنى الرخيص للراحة والاستقرار بالمعنى الرخيص من الاستقرار.. يبقى كل انسان سجين


1) البقرة: 170.

2) غافر: 29.

3) القصص: 38.

حاجاته الخاصة سجين رغباته الخاصة..)(1)، ويحدد باقر الصدر هذه الأمة النهائي بأحد الإجراءات الثلاثة التالية:

الاجراء الأول: ان تتداعى الأمة لغزو عسكري من الخارج، لأن الأمة أفرغت من محتواها وصار كل فرد يفكّر في ذاته.

الاجراء الثاني: الذوبان والانصهار في مثال أعلى أجنبي مستورد.

الاجراء الثالث: أن ينشأ في اعماق هذه الأمة بذور إعادة المثل الأعلى من جديد بمستوى العصر الذي تعيشه تلك الأمة.

أما النوع الثاني (المثل الأعلى المحدود) فقد نجد لتبني المجتمعات والأفراد لهذا النوع عذراً، لأنّهم لا يستطيعون أن يستوعبوا المطلق بحكم محدودية الأذهان، ويكمن الخطر هنا أيضاً في أن يضفي على هذا المستقبل القريب الاطلاق من جميع الجهات، لا شك أن هذا النوع يعطي للجميع طاقة نحو المستقبل ودفعاً، ولكن في حدود آفاق هذا المثل الأعلى، لأنه سرعان ما يبلغ مداه الاقصى فيتحول إذا لم نتجاوزه إلى عائق يعطل المسيرة ويشدها إلى عهود تكرارية.

بهذه الموازنة بين هذه الأنواع المختلفة للمثل العليا يبرز الصدر الأهمية الحضارية لعقيدة التوحيد، وللمثل الأعلى المطلق الذي يجعل من الله غاية للمسيرة (يَـأَيُّهَا الاِْنسَـنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَـقِيهِ )(2)بكل ما يعنيه ذلك من تألق المسيرة وديمومتها وتكاملها اللامحدود.

إن عقيدة التوحيد تصنع التوافق بين الوعي البشري والواقع الكوني الذي


1) م. ن، ص161.

2) الانشقاق: 6.

يفرض هذا المثل الأعلى حقيقة قائمة ثابتة.. ولذلك عبرت الآية عن الكدح بصيغة خبرية لا بصيغة إنشائية. فالبشرية تكدح نحو الله شاءت أم أبت حتى الذين يتمردون على الله هم يسيرون نحو الله ولكن من حيث لا يشعرون.. لأن كونه سبحانه مثلا أعلى حقيقة كونية على الانسان أن يعيها ويرتبط بها.. (وَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَـلُهُمْ كَسَرَاب بِقِيعَة يَحْسَبُهُ الظَّمْـَانُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ )(1).

وعقيدة التوحيد عندما توحد بين الوعي والواقع وبين الاعتقاد والحقيقة.. يحدث تغيراً كمياً وكيفياً على مسيرة الإنسان، فالمثل الأعلى المطلق يحفز الانسان والمجتمع نحو التقدم ويضفي على المسيرة اندفاعاً وتجدداً لا ينضب، فعلى المستوى الكمي يفتح آفاقاً لا نهاية لها، لأنه كلما قطعت المسيرة شوطاً نحو الله انفتحت أمامها أشواطاً جديدة.. وتسقط حينئذ وتتهاوى كل الاشكال من الالوهيات المزيفة على هذا الطريق الزاحف نحو المطلق (من هنا كان دين التوحيد صراعاً مستمراً مع كل اشكال الآلهة، والمثل المنخفضة والتكرارية التي حاولت أن تحدد من كمية الحركة من أن توصل الحركة إلى نقطة ثم تقول قف أيها الإنسان)(2).

(أما التغير الكيفي تتجلى في حل الجدل الداخلي للإنسان بإعطاء الشعور الداخلي بالمسؤولية الموضوعية، لأن الانسان من خلال إيمانه بهذا المثل الأعلى ووعيه على طريقه بحدوده الكونية الواقعية من هذا الوعي ينشأ بصورة موضوعية شعور معمق لديه بالمسؤولية تجاه هذا المثل الأعلى لأول مرة في تاريخ المثل


1) النور: 39.

2) م. ن، ص185.

البشرية التي حركت البشر على مر التاريخ)(1).

وسبب ذلك أن المثل الأعلى المطلق حقيقة وواقع عيني منفصل عن الإنسان، وبذلك يتفق الشرط المنطقي للمسؤولية وجود جهة عليا يؤمن هذا الإنسان بأنه مسؤول أمامها.

على طريق التجديد الكلامي:

إن أطروحة الصدر الكلامية لا تزال تختزن داخلها مشاريع عدة تستوجب جهوداً كبيرة لتفجيرها، والرقي بالطرح العقائدي إلى مستويات أعلى قادرة على مقارعة كل التيارات المستحدثة، واقتحام كل الساحات الفكرية والفضاءات الثقافية وتحدي كل المشاريع المضادة..

نعم انه من الطبيعي أن المجددين الكبار يرحلون قبل أن يتموا مشاريعهم الكبرى، لأن مشاريعهم الفكرية والحضارية هي دوماً أكبر من أعمارهم وتحتاج إلى أجيال عديدة تستوفي اغراضها على أيديهم..، ولكن مع ذلك.. لابد من توجه صادق وقوي نحو هذه المهمة حتى نحقق بعد سنين نتائج مثمرة على هذا الطريق.


1) م. ن. ص185.

{6} أسعد وحيد القاسم(حنفي / فلسطين)

اشارة

الصورة

A05

ولد في فلسطين سنة 1965 م من أسرة حنفية المذهب، حاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية والماجستير في ادارة الانشاءات والدكتوراه في الادارة العامة.

دفعه اطلاعه على بعض كتب الوهابية التي تهاجم مذهب أهل البيت(عليهم السلام)إلى قراءة بعض كتب الشيعة، ثم التحقق مما جاء فيها من صحاح السنة، وهو الأمر الذي قاده إلى اعلان تشيعه بعد بحث مستفيض طال سنتين.

الصورة الأولى عن معرفته بالتشيع:

يقول الدكتور أسعد: بدأت بدراسة الخلاف المذهبي في عام 1987 م أيام دراستي الجامعية في الفيليبين، بعد ما بدأت الاحظ تلك الحملات التكفيرية المسعورة التى كان يشنها البعض ضد الشيعة والتشيع.

ولم يكن عندي لغاية ذلك الحين أي اهتمام للاطلاع على مثل هذه المسائل الخلافية لعدم شعوري بأي حاجة لمعرفتها، وكل ما كنت أعرفه من الشيعة أنّهم مسلمون وإن كانوا يختلفون عن أهل السنة في بعض المسائل التي لا تستوجب تكفيرهم، كتفضيلهم لعليّ(عليه السلام) على باقي الصحابة واهتمامهم الكبير

بزيارة أضرحة الأئمة. وكنت لا أرى أي داعي للبحث عن الفرق بين الشيعة والسنة، لانني كنت اعتبر هذه الأبحاث دخولا في متاهات قد لا توصل إلى أي نتيجة.

الايمان بمبدأ التعامل الموضوعي بين المذاهب:

كان الدكتور أسعد وحيد القاسم يعتقد بأن يتوجه أصحاب أي انتماء مذهبي إلى من يخالفهم في الرأى أو المعتقد من منطلق العمل على حل مشكلة مشتركة وهي البحث عن الحق، وأن يحترم كل من الطرفين الآخر، ليكون الحوار القائم بينهم حواراً موضوعياً وبعيداً عن التعصب والانانية، وذلك لتتهيأ فيما بينهم أجواء هادئه فيتمكنوا في ظلالها أن يحصلوا على رؤية واضحة إلى الحقائق، لأن التمحور حول الذات والتعصب الناتج من التبعية العمياء يمزّق جميع الصلات بين أصحاب المذاهب المختلفة ويدفع كل صاحب انتماء إلى التعصب الأعمى لما عنده، وبهذا تتحول الساحة الاسلامية إلى ساحة ممزقة تمتص طاقات هائلة وتهدر قدرات كثيرة في الوقت الذي يمكن الانتفاع من هذه الطاقات والقدرات في مسألة البناء والتطور والتقدم في جميع الاصعدة.

إلاّ أن بعض أتباع المذهب الوهابي أنكروا على الدكتور أسعد ذلك، ثم حاولوا التضييق عليه من كل جانب من أجل أن يتخلى عن هذا النمط من التفكير المنفتح.

فيقول الدكتور قاسم: وكان معنى ذلك أنّه يجب عليَّ إمّا أن أكون سنياً مكفراً للشيعة، وإمّا أن أكون شيعياً معتقداً بكل ما يعتقدون،وهكذا كانوا يلحون عليَّ دائماً بأن اختار طريقاً واضحاً ليس فيه مزج أو وسطية على رأيهم. وكانوا يوزعون دائماً كتباً على الطلبة، تكفّر الشيعة وتجعل منهم خطراً على الأمة أسوأ من خطر اليهود.

وهكذا تولّد في داخلي حافز للتقصي والبحث، لأجد جواباً للعديد من القضايا والمسائل التي اُثيرت حول تاريخنا الإسلامي، ولم أجد لها جواباً مقنعاً وخصوصاً في ما يتعلق بمسألة الخلافة ونظام الحكم في الإسلام.

اقتطاف ثمار البحث حول التشيع:

بعد ما قرأ الدكتور أسعد الكتب العديدة المضادة للشيعة، بدأ بقراءة بعض الكتب الشيعية ليرى جوابهم على تلك المسائل وخصوصاً كتاب (المراجعات) الذي ينقل حواراً لكاتبه الشيعي مع عالم سني من الأزهر.

فيقول الدكتور أسعد في هذا المجال: وأشد ما لفت انتباهي في هذا الكتاب وغيره من الكتب الشيعية هو استدلالها على ما تدعي بآيات قرآنية وأحاديث موثقة عند أهل السنة لاسيما في صحيحي البخاري ومسلم. ولشدة قوّة وضوح بعض الروايات التي استدل عليها من صحيح البخاري، دفع ذلك بعض أصدقائي من دعاة الوهابية إلى القول بأنّه لو وجدت بحق مثل هذه الروايات في صحيح البخاري لاستعدوا أن يكفروا بهذا الكتاب الجامع الصحيح كله كما يعتبره العلماء من أهل السنة، وحيث أنّه لم يكن متوفراً لدى أي أحد منا نسخة من هذا الكتاب، فبحثت حينها حتى وجدت نسخاً منه في معهد للدراسات الإسلامية في إحدى الجامعات الفيليبينية، وعكفت على دراسته للتحقق من مصادر الروايات الهامة التي استدل بها، حيث وجدتها جميعاً كما اشير إليها. وحينئذ فقط تيقنت من صحة دعوى الشيعة القائلة بخلافة الأئمة الاثني عشر من أهل البيت(عليهم السلام) ابتداءاً بعليّ(عليه السلام)وانتهاء بالمهدى عجل الله فرجه الشريف.

اجتياز مرحلة التغيير المذهبي:

وحول كيفية تغيير الانتماء إلى التشيع وترك المذهب السني يقول الدكتور اسعد: لم أشعر منذ البداية أنه كان عليَّ أن أترك مذهبي السني، ولا أعتقد أني

تركته، وما أقصد أنّ إيماني في بداية الأمر بأحقية أهل البيت(عليهم السلام) بخلافة النبيّ(صلى الله عليه وآله)لم يعنْ تركي لمذهبي السني، وإنما اعتبرته تعديلا لمعلوماتي التاريخية، وتصحيحاً لمساري الإسلامي.

فإذا كان المذهب السني يعنى هو الأخذ بالسنة النبوية، فإن تمسكى بها قد أزداد بتعرفي على طريق أهل البيت(عليهم السلام)، لأنّهم أقرب الناس إلى هذه السنة النبوية.

وعلى رغم أن من حولي أخذوا ينادوني بالشيعي، فلم أكترث لذلك، بل لم أجد بأساً فيه، لأنه لم يكن عندي عقدة مسبقة من هذه التسمية.

لأنني لا أرى تقسيم المسلمين على أساس المذاهب، وإنّما على أساس صدق التوجه واصالة العمل واخلاصه، فيكون عندنا إما إسلام ظاهري موروث ليس فيه سوى الشعائر الفارغة من المعنى لمن يقوم بها وسوى التعصب الأعمى لها، وإمّا إسلام واقعي يكون أتباعه مستسلمين بالروح والقلب لكل ما هو حق ويعملون به بكل حبّ وإخلاص لا يعرفون للتعصب طريقاً.

ردود فعل الأسرة والمجتمع:

يقول الدكتور أسعد حول ما لاقاه من ردود فعل أسرته ومجتمعه: لم أفكر لحظة كيف سيكون رد فعل أسرتي ومجتمعي، لأن المسألة هنا شخصية جداً، ولا اعتبار فيها سوى ما يراه العقل وعلى ذلك يحاسبنا الله سبحانه وتعالى، فلا الأسرة ولا القبيلة تشفع لأحد يوم الحساب ولحسن حظي على كل حال، فإنّ أسرتي وأقاربي كانوا متفهمين جداً عندما عرفوا بالأمر وتربطني بهم إلى الآن علاقة حميمة.

وأما بالنسبة لرد فعل المجتمع، فنحن ما زلنا مجتمعات يسيطر عليها التفكير القبلي والتعصب الديني والمذهبي والتحول عن الدين أو المذهب لا يزال مرفوضاً من حيث المبدأ ويبغض غالباً من يفعله، فالدين والمذهب في مجتمعاتنا من الأمور التي تورث، والقليل النادر جداً من يضعها تحت مجهر الدراسة

والتمحيص، فلهذا خسرت بعض الأصدقاء إلاّ أنني كسبت آخرين، وفيهم كثير من النخب المتعلمة مما يدعو إلى التفاؤل، فالثقافة والوعي تجاه هذه القضايا يحتاجان إلى بعض الوقت.

مؤلفاته:

1 ـ "أزمة الخلافة والامامة وآثارها المعاصرة":

صدر عام 1418 هـ، عن دار المصطفى لاحياء التراث.

ويشمل هذا الكتاب على أربعة أقسام وهي:

(أ) موقف التشريع الاسلامي من مسألة الخلافة والإمامة.

(ب) استعراض الواقع التاريخي لدولة الخلافة والإمامة في صدر الإسلام.

(ت) منهج في الوصول لمعرفة هوية الخلفاء والأئمة الذين ارادهم الله لهذا المنصب.

(ث) آثار أزمة الخلافة والإمامة على شريعة الإسلام وواقع المسلمين على مر العصور.

2 ـ "حقيقة الشيعة الاثني عشرية":

صدر عام 1421 هـ عن مؤسسة المعارف الإسلامية.

وهو بحث يعالج بعض المسائل العقائدية من قبيل: الإمامة، عدالة الصحابة، الشيعة والقرآن الكريم، الشيعة والسنة النبوية المطهرة، الزواج الموقت ومسألة الإمام المهدي المنتظر عج الله فرجه الشريف والفتن.

وقد قام السيد محمد جواد المهري بترجمة هذا الكتاب إلى اللغة الفارسية نُشرته مؤسسة المعارف الإسلامية ـ قم.

3 ـ "تحليل نظم الادارة في الاسلام": رسالته للدكتوراه.

وقفة مع كتابه: ((أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة))

عندما تفرّط الاُمة بما جاءها من العلم، وتضيع البيّنات التي بلّغها الرسول إليها عن الله سبحانه وتعالى، يحدث الاختلاف والبغي وتنقسم الأمة إلى أهل حق وأهل باطل.

وعندما تدعي الاُمة تقديم المصلحة وتضرب النص الإلهي، يغير الله ما بها من نِعَمْ فيسلبهم إياها لظلمهم وادعاءهم الفهم والتقدم على التخطيط الالهي الذي هو من النعم المحضة على الاُمم.

وعندما تُتبع الأهواء وتُبتدع الأحكام يحدث الضلال والانحراف والتشرذم، وتتوالى الأزمات وتتتابع الفتن وتبقى آثارها السيئة الى ما يشاء الله من الزمان.

وهذا ما حصل لأُمّة الإسلام عندما اجتهد جماعة مقابل النصوص الكثيرة وأدعوا أنهم يخافون الفتنة وهم في الواقع اتبعوا أهواءهم القبلية في حب الرئاسة ووقعوا في الفتنة، فنصبوا أنفسهم أئمة للناس وخلفاء للرسول(صلى الله عليه وآله) وتبعتهم الأمة على ذلك، وتركت من أوصى لهم الرسول(صلى الله عليه وآله) بعد أن اصطفاهم الله سبحانه، فلاقت الغي والازمات وفقدت الرشاد والخيرات وتوالى عليها الحكام الظالمون الذين احتلبوا خيراتها واهتضموا صلحائها، فضاعت معالم الدين والشريعة وسادت الجاهلية والفوضى اُمور المسلمين، فكثر الدس والتدليس في النصوص والتاريخ وساد التقديس لمن تظاهر بالدين ولو على حساب النبيّ(صلى الله عليه وآله) والمعصومين من

أهل بيته(عليهم السلام)، وانقسمت الاُمة الى فرق ومذاهب ما أنزل الله بها من سلطان.

ماهية وجوهر الخلافة والامامة:

ينقل الكاتب تعريف أهل السنة والشيعة للخلافة والائمامة فيقول: "يرى أهل السنة أنّ الخلافة والإمامة في جوهرها منصب سياسي وتنفيذي لتطبيق حدود الشريعة وحفظ مصالح العباد ومحاربة الأعداء، ولا تقع على عاتق هذا المنصب مسؤولية حفظ معالم الدين بتفسير ما غمض من حقائقه أو تبيان حدوده وغير ذلك من الأمور المتعلقة بفهم الشريعة وتفهيمها كما كان يفعل الرسول(صلى الله عليه وآله).

ويبيّن الماوردي العلاقة بين الدين والسلطان بقوله: "فليس دين زال سلطانه إلاّ بدلت أحكامه، وطمست أعلامه، وكان لكل زعيم بدعة، ولكل عصر فيه وهية أثر، وكما أنّ السلطان إن لم يكن على دين تجتمع به القلوب حتى يرى أهله الطاعة فيه فرضاً، والتناصر عليه حتماً لم يكن للسلطان لبث، ولا لأيامه صفو، وكان سلطان قهراً ومفسد دهر.

ومن هذين الوجهين وجب إقامة إمام يكون سلطان الوقت وزعيم الأمة فيكون الدين محروساً بسلطانه، والسلطان جارياً على سنن الدين وأحكامه"(1).

وبالرغم من هذا التزاوج الواضح بين الدين والدولة بحيث أنّ صلاح أحدهما لا يكون إلاّ بصلاح الآخر، فإنّ موقع النظر في مسألة ولاية أمر المسلمين المتمثلة بالخلافة والإمامة لا ينسجم مع أهميتها العظمى هذه ويصنفها العلماء من أهل السنة ليس فقط ضمن فروع الدين وأحكام الفقه، وإنّما أيضاً يحثون على عدم الخوض بالكلام والبحث فيها لما قد يجلب ذلك من انتقاد بحق الخلفاء لا سيما الأوائل منهم!


1) الماوردي، أدب الدين والدنيا: 111.

يقول الغزالي: "إعلم أنّ النظر في الإمامة ليس من المهمات، وليس أيضاً من فن المعقولات (بمعنى أنه ليس من العقائد) بل من الفقهيات. بل إنها مثار التعصبات والمعرض عن الخوض فيها أسلم من الخائض فيها وإن أصاب، فكيف إذا أخطأ"(1).

وقد انطلق هذا الاعتبار بفرعية الخلافة والإمامة عند أهل السنة وتهميش موقعها ضمن تعاليم الدين من اعتقادهم بعدم تدخل الشريعة من الأساس بتعيين مَنْ يخلف النبيّ(صلى الله عليه وآله) وإنما يرون أنّ هذا الأمر قد أوكل إلى الصحابة ابتداءاً.

وإلى الناس في كل عصر ليختاروا أولياء أمورهم استناداً الى قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم)(2).

بينما يرى الشيعة أنّ الإمامة منصب الهي واستمرار للنبوة في وظائفها وإن كان الإمام لا يوحى إليه، وهي بهذا المفهوم أسمى من مجرد القيادة والزعامة في أمور السياسة والحكم، ولا يمكن الوصول إليها عن طريق الشورى أو الانتخاب، بل لابدّ أن يكون تنصيب الإمام بتعيين من الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه(صلى الله عليه وآله).

وعليه، فالشيعة يعتبرون الإمامة أصلا من أصول الدين ولا يكتمل الايمان إلاّ بالاعتقاد الصادق بإمامة الأئمة المعينين من الله ورسوله الذين لا يخلو منهم قائم بأمر الله في كل زمان وعصر يهدي الناس ويحفظ الدين: (إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْم هَاد)(3).

وقوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسِم بِإِمَـمِهِمْ)(4)، وقول الرسول(صلى الله عليه وآله):


1) أبو حامد الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد: 234.

2) الشورى: 38.

3) الرعد: 7.

4) الاسراء: 71.

"من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية"(1)إنّما هي للتأكيد على أن أهداف رسالة الإسلام بعد رحيل المصطفى(صلى الله عليه وآله) لا يمكن ان تتحقق إلاّ من خلال إمامة الخلفاء الهادين المرشدين".

هوية الخلفاء والائمة:

بعد قول أهل السنة بعدم وجود نصوص في تعيين من يخلف النبي(صلى الله عليه وآله) أو في طريقة اختياره وشروط انعقاد البيعة له، فإنّهم ذهبوا للاستدلال على ذلك بأقوال الصحابة وأفعالهم في تشريع القوانين ووضع النظريات في هذه المسائل. وهم يجمعون على كل حال على الاعتقاد بأنّ الإمامة الحقة تمثلت بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ على حسب ترتيب أفضليتهم عندهم وسموهم بالخلفاء الراشدين. ويعتبرون أيضاً صحة وشرعية الخلفاء "غير الراشدين" ممن جاءوا بعدهم كالخلفاء الأمويين والعباسيين والعثمانيين...

أمّا الشيعة فيعتقدون أنّ الخلافة الحقة قد نُصّ عليها بأوثق الأدلة وأوضح العبارات في عليّ بن أبي طالب ابتداء. والأئمة من أهل البيت(عليهم السلام) بصورة عامة، وقد استدلوا بحديث الثقلين، وآية التطهير، وآية المباهلية، وحديث السفينة وغيرها.

وقد وصلت الخلافة حسب الواقع التاريخي الى أمثال معاوية ويزيد الذين قلبوا حقائق الإسلام رأساً على عقب، وارتكبوا المنكرات والموبقات كشرب الخمر وقتل النفس المحرمة ولعن الإمام عليّ(عليه السلام) على المنابر واستباحة المدينة وقذف الكعبة بالمنجنيق واحراقها، وتوجوا جرائمهم بذبح بيت أهل النبوة(عليهم السلام)وعلى رأسهم الإمام الحسين(عليه السلام) في كربلاء.


1) صحيح مسلم، كتاب الامارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين: 4 / 517.

مقياس لمعرفة الخلفاء والائمة:

يتخذ الكاتب أحد الأحاديث الشريفة الصحيحة الواردة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)مقياساً لمعرفة الأئمة الواجبي الطاعة وهو: "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية"، أو "من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية"(1).

وطاعة أولي الأمر واجبة على كل مسلم كونها امتداداً لطاعة الله ورسوله (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاَْمْرِ مِنكُمْ)(2)، ومعنى الحديث أنّ الخسران الاُخروي سيكون نصيب من مات وهو لم يطع ولي الأمر أو لم يبايعه أو لم يعرفه.

وطبق الاستاذ أسعد القاسم هذا الحديث النبوي الشريف على خلافة أبي بكر وعليّ(عليه السلام).

1 ـ خلافة أبي بكر:

امتنعت فاطمة الزهراء سلام الله عليها إبنة الرسول(صلى الله عليه وآله) وزوج عليّ(عليه السلام) عن مبايعة أبي بكر إلى أن ماتت وهي على هذه الحال، بل وهي غاضبة عليه فأوصت أن لا يصلي عليها، ولا حتى أن يحضر دفنها كما أخرج البخاري في الصحيح: "فغضبت فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) فهجرت أبابكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت وعاشت بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ستة أشهر... فلما توفيت، دفنها زوجها عليّ ليلا، ولم يأذن بها أبابكر، وصلى عليها"(3).


1) صحيح مسلم، كتاب الامارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين: 4 / 517.

2) النساء: 59.

3) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر: 5 / 382.

ونحن بهذا المثال أمام احتمالين لا ثالث لهما:

فإمّا أن يكون أبو بكر هو الخليفة الواجب الطاعة فتكون فاطمة قد ماتت ميتة جاهلية. وإمّا أن فاطمة لم تمت ميتة جاهلية، فيكون أبو بكر ليس بخليفة واجب الطاعة.

وبالنظر الى الاحتمال الأول، نجد أن الزهراء(عليها السلام) من بين الذين لم يتطرق الى مسألة بشارتهم بالجنة أدنى شك، وقد أنزل سبحانه وتعالى سورة الانسان بكاملها في هذا الصدد.

وهي التي أخبر الرسول(صلى الله عليه وآله): "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة"(1)، وقوله(صلى الله عليه وآله)كذلك: "يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الامة"(2)، وهي التى يغضب النبيّ(صلى الله عليه وآله) لغضبها، وبالتأكيد على كل من يغضبها لقوله(صلى الله عليه وآله): "فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني"(3)، وليس مهماً هنا النظر فيمن أغضب فاطمة بقدر ما هو مهم معرفة أن من يغضب الله ورسوله لغضبها، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون ميتتها جاهلية والعياذ بالله، وهي من الذين نزل بحقهم: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )(4).

فلا يبقى أمامنا سوى الأخذ بالاحتمال الثاني.

خلافة علي:

كان تولي الإمام عليّ(عليه السلام) كما يقول المودودي: "تقول الروايات الصحيحة


1) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب فاطمة: 5 / 75.

2) صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب من ناجى بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وآله): 8 / 202.

3) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب فاطمة: 5 / 75.

4) الأحزاب: 33.

كلها إن صحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وغيرهم من أهل المدينة راحوا إليه، وقالوا له إنه لا يصلح الناس إلاّ بإمره، ولابدّ للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحق بهذا الأمر منك" وحينما تولى الإمام علي(عليه السلام) أمور المسلمين فإنه ورث من سلفه عثمان صعوبات كثيرة، وواقعاً في غاية الفساد والانحراف، لا سيما التي حدثت في الدولة الإسلامية وخروج البعض عليه، وكان من أبرز الخارجين عن طاعة الإمام هما عائشة ومعاوية.

فأما عائشة، فقد تنبأ النبيّ(صلى الله عليه وآله) بخروجها عن طاعة إمام زمانها قائلاً: "كأني باحداكن قد نبحها كلاب الحوأب وإياك أن تكوينها يا حميراء"(1). وفي رواية اخرى، قال النبيّ(صلى الله عليه وآله): "ليت شعري، ايتكن صاحبة الجمل الادئب تسير حتى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يسارها، وعن يمينها خلق كثير"(2). وفي رواية ثالثة قال النبيّ(صلى الله عليه وآله): "يا حميراء كأني بك تنبحك كلاب الحوأب، تقاتلين علي وأنت له ظالمة"(3).

ومن تنبؤات النبيّ(صلى الله عليه وآله) بشأن الفتنة التى أحدثتها عائشة ما أخرجه البخاري في صحيحه، عن عبد الله قال: "قام النبيّ(صلى الله عليه وآله) خطيباً، فأشار نحو مسكن عائشة فقال: ها هنا الفتنة، ها هنا الفتنة، ها هنا الفتنة من حيث يخرج قرن الشيطان"(4).

وأمّا معاوية، فقد كان تنبؤ الرسول(صلى الله عليه وآله) ببغيه وعدوانه على إمام زمانه من المسلمات التاريخية. فعن خالد بن العربي قال: دخلت أنا وأبو سعيد الخدري على حذيفة فقلنا: حدثنا ما سمعت من رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الفتنة.


1) ابن قتيبة الدينوري، الامامة والسياسة: 1 / 82.

2) تاريخ ابن كثير: 6 / 221.

3) العقد الفريد لابن عبد ربه: 3 / 108.

4) صحيح البخاري، كتاب الخمس، باب ما جاء في بيوت ازواج النبي: 4 / 217.

قال حذيفة: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): دوروا مع الكتاب حيث دار. فقلنا: فاذا اختلف الناس، فمع من نكون؟ فقال: انظروا الفئة التي فيها ابن سمية (يعني عمار بن ياسر) فالزموها، فانه يدور مع كتاب الله. ثم قال حذيفة: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول لعمار: يا أبا اليقظان لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية عن الطريق(1).

وفي صحيح البخاري، قوله(صلى الله عليه وآله): "ويح عمار، تقتله الفئة الباغية عمار يدعوهم إلى الله، ويدعونه الى النار"(2).

وقد صدقت نبوءة الرسول(صلى الله عليه وآله)هذه عندما استشهد عمار في موقعة صفين وهو يقاتل الأمويين تحت راية الإمام عليّ(عليه السلام).

فهل بعد هذا القول من ريب حول معاوية ومصيره؟، فكلمات النبيّ(صلى الله عليه وآله) لا تحتمل أي معان آخر، فعمار ومن معه طريقهم إلى الله، وأعدائهم البغاة الخارجين عن طاعة إمام زمانهم طريقهم الى النار.

ولم يكتف معاوية بالتمرد على الإمام، بل نصبّ نفسه خليفة خلال عهد خلافة علي(عليه السلام)، وقد بايعه أهل الشام على ذلك، ثم هاجم مصر واقتطعها من خلافة الإمام كما هاجم مناطق اخرى عديدة في الجزيرة العربية وغرب العراق، ويقول النبيّ(صلى الله عليه وآله)في هذا النوع من التجرأ: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما"(3).

آثار أزمة الخلافة والإمامة على واقع المسلمين:

كان لمسألة الصراع على إمامة المسلمين بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله) والتي جاءت


1) مستدرك الحاكم: 2 / 148.

2) صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب مسح الغبار عن الراس: 4 / 52.

3) صحيح مسلم، كتاب الامارة: 4 / 519.

نتيجة لحرص واجتهاد بعض الصحابة حول مسألة الزعامة والامارة في مقابل النصوص الواضحة والكثيرة التي خلفها النبي(صلى الله عليه وآله) لأمته بتعيين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ولياً وقائداً لهذه الأمة بعد رحيله الى دار الخلود، أكبر الآثار على واقع المسلمين ومست أحكام الدين فحرفتها في كثير من المواقع وسارت بها الى حيث ضلال المسلمين وضياع معالم الدين وأركانه، نتيجة كثرة الدس والتحريف في الحديث النبوي الشريف وتوجيه الوقائع التاريخية بما يخدم حفظ ماء وجه من حكم بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله)ولو على حساب ماء وجه النبيّ(صلى الله عليه وآله) نفسه أو على حساب تضييع وتشويه أصل الدين.

كما قدس الصحابة ورفع من شأنهم وصاروا نقله الدين وامنائه ولا يجوز المس بعدالة أحد منهم، ومقابل ذلك حطّ من شأن أهل البيت: الذي رفع الله ورسوله(صلى الله عليه وآله) من شأنهم حسداً وبغياً، وتوجيهاً لاطروحة الخلافة على حساب الارادة الالهية في تعيين الائمة الاثنا عشر من آل البيت(عليهم السلام) قادة للامة وهداة لسبيل الحق.

ومن هنا تفتتّت الأمة الى فرق ومذاهب عقائدية وفقهية لا يمكن حصرها، فصار كل من يأتي بقول أو رأي يأخذ به بعد أن ضيعت الأمة المصادر الأصلية والقادة الحقيقيين الذين اصطفاهم الله سبحانه وتعالى.

وكان لهذه الازمة آثار استمرت الى عصرنا الحاضر، وهي مشاكل تدخل في صميم الإسلام وليست آثاراً جانبية يمكن تجاوزها وتلافي ضررها.

ونلقي الضوء هنا على بعض ما أورده الكاتب:

1 ـ عزل الدين عن الدولة: يظهر الكاتب رأيه في هذه المسألة فيقول:

"يرى عامة من المسلمين أنّ فصل الدين عن الدولة قد أدخل الى عالمنا الإسلامي عام 1924م عندما تم القضاء على الخلافة العثمانية، وهذا الكلام لو صح فإنّما يصح على الدين الظاهري الصوري الذي كان يدين به السلاطين

العثمانيون كما ورثوه من أسلافهم، وأما إذا تحدثنا عن الإسلام المحمدي باصالته وواقعيته، فقد تم فصل روحه وعمقه عن حياة المسلمين منذ أن تنازع من تنازع من الصحابة في السقيفة، ثم اكتمل هذا الفصل وبصورة واقعية وتامة باعتلاء معاوية بن أبي سفيان عرش الخلافة والحكم، وتحويل هذا المنصب أداة لتحقيق أحلام جاهلية، وفرصة للاستغراق في المزيد من الملذات واللهو. وبالطبع، فكل ذلك على حساب نشر قيم الإسلام وتعاليمه الأصيلة....

ويقرر المرحوم الغزالي أنّ عزل الدين عن الدولة في المجتمع الإسلامي قد تم منذ أمر بعيد بقوله: "ومن النكسات التي اصابت جماعة المسلمين وأوهنت قواهم من قديم انفصال الحكم عن العلم، وسير كل منهما في مجرى اختص به..."(1).

ويفهم من ذلك أنّه يستحيل أن يتوفر عندنا نظام اسلامي دون أن يكون رأس هذا النظام من المسلمين العالمين بعقائد الإسلام وأحكامه، والمطبقين لتعاليمه، ليس فقط على مستوى الشعائر بل الأكثر اهمية تطبيق العدالة الاجتماعية وتجسيد أخلاقية الإسلام".

2 ـ شيوع الجهل والتخلف: سيطر على بلاد المسلمين شتى أنواع الجهل والتخلف، وكان الخلفاء وما جرى بينهم من حروب ومنازعات على الحكم الدور الكبير في تجهيل المسلمين، واعطائهم تلك الصورة المشوهة والمحرفة عن عقائد الاسلام ونظمه واحكامه، الأمر الذي حدث غالباً عبر ما وضع من أحاديث وادخل من اسرائيليات، وتلوعب بتفسير وتأويل الكتاب والسنة، وزور من حقائق التاريخ فضلاً عن سيادة العادات والتقاليد البالية وانتشار الاساطير والخرافات".

ويتعرض الكاتب لبعض المجالات التي سادها الجهل والتخلف فيقول:


1) محمد الغزالي، مائة سؤال عن الاسلام: 2 / 351.

أ ـ الجهل والتخلف في فهم القضايا التاريخية:

"هناك الكثير من الاحداث التاريخية المهمة في تاريخنا الإسلامي فهمت على غير حقيقتها وزورت تفاصيلها، وشوهت صورتها حتى صارت كما نقلت إلينا وكأنها قضية مختلفة تماماً عن واقعها الأصلي، ونأخذ ملحمة كربلاء كمثال:

فبالرغم من الأهداف النبيلة لهذه الملحمة الحسينية، ودورها في انقاذ الإسلام من ابتذال بني اُمية وسطوتهم، يكشف الغطاء عن وجههم الحقيقي المعادي للإسلام.

فإنّها تعرضت للكثير من التحريفات والتشويهات من قبل كثير من أبناء الاُمة على مر العصور، حيث يرى البعض أنّ الإمام الحسين الرجل المتسرع الذي يرمي نفسه الى التهلكة، ويرفض الاستماع الى نصائح البعض في عدم الخروج عن طاعة ولي الأمر يزيد بن معاوية.

ويلاحظ أيضاً اعتبار كثير من المسلمين يوم ذكرى استشهاد الحسين مناسبة سارة، لا لمقتله(عليه السلام)، وإنّما بحجة أن يوم العاشر من محرم هو نفس اليوم الذي أنقذ الله سبحانه وتعالى فيه النبيّ موسى(عليه السلام) من بطش فرعون، ولذلك فإنّ الأمويين تفننوا في وضع المرويات التي فيها أخبار انقاذ العديد من الأنبياء في نفس هذا اليوم وثواب كبير لصائميه. ونجد بعض المسلمين يحتفلون في العاشر من محرم بابتهاج وسرور، وكأنه عيد كبير من الأعياد".

ب ـ الجهل والتخلف في القضايا الاقتصادية:

"في الوقت الذي لا يزال فيه العلماء والمفكرون المسلمون يواجهون تحدياً كبيراً في استخلاص وبلورة نظام اقتصادي إسلامي قابل للتطبيق في هذا العصر، فإنّه ولتعقيدات مذهبية يجهل كثيرون من هؤلاء الأعلام فضلاً عن العوام أبسط بديهيات هذا النظام كما سترى في المثال التالي المتعلق

بدفع ضريبة الخمس:

فبالنسبة لمصطلح الخمس فإنه وحسب دليل القرآن الكريم (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْء فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُو وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى...)(1). وكما فهمه العلماء السائرون على منهج أهل البيت(عليهم السلام)، فإنه يعني وجوب دفع خمس صافي الأرباح السنوية للإمام، وأما تلك التعقيدات المذهبية التي أحدثت إشكالا كهذا، فتعود جذورها إلى الوقت الذي منع فيه الخليفة أبوبكر حق فاطمة إبنة الرسول(صلى الله عليه وآله)من الخمس (وهو سهم ذوي القربى)، حيث ذهب المؤيدون لأبي بكر وخلافته منذ ذلك الحين الى اعتبار الخمس المقصود في الآية خاصاً بغنائم الحروب التي يتصرف بها حاكم المسلمين كائنا من كان.

وأما الشيعة، فإنّ من استحق عليه منهم دفع ضريبة الخمس، فانهم يدفعونها إلى العلماء المراجع الذين ينوبون عن الإمام المهدي في غيبته، أو يصرفونها مباشرة في موارده باذن منهم. وفي نسبة الخمس ما يكفي العلماء لتحقيق استقلالهم عن السلطات الحاكمة على مر الأزمنة".

ح ـ الجهل والتخلف في القضايا الاجتماعية:

"تعتبر المسائل المتعلقة بالزواج من أكثر القضايا حيوية في أي مجتمع كان، وقد رأينا في هذه الناحية أخذ الزواج المؤقت كمثال:

فقد أجمع المسلمون في فهمهم حول الحكم التي جعلت الشارع المقدس يبيح رخصة تعدد الزوجات فهم يرون فيها حلاً الهياً لمشاكل كثيرة لا تخفى على أحد. وذلك بالرغم مما قد يرافق ممارسة هذه الرخصة من اشكالات ناجمة عادة من سوء التطبيق لا من حكمة التشريع.

ولكن مما لا يزال المسلمون مختلفين حوله هو دوام اباحة الزواج المؤقت


1) الانفال: 41.

والمعروف بزواج المتعة، والذي يراه المنطق والعقل السليم المتحرر من أغلال بعض العقد الاجتماعية المتوارثة حلاً لمشاكل عديدة يخفق في حلها الزواج الدائم أو تعذره فضلا عن تسيب العلاقات غير المشروعة وذلك بالرغم أيضاً مما قد ينجم من اشكالات سوء التطبيق.

وعلى كل حال، فإنّ الضرورة المجمع عليها، والتي من أجلها شرع زواج المتعة، لا يمكن أن تكون محصورة بتلك الفترة والوجيزة في حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله)، فالمشكلة الجنسية ليست خاصة بعصر دون آخر، ولا بأماكن أو أقوام دون غيرها، لا بل إنّ المشكلة في تفاقم مستمر في كل مكان، إن لم تكن المشكلة الاجتماعية الأولى هذه الأيام.

وإن كان رفض فكرة التوقيت في الزواج نابعة من أسباب نفسية، وعادات وتقاليد راسخة لا محيص عنها، فليكن ذلك، ولكن هذا لا ينبغي بأي حال من الأحوال، أن يكون دليلا على حرمة هذا الزواج، فيوجد هناك أحياناً من المسلمين ممن يأنفون الحكم والقانون (الالهي!) في تعدد الزوجات، ولو أبقى التشريع على عادات وتقاليد العرب الذين أول من نزل فيهم الإسلام، لما زلنا نرى ممارسة وأد البنات لغاية هذه الأيام! وإن كتبت لهن الحياة فإنّهن غالباً يعشن مهانات ومحتقرات الى أبعد الدرجات.

أضف لكل ذلك أنه ما لا يناسب عادات وتقاليد مجتمع ما، لا يعني بالضرورة عدم ملائمته لعادات وتقاليد المجتمعات الاخرى، والإسلام لم يأت لقوم دون آخرين وإنّما هو صالح لكل زمان ومكان بكل ما تعني هذه الكلمات من معاني. فالمشكلة الجنسية أصبحت هذه الأيام، وأكثر من أي وقت مضى أكبر من أن يكبتها أي حصن خلقي، أو وعظ إرشادي، أو حتى مرض الايدز الذي أصبح مرض العصر بدون منافس!".

{7} باسل بن خضراء الحسني(حنفي / سوريا)

اشارة

الصورة

A06

ولد عام 1969م في سوريا بحلب، نشأ في أسرة تعتنق المذهب الحنفي، واصل دراسته الأكاديمية حتى حصل على شهادة معهد متوسط للكهرباء بصفة مساعد مهندس.

تفتح آفاق الرؤية:

يقول السيد باسل حول بداية انفتاحه على الآفاق الواسعة من الوعي والمعرفة: كنت في المرحلة الإعدادية حيث بدأت أعي ما حولي وبدأ معي شعور معرفة من أنا، ثم بدأت بالتدريج نحو اكتشاف الحياة ماضيها وحاضرها، ولم أكن متعصّباً بالمفهوم السائد، وكان دأبي التحسّب لكل خطوة أخطوها أو كل كلمة أقولها.

ويضيف السيد باسل: ومن خلال البحث وجدت نفسي أنني أعيش في أجواء قد هيمن عليها التعتيم والتضليل واحتكار العلم، ورأيت المعتقد الذي أنا عليه لم يصل إليّ إلاّ عن طريق الوراثة والتقليد والتبعية، ورأيت نفسي مصداقاً لقوله تعالى حول التبعية العمياء: (إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّة وَ إِنَّا عَلَى ءَاثَـرِهِم

مُّهْتَدُونَ )(1)، فرفعت يدي بالدعاء إلى الباري عزّوجلّ لينقذني مما أنا عليه، فسرعان ما جاءت الاجابة، فتوفرت لي ظروف أدخلتني في دائرة البحث والخوض في غمار تاريخنا الاسلامي، فدققت وتابعت وسألت وواجهت حتى انتبهت لأمور كنت بعيداً عنها وغافلا عن عمقها.

معرفة عودة نسبه إلى الشجرة النبوية:

يقول السيد باسل حول كيفية تعرّف عائلته على صلة نسبهم بالشجرة الحسنية المباركة: في سنين مضت ذهبت مع والدي لزيارة أحد أقربائنا العائد من فريضة الحج، فتبيّن لنا أنّه قد اكتشف هناك أن اصولنا تنتهي إلى المغرب وترتبط بالشجرة الحسنية الشريفة ثم ذكر قريبي أنّه قرّر السفر إلى المغرب للاستطلاع حول هذا الأمر، وفعلا سافر قريبي إلى المغرب وغاب مدة شهر، ثم عاد وهو يحمل صكاً بالاعتراف من قبل المملكة المغربية بتابعيتنا لهم.

ويضيف السيد باسل: إن ما شّد انتباهي لهذه القضية أنّه كيف يعود نسبنا إلى الشجرة النبوية الحسنية المباركة! وما علاقة وجودها في المغرب مع علمي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالمدينة المنوّرة، ولماذا تشتّت هذه العائلة وتفرّقت بين الشرق والغرب؟ فسألت قريبي: فوجدته يتهرّب من الإجابة!

ثم سافر أبي أيضاً إلى المغرب للحصول على صك أخر، أو ما يقال في العرف الحالي "الجنسية"، وكان ذلك عام 1980م، وكنت أنا في الصف الثاني الاعدادي، ودام سفره شهراً إلاّ بضعة أيام، ثم عاد ومعه الجنسية المعترف فيها أننا من أنساب العائلات الحسنية، ففرحت بذلك ولا سيما حينما رأيت اسمي مدوّن معه، ثم تبادر إلى ذهني السؤال القديم، فوجهته إلى والدي ولكنه أيضاً لم يجبني على ذلك.


1) الزخرف: 22.

الاهتمام بالكتب الدينية:

بعد أن تبيّن للسيد باسل أنه من ذرية رسول الله ومن سلالة أهل البيت(عليهم السلام)، حفّزه هذا الأمر على البحث والاهتمام بما له صلة بالدين، ويقول السيد باسل حول كيفية حصوله على أوّل كتابي اسلامي والنتائج التي اعقبت مطالعة هذا الكتاب: أنه صادف في احدى جولاته في دمشق أن وقع نظره على واجهة احدى المكتبات فرأى كتاب "النهاية في الفتن والملاحم" لابن كثير الدمشقي. فسأل البائع عن مضمون ومحتوى الكتاب، فقال له البائع: إن هذا الكتاب يحتوي على مجموعة من الأحاديث النبوية حول الأحداث التي سوف تحدث بعده إلى قيام الساعة. واضاف له قائلا: إن هذا الكتاب يعدّ من الكتب الموثقة والجيدة والكاتب من المعروفين القدماء.

يقول السيد باسل: وقع حبّ ذلك الكتاب في قلبي، وشعرت أنني لا استطيع الاستغناء عنه، فسألت البائع عن ثمن الكتاب فلما اخبرني بذلك تراجعت قليلا إلى الوراء لعدم وجود ما يكفي لشرائه حيث كنت في فترة لم أعمل بها، فتحيّرت في أمري، وبدأت أفكر عن المصدر الذي يمكّنني من خلاله الحصول على هذا المبلغ. فطلبت من والدي هذا المبلغ لشراء ذلك الكتاب، لكنّه حبّذ أن يكون اهتمامي بشراء الملابس أو بعض الأطعمة الخفيفة التي يفضّلها الشبان.

فلم يجد السيد باسل بُداً سوى البحث عن عمل يوفر له المال الذي يريده، فذهب إلى أحد اقربائه الذي كان له دكان خاص بالاصلاحات الكهربائية، وطرح عليه فكرة العمل عنده، فقبل قريبه ذلك، ومن هنا تمكّن السيد باسل من الحصول على ذلك المبلغ وشراء ذلك الكتاب.

ويقول السيد باسل: اخذت الكتاب وانصرفت إلى المنزل وكانت فرحتني غامرة، حيث أنني كنت لأول مرة أشتري بها كتاباً اسلامياً يحتوي على عدد من

أحاديث رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقد كنت بالسابق أقرأ قصص وروايات تعني بالقضايا البوليسية والأمور الصناعية.

أوّل حديث نبوي قرّبني إلى التشيّع:

يقول السيد باسل: إنّ أوّل حديث نبوي لفت انتباهي من الكتاب الذي اشتريته، هو إشارة النبي(صلى الله عليه وآله) إلى أنّ اثني عشر خليفة قرشياً سيلون أمر الأمة الاسلامية، ورغم أنني انهيت قراءة الكتاب ولكنّ هذا الحديث بقي في خاطري وبدأت استفسر: من هم الاثنى عشر خليفة المنصوص عليهم حسب الحديث؟ فتلقيت اجابات عديدة من بعض مشايخ أهل السنة من قبيل مدير معهد شرعي في منطقتي "دوما" حيث أنني خضت معه حواراً حول هذا الحديث وغيره، فلم يفصح لي عن مدى مصداقية الأحاديث أو نفيها، بل صاح بي وطردني من المسجد! وبدأت احث الخطى في مناقشة اعلام السنة مثل الدكتور محمد رمضان البوطي، والشيخ الارناؤوط، والشيخ الالباني عندما اقام في سوريا لفترة، والشيخ محمود الحوت مدير معهد شريعة في حلب، والشيخ زكريا خطيب أحد المساجد في قرى حلب، وجرى الحوار حول الأحاديث الموجودة في صحيح البخاري ومدى مصداقيتها. إلى أن قدّم أحد الأخوة الجزء السادس من كتاب البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي، وتساءلت في نفسي لماذا اختار لي هذا الجزء بالتحديد وعندما قرأته ووصلت إلى حوادث سنة 40هـ و61هـ ومقتل الامام علي(عليه السلام) ومقتل الامام السبط الحسين(عليه السلام) خنقتني العبرة، وذرفت عيناي الدموع، وتبيّن لي أن خلف الستار أموراً كثيرة لم تتضح لنا بعد.

مواصلة البحث:

يقول السيد باسل: واصلت بحثي حول الخلفاء بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)، إلى

أن واجهت حديث الثقلين وخطبة الرسول الأعظم يوم غدير خم ورزية الخميس، فدفعتني شكوكي لطلب الاستيضاح من هذه الروايات عند بعض علماء السنة المعاصرين، فمنهم من أثبت، ومنهم من طلب مني عدم الخوض في هذا المجال، لأنّها: أمور جرت في الماضي، ولكن لم أجد من يشكك في مصداقيتها.

ويضيف السيد باسل: بقيت على هذه الحالة إلى أن صادف أن زرت أحد العلماء السادة من معتنقي مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وهو السيد عبدالمحسن السراوي، فسألته حول بعض الشبهات التي تلقى حول عقائد الشيعة، فبيّن لي المنهج الصحيح والفكر الرشيد عند أهل البيت(عليهم السلام) ثم قام بدرء الشبهات التي ذكرتها له، فهنالك حصص الحق، وتبين لي الواقع واتضحت لي الأمور، فلم أجد بداً سوى اتخاذ قراري النهائي بشأن المذهب الذي ينبغي لي اتباعه.

اعلان الاستبصار في مقام السيدة زينب:

يقول السيد باسل: بعدما تبيّن لي الحق وعرفت المسلك الصحيح من الخاطىء ذهبت إلى مقام السيدة زينب(عليها السلام) وطلبت الاذن منها للدخول واعلنت ولائي لأهل البيت(عليهم السلام) وبراءتي من أعدائهم والذين ظلموهم، فدمعت عيناي وندمت على ما فاتني، ولكنني فرحت أن هداني الله وأحسن عاقبتي في نهاية أمري.

مؤلفاته:

{1} "ومن النهاية كانت البداية": مخطوط.

سوف يصدر عن مركز الأبحاث العقائدية ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين

يذكر المؤلف في هذا الكتاب كيفية رحلته من المذهب الحنفي إلى المذهب الشيعي الاثنى عشري، ويذكر قصة استبصاره من أوّلها إلى آخرها مع تبييّن الأدلة التي اعتمد عليها والبراهين التي أخذت بيده وانتشلته مما كان فيه. ويذكر ما لاقاه في رحلته هذه، ويشرح الحوارات التي جرت بينه وبين مشايخ أهل السنة، والموانع والعقبات التي لاقاها في طريقه إلى الاستبصار، وغير ذلك من الأمور المرتبطة بقصة استبصاره.

وقفة مع كتابه: "ومن النهاية كانت البداية"

يتحدّث المؤلّف عن هذا العنوان، فيقول:

"قد يستغرب البعض من هذه المقولة، أو يجد بها غموضاً لا تفسير له، لكن من يقرأ السطور القادمة يكتشف مدى صدقي فيها، وربما يمر بمثل هذه الحالة مع بعض الفروقات الثانوية.

فالنظرية الحاضرة الآن وفي كل وقت تقول: إنّ كل بداية لا بد لها من نهاية، أو من بدأ عمل لابد أن ينهيه، والنهاية دائماً تكون نتاجاً للبداية، من يزرع قمحاً يرى قمحاً وليس شعيراً، ومن يزرع خيراً يحصد الخير.

الواقع أن ما حدث معي أن من النهاية كانت البداية وانعكست عندي النظرية الشهيرة من البداية تأتي النهاية، إن النهاية فتحت لي آفاقاً واسعة، وكانت صدفة ليس أكثر وضعت أمامي تساؤلات عديدة تكللت فيما بعد بالإجابة بعد بحث وسعي ومتابعة مضنية.

في إحدى جولاتي في "دمشق" صدف أن وقع نظري على كتاب في احدى واجهات المكتبات وهو كتاب "النهاية في الفتن والملاحم" لابن كثير الدمشقي، فدخلت وسألت البائع وهو رجل متوسط في العمر فقلت له: مامعنى الفتن والملاحم؟ فأجاب مع ابتسامة خفيفة تبين مدى جهلي: إنّ هناك أموراً حدّث عنها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ستحدث بعده إلى قيام الساعة، وأضاف البائع أن هذا الكتاب يعد من الكتب الموثقة والجيدة، والكاتب من المعروفين القدماء".

حديث الاثنى عشر خليفة:

يتابع المؤلف كلامه السابق ويقول: "أخذت الكتاب وانصرفت إلى المنزل، فبدأت بأوّل الفهرس وإذا بي أتوقف أمام عنوان شدني إليه، وهو إشارة نبوية إلى أن اثنى عشر خليفه قرشياً سيلون أمر الأمة الإسلامية، وفجأة بدأت أحسب عدد الخلفاء قبل أن أتوجه إلى الصفحة المشار إليها، وقلت: إن الخلفاء أربعة هم: أبو بكر وعمر، وعثمان، وعلي(عليه السلام) فكيف يكونون اثنى عشر خليفة؟! فعدت وجمعت الخلفاء إلى دولة بني أمية، فظهر لي أنهم أكثر من العدد المذكور! وتفحصت أسماء خلفاء بني العباس وجمعتهم ولم أجد حل للحدّ المطلوب، فقلت: ماهذا اللغز المحيّر؟ عليَّ أن أسأل أحد له إطلاع على الأمر، لكن علي أن اقرأ الحديث لعلي أجد مبتغاي، وفتحت الصفحة المطلوبة وانقل لكم ماقرأته حرفيّاً تتميماً للفائدة ["ثبت في الصحيحين من رواية عبدالملك بن عمير عن جابر عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): "لا يزال هذا الدين عزيز أو قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش"(1).

وهؤلاء المبشر بهم في الحديث ليسوا الاثنى عشر الذين زعم فيهم الروافض] هذا كلّه قول ابن كثير في كتابه النهاية(2).

ولا اخفي عليكم استوقفتني آخر جملة في الحديث، وهي وجود دلالة ما على أن هناك اثنى عشر خليفة عند الروافض، فسألت نفسي من هم هؤلاء الذين دعوا بهذا الإسم؟ وما هو قولهم في الخلفاء الاثنى عشر لديهم؟! حاولت البحث عن حديث آخر يساعدني على حلّ اللغز لكن دون جدوى.

توجهت إلى أحد أقربائي وهو شيخ العائلة كما يقال ويدعى بالشيخ "أبو


1) صحيح البخاري، كتاب الأحكام: 92، مسلم كتاب الامارة.

2) النهاية في الفتن والملاحم:

فيصل"(1)وطرحت عليه السؤال التالي: من هم الاثنى عشر خليفة المنصوص عليهم حسب الحديث؟ فأجابني: إنّ الخلفاء هم الأربعة الراشدين، والحسن بن علي(عليه السلام)، وعمر بن عبد العزيز من الدولة الأموية، فقلت له: هؤلاء ستة فأين البقية؟! فقال لي: لم يظهروا بعد مع اختلاف أن هناك من أتمهم إلى الرقم المطلوب، فقلت له: هل الأمر مزاجي أضع من أحب وأحجب من لا أحب؟! وعاد وقال: الثابت عندي أنهم ستة، وهم ما عددتهم لك! فقلت: من أين ثبت لك هذا؟ فأجاب احيلك إلى صحيح البخاري ومسلم ستجد الشرح الوافي، فطرحت عليه سؤالاً آخر: من هم الروافض ومن هم الاثنى عشر خليفة الذي يستندون عليهم؟ وعندها التفت إليّ وقال: هذا الأمر لا علاقة لي به، وأرجو أن لا تخوض بالأمر كذلك، وهذا الحديث مدسوس!!

عندها تيقنت أن اسألتي لم تجد إجابة شافية، وربما سيأتي يوماً أجد لها إجابة!

ثم يذكر المؤلف انه التقى بعد فترة بأحد السادة من علماء الشيعة وجرى بينهما الحوار التالي بشأن هذا الموضوع:

قلت: سيدي وجدت حديث "إثنى عشر خليفة"(2)في كتاب (النهاية) لابن كثير، والحقيقة انني بحثت حسب إمكاناتي وسألت عدداً من الاساتذة ولي قريب خطيب جمعة ولكن لم أجد لهذه إجابة مقنعة، منهم من تهرب من تفسيره، ومنهم من عدَّ لي الخلفاء حتى تجاوزوا الاثنى عشر، ومنهم من التقط اسماء من كل عصر رجل أو اثنين، ولكن لم أقتنع، وهذه الاحاديث وجدت لها مشابه في


1) خطيب جمعة وله قصائد مدح وله فترة طويلة بالخطابه المنبرية وقد حاورته مراراً سيأتي لاحقاً محاوراتي معه.

2) البداية والنهاية: 6 / 141، 145، 182.

البخاري ومسلم(1)مع بعض الاختلاف أرجو أن تفيدني.

السيّد: الصحيح ليس فقط البخاري ومسلم وابن كثير الذين ذكروا هذا الحديث، اذكر لك على سبيل المثال الحمويني في كتابه (فرائد السمطين)، والخوارزمي في (المثالب) و(مقتل الحسين)، والثعلبي في تفسيره وغيرهم كلهم قالوا أو نقلوا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حديث اثنا عشر خليفه كلهم من قريش، وجاءت روايات اخرى (كلهم من بني هاشم)(2).

وأذكر لك حديثاً من كتاب ينابيع المودة للقندوزي الحنفي وهو من علماء السنة نقلاً عن الإمام علي(عليه السلام) قال: رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "لا تذهب الدنيا حتى يقوم بأمتي رجل من ولد الحسين يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً"(3).

وعن عباية بن ربعي عن جابر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "انا سيّد النبيين، وعليّ سيد الوصيين، وإن أوصيائي بعدي اثنا عشر، أولهم علي، وآخرهم القائم المهدي"(4).

قلت: لقد قرأت بعض هذه الأحاديث من الكتاب الذي ذكرته في زيارتي للمكتبة، هل معنى هذا أن هناك خلفاء غير الخلفاء الراشدين؟! وهل يدخل أصحاب المذاهب الأربعة في هذا الحديث؟ علماً أنني قرأت أن بعض هؤلاء تتلمذوا على يد أحد أبناء الإمام علي(عليه السلام).

السيّد: كما قلت لك: إنّ الائمة الاثنى عشر(عليهم السلام) هم أوصياء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد نص عليهم من الله سبحانه، وهم من أبناء الإمام علي(عليه السلام)، ولادخل لأبي بكر


1) انظر صحيح البخاري كتاب الاحكام: 4 / 498 {7222}، صحيح مسلم كتاب الامارة: 3 / 1154 {1821}.

2) مودة القربى للهمداني: المودة العاشرة ينابيع المودة للقندوزي: 2 / 315.

3) ينابيع المودة للقندوزي: 3 / 291، 2 / 317.

4) ينابيع المودة للقندوزي: 3 / 291، 3 / 296 عن ابن عباس.

وعمر وعثمان بالموضوع، ولا أئمة المذاهب السنية الأربعة لذلك وإن تتلمذوا عند بعض أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، ولأنهم خرجوا من اطار المدرسة الامامية، وتركوا الأصول الفقهية، وعملوا بالقياس العقلي، والاستحسان النظري، حتى أن بعضهم اجتهد مخالف النصوص الجلية فوقعوا في لبس التضليل.

قلت: فمن هم أئمة أهل البيت(عليهم السلام) الذي يتبعهم الشيعة أرجوا ايضاح اسمائهم إذا تكرمت؟!

السيد: ورد حديث متواتر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لدينا محدداً اسمائهم بل وحتى صفاتهم اذكرهم لك:

1 ـ علي بن ابي طالب (امير المؤمنين) 2 ـ الحسن بن علي (السبط)، 3 ـ الحسين بن عليّ (سيد الشهداء)، 4 ـ علي بن الحسين (زين العابدين)، 5 ـ محمد ابن علي (الباقر)، 6 ـ جعفر بن محمد (الصادق)، 7 ـ موسى بن جعفر (الكاظم)، 8 ـ علي بن موسى (الرضا)، 9 ـ محمد بن علي (الجواد)، 10 ـ علي بن محمد (الهادي)، 11 ـ الحسن بن علي (العسكري)، 12 ـ المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف).

مصداقية صحيح البخاري:

يورد المؤلف في كتابه تجربة مرت به اثناء بحثه عن الحق مع أحد الشيوخ وكان موضوعها صحيح البخاري الذي اعترض المؤلف على بعض احاديثه لمنافاتها العقل وللتناقضات الموجودة في بعضها عندما تقارن بالبعض الآخر فكان هذا الحوار بينهما:

توجهت إلى أحد المشايخ في منطقتي وهو خطيب ومدرس في أحد المعاهد الشرعية.

بدأت أستمع للدرس الذي يلقيه الشيخ وكان حول تفسير سورة "ألم

نشرح"، فقال الشيخ: يقول المفسرون أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما كان في البادية عند مرضعته حليمة السعدية (رض) اذ جاءه شخصان وطرحاه أرضاً على ظهره، ثم شقا بطنه واستخرجا حظ الشيطان منه، ثم خاطا الجرح وذهبا، صدقاً أنني لم أستسيغ الرواية لأنني أحسست أن بها غلواً وشيئاً لايقبله العقل، فوقفت على الفور طالباً السؤال وسمح لي الشيخ بعد طلبي الملح بالسؤال.

قال الشيخ: مالك يابني هل تريد السؤال عن شيء؟

قلت: هل هذه الرواية موجودة في غير كتب التفسير التي ذكرتها؟

الشيخ: نعم هذه القصة مذكورة في كتب السير مثل سيرة ابن هشام وغيرهما.

قلت: وسند هذه الرواية هل هو صحيح؟!

الشيخ: نعم، وهل تشكك بقول العلماء القدامى الذين هم أفضل مني ومنك؟!

قلت: هناك أحاديث لا يقبلها عقل ولا حتى دين، وهذه الرواية يبدو أنّها من جملة تلك الأحاديث.

قال الشيخ: عليك أن تستمع فقط، وإذا وجدت شيئاً عليك السؤال للاستفسار، ثم يبدو أنك تجهل أموراً كثيرة.

قلت: نعم وللأسف يبدو أنني أجهل حقيقة ديني والدعوة المحمدية، ثم كيف عليَّ الاستماع فقط دون أن أسأل واقدم وجهة نظري! هل هو كأس ماء علي شربه دون أن أعرف ما طبيعة الماء فيه!! أم هو حشو أفكار فقط، وعلينا التصديق والتسليم. كيف أقبل أن استمع لرواية لا أجد فيها إلا طعنا بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وخلقه، ثم أنكم تحدثون هذه القصة، ثم بعد ذلك تقولون أن الشيطان اعترض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في صلاته، أو أنه نسي آية من القرآن تذكرها عندما سمع أحد القارئين لها كيف ذلك؟!

الشيخ: هذه أفكار مغلوطة، ويبدو أن أحد مانقل لك أحاديث ملفقة وسمم

أفكارك بها، فاحذر يا بنيّ.

نظرت إلى الحاضرين، وقلت له: مارأيك بصحيح البخاري فضيلة الشيخ؟!

الشيخ: لقد قال النووي في كتابه التقريب "ان أول مصنف في الصحيح المجرد: هو صحيح البخاري، ثم صحيح مسلم، وهما أصحّ الكتب بعد القرآن والبخاري أصح كتاب وأكثر فائدة(1)".

ويقول أحدهم: إذا قرىء صحيح البخاري في بيت ثلاثة أيام حفظ أهله من الطاعون، وأنه ما قرى في سفينة إلاّ حفظت من الغرق، ولا مجال للطعن فيه لأن أحدهم رأى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في نومه وقال له أبلغ محمد بن اسماعيل (أي البخاري) مني السلام وذلك في عصر البخاري.

قلت: إذا هذه الأفكار التي قلتها من البخاري والأفكار التي طرحتها أنا أيضا نقلت من البخاري، وها هو معي جزء منه، وتقدمت ووضعته أمامه، وقلت له: هل قرأت صحيح البخاري كاملاً؟

الشيخ: نعم، أنا ماوصلت لهذه المرحله إلاّ وقرأت الصحاح كلها مع السير.

قلت: لم تمر معك رواية سباق الجري بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وزوجته تاركين الجيش يسير وحيداً، ولم يأتك بالحديث أن المغنيات يغنين أمام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وزوجته السيدة عائشه؟ ألم؟! ألم؟!!! طرحت الأحاديث عليه.

وضجّ الحاضرين بالكلام هل هذا معقول ما يرويه؟! هل صحيح ما يقوله هذا الشاب؟؟

نهض الشيخ من كرسيه، وقال للحاضرين: إهدأوا إن هذا الشاب يحمل أفكاراً مسمومة، بها رائحة الفتنة، وربما انه التقى مع هؤلاء الشيعة!!!

فقلت لأحد الشبان الجالسين: أرجو أن تفتح المجلد بباب النكاح واقرأ


1) التقريب للنووي: 2.

حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء، وبدأ الشاب يقرأ، قلت له: اقرا بصوت عال حتى يسمع الجميع: "جاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فدخل حين بُني عليّ فجلس على فراشي وجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من ابائي يوم بدر، وقالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد".

وقلت للحاضرين: ما رأيكم بهذا الحديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يحضر حفلة زفاف وغناء! فهل يعقل هذا؟! هل تفعلون انتم ذلك؟!.

قال الشاب: لا نفعل، لا يجوز الاختلاط بنساء أجنبيات!!!

قلت: كيف إذا ينسبون للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك؟!

يافضيلة الشيخ إذا كانت أفكاري مسمومة بردي على هذه الاحاديث، فهو نابع من حرصي على كرامة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكيف لا أرض ذلك على نفسي وأرضاه للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا الفتنة فهي السكوت على أحاديث باطلة شرعاً وعرفاً، وأمّا ماذكرته أنني ألتقي مع الشيعة، فأنا لم ألتقي مع أحد منهم، وإذا كان هذا رأيهم مثلي فإننا نتفق على ردّ هذه الأحاديث الضعيفة الباطلة.

غبار دخل أنف فرس معاوية!!:

وهذا حوار آخر للمؤلف مع أحد الشيوخ حول "الصحابي" معاوية بن أبي سفيان، يقول:

سمعت يوماً من أحد أبناء "حلب" أن هناك شيخ خطيب فصيح يخطب في كل يوم جمعة بالناس، وأنهم ليتسابقون إلى مسجده وسماع خطبته، فدفعني الفضول لسماع احدى خطبه.

وللصدفة كانت خطبته تتكلم عن صحابي من الصحابة، حيث كان أخذ على عاتقة أن يتحدث كل يوم جمعة عن واحد عن الصحابة، وصحابي اليوم هو معاوية ابن أبي سفيان، فبدأ يسرد قصة اسلام معاوية، وأنّه كان كاتب الوحي عند رسول

الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد بشره بالجنة وبالخلافة والملك، وبدأ يعد مناقب مختلفة كثيرة وأنه من الصحابة المجتهدين، وتكلم عن فقهه وعن حربه، وإن كان حارب الإمام علي(عليه السلام) فهو اجتهد وأخطأ وله أجر لأنّ الله سبحانه لا يضيع أجر العاملين!

كل هذا وأنا جالس أستمع اليه وأعد الدقائق لانتهاء خطبته العصماء كي أجد فرصة من لقائه، وانتهت الخطبه وقام للصلاة ووقفت جانباً حتى انتهوا، بدء طلابه الخلصاء بتقبيل يديه، فاقتربت منه وسلمت عليه فرد السلام، فطلبت منه أن أطرح بعض الأسئلة فحاول الاعتذار، ولكن قلت له: إنّ خطبتك أعجبتني كثيراً ولي بعض التعليقات عليها، فدعاني إلى غرفته الجانبية مع بعض الاخوه وجلسنا، ومن ثم قال: لي تفضل إسأل؟

قلت: شيخنا، لقد تحدثتم واستفضتم حول الصحابي معاوية بن أبي سفيان، ولكن لم اقتنع بكلامكم هذا لسببين:

أوّلهما: أنني لم أر فضيلة تذكر له وأن النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يرو له حديث منقبة.

ثانيهما: إنّ الأحاديث التي ذكرتها كل الرواة فيها تابعين ومشكوك بأمرهم وصدقهم، وكلهم يتحدثون وينقلون الأحاديث من بعض، ولم يذكروا رواية من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا يعد اختلاق فضائل له وهو ليس أهلاً لها!

الشيخ: ما هذا الذي تقوله! إنّ ابن المبارك قال: "لغبار دخل أنف فرس معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز" وابن المبارك مشهود له بصدقه.

قلت: أولاً: ابن المبارك هذا تابع التابعين، وهو ليس عندي بمستند.

ثانياً: الفضيلة جاءت لفرس معاوية وليس لمعاوية، فما هو وجه التفاضل فيها؟ ثم إنّ الخليفة عمر بن عبد العزيز قد أجمع عليه العلماء وأنه الخليفة الأموي العادل الأوحد، فلم يكن قبله أحد مثله ولم يأتي أحد بعده في العدل، حتى أن

علماء السنة عدّوه الخليفة الراشدي السادس، فأنت تناقض وتضرب بعرض الحائط أقوال جميع العلماء! فهل وجهة نظرك أفضل من هؤلاء الأعلام؟

الشيخ: أنت جئت لتجادل، لم أحسب هذا أبداً.

قلت: ليس الموضوع موضوع جدال، فأنت تذكر أشياء لا يقبلها العقل والناس يستمعون إليك ويأخذون كلامك بجدية، فأنت مسؤول أمام الله على كل كلمة تقولها لأن الناس ستتبع قولك، انت تعرف أن معاوية يعدّ من مسلمة الفتح، وهو آخر من أسلم حتى بعد أبيه خوفاً من القتل، وقد سموا بالطلقاء! فمن أين أتت كل هذه الفضائل له؟! وما كان يوماً كاتباً للوحي، كيف يؤتمن على كتابة الوحي؟! فكل ما كتبه هو رسالة لأحد الولاة في عصر النبوة!

بدأ الشيخ الحوت يتململ ويحاول الخروج، ونهض أحد الحاضرين مخاطباً لي وهو شاب يبدو من تلامذته: أنت كيف تخاطب الشيخ بهذه الطريقه؟ أرجو أن تعتذر وتصحح طريقة كلامك.

قلت: عفواً يا أخي أنا لم أسيء الأدب لشخص الشيخ، وهو يعلم تماماً ذلك، كل ماهنالك هو نقاش فقط.

أحد الحاضرين: هل تقول لنا أنك أعلم من الشيخ؟ أنت لا تعلم من هو.

قلت: أنا لا أقول أنني أعلم منه، ولكن احاول أن اذكره اموراً قد يكون نسيها نظراً للمعلومات الكثيرة التي تمر معه، ثم إنّ الشيخ أشهر من نار على علم ولا حاجه لكم أن تعرفوني عليه ـ حاولت امتصاص غضب الحضور بهذه الكلمات.

الشيخ: يا بني، أرجو أن تكون أقوالك أكثر عقلانية فأنت تسيء لصحابي مجتهد وله باع طويل ومن معه.

قلت: أيّ اجتهاد هذا ياشيخنا الذي تتحدث عنه؟ انهم لم يعرفوا معنى

الاجتهاد! لقد سفكت الدماء وابيحت، وغصبت الفروج وانتهكت المحارم، وغيرت الأحكام من جرائه وبدّلت سنن!

فالاجتهاد له شروط وأنت عالم بها! وهي أن يكون موحداً لله سبحانه مؤمناً به، وأن يكون مصدّقاً للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وماجاء به من الشرع، والشرط الثاني أن يكون عالماً عارفاً بمدارك الأحكام الشرعية وأقسامها، وطرق اثباتها ووجوه دلالاتها، وان يعرف الناسخ من المنسوخ وأسباب النزول.

فأين يكون له هذا؟! وهو لم يدخل الاسلام إلاّ متأخراً، ولم يعاشر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ فترة قصيرة جداً، ثم بدأ بتخطيط لدولته وكيانه بعد وفاة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم).

أي اسلام أو اجتهاد يقول له: إن عاهدت شخصاً عليك بإسقاط عهدك معه، وخروجك على إمام الزمان؟ ألم يكن الإمام علي(عليه السلام) إمام زمانه بإجماع الناس كلهم فخرج عليه، وعبأ الجيوش لقتاله من شذاذ الافاق الموجودين بالشام، ثم أرسل إلى قتله ذلك الشقي ابن ملجم "لعنه الله" وعندما استشهد الإمام شكر الله لهذا!

أيّ اجتهاد مأجور عليه أن يسب الإمام وابنيه سبعين عاماً، ويعاهد الإمام الحسن على ترك الشتم ثم ينقض العهد معه؟

أحد الحاضرين: أيّها الشاب عليك بالصمت، كفى! من أين هذه الافتراءات التي تقولها على أمير المؤمنين؟

قلت: أسألوا شيخكم فهو يعلم من أين هذه الروايات، وأنا لا أفتري على أحد! وإذا كان شيخكم لا يعرف وأنا لا أظن ذلك، فها هي كتب السير والتاريخ والصحاح موجودة، ومن الكتب في هذا المجال التي تعد هامة "ميزان الاعتدال" للذهبي فهو يتحدث عن رواة الفضائل وكذبهم، كما عليكم قراءة كتاب "مروج

الذهب" للمسعودي، و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير.

أحد الحاضرين: لقد قام معاوية بفتوحات عظيمة سأذكرها لك.

قلت: لا داعي لذكرها فقد بدأ بفتوحاته بقتل الصحابه وتشريدهم وايذاء أهل البيت(عليهم السلام)!

أحد الحاضرين: إنّ الخليفة معاوية كان زاهداً عالماً بالسنن ورعاً، ونظر إلى الشيخ ليأكد له صدقه!

قلت: أي زهد وورع دفعه لقتل ومنع الماء عن الناس؟ وأيّ ورع والخمور تباع وتسقى في عهده؟ وبدأ باعطاء الامارات والولايات لمن لهم عداء لأهل البيت ولا يعرفون من الإسلام إلاّ اسمه! وقد قيل للنسائي: مالك لا تحدث عن فضائل معاوية؟! فقال: "إنّي لا أجد له فضيلة سوى لا أشبع الله بطنك" فكيف سأحدث عنه!!

فضيلة الشيخ، ألا تعلم أن معاوية حين سار بجيشه إلى صفين يوم الاربعاء صلى بالناس الجمعة في هذا اليوم!!

فنهض الشيخ مزمجراً!!!: أنت تقول شيء غير صحيح، ويبدو أنك من هؤلاء.

قاطعته قائلا: هذه الرواية موجودة في "مروج الذهب"(1)، ثم من قصدك هؤلاء؟

الشيخ: أرجو أن تنصرف قبل أن يحلّ غضبي عليك.

قلت: سأنصرف، ولكن عليك أن تقول كلمة الحق وتذكر الأمور كلها، لا أن تلفق وتأتي بأحاديث الكاذبين والوضاعين للحديث وتجعله سنداً لأقوالك.

أحد الحاضرين: يبدو أنك من هؤلاء الشيعة الذين لا يحترمون الصحابة؟


1) مروج الذهب: 2 / 72.

قلت: نعم أنا منهم والحمد لله، أوالي أهل بيت أذهب عنهم الله الرجس وطهرهم، الذين لا تقبل صلاة لنا إلاّ بالصلاة عليهم، ونحن نحترم الصحابة ولكن المخلصين الذين ما بدلوا تبديلاً، نحن نوالي عمار بن ياسر (رض) الذي بشّره النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه سيقتل وتقتله الفئة الباغية، وهذه الفئة هي معاوية وجنده.

عليك أن تراجع كتب السير لترى موبقات معاوية هذا ولا تكتفي بحديث قال شيخي، إنّ من أهم موبقات معاوية، هو تنصيبه ابنه يزيد الذي جعل عباد الله خولاً وماله دولاً، وقام بختم الصحابة من أعناقهم على أن يصبحوا عبيد وخول له! وقتله للإمام الحسن بدس السمّ له عن طريق زوجته جعدة بنت الأشعث وقد اغراها بالمال وأن يزوجها ابنه يزيد، وعندما فعلت جاءته لتستوفي حقها فأعطاها المال، فقالت له: زوجني يزيد كما وعدتني، قال لها: لم تكوني امينة على ابن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فكيف أئتمنك على ولدي!

الشيخ: يبدو أنك من الذين خرجوا من السنة والجماعة؟

أحد الحاضرين: أيّها الشاب أرجو أن تخرج حتى لا تفسد جلستنا.

قلت: أودّ تنبيهكم لأمر، وهو أن أوّل لفظ لهذه العبارة السنة والجماعة كان في عهد معاوية بن أبي سفيان، فرغم الحروب السابقة وعهد أبو بكر وعمر وعثمان لم تلفظ هذه العبارة إلاّ بعد أن صالح الإمام الحسن(عليه السلام) معاوية على شروط، أوّلها ترك شتم أهل البيت على المنابر، والسيرة بالناس بسيرة حسنة، وعلى أن تعود الخلافة إلى الإمام الحسن أو أهل البيت بعد وفاة معاوية. لا أن يولي ولده الفاسق يزيد.

ولكن نقض معاوية العهد وخطب بالناس قائلاً:

"أني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك وانما قاتلتكم لأتأمر عليكم ألا كل شيء اُعطيته الحسن بن علي(عليه السلام)

فتحت قدمي هاتين"(1)ثم اطلق على ذلك العام (عام السنة والجماعة).

روى أبو الحسن علي بن محمد أبي سيف المدائني في كتابه "الأحداث" قال: "كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله "أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب واهل بيته"(2)فقامت الخطباء في كل كورة ومنبر يلعنون الإمام علي(عليه السلام)ويبراؤن منهم ويشتمون أهل البيت! ومن يومها انقسمت الامة إلى فرق كثيرة ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

وعمر بن عبد العزيز هو أوّل من أسقط هذا الشتم وأنزل مكانه إنّ الله يأمر بالعدل وبالاحسان وايتاء ذي القربى حقه والامر بالمعروف والنهي عن المنكر(3).

فهل السنة والجماعة تفسيق الناس وتكفيرهم قولوا لي بالله عليكم؟!

الشيخ: كفى وأطلب الانصراف الآن.

قلت: سأخرج لكن ستتحمل المسؤولية يومئذ (يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَ لاَ بَنُونَ )(4)وخرجت من المسجد، وسمعت الحاضرين يتجادلون مع بعضهم، وقد سمعت أن أحد الحاضرين الذين كانوا موجودين قد انفصل عنهم، ولكن لا أعلم ماذا أصبح حاله.

وهكذا بامثال هذه الحوارات تقدم المؤلف في بحثه الذي جمع فيه الكثير من المسائل الخلافية مهتدياً إلى حلها وجوابها الصحيح، فكان أن تمسك بالحبل المتين مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وركب سفينتهم سفينة النجاة.


1) شرح النهج لابن ابي الحديد: 16 / 15.

2) شرح النهج لابن أبي الحديد: 11 / 44، اخبار الدول العباسية: 47.

3) الكامل لابن الاثير: 4، مروج الذهب: ج2.

4) الشعراء: 88.

{8} الدكتور تاج الدين الجاعوني(سني / اردني)

اشارة

ولد في المملكة الأردنية الهاشمية بالعاصمة عمان، واصل دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة الدكتوراه في الطب النسائي، لكنه مع ذلك كان يهوى الدراسات الدينية، فخصص الكثير من أوقاته لتوسيع آفاق رؤيته في المجال الديني، فلهذا مزج الطب بالدين والاخلاق، وجمع بين العلم والايمان والأدب، وكانت ثمرة ذلك أنّه اضاف إلى المكتبة الاسلامية كتاباً نفيساً مؤلف من أربعة أجزاء تحت عنوان "الانسان هذا الكائن العجيب، أطوار خلقه وتصويره في الطب والقرآن".

وقدّم فيه ثقافة طبّية ترفع مستوى ايمان المسلم بدينه، وقد مزج فيه المادة العلمية بالفكرة الدينية وقد حاول كما ذكر الاستاذ عبدالله الغريفي في تقديمه لكتابه هذا أن يتعامل مع الآيات القرآنية مع خلال الرؤية العلمية الناضجة ومن خلال المعايشة الروحية الوجدانية، بحيث تلتحم الرؤية العلمية مع المعايشة الروحية الوجدانية، وتتجلى روعة المضمون القرآني بما يحمل من دلالات اعجازية في كل المسارات، وتبنّى هذا الكتاب تنمية وعي الأجيال على أسس قرآنية وركائز ايمانية تساهم في تجذير الأصالة في داخل الأمة لمواجهة

التحديات الخطيرة التي تحاول مسخ الهوية الحقيقية لاجيالنا وتحاول أن تملىء المسيرة ضمن المفهومات الجاهلية الكافرة.

اهتمامه بطلب العلوم الدينية:

لم يسمح الدكتور تاج الدين لنفسه أن يكون علم الطب حاجزاً له يمنعه عن الاهتمام بطلب العلم الديني والبحث عن المعرفة الصحيحة التي تمنح صاحبها رؤية كونية مطابقة للواقع والحقيقة.

فيقول الدكتور تاج الدين في هذا المجال: "حثّت التعاليم الاسلامية في القرآن والحديث على طلب العلم والمعرفة بحيث عدّت الإنسان الجاهل أعمى وجعلت المعرفة مقياساً هادياً لتقييم الأشياء وترجيحها، وعدّت النظرة السطحية إلى الأشياء تافهة. انظر المنطلق الصحيح للمعرفة (وَ الَّذِينَ جَـهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)(1)، القرآن يحثّ على كسب العلم وطلب المعرفة وإعمال الفكر فيلفت العقول إلى التعمّق وسبر أغوار الكائنات فيشحذ الاذهان ويشرح الصدور".

ويضيف الدكتور قائلا: "قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الاَْلْبَـبِ )(2)، وقال أيضاً: (يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْء عَلِيمٌ )(3)، القرآن الكريم يفاضل بين الذين يعلمون والذين لايعلمون، ثم لا يترك الانسان في حيرة بل يزوّده بكل أنواع المعرفة، ويطلب منه أن يتدبّر ويتأمل، حتى يستذكر الحق والخير، والآيات في القرآن كثيرة تنبّه الإنسان وتحفّزه على اليقظة، وتحذّره من الغفلة، ليتسنى له إدراك الواقع الحق. ثم يقول:


1) العنكبوت: 69.

2) الزمر: 9.

3) البقرة: 282.

(إِنَّ فِى ذَ لِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ )(1)، أولا يمايز بين العالم والجاهل، ثم يضع أمام الإنسان من المعارف في سائر المواضيع حول الطبيعة، والانسان، والحياة والسياسة والمجتمع والأحكام والحقوق والتاريخ والطب وكلّها لتوعية الإنسان ودعوته إلى الاعتبار".

ويؤكد الدكتور حول أهمية طلب العلوم الدينية: "إنّه ما من حركة إلاّ وأنت محتاج فيها إلى معرفة، فالمعرفة والعلم مقياس قيمة الإنسان، والقرآن الكريم يعمد إلى ايقاظ النفوس وحملها على أن تتدبّر وتتأمل، وهناك آيات كثيرة تُنبّه الانسان وتنير له الطريق ليتسنى له معرفة الحق والباطل".

طلبه للعقيدة الحقة:

يقول الدكتور تاج الدين: "لقد بيّن القرآن استلزام المعرفة للعقيدة، فقال: (لَّـكِنِ الرَّ سِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيماً )(2)، وقال: (وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِلَى صِرَ ط مُّسْتَقِيم )(3)، وقال: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )(4)، أجل دعا القرآن إلى طلب المعرفة، معرفة النفس ومعرفة الكون ومعرفة الله تعالى ومعرفة أحوال الناس والنواميس التاريخية، واكدّ على الحرية الفكرية في طلب الصائب من الآراء، قال (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ


1) ق: 37.

2) النساء: 162.

3) الحج: 54.

4) آل عمران: 18.

الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَ أُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الاَْلْبَـبِ )(1)، وقال: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ)(2)".

ومن هذا المنطلق توجه الدكتور تاج الدين إلى البحث عن المذهب الاسلامي الصحيح الذي يوصله إلى الحق، فكلّف نفسه التنقيب في هذا المجال، بغض النظر عما يُعتقد به ابواه الذين كانا ينتميان إلى المذهب السني وبغض النظر عن المعتقدات التي تلقاها من المجتمع الذي عاش في كنفه.

تغييره للانتماء المذهبي:

اخلص الدكتور الجاعوني في بحثه عن الحقيقة، وحاول أن يتحرّر من كل فكرة سابقة قبل الشروع بالبحث والتقصّي، واجتهد ليستخلص بعون الله سبحانه وتعالى لنفسه صورة واضحة تورده مورد الصدق، فكانت النتيجة أنّه وجد أهل البيت(عليهم السلام)هم صفوة الله تعالى في خلقه، وهم سفن نجاة الأمة وأمانها من الاختلاف في الدين واعلام هدايتها وثقل رسول الله(صلى الله عليه وآله) وبقيته في أمته ولولا هم لضاع الحق وذهب النور، فلهذا فتح الدكتور تاج الدين عقله وقلبه ليتلقى العلم من هؤلاء.

ثم ادرك الدكتور بأنّ أيقن الطرق إلى الصواب هو ما بينه أهل البيت(عليهم السلام)، وأنّ سبيلهم واضح لا يلجه شك أو شبهة وأنّ مذهبهم يؤدي إلى معرفة الحق، وأنّهم أغنوا الأمة الاسلامية عن اتباع المسالك الضالة التي ابتدعها من ليس له أهل.

ومن هذا المنطق تحوّل الدكتور تاج الدين من مذهبه السابق واعتنق من أعماق وجوده مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ثم حاول أن يوطّن نفسه للدعوة إلى سبيل


1) الزمر: 17 ـ 18.

2) البقرة: 256.

الحق وأن ينبّه مَن حوله إلى الحقائق التي حاول البعض كتمانها واخفاءها وفقاً لما أملت عليهم مصالحهم الذاتية.

وقد وُفق الدكتور في ضوء استطاعته أن يتلقّى على عاتقه هذه المهمة الصعبة، وكانت من جملة الأمور التي قام بها هي نشر جملة من المقالات في بعض الصحف المعترف بها من قبيل صحيفة الدستور، وحاول الدكتور من خلال هذه المقالات أن يعرّف الناس بمكانة ائمة أهل البيت(عليهم السلام) ومقامهم ومنزلتهم التي رسمها رسول الله(صلى الله عليه وآله)لهم من بعده.

مؤلفاته:

{1} "الانسان هذا الكائن العجيب، أطوار خلقه وتصويره في الطب والقرآن":

صدر عام 1413هـ ـ 1993م عن دار عمار، الاردن في أربعة أجزاء.

ذكر المؤلف في المقدمة: "إن ما اقدمه هو لقطات علمية أو قل مشاهد قرآنية، حقائق طبية معروفة للكثيرين ليست هي بالاسرار ولا بالألغاز، وإنما هي آيات أو قل معجزات يجب التوقف عندها ودراستها واستيعابها.. هذا العمل المتواضع يسلّط الأضواء فقط على بعض الآيات الشريفة التي تعالج خلق الانسان.. من أجل بعث وعي قرآني".

ويتطرّق المؤلف في الأجزاء الأربعة من هذا الكتاب إلى اطوار خلقة الانسان وكل أطوار حياته منذ أن يكون نطفه في الرحم إلى أن يخرج انساناً وفي كل مراحل حياته، ويقدم المؤلف خلال ابحاثه النصائح الطبية التي تتجسد فيها عناصر الوقاية من كثير الامراض وحماية الاطفال والنساء والرجال من كثير من عوامل الاعاقة وحماية الانسان من المزالق المرضية.

وقفة مع كتابه: "الانسان هذا الكائن العجيب"

يوضّح الكاتب فكرة الكتاب وما يريد أن يقول فيه، فيقول:

قال الله تعالى: (سَنُرِيهِمْ ءَايَـتِنَا فِى الاَْفَاقِ وَ فِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْء شَهِيدٌ )(1)صدق الله العلي العظيم وقال:(وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَـوَ تِ وَالاَْرْضِ)(2)وقال أيضاً: (وَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَـوَ تِ وَ مَا فِى الاَْرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِى ذَ لِكَ لاََيَـت لِّقَوْم يَتَفَكَّرُونَ)(3)وقال: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )(4)... حثّ الإنسان المؤمن الواعي على التفكير. وقال تعالى يحذّر من الجهل والجهالة: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ )(5).. وقال: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ )(6)وقال: (وَ مِنَ النَّاسِ مَن يُجَـدِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْم وَ يَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـن مَّرِيد )(7). وقال يستحثّ الناس على اتّباع النافع من البصائر والعلوم (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)(8)... وقال أيضاً: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَـهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِى بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِى


1) فصلت: 53.

2) آل عمران: 191.

3) الجاثية: 13.

4) الأعراف: 176.

5) الأنفال: 21.

6) الأنفال: 22.

7) الحج: 3.

8) الزمر: 18.

الظُّـلُمَـتِ)(1)هكذا حثّت التعاليم الإسلامية في القرآن والحديث على طلب العلم والمعرفة بحيث عدّت الإنسان الجاهل أعمى وجعلت المعرفة مقياساً هادياً لتقييم الأشياء وترجيحها، وعدّت النظرة السطحيّة إلى الأشياء تافهة. انظر المنطلق الصحيح للمعرفة (وَ الَّذِينَ جَـهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)(2).. القرآن يحثّ على كسب العلم وطلب المعرفة وإعمال الفكر فيلفت العقول إلى التعمّق وسبر أغوار الكائنات فيشحذ الأذهان ويشرح الصدور...

(فَلْيَنظُرِ الاِْنسَـنُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآء دَافِق * يَخْرُجُ مِنم بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئبِ * إِنَّهُو عَلَى رَجْعِهِ ى لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ )(3).

الماء الدافق:

يبدأ الكاتب في توضيح بعض المصطلحات القرآنية لادوار الجنين على أساس ما يقوله الطب فيقول:

الماء الدافق ما هو؟ قال أكثر المفسرين هو السائل المنوي في الرجل... ولكن ماذا يقول الطب في المرأة؟... المعروف أنَّ للمرأة نوعين من الماء أولهما ماء لزج يسيل ولا يتدفّق وهو ماء المهبل، ويساعد فقط على ترطيب المهبل وتنظيفه من الجراثيم. أمّا الثاني فهو ماء متدفّق أجل ماء متدفّق يخرج من حويصلة المبيض مرّة كل شهر وفيه البويضة التي يلتقطها النفير (قناة فالوب) بوساطة أهداب ناعمة ملساء ويدفعها حتّى تلتقي بالحيوان المنوي في دهليز البوق... المهم أنّ كليهما يتدفقان... ماء الرجل وماء المرأة... وكلاهما يخرج من


1) الأنعام: 122.

2) العنكبوت: 69.

3) الطارق: 5 ـ 9.

بين الصلب والترائب، أي من الخصية والمبيض... وكلاهما يتكوّنان بين العمود الفقري والأضلاع في الجنين وصدق الله العظيم الذي قال: (فَلْيَنظُرِ الاِْنسَـنُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآء دَافِق * يَخْرُجُ مِنم بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئبِ)(1).

(ثُمَّ جَعَلْنَـهُ نُطْفَةً)(2):

(أَوَ لَمْ يَرَ الاِْنسَـنُ أَنَّا خَلَقْنَـهُ مِن نُّطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ )(3)القرآن يتحدَّث عن النطفة قبل 14 قرناً... تارةً ليذكّر الإنسان بأصله (هَلْ أَتَى عَلَى الاِْنسَـنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـاً مَّذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الاِْنسَـنَ مِن نُّطْفَة أَمْشَاج نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـهُ سَمِيعَام بَصِيرًا )(4)وطوراً ليذكّره بيوم الحساب. تارة ليحمله على البحث والاستقصاء أو التأمّل والتفكّر والاعتبار وطوراً ليحفزه على الإيمان بالواحد الأحد.. فيقول: (قُلْ سِيرُواْ فِى الاَْرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ)(5)ويقول في سورة القيامة: (أَيَحْسَبُ الاِْنسَـنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الاُْنثَى * أَلَيْسَ ذَ لِكَ بِقَـدِر عَلَى أَن يُحْيِىَ الْمَوْتَى)(6).

النطفة أو الحيوان المنوي تفرزه الخصية بأعداد وفيرة تصل إلى أكثر من 350 مليون نطفة عند بعض الرجال وإلى النطفة الواحدة أو الصفر عند بعضهم الآخر (طبعاً في الأحوال غير الطبيعيّة). وإذا دقّقنا النظر في كل حيوان منوي


1) الطارق: 5 ـ 7.

2) المؤمنون: 13.

3) يس: 77.

4) الإنسان: 1 ـ 2.

5) العنكبوت: 20.

6) القيامة: 36 ـ 40.

وجدناه "كالطوربيد" له رأس مصفّح مدبّب وله عنق صغير وله ذيل. ورأسه مثلّث الشكل يشبه رأس صاروخ أو قذيفة طوله 5 ميكرون (الميكرون 1000/1 من الملّميتر). تتحرّك "النطفة" بواسطة الذيل من المهبل إلى عنق الرحم ثمَّ إلى الرحم ومنها إلى النفير، لتلتقي بالبويضة (نطفة المرأة) في أحد النفيرين مكوّنة النطفة الأمشاج. العلم وقف حائراً سنيناً طويلة لا يعرف كيف يتكوّن الجنين والقرآن يتحدّث عن مراحل تخليق وتصوير الجنين خطوة خطوة قبل أربعة عشر قرناً وصدق الله العظيم في قوله تعالى: (ولتعلمنَّ نبأَهُ بعد حين)(1).

ومحمّد رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم تخلُ أحاديثه من ذكر "النطفة" قال لليهودي الذي بعثته قريش ليسأله ممَّ يُخلَق الإنسان: "يا يهوديّ... مِن كلٍّ يُخلق... من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة"(2).

البويضة (نطفة المرأة):

إنّ عملية تكوّن البويضات تبدأ بهجرة الخلايا الجرثومية البيضيّة الأوليّة من أماكن أخرى من جسم الجنين إلى منطقة الغدة التناسليّة. وأول ما يتمايز من هذه الخلايا الجرثومية الأولية هو الخلية البيضيّة البدائية (أم البيض) ثم الخلية البيضية الأولية، ثم أم سلف البويضة ثم سلف البويضة.

يتضاعف أولا DNA (حامض ديزوكسي نيوكلييك) الصبغي (الكروموزومي) في الخلايا البيضيّة الأولية. ومن بعد تمر هذه الخلايا كمثيلاتها من الخلايا المنويّة الأوليّة في مرحلتين انقساميّتين مُنَصّفتين، وتنتهي بتكوّن بويضات تحتوي على نصف عدد الصبغيات الموجودة في خلايا الجسم العادية. وهذه البويضات الناضجة فالنطفة أصغر حجماً من البويضة.


1) ص: 88.

2) عن الإمام أحمد في مسنده.

ونطفة الرجل فيها ذيل والبويضة كرويّة بلا ذيل!

نطفة الرجل تتحرّك بديناميكيّة ذاتيّة أمّا البويضة فتحمل بأهداب النفير إلى داخله والنطف توجد بالملايين بعد سن البلوغ أمّا البويضات فبالآف فقط.

النطفة قويّة الشكيمة "بطّوطيّة" (بعيدة السفر) أمّا البويضة فهي وديعة تمشي على استحياء إلى قدر محتوم فإمّا أن تصادف "فارس الأحلام" في دهليز البوق، فتعتنقه مكونّة النطفة الأمشاج، وإمّا أن تشاء الظروف أنْ لا يكون أحد في الانتظار، فتنكمش ثمَّ تذوب ثمَّ تخرج مع دم الطمث.

البويضة كالأميرة تلبس التاج المشعَ.

النطفة (الحيوان المنوي) كالطوربيد يلبس قلنسوة المحارب على رأسه المدبّب وله عنق وذيل... ولا يهمّه سوى تنفيذ المهمّة التي أُنيطت به فهو دائم الحركة، جسور لا يبالي بالمخاطر، دؤوب، يبحث دون كَلل وملل وبلهفة المشتاق عن أميرة ذات تاج مشع، داخل دهليز موحش، وعر المسلك قاتم السواد مظلم الأركان، كثير التلافيف، ممتلىء بالتعاريج، وليس الذكر كالأنثى.

ولد أو بنت؟

قال الله تعالى: (أَيَحْسَبُ الاِْنسَـنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ (أي ماء الرجل، المني) الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الاُْنثَى)(1).

