ghaemiyeh.com
موسوعة من حياة المستبصرين
المجلد الأول
تأليف مركز الأبحاث العقائدية
مركز الأبحاث العقائدية :
إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم 34
العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)
جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله
الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com
البريد الإلكتروني : info@aqaed.com
شابك (ردمك) :0-431-319-964
موسوعة من حياة المستبصرين (ج1)
مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحيا, التراث
تأليف : مركز الأبحاث العقائدية
الطبعة الأُولى ـ 1000 نسخة
سنة الطبع : 1424
في تاريخنا الاسلامي صفحات ناصعة مشرقة، نشرت ضياءها يميناً وشمالا، فاستضاءت بها الدنيا، ولا تزال هذه الصفحات باقية، وستبقى، حتى يأتي يوم الله الموعود.
ومثلما حفل تاريخنا بأيام الخير والعطاء، فقد ملىء بدواعي الأسى والبكاء، وهكذا هو التاريخ:
فيه سموّ وانتصار.. وفيه تدن واندحار
فيه عدل وإنصاف.. وفيه جور وإجحاف
وكلّها صفات خالدة، تزيد المحسنين إجلالا وإكباراً، ولا تزيد الظالمين إلاّ تباراً.
ولا يشك الناظر في التاريخ أنّ لشيعة أهل البيت(عليهم السلام)اليد الطولى، والقدم السبّاق، والحسام الأمضى، والقلم المشّاق.. في صناعة أبهى صفحاته وأزكاها.
وهو مع هذا على يقين من أنّ هذه الفئة من المسلمين، قد لاقت في ولائها لمحمد وآله الأطهار(عليهم السلام)أشدّ أنواع البلايا والمِحن، وتعرّضت لِما لا يخطر على بال بشر، بحيث لو طرقت مسمع أحد لأول مرّة لقال: إنما هي مبالغات وأساطير، إذ يأبى تاريخنا أن يخبىء في طيّاته مثل هذه الأمور.
لكنها حقيقة.. تحتاج إلى عين ناظرة، وأذن صاغية.
فقد تلقّى الشيعة ـ ابتداءً من صدر الإسلام وإلى يومنا هذا ـ من شدائد وآلام وتطريد وتقتيل وإبعاد و...، ما لم يتلقه أحد غيرهم، ولم يك ذلك إلاّ لولائهم عترة نبيهم والاعتقاد بالمكانة العظمى التي خصّهم الباري عزوجل بها، ولا يزال الشيعة يتحمّلون المرارة، ضريبة لهذا الولاء، ولم يخرجهم كل هذا عن طورهم، بل واجهوا كل التيارات المعاكسة بمرونة وتقديم الأدلة والبراهين، وعاملوا الواقع الخارجي بروح موضوعية وبنّاءة.
وهذا، ما مهّد السبيل لانتصارهم، وفسح المجال لاتساع دائرتهم، والتحاق المنصفين أفواجاً أفواجاً بركبهم.
وكتابنا هذا يبّين هذه الظاهرة، ويسلّط الضوء على حركة الاستبصار واعتناق الكثير لمذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ونحن لا نريد من تبييننا لهذا الأمر تعميق الخلاف بين المسلمين، فما أحوجنا اليوم إلى كلمة تلمّ شملنا وتؤلّف بين قلوبنا، وما أحرانا باجتياز الحواجز التي ركّزت بيننا، ثم ما أشوقنا إلى لغة الحوار السليم التي تعيننا على ذلك.
ولو التزمت الأمة الإسلامية بالمناهج البناءة في معاملتها مع من يخالفها في الرأي في دائرة الإسلام، لبلغت المنى، ولاستوت مراكبها، واجتمعت كلمتها على ما تركه لها نبيّها المصطفى(صلى الله عليه وآله)، فلا تضلّ بعده، ولا تفترق.
وإذا كانت هناك أسباب ودواع لِما حصل بيننا من خلاف، فما أجمل أن نقف عليها ونبيّنها بكل حياد وموضوعية وتعقل، مدركين أنّ المهمّ في الأمر هو ظهور النهج الاسلامي الأصيل الحنيف وليس غلبة هذا الاتجاه أو ذاك، وأنّ اتفاقنا على الحقّ الصريح هو الذي سيضمن اجتماعنا.
وأما تعصّب كل منّا إلى فرقته ـ ليس إلاّ لأنه ورثها عن آبائه، ونشأ عليها، وتشربت بها عروقه ـ فلا يزيدنا إلاّ تباعداً فيما بيننا، وابتعاداً عن المحجة البيضاء والشريعة المحمّدية السمحاء.
وهذه الموسوعة ـ التي ننقل فيها تجارب أناس بحثوا في الموروث، وغربلوه، فتمسّكوا بالصافي منه، وأعطوا المغشوش منه ظهورهم ـ هي المصداق البارز والحيّ في تفهّم بعضنا الآخر فيما اختلفنا فيه، ومن ثمّ قبول ما وافق الدليل منه وترك ما خالفه.
فاليكم هذه التجارب الشخصية على هذا الطريق.. لتشاهدوا بوضوح:
لماذا اختار هؤلاء مذهب أهل البيت(عليهم السلام)؟
وما هي الأدلّة التي اعتمدوا عليها؟
ومن أين كان المنطلق؟
وكيف ساروا؟
وإلى أين وصلوا؟
فنجعلكم تواكبون الرحلة معهم، لتتعرفوا على كيفية ركوبهم سفينة النجاة.
كل ذلك، مع سرد الأدلّة العقلية.. والنقلية.. والوجدانية.
فإليكم هذه الأصوات التي طفحت بالولاء لمحمد وآل محمد، والتي نبعت من قلوب تمرّدت على أهوائها، فتفتحت بصيرتها على أنوار الحقيقة، فجاءت متعطّشة، لتحكي خلجاتها القلبية المتفجّرة بلسان صادق وعواطف جياشة.
في هذا الفصل نقتصر على نقل بعض الحقائق التي اعترف بها الأستاذ حسن فرحان المالكي حول التحوّلات السنية للشيعة، وهي ليست العلّة التامة لهذه التحوّلات، بل كانت المنطلق نحو البحث للكثير من المستبصرين.
والأستاذ حسن فرحان المالكي يعدّ من الأسماء اللامعة والمشهورة في الأوساط العلمية، وعرف بانصافه في البحث، رغم كونه في السعودية، ومحسوب على السلفيّين، إلاّ أنّ إنصافه سبّب له مقتاً كبيراً من قبلهم، مما جعلهم يوجّهون سهامهم نحوه لمحاربته.
له عدّة كتب وأبحاث، منها مقال منشور في مجلة: (المجلّة) العدد 1082 بتاريخ 11 / 11 ـ 2000م، تحت عنوان: "قراءة في التحوّلات السنية للشيعة"، والذي ركّز فيه على مسألة المستبصرين، وعلى التيجاني وكتبه بالذات.
وقد أورد في مقاله هذا عدّة نكات ارتأينا أن نتوقف عندها، ونذكرها، لما فيها من اعترافات مهمة حول
بادرة الاستبصار، نذكرها بالنص، ونرجىء التعليق عليها والاستنباط منها إلى القارىء المحترم:
{1} قال متحدّثاً عن الدكتور التيجاني:
"ثمّ زار العراق، وكانت الصدمة الكبرى له برؤية الشيعة في الواقع، والتزامهم بالدين، مع اتهامنا لهم بالخروج عن الإسلام!
فعملية اكتشاف الكذب من أخطر الصدمات التي تواجه طالب العلم الحرّ، وهي درس لنا حتّى لا نشوّه صورة الآخرين، سواء كانوا شيعة أو غرباً أو شرقاً، وإنما ننقل الحقيقة كاملة، بما لها وما عليها، حتّى لا نفقد مصداقيّتنا مع طلاّبنا وأبنائنا".
{2} وقال أيضاً:
"ومن الأسباب العامة الرئيسية في تحول الدكتور التيجاني وغيره من السنة إلى الشيعة: الصورة الذهنية الخاطئة عن الشيعة، التي صوّرناها تصويراً مشوّهاً، بتعميم يخالف الحقيقة.
فعندما يأتي الدكتور التيجاني إلى الشيعة الذين ينشر غلاة السنة بأنهم ـ أي الشيعة ـ إنما يعبدون علياً! ويزعمون أن جبريل أخطأ! وأنهم يريدون الكيد للإسلام من باب التشيع! وأنهم يمتلكون مصاحف أخرى غير مصاحفنا! وأنهم حاقدون على الاسلام! ويتزاوجون سفاحاً! وغير ذلك من التشويهات، بل الافتراءات التي قد تزيد شباب السنة شكوكاً إذا اكتشفوا الحقيقة، وإذا فقدوا الثقة في علمائهم وباحثيهم، فلا ينتظر منهم العلماء إلاّ هذا التحول الحاد والشك بالمنظومة السنية كلّها، بل والحقد على هذا التواطؤ في الكذب والتشويه والتعميم.
فهذه من الأسباب العامة التي يتحمّلها المجتمع السني الذي يجب عليه أن ينقل الصورة كاملة".
{3} وقال أيضاً:
"نعم، الشيعة الامامية فيهم من يعتقد بتحريف القرآن، لكنهم قلّة، والأغلبية الساحقة من الشيعة يردّون على هؤلاء، فالتعتيم ابن التشويه".
{4} وقال أيضاً:
"الجانب السنّي المتأخر، بعد القرون الثلاثة الأولى إلى اليوم، أصابته ردّة فعل من غلوّ الشيعة في ذم الصحابة، فقام أهل السنة وغلوا في جانب الصحابة، ونقلوا الآيات والأحاديث التي تحمل الثناء، ولم ينقلوا الآيات والأحاديث التي تنقل العتب، بل والذم في بعض المواقف... فعندما ذهب التيجاني للعراق كانت الصورة الذهنية عن الصحابة صورة تشبه عقيدة الشيعة في الأئمة الاثني عشر الذين يعتقدون فيهم العصمة، فلذلك تفاجأ عندما اكتشف خطأ عمر في تحريم متعة الحج، أو خطأ عثمان في الاتمام في الصلاة بالحج، أو إعطائه بعض أقربائه الولايات والأموال..
فانهارت عنده هذه الصورة المبالغ فيها...
كما أن الجانب السني ـ للأسف ـ وجدت فيه ردّة الفعل، وأصبح من يرى علياً أولى بالخلافة مبتدعاً عنده، حتى وإن أقرّ بشرعية بيعة أبي بكر وقال بفضله وأحبه ونشر فضائله...
ثم لحقت ذلك مسألة التفضيل، ورتبوا الخلفاء الأربعة في الفضل حسب الترتيب في الخلافة، وأصبحت ردّة الفعل السيئة هذه هاجس أهل السنة من زمن مبكّر، حتى وجدنا الإمام البخاري(رحمه الله) في صحيحه يقول في غزوة بدر: (وشهدها النبي(صلى الله عليه وسلم) ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي)!
فما الداعي للفظة (ثم) هنا!! مع أن عثمان لم يشهدها أصلا... فتعبير البخاري يدل على سكون هاجس التفضيل في نفوس كبار أهل السنة، وكأن البخاري خشي لو لم يذكر لفظة (ثم) الدالة على الترتيب مع التراخي! ستؤدّي إلى الانتقاص من أبي بكر وعمر، بل وعثمان الذي لم يشهدها حقيقة...".
{5} وقال أيضاً:
".. ومسألة التفضيل برمّتها من المسائل الفرعية الثانوية التي لا يجوز أن نبني عليها تبديعاً ولا تكفيراً، وحتى وإن غلا بعض سلفنا وزعم أنه [من] فضل علياً على عثمان فهو رافضي! وهذا يعني أن نصف الصحابة تقريباً روافض! فقد كان نحو الثلث منهم يفضله مطلقاً (راجع ترجمة الامام علي في الاستيعاب لابن عبدالرب وما ذكره من تفضيل بعض كبار الصحابة للإمام علي)...".
{6} وقال أيضاً:
"من أسباب الانفلات عن المذهب السني أنّ أهله غلب عليهم الغلاة في الأزمنة المتأخرة الذين أصبحوا يضيقون السنة ويحصرونها في خصومات أسلافهم من العلماء...
وهذا الضيق من حصر السنة الواسعة في الانتصار لخصومات مذهبية كان من أكبر العوامل المساعدة على التفلّت من هذه السنة التي أصبح المتفلّتون يتفاخرون بهجرها!! ويقولون: إذا كانت السنة عندكم هي التجسيم وتبرير بغي معاوية وفجور يزيد وظلم الحجاج!! فأنا أول متبرىء منها.
ويساعده على ذلك أيضاً أن غلاة السنة لهم الصوت الأقوى داخل الوسط السني السلفي على وجه الخصوص، فلذلك لا نستغرب هذه الانحسارات عن السنة إلى مذاهب أخرى...".
{7} وقال أيضاً:
"وسيبقى الغلو السلفي من أكبر الأمور المساعدة على الانتقال الحادّ إلى الشيعة، ما لم يسارع عقلاء السلفية بنقد الغلو داخل التيار السلفي نفسه، ذلك الغلو المتمثّل في كثرة الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي نشدّ بها المذهب!! وكثرة التكفيرات المخالفة للمنهج النظري، كتكفير أبي حنيفة والاحناف، وتكفير الشيعة والجهمية والمعتزلة...".
{8} وقال أيضاً:
"التكفير، بل والتبديع الظالم، لا يزيد الأمّة إلاّ تفرّقاً وتشرذماً...".
{9} وقال أيضاً:
"وهذه [أي: مسألة الغلو في دعوى الاجتهاد] من أسباب نفرة التيجاني عن المذهب السني، إذ لحظت أن التيجاني أخذ يسخر من زعمنا بأن معاوية اجتهد وهو مأجور على قتال علي وقتل الصحابة وقتل حجر بن عدي وسب علي على المنابر واستلحاق زياد ومخالفة الأحاديث و...، وأن يزيد مأجور على قتل الحسين واستباحة الحرّة...
وحقيقة إن هذا ليس رأي أهل السنة المتقدّمين، إنّما رأي من تلبس باسم السنة من النواصب، أو ممن
أخذته ردود الأفعال...".
{10} وقال أيضاً:
"... إغفال أهل السنة المعاصرين لتراجم أئمة أهل البيت، كالباقر والصادق والكاظم وزيد بن علي وعيسى بن زيد والنفس الزكية وغيرهم، فالتيجاني تفاجأ بهؤلاء الأئمة الذين لا يكادون يذكرون في مدارسنا وجامعاتنا، ولا مراجعنا الحديثة، ثمّ يفاجأ بعلم هؤلاء وفضلهم وشرف بيتهم، وظنّ أنّ الأمر مبيّت ومدبّر، بينما هو ردّة فعل لا غير مع جهل أيضاً.
وهذا ننكره، ونطالب بوجود تراجم لهم، مثلهم مثل غيرهم من العلماء والصالحين...".
روي عن النبي المصطفى(صلى الله عليه وآله) أنه قال مخاطباً الإمام عليّ(عليه السلام):
"لئن يهدي الله بك رجلا واحداً، خير لك من أن يكون لك حمر النعم"(1)
وراجع: الاحتجاج 1: 168، مسند أحمد 5: 333، فضائل الصحابة: 16.
.أو: "خير لك من الدنيا وما فيها"(2).
أو: "خير لك مما طلعت عليه الشمس"(3).
فهذا الحديث ـ باختلاف الفاظه ـ الذي رواه جميع المسلمين، فيه دلالة واضحة على أهمّية هداية الآخرين وإيصال الحقّ اليهم.
ولتبليغ الحق وايصال الهداية إلى الآخرين طرق وأساليب متعدّدة، وأثبتت لنا التجارب أنّ أكثرها تأثيراً هي كتب ومحاضرات المستبصرين وحكايتهم لتجاربهم وسردهم للأدلة التي دفعتهم لاعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
وهذا علم النفس يشرح لنا أسباب التأثير الملاحظ لهؤلاء على نفوس الناس، وذلك لأن كتبهم ومحاضراتهم وتراجمهم قد جمعت بين القصة والدليل، والمخاطب يكون متعطشاً لسماع قصة وأسباب من ترك معتقداته السابقة وتمسك بمعتقدات غيرها.
كما أن هؤلاء المستبصرين هم ممن شملتهم العناية الربانية، حيث أغدق عليهم الباري عزوجل من لطفه الوافر، فعرّفهم طريق الحق، ووفّقهم لاتباعه، ومنحهم قوة الصمود إزاء كافة التيارات المضادة التي حاولت أن تصرفهم عن اتباع الحق.
ولهذا، اهتم مركز الأبحاث العقائدية بهؤلاء، وحاول أن يوصل تجاربهم إلى الآخرين، ليكون ذلك سبباً في هداية المتعطشين لمعرفة الحق إلى سواء السبيل.
ورد في زيارة الجامعة الكبيرة ـ والتي يواظب الشيعة على زيارة أئمّتهم وسادتهم بها ـ: "أُشهد الله، وأُشهدكم: أنّي مؤمن بكم، وبما آمنتم به، كافرٌ بعدوّكم، وبما كفرتم به، مستبصر بشأنكم، وبضلالة من خالفكم، موال لكم، ولأوليائكم، مبغض لأعدائكم، ومعاد لهم، سلم لمن سالمكم، وحرب لمن حاربكم، مبطل لما أبطلتم، مطيع لكم، عارف بحقكم، مقرّ بفضلكم..."(1).
فالاستبصار هنا، وفي الاصطلاح عند الشيعة، هو معرفة شأن أهل البيت(عليهم السلام)، فكل الشيعة مستبصرون، وكلما ازداد الإنسان معرفة بأهل البيت(عليهم السلام) وبشأنهم ازدادت بصيرته، وكلما قلّت معرفته بأهل البيت(عليهم السلام)وبشأنهم قلّت بصيرته.
وقد يتوهّم البعض أن الذي ينتقل إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، لا يليق أن نسمّيه "مستبصراً"، لأن الاستبصار في مقابل العمى!!
ويردّ على هذه المقولة أننا استنتجنا من مقطع الزيارة الجامعة: أن لفظ "الاستبصار" في الاصطلاح يطلق على كلّ من له معرفة بأهل البيت(عليهم السلام)، وكلما ازداد الانسان معرفة، ازداد بصيرة واستبصاراً.
وأهل السنة بالذات ـ باستثناء النواصب منهم ـ لهم معرفة بأهل البيت(عليهم السلام)، يحبونهم، ويصلّون عليهم في صلواتهم، فمعرفتهم وإن كانت في أدنى المراحل، فهم مستبصرون في الاصطلاح بأقل درجة.
فإذا عرفوا أهل البيت(عليهم السلام)، وعرفوا شأنهم، واتبعوهم، زادت معرفتهم، وزاد استبصارهم، وصح تسميتهم ب "المستبصرين".
وكما ذكرنا، فان كلّ الشيعة، بل كل المسلمين ـ عدا النواصب ـ هم مستبصرون، وإن اختلفت مراحل ودرجات استبصارهم.
ولكن، لمّا كانت أدنى مراحل الاستبصار هي الحب الذي لا يتعدّى إلى مرحلة الاتباع، اختص الاسم بمن تحصل له رحلة إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وذلك لانتقاله من أدنى مراحل الاستبصار التي هي الحب، إلى مرحلة تكاملية من الاستبصار وهي الاتباع.
ومرحلة الاستبصار تختلف بين الشيعة أنفسهم، وذلك باختلاف الاتباع، فالمراحل العليا من الاستبصار لا يمكن الوصول إليها إلاّ بعد الاتباع والالتزام الكامل بتعاليم أهل البيت(عليهم السلام) والأخذ بهديهم.
وإن اسماً بهذا الشأن والمقام الرفيع أحق أن يفتخر ويتباهى به متّبع مذهب أهل البيت، وبالأخص أنه مصطلح ورد على لسان المعصوم(عليه السلام) وأطلق على أشخاص انتقلوا إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فهو اسم قديم، فلماذا نحاول تغييره وهو يحمل في طياته هذه المعاني النفيسة؟!
هذا كله، ولو فرضنا وقلنا: إن الاستبصار في مقابل العمى، وأن الذي يستبصر، فكأنه كان أعمى ثمّ استبصر.
1) عيون أخبار الرضا 2: 272، من لا يحضره الفقيه 2: 370، تهذيب الأحكام 6: 95.
ففي الجواب ننقل نصّ كلام الدكتور التيجاني في ردّ من اعترض عليه في تسمية كتابه ب "ثم اهتديت"، حيث ذكر عدّة وجوه للتسمية، ثم قال:
"وعلى فرض أنّ العنوان يتضمن معنى الضلالة التي تقابل الهداية فيما نقصده على المستوى الفكري من إصابة المنهج الإسلامي الصحيح، الذي يضعنا على الصراط المستقيم، كما عقب بعض القراء بذلك.
فليكن كذلك، وهو الواقع الذي يتهيّب مواجهته البعض بروح رياضية بنّاءة، ونفس موضوعي خلاّق.. ينسجم في الفهم مع قول رسول الله(صلى الله عليه وآله):
تركتُ فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً(1)
في موقف يوم عرفة: سنن الترمذي 5: 662، كنز العمال 1: 48 عن الحافظ ابن أبي شيبة، نوادر الأصول: 68، المعجم الكبير 3: 63، مجمع الزوائد 5: 195 و9: 163 و10: 363 و368، المصابيح 2: 206، جامع الأصول 1: 177، تهذيب الكمال 10: 51، تحفة الأشراف 2: 278.
وفي موقف يوم الغدير: خصائص علي(عليه السلام) للنسائي: 96، التاريخ الكبير للبخاري 3: 96، صحيح مسلم: باب فضائل عليّ، مسند أحمد 3: 17 و4: 366، المطالب العالية 4: 65، سنن الدارمي 2: 310، كتاب السنة: 629، المعرفة والتاريخ 1: 536، مشكل الآثار 2: 307، المستدرك على الصحيحين 3: 109.
وفي موقف مسجد المدينة: تفسير البحر المحيط 1: 12، الصواعق المحرقة: 75 و136، المحرّر الوجيز 1: 34.
وفي موقف مرضه في الحجرة: سمط النجوم العوالي 2: 502، كشف الأستار 3: 221، تهذيب اللغة 9: 78، مقتل الحسين 1: 164، الصواعق المحرقة: 89.
.فالحديث واضح وصريح في الاشارة إلى ضلال من لم يتمسّك بهما معاً: الكتاب، والعترة.
وعلى كل حال، فأنا مقتنع بأنّني اهتديت بفضل الله سبحانه وتعالى إلى التمسك بكتاب الله وعترة الرسول(صلى الله عليه وآله)، فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق"(2).
يفتخر المركز بأنه أول مؤسسة تهتم بهذا الشكل المكثّف والملحوظ بالمستبصرين.
ولا ننسى، ولا نتغافل من سبقنا، ممن كانت لهم اهتمامات بالمستبصرين، فجزاهم الله خير جزاء المحسنين.
ولكن، ما كان، فهو اهتمامات وتوجّهات فردية، لم تصل إلى ما وصل إليه المركز، وما سيحدّثنا المستقبل أكثر إن شاء الله.
وهنا نشير إلى أهم نشاطات المركز المختصّة بالمستبصرين(1)، لنجيب على من سألنا بقوله: "ماذا عملتم لهم"؟
تعرّف المركز على آلاف المستبصرين من جميع انحاء العالم، وحاول إيجاد الصلة والترابط معهم، ومعرفة أسباب وقصة استبصارهم، والأدلّة التي اعتمدوا عليها في هذه الرحلة، والكتب والعلماء الذين تأثّروا بهم، وهذه المعلومات تزداد وتتكامل يوماً بعد آخر.
دعى المركز أهل القلم والفكر من المستبصرين إلى التأليف، وخصّص لهم "سلسلة الرحلة إلى الثقلين"، لتكون منبراً يعبّرون من خلاله للعالم عن قصّة استبصارهم والأدلّة التي اعتمدوا عليها، بأساليب متعدّدة، من قبيل: البحث العلمي، والشعر، والقصة، والرواية، والمسرحية.
وقد طبع من هذه السلسلة:
1 ـ النبي ومستقبل الدعوة، لمروان خليفات، من الأردن.
2 ـ واستقرّ بي النوى، لمحمد العمدي، من اليمن.
3 ـ الصحابة في حجمهم الحقيقي، للهاشمي بن علي، من تونس.
4 ـ بلون الغار بلون الغدير، لمعروف عبدالمجيد، من مصر.
5 ـ لا تخونوا الله والرسول، لصباح علي البياتي، من العراق.
6 ـ الهجرة إلى الثقلين، لمحمد گوزل الحسن الآمدي، من تركيا.
7 ـ محاضرات عقائدية، للدمرداش العقالي، من مصر.
8 ـ التجديد الكلامي عند الشهيد الصدر، للأسعد بن علي، من المغرب.
9 ـ حوار مع صديقي الشيعي، للهاشمي بن علي، من تونس.
10 ـ ومن النهاية كانت البداية، لباسل محمد بن خضراء، من فلسطين.
11 ـ معراج الهداية دراسة حول الامام علي ومنهج الامامة، لسعيد يعقوب، من فلسطين.
12 ـ افادات من ملّفات التاريخ، لمحمد سليم عرفة، من سوريا.
13 ـ في ظلال الاسلام السر الكامن وراء الاختلاف بين المسلمين، ليحيى طالب مشاري، من اليمن.
14 ـ الزيدية والامامية جنباً إلى جنب، لمحمد العمدي، من اليمن.
1) يعدّ قسم الاهتمام بالمستبصرين من أهم نشاطات المركز، كما أن للمركز عدّة نشاطات أخرى، منها: بحث حول الشبهات وردّها، دراسة حول الشيعة في العالم، عقد الندوات العقائدية، رصد القنوات الفضائية والمواقع على الانترنت فيما يختصّ بالتشيع، تأسيس مكتبة نموذجية في العقائد والكلام والشبهات والردود التي يبلغ عددها (000/20) مجلّد، الموقع على الانترنت الذي يشمل: المكتبة العقائدية والمستبصرون والشيعة والتشيّع والندوات العقائدية والاجابة على الأسئلة ومواقع تابعة، وقسم إرسال الكتب المجانية إلى أكثر دول العالم للمستبصرين ومن لهم اشتراكات خاصة الذين يبلغ عددهم بالآلاف والنشطين في التبليغ والمؤسسات والمكتبات.
15 ـ فرق أهل السنة جماعات الماضي وجماعات الحاضر، لصالح الورداني، من مصر.
16 ـ تاريخ الشيعة، لنور الدين الهاشمي، من المغرب.
17 ـ الصحيح من انجيل المسيح، لعلي الشيخ، من العراق.
18 ـ ثم اهتديت، لمحمد التيجاني، من تونس، تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية.
19 ـ لأكون مع الصادقين، لمحمد التيجاني، من تونس، تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية.
20 ـ فاسألوا أهل الذكر، لمحمد التيجاني، من تونس، تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية.
21 ـ الشيعة هم أهل السنة، لمحمد التيجاني، من تونس، تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية.
وغيرها من عشرات الكتب التي هي في طريقها إلى الطبع، أو قيد التأليف.
كما نظّم المركز برنامج: "المستبصرون يتحدّثون معكم"، لتسجيل ونشر المئات من محاضراتهم التي يعدّها المركز، وقام بنشرها في العالم على أشرطة صوتية ومرئية وأقراص ليزرية (CD)، تحدّثوا فيها بمختلف المواضيع: من قصة الاستبصار، وردّ الشبهات، وتثبيت العقيدة، منها:
1 ـ الردّ على عثمان الخميس في محاضرته: "ماذا تعرف عن دين الشيعة"، لعصام العماد، من اليمن.
2 ـ الآثار الناتجة من عدم الايمان بالله في المجتمعات الغربية، لمحمد والدمن، من النمسا.
3 ـ وجوب البحث عن الفرقة الناجية والتمسّك بها، لذي الكفل ميكتو، من كونغوكينشاسا.
4 ـ مباني الثقافة الغربية واشكاليتها، لأحمد كواسي، من كندا.
5 ـ دراسة نقدية لمشروع الجابري، في ست حلقات، لنورالدين الهاشمي، من المغرب.
6 ـ ردّ بعض الشبهات حول الشيعة، لنورالدين الهاشمي، من المغرب.
7 ـ كرامات أهل البيت(عليهم السلام)، لعثمان بوكم، من مالي.
8 ـ الجبر والتفويض، لعبدالغني عثمان، من كينيا.
9 ـ من أين المنطلق، لمحمد العمدي، من اليمن.
10 ـ الصحابة، لحسن شحاته، من مصر.
11 ـ تاريخ التشيع في مصر، لمعروف عبدالمجيد، من مصر.
12 ـ بحوث حول عقائد المسيحية، لعلي الشيخ، من العراق.
13 ـ حوار صريح وهادىء مع أهل السنة، لصالح الورداني، من مصر.
14 ـ من خط معاوية إلى خط الإمام علي(عليه السلام)، لصالح الورداني، من مصر.
15 ـ التجسيم، لعبدالجليل عيسى، من غانا.
16 ـ موكب الإمام الحسين(عليه السلام) في سفر الشهداء، للدمرداش العقالي، من مصر.
17 ـ الامامة في القرآن الكريم، للدمرداش العقالي، من مصر.
18 ـ انتخاب الطريق من الظلمات إلى النور، للدمرداش العقالي، من مصر.
19 ـ مظلومية الزهراء(عليها السلام) وأثرها في التشيع، لمحمد التيجاني السماوي، من تونس.
20 ـ مأساة الزهراء(عليها السلام) وأثرها في حركة الاستبصار، لعصام العماد، من اليمن.
21 ـ التشيع في تونس، لمبارك البعداش، من تونس.
22 ـ الصحابة بين الشيعة والسنة، للهاشمي بن علي، من تونس.
23 ـ آية الاعتصام، لدوسو عبدالله، من ساحل العاج.
24 ـ محمد بن عبدالوهاب، لصباح البياتي، من العراق.
25 ـ ثم اهتديت، لرشيد بن عيسى، من الجزائر.
وغيرها من مئات المحاضرات تحت عنوان: "لماذا اخترت مذهب أهل البيت(عليهم السلام)"، و: "قصة الاستبصار"، و: "الرحلة إلى الثقلين"، و: "ثم اهتديت"، و: "هكذا عرفت الشيعة".
وهو برنامج كمبيوتري على قرص ليزري (CD) حول المستبصرين، يشمل: ترجمة {1000} مستبصر من أنحاء العالم، ومعظم مؤلّفاتهم، وبعض محاضراتهم، وكتب المناظرات، ومعلومات عن الشيعة في العالم.
ركّز المركز جلّ اهتمامه على نخبة المستبصرين من ذوي الطاقات العلمية والكفاءات الفكرية ـ مع عدم اهمال غيرهم ـ وذلك بدعوتهم إلى المركز، وإيجاد الصلة والترابط المستمر معهم، وتنظيم محاضرات عامة لهم في مختلف المواضيع العقائدية والمسائل الخلافية، ودعمهم بارسال الكتب والبرامج الكمبيوترية، وتنظيم صفحات شخصية لهم تحوي: سيرتهم الذاتية ومؤلّفاتهم ومقالاتهم ومحاضراتهم والاجابة على الاسئلة.
للمركز موقع مختصّ بالعقائد والمسائل الخلافية، يزوره الآلاف كل يوم من أكثر من {100} دولة، فيه قسم خاص بالمستبصرين، يتضمن:
1 ـ من حياة المستبصرين.
2 ـ مؤلّفات المستبصرين.
3 ـ المستبصرون يتحدّثون معكم.
4 ـ صفحات شخصية للمستبصرين.
5 ـ نافذة اتصال المستبصرين بالمركز.
وقد سمح المركز للجميع الاقتباس من هذا الموقع، مع الحفاظ على الأمانة العلمية وذكر المأخذ، ولهذا تشاهد أكثر مطالب الموقع موجودة في سائر المواقع الشيعية والصحف والمجلات والكتب.
حاول المركز أن يدعم المستبصرين في مختلف المجالات العلمية، من قبيل الاجابة على اسئلتهم، وارسال ما يحتاجونه من كتب وأقراص ليزرية (CD) بمقدار وسع المركز، وإيجاد الصلة والتعارف فيما بينهم وبين علماء الشيعة والمؤسسات الشيعية، وكذلك إيجاد الصلة فيما بين المستبصرين أنفسهم، لتنمية طاقاتهم، وإيجاد أجواء ترفع من مستوياتهم العلمية عبر المطارحات الفكرية.
لقد قام المركز من بداية تأسيسه بنشر تراجم المستبصرين التي تتضمّن التعريف بهويتهم الشخصية وبيان قصة استبصارهم وسرد الأدلّة التي اعتمدوا عليها في رحلة اعتناقهم لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وذلك بواسطة موقع المركز على الانترنت، في الحقل المخصّص للمستبصرين.
وقد لاقى هذا المشروع إقبالا عديم النظير، وذلك لما في هذه التراجم من جذابية كبيرة، لأن النفوس دائماً تتطلّع لمعرفة قصص هؤلاء الذين غيّروا عقيدتهم، ليتعرّفوا على الأدلّة التي دفعتهم للتخلّي عن انتماءاتهم السابقة وفرضت عليهم التمسّك بمذهب التشيّع.
كما أن المركز سمح للجميع بنسخ وتكثير هذه المعلومات في المواقع على الانترنت والكتب والمجلات، بشرط الحفاظ على الأمانة العلمية وذكر المأخذ، تعميماً للفائدة، ونشراً لمعارف أهل البيت(عليهم السلام) في العالم.
ومن هذا المنطلق اقتبست عشرات المواقع على الانترنت هذا الحقل ونشرته في مواقعها المباركة.
وكذلك نشرت بعض الصحف والمجلاّت هذه التراجم في أكثر أعدادها.
واقتبست بعض الكتب أيضاً هذه التراجم من موقع المركز على الانترنت، ونخص بالذكر منها كتاب المتحوّلون ـ في ثلاثة أجزاء ـ للشيخ المستبصر هشام آل قطيط، حيث أنه أُخذ ما يقارب ثلث معلوماته حول المستبصرين من التراجم الموجودة في موقعنا على الانترنت.
فجزى الله العالمين في خدمة أهل البيت(عليهم السلام) خير جزاء المحسنين.
بما أنّ حركة الاستبصار قديمة جدّاً، ويرجع تاريخها إلى زمن المعصومين(عليهم السلام)، حيث استبصر الكثير منهم على يد الأئمة المعصومين(عليهم السلام).
فان موسوعتنا هذه ستشمل ـ إن شاء الله ـ كل هؤلاء المستبصرين من مختلف القرون.
ويدخل في هذه الموسوعة ـ بناءاً على التعريف الذي ذكرناه لمعنى الاستبصار ـ أولئك الذين انتقلوا
من سائر الأديان إلى الدين الإسلامي وفقاً لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، لأنهم لم تكن لهم معرفة بأهل البيت(عليهم السلام)بالمرّة، ثم تعرفوا عليهم واتبعوا خطاهم وفق ما أملت عليهم الأدلة والبراهين.
ويدخل في هذه الموسوعة أيضاً أتباع سائر المذاهب الشيعية، من الزيدية والإسماعيلية، لأن معرفتهم بأهل البيت(عليهم السلام) وإن كانت أكثر منها عند أهل السنة، إلاّ أنها لم تصل إلى حدّ الكمال بالاتباع الكامل; وذلك لوقوعهم في الخلط والخبط في تشخيص المراد من أهل البيت(عليهم السلام)، وابتعادهم نوعاً ما عن تعاليمهم والأخذ بأحاديثهم، مما جعلهم يلجأون إلى كتب الحديث عند أهل السنة ويعتمدون عليها في بعض الأحيان.
فيدخل في موسوعتنا هذه كل من حصلت له رحلة إلى الاسلام الحقيقي المتمثّل بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)الامامي الاثني عشري، سواء في ذلك من سائر المذاهب الاسلامية، أو سائر المذاهب الشيعية، أو من سائر الأديان الذين اعتنقوا الاسلام الحقيقي المتمثّل بتعاليم الأئمة من أهل البيت(عليهم السلام).
كما قسّمنا الموسوعة إلى: المعاصرين، والمؤلّفين، والقدامى حسب القرون.
وحاولنا في هذه الموسوعة أن لا نقتصر على الهوية الشخصية ـ المعبّر عنها بالتراجم ـ فحسب، بل حاولنا ذكر قصة الاستبصار، مدعمة بالأدلّة العقلية والنقلية وردّ الشبهات، مع إثارة أهم المواضيع المختلف فيها، سواء في ذلك العقائدية أو المسائل الخلافية في التفسير والفقه والتاريخ و...
ولا يفوتني في ختام هذه المقدّمة أن أقدّم جزيل شكري وثنائي إلى كل من ساهم في إعداد هذه الموسوعة من أعضاء مركز الأبحاث العقائدية، وأخصّ بالذكر منهم:
1 ـ الشيخ الفاضل علاء الحسون.
2 ـ الشيخ الفاضل طاهر السلامي.
3 ـ الشيخ الفاضل صادق الحسون.
4 ـ الشيخ الفاضل محمد اللبان.
5 ـ المهندس الفاضل عبدالحسين الحسون.
6 ـ الأخت الفاضلة أم علاء الحسون.
حيث قاموا بجمع المعلومات وتدوينها ودعمها بالأدلّة العقلية والنقلية، وإخراج هذه الموسوعة بهذه الحلّة إلى النور.
فجزاهم الله خيراً، وزاد في توفيقاتهم.
مركز الأبحاث العقائدية
فارس الحسون
الصورة
ولد عام 1977م بمنطقة " مانغاش " في مالاوي(1)، نشأ في أسرة مسلمة شافعية المذهب، وتلقى دراسته الابتدائية في مسقط رأسه.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)عام 1997م في عاصمة بلده.
يقول الأخ إبراهيم: " كنت منذ طفولتي باحثاً عن الحق، وكنت اتطلع لاكتشاف الحقيقة، فكان هذا الأمر قد فتح أمامي آفاقاً رحبة في دنيا النقاش والحوار مع الآخرين، ولم ينغلق ذهني على الأفكار الجامدة المحدّدة بعينها، بل كنت أتشوق لمعرفة كل جديد، وألتقط كل حكمة ظريفة.
كان يطرق سمعي في الأثناء أنّ الحقّ مع المسيحيين، وأنّ المسيح(عليه السلام)هو
1) مالاوي: تقع في جنوب أفريقيا مطلة على بحيرة ملاوي، تحيطها تنزانيا وزامبيا وموزمبيق، يبلغ عدد سكانها {15} مليون نسمة، يشكل المسلمون نسبة 35 منهم والباقي فمن المسيحيين وباقي الديانات، أمّا الشيعة فيقدر عددهم قرابة الخمسة الآف من المهاجرين وأهل البلد.
المخلص والمنجي، وأنّه صُلبَ لينقذ البشرية من الخطايا والأوزار، فقررت أن أبحث في الديانة المسيحية، فذهبت إلى كنائسهم واستمعت إلى عظات قساوستهم، ودخلت في مناقشات مستعصية معهم، لكن كانت النتيجة أنّني لم أقتنع بكثير من عقائدهم وخاصة قولهم بأنّ المسيح هو الله أو هو ابن الله! ولم يتقبلها عقلي أبداً، حتى قرّرت الابتعاد عنهم فإنّي لم أجد بغيتي عندهم ولم أجد لنهجهم العقائدي قابلية لايصالي إلى بارئي.
بعد هذا المشوار قلت في سريرة نفسي: لماذا لا أتحقق في دائرة الإسلام وأبحث عن ضالتي فيه الذي هو ديني؟ ولماذا أبحث عن الحقيقة في متاهات بعيدة، وأنا بعدُ لم أعرف حقيقة ديني وجوهر عقيدتي؟! فشمرت عن ساعد الجد لدراسة الإسلام، وخلفت ورائي ما ضاع من عمري وأنا مسلم بالاسم فقط، تهزني أبسط دعايات المبشرين.
وكانت البداية بأن شرعت بتعلّم اللغة العربية حتى أحسنت قراءة القرآن، هذا الينبوع الصافي الذي لابد لكل مسلم أن يقرأه ويتعلمه ويهتدي بهديه.
بعد ذلك سمعت بمذهب إسلامي يدعى بالتشيع، فاستفسرت عنهم؟ فقالوا لي: إنّهم كفار ومشركون يعبدون الإمام عليّ(عليه السلام)، ويعبدون القبور ومن فيها!، وقال لي آخرون: إنّهم إحدى الفرق الإسلامية التي لها تاريخ طويل وماض عريق!
فتحيرت في أمرهم ودفعني حبّ الاستطلاع لأتعرف عليهم، فواصلت البحث في هذا المجال، ولفت انتباهي بأن رأيت مجموعة كبيرة من الشباب تخشى الالتحاق بالمدرسة الشيعية الموجودة في العاصمة خوفاً على أنفسهم من
الضلال والانحراف! وذلك لتأثرهم بالكلام الذي كان يقال عن الشيعة، لكنّني توكلت على الله سبحانه وعزمت على الجدّ لأكتشف حقيقة الأمر بنفسي.
وبعد مضي فترة من الدراسة في المدرسة الشيعية تبيّنت لي الكثير من الأمور التي كانت خافية عليّ، وبدا لي الحقّ الذي كنت أبحث عنه، وابتسم لي ثغر الحقيقة الذي كنت أتلهف للثمه والارتشاف من رحيقه.
فعرفت أنّ الحقّ مع أهل البيت(عليه السلام)، وأنّ معظم ما كان يقال عن الشيعة لم يكن له صحة في الواقع، وأنّ ما يتهمونهم به من اشراك غير الله في عبادتهم لاواقع له، وإنّا لو نظرنا إليهم بعين الإنصاف لوجدناهم من أهل التوحيد الحقيقي والعبادة الخالصة لوجه الله دون غيره ".
إنّ العبادة لا تكون إلاّ لله وحده لا شريك له، وهذا الأمر هو من ضروريات الدين والمجمع عليه بين كل المسلمين، فمن عبد غير الله فهو كافر مشرك سواء عبد حجارة الأصنام أو عبد صالح الأنام، والقرآن الكريم صريح في ذلك.
فالمسلم يقرأ كل يوم في صلاته عشر مرات: (إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ)(1)، ويقرأ في سورة التوبة: (وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ)(2)، ويقرأ في سورة يوسف: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ)(3)، ويقرأ في سورة الزمر: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ
كَفّارٌ)(1)، ويقرأ فيها أيضاً: (قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي )(2)، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.
لقد عرّف أهل اللغة العبادة بتعاريف متقاربة، فقد قال ابن منظور في لسان العرب: " أصل العبودية: الخضوع والتذلل "(3).
وقال الراغب في المفردات: " العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها ; لأنّها غاية التذلل، ولا يستحق إلاّ من له غاية الأفضال وهو الله تعالى، ولهذا قال: (وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ)(4)"(5).
وقال الفيروز آبادي في القاموس المحيط: " العبادة: الطاعة "(6).
وتعريف العبادة بالطاعة والخضوع، أو غاية الخضوع والتذلّل هو تعريف بالمعنى الأعم ; لأنّ احترام الولد لوالده وطاعته له واحترام التلميذ لأستاذه وخضوعه أمامه، بل تذلّل الجندي أمام قائده كل ذلك لا يعد عبادة مطلقاً مهما بولغ في الخضوع والتذلّل، فلو قبّل الولد أقدام والديه فلا يدعي أحد أنّ عمله هذا عبادة منه لوالديه، بل على العكس نجد القرآن يقول: (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)(7).
ومن الأدلّة الواضحة على أنّ الخضوع المطلق لا يعد عبادة، هو أمر الله سبحانه للملائكة بالسجود لآدم، وقد قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ)(1)فسجدوا لآدم ولم يكن سجودهم عبادة، لأنّ الله قد نهى جميع الأنبياء من آدم(عليه السلام)إلى الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)عن الشرك، فقال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ)(2)، وقال سبحانه: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)(3)، إذن لابد أن يكون للعبادة مقوّم آخر غير موجود في مثل سجود الملائكة لآدم، أو سجود يعقوب وولده ليوسف كما في قوله تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا)(4).
وكذا أمره سبحانه وتعالى للمسلمين بالطواف بالبيت الذي بُني من الطين والحجارة، فقال سبحانه: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)(5)، والسعي بين الصفا والمروة، بقوله: (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما)(6)، فهل الطواف حول الطين والحجارة والسعي بين الجبال عبادة لها؟!.
أضف إلى ذلك أنّ الله سبحانه أمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، فقال: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى)(7)، ولا شك أنّ الصلاة إنّما تكون لله، لكنّ
إقامتها في مقام إبراهيم ـ الذي يرى فيه آثار قدميه ـ هو تكريم لأبي الأنبياء وليس عبادة للمقام.
ومن مجموع ما تقدم يتبيّن أنّ ليس كلّ تكريم وخضوع واحترام هو عبادة، وإلاّ للزم أن نعتبر جميع البشر بما فيهم الأنبياء (سلام الله عليهم) مشركين لأنّهم كانوا يحترمون من يجب احترامه!.
قد ذكرت عدّة تعريفات للعبادة، ويمكن القول بأنّ أفضل هذه التعاريف وأجمعها هو التعريف الآتي: " هي الخضوع عن اعتقاد بالوهية المعبود وربوبيته واستقلاله في فعله "(1).
ويستفاد من هذا التعريف أنّ للعبادة عنصران مقومان:
1 ـ خضوع لفظي أو عملي.
2 ـ عقيدة خاصة تدفع إلى الخضوع.
فالخضوع اللفظي يكون بالكلام الدال على التذلل للمعبود، والخضوع العملي يكون بعمل خارجي كالركوع والسجود مما يدل على ذلته وخضوعه لمعبوده، أمّا العقيدة فهي عبارة عن اعتقاد بالوهية المخضوع له واعتقاد بربوبيته واعتقاد باستقلاله في فعله.
إنّ الاعتقاد بالالوهية لا يكون إلاّ لله، فإذا كان لغيره يكون شرك، ويتضح هذا الكلام عندما نعرف أنّ الموحدين والوثنيين جميعاً يعتقدون بالوهية
1) أنظر: مفاهيم القرآن للعلامة جعفر سبحاني: 1 / 404.
معبوداتهم سواء كان إلهاً صادقاً أم كاذباً، كبيراً أم صغيراً، وهذا المعنى هو المقوّم لصدق العبادة، وحيث أنّ العبادة لا يستحقها إلاّ من كان إلهاً، نرى القرآن يؤكد بأنّه لا إله إلاّ الله حتى تتخصص العبادة به سبحانه دون غيره، فيقول جلّ وعلا: ( الَّذِينَ يَجعَلونَ مَعَ اللهِ إلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلمُونَ )(1)، ويقول تعالى: (وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ )(2)، ويقول تعالى: (وَاتَّخذُوا مِن دُونِ اللهِ ءَالِهَةً لِّيَكوُنُواْ لَهُمْ عِزّاً )(3)، ويقول تعالى: ( أئِنّكُم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللهِ ءالِهةً أُخْرَى )(4)، إذن فغير الله لا يستحق العبادة لأنّها من شؤون الإلوهية ومن خصائصه سبحانه لا غير.
ولذا نرى خضوع المحب لمحبوبه لا يعد خضوعاً عن عبادة، لأنّه لم يصدر عن الاعتقاد بالإلوهية.
إنّ الآيات الدالة على وحدة الإله صريحة في أنّ المراد من الإله، هو الخالق المتصرف المدبر الذي بيده أزمّة أمور الكون، كما في قوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَد وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إلَه إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إلَه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعضُهُم عَلَى بَعْض )(5)، وقوله تعالى: ( لَو كَانَ فِيهِمَا ءالِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا )(6)، وقوله تعالى: (قُل لَّوْ كَانَ مَعهُ ءالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابتَغَوْاْ إِلى ذِي الْعَرشِ سَبِيلا )(7).
الربوبية ـ من الرب ـ وهي الإصلاح والتدبير والتربية، والله سبحانه ربّ العالمين ( رَبُّ السَّمَواتِ وَالأَرِض )(1)، والعبادة من شؤون الله وحده دون غيره لأنّه سبحانه حصر الربوبية به دون غيره ( إنَّ اللهَ رَبِي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ )(2)، و(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ )(3)، وقول المسيح (عليه السلام) في قوله تعالى: ( يبَنيِ إِسرَائيلَ اعْبُدُواْ اللهَ رَبّيِ وَرَبَّكُمْ)(4)، وعليه فالربّ هو من بيده مصير الخاضعين له وشؤونهم الدنيوية والأخروية من وجود وحياة وآجل وعاجل، والخضوع المقرون بهذا الاعتقاد يضفي عليه عنوان العبادة.
أمّا الاعتقاد باستقلال المخضوع له في فعله، فيعني كونه قائماً بنفسه لايفتقر ولا يحتاج إلى غيره، ومن هذا المنطلق إذا خضع الإنسان لموجود وهو لا يرى الاستقلالية في وجوده وفعله، فلا يكون خضوعه عبادة لذلك الموجود، فالعبادة هي الخضوع أمام موجود مع الاعتقاد بأنّه مستقل في ذاته.
يستنتج مما تقدم: إنّ الشعائر والطقوس التي يقوم بها شيعة أهل البيت(عليهم السلام)ومعظم المسلمين من تعظيم قبور الأئمة والأولياء والصلحاء ليست عبادة لغير الله، وإنّما هي من مصاديق التكريم والاحترام، لأنّها لم تنطلق من اعتقادهم بالوهية عباد الله الصالحين ولا ربوبيتهم على نحو الاستقلال، بل تنطلق عن الاعتقاد
بكونهم عباد مكرّمون يجب احترامهم.
فالتبرك وتقبيل الأضرحة وأبواب المشاهد التي تضم أجساد الأنبياء والأولياء لا يعد عبادة لصاحب القبر والمشهد لفقدان مقومها، وإنّ إقامة الصلاة في مشاهد الأولياء تبركاً بالأرض التي تضمنت جسد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أو الإمام(عليه السلام)، في الحقيقة هو كالتبرك بالصلاة عند مقام إبراهيم اتباعاً لقوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى)(1).
وكذا التوسل والاستغاثة والتشفع بالأولياء لا يعد عبادة، لعدم الاعتقاد بالوهيتهم وربوبيتهم، بل يعدّ من التوسل بالأسباب، لأنّ الله سبحانه جرت حكمته أن يقضي حوائج عباده ببركتهم وشفاعتهم، وذلك لأنّهم مقربون لديه مكرمون عنده، قد أذن الله لهم بالشفاعة بإذنه، فقال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ)(2).
من هنا يتبين أنّ تشبيه القائمين بهذه الأعمال من المسلمين بالوثنيين تشبيه في غير محله، وقياس مع الفارق، لأنّ الوثنيين كانوا يعبدون الأصنام على أنّها أرباب مستقلة لها التصرف في الكون، فهي التي تمطر الناس إذا استغاثوا بها وتدفع البلايا عنهم إذا دعوها واستنجدوا بها، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: (مِنْ دُونِهِ) في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ
زُلْفى...)(1).
فكان اعتقادهم أنّ هؤلاء الأرباب يقربونهم إلى الله، وهو الإله الكبير عندهم الذي خلق الكون وأوجده ثم فوض أمر التدبير فيه إلى هذه الأرباب المزعومة، وأين هذا مما يفعله المسلمون من عبادة الله وحده لا شريك له عند مقامات الأولياء وأضرحتهم!.
والقياس الصحيح والتشبيه الوجيه، هو أن يقاس زائري الأضرحة والطائفين حولها بالطائفين حول الكعبة والبيت الحرام والساعين بين الصفا والمروة، فالطائف حول البيت العتيق والساعي بين الصفا والمروة لم يعبد الأحجار وإنّما عبد الجبّار الذي اصطفى هذه الأماكن ودعا إلى عبادته فيها، وهكذا حال زائر قبر الولي وإن افترى من افترى بتشبيه عبّاد الرحمن بعبّاد الأوثان.
يقول الأخ إبراهيم: " بمرور الأيام إزدادت بصيرتي وارتقى مستواي المعرفي بعلوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام)، فلهذا قرّرت بعد إكمال دراستي الأكادميّة في عاصمة بلدي أن أنتقل إلى إحدى الحوزات العلمية الشيعيّة، لأرتشف من علوم آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فاستطعت بعد ذلك ـ بحمد الله ـ أن أشيّد خزين معرفي واسع في قلبي من علوم أهل البيت(عليهم السلام)، وقد أعانني هذا الرصيد العلمي كثيراً لأعبر أشواط الحياة، متخطياً كل الصعاب بعزم راسخ وإرادة لا تلين ".
1) الزمر: 3.
الصورة
ولد عام 1967م في مدينة " باماكو " عاصمة جمهورية مالي(1).
تحوّل من المذهب المالكي وتشرف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)عام 1991م في دولة " غانا ".
يقول الأخ إبراهيم: " نشأت في أوساط عائلة سنّية تعتنق المذهب المالكي، فتلقيت أفكار ورؤى البيئة التي كانت تحيطني، وقبل اكمالي للمرحلة الثانوية في المدارس الأكاديميّة سافرت إلى غانا لأحمل على عاتقي مهمة تدريس المواد الإسلامية المختلفة هناك، فأمضيت مدّة خمس سنوات في هذا المجال، وخلال تواجدي في غانا طرق سمعي وجود مذهب يسمى بالشيعة، وقد قيل لي: إنّهم يختلفون عن أبناء العامة بأمور كثيرة، وأنّ أذانهم وصلاتهم وقرآنهم
1) جمهورية مالي: تقع ضمن دول غرب افريقيا، يبلغ عدد سكانها قرابة {12} مليون نسمة، يشكل المسلمون 90 منهم أغلبهم على المذهب المالكي، أمّا أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)فعددهم بحدود مائة ألف نسمة.
و... يختلف عما عندنا!
وبدافع المعرفة والاطلاع على هذه الطائفة بدأت بتتبع مراكزهم وجمع كتبهم والاحتكاك بهم... وكنت أقارن بينهم وبين أبناء العامة لا سيّما المالكية، وأوّل ما واجهت من خلال المطالعة والتتبع في كتب الشيعة ومعرفة تراثهم أنّهم قد تعرّضوا للفرية والتشنيع، إمّا بسبب العداء الطائفي، وإمّا بسبب عدم الاطلاع على تراثهم، والحقيقة أنّ كلا الأمرين مخجل!
ولقد كانت لكتبهم ـ لا سيّما كتب المستبصرين ـ دور كبير في فتح آفاقي الفكريّة، وتوسيع إدراكي في فهم الحوادث التاريخيّة، خصوصاً تلك التي تلت وفاة النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومع هذا كنت أرجع إلى الصّحاح لأتحقق بنفسي، لأنّ دأب الشيعة كان الاستدلال بكتب أبناء العامة وذكر ماورد فيها.
ومن المسائل التي استوقفتني كثيراً وجعلتني أبحث عنها بدقّة، هي ولاية الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) من خلال القرآن الكريم والسنّة النبويّة المطهّرة، فهنالك آيات كالمباهلة والإنذار والتبليغ و...، وأحاديث كالمنزلة والثقلين والطير والغدير و...، دلّت بشكل قاطع على إمامته ووجوب تقديمه والاقتداء به ".
وهذه النصوص القرآنية والنبوية وردت بشكل واضح، وذكرها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في مواقف متعدّدة، وذلك ليرسخ حقيقة ثبوت الإمامة لأمير المؤمنين(عليه السلام)، وتتجلى هذه الحقيقة لكلّ مسلم لو أمعن النظر في هذه الآيات والأحاديث التي منها:
1 ـ قوله تعالى: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ)(1).
وهي نازلة في حقّ الإمام عليّ(عليه السلام)، كما جاء في كتب الحديث والتفسير والفقه، ونصّ عظماء الجمهور على تواتر هذا الخبر وصحّته والركون إليه، كأصحاب الصحاح وغيرهم(2)، وأجمعوا على أنّها نزلت في حقّ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) عندما تصدّق بخاتمه أثناء الصلاة(3).
ووجه دلالتها على الإمامة: هو أنّ الله تعالى أثبت الولاية له ولرسوله ولمن آتى الزكاة في حال ركوعه، وذلك ظاهر من سياق الآية، والذي آتى الزكاة هو أمير المؤمنين(عليه السلام) دون غيره، كما ثبت من إجماع أهل النقل، والمراد من الولاية هنا ملك التصرّف، وهذا معنى الإمامة.
2 ـ قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ)(4).
حيث أمر الله تعالى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينصّب عليّاً للناس وتبيان فضله ومكانته يوم الغدير، وقد أخرج ذلك متواتراً أئمة التفسير والحديث والتاريخ، وروى هذه الحادثة مائة صحابي! حيث خطب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بمحضر مائة ألف من المسلمين أو
1) المائدة: 55.
2) إنّ هذا ممّا اتفق عليه المفسّرون وغالب المحدّثين في حقّ الإمام عليّ(عليه السلام): كابن الأثير الجزري في جامع الأصول: 8 / 499 {6515}، والواحدي في أسباب النزول:201 {396}، والطبري في الرياض النضرة: 2 / 179 {1617}، وابن عساكر في تاريخ دمشق: 42 / 357، والنسائي في سننه: 5 / 135 {8481}، وابن أبي حاتم الرازي في التفسير الكبير: 4 / 383، الطبراني في المعجم الأوسط: 4 / 357 {6232}.
3) من الذين اعترفوا بإجماع المفسّرين على نزول الآية في حقّ الإمام عليّ(عليه السلام) بخصوص هذا الموقف: القاضي الايجي في كتابه المواقف: 3 / 601، والشريف الجرجاني في شرح المواقف: 8 / 360، وسعد الدين التفتازاني في كتابه شرح المقاصد: 5 / 270.
4) المائدة: 67.
يزيدون، وقال فيما قال: " من كنت مولاه فعليّ مولاه..."، وقد احتجّ بذلك الكثير من الصحابة وأهل البيت(عليهم السلام) (1).
3 ـ قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ اْلإِسْلامَ دِيناً)(2).
وقد روى الجمهور أنّ هذه الآية نزلت يوم غدير خم بعد أن أخذ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)البيعة لعليّ(عليه السلام)، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الربّ برسالتي والولاية لعليّ بن أبي طالب من بعدي، ثمّ قال: من كنت مولاه فعليٌ مولاه... "(3).
والمولى في اللغة بمعنى أولى، والأولى هو الأحقّ والأملك، وذلك معنى الإمامة.
4 ـ قوله تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(4).
وقد ذكر المفسّرون(5)، وروى الأئمّة كأحمد وغيره أنّها نزلت في رسول
1) أنظر: شواهد التنزيل للحسكاني: 1 / 192 {249}، الدرّ المنثور للسيوطي: 3 / 19، فتح القدير للشوكاني: 2 / 60، روح المعاني للآلوسي: 3 / 359، التفسير الكبير للفخر الرازي: 4 / 401، فرائد السمطين للجويني: 1 / 158 {120}، عمدة القاري للعيني: 18 / 276، ينابيع المودة للقندوزي: 1 / 159.
2) المائدة: 3.
3) أنظر: الدرّ المنثور للسيوطي: 3 / 19، شواهد التنزيل للحسكاني: 1 / 158 {213}، تاريخ بغداد للخطيب: 8 / 289 {4392}، البداية والنهاية لابن كثير: 5 / 152، مناقب الخوارزمي: 135 {152}، تاريخ ابن عساكر: 42 / 237، وذكرها ابن مردويه كما في تفسير ابن كثير: 1 / 17، وغيرها.
4) الأحزاب: 33.
5) أنظر: ابن كثير في تفسير القرآن العظيم: 3 / 486، الطحاوي في مشكل الآثار: 1 / 222 ـ 238، الحسكاني في شواهد التنزيل: 2 / 10 {637}، ابن جرير الطبري في تفسيره: 22 / 5 ـ 8، السيوطي في الدرّ المنثور: 6 / 604.
الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وعليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) (1).
وفيها إخبار من الله تعالى بإرادته إذهاب الرجس عنهم، والرجس هنا هو رجس الذنوب، وأقله طهارتهم وصدقهم.
ولقد أجمعوا ـ أي المخصوصين بالآية ـ على أنّ الإمامة لأمير المؤمنين(عليه السلام)، وإجماعهم هذا حجّة واجبة الاتباع، إضافة إلى أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)طالب بالخلافة ليقوم بشؤونها، فتكون مطالبته صادقة وصحيحة.
5 ـ قوله تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ)(2).
وقد تواترت الأخبار عن عبد الله بن عبّاس وغيره، أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أخذ يوم المباهلة بيد عليّ والحسن والحسين وجعلوا فاطمة وراءهم(3)، كما أجمع المفسّرون(4)على أنّ (أَبْناءَنا) إشارة إلى الحسن والحسين(عليهما السلام)، (وَأَنْفُسَنا )إشارة إلى الإمام عليّ(عليه السلام)، فقد جعله الله تعالى نفس النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو
1) أنظر: مسند أحمد: 6 / 292 {26551}، صحيح مسلم: 4 / 1883 {2424}، المستدرك للحاكم: 3 / 158 {4705}، سنن الترمذي: 5 / 262 (3205 ـ 3206)، 6 / 125 {3787}، 174 {3871}، الصواعق المحرقة لابن حجر: 2 / 421.
2) آل عمران: 61.
3) أنظر: صحيح مسلم: 4 / 1871 {2404}، مسند أحمد: 1 / 185 {1608}، سنن الترمذي: 6 / 86 {3724}، تحفة الأحوذي: 8 / 278 {3186}، مستدرك الحاكم: 3 / 163، سنن البيهقي: 7 / 101 {13392}.
4) أنظر: تفسير الطبري: 3 / 300، تفسير ابن كثير: 1 / 379، تفسير الدرّ المنثور للسيوطي:2 / 231، الكشّاف للزمخشري: 1 / 564، أسباب النزول للواحدي: 61 {209}.
المساوي له في الكمال والتصرّف و...