حقيقة علميّة يصدرها القرآن قبل أربعة عشر قرناً... يريد الله ليبيّن لكم ويهديكم وهي أنَّ تحديد الجنس يعود للنطف عند الذكر. القرآن يمسّكنا بطرف الخيط، ويحثّنا في الوقت نفسه على البحث عن الطرف الآخر. فالله سبحانه وتعالى لا يريدنا أن نكون كسالى وخاملين، قال: (وَ الَّذِينَ جَـهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ


1) القيامة: 36 ـ 39.

سُبُلَنَا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ )(1).

وقال: (قُلْ سِيرُواْ فِى الاَْرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ)(2).. هنالك حث واستنفار على البحث والتنقيب، والتفكّر والتعقّل ومعرفة النفس والكون قال: (سَنُرِيهِمْ ءَايَـتِنَا فِى الاَْفَاقِ وَ فِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)(3).

وقال جلّ وعلا لافتاً النظر ومذكّراً: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنم بُطُونِ أُمَّهَـتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْـاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الاَْبْصَـرَ وَ الاَْفْـِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )(4).

ويعلّمكم الله والله بكل شيء عليم...

يقول: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالاُْنثَى)(5)... نطفة الرجل فيها خصائص التذكير والتأنيث فيها نوعان من الكروموزوم (الصبغيّات) الجنسي بينما نطفة المرأة نوع واحد من الكروموزوم الجنسي وهو الكروموزوم الأنثوي...

وأخيراً، بعد أربعة عشر قرناً يتوصّل العالم إلى معرفة الفروق بين النطفة "الحيوان المنوي" والبويضة "نطفة المرأة" فقد اتّضح أنَّ نواة البويضة الأنثويّة أو أيّة خلية أخرى لدى الأُنثى تحمل أجساماً جنسيّة من نوع (XX) (س س) وإن نطفة الرجل تحتوي أجساماً جنسيّة من نوع (XY) س ص فإذا انقسمت أصبحت النطف الجديدة إمّا (Y) ص أو (X) س أي ذكريّة (Y) ص وأنثوية (X) س. والحيوان المنوي الذي يحمل إشارة (Y) (ص) يختلف عن الحيوان المنوي الذي يحمل إشارة (X) (س).. وليس الذكر كالأنثى وهنالك اختلاف بينهما ليس في الشكل والمنظر فحسب بل في خصائص ومميزات متعدّدة فإذا ما لقَّحتْ نطفة


1) العنكبوت: 69.

2) العنكبوت: 20.

3) فصّلت: 53.

4) النحل: 78.

5) آل عمران: 36.

ذكريّة (Y) ص بويضة (X) س كان الناتج إنساناً ذكراً فيه جسميات (X) س و(X) س. وهكذاترى أنَّ البويضة تعطي دائماً شارة الأنوثة، أمّا نطفة الرجل فهي التي بأمكانها تحديد أذكر أم أنثى لاحتوائها على خصائص الذكورة والأنوثة وصدق الله تعالى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالاُْنثَى)(1)فلا يلومنّ أحد زوجته إذا هي أنجبت له إناثاً دون الذكور.

تكوّن النطفة الأمشاج:

قال الله تعالى: (وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَـتِهِ ى فَتَعْرِفُونَهَا وَ مَا رَبُّكَ بِغَـفِل عَمَّا تَعْمَلُونَ )(2).

وقال أيضاً: (وَ خَلَقَ كُلَّ شَىْء فَقَدَّرَهُو تَقْدِيرًا )(3).

البويضة، قلّما تعيش أكثر من 36 ساعة بعد خروجها من المبيض، ونطفة الرجل تحتاج 7 ـ 30 ساعة للوصول إلى البويضة لتلقيحها... عمليّة حسابيّة تبدو بالنسبة لنا وكأنها مدروسة بدقّة، ولكنّها أي عمليّة تحديد المكان والزمان المناسبين لالتقاء النطفة بالبويضة (وهو الجزء الوحشي من قناة الرحم) بالنسبة لله تعالى هي كما يقول جل وعلا (إِنَّمَآ أَمْرُهُو إِذَآ أَرَادَ شَيْـاً أَن يَقُولَ لَهُو كُن فَيَكُونُ)(4)(فَسُبْحَـنَ الَّذِى بِيَدِهِ ى مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْء وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )(5)"فاعل لا بمعنى الحركات (ثُمَّ جَعَلْنَـهُ نُطْفَةً فِى قَرَار مَّكِين )(6).

جاء ذكر "القرار المكين" أيضاً في سورة المرسلات قال تعالى: (أَلَمْ


1) آل عمران: 36.

2) النمل: 93.

3) الفرقان: 2.

4) يس: 82.

5) يس: 83.

6) المؤمنون: 13.

نَخْلُقكُّم مِّن مَّآء مَّهِين * فَجَعَلْنَـهُ فِى قَرَار مَّكِين * إِلَى قَدَر مَّعْلُوم * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَـدِرُونَ )(1).

قال المفسرون "الماء المهين" الحقير، قليل الغناء. والمراد به النطفة، والمراد "بالقرار المكين" الرحم، والقدر المعلوم مدّة الحمل، والقرار مصدر أُريد به المقرّ مبالغة، والمراد به الرحم التي تستقر فيها النطفة، والمكين المتمكّن، لتمكّنها في حفظ النطفة من الضياع والفساد، ولكون النطفة مستقرّةٌ متمكنة فيها... والمعنى ثمَّ جعلنا الإنسان نطفة في مستقر متمكّن هي الرحم، كما خلقناه أوّلا من سلالة من طين أي بدّلنا طريق خلقه من هذا إلى ذاك.

وقد اختلف العطف من "فاء" إلى "ثمَّ" لأنَّ ما عُطِفَ بـ "ثُمَّ" له بينونة كاملة مع ما عُطِفَ عليه، وما لم يكن فيه بينونة عُطِفَ "بالفاء"، كقوله (فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَـماً فَكَسَوْنَا الْعِظَـمَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَـهُ خَلْقاً ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَـلِقِينَ)(2).

هنالك إذن انتقال من مرحلة إلى أخرى... من مرحلة الطين (وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الاِْنسَـنَ مِن سُلَـلَة مِّن طِين )(3)إلى مرحلة النطفة في القرار المكين (ثُمَّ جَعَلْنَـهُ نُطْفَةً فِى قَرَار مَّكِين)(4)والمقصود طور النطفة الأمشاج لقوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الاِْنسَـنَ مِن نُّطْفَة أَمْشَاج نَّبْتَلِيهِ)(5)وذلك حين تلتحم النطفة (الحيوان المنوي) مع النطفة (البويضة).

لنقف قليلا عند كلمة "مكين". القرار المكين هو المتمكن الذي تنمو فيه


1) المرسلات: 20 ـ 23.

2) المؤمنون: 14.

3) المؤمنون: 12.

4) المؤمنون: 13.

5) الإنسان: 2.

النطفة الأمشاج، حتى تصير حميلا(1)، ثم جنيناً، ثمَّ تخرج طفلا، كامل الخِلقة سويَّ التكوين. هذا "القرار" عجيب لو أمعنّا النظر في شكله وتكوينه وقدراته. ما أعظم هذه الكلمة "مكين"، فقد جمعت كل المعاني المطلوبة لوصف الرحم. لم يقل سميك ولم يقل حصين ولم يقل متين فهو كل ذلك وأكثر... هو قرار مكين. فالرحم مؤمَّنة بعظام الحوض التي تحميها، ومميّزه بكثرة الأعضاء والأنسجة المسخّرة لخدمتها، وحفظها، ورعايتها، كالغدد، والأعصاب، والدم. وهي مشدودة بأربطة رحميّة، وهي مضغوطة، فلا تتمدّد طبيعيّاً إلاّ بعد الحمل، وهي مفروشة في الداخل بغطاء (طبقة) ملساء ناعمة رقية لاحتضان البويضة الملقَّحة. وهي ممسَّكة بحبال وأوتاد وأنسجة ومعلّقة كالجسر... إنّها فعلا مَحْضَن حريز كالحصن المنيع... إنّها قرار مكين..

والرحم تقع في الحوض الحقيقي لهيكل المرأة الذي يحميها... والرحم تستطيع أن تتمدّد وتتحرّك وتنمو حتى أنَّ حجمها يتضاعف أكثر من 2000 مرّة في نهاية الحمل. والرحم مع ذلك تبقى في مكانها لأنها مشدودة ومربوطة ومعلَّقة بأوتاد تحميها، وتحفظها، كجسر معلّق، تشدّها تارة، وترخيها أخرى بحسب ظروفها...

والرحم تقع في محور معيّن يلائم تقاسيم الحوض والبطن والفراغ الذي تملأه في الحمل، وفي غير الحمل.

والرحم ممسّكة بأغشية تشدّها إلى الحوض فهي أي الرحم يجب أن تتمكّن يوماً ما من حمل جنين قد يصل وزنه إلى 4 أو 5 كيلوغرامات. أو إلى حمل عدد من الأجنّة يفوق هذا الوزن!

والرحم (القرار المكين) محجوبة بالمهبل وبعضلات العجان من أسفل،


1) حميلا: لفظ يطلق على الجنين الذي لم يبلغ الثلاثة أشهر.

ومحروسة بعضلات البطن من أمام ومربوطة بنسيج متين من خلايا خاصّة تمسكها بالمثانة وبالمستقيم من الخلف للمساندة.

والرحم متّصلة بالعنق، والعنق متّصل بالمهبل. وهذا يساعد على ثبات الرحم في مكانها كالجسر المعلّق. والرحم مطعَّمة ومقوّاة بعضلات ذي ثلاث طبقات لولا انقباضها الشديد بعد الولادة لاستمرَّ النزيف إلى ما لا نهاية.

والرحم تَعود إلى حجمها الأصلي بعد الولادة بمساعدة هرمونات نخاميّة (تفرزها الغدّة النخاميّة). والرحم مهيّأة للاستجابة لهرمونات كالأستروجين والبروجستيرون، فالأول يحرّك الرحم طرباً في المرحلة الأولى من الدورة الشهريّة فتَهتزّ، وتَنفتح، وتتقلّص، وتتلوّى، طالبةً النطفة، وبعد التلقيح تتهيّأ لتأثيرات الهرمون الثاني، أعني البروجستيرون، الذي يجعلها رزينة هادئة ساكنة، لأنَّ في طيّاتها نطفة (ملقَّحة) أمشاج تَودّ أن تحافظ عليها! وصدق الله العظيم في قوله تعالى: (وَ فِى الاَْرْضِ ءَايَـتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَ فِى أَنفُسِكُمْ)(1). والقرار المكين آية من آيات الله... يجب التوقّف عندها وتأمّلها ودراستها.

العلقة، (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً):

العلقة، (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً)(2):

تتعلّق البويضة الملقَّحة بادىء ذي بدء عن طريق استطالات زغابيّة آكلة كأشباه الجذور، وهي عبارة عن أهداب.. خمائل تربط بين العلقة وأتربة جدار بيت الرحم... بحيرات دمويّة وغدد... التي منها تتغذّى وتتنفّس. ثمّ بعد فترة يتكوّن الغشاء المشيمي الذي من بعضه تتكوّن المشيمة فيما بعد، وبخملاته تتعلّق العلقة بالرحم في الأسبوع الثاني. ثمّ يتكوّن المعلاق (رباط، ساق موصل) حوالي اليوم الرابع عشر، وهو الذي يربط الحميل بالغشاء المشيمي. وهذا المعلاق يتطوّر


1) الذاريات: 20 ـ 21.

2) المؤمنون: 14.

إلى الحبل السرّي الذي يوصل الجنين بالمشيمة، ويحوي أوعية دمويّة تنقل الغذاء والأكسجين إلى الجنين وتخلّصه من الفضلات بتمريرها إلى المشيمة.

تنتهي مرحلة "العلقة" مجهرياً في نهاية الأسبوع الثالث من التقاء البويضة بالنطفة... وذلك بابتداء تكوّن الكتل البدينيّة(1)(قطاعات الفقرات الأولية ـ أصل العظام والعضل) ونظام الدورة الدمويّة.

(فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً):

(فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً)(2):

المضغة هي المرحلة التالية لمرحلة العلقة، وتبدأ في اليوم الثالث والعشرين تقريباً بعد التلقيح (الأسبوع الرابع) أو اليوم الأربعين تقريباً بعد آخر "حيضة". تتشكّل أوّلا كتل بدينيّة. وهذه الكتل التي تظهر تدريجيّاً في أوقات متفاوتة تصل في النهاية من 42 إلى 45 كتلة على كل جانب من مِحور الجنين من أعلى إلى أسفل. وهي التي تتكوّن منها فقرات العمود الفقري...

المضغة: في هذه المرحلة لا يزيد حجمها بما يحيط بها من دم وأغشية مشيميّة عن "كرة الطاولة" أو "بيضة الحمام" فهي إذن كقطعة لحم بقدر ما يمضغ!

لنتحدّث الآن عن فترة تعرف في علم الأجنّة والتشريح بفترة "الحميل" وهي التي أشار إليها القرآن الكريم "بالمضغة"... هذه الفترة هي بالذات فترة تخلّق وتمايز، وأعني أنَّ الطبقات الثلاث التي يتكوّن منها الحميل تبدأ بتخليق أنسجة وأعضاء معيّنة. وبانتهاء هذه الفترة التي تمتد حسب علم الأجنّة إلى نهاية الشهر الثاني(3)يكون الحميل قد تكوّنت لديه أعضاء الأجهزة الرئيسيّة. والجدير بالذكر أنّه بسبب ذلك يتغيّر شكل الحميل إلى درجة كبيرة إذ يصبح بالإمكان الآن


1) بديناتِ أوّلية (سلف الغضروف) هي أصول الفقرات، واللحم.

2) المؤمنون: 14.

3) من عمر الجنين الرحمي.

تمييز الملامح الرئيسيّة للشكل الخارجي لجنين بشري.

(وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا):

(وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا)(1):

1 ـ العمود الفقاري:

وهو من معطيات الطبقة المخلَّقة الوسطى للمضغة. فمع بداية الأسبوع الرابع أي حوالي الأربعين يوماً بعد آخر "حيضة" تبدأ خلايا طلائية متميّزة والمكوّنة للجدار الأمامي والجانبي للكتل الهيكليّة باتخاذ أشكال جديدة لها، متنوعة ثُمَّ تهاجر باتجاه الحبل الظهري. وهذه الخلايا التي تعرف بأجمعها بالخلايا الهيكليّة الأوليّة تكوّن أنسجة رخويّة، مخلخلة، تعرف بالأنسجة الضامّة. تحيط هذه الأنسجة بالحبل الشوكي والحبل الظهري لتكوّن العمود الفقاري... بعد ظهور مراكز التمعظم فيها مع بداية الأسبوع التاسع من عمر الجنين الرحمي.

(ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً):

(ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً)(2):

2 ـ العضل والجلد:

أمّا الجدار الخلفي المتبقّي للكتلة الهيكليّة، والذي يعرف الآن بالكتلة العضليّة، فيكوّن طبقة جديدة من الخلايا، تمتاز بوجود أنوية شاحبة. وهذه الخلايا بالذات تكسو العظام التي نشأت من حولها، باللحم (العضل). وبعد تكوّن العضل من خلايا هذه الكتل المتميّزة، تنتشر هذه المجموعات من الخلايا العضليّة تحت الطبقة الخارجيّة (أكتودرم) بعد أن تفقد خاصّيتها الضامّة، لتكوّن طبقة الجلد والأنسجة تحت الجلديّة.


1) البقرة: 259، لا يبدأ العظم بالتخلق إلاّ بعد ظهور مراكز التمعظم في النسيج المضغي ابتداء من الأسبوع التاسع لنمو الجنين (باستثناء عظم الترقوة).

2) البقرة: 259.

وهكذا فإنّ كل كتلة هيكليّة تكوّن أوّلا المحتوى الغشائي فالغضروفي، فالعظمي للفقرة المتخلّقة عنها; ثمَّ تقوم بإكسائها تدريجياً باللحم (العضل والعصب والجلد)... ولا تظن أنَّ كلَّ هذا يتم في أسبوع أو أسبوعين، بل يمتد من الأسبوع الرابع حتى ما بعد ظهور مراكز التمعظم في أجسام الكتل الغضروفيّة في بداية الأسبوع التاسع.

والمهم أنَّ الترتيب الزمني لتخلّق هذه الأنسجة في علم الأجنّة يتبع الترتيب الزمني الذي تنبأ به القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً. فسبحان الله الذي وعّى الإنسان وبصّره بأعاجيب خلقه فقال تعالى: (يَـأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْب مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـكُم مِّن تُرَاب ثُمَّ مِن نُّطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِن مُّضْغَة مُّخَلَّقَة وَ غَيْرِ مُخَلَّقَة لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ)(1)... وقال تعالى: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَـماً فَكَسَوْنَا الْعِظَـمَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَـهُ خَلْقاً ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَـلِقِينَ )(2).

3 ـ الأطراف والمفاصل:

يتغيّر شكل الحميل الخارجي كثيراً خلال الشهر الثاني بسبب حجم الرأس وتكوّن الأطراف والوجه والأذن والأنف والعينين. ومع بداية الأسبوع الخامس يظهر نتوآن ذراعين وساقين (براعم) على شكل مجاديف أوّلا، ثمّ تتسطّح هذه الامتدادات الغضروفيّة مكوّنة الذراعين والساقين. وبعد ذلك تظهر براعم في أماكن أخرى كالرسغ والكوع والرقبة مكوّنة الكعبرة والزند والعضد في الطرف العلوي وعظمة الفخذ وقصبة الساق والشظيّة في الطرف السفلي. أما سلاميات أصابع اليد والقدم فتظهر على شكل امتدادات مستطيلة أوّلا ثمَّ تتدوّر تدريجيّاً. وفي الأسبوع السابع تبدأ خلايا من الطبقة الوسطى المخلَّقة


1) الحج: 5.

2) المؤمنون: 14.

للمضغة في التمايز تدريجياً لتكوين عضلات الأطراف فيما بعد، أي بعد ظهور مراكز التمعظم فيها وصدق الله العظيم في قوله تعالى: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَـماً فَكَسَوْنَا الْعِظَـمَ لَحْماً)(1)في نظام زمني دقيق كشف عنه القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً.

تبدأ الأجهزة في استكمال بنائها الأساسي خلال الشهر الثالث، مثل الكبد، والقلب والسمع، والبصر، والدماغ... وكذلك تشرع أعضاء الجنين التناسليّة في التمايز، ويصبح بالإمكان التفريق بين الذكر والأنثى. كما يُلاحظ للطفل حركات إراديّة. وقد اسْتُدِل من ذلك على "نفخ الروح فيه" لقوله تعالى: (ثُمَّ سَوَّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ى)(2)وقد تصوّر وجهه واتّخذ الشكل الإنساني المميّز.

الأسبوع التاسع حتى الولادة (المرحلة الجنينيّة):

هذه المرحلة مرحلة نمو وتطور... وتبدأ من الأسبوع التاسع وتنتهي بالولادة. تمتاز هذه المرحلة بسرعة نمو الجنين، وكذلك نضوج الأجهزة والأعضاء التي تتكوّن منها إضافة إلى تحوّل المضغة تدريجيّاً إلى عظم فلحم (عضل وعصب الخ) (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَـماً فَكَسَوْنَا الْعِظَـمَ لَحْماً)(3)وذلك بعد ظهور مراكز التمعظم في مختلف أجزاء الهيكل العظمي. يزداد طول الجنين خلال الشهور الثالث والرابع والخامس من الحمل بمعدل سنتمتر واحد تقريباً كل أسبوع; على حين يزيد وزن الجنين بشكل ملحوظ خلال الشهرين الأخيرين من الحمل (الثامن والتاسع).


1) المؤمنون: 14.

2) السجدة: 9.

3) المؤمنون: 14.

الروح بين الطب والقرآن:

(وَ يَسْـَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَ مَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً )(1).

اتفق العلماء على أنَّ الإسقاط حرام أو مكروه، ولم يتفقوا على مسألة وقت دخول الروح وتأويل حديث الرسول الأكرم المروي عنه. عن عبدالله بن مسعود(رضي الله عنه): "إنَّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أُمة أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقة، مثل ذلك، ثم يكون مضغة في ذلك مثل ذلك. ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أم سعيد"(2).

هنالك اختلاف عند العلماء حول ما إذا كانت الروح تُنْفَخ بعد الأربعين الأولى وأنَّ مراحل النطفة والعلقة والمضغة كلها تقع في الأربعين، أم أنَّ مرحلة كل واحدة منها تستغرق أربعين يوماً أو ليلة. إنَّ علم الأجنَّة يظهر أنَّ النطفة الأمشاج قد مرّت بمرحلة العلقة فالمضغة ثم أصبحت على هيئة إنسان مصغر له رأس وأُذنان وعينان ويدان ورجلان وأعصاب وعضل وقلب ينبض. وأنَّه في خلال


1) الإسراء: 85.

2) قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): "إنَّ خلق أحدكم يجمع في بطن أُمة أربعين يوماً وأربعين ليلة ثم يكون علقة مثله ثم يبعث إليه الملك، فيؤذن بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح". أخرجه الشيخان. لاحظ لم تذكر النطفة ولا المضغة. وفي صحيح مسلم أيضاً: "أنَّ النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك فيقول يا رب ذكر أم أُنثى". وفي مسند الإمام أحمد: "إذا استقرت النطفة في الرحم أربعين يوماً أو أربعين ليلة بعث إليها ملك فيقول يا رب شقي أم سعيد، فيُعلم". وعن حذيفة بن أسيد: "إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها". رواه مسلم، وفي رواية أُخرى عن الرسول الأكرم ذكرها مسلم في صحيحه: "إنَّ النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك الذي يخلقها" إلى آخر الحديث.

الأسبوع التاسع أو العاشر من عمره الحقيقي (الرحمي) (الحادي عشر أو الثاني عشر بعد آخر حيضة)، قد تصدر عنه حركات إرادية بسيطة. فكون الملَكَ ينفخ الروح بعد الأربعين الأولى، أقرب إلى الواقع، إذ لا يمكن أن يصدر عن الجنين حركات إرادية، دون جهاز عصبي يتأثر بالبيئة. فكونه أصبح وِحْدَة شبه مستقلة، يستجيب لحوافز خارجيّة، وكونُه شكلا أصبح كالإنسان كامل الأعضاء، ولو بصورة مصغرة، يشجع الأخذ بالتأويل الذي يجعل نفخ الروح بعد الأربعين الأولى لا الثالثة من عمره الحقيقي (الرحمي)، والله أعلم.

المشكلة الأساسية أنّنا لا نعرف ما هي الروح وما دمنا لا نقدر على تحديد كنهها، أو هويتها، وماهيتها، تظل مشكلة ضبط وقت دخولها الحقيقي في جسم الإنسان بارزة للعيان، وصدق ربنا العظيم في قوله تعالى: (وَ مَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا)(1). ولو أنَّ ربنا أخبرنا ما الروح لهان الأمر. ولكن هذا لا يمنع من التفكير بالواقع، حتى لا نظل نقتل أطفالنا لأتفه الأسباب، بحجة أنَّ الروح لم تُنْفَخ فيهم بعد، ذلك أنَّ بعض الأطباء والعلماء راحوا يصدرون الفتاوي بأنَّ القيام بإجهاض قبل نفخ الروح (وعندهم أنَّ نفخ الروح بعد الأربعين الثالثة) أمر جائز لا تَشَدّدَ فيه، بينما القيام به (أي الإجهاض) بعد نفخ الروح (أي بعد الأربعين الثالثة)، فهو محرَّم إلاّ إذا اقتضت ضرورة طبية.

حقوق الطفل أو الجنين:

ضَمِنَ الإسلام حقوق الطفل قبل تكوينه، وبعد تكوينه، في أثناء، وقبل، وبعد الولادة. ووضع في ذلك قوانين وتشريعات كقوانين الأحوال الشخصيّة وقوانين الوصيّة والميراث والولاية على النفس، والمال، والحضانة، والنسب،


1) الإسراء: 85.

والطلاق، وحقوق الأولاد الخ.

أما ما يهمنا في هذا البحث الموجز فهو حقوق الجنين. قال الله تعالى: (وَ لاَ تَقْتُلُواْ أَوْلَـدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـق نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْـاً كَبِيرًا )(1).

حرّم الإسلام قتل الطفل خشية الفقر قال الله تعالى: (وَ إِذَا الْمَوْءُودَةُ سُـئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنب قُتِلَتْ )(2). لأنَّ بعض قبائل العرب كانت تئد بناتها خوفاً من العار أو الفاقة أو السبي. وقد وصف القرآن الكريم الأب الجاهل الذي يُبشَّر بميلاد ابنة وصفاً دقيقاً فقال: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالاُْنثَى ظَـلَّ وَجْهُهُو مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَ رَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ى أَيُمْسِكُهُو عَلَى هُون أَمْ يَدُسُّهُو فِى التُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ )(3).

أما عادة وأد البنات (بمعنى دسّهِنَّ في التراب) فقد انقرضت... ولكنْ مع ذلك فالوأد للآن ما زال للأسف يُمَارسَ في بعض البيوتات بشكل أو بآخر. فالزوج الذي يعتدي على زوجته بالضرب المُبرح، أو يُضارّها بالطلاق، الذي لا يصل في العدد إلى حد (ثم يراجعها) أو يحلف عليها غُبناً بالإيلاء أو يجافيها بالظهار، أو بأي شكل من الأشكال، من غير وازع من ضمير... هذا الزوج إنّما يمارس عملية وأد عصرية.

نعم، والزوج الذي يعتدي على زوجته دون حق كذلك يئد "البنات"، لأنَّه يقتل فيها الإحساس بالكرامة واحترام الذات، والحب والحنان والاستقامة والطموحات الخلاَّقة. والزوج الذي يُحدّد النسل خوفاً من أَنْ تلد زوجته بنتاً أخرى، كذلك يئد البنات، ويقتل الأولاد، إذا كانت ظروفه المالية والاجتماعية حسنة. والزوج الذي


1) الإسراء: 31.

2) التكوير: 9.

3) النحل: 58 ـ 59.

يسوق زوجته لتجهض طفلها عند الطبيب أو في أيِّ مكان آخر دون سبب شرعي إنَّما يئد أو يقتل البنات والأولاد. ومنهم مَن يدفع الثمن غالياً فيفقد زوجته أيضاً.

وفي القرآن الكريم إشارة وتحذير للنساء اللائي يُفكّرن في قتل أولادهن، قال الله تبارك وتعالى: (يَـأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ الْمُؤْمِنَـتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْـاً وَ لاَ يَسْرِقْنَ وَ لاَ يَزْنِينَ وَ لاَ يَقْتُلْنَ أَوْلَـدَهُنَّ وَ لاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَـن يَفْتَرِينَهُو بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوف فَبَايِعْهُنَّ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )(1).

وبهذا يكون الكاتب قد جمع ما بين ما ورد في القرآن الكريم من اشارات كثيرة في عظمة الخلق وبين ما يقوله الطب الحديث في ذلك، وقدم مزيجاً مباركاً يوضح عظمة القرآن، ويدلل على انه الكتاب الإلهي الخالد الذي فيه تبيان كل شيء، فبعد أربعة عشر قرناً لازال يقدم للعلماء ما يبهر عقولهم، وصدق الله العلي العظيم حيث يقول: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَـفاً كَثِيرًا )(2).


1) الممتحنة: 12.

2) النساء: 82.

{10} حسين الرجا(شافعي / سوريا)

اشارة

الصورة

A07

ولد عام 1945م في سوريا، بمحافظة ديرالزور، قرية حطلة، ترعرع في عائلة شافعية المذهب وصوفية المسلك ينتهي نسبها إلى الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليهما السلام)، تتلمذ على يد أحد الملالي ودرس عنده القرآن الكريم والفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية، ثم التحق بمعهد الهداية مدّة خمس سنوات انتسب بعد ذلك إلى الطريقة القادرية الصوفية وعمل بها كمجاز من نقيب الاشراف في بغداد.

ترك المذهب الشافعي حوالي عام 1984م واعتنق مذهب أهل البيت، اثر البحث الذي اجراه في كتب المذاهب طوال أربعة اعوام.

بداية التعرّف على التشيع:

يقول السيد حسين، كان أحد أبناء قريتي يخدم في الجيش السوري برتبة مساعد، وقد أثر عليه بعض زملائه الشيعة في الجيش، وهو بدوره أيضاً أثر على بعض أفراد القرية.

فسمعت بهم وزرتهم طلباً للتعرّف على مذهبهم، فلم أجد عندهم في البداية ما يقنعني. فابتعدت عنهم وأخذت أحذّر الناس من الالتحاق بهم.

وبقيت على هذه الحالة بضعة أعوام حتى توفرت لي الأجواء المناسبة للبحث عن المذاهب نتيجة توفر الكتب عندي، فأخذت اقارن بين العقائد والمذاهب لمدة تقارب الأربع سنوات، ففي السنة الأولى بحثت شكل مركز عن العقائد، وفي الثانية قارنت بين المذاهب ومذهب الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، وقبل تمام سنتين من البحث شعرت بشكوك حادّة وعنيفة تدخل حرم قلبي بلا استأذان، لم اتكلف لها طلباً ولم استطع لها رداً، فاستعذت بالله من هذه النتيجة والتجأت إلى الله ادعوه، وكنت أخرج من بيتي ليلا فيأخذني البكاء وكان الناس يسألوني واتحدث لهم في المجالس وكانوا يثقون بي ثقة عمياء، فأقول في نفسي: لو تعلمون من الذي يحدثكم لطردتموني من مجالسكم.

وفي السنة الثالثة حاولت أن اكتشف مظلومية أهل البيت عليهم صلوات الله في التواريخ المختلفة، وفي السنة الرابعة كنت حيراناً معذباً أقدّم رجلاً وأؤخر أخرى، كنت في حالة شك كبيرة، باعتبار أنني شككت في المذهب السني، ولم أكن أرى من رجوع اليه، وكنت أرى أحقية التشيع.

معاناة مرحلة التحول:

يقول السيد حسين: كانت دراستي خلال المقارنة بعيدة عن الهوى والتعصب والطائفية والعواطف، وكنت حذراً حاضر الذهن دقيق الملاحظة غير متسرع في الحكم، فآمنت بأهم المسائل العقيدية والمذهبية مسألة مسألة.

ويضيف السيد: وباعتبار أن مثل هذا الانتقال صعب وشائك جَعَلَتْ الرياح تعصفني يميناً وشمالاً، فتعثر لساني وتردّد قلبي وكأن أمواجاً تتجاذفه، موجة للدين وموجة للدنيا، لأني عالم بأن تشيعي سيكون على حساب مصلحتي وسمعتي وكرامتي عند بعض الناس وحجب ثقتهم عني وتفرقهم من حولي.

فأصبحت أسير الامتحان في سجن الابتلاء في لحظات لا مناص لأجل

الخلاص إلاّ بالفداء، ولكن ما نوع هذا الفداء، فهل أفدي الدنيا بالدين أم الدنيا لأجل الدين، وبعبارة أخرى أيّهما أبيع وأيهما اشرى، أحلى البيعين مرّ وأدفأهما أحرّ من الجمر، فكتمت أمري ما يقرب من شهرين.

ولقد استشرت رجالاً من أبناء قريتي وعمومتي ممن أثق بهم فسكت بعضهم وعارض البعض الآخر، وكل ذلك كان سرّاً.

اعلان التشيع وردود الفعل:

بعدما تيقنت بأحقية مذهب الأطهار من آل محمد عليهم الصلاة والسلام، اتخذت قراراً لارجعة فيه، فأعلنت تشيعي بكل ثقة، وكان ذلك عام 1984 هـ.

وعلى اثر ذلك تفرق الناس من حولي وخلعوا بيعة الطريقة واساؤا الظن وحكموا عليّ بأحكام لم يرض بها الله تبارك وتعالى.

فبعض الناس شمت وشتم، فاصبحت هدفاً للسهام وعبرة لمن يعتبر ولا مشاحة هنا، فإن الناس أعداء ما يجهلون، وبعضهم أعذرني ولكن باعتقاد أنني مجنون، وبعضهم يقول: إنه سياسي يستتر بالدين، وبعضهم يقول: أنه ترك دينه لأجل الأطماع، وبعضهم يقول أنه لا يستطيع أن يرجع إلى دينه فلو رجع فالشيعة يقتلونه، وللأسف الشديد أن مثل هذه الهراءة يطلقها أحد السماحات، وبعضهم ظن أنني أبحرت في العلم فاختلط أمري، وذلك انطلاقاً من المقولة الشائعة بين الناس: أن العالم عندما يبعد في خوض العلم يدخل على عقله.

المضايقات بعد الاستبصار:

يتحدث السيد حسين حول المضايقات التي لاقاها بعد الاستبصار قائلا:

"على أعقاب أن انغرست بذرة التشيع وتجذر جذعها وعلت

أغصانها ورفرفت نسائم آل محمد(صلى الله عليه وآله) بأوراقها وكشف بدو الصلاح عن طيب ثمارها، تجمع أوباش الناس حانقين يريدون اجتثاثها من جذورها واخماد وإسكات اصحابها وحملهم على أشواك طرق غير مأمونه لكثرة التعرج وجهالة المسار واحتمالية النتائج، فهم لا يلوون على شيء ولا يألون جهدا، فتارة بالدعاية والاشاعات واخرى بالتهويل والتخويف".

موقفه بعد الاستبصار:

صمد السيد حسين ازاء جميع الضغوط التي لاقاها من أبناء مجتمعه، ثم تحمل جميع الاجواء الخانقة التي فرضها عليه المخالفين، فلما هدأت الأوضاع شرع السيد بعمله التوجيهي لنشر مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

فيقول السيد في هذا المجال: بدأنا نأتي بالمبلغين في رمضان وعاشوراء، وبدأنا ندعو الناس ونصادقهم ونبث فيهم التوعية الإمامية من خلال أخلاق عالية وروح طيبة، فبدأ الوضع يتغير ويميل لصالحنا.

مواصلة البحث والتعلم:

لم يكتف السيد حسين بما تعلمة نتيجة الدراسة التي تصدى لها بنفسه من خلال مطالعة الكتب، بل التحق بعد الاستبصار بالحوزة العلمية بدمشق وتلقى فيها دروساً حوزوية لمدة سنتين، ثم تابع مسيرته الدراسية في الجامعة العالية للعلوم الإسلامية في لندن.

ثم انجز الكثير من المشاريع الإسلامية والخيرية، وهو لا يزال ساعياً نحو انجاز الكثير منها مثل: بناء العديد من المساجد والحسينيات في شتى المناطق وذلك بالتنسيق مع الحوزة العلمية الزينبية في دمشق.

مؤلفاته:

{1} "دفاع من وحي الشريعة" (ضمن دائرة السنة والشيعة):

صدر عام 1420، عن مؤسسة السيدة زينب الخيرية ـ بيروت ـ لبنان.

والكتاب هو مناقشة لأدلة أهل السنة والتي بموجبها يتحاملون على الشيعة، ويبتعدون عن التشيع، يحتوي على مقدمة وخمسة فصول.

المقدمة: مقدمات في مساري العقيدي وسيري الخلقي.

الفصل الأول: الشيعة والصحابة.

الفصل الثاني: المسلم لا يكفّر بلا موجب.

الفصل الثالث: أهل السنة والصحابة.

الفصل الرابع: أقسام الصحابة.

الفصل الخامس: الصحابة كما جاؤوا في احاديث الشطط.

وقفة مع كتابه ((دفاع من وحي الشريعة ضمن دائرة السنة والشيعة))

يتناول الكاتب في كتابه هذا قضية صحابة الرسول الأعظم محمد(صلى الله عليه وآله) التي اختلف فيها السنة والشيعة، حيث يعتقد السنة بعدالة كل الصحابة دون استثناء وقد نص ابن حزم على أنّهم جميعاً في الجنة(1)، وصرح الآلوسي بأنّهم: "كلهم أنقى من ليلة القدر"(2)التي هي خير من ألف شهر.

بينما لا يعتقد الشيعة بعدالة كل الصحابة، بل يقسمونهم إلى عدّة أصناف، ففيهم المؤمنون حقاً، وفيهم ضعاف الايمان، وفيهم الشكاكون، وفيهم المنافقون.

من هو الصحابي؟

عرف علماء أهل السنة الصحابي، واختلفوا في حده، فآثر المتأخرون مذهب المحدثين على الأصوليين لأنّه أكثر شمولا ليدخل تحت اسم الصحبة عشرات الالوف من الذين رأوا رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولو مرّة واحدة، لذلك عرفه البخاري في صحيحه تعليقاً بصيغة الجزم قائلا: "ومن صحب النبيّ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه"(3)، ويرد عليه ايرادات لانّه لا مانع ولا جامع(4)، وقال جمهور المحدثين: "هو من لقي النبيّ يقظة مؤمنا به بعد مبعثه حال حياته


1) الاصابة لابن حجر العسقلاني 1: 19.

2) صحابة رسول الله للكبيسي نقلاً عن الاجوبة العراقية: 10.

3) صحيح البخاري: ج2 باب فضائل الصحابة ت. د. بغا. ما قبل ح 3449 ص 1246.

4) تدريب الراوي بشرح تقريب النواوي للسيوطي: 2 / 209.

ومات على الإيمان"(1).

ويدخل في الصحبة الصبيان بشرط التمييز، كما نص عليه يحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود وغيرهم، ونقل السيوطي عن العراقي صحبة الجن المؤمنين "لان الجن من جملة المكلفين الذين شملتهم الرسالة"(2)، وقد بلغ عدد الصحابة {124000} نفر كما صرح الشيخ أبو زرعة الرازي(3).

تكفير الشيعة بسبب الصحابة:

أطلق الكثير من أخوتنا أهل السنة كلمة الكفر على المسلمين الشيعة، فتفوه بها الشارد والوارد، ولاكها الجهلة بأنياب حدد، وعركتها ألسن البعض حقابا من الزمن، جرى ذلك على لسان مالك بن أنس(4)في إحدى الروايتين (ت 179هـ)، ومحمد بن يوسف الفرياني(5)(ت 212 هـ)، وأحمد بن حنبل(6)(ت 241هـ) في إحدى الروايتين، وأبي زرعة الرازي(7)شيخ مسلم (ت 264هـ)، والطحاوي(8)(ت 321هـ)، وعبد العزيز الحنبلي(9)(ت 363هـ)، والقاضي حسين الشافعي(10)(ت 462هـ) في احد الوجهين، والخطيب


1) انظر المصدر السابق وكتاب صحابة رسول الله للكبيسي نقلا من محاضرات في علوم الحديث: 1 / 131.

2) تدريب الراوي للسيوطي: 2 / 209 ـ 210.

3) الباعث الحثيث لابن كثير ص 185 وغيره.

4) الصواعق المحرقة ص 210 تفسير ابن كثير: 4 / 204.

5) الصواعق المحرقة: 258.

6) الصواعق المحرقة: 255 ونقله الكبيسي عن الصارم المسلول لابن تيمية: 571.

7) الصواعق المحرقة: 211 وانظر مقدمة محب الدين الخطيب على العواصم من القواصم: 34 والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني: 1 / 18.

8) صحابة رسول الله للكبيسي نقلا عن العقيدة الطحاوية: 528.

9) صحابة رسول الله للكبيسي نقلا عن طبقات الحنابلة: 1 / 119.

10) الصواعق المحرقة: 260.

البغدادي(1)(ت 463هـ)، والسرخسي(2)(ت 483هـ)، والحميدي(3)(ت 488هـ)، والقاضي عياض(4)(ت 544هـ)، والقرطبي(5)(ت 567هـ)، وتقي الدين السبكي(6)(ت 771هـ)، وأحمد بن يونس(7)(ت 1025 هـ)، وأبي بكر بن هاني(8)، وأبي يعلى الحنبلي(9)، وعبد الله بن أدريس الكوفي(10)، وعبد الرحمن بن أبزى الصحابي(11).

ومن المتحاملين المعاصرين الشيخ نوح الحنفي(12)، ومحب الدين الخطيب(13)، وابن الجبهان(14)، وموسى جار الله التركستاني(15)(ت 1369هـ)، وإحسان إلهي ظهير(16).


1) حيث نقل عن أبي زرعة وسكت عليه ونقله ابن حجر العسقلاني في الاصابة في تمييز الصحابة: 1 / 18.

2) صحابة رسول الله للكبيسي نقلا عن اصول السرخسي: 2 / 134.

3) صحابة رسول الله للكبيسي نقلا عن اصول السنة للحميدي: 2 / 546.

4) الصواعق المحرقة: 257.

5) صحابة رسول الله للكبيسي نقلا عن الجامع لاحكام القرآن: 16 / 297.

6) الصواعق المحرقة: ص253 وما بعدها.

7) الصواعق المحرقة: 258.

8) المصدر السابق.

9) المصدر السابق.

10) المصدر السابق.

11) المصدر السابق.

12) الفصول المهمة لعبد الحسين شرف الدين في الرد على الفتاوي الحامدية والتي نقحت بإمضاء الشيخ نوح الحنفي: 143.

13) مقدمة العواصم من القواصم لمحب الدين الخطيب: 34.

14) قاطع البرهان في الرد على ابن الجبهان لأحمد بن عزيز الفالي: 3 وما بعدها.

15) انظر الشيعة بين الحقائق والأوهام في الرد على وشيعة موسى جار الله للسيد محسن الأمين: 448 وغيرها.

16) انظر كتاباته عن الشيعة.

وفي القديم مذهب أبي حنيفة في انكار خلافة الأول والثاني(1)ومعظم الحنفية(2)وغيرهم.

قول الله ورسوله:

قال تعالى: (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَـمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا)(3)نستفيد من هذه الآية الكريمة أنه يحرم على المؤمنين أن يقولوا لمن ألقى إليهم تحية الإسلام او أظهر الانقياد بكلمة الشهادة التي هي امارة على الإسلام ـ لست مؤمنا فإن شكوا أنه يتقي فليتبينوا فإن ظهر صدقه فهو أخو الإسلام قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَ اتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(4). وكذلك نسترشد من هذه الآية الكريمة أن المؤمنين بقلوبهم وألسنتهم أخوة في الدين ويجب عليهم ان يصلحوا بين أي طائفتين منهم عند الشقاق ولا يجوز تكفير أي منهما إلا إذا كان الإمام الشرعي في احديهما فتكفر الثانية حتى الإفاءة وذلك حكم عام في الشقاق سواء كان لمصلحة دنيوية او اعتقاد في الدين لأن كليهما مكمن للتشتت والتمزق.

فالتكفير داء في الدنيا والآخرة والإصلاح دواء قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (أيما امرىء قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه)(5)فالحكم المستفاد هنا أنه يحرم التكفير بلا موجب ومن استحل ذلك من


1) الصواعق المحرقة: 257.

2) صحابة رسول الله في الكتاب والسنة لعيادة أيوب الكبيسي نقلا عن الأجوبة للآلوسي: 50.

3) النساء: 94.

4) الحجرات: 10.

5) صحيح مسلم بشرح النووي ج1 جزء 2 ص 94.

أخيه المسلم فإن الكفر يعود إليه.

وبعد ذلك يأتي من لا علم له من اخوتنا أهل السنة ـ أوله علم ولكنه يغالط ـ فينتقد بمر الانتقاد ويحلو له القول مشيرا إلى من يوحد الله ويسجد له هذا شيعي والشيعة كفرة حتى وان كانت عين المغالط تبصره يصلي ويصوم وان كان يعلم ان هذا المسلم يؤمن بالله واليوم الآخر.

هذا كله يجري بحجة ان الشيعة يسبون الصحابة وينكرون خلافة الشيخين والغريب في الأمر أن المغالط يصدر احكاما جزافا يخرج بها على إجماع الجمهور من أهل السنة حيث اجمعوا على ان خلافة الشيخين بل مطلب الخلافة مطلقا ليس من أركان الإيمان الستة: 1 ـ الإيمان بالله. 2 ـ وملائكته. 3 ـ وكتبه. 4 ـ ورسله. 5 ـ واليوم الآخر. 6 ـ والقدر خيره وشره. ولا من اركان الإسلام الخمسة: 1 ـ الشهادتان. 2 ـ والصلاة. 3 ـ والزكاة. 4 ـ وصوم رمضان. 5 ـ وحج البيت من استطاع اليه سبيلا.

وهذا الحكم غيره في علي بن أبي طالب إذ ذاك حبه وخلافته من الإيمان كما صرح بذلك مسلم حيث وضعه في ابواب الإيمان عنه قال: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة أنه لعهد النبي الأمي(صلى الله عليه وآله) إلي ان لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق)(1).

وعلى افتراض أن أحدا من المسلمين تورط في سب بعض الصحابة فليس هو من الكفر والفسق في شيء وإلا فإن توهمنا ذلك فقد حكمنا على الكثير من الصحابة الكرام بالكفر لا سمح الله لأنهم تعرضوا للسب فيما بينهم ومنهم وعليهم.


1) صحيح مسلم بشرح النووي ج1 جزء 2 ص 64.

وهذه بعض النصوص التي تثبت أن المسلم لا يكفر بلا موجب:

الحديث الأول:

إنّ أول من استعمل وعمل بالشتم والسباب وأفتى بقتل نفس بلا نفس وبلا موجب بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) هو عمر بن الخطاب في سقيفة بني ساعدة، روى ذلك ابن قتيبة واليعقوبي وابن كثير وابن جرير، واللفظ له قال:

"فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبابكر وكادوا يطؤون سعد بن عبادة فقال ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدا لا تطؤوه فقال: عمر اقتلوه قتله الله ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أنا اطأك حتى تندر عفوك فأخذ سعد بلحية عمر فقال: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة)(1). وفي البخاري قال عمر: (قتله الله)"(2).

تأمل أخي المسلم فهذا عمر ينال من سعد بن عبادة، يشتمه وينتقصه ويفتي بقتله، وهاهم المسلمون عبر الأجيال المتتالية والقرون المتعاقبة وعلى رأسهم حملة الشريعة ولواء الاستنباط والفتوى لم يتفوه أحد منهم بأن هذا الشتم ـ الذي يرافقه الافتاء بالقتل ـ هو كفر أو يؤول إلى الكفر، رغم أنه لا يحل دم امرىء مسلم إلا بشرط ومن شرطه النفس بالنفس والكفر بعد الإيمان والزنا بعد الإحصان، ولكن المكفرون يأبون إلا أن يحكموا بالكفر في أي مسلم تورط في سب أدنى صحابي..!

والذي نراه في تشريعات السماء وقوانين المفكرين وحكَّام التعقل ومقلدي الأعراف الكريمة في كل مجتمع كريم: أن السباب أخف جرماً وأقل جريرة من الشتم زائد حلال الدم الحرام، فما الفرق بين الحادثين فهل الله يحابي من ذنبه أكبر من مناط الحكم ويفرق بين الْحُكمْمين وان اتحد الموجب كما يصنع اللامعصوم


1) الامامة والسياسة لابن قتيبة: 1 / 17 اليعقوبي: 2 / 124 الكامل لابن الاثير: 2 / 328 تاريخ الامم والملوك لابن جرير الطبري: 3 / 258.

2) صحيح البخاري ج2 ت. د. بغا. باب لو كنت متخذا خليلا ح 3467 ص 1253.

من البشر؟ حاشا لله.

وفي منطق الشرع والعقل يجب أن يكون الحكم عادلاً، له مصداقية من الواقع وأن يلتزم المسلم بما يُلْزِمُ به غيره ليكون على الأقل منطقياً مع نفسه وإلا فهذا الحكم من باب اُلزِمُك بما لا التَزِمُ به، ولو قيل أن عمر بن الخطاب أفتى بالقتل غاضباً قاصداً نقول: يتم ذلك لو لم يرد في التاريخ انه نفَّذ ما أفتى به(1).

الحديث الثاني:

روى أحمد في المسند أنه: "أغلظ رجل لأبي بكر.. فقال أبو برزة ألا أضرب عنقَهُ؟. قال فانتهره وقال ما هي لأحد بعد رسول الله"(2).

وجه الدلالة في الحديث أنه من سب النبي(صلى الله عليه وآله) أو انتقده أو انتقصه ولو هازلاً أو تكلم بما يؤول إلى ذلك فإنه يكفر وذلك باجماع المسلمين، وأنه من سب صحابياً فلا يكفر ولا يفسق وانما يحرم سب الكثير منهم في الكثير من الموارد هذا كله في غير قربى رسول الله(صلى الله عليه وآله).

ولكن المتشددين من اخوتنا أهل السنة أعذروا من أغلظ لأبي بكر وكفروا من صنع مثل صنيعه، ومما يلفت النظر حقا ازدواجية الشيخ أبي زرعة الرازي حيث قال: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق... وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة"(3)ثم اتخذ اخوتنا أبناء العامة فتوى أبي زرعة وكأنها آية نزل بها جبريل على قلبه، فيالها من بلية عمت وأعمت.


1) انظر: الحقائق في تاريخ الاسلام والفتن والأحداث: 132، نقلا عن انساب الأشراف والبلاذري: 1 / 589، وانظر الاستغاثة لأبي القاسم الكوفي: 11.

2) مسند أحمد حديث أبي بكر ج1 ح 55 ص 18.

3) الاصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني: 1 / 18 نقلا عن الخطيب البغدادي في الكفاية.

ويجدر بنا أن نقول: أخطر الزلل زلات العلماء على رغم أننا نهيب بالشيخ أبي زرعة عن مثل هذه الفتوى اللامسؤولة، وليته ألف لنا كتابا صحيحاً كما فعل تلميذه مسلم في صحيحه ولم يلته بمثل هذه الإرجافة، على اننا نستطيع أن نثبت بمناهج البحث العلمي أو قل بالحقائق العلمية خطر وخطأ فتواه من عدة وجوه:

1 ـ قول: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق) غلط فادح لأن الزنديق من الثنوية أو القائل بالظلمة والنور أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية أو يبطن الكفر ويظهر الإيمان(1)، فالزندقة لا تنطبق على المسلم الساب والشاتم لا كلا ولا بعضا ولا الانتقاص من مصاديقها وحتى لو كان السباب من مصاديقها لم تكن لأنه أظهرها. وعليه يكون أبو زرعة حكم على المسلمين دون أن يشق قلوبهم بما لم يحكم به الله ورسوله.

2 ـ قوله: (يريدون أن يجرحوا شهودنا). عثرة لا تقال ولقد فات أبا زرعة أن الصحابة شهود لكل المسلمين وليس لطائفة دون أخرى وليس الأمر عضالا، اللهم إلاّ إذا جرحنا {124} ألف صحابي ونعوذ بالله من ذلك، ولهذا عمر بن الخطاب وغيره جرحوا الكثير من الصحابة ومنهمه أبو هريرة ولا تثريب على الجارحين ولا اشكال رغم أنهم جرحوا أعظم شاهد من شهود الشيخ أبي زرعة، والذي يحز في القلب أنه لم يرفض حديث المجروح مثل أبي هريرة ولم يخطىء الجارح مثل عمر ابن الخطاب وما ذلك إلا ازدواج وكسر لا جبر بعده.

3 ـ قوله: (ليبطلوا الكتاب والسنة) فالذي نراه ونؤمن به أن الخوف على الكتاب والسنة واجب على كل مسلم، وباعتبار أن خوف الشيخ أبي زرعة أكثر من غيره فمن حقنا أن نسأل من أين دخل الخوف على قلبه وما هي أسبابه؟ ألم يقرأ القرآن فيطمئن لقوله الله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُو لَحَـفِظُونَ)(2).


1) القاموس المحيط: 3 / 243.

2) الحجر: 9.

فبموجب هذه الآية اعتقد عامة المسلمين أنه لو لم يبق على وجه الأرض مسلم يرقب القرآن عن التغيير والتبديل واراد أحد أن يزيد فيه حرفا أو ينقص منه حرفا لأنطق الله الحجر والشجر والمدر ليشهد على المحرفين ويكذبهم، وعلى هذا فطلب الاطمئنان على كتاب الله تحصيل حاصل.

وإن كان الخوف استولى على قلب الشيخ أبي زرعة غيره على السنة فهو واجب على كل مسلم، ولكن ليس بتكفير المسلمين وإنما بأخذها عن العدل الضابط عن مثله عن المعصوم، ورحمة الله على عمر بن الخطاب فإنه هو الذي تولى جناية المنع من كتابة الحديث ولولاه لما اختلف اثنان في سنة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فهو الذي أصدر المرسوم المبتكر ورسول الله في مرض الموت، حيث قال: (هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده فقال عمر: أن النبي(صلى الله عليه وآله)قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت فاختصموا... ومنهم من يقول ما قال عمر فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي... قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): قوموا)(1)ومعنى غلبه الوجع أي أن النبي يهذو.

وعلى كل حال استمر عمر بن الخطاب يمنع من كتابة الحديث والتحدث بما لم يسمعه هو في عصر النبي(صلى الله عليه وآله)، واستمر الحال خلفا عن سلف نحوا من {90} سنة هجرية فاختلط حابل السُّنة الشريفة بنابلها من كثرة الكذابين، هذا هو السبب في اضطراب السنة واختلاطها وتعارضها لا لأن مسلما انتقد صحابيا، أليس كذلك يا شيخنا؟!

وعلى أية حال قد تهاوت كواكب السنة بأحد العمرين واعزها الله بأحد العمرين، حيث بعث الله عمر بن عبد العزيز حيث كتب إلى عامله أبي بكر محمد بن عمر بن حزم: "انظر ما كان من حديث رسول الله... فاكتبه فإني قد خفت دروس


1) البخاري ت. د. بغا. ج4 باب قول المريض قوموا عني ح 5345 ص 21207.

العلم وذهاب أهله"(1)وكذلك كتب إلى عماله في الأمصار وأهل الآفاق.

4 ـ جرح الشهود الذي يخيف أبا زرعة لا علاقة له لازمة بالانتقاص، لأن الجرح حالة متلبس بها المجروح وهي غير الجارح وغير الساب، فكم من مجروح مسكوت عنه ومرضي عليه، وكم من ولي من أولياء الله يسب على المنابر عشرات السنين كما وقع لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، فالسباب بما هو هو لا يجرح، نعم قد يلتقي بالمجروح في كثير من الموارد ويفترق في كثير منها ولأن الصحابة كل منهم تعرض للسب منه وعليه ولم يكن جرحا بما هو سب وإنما العامل هو الحالة المتلبس بها المجروح كما قلنا فعلى ضوئها يجرح ويترك حديثه(2).

5 ـ الشيعة يقولون بعدالة الالوف من الصحابة وهو عدد كاف وكفيل بايصال الكتاب والسنة إلى الاجيال، وباعتبار أن الشيخ أبا زرعة كلف نفسه مهمة احصاء الصحابة ـ واعطى الرقم الاخير {124} ألف صحابي لا زيادة ولا نقصان وتباكى على عدالة جميعهم حفاظا على الكتاب والسنة، وكفر من سبّ صحابيا واحدا ـ نقول له ولمن قلد فتواه: "إن جميع من صنف في الصحابة لم يبلغ مجموع ما في تصانيفهم عشرة آلاف مع كونهم يذكرون من توفى في حياته(صلى الله عليه وآله) وعاصره أو ادركه صغيرا"(3)وعلى هذا فلو أن مسلما نال من 114 ألف منهم لا يكون جرحا لأن هذه الأعداد الهائلة لم يصلنا منها ولا حرفا واحدا من الدين، على أنه نفس العشرة آلاف الكثير منهم لم يرو لنا إلا الحديث أو الحديثين والكثير لم يرو ولا حديثا واحدا، والكثير عد في الصحابة وليس منهم والكثير اختلف في صحبته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.


1) طبقات ابن سعد: 2 / 387 ترجمة عمرة بنت عبد الرحمن.

2) انظر علوم الحديث د. صبحي الصالح: 45.

3) تدريب الراوي بشرح تقريب النواوي للسيوطي ج1 جزء 2 ص 221.

الحديث الثالث:

روى الإمام أحمد: "أن رجلا شتم أبابكر والنبي جالس فجعل يعجب ويبتسم..."(1).

إنّ هذا الحديث لم يصرح بالشتم الموجه لأبي بكر لا نوعا ولا كما ولا كيفا، غير إننا لا نشك بأن الشتم بحضرة رسول الله(صلى الله عليه وآله) مع سكوته انتقاص للمشتوم، وأن ذلك لم يؤذ رسول الله(صلى الله عليه وآله)، بل أعجب إعجابا ترافقه ابتسامة نبوية شريفة.

وعلى أية حال فهذا رسول الله لم يقل للرجل أنت كفرت أو فسقت لأنك شتمت صاحبي أبابكر وشتمه يؤذيني ومن يؤذيني يكفر أو يفسق، لم يستعمل(صلى الله عليه وآله)هذه المقدمات أصلا توصلا إلى نتيجة هي تكفير الرجل لأنه(صلى الله عليه وآله) لم يؤمن بالرأي والقياس الفاسدين كما صنع الكثير من المسلمين، ولأنه لا علة جامعة بين الساب والمسبوب وبين رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وإلاّ فلو صح ذلك لحكمنا على كل المسلمين بالكفر لأن رسول الله(صلى الله عليه وآله) يتأذى من كل الاعتداءات الظالمة والمعاصي من أمته، وهذا كله بخلاف من سبّ آل محمد(صلى الله عليه وآله) فإنه يكفر لأنهم منه حقيقة، وكما نطق بذلك الوفر الهائل من النصوص الذي ليس هنا محله وإنما نكتفي بضرب مثال واحد للفارق بين آل محمد(صلى الله عليه وآله) وبين غيرهم فاقرا وتأمل.

رسول الله(صلى الله عليه وآله) مثل الشمس وآله من المعصومين مثل نورها وحرارتها من حيث الضوء والدفء.

والصحابة مثل الأرض ولا شك أن الأرض هي غير الشمس وغير نورها وحرارتها ولا تستقيم حياة الأحياء، بل ولا الأرض تعطي الحياة مع غياب الشمس وتجلياتها لفقدان شرط من شروط تجلي الحياة.


1) مسند أحمد: 3 / 167 ح 9341 من حديث أبي هريرة.

ولا يقال أن ظروف الحياة على الأرض العائدة للشمس هي شمس، ولذا قد تشتم أرض دون أرض من حيث أصباخها وإنباتها وطبيعتها ولا تشتم الشمس من حيث نورها وحرارتها إلاّ اعتداء، وهكذا الصحابة وآل محمد(صلى الله عليه وآله) فافهم.

ولكن أصحاب الرأي والقياس قالوا ـ وبلا حساب ومنهم العالم الجليل الطحاوي ـ بتكفير المؤمنين بحجة انتقاص بعض الصحابة، ومن الغريب جدا أن السرخسي والطحاوي وغيرهم ـ من أتباع أبي حنفية وإن كان الطحاوي لا يقلده في كثير من المسائل ـ يكفرون المؤمنين.

ويا ليت شعري بأي عذر يعتذرون لو قلنا لهم أنّ أبا حنيفة طعن في بعض الصحابة كما روى محمد بن الحسن عنه قال: (أقلد جميع الصحابة... إلاّ ثلاثة نفر "أنس بن مالك وأبو هريرة وسمرة"... أما أبو هريرة فكان يروي كل ما سمع من غير أن يتأمل في المعنى ومن غير أن يعرف الناسخ والمنسوخ)(1)، وكأن أبا حنيفة يشير إلى الحديث الذي رواه مسلم في ما بعد عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة نفسه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (كفى بالمرء كذبا ان يحدث بكل ما سمع)(2).

وهكذا حالنا مع الطحاوي والسرخسي وغيرهما، وهكذا حال أبي حنيفة مع أبي هريرة ـ على مبدأ من فمك أدينك ـ حال المضطر للأخذ بالقياس والرأي واسقاط بعض مرويات أبي هريرة المجروح على لسان كبار الصحابة ومنهم عمر بن الخطاب.

وروى الخطيب في تاريخه عن أبي صالح الفراء قال سمعت يوسف بن أسباط يقول (رد أبو حنيفة على رسول الله(صلى الله عليه وآله) أربعمائة حديث أو أكثر)(3).


1) أبو هريرة لمحمود أبو رية: 146 نقلا عن مرآة الاصول شرح مرقاة الوصول للملا خسرو الحنفي: 115.

2) صحيح مسلم بشرح النووي ج1 جزء1 ص73.

3) الكنى والالقاب للشيخ عباس القمي: 1 / 54 نقلا عن تاريخ الخطيب ج13.

عزيزي القارىء إذا قرأت وتأملت ذلك كله حق لك أن تسأل: بأي دستور سماوي وبأي عرف عقلائي فهمه الطحاوي والسرخسي أنّ أبا حنيفة لا يؤاخذ وإن طعن صحابيا يتوقف عليه جزء كبير من الأحاديث التي عليها مدار الدين عند إخواتنا أهل السنة؟! أما لو أنّ مسلما من أتباع آل محمد(صلى الله عليه وآله) جرح أبا هريرة يؤاخذ بل يكفر!!

بربك ما الفرق اخبرني؟!! كلا الفعلين صدرا من غير صحابي، وكلا الفعلين تنازعا مفعولا واحدا، فكيف يكون ـ من هذه الحيثية ـ أحدهما في النار والآخر في الجنة مع اتحاد السبب والموجب، فبأي مسوغ يستسيغ به الطحاوي والسرخسي وأكثر الاحناف أن أبا حنيفة ينتقد أبا هريرة فيعذر ولو أن مسلما صنع مثل صنيعه فهو ضال ومبتدع وله النار يوم القيامة!

والصحيح أن رحمة الله التي وسعت أبا حنيفة حتى وإن طعن ببعض الصحابة ووضعت كل شيء أعتقد أن الطحاوي والسرخسي لا يخصصان عمومها.

أقسام الصحابة:

المؤمنون:

ونقصد هنا الصحابة الذين احتوت قلوبهم شرف التصديق برسول الله والإذعان بالإيمان، إلاّ أنّه لما كان إيمان الملائكة لا يزيد ولا ينقص وإيمان الأنبياء يزيد ولا ينقص وإيمان المؤمن بهم يزيد وينقص كما هو رأي الكثير من الأشاعرة، وعليه فأصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) المؤمنون منهم على مراتب حيث نعتهم الله بنعوت كثيرة من خلال آيات كثيرة متفرقة من القرآن الحكيم.

ومما نلحظه في كلام الله العلي العظيم أنه كما يذكر لهم صفات حميدة تستحق الوعد كذلك يثبت عليهم في مقابله صفات مذمومة تستحق الوعيد في

اكثرها وفي اكثر الأحيان(1).

ضعفاء الإيمان:

قال العلامة صاحب الميزان: "إن من مراتب الإيمان ما هو اعتقاد وإذعان غير آب عن الزوال كإيمان الذين في قلوبهم مرض فقد عدهم الله من المؤمنين وذكرهم مع المنافقين"(2).

بدليل قول الله: (وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنَـفِقُونَ وَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُو إِلاَّ غُرُوراً)(3).

وفي تفسير الجلالين قوله: (فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ)(4)أي ضعف اعتقاد وقال ابن كثير: (والذي في قلبه شبهة أو حسكة لضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه لضعف إيمانه) وكذلك عدهم الله من المؤمنين قال تعالى: (وَفِيكُمْ سَمَّـعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمُم بِالظَّـلِمِينَ )(5).

هؤلاء هم ضعفاء الإيمان يسمعون ما يقول المنافقون ـ سماع قبول ـ كما في الجلالين وقال ابن كثير: أي مطيعون لهم ومستجيبون لحديثهم وكلامهم يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم فيؤدي إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير.

ومع أن الله ثبط المنافقين عن الخروج مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) في غزوة تبوك لئلا يضعوا بين المؤمنين خبالا عن طريق ضعفاء الإيمان السماعون للمنافقين، فعلى


1) انظر الآيات: التوبة: 2 ـ 4، الحديد: 16، الأحزاب 23، الفتح: 10، التوبة: 25. التوبة 18، النساء 77، النور: 37، الجمعة:11، فاطر: 32.

2) تفسير الميزان للطباطبائي: 9 / 333.

3) الأحزاب: 12.

4) البقرة: 10.

5) التوبة: 47.

رغم ذلك نجد أن بعض المؤمنين وفي تلك الغزوة كادوا أن يزيغوا عن دين محمد رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال تعالى: (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنم بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيق مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُو بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)(1).

قال ابن كثير: "أي عن الحق ويشك في دين الرسول ويرتاب للذي نالهم من المشقة في سفرهم وغزوهم".

قلت: اعتذار ابن كثير عنهم بالمشقة والشدة في السفر غير مرضي ولا يلوي على شيء لأن الإيمان إذا استولى على القلب لا تنتزعه مشقات السفر، والصحيح أن كلا من المشقة والشدة كاشف عن عيب القلب وأمارة على ضعف الإيمان، وإلاّ فما علاقة المشقة الجسدية بالإيمان الذي يستكن في القلوب، ولو صح ذلك لكانت المشقة والراحة من اكبر العوامل المساعدة على الكفر والإيمان ولألغيت أدوار القناعات الاعتقادية ولا قائل به.

وبكلمة أنّ الله تعالى تداركهم بلطفه فحال بين قلوبهم وبين الزيغ فتاب عليهم قال تعالى: (لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِىِّ وَ الْمُهَـجِرِينَ وَ الاَْنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنم بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيق مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُو بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)(2).

وذكر الواحدي: (أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لما خرج عسكر على ثنية الوداع وحزب عبد الله بن أبي عسكره على ذي حدة أسفل من ثنية الوداع ولم يكن بأقل العسكرين فلما سار رسول الله تخلف عنه عبد الله بن أبي بمن تخلف من المنافقين وأهل الريب فأنزل الله يعزي نبيه (لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّخَبَالا)(3))(4).


1) التوبة: 117.

2) التوبة: 117.

3) التوبة: 47.

4) أسباب النزول للواحدي: 142.

فعد النظر في حديث الواحدي وانظر إلى قوله: (لم يكن بأقل العسكرين) مما يدل أن نصف الصحابة الكرام فأكثر في قلوبهم ريب.

الشكاكون:

هناك طائفة من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) منافقون، غير أنهم لم يقطعوا بكذبه أو صدقه(صلى الله عليه وآله) وهم يشكون، ومصداق ذلك قوله تعالى: (وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ)(1)إلاّ أنهم أقل خطراً على المؤمنين من أهل الطراز الرابع وإليك أخي المسلم مثالا على ذلك:

ثعلبة:

قال الله تعالى: (وَمِنْهُم مَّنْ عَـهَدَ اللَّهَ لَئنْ أتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّـلِحِينَ * فَلَمَّآ أتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ)(2).

نزلت هذه الآية الكريمة في شأن ثعلبة بن حاطب الأنصاري بعد أن امتنع عن إخراج الزكاة وكان بدريا، والعامة يسمونه حمامة المسجد، وروى قصته جمع من المحدثين ذكرناهم في الدليل الثامن تحت عنوان الأنصار فراجع.

وملخص الحادثة أن ثعلبة سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن يدعو له بالرزق فدعا له واتخذ غنما نمت وتكاثرت فتشاغل بها فترك بعض الصلوات جماعة ثم تركها إلا يوم الجمعة ثم ترك الجمعة وارتحل عن المدينة ولما جاءه السعاة من قبل رسول الله امتنع عن دفع الزكاة فأنزل الله في شأنه الآية الكريمة.

وفي آخر الرواية التي يوردها ابن كثير في تفسيره عن ابن جرير وابن أبي حاتم تجد ما يلي:


1) التوبة: 45.

2) التوبة: 75 ـ 77.

"قال وعند رسول الله رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: (ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي(صلى الله عليه وآله)فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك فجعل يحثو على رأسه التراب فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله): "هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني"... فقبض رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولم يقبل منه شيئا ثم أتى أبابكر... وأبى أن يقبلها... فلما ولي عمر... أتاه... ولم يقبلها فلما ولي عثمان... أتاه... فلم يقبلها منه فهلك ثعلبة في خلافة عثمان"(1).

ومن الغريب المبهت أن اخوتنا أهل السنة حكموا لأهل موقعة بدر في الجنة وأن النار لا تمس جلودهم حتى وإن غيروا وبدلوا وفعلوا ما شاءوا، وصححوا أحاديث في هذا الشأن كما في صحيحي البخاري ومسلم واللفظ للأول قال: رسول الله(صلى الله عليه وآله) في شأن جناية حاطب بن أبي بلتعة: "أليس من أهل بدر؟ قال: لعل الله إطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم"(2)، ومعنى فتوى رسول الله هذه أن أهل بدر لا تثريب عليهم وإن خانوا الله ورسوله فسيان إن صدقوا وإن كذبوا، هذا هو مؤدى الحديث سواء اعترف به أخوتنا أم لا وحاشا رسول الله من ذلك.

فيا ليت شعري فعلى أي قاعدة ارتكز هذا الحديث؟ وعلى أي أساس قام عليه هذا الحكم؟ وهذا ثعلبة، ألم يكن من أهل بدر؟ فلم لم يتجاوز الله ورسوله عنه عندما امتنع من دفع الزكاة؟ بل أخبر عنه في القرآن الحكيم أن قلبه تورث نفاقا قال تعالى: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُو بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ)(3).


1) تفسير ابن كثير: 2 / 374.

2) البخاري ج3 ت د بغا ح 3762 ص1357 مسلم بشرح النووي ج8 جزء 2 ص 56.

3) التوبة: 77.

فهل القرآن الحكيم ـ نسى أم سهى؟ ـ غفل أم تغافل؟ ـ أن هذا الرجل من أهل بدر والمفروض أنهم يصنعوا ما شاؤا "حسب الزعم" والله جابر عثرات المسلمين!!

المنافقون:

كان المنافقون مبثوثين بين المؤمنين ولهم أعداد هائلة هي على مقربة من نصف الصحابة والمعروف منهم بالاسم في عصر النبي(صلى الله عليه وآله) لا يتجاوز نسبة 1 ولك أن تتعرف أشخاصهم بالوصف ـ إذا حدث كذب ـ إذا وعد أخلف ـ إذا أتمن خان ـ إذا عاهد غدر ـ إذا شاجر فجر ـ وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يعرف بعض أشخاصهم بالاسم وبعضهم بسيماهم وبعضهم بلحن القول وبعضهم ببغض علي بن أبي طالب(عليه السلام) كما أخرج مسلم في أبواب الإيمان عنه قال: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد الأمي(صلى الله عليه وآله) الي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق)(1)ومما يدل على كثرة المنافقين ما يلي:

1 ـ استنفر رسول الله(صلى الله عليه وآله) الأعراب من قبائل جهينة ومزينة وغفار أشجع واسلم ودئل فلم ينفروا وذلك في عام ست للهجرة في غزوة الحديبية وبعد أن قفل رسول الله راجعا أنزل الله تعالى سورة الفتح وأنزل فيها: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الاَْعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَ لُنَا وَ أَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ... وَ ظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَ كُنتُمْ قَوْمَام بُوراً)(2).

لا مناص من دلالة الآيات الكريمة على نفاق ستة قبائل من الأعراب وإن كانوا صحابة ينطقون بالشهادتين ويؤدون الصلوات الخمس إلاّ ما شاء الله.

2 ـ قال تعالى: (قَالَتِ الاَْعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَ لَـكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا


1) مسلم بشرح النووي ج1 جزء2 ص64.

2) الفتح: 11 ـ 12.

وَ لَمَّا يَدْخُلِ الاِْيمَـنُ فِى قُلُوبِكُمْ)(1)قال مجاهد: نزلت في بني أسد ابن خزيمة أوردها البخاري في صحيحه في أول كتاب الإيمان تحت باب "إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل".

دلت الآية الكريمة على أن بني أسد ينافقون ويفاخرون باستسلامهم خوف القتل كما يقول البخاري ويفترون على رسول الله الكذب بأنهم مؤمنون ولما يمارس الإيمان أي قلب من قلوبهم والله العالم هل تذوقوه بعد ام لا.

3 ـ قال تعالى: (الاَْعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفَاقاً)(2)هذه الآية الكريمة عامة في الأعراب يخصِّصها قول الله تعالى: (وَ مِمَّنْ حَوْلَكُم مِّـنَ الاَْعْرَابِ مُنَـفِقُونَ)(3)وفي مقابل ذلك قوله تعالى: (وَ مِنَ الاَْعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ)(4).

فالآية الأولى دلت على الشمول والثانية شهدت على البعض بالنفاق والثالثة شهدت للبعض الآخر بالإيمان مما يدل على أن النفاق استكن في قلوب بعض الأعراب.

4 ـ قال تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)(5).

قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ) أي مرنوا واستمروا عليه ومنه يقال شيطان مريد ومارد، وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقاً، وإن كان يراه صباحاً ومساءً، وشاهد هذا ما رواه


1) الحجرات: 14.

2) التوبة: 97.

3) التوبة: 101.

4) التوبة: 99.

5) التوبة: 101.

الإمام احمد في مسنده... عن مطعم بن جبير... قال: قلت: يا رسول الله إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة فقال: (لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلبُ) ـ ثم راجعنا مسند أحمد فوجدناه هكذا "في حجر" بدلاً من جحر ـ وأصغي الي رسول الله(صلى الله عليه وآله) برأسه فقال: (إن في اصحابي منافقون)(1)...و... عن أبي الدرداء أن رجلاً يقال له حرملة أتى النبي(صلى الله عليه وآله)فقال: (الإيمان ههنا وأشار بيده إلى لسانه والنفاق ههنا وأشار بيده إلى قلبه ولم يذكر الله قليلاً فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (اللهم اجعل له لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وارزقه حبي وحب من يحبني وصيّر أمره إلى خير) فقال: يا رسول الله إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأساً فيهم أفلا آتيك بهم؟ قال: "من أتانا استغفرنا له ومن أصر فالله أولى به ولا تخرقن على أحد ستراً" قال وكذا رواه أبو أحمد الحاكم)(2).

أمعن النظر ـ يرحمك الله ـ في الآية الكريمة وما بعدها من النصوص النبوية تجد أن المنافقين كثرة كثيرة وأن المدينة تعج بهم عجاً وأنه لا يُعْرَف منهم إلا القلة القليلة وأنهم تمرنوا على النفاق حتى استولى على قلوبهم وجرى فيها مجرى الدم من العروق وأن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لا يريد أن يهتك على أحد ستراً إلاّ إذا خان أو غدر وأنه لو كشف الستر عنهم لاَنْفَض من حوله مئات بل الوف الناس وأن الذين مردوا على النفاق هم غير عبد الله بن أبي بن سلول لأن النبي يعلمه والآية الكريمة تقول: (لا تعلمهم) هذا كله يدل على أن اعدادهم في المدينة لا تقل عن نسبة النصف والله اعلم.

1 ـ في عام ثمانية للهجرة غزا رسول الله(صلى الله عليه وآله) مكة المكرمة ففتحها بلا قتال ودخل مشركوا قريش في دين الله استسلاما للواقع المفروض فعاشوا منافقين


1) مسند أحمد ج5 رقم ح 16323 ص40.

2) تفسير ابن كثير: 2 / 384.

اكثر من سنتين ولما توفي رسول الله اعلنوا الردة كما فعل غيرهم من العرب فقام سهيل بن عمرو خطيبا (... ثم قال والله وأني اعلم أن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس في طلوعها فلا يغرنكم هذا "يريد أبا سفيان" من أنفسكم فإنه يعلم من هذا الأمر ما اعلم ولكنه قد ختم على قلبه حسد بني هاشم... وقد جمعكم الله على خيركم "يريد أبابكر" وأن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة فمن رأيناه ارتد ضربنا عنقه فتراجع الناس عما كانوا عزموا عليه)(1).

هذا كله يدل على أن أكثر أهل مكة ـ تباعا لزعيمهم أبي سفيان ـ منافقون.

2 ـ قال الله تعالى إخبارا عن سيد المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من مردة النفاق: (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الاَْعَزُّ مِنْهَا الاَْذَلَّ)(2).

في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق قال ابن اسحق... فبينا رسول الله(صلى الله عليه وآله)مقيم هناك اقتتل على الماء جهجاه بن جعيد الغفاري وكان اجيرا لعمر بن الخطاب وسنان بن يزيد... ازدحما على الماء فاقتتلا فقال: سنان يا معشر الأنصار وقال جهجاه يا معشر المهاجرين... قال: "أي عبد الله بن أبي بن سلول" قد ثاورونا في بلادنا والله ما مثلنا وجلابيب قريش إلا كما قال القائل سمن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم اقبل على من عنده وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم من بلادكم إلى غيرها فسمعها زيد بن أرقم... فذهب بها إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو غليم وهو عنده عمر بن الخطاب... فقال عمر... يا رسول الله مر عباد بن بشر بضرب عنقه فقال رسول الله: "فكيف إذا تحدث


1) نور اليقين للخضري: 138 ـ 139.

2) المنافقون: 8.

الناس يا عمر أن محمداً يقتل أصحابه؟ ولا ولكن ناد يا عمر في الرحيل"... ونزلت سورة المنافقين)(1).

واخرج البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله الأنصاري يقول (كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين فسمعها الله رسوله(صلى الله عليه وآله) قال: "ما هذا" فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين فقال النبي(صلى الله عليه وآله): "دعوها فإنها منتنة" قال جابر: وكانت الأنصار حين قدم النبي(صلى الله عليه وآله) اكثر ثم كثر المهاجرون بعد فقال عبد الله بن أبي: أوقد فعلوا والله لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فقال عمر بن الخطاب... دعني يا رسول الله اضرب عنق هذا المنافق فقال النبي(صلى الله عليه وآله): "دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه"(2).

نستخلص من هذه الحادثة ـ التي أثبتها القرآن الكريم وذكرتها السنة المطهرة ـ أن سيد المنافقين وأصحابه هموا بما لم ينالوا وإن دلت الحادثة على شيء فإنما تدل على أن أصحاب ابن سلول كانوا في جيش رسول الله وفي المدينة كثرة كثيرة غير أن الوحي افتضح سيدهم على الطريق ومن ناحية أخرى أنه مهما كثر المنافقون من أصحابه وجأر بوق الإرجاف سقط من فوره تحت الأقدام لأن عشيرته الأقربون منهم السابقون الأولون رضي الله عنهم، فلا يفيده منافقوا القبائل من الأعراب.

وعليه لو لم يكن المنافقون يناهزون المؤمنين عددا لما همّ ابن سلول بإخراج الرسول(صلى الله عليه وآله).


1) تفسير ابن كثير: 4 / 370.

2) البخاري ج3 ت د بغا ح4624 ص1756.

{11} حسينة حسن الدريب(زيدي / اليمن)

اشارة

ولدَت في اليمن، ونشأت في أسرة متدينة تنتمي إلى المذهب الزيدي، لكنها بفعل الأجواء المناسبة التي توفّرت لها توجهت إلى البحث الجاد حول الأمور الدينية والمذهبية، فكانت النتيجة أن عرفت أنّ الحق مع المذهب الشيعي الامامي الاثني عشري، فتركت انتماءها السابق وتوجّهت بكل شوق إلى اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

تقول الأخت حسينة: "إن اعتناقي للمذهب الجعفري كان بعد زواجي برجل كان قد اعتنق من قبل هذا المذهب، وقد يظن البعض أنني انتميت للمذهب الجعفري تقليداً لزوجي فحسب، ولكن يشهد الله أنني لم اختر هذا المذهب إلاّ بعد اقتناعي به وبعد معرفتي بالأدلة والبراهين الدالة على أحقّيته وصوابيته".

لمحة مختصرة عن نشأتها:

تقول الأخت حسينة حول نشأتها: "نشأت في اسرة مديتنة والحمد لله تعالى، هي على المذهب الزيدي الشيعي، وكان والدي حفظه الله تعالى يحب هذا المذهب حباً شديداً، وكان دائماً ومنذ صغرنا يعلّمنا الصلاة والأحكام على ضوء المذهب الزيدي لكي لا نتأثر بالمعلومات والمجتمع الذي حولنا، والحمد لله

وبفضل الله وجهود الوالد العظيمة لم نتأثر بأي فكر مخالف لأهل البيت(عليهم السلام) ـ حسب عقيدة الزيدية ـ وكنت أحب العلم والمتعلمين.

وكنت لا أجد فرقاً بين مذهب وآخر، وكان أكثر ما يهمني من الأشخاص حسن خلقهم وحسن تعاملهم وصدقهم وأمانتهم والتزامهم الأخلاق الفاضلة".

موقفها من التيار الوهابي:

تقول الأخت حسينة: "ومرت الأيام وبدأ الوهابية ينتشرون بشكل كبير في منطقتنا، وكان والدي حفظه الله تعالى يحذّرنا دائماً منهم ويبيّن لنا حقائقهم، ويغرس في قلوبنا حب الخمسة من أهل الكساء(عليهم السلام) وأئمة الزيدية والإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) وثورته المباركة وخليفته (حفظه الله)، فنشأنا على ذلك، حتى دخلنا المدرسة فكنا فيها عندما يقول لنا الاستاذ: معاوية رضي الله عنه، فكنا نرفض الترضي عنه ونقول له: ان والدنا قال لنا انه حارب علياً(عليه السلام)وأنه لا يستحق الترضي.

ولشدة حبي للعلم وميلي لأهل العلم والأخلاق ومجالستهم كنت احضر لاستمع محاضرات استاذة وهابية بجوار منزلنا، وكنت ألاحظ في محاضراتها أشياء كثيرة وفق مذهب الوهابية، فكنت اقف ضدها ولكن للأسف لم يكن عندي علم اناقشها به، وكنت اعتمد على حبي لأهل البيت وكره أعدائهم الذي غرسه والدي (حفظه الله تعالى) في قلبي، ولم يكن عندي علم للرد على الشبهات ونحوها، لهذا قلت لنفسي: ان كنت واثقة من نفسي انني لا أتأثر بها، فسوف يتأثر بها غيري، فقررت البحث عن حل لهذه المشكلة، فجمعت معي مجموعة ثم طلبت بصورة غير مباشرة من الاستاذ علي الداهوق (حفظه الله تعالى) الذي كان معلم الدين في المذهب الزيدي في منطقتنا آنذاك أن يقوم بتدريسنا في مجال العلوم الدينية.

فاستجاب لدعوتنا وأتى إلى منزلنا وابدى استعداده لتدريسنا، فحدّدنا موعداً للدراسة وبالطبع بدأنا الدراسة بكل همه وجدية، ولقد احببت الدراسة من اعماق قلبي، ولشدة حبي لها صرت محل ثقة عند ذلك الاستاذ، فما مرت سنة كاملة حتى طلب مني ومن اختي واحدى زميلاتي أن نساعده في تدريس بعض المسائل العقائدية وغيرها كالطهارة والصلاة والتجويد..

ثم واصلت التدريس بكل جهد واخلاص لمدة أربع سنوات تقريباً، وكنا في دراستنا نتعلم النحو والفقه والقرآن ونبحث في التوحيد والعدل والامامة وغيرها، كما كنا نبحث حول التشبيه والقضاء والقدر في عقائد الوهابية والرد عليهم، أما الجعفرية فلم نتطرق إليهم وكذلك أهل السنة من غير الوهابية كنا نسمع عنهم ولكن لا نقرأ ادلتهم والرد عليها".

جملة من نشاطاتها التبليغية:

تقول الأخت حسينة: "كان لنا بعض النشاطات التبليغة بالاضافة إلى التدريس، منها كنا نقوم ببعض المحاضرات والمجالس الدينية كمواليد الخمسة من أهل الكساء(عليهم السلام) والامام زيد وكذا وفاتهم، ولكن بطريقة تختلف عن أسلوب الشيعة الامامية، إذ لم يكن هناك فرق بين مجالس الولادة والعزاء إذ كان من كليهما يتم الحديث عن حياة ذلك الامام، وقصة ولادته أو وفاته، مع برامج اضافية اخرى كالحديث عن الوهابية وبطلان مذهبهم، لكن للاسف كنا لا نمتلك المعرفة الحقيقة بأهل البيت(عليهم السلام).

وكذا قمنا بالتعاون لنشر مجلة اسميناها مجلة الزهراء، وكنت مديرة التحرير باشراف معلمنا القدير، ومعاونة السيد يحيى طالب مشاري (وكان أكثر اهتماماً من غيره بنشر وتوزيع المجلة) والاستاذ علي وحير وغيرهم ممن كانوا يوجّهوننا. وقبل تأسيس المجلة كنا آنذاك قد عملنا جمعية خيرية باسم (جمعية النساء

الخيرية) شكلتها طالبات العلم الشريف في الجوف، وكنا نطبع المجلة على حساب الجمعية".

موقفها من المذهب الجعفري:

تقول الاخت حسينه: "طبعاً في خلال دراستي لم أكن اسب الجعفرية، وكنت لا أشعر بوجود فارق يفصل أحدنا عن الآخر. كنت احس ان المذهب الجعفري أخو المذهب الزيدي، ولا يصح أن نفرق بينهما (وهذا ما سأضل اعتقده لأن المذهبين كلاهما شيعي والتفاهم بينهما ممكن ومتحدان في الولاء لأصحاب الكساء).

وكانت ترد على ذهني بعض الاسئلة، ولم أكن أجد لها جواباً، بل لم يكن هناك من اتباحث معه في هذا المجال.

وتحدثت مع أحدهم مرة حول أهل البيت(عليهم السلام)، وذكرت انني من شيعتهم فقال لي: أنتم أهل البيت، انتم سادة (اشراف) ونحن شيعتكم. فتعجبت وتساءلت أنحن الأمان لأهل الأرض؟ أنحن أهل السفينة؟ أنحن..؟؟؟ فسكت في حيرة، لكني لم اناقش حتى نفسي لاذهب هذه الحيرة، وكأن الله قد قدّر لي اني سأبحث في المستقبل كل ما اخزنه في نفسي، ولم أجد من اناقشه، أو على الأقل لم اجد شخصاً يقول لي ان كلامي هذا مستحيل وينهي الموضوع.

ومرة كنا في مجلس عزاء فتطرّقت للآية (فَسْـَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(1)فقالت إحدى الأخوات الداعيات من الحركة الزيدية: نعم اسألوا أهل الذكر هذه هي أهل الذكر (تقصدني)، لقد هزني ذلك إذ لم يكن العلماء أهلا لذلك فكيف بي؟؟؟ طبعاً انا لم أكن أشك في المذهب انما صرت متحيرة لا أدري


1) النحل: 43.

من هم أهل البيت؟ وأهل السفينة؟ و...".

زواجها من رجل جعفري:

تقول الأخت حسينة: "بعد أربع سنوات من درسي وتدريسي في تلك الفترة تقدم لخطبتي أحد أقاربي، وهو الأخ يحيى طالب قد شاع الخبر انه جعفري، وبعد فترة تزوجنا في 12 ذي الحجة سنة 1418هـ الموافق 6 / 4 / 1998م، وبعد خمسة أشهر تقريباً سافرنا إلى ايران الاسلامية تلك الدولة التي طالما حدثني والدي (حفظه الله) عنها، وطالما اشتقت ان اشم رائحة ترابها، وطالما استمعت إلى اذاعتها وراسلتها بالبريد وكنت انتظر جوابها فيأتيني فأرتاح لهديتهم البسيطه كمجله أو كتاب ونحوهما، وقد احببت ايران حباً شديداً لما كان يبث في اذاعتها من معارف وعلوم دينية لا توجد في أي دولة اسلامية اخرى وبرامجها كلها دينية وثقافية وعلمية.

جئت إلى ايران وأنا لا أصدق نفسي من الفرح صحيح اني حزنت لفراق أهلي ووطني، فالوطن عزيز ومحبوب، وتراب الوطن ذهب كما يقال ألا انني تغربت في بلاد الاهل من ناحية الدين والعقيدة (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)(1).

وبعد وصولي إلى ايران عرفت بوجود فارق بين المذهب الزيدي والمذهب الجعفري، واستأت من زواجي من شخص جعفري، ولكن زوجي تعامل معي بكل صبر وتأن وحلم وعقل وهدوء مقابل انفعالي، وحلف لي يميناً انه لم يتبع المذهب الجعفري إلاّ لأدلة وجدها أقنعته، وحلف لي أنني إذا رددت عليه بأدلة ثابتة صحيحة فسيرجع إلى المذهب الزيدي فصرت على أمل أن أُرجعه إلى الزيدية لاني عرفت انه جاد في كلامه، وهو انسان مؤمن، وليس من أهل الدنيا، وهذا ما


1) الحجرات: 10.

جعلني أصدقه، ولكن لا أجد ما أقول له إلاّ أن أوجه له اسئلة مثل: لماذا اتبعتهم وما ادلتهم؟؟ فقال: إن اشد الخلاف بين البشر هو الخلاف على الولاية أو العلو في الأرض، وهذا كلام ذكره بالتفصيل في كتابه (في ظلال الاسلام، حقيقة النزاع) وقال لي ان المسلمين مجمعون على ان من صحت اصوله يتبع في فروعه، والخلاف بين الزيدية والجعفرية أكثره واهمه في الامامة، الجعفرية تقول ان الائمة اثنا عشر اماماً. فقلت: وما دليلهم؟ قال: الحديث الموجود في كتب الزيدية والسنة والجعفرية. فقلت ائتني بمصدر واحد يذكر ذلك؟

فقال: بل آتيك بمصادر لا مصدر واحد. فأتى بصحيحي البخاري ومسلم وغيره من الصحاح الستة. وعندما قرأتها تحيرت فلأول مرة اعرف ان هذا الحديث موجود في صحاح أهل السنة، لكني كابرت في البداية وقلت اريد مصادر زيدية لا حاجة لي بمصادر أهل السنة، وما كان منه إلاّ أن أتى بكتب أئمة الزيدية وكبار علمائهم مثل: (التحف شرف الزلف) و(لوامع الانوار) للسيد مجدالدين المؤيدي وسير بعض ائمة الزيدية مثل (سيرة الامام المرتضى) وكتاب (الحدائق الوردية في مناقب ائمة الزيدية) و(الشافي) و(البحر الزخار) وغيرها".

قناعتها بأحقية المذهب الجعفري:

تقول الاخت حسينة: "واستمرت فترة بحثي وحيرتي مدة ثلاث سنوات حتى وصلت إلى القناعة التامة بأحقية المذهب الجعفري.

وخلال عدة مرات وانا اذهب وارجع إلى اليمن، التقيت باستاذي وخالي ووالدي وحاولت أن استفيد منهم، إلاّ أنّهم كانوا يتعصّبون ويتهمونني بأني جعفرية فالتزمت امامهم الصمت.

وسألت استاذي بعض الاسئلة حول الجعفرية، ولكنه للأسف لم يجبني بصورة علمية.

واذكر مرة في صنعاء دعينا للغداء من قبل أحد علماء الزيدية الكبار، وكان من خلف الباب يوصيني الا اتأثر بالجعفرية، فقلت له: ما هو عيبهم؟ قال: والله انهم احسن من الزيدية في كل شيء، الا انهم يقولون يا حسين ويا علي ويا فلان... وهذا شرك. فأجابه السيد وقال إنهم يعتقدون أن علي أو الحسين أو حتى رسول الله(صلى الله عليه وآله) لا حول لهم ولا قوة إلاّ بإذن الله إنما هو يتوسلون بهم إلى الله، ولا تجد جعفري يقول أن أهل البيت لهم حول بدون اذن الله، ومن قال بهذا فهو مشرك بالله عندهم وليس بمسلم; فقال: جيد، هذا جيد ثم ذهب ولم يقل شيئاً، ثم سافرنا إلى ايران واستمريت في البحث في الكتب ولم استفد من شخصيات علمية في اليمن كنت أظن انها ستفيدني في البحث والنقاش ولم تحن الفرصة إلاّ لبضعة تساؤلات لم تجد لها جواباً مقنعاً والتساؤلات والبحث والتحقيق والمقارنة بين كل حديث وآخر استمر سنوات حتى اعلنت لزوجي حقيقة مذهبه وإيماني به رغم أنه لم يشدد علي بل كان يقول لي: ان كان عندك ما يفيدني فسأكون لك شاكراً. لكني صرت في حرب مع نفسي إذا انني لم أجد ما أفيد نفسي به إلاّ ان أصرح بالحق، ولا اخاف في الله لومة لائم رغم خوفي الشديد من والدي الكريم (حفظه الله) الذي أكن له جل الاحترام والتقدير، وهو يحترمني فوق ما استحق بكثير ولي في قلبه مكانة عالية ولله الحمد، وهذا يعود إلى أني حينما كنت أدرس المذهب الزيدي كنت أعمل بحركة وجدية وكان يشجعني ويحبني كثير وحتى قبل ذلك طبعاً.

وأيضاً كنت افكر في والدتي وبقية الاقارب والصديقات والزميلات وطالباتي الذين طالما حدثتهم عن الزيدية ـ ولو اني ما كنت اناقش المسائل مناقشة علمية انما كانت اطروحات، من قبيل ان عقيدتنا هي الحق لوجود الأحاديث الواردة في وجوب التمسك بأهل البيت ولكن من دون تطبيق

الأحاديث أو مطابقتها على مصاديقها، ومن قبيل ان الوهابية مجسمة ومجبرة و...

لقد فكرت في هؤلاء جميعاً ماذا سيقولون عني، ولكن قلت لنفسي إن كنت انتقد الوهابية وغيرهم من أهل السنة إذ لم يتبعوا الحق ويبحثوا عنه، فها أنذا ارى الحق ولكني اخشى الناس وتذكرت الآية الكريمة (وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ)(1).

نعم لابد ان أعلن الحق ولعل الله يهديهم فيصلوا للحق كما وصلت إليه، وكاتم الحق شيطان اخرس".

مؤلفاتها:

{1} "وعرفت من هم أهل البيت(عليهم السلام)": مخطوط.

سيصدر عن مركز الأبحاث العقائدية، ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.

وهو كتاب يشمل على قصة استبصارها والأدلة التي دفعتها إلى اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ويحتوي هذا الكتاب على العديد من المواضيع العقائدية، منها: مصادر علوم أئمة الزيدية، بعض التهم ضد الشيعة، البكاء على مصائب أهل البيت، الشفاعة، التوسل، زيارة القبور، عدم القول بتحريف القرآن الكريم، علم الأئمة، البداء، التقية والرجعة.


1) الاحزاب: 37.

وقفة مع كتابها: "وعرفت من هم أهل البيت(عليهم السلام)"

وهو كتاب تعرض فيه صاحبته قصة استبصارها، وانتقالها من المذهب الزيدي إلى المذهب الامامي الاثنا عشري، فهي كانت تعرف أهل البيت(عليهم السلام) على سبيل الاجمال، ودعوة النبي(صلى الله عليه وآله) إلى التمسّك بهم، ولكنها لم تكن تعرفهم على سبيل التفصيل والتحديد الاثنى عشري الذي ورد في حديث الائمة الاثنى عشر.

تقوله المؤلفة عن المطالب المهمة التي دعتها إلى الشك بالمذهب الزيدي بالطبع أكثر ما دعاني للشك والبحث هو التناقض بين ائمة الزيدية حول الامامة إذ البعض يقول بإمامة السجاد والبعض لا يقول بذلك وكذا الوصية والنص وغيرها.

ومن المهم ذكر الأحاديث الاخرى كحديث السفينة والثقلين والنجوم وغيرها الكثير، فإن الزيدية تؤمن بها وتعتقدها وتحتجّ بها على أهل السنة ولكن عندما فكرت في تطبيقها وجدت انه لا يمكن انطباقها إلاّ على اناس معصومين، وهذا ما جعلني اصمم على البحث والمناقشة.

حديث الأئمة الاثنى عشر في كتب الزيدية:

تنقل المؤلفة بعض ما ورد في كتب الزيدية من روايات حديث الأئمة الاثنى عشر، فتقول:

في (التحف شرح الزلف) قال: (واعلم ان الله عزوجل جعل خلف النبوة من ابناء نبيه في اثنى عشر سبطاً، قال الإمام الرضا(عليه السلام): ان الله عزوجل اخرج من بني إسرائيل يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم اثنى عشر سبطاً، ثم عد الاثنى عشر من

ولد إسرائيل، وكذلك اخرج من ولد الحسن والحسين اثنى عشر سبطاً... لا ينقطع عقبهم إلى انقطاع التكليف، وهم بمنزلة اسباط بني اسرائيل حجة الله على خلقه وأمان أهل الأرض من استيصال عذابه)(1)انتهى.

فتأمل في قوله (حجة الله على خلقه وأمان أهل الأرض).

وفي تتمة الاعتصام يذكر حديث اثني عشر خليفة(2)، ولكنه يفسّر الاثنى عشر من ولد الحسين بأنهم ستة من ولد الحسين(عليه السلام) ولكن لو تأملنا في الرواية لوجدنا عبارة (من أبناء نبيه) فأين ذهب الحسنان(عليهم السلام) اذن؟ وكيف خرجا من الحديث بل كيف خرج منه السجاد(عليه السلام) والباقر(عليه السلام) وغيرهم وبأي دليل؟ ان هذا الحديث له قرائن توضّحه وتفسّره، فرسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول انه يأتي من بعده اثنا عشر خليفة منهم الامام علي(عليه السلام) والحسنان(عليهما السلام) فلو اضفناهم إلى العدد السابق لصار (3 + 12 = 15).

والحديث في أكثر الروايات اثنا عشر بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولم يقل بعد الحسين(عليه السلام)، والحديث كالقرآن يفسّر بعضه بعضاً، ونفس المصدر المذكور أشار إلى حديث (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)(3).

وفي المجموعة الفاخرة للإمام الهادي ص221 (والاخيار من ذرية الحسن والحسين، أولهم علي بن الحسين وآخرهم المهدي ثم الائمة فيما بينهما)(4)وذكر الاثنى عشر امام بأسمائهم مبتدئاً بالإمام علي(عليه السلام) ومنتهياً إلى الامام المهدي(عليه السلام)وهو ما عليه الامامية (الجعفرية) حالياً.


1) التحف: 138، ط3 مكتبة بدر العلمي سنة 1997 ـ 1414 للسيد مجدالدين المؤيدي (يعتبر من أكبر علماء الزيدية بل يعتبره بعضهم امام عصره).

2) تتمة الاعتصام: 5 / 400 ـ 402 (زيدي).

3) التحف: 179، ينقله عن كتب أهل السنة.

4) في التحف شرح الزلف للسيد مجد الدين ايضاً: 3 نقله عن شرح الاساس.

كذلك في الينابيع الصحيحة ان رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال (يولد للحسين(عليه السلام) ولد يقال له علي إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيد العابدين)، كذا أورد رواية سلام النبي(صلى الله عليه وآله) على الامام الباقر(عليه السلام) في كتابه والرواية طويلة فراجع(1).

وحديث الاثنى عشر في الاعتصام بحبل الله المتين المجلد الخامس باب السير والشافي للإمام عبدالله بن الحمزة الجزء الأول الصفحة 140 وفي لوامع الأنوار المجلد الثاني الصفحة 493.

وفي الحدائق الوردية: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)(2)، وللسائل أن يسأل ما هو هذا الامر يا ترى، إذ لم نر له تطبيقاً في الواقع عند غير الشيعة الامامية.

هذا ما وصل إلي من كتب الزيدية وكان ما وصلني فيه الكفاية لإيجاد الشك في صحة الزيدية، فقد فكرت كثيراً في معاني هذه الأحاديث، وقارنت بعضها ببعض، وقارنتها مع الأحاديث الموجودة في كتب أهل السنة، وإذا هي تصب في مصب واحد (الائمة الاثنا عشر)، ولكن الاختلاف في تفسير من هم هؤلاء الاثنا عشر فالزيدية تفسيرها مخالف للفظ الحديث إذ أن الحديث يقول (من بعدي) فمنهم الإمام علي والحسنين(عليهم السلام) والباقي تسعة ولكن الزيدية تقول: (ستة من أولاد الحسن وستة من أولاد الحسين) فنقول لهم بهذا التقسيم صار العدد اثنى عشر من أولاد الحسنين، فأين ذهبوا بالإمام علي والحسن والحسين(عليهم السلام) فلو ضميناهم إلى هذا العدد لصاروا خمسة عشر والحديث ينصّ على اثنى عشر بعد الرسول(صلى الله عليه وآله) بلا فصل.


1) الينابيع الصحيحة: 272، بقلم السيد العلامة أحمد محمد حجر، مخطوط.

2) الحدائق الوردية في مناقب ائمة الزيدية: 222 تصنيف الفقيه أبي الحسن حسام الدين حميد بن أحمد المحامي مخطوط، وما انقله عنها الجزء الأول والثاني وهذا الكتاب من أهم كتب تاريخ ائمة الزيدية وأكثرها اعتماداً عندهم.

من هم أهل البيت(عليهم السلام)؟!:

تقول المؤلفة في ذلك:

هذا السؤال له دور كبير في ايصالي إلى الحقيقة التي عرفت بها من هم أهل البيت(عليهم السلام) إذ كل من يقرأ روايات الزيدية بيقظة وتفكّر لابدّ أن يتسائل مع نفسه أو مع أحد لانه لا يرى من تنطبق عليه هذه الروايات، لذا يلجأ إلى البحث وحتماً سوف يصل للنتيجة التي وصلت إليها.

والآن لنقرأ معاً ما قال الزيدية في ذلك، قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين... قال الإمام الناصر: (فلو كان أهل البيت أربعة فقط لكان قد ذهب أهل الأرض) قلت: اخبار النجوم والأمان شهيرة رواها الإمام أبو طالب، والمرشد بالله، والإمام المنصور بأسانيدهم، قلت هذا الخبر يفيد على ان متابعتهم أمان من الاختلاف كما ان وجودهم أمان من الذهاب والهلاك)(1). روى في الشافي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) (مثل أهل بيتي مثل النجوم كلما مر نجم طلع نجم ومثله في نهج البلاغة مثل آل محمد... الحديث، ومثله في الأمالي. وفي صفحة 72 لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهلي أحب إليه من أهله وعترتي أحب إليه من عترته... رواه الامام الناصر إلى الحق في البساط ورواه المرشد بالله.

(لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع... وعن حبنا أهل البيت) اخرجه الامام أبو طالب عن علي(عليه السلام) وقال (فخذوا بكتاب الله واستمسكوا بأهل بيتي)(2)اخرجه أحمد وغيره.

وقال(صلى الله عليه وآله) (لا يبغضنا أهل البيت إلاّ ثلاثة من يؤتى من دبره...) وقال(صلى الله عليه وآله)


1) لوامع الانوار للسيد مجد الدين المؤيدي.

2) لوامع الأنوار: 72.

(ليس أحد من الخلائق يفضل أهل بيتي غيري) وفي التحف شرح الزلف قال: (ان الذرية يدخلون في لفظ أهل البيت(عليهم السلام) وان ذريتهم باقية إلى يوم القيامة، وانهم الحجة على الأمة بدليل حديث السفينة والأمان و..).

لاحظوا هنا يثبت ان الذرية باقية إلى يوم القيامة بدليل حديثي الامان والسفينة، وأنهم حجة الله على الأمة، والسؤال يوجّه إلى (المؤلف) مع جل احترامي وتقديري لمقامه العالي من هم الذرية الحجة والسفينة المنجية والأمان من الاختلاف؟؟ هل كل سيد كما يدّعي أكثر الزيدية؟؟ أم الصالحين منهم، والصالحون مختلفون إلى فرق ومذاهب؟؟ وحتى لو قيل انهم أهل العدل والتوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا التعريف يشمل الجعفرية والزيدية بفرقها.

وفي صفحة 449 من التحف يبين من هم أهل البيت فيقول (هم أهل التوحيد والعدل والامامة) اذن ثبت دخول الجعفرية، وكل من قال بذلك وليس هذا التعريف خاصاً بالزيدية فقط وحتى لو قلنا الصالحين من الزيدية، فهل هؤلاء هم أمان أهل الأرض؟؟ وهل هم سفينة النجاة؟ وهل هم الذين قال عنهم النبي(صلى الله عليه وآله)(لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ولا تقدموهم فتهلكوا ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا)؟ و(لا يؤمن عبد حتى... وأهلي أحب إليه من أهله) وغيره من الروايات الواردة في حق أهل البيت.

وقال صاحب التحف أيضاً ص450 (فلو لم يعتد بهؤلاء الذين هم من طائفة الحق، لبطلت الادلة على وجود الحجة والخليفة والسفينة المنجية والأمان).

وعن حديث الثقلين والنجوم والكساء والغدير وغيره تجد ان تطبيق لفظ أهل البيت لا يصح إلاّ على المعصومين، وهذه الآيات والأحاديث لا تطبق إلاّ فيهم دون سواهم فلا يمكن أن يقصد بها اناس عاديون بدعوى انهم من ذرية أهل

البيت(عليهم السلام) أو ان السادة هم أهل البيت، فقد صار هناك خلط بين مفهومي السيد وأهل البيت(عليهم السلام) كما نرى ونسمع ذلك كثير. فكانوا يعلمون الطلاب في مدارس الزيدية انه لا يجوز لك ان تمشي وخلفك سيد، وغيره من القوانين المستنبطة من الروايات، فقد ارادوا تطبيق الروايات في السادة ومنهم من خصها بالصالحين منهم، ومنهم من قال الخمسة أهل الكساء فقط، أما المذهب الزيدي فمنهج أهل البيت، لكن نقول لصاحب هذا الرأي الأخير ألاترى في أحاديث السفينة والأمان وحديث الثقلين خير دليل على دوام وجود أهل البيت ووجوب التمسك بهم مدى الحياة؟ فماذا تقول؟؟؟

وأما من يقول ان السادة كلهم هم أهل البيت(عليهم السلام) لا يستطيع ان يطبق ما يقوله، بل لا يكاد يقبل رأيه هو بنفسه كما كنت اسمع من بعض زميلاتي في المعهد تقول لي: انتم أهل البيت. ولكنها في وقت آخر تقول: والله ان الله يغضب من انكم تدعون انكم أهل البيت وفيكم فاسق وفاجر و... وأنا أقول الحق معهم إذ كيف يصدقون ذلك؟!!! نعم السادة لهم حق الاحترام لنسبهم إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولكن لا يجب طاعتهم وتطبيق الآيات والروايات إلاّ في أناس مخصوصين في كل عصر لا تخلو الأرض من حجة منهم.

الامامة:

تناقش الكاتبة هذه المسألة، فتقول:

قال الإمام الهادي يحيى بن الحسين في رده على سؤال ابنه بشأن الامامة: سألت يا بني احاطك الله وهداك رشدك ووفقك عن مسألة هلك فيها خلق من المتكلمين وحار عن فهمها كثير من المتكلمين... وكذلك الأوصياء)(1)

الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (الامام الزيدي الذي أسس المذهب الزيدي في اليمن ويقال لاتباعه في الفقه هادوية ويقال زيدية لانه دعا إلى الزيدية وتنطبق عليه شروط الزيدية وهي التوحيد والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (القيام).

لا تثبت

1) المجموعة الفاخرة، مخطوط ص46.

الامامة لأحد إلاّ بدليل شرعي اجماعاً، وذلك لما كانت الامامة تابعة للنبوة، لان ثمرتها هي حفظ الشريعة وتقويمها... لم تكن إلاّ لمن اختاره الله واصطفاه وعلم طهارته وقيامه..)(1)وقال الإمام أحمد بن سليمان في كتاب (حقائق المعرفة) (فقال أبو الجارود ومن قال بقوله من الزيدية علي وصي رسول الله(صلى الله عليه وآله) والامام بعده وان الامة كفرت وظلت في تركها بيعته ثم بعده الحسنان بالنص ثم هي بينهم شورى فمن خرج من أولادهما جامع الشروط للإمامة فهو امام...)(2)ولدينا ملاحظات على هذا النص:

1 ـ قوله دليل شرعي ولم يقل الشروط.

2 ـ قال لمن اختاره الله ولم يقل لمن قام.

3 ـ قوله من علم الله طهارته يعني العصمة لا كل من ادعى الامامة.

4 ـ قوله الإمام علي(عليه السلام) وصي سول الله(صلى الله عليه وآله) والامة كفرت وظلت في تركها بيعته يعني ان كل من لم يقل بإمامته كافر.

5 ـ التناقض الموجود في العبارة الأولى القائلة بالنص والاختيار الالهي والثانية القائلة بالقيام والشروط.

وقال الإمام المهدي المرتضى (إن الإمامة نص خفي)(3)، وقد عرفوا الامامة بانها: رئاسة شرعية كشخص واحد ليس فوقها يد والعلم بها جملة من فروض الاعيان)(4)وقال (ان الزيدية اختلفوا في ان فرض الامامة جملة معلومة


1) عدة الاكياس في شرح معاني الاساس: 2 / 136.

2) المصدر السابق: 138.

3) نقلا عن كتاب: الامام المهدي المرتضى واثره في الفكر الاسلامي تأليف الدكتور محمد الحاج الكمالي ط1، دار الحكمة اليمانية وهو ينقل مصادره من كتب زيدية.

4) الامام المهدي واثره: 441 ينقله عن النجري: في شرح القلائد.

بالعقل والوجوب العقلي والسمعي وان الامام المهدي المرتضى لا يرى ذلك وانما يرى الامامة تثبت شرعاً لا عقلا)(1).

وقال ان المعتزلة وبعض الزيدية وهم الجريرية والبترية أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يعين أحداً بعده باسمه وصفته، فالواجب ثابت واليقين مجهول، وباقي الزيدية قالوا انه نص خفي(2)وقال: يقول الامام المهدي المرتضى ان المفضول إذا كان اصلح من الافضل للقيام بمصالح الناس جاز كالاعمى، فأن تقديم المفضول المبصر أصلح للأمة من الأفضل الأعمى(3). أقول: ان الإمام الهادي إلى الحق صرح ان الامامة ليست شورى وانتخاب بل وصية وامر إلهي قائلا: فكل من قال بامامة أمير المؤمنين ووصيه فهو يقول بالوصية على ان الله عزوجل اوصى بخلقه على لسان النبي إلى علي بن أبي طالب والحسن والحسين وإلى الاخيار من ذرية الحسن والحسين أولهم علي بن الحسين واخرهم المهدي ثم الائمة فيما بينهما.

وفي التحف للسيد مجد الدين المؤيدي (إذا اجتمع امامان في زمان واحد يقتل الثاني منهما)(4).

وقال (من دعا إلى نفسه أو إلى غيره وهناك إمام فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين)(5).

وقال صاحب كتاب (الزيدية نظرية وتطبيق): (يجب طاعة الامام مالم يأمر بمعصية أو يشرب خمر.. وكل ما ذكر عمر وأبا بكر ترحم عليهم وقال عمر مات شهيداً). اقول: هل من فعل ذلك يسمى امام؟؟؟!!! ثم ان الامام عند الزيدية


1) المصدر السابق ينقله من مصادر زيدية فراجع.

2) المصدر السابق: 444.

3) المصدر السابق: 451.

4) التحف: 309 وقال (قال الامام المنصور بالله ـ إمام زيدي ـ في الشافي روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله): إذا بويع الخليفتان قتل الآخر منهما).

5) التحف شرح الزلف: 309.

مجتهد لا تجب طاعته ولكن معه حق، إذ الروايات تقول بوجوب طاعة الامام، ولكن لابد من معرفة الامام الذي تنطبق عليه الروايات، وأما من اغتصب الخلافة فقد لعنهم الامام الهادي وغيره من أئمة الزيدية فهل يبقى واقفية؟؟؟!!!

وفي كتب الزيدية كلاماً طويلا مضمونه ذكر الحروب بين ائمة الزيدية كالمنصور علي بن صلاح، والداعي، والامام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، وغيرهم وانقسام الناس بينهما والاشعار والسب بين المهدي وابن الوزير(1)، وقال: إنه ظهر ثلاثة ائمة في وقت واحد في بلد واحد وهم المهدي والمنصور علي بن صلاح والهادي علي المؤيد(2). وقال: ان الصراع بين الأئمة انفسهم كالهادي وآلحمزة(3)وقد وقع إمامين في مكان واحد ووقت واحد(4).

وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) للإمام علي(عليه السلام) (لا يتقدمك بعدي إلاّ كافر ولا يتخلفك بعدي إلاّ كافر) لوامع الانوار السيد مجد الدين المؤيدي(5)وقال: رواه الامام المنصور بالله عبدالله بن حمزة بسنده إلى الشيخ الامام صاحب كتاب المحيط علي ابن الحسين الزيدي، واخرجه الشافي بطريق آخر.

أقول: من هذه الرواية نفهم ان من تقدم أو تأخر عن امير المؤمنين ولو كان صحابياً فهو كافر حسب هذه الرواية فكيف يتوقف بعض الزيدية عن التبرؤ ممن غصب خلافة أمير المؤمنين؟؟ بالاضافة إلى الرواية الواردة في لوامع الانوار ص201 وغيرها قال (بالاتفاق ان فاطمة ماتت وهي غاضبة على أبي بكر هاجرة


1) راجع كتاب ائمة اليمن للعلامة زبارة وسترى فيه العجب وهذا الكتاب طبع في عهد الدولة المتوكلية.

2) المصدر السابق.

3) المصدر السابق.

4) المصدر السابق.

5) لوامع الانوار: 132.

له وإنها اوصت بدفنها ليلا، والروايات عندهم ان الله يغضب لغضب فاطمة).

قال صاحب الينابيع الصحيحة (فكان النص على امامتهما (الحسن والحسين(عليهما السلام)) نصاً جلياً)(1)وفي كتاب الزيدية والامامية وجهاً لوجه قال (ان الامام عند الزيدية ليس معصوماً، والامامة لها شروط، ومن اكتملت الشروط فيه، وادعى الامامة وقام إمام آخر لحربه استحق غضب الله تعالى)(2).

اقول: الملفت للنظر ان صاحب هذا الكتاب نفسه يثبت الامامة للسيد مجد الدين المؤيدي في حال ان السيد مجدالدين لا يدعي الامامة لنفسه (هذا وقد الف السيد مجدالدين كتاباً عدد فيه ائمة الزيدية منذ نشأتها إلى عصرنا الحاضر ولم يذكر نفسه كإمام لعصره اصلا، ولا يمكن أن تقول ان عدم ذكره لنفسه كان من باب التواضع لانه لا تواضع في امر الامامة) ولم يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر بمعنى القيام والثورة، ولم تكتمل فيه الشروط عند الزيدية وقال: من قام لحرب إمام آخر استحق غضب الله بينما قد اثبتنا في كتبهم قيام امامين وحربهما مع بعضهما كلهم أئمة مقدّسون عند الزيدية!!!

نعم قد سألت مرة زوجة أحد الزيدية عن امامة السيد مجد الدين فقالت: لقد دعا إلى نفسه قبل الثورة في اليمن، ولكني تبادر إلى ذهني ان قبل الثورة كان هناك أئمة زيدية هم آل حميد الدين، وقد اعترف السيد مجدالدين بهم كأئمة في كتابه (التحف). فهل يصح أن يدعو إلى نفسه في حال وجود أئمة مع انه ذكر في كتابه التحف أن يحيى حميد الدين وابنه أحمد أئمة؟!!

وفي الينابيع الصحيحة ص186 قال (ان الامامة بالنص وهي قول جميع الزيدية).


1) الينابيع الصحيحة: 3.

2) الزيدية والامامية وجهاً لوجه: 103 تأليف محمد بن ابراهيم بن الحسن المرتضى ط1، 1418، مركز الهدى صعده وفيه تقريض العلامة مجد الدين وغيره.

وفي التحف شرح الزلف ص52 قال قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (... فليتول علي بن أبي طالب وأوصيائه فهم الأولياء والأئمة من بعدي اعطاهم الله علمي وفهمي... والله لتقتلنهم امتي).

أقول: نفهم من هذا النص ان لعلي بن أبي طالب أوصياء، وهؤلاء الأوصياء هم الأئمة، وهؤلاء الأئمة اعطاهم الله علم الرسول وفهمه، وسوف تقتلهم الأمة يعني لا يموتون إلاّ بالقتل بينما نلاحظ ان الكثير من أئمة الزيدية ماتوا موتاً طبيعاً، ولَم يدع أحد منهم علم أو فهم النبي(صلى الله عليه وآله)، وإنما هم مجتهدون يصيبون ويخطئون ولا يدّعون الوصية فبالله عليك تأمل.

وفي ص52 قال (قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) للحسين(عليه السلام) وإن حبيبي جبرائيل أتاني فاخبرني انكم قتلى ومصارعكم شتى... (وذكر ما لمن يزورهم من الأجر))، وفي ص53 قال ما نصه (قال الوصي(عليه السلام) في نعتهم ونعت أئمتهم: اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة كيلا تبطل حجج الله وبيناته... اولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه).

(اذن فهم يقتلون ولمن زارهم أجر عظيم والأرض لا تخلو من حجة منهم ليكونوا حجة الله على الناس وهم خلفاء الله والدعاة إلى دينه).

وفي التحف شرح الزلف قال (ان الامام واحد لقيام الادلة عقلا ونقلا فأما العقل، فان قيام امامين موجب للاضطراب والفساد... وأما نقلا فلو لم يكن إلاّ الاجماع حول الامام الواحد والخلاف في غيره) ثم أورد الحديثين (من دعا إلى نفسه أو إلى غيره وهناك إمام فعليه لعنة الله...) وقول المنصور بالله (إذا بويع الخليفتان قتل الآخر منهما) وفي ص78 ان الامام الاطروش قام في زمن الامام الهادي!!!! (اليس هذا تناقض؟؟!! مع شديد احترامي للامامين الهادي والاطروش وكذا للعلامة مجدالدين، فان من حقي ان ابين نظري لعله يفتح عيوناً

مغمضة وليس مني حقداً أو جحوداً، بل ليفهم الجميع انهم انما كانوا أئمة جهاد، أفاضل، علماء ومجتهدين وليسوا الأئمة المشار إليهم في الروايات والأحاديث النبوية لانها لا تنطبق إلاّ على معصومين لا يختلفون في الحق ولا يخالفونه) وفي التحف شرح الزلف ص73 (قال زيد بن علي: ما فينا امام مفترض طاعته بعد الحسين...).

وقال: (فوالله ما ادعاها علي بن الحسين(عليه السلام)) وهذا مناقض للقول بإمامة علي ابن الحسين كما في التحف وغيرها (الاخيار من ذرية... أولهم علي بن الحسين..) وقد أشرنا إلى من قال من الزيدية بإمامته(عليه السلام) في محله.

وقال (ان الامام منا أهل البيت المفروض علينا وعلى المسلمين من شهر سيفه) ولكن هل الامام الحسن السبط(عليه السلام) أو الإمام زين العابدين(عليه السلام) أو الإمام الرضا(عليه السلام)وغيرهم هل شهروا سيوفهم؟؟؟

وقال (إنه كان عند محمد بن عبدالله الكامل سيف الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)(ذو الفقار)(1)وكذا غيره من الائمة يتوارثون ذو الفقار والجفر و...).

لكن السؤال الملفت للانتباه هو: من الذي يعطيهم هذا السيف وليست عندهم وصية أي انه عندما يموت امام فهو يوصي بالجفر والسلاح لفلان؟ وعندما يبقون لسنوات بدون امام فعند من يبقى الجفر والسلاح؟؟ وعندما يقوم امامان في قطر من الاقطار فأيهما يأخذهما؟؟

وفي التحف أيضاً قال: ان الامام علي بن المؤيد بن جبرائيل دعا إلى الله بعد اياسه من خروج الامام المهدي من الحبس وبعد خروجه سلمها له(2). وقال أيضاً: ان الإمام شرف الدين بن محمد دعا إلى نفسه حال غياب المهدي في


1) التحف شرح الزلف: 361.

2) التحف شرح الزلف: 285.

السجن وذلك مع بقاء الامام محمد الوزير على دعوته... إذ كان كل منهم لا غرض له إلاّ اصلاح الامة واقامة الكتاب والسنة(1).

أقول هل الامامة رئاسة يأخذها وينزعها متى ما شاء!!!

وفي كتاب الزيدية والإمامية وجهاً لوجه: ان الامة اجمعت على أن المنصب في قريش... وذلك المنصب هو قريش لما ورد من الاخبار النبوية (ان الائمة من قريش)(2)وفي ترجمة السيد مجد الدين جاء في آخر كتاب التحف: (اللهم بلى لا تخلو الارض من قائم لله بحجه والمؤلف (يعني مجد الدين) من مصاديق واقع هذه الادلة الصادقة في عصرنا...(3)اقول: هذا اعتراف بحديث الأئمة من قريش بل ويستحج به على الغير، ولكن لو دقق النظر في ذلك لعرف منهم الأئمة المقصودين بهذه الروايات ولي تعليق على قوله ان السيد مجد الدين (مع احترامي الشديد له) من مصاديق ذلك يعني انه حجة الله. فهل هو حجة على أهل اليمن فقط أم على الزيدية فقط أم على الخلق كافة؟؟!! حيث والظاهر من الروايات ان الامام حجة على جميع الخلق، فإذا كان ذلك فانه يجب ان يدعو الناس ويخبرهم بأمره، ولكني ما أظن السيد مجد الدين يدعي ذلك ولم يدعيه غيره قبله إلاّ المعصومين فقط يدعوا انهم حجج الله على جميع الخلق فهل من متفكر في معاني الروايات يا أولي الأباب؟؟

وفي كفاية الأثر(4)عن أبي بكير انه قال لزيد: يا بن رسول الله هل عهد إليكم رسول الله متى يقوم قائمكم؟ قا: (يا أبا بكير انك لن تلحقه وان هذا الأمر يليه ستة أوصياء من بعد هذا وأشار إلى الباقر ثم يجعل الله خروج قائمنا فيملأها


1) المصدر السابق: 376.

2) الزيدية: 451 و453.

3) التحف: 461 ونحوه في ص478.

4) ص296 ـ 297.

قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً قلت يا ابن رسول الله الست صاحب هذا الأمر؟ فقال: انا من العترة...). وهذا الكلام واضح لا يحتاج تعليق.

وروى ابن شهر آشوب في المناقب ان الامام زيد(عليه السلام) اشار إلى الإمام الباقر بأبيات وقال:

ثوى باقر العلم ملحد امام الورى طيب المولد

فمن لي سوى جعفر بعده امام الورى الاوحد الامجد

أبا جعفر الخير انت الامام وانت المرجى لبلوى غد(1)

العصمة:

تقول الكاتبة عنها:

"موضوع مهم ومحل نقاش الكثيرين لنرى أي الفريقين اقوى دليلا وأقطع حجة لنضم صوتنا معه لأن هدفنا هو إتباع الحق مع من كان واينما كان، نبدأ كالمعتاد بكتب الزيدية لأننا والله نحبهم ونحب ان تتبين لهم الحقيقة لذا نحاججهم من كتب أئمتهم وكبار علمائهم، قال الامام عبدالله بن حمزة: (أهل البيت معصومون منقّبون من الخطاء)، وقال أيضاً: (يقول الرسول(صلى الله عليه وآله): يمنع الخطأ منهم عاجلا وآجلا)(2).

أقول: قول عبدالله بن حمزة مطلق ولم يقيده في الخمسة يعني كل من يصدق عليه لفظ (أهل البيت) فهل كل من يسمى أهل البيت في عقيدة الزيدية منقب عن الخطاء؟؟! انهم لا يقولون بعصمة كل من يسموه أهل البيت، بل أضاف انهم معصومون عاجلا وآجلا أي قديماً وحاضراً وإلى قيام الساعة، فهل هذه


1) ابن شهر آشوب، المناقب: 197، ط دار الأضواء، بيروت.

2) الشافي: 1 / 157، وص90. وعبدالله بن حمزة من أئمة الزيدية وكتابه هذا من أهم مصادرهم كيف لا وهو كتاب امامهم.

العصمة تنطبق وتطبق في أي مذهب غير المذهب الامامي الذي يخص العصمة بذرية الرسول الاثني عشر، وهي في نظري العقيدة الوحيدة التي تقول بما ورد في أهل البيت وتطبقة في الواقع أي لهم أئمة يأخذوا عنهم كل دينهم وما عمل العلماء ومراجع التقليد إلاّ البحث عن الروايات هل هي ثابته عنهم أم لا؟ فاذا ثبتت له فهي نص لا يجوز الاجتهاد في مقابلها، أما المذاهب الاخرى فكل مجتهد يقول برأيه لهذا تشعّبت الفرق والمذاهب إلى ما نحن فيه الآن.

وقال السيد أبو الحسن: (الامام لابد أن يكون معصوماً)(1). وقال الإمام المؤيد بالله: (يجوز أن يخطي الامام بلا خلاف في ذلك...)(2).

أقول هذا مناقض لكلام الامام عبدالله بن حمزة فتأمل، ولي ان أسأل كيف يكون الأئمة حجج الله في الأرض إذا كانوا يختلفوا فيما بينهم؟ بل قد حصلت هناك حروب بين امامين من أئمة الزيدية كما ذكرنا مصدر ذلك فراجع، فهل يصدق عليهم سفينة النجاة وباب حطة وأمام أهل الأرض وقرناء القرآن؟

والكلام قد يطول لو بحثنا كل ما جاء في كتبهم من تناقضات، نكتفي بهذا القدر منها وفيها الكفاية للوصول إلى شاطىء الأمان".


1) عدّة الأكياس: 2 / 134.

2) عن مجمع الفوائد للسيد مجدالدين: 215 دار الحكمة اليمانية يرويه عن الامام القاسم بن محمد في الارشاد.

{12} خالد محيي الدين الحليبي الحسيني(سني / مصر)

اشارة

ولد عام 1960م في القاهرة، ونشأ في وسط عائلة ملتزمة من الناحية الدينية، واصل دراسته حتى حصل على البكلوريوس في التعاون الزراعي والدبلوم في الدراسات الاسلامية وتمهيدي ماجستير قسم الاقتصاد.

نشأته الاجتماعية:

يقول الاستاذ خالد: تربّيت في حي من أحياء القاهرة مليء بعبق التاريخ يحمل بين جنباته الأصالة والتفرّد حتى في العادات والتقاليد من بين أحياء مصر قاطبة، وهو حي السيدة زينب (سلام الله عليها)، وكنّا عندما نذهب إلى أي مكان وبلد لا نقول أننا من القاهرة بل نقول من السيدة زينب، فلا نسمع إلاّ رضي الله عنها وأرضاها وكأنها عاصمة العراقة والعادات والتقاليد.

ويوجد في منتصف هذا الحي في القلب منقطة تسمى زين العابدين، وهو حي سمّاه الناس بهذا الإسم، لأنّ به مسجد مشهد الرأس الذي نصب فيه رأس الامام زيد الشهيد ابن الامام زين العابدين فيطلقون عليه زين العابدين، ويحدّ منطقتنا من الجنوب مسجد سيدي حسن الأنور وأبيه زيد الأبلج ابن الامام

الحسن ابن علي بن أبي طالب، ومن الشرق مسجد السيدة نفيسة "رضي الله عنها وأرضاها" ابنة حسن الأنور بن زيد الابلج ابن الامام الحسن، وحولها مشاهد كثيرة لآل البيت كقبر السيدة عاتكة عمة رسول الله(صلى الله عليه وآله) والسيدة رقية ابنة الامام الحسين والسيدة سكينة.

هذه هي مدينتنا التي تربيت بها عادات وتقاليد شعبية أصيلة. وأما عن عائلتي فهي عائلة عادية كأي عائلة ولكن فيها شيء روحاني.

تأثره بالوهابية:

تأثر الاستاذ خالد بالتيار الوهابي رغم الأجواء المعنوية التي عاشها في منطقته، وكان سبب ذلك قوة هذا التيار في جامعته، وكان الاستاذ خالد مولعاً بقراءة الكتب، وكان من يحيطه يشجّعه على شراء وقراءة الكتب الوهابية.

ويقول الاستاذ خالد: وفي عامين أو ثلاثة أصبح عندي مكتبة ضخمة تحتوي على الكثير من كتب الدين والفقه والاصول والتفسير والشريعة. واستمر الاستاذ خالد على هذا الوضع يستلهم من كتب الوهابية الأفكار من دون تنقيح وإعمال للعقل، وكان اعتقاده كما يصرّح به: كان ابن تيمية عندي عالماً عظيماً وكنت اعتقد في كفر من يصلي بمساجد الأولياء والاضرحة.

ولكنه بعد فترة وبعد مطالعته الجزء الأول من كتاب الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم اندهش من مقولته صراحة في كفر أهل زمانه، وقوله أن أمة الحق قد تكون واحداً، ولا شأن بالاكثرية فهي القلة.

فانتبه الاستاذ خالد أنه بحاجة إلى إعمال العقل في مطالعاته، وأنّ الاتباع الاعمى لكل ما يقرأ لا يدفعه إلى الحق، بل يجعله شخصية عمياء تتبع كل ناعق وتميل مع كل ريح.

وفي هذا الوقت وقع كتاب الايمان لابن تيمية بيده، فبادر إلى مطالعته

بصورة تختلف عمّا سبق، فقرأه بتدبّر وامعان نظر وبعقلية ناقدة، فكانت النتيجة أنّه انتبه إلى الكثير من الأخطاء والشطحات في هذا الكتاب ووجده حسب قوله: مليئاً بالعبث العقائدي، ومن هنا بدأت انطلاقة الاستاذ خالد في البحث الجاد عن العقيدة الصحيحة.

ويقول الاستاذ خالد: وبالرجوع لكتب العقائد السالفة وجدت بها بعض النقاط التي لم اقتنع بها ووجدتها مرفوضة من قبل العقل جملة وتفصيلا.

بداية اهتمامه بالفكر الشيعي:

استمر الاستاذ خالد على منهجه الجديد في البحث، وجعل معظم اهتمامه بجمع موضوعات القرآن، ومن هذا المنطلق توصّل إلى نتائج جديدة تخالف ما كان عليه، ثم بدأ يعرض ما توصّل إليه على بعض علماء الوهابية، فكانوا يقولون له هذا فكر شيعي!

ويقول الاستاذ خالد: استغربت من هذه المقولات، وقلت في نفسي: كيف يرفض هؤلاء القرآن على أنّه فكر شيعي، ثم قرّرت في نفسي: وإن كان الفكر الشيعي يقوم على القرآن فمرحباً به.

وهذا مالفت انتباهي ودفعني للتعرّف على الفكر الشيعي، ومن هنا بدأت فكرة الحصول على الكتاب الشيعي راسخة في كياني ابحث عنه في كل مكان فلا أجده، ونزلت إلى منطقة الأزهر الشريف ولم أجد إلاّ كتاباً واحداً اسمه صفات المؤمنين للديلمي، وهو الذي عثرت عليه في دار المجد العربي بالأزهر، وكم سررت بهذا الكتاب واثلج صدري، فطلبت المزيد فلم أجد، ولكثرة سؤال قالوا لي أن الشيعة يأتون في معرض الكتاب، فصبرت إلى أن جاء معرض الكتاب عام 1994 فسألت عن مكتبات الشيعة، فوجدت فيها دار تسمى الهدف وفيها رجل يدعى صالح الورداني، فأعطاني كتاب المراجعات لشرف الدين، فقرأته قبل

انتهاء المعرض، وتعجّبت لما فيه.

وفي زيارتي مرة ثانية للمعرض تقابلت مع رجل شيعي فقال لي: إن أبا بكر وعمر اساءا التصرّف مع الرسول(صلى الله عليه وآله) واتهموه بالهجر في أثناء مرضه وبدّلوا وصيته، وصرّح لي بأنّها لا يستحقان الخلافة، فتفاجأت بكلامه ولم أرقد على أثرها ليلتين كاملتين، ثم قلت لنفسي، كيف أضل ومعي القرآن، فعقدت العزم للبحث مرة اخرى لاكون على يقين من أمري.

تعرّفه على أهل البيت(عليهم السلام):

يقول الاستاذ خالد: ومن هذا المنطلق قرأت التفاسير لآيات الولاية وإذهاب الرجس والمودّة والحسد إلى أن قرأت سورة الأنعام فوجدت فيها أن الله تعالى بعد ذكره للأنبياء والمرسلين قال تعالى: (وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّـتِهِمْ وَإِخْوَ نِهِمْ وَاجْتَبَيْنَـهُمْ وَهَدَيْنَـهُمْ إِلَى صِرَ ط مُّسْتَقِيم)(1)وهنا الأب وإن علا يوصلنا إلى نوح وآدم(عليهما السلام)، الذرية ببيان القرآن هم أولاد ابراهيم وآخرهم آل محمد(عليهم السلام).

ثم قال تعالى: (ذَ لِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ ى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ى وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عُنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ ءَاتَيْنَـهُمُ الْكِتَـبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْبِهَا هَـؤُلاَءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـفِرِينَ)(2)، ومعلوم أن آباء الأنبياء هم الذين اصطفاهم الله تعالى وذرياتهم كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً وَءَالَ إِبْرَ هِيمَ وَءَالَ عِمْرَ نَ عَلَى الْعَـلَمِينَ * ذُرِّيَّةَم بَعْضُهَا مِنم بَعْض وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )(3)ومن الطبيعي أن يكون آل محمد هم الامتداد الرسالي الذين اصطفاهم الله تعالى عى الناس بالامامة بدلا من النبوة التي ختمت


1) الأنعام: 87.

2) الأنعام: 88 ـ 89.

3) آل عمران: 33 ـ 34.

برسول الله(صلى الله عليه وآله). وهذا ما أثار حسد القبائل الاخرى فانزل الله تعالى حولهم (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَ هِيمَ الْكِتَـبَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـهُم مُّلْكاً عَظِيماً )(1)، ثم يقول تعالى حول آل البيت(عليهم السلام) وهم ذرية ابراهيم: (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)(2)أي بذرية الأنبياء الذين هم آل بيت النبي.

وكما ورد في قوله تعالى: (قُل لاَّ أَسْـَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَـلَمِينَ )(3)، وهنا إثبات لا شك فيه أن المقصود من كل ما ذكرناه سالفاً هم آل بيت محمد(صلى الله عليه وآله)لقوله تعالى: (قُل لاَّ أَسْـَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى)(4).

كما أن القرآن ينص على ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) في قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(5).

ويضيف الاستاذ خالد: ومن هنا ايقنت بأن الحق مع أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، ثم ترسّخت عقيدة التشيع في قلبي بعدما تبيّنت لي عظمة أهل البيت(عليهم السلام).

مرحلة الاستبصار:

يقول الاستاذ خالد: ثم قرأت كتباً شيعية هزت اعماقي ككتاب النص والاجتهاد للعلامة شرف الدين، والذي جمع فيه الكثير من اجتهادات الصحابة، وبيّن أسباب الاختلافات في الأحكام التي يظن البعض أنّها من عند الله تعالى،


1) النساء: 54.

2) الانعام: 90.

3) الانعام: 90.

4) الشورى: 23.

5) المائدة: 55.

وما هي من عنده، ثم قرأت كتباً اخرى حتى ايقنت بأن آل بيت محمد هم أصحاب الولاية الحقة، وأن سبب تأكيد أهل السنة على السلف الصالح هو من أجل صرف الناس عن آل بيت نبيهم في كل زمان.

ومن هذا المنطلق اعلن الاستاذ خالد استبصاره وانتماءه لمذهب أهل البيت، ثم وطّن نفسه لنشر هذا المذهب وذبّ الشبهات عنه.

مؤلفاته:

{1} "القضاء المنظر أو كشف الغطاء عن أهل السماء": مخطوط.

وسيصدر عن مركز الأبحاث العقائدية ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.

قال المؤلف في المقدمة: "قد كان ممّا قدّره الله تعالى على ابليس وحزبه أن يكونوا من المنظرين إلاّ عتاة الظالمين كالفراعنة ومن على طريقتهم ألاّ يكونوا من المنظرين، فيجعل الله تعالى عليهم العذاب، ونحن كمسلمين نعيش بينهما ولا يدري أكثرنا ما هو سبب إمهال الله تعالى للظالمين، وهل هو إمهال من الله، أم ترك لهم، أم نحن مخطئون ونعاقب، وتركنا الله عزوجل نموج في بعضنا البعض، فهذا الكتاب يبين هذا الأمر وهو انتظارهم ليوم الوقت المعلوم، وهو خروج امام آخر الزمان".

يحتوي هذا الكتاب على عدة مواضيع منها: الدعوة للنظر والتأمل، السبيل مقطوع أمام اعداء الرسول والأئمة، أولا: ابليس وبعضه من حزبه منظرين، ثانياً: الأمم الغير منظرة من حزب ابليس، هل ينظرون إلاّ تأويله وهو قيام قائم آل محمد.

{2} "الفتن، ما ظهر منها وما بطن".

وهو كتاب يبحث حول الدجال وكيفية محاربته لآل محمد(صلى الله عليه وآله).

{3} "توحيد أمير المؤمنين".

وهو كتاب اثبت فيه المؤلف من كتاب نهج البلاغة التوحيد عند أمير المؤمنين.

{4} "الدين القيم" مخطوط.

وهو كتاب يبحث حول كل جزئية في العقيدة من خلال القرآن.

{5} "تفسير القرآن" مخطوط.

وقد بين المؤلّف في هذا الكتاب أن كل ما قاله آل البيت من غرائب التفسير ما هي إلاّ بيان للقرآن بالقرآن، وقد اثبت من خلال الآيات القرآنية أحقية آل البيت بالامامة.

وقفة مع كتابه: "القضاء المُنظر"

يتناول الكاتب في كتابه هذا قضية عقائدية تخطر في بال معظم الناس وهي لماذا تكون السيطرة والغلبة لدول الظلم في هذه الدنيا؟ ولماذا لا تنتقم يد العدل الإلهية من الظالمين ـ خصوصاً مع انتهاكهم الحرمات وقتلهم الأنبياء والأئمة ـ ولم لا تقضي عليهم لتشفي غيظ قلوب المؤمنين والمستضعفين والمعذبين، ثم ما هي فلسفة إنظار الشيطان إلى يوم يبعثون، وهو الذي أغوى آدم أبو البشر، وأخرجه من الجنة، وأقسم على غوايه أبناءه؟ ثم لماذا يُنظر بعض حزبه معه إلى يوم القيامة؟ وهل انه هناك انتقام من الظالمين في هذه الدنيا قبل الآخرة؟ وإذا كان فكيف سيكون؟ هل سيكون على يد الامام صاحب الزمان عجل الله فرجه؟

هذه بعض الاسئلة التي يدور حولها هذا البحث الذي فيه جانب من العدل الالهي، وجانب من التخطيط الرباني لهذه الخليقة، كما انه يمس في بعض جوانبه المعاد والحشر والنفخ في الصور، وعقيدة الرجعة وعقيدة الامام المنتظر وغيبته ثم ظهوره وحروبه أو حروب آخر الزمان، وخاصة معركة الهرمجدون كما يسميها أهل الكتاب والتي يرى الكاتب أنه قد اشير إليها في سورة المرسلات من القرآن الكريم.

هذا وقد اعتمد الكاتب في بحثه للاجابة عن التساؤلات المتقدّمة على آيات القرآن الكريم، فكان بحثه قرآنياً يربط فيه بين الآيات ليستنبط منه المعاني والأفكار التي ترتبط بالبحث، ويصل بها إلى النتائج المطلوبة التي كان فيها بعض الجدة، كما لم يخل اسلوب البحث عن ابتكار في الربط وظرافة في الاستنباط.

القضاء المُنظر:

يقصد الكاتب من كلمة "المُنظر" بمعنى "المؤجل"، فهو يبحث في القضاء المؤجّل على إبليس وحزبه كما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ )(1)، وكذلك قوله تعالى: (كَذَ لِكَ سَلَكْنَـهُ فِى قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ى حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الاَْلِيمَ * فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَ هُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ )(2)، ويستدل الكاتب بهذه الآيات وغيرها على أن بعض الكافرين منظرون إلى يوم الفتح الذي يشير إليه قوله تعالى: (وَ يَقُولُونَ مَتَى هَـذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَـدِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيمَـنُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ انتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ)(3)، وهذا الفتح يكون على يد قائم آل محمد سلام الله عليهم وعجل الله فرجه الشريف وهو امام آخر الزمان الذي يسلّطه الله على الظالمين بسيف النقمة فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً.

وتدل الآيات القرآنية والروايات عن أهل البيت(عليهم السلام) انه لا ينتقم فقط من ظالمي آخر الزمان فقط، بل انه ينتقم من ظالمي الزمان المتقدم الذين يرجعون إلى الحياة الدنيا بقدرة الله تعالى للانتقام منهم في هذه الدنيا قبل الآخرة، وهكذا شاءت العدالة الالهية أن تتحقق العدالة ويُنتقم من الظالمين في الدنيا وفقاً لحكمته تعالى في تدبير الكون والخلق.


1) الحجر: 36 ـ 37.

2) الشعراء: 200 ـ 204.

3) السجدة: 28 ـ 30.

الهرمجدون وسورة المرسلات:

يسمي أهل الكتاب معركة آخر الزمان بـ (معركة الهرمجدون)، وفقاً لما ورد في كتبهم، وهي معركة مصيرية تكون بين المسلمين والغرب، وقد كثر الحديث عنها أخيراً في الكتب ووسائل الاعلام الغربية، ويرى الكاتب ان في سورة المرسلات إشارات إلى هذه المعركة الفاصلة التي يساند الله فيها المسلمين برسله من الملائكة، وكذلك رسله من الإنس إشارة إلى ما ورد في الروايات من نزول عيسى(عليه السلام) في آخر الزمان ونصرته للإمام المهدي(عليه السلام).

يقول الله سبحانه وتعالى: (وَ إِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ * لاَِىِّ يَوْم أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ )(1)، وكذلك قوله تعالى: (انطَـلِقُواْ إِلَى ظِـلّ ذِى ثَلَـثِ شُعَب * لاَّ ظَـلِيل وَ لاَ يُغْنِى مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَر كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَـلَتٌ صُفْرٌ )(2).

والظاهر ان هذه الأوصاف هي ليوم القيامة، لكن يرى الكاتب أنها يمكن ان تشير إلى ملاحم آخر الزمان في الدنيا قبل الآخرة، ويورد القرائن والادلة على ذلك من آيات اخرى من القرآن الكريم.

الحشر والنفخ في الصور:

يتحدث الكاتب مستدلا بآيات القرآن الكريم عن الحشر وتتابع مراحله وكيفيتها، كما يتحدث عن النفخ في الصور بنفخة الصعق ونفخة البعث، ويتحدث أيضاً عن نفخ الروح والحياة في الانسان ويقارن بينها، ويوضّح صفاتها وكيفية


1) المرسلات: 11 ـ 14.

2) المرسلات: 30 ـ 33.

انتقام الله سبحانه وتعالى من الظالمين يوم القيامة، كما يتحدث عن آجال الأمم والأفراد التي لا تتقدم ولا تتأخر، ويبين أيضاً أسباب نزول العذاب على الأمم التي يأخذها بظلمها ومعاصيها واعراضها عن ذكر الله.

وهو في خلال ذلك كله يوضح مكانة آل بيت محمد(عليهم السلام) وتكريم الله سبحانه وتعالى لهم، ويبين عملهم ويوضّح حقوقهم ومزاياهم، وكيفية تضييع الأمة لهم وخسارتها في جهلها بهم وبمقامهم بل ومحاربة طغاة الأمة وعصاتها لهم والتنكيل بهم وتشريدهم.

كما يوضّح فساد المناهج البديلة التي اتبعها بعض المسلمين بعيداً عن أهل البيت وعن ارشاداتهم التي هي حق المحض، وما بعد الحق إلاّ الضلال، لانه سيكون بعيداً عن التمسك بالثقلين معاً أما التمسك ظاهراً باحدهما وترك الآخر، فما هو إلاّ ترك لهما معاً وان كان الناس لا يعلمون.

{13} خوشابا شمعون حنا الشيخ (علي الشيخ)(مسيحي / العراق)

اشارة

الصورة

A08

ولد عام 1964م في بغداد عاصمة العراق، وترعرع في أجواء عائلة مسيحية ملتزمة بطقوسها الدينية.

يتحدث الأخ خوشابا شمعون حول نبذة عن حياته قائلا:

"في الأيام الأولى من حياتي أجريت لي مراسيم التعميد(1)في الكنيسة كبقية الأطفال، وفي سن السابعة أرسلني والدي لأخذ التناول(2). فكانت هذه الفترة من الفترات الجميلة في حياتي، إذ فيها تعلمت الكثير من الأمور".

التأثر بالأجواء المسيحية المحطية:

يضيف الأخ خوشابا شمعون: "عندما بلغت وأشتد عودي، ترسخت في نفسي هذه العقائد والتعاليم فكنت أمارس الطقوس الدينية من صلاة وصيام، وأذهب إلى الكنيسة بانتظام ولا سيما في (القداس الكبير) عصر يوم الأحد،


1) التعميد هو طقس الغسل بالماء رمزاً للنقاوة، وهو علامة على التطهير من الخطيئة والنجاسة وعلى الانتساب رسمياً إلى كنيسة المسيح(عليه السلام).

2) التناول وهو المتعارف عندنا في الكنيسة الشرقية وبالتأكيد في بغداد بأن الطفل عندما يبلغ سن السابعة، يرسل إلى الكنيسة في العطلة الصيفية ولفترة من ثلاثة أسابيع إلى شهر وذلك لتعلم الصلاة وبعض الطقوس والاناشيد الدينية.

وتعلمت كيفية اعلان التوبة وطلب المغفرة من الرب، بالاعتراف أمام الأب في الكنيسة، إذ كان الأب يجلس في داخل غرفة صغيرة لا تتعدى متر المربع مصنوعة من الخشب، ولها باب واحد توضع عليه ستارة ذات فتحتين صغيرتين في الوسط منها تقريباً، واحدة للرجال وأخرى للنساء، فكنا نجلس أمام الأب ونعترف له بخطايانا، فيأمرنا بعدم الرجوع إليها ويوجب علينا قراءة بعض الصلوات والتراتيل لمغفرة تلك الخطايا.

وأشتد حبي للمسيحية أكثر حينما بعث والدي أخي الصغير إلى (الدير)، للاشتغال بطلب العلوم الدينية ليصبح (قسيساً). وكان أخي لا يأتي إلى البيت إلاّ مرّةً واحدة في السنة ولفترة قصيرة، ولهذا كان والدي يرسلني لزيارته بين حين وآخر في الدير، فكنت أرى الأجواء الروحية التي كانت تهيمن على ذلك المكان فتترك في نفسي الأثر الروحي، وكذلك كنت أسال أخي عن كيفية الدراسة والموضوعات التي يدرسونها، فكان يحدثني عن مسائل كثيرة لم أكن أفهمها في ذلك الوقت، ولا أخفي فأني كنت في قرارة نفسي أغبطه على تلك الحياة التي يعيشها منزوياً عن الناس والدنيا".

موانع توسيع آفاق المعرفة:

يقول الأخ خوشابا شمعون: "وعندما تجاوزت العشرين تعمقت في المعتقدات المسيحية، ولكن ـ للأسف ـ لا عن وعي وبحث بل عن تقليد أعمى، وقبول كل تعاليم الكنيسة على أنها أمور صحيحة ومسلّم بها على أنها تعاليم سيدنا يسوع المسيح(عليه السلام).

ولم يكن ليخطر ببالي في يوم من الأيام أن أبحث وأحقق في هذه العقائد، ولعلي لا أكون ملوماً على هذه المسألة، لأني كنت أرى أغلب الناس على هذه الحال، فالانشغال والانغماس في الحياة المادية والدنيوية والتعلق بها، ادى إلى

حصر الفكر والعقل في زاوية وجهة واحدة وهي التفكير في تهيئة أسباب ووسائل لحياة سعيدة في الدنيا.

وأما الآخرة والدين والعبادات والعقائد فلم تكن تعدو كونها عادات وتقاليد مأخوذة من الآباء والأجداد ونؤديها تقليداً ليس الاّ.

وكذلك فإن الحضور في الكنيسة لم يكن من أجل تعلم العقائد المسيحية بالشكل الصحيح، بل لمجرد أداء الطقوس التي كانت تأمر بها الكنيسة ولأعلان التوبة وطلب المغفرة، وفي أحسن الأحوال الاستماع إلى بعض النصائح الأخلاقية والتربوية".

عقبة التعصّب والتقديس الوهمي:

يقول الأخ خوشابا: "من أهم المعتقدات التي كنت أؤمن بها بقوة، هي أن المسيحية فقط هي الدين الحق، وباقي الأديان الأخرى كلّها خرافات وأباطيل، فاليهودية باطلة لأن اليهود لم يتبعوا المخلّص يسوع المسيح(عليه السلام) فهم يستحقون غضب الرب، والمسلمون كذلك، وعلى هذا فمن لم يكن مسيحياً فهو لا يدخل الجنة مهما فعل، والمسيحي الذي يؤمن بيسوع المسيح(عليه السلام) ويحبه ويتبعه فإنّ مصيرة لا محالة إلى الجنة مهما كان عمله لأن ذنوبه وخطاياه قد غفرت بالمسيح(عليه السلام)".

حمل الصورة المشوهة عن الاسلام:

ويضيف الأخ خوشابا: "كانت الصورة التي يحملها أبي عن الإسلام والمسلمين سيئة جداً، فإذا ما دار الحديث حول الاسلام والمسلمين كان والدي يصفهم بشكل سيء، وكان ينقل لنا القصص والحكايات التي تشين بشخصية النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله)، ويقول لنا بأن المسلمين يسيئون إلى يسوع المسيح(عليه السلام) الذي هو ابن

الله وإلى أمه، ويكذبونهما ويسخرون منهما، وأني أذكر عندما كان يتلى القرآن من التلفاز كان والدي يأمرنا بأن نغلقه كي لا نستمع إليه.

فكنت أبغض الإسلام في نفسي، وكانت الصورة التي ارتسمت في ذهني عنه هو أنه ليس سوى خرافات وأباطيل جاء بها رجل من الجزيرة العربية اسمه محمّد(صلى الله عليه وآله)، وأن القرآن وهو الكتاب الذي يزعمون أنه سماوي ومقدس كان والدي يقول أنه من كتابة وتأليف محمد(صلى الله عليه وآله) نفسه وينسبونه زوراً إلى الله سبحانه وتعالى، واعتقد بأنّ أغلب المسيحيين متفقون على هذا الاعتقاد!".

توفّر الأجواء المحفزة على البحث:

شاءت الأقدار الالهية أن تشمل الأخ خوشابا رحمة الرب الرحيم بانتقاله إلى إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية، فسنحت له فرصة طيبة للبحث والمطالعة لبعض المسائل الدينية الإسلامية، واللقاء مع الكثير من العراقيين المسلمين في إيران أيضاً، حيث كانت تدور بينه وبينهم النقاشات حول الإسلام والمسيحية ولم تكن تنتهي غالباً بهدوء، إذ أنّهم كانوا يطرحون بعض الاشكالات والتساؤلات عن المسيحية، فكان الأخ خوشابا يعجز عن الاجابة.

فكان يقول في نفسه: أن لكل هذه الاشكالات أجوبة وأن العلماء المسيحيين وآباء الكنيسة هم الذين يقدرون على تفسير المفردات الدينية كالبنوّة والتجسيد والتثليث وغيرها لأنها تعتبر من أسرار المسيحية التي لا يستطيع فهمها وأدراكها الاّ المسيحي المملوء بروح القدس.

التوجه الجاد لمعرفة الاسلام:

يقول الاخ خوشابا: "مضيت في مطالعتي للعقائد الاسلامية، ومن ضمن الكتب التي كان يدفعني الشوق لقراءتها القرآن الكريم وخصوصاً عندما عرفت

أن في هذا الكتاب المقدس آيات كثيرة تتحدث عن قصة يسوع المسيح(عليه السلام) وأمه العذارء مريم(عليها السلام).

وشرعت في قراءة الكتاب السماوي (القرآن) ولا سيما الآيات التي تخص عيسى المسيح(عليه السلام) وأمه العذراء(عليها السلام)، فملكني الاعجاب عن الصفات العظيمة التي يصف القرآن الكريم بها المسيح(عليه السلام) وأمه، ولم أكد أصدق فأني كنت أعتقد أن المسلمين ـ وكما ذكرت ـ يسيئون إلى المسيح وأمه(عليها السلام)، ولكني وجدت عكس ذلك تماماً، فالآيات القرآنية التي تتحدث عنهما تذكرهما بكل عظمة ووقار، كما بحثت عن الآيات التي تتحدث عن العقائد المسيحية الاخرى كالتثليث والبنوّة والصلب والفداء وغيرها، فرأيت الأدلة القوية التي يقيمها القرآن الكريم على بطلانها".

بوادر الاقتناع بالدين الاسلامي:

يقول الأخ خوشابا: "بعد هذه المطالعات بدأت أشعر في نفسي بميل نحو هذه الأفكار والمعتقدات التي يطرحها الإسلام، ولكني أخفيت هذا الشعور في داخلي، وكنت أحاول قدر الامكان من خلال لقاءاتي مع المسلمين السؤال عن الشبهات التي كانت تراودني ولكن بصورة لا يفهم منها هذا الميل والشعور".

نشأة حالة صراع العقل والنفس:

يضيف الأخ خوشابا: "مرّت الأيام وكنت كلما أطالع وأبحث كان هذا الميل يزداد، فبدأت أعيش قلقاً وأجد في نفسي صراعاً لكننّي لا أدري ماذا أفعل.

وفي أحد الأيام سمعت أحد العلماء يتحدث عن موضوع هداية الإنسان وموانعها، وتلا آية قرآنية هزتني من أعماقي فكأنها تتحدث عن حالتي بالذات،

وهي قوله تعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُو)(1).

وبعدها اشتد هذا الصراع في داخلي أكثر، وملكني القلق والاضطراب، فقد بدأت أشعر بأن عقلي قد بدأ يستسلم لهذه الحجج والأدلة التي يطرحها الإسلام، وبدأت أحس أن هذه الاعتقادات الإسلامية هي أقرب إلى فطرتي من عقائد آبائي وأجدادي، وكذلك قلبي هو الآخر قد تغير، فبعد معاشرتي للمسلمين الملتزمين عن كثب انكشف لي حبهم وتعظيمهم ليسوع المسيح وأمه العذراء(عليهما السلام)ولا سيما من خلال النقاشات، فهم لم يكونوا يذكرون المسيح أو أمه إلاّ واردفوهما بـ (عليه السلام).

وأيضاً بذكرهم الأحاديث الواردة عن نبيّ الإسلام وأئمة الدين بحق المسيح وأمه(عليهما السلام)، من حيث مدحهم وتعظيمهم كل ذلك أدّى إلى أن تتحول تلك البغضاء وذلك الحقد إلى مودة وأنس".

عقبات دون الاستسلام للحقيقة:

يقول الأخ خوشابا: "بدأت أعيش مزيجاً من الفرح والخوف، ولا أبالغ لو قلت أنه كانت تجري في أعماقي معركة حقيقية بين جنود الرحمن وجنود الشيطان، فجنود الرحمن يدفعونني للاستسلام لنداء الفطرة والعقل واتباع الحق الذي انكشف لي، وفي المقابل كانت جنود الشيطان توسوس لي بانك كيف تستطيع أن تترك دين آبائك وأجدادك؟ وهل حقاً كانوا جميعهم على الباطل غافلين عن هذه الحقائق التي أكتشفتها أنت؟ وكذلك الأمر بالنسبة إلى أهلك فهل تستطيع أن تقنعهم بهذه الحقيقة؟ وهل يقبلونك فيما لو عرفوا بأنك قد تركت دينهم واعتنقت الإسلام وأنت تعلم شدة العداوة والبغضاء التي يحملونها إزاء الاسلام؟ فكل هذه الوساوس كانت تعيش في صدري وتقف حاجزاً دون إذعاني للحق".


1) الزمر: 17 ـ 18.

قمة الصراع بين العقل والنفس:

وراحت هذه المعركة تشتد في سريرة الأخ خوشابا، حيث يصوّرها قائلا: "أذكر أني ولمدة ثلاثة أيام لم أكن اشتهي طعاماً ولا شراباً فكنت لا آكل إلاّ إذا اشتد بي الجوع، وكذلك أصابتني حالة من الأرق في هذه المدّة، وفقدت القدرة على اتخاذ القرار، لا سيما وأنا شاب واتخاذ قرار مصيري في هكذا ظرف يعتبر أمراً شبه مستحيل.

وفي أحدى الليالي بدأت أتضرع إلى ربي وخالقي ببكاء وبصدق واطلب منه المعونة لإخراجي من هذا الصراع ومن هذا الارتباك والقلق الذي أجهدني، وفي صباح اليوم التالي شعرت في نفسي بقوة عظيمة لم أعهدها من قبل، وأحسست انشراحاً عجيباً في صدري، حطمت بها كل الحواجز والوساوس التي كان يضعها الشيطان في طريق هدايتي، واتخذت أصعب قرار في حياتي بكل سكينة واطمئنان وقررت أن اعتنق الإسلام واتبع سبيل الحق، وأترك دين آبائي وأجدادي التقليدي، فبدأت حياتي الجديدة بهذه الولادة السعيدة".

تعميق المعرفة بالدين الاسلامي:

عكف الأخ خوشابا بعد هذا ولسنين على البحث والمطالعة بشكل دقيق ومكثف، للتعمق في أصول الإسلام وفروعه وآرائه وأحكامه، وكذلك بالبحث والتدقيق في ديانته السابقة وبتعمق أكثر، وقام بالمقارنة بينهما من حيث العقائد والتعاليم فرأى الحق واضحاً جلياً كنور الشمس، وأيقن أن العقيدة التي كان يحملها (المسيحية) فيها من التناقضات ما يأبى العقل عن قبولها فيما كان يعتبرها أسراراً لأن العقل لا يدركها، كالتثليث والبنوّة والتجسيد وغيرها من العقائد، وعلى

العكس من هذا وجد كل عقائد الإسلام تبتنى على أدلة عقلية ولا سيما الأصل الذي تعتمد عليه وهو التوحيد إذ فيه من المعارف الالهية ما يجعل الإنسان من خلال فهم تلك المعارف يعيش حياة توحيدية سعيدة في الدنيا قبل الآخرة.

تجربته في الاستبصار:

ويقول الأخ خوشابا الذي سمى نفسه "علي" بعد اعتناقه للاسلام الأصيل: "أعتقد أن التعصب والجهل واتباع الهوى والغفلة هي العوامل الرئيسية التي تصرف الإنسان عن الاذعان للحق وقبوله".

ومن هنا فإنّه يرى بأن البحث والمطالعة والتنقيب لا تنفع لوحدها ما لم يوطن ويمهد الإنسان لها أرضية قبول الحق في قلبه بتهذيب نفسه وتطهير سريرته عن جميع الشوائب التي تقف عقبه دون اذعان الانسان بما لا يتلاءم مع مصالحه الشخصية وموروثاته العقائدية المترسخة في كيانه والممزوجه بعواطفه، والتي لا يتمكن الإنسان أن يتخلى عنها بسهولة إلاّ بعد مجاهدته لنفسه واخضاعها لقبول الحق.

مؤلفاته:

1 ـ "هبة السماء، رحلتي من المسيحية إلى الإسلام":

صدر عن دار الصادقين للطباعة والنشر سنة 1420 هـ ـ 2000 م.

هو نبذة مختصرة على رحلته من المسيحية إلى الإسلام، وما انكشف له فيها من الحقائق.

يقول المؤلف في خاتمة الكتاب: "وفي الحقيقة فالذي دفعني لكتابة هذا البحث هو احساسي وشعوري بالمسؤولية الانسانية اتجاه أبناء جلدتي، عسى أن يكون صوتاً للحق يقرع آذان قلوبهم فيستفيقوا من نوم الغفلة، فالمشكلة التي يعيشها أغلب أفراد العائلة البشرية ـ وللأسف الشديد ـ هي ابتعادهم عن الهدف

الأساس الذي خلقنا من أجله، وصار الهم الشامل لهم هو الدنيا والانشغال بزينتها وزخرفها، وأما الدين والمسائل الروحية والحب الالهي، أصبحت أموراً هامشية عند أغلب الناس أو انّهم غفلوا عنها كلياً.

وأيضاً فهذه دعوة لاخواني المسيحيين الذين ابتعدوا كثيراً عن التعاليم والعقائد التى جاء بها السيد المسيح(عليه السلام) فهم يتبعونه بالاسم فقط، وأما ما يحملونه من عقائد وتعاليم في الوقت الحاضر فهي مخالفة له كثيراً، فالعقائد التوحيدية التي جاء بها، تحولت الى عقائد اشبه بالوثنية كالتثليث والبنوة، والشريعة والناموس الذي أكد عليها وأوصى بها مراراً، طرحت أرضاً واكتفي بدلاً عنها بالنواميس الروحية والايمان المجرد.

فهذه الدعوة لكل مسيحي حرّ باحث عن الحق والحقيقة، أن لا يكتفي بقبول ما يلقى إليه من قبل الكنيسة على أنّه من الامور المسلّمة واليقينة، بل ليجدّ في البحث والتحقيق العميق في عقائده وأمور دينه، لأنها مسألة ذات أهمية كبيرة، فإنّ الحياة الأخروية الأبدية التي نحن مقبلون عليها، سعادتها وشقائها ما هي إلاّ نتيجة لعقائدنا وأعمالنا في حياتنا الدنيا "فالدنيا مزرعة الآخرة" فيجب اعطائها اهتماماً كثيراً من فكرنا ووقتنا، وهذا أمر عظيم وخطير فحرّي باللبيب أن يجهد نفسه وفكره في انتخاب الطريق الذي يوصله الى السعادة في ذلك العالم".

ويتألف هذا الكتاب من مدخل وفصلين:

المدخل يذكر فيه نبذه عن حياته وكيفيه انتقاله من المسيحية إلى الإسلام.

أما الفصل الأول فيحتوي على المواضيع التالية: الكتاب المقدس، العهد القديم، العهد الجديد عيسى(عليه السلام) وحياته في العهد الجديد، والصلب والقيامة، الفداء والخطيئة الأصلية، من هو المسيح في العهد الجديد، الثالوث الأقدس، الشريعة.

وفي الفصل الثاني: فقد تم فيه البحث حول الإسلام، حياة النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله)، دلائل نبوته معاجزه، القرآن الكريم، قصة المسيح في القرآن، الشريعة.

وقفة مع كتابه: ((هبة السماء، رحلتي من المسيحية إلى الإسلام))

يذكر الكاتب في بداية كتابه نبذة من ترجمة حياته ـ التي تقدم الاشارة إليها ـ ويوضح كيفية استبصاره، ثم يذكر بعض المطالب عن الديانة المسيحية ويعرف بعض مشخصاتها ثم يقارنها بمثيلاتها في الاسلام، ويوضح خلال ذلك الفرق بينهما ويستنبط في الأثناء الأدلة التي ساقته إلى الإسلام.

الكتاب المقدس:

وهو ـ كما يعتقد المسيحيون ـ مجموع الكتب الموحاة من الله، والمتعلقة بخلق العالم وتاريخ معاملة الله لشعبه، ومجموع النبوءات عما سيكون حتى المنتهى، والنصائح الدينية والادبية التي تناسب جميع بني البشر في كل الأزمنة(1).

وينقسم الكتاب المقدس إلى عهدين:

1 ـ العهد القديم.

2 ـ العهد الجديد.

ويعتقد المسيحيون أن العهد القديم كان تمهيداً للعهد الجديد، وأنّ العهد الجديد هو المتمم له.


1) قاموس الكتاب المقدس: 762.

العهد القديم:

كتب أكثر العهد القديم باللغة العبرانية، ووجدت بعض الفصول باللغة الارامية وهي لغة شبيهة بالعبرانية. والعهد القديم الموجود الآن مأخوذ عن النسخة الماسورية التي أعدتها جماعة من علماء اليهودية في طبرية من القرن السادس إلى القرن الثاني عشر للميلاد(1).

ويتألف العهد القديم من {39} سفراً، وقد قسم اليهود أسفار العهد القديم إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ التوراة أو الناموس.

2 ـ الأنبياء.

3 ـ الكتب.

وقد لاحظ الكاتب هنا بعض النقاط التي أوقفته خلال الدراسة.

1 ـ إن هذه الأسفار قد كتبت خلال فترة خمسة عشر قرناً تقريباً، ومعظم النصوص الأصلية أو كلها مفقودة الآن، إضافة الى هذا فان الكثير منها لا يعرف مؤلفوها ولا ناسخوها ولا متى كتبت، وهي مترجمة من اللغة العبرية الى اللغات الاخرى.

2 ـ تجد في هذه الأسفار وفي مواضع كثيرة نسبة المعاصي والخطايا الكبيرة إلى الأنبياء كشربهم الخمر والزنا بالمحارم وغير ذلك من الأمور التي يأبى كل مؤمن التفكير بها فضلا عن مزاولتها.

3 ـ كثرة التناقضات الموجودة في هذه الأسفار فهي تخالف بعضها، بل هناك تناقضات واضحة في السفر الواحد.


1) قاموس الكتاب المقدس: 763.

العهد الجديد:

كتب بلغة يونانية تسمى (بالكوني) وهي اللغة العامية ممزوجة ببعض الاصطلاحات العبرانية. وهو الأساس لكل العقائد المسيحية.

ويتألف العهد الجديد من {27} سفراً وهي: الأناجيل الأربعة، وأعمال الرسل، وعدة رسائل لبولس وبطرس ويعقوب ويهوذا ويوحنا، مع رؤية يوحنا.

ويظهر أنها كتبت خلال نصف قرن تقريباً (55 ـ 110 م) فهي لم تر النور دفعة واحدة، ومما يلفت النظر فإنّ المسيحيين يعتقدون أن المسيح(عليه السلام) لم يكتب شيئاً ولم يأمر أحداً من تلاميذه بتدوين أقواله وأعماله.

وتعتقد الكنيسة أنّ الأناجيل كتبت بالوحي والالهام الالهي، فقد جاء في مقدمة العهد الجديد: "كتب العهد الجديد بوحي من الروح القدس في مدّة لا تعدى المائة من السنين، ولقد حفظ الله الانجيل في هذه النصوص رغم الاضطهادات والأخطار"(1).

وأما كيفية الوحي والالهام في كتابة هذه الأسفار فيعتقد المسيحيون أن الالهام الكتابي الذي يقصدونه هو غير الالهام النبوي، فالالهام الكتابي يدل على عمل الله (فوق الطبيعي) الذي يمارسه على مؤلفي الكتاب ليدفعهم الى تدوين الحقائق التي أوحاها وأعطاها للبشر وذلك بمساعدته الدائمة والمباشرة.

إنّ وحي الكتاب المقدس يختلف في مفهومه عن مفهوم الوحي في الإسلام، إذ يعتقد المسلمون أنّ النبيّ لم يكن سوى ناقل لكلام الله، ولا دخل له فيه، وأما الوحي الكتابي عند المسيحين فهو من عمل الله والانسان معاً، فالكاتب


1) مقدمة العهد الجديد.

في هذا الالهام يحتفظ بشخصيته واسلوبه في الكتابة ولهذا نرى التمايز بين الأسفار المكتوبة بالالهام تبعاً لتغاير اسلوب كتابها(1).

وقد أشار الكاتب إلى بعض الملاحظات والتساؤلات التي تدور حول صحة هذه الأسفار ونسبتها إلى الوحي الالهي:

1 ـ النسخ الاصلية مفقودة، وأقدم نسخة موجود تعود الى القرن الرابع الميلادي.

2 ـ إنّ الكنيسة الاُولى وإلى القرن الرابع تقريباً لم تكن تعترف بأنّ هذه الكتب كتبت بالالهام والوحي والالهي، بل تم ذلك في مجمع نيقية المسكوني سنة (325م) وهنا نستطيع التساؤل هل اختار هذه الكتب من بين مئات غيرها بوحي سماوي أم لا!

3 ـ النصوص المعتمدة هي نصوص مترجمة، ومهما كانت الترجمة دقيقة فهي لا تنقل المراد بشكل دقيق فيمكن أن يتغير المعنى المراد أصلاً.

4 ـ الكتاب السماوي يجب أن لا يشوبه التناقض والاختلاف وإن كان بالوحي والالهام الكتابي، ونحن نجد اختلافاً كثيراً، نشير هنا إلى بعض الاختلافات:

أ ـ الاختلاف في نسب عيسى في الاناجيل.

ب ـ الاختلاف في من حمل الصليب هل هو المسيح أو شخص يدعى سمعان.

ج ـ الاختلاف في مسألة القيامة وتعاليم المسيح بعدها.

5 ـ اعتراف عدد كبير من علماء الكتاب المقدس أنّ الأسفار ليست كلّها ـ على الأقل ـ مكتوبة بالوحي الالهي.


1) معجم اللاهوت الكتابي: 15.

الصلب والقيامة:

إنّ قصة صلب المسيح في الأناجيل الأربعة فيها الكثير من الاختلاف، وكذلك قيامته.

وهنا يلاحظ الكاتب بعض النقاط:

1 ـ إنّ من الأمور المتيقنة في قصة القبض على المسيح(عليه السلام) والتي لا تختلف حولها الأناجيل هي أن التلاميذ كلهم هربوا وتركوه(1)، ويذكر بعض الاناجيل أنّ بطرس تبعه من بعيد(2)، ومع ذلك تفاصيل متابعته للمسيح متناقضة ومختلفة في هذه الاناجيل.

فيأتي السؤال هنا: كيف ينقل متي ويوحنا وهما من التلاميذ قصة حوار رئيس الكهنة مع المسيح(عليه السلام) وهما لم يكونا موجودين؟

2 ـ الاختلاف في كيفية موت يهوذا الاسخريوطي الذي خان المسيح ونهايته، فيكون التفسير الإسلامي بأنّ المسيح لم يصلب وأنّه شبه لهم هو الصحيح. ويؤيد ذلك ما ورد في انجيل برنابا أن يهوذا هو الذي صلب بدل عيسى(عليه السلام)، ويحتمل أنّ نهايته هذه قد ذكرت في الكتب الاخرى التي رفضتها الكنيسة.

3 ـ الأناجيل والأسفار كلها لم تذكر شيئاً واحداً عن رؤية مريم العذراء والدة السيد المسيح بعد قيامته ولم تحضر عند قبره، وهل يعقل أنّ المسيح(عليه السلام)يظهر لمريم المجدلية التي اخرج منها سبعة شياطين، ولا يظهر لأمه العذراء مريم(عليها السلام)ليهدىء ويخفف من الامها وحزنها؟ ألم تكن هي الأجدر بالظهور لها لأنّها أمه أولا ولمنزلتها الرفعية والمباركة ثانياً؟!


1) مرقس: 14 / 51.

2) متي: 26 / 71 ـ 75.

الفداء والخطيئة الأصلية:

يعتقد المسيحيون أنّ آدم وحواء(عليهما السلام) وبسبب خطيئتهما منذ الزمن الأوّل فان الانسان قطع علاقته مع ربه وخالقه، وتخلّى عن الله سبحانه وآدم(عليه السلام) بهذه الخطيئة جعل ذريته كلّها في حال ابتعاد وانفصال عن الله، وكان نتيجة هذا الانفصال موت الانسان، وهكذا دخل الموت الى جميع الناس كعقاب للخطيئة.

ولكن بما أنّ آدم(عليه السلام) قد تاب من خطيئته وقبل الله توبته، لم يتخلَ الله عنه نهائياً، وذلك بسبب توبته الصادقة، بل وعده بالخلاص وبانتصاره على عدوه اللدود الشيطان، ووعد بارسال المخلص والمفدي الذي يفدي البشرية عن خطاياها، ويحمل هو تلك الخطايا عنهم، فتفتح أبواب الملكوت بمجيئة وتتم المصالحة بين الله والانسان من خلاله.

وعندما تم الزمان بعد طول انتظار أرسل الله سبحانه ابنه الحبيب ليفدي البشرية كلها عن خطاياها ويفتح عهداً جديداً بين الله والانسان، وبالآلام والصلب الذي يتحمله هذا الابن (الوحيد) ترفع الخطيئة عن كاهل الانسان ويتطهر منها.

ولاحظ الكاتب بعض الملاحظات على هذه العقيدة:

1 ـ لم ترد هذه العقيدة في الاناجيل الأربعة المهمة، وإنما ظهرت في رسائل بولس فهل يمكن القول أنّ المسيح(عليه السلام) تجاهلها أو نساها.

2 ـ ما هو ذنب الناس منذ القرون الأولى للبشرية، أي من زمن آدم(عليه السلام) حتى زمن المسيح، فهل كلّهم خطاة مع أنّ فيهم أنبياء وأولياء وأتقياء وشهداء كما يذكر الكتاب المقدس بعهديه؟!

3 ـ إنّ هذه العقيدة مخالفة للكتاب المقدس أيضاً، إذ نجد عكس هذه المسألة تماماً في كتاب العهد القديم، مثلاً يقول حزقيل النبي (18:20): "من أخطأ فهو الذي يموت والابن لا يحمل خطيئة ابيه، وكذلك الأب لا يحمل خطيئة ابنه فالبار سيحاسب على بره، والشرير سيحاسب على شروره". وغيرها الكثير.

الثالوث الأقدس:

تعتبر هذه العقيدة السر الأوّل في العقيدة المسيحية، فهي الأساس الذي بنيت عليه المسيحية، كما أنّ التوحيد هو الأساس في الإسلام، وهي عقيدة يشكل فهمها فهي بعيدة عن متناول العقل البشري.

والمسيحيون يلخصون عقيدة التثليث في النقاط التالية:

1 ـ الكتاب المقدس يقدم لنا ثلاث شخصيات يعتبرهم شخص الله.

2 ـ هؤلاء الثلاثة لهم شخصيات متميزة.

3 ـ هذا التثليث في طبيعة الله أبدي وحقيقي.

4 ـ للشخصيات الثلاث جوهر واحد وهي متساوية.

5 ـ لا يوجد تناقض في هذه العقيدة(1).

وقد لاحظ الكاتب هنا عدة ملاحظات هي:

1 ـ اغلاق باب العقل وتعطيله بالقول بأن هذه العقيدة لا يدركها العقل البشري بينما الدين الحق يميز بالعقل، والعقل يرفض فكرة التثليث لأنّه لا يقبل أن يكون الواحد ثلاثة والثلاثة واحد.

2 ـ لم تظهر هذه العقيدة الى الوجود إلا في القرن الثاني وعلى لسان (ترتوليان) فالمسيح(عليه السلام) والرسل والتلاميذ لم يشيروا الى هذه العقيدة.

3 ـ هذه العقيدة تخالف ما جاء في العهد القديم الذى يعتبره المسيحيون


1) قاموس الكتاب المقدس: 232.

كلام الله الموحى.

4 ـ كيف يصح أن نقول أنّ الابن (الاقنوم الثاني) هو مساو للأب في الجوهر والالوهية والقدرة والمجد، وهو في نفس الوقت خاضع له في كل شيء، فاين الوهيته؟.

5 ـ كان المسيح(عليه السلام) كثير العبادة كما يذكر العهد الجديد نفسه، إذ كان كثير الصلاة والصيام وله خلوات للعبادة، وهذا يعني كونه عبداً يؤدي هذه العبادات لمعبوده وخالقه، فهل يعقل أن يكون الله سبحانه يسجد ويصلي ويصوم لنفسه!!

الشريعة:

جاء المسيح مكملاً لشريعة موسى، وهذا ما كان يقوله في تعاليمه لتلاميذه والناس: "لا تظنوا أني جئت لاُبطلَ الشريعة وتعاليم الأنبياء، ما جئت لا بطل، بل لاكمل"(1)، وهو عملياً التزم بالشريعة الموسوية بالاختتان وتقديم الذبيحة ودفع ضريبة الهيكل.

ولكننا نرى الآن أنّ المسيحيين قد تخلوا عن الشريعة الموسوية، وهم ينظرون إلى الشريعة والديانة اليهودية بأنها شريعة وقتية وغير كاملة، بل اعدت استعداداً لمجيء المسيح(عليه السلام)(2).

والذي الغى الشريعة هو بولس حيث يقول: "إن الله لا يبرر الانسان لانّه يعمل بأحكام الشريعة، بل لأنّه يؤمن بيسوع المسيح(عليه السلام) ولذلك آمنّا بالمسيح يسوع ليبررنا الايمان بالمسيح لا العمل بأحكام الشريعة"(3).

ويكمل بولس نظريته ويدّعي أن الشريعة وإن كان مصدرها الله ولكنها


1) متي: 5 / 17.

2) قاموس الكتاب المقدس: 598.

3) غلو: 2 / 16.

اعطيت للبشر عن واسطة الملائكة وهذا دليل على ضعفها(1).

ويستمر بولس في بيان عقيدته فيقول: "إنّ الشريعة باعتبارها مؤدبا وحارساً لشعب الله في مرحلة الطفولة (غل 3:23 ـ 24) كانت تجعله يشتهي براً يستحيل تحقيقه، وذلك حتى يدرك بطريقة أفضل حاجته المطلقه الى مخلص العالم الأوحد، فالمسيح(عليه السلام) بمجيئه أنهى الشريعة فهو نهاية الشريعة وغايتها (رومة: 1 ـ 4)".

ولا ندري كيف يرفض المسيحيون وهم أتباع المسيح(عليه السلام) توصياته بحفظ الشريعة ويقبلون بأفكار رجل كان من أشد أعداء المسيح(عليه السلام) واتباعه ثم اعتنق المسيحية، ثم يدعون أنها تعاليم المسيح(عليه السلام).

الفصل الثاني:

يتحدث الكاتب في الفصل الثاني من الكتاب عن أبعاد شخصية النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله)وسيرته، فيذكر ولادته ورضاعه وطفولته وشبابه وبعثته وهجرته وفتح مكّه ودلائل نبوته ومعاجزه.

دلائل نبوة النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله):

1 ـ البشارة به في العهد الجديد: وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم في عدة آيات(2)، فهو يؤكد ويصرح بمعرفة أهل الكتاب للنبيّ معرفة أبناءهم.

ويمكن اثبات هذه الحقيقة في الاناجيل (العهد الجديد) المتداولة الآن، وبالخصوص انجيل يوحنا، فهو يقول على لسان المسيح: "إذا كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الاب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم الى


1) معجم اللاهوت الكتابي: 446.

2) انظر الاعراف: 157، البقرة: 146، المائدة: 83 ـ 84، الصف: 6.

الابد) (يوحنا 14:15 ـ 16).

وأيضاً: "وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بامور آتية" يوحنا (16:13).

وهناك نصوص كثيرة اخرى وكلها تشير بالحقيقة الى الاسم الصريح للنبيّ محمد(صلى الله عليه وآله)، وقد استدل على ذلك مؤلف كتاب (انيس الأعلام في نصرة الاسلام)(1)واثبت أنّ النصوص في انجيل يوحنا تشير إلى النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله)، ولكن علماء الكتاب المقدس ومفسريه هم الذين حرّفوا معنى كلمة المحمود الذي يرادف أحمد الى كلمة المعزّي والمسلي والمعين لتقارب الكلمتين باليونانية الذي ترجم إليها انجيل يوحنا من العبرية(2).

2 ـ معاجز النبي(صلى الله عليه وآله): للنبيّ محمد(صلى الله عليه وآله) معاجز كثيرة كرد الشمس وشق القمر واخباره بالمغيبات، لكن أهمها هو القرآن الكريم.

القرآن الكريم واعجازه:

للقرآن خصائص ذكر الكاتب منها:

1 ـ شموليته: اشتمل القرآن على معارف الهية حقيقية رفيعة واخلاق فاضلة وأحكام تشريعية وأخبار بالمغيبات وقصص وأمثال وحكم ومواعظ وعلوم لم تكن معروفة حتى بعد البعثة بقرون عديدة، ثم اكتشف بعضها العلم الحديث.

2 ـ لا اختلاف ولا تناقض فيه، فآياته تعاضد بعضا بعضاً رغم نزولها في ثلاثة وعشرين سنة وفي حالات وازمنة متفاوتة.

3 ـ ذكره للمغيبات كاخباره بقصص الأنبياء السابقين بشكل يختلف في


1) مؤلف الكتاب هو أحد القساوسة، وألف كتابه هذا بعد اسلامه، طبع هذا الكتاب في إيران باللغة الفارسية.

2) انيس الاعلام في نصرة الاسلام: 1 / 6 ـ 19، بالفارسية.

تفاصيله مع الكتاب المقدس، والأخبار عن الحوادث المستقبلية كالأخبار عن انتصار الروم بعد هزيمتهم(1).

4 ـ بلاغته وفصاحته التي تحدى بها الانس والجن فى أن يأتوا بسورة واحدة من سوره، مع نزوله في زمن كان العرب يشتهرون بالفصاحة والبلاغة وكمال البيان لكنهم وقفوا متحيرين ازاء القرآن، وقد مضى على تحدي القرآن أكثر من اربعة عشر قرنا ولم يجرء أحد على معارضته، مما يدل على اعجاز هذا القرآن الذي جاء به رجل أُمي لا يحسن القراءة والكتابة.

كيف وصف القرآن الكريم المسيح وأمه(عليهما السلام):

القاريء للقرآن الكريم يجد أن هذا الكتاب الالهي ذكر صفات للمسيح(عليه السلام)وأمه قل ما ذكرها لأحد الأنبياء أو احدى النساء، يشير الكاتب الى بعضها ويذكر أولاً ما ورد في القرآن الكريم عن الصديقة مريم العذراء:

ـ إن الله اصطفاها وطهرها، واصطفاها على نساء العالمين، كما في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَـمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ )(2).

ـ كانت مقبولة عند الله وقد تكفل الله سبحانه تربيتها وانباتها، كما في قوله تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُول حَسَن وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً...)(3).

ـ كانت محدثة حدثتها الملائكة (وهي الوحيدة من النساء اللاتي ذكر القرآن أن الملائكة قد حدثتها)، كما في قوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَـمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ...)(4).


1) الروم: 1 ـ 6.

2) آل عمران: 42.

3) آل عمران: 37.

4) آل عمران: 45.

ـ كانت من آيات الله للعالمين، كما في قوله تعالى: (وَ الَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَـهَا وَ ابْنَهَآ ءَايَةً لِّلْعَـلَمِينَ)(1).

أما ما جاء في القرآن عن السيد المسيح:

ـ كان (عليه السلام) عبداً لله وكان نبياً، كما في قوله تعالى: (قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَانِيَ الْكِتَـبَ وَ جَعَلَنِى نَبِيّاً )(2).

ـ كان واحداً من الخمسة أُولي العزم صاحب شرع وكتاب وهو الانجيل، كما في قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَ مَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَ هِيمَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى)(3)، وقوله تعالى: (وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَـرِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَءَاتَيْنَـهُ الاِْنجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ...)(4).

ـ كان (عليه السلام) كلمة لله وروحاً منه، كما في قوله تعالى: (يَـأَهْلَ الْكِتَـبِ لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـلهَآ إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ...)(5).

ـ كان (عليه السلام) مباركاً أينما كان وكان زكياً باراً بوالدته، كما في قوله تعالى: (وَ جَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَ أَوْصَـنِى بِالصَّلَوةِ وَ الزَّكَوةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَ بَرَّاً بِوَ لِدَتِى وَ لَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً)(6).

ـ كان (عليه السلام) ممّن علمه الله الكتاب والحكمة، كما في قوله تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ


1) الانبياء: 91.

2) مريم: 30.

3) الشورى: 13.

4) المائدة: 46.

5) النساء: 171.

6) مريم: 31 ـ 32.

الْكِتَـبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالاِْنجِيلَ )(1).

ـ كان (عليه السلام) مبشراً برسول الله(صلى الله عليه وآله)، كما في قوله تعالى: (وَ إِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَـبَنِى إِسْرَ ائِيلَ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَ مُبَشِّرَاً بِرَسُول يَأْتِى مِن بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ)(2). وهناك آيات اخرى.

هكذا يتكلم القرآن عن المسيح ووالدته.

أوصاف المسيح في العهد الجديد:

يقول الأخ علي الشيخ: عند مطالعة العهد الجديد يرى الانسان أوصافاً لا يقبلها العقل ولا الذوق السليم.

ـ المسيح(عليه السلام) صانع الخمر (الجيدة). انظر (يوحنا 2/12).

ـ المسيح (والعياذ بالله) عاق لامه. أنظر متى 12:46 ـ 50، و15:4.

ـ المسيح (والعياذ بالله) صار ملعوناً. أنظر غلاطية 3:13.

ـ المسيح تقبل قدميه (الخاطئات). أنظر لوقا 7:36.

ـ المسيح(عليه السلام) مفرق للرحم والاقارب. انظر متي 10: 34 ـ 36 ولوقا 12: 49 ـ 53.

ـ المسيح(عليه السلام) يجزع من الموت ويعاتب الله سبحانه. أنظر متي 26: 37 ـ 40.

الشريعة في الاسلام:

يقول الأخ علي الشيخ في هذا الموضوع:

يتصور كثير من المسيحيين أنّ في الدين الإسلامي أحكاماً وتكاليفاً لا تطاق أبداً، ويتساءلون عن الغرض من كل هذه التكاليف الشاقة كالصلاة خمس


1) آل عمران: 48.

2) الصف: 6.

مرات يوميا والصيام شهراً في السنة ودفع الزكاة وأداء الحج وغيرها.

وهذه الشبهة ناتجة عن عدم فهم حقيقي وواقعي للشريعة ودورها في تكامل الانسان وارتقاءه مدارج الكمال المنشود له، ولا سيما من قبل المسيحيين الذين طرحوا الشريعة جانباً واكتفوا بالايمان وحده سبيلاً للنجاة.

ومن خصائص الشريعة الإسلامية السمحاء هي شموليتها لكل مجالات الحياة الفردية والاجتماعية، وعدم مخالفتها لفطرة الانسان أبداً فهي رفضت الرهبانية والانزواء عن المجتمع، وكذلك نهت عن الانغماس كلياً في الحياة الدنيا، وتعتبر تعاليمها حداً وسطاً بين هذا وذلك، وفيها جنبة عبادية توجه الانسان إلى الله وجنبة اجتماعية تنظم الأمور الحياتية في المجتمع بشكل يؤدي إلى نشر العدالة والالفة والمحبة بين افراده، ومراعاة المصالح العامة التي تؤدي إلى استقرار النظام في المجتمع.

ورغم أن الشريعة الإسلامية قد جاءت قبل أربعة عشر قرناً، لكنها إلى يومنا هذا تعتبر من أرقى القوانين التي طبقت في المجتمع البشري، وهذا دليل آخر على أن مصدر هذه الشريعة هو السماء والوحي لا فكر وخيال رجل عاش وترعرع في الجزيرة العربية الذي كانت تعيش في ظلمات الجهل.

{14} الدمرداش بن زكي العقالي(حنفي / مصر)

اشارة

الصورة

A09

من مواليد دولة مصر، نشأ في أواسط صعيد مصر في اقليم أسيوط قرية العقال، واصل دراسته الأكاديمية حتى تخرّج عام 1954 م من كلية الحقوق ـ جامعة القاهرة.

تصديه للمهام المختلفة:

اشتغل فترة بالمحاماة، ثم عُيّن قاضياً في وزارة العدل المصرية، وتدرج في سلك القضاء إلى درجه مستشار بمحكمة استئناف القاهرة.

عُيّن حوالي عام 1975م مستشاراً لوزارة الداخلية في السعودية ومعاون فيها من قبل القضاء المصري.

ثم عاد إلى مصر فلم تمض فترة حتى استقل من القضاء لأجل الاشتغال بالعمل السياسي، فانتمى لحزب العمل المصري حتى انتخب عام 1984 م باجماع قواعد هذا الحزب نائباً لرئيس الحزب.

وفي عام 1986 م صدر قرار من قبل رئيس جمهورية مصر العربية بتعيينه عضواً في مجلس الشورى المصري.

وفي عام 1987م رشّح نفسه في انتخابات مجلس الشعب المصري،

فانتخب عضواً بعد حصوله على 127 ألف صوت وهي أعلى نسبة حصل عليها عضو بمجلس الشعب المصري أنذاك، فقام بعدها بممارسة دوره في هذا المجال لتحقيق السلام الاجتماعي للأمة.

رحلته الفكرية:

واجه خلال عمله في شتى الأصعدة جملة من القضايا دعته لأن يعيد النظر في عقائده الموروثة، فتوجه إلى البحث ملتمساً سبيل الحق، حتى انار الله سبحانه وتعالى قلبه، فوجد الحق عند أهل البيت(عليهم السلام)، فاسرع بعد ذلك إلى اتباع نهجهم والسير على خطاهم.

أول محطة جادة دفعته للاستبصار:

يقول المستشار الدمرداش: "لقد مرّ عليّ زمن استغرق عقدين من السنين حاولت خلالها أن أتعرف على وجه الحق في الاعتقاد بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وكان منطلقي في بداية البحث ريفيٌ حيث جُبلت على حب أهل البيت(عليهم السلام)واعطائهم الولاء القلبي الكامل.

ثم اتفق لي لما شغلت منصب القضاء في مصر أن وُكِل إليّ في الأعوام 65 ـ 1967م الفصل في قضايا الاحوال الشخصية للمسلمين والمسيحيين في احدى مدن الصعيد وهي مدينة "كومومبو" في محافظة "اسوان" حيث يتعايش المسلمون والمسيحيون في سلام اجتماعي واحترام متبادل.

فاتفق لي أن عرضت عليّ قضية تطليق بين مسيحي ومسيحية، وكان مبنى الدعوة التي اقامها الزوج على الزوجة هو الزنا، وهو السبب الوحيد لفصل العروة الزوجية عند الاقباط الارثوذكس.

وكان القانون ينص على أن القاضي عند نظره الدعاوي بين المسيحيين

يحضر معه رجل الدين المسيحي، وكان القسيس الذي حضر معي الجلسة يبدو عليه التوتر والازعاج مما يرمي به المدعى الزوج زوجته المدعى عليها، فاشفقت عليه مما يعانيه واردت أن اداعبه، فقلت له: هلا استطعتم أن تبحثوا عن طريق لتخفيف الانفلاق في مسألة الطلاق بحيث يستطيع الزوج عندكم أن يطلق من غير حاجة إلى اتهام زوجته بالزنا؟!

فجاء رد الرجل سريعاً منفعلاً قائلا: أتريد أن تجعل الطلاق عندنا مثل ما عند المسلمين حيث تطلَّق المرأة من غير ضوابط؟!

فتركت هذه العبارة أثرها العميق في نفس الدمرداش واورثته صدمه لم يكن متوقعاً لها.

وعي أفضلية الفقه الجعفري:

ذهب المستشار الدمرداش بعد تلقيه هذه الصدمة إلى فضيلة المرحوم الشيخ أبو زهرة وكان استاذاً له في كلية الحقوق وشكى اليه قواعد الطلاق في مذهب أبي حنيفة، فكان جواب الشيخ أبو زهرة: يا ولدي لو كان الأمر بيدي ما جاوزت في القضاء والفتيا مذهب الإمام الصادق(عليه السلام)، ثم وجهه الى أن يعود إلى أحكام الطلاق عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

فراجع الدمرداش مصادر المذهب الإمامي الجعفري فتبين له أنّ الطلاق عندهم لا يقع إلاّ بشروط وضوابط، فقال في نفسه: "سبحان الله كيف غاب هذا عن فقهاء خلفوا مذاهب يدين بها الناس وتتأثر بها العلاقات ويصبح بها الحلال حراماً والحرام حلالاً".

فكانت هذه أول محطة جادة وضعته مع نفسه، ثم اتفق له أن قرأ كتاباً مطبوعاً على نفقه وزارة الأوقاف المصرية في عهد وزيرها الشيخ أحمد حسن الباقوري عام 1955 عن الفقه الإمامي الشيعي عنوانه "المختصر النافع في فقه

الإمامية" للمحقق الحلي، فايقن بمقولة الشيخ الباقوري بأن الأهواء هي التي باعدتنا أهل السنة عن فقه الإمامية رغم ما فيه من العلاج الأمثل لكثير من العلل الاجتماعية.

يقول المستشار الدمرداش: "كانت قراءتي لهذا الكتاب متعاصرة مع قراءتي لفتوى أصدرها فضيلة الشيخ محمود شلتوت ـ شيخ الازهر الاسبق ـ حيث أفتى: "إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، مذهب يجوز التعبد به شرعاً" فلهذا من يومها بدأتْ رحلتي في التعبد بمذهب الامامية مؤملاً أن يزيدني الله اطلاعاً واستبصاراً على كتب أخرى".

طلب الاستنارة من القرآن الكريم:

عكف المستشار الدمرداش بعدها على القرآن الكريم الذي كان قد حفظ الكثير منه في صغره، فجعل يتأمل في آياته البينات معالم أهل البيت، وبدأ يراجع التفاسير المعتمدة عند العامة، فهاله ما وجد من مواقف قرآنية قطعية تبيّن أن هذا القرآن الذي أنزله الله بين محكم ومتشابه لابد لفهمه من أن يكون هناك دليل هاد يقود العقل بين آياته قيادة مبرأة من الجهل والهوى.

ومن هذا المنطلق أدرك المستشار الدمرداش أنّ الأمامة تحتل مركزاً متميزاً في القرآن، وبدونها يصبح القرآن عرضة للتحريف في الفهم والخطأ في التأويل، ويظل القرآن كتاباً مستشكلاً فيه بدون وجود الإمام المعصوم الذي يدل على الحقيقة.