وهذه الآية أدلّ دليل على علوّ رتبته(عليه السلام)وأحقيّته بالخلافة، لأنّ الباري حكم بمساواته لنفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكيف يسوغ لمسلم أن يقدّم أحداً على نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
ولهذا ترى أمير المؤمنين(عليه السلام) استدلّ بهذه الآية عندما احتجّ في الشورى على الحاضرين بجملة من فضائله ومناقبه و...، وكانت آية المباهلة من صميم تلك الاحتجاجات.
6 ـ قوله تعالى: (... إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هاد)(1).
وقد روى الجمهور عن ابن عبّاس قوله: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أنا المنذر وعليّ الهادي، وبك يا عليّ يهتدي المهتدون "(2).
ودلالتها ليست مقصورة على أصل الهداية، بل على كمال الهداية.
والملفت هنا أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) المنذر فلا منذر معه في وقته، فكذلك الهادي فلا هادي معه في وقته.
7 ـ قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً...)(3).
فلم يعمل بذلك أحّد من الصحابة إلاّ عليّ(عليه السلام) إلى أن نسخت(3)، وهي تدلّ
1) الرعد: 7.
2) أنظر: المستدرك للحاكم: 3 / 140، التفسير الكبير للرازي: 7 / 14، تفسير فتح القدير للشوكاني: 3 / 70، تفسير الطبري: 13 / 108، ينابيع المودّة للقندوزي: 1 / 296، شواهد التنزيل للحسكاني: 1 / 293 {398}، فرائد السمطين للجويني: 1 / 148 {112}.(3) المجادلة: 12.
3) أنظر: تفسير الطبري: 28 / 19، أحكام القرآن للجصاص: 3 / 428، أسباب النزول للواحدي: 432، سنن النسائي: 5 / 152 {8537}، الدرّ المنثور للسيوطي: 8 / 84، التفسير الكبير للرازي: 10 / 495، ينابيع المودّة للقندوزي: 1 / 299، تفسير ابن كثير: 4 / 318، الرياض النضرة للطبري: 2 / 146 {1483}، مستدرك الحاكم: 2 / 523 {3794}، وغيرها.
على أفضليته بمسارعته إلى قبول أمر الله عزّوجلّ والعمل به، وبالخصوص بعد أن بخل الآخرين.
8 ـ قوله تعالى: ( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ )(1).
فقد روى علماء الجمهور أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)(2)، لبيان أفضليّته على الجميع، والأفضل هو الأولى بالإمامة.
9 ـ قوله تعالى: ( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ )(3).
وقد أجمع المفسّرون أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) لمّا خرج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مهاجراً إلى المدينة، فخلفه لقضاء دينه وردّ ودائعه(4)، وأصغر دلالاتها فضله واجتهاده في طاعة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وبذل النفس له.
1) التوبة: 19.
2) أنظر: الدرّ المنثور للسيوطي: 4 / 146، تفسير ابن كثير: 2 / 341، تفسير الطبري: 10 / 96، جامع الاصول لابن الأثير: 8 / 663 {6514}، التفسير الكبير للرازي: 6 / 12، أسباب النزول للواحدي: 248 {494}، ينابيع المودّة للقندوزي: 1 / 277.
3) البقرة: 207.
4) أنظر: شواهد التنزيل للحسكاني: 1 / 96 (133 ـ 137)، ينابيع المودّة للقندوزي: 1 / 273، التفسير الكبير للفخر الرازي: 2 / 350، تذكرة الخواص لابن الجوزي: 40، فرائد السمطين للجويني: 1 / 330 {256}، تاريخ دمشق لابن عساكر: 42 / 68.
10 ـ قوله تعالى: (وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ اْلأَكْبَرِ)(1).
فقد ورد في مسند أحمد وغيره: هو عليّ(عليه السلام) حين أذّن بالآيات من سورة البراءة، حيث أنفذها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مع أبي بكر وأتبعه(صلى الله عليه وآله وسلم) بعليّ(عليه السلام)، فرّده ومضى علي(عليه السلام)، وقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): " قد اُمرت أن لا يبلّغها إلاّ أنا أو واحد مني "(2).
والوجه في فعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بإنفاذ الأوّل وردّه بعدها، لا يخرج بعد لحاظ التنزيه عن العبث والهوى، إلاّ تنبيهاً لفضل الثاني وتنويهاً بأسمه وتشخيصه للناس.
وأمّا السنّة فالأخبار المتواترة فيها عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والدالّة على إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) أكثر من أن تحصى، وقد روى جمهور أبناء العامة وأصحاب الأئمّة(عليهم السلام) هذه الأحاديث في مصنّفاتهم، وذكروها في مرويّاتهم، ونقتصر على نزر يسير منها:
الأوّل: عن سلمان قال: " يا رسول الله من وصيّك؟... قال(صلى الله عليه وآله وسلم): فإنّ وصيّي ووارثي يقضي ديني وينجز موعدي عليّ بن أبي طالب "(3).
الثاني: قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام): " أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة
1) التوبة: 3.
2) أنظر: مسند أحمد: 3 / 283 {14051}، شواهد التنزيل للحسكاني: 1 / 235 {315}، الدرّ المنثور للسيوطي: 4 / 122، مجمع الزوائد للهيثمي: 7 / 29، تفسير ابن كثير: 2 / 333، التفسير الكبير للرازي: 5 / 523، البداية والنهاية لابن كثير: 7 / 250، ذخائر العقبى للطبري: 69.
3) أنظر: فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 615 {1052}، مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 113، كفاية الطالب للكنجي: 293، شواهد التنزيل للحسكاني: 1 / 77 {115}، الرياض النضرة للطبري: 2 / 199 (31374)، ذخائر العقبى للطبري: 71، المعجم الكبير للطبراني: 6 / 221 {6063}.
هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي "(1).
وفي رواية أحمد، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " اللهمّ إنّي أقول كما قال أخي موسى اللهم إجعل لي وزيراً من أهلي، عليّاً أخي، أشدد به أزري وأشركه في أمري... "(2).
فقد أثبت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام) جميع منازل هارون من موسى إلاّ النبوّة، ومن منازله الخلافة والشركة في الأمر وذلك معنى الإمامة.
الثالث: أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بسدّ الأبواب إلاّ باب عليّ(عليه السلام)، فتكلّم الناس! فخطب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ قال: " فإنّي أمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب عليّ فقال فيه قائلكم، والله ما سددت شيئاً ولا فتحته! إنّما أُمرت بشيء فاتبعته "(3).
الرابع: ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " إنّ عليّاً منّي وأنا من عليّ، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي "(4).
الخامس: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "...إنّ طاعة عليّ من طاعتي، وطاعتي
1) أنظر: صحيح مسلم: 4 / 1871 {2404}، صحيح البخاري: 4 / 1602 {4154}، مسند أحمد: 1 / 177 {1532}، سنن الترمذي: 6 / 86 {3724}، سنن النسائي: 5 / 112 {8409}، وغيرهم.
2) أنظر: فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 678 {1158}، وأنظر: تاريخ ابن عساكر: 42 / 52، الرياض النضرة للطبري: 2 / 101 {1301}، ذخائر العقبى للطبري: 63، الدرّ المنثور للسيوطي: 5 / 566، نور الأبصار للشبلنجي: 118، شواهد التنزيل للحسكاني: 1 / 368 {510}.
3) أنظر: مسند أحمد: 1 / 175 {1511}، مستدرك الحاكم: 3 / 135 {4631}، سنن الترمذي: 6 / 91 {3732}، المعجم الأوسط للطبراني: 3 / 82 {3930}.
4) أنظر: مسند أحمد: 4 / 437، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 605 {1035}، حلية الأولياء لأبي نعيم: 6 / 294، مستدرك الحاكم: 3 / 119 {4579}، صحيح ابن حبان: 15 / 373 {6929}، سنن النسائي: 5 / 45 {8146}، الصواعق المحرقة لابن حجر: 1 / 109، سنن الترمذي: 6 / 78 {3717}.
من طاعة الله تعالى "(1).
السادس: عن أم سلمة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض يوم القيامة "(2).
السابع: ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): " أنّه لا يجوز على الصراط إلاّ من كان معه كتاب بولاية عليّ بن أبي طالب "(3).
يقول الأخ إبراهيم: " لم تبق لي هذه الآيات والأحاديث مجالا للشكّ في أحقيّة الإمام عليّ(عليه السلام) بقيادة الأمّة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أنّ أحداث الخلافة التي جرت في السقيفة، وتجرّي بعض الصحابة على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه الذي توفي فيه، وما جرى على أهل البيت(عليهم السلام) من تعدّي بُعيد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) و...، كلّ هذه الأحداث جعلتني أتأمّل في معتقداتي.
فقرّرت إنقاذ نفسي بعد أن اتّضحت لي الأمور، وكشف الغطاء الذي ستره البعض، وتوجهت إلى الله تعالى ليوفقني في سلوك النهج الصحيح والسبيل الموصل إليه، فهداني جلّ وعلا للتمسّك بعدل الكتابة وثقله، عترة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته الكرام(عليهم السلام)، فأعلنت استبصاري في " غانا " عام 1991م ".
1) أنظر: فرائد السمطين للجويني: 1 / 178 {178}، ينابيع المودّة للقندوزي: 2 / 287، ذخائر العقبى للطبري: 65، فضائل الخمسة من الصحاح الستّة: 2 / 106، مستدرك الحاكم: 3 / 131 {4671}، الرياض النضرة للطبري: 2 / 106 {1321}، تاريخ ابن عساكر: 42 / 206.
2) أنظر: تاريخ بغداد: 14 / 320 {7643}، مجمع الزوائد للهيثمي: 7 / 235 و 9 / 134، تاريخ ابن عساكر: 42 / 449.
3) أنظر: المناقب لابن المغازلي: 242 {289}، فرائد السمطين للجويني: 1 / 289 {228}، ينابيع المودّة للقندوزي: 2 / 162، الرياض النضرة للطبري: 2 / 118 {1367}، ذخائر العقبى للطبري: 71.
الصورة
ولد بقرية " سوكو " التابعة لمدينة " بوندوكو " في ساحل العاج(1)عام 1980م، من عائلة تعتنق المذهب المالكي.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1993م في بلاده، بعد أن تجلت له الحقائق من خلال البحث والتتبع.
يقول ابراهيم: " لازلت أتذكر ذلك اليوم الذي طرق سمعي فيه كلمة الشيعة، إذ كنت أنذاك طالباً في مدرسة التربية والتعليم الإسلامي، وكنت أحبّ مادة التاريخ، وفي أحد الأيام كان الدرس يرتبط بالعهد الأُموي، فتطرّق الأستاذ في الدرس حول أهم الأحداث التي وقعت خلال فترة حكم الأمويين، ومنها واقعة
1) ساحل العاج: تقع في الجزء الغربي من أفريقيا وتطل على المحيط الأطلسي، يبلغ عدد سكانها قرابة {18} مليون نسمة، تتجاوز نسبة المسلمين 50، أغلبهم من أتباع المذهب المالكي، أمّا الشيعة فيوجد عدّة آلاف من أهل البلد إضافة إلى عشرات الآلاف من المهاجرين.
الطفّ! فأشار الأستاذ بشكل عابر إلى مجريات واقعة الطفّ، وذكر أنّ الخليفة يزيد بن معاوية قتل الحسين(عليه السلام) وأهل بيته بصورة فجيعة وبادر إلى إبادة الشيعة في هذه الواقعة، ثم أشار الأستاذ إلى بعض الأفعال المروّعة التي ارتكبها معسكر يزيد ضدّ الحسين(عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه.
فتأثرت من أعماق كياني بواقعة الطفّ الدامية التي كان ضحيتها ابن بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته، وتداعى في ذهني كيف تجرأ يزيد بارتكاب هذه الأفعال الشنيعة وهو الخليفة يوم ذاك!
ثم وقع تساؤل في نفسي: ياترى من هم الشيعة الذين ذكرهم الأستاذ وقال: إنّ يزيد أبادهم؟ وماهي صلتهم بالحسين(عليه السلام)؟
فلما أنتهى الدرس توجهت إلى الأستاذ لأستفسر منه حول الشيعة الذين ذكرهم، فقلت له: من هم هؤلاء وماهي صلتهم بالحسين(عليه السلام)، ولماذا أمر الخليفة يزيد بقتلهم وقتل ابن بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
فأجابني الأستاذ: إنّ الشيعة طائفة إسلامية تعتقد بإمامة عليّ بن أبي طالب وولده، وتقول بأنّه الأحق بالخلافة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أنّ لهؤلاء معتقدات تغاير ما عليه المسلمون وهي عقائد ضالة ومنحرفة، وهم أناس خرافيون لا يستندون إلى دليل منطقي أو برهان عقلي فيما يذهبون إليه.
ثم أضاف الأستاذ قائلاً: ويمكن تمييز هؤلاء عن غيرهم بكيفية أدائهم للصلاة، فهم يسجدون على التربة، ثم قال لي: ويمكنك للمزيد من التعرف عليهم أن تذهب إلى (آدم وترى) لأنّه أصبح منهم وانتمى إلى التشيع، فأحبذ أن تلتقي به لتجد الانحراف الفكري عنده بصورة مباشرة وتلمس أفكاره الضالة بوضوح.
استغربت من كلام الأستاذ عندما أنبأني بأنّ آدم قد انتمى إلى التشيع!، فقلت في نفسي: إنّه خير من أستفسر منه حقيقة هؤلاء الناس الذين لا قوا ما لاقوا يوم عاشوراء.
فقصدته وأخبرته بما جرى بيني وبين أستاذي حول واقعة الطفّ، وطلبت منه أن يبيّن لي ما عنده ويذكر لي أسباب انتمائه لهؤلاء الناس؟، فقبل مني ذلك واتفقنا معاً على موعد معيّن لنتحدث في هذا الموضوع.
وفي الموعد المقرّر، بدأ الأخ آدم الحديث قائلا: إنّ الأحداث التي تلت وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرة، ويحتار الباحث في تعيين الانطلاقة في البحث.
فقلت له: الأفضل أن نشرع من البداية كي تتضح الأمور، فبدأ آدم بالحديث عن مرض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وتجرؤ بعض الصحابة عليه واتهامهم له (صلى الله عليه وآله وسلم)بالهجر والهذيان، وما جرى بعد وفاة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) من أحداث في السقيفة، وانتهاك القوم لحرمة بيت فاطمة(عليها السلام) و...، ثم تدرّج في الأحداث التي وقعت بعد تولي يزيد لأمر الخلافة ".
إنّ شخصية يزيد معروفة وواضحة لمن له أدنى مراجعة لكتب التاريخ، لأنّ الإنسان مخبوء تحت لسانه، والأقوال المنقولة عن لسان يزيد تكشف بوضوح حقيقة أمره، كما أنّ يزيد لم يكن من أمثال المنافقين ليخفي سريرته، بل كان يجهر بالفسق والفجور قولاً وعملاً منذ نشأته حتى تنصيبه للخلافة، وورد أنّه قال بعد موت أبيه معاوية وافضاء الأمر إليه: " قد وليت الأمر بعده، ولست أعتذر عن
جهل، ولا أشتغل بطلب علم "(1).
فهو يقرّ بعنجهيته ولهوه وجهله، ويفرض على أُمة الإسلام وجوده ويهدّد من يخالفه بالإرهاب والقتل، ولم يكن ما صدر من يزيد إلاّ لأنّ الترف باعد بيّنه وبين الدين، فجعله شخصية دكتاتورية لا يهمها سوى اشباع غرائزها وتحقيق نزواتها مهما كلف الأمر.
كما أنّ معاوية كان قد مهّد له الأجواء والأرضية ليعبث بها كيف ما شاء، فاستغل يزيد هذا الأمر وارتكب ما تهواه نفسه، فكان يزيد يفتقد الحدّ الأدنى من المقومات التي تجعله مؤهلاً لمنصب الخلافة، بحيث أقرّ بذلك الدعي زياد بن أبيه ـ وهو من عُرف ببغيه وسوء سريرته ـ وكتب إلى معاوية بشأن البيعة ليزيد: " ويزيد صاحب رَسْلَة وتهاون، مع ما قد أولع به من الصيد "(2)، ويزيد معروفاً بالتهوّر وعدم الاتزان، حيث قال عنه البلاذري: " لا يهم بشيء إلاّ ركبه "(3).
وبمراجعة ما ذكره المؤرخون عن مقاطع حياته تنكشف بوضوح شخصية يزيد المستهترة، ويعود السبب الكبير في ضعف صلة يزيد بالدين هو ترعّرعه ـ كما يسأتي في الأجواء المسيحية التي نشأ فيها ـ وهذه الأجواء هي التي جعلته عاجزاً عن النفاق والتظاهر بالورع والتقوى، والتلبس بلباس الدين، وجعلته مجاهراً بارتكاب المحرمات واقتراف الآثام(3).
1) أنظر: مروج الذهب للمسعودي: 3 / 65، العقد الفريد لابن عبد ربه: 5 / 124، البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 99.
2) أنظر: تاريخ الطبري: 5 / 302، تاريخ ابن عساكر: 38 / 212.(3) أنساب الأشراف: 5 / 299.
3) أنظر: تاريخ العرب لفيليب حتي: 2 / 258، سمو المعنى في سمو الذات لعبد الله العلايلي: 59 ـ 61، الدولة العربية وسقوطها لولهاوزن: 137 ـ 138، تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان: 129، رسائل الجاحظ: 3 / 72.
وكان الإمام الحسين(عليه السلام) يعلم أنّ تولي يزيد للخلافة سوف يؤدي إلى اضمحلال الدين، وتفشي الضلال في أوساط الأمة، فلهذا كتب إلى معاوية جواباً على رسالته ووصف فيها يزيد بدقة وبصراحة: "... وفهمت ما ذكرت عن يزيد، من اكتماله وسياسته لأمة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، تريد أن توهم الناس في يزيد! كأنّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دلّ يزيد من نفسه على موضع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه، من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السّبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف، وضرب الملاهي تجده باصراً "(1).
ولكن معاوية كان يريد أن يحول الخلافة إلى ملكيّة فلم يبالي بما قيل له، بل حاول تمهيد أرضية الحكم لإبنه وبذل قصارى جهده لتحقيق ذلك، حتى وصل به الحدّ أن أمر بوضع أحاديث تروّض الناس على الخضوع والذل، وترسّخ عقيدة الجبر في أوساط الأمة، ليؤهل بذلك الأرضية لرضوخها في قبول إبنه كخليفة لله يجب السكوت على تصرفاته مهما كانت، كما في حديث: " من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنّه من فارق الجماعة شبراً، فمات إلاّ مات ميتة جاهلية "(2).
وكان هذا الاسلوب إحدى طرق التضليل الديني الذي ابتدعه معاوية لتثبيت ملكه وملك بني أُمية! حيث قال له يزيد بعد أن تمّت له البيعة بولاية العهد: " والله ما ندري أنخدع الناس أم يخدعوننا؟! فقال له معاوية: كل من أردت خديعته فتخادع لك حتى تبلغ منه حاجتك فقد خدعته "(3).
عند تولي يزيد الخلافة لم يجد الإمام الحسين(عليه السلام) بدّاً من رفض بيعته وتوعيت الناس وتنبيههم بالخطر الذي كان يهدّد جذور الإسلام، فقال (عليه السلام) لمّا بلغه ذلك: " وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت الأُمة براع مثل يزيد "(1).
فقابله يزيد بعنف حتى حدثت مجزرة كربلاء الرهيبة، فذبح الحسين(عليه السلام)وقتل آل رسول الله(عليهم السلام)ومن شايعهم، ومثّل بهم أبشع تمثيل، وسبيت نساءهم وذراريهم، ونهب رحلهم، ثم لم يكتف يزيد بهذه الجريمة، بل أمر بالهجوم على مدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لمعارضتهم لحكمه، فاستباحها وقتل أهلها وهتك الأعراض فيها، فافتض عساكره في هذه الواقعة ألف بكر! وقتل الآلاف من المسلمين فيهم جمع من الصحابة!، وجريمته المنكرة هدمه للكعبة المشرفة وحرقها وترويع أهل الحرم المكي!!، وكل هذا ذكره المؤرخون وأصحاب السير وغيرهم.
وقد ذكر المؤرخ الأُموي ابن عبد ربه الأَندلسي أخبار عجيبة، ومثالب كثيرة، من شربه الخمر، وقتل ابن الرسول، ولعن الوصي، وهدم البيت وإحراقه، وسفك الدماء، والفسق والفجور، وغير ذلك مما قد ورد فيه الوعيد باليأس من غفرانه، كوروده فيمن جحد توحيده وخالف رسله(2).
كما أنّ يزيد بن معاوية اعتمد في ارتكابه لهذه الجرائم على أعوان لايؤمنون بشيء من القيم الإنسانية، بل كانوا مزيجاً من المسوخ البشرية وذوي العاهات النفسية الغريبة التركيب، فكانوا يمتلكون نفوساً مليئة بالحقد والتدمير
للأمة الإسلامية ورموزها المقدسة.
فكان من هؤلاء: مستشاره ونديمه المرافق له كظله (سرجون النصراني) الذي لعب دوراً هدّاماً في الكيان الإسلامي، فقرّبه يزيد ومنحه المكانة العالية وبسط يده في الدولة، لأنّ يزيد عاش فترة طفولته وشبابه المبكر مع أُمه ميسون وأخواله بني كلب النصارى; وكان من شعراء يزيد (الأخطل) وهو نصراني لئيم أيضاً، تمادى في هجوه للأنصار! ولم يكتف يزيد بذلك، بل عهد بتربية أحد أبنائه إلى مرّب نصراني!.
واعتمد أيضاً على الأدعياء وأبناء الأدعياء، ك (عبيد الله بن زياد) المعروف ببغضه لآل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم، والمشهور بفتكه وقسوته، كما اعتمد على (عمر بن سعد بن أبي وقاص) المعروف بطمعه وحبّه للمناصب، وهو الذي وجّه لحرب الحسين(عليه السلام)، وكان أوّل من شنّ الحرب في أرض كربلاء ضدّ الإمام الحسين(عليه السلام) ليرضي بذلك ابن زياد فيوليه بلاد الري وجرجان، فرمى بسهم نحو معسكر أبي عبد الله(عليه السلام) وقال: " اشهدوا لي عند الأمير أني أوّل من رمى، ثم رمى الناس "(1)!
واعتمد يزيد على الخارجي (شمر بن ذي الجوشن) الذي عرف عنه النَصب والعداوة لآل عليّ(عليه السلام)، تلك العداوة التي جسدها بكل خسة عند توليه لذبح سيد الشهداء(عليه السلام)!
وغير هؤلاء كثير، فكانت تصرفاتهم مطابقة لتصرفات يزيد بحيث غلب على أصحابه وعماله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب!.
1) أنظر: الخطط للمقريزي: 2 / 287.
وإنّ التاريخ بالرغم من كتابة أكثر فصوله بأقلام كانت تداري حكام الجور الذين كانوا يبغضون علياً وبنيه(عليهم السلام) قد ذكر أفعال يزيد وشخصيته، ولكن مع ذلك نجد هناك بعض ممن في قلبه مرض حاول الدفاع عن يزيد ولم يجوّز لعنه!!.
فقد قال ابن كثير بعد ما نقل عن أبي الفرج الحنبلي تجويز لعنه: " ومنع من ذلك آخرون، وصنفوا في ذلك أيضاً لئلاً يجعل لعنه وسيلة إلى أبيه أو أحد من الصحابة، وحملوا ماصدر منه من سوء التصرفات على أنّه تأوّل ذلك وأخطأ، وقالوا: إنّه مع ذلك كان إماماً فاسقاً، والإمام إذا فسق لا يعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقوع الهرج وسفك الدم الحرام... وأمّا ما ذكره بعض الناس من أنّ يزيد لمّا بلغه خبر أهل المدينة وما جرى عليهم عند الحرّة من مسلم بن عقبة وجيشه، فرح بذلك فرحاً شديداً، فإنّه يرى أنّه الإمام وقد خرجوا عن طاعته، وأمرّوا عليه غيره، فله قتالهم حتى يرجعوا إلى الطاعة ولزوم الجماعة "(1).
" وإن عشت أراك الدهر عجباً " فالخروج على السلطان الجائر المستحل لحرام الله المؤدي إلى وقوع الهرج وسفك الدم الحرام غير جائز!! وبقاء الحاكم الذي عمّ بظله الهرج والمرج، وسفك بأمره دم آل رسول الله(عليهم السلام)وهدم بأمره بيت الله و... كل هذا جائز (ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)!(2).
وقال الذّهبي عن لعنه: " ويزيد ممن لا نسبّه ولا نحبّه، وله نظراء من خلفاء الدولتين، وكذلك ملوك النواحي، بل فيهم من هو شرّ منه، وإنّما عظم الخطب لكونه ولي بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بتسع وأربعين سنة، والعهد قريب، والصحابة
موجودون، كابن عمر الذي كان أولى بالأمر منه ومن أبيه وجدّه "(1).
فالذّهبي لا يسبّه لوجود نظراء سوء مثله، ولا يحبّه لأنّ ابن عمر أولى بالأمر منه!، ولهذا عظم الخطب عنده، لا لقتله سيد شباب الجنّة وريحانة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا لقتله المسلمين وهتكه للأعراض في المدينة المنورة، ولا لهدمه الكعبة المشرفة!!.
وزعم أبو بكر ابن العربي المالكي (عليه لعنة الله) أنّ الحسين قتل بسيف جدّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يجوز لعن يزيد لذلك(2)!!.
واستحسن ابن حجر الهيثمي ما ذهب إليه الغزالي والمتولي بعد أن نقل قولهما في كتابه الصواعق: " لا يجوز لعن يزيد ولا تكفيره، فإنّه من جملة المؤمنين، وأمره إلى مشيئة الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه "(3)!.
وياترى من أين جاء له الإيمان؟! وهو الذي وضع رأس الحسين(عليه السلام)ورؤوس آل عبد المطلب بين يديه وتمثّل بأبيات المشرك ابن الزبعري ـ التي افتخر فيها بانتصار قريش على المسلمين يوم أحد ـ فجعل يزيد ينشد:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحاً ثم قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل
كما أنّه نكث رأس الحسين(عليه السلام) بخيزرانته وأنشد يقول بمرأى ومسمع من المسلمين:
لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل(1)
وأقواله هذه توحي أنّه كان من الذين جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعدواناً (فَإِنَّها لا تَعْمَى اْلأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)(2).
ومما يستنتج من أفعال يزيد بن معاوية، أنّه كان لا يؤمن بالله عزّوجلّ في قرارة نفسه، وكان جانحاً ميّالاً للعبث في تصرفاته، وحاقداً على النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)وآله، ولهذا جزم بعض علماء العامة بكفره وجواز لعنه، كابن الجوزي، والقاضي أبي يعلى، والتفتازاني، وجلال الدين السيوطي، وأحمد بن حنبل(3)، وغيرهم.
وقد ألّف ابن الجوزي كتاباً أسماه " الرد على المتعصب العنيد، المانع من ذم يزيد "، وقال فيه: " سألني سائل في بعض مجالس الوعظ عن يزيد بن معاوية وما فعل في حقّ الحسين(عليه السلام)، فقلت: يكفيه ما فيه!... قال: تجوّز لعنه؟ فقلت: قد أجازها العلماء الورعون، منهم الإمام أحمد بن حنبل [ فإنّه ذكر في حق يزيد ما يزيد على اللعنة ]"(4).
وروى عن القاضي أبي يعلى بن الفراء، أنّه روى في كتابه المعتمد في الأصول بإسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل، قال: " قلت لأبي: إنّ قوماً
ينسبوننا إلى توالي يزيد؟! فقال: يا بني، وهل يتوالى يزيد أحد يؤمن بالله؟ [فقلت: فلم لا تلعنه؟! فقال: ومتى رأيتني لعنت شيئاً يا بني ]، لم لا تلعن من لعنه الله في كتابه؟ فقلت: وأين لعن الله يزيد في كتابه؟ فقال: في قوله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي اْلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ)(1)فهل يكون فساداً أعظم من القتل؟ "(2).
وقد صنف القاضي أبو يعلى كتاباً ذكر فيه بيان من يستحق اللعن، ومنهم يزيد، وقال: " الممتنع من ذلك إمّا أن يكون غير عالم بجواز ذلك، أو منافقاً..."(3).
وقال سعد الدين التفتازاني: " وبعضهم أطلق اللعن عليه، لما أنّه كفر حين أمر بقتل الحسين (رضي الله عنه)، واتفقوا على جواز اللعن على من قتله، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به.
والحق: إنّ رضى يزيد ـ لعنه الله ـ بقتل الحسين(عليه السلام)واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مما تواتر معناه، وإن كانت تفاصيله آحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه "(4).
وقال الآلوسي في تفسيره بعد أن ذكر كلام ابن الجوزي في يزيد: " وأنا أقول: الذي يغلب على ظني أن الخبيث لم يكن مصدّقاً برسالة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)... ولو سلم أن الخبيث كان مسلماً فهو مسلمٌ جمع من الكبائر مالا يحيط به نطاق البيان، وأنا أذهب إلى لعن مثله على التعيين، ولو لم يتصور أن يكون له مثل من الفاسقين،
والظاهر أنّه لم يتب، واحتمال توبته أضعف من إيمانه "(1).
وواقعة الحرّة تشهد على فعل يزيد بالمدينة وأهلها، وخصوصاً بعد ما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " من أخاف أهل المدينة ظلماً أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين... "(2).
فيزيد بن معاوية ملعون آيس من رحمة الله، وقد دعى عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو لم يولد بعد، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): " يزيد لا بارك الله بيزيد، نُعي إلي الحسين، وأُوتيت بتربته، وأُخبرت بقاتله... واهاً لفراخ آل محمّد من خليفة مستخلف مترف، يقتل خلفي وخلف الخلف "(3).
كما لعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) بالوصف أيضاً، فقال: " سبعة [ستة] لعنتهم وكل نبيّ مجاب الدعوة... والمستحل من عترتي ما حرّم الله "(4).
وأخرج ابن أبي شيبة، وأبي يعلى، والروياني، والحافظ السلمي والنيسابوري، والبيهقي، وابن عساكر، والضياء، عن أبي ذر رضي الله عنه: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " أوّل من يبدّل سنتي رجل من بني أمية ـ وزاد الروياني ـ يقال له يزيد "(5).
1) أنظر روح المعاني: 13 / 228.
2) أنظر: مسند أحمد: 4 / 55، مسند الحارث (زوائد الهيثمي): 1 / 467 {395}، تاريخ الذهبي أحداث {63}: 5 / 26.
3) أنظر: كنز العمال: 12 / 128 {34324}، الجامع الكبير للطبراني: 3 / 120، مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 190.
4) أنظر: صحيح ابن حبّان: 13 / 60 {5749}، الصواعق المحرقة لابن حجر: 2 / 506، كنز العمال: 16 / 85 {44024}، المستدرك للحاكم: 2 / 571 {3940}، المعجم الكبير للطبراني: 17 / 43.
5) أنظر: مصنف ابن أبي شيبة: 7 / 260 {35877}، فيض القدير للمناوي: 3 / 94، مسند أبي يعلى: 2 / 176 {781}، البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 163، جمع الجوامع للسيوطي: 3 / 271 {8780}.
وقد تبرء بعض بني أُمية من سوء فعاله، وأدانوا سيرته، حتى أنّ إبنه معاوية قال عنه عندما هلك يزيد: " إنّ من أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه، وبئيس منقلبه، وقد قتل عترة الرسول، وأباح الخمر، وخرّب الكعبة... "(1).
ومن كلام إبنه هذا يحكم بكفره لا محال، لأنّه غيّر حكم الله وبدّل شريعة الإسلام بإباحته للخمر ـ وتحليل الخمر يعني الحكم بأنّها حلال ومباح ـ وفاعل ذلك كافرٌ شرعاً لا خلاف فيه، وإذا قيل: أنّه ولد من مسلم، يكون مرتدّاً مليّاً يجب قتله!
كما أكد عمر بن عبد العزيز إدانته لأفعال يزيد، عندما ذكره رجل في بلاطه فقال: أمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فقال: " تقول أمير المؤمنين؟! فأمر به فضرب عشرين سوطاً "(2).
وقد ارتكب يزيد من الجرائم حتى خشي الناس غضب الله عليهم!، فعن عبد الله بن حنظلة ـ غسيل الملائكة ـ قال: " والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء، إنّه رجل ينكح أُمهات الأولاد والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة "(3).
يقول إبراهيم وترى: " جعلني كلام قريبي آدم مذهولاً مندهشاً بعدما
كشف لي الستار عن هذه الحقائق التاريخية! فتجلى لي بوضوح أنّ من يحمل هذه الصفات المذمومة والرذائل الموبقة لا يجوز له أن يقود أمة ترعرعت في أوساطها أقدس رسالات الله تعالى، ولا يستحق أن يلقّب خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّه يفقد جميع مقومات الخلافة.
فمن ذلك الحين وجدت يزيد رجلاً على حدّ تعبير الذهبي: ناصبياً، فظاً، غليظاً، جلفاً، يتناول المسكر، ويفعل المنكر، افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرّة، فمقته الناس(1).
فاتفقت مع الأخ آدم على عقد لقاءات أُخرى لأتعرف على الشيعة أكثر فأكثر، وتكررت اللقاءات وتعدّدت البحوث حول مواضيع الإمامة والخلافة، وكان آدم يدعم أقواله بالأدلّة والبراهين، ويرشدني إلى الكتب، لا سيما كتب أبناء العامة لأحقق في الأمر بنفسي، وهكذا بقيت أستفسر واطالع و....
ومن جانب آخر كنت اناقش أستاذي ـ الذي أرشدنى لآدم ـ في هذه المسائل، فبدأ الأستاذ يمتعض مني، وخشي أن أتحوّل إلى مذهب الشيعة، فزودنى بعناوين بعض المؤسسات الثقافية لترفدني بالكتب والاصدارات التي قد توقف وتحدّ من تأملاتي في سلوك خلفاء الإسلام الذين كنت أجهل عنهم كل شئ تقريباً.
ولكنني بمرور الزمان تعرّفت على حقائق واجهت في الأذعان بها صعوبة بالغة، نتيجة الترسبات الفكرية السابقة، وكنت أقول في نفسي: كيف أترك مذهبي؟! كيف أهجر معتقداتي؟! كيف كيف...؟، ودارت الأيام حتى إلتقيت بأحد أصدقائي السابقين ـ وكان أحد طلاب مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) في غانا ـ فتحاورت
1) أنظر: سير أعلام النبلاء: 4 / 36 ـ 38.
معه في هذا المجال، فأعطاني كتاب (ثم اهتديت) و(لأكون مع الصادقين) و(مؤتمر علماء بغداد)، فوجدت فيها حقائق أُخرى تؤيد ما ذكر لي آدم من قبل.
وشيئاً فشيئاً بدأت سحب الظلام تنقشع من أمامي ونور الهداية يجذبني، فقرّرت الالتحاق بسفينة النجاة والاهتداء بنجوم الأمان والانتماء إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فأعلنت استبصاري عام 1993م في ساحل العاج ".
الصورة
نشأ في أُسرة تنتمي إلى المذهب الشافعي منذ ولادته عام 1961م في دولة جزر القمر(1)، ثم تدرج في الدراسة حتى حصل على شهادة الثانوية.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)عام 1995م في " مدغشقر ".
كان الأخ آتوماني كثير الاستماع إلى الخطب والمحاضرات التي يلقيها العلماء في المساجد والمحافل، فكان نتيجة ذلك إرتقاء مستواه العلمي وازدياد ثقافته الدينية وانفتاح ذهنيته في القضايا الفكرية، بحيث توفّرت لديه معلومات دينية غزيرة دفعته ليُكثر من صحبة الذين يدور حديثهم حول المسائل الإسلامية، وهذا ما ساعده على تنمية قدرته الفكرية، فتبلورت إتجاهاته وأصبحت هوايته البحث والتتبع والاستقصاء.
1) جزر القمر: تقع جنوب شرق أفريقيا داخل المحيط الهندي شرق سواحل موزنبيق وشمال مدغشقر، تضم أربع جزر صغيرة، يبلغ عدد سكانها قرابة المليون نسمة، غالبيتهم من المسلمين ما عدى 2 من المسيحيين، وأغلب المسلمين من الشافعية المحبين للشيعة، وللشيعة تواجد ملحوظ بهذه الجزر.
كما أنّ هذه الملكة جعلته يتعمق في المسائل الفكرية والاعتقادية التي يواجهها، فكان يتابعها ليصل إلى النتائج المطلوبة ويعيّن موقف أزائها.
يقول الأخ آتوماني: " في أحد الأيام سمعت بمذهب يطلق عليه الإمامية فدفعني حبّ الاستطلاع لأنّ أتعرف على أتباعه، فقصدت أحد مساجدهم في مدغشقر، وهو مسجد خاصّ بالهنود والباكستانيين الذين يدعون بالخوجة.
فما أن دخلت مسجدهم وإذا أفاجأ ببعض الأمور التي لم أكن آلفها من قبل في مساجدنا!! ككيفية أذانهم، إذ رأيتهم يأتون بعد الشهادة بالرسالة لنبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بشهادة أُخرى وهي الشهادة بالولاية لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)فأستغربت من ذلك! وعزمت على البحث عن حقيقة هذا الأمر، وعن الدافع والمحفّز الذي دعاهم للإتيان بهذه الشهادة ".
ويضيف آتوماني: " كان لي إستاذ يعينني في الشؤون الدينية وكنت أتلقى منه معالم ديني والتجىء إليه حينما يعترضني سؤال أو شبهة، لأنّني كنت أجده متمعّناً وفاضلاً في المسائل الدينية، وكان يتيح لي المجال للبحث والحوار ولايقابلني بشدّة، لأنّه كان يرى أنّ السؤال والاستفسار حالة طبيعية لابد أن يمرّ بها الإنسان الباحث حتى يصل إلى الحقيقة، ومن هذا المنطلق لم يكن متعنتاً في مبادئه أو متعصباً كغيره ممن كانوا لا يسمحون للباحث أن يستشكل عليهم، فإنّ البعض يقابلون السائل بقوّة وعنف ويرمونه بالكفر والضلال وينسبون مقولاته إلى الفرق المنحرفة، بحيث يجعلونه يخشى أن يوجّه اليهم سؤالاً أو إشكالاً خوفاً على سمعته وماء وجهه، وخشية أن يتهموه بالإنحراف!.
ولكن إستاذي لم يكن من هذا القبيل، فقصدته لأسألة عن مسألة الأذان
وسبب اختلافنا مع الشيعة، فبدأ الأستاذ يوضّح لي الحقائق المرتبطة بهذا الموضوع ".
إنّ حقيقة الأذان هو الإعلام والتنبيه، ويأتي به المسلمون إيذاناً منهم بدخول أوقات الصلاة.
ولا يخفى على أحد ما للإعلام الايجابي من دور هام لترسيخ المبادىء في النفوس وتحفيز الحالة المعنوية عند الإنسان، واستنهاض الهمم نحو الصلاح، فهو يترك أثراً بليغاً في نفس الإنسان ويُبلور سلوكه وإتجاهاته، ويلفت إنتباهه إلى الأمر الذي يدعو إليه، فيرسخه في ذهنه بكيفية جذّابة، وهذا الترسيخ يدعو الإنسان ويحفزه لتجسيد ذلك، فمن هنا يتبلور إهتمام الإنسان بإتجاه ذلك الأمر.
ومن هنا نجد كافة الجهات وبالأخص الجهات السياسية تهتم بالإعلام والدعاية والتبليغ، فهم يوظفون هذه الأداة لمحاربة خصومهم وللسيطرة على أذهان الناس ليبعدوهم عما لا يبتغوه، ومن هنا فإنّهم يبذلون قصارى جهدهم عبر القنوات الإعلامية ليهيمنوا على أفكار الناس، لئلا يعتريها التغيير فيفقدوا ثبات حاكميتهم على المجتمع.
إنّ الشيعة هم من جملة المذاهب التي لاقت أشدّ المعاناة على مرّ العصور من الحكومات الجائرة، لاعتقادهم أنّ عترة الرسول(عليهم السلام)هم الأحقّ بالحكم والخلافة من غيرهم، وهذا المعتقد يشكل خطراً كبيراً على الحكومات الجائرة، لأنّه يسلب منهم الشرعية، كما أنّ الإمامية كانت تغرس الوعي في أذهان
المسلمين وتعيد الثقة في نفوسهم ليرفضوا الظلم والطغيان، ولهذا شنّت هذه الحكومات هجماتها المكثفة ضدهم.
والشيعة لم يكن بأيديهم ذلك الإعلام الذي يدافعون به عن أنفسهم ليلفتوا إنتباه الآخرين، ويوضحوا لهم الحقائق ويبيّنوا لهم أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) أحقّ بالخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ عترة الرسول(عليهم السلام)هم المرجع للأُمة بعده(صلى الله عليه وآله وسلم).
كما أنّ الشيعة لم يكن ينقصهم الأدلة لإثبات معتقدهم، ولكن كان يعوزهم الإعلام ليلفتوا إنتباه الناس إلى هذا الأمر ويبيّنوا لهم الحقائق، لأنّ المجتمع كان على أثر إعلام الحكومات الجائرة يجهل حقيقة أمر أهل البيت(عليهم السلام)، وكانت السلطات الحاكمة قد رسّخت في أذهانهم أموراً تخالف الواقع، فكان من الضروري لمثل هكذا مجتمع أن يتحرك دعاته الصالحين ويلفتوا إنتباه الناس إلى الحقائق ومسار الإسلام الصحيح بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
ومن هذا المنطلق اتخذت الشيعة مواقف عديدة لتبيين أحقيتهم، وإلفات إنتباه الناس إلى ولاية أهل البيت(عليهم السلام)، ومن هذه المواقف يمكننا ذكر موقفين كان لهما الدور البليغ في توعية الناس، وإبطال الإعلام المضاد للمخالفين، وإزدهار التشيع وانتشاره في أقطار الأرض.
الموقف الأوّل: إحياء نهضة الحسين(عليه السلام):
إنّ الشعية بذلوا اهتماماً خاصاً لإحياء نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) فسلطوا الضوء عليها، لأنّها كانت حركة تبناها الإمام الحسين(عليه السلام) وأعانه على ذلك أنصاره، ليغرسوا الوعي في المجتمع وليلفتوا أنظاره إلى واقع الأمر، وما حلّ بشريعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من تحريف وتلاعب من بعده، ومن هنا تصدى الشيعة
لإحياء هذه النهضة فجعلوها وسيلة إعلامية لتبيين الحقيقة للناس، وجعلوها سبيلاً لإحياء المفاهيم الحقة وإضفاء الوعي في المجتمعات، لئلا ينخدعوا بالتيارات المنحرفة التي مثّلت إمتداداً للحركة الأموية ضد الإسلام، الذين تلاعبوا بمادىء الإسلام ليصوغوه وفق مبتغياتهم وعلى ضوء ما يحقق مآربهم، فاجتهد الشيعة ليبيّنوا للناس أنّ السبيل الوحيد لاتباع رسالة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما يتحقق بإتباع العترة(عليهم السلام)، لأنّهم الأُمناء على الشريعة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم الينبوع الذي اصطفاه الباري عزّوجلّ ليكون مصدراً نقيّاً يتلقى منه المجتمع معالم دينه، ويرجع إليه في الاختلافات بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
الموقف الثاني: الشهادة بالولاية لعليّ(عليه السلام) في الأذان:
وهذا الموقف اتخذه الشيعة لإيضاح أحقية أمر الخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وتوظيفه لتبيين الحقيقة، فالأذان عبادة توقيفية يجب الاقتصار فيه على المتيقن ثبوته من الشريعة، ولكن حيث لا يشترط التوالي فيه ويجوز الفصل بين فصوله ولا يحرم التكلّم بينها، فقد ذهب إجماع فطاحل العلماء من الشيعة أن يؤتوا بفقرة الشهادة لعليّ(عليه السلام) بالولاية بعد الشهادة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرسالة، على أن يكون ذلك إعلاماً وشعاراً لهم أمام الملأ، الذين طالما سيطر عليهم الحكام وحاولوا طمس الحقائق والتعتيم على حقيقة الولاية لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام).
فأصبحت هذه الشهادة الثالثة كالصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عقيب ذكر اسمه الشريف في الأذان.
إنّ دعوى لزوم التشريع من ذكر الشهادة بالولاية ليس بصحيح، لأنّ الإتيان بها ليس على قصد الجزئية لايحتاج إلى دليل من الشارع، بل الإتيان بها
هو على قصد عدم الجزئية، فهذه الفقرة ليست جزءاً من الأذان وإنّما هي جزء الإيمان.
وكان استلزام الاتيان بها للحاجة المقتضية لذلك، وذلك لأنّ الشيعة لاقت تياراً معاكساً شديداً استهدف الوقوف بوجه الحقّ، وكانت كافة وسائل الإعلام بيد خصومهم لسيطرتهم على زمام الاُمور، فمن هنا استوجب عليهم أن يستخدموا كافة الوسائل والأدوات الإعلامية التي لا يوجد فيها محذور شرعي، حتى يبيّنوا الحقائق التي شوهها الخصم في أوساط المجتمع، ويلقوا الحجّة على الناس في ذلك.
وقد شنّع أبناء العامة من قبل وإلى يومنا هذا على هذا، ولكن فاتهم بأنّ هذا الأمر لو يستحق التشنيع فعمر بن الخطاب هو أوّل من يشمله ذلك!، لأنّه أوّل من غيّر في فصول الأذان وأضاف اليه فقرة " الصلاة خير من النوم "، في حين كان أذان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خال منها(1).
كما أنّه أسقط فقرة " حي على خير العمل "، فقال وهو على المنبر: " ثلاث كن على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا أنهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن: متعة النساء ومتعة الحج و حي على خير العمل "(2)، مع أنّ هذه الفقرة كانت في أذان الرسول!(3).
وكما ذكرنا أنّ الأذان عبادة توقيفية يجوز إضافة عبارة إليه لا على سبيل الجزئية لعدم شرط التوالي فيه، ولكن لا يجوز أبداً إسقاط فصل منه لأنّ ذلك
سوف يخل بتشريعه من قِبل الله عزّوجلّ، ولكن عمر بن الخطاب لم يبالي بذلك.
وقد روي عن ابن أبي عمير أنّه سأل أبا الحسن(عليه السلام) عن " حي على خير العمل " لم تُركت من الأذان؟ فقال: تريد العلّة الظاهرة أو الباطنة؟ قلت: أريدهما جميعاً، فقال: أمّا العلّة الظاهرة فلئلا يدع الناس الجهاد إتكالاً على الصلاة، وأمّا الباطنه فإنّ خير العمل الولاية، فأراد من أمر بترك حي على خير العمل من الأذان أن لا يقع حثّ عليها ودعاء إليها(1)!
ومع ذلك سار أبناء العامة على نهج عمر بن الخطاب، فإذا كان الأمر كذلك وأنّهم حذفوا من فصول الأذان وأضافوا عليه، فكيف لهم أن يشكلوا على غيرهم؟! وكيف لهم أن يستحسنوا أمراً لأنفسهم ويستقبحوه لغيرهم؟!.
وأمّا بالنسبة إلى التخلي عن ذكر الشهادة بالولاية لأمير المؤمنين(عليه السلام) في الأذان، الذي هو أمر مستحب في نفسه، لكن بعد أن أصبح شعاراً للإيمان ورمزاً للتشيع، فمن غير المناسب التخلّي عنه وتركه.
إنّ الذين يعترضون على الشيعة بأنّهم أبتدعوا في الأذان لا يهدفون سوى التهريج والتشنيع، لأنّ البدعة هو إدخال ما ليس من الدين فيه، والشيعة لم تعتبر الشهادة لعليّ(عليه السلام) بالولاية جزءاً من الأذان وجزءاً من التشريع ليكون ذلك بدعة، بل الشريعة لم تحرّم كلام اللغو بين فصول الأذان، فكيف يكون إتيان كلام الحقّ بين فصوله أمراً محرماً!!.
كما أنّ الشهادة لعليّ(عليه السلام) بالولاية، شهادة كمل لنا الدين بها، ورضى الله لنا بها الإسلام، لقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
1) أنظر علل الشرائع للصدوق: 2 / 368، بحار الانوار للمجلسي: 84 / 140.
وَرَضِيتُ لَكُمُ اْلإِسْلامَ دِيناً)(1)، وذلك في غدير خم إذ نصبّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً(عليه السلام)وليّاً لهذه الأُمة من بعده، فنزلت هذه الآية، وقام عمر بن الخطاب فقال لعليّ(عليه السلام): بخ بخ لك يابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن، وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي والولاية لعليّ(عليه السلام)(2).
من هذا المنطلق وبعد البحث والتتبع يقول الأخ آتوماني: " تبيّنت لي حقائق كثيرة، فوجدت أنّ معظم النشاط المعاكس الذي يقابل التشيع هو تهريج وتشنيع بعيد عن نهج الحوار العلمي، واتضح لي أنّ إتخاذ اسلوب البحث في أجواء علمية بعيدة عن حالة الإنفعال والتشنّج تبيّن للباحث حقائق علمية هائلة، بحيث تجعله يعيش بعقله روحية التشيع من دون أن يشعر، وهذا الأمر يدفعه للاستبصار، ولهذا آل أمري وأمر أستاذي إلى الاستبصار والانتماء إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ".
ويضيف الأخ آتوماني: " كان استبصاري عام 1995م في مدينة مدغشقر، واتجهت بعدها للعمل التوجيهي، فأصبحت داعية في سبيل العقيدة، ثم تكفلت رئاسة منظمة الشباب الطلابية الإسلامية في مدغشقر، ولازلت أبذل قصارى جهدي لأُبيّن الحقائق للناس، ولاسيما الشباب المثقف الذي يهتم بدينه وعقيدته، وبسبب اجادتي للّغة العربية والفرنسية إضافة إلى لغتي المحلية تمكّنت من توسيع نطاق نشاطي، وأسأل الله أن يوفّقني في سبيل إعلاء كلمة الحق ودحض حجج المبطلين ".
(شافعي / سوريا)
ولد عام 1942م بمدينة " درعا " قرية " قرفا " في سوريا(1)، ونشأ في أُسرة تنتمي إلى مذهب أبناء العامة، يحمل ثقافة إسلاميّة وهو إمام وخطيب منطقته.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)عام 1990م في سوريا.
كان الأخ أحمد يهوى مطالعة الكتب وقرائتها، متلهفاً لرفع مستواه العلمي والثقافي، مما جعله يواصل العمل التوجيهي والتبليغي باندفاع ورغبة، وكان مرناً في مواجهته للعالم المعاصر عندما غزا المعمورة بتطوراته الباهرة في مجال التقنية الحديثة، التي حولت العالم إلى قرية صغيرة بعد اتساع الإتصالات التي غيّرت
1) سوريا: تقع في الشمال الغربي من آسيا، يحدّها العراق شرقاً وتركيا شمالاً ولبنان والأردن جنوباً، يبلغ تعداد سكانها حوالي {18} مليون نسمة، يكون المسلمون الغالبية العظمى منهم باستثناء 8 مسيح وقليلاً من اليهود، ويشكل الأحناف الغالبية من المسلمين، أما الشيعة فتتجاوز نسبتهم 5 من السكان، هذا من غير العلويين والإسماعيليين.
الكثير من مجريات الأمور، وأدّت إلى تغيير الاتجاهات الفكرية نتيجة معرفة الأُمم بثقافات ومباديء الطوائف الأُخرى.
وإنّ المجتمعات بدأت تقترب بعضها من بعض بعد اتساع وسائل الإعلام، وبذلك تلاشت القلاع المحصّنة التي كان يتدرع بها من بيده زمام الأمور، ليهيمن بذلك على عقول مجتمعه ويمنعهم من معرفة الأمور المحيطة بهم والأفكار والمعتقدات الأخرى لسائر الأُمم، ويحصرهم في أجواء الجهل الذي يحقق في ظلّه رغباته ومآربه بسهولة، من دون أن تكدّر عليه جهة من الجهات المعارضة.
فبعد أن كثرت الإتصالات تفتّحت ذهنية المجتمعات المعاصرة، وأصبح بإمكان طالب الحقيقة أن يجد بغيته بسهولة، من دون أن يمنعه من ذلك عائق.
بازدياد وسائل الإعلام وكثرة الجامعات والبعثات الدراسية وطباعة الكتب وانتشار الصحف واختراع الانترنت، أصبحت المجتمعات تقرأ وتطّلع على الثقافات الأُخرى وتقارن بينها وبين ماهي عليه.
ومن هنا أصبح إلصاق التهم بالمذاهب الأُخرى والتشنيع والتهريج عليها اسلوب فاشل ومحاولة مفضوحة لا جدوى فيها، لأنّ الحقائق بدأت تتجلى بوضوح لعامة الناس بعد زوال موانع تعرّفهم المباشر على آراء ومعتقدات الآخرين، فقلّت بذلك الصراعات الدموية التي كانت تقع بين الطوائف الإسلاميّة نتيجة تفشي الجهل والحصر الإعلامي والانغلاق وكبت الأفكار، وأصبح الحوار الموضوعي في أجواء الانفتاح هو الحلّ الوحيد لتثبيت المعتقدات والدعوة إليها في عالمنا المعاصر.
ومن هذا المنطلق تمكّن الكثيرون من التعرف على التشيع، بحيث توفّرت
لهم الأرضية المناسبة في التعرف على علومه ومعارفه التي تتعطش لها الفطرة الإنسانية، وكثرت حالات الاستبصار والاهتداء بهدي عترة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتجلّى للكثير حقانية هذا المذهب.
وكان من جملة هؤلاء الأخ أحمد إسماعيل:
فمن خلال مطالعاته حول الشيعة تبيّن له ما عانى التشيع من الطغاة والحكام، الذين حاربوه بشتى الوسائل وبكل ما أُوتوا من قوة، لئلا تقوم له قائمة ولئلا يجد سبيلا إلى قلوب الناس، لأنّهم عرفوا أنّ هذا المذهب يصنع من معتقديه شخصيات ترفض الظلم والاضطهاد، فتنهض وتثور بوجه أهواء الحكام والطغاة.
كانت غاية أمراء الجور أن ينشروا عقيدة هشة لا تمتلك الأصالة الإسلامية، بل تأخذ من الإسلام مجرد اسمه، وتقتصر على الطقوس الدينيّة التي تحاكي الواقع ولا تتعرّض لما ترتأيه أهواؤهم، فكانوا يبذلون قصارى جهدهم ليصوغوا من الإسلام عقيدة سلطوية لا روح لها ولا عزيمة لمنتميها لمواجهة الظلم والطغيان، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض ليشيدوا العقيدة التي تتلاءم وتنسجم مع أهوائهم ومآربهم.
وإنّ التشيع على مرّ العصور كان يهدف لعرض الإسلام للبشرية وتقديمه بصورته الكاملة، فلهذا كان عرضة لأن يُضطهد من أمثال هؤلاء الذين حاربوه بشتى السبل ولم يفسحوا المجال لانتشاره وإتساعه.
إنّ جميع محاولات العنف والقوّة في المجال الفكري والعقائدي، وإلزام
الناس على مبدأ أو فكرة معينة باتت فاشلة في عالمنا المعاصر، نتيجة فتح أبواب الإعلام، وقد تمكن أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) أن يوصلوا أفكارهم إلى كل المجتمعات عبر هذه الوسائل، فأصبحت هذه المجتمعات تقرأ تراث الشيعة وتطّلع على خزين معارفهم، فازداد إقبال الكثير على هذا المذهب.
والشاهد على ذلك هو ردود فعل الخصم الذي أصبح كالغريق المتخبط، يحاول إبعاد الناس عن هذا المذهب، وهذا إن دلّ على شئ فيدل على مدى قوّة تأثير التشيّع في أوساط المجتمعات.
وبما أنّ الحوار الموضوعي أصبح في عالمنا المعاصر هو الطريق الوحيد لعرض الأفكار والمعتقدات، تقدّم مذهب أهل البيت(عليهم السلام) إلى الساحة الفكرية وبدأ بنشر ما عنده من العلوم والمعارف التي تلقاها من عترة رسول الله(عليهم السلام).
يعتبر كتاب المراجعات من أبرز الكتب التي تمثل الحوار الشيعي السنّي في مجال المعتقدات، فهو كتاب يحتوي على رسائل متبادلة بين عميد السنّة في مصر وهو العالم الجليل " الشيخ سليم البشري "(1)شيخ الجامع الأزهر، وبين العلامة الكبير " السيّد عبد الحسين شرف الدين "(2)أحد أبرز علماء الشيعة وأئمتها في لبنان، وقد جرى بينهما العديد من مسائل الخلاف بين مذهب أهل البيت(عليهم السلام)
1) الشيخ سليم البشري: مالكي المذهب، ولد عام 1248 ه بمحافظة البحيرة في مصر، درس بالأزهرثمّ تولى مشيخته مرتين، له العديد من المؤلفات، توفي عام 1335 ه.
2) السيد عبد الحسين شرف الدين، إمامي المذهب ولد عام 1290ه في الكاظميّة بالعراق، درس على يد كبار العلماء في سامراء والنجف الأشرف وبرز في الأوساط العلمية، له مؤلفات عديدة، عاد إلى جبل عامل في جنوب لبنان حيث منبت أسرته وغدى زعيمها الكبير، وتوفي سنة 1377 ه.
وأبناء العامة، فتبلورت منها بحوث قيمة ورائعة يصفها الدكتور " حامد حفني داود " الذي قدّم لهذا الكتاب بقوله:
" سفر عظيم كتبه علمان من أعلام الإسلام في صورة حوار علمي أصيل اتّصف بالنزاهة والموضوعيّة والبُعد عن سفاسف القول وهجره، واتّصف بالإخلاص الجمّ من الوصول إلى الحقيقة مبرأة من كلّ عرض سواها ".
وقال أيضاً: " ومن عادة المتناظرين أن يصرّ كلّ منهما على الانتصار على خصمة، وأن يدحض حججه بحجج أقوى منها حتى لا يترك له مجالا من الانتصار والغلبة، ولكننا رأينا في هذين المتناظرين شيئاً جديداً لا نكاد نألفه إلاّ في المنهج الإسلامي في فنّ المناظرة والجدل، ذلك المنهج هو إصرار كلّ الباحثين على الوصول إلى الحقيقة... الأمر الذي حدا بهما إلى حوار علمي منظم يهدي إلى الحقّ، ويأخذ بأيديهما وأيدي القرّاء إلى المنهج الإسلامي السليم ".
وقد ترك هذا الكتاب أثره البليغ في عالمنا المعاصر، فقد أثبتت الإحصائيات استبصار الكثير من أبناء العامة على أثر مطالعتهم لهذا السفر العظيم.
كان من جملة الذين تأثروا بكتاب المراجعات المستبصر أحمد إسماعيل الغزالي، حيث يقول والكلام لولده حارث:
" وقع كتاب المراجعات بيدي عام 1989م عن طريق صديق لي اسمه زيدان، سلمه إليّ لأُطالعه وأُشاركه في الفكرة، لأنّه قد سبق أن طالع الكتاب فأعجب بمحتواه، فأخذت الكتاب منه وصفحته في الوقت نفسه وقرأت جملة منه، فاشتدّ غضبي عندما عرفت محتواه واعترتني حالة الإنفعال، فرميته على الأرض وإلتفتت إلى صديقي قائلا بغضب: من هو هذا المؤلف الكذّاب الذي
يحاول أن يظهر التشيّع بأفضل صورة ويسعى لتبيين ضعف مذهبنا؟
فأجابني زيدان بهدوء: أخي أحمد! لماذا تدع للعاطفة مجالا لتثور فتحجب بصيرتك عن رؤية الحقّ، ألا ترى من اللزوم علينا حين التتبع لمعرفة الحقّ أن نستحضر عقولنا ولا ندع للعاطفة مجالا للتقييم وإبداء الرأي، أخي العزيز علينا أن لا نعيش الإنفعال بل نعيش العقل، لأنّ تحلّي النفس بالهدوء عند البحث والحوار تفسح لنا المجال لنمعن النظر في البحث، وبذلك نتمكّن من الوصول إلى حقيقة أمر الخلاف، وإذا عشنا أجواء الانفعال فإنّ ذلك سوف يؤدّي إلى تكدير الأجواء في النفس، وبذلك نفقد وضوح الرؤية ونتحول إلى حالة معقدة من التأثر النفسي، فنرفض التفاهم وتنشأ التعصبات التي تمنعنا من دراسة معتقداتنا وتمييز الصحيح والخطأ منها.
يقول الأخ أحمد: ترك هذا الكلام الأثر البليغ في نفسي مما دفعني إلى مطالعة الكتاب برؤية منفتحة، من دون تعصّب أو تحيّز أو تأثر بالعاطفة المذهبيّة.
وطالت بي فترة مطالعة الكتاب حتى استغرقت مدّة ستة أشهر، لأنّني كنت أتوقف عند كلّ فقرة من فقرات الكتاب مدّة طويلة، وأراجع المصادر التي ورد ذكرها في كتاب المراجعات لأتأكّد من صحة نقلها، ومن هنا بدأت تتوالى عليَّ المفاجآت، واعترتني بعدها الصدمات الفكريّة واحدة بعد الأخرى، وقد أثّرت في نفسي أثراً لا يستهان به، وجعلتني ألتجأ إلى الاعتزال لفترة ما! حتى أُعيد لنفسي التوازن الذي افتقدته نتيجة مواجهتي لما لم أكن أتوقّعه أبداً، وكانت الأدلّة تنهال عليَّ بقوّة وفي كلّ مرّة تهدم جانباً من جوانب بنياني الفكري السابق حتى حوّلته إلى كومة من تراب!، ومن جانب آخر بَدَت لي أفكار مذهب أهل البيت(عليهم السلام)مشرقة ونيّرة تدعوني إلى نفسها وتبعث في نفسي
المحفّز للالتجاء إليها".
الحقيقة أنّ الأدلّة التي سردها العلاّمة السيّد شرف الدين في الدفاع عن التشيّع، أدلّة متينة وبراهين ساطعة لا يعتريها أدنى شك، ولا يوجد فيها ماهو باعث للتردّد في الاقتناع بها والإنتماء إليها.