ثم واصل المستشار بحثه حتى تبيّنت له حقائق اطمأن اليها من مصادر السنة قبل مصادر الشيعة، فاستعان بالله عزوجل طالباً المزيد من البيان والأدلة والمزيد من الاطلاع على فقه أهل البيت(عليهم السلام).

ثاني محطة جادة دفعته للاستبصار:

بعد مباشرة المستشار الدمرداش مهمة المستشارية لوزارة الداخلية في السعودية وبعد تعيينه ومعاوناً فيها من قبل القضاء المصري، تم تعينه عضواً ضمن لجنة مهمتها الاطلاع على بعض الكتب التي يتم ضبطها من قبل الشرطة السعودية من وفد الحجيج الايراني واصدار حكم مصادرتها فيما لو كانت تستحق ذلك.

وكان غرض الحكومة السعودية من تعيين هذه اللجنة هو التظاهر حين مصادرتها للكتب الشيعية بأن هذا الأمر يتم عبر لجنة علمية وقانونية مشرفة عليه بحيث لا يتم أمر المصادرة إلاّ عن وعي بضرر دخول هذه الكتب إلى البلد وكونها من كتب الضلال التي يجب مصادرتها.

فصادف ذات يوم بعد تكوين هذه اللجنة وقبل مباشرتها لعملها أن تم ضبط كمية كبيرة من الكتب من وفد الحجاج الايرانيين، فارتأت الحكومة السعودية أن يتم أمر مصادرة هذه الكتب من قبل هذه اللجنة التي فيها الدمرداش.

فلم تمض فترة بعد قرار الحكومة السعودية، جاء رئيس اللجنة السعودي إلى المستشار الدمرداش وقدّم له كتاباً ينص على اطلاع اللجنة على الكتب ووجوب مصادرتها ثم طلب منه أن يوقّع أسفل هذا التقرير كأحد اعضاء اللجنة.

فيقول المستشار الدمرداش: "قلت له: أخي العزيز كيف يأتي لي أن اصدر حكماً بمصادرة كتب لم اطلع على أي شيء منها؟!".

ثم طلب منه الدمرداش أن يتيح له فرصة الاطلاع على هذه الكتب ليسعه بعد ذلك أن يوقع مؤيداً مفاد هذا التقرير.

فلم يقتنع مسؤول اللجنة بذلك فوقع هو وزميله السعودي، ثم رفع التقرير إلى وكيل الوزارة طالباً بأن يكتفي بتوقيعها ويُستغني عن توقيع المستشار القانوني المصري.

ويقول المستشار الدمرداش: "كان وكيل الوزارة الذي رُفع إليه التقرير منصفاً، فاستدعاني وطيب خاطري وقال لي: أنت حرّ في أن تقرأ الكتب كما تشاء.

فأعاد أعضاء اللجنة القول بأنّهم لن يقرؤوا شيئاً من هذه الكتب، لأنهم يعلمون ما فيها!".

ويضيف المستشار الدمرداش: "فزاد الله من فضل وكيل الوزارة عليّ، فاجازني عن العمل لمدة شهرين، لمراجعة هذه الكتب، لأنه كان رجلاً مثقفا، أدرك أن البحث في هذه الكتب يستغرق كل هذه الفترة، فأخذت الكتب وعكفت على قراءتها، فوجدت نفسي عند كل سطر اقرأه يولد في أعماقي انسان جديد! وكانت آخر قراءة لي حول حديث الثقلين، فقلبت فيه النظر سواءً فيما هو وارد بشأنه في مذهب أهل البيت أو مرويات العامة. فاودعني ربي أن لا أعجل إلى اتخاذ قرار هو مصيري إلى الجنة أو النار!".

نهاية مطاف البحث:

بعد ذلك توجه المستشار الدمرداش حول البحث الجاد من أجل تحديد مصيره العقائدي، وكان معظم اهتمامه استنباط العقيدة من القرآن الكريم، وبالتدريج اكتسب الرؤية الواضحة حتى أسفر الصبح وظهرت له شمس الحقيقة ساطعة، فلم يجد مجالاً للبقاء على الموروث العقائدي، فنبذ التقليد والاتباع الأعمى واختار عن وعي اتباع مذهب أهل البيت والتمسك بهديهم وملازمة سمتهم(عليهم السلام).

مؤلفاته:

{1} "دعائم المنهج الاسلامي":

الناشر: دار الصفوة / بيروت سنة 1417هـ ـ 1996 م.

جاء في تعريف مجلة المنهاج ـ العدد الرابع ـ شتاء 1417 هـ ـ 1996 م: "يرى المؤلف ان دعائم المنهج الاسلامي تكمن في بيان الطريقة الموصلة الى معرفة النفس وصولاً إلى معرفة الرب.

وتحقيقاً لمقام العبودية. وعلى ذلك حصر بحثه هذا في فصلين هما: المعرفة والعبودية في حديثه عن المعرفة يتحدث عن مصادرها موضحاً التباين بين الباحثين ـ في مصادر المعرفة بحسب تباين مدارسهم الفكرية ليعالج بعد ذلك الفطرة والحس والعقل والالهام والوحي وختم المؤلف كتابه ببحث عن دور العقل من حيث الاطمئنان لصدور الوحي. ولم يعالج موضوع العبودية كما أشار لذلك في مقدمة الكتاب.

{2} "محاضرات عقائدية":

صدر عن مركز الأبحاث العقائدية، ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.

مجموعة محاضرات ألقاها في إيران عند زيارته لها عام 1421هـ وغيره، وذلك بدعوة خاصّة له من مركز الأبحاث العقائدية، وهي:

1 ـ "الرحلة إلى الثقلين"، يذكر فيها شيئاً من حياته وكيفية انتقاله إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وبيان علو شأنهم وأنهم أحد الثقلين الذي يفسر الثقل الآخر.

2 ـ "الإمامة في القرآن"، استدلال رائع ومتسلسل بآيات من القرآن الكريم في اثبات امامة أهل البيت(عليهم السلام) واجاب في نهاية المحاضرة على استفسارات واسئلة الحاضرين.

3 ـ "الإمام الحسين(عليه السلام) في سفر الشهداء"، محاضرة مطولة حول تاريخ الانبياء(عليهم السلام) من زمان أبيهم ابراهيم إلى زمان الخاتم(صلى الله عليه وآله)، وذكر حسد قريش للنبي(صلى الله عليه وآله) وآله(عليهم السلام) ومقاومتها لدين الاسلام من الخارج ومحاولة هدمه من الداخل بعد ذلك. وقارن خروج الامام الحسين(عليه السلام) من المدينة بخروج موسى خائفاً مترقباً من مصر. وذكر ما تعرض له بني أمية بعد قتل الامام الحسين(عليه السلام) وما سيتعرض له الظالمون عند خروج الامام المهدي(عليه السلام).

4 ـ "انتخاب الطريق من الظلمات إلى النور"، وفيها تفاصيل أخرى عن كيفية انتقاله إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) غير ما ذكره في المحاضرة رقم (1)، وفيها ذكر قصة إطلاعه على كتب اوردها الحجاج الايرانيون إلى الحجاز وكيف اسندت إليه مسؤولية اصدار الحكم بمصادرتها عندما كان يعمل مستشاراً في الوزارة الداخلية بالسعودية، وكيف استفاد من هذه الكتب وتمكن من اكتشاف دور آل البيت من حديث الثقلين.

5 ـ "من هم الشيعة"، تعرض فيها إلى أمور متعددة من تفسير لبعض آيات القرآن الكريم وعرض لسيرة النبي(صلى الله عليه وآله) والائمة(عليهم السلام) وكيفية انتقال الهداية الالهية بعد النبي(صلى الله عليه وآله) خاتم الأنبياء إلى الامام علي وأولاده(عليهم السلام)، ووراثة الشيعة بحبهم آل البيت(عليهم السلام) كل الدين والهداية الالهية وانهم الذين سينتصر بهم الله على الدين كله بظهور القائم (عج).

أبحاث:

{1} "مسؤوليات الامة الاسلامية في الانتظار والتحديات":

بحث القاه في ملتقى الفكر الإسلامي الثاني عشر الذي عقد في المركز الإسلامي في انجلترا، وقد نشرته مجلة شؤون اسلامية التي تصدر عن المركز العدد 7 ـ سنة 1421 هـ، عقد الملتقى تحت عنوان "مستقبل الأمة الإسلامية بين

تحديات عصر العولمة والاطروحة الالهية لمستقبل البشرية".

يتحدث في هذه المقالة عن مصطلح العولمة الذي يرى أن الإسلام يقبله لأنه دين عالمي وأنّ سيادة الإسلام العالمية ستحقق بقيادة الإمام المهدي(عليه السلام).

ويتحدث عن بشرى المسيح بالنبيّ محمد(صلى الله عليه وآله) وأنّ للمسيح عودة إلى الأرض لنصرة الإمام المهدي الذي سيطبق القرآن الذي هو لكل العصور بما فيها عصر العولمة.

وقفة مع ((الإمامة في كتاب الله الحكيم)) من كتابه محاضرات عقائدية

أهمية الإمامة:

يرى الكاتب أنّ موضوع الإمامة ـ كما هو الحق ـ من أشرف الموضوعات الدينية وأهمها، وهو خليق بأن تتوجه له العقول وتتوفر على بحثه والتثبت منه.

ويشبه الإمامة بالثمرة في شجرة الإيمان، إذ أنّ الشجرة المباركة التي جعل الله أصلها ثابتاً في الأرض بلا اله إلا الله وفرعها منبثقاً في السماء برسول الله(صلى الله عليه وآله)إنما ثمرتها الحقيقية الإمامة، وإذا تجردت الشجرة من الثمرة فقدت وظيفتها وأصبحت عالة على الأرض التي تستقل بها.

كما يتحدث عن مظلومية الإمامة كركن من أركان الدين نقضت عروته وتهدم أساسه أولاً ثم نقضت الأركان الاخرى وتهدمت عروة عروة عبر التاريخ نتيجة لظلم هذا الركن وتضييعه من قبل المسلمين.

الاختيار الالهي في الخلق:

يرى الكاتب أنّ كل مخلوق خلق على قاعدة الاختيار الالهي له، يعني أنّه ليس مخلوقاً عبثاً; لأنّ العبثية في المخلوقات ممتنعة، قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـكُمْ عَبَثاً)(1)، فكل المخلوقات خلقت بتقدير واختيار وبحيث يستطيع الباحث المدقق أن يسجل هذه السنة: سُنة الخلق مقرونة بسنة الاختيار، قال


1) المؤمنون: 115.

تعالى: (وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَ يَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَـنَ اللَّهِ وَ تَعَـلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ )(1).

وقد أشار القرآن الكريم إلى أنّ الاختيار يشمل العوالم الثلاثة: عالم الجماد وعالم النبات وعالم الحيوان، قال تعالى: (ثَمَرَ ت مُّخْتَلِفاً أَلْوَ نُهَا وَ مِنَ الْجِبَالِ جُدَدُم بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَ نُهَا وَ غَرَابِيبُ سُودٌ* وَ مِنَ النَّاسِ وَ الدَّوَآبِّ وَ الاَْنْعَـمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَ نُهُو كَذَ لِكَ)(2)، ففي هذه الاية الكريمة اشارة إلى انواع الخلق المختلف في العوالم الثلاثة مما يدل على الاختيار الالهي لهذه الانواع المصاحب لخلقها. وهذان الأمران ـ أي الخلق والاختيار هما من مظاهر ربوبية الله في تصرفه وتقديره لأمور الكون.

نقطة التحدي في رفض الاختيار:

يوضح الكاتب أنّ الله سبحانه وتعالى لمّا اختار أن يخلق بشراً من صلصال.

وأنبأ الملائكة بمشيئته وتحققت هذه المشيئة وخلق الانسان، جاء وقت الاذعان لهذه المشيئة بالسجود لهذا المخلوق كما أمر بذلك سبحانه.

هنا أبى إبليس واستكبر وكفر، وهو لم يكفر بالله خالقاً ولا كفر بالله رازقاً ولا كفر بالله فاطراً، ولكنه نازع وأبى اختيار الله لآدم كخليفة في الأرض وتفضيله على غيره بتعليمه الاسماء كلها. قال يخاطب الله سبحانه (خَلَقْتَنِى مِن نَّار وَخَلَقْتَهُو مِن طِين )(3)(ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً)(4)، وجاءه الرد الالهي (فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّـغِرِينَ )(5)، فالله


1) القصص: 68.

2) فاطر: 27 ـ 28.

3) الأعراف: 12.

4) الاسراء: 61.

5) الاعراف: 13.

سبحانه لم يقل له أنك لم تعبدني أو أنك لم تذكر أني خالقك أو أنك تصورت نفسك إلهاً بل قال: لا يحق لك التكبر على أمري في اختيار آدم وجعله خليفة بل كان عليك الاذعان وعدم التحدي.

بني آدم وسنة الاختيار:

ينتقل الكاتب إلى عرض سنة الاختيار الالهي على البشر وامتحانهم بها بقبولها أو رفضها حيث يكون القبول والتسليم والرضى بما اختاره الله سبباً في النجاة والنجاح في الامتحان ويكون التكبر والاباء والتحدي سبباً في الهلاك والفشل في هذا الامتحان.

قال ابليس: يا رب أنا عبدتك في الأرض وعبدتك في السماء حتى ابتليتني بهذا المخلوق الذى خلقته من طين وأمرتني بالسجود له، فعظم عليّ أن اسجد للطين، هلاّ ابتليت ذريته بما ابتليتني به ففضلت بعضهم على بعض لترى كيف يفعلون ببعضهم(1)؟

وعن هذا تتحدث الآية في السنة الكونية، يقول الحق: (وَكَذَ لِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْض لِّيَقُولُواْ أَهَـؤُلاَءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنم بَيْنِنَآ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّـكِرِينَ )(2).

الله تعالى وجد أن احتجاج إبليس وجيه، وبعدله وبتقديره في الأزل اجرى الاختيار على بني آدم منذ فجر الخليقة.

عندما أصبح ابناء آدم أكثر من واحد تحركت سنة الاختيار لكي يتبين من يرضى باختيار الله.

كان ابنا آدم قبل الاختيار مسلمين، والدليل انهما قربا لله قرباناً، فلو كان


1) انظر تفسير الطبري: 8 / 172 ـ 175.

2) الانعام: 53.

أحدهما كافراً محضاً ومنكراً فانه لا يقدم قرباناً، قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الاَْخَرِ قَالَ لاََقْتُلَنَّكَ)(1).

رفض ابن آدم الشقي الاختيار، رغم انه قبل ذلك كان يقدم قرباناً، أي أنه عارف بالله مؤمن به لكنه رفض الاختيار فطرد واصبح شقياً مطروداً وارتكب جريمة القتل لأخيه.

إن ابليس فرح مع أول دفقة دم لابن آدم على يد أخيه. وقال:ها قد نجحت في التحدي ولهذا يقول الحق عن ابليس: (أَفَتَتَّخِذُونَهُو وَ ذُرِّيَّتَهُو أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوُّم بِئْسَ لِلظَّـلِمِينَ بَدَلا)(2)، وهكذا أخذت سنة الاختيار مجراها لا تجدها لها تبديلا ولا تحويلا لما تكاثر البشر وكانت النبوات.

الاختيار في زمان نوح وإبراهيم(عليهما السلام):

يواصل الكاتب بيانه لسنة الاختيار الالهي بالاستفادة من آيات القرآن، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً) والاصطفاء يعني اختيار الصفوة وهو ليس مجرد اختيار، بل اختيار يتجلى فيه العلم والقدرة والبصر بالعباد.

ثم دخل على الاصطفاء تطور جديد كان إبراهيم(عليه السلام) سبباً له، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَ هِيمَ وَءَالَ عِمْرَ نَ)(3)، فالآية هنا لم تعبر ان الله اصطفى آدم ونوحاً وابراهيم، ومن هنا دخل في دائرة الاصطفاء الآل.

الله تبارك وتعالى لمّا أكرم ابراهيم وابتلاه بكلمات فاتمهن، خوطب بالبشرى: (إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)، تقبل البشرى راغباً في سعة رحمة الله


1) المائدة: 27.

2) الكهف: 50.

3) آل عمران: 33.

وفي استدامة هذا النور في ذريته (قَالَ وَ مِن ذُرِّيَّتِى) أُجيب جواب المثبت للامامة من حيث المبدأ المستبعد للظالمين منها (قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّـلِمِينَ)(1)أي: بلى يا ابراهيم يكون من ذريتك أئمة مع استبعاد الظالمين.

بيت الله وأهل البيت:

قد بوأ الله سبحانه بيته لإبراهيم الخليل ليرفع قواعده (وَ إِذْ بَوَّأْنَا لاِِبْرَ هِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْـًا)(2)(وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَ هِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْمَـعِيلُ)(3)، ولابد للبيت من أهل، وقد اختارهم الله بعد ابراهيم من ذريته فهم ليسوا أناساً مجهولين.

جاءت الملائكة إلى إبراهيم وحدثته بإرسالهم إلى قوم لوط، فأخذ ابراهيم يجادلهم في قوم لوط، وكانت امرأة إبراهيم البارة الصالحة سارة عميدة أهل البيت في زمانها قائمة، يقول الوحي مبشراً لها: (وَ امْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـهَا بِإِسْحَـقَ وَ مِن وَرَآءِ إِسْحَـقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَـوَيْلَتَى ءَأَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هَـذَا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ * قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكَـتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)(4).

بدأت مرحلة أهل البيت منذ أن رفع إبراهيم القواعد من البيت، وبعد إبراهيم إسحاق وبعد إسحاق يعقوب، وهكذا حتى استتم بنو اسرائيل مواكب أنبيائهم نبياً بعد نبي، حتى إذا غيّر بنو اسرائيل ما بأنفسهم غير الله ما انعم عليهم، واستبدلوا بآل محمد(عليهم السلام) من ذرية اسماعيل بن إبراهيم.


1) البقرة: 124.

2) الحج: 26.

3) البقرة: 127.

4) هود: 71 ـ 73.

آل عمران همزة الوصل:

ذكرت آية الاصطفاء(1)آل ابراهيم، وآل عمران، وآل عمران يتلخصون في مريم بنت عمران وابنها المسيح، وهذا يعني ان الله سبحانه جعل من مريم رحماً للآل كما جعل سارة قبل ذلك رحماً لهم وسبباً وأصلاً وبشرها بذلك.

إنّ من أقوى الأدلة العقلية والنقلية على جفاف ينابيع الخير في بني إسرائيل أنه لا يوجد أحد من ذكور بني اسرائيل أهلاً لمريم الطاهرة البتول، قال تعالى: (وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَ نَ الَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَ صَدَّقَتْ بِكَلِمَـتِ رَبِّهَا وَ كُتُبِهِ وَ كَانَتْ مِنَ الْقَـنِتِينَ)(2).

ويبدو أنّ الله سبحانه وتعالى أراد أن يبيّن همزة الوصل بين انتهاء إمامة بني اسرائيل وبدء إمامة محمد(صلى الله عليه وآله) وآله(عليهم السلام)، إذ جاء عيسى(عليه السلام) وهو كما يصفه القرآن همزة وصل فعلاً (وَ إِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَـبَنِى إِسْرَ ءِيلَ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَ مُبَشِّرَاً بِرَسُول يَأْتِى مِن بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ)(3).

الاختيار في سورة الشورى:

وضحت سورة الشورى المنعطف الذي بيّن تسلسل الاختيار وبدء الإمامة في ذرية الزهراء(عليها السلام).

الحق تبارك وتعالى يقول في هذه السورة: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَ الَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَ مَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَ هِيمَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ


1) آل عمران: 33.

2) التحريم: 12.

3) الصف: 6.

الدِّينَ وَ لاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ)(1).

أول شيء يقول الحق مخاطباً عبده ورسوله محمداً(صلى الله عليه وآله): يا عبدي ورسولي محمد، هاقد آل إليك ميراث النبيين جميعاً، هاقد آلت إليك أنوار الأنبياء جميعاً ووصاياي لهم جميعاً أصبحت وصاياي لك ولامتك.

ثم إنّ الحق تبارك وتعالى يقول: (اللَّهُ الَّذِى أَنزَلَ الْكِتَـبَ بِالْحَقِّ وَ الْمِيزَانَ)(2)، والميزان هو الإمام المعصوم الذي يكون مع الكتاب ضامناً لعدم تحريفه ومنافحاً عنه بالتفسير الصحيح الذي يدفع عنه التناقضات الظاهرية أو التفسير الخاطيء أو المحرف.

ثم أتت آية المودة في القربى (ذَ لِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْ الصَّـلِحَـتِ قُل لاَّ أَسْـَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى وَ مَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)(3)بعد أن بين الوحي أن هدى الله استقر في الرسول والأئمة المعصومين من بعده، طلب المودة للقربى وهم هؤلاء الأئمة.

سارة ومريم والزهراء سلام الله عليهن:

ثم إنّ هبة الإمامة مرتبطة بأنوار الزهراء(عليها السلام)، فها هي سورة الشورى لا زالت تتحدث (لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَـوَ تِ وَ الاَْرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـثًا وَ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَ إِنَـثًا وَ يَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)(4).


1) الشورى: 13.

2) الشورى: 17.

3) الشورى: 23.

4) الشورى: 49 ـ 50.

الهبة بدأت بالاناث ثم قال (وَ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ)، أي يهب لمن يشاء الذكور المناسبين للاناث في الزواج (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَ إِنَـثًا)، والاناث هن التربة، وهن المستودع التي تستودع فيه النطف، ولذلك قلنا: ان سارة ارتبط بها آل البيت وكذلك مريم الذى كان عيسى ابنها ينادي: نضب الخير فيكم يا بني اسرائيل، من يستحق منكم ان يكون زوجاً لمريم؟

في سورة النور يقدم الله ذكر الطيبات على الطيبين يقول (الطيبات للطيبين) كما يقول (الخبيثات للخبيثين)(1)وهذه إشارة الى انه اذا نظف الرحم وطهر المستودع كان قميناً بان ينجب الرجال، ولذلك صح القول المأثور: "ما كان لفاطمة كفو غير علي"(2)فهو قد خلق من اجلها. وهذا هو الاختيار والاصطفاء للامامة.

رد فعل الأمة تجاه الاختيار الالهي:

بعد أن وضحت سورة الشورى معالم الاختيار الالهي، حذرت الأمة من التفريط بهذا الاختيار بالتفرق والبغي والشك والاضطراب والافتراء.

في الآية {13} كان جوهر الوصايا التي شرعها الله من زمان نوح إلى محمد(صلى الله عليه وآله): (أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَ لاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ) لان التفرق لووقع سيكون ناشئاً بسبب البغي، فربنا يقول: (وَ مَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ)(3)ومعنى البغي بينهم ان يرفض بعضهم البعض الذي اختاره الله بعد علمهم بذلك كما حدث في تاريخ المسلمين عندما جائهم في يوم الغدير وغيره من المناسبات.


1) النور: 26.

2) بحار الانوار: 43 / 101.

3) الشورى: 14.

ثم يقول الحق بخصوص بغيهم هذا: (وَ لَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ)(1).

ولو لا هذه الكلمة التي سبقت من ربنا لما استطاع ان يجتريء على رسول الله(صلى الله عليه وآله)أحد بهذه الكلمة الرهيبة: "إنه يهجر"(2)إلاّ وأتاه العقاب الفوري.

وختام الآية يقول: (الَّذِينَ أُورِثُواْ الْكِتَـبَ مِنم بَعْدِهِمْ لَفِى شَكّ مِّنْهُ مُرِيب )(3).

أي أنّ نتيجة التفرق القائم على البغي تؤدي إلى الريب في الكتاب فيقع الاضطراب ويصير الناس في شك، ماذا فعل رسول الله وماذا لم يفعل؟ وما معنى هذه الآية وما معنى تلك؟ بحيث اصبح القرآن واحكامه وعبادات الرسول محل شك! لدرجة ان المسلمين لا يعرفون كيف توضأ الرسول، وهو كان يتوضا على مرآى من المسلمين طوال حياته، وهذا نتيجة نقضهم عروة الامامة بغياً فتفرقوا.

وفي الآية {24} يقول الحق: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً)(4)، وقد جاء في بعض الروايات عند أهل السنة، قال بعضهم: لعلّ هذا من عند رسول الله وليس من الله(5)، عندما بلغهم بالامامة وبين لهم وجوب المودة بما تنطوي عليه من تسليم لاختيار الله سبحانه. وأما هذا الذي اعترض في رزية الخميس وقال: انه يهجر، فاما انه ظنّ ان رسول الله يفتري على الله فيكون المعترض قد كفر، أو ظن إن هذا من أمر الله ولكنه لا يريد أمر الله، والحال واحد.


1) يونس: 19.

2) البخاري: 5 / 137، صحيح مسلم: 5 / 76، سنن النسائي: 3 / 433، أحمد: 1 / 325، فتح الباري: 1 / 186.

3) الشورى: 14.

4) الشورى: 24.

5) السيوطي في الدر المنثور عن الطبراني وابن مردويه من طريق ابن جبير، انظر الميزان: 18 / 53.

الاختيار في مملكة النحل:

يقول الكاتب وفقاً لرأيه بأنّ الاختيار الالهي يسري في الحيوانات أيضاً، ان هناك آيات في كتاب الله غريبة المأخذ والمنتهى ولا تقف عند حد لو تأملنا فيها، الله سبحانه يقول: (وَمَا مِن دَآبَّة فِى الاَْرْضِ وَلاَ طَـائِر يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَـبِ مِن شَىْء ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ )(1)، ويقول سبحانه في آية اخرى: (وَ إِن مِّنْ أُمَّة إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ)(2)، إذن حتى أمم الطيور والحيوان فيها اختيار وانذار.

تعالوا نتأمل الاختيار في مملكة النحل، وهو الاختيار المذهل الذى دعا إلى ان يختص النحل بسورة من طوال السور في القرآن، ويختص بوحي، ومعجزة النحل وحدها دليل على الإمامة.

الله سبحانه يقول: (وَ أَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ)(3)، يا هل ترى جمع مذكر أم جمع مؤنث؟

سيظهر في الخطاب الآتي: (وَ أَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِى) فقد عدل بعدما كان يخاطب جمعاً، عدل في الأمر الصادر كأنه يخاطب مفرداً مؤنثاً، لانه لا جمع مؤنث: أن اتخذن، ولا جمع مذكر: أن اتخذوا، قال: (أَنِ اتَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ)(4).

لقد اصبح معلوماً ـ وأي دارس في الاعدادية يعرف ـ أنّ في مملكة النحل


1) الانعام: 38.

2) فاطر: 24.

3) النحل: 68.

4) النحل: 68.

ملكة، فما هذه الملكة، هل جاءت من السقيفة؟! هل اختاروها هناك؟!

بيض النحل عندما يفقس، يفقس عن ثلاثة أنواع: ذكور، وعاملات وواحدة فقط ملكة ولو فقس بيض الملكة عن اكثر من ملكة يستحيل ان تبقى الملكتان في الخلية، لابد أن تنفصل واحدة ببعض العاملات وتغادر لتكون خلية جديدة، لا امامان في خلية.

ملكة النحل هذه كيف اكتسبت صفاتها؟

آنها صفات تكوينية من الله عزوجل، ولأجل ان يضرب المثل بها، فاذا كانت حشرة قد انتظمت في طاعة امامها فانتجت عسلاً فيه شفاء للناس، فكيف لو انتظم الناس في طاعة امامهم، فماذا كانوا ينتجون؟!

لو استقام الناس على امامة امير المؤمنين لاصبحت هذه الأرض جنة، يقول تعالى: (ولو انهم اقاموا التوراة والانجيل وما انزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت ارجلهم)(1)، وقال تعالى: (وَ أَلَّوِ اسْتَقَـمُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لاََسْقَيْنَـهُم مَّآءً غَدَقاً )(2).

الإمامة في الجماد:

إنّ الإمامة تسري في الكون حتى في الجماد والمواد، إن ما نقرأه عن البروتونات والنيوترونات والالكترونات، رغم انه بسيط فانه غريب!

إنّ الذرة تتكون من نواة والكترونات تدور حول نواة الذرة التي فيها، والنواة لها مركز ثابت وتتحرك بثبات. من الذي صنع لهذه النواة هذا المركز وللالكترونات هذه المدرات؟.


1) المائدة: 66.

2) الجن: 16.

مسك الختام:

إن الله الذي أكرم المؤمنين بان جعلهم من أصحاب الولاء لمحمد وآل محمد يندبهم لأمر عظيم، لان يتهيأوا ويكونوا في جيش الامام القائم(عليه السلام). قال تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)(1).


1) هود: 86.

{15} سعيد أيوب(سني / مصر)

اشارة

الصورة

A10

ولد في القاهرة عاصمة دولة مصر عام 1363هـ ونشأ في عائلة سنية المذهب، واصل دراسته إلى مرحلة المتوسطة، ثم خاض في عالم الفكر وأصبح مفكراً ومؤلفاً قديراً بحيث استطاع أن يغني المكتبة الاسلامية بالعديد من مؤلفاته وبحوثه الاسلامية القيمة.

وكان من جملة الأبحاث التي تطرق اليها هو ما يخص الحقبة التاريخية التي تلت وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله).

الانفتاح على آفاق المعرفة:

تبيّن للاستاذ أيوب بعد البحث والتنقيب أن تاريخ الإسلام يختلف عن تاريخ المسلمين، وأن تاريخ الإسلام هو تاريخ الفطرة النقية، أما تاريخ المسلمين فهو شيء آخر وأن ما استقام منه مع حركة الرسول فهو من تاريخ الإسلام، أما الصراعات والأحقاد من أجل الأهواء فهذا لا علاقة للإسلام به، لأنه من تاريخ الناس، ومن الناس من أغواهم الشيطان وزين لهم فانطلقوا مع أمانيه في اتجاه القهقرى والطمس.

التفتح في العقلية:

بهذه العقلية المنفتحه استطاع الأستاذ أيوب أن يخلع عن نفسه رداء التعصب ويجتاز أكبر العقبات التي تحجبت بصيرة الانسان عن الرؤية الموضوعية.

ومن هنا تمكن الأستاذ أيوب أن يرفع الستار عن الحقيقة ليراها بوضوح، لأنه انطلق من هذا المنطلق بأن تاريخ المسلمين قابل للنقد كما أنه معرض أحياناً للرفض إذا تعارض مع القرآن والسنة الصحيحة.

غربلة تاريخ المسلمين:

وبهذه الرؤية الموضوعية سلط الاستاذ أيوب أضواء بحثه على الحقبة التاريخية التي تلت وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) لادراكه بأن أحداث تلك الفترة تركت الأثر المباشر على مسار حركة الأمة الإسلامية وأدّت إلى وقوع انشقاقات عديدة في الوسط الاسلامي، وأن الطريق الوحيد لمعرفة الطريق الصحيح من بينها هو الالمام بجذور تلك الاختلافات والاحاطة العلمية بالأسباب التي أدّت إلى خروج البعض عن دائرة الالتزام بأوامر النبيّ(صلى الله عليه وآله) فيما يخص المنهج الذي اتحذه لمستقبل الأمة من بعده.

الالمام بدعوة الرسول(صلى الله عليه وآله) والتعرف على الحقائق:

كان أول عمل قام به الأستاذ ايوب هو الاحاطة علماً بمنهج الرسول(صلى الله عليه وآله)في الدعوة، والسحب الداكنة التي كانت تحاول أن تحجب بصيرة الناس عن رؤية نور رسالته، والعواصف التي كان تجتهد لتصد الناس عن سبيل الله والتي كان منها نشاط المشركين والكفار والذين في قلوبهم مرض.

ثم عرف الأستاذ أيوب بالمنهج الذي أعده الرسول(صلى الله عليه وآله) لتشكيل القيادة من

بعده، بحيث يكفل الاستمرارية والاستقرار على النحو الذي ينشده للمسيرة التي بدأها.

فتبيّن له بوضوح أن الرسول(صلى الله عليه وآله) كان يمهّد السبيل من بعده لأهل بيته(عليهم السلام)وذلك بأمر من الله سبحانه وتعالى، وكان من أبرز تلك المواقف هي حجة الوداع ويوم غدير خم الذي تم فيه إعلان الولاية والنص على من هو الخليفة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله).

ولكن ما إن رحل النبيّ(صلى الله عليه وآله) إلاّ وقد رجّح الكثير من الصحابة ترك النص والعمل وفق المصلحة التي يرتؤوها لتحديد الخلافة، وأنّ السياسة كان لها أقوال وأفعال واليها يعود كل اختلافات الأمة، وبهذا اخرج آل محمد من الإمامة وجاءت على قاعدة اختيار الصحابة ومن هذا المنطلق تحولت فيما بعد إلى ملك وجبرية.

اتخاذ القرار النهائي:

وبهذا بدت الصورة واضحة أمام بصيرة الأستاذ أيوب، فلم يجد بداً سوى أن يرحل في عالم الانتماء المذهبي من المذهب السني الذي كان عليه إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

مؤلفاته:

{1} "معالم الفتن، نظراتٌ في حركة الاسلام وتاريخ المسلمين":

صدر عام 1416 هـ الناشر: مجمع احياء الثقافة الاسلامية / قم. ترجمه إلى الفارسية سيد حسن اسلامي وصدر عن مركز الغدير سنة 1376 هـ. ش تحت عنوان: از ژرفاى فتنه ها.

دراسة علمية معمقة ومركزة، لمسيرة الاسلام في العصر النبوي وما بعده.

اعتمدت هذه الدراسة النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة المعتمدة لدى الجميع، وميزّت بين حركة الرسالة الإسلامية الربانيّة المعصومة القائمة على شخص الرسول(صلى الله عليه وآله) وأقواله وأفعاله وتقريراته، وبين حركة المسلمين على أرض الواقع التي التي تلوّنت بألوان شتى ودخل فيها ما ليس منها، وأبعد عنها رجال كانوا منها بمنزلة الأمل الذي لا تنهض الامور إلا به، وقد أنار المؤلف بهذه الدراسة واقع المسلمين وشخص الخلل الذي أصاب حياة المسلمين وحتى هذه الساعة.

وقد نشر هذا الكتاب في جزءين يتضمن كل جزء عدة مواضيع، منها:

الجزء الأول: النور الذي جاء به رسول الله(صلى الله عليه وآله) والسحب الداكنة، النور والولاية، تحذير النبيّ(صلى الله عليه وآله) من رموز الفتن، الأحداث التي وقعت بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)، الطريق إلى الفتن، ظهور الرأى، منع تدوين الحديث، الأمراء والفتن، مجىء بني أمية، حكومة الإمام عليّ(عليه السلام).

الجزء الثاني: معارك الامام علي(عليه السلام)، يوم الجمل، ايام صفين، جداول الدماء، استشهاد الامام علي، بيعة الحسن بن علي(عليهما السلام)، مقتل أبي عبد الله الحسين، وجاء الطغاة، الرياح الفرعونية.

{2} "الانحرافات الكبرى، القرى الظالمة في القرآن الكريم":

صدر عام 1412 هـ عن دار الهادي / بيروت.

بحث قام بطرح ما قصه القرآن عن الأمم السابقة وحتى الرسالة الخاتمة.

فتعرض لانحرافات قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب(عليهم السلام) وبني اسرائيل وقوم نبينا محمد(صلى الله عليه وآله)، وعند الحديث عن الرسالة الخاتمة القى بعض الضوء على أحداث ما سمي بـ "الفتنة الكبرى". تلك الأحداث التي يتجنب العديد من الباحثين الخوض فيها.

في حين أنهم أمروا بالنظر في الماضي حتى لا ينطلقوا إلى المستقبل وعلى

عقولهم بصمات هذه الفتن وهم لا يعرفون أهي بصمات حق أم بصمات انحراف وعلى هذا يقعون في الفتنة الأشد من التي اجتنبوها.

{3} "ابتلاءات الامم" (تأملات في الطريق إلى المسيح الدجال والمهدي المنتظر في اليهودية والمسيحية والاسلام):

صدر في طبعتة الثانية عن دار الهادي/ بيروت، سنة 1419 هـ.

دراسة عميقة في حركة التاريخ الديني، ومنهج البحث فيها يتخذ من الاخبار بالغيب عموداً فقرياً للوصول إلى الحقيقة التي يجلس على قمتها آخر الزمان "المهدي المنتظر" رمزاً لطائفة الحق. "والمسيح الدجال" رمزاً للانحراف والشذوذ.

وسلط الباحث الأضواء على المسيرة التاريخية لبني اسرائيل من واقع اخبار أنبيائهم بالغيب عن ربهم، وأوضح مدى الانحراف وأين قاد اتباعه بتسليط الاضواء القرآنية على هذه الانحرافات.

وعند البحث عن الخلل في سيرة الأمة الخاتمة انطلق من الأصول ونظر في المسيرة من خلال اخبار النبيّ(صلى الله عليه وآله) بالغيب عن ربه. ومن خلال ذلك كله قدم قراءته لحركة التاريخ.

{4} "الطريق إلى المهدي المنتظر":

صدر 1419هـ عن مركز الغدير / بيروت.

بحث مستلٌ من كتاب "ابتلاءات الامم" السابق. يناقش فيه المؤلف جانباً مهماً من جوانب عقيدة الإمامة وركناً من أركانها الأساسية، وهو عقيدة المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف.

{5} "الرساليون" (قراءة في اصالة الحجة وتأملات في معالم التأويل وحكمة الابتلاء):

صدر عام 1418 هـ عن دار الهادي / بيروت.

في هذا الكتاب القى المؤلف الضوء على الرحلة الانسانية، ابتداءاً من عالم الذر حيث كانت الفطرة في عالم من الغيب المخبوء، ومروراً بالنفس الانسانية ومسالك الفجور والتقوى في الحياة الدنيا حيث عالم المشاهدة المنظور، وانتهاءاً بمسيرة الاجتهاد والتأويل بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وما ترتب عليها، وأفرد باباً لقتال عليّ بن أبي طالب والذين معه على تأويل القرآن.

{6} "زوجات النبي(صلى الله عليه وآله)" (قراءة في تراجم أمهات المؤمنين في حركة الدعوة):

صدر عام 1418 هـ عن دار الهادي / بيروت.

دراسة في حياة زوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله)، قدم له بمقدمة في حكمة تشريع الزواج من أربع نساء، وحكمة تعدد أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله)، والأوامر الالهية لنساء النبيّ(صلى الله عليه وآله)، والقى الضوء ـ عند دراسة سيرة أمهات المؤمنين ـ على الأحداث المتعلقة بحركة الدعوة.

{7} "عقيدة المسيح الدجّال في الأديان، قراءة في المستقبل":

صدر عام 1411 عن دار الهادي / بيروت، وطبع طبعة اخرى تحت عنوان "المسيح الدجال، قراءة سياسية في اصول الديانات الكبرى" عام 1417 في دار الفتح للاعلام العربي.

دراسة في كل ما يتعلق بالمسيح الدجال من روايات وأدلة اتفقت عليها الكتب الثلاثة في اليهودية والمسيحية والإسلام، مع عرض تفسير أهل الكتاب للنصوص وتفسير الإسلام له، وناقش بعض المسائل مع أهل الكتاب بالاعتماد على مصادرهم المقروءة اليوم.

{8} "في ظلال، أسماء الله الحسنى":

صدر عام 1416 هـ عن دار الفتح للاعلام العربي / القاهرة.

جمع لأسماء الله الحسنى من كتاب الله وسنة رسوله المطهرة. بدأ بمدخل بيّن فيه معنى العبادة وبعض المصطلحات التي لا غنى عنها، ثم قدّم بعض اسماء الله الحسنى في القرآن الكريم والسنة المطهرة، كما قدم الأسماء التي وردت في رواية الترمذي، وفي الخاتمة قدم المختار من أسماء الله الحسنى، وقد شرح كل اسم مستعيناً بالعديد من مجامع اللغة العربية والمصطلحات الإسلامية.

{9} "الظل الممدود، في الصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته":

صدر عام 1417 هـ عن دار الهادي / بيروت.

يقول المؤلف عنه في المقدمة: "وفيه تدبرت في العمود الفقري الذي تتجدد عليه النبوة، ابتداءاً من آدم ومروراً بنوح وإبراهيم وانتهاءاً بخاتم النبيين محمد صلوات الله عليهم أجمعين، وتحت هذا الظل الممدود حلقت لاقف على بعض معاني المفردات"، وفي الختام تحدثت عن الصلاة على محمد وآله صلى الله عليه وآله.

{10} "وجاء الحق" صدر عن مركز الغدير سنة 1419هـ.

جاء في كلمة المركز: هذا الكتاب، في الأصل، فصل من فصول كتاب "ابتلاءات الامم" وقد استللناه من ذلك المؤلَّف القيم، ووضعناه تحت عنوانه الاصلي: " وجاء الحق".

والمقصود بالحق، هنا، الدعوة الخاتمة، دعوة النبي محمد(صلى الله عليه وآله) الموجهة إلى البشرية جمعاء، والقائلة لأهل الكتاب: تعالوا إلى كلمة عدل نستوي نحن وأنتم فيها، فنعبد الله وحده، ونتبع تعاليمه... وهذه دعوة جميع الانبياء والرسل منذ خلق الله الخلق.

يبحث المؤلف في القسم الأوّل من بحثه قضية "الدعوة الخاتمة وأهل الكتاب"، ويخلص ـ استناداً الى النصوص التي يستقرئها ـ إلى القول: أنّ الدعوة

الخاتمة، في الوقت الذي تفتح فيه ابوابها للباحثين عن الحقيقة، تحذر من اتباع أي مشروع يهدف إلى الصد عن سبيل الله...

ويفضي البحث في هذه القضية إلى بحث القضية الثانية، في القسم الثاني، بالاعتماد على استقراء مجموعة "من وصايا الدعوة الخاتمة". ويفيد هذا الاستقراء أنّ الأمة الخاتمة لم تستثن من الاختيار بالأنبياء والرسل وبأوصيائهم. فقد قابلت دائرة هارون وبنيه في الشريعة الموسوية دائرة الإمام عليّ بن أبي طالب وبنيه(عليهم السلام) في الشريعة المحمدية.

ينطلق المؤلف في بحثه، من النصوص، فيستقرئها ويخلص إلى نتائج لا يلبث ان يؤيدها بالشواهد، ورائده في ذلك ما أمر الله تعالى به رسوله(صلى الله عليه وآله) أن يدعو الخلق إلى الله عزوجل بالحكمة والموعظة الحسنة، وبذلك تشرع ابواب الحق امام الذين يريدون الاستبصار في الدين.

{11} "الأوائل في أحداث الدنيا وأخبار الاخرة":

صدر سنة 1405هـ عن دار الكتب العلمية / القاهرة هذا الكتاب ألفه المؤلف قبل استبصاره.

يقول الناشر: وهذا الكتاب فن جديد. جمعت فيه أحاديث شريفة خاصة بالأوائل، ثم تم ربط كل حديث بموضوع قريب من الحدث يهم المسلمين معرفته فجاء الكتاب يحتوي على كثير من الموضوعات، منها: آداب الزفاف، الاحتفال بالمولود، فقه المرأة، الخشوع، آداب التلاوة، كيفية الحج، أشراط الساعة، عذاب القبر، البعث، الحشر، الحساب، الجنة والنار، وموضوعات اخرى.

وقفة مع كتابه: "الطريق إلى المهدي المنتظر"

يورد الكاتب في مقدمة كتاب "ابتلاءات الامم" بعض الأفكار والمقدمات التي توضح "الطريق إلى المهدى المنتظر" الذي هو عنوان الفصل الأخير من كتاب "ابتلاءات الامم" وقد نشرت مؤسسة الغدير هذا الفصل في كتاب مستقل.

ونحن هنا نذكر ـ مقدمة ـ بعض اللمحات من هذه الافكار ليتوضح المطلوب وتكتمل الفكرة الرئيسية التي يريد الكاتب عرضها تحت هذا العنوان: "الطريق إلى المهدي المنتظر".

يقول الكاتب: "إن للتاريخ حركة. ولمعرفة الحاضر معرفة حقيقية يجب التنقيب في أوراق الماضي. ثم ترتب المعلومات على امتداد الرحلة لاستنتاج المجهولات، والذي فطرت العقول عليه هو أن تستعمل مقدمات حقيقية يقينية لاستنتاج المعلومات التصديقية الواقعية، فالحاضر لا يمكنه الوقوف على حقيقة إلا بالرجوع القهقري. وبتحليل الحوادث التاريخية للحصول على اصول القضايا واعراقها. فعند الاصول تُرى النتيجة على مرآة المقدمة، ولان حركة التاريخ على صفحتها الصالح والطالح ويصنع احداثها المحسن والمسيء. فلابد من تحديد الدوائر والخطوط بدقة ليظهر أصحاب كل طريق".

ثم يضيف: "أوجب الله تعالى على نفسه فتح الطريق لعباده وهدايتهم إليه. فبعث سبحانه الانبياء والمرسلين حتى لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل...

[و] لقد حذر الوحي من الشيطان. وحذرت النبوءة من المنافقين والمترفين

الذين اتخذوا من الصد عن سبيل الله هدفاً لهم، وفي دائرة وقف الشيطان وبرنامجه وأتباعه من أهل الاهواء تحت ضوء الاخبار بالغيب، ليتبين الناس الوقود الذي أمد المسيرة ويعلموا ان التاريخ وأن ظهر كوحدة واحدة، إلاّ أنه في الحقيقة وحدة انسانية واحدة ذات حركتين، حركة حق وحركة باطل ولأن الحاضر ابناً للماضي فانه يرث هذه التركة وينطلق بها إلى المستقبل. وعلى الانسان في هذه الحالة ان ينقب ويبحث وينظر فيما حوله من حجج عليه. لانّه مستخلف في الأرض. والاستخلاف يقتضي حركة. والحركة منظورة من الله".

ثم يوضح فيقول: "ولما كان الخير المخبوء والشر والمخبوء يقرا الحاضر أحداثهما كما رواها الانبياء والرسل(عليهم السلام) وذلك لينظم الحاضر خطواته في اتجاه الطريق الصحيح. وهو يسير تحت سقف الامتحان والابتلاء لينظر الله إلى عباده كيف يعملون، فان الحاضر اذا لم يصحح خطواته في يومه فلن ينفعه أن يصحح خطواته عند ظهور الأحداث واشتعال الملاحم في المستقبل; وذلك لانه سيكون قد ارتبط إرتباطاً بما يعتقد من انحرافات سياسية واقتصادية واجتماعية، وهذا الارتباط يدعمه المسيح الدجال الذي قال النبي(صلى الله عليه وآله) فى فتنة "ما بين آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال"(1)...

ولما كان الطريق إلى المسيح الدجال هو طريق التزيين والاغواء والاحتناك. ورموزه هم أئمة الضلال على امتداد التاريخ الانساني، فان طريق المهدي المنتظر هو طريق الفطرة الذي يحمل أعلام التوحيد والاخلاق ورموزه هم أئمة الهدى، وحدد النبي(صلى الله عليه وآله) طريق المهدي تحديداً دقيقاً، فبين انه يحمل اعلام القسط والعدل آخر الزمان، يقول عليه الصلاة والسلام "لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلماً وجوراً وعدواناً، ثم يخرج من أهل بيتي من يملأها قسطاً


1) رواه مسلم (الصحيح: 4 / 267).

وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً"(1)، وبين ان المهدي من ولد فاطمة(عليها السلام) فقال: "المهدى من عترتي من ولد فاطمة"(2). وأخبر بان طريق المهدي هو الطريق المنصور".

ونبدأ من هنا باستعراض أهم ما ورد في كتاب "الطريق إلى المهدى المنتظر":

موكب الحجة:

يقول الكاتب "لقد أقام النبيّ(صلى الله عليه وآله) الحجة عند المقدمة وهو يخبر بالغيب عن ربّه، وعندما انطلقت المسيرة بعد وفاته(صلى الله عليه وآله) تحت سقف الامتحان والابتلاء لم تخل المسيرة من الفتن...

والطريق من توضيح النبيّ للفتن وهي في بطن الغيب إلى ظهور الفتن في عالم المشاهدة طريق يخضع للبحث، بهدف اتقاء الفتن والمهلكة، وحصر وقودها في دائرة الذين ظلموا خاصة، وعدم البحث في هذا الطريق يفتح أبواباً عديدة; منها: مشاركة الذين ظلموا إذا رضي عن فعلهم، لأنّ الراضي عن فعل قوم كالداخل معهم، وقد جاء في الحديث الشريف: "المرء مع من أحب"(3)، وكما أنّ عدم البحث يلقي بالحاضر على الماضي، فكذلك يلقي به على ما يستقبله من فتن مهلكة. وما زالت في بطن الغيب أحداث وأحداث. لا ينجو منها العالم إلاّ بعلمه. وكذلك فانّ هناك أحداثاً اذا جاءت لا ينفع نفساً ايمانُها يومئذ; لأنها لم تبحث على امتداد الطريق، فانتج ذلك عدم معرفة الحق على امتداد الطريق ولما كان


1) رواه الحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (المستدرك: 4 / 557).

2) قال في التاج الجامع للأصول رواه ابو داود والحاكم بسندين صحيحين (التاج: 5 / 343) وانظر سنن أبي داود: 4 / 107، عون المعبود: 11 / 371، كنز العمال: 14 / 264، سنن ابن ماجة حديث 4086، مستدرك الحاكم: 4 / 557.

3) رواه البخاري، الصحيح: 4 / 77.

الحق عند هذه النفس يخضع لتحديد الأهواء، تسقط النفس في سلة الدجال التي تحتوي على جميع الأهواء.

ومن لم يكن مصلحاً يومئذ تائباً لم تقبل منه توبته، كما أن الله لا يقبل عملاً صالحاً من صاحبه اذا لم يكن قد عمل به من قبل ذلك.

وبالجملة فقد أخبر النبي(صلى الله عليه وآله) بالغيب عن ربّه جلّ وعلا، ليأخذ الناس بأسباب الهداية نحو ما يستقبلهم من أحداث ما زالت في بطن الغيب".

التحذيرات الذهبية:

1 ـ التحذير من الاختلاف: يقول الكاتب: "لقد حذرت الدعوة الالهية عند المقدمة من الاختلاف في الدين، وذكرت أن الاختلاف بعد العلم لا يمكن ان يضع أصحابه على طريقة رسول الله(صلى الله عليه وآله) لأنها طريقة بنيت على وحدة الكلمة ونفي الفرقة. وحذرت الدعوة أيضاً من سلوك سبيل الذين اوتوا الكتاب، وبينت برامجهم وأهدافهم، واخبرت بأنّهم يصدون عن سبيل الله، ويعملون من أجل أن تضل الأمة وتتبع طريقتهم في الحياة، ثم أخبر رسول الله بالغيب عن ربّه بما يستقبل الناس، ومنه أن الأمة ستفترق وسيتبع بعضها طريقة اليهود والنصارى، والتحذير عند المقدمة فيه أن الصراع قائم بين الحق والباطل، وظهور الذين اتبعوا اليهود والنصارى عند نهاية الطريق، لا يعني سقوط المسيرة وإنّما يعني سقوط الغثاء والزبد الذي لا قيمة له، وأعلام هولاء يحملها المنافقون والمنافقات".

2 ـ التحذير من امراء السوء: أورد الكاتب في هذا المجال: "حذرت الدعوة الخاتمة من الميل إلى الذين ظلموا; لأنّ على اعتابهم يأتي ضعف العقيدة وفقدان القدوة، وبينت أنّ قيام الذين ظلموا بتوجيه الحياة العقلية والدينية للأمة، ينتج عنه شيوع المشكلات الزائفة التي تشغل الرأي العام، وتجعله داخل دائرة الصفر، حيث الجمود والتخلف، وعلى أرضية الجمود تفتح الأبواب لسنن الأولين،

ومعها يختل منهج البحث، ومنهج التفكير، ومنهج الاستدلال، وبهذا يتم التعتيم على نور الفطرة وتغيب الحقيقة تحت أعلام الترقيع والتلجيم التي تلبست بالدين...

وبالجملة، بين النبيّ(صلى الله عليه وآله) أن صنفاً من الناس سيحرص على الامارة من بعده، قال(صلى الله عليه وآله): "إنكم ستحرصون على الامارة، وستصير حسرة وندامة يوم القيامة، نعمت المرضعة وبئست الفاطمة"(1).

وليس معنا هذا أنّ الإسلام لا يعترف بالقيادة والامارة، فالإسلام يقوم على النظام وفيه لكل شيء ذروة، والحديث يحذر غير أصحاب الحق من أن ينازعوا الأمر أهله.

3 ـ التحذير من ذهاب العلم: يقول الكاتب: "إنّ كل موجود يحظى بالعلم بقدر ما يحظى بالوجود، والله تعالى يرفع الذين آمنوا على غيرهم بالعلم، ويرفع الذين اوتوا العلم منهم درجات، بمعنى أن العلم له مكان في دائرة الذين آمنوا، وهذه الدائرة مراتب ولها ذروة، وذروة الذين اوتوا العلم، مع الذين ارتبطوا بكتاب الله، ولن ينفصلوا حتى يردوا على الحوض، ومن دائرة الذروة تخرج المعارف الحقة والعلوم المفيدة، لأنّ الذين في الذروة هم العامل الذي يحفظ الأخلاق ويحرسها في ثباتها ودوامها، ولأن من عندهم تتدفق العلوم التي تصلح اخلاق الناس، ليكونوا أهلاً لتلقي المزيد من المعارف الحقة التي لا تكون في متناول البشر إلاّ عندما تصلح أخلاقهم.

لقد دافع الإسلام عن العلم، ولم يقاتل يوماً من أجل الكرسي، وأمر بالجهاد للابقاء على الذروة التي تفيض بالعلم الالهي ذروة كل العلوم وأشرف العلوم; لانّ هؤلاء وحدهم هم الذين يحملون النور المحمدي ذلك النور الذي يعتبر برزخاً


1) رواه أحمد، الفتح الربّاني: 23 / 22، والبخاري، الصحيح: 4 / 235.

بين الناس والنور الالهي الذى تندك له الجبال".

العترة بين التحذير والابتلاء:

يقول الكاتب: "إنّ الله تعالى يمتحن الناس بالناس، قال تعالى: (وَ جَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْض فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَ كَانَ رَبُّكَ بَصِيراً )(1)فدائرة الهدى على امتداد المسيرة البشرية، فتنة لسائر الناس يمتحنون بها، فيميز أهل الريب من أهل الايمان والمتّبعون للأهواء من طلاب الحق الصابرين على طاعة الله وسلوك سبيله، وكما أن النبي(صلى الله عليه وآله) أمر أمته بان يتمسكوا بحبل العترة حتى لا يضلوا، وقال: "اذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي"(2)، وقال: "إني تركت فيكم ما إن اخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي"(3)، فانّه أخبر أمّته بانهم سيمتحنون بأهل بيته، قال: "انكم ستبتلون في أهل بيتي من بعدي"(4)، واخبر ـ بالغيب عن ربّه ـ بما سيسفر عنه الامتحان، فقال: "ان أهل بيتي سيلقون من بعدي من أمتى قتلاً وتشريداً"(5).

وأخبر النبي(صلى الله عليه وآله) عليّ بن أبي طالب بما سيجري عليه من بعده، وقال له: "إن الأمة ستغدر بك بعدي، وأنت تعيش على ملتي، وتقتل على سنتي، من أحبك أحبني، ومن أبغضك أبغضني، وإن هذه (يعني لحيته) ستخضت من هذا (يعني رأسه)"(6).


1) الفرقان: 20.

2) رواه مسلم، الصحيح: 7 / 123.

3) رواه الترمذي وحسنه الجامع: 5 / 662، والنسائي، كنز العمال: 1 / 172.

4) رواه الطبراني، كنز العمال: 11 / 124.

5) رواه الحاكم، ونعيم بن حماد، كنز العمال: 11 / 169.

6) رواه أحمد، والحاكم وصححه، المستدرك: 3 / 142، والدارقطني، والخطيب، كنز العمال: 11 / 167، والبيهقي، البداية: 6 / 218.

وأخبر النبي(صلى الله عليه وآله) بما سيجري على الحسين من بعده، قال(صلى الله عليه وآله): "اخبرني جبريل ان ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة واخبرني ان فيها مضجعه"(1).

والخلاصة، إنّ الله يختبر الناس بالناس، وبهذا الاختبار يظهر أهل الريب من أهل الإيمان، قال تعالى: (وَ جَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْض فِتْنَةً)(2)، وقال سبحانه: (وَكَذَ لِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْض لِّيَقُولُواْ أَهَـؤُلاَءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنم بَيْنِنَآ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّـكِرِينَ )(3)...

وعلى هذا الضوء، انطلقت الأمة الخاتمة تحت سقف الامتحان والابتلاء، والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون لاستحقاق الثواب والعقاب يوم القيامة".

أضواء على المسيرة:

1 ـ أضواء على الساحة بعد وفاة النبي:

يقول الكاتب: "كان في الساحة بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) جميع الأنماط البشرية، بها المؤمن القوي والمؤمن الضعيف، وبها الذين في قلوبهم مرض أو زيغ وهؤلاء لا يخلو منهم مجتمع على امتداد المسيرة البشرية...

وكان في الساحة أفرادٌ وقبائلٌ ذمهم الله ـ تعالى ـ أو لعنهم رسوله(صلى الله عليه وآله) وهو يخبر بالغيب عن ربّه لعلم الله بما في قلوبهم.

فكان في الساحة مجموعة تخريبية من اثني عشر رجلاً، حاولوا قتل النبي(صلى الله عليه وآله)عند عودته من تبوك; آخر غزواته. وأسرّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) باسمائهم إلى حذيفة،


1) اخرجه الطبراني في الكبير والأوسط باختصار، الزوائد: 9 / 188، والماوردي في اعلام النبوة بسند صحيح: 83.

2) الفرقان: 20.

3) الانعام: 53.

وكان حذيفة وعمّار بن ياسر معه(صلى الله عليه وآله) عند محاولة هذه المجموعة اغتياله، وروي أن حذيفة قال: يا رسول الله، ألا تبعث إلى كل رجل منهم فتقتله، فقال: "أكره ان يتحدث الناس ان محمداً يقتل أصحابه". وقال النبي(صلى الله عليه وآله) لحذيفة "فان هؤلاء فلاناً وفلاناً (حتى عدّهم) منافقون لا تخبرن أحداً"(1)، وعدم افشاء النبي(صلى الله عليه وآله)بأسمائهم يستنتج منه أن هذه المجموعة لم تكن من رعاع القوم وإنما من أشد الناس فتكاً، وقتلهم يؤدي إلى طرح ثقافة يتناقلها الناس بأن محمداً في آخر أيامه بدأ يقتل أصحابه ويستنتج منه أيضاً ان الله ـ تعالى ـ شاء ان تنطلق المسيرة تحت مظلة الامتحان والابتلاء. بعد ان تبينت طريق الحق وطريق الباطل، وإخفاء أسماء المجموعة التخريبية هو في حقيقته دعوة للالتفاف حول الذين بينهم وأظهرهم رسول الله للناس.

فالساحة بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) كان فيها جميع التيارات، وكان فيها مجموعة حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا".

2 ـ أضواء على حركة الاجتهاد والرأي:

يقول الكاتب في هذا المجال: "نظراً لاتساع الهوّة في رواية الحديث بعد إبعاد أهل البيت عن مكانتهم في الذروة، اختلف الناس في الفتوى، حتى قال الامام عليّ: "ترد على احدهم القضية في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثم ترد القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعاً، والههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، فأمرهم الله ـ تعالى ـ بالاختلاف فاطاعوه؟ أم نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل سبحانه ديناً تاماً فقصر الرسول عن تبليغه وأدائه؟ والله يقول: (مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَـبِ مِن شَىْء)(2)، وفيه تبيان كل شيء. وذكر ان الكتاب يصدق بعضه


1) محاولة الاغتيال رواها أحمد والطبراني وابن سعد وغيرهم، انظر الزوائد: 11 / 110.

2) الانعام: 38.

بعضاً، وانه لا اختلاف فيه: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَـفاً كَثِيراً )(1)، ان القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلاّ به"(2).

وبالجملة اجتهد الصحابة تحت سقف الامتحان والابتلاء، وكان الاجتهاد قابلاً للخطأ والصواب، فعن موسى بن ابراهيم قال: "إن أبابكر حين استخلف، قعد في بيته حزيناً، فدخل عليه عمر بن الخطاب فاقبل أبوبكر عليه يلومه، وقال: أنت كلفتني هذا الأمر وشكا إليه الحكم بين الناس، فقال عمر، أو ما علمت أن رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال: "إن الوالي إذا اجتهد فأصاب الحق فله أجران، وإن اجتهد فاخطأ فله أجرٌ واحد" فكأنه سهل على أبي بكر"(3).

3 ـ المقدمات العمرية والنتائج الاموية

أ ـ رواية الحديث وتدوينه: قال الكاتب: "بينت الدعوة الالهية الخاتمة، أن الحديث عن النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله) لا غنى المسيرة عنه، لأنه مكمل للتشريع ومبين لمجملات القرآن، ومخصص لعموماته ومطلقاته، كما أن الحديث تكفل بكثير من النواحي الاخلاقية والاجتماعية والتربوية، وأخبر فيه النبي(صلى الله عليه وآله) بالغيب عن ربه جل وعلا، فبين للناس ما يستقبلهم من أحداث ليأخذوا بأسباب النجاة من مضلات الفتن، وبعد رحيل النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله) اجتهد بعض الصحابة في أمر الرواية والتدوين ولقد تواترت الأخبار في منع عمر بن الخطاب الصحابة; وهم الثقات العدول، وردعهم عن رواية العلم وتدوينه، وفي هذا يقول ابن كثير: "هذا معروف عن عمر"(4)، ثم سار على سنة عمر خلفاء وملوك بني أمية، ولم ترو الاحاديث


1) النساء: 82.

2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1 / 233.

3) رواه البيهقي وابن راهويه وخيثمة، كنز العمال: 5 / 630.

4) البداية والنهاية: 8 / 107.

الجامعة للعلم والمبينة للناس ما يستقبلهم من أحداث، إلاّ في عهد الإمام عليّ بن أبي طالب(1).

ب ـ أضواء على القصّ: يذكر الكاتب في هذا المجال: "كانت أهم آثار عدم الرواية ظهور القص في المساجد، ومن خلال القص دخلت الاحاديث الاسرائيلية، ورفع القصّ من شأن افراد وقبائل ذمهّم الله على لسان رسوله، وفي الوقت نفسه عتم القصّ على افراد اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): "أن بني إسرائيل لما هلكوا قصّوا)(2)، وقال: "سيكون بعدي قصّاص لا ينظر الله إليهم"(3)، وأول من أمر بالقصّ، كان عمر بن الخطاب، روى الامام أحمد بن السائب بن يزيد قال: "إنه لم يكن يقصّ على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)ولا أبي بكر، كان أول من قصّ تميم الداري، استأذن عمر ان يقصّ على الناس قائماً فأذن له"(4).

واستلم بنو امية أعلام القص بعد ذلك، روي أن عبد الملك بن مروان قال: "إنا جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر"(5)، ولبس القصّ الزي الديني في عهد بني أمية.

وقال ابن حبان: "قال ابو حاتم، ان القصاصون يضعون الحديث في قصصهم، وكانوا إذا دخلوا بمساجد الجماعات ومحافل القبائل من العوامّ والرعاع أكثر جسارة على وضع الحديث"(6)، كما وضعوا أحاديث تنافي عصمة الأنبياء،


1) انظر معالم الفتن، سعيد أيوب.

2) رواه الطبراني، الزوائد: 1 / 189.

3) رواه ابن فضالة في أمالية، كنز العمال: 10 / 282.

4) رواه أحمد والطبراني، الزوائد: 1 / 190، والعسكري عن بشر بن عاصم، كنز: 10 / 281، والمروزي عن أبي نضرة، كنز: 10 / 281.

5) رواه أحمد والبزار، وقال ابن حجر اسناده جيد، الفتح الرباني: 1 / 194.

6) كتاب المجروحين، ابن حبّان: 1 / 88.

فجعلتهم يخطئون، ونسبوا إلى النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه كان يسبّ ويلعن ويجلد بغير سبب، ونسبوا إليه أنّه كان يسهو في الصلاة، وأنّه كان ينسى آيات القرآن الكريم، وأرادوا من وراء تجريد النبي من العصمة أن يبرّروا أخطاء الأمراء الذين جلدوا الشعوب وضيّعوا الصلاة، وأن يعطوا للذين لعنهم الله على لسان رسوله(صلى الله عليه وآله) جواز المرور لتولّي المراكز القياديّة.

ووضع القصّاصون أحاديث تحمل بصمة أهل الكتاب، وألصق بالتفسير روايات وقصص لا يتصوّرها عقل، ولا يجوز أن يفسّر بها كتاب الله، ووضعوا في هذه الأحاديث أنّ الله يشغل حيّزاً من المكان، ويضحك، وينتقل من مكان إلى آخر، وأنّه يتألّف من أعضاء، وهو عبارة عن هيكل مادّي، وعين ويد وأصابع وساق وقدم.

وبالجملة، كان القصّ وراء تغييب العقل ووطئه بالأقدام، وتحت سقفه اختلّ منهج البحث ومنهج التفكير ومنهج الاستدلال، وعلى موائده لا تظهر القراءة النقديّة المتفحّصة التقييميّة إلاّ بعد عناء شديد، وكان القصّ وراء إهمال الواجبات، والتسامح في المحرمّات، والتهاون بالسنن والمستحبّات، وكان البذرة الأولى لظهور المبادىء والمنظّمات الباطلة التي وضعت القوانين على طبق أهوائهم وآرائهم، وعلى هذه المبادىء انقسمت الامّة إلى قوافل; وكلّ قافلة تتولّى حزباً وتدعمه; لأنّها تميل إلى قوانينه، وتحبّ القائمين عليه، وعلى رؤوس الجميع الحجّة قائمة. والله ـ تعالى ـ ينظر إلى عباده كيف يعملون.

ج ـ قسمة الأموال: يقول الكاتب: "فضل عمر المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين وفضّل المهاجرين كافّة على الانصار كافّة، وفضّل العرب على العجم، وروي أنّه قال: "من أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فان الله جعلني له خازنا وقاسماً، ألا وإني بادىء بالمهاجرين الأوّلين أنا وأصحابي فمعطيهم، ثم

بادىء بالانصار الذين تبوأوا الدار والايمان فمعطيهم، ثم بادىء بازواج النبي فمعطيهنّ"، ثم قال عمر: "من أسرعت به الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ به عن العطاء، فلا يلومّن أحدكم إلا مناخ راحلته"(1)...

ولكن عند النتيجة نرى ان تفضيل هذا على ذاك في القسمة، أدى إلى الصراع القبلي بين ربيعة ومضر وبين الأوس والخزرج(2)، واشعل الصراع العنصري بين العرب والعجم، والصريح والموالي(3)أما ما يختص بحقوق الجنود، فقد بينه النبي(صلى الله عليه وآله)حين سئل: ما تقول في الغنيمة؟ قال: "لله خمس، وأربعة أخماس للجيش"(4)، لكن عمر بن الخطاب اجتهد في هذا، وأمر بوضع جميع الغنائم في بيت المال، ثم قام بتقسيم هذه الغنائم وفقاً لما يراه، ودوّن على ذلك الدواوين.

قال عمر: "لو لا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلاّ وقسمتها سهماناً كما قسم رسول الله خيبر سهماناً، ولكني أردت ان يكون جزية تجري على المسلمين، وكرهت ان يترك آخر المسلمين لا شيء لهم"(5)، وفي رواية قال: "ولكني اتركها خزانة لهم"(6).

ويشهد التاريخ أنّ هذه الخزانة اضرت أكثر مما نفعت، فبعد أن بسط بنو امية ايديهم على بيوت المال التي تركها عمر بن الخطاب، اتخذوا دين الله دغلاً، ومال الله دولاً، وعباد الله خولاً واستمرت بيوت المال على امتداد المسيرة يشتري بها الحكام الذمم ويسفكون بها الدم الحرام".


1) رواه ابو عبيد وابن أبي شيبة والبيهقي وابن عساكر، كنز: 4 / 556.

2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 106.

3) شرح نهج البلاغة: 8 / 111.

4) رواه البغوي، كنز العمال: 4 / 375.

5) رواه أحمد والبخاري وابن خزيمة في صحيحه وابن الجارود والطحاوى وأبو يعلى وابن أبي شيبة وأبو عبيد كنز: 4 / 555.

6) رواه البخاري وابو داود، كنز: 4 / 514.

مستقر المسيرات الانحرافية:

يقول الكاتب: "آخر الزمان يقف تحت أعلام الدجال جميع المسيرات التي انحرفت عن ميثاق الفطرة وأشركت بالله، ويقف تحتها صنّاع الفتن وأصحاب الاهواء وتجار الشذوذ وجلادو الشعوب، وجميع الذين ظلموا وصدوا عن سبيل الله العزيز الحكيم، فهؤلاء وغيرهم سينتظمون وراء قيادة الدجال آخر الزمان، ويطيعون اوامره، وسيدخلون معه لقتال المهدي المنتظر والمسيح ابن مريم(عليهما السلام).

فجر الضمير:

يقول الكاتب: "طائفة الحق على امتداد المسيرة لها أعلامها، ولا يضرها من خذلها أو عاداها; لأنها حجة بمنهجها وحركتها على الناس، واخبر النبي(صلى الله عليه وآله)بأن هذه الطائفة تستقر أعلامها آخر الزمان تحت قيادة المهدي المنتظر وعيسى بن مريم(عليهما السلام)، يقول النبي(صلى الله عليه وآله): "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك"(1)وقال: "لا تزال طائفة من امتى تقاتل على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم عند طلوع فجر ببيت المقدس ينزل على المهدي"(2)، وفي رواية: "لا تزال طائفة من امتي ظاهرين على من ناواهم حتى يأتي أمر الله، وينزل عيسى(عليه السلام)"(3).

فمن هذه الاحاديث نرى أن طائفة الحق على امتداد المسيرة، تأخذ باسباب الهدى، وتنطلق من الماضي الى الحاضر إلى المستقبل، لا يضرها من عاداها أو من خذلها، حتى تستقر نهاية المطاف أمام فسطاط المهدي المنتظر(عليه السلام).

وآخر الزمان يلتقي ابن عليّ بن أبي طالب، مع ابن مريم أخت هارون،


1) رواه مسلم، الصحيح: 13 / 65.

2) رواه ابو عمر الداني، عقد الدرر: 220.

3) رواه أحمد والحاكم وصححة، وأبو داود، الفتح الباري: 23 / 210.

يلتقي آخر أهل البيت في المسيرة الإسلامية، مع المسيح عيسى بن مريم آخر نبيّ في المسيرة الإسرائيلية، وكلاهما ظلمته مسيرة قومه، ولكن للعدل رداء على الوجود كلّه، ومن حكمة الله ـ تعالى ـ أن لا تنقضي الدنيا قبل أن يهيمن العدل على المسيرة البشريّة; ليعلم الناس، وهم تحت سقف الامتحان والابتلاء، أنّ الحقّ سينتصر في النهاية; لأنّه أصيل في الوجود، أمّا الباطل فطارىء لا أصالة فيه، الباطل زبد لا يمكث في الأرض، والباطل يطارده الله على امتداد المسيرة ولا بقاء لشيء يطارده الله. قال تعالى: (وَ اللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ى وَ لَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)(1)وقال: (وَ يَقُولُونَ مَتَى هَـذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَـدِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيمَـنُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ انتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ)(2).


1) يوسف: 21.

2) السجدة: 28 ـ 30.

{16} سعيد السامرائي(حنفي / العراق)

اشارة

ولد في مدينة سامراء بالعراق في منتصف الخمسينيات، ونشأ في عائلة تنتمي إلى المذهب الحنفي، لكنه لم يخضع للتميّز المذهبي ولم يتعصّب في الانتماء المذهبي، بل مال حيثما أملت عليه الأدلة والبراهين التي حصل عليها بالبحث، فتشيّع في منتصف العشرينيات من عمره بعد اتمامه للدراسة الجامعية، ثم هاجر إلى خارج العراق تخلّصاً من النظام البعثي المتسلّط على زمام الحكم، وهو حالياً مقيم في لندن.

سبيل معرفة العقيدة الحقة:

يرى الدكتور سعيد أن هناك طريقان لمعرفة العقيدة الحقة، أوّلها يوصل إليها والآخر قد يوهم بذلك.

أمّا الأول: فهو معرفته بعد اعمال الفكر وتدقيق النظر.

وأما الثاني: فهو بتقليد من تعتقد بعدالتهم. وهذا قد يوصلك إلى الحق إن كان من تتبع آراءهم وأحوالهم وأفعالهم على الحق، وقد يضلك إن كانوا غير ذلك، فإنك ستبقى على اعتقادك بأنك على الحق وهو التوهم، ويكون وصفك إذ ذاك

على ما جاء به التنزيل (يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)(1)(إلاّ أنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)(2).

أما الأول فهو الذي وصفه علي أمير المؤمنين(عليه السلام) عندما أجاب السائل عن الطائفة المحقة يوم الجمل، فلم يقل الامام "أنا على الحق" ولو قالها لكان صادقاً، بل قال: "اعرف الحق تعرف أهله".

ويرى الدكتور سعيد بإن الانسان الباحث إذا كان من النوع الأول فإن مطالعته للكتب الصحيحة والحقه ستكون ذا فائدة، وأما إن كانت من الثاني وكان قبلُ من غير المؤمنين بما جاء به الكتاب الذي يطالعه، فسيجد نفسه مكتئبة وصدره ضيقاً حرجاً مما يقرأ، لأنه يقرأ عبارات تبيّن الحقائق ويقرأ نصوصاً جلية واضحة تلوي الأعناق، فإمّا أن يفزع إلى تكذيبها، وهذا ديدن الضعيف الذي بهت أمام الحق فلا يدري جواباً فيلوذ بالأوهام وأما أن يأخذ الله بيده فيمرّ بحالة الطفرة فيغيّر منهجه ويتغلّب على نفسه.

تحذيره من الوقوع ضحية الطائفية:

يرى الدكتور سعيد السامرائي أن الطائفية هي من أهم الموانع لمعرفة الحق وهي من أهم العقبات التي تحول دون توجه الانسان إلى البحث أو قبول الحق إذا تبيّن له.

ويصف الدكتور سعيد الطائفية بأنّها مشاعر في القلوب، اسست على تاريخ قوامه الزيف، وتعليم كلّه جهل وتجهيل، وتنشئة تقوم على الضغينة والنفاق، ودعم سياسي لحكام متسلّطين دافعها تفريق الأمة ليسهل قيادها.

وباللغة الواضحة: فإن الطائفية هي شعور السني، أي سني بالضغينة تجاه


1) الكهف: 104.

2) البقرة: 12.

الشيعي، أي شيعي، لأن الأخير لا يحب أئمته وبدون سبب أو غير ذلك، أو هي شعور الشيعي بأنّ السني لا يحب أئمته وأنه يحب الظالمين وأنه عون للظالمين عليه، بلا تحقيق ولا تدقيق ولا تفريق بين من يقف مع الظالم ممن ثار عليه.

ويضيف الدكتور سعيد: الطائفي إذن، هو الشخص الذي يحمل بين جنباته تلك المشاعر المرّة المبنيّة على أسس واهية مبنية على جهل الأهل والمربين أو التوجيه الخبيث للحكام المتسلّطين أو كليهما. وبعده، فالطائفي هو الذي يقف مواقف غير صحيحة، إما بوعي أو بدون وعي بناءً على هذه المشاعر.

أهم اسباب اقتناعه بالتشيع:

توجه الدكتور سعيد من هذا المنطق الموضوعي والبنّاء إلى قراءة تراث الشيعة، فيقول في هذا الصدد: لم اعجب بقلم كإعجابي بقلم السيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي العاملي رحمه الله، وعلى الرغم من أن كتبه كانت من أوائل الكتب التي قرأت في طريق التعرّف على مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، لم تترك بعدها أية بحوث أخرى فيّ ذلك التأثير الذي تركته بحوث السيد شرف الدين، ولئن كان قلمه الساحر يمثل جزءاً كبيراً من ذلك التأثير فإنّ التأثير الأكبر كان لمنهجه في البحث الذي يأخذ بالألباب ويشدّها أكثر فاكثر كلما تدرجت في القراءة التي لابد وأن تكون متصلة بلا توقف مهما كانت المشاغل!

ويضيف الدكتور سعيد: وقد عُرف عن السيد شرف الدين جهاده المتواصل من أجل التقريب بين اتباع الدين الواحد والمذاهب المتعددة، وكان منهجه في ذلك إثارة المشكلة وطرحها للبحث العلمي للوصول إلى الجواب الذي لا مفرّ منه ولا اشكال فيه، مما يزيل الأدران من القلوب ويحطّم ما يشاع هنا وهناك من مفتريات الغاية منها توسيع الفجوة بين المسلمين، وهذا المنهج، برأي خير ألف مرة من ذاك المنهج الذي يدعو إلى تناسي المشكلة وكأنها غير موجودة.

الانقلاب في الاعتقاد:

في نهاية مطاف بحث الدكتور سعيد فرضت الأدلة والبراهين نفسها عليه، فلم يجد بُداً سوى الاستسلام للأمر الواقع والإذعان للحق.

ويصف الدكتور سعيد حالة الانقلاب في الاعتقاد قائلا: إن الانقلاب في الاعتقاد حين يحدث يشير إلى عدة صفات، هي ولا فخر:

أولا: إن صاحبه لا يحمل الانحياز الناتج عن التعليم منذ الصغر والنشأة، لأنّ ما تعلمه أنذاك قد انقلب عليه، فما كان في قلبه بفعل التعليم والتنشئة قد زال.

ثانياً: أن صاحبه منفتح لقبول الرأي الآخر، ولولا ذاك ما انقلب على رأيه وقبل الرأي الآخر، وخصوصاً في موضوع العقيدة.

ثالثاً: أن صاحبه يبحث عن الحق، ولا يترك الأمر كما تربّى عليه دون تمحيص وتقليب.

رابعاً: أن صاحبه لا تعوزه الرغبة في خدمة الحق، إلاّ فأي فائدة دنيوية يحصل عليها من يتشيّع؟! ولا يتشيع أحد إلاّ ويكون قد اقتنع من خلال قراءاته وتنقيباته في بطون التاريخ، لأن الدنيا لم تزل مدبرة على الشيعة منذ القرن الأول الهجري، وأن الشيعة لا يزالون مرامي للنبال ومطاعن للرماح واجساداً للسجن والصلب والقتل والدفن أحياء والتشريد والتنكيل.

ويقول الدكتور سعيد حول اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام): أني لم اتشيّع في لندن أو باريس أو نيويورك والشيعي في مأمن، بل تشيّعت وأنا في بغداد معقل العفالقة وطاغوتهم صدام حيث لا يجد الشيعي غير السجن والتشريد والتهجير والقتل والملاحقة.

وأضيف أيضاً، بأني تشيعت في قمة الاضطهاد الصدامي للشيعة، وذلك في

أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، فلم يكن هناك في الحسبان دنيا، كما لم يكن هناك ترفاً فكرياً في الأمر.

مؤلفاته:

{1} "حجج النهج، المختار من نهج البلاغة":

صدر سنة 1407هـ ـ 1987م عن مؤسسة الفجر، بيروت.

يقول المؤلّف في المقدمة: "لقد قمت باختيار كل النصوص التي لها علاقة بموضوعين، أو بالاحرى طرفي موضوع واحد، أحدهما علة للآخر، فالأول هو تفضيل الإمام على معاصريه أجمعين والنص عليه والوصية إليه من قبل النبي(صلى الله عليه وآله)، وهذا سبّب أن يكون هو خليفة النبي(صلى الله عليه وآله) بعده مباشرة وهو الموضوع الثاني. لذا فانك قد تجد في المختار خطبة للامام في حرب صفين وتجد بعدها أو قبلها كلام له(عليه السلام)مع شخص سأله وهما جالسان في هدوء، وذلك لأنّ قاسمهما المشترك قد يكون ذكره الوصية في المقامين، أعني انه وصي رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وهكذا في غيرها من النصوص المختارة، كما تضمن المختار ما هو أشمل من ذلك، وهو ذكر الأئمة من أهل البيت(عليهم السلام)الذين لا يمثل الامام علي(عليه السلام) إلا أولهم وإن كان عظيمهم...

يتألف الكتاب بعد المقدمة من أربعة أبواب:

الباب الأول: ماذا يجد من يقرأ نهج البلاغة.

الباب الثاني: المختار من الخطب والكتب والمواعظ والكلمات وشرحها والمواضيع ذات العلاقة.

الباب الثالث: ملحق المختار ويقع في فصول، منها: مناقب وصفات الامام، الوصية والنص والتفضيل، دفع الأمير(عليه السلام) عن حقّه في الخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)بلا فصل، الشورى، عائشة واتباعها ويوم الجمل، معاوية وعمرو وصفين، المبغضون والمنحرفون.

الباب الرابع: مصادر المختار عن كتاب مصادر نهج البلاغة لعبدالله نعمة، ويقع في ثلاثة فصول، وهي تشتمل على مصادر بعض الخطب والكلام للمختار منها وبعض المختار من الكتب والرسائل وبعض المختار من أجوبة المسائل والكلام القصير.

{2} "الطائفية في العراق، الواقع والحل":

صدر سنة 1413هـ ـ 1993م عن مؤسسة الفجر، لندن.

جاء في تعريف هذا الكتاب بقلم المؤلف:

"لما كنت معتقداً ومقتنعاً بأن أغلب أهل السنّة ما وقفوا هذا الموقف المؤسف إلاّ بسبب العقد الطائفية التي تربّوا عليها ونشأوا تحت ضغطها، فإن الواجب تجاه العراق أولا، والعراقيين بشكل عام ثانياً، والسنّة المحكومين بهذه العقد ثالثاً، والشيعة العراقيين المظلومين رابعاً، هو الذي دفعني لأن أصنف هذا الكتاب عسى أن يكون فيه تبياناً للسّنّي حقيقة الموقف المؤسف الذي وقفه، والموقف الصحيح الذي يجب أن يكون عليه، وتبياناً للشيعي حقيقة الدوافع وراء هذا الموقف الذي يقفه سنّة العراق عموماً، وواجبه تجاه ذلك".

وينقسم هذا الكتاب إلى مقدمة وأربعة أبواب، وفي كل باب بضعة مقالات وخلاصة. وهذه الأبواب هي عبارة عن: 1 ـ هل في العراق مشكلة طائفية؟

2 ـ العقد الطائفية.

3 ـ على طريق الحل.

4 ـ الاسلاميون داخل مثلث المبادىء وحضور الماضي والواقع المفروض.

{3} "صدام وشيعة العراق":

صدر سنة 1991م عن مؤسسة الفجر، لندن.

يتألف الكتاب من مقدّمة وسبعة فصول وخاتمة، وتدور محاور الفصول حول بعض المواضيع منها: عروبة الشيعة والتشيع أصلا وكياناً وتاريخاً، الموقف الايراني من العراق والعرب، من هم الفاسدون و...

وقفة مع كتابه: "الطائفية في العراق، الواقع والحل"

يتناول الكاتب في كتابه هذا موضوعاً حساساً ومهماً في الوقت نفسه، فالطائفية بلاء ابتلت به الديانات السماوية فضاعت فيه أهدافها الرسالية الشريفة، وهو أيضاً بلاء تمزقت به المجتمعات التي يفترض فيها أن تكون واحدة، فتسلط قوم على قوم ودفعوهم عن مراكز القدرة والثروة، ثم اضطهدوهم وحاربوهم في أرزاقهم بل وحياتهم.

وقد استغل ذلك الحكام والمستعمرون فدقوا على أوتار الطائفية لتدوم أيام تسلطهم على الشعوب المستضعفة، وتستمر معها أيام شهواتهم وملذاتهم ومطامعهم واستيلائهم على الثروات واستئثارهم بها.

وقد تناول الكاتب موضوع الطائفية في حالة خاصة، وفي مكان وزمان معينين، وقد جرى في هذه الحالة الكثير من الظلم والعدوان وهتك الحرمات والاعتداء على أرواح ومقدسات الناس، لكن كتابه لم يخلُ من طرح عام لأصل المشاكل الطائفية، وكيفية نشوئها في تاريخ المسلمين بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله)، وما تسببه من ويلات ودمار في أي مجتمع اسلامي تنفذ فيه، وفي أي زمان ومكان يكون ظرفاً لموجاتها الهوجاء.

ونحن هنا نستعرض أهم ما أورده في موضوع الطائفية بشكل عام دون الخوض في التفاصيل الخاصة قدر الامكان.

الطائفية:

ليست الطائفية حزباً لوجود أحزاب مؤلفة من أفراد من طوائف مختلفة..

وليست شعاراً لأن الطائفي يخجل من رفعها شعاراً، بل هو ينفي وجودها عنده..

كما أنا ليست طريقة حياة، لأن الطائفي وضحية طائفيته يعيشون في بيوت متجاورة في منطقة واحدة ويلبسون ملابس متشابهة، ويذهبون إلى أعمال متشابهة، وفي نفس أماكن العمل، ويذهب أولادهم إلى نفس المدارس، بل ويدعو بعضهم بعضاً في مناسبات دينية كإفطار رمضان وغداء العيد مع أن الطائفية أسست أصلا في إطار ديني ـ سياسي، ومع أن هذه المناسبات تعني أن الجميع ينتمون إلى دين واحد أمر بالوحدة ونهى عن التفرق..

الطائفية هي مشاعر في القلوب، أسست على تاريخ قوامه الزيف، وتعليم كله جهل وتجهيل، وتنشئة تقوم على الضغينة والنفاق، ودعم سياسي لحكام متسلطين دافعه تفريق الامة ليسهل قيادها.

وتصل مشاعر الطائفي إلى نقطة اللاعودة عندما يحكم على الآخرين بالخسران المبين، ولا يعود هناك في نظره فائدة، ولا أجر أو ثواب من الانفتاح عليهم والتواصل معهم، اللهم إلاّ في المستوى الخارجي المنافق وحسب ما تقتضيه مصالحه التجارية أو الوظيفية أو غيرها. كيف لا والتعليم الطائفي يصل بالناس إلى درجات سافلة جداً من التفكير حتى يظن السنّي بأن الشيعة يمسخون إلى خنازير (أو ثعالب حسب قول جدتي رحمها الله)! وهذا ليس من قبيل المزاح لأنه مؤسس على تعليم وتنشئة، ولمن لا يصدق أسوق إليه قول المدعو "محمد بن عبدالوهاب" الذي ابتدع الوهابية. قال ـ جزاه الله بما قال ـ وهو يذكر مشابهة الشيعة لليهود (!) ما نصه: "ومنها أن اليهود مسخوا قردة وخنازير وقد نقل أنّه وقع

ذلك لبعض الرافضة ـ يعني الشيعة ـ في المدينة المنورة وغيرها، بل قد قيل إنهم تمسخ صورهم ووجوههم عند الموت والله أعلم"!!(1)وسبحان واهب العقول!

ولعل هذا هو السبب الذي يجعل بعض الإسلاميين السّنّة يتجنبون لقاء نظرائهم من الشيعة، لأن المسلم الحقيقي يتقرّب إلى الله تعالى بمعاداة أعدائه والبراءة منهم، ولما كان الشيعة بنظر البعض أعداء لله ورسوله(صلى الله عليه وآله)، فإن مفارقتهم وعدم اللقاء بهم يرجى منه الأجر والثواب، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم.

الطائفي:

فالطائفي إذاً، هو الشخص الذي يحمل بين جنباته تلك المشاعر المرّة المبنيّة على أسس واهية مبنية على جهل الأهل والمربين أو التوجيه الخبيث للحكام المتسلطين، أو كليهما، ويحمل هذه المشاعر تجاه أخيه المسلم، مع أنه يضحك في وجهه صباح مساء، ويشاركه أفراحه وأتراحه، ويشاركه في التجارة والسفر والعمل بسبب الجيرة أو زمالة العمل أو مقاعد الدراسة، وقد يتصاهر معه مع ما يعني ذلك من التحام العائلتين فيما بينهما.

وبعد، فالطائفي هو الذي يقف مواقف غير صحيحة، إما بوعي أو بدون وعي، بناءً على هذه المشاعر.

أما أقصى درجات الطائفية فهي ـ برأيي ـ التي لا يعرف بوجودها من يحملها، فهذا الإنسان لن يكون بمقدرته التفريق بين المواقف التي يتخذها: أيها على أساس طائفي وأيها على أساس آخر. والمؤلم هنا هو أن معظم الطائفيين، استقراءاً من الواقع المعاش، ينتمون إلى هذه الفئة، ومصابون بأقصى درجات الطائفية.


1) في كتابه "الردّ على الرافضة" أي الشيعة نشر دار طيبة ـ الرياض، في الصفحة: 44.

الدولة الطائفية:

الدولة الطائفية هي الدولة التي تميز بين رعاياها في التوظيف والمكافأة وإعطاء المسؤولية وتوزيع الحقوق والواجبات على اختلافها، لا على أساس المساواة كأصل، ثم الكفاءة ودرجة العطاء بعد ذلك، وإنما على أساس الانتماء الطائفي.

وتكون درجة طائفية الدولة أكثر أو أقل حسب الحكومة القائمة، والظروف الداخلية والخارجية للبلاد. فمثلا عندما يكون قادة الدولة ذوي مشاعر طائفية عميقة أصلا فإن الدولة تصعد درجة طائفيتها حتى وإن كانت الأوضاع الداخلية والخارجية ليست سيئة كثيراً.

إن التعامل على أساس طائفي لا يؤذي الفرد ضحية الطائفية ولكنه يؤذي البلاد، لأنه سيكون من غير الممكن أن يكون ذلك الرجل المناسب في المكان المناسب لأن الكفاءة لا تكون هي المعيار، كما أن ضحايا الطائفية سيتصرفون بشكل غير متوازن: إما بتفان شديد كي يثبتوا إخلاصهم وحسن نياتهم، وإما ببرود ولا إبالية لأن النتيجة واحدة ولن يحصلوا على التقييم لجهودهم.

وتكبر هذه العقدة، وتخرج من إطارها الضيق بين الموظف والمواطن صاحب المعاملة، الى عائلتيهما وأصدقائهما وزملائهما لتخدم كإثبات جديد على وجود المشكلة.

وتصبح المفارقة مدهشة مع أشخاص مثلي ممن نقلهم الدهر من صفوف الطائفة الحاكمة إلى صفوف الطائفة المحكومة. ففي ليلة وضحاها يصبح التعامل مع نفس الشخص مختلفاً، وما تغيرت كفاءته وما تبدل إخلاصه لوطنه وعمله، وما تغيرت أخلاقه وسلوكياته ومزاجه. هذا، في حين يجب أن يكون التغيير حاصلا في علاقتي شخصياً بالممارسات الدينية مثلا.

وأخيراً، فإن الدولة الطائفية تجعل النسيج الاجتماعي يتهرأ وخيوطه

تنقطع، وكلما زاد التمييز والاضطهاد الطائفي كلما ضعف النسيج الاجتماعي، وهو ما حصل في فترات معينة من تاريخ العراق الحديث.

هل الطائفية نتاج الاستعمار الغربي، أم سببها صراع المسلمين السياسي في الماضي؟:

يبسّط البعض أسباب المشاكل الاجتماعية والسياسية وغيرها بسبب قلة المعرفة، أو ضيق الأفق أو حتى الرغبة في قلب الحقائق، فبعضنا يشتم الغير كثيراً ويتهمه في مصائبنا أكثر من اللازم، في حين يتهم البعض الآخر أنفسهم ولا يحمل الغير أي مسؤولية تذكر.

وفيما يخص مصائب العرب والمسلمين ترى كثيراً من الناس يتهم الغرب والشرق وأعداء الأمة في كل المصائب والمشاكل، في حين يتهم البعض الآخر الأمة نفسها وخلافات زعاماتها في ذلك.

خطأ التسبيب الأحادي:

وهذه الأحادية في التسبيب غير صحيحة، لأن الخلافات بين الدول العربية والإسلامية ليست كلها من صميم واقع الأمة، وإنما ساهم الاستعمار في قسم كبير منها، ولعل المشاكل الحدودية خير مثال على ذلك. أفما كان في مقدور الإنجليز والفرنسيين، وهم المنتصرون في الحرب الأولى أن يرتبوا حدود العراق بحيث لا تعود هناك مشكلة مع إيران والكويت والسعودية؟

أما كان بمقدورهم أن يمنحوا الأكراد دولة في المثلث العراقي ـ التركي ـ الإيراني ويجنبوا هذه الشعوب ما جرى؟

أما كان بمقدور الإنجليز أن يجمعوا إمارات الخليج في دولة واحدة؟

لماذا جمعت الجزيرة العربية لآل سعود في دولة واحدة وفرقت أطرافها في

خمس دول؟

وحتى لو فعلوا ذلك، فماذا عن إسرائيل؟

نعم، كان بمقدورهم ولكن لم يكن في مصلحتهم. فإنه لمنطقي جداً أن يعمد من يريد أن يمتص دماء الشعوب إلى تفريقها ليسهل عليه قيادها عن طريق خلافاتها ومواطن ضعفها.

ولكن، أما كانت الأمة تستطيع أن تواجه هذا المخطط التخريبي التقسيمي؟

كان يمكن للأمة أن تواجه هذا المخطط وتهزمه لو أنها اجتمعت على ذلك، ولو أن جماهيرها اختارت، وأصرت على اختيار قادتها الحقيقيين.

نخلص من هذا إلى أن الإنجليز لم يخترعوا الطائفية، بل وجدوها موجودة في المجتمع العراقي العشائري والمدني فاستخدموها لتأسيس الواقع المثالي لمصالحهم.

ولما كانت الطائفة الشيعية هي التي ثارت عليهم فإنه من المنطقي أن يتم إقصاؤهم عن الحكم وتسليمه للطائفة التي لم تثر، وترتيب الحكم لكي تستمر هذه المعادلة كيلا يعود الشيعة فيطردوا بريطانيا من الشباك أيضاً بعد أن اضطرت إلى أن تخرج من الباب بثورة الشيعة وتضحياتهم.

بداية الخلاف ونشأة الطائفيّة:

بدأ الخلاف بين المسلمين أول ما بدأ عقيب وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) مباشرة حيث تنازع المهاجرون والأنصار من جهة وقريش وبنو هاشم من جهة في موضوع الخلافة. إلاّ أن الافتراق الحقيقي لم يتم إلاّ بعد مقتل الإمام الحسين بن علي(عليه السلام)في أول عام 61هـ، إذ أن بعدها أصبح إهراق الدماء المقدسة أمراً طبيعياً عند الحكام وأزلامهم وكما أخبرهم الإمام الحسين(عليه السلام) نفسه بأنهم لن يتورعوا بعده عن قتل أي إنسان، كيف لا وقد قتلوه مع معرفتهم بأنه سيد شباب أهل الجنة

وأنه ريحانة رسول الله(صلى الله عليه وآله) مع غيرها من الصفات الكثيرة التي يفترض أن يمتنع عن قتله لأجلها أعتى المجرمين، وكما قال الشريف الرضي:

قتلوهُ بعدَ عِلم منهمُ أنّهُ خامس أصحابِ الكِسَا

فكان أن تفرعن الأمويون وولاتهم كالحجاج الثقفي، وكان على الشيعة أن يلجأوا إلى السرّ حتى في اتصالهم بأئمتهم(عليهم السلام)، ثم يثوروا على الظلم والواقع غير الإسلامي للأمة بين حين وآخر. في نفس الوقت أخذ الفقهاء الذين تصدوا للمناصب الشرعية بعد الغياب القسري لأئمة أهل البيت(عليهم السلام) عن هذه المناصب في إفتاء المسلمين ليس فقط بجواز طاعة الإمام الظالم بل بوجوب طاعته وحرمة الخروج عليه.

وهكذا صار المسلمين فرقتين كبيرتين: الشيعة والسّنّة، لأن الخوارج اضمحل تأثيرهم وضعفوا بعد الفترة التي زعزعوا فيها أركان الدولة الأموية بثوراتهم العديدة. وحدث أن كانت الخلافة الأساسية هي للسّنّة بما في ذلك الدولة العباسية التي قامت بحجة الانتصار لأهل البيت(عليهم السلام).

تجهيل السنة وإثارتهم ضد الشيعة:

في حملتهم المستمرة لمحاصرة الشيعة والتشيع، فإن الحكام المختلفين على مختلف العصور لجأوا إلى سياسة التعليم الخاطىء لأهل السنّة، أو تجهيلهم في الواقع في كل ما يخص الشيعة وعقائدهم كي تبدو وكأنّها ليس فقط إحدى الانحرافات عن الإسلام والتي حدثت طوال التاريخ، وإنما الانحراف الأخطر والذي أريد به هدم الإسلام. إن الطريقة الوحيدة لرد الانبهار الذي لابدّ وأن يحصل عند البعض من جهاد الشيعة وتضحياتهم وثباتهم على المبادىء، بغض النظر عن الاختلاف معهم، هذا الانبهار الذي قد يؤدي إلى الانفتاح على الشيعة

وعقائدهم وبالتالي التحول إلى صفوفهم أو على الأقل للتعاون معهم ضد الظالمين، هي أن تُهاجَم عقائد الشيعة ويخلص إلى أنها ضد الإسلام ويُهاجَم الشيعة أنفسهم ويُنبَزوا بمختلف الأوصاف التي يكرهها الآخرون، لكي تجعل الناس تشمئز منها ومنهم فتتوقف عن الانفتاح عليهم.

وعلى العكس مما يعتقد البعض(1)من أن الفقهاء الأقدمين لم يكونوا طرفاً في المشكلة الطائفية وإثارة السنّيين على الشيعة. فلقد نقل التاريخ أقوال وأفعال العديد من الفقهاء السنّيين التي كانت تصم الشيعة بالكفر أو الفسق أو الانحراف إما كجزء من المخطط السلطوي لمحاصرة التشيع كون بعض هؤلاء الفقهاء كانوا من فقهاء البلاد ـ وعاظ السلاطين ـ أو كواجب ديني يعتقد الفقيه أنه يجب أن يقوم به لكشف الانحراف وتحذير الناس منه.

لقد كتب بعض هؤلاء الفقهاء والمحدثين عن الشيعة ووصفوهم بما لم يصفوا به اليهود والنصارى والمجوس. بل صرّح البعض بعدائه لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)أنفسهم فكيف إذاً بالشيعة. وها هو ابن خلدون يقول في مقدمته الشهيرة: وشذّ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وَفِقْه انفردوا به، بنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح(2)، وعلى قولهم بعصمة الأئمة... وكلها أصول واهية ثم قال: وشذ بمثل ذلك الخوارج، ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم!!

فكيف لا ينشأ السني على عداوة الشيعة وكرههم وعلماؤه الكبار يعلمونه


1) كحسن العلوي في كتابه "الشيعة والدولة القومية": 240.

2) وهو المهم عند علماء السنّة، بل الأهم والسبب في عدائهم للشيعة. وأحب أن أنقل تعليق السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي في ص340 من كتابه "النص والاجتهاد" على قول ابن خلدون هذا، قال: ما أدري كيف تبني المذاهب الفقهية على تناول بعض الصحابة بالقدح، وما عرفت كيف تستنبط الأحكام الشرعية من تناول أحد من الناس، وإبن خلدون يعد من الفلاسفة، فما هذا الهذيان منه يا أولي الألباب!

أنهم يتبعون أهل البيت(عليهم السلام) الذين هم مارقون كالخوارج، وانهم مبتدعة، وأنهم يكرهون الصحابة ويقدحون فيهم؟

[وإليك مثالا آخر من تجربة العراق]:

في عام 1926 ـ 1927 ثارت ضجة حول كتاب "الدولة الأموية في الشام" وضعه شخص سوري كان يعمل مدرساً في العراق اسمه أنيس زكريا النصولي بسبب كون الكتاب الذي وضعه ليكون مادة دراسة للمدارس الثانوية، كان في بني أمية وتاريخهم الأسود الذي صيّره النصولي شيئاً آخر، وخصوصاً بسبب ما ذكره بخصوص الثوار الشيعة ضد العهد الأموي، وكذلك قضية الإمام الحسين(عليه السلام)وصراعه مع الأمويين.

قال في كلمة الإهداء: "من أحق بتاريخ بني أمية من أبناء أميّة، ومن أحق بتاريخ معاوية والوليد من أبناء معاوية والوليد، فاقبلوا يا أبناء سورية الباسلة المتحدة والمستقلة هذه الثمرة الصغيرة".

قال: "إن هذا الضعف في زعماء آل البيت كان من أكبر المصائب على الإسلام، إذ جعل لأحزابهم وأصحاب النفوذ والمطامع من رجالاتهم الفرص الكافية لادعاء مبادىء باسمهم لم يفكروا بها ولم تخطر لهم على بال!!".

وعلى هذا فزعماء أهل البيت(عليهم السلام) كانوا مصائب أصيبت بها الأمة ـ والعياذ بالله من هذا القول ـ وأن التشيع الذي تعتنقه الشيعة مخترع من عندياتهم.

وقال: ".. وإنّ الذين يسعون في الخلاف عليها هم الكفرة الفجرة، ولا غرابة في ذلك، فالعاهل الأموي كان خليفة رسول الله، ومن يخرج على الخليفة فإنما يخرج على رسول الله، ومن يخرج على رسول الله فإنما يخرج على الله، ومقره جهنم وساءت مصيراً!!".

وعلى هذا، فالإمام الحسين(عليه السلام) من الكفرة الفجرة ومقره جهنم وساءت

مصيراً، نعوذ بالله من هذا القول.

وقال: "تلك هي إصلاحات بني أمية وكلها ترمي إلى العدل وإعلاء كلمة الحق!!".

وعلى هذا، فقتل الحسين(عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، وسبي بنات الوحي، ورمي الكعبة بالمنجنيق، واستباحة المدينة المنورة وهتك أعراض بناتها، مع غيرها من الموبقات، كانت إصلاحات ترمي إلى العدل وإعلاء كلمة الحق.

وقال: "كان زعماء آل البيت ضعافاً فظلوا تحت تأثير المورفين الفارسي والأفكار الفارسية!!".

وقال: ".. ارتياب الحسين في حقه بالخلافة واعترافه اعترافاً صريحاً ليزيد بإمارة المؤمنين!!".

وقال: "قضت الدولة على حركة التوابين في عين الوردة ولكنها لم تقض على الأحقاد المتأصلة في نفوس الشيعة!!".

إن أي إنسان، وإن كان جاهلا أو لا يشعر بالمسؤولية، يعرف أن مثل هذا الكلام إنما هو إساءة إلى الشيعة، بل إلى الإسلام، وأنه في العراق يعتبر بمثابة إعلان ثورة على مشاعر وعقائد أغلبية الشعب العراقي الشيعية والكثير غيرهم من السنّيين. ولكن كان لساطع الحصري المسؤول عن وضع المناهج التعليمية لأولاد العراقيين رأي آخر هو:

"استطيع أن أقول أن أغلاط الكتاب العلمية ـ ومحاذيره السياسية ـ تنحصر في عبارات الإهداء التي تصدرت الملزمة المضافة إلى الكتاب أخيراً، ولذلك رأيت أن أحسن الطرق لمعالجة القضية هي أن يطلب إلى المؤلف أن يعيد طبع الملزمة المذكورة على أساس تجريدها من كلمات الإهداء!!".

وقال عن متون الكتاب: "عندما قرأتها بكل اهتمام لم أجد فيها ما يمس

عواطف طائفة من الطوائف الدينية!!"(1).

عقدة الصحابة:

تشكل قضية الصحابة الحجر الأساس في جدار البغضاء الطائفي حيث لا يرى السنّيّ أيّ مبرر لهذا الموقف السلبي للشيعة من الصحابة المقدسين عنده، ولست ألوم السنّيّ الذي لم يطلع على التاريخ وشيء من التحليل الموضوعي الواعي، لأن شعوره شعور طبيعي يتولد عند كل إنسان، كائناً ما كانت عقيدته، تجاه من يقف موقفاً سلبياً ممن يقدّس.

وأنت ترى هذه الحقيقة عند قراءة أي كتاب من الكتب التي دفعها الپترودولار لشتم عقائد الشيعة. فقضية الصحابة تقف ليس فقط في أوّل الإشكالات، ولكنها هي المشكلة الحقيقة لمن دقق في هذه الكتب، ولمن استمع إلى شكاوى السنّة من عقائد الشيعة.

ولقد استعملت هذه القضية لإثبات أعجمية الشيعة، وأنهم جمعية سرية أسسها الفرس لتدمير الإسلام، وذلك لأن انتقاد الصحابة وتجريح بعضهم يعني ـ كما يقولون ـ تهديد قدسية السنّة النبوية المنقولة عن طريقهم، وبذا تنجح مؤامرة الفرس بإلباس الحق بالباطل وضياع السنن المنقولة عن الصحابة. وهذا الكلام يقال ـ بالطبع ـ لإقناع العوام من السنّة ليس فقط بفساد عقيدة الشيعة، بل بتآمرهم بشكل مماثل للجمعيات الماسونية والهيئات التبشيريّة، ضد الإسلام.

ولكن المؤسف هو أن هذا الكلام يردد من قبل بعض حملة العلم وأدعيائه، فهؤلاء يعرفون أن الشيعة ليسوا جماعة تريد أن تهدم دين المسلمين، بل هي جماعة لديها خزين كبير من الأحاديث الشريفة المنقول عن النبي(صلى الله عليه وآله) والأئمة


1) راجع "مشكلة الحكم في العراق": 215 وما بعدها.

الطاهرين(عليهم السلام)، وذلك عن طريق بعض صحابة الرسول(صلى الله عليه وآله) وبعص صحابة الأئمة(عليهم السلام). وليست أحاديث الأئمة(عليهم السلام) اجتهاداً من عندهم، بل هي نصوص تلقاها كل إمام عن الإمام الذي قبله وصولا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، لذلك كانوا(عليهم السلام)كثيراً ما يبدأون رواياتهم بكلمة: "حدثني أبي عن آبائه عن رسول الله(صلى الله عليه وآله).." وذلك تأكيداً لهذا المعنى.

من الناحية الأخرى فإن الشيعة يفخرون بأنهم لا يوالون أي أحد إلاّ بعد التثبت من حسن سيرته وحسن خاتمته، فلا يمكن عندهم أن يوضع عبدالله بن مسعود الذي كان ممدوح السيرة دائماً ولم يغير أو يبدل أو يفعل ما يؤذي المسلمين، حتى قضى على الحال التي فارق عليها رسول الله(صلى الله عليه وآله)، في منزلة بعض الصحابة الذين لم يتركوا هذه الدنيا إلاّ وقد أثاروها فتنة عمياء وخرجوا على علي بن أبي طالب الإمام المبايع من قبل المسلمين ـ دع عنك النص الذي يتحدث عنه الشيعة ـ وسلّوا سيوفهم ضد المسلمين فأشعلوا أوار أول الحروب فيما بين المسلمين أنفسهم، والتي أدت إلى مقتل الألوف منهم على أرض العراق بلا سبب سوى التنازع على الملك، كما لا يمكن أن يثقوا بروايات رواها أشخاص غشوا المسلمين وقتلوهم دون حق وسلبوهم وساروا فيهم بسيرة فرعون وهامان وقارون.

إلاّ أن الدول التي تسلطت على المسلمين لما رأت المقاومة من الشيعة لحكمهم غير الشرعي كان لابد لها أن تزيف التاريخ وتفتعل الروايات المضادة لعقائد الشيعة في الأشخاص والأحداث، والتي تصبح حقّاً بعد غسيل الدماغ بها لقرون من الزمان، خصوصاً وأن المعارضة الشيعية بقيادة أئمة الهدى(عليهم السلام) كانت محرومة من وسائل الإعلام، وفي ذلك الزمن المتخلف بالنسبة لزمننا الحاضر في وسائل الاتصال والإعلام.

وإننا نعاصر، ونحن في هذا الزمن الذي يفترض أن ينقل فيه كل شيء كما هو بسبب وجود التلفزيون والفيديو والقمر الصناعي والتلفون والتلكس والفاكس والكمبيوتر، نعاصر تشويه الأحداث بشكل يومي، وتعتيم على أحداث مهمة، وتضخيم واهتمام بأحداث تافهة، فكيف في ذلك الزمان الذي لم تكن وسائل الإعلام والاتصالات كما هي في عصرنا الحاضر، بل ولا واحد من الألف منها.

والمشكلة جدّ عويصة، وذلك لأنّ من يقف الشيعة منهم موقفاً سلبياً واضحاً، أبا بكر وعمر وعائشة أم المؤمنين، هم أكثر الناس تقديساً عند أهل السنّة، ولقد كان الشيعة غير متساهلين مطلقاً في المواقف التي اتخذها هؤلاء الصحابة الثلاثة لأنهم عدّوها خروجاً أساسياً على نصوص مقدسة لا مجال لتجاوزها كما في تجاوز أبي بكر وعمر لحق عليّ في الحكم نصّاً عليه من الرسول(صلى الله عليه وآله) ومنع فاطمة(عليها السلام) حقها في ميراث أبيها(صلى الله عليه وآله)، وخروج عائشة من بيتها الذي أمرت أن تقرّ فيه بنص القرآن، وقيادتها الجيوش التي حاربت بها المسلمين الذين يقاتلون تحت راية الخليفة الشرعي المبايع، فالمسألة فيها إراقة دماء حرام وخلافة المسلمين وهي أخطر مركز في الإسلام.

وبما أن الشيعي يعتقد بأن أخاه السنّيّ لا يعرف الكثير من الحقائق بسبب عمل الحكام في الماضي على تشويه الحقائق بصرف الأموال لوضع الأحاديث الكاذبة التي تبرر كثيراً من الأفعال التي لا يقرّها الشرع أو التي تجاوز أصحابها على نصوص قرآنية أو حديثية لا يمكن تجاوزها بإجماع المسلمين أو برفع شأن أناس وخفض آخرين، إذاً فعليه أن يعذر أخاه السنّيّ حتى يبين له الحق لأن (كُلُّ حِزْبِم بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)(1)، وفي نفس الوقت على السنّي أن يسمع له ويناقشه إذا لم يعتقد بما يرى.


1) الروم: 32.

عقدة عدم الفهم للعقائد والشعائر الخاصة بالشيعة:

يعترض السّنّي العراقي (وغيره في هذا المجال) على بعض العقائد والشعائر الشيعية.

وكما قلنا سابقاً فإن التعليم والإعلام المسيطر عليه من قبل الدولة الطائفية لا يتيح لعقائد الشيعة أن تعرض على الملأ، دع عنك توضيحها وشرحها وشرح أبعادها وتبيان عدم مخالفتها للإسلام، لذلك فإن الفرد السنّيّ لا يفكر بأنه قد يكون مخطئاً في اعتقاده وقد يكون الشيعي هو صاحب الحق، لأن الفرد العادي لم يأته الوحي من السماء ليكون واثقاً تماماً من معتقداته وأنها في صلب العقيدة الإسلامية أو لا تتصادم معها.

ومن هذه العقائد عقيدة المهدي المنتظر الذي يعتقد الشيعة أنه موجود حي غائب عن أعين الحكام وينتظر الأمر الإلهي بتحقق الشروط لظهوره لتأسيس الدولة العالمية الإسلامية محقّقاً وعد جده رسول الله(صلى الله عليه وآله): "يملأ الأرض قسطاً وعدلا بعدما ملئت ظلماً وجوراً".

ومنها صلاتهم على تربة مأخوذة من طين من منطقة قبر الحسين(عليه السلام) في كربلاء، فالسنّة يرون أن هذا نشاز لمجرد أنهم لا يصلون على مثلها(1).

ومنها الشهادة لعلي بن أبي طالب بالولاية في الأذان والتي يعترض عليها السنّة بل ويشمئز بعضهم من سماعها. هذا، مع أن السنّة يضيفون كلمة "الصلاة خير من النوم" في أذان صلاة الفجر ويعترفون أن هذه لم تكن وقت النبي(صلى الله عليه وآله) وإنما أضيفت بعده.

ومنها الالتزام بصفة العدالة فيما يخص الأمور الشرعية مما يؤدي إلى سوء


1) والحقيقة هي أن هذه التربة قد حملت أكثر مما تحتمل، ولكن لابد لكاتبي الكتب أن يملؤوها مقابل المال السحت الذي يدفع أجراً لهذه الكتب السامة.

فهم لدى السنّيين. وصفة العدالة تأتي في مقدمات صفات إمامة المسلمين وإمامة الحج وإمامة الصلاة وغيرها. إن إمامة المسلمين هي التي من شأنها رفض الشيعة الحكام الزمنيين، ورُفِضَ الشيعة رداً على ذلك.

فالشيعي يرى في مرجع التقليد إماماً له (كونه نائباً للإمام وحسب أمر الإمام المعصوم) في جميع أموره. من هذه الأمور تعيين رؤية الأهلة والتي تصبح قضية خلاف في بداية شهر رمضان المبارك وشهر شوال وشهر ذي الحجة، حيث يحرم الإفطار في أول رمضان وآخره، ويحرم الصوم في يوم العيد، وحيث مناسك الحج والتضحية في عيد الأضحى.

ويعتقد غالبية أهل السنّة بأن الشيعة تصوم وتفطر بعدهم بيوم واحد عادة لأنهم يريدون أن يخالفوهم فحسب! هذا، في حين أن الشيعة ينتظرون الأخبار من المراجع والعلماء في العراق والكويت والمدينة المنورة وإيران ولبنان عادة، والذين يستندون إلى شهادة العدول في رؤية الهلال(1)

ولا أرى شخصياً أي حاجة لتوحيد الصيام والإفطار كما يطلب البعض مخلصاً، لأن المسلمين موزعون في أصقاع الأرض مما تصبح الرؤية الموحدة مستحيلة. كما أرى شخصياً أن هناك تفريطاً من جانب علماء السنة في عدم التثبت من الهلال ومتابعة السعودية، وتفريطاً من الناس عموماً في متابعة إعلانات الدولة بالرؤية وهي التي تستند إما على علماء غير ثقات من وعاظ السلاطين وإما على قرارات سياسية (كما حدث في الستينات في العراق حيث أعلنت الدولة أنه لم تثبت رؤية هلال شوال، ثم لما أعلنت النجف ثبوت الرؤية أعلن تلفزيون بغداد في ساعة متأخرة جداً من الليل ثبوت الرؤية).

.

ومنها الزيارات الشيعية للأئمة والصالحين وما يقرأ فيها، حيث لا يعتقد


1) والحقيقة هي أن الواجب على جميع المسلمين أن يصوموا ويفطروا بناءً على رؤية الهلال من قبل العدول. إلاّ أن اتباع كثير من البلدان الإسلامية للسعودية في ذلك، وكون السعودية تصوم وتفطر مبكراً دائماً، حتى قبل ولادة الهلال أحياناً كما أكد ذلك الباحثون والفلكيون وبمقارنة جداول ولادة القمر التي لا شك في صحتها، جعل السنّة في الكثير من البلدان الإسلامية ومنها العراق الذي يتبع السعودية أحياناً كثيرة، يصومون ويفطرون قبل الشيعة.

علماء السنّة ولا الكثير من السنّة العوام إمكانية أن يزار الميت ويتكلم معه وكأنّه حيّ وما الفائدة من ذلك. إلاّ أن هذا الأمر ليس بقضية ذات شأن لأن الكثير من السنّيين في العراق وغيره يقومون بمراسيم الزيارة وطلب شفاعة الميّت في الحاجات عند الله تعالى، على الرغم من الحرب التي تشنها الوهابية السعودية ضد هذه الشعائر في كافة أرجاء العالم الإسلامي ومنها مصر بتأثيرها على بعض الجماعات الإسلامية وبعض "العلماء".

وأخيراً، كنت أتصور أن ما يتهم به السنّة الشيعة من أنهم يفضلون علياً، ويعتقدون بأن النبوة كان يجب أن تكون لعليّ قد أصبح شيئاً من مخلفات الماضي، إلاّ أنني وجدت أنّ البعض لا يزال يحمل هذه الأفكار السخيفة عن الشيعة، وعندما كنت أعدد هذه الافتراءات على الشيعة لأحد أقربائي قاطعني بأنه لا يشك في أن بعض الشيعة يعتقد أن علياً هو الذي كان من المفروض أن يكون النبي وليس محمداً(صلى الله عليه وآله)!! وعندما أوضحت أنه لا يوجد مثل هذا الشيء في الطائفة الشيعية الإمامية الاثنا عشرية لا في عالمهم ولا في جاهلهم أصرّ على رأيه بشكل ملفت للنظر وبقي على اعتقاده!!

أكثر من ذلك يصل الحد الى اتهام الشيعة بأنهم لا يحبون النبي(صلى الله عليه وآله) كما أقسمت إحداهن!!!

ولا نريد هنا أن نرد على هذه الترهات والافتراءات كأن نسأل عن السبب الذي من أجله لا يحب الشيعة محمداً(صلى الله عليه وآله)، أو عن السبب الذي حدا بجبرئيل(عليه السلام)أن يخطىء فلا ينزل بالوحي إلى علي(عليه السلام) ابن العشر سنين وينزل به إلى محمد(صلى الله عليه وآله)ابن الأربعين سنة!! ولا عن إمكانية حدوث ذلك من الملائكة المعصومين المرسلين من رب العالمين، أو عن السبب الذي يجعل جبرئيل يخون الأمانة كما يفتري البعض، أن هذا من اعتقادات الشيعة أو بعضهم، وكيف يخون روح القدس

الموصوف من قبل الله تعالى في القرآن بالأمين (إنّها لمهزلة حقّاً أن يضيع الوقت والجهد والورق في مثل هذه السخافات)، ولكن أريد أن أستغل هذه الفرصة لأقول لمن يريد أن يسمع بأنّ الشيعة تضع رسول الله محمد بن عبدالله(صلى الله عليه وآله) في منزلة أعلى بكثير من المنزلة التي يضعه(صلى الله عليه وآله) فيها السنّيون، فهم يعتقدون بعصمته ليس فقط بالتبليغ عن الله، بل بعصمته في كل حال ومقال، وفي طول عمره الشريف أي منذ اليوم الذي ولدته أمه وحتى يوم قبضه الله إليه.

كما وينزهونه ليس فقط عن الخطأ والسهو في التبليغ، بل وفي كل قول وفعل وفي كل عمره. وفي حين أن غيرهم يعتقد فيه أنه كان يأخذ آراء الصحابة ويقرّر على أساسها، فإن الشيعة تعتقد أنه(صلى الله عليه وآله) لم يكن يحتاج إلى أحد وإنّما كان يشاورهم لتطييب قلوبهم أولا، وليعلم الناس أنّ الحاكم يشاور الرعية ثانياً.

ولا يعتقدون كما يعتقد غيرهم أنّه ينسى الآيات القرآنية فيتذكرها بعد أن يسمعها من أعمى يقرأها، أو أنه سُحِر وأثّر فيه السحر بحيث لم يعد يدري فيما إذا أتى النساء أو لا (كما ورد في صحيح البخاري(1)الذي يعتقد السنّيون بصحة كل ما جاء فيه)، وأنّه نام حتى سمعوا غطيطه ثم استيقظ فصلّى بدون وضوء(2)، لأن الشيعة تعتقد أن ذلك من شأنه أن يعرضه للخطأ في التبليغ والنسيان مما سيضل الأمة لأنها لن تعلم في أي حال قال أو فعل(صلى الله عليه وآله) ما وصلها عنه، أفي حال العصمة والصحو والانتباه أم في حال النسيان والخطأ والسحر نعوذ بالله وبه نستجير من هذا الاعتقاد.

ونقول لمن يريد أن يسمع بأنّ الشيعة ترى أن الرسول(صلى الله عليه وآله) خير خلق الله أجمعين، ومن حباه بعلوم الأولين والآخرين، وجعله على خلق عظيم، وآتاه ما لم


1) صحيح البخاري: 7 / 29.

2) صحيح البخاري: 1 / 37، 44، 171.

يؤت أحداً من العالمين من الفضائل والمزايا، فلا يدانيه أحد في مرتبة أو يصل إلى مقامه المقدس.

أما اعتقادهم بعليّ(عليه السلام) فإنه عبدالله وأخو رسوله(صلى الله عليه وآله) آخاه معه في الدنيا والآخرة بأمر الله، وزوّجه ابنته الزهراء(عليها السلام) بأمر الله، وجعله منه بمنزلة هارون من موسى(عليهما السلام)، وهي تعني منازل الخلافة في قومه والتبليغ وغيرها فيما عدا النبوة التي ختمت بمحمد(صلى الله عليه وآله)، بعد أن علمه ما شاء الله وذلك بأمر الله، ونصبه للإمامة والخلافة بعده(صلى الله عليه وآله)مباشرة في مناسبات عديدة آخرها بعد حجة الوداع في غدير خم الواقع بين مكة والمدينة وذلك بأمر الله، ونصب أولاده الأحد عشر بدءاً بالأخوين الطاهرين الحسن والحسين(عليهما السلام) وانتهاءاً بالمهدي(عليه السلام) أئمة على الناس أجمعين سواءً رضي الناس أم لم يرضوا (كما في قوله(صلى الله عليه وآله): "الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا" أي بالخلافة المبسوطة اليد على الناس) وذلك بأمر الله تعالى، وقوله(صلى الله عليه وآله): "يكون اثنا عشر أميراً كلهم من قريش"(1)، والتي لا تنطبق مطلقاً إلاّ على معتقد الشيعة الإمامية الاثنى عشرية في أئمتهم الاثنى عشر بدءاً من الإمام عليّ وانتهاءً بالمهدي.

فالأمر هو اختيار إلهي لهؤلاء الصفوة أن يخلفوا رسول الله(صلى الله عليه وآله) وليس رغبة من الرسول أن يرفع أهله على الناس أو رغبة منهم(عليهم السلام) أن يصعدوا على كراسي الحكم، فلقد كان(صلى الله عليه وآله) وكانوا(عليهم السلام) أزهد الناس بالدنيا وما فيها. قال تعالى: (وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَ يَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَـنَ اللَّهِ وَ تَعَـلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(2)، وقال: (قُلْ إِنَّ الاَْمْرَ كُلَّهُو لِلَّهِ)(3)، ولا أدري ما هو أعظم من اختيار أمناء للإسلام الذي لا يزال غضاً بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولا يزال


1) صحيح البخاري، باب الاستخلاف: 8 / 127.

2) القصص: 68.

3) آل عمران: 154.

المشركون في الجزيرة والمنافقون في مكة والمدينة وعقائد الجاهلية لا تزال قلوبهم مشربة بها، ولا تزال عقائد العنصرية والطبقية وغيرها متمكنة من قلوب الكثيرين إلى اليوم، فكيف يومئذ والأكاسرة والقياصرة متأهبون بعد أن عرفوا بهذا الدين من رسائل الرسول(صلى الله عليه وآله) التي دعاهم فيها للإسلام ومن غارات المسلمين على أطراف الجزيرة.

وليس ذنب الشيعة أن الأمور لم تسر وفق ما أراده الله تعالى من خير للبشرية، وإنما هي المسؤولية على من رفض ذلك وأقبل على ما يرضاه هواه. إلاّ أن الذي حدث هو أن الناس لما رأوا أنهم هم الأكثرية ظنوا أن الشيعة هم على باطل كونهم هم الأقلية، والحق لا يعرف أكثرية أو أقلية، فإنّ من يتخذ غير الإسلام ديناً هم الأكثرية، وقد ذم الله الأكثرية في مواضع كثيرة من التنزيل (وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)(1)، (وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـرِهُونَ)(2)، (وَ مَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَ هُم مُّشْرِكُونَ )(3)، ومدح الأقلية (وَ قَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ )(4).

ولكن الذي حدث هو أن السنّيين رأوا أنّ الشيعة يرفعون من مقام علي وأولاده(عليهم السلام) أكثر مما ينبغي حسب رأيهم، بل أن أكثرهم لا يعرف هؤلاء الرجال الذين تقدسهم الشيعة بهذا الشكل، كما أنهم لا يعرفون في عقائدهم شيئاً اسمه الإمام أو الوصاية مما جعلهم يظنون أن الشيعة إنما هي جماعة منحرفة عن الدين الصحيح.

وقد ساهم في هذا التعقيد ما يكتبه الشيعة دفاعاً عن أئمتهم وينشرون


1) الأنعام: 37.

2) المؤمنون: 70.

3) يوسف: 106.

4) سبأ: 13.

عقائدهم فيها، فظن الآخرون أن الشيعة إنما تقدس هؤلاء أكثر من رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وبالتأكيد لم يكن هناك خلاف حول رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فكان تركيز الشيعة في الدفاع عن عقائدهم ضد الهجمات الظالمة قديماً وحديثاً هو على الأئمة(عليهم السلام) فظن الناس أنّهم يبالغون أو يغالون في تقديسهم(عليهم السلام).

إحياء أمرهم(عليهم السلام) والطائفية:

أمرنا الأئمة(عليهم السلام) بدعوة الناس إلى منهجم وطريقتهم، ودعوا الله تعالى أن ينشر رحمته على من يقوم بذلك، وذلك بقولهم: "أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا". ولكن كيف يمكن إحياء أمرهم، أي دعوة الناس إلى اتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)والذي عليه الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، بدون الدخول بادىء ذي بدء في إثبات حق الأئمة(عليهم السلام) في الولاية العامة على المسلمين، ثم تحليل ما جرى بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) من أمور تناقض ما تدعيه الشيعة (وتثبت صحته بوضوح من كتب السنّة أنفسهم) من تخطيط الرسول(صلى الله عليه وآله) للأمة بناءً على أوامر الله تعالى؟

كيف يمكن تجنب التعرف للصحابة الذين منعوا أهل البيت(عليهم السلام) من أن يتبوؤا مناصبهم حسبما أراد الله ورسوله(صلى الله عليه وآله)، والذين ساهموا في ذلك، والذين قعدوا عن نصرتهم(عليهم السلام) حينما ادّعوا ذلك لأنفسهم؟

وإذا كان بالإمكان عمل ذلك بأن يشرح الداعية حقيقة أهل البيت(عليهم السلام)ووصية الرسول(صلى الله عليه وآله) بهم وإليهم، ويلقي الضوء على شخصياتهم المقدسة من خلال حياتهم الشريفة، ثم لا يتعرض إلى أسباب عدم صعودهم إلى سدّة الحكم، فبماذا سيجب من سيسأل متعجباً من هذا التناقض العجيب بين أوامر الرسول(صلى الله عليه وآله) وواقع الحال؟

وإذا تمسك الداعية بعدم الجواب ملتجئاً إلى الآية الكريمة 141 من سورة البقرة: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَ لَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَ لاَ تُسْـَلُونَ عَمَّا كَانُواْ

يَعْمَلُونَ)(1)، فبماذا سيجيب السائل الذي يدعوه إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عن الافتراءات التي في الكتب التي تطبعها الوهابية كل ساعة لتكرّه الناس هذا المذهب وتبعدهم عنه؟

لابد وأن يأتي الظرف الذي لابد من التعرض فيه إلى هذه الإشكالات الناشئة مما وقع بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله). وهنا، سيتهم من يتعرض لها بالطائفية لأنه يتعرض للأشخاص الذين يقدسهم أهل السنّة، وتبدأ موجة جديدة من الاتهامات.

في البدء الهجوم على الشيعة بسبب عقائدهم المنحرفة، كما يفترون، وعندما يدافعون عن أنفسهم ضد هذا الهجوم يبدأ الهجوم عليهم بسبب طائفيتهم لأنّهم دافعوا عن أنفسهم!!!

إن دعوة الناس إلى أهل البيت(عليهم السلام) ليست دعوة طائفية وذلك:

1 ـ لأن الدعوة إلى فكر وعقيدة ليست كذلك، إنما هي محاولة اقناع آخرين بوجهة النظر لنيل مكسب دنيوي أو أخروي أو الاثنين معاً.

وفي حالة التشيع بالذات فإن الكسب الدنيوي يكاد ينعدم، لأن الدنيا لم تزل مدبرة على الشيعة منذ أن رحل رسول الله(صلى الله عليه وآله) وإلى يوم الناس هذا. أما الأخروي فمضمون بدعاء الإمام "رحم الله من أحيا أمرنا". فهل يزهد عاقل في نيل الرحمة الإلهية لأجل شبهات يثيرها الطائفيون أو الجاهلون؟ وما قيمة كل هذه الأمور الدنيوية في قبالة هذه الرحمة التي قد ترفع صاحبها إلى جنان الخلد؟

2 ـ ليست هذه الدعوة طائفية لأن الذين يُحيي أمرهم هم أصحاب منهج أبعد ما يكون عن الطائفية، وأقرب ما يكون إلى التقريب بين المسلمين، خذ مثلا نهج علي(عليه السلام) مع الصحابة الذين منعوه من تسليم مقاليد الحكم بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله)، وما زالوا يمنعونه منه وهو يقيم عليهم الحجة كي لا يضيع الحق من


1) البقرة: 134.

جانب، ويقف منهم موقف الناصح والأخ المخلص الذي لا يتأخر عن نصيحة أو يتلكأ عن مبادرة لإحقاق حق أو إزهاق باطل من جانب آخر. ولقد كان(عليه السلام) كذلك في مواقف كثيرة نذكر منها:

أ ـ يوم السقيفة حين بويع أبو بكر ورسول الله(صلى الله عليه وآله) لما يزل مسجى بين أهله وبعض أصحابه، فما كان من علي(عليه السلام)، وبعد أن أقام الحجة على المسلمين، سواء مباشرة حينما طاف عليهم ليلا يذكّرهم ببيعته قبل أقل من ثلاثة أشهر في يوم الغدير، وبممانعته للبيعة في أول الأمر، أو بشكل غير مباشر وذلك عن طريق الزهراء(عليها السلام) في خطبتيها المشهورتين اللتين خاطبت بأولاهما أبا بكر خاصة ومن معه عامة(1)

ويبدو أن بعض حكام المسلمين كانوا يوافقون الزهراء(عليها السلام) في طلبها لأنهم أعادوا الميراث، ومنه قرية "فدك" إلى ذريتها، كما فعل عمر عبدالعزيز الأموي والمهدي والمأمون العباسيان.

، وثانيتهما التي خاطبت بها الأنصار(2).

بعدها، وبعد وفاة الزهراء(عليها السلام) بايع علي(عليه السلام) أبا بكر بعد أن مضت مدة تكفي لأن توصل للمسلمين على مر الأجيال أن علياً(عليه السلام) كان يرى أنه صاحب الأمر بعد الرسول(صلى الله عليه وآله) مباشرة. كذلك فقد كان يصعب على أمير المؤمنين(عليه السلام) أن يبايع أبا بكر في حياة الزهراء(عليها السلام) بعد أن جرى لها ما جرى وبعد أن قاطعت أبا بكر ولم ترض أن تكلمه إلى غير ذلك من أحداث مؤلمة ليس ههنا مكان ذكرها.


1) والتي اعترضت فيها على قرار الخليفة منعها من التصرف بإرث أبيها رسول الله(صلى الله عليه وآله)استناداً إلى حديث رواه الخليفة أبو بكر يقول: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة"، في حين كانت ترى أنها ترث أباها(صلى الله عليه وآله) كما ترث أي بنت أباها استناداً على نصوص القرآن الذي لم يخصص آيات المواريث بسائر الناس دون الرسل(عليهم السلام)، واستناداً إلى كونها لم تسمع حديث الرسول(صلى الله عليه وآله) الذي رواه أبو بكر، وأنه من المستحيل أن يتركها أبوها(صلى الله عليه وآله)جاهلة بهذا الحكم الشرعي فيعرضها للمطالبة بإرث ليس من حقها كما زعموا.

2) وهي تحثّهم على نصرتها في طلب حقوقها التي منعت منها لأن الرسول(صلى الله عليه وآله) كان قد قال: "المرء يحفظ في ولده" وأوصى الناس بأهل بيته كثيراً كقوله: "أذكركم الله في أهل بيتي".

ب ـ يوم جاء أبو سفيان، عدو الله ورسوله(صلى الله عليه وآله) يحث علياً والعباس أن يتمردا على الخليفة المبايع وهو يعدهم النصرة بما يستطيع ـ وقد كان بإمكان مدّعي الإسلام هذا أن يجمع الكثرة الكاثرة من المنافقين ـ فما كان من علي(عليه السلام)وقد عرف مقصده أن رده وجبهه بدخيلة نفسه، وأنه لا يريد سوى الوقيعة بين المسلمين وشق صفوفهم بعيد الهزة العظمى التي حصلت لهم بوفاة قائدهم رسول الله(صلى الله عليه وآله). وكان علي(عليه السلام)، لو كان ذا دعوة طائفية، سيرضى بأبي سفيان ومن معه كي يعيد الأمر إلى نصابه بغض النظر عما يحل في المسلمين، أو على الأقل في تحليل الاعتماد على المنافقين وضعيفي الإيمان.

ج ـ يوم نص أبو بكر على عمر فقال عمار بن ياسر لعمر: "يا عمر: أمّرته عام أول وقد أمّرك اليوم"، وهذه لم تكن سوى زفرة من عمار، وإلاّ فإن علياً(عليه السلام)كان قد أمر أصحابه بالصبر، وصبر هو وماشى عمراً في خلافته التي امتدت عشر سنوات لم يبخل عليه بالنصيحة، بل وبإنقاذ في أحيان كثيرة لم يُعرف فيها الحكم الصحيح، فكان علي(عليه السلام) المرجع فيها، مما جعل الخليفة يقول في مناسبات عديدة قولته المشهورة: "لولا عليّ لهلك عُمر".

أكثر من ذلك، عندما أراد عمر أن يذهب بنفسه لفتح العراق وفارس أشار عليه علي(عليه السلام) بألا يذهب بل يبقى في المدينة، ولو كان غير علي(عليه السلام) لفرح بخلو الجو له في المدينة حيث يستطيع أن يتمرد، أو يأمل بالبيعة بعد وفاة عمر المحتملة إذا ما ذهب للحرب.

د ـ يوم الشورى التي أمر بها عمر قبيل وفاته، وجعل فيها الأمر لعبد الرحمن بن عوف إن كان أصحاب الشورى ثلاثة وثلاثة، فكان ذلك وبويع عثمان بن عفان لأنه وافق على شرط عبدالرحمن بأن يحكم بكتاب الله وسنّة رسوله(صلى الله عليه وآله)وسيرة أبي بكر عمر، في حين رفض الإمام علي(عليه السلام) أن يسير بغير الكتاب والسنة

واجتهاد رأيه لأنه يعتقد أنه أعلم من أبي بكر وعمر، ولأنه يعتقد بعدم حجية سيرة أبي بكر وعمر وعدم إلزامها له.

هنا أيضاً، لو كان ذا منهج فئوي ضيق وينظر إلى مصلحته الذاتية ومصلحة الأمة الآنية دون مراعاة القيم التي يعدّها خطأ والتي ستتأسس على موافقته على شروط لا يقرها ثم لا يفي بها، كان يمكنه أن يوافق على الشرط ثم يسير حسبما يريد بعد أن يُبايَع.

هـ ـ موقفه من عثمان يوم أن حاصره المسلمون يطلبون النَصَف من وُلاته، ومن ثم أرادوه أن يخلع نفسه من الخلافة. حيث كان(عليه السلام) نِعم الناصح والسفير بينهم وبين عثمان حتى خاف سلام الله عليه من الإثم كما قال(عليه السلام). هذا مع أنه كان نفسه ينقم على عثمان الكثير من الأحداث، ومنها ما تعرض له أكابر شيعته كعمار وابن مسعود وأبي ذر.

3 ـ هذه الدعوة ليست طائفية وذلك لأنها من قبل أناس أثبتوا على مرور الأزمان أنهم أبعد ما يكونون عن الطائفية، أو أن طائفية البعض منهم أقل بكثير من طائفية غيرهم من المسلمين، ولئن كان الماضي بحاجة إلى دليل فإن الحاضر المعاش يثبت بما لا يقبل الشك ما أقول. ولنضرب أمثلة على ذلك:

أ ـ تحتوي الدراسات الشيعية على أطروحات ومقارنات وإشارات إلى الفقه السنّيّ والفكر السنّي والآراء السنّيّة، في حين تخلو الدراسات السنّيّة خلواً تاماً من أيّة إشارة إلى الفكر أو الفقه الشيعي. وهذا يعم المجلات والصحف والكتب الدينية والإطروحات الجامعية وغيرها.

ب ـ تحتوي المكتبات الشيعية على كتب السنّة في حين لا تحتوي مكتبات السنّة على كتب الشيعة، وهذا يعمّ المكتبات الخاصة والعامة، وفي جميع بلاد المسلمين، ويعمّ جميع المواضيع من حديث وفقه وتاريخ وأدب وغيرها.

ج ـ تبيع محلات بيع الكتب الشيعية كتباً دينية وأشرطة كاسيت لوعاظ من السنّة في حين لا تبيع محلات الكتب السنّيّة الكتب الدينية الشيعية، وهذا يعمّ جميع المواضيع الدينية، وجميع بلاد المسلمين أكثر من ذلك، يتوقف أصحاب المكتبات الطائفيون عن التعامل مع الموزعين الذين يوزعون كتباً دينية شيعية، فلا يشترون منهم حتى الكتب الأخرى عقاباً لهم على نشر "الانحراف" الشيعي!!

ويصل الأمر إلى حدّ إحجام هؤلاء عن توزيع المصاحف الكريمة إن كانت مطبوعة في إيران في حين توزع المصاحف المطبوعة في أي مكان دون مراجعة!

د ـ تضم رفوف مكتبات الجوامع والمساجد والحسينيات والجمعيات الإسلامية الشيعية الكتب الدينية السنّيّة في حين لا تضم مكتبات الجوامع والمساجد والجمعيات الإسلامية السنّيّة كتب الشيعة.

هـ ـ تمد الجمعيات والجماعات الدينية الشيعية يدها بإخلاص دائماً للجماعات والجمعيات الدينية السنّيّة من أجل التعاون في شتى المجالات، في حين يحجم الآخرون عن فعل المثل، بل يعاملون الشيعة وكأنهم غير موجودين.

و ـ ينظر الشيعة إلى السنّيين على أنهم إخوان لهم يجهلون الحقيقة، وأن ذمتهم مبرأة باتباعهم مذاهبهم، وهم لذلك يطلقون عليهم لفظة "إخواننا" أو "الإخوة" كما سمعته بأذني مراراً من جلسات لا يحضرها غير شيعة. هذا على الرغم من أن الشيعة يعرفون أن الكثير من "إخوانهم" السنّيّن لا يبادلونهم نفس المشاعر، بل يعتبرونهم منحرفين عن الدين باختبارهم ولذا فهم من الخاسرين، كما ويعرفون الأضغان والأحقاد التي في قلوب البعض، والرمي بالأعجمية كما في حال شيعة العراق والخليج(1)ولكن يحملوها على الجهل والتجهيل أيضاً.


1) وإن كان المقصود بالرمي بالأعجمية هو الطرد من حق القرار السياسي العراقي إلاّ أنه صار يحمل صفة الشتم فأضحت الأعجمية بحد ذاتها سبّة.

أيها الإسلاميون: إجسلوا معاً

ضرورة مناقشة الخلافات من الآن وجهاً لوجه:

إن الجلوس سوية لمناقشة الخلافات ضروري ولا غنى عنه وذلك على صعيد الأحزاب والعلماء والباحثين، لأن أفراد الناس الاعتياديين من الشيعة والسّنّة لم يجدوا أن المشاكل التاريخية والعقائدية تحول دون دخولهم في علاقات صداقة وتجارة وسفر، بل مصاهرة، وسائر الأنشطة الاجتماعية، إن الجلوس سوية يمكّن من معرفة حقيقة ما يعتقده الآخرون أولا، ومعرفة ما يظن الآخرون أنك تعتقده ثانياً، ومعرفة مدى استعداد الآخرين للوصول إلى حل لأي إشكال ثالثاً، ورابعاً، ولعله الأهم، يتيح الجلوس وجهاً لوجه للحواجز أن تتلاشى، وفي مقدمة ذلك الحواجز النفسية الناشئة من التعليم الخاطىء والتربية الناقصة وعمليات غسيل الدماغ.

جفاء بعض الإسلاميين السنّيين:

يقول الكاتب:

ولقد أثبت لي الواقع المشاهد بما لا يدع مجالا للشك بأن أغلبية الإخوة الإسلاميين السنّيين لا يبدون متحمسين لفكرة التقارب، ويغلب عليهم الجفاء والجفاف في التعامل مع الإسلاميين الشيعة. وعندي أمثلة على هذا تدل على أن الكثير من الإسلاميين السنّة غير راغبين في التقارب من الشيعة على الرغم من محاولات التقريب عن طريق الأشخاص، أو عن طريق المنهج الوحدوي الذي سلكته الحركة الإسلامية منذ اليوم الأول وحتى الآن.

وأني أعزو هذا الجفاء والجفاف عند الإخوة الإسلاميين السنّة إلى سببين رئيسيين، هما:

أولا ـ اعتبار الشيعة منحرفين عن الدين، وبالتالي فإن التفاهم معهم مرفوض شرعاً.

ثانياً ـ ضغط الجهات الدينية المرتبطة بالنظام السعودي الوهابي على هؤلاء الإسلاميين بشكل أو بآخر وذلك ضمن الحملة العالمية التي شنّتها الوهابية ضد الشيعة منذ تفجر الثورة الإسلامية في إيران والتي يعرفها الجميع، والناس عبيد الدنيا، وضغوط الحياة كثيرة خصوصاً لمن يقيم في المهجر، لذا يصبح تحقيق النجاح عن طريق الضغط المستمر أمراً ميسوراً.

والمشاهد من حال معظم أئمة المساجد والخطباء وبعض قادة الحركات الإسلامية السنّية يدل على أن الكثير منهم قد باع نفسه لقاء ريالات آل سعود التي يدفعونها عن طريق مؤسساتهم في الخارج، وبالخصوص رابطة العالم الإسلامي التي تنتشر فروعها في مختلف أنحاء العالم، وأيضاً مساجد الضرار التي يبنيها الوهابيون في أصقاع مختلفة من الأرض، والتي هي أبواق دعاية لآل سعود والوهابية والتي توجه سبابها وكلمات التكفير التي لا تجيد شيئاً كما تجيدها ضد الشيعة الإمامية.

الأمور الواجب طرحها للمناقشة

وأذكر الآن بعض الأمور التي لابد وأن تتم مناقشتها للوصول إلى صيغ للتعامل معها. أقول صيغاً وليس حلولا وذلك لأن معظم هذه الأمور لا يمكن حلّها إلاّ بالخروج عن المعتقد أو الخروج من المكابرة والعناد اللذين يصعب التغلب عليهما عند أكثر الناس، وستلاحظ أنني لم أذكر الحوار حول القضايا السياسية ـ التي ليست لها علاقة واضحة بالقضية الطائفية ـ لأنه قد بدأ فعلا بين الطرفين أولا، ولأن ليس عليه اعتراض، معلن على الأقل، ثانياً.

1 ـ الخلاف العقائدي

يجب هنا طرح الخلافات العقائدية لا لأجل إقناع الخصم بوجهة النظر

الأخرى، وإنما لكي يعرف الخصم الأساس الذي بنيت عليه هذه الاعتقادات، فلا يقع بعدها فريسة الدعايات المغرضة والإشاعات التي هدفها تفريق المسلمين بتنفير بعضهم من البعض الآخر من قبيل أن التشيّع قد أسسه اليهود أو الفرس لضرب الإسلام كما يشيعه أعداء الشيعة، أو من قبيل أن السنّة لا يحبّون أهل البيت(عليهم السلام) كما يظن بعض الشيعة.

2 ـ الخلاف الفقهي

وفي هذا يجب الوصول إلى اتفاق بعدم تسخيف الأحكام الفقهية للطرف الآخر، وكما هو حاصل في الهجمة الشرسة ضد الشيعة، ويجب الاتفاق على ضرورة احترام كل طرف لفقه الطرف الآخر، كي لا يصعب التوصّل إلى اتفاق بشأنها مستقبلا إذا أذن الله تعالى أن يكون للإسلاميين صوت في حكم العراق.

يجب أن يتوقف تفكير البعض عن طريقة "ما عندي هو الصحيح وما عند غيري هو الخطأ، حتى وإن لم أفكر بالموضوع، ويجب على غيري أن يتبعني". قال لي أحد الإخوة أن أصدقاءه (وهم إسلاميون سنّة كانوا في سفرة شبابية في بريطانيا) قالوا: "العجيب في أمر الشيعة أنهم يدققون كثيراً في مسألة اللحوم ويحرّمون أكل اللحوم التي تباع في محلات اللحوم التابعة لغير المسلمين، ولا يأكلون اللحوم ما لم تكن مذبوحة على الطريقة الإسلامية، في حين أنهم يأخذون قروض العقار التي تقدمها البنوك والتي هي حرام لأن أقساطها ربوية".

أجبته: "وأنتم عجيب أمركم، تتحرجون في مسألة قروض العقار التي تقدمها البنوك وتحرّمون أخذها مع وجود التخريج الفقهي لها، في حين لا يهمّكم أن تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه من اللحوم التي يذبحها غير المسلمين وإنه لفسق!!"(1)

وأجيب: ولماذا لا تصومون أنتم وتفطرون معنا ولماذا تفطرون قبلنا بيوم واحد وكأنكم ترغبون بمخالفتنا فلا تتيقنوا من الهلال بل تتبعون إعلان الحكومات الظالمة والله يقول: "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا" هود: 113؟!

وبالمناسبة فإنه في هذا العام (1413هـ) أعلنت السعودية عن ثبوت رؤية هلال عيد الفطر المبارك ليلة الثلاثاء (مساء الإثنين) المصادف 23 آذار 1993 في حين أن الهلال وُلِد يوم الثلاثاء، أي أن من شهد برؤية الهلال فعل ذلك قبل ولادة الهلال بعدة ساعات!! حدث الشيء ذاته عدة مرات في أهلة شهر رمضان وشوال.

.

1) ومن الأمور التي تثار كل عام ويعترض لأجلها كالتالي: لماذا لا تصومون وتفطرون معنا ولماذا تفطرون بعدنا بيوم واحد وما ذاك إلاّ حباً بمخالفتنا.

نعم، في كل مسألة تحرمها وتعجب لأني أحللها، أنا أحللها وأعجب لأنك تحرمها.

هكذا يفكّر البعض: رأيه هو الصحيح والآخر على خطأ على الرغم من أنه لا يعرف من الفقه شيئاً، فلا هو من المتخصصين ولا من الذين يعرفون من أين جاءت الأحكام الفقهية.

يجب الاتفاق على أن المسلم بريء الذمة في عباداته ومعاملاته طالما هو يتبع مذهباً يدري لماذا اتبعه، وليس تقليداً للآباء والأجداد. والإسلام دين يسر، فيجب عدم إلزام الخصم بما لا يعترف الخصم به من فقه.

3 ـ الشعائر الدينية

يعترض بعض السنّيّين، من إسلاميين وغيرهم، على الشعائر الدينية للشيعة كإقامة مجالس العزاء في محرّم من كل عام، وكزيارة مراقد الأئمة(عليهم السلام) وغيرها، ويعترض الإسلاميون المتأثرون بالدعوة الوهابية التي ترفع شعار التوحيد على المسلمين جميعاً، سنة وشيعة، وفي مسألة إخراج النذور في مقامات الأولياء وفي زيارة المراقد للأئمة والأولياء والصالحين.

ولما كانت هذه الأمور لا يمكن الامتناع عن القيام بها لأنها بالنسبة لمن يقوم بها من شعائر الله القائل: (ذَ لِكَ وَ مَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى

الْقُلُوب)(1)، وبالتالي فسيثاب عليها من الله عزّوجلّ، فأصبح لازماً على من لا يرضى بهذه الشعائر أن يعرف الأساس الفقهي والتاريخي التي تقوم عليه، أو أن يوطّن نفسه على قبول القيام بها من قبل الآخرين الذين هم غالبية الشعب العراقي من شيعة وسنّة.

الشيعة أكثر انفتاحاً للنقاش والبحث:

يتابع الكاتب ملاحظاته ويقول:

ومن مشاهداتي الشخصية في العراق والكويت وبريطانيا، أجزم بأن الشيعة أكثر انفتاحاً للنقاش والبحث من إخوتهم السنّة بما لا يقاس، وهذا ليس بسبب عيب موجود في الشخصية السنّية، وإنما لأن السنّي ينشأ وهو ينتمي إلى أغلبية المسلمين مما يؤسس قناعة لديه بأنه على الحق لأن الأغلبية، وحسب الاعتقاد الخطأ السائد، لا يمكن أن تكون على الباطل، هذا أولا، أما ثانياً فلأن الشيوخ وأئمة المساجد والباحثين السنّيين لا يقيمون وزناً للشيعة ولا لأئمتهم(عليهم السلام) مما يؤدي إلى عدم اهتمام السنّي بهم، واعتبارهم، حتى وإن لم يعي ذلك، منحرفين أو شاذين لا يؤبه لهم ولعقائدهم.

وقد يكون هناك سبب ثالث وهو معرفة علماء السنّة بأن عند الشيعة أدلة قوية وحججاً يصعب ردّها من كتب أهل السنّة، وهذا يؤدي إلى إحجامهم عن المباحثة، وعدم فتح عيون أتباعهم على وجود رأي آخر له حججه وأدلته من كتبهم لئلا يؤدي ذلك إلى تشيع بعض السنّيين، وكما يحصل دائماً، خصوصاً بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران وخروج العقيدة الشيعية من كونها عقيدة بعض المسلمين الذين لا يؤبه بهم، أو حتى أنهم من غير المسلمين إلى عقيدة نجحت في إسقاط نظام عميل كافر، وتحت راية الإسلام وشعاراته المتفق عليها (الله أكبر ولا


1) الحج: 32.

إله إلاّ الله)، فتساءل الكثير من السنّيين عن العقيدة الشيعية التي يحملها قادة إيران وشعبها فأدى ذلك إلى تشيع بعضهم، بل أن بعضهم رووا بأنّهم قد تشيّعوا بعد قراءتهم لكتب الشيعة عقيب قراءتهم للكتب التي تهاجمهم وتكفرهم، فانقلب السحر على الساحر.

في المقابل، ينشأ الشيعي وهو يحمل هموم الإسلام الذي لم يسر مسيرته التي أرادها الله تعالى، حسب اعتقاده، وهموم وأحزان أهل البيت(عليهم السلام)، فيصبح عنده أن يأخذ سنّي واحد بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) غاية ما يتمنى، أو خير من الدنيا وما فيها كما في الخبر. كما أن وجوده في دول تحكمها الأنظمة السنّية سواء كان الشيعة هم الأكثرية كما في العراق والبحرين أو هم الأقلية، يجبره على الاطلاع على ما عند الآخرين لأنه في متناول يده في التلفزيون أو الكتب أو الصحف والمجلات وغير ذلك، فهو ينفتح على السنّي وما يكتبه علماؤه وباحثوه بشكل أو بآخر.

ولقد كنت أرى الكتب السنّية من حديث وفقه وتفسير إلى جانب الكتب الشيعية في مساجد الشيعة ومكتباتهم العامة والخاصة، في حين لا يوجد شيء من كتب الشيعة في مساجد السنة ومكتباتهم. وهذا ينطبق على أشرطة التسجيل لأحاديث الوعظ وما شابه.

وهكذا يكون الكاتب قد عرض المشكلة الطائفية عند المسلمين من خلال تجربة خاصة، وقدم بعض الحلول الناجحة لها، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

{17} سعيد يعقوب(شافعي / فلسطين)

اشارة

الصورة

A11

ولد عام 1947 في عكا بفلسطين من أسرة الحجازي التي هاجر جدّها عام 1899م من الحجاز، وهي أسرة تنسب إلى الإمام موسى الكاظم(عليه السلام)، ثمّ واصل الدكتور دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة الدكتوراه في الفلسفة من امريكا، كما درس الطبّ أيضاً حتى اصبح طبيباً متخصصاً بالأمراض العصبية والنفسية.

وللدكتور سعيد يعقوب نشاطات أخرى منها أنّ له {14} كتاباً مطبوعاً عدا المقالات، كما أنّه عضو في اتحاد الكتاب العرب وعضو في جمعية البحوث والدراسات وعضو مؤسس في اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين بدمشق.

نشأ في اسرة تعتنق المذهب السني فبقى على هذا الانتماء حتى أخذت الأدلة التي حصل عليها عبر البحث يده عام 1989م فادخلته في مذهب التشيع الامامي الاثني عشري.

منطلقاته في البحث:

يرى الدكتور سعيد يعقوب أنّ الفكر ينبغي أن يتمتّع بالحيوية، ويقصد بذلك أن يكون الجانب الجدلي فعّالا في بنية المعتقد الاسلامي وأن يكون الفكر متوثباً لا يركن إلى الجمود.

ويرى أيضاً أن من الخطأ أن يكون فكر الانسان محدداً بأطر لا يمكن تجاوزها أو الحيد عنها، لأنّ ذلك يؤدي إلى اقفال العقل، وهذا ما يمنع المرء من التقدّم العلمي والتقني في جميع الساحات.

ويرى الدكتور سعيد يعقوب أيضاً أن عقل كل انسان ينبغي أن يكون عقل مدقّق فاحص باحث عن المعرفة سائر إلى تطبيق مناهجه في كل زمان، وعلى كل أرض.

ومن هذا المنطق بدأ الدكتور سعيد يعقوب بحثه في جميع الأصعدة الدينية وغيرها، وبهذا المنهج سار في بحثه حتى بلغ المجال المذهبي ليحصل على العقائد المستندة إلى الأدلة والبراهين، فبحث في بطون الكتب وقارن بين أدلة المذاهب الاسلامية، وحاور ذوي الخبرة والاختصاص، ولم يفتر في بحثه قط، لأنّه رأى أنّ الخير كل الخير في استمرار المباحثات بين المسلمين، ورأى أنّ الخطأ كل الخطأ في اقفال بابها، والجام حوارها، لأن البحث معين يروى ظمأ المتعطش لمعرفة الحقيقة، وجنّة تورف بظلالها، وتكثر ثمارها وينبعث النفع منها كالريح الطيبة العطرة.

نبذة للتقليد الأعمى:

توجه الدكتور سعيد يعقوب إلى البحث، وهو يعتقد أنّ التقليد الأعمى وتلقي موروث الآباء والأجداد بلا تدقيق ولا تمحيص هو من أكبر العوائق التي تقطع طريق الباحث وتمنعه من التعرّف على الحقيقة، لأنّ الذين يصنع لهم آباؤهم منهجاً أو قيماً أو انظمة بلغت مراتب اعتقدوا أنّها هي الدين الذي لا ينبغي الحيد عنه، فإن هؤلاء لا يمتلكون القدرة على البحث، لأن هؤلاء قد تعوّدوا الاقتباس من الغير دون عناء الفحص والتدقيق، فلهذا تكون قدراتهم خاملة في مجال البحث.

فلهذا نبذ الدكتور سعيد يعقوب التقليد الأعمى لموروثاته العقائدية، وتجرّد عن كل عاطفة تربطه بالمعتقدات التي شبّ عليها، وتوجه إلى البحث بموضوعية

تامة لترشده الأدلة والبراهين إلى الصواب.

اهتمامه بمبحث الإمامة:

إن مبحث الإمامة كان من أهم الأبحاث التي عنى بها الدكتور سعيد يعقوب، لأنه رأى أنّ الإمامة تشكّل دوراً اساسياً في حياة المسلمين، وأن البحث عنها في الواقع قد شغل مساحة كبرى في الفكر البشري عموماً ومنذ أقدم الأزمنة، وأنّ الامامة ضرورة انسانية نفسية وليست ضرورة مذهبية أو دينية مع ما يمثله الدين من ضرورات في حياة الناس.

ويقول الدكتور سعيد يعقوب في هذا المجال: إن الجدال في التراث الاسلامي حول هذا الموضوع قد أخذ بُعداً متميزاً، بحيث نجد من يعتبر الحديث في الامامة من غير المسموحات، وأن اخطر كل الخطر في الاقتراب منه!

انبهاره بشخصية الإمام عليّ(عليه السلام):

لم يعبأ الدكتور سعيد يعقوب بالأقوال التي لا تستند إلى دليل أو برهان، بل سار في بحثه حتى وصل إلى سيرة الإمام علي(عليه السلام) باعتباره المثل الأعلى للإمامة عند كافة المسلمين، لما حفل به من قدسية، بحيث لو ذكرت كلمة الامام ككلمة مفردة لتبادر إلى الذهن فوراً الإمام علي(عليه السلام)، ولما تمتّع به من صفات الانسان الكامل.

ولم تمض فترة من دراسة الدكتور لشخصية الإمام علي(عليه السلام) إلاّ وانبهر الدكتور بشخصية هذا الرجل العظيم تبيّن له أن الطريق إلى علي(عليه السلام) هو الطريق إلى الله عزّوجلّ وأن من استرشد الطريق إلى علي(عليه السلام) ودخل مدينة علم رسول الله(صلى الله عليه وآله)من بابها، صار إلى فناء الرحمة المحمدية، حتى يبلغ مرتبة من كشف عنه الحجاب.

تفاعله مع مدرسة الامام علي(عليه السلام)

ومن هذا المنطلق تفاعل الدكتور سعيد يعقوب مع فكر مدرسة الامام

علي(عليه السلام)واغترف من نبعها حتى وروى بذلك ظمأه وغدى من اتباعه وانصاره ومحبيه، لأنه وجد الحق عنده وأنه ممن يهدي إلى الحق وأنه خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله)بالحق وهو الذي نصّ عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالامامة من بعده في العديد من المواقف.

فلم يتريث الدكتور سعيد يعقوب بعدما انكشفت له الحقيقة كالشمس في رابعة النهار، فاعتنقها بكل ترحاب، وترك ما كان عليه فيما سبق واعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

مؤلفاته:

{1} "معراج الهداية، دراسة حول الامام علي ومنهج الامامة": مخطوط.

صدر عن مركز الأبحاث العقائدية، ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.

يدور البحث في هذا الكتاب حول ثلاثة محاور رئيسية وهي:

المحور الأول: اظهار ماهية الامامة من الناحية النفسية والاجتماعية.

المحور الثاني: انطباق هذه الماهية في النتيجة على شخصيات محدودة.

المحور الثالث: الكيفية التي مارسها الامام علي(عليه السلام) في ارساء دعائم خطاب الاسلام الانساني.

{2} "آفاق النفس البشرية".

{3} "علم النفس والطب النفسي عند العرب".

{4} "السيرة التاريخية للحضارة العربية".

{5} "جدلية النفس والشعر عند العرب".

{6} "علم نفس الاطفال".

{7} "دراسة في آليات التلاؤم النفسي".

وغيرها.

وقفة مع كتابه: "معراج الهداية"

وهو دراسة حول الإمام علي(عليه السلام) ومنهج الامامة، يتكلم الكاتب عن مسار البحث في كتابه هذا، فيقول:

وسيكون لنا في مسيرتنا البحثية مواطن متعددة نقف عليها واحداً تلو الآخر، وتدور البحوث هنا حول ثلاثة محاور رئيسية هي:

المحور الأول: يدور حول إظهار ماهية الإمامة، في تناول يعتني بالجانب النفسي والاجتماعي من حياة الإنسان، وهذا الجانب هو الذي قادنا إلى تفصيل معنى الإمامة من الناحية اللغوية ومن ناحية الاصطلاح.

ولهذا المحور اتجاه نحو فهم شامل للإمامة، لا على أنها قيادة سياسية أو زعامة اجتماعية، أو على أنها نهج متقدم في شؤون الحياة، وإنما بما هي مصداق للنزوع الإنساني نحو الغاية من الوجود، ونحو الملاذ الذي يحتمى بكنفه، ويسعى من أجل بلوغه.

المحور الثاني: يدور حول انطباق هذه الماهية في النتيجة على شخصيات محدودة، تمارس مع تتابع الأزمنة أدواراً رسالية من جهة، وتمثل مرتكزاً هو من أهم المرتكزات العقائدية لدى البشرية كلها.

وهنا سوف نتوسع في استعراض النصوص المقدسة التي تؤيد ما نذهب إليه، ونجلو بعد ذلك الصورة التي بلغناها في معرفة هذا الانطباق.

المحور الثالث: ويكون لنا فيه سياحة مع الكيفية التي مارسها الإمام عليّ(عليه السلام)في إرساء دعائم خطاب الإسلام الإنساني ـ هذا الخطاب الذي باشره

النبيّ الكريم محمد(صلى الله عليه وآله)، وكانت البشرية جميعها هي المقصودة من ورائه، وليس فقط فئة من الناس، ولا أمة من الأمم ـ.

ويفصّل الكاتب ما أوجزه هنا بالقول:

والحقّ أنّ عملنا هنا ينصبّ بالدرجة الأُولى على مفهوم الإمامة، وليس على وظيفة الإمام، مع ما سيكون من فروع تتفرع عن هذا الفهم، لأنّ الانطلاق من المفهوم إلى المصداق هو الذي يعين على تلمّس معرفة أسباب الاختلاف الذي نشب بين الآراء التي بحثت موضوع الإمامة في الإسلام، ونحن نعلم المدى الذي شغله هذا الموضوع من الفكر الإسلامي، لكن الأمر أوسع من ذلك، فهو موضوع في الواقع يشغل مساحة كبرى من الفكر البشري عموماً ومنذ أقدم الأزمنة، بمعنى أنه ليس بدعة خاصة جاء بها الإسلام، لكن ووفق المنهج الذي اتبعناه، تبيّن لنا أنّها في عمق الحقيقة البشرية وعمق النفس الإنسانية، أيّ أنّ الإمام ضرورة إنسانية نفسية وليس ضرورة مذهبية أو دينية مع ما يمثله الدين من ضرورات في حياة الناس.

ولمّا كان الجدال في التراث الإسلامي حول هذا الموضوع قد أخذ بعداً متميزاً، بحيث نجد من يعتبر الحديث في الإمامة من غير المسموحات، وأنّ الخطر كل الخطر في الاقتراب منه! ونجد أيضاً نقيض هذه الفكرة لدى أطراف أُخرى، كما نجد من وقف في المنطقة الوسطى بين هذين الأمرين، رأينا أنّ المجال يتّسع لحمل هذا الأمر محمل البحث الجديد لما فيه من خير وفائدة، مستعينين بالإضافة إلى العلوم المتبعة في هذا المجال بعلم النفس الذي يقدم لنا خدماته في هذا المجال، والذي هو مجال تخصصي ودراستي أصلا.

والجانب الآخر الذي رأينا أنه من الضرورات بحثه أيضاً، هو الجانب التطبيقي لما تصل إليه نظرية الإمامة.

ولمّا كان الإمام علي هو المثل الأعلى للإمامة عند كافة المسلمين لما حفل به من قدسية، بحيث لو ذكرت كلمة الإمام ككلمة مفردة لتبادر إلى الذهن فوراً الإمام عليّ، ولما تمتع به من صفات الإنسان الكامل، الذي قصدت مجمل الديانات السماوية والفلسفات الكبرى سبيل بناء الإنسان بناء يسير به نحو أن يحذو حذو هذا المثال، لذلك فقد اخترنا أن نتحرك داخل أجوائه، ونتعرف على حقيقة الهدف الإلهي من وراء جعله إماماً للناس كافة، وهذا قد لا يتحقق يقيناً بغير ما ينبغي أن يعرف أولاً عن مفهوم الإمامة، ثم بعد ذلك قد تنكشف الحجب وتظهر للمهتم الصورة العلوية المباركة.

وقد سعينا في الختام إلى ربط الإمامة تاريخياً بالبعد الإنساني عامّة، إدراكاً منا أنّها لم تنقطع يوماً من الأيام، ولم تنفصل عن مسيرته البشرية، ولم يتأت هذا الإدراك اعتباطاً، بل جاء متوافقاً مع نتائج علوم جمّة تناولت التاريخ الإنساني، بأبعاده الحضارية وما فيها من إرث يسجل تطلع الإنسان إلى هدف يسعى من أجل بلوغه، وإلى ملاذ يلجأ إليه، وإلى مثال يتطلع نحو كماله، ويعدّه الغاية النهائية لحقيقة سعيه.

الامامة ماهيتها ومعناها:

يستعرض الكاتب الآراء الموجودة في هذا المجال ثم يطرح وجهة نظره مدعماً لها بالنصوص فيقول:

يجد الباحث في معرض التساؤل عن ماهية الإمامة في التراث الإسلامي إجابات متعدّدة ومتنوّعة:

ـ منها من حملها على أنّها أمر يختص بالزعامة والقيادة أو الرئاسة.

ـ ومنها من تناولها على أنها فكرة وأدخلها حيّز التصورات التي تبحث لها عن تصديق.

ـ ومنها من سار بها نحو التأملات الفلسفية التي تحتمل في تحققها الخطأ مثلما تحتمل الصحة.

ـ ومنها من رآها شأناً إلهياً مثلما النبوّة، ليس للناس من قرار فيه.

ـ وهناك من نأى بها عن فنّ المعقولات وسار بها نحو الفقهيات، يريد بذلك إدخالها منطقة الاستنباط، وإخراجها عن دائرة الأُصول التي يبحر العقل وراء إدراك كنهها، ويرتفع بها عن مقام المعاملات، ليصير إلى فلسفة المعرفة.

ويتضح لي أنّ الإمامة مفهوم غير جميع ما تقدّم، وعلى هذا المفهوم تترتب النتائج التي تكون أكثر شمولية، وأشد تعبيراً من المناصب الإدارية، أو السياسية أو العسكرية أو الاجتماعية، لكن لبلوغ هذا المفهوم يحتاج الراغب لمزيد من العناء، ولا نقصد بالعناء هنا المشقة من أجل الوصول إليه، لأنّ الإمامة والإمام أمر لا ينبغي معه الغموض، مثلما لا يجب أن ينشب حوله خلاف من نوع ذاك الذي يقسم الناس إلى فرق وأحزاب، إنّما الواجب أو الضروري ـ بمعنى الحتمي ـ أن يكون الإمام هو الجامع والرابط بين الناس، الجاذب لهم والموطد لأواصر التقارب والتلاحم فيما بينهم، هذا هو الأمر الطبيعي والسليم، الذي يرسل الله الأنبياء عادة ويزودهم بالأوصياء من أجله.

أمّا مخالفته، فإنّها تدخل في باب مخالفة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، الأمر الذي يلزم عنه بالضرورة شعور الإنسان بالضنك وقسوة العيش، لأنّ الإعراض عن الفطرة الإلهية والإعراض عن سبيل الله هو الذي يورث المشقّة، وهو الذي يجعل الإنسان يتخبط على غير هدى، وليس المقصود بضنك العيش هنا: الاحتياج والفقر، أو الشعور بالظلم وما شابه ذلك، إنّما المقصود هو اغتراب النفس وابتعادها عن راحتها وطمأنينتها بالدرجة الأولى! فكم من موسر، وكم من جبار، وكم وكم من أولئك الذين يتصور الناس أنهم بلغوا رتبة السعادة في الحياة

الدنيا، تجدهم في حقيقة أمرهم يعانون من آلام القلق والاضطراب، وعدم الاستقرار والسكينة.

لذلك عند إطلاق تسمية (الإمام) على الرجل الذي يتزعّم أو يقود نجدها لا تصلح لأن تبلغ مفهوماً! بمعنى أن الأمر هنا هو انطباق المصطلح على من يقوم بتنفيذ أمر ما، وهذا لا يقود نحو تجريد الاسم وبلوغه المعنى الذي يتيح التعمق وبلوغ الحقيقة التي هي شي غير القيام بالفعل، وسوف نجد مثالا على هذا في قول ابن حزم مثلا "إن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله(صلى الله عليه وآله)"(1).

وينبغي علينا أن نفرق تماماً بين القائم بالعمل على أنّ هذا العمل أمر موكل إليه من قبل الناس، لبراعته فيه وتمكنه وفق مؤهلات تملّكها، أو سلطان خوله القيام عليه، وبين الإمام بالمفهوم العميق الذي أورده الإمام الرضا(عليه السلام) عند وصفه للإمام، فهو لا يزجي إليه مهمة تكون ضمن إمكانات العاديين من الناس، وإنْ اشتمل بالعرض عليها، وإنّما هو يتعمق إلى جوهر الإمامة، فيقول(عليه السلام): "الإمام عالمٌ لا يجهل، وراع لا ينكل، معدن القدس والطهارة، والنسك والزهادة، والعلم والعبادة... نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله عزّ وجلّ، ناصح لعباد الله..."(2).

بعد النظر إلى وجهة ابن حزم، التي يمكن أن تعبّر عن معظم من تحدث حول الإمامة ووظائفها من الخارج، والتأمّل في توصيف الإمام الرضا(عليه السلام) وما يتفرّع عنه من آفاق تقود نحو الكشف عن حقيقة الإمامة ومعناها وجوهرها، نجد لزاماً قبل الاستغراق في متابعة هذين المنحيين في التناول، أن ننظر في الجذر


1) الفصل بين الملل والنحل: 4 / 87.

2) انظر: الكافي للكليني: 1 / 202، كتاب الحجّة.

اللغوي لكلمة (إمام)، الأمر الذي يساعدنا على تخطّي لكثير من صعوبات البحث.

الإمام في اللغة:

جاء في الصحاح: "هو الذي يقتدى به"(1)، وكما هو واضح هنا فهي تفيد التعميم، ولا تختص بتفصيل يقود إلى معنى دقيق وحقيقي، فالذي يقتدى به يمكن أن يكون شخصاً يتمتع بالفطنة والذكاء، ويمكن أن لا يكون كذلك، ويمكن أن يكون آلة، ويمكن أن يكون معلماً من معالم المنفعة، بالطبع نحن نعلم أنّ المقصود هنا إجمالي، لكن حديثنا يجب أن يعطف على الفور على رغبتنا في إظهار المفهوم، لذا تقتضي الدقة أن يحاط بجميع أطراف التعريف، حتى يصار إلى انتزاع المفهوم الذي يتيح التعمق كما سبق.

وجاء في لسان العرب: "أم القوم وأم بهم: تقدمهم، وهي الإمامة، والإمام: كل من أئتم به"، ويفصل ابن منظور هنا فيقول: "يكون الإمام رئيساً كقولك إمام المسلمين، ويكون الإمام الطريق الواضح، ويكون الدليل، ويُؤِمُ: يُقصد"(2).

وأورد من محيط المحيط في إظهار معنى الإمام من الناحية اللغوية قوله: "فالإمام هو قيم الأمر، والمصلح له"(3).

قوة الفطرة في معرفة الإمام:

يقول الكتاب عنها:

"إنّ هذه القوّة الموجودة في الأعماق والتي يشترك فيها أفراد هذا الجنس، هي قوة ذات بعد فطري، ولعل هذا البعد هو الذي يعوِّل عليه عندما يشتد البحث عن


1) الصحاح للجوهري: 5، مادة إمام.

2) لسان العرب لابن منظور مادة: أم.

3) محيط المحيط، بطرس البستاني، دار لبنان، ط 1977، ص161.

الهدف الذي تبحث عنه أو تنزع نحوه الميول والحاجات الدفينة في أعماق الناس.

انّنا سوف نثير هنا في القارئ الكريم رغبة أو شهوة معرفة ما تؤول إليه حقيقته، أياً كان الدين الذي يعتنقه، أو المذهب أو التيار، لأن الواقع الذي تجري وراءه هذه الفكرة، هو مجال الإنسانية وليس مجالات الفئوية أو الفردية.

ونحن سوف نعتمد على هذه القوة في اشتداد السؤال عن (ما هو الإمام).

وبداية نقول أن هذه القوة مزودة بالقدرة على المعرفة التي تجتاز ظواهر الأشياء والنفاذ إلى ماهيتها، فيما لو تشكلت غير آبهة بالشوائب، وبمعنى آخر: فيما لو أمكن إزاحة ما يعلق فيها من تراكمات تسدل عليها طبقات من الحجب، يصعب معها تحديد الغاية الحقيقية التي تهفو إليها.

وهذا البعد في الجوهر يساوي العقل الذي يصل من خلال الخبرات إلى تلك المقدرة على الحكم، والفصل بين ما هو نافع وما هو ضار في الحقيقة، فبوسع العقل وحده أن يتخطّى حدود التجربة، فينفذ إلى جواهر الأشياء ويقف عليها كما هي موجودة في الحقيقة بصورة مستقلة عنا، فإن مهمة العقل الوصول بالمعرفة إلى الوحدة المطلقة النهائية(1).

لكن أليس العقل هو ميزة الإنسان! أليس جميع الأسوياء يمتلكون هذه القوة! إذن فيما التفاوت بين الناس في بلوغ هذه المعرفة، وفيما يختلف الكل، كل من وجهته؟

وإذا كان عند "هيغل" يقف العقل على الوحدة الداخلية العميقة للجوانب المتضادة، ويتيح بذلك إمكانية معرفة الموضوعات في عيانيتها وكليتها(2). فما هي الموانع من بلوغ الهدف؟


1) المعجم الفلسفي، م. س. ص92.

2) ن. م. ص92.

لم تحن الإجابة عن هذا السؤال بعد، لكن نود أن نشير إلى أنّ الخطاب الإلهي في كل الأحوال، يتّجه نحو الجوهر الإنساني السليم، أو الأكثر سلامة، ذاك الذي يعي ويدرك ويمتلك خاصة سبر ومعرفة أغوار الأشياء، ويمكن أن نجمله هنا بمصطلح (النفس) الذي يرسل إليها الخطاب القرآني، ومجمل أنواع المخاطبات الإنسانية، أي تلك القوة العاقلة التي تتمتع بالفهم والفكر والمشاعر، وهذه القوة لا مجال لمعرفتها أو التعرف عليها عبر الأدوات التي تختبر بها القوانين والأنظمة، كالكيمياء والطاقة والتشريح وما إلى ذلك، لا لأنّها ليست حقيقة ملموسة، بل على العكس يمكن أن تكون هي الحقيقة الأشد نصاعة بين جملة أشياء هذا الكون، لقدرتها على التأمل والخلق وترتيب المقدمات التي توصل إلى نتائج، من اللا شي أحياناً.

يقول عالم الأحياء "أدلوف بورتمان": "ما من كمية من البحث على النسق الفيزيائي أو الكيميائي، يمكنها أن تقدم لنا صورة كاملة للعمليات النفسية والروحية والفكرية"(1).

من خلال ما تقدم تبين لنا، أن هذا الجوهر الإنساني لا يخضع في حركته الفكرية لأية سلطة، أو لا توجد هنالك من سلطة تمنعه من البحث الدائم، الذي لا ينفك محاولاً الإحاطة بكل تفاصيل الوجود، عاملاً على إخضاعها لمتطلباته، أو باحثاً عن فك رموزها.

هذا ما يؤكده عمل الإنسان المبكر على إنشاء علائق تقوم ما بينه وبين الموجودات الشاخصة أمامه، بل تحرك أعمق من ذلك وذهب نحو الماهيات، يجرد الأشياء من الأطراف الزوائد التي تلحق بها ليصل إلى اللب، أو يبحث عن الخالد، ولا يعبأ كثيراً بالآيل إلى الزوال.


1) العلم من منظوره الجديد، روبرت اغروس، جورج ستانسيو، ت: كمال خلاليلي سلسلة عالم المعرفة، ع134، ص42 ـ 43.

والذي يدفعه نحو هذا المنهج، هو شغف أزلي يسوقه نحو معرفة بدايته ونهايته، ويُجري أعماله على خلق ظروف ومناخات تلائم المراحل التي يقطعها ما بين هذه البداية التي يحياها، وتلك النهاية التي ينحصر ختام تجربته فوق التراب بها، بجميع ما يشوبها من الغموض، وما ينتظره فيها من المجهول.

وبمناسبة هذا المجهول، فإننا نعطف هنا على أن التعلق والحنين والبحث عن المجهول بالنسبة للنوع الإنساني، هو أمر له علاقة ذات حدّين:

الحدّ الأوّل: هو الذي يخضع للتساؤلات عن المنشأ والولادة والبداية.

الحدّ الثاني: هو الذي تجري عليه جميع اختبارات عمره في طريق بلوغه النهاية التي حتمت عليه، وهو يعرفها لكنّه يغض عنها الطرف.

وإن كان الوازع والهاتف الداخلي الذي يحفزه على المعرفة يرتبط بشكل وثيق بالحدّ الثاني، حدّ معرفة مجهول النهاية، لما يتعلق به في مسيرته الحياتية من آمال تجعله لا يرغب بانقضائها، على علمه يقيناً بهذا الانقضاء، وفيه كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) موصياً برفض هذه الدنيا: "وإن لم تحبوا تركها، والمبلية لأجسامكم، وإن كنتم تحبون تجديدها، فإنّما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلا فكأنهم قد قطعوه، وأمّوا عَلَماً فكأنهم قد بلغوه، وكم عسى المجري إلى الغاية أن يجري إليها حتى يبلغها، وما عسى أن يكون بقاء من له يومٌ لا يعدوه، وطالب حثيث يحدوه في الدنيا حتى يفارقها"(1).

نتيجة:

الواقع أنّ ثمة اتصال يربط ما بين هذه الحياة الخارجية، وبين حياة أخرى يُسعى لا محالة لبلوغها، وهي حياة أزلية محكوم بها الإنسان، ومحتاج للتعرف


1) انظر نهج البلاغة: الخطبة 98.

عليها واكتشافها، لكنّه يثبت دائماً أنه بمفرده لا يتمكن ـ مع ما يمتلكه من شعور عميق ـ من الوصول إليها، وكذلك يندفع به هذا الشعور نحوها، غير أن هذا الشعور يتدخل في تحديد مدى صفائه وخلوصه من الشوائب.

لكن قد يتمكن الفرد من الوصول إلى المواءمة بين ما يتلقاه من العالم الخارجي، وبين ما يتدفق من أعماقه، وهو هنا عند هذه المرحلة من التمكن سوف يستطيع يقيناً أن يلتقط إشارات دقيقة التأثير، تصل به إلى معرفة مرضية بالمعنى الحقيقي لوجوده والغاية من هذا الوجود، وبذات المنطقة من المعرفة هذه سوف ينجذب باتجاه ملاذه الذي يدرك بالفطرة المصفاة أنه هو القادر على حمايته من أي سقوط، مثلما يحميه من مغبة الغفلة عن هذا الذي بلغه من المعرفة، وهذا الانجذاب مسربل بعناية إلهية، وهي في هذه الهنيهة بالذات معنية بهدايته، وإنما تكون هذه الهداية في النتيجة هي انكشافه على إمامه الذي يحمي كليته في هذه الحياة.

هذا ما يمكن أن نسميه الوصول الفطري إلى معرفة الإمام!

الطريق إلى الإمام علي(عليه السلام):

علينا أن لا نستغرب من هذا العنوان، لأنّه وضع بعد ذلك التمهيد الذي اعتمد منهج التحليل والاستنتاج، من أجل وضع لبنة جديدة في بنيان مفهوم الإمامة عسى ينظر إليها بعين التأنّي، وتؤخذ مع من يتوسع بها إلى ما هو أكثر إفادة ونفع.

نبدأ أولاً بالنظر إلى انطباق مفهوم الإمامة الذي أجريناه في بحوثنا على علي(عليه السلام)، ويفيدنا في هذا المجال أن تقسم هذه البداية إلى عدّة أقسام.

القسم الأول: في تسلم راية الإمامة

ونود أن نذكر بأنّنا وصلنا في الفرق بين الإمامة وأنواع الزعامة التي تنضوي تحت ظلها، ولا تطاولها بحال، ونرغب أن يستمر القارئ معنا في التمسك

بالطريقة القرآنية التي تجعل من القلب وطناً للتعقّل.

لقد سمح لنا التحرك في أرجاء المفهوم أن نغادر المعنى الظاهري لكي نتعمق في معرف الإمام في عيانيتها، وتراءى لنا أنّ الفرق بين النور والظلمة يساوي الفرق بين الإبصار والعمى، ونلاحظ أوّلا أنّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في كلماته يتناوب كلمة (ضياء) كلّما ورد ذكر محمد(صلى الله عليه وآله) أو ذكر القرآن الكريم، أو ذكر أهل البيت النبوي(عليهم السلام)، كذلك نرى أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) عندما يشير في كلامه إلى أهل بيته(عليهم السلام)، فإنّه يصفهم بأداة النجاة من الغرق، والتي تشبه إلى حدّ بعيد مفهوم الخلاص من الهلاك، والذي يمكن أن يحمل على أن النور هو الخلاص، والظلمة هي الهلاك، فكيف يستدل على هذا النور؟

بالدرجة الأولى ينبغي أن تنقطع نهاية هذا الأمر إلى الله سبحانه فهو الذي يحيله إليه، يقول سبحانه: (اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّـلُمَـتِ إِلَى النُّورِ)(1)، لكن هذا الإخراج كما لاحظنا مشروط وفق القانون الإلهي بالإيمان والإيمان، كما بيناه في بحث الفطرة لا يأتي من غير دين، وإذا كنا قد بلغنا في متابعتنا لمسيرة النفس الإنسانية وما تحمله من قابليات، وتبيّن لدينا أنّ الإنسان بطبعه منصّت إلى نداء داخلي يتعلق به من قبيل الاعتقاد، وسقنا على ذلك شواهده العلمية، نصل بعد ذلك إلى حتمية أوردها الإمام علي(عليه السلام) في كلماته، المفتاح الذي يفتح قفل هذا الأمر، وهو كلامه الآتي يقول: "أول الدين معرفته ـ أي الله ـ "(2).

واللافت يقيناً أن هذا القول لا ينحصر بالإسلام، وإن كان لا يرى فوق أو غير الإسلام ديناً، إنّما هذا يلفت إلى الأديان كلّها باعتباره يصرّح بالأوليات التي تبنى عليها فيما بعد النتائج، وهو يسلسل هذه النتائج معتمداً هذه النقطة الأولية


1) البقرة: 257.

2) أنظر نهج البلاغة: الخطبة 1.

على أنّها مفتاح البداية (أوّل الدين معرفة الله)، والذي يقودنا إلى هذا، هو أن الله سبحانه خلق الخلائق وهداها إلى نوره، فمنذ البدء ثمّة هذه الأولية، منذ تكوين الناس وإعمارهم للحياة، وهو الذي فطرت عليه الإنسانية، وهنا نملك أن نقول: إنّ المعرفة بالضرورة توصل إلى الإيمان.

وهذا إيمان الذي تشكّل من جرائها ترتبت عليه درجات الكمال التي يشير إليها(عليه السلام) في متابعة كلامه، بقوله: "وكمال معرفته التصديق به"، يقول "الطباطبائي" في معرض شرحه لهذه الجملة: "والتصديق هذا هو الذي يوجب خضوع الإنسان له في عبوديته، وبهذا التصديق يرسخ الاعتقاد ويثبت، لذلك كان هذا التصديق كمال المعرفة"(1)، عند هذا المقام سوف تنطبق الآية الكريمة على أنّ الله سبحانه يتولّى إخراج الذين آمنوا من الظلمات إلى النور، ولكن هذا لا يكون قبل الخضوع للعبودية بحسب الطباطبائي.

القسم الثاني: الطريق إلى علي القرآن والنبي

والذي يجعل أمر الهداة منقطعاً إلى الله سبحانه، إضافة إلى ما أوردناه جميعاً، هو بالمقام الأول ما حدّث به رسول الله وأمر به، والذي لا تنبغي المواربة فيه أو المحاكمة، هو أن كلامه صفو التنزيل، أي أن كل تقرير أو أمر أمر النبي(صلى الله عليه وآله)الناس أن يأخذوه عنه هو فرض مثلما باقي العبادات، وعلّة هذا قول الله سبحانه: (وَ مَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ)(2)، فلا جدال في أنّ مصدر أوامر وتعليمات الرسول(صلى الله عليه وآله) هي من عند الله، والقرآن الكريم مليء بتوكيد


1) علي والفلسفة الإلهية: 44.

2) الحشر: 7.

هذا ولا حاجة بنا لأن نسرد الكلمات الإلهية التي ترفع شأن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وتجعل من كلماته وحياً يوحى، حتى نحتاج إلى تثبيت أن كلامه هو محض نور، وأن مخالفته هي ليست فقط معصية، وإنما إبطال للأعمال أيضاً إن كان هذا المخالف ينظر إلى نفسه على أنه ممن يتقربون إلى الله بعمل أو عبادة، وعلة هذا قول الله سبحانه (أَطِيعُواْ اللَّهَ وَ أَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَ لاَ تُبْطِـلُواْ أَعْمَـلَكُمْ )(1).

في الربط الناجز بين طاعة الله سبحانه، وبين طاعة رسوله عليه وعلى آله أطيب الصلوات، يمكن للمتأمل أن يلتقي مع عليّ ابتداءً قبل أن ينطلق إلى التفصيلات، وعند هذا الالتقاء سوف يجري النظر إلى متابعة الحاجة إليه، بعد أن يغادر النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله)إلى دار مقرّه، وفيه(عليه السلام) سوف يعرف متابعة طريق الله ممّا وراءه، أولئك الهداة الذين سوف يجسّدون نور الله من بعد محمد(صلى الله عليه وآله) وعليّ(عليه السلام)، لأنّ الطريق إلى الله بعد ذلك سوف لن تكون في مأمن بالنسبة للسالك عندما يولي وجهه قبلة سواها، أي سوى التي قال رسول الله فيها أنّها سفينة النجاة من ركبها نجى ومن تركها غرق(2).

وقد فرغنا من أن النور والظلمة هما عنوانا البصيرة والعماء، ووقفنا على أن الإنسان غير الداخل في نور الله مارق عن راية حقه، وأن لهذه الراية حملة، وأنّ هؤلاء الحملة هم أفرع شجرة النبوة، ومصابيح هذا النور، أئمة الناس وملاذهم ومنجاهم من أي سوء، وإذا بُنيت مقاييس دخول الجنة وقبول الطاعة عند الله سبحانه على طاعته وطاعة رسوله، فإن كل مخالفة إيلاج في الظلمة، مفاد قوله سبحانه: (وَ مَن يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُو فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـلاً مُّبِيناً )(3).


1) محمد: 33.

2) أنظر مستدرك الحاكم: 3 / 361 {4778}، المعجم الأوسط للطبراني: 4 / 10 {5536}، وغيرها.

3) الأحزاب: 36.

فإذا لجأنا إلى أوامر الله في طاعة نبيه الهادي الأعظم للبشرية جمعاء، ثم نظرنا إلى وصايا رسول الله سبحانه في أئمة الهدى من ورائه، نكون قد وضعنا نصب أعيننا هنا السؤال التالي: ما معنى (وَ مَآ ءَاتَـاكُمُ الرَّسُولُ)(1)؟

وقبل الإجابة نقول: إنّ شرط الطاعة العمل، أي لا يكفي أن يقر المرء بقلبه بأنه موافق لما يقوله هاديه، نبيّه وإمامه، وإنّما ينبغي تأدية العمل بهذه المعرفة، فالعلم بالشيء بغير القيام به، يبقى في حيز القصور ولا يكون له مجال تصديق ما لم يبادر إلى العمل به.

وعدم طاعة الله ورسوله نتيجتها بحسب القوانين القرآنية، هي ما ينحصر في كلامه عزّ وجلّ في هذه الآية: (وَ مَن يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُو فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـلاً مُّبِيناً)(2)، يوازيها القبول والطاعة والعمل بحسب هذا القانون القرآني إثر قوله جلّ جلاله: (وَ مَن يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُو فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيماً )(3).

فالله سبحانه الذي اختار أنبياءه ورسله، اختار أئمة الناس إليه معهم وفي آثارهم، وكلف كل نبيّ ورسول أبلغ عن رسالته أنه يشير إلى الذين يمثلون امتداد هذه الرسالة، وليس من سبيل إلى ذلك بغير تولية سبحانه هذا الأمر. فالمعروف أن الناس تصارع على الفوز بالذي تراه يقدم لها النفع الآني والمستقبلي ويرغبون بالمناصب والشهرة، وقد زينت الدنيا لهم ببهارجها ومفاتنها وقد عسر على الإنسان الانصياع للسوي، ما لم يقم عليه الحجة التي تجعله يصدع لهذا الانصياع. ولا نقصد بالانصياع هنا، هو التسليم دونما رغبة أو إرادة، لكن المعروف أن شؤون العقائد، هي شؤون في غاية التعقيد، وإن استبدال عقيدة بغيرها بالنسبة لبني البشر ـ خاصة فيما يميل باتجاه الدين ـ مسألة يسفح من أجلها المزيد من الدماء قبل أن


1) الحشر: 7.

2) الأحزاب: 36.

3) الأحزاب: 71.

تنتصب على أقدامها، لذلك كان الله اللطيف بعباده سبحانه، قد ترك الناس على فطرة تسوقهم إلى الهداية، رغم صراعهم الذي لا يهدأ معها، إلا أنّ العديد من آياته عزّ وجلّ تشير إلى أنّ الرسل والدعاة المجتبين لهم وظيفة التذكير والتبشير وإنذار الناس بعدهم، أي بعد أن يستيقظ فيهم ملمح الاستجابة للنداء الداخلي الفطري الذي يكشف لهم حجب الظلمات، ويريهم مثالهم ورجاءهم، لا ينبغي لهم أن يغفلوا بعد ذلك عنه، فهم إن غفلوا بعد ذلك، فالوعيد والإنذار موجود بوفرة في القرآن الكريم.

وعن التذكير الذي تلهج به آيات الله سبحانه، يطيب لنا ذكر نفحة هنا، تكون في مقام الاعتراف بفضله سبحانه على الأمم، وبالشكر له لما تفضل بإرسال رحمته التي وسعت كل شي ببعث محمد(صلى الله عليه وآله): (وَ مَآ أَرْسَلْنَـكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَـلَمِينَ )(1).

القسم الثالث: الطريق إلى علي بعلي

في القسمين الذين أُنجزا بحثنا عن معرفته(عليه السلام) من خلال الاستنتاج والاستدلال، ومن خلال كلام الله سبحانه وكلام رسوله(صلى الله عليه وآله)، وصلنا إلى أنّ الله سبحانه قد أجرى في الناس سنته، وليس لأحد أن ينازع الله سنته، وقضاء رسوله قضاءهما، فما لمؤمن أو مؤمنة أن يختار.

وبذلك تبيّن لنا أن الرعاية الإلهية قد حفت أمّة محمد(صلى الله عليه وآله) بإعلان إمامة عليّ(عليه السلام)في الناس، استمرار لهدى الله وإبقاء لنوره، وأن من عمل على إطفاء هذا النور خبا وذهب في مترديات الظلمة، ومن شرح الله صدره لهداه، أخذ بناصية


1) الأنبياء: 107.

فؤداه، وساقه من حيث يستقر الإيمان في قلبه، ويرد على حبيبه المصطفى يوم لا ينفع مال ولا بنون وقلبه مشتعل رغبة وحبّاً وأمان، فهو على حوض المختار، يسقى مياه أهل الجنة، ويتراقص في نفسه النور فيجلب الخير لها، فقد انكشفت أساريره عن هدي محمد باعتناق الإسلام، وذاب قلبه ولعاً بالله ورسوله(صلى الله عليه وآله)، فآثر ولاية عليّ على خلائق الله في الأرض، فكانت راحة عليّ(عليه السلام) في ذاك المقام هي التي تفصل ما بينه وبين نار جهنم التي أعدّها الله للظالمي أنفسهم.

ونحن هنا سوف نقصد الطريق نحوه(عليه السلام)، من خلال كلماته التي أرسلها منذ ذاك العهد في الناس، وما تزال تسري في دياجي الظلمات تكشفها، وتضي جنبات الكون، لكن الذي لم يمكنه الله بعد من إدراكها لم ينل حظه من العيش معه بعد، ونسأله جلّ جلاله، أن يقضي لجيمع أمّة محمد(صلى الله عليه وآله) وللبشرية أن تنفتح عيونها على هديه، وتستلهم خلاصها منه، فإنّه كما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): "لا يُدخلها في باطل، ولا يُخرجها من حق"، بل أنّه فاتح آفاق الأنفس على كوامنها، ورافع نور الله فوق كلّ ظلمة بمنّ منه سبحانه، لا بسواه.

والذي يدعو إلى التأني والتأمل في استعراض كلامه، ليس البلاغة التي يتمتع بها كما يتصور البعض، فما كان ليدركه النقص(عليه السلام)، وحتى يبحث عن الكمال، فالبلاغة ليست فضيلة أو إضافة إلى إمامته، بل إنها من مقتضياتها، بذلك نحن وإن راعنا جمال أسلوبه، وأخذ بلباب أفئدتنا حسن تناوله للمفردات، لكن هذه ليس بذاته الهدف من الاستدلال عليه بكلماته، وإنّما الهدف فوق ذلك، إنه استلهام نوره من أجل إزاحة ظلمات عَلَتْ الأفئدة، وكذلك استدراك طريق تراكمت فوقه غبار التزييف والتحريض، وانتضاء حق يشعل مصباحه إلتفاته.