استشهد العلاّمة شرف الدين بالكثير من الأدلة والنصوص النبويّة من كتب أبناء العامة لتبيين حقّ العترة ومنزلتهم، وإثبات الإمامة والخلافة لهم بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان منها:
1 ـ حديث الثقلين المتواتر الذي قاله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما ".
وهذا الحديث يدلّ على ضلال من لم يتمسك بهما، ويؤيد ذلك: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم)في بعض نصوص هذا الحديث: " فلا تقدّموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم "(1).
2 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجى
1) أنظر: الصواعق المحرقة لابن حجر: 2 / 439، مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 164، المعجم الكبير للطبراني: 3 / 66 {2681}، 5 / 166 {4971}، كنز العمّال: 1 / 188 {957}.
ومن تخلّف عنها غرق "(1).
3 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل، من دخله غفر له "(2).
4 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب ابليس "(3).
5 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " من سره أن يحيا حياتي ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال علياً من بعدي، وليوال وليه، وليقتد بأهل بيتي من بعدي، فإنّهم عترتي، خلقوا من طينتي، ورزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذبين بفضلهم من أُمتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي "(4).
أمّا النصوص النبويّة الواردة في تنصيب الإمام عليّ(عليه السلام)للخلافة من بعده، فمنها:
1) أنظر: المستدرك للحاكم: 3 / 163 {4720}، الصواعق المحرقة لابن حجر: 2 / 445، ينابيع المودة للقندوزي: 1 / 93، مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 168، المعجم الكبير للطبراني: 3 / 46 {2638}، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 785 {1402}.
2) أنظر: المعجم الأوسط للطبراني: 4 / 246 {5870}، كفاية الطالب للكنجي: 378، مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 168، الصواعق المحرقة لابن حجر: 2 / 445.
3) أنظر: المستدرك للحاكم: 3 / 162 {4715}، الصواعق المحرقة لابن حجر: 2 / 445، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 671 {1145}.
4) أنظر: كنز العمال: 12 / 103 {34198}، حلية الأولياء لأبي نعيم: 1 / 127 {267}، كفاية الطالب للكنجي: 214، تاريخ ابن عساكر: 42 / 240.
1 ـ نصّ الدار يوم الإنذار، إذ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعشيرته الأقربين بعد أن أخذ بيد عليّ بن أبي طالب(عليه السلام): " إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتى فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا".
وهو حديث أخرجه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي، والثعلبي، والطبري في كتابه تاريخ الأمم والملوك(1).
2 ـ حديث المنزلة، وهو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام): " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبوة بعدي... "(2).
3 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بالاسناد إلى ابن عباس: " أنت وليّ كل مؤمن بعدي "(3).
4 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لبريدة: " لا تقع في عليّ فإنه مني وأنا منه، وهو وليّكم بعدي، وإنّه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي "(4).
5 ـ حديث الغدير الذي قال فيه(صلى الله عليه وآله وسلم) للناس: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه "(5).
1) أنظر: كتاب المراجعات، وفيه التفصيل.
2) أنظر: صحيح مسلم: 4 / 1871 {2403}، صحيح البخاري: 3 / 1359 {2503}، صحيح ابن حبان: 15 / 15 {6643}، مسند أحمد: 1 / 170 {1463}، المستدرك للحاكم: 3 / 143 {4652}، تاريخ ابن عساكر: 42 / 166، سنن الترمذي: 6 / 86 {3724}، وغيرها من المصادر التي أوردها صاحب كتاب المراجعات.
3) أنظر: المستدرك للحاكم: 3 / 143 {4652}، مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 102، سنن الترمذي: 6 / 78 {3712}، مسند أحمد بن حنبل: 5 / 437.
4) أنظر: مسند أحمد: 5 / 356 {23062}، مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 128، فتح الباري للعسقلاني: 8 / 83 {4350}، المستدرك للحاكم: 3 / 110، وغيرها.
5) أنظر: المستدرك للحاكم: 3 / 613 {6272}، مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 105، سنن ابن ماجة: 1 / 54 {116}، مسند أحمد: 1 / 119 {961}،... وغيرها.
والجدير بالذكر أنّ القرائن الموجودة في أمثال هذه الأحاديث من قبيل لفظة "بعدي " و " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم"، فيه دلالة على أنّ المراد من معنى الولي الذي هو مشترك لفظي بين الخليفة والصديق والمحبّ والنصير وغيره، هو فقط معنى الأولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو معنى الخلافة وولاية الأمر بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)!
6 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام): " أنت تؤدي عني، وتسمعهم صوتي، وتبيّن لهم ما اختلفوا فيه بعدي "(1).
7 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّ الله عهد إليّ في عليّ... إنّ عليّاً راية الهدى، وإمام أوليائي، ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين... "(2).
8 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب "(3).
9 ـ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " أنا المنذر، وعليّ الهادي، بك يا عليّ يهتدي المهتدون من بعدي "(4).
1) أنظر: حلية الأولياء لأبي نعيم: 1 / 102 {192}، الفردوس للديلمي: 5 / 364 {8449}، المناقب للخوارزمي: 86 {75}، تاريخ ابن عساكر: 42 / 386، مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي: 1 / 107، كفاية الطالب للكنجي: 212، وغيرها.
2) أنظر: حلية الأولياء لأبي نعيم: 1 / 67، فيض القدير للمناوي: 3 / 46، تاريخ بغداد للخطيب: 14 / 98 {741}، المناقب للخوارزمي: 312 {311}، مناقب عليّ بن أبي طالب لابن المغازلي: 46 {69}، مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي: 1 / 90، وغيرها.
3) أنظر: المستدرك للحاكم: 3 / 137 {4637}، المعجم الكبير للطبراني: 11 / 65 {11061}، تاريخ ابن عساكر: 42 / 378، شواهد التنزيل للحسكاني: 1 / 334 {459}، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: 52 / 47، كنز العمال: 11 / 600 {32890}، وغيرها.
4) أنظر: المستدرك للحاكم: 3 / 140، تاريخ ابن عساكر: 42 / 359، ينابيع المودة للقندوزي: 1 / 296، شواهد التنزيل للحسكاني: 1 / 293 (398 ـ 402)، وغيرها.
من الواضح أنّ المناقب والمنازل المتعالية الواردة في حقّ الإمام عليّ(عليه السلام)فيها دلالة التزامية بتأهله لمنصب الخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، هذا وناهيك عن النصوص الواردة التي مرّ ذكر جملة منها على تنصيبه(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً(عليه السلام)للخلافة من بعده، إذ تناولها العلامة السيد شرف الدين وبيّنها في إجاباته على أسئلة الشيخ البشري بصورة رائعة، مما جعلت الشيخ البشري يمجّد بها قائلاً في نهاية المطاف: " وكنت قبل أن أتصل بسببك على لبس فيكم لما كنت أسمعه من أرجاف المرجفين، وإجحاف المجحفين، فلمّا يسّر الله إجتماعنا أويت منك إلى علم هدى ومصباح دجى... فما أعظم نعمة الله بك عليَّ وما أحسن عائدك لدي "(1).
لقد توصل الأخ أحمد الغزالي بعد ستة أشهر من البحث والتتبع، بمثل النتيجة التي توصّل إليها الشيخ سليم البشري، وفي هذا الصدد يقول إبنه (حارث الغزالي):
" بعد أن وقع كتاب المراجعات بيد أبي، طرء في سلوكه تغيير مُلفت للنظر، وبعد مدّة أحسست من تعامله وتصرفاته كأنّه يعانى من تيار يخالفه في الرأي، بحيث سبّب في نفسه حالة من التردّد والضعف والانهيار.
ومن ذلك الحين إلتجأ أبي إلى حالة الاعتزال واعتكف في مكتبته الخاصة منهمكاً في البحث والمطالعة، وفي يوم من الأيام دخلت عليه في مكتبته فوجدته غارقاً في التفكير والحيرة بادية على ملامح وجهه، وحوله كتب كثيرة مفروشة على الأرض.
1) أنظر: المراجعة رقم {111} من كتاب المراجعات.
واستمرت هذه الحالة مدّة ستة أشهر حتى ولد لأبي مولود جديد، فحملته إليه ودخلت الغرفة الخاصة به وقدّمته إليه فأخذه مستبشراً، ثم أذّن في أذنه اليمنى، وكانت المفاجئة أنّه أذّن بأذان الشيعة الاثنى عشرية، فاستغربت من ذلك وتفاجأت بما فعل، فاستفسرت منه هذا الفعل، فأجابني: إنّ البحث والتتبع الذي غاص فيه طيلة هذه الفترة قد غيّر مجرى معتقده، وأنّه كشف عبر ذلك أموراً كان غافلاً عنها فيما سبق، ولذلك اختار مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ليكون له معتقداً ينتمي إليه ويتمسك به ".
يضيف الأخ حارث الغزالي: " انتشر خبر استبصار أبي في أُسرتنا، فتفاجأ به الجميع ولكنّنا كلّنا وثقنا بما ذهب إليه أبي، لأننا لم نعهد منه من قَبل ما يقدح بعدالته، بل كان نموذجاً وقدوة لنا في السلوك والأخلاق والعقيدة، فلهذا إنتمينا للمذهب الذي انتمى إليه من دون تردّد، ولكنه لم يكتفي بتقليدنا في هذا المجال، بل جعّل يعرض علينا أصول مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ومباني عقيدتهم بالتدريج، وكان لذلك أثراً بليغاً في تمسكنا بهذا المذهب، لأننا بعد معرفة الأدلة والبراهين لمسنا أثر صفاء هذه العقيدة على كياننا بصورة مباشرة، واطمئنت نفوسنا إليها، فاندفعنا بعد الاقتناع لأن نتمسك بها بقوّة.
وهكذا بدأ أبي نشاطه من جديد، فتقدّم إلى العمل التوجيهي بعزم وثبات وإرادة راسخة، وبدأنا نلحظ فيه الحيوية أكثر من قبل، فكان مندفعاً بقوّة ليجسّد المبادىء التى توصّل إليها، وكان يدعو الناس إليها ويكشف لهم عن وجه الحقيقة، حتى استبصر على يديه العديد من أبناء منطقتنا، فتمسكوا بمذهب عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن زالت عنهم الحجب، فلاح إلى أبصارهم نور تلك المصابيح التي لا يهتدي بها إلى الصراط المستقيم إلاّ أولي الأبصار.
الصورة
ولد الأستاذ أحمد عاقب كوليبالي في مدينة " موبتي " عام 1967م في جمهورية مالي(1)، وترعرع في أوساط عائلة متديّنة تتخذ من المذهب المالكي منهجاً لها في الأمور الدينية.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1990م.
يتميز الأستاذ أحمد كوليبالي بشخصية مرموقة في بلاده، فهو حاصل على شهادة الليسانس بالعلوم الدينية، كما أنه يشغل جملة من المناصب المهمة في بعض المراكز والمؤسسات الدينية والثقافية والاجتماعية، فهو نائب إمام المسجد الجامع في منطقة مصر الأولى في العاصمة باماكو، ومدير مدرسة علوم الدين الإسلامي، ومدير مدرسة الثقافة الإسلامية، ويشغل منصب مدير قسم التبليغات في إذاعة باتريوت في العاصمة، والأمين العام لمذيعي اللغة العربية في إذاعة
1) جمهورية مالي: أنظر ترجمة رقم {2}.
باماكو، ومدير مدرسة ومكتبة فاطمة الزهراء(عليها السلام) في العاصمة.
يقول الأستاذ أحمد: " كانت بداية تعرّفي على الشيعة والتشيع، عندما سمعت بانتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، فقال أبي حينئذ: إنّ المهدي قد ظهر في إيران! وهو ـ أي المهدي ـ الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
فاستغربت من هذا الأمر الذي لم أسمع به من قبل، فاندفعت لمتابعة حركة الثورة ومجرياتها من خلال وسائل الإعلام، وأخذت أخبر الناس بها وأبيّن ما سمعته عنها.
واتفق أن تحدثت يوماً عنها بحضور عدد من الوهابية فأنكروا عليَّ ذلك، وانهالوا على الشيعة بالسبّ والشتم المقذع، فتعجبت من ذلك وسألتهم عن السبب، فقالوا: إنّ الشيعة فرقة ضالة، تقول بتحريف القرآن!، وتقدم عليّ بن أبي طالب وتفضله على بقية الصحابة، وتعتقد أنّه الأحق بالإمامة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ الإمامة من بعده في ولده، وهم اثنى عشر وآخرهم يسمى المهدي، وأنّهم يدّعون أنّ المهدي غائبٌ وسوف يظهر في آخر الزمان.
ففقدت بذلك حالة الحماس التي كنت أعيشها من قبل، ولكن بقيت فكرة الإمام المهدي تدور في خاطري، حتى صادف أن دار حديث بيني وبين زملائي حول هذا الأمر بعد انتقالي إلى العاصمة لمواصلة الدراسة، فذكرت لهم مقالة الشيعة، فأخبروني بوجود جمعية لبنانية شيعية في العاصمة التي نحن فيها، فسررت بذلك وقرّرت أن أذهب إليهم لأعرف المزيد من معتقداتهم وأفكارهم.
وبالفعل توجّهت إليهم فتعرفت على بعض أعضاء الجمعية، وبدأت أحضر
مجالسهم وأشاركهم في المراسم التي يقيمونها، لأنني كنت أجد لها نكهة خاصة وأجواء مفعمة بالروحانية والصفاء، ولهذا ازدادت علاقتي بالشيعة بمرور الزمان، حتى صادقت الأخ (يوسف تراوري) و (الشيخ محمّد جباته) والأستاذ (موسى تراور)، فطلبت منهم مجموعة من الكتب الشيعية لأتعرف من خلالها على أفكار ورؤى التشيع فزودوني بها، فعكفت على قرائتها بدقة، وكنت أقارن ما فيها من أدلة وبراهين مع ما عندنا في مصادر العامة، فوجدت أنّ القوم يستندون في معتقداتهم إلى الحجج والبراهين العقلية والنقلية، وأكثر ما لفت نظري مسألة الإمام المهدي(عليه السلام) ".
إنّ البعض ـ مع الأسف ـ يستهزء بهذه العقيدة وينكرها!، في حين نجد أغلب المسلمين يؤمنون بها، على اختلاف في التفاصيل.
وإنّ سبب إنكار هؤلاء لأحاديث المهدي وجحودهم لهذه الفكرة ناشىء من أحد أمرين: إمّا أنّ يكونوا جهلاء بالتاريخ والتراث الإسلامي، أو معاندين قد جانبوا الموضوعية والعلمية والتجرد في مثل هذه المسائل.
وإلاّ ماذا نقول بحق المصلح العظيم الذي بشر به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والذي قد أقر العلماء والمؤرخون ـ القدماء والمعاصرون ـ بمجيئه وذكروا أخباره!!
قد ذكر جمع من المؤرخين ولادة ابن الإمام العسكري(عليه السلام) وهو الإمام المهدي(عليه السلام) بما يتطابق أو يتقارب مع ما جاء في روايات أهل البيت(عليهم السلام)، ومنهم:
ابن الأثير في " الكامل في التاريخ "(1)، والمسعودي في " مروج الذهب "(2)، والقرماني في " تاريخ الدول "(3)، وابن الوردي في " تاريخه "(4)، وابن خلدون في " تاريخه "(5)، واليافعي في " مرآة الجنان "(6)، وأبوالفداء في " تاريخه "(7)، والسويدي في " سبائك الذهب "(8)، وابن خلكان في " وفيات الأعيان "(9)، وابن الأزرق في " تاريخه "(10).
يقول الأستاذ أحمد كوليبالي: " جعلت أفكر في نفسي وأقول، لو كان أمر الإمام المهدي(عليه السلام) خرافة لما أطبق هؤلاء الأساطين عليه؟!، واستنتجت أنّ البعض يحكّم مزاجه في التاريخ الإسلامي من خلال ما يرتأيه، علماً أنّ المصدر والمنبع واحد، فما هو ميزانهم وملاكهم فيما ذهبوا إليه؟ فتحيّرت من ذلك وأثيرت في ذهني شكوك كثيرة ".
ولأجل الاستزادة بدأ الأستاذ أحمد بتتبع آراء أعلام العامة حول هذا الأمر، فوجد أنّ جمعاً منهم يقرّ بولادته في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري:
1) الكامل في التاريخ: 7 / 274.
2) مروج الذهب: 4 / 112.
3) أخبار الدول: 1 / 353.
4) تاريخ ابن الوردي: 1 / 223، وذكره الشبلنجي في نور الأبصار: 257.
5) تاريخ ابن خلدون: 4 / 115، باب الخبر عن نسب الطالبيين وذكر المشاهير من أعقابهم.
6) مرآة الجنان: 2 / 127.
7) تاريخ أبوالفداء: 1 / 361.
8) سبائك الذهب: 346.
9) وفيات الأعيان: 4 / 562.
10) أنظر: وفيات الأعيان لابن خلكان: 4 / 562.
كالحافظ الذهبي في كتاب " العبر "(1)، والعلامة عبد الوهاب الشعراني في " اليواقيت والجواهر "(2)، وابن حجر الهيتمي في " الصواعق المحرقة"(3)، والعلامة الحمزاوي في " مشارق الأنوار "(4)، والعلامة الشبراوي الشافعي في "الإتحاف بحب الأشراف"(5)، والعلامة عباس بن عليّ المكي في " نزهة الجليس "(6)، والعلامة ابن الخشاب في " مواليد أهل البيت(عليهم السلام)"(7)، والعلامة أبو الفلاح الحنبلي في " شذرات الذهب "(8)، والعلامة عبد الرحمن البسطامي في " درّة المعارف "(9)، والعلامة القندوزي الحنفي في " ينابيع المودة "(10)، والعلامة محمّد خواجه بارسا البخاري في " فصل الخطاب "(11)، والعلامة الشبلنجي في " نور الأبصار "(12)، والعلامة الكنجي الشافعي في " البيان في أخبار صاحب الزمان "(13)، والعلامة ابن طلحة الشافعي في " مطالب السؤول "(14)، وسبط ابن الجوزي في " تذكرة الخواص "(15)، والعارف ابن
1) العبر في خبر من غبر: 2 / 37.
2) اليواقيت والجواهر: 562.
3) الصواعق المحرقة: 1 / 601.
4) مشارق الأنوار: 153، وقد نقل قول الشعراني في اليواقيت.
5) الاتحاف بحب الأشراف: 179.
6) نزهة الجليس: 2 / 198.
7) أنظر: الفصول المهمة لابن الصبّاغ: 292.
8) شذرات الذهب: 141 و 150.
9) أنظر: ينابيع المودة للقندوزي: 3 / 337 وقد نقل عنه.
10) ينابيع المودة: 3 / 301.
11) أنظر: ينابيع المودة للقندوزي: 3 / 304، نقلاً عن فصل الخطاب.
12) نور الأبصار: 257.
13) البيان في أخبار صاحب الزمان، مطبوع مع كفاية الطالب.
14) مطالب السؤول: 2 / 152.
15) تذكرة الخواص: 325.
العربي في " الفتوحات "(1)، وغيرهم.
ويضيف الأستاذ كوليبالي: " ومن ذلك الحين بدأت أتتبع أحاديث المهدي في كتب عموم المذاهب الإسلامية، وبالأخص كتب المالكية ـ باعتباري مالكي ـ لأطلع على أراء العلماء والمحدثين في ذلك، فوجدتهم يقرّون بصحتها ـ على اختلاف في ألفاظها ـ بل أنّ بعضهم يكفّر من لايؤمن بالمهدي وبخروجه في آخر الزمان! ".
في الحقيقة أنّ مسألة خروج الإمام المهدي(عليه السلام) من الأمور المسلّمة عند المسلمين كافة، فقد تواترت الأخبار في ذلك، وقد ذكر أصحاب السنن وغيرهم أنّه (عليه السلام) سوف يخرج ويملأ الأرض قسطاً وعدلا بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، وأنّ عيسى(عليه السلام) يخرج معه ويصلي خلفه.
فأحاديث المهدي رواها العلماء في مسانيدهم ـ بألفاظ وطرق متعدّدة ـ كأحمد بن حنبل في مسنده(2)، وأبي داود في سننه(3)، والترمذي في سننه(4)، والحاكم النيسابوري في المستدرك(5)، والبيهقي في الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد(6)، والبغوي في مصابيح السنة(7)، وابن تيمية في منهاج السنة(8)، وابن
1) أنظر: إسعاف الراغبين لمحمد الصبان: 134، اليواقيت والجواهر للشعراني: 562، وقد نقلا عبارة الفتوحات.
2) مسند أحمد بن حنبل: 1 / 430 {4098}، 5 / 277 {22441}.
3) سنن أبي داود، في كتاب المهدي: 4 / 86 ـ 90.
4) سنن الترمذي في كتاب الفتن: 4 / 84 (2230 ـ 2233).
5) مستدرك الحاكم: 4 / 510 {8432}، 4 / 547 {8530}، 4 / 549 {8537}.
6) الإعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد: 143 ـ 144.
7) مصابيح السنة، باب اشراط الساعة: 2 / 338.
8) منهاج السنة: 4 / 327.
القيم في المنار المنيف(1)، والتفتازاني في شرح المقاصد(2)، والهيثمي في مجمع الزوائد(3)، والسيوطي في الجامع الصغير(4)، والألباني في مقال بعنوان " حول المهدي "(5)، وغيرهم(6).
وأمّا أعلام المالكية الذين ذكروا أخبار المهدي(عليه السلام)، فمنهم:
الحافظ شمس الدين القرطبي (ت 671 ه) في كتابه التذكرة(7)، وابن الصباغ المالكي (ت 855 ه) في كتابه الفصول المهمة(8)، والفقيه المحدّث أبو عبد الله الكتاني الحسني الفاسي المالكي (ت 1345 ه) في كتابه نظم متناثر من الحديث المتواتر(9).
1) المنار المنيف: 1 / 142 ـ 153.
2) شرح المقاصد: 5 / 312.
3) مجمع الزوائد: 7 / 313 ـ 317.
4) الجامع الصغير: 2 / 672 و 438.
5) أنظر: مقال حول المهدي لناصر الدين الألباني: 644 (مجلة التمدن الإسلامي ـ دمشق، ذي العقدة 1375 ه).
6) أنظر: كتاب (الإمام المهدي (عليه السلام) عند أهل السنة) لمهدي فقيه إيماني، المطبوع بجزئين.
7) فقد ذكر ثمانية أبواب في أخبار المهدي (عليه السلام) وكيفية خروجه، حيث أورد فيها روايات كثيرة من طرق العامة، كابن ماجة والترمذي وأبي داود وابن الخطاب وأبي نعيم والدارقطني وغيرهم، أنظر: التذكرة في أحوال الموتى وأُمور الآخرة: 690.
8) أفرد ابن الصباغ في كتابه هذا فصلا كاملا للإمام المهدي (عليه السلام)، ذكر فيه اسمه وكنيته ونسبه وتاريخ ولادته ودلائل إمامته وطرف من أخباره وغيبته، فنقل عن محدثي العامة ومؤرخيهم روايات عديدة، و ختم الفصل بقوله: قال بعض أهل الأثر: المهدي هو القائم المنتظر، وقد تعاضدت الأخبار على ظهوره، وتظاهرت الروايات على إشراق نوره وستسفر ظلمة الأيام والليالي بسفوره، وتتجلى برؤيته الظلم إنجلاء الصباح من ديجوره، ويخرج من سرار الغيبة فيملأ القلب بسروره، ويسري عدله في الافاق أضوء من البدر المنير في مسيره "، أنظر الفصول المهمة: فصل 12 / 291 (طبعة النجف / مطبعة العدل).
9) ذكر المؤلف عشرين مصدراً لأكابر علماء العامة، رووا فيها عن الصحابة أخبار المهدي المنتظر (عليه السلام)و قال: " إنها متواترة عندهم "، أنظر: نظم متناثر من الحديث المتواتر: 225.
وتجدر الإشارة إلى إحدى الإحصائيات التي قام بها الشيخ محسن العبّاد أحد مشايخ العربية السعودية حول المهدي(عليه السلام)، وقد نشر بحثه في مجلة الجامعة الإسلامية الصادرة بالمدينة المنورة، ذكر فيه رواة حديث المهدي(عليه السلام) من الصحابة وعددهم ستة وعشرون راوياً، وذكر أنّ الأئمة الذين خرّجوا الأحاديث والآثار الواردة في المهدي(عليه السلام)يبلغ عددهم ثمانية وثلاثين، كما أورد أسماء عشرة مؤلفين من كبار علماء العامة كتبوا في قضية الإمام المهدي(عليه السلام)، منهم من ألّف كتاباً مستقلاً في هذا المجال، ومنهم من كتب فصلا أو أكثر.
كما علّق كبير علماء السعودية ـ في وقته ـ عبد العزيز بن باز (ت 1420ه) على محاضرة للشيخ العبّاد حول المهدي قائلاً: "... فأمر المهدي أمر معلوم، والأحاديث فيه مستفيضة، بل متواترة متعاضدة، وقد حكى غير واحد من أهل العلم تواترها، كما حكاه الأستاذ في هذه المحاضرة، وهي متواترة تواتراً معنوياً لكثرة طرقها واختلاف مخارجها وصحابتها ورواتها وألفاظها، فهي بحق تدل على أنّ هذا الشخص الموعود به أمره ثابت وخروجه حق "(1).
وهذا الموعود هو من عترة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الطاهرة التي أذهب الله عنها الرجس وطهرها تطهيراً، وهو من سلالة يصفها العلامة النورسي ـ من علماء العامة ـ: "ليس في الدنيا قاطبة عصبة متساندة نبيلة شريفة ترقى إلى شرف آل البيت ومنزلتهم، وليس فيها قبيلة متوافقة ترقى إلى اتفاق آل البيت، وليس فيها مجتمع أو جماعة منوّره أنور من مجتمع آل البيت وجماعتهم.
1) أنظر: مجلة الجامعة الإسلامية / ذي القعدة ـ 1389 ه: 162.
نعم، إنّ آل البيت الذين غذّوا بروح الحقيقة القرآنية، وارتضعوا من منبعها، وتنوّروا بنور الإيمان وشرف الإسلام، فعرجوا إلى الكمالات، وأنجبوا مئات الأبطال الأفذاذ، وقدّموا ألوف القوّاد المعنويين لقيادة الأمة، لابد أنّهم يظهرون للدنيا العدالة التامة لقائدهم الأعظم المهدي الأكبر، وحقّانيته بإحياء الشريعة المحمّدية، والحقيقة الفرقانية، والسنة الأحمدية، وتطبيقها واجراءاتهاوهذا الأمر في غاية المعقولية، فضلا عن أنّه في غاية اللزوم والضرورة، بل هو مقتضى دساتير الحياة الاجتماعية "(1).
ويقول الأستاذ أحمد كوليبالي: " فطفقت أتعمق بالبحث والتتبع أكثر فأكثر، حتى أرشدني الأصدقاء الجدد الذين تعرّفت عليهم في الجمعية اللبنانية الشيعية إلى روايات أهل البيت(عليهم السلام) حول المهدي(عليه السلام)، فراجعتها وإذا بي أعثر على كم هائل من الروايات التي تتحدث عنه(عليه السلام) وعن الظروف التي يظهر فيها، بل جرّني البحث في كتب الشيعة إلى مسائل أخرى طالما كنت أبحث عن إجابات مقنعة لها، كمسألة الإمامة والخلافة، فأرشدتني تلك الكتب إلى النصوص النبوية المتفق عليها عند الفريقين الدالة على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام)وأهل بيته(عليهم السلام)، كما عثرت على ذكره(صلى الله عليه وآله وسلم) لأسماءهم وصفاتهم، وواصلت البحث حتى تبيّن لي أنّ كل ما كان يشنّع ضدّ الشيعة ليس له أساس من الصحة ".
ومن هنا أدرك الأستاذ أحمد أنّ الإمامية كانوا غرضاً لسهام التهم والافتراء، فازداد إندفاعه لطلب الحقائق، وأخذ يتلمس طريق الهداية الموصل إلى الله تبارك وتعالى، وكانت جولته الأخيرة في هذا الصراع الفكري العصيب
1) أشراط الساعة (من كليات رسائل النور ـ الشعاع الخامس) بديع الزمان سعيد النورسي.
الذي عاشه، هو مطالعة كتب المناظرات والكتب العقائدية، فبدأ بكتاب " المراجعات " للسيد شرف الدين، ثم كتب الأستاذ التيجاني السماوي " ثم اهتديت " و " لأكون مع الصادقين " و " اسألوا أهل الذكر ".
ويضيف الأستاذ أحمد: " كان لتعمقي في هذه الكتب وإطلاعي على الحوادث التي تناولتها أبلغ الأثر في نفسي، كما أنني عرفت خلال مطالعاتي أنّ الشيعة أكثر تعلقاً منّا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأشدّ اتباعاً بنهجه وسنته، لأنّهم سلكوا نهج أهل البيت(عليهم السلام) الذين أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أمته في حديث الثقلين بإتباعهم وعدم الابتعاد عنهم.
وأدركت أن لا مناص من التحول إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) والركوب في سفينتهم والتمسك بحبلهم، فأعلنت استبصاري عام 1995م في العاصمة باماكو".
الصورة
ولد بمنطقة " اوكني " في ولاية " كوغي " في نيجيريا(1)، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب المالكي، حصل على شهادة الثانوية في المدارس الأكاديمية، ثم انتمى إلى احدى المدارس الدينية في منطقته، فدرس العديد من الكتب الفقهية على مذهب الإمام مالك وعلوم القرآن، ومارس نشاطات تبليغية في خدمة الإسلام في منطقته.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1988م في ولاية " كوغي ".
يقول الأخ إدريس: " كانت هوايتي المفضلة مطالعة الكتب وقراءة البحوث الدينية، فكنت أقرأ كل كتاب يقع في متناول يدي مهما كان انتماء مؤلفه المذهبي
1) نيجيريا: تطل على المحيط الأطلسي قرب خليج غينيا في غرب افريقيا، يزيد عدد سكانها على {130} مليون نسمة، وتعتبر من أكبر دول افريقيا من حيث السكّان، يشكّل المسلمون نسبة 70 من السكّان تقريباً، يتّبع أكثرهم المذهب المالكي، ويشكّل الشيعة نسبة 5 منهم وينتشرون في أغلب المدن النيجيريّة.
والثقافي، وكنت أقرأ بعقل منفتح وذهنية واعية لأوسع بذلك آفاق رؤيتي للكون والحياة، واستمر بي الأمر على هذا المنوال حتى اطلعت على الكثير من أفكار ورؤى الأمم الأخرى.
وفي أحد الأيام كنت أسير مع مجموعة من الأصدقاء في طريق الذهاب إلى المدرسة الثانوية، قال أحدنا: إنّي قد سمعت أمراً عجيباً لم أسمع به من قبل!.
فقلنا له: وما ذاك؟
قال: سمعت من أحد أصدقائي أنّ الخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت من حقّ الإمام عليّ ولم تكن من حقّ أبي بكر، وهناك أدلة قوية على ذلك، ويجب على كل مسلم أن يتفحص هذا الأمر بنفسه ولا يبقى تابعاً أعمى يقوده المجتمع حيث يشاء.
فتأثرت كثيراً بهذه المعلومة الجديدة، ورغم مطالعاتي التي كنت اعتبرها كثيرة وجدت نفسي أمام أمر محيّر يمس عقائدي في الصميم، وأنا لا أعرف كيف أواجهه، ولا أهتدي السبيل في علاجه، فذهبت إلى بيت ذلك الشخص لأستفسر منه الأمر بدقة.
فرحب بي أجمل ترحيب، واحتفى بقدومي إليه بكل حرارة، ولمّا استقر بنا المجلس أخذ يبيّن لي بعض الحقائق التاريخية، فسلط الأضواء على بعض الأحداث بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي نهاية المجلس أهداني كتاب " نهج البلاغة " المترجم إلى اللغة الانجليزية وكتاب آخر تحت عنوان " الإمامة " وكتاب " المراجعات " للعلامة عبد الحسين شرف الدين، فأخذت منه هذه الكتب بعد تقديمي جزيل الشكر له وعدت إلى البيت.
أخذت بمطالعة هذه الكتب التي كانت بالنسبة لي من نوع آخر في الطرح
والمحتوى ومغايرة للكتب التي قرأتها سابقاً، وكان أكثر مالفت انتباهي في هذه الكتب هو حديث الثقلين المنقول بالتواتر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والذي يوصي فيه أمّته بالتمسك بكتاب الله وعترته أهل بيته(عليهم السلام)، وكانت كلمة " العترة " مفردة لم تطرق سمعي من قبل، ومصطلحاً جديداً، فبدأت بالبحث لمعرفة مصاديقهم ليتبين لي الأمر الذي صاروا به عدلاً للكتاب السماوي العزيز.
بدأت بالبحث في كتب أهل السنة حول أهل البيت(عليهم السلام)، فوجدت البعض يذهب إلى أنّ أهل البيت هم آل عباس أو آل عقيل، والبعض الآخر يذهب إلى أنّ أهل بيت الرسول(عليهم السلام)نساؤه.
وراجعت كتب الشيعة فرأيتهم يحصرونهم في أصحاب الكساء وذرية الحسين(عليه السلام)، واستدلوا لإثبات قولهم هذا بآيات من القرآن كآية المباهلة والتطهير.
فكلمة ( أَنْفُسَنا ) في آية المباهلة تشير إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام عليّ(عليه السلام)، لأنّه نفس الرسول كما ذكر ذلك المفسرون من أبناء العامّة وغيرهم، وكلمة (نِساءَنا)تشير إلى فاطمة(عليها السلام)، وكلمة ( أَبْناءَنا ) تشير إلى الحسن والحسين(صلى الله عليه وآله).
وآية التطهير قد ورد فيها ذكر أهل البيت(عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس في سياق يختلف عن ذكر نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
فبضم هذه القرائن بعضها مع بعض، وجمع كلام المفسرين فيها، يتبيّن للباحث بأنّ عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) هم الذين باهل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بهم نصارى نجران، حيث لم يخرج سواهم في هذا الأمر الخطير مما حدا بالنصارى أن يتراجعوا أمام هذه الوجوه النورانية".
إنّ هذا الحديث متواتر لدى الفريقين، وقد اعترف به العامة والخاصة، ورواه ما يزيد على ثلاثين صحابياً، وقد ذكره الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في أكثر من موطن، كيوم عرفة في حجة الوداع، ويوم الغدير في خطبته، وفي مرض وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعليه فقد تعدّدت روايته عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونورد هنا ثلاثة نصوص شريفة.
1 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وأهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض "(1).
2 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي أو شك أن أدعى، فاجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عزّوجلّ وعترتي. كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وأنّ اللطيف الخبير أخبرني إنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما "(2).
3 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " يا أيّها الناس، إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي "(3).
1) أنظر: مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي الشافعي: 234 {281}، المناقب للخوارزمي الحنفي: 154 {182}، فرائد السمطين للجويني الشافعي: 2 / 143 {436}.
2) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة: 2 / 779 {1383}، والهندي في كنز العمال: 1 / 186 {944} وابن المغازلي في مناقب علي بن أبي طالب: 235 {283}، ويوجد في الصواعق المحرقة لابن حجر: 2 / 438، وذخائر العقبى للطبري: 16، وإسعاف الراغبين للصبان الشافعي بهامش نور الأبصار: 103، وينابيع المودة للقندوزي الحنفي: 1 / 102، 119، 123، ومجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 163، والطبقات الكبرى لابن سعد: 2 / 150، ومسند ابي يعلى: 2 / 297 {1021}.
3) أنظر: سنن الترمذي: 6 / 124 {3786}، نظم درر السمطين للزرندي الحنفي: 232، ينابيع المودة للقندوزي: 1 / 99، تفسير ابن كثير: 4 / 110، مصابيح السنة للبغوي: 2 / 457 {2726}، المعجم الكبير للطبراني: 3 / 66 {2680}.
والثَقَل: كل شيء نفيس مصون(1)، وقال النووي: " سميا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما، وقيل: لثقل العمل بهما "(2).
وأمّا دلالة الحديث:
1 ـ عصمة العترة من الخطأ، حيث أخبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ عترته مع القرآن دائماً، وكل من كان مع القرآن دائماً مصيب دائماً، وكل مصيب دائماً معصوم، فأهل البيت(عليهم السلام) معصومون، فلو جاز عليهم الخطأ لأمروا بالخطأ، ولا شيء من الخطأ يجوز التمسك به، ولمّا وجب التمسك بهم مطلقاً كالقرآن وجب أن يكونوا معصومين.
2 ـ إنّ العترة(عليهم السلام) عندهم علم القرآن الذي فيه تبيان كل شي، فيتعيّن الرجوع إليهم في أخذ معارفه وعلومه وسائر أحكامه لا إلى غيرهم، وقد صرّح الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأعلميتهم بصورة مطلقة في حديث قائلا: " ولا تعلّموهم إنّهم أعلم منكم "(3).
3 ـ عدم صحة التمسك بأحدهما دون الآخر، لأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) رتب الضلال على تركهما معاً، وهذا يعني عدم هداية من يتمسك بالقرآن وحده وتخلف عن العترة، بل لا يكون التمسك بالقرآن تمسكاً به بدون العترة لما يقتضيه قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " ولن يفترقا ".
4 ـ وجود إمام من البيت النبوي في كل زمان يجب التمسك به كالقرآن،
وهو دليل على وجوب وجود الإمام الثاني عشر(عليه السلام)بدليل قوله: " لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ".
وخلاصة القول في الحديث: هو وجوب إمامتهم دون غيرهم، لوجوب التمسك بهم وأخذ معالم الدين منهم واتباعهم، وعصمتهم ووجود علم القرآن عندهم وأعلميتهم.
حاول البعض معارضة حديث الثقلين المتواتر(1)بحديث " وسنتي "، المذكور في كتب القوم بنصوص هي:
1 ـ رواية مالك بن أنس المتوفى عام 179ه، وهو أوّل من روى هذا الخبر! حيث ذكره في الموطأ: " وحدّثني عن مالك أنّه بلغه أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنّة نبيّه "(2).
2 ـ رواية الحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405 ه في المستدرك: " حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أنبأ العباس بن الفضل الاسفاطي، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، وأخبرني إسماعيل بن محمّد بن الفضل الشعراني، ثنا جدّي، ثنا ابن أبي أويس، حدثني أبي، عن ثور بن زيد الديلي، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خطب الناس في حجة الوداع فقال: " قد يئس الشيطان بأنّ يُعبد بأرضكم، ولكنه رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروا يا أيّها الناس، إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبداً:
كتاب الله وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ان كلّ مسلم أخ المسلم، المسلمون إخوة، ولا يحل
لأمرىء مال أخيه إلاّ ما أعطاه عن طيب نفس، ولا تظلموا ولا ترجعوا من بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض... ".
إلى أنّ قال: وذكر الاعتصام بالسنة في هذه الخطبة غريب، ويُحتاج إليها. وقد وجدت له شاهداً من حديث أبي هريرة: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأ محمّد بن عيسى بن السكن الواسطي، ثنا داود بن عمرو الضبّي، ثنا صالح بن موسى الطلحي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض "(1).
3 ـ رواية ابن عبد البرّ المتوفى سنة 463 ه، والتي وصل بها خبر الموطأ: " وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا محمّد ابن إبراهيم الديلي، قال: الديلي عليّ بن زيد الفرائضي، قال: حدثنا الحنيني، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) "(2).
في الحقيقة، إنّ هذا الحديث لا يقوى لمعارضة حديث الثقلين، وذلك لعدّة أُمور:
1 ـ هذا الحديث لم يخرجه البخاري ومسلم في كتابيهما، وإنّ مجموعة
كبيرة من علماء أبناء العامة يتركون الحديث بتركهما له ولو صح اسناده!
2 ـ إنّ الحديث لم يخرّج أيضاً في الصحاح الستة عندهم!
3 ـ إنّ الحديث لم يخرّج في مسند أحمد بن حنبل، وقد نقل عنه قوله: " انّ ما ليس في المسند فليس بصحيح ".
4 ـ قد صرح غير واحد بغرابته! كالحاكم بقوله الذي مرّ: " ذكر الاعتصام بالسنّة في هذه الخطبة غريب "، وقال أبو نصر السجزي: " غريب جداً "(1).
أمّا الكلام في الأسانيد:
فخبر الموطأ الذي هو عمدة ما ورد فيه لاسند له! وقد قال السيوطي بشرحه: " وصله ابن عبد البر من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه "(2)وسنذكره في رواية ابن عبد البر.
أمّا خبر المستدرك بروايته ابن عباس، فالمدار فيه على " إسماعيل بن أبي أويس " وهو ابن أخت مالك ونسيبه، ونكتفي بذكر كلمات بعض أئمة الجرح والتعديل، التي ذكرها ابن حجر العسقلاني في كتابه:
" قال معاوية بن صالح، عن ابن معين: هو وأبوه ضعيفان، وعنه أيضاً: ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث، وعنه: مخلّط، يكذب، ليس بشيء ; وقال النسائي: ضعيف، وقال في موضع آخر: غير ثقة ; وقال ابن عديّ: روى عن خاله أحاديث غرائب لا يتابعه عليها أحد ; وقال الدولابي في الضعفاء: سمعت النصر بن سلمة المروزي يقول: ابن أبي أويس كذّاب، كان يحدّث عن مالك بمسائل ابن وهب ; وقال الدارقطني: لا اختاره في الصحيح ; وقال سلمة بن شبيب: سمعت
إسماعيل ابن أويس يقول: ربما كنت أضع الحديث إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم"(1).
وكذا رواية أبو هريرة التي ذكرها الحاكم، ففيها " صالح بن موسى الطلحي الكوفي "، وإليك كلمات الأئمة فيه كما ذكرها ابن حجر العسقلاني أيضاً:
" قال ابن معين: ليس بشي، وقال أيضاً: صالح وإسحاق إبنا موسى ليسا بشي، ولا يكتب حديثهما ; وقال هاشم بن مرثد، عن ابن معين: ليس بثقة ; وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ضعيف الحديث جدّاً، كثير المناكير عن الثقات ; قلت: يُكتب حديثه؟ قال: ليس يعجبني حديثه ; وقال البخاري: منكر الحديث عن سهيل بن أبي صالح ; وقال النسائي: لا يكتب حديثه، ضعيف، وقال في موضع آخر: متروك الحديث ; وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد ; وقال الترمذي: تكلّم فيه بعض أهل العلم ; وقال العقيلي: لا يتابع على شي من حديثه ; وقال ابن حبّان: كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات حتى يشهد المستمع لها أنّها معمولة أو مقلوبة، لايجوز الاحتجاج به ; وقال أبونعيم: متروك، يروي المناكير "(2).
أمّا الخبر في التمهيد لابن عبد البر، ففي سنده الكثير من المجروحين، مثل كثير بن عبد الله بن عمر ـ الذي وصل ابن عبد البر الخبر من حديثه ـ وهذه كلمات أئمتهم فيه كما ذكرها ابن حجر العسقلاني كذلك:
" قال أبو طالب عن أحمد: منكر الحديث، ليس بشيء ; وقال أبو خيثمة: قال لي أحمد: لا تحدث عنه شيئاً ; وقال الآجري: سئل أبو داود عنه فقال: كان
أحد الكذّابين ; وقال أبو حاتم: ليس بالمتين ; وقال ابن عديّ: عامة ما يرويه لايتابع عليه ; وقال ابن عبد البر: ضعيف، بل ذكر أنّه مجمع على ضعفه.
مضافاً إلى أنه يروي الحديث عن أبيه عن جدّه، وقد قال ابن حبّان: روى عن أبيه عن جدّه نسخة موضوعة لا يحلّ ذكرها في الكتب ولا الرواية إلاّ على جهة التعجب.
وقال الحاكم: حدّث عن أبيه عن جدّه نسخة فيها مناكير "(1).
وفوق كل هذا لو سلّم بصحته هذا الحديث، فهو خبر آحاد لا يقتضي علماً ولا عملا، ولا ينهض لمعارضة حديث الثقلين المتواتر الذي رواه ما يزيد عن ثلاثين صحابياً كما تقدم.
وأيضاً لو سلّم بصحته، فإنّه ـ من ناحية المدلول ـ لا منافاة بين الوصية بالكتاب والسنة، والوصية بالكتاب والعترة، بل أنّ مفاد حديث الثقلين هو أنّ السنة يجب أن تؤخذ من العترة لا من غيرهم.
وهذا ما فهمه علماء العامة كابن حجر الهيتمي، حيث قال: " وفي رواية " كتاب الله وسنتي " وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب، لأنّ السنة مبيّنه له، فاغنى ذكره عن ذكرها.
والحاصل: انّ الحث وقع على التمسك بالكتاب وبالسنة وبالعلماء من أهل البيت، ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الأمور الثلاثة إلى قيام الساعة "(2).
ومما يدل على ذلك أيضاً أن المتقي الهندي ـ مثلا ـ يورد كلا الحديثين في
باب الاعتصام بالكتاب والسنة(1)، وايراد حديث الثقلين في هذا الباب يدل على أنّ الاعتصام بالعترة هو أيضاً اعتصام بالسنة، وأنّ السنة الواردة عنهم هي السنة الصحيحة التي يجب التمسك بها.
أولا: اتفق محدثوا أبناء العامة ومؤرخيهم على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن كتابة أحاديثه لئلا تختلط بالقرآن، فعلى هذا المبنى كيف يصح الجمع بين أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بالتمسك بالسنة ونهية عن كتابتها وجمعها؟!.
ثانياً: لو صح قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين: " تركت فيكم كتاب الله وسنتي"، فكيف جاز لعمر أن يقول: " حسبنا كتاب الله "(2)؟!.
ومن هنا نفهم أنّ الحديث وضعه بعض المتاخرين المعادين للعترة، أو الذين أرادوا توجيه ترك الصحابة للعترة.
ثالثاً: إنّ التمسك بالقرآن والسنة لوحدهما لم يمنع أكثر المسلمين عن الضلال، وقد رأينا أنّ الصحابة قد اختلفوا بينهم في مواقف عديدة، وكان كل منهم يدعم ما ذهب إليه بحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذا وقوع الاختلاف بين فقهاء المسلمين في المسألة الواحدة من الكتاب والسنة، مع أنّ حكم الكتاب والسنة في المسألة الواحدة ثابت لا يتغير ولا يتبدل، وهذا يعني ضلال وخطأ أحد المختلفين!
وقد قال الله سبحانه: (فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ)(3)، وقد
نهى الله سبحانه عن التفرّق والاختلاف في الدين فقال ـ عزّ من قائل ـ: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ )(1).
رابعاً: كيف يأمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسك بالسنة وهو يعلم أنّ المنافقين والمنحرفين سوف يكذبون عليه، حيث قال: " قد كثرت عليَّ الكذّابة فمن كذب عليَّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النار "(2)، فإذا كانت الكذّابة كثرت عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته فهل يعقل من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يضع لهم مرشداً يدلهم على صحيحها، ويميّز لهم بين غثّها وسمينها، ويبيّن لهم صادقها من المكذوب عليه فيها؟!.
خامساً: إنّ الله سبحانه صرّح في محكم كتابه أنّ القرآن الكريم يحتاج إلى مبيّن، بقوله تعالى: ( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)(3)، فالمسلمون يحتاجون بيان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وشرحه وتوضيحه لدلالات القرآن ومقاصد آياته.
فاذا كان القرآن الذي لا اختلاف فيه ولا يأتيه الباطل من أي جهة بحاجة إلى مبيّن، فكيف بالسنة النبوية؟!، فهي أحوج من القرآن إلى من يبيّنها لكثرة وقوع الاختلاف والدسّ والكذب فيها من قبل المنافقين والمنحرفين.
يقول الأخ إدريس: " كان هدفي أن أكون على بصيرة من ديني كما قال الله سبحانه على لسان نبيّه(صلى الله عليه وآله): ( قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ
اتَّبَعَنِي )(1)، وبذلك بذلت قصارى جهدي لئلا أكون تابعاً أعمى لعقيدة الآباء، فاجتهدت لتوظيف عقلي في طلب حقائق الدين إذ لا تقليد في العقائد والأصول.
وأحمد الله كثيراً أن هداني إلى طريق لم يدفعني إليه سوى الدليل والبرهان، وهو طريق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأحمده على نعمة العقل، فالعقلاء لا يحجرون أنفسهم على ما لديهم من عقائد وأفكار، بل يبحثون عن الحقّ بشكل متواصل حتى يجدوه وقد قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا)(2).
الصورة
ولد عام 1978م بمدينة " كيغوما " التنزانية(1)، درس في المدارس الدينية الوهابية.
كان اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1993م في مسقط رأسه، على أثر مطالعته لكتب الشيعة وبالأخص كتب المستبصرين.
يقول الأخ أسامة: " كنت أدرس في مدرسة التوحيد الدينية الوهابية كأي طالب يدرس في هذه المدرسة، وكنت أدرس العلوم والأمور العقائدية التي حدّدها السلف بخطوط حمراء، ولم يُفسح لنا المجال للاستفسار وإبداء الرأي فيما يتجاوزها.
1) تنزانيا: تقع في الجنوب الافريقي الشرقي ومطلة على المحيط الهندي، تحيط بها كينيا وأوغندا وموزمبيق وزائير، عاصمتها دودوما (دار السلام)، يبلغ عدد سكانها حوالي {32} مليون نسمة، نسبة المسلمين تتجاوز النصف، أمّا المسيح ف 35، والباقي فمن الهندوس والديانات المحلية.
وطالما كان يطرق سمعي في تلك الأجواء الحديث عن الشيعة وما يشنّع عليهم، فأحببت أن أقف بنفسي على حقيقة أمرهم.
فكانت أولى خطوات بحثي هو الاستفسار من أحد أساتذة المدرسة حول عقائد الشيعة، فأجابنى قائلاً: إنّهم مسلمون ومشكلتهم هي سجودهم للتربة، وتجويزهم نكاح المتعة و...، ورغم ذلك يعتبرون طائفة لها مكانتها العلمية والثقافية في العالم الإسلامي.
ومن هناك انطلقت لأتعرف على حقيقة الأمر، فكان لابد لي من التحرّي والبحث بنفسي، ووجدت أفضل الطرق للتعرّف على الشيعة في بلدنا هو الذهاب إلى مساجدهم، وبالفعل توجهت ذات يوم نحو أحد مساجد الشيعة وصادف وقت صلاة المغرب، فأديت الصلاة معهم جماعة وكنت أراقبهم لأرى كيفية صلاتهم وسجودهم للتربة، ولكني رأيت الأمر بخلاف ما حدّثنا به مشايخنا، لأنّي وجدت البعض يسجدون على ورق الأشجار والبعض الآخر يسجد على الأخشاب! فعدت إلى أستاذي مستفسراً منه حقيقة الأمر؟! فأجابني مستغرباً: لعلهم غيّروا طريقة سجودهم!.
لم أقتنع بمقولة أستاذي، وللمزيد من الاطلاع قرّرت الالتحاق بمدرسة (دار الهدى) الشيعية، وبصورة غير علنية لعلّي أصل إلى حقيقة أمر هذه الطائفة من خلال دراسة كتبهم ومؤلفاتهم، وبعد فترة من التحاقي بها أخبرت والدي بالأمر، فقال لي: بني ابذل قصارى جهدك في البحث وتعرّف على المذاهب واستمع إلى أقوالهم واتّبع أحسنهم، فشجّعني قول أبي للمطالعة والبحث، وأخذت أقارن بين عقائدي وعقائد المذهب الجعفري.
ومن المسائل التي أحضرتها على طاولة البحث، مسألة مايصح السجود عليه في الصلاة وما لايصح:
فوجدت الشيعة الإمامية قد أجمعت على عدم جواز السجود إلاّ على الأرض، كالتراب والرمل والحجر وما شابه ذلك، وكذا على ما أنبتت الأرض من غير المأكول ولا الملبوس، وأنّه لايجوز السجود على ما خرج عن اسم الأرض من المعادن كالذهب والفضة والنحاس، ولا على الملابس والقماش والفراش كالسجاد، ولا على الصوف والجلد ونحوها ".
إنّ دليل الحصر هذا، هو جملة من المرويّات الواردة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بطرق وردت عن أهل البيت(عليهم السلام) خاصة، وأخرى ذكرها مخالفوهم، فمنها:
أوّلاً: الحديث المتواتر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث قال: " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً "، وماله من ألفاظ وأسانيد متعدّده(1).
ودلالة هو جواز السجود على الأرض، ومما يؤيد كون المراد بالمسجد هو محل السجود: حديث أبي أمامة الباهلي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "... وجعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجداً وطهوراً، فأيّنما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره "، الدال على أنّ المراد من المسجد ليس هو المصلى،
1) أنظر: صحيح البخاري: 1 / 128 {328}، صحيح مسلم: 1 / 370 {521}، سنن البيهقي: 2 / 608 {4266}، سنن الترمذي: 3 / 212 {1553}، سنن أبي داود: 1 / 196 {489}، سنن الدارمي: 2 / 295 {2467}، سنن النسائي: 1 / 267 {815}، مسند أحمد: 2 / 250 {7397}.
بل المراد هو موضع السجود، أيّ جعلت الأرض محل السجود.
وقد ذكر هذا المعنى شمس الحق الآبادي قائلاً: "... ومسجداً، أي: موضع سجود، ولايختص السجود منها بموضع دون غيره... "(1).
ثانياً: حديث تبريد الحصى الوارد عن جابر وأنس وغيرهم، قال جابر: " كنت أصلي مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر فآخذ قبضة من الحصى فأجعلها في كفي ثم أحوّلها إلى الكف الأخرى حتى تبرد، ثم أضعها لجبيني حتى أسجد من شدّة الحرّ "(2).
ثالثاً: حديث خباب، حيث قال: " شكونا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شدّة الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا "(3).
وهذا الحديث والذي سبقه يدلاّن على أنّ الشاكي لم يكن شخصاً واحداً، بل كانوا مجموعة من الصحابة، فإنّ لفظة (شكونا) (فلم يشكنا) يحكيان حال كثير من الصحابة كما لا يخفى، وقد شكوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ما يلقون من الحرّ والبرد حتى يرخّص لهم في السجود على غير الأرض، فلم يشكهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يعتني بشكواهم! وهو الرؤوف المتحنن الكريم العطوف، وليس ذلك إلاّ لعدم جواز السجود على غير الأرض.
رابعاً: حديث كور العمامة، حيث ورد: " أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا سجد رفع
1) أنظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود: 2 / 109.
2) أنظر: سنن النسائي: 1 / 227 {668}، سنن أبي داود: 1 / 166 {399}، مسند أحمد: 3 / 327 {14546}، سنن البيهقي: 2 / 151 {2658}، مسند أبي يعلى: 3 / 426 {1916}.
3) أنظر: سنن البيهقي: 2 / 151 {2657}، صحيح مسلم: 1 / 433 {619}، سنن النسائي: 1 / 465 {1491}، صحيح ابن حبان: 4 / 344 {1480}.
العمامة عن جبهته "(1)، وورد: " أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) رأى رجلاً يسجد بجنبه وقد أعتمّ على جبهته، فحسر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبهته "(2)، وورد أيضاً: " رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) رجلاً يسجد على كور عمامته، فأومأ بيده: ارفع عمامتك وأومأ إلى جبهته "(3).
وهذا النهي عن السجود على كور العمامة مبني على كون العمامة قماشاً أو ثوباً.
خامساً: حديث لزوم الجبهة ولصوقها وتمكينها بالأرض، فقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إذا صلى أحدكم فليلزم جبهته وأنفه الأرض حتى يخرج منه الرغم "(4)، مع تعدّد ألفاظه.
ومعنى أرغم فلان أنفه: أي ألصقه بالرغم وهو التراب، فدلالة الحديث على إيجاب إلصاق الجبهة واضحة من باب الأولوية.
ويؤيد هذا حديث ابن عباس، حيث قال: " من لم يلزق أنفه مع جبهته الأرض إذا سجد لم تجز صلاته "(5).
1 ـ عن هشام بن الحكم أنّه قال لأبي عبدالله(عليه السلام): أخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لايجوز؟ قال: " السجود لا يجوز إلاّ على الأرض، أو ما
1) أنظر: الطبقات الكبرى لابن سعد: 1 / 352، كنز العمّال: 7 / 49 {17896}.
2) أنظر: السنن الكبرى للبيهقي: 2 / 151 {2659}، الإصابة للعسقلاني: 3 / 465 {4138}، أسد الغابة لابن الأثير: 3 / 9.
3) المصدر نفسه.
4) أنظر: النهاية لابن الأثير: مادة (رغم).
5) أنظر: كنز العمال: 7 / 464 {19802}، المعجم الأوسط للطبراني: 3 / 139 {4111}.
أنبتت الأرض إلاّ ما أكل أو لبس... "(1).
2 ـ عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: " لا تسجد إلاّ على الأرض، أو ما أنبتت الأرض إلاّ القطن والكتّان "(2).
3 ـ عن أبي عبد الله(عليه السلام)، عن أبيه(عليه السلام)، قال: " لابأس بالقيام على المصلى من الشعر والصوف إذا كان يسجد على الأرض، فإن كان من نبات فلا بأس بالقيام عليه والسجود عليه "(3).
4 ـ عن أبي عبد الله(عليه السلام)، عن الرجل يسجد وعليه العمامة لا يصيب وجهه الأرض، قال: " لا يجزئه ذلك حتى تصل جبهته الأرض "(4).
وغير ذلك من الأحاديث الدالة بوضوح على عدم جواز السجود على غير الأرض.
قال جمهور الفقهاء من غير الشيعة بأفضلية السجود على الأرض، وجوازه على الثياب والبسط والفرش والعمامة والمنديل وجلود الأنعام وظهر الإنسان وكفه، بل ظهر الحيوان حتى ظهر الكلب بعد وضع الثوب الطاهر عليه!!، مع اختلاف وتفصيل بينهم(5)، واستدلوا على ذلك بروايات وردت بالترخيص
1) أنظر وسائل الشيعة للحر العاملي: 5 / 342 {6740}، علل الشرائع للصدوق: 2 / 341.
2) أنظر: الكافي للكليني: 3 / 330، وسائل الشيعة للحر العاملي: 5 / 344 {6742}.
3) أنظر: الكافي للكليني: 1 / 330، وسائل الشيعة للحر العاملي: 5 / 344 {6744}.
4) أنظر: الكافي للكليني: 3 / 334.
5) أنظر: الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري كتاب الصلاة: 1 / 233، والمجموع للنووي باب صفة الصلاة: 3 / 383، ومجموع الفتاوى لابن تيمية: 22 / 102 ـ 117، ومجموع فتاوى ابن باز: 4 / 234، وفتاوى الشيخ عزالدين: 273 في الهامش.
بذلك، منها:
1 ـ حديث أنس: " كنا إذا صلينا مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض من شدّة الحرّ، طرح ثوبه ثم سجد عليه "، وما له من ألفاظ(1).
2 ـ عن ابن عباس: " إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) صلى في ثوب متوشحاً به يتقي بفضوله حرّ الأرض وبردها "(2).
3 ـ عن ابن عباس: " رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي ويسجد على ثوبه "(3).
4 ـ عن أبي هريرة وجابر: " كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يسجد على كور عمامته "(4).
5 ـ عن المغيرة بن شعبة: " كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي على الحصير والفرو المدبوغه "(5).
والذي يمعن النظر في هذه الأحاديث يرى:
إنّ حديث أنس يدلّ على أنّ الأصل في السجود لدى القدرة والإمكان على الأرض، وأمّا في حال العذر وعدم التمكن فيجوز السجود على الثوب المتصل دون المنفصل، وهو ما ذكره الشوكاني في (نيل الأوطار)، حيث قال:
1) أنظر: السنن للبيهقي: 2 / 152 {2663}، صحيح البخاري: 1 / 151 {378}، سنن أبي داود: 1 / 255 {660}.
2) أنظر: مسند أحمد: 1 / 256 {2320}، مسند أبي يعلى: 4 / 450 {2576}، مجمع الزوائد للهيثمي: 2 / 48.
3) أنظر: مسند أبي يعلى: 4 / 335 {2448}، مجمع الزوائد للهيثمي: 2 / 57، المعجم الكبير للطبراني: 11 / 102.
4) أنظر: كنز العمال: 8 / 130 {22238}، المصنف لعبد الرزاق: 1 / 303 {1566}، تحفة الأحوذي: 3 / 157 {581}.
5) أنظر: سنن أبي داود: 1 / 255 {659}، سنن البيهقي: 2 / 589 {4192}.
" الحديث يدل على جواز السجود على الثياب لإتقاء حرّ الأرض، وفيه إشارة إلى أن مباشرة الأرض عند السجود هي الأصل، لتعليق بسط الثوب بعدم الاستطاعة... "(1).
وأمّا حديث أبي هريرة: فهو معارض بنهي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كما ذكرنا سابقاً، والراوي عن أبي هريرة هو عبدالله بن محرز، وهو متروك ومنكر الحديث عند ابن حجر والدار قطني والبخاري(2)، أضف إلى أنّ هذا الحديث أنكره البيهقي، حيث قال: " فلا يثبت شيء من ذلك "(3).
والأحاديث الأخرى التي وردت عن جابر وابن عباس محمولة على الاضطرار كما هو واضح لما ذكرنا سابقاً.
أمّا الأحاديث التي ذكرت صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على الفرو وما شاكل ذلك، فعلى فرض تمامية سندها، فإنّها غير مصرّحه بالسجود على الفرو والنطع والفراش والطنفسة، إذ الصلاة على هذه أعمّ من السجود عليها.
وهذا الذي ذكرناه من الروايات هو عمّدة ما استند عليه القوم!.