بهذا نحن نقف قليلاً مع ما يذكره عن أهل البيت الذين يدور معهم في فلك محمد(صلى الله عليه وآله)وينسج معهم على منواله، فيأخذ منهم ويعطيهم، ويتبادل معهم سرائر

الكون، ويكشف للناس خبايا مستقرهم ومستودعهم، وطرائق عيشهم وسعادة أوقاتهم، مثلما يزجرهم ويردعهم عندما ينظر فيراهم على غير الجادة، لعمري كدفع الوالد ولده على اتيان حياض اللذة غير النافعة، وعدله إلى طرقات الفوز والخلود.

كيف ينظر علي(عليه السلام) إلى نفسه:

ونبدأ القسم الأوّل بالكيفية الذي ينظر فيها عليّ(عليه السلام) إلى نفسه، وكيف ينقل لنا وسائل التعرف عليه، والتماس هداه.

وسنلج في كلماته التي حملتها إلينا الأسفار عبر التاريخ، ومنها سوف نلحظ مشهد الحق ونعاينه، ونطرق باب النور، فينفرج ما بين قلوبنا وبينه ما يجعلنا تطمئن بذكر الله، وتخشع رغبة في حنوه.

ننظر هنا إلى كلماته يخاطب فيها الناس، وهو قائم مقام رسول الله(صلى الله عليه وآله)يعلمهم ويعظهم ويميل إليهم بارتياد ثوب النجاة من الفتن، ولا يترك مطرحاً إلاّ وشغله بإلفاتهم إلى نور الله يقول: "والله ما أسمعكم الرسول شيئاً إلاّ وها أنا ذا اليوم مسمعكموه... ولا شقت لهم الأبصار، ولا جعلت لهم الأفئدة في ذلك الأوان، وقد أعطيتم مثلها في هذا الزمان"(1).

لن يحتاج المتأمل في هذه الكلمات إلى مزيد تدبّر، كي تنكشف عليه حقيقة ما يؤديه فعليّ الذي ما أقسم بالله إلاّ صادقاً، يقول للناس: إنّ المسافة التي تفصلكم عن آبائكم الذين كانوا عندما بعث الله نبيّه(صلى الله عليه وآله) يغرقون في متاهات الضلال، ليست بمسافة بعيدة، "ما أنتم اليوم من يوم كنتم في أصلابهم ببعيد"(2)، وأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قام فيهم، فأزاح عنهم ظلمة الضلال، وأضاء قلوبهم بنور ربّه


1) نهج البلاغة: خطبة 88.

2) المصدر نفسه.

وكلماته، وإنني الآن أقوم فيكم ذات المقام، وأودي رسالته، اسمعكم ما أسمع النبيّ آباءكم، وأكشف عن بصائركم.

والذي يجرؤ على قول كهذا، لا يكن أن يكون مدّعياً، وهو على رأس أمم من صحابة نبيّ الله(صلى الله عليه وآله)! كذلك لا يكون المدّعي أن ينفرد بإتيان الناس مذكّراً ما كان عليه آباؤهم من جاهلية، ومنفراً إلى الله ورسوله بمثل ما نقرأ عن عليّ.

لكن الإمام هنا، يؤكّد الإشارة إلى أنّه حامل راية الحق، التي تتوارثها الأنبياء والرسل وعند غيابهم تكون في يد الأئمة الهداة، وعليّ(عليه السلام) يعرف دائماً بأنّ آل محمد في زمن الإسلام هم حملة هذه الراية، يقول:

"لا يقاس بآل محمد(عليهم السلام) من هذه الأمة أحد، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة"(1).

دعونا ننظر هنا في الكيفية التي يعرّف فيها عليّ(عليه السلام) بآل محمد، وبالطبع هو قطبهم، إنه يشير إلى إمامتهم للناس، ليس تلميحاً، بل مثلما قال فيهم رسول الله تصريحاً "لا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه"، الله سبحانه يتفضّل على الناس بأنه أنعم عليهم بمحمد(صلى الله عليه وآله)، ويجري فضله في آل رسول الله، أن الذي يتحدّث هو الإمام كاشفاً عن القلوب أغطيتها، يرسل كلامه في الناس، منذ تحدث إلى يوم يبعثون وقد حفظ الله كلامه هنا للناس، على الرغم من أنّ الأزمنة تدور على الدول، ولما لم تكن للإمام دولة، بل كانت روح الهداية، فقد انزاحت الدول وبقي نور الله يسري في فلوات الأزمنة.

وهنا مكمن الفرق، بين الإمامة وأصناف الزعامات التي تحدّثت عنها في أماكن مختلفة في أنحاء هذا الكتاب.


1) المصدر نفسه: خطبة 2.

والذي يجاهر بإمامته للناس وفق هذا المفهوم، ليس أحد غير محمول عليه تخليصهم من فتن الدنيا، بل على كاهله حمل هذا، لأنّه هو المعبّر عياناً عن حقيقته.

ففي سياق تناوله للتعريف بنفسه، ونعتقد هنا أنه لا يقول هذا إمام جاهل به، إنما يتحدّث لما كان للحديث موجب، وهذا الموجب هو لكل من يأتي من بعد هؤلاء القوم الذين لا يجهلونه، إنما تقودهم عنه أمور الدنيا التي تحول بين المرء وربّه.

فلا يظن أحد أن عليّ(عليه السلام) يتحدّث في تينك الأزمنة، كي تقف الناس على ما هو، وإنّما يتحدّث كي تسير في الناس حقيقته، التي يريد أهل الضلال اطفاء نور الله بأفواههم، إذ عملوا على اخفائها، لكن الله سبحانه يأبى إلاّ أن يتم نوره، فينطق أثر ذلك(عليه السلام)، دافعاً الشبهات مقيماً للحق، يقول:

"فاسألوني قبل أن تفقدوني، فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة وتضل مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها، ومناخ ركابها، ومحط رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلا، ومن يموت منهم موتاً، ولو قد فقدتموني ونزلت بكم كرائه الأُمور، وحوازب الخطوب"(1).

إن الذي يدعو الإنسان إلى التفكّر في كلام الإمام، ليس البحث عن أحقيته بالخلافة مثلما يظن، أو عند انزاله الزعيم في الناس، لكن الأمر مختلف، فالذي أنجزه محمد(صلى الله عليه وآله) من تركيز وترسيخ لمجمل رسالات الله، واجتماع الأديان كلها دائرة الدين الإسلامي، وإقامة البيّنة التي ختم الله فيها جميع الأديان، لهي التي تلفت نظر الإنسان إلى الذي يبوح به عليّ(عليه السلام).


1) المصدر نفسه: خطبة 92.

فهو العارف بكل شيء "علمني رسول الله ألف باب من العلم، يفتح لي من كل باب ألف باب"(1)وهو الذي عرف خفايا الكرامات التي استودعها الله أهلها، فهو من رسول الله "كالصّنو من الصّنو، والذراع من العضد"(2).

الطريق إلى عليّ(عليه السلام) الطريق إلى الله عزّوجلّ:

إذا كان فناء عليّ(عليه السلام) بحبّ محمد(صلى الله عليه وآله) بلغ منه كل هذا المبلغ، وراح يذرف نفسه على صغيراً ويحامي عنه يافعاً، ويقاسمه شؤون الدين، ويذب عن حياضه في كل قائمة وقاعدة، ويسوح في كل مصر لنصرته، فكيف بربّ محمد(صلى الله عليه وآله) وربّ جميع الوجود.

من استرشد الطريق إلى عليّ(عليه السلام)، ودخل مدينة علم رسول الله(صلى الله عليه وآله) من بابها، صار إلى فناء الرحمة المحمدية، حتى بلغ مرتبة من كشف عنه الحجاب، لكن هذا لا يكون إلاّ ببصيرة راضها حبّ الله.

ربما كانت هذه الكلمات هنا أقرب إلى التذلل منها إلى روح البحث، ولو أن البحث في مقدس هو في هذا المقام، لا يجد له مناصاً من بلوغ عتبة التواضع التي هي شرفة كسب المعرفة.

كتب على مرّ التاريخ المئات من العلماء والفلاسفة حول بداية الوجود وأصله، وذهبت الأمم في هذا مذاهب شتى، منها من قارب الحقيقة، ومنها من زاغ بصره، ومنها من وقف في المنطقة الوسطى.

وثمة من لم يرّ مبرراً للتحرك نحو أشياء لا تدرك، لكن العمق النفسي الإنساني هو في تعريفات الكتاب هنا يساوي "الفطرة"، فالفطرة التي يتحرك فيها شعور البحث عن القوة التي تدير شؤون الحياة، ما زالت مستمرة بالدفع الذي هو


1) أنظر دلائل الإمامة لابن جرير الطبري: 235، البحار للمجلسي: 30 / 672.

2) نهج البلاغة: كتاب 45.

من خاصيات الحركة، فهي ليست ساكنة في طبيعتها، ولم تستكن إلى اليوم.

وفي تناول هذه الظاهرة، يمكننا النظر إلى مجمل ما قاله الإمام عليّ(عليه السلام) في نهج البلاغة وسواه من الكتب التي نقلت ارشاداته للناس، والتي تدخل في معظم نواحيها في عوالم فلسفة المعرفة، فيضع على الأساس للبحث ضمن منطقة القدرة البشرية، ويحزم حقائب الذين يتناولون أو يحاولون تناول ذات الله بالدرس والتأمل، ويشرع لهم طريق الارتحال.

وهذه المدرسة بالذات هي مدرسة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وقد شقّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بامداده الناس بمثل هذه المعارف الطريق الذي رسمت فيما بعده المدارس الكلامية مناهجها، وإن لم تكن في المجمل قد بلغت رغبته في تناقل العلم بين الناس، لكنها أثرت في تراث الإنسانية مخزوناً عظيماً من الكتب والبحوث العقائدية والفلسفية.

وقد يعلم من انكشفت له حقيقة إمامه أنّه قال: "لا يزيدني كثرة الناس حولي عزّة، ولا تفرّقهم عني وحشة"(1)، فهو البالغ مبلغ اليقين من ربه، والسلامة من أداء أمانته، ويذهب مطمئناً إلى باريه.

ونختم هذا بوصيته(عليه السلام) التي منها: "واعلم ـ يا بني ـ أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة، وأنّك في منزل قُلعة، ودار بلغة، وطريق إلى الآخرة... وإياك أن تغتر بماترى من أخلاد أهل الدنيا إليها، وتكالبهم عليها، فقد نبأك الله عنها... فإنّما أهلها كلاب عاوية، وسباع ضارية، يهرّ بعضها بعضاً، يأكل عزيزها ذليلها... سلكت بهم الدنيا طريق العمى، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى"(2).


1) نهج البلاغة: كتاب 36.

2) نهج البلاغة: كتاب 31.

{18} سليم البشري(مالكي / مصر)

اشارة

الصورة

A12

ولد عام 1248 هـ الموافق لسنة 1832 م في محلة "بشر" بمحافظة "البحيرة" في مصر ليكون علماً من أعلام جيلها المستقبل، نشأ على المذهب المالكي، ثم ترعرع في مهد العلم، جامعة الأزهر حتى توصّل إلى مرتبة من العلم والفقاهة والدراية، إذ تمكن تولية مشيختها مرتين: الأولى عام (1317هـ / 1900 م) إلى سنة (1320هـ / 1904م)، والمرة الثانية من سنة (1327هـ / 1909) حتى سنة وفاته عام (1335 هـ / 1916م).

تميزت فتره توليته لمشيخة الازهر بالحزم وحسن الادارة حيث طبق في عهده نظام امتحان الراغبين في التدريس بالأزهر... كما أنه رغم تقبله مشيخه الأزهر وتحمله اعباء مسؤوليتها لم يترك مهمة المشيخة من إلقاء الدروس على الطلاب.

التقاؤه بالعلامة شرف الدين:

قام العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين رحمة الله ـ والذي كان من علماء الشيعة الكبار وزعيمهم في بلاد الشام ـ عام 1329هـ بزيارة دولة مصر، اذ كانت هي من أمنياته الكامنة في نفسه ليقف على أعلام مصر، فكانت من جملة

زياراته للعلماء أن التقى عدّة مرات بالشيخ سليم البشري رحمة الله، فكان حصيلة ذلك مناقشات دارت بينهما في المسائل الجديرة بالبحث والمذاكرة، كموضوع الإمامة وأهم أسباب الاختلاف الواقع بين أهل السنة والشيعة.

فكانت تلك المناقشات سبباً في اتصال المودة بينهما وسبيلاً إلى الاحترام المتبادل وباعثاً لاطراد مراسلات خطّية جرت بينهما بعد عودة السيد رحمة الله إلى وطنه عام 1330 هـ.

بداية الحوار بينه وبين العلامة شرف الدين:

عن طريق الرسائل غاص هذان العلمان في حوار أخوي وموضوعي، لا نكاد نألفه إلاّ في منهج الإسلامي، لأنه كان حواراً علمياً أصيلاً متصفاً بالنزاهة والموضوعية والإخلاص والاجتهاد للوصول إلى الحقيقة، إذ توفرت فيه النية الحسنة والرغبة في بناء قاعدة متينة من التعاون الصادق والمشترك وحصر نقاط الاختلاف، كما نشاهده في كتاب (المراجعات) لمؤلفه العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين، والذي يعكس لنا فيه تلك المناظرات والأبحاث التي جرت بينهما والتي استغرقت مائة واثني عشر {112} حلقة ـ كان ذلك في أوائل القرن الرابع عشر للهجرة ـ.

تأليف كتاب المراجعات:

بادر السيد شرف الدين رحمه الله بعد ربع قرن ـ على ما يقارب ـ من حوار مع الشيخ سليم البشري إلى نشر هذه المناظرات، وكان سبب التأخير في نشرها عائداً ـ كما ذكره العلامة في مقدمة الكتاب ـ للحوادث والكوارث التي كانت حاجزاً قوياً لنشرها في تلك الفترة كالحرب العالمية الأولى (عام 1332) وعدم تهئية الظروف المناسبة، ولكنه نشرها هذه المناظرات بعون الله عام 1355 هـ، وإن

سببت الأقدار نهب النسخة الأصلية للمراسلات فيما بينهما مع سائر مؤلفات السيد في احتلال الفرنسيين لبلده واقتحام داره وإحراق مكتبته في حوادث عام 1338هـ، لكنه ما إن فرّج الله تعالى عنه استأنف مضامينها بجميع مباحثها التي دارت بينهما ـ تغمدّهما الله برحمته الواسعة ـ وهي التي دوّنها بين دفّتي الكتاب وإن كانت مع زيادات لا تخل بما كان بينهما من المحاكمات.

فنشرت لتكون نوراً ساطعاً ومؤثراً في القلوب المستعدة للهداية والرشاد ولتقود الباحث إلى حيث يجد ضالته ويقف على بغيته.

أثر كتاب المراجعات في الساحة الاسلامية:

قد ذكر الكثير من الذين نوّر الله بصيرتهم فاعتنقوا مذهب أهل البيت صلوات الله عليهم عن الأهمية البالغة لهذا الكتاب، اذ اعتبروه من أهم الأسباب في استبصارهم، وقد بقى هذا الأثر الخالد جهداً مقدّراً وكتاباً مقروءاً وسعياً مشكوراً حتى طبع عشرات المرات وترجم إلى عدة لغات وأقبلت عليه الجماهير من جميع الجهات.

استبصار الشيخ سليم البشري:

يمتلك الشيخ سليم البشري رحمه الله روحاً سامية من أجل الوصول إلى الغاية النبيلة، والبعيدة عن الأغراض والهوى والتعصب والعناد، طالباً لدرر الحقيقة ولؤلؤ الحق من بحر العلم المتموّج، ولهذا يذكر في رسالته المدونة في المراجعة الأولى: "... فإن تبيّن الحق فإنّ الحق أحق أن يتبع...".

فكانت النتيجة بعد الغربلة والتمحيص في الأدلة، والحوار الطويل، اعترافه بالحقيقه كما نلاحظ ذلك في رسالته الأخيرة الواردة في المراجعة رقم 111 والتي يذكر فيها:

"أشهد أنكم في الفروع والأصول على ما كان عليه الأئمة من آل الرسول،

وقد أوضحت هذا الأمر، فجعلته جلّياً، وأظهرت من مكنونه ما كان خفياً، فالشك فيه خبال، والتشكيك تضليل، وقد استشففته فراقني إلى الغاية، وتمّخرت ريحه الطيبة فانعشني قدسي مهبها بشذاه الفياح، وكنت قبل أن اتصل بسببك على لبس فيكم، لما كنت أسمعه من إرجاف المرجفين، وإجحاف المجحفين، فلما تيسّر الله اجتماعنا أويت منك إلى علم الهدى ومصباح الدجى وانصرفت عنك مفلحاً منجحا، فما أعظم نعمة الله بك عليّ، وما أحسن عائدتك لدى والحمد لله رب العالمين".

فكانت تلك العاقبة الحسنى التي وفقه الله لها، وكانت تمهيداً ليرد إلى ربه بنفس مطمئنة، راضية، مرضية عام 1335 الموافق سنة 1916م.

مؤلفاته:

كان الشيخ سليم البشري جاداً في بث المعارف والعلوم عبر جميع السبل المتاحه من قبيل التدريس أو الخطابة أو التأليف، فكانت له جملة مؤلفات معظمها من الحواشي والتقارير على كتب السلف، منها:

حاشية تحفة الطلاب لشرح رسالة الآداب.

حاشية على رسالة الشيخ علي في التوحيد.

شرح نهج البردة... في الأدب.

الأستئناس في بيان الأعلام وأسماء الأجناس... وهو بحث في النحو عوّل عليه كثيراً في التدريس بالأزهر.

كتاب المراجعات:

يتضمن هذا الكتاب مائة واثني عشر مراجعة وهي مجموعة المناظرات التي دارت بين السيد عبد الحسين شرف الدين والشيخ سليم البشري حول

أمهات المسائل العقائدية المختلف فيها بين الشيعة والسنة منها:

دواعي عدم أخذ الشيعة بمذاهب الجمهور.

الأدلة التي تفرض مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

ثبوت الاحتجاج بثقات الشيعة في الصحيحين وغيرهما.

المناظرة حول دلالة حديث الدار، المنزلة، الغدير.

الاستدلال ببعض الآيات القرآنية على ولاية الإمام عليّ(عليه السلام).

رزية يوم الخميس والوصية لعليّ(عليه السلام).

موقف النبي(صلى الله عليه وآله) من مستقبل الأمة بعد وفاته.

موقف الامام علي(عليه السلام) بعد وقوع الخلافة بيد غيره.

وبالتالي أدّت هذه المناظرات بين هذين العَلمين إلى استبصار الشيخ سليم البشري واذعانه بأحقية مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

وقفة مع كتاب: "المراجعات"

تعريف الكتاب وأهمية الحوار:

ورد في مقدمة الكتاب التي كتبها الاستاذ المصري الدكتور حامد حفني داود وهو يعرف به: "وبعد فهذا سفر عظيم كتبه علمان من أعلام الاسلام في صورة حوار علمي أصيل اتصف بالنزاهة والموضوعية والبعد عن سفاسف القول وهجره، واتصف بالاخلاص الجم من الوصول إلى الحقيقة مبرأة من كل غرض سواها، والحقيقة هي الحكمة الخالدة والحكمة والعلم قرنان يطلبهما المؤمن أنى وجدهما.

كان هذا الحوار يجري بين عالمين جليلين يمثلان شطري أمة محمد(صلى الله عليه وآله)السنة والشيعة. وكان لكل منهما خطره ومكانته في مذهبه علماً وخلقاً وأدباً وبكل ما تتضمنه هذه الكلمات من معنى.

الأول منهما العالم الجليل الشيخ سليم البشري شيخ الاسلام وعمدة المحدثين في مصر.

والثاني: السيد الشريف صاحب السماحة العلامة الكبير السيد عبد الحسين شرف الدين شيخ علماء الشيعة وإمام الحفاظ والمحدثين في لبنان.

الأمر الذي جعل لهذا الحوار خطره واثره في هذا العصر الذي جرى فيه وفي عصرنا الذي نعيشه وفي الأجيال التي بعد ذلك".

قبول الشيخ سليم البشري للحق:

كان الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر في مصر، وهو بذلك كان قائداً للمذهب، ورئيساً لطائفة كبيرة من المسلمين إلاّ ان ذلك لم يمنعه عن قبول الحق وتصريحه بالاستفادة وإيواءه إلى علم هدى ومصباح دجى.

وقد تجلى ذلك منه عدة مرات في هذا الكتاب:

قال على سبيل المثال في المراجعة رقم (5): "أخذت كتابك الكريم مبسوط العبارة، مشبع الفصول، مقبول الاطناب، حسن التحرير، شديد المراء قوي اللداد، ولم يدخر وسعاً في بيان عدم وجوب اتباع شيء من مذاهب الجمهور في الاصول والفروع".

وقال في المراجعة رقم (11): "وحين أغرقت في البحث عن حجتك، وأمعنت في التنقيب عن أدلتك رأيتني في أمر مريج، أنظر في حججك فأراها ملزمة، وفي بيناتك فأجدها مسلمة، وانظر في ائمة العترة الطاهرة فاذا هي بمكانة من الله ورسوله". وهو هنا يعترف بالزام الأدلة التي تثبت حقية مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

وأخيراً شهد بجلاء ليس فيه لبس بصحة المذهب الشيعي في الاصول والفروع واستناده إلى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وعدّ الشيخ سليم ذلك من أسباب فلاحه ومن اعظم النعم عليه كما ورد في المراجعة {111} التي تقدم نصها آنفاً في ترجمة حياته.

أهمية كتاب المراجعات:

كان لكتاب (المراجعات) الدور الكبير في التأليف بين الأمة والأثر المحمود في التقريب بين المذاهب، ويشهد بذلك الدكتور حامد حفني داود حيث

يقول في المقدمة: "وليس أدلّ على أثر هذا الكتاب في جيلنا السالف وجيلنا المعاصر، من ظهور جماعة من قادة الفكر في مصر والعراق وايران وغيرها من البلاد الاسلامية دعوا إلى التقريب بين المذاهب".

وأصدر شيخ الأزهر ـ فيما بعد ـ الاستاذ شلتوت فتوى جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية، ويعد هذا اعترافاً رسمياً بصحة المذهب الإمامي من الأزهر وأهل السنة عموماً، وبذلك زالت أسباب خلاف كثيرة بين الجانبين وكانت الشرارة الأولى لهذه الفكرة قد برقت في هذا الكتاب من خلال مناظراته التي طلبت الحق لتتبعه.

وقد ورد التصريح بذلك في المراجعة الرابعة: "نعم يلم الشعث وينتظم عقد الاجتماع بتحريركم مذهب أهل البيت واعتباركم إياه كأحد مذاهبكم، حتى يكون نظر كل من الشافعية والحنفية والمالكية والحنبلية إلى شيعة آل محمد(صلى الله عليه وآله)كنظر بعضهم إلى بعض، وبهذا ينتظم عقد اجتماعهم".

كما فتح هذا الكتاب باسلوبه الرائع ومضامينه العميقة الباب لاستبصار الكثير من علماء أهل السنة ومثقفيهم فضلاً عن عوامهم في عصرنا الحديث، فكان نافعاً جداً في حركة الاستبصار الواسعة التي شهدها هذا العصر، فقلّ أن تجد مستبصراً لم يطلع على كتاب (المراجعات) ولم يستفد منه في حركته نحو معارف أهل البيت ـ التي هي معارف الإسلام الحق ـ ومن ثم الاهتداء بنور ولائهم وأخذ الدين عنهم والتمسك بهم كما أمر الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله).

ومن هنا حقّ لهذا أن الكتاب أن ينتشر انتشاراً واسعاً وأن يطبع أكثر من عشرين طبعة وأن يترجم إلى عدة لغات. وقد تلقاه المسلمون من جميع مذاهبهم بالقبول الحسن ما عدا قلة قليلة، ومع ذلك قد اعترف أحد هذه القلة أنّ الكتاب: "يسعى جاداً للدخول إلى كل بيت"(1).


1) عقيدة الامامة عند الشيعة الامامية: 170، للدكتور السالوس.

إمامة المذهب:

المرحلة الأولى: قبول الشيخ سليم بعدم وجوب اتباع مذاهب الجمهور:

طالب الشيخ سليم أن تتبع الشيعة مذاهب الجمهور وتأخذ بها حفاظاً على الوحدة الاسلامية، لكنه لم يغلق باب البحث في هذه القضية وسأل ـ بأدب جم ـ من مناظره أن يدلي برأيه فيها.

فكان جواب مناظره انه لا دليل على الأخذ بمذاهب الجمهور، اذ لا مرجح لها فضلاً عن وجوبها فغاية ما يورد من أدلة على ذلك اجتهاد أربابها وامانتهم وعدالتهم وجلالتهم لكن هذه الامور غير محصورة بهم فلا يصح تعين هذه المذاهب، وأئمة هذه المذاهب ليسوا أفضل من أئمة أهل البيت(عليهم السلام) اذ لا يجرؤ أحد على القول بذلك وهم أئمة العترة الطاهرة وسفن نجاة الأمة.

وقد يضاف إلى أدلة الأخذ بمذاهب الجمهور أنّ السلف الصالح دانوا بتلك المذاهب ورأوها أعدل المذاهب وأفضلها.

والجواب: إنّ الشيعة ـ وهم نصف المسلمين في المعنى ـ إنما دانوا بمذهب الأئمة من ثقل رسول الله(صلى الله عليه وآله) فلم يجدوا عنه حولاً، وأنّهم على ذلك من عهد عليّ وفاطمة إلى الآن حيث لم يكن الأشعري ولا واحد من أئمة المذاهب الأربعة ولا آباؤهم، كما لا يخفى.

وعندما سمع الشيخ سليم بذلك قبل بقوة الحجة لدى مناظره في المسألة وصحة الاستدلال منه ولم يستقص البحث أكثر من ذلك قبولاً منه بالحق عندما يبين وخضوعه له.

المرحلة الثانية: قبوله بفتح باب الاجتهاد:

بعد سقوط أدلة وجوب اتباع مذاهب الجمهور اتضحت أهمية الاجتهاد

وعدم الجمود على أدلة السلف، إذ أن الاجتهاد ممكن وليس بمستحيل فما الذي أزلج بابه بعد ان كان في القرون الثلاثة مفتوحاً على مصراعيه، وهل يعقل أن الله أرسل الأنبياء وأنزل الكتب لينتهي الأمر إلى أئمة هذه المذاهب، فيحتكرون الدين لانفسهم من غير دليل، فهل كانوا ورثة الأنبياء أم ختم الله بهم الأوصياء والأئمة وعلمهم علم ما كان وعلم ما بقي واتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين؟ كلا بل كانوا كغيرهم من أعلام العلم ورعاته وسدنته ودعاته، وحاشا دعاة العلم أن يوصدوا بابه. أو يصدوا عن سبيله، فقبل ذلك الشيخ سليم ولم ينكره خضوعاً للحق وان كان العمل في مذهبه على خلاف ذلك.

المرحلة الثالثة: قبوله أن الأدلة تفرض مذهب أئمة أهل البيت وصحة التعبد به:

أخذ الشيعة دينهم عن الأئمة من أهل البيت(عليهم السلام) ولم يأخذوا من غيرهم للأدلة الشرعية التي ساقتهم إلى ذلك وهي كثيرة جداً تأخذ على المؤمن وجهته إلى أهل البيت(عليهم السلام) دون غيرهم من هم ادنى منهم بل لا يمكن أن يقاس بآل محمد أحد.

فمن القرآن نذكر على سبيل المثال آية التطهير(1)، وآية المودة في القربى(2)، وآية المباهلة(3)، وسورة الدهر، أمّا الأحاديث الشريفة فنذكر حديث الثقلين(4)الذي نقله أكثر من عشرين صحابي حيث ذكره الرسول في أكثر من موقف كيوم الغدير ويوم عرفة من حجة الوداع، وعند انصرافه عن الطائف، وعلى


1) الاحزاب: 33.

2) الشورى: 23.

3) آل عمران: 61.

4) مصادره كثيرة لا تكاد تحصى، ونذكر هنا على سبيل الاختصار بعض ما ورد في هامش الكتاب كنز العمال: 1 / 44، باب الاعتصام بالكتاب والسنة، ح 873، ح 874، ح 945، مسند أحمد: 5 / 182 و 189، ينابيع المودة: 33 و 45 و445 ط الحيدرية.

منبره في المدينة وفي حجرته المباركة في مرضه، وحديث السفينة(1)، وحديث باب حطة(2)، وهي آيات مفسرة في أهل البيت وأحاديث منقولة فيهم عند أهل السنة فضلا عن الشيعة التي صحت عندهم من طرقهم.

وقد قبل الشيخ سليم ذلك كله وآمن به، وصح عنده التعبد بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)واندهش لعدول أكثر الناس عنهم، ثم علم أنّ ذلك نتيجة عدول ساسة الأمة وولاة أمورها عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) فانتقل عنده النقاش والتفكير في الخلافة العامه وإمامة المسلمين بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله).

أدلة خلافة الامام علي(عليه السلام) بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله):

الأدلة هنا أيضاً كثيرة والاستدلال بها واضح، قد اعترف به كثير من علماء أهل السنة فضلا عن الشيعة فمن حديث الدار يوم الانذار(3)، إلى حديث ابن عباس في خصائص عليّ(عليه السلام) وفضائله(4)، وحديث المنزلة(5)، وحديث الغدير(6)وغيرها كثير بالعشرات(7).


1) الصواعق المحرقة لابن حجر: 184، 234 ط المحمدية وص111 و140 ط الميمنية بمصر، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: 30 و 370 ط الحيدرية و27 و38 ط اسطنبول، فرائد السمطين: 2 / 246 ح 519.

2) الصواعق المحرقة لابن حجر: 151 ط المحمدية وص 91 ط الميمنية بمصر.

3) تاريخ الطبري: 2 / 319 ـ 321، كنز العمال: 15 / 115 ح 334 ط 2 حيدر آباد، التفسير المنير لمعالم التنزيل للحاوي: 2 / 118 ط 3 مصطفى الحلبي.

4) مسند أحمد: 1 / 330، الخصائص العلوية للنسائي: 6، المستدرك للحاكم: 3 / 123.

5) الصواعق المحرقة: 12، المستدرك للحاكم: 3 / 109، صحيح مسلم ك الفضائل ب من فضائل علي بن أبي طالب: 2 / 360.

6) راجع كتاب الغدير للعلامة الاميني: 1 / 26 ـ 27، عبقات الانوار ج1 مجلد12 ص 312 ط اصفهان اعرف صاحب الصواعق المحرقه: ص25، ط الميمنية بمصر، الباب الاول، الفصل الخامس بصحته، مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 164.

7) وردت في الكتاب احاديث اخرى كثيرة مع ذكر المصادر فراجع.

وقد قبلها الشيخ سليم بعد مناقشات دلالية وسندية، وأذعن بصحتهما ودلالتهما على خلافة الإمام عليّ(عليه السلام) بعد الرسول(صلى الله عليه وآله) مباشرة وبلا فصل.

هل يمكن الجمع بين ثبوت النص وحمل الصحابة على الصحة:

كان العائق الرئيسي لدى الشيخ سليم عن قبول مفاد هذه الأدلة ـ ولا زال عند معظم أهل السنة ـ هو كيفية تفسير تصرفات الصحابة واستيلاءهم على الخلافة بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ودفعهم الإمام عليّ(عليه السلام) عن حقه، وقد حار كذلك في عدم مطالبة الإمام عليّ(عليه السلام) بحقه ـ على ما كان يرى ـ وبيعته للخلفاء الثلاثة.

وكان الشيخ سليم يرى أن الأدلة ملزمة في قرارة نفسه، فهو لم يكن من المعاندين لكن جمعها مع ما وقع في الخارج من تاريخ المسلمين بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) صعب عليه، يقول في المراجعة 83: "أنّ أولي البصائر النافذة، والرؤية الثاقبة، ينزهون الصحابة عن مخالفه النبيّ(صلى الله عليه وآله) في شيء من ظاهر أوامره ونواهيه، ولا يجوزون عليهم غير التعبد بذلك، فلا يمكن أن يسمعوا النص على الإمام ثم يعدلوا عنه أولاً وثانياً وثالثاً، وكيف يمكن حملهم على الصحة في عدولهم عنه مع سماعهم النص عليه؟".

وقد أجاب هذا الكتاب: إنّ هذا ممكن فلننظر ما ورد فيه:

كيف تعبد الصحابة بالنصوص ولماذا قدموا المصالح:

أفادتنا سيرة كثير من الصحابة أنهم إنما يتعبدون بالنصوص إذا كانت متمحضة للدين، مختصة بالشؤون الأخروية، كنصه(صلى الله عليه وآله)، على صوم شهر رمضان دون غيره، واستقبال القبلة في الصلاة دون غيرها، ونصه على عدد الفرائض في اليوم والليلة، وعدد ركعات كل منها وكيفياتها، ونصه على أن الطواف حول البيت أسبوع، ونحو ذلك من النصوص المتمحضة للنفع الأخروي.

أما ما كان منها متعلقاً بالسياسة كالولايات والامارات، وتدبير قواعد الدولة، وتقرير شؤون المملكة، وتسريب الجيش، فإنهم لم يكونوا يرون التعبد به والالتزام في جميع الأحوال بالعمل على مقتضاه، بل جعلوا لأفكارهم مسرحاً للبحث، ومجالاً للنظر والاجتهاد، فكانوا إذا رأوا في خلافه، رفعاً لكيانهم، أو نفعاً في سلطانهم، ولعلهم كانوا يحرزون رضا النبي بذلك، وكان قد غلب على ظنهم أن العرب لا تخضع لعلي ولا تتعبد بالنص عليه، إذ وترها في سبيل الله، وسفك دماءها بسيفه في إعلاء كلمة الله، وكشف القناع منابذاً لها في نصرة الحق، حتى ظهر أمر الله على رغم كل عات كفور فهم لا يطيعونه إلا عنوة، ولا يخضعون للنص عليه إلا بالقوة، وقد عصبوا به كل دم أراقه الاسلام أيام النبي(صلى الله عليه وآله)، جرياً على عادتهم في أمثال ذلك، اذا لم يكن بعد النبي في عشيرته(صلى الله عليه وآله)، أحد يستحق أن تعصب به تلك الدماء عند العرب غيره، لأنهم إنما كانوا يصبونها في أمثل العشيرة، وأفضل القبيلة، وقد كان هو أمثل الهاشميين; وأفضلهم بعد رسول الله، لا يدافع ولا ينازع في ذلك، ولذا تربص العرب به الدوائر، وقلبوا له الأمور، وأضمروا له ولذريته كل حسيكة، ووثبوا عليهم كل وثبة، وكان ما كان مما طار في الأجواء، وطبق رزؤه الأرض والسماء.

وكذلك فإن قريشاً خاصة والعرب عامة، كانت تنقم من علي شدة وطأته على أعداء الله، ونكال وقعته فيمن يتعدى حدود الله، أو يهتك حرماته عزوجل، وكانت ترهب من أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وتخشى عدله في الرعية، ومساواته بين الناس في كل قضية، ولم يكن لأحد فيه مطمع، ولا عنده لأحد هوادة، فالقوي العزيز عنده ضعيف ذليل حتى يأخذ منه الحق، والضعيف الذليل عنده قوي عزيز حتى يأخذ له بحقه، فمتى تخضع الأعراب طوعاً لمثله وهم (أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفَاقاً وَ أَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ى وَ اللَّهُ عَلِيمٌ

حَكِيمٌ)(1)(وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)(2)وفيها بطانة لا يألونهم خبالا.

وأيضاً فإن قريشاً وسائر العرب، كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من فضله، حيث بلغ في علمه وعمله رتبة ـ عند الله ورسله وأولي الألباب ـ تقاصر عنها الأقران، وتراجع عنها الأكفاء، ونال من الله ورسوله بسوابقه وخصائصه، منزلة، تشرئب إليها أعناق الأماني، وشأواً تنقطع دونه هوادي المطامع، وبذلك دبت عقارب الحسد له في قلوب المنافقين، واجتمعت على نقض عهده كلمة الفاسقين والناكثين والقاسطين والمارقين، فاتخذوا النص ظهرياً، وكان لديهم نسياً منسياً.

فكان ما كان مما لست أذكره فظن خيراً ولا تسئل عن الخبر

وأيضاً، فإن قريشاً وسائر العرب، كانوا قد تشوقوا الى تداول الخلافة في قبائلهم، وأشرئبت إلى ذلك أطماعهم، فأمضوا نياتهم على نكث العهد، ووجهوا عزائمهم إلى نقض العقد، فتصافقوا على تناسي النص، وتبايعوا على أن لا يذكر بالمرة، وأجمعوا على صرف الخلافة من أول أيامها عن وليها المنصوص عليه من نبيها، فجعلوها بالانتخاب والاختيار، ليكون لكل حي من أحيائهم أمل في الوصول إليها ولو بعد حين، ولو تعبدوا بالنص، فقدموا علياً بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، لما خرجت الخلافة من عترته الطاهرة، حيث قرنها يوم الغدير وغيره بمحكم الكتاب، وجعلها قدوة لأولي الألباب، إلى يوم الحساب، وما كانت العرب لتصبر على حصر الخلافة في بيت مخصوص، ولا سيما بعد أن طمحت إليها الأبصار من جميع قبائلها، وحامت عليها النفوس من كل أحيائها.

لقد هزلت حتى بدا من هزا لها كلاها وحتى استامها كل مفلس


1) التوبة: 97.

2) التوبة: 101.

وأيضاً، فإنَّ من ألم بتاريخ قريش والعرب في صدر الاسلام، يعلم أنهم لم يخضعوا للنبوة الهاشمية، إلا بعد أن تهشموا، ولم يبق فيهم من قوة، فكيف يرضون باجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم، وقد قال عمر بن الخطاب لابن عباس في كلام دار بينهما: "إن قريشاً كرهت أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة، فتجحفون على الناس(1)".

ماذا فعل الامام عليّ(عليه السلام) والسف الصالح:

السلف الصالح لم يتسن له أن يقهرهم [قريش والعرب] يومئذ على التعبد بالنص فرقاً من انقلابهم إذا قاومهم، وخشية من سوء عواقب الاختلاف في تلك الحال، وقد ظهر النفاق بموت رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وقويت بفقده شوكة المنافقين، وعتت نفوس الكافرين، وتضعضعت أركان الدين، وانخلعت قلوب المسلمين، وأصبحوا بعده كالغنم المطيرة، في الليلة الشاتية، بين ذئاب عادية، ووحوش ضارية، وارتدت طوائف من العرب، وهمت بالردة أخرى، فأشفق علي في تلك الظروف أن يظهر إرادة القيام بأمر الناس مخافة البائقة، وفساد العاجلة، والقلوب على ما وصفنا، والمنافقون على ما ذكرنا، يعضون عليهم الأنامل من الغيظ، وأهل الردة على ما بينا، والأمم الكافرة على ما قدمنا، والأنصار قد خالفوا المهاجرين، وانحازوا عنهم يقولون: منا أمير ومنكم أمير(2).


1) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3 / 107 ط 1 بمصر و: 12 / 52 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل و: 3 / 876 ط مكتبة الحياة و: 3 / 141 ط دار الفكر، الكامل لابن الأثير 3 ط دار صادر، تاريخ الطبري: 4 / 223 ط دار المعارف بمصر و: 2 / 289 ط آخر، عبد الله ابن سبأ للعسكري: 1 / 114.

2) راجع تاريخ الطبري: 4 / 218 و 219 و 220 ط دار المعارف بمصر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 6 / 6 و 9 ط. مصر بتحقيق محمد أبو الفضل: 2 / 4 ط 1 بمصر، تاريخ اليعقوبي: 2 / 102.

فدعاه النظر للدين الى الكف عن طلب الخلافة، والتجافي عن الأمور، علماً منه أن طلبها والحال هذه، يستوجب الخطر بالأمة، والتغرير في الدين، فاختار الكف إيثاراً للاسلام، وتقديماً للصالح العام، وتفضيلاً للآجلة على العاجلة.

غير أنه قعد في بيته ـ ولم يبايع حتى أخرجوه كرهاً(1)

راجع: العقد الفريد: 4 / 335 ط لجنة التأليف والنشر بمصر: 2 / 285 ط آخر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3 / 415 أفست بيروت.

احتفاظاً بحقه، واحتجاجاً على من عدل عنه، ولو أسرع الى البيعة ما تمت له حجة ولا سطع له برهان، لكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين، والأحتفاظ بحقه من إمرة المؤمنين، فدل هذا على اصالة رأيه، ورجاجة حلمه، وسعة صدره، وإيثاره المصلحة العامة، ومتى سخت نفس امرىء عن هذا الخطب الجليل، والأمر الجزيل، ينزل من الله تعالى بغاية منازل الدين وإنما كانت غايته مما فعل أربح الحالين له، وأعود المقصودين عليه، بالقرب من الله عزوجل.

أما الخلفاء الثلاثة وأولياؤهم، فقد تأولوا النص عليه بالخلافة للأسباب التي قدمناها، ولا عجب منهم في ذلك بعد الذي نبهنا إليه من تأولهم واجتهادهم في كل ما كان من نصوصه(صلى الله عليه وآله)، متعلقاً بالسياسات والتأميرات وتدبير قواعد الدولة، وتقرير شؤون المملكة، ولعلهم لم يعتبروها كأمور دينية، فهان عليهم مخالفته فيها، وحين تم لهم الأمر، اخذوا بالحزم في تناسي تلك النصوص وأعلنوا الشدة على من يذكرها أو يشير اليها، ولما توفقوا في حفظ النظام، ونشر دين الإسلام، وفتح الممالك، والاستيلاء على الثروة والقوة، ولم يتدنسوا بشهوة، علا أمرهم، وعظم قدرهم، وحسنت بهم الظنون، واحبتهم القلوب، ونسج الناس في تناسي النص على منوالهم، وجاء بعدهم بنو أمية ولا هم لهم إلا اجتياح أهل البيت واستئصال شأفتهم، ومع ذلك كله، فقد وصل إلينا من النصوص الصريحة، في السنن


1) إخراج الامام علي بن أبي طالب(عليه السلام) كرهاً لأجل البيعة.

الصحيحة، ما فيه الكفاية، والحمد لله.

الاهتداء بأهل البيت(عليهم السلام):

قبل الشيخ سليم هذا الجمع ورآه معجزاً في تقريب ما كان يستبعده كما ذكر ذلك في المراجعة {85}.

ثم أنه صرح في المراجعة {111} ـ على ما تقدم ـ بأن الشيعة في الأصول والفروع على ما كان عليه الأئمة من آل الرسول، وانّه انصرف عن مناظره مفلحاً منجحاً يعظم نعمة الله عليه ويحمد الله رب العالمين.

فرحم الله الشيخ سليم الذي وصفه مناظره في المراجعة {112}: "أشهد أنك مطلع لهذا الأمر ومقرن له، حسرت له عن ساق وانصلت فيه أمضى من الشهاب، أغرقت في البحث عنه، واستقصيت في التحقيق والتدقيق، تنظر في أعطافه وأثنائه، ومطاويه وأحنائه، تقلبه منقباً عنه ظهراً لبطن، تتعرف دخيلته، وتطلب كنهه وحقيقته، لا تستفزك العواطف القومية، ولا تستخفك الأغراض الشخصية، فلا تصدع صفات حلمك، ولا تستثار قطاة رأيك، مغرقاً في البحث بحلم اثبت من رضوي، وصدر أوسع من الدنيا، ممعناً في التحقيق لا تأخذك في ذاك آصرة حتى برح الخفاء، وصرح الحق عن محضه، وبان الصبح لذي عينين، والحمد لله على هدايته لدينه، والتوفيق لما دعا اليه من سبيله(صلى الله عليه وآله)".

{19} صائب عبد الحميد(حنفي / العراق)

اشارة

الصورة

A13

من مواليد العراق، ولد عام 1956م بمدينة "عانة"، ترعرع في أجواء فرضت عليه العقيدة الإسلامية وفق مذهب أهل السنة والجماعة، واصل دراسته الاكاديمية حتى نال شهادة الليسانس في فرع الفيزياء، ثم توجه إلى مهمة التدريس في هذا الاختصاص وباشر عمله في احدى المدارس الثانوية.

شاءت الاقدار الإلهية أن توفر له الأجواء المناسبة لارتقاء المستوى الفكري، فانتهز الاُستاذ هذه الأجواء وجعلها سبيلا لنيل أرقى مراتب الوعي الديني فوسع آفاق رؤاه، فكانت النتيجة أن أحاط علماً بقضايا قلبت له الموازين التي كان عليها فيما سبق، ثم لم تمض فترة من الزمن إلاّ وألفى نفسه مولعاً بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فاتخذ قراره النهائي ولم تأخذه في الله لومه لائم حتى اعلن انتماءه لمذهب عترة الرسول(صلى الله عليه وآله).

التأثر بالحسين(عليه السلام)

يقول الاستاذ صائب عبد الحميد حول المنطلق الذي دفعة لتغيير انتمائه المذهبي:

بداية لم أقصدها أنا، وإنما هي التي قصدتني، فوفقني الله لحسن استقبالها،

وأخذ بيدي إلى عتباتها.

ذلك كان يومَ ملك عليَّ مسامعي صوت شجيّ، ربما كان قد طرقها من قبل كثيراً فأغضتْ عنه، ومالت بطرفها، وأسدلت دونه ستائرها، وأعصتْ عليه.

حتى دعاني هذه المرّة وأنا في خلوة، أو شبهها، فاهتزت له مشاعري ومنحته كل إحساسي وعواطفي، من حيث أدري ولا أدري...

فجذبني إليه.. تتبادلني أمواجه الهادرة.. وألسنة لهيبه المتطايرة.. حتى ذابت كبريائي بين يديه، وانصاع له عتوّي عليه..

فرُحْتُ معه، أعيش الأحداث، وأذوب فيها.. أسير مع الراحلين، وأحطّ إذا حطّوا، واُتابع الخُطى حتى النهاية.

تلك كانت قصة مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) بصوت الشيخ عبدالزهراء الكعبي يرحمه الله، في العاشر من محرم الحرام من 1402 للهجرة.

فأصغيت عنده أيّما إصغاء لنداءات الإمام الحسين..

وترتعد جوارحي.. لبيك، يا سيدي يا بن رسول الله.

وتنطلق في ذهني أسئلة لا تكاد تنتهي، وكأنّه نور كان محجوباً، فانبعث يشق الفضاء الرحيب دفعةً واحدة..

وتعود بي الأفكار الى سنين خلتْ، وأنا أدرج على سلّم الدرس، لم أشذّ فيها عن معلّمي، فقلت: ليتني سمعت إذ ذاك ما يروي ظمأي...

ثم يضيف الاستاذ صائب: فاستضاءت الدنيا كلّها من حولي، وبدت لي شاخصة معالم الطريق..

فرأيت الحكمة في أن أسلك الطريق من أوّله، وابتدىء المسيرة بالخطوة الاولى لتتلوها خطى ثابتة على يقين وبصيرة...

ما بعد مرحلة اليقظة:

كانت هذه مرحلة اليقظة التي فتحت بصيرة الاستاذ على آفاق رحبة، حتى ألقى بعدها بنظره الثاقب وبذهنيته الموهوبة والمتفتحة نظرة عابرة إلى الساحة الاسلامية، فوجدها ساحة ممزقة تعيش حالة الشتات والاختلاف، فثار ضميره الحي قائلا: ما أجمل أن نقف بكل حياد ونعقل على أسباب ودواعي الخلاف الحاصل بين المسلمين، مدركين أنّ المهم في الأمر هو ظهور النهج الاسلامي الأصيل الحنيف وليس غلبة هذا الاتجاه أو ذاك.

ثم بادر الاستاذ صائب إلى شد الرحال ليخوض غمار بحث اكتشاف الحقيقة، واستمرت رحلته المديد من الزمن، فكانت ثمرتها الحصول على تجارب عديدة كما كانت مكلّلة بالتوفيق والنجاح رغم احاطتها بالكثير من المشاكل والصعوبات.

يقول الاستاذ صائب: "قد لا تكون التجارب في ميدان العقيدة عزيزة، فربّما خاضها الكثيرون من أبناء كل جيل، ولكن انتصار اليقين والحق المجرد عن عاطفه هو العزيز في تلك التجارب".

إلتفاته إلى خطورة التعصب:

يرى الاستاذ أن التعصب هو من الموانع والعقبات التي تعتري طريق الباحث لتصده عن الحق، وأن العصبية تمنح كثيراً من المفاهيم هالة قدسية، لكنها سراب لا حقيقة لها، وكم صدّت العصبية فحولا عن مواصلة الطريق نحو الحقيقة الثابتة.

ولكن حيث كان الاستاذ صائب عدواً للعصبية حيثما وجدها، فلم يترك

أثرها السلبي عليه في سيره نحو الحقيقة.

لكن كان ثمة نوع آخر من العاطفة يشده إلى الوراء وهو الوفاء للذكريات، لكن الاستاذ بعد تركه للتقليد الأعمى وارتقاء مستوى وعيه في البحث والتتبع والاستقصاء يقول: "آخيت ذكرياتي الماضية واحسنت صحبتها حتى النهاية".

وذلك لأنّه كان يعتبر أن الماضي كان مرحلة زاخرة بعلامات الاستفهام التي منها تمكن من الوصول إلى الحقيقة في نهاية المطاف.

ثم لم يكتف الاستاذ بعد المامه بالحقائق أن يكون هو الوحيد المنتفع منها، فبادر إلى التأليف والنشر لتعمّ الفائدة الجميع.

مؤلفاته:

{1} "منهج في الانتماء المذهبي":

صدر عن مؤسسة قائم آل محمد (عجل الله فرجه الشريف)، والتي تمّ تأسيسها باشراف سماحة الشيخ فارس الحسون مدير مركز الأبحاث العقائدية، ثم صدر تباعاً عن عدّة مراكز، آخرها عن مركز الغدير في طبعته الخامسة.

وقد دوّن المؤلف في هذا الكتاب تجربته الشخصية في رحلته الفكرية العقائدية إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وذكر في بداية الكتاب:

"وجدت لزاماً عليّ أن اسجل تجربتي بكل أمانة، لتكون بين الأيدي تجربة جاهزة تختزل الكثير من عناء هذا الطريق الطويل، وتقدّم حلولا للكثير من تلك الاسئلة الحائرة...

فوضعت هذا الكتاب...

ووضعت ذلك في فصول اكتفيت فيها بالقليل من شواهد التاريخ، واغضيت عن كثير منها خشية الاطالة مرة، ولكراهة الغوص في أغوار بعض الأحداث المؤلمة أكثر من القدر الكافي مرة أخرى.

وقد قدّمت له بمقدمتين:

الاولى: حول طبيعة الانتماء المذهبي وأثره في قضية الوحدة بين المسلمين.

الثانية: اشارة موجزة إلى بداية قصتي في هذه المرحلة".

ويتضمّن الكتاب جملة مواضيع منها:

فضائل أهل البيت(عليهم السلام).

ضرورة الإمامة.

آراء المذاهب الأربعة في الإمام.

أدلّة إمامة الإمام عليّ(عليه السلام) بعد الرسول(صلى الله عليه وآله).

مجمل الأحداث التي جرت بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله).

موضوع الصحابة.

ثم يذكر المؤلّف في نهاية الكتاب تحت عنوان "خاتمة المسير" جملة من الأسئلة التي اعترت ذهنه وكان لابدّ من تحديد موقفه منها.

ويقول: "إن عملية كهذه تتطلّب قدراً كافياً من الشجاعة والجرأة، وهذا هو شأن الحقيقة دائماً، لا يبغلها إلاّ من يملك الشجاعة الكافية في تحدّي كل ما يتوسط الطريق إليها، والإرادة الثابتة في مواصلة الطريق...".

ثم يذكر جملة من هذه العقبات التي تمكن من اجتيازها بسلام، ويختم بهذا كتابه القيم الذي تمكن نتيجة قوته في الأداء والمضمون أن ينشر خمسة عشر ألف نسخه منه في عام 1413هـ.

{2} "ابن تيمية، حياته، عقائده":

صدر في طبعته الثانية عن مركز الغدير 1417هـ / 1997م، قال المؤلف في المقدمة:

"لقد دعونا ابن تيمية، فعرّفناه لمن لم يعرفه، وعرّفنا بأجوائه كلّها من حيث

الزمان والمكان، ثمّ تكلم هو عن نفسه شيئاً ليعرف القارىء صوته ونبراته، ثم انتقلنا معه الى باب عقائده ولم نقف عند القشور، ذهبنا إلى الصورة الكاملة ولم نقف عند الاطار نعظمه ونمجّده، أو نعيبه ونبخسه نضارته، وأعرضنا عن كثير من التفصيل الذي يتشابه في معناه ويتفق في مغزاه، حرصاً على لمِّ أطراف تلك الصورة الممتدة الواسعة بما لا يضيع شيئاً من معالمها.

وأهم ما في الكتاب أنّ الرجل هو الذي تكلم عن نفسه وعن لباب عقائده، لا عشّاقه ولا حسّاده..

فجاء هذا الكتاب يمثل الفصل الأخير في ما كتب في موضوعه.

إنه الحلقة المفقودة وتاريخ عقيدة، وفي حقيقة رجل".

يتألف الكتاب من أربعة أبواب:

الباب الأول: العَلَم وبيئته وعصره وحياته.

الفصل الأول: ابن تيمية.. اسرته وبيئته.

الفصل الثاني: سمات عصره.

الفصل الثالث: حياته.

الباب الثاني: ميادين عقائده الكبرى.

1 ـ الفصل الأول: الاجتهاد والتقليد.

2 ـ الفصل الثاني: الصفات والتفسير.

3 ـ الفصل الثالث: مع الصوفية.

الباب الثالث: مع الشيعة.

الفصل الأول: علاّمة الشيعة ابن المطهّر.

الفصل الثاني: منهاج السنّة.

الفصل الثالث: اخفاقات ابن تيمية في تعريف الشيعة.

الباب الرابع: أهل البيت(عليهم السلام) في عقيدة ابن تيمية.

الفصل الأول: الاعتقاد بتقديم أهل بيت الرسول.

الفصل الثاني: مع فضائل أهل البيت(عليهم السلام).

الفصل الثالث: مع خصائص عليّ(عليه السلام).

الفصل الرابع: عليّ(عليه السلام) والخلافة.

الفصل الخامس: نهضة الحسين(عليه السلام) واستشهاده.

الفصل السادس: من هم أتباع أهل البيت(عليهم السلام).

{3} "تاريخ الاسلام الثقافي والسياسي" (مسار الاسلام بعد الرسول ونشأة المذاهب).

صدر عن مركز الغدير للدراسات الاسلامية سنة 1417هـ / 1997م.

جاء في مقدمة الناشر: "الكتاب... هو بحث تحليلي، ودراسة في وقائع التاريخ، ومحاولة لتشخيص حقائق ذات شأن في أوضاع الأمة، وتشكيل وعيها وفهمها لحوادث التاريخ...

تناول الكاتب التعريف بالمؤرخين ومناهج التأريخ عند المسلمين، كما قام بالنقد والتقويم للمواقع التي تحتاج إلى مثل هذا التعامل، وتحدث عن نشأة الفرق والمذاهب والاتجاهات والصراعات السياسية، وما امتد إليها من تحريف وتزييف وتأثيرات سياسية، كما تحدث عن حركات التصحيح والثورات، وعرَّف بالاتجاهات الفكرية، والمذهبية الكبرى".

يقول المؤلف في مقدمته: "وقد تقسمت هذه الدراسة على خمسة أبواب، تراوحت فصولها بين الاثنين والثلاثة لكل باب..

ـ ركّزنا ذكرنا في الباب الأوّل على مجموعة من الاثارات الكبيرة والأرقام الهامّة الشاهدة على وقوع الاضطراب الكبير والتناقضات الكثيرة في مصادرنا

التاريخية، سواء ما كان مختصاً بتواريخ الفرق والمذاهب وعوامل نشأتها، أو ما كان مختصاً بالتاريخ السياسي والاجتماعي... لنذكر أثناء ذلك الأبواب والمنافذ المحتملة لدخول الأخبار المتناقضة والمتضاربة، ليكون في هذه الفقرة ذاتها، التي انتظمت في الفصل الثاني، مع فقرات أخر تضمنها الفصل ذاته ممّا يفي بتعضيد وتجسيد ضرورة القراءة النقدية الدقيقة لتاريخنا الاسلامي.

ـ وفي الباب الثاني تناولنا النظرة السياسية عند المسلمين منذ نشأتها، إذ كانت في يومها الأوّل مفتاحاً للواقع الجديد لمرحلة ما بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)، ثم رأينا كيف ترك الواقع التاريخي نفسه أثره على صياغة النظرية السياسية وتطوّرها في مراحلها اللاحقة.. ذلك الأثر الذي كان مرآة لأثر الواقع التاريخي نفسه في دواوين التاريخ وكتب الفرق والمذاهب.

وابتداءً من هذا الباب فقد التزمنا البحث عن البديل الصحيح لكل قضية لا تصمد أمام النقد ولا يسندها البرهان العلمي.

ـ وتناول الباب الثالث التفصيل في معالم المسار الجديد; سياسياً ودينياً واجتماعياً فتجاوز معالم السياسة إلى معالم الحركة الدينية المتمثّلة في الموقف من القرآن والسنة والتصور الكامل لدورهما في الحياة السياسية والاجتماعية، وموقع الاجتهاد وتطوره، وإلى معالم الحالة الاجتماعية، وحركة الفتوح الإسلامية.

ـ وانتقل الباب الرابع الى مرحلة جديدة مرّ بها التاريخ الاسلامي، تميّزت بمحاولة الإصلاح والتصحيح لما وقع من أخطاء سياسية أو دينية أو اجتماعية في المرحلة السابقة، وتقويم أي اعوجاج أو انحراف قد طرأ في المسار لإعادة وصله بأصله الأوّل ـ مسار الإسلام في حياة الرسول(صلى الله عليه وآله) مع التوقف في أثناء ذلك على الصعوبات التي كانت تواجهها حركة التصحيح، والمشاكل الحادثة في طريقها،

ذات الصلة الأكيدة بالمرحلة السابقة.

ـ أما الباب الخامس والأخير فقد توقف عند معالم مرحلة جديدة، هي مرحلة انعطاف خطير في المسار التاريخي، كانت خصبة بالخلافات والنزاعات التي كانت أسباباً مباشرة في نشأة الفرق والمذاهب، مع التركيز على العوامل الخاصة الداخلة في نشأة وتكوين كل واحد من هذه الفرق والمذاهب.

ـ ثم ألحقناه بخاتمة جمعت في استعراض سريع أهم النتائج التي توصّلت إليها هذه الدراسة... ".

{4} "حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي":

صدر عن مركز الغدير / بيروت.

جاء في تعريف المؤلف بالكتاب: "أُعدّ هذا المقال أولا للمشاركة في المؤتمر السابع للوحدة الإسلامية المنعقد بطهران 15 ـ 17 ربيع الأول 1415هـ، فطبع هناك على نطاق المؤتمر، وقد ارتأت مؤسسة الغدير للدراسات والنشر إعادة طباعته ونشره، كما اقترحوا عليّ التوسع فيه ولو يسيراً لأنّه كان بحثاً مضغوطاً يفتقر لكثير من الاستشهاد والتمثيل، ويستوعب لمزيد من التفصيل، فاستجبت لهذا الاقتراح السديد فادخلت بعض الشواهد والأمثلة في محلّها".

يشير المؤلف في بداية بحثه إلى ضرورة الحوار في العالم المعاصر وسر هجرانه، ثم يسلط الأضواء على جذور النزاع القائم في الأمة الاسلامية.

ثم يختار المؤلف موضوع "التفسير" و"الحديث" و"التاريخ"، ويقوم ببحث جذور النزاع فيها، ثم يستخلص في نهاية بحثه أنّ مادة تلك الخلافات بين المسلمين هي تلك المجموعة من الأخبار المكذوبة والأحاديث الموضوعة والعقائد الدخيلة التي أفرزتها أيام الصراع السياسي.

ثم يذكر المؤلف في الخاتمة بعض النتائج التي توصل إليها في

الخاتمة، فيقول:

1 ـ إنّ التقريب الحقيقي الأمثل هو التقريب الذي يتحقق عن طريق تصحيح التراث الإسلامي وتنقيته من الأخبار والمفاهيم الدخيلة التي تراكمت في عصور النزاع، ولعبت الدور الأساسي في تحويل النزاع السياسي إلى نزاع ديني طائفي.

2 ـ إنّ وجود الاسرائيليات والأحاديث الموضوعة في مصادر المسلمين أمر مسلّم به عند الجميع، وإنّ التدين بها أمر محرم عند الجميع أيضاً.

3 ـ لقد لعب الغلاة والنواصب دوراً بالغ الخطورة في تأصيل النزاع بين الفريقين...

4 ـ إنّ حرية التفكير حق للجميع، والاجتهاد حق لمن تأهل له، لكن هل يصح أن يتمتع دعاة الفتنة بهذا الحق، فلا يقف أحد بوجه دعوتهم...

{5} "تاريخ السنة النبوية، ثلاثون عاماً بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)":

صدر عن مركز الغدير سنة 1418هـ ـ 1997م.

جاء في تعريف الناشر بالكتاب: "السُنّة النبوية ثاني مصادر التشريع في الاسلام بعد القرآن الكريم، وحجيتها من أكبر ضروريات الدين عند المسلمين. ينطلق المؤلف من هذه البديهية فيبحث في هذا الكتاب ما آلت إليه السنة النبوية الشريفة بعد ثلاثين عاماً على وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله)... وتتبع مسارها في الحقبة موضوع البحث فيرى انه عرف مرحلتين، مثلت أُولاهما خلافة ابي بكر وعمر وعثمان (11 ـ 35هـ)، ومثلت ثانيهما مدة تولي الإمام عليّ(عليه السلام) الخلافة والقيادة السياسية والاجتماعية والدينية في الأمة (35 ـ 40هـ).

{6} "ابن تيمية في صورته الحقيقة":

صدر عام 1415هـ ـ 1995م عن مركز الغدير / بيروت.

جاء في مقدمة الكتاب: "تعرف على ابن تيمية في صورته الحقيقة وبايجاز

من خلال الفقرات التالية:

1 ـ ابن تيمية والحديث الشريف.

2 ـ ابن تيمية وصفات الله تعالى.

3 ـ ابن تيمية وأهل البيت(عليهم السلام).

4 ـ ابن تيمية وعلماء الاسلام.

5 ـ ابن تيمية واليزيدية.

6 ـ أقوال العلماء فيه.

{7} "الزيارة والتوسل":

صدر عن مركز الرسالة / قم سنة 1421هـ.

جاء في مقدمة الكتاب: "... موضوع تتعدّد فيه أطراف الحوار والجدل، بين الفعل ومشروعيته، وبين فضائله وأهدافه وعوائده، وبين حدود وآداب عرَّفتها الشريعة ينبغي تجديد الارشاد إليها والتذكير بها، وبين شبهات علقت باذهان البعض، لسبب أو لآخر، فحاولوا قطع السبيل إلى عمل مشروع، وتشويه صورته، عن خطأ في الفهم أحياناً وعن تقليد وإصرار واتباع للهوى أحياناً اخرى...

وقد نهض هذا الكتاب كلِّه في أوجز عبارة واركزها...

وقد جاء في قسمين:

تناول الأول منهما مباحث الزيارة في أربعة فصول:

الفصل الأول: الزيارة ـ مشروعيتها ـ أهدافها ـ فضيلتها الفصل الثاني: زيارة الرسول(صلى الله عليه وآله) وأهل البيت(عليهم السلام) في الحديث الشريف.

الفصل الثالث: الزيارة في تراث السلف.

الفصل الرابع: آداب الزيارة وردُّ الشبهات المثارة حولها.

وتناول القسم الثاني مباحث التوسُّل في مدخل وفصلين:

الفصل الأول: أقسام التوسل.

الفصل الثاني: التوسل بالأنبياء والصالحين.

{8} "الوهابية في صورتها الحقيقية":

صدر عام 1415هـ. عن مركز الغدير للدراسات والنشر، بيروت لبنان.

ويتضمّن هذا الكتيب على العديد من المواضيع حول الوهابية منها: المؤسس، أصول الفكر، مصادر الفكر، عقيدتهم في الصحابة، الوهابية والمسلمون، بين الوهابية والخوارج ونبذة مما صحّ في الزيارة، والتوسل وقائمة الكتب التي اُلفت للرد على الوهابية.

{9} "خلافة الرسول بين الشورى والنص":

اصدره مركز الرسالة عام 1417هـ. ضمن سلسلة المعارف الاسلامية.

وقد جاء في تمهيد الكتاب: لقد حاول البعض على امتداد تاريخنا السياسي التركيز على نظرية الشورى أصلا في النظام، مستنداً على أمثلة تاريخية معدودة، صاغ منها اُنموذجاً للشورى في الإسلام.

وتناولت ذلك كتب العقائد والأحكام السلطانية، ثم تقدّمت به خطوة أُخرى إلى الأمام لتنتزع لهذه النظرية أصالتها من مصادر التشريع الإسلامي; القرآن والسُنّة.. لتكتسب نظرية الشورى بعد ذلك أصالة دينية متقدمة على شهودها التاريخي، بل ومبرّرة له.

وكلّ ذلك يدور حول الخلافة الاُولى للرسول(صلى الله عليه وآله).. فشكّل الاتجاهان ـ دراسات التاريخ السياسي، والدراسات العقيدية ـ وحدة موضوعية كافحت على امتداد هذا الزمن الطويل من أجل تدعيم تلك النظرية وتأصيلها...

لكن هل استطاعت هذه المسيرة المتوحّدة أن تقدّم الكلمة الأخيرة في الموضوع، وتضع الحل الحاسم للأسئلة التي تثار حوله؟

هل استطاعت أن تثبت أصالة الشورى طريقاً إلى خلافة الرسول(صلى الله عليه وآله)؟

هل استطاعت أنت تثبت ما هو أوسع من ذلك; أصالة الشورى في حل مشكلة النظام السياسي في الإسلام؟

هل استطاعت أن تنفي الاُطروحات الاُخر المزاحمة للشورى، من قبيل: النصّ، والغلبة وغيرها؟

ما هو مستوى النجاح الذي حققّته في كلّ واحد من هذه الميادين؟

وماذا عن قدرة الاطروحات الاُخرى على منازعة نظرية الشورى والحلول محلّها بديلا في تعيين أساس نظام الحكم في الإسلام؟

مواضيع عديدة تتفرّع عن هذه الأسئلة الكبيرة تبنّى هذا البحث المقتضب دراستها ومناقشتها، مناقشة موضوعية عُمدتها البرهان العلمي والدليل الحاسم، بعيداً عن الالتفاف على النصوص، وتحويل القطعي إلى ظنّي، والصريح إلى مؤوّل، والخاص إلى العام، والصحيح إلى ضعيف، ونحو ذلك من أساليب الجدل...

ويقع البحث في قسمين رئيسيين: يتناول القسم الأول نظرية الشورى من جميع وجوهها، فيدرس الشورى في القرآن والسنة، ثم الشورى في واقعها التاريخي وفي الفقه السياسي، مع أهم ما يتّصل بهذه العناوين من مباحث.

فيما يتناول القسم الثاني (نظرية النصّ) وفق المنهج نفسه، مستوفياً ما يتعلّق بهذا الموضوع بحثاً ونقداً.

ليخلص إلى النتيجة التي يقرّرها البحث في كلا قسميه.

مقالاته

{1} "هوية التاريخ الإسلامي، عيون التاريخ، الاتجاه وأجواء التدوين":

نشرت في مجلة تراثنا ـ تصدر عن مؤسسة آل البيت لاحياء التراث في قم ـ العددان 38 و39 ـ السنة العاشرة ـ 1415هـ.

بحث تاريخي يوضح فيه الكاتب كيفية تحريف التاريخ الاسلامي من قبل المؤرخين المتصلين بالحكام الذين يعادون أهل البيت(عليهم السلام).

جاء في نتيجة البحث: "هذا هو مصير السُنة حين يكتب التاريخ باقلام العاذرين ولارضاء العامة واستجلاب رضا المتغلبين.

إنه لفصام كبير بين مسار الاسلام كما اراده الله ورسوله وبين المسار الواقعي الذي شهده تاريخ ومضى عليه التدوين...

لقد أدرك الجميع حقيقة ان معظم المؤرخين الذين صاغوا هذا التاريخ هم من الموالين للسلطات سياسياً، في عهود تأجج فيها النزاع السياسي وازدادت حدته حتى امتدّ الى كل ميادين الحياة، فكان أقل ما يفعله المؤرخون هو تبرير أعمال الخلفاء والامراء، أياً كانوا، ومهما كانت أعمالهم، والكف عن ذكر ما يزعجهم من حقائق التاريخ... وما لا يأذنوا بكتابته!...

إن معلوماتنا عن التاريخ بحاجة إلى مراجعة جادّة ودراسة في ضوء رؤية شمولية للتاريخ الاسلامي...

رؤية تكون فيها الشريعة الاسلامية بمصدريها الاساسيين ـ القرآن والسنة ـ هي المعيار الذي تقوم على اساسه الاطراف المتنازعة والفئات المختلفة".

{2} "أساس نظام الحكم في الاسلام، بين الواقع والتشريع، رؤية في التراث الفكري":

نشرت في مجلة تراثنا على قسمين: القسم الأول في العدد المزودج (41 و42)، والقسم الثاني في العدد المزدوج التالي (43، 44) ـ السنة الحادية عشر ـ 1416هـ.

مقالة بحث فيها الاسس التي يجب أن يقوم عليها نظام الحكم في الاسلام كما يراه أهل البيت ثم قام بتفنيدها جميعاً.

وجاء في نتيجة البحث: "إنّنا هنا قد اخفقنا [استقراءاً لمقولات أهل السنة] في تحقيق نظرية منسجمة متماسكة في موضوع الامامة، وانّ السبب الحقيقي لهذا الاخفاق هو متابعة الأمر الواقع والسعي لتبريره وجعله مصدراً رئيساً في وصف النظام السياسي.

إنّ تناقضات الأمر الواقع في أدواره المتعدّدة قد ظهرت جميعها في هذه النظرية، مما افقدها قيمتها كنظرية إسلامية في معالجة واحدة من قضايا الإسلام الكبرى.

فالقول بالنص الشرعي لم يقف عند جوهر النص، ولم يلتزم شروطه وحدوده.

والقول بالشورى تقهقر أمام نص الخليفة السابق، وصلاحيات الشورى، والقهر والاستيلاء والتغلب بالسيف.

أمّا نظام أهل الحل والعقد فهو أشد غموضاً...".

ثم ذكر الاستاذ: "ساهم التاريخ السياسي والرؤى المذهبية، والغفلة أحياناً في اضفاء الغموض، ومزيد من الغموض على قضية حاسمة في معرفة الوجهة الأصح في مسار الإسلام كله".

{3} "تاريخ السُنة النبوية، ثلاثون عاماً بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)":

نشرت في مجلة تراثنا في العدد المزدوج [45 و46] ـ السنة الثانية عشر ـ 1417هـ.

جاء في خلاصة المقالة: " كان تدوين الحديث أمراً مألوفاً يمارسه الصحابة في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله) أمراً صريحاً ومكرراً.

2 ـ ظهر في عهد أبي بكر أول أمر بالمنع من الحديث، لعلّة أو أخرى.

3 ـ أحرق أبو بكر كتاباً يضم خمسمئة حديث كان قد كتبها بيده، وهذا أول

كتاب اُحرق.

4 ـ واصل عمر المنع من الحديث، مؤكداً ذلك بعهوده على عمّاله، وبحبسه بعض الصحابة في المدينة حين لم يأمن امتثالهم امره.

5 ـ أحرق عمر مزيداً من كتب الحديث، جمعها من عدد كبير من الصحابة.

6 ـ أبتدأ عثمان سيرته مع الحديث بقوله: "لا يحلّ لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر".

7 ـ وافق الخلفاء على المنع نفر قليل من الصحابة لا يتجاوزون الأربعة: عبدالله ابن مسعود وأبو سعيد الخدري، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت.

8 ـ الإمام عليّ(عليه السلام) أول حاكم يدعو إلى كتابة السنة، ويحث الكتاب أن يكتبوا ما يحدثهم به ويمليه عليهم. وينشر على الملأ أحاديث نبوية كانت طيلة ربع قرن ممنوعة منعاً مغلّظاً. وهو في نفس الوقت يسّد الأبواب على الكذابين والمشبوهين.

{4} "معجم مؤرخي الشيعة حتى نهاية القرن السابع الهجري":

نشرته مجلة تراثنا في ستة أقسام ـ الاعداد (56 ـ 62) ـ 1419هـ ـ 1421هـ.

معجم ذكر فيه 227 مؤرخاً شيعياً فعرف بحياتهم وذكر كتبهم.

{5} "التدوين التاريخي عند المسلمين، نشأته وتطوره حتى نهاية القرن الرابع الهجري":

نشرت في مجلة الفكر الاسلامي التي تصدر عن مجمع الفكر الاسلامي ـ العدد (18 و19) ـ السنة الخامسة ـ 1418هـ.

مقالة يعرض فيها كيفية شروع التاريخ الهجري، ثم أول الكتب التي كتبت عن التاريخ وبين العوامل المؤثرة في حركة التدوين التاريخي عند المسلمين، ثم

استعرض مراحل التدوين التاريخي عند المسلمين فقسمها إلى أربعة مراحل مع ذكر أبرز المؤرخين في كل مرحلة:

المرحلة الاولى: مرحلة التدوين الشخصي الأولي، ومن أبرز المؤرخين فيها: سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي، وسهل بن أبي خيثمة الانصاري.

المرحلة الثانية: مرحلة التدوين التاريخي الجزئي، ومن أبرز المؤرخين فيها: عبيدالله بن أبي رافع كاتب أمير المؤمنين(عليه السلام)، وعروة بن الزبير بن العوّام.

المرحلة الثالثة: مرحلة ظهور المدوّنات التاريخية، ومن أبرز مؤرخيها: محمد بن اسحاق، ولوط بن يحيى، وسيف بن عمر التيمي، ونصر بن مزاحم المنقري، وابن قتيبة الدينوري.

المرحلة الرابعة: مرحلة توحيد التاريخ الاسلامي والبشري، ومن أبرز مؤرخي هذه الفترة: أبو حنيفة الدينوري، وأحمد بن يعقوب اليعقوبي، ومحمد بن جرير الطبري، والمسعودي.

{6} "الإمام محمّد باقر الصدر مفسراً":

نشرت في مجلة قضايا إسلامية التي تصدر عن مؤسسة الرسول الأعظم ـ العدد الثاني ـ 1416هـ ـ 1995م.

جاء فيها: "أما هذه الدراسة، فشأنها الكشف عن معالم المنهج، مع شيء من لمسات مقارنة يقتضيها البحث. وتقع في ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: في الحديث عن ركائز يجب توفّرها واستيفاؤها قبل الشروع في التفسير، وضعناه بعنوان "المفسِّر والمنهج".

القسم الثاني: في معالم المنهج العام، التي حدّدها السيد الشهيد في مباحثه الخاصّة لهذا الغرض.

القسم الثالث: في التعريف بالمنهج الجديد، الذي أحكم السيد الشهيد

صياغته، وأسماه بـ (التفسير الموضوعي أو التوحيدي).

{7} "آفاق الاجتهاد المعاصر لدى بعض العلماء المسلمين":

نشرته مجلة قضايا إسلامية ـ العدد الرابع ـ 1417هـ ـ 1997م.

مقالة يعرض فيها بعض التجديد لفقهاء معاصرين من قبيل الشهيد محمد باقر الصدر والعلامة شمس الدين والعلامة مغنية وغيرهم. ومن آفاق هذا التجديد هو الفهم الاجتماعي للنصّ بدلا من الفهم الفردي.

{8} "الوحدة الاسلامية والمسار الأحدب":

نشرت في مجلة رسالة التقريب التي تصدر عن المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية ـ العدد السابع ـ الدورة الثانية ذو القعدة ـ ذو الحجة الحرام 1415هـ. ـ 1995م.

وممّا جاء في المقالة: "السياسة سواء كنا نحبّها أو ننفر منها هي التي ترسم واقعنا وتحكم إلى حدّ ما على مستقبلنا، فحين كانت السياسة هي التي زرعت بذرة الخلاف الأولى فخرجت بمسار الاسلام من نواة تجمعه الأولى، هذه السياسة هل سنعرف كيف سنوجهها لتلم شعثنا على الاصول التي كانت تجمعنا، وهي تجمعنا إلى اليوم، وإلى الأبد.

لقد صححت النظرية النسبية فهماً كان سائداً حول الخطوط المستقيمة، فاثبتت أنه لا يوجد في الكون خط مستقيم، فالخطوط كلها منحنية، وكل ما تراه مستقيماً هو في الحقيقة أحدب، والكون كله أحدب، ويجري في مسار أحدب وكلما امتد الخطّ اقتربت نهايتاه.

فلماذا لا يكون مسار السياسة هو الآخر أحدب، حتى إذا ازداد امتداده عاد طرفه الى النقطة التي انطلق منها أولا، وتلاقت نهايتاه من جديد كي تشكلان نقطة تجمع واحدة هي من سنخ النواة الأولى على عهد الرسول الأكرم؟؟".

{9} "الفِرق والمذاهب، تحقيق في النشأة والمعالم":

نشرت على قسمين في مجلة المنهاج التي تصدر عن مركز الغدير العدد السادس والعدد السابع ـ السنة الثانية صيف وخريف 1418هـ ـ 1997م.

جاء في بداية المقالة: "ينقسم البحث بحسب تقسيم العوامل الاساسية في نشأة الفرق والمذاهب التي اثبت لنا التحقيق التاريخي أنّها تنحصر في ثلاثة هي:

1 ـ الواقع التاريخي للخلافة، ونظام الغلبة، والمشروع الثقافي الذي صحبهما.

2 ـ الكلام والفلسفة.

3 ـ التطرّف الدينيّ.

وقد يستقل عامل واحد في تكوين فرقة، كما قد يشترك عاملان أو العوامل الثلاثة في تكوينها.

وقد تضمّن البحث الحديث عن أهم الفرق والمذاهب الحادثة في الاسلام وظروف تكوينها والعوامل الاساسية في نشأتها".

{10} "مشروع الإحياء الديني عند الإمام الخميني آفاق ومعالم":

نشرت في مجلة المنهاج ـ العدد الرابع عشر ـ السنة الرابعة ـ صيف 1420هـ ـ 1999م.

يتعرض الكاتب فيه لمعالم نهضة الإمام الخميني(قدس سره) وكيفية مواجتها للمستكبرين والطواغيت والتخلف والجمود والتبيعة وابعاد وازالة تأثيرات الاستعمار الغربي في الجامعات والمؤسسات التربوية الاعلامية.

ثم يبيّن جهود الإمام الخميني(قدس سره) في التأسيس والتنظير الفقهي والعقائدي والسياسي للحكومة الإسلامية وصيانتها واستمرارها عبر التجديد في الاجتهاد.

{11} "التفسير الإسلامي للتاريخ ودور الشهيد الصدر فيه":

نشرت في مجلة المنهاج ـ العدد السابع عشر ـ السنة الخامسة ـ ربيع 1421هـ ـ 2000م.

يستعرض في المقالة هذه اسهامات المسلمين في تفسير حركة التاريخ، بدءاً بالإمام عليّ(عليه السلام) باستعراض بعض خطبه وكتبه في نهج البلاغة وخصوصاً عهده إلى مالك الأشتر عندما ولاّه على مصر، ثمّ آراء بعض العلماء السابقين والمعاصرين كأبي بكر الطرطوشي وابن خلدون ومالك بن نبي وعماد الدين خليل في مسيرة التاريخ وكيفية تفسير أحداثه.

ثم يأتي الى اسهام الشهيد السيد محمد باقر الصدر في هذا الموضوع من خلال بحثه التنظيري المفصّل في "سنن التاريخ في القرآن الكريم".

وجاء في خلاصة المقالة: "تتلخص رؤية الشهيد الصدر في فلسفة التاريخ بالنقاط الآتية:

ـ إنّ المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس في حركة التاريخ.

ـ وإنّ حركة التاريخ حركة غائية مربوطة بهدف، وليست سببية فقط.

ـ والمستقبل معدوم فعلا، وانما يتحرك من خلال الوجود الذهني.

ـ فالوجود الذهني إذاً هو الحافز، والمحرك والمدار لحركة التاريخ.

ـ وفي الوجود الذهني يمتزج الفكر والارادة.. وبامتزاج الفكر والارادة تتحقق فاعلية المستقبل وتحريكه للنشاط التاريخي على الساحة الاجتماعية.

ـ العلاقة بين المحتوى الداخلي للانسان (الفكر والارادة) وبين البناء الفوقي والتاريخي للمجتمع، هي علاقة تبعية، أي علاقة سبب بمسبب، فكل تغير في البناء الفوقي والتاريخي للمجتمع إنما هو أمر مربوط بتغير المحتوى الداخلي.

{12} "المسعودي المؤرِّخ إمام المؤرخين وفلاسفة التاريخ":

نشرت في مجلة المنهاج ـ العدد التاسع عشر ـ السنة الخامسة ـ خريف

1421هـ ـ 2000م.

يستعرض في هذا المقال حياة المسعودي ومذهبه ومصنّفاته ومنهجه ونقده التاريخي كما يعرض لاراءه الفلسفية في التاريخ.

جاء في خاتمة المقاله: "هذا هو المسعودي، المؤرخ الكبير، وإمام المؤرخين وفلاسفة التاريخ قرأناه على عجل آملين أن نكون قد انصفناه.

لقد رأينا كيف كان المسعودي استاذاً لارنولد توينبي، سواء شعر توينبي بذلك أم لم يشعر...

وكيف كان استاذاً لفيلسوف التاريخ ابن خلدون، ينتمي إليه تلميذه باعتزاز.

ويبقى المسعودي، اضافة إلى ذلك، المؤرخ الوحيد الذي وفّى حق التاريخ السياسي والاجتماعي، كما وفّى تاريخ الأديان والمذاهب والفرق حقه، مع امتيازه الآخر المبرّز في تفوقه الأدبي الكبير على سائر المؤرخين، فهو أديب المؤرخين بلا منازع، ومؤرخ الادباء بلا منازع أيضاً.

ندوات:

{1} "السلطان وكتابة التاريخ":

ندوة ثقافية عقدتها مجلة المنهاج العدد الرابع ـ شتاء 1417هـ ـ 1996م بتوجيه الاسئلة في هذا المضمون واجابة الباحثين وأصحاب الأقلام عليها.

جاء في مقدمة ما نشرته المجلة في ذلك: "تمثل إعادة قراءة التاريخ الاسلامي وكتابته قضية كبرى من قضايانا الثقافية في هذه المرحلة من تاريخنا المعاصر، ويفترض أن تسهم هذه العادة الواعية في تعزيز النهضة الاسلامية التي تشهدها هذه المرحلة".

وفي هذا العدد يجيب العلامة السيد محمد حسن الأمين والاستاذ الدكتور حسان حلاق، والاستاذ صائب عبد الحميد عن مجموعة من الاسئلة تثيرها قضية

"السلطان وكتابة التاريخ" وتتناول المسائل الآتية:

1 ـ دور السلطان في كتابة التاريخ، وسعيه الى جعل هذه الكتابة تمثل منظوره ورؤيته.

2 ـ اهتمام المؤرخين بحياة السلاطين واهمالهم تاريخ الشعوب ومنجزاتها في البناء الحضاري.

3 ـ دور الأقلية الخلاقة القائدة في التصوّر الاسلامي لحركة التاريخ وما اذا كان هذا التصوّر يتفق ونظرية "تونيى" في هذا الصدد.

4 ـ الحاجة الى اعادة قراءة الوثائق التاريخية وكيف يتم ذلك؟

وقد أجاب الاستاذ صائب عن هذه الأسئلة باعتباره خبيراً في التاريخ الإسلامي.

{2} "أثر الاتجاهات الفكرية والسياسية في كتابة التاريخ الاسلامي":

ندوة ثقافية عقدتها مجلة المنهاج ـ العدد الخامس ـ ربيع 1417هـ. ـ 1997م.

جاء فيما نشرته المجلة: "في هذا العدد وقائع الندوة التي عقدها في مقرّ مركز الغدير للدراسات الاسلامية، وقد شارك فيها كلٌ من الدكتور سهيل زكار، استاذ التاريخ في جامعة دمشق، ونائب رئيس اتحاد المؤرخين العرب. والدكتور إبراهيم بيضون، استاذ التاريخ الاسلامي في الجامعة اللبنانية والجامعة الاسلامية في بيروت، والاستاذ صائب عبد الحميد، الباحث في التاريخ الاسلامي.

وقد أجاب الاستاذ صائب عبد الحميد على الاسئلة التالية:

1 ـ ما المنهج الصحيح لقراءة التاريخ؟ وهل يمكن أن تبين لنا العوامل المؤثرة في انتخاب الروايات وما أدى إليه ذلك من مشكلة لا تزال قائمة، وينبغي أن يواجهها المؤرخون المعاصرون؟

2 ـ ما هي أهم العيوب التي شابت منهج الطبري في التدوين التاريخي.

3 ـ لماذا لم يدوّن التاريخ خطب الجمعة التي صدرت عن الرسول(صلى الله عليه وآله).

وقفة مع كتابه: "منهج في الانتماء المذهبي"

يتعرض الانسان في حياته إلى تجارب عديدة ومواقف متباينة تؤدي به الى النضوج في الفكر وارتسام معالم شخصيته الاجتماعية وتزوّده هذه التجارب بخزين من المعرفة يستطيع الانسان الاستفادة منها في التعامل مع مفردات الحياة اليومية.

وطبيعة الانسان أنه في حالة تفكير دائم وتعقل مستمر; ولذلك نراه في كثير من الأحيان يتخذ آراءاً معيّنة وعقائد خاصّة يدافع عنها بقوة، ثم بعد فترة من الزمن نراه قد تغيّرت أفكاره وتبدّلت قناعاته وأصبح يتمسّك بأفكار اخرى قد تناقض الافكار الاُولى أو تتضاد معها بشدة.

ولا يجب الاستغراب كثيراً من ذلك فالفكر البشري في حيوية ونشاط دائمين ولا تراه يرسو على شاطىء واحد أو يثبت على قرار معين، ويرى البعض ان هذا من ملامح الضعف البشري، وأن الثبات في الآراء هو من صفات الرجال الأقوياء وأصحاب المبادىء الذين لا تتغير آراءهم بتغير أحوال الزمان وتقلب أوضاع المجتمع، وقد يكون الأمر كذلك للأوحدي من الناس الذي اختار آراءه من البداية وفق منطق صحيح ودراسة عميقة وشيّد بناء أفكاره على أساس من البحث متين، ولكن معظم الناس تتغير أراءهم وتتبدل قناعاتهم ولا يجب عدّ ذلك ضعفاً، بل هو في كثير من الأحيان من معالم القوّة في الشخصية التي تطرح القديم إذا كان بالياً وتختار الجديد إذا كانت تراه جديراً بالاختيار والاعتناق، واذا انتقلنا إلى دائرة معينة من دوائر الفكر العامة وهي دائرة الدين والعقيدة والمذهب، فاننا

نرى أن معظم الناس في هذا المجال يقلّدون آباءهم ومجتمعهم في أكثر الأحيان، رغم الطبيعة الفكرية الخصبة لهذه الدائرة التي قد تتّسع لتشمل معظم مجالات الحياة إن لم يكن كلها على ما يقول به أصحاب الفكر الديني الشمولي; وذلك يعود في كثير من الأحوال إلى أنّ العقائد الدينية تغرس في النفوس في فترة الطفولة قبل نمو القوّة العاقلة في النفس الانسانية، فتألفها هذه النفوس وتأنس بها ولا ترضى بالبديل عنها بسهولة، وقديماً قيل: التعلم في الصغر كالنقش على الحجر.

تجربة الاستاذ صائب:

والكاتب الاستاذ صائب عبدالحميد مر في تجربة لها خصوصيتها ومعالمها، حَدَت به إلى أن ينتقل من مذهب إلى مذهب، حيث ترك ما تعوّد عليه وتعلمه في الصغر، وتعامل مع ذكريات أيام شبابه ذات الصفاء والنقاء الخاص بها والتي يصعب على المرء أن يتنكر لها ولا يكون وفيّاً معها، تعامل معها بتعقّل ولم يسمح للعاطفة أن تنفرد وحدها في هذا الميدان حتى لا يكون وفاءه ذا أثر عكسي فلا يعود وفاءاً.

وحاول الاستاذ أن يأخذ من هذه التجربة الفوائد والعبر وينشرها في هذا الكتاب، لتكون نبراساً للذين يتعرضّون لمثل هذه التجارب وهم ليسوا بالقليل هذه الأيام التي تقاربت فيها المسافات وتداخلت فيها الحدود والمساحات، فضلا عن فائدتها لعموم الناس.

ملامح منهجه في هذا الكتاب:

بما أنّ موضوع الكتاب حساساً وذا طبيعة خاصة فان المؤلف اختار منهجاً محكماً سار فيه وعبّر عنه بما يخدم جميع المسلمين لاعتقاده بأهمية الوحدة الاسلامية، حيث يراها قضية رسالية أساسية وليست دعوى فوقية يراد منها

التزلف والتملق.

وقد عرض في هذا المنهج أهمية التزام الروح الموضوعية والعلمية في علاج المسائل العقائدية التي يعرف الجميع أنّ لها طبيعتها الخاصة بها، حيث تمتزج العقائد بالنفوس بقوة قد تصل إلى درجة الاتحاد.

كما حذّر من خطورة العصبية الممقوتة والتزامها الذي يدفع بالانسان إلى الانحراف عن المحجة البيضاء والشريعة المحمّدية السمحاء، وتُباعد بين الأخوة في الدين الواحد باتخاد المواقف المعاندة لما يتّخذه الطرف الآخر وإنْ كان في هذه المواقف تكبراً على الحق وميلا عن جادة الصواب.

كما لاحظ أنّ من طبيعة النفس البشرية حب التفوق والانتصار على الأقران والخصوم والتي تنفر وتخاف من الهزيمة بأي شكل من الاشكال، وهذا "الخوف من الهزيمة" يدفع بالانسان الى اتخاذ الحجج والسبل التي تدفع عنه ألم هذا الخوف، ولو كان بالتوجيه للعقائد التي تحملها النفس توجيهاً يميل عن الحق ولا ينفع يوم الحشر والحساب والميزان.

ولذا نراه قد نوّه بأهمية التفكير الحرّ الذي يتغلّب على هواجس النفس ويسير بها مستقيمة على جادة الشرع.

ولاحظ أنّ هذا التفكير الحرّ من الأهمية بمكان بحيث لا يمكن التخلي عنه، لأنّ المسؤولية الشرعية تدفع إليه وتشكل الوقود المحرّك له لتلمس الصواب والحق والحقيقة، على أنّ هذا التفكير الحرّ يجب أن لا يتعارض مع الوحدة الإسلامية التي يجب أن تبنى وترتفع على أساس من الحقائق لا الأوهام.

والوحدة ليست التصفيق لجميع الفرق والمذاهب وتقبل عقائدها على علاّتها، لأن مثل هذه الوحدة تحمل بذور الاختلاف وأسباب الافتراق معها ومن

ثم تكون سبباً للاختلاف ولا تعود وحدةً، كما حصل في تاريخ المسلمين والتي كان نتاجها خطير في عقائد المسلمين وواقعهم، حيث كانت فكرة الجماعة والوحدة تتمثّل في قبول آراء الصحابة والسلف الذين لا يجوز انتقادهم، لأنّهم مشاعل الهداية وإنّ تحاربوا فيما بينهم وسفك بعضهم دم البعض الآخر وافترقوا عن الاعتصام بحبل الله فرقاً عديدة واتخذوا عقائد مختلفة!

والطريق الواقعي للوحدة الإسلامية هو تأليف القلوب الذي دعا إليه القرآن بازالة الحواجز النفسية بين أبناء المذاهب المختلفة وأنّ الاختلاف لا يفسد للود قضية، أو يكون ذلك بالتعامل الأخلاقي العالي بين أبناء الإسلام فضلا عن رعاية الحقوق الأساسية التي يوجبها الاسلام لكل مسلم، وأن يعذر المسلم أخيه المسلم عن اختياره لمذهبه الذي أتاه عن طريق آباءه، وأن يحتمل في المذاهب الاخرى الصحة والقبول، ولا يعتبر مذهبه هو الحق المطلق وكل مذاهب الآخرين هي الباطل المطلق.

مع الحسين(عليه السلام) كانت البداية:

يستمع الاستاذ صائب إلى قصة مقتل الحسين في خلوة... بكل مسامعه، فارتعدت جوارحه، وفاضت دمعته، وخنقته العبرات، وغلى منه الدم، وهتف ملبياً لنداءات الحسين(عليه السلام): لبيك يا ابن رسول الله وانطلق بإمامة الحسين(عليه السلام) مع الإسلام المحمدي من جديد..

سار على الدرب خطوات فتيقن من الأمر وملأ نور الحسين فضاء قلبه وعقله وعرف أنّ الاسلام الحق هو عند أهل البيت(عليهم السلام) ولا غير..

فسج في بحر فضائلهم، وصار يستقصي مواضع رضاهم، فنافح عن حقهم وأبان باطل ظالميهم، ودعا المسلمين إليهم لينجوا بتمسكهم بهم وترك أهل الجفاء من الظالمين وأهل الدهاء..

السقيفة وما أدراك ما السقيفة:

كيف تمت البيعة.. وكيف تعاملوا مع أهل بيت المصطفى لأجل البيعة؟

بيعة السقيفة قد تمت، ولمّا يجهّز بعد جثمان رسول الله الطاهر...!

ـ بيعة لم يحضرها بني هاشم فضلا عن أصحاب الحق من آل البيت بيعة لم يحضرها من المهاجرين إلاّ ثلاثة.

بيعة حصلت خارج المسجد بعد عراك وسباب وهمٌ بالقتل، ثم أتوا إلى المسجد في هيجة وصراخ يزفون صاحبهم، يقول البراءة بن عازب: رأيتهم فانكرت عقلي ـ.

وكان المهاجرون والأنصار لا يشكون في عليّ(1).

إقرء وتعجب من عظيم الجرأة:

"مرّةً.. جرأة على بيت عليّ وفاطمة، وإضرام النار حوله، أو هدمه كما قال آخرون(2)...

ومرّةً في الجرأة على قتل عليّ بن أبي طالب! وهو هو، وهم أدرى بمقامه!".

ماذا لَقِي أهل البيت، وقصة الوضع في الحديث:

لقي أهل البيت(عليهم السلام) في العهدين الاموي والعباسي من الحكام سياسة إبعاد وامتهان ولكي يبرّر الحكام ذلك فانهم دعموا هذه السياسة بعمل فكري وثقافي، وليس أخطر في ذلك من الحديث المنسوب إلى النبي(صلى الله عليه وآله).


1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 142، ابن أبي الحديد: 6 / 21.

2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 126.

فبذلوا لذلك كل جهد، وسخروا كلّ ما وسعهم تسخيره بالاتجاهين معاً:

اتجاه طمس فضائل ومناقب أهل البيت(عليهم السلام).

واتجاه إطراء خصومهم، واختلاق المناقب لهم، ونسبة ذلك كلّه إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله).

"كتب معاوية نسخةً واحدةً إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذِمّةُ ممن روى شيئاً في فضل أبي تراب وأهل بيته..

فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر يلعنون علياً، ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته!...

وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق ألاّ تجيزوا لأحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة...

وكتب إليهم: أن انظروا مَنْ قَبِلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل بيته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم، وقربوهم، واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته...

ثم كتب إلى عمّاله: إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر، وفي كل وجه وناحية، فاذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس الى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنّ هذا أحبّ إليّ، وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضائله.

ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البينة أنّه يحب عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاء رزقه!

وشفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره!

فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه في العراق، ولا سيّما الكوفة فظهر حديث

كثير موضوع، وبهتان منتشر...

ومضى على ذلك الفقهاء، والقضاة، والولاة، وكأن أعظم الناس في ذلك بليةً القرّاء المراءون، والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند الأئمة، يصيبوا به الأموال والضياع والمنازل!

حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث الى الديّانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حقّ، ولو علموا أنها باطلة لما رووها، ولا تدينوا بها!!(1)وعلى مثل هذا الأمر سار بقية الخلفاء واتباعهم من الفقهاء...

أسئلة حرّة:

ـ استدل بحديث كثير على وجوب تجنّب ما من شأنه المساس بأيّ ممن أدرك النبيّ، وأسلم على عهده، فصح أن يسمى (صحابيّاً).

ومن ذلك:

حديث: "احفظوني في أصحابي"، وحديث: "لا تسبوا أصحابي"، وحديث: "أصحابي كالنجوم، بأيهم أقتديتم اهتديتم"، وحديث: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، وأمثال هذا.