وبذلك يظهر أنّ الأصل في السجود أن يضع الإنسان وجهه على الأرض ـ أي ترابها ورملها وحصاها ومدرها ـ وقد رخّص على نبات الأرض من غير المأكول والملبوس(4)، إلاّ أن تعرض عناوين حكم الشارع فيها بجواز السجود
على الثياب ونحوها في بعض الحالات كضرورة الحرّ والبرد، وأمّا السجود على الفراش والسجّاد والبسط المنسوجة من الصوف والوبر والحرير وأمثالها فلا دليل عليه، ولم يرد في السنة أي مستند على جوازه!
وهذا القول مؤيد بفعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث ورد عن عائشة أنّها قالت: " ما رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) متقيّاً وجهه بشيء ـ تعني في السجود ـ "(1).
وكذلك بعمل الأصحاب والتابعين:
فعن ابن عبيدة: " أنّ ابن مسعود لا يسجد إلاّ على الأرض "(2).
وعن عبادة بن الصامت: " إنّه كان إذا قام إلى الصلاة حسر العمامة عن جبهته "(3).
وعن عبد الله بن عمر: " إنّه كان إذا سجد وضع كفيه على الذي يضع عليه وجهه، قال نافع: ولقد رأيته في يوم شديد البرد وأنّه ليخرج كفيه ما تحت برنس له حتى يضعها على الحصباء "(4).
إضافة إلى أقوال بعض علماء العامة التي تصرّح بذلك:
فقد قال ابن الأثير بعد نقل حديث خبّاب كما أخرج مسلم في حديث الشكوى: " والفقهاء يذكرونه في السجود، فإنّهم كانوا يضعون أطراف ثيابهم تحت جباههم في السجود من شدّة الحرّ، فنهوا عن ذلك، وأنّهم لمّا شكوا إليه ما يجدون من ذلك، لم يفسح لهم أن يسجدوا على طرف ثيابهم "(5).
وقال البيهقي بعد نقل حديث أنس في تبريد الحصا: " قال الشيخ: ولو جاز السجود على الثوب متصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصا في الكف ووضعها للسجود... "(1)
والقول الأصح: لو كان السجود على الثياب جائزاً لكان أسهل من التبريد جداً، إذ كما أن السجود على الثوب المتصل سهل فكذا حمل منديل أو خرقة طاهرة سهل بلا ريب.
.ومن هنا يتضح صحة فعل أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) من أخذ القطع الصغيرة المصنوعة من تراب الأرض والسجود عليها!، والمأخوذ من فعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت(عليهم السلام)والصحابة والتابعين، حيث ورد:
عن ابن عباس قال: " إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) سجد على الحجر "(2).
وعن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قال: " دعا أبي بالخمرة فأبطأت عليه، فأخذ كفاً من حصا فجعله على البساط ثم سجد "(3).
وعن ابن عيينة، قال: " سمعت رزين مولى آل عباس قال: كتب إليّ عليّ بن عبد الله بن عباس(رضي الله عنه) أن ابعث إليّ بلوح من المروة أسجد عليه "(4).
وكان مسروق بن الأجدع من أصحاب ابن مسعود إذا خرج يخرج بلبنه يسجد عليها في السفينة(5).
وفي نهاية مطاف بحث الأخ أسامة حول السجود على التربة، يقول:
" وجدت الشيعة الإمامية لا يتدينون ولايقولون إلاّ بما نطق به الكتاب، وجاء به الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتزم به أهل البيت(عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيرا، وعملوا بما ساقهم إليه الدليل، وأخذت البراهين بأعناقهم وجرت عليه السنة وعمل به الأصحاب.
ومما زاد في أحقية مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عندي، علمي بأهمية مكانة العترة بحفظ الشريعة المحمدية، وتعرّفي على الأحاديث التي ذكرها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى تبيّن لي أنّهم المنبع النقي الذي تستسقى منه السنة، فاعتنقت مذهبهم وانتميت إلى التشيع".
(زيدي / اليمن)
ولد عام 1975م في " صنعاء " عاصمة جمهورية اليمن(1)، من أسرة تعتنق المذهب الزيدي(2)
وقال القاضي أحمد بن صالح بن أبي الرجال الزيدي في مقدمة كتابه (مطالع البدور ومجمع البحور): "والتحقيق: إن الزيدية منسوبة إلى الإمام علي بن أبي طالب وسبطيه وأمهما لاجماعهم إن الحق معهم وإن انتسبوا إلى زيد بن علي فما ذاك إلاّ أنها وقعت فترة بعد قتل الحسين بن علي (عليه السلام) كادت تنسي أشهر صفات أهل البيت وهي الجهاد في سبيل الله لاظهار الحق ومحو الظالم، فقام زيد بن علي بسنة آبائه في إنكاره لأعمال هشام بن عبد الملك وخروجه عليه فانتسب من ورائه إليه لهذه الخصيصة، فلولا هذا لكان انتساب هذه الفرقة إلى الإمام علي أنسب". أنظر: الفروق الواضحة البهية: 10.
، ودرس في المدارس الدينية الزيدية حتى أصبح أستاذاً في المدرسة العلمية الزيدية الرئيسية بصنعاء والتي تقام جلسات دروسها في الجامع الكبير، له مؤلفات مخطوطة في المذهب الزيدي، اضافة إلى نظمه الشعر وتمتعه1) اليمن: تقع في الركن الجنوبي الغربي لشبه جزيرة العرب، يبلغ عدد سكانها قرابة {18} مليون نسمة، يدين أغلبهم بالإسلام، تقدر نسبة الشيعة (8) ملايين أكثرهم من الزيدية.
2) الزيدية: " هم القائلون بإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن والحسين وزيد ابن علي (عليهم السلام)، وبإمامة كل فاطمي دعا إلى نفسه وهو على ظاهر العدالة ومن أهل العلم والشجاعة وكانت بيعته على تجريد السيف للجهاد" اوائل المقالات (للمفيد): 4.
بصوت حسن وظفه في قراءة التواشيح التي كانت تبث من التلفزيون اليمني.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)عام 1994م في سوريا.
يقول الأخ إسماعيل: "سافرت إلى سوريا والتقيت هناك ـ عن طريق الصدفة ـ ببعض علماء الشيعة الإمامية الحجازيين، فانعقدت بيّننا صداقة حميمة، وكان يجمعنا حبّ أهل البيت(عليهم السلام) والولاء لهم، فكان معظم كلامنا يدور حول مكانة أهل البيت(عليهم السلام) وفضائلهم، حتى بلغ الحديث بنا حول عصمتهم.
وكان لابد لنا من أن نحددّ تعريف المصطلحات التي يدور البحث حولها، ليسعنا بعد ذلك أن ننطلق في البحث من المشتركات الموجودة بيّننا".
قال الشيخ المفيد: " العصمة من الله تعالى لحججه هي التوفيق واللطف، والإعتصام من الحجج بها عن الذنوب والغلط في دين الله، والعصمة تفضّل من الله تعالى على من علم أنّه يتمسك بعصمته، والاعتصام فعل المعتصم، وليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن، ولا ملجئة له إليه..."(1).
وقال السيد المرتضى: " العصمة هي اللطف الذي يفعله تعالى، فيختار العبد عنده الامتناع من فعل القبيح "(2).
وقال الشيخ الطوسي: " العصمة: المنع من الآفة، والمعصوم في الدين
الممنوع باللطف من فعل القبيح، لا على وجه الحيلولة "(1).
وقال ابن أبي الحديد المعتزلي: " وقال الأكثرون من أهل النظر: بل المعصوم مختار متمكن من المعصية والطاعة... إلى أن قال: وقال أصحابنا ـ يعني المعتزلة ـ: العصمة لطف يمتنع المكلّف ـ عند فعله ـ من القبيح اختياراً "(2).
وذهب أحد علماء الزيدية المعاصرين إلى أنّ العصمة هي: " اللطف الذي تترك لاجله المعصية بلا محالة، ولهذا لا يوصف بها إلاّ الأنبياء أو من يجري مجراهم.
وقال أيضاً: وكل رسول يوحى إليه بشريعة جديدة أو مجدّدة لما قبلها من الشرائع، لابد أن يكون معصوماً بتوفيق الله ولطفه عن ارتكاب الكبائر والفواحش من المعاصي قبل البعثة وبعدها، ومعصوماً كذلك من الصغائر التي تسيء إلى مقام النبوة وتثير الشُبَه حولها، وهذا هو رأي الزيدية ومن وافقهم "(3).
إنّ المدارس الكلامية عموماً تؤكد أنّ العصمة لا تنافي الاختيار، والشخص المعصوم يمتنع عن القبيح بكامل إرادته واختياره، لكن يبقى معنى العصمة ملفوفاً بنوع من الغموض لم يوضحه المتكلمون السابقون، فهم لم يذكروا أسباب ومنشأ هذا اللطف، ولم يفصحوا عن معنى اللطف الإلهي الموجب للعصمة.
وقد حاول العلامة الطباطبائي في تفسيره " الميزان " أن يسلّط الأضواء على هذه المسألة قائلا: " ونعني بالعصمة وجود أمر في الإنسان المعصوم يصونه
عن الوقوع فيما لا يجوز من الخطأ والمعصية "(1).
والظاهر أنّ قوله " وجود أمر في الإنسان... " هو تعبير آخر عن (اللطف) الذي كانت تعبّر به المدرسة الكلامية القديمة.
وقد أوضح كلامه هذا بقوله: " الأمر الذي تتحقق به العصمة، نوع من العلم يمنع صاحبه عن التلّبس بالمعصية والخطأ، وبعبارة أخرى: علم مانع عن الضلال"(2).
وقال أيضاً: " إنّ قوّة العصمة لا توجب بطلان الاختيار، وسقوط التكاليف المبنية عليه، فإنّها من سنخ الملكات العلمية "(3).
وهكذ نرى العلامة الطباطبائي ضمن تأكيده على عدم منافاة العصمة للاختيار يرى أنّ العلم سبباً للعصمة، ذلك العلم الذي قال الله تعالى عنه: (كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)(4)، فمثل هذا العلم يخلق من صاحبه إنساناً مثاليّاً، لا يخالف قول ربّه قيد أنملة ولا يتعدى الحدود التي رسمها له في حياته قدر شعرة، ولن تزول عنه المعصية فحسب، بل لن يجد مجرد التفكير بالمعصية إليه سبيلاً.
قالت الإمامية بوجوب عصمة الإمام من الذنب والخطأ، لأنّ الإمامة منصب لا يليق إلاّ للمعصوم، واستدلوا على ذلك بأدلّة عقلية ونقلية:
قال الشيخ المفيد:
" فإن قيل: هل يشترط في الإمام أن يكون معصوماً أم لا؟
فالجواب: يشترط العصمة في الإمام كما تشترط في النبيّ(عليه السلام).
فإن قيل: ما الدليل على أنّ الإمام يجب أن يكون معصوماً؟
فالجواب: الدليل على ذلك من وجوه:
الأوّل: أنّه لو جاز عليه الخطأ لافتقر إلى إمام آخر يسدّده، وننقل الكلام إليه ويتسلسل، أو يثبت المطلوب.
الثاني: إنّه لو فعل الخطيئة فأمّا أن يجب الإنكار عليه أو لا، فإن وجب الإنكار عليه سقط محله من القلوب ولم يتّبع، والغرض من نصبه إتّباعه، وإن لم يجب الإنكار عليه سقط وجوب النهي عن المنكر وهو باطل.
الثالث: إنّه حافظ للشرع، فلو لم يكن معصوماً لم يؤمن عليه الزيادة فيه والنقصان منه "(1).
ويوضح السيد المرتضى بعض ما أجمله الشيخ المفيد قائلاً:
" فأمّا الذي يدلّ على وجوب العصمة له من طريق العقل، فهو أنّا قد بيّنا وجوب حاجة الأمة إلى الإمام، ووجدنا هذه الحاجة تثبت عند جواز الغلط عليهم ـ أي الأئمة ـ وانتفاء العصمة عنهم، لما بيّناه من لزومها لكل من كان بهذه الصفة، وينتفي جواز الغلط بدلالة أنّهم لو كانوا بأجمعهم معصومين لايجوز الخطأ عليهم لما احتاجوا إلى إمام يكون لطفاً لهم في ارتفاع الخطأ، وكذلك لمّا كان الأنبياء معصومين لم يحتاجوا إلى الرؤساء والأئمة، فثبت أنّ جهة الحاجة هي
1) أنظر: النكت الاعتقادية للمفيد: 39 ـ 40.
جواز الخطأ.
فإن كان الإمام مشاركاً لهم في جواز الخطأ عليه، فيجب أن يكون مشاركاً لهم في الحاجة إلى إمام يكون ورائه، لأنّ الاشتراك في العلّة يقتضي الاشتراك في المعلول، والقول في الإمام الثاني كالقول في الأوّل، وهذا يؤدي إلى اثبات مالايتناهى من الأئمة، أو الوقوف إلى إمام معصوم، وهو المطلوب "(1).
وفي الحقيقة أنّ مفهوم الإمامة الذي تتبناه الشيعة الإمامية، هو القيام بوظائف الرسول من بعده، وقد تعرفت على وظائفه الرسالية والفراغات الحاصلة بموته والتحاقه بالرفيق الأعلى.
ومن المعلوم أنّ سَدّ هذه الفراغات لا يتحقق إلاّ بأن يكون الإمام متمتعاً بما يتمتع به النبيّ من الكفاءات والمؤهلات، فيكون عارفاً بالكتاب والسنة على وفق الواقع، وعالماً بحكم الموضوعات المستجدة عرفاناً واقعياً، وذابّاً عن الدين شبهات المشككين، وهذه الوظيفة تستدعي كون الإمام مصوناً من الخطأ.
فمادلّ على أنّ النبيّ يجب أن يكون مصوناً في مقام إبلاغ الرسالة، قائم في المقام نفسه، فإنّ الإمام يقوم بنفس تلك الوظيفة، وإن لم يكن رسولا ولا طرفاً للوحي، ولكنه يكون عيبة لعلمه، وحاملا لشرعه وأحكامه، فإذا لم نجوّز الخطأ على النبيّ في مقام الابلاغ، فليكن الأمر كذلك في مقام القيام بتلك الوظيفة بلا منصب الرسالة والنبوّة(2).
أوّلاً: قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمات فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ
لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ)(1).
والاستدلال بهذه الآية الشريفة على عصمة الإمام يتوقف على تحديد مفهوم الإمامة ومفهوم الظالم الذي ليس له من الإمامة نصيب.
والمقصود بالإمامة الواردة في الآية غير النبوّة وغير الرسالة، فالنبوّة هي منصب تحمّل الوحي، والرسالة منصب إبلاغ الوحي إلى الناس.
أمّا الإمامة المعطاة للخليل(عليه السلام) في أواخر عمره، فهي عبارة عن منصب القيادة الإلهية وتنفيذ الشريعة في المجتمع بقوّة وقدرة مع توفر الشروط والظروف.
وأمّا الظالم، فهو كل من ارتكب ظلماً أو تجاوز حدّاً في يوم من أيام عمره، أو عبد صنماً، أو لاذ إلى وثن أو ارتكب أمراً محرماً، فضلا عن الشرك والكفر، وهؤلاء بأجمعهم مصداق لنداء رب العالمين: (لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ) من غير فرق أنّه تاب بعد ذلك أو بقى على ما كان عليه.
ولهذا ينبغي أن يكون الإمام طاهراً من الذنوب طيلة حياته، وهذا هو ما يسمى بالعصمة.
ثانياً: قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي اْلأَمْرِ مِنْكُمْ)(2)، والآية الشريفة فيها دلالتان:
1 ـ إنّ طاعة أولي الأمر مطلقة وغير مخصصه بزمان أو مكان أو حالة أو غير ذلك.
2 ـ حرمة طاعة أولي الأمر إذا أمروا بالعصيان والكفر لقوله: (وَلا يَرْضى
لِعِبادِهِ الْكُفْرَ )(1).
وعليه فمقتضى الجمع بين هذين الأمرين أنّ يتصف ولاة الأمر بصفة ذاتية وعناية إلهية تصدّهم عن الأمر بالمعصية، وليس هذا إلاّ عبارة أخرى عن كونهم معصومين.
وهذه الآية والتي سبقتها تدلان على عصمة الإمام مطلقاً.
ثالثاً: قوله تعالى: ( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(2).
والمراد من الرجس هو القذارة المعنوية، وهي كل عمل قبيح عرفاً أو شرعاً تنفر منه الطباع السليمة، والتطهير هو التطهير من الرجس المعنوي الذي تعد المعاصي والذنوب من أظهر مصاديقه.
وتعلّق الإرادة التكوينية على إذهاب كل رجس وقذارة، يجعل من تعلقت به هذه الإرادة إنساناً مثالياً معصوماً، وقد تعلقت هذه الإرادة كما تشير الآية بالأئمة المعصومين(عليهم السلام)، فدل هذا على عصمتهم بالخصوص.
أوّلا: حديث الثقلين: " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي"(3).
ودلالته على عصمة، هو اخبار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ عترته مع القرآن دائماً، وكل من كان مع القرآن دائماً فمعناه أنّه مصيب دائماً، وكل مصيب دائماً فهو
معصوم، فأهل البيت(عليهم السلام) معصومون، لأنّه لو جاز عليهم الخطأ ما كان يجب التمسك به، ولمّا وجب التمسك بهم مطلقاً كالقرآن، وجب أن يكونوا معصومين.
ثانياً: قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): " إنّما الطاعة لله عزّوجلّ ولرسوله ولولاة الأمر، وإنّما أمر بطاعة أولي الأمر لأنّهم معصومون مطهرون، لا يأمرون بمعصيته "(1).
ثالثاً: قال الإمام الصادق(عليه السلام): " الأنبياء وأوصياؤهم لا ذنوب لهم لأنّهم معصومون مطهرون "(2).
هذا اضافة إلى الكثير من الأحاديث الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام).
ذهبت الإمامية إلى أنّ الأئمة إثنا عشر، قد اصطفاهم الله من قبل، فعلم منهم الوفاء بعهده فجعلهم في الأرض ذرية بعضها من بعض ليكونوا حججه على عباده، وقد ورد النصّ في تحديد أسمائهم، وهم معصومون كعصمة الأنبياء، ولا يجوز منهم صغيرة إلاّ ما قدّمت ذكر جوازه على الأنبياء، وأنّه لا يجوز منهم سهو في شي في الدين ولا ينسون شيئاً من الأحكام.
وقبلت الزيدية العصمة للأئمة في الجملة، فقالت بعصمة الإمام عليّ وولديه الحسن والحسين(عليهم السلام).
فقد قال الحسين بن محمّد بن أحمد الهادي: " ولم تقع العصمة فيمن علمنا من ولد إبراهيم(عليه السلام) إلاّ في محمّد وعليّ والحسن والحسين(عليهم السلام)"(3).
قد يقال: انّ ما ثبت بآية التطهير وحديث الثقلين من العصمة إنّما هو للخمسة الذين ضمهم الكساء، في حين أنّ مدعى الشيعة الإمامية عصمة الأئمة التسعة من أبناء الحسين(عليهم السلام) أيضاً، فكيف يتسنى لنا اثبات عصمتهم من خلال هذين النصين والنصوص المتشابهة؟
الجواب: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مواقفه التي أعلن فيها عن أهل بيته(عليهم السلام)، هل كان بصدد بيان حصر النصوص بهؤلاء الخمسة، أم أنّه كان يبتغي مجرد تطبيق العصمة عليهم لكونهم أنذاك المصداق الوحيد للمعصومين؟
والصحيح هو التطبيق، وذلك لأننا رأينا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد حدد أهل بيته وبيّن مقامهم من ليلة زفاف فاطمة لعليّ(عليهما السلام)، حيث صرّح الرسول في تلك الليلة بطهارة أهل البيت(عليهم السلام)(1)، وأعقب ذلك بوقوفه على بابهما طيلة أربعين يوماً(2)، ولم يكن في البيت يومئذ سوى عليّ وفاطمة(عليهما السلام)! فتبيّن أنّ المصداق الوحيد لأهل البيت أنذاك هو عليّ وفاطمة(عليهما السلام) فحسب.
وقد أعاد(صلى الله عليه وآله) اعلانه لمقامهم مرّة أخرى بعد ولادة الحسنين(عليهما السلام)، كما ورد عن أم سلمة في جمعهم تحت الكساء(3)، وبيّن علوّ شأنهم وطهارتهم من الرجس.
فمن هنا يكتشف بوضوح أنّ القضية كانت من باب التطبيق على الموجودين، وتبيين مصاديق المعصومين فحسب لاحصرها بهم، بمعنى أنّه لو
1) أنظر: مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 206 ـ 207، مقاتل الطالبين لأبي الفرج: 59.
2) أنظر: مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 169، المناقب للخوارزمي: 60 {28}، المعجم الأوسط للطبراني: 8 / 111 {8127}، المستدرك للحاكم: 3 / 172 {4748}.
3) أنظر: المستدرك للحاكم: 2 / 451 {3558}، 3 / 158 {4705}، شواهد التنزيل للحسكاني: 2 / 67 ـ {731}، صحيح مسلم: 4 / 1883 {2424} وغيره.
قدّر وجود آخرين من المعصومين يومذاك لأدخلهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) تحت الكساء، ولقال فيهم: " اللّهم هؤلاء أهل بيتي ".
ثم إنّنا لا نحتاج في معرفة المعصومين إلى أكثر من معصوم واحد يكون المرجع في تعيين غيره، لأنّ العصمة تمنع صاحبها من الخطأ في التطبيق.
ويكفينا من هذه النصوص عصمة هؤلاء الخمسة الذين ضمهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهم المرجع لنا لتعيين المعصومين من بعدهم وهذا ما حدث بالفعل.
قد وردت العشرات من النصوص المعلنة عن عصمة الأئمة من ذرّية الحسين(عليه السلام) بأسمائهم وصفاتهم على نحو لا يقبل الترديد والشك، ومن هذه النصوص:
1 ـ أخرج البخاري ـ في الصحيح ـ عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: " يكون اثنا عشر أميراً. فقال كلمة لم اسمعها، فقال أبي: إنه قال: كلّهم من قريش "(1).
وفي رواية أحمد عن بن مسروق، قال: " كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو يقرؤنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله، فقال: إثني عشر كعدَّة نقباء بني إسرائيل "(2).
3 ـ وأخرج مسلم ـ في الصحيح ـ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " لا يزال الدين
قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم إثنا عشر خليفة، كلهم من قريش "(1).
4 ـ عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: " أنا وعليّ والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهّرون معصومون "(2).
5 ـ عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول للحسين(عليه السلام): " أنت الإمام ابن الإمام وأخو الإمام، تسعة من صلبك أئمة أبرار، والتاسع قائمهم "(3).
6 ـ عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: " دخلت على فاطمة(عليها السلام) وبين يديها لوح (مكتوب) فيه أسماء الأوصياء، فعدّدت اثني عشر آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمّد، وأربعة منهم عليّ(عليهم السلام) "(4).
والجدير بالذكر أنّ الكثرة العددية لهذه الروايات ليست هي الأساس الوحيد لقبولها، بل هناك مزايا وقرائن تبرهن على صحتها، فالبخاري الذي نقل هذا الحديث " يكون اثنا عشر... " كان معاصراً للإمام الجواد(عليه السلام)، والإمامين الهادي والعسكري(عليهما السلام)، وفي ذلك مغزاً كبير! لأنّه يبرهن على أنّ هذا الحديث قد سجّل عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن يتحقق مضمونه، وتكتمل فكرة الأئمة الإثنى عشر فعلا، ويعني هذا أنّه لا يوجد أي مجال للشك في أن يكون نقل الحديث متأثراً بالواقع الإمامي الإثنى عشري وانعكاساً له(5).
كما يستفاد من هذه الروايات:
1 ـ إنّ عدد الإمراء والخلفاء لا يتجاوز الإثنى عشر، وكلّهم من قريش.
2 ـ إنّ هؤلاء الأمراء معيّنون بالنصّ، كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بني إسرائيل، لقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً)(1).
فان سؤال الصحابة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هو عن خلفائه لا بتأمير الناس أو بالتغلّب، إذ لايهم الصحابة السؤال عن ذلك، لأنّ تأمير الناس وتغلّب السلاطين لا يبتني ـ عادة ـ على الدين، حتى يهم الصحابة السؤال عنه، فظهر أنّ السؤال إنّما هو عن الخلفاء بالنصّ، وعنهم أجاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)(2).
3 ـ إنّ هذه الروايات افترضت لهم البقاء ما بقي الدين الإسلامي، أو حتى تقوم الساعة، كما هو مقتضى رواية مسلم، وأصرح منها الرواية الأخرى في مسلم أيضاً: " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس إثنان "(3).
وإذا صحّت هذه الاستفادة فهي لا تتلائم إلاّ مع قول الإمامية في عدد الأئمة، وبقائهم، وكونهم من المنصوص عليهم من قبله(صلى الله عليه وآله وسلم)(4).
يقول الأخ إسماعيل: " إنّ ممّا جذبني إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، قوّة منهجيته في أموره العقائدية والفقهية، فدفعني ذلك إلى إعلان انتمائي إليه عام 1994م في سوريا، وقرّرت بعدها دراسة العلوم الدينية في إحدى الحوزات العلمية الشيعية لأكون على علم وبصيرة من ديني ".
الصورة
ولد عام 1954م بمدينة " السليمانية " في العراق(1)، وترعّرع في أحضان أُسرة كرديّة تنتمي للمذهب الشافعي، وتدرّج في الدراسة حتى حصل على شهادة البكالوريوس في الإدارة والإقتصاد، ثمّ شغل منصب معاون مدير مديرية الإحصاء العامة في السليمانيّة.
كان تشرّفه باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1997م في مسقط رأسه، بعد أن اطّلع على كتاب مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي(2).
يقول الأخ أكرم: " شاءت الأقدار الإلهية أن ألتقي بأحّد الإيرانيين،
1) العراق: يقع غرب آسيا، تحده تركية وإيران وسورية والكويت والسعودية، يبلغ عدد سكانه حوالي {22} مليون نسمة، يشكل المسلمون الغالبية العظمى منهم فتتجاوز نسبتهم 95، أما الباقي فمن المسيحيين والديانات الأخرى، أمّا الشيعة فيشكلون نسبة 65 من السكان والباقي من الشوافع والأحناف.
2) مفاتيح الجنان: كتاب يحوي على مجموعة من الأدعية والزيارات والأعمال المستحبة الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام).
فأهداني كتاب (مفاتيح الجنان)، وما أن عدت إلى المنزل حتى دفعني حبّ الاستطلاع والرغبة لمعرفة محتواه، فتصفحته وطالعت بعض فقراته، وإذا بي أجده كتاباً رائعاً فيه أدعية نالت إعجابي، بحيث أنني أحسست من خلال قراءتها والتمعن في مضامينها أثر النقاء والصفاء والخشوع في نفسي.
ولاح لبصري من خلال قراءتي لتلك الأدعية نوراً منحني الرؤية الواضحة لمشاهدة الحقائق، لأنّ الأدعية الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام) تترجم عمق الصلة بين العبد وربّه وتعبّر عن حالة الافتقار المتأصّلة في ذات الإنسان إلى الله عزّوجلّ، ومثل هذه الأدعية تمثل السبيل لوصول العبد إلى ربّه و (اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَاْلأَرْضِ)(1)، والقرب إليه يعني الخروج من الظلمات إلى النور (يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ)(2)، وبذلك النور يهتدي الباحث إلى الطريق الذي يرتضيه الله عزّ وجلّ، لأنّه يمثل الفرقان الذي به يميّز بين الحقّ والباطل.
كما وجدت أنّ هذه الأدعية تحتوي على ثروة كبيرة من المعارف والمفاهيم المرتبطة بالشؤون الفردية والاجتماعية، فهي مدرسة تربوية وتثقيفية تمنح القارئ رؤية واسعة لمعرفة نفسه، وإدراك الحقيقة التي من أجلها خلق ومن أجلها يحيا ومن أجلها يعيش ".
ويضيف الأخ أكرم: " كان بودي أن أجد مثل هذه الأدعية والأعمال المستحبة في كتبنا أبناء العامة، ولكنني لم أجد مثلها من حيث القوّة والتأثير.
فأدركت أنّ كلام أهل البيت(عليهم السلام) نور وأمرهم رشد، لأنّه ينطلق بتسديد إلهي وعناية ربانية من نفوس أذهب الله عنها الرجس وطهرها تطهيراً ".
ويسترسل الأخ أكرم في كلامه عن قصة استبصاره: " بعد تعرّفي على هذا الكنز كنت دوماً التجىء إليه في الأزمات والمشاكل التي تعتريني، فكان هذا الكتاب بمثابة الدواء لتسكين آلامي والتئام جراحي النفسيّة، التي كنت أُعاني منها نتيجة افتقادي للركائز الروحيّة التي يمكنني أن أعتمد عليها في مواجهة الصعاب التي تعترض مسيرتي في الحياة.
فأصبح دأبي هو قرائة تلك الأدعية والقيام بتلك الأعمال المستحبة، وكنت أتأمل في مضامينها، وأغوص في بلاغتها وفي معانيها، وأشفي بها غليلي وعطشي الكامن في أعماق نفسي.
وقد يكون الإنسان غافلا عن معرفة نفسه وفاقداً للبصيرة، ولكن بفضل ما يعثر عليه من الأدعية والزيارات يجد السبيل للعودة إلى الذات والإتصال بالله، وصياغة أفكاره من جديد على أساس تقوى الله ورضوانه، فيخاطب ربّه سبحانه وتعالى: " إلهي البستني الخطايا ثوب مذلّتي، وجلّلني التباعد منك لباس مسكنتي، وأمات قلبي عظيم جنايتي، فأحيه بتوبة منك يا أملي... "(1).
فكنت أخلو كثيراً مع نفسي وأذرف الدموع على حالي باكياً ومناجياً ربي: " إلهي أعنّي بالبكاء على نفسي، فقد أفنيت بالتسويف والآمال عمري، وقد نزلت منزلة الآيسين من حياتي "(2).
" ومالي لا أبكي، ولا أدري إلى ما يكون مصيري، وأرى نفسي تخادعني، وأيامي تخاتلني "(3).
ومن ذلك الحين بدأت أتدرّج في صياغة معارفي فعرفت الله بالله: " إلهي بك عرفتك، وأنت دللتني عليك، ودعوتني إليك، ولولا أنت لم أدر ما أنت "(1)، ثمّ إلتجأت بعدها إلى الله: " اللهم عرّفني نفسك، فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف رسولك، اللهم عرفني رسولك فإنّك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنّك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني "(2).
وطالعت دعاء الندبة من ذلك الكتاب، فتجلّت لي حقائق كثيرة وعرفت من خلاله ضرورة وجود الأئمة في المجتمع، وأنّهم السبيل إلى الله والمسلك إلى رضوانه وأنّهم هداة الأُمة، وأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان منذراً ولكلّ قوم هاد ".
الجدير ذكره أنّ هذا الدعاء يلفت الانتباه إلى حقائق تاريخيّة قد يكن البعض غافلا عنها أو غير مطّلع عليها، وذلك من خلال بعض النصوص الواردة فيه، التي تبيّن ما حلّ بعترة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من مظالم بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومالاقوا من اضطهاد ومعاناة.
وكذلك يبيّن هذا الدعاء أنّ الأرض لا تخلو من العترة الهادية، وأنّ في كلّ زمان يوجد من أهل بيت الرسول(عليهم السلام) من يمثّل السبب المتصل بين الأرض والسماء.
وفي الحقيقة أنّ دعاء الندبة دعاء يندب به المؤمنون إمام زمانهم، ويعبّرون عبر ذلك عن مشاعرهم نتيجة افتقادهم لإمامهم المنتظر، فهم يستخدمون هذا الدعاء كأداة ووسيلة لإدانة الظلم والظالمين، فإنّ هذا الدعاء ينشىء محفز في
نفس الإنسان لئلا تعتريه الغفلة عن بعض الحقائق، وليبقى دوماً على أهبة الاستعداد في انتظار إمام زمانه، وإعداد نفسه والمجتمع للقيام بالمسؤوليات الكبيرة، التي سوف تلقى على عاتقه وعاتقهم عند ظهوره (عج)، وهذا ما يتطلّب منه أن يصوغ شخصيته وفق ما ترتضيه الشريعة، فيزكّي نفسه أوّلا، ويسعى لرفع المستوى الديني في المجتمع ثانياً، ليمهّد الأرضيّة لظهور صاحب الأمر صلوات الله وسلامه عليه.
أمّا زيارة الجامعة الواردة عن الإمام الهادي(عليه السلام) المذكورة في هذا الكتاب، فلها دوراً كبيراً في ابراز جلالة شأن أهل البيت(عليهم السلام) والتعريف بمكانتهم، إذ بها يتعرّف المؤمن على أنّهم: موضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي، ومعدن الرحمة، وخزّان العلم، الذين اصطفاهم الله بعلمه، وارتضاهم لغيبه، واختارهم لسره، واجتباهم بقدرته، وخصّهم ببرهانه، وأيّدهم بروحه، ورضيهم خلفاء في أرضه، وحججاً على بريته، وأنصاراً لدينه، ومستودعاً لحكمته، وتراجمة لوحيه،وأعلاماً لعباده، ومناراً في بلاده،وأدلاء على صراطه بعد أن أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
وهم الذين ينبغي أن يتضرّع العبد بهم إلى الله ليدخله في جملة العارفين لهم ولحقّهم، إذ هم السبيل والذريعة إليه، والوسيلة إلى رضوانه، وبهم يعرف المؤمن ما ارتضاه الله لعباده.
فعن طريق أهل البيت(عليهم السلام) تتجلى للمؤمن حقائق الأمور، ويرتفع الإنسان عبر تلك المعارف إلى المستويات السامية حتى تتلقى القلوب النورَ والهداية وتتصل ببارئها، ثمّ تتفاعل مع هذا النور وتلين له، ثمّ تذوب في مضامين هذه
الأدعية فتقتبس من معارفها ومفاهيمها ما ينعكس في حركة الإنسان وسلوكه ومنطقه ومواقفه ودوافعه، وعند ذلك يتحرّك بنور الله وهداه.
ويستطرد الأخ أكرم قائلا: " وبعد تعرّفي على جملة من المعارف الدينيّة عبر أدعية هذا الكتاب، ازداد اندفاعي وشوقي نحو البحث عن التشيع، فانطلقت للاستفسار ممّن يحيطني حول هذا المذهب، ولكنني لم أصل إلى أي نتيجة لقلّة إلمام ومعرفة من يحيطني بالتشيع.
حتى توّفرت لي الأرضيّة في يوم من الأيام، إذ سافرت إلى مدينة " بغداد " لزيارة أحد أقاربي، فالتقيت هناك في أحد المساجد الشيعية بعالم شيعي، فكان لذلك اللقاء المختصر أثراً بالغاً في نفسي، ومن حينها بدأت تتبلور في ذهني صورة التشيع بصورة كاملة.
كما تعرّفت بعد ذلك على بعض الشيعة، وخضت معهم نقاشات عديدة، ومستفسراً منهم عن بعض الأمور التي كانت مبهمة بالنسبة لي، وطالعت بعض الكتب الشيعية ككتاب (المراجعات) للسيّد شرف الدين العاملي، وكتاب (ثمّ اهتديت) للتيجاني السماوي فتأثرت بها، لكنني مع ذلك كنت أعيش صراعاً نفسياً مدمراً، فكنت أدعو الله أن يهديني إلى سواء السبيل، واستجاب الله دعائي فاستبصرت عام 1997م على يد أحد الأخوة الشيعة، فبدأت أتلقّى على يده فروع الدين النقية التي وردت عن طريق أهل البيت(عليهم السلام)".
الصورة
ولد عام 1971م بمدينة "مامو" في غينيا(1)، واصل دراسته الأكاديمية حتى حصل على شهادة الليسانس في العلوم الاجتماعية، يجيد اللغة العربية والانجليزية والفرنسية إضافة إلى لغاته المحلية كالفولانية والسوسو.
كان مالكي المذهب في بدء أمره، ثم تتلمذ في مدرسة نصر الإسلام الوهابية مدّة أربع سنوات، فتأثر بها جملةً واعتنق بعض آراء هذا التيار الفكري، حتى تبيّنت له الحقيقة بعد دراسة مكثفه أجراها بنفسه، وجهد بحث بذله في مجال العقيدة، فكانت ثمرته أن استبصر.
اعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1991م في " كوناكري " العاصمة.
كان الدافع له في تغيير انتمائه الفكري، هو شدّة إعجابه بالدراسات
1) غينيا كوناكري: تقع في غرب افريقيا، وتطل على المحيط الأطلسي، ومحاطة بالسنغال ومالي وسيراليون وليبريا، عدد سكانها حوالي (9) ملايين نسمة، الغالبية العظمى من المسلمين باستثناء 5 من المسيح والوثنيين، وغالبية المسلمين من المالكية، أما الشيعة فنسبتهم 5 من السكان.
التاريخية، مضافاً لاهتمامه بالمسار الإسلامي والمنعطفات الحساسة التي غيّرت مجراه ونشوء الفرق الإسلامية.
وهذان الأمران فتحا له آفاقاً رحبة في مجال العقيدة، فإنطلق منهما في البحث حتى تفتّحت رؤيته على واقع التاريخ الإسلامي، وتعرّف على أمور جعلته يجدّد النظر في معتقداته الموروثة السابقة.
يقول الأخ آلفا: " كان أوّل كتاب شيعي يقع بيدي كتاب (عقائد الإمامية) للعلامة الشيخ محمّد رضا المظفر(1)، فطالعته فوجدت فيه أطروحة فكرية لم أعهدها من قبل، وأكثر مالفت انتباهي في هذا الكتاب هو أمر الإمامة والخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)!، كما تبيّن لي أنّ الاختلاف في هذه المسألة هو منشأ معظم الاختلافات التي وقعت بين المسلمين بعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم).
وعرفت من ذلك الحين أنّ المسألة الوحيدة التي لابد من الإلمام والإحاطة بها هي مسألة الإمامة، لأنّها مسألة أساسية في قاموس الفكر الإسلامي، وينبغي للباحث أن يحدّد موقفه منها، لأنّ البحث العقائدي في غيرها من المسائل بدون تحديد المعتقد في هذه المسألة الأساسية لايوصل الباحث إلى النتائج مطلوبة،
1) الشيخ محمّد رضا المظفّر ابن الشيخ محمّد الفقيه المجتهد من سلالة الشيخ المظفّر الفقيه الفاضل المستوطن في النجف في حدود المائة الحادية عشر للهجرة، ولد عام 1322ه في النجف الأشرف وتوفي عام 1383ه فيها، له تأليفات كثيرة إضافة إلى كونه شاعراً، وكتابه هذا يوضّح معتقدات الشعية الإمامية وتثبيتها من العقل والنقل مع ردّ الشبهات المثارة على معتقدات الشيعة.
وأنّ الباحث سيبقى في المسائل الجزئية في حيّرة ما لم يعرف الخليفة الحقيقي بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، باعتباره الحافظ للشريعة الإسلامية التي جاء بها النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن دون ذلك لا يستطيع الإنسان الوثوق بالسلطة الحاكمة التي هيمنت على الحكم مع عدم امتلاكها الشرعية في ذلك، ولايمكنه أخذ معالم دينه منها، لأنّها لاشك تخفي الكثير من الحقائق الشرعية التي تصطدم مع مصالحها.
ومن هذا المنطلق بدأت بحثي في هذا المجال، وأعانني على ذلك ـ رغم مشاغلي الجانبية ـ هوايتي وتلهّفي للدراسات التاريخية، فقد كانت لي الدافع للبحث والتتبع، كما أنني كنت أنظر إلى هذه المسألة كحجر أساس لمعتقدي وفكري وانتمائي، ولابد من الاهتمام بها، لأنّها تبلور كافة اتجاهاتي وسلوكي وتحدّد مصيري، وبهذا التوجه انطلقت في البحث.
وكانت أوّل مسألة سلّطت الضوء عليها، هو معرفة الموقف الذي اتخذه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لمستقبل أمته من بعده في أمر الخلافة، فبادرت إلى معرفة الأطروحة التي قدّمها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لأمته في هذا المجال، لأنّها تبيّن لي حقيقة الأمر، ودون ذلك لا أستطيع الانطلاق مما حدث من بعده(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّه قد لايمثل الحقّ والصواب، وعلى الإنسان أن يعرف الحقّ ليعرف أهله ".
إنّ انطلاق الباحث لمعرفة الحقائق عبر الوثوق بعلماء مذهبه وكبار شخصيات معتقدة غالباً ما يصحبه التعصب! وبذلك تحجب بصيرته عن معرفة الحقّ، وسوف يتجه إلى محاولات التبرير لسلوك هؤلاء الذين يمثلون القدوة في مذهبه، وبذلك يبقى في حلقة مغلقة لايمكنه الخروج منها.
أمّا لو انطلق في البحث بروح موضوعية وبعيدة عن حالة التعصب، فإنّ
ذلك سيوصله إلى الحقائق ومعرفة الأخطاء المحتملة التي ارتكبها هؤلاء، وسار على نهجهم الآخرون تقليداً من دون تتبع وتأمّل، لأنّ المجتمع قد يؤمن بأمور على أنّها لاغبار عليها ولاشبهة فيها، في حين أنّها في الواقع أموراً ومسائل لا تطابق الحقيقة والواقع.
ومن هذه الرؤية المنفتحة بدأ الأخ آلفا بحثه في أمر الإمامة والخلافة ليعرف ما حدّدته الرسالة للأمة في ذلك.
إنّ لهذا الحديث شهرة فائقة بين الفريقين، وقد اعترف به الخاصة والعامة، وتناقلته الأفواه والأقلام حتى كاد أن يتجاوز حدّ التواتر.
وقد تعدّد رواة هذا الحديث، بحيث زاد على الثلاثين صحابي، كما تعدّدت طرق رواته، وذلك لأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد ذكره في مواقف ومواطن عديدة، كان منها: حجة الوداع، ويوم عرفة عند جمع غفير من الناس، ويوم الغدير في خطبته، وأيام مرض وفاته.
1 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي "(1).
2 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما
1) أنظر: سنن الترمذي: 6 / 124 {3786}، درر السمطين للزرندي: 232، ينابيع المودة للقندوزي: 1 / 99، تفسير ابن كثير: 4 / 110، مصابيح السنة للبغوي: 2 / 457 {2726}، المعجم الكبير للطبراني: 3 / 66 {2680}، مشكاة المصابيح للتبريزي: 3 / 371 {6152}، نيل الأوطار للشوكاني: 2 / 303 {783}.
أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما "(1).
3 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي تارك فيكم خليفتين، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض ـ أو ما بين السماء إلى الأرض ـ وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض "(2).
4 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وأهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا علىّ الحوض "(3).
5 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي أوشك أن أُدعى فأجيب، ألا إنّي تارك فيكم الثقلين، كتاب الله عزّوجلّ وعترتي، كتاب الله حبل ممدود... "(4).
6 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) من خطبة له في غدير خم: " كأنّي قد دعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي "(5).
1) أنظر: سنن الترمذي: 6 / 125 {3788}، درر السمطين للزرندي: 231، الدر المنثور للسيوطي: 6 / 7، ذخائر العقبى للطبري: 16، الصواعق المحرقة للهيتمي: 2 / 652 ـ 438، المعجم الكبير للطبراني: 3 / 65 {2678}، تفسير ابن كثير 4 / 109، مصابيح السنة للبغوي: 2 / 457 {2727}، جامع الأصول لابن الأثير: 1 / 200 {66}، مشكاة المصابيح (للتبريزي: 3 / 371 {6153}، وغيرها.
2) أنظر: ينابيع المودة للقندوزي: 1 / 119، مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 162، كنز العمال: 1 / 173 (873 ـ 948)، مسند أحمد: 3 / 17 {11147}، وغيرها.
3) أنظر: مناقب عليّ لابن المغازلي: 234 {281}، المناقب للخوارزمي: 154 {122}، فرائد السمطين للجويني: 2 / 143 {436}.
4) أنظر: كنز العمال: 1 / 186 {944}، مناقب عليّ لابن المغازلي: 235 {283}، الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي: 2 / 438، إسعاف الراغبين للصبان بهامش نور الأبصار: 103، مسند أبي يعلى: 2 / 297 {1021}، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 779 {1383}، الطبقات الكبرى لابن سعد: 2 / 150، وغيرها.
5) أنظر: المستدرك للحاكم: 3 / 118 {4576}، فضائل الصحابة للنسائي: 1 / 15 {45}، سنن البيهقي: 5 / 45 {8148}، المعجم الكبير للطبراني: 5 / 166 {4969}.
7 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه: " ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنّي سائلكم عن اثنين ; القرآن وعترتي "(1).
8 ـ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " يا أيّها الناس يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً، فينطلق بي، وقد قدمت اليكم القول معذرة اليكم، ألا إنّي مخلّف فيكم كتاب ربّي وعترتي أهل بيتي، ثم أخذ بيد عليّ فرفعها فقال: هذا عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض... "(2).
9 ـ عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خمّاً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر، ثم قال: " أمّا بعد ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به "، فحث على كتاب الله ورغّب فيه، ثم قال: " وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي "(3).
10 ـ عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " ألا وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عزّوجلّ "، إلى أن قال: فقلنا لزيد: من أهل بيته؟ نساؤه؟
قال: لا وأيم الله، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها... "(4).
1) أنظر: مجمع الزوائد للهيثمي: 5 / 195، أسد الغابة لابن الاثير: 3 / 147، السنة لابن أبي عاصم: 2 / 627 {1465}.
2) أنظر: الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي: 2 / 368، وقال ابن حجر: اعلم أن لحديث الثقلين طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً، أنظر: 2 / 440.
3) أنظر: صحيح مسلم: 4 / 1873 {2408}، صحيح ابن خزيمة: 4 / 62 {2357}، سنن الدارمي: 2 / 524 {3316}، سنن البيهقي: 7 / 30 {13017}، مسند أحمد: 4 / 366.
4) أنظر: صحيح مسلم: 4 / 1875 {2408}، الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي: 2 / 439، المعجم الكبير للطبراني: 5 / 182 {5026}.
إنّ حديث الثقلين بدلالاته يرشد الباحث ليرتقي البناء الشامخ للحقّ والحقيقة، ويصعد قمّة الإيمان التي لايمكن ارتقاؤها إلاّ بسلّم متين، لأنّ قدمه سوف تزل في الخطوة الأولى دون ذلك ويسقط في وادي الهلكة وهاوية الضلالة.
ومن خلال حديث الثقلين يمكن الإشارة إلى الأمور التالية:
أوّلاً: عصمة العترة من الخطأ، لأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) صرّح بعدم افتراقهم عن القرآن حتى يردا عليه الحوض، فتجويز الافتراق بالمخالفة وصدور الذنب منهم تجويز للكذب على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أخبر عن الله عزّوجلّ بعدم افتراقهم عن القرآن.
ثانياً: إنّ العترة عندهم علم القرآن الذي فيه تبيان لكل شيء، وقد صرّح الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأعلميتهم في أحد نصوص هذا الحديث قائلا: " ولاتقدموهما فتهلكوا، ولاتقصروا عنهما فتهلكوا، ولاتعلّموهم فإنّهم أعلم منكم "(1).
ثالثاً: عدم صحه التمسك بأحدهما دون الآخر، لأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) رتّب الضلال على تركهما معاً، ومعنى الحديث أنّه لاهدى لمن يتمسك بالقرآن وحده، أو يقول: " حسبنا كتاب الله "(2)، كما أنّ المتمسك بالعترة فقط دون القرآن أيضاً لانجاة ولاسبيل له للهدى.
رابعاً: عدم خلوّ كل زمان من أهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو دليل على
1) أنظر: الصواعق المحرقة لابن حجر: 2 / 439، مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 164، المعجم الكبير للطبراني: 5 / 166 {4971}، كنز العمال: 1 / 168 {947}.
2) وهو إشارة إلى قول عمر بن الخطاب في رزية الخميس وجرأته على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: إن النبي ليهجر!!، أنظر: صحيح البخاري: 4 / 1612 {4168}، 5 / 2146 {5345}.
وجود إمام من العترة في كل زمان إلى يوم القيامة.
ولذا نرى أنّ ابن حجر قال: " وفي أحاديث الحثّ على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة كما أنّ الكتاب العزيز كذلك... ويشهد لذلك الخبر السابق " في كل خلف من أمّتي عدول من أهل بيتي " "(1).
كما أذعن بهذه الحقيقة أيضاً ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة(2)، والشبلنجي في نور الأبصار(3)، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة(4).
خامساً: وجوب إتّباع أهل البيت(عليهم السلام)، إذ لاسبيل لتلقّي الأحكام الإلهية بكل إطمئنان وإدراك معاني القرآن ومعرفة متشابهة إلاّ بالاستعانة بالعترة، لأنّهم المفسرون الحقيقيون للكتاب، وكل من لايتمسك بهم يتيه في أودية الضلالة من غير دليل.
فالسبيل الوحيد لبقاء المسلمين في مأمن من الانحراف والزيغ، هو معرفتهم لكتاب الله والتمسك به، والتوجه إلى من عنده علم الكتاب، الذين هم عدل القرآن وذوي الكرامات الباهرة التي شرّفهم الباري عزّوجلّ بها.
وبصورة عامة فهذا الحديث يحدّد معالم الإمامة الكبرى التي تركها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في أُمته لحفظ الدين، وائتلاف الأُمة ووحدتها، وعدم ضلالها في متاهات الأهواء والأغراض والمصالح الشخصية.
و لذا نرى عندما تُركت العترة ورُفض التمسك بها، آل الأمر إلى ما آل من الاختلاف والتفرقة والشقاق في أوساط الأُمة الإسلامية، وبعدها ابتلت الأُمة بالفتن والمحن، كان من أشدّها الإبتلاء بالدين، حيث وضعت الأحاديث المكذوبة على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ليحجبوا الحقّ، ومن مصاديق ذلك ما وضعوه في قبال (حديث الثقلين)، وهو حديث: " كتاب الله وسنتي "!.
ولو تتبع الباحث هذا الحديث يجد أنّه لم يرد في صحاحهم الست، وإنّما أخرجه مالك بن أنس بهذا اللفظ في موطأه(1)، بصورة مرسلة.
وقد أوصل إسناده ابن عبد البر(2)، وفيه: كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جدّه، وهو متروك، ومن أركان الكذب(3).
وفيه أيضاً: سلمة بن الفضل الأبرش قاضي ري، وهو من قال فيه البخاري: عنده مناكير، وقال النسائي: هو ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي: لايحتج بحديثه، ووصفه أبو زرعة فقال: كذّاب(4).
وفيه أيضاً: ابن حميد، وهو محمّد بن حميد الرازي، وقال عنه يعقوب بن شيبة: كثير المناكير، وقال البخاري: في حديثه نظر، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الجوزجاني: رديء المذهب غير ثقة(5).
وأخرجه الحاكم والبيهقي(1)، من طريقين:
الأوّل فيه إسماعيل بن أبي أويس وعكرمة، وإسماعيل ضعيف مخلّط يكذب(2)، وعكرمة هو الخارجي المعروف بكذبه على ابن عباس(3).
والثاني فيه صالح بن موسى الطلحي، وهو ضعيف، جداً كثير المناكير لا يكتب حديثه(4).
اضافة إلى أنّ هذا الحديث يخالف مباني أبناء العامة! لادعائهم بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) منع من كتابة أحاديثه، فعليه كيف يصح أن يأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)الأُمة بالتمسك بالسنّة وقد نهى عن تدوينها.
وإنّ هذا الحديث يخالف قول عمر: " حسبنا كتاب الله "! لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لو أمر الأُمة بالتمسك بالقرآن والسنّة، فلا يحق لعمر الرد على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ورفض السنّة.
وعلى أي حال، إنّ حديث الثقلين ووصيّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسك بالقرآن والعترة، حديث مشهور متفق عليه بين العامة والخاصة، ولايمكن تركه والتمسك بحديث ضعيف غير صحيح.
هذا ولو سلّم بصحة الحديث، فإنّ العترة أحقّ من غيرهم لأخذ السنّة منهم، باعتبارهم أعلم من غيرهم بالسنّة والأحكام الشرعية، وقد أرشد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)الأمّة بالرجوع إليهم في مواقف وأحاديث متعدّدة.
إنّ عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وهم ولد فاطمة البتول، قد اصطفاهم الله كما اصطفى آل إبراهيم(1).
فقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّ لكل بني أب عصبة ينتمون إليها إلاّ ولد فاطمة، فأنا وليهم وأنا عصبتهم، وهم عترتي خلقوا من طينتي، ويل للمكذبين بفضلهم، من أحبّهم أحبّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله "(2).
وورد في صحيح مسلم ـ وغيره ـ بإسناده عن سعد بن أبي وقاص، قال: دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: " اللهم هؤلاء أهلي"(3).
فهؤلاء العترة هم أحد الثقلين، والثقل كل نفيس خطير مصون، قال النووي: " سميا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما، وقيل: لثقل العمل بها "(4)، فالعترة هي أحد الثقلين، لأنّها معدن للعلوم الدينية والأسرار والحكم العليّة، ولهذا حثّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على الإقتداء والتمسك بها.
يقول الأخ آلفا: " كانت النتائج التي توصلت إليها واضحة ولاغبار عليها، وقد بحثت في هذا المجال كثيراً لمعرفة الحقيقة في أمر خلافة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ وإن
كان حديث الثقلين لوحده كافياً في تعيين خلفاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة المسلمين ـ.
والأمر الذي قرّبني للتشيع، هو أنني وجدت الشيعة وحدهم هم الذين اتبعوا الثقلين، بينما اتّبع أبناء العامه قول عمر: " حسبنا كتاب الله "! فدفعني ذلك للتعمّق في مباني وآراء مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
وقد ناظرت جملة من الأخوة أهل العامة في هذا المجال، فقابلني بعضهم بأسلوب حاد ومنفعل مما جعلني أتجنب الحوار معهم، وواصلت البحث بنفسي حتى اكتملت عندي صورة التشيع، فاقتنعت بها وتشيّعت عام 1991م في العاصمة كوناكري، وقد استبصر على يدي العديد من الأخوة الذين عرضت عليهم أدلتي في اعتناقي لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، لأنّني بعد الاستبصار لفتُّ إنتباه من يحيط بي، وهذه الحالة دفعت الكثير للاستفسار مني، فكانت ذلك سبباً لوقوع مناظرات عديدة بيني وبينهم، وكانت الثمرة استبصار الكثير من أخواني وأصدقائي الذين سلكوا درب البحث والتتبع للوصول إلى العقيدة الصحيحة ".
الصورة
ولد عام 1976م بجزيرة الموزمبيق، ونشأ في بيئة تعتنق المذهب الشافعي، فسار على نهج الآباء منتمياً لهذا المذهب، واصل دراسته إلى حدّ الثانوية، ودرس القرآن والتفسير، ثم بادر بعد ذلك إلى سلك التعليم، فحمل على عاتقه مهمة تدريس الأطفال في منطقته.
شاءت الأقدار الإلهية التي رعته بألطافها منذ صغره أن ينبثق نور المعرفه في قلبه لينتمي إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)عن بصيرة وفهم وإدراك في " موبوتو " ببلده موزمبيق(1)عام 1994م.
تبدأ رحلة الأخ بشير العقائدية من زيارته في أحد الأيام للقبور، حيث
1) موزمبيق: تقع في جنوب شرق افريقية وتطلّ على المحيط الهندي، يحدّها من الغرب مالاوي وزامبيا وزيمبابوي، يبلغ عدد سكانها قرابة {19} مليون نسمة، تتجاوز نسبة المسلمين فيها 30، أمّا الباقي فمن المسيح والديانات الأخرى، وأكثر المسلمين من المالكية والشوافع، أمّا الشيعة فيشكلون نسبة 10 من المسلمين.
قصدها لما فيها من آثار تربوية وأخلاقية تبعث الإنسان إلى تغيير منهجية سلوكه حين يرى ضيق وظلمة منزله الأخير الذي سوف يسكن فيه، فيرق عندها قلبه ويتذكر الآخرة.
وفي ذلك الموقف وفي مثل تلك الأجواء المليئة بالعبر والموعظة شاءت، العناية الربانية بألطافها أن تفتح له نافذة النور.
فيقول الأخ بشير: " عندما كنت في المقبرة أقبل جمعٌ يحملون على أكتافهم جنازة، تحيطهم هالة من اللوعة والأسى والحزن، حتى جاؤوا بها إلى حفيرة قد أُعدّت من قبل، فوقفت عند ذلك القبر منكسراً باكياً، حتى اعترتني حالة من الكآبة لما شاهدت من منظر إنزال الجنازة في القبر وتسوية التراب عليها، فراجعت في تلك اللحظة نفسي وفكرت في أمري فشعرت بالندم على كل لحظة أضعتها فيما سبق من عمري، وتسويلي لنفسي وعدم اهتمامي بآخرتي، فبكيت على نفسي واستغفرت ربّي من سوء فعلي، وعزمت على إصلاح أمري وتطهير سريرتي ".
ويواصل بشير حديثه قائلاً: " وبينما أنا في تلك الحالة إذ طلب أحد المرافقين للجنازة من الحضور مراعاة الهدوء ليشرع بتلقين الميّت، فانتبهت إليه وبدأت أُصغي إلى كلامه بوعي وتدبّر، فبدأ الشخص ينادي الميت باسمه وكأنّه يخاطب ضميري: يا فلان بن فلان! يرحمك الله اُذكر ما خرجت من الدنيا شهادة أنّ لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّد عبده ورسوله، وأنّك رضيت بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمّد نبيّاً، وبالقرآن إماما(1)....
1) الجدير بالذكر أن جميع أبناء العامة ـ إلاّ الشوافع ـ لم يستنّوا بسنة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في مسألة تلقين الميت، وقد ذكر الشوكاني في نيل الأوطار كتاب الجنائز باب الدعاء للميت بعد دفنه: ما ذكره الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا المجال (4 / 97 ح 1480)، وأنظر في هذا المجال: المعجم الكبير للطبراني: 8 / 298 ـ 299 {7979}، ومجمع الزوائد للهيثمي الجزء الأول والثاني.
وما أن طرق سمعي هذا الكلام، عزمت من ذلك الحين أن أسلك طريق الجد والاجتهاد، والاهتمام بشؤون ديني، فشرعت من ذلك اليوم بطلب العلم وتلقي المعارف الدينية، لأرسّخ بذلك معتقدي الذي منه تنبثق فعالي ومنه يتبلور سلوكي، فكان خطاب التلقين دائما يرنّ في أذني، وكنت أُردده دوماً لأُذكّر به نفسي لئلا تعود إلى غفلتها مرّة أخرى.
وبدأت أبحث عن المسائل الدينية التي جاءت في التلقين، وهي مسألة التوحيد والنبوّة والإمامة، وذلك للمأخذ الذي أخذه ذلك الموقف من نفسي، فشرعت بالبحث والاستقصاء العلمي، وكان لكل مسألة منها وقفة متأنية، حتى وصلت إلى مسألة القرآن وإتخاذه إماماً لنفسي، فراجعت العديدة من التفاسير، وكانت هذه المرحلة من أصعب المراحل في البحث، وذلك لأنّي واجهت فيها استفسارات وأسئلة كثيرة طفحت في ذهني، وكان من أهمها مسألة التأويلات والتفاسير المتعدّده للآيات.
ووجدت معظم الفرق تسعى لتطبيق الآيات وفق آرائها وأفكارها، وكل منها يحاول إخضاع القرآن لما يتلائم مع متبنياته ومعتقداته الخاصة، كما تسعى لتطبيق الآيات ومقاصد القرآن وفقاً لآرائه وميوله.
وهكذا وجدت معظم الفرق تجرّ الآيات إلى مبتغياتها، ثم تجتهد لتحيك بعدها المبرّرات وتصوغ الحجج لإثبات ما ذهبت إليه، من ذلك تجلّى لي أنّ القرآن حمال لوجوه ومعاني متعدّدة، ولايسعه أن يكون لوحده إماماً يصون الأُمة من الانحراف والتفرّق والضياع، بل لابدّ له من مبيّن ومفسّر الكثير من آياته، ويحتاج إلى من يوضّح معانيه ومقاصده ".
في الحقيقة أنّ مسألة فهم القرآن وتفسيره وتأويله، قضية أساسية يتوقف عليها سلامة الفكر الإسلامي وصحة العقيدة، وذلك لأنّ أي إنحراف أو قصور أو تقصير في فهم القرآن وإكتشاف الحقائق التشريعية والعقائدية المختزنة فيه وإستنباط أحكامه ومفاهيمه، يؤدي إلى الإنحراف والتفرّق وضياع الأصالة والنقاء الإسلامي.
إنّ تفسير القرآن وتأويله هي من المسائل التي كان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)يقوم بها في زمانه، لأنّه لم يكن مجرد تال للقرآن، بل كان يبيّن للناس ما أُنزل إليهم كما قال تعالى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(1)، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم)يدرك كنه أهمية هذه المسالة ومدى ضرورتها للمجتمع من بعده، كان يحرص على أن لا يترك أُمته من دون قاعدة ترتكز عليها.
ولذا نجده(صلى الله عليه وآله وسلم)قد أكدّ في مواقف عديدة على مسألة التمسّك بالعترة وملازمتها للقرآن، كما قال(صلى الله عليه وآله وسلم)في حديث الثقلين: " تركت فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى
1) النحل: 44.
يردا علىَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما "(1)، فقرن (صلى الله عليه وآله وسلم) العترة بالقرآن وجعل التمسك بهما عصمة من الضلال، ومعنى ذلك أنّ التمسك بالقرآن دون العترة لايعصم من الضلال، بل يؤدي إلى الوقوع في الاختلاف والتفرّق والانحراف.
وهذا الحديث مشهور وصحيح وثابت قد بلغ حدّ التواتر، وأخرجه المحدثون من الفريقين الشيعة والسنّة، ورواه أبناء العامة في صحاحهم ومسانيدهم عن ما يزيد من ثلاثين صحابياً(2).