تُرى ـ إن كان الأمر كذلك ـ فمن أين أتى هذا الطعن على الصحابة؟

ومَن الذي وضع اُسّه، وأشاد بنيانه؟

أنحن، أهل هذه الأجيال المتأخرة كنا وراء كلّ ذلك، أم سبقنا إليه قوم آخرون؟

بحثت بجد فلم أجد حادثة في هذا الباب ـ بعد غياب النبي(صلى الله عليه وآله) سبقت ما


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 11 / 44 ـ 46.

كان من عمر بن الخطاب في سعد بن عبادة يوم السقيفة: اقتلوا سعداً، اقتلوا سعداً.

فكانت هذه هي أوّل سبّة عرفها المسلمون فيما بينهم، وجثمان النبيّ الطاهر لم يودّع بعد!

والذي تلقّاها هو أحد النقباء، ومن أصحاب الشجرة، وممن شهد المواضع كلّها، أو جلّها.

ثم أعقب هذا بقليل إحاطة بيت علي وفاطمة(عليهما السلام)، وانتهاكه، ثم ما وقع من عمرو ابن العاص، وجماعة من مسلمة الفتح بحق الأنصار من نيل، وطعن، وانتقاص كاد يثير فتنة كبيرة لولان أن دفع الله ذلك على لسان عليّ بن أبي طالب، والقَثَم بن العباس، وخالد بن سعيد بن العاص(1).

ثم جاءت (الدِّرّة) التي لم ينج منها إلاّ من رحم ربي.

الدِّرّة التي كانت تقع على رؤوس المهاجرين، والأنصار، والبدريّين، وأصحاب الشجرة، فلا تتردّد في النيل من كرامة أحدهم، أو أذاه!

وأحداث أخرى تعاقبت...

وربما تعدّى على أكثرها شهرةً وصدى مقالة أم المؤمنين عائشة في الخليفة عثمان:

(هذا قميص رسول الله لم يبل بعد وقد أبلى عثمان سنته!"، "اقتلوا نعثلا فقد كفر".

ثم هل هناك أشهر من سبِّهم علياً وحسناً وحسيناً(عليهم السلام) على المنابر عقوداً من الزمن؟

حتى صار ذلك سنة تتوارثها الأجيال، جيل عن جيل، ولولا أن سخر الله عمر ابن عبدالعزيز فمنعها لبقيت جارية في امتنا إلى يومنا هذا، ولألفينا نعتقد أنها


1) ابن أبي الحديد: 6 / 17 ـ 45، تاريخ اليعقوبي: 2 / 128.

واحدة من سنن الدين!

الهالة المصطنعة أم العصبية والكبرياء:

يوضح الكاتب هنا ما يحسه كل أبناء التسنّن من احساس تجاه الصحابة الذين ورثوه عن آبائهم وترسخ في نفوسهم، بحيث صار يمنعهم عن قبول الحقائق الواضحة، خصوصاً إذا اجتمعت الهالة المصطنعة للصحابة مع العصبية للمذهب التي تمنع عن قبول الحق والحكم الشرعي، ثم يصور المعاناة والوساوس التي يمر بها طالب الحق للوصول إليه.

يقول: "حتى إذا عملوا أنه(صلى الله عليه وآله) ـ كتب له كتاباً في مرضه الأخير لا يمكن بعد نقضه، رفعوا أصواتهم فوق صوته، وقالوا: إنه يهجر! حسبنا كتاب الله!!

والله إنها لكارثة لستُ أدري كيف نستطيع أن نُغضي عندها أسماعنا!!

أم كيف نغفل مدى غضب رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وغضب الله عندها!!

أليس من حقّنا ـ بل الواجب الذي يمليه إيماننا بالله ورسوله ودينه علينا ـ أن نغضب لغضب رسول الله؟

أم إنّ علينا أن نعتصر قلوبنا، ونقطب جباهنا، نفرة من إثارة هذه الأحاديث، لا لشيء إلاّ لانّها تمسّ بمعتقدات نشأنا عليها؟!

لقذ شربناها متعطشين، وارتشفناها والهين، ولكنها كانت مشبعةً بتلك الهالة المصطنعة، التي أوصدت علينا منافذ الحرّية.

إني ـ يا صديقي ـ قد ورثت مثلكم تلك القناعات، ولم أكن آلف سواها، بل إنّي ممّا يخالفها لحذرٌ نفور.

ولست أنسى كم كنّا نحاول الغوص في أعماقها، حتّى إذا اتغلغلنا يسيراً، اصطدمنا بذلك الحاجز الموهوم، لنرتدّ على أدبارنا القهقرى!

فكم مرّةً بلغنا ـ والحرقة تكوي قلوبنا، والدمعة لها بريق في أعيننا ـ أن

نقول: إنّ الإمام عليّاً كان مظلوماً.

لقد قلناها كلّنا غير مرّة، ولكننا لم نتمكن ـ لما في انفسنا من حواجز ـ أن نستغرق النظر، لنعرف مسؤوليّاتنا تجاه ذلك الظلم، وتلك الظلامة!

لقد أنستنا تلك الحواجز أننا مؤمنون، علينا ان نتحرى الحقّ فنتّبعه، ونلتزم الموقف السليم الذي ينجو بنا يوم الموقف العسير!

ورجائي أن لا أكون مؤاخذاً عندك إن قلتها، فهي حقيقةٌ حاكمة مهما حاولنا التنكّر لها، إنها العصبية والكبرياء، هي التي تحجبنا عن تبني الموقف الشرعيّ أينما وجدناه...

وإني أعترف على نفسي أن لو لم تتداركني رحمة ربّي وتوفيقاته لصرعتني تلك النفس (المعاندة)، ولقد كادت، ونجحت مرّةً، ولكن أعانني الله عليها..

فبعد أن أمضيتُ الشهور في الدرس، والتنقيب، والمناظرة، والبحث، وبلغت كامل اليقين، واستجمعت قواي في ليلة ختمتُ فيها مجلساً في بحث متشعب عميق في هذه المواضيع، فخرجت منه وأنا أشدّ يقيناً، وأثبت حجةً، عازماً أن أبدأ الفجر الجديد بالصلاة وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

وبينما كنت أعيش نشوة الانتصار، وحلاوة اليقين، إذ صادف أن اجتمعتُ مع ثلة من أبناء الشيعة فتناولنا أطراف الحديث، فلمّا رأيتهم يتحدّثون وملؤهم الفخر بمذهبهم ثارت فيَّ تلك النفس ـ المعاندة ـ من جديد وأبت ان توافقهم! فخضت الحديث معهم اُغالط نفسي على علم واصرار، ومضيت هكذا حتى سئمت نفسي، واضطربت في داخلي، ولكني لست مستعداً للانقياد لهم.

فعدت متحيراً من نفسي وما فيها، ونمتُ مصروعاً ثقيلا.. وعدت أقضي شهوراً أخرى مضطرباً، بين يقين عرفته واعتقدته، وبين عناد وكبرياء لهما جذور قديمة!

وبقيت هكذا، أصطنع العلل والأعذار، وأجعلها شرعيةً طبعاً، ولكنها كانت

كبيوتات الصغار، يشيدونها على الرمال، فتنقشع وتزول آثارها بعد ساعة.

حتى أجليت ما في صدري بدموع الليل، وزفرات الخلوة، أبكي حباً وشوقاً إلى سادة الخلق، وأنوار الهدى، وأبكي على نفسي وغلبتها.

حتى أحسست وأنا في هدأة الليل كأنّ قطرةً من تلك الدموع قد أتت على آخر عرق من عروق تلك الكبرياء، فاقتلعتها من محلها، وسقت مكانها بذرةً، بذرة الطاعة والولاء، فأنتفضت مكبلا اُطلق لتوّه، خفيف الحمل كطائر صغير، مستبشراً كضائع أشرف فجأه على أحبته وذويه... وأفقت مطمئناً في أوسط سفينة النجاة، أنهل من منهلها العذب الصافي، وها أنا اُحدثك من ظلال ربيعها الزاهر".

لماذا الإعراض عن فقه أهل البيت(عليهم السلام):

"هل كان غيرهم من أئمة الفقه أعلم منهم؟

لقد كان رائد مدرسة أهل البيت في الفقه الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) وقد عاصره من أئمة الفقه الذين اعتمد فقههم، واوقف العمل على فتاويهم: أبو حنيفة، ومالك بن أنس، ثمّ تلاهم الشافعي، وأحمد بن حنبل، فهل كان معاصروه، أو التابعون له أعلم منه وأفضل؟

قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا حاتم يقول: جعفر لا يسأل عن مثله.

وقال: سمعت أبا زُرعة، وسُئل عن [حديث] جعفر بن محمد عن أبيه، وسهيل عن أبيه، والعلاء عن أبيه، أيها أصح؟

فقال: لا يقرن جعفر إلى هؤلاء(1)،...

وسئل أبو حنيفة: من أفقه مَن رأيت؟

قال: ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمّد.


1) سير أعلام النبلاء: 6 / 257 ـ 258.

لمّا أقدمه المنصور الحيرةَ بعث إليّ، فقال: يا أبا حنيفة، إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد! فهيّيء له من مسائلك الصعاب.

فهيأت له أربعين مسألةً، ثم أتيت أبا جعفر، وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لا يدخلني لأبي جعفر ـ إلى أن قال ـ فقال لي أبو جعفر: هات من مسائلك...

فابتدأت أسأله، فكان يقول في المسألة: أنتم تقولون فيها كذا وكذا، وأهل المدينة يقولون كذا وكذا، ونحن نقول كذا وكذا. فربّما تابَعنا، وربّما تابع أهل المدينة، وربما خالفنا جميعاً، حتى أتيت على أربعين مسألةً ما أخرم منها مسألةً.

ثم قال أبو حنيفة: أليس قد روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس؟(1)فلماذا إذن لا يؤخذ الفقه من أفضل الناس وأعلمهم، وأعلمهم باختلاف الناس؟

دع عنك الخلاف في أمر الإمامة، وإن بايعوا من بايعوا ووالوا من والوا، ولكن هذه مسائل الفقه، والحلال والحرام، فما الذي يمنع أن نأخذها من أعلم الناس!

أليست السياسة هي التي صنعت هذا الجفاء؟...

أم يقال: إنّ الشيعة قد كذّبوا على أئمة أهل البيت؟!،...

تعال نواجه هذه الدعوى بالسؤال التالي:

إذا كانت هذه الطائفة من المسلمين قد كذبت على أئمة أهل البيت، وابتدعت لها طريقاً نسبته إليهم، فما بال أصحاب الدعوى من طلاّب الحق لم يأخذوا الصحيح عنهم(عليهم السلام) ويتمسّكوا به ويحفظوه لنا لنعرف فقه أهل بيت نبينا


1) سير أعلام النبلاء: 6 / 257 ـ 258، تهذيب الكمال: 5 / 79.

عليه وعليهم الصلاة والسلام؟!

إن كانوا يتحرّون الحقّ، ويوالون أهله، فما بالهم لم يأخذوا دينهم ـ بأصوله وفروعه ـ عن أئمة الهدى، وزعماء الدين، وروّاد العلم، والفقه هو الشرف، والتقوى؟!

لماذا تركوهم وأعرضوا عنهم، وراحوا يلتمسون العقائد والاصول والفروع وكل شيء ممن دونهم بلا ريب؟!

وليس هذا فقط، بل إذا رأوا من يحفظ حديثهم(عليهم السلام) قالوا: هذا رافضي. وتركوه!

هذه هي حقيقة تلك الدعوى، فلو صدقوا فيما زعموا لاتّبعوهم وهم يشهدون لهم بالفضل...

فلماذا هذا الاعراض عنهم، والتمسك بمن هو دونهم في الدرجات؟!

أكتب هذه الكلمات وتتردّ في ذهني مقولة أمير المؤمنين(عليه السلام)، التي يقول فيها: "فأين تذهبون؟! وأنّى تُؤفكون؟! والأعلام قائمة، والمنارُ منصوبة، فاين يُتاه بكم؟! وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم؟! وهم أزمّة الحق، وأعلام الدين، وألسنة الصدق"(1)".


1) شرح نهج البلاغة للدكتور صبحي الصالح: 119 الخطبة رقم 87.

{20} صالح الورداني(شافعي / مصر)

اشارة

الصورة

A14

ولد في القاهرة عاصمة مصر سنة 1952م في اُسرة شافعية المذهب، عمل في مجال الصحافة والاعلام في مصر له الكثير من المؤلفات والاصدارات والمقالات المنشورة في الصحف المصرية وغير المصرية، وهو مؤسس دار الهدف للاعلام والنشر في القاهرة.

الأجواء التي ترعرع فيها:

يقول الاستاذ صالح: نشأت وتربيت في الساحة الاسلامية المصرية مع التيارات الاسلامية في فترة السبعينات في دائرة الفكر السني، حيث كانت خمسة أو ستة تيارات رئيسية وكنت ـ والحمد لله ـ أملك رصيداً فكرياً أتاح لي أن أتعامل مع هذه التيارات معاملة الناقد لا ان استسلم لاطروحة هذه التيارات، فكم من التناقضات كانت سائدة في وسطها وكانت الخلافات والتطاحنات والمشاكل التي واجهناها في تلك الفترة تدفع كل ذي عقل إلى أن يبحث عن البديل، إذ هناك خلل وهو غير معروف.

رحلته إلى العراق والكويت:

في نهاية السبعينات أمكن لي أن أقوم برحلة إلى العراق بدعوة من صديق لي تعرّفت عليه في مصر وكان على درجة كبيرة من الثقافة ويقوم بتحضير دراسات عليا في القاهرة، وفي العراق استضافتني عائلته مدة طويلة وكانت عائلة شيعية كريمة.

ومن خلال تواجدي في العراق قمت بزيارة مراقد آل البيت ببغداد والطواف على مساجد الشيعة وسماع الدروس والمحاضرات والحوار مع الشباب الشيعي من اصدقاء صديقي... ونتيجة لهذا كلّه تبددت من ذهني الكثير من الأوهام والتصوّرات غير الصحيحة التي كنت احملها عن الشيعة.

انتقلت بعد ذلك إلى الكويت والتقيت ببعض الشباب الشيعي وحصلت على عدد من الكتب، اذكر منها: كتاب السقيفة، وكتاب عقائد الامامية، وكتاب المراجعات، ومن خلال بحثي وتأمّلاتي تبيّن لي أن هناك قدوة سيئة سادت الأمة من بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)، ومنها برزت جميع الاطروحات التي موّهت على حقيقة الإسلام وزيّفت النصوص وحجبت باقوالها وتفسيراتها حقيقتها عن الامة، وبالتالي اسهمت في تمكين الباطل واضعاف الحق واختراع سبل متفرّقة اضلت الأمة عن سبيل الله.

البحث عن القدوة الحقة:

وعندما يتم الكشف عن القدوة الحقة سوف تتّضح أمامنا القدوة الباطلة والحكم في ذلك يكون للنصوص وليس للرجال.

وقد شغلتني هذه المسألة كثيراً وشكلت حيرة كبيرة بالنسبة لي، وفي وسط هذه الحيرة كانت هناك تساؤلات كثيرة لا أجد لها إجابة في الاطروحة أو في

التراث الذي بين أيدينا، وأول هذه التساؤلات كان في تحديد ماهية الحق بعد الرسول(صلى الله عليه وآله).

مميزات التراث الشيعي:

ولقد كان تبنّي الشيعة لقضية الإمامة قد ميّز التراث الشيعي عن التراث السني وأوجد الكثير من الاجتهادات والمواقف التي انعكست على الفقه والعقيدة. ومن ابرز نتائجها حصر مصدر التلقي في دائرة آل البيت المقصودين بالإمامة ورفض الخطوط الاخرى التي خالفت نهجهم وعلى رأسها خط الصحابة الذي أرسى دعائمه أبو بكر وعمر، وعندما يلتزم الانسان بخط آل البيت(عليهم السلام) إنما يلتزم بخط النصّ لا خط الرجال وقد جذبني لخط آل البيت ودفعني نحو التشيع تميز الطرح الشيعي بتحكيم القرآن والعقل واحترامه ومنحه الدور الشرعي الذي أوجبته نصوص القرآن، وسرني تطبيق هذه القاعدة على كتب الحديث وجميع ما ورد من أقوال وروايات عن الرسول أو أئمة آل البيت أو فقهاء الشيعة.

ولقد استفزتني كثيراً تلك المكانة المتواضعة جداً التي يضع أهل السنة فيها الإمام عليّاً، واستفزني تقديم عثمان عليه على الرغم من افاعيله ومنكراته... واستفزني مساواته بمعاوية الطليق الذي لا وزن له... واستفزني ما يلصقون به من صغائر وموبقات...

وكان هذا كلّه مبرراً للنفور من فقه القوم واطروحتهم والبحث عن الحقيقة في دائرة الاطروحات الاخرى، وسبباً في الاهتداء للاطروحة الشيعية التي وجدت فيها ما أراح عقلي وطمأن نفسي بخصوص الإمام علي(عليه السلام)... وجدت فيها مكانته وخصوصيته... ووجدت فيها علمه الذي دثره القوم... وجدت عليّاً الإمام المعصوم...

ولفت نظري في الطرح الشيعي أيضاً قضية فتح باب الاجتهاد الذي ظلّ

مغلقاً منذ قرون طويلة لدى الطرف الآخر ولا يزال...

وتميّزت المؤسسة الدينية المعاصرة عند الشيعة بوجود عدد من المجتهدين البارزين الذين اجتهدوا في كثير من القضايا الملحّة والعاجلة والتي لا زال يتخبط فيها الطرف السني، وعلى رأس هذه القضايا قضية الربا والبنوك.

وما يميز المؤسسة الدينية عند الشيعة هو استقلالها عن الحكّام وبعدها عن سيطرتهم، مما أكسبها مواقف سياسية شجاعة اسهمت في إحداث تغييرات فعّالة في مجتمعاتها.. وهذه الاستقلالية إنما يعود سببها إلى ارتباط المؤسسة الدينية بالشارع والجماهير التي تدين لها بالطاعة والولاء وتسلمها الحقوق المالية وتذعن لأحكامها.

اكتشاف الحقيقة:

وهكذا اكتشفت الحقيقة وخرجت من دائرة الوهم عندما تتبّعت مسيرة الإسلام من بعد الرسول(صلى الله عليه وآله) وأعدت قراءته من جديد.

واستراحت نفسي من بعد سنوات طويلة من التيه والحيرة عندما وقع بصري على الطرف المغيب من تاريخ الإسلام وواقع المسلمين، واستقرّت قدماي على الطريق، وتبددت الغشاوة فور أن سطع أمامي نور آل البيت وظهرت لي معالم الصراط المستقيم وتيقّنت أنني على طريق الاسلام الصحيح.

مؤلفاته:

{1} "عقائد السنّة وعقائد الشيعة، التقارب والتباعد":

صدر في عام 1419هـ. عن مركز الغدير للدراسات الاسلامية ـ بيروت.

وهو دراسة مقارنة في عقائد السنة والشيعة بهدف التقريب بينها، يمهّد المؤلف بتعريف العقيدة وبنشأة السنة والشيعة، ثم يبحث في أربع قضايا أساسية

هي: التوحيد، والنبوة، والإمامة، والرجال، ويبيّن رؤية كل من أهل السنّة والشيعة إلى كل قضية من هذه القضايا، ثم يتقصّى البحث ويبلور ما يخلص إليه من نتائج.

{2} "الكلمة والسيف، محنة الرأي في تاريخ المسلمين":

صدر عام 1997م عن مركز الحضارة العربية ـ القاهرة.

وهو كتاب يعرض قضايا الخلاف في الرأي والاعتقاد والصراع بين النص والرأي، كما يتعرض لمصادرة الرأي والشهداء الذين ذهبوا في سبيل آرائهم.

وقد قسم البحث إلى عدّة عناوين:

ـ الرأي والنص.

ـ العنف، الجذور الفقهية والتاريخية.

ـ سلاح الرواية، عماد الحكام والفقهاء.

ـ القرآن والرأي.

ـ شهداء الرأي.

ـ ملاحق.

موجز حوادث الرأي في تاريخ المسلمين.

الشورى بين السنة والشيعة.

حادثة رأي عام 755هـ.

نماذج من كتب التراث التي تجرم الرأي.

{3} "الشيعة في مصر من الإمام عليّ(عليه السلام) حتى الإمام الخميني":

صدر عام 1414هـ. عن مكتبة مدبولي الصغير.

وهو كتاب يتعرّض لتاريخ الشيعة في مصر من أيام الإمام عليّ(عليه السلام)، وفيه يذكر الشيعة الأوائل في مصر كمالك الاشتر ومحمد بن أبي بكر والأحداث التي مروا بها، ثم يتسلسل في ذكر الحوادث والشخصيات حتى يصل إلى فترة الحكم

الفاطمي في مصر وانقلاب صلاح الدين والأيوبيين عليهم ومحاولة استئصالهم، ويتعرّض لذكر الأشراف والمشاهد والرحلات التي قام بها علماء الشيعة إلى مصر، ثم يذكر التقارب الشيعي السني في الاربعينيات بين علماء الأزهر وعلماء الشيعة، ثم يتعرّض للأحداث وما جرى على الشيعة بعد انتصار الثورة الإسلامية في ايران.

{4} "السيف والسياسة، صراع بين الاسلام النبوي والاسلام الاموي":

صدر عام 1996م عن دار الجسام ـ القاهرة.

وهو كتاب يتعرّض للصراع الذي حصل بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) بين أهل البيت(عليهم السلام) الذين يمثّلون الإسلام ومخالفيهم من الخلفاء، ثم بني أمية الذين انحرفوا عن الاسلام وادخلوا فيه ما ليس فيه.

ويتضمّن هذا الكتاب عدّة محطّات، وهي:

المحطة الاولى: وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله).

المحطة الثانية: السقيفة.

المحطة الثالثة: عمر.

المحطة الرابعة: عثمان.

المحطة الخامسة: عليّ(عليه السلام).

المواجهة.

ركائز الإسلام النبوي.

ركائز الإسلام الأموي.

إنعكاسات الاسلام الاموي.

{5} "أهل السنة، شعب الله المختار":

صدر سنة 1417هـ. الناشر: كنّوته.

وهو دراسة في فساد عقائد أهل السنة، يتعرّض فيها لنشوئها وتطورها وكيفية انتشارها بين المسلمين ثم بروز التيار الوهابي منها، ويتعرّض في الخاتمة لنتائج هذه العقيدة من اهمال العقل وتقديس الحكّام وتحذير الجماهير وتضخيم الرجال والارهاب الفكري.

وقد فهرس مواضيع الكتاب تحت العناوين الرئيسية التالية:

ـ كيفية ظهور لفظ أهل السنة والجماعة.

ـ ركائز عقيدة أهل السنة.

ـ من هم أهل السنة؟ نصوص العقيدة عند أهل السنة.

ـ جانبا العقيدة السياسي والمذهبي.

ـ دائرة الماضي.

ـ دائرة الحاضر.

ـ أهل السنة، نهج اليهود والنصارى.

ـ خاتمة، نتائج عقائد أهل السنة.

وقد احتوى الكتاب على ملاحق هي:

ـ عقيدة أهل السنة لأحمد بن حنبل.

ـ عقيدة أهل السنة لأبي الحسن الاشعري.

ـ العقيدة الطحاوية لابي جعفر الطحاوي.

ـ لمعة الاعتقاد لابن قدامة المقدسي.

ـ العقيدة النسفية للنسفي.

ـ العقيدة الوسطية لابن تيمية.

ـ نصّ رسالة الذهبي لابن تيمية والتي أعلن فيها رفضه لمذهبه.

ـ رسالة في العقيدة الوهابية.

ـ نصّ فتوى الشيخ سليم البشري في ابن تيمية والوهابية.

{6} "دفاع عن الرسول(صلى الله عليه وآله) ضد الفقهاء والمحدّثين":

صدر عام 1418هـ، الناشر: تريدنكو للطباعة ـ بيروت.

وهو كتاب يتعرّض إلى ما ألصقه بعض الفقهاء بالرسول من امور لا اصل لها وهو بريء منها.

جاء في مقدّمة المؤلف: "من هنا فقد طرحنا في هذا البحث عدّة قضايا ثابتة في كتب السنن حول شخص الرسول وهي محل تسليم القوم سلفاً وخلفاً. إلاّ أنه يضبطها بالقرآن واخضاعها للعقل يتبيّن لنا أنها من صنع الرجال..

القضية الأولى هي: علاقة الرسول بعائشة الطفلة وعشقه لها وهيامه بها...

والثانية: إخراج الرسول من دائرة التبليغ والتبيين إلى دائرة التشريع.

والثالثة: وصف الرسول بالجهل والخوف والإهمال.

والرابعة: فضح الرسول جنسياً وهتك ستره.

والخامسة: تنازل الرسول لعمر عن أهم خصائصه.

والسادسة: الرسول يبشّر بالظلم.

والسابعة: إهانة الأنبياء وتسفيههم.

وقد فهرس موضوعات الكتاب تحت العناوين التالية:

ـ الرواية بين الشك واليقين.

ـ الرسول الدور والشخصية.

ـ الرسول العاشق، الرسول المشرع، الرسول المجسم، الرسول المهمل، الرسول الجاهل، الرسول الظالم، الرسول المتطرّف، الرسول والأنبياء.

{7} "الخدعة، رحلتي من السنة إلى الشيعة":

صدر عام 1416هـ. عن دار النخيل ـ بيروت.

كتاب يتعرّض فيه لسيرته الذاتية وكيفية انتقاله إلى المذهب الشيعي بعد الشك في عقيدة أهل السنة ووضوح فسادها لديه.

وقد فهرس كتابه تحت العناوين الرئيسية التالية:

ـ أول الطريق.

ـ التحرر من الماضي.

ـ الدين والتراث.

ـ رحلة الشك.

ـ تضخيم الرجال.

ـ الطرح الشيعي.

ـ إشكاليتان: العصمة والغيبة.

ـ بعد التشيع.

ـ القرآن.

{8} "زواج المتعة حلال، محاكمة المنهج الفقهي عند أهل السنة":

صدر عام 1417هـ، الناشر: كنّوته.

وهو دراسة تتعرّض لزواج المتعة الذي حرّمه أهل السنة اتباعاً لعمر، وتعرّض فيها لنصوص الحِل وما اورده القوم من أقوال في التحريم أخذت طابع النصوص.

وقد فهرس كتابه تحت العناوين الرئيسية التالية:

ـ ما هو الزواج.

ـ أهل السنة المنظور الفقهي.

ـ موقف عمر.

ـ نصوص التحريم.

ـ نصوص الاباحة.

ـ المناقشة، الأصل في الأعمال الاباحة.

ـ التطبيق.

ـ رؤية الشيعة.

ـ ملحق / مناظرة يحيى بن أكثم للمأمون حول زواج المتعة.

ـ ردّ العلامة السيد عزّالدين بحر العلوم.

ـ أنا ضد زواج المتعة.

ـ بدلا من الحرام زواج المتعة.

{9} "فقهاء النفط، راية الاسلام أم راية آل سعود":

صدر عام 1994م، الناشر: مدبولي الصغير.

وهو دراسة لاعمال آل سعود في شراء ذمم الفقهاء لخدمة مصالحهم بأموال النفظ، ويعرض التناقضات التي وقعوا فيها لاتباعهم الاهواء والابتعاد عن الإسلام الأصيل.

وقد فهرس كتابه تحت العناوين الرئيسية التالية:

ـ النفطيون والتراث.

ـ النفطيون وحادث الحرم.

ـ النفطيون وافغانستان.

ـ النفطيون وايران.

ـ النفطيون وأزمة الخليج.

ـ فتاوى نفطية.

ـ المتمرّدون.

ـ ملاحق الكتاب.

نماذج من الفتاوى النفطية.

بيانات الهيئات.

قرارات وتوصيات المؤتمر الاسلامي.

برقيات.

نصّ رسالة فهد.

{10} "الحركة الاسلامية والقضية الفلسطينية":

صدر عام 1411هـ. عن الدار الشرقية.

دراسة نصوص موقف التيارات الاسلامية في مصر من القضية الفلسطينية وخصوصاً الاخوان المسلمين منهم.

وحوى الفهرس العناوين التالية:

ـ الحركة والبعد التاريخي.

ـ موقف الاخوان المسلمين.

ـ الاخوان والانتفاضة.

ـ موقف الجماعة الاسلامية الجهادية.

ـ المنتظرون موقف التيارات الاخرى.

ـ نظرية المواجهة.

ـ وثائق.

{11} "فتاوى ابن باز":

صدر عام 1419م، عن دار الهدف ـ القاهرة.

كتاب يتعرّض لفتاوى ابن باز الرئيس العام لادارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد في المملكة العربية السعودية بتكفير المسلمين وتوجيه مخازي آل سعود.

وحوى الفهرس العناوين التالية:

ـ هذا دينهم.

ـ آل سعود والإسلام.

ـ مع الانجليز لا مع المسلمين.

ـ مع الاميركان واليهود.

ـ من هو ابن باز.

ـ عقيدة ابن باز.

ـ تلامذة ابن باز.

ـ ابن باز وآل سعود.

ـ ابن باز والتراث.

ـ فتاوى ابن باز.

ـ ملحق ـ نماذج من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث.

{12} "المناظرات بين فقهاء السنة وفقهاء الشيعة":

صدر عن دار الهدف سنة 1999م وكذلك عن دار الغدير ـ بيروت سنة 1999م أيضاً.

كتاب جمع فيه بعض المناظرات التي وقعت بين علماء الشيعة وعلماء العامة، كالمناظرة التي دوّنها مقاتل بن عطية وتسمّى بـ "مؤتمر علماء بغداد"، ومناظرة الشيخ حسين بن عبدالصمد العاملي مع أحد شيوخ حلب، ومناظرة الشيخ المفيد حول زواج المتعة مع أحد الاسماعيلية، وفنّد مناقشة مزعومة بين ابن تيمية والعلامة الحلّي.

{13} "النزاع والتخاصم فيما بين بني امية وبني هاشم":

صدر عن دار الهدف ـ القاهرة.

وهو في الأصل كتاب لتقي الدين المقريزي (776 ـ 845هـ) قام باعداده

والتعليق عليه الاستاذ صالح الورداني، فترجم للمؤلف وذكر بعض كتبه، وعرّف بهذا الكتاب وطبعاته السابقة، وعلّق عليه بهوامش مختصرة، واضاف إليه ملحقاً وهو كتاب "فصل الحاكم" لمحمد بن تحصيل العلوي.

{14} "مدافع الفقهاء، التطرّف بين فقهاء الخلف وفقهاء السلف":

صدر عام 1419هـ. عن دار الهدف.

وهو دراسة عن الفقهاء المتطرّفين من القدماء كأبن حنبل وابن حزم وابن تيمية، وكذلك الفقهاء المتطرّفين في العصر الحالي كابن باز وابن عثيمين. ويتعرّض فيه إلى فتاواهم في تكفير أو تفسيق الفرق الاسلامية الاخرى والتفافهم حول الحكّام الظالمين.

وقد فهرس موضوعات كتابه تحت العناوين التالية:

ـ الفقهاء بين الدين والحكام.

ـ مدافع ابن حنبل.

ـ مدافع ابن حزم.

ـ مدافع البغدادي.

ـ مدافع الطحاوي.

ـ مدافع ابن تيمية.

ـ مدافع ابن القيم.

ـ مدافع ابن حجر الهيتمي.

ـ مدافع ابن عبدالوهاب.

ـ مدافع ابن باز.

ـ مدافع ابن عثيمين.

ـ مدافع المدخلي.

ملاحق الكتاب:

مدافع اخرى.

فتوى ابن تيمية في أهل الذمّة.

فتوى اخرى.

رسالة أسد بن موسى.

المنكرات من الصور والكتب وادوات اللهو.

شهادة أهل البدع.

{15} "تثبيت الامامة":

صدر عام 1419هـ، عن دار الغدير.

وهو كتاب للقاسم الرسّي (169 ـ 246هـ)، وقد حقّقه الأستاذ صالح، فكتب مقدمة ضافية له، وحقّق نصّه، وشرح ما يحتاج إلى شرح، ووضع فهارس له.

والكتاب في وجوب الإمامة كتبه الرسّي مؤسس الزيدية جواباً عن أحد الأسئلة.

{16} "علي سيف الله المسلول، التاريخ الجهادي للإمام علي":

صدر عن دار الهدف سنة 2001م.

يقول المؤلف في المقدمة معرّفاً بمضمون الكتاب:

إنّ الدور الجهادي للإمام عليّ الذي واكب مسيرة الإسلام منذ بدايته وحتى وفاة النبيّ كان دوراً مرسوماً من قبل الرسول، وامتداد هذا الدور من بعد الرسول هو امتداد لدور الوحي والإسلام.

فهو بحقّ سيف الله المسلول رمز الحقّ على مرّ الزمان وقد شق بسيفه نهج الهداية والرشاد والنجاة في الدنيا والآخرة.

وليس من الحقّ بل من الباطل منازعة الإمام هذا الدور وهذه المكانة..

ليس من الحق أن ينتزع منه هذا الدور وان ينسب الفضل لغيره ممن لا وزن لهم.

لقد طغت السياسة والمذهبية على النصوص وتمّ دفع خالد بن الوليد على حساب الإمام عليّ وجعله سيف الله وتوطين هذه الفكرة الزائفة في نفوس المسلمين، وبين خالد والإمام بعد المشرقين.

إنّ المؤرخين وأصحاب السير قد دونوا كتبهم في عصور الاضطهاد والبطش والارهاب الذي أحاط بآل البيت(عليهم السلام) وأتباعهم، وفي ظل الوضع تم التعميم على دور الإمام الجهادي، وتم أيضاً التشكيك في المصادر التاريخية التي حاولت إبراز هذا الدور.

من هنا وجب العمل على كشف دور السياسة والرجال في هذه المؤامرة التي لا تستهدف شخص الإمام دائماً وإنّما تستهدف الإسلام، فإنّ الإمام هو رمز الإسلام وسيف الله لا يشاركه في ذلك أحد من الناس.

وهو ما تشهد به النصوص وحقائق التاريخ، ما سوف نبرزه من خلال هذا الكتاب الذي نجدّد من خلاله الدعوة الى إعادة قراءة التاريخ بمعزل عن السياسة والرجال.

وقد فهرس كتابه تحت العناوين التالية:

ـ الرواية والسياسة.

ـ شهادة الرسول.

مع الرسول.

ـ السرايا.

ـ الغزوات.

غزوة بدر، غزوة اُحد، غزوة الخندق، غزوة خيبر، غزوة الفتح، غزوة حنين.

ـ بعد الرسول.

ـ عائشة والإمام.

ـ معاوية والإمام.

ـ الخوارج والإمام.

ـ مقتل الإمام.

ملاحق:

ملحق 1: اكذوبة سيف الله المسلول خالد بن الوليد.

ملحق 2: حديث لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ.

{17} "تصحيح العبادات":

مخطوط، وسوف يصدر عن مركز الابحاث العقائدية.

يقول المؤلف في مقدمة الكتاب:

لقد درج الفقهاء على تقسيم الدين إلى عبادات ومعاملات، وهذا التقسيم في حدّ ذاته يضرّ بمفهوم العبادة فضلا عن كونه يضرّ بالدين ويؤدي إلى تفتيت تصوّره الثابت الذي يحقّق فكرة العبودية ويرسّخها في نفوس المسلمين وفي ساحة الواقع.

وإن حصر العبادات في حدود الصلاة والزكاة والصيام والحج إنّما هو من عمل السياسة التي انحرفت بالعبادات عن حقيقتها واستثمرتها لصالح الحكام..

وبدلا من أن نتيجة الفقهاء إلى إصلاح هذا الخلل ويعملوا على اعادة الصورة الشرعية للعبادات، اتّجهوا باللوم نحو الجماهير واعتبروها المتسبب في هذا الخلل.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو:

أين الخلل..؟

هل هو في السياسة والحكام؟

هل هو في الفقهاء والتراث؟

هل هو في الجماهير والمجتمع؟

سوف نحاول الاجابة على هذه الاسئلة من خلال هذا الكتاب...

إنّ مفهوم العبادة ليتجاوز ذلك الحدّ الضيق الذي وضعه فيه الفقهاء وهو حدّ الصلاة والزكاة والصوم والحج، إلاّ اننا سوف نركز في هذا الكتاب على هذه الممارسات التعبّدية الأربعة محاولين الوصول إلى صورتها الحقيقية بعيداً عن السياسة والمذهبية التي طمست صورتها وموّهت على حقيقتها وافقدتها مضمونها وتأثيرها على الفرد والمجتمع.

{18} "فضل الشيعة على مصر": مخطوط.

يستعرض المؤلف في هذا الكتاب دور الشيعة وانجازاتهم في مصر وخصوصاً أيام الدولة الفاطمية التي اسست الأزهر الذي رفع من شرف مصر وصار معلماً من معالمها الدينية.

ثم ذكر جمال الدين الأفغاني وما كان له من دور إصلاحي في مصر، وكذلك دور جماعة التقريب ومدى تأثيرها في توحيد المسلمين، كما تعرض للمراقد المنسوبة إلى بعض الرموز الشيعية وما لها من تأثير في حياة المصريين.

{19} "فرق أهل السنة" (جماعات الماضي وجماعات الحاضر):

سيصدر عن مركز الأبحاث العقائدية، ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.

يقول المؤلف في المقدمة: على مرّ تاريخ المسلمين، نشأت خلافات ونزاعات وتطاحنات أدت إلى نشوء فرق واتجاهات متعدّدة بداية من وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله)وحتى اليوم... ولقد دارت صراعات ونزاعات وتطاحنات بين فرق أهل السنة وصلت إلى حد التكفير واراقة الدماء سوف نرصدها من خلال هذا الكتاب، وسوف نرصد أيضاً الحالة العقائدية والفكرية لهذه الفرق... بالاضافة إلى

رصد دور الحكام في واقع هذه الفرق وفي مواجهة الفرق المخالفة، وما نهدف إليه من خلال هذا الرصد هو كشف الدور الذي لعبته السياسة والمذهبية في التعتيم على حقيقة الدين وبث الفرقة بين المسلمين... وإن هذا الكتاب هو خطوة على طريق تصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة الموروثة، وتصحيح المفاهيم هو مقدمة اساسية نحو وحدة المسلمين..".

{20} "فضل الشيعة على مصر":

قيد الطبع، تبنّى مركز الأبحاث العقائدة نشره.

يشرح المؤلف في هذا الكتيب نبدة عن تاريخ الفاطميين ونشأة جامعة الأزهر، ثم يشير إلى أهيمة مراقد بعض رموز الشيعة من ابناء الرسول(صلى الله عليه وآله) بذكر مقتطفات من وصول الشافعي إلى مصر، ثم يذكر المؤلف في النهاية موجز عن دور جمال الدين الأفغاني في الواقع المصري.

{21} "تصحيح العبادات" قيد الطبع، تبنّى مركز الأبحاث العقائدية نشره.

يرى المؤلف في هذا الكتاب بأنّ للعبادة دوراً أكبر مما هو سائد في يومنا هذا، وأن واقع المسلمين اليوم في أمس الحاجة إلى أن تسترد العبادات دورها وتحيي مضمونها كي تسهم في دفع الفرد والمجتمع الإسلامي إلى الأمام.

ويبحث المؤلف عن الأسباب التي اخلّت بالعبادات، هل السبب هو السياسة والحكام، أم السبب هو الفقهاء والتراث أم هو في الجماهير والمجتمع؟

ثم يقول المؤلف: أننا سوف نركّز في هذا الكتاب محاولين الوصول إلى صورة العبادة الحقيقية بعيداً عن السياسة والمذهبية التي طمست صورتها وموّهت على حقيقتها وافقدتها مضمونها وتأثيرها على الفرد والمجتمع.

ويحتوي هذا الكتاب على عدة مواضيع منها: مفهوم العبادات، العبادة بين الدين والسياسة، المذاهب والعبادات، الممارسات التعبدية بين الدين والسياسة: الاذان، الطهارة، الغسل والتيمم، الصلاة، الزكاة، الصيام والحج.

وقفة مع كتابه: "الخدعة، رحلتي من السنة الى الشيعة"

تجربة الاستاذ صالح:

ترك الأستاذ صالح الورداني دعاة التقدس المزيف وادعياء التدين السلفي وبحث عن الحق في النصوص الأصلية كالقرآن والسنة الصحيحة التي لا تخالف القرآن ولا تنافي ضرورة العقل، فعرف أهل الحق وهم أهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله)فتمسك بهم وبالقرآن الذي لا يفترقون عنه فاهتدى، وكانت له رحلة موفّقه ـ رغم مرارتها ـ بالاستفادة من النتائج المخيبة لتجاربه للوصول الى الأسباب الحقيقة التي أدت به الى مثل هذه النتائج، فعرف انه كان في قوم يخلطون بين الدين والتراث، ويأولون ويبررون الأحداث للحفاظ على قدسية رجال ما انزل الله بها من سلطان، فتركهم وانتقل الى قوم يتمسكون بالقرآن والعقل ولا يجتهدون مقابل النصوص وينأون بأنفسهم عن الحكام الظالمين ويدعون إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة.

الدين والتراث:

يعرّف الكاتب الدينَ بأنه: مجموعة النصوص التي جاء بها الرسول(صلى الله عليه وآله)وبلّغها للناس، والكتاب الذي يأتي به الرسول إنّما يحتوي أصول وقواعد هذا الدين.

ويعرف التراث بأنه: مجموعة الاجتهادات الحادثة على الدين من أقوال وروايات وتفسيرات، ويدخل في دائرته الحديث والتاريخ والفقه والتفسير وشتّى

النتاجات التي تمخض عنها العقل على ضوء الدين.

ومن هنا يصل الى نتائج: منها: أنّ الدين هو الحق الثابت الذي يبلغه الله الى الإنسان، وأنّ التراث هو ما يتعلق بهذا الحق من اجتهادات متغيرة ومحلّ أخذ ورد، وعليه للوصول الى حقيقة الدين لابدّ من التمييز بين النصوص القرآنية الشرعية وبين النصوص التراثية الوضعية الاجتهادية، وإلاّ وقع الناس في الخلط وأنزلوا أقوال الرجال منزلة النصوص وبالتالي عبادة هؤلاء الرجال مثل ما عبد اليهود والنصارى الأحبار والرهبان كما ذكر القرآن الكريم(1).

ولو استطاع المسلمون أن يفهموا النصوص المتعلقة بالحكم والسياسة بمعزل عن فقهاء الماضي وفقهاء الحكومات من المعاصرين لكان من الممكن أن تتكون في أذهانهم صورة الاسلام الحقة، لكنهم جعلوا هؤلاء الفقهاء واسطة لفهم هذه النصوص وضيعوا المفسّر الحقيقي لها وهم أهل البيت(عليهم السلام) الفئة المصطفاة من الأمة التي ترث الكتاب من بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)، فصاروا رهينة للخط الذي رسمه الحكام بمعونة هؤلاء الفقهاء.

الالتزام بخط النص لا بخط الرجال:

بيّن الكاتب أنّ هناك ملامح خلاف واضحة بين التراث السني والتراث الشيعي منها:

1 ـ أن التراث السني يعتمد على الصحابة بينما التراث الشيعي يعتمد على آل البيت(عليهم السلام).

2 ـ التراث السني يتبنّى التعايش مع حكام الجور والتراث الشيعي يرفض هذا التعايش.

3 ـ التراث السني تغلب عليه أقوال الرجال بينما التراث الشيعي يميل


1) التوبة: 31.

مع النص.

4 ـ التراث السني يضيق على العقل بينما التراث الشيعي يحترم العقل.

وقد وضع الشيعة قواعد لضبط حركة الرواية في مجال الاستدلال، حيث تمر الروايات بمراحل من الغربلة والتمحيص حتى تصبح دليلا معتمداً.

ومن هذه القواعد: أنّ الحديث الذي يخالف القرآن يضرب به عرض الجدار، ونتج عن ذلك تحجيم دور الرجال وعزل أقوالهم عن النصوص والحيلولة دون طغيان هذه الأقوال عليها.

بينما نرى في المقابل أنّ التراث السني يعتمد الروايات بعد مناقشة بسيطة في السند وإن خالفت هذه الروايات القرآن وضرورة العقل، فمرت كثير من الروايات المختلفة والموضوعة التي تساهمت في ايجاد تراث ضخم مشوّه عن الإسلام يصعب تمييز النصوص الحقة فيه فكانت أقوال الرجال هي الغالبة والمحكمة، ومن هنا فان من يتبنّى الاطروحة الشيعية بعد أن كان من العامة لم يستبدل تراثاً بتراث، ولم ينتقل من عبادة رجال الى عبادة رجال، بل يلتزم بخط النص الذي حدد رجاله الذي يحملونه النص ولا غير المصطفون من آل البيت(عليهم السلام).

التأويل والتبرير:

يقول الكاتب الاستاذ صالح الورداني في هذا المجال: لقد حوربت السنة النبوية الشريفة لفترة طويلة ومنعت كتابتها تحت شعار "حسبنا كتاب الله"، واحرق الكثير من الصحف التي تضمها أو اتلفت ومحيت تنفيذاً لسياسة هذا الشعار التي كانت في الواقع تخاف اتضاح الحق ومعرفة أهله.

ومع ذلك فقد افلتت من رقابة القوم الصارمة الكثير من النصوص التي لم يمكنهم أن يكتموها لحيوية دين الإسلام وقوته الذي لا تستطيع أكبر أجهزة

الرقابة في العالم أن تخنقه وتقف في سبيل انتشاره.

إلاّ أنّ القوم لم يستسلموا لهذه النصوص، وإنما حاصروها بالتأويل عسى أن تحل التأويلات محل النصوص وتطمسها، أو على الأقل تشوش عليها فتضيع وسط ركام الباطل الذي غطوها به.

والهدف من ذلك ربط المسلمين بالخط السائد واغلاق الباب أمام أي تيار معارض يجاهر بالنص لمقاومة هذا الخط، ولم ينحصر الأمر بالنصوص بل امتد الى الواقع التاريخي ـ لفترة ما بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) أو حتى قبلها ـ المرتبط بالصحابة والحكام الذي فتح ثغرة كبيرة للطعن في اطروحة القوم والتشكيك فيها، فعمدوا الى منهج التبرير بخلق دوافع تبرر وقوع الحدث التاريخي على غير الوجهة التي يوحي واقعه وظاهره.

تأويل النصوص المحرجة للتبرير:

في مقدمة النصوص التي أحرجت القوم واضطروا الى تأويلها، تلك النصوص الواردة في الإمام عليّ(عليه السلام) وأهل البيت(عليهم السلام) التي هي صحيحة حتى حسب قواعدهم التي وضعوها لتصحيح الحديث، فهذه النصوص تضع الإمام عليّ(عليه السلام) في مكانة خاصة ترفعه فوق جميع الصحابة بل لا يمكن قياس أحد منهم به، كما تكشف أنّ لأهل البيت(عليهم السلام) دوراً خاصاً في واقع الأمة ذلك الدور الذي حالت السياسة دون بروزه.

وفي مقابلة مثل حديث المنزلة، وهو قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) لعليّ(عليه السلام): "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي" الذي يرويه مسلم تجده يعلق ويقول: "والمستدل بهذا الحديث على أنّ الخلافة له بعد رسول الله زائغ عن منهج الصواب فإن الخلافة من الأهل في حياته لا تقتضي الخلافة

من الامة بعد مماته"(1).

ويضيف ابن حجر: واستدل ـ أي بهذا الحديث ـ على استحقاق عليّ للخلافة دون غيره من الصحابة فان هارون كان خليفة موسى، واجيب بان هارون لم يكن خليفة موسى إلاّ في حياته لا بعد موته، لأنه مات قبل موسى باتفاق(2).

أما مثل حديث الغدير فالقوم في حيرة من أمرهم، فلضرب هذا النص تجدهم يأولون المعنى المقصود بأهل البيت، فمرة يعرفونهم في حدود عليّ وفاطمة والحسن والحسين كما أقرّ بذلك مسلم في آية المباهلة(3)، وتارة يعرفونهم بآل عليّ وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس(4)، وتارة اخرى يدخلون معهم نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وتارة يخرجونهم كما هو واضح من اجابتين متناقضتين لسؤال واحد في رواية واحدة(5)، والهدف من ذلك هو تمييع فكرة آل البيت وتشتيتها بين نساء النبيّ وبني هاشم، فتتشتت القدوة أمام المسلمين ويفتح الباب بالتالي أمام القدوة الفاسدة لتحل محلهم.

وفي مواجهة الأحاديث الواردة حول الأئمة الاثنا عشر اضطر القوم الى صرفها عن معناها وتحويلها نحو الحكام حتى لا يكون عليهم من قبل الخصوم.

وقد حدد فقائهم الأئمة الاثنا عشر الذين بشر بهم الرسول(صلى الله عليه وآله) وربط عزّة الإسلام بهم في دائرة الخلفاء وحكام بني امية، فأولهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم الإمام عليّ، ثم معاوية، ثم يزيد، ثم عبدالملك بن مروان وأولاده الأربعة الوليد وسليمان ويزيد وهشام، ثم عمرو بن عبدالعزيز وبعدهم


1) مسلم شرح النووي، كتاب فضائل الصحابة، باب من مناقب علي.

2) فتح الباري: 7 / 74.

3) مسلم شرح النووي.

4) مسلم شرح النووي.

5) مسلم شرح النووي.

أخذ الأمر في الانحلال(1).

وبتفحص سيرة هؤلاء دون سيرة الإمام بالطبع سوف يتبين لنا أنه لا تتوافر في أحدهم أدنى صفات الإمامة، وأنّ هؤلاء لا يخرجون عن كونهم مجرد حكام طبق عليهم الفقهاء النص تحت ضغط السياسة ولصرف المسلمين عن أئمة آل البيت الذين يقصدهم النص والذين تنطبق سيرتهم وصفاتهم على النص المذكور.

وفي مواجهة الواقع التاريخي لغضب فاطمة سلام الله عليها وهجرها لأبي بكر فلم تكلمه حتى ماتت، ينقل ابن حجر أقوال الفقهاء حولها هكذا:

فلم تكلمه: أي فلم تكلمه في ذلك المجال.

وأن فاطمة حملت كلام أبي بكر على أنه لم يسمع ذلك من رسول الله وإنما سمعه من غيره ولذلك غضبت...

ونقل عن بعضهم: إنما كانت هجرتها إنقباضاً عن لقائه والاجتماع به وليس ذلك من الهجران المحرم.. وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: لا نورث، ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع ان تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم في أمر محتمل التأويل، فلما صمم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك(2)...

والهدف من وراء جميع هذه التبريرات كما هو واضح هو تبرئة أبو بكر واضفاء المشروعية على موقفه المعاد لآل البيت والذي كانت اولى نتائجه هو حرمان فاطمة الزهراء سلام الله عليها من ميراث الرسول(صلى الله عليه وآله).. وفقهاء التبرير إنما


1) انظر مسلم، كتاب الامارة، وانظر البخاري، كتاب الاحكام، باب 51، وانظر مقدمة تاريخ الخلفاء للسيوطي، وانظر شرح العقيدة الطحاوية، وفتح الباري ج13 آخر كتاب الأحكام، وانظر شرح النووي لمسلم.

2) انظر فتح الباري: 6 / 202.

يهدفون من تبريراتهم هذه أيضاً اضفاء صفة العلم على أبي بكر تلك الصفة التي ينبني عليها تلقائياً جهل الطرف الآخر وعدم إلهامه بعلم الرسول وأحكام الدين وهو طرف فاطمة الزهراء والإمام علي(عليه السلام).

إن منهج التأويل والتبرير هو الأساس الذي بني عليه منهاج القوم وعقائدهم ولم يكن مجرد طرح عابر في مذهبهم وإنما كان سلاحهم الذي يشهرونه في وجه عامة المسلمين الذي ينتابهم الريب في رواياتهم ومواقفهم وأحداث التاريخ بوجه عام فضلا عن الخصوم من المذاهب الاخرى.

فكرة عدالة الصحابة:

عالج الاستاذ صالح الورداني هذه الفكرة بالطريقة التالية: حكم القوم بعدالة جميع الصحابة وحشدوا الكثير من النصوص القرآنية والنبوية وطبقوها عليهم دو تمييز معتبرين المساس بالصحابة مساساً بالدين وبغضهم أو نقدهم زندقة وردّة، وجعلوا هذه الفكرة في صلب العقيدة(1).

وعرّف القوم الصحابي: من لقى النبيّ(صلى الله عليه وآله) مؤمناً به ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت ومن روى عنه أو لم يرو ومن غزا معه أو لم يغز ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ومن لم يره لعارض كالعمى(2).

ومن الواضح أنّ هذا التعريف لمفهوم الصحبة من شأنه أن يدخل كل من هب ودب من الناس في زمرة الصحابة، وبالتالي ينال مرتبة العدالة الشريفة ويرتفع مقامه في نظر الأمة ويحوز على ثقتها فلا تجد حرجاً في التلقي منه..

وكانت نتيجة هذا الأمر هو ادخال عدد كبير من الرجال المشبوهين في دائرة الثقة والايمان وأمكن اختراع هذا الكم الهائل من الروايات المنسوبة


1) انظر العقيدة الواسطية لابن تيمية، وشرح العقيدة الطحاوية، ط القاهرة.

2) الاصابة في تمييز الصحابة المجلد الأول.

للرسول والتي اعتمد عليها الحكام في تزعمهم سلطانهم واعتمد عليها فقهاء القوم في دعم اطروحتهم وإلزام الامة بالسير على نهجهم.

وقد تحقق لهم أنّ نشأت أجيال التابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم على الاعتقاد بعدالة جميع الصحابة ومنهم معاوية الذي استسلمت الأمة لخطه وباركه فقهاء الخديعة واهمل تماماً خط الامام علي ودخل دائرة النسيان.

ولولا فكرة العدالة وتعريف الصحبة الذي ساد الامة ما كان قد اختفى منهج آل البيت منهج الامام علي وعزل عن الواقع، فلم يكن الهدف من فكرة العدالة هو الحفاظ على الدين وانما كان الهدف هو ضرب أصحاب العدالة الحقيقيين والتغطية عليهم.

ومن هنا تبرز لنا أهمية هذه الفكرة وخطورتها على الدين إذا نبني عليها دين آخر يقوم على اساس روايات رجال مشبوهين، وان التحرر من هذه الفكرة مقدمة ضرورية لمعرفة الدين الحق الذي يقوم على النصوص.

فكرة الاجماع:

وأما فكرة الاجماع فاورد فيها ما يلي: قال القوم بحجية الاجماع واستخدموه في المسائل التي تعوزهم فيها النصوص التي يمكن توجيهها مع أغراضهم، ومعناه عندهم هو قبول جميع الامة للرأي المجمع عليه وعدم وجود أطراف أو اتجاهات مخالفة له.

ومثل هذا الاجماع لم يتحقق في فترة من فترات التاريخ الاسلامي ان لم نقل باستحالته فهناك من الصحابة والتابعين من التزم بنهج الامام علي(عليه السلام) وشذ عن الخط السائد خط القوم وهناك الخوارج وهناك المعتزلة وهناك سائر الفرق الاخرى.

وكل فرقة من هذه الفرق كانت لها شعبيتها وسط المسلمين وهي تتبنى

اطروحة مخالفة لخط القوم... فأي اجماع ذاك الذي يتحدثون عنه؟

والاجابة هي إجماع أهل السنة أو الخط السائد من الحكام والفقهاء على عدّة قضايا ومفاهيم تحقق الاستمرارية والسيادة لاطروحة القوم.

هذا هو الاجماع، وهذه هي الحقيقة، إنه إجماع خاص بالقوم وليس بالأمة، وهو إجماع مصيري بالنسبة لهم إذ الخروج عليه معناه هدم عقائدهم ومفاهيمهم ولولا هذا الاجماع ما استطاع القوم إقناع المسلمين والأجيال اللاحقة بتبني خطهم واطروحتهم.

والهدف من فكرة الاجماع هو نفس الهدف من فكرة العدالة كلاهما يدفع الامة الى الاستسلام للخط السائد واضفاء المشروعية عليه، وكما ان فكرة العدالة من اختراع السياسة فان فكرة الاجماع من اختراع السياسة.

ولقد استخدمت فكرة الاجماع كسلاح يتم إشهاره في وجه المناوئين والرأي الآخر وعلى اساسه تم تصفية الاتجاهات المخالفة وعزلها، وما كان ذلك ليتم لولا دعم الحكام الذين وجدوا في هذه الفكرة عوناً ومستنداً لهم.

وقد اجمع القوم مثلا على خلافة الأربعة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.

وأجمعوا على صحة كتابي: البخاري ومسلم.

وأجمعوا على طاعة الحكام الظالمين.

ومسألة الاجماع على خلافة الأربعة بهذا الترتيب لا تخرج عن كونها لعبة سياسية الهدف من ورائها ضرب خط آل البيت والمحافظة على خط بني أمية.

فكون الإمام عليّ يكون في المؤخرة ويقدم عليه عثمان رأس بني أمية في الحكم، ومن قبل عثمان عمر، ومن قبل عمر أبو بكر، فان هذا يعني أن هؤلاء الثلاثة أفضل منه، وما داموا أفضل منه فهذا يعني أنه غير مميز وليس بصاحب مكانة خاصة، وإذا ما وصل المسلم الى هذا الاعتقاد فسوف يستخف بآل البيت

ولا يعبأ بهم.

ومن هنا يتبين أنّ محاولة هدم هذا الاعتقاد سوف يؤدي الى ضرب شرعية بني أمية، حيث أنّ ضرب أبي بكر يؤدي الى ضرب عمر، وضرب عمر يؤدي الى ضرب عثمان، وضرب عثمان يؤدي إلى ضرب معاوية، فكل منهم يستمد شرعيته من الآخر، فأبو بكر عين عمر، وعمر استعمل معاوية ومهّد لعثمان، وعثمان دعم معاوية وقوّاه.

إنّ رفع مكانة الثلاثة إنّما كانت على حساب الإمام عليّ، ومحاولة رفع الإمام عليّ سوف تكون على حساب الثلاثة.

ومن هنا كان الانفصال فالذين ساروا على نهج الثلاثة تحالفوا مع بني اُمية والذين ساروا على نهج الامام نبذوا بني امية.

وبالطبع لابدّ للقوم أن يضيفوا لمعتقداتهم الاعتقاد بصحة روايات البخاري ومسلم من دون كتب السنن والاجماع على ذلك حتى يتم تبرير هذا الموقف، فأي محاولة للمساس بالبخاري ومسلم سوف تهدم معتقدات القوم التي هي من الأساس مستمدة من هذين الكتابين.. ومن هنا يتبين لنا سر الحرب الضروس التي شنت على من يحاول التشكيك في البخاري أو مسلم في الماضي والتي لا تزال تشن حتى اليوم.

ومن أبرز عوامل الشك في فكرة الاجماع، إجماع القوم على طاعة الحكام على الرغم من مفاسدهم وانحرافاتهم وكفرهم في أحيان كثيرة، فهذا الاجماع تفوح منه رائحة السياسة بشكل فاضح وهو يدفع الى الاعتقاد بان جميع صور الاجماع الاخرى هي من صنع السياسة أيضاً.

{21} صباح علي البياتي(شافعي / العراق)

اشارة

الصورة

A15

ولد عام 1953م في العراق بمدينة الموصل، واصل دراسته الاكاديمية حتى تخرّج من كلية التربية قسم اللغة العربية جامعة صلاح الدين اربيل، كان شافعي المذهب، ثم اعتنق مذهب أهل البيت عام 1995 في العراق بمدينة الموصل.

البداية; الشك بما جمعته كتب التاريخ:

يقول الاستاذ صباح: "اكتشفت عبر البحث التاريخي أن التلاعب السياسي لعب دوراً هاماً في سيطرته على نظام التاريخ وتصرفه في السيرة، وهذا ما استدعاني الى اثارة الشكوك حول الكثير مما جمعته كتب التاريخ.

ولكنني قلت في نفسي: إنّ التاريخ الذي بين أيدينا وإن كان متضمناً للكثير من التزييف والتشوية ولكنه لا يخلو من حقائق يطمئن اليها الباحث.

فعزمت من هذا المنطلق على البحث والتتبع حتى تبينت لي الكثير من الحقائق التي حاول حكام الجور طمس معالمها.

ثم قرأت كتاب (نهج البلاغة) بتمعن وطالعت شرح ابن أبي الحديد، فلما بلغت الخطبة الشقشقية استعرضت في نفسي الأحداث التي وقعت في أوساط

الأمة الإسلامية بعد وفاة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، فتبين لي أهداف المؤامرة التي حيكت في السقيفة للاطاحة بأهل البيت وعزلهم عن الساحة الاسلامية. فتأثرت لذلك كثيراً واستغربت من الأمور التي قام بها بعض الصحابة".

نتيجة البحث الذي استمر لسنتين:

يضيف الاستاذ صباح: "استغرق بحثي في هذا المضمار مدة عامين وأقمت نوعاً من الموازنة بين آراء الشيعة وأبناء العامة في المسائل الدينية ولا سيما مسألة الإمامة والخلافة، حتى تبيّن لي أن التشيع هو المذهب الوحيد الذي يمكنني الاعتماد عليه. لأنّه مذهب لم تتدخل أيادي السلطة في التلاعب به، بل بقي نقيّا في صدور عترة الرسول الذين كانوا ينشرونه في أوساط الأمة الإسلامية.

فلهذا اتخذت قراري النهائي واخترت الانتماء الى هذا المذهب الذي يستمد علومه من ينبوع معارف أهل البيت رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فاعلنت تشيعي عام 1995 في الموصل، ثم حاولت تنظيم المعلومات التي حصلت عليها خلال البحث لانشرها بعد ذلك بشكل بعض المؤلفات لينتفع منها المتعطشون لاستماع كلمة الحق.

مؤلفاته:

1 ـ "لا تخونوا الله والرسول":

صدر سنة 1421 هـ عن مركز الأبحاث العقائدية، ضمن سلسلة الرحلة الى الثقلين.

وهو دراسة نقدية لأراء محمد بن عبد الوهاب في كتابه: "رسالة في الردّ على الرافضة".

جاء في مقدمة المؤلف للكتاب: "... ورسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

تتألف من اثنين وثلاثين مطلباً وخاتمة. ويغلب على بعض مطالبها التكرار الممل في بعض الموارد، لذ ارتأيت أن أجمع بعض المطالب أو بعض فقراتها في مطلب واحد متصدياً لأدلته، ناقضاً ما فيها من افتراءات ومزاعم بحول الله وقوته، وسوف يلاحظ القاريء الكريم مدى تهافت هذه الرسالة وضعف أدلة الشيخ لقصر باعه في العلم، ممّا يدفعه إلى تغطية عجزه بسيل من الشتائم التي يطلقها كما هي عادة الضعفاء".

وقد فهرس المؤلف مواضيع كتابة في ثلاثة عشر فصلاً وهي:

الخلافة، خلافة الخلفاء، الصحابة، أم المؤمنين عائشة، نقص القرآن، التقية، حرب أمير المؤمنين(عليه السلام)، عصمة الأئمة، أحكام المخالفين، الرجعة، الشهادة الثالثة في الأذان، نكاح المتعة، القضاء والقدر.

2 ـ الصحوة (رحلتي إلى الثقلين): ألّفه بطلب من مركز الأبحاث العقائدية.

وهي دراسة في التراث الإسلامي ونقد لبعض محطاته تتضمن مناقشة القاضي ابن العربي في كتابه (العواصم من القواصم) وعدد آخر من المؤلفين والعلماء القدماء والمعاصرين. وسيصدر الكتاب عن المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام).

3 ـ حقيقة التشيع:

من اصدارات المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام).

يتضمن الكتاب التعريف بالتشيع من حيث نشأته ومناقشة الآراء التي تبناها البعض بهدف التشنيع على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ورده إلى اصول يهودية أو فارسية.

كما يتضمن الكتاب مناقشة تهمة الغلو عند الشيعة وبيان موقف الشيعة وأئمتهم من الغلاة.

كما يتناول الكتاب مسيرة التشيع منذ البدء حتى تكامل المذهب.

4 ـ التبرك:

من اصدارات المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام).

يتناول موضوع التبرك عند المسلمين منذ عهد النبي(صلى الله عليه وآله) وعلى مر العصور مع مناقشة آراء بعض المخالفين بهذا الصدد.

5 ـ أهل الحديث:

تحت الطبع، وسيصدر عن المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام).

دراسة حول تكوين ونشأة فرقة أهل الحديث ومناقشة آرائها وأهم أقطابها والكتب التي ألفها بعضهم.

6 ـ عقائد السلفية: مخطوط.

وسيصدر عن المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام).

يتناول دراسة أهم عقائد السلفيّين وبداية نشأتهم وتكوين آرائهم وتطورها.

وقفة مع كتاب: "لا تخونوا الله والرسول"

الكتاب هو دراسة نقدية لآراء الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه "رسالة في الرد على الرافضة" التي يتهجم فيها بشدة على أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

وقد لفت مركز الأبحاث العقائدية نظر الاستاذ صباح على البياتي إلى هذه الرسالة ونبهه إلى أنها لا تزال متداولة ويعاد طبعها بين الحين والآخر، وأن هناك الكثير من المسلمين قد تتلبس عليهم بعض القضايا العقائدية نتيجة مطالعتهم لهذه الرسالة.

فتصدّى الأستاذ إلى الرد على ما جاء فيها من افتراءات وتهم ضد مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ليبين بذلك مدى تهافت هذه الرسالة.

وقد اختار الاستاذ من هذه الرسالة مقتطفات للرد عليها، وأوردها في ثلاثة عشر فصلاً، وذكر في مقام رده على ادعاءات الشيخ الكثير من الأدلة المؤيدة لمعتقدات الشيعي التي قد تهجم عليها الشيخ، وقد ارتأينا في هذه الوقفه مع كتاب الاستاذ أن ننتقى زبدة ما أورده من الأدلة حسب مجيئها في فصول الكتاب:

الفصل الأول: الخلافة

ادّعاء قعود الإمام علي(عليه السلام) عن حقه وعدم مطالبته ذلك:

إنّ الواقع يثبت بأن الإمام عليّ(عليه السلام) لم يقعد عن حقه في بداية الأمر، لأنّ في امتناعه عن مبايعة أبي بكر مدّة ستة أشهر دليلا على ذلك، وقد اتفق الشيخان على

اثبات ذلك فيما أخرجاه(1).

سبب مبايعة الإمام عليّ(عليه السلام) لأبي بكر في نهاية الأمر:

إنّ الإمام عليّ(عليه السلام) نظر إلى مصلحة الإسلام العليا، فقدمها على حقه خوفاً من ذهاب الإسلام كله بحدوث فتنه لا تبقي ولا تذر، ففضل التضحية بشطر الأمر بدلاً من التضحية بكله.

فقعد في البداية في بيته ولم يبايع احتفاظاً بحقه، لأنه لو اسرع إلى البيعة، ما تمت له حجة ولا سطع له برهان، لكنه جمع فيها فعل بين حفظ الدين والاحتفاظ بحقه من إمرة المؤمنين.

ويصف الإمام عليّ(عليه السلام) هذه الفترة قائلا: "فنظرت فاذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي فضننت بهم عن الموت واغضيت على القذى وشربت على الشجا وصبرت على أخذ الكظم وعلى أمّر من طعم العلقم"(2).

الفصل الثاني: خلافة الخلفاء

كيفية بيعة أبي بكر:

قال ابن أبي الحديد المعتزلي، وعمر هو الذي شد بيعة أبي بكر وقمع المخالفين فيها، فكسر سيف الزبير لما جرده ودفع في صدر المقداد ووطىء في السقيفة سعد بن عبادة وقال: اقتلوا سعداً قتل الله سعداً، وحطّم أنف الحباب بن المنذر...، وتوعد من لجا إلى دار فاطمة من الهاشميين واخرجهم منها، ولولاه لم يثبت لأبي بكر أمر ولا قامت له قائمة(3).


1) صحيح البخاري: 5 / 177 ـ 178، باب غزوة خيبر، صحيح مسلم: 3 / 1380 كتاب الجهاد والسير.

2) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 56، الخطبة: 26.

3) شرح نهج البلاغة: 1 / 174.

رواية عائشة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) حول الخلافة: "يأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر":

إذا كان يأبى الله والمؤمنون إلا أبابكر، فإن هذا الحديث يخرج من يأبى خلافة أبي بكر عن المؤمنين، فهذا يعني إخراج جملة من خيرة الصحابة من السابقين الأولين وخيار الأنصار من دائرة الايمان وفي طليعتهم أمير المؤمنين الإمام عليّ(عليه السلام)وجميع بني هاشم ايضاً، لأن الزهري أكد أن أحداً من بني هاشم لم يبايع أبابكر الاّ بعد ستة أشهر(1).

كما امتنع الزبير بن العوام عن مبايعة أبي بكر، وامتنع عمار بن ياسر وغيره من السابقين الأولين، واذا كان هؤلاء قد بايعوا فيما بعد، فان الصحابي المعروف سعد بن عبادة لم يبايع حتى توفى(2).

الفصل الثالث: الصحابة

الصحابة في السنة النبوية:

لقد أكد النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّ أصحابه سوف ينقلبون على أعقابهم ويحدثون في دين الله ما ليس منه، ولعل أشهر الاحاديث المؤشرة إلى هذه الحقيقة هو حديث الحوض المذكور في الصحيحين ـ واللفظ لمسلم ـ عن عقبة بن عامر، قال: صلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)على قتلى أحد، ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والاموات، فقال: "إني فرطكم على الحوض، وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة، إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا، كما هلك ممن كان قبلكم"(3).


1) تاريخ الطبري: 3 / 208، الكامل في التاريخ: 2 / 331.

2) منهاج السنة النبوية: 4 / 121.

3) صحيح مسلم: 4 / 1794، صحيح البخاري: 8 / 112.

وعن أنس عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال: "ليردن علي ناس من اصحابي الحوض حتى اذا عرفتهم اختلجوا دوني، فاقول: أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك"(1).

بغض بعض الصحابة لعليّ(عليه السلام):

قد أورد كبار المحدثين من أهل السنة روايات فيها اعترافات صريحة من بعض الصحابة ببغضهم عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) منها.

1 ـ عن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) قال: بينا رسول الله(صلى الله عليه وآله) آخذ بيدي ونحن نمشي في بعض سكك المدينة... فلما خلالي الطريق اعتنقني ثم أجهش باكياً، قلت: يا رسول الله، ما يبكيك؟ قال: "ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلاّ من بعدي" قال: قلت: يا رسول الله، في سلامة من ديني؟ قال: "في سلامة من دينك"(2).

2 ـ عن حيان الأسدي، سمعت عليّاً يقول: قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله): "إنّ الأمة ستغدر بك بعدي..."(3).

3 ـ عن ابن بريدة عن أبيه... قال (رسول الله): "ما بال أقوام ينتقصون عليّاً، من ينتقص عليّاً فقد انتقصني ومن فارق علياً فقد فارقني، إنّ عليّاً مني وأنا منه..."(4).

الشيعة والصحابة:

إنّ الشيعة لا تقول بعدالة جميع الصحابة، بل تجري عليهم قواعد الجرح والتعديل عليهم وتبحث أحوالاتهم ومن ثمّ تميّز الصحيح من السقيم منهم، كما أن


1) صحيح البخاري: 9 / 58 باب الفتن.

2) مجمع الزوائد: 9 / 118.

3) المستدرك: 3 / 142 وصححه ووافقه الذهبي.

4) المعجم الاوسط: 6 / 232.

هناك فرقاً بين القول بسب الصحابة وبين تفصيل أحوالهم وبيان اتجاهاتهم وولاءاتهم المختلفة، فالخلط بين المفهومين مغالطة كبيرة، وأما القول بارتداد بعض الصحابة، فليس هو كلاماً اخترعته الشيعة، بل هو مما أخبر به النبيّ(صلى الله عليه وآله) كما مرّ.

الفصل الرابع: أم المؤمنين عائشة

حول حديث الإفك:

إنّ إتهام الشيعة بنسبة الفاحشة إلى زوج النبيّ الكريم(صلى الله عليه وآله) هي محض افتراء لم يقل به أحد من الشيعة لا من السابقين ولا من اللاحقين، بل أنّ الشيعة أكثر تنزيها وتقديساً للنبيّ(صلى الله عليه وآله) ولكل الأنبياء(عليهم السلام) من جميع الطوائف المنضوية تحت اسم الإسلام، فعلماء الشيعة قد صنفوا كتباً لاثبات قدسية ساحة الأنبياء وبراءة عرضهم من كل ما يشين.

الفصل الخامس: نقص القرآن

موضوع تحريف القرآن:

إنّ إتهام المسلمين بعضهم لبعض القول بتحريف القرآن لا يخدم إلاّ أعداء الإسلام، وأن بحث بعض علماء أبناء العامة في بطون الكتب عن أية رواية ضعيفة أو موضوعة أو قابلة للتأويل في كتب الشيعة توحي بأنّ في القرآن تحريفاً أو زيادة أو نقصان ليس إلاّ سبيل لافراغ كل ما في الصدور من حقد وضغينة على مذهب أهل البيت واتباعهم.

لأن اذا كانت الحجة التي يتذرع بها أولئك المتعصبون هي وجود مثل هذه الروايات في بعض كتب الشيعة، فإن مثل هذه الروايات موجودة أيضاً في كتب أهل السنة، بل وفي أوثق كتبهم من قبيل صحيحي البخاري ومسلم، ومع ذلك فإنّ

الشيعة لا يتهمون أخوانهم من أهل السنة بالقول بتحريف القرآن لمجرد وجود هذه الروايات في كتبهم وصحاحهم، لأنّ ذلك لا يخدم سوى أعداء الدين.

الفصل السادس: التقية

أقوال جملة من علماء أهل السنة حول التقية:

احمد مصطفى المراغي: ".... من نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك وقلبه مطئمن بالايمان لا يكون كافراً بل يعذر، كما فعل عمار بن ياسر حين اكرهته قريش على الكفر، فوافقها مكرهاً وقلبه ملي بالايمان(1).

أبو حيان: "تصح التقية حالة الخوف على الجوارح والضرب بالسوط والوعيد وعداوة أهل الجاه والجورة"(2).

فخر الدين الرازي: "التقية جائزه لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله(صلى الله عليه وآله): "حرمة مال المسلم كحرمة دمه""(3).

الآلوسي: قال حول قوله تعالى: (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَـفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَ لِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِى شَىْء إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً)(4).

"وفي هذه الآية دليل على مشروعية التقية، وعرفوها لمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الاعداء"(5).

السرخسي: "والتقية أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره وإن كان يضمر


1) تفسير المراغي: 3 / 136 ـ 137.

2) البحر المحيط: 2 / 424.

3) التفسير الكبير: 8 / 14.

4) آل عمران: 28.

5) روح المعاني: 3 / 121.

خلافه، وقد كان بعض الناس يأبى ويقول إنه من النفاق، والصحيح أن ذلك جائز، لقوله تعالى: (إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً)(1)".

الفصل السابع: حرب أمير المؤمنين(عليه السلام)

إنّ الشيعة حين يكفّرون من حارب أمير المؤمنين(عليه السلام) فإنّما يقولون ذلك تصديقاً لله ورسوله، إذ حكم الله ورسوله بكفر من حارب عليّاً، ويشهد على ذلك مجموعة من الأحاديث الشريفة التي أخرجها الأئمة الحفاظ والمحدثون من أهل السنة.

فمن ذلك: قوله(صلى الله عليه وآله) لعليّ(عليه السلام): "من فارقني فقد فارق الله ومن فارقك فقد فارقني"(2).

وعن أبي هريرة قال: نظر النبيّ إلى عليّ والحسن والحسين وفاطمة فقال: "أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم"(3).

وقد خرجت عائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير ومن معهم على جماعة المسلمين وإمامهم الشرعي، فوقعوا تحت حكم المفارقين للجماعة المفرقين لشمل المسلمين، الذين وصفهم النبيّ(صلى الله عليه وآله) في عدد من الأحاديث الشريفة التي يرويها أهل السنة، منها:

عن اسامة بن شريك قال: قال رسول الله: "من فرّق بين أمتي وهم جميع فاضربوا رأسه كائناً من كان"(4).

فهؤلاء قد خرجوا على إمامهم بحجج واهية، وأما القول بأن بعض هؤلاء


1) المبسوط: 24 / 45.

2) المستدرك: 3 / 123، تاريخ دمشق: 42 / 307.

3) مسند أحمد: 2 / 442، المستدرك 3 / 149، المعجم الكبير: 3 / 30، مجمع الزوائد: 9 / 169.

4) سنن النسائي: 2 / 166، كتاب السنة لابن أبي عاصم: 512، وصححه الألباني.

مبشر بالجنة فذلك يناقض الأحاديث الصحيحة التي وردت في بيان مآلهم، إذ أن الأحاديث الواردة في فضل هؤلاء موضوعة، اختلقتها أجهزة معاوية الدعائية لتضليل المسلمين، وقد حققت في ذلك نجاحاً كبيراً.

الفصل الثامن: عصمة الأئمة

إنّ الناس من الرعية ليسوا بمعصومين، فيحتاجون إلى المعصوم لتسديدهم، فإذا لم يكن الإمام معصوماً، فسوف يحتاج إلى من يسدده، والآخر يحتاج إلى من يسدده، فيحدث التسلسل الذي لا نهاية له.

ولأن الإمام حافظ للشرع بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله) فلابد وأن يكون معصوماً، لأن الكتاب والسنة لم يحيطا بكل الدقائق والتفاصيل، والإمام المعصوم هو الذي يستطيع أن يتكفل تبين أمور الشريعة.

ولقد اثبت النبيّ(صلى الله عليه وآله) عصمة أهل البيت(عليهم السلام) عندما قرنهم بكتاب الله وجعلهم اعداله الذين لا يفترقون عنه حتى يردوا عليه الحوض جميعاً، كما هو واضح في حديث الثقلين.

الفصل التاسع: أحكام المخالفين

قد اختلفت أقول علماء الشيعة حول حكم مخالفي الإمام عليّ(عليه السلام) في الإمامة، والأقوى أنهم فسقة.

وإنّ ما جاء في روايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام) يثبت أن الشيعة لا يكفّرون أحداً من أهل القبلة، منها: عن الإمام الصادق(عليه السلام): "الاسلام يحقن به الدم وتؤدي به الامانة وتستحل به الفروج والثواب على الايمان"(1).

وأما في خصوص إدعاء محمد بن عبد الوهاب بأن الشيعة جعلوا مخالفة


1) اصول الكافي: 2 / 20.

أهل السنة أصلا للنجاة، يقول الاستاذ صباح علي البياتي:

إنّ ادعاء الشيخ بالمخالفة لا أساس له من الصحة، لكن الحقيقة المؤسفة هي أن أهل السنة هم الذين خالفوا سنة النبيّ(صلى الله عليه وآله) في أكثر من مورد منها:

قال ابن تيمية: ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعاراً لهم ـ يعني الشيعة ـ فانه وإن لم يكن الترك واجبا لذلك، لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم فلا يتميز السني من الرافضي، ومصلحة التميّز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب(1).

وقال الشعراني: والسنة في القبر التسطيح، وهو أولى على الراجح من مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: التسنيم أولى، لأن التسطيح صار شعاراً للشيعة(2).

فهذه الأمثلة تثبت أن أهل السنة هم الذين يخالفون الشيعة رغم أن الشيعة متمسكون بالسنة النبوية المطهرة.

الفصل العاشر: الرجعة

في القرآن الكريم أمثلة وشواهد على أن رجعة الأموات قد حدثت في الأمم السابقة لحكمة اقتضتها العناية الالهية، ومن تلك الشواهد القرآنية:

1 ـ قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَـهُمْ)(3).

2 ـ قوله تعالى حكاية عن عزير(عليه السلام): (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِاْئَةَ عَام ثُمَّ بَعَثَهُو)(4).


1) منهاج السنة النبوية: 2 / 147.

2) رحمة الأمة بهامش الميزان: 1 / 101 ـ 102.

3) البقرة: 243.

4) البقرة: 259.

وأما من أدلة القرآن عن امكانية الرجعة مرّة اخرى قبل قيام الساعة قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّة فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـَايَـتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبْتُم بِـَايَـتِى وَ لَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)(1).

وقوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنتُمْ أَمْوَ تاً فَأَحْيَـكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )(2)، قال ابن شهر آشوب: هذه الآية تدل على أن بين رجعة الآخرة والموت حياة أخرى(3).

الفصل الحادي عشر:

الشهادة الثالثة في الأذان:

إنّ الشيعة تعتبر الفاظ الأذان مسألة توقيفية من الله سبحانه وتعالى: أما أهل السنة، فيدعون أن الأذان ليس توقيفيا، وأن النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد أراد أن يتخذ البوق أو النار أو الناقوس، ثم أخبره أحد الصحابة برؤياه في الأذان فأقره النبيّ(صلى الله عليه وآله).

وتبعاً لذلك فقد خضع الأذان عند أهل السنة للاجتهاد والرأى، فزادوا فيه التثويب وهو قول المؤذن: "الصلاة خير من النوم" في أذان صلاة الفجر، وأسقطوا منه "حي على خير العمل".

وأما النداء الثالث عند الشيعة ليس من أجزاء الأذان، بل أن اعتباره جزءاً من الأذان يبطله عندهم. وإنما يأتون به من باب الاستحباب.

الجمع بين الصلاتين:

هنالك جملة من الروايات التي وردت في كتب أهل السنة وصحاحهم فيها تصريح على جواز الجميع بين الصلاتين، منها:


1) النمل: 83 ـ 84.

2) البقرة: 28.

3) متشابه القرآن: 2 / 97.

عن ابن عباس قال صلى رسول الله الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً، في غير خوف ولا سفر(1).

مسح الرجلين في الوضوء:

هذه المسألة هي واحدة من المسائل الفقهية، وهي مسألة خلافية في الفروع ولا ينبغي التشنيع فيها، لأنّها مسألة اجتهادية، والاجتهاد في الفروع والخلاف بين أئمة أهل السنة أنفسهم معروف.

وعندما نستعرض الروايات التي تقول بغسل القدمين، نلاحظ انّها في معظمها تنتهي أسانيدها إلى بعض الصحابة والتابعين المعروفين بولائهم لبني أمية، مما يؤكد أن بدعة غسل الرجلين هي من اختراع بني أمية وولاتهم الذين كانوا يشجعونها ويحملون الناس عليها في محاولة لمحق السنة النبوية الشريفة وتغيير أحكام القرآن.

الفصل الثاني عشر: نكاح المتعة

إن موضوع نكاح المتعة قد أصبح هو الآخر من الأمور التي يشنع بها على الشيعة دائماً، رغم أن هذا الموضوع من الأمور الخلافية الفقهية بين الطائفتين، لكن من المؤسف حقاً أن يستغل خصوم الشيعة هذه المسألة لتشويه صورة الشيعة أمام المسلمين متهمين إياهم باباحة الزنا بالقول بحلية المتعة.

ولو أنصف هؤلاء الخصوم ونظروا إلى المسألة بموضوعية وتجرد بعيداً عن النظرة المتعصبة الضيقة، لأدركوا أن الشيعة يستندون إلى أدلة قاطعة في قولهم بحليّة المتعة، وأنّهم لا يخالفون الكتاب ولا السنة النبوية الشريفة مطلقاً.


1) صحيح مسلم: 1 / 489 ـ 490.

الفصل الثالث عشر: القضاء والقدر

إنّ موضوع القدر من المواضيع الشائكة التي اختلفت فيها أقوال الفلاسفة والمتكلمين، ولقد انقسمت آراء المسلمين في القدر إلى ثلاثة مذاهب: الجبر المطلق، والتفويض المطلق، والأمر بين الامرين، ولو أننا بحثنا هذا الموضوع باسلوب علمي محايد لاكتشفنا أن السياسة قد لعبت دوراً مهماً في نشوء الاتجاهين الأولين: الجبر والتفويض، فاخترعوا نظرية الجبر ليرفعوا الأوزار عن كاهل أولئك الصحابة والتابعين الذين صدرت منهم تصرفات منافية للشرع، وليعطوا الفئة الباغية غطاءاً شرعياً يبرر كل تصرفاتها اللاحقة.

وأمام هذه الموجه كان لابد وأن يظهر اتجاه معاكس كرد فعل لهذه النظرية، تزعمها بعض التابعين فظهرت نظرية التفويض.

وكان مذهب أهل البيت(عليهم السلام) هو مذهب وسط يقول بلا جبر ولا تفويض بل هو أمر بين أمرين حيث لا افراط ولا تفريط.

{22} صبري أحمد علي موسى(سني / مصر)

اشارة

الصورة

A16

ولد عام 1944م في المنصورة بجمهورية مصر العربية، نال شهادة ليسانس الحقوق في جامعة القاهرة عام 1969م، ثم أصبح عضواً في رابطة الجامعات الاسلامية، درس الدراسات العليا في النظم السياسية والاقتصادية والقانونية لمدة عامين بمعهد البحوث والدراسات الاسيوية، جامعة الزقازيق، وعيّن عام 1995م محامياً بالاستئناف العالي ومجلس الدولة.

اهتمامه بالبحث:

كان دأب المحامي صبري الاهتمام بالبحث حول الأديان والمذاهب، فلهذا كرّس لفترة طويلة جهده في البحث حول العقائدة الإلهية في الديانات السماوية والمذاهب الكبرى الاسلامية، وحاول المحامي صبري خلال بحثه عن الحقيقة أن تنبض في شرايينه دماء التجرّد والنزاهة، وأن لا تكون مطالعاته مجرّد ترف فكري أو عمل لا جدوى منه، فلهذا حاول أن يوصله البحث إلى قناعات يشيد عليها مرتكزاته الفكرية ويبني عليها دعائمه العقائدية، فتحرّر من كل فكرة سابقة قبل الشروع بالبحث والتقصي عن أية حقيقة، وحكّم عقله حين المقارنة بين الرؤى التي يواجهها خلال البحث.

البحث في الامامة:

واصل المحامي صبري بحثه في الأمور العقائدية حتى بلغ مبحث الامامة، فسلّط الأضواء على مسألة الخلافة الاسلامية في الشريعة والفقه والقانون، وتأمل في الأقوال التي ذهبت إليها شتى المذاهب الاسلامية في هذا الجال، وطالع أدلة الذين يقولون أنّ الإمامة تكون بالاختيار، وتأمل في أدلة الذين يقولون أنّها بالنص والتعيين، ثم صفّح النظريات الكلامية لدى المذاهب عموماً، وراجع المراجع الاساسية والمصادر المعتمد عليها، ثمّ درس بعمق فقه الخلافة الاسلامية والنظريات الفلسفية في شأن الإمامة بين المذاهب الكبرى الدينية، ثم عرض جميع الآراء التي حصل عليها على كتاب الله عزوجل وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله)، فرأى أن النتائج تفرض عليه التخلي عن معتقداته السابقة، لأنه وجد نفسه امام براهين تخالف ما كان عليه.

نتائج غير متوقعة:

أعادَ المحامي صبري النظر فيما قام به من دراسة حول مسألة الإمامة، ليصل إلى مرحلة الاطمئنان من صحة ما توصل إليه فيما سبق، وتأمل مرة اخرى في التاريخ الاسلامي، ولا سيما بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله)، وتثبّت من صحة الأحاديث المروية عن رسول الله في شأن الإمام علي(عليه السلام) وأهل البيت(عليهم السلام)، فوجد مرة أُخرى أنّ ما توصل إليه يخالف ما عليه جمهور أهل السنة، ووجد أن ما ذهب إليه الشيعة في الامامة مستوحاة من الكتاب والسنة.

ثم درس المحامي صبري هذه المسألة من الناحية العقلية، فتوصّل إلى أن وجود الامام المنصوص عليه بعد النبي الأعظم والمسدّد من قبل الله سبحانه وتعالى، مسألة لابد منها من أجل حماية الشريعة من التحريف واتمام الحجة وصيانة المجتمع من التيه والضياع.

ثم راجع المحامي صبري الأحاديث النبوية مرة اخرى، فوجد حديث الغدير والثقلين والمنزلة ويوم الدار والسفينة كلها تمنح آل البيت النبوي منزلة عليا ومقام رفيع، بحيث لا يستطيع أي مسلم ملتزم أن يتخلّى عنهم بعد الرسول(صلى الله عليه وآله).

اتخاذ القرار النهائي:

التفت المحامي صبري بعد فترة طويلة من انشغاله بالبحوث العقائدية والفكرية أن الأدلة والبراهين تملي وتضغط عليه من جميع الأطراف أن يتخلّى عن معتقداته السابقة التي استقاها من أهل السنة، فاندفع للالتحاق بركب مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

وبما أن المحامي صبري كان ذو نفس موضوعية، فلم يجد بُداً سوى اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ففعل ذلك ثم بدأ حياته من جديد وفق تعاليم عترة الرسول(صلى الله عليه وآله) وشرع ينهل من ينبوع علومهم ومعارفهم العذبة.

وفاته:

استمر المحامي صبري على ولائه لأهل البيت(عليهم السلام) واجتهد بعد الاستبصار أن تكون له مشاركة فاعلة في نشر مفاهيم وقيم ومبادىء أهل البيت(عليهم السلام)، كما أنه كان يدافع عن مصالح وحقوق المستضعفين) وبقي المحامي صبري على حماسه ومثابرته في نشر مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حتى اعتراه مرض شديد سلب منه القدرة على العمل، ولم تمض مدة حتى انتقل إلى رحمة الله في شهر صفر عام 1422هـ عن عمر يناهز 56 عاماً، فتغمده الله برحمته واسكنه فسيح جناته.

مؤلفاته:

{1} "علامات القيامة ونهاية العالم في الديانات السماوية والمذاهب الاسلامية":

وهو يتكون من جزءين:

الأول: العلامات الصغرى لنهاية العالم.

الثاني: العلامات الكبرى لنهاية العالم.

{2} "ترقبوا ظهور منقذ البشرية الامام المهدي(عليه السلام) قريباً جداً!!":

بحث ديني علمي مقارن بين اليهودية والمسيحية والعقيدة الاسلامية والمذاهب الكبرى الدينية (لا سيما أهل السنة والشيعة الامامية)، والواقع العالمي المعاصر.

{3} "احذروا خروج المسيح الدجال الزعيم المنتظر للصهيونية العالمية في القريب العاجل!!":

وهو بحث ديني ودراسة علمية مقارنة بين اليهودية والمسيحية والإسلام والمذاهب الدينية على ضوء الوقائع والأدلة العصرية والارهاصات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والكونية.

{4} "ترقبوا نزول السيد المسيح(عليه السلام) في عصر الإمام المهدي(عليه السلام) واقامة الدولة الاسلامية العالمية":

وهو أيضاً دراسة دينية علمية تحليلة مقارنة.

{5} "موسوعة العقائد الإلهية بين الأديان السماوية والمذاهب الاسلامية الكبرى": مخطوط.

تحتوي هذه الموسوعة على عدة كتب وهي:

الكتاب الأول: عن عقيدة التوحيد والايمان بالله.

الكتاب الثاني: عن عقيدة الايمان بالملائكة وعالم الجن والشياطين.

الكتاب الثالث: عن عقيدة الايمان بالكتب السماوية.

الكتاب الرابع: عن عقيدة الايمان بالنبوة والأنبياء.

الكتاب الخامس: عن عقيدة الايمان بالمعاد واليوم الآخر.

الكتاب السادس: عن عقيدة الايمان بالقضاء والقدر والعدل.

الكتاب السابع: عن عقيدة الايمان بوجوب الامامة والخلافة وولاية أئمة أهل البيت(عليهم السلام).

وهذه الكتب بدورها مقسّمة لأجزاء عديدة (تربو على تسعة عشر جزءاً).

وقفة تعريفية لـ : ((موسوعة العقائد الإلهية بين الأديان السماوية والمذاهب الإسلامية الكبرى))

تتضمن هذه الموسوعة الحديث باسهاب واستفاضة عن دراسة مقارنة في الديانات السماوية والمذاهب الكبرى الاسلامية في مجال العقائد الالهية السماوية.

وتنقسم هذه البحوث المقارنة إلى سبعة كتب، ويتضمّن كل كتاب عدة أبواب ومباحث.

ويرتبط الكتاب الأول بعقيدة التوحيد والايمان بالله عزوجل، ويتطرّق فيه المؤلف إلى عدة أبواب منها عقيدة الايمان بالله، وحاجة البشرية إلى العقيدة السماوية وضرورتها الحتمية، وأهمية علم العقائد الاسلامية، وضرورات الايمان وصلته بالعلم والفكر الانساني المعاصر، وعلم الكلام ومناهج الدراسة العقائدية لدى أهل السنة والمعتزلة والشيعة الامامية.

ويتطرّق المؤلف في هذا الكتاب أيضاً إلى حقيقة الايمان والاسلام ومزايا العقيدة الاسلامية وآثارها الايجابية في حياة الافراد والمجتمعات الانسانية، وعقيدة التوحيد الايمانية بين الحقائق الثابتة والتاريخية، وتصورات الأمم الضالة الوهمية والطبيعة الانسانية.

ويشير المؤلف في نهاية هذا الكتاب إلى مفاهيم الايمان ودعائم العقيدة الدينية في المذاهب الكبرى الإسلامية، وحقيقة الايمان ودعائمه الاساسية لدى أهل السنة والشيعة الامامية.

ويرتبط الكتاب الثاني بالملائكة البررة الكرام وعالم الجن والشياطين، ويتضمن هذا الكتاب عدة أبواب منها: الايمان بالملائكة الكرام(عليهم السلام) من أركان عقيدة المسلم ودلائل وجودهم في عالم الموجودات الغيبية.

وأيضاً حول العلاقة الوثيقة بين الملائكة والانسان والمفاضلة بينهم وبين البشر وما جاء في ذلك من أقوال وتحقيق بيان.

ويتعرّض المؤلف خلال ابحاثه إلى التعريف باحوال الملائكة الكرام وتنوع وظائفهم وخصائصهم كما جاء في الكتاب وبيان خير الانام، ثم يتطرق إلى عالم الجن والشياطين ويتحدّث حول عالم الجن والشياطين في الكتب السماوية وفي ضوء القرآن والسنة النبوية، واسباب العداء بين الانسان والشيطان، واسلحة المؤمن في حربه مع الشيطان، والأمراض النفسية كمدخل لاغوائه للبشر.

ثم يتطرّق المؤلف إلى التنظيم الاداري للدولة الابليسية وجذور الشر والفتنة في عالم الجن والشياطين. وفي نهاية هذا الكتاب يبيّن المؤلف أقوال أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وتفسيرات علماء الشيعة الامامية حول عالم الجن والشياطين.

ويرتبط الكتاب الثالث بالكتب السماوية والالهية، ويحتوي هذا الكتاب عقيدة المؤمن وأدلة ايمانه بالكتب السماوية والكتب الإلهية المعروفة والمجهولة، ويتضمن أيضاً محاضرات في النصرانية والأدوار التي مرّت عليها عقائد النصارى وعن كتبهم ومجامعهم المقدّسة والمسيحية كما جاء بها المسيح(عليه السلام)، والفرق المسيحية التي ظهرت في عصر التوحيد وضياع معالم التوحيد الاساسية.

الدين عند موسى وعيسى ومحمد(صلى الله عليه وآله)، والغفران بين الاسلام والمسيحية، ثم يبيّن المؤلف الاسلام والديانات السماوية وضوابط التقريب ومحاذيره بين اتباع العقائد الايمانية، ثم يشير إلى عالمية الدعوة الاسلامية والرسالة المحمدية إلى شعوب الأرض قاطبة، ثم يشير إلى مدارس التفسير القرآني والاتجاه

التكاملي والموضوعي على ضوء القواعد والمناهج العلمية والكلية المستوحاة من القرآن، والأحاديث الصحيحة النبوية من طريق الصحابة الأبرار وأئمة أهل البيت الأطهار. ثم يجيب المؤلف على هذا التساؤل: كيف نفهم القرآن ونفسّره على ضوء الآيات القرآنية ذاتها والسنة الصحيحة، أو كيف نفهم القرآن ونفسّره من خلال التفسير القرآني والبيان النبوي؟

وفي نهاية هذا الكتاب يقدّم المؤلف بحثاً حول بيان معالم الاعجاز الالهي في القرآن الكريم لدى المذاهب الكبرى الاسلامية، ثم يلحقه ببحث حول المرجعية العليا الاسلامية للقرآن الكريم والسنة النبوية، ويرتبط الكتاب الرابع بالنبوة والأنبياء(عليهم السلام)، ويحتوي هذا الكتاب على عدّة أبواب، منها: النبوة والأنبياء في ضوء الكتاب والسنة وحاجة البشرية للأنبياء، وعصمة الأنبياء والرسل بين أهل السنة والشيعة الامامية، والفلسفة والنبوة ومعجزات وصفات الأنبياء بين أهل السنة والشيعة، ومعجزات الأنبياء وخوارقهم لدى الشيعة، ومن انباء المرسلين والدعاة إلى الله رب العالمين.