ومسألة تلازم القرآن مع العترة من المسائل التي حاول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يحافظ عليها صيانة للشريعة الإسلامية من الإختلاف والتمزّق، ولكن المنهجية التي إتخذها الحكام الذين استولوا على زمام الحكم من رفع شعار " حسبنا كتاب الله "(3)وعزل العترة عن مواقعهم التي عيّنها الله لهم، جعلت المجتمع عرضة للإختلافات، تتلاعب به أمواج الفتن والضلالة، نتيجة ترك السفينة المنجية التي عينها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " ألا إنّ مَثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من قومه، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق "(4).
1) أنظر: مسند أحمد: 3 / 17 {11147}، سنن الترمذي: 6 / 125 {3788}، مشكاة المصابيح للتبريزي: 3 / 371 {6153}، وقد مرّ سابقاً.
2) للمزيد من الاحاطة في هذا البحث راجع: كتاب " مع الصادقين " للدكتور محمّد التيجاني السماوي ص 115، وهو من الكتب التي تأثر بها الأخ بشير في اعتناقه لمذهب أهل البيت عليهم السلام.
3) هذه المقولة أوّل من طرحها هو عمر بن الخطاب في مرض وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)حينما طلب ممن في حجرته أن يأتوا له بكتف ودواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً، فرد عليه عمر قائلاً: حسبنا كتاب الله.
4) أنظر: المستدرك للحاكم: 3 / 163 {4720}، فرائد السمطين: 2 / 246 {519}، ينابيع المودّة للقندوزي: 1 / 94، أمالي الطوسي: 60 {88}، 733 {1532}، كمال الدين: 239 {59}، الإحتجاج للطبرسي: 1 / 361، كتاب سليم بن قيس: 2 / 937، المناقب لابن المغازلي: 132 ـ 134، حلية الأولياء لأبي نعيم: 4 / 306، المعجم الأوسط للطبراني: 4 / 153 {5536}.
إذا كان لابد للمسلمين أن يتحرّزوا من الضلال، كان عليهم أنّ يتمسكوا بأهل البيت(عليهم السلام) والقرآن معاً، فإنّ الأمة الإسلامية لايمكنها البلوغ إلى العزّ والسؤدد والوصول إلى المنازل الرفيعة التي توخاها الإسلام إلاّ بالتمسك بكلا الثقلين.
ومن هنا كان أهل البيت(عليهم السلام) يحاولون دوماً إتمام الحجّة على الناس بتذكيرهم بهذا الأمر، ومثال ذلك كلام الإمام الصادق(عليه السلام) في المناظرة التي جرت عنده بين هشام بن الحكم والرجل الشامي، حيث سأل هشام الرجل الشامي قائلاً:
" أخبرني يا هذا! أربّك أنظر لخلقه، أم خلقه أنظر لأنفسهم؟
فقال الشامي: بل ربّي أنظر لخلقه.
قال: ففعل بنظره لهم في دينهم ماذا؟
قال: كلّفهم وأقام لهم حجّة ودليلاً على ما كلّفهم به، وأزاح في ذلك عللهم.
فقال له هشام: فما هذا الدليل الذي نصبه لهم؟
قال الشامي: هو رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
قال هشام: فبعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من؟
قال: الكتاب والسنة.
فقال هشام: فهل نفعنا اليوم الكتاب والسنة فيما إختلفنا فيه، حتى رفع عنا الاختلاف، ومكّننا من الإتفاق؟
فقال الشامي: نعم.
قال هشام: فلم اختلفنا نحن وأنت، جئتنا من الشام تخالفنا، وتزعم أنّ الرأي طريق الدين، وأنت مقرّ بأنَّ الرأي لا يجمع على القول الواحد المختلفين؟
فسكت الشامي كالمفكّر.
فقال أبو عبد الله(عليه السلام): مالك لا تتكلّم؟
قال: إن قلت: إنّا ما إختلفنا كابرت، وإن قلت: إنّ الكتاب والسنة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت، لأنهمها يحتملان الوجوه، ولكن لي عليه مثل ذلك.
فقال له أبو عبد الله(عليه السلام): سله تجده مليّاً!
فقال الشامي لهشام: من أنظر الخلق، ربّهم أم أنفسهم؟
فقال: بل ربّهم أنظر لهم.
فقال الشامي: فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم ويرفع اختلافهم ويبيّن لهم حقّهم من باطلهم؟
فقال هشام: نعم.
قال الشامي: من هو؟
قال هشام: أمّا في ابتداء الشريعة فرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله)فعترته.
قال الشامي: من هو عترة النبيّ القائم مقامه في حجته؟
قال هشام: في وقتنا هذا أم قبله؟
قال الشامي: بل في وقتنا هذا.
قال هشام: هذا الجالس ـ يعني أبا عبد الله(عليه السلام)ـ الذي تشدّ إليه الرِّحال، ويخبرنا بأخبار السماء، وراثة عن أبيه عن جدّه.
قال الشامي: وكيف لي بعلم ذلك؟
فقال هشام: سله عمّا بدا لك.
قال الشامي: قطعت عذري، فعلىَّ السؤال.
فقال أبو عبد الله(عليه السلام): أنا أكفيك المسألة يا شامي، أخبرك عن مسيرك وسفرك، خرجت يوم كذا، وكان الطريق كذا، ومررت على كذا، ومرّ بك كذا، فأقبل الشامي كلّما وصف له شيئاً من أمره يقول: صدقت والله.
ثم قال الشامي: أسلمت لله السّاعة!
فقال له أبو عبد الله(عليه السلام): بل آمنت بالله الساعة، إنَّ الإسلام قبل الإيمان عليه يتوارثون ويتناكحون، والإيمان عليه يثابون.
قال الشامي: صدقت، فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّد رسول الله، وأنّك وصيّ الأنبياء "(1).
من هذا يتجلّي لنا أنّ التمسك بالعترة هو الحلّ الوحيد لسدّ أبواب الاختلاف، ومنه الاختلاف في تفسير القرآن و تأويله.
ولو أخذ علماء الأمة الإسلامية بمنهج أهل البيت(عليهم السلام)في التفسير، والتزموا بالأسس والقواعد والضوابط التي جاء بها أهل البيت(عليهم السلام) في تفسير كتاب الله عزّوجلّ، لقدروا أن يؤدّوا التفسير بدقة وسلامة ولأغنوا بذلك دنيا الإنسانية بالمعاني والأفكار والأحكام، ولم يقعوا في الضياع والتخرّص والقول بالرأي والخضوع لهوى النفس.
لايخفى أنّ تفسير الكتاب العزيز وشرح مقاصده وأهدافه، وكشف رموزه
1) أنظر: الإحتجاج للطبرسي: 2 / 279 ـ 282.
وأسراره، لايعني عدم حجّية ظواهر القرآن للناس، لأنّ الله سبحانه وتعالى لم يتفرد في إفهام مقاصده بطريقة خاصة، ولم ينتهج في بيانه اسلوباً غريباً عن الأذهان، وإنّما كلّم الناس بما يألفون من أساليب التفهيم والكلام، وإنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) جاء بالقرآن لقومه ليفهموا معانيه وليدبروا آياته.
وقد ذم الله سبحانه من يعطّل تفكيره ومن لا يتدبّر القرآن، بقوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوب أَقْفالُها)(1)، وقال تعالى: (هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ)(2)، وقال تعالى: (فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)(3)، وإلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجوب العمل بما في القرآن ولزوم الأخذ بما يفهم من ظواهره.
والمهم في هذه المسألة هو معرفة المحكم والمتشابه، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، وقد خصّ الله عزّوجلّ الإحاطة بها حججه وسفرائه في الأرض، وهم عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين اصطفاهم تعالى ليكونوا ورثة الكتاب وحملة علم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعناهم بقوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)(4).
فالمشكلة في الأمر هي مسألة المتشابة، التي يتخذها الذين في قلوبهم مرض فرصة لابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، حيث يقول الإمام الصادق(عليه السلام)في هذا
المجال: " إنّما هلك الناس في المتشابه، لأنّهم لم يقفوا على معناه ولم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلاً من عند أنفسهم بآرائهم واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء "(1).
يقول الأخ بشير سليم بعد خوضه هذه الأبحاث: " إنّ هذه المسألة وفّرت لي بداية إنطلاقة في البحث الذي منه غيّرت مسير إتجاهي العقائدي، ولذلك سافرت إلى العاصمة " موبوتو "، ودخلت مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) لأتعّرف بصورة كاملة على مذهب الإمامية، فتتلمذت على يد أحد المبلغين العراقيين المقيمين في " موزمبيق " لأجل التبليغ، وبعد مضي سنة واحدة من البحث والتحرّي والتتبع تبلورت صورة الفكر الشيعي في ذهني، بشكل نشأت منها القناعة في نفسي لدقتها ووضوحها وصدقها، ولم تمض مدّة حتى وجدت قلبي ينبض بمحبّة أهل البيت(عليهم السلام)، ووجدت لساني يلهج بذكرهم وفضائلهم ".
ويضيف الأخ بشير: " بدأت حياتي الجديدة بعد ذلك برؤية ومنهجية سلوكية أُخرى تلقيتها من أهل بيت رسول الله(عليهم السلام)، الذين هم خزنة علم الله، وتراجمة وحيه، وحججه على أرضه.
وهكذا اجتزت عقبات هذه الرحلة الشاقة بعون الله، لأصل في نهاية المطاف إلى العقيدة الراسخة التي لم أرثها من الآباء ".
1) أنظر: وسائل الشيعة للحر العاملي: 27 / 201 باب 13 {33593}.
الصورة
الأخت تانيا المانية الأصل(1)، تشرّفت عام 1999م باعتناق الدين الإسلامي الحنيف المتمثّل بخط أهل البيت(عليهم السلام)، متحوّلة من الديانة المسيحية في عمر ناهز الإثنين وعشرين عاماً، بعد مدّة طوتها ـ حسب قولها ـ في الضياع وجهل الذات إلى أنّ أخذ الله بيدها وانتشلها من قعر الظلمات ليرفعها إلى حيث سناء النور.
كانت الأخت تعيش في أجواء تصفها بنفسها: " كنّا يومئذ نعيش سوية بعضنا إلى جنب بعض، لكن بحالة لايبالي فيها أحدنا بالآخر، وكان الكل يحيا لنفسه ومن أجل نفسه، إذ كنا نتقاسم سوية الوحدة والعزلة، ولعلّي لا أغالي إن
1) المانيا: تقع على بحر البلطيق محاطة بتسع دول أوربية، يتجاوز عدد السكّان فيها {100} مليون نسمة، أغلبهم يعتنقون الديانة المسيحية الكاثوليكية والبروتستانتية، أمّا المسلمون فنسبتهم 4 أغلبهم من المهاجرين الأتراك والمغاربة واللبنانيين والإيرانيين، وللشيعة تواجد ملحوظ، حيث يبلغ عدد الشيعة أكثر من مليون شخص.
قلت: أنّ أحدنا لم يكن يعيش حتى مع ذاته التي هجرها، ولم نكن نمعن النظر حتى في مستقبلنا! بل لم يجرء أحد على سؤال نفسه: لماذا أحيا؟ ولماذا ولدت؟ ومن أين جئت؟ وإلى أين المصير؟.
فكان الكل يهيم على وجهه في طرقات ومنعطفات مظلمة لايلوي على شئ، وكنّا جميعاً نتسكّع في أزقة الحياة الغوغائية، ولانفكر في مأوى أو دار هنيئة.
و هكذا أمضينا حياتنا في ضياع الغايات، وضياع الأخلاق والعقيدة والمعنويات ".
كان هذا الأمر في أوائل ردّة الفعل التي حدثت في الغرب ازاء الدين، نتيجة لتصرفات رجال الكنيسة، ونتيجة وقوع التحريف في الديانة المسيحية التي فشلت في أداء مهامها ودورها في حياة الفرد والمجتمع المسيحي، فإنّ رجال الكنيسة وضعوا لمجتمعاتهم قوانين وتشريعات جعلت ديانة المسيح أكثر الأديان السماوية والوضعية تعقيداً، وعلى خلاف ما جاء به عيسى(عليه السلام) الذي قدمها ببساطة.
وظنّ علماء المسيحيّة أنّهم بذلك قد أسسوا بنياناً فكرياً صالحاً لتنظيم حياة الإنسان الفردية والاجتماعية، لكن بمجرد أنّ وضعت هذه النظريات موضع التنفيذ لم يستقم أمرها فاضطربت وتعثّرت، ولم يكن من الممكن أن تعيش هذه التعاليم والمبادئ في أرض الواقع، وكان ثمرتها حصاد الفشل الذريع والوقوع في الكوارث المريرة، التي أدت إلى نشوء ردود فعل معاكسة ازاءها، بل ازاء الدين بالكامل، مما جعل الغرب يعيش حالات الضياع نتيجة رفضه للدين بصورة عامة.
وتقول الأخت تانيا: " كان يعيش أكثر من 50 من الناس، وأكثر من 60 من الشباب والشابات في منطقتنا حالة الوحدة، رغم علاقات الصداقة والرفقة والصلات العائلية والأسرية الظاهرية، بل أنّ جميع الصلات الإنسانية في شكلها المادي والظاهري من قبيل الترفيه واللهو واللعب وغيرها، كان لايطيقها هؤلاء إلاّ لبضع ساعات من ليلهم ونهارهم، فيما يمضون ماتبقى من عمرهم في غرفة أو شقة منزوين عن الآخرين ".
عاشت الأخت تانيا عشرين عاماً في مثل هذه الأجواء، حتى عثرت بفضل الإسلام الأصيل المتمثل بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) على ذاتها التي فقدتها طيلة هذه المدّة، فتعرّفت على ربّها بعد أن كانت عنه غريبة.
وكان بدء قصة رحلتها من الظلمات إلى النور: أنّها إلتقت صدفة في سوق مدينة " هامبورغ " بفتاة مسلمة محجبة، وكانت يومذاك في رفقة عدد من أصدقائها، وتصف الأخت تانيا هذه الحادثة بقولها: " إنني كنت ذلك الحين طائشة كما هو ديدن أية فتاة شابة ألمانية، فسخرت من حجاب تلك المرأة وحقّرتها لأجل حجابها، فقلت لتلك الفتاة: أيّ مرض ألّم بك فجعلك تغطين جسدك بهذه الصورة؟.
فردت الفتاة المحجبة عليَّ بهدوء وإتزان موحي بالتأمل العميق الذي يدعو إلى الإيمان الواعي المرتكز على الحجة والبرهان، ودخلت معي في حوار أكّدت لي فيه، أنّ الستر وحفظ حياء وعفة المرأة دليل على سلامة نفسها، وأنّ الحجاب يمنح المرأة حرية معنوية يمكنها من صيانة أمنها الاجتماعي، فيما التعري أمر يخالف الفطرة".
وتقول تانيا: " لكنني رفضت كلامها جملة وتفصيلا! ثم انطلقت مع رفاقي إلى شؤوني، لكنّني بقيت أفكّر لفترة بمنطق تلك الفتاة المحجبة وثقتها بنفسها، وحرصها على مبادئها، وسعة إطلاعها، حتى سنحت لي فرصة دفعني خلالها حبّ الاستطاع أن أذهب إلى مسجد الإمام عليّ(عليه السلام) في " هامبورغ "، فتحدثت وتحاورت مع عدد من المسلمين الشيعة الذين اجتمعوا هناك وكانوا من شعوب مختلفة، فلاحظت فيهم المنطق وقوّة الدليل، فقوّيت صلتي مع عدد منهم لأتعرف على الحقائق التي كنت أجهلها من قبل، وبالتدريج أخذ عقلي وروحي يستسلمان وينقادان لأفكارهم وعقائدهم، حتى وصلت بي الحالة أن بدأت أشعر كأنني مسلمة مثلهم ولا أختلف عنهم في شي ".
كان من حسن حظ الأخت تانيا أنّها تعرّفت على الإسلام بصورة مباشرة، ولم تتعرّف على الإسلام عبر المسيحية التي حاولت اختراق الفكر الإسلامي بإتخاذ نهج التشكيك والمغالطة وتشويه الحقائق والافتراء، لتحريف التاريخ الإسلامي وتشويه مبادئه وثقافته وإعطاء المعلومات المغلوطة عنه تحت عنوان الاستشراق.
فإنّ ما كتبه المستشرقون من دراسات وما قاموا به من رحلات يحتاج إلى قدر كبير من الحيطة والحذر، فأكثر هذه الإنجازات لم تكن تتسم بصفة الموضوعية، حيث جاء المستشرقون بأفكار مسبّقة وانطباعات ذهنية شاذّة عن الإسلام والمسلمين، فطبقوها بشكل لايخلو من التعسف والتعنت، فضلا عن أنّهم لم يعايشوا ما كتبوه عن المسلمين، ولذا غابت عنهم الحقيقة ووقفوا عند ظواهر الأمور.
والمستشرقون تدخلوا بآرائهم وأهوائهم الخاصة، ففسروا الحوادث وناقشوا النصوص وحلّلوا القضايا على ضوء ذلك، وقد آلوا على الإسلام من نافذتهم، وألقوا عليه ظلالهم لتغيير معالمه الأصيلة، ولذلك خلطوا بين الإسلام كدين قويم وبين الوضع المتردي للمسلمين، فحكم بعضهم ـ مثل كيسلنج ـ على الإسلام بأنّه دين ميّت!.
وإنّ هذا الانطباع الذي حملته ذهنية المستشرقين نابع من التعصب الشديد ضد الإسلام، إذ لايشك المتأمل في الارتباط بين الإستشراق والتنصير هو ارتباط جذري، إلاّ أنّ الفرق بينهما هو أنّ الاستشراق أتخذ صورة البحث والتحقيق العلمي، في حين أنّ التنصير أتخذ المظهر الإنساني المرتبط بالله ـ حسب النظرية المسيحية ـ فمراحل الاستشراق لم تكن خالية من الرهبان والقسس، ولم تكن منفصلة عن رعاية الكنيسة! حيث أنشأوا المراكز والمعاهد لأجل ذلك وفق خطّةٌ منهجية ومبرمجة كان الغرض منها توظيف العقيدة والتاريخ والثقافة و... الإسلامية لخدمة أغراضهم المشبوهة(1).
فماذا ينتظر من أناس يحملون هذه الأفكار، عندما يعرضون ديننا على العالم!!.
ولكن رغم هذا الكم الهائل من التيارات المعاكسة التي واجهها الإسلام، اخترق الكثير من المسيحيين هذا الحاجز، لأنّهم واجهوا في أذهانهم أسئلة حائرة تحتاج إلى جواب مقنع لم تمنحها النصرانية فصل الخطاب، وكان الإسلام هو
1) إنّ إنشاء هذه المراكز عميق في التاريخ، ففي عام 1787 م أنشأ الفرنسيون " جمعية المستشرقين "، ثم أنشأوا جمعية أخرى لها نفس الأغراض عام 1820 م. وفي بريطانيا أنشئت جمعية لتشجيع الدراسات الشرقية عام 1823 م، وفي عام 1842 م أنشأ الأمريكيون جمعية ومجلة باسم " الجمعية الشرقية الاميركية " وغيرها كثير!
المنقذ لمثل هذه النفوس.
تقول الأخت تانيا: " وممّا استحوذ على إهتمامي في الإسلام، هو العلاقة المعنوية للمسلمين مع ربّهم، وعلاقتهم الصميمية فيما بينهم وأفراد أسرهم وتوادهم، ووجود الهدفية في الحياة عندهم، وتضامنهم الذي لايعرف حدوداً، سواء على الصعيد العنصري أو القومي أو الإنتماء الجغرافي، إضافة إلى تمسكهم بدينهم واعتقادهم الراسخ بالقضايا العقائدية ".
وتضيف الأخت: " إنّ المسلمين أخذوا هذه الأمور من الإسلام نفسه، وهم يمارسون حياتهم اليومية إلى حد ما وفق ذلك، وبالطبع فإنني لو كنت قد إلتقيت بمسلمين غرباء عن دينهم وإسلامهم لما كنت قد ركنت إلى الإسلام ".
قد نشأت في نفسية الأُخت تانيا جاذبية فائقة إلى مطالعة الكتب الفكرية والعقائدية للإسلام، فقرأت القرآن أوّلا، ثم أحاديث الرسول وأهل بيته(عليهم السلام)، وكان في مطالعتها لأحاديث أهل البيت(عليهم السلام) دوراً كبيراً لتنمية رصيدها الإيماني، واستيقاظ عقلها وقلبها وإشراق وجهها بنور الإيمان، وذلك لما تمثّل هذه الأحاديث من مدرسة فكرية تعتني بالبناء الفكري الذي طرحه أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بكل صدّق وإخلاص وعمق ودراية، لمعالجة مشاكل الإنسان وتعميق وعيه الديني.
فكان هدف مدرسة أئمة أهل البيت(عليهم السلام) الفكرية، توعية القاعدة الشعبية بالفكر الإسلامي الأصيل، من أجل تهيئة الفرد المسلم لتحمّل المسؤولية، ومن هنا
تصدى أهل البيت(عليهم السلام) لتبيين حقائق القرآن الكريم ونشر علوم الشريعة، فحفظوا بذلك للأُمة الإسلامية تراثها من الضياع، ورسموا معالم المنهج الإلهي الذي أرسى دعائمه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قولا وعملا.
ولولا جهود أئمة أهل البيت(عليهم السلام) لضاع الكثير من الأحاديث، واندرست معالم جانب كبير ومهم من الشريعة، نتيجة تلاعب أيدي حكام الجور الذين تولّوا الخلافة، ولكن شاءت الحكمة الإلهية أن تضع حفظة للشريعة لصيانة التراث على مرّ العصور وإيصاله إلى الأجيال القادمة، ولتكون الأمة على بيّنة من دينها، ولهذا نجد أنّ التراث الفكري الذي حافظ عليه أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ساهم في بناء حضارة فكرية إسلامية متكاملة منسجمة مع فطرة الإنسان، بحيث ارتوت منها النفوس المتعطشة التي تبحث عن السعادة والكمال كما حصل مع الأخت تانيا، فإنّها وجدت في ظل هذه التعاليم الأمن والسكينة الروحية التي كانت تفقدها من قبل، وقد وصفت حالتها بعد إعتناقها لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) قائلة:
" إنني اكتسبت من القرآن وأحاديث الرسول وأهل البيت(عليهم السلام) كل ما يتمناه المرء في دينه، ولو أنّني فقدت وخسرت كلّ شيء في حالة إسلامي! لكنني في مقابل ذلك وجدت نفسي وكسبت ذاتي، فقد كنت أجد كل شئ إلاّ الله! ومع ذلك كنت أشعر بالضياع والحيرة.
واليوم وبعد أن عثرت على ذاتي التي فقدتها منذ عشرين عاماً وعرفت ربّي الذي كنت عنه غريبة بالمرّة، حصلت على كل شئ، بل وكل ما أريد بفضل الإسلام.
فحصلت على الحرية المعنوية، كما حصلت على اخوة وأخوات في الله في كل مكان، في هامبورغ والمانيا، بل في العالم قاطبة، والأهم من كل ذلك أنني
عثرت فيما عثرت عليه رسالة الله إلى الإنسانية، التي بعثها منذ قرون متمادية، وعثرت عليها في خزانة كنوز التاريخ، فأخذتها وكانت أعظم رأس مال في حياتي.
أجل لقد طويت ليل العشرين عاماً من عمري عبر طلوع فجر يوم جديد، بحيث منحتني شمس الإسلام الدفء، وبعثت في نفسي النشاط والحيوية بعد سبات شتائي طويل امتد لسنوات طوال ".
ثم تصف الأخت تانيا حالها مع الآخرين ولاسيما مع عائلتها بعد تشرفها بالإسلام قائلة: " أمّا أنا فعلى الرغم ممّا أعيشه من وحدة ظاهرية ومشاكل كثيرة مع عائلتي بسبب تشرّفي بالإسلام، إلاّ أنني لازلت أعيش مع والدي ووالدتي، وبالطبع كانت فيما بيننا طيلة هذه الفترة مساجلات ونقاشات عديدة، لكنهما أدركا أنني جادة في انتمائي للإسلام، وهو ما قلل إلى حدّ كبير شدّة النزاعات فيما بيننا، وأضحى والدي ووالدتي يستحسنان في واقع الأمر أخلاقي وشخصيتي الإسلامية على نحو هو أفضل مما كانت عليه تصرفاتي في السابق ".
وبهذه العزيمة الراسخة والإرادة المتينه تمكّنت تانيا من إجتياز الكثير من العقبات التي اعترت طريقها إلى الإسلام، وذلك بفضل إرتقاء مستواها الفكري الذي اكتسبته من معارف مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، فتمكنت من الصمود أمام التيارات المعاكسه، وتثبت جدارتها في ميدان العمل لتكون نموذجاً لكل إنسان حرّ متمسّكاً بمبادئه لاتأخذه في الله لومة لائم.
الصورة
ولد عام 1976م بمدينة " زندر " في النيجر(1)، كان يتمتع منذ صغره بمواهب وقدرات دفعته لأنّ يحتل مكانه مرموقة في البيئة التي كان يعيش فيها، حصل على الديبلوم وتوجه إلى الدارسة الدينية على ضوء المذهب المالكي السائد في منطقته، حتى أصبح بعد ذلك داعية لأصول ومبادئ هذا المذهب.
اعتنق المذهب الجعفري عام 1997م في النيجر بالعاصمة " نيامي "، فازداد نشاطه وتحركه في التبليغ مندفعاً بحماس لرفع المستوى الفكري لأبناء منطقته وانقاذهم من الظلمات إلى النور.
يقول الأخ التيجاني: " تعود بداية قصة استبصاري إلى اليوم الذي ذهبت فيه لزيارة أحد أصدقائي، فوجد عنده بعض الكتب الشيعية، وكان معجباً بالفكر
1) النيجر: تقع وسط افريقيا تحيط بها الجزائر ومالي وليبيا وتشاد ونيجيريا، يبلغ عدد سكانها قرابة {10} ملايين نسمة، يشكل المسلمون نسبة 90 منهم معظمهم من أتباع المذهب المالكي، أمّا الشيعة فيشكلون نسبة 7 من المسلمين.
الشيعي، ووجدته راغباً في صحبتي إياه في هذا الفكر، ليبيّن لي الأمور التي فتحت له الآفاق الواسعة لمشاهدة الحقائق الكونية في عالم المعرفة.
وبالفعل وبتشجيع منه أخذت معي بعض الكتب الشيعية إلى البيت، وعكفت على مطالعتها وقراءتها بامعان وتأنّي، فكان أكثر ما لفت إنتباهي وهزّ مشاعري وأحاسيسي مكانة أهل بيت رسول الله(عليهم السلام) ومنزلتهم وعلوّ قدرهم وعظمة شأنهم، فأحسست بعدها بشعور مرهف إتجاههم، وشعرت بقلبي ينبض من دون إرادة بحبّهم، ويبدو أنّ هذا الأمر هو الذي كان البذرة الأولى لاعتناقي مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ".
لايخفى على أحد ماجعل الباري لمودة قربى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ومحبّة أهل البيت(عليهم السلام)، فقد جعل الباري هذه المحبّة تعادل في أهميتها وقدرها ومنزلتها أصل الرسالة، كما في قوله تعالى: ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى )(1)، ومن الواضح أنّ الأجر لابد أن يكون معادلاً للعمل في القيمة والاستحقاق، وقال تعالى في موضع آخر: (قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا)(2)، والذي يُفهم من هذا أنّ الله قد جعل مودة أهل البيت(عليهم السلام)سبيلاً إليه تعالى.
إنّ الله عزّوجلّ ما أمر بمودّة عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ لكونهم في محل الإمامة
وقيادة للأمة، وأنّ الله تعالى لم يجعل مودتهم معادلة لأجر الرسالة إلاّ لأهميتهم البالغة في صيانة الدين والشريعة من الضلال والانحراف، فهم الصمام الذي يعصم الأمة من التمزق والافتراق، وأنّ وجودهم ضرورة لا مجال للاستغناء عنها في تصحيح الفهم الخاطيء للشريعة.
وذلك لأنّهم ذرية قد اصطفاهم الباري فسدّد خطاهم، ووهبهم نفوس متوهجه بالحقائق الإلهية، ومنحهم درجة من الإيمان التي تجعلهم بحالة من الشهود الكامل واليقين القاطع ليروا الأشياء على حقيقتها، فيعصمون بذلك من الخطأ والزلل، فيكونوا السبب المتصل بين الأرض والسماء، والمرشحين من قبل الله لتصدي المرجعية الفكرية والزعامة السياسية والقيادة الدينية بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
وإنّ الرسالة النبوية تغدوا من دون أهل البيت(عليهم السلام) عرضة لتأويل المغرضين، وتلاعب أصحاب الميول والرغبات، ومن دون وجود الإمام المعصوم يجرؤ الكثير من أصحاب العقد الدفينة لتحقيق كل ما تصبوا إليه نفوسهم باسم الإسلام.
يقول الأخ التيجاني: " بدأ إتجاهي نحو اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) من ازدهار محبّتهم في قلبي، فدفعتني تلك المودّة والمحبّة لأتخذ منهجهم سبيلا وأتبع خطاهم وأسير على ضوء سيرتهم ".
وقد يظن البعض أنّ حبّ أهل البيت(عليهم السلام) هو ما اتفقت عليه معظم الطوائف الإسلامية، ولكن شتان بين محبّة الشيعة لأهل البيت(عليهم السلام) ومحبّة الآخرين لهم، وقد قال تعالى: ( مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ )(1)، أيّ عدم اجتماع حبّان
1) الأحزاب: 4.
متنافران في القلب!
الذي يمعن النظر في التاريخ الإسلامي يجد أنّ أهل البيت(عليهم السلام) قد لاقوا أشد المعاناة والأسى! فقد أبعدهم الناس بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن مكانتهم التي جعلها الباري لهم.
وخير شاهد لذلك وصف أمير المؤمنين(عليه السلام)لحالته بعد وفاة رسول الله بقوله: " فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فخشيت إن لم أنصر الإسلام أهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً "(1).
وأمّا معاناة الزهراء(عليها السلام) التي قال عنها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّما فاطمة بضعة مني، يؤذيني من آذاها وينصبني ما أنصبها "(2)، وقال(صلى الله عليه وآله) أيضاً: " فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني "(3)، فمشهورة عند الجميع، حيث هجموا على دارها وهدّدوا باحراقه!! وقيل لابن الخطاب: إنّ فيها فاطمة، فقال: وإن!
فنادت(عليها السلام): " يا أبت يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة؟! "، ولم يرعوي عمر ومن معه حتى اقتحموا الدار! فصاحت فاطمة(عليها السلام)وناشدتهم: الله الله، وجعلت تبكي وتصيح، فانّهالوا عليها بالضرب حتى أسقطوا جنينها!!
كما غصب القوم حقوقها المالية، فحرموها من ارثها باستيلائهم على فدك(1)، وقد طالبتهم الزهراء(عليها السلام) بحقها فلم يعبؤوا بذلك، فقالت الزهراء(عليها السلام)لهما: " إني أشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لأشكونكما إليه "(2).
وورد أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) لما فرغ من دفن فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هاج به الحزن فأرسل دموعه على خديه وحوّل وجهه إلى قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: "... وإلى الله أشكو، وستنبئك إبنتك بتضافر أمتك على هضمها، فاحفها السؤال، واستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا... "(3).
يقول الأخ التيجاني: " إنّ مسألة التعصب الطائفي من المسائل المؤسفة عند علماء أبناء العامّة، إذ أنهم لا يبيّنون الحقائق بصورة كاملة ويعتّمون الكثير من الحقائق على أتباعهم، ويحاولون أن يصوّروا بقية المذاهب كالتشيع بصورة مشوّهة لينشؤوا الحواجز والموانع أمام الباحث والمستفسر عن هذا المذهب، ولايطرحون المواضيع على طاولة البحث ويناقشوها بروح بناءة وموضوعية، بل يحاولون أن يسلكوا درب التشنيع والتهريج ليحجبوا البصائر عن رؤية الحقائق الموجودة في مذهب أهل البيت(عليه السلام) ".
ويضيف: " ولكنني إندفاعاً من محبّة أهل البيت(عليهم السلام) صرت أبحث عن
المذهب الذي يمثل السير على خطاهم، ومن هذا المنطلق نشأ لدي المحفز في امعان النظر بكتب الشيعة، وقد كنت في بدء الأمر حذراً متخوفاً على فقدان معتقدي وتزلزل أركان ديني، وبمرور الزمان أدركت مدى التشنيع الذي وجّهه أبناء طائفتنا ضدّ هذا المذهب، كما تبيّن لي أنّ كافة الأمور التي كان يتذرع بها أهل العامة للاطاحة بالتشيع لاتمت إلى الواقع بصلة.
وفي نهاية المطاف اندفعت مخلصاً في محبتي ومودتي لأهل البيت(عليهم السلام)، فتمسكت بحبلهم واعتصمت بهم باعتناقي لمذهبهم عام 1997م في النيجر ".
الصورة
ولد عام 1973م بإقليم " كاي " في جمهورية مالي(1)، تلقى الدروس الدينيّة للمذهب المالكي على يد والده مدّة عشر سنوات.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1990م في مدينته " كاي ".
يقول الأخ تيرنو: " إنّ أوّل من لفت إنتباهي نحو مذهب الشيعة الإماميّة هو جدّي، وذلك عندما أهداني كتاب (المراجعات)، ووجود مثل هذا الكتاب في مكتبة جدّي أمر غير مستبعد، لأنّه كان قد استبصر قبل أكثر من عشرين عاماً على يد أحد السادة العلماء في موسم الحجّ، وقام بعدها بجمع الكتب المحتوية على مثل هذه الأبحاث، ليستفيد منها في مناظراته ومحاوراته مع أبناء المذاهب الأخرى.
فشرعت بعدها بمطالعة الكتاب، وإذا بي أنجذب إليه وأتفاعل مع ما أورده
1) جمهورية مالي: أنظر ترجمة رقم {2}.
مؤلّفه من أدلّة مستخرجه من أُمّهات كتب أبناء العامة، وبدأت الأسئلة والاستفسارات تتراكم في ذهني لصحّة ما يدّعيه مؤلّف الكتاب، والذي أصبح بالنسبة لي كارثة حقيقيّة، لأنّي كنت لا أرى معتقداً مستقيم الطريقة كمذهب الإمام مالك.
وكنت خلال هذه الفترة أيضاً متحمساً للالتحاق بجامعة الأزهر بمصر لأجل مواصلة الدراسة، إلاّ أنّ جدّي حثّني على الانتساب لأحّد المعاهد أو المدارس الشيعيّة لأتعرف على التشيّع، لأميّز بعدها صحّة معتقدهم أو بطلانه، فاستحسنت ذلك خصوصاً بعد مواجهة صعوبات منعتني من السفر إلى " مصر "، فسافرت إلى " غانا " لا واصل دراستي في المعهد العالمي للعلوم الدينيّة.
قضيت في المعهد المذكور ثلاثة أشهر، ثمّ عدت بعدها إلى بلدي لعدم ثبوتي فيه بشكل رسمي، ولكن كانت هذه المدّة القليلة سبباً لإطّلاعي على عدد من المسائل العقائديّة والفقهية والتاريخية الشيعية، مما جعلني أقارن بين الفريقين، إلاّ أنّني لم أصل إلى نتيجة حاسمة، فصمّمت على البحث لأدرك الحقّ فأتبعه.
وبالفعل عكفت على مطالعة الكتب الموجودة في مكتبة والدي، وأخذت أقرؤها بدقّة وإمعان، فتكشّفت لي أموراً لم تخطر على بالي من قبل، إذ لم أكن أتصوّر أنّ هناك من يناقش في خلافة أبي بكر، ولم أتوقّع أنّ هناك عدداً من الصحابة وفي مقدّمتهم بني هاشم ـ بالخصوص أهل بيت النبوّة(عليهم السلام) ـ إمتنعوا عن بيعته، بل أنكروا على أبي بكر تولّيه لهذا المنصب! فجعلتني هذه الأمور أتأمّل في إنتمائي للمذهب المالكي.
بعد ذلك قرّرت الشروع بالبحث في القضايا الفقهية، وأوّل مالفت انتباهي في هذا المجال هو اختلافنا مع الشيعة في الجمع بين صلاتي الظهرين والعشائين.
فقلت في نفسي: لعلّي أجد فجوة يمكن من خلالها الحصول على مستمسك لإبطال أدلّة الشيعة.
فرجعت إلى الصحاح وإذا بي أجد مسلم والبخاري وغيرهما يوردان عدّة أحاديث صحيحة حول جمع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للصلاة بدون عذر ".
ومن هنا يستغرب الباحث حينما يجد أغلبية أبناء العامة يشنّعون على الشيعة في هذه المسألة، وذلك لأنّهم إنفردوا تطبيقيّاً في الجمع بين الصلاتين، وذهبوا إلى جوازه مطلقاً بلا خلاف بينهم، بل الجمع عندهم من البديهيات! فلا تجد لهذه المسألة عنواناً منفرداً في فقههم، وهم يعملون به في جميع الآفاق وفق منهج أئمّتهم(عليهم السلام)، الذي ساروا عليه إتباعاً لمنهج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
في حين جوّز غيرهم الجمع في حالات خاصّة، فنلاحظ أنّ (مالك والشافعي وأحمد) قد جوّزوا الجمع في السفر والمطر و... على تفصيل عندهم(1)، في حين منع أبو حنيفة ذلك.
وممّا اتّفق عليه الفريقان هو الجمع بين الظهر والعصر في عرفة، وبين المغرب والعشاء في المزدلفة.
أوّلاً: قوله تعالى: ( أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الليْلِ وَقِرَآنَ الفَجْرِ
1) أنظر: الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري: 2 / 483.
إِنَّ قُرءَانَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً )(1).
يقول الفخر الرازي وهو أحّد أعلام المفسّرين من أبناء العامة: "... فإن فسّرنا الغسق بظهور أوّل الظلمة كان الغسق عبارة عن أوّل المغرب، وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات: وقت الزوال، ووقت أوّل المغرب، ووقت الفجر، وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتاً للظهر والعصر، فيكون هذا الوقت مشتركاً بين الصلاتين، وأن يكون أوّل المغرب وقتاً للمغرب والعشاء، فيكون هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين، فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً.
إلاّ أنّه دلّ الدليل على أنّ الجمع في الحضر من غير عذر لا يجوز، فوجب أن يكون الجمع جائزاً بعذر السفر وعذر المطر وغيره "(2).
وعلى عادة الفخر الرازي في عدم استثمار النتائج، وتنكره لصحتها، مع كامل اعترافه الصريح بدلالة الآية على جواز الجمع، يفضّل التشبّث ببعض الروايات الملائمة لهواه على النصّ القرآني الصريح!.
أمّا البغوي فيقول: " والحمل ـ أي الدلوك ـ على الزوال أولى القولين، لكثرة القائلين به، ولأنّا إذا حملنا عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلّها فدلوك الشمس يتناول صلاة الظهر والعصر، وإلى غسق اللّيل يتناول المغرب والعشاء، وقرآن الفجر هو صلاة الصبح... "(3).
وأخرج أبو بكر أحمد بن عبد الله الكنّدي في موسوعته الفقهيّة عن
النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله في تفسير ( أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ...): " (دُلُوكِ الشَّمْسِ): يعني زوالها، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " صلاة الأولى والعصر، و (غَسَقِ الليْلِ): يعني ظلمة الليل ـ أي ـ صلاة المغرب والعشاء، و (قُرءَانَ الفَجْرِ)يعني صلاة الغداة " وهي صلاة الصبح(1).
ثانياً: قوله تعالى: ( وَزُلَفاً مِّنَ الليْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يَذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ )(2).
يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: " لم يختلف أحّد من أهل التأويل في أنّ الصلاة في هذه الآية يراد بها الصلوات المفروضة... قوله تعالى (طَرَفَيِ النَّهَارَ )، قال مجاهد: الطرف الأوّل صلاة الصبح، والطرف الثاني صلاة الظهر والعصر، واختاره ابن عطيّة... وقيل: الطرفان الظهر والعصر، والزلف المغرب والعشاء "(3).
وفي تفسير ابن كثير، عن مجاهد في قوله تعالى: ( وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارَ...): " قال: هي الصبح في أوّل النهار، والظهر والعصر مرةً أخرى... وقال الحسن في رواية ابن المبارك، عن مبارك بن فضاله، عنه: ( وَزُلَفاً مِنَ الَّليْلِ )يعني المغرب والعشاء، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " هما زلفا الليل، المغرب والعشاء "، وكذا قال مجاهد، ومحمد بن كعب، وقتادة، والضحاك: انّها صلاة المغرب والعشاء "(4).
فهذه الآيات وأقوال المفسّرين قد دلّت بصراحة على أنّ أوقات الصلاة ثلاثة، وهذا يعني أنّ جمع الصلاة عند الشيعة الإماميّة موافق لكتاب الله عزّوجلّ!
قد جمع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بين صلاتي الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المدينة ـ أي أنّه كان حاضر وغير مسافر ـ ولم يكن هناك عارض من مطر أو مرض أو غيرها، وهو مرويٌ في المتون لا سيّما الصحيحين، ومنها:
1 ـ أخرج مسلم: عن ابن عباس قال: " صلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر "(1).
2 ـ وعنه، قال: " أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى بالمدينة سبعاً وثمانيا، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء "(2).
3 ـ وعنه، قال: " صلّيت مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً ـ قال عمرو بن دينار ـ قلت: ياأبا الشعثاء أظنّة أخّر الظهر وعجّل العصروأخّر المغرب وعجّل العشاء، قال: وأنا أظنّ ذلك "(3).
4 ـ وعن عبد الله بن شقيق، قال: " خطبنا ابن عبّاس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون الصلاة.. الصلاة.. قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني، الصلاة.. الصلاة، قال: فقال ابن عباس أتعلمني بالسنّة لا أمّ لك؟! ثمّ قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال عبد الله ابن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شئ، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدّق مقالته "(4).
1) صحيح مسلم (باب الجمع بين الصلاتين في الحضر): 1 / 489 {705}.
2) صحيح مسلم (باب الجمع بين الصلاتين في الحضر): 1 / 491 {705}.
3) صحيح مسلم (باب الجمع بين الصلاتين في الحضر): 1 / 491 {705}، وأنظر: مسند أحمد: 1 / 221 {1918}، المصنّف لابن أبي شيبة: 2 / 209 {8227}.
4) صحيح مسلم (باب الجمع بين الصلاتين في الحضر): 1 / 491 {705}، وأنظر: مسند أحمد: 1 / 251 {3293}.
5 ـ وعنه أيضاً: " قال رجل لابن عبّاس: الصلاة، فسكت. ثمّ قال: الصلاة، فسكت. ثمّ قال: الصلاة، فسكت. فقال ابن عبّاس: لا أُمّ لك، أتعلّمنا بالصلاة؟! كنّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) "(1).
6 ـ وعن ابن عبّاس، قال: " صلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر جميعاً بالمدينة من غير خوف أو سفر. قال أبو الزبير: فسألت سعيد لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أُمته "(2).
7 ـ وعن معاذ بن جبل، قال: " جمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. قال: فقلت: ما حمله على ذلك؟ فقال: أراد أن لا يحرج أمّته "(3).
8 ـ وفي حديث أبي معاوية: " قيل لابن عبّاس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أُمّته "(4).
9 ـ وذكر البخاري عن ابن عبّاس: " صلّى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) سبعاً جميعاً، وثمانياً جميعاً "(5).
10 ـ وأخرج أيضاً بسنده عن أبي أمامة قوله: " صلّينا مع عمر بن عبد
1) صحيح مسلم (باب الجمع بين الصلاتين في الحضر): 1 / 492 {705}، وأنظر: المصنّف لابن أبي شيبة: 2 / 210 {8231}.
2) صحيح مسلم (باب الجمع بين الصلاتين في الحضر): 1 / 490 {705}، وأنظر: المصنّف لابن أبي شيبة: 2 / 210 {8230}.
3) صحيح مسلم (باب الجمع بين الصلاتين في الحضر): 1 / 490 {706}، وأنظر: المصنّف لابن أبي شيبة: 2 / 209 {8228}.
4) صحيح مسلم (باب الجمع بين الصلاتين في الحضر): 1 / 490 {705}.
5) صحيح البخاري (باب وقت المغرب): 1 / 206 {537}.
العزيز الظهر، ثمّ خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلّي العصر! فقلت: ياعم ما هذه الصلاة التي صلّيت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)التي كنّا نصلّي معه "(1).
11 ـ وأخرج مالك في موطئه عن ابن عباس: " صلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، في غير خوف ولا سفر "(2)المصدر نفسه: 1 / 223 {1953}.(3).
12 ـ وأخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس أنّه قال: " صلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة مقيماً غير مسافر سبعاً وثمانياً "(4).
13 ـ وفي رواية قيس، قال: " حدّثني صالح مولى التوأمة عن ابن عبّاس قال جمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير مطر ولا سفر، قالوا: ياأبا عباس ما أراد بذلك؟ قال: التوسّع على أمّته "(4).
وغير ذلك من الروايات التي ذكرت جمع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لصلاتي الظهر والعصر وصلاتي المغرب والعشاء من غير اضطرار(5).
وبالجملة، إنّ علماء العامة ـ القائلين بجواز الجمع وعدمه ـ متّفقون على صحّة هذه الأحاديث وظهورها، وتعليقاتهم خير دليل على ذلك! وحسبك ما نقله النووي في (شرحه لصحيح مسلم)، والزرقاني في (شرحه لموطأ مالك)، والعسقلاني والقسطلاني وزكريا الأنصاري في شروحهم لصحيح البخاري،
وسائر من علّق على أيّ كتاب من كتب السنن المشتمل على أحاديث عبد الله بن عبّاس في الجمع بين الصلاتين.
إنّ الأحاديث التي روتها الصحاح، كحديث ابن عبّاس: "... أراد أن لا يحرج أحداً من أمّته "، وحديث معاذ بن جبل: "... أراد أن لا يحرج أمّته " صريحة في بيان العلّة، فجمع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بين صلاتي الظهرين وصلاتي العشائين، هو للتوسعة على الأُمّة وعدم إحراجها بإلتزام التفريق، رأفة بأهل المشاغل ـ وهم أغلب الناس ـ لأنّ التفريق لا يتيسر لكلّ واحد، وإنّ التزام التفريق بين الصلوات قد يجعل البعض متوجهاً للصلاة على مضض.
ولقد جرت حكمة الله تعالى بتشريع الجمع على لسان نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن خلال فعله المبارك، فلماذا ينكر المخالفون أمر الله وسنّة رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟! ولماذا يتأوّلون هذا التشريع ويتركون غيره؟!، فالجمع ميسور لكلّ إنسان، ولا يتنافى مع الشرع الصحيح، ويقبله العقل والذوق السليم، فهو يتماشى مع القرآن، ويهتدي بالسنّة.
وقد اتّفقت مرويّات أهل البيت(عليهم السلام) مع الآيات المباركة التي ذكرت في مورد الاستدلال، والأحاديث الشريفة.
فقد ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام)، أنّه قال: " أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الظهر والعصر بأذان واقامتين، وجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من غير علّة بأذان واحد واقامتين "(1).
1) أنظر: وسائل الشيعة للحر العاملي: 4 / 220 {4971}.
وعنه أيضاً(عليه السلام)، قال: " صلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علّة، وصلّى بهم المغرب والعشاء الآخرة قبل الشفق في غير علّة في جماعة، وإنّما فعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ليتّسع الوقت على أمّته "(1).
هذا بالإضافة إلى أحاديث كثيرة مرويّة عن أهل البيت(عليهم السلام) في هذا المجال(2).
ومن هذا المنطلق يقول الأخ تيرنو: " بدا لي واضحاً أنّ التشنيع الذي كنّا نسمعه حول الشيعة، لا أساس له من الصحّة، فصلاتهم صلاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ووضوؤهم وضوؤه و....
وكان للحوادث التاريخيّة والمصاعب التي تعرّض لها أهل البيت(عليهم السلام) أكبر الأثر في تغيير مساري الفكري والديني والاتّجاه نحوهم، فوجدت أنّ حقّهم مسلوب، وحرمتهم منتهكة، ولم تراع فيهم وصيّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، حتّى سرى الاضطهاد إلى أشياعهم وأتباعهم، وشوّهت صورتهم وصورة نهجهم، لكن الحقّ يعلو ولا يعلى عليه، وعلى هذا الأساس قرّرت اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)والسير في طريقهم، فأعلنت تشيّعي في بلدي عام 1990م ".
الصورة
ولد في غينيا(1)، بمدينة " بوكر " عام 1971م، من عائلة تنتمي للمذهب المالكي، درس في المدارس الأكاديمية حتى نال الشهادة الثانوية، درس على يد والده ـ الذي كان من كبار علماء المالكية في منطقتهم ـ بعض الكتب الدينية، وواصل بعدها دراسته في جامعة " جمال عبد الناصر " في علم الاجتماع، وأُخرج منها قبل إكماله للدراسة بسبب إنتمائه إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)ودفاعه العلني عن مبادي وعقائد الشيعة.
أعلن تشيعه عام 1990م في عاصمة بلده " كوناكري ".
يقول الأخ جرنو: " كنت أيام الإعدادية أدرس في المدرسة العربية الفرنسية التي توغّل فيها الوهابيين عبر إحتلال مواقع التدريس، وكان لهم نشاط فعال في نشر المذهب الوهابي والتشكيك في المذاهب الإسلامية الأخرى ومن
1) غينيا: أنظر ترجمة رقم {11}.
ضمنها المذهب المالكي، وهدفهم من ذلك تضعيف بنيتنا وإنتماءنا لمذهبنا، ومن ثم التوجه إلى مبادئهم وأفكارهم، وكان دأبهم أيضاً الإكثار من القدح في الشيعة والتشيع.
وفي يوم طلبت من أحد الأساتذه أنّ يوضح لنا بصورة مجملة عقائد الشيعة الإمامية؟
فقال الأستاذ: إنّهم يعتقدون بوجود أئمة إثنا عشر أوّلهم الإمام عليّ ثم الحسن والحسين....
فقلت: ونحن أيضاً نحترم هؤلاء ولا نرى بأساً في إتباعهم، فردّ عليَّ الأستاذ بعنف والتجيء إلى التشنيع والتهريج والسبّ محاولاً إسكاتي، لكنني واصلت البحث معه، فأخرجني من الصف وقال: أنت تريد إفساد عقيدة الطلاب.
والواقع كنت في ذلك الحين غير مطلع بتاتاً على عقائد الشيعة وإنتمائهم المذهبي، ولم يحفزني للبحث عنهم سوى هذا التصرف السيء من الأستاذ الوهابي، وكذلك تشنيعه المستمر وغير المنطقي ضدّ المذهب الشيعي، وكنت أقول في نفسي: لماذا كلّ هذه الشدّة والعنف على الشيعة!! وما الذي فعلوه!! وما هي عقائدهم التي تجعل هذا الأستاذ وأمثاله يندفعون إلى سبّهم وشتمهم؟!
ومن هذا المنطلق بدأت بالاستفسار والتحقيق حول الشيعة، وكان معظم الذين أسألهم عن الشيعة لا يعرفون الكثير عنهم، فكانوا إمّا أن يظهروا جهلهم، أو يكرّروا الإشاعات المبثوثة ضد الشيعة من دون أن يكون لديهم أدلّة على ذلك.
كان من جملة التشنيعات الكثيرة ـ التي ذكرها الأستاذ الوهابي ضمن حديثه عن الشيعة ـ أنّ الشيعة قوم يدينون بدين يختلف عن بقية المسلمين، فهم
يجيزون الزنا ـ والعياذ بالله ـ لقولهم بالزواج المؤقت، ويتهمون الأمين جبرئيل ـ والعياذ بالله ـ بالخيانة أو الخطأ في تبليغ الرسالة، وذلك بأنّ الله بعثه ليسلّم النبوّة لعليّ(عليه السلام)ولكنه عصى أمر الله تعالى فأعطاها لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك ترى أنّهم يتوضؤون على غير الطريقة التي نتوضأ بها!!.
وكان من حسن الصدف أن ألتقي بأحد الأصدقاء الذين اعتنق التشيع، فسألته عن الشيعة ومايقال عنهم، فتبسم إبتسامة مشفوعة بالحزن، وقال: إنّ التشنيع ضدّ الشيعة ليس ظاهرة مستجدة، بل هي ظاهرة قديمة قد سنّها خلفاء بني أميّة من قبل، وإجتهد حكّام الجور ومن تبعهم منذ القدم للحط من شأنهم وإبعادهم عن الساحة الإسلامية، حفاظاً على مصالحهم ومآربهم التي كانوا يريدون تنفيذها من دون أي إتجاه يعكر انغماسهم في لذاتهم الزائقة ".
والواقع أنّ هذه التهم هي دليل العاجز الذي لا يسعه أن يقابل الفكر بالفكر والدليل بادليل، فيكون سبيل خلاصة ذكر أمور ما أنزل الله بها من سلطان ـ كتهمة خيانة الأمين التي تضحك الثكلى ـ فهذا الكلام لم يقل به أحد من عوام الشيعة ولا أطفالهم، وهذه كتب الشيعة قد ملأت الآفاق، نعم يقرّون ويعترفون إمامة الإمام عليَّ(عليه السلام) بعد النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه أوّل الأئمة الإثنى عشر ووصي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وخليفته من بعده.
إنّ مسألة الاختلاف في الوضوء هي من السائل الفقهية الفرعية تتبع الأصل، إلاّ أنّ بعض الأقلام أبت إلاّ أن تُدخل الناس في تشكيكات فرعية لاهين الناس عن الالتفات إلى الاختلاف الأساسي وهو مسألة الإمامة والخلافة، ومع ذلك فإنّ علماء الشيعة لم يتركوا إستفسار الآخرين حول وضوئهم من دون جواب، بل
أثبتوا ما ذهبوا إليه بأدلة نقلية وردت عن مخالفيهم فضلا عما في طرقهم الخاصة والتي روى معظمها الأئمة من عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
ومن خلال آية الوضوء نستطيع أن نتعرّف على حكم الأرجل، في قوله تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذيِنَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلوةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ وَأمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ )(1).
فالحكم هو وجوب المسح، ولا معنى للقول بالغسل إذ أنّه مخالف للآية الكريمة، اضافة إلى السيرة العملية لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
ويقال في بيان ذلك: إنّ في قوله تعالى: ( وَأَرْجُلَكُمْ) وردت قراءتان مشهورتان:
القراءة الأولى: (وأرجلِكم) بالجر، وهي قراءة ابن كثير وحمزة وأبي عمرو وعاصم (في رواية أبي بكر عنه)، كما ذكر ذلك الرازي في تفسيره(2)، وعلى هذه القراءة تصبح الأرجل معطوفة على الرؤوس فيجب مسحها كما وجب ذلك في الرؤوس.
أمّا القراءة الثانية: وهي قراءة (وأرجلَكم) بالنصب، وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم (في رواية حفص عنه) كما ذكر ذلك الرازي أيضاً(3)، وعلى هذه القراءة يكون حكم الأرجل المسح أيضاً، لأنّ الأرجل تكون معطوفة على الرؤوس المنصوبة محلا المجرورة لفظاً، والعطف على المحل وارد في لغة العرب، فيقال: " ليس فلان بعالم ولا عاملا " بنصب عامل عطفاً لها على محل عالم.
كما أنّه لا يصح عطف الأرجل على الوجوه والأيدي، لعدم جواز العطف على الأبعد مع إمكان العطف على الأقرب، وكذلك لوجود الفاصل الأجنبي، فلا يصح أن يقال: " ضربت زيداً ومررت ببكر وخالداً " بعطف خالد على زيد، لوجود الفاصل وهو " مررت ببكر "، كذلك في الآية لا يصح عطف (أَرْجُلَكُمْ )على (وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ )لإمكان العطف على الأقرب وهو ( رُءُوسِكُمْ )ولوجود الفاصل الأجنبي وهو عبارة ( وَأمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ).
أضف إلى كل هذا ورود الأخبار في مصادر أبناء العامة توضح وجوب المسح دون الغسل، منها:
1 ـ أخرج الحاكم في (المستدرك) بسنده إلى رفاعة بن رافع عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: " إنها لا تتم صلاة أحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله عزّوجلّ، يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين "(1)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه بخمسة أسانيد صحيحة.
2 ـ أخرج أحمد بسنده عن أبي مالك الأشعري أنّه قال لقومه: " اجتمعوا أصلي لكم صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا أجتمعوا قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: إلاّ ابن أخت لنا، قال: ابن أخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء فتوضأ وتمضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً ومسح برأسه وظهر قدميه ثم صلى بهم "(2).
3 ـ وأخرج أحمد عن عليّ(عليه السلام)، قال: " كنت أرى باطن القدمين أحقّ
بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح ظاهرهما "(1).
والجدير ذكره أنّ الله سبحانه وتعالى أبدل الغسل مسحاً في التيمم وأسقط المسح في آية التيمم، وبأدنى تأمّل يتبيّن لنا أنّ حكم الأرجل في الوضوء هو المسح لا الغسل، فقد قال تعالى في نفس آية الوضوء: ( وَإنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الغَآئِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَمُواْ صَعِيداً طَيَّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم )(2).
إنّ الطاعن على مسألة الزواج المؤقت " المتعة " إنّما يطعن في أحكام الله تعالى التي بلّغها نبيّه محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) للناس، ولم يستدل بشيء سوى ادّعاء الشرف والغيرة! ومن هناك كان جزاء تمسك شيعة أهل البيت(عليهم السلام) بها التشنيع والإتهام والإشاعات والإفتراء عليهم، وقد قال الله تعالى: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً )(3).
والملاحظ أنّ الرازي ينقل أثناء بحثه حول هذه الآية عن عمران بن حصين، أنّه قال: " إنّ الله أنزل المتعة آية وما نسخها بآية أخرى، وأمرنا بها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وما نهانا عنها، ثم قال رجل برأيه ماشاء "(4).
وذكر السيوطي في الدر المنثور، عن الحكم أنّه سئل عن هذه الآية أمنسوخة؟ قال: لا، وقال عليّ[(عليه السلام)]: " لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى
إلاّ شقي "(1).
وقد ورد في الصحاح الكثير من الأخبار عن الزواج المؤقت، منها:
1 ـ عن عبد الله بن مسعود، قال: " كنا نغزو مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وليس لنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي، فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل معين "(2).
2 ـ عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع، قالا: كنا في جيش، فأتانا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: " قد أذن لكن أن تستمتعوا فاستمتعوا "(3).
3 ـ عن جابر بن عبد الله، قال: " كنا نتمتع على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وعمر حتى نهانا عمر عنها أخيراً، يعني متعه النساء "(4).
وقد ذكر الرازي في بحث المتعة أنّه روي أنّ عمر قال على المنبر: " متعتان كانتا مشروعتين في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا أنهى عنهما متعة الحج ومتعة النكاح "(5).
ومن ينكر المتعة ويتخذها ذريعة للتشنيع ضد التشيع، هو في الحقيقة يشنّع على القرآن الكريم ويطعن في الحكمة الإلهية للتشريع، وكأنّه بذلك يريد أن يفرض على الله شريعة تتلاءم مع عقله الذي لم يستوعب مضامين الرسالة وروحها.
يقول الأخ جرنو: " بمرور الأيام تبيّن لي أنّ الحقّ مع الشيعة في هذه المسائل وأمثالها التي يشنّع أعداؤهم بها عليهم، لكن غفل الذين يحاولون أن يعموا بصائر الآخرين ليبقوهم على التبعية والتقليد لهم، أن الغبار المتراكم على مرآة الحقيقة سيزول في يوم من الأيام، فتعود المرآة ناصعة براقة تعكس حقائق الأشياء في النفوس المستعدة والقلوب السليمة.
وهكذا وبالتدريج بدأت فكرة التشيع تتبلور في ذهني، حتى أعلنت تشيعي عام 1990م في العاصمة " كوناكري "، ويالها من لحظات حساسة غيرت مسيرة حياتي وهدتني سبيلاً لم يخطر على بالي من قبل.
وكان من حسن حظي أنني التقيت بعد استبصاري ببعض من سبقني في التشيع، وكان جملة منهم قد عاد لتوه إلى البلد من السفر الذي قضاه في إحدى الحوزات العلمية الشيعية، فقرّر هؤلاء تأسيس مدرسة شيعية باسم أهل البيت(عليهم السلام)، فكنت من أوائل الطلبة الذين التحقوا بها ".
ولد حافظ سيف الله ببلدة " لُدهيانة " بولاية البنجاب عام 1925م في الهند(1)، ترعرع في أحضان عائلة علميّة عريقة، وكان والده من أتباع مسلك ديوبند(2)المعروف بالتعصب ضدّ الشيعة.
كان تشرّفه باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1952م في " باكستان ".
يقول الأخ حافظ: " جعلني والدي في المدارس العالية ـ بعد أن أكملت الدراسة الإبتدائية وحفظت القرآن الكريم ـ فوجدت أنّ الأجواء الدراسيّة هناك لا تلائمني، فشدّدت الرحال إلى باكستان كي أتم دراستي فيها.
ولقد ساعد التاريخ العلمي العريق لأسرتي، وقوّة استعدادي في الدروس
1) الهند: تقع في شبه القارة الهندية وتطل على خليج البنغال وبحر العرب والمحيط الهندي، يبلغ عدد سكانها حوالي الميليار نسمة، أغلبهم من الهندوس مع 2 من المسيح ومثلهم من السيخ، أمّا المسلمون فيشكّلون نسبة تقارب 20 ينتمي معظمهم للمذهب الحنفي، أمّا الشيعة فيشكّلون نسبة 35 من المسلمين.
2) نمى هذا المسلك في أكبر مدارس الوهابيين في مدينة " سهار نبور " الهندية.
العقليّة، وحفظي للقرآن الكريم، على إستلامي منصب إمامة الجمعة والجماعة في بلدة " نوشهره وركان ".