ثم يطرح المؤلف بحثاً حول المسيح في مصادر العقائد النصرانية والاسلامية، وإثبات بشريته من خلال نصوص التوراة وفي أناجيل العهد الجديد، وبطلان عقيدة النصارى في حقيقة السيد المسيح والخلاص العظيم بالأدلة القطيعة من خلال نصوص الأناجيل الأربعة، والمسيح بين نصوص الانجيل والقرآن والسنة النبوية من طريق أهل السنة والشيعة الامامية.

ويرتبط الكتاب الخامس حول المعاد واليوم الآخر، ويحتوي هذا الكتاب على عدّة أبواب منها: بديع صنع الله في جسم الإنسان، وأسرار الروح والجسد والموت والحياة، ومشاهد الناس المختلفة، وأهل التحقيق من الأنبياء والأئمة والعلماء ووصاياهم عند الممات، وأسرار الموت وشدائده ومقدماته الضرورية

بين الحقائق العلمية والطبية والحقائق الدينية في العقيدة الاسلامية، وحقيقة الموت بين العقائد اليهودية والمسيحية والاسلامية وبين المفاهيم المادية والعلمية والدينية. ثم يعرض المؤلف في نهاية هذا الكتاب باباً حول القيامة الصغرى، وبداية الحياة البرزخية، وحضور ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب.

ويرتبط الكتاب السادس بالقضاء والقدر والعدل الالهي، ويحتوي هذا الكتاب على عدّة أبواب، منها أنّ الايمان بالقضاء والقدر من أصول العقائد الاسلامية اليقينية، وأنه عقيدة ايمانية تربوية خالصة.

ثم يطرح المؤلف بحثاً حول حيثيات الدفاع عن قضية العدل الالهية، وحرية الارادة والاختيار الانسانية، ومشكلة الجبروحرية الاختيار بين الشرائع السماوية والمذاهب الاسلامية، وفي نهاية هذا الكتاب يطرح المؤلف قضية الجبر والعدل والالهي والحرية الانسانية في الفكر الاسلامي المعاصر بين علماء أهل السنة والصوفية والشيعة الامامية.

ويرتبط الكتاب السابع بوجوب الامامة والخلافة الاسلامية، ويتضمن هذا الكتاب عدّة أبواب منها: قضية الامامة والخلافة وتطوراتها التاريخية، ومدى وجوبها شرعاً في المذاهب الاسلامية الكبرى، ثم يعقبه بمبحث نظام الخلافة واسس اختيار الامام أو الخليفة لدى المذاهب الاسلامية الاعتقادية، ومبحث فقه الخلافة الاسلامية، والنظريات الفلسفية في شأن الامامة بين المذاهب الكبرى الدينية والاعتقادية، ومبحث الحكومة الاسلامية وصلاحيات ولاية الخليفة، والمبادىء الاساسية لنظام الحكم في الدولة الاسلامية من المنظور العقائدي والفقه السياسي والدستوري الاسلامي، ثم يتطرّق حول قضية الامامة والخلافة الاسلامية لدى الاسماعيلية والشيعة الامامية، ثم يبحث المؤلف حول وحدة الأمة الاسلامية ويبين جملة من المفاهيم الدينية المشتركة بين أهل السنة والشيعة

الامامية، ثم يبحث أزمة الفكر السياسي الاسلامي في العصر الحديث ومفهوم وحدة الامة الاسلامية وآفاق المستقبل المنشود للأمة، وفي نهاية هذا الكتاب يقوم المؤلف بدراسة موجزة عن الأئمة الاثني عشر من آل البيت النبوي، وذلك عن شخصيتهم وحياتهم ومعالم عقيدتهم وعرفانهم، ثم يسلّط المؤلف الأضواء على الامام المهدي المصلح العالمي المنتظر ومنقذ البشرية في نهاية مراحلها الزمنية.

{23} طارق زين العابدين(مالكي / السودان)

اشارة

من مواليد السودان، نشأ في أسرة تعتنق المذهب السني، كان منذ صغره مهتماً بصياغة أفكاره ورؤاه وفق الأسس والمبادىء السليمة واليقينية، فدفعه هذا الأمر إلى البحث والتحقيق في المذاهب الإسلامية حتى لاح بصره نور معارف أهل البيت(عليهم السلام) فاشتاق لنيل المزيد من هذه المعارف، فلم يجد أرضية مناسبة لتلقي هذه العلوم سوى دولة ايران، فسافر إليها والتحق فيها بكلية الإلهيات والمعارف الإسلامية في مدينة مشهد.

ومن هنا تجلّت الحقائق التاريخية له، وتوصّل إلى قناعات جديدة ترتبط بالاعتقاد والمصير الأبدي، فلهذا لم يجد مجالا للمساومة أو المماطلة، فاعتنق مذهب التشيّع بعد الاعتماد على الأدلة والحجج والبراهين المقنعة.

دوافع توجهه للبحث:

أدرك الأخ طارق بعد وصوله إلى مرتبة النضج الفكري بأنّ الدين الإسلامي هو نظام الحياة الذي به يحدّد الإنسان المؤمن المسار الذي ينبغي أن يسير على ضوءه في هذه الدنيا، فلهذا لابد أن يقوم هذا الاعتقاد على أساس يبعث اليقين والطمأنينة، ولا يصح أن تنال المصائر بالظنون والتوهمات، أو تنال بالتقليد

الأعمى الذي لا يعرف صاحبه الدليل والحجة غير ما كان عليه الآباء الأولون، فإذا سئل: لماذا أنت مسلم؟ فإنه لا يجيب إلاّ بالصمت والحيرة، وإذا قيل له: لماذا أنت شيعي أو سني، لم يجد اجابة مقنعة يقدّمها للسائل. كل ذلك لأنّه لم يفكّر في اعتقاده ومصيره من قبل بحريّة، بل قام كما عنده من اعتقاد على التقليد الأبوي والاجتماعي فصار هذا مسلماً شيعياً وصار غيره مسلماً سنّياً.

يقول الأخ طارق في هذا المجال: "لابد من التحقيق من سلامة العقيدة بالفحص واعادة النظر وتقليب البصر وإعمال الفكر والتدبّر في أحوالها، لأنّ العقيدة لا تورث حتى ندعها للفطرة وحدها، والاتّكاء على اعتقاد الاسلاف والآباء والاجداد ممنوع، وقد قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ أَوَ لَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْـاً وَلاَ يَهْتَدُونَ )(1)".

ويضيف الأخ طارق: "إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) قد صرَّح محذِّراً أُمَّته إذ يقول(صلى الله عليه وآله): "افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أُمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة" إذن فالاختلاف الذي وقع بين المسلمين إلى اليوم يؤيّد ما ذهبنا إليه في وجوب التحقيق والبحث في ما بلَغنا من اعتقاد، وإلاّ فكيف نطمئنّ على حصول السلامة وبلوغ النجاة؟ وكيف نثبت ذلك ونقيم عليه الدليل والحجّة؟ هذا أمر لا أظنُّ سيستَهْوِنه مسلم ارتبط مصيره بيوم فيه حسابٌ ثمَّ ثواب أو عقاب، ولا أظنُّ إنساناً صدَّق باليوم الآخر ولا يرجو فيه النجاة والسلامة، فالتحقيق والبحث هو السبيل إلى بلوغ هذه الغاية والحصول على النجاة المطلوبة.

وما يجدر الإشارة إليه أنَّ الذين يُفجَعون بالمصير السيّء والنهاية المشؤومة


1) المائدة: 104.

في تلك الحياة الأُخرى هم الذين سكنت نفوسهم للموروث من العقائد; ظنّاً منهم أنَّه الحقّ، وتلذّذت أنفسهم بنشوة الغفلة وهدأة النفس لها، ولِما أصابوه من هذه الحياة.

وهؤلاء إمَّا أنّهم قد أطلقوا للنفس زمامها وحبلها على غاربها بالتهاون والتساهل في أمر الدين ونسيان الحياة الآخرة وعدم مراعاة أمرها بتصحيح اعتقاد أو أداء تكليف، أو أنّهم ركنوا إلى الأوهام في اعتقادهم وغاصوا في بحار التوهّم بحثاً عن اللؤلؤ، دون أن يتفطّنوا إلى أنَّ اعتقاداً كهذا لا وجود له حتّى يأتي باللؤلؤ النفيس، فليس الوهم إلاّ عدم محضّ لا يوجد إلاّ في الخيال.

أو أنّ هؤلاء قد استلْقَوا في أحضان الظنِّ في أمر العقيدة. وذاقوا بهذا يسيراً من مذاق الحقيقة بعد اختلاطها بقدر جمٍّ من الباطل، وهم في غمرة هذا المذاق الحلو الذي يتلمّظونه بين كَمٍّ من المرارة ركنوا لمذاق الباطل الذي خلطوه به ظنّاً منهم أنَّ للحقِّ مذاقاً كهذا إذ أنَّهم خلطوا عملا صالحاً بآخَر سيّئاً (إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْـاً )(1).

والذين يمحِّصون اعتقادهم الديني ليبلغ حدّ اليقين أو قدراً من اليقين تَضعُف نسبة الشكّ والظنّ فيه بصورة تجعل مقدار الشكّ لا يؤدّي وجوده إلى زوال الطمأنينة في الاعتقاد، فهؤلاء أقرب من غيرهم إلى النهج الذي رسمه النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) لكي يسير عليه الناس، بل هؤلاء لا يعجزون عن التماس الأدلّة والحجج القويّة على اعتقادهم هذا من حيث موافقته لآيات القرآن وأحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله)ومسلّمات العقل وفطريّاته، فهم في حقيقة الأمر يأنسون، في اعتقادهم الممحّص هذا، إلى التفسير السليم لنقاط الخلاف بينهم وبين الفرق الأُخرى، تفسيراً يخلو من التكلّف الذي لا يُرتضى أبداً في مثل هذه المواقف، بل يقفون


1) النجم: 28.

على اعتاب التفسير الحكيم لهذه النقاط الخلافيّة دون أن تتلجلج النفوس الحرَّة في قبوله ودون أن يخالفه القرآن أو الحديث أو مقتضيات العقل المتوازنة، فهكذا يجب أن يكون الاعتقاد في المسائل الدينيّة الأصليّة، ولا يتأتى ذلك إلاّ ببذل الهِمَم في البحث والتحقيق والتنائي عن العصبية والجاهليّة والتقليد الأعمى".

متطلبات التحقيق في أمر العقيدة:

يقول الأخ طارق حول شروط البحث في الأمور العقائدية:

"إنّ مَن حَزَم الأمر على التحقيق والبحث في اعتقاده فهو لا يستطيع إحراز شيء من تحقيقه إن كان مفعماً بالتعصّب والتقليد اللذين لا يتيحان الفرصة للتحقيق الحرِّ، فلابدَّ له لكي يكون حرّ الحركة والتفكير أن يفرّغ نفسه من كلّ ما يمكن أن يتسبّب في إفساد التحقيق عليه والحيلولة بينه وبين ما يصبو إليه من بحثه، وأن يهيّىء نفسه جيّداً لتقبّل الحقيقة التي يصل إليها، بعد إنجاز التحقيق والاطمئنان إلى سلامته من حيث المنهج السليم والأدلّة المقنعة بلا شكّ; لأنَّ الخوف من خوض التحقيق أو الخوف من تقبّل النتيجة عدوّ المحقّق النزيه، فالنتيجة تحتّم عليه رحابة الصدر لتقبّلها باعتبار أنَّها الحقّ، بل تحتّم عليه الدفاع عنها وعرضها على الآخرين. ومن لا يهدف إلى هذا من تحقيقه وبحثه فعليه ألاّ يشرع في شيء من التحقيق لأنَّه يكون عندئذ مضيعة لوقته، بل يكون عبثاً ولعباً، ولماذا يتحمّل المشاقّ ويقطع الحجّة على نفسه ثمَّ لا يقبل نتيجة بحثه وتحقيقه ولا يدافع عنها؟!".

الأسباب الموجبة للتحقيق في أمر العقيدة:

يقول الأخ طارق حول الأسباب التي دفعته للبحث والتحقيق في أمر العقيدة:

"لا شكّ أنَّ ما ندين به من عقائد يحتوي على قدر جيِّد من الحقيقة، بل

بالنظر إلى وجود القرآن بيننا يجعلنا نتسطيع أن نجزم بأنَّ ما بين أيدينا هو كلّ الحقيقة، ولكنَّ وجود الحقيقة بيننا شيء والعمل على أساس هذه الحقيقة شيء آخر; فالنبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يأمر باتّباع القرآن أو العمل به فحسب بل قَرَن به ما قرن، وهذا المقرون بالقرآن ليس فيه حقيقة تنفصل عن القرآن وتخالفه، بل يُبيِّن ما اشتمل عليه القرآن من الحقّ. إذن فالمقرون بالقرآن هذا لا نستطيع أن نقف من دونه على ما جاء به القرآن من الحقّ.

وهذا هو السبب الذي لا نستطيع معه أن نقطع بأنَّ ما ندين به يشتمل بلا ريب على اليقين دون الظنّ، وكثير من الأسباب أدّت إلى عدم القطع هذا فكان دافعاً للتحقيق والبحث، ومن هذه الأسباب:

أوّلا: الفتن والاختلافات الحادّة

إن الفتن والاختلافات التي عصفت بالمجتمعات والأفراد المسلمين، منذ نعومة أظافر الإسلام. وقد بدأت هذه الاختلافات والنبيُّ(صلى الله عليه وآله) لمّا يرتحل من بين الناس آنذاك، فلقد اختلفوا في أهمّ مسألة ترتبط بمصير المسلمين وهم جلوس في حضور نبيّهم(صلى الله عليه وآله)، وهو الاختلاف الذي عُرِف فيما بعد بـ "رزية يوم الخميس". ولا تخلو من حكايته كتب السِّير والأحاديث. ولا شكّ أنَّ هذا الاختلاف قد ألقى بظلاله على زماننا، وأُحيطت الحقيقة على أثره بقدر من الإبهام أدّى إلى صعوبة التعرّف عليها بعينها، ولا سيّما بعد افتراض عدالة كافة الصحابة الذين كانوا أوّل من أختلف في أُمور الدين، فقد أسدلت هذه العدالة الشاملة ستاراً معتماً على كثير من الأُمور، ومنعت التطرّق إلى البحث والتحقيق فيما وقع بين الصحابة من اختلاف بهدف إدراك الحقيقة، فتهيّب الناس السؤال عمّا حَدَث لمعرفة الحقّ من الباطل. وبسبب هذه العدالة استوى عند المسلمين في هذا العصر الخطأ والصواب! لأنَّ المتخالفين من الصحابة كلّهم مأجورون ومُثابون! فانتشر الإسلام على هذا،

يدين الناس بأُمور كثيرة مختلف عليها فيه.

ثانياً: تعدّد الفرق الإسلاميّة

ذلك أنّ اختلافاً كهذا حَدَث بين الرعيل الأوّل ـ ولا سيّما بعد الركون إلى عدالتهم كافّة ـ قد أدّى إلى بروز فرق لا تحصى ولا تعدّ في المجتمع الإسلاميّ. والعجيب أنَّ أعضاء هذه الفرق ـ وهم لا يجوّزون بحث الخلاف بين الصحابة ـ تراهم يبحثون حول ما حدث بينهم أنفسهم من اختلاف، وقد غفلوا عن أنَّ اختلافهم هذا كثير منه معلول الاختلافات الأُولى; فإثبات الحقّ لفرقة وسلبه عن فرقة أُخرى، هو في الواقع نسبة ذلك الحقّ إلى رأي من آراء بعض الصحابة في المسألة المختلف فيها، وسلبه عن الفرقة الأُخرى هو سلب هذا الحقّ عن البعض الآخر منهم في نفس مسألة الاختلاف، وقد طعنوا بذلك في عدالة كافّة الصحابة من مكان بعيد.

ثالثاً: بعد المسافة الزمنيّة بين زماننا وزمان النبيّ(صلى الله عليه وآله)

وهذا من الأسباب القويّة التي تؤدّي بلا شكّ إلى بعث غريزة التحقيق والبحث في أُمور الدين، لأنَّ ما صدر من النبيّ(صلى الله عليه وآله) لابدَّ له أن يطوي كلّ تلك المسافة متنقّلا بين أنواع أفراد البشر والمجموعات المتخالفة التي لا تعتمد إلاّ ما وافق الرأي منها ولا تحتفظ إلاّ بما تراه صواباً.

وهي في تحديدها الصواب من الخطأ تتنازعها أُمور وتتناوشها أشياء; فالنسيان والخطأ والهوى والتقليد والعصبيّة والقبليّة والحقد... كلّ ذلك سيضع آثاره على ما رُوي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) من كلام، وجب علينا التعبّد به ونحن في هذا العصر البعيد عن زمن الرسالة. فالذين ينقّون ما يمرّ عبرهم من أقوال وأفعال صدرت عن النبيّ(صلى الله عليه وآله).. على أيّ معيار يعتمدون في هذه التنقية؟ ومَن يجرّح غيره

ويتّهمه بالنسيان وكثرة الخطأ يجرّحه بأُمور هو نفسه عرضة لها وإن كان ثقة عادلا، هذا فضلا عن الذين شمّروا عن سواعدهم لوضع ما لم يكن عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)صدوره ونسبتِه إليه بعد ذلك، وهم أكثر وأشدّ نشاطاً وفعاليّة. وعملهم أسهل وأهون من عمل الإصلاح.

رابعاً: حصار أهل البيت وتكميم أفواههم

لقد كان الخليفة الأوّل وكذلك الخليفة الثاني يرجعان في كثير من الأُمور إلى أهل البيت; فأبو حفص كان مفزعه في أُمور الدين الإمام عليّ(عليه السلام)، ولهذا صدر منه مراراً قوله: "لولا عليّ لهلك عمر"، وقوله: "اللّهم أعوذ بك من معضلة ليس لها أبو الحسن"، وهكذا كان دأبهما.

وأعلميّة أهل البيت ـ وعلى رأسهم الإمام عليّ(عليه السلام) ـ من الحقائق التي لا مراء فيها ولا جدال، وقد اعترف بذلك أبو بكر وخليفته أبو حفص. واستمرَّ الحال إلى زمان عثمان حيث استولى بنو أُميَّة على مقاليد الأُمور في الدولة الإسلاميَّة، وتصرَّفوا في كلِّ شيء حتّى هيمنوا على السلطة تماماً، فتغيَّر الحال وحورب أهل البيت، وحوصرت أقوالهم، وسُلب حقّهم في المرجعيّة الدينيّة فضلا عن الخلافة. واستمرَّ الحال هكذا إلى آخر يوم في الدولة العبّاسيّة، فنشأ الناس على ترك أهل البيت. ثمَّ إنَّ الحصار في دولة بني أُميِّة لم يقف على إبعاد أهل البيت النبويّ عن المرجعيّة فحسب، بل تعدّى إلى إبرازهم بنحو يؤدّي إلى نفور الناس منهم، ولهذا الغرض استنّوا سبَّ الإمام عليّ(عليه السلام) أكثر من خمسين عاماً.

وضُرِبَ الحصار على من يرجع إليهم في أُمور دينه، وقُتل من لم يطلق لسانه فيهم بالسباب والشتم، وهُيِّئت الفرص لمن يسبّهم ويجافيهم. وأمر معاوية الناس في بقاع الدولة بإبراز محاسن غيرهم في مقابل ما أبرزه النبيّ(صلى الله عليه وآله) من محاسن لهم، ثمَّ قُتّلوا بعد ذلك شرّ تقتيل، فليس منهم إلاّ مسموم أو مقتول.

كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة أن برئت الذمّة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته! فقامت الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يلعنون عليّاً ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته. وكان أشدّ الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة عليّ(عليه السلام)(1).

والسؤال الذي يُطرَح ببراءة: لماذا حارب الأمويّون طيلة حكمهم هذا علماءَ أهل البيت؟ ولأيِّ شيء قتلوهم؟ ولماذا نسج على منوالهم العبّاسيّون؟

وقد يجيب أحد بأنَّهم نافسوهم في الحكم والسلطة.. ولكن، هل كان أهل البيت يعارضون حكم الأمويّين لو كان قائماً على ما جاء به الوحي وقضى به النبيّ(صلى الله عليه وآله)؟! وهل كان من الوحي سبّ الإمام عليّ أو قتل الإمام الحسين بالصورة الوحشيّة التي عرفها التاريخ؟! أو كان من الوحي إطعامهم السمّ الزعاف؟! وهل كان أبناء الرسول يحبّون السلطة من أجل السلطة والحكم؟ وماذا تضرّر العبّاسيّون من عترة النبيّ(صلى الله عليه وآله)حتّى انتهجوا معهم ما انتهجه الأمويّون؟!

إنّ أهل البيت بعد الضربات الأمويَّة لم تبقَ لهم تلك الخطورة السياسية التي تعتمد على قوّة الجيش والسلاح; فقد انفضّ الناس من حولهم إمَّا خوفاً من القتل والسبي، وإمَّا انجذاباً نحو الأصفر والأبيض من أموال السلطة. وصار أهل البيت تحت المراقبة الأمويَّة في منازلهم وبين أهليهم، أو في المحابس وفي سجون الحكومة العبّاسيّة، وهذا يكفي الحكّام لتوطيد حكمهم. إذن.. لماذا القتل؟! وهل كان لأهل البيت كخطر الجيوش والسلاح لا يزول إلاّ بقتلهم؟! وما ذاك الخطر؟! وهل كان السبيل إلى الصلح والتوافق معهم قد أغلق تماماً؟!

لقد كانت المسألة بين الحكّام من الأمويّين والعبّاسيّين، وبين أهل البيت مسألة الدين والشرع، فالحكّام في نظر أهل البيت قد خالفوا الشرع والنهج


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 11 / 44، الباب 23.

المحمَّديّ، وأهل البيت في نظر الحكّام خطر دينيّ أساسيّ لا يحتاج إلى جيش وسلاح.

وهذا الإمام الحسين يصوّر حقيقة النزاع بين الحكّام وأهل البيت، يقول الطبريّ: "وقام الحسين في كربلاء مخاطباً أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: أيّها الناس، إنَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاّ لِحُرَم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يُدخله مُدخله. ألاَ وإنَّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيري"(1).

فإذا كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد ربّى أبناء الناس على الدين خير تربية، أتراه تاركاً أبناءه على غير تربية الدين؟! لا، بل لهم الأولويَّة في التربية والنشأة على الوحي، وإلاّ فإنّه يكون كالآمر بالبرِّ والناسي لنفسه.

ولمّا كان هدف أهل البيت إقامة الدين وإجراء الشرع الذي تربّوا عليه وهم أولى بذلك، كان الحكّام في زمانهم يهدفون إلى السلطة فحسب، لأنَّ الذي لا يهدف إلى شيء إلاّ أن يرى الدين قائماً، لا يضيره شيء إن قام الدين بغيره من الناس على الوجه المطلوب.

وهكذا حوصر أهل بيت النبوّة من كلّ صوب، ومُنعوا من الكلام في أيّ أمر في مجال الدين سياسيّاً وعباديّاً. فإن كان هذا حال أهل البيت فمَن مِن أتباعهم تكون له جرأة الكلام والتفوّه بما يرضي العترة النبويّة؟! فلو استهان أمر أهل البيت عند الحكّام فلاَمرُ أتباعهم أشدّ هواناً. ومع ذلك ظهر على سطح الساحة الدينية علماء صار حقّ الفُتيا لهم، وارتضاهم الحكّام، وقصدوا إلى فرض ما أفتوا به على


1) تاريخ الطبري: 4 / 304، حوادث سنة إحدى وستّين.

الناس ونشره بينهم، فقرّبوهم إليهم وأجزلوا لهم العطاء. فلو كان ما أفتى به هؤلاء يرضي سريرة أهل البيت(عليهم السلام) ويوافق ما هو عليه من أمر، فلماذا لم يترك الحكّام أهل البيت لأن يفتوا أو يقولوا بهذا ما دام لا يضيرهم منه شيء؟! أم أنَّ هؤلاء كانوا أعلم من أهل البيت بأُمور الدين والوحي؟! ولكنَّ أهل البيت لم يكونوا ليقبلوا بالصمت أمام الظلم وجور الحكّام، كما سمعت من كلام الإمام الحسين(عليه السلام). وأمَّا من قُرِّب من العلماء وارتُضي من قبل الحكّام فلم يكونوا يَرَون ما كان يراه الإمام الحسين وأهل البيت كافّة، ولذا أفتى هؤلاء العلماء بما زعموا أنَّه من رسول الله(صلى الله عليه وآله): "من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهليّة"! وبعد هذا فكيف لا يقبل الحكّام هذه الفتاوى وأصحابها من العلماء؟! وكيف بعد هذا يسمع لأهل البيت فتوى في الدين؟!

ولهذا أُبعد أهل البيت، وقُرِّب من خالفهم من العلماء والناس. واستمرَّ الحال هكذا وطارت فتواهم كلّ مطير وانتشرت في البلاد وسار الناس على مذاهبهم، ولم يلتفت أحد إلى بيت النبوّة ومهبط الوحي، فأخذ الناس الدين عن غيرهم. وها نحن نرى الخلاف بين أتباع المذهب الجعفري من شيعة أهل البيت وبين المذاهب السُّنيّة. أفلا يدعو هذا إلى البحث والتحقيق؟!".

ومن منطلق البحث والتحقيق وجد الأخ طارق نفسه أمام حقائق لا سبيل لانكارها فاعلن ولاءه لآل محمد والقول بامامتهم والالتحاق بسفينتهم مطمئن البال، مستقر النفس، مرتاح الضمير، لأنّه شعر بعدها أنّه يمتلك عقيدة راسخة وناتجة عن فهم وبحث ودراية.

موقفه ممن خاصمه بعد الاستبصار:

تعرّض الأخ طارق بعد اعلانه الولاء لأهل البيت لجملة من المضايقات من قبل البعض ممن حوله، لكنه لم يعبأ بها ابداً، بل كان يتعجب من اولئك الذين

عارضوه وخاصموه بشدّة، فيقول في هذا المجال:

"إن الذي ليس له الشجاعة لتقبّل الحقائق والأدلة المقنعة، ولا يتذوقها إلاّ مرّه، لا يجوز له أن يضايق مَن رضي بالحق وقبل الدليل وتذوّق فيه الطلاوة والحلاوة.

غير أنني لم أغلق الباب أمام من يرى خلاف ما رأيت، ويملك من الأدلة ما لم أملك، على أنّه سيظلّ الباب مفتوحاً له، ما دام ينتهج في حواره قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَـدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ)(1)وإلاّ فالباب موصَد".

مؤلّفاته:

{1} "دعوة إلى سبيل المؤمنين":

صدر سنة 1418هـ ـ 1998م عن مؤسسة الطبع التابعة للآستانة الرضوية المقدسة.

جاء في تعريف الكتاب على غلافه الأخير: "لغة الحوار الهادىء مظهر حضاري متقدّم... ومزيّة بينة من مزايا هذا الكتاب; إذ مزج فيه مؤلفه بين عمق الفكرة ووضوحها وبين المحاورة الودودة التي تستهدف التعريف والتبصير من خلال المنطق المرضي والبرهان...".

إن هذا الكتاب خطوة عسى أن تكون فاعله في ترصيص كيان الأمة الإسلامية من خلال الكلمة المضئية، للوصول إلى المعنى الاعتقادي والتاريخي المشترك الذي يقف على أرضيته مسلمو العالم.

يتألف الكتاب من تمهيد وخمسة فصول وهي:

التمهيد: التحقيق في أمر العقيدة.


1) النحل: 125.

الفصل الأول: عدالة الصحابة.

الفصل الثاني: حديث الاقتداء بأبي بكر وعمر.

الفصل الثالث: خلافة أبي بكر الصديق.

الفصل الرابع: أولو الأمر هم أهل البيت.

الفصل الخامس: الخليفة بعد النبي علي(عليهما السلام).

وقفة مع كتابه: "دعوة إلى سبيل المؤمنين"

يدعو الكاتب في كتابه هذا المسلمين إلى التوحد على هدى الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)وعدم الانشقاق عنه وسلوك سبيل عترته وأهل بيته(عليهم السلام) المؤمنين حقاً بهدى ابيهم الذي لا ينطق عن الهوى، وهم أوائل السائرين على الصراط المستقيم الذين اصطفاهم الله واختارهم أئمة للناس.

ويتناول في كتابه مسألة اختلاف المسلمين في ولي الأمر بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)، فيبحث مقدمة في عدالة الصحابة واختلافهم، ثم يتناول خلافة الخليفتين الأول والثاني فيبحث فيها نصوصاً وتاريخاً فيرد ما استدلوا به عليها من اجماع مزعوم وشورى غاب عنها المشيرون، وترشيح أبي بكر للصلاة من قبل ابنته عائشة قرب وفاة النبي(صلى الله عليه وآله).

ثم يواصل بحثه مستدلا بالآيات القرآنية وتفسيرها من قبل كبار أئمة التفسير، وكذلك بالأحاديث النبوية الشريفة التي اتفق عليها المسلمون لمعرفة ولي الأمر الذي تجب طاعته على المسلمين فيجد ان النصوص الشريفة قرآناً وحديثاً قد وضحت ولي الأمر بما لا يقبل اللبس والابهام وهم أهل البيت(عليهم السلام) الذين لم يتلبسوا بظلم أبداً، والذين لا يقاس بهم أحد كما وضحت النصوص المراد بأهل البيت وان حاول البعض التشويش على ذلك عناداً وضلالا.

ثم استعرض النصوص التي تدل ان الخليفة الذي عيّنه الرسول(صلى الله عليه وآله) هو الإمام علي(عليه السلام) الذي اختاره الله ولياً لكل مؤمن والذي اعترف له بذلك من اغتصب حقه في الخلافة في بعض فلتات السنتهم.

ونحن هنا نوضح ـ باختصار ـ ملامح من الفكرة الاساسية للكتاب.

أهمية معرفة ولي الأمر الواجب الطاعة:

يوضّح الكاتب ذلك بالقول:

إنَّ من المسائل التي تفرض علينا التحقيق والبحث حولها باعتبارها من أهم مسائل الدين، هي معرفة وليّ الأمر.

الاعتقاد السائد بين كافّة المسلمين أنَّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء والرسل، أي هو نبيّ لا نبيّ من بعده، وأيّ اعتقاد بخلاف ذلك يستوجب الكفر بلا شكّ. وفرض عدم خاتميّة الرسالة يفرض نبيّاً آخر يأتي بعد محمَّد(صلى الله عليه وآله) لهداية الناس بعد انقضاء فترة الإسلام، ولمّا لم يكن كذلك.. فُهِمَ الإسلام على ضوء ختم الرسالة بأنَّه دين كلّ زمان ومكان، وهذا منطق بلا شكّ يتّفق وختم الرسالة، وعلى هذا تصافق وتوحّد اعتقاد المسلمين باعتباره أمراً قرآنياً مسلَّماً (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَد مِّن رِّجَالِكُمْ وَ لَـكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَ كَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْء عَلِيماً)(1)، وعلى هذا فإنَّنا نستخلص من هذا الاعتقاد المسائل التالية:

1 ـ ليس هناك نبيّ يأتي بعد محمَّد(صلى الله عليه وآله)، فهو خاتم وآخر الأنبياء والرسل.

2 ـ إنَّ الإسلام خاتم الأديان، وهو قد جاء إذاً لكافة الناس إلى يوم القيامة.

3 ـ ولكي يفي الإسلام بهذه العموميّة لكلّ البشر، وحتّى يفي بمتطلّبات عموم الناس على اختلافهم وتنوّعهم زماناً ومكاناً، لابدَّ أن يكون على درجة من القوّة والكمال حتّى ينهض بالناس دينيّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً وخلقيّاً واقتصاديّاً، ولهذا يقول تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِْسْلَـمَ دِيناً)(2)والله لا يرضى بما هو ناقص غير مكتمل، كما هو واضح.


1) الأحزاب: 40.

2) المائدة: 3.

بكلِّ هذه الخصائص لابدَّ لهذا الدين أن يشقّ طريقه نحو المجتمعات، ماضيها وحاضرها والناشئة مستقبلا، لإرشاد الناس إلى سبيل المؤمنين، وإبطال كلّ فكر واعتقاد يباعد بينهم وهذه السبيل. فهذه مهمّة لا تنجز منحصرة في عصر واحد، بل تقتضي الحضور الدائم في كلّ عصر، فكما كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) هو المتصدّي لهذه المهمّة يكون وليّ الأمر من بعده هو المتكفّل بذلك، وهكذا أُولو الأمر إلى آخرهم.

وأهميّة وليّ الأمر تنحصر في أُمور:

أوّلا: فهو من ناحية أنَّه رئيس وقائد ومدير لشؤون الدولة الإسلامية، فله الأهميّة السياسية بكلّ جوانبها.

ثانياً: ومن ناحية أنَّه المرجع الدينيّ للمسلمين في نواحي الدولة الإسلامية كافّة، فله الأهميّة الدينيّة التي لا تنفصل عن حياة الناس.

ثالثاً: ومن ناحية أنَّه واجب الطاعة فهو يمثّل مسألة من أهمّ مسائل أُصول الدين، إذ أنَّ طاعته أمر إلهيّ تعبّديّ لابدَّ من أدائه، وذلك لقوله تعالى: (أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاَْمْرِ مِنكُمْ)(1)، فهذا أمر مطلق قطعيّ، وواجب يلزم أداؤه لوليّ الأمر.

إذاً، فالأمر الصادر من الله تعالى بإطاعة أُولي الأمر يحتّم علينا التعرّف على وليّ الأمر هذا، لأداء واجب الطاعة له، تنفيذاً لأمر الله تعالى. والطاعة هذه تكون لوليّ الأمر في كلّ ما يقول ويأمر به وينهى عنه، فمخالفته في شيء بعد تعيينه معصيةٌ صريحة، ومخالفته في أمر بسبب الجهل به ليس فيه عذر، لأنَّ تصريح القرآن بالأمر بطاعته هو إشارة إلى وجوده وتعيينه، وإلاّ يكون تكليفاً فوق الطاقة.


1) النساء: 59.

فمن هو وليّ الأمر من بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله)؟

الاستخلاف واجب على النبيّ(صلى الله عليه وآله):

إنَّ ما يجعل العقل أسيرة الحيرة والدهشة ما يذكره كثير من علماء المسلمين من عدم تعيين النبيّ(صلى الله عليه وآله) خليفة له من بعده، وإماماً يتولّى أُمور المسلمين في غيابه.

وفي الواقع إنَّ هذا الكلام لا يُنتظر من أُولئك الذين وُصِفوا بالعلم والمعرفة. وأنا أجزم بأنَّ الذين يردّدون هذا الكلام لم يكلِّفوا أنفسهم ولو قليلا من البحث والتحقيق حول مسألة تنصيب الإمام وتعيينه من جانب النبيّ(صلى الله عليه وآله); إذ أنَّهم ركنوا إلى تقليد مَن سبقهم من العلماء، وتعوّدوا على اجترار ما قالوا في هذا الأمر، دون أن يفطنوا إلى أنَّ القول بهذا فيه اتّهام شديد للنبيّ(صلى الله عليه وآله) بتركه الواجب وعدم تبليغ أمر الله بتعيين وليّ الأمر من بعده!

فإنَّه أمرٌ ـ تالله يبعث إلى الدهشة والذهول العقليّ ـ إذ كيف يصرف النبيُّ(صلى الله عليه وآله)النظر عن تعيين خليفته من بعده، وكيف هان عليه هذا الأمر، ولقد ثبت أنَّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)حينما نُعِيت إليه نفسه طفق يورد الوصيّة للمسلمين تلو الوصيّة في أُمور شتّى، مُظهراً اهتماماً عظيماً بأمر الدين، ومُبدياً قلقاً بليغاً بحال المسلمين بعد وفاته؟!

لقد حذّر النبيّ(صلى الله عليه وآله) المسلمين من الاختلاف والفتن، ووعظهم غداة ومساءً وهجيراً.. كلَّ ذلك لكي يبيِّن لهم طريق النجاة والسلامة إذا ما أقبلت الاختلافات والفتن كقطع الليل..

فهل كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) لا يرى لوليّ الأمر من بعده أثراً في نجاة الناس من هذه الفتن ولمّ الشمل إذا ما حلّت بدارهم الاختلافات؟! أم كان إدراكه(صلى الله عليه وآله) قد قصر ـ وحاشاه ـ عن إدراك هذا الأمر، فأدركه أبو بكر وفهمه عمر ومعاوية؟! وفطن إليه بنو أُميّة وبنو العبّاس؟! وهل الأمر الذي صدر به الوحي موجباً طاعة أُولي الأمر لم

يكن النبيّ(صلى الله عليه وآله) يرى أنَّه يوجب عليه تنصيب خليفة ووليّاً لأمر الناس؟! أم كان يرى أنَّ الله يكلّف الناس فوق طاقتهم، فيوقعهم بعد نبيّهم في الاختلاف والتنازع والفتن؟!

لقد ثبت، بما لا يدع مجالا للريب، أنَّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) ما كان يخرج من المدينة لغزوة إلاّ ويعيِّن عليها شخصاً خليفة له ريثما يعود.. فهل كان يرى أهميّة الوالي على المسلمين في غيابه القصير في حياته، ولم يكن يرى له أهميّة في غيابه الطويل بعد وفاته؟!!

فما هذا القول؟! وأيّ عقل سليم يحكم بذلك؟! وأيّ حكمة يمكن لمسها فيه؟! وأيّ مصلحة تعود للمسلمين من فعل كهذا؟! وهل له نتيجة غير الخلاف والنزاع والخصام، كما حدث في سقيفة بني ساعدة... فاضطرّ ذلك العلماءَ للزجِّ بأنفسهم في تبرير لا يُسمن ولا يغني من جوع؟!

عدالة الصحابة واختلافهم:

يتابع الكاتب كلامه ويقول:

إنَّ عدالة كلّ الصحابة بقضّهم وقضيضهم لا تصحّ; لانحراف البعض عن سواء السبيل، وارتكاب بعضهم ما حرّم الله تعالى، ولهذا لا يمكن أن يوصي النبيّ(صلى الله عليه وآله)باتّباع أيٍّ كان من الصحابة للنجاة والسلامة من الاختلاف والانحراف; ذلك لأنَّ أمراً كهذا ينسب إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله) ـ بل إلى الوحي ـ فيه تجويز لارتكاب الأخطاء وفتح الطريق إلى النزاع والاختلاف.

إنَّ اختلاف الصحابة فيما بينهم أمر معلوم، وقتل بعضهم بعضاً مسألة تعجّ بها صفحات التاريخ، وانحراف الكثير منهم عن الحقّ تثبته كتب السير والأخبار(1).

ثمَّ إنَّنا علمنا أنَّه كان في زمان النبيّ(صلى الله عليه وآله) بعض المنافقين، عُلِمت أحوالهم


1) شرح المقاصد للتفتازاني: 5 / 302.

وخصالهم ووضح نفاقهم للمسلمين، ولكن كان هناك أيضاً منافقون لم يُعلم عنهم شيء ولم يُعرف نفاقهم، ولم تنكشف أحوالهم وقد أخبر الله تعالى نبيَّه الكريم بذلك في قوله تعالى: (وَ مِمَّنْ حَوْلَكُم مِّـنَ الاَْعْرَابِ مُنَـفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم)(1).

ويمكنك أن تتصوّر خطورة الموقف الذي سيؤول إليه مصير الإسلام وهو بلا راع، عرضة لهؤلاء المنافقين المتمرّسين بالنفاق، المبتعدين عن الأنظار والأفكار.

إذا كان المنافق المعروف نفاقه أخطر على المسلمين من الكافر المعروف كفره، فسيكون أُولئك المنافقون الذين لم يكن المسلمون يعرفون عنهم شيئاً أخطر من أُولئك الذين عِرفوا; وذلك لجهل المسلمين بهم، لشدّة خفائهم إذ تمرّسوا بالنفاق ومردوا عليه وأتقنوه.

وعلى هذا الأساس لا يستطيع أحد أن يجرِّدهم عن الصحبة للنبيّ(صلى الله عليه وآله)، بل كيف يجرَّدهم عنها وهو لا يعرفهم؟! بل سيُثني عليهم وسيصفهم بالإخلاص والتوقى بلا ريب، بحكم ما يبدونه من مظهر دينيّ يضمن لهم مقاماً بين الصحابة العدول، وبالتالي سيهبهم بكلّ ارتياح صفة العدالة والوثاقة!!

فكيف نسدّ منافذ الخطر والضلال الصادر من هؤلاء المنافقين في الباطن، المؤمنين العدول في الظاهر؟ ولهذا كلّه فمن المحال الممتنع أن يأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله)باتّباع كلّ من هبَّ ودبَّ ممّن كانت له صحبة معه من الناس في زمانه، وهو يعلم أنَّ من بينهم وممّن حولهم منافقين مستورين مَرَدوا على النفاق وصُقِلوا فيه.

إذاً، فالقول بعدالة كافّة الصحابة خطأ فاحش، والأمر باتّباع كافّتهم دون


1) التوبة: 101.

تمييز لهم عن طريق الوحي أمر ينطوي على خطر بليغ يهدّد الإسلام من أساسه، فلا يأمر به النبيّ(صلى الله عليه وآله) بحال من الأحوال.

ولهذا تسقط كلّ الأحاديث التي تجعل من اتّباع كافّة الصحابة وسيلة للنجاة من الاختلافات والابتداع والإحداث في دين الله، كما وضح.

عود على بدء، وبعض النتائج الخطيرة للقول بعدم الاستخلاف:

وبعد ذلك كلّه.. فكيف لم يعيِّن النبيّ(صلى الله عليه وآله) خليفة من بعده ويترك الناس يتناوشهم المنافقون مَن ظَهَر منهم ومَن بَطَن، ويترصّدوهم اليهود والنصارى الحاقد منهم على الإسلام الكامن له؟!!

وكيف يسهل على العقل الساذج القبول بأنَّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) مات بين السَّحْر والنَّحْر ولم يوصِ بشيء؟! وكيف تسكن النفوس إلى القول بأنَّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يستخلف أحداً من بعده، وذهب لا يلوي من حال المسلمين في غيابه على شيء؟!!! إنّ هذا كلام لا يُلتفت إليه; إذ أنَّه تهمة لنبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله).

اتّهموه بأنَّه ترك أُمَّته بلا راع عرضة للاختلاف والنزاع والاقتتال، وهذا فيه اتّهام له(صلى الله عليه وآله) بترك الواجب! اتّهموه بها، وهو(صلى الله عليه وآله) الرحيم بأمّته، الرؤوف بالمؤمنين، الذي يأسى لهم ويحرص على هُداهم، كما قال عنه ربّه تبارك وتعالى: (لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ )(1).

كلّ ذلك كان منهم في غفلة تصحيح ما نتج من حوادث السقيفة، فقالوا: لم يوص النبيّ(صلى الله عليه وآله) بشيء، ومن هنا لا يكون عيب في أن يتولَّى الخلافة أيٌّ كان من الناس، حتّى لو كان فاسقاً أو خارجاً عن طاعة الله تعالى.


1) التوبة: 128.

يقول التفتازاني: "ولا ينعزل الإمام بالفسق، أو بالخروج عن طاعة الله تعالى"!(1)ويقول الباقلاّنيّ: "لا ينخلع الإمام بفسِقه، وظلمه بغصب الأموال وضرب الأبشار، وتناول النفوس المحرّمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه!(2)ثمّ ذكر: "بل يجب وعظُه وتخويفه، وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله".

وهذا إضراب عجيب من الباقلاني، فلو كان الخروج على الإمام الفاسق غير جائز، فكيف جاز ترك طاعته في بعض المعاصي؟! وهل وجوده على كرسيّ الحكم ـ والحالة هذه ـ لا يُعدّ معصية في ذاته؟ ولماذا بعض المعاصي؟! وكيف جاز تخويفه؟ وكيف يكون تخويفه؟ أوَليس تخويفه هذا خروجاً عليه؟!!

ولو كان في استطاعة الناس تخويفه وترك أوامره في بعض الأحوال بهذه السهولة فَلِمَ لا يعزلونه; أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وهو فاسق؟!

ما هذه إلاّ خطرفة سببها تجويز إمامة الفاسق. وللسياسة في ذلك الوقت دور كبير في ظهور هذه الفتاوى وانتشار تلك العقيدة: عقيدة إمامة الفاسق!

لقد ذكرنا أنَّ القول بأنَّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يستخلف أحداً على المسلمين من بعده قول يحمل أخطر الاتّهامات للنبيّ(صلى الله عليه وآله); ذلك لأنَّ أمر الله تعالى بطاعة أُولي الأمر على سبيل من الجزم والقطع، كما هو واضح في قوله تعالى (وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاَْمْرِ مِنكُمْ)(3).. يوضّح أنَّ أُولي الأمر طاعتهم واجبة كطاعة النبيّ(صلى الله عليه وآله). ووجوب طاعة أُولي الأمر توجب على النبيّ(صلى الله عليه وآله)تعيينه، فالقول بأنَّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم


1) شرح العقائد النسفيّة: 185 ـ 186.

2) التمهيد للقاضي الباقلاّنيّ: 181.

3) النساء: 59.

يستخلف اتهام له(صلى الله عليه وآله) بترك الواجب.

إنَّ العقل يحكم بأنَّ الأمر بطاعة أُولي الأمر وإيجاب طاعتهم إنّما هو على قرار طاعة النبيّ(صلى الله عليه وآله)، ممّا يستوجب تعيينهم من قِبل الله تعالى بوساطة نبيِّه الكريم، ولا يجوز ترك تعيينهم للناس; لأنَّ ذلك ليس في مقدورهم، فمعرفة الناس لأُولي الأمر ـ بدون أن يعرّفهم الوحي لهم ـ يفرض أنَّ الناس قادرون على معرفة من تجب طاعته من البشر، في حين أنَّ الناس ليسوا قادرين على ذلك.

ولو كان الناس في استطاعتهم معرفة من وجبت طاعته من البشر ـ نبيّاً كان أم غيره ـ لما احتاج النبيّ(صلى الله عليه وآله) إلى إبداء المعجزة حتّى يُعجِزَ الناس بأمره ويصدِّقوه فيطيعوه.

فالنبيّ(صلى الله عليه وآله) واجب الطاعة، ولكن اتّهمه الناس بالكذب والسحر والجنون ولم يصدِّقوه، إذاً فالناس لا يقدرون على معرفة أُولي الأمر، ولو تُرك لهم تعيين أُولي الأمر فستنتج المفاسد التالية:

إمَّا أن يولّي الناسُ الفاسق، والله لم يأمر بطاعته، بل إنّه لا يحب الفاسقين.

وإمَّا أن يشتدّ الخلاف عند اختيار وليّ الأمر، وتقع الفتن من الناس; لعصبيّاتهم وقبليّاتهم وغيرها من صفات حبّ الذات. والاختلاف ممنوع، والنزاع يجب إرجاعه إلى الكتاب والسنّة لفضّه.

وأيضاً إنَّ هذا الواجب إن كان الناس مسؤولين عنه فيستلزم التكليف بما لا يطاق; لأنَّهم لا يعرفون أُولي الأمر.

وإن لم يكونوا مسؤولين عنه فيستلزم العبث في أفعال الله ـ تنزّه الله عن ذلك ـ حيث أمَرَ أمْرَ وجوب (كوجوب طاعة الله وطاعة الرسول)، ومع ذلك لا يُسأل عنه هل أُنجز هذا الأمر الواجب أم لا؟

ولهذا فلمّا كان عجز الناس عن معرفة وتعيين أُولي الأمر يؤدّي إلى تولية

الفاسق أو وقوع الاختلاف والتناحر حول تعيين وليّ الأمر، أو يكون التكليف بما لا يطاق، أو ينسب العبث إلى الله تعالى في فعله.. اتّضح أنَّ تعيين أُولي الأمر لم يتركه الله لاختيار الناس، بل إنّه مُسْنَد إليه تعالى.

مَن هم أُولو الأمر وماذا يجب لهم:

يقول الله تعالى: (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاَْمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَـزَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)(1).

إنَّك تلحظ في هذه الآية أنَّه أمر فيها بأمر واحد إطاعة ثلاثة: الله تعالى ورسوله وأُولي الأمر، بوساطة فعل الأمر: (أطيعوا)، وذلك في قوله تعالى: (أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاَْمْرِ مِنكُمْ)، فماذا يمكن أن نفهم من ذلك؟ وماذا أراد الله تعالى بإشراك النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأُولي الأمر في أمر واحد بطاعتهما؟ على أنَّ الحال لا يختلف لو فُصل الأمر ولم يُجمع في فعل واحد.

إنَّ إصدار الأمر بطاعة الرسول(صلى الله عليه وآله) وأُولي الأمر بهذه الصورة المشتركة في أمر واحد يؤكّد لنا التساوي بين طاعة الرسول وطاعة أُولي الأمر. فلمّا كانت طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله) واجبة قطعاً فطاعة أُولي الأمر واجبة قطعاً أيضاً. والعموم والإطلاق الواضح في الأمر بالطاعة لا يسمح باستثناء طاعة أُولي الأمر وفصلها عن طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله) بأيّ حال من الأحوال، أو بأيّ شرط من الشروط.. إذاً، طاعة أُولي الأمر هي من الواجبات في الدين على المؤمنين.

ثمَّ إنَّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) معصوم بلا شكّ، ولو على قول من ينسب إليه العصمة في تبليغ الوحي، فهو معصوم إذاً. وهنا نسأل: ما هي الحكمة في أن يكون النبيّ(صلى الله عليه وآله)معصوماً؟


1) النساء: 59.

إنَّ الله تعالى لم يَدَعْ لنبيّ من الأنبياء مسؤوليّة التشريع ولم يسند إليهم تأسيس الأحكام والشرع، فالله تعالى هو الذي يعلم ما ينفع الناس وما يصلحهم، ولهذا فهو الذي له أن يقوم بهذا الأمر الذي لا يقدر عليه غيره، وما على الرسول إلاّ بلاغه بلاغاً لا يخالجه الإبهام.

والله تعالى بإسناد الأمر إلى ذاته العليّة يريد أن يَبلُغ تشريعُه الناس دون أيّ تغيير أو نقص، سواء كان عمداً أو سهواً، ولكنَّ الرسول بشر، والبشريّة مجمع الأخطاء والنسيان، فما هو العمل إذا ما أُنزل عليه أمر الله ليبلّغه كما أُنزل عليه دون تغيير يؤدّي إلى التغيير في طريقة وأُسلوب التبليغ، فضلا عن أن يؤدّي إلى تغيير الهدف والغاية؟

ولهذا عصم الله الأنبياء عن الخطأ عمداً أو سهواً، حتّى لا يَحْدُث ذلك التغيير تبعاً للخطأ. وعلى هذا فكلّ ما يصدر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) هو الوحي بعينه، من حيث اللفظ والمعنى تارة، ومن حيث المعنى فقط تارة أُخرى. ولهذا فالنبيّ(صلى الله عليه وآله)(وَ مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى)(1).

فإذا ثبت ذلك فالنبيّ(صلى الله عليه وآله) لابدّ أن يدركه الموت يوماً، وسيأخذ بزمام الأمر من بعده أُولو الأمر الذين وجبت طاعتهم على الناس مثله(صلى الله عليه وآله)، وإن كان الوحي لا يتنزّل عليهم لاكتمال نزوله.

إنّ العمل بهذا الوحي ـ طبقاً لعمل النبيّ(صلى الله عليه وآله) به ـ لم ينتهِ، بل هو باق ما بقيّ الزمان والمكان. ونحن نعلم أنَّ حفظ كلام كما قيل دون تغيير هو أسهل بكثير من العمل به وتطبيقه على مسرح الواقع الملموس، حيث المشاكل والمعضلات والمنعطفات الحرِجة.

إذاً، كيف يتسنّى لأُولي الأمر القيام بهذه المهمّة الأصعب بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله) دون


1) النجم: 3 ـ 4.

التعرّض للخطأ، إن لم تكن لهم تلك العصمة التي كان يتمتّع بها النبيّ(صلى الله عليه وآله)؟ وكيف يصل ما أراده الله إلى الناس عبر أُولي الأمر دون خطأ وهم بشر؟ ونحن أوضحنا أنَّ العصمة تحفظ الوحي النازل على النبيّ(صلى الله عليه وآله) دون أن ينحرف عمداً أو سهواً، لفظاً أو عملا، والله لا يسمح بشيء من ذلك الانحراف.

فإن لم يكن أولو الأمر على عصمة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وقع ما لم يسمح به الله تعالى، وما لم يُرِده في تبليغ الوحي.

إذاً، وجبت عصمة أُولي الأمر كما وجبت عصمة الرسول(صلى الله عليه وآله). على أنَّ وجوب الطاعة بالجزم والقطع إشارة إلى العصمة; فالعصمة أساس وجوب الطاعة، وبسبب هذه العصمة لا يختلف خطاب الله تعالى للناس ـ إذا قُدِّر أن يخاطبهم مباشرة بتكاليفه وأوامره ـ عن مخاطبته إيّاهم عبر النبيّ(صلى الله عليه وآله) به. والسّرُّ في ذلك هو وصول خطاب الله ذاته إلى الناس بسبب العصمة التي للنبيّ(صلى الله عليه وآله).. وهذا يعني ـ من ثَمَّ ـ أنَّّ فقدانها في أُولي الأمر يؤدّي إلى التغيير بلا ريب، وهو ما لا يريده الله تعالى.

نظر الفخر الرازي:

ينقل الكاتب نظر الفخر الرازي في تفسيره ويناقشه فيقول:

يقول الفخر الرازيّ(1): "إنَّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية. ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدَّ أن يكون معصوماً عن الخطأ; إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهيّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد،


1) تفسير الإمام الرازي: 10 / 144.

وإنَّه محال.

فثبت أنَّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنَّ كلّ مَن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً. فثبت قطعاً أنَّ أُولي الأمر المذكورين في الآية لابدَّ أن يكونوا معصومين".

ثمَّ يدلف الرازيّ إلى تحديد وتعريف أُولي الأمر المعصومين هؤلاء، حسبما يرى ويظنّ، فيقول: "ثمَّ نقول: ذلك المعصوم إمَّا مجموع الأُمَّة، أو بعض الأُمَّة; لأنَّا بيَّنا أنَّ الله تعالى أوجب طاعة أُولي الأمر في هذه الآية قطعاً. وإيجاب طاعتهم قطعاً مشروط بكوننا عارفين بهم، قادرين على الوصول إليهم، والاستفادة منهم. وإنَّنا نعلم بالضرورة أنَّنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم...".

ولقد ذهب الرازي إلى أنَّ أُولي الأمر هم بعض الأُمَّة، يتمثّلون في أهل الحلّ والعقد.

وبسبب بُعد إجماعهم عن الخطأ ـ على ما روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله): "لا تجتمع أمَّتي على الخطأ" ـ تتحقّق بذلك العصمة المطلوبة في أُولي الأمر.

قوله: إنَّ مجموع الأُمَّة ليس هم أُولي الأمر واضح لا يحتاج إلى إثبات. وأمَّا كون أُولي الأمر هم بعض الأُمَّة فأمر نتّفق فيه مع الفخر الرازيّ، غير أنَّ قوله: إنَّ هذا البعض من الأُمَّة ـ أي أُولي الأمر ـ هم أهل الحلّ والعقد قول تكتنفه إشكالات عدّة، تجعل قبوله أمراً مستحيلا.

فأوّلها: إمكانيّة وقوع الإجماع ليست متحقّقة.

ثانيها: مَن يعرّفهم للأُمَّة باعتبارهم أهل الحلّ والعقد؟!

ثالثها: أين نتحصّل على عصمتهم؟! هل في الأفراد منهم أو في هيأتهم الاجتماعيّة؟!

إنَّ إمكانيّة تحقّق وقوع الإجماع من المستحيلات في هذه الأُمَّة، لا سيّما

في اختيار القادة والرؤساء، ودونك الواقع يصرّح مؤكّداً ما نقول.

نعم، من المحال أن تجتمع الأُمَّة على الخطأ بأسرها، لكن من المحال أن يتحقّق إجماع الأُمَّة بأسرها، وفرق شاسع بين الحالتين; فلو دعا بعض الأُمَّة إلى الحقّ فلابدَّ أن يوجد من يخالفهم من الناس لأيّ سبب من الأسباب التي لا حصر لها; فالقوميّة، والعصبيّة، والنعرات القبليّة، واختلاف الإدراك ووجهات النظر، والعناد، واللجاج... كلّها منفردة أو مجتمعة تجعل من وقوع الإجماع أمراً لا يُرجى تحقّقه بين الناس.

وإنَّ مسألة الخلافة لهي من المسائل التي كان للأُمَّة أن تجتمع عليها، لو كان للإجماع إمكانيّة الوقوع، مع قلّة المجتمعين في السقيفة، وما كان لهم من الصحبة التي تجعلهم في مصافّ أهل الحلّ والعقد في زمانهم. وعلى رغم ذلك فقد نشب الخلاف واستحال الإجماع، وسُلّت السيوف، وأُخِذ البعض بالقوّة، وأُغري آخرون بالمال.. فكيف للرازيّ أن يحلم بإجماع استحال أن يقع بين صحابة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وهم الجيل الأوّل الذي عاصر النبيّ(صلى الله عليه وآله)، ليقع بين الناس في عصره أو ما تلاه من عصور، أو في هذا العصر الذي ازداد فيه تشعّب العقائد وتشتّت الأفكار؟!!

على أنَّ الانقسام المشاهَد في كلّ فرقة من الفرق الإسلاميّة هو تصريح باستحالة تحقّق الإجماع. ولا أرى إمكانيّة وقوع الإجماع بين أهل السنّة فيما بينهم، ولا بين الشيعة بانفرادهم، فضلا أن يقع الإجماع بينهما مجتمعين.

فاجتماع الأُمَّة بأسرها على الخطأ غير ممكن، ولكن لا يمكن أيضاً اجتماعها على الحقّ بأسرها.

إنَّ واقعة صِفّين كانت بين أُمَّة المسلمين، وقد كان الحقّ عند أحد الطرفين بلا شكّ، ولكن لم يجتمع المسلمون عليه كما لم يجتمعوا على ما يقابله من الباطل;

فنشبت بينهم الحرب، وقتل بعضهم بعضاً.. فلماذا يتكلّم الفخر الرازيّ بكلام يبعد عن الواقع ويعطي مصداقاً لآية قرآنيّة ليس له وجود؟!

ثمّ كيف يتمّ التعرّف على أنَّ أهل الحلّ والعقد هم هؤلاء؟! فالإشكال الذي أشكل به الفخر الرازي ـ وهو إشكاله بصعوبة التعرّف على الأئمَّة المعصومين، واستحالة الوصول إليهم ـ هو إشكال يرد عليه، إذ كيف يتمّ التعرّف على أهل الحلّ والعقد والوصول إليهم؟! ومن الذي يقدّمهم إلى الأُمَّة بهذه الصفة؟! ونحن ليس لدينا في مجال التعيين إلاّ الإجماع أو الانتخاب والترشيح أو النصّ.

فأمَّا القول بضرورة الإجماع عليهم فنحن به محتاجون إذاً إلى إجماعَيْن: إجماع من الأُمَّة يعرّفنا بأهل الحلّ والعقد، وإجماع آخر يعرّفنا بصواب ما يُصدره أهل الحلّ والعقد من أحكام وأوامر ونواه، بحيث تلتزم الأمّة بما يصدر عنهم. وبهذا تتضاعف المشكلة; لأنَّ العبور من الإجماع الأوّل إلى الإجماع الثاني محال; لعدم إمكانيّة وقوع الإجماع الأوّل.

فالجهد الذي قام به الفخر الرازيّ لإبعاد نفسه عن الاعتراف بالأئمَّة المعصومين على قول الشيعة ـ لا سيّما بعد الاعتراف الموفّق منه بعصمة أُولي الأمر ـ فهو جهد مقدّر ومشكور علميّاً، لكنَّه ناقص ولا يحلّ المشكلة; فقد كان عليه أن يبيِّن لنا معيار وملاك الاتّصاف بأهليّة الحلّ والعقد، وكيفيّة تعريف الأُمَّة بهم، وعلى رغم أنَّ ذلك تترتّب عليه مشكلاته، غير أنَّه يتيح فرصة أطول لمن أراد السفسطة.

أُولو الأمر هم أهل البيت(عليهم السلام):

يقول الكاتب هنا على ذلك بالقول:

إنَّ أولويّة أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله) في تولّي أُمور المسلمين، والانفراد بلقب "أُولي الأمر" بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله) دون غيرهم من الناس.. لهي أولويّة تأخذ شكلها

الطبيعيّ من عبارات الوحي بشقَّيه; فالنبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يكن يرى مَن هو أولى منهم بهذا المقام، بل لم يكن يراه لغيرهم أبداً، إذ أنَّنا نلمس ذلك في المقام الذي حفظه النبيّ الكريم لهم. وليس ذلك من حيث الإحساس الأبويّ الخاضع لقوانين النفس البشريّة، وإنَّما هو أمر تلقّاه النبيّ(صلى الله عليه وآله) متنزّلا من مقامات الوحي الإلهيّ، موضّحاً السِّنْخِيّة والشَّبَه الذاتيّ بين أهل البيت النبويّ وبين محمَّد(صلى الله عليه وآله) ذلك لأنّ الأبوّة مهبط لوحي العاطفة التي كثيراً ما تتخطّى الحقّ وتنطق عن الهوى ولهذا فمقام أهل البيت لما كان مرتكزاً على الأمر القرآني بوجوب طاعتهم من حيث إنهم أولو الأمر،ترى الشقّ القرآني يمثل اساساً منيعاً لمقام العترة، وحينماترى وصف السُنّة لعترة النبيّ عليه وعليهم الصلاة والسلام بأنهم الهداة الذين لا يضل من تمسّك بهم تعلم طبيعة هذا المقام الصادرة من جانب الوحي الإلهيّ وعندئذ نعلم السنخية بين العترة ومحمّد النبيّ(صلى الله عليه وآله). وبيان هذا المقام ليس له مسير غير قنوات الوحي الذي ينتظّم كلّ نفس النبيّ(صلى الله عليه وآله)وكلّ حياته بحركاتها وسكناتها، ولهذا كان الاستحقاق للخلق العظيم الذي يبرّىء النبيَّ عليه وآله الصلاة والسلام من نزعات الأبوة البشريّة في بيان مقام العترة. وعلى هذا الأساس فهو مقام لهم من صميم أنوار النبوّة، بل مقام من مقاماتها، صاغه الوحي في عبارات لا تخفى على من له مُسكة من الإدراك وقدر من ملكة التدبّر.

آية المودة:

(قُل لاَّ أَسْـَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى)(1)، فالأجر لابدَّ أن يكون على قدر نوع العمل، ولذا فمودّة أهل البيت لابدَّ أن تساوق من حيث القدر ما جاء به النبيّ الأكرم من نعمة الإسلام والرحمة التي ما أُرسل إلاّ بها. ولو كان


1) الشورى: 23.

هناك أجر يضاهي ذلك غير مودّة أهل البيت يمكن أن يكافأ به النبيّ(صلى الله عليه وآله) لكان هو الأجر.. وهذا أمر لو تدبّرنا عظيم.

إنَّ هذا الأجر أدناه تسليم زمام الأمر في قيادة المسلمين وإدارة شؤونهم بعد النبيّ الأكرم لأهل بيته الذين ساوت مودّتهم ـ من حيث إنَّها الأجر ـ نعمةَ الدين الإسلاميّ من حيث إنَّه مأجور عليه بهذه المودة.

وهذا التساوي يبيِّن السِّنخية والشَّبَه القويّ بين النبيّ(صلى الله عليه وآله) وهذا الدين الذي هو خلق النبيّ المعصوم وطريقة حياته(صلى الله عليه وآله) من ناحية... والشَّبَه القويّ بين العترة الطاهرة والنبيّ(صلى الله عليه وآله) من ناحية أُخرى.

ووجه الشبه بين العترة والنبيّ الأكرم هو تلك المودّة، من حيث إنَّها واجبة في حقّ العترة، ومن حيث إنَّها الأجر الذي استحقّه النبيّ(صلى الله عليه وآله) مقابل ما جاء به للناس من هداية ورحمة.. فمودّة العترة كأجر ترضي النبيّ(صلى الله عليه وآله) بلا ريب، فهي في حقيقة الأمر مودّة للنبيّ نفسه، فتدبّر.

ولكن، هل تصحّ هذه المودّة مع المخالفة للنبيّ في نهجه؟ وهل يمكن تصورّها مع مشاقّة النبيّ(صلى الله عليه وآله)؟!

أبداً. فلا يستطيع أحد ادّعاء مودّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وهو مخالف له. فهذه المودّة لا تستقيم إلاّ باتّباع النبيّ(صلى الله عليه وآله)، ولمّا كانت مودّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) هي في عترته.. فما هو أنسب أُسلوب للمودّة يمكن أن يُحفظ به النبيّ(صلى الله عليه وآله) في عترته؟! أليس هو الاتّباع للعترة والاقتداء بهم؟

أجل، إنّ مودّة النبي(صلى الله عليه وآله) في أهل بيته(عليهم السلام) لا تعني إلاّ اتّباع النبيّ الكريم باتّباع أهل البيت من عترته، لأنَّ هذا هو الذي يرضي النبيّ(صلى الله عليه وآله) ويُسرّه لا غير.

ولو كان ودّهم يعني المحبّة دون الاتّباع فهذا لا يختصّ بأهل بيت النبيّ وحدهم، وإنَّما هو أمر مطلوب بين عامّة المؤمنين الذين هم في توادّهم وتراحمهم

كالجسد الواحد..

إذاً، فلا يختصّ أهل البيت بذلك، ولكن إضافة إلى هذا المعنى الشامل لكلّ المؤمنين يتوفّر معنى آخر يتميّز به ودّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) عمّا سواه من ودّ بين المسلمين، وهو الاقتداء والاتّباع بلا ريب، كما كان حبّ الله هو اتّباع النبيّ(صلى الله عليه وآله); إذ ليس لحبّ الله معنى إذا قُرِن بمخالفة النبيّ(صلى الله عليه وآله) (قُل إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)(1).. فحبّ الله يستلزم اتّباع النبيّ(صلى الله عليه وآله)الذي هو سبب حبّ الله للتابعين، وهو رحمته.

إنَّ الهدف الأساسيّ والدائم للقرآن هو تهيئة وسائل وسبل الهداية والنجاة للناس بحكم أنَّه رحمة جاءت للناس عبر النبيّ(صلى الله عليه وآله) الذي ما أُرسل إلاّ رحمة بهذا القرآن. ولا يمكن أن يحدّد الله الأجر للناس مقابل هذا الدين وتلك الرحمة، ويكون هذا الأجر متضمّناً للشقاء! فهذا الأجر الذي هو مودّة العترة أحد قنوات هذه الرحمة الإلهيّة. كما لا يمكن أن تتحقّق هذه الرحمة مع المخالفة.. إذاً، لكي تنتقل الرحمة أيضاً عبر هذا الأجر ـ أي مودّة أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله) ـ لابدَّ أن تعني تلك المودة الاتّباع والاقتداء. وبهذا يتحقّق الهدف الأساسيّ للدين، وهو هداية الناس وإرشادهم لما هو خير لهم وأبقى; لأنَّ المخالفة عمداً أو تساهلا تبعد المخالف عن قنوات الرحمة تلك.

ولهذا، لا يستقيم ودّهم وحبّهم مع مخالفتهم في أمر أو نهج; لأنَّ في هذا إيذاءهم وإيلامهم بلا شكّ. ولا يلتئم ودادهم ووداد من صَدَر منه إيذاؤهم وإيلامهم ووداد من كانت منه شكواهم.

ولهذا كانت مودّة أهل البيت أعظم أجر يتلقّاه النبيّ(صلى الله عليه وآله) من أُمَّته.. لماذا؟

لأنَّ النبيّ الأكرم ـ الذي هو عزيز عليه ما عَنِتَ المؤمنون، حريص عليهم


1) آل عمران: 31.

في هدايتهم، رؤوف بالمؤمنين رحيم ـ لا يسرّه شيء مثل أن يرى أُمَّته في نجاة وسلامة في أمن من عذاب يوم عظيم. ولذا كان اتّباع الناس لأهل بيته في دينهم أجراً يتحقّق به رضاه وسروره لما سيجده الناس من نجاة وسلامة.

آية الانذار وحديث الدار:

النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الكرام هم حملة هذا الدين، وهم العارفون به، والرافعون عنه ضلالات المضلِّين وأخطاء الجاهلين، وأحقاد الحاقدين، ونفاق المنافقين. وليس هذا مختصّاً بزمان دون زمان، أو مكان دون مكان، وإنَّما هذه مهمّة ومسؤوليّة كانت على عاتقهم منذ أن أنزل الله تعالى قوله (وَ أَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَْقْرَبِينَ )(1)فأراد الله بذلك إعدادهم لتلك المسؤولية التي انحصر القيام بها فيهم; استمراراً لمنهاج النبيّ(صلى الله عليه وآله).

ثمَّ إنَّ هذه المسؤوليّة نالها أهل البيت في مقابل الالتزام الذي تأسّس يوم عَرَض النبيّ(صلى الله عليه وآله) هذا الدينَ على عشيرته الأقربين، طالباً منهم العون والمؤازرة في مسؤوليّة القيام بتبليغه، على أن تكون لمن يلتزم المؤازرةَ والمناصرة الخلافةُ والولاية على الناس من بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله). فالتزم الإمام عليّ(عليه السلام) بذلك مؤسّساً بالتزامه هذا مسؤوليّة عترة النبيّ الكريم الذين نشأوا وتربّوا عليها أحسن تربيّة وأفضل تنشئة في كنف النبيّ(صلى الله عليه وآله)، يَرْفع إليهم كلّ يوم عِلْماً; إعداداً لهم واختصاصاً بهذا المقام، باعتباره ثواباً وأجراً لما التزم به عليّ(عليه السلام)، مؤسّساً بذلك المقامَ والمسؤوليّة الطبيعيّة لذرّيّته من أبناء الرسول(صلى الله عليه وآله).

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعد أن جمع إليه أربعين نفراً من قريش من بني عبدالمطّلب: ".. يا بني عبدالمطلب، إنّي واللهِ ما أعلمُ شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه،


1) الشعراء: 214.

فأيُّكم يُؤازرني على أمري هذا، على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي؟

فقام عليّ(عليه السلام)، فقال: "أنا يا نبيّ الله، أكون وزيرك عليه.

فأخذ رسول الله برقَبته; وقال: إنَّ هذا أخي ووصيّي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا.."(1).

إذاً، فهذه الأولويّة في تولّي أمر المسلمين بعد النبيّ الأكرم أمر ثابت للعترة، ولا يجوز لأحد أن ينافسهم فيه وينازعهم. والقبول بهذا الالتزام لنيل هذا المقام هو إشارة واضحة إلى الإيمان والتصديق بنبوّة محمّد(صلى الله عليه وآله).. فنالت ذلك العترةُ بالإيمان المبكّر الذي شعَّ في قلب سيِّدها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وهكذا ظلَّ الأمر فيهم إيماناً خالصاً لم تخالطه شوائب الشِّرك أو نزعات الشكّ التي أصابت البعض قبل إسلامهم وبعده.

آية المباهلة:

ثمَّ إنَّه لما حانت لحظة من لحظات الدفاع عن هذا الدين أمام افتراءات نصارى نجران، لم يستنفر الله تعالى لهذه المهمّة العظيمة غير النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأكارم.

فهؤلاء نصارى نجران يُحاجُّون النبيّ الكريم من بعدما جاءه من العلم في أمر عيسى(عليه السلام)، فيأمره الله تعالى بمباهلتهم، ولكن بعد أن يدعو أهل بيته إذ أنَّهم شركاء في الأمر، فقال له تعالى:

(فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنم بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَـذِبِينَ )(2).


1) تاريخ الطبري: 2 / 217، الكامل في التاريخ: 2 / 22، السيرة الحلبيّة: 1 / 381.

2) آل عمران: 61.

إنَّ هذا الأُسلوب في الدفاع عن الدين والذبّ عنه ليس في مقدور أيّ فرد من الناس; ذلك لأنَّه ليس فيه سلاح سوى سلاح الإيمان واليقين الصادق بما نزل به الوحي، بل ليس إيماناً مسبوقاً بالشرك أن يمكن أن يخالجه شكّ مِن بعد. وإنَّ الدفاع عن هذا الدين بالسيف هو دفاع لا شكّ فيه، ولكن قد يكون المدافع لا يملك إلاّ سيفه وشجاعته وحميّته، أو قد لا يملك إلاّ الرغبة في الغنائم ومكتسبات الحرب..

أمَّا الوقوف أمام النصارى، ودعوتهم إلى التوجّه إلى الله تعالى بالمباهلة ـ لتحديد الكاذب من الصادق في أمر الدين ـ فهو أمر يستوجب يقيناً بهذا الدين وربّه، لا يشوبه شيء. ولمّا كان الله تعالى لا يمكن أن يختار لهذا الأمر شخصاً شابَ إيمانَه شكٌّ وريب أو نقص وضعف.. كان إيمان العترة في أوج كماله وتمامه، فانتدبهم الله تعالى للذبِّ عن الدين بهذا السلاح الإيمانيّ التصديقيّ. فدعا الحسنَ والحسين، لقوله "أبناءنا"، ودعا فاطمة لقوله "نساءنا"، ودعا عليّاً وجاء بنفسه لقوله "أنفسنا"، إذ قصد من قوله "أنفسَنا" محمَّداً وعلياً في آن واحد، وهو يوضّح أنَّهما من نفس واحدة.

وبهذا يؤكِّد الوحي تقدّم أهل البيت في القيام بمسؤوليّة هذا الدين. ولازم ذلك عدم أهليّة غيرهم لهذه المسؤوليّة في هذا المقام المتقدّم بالذات، أي مقام أُولي الأمر. فالعامل في السفينة ليست له مهمّة الربّان فيها، وليس هو أهل لقيادتها. وإن حَذَق في وظيفته. وإنَّما هو أهلٌ لما هو فيه من وظيفة ومسؤوليّة تُدار من مقام الربّانيّة.

حديث الثقلين:

ونسبة لهذه الأولويّة في مقام القدوة والاقتداء، في جميع مناحي الحياة بلا استثناء، قال النبيّ(صلى الله عليه وآله) محذِّراً: "إنِّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلُّوا: كتاب

الله وعترتي أهل بيتي، فلا تَقَدَّموهم فتهلكوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنَّهم أعلم منكم".

ويقول ابن حجر: "وفي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصّروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنَّهم أعلم منكم.. دليل على أنَّ من تأهّل منهم للمراتب العليّة والوظائف الدينيّة كان مقدّماً على غيره".

على أنَّ قوله(صلى الله عليه وآله): "ولا تعلّموهم فإنَّهم أعلم منكم" إشارة إلى أعلميّتهم الأزليّة، وبالتالي تقدّمهم الأزليّ على غيرهم.. فلا يُنتظَر أن يتحقّق لهم هذا التقدّم لاحقاً ثمَّ به يتقدّمون على غيرهم فيما بعد.

وبعد هذا كلّه.. كيف يمكن أن يتقدّم أبو بكر وعمر على باب مدينة علم الرسول(صلى الله عليه وآله)؟! أو كيف يتأتّى لمعاوية أن يفوق الإمامَ الحسن(عليه السلام) في علمه؟! أو يبذّ ابنُه يزيد السكّير الإمامَ الحسين(عليه السلام) علماً ومعرفة؟!

فكيف تقدّم هؤلاء على العلماء من عترة النبيّ سيِّد الأنبياء، والنبيُّ يناديهم في أُخراهم: "واجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العين من الرأس، ولا يهتدي الرأس إلاّ بالعينين"؟!

فواعجبي من القوم! فبعد هذا كلّه تقدّموهم وجعلوهم في سوقة الرعيّة، لا يؤتمّ بهم في دين، ولا يُقتدى بهم في عبادة!! وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

إنَّ أهل البيت هم أُولو الأمر بلا مراء ولا جدال. إنَّه أمر حكم به النقل والعقل، ويحكم به العقل لو فُقد النقل. ولكن لو تُرك النقل وفُقد العقل حَكم لغيرهم الجهل.. وعندها لات ساعة مندم!

وهكذا يكون الكاتب قد وفق في عرض دعوته إلى المؤمنين باستدلال متين واسلوب قوي لا يترك للمراء مجالا، وللفرار من الحق فرصة.

فهرس الکتاب

{1} أحمد حسن العنثري

وضع الخطى على طريق الايمان:... 5

مواجهة التيار الوهابي:... 6

المفاجأة باستبصار أصدقائه:... 6

حالة عدم الاستقرار النفسي:... 7

الوصول إلى القناعة التامة:... 7

كلمته للقراء الأعزاء:... 8

مؤلفاته:... 9

وقفة مع كتابه: "الجواب المبين في الردّ على المروجين"... 11

الشيعة والتشيع:... 11

المذهب الجعفري:... 14

الجمع بين الصلاتين:... 14

التقية:... 16

الأئمة وعلم الغيب:... 18

زيارة القبور:... 19

{2} أحمد حسين يعقوب... 23

إنهيار تصوري القديم عن التاريخ الإسلامي:... 23

هكذا عرفت أهل البيت:... 24

مؤلفاته:... 24

ويتضمن هذا الكتاب خمسة أبواب:... 35

المقالات:... 37

وقفة مع كتابه: "كربلاء الثورة والمأساة"... 38

أين كانت الأمة:... 42

الأقليَّة التي أيّدت ثورة الإمام الحسين:... 45

معقولية قرار الامام الحسين(عليه السلام) بالتوجه إلى الكوفة:... 46

الإمام يقيم الحجة قبل بدء القتال:... 47

تجاوز حدّ التصور والتصديق:... 48

{3} احمد راسم النفيس... 51

الأجواء التي نشأ فيها:... 51

الأجواء الجامعية التي عاشها:... 52

أوّل التفاتته الجادّة للتشيع:... 52

التشنيع العام ضد التشيّع:... 53

دواعي اختياره لمذهب أهل البيت:... 53

مرحلة الانتماء إلى مذهب التشيع:... 55

ردود الفعل الاجتماعية:... 55

مؤلفاته:... 56

المقالات:... 57

مدرستان:... 58

وقفة مع كتابه: "على خطى الحسين"... 60

خطاب رواد الفتنة، الخارجين على القيادة الشرعيّة:... 60

الشعار المعلن وحقيقته، الاستحواذ على السلطان:... 61

وسائل التأمّر على الناس:... 63

خطاب قيادة الأمة الشرعيّة، (وَقَـتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ):... 67

مسؤولية من أرادها أموية وكرهها إسلاميّة:... 70

شريعة ملوك السّوء:... 70

محاولة تحويل "النهج الأموي" إلى قدر أبدي:... 73

امتداد الملك، يزيد ولي عهد:... 73

نهج الثورة الحسينية:... 77

اكتمال عناصر التحرّك:... 78

إقامة الحجّة وبيان الحقيقة:... 80

معاني خروج حرائر آل البيت:... 81

محاولات إخفاء الحقيقة، ابن كثير يناقض نفسه:... 82

من يُقيل عثرة الأمة المنكوبة؟:... 85

{4} إدريس الحسيني... 89

الأجواء التي ترعرع فيها:... 89

بداية الرحلة الجادة في البحث:... 90

مرحلة اجتياز العقبات:... 90

بداية تعرفه على التشيع:... 91

ثمار الانغماس في التراث الشيعي:... 92

عقبة أحقية الأكثرية:... 92

اتخاذ الموقف النهائي:... 94

مؤلّفاته:... 95

المقالات:... 98

وقفة مع كتابه: "لقد شيعني الحسين"... 105

الفصل الأول: كيف كان تصوري للتاريخ الاسلامي؟... 105

الفصل الثاني: مرحلة التحوّل والانتقال... 106

الفصل الثالث: وسقطت ورقة التوت... 106

الفصل الرابع: من بؤس التاريخ إلى تاريخ البؤس!... 107

ملابسات وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله):... 108

عصر ما بعد السقيفة:... 109

الخلافة بعد وفاة عمر:... 111

عثمان أو الفتنة الكبرى:... 112

بيعة الامام علي(عليه السلام)... 112

الفصل الخامس: مفاهيم كُشف عنها الغطاء... 114

الفصل السادس: في عقائد الإمامية... 114

وقفة مع كتابه الآخر : "محنة التراث الآخر"... 116

الدافع للنظر في دفائن التراث:... 116

مشروع المؤلِّف في الكتاب:... 117

الفصل الأول: الكتابة التاريخية... 118

نماذج الكتابة التاريخية العربية:... 119

الآخر الامامي، في ضوء الرؤية "المللية":... 120

الإمامية في المقروئيات الاستشراقية:... 120

الجابري واللامعقول الشيعي:... 120

الفصل الثاني: علم الكلام... 121

الفصل الثالث: الحكمة... 122

صدر المتألهين الشيرازي:... 123

الفصل الرابع: أصول التشريع... 125

عصر التدوين:... 125

تدوين القرآن:... 126

التأويل:... 126

تاريخية الاجتهاد عند الإمامية:... 127

المدرسة الصادقية:... 127

عصر الغيبة، وبداية التأصيل الإمامي:... 128

{5} الأسعد بن علي... 129

البحث عن الوعي الاسلامي:... 129

معرفة الامامة:... 130

دارسته لموقف الرسول ازاء الخلافة من بعده:... 131

صعوبة التحول الفكري:... 132

اعلان الاستبصار:... 132

مؤلّفاته:... 132

وقفة مع كتابه: "التجديد الكلامي عند الشهيد الصدر(قدس سره)"... 134

من منطق أرسطو إلى المذهب الذاتي:... 136

مقارنة بين المذهب الذاتي والمذهب العقلي:... 137

مضامين جديدة في ضوء المنهج الجديد:... 140

التوحيد:... 141

التوحيد والمثل الأعلى المطلق:... 141

على طريق التجديد الكلامي:... 146

{6} أسعد وحيد القاسم... 147

الصورة الأولى عن معرفته بالتشيع:... 147

الايمان بمبدأ التعامل الموضوعي بين المذاهب:... 148

اقتطاف ثمار البحث حول التشيع:... 149

اجتياز مرحلة التغيير المذهبي:... 149

ردود فعل الأسرة والمجتمع:... 150

مؤلفاته:... 151

وقفة مع كتابه: "أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة"... 152

ماهية وجوهر الخلافة والامامة:... 153

هوية الخلفاء والائمة:... 155

مقياس لمعرفة الخلفاء والائمة:... 156

1 ـ خلافة أبي بكر:... 156

خلافة علي:... 157

آثار أزمة الخلافة والإمامة على واقع المسلمين:... 159

{7} باسل بن خضراء الحسني... 165

تفتح آفاق الرؤية:... 165

معرفة عودة نسبه إلى الشجرة النبوية:... 166

الاهتمام بالكتب الدينية:... 167

أوّل حديث نبوي قرّبني إلى التشيّع:... 168

مواصلة البحث:... 168

اعلان الاستبصار في مقام السيدة زينب:... 169

مؤلفاته:... 169

وقفة مع كتابه: "ومن النهاية كانت البداية"... 171

حديث الاثنى عشر خليفة:... 172

مصداقية صحيح البخاري:... 175

غبار دخل أنف فرس معاوية!!:... 178

{8} الدكتور تاج الدين الجاعوني... 185

اهتمامه بطلب العلوم الدينية:... 186

طلبه للعقيدة الحقة:... 187

تغييره للانتماء المذهبي:... 188

مؤلفاته:... 189

وقفة مع كتابه: "الانسان هذا الكائن العجيب"... 190

الماء الدافق:... 191

البويضة (نطفة المرأة):... 193

ولد أو بنت؟... 194

تكوّن النطفة الأمشاج:... 196

العلقة، (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً):... 199

(فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً):... 200

الأسبوع التاسع حتى الولادة (المرحلة الجنينيّة) .... 203

الروح بين الطب والقرآن:... 204

حقوق الطفل أو الجنين:... 205

{10} حسين الرجا... 229

بداية التعرّف على التشيع:... 229

معاناة مرحلة التحول:... 230

اعلان التشيع وردود الفعل:... 231

المضايقات بعد الاستبصار:... 231

موقفه بعد الاستبصار:... 232

مواصلة البحث والتعلم:... 232

مؤلفاته:... 233

وقفة مع كتابه: "دفاع من وحي الشريعة ضمن دائرة السنة والشيعة"... 234

من هو الصحابي؟... 234

تكفير الشيعة بسبب الصحابة:... 235

قول الله ورسوله:... 237

وهذه بعض النصوص التي تثبت أن المسلم لا يكفر بلا موجب:... 239

الحديث الأول:... 239

الحديث الثاني:... 240

الحديث الثالث:... 244

أقسام الصحابة:... 246

ثعلبة:... 249

{11} حسينة حسن الدريب

لمحة مختصرة عن نشأتها:... 256

موقفها من التيار الوهابي:... 257

جملة من نشاطاتها التبليغية:... 258

موقفها من المذهب الجعفري:... 259

زواجها من رجل جعفري:... 260

قناعتها بأحقية المذهب الجعفري:... 261

مؤلفاتها:... 263

وقفة مع كتابها: "وعرفت من هم أهل البيت(عليهم السلام)"... 264

حديث الأئمة الاثنى عشر في كتب الزيدية:... 264

من هم أهل البيت(عليهم السلام)؟!:... 267

الامامة:... 269

العصمة:... 277

{12} خالد محيي الدين الحليبي الحسيني... 279

نشأته الاجتماعية:... 279

تأثره بالوهابية:... 280

بداية اهتمامه بالفكر الشيعي:... 281

تعرّفه على أهل البيت:... 282

مرحلة الاستبصار:... 283

مؤلفاته:... 284

وقفة مع كتابه: "القضاء المُنظر"... 286

القضاء المُنظر:... 287

الهرمجدون وسورة المرسلات:... 288

الحشر والنفخ في الصور:... 288

{13} خوشابا شمعون حنا الشيخ (علي الشيخ)... 291

التأثر بالأجواء المسيحية المحطية:... 291

موانع توسيع آفاق المعرفة:... 292

عقبة التعصّب والتقديس الوهمي:... 293

حمل الصورة المشوهة عن الاسلام:... 293

توفّر الأجواء المحفزة على البحث:... 294

التوجه الجاد لمعرفة الاسلام:... 294

بوادر الاقتناع بالدين الاسلامي:... 295

نشأة حالة صراع العقل والنفس:... 295

عقبات دون الاستسلام للحقيقة:... 296

قمة الصراع بين العقل والنفس:... 297

تعميق المعرفة بالدين الاسلامي:... 297

تجربته في الاستبصار:... 298

مؤلفاته:... 298

وقفة مع كتابه: "هبة السماء، رحلتي من المسيحية إلى الاسلام"... 300

الكتاب المقدس:... 300

العهد القديم:... 301

العهد الجديد:... 302

الصلب والقيامة:... 304

الفداء والخطيئة الأصلية:... 305

الثالوث الأقدس:... 306

الشريعة:... 307

الفصل الثاني:... 308

دلائل نبوة النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله):... 308

القرآن الكريم واعجازه:... 309

كيف وصف القرآن الكريم المسيح وأمه(عليهما السلام):... 310

أوصاف المسيح في العهد الجديد:... 312

الشريعة في الاسلام:... 312

{14} الدمرداش بن زكي العقالي... 315

تصديه للمهام المختلفة:... 315

رحلته الفكرية:... 316

أول محطة جادة دفعته للاستبصار:... 316

وعي أفضلية الفقه الجعفري:... 317

طلب الاستنارة من القرآن الكريم:... 318

ثاني محطة جادة دفعته للاستبصار:... 319

نهاية مطاف البحث:... 320

مؤلفاته:... 321

أبحاث:... 322

وقفة مع "الإمامة في كتاب الله الحكيم" من كتابه محاضرات عقائدية... 324

أهمية الإمامة:... 324

الاختيار الالهي في الخلق:... 324

نقطة التحدي في رفض الاختيار:... 325

بني آدم وسنة الاختيار:... 326

الاختيار في زمان نوح وإبراهيم(عليهما السلام):... 327

بيت الله وأهل البيت:... 328

آل عمران همزة الوصل:... 329

الاختيار في سورة الشورى:... 329

سارة ومريم والزهراء سلام الله عليهن:... 330

رد فعل الأمة تجاه الاختيار الالهي:... 331

الاختيار في مملكة النحل:... 333

الإمامة في الجماد:... 334

مسك الختام:... 335

{15} سعيد أيوب... 337

الانفتاح على آفاق المعرفة:... 337

التفتح في العقلية:... 338

غربلة تاريخ المسلمين:... 338

الالمام بدعوة الرسول(صلى الله عليه وآله) والتعرف على الحقائق:... 338

اتخاذ القرار النهائي:... 339

مؤلفاته:... 339

وقفة مع كتابه: "الطريق إلى المهدي المنتظر"... 345

التحذيرات الذهبية:... 348

العترة بين التحذير والابتلاء:... 350

أضواء على المسيرة:... 351

فجر الضمير:... 357

{16} سعيد السامرائي... 359

سبيل معرفة العقيدة الحقة:... 359

تحذيره من الوقوع ضحية الطائفية:... 360

أهم اسباب اقتناعه بالتشيع:... 361

الانقلاب في الاعتقاد:... 362

مؤلفاته:... 363

وقفة مع كتابه: "الطائفية في العراق، الواقع والحل"... 365

الطائفية:... 366

الطائفي:... 367

الدولة الطائفية:... 368

هل الطائفية نتاج الاستعمار الغربي، أم سببها صراع المسلمين السياسي في الماضي؟:... 369

خطأ التسبيب الأحادي:... 369

بداية الخلاف ونشأة الطائفيّة:... 370

تجهيل السنة وإثارتهم ضد الشيعة:... 371

عقدة الصحابة:... 375

عقدة عدم الفهم للعقائد والشعائر الخاصة بالشيعة:... 378

إحياء أمرهم(عليهم السلام) والطائفية:... 384

أيها الإسلاميون: إجسلوا معاً... 390

ضرورة مناقشة الخلافات من الآن وجهاً لوجه:... 390

جفاء بعض الإسلاميين السنّيين:... 390

الأمور الواجب طرحها للمناقشة... 391

الشيعة أكثر انفتاحاً للنقاش والبحث:... 394

{17} سعيد يعقوب... 397

منطلقاته في البحث:... 397

نبذة للتقليد الأعمى:... 398

اهتمامه بمبحث الإمامة:... 399

انبهاره بشخصية الإمام عليّ(عليه السلام):... 399

تفاعله مع مدرسة الامام علي(عليه السلام)... 399

مؤلفاته:... 400

وقفة مع كتابه: "معراج الهداية"... 401

الامامة ماهيتها ومعناها:... 403

الإمام في اللغة:... 406

قوة الفطرة في معرفة الإمام:... 406

نتيجة:... 409

الطريق إلى الإمام علي(عليه السلام):... 410

القسم الأول: في تسلم راية الإمامة... 410

القسم الثاني: الطريق إلى علي القرآن والنبي... 412

القسم الثالث: الطريق إلى علي بعلي... 415

كيف ينظر علي(عليه السلام) إلى نفسه:... 417

الطريق إلى عليّ (عليه السلام) الطريق إلى الله عزّوجلّ:... 420

{18} سليم البشري... 423

التقاؤه بالعلامة شرف الدين:... 423

بداية الحوار بينه وبين العلامة شرف الدين:... 424

تأليف كتاب المراجعات:... 424

أثر كتاب المراجعات في الساحة الاسلامية:... 425

استبصار الشيخ سليم البشري:... 425

مؤلفاته:... 426

كتاب المراجعات:... 426

وقفة مع كتاب: "المراجعات"... 428

تعريف الكتاب وأهمية الحوار:... 428

قبول الشيخ سليم البشري للحق:... 429

أهمية كتاب المراجعات:... 429

إمامة المذهب:... 431

أدلة خلافة الامام علي(عليه السلام) بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله):... 433

هل يمكن الجمع بين ثبوت النص وحمل الصحابة على الصحة:... 434

كيف تعبد الصحابة بالنصوص ولماذا قدموا المصالح:... 434

ماذا فعل الامام عليّ(عليه السلام) والسف الصالح:... 437

الاهتداء بأهل البيت(عليهم السلام):... 439

{19} صائب عبد الحميد... 441

التأثر بالحسين (عليه السلام)... 441

ما بعد مرحلة اليقظة:... 443

إلتفاته إلى خطورة التعصب:... 443

مؤلفاته:... 444

مقالاته... 453

ندوات:... 461

وقفة مع كتابه: "منهج في الانتماء المذهبي"... 463

تجربة الاستاذ صائب:... 464

ملامح منهجه في هذا الكتاب:... 464

مع الحسين(عليه السلام) كانت البداية:... 466

السقيفة وما أدراك ما السقيفة:... 467

ماذا لَقِي أهل البيت، وقصة الوضع في الحديث:... 467

أسئلة حرّة:... 469

الهالة المصطنعة أم العصبية والكبرياء:... 471

لماذا الإعراض عن فقه أهل البيت:... 473

{20} صالح الورداني... 477

الأجواء التي ترعرع فيها:... 477

رحلته إلى العراق والكويت:... 478

البحث عن القدوة الحقة:... 478

مميزات التراث الشيعي:... 479

اكتشاف الحقيقة:... 480

مؤلفاته:... 480

وقفة مع كتابه: "الخدعة، رحلتي من السنة الى الشيعة"... 495

تجربة الاستاذ صالح:... 495

الدين والتراث:... 495

الالتزام بخط النص لا بخط الرجال:... 496

التأويل والتبرير:... 497

تأويل النصوص المحرجة للتبرير:... 498

فكرة عدالة الصحابة:... 501

فكرة الاجماع:... 502

{21} صباح علي البياتي... 505

البداية; الشك بما جمعته كتب التاريخ:... 505

نتيجة البحث الذي استمر لسنوات عديدة:... 506

مؤلفاته:... 506

وقفة مع كتاب: "لا تخونوا الله والرسول"... 509

الفصل الأول: الخلافة... 509

الفصل الثاني: خلافة الخلفاء... 510

الفصل الثالث: الصحابة... 511

الفصل الرابع: أم المؤمنين عائشة... 513

الفصل الخامس: نقص القرآن... 513

الفصل السادس: التقية... 514

الفصل السابع: حرب أمير المؤمنين(عليه السلام)... 515

الفصل الثامن: عصمة الأئمة... 516

الفصل التاسع: أحكام المخالفين... 516

الفصل العاشر: الرجعة... 517

الفصل الحادي عشر:... 518

الفصل الثاني عشر: نكاح المتعة... 519

الفصل الثالث عشر: القضاء والقدر... 520

{22} صبري أحمد علي موسى... 521

اهتمامه بالبحث:... 521

البحث في الامامة:... 522

نتائج غير متوقعة:... 522

اتخاذ القرار النهائي:... 523

وفاته:... 523

مؤلفاته:... 523

وقفة تعريفية لـ : "موسوعة العقائد الإلهية بين الأديان السماوية والمذاهب الاسلامية الكبرى"... 526

{23} طارق زين العابدين... 531

دوافع توجهه للبحث:... 531

متطلبات التحقيق في أمر العقيدة:... 534

الأسباب الموجبة للتحقيق في أمر العقيدة:... 534

أوّلا: الفتن والاختلافات الحادّة... 535

ثانياً: تعدّد الفرق الإسلاميّة... 536

ثالثاً: بعد المسافة الزمنيّة بين زماننا وزمان النبيّ(صلى الله عليه وآله)... 536

رابعاً: حصار أهل البيت وتكميم أفواههم... 537

موقفه ممن خاصمه بعد الاستبصار:... 540

مؤلّفاته:... 541

وقفة مع كتابه: "دعوة إلى سبيل المؤمنين"... 543

أهمية معرفة ولي الأمر الواجب الطاعة:... 544

الاستخلاف واجب على النبيّ(صلى الله عليه وآله):... 546

عدالة الصحابة واختلافهم:... 547

عود على بدء، وبعض النتائج الخطيرة للقول بعدم الاستخلاف:... 549

مَن هم أُولو الأمر وماذا يجب لهم:... 552

نظر الفخر الرازي:... 554

أُولو الأمر هم أهل البيت(عليهم السلام):... 557

آية المودة:... 558

آية الانذار وحديث الدار:... 561

آية المباهلة:... 562

حديث الثقلين:... 563

₸