كان الملحوظ في أوساط الناس ـ بمختلف إنتماآتهم القوميّة والعقائديّة ـ في شبه القارة الهنديّة عند مباشرتي لعملي التبليغي، أنّهم يتفاعلون مع الشيعة في إحياء ذكرى عاشوراء! فامتعضت من حضور الحشود الضخمة في هذه المجالس، لا لأنّي أبغض الإمام الحسين(عليه السلام)، بل لنفوري من الشيعة وكراهتي لهم.
وممّا زاد في حنقي عليهم حضور أهل العامة ومشاركتهم في هذه المآتم! فكنت أعترض عليهم وأحاول إبعادهم عن ذلك، وأدخل معهم في نقاشات حادّة.
فسألوني مرّة، وقالوا: هل تحرّم محبّة أهل البيت؟! فقلت: لا ; فقالوا: إنّ سبب حضورنا هذه المجالس التي تنهانا عنها هو التعرّف على فضائلهم وسيرتهم ومواساتهم في ما جرى عليهم من مصائب وآلام ; فلم أحر جواباً!.
ومنذ ذلك الحين قرّرت تولّي هذا الأمر لملىء الفراغ الموجود في مجالسنا ـ أبناء العامة ـ من ناحية التعريف بأهل البيت(عليهم السلام) وذكر مصائبهم، فحملت على عاتقي مهمة ذكر مصيبة الحسين(عليه السلام) وقراءة مجلس التعزية في المسجد الذي كنت إماماً فيه، وغيّرت منهج خطب الجمعة، فبدأت أتكلّم عن مزايا أهل بيت النبوّة(عليهم السلام)، وفي أيام عاشوراء كنت أقرأ وقائع كربلاء!
فدفعني ذلك إلى الإكثار من مطالعاتي حول هذه المواضيع، فرأيت في أحداث الطفّ لأهل البيت(عليهم السلام) صبراً وإيثاراً وإيماناً لا نظير له! ".
في الحقيقة أنّ سبب خلود إقامة هذه المجالس في أوساط الشيعة، هو أنّ المُثل العليا والقيم السامية التي جسّدها أهل البيت(عليهم السلام) عموماً والإمام الحسين(عليه السلام)
في كربلاء خصوصاً، جعلت السائرين على نهجهم والمرتبطين بهم روحياً، يحيون ذكراهم وينشرون مآثرهم لترسخ في النفوس، ولتكون تلك المواقف أسوة وقدوة تقتدي بها الأجيال تلو الأجيال.
كما أنّ إحياء المناسبات التي تمثل منعطفاً بارزاً وتحوّلاً نوعياً في حياة الأُمم أمر طبيعي ومتعارف بين الناس، لأنّه نابع من ذات الطبيعة البشرية وفطرتها، فيقوم به الناس من دون تكلّف، وذلك لأنّه يمثل تعبيراً عن أحاسيسهم وعواطفهم الجيّاشة.
وأيّ حادثة أعظم فداحة وأسى من يوم عاشوراء؟! حيث بقيت معلماً شاخصاً في التاريخ، لما فيها من مآسي وفجائع من جهة، ومواقف مشرّفة من جهة أخرى.
إنّما يقيم الشيعة هذه المآتم وذلك تعبيراً عن حزنهم السرمدي لهذه الكارثة، التي أبقت جرحاً في قلب كلّ مؤمن لا يندمل إلاّ أن ينتقم الباري ويأخذ بهذا الثأر من الظلمة، كما أنّ هذه المجالس تعتبر تخليداً لهذه الذكرى وتأسّياً بأهل البيت(عليهم السلام)، فقد إحتضن الأئمة(عليهم السلام) هذه المجالس ورعوها بعناية فائقة وحثوا على إقامتها والمشاركة فيها.
فقد ذكر الأزدي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال للفضيل: " تجلسون وتحدّثون؟ قال: نعم جعلت فداك، قال: إنّ تلك المجالس احبّها، فأحيوا أمرنا، يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا، يا فضيل، من ذكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب، غفر الله ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر "(1).
1) أنظر: السرائر لابن أدريس الحلّي: 3 / 626، ثواب الأعمال للصدوق: 223، وسائل الشيعة للحر العاملي: 12 / 20 {15532}.
فهذه المآتم نشأت في أجواء أحياها أهل البيت(عليهم السلام)، وحقيقتها هو التعبير عن اللوعة والأسى المختزن في قلب المؤمن، وهي تقام من دون تكلّف لأنّها تمثّل حالة طبيعيّة لكلّ مفجوع ومصاب، وحيث أن أهل البيت(عليهم السلام) يمثلون عقيدة في قلوب المؤمنين، يكون مصابهم خالداً في التاريخ ما دام هناك قلب ينبض بحبّهم، فإنّه يتألم ويحزن لمظلوميتهم ومصائبهم.
ولذلك نجد لهذه المجالس حضوراً فعالا في كلّ زمان ومكان، وأثراً بالغاً في النفوس، فهي بالإضافة إلى عرض الجانب المأساوي تتميز بالبعد التربوي ورفع المستوى الفكري الذي يحدّد معالم شخصيّة الإنسان المسلم.
إنّ المجالس الحسينيّة التي يعقدها الشيعة تعتبر إمتداداً لمنهجية مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) الزاخرة بالفوائد الكثيرة على الصعيدين الدنيوي والأُخروي، فإنّها:
1 ـ إمتثال لأمر الله تعالى، حيث أمر بمودّة العترة الطاهرة(عليهم السلام) بقوله عزّوجلّ: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(1)، فمواساة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في هذا المصاب الجلل من أظهر مصاديق المودّة.
وقد روى عروة عن عائشة أنّها قالت: "... خرج ـ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ إلى أصحابه ـ والتربة في يده ـ وفيهم عليّ وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمّار وأبو ذر وهو يبكي، فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟! فقال: أخبرني جبرئيل أنّ ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطفّ، وجاءني بهذه التربة فأخبرني أنّ فيها
1) الشورى: 23.
مضجعه "(1).
فالحضور في هذه المآتم فيه ثواب المودّة وأجر المواساة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وآله(عليهم السلام)وناهيك بها من فائدة.
2 ـ نصرة الحقّ والدعوة إليه، وخذلان الباطل وإماتته، وهي الفائدة التي من أجلها أوجب الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
3 ـ ومن الفوائد المهمة الأخرى، الحثّ على وجوب معرفة الفضل والسمات السامية لأهلها، للإقتداء بهم، كما أنّ فيها إدانة للظلم والجور، وكشف قبح صورتهما، والحث على تجنّبهما والتباعد عنهما.
4 ـ إنّ عقد مثل هذه المجالس المأساوية هو حفظ لها من الضياع، وصيانة لمبادئها وآثارها وثمارها ونتائجها التي إستهدفها الإمام الحسين(عليه السلام) لإحياء الدين والحفاظ عليه من التزييف والتحريف، ولولا ذلك لاضمحلت هذه الواقعة وسلك المخالفون شتى السبل لإنكارها ـ كما أنكروا غيرها! ـ أو أنّهم كانوا يقلّلون من شأنها ومن فضاعة ما جرى فيها من تعدي وانتهاك لحرمة آل الرسول(عليهم السلام).
5 ـ رقة القلوب وبعث النفوس على الرأفة والرحمة، وفيها عزاء عن كلّ مصيبة، وسلوة عن كلّ رزيّة، لأنّ هذه الفضائع جرت على سادة الخلق وأكرم الناس عند الله تعالى! فما وزن وقيمة ما يجري على غيرهم من مصائب.
6 ـ غرس حبّ الفضيلة والإباء، والمقاومة في النفوس، وحث المؤمنين لاستهداف غايات سامية تشدّهم نحو الآخرة.
7 ـ إنّها مدرسة لجميع الفئات ومختلف الطبقات، إذ فيها يُعرض التفسير والتاريخ والأخلاق والفقه والشعر و...، فهي بمثابة مؤتمرات دينيّة ترفع المستوى
1) أنظر: المعجم الكبير للطبراني: 3 / 107 {2814}، مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 188.
العلمي للحضور، وتعرّفهم بمختلف العلوم والمعارف الدينية.
8 ـ إنّها أفضل وأيسر وأنجح وسيلة إعلام لنشر الإسلام الأصيل، لأنّها تطرح بصورة حيّة، ولذلك كانت ومازالت أشدّ تأثيراً في النفوس.
9 ـ تعتبر هذه المجالس أماكن للوعظ والإرشاد، وحلقات لذكر الله تعالى وذكر أوليائه، فهي ترفع المستوى الديني وتصرف الناس عن تضييع أوقاتهم بما لا ينفعهم، وتجمعهم على الخير والصلاح، فهي بنّاءة للمجتمع وهدّامة للآفات التي قد تستشري فيه.
10 ـ إنّها مضان للبرّ والتواصل والتآزر، ففيها يتسنى للمجتمعين تقصّي أحوال بعضهم للبعض الآخر، من دون كلفة أو مشقة.
11 ـ إنّها خير ميدان لبروز الطاقات الكامنة وظهور الكفاءات القادرة على توظيف مواهبها لخدمة الدين الحنيف.
فمآتم سيّد الشهداء(عليه السلام) ومجالس ذكره فيض لا ينضب، لأنّها مدرسة متنوعة المناهج وواسعة البحث وسامية الهدف، وهي محكمة عادلة وسليمة تدين الباطل وأهله، وتُعضد الحقّ وأهله، وهي ميدان يؤوب فيه الإنسان إلى ربّه، فكم من ضال قد اهتدى ومنحرف قد استقام فيها، كما أنّ هذه المآتم توجب عزّ المسلمين لأنّها ترفع مستوى الإنسان في كافة الأصعدة الدينيّة والعلمية والثقافية، وتغرس الفضائل في النفس لتطفح في السلوك، وإضافة إلى ذلك أنّها ترسم أنجح السبل وأيسرها لنيل سعادة الدارين.
لقد أدرك الكثير من العلماء فاعليّة هذه المجالس وسرعة تأثيرها في النفوس، فحرصوا على عزل جمهورهم ومنعهم من ارتيادها، وخافوا على افتقاد
أنصارهم وانضمامهم لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)!
وفي هذا الصدّد يقول الفيلسوف الألماني " ماربين "(1)
وقد نشرت هذه الرسالة في صحيفة الحبل المتين الإيرانية (العدد 28 / السنة الثامنة / 7 محرم 1329 ه ـ 1911 م). أنظر: كتاب (إقناع اللائم على إقامة المآتم) لمحمد حسين الأمين: 329 ـ 347.
:" كلّما إزدادت قوّة أتباع عليّ(عليه السلام) إزداد إعلانهم بذكر مصائب الحسين(عليه السلام)، وكلّما سعوا وراء هذا الأمر إزدادت قوتهم وترقيهم، وجعل العارفون بمقتضيات الوقت يغيّرون شكل مصائب الحسين قليلا قليلا، فجعلت تزداد كلّ يوم بسبب تحسينهم وتنميقهم لها حتى آل الأمر إلى أن صار لها اليوم مظهر عظيم في كلّ مكان يوجد فيه مسلمون، حتى أنّها سرت شيئاً فشيئاً بين الأقوام وأهل الملل الأخرى...
[ إنّ ] الحسّ السياسي والثوران والهيجان المذهبي الذي ظهر في هذه الفرقة من إقامة هذه المآتم لم ير مثلها في قوم من الأقوام. إنّ من يسبر غور الترقيات التي حصلت في مدة مائة سنة لأتباع عليّ(عليه السلام) في الهند، الذين اتخذوا إقامة هذه المآتم شعاراً لهم، يجزم بأنّهم متبعون أعظم وسيلة للترقي.
كان أتباع عليّ والحسين في جميع بلاد الهند يعدّون على الأصابع، واليوم هم في الدرجة الثالثة بين أهل الهند من حيث العدد...
إنّ هذا القسم من الدماغ السياسي والحسّ الثوري ـ الذي هو عدم الاستسلام للضيم والظلم، وهو عند حكماء السياسة أشرف شعار وأعظم سعادة وأفضل صفة ممدوحة لكل إنسان ـ قد ظهر في هؤلاء القوم بواسطة إقامتهم مآتم
1) في رسالته المسماة (السياسة الإسلاميّة المبنيّة على فلسفة الاسلام) وتحت عنوان: الثورة الكبرى أو السياسة الحسينيّة.
الحسين (عليه السلام)، وما دام هذا العمل ملكة لهم، لا يقبلون الذلّ والضيم ".
ويضيف ماربين بعد أن حضر عدداً من مجالس العزاء في إسلامبول مع مترجم خاص: "... إنّهم في الحقيقة يعلّم بعضهم بعضاً علناً... هذه هي نكتة التمدّن الحقيقي للأمم اليوم، هذا هو تعليم معرفة الحقوق، هذا هو معنى تدريس أصول السياسة...
وليس لواحدة من الروابط الروحانية التي بين المسلمين اليوم تأثيراً في نفوسهم كتأثير إقامة مأتم الحسين(عليه السلام)، فإذا دام انتشار وتعميم إقامة هذه المآتم بين المسلمين مدة قرنين، لابدّ أن تظهر فيهم حياة سياسيّة جديدة... "(1).
وهذه حقيقة لا تنكر، ولذلك سجّل المؤرخ الفرنسي " جوزيف " في كتابه (الإسلام والمسلمين) شهادة مماثلة لا تقلّ من حيث الأهميّة التاريخيّة والتحليلة والواقعيّة عن شهادة الفيلسوف " ماربين "، حيث قال:
" لا يمضي قرن أو قرنان حتى يزيد عددها [ أي الشيعة ] على عدد سائر فرق المسلمين، والعلّة في ذلك: هي إقامة هذه المآتم التي جعلت كلّ فرد من أفرادها داعية إلى مذهبه.
اليوم لا توجد نقطة من نقاط العالم يكون فيها شخصان من الشيعة إلاّ ويقيمان فيها المآتم، ويبذلان المال والطعام... ويمكن القول: بأن جميع فرق المسلمين منضمة بعضها إلى بعض لا تبذل في سبيل مذهبها ما تبذله هذه الطائفةوموقوفات هذه الفرقة هي ضعف أوقاف سائر المسلمين أو ثلاثة أضعافها.
كلّ واحد من هذه الفرقة بلا استثناء سائر في طريق الدعوة إلى مذهبه وهذه النكتة مستورة عن جميع المسلمين ـ حتى الشيعة أنفسهم ـ فإنّهم لا يتصورون
1) أنظر: كتاب (إقناع اللائم على إقامة المآتم) لمحمد حسين الأمين: 345 ـ 347.
هذه الفائدة من عملهم هذا، بل قصدهم الثواب الأُخروي، ولكن بما أنّ كلّ عمل في هذا العالم لابد أن يظهر له بطبيعته أثر، فهذا العمل أيضاً يؤثر ثمرات للشيعة... إنّهم حصلوا ويحصلون على فوائد كليّة من هذا الطريق، فهم يحافظون على إقامة هذه المآتم... فهم يتحملون المشاقّ ليتمكّنوا من ذكر فضائل كبراء دينهموالمصائب التي أصابت أهل هذا البيت بأحسن وجه وأقوى تقرير على رؤوس المنابر وفي المجالس العامّة.
وبسبب هذه المشاق التي اختارتها هذه الجماعة في هذا الفنّ تفوقت خطباء هذه الفرقة على جميع الطوائف الإسلاميّة، وحيث أنّ تكرار المطلب الواحد يورث اشمئزاز القلوب وعدم التأثير، فهؤلاء الجماعة يتحمّلون المشاق فيذكرون جميع المسائل الإسلاميّة العائدة لمذهبهم في هذه الطريقة على المنابر، حتى آل الأمر إلى أن أصبح الأميّون من الشيعة أعرف في مسائل مذهبهم ممن يقرأون ويفهمون من الفرق الإسلاميّة الأخرى من كثرة ما سمعوا من عرفائهم.
اليوم إذا نظرنا في كلّ نقطة من نقاط العالم من حيث العدد والنفوس، نرى أنّ أليق المسلمين بالمعرفة والعلم والحرفة والثروة هي فرقة الشيعة!
دعوة هذه الفرقة غير محصورة في أهل مذهبهم أو في سائر الفرق الإسلامية، بل أي قوم وضع أفراد هذه الطائفة أقدامهم بينهم يسري في قلوب أهل تلك الملّة هذا الأثر...
وقفت هذه الفرقة على مقتضيات العصر أكثر من سائر الفرق الاسلاميّة...
وعلاوة على ذلك، أنّهم بواسطة الأعمال يحتاج الناس إليهم، ومحبّتهم ومعاشرتهم لسائر الفرق موجبة لاختلاط الآخرين معهم عند مشاركتهم لهم في مجالسهم ومحافلهم، وحينما يصغي المباشرون لهم إلى سماع أصول مذهبهم
وأحاديثهم مرّة بعد مرّة لا محالة يألفون مشربهم، وهذا هو عمل الدعاة، والأثر الذي يترتّب على هذه الوضعيّة هو الأثر الذي توخّته عرفاء دول الغرب في ترقية دين المسيح مع بذل أموال تحيّر العقول! "(1).
يقول حافظ سيف الله: " عندما كثرت خطاباتي ومحاضراتي حول أهل البيت(عليهم السلام) ولا سيما الإمام الحسين(عليه السلام)، بدأ أهل العامة يشيرون إليّ بأصابع الإتهام، فرموني بالتشيّع! مع أنني كنت منهم ومعهم في كلّ المعتقدات، لكني كنت أنقل الأحاديث الواردة في فضل أهل البيت(عليهم السلام) ـ وفق قناعاتي الحاصلة من كتب علماء العامة ـ كي لا يحضر أهل مذهبي في مجالس الشيعة ولا يشاركوهم في مثل هذه الاجتماعات ".
ويضيف الأستاذ حافظ: " في عام 1949م دعيت إلى بلدة " نوشهره وركان " لتولي مهام الإمامة في جامعها المحلي، وكانت هذه المدينة أحّد مراكز الوهابيين، وكانوا قد سمعوا من قبل أنّني أقرأ مجالس التعزية وأقيم المآتم على النمط الشيعي.
فبدأت أمارس عملي التبليغي بالإضافة إلى التدريس وإقامة الجمعة والجماعة، ولكن أسلوبي الخاص في تعريف أهل البيت (عليهم السلام) سبب نشوء حساسية بيني وبين الوهابية، وأدّى ذلك إلى وقوع مناظرات ونقاشات عديدة فيما بيننا، وفي أحدى المناظرات اشتد الحوار حتى انحصر في واقعة كربلاء وما جرى فيها
1) أنظر: كتاب (إقناع اللائم على إقامة المآتم) لمحمد حسين الأمين: 351 ـ 356.
على عترة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فسألتهم عن واقعة الطفّ؟، فأدانوا فعل يزيد.
فقلت لهم: من نصبّ يزيد للخلافة؟
قالوا: معاوية.
قلت: من الذي جعل معاوية والياً على الشام؟ فسكتوا!
فقلت لهم: إنّ ما وقع في كربلاء هو نتيجة عدم وقوع الخلافة بيد أهلها، وأنّ العترة هم أولى بالأمر من غيرهم، ولو كانت الخلافة بأيديهم ماكانت الساحة الإسلامية تشهد هذه الفتن والانحرافات، فدار الحوار حول السقيفة وماجرى فيها وبعدها من احتجاجات بين الإمام عليّ(عليه السلام) وبين أبي بكر وعمر ومن والاهم.
فأخذت أسرد فضائله(عليه السلام) ومناقبه التي امتاز بها عن غيره، وكنت أرويها لهم من كتبهم لا من كتب الشيعة، فلم يقتنعوا بكلامي، بل زاد غضبهم عليَّ!.
وبعد تلك المناظرة الحادّة دعيت إلى بلدة " سركودها " الباكستانيّة لألقي محاضرة دينيّة، وكانت المحاضرة التي ألقيتها على الحاضرين متعلّقة بألقاب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، فرويت أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) المتعلّقة بكلّ لقب من هذه الألقاب، وكانت مصادر أهل العامّة بمعيتي أستشهد بها أثناء ذلك.
وهكذا كان دأبي في بقيّة المحاضرات حتى وجدت نفسي أمام حقائق لايسعني إنكارها، وعرفت أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) هو أوّل القوم إسلاماً، وأغزرهم علماً، وأكثرهم جهاداً، لا يسبق في رحم ولا يلحق في إيمان... وأنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم الذين طهّرهم الله تعالى وأذهب عنهم الرجس، واصطفاهم للخلافة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد جاء ذلك في أحاديث ومواقف عديدة له (صلى الله عليه وآله وسلم).
وعلمت أنّ هنالك أسباباً انتهزها البعض فأزاح العترة(عليهم السلام) عن مواقعها،
فجرى ما جرى عليهم من النكبات، التي كانت واقعة الطفّ من أبرزها وأمضّها.
وبهذا كانت إقامة المآتم على الحسين(عليه السلام) شعلة الهداية التي أنارت لي الطريق الحقيقي الموصل إلى رضوان الله تعالى.
وببركة الحسين(عليه السلام) أعلنت تشيعي في الجامع الذي كنت أؤم المصلين فيه في مدينة " نوشهره وركان " عام 1952م، وقدّمت استقالتي وتركت جميع المهام الموكلة إليّ من قبل أهل العامة ".
الصورة
ولد عام 1972م بمدينة " كانو " في نيجيريا(1)، درس في المدرسة الدينيّة لأبناء العامة على المذهب المالكي.
اعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1990م في مسقط رأسه على اثر مطارحات عقائديّة وتاريخيّة ودراسة متأنية لمذهب الشيعة الإماميّة.
يقول الأخ حافظ: " لم نكن نعرف الكثير عن الشيعة والتشيّع في بلدنا بالرغم من أنّه يعج بالعديد من الطوائف والفرق الإسلاميّة، والأمر الذي جعلنا نلتفت إلى هذه الطائفة، هو قيام الثورة الإسلامة في " إيران " ـ بجهود وسعي علماء الشيعة ـ فتوجهت الأنظار نحو هذا البلد، وأخذ الناس يتحدّثون عن الشيعة وعن تاريخ نشأتهم ودورهم في مسار الأمة الإسلاميّة، ولكن بشكل ضبابي وغير دقيق، ومن ذلك الحين بدأ التشيّع يتّسع في الساحة الافريقية عموماً وفي
1) نيجيريا: أنظر ترجمة رقم {7}.
" نيجيريا " على وجه الخصوص.
فأخذتُ أتردّد على بعض أماكن الشيعة اللبنانيين، إذ كانت لهم مراسيم إضافة إلى صلاة الجماعة والمحاضرات التوجيهيّة، متمثّلة بالدعاء ـ وهو مانفقده ـ فكنت أحضر معهم في ليالي الجمع لقراءة دعاء كميل، فوجدته دعاء عالي المضامين، يتجلّى فيه التوحيد الخالص، ويحصل فيه للمؤمن الانقطاع التام إلى الله، والتوكّل الحقيقي عليه، والتعلّق العجيب به سبحانه، فراق لي الأمر فأكثرت من التردّد عليهم، حتى نشأت علاقة طيبة بيني وبينهم، فأهدوني بعض الكتب الشيعيّة.
وبالرغم من انتمائي لإحدى المدارس الدينيّة وجدت نفسي غير قادر على استيعاب محتويات هذه الكتب ـ رغم بساطة طرحها ـ لأنّنا في الحقيقة لم ندرس سوى الفقه، ولم يكن لنا إلمام بالعقائد أو التاريخ أو...
فازدحمت في ذهني الأسئلة والاستفسارات، وقلت في نفسي: أين نحن من هذا التراث الضخم لهذه الطائفة؟! ثمّ لماذا نحن مبعدون عما في بعض كتبنا؟! ولم يكن أمامي سوى الشيعة لأسألهم عمّا في هذه الكتب.
ولحسن الحظّ كانت علاقتي بأحّد الأخوة اللبنانيين وطيدة، وكنت معجباً به لسعة ثقافته وحسن أخلاقه، فطلبت منه العون فيما كان غامضاً عليَّ، وبدأت أبحث معه في الأمور الخلافية بين الفريقين والتي يقرّ بها أبناء العامة أنفسهم.
وقد كانت كتب الفخر الرازي والسيوطي لا سيّما تفسيره الدرّ المنثور، وينابيع المودّة للقندوزي الحنفي، والإمامة والسياسة لابن قتيبة و... فضلا عن
الصحاح، المرجع الذي أعود إليه في تأييد أو معارضة كلامه ".
يضيف الأخ حافظ: " وبمرور الزمان تجلّت لي الحقائق لا سيما عند خوضنا لقضيّة الغدير، وكيف أنّ الصحابة وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر وكذا نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد هنّؤوا الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وسلّموا عليه بإمرة المؤمنين! ".
فقضيّة غدير خم من الأمور المسلّمة والمتواترة عند عامة المسلمين، ومفادها: أنّ الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما قضى مناسك الحجّ في العام العاشر من الهجرة وانصرف راجعاً إلى المدينة تصحبه الجموع ـ المكوّنة من عشرات الألوف ـ وعامة المهاجرين والأنصار ونساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام)، وصل إلى غدير ماء في الجحفة يقال له خم، فأمر المسلمين بحطّ رحالهم والإقامة حتى نودي بالصلاة جامعة ـ صلاة الظهر ـ وكان ذلك في الثامن عشر من ذي الحجّة، حيث الحرّ شديد حتّى أنّ الرجل يضع بعض ردائه على رأسه وبعضه تحت قدميه، وما إن إنتهى (صلى الله عليه وآله وسلم) من صلاة قام خطيباً على منبر صنع من حدوج الإبل، رافعاً صوته... إلى أنّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ورفعها ـ فرؤي بياض ابطيهما ـ وقد عرفه الحاضرون بأجمعهم، فقال: "... إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعليّ مولاه، ثمّ قال: اللهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه، وأحبّ من أحبّه وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره وأخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار، ألا فليبلّغ الشاهد الغائب.
ثمّ لم يتفرّقوا حتى نزل الأمين جبريل بقول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)(1)، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): الله أكبر على إكمال
1) المائدة: 3.
الدين، وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي، والولاية لعليّ من بعدي ".
إنّ هذه الحادثة يرويها جمع من الصحابة: كأبي هريرة الدوسي، واُبي بن كعب الأنصاري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي ذر الغفاري، وحسان بن ثابت، وخالد بن الوليد، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقّاص وغيرهم كثير(1).
وروته زوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عائشة وأمّ سلمة.
ومن التابعين {84} شخصاً، منهم: الزهري المدني، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي، وغيرهم(2).
ومن الرواة العلماء والحفّاظ {360} عالماً من علماء القرون المختلفة، كأبي عبد الرحيم خالد بن يزيد الجمحي المصري، وطلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التميمي، والحافظ سفيان بن سعيد الثوري، وإمام الشافعيّة أبو عبد الله محمّد بن إدريس الشافعي، وإمام الحنابلة أبو عبد الله أحمد بن حنبل، وعبد الله ابن مسلم بن قتيبة الدينوري وغيرهم(3).
وفوق هذا وذاك فإنّ من رواة حديث الغدير الشيخان نفسهما(4)!!
1) لقد أحصى العلاّمة الأميني في كتابه {110} صحابي رووا هذا الحديث، أنظر: الغدير: 1 / 41 ـ 144.
2) أنظر: الغدير للأميني: 1 / 145 ـ 165.
3) أنظر: الغدير للأميني: 1 / 167 ـ 311.
4) أنظر: كتاب الولاية لابن عقدة: ح 1، رسالة طرق حديث من كنت مولاه فعليّ مولاه للحافظ الذهبي، أسنى المطالب للجزري: 48، مناقب عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام)لابن المغازلي: 27 {39}.
فقد أخرج ابن المغازلي في المناقب بطريقين، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " من كنت مولاه فعليّ مولاه "(1).
وورد في (مودة القربى) لشهاب الدين الهمداني ـ الذي يقول في حقّة القندوزي الحنفي: "... الولي الكامل وصاحب الكشف والكرامات، زبدة السادات، وقدوة العارفين، مولانا ومقتدانا مير سيّد عليّ بن شهاب الهمداني قدّس الله أسراره ووهب لنا بركاته وأنواره "(2)ـ عن عمر بن الخطّاب، قال: "نصب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً علماً، فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه وأخذل من خذله وأنصر من نصره، اللهمّ أنت شهيدي عليهم.
قال عمر: يا رسول الله! وكان في جنبي شاب حسن الوجه طيّب الريح، قال لي: يا عمر لقد عقد رسول الله عقداً لا يحلّه إلاّ منافق! فأخذ رسول الله بيدي فقال: يا عمر انّه ليس من ولد آدم، لكنّه جبرائيل أراد أن يؤكّد عليكم ما قلته في عليّ "(3).
هذا بالاضافة إلى مصادر أخرى ذكرت رواية عمر لحديث الغدير(4).
قد ذكر أئمة الحديث والتفسير والتاريخ من أبناء العامة تهنئة الشيخين
1) مناقب عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): 22 {31}.
2) أنظر: ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي: 2 / 255.
3) مودّة القربى للهمداني: المودّة الخامسة.
4) أنظر الرياض النضرة للطبري: 2 / 109 {339}، مسند أحمد بن حنبل: 4 / 281، ذخائر العقبى للطبري: 67، مقتل الحسين (عليه السلام)للخوارزمي: 1 / 48، البداية والنهاية لابن كثير: 5 / 152.
للإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، إضافةً إلى ذكرهم تهنئة عامّة المهاجرين والأنصار وزوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وبقيّة المسلمين والتسليم عليه(عليه السلام) بإمرة المؤمنين.
فقد أخرج ابن جرير الطبري في كتاب (الولاية) حديثاً بإسناده عن زيد ابن أرقم، في آخره أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " معاشر النّاس قولوا: أعطيناك على ذلك عهداً عن أنفسنا، وميثاقاً بألسنتنا، وصفقة بأيدينا، نؤديه إلى أولادنا وأهالينا لانبغي بذلك بدلا، وأنت شهيد علينا، وكفى بالله شهيداً.
قولوا: ما قلت لكم، وسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، وقولوا: (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ)(1)، فانّ الله يعلم كلّ صوت وخائنة كلّ نفس (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)(2)، قولوا ما يرضي الله عنكم ف (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ)(3).
قال زيد بن أرقم: فعند ذلك بادر الناس بقولهم: نعم سمعنا وأطعنا، على أمر الله ورسوله بقلوبنا، وكان أوّل من صافق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّاً: أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزّبير وباقي المهاجرين والأنصار وباقي النّاس إلى أن صلّى الظهرين في وقت واحد، وامتدّ ذلك إلى أن صلّى العشاءين في وقت واحد، وأوصلوا البيعة والمصافقة ثلاثاً "(4).
وقال المؤرّخ ابن خاوند شاه في (روضة الصفا) ما ترجمته: " ثمّ جلس
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في خيمة تختصّ به، وأمر أمير المؤمنين عليّاً [ (عليه السلام) ] أن يجلس في خيمة أخرى، وأمر إطباق الناس بأن يهنئوا عليّاً في خيمته.
ولمّا فرغ الناس عن التهنئة له أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمّهات المؤمنين بأن يسرن إليه ويهنّئنه ففعلن، وممّن هنّأه من الصحابة عمر بن الخطّاب، فقال: هنيئاً لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى جميع المؤمنين والمؤمنات "(1).
كما نقل تهنئة الشيخين الرواة من أئمّة الحديث والتفسير والتاريخ من أهل العامة، بين راو ومرسل له إرسال المسلمات، وبين راو إياه بمسانيد صحاح برجال ثقات تنتهي إلى غير واحد من الصحابة، ومنهم:
1 ـ الحافظ أبو بكر عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة.
2 ـ إمام الحنابلة أحمد بن حنبل.
3 ـ الحافظ محمّد بن جرير الطبري.
4 ـ الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي.
5 ـ أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي.
6 ـ نور الدين بن الصبّاغ المالكي.
7 ـ جلال الدين السيوطي.
هذا بالاضافة إلى عشرات الأساطين من أصحاب المصنفات(2).
ومن هذا المنطلق يقول الأخ حافظ: " كان لإحاطتي بواقعة الغدير دور كبير لمعرفة الحقائق المرتبطة بالتاريخ الإسلامي، والمسار الذي سار عليه
المسلمون، ولذلك انتهى بهم الأمر إلى الحالة المأساوية التي تخبّطوا فيها نتيجة وقوع زمام الحكم بيد الأمراء الذين استعبدوهم واستضعفوا الشعوب، فغيّروا ماغيّروا من أحكام ومفاهيم الإسلام ليميتوا بذلك روحه، وليجعلوه مجرّد طقوس دينيّة فارغة من روح العزّ والشموخ والإرادة التي يزرعها الإسلام في نفوس منتمية، وليحوّلوا بذلك المسلمين إلى أمّة مستضعفة يسيّروها حيثما شاؤوا وليتركوها إلى من بعدهم لتكون لعبة بيد الجبابرة والظلمة ".
ويضيف: " فلم تجعل لي حادثة الغدير ـ التي أقرّ بها أبناء العامة أنفسهم ـ أيّ عذر، بل قطعت عليَّ الطريق، وأوجبت عليَّ اتّباع نهج الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ونهج الأئمة الهداة من بنيه(عليهم السلام)، فسلكته وأنا على بيّنة من أمري والحمد لله ربّ العالمين، وكان ذلك في عام 1995م في مدينة " كانو " النيجيرية ".
الصورة
ولد عام 1974م في بوركينافاسو(1)، ترعرع في أُسرة تعتنق المذهب المالكي، وقضى مدّة ثمان سنوات في الدراسة الدينية لهذا المذهب، ثم أصبح مدرساً في مجال العقائد والعلوم القرآنية والفقه.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)عام 1994م في مدينة " باسام " بساحل العاج، على اثر مجموعة أبحاث ودراسات أجراها بغية الوصول إلى العقيدة الصحيحة.
من الواضح أنّ الخطوة الأولى التي ترشد الباحث للحقيقة، هي التخلّي عن التعصّب للأفكار والعقائد التي يقدّسها، والالتجاء إلى البحث بروح موضوعية ونفس مجردة عن الموروثات العقائدية التي تحيط بالمرء منذ ولادته وتترسّخ في
1) بوركينافاسو: تقع غرب افريقيا تحيط بها دولة مالي وغانا وساحل العاج والنيجر وبنين وتوغو، يبلغ عدد سكانها حوالي (12) مليون نسمة، يشكّل المسلمون أكثر من 75 منهم أمّا الباقي فمن المسيحيين والوثنيين، وأكثرية المسلمين على المذهب المالكي، أمّا الشيعة فيبلغ عددهم قرابة {150} ألف شخص.
نفسه من دون قناعه، ويكون التعصب هو السبب الوحيد للتمسك بها من دون وعي وبصيرة.
وما لم يتجرّد الباحث عن موروثاته العقائدية، لا تتفتح بصيرته ولا تتجلى له الحقائق بوضوح.
يقول الأخ حسين: " من هذا المنطلق بدأت أبحث لأشيّد معتقداتي بعيداً عن مناقشة الموضوعات على أساس الأفكار الشائعة والأجواء السطحية التي لاتلامس الأعماق، فتوجهت للبحث بأسلوب عقلاني لأناقش الأفكار على أساس المصادر الأصلية والمبنية على الحجة والبرهان.
ومن هنا أغنيت تجربتي الفكرية في قضايا الصراع، واتّبعت الاسلوب العلمي الرصين لأصل إلى النتائج المطلوبة، وكان أوّل موضوع قد تناولته في بحثي يتعلّق بالخلفاء، فسلكت المنهج العلمي وهو المنهج الذي يعتمد على مجموعة إجراءات يتخذها الباحث بترتيب معيّن ليبلغ هدفه، وكان هدفي من ذلك الوصول إلى حقيقة أمر الخلفاء ".
إنّ أوّل ما يلفت انتباه الباحث عند دراسته لتاريخ صدر الإسلام هو مخالفة الخلفاء ـ لا سيما الأوّل والثاني ـ لكتاب الله وسنة نبيه!.
وأبرز دليل على ذلك هو قول الإمام عليّ(عليه السلام) في الشورى التي افتعلها عمر ابن الخطاب لتعيين الخليفة من بعده، إذ ورد أنّ عبد الرحمن بن عوف توجّه إلى الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في ذلك الاجتماع قائلاً: " لنا الله عليك، إن وليت هذا الأمر أن تسير فينا بكتاب الله وسنة نبيّه وسيرة أبي بكر وعمر "، فرفض
الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) أن يسير بسيرتهما، وقال: " أسير فيكم بكتاب الله وسنّة نبيّه ما استطعت "(1).
وهذا إن دلّ على شي فهو يدلّ على مخالفة أبي بكر وعمر لكتاب الله وسنة نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتاريخ يكشف بوضوح لمن يتتبعه ويمعن النظر فيه برؤية موضوعيّة، أنّ أبابكر وعمر قد إرتكبا الكثير من الاجتهادات في مقابل النصّ وخالفا الكتاب والسنّة.
من أوضح مخالفات أبي بكر للنصّ القرآني في خصوص الإرث منعه فاطمة الزهراء(عليها السلام) بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من الميراث، وقد نسب أبو بكر حديثاً إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تفرّد بنقله فزعم أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة "(2).
وقد احتجّت الزهراء(عليها السلام) عليه بقولها: " يا ابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟! لقد جئت شيئاً فريا(3)أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم، إذ يقول: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ)(4)، وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريّا(عليهما السلام) إذ قال: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ
1) أنظر: مجمع الزوائد للهيثمي: 3 / 133، البداية والنهاية لابن كثير: 7 / 106، تاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 304، تاريخ الطبري: 4 / 238، السقيفة لأبي بكر البغدادي: 85.
2) هذا الحديث منقول عن أبي بكر فقط، وقد إدّعى سماعه من الرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولقد تكلّم به في وقت منازعته لفاطمة (عليها السلام).
3) أي أمراً منكراً قبيحاً والمقطع اقتباس من سورة مريم آيه 27.
4) النمل: 16.
آلِ يَعْقُوبَ)(1)...
ثم قالت: أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟! فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، والموعد القيامة وعند الساعة ما تخسرون ولا ينفعكم إذ تندمون...
ثم رمت بطرفها نحو الأنصار وقالت: يا معشر الفتية وأعضاد الملّة وأنصار الإسلام ما هذه الغميزة(2)في حقّي، والسنِّة عن ظلامتي؟... "(3).
وبذلك خالف أبو بكر سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأغضبهُ لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني "(4).
ومن مخالفات أبي بكر وعمر لسنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) منعهم لتدوين سنّته(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ بها نبذوا سنّة نبيّهم وراء ظهورهم فكانت عندهم نسياً منسيا، أضف إلى إحراق أبو بكر أحاديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) التي جمعت في عهده(5)، لئلا تنتشر عند الصحابة وغيرهم من المسلمين الذين كانوا يتلهّفون لمعرفة سنّة نبيّهم (صلى الله عليه وآله وسلم)! وتابعه عمر متوخياً نفس السياسة باسلوبه المعروف بالشدّة والغلظة، فهدّد وتوّعد
1) مريم: 5 ـ 6.
2) الغمز: أي الضعف.
3) أنظر: شرح النهج لابن أبي الحديد: 16 / 210، نقلاً عن أبي بكر أحمد الجوهري، بحار الأنوار للمجلسي: 29 / 227، كشف الغمّة للأربلي: 2 / 104.
4) أنظر: صحيح البخاري كتاب المناقب: 3 / 1361 {3510} {3556}، المعجم الكبير للطبراني: 22 / 405 {1013}، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 755 {1324}.
5) أنظر: تذكرة الحفّاظ للذهبي، عن الحاكم: 1 / 5، الرياض النضرة للطبري: 2 / 144 {612}، سير أعلام النبلاء للذهبي: 2 / 601 ـ 602، وأنظر: حجّية السنّة لعبد الغني عبد الخالق: 394.
وضرب من خالف منع تدوين الحديث!(1)وأمّا تبرير هذا الفعل لئلاّ تختلط السنة بالقرآن، فإنّها حجّة واهية لا تقوم على أساس علمي، أذ كان بإمكان الخلفاء تخصيص مصحف خاص لكلّ منهما، كما هو الحال عندما دوّنت الأحاديث في عهد عمر بن عبد العزيز.
والحقيقة أنّ أبا بكر وعمر ومن تابعهما إنّما منعوا من انتشار الأحاديث ليوجدوا مجالاً لتأويل ما ترتئيه أهوائهم كما تأوّلوا القرآن، لأنّ كتاب الله حمّال ذو أوجه أمّا السنة النبوية فلا يجد أحد عنها محيصاً.
ومن هنا نرى أبا بكر وعمر خالفا بذلك سنّة الرسول إذ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): " أكتبوا هذا العلم "(2)، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: " أكتبوا ولا حرج "، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " بلى فاكتبوها "(3).
ومن مخالفات أبي بكر للسنّة قتله للمسلمين الذين إمتنعوا عن إعطائه الزكاة، لعدم وثوقهم بخلافته! حتى ورد أنّ عمر قال له: يا أبا بكر، كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله فمن قال لا إله إلاّ الله عَصَمَ مني ماله ونفسه إلاّ بحقه وحسابه على الله "؟!، لكنه لم يبالي بما ذكّره عمر بسنة الرسول(صلى الله عليه وآله)، وأجابه بعنف وشدّه حتّى تقاعد عمر بقوله
1) أنظر: الطبقات الكبرى لابن سعد: 5 / 142 ترجمة القاسم بن محمّد {737}، سير أعلام النبلاء للذهبي: 5 / 59، المستدرك للحاكم: 1 / 193 {374}، المعجم الأوسط للطبراني: 2 / 330 {3449}.
2) أنظر: كنز العمال: 10 / 262 {29389}.
3) أنظر: تقييد العلم للخطيب البغدادي: 74، مسند أحمد: 2 / 207 {6930}، 215 {7018} {7020}.
ورضي به(1)ليستتب أمر الخلافة لهم ولا يجرأ أحد على الاعتراض عليهم!.
ولكن يا للتعصب من محفز للتبرير! إذ زعم البعض أنّ هؤلاء المسلمين إرتدوا عن الإسلام فوجب قتلهم، وهذه الدعوى أبطلها أبو بكر نفسه! إذ دفع ديّة مالك من بيت المال واعتذر عن قتله بعد ذلك، والمرتد لايعتذر عن قتله ولاتدفع ديته من بيت المال(2)، لكن أبا بكر خالف السنة وفعل فعلته التي أرادها لتشييد أركان خلافته.
ومن مخالفات أبي بكر لكتاب الله وسنّة رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) عدم إقامته الحدّ على خالد بن الوليد بعد قتله مالك بن نويرة وتزوّجه بحليلته من ليلته، حيث لم يجري أبو بكر عليه القصاص ولم يقم عليه حدّ الزاني ولم يضربه حدّ المفتري ولم يعزره تعزير المعتدي على ما ملكته أيدي المسلمين! وإنّما دافع عنه وأمر خالد بطلاق زوجة مالك، بل أنّه غضب على بعض الصحابة الذين أنكروا على خالد(3)!
وخالف أبو بكر سنة رسول الله بأمره إحراق فجاءة السلمي بالنار(4)، وقد
1) أنظر: صحيح البخاري كتاب استتابة المرتدين، باب قتل من أبى قبول الفرائض: 6 / 2538 {6023} صحيح مسلم كتاب الايمان، باب الأمر بقتال الناس: 1 / 51 {20}.
2) أنظر: الإصابة للعسقلاني: 5 / 755، سير أعلام النبلاء للذهبي: 1 / 366.
3) أنظر: الإصابة للعسقلاني: 5 / 755، سير أعلام النبلاء للذهبي: 1 / 366، تاريخ الطبري: 3 / 278، تاريخ أبي الفداء: 1 / 221، الكامل في التاريخ لابن الأثير: 2 / 358.
4) أنظر: تاريخ الطبري: 3 / 264، 430، البداية والنهاية لابن كثير: 6 / 228، الكامل في التاريخ لابن الأثير: 2 / 350، الإصابة للعسقلاني: 3 / 518 {4248}.
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " لا يعذّب بالنار إلاّ رب النار "(1).
ومن مخالفاته لسنة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على قول أبناء العامة بإنّ الاستخلاف يتم بالشورى، فإنّ أبا بكر ولّى عمراً بعده الخلافة بالتنصيب ولم يستشر أحداً من الصحابة، بل عارض من أنكر عليه استخلاف عمر بن الخطاب! (2).
من مخالفات عمر بن الخطاب لكتاب الله وسنّة رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) منعه فرض المؤلفة قلوبهم من الصدقات، فقد قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(3)، ولكن عمر خالف الكتاب وخالف سنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا العطاء المفروض، وقال: "... إنّ الله قد أعزّ الإسلام..."(4).
وخالف عمر سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في مراعاة المساواة بين المسلمين في بيت
المال ففرّق في العطاء(1).
ومن مخالفاته جمع الناس على صلاة نافلة التراويح، مع اعترافه بأنّها بدعة! وذلك بقوله: " إنّها بدعة ونعم البدعة "(2)، ولم يستن بسنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يعبأ بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة"(3).
ومن مخالفاته أيضاً سنه لطلاق الثلاث، فقد ورد عن ابن عباس: " كان الطلاق على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم"(4).
وبهذا غيّر عمر سنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وخالف الكتاب، حيث يقول الله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسان... تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ)(5)، وفسّرت هذه الآية بأنّ المرأة لا تحرم على زوجها إلاّ بعد ثلاث تطليقات، ولكن عمر بن الخطاب تجاوز
1) أنظر: الطبقات لابن سعد: 3 / 225.
2) أنظر: صحيح البخاري: 2 / 707 {1906}، كتاب صلاة التراويح، تحفة الأحوذي: 3 / 450 {805}، موطأ مالك: 1 / 73.
3) أنظر: وسائل الشيعة للحر العاملي: 8 / 45 {10062}، من لا يحضره الفقيه للصدوق: 2 / 87 {394}.
4) أنظر: مسند أحمد: 1 / 314 {2877}، صحيح مسلم: 2 / 1099 {1472}، سنن البيهقي: 7 / 550 {14972}، فتح الباري للعسقلاني: 9 / 363.
5) البقرة: 229.
حدود الله بحكمه أن طلقة واحدة بلفظ الثلاثة توجب حرمة الزوجة على الزوج!.
وقد ورد أن رجلاً طلق في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثاً في مجلس واحد، فقام(صلى الله عليه وآله وسلم) غضبان، وقال: " يلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم "(1).
ومن مخالفاته الصريحة لسنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قوله: " ثلاث كنّ على عهد رسول الله أنا محرمهن ومعاقب عليهن: متعة الحج، ومتعة النساء، وحىّ على خير العمل في الأذان "(2).
وقال أيضاً في متعة الحج ومتعة النساء: " قد علمت أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد فعله وأصحابه، ولكني كرهت أن يظلوا معرّسين بهن في الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم "(3).
ومن مخالفاته العملية تعطيله حدّ الزنا في المغيرة بن شعبة لما شُهد عليه بالزنا!(4)
7 ـ تعطيل التيمّم:
وعارض عمر النصّ الصريح للكتاب والسنة واجتهد في مقابل النصّ، فقال: " من لم يجد الماء لا يصلّ "(5)، وقد قال الله تعالى: (... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً
فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً... )(1)، وبهذا خالف عمر بن الخطاب صريح الكتاب والسنة.
ليس في هذه المخالفات التي صدرت من عمر لسنّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)غرابة، إذ أنّه قد ارتئى لنفسه أن يخالف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بمحضره ولم يعبأ بقوله تعالى: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)(2)، وكان منها:
1 ـ معارضته لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في صلح الحديبية(3)!
2 ـ معارضته له (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما صلى صلاة الميت على ابن أبي سلول، فقال معترضاً على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " قد نهاك ربّك "(4)!
3 ـ موقف عمر في أواخر حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حينما طلب منهم كتاباً ودواة ليكتب لهم ما إن تمسكوا به لن يضلوا أبدا، فقال: " إنّه ليهجر ـ أي يهذي ـ وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله "(5).
4 ـ أخرج البخاري أنّه قدم ركب من بني تميم على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فعرض أبوبكر شخصاً ليأمّره عليهم، في حين أقترح عمر شخصاً آخر، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلاّ خلافي، فأجابه عمر: ما أردّت مخالفتك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك قوله تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ
ويتضح للباحث هنا أنّ أبا بكر وعمر لم يتأدبا بحضرة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وسمحا لأنفسهما بأن يقدما بين يديه بغير إذن ولا طلب، فمن هنا لاضير أنّهما تجرءا بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتقدما على سنته.
ومن هذا وغيره وجدنا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) لا يرى لنفسه مسوّغاً بأن يسير بسيرة الشيخين، وهما قد خالفا الكتاب والسنة، وقد تقدّما عليه في أمر كان هو أحقّ به منهما، حتى قال عن الشورى: " فيالله وللشورى متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتى صرت أُقرن إلى هذه النظائر "(3).
ومن هذا المنطلق أسفر بحث الأخ حسين سورابي عن نتائج لم يكن يتوقعها من قبل، فيقول: " من خلال البحث بانت لي حقائق كثيرة، وعرفت أنّ الخلفاء قد أخطأوا في كثير من المجالات، وظلموا حقّ عترة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
فمن هنا قرّرت أن أكون مع أهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فكراً وروحاً وقلباً، وأن أتحرر من العقيدة التي لم أجد طعم الحرية الفكرية في ظلالها، بل كنت مقيداً بالالتزام بها من دون اقتناع.
فبعد أن عرفت الحقيقة قصدّتها بلهفة لا كون في ركب من أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، واهتدي بهم إلى المنازل الرفيعة التي أرادها الله للإنسان، وأن يكون سيري وفق ما رسمته الشريعة الربانيّة ".
الصورة
ولد في رواندا(1)عام 1965م، ونشأ في أوساط أسرة تعتنق المذهب الشافعي، فشبّ معتنقاً لهذا المذهب وفق ما كانت تمليه عليه الأجواء من عادات وتقاليد.
تشرّف بالانتماء لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1996م في بلاده بمدينة "تشانكو كاميبي ".
يقول حمادي: " أتذكر تلك الفترة الحرجة التي غزا فيها المدّ الوهابي بلادنا بشكل واسع، ولا أنسى التأثيرات السلبية التي خلّفها هذا التيار على مجتمعنا، لأنني ـ وكذلك الآخرون ـ كنا نرى من هذا التيار ظاهرة الأنيق الداعي إلى التوحيد، في حين غاب عنا الباطن الحقيقي! لكنني بالتدريج اكتشفت عبر
1) رواندا: تقع في وسط القارة الافريقية، تحيط بها أوغندا وتنزانيا وبروندي وزائير، يقدر عدد السكان فيها حوالي (8) ملايين نسمة، 68 منهم أتباع الديانة المسيحية، أمّا المسلمون فيشكلون نسبة 16 والباقي من أتباع الديانات المحلية، وأغلب المسلمين في هذا البلد من أهل السنّة، ويشكل الشيعة نسبة 5 منهم.
البحث والدراسة مدى ابتعادهم عن جادة الحقّ ".
وقد تصدى لهذا التيار الفكري أعلام العامة ـ فضلا عن الشيعة ـ مثل الشيخ محمّد عبده، حيث قال أنّهم: " أضيق عطناً وأحرج صدراً من المقلّدين "(1)، فهم يرون وجوب الأخذ بما يفهم من اللفظ الوارد، والتقيّد به بدون التفات إلى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين.
يضيف الأخ حمادي: " بعد مواجهتي لبعض الشبهات رأيت من الضرورة أن التجىء إلى تحصين نفسي بالمطالعة والدراسة المتأنية للآثار و الأخبار الواردة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعن الصحابة، لأنني كنت أعتقد بعدالة جميع الصحابة، فإنّ التاريخ الذي درسناه ركّز هذا المفهوم في أذهاننا بشكل ملفت للنظر.
ومن ذلك الحين بدأت أقضي معظم أوقاتي في القراءة، فتفتّحت آفاق رؤيتي وشعرت أنني بذلك أتحرّر من الأطر التقليدية التي تحد من انطلاقتي، ومن خلال ذلك اصطدمت بحقائق ووقائع مريرة! فوجدت نفسي مضطرّاً لمراجعة الجذور الأولى، لنشؤ الاختلاف في أوساط الأُمة الإسلامية، ودور الصحابة في ذلك، وسبب تضارب الآثار المروية عنهم، فبذلت قصارى جهدي لحل هذا المأزق.
فقلت في نفسي: إنّ معرفة الرابط بيننا وبين النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، سوف يدلّيني على الشريعة الحقّة التي جاء بها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
وإذا بي أجد أنّ الصحابة هم الذين قد زادوا الطين بلة!، فعند تتبعي لروايات الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) وجدت أنّ قسماً كبيراً منها مروي عن أبي هريرة!.
1) أنظر: الإسلام والنصرانية لمحمّد عبده، وهامشه لمحمّد رشيد رضا: 97.
فقلت: لابد وأن يكون هذا الصحابي على إطلاع تام بحالة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّه مما لا شك فيه قد قضى شطراً طويلا من حياته معه ولم يفارقه، ولكن بعد التتبع والبحث وجدت الأمر عكس ذلك تماماً! ".
إنّ المتتبع لتاريخ أبي هريرة يجد أنّه لم يعاصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ سنة وبضعة أشهر، وأنّه رجل خامل الذكر كان يسترزق بوضعه للأحاديث!.
فقد نشأ أبو هريرة في " اليمن " وشبّ فيها حتى جاوز الثلاثين من عمره وهو من أهل الجاهلية الذين لم يستضيئوا بنور الإسلام، ثم هاجر إلى المدينة بعد فتح خيبر في السنة السابعة للهجرة بإتفاق أهل الأخبار، ولمّا أسلم لم يكن له مأوى يأوي إليه فسكن الصفَّة(1)، وأخلد إلى الخمول و الكسل فكان يعتاش على ما تجود به أيدي المسلمين، كما ذكر البخاري عن أبي هريرة قوله: " كنت استقري الرجل الآية كي ينقلب بي فيطعمني "(2).
وكان من سمات شخصيته أنّه مزّاح وصاحب دعابة(3)، وكان يتملق الناس ويسلّيهم بكثرة مزاحه وكلامه، حتى قالت عائشة عنه: "لقد كان رجلا مهذاراً"(4)، وعن أبي رافع، قال: " كان مروان ربّما استخلف أبا هريرة على المدينة فيركب حماراً قد شدّ عليه برذعه وفي رأسه خلبة من
1) الصفة موقع مضلل في المسجد النبوي الشريف، وهو مقر مؤقت للمسافرين أو الفقراء حتى يجدوا سبيلا.
2) أنظر: صحيح البخاري: 3 / 1359 {3505}، فتح الباري للعسقلاني: 11 / 342 {6460}.
3) أنظر: شذرات الذهب للعكبري: 1 / 64 (حوادث سنة 57)، تذكرة الحافظ للذهبي: 1 / 33 {16}.
4) أنظر: الأحكام في الاصول للآمدي: 2 / 121، المسألة التاسعة (الخبر الواحد).
ليف، فيسير فيلقى الرجل فيقول: الطريق الطريق قد جاء الأمير! "، " وربما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الغراب، فلايشعرون حتى يلقي نفسه بينهم ويضرب برجليه فيفزع الصبيان فيفّرون! "(1)، وفي رواية: " كأنّه مجنون! يريد أن يضحكهم فيفزع الصبيان منه ويفرّون هنا وههنا يتضاحكون "(2).
ذكرنا ملامح شخصية أبي هريرة وسماتها البارزة، ولقد حاول البعض إحاطة هذا الرجل بهالة من القدسية العجيبة، رغم طعن كبار الصحابة عليه، فالغريب أنّ قسماً من علماء الجرح والتعديل لم يأخذوا ذلك بعين الاعتبار، وكانوا يكيلون بمكيالين!
فقد أعرضوا عن الراوي لطعون أقلّ من تلك التي وردت في حق أبي هريرة، فخالفوا بذلك قواعدهم وخرجوا على ضوابطهم، فلم يمسوه بجرح أو نقد أو تعريض مثل ما كانوا يفعلون بغيره، فاعتبروه عادلاً صادقاً لايستراب فيه ولافي مروياته التي لم يسمعها من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)!!.
والأنكى من ذلك نجدهم يوثقون هذا الرجل رغم أنّ عمر وعثمان وعائشة والإمام عليّ(عليه السلام)وغيرهم قد كذّبوه(3)!.
فقد أخرج ابن عساكر من حديث السائب بن يزيد أنّه سمع عمر يقول لأبي هريرة: " لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس "، وقد غضب
عليه عمر من أجل إكثاره في رواية الحديث، فضربه بالدرّة زجراً له ووبخه قائلاً: " أكثرت يا أبا هريرة، وأحرى بك أن تكون كاذباً على رسول الله"(1)، وقد جاء مثل هذا النهي من عثمان وإن لم يكن بتلك الشدّة كما قابله عمر.
وكانت عائشة من أشدّ الناس إنكاراً عليه(2)، وروي عن الإمام عليّ(عليه السلام)أنّه قال: " إنّ أكذب الناس ـ أو قال ـ أكذب الأحياء على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أبو هريرة الدوسي "(3).
بل أكثر من الكذب حتى سبّب ذلك إلى زوال عدالته وفقدان اعتباره حتى عن ولاية البحرين ـ التي لم تكن من شأنه، لأنّ ديدن عمر في استعمال الولاة كان يقوم على الصحابة غير الكبار، وذلك لابقاء الشخصيات المرموقة التي لها شأن على العموم في المدينة لأغراض كان يرتئيها(4).
وعاد أبو هريرة بعد عزله من منصبه إلى المدينة وأقام بها من جديد، فتلقفه كعب الأحبار اليهودي وأخذ يلقّنه إسرائيلياته ويغذيه من خرافاته(5)!، فكرع أبو هريرة من هذا المنبع إلى الحدّ الذي قال عنه كعب الأحبار: " ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة "(6).
1) أنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 2 / 600، البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 75.
2) أنظر: كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 41، سير أعلام النبلاء للذهبي: 2 / 604، البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 75.
3) أنظر: شرح النهج لابن أبي الحديد: 4 / 68.
4) أنظر: الطبقات لابن سعد: 3 / 214.
5) أنظر: الطبقات لابن سعد: 4 / 247، المستدرك للحاكم: 1 / 170 {313}، تفسير ابن كثير: 3 / 104.
6) أنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 2 / 600، تذكرة الحفاظ للذهبي: 1 / 36 {16}، الإصابة للعسقلاني: 7 / 770 {10674}.
بقى أبو هريرة على منواله حتى اشتهر في عهد بني أميّة الذين امتطوه وجعلوه من وعّاظهم، فإنّ معاوية بن أبي سفيان وجد ضالته فيه، فقرّبه وحقق له رغباته، واشترى ضميره ليشهد له بالخلافة، وليضع له الأحاديث، ويدلّس له الروايات(1)، وقبل أبو هريرة هذه الصفقة فجعل يروج للأمويين وينشر لهم المناقب المفتعلة، ويطعن على مناوئيهم لاسيما أهل البيت(عليهم السلام)!، فأكثر أبو هريرة من الإشادة بمن هو ليس أهل لذلك، وشجّع الناس على إتباعهم، فباع آخرته بدنياه!.
فقد ذكر عن أبي هريرة أنّه قال: رسول الله: " أُمناء الله: أنا وجبرئيل ومعاوية! "(2)، وفي رواية: " الأمناء ثلاثة: جبرئيل وأنا ومعاوية! "(3)، فكانت أجرته أن جعله معاوية والياً على المدينة(4).
وقد قدّر الأمويون صنيع أبي هريرة معهم، فأغدقوا عليه من أفضالهم وغمروه برفدهم ومنحوه الكثير من العطايا، فلم يلبث أن تحوّل حاله من الضيق إلى السعة، ومن الشقاء إلى الدعة، وبعد التسكع بين الصفّة و طرقات المدينة أصبح له قصراً بالعقيق، وبعد أن كان يستر جسمه بنمرة بالية أضحى يرتدي الخزّ والديباج و الكتان الممشق و الساج المزرور بالديباج(5)، بل وأكثر من ذلك حيث حاولوا أن يرفعوا من شأنه ومكانته الاجتماعية، فزوجوه بسرة بنت غزوان
أخت الأمير عتبة بن غزوان، وكان ذلك من قبل معاوية وعلى يد مروان بن الحكم أيام ولايته على المدينة.
ورغم هذه الحقائق فقد عمد بعض المؤرخين ـ الذي يصيغون التاريخ حسب أهوائهم ـ إلى كتمانها والتغطية عليها، لتبقى مرويات أبي هريرة مصونة من الخدش! لأن الصحاح و كثير من كتب العامة تعج برواياته(1)، ويعني الإعراض عنها هدم لمعظم المباني التي يقوم عليها فقههم وأصولهم وتاريخهم و...، فإن مروياته تمثل حصة الأسد في الروايات عندهم، وقد اعتمدوا على رواياته في الأصول والفروع.
قد روت صحاح العامة كثيراً من أحاديثة الموضوعة المستهجنة التي يستقبحها العقل قبل أن يثبت التتبع كذبها ووضعها.
فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما ـ واللفظ للأخير ـ عنه أنّه قال: " جاء ملك الموت إلى موسى فقال له أجب ربّك! فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، فرجع الملك إلى الله تعالى فقال: إنّك ارسلتني إلى عبد لايريد الموت فقأ عيني... "(2).
كما أخرج الشيخان في صحيحيهما بالإسناد إلى أبي هريرة أنّه قال: " كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوءة بعض، وكان موسى(عليه السلام)يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلاّ أنّه آدَر ـ أي ذوفتق ـ قال:
فذهب مرّة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففرّ الحجر بثوبه، قال فجمع موسى بإثره يقول: ثوبي حجر! ثوبي حجر! حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوءة موسى، فقالوا والله ما بموسى من بأس، فقام الحجر بعد حتى نظر إليه، فأخذ موسى ثوبه فطفق بالحجر ضرباً، قال أبو هريرة: فوالله إنّ بالحجر ندب ستة أو سبعة ضرب موسى بالحجر! "(1).
وأخرجا من مرويات أبي هريرة الإسرائيلية أيضاً: " قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة بمائة امرأة!! تلد كل امرأة غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل، فأطاف بهنّ، ولم تلد منهن إلاّ امرأة نصف إنسان! "(2).
كما أخرج مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: " الّلهم إنّما محمّد بشر يغضب كما يغضب البشر! وإني قد اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه فأيّما مؤمن آذيته أو سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له كفارة و قربة تقربه بها إليك يوم القيامة "(1).
يقول الأخ أحمد ناجي: " لقد اعتراني الذهول عندما تتبّعت تاريخ أبي
1) صحيح مسلم: 4 / 2008 {2601}.
هريرة، حتى وجدت هذا الرجل الذي كنّا نعدّه من خيار الصحابة هو أحد وعّاظ السلاطين لبني أمية والمدافعين عنهم ولو على حساب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)والإسلام".
ويضيف: " بعد بحثي وتتبعي تجلّى لي أنّ السلطات الحاكمة لعبت دوراً مؤثراً في تراث أمتنا الإسلامية، خصوصاً نحن أبناء العامة، فإنّ فقهنا وعقائدنا وتاريخنا كان خاضعاً لإشراف ووصاية السلاطين، في حين أني وجدت التراث الشيعي قد سلم ونجا من هذا الأمر، لأنه تلقى ميراثه من النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وعترته(عليهم السلام)الذين اصطفاهم الله لحفظ شريعته وصيانتها من التحريف.
ومن هذا المنطلق وجدت أنّ السبيل الوحيد للنجاة والفوز بسعادة الدارين، هو سلوك نهجهم والانضواء تحت لوائهم، فأعلنت استبصاري عام 1996م بمدينة " تشانكو كاميبي " في رواندا، ووفقني الله تعالى للأخذ بيد زوجتي للمذهب الحقّ، عملا بقوله تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ)(1)".
1) التحريم: 6.
الصورة
ولد ببلدة " شبعا " عام 1966م في لبنان(1).
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1989م في بلاده.
يقول الأخ خليل: " كان والدي عاملا في أحّد المعامل غير ملّماً بالأمور الدينيّة، إلى حدّ كنّا في الأُسرة ـ وأنا واحد منهم ـ لا نعرف سوى أنّنا من أبناء العامة، وكان والدي يحدّثنا عمّا يدور في محل عمله من نقاشات حول الأمور الدينيّة بين العمّال ـ الذين كانوا من مذاهب مختلفة ـ وكان أبي كثيراً ما يقدح بالشيعة حتى أرتسمت في ذهني صورة مشوهة عنهم.
وكان أبي يحفّزني على مجادلة زملائي الشيعة في الدراسة حول مذهبهم، وكنت ـ في أكثر الأحيان ـ لقلّة باعي في العلم أقف متحيّراً أمام الفكر الشيعي
1) لبنان: تقع على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، تحيط بها سوريا وفلسطين، يبلغ عدد سكانها حوالي (5) ملايين نسمة، يشكل المسلمون نسبة 63 منهم، والباقي من المسيحيين والديانات الأخرى، أمّا الشيعة في لبنان فيشكلون نسبة 35.
الذي يطرحه زملائي، ولا أجد سبيلاً سوى الابتعاد عنهم حفاظاً على معتقداتي الموروثة، وكنت أنتقد الطلاّب من أبناء العامة الذين يختلطون معهم، وكنت أقول لهم: إنّ أهلنا يقولون: إنّ الشيعة خوارج ويجب الابتعاد عنهم!.
ذات يوم حدّثنا مدرّس التربية الدينيّة عن معركة الخندق وما وقع فيها من نصر للمسلمين نتيجة شجاعة الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، وتطرّق الأستاذ في حديثه إلى الطريقة النبيلة التي تصرّف بها الإمام(عليه السلام) مع عدوّه المشرك عمرو بن عبد ود العامري، وترفّعه عن سلب درعه ـ على خلاف العادة الجارية آنذاك ـ فتأثّرت كثيراً بشخصية الإمام عليّ(عليه السلام)، ومن ذلك الحين وقع حبّه في قلبي.
عند رجوعي إلى البيت حدثت أهلي عن تلك المعركة وفارسها المغوار، وسألتهم عن دور الخلفاء الثلاثة في تلك المعركة؟ فأجابوني: بأنّهم كانوا من خواص أصحاب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)!، فلم تقنعني إجابتهم، وبقيت أفكّر بعظمة شخصيّة الإمام عليّ(عليه السلام)، ولم أعط أهميّة لمثل أولئك الأصحاب.
بعد مضي فترة انتقلت من مدرستي إلى مدرسة الغدير الرسميّة، وتعرّفت فيها على عدد من الزملاء ـ الذين كانت لهم اتجاهات مختلفة ـ فاصطدمت لمواجهتي كثرة الاختلافات العقائدية بين الطلبة، واعترتني أزمة نفسيّة نتيجة التزلزل الفكري الذي لاقيته جراء الحديث مع هذا وذلك.
فقرّرت أن أصبّ اهتمامي للوصول إلى الحقّ عبر دراسة مبرمجة واستقصاء شامل، فابتعدت عن درس التربية الدينيّة ليكون بحثي موضوعيّاً أصل به إلى النتائج من دون التأثر بجهة معينة، ولكن بعد إلحاح أصدقائي حضرت الدرس،
فلمست منه فوائد عديدة أكبرها معرفتي لأصول الدين، إلاّ أنّي لم أصل إلى درجة الاعتقاد التام بها، ومن هذه المعرفة المجملة ازدادت استفساراتي في هذا المجال، وانطلقت نحو البحث وطلب المعرفة وبدأت أتحرّر من تعصّبي الأعمى.
وفي أحد الأيام ذهبت مع أحّد أصدقائي إلى أحّد مشايخ أبناء العامة علّهُ يجيب عن بعض الأسئلة العالقة في ذهني، فسألته عن أدلّة خلافة أبي بكر؟
فقال: إنّ أبا بكر كان أقرب الناس إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عند وفاته.
فقلت: إنّ الشيعة يقولون: إنّ الخلافة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام عليّ(عليه السلام)، ويستدلون بقول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الغدير: " من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه "، فهل هذا الحديث في كتبنا؟
فأجابني الشيخ بنبرة حادّة: نعم موجود، فماذا تقصد من هذه الإثارة؟
قلت: أريد معرفة حديث " من كنت مولاه " هل أنّه ورد بحقّ الإمام عليّ(عليه السلام) أم لا؟ وإن كان وارداً فما هي دلالته؟
فقال: نعم ورد بحقّ الإمام عليّ، ومعناه أنّ من يحبّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)عليه أن يحبّ الإمام عليّ، ثم قال: وأنصحك أن تبتعد عن هؤلاء الشيعة!.
وكان بودّي أن أسأله عن سبب ذلك، لكنّه لم يفسح لي المجال لمواصلة الحوار، فقرّرت بعدها أن ألتجيء بنفسي إلى مطالعة الكتب المعروفة لأقف على نقاط الخلاف بين الفريقين، ولأعرف المناقب المذكورة لأبي بكر التي جعلته مستحقاً للخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأني طالما كنت أسمع من أبناء العامة أنّهم يمجّدون بأبي بكر، ويفتخرون بصحبته للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في الغار ".
حاول أهل السنّة أن ينتزعوا فضائل عديدة لأبي بكر من آية الغار بشتى
الطرق، حتى وصل بهم الأمر أن نسبوا له السكينة دون رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)!(1).
لكن الآية في قوله تعالى: (إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُود لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(2)، فاقدة لأيّ منقبة ـ لا من قريب ولا من بعيد ـ لأبي بكر، والمتأمّل في سياق هذه الآية ودلالتها يدرك:
أوّلاً: إنّ ما ادعاه أبناء العامة من الفضل لأبي بكر في قوله تعالى: (ثانِيَ اثْنَيْنِ) مجرّد تمحّل لا أكثر، لأنّ الآية تخبر عن العدد ليس إلاّ!.
فمن المعلوم أنّ اجتماع مؤمن وكافر في أيّ مكان، هو اجتماع اثنين ليس إلاَّ، وقد جرت العادة في آيات كثيرة من القرآن الكريم ذكر العدد، كما في قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ...)(3)، فأيّ ميزة لرابعية الكلب أو سادسيّته أو ثامنيّته؟!.
ثانياً: أمّا قوله تعالى: (إِذْ هُما فِي الْغارِ)، فقد يجتمع في المكان الصالح والطالح، والإنس والجنّ!.
فمسجد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو أشرف من الغار قد جمع المؤمنين والمنافقين، وسفينة نوح(عليه السلام) قد جمعت الإنسان والحيوان، فالاستدلال على أنّ أبا بكر كان ثاني النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار، ثمّ الاستنتاج بأنّه الثاني له (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنزلة ـ كما ذهب
إلى ذلك الفخر الرازي(1)ـ دعوى بلا دليل، إذ لا استلزام بينهما، لا سيما أنّ الآية لم تتطرق إلى مسألة المنزلة والرتبة!.
والادعاء بمثل هذه الفضيلة لأبي بكر مجرّد إيهام للعوام، وتحميل لقول الله تعالى بما لا صلة له في المقام.
ثالثاً: أمّا تشبثهم بقوله تعالى: (لِصاحِبِهِ)، فهو لا يدلّ على ما ذهبوا إليه من أنّه صاحب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
لأنّ الصحبة بمعناها اللغوي قد تكون بين المؤمن والكافر، كما في قوله تعالى: (قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُراب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً)(2)، وقد تكون بين الإنسان والحيوان، كقوله تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ)(3)، فهي لا توجب فضلا ولا منقبة للمنعوت بها.
رابعاً: وأمّا قوله تعالى حكاية عن نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا)، فلايستلزم منقبة لأبي بكر كما توهّم البعض، بل ربّما تكون منقصة!.
لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)نهى أبا بكر عن الحزن في الغار، وحزنه لا يخلو من احدى حالتين:
أمّا أن يكون على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وخوفاً عليه، وهذا عين طاعة الله، فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لا ينهى عن طاعة ربّه، بل يدعو إلى التقرّب إليه من خلال ذلك.
وأمّا أن يكون حزن أبي بكر على نفسه، وخوفه من المشركين لتورطه في
التواجد مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار، وهو الواقع، ولهذا نهاه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الحزن.
خامساً: أمّا تشبّث أبناء العامة بقوله تعالى ( مَعَنَا )فكالتعلّق بخيط العنكبوت!.
لأنّ المعيّة كما تكون للتسكين والتبشير وقد تكون للتحذير والتخويف، كقوله تعالى: (يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ)(1)، وقد يكون المراد من (مَعَنا) أنّه تعالى عالم بحالنا، كقوله تعالى: ( مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَة إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَة إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا )(2).
فإذا احتملت لفظة ( مَعَنَا ) كلّ هذه المعاني، فأيّ فضل يبقى لأبي بكر في ذلك؟!.
سادساً: إنّ قسماً من أئمّة التفسير من العامّة جعلوا السكينة في قوله: (فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ) نازلة على أبي بكر، وذلك لأنّ الضمير يعود إلى أقرب المذكورات وهو أبو بكر(3).
لكن المتأمّل لسياق الآية يجد أنّ الضمائر التي في صدر الآية والتي في وسطها وكذا التي في آخرها كلّها تعود إلى الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فالكلام في الآية مسوق لبيان نصرة الله تعالى لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث لم يكن معه أحّد يتمكّن من نصرته، فأنزل الله على نبيّه السكينة وعزّزه بجنود غير مرئيّة.
كما أنّ قوله تعالى: (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ
الْعُلْيا )(1)بيان لما سبق، ولا يصحّ التفريق بين البيان والمبيّن.
ودعوى من قال: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يزل على سكينة من ربّه، وإنزال السكينة هنا مختصّ بصاحبه مردوده، لأنّ أصل الاستدلال غير صحيح، فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تتجدّد له هذه السكينة، بدليل نزولها عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّة أخرى يوم حنين، كما قال تعالى: (ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ)(2)، ومثلها قوله تعالى في سورة الفتح: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ)(3).
كما أنّ السكينة لو كانت مختصّة بأبي بكر، فإنّ هذا يعني أنّه هو المؤيّد بجنود الله غير المرئيّة، لأنّهما في سياق واحد!
والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أكرم على الله من أيّ مخلوق، فلا يحوجه إلى نصر أحّد، فهو تعالى ناصره ومؤيّده، وقد بيّن سبحانه صور هذا النصر بنزول السكينة، والتأييد بالجنود الخفيّة.
فالآية في هذا الموضع تبيّن أنّ المخصوص بولاية الله عزّوجلّ هو النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لا أحّد سواه، ولو كان مشمولا بهذه العناية لشملته السكينة كما شملت غيره مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كما ذكرنا، وما ذكر من الفضائل بخصوص أبي بكر لا يعدّو كونه إدعاءٌ لا أكثر.
يضيف الأخ خليل: " كنت أتساءل لماذا سُمي أبو بكر صدّيقاً، فهل كان
ذلك لتصديقه بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو كان ذلك لقبٌ له؟، وهل ناداه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يوماً ما بهذا اللقب؟ ".
والباحث إذا أمعن النظر في التراث الإسلامي يجد أنّ السياسة لعبت دوراً هاماً في تزييف الكثير من الحقائق، فبفعل هيمنتها على وضع الأمّة تمكّنت أن تنفّذ مخطّطاتها على المسلمين، فمنحت بعض الشخصيات ألقاباً ما كانوا لها أهلا، وكلّ ذلك حرباً منهم لآل البيت(عليهم السلام) لا سيّما لأمير المؤمنين عليّ(عليه السلام).
فلقّب الصدّيق وكذا الفاروق هما من مختصّات الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، حيث وردت روايات عديدة تؤكّد ذلك، منها:
عن الإمام عليّ(عليه السلام)، أنّه قال: " أنا عبد الله، وأخو رسول الله، وأنا الصدّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلاّ كذّاب مفتري... "(1).
وعنه أيضاً: " أنا الصدّيق الأكبر، والفاروق الأوّل، أسلمت قبل إسلام أبي بكر... "(2).
وعن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: " الصدّيقون ثلاثة، حبيب النجّار وهو مؤمن آل ياسين، وحزقيل وهو مؤمن آل فرعون، وعليّ بن أبي طالب وهو أفضلهم "(3).
وعن أبي ذر وسلمان(رضي الله عنه)، إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ بيد عليّ(عليه السلام)، فقال: " إنّ هذا أوّل من آمن بي، وهذا أوّل من يصافحني يوم القيامة، وهذا الصدّيق الأكبر،
1) أنظر: المستدرك للحاكم: 3 / 120 {4584}، فرائد السمطين للجويني: 1 / 248 {192}، البداية والنهاية لابن كثير: 3 / 25، سنن ابن ماجة: 1 / 55، فضائل الصحابة لابن حنّبل: 2 / 586 {993}، الرياض النضرة للطبري: 2 / 96 {1275}.
2) أنظر: المعارف لابن قتيبة: 167، الرياض النضرة للطبري: 2 / 95 {1262}، ذخائر العقبى للطبري: 85.
3) أنظر: فضائل الصحابة لابن حنّبل: 2 / 627 {1072}، الصواعق المحرقة لابن حجر: 2 / 364، فيض القدير للمنّاوي: 4 / 238، تاريخ ابن عساكر: 42 / 43.
وهذا فاروق هذه الأمّة يفرّق بين الحقّ والباطل... "(1).
وهناك مصادر كثيرة تثبت أنّ هذا اللقب هو لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) (2)، كما ذكر العلاّمة الأميني في (موسوعة الغدير)، وفنّد الروايات الموضوعة التي ذكرت هذا اللقب لأبي بكر.
كما أنكر ذلك أيضاً كبار النقّاد والحفّاظ من أبناء العامة ووصفوا هذه المرويات بالوضع والكذب، كالذهبي، والخطيب، وابن حبان، والسيوطي، والفيروز آبادي، والعجلوني، وغيرهم(3).
ولم يثبت بدليل معتبر أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نادى يوماً ما أبا بكر بلقب الصدّيق!.
يقول الأخ خليل: " وقد ثبت عندي أنّ أبا بكر كان ضعيف الإيمان بنبوّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حينما خاف على نفسه في الغار، فكيف يسمّى صديّقاً!.
ومضيت في مطالعة الكتب وأمعنت النظر في مضامينها، حتى زالت غمائم الحيرة عن بصيرتي، وعرفت واقع بعض المسائل المختلف عليها بين الفريقين، كما وجدت في كتب أبناء العامة ما يؤيّد قول الشيعة.
وكان كتاب المرحوم الشيخ محمّد مرعي الأنطاكي (لماذا اخترت مذهب
1) أنظر: مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 102، تاريخ ابن عساكر: 42 / 41، كنز العمّال: 11 / 161 {32990} عن البيهقي وابن عدي عن حذيفة، وعن أبي ذر وسلمان، ذخائر العقبى للطبري: 56.
2) أنظر: شواهد التنزيل للحسكاني: 1 / 153 (206 ـ 209)، 2 / 120 (810 ـ 815)، تاريخ ابن عساكر: 42 / 40 ـ 44، مناقب عليّ بن أبى طالب لابن المغازلي: 269 {317}، كفاية الطالب للكنجي: 233، الدرّ المنثور للسيوطي: 5 / 328، وغيرها من المصادر.
3) أنظر: الغدير للعلامة الأميني الجزء السابع.
أهل البيت (عليهم السلام))(1)خير معين لي في هذه المرحلة، لما فيه من بحوث دقيقة وعلميّة، وممّا زادني إنجذاباً نحو الإمام عليّ(عليه السلام) إقرار أبناء العامة بعدد من الآيات النازلة في حقّه، إذ لم يكن لغيره فيها نصيب، فأدركت أنّه الأحقّ بالخلافة من غيره، وواصلت البحث حتى استضاء قلبي بنور الهداية، فاستبصرت وتشرّفت باعتناق المذهب الإمامي الإثنا عشري عام 1989م.
ومن ذلك الحين أبلغت دوائر النفوس في الدولة كي يسجلوا على هويتي (شيعي) بدل (سني) لأكون مفتخراً بعدها بانتمائي إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ".
1) ولد في إحدى قرى سورية عام 1314ه على المذهب الشافعي وكان من العلماء المبرّزين الذين تخرّجوا من الأزهر، وتشيّع بعد ذلك وألّف كتابه الشهير (لماذا اخترت مذهب الشيعة).
الصورة
ولد عام 1959م بمدينة " الموصل " في العراق(1)، من أُسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي، وكعادة باقي أقرانه واصل الدراسة الأكاديميّة حتى حصل على شهادة البكالوريوس في كليّة الآداب قسم اللغة العربية في جامعة الموصل.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1987م في " إيران " عبر دراسات مستوفية ومناقشات علمية جادّة.
كانت بداية غرس مبادئ التشيّع في قلبه عام 1979م إذ وُفق الأستاذ لحج بيت الله الحرام، فتوجه من مدينته " الموصل " إلى الديار المقدّسة، وفي تلك الرحلة كانت له وقفة في مدينة " كربلاء "(2)، فزار تلك المدينة وشاهد لأوّل مرّة
1) العراق: أنظر: ترجمة رقم {10}.
2) مدينة كربلاء المقدسة: تقع جنوب العاصمة بغداد في وسط العراق، تشرفت هذه المدينة بضريح الإمام الحسين بن عليّ(عليه السلام) وضريح أخيه العباس بن عليّ(عليه السلام)، وتبعد بمسافة {80} كيلو متر عن أرض النجف المتشرفة بضريح الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام).
مرقد الإمام الحسين(عليه السلام)، فلفت ذلك الحرم الطاهر انتباهه! ورأى زوار مرقد شهيد كربلاء كيف يفدون على ضريحه بلهفة وشوق، وكيف يؤدّون رسوم زيارتهم بوعي معبّر عن عمق إرتباطهم بنهج صاحب القبر، ولمس بروحه كيف تنطوي زيارة الزائرين على تأصيل حالة ولائهم للإمام الحسين(عليهما السلام)، وكيف يجسّدون حبّهم لرمز مسيرتهم، وكيف يستلهمون من ذلك المشهد العطاءات التربوية التي تشدهم إلى تاريخهم المشرق.
كما وجد أن الزوّار يرسّخون بزيارتهم فهمهم لأبعاد شخصية الإمام الحسين(عليه السلام) ومكارم أخلاقه وإخلاصه لله، ويفتحون بذلك ذاكرتهم على الأحداث التي حلّت بالحسين وأصحابه ليستلهموا منها الدروس والعبر.
وأبهره ذلك المنظر، فلم يكتف بالمشاهدة السطحية، بل تناول أحد كتب الزيارة التي يقرؤها الزوّار ليرى محتواها ويطّلع على مضامينها، وليلمس بنفسه الدافع الذي جعل هؤلاء الوافدين يتفاعلون من أعماق أنفسهم مع صاحب هذا القبر.
فغاص في معاني زيارة الحسين(عليه السلام) والأدعية الخاصة بالزيارة، وإذا به يجدها مفردات تزخر بثروة هائلة من النماذج التي تحفز مفاهيم الحياة الفردية والاجتماعيّة على المستوى التربوي، وذلك عبر تعزيز فهم الزائر لأبعاد شخصيّة الإمام الحسين(عليه السلام) ودوره في تبليغ الرسالة وتجسيد معانيها، وأكثر أمر لفت انتباهه في الزيارة عبارة " السلام عليك يا ثأر الله! ".
يقول الأستاذ رامي: " جعلتني هذه الكلمات أتأمّل في معانيها! وقلت في نفسي: لابدّ وأن تكون لصاحب هذا المقام منزلة وشأن عظيم عند الله تبارك
وتعالى ليكون ثأره عزّوجلّ ".
فإنّ الثأر هو الدم والطلب به(1)، ومعنى ثأر الله هو الدم المنسوب إلى الله تعالى، ويعني أنّ هذا الدم مكرّم وعظيم وله امتياز عند الله، كما نقول: بيت الله، لتمييزه عن غيره من الأماكن.
وفي الحقيقة أنّ نسبة ثأر الحسين(عليه السلام) إلى الله عزّوجلّ لاغبار عليها، لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو صفوة الخلق قال: " حسين مني وأنا من حسين "(2)، فإذا كان الحسين(عليه السلام) من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والرسول من صفوة الله عزّوجلّ، فمعناه أنّ الحسين(عليه السلام) أيضاً من الذين اصطفاهم الباري من بين خلقه، فهو تعالى وليّهم وهو صاحب الثأر لدمائهم.
ونسبة ثأر الحسين(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الله واضحة، فالإمام الحسين(عليه السلام) وريث الأنبياء (عليهم السلام) كما ورد في زيارته: " السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبيّ الله، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله، السلام عليك يا وارث محمّد حبيب الله... "، والأنبياء سفراء الله على أرضه وحججه على خلقه، فسفك دمائهم تعّدي على حرمة الله، والطالب بثأرهم هو الله جلّ وعلا.
فقتل الحسين(عليه السلام) يعني قتل للصفوة وللنبوّة وللخلّة وللكلمة وللروح وللمحبّة الإلهيّة.
وحيث أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) ثار الله يستوجب على كل مسلم أن يجد نفسه معنياً بهذا الأمر، فيسعى لإحياء ما ضحى الإمام الحسين(عليه السلام) بنفسه من أجله، وأن يتذكر مظلومية عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وما لاقته من ظلم واضطهاد بعد رحيل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ليوفر لنفسه بذلك أجواء يندمج فيها روحاً وفكراً مع القيم والمبادئ والأفكار التي حملها صاحب الشهادة، وضحى من أجل ترسيخها في النفوس، فقدّم الغالي والنفيس في سبيل إعلاء كملة الله عزّوجلّ.
يقول الأستاذ رامي: " لم أكن من قبل مطّلعاً بصورة وافية على مذهب التشيّع، ولكن هذا الموقف أثار في نفسي المحفّز لأكون أكثر إلماماً بهذا المذهب.
فمن ذلك الحين اندفعت لمعرفة المزيد من المعارف التي ينتمي إليها هؤلاء الشيعة، ولم يكن إلمامي بهم سوى أني كنت أستمع إلى بعض المناقشات العقائدية التي كانت تدور بين الشيعة وبين بعض أبناء مدينتنا الأحناف، فكنت أُشارك أتباع مذهبي بالدفاع عن ما نحن عليه وإن لم أكن بذلك المستوى الذي يجيد ردّ المبادئ التي كان يعتنقها أصحاب مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ".
ويضيف الأستاذ قائلا: " بعد ذلك الموقف في مرقد الإمام الحسين(عليه السلام) ـ والذي ترك في نفسي الأثر البليغ ـ واصلت مسيرتي بإتجاه الحجاز لأداء مناسك الحجّ، وهنالك في مكّة المكرّمة وجّهت بعض الأسئلة إلى أحّد علماء أبناء العامة حول المذهب الجعفري، لكنه بدل أن يجيب على أسئلتي حذّرني من التقرّب إليهم والحوار معهم، قائلا: احذر من أفكار الرافضة، وتجنّب الحوار معهم، وأنصحك أن لا تدنوا منهم!، ولكن لم أقتنع بمقولته ولم يدفعني كلامه لرفض ما رأيته منسجماً مع فطرتي وعقلي عند الشيعة، كما أنني كنت متلهفاً للدليل
والبرهان ولم أجد عنده ذلك ".
وفي الحجاز وجد الأُستاذ رامي تياراً فكرياً ضد مذهب التشيع، يحرّم زيارة القبور والتوسّل بها ويصفها بالشرك والإلحاد، وهذا ما دفعه للبحث بعد عودته من الحجّ عن مدى صحة هذا الإدعاء.
وبعد التتبّع والتحقيق وجد أنّ ما عليه الوهابيون يخالف الكتاب والسنّة، وأنّ أفكارهم جاءت من قبل أُناس انتهزوا فكرة إلصاق الشرك بالمسلمين ليحقّقوا مآربهم في ظلالها، ويصلوا إلى مبتغياتهم من خلالها.
ووجد أنّهم خالفوا جميع الطوائف الإسلاميّة فيما ذهبوا إليه، ولم يعتمدوا لتثبيت أفكارهم على دليل يستند إليه، بل مستمسكهم الوحيد في هذا المجال هو إتخاذ إسلوب الإثارة ليصطادوا في الماء العكر.
إنّ المتتبّع لسنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يرى الأمر بالنسبة إلى زيارة القبور أنّه مرّ بثلاث مراحل في عهد الرسالة.
المرحلة الأولى: جواز زيارة القبور، وذلك استمراراً لما كانت عليه الشرائع السابقة.
وخير مثال ـ والأسبق تاريخياً ـ في ما ذكره القرآن الكريم لاحترام مراقد الأولياء وتعاهدها بالزيارة، هو مرقد فتية أصحاب الكهف، إذ قال تعالى: (إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً)(1)، وتُشعر الآية بذكرها المسجد بأنّ هؤلاء
1) الكهف: 21.
الذين غلبوا على أمرهم هم الموحّدون، فالآية فيها دلالة على جواز البناء على القبور وزيارتها، والمسجد إنّما يُتخذ ليؤتى على الدوام ويقصده الناس ليذكروا اسم الله عزّوجلّ فيه.
المرحلة الثانية: المنع لعلل يأتي ذكرها، ويستنبط ذلك من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها "(1)، ويتّضح من هذه الرواية أنّ المسلمين كانوا يزورون القبور، ثمّ ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيها المنع، ثمّ أذن لهم بعد ذلك في الزيارة.
ففي رواية ابن عباس عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): " نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرا "(2)، والهُجر هو الكلام القبيح المهجور لقبحه(3)، وهذا الحديث كأنّه يتضمّن علّة النهي أو بعضها، وهي أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد إلغاء عادات الجاهليّة وتأسيس آداب إسلاميّة للزيارة.
ولعلّ نهي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الفترة التي منع فيها زيارة القبور كان لكثرة قبور المشركين، وحيث أنّ الزيارة للقبر تزيد وتعمّق أواصر الارتباط بين الزائر والمزور، وتجدّد في النفوس روح الاقتداء بهم وإحياء آثارهم، أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بعدم زيارة القبور، ولما كثر المؤمنون بينهم وقوى الإسلام رخص الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الزيارة باذن الله عزّوجلّ.
ولهذا ورد في قوله تعالى النهي عن القيام عند قبور المنافقين: (وَلا تُصَلِّ
1) أنظر: صحيح مسلم، كتاب الجنائز: 2 / 672 {977}، سنن الترمذي: 2 / 357 {1054}، سنن النسائي: 4 / 89، المستدرك للحاكم: 1 / 530 {1385}، مصابيح السنة للبغوي: 568 / 1239.
2) أنظر: المعجم الأوسط للطبراني: 2 / 115 {2709}، سنن النسائي: 4 / 89، السنن الكبرى للبيهقي: 4 / 129.
3) أنظر: معجم مفردات ألفاظ القرآن للراغب: مادة (هجر).
عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ)(1)، ففي هذه الآية دلالة واضحة على جواز ذلك في شأن من مات على الإسلام، وأنّ ذلك معهود بين المسلمين، وأنّ الآية إنّما نزلت لتستثني الكفار والمنافقين، كما هو في ذيل الآية: (إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ)(2).
المرحلة الثالثة: تجويز زيارة القبور ورفع الحظر والمنع، فقد ثبت في الصحيح عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يخرج مراراً إلى البقيع لزيارة قبور المؤمنين(3)، وورد أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) زار قبر أمّه وبكى وأبكى من حوله(4).
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): "نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنّ في زيارتها تذكرة"(5).
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنّ فيها عبرة "(6).
وورد بسند صحيح أنّ فاطمة الزهراء(عليها السلام) بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت تزور قبر عمها حمزة بن عبد المطلب(رضي الله عنه) كلّ جمعة وتصلي وتبكي(7).
1) التوبة: 84.
2) التوبة: 84.
3) أنظر: صحيح مسلم، كتاب الجنائز: 2 / 672 {975}، سنن ابن ماجة: 1 / 492 {1571}.
4) أنظر: صحيح مسلم: 2 / 672 {976}، السنن الكبرى للبيهقي: 4 / 127.
5) أنظر: سنن أبي داود: 3 / 171 {3235}، صحيح مسلم: 2 / 672 {976}، السنن الكبرى للبيهقي: 4 / 128، مسند أحمد: 5 / 350، 355، 356، 361، المستدرك للحاكم: 1 / 531 {1390}.
6) أنظر: مسند أحمد: 3 / 38 {11347}، السنن الكبرى للبيهقي: 4 / 128، المستدرك للحاكم: 1 / 530 {1386}.
7) أنظر: السنن الكبرى للبيهقي: 4 / 131، المستدرك للحاكم: 1 / 533 {1396}، وقال الحاكم معقباً على الحديث: هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات، وقال في آخر كلام: وليعلم الشحيح بذنبه أنّها سنّة مسنونة.
وإنّ من أبرز العبر كما أشرنا في ما سبق في زيارة القبور، إنّها توفّر للزائر أجواء يستوحي منها ذكر الموت والزهد في الدنيا والعمل للآخرة والإقبال على الله، فيشد عزيمته لمواصلة درب الصلحاء والأولياء، فالزائر يستلهم من منهجهم الوعي المحفز لمواصلة ركب الإيمان.
ومن هذه البراهين والحجج يقول الأُستاذ رامي عبد الغني: " عرفت أنّ أدلّة الشيعة لم تنشأ من حالة عاطفيّة أو هوى أو تقليد، وإنّما فرضتها عليهم الأدلّة القاطعة التي ينبغي أن يتعبّد بها المسلم.
وإنّ زيارة قبور الصلحاء هي كالحجّ يجتمع فيه المسلمون على الخير والهدى والترابط والتعارف والتآلف، فيمجّدوا عظماءهم ويحيوا بذكراهم القيم والمبادئ والأفكار التي كانوا يحملونها ".
ويضيف: " وبمرور الزمان واصلت أبحاثي لمعرفة المزيد حول مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وكنت اتباحث مع أحّد أقربائي في هذا المجال، فكنا نأخذ مفردة مفردة من عقائد الشيعة ونضعها على طاولة البحث، وكان يحفز أحدنا الآخر للمطالعة والتتبع حتى اكتملت في أذهاننا الصورة الكاملة لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فالتجأنا إلى حصنهم المنيع بعدما وجدناه رصيناً من جميع الأبعاد فتحصّنا به وآوينا إليه، وكان استبصاري عام 1987م كما استبصر البعض من أُسرتي وجملة من غير أسرتي على يدي بفضل من الله، وببركة الزاد الثقافي الذي تلقيته من نبع معارف أهل البيت(عليهم السلام) ".
الصورة
ولد عام 1973م بمدينة " كيسيني " في رواندا(1)، درس في مدارس أهل العامة في بلده حتى حصل على الثانوية، وانتقل بعد ذلك إلى المدرسة الوهابية في " كينيا ".
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1989م بمدينة " مومباسا " الكينية، بعد تردده على مؤسسة " بلال مسلم ".
يقول الأخ رمضاني: " لم تكن حصيلة إطلاعي عن الشيعة إلاّ كأحد أبناء العامة، لأننا لا نقرأ تراث غيرنا من المذاهب وليس لنا احتكاك بهم لتتبلور في أذهاننا فكرة واضحة وصحيحة عنهم، فكل ما كنت أعرف عن الشيعة: أنّ لهم قرآناً غير قرآننا، وأنّهم يقولون بخيانة جبريل (عليه السلام)، ويقرّون زواج المتعة و...
1) رواندا: أنظر: ترجمة رقم {20}.
شاءت الأقدار الإلهية أن أسافر إلى " كينيا " فألتقي ببعض أعضاء المراكز والمؤسسات الإسلامية الخيرية والثقافية، ومن بين هذه المؤسسات التي زرتها مؤسسة شيعية اسمها " بلال مسلم "، فأغتنمت هذه الفرصة لأتعرّف على التشيّع.
ولقد جرت بيني وبين بعض الشيعة مناظرات عديدة، وقرأت مجموعة كتب لهم، فظهر لي أنّ أغلب أتباع هذه الطائفة لهم عمق علمي وثقافي مستمد من عقيدتهم، ووجدّتم ليسوا كما كان يصوّره لنا علماؤنا، فرأيتهم أصحاب استدلال ومنطق متين، مما دفعني ذلك لأن أتردد على هذه المؤسسة للإحاطة بمعارفهم التي نالت إعجابي ومطالعة كتبهم، فعكفت على قراءة ما وقع بيدي من مؤلفاتهم بإمعان، وكنت مع ذلك أراجع علماءنا ومشايخنا لأحصل على ردّ لمقولات الشيعية، ولكن مع الأسف لم أحصل منهم على أي إجابة سوى أنّهم كانوا يحذّرونني من الاحتكاك بالشيعة، فأدركت حينئذ عجزهم عن الإجابة.
ومن الأمور التي استوقفتني وجعلتني أتأمل وأراجع حساباتي، مسألة الاختلاف الفقهي الكبير والواضح بين المذاهب الأربعة، فوجدت آراءهم متضاربة وكلاً منهم يدّعي أن ما ذهب إليه هو مطابق لسنة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل وجدت أنّ مصادر استنباطهم تعدّت القرآن الكريم والسنة المطهرة، فخضعت للآراء والاستحسانات! كما خضعت لدعم الحكام وتبنّيهم لها! فمن هنا جنّدت نفسي للبحث حول هؤلاء الأئمة الذين هم مرجع أبناء العامة ".
والمتتبع للمسار التاريخي يجد بعد إتساع رقعة الفتوحات الإسلامية وبالتحديد في منتصف فترة الحكم الأموي أصبح النشاط العلمي واسع النطاق،
فكثرت المذاهب ونمى عدد أتباعها، إلاّ أنّه لم يكتب البقاء لأكثرها! حيث اعتراها الانقراض بالرغم من كثرة أتباعها، ومكانة مؤسسيها الذين فاقوا في نظر معاصريهم وذوي العلم منهم رؤساء المذاهب الأربعة.
فمن المذاهب التي لم يكتب لها البقاء في الساحة الإسلامية:
1 ـ مذهب الشعبي.
2 ـ مذهب الحسن البصري.
3 ـ مذهب الأعمش.
4 ـ مذهب الأوزاعي.
5 ـ مذهب سفيان الثوري.
6 ـ مذهب الليث بن سعد.
7 ـ مذهب سفيان بن عيينة.
8 ـ مذهب داود الظاهري.
وغيرها من المذاهب التي قد تتفق أحياناً وقد تفترق أحياناً أخرى فيما بينها ; فهذه لم يبقى منها شيء.
قد أجمعت رجالات أبناء العامة على بقاء مذاهب أربعة، وأنّ أصحابها لايقاس بهم أحد من حيث العلم والفضل، وهي:
1 ـ مذهب أبي حنيفة النعمان.
2 ـ مذهب مالك بن أنس.
3 ـ مذهب الشافعي.
4 ـ مذهب أحمد بن حنبل.
وقد طرحت هذه المذاهب في الساحة الإسلامية وأصبح لها ثقلاً في الأوساط، لأنّها كانت موضع عناية السلطات الحاكمة ـ آنذاك ـ ممّا أعطاها لوناً من الاعتبار والقيمة، فكان الترغيب والترهيب دعامتان أساسيتان في انتشارها، ولولا ذلك لما استطاعت البقاء ولكان مصيرها كمصير من استعرضنا من المذاهب العامة السالفة!.
لو ألقينا نظرة سريعة على تاريخ نشوء وانتشار كل مذهب من هذه المذاهب الأربعة لاتضحت لنا الحقيقة بشكل واضح.
وهو مذهب معروف باستعمال الرأي والقياس في استنباط الأحكام الشرعية، حيث يقول مؤسسه أبو حنيفة:
" ما جاء عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة إخترنا، وما كان من غير ذلك فهم رجال ونحن رجال ".
وفي قول آخر: " إذا كان من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إخترنا ولم نخرج من قولهم، وإذا كان من التابعين زاحمناهم ".
وقال أيضاً: " ليس لأحد أن يقول برأيه مع نصّ من كتاب الله تعالى أو سنّة أو إجماع عن أمّة. فإذا اختلفت الصحابة على أقوال، نختار منها ما هو أقرب للكتاب أو السنة، ونجتهد ما جاوز ذلك، فالاجتهاد موسّع على الفقهاء لمن عرف
الاختلاف وقاس فأحسن القياس "(1).
والجدير بالذكر أنّ أبا حنيفة قد تتلمذ على يد الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام)مدّة عامين، ذكرها كل من ترجم له حتى اشتهرت مقولته: " لولا السنتان لهلك النعمان "(2)كشهرة الكعبة بأنّها بيت الله الحرام.
وعندما أحكم العباسيون السيطرة على مقاليد الأمور متخذين العراق مركزاً لهم، جعلوا الفتيا والقضاء بيد أهل الرأي، ولمّا ولّي أبو يوسف ـ وهو من أشهر تلامذة أبي حنيفة ـ منصب قاضي القضاة، عمل على نشر مذهب أستاذه، لما له من مكانة في الدولة ومنزلة عند هارون الرشيد، بحيث كان هارون لا يعيّن قاضياً أو مفتياً إلاّ بالرجوع إلى أبي يوسف(3)، وكان هذا يعيّن أهل نحلته في هذه المواقع الحساسة والخطيرة.
وإذا نظرنا إلى المقوّمات الذاتيّة للمذهب الحنفي، نجد أنّ ذلك يرجع إلى جهود أربعة من أصحاب أبي حنيفة، إذ هم الذين ألّفوا وهذّبوا مسائله، كما أنّهم خالفوه في كثير من المسائل ووسعوا دائرة المذهب في الحيل الشرعية! وهم:
1 ـ أبو يوسف القاضي، الذي خدم مذهب أبي حنيفة بقوّة نفوذه عند السلطان، وبتصنيفه للكتب وتبويب المسائل، وإدخال الحديث في فقه أبي حنيفة، حتى قال أحمد بن عمار بن أبي مالك: " سمعت أبي يقول:... ولولاه لم يذكر أبو حنيفة ولا ابن أبي ليلى لكنه نشر علمهما "(4).
2 ـ محمّد بن الحسن الشيباني، الذي كان فطناً، فأصبح مرجعاً لأهل الرأي لما أحرزه من تقدّم عندهم، وألّف في المذهب الحنفي كتباً أصبحت المرجع الأوّل لأتباع هذا المذهب.
3 ـ زفر بن الهذيل، الذي كان أقيس أصحاب أبي حنيفة وأشهرهم عند أهل الرأي!.
4 ـ الحسن بن زياد اللؤلؤي، الذي كان قاضياً مصنّفاً للكتب على مذهب أبي حنيفة، إلاّ أن كتبه لم تكن بذلك الاعتبار عند الأحناف ككتب الشيباني.
ينسب إلى مالك بن أنس، الذي أخذ قسماً من علمه عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، وأضطهد مالك أيام العباسيين كأبي حنيفة في أوّل الأمر، إلاّ أنّ المنصور الدوانيقي أعاره الاهتمام وأعطاه الاعتبار، فطرحه مرجعاً دينياً للدولة، وحمل الناس على اتخاذه إماماً لهم في الفقه(1)، فانتشر مذهبه لا بحسب مؤهلاته الروحية والعلمية، بل بحساب القوّة! وقد قال ابن حزم الأندلسي في ذلك: "مذهبان إنتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة... ومذهب مالك عندنا... "(2).
وقد اعتمد مالك بعد كتاب الله تعالى وسنّة رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) على الإجماع والقياس والاستحسان وسدّ الذرائع وإجماع أهل المدينة، لأنّهم عنده أدرى بالسنّة وبالناسخ والمنسوخ، والعمل بقول الصحابي(3).
وله كتاب " الموطأ " الذي ألّفه أيّام المنصور، كما له مجموعة رسائل فقهية أيضاً جمعها تلميذه أسد بن فرات النيسابوري.
منسوب لمحمد بن إدريس الشافعي، الذي ذاع صيته وكثر أتباعه في "مصر" أيّام صلاح الدين الأيوبي، الذي تبنّى هذا المذهب ليقضي بذلك على الفاطميين ومن والاهم! ولذلك كان محلاً لعناية السلطة التي رعته بشكل ملفت للنظر.
وقد أخذ الشافعي علمه عن جماعة أشهرهم مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وكان للشافعي منهج وسط بين منهج أصحاب الرأي ـ أتباع أبي حنيفة ـ ومنهج أصحاب الحديث، حيث أشار إلى منهجه بقوله: " الأصل قرآن وسنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وصحّ الإسناد منه فهو سنة، والإجماع أكبر من الخبر المفرد، والحديث على ظاهره... "(1).
ينسب إلى أحمد بن حنبل الذي بزغ نجمه أيّام المتوكّل العباسي الذي ذهب إلى القول بخلق القرآن، فقدّمه وأكرمه بعد أن كان مغضوباً عليه أيام المعتصم! وقد صحب أحمد فترة من الزمن الشافعي وأخذ عنه كما أخذ عن غيره.
وأدى تبنّي السلطات الحاكمة ـ أنذاك ـ إلى هذا المذهب في تعاظم نفوذ الحنبلية " ببغداد " وضواحيها، فأوقعوا بسائر أبناء المذاهب التي تخالفهم
1) أنظر: ضحى الإسلام لأحمد أمين: 2 / 223، مناهج الاجتهاد لمحمد سلام: 650.
التنكيل والأذى!.
ولم يحظ هذا المذهب باهتمام الناس، لتأخره عن المذاهب الثلاثة السابقة، فضاقت دائرة اتساعه حتى كاد أن يندرس، إلى أن بعث فيه ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية الروح من جديد فأحييا مامات منه، وسار على منهجهما في ذلك النجدي محمّد بن عبد الوهاب!.
ولقد اعتمد أحمد في فتاواه على النصوص وما أفتى به الصحابة والأحاديث المرسلة والضعيفة والقياس والاستصحاب والمصالح المرسلة.
من هنا يتبيّن أن دعم السلطات في هذا المجال كان الركيزة الأساسية في انتشار المذاهب الأربعة التي يعتنقها أهل العامة، وإلاّ فهي فاقدة لقابلية الديمومة والاستمرار في ذاتها، ولولا هذا الدعم لكان مصيرها كمصير سائر المذاهب التي انقرضت، لأنّها لم تستمد استنباطاتها من القرآن والسنة فقط، بل اختلطت بها آراء الرجال ووجهات نظرهم!.
فيقرّ مالك في هذا الخصوص قائلا: " إنّما أنا بشر أخطيء وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما خالف فأتركوه "(1).
ويعترف أبو حنيفة بقوله: " هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خلافه قبلناه "(2).
ويذعن الشافعي بهذا أيضاً فيقول: " إذا صح الحديث بخلاف قولي،
فاضربوا بقولي الحائط "(1).
ويصرّح بذلك أيضاً أحمد بقوله لرجل: " لا تقلدني ولا تقلدن...، وخذ الأحكام من حيث أخذوا من الكتاب والسنة "(2).
فآراء الأئمة الأربعة ومقولاتهم هذه تؤكّد أنّ مذاهبهم لا قابلية لها في ذاتها على البقاء، بل كان بواسطة وصول أصحابها إلى سدّة السلطة كما قال الدهلوي: "فأيّ مذهب كان أصحابه مشهورين وأسند إليهم القضاء والإفتاء واشتهرت تصانيفهم في الناس، ودرسوا درساً ظاهراً انتشر في أقطار الأرض... وأيّ مذهب كان أصحابه خاملين ولم يولوا القضاء والإفتاء ولم يرغب فيهم الناس إندرس مذهبهم بعد حين "(3).
في خضم هذه الأجواء كان مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ينشر ما عنده من علوم ومعارف حتى تمكّن أن يبقى قائماً بذاته، على الرغم من توجيه الحملات الظالمة له ولأتباعه الذين أصبحوا غرضاً للتهم، وكانوا في نظر السلطات خارجين عن الإسلام.
والواقع أنّ السبب الوحيد في بقائه وديمومته أستقائه التعاليم من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق العترة الطاهرة(عليهم السلام)، الذين تحمّلوا ما تحمّلوا في سبيل إبقاء مدرسة آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) شاخصة ومستقلة عن تأثير السلطات.
يقول الأخ رمضاني: " عند مراجعتي لسيرة أتباع المذاهب الأربعة وسلوكهم فيما بينهم وجدت ما أثار دهشتي! فإنّي كنت أظنّهم على وفاق في ما بينهم ـ باعتبارهم يرتشفون من منبع واحد وهو سنة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وإذا بي أجد الخلاف الناشب بينهم على مدى العصور ينبيء عن واقع مؤلم وخطير، حتى بلغ الحال بهم إلى تكفير بعضهم البعض، كما حدثت صدامات عنيفة أهدرت الدماء وضيعت الأموال وهتكت الأعراض فيها!
فتجلّت لي الحقيقة بأنّ الذين كنت أظنهم على منهاج واحد، أعداء متخاصمين يعامل بعضهم البعض الآخر معاملة الخارج عن الدين ".
وقد سجّل التاريخ شتّى الصراعات والإختلافات بين أتباع المذاهب الأربعة، وأشار إلى المنعطفات الخطيرة التي وصلوا إليها نتيجة النزاع في ما بينهم، وخير شاهد على ذلك فتاوى بعض الأعلام تلك المذاهب:
1 ـ قال محمّد بن موسى الحنفي قاضي دمشق المتوفّي عام 506 ه: " لو كان لي من الأمر شئ لأخذت على الشافعية الجزية!! "(1).
2 ـ قال أبو حامد الطوسي الشافعي المتوفّي عام 567 ه: " لو كان لي أمر لوضعت على الحنابلة الجزية!! "(2).
والجزية إنّما تؤخذ على الكافر.
3 ـ قال الشيخ أبو حاتم بن جاموس الحنّبلي: " من لم يكن حنبلياً فليس بمسلم "(3).
وقد أدّى التحيّز الذي وقع بينهم إلى تأصل روح العداء والخروج عن حدّ الاتزان، والشواهد التاريخية على ذلك كثيرة، منها:
الفتنة التي ذهب تحت هياجها خلق كثير بين الحنفية والشافعية في نيسابور، إذ أدّت إلى إحراق الأسواق والمدارس، حتى كثر القتل في الشافعية، وبعدها انتصروا على الحنفية ـ فأسرفوا في أخذ الثأر منهم ـ وكان ذلك سنة 554 ه.
ومثل هذه الفتنة وقعت بين الشافعية والحنابلة، حتى اضطرت السلطة عام 716 ه إلى التدخل بقوة لحسم النزاع!.
وفي عام 567 ه قتل الحنابلة الشيخ أبو منصور من علماء الشافعية، كما قتلت زوجته وأبنه الصغير بعد أنّ دسّوا لهم السمّ!(1).
ومن أراد الوقوف على مثل هذه الحوادث فليرجع إلى مضانها.
يقول الأخ رمضاني: " هذه القضايا وأمور أخرى كالمصادر التشريعية التي اعتمد عليها الأئمة الأربعة بدل القرآن والسنة، جعلتني أقطع بعدم شرعيّة هذه المذاهب، لأنّي وجدت الاستحسان والقياس والمصالح المرسلة وقول الصحابي والرأي لا تتناسب بأي حال مع قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(2)، بل وجدّت أنّ بعض علماء العامة أورد الأدلّة القاطعة على عدم حجّية جملة من هذه المصادر التشريعية الموضوعة
من قبل هؤلاء ".
ومن العلماء الذين لايعتبرون قول الصحابي حجّة: الشوكاني، إذ يقول: " الحقّ أنّ قول الصحابي ليس بحجّة، فإنّ الله سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذه الأُمة إلاّ نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وليس لنا إلاّ رسول واحد، والصحابة ومن بعدهم مكلّفون على السواء بإتباع شرعه في الكتاب والسنة، فمن قال بأنّه تقوم الحجّة في دين الله بغيرهما، فقد قال في دين الله بما لا يثبت، وأثبت شرعاً لم يأمر الله به ".
والعجيب أنّ أحمد بن حنّبل الذي يعتبر قول الصحابي حجّة، يجعل الحجّية في هذا القول خاضعة لمزاج المكلّف!، فعن محمّد بن عبد الرحمن الصيرفي قال: " قلت لأحمد بن حنبل: إذا اختلف أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مسألة، هل يجوز لنا أن ننظر في أقوالهم لنعلم مع من الصواب منهم فنتّبعه؟ فقال لي: لا يجوز النظر بين أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقلت: كيف الوجه في ذلك؟ قال: تقلّد أيّهم أحببت ".
والحقيقة أنّ التشريع من حق صاحب الرسالة(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، ومع ذلك لم يعمل(صلى الله عليه وآله وسلم) طيلة حياته الشريفة برأيه أو باستحسانه أو بقياسه، بل كان دائماً يتبع النصوص الإلهية، وقد أقرّ بهذا الأمر البخاري في صحيحه، حينما قال: " ماكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يُسأل مما لم ينزل عليه الوحي فيقول: لا أدري أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي، ولم يقل برأي ولا قياس لقوله تعالى: (بِما أَراكَ اللهُ)(1)"(2).
ويقول الأخ رمضاني: " قد هزّني هذا الأمر من أعماقي، لأنّي وبقية
البسطاء من العامة كنّا نتعبد وفق آراء الرجال!، وأيّ رجال!! رجال عفى على آرائهم الزمن ـ لأنّها لا تتماشى مع ما هو مستجد في عصرنا ـ فلا اجتهاد بعدهم، وكأنّ الأُمة عقمت وانعدمت قدرتها على إنجاب النوابغ والمجدّدين، وهكذا سدّوا علينا باب الاجتهاد وجعلونا نتخبط بما هو مستحدث ".
إنّ غلق باب الاجتهاد وادعاء استحالته لأحد غير أئمة المذاهب الأربعة، أدّى إلى الجمود الفكري لدى أهل العامة، مما أثّر سلباً على اعتدالهم وتوازنهم في تقييم الآخرين!، حيث وصفهم أتباعهم بأوصاف غير معقولة! فادّعوا أنّ أبا حنيفة سراج الأمّة، وسيّد الأئمة، ومحيي السنّة، وأنّه إذا تكلم خيّل إليك أنّ ملكاً يلقنه، وما كلّم أحداً في باب من أبواب الفقه إلاّ ذلّ له، وإذا أشكلت مسألة على أعلم الناس سهلّها عليه!!، وتجد ذلك في الكتب التي تتحدث عن مناقبه، وغيره من الائمة(1).
والالتزام بهذه المذاهب ولزوم تقليد أئمتها وتحريم الاجتهاد على غيرهم، مجرد تحكّم وتطرف وتعصب لاغير!، فلو عقل أتباع هذه المذاهب حقيقة أئمتهم، ووعوا تصريحاتهم الدالّة بوضوح على عدم الالتزام بالرجوع إليهم وأخذ قولهم فقط، لما تفوهوا بهذا الكلام.
فها هو أبو حنيفة يقول: " هذا رأي النعمان بن ثابت ـ يعني نفسه ـ وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب "(2).
وقيل لأبي حنيفة: " إذا قلت قولاً وكتاب الله يخالفه؟ قال: أتركوا قولي
بكتاب الله، فقيل: إذا كان خبر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال: أتركوا قولي لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: أتركوا قولي لقول الصحابة"(1).
وهذا مالك بن أنس ينهى عن تقليده بهذا الشكل الأعمى، فقد روي عن مالك أنّه قال: " إنّما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ماوافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق فاتركوه "، وروي مثله عنه أحمد بن مروان المالكي(2).
كما أنّ الشافعي يلمح إلى عدم الالتزام بكل ما جاء عنه لخفاء جملة من العلوم عليه، فقد روي قوله عن أحمد بن حنبل أنّه قال: " أنتم أعلم بالأخبار الصحيحة منّا، فإذا كان خبر صحيح فأعلمني حتى أذهب إليه "(3)، وقال: " كل ما قلت لكم، لم تشهد عليه عقولكم وتقبله وتراه حقّاً، فلا تقبلوه، فإنّ العقل مضطر إلى قبول الحقّ "(4).
وأمّا أحمد بن حنبل فقد اشتهر عنه أنّه من المخالفين للتقليد، فكان يقول: "من قلّة فقه الرجل أن يقلّد دينه الرجال "(5).
يقول الأخ رمضاني: " وبعد الوقوف على حياة كل إمام من أئمة المذاهب
1) أنظر: النصائح الكافية لابن عقيل: 38، مجموعة الرسائل المنبرية: 3 / 105.
2) أنظر: تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث 171): 327.
3) أنظر: البداية والنهاية لابن كثير: 10 / 236، مجموعة الرسائل المنبرية: 3 / 99، حجّة الله البالغة للدهلوي: 1 / 275، سير أعلام النبلاء للذهبي: 11 / 213.
4) أنظر: آداب الشافعي ومناقبه: 92.
5) أنظر: أعلام الموقعين لابن قيّم: 2 / 182، جلائل العينين للآلوسي: 199.
الأربعة وجدت أنّهم قد أخذوا بشكل أو بآخر عن الإمام الصادق(عليه السلام)(1)، فقرّرت الإطلاع على حياته.
وبالفعل قرأت بعض كتب التراجم لأهل العامة، فوجدت ـ مع شديد الأسف ـ أنّ ترجمة هذه الشخصية ترجمة مختصرة أو مبتورة، بل أنّ البعض تجاوزه ولم يفرد له حقلاً أو عنواناً يذكر!.
وطلبت تراجمه في كتب بقية الفرق، فوقعت بيدي كتب الإمامية تتحدّث عنه وعن علومه وسلوكه و...، فوجدت أنّ هذه الشخصية المهيبة قد استمدت علومها عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّها ما حادت قيد شعرة عن الكتاب أو السنة، بل أكثر من ذلك وجدت أنّ فقه الإمام الصادق(عليه السلام) وعقائده ونهجه هو الأكمل والأشمل، بل الأنقى والأرقى، لكن عتم على هذه الشخصية كما عتموا على آبائه من قبل!.
ولهذا قرّرت ـ بحمد الله ـ ترك فقه الرجال والاغتراف من ينبوع الرسالة الصافي من أهل البيت(عليهم السلام)، فوفقني الله تعالى للالتحاق بركبهم والسير في هديهم، فأعلنت عن استبصاري في مدينة " مومباسا " الكينية عام 1989م ".
1) أنظر: حلية الأولياء لأبي نعيم (ترجمة الإمام الصادق (عليه السلام)): 3 / 325.
الصورة
ولد عام 1973م بمدينة " دار السلام " في تنزانيا(1)، ونشأ في أُسرة تعتنق المذهب الشافعي، ثم واصل دراسته الأكاديمية حتى نال الشهادة الثانوية.
شاءت الأقدار الإلهية أن ينطلق الأخ سالم نحو البحث الموضوعي فيبلور لنفسه معتقداً مبتنياً على الأدلة والبراهين، ويتحرّر من التقليد الأعمى الذي فرضته عليه الأجواء الفكرية التي تحيطه، فأسفر بحثه عن الوصول إلى نتائج دفعته لاعتناق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) عام 1992م بمدينة " عروشة " التنزانية.
كان بداية انطلاقته عام 1991م من خلال دراسته مادة التربية الدينية في الثانوية، فكان ممن يتفاعل مع هذه المادة الدراسية ويهتم بها، وممن لم يعبأ بالشبهات التي تلقى بالنسبة إلى هذه المادة، فإنّ البعض يدعي أنّ جملة من دروس مادة التربية الدينية لها صلة بالأحداث التاريخية التي جرت في صدر الإسلام، وفيها إشارة إلى الصراعات والاختلافات التي جرت بين الصحابة،
1) تنزانيا: أنظر ترجمة رقم {8}.
والحروب التي وقعت فيما بينهم بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّ هذه الأمور قضايا تاريخية قد مضى زمنها، ولاينفعنا البحث حولها في حياتنا المعاصرة، ولا جدوى في بذل الجهد لدراستها، ولابد من الاهتمام بالأمور التي تنفع واقعنا المعاصر فحسب.
ولكن الباحث الواعي يجد أنّ هذه الشبهة هي مجرّد محاولة لإبعاد المسلم عن مصدره التشريعي، لأنّ المسائل التاريخية لها بُعدان، بُعد تاريخي مضى عصره والآخر بُعد ديني باق أثره إلى يومنا هذا، وعلى المسلم المهتم بدينه أن يغربل التاريخ ويبذل قصارى جهده لمعرفة الحقيقة في ذلك.
فتاريخ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والأحداث التي جرت بعد وفاته تمثل المنهج الديني والتشريعي للمسلم في معرفته للإسلام الصحيح، الذي لم تتلاعب به أيدي المغرضين، ومالم يعرف المسلم واقع الاختلافات التي جرت بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنه سوف يجهل الدين الصحيح الذي جاء به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد يتبع أهل البدع والأهواء وهو يظنّ أنّه على سنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
وممّا لاشك فيه أنّ أعظم خلاف وقع بين الأُمة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو اختلافها في الإمامة، لأنّها تمثّل حفظ وصيانة الإسلام من التلاعب والتغيير، إذ مع غيابها تفتقد الساحة الإسلامية من يصون مبادءها، فيكون الدين لعبة بأيدي أُناس يؤوّلون النصوص على ضوء المصالح التي يرتؤونها لأنفسهم، وبذلك تستأجر السلطات الجائرة بعض وعاظ السلاطين لتأويل النصوص التشريعية على مرامهم، ليحمّلوا الألفاظ ما لاتطيق ويصرفونها عن مفادها ومغزاها طمعاً منهم في حطام الدنيا.
لابد لكل مسلم من قراءة الأحداث التاريخية المرتبطة بالشؤون العقائدية بكل دقة وإمعان ليكون على بصيرة من دينه!.
والطريق شائك، واجتيازه مجهد، لأنّ الانحراف الذي تواصل أربعة عشر قرناً من الصعب إصلاحة في بضع سنين، والأمر يستدعي من الباحث الذي يقصد معرفة الحقّ أن يغوص فيه بروح بنّاءة ونفس موضوعية ويتناول الأبحاث بعقلية واعية.
وهذا الأمر لايحصل إلاّ للقلة التي تصمّم مواصلة السير مهما كلّفها الأمر، لأنّ الإشكالية الأساسية التي تعاني منها البشرية المعاصرة، هي حالة الفراغ العقائدي والخواء الروحي لابتعادها عن التتبع والبحث والمطالعة.
فنجد معظم الناس اكتفوا بإتباع نهج الآباء في العقائد، ولم يتعبوا أنفسهم في هذا المجال، ممّا أدى بهم إلى التخبّط على الصعيد الفكري والعقائدي، لأنّهم بإتباعهم الأعمى لنهج السلف أصبحوا يعيشون حالة الخواء، فافتقدوا المتانة الذاتية في نفوسهم للصمود أمام الشبهات والتيارات المعاكسة، فأصبحوا أتباع كل ناعق وأتباع كل من له القدرة على خداعهم والتلاعب بمشاعرهم، ولهذا آل أمرهم إلى الانحدار المريع، فأصبحوا لايمتلكون المستوى الفكري الذي يحصّنون به أنفسهم إزاء التيارات الفكرية التي تعصف بين الحين والآخر لتحقق مصالحها وتصل إلى مآربها.
ولكن مع ذلك فإنّ الباري عزّوجلّ لايترك عباده سداً، بل يتمّ عليهم حجّته ويريهم آياته لعلّهم يبصرون، فمن هذه النماذج كان الأخ سالم، إذ شاءت الأقدار الإلهية أن ترشده إلى الحقّ وهو يعيش في أجواء تحيطها غيوم العصبية
وأقلام التحريف.
يقول الأخ سالم: " في إحدى سنوات الدراسة الثانوية تولّى تدريسنا أستاذ في مادة التربية الدينية كان يختلف عن باقي الأساتذة، لأنّه كان يكثر من الاستشهاد بأقوال محمّد بن عليّ الباقر، وجعفر بن محمّد الصادق، وكانت هذه الأسماء غريبة على أسماعنا ولم نألفها من قبل.
ويوماً سألت الأستاذ: من هو محمّد بن عليّ الباقر؟ ومن هو جعفر بن محمّد الصادق؟، فقام الأستاذ من مكانه وكتب على اللوحة حديث الثقلين الذي ورد فيه أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسك بالقرآن والعترة.
فسألت الأستاذ: من هم العترة؟
فقال: هم أهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين والتسعة من أولاد الحسين(عليهم السلام)، ثم عدّ أسماءهم وقال: ومحمّد بن عليّ الباقر(عليه السلام)وجعفر بن محمّد الصادق(عليهما السلام) من هؤلاء الذين أوجب الله أن نتمسك بهم.
فتعجبت من مقولة الأستاذ! فإنّه ذكر أمراً لم نسمع به من قبل!
وللتأكد من قول الأستاذ، راجعت أستاذاً آخر فسألته عن أهل البيت ووجوب التمسك بهم، فقال لي: هنالك طائفة تسمى بالشيعة الاثنى عشرية وهي تدّعي إتباع أهل البيت، ولكنّهم وإن كانوا مسلمين فهم يعتقدون بأمور تستوجب القول بكفرهم!.
فتعجبت من قول هذا الأستاذ! وبقيت في حيرة وتردّد، وعرفت أنّ الأمر يتطلب مني البحث والمطالعة لأصل بنفسي إلى الأدلّة والبراهين فأتحرّر من الحيرة بين قول هذا وذلك.
بعد ذلك نشأ عندي المحفّز والدافع لمعرفة الشيعة والتشيع، فخصّصت فترة معيّنة في كل يوم للمطالعة في هذا المجال، وحبّذت في بدء الأمر قراءة كتبهم لأتعرّف على حقيقة أمرهم بصورة مباشرة، فكان من جملة الكتب التي قرأتها كتاب حول غدير خم مترجماً إلى اللغة الإنجليزية، فعرفت أنّ الاختلاف الأساسي بيننا وبين الشيعة هو مسألة الإمامة والخلافة، وقد بيّن مؤلف هذا الكتاب الأدلة من القرآن والسنة على ضوء مصادرنا ـ أبناء العامة ـ وثبّت بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يترك أُمته من بعده سداً، بل أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر في مواقف عديدة النصّ على خلافة عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) من بعده، وكان من أهمها يوم غدير خم.
ترك هذا الكتاب أثراً بليغاً في نفسي، فلخّصت مطالبه وعرضتها على الأستاذ الذي كفّر الشيعة، لكنه لم يستطع الوقوف بوجه الأدلّة المتينة التي ذكرتها له.
فإنّ حديث الغدير قد رواه أكثر من مائة صحابي، وهذا العدد في حدّ ذاته قليل! لأنّ السامعين لهذا الحديث كانوا مائة ألف أو يزيدون، ورواه التابعون بكثرة، وأشار إليه معظم علماء القرون المتتابعة، وهو حديث بلغ حدّ التواتر بين أوساط المسلمين ".
إنّ مجمل خبر يوم الغدير، أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا انتهى من حجّة الوداع نزل عليه في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ)(1)،
1) المائدة: 67.
وكان الأمر الإلهي هو أن يقيم (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً(عليه السلام) علماً للناس ويبلّغهم ما أنزل الله فيه، فنزل رسول الله غدير خم في الجحفة، وكان يتشعب منها طريق المدينة ومصر والشام، ووقف هناك حتى لحقه من كان بعده، وردّ من كان قدّ تقدّم، ونهى أصحابه عن سمرات متفرقات بالبطحاء أن ينزلوا تحتهن، ثم بعث اليهن فقمَّ ما تحتهن من الشوك، ونادى بالصلاة جامعة، وعمد اليهن، وظلل لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فصلى الظهر بهجير، ثم قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ وقال ماشاء الله أن يقول، ثم قال:
" ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: ألستم تعلمون ـ أو تشهدون ـ أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟
قالوا: بلى يا رسول الله.
ثم أخذ بيد عليّ بن أبي طالب بضبعيه فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطيهما، ثم قال:
أيّها الناس! الله مولاي وأنا مولاكم فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، واحبّ من أحبّه وابغض من أبغضه.
ثم قال: اللّهم أشهد "(1).
ثم لم يتفرق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ(عليه السلام) حتى نزل قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
1) أنظر: سنن ابن ماجة باب فضل عليّ (عليه السلام): 1 / 54 {116}، مسند أحمد: 4 / 281، مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 163، وقد ذكر العلامة الأميني في الجزء الأوّل من موسوعة الغدير معظم مصادر أبناء العامة في هذا المجال فراجع.
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ اْلإِسْلامَ دِيناً)(1)، وقد ذهب الكثير من علماء التفسير وأئمة الحديث وحفظة الآثار من أبناء العامة أن هذه الآية نزلت في غدير خم(2).
ثم قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي والولاية لعليّ "(3).
ثم أخذ الناس يهنئون عليّاً(عليه السلام) وكان في مقدمتهم أبو بكر وعمر، فقالا لعليّ(عليه السلام): " أمسيت يابن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة "(4).
وفي رواية قال له عمر: " بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم "(5).
1) المائدة: 3.
2) أنظر: الدر المنثور للسيوطي: 3 / 19، تاريخ بغداد للخطيب: 8 / 289 {4392}، تاريخ ابن عساكر: 42 / 237، شواهد التنزيل للحسكاني: 1 / 157 {211} 1 / 192 {249}، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1 / 17، البداية والنهاية لابن كثير (حوادث سنه 10 ه): 5 / 152، روح المعاني للآلوسي: 3 / 359، فتح القدير للشوكاني: 2 / 60، كشف الغمّة للأربلي: 94، العمدة لابن بطريق: 146 {141}، أسباب النزول للواحدي: 204 {403}، التفسير الكبير للرازي: 4 / 401، فرائد السمطين للجويني: 1 / 158 {120}، عمدة القاري للعيني: 18 / 277، ينابيع المودّة للقندوزي: 1 / 359.
3) أنظر: شواهد التنزيل للحسكاني: 1 / 157 (211 ـ 213)، البداية والنهاية لابن كثير: 5 / 152، وقد مرّ.
4) أنظر: أسد الغابة لابن الأثير: 4 / 28، تاريخ بغداد للخطيب: 8 / 289 {4392}، الصواعق المحرقة لابن حجر: 1 / 110 عن الدارقطني، مناقب الإمام عليّ لابن المغازلي: 19 {24}، تذكرة الخواص لابن الجوزي: 36، ومصادر اُخرى.
5) أنظر: تاريخ ابن عساكر: 42 / 233، مناقب عليّ لابن المغازلي: 18 {24}، المناقب للخوارزمي: 156 {183}، شواهد التنزيل للحسكاني:1 / 158 {213}، سر العالمين لابن حامد الغزالي: 453، فرائد السمطين للجويني: 1 / 77 {44}.
وفي لفظ آخر قال: " هنيئاً لك يابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة "(1).
ثم قام حسان بن ثابت في ذلك الحشد الحافل بمائة ألف أو يزيدون من المسلمين، وقال لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أئذن لي يا رسول الله أن أقول في عليّ أبياتاً، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): قل على بركة الله، فقام حسان وأنشد:
يناديهم يوم الغدير نبيّهم بخم واسمع بالرسول مناديا
فقال فمن مولاكم ونبيّكم فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
الهك مولانا وأنت نبيّنا و لم تلق منا في الولاية عاصيا
فقال له قم يا عليّ فإننّي رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه فكونوا له أتباع صدق مواليا
هناك دعى اللهم والي وليه وكن للذي عادى علياً معاديا
فلما سمع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أبياته قال: " لاتزال يا حسان مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك "(2).
قد حسم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم الغدير موضوع الخلافة والإمامة من بعده،
1) أنظر: تاريخ ابن عساكر: 42 / 222، مسند أحمد: 4 / 281، الفصول المهمة لابن الصباغ: 42، ذخائر العقبى للطبري: 67، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 596 {1016}، تفسير الكبير للفخر الرازي: 4 / 401، مشكاة المصابيح للتبريزي كتاب المناقب: 1723 {6103}، الرياض النضرة للطبري: 2 / 109 {1338}، البداية والنهاية لابن كثير: 5 / 152، كنز العمال: 13 / 134 {36420}.
2) أنظر: المناقب للخوارزمي: 156 {152}، تذكرة الخواص لابن الجوزي: 39، كفاية الطالب للكنجي: 64 باب 1، فرائد السمطين للجويني: 1 / 73 {39}، نظم درر السمطين للزرندي: 112، أسد الغابة لابن الأثير: 2 / 4.
فربط (صلى الله عليه وآله وسلم) ولاية الناس لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بولايته، وربط ولايته بالولاية الله عزّوجلّ، كما شاءت الإرادة الإلهية.
وتبييناً لأهمية أمر الولاية لعليّ(عليه السلام) أضيف إلى واقعة الغدير أمراً معجزاً آخر، وذلك بتخصّيص آية قرآنية في هذا المجال!.
فقد جاء مثبتاً في كتب التفسير والحديث أنّه لمّا شاع خبر الغدير في الأقطار والأمصار وبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري، أتى على ناقة له إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فنزل من ناقته فأناخها، وقال:
" يا محمّد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله فقبلناه، وأمرتنا أن نصلي خمساً فقبلناه منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا، وأمرتنا أن نصوم شهراً فقبلنا، وأمرتنا بالحج فقبلنا، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضّلته علينا، وقلت: من كنت مولاه فعليّ مولاه، فهذا شي منك أم من الله؟
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): والذي لا إله إلاّ هو إنّ هذا من الله.
فولّى الحارث بن النعمان يريد راحلته، وهو يقول: اللّهم إنْ كان ما يقول محمّد حقّاً: فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتى رماه الله تعالى بحجر، فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله، وأنزل الله عزّوجلّ: (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذاب واقِع... )(1)الآيات "(2).
1) سورة المعارج.
2) أنظر: تفسير الكشف والبيان للثعلبي: 10 / 34، سورة المعارج، شواهد التنزيل للحسكاني: 2 / 287 (1031 ـ 1034)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 18 / 181، تذكرة الخواص لابن الجوزي: 37، فرائد السمطين للجويني: 1 / 82 {63}، نظم درر السمطين للزرندي: 93، الفصول المهمة لابن الصباغ: 42، السيرة الحلبية للحلبي: 3 / 337، نور الابصار للشبلنجي: 119، فيض القدير للمناوي: 6 / 218، وغيرها.
ولا غرابة في موقف الحارث هذا، لأن الرفض الاجتماعي لهذا الأمر الإلهي قد أشار إليه الباري حينما أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بتنصيب الإمام عليّ(عليه السلام)بقوله تعالى: (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ)(1)، فانّ الجوّ السائد كان أنذاك هو سيادة قريش على القبائل الأخرى، وكما هو واضح أنّ قلوب قريش كانت ترفض خلافة عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، لقتله كبارهم في حرب بدر وأحد وغيرها، ولدوره الكبير في كسر شوكتهم في حرب الأحزاب.
والأمر الآخر هو أنّ كل قبيلة كانت تبعاً لرئيسها، فلم يكن لأحد مجال لإبداء الرأي، وكان الإذعان من قبل رؤساء القبائل بكون الخلافة بالنصّ يسدّ الباب بوجوههم ويحرمهم من الزعامة في المستقبل، فلهذا اتفقت كلمتهم على أن لا تكون الخلافة بالنصّ ليكون لهم حصّة فيها فيما بعد.
كان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم بما تنطوي عليه نفوس المعارضين لخلافة عليّ(عليه السلام)، ولهذا حاول في يوم الغدير أن لايترك مجالا لمن في قلوبهم مرضٌ فيؤولوا الحديث حسب أهوائهم، ولاسيما في كلمة (المولى) التي تشتمل على معان متعدّدة: من قبيل المحبّ والناصر وغير ذلك.
فأورد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) القرينة في كلامه ليحدّد المعنى الذي يقصده من هذه الكلمة، فقال: " ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم "، فلما شهدوا له بذلك، قال: " من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه "، ليثبت أنّ عليّاً(عليه السلام) أولى بالتصرف في أُمور الناس من بعده.
1) المائدة: 67.
وقد فهم الصحابة ذلك من دون تكلّف وعناء، فأسرعوا يسلمون عليه بأمرة المؤمنين، وأقرّوا بذلك جميعاً!.
وورد أنّه قيل لعمر: " إنّك تصنع بعليّ شيئا لا تصنعه بأحد من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: إنّه مولاي "(1)، وروي أيضاً أنّه قال: " هذا مولاي ومولى كلّ مؤمن، ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن "(2).
وبهذا هدى الله الأُمة إلى الحقّ، ثم جعلهم بين أمرين إمّا شاكراً وإمّا كفورا، وقد قال الله عزّوجلّ لرسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) من قبل: (إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر)(3)، فكان هذا الأمر إختباراً إلهياً لهذه الأُمة لكنها فشلت فيه فتفرّقت واختلفت وقد أنبأ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك من قبل وحذرهم من الاختلاف(4).
قد أفصح الغزالي عن الحقيقة عند ذكره خبر غدير خم في كتابه " سر العالمين "، فقال في المقالة الرابعة مالفظه:
" وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم غدير خم باتفاق الجميع، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: " من كنت مولاه فعليّ مولاه "، فقال عمر: بخ بخ لك يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كل مولى.
فهذا تسليم ورضى وتحكيم، ثم بعد هذا غلب الهوى بحبّ الرياسة، وحمل
عمود الخلافة وعقود النبوّة، وخفقان الهوى في قعقعة الرايات وإشتباك ازدحام الخيول وفتح الأمصار، وسقاهم كأس الهوى، فعادوا إلى الخلاف الأوّل، فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلا "(1).
ومن خلال هذه النتائج تجلّت للأخ سالم هذه الحقيقة التاريخية المهمة التي لم يكن يعلمها من قبل.
فيقول الأخ سالم: " حينما تبيّنت لي هذه الحقائق بالأدلّة والبراهين القاطعة، ذهبت إلى زملائي والسعادة تملأ قلبي لأني سأبث البشرى لهم وأدلّهم على طريق الحقّ.
ولكن بكل أسى جاءت ردود فعلهم قاسية جدّاً، فهجرني بعضهم كما أنّ أستاذي الذي كان يكره الشيعة نهرني ولم يسمح لي بالحوار والتفاهم معه، فتألمت لتعامله الغليظ كثيراً، ولم يكن حزني لحرماني من الاتصال به، بل كان لإعراضه عن الأدلّة والبراهين، ولسلوكه السلبي وهو في موقع التربية والتدريس في الثانوية ".
لكن هذا الأمر لم يثن الأخ سالم عن عزمه، لأنّه بدأ يشعر بالحرّية والاستقلال والثقة بالنفس، ولم يكن كالسابق تبع لهذا وذاك، بل أصبح يمتلك الدليل والبرهان الذي يمنحه القوّة الذاتية للصمود والتحدي أمام التيارات المعاكسة.
1) مجموعة رسائل الغزّالي (سر العالمين) المقالة الرابعة باب في ترتيب الخلافة والمملكة: 453، ونقلها قاضي القضاة الشيخ محمّد مرعي الأمين الانطاكي في كتابة لماذا اخترت مذهب الشيعة: 174، 175.
كما أنّ ارتكاز معتقداته على الاُسس المتينة جعلته غير متهيّب من صعوبة الطريق ووعورته.
فيضيف الأخ سالم: " بعد البحث والدراسة تبيّن لي أنّ جميع الافتراءات التي كانت تلقى بين أوساطنا على الشيعة هي كذب وبهتان وافتراء، بل أنّ بعض كبارنا كانوا يتعمدون في ذلك ليحجبونا ولينشؤوا أمامنا حاجزاً من النفور والإشمئزاز بيننا وبين أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ".
ويقول الأخ سالم أيضاً: " إنني أعتقد أنّ للبيئة تأثيراً كبيراً في بلورة معتقدات الإنسان، ولكن كل فرد يستطيع عبر البحث والدراسات أن يوفّر لنفسه أجواءاً مناسبة ترشده إلى الحقّ، فيعيش فيها ويحافظ على أفكاره الصحيحة، ولاعذر لأحد أن يدّعي عدم الاستطاعة في هذا المجال، بل كل فرد عليه أن يصل إلى معتقده بالأدلّة والبراهين، وهو أمر يتطلّب منه الجهد والمثابرة، وقد قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا)(1).
1) العنكبوت: 69.
الصورة
ولد عام 1960م بمدينة " ديره غازنجان " الباكستانية(1)، من أسرة تنتمي إلى الفرقة البريلوية الصوفية(2)، واصل دراسته الأكاديمية حتى حصل على شهادة الليسانس في العلوم الاجتماعية.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1985م في بلاده، على اثر مناقشات ومحاورات جرت بينه وبين والده الذي كان مستبصراً من قبل، ومطالعة عدداً من كتب الشيعية.
كانت معرفة الأستاذ سجاد للتشيع معرفة سطحية، وتعمقت هذه المعرفة
1) باكستان: تقع في وسط آسيا وتطل على المحيط الهندي، تحيط بها الهند وأفغانستان وايران، يبلغ عدد سكانها أكثر من {156} مليون نسمة، يشكل المسلمون نسبة 98، والباقي من الهندوس والمسيح والبوذيين، أغلب المسلمين من أتباع المذهب الحنفي، أمّا الشيعة فيشكلون نسبة الربع تقريباً من السكان.
2) البريلوية: فرقة صوفية معاصرة نشأت في شبه القارة الهندية الباكستانية وفي مدينة بريلي الهندية بالذات، ومؤسسها أحمد رضا خان تلميذ الميرزا قادر بيك، وتصنف هذه الفرقة من حيث الأصل ضمن المذهب الحنفي.
على أثر خلاف نشب بين أبيه الذي اعتنق التشيع وجدّه الذي عارضه بشدة!.
ويروي الأستاذ سجاد ذلك قائلاً: " عندما تشيع والدي كان عمري عشرين عاماً وقد حدث من جرّاء ذلك خلاف بينه وبين جدّي، واشتد بينهما النزاع حتى هجره جديّ رغم الأساليب والمحاورات الهادئة التي اتبعها أبي معه.
والحقيقة أنّ جدّي لم يكن بوسعه مجاراة أبي الذي سدّ عليه الطرق بالأدلّة والبراهين النقلية والعقلية، لكن الموروث الفكري الذي كان يحمله جدّي جعله يقف ذلك الموقف!
ولم يكن موقفي تجاه أبي لضيق آفاق رؤيتي آنذاك أقل من موقف جدّي، فقد قاطعت أبي ولجأت إلى بيت جدّي حتى مضت خمس سنوات، هذا وكان أبي يحاول اختراق جدار الهجران حتى تمكّن من إقناعي وإرجاعي والعيش معه.
بعد عودتي حاولت دراسة الحالة التي يعيشها أبي، فوجدت انتقاله إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لم يكن مجرد صدفة أو نزوة، بل كان تحوّله وفق منهجية مدروسة قائمة على أسس متينة، فإنّه بحث طيلة خمسة عشر عاماً بصورة متواصلة حتى توصّل إلى هذه النتيجة، فإطلع خلالها على مختلف الكتب وتحاور فيها مع العديد من الشخصيات.
وبعد عودة الصلة بيني وبين أبي، دخلت معه مرّة أخرى في مناظرات عديدة ولكن باسلوب هادىء، فكان أبي يوصيني بالرؤية المجردة عن خلفيات الأهواء والأغراض في البحث عن الحقيقة، وعدم التقليد في مجال أصول الدين، وشجّعني على سلوك النهج الموضوعي في تبنّي المواقف، لأنّ المسؤولية كبيرة أمام الله سبحانه وتعالى، حتى أنّي أتذكّر يوماً أنّه قال لي: نحن عندما نبادر إلى شراء شئ صغير، فإنّنا نستفسر عنه بدّقة، فما بالنا نتساهل في أمر عظيم يتحكّم
بعاقبة أمرنا!.
وكان يؤكد لي بقوله: بنيّ سل عن دينك كي تبرء ذمتك!، وكان يرشدني لقراءة بعض الكتب ويوصيني بالتمعن والتأمل في مضامينها، وأن أستفسر عما كان غامضاً فيها.
عصمة أئمة أهل البيت(عليهم السلام):
إنّ العصمة في الحقيقة ضابط يؤدّي إلى حفظ شريعة الله تعالى نظرياً، وصيانتها من العبث تطبيقياً، وكما قال الإمام الصادق(عليه السلام) في تبيينه لمعنى المعصوم: " هو الممتنع بالله من جميع محارم الله، وقال الله تبارك وتعالى: (... وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراط مُسْتَقِيم)(1)"(2).
فهي حالة معنوية توجد بفضل الله سبحانه وتعالى، وطالما كانت هذه الحالة بفضله ومنّه ولطفه، فلابد من وجود دليل ـ يكشف عن وجودها في المعصوم ـ من قبله جلّ وعلا، ولذا لاتقبل دعوى العصمة من أي أحد كان.
وليست العصمة فكرة إبتدعتها الشيعة، وإنّما هي حقيقه دلّ عليها ـ في حق العترة الطاهرة ـ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فهي عقيدة إسلامية صرفة، مؤكدة في مصادر التشريع.
ولايمكن تصور خلافة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بدون العصمة، لأنّ للخلافة دوراً
أساسياً في حفظ الشريعة من الضياع، فلو كان المتكفل بهذه المسؤولية لاترعاه الألطاف الإلهية، فإنّه سيفشل حتماً في أداء هذه المهمة ولا يمكنه إيصال الأمانة الإلهية من دون أي نقص للأمة.
ولهذا نجد نصوص كثيرة أثبتت العصمة التامة لمن يقوم مقام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ويسدّ الفراغات التي تركها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، من قبيل تفسير الكتاب وشرح مقاصده، وكشف أسراره وتبيين أحكام الموضوعات، وصيانة الدين من التحريف.
ذهب بعض كبار أبناء العامة إلى تبني مسألة عصمة أولى الأمر، لكنّهم أنكروا على الشيعة القول بها! ومن هؤلاء:
1 ـ الفخر الرازي، الذي قال في تفسيره: " إنّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع، لابد وأن يكون معصوماً عن الخطأ... فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعته أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أولي الأمر المذكور في هذه الآية لابد وأن يكون معصوماً "(1).
ومما يثير الاستغراب أنّ الرازي لم يستثمر أي نتيجة من هذه الحقيقة، بل أخذ يتأول ويحمّل الآية خلاف ما أثبته، بذريعة عجزه عن معرفة الإمام المعصوم والوصول إليه!.
1) التفسير الكبير: 10 / 144.
ويا ترى هل أنّ العجز الذي ذهب إليه الرازي يختص بزمانه، أم كان شاملا حتى لزمان نزول الآية!!.
وكان ينبغي له أن يتعرّف على المعصوم في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعصر نزول الآية، وبالتعرّف عليه يعرف معصوم زمانه والمعصوم الذي يتلوه بعده، إذ ليس من المعقول أن يأمر الوحي الإلهي بطاعة معصوم لاتوجد له مصداقية في الواقع الخارجي حين النزول، أو بعد ذلك.
كما لا معنى لتفسير الفخر الرازي ل (أولي الأمر) بأهل الحلّ والعقد الذين يجوز عليهم الخطأ، لأنّ الخطأ إذا جاز على الأفراد فإنّه سيجوز على المجموع، لأنّ المجموع ليس إلاّ ضم فرد لفرد آخر.
2 ـ ابن تيمية، وذلك في معرض ردّه على الشيعة عندما قالوا كلاماً مفاده: " إنّ وجود المعصوم لابد منه بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والدليل هو أنّ الأحكام تتجدد تبعاً للموضوعات، والأحوال تتغير، وأنّ للقضاء على الاختلاف في تفاسير القرآن الكريم وفي فهم الأحاديث وغير ذلك لابد من وجود معصوم في كل زمان لحل الخلاف والنزاع وتبيين معاني القرآن وشرح مقاصده لينوب عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ".
فأجاب ابن تيمية بكلام طويل ملخصة: " لا يسلّم أهل السنة أن يكون الإمام حافظاً للشرع بعد إنقطاع الوحي، لأنّ ذلك حاصل للمجموع، والشرع إذا نقله أهل التواتر كان ذلك خيراً من نقل الواحد، فالقرّاء معصومون في حفظ القرآن وتبليغه، والمحدثون معصومون في حفظ الأحاديث وتبليغها، والفقهاء معصومون في الكلام والاستدلال "(1).
1) أنظر: منهاج السنّة لابن تيمية: 6 / 407 ـ 461.
فابن تيمية يرى العصمة لجماعة من الأمّة لضمان حفظ الشريعة!، في حين يذهب غيره إلى عصمة جميع الأمّة مستنداً إلى ما قيل أنّه ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): " لاتجتمع أمتي على خطأ ".
وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يستكثر ابن تيمية العصمة على عدد معين من الأمّة؟! وهم أربعة عشر خصهم الله تعالى بفضل دون غيرهم لمّا علم منهم الوفاء بعهده.
روي أنّه: " حضر الرضا(عليه السلام) مجلس المأمون بمرو، وقد اجتمع في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق وخراسان، فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا... )(1)؟
فقالت العلماء: أراد الله تعالى بذلك الأمة كلّها.
فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن؟
فقال الرضا(عليه السلام): لا أقول كما قالوا، ولكني أقول: أراد الله عزّوجلّ بذلك العترة الطاهرة.
فقال المأمون: وكيف عني العترة من دون الأمة؟
فقال له الرضا(عليه السلام): انّه لو أراد الأمّة لكانت أجمعها في الجنّة، لقول الله تعالى: (... فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)(2)، ثم جمعهم كلّهم في الجنّة، فقال عزّوجلّ: (جَنّاتُ عَدْن
يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَب...)(1)، فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم.
فقال المأمون: من العترة الطاهرة؟
فقال الرضا(عليه السلام): الذين وصفهم الله تعالى في كتابه فقال عزّوجلّ: (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(2)، وهم الذين قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إني مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، أيّها الناس: لا تعلموهم فإنّهم أعلم منكم "(3).
قد أجمع الشيعة على اعتبار العصمة في الإمام، وأكّدوا على تحقّق هذا الشرط الأساسي في صلاحية من يحرز منصب الخلافة الحقيقية للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لنصوص دلّت على هذا الأمر وأشارت إلى أنّه تعالى عصم هؤلاء، من أجل أن يكونوا مؤهلين لتولي هذا المقام الخطير والحسّاس للغاية.
والحقيقة أنّ مسألة العصمة ضرورة عقلية لاسبيل لإنكارها، لاسيما إذا كنّا نطمح لارتقاء الأمّة إلى أعلى المستويات، وأنّها من ميزات العقيدة الشيعية التي هي العقيدة الإسلامية الأصيلة المنسجمة مع الفطرة.
وإن دلت هذه العقيدة على شئ فإنّما تدلّ على نضج فكر هذه الطائفة
لاستيعاب هذه الحقيقة الإسلامية، لأن الإسلام نظر لأهمّية الإمامة فلم يجعلها في إنسان لا يليق بها، بل جعلها للمعصوم، فإنّ عدم عصمة الإمام يؤدّي إلى ابتلاء الرسالة بعدة ابتلاءات، منها عدم فهم الناس للرسالة بصورة صحيحة وبالتالي الوقوع في التأويلات الخاطئة.
وقد أثبتت الروايات أنّ الإمام يولد معصوماً، وأنّ الله تعالى لعلمه بهذا المولود الذي اصطفاه من قبل يصونه ويطهّره منذ ولادته، لأنّ الناس ـ ولاسيما الخصوم منهم ـ لايمكن أن ينسوا الأمور السلبية لداعية قد قضى شطراً من حياته في الانحراف.
إنّ من جملة الآيات القرآنية الكريمة الدالة على عصمة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته الميامين(عليهم السلام)، ونفي السهو والشك والخطأ عنهم بشكل عام ومطلق، هي:
1 ـ قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ)(1).
وهي دالّة على وجوب متابعة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في أفعاله وأقواله، فلو جاز عليه الخطأ والنسيان، لوجبت متابعته فيه، وهو باطل، لأنّ معنى جواز سهو النبيّ أو خطأهُ، هو أنّه تعالى قد أمر الناس بارتكاب الخطأ المحتمل صدوره من النبيّ، وحاشا لله عزّوجلّ بأن يأمر بمتابعة الخطأ.
2 ـ قوله تعالى: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الاْخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً)(2).
وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب الاقتداء بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على
الإطلاق، فيكون فعله حجّة على الجواز، وتركه حجّة على نفي الوجوب.
3 ـ قوله تعالى: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى)(1).
وفي هذه الآية إشارة صريحة ودلالة تامّة على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ينطق عن الوحي الإلهي، ولزوم ذلك استحالة الخطأ عليه مطلقاً، وبالتالي وجوب إتباعه والأخذ عنه في الأقوال والأفعال، وعلى هذا يكون أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بوجوب إتباع أهل البيت(عليهم السلام) والتمسّك بهم دليلاً على عصمتهم.
4 ـ قوله تعالى: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(2).
وهي دالّة على وجوب التسليم والانقياد لأقواله وأفعاله (صلى الله عليه وآله وسلم) على وجه العموم والإطلاق، فلو جاز السهو عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) لاحتمل ذلك في جميع أفعاله وأقواله، وبالتالي تسقط حجّية أقواله وأفعاله، وهذا الأمر مردودٌ من خلال هذه الآية.
5 ـ قوله تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(3).
إنّ دلالة هذه الآية، وموقف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من الذين أنزلت فيهم، تبيّن بشكل واضح عصمة العترة الطاهرة(عليهم السلام).
فقد ورد أنّ المراد من أهل البيت(عليهم السلام)، هم: رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، وسيدة النساء فاطمة (عليها السلام)، وسيدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين(عليهما السلام)، والأئمة المنصوص عليهم صلوات الله عليهم أجمعين.
ووردت من الفريقين روايات صحيحة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تصرّح بذكر أسماء
أهل البيت(عليهم السلام)(1)، كما جاء في الصحيحين عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): " أنّ الأئمة إثنا عشر كلهم من قريش "(2).
ولو يمعن الباحث النظر في مفردات هذه الآية المباركة، يجد أنّ ما ذهبنا إليه هو الصحيح في تفسيرها:
ف (إِنَّمَا) تفيد الحصر والتوكيد ; و (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) فيها اشارة إلى إذهاب القذر المعنوي بكل أشكاله، وتنزيههم عن النقائص، وكل ما هو منفّر ; وأمّا (أَهْلَ الْبَيْتِ) فهم أصحاب الكساء: رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) ; وأمّا (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) فالطهارة: هي النزاهة والنظافة، وقد جاءت هنا تأكيداً لمعنى إذهاب الرجس عنهم (عليهم السلام)، والطهارة هنا استعارة بدل العصمة، كما كان لفظ الرجس بدل الذنوب.
والمتتبع للسنة المطهرة ـ في آثار الفريقين ـ يجد أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يدع مجالا لأي قائل يتقوّل في هذه الآية الشريفة، انطلاقاً من مسؤوليته العظمى في بيان ما كان غامضاً على الصحابة من القرآن الكريم، فبيّن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من هم أهل البيت(عليهم السلام).
فهم الذين بيّنهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الكساء المشهور عند الفريقين(3)
1) أنظر: ينابيع المودة للقندوزي: 3 / 281، فرائد السمطين للجويني: 2 / 132 {432}، غاية المرام للبحراني: 3 / 193.
2) أنظر: صحيح البخاري، باب الاستخلاف: 6 / 2640 {6796}، صحيح مسلم: 3 / 1452 {1821}.
3) أنظر مسند أحمد: 4 / 107، صحيح مسلم: 4 / 1883 {2424}، مجمع الزوائد للهيثمي: 7 / 91 مستدرك الحاكم: 2 / 451 {3558}، الفصول المهمة لابن الصبّاغ: 23، الصواعق المحرقة لابن حجر: 2 / 421 ـ 428، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1 / 379، الدر المنثور للسيوطي: 5 / 198 ـ 199، السنن الكبرى للبيهقي: 2 / 212 {2858}.
والمعترف به عند المخالف والمؤالف.
والجدير بالذكر أنّ رواة حديث الكساء من الصحابة هم أكثر من خمسين صحابياً، ومن التابعين أضعاف هذا العدد، كما أنّ من رواته إثنتين من نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أم سلمة وعائشة.
وقد ذكر الطبري أربعة عشر طريقاً له في تفسيره (جامع البيان)، كلّها تؤكّد نزول الآية في هؤلاء الخمسة (عليهم السلام).
فروى بسنده عن (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج للصلاة، فيقول: " الصلاة أهل البيت (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) "(1).
وزاد ابن كثير على طرق الطبري ـ بعد نقل عشرة منها في تفسيره ـ تسعة طرق كلّها تؤكد ذلك(2).
أمّا النصوص النبوية الدالة على عصمة أهل البيت(عليهم السلام) فكثيرة، أشهرها حديث الثقلين، وحديث السفينة، وحديث الأمان.
فحديث الثقلين ـ على سبيل المثال ـ متسالم على صحته عند المسلمين، حتى عُدّ من الأحاديث المتواترة المنقولة في كتب التاريخ والتفسير والحديث.
فقول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " علت شهرته الآفاق.
ويقول ابن حجر الهيتمي في خصوص العلّة التي من أجلها سمّى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)القرآن والعترة بالثقلين: " لأنّ الثقل كل نفيس خطير مصون، وهذان كذلك، إذ كل منهما معدن للعلوم اللّدنّية والأسرار والحكم العلّية، والأحكام الشرعية، ولذا حث (صلى الله عليه وآله وسلم) على الاقتداء والتمسك بهم، والتعلم منهم، وقال: "الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت "، وقيل: سمّيا ثقلين لثقل وجوب رعاية حقوقهما "(1).
وقال الزمخشري: " نفي الضلال عن التمسك بهما، دلالة على أنّهما على الحقّ دائماً، وإلاّ لما نُفي: فإنّ (لن) تفيد تأبيد النفي كما هو واضح لمن تتبّع استعمالات هذه الكلمة في كلام العرب، وكما صرّح به أهل الخبرة والتتبع منهم"(2).
وعلى هذا نقول: لو حدث أن ضللنا باتباعهما، ولو بمصداق واحد لما كان كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) صحيحاً وصادقاً، لإطلاق الكلام وهو في مقام الهداية والبيان.
كما أنّ المفهوم من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي "، أنّ الضلال يصدق على من لم يتمسك بهما معاً، فلابد لكل مكلّف من الاقتداء بهما، لأنّهما عروة واحدة لايمكن التفكيك بين حلقاتها المتماسكة، خصوصاً وأنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم اللسان الناطق والترجمان الحقيقي لكتاب الله، ومن غير الممكن فهم الكتاب بما فيه من المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ إلاّ عن طريقهم(عليهم السلام).
وهم أناس لا يمسّهم الباطل ككتاب الله الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه المعصوم بإجماع المسلمين، وهم عدل الكتاب لهم ماللكتاب من
صفات ومزايا وأبرزها العصمة، ولهذا كانوا مع القرآن والقرآن معهم، ولذلك كانت المخالفة غير متحققة منهم في جميع أدوار حياتهم أبداً، لا عمداً ولا سهواً.
يقول الأستاذ سجّاد: " بعد اطلاعي وإلمامي بهذه الأدلة، وبعد أنّ تجلّت لي حقيقة الأمر، لم أجد مايعيقني عن إعلان استبصاري سوى الصراع النفسي الذين كان يراودني ويدفعني عن الخضوع للحقائق العقائدية التي تجلّت لي بوضوح.
فواجهت مشقة كبيرة في ترك معتقداتي السابقة التي كنت مغرّراً بها طيلة فترة حياتي، واستمرت هذه الحالة خمسة أشهر، واصلت فيها البحث والمطالعة علّني أجد ما أتشبّث به للتخلص من هذه الأزمة النفسية التي سلبت مني الاستقرار، فلم أجد سوى أدلّة جديدة أضافت إلى ما توصّلت إليه قوّة ومتانة!.
وبعد انهيار مرتكزاتي العقائدية السابقة توجّهت إلى الله سبحانه وتعالى ليفتح لي أبواب الهداية ويرشدني لما فيه صلاح أمري، وفعلاً في يوم من الأيّام حيث كنت متوجهاً إلى ربّي لأشكو إليه ماألمّ بحالي، إذ دمعت عيناي وأصابتني قشعريرة هزّت كياني من الأعماق، فهيمنت عليَّ نفحات قدسيّة منحتني القوّة والعزيمة والرؤيا الواضحة لتحديد المصير، فاخترت طريق الحقّ، وطوّعت نفسي لكل ما أواجه في هذا السبيل من تعيير أو استهزاء أو محاربة، فعندها شعرت باستقرار واطمئنان نفسي أحسست به في أعماقي، وأدركت أنني أمتلك الأسس والركائز المتينة التي أتمكّن بها من الحفاظ على ثبات كياني إزاء التيارات الفكرية المعاكسة ".
ومن ذلك الموقف ركب الأستاذ سجاد سفينة النجاة المتمثلة بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) وأعلن استبصاره عام 1985م في بلده باكستان.
الصورة
ولد عام 1969م بمدينة " تامالي " في غانا(1)، تلقى الدروس الأكاديمية حتى نال شهادة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية.
أمضى شطراً من حياته متمسكاً بالمذهب المالكي تبعاً لنهج آبائه ومما شاةً مع البيئة التي كانت تحيطه، وكان مبلّغاً لمذهبه عبر إلقاء المحاضرات في المساجد والمراكز الإسلامية العامة.
تفتّحت رؤيته وبصيرته فاستبصر واعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1993م بمدينة " جينجا " في أوغندا، عن طريق البحث والمطالعة والاطلاع على آفاق رحبة من العلوم والمعارف الدينية.
يقول الأخ سعيد: " كنت كثير السفر حيث سافرت إلى معظم البلدان
1) غانا: تقع في غرب افريقيا وتطل على المحيط الأطلسي، تحيط بها توغو وبوركينا فاسو وساحل العاج، يبلغ عدد سكانها قرابة {22} مليون نسمة، يشكل المسلمون النسبة الأكبر في التعداد حيث تبلغ 40، والمسيحية 22، أمّا الباقي فمن الديانات الأخرى، أمّا الشيعة فعددهم يبلغ قرابة المليون شخص.
الافريقية وغيرها من البلدان، فتفتّحت رؤيتي خلال هذه الأسفار وأصبحت لاأذعن بفكرة أو عقيدة إلاّ بعد الاقتناع بها عبر التتبع والبحث والاستقصاء ".
وبذلك تمكن الأخ سعيد خلال لقاءاته المتعددة بأصحاب الرؤى والأفكار المختلفة أن ينتزع من نفسه حالة التعصب والتقوقع والجمود الفكري، فأصبح ينظر إلى واقع الأمور متحرّراً من أسر المفاهيم والرؤى التي كانت مفروضة عليه من البيئة.
يقول الأخ سعيد: " كانت من جملة لقاءاتي بالشخصيات العلمية التي أجريت معهم حوارات متعددة حول العقيدة أن التقيت بأحد علماء الشيعة في دولة "غانا" فطلبت منه أن يبيّن لي حقيقة الاختلاف القائم بينهم وبين أبناء العامة.
فذكر لي أنّ أساس الاختلاف يعود إلى الأحداث التي وقعت حول خلافة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحلته ".
إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يدرك بوضوح حجم الأخطار التي تهدد مستقبل الإسلام، وعلم أنّ أمته ستختلف من بعده، وذلك لأنّ الروح القبلية كانت لا تزال مهيمنة على التفكير الاجتماعي، فاجتهد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لئلا يترك ذريعة لوقوع الاختلاف من بعده، حيث اتخذ مواقف متعدّدة في هذا المجال ليتم الحجّة على الناس.
وكما هو واضح أنّ أهم مسألة لغلق باب الشقاق والتفرقة بين أوساط الأمة هو تحديد معالم أمر الخلافة من بعده، ففقد الأمة لإمام ترجع إليه لحل وحسم
الاختلاف تكون همل بلا راع، وتنصيب من ليس أهلاً للقيادة يجرّ الأمة إلى السقوط في مهاوي الانحراف، وبالتالي تتضعضع كل القيم الإسلامية في ظل زعامته بالانسحاق والزوال.
ولهذا لم يقف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ازاء هذه المسألة البالغة في الأهمية موقف اللامبالاة، بل أولاها اهتماماً بالغاً منذ مراحل الدعوة الأوّلى كيوم الدار، وحتى اللحظات الأخيرة من عمره، إذ قال: " أئتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً "(1).
والملفت للنظر هنا أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)قد ذكر عبارة " لن تضلوا " في مضمون حديث الثقلين الذي أمر فيه الأمة أن يتمسكوا بالقرآن والعترة!.
إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد بيّن في بدء دعوته أنّ مسألة الخلافة من بعده هي عهد إلهي، ومجالا للرؤى البشرية في للتدخّل وإبداء الرأي فيها، فهي مسألة خاضعة للتعبد وإتباع النصّ.
فعندما اشترط عليه " بيحرة بن فراس " أحد رجال بني عامر في بداية الدعوة، بأن يعلن إيمانه وإسلامه مع قبيلته مقابل تعهّد من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن تكون الزعامة في قبيلته بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ورغم حاجته(صلى الله عليه وآله وسلم) الماسة إلى من ينصره ويعينه أنذاك لتثبيت جذور الإسلام لم يستجب لطلبه، وقال له: " الأمر إلى لله يضعه حيث يشاء "(2).
ومن هذا وغيره يكتشف أنّ الإمامة لم تكن إلاّ بإذن من الله ووحيه، وهي من الأمور التي لابد للأمة أن تتبع فيها النصّ ولا مجال لأمر آخر أن يكون له دخل في تقرير مصير الإمامة والخلافة.
قد جرت الأمور بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على غير ما يرام، فشهدت الساحة الإسلامية صراعاً عنيفاً حول الخلافة، بحيث احتد الخلاف بين الأنصار والمهاجرين في سقيفة بني ساعدة، حتى كاد أن ينتهي الأمر إلى فوضى نتيجة الأطماع في هذا الأمر!.
وكان كلٌّ يجرّ النار إلى قرصه، فاحتج المهاجرون بقول رسول(صلى الله عليه وآله وسلم): "الأئمة من قريش " فتغلبوا بذلك على الأنصار، حتى قال الإمام عليّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عندما بلغه هذا الاحتجاج فيما بعد: " احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة "(1).
وأصدق ما قيل عن حال المسلمين آن ذاك، هو وصف الزهراء(عليها السلام) بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في الخطبة التي ألقتها أمام المهاجرين والأنصار في المسجد النبوي بعد وفاة أبيها، حيث قالت:
" فلمّا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ظهر فيكم حسكة النفاق... وأطلع الشيطان رأسه من مغرزة هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين... ثم استنهضكم فوجدكم خفافا... هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، والرسول لما يقبر، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة (أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ)(2)"(3).
وقالت(عليها السلام) أيضاً في خطابها لنساء المهاجرين مخاطبة رجالهن: " ويحهم أين زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوّة والدلالة، ومهبط الروح الأمين والطيبين بأمور الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين.
وما الذي نقموا من أبي الحسن! نقموا والله منه نكير سيفه، وقلة مبالاته لحتفه، وشدّة وطأته، ونكال وقعته، وتنمّره ذات الله.
وقالت: واطمئنوا للفتنه جأشاً، وأبشروا بسيف صارم، وسطوة معتد غاشم، وهرج شامل، واستبداد من الظالمين "(1).
في خضم النزاع على السلطة والحكم بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، تمت البيعة لأبي بكر، وهي بيعة يصفها عمر قائلاً: " لا يغترّن امرءٌ أن يقول أنّما كانت بيعة أبو بكر فلته وتمت، ألاّ إنّها كانت كذلك ولكن وقى الله شرها، فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولاالذي بايعه تغرةً أن يقتلا "(2).
وعندما دنت المنية من عمر سنّ بنفسه مبدأ الشورى الذي لم يكن عقيدة ومبدأ لعمر، بل كان سبيلا انتهجه حينما لم يجد من يعهد إليه!.
فإنّه مع ذكره لمبدأ الشورى أصبح يبحث عن رجل يرتضيه للخلافة فيعهد إليه بعيداً عن الشورى!، حيث قال: " لو كان أبو عبيده حيّاً لاستخلفته "(3)،
1) أنظر: شرح النهج لابن أبي الحديد: 16 / 233، دلائل الإمامة للطبري: 125 {37}، الإحتجاج: 1 / 286 {50}، بلاغات النساء لابن طيفور: 20.
2) أنظر: صحيح البخاري ـ كتاب الحدود ـ باب رجم الحبلى من الزنا: 6 / 2505، مسند أحمد: 1 / 56 {391}، تاريخ الطبري: 3 / 205.
3) أنظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير: 3 / 65، تاريخ الطبري: 4 / 227.
وقال: "لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لاستخلفته "(1)، وقال في معاذ بن جبل مثل ذلك(2)، وقال أيضاً: " لو كان سالم حيّاً ما جعلتها شورى "(3).
وهكذا سار أمر الخلافة في الواقع بشكل متذبذب وغامض، ولم يكن للخلافة بين أوساط الناس بعد اعراضهم عن النصّ الإلهي نظرية منسجمة ومتماسكة ليستندوا إليها، فكانت خلافة أبي بكر " فلتة "، وكانت خلافة عمر بتعيين وتنصيب من أبي بكر، وكان انتخاب عثمان عبر الطريقة التي ابتدعها عمر، وأمّا أمير المؤمنين فتولى الخلافة بعد إصرار المجتمع عليه، وبعد أن انهالوا وألحوا عليه ليتولى زمام الأمور، ثم من بعده وبعد أيام قلائل من خلافة الإمام الحسن(عليه السلام)تحولت الخلافة إلى ملكية تلاعبت بها أيدي بني أميّة، ثم تلقاها بنو العباس وعبثوا فيها كيفما يشاؤون.
وانتهى الأمر بعد إبعاد الأمة للذين اصطفاهم الله لخلافة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى استئصال الصالحين وقتل ذرية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وحكم الأشرار والطغاة، ولم يكن ذلك إلاّ لأنّ الأمة رأت قيام السلطة على أساس الاختيار البشري، وحالت دون استمرار القيادة الربانية والتنصيب الإلهي في الحكم.
بادر أبناء العامة بتنظير مسألة الخلافة والإمامة وتحديد أمرها، فصاغوا مبدأ لها عن طريق متابعة الأمر الذي وقع، والسعي لتبريره واضفاء الشرعية عليه، فجعلوا ما حدث وماجرى في أمر الخلافة مصدراً رئيسياً في
وصف النظام السياسي.
فكانت أطروحتهم استلهاماً لما حدث في صدر الإسلام والطرق التي حسمت أمر الخلافة، ولم يجد أبناء العامة أمراً جامعاً لها سوى الذهاب إلى نظرية الشورى، ولكن خفى عليهم أنّ نسبة الشورى لخلافة الذين تولوا الأمر بعد الرسول ليس إلاّ مكابرة، كما أنّ هذا المبدأ بنفسه لا يسعه أن يقدّم للأمة الخلافة التي يمكن الإعتماد عليها والوثوق بها.
إنّ الطبيعة الغالبة على الناس اندفاعهم وراء المنافع العاجلة واللذات الحاضرة، وقد أشار الباري في محكم كتابه إلى هذه الحقيقة بآيات عديدة، كقوله تعالى: (وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)(1)، وقوله تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي اْلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ)(2)، وقوله تعالى: (تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ * وَما وَجَدْنا لاَِكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْد وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ)(3)، وقوله تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَاْلأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)(4)، وقوله تعالى: (قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)(5)، وقوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ)(6)، وقوله
تعالى: (أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ)(1).
وعلى هذا فإلقاء مهمة اختيار الإمام على المجتمع سوف يؤدّي الى مواجة ذوي النفوذ الاجتماعي، وأصحاب الأموال الذين تصطدم مصالحهم مع خلافة الأصلح، وبالتالي سوف يعاني المجتمع كثيراً من الأذى والعناء والتضحية بالنفوس والأموال إذا أراد اختيار من يراه صالحاً لتولي أمورهم، في حين أنّ الواقع المحسوس في الأغلبية الساحقة من المجتمعات البشرية على مدى التاريخ أثبت أنّ المجتمع فشل في هذه المهمة، ولابد من تدخّل اليد الإلهية لتحديد مصيره وتعيين من يتولى شؤونة.
ولذا كان النهج الرباني في جميع العصور هو إرسال الرسل للمجتمع، وأمرهم باتباعهم وطاعتهم واتخاذهم أولياء وخلفاء في الأرض، كما قال تعالى في هذا الصدد بعد ذكره عدد كبير من الأنبياء: (أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ)(2).
والجدير بالذكر أنّ أمر الخلافة لو كان من شؤون الناس لكان على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يكل ذلك في زمانه إلى اختيار الناس، ويكتفي بتشريع الشروط والمواصفات العامة للقائد الذي ينبغي أن يختاره الناس، ثم يرشح نفسه كأحد الناخبين ويكل الأمر إلى اختيار الناس، أو على الأقل يحدد معالم كيفية الانتخاب والاطار الشرعي والضوابط للخلافة من بعده، ولكن الرسول لم يفعل
ذلك بل تصدى للحكم بأمر من الله عزّوجلّ فعيّن في مواقف عديدة ومشاهد كثيرة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) خليفة من بعده.
إنّ الإمامة روح الشريعة الإسلامية والقلب النابض لها، ومن دونها يكون الدين جثة هامدة لا حياة فيه ولا رمق، ومن دونها يبقى الناس بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)همل بلا راع يفقدون المحور الذي يلتجئون إليه عند حدوث الاختلاف.
فالإمام هو الحبل الذي يعتصم به الناس لئلا يتفرقوا، وهو المسدد لمسار البشرية التكاملي الذي تعتوره العقبات والأخطار، فيكون الإمام هو الميزان الذي ترجع إليه لتصحيح مسارها.
فالإمام مَعلَم في مسار الإنسانية نحو الكمال، وهو الدليل والمرشد وصمام الأمان الذي يعصم الأمة من الاختلاف، وهو الذي يصون الدين والشريعة من الانحراف، وإنّ الأئمة يصطفيهم الله عزّوجلّ لهذه الأمة بعد نبيّه كما اصطفى آل إبراهيم(1).
فهم أئمة في جميع الأحوال سواء التف الناس حولهم ومهدوا لهم المنزلة التي اختارها الله لهم ليبسطوا العدالة على وجه الأرض، أو أعرضوا عنهم ونبذوهم وراء ظهورهم، لأن رأي الناس وما يذهبون إليه لا يغيّر من الواقع شيئاً، وأنّ الباري قد هدى الإنسان النجدين فإمّا شاكراً وإمّا كفورا (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)(2)، كما لم يضر الله اجتماع الناس في الغابر على تكذيب أنبيائه وقتلهم وإقصائهم لأنّ ( مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ
عَنِ الْعالَمِينَ)(1).
يقول الأخ سعيد زكريا: " أرشدني الأستاذ بعدما بيّن لي الكثير من الحقائق إلى مصادر الأحاديث التي نصّ فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على خلافة أمير المؤمنين(عليه السلام) وأهل بيته(عليهم السلام) من بعده لأراجعها بنفسي، فراجعتها وايقنت بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يهمل مسار الإسلام من بعده، بل كان مهتماً بأمر الإمامة، وعرفت أنّ اهتمام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بهذا الأمر من بعده لم يكن اعتباطياً، بل كان لأهمية الإمامة وعظمة مقامها.
ولهذا قرّرت الالتحاق بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) فاعتنقت هذا المذهب عام 1993م بمدينة " جينجا " في أوغندا.
1) آل عمران: 97.
ولد عام 1969م في بوروندي(1)، من أسرة تعتنق المذهب الشافعي.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)في أوائل التسعينات في مدينة "كيغوما" التنزانية.
كان الأخ شريف أحمد يتطلّع إلى مايمنحه الرسوخ والثبات والبصيرة في دينه، فبذل جهداً في هذا السبيل وساعدته الأجواء التي هو فيها على ذلك، إذ توجه للدراسة في مدرسة دينية تسمّى ب (مدرسة التربية الإسلامية) حتى أنهى فيها دراسته الابتدائية عام 1985 م، ثم لم يكتف بهذا المقدار من تلقّي العلوم فهاجر إلى تنزانيا بغية الحصول على المزيد من المعارف، فسكن مدينة " تانجا"، ودرس في إحدى مدارسها مدّة خمس سنوات حتى أنهى مرحلة الثانوية وحصل
1) بوروندي: تقع في الجزء الشرقي في وسط افريقيا تحدّها رواندا وتنزانيا وزائير، يبلغ عدد سكانها أكثر من (6) ملايين نسمة، غالبيتهم من المسيحيين، يشكل المسلمون قرابة الربع من السكان، أمّا الشيعة فيعدون بالآف ولهم مساجد ومؤسسات عديدة في هذا البلد.
على شهادتها.
يقول الأخ شريف: " أتجهت بعد إنهائي للدراسة الثانوية إلى العمل التوجيهي والتبليغي في مدينة " كيغوما " بتنزانيا، وأصبحت داعية أدعو الناس إلى الإسلام، وكنت مع ذلك أتابع دراستي الحرّة وأطالع الكتب الدينية لأتسلّح بأكبر عدد ممكن من الأدلة والبراهين حول معتقدات مذهبي ".
واجه الأخ شريف في مطالعاته موانعٌ كثيرة تحجبه عن الوصول إلى الحقائق والمعلومات، وذلك لكثرة الاختلافات في الآراء التي تجعل الباحث أمام كم هائل من الأقوال المتضاربة والمتناقضة والتبريرات المتعددة، التي يلتجئ إليها البعض لإثبات ما يذهب إليه.
وهذه الحالة يواجهها كل باحث من أبناء العامة، ولهذا نجدهم يمجّدون بعصر الرسالة وتتجه أنظارهم إليه، حتى آل بهم الأمر إلى تقديس الصحابة وتنزيه ساحتهم من كل ما يقدح بهم.
وذلك لأن المجتمع الذي كان في عهد الرسالة كان مجتمعاً يجد الملجأ لنفسه في حلّ قضاياه برجوعه إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن الأمّة الإسلامية كما يصورها أبناء العامة فقدت بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الدعامة التي تستند إليها، إذ أصبحت السنة مبعثرة في صدور الصحابة، وقد منع الخلفاء تدوينها وكتابتها، فاندرست أحاديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأندثرت بموت أصحابها، حتى تم تدوين مابقي منها على يد بني اُميّة في عهد عمر بن عبد العزيز، فالسنة النبوية التي يمتلكها أبناء العامة هي هذه.
أمّا القرآن فأصبح عرضة للأهواء والميول! وتولّت كلّ طائفة تفسيره حسب
هواها، وتأولّه على ضوء ما ترتئيه، وبادر من في قلوبهم مرض للتشبث بمتشابه القرآن إبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويلها، وهو مايحز في النفس ويجعلها حائرة في أمرها.
ومن هنا إلتبس الأمر لدى الكثير، فتزلزلت معتقداتهم بعد فقدانهم المصادر الأصيلة التي توصلهم إلى سنة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفقدت شجرة الإسلام الأجواء المناسبة لنموها وإزدهارها، فجفت أغصانها وبدأت تتحطم بمجرد أي تيار معاكس يتحداها من الخارج، مما تترك أثراً سلبياً ملحوظاً في الواقع الاجتماعي للمسلمين.
هناك تساؤل يشغل بال كل باحث، ويبعث في نفسه الاستغراب، وهو متعلق بما حدث بعد رحلة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
فهل كان الأمر بالصورة التي يذكرها أبناء العامة، وهل ترك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أمّته من بعده سداً، تتقاذفها الأهواء من دون أن يجد المسلمون ملجأً يلتجئون إليه، ومحوراً يلتفون حوله لصيانة أنفسهم من الانحراف؟.
يقول الأخ شريف أحمد: " هذا ما كنت أعانيه في أبحاثي! ولكن التتبع بيّن لي عكس ما ذهب إليه أبناء العامة، وأتضح لي أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يدرك أنّ الأمّة تحتاج من بعده إلى من يرشدها ويهديها، وأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان على علم بأنّ بعض أهل المدينة مردوا على النفاق، وأنّ أوكارهم قد عشعشت في كل مكان، وكانوا ينتهزون الفرص لإفراز سمومهم في الأمّة الإسلامية، ليطيحوا بمبادئ الإسلام إحياءاً للجاهلية الأولى.
كما أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعلم بأنّ أمّته تحيطها أعراف وعادات أجنبية، وأديان
ومذاهب مختلفة سوف تغزوا الإسلام وتترك أثرها في مسير المجتمع الإسلامي، وتكدّر صفو تراثه النقي الذي أنزله الله سبحانه وتعالى، وأن شريعته بحاجة إلى من يصونها من التحريف والتلاعب، فلابد من تهيئة ملجأً تتحصّن به أمّته من بعده كسفينة نوح، ليركبها من يبتغي النجاة والاعتصام من الغرق في تيارات الضلال التي سوف تنهال على المسلمين من كل حدب وصوب ".
يقول الأخ شريف: " في خضم صراع التيارات المذهبية التي كانت تشوش بالي وتشغل توجهي، طرق سمعي حديث ألقاه أحد المبلغين الوافدين إلى تنزانيا، حيث قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق ".
فلفت هذا الحديث انتباهي واستفسرت في نفسي: هل هو حقّاً من أقوال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ وهل لهذا الحديث مصدراً يُستند إليه؟.
وأخيراً أسفر البحث والتتبع عن نتائج غير متوقعة ومذهلة، أوضحت لي الكثير من الحقائق التي بها تمكنت من ملىء كافة الثغرات التي كنت أعاني منها لصياغة المباني والرؤى المتكاملة للدين الإسلامي الحنيف ".
إنّ هذا الحديث هو من الأحاديث المستفيضة التي كادت تبلغ حدّ التواتر لكثرة ناقليه، فمن جملة رواته:
ابن قتيبة الدينوري في (عيون الأخبار)، والطبراني في (المعجم الكبير)، والحاكم في (المستدرك)، وابن المغازلي في (مناقب أميرالمؤمنين)،
والخوارزمي في (مقتل الحسين)، والجويني في (فرائد السمطين)، والزرندي الحنفي في (نظم الدرر)، والهيثمي في (المجمع)، والسيوطي في (التاريخ)، وابن حجر الهيتمي في (الصواعق)، والطبري في (الذخائر)، والخطيب البغدادي في (التاريخ)، وأبو نعيم في (الحلية)، والدولابي في (الكنى والأسماء)، والآلوسي في (التفسير)، والقندوزي في (الينابيع)، والتبريزي في (المشكاة)، وأحمد في (فضائل الصحابة)، وابن الصبان في (إسعاف الراغبين)(1).
ومن نصوص الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّما مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من دخلها نجا ومن تخلف عنها هلك "، وفي رواية: " من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق ".
إنّ هذا الحديث يتضمن دلائل عديدة لاثبات إمامة أهل البيت(عليهم السلام)، منها:
1 ـ وجوب اتباعهم إذ لاسبيل للأمة سوى الاقتداء بنهجم، وإنّ جميع السبل التي لاتنتهي إليهم موصدة لاتوصل إلى المحجّة البيضاء، ولا يسوغ لأحد أن يدّعي لنفسه النجاة وهو متمسّك بحبلهم وغير معتصم بولائهم (عليهم السلام).
2 ـ إثبات الأفضلية لأهل البيت(عليهم السلام)، إذ لولا ذلك لما صح أن يكونوا حصناً وملجأً للنجاة، لأنّ مع وجود من هو أفضل منهم لا يسع أحد أن يتبعهم، وقد قال
1) عيون الأخبار: 1 / 211، المعجم الأوسط: 2 / 339 {3478}، المستدرك: 3 / 163 {4720}، مناقب أمير المؤمنين: 132 {173}، فرائد السمطين: 2 / 243 {517}، نظم الدرر: 235، مجمع الزوائد: 9 / 168، الصواعق المحرقة: 2 / 543 ـ 445، ذخائر العقبى: 20، تاريخ بغداد: 12 / 91، حلية الأولياء: 4 / 306، الكنى والأسماء: 1 / 76، ينابيع المودّة: 1 / 93، مشكاة المصابيح: 3 / 1742 {6184}، فضائل الصحابة: 2 / 785 {1402}، أسعاف الراغبين في هامش مشارق الأنوار: 104.
تعالى: (أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى )(1).
3 ـ عصمة أهل البيت(عليهم السلام)، فلو كان يصدر منهم ما يوجب سخط الباري، لما جاز اتباعهم والتأسي بهم.
4 ـ ضلال المتخلّف عنهم، وهي دلالة صريحة لا يعتريها أدنى ريب.
5 ـ إنّ أهل البيت(عليهم السلام) ميزان لتشخيص المهتدي من الضال، وهم المعيار لتمييز الصالح من الطالح.
6 ـ لزوم وجود إمام من أهل البيت(عليهم السلام) في كل زمان إلى يوم القيامة، ليتسنى للأمة في جميع الأدوار ركوب تلك السفينة والنجاة بها من الهلاك، إذ لولا ذلك لافتقدت السبيل إلى النجاة.
وقد أجمل ابن حجر الهيتمي في كتابه (الصواعق) بعد ذكره لهذا الحديث هذه الدلالات قائلاً: " ووجه تشبيههم بالسفينة... أنّ من أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرفهم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان "(2).
وقد ضمّن الشافعي هذا الحديث في أبيات له رواها العجيلي، حيث قال:
ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم مذاهبهم في أبحر الغي والجهل
ركبت على اسم الله في سفن النجا و هم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل
وامسكت حبل الله وهو ولاؤهم كما قد أُمرنا بالتمسك بالحبل
إذا افترقت في الدين سبعون فرقة ونيفاً على ما جاء في واضح النقل
ولم يك ناج منهم غير فرقة فقل لي بها يا ذاالرجاحة والعقل
أفي الفرقة الهلاّك آل محمّد أم الفرقة اللاتي نجت منهم قل لي
فان قلت في الناجين فالقول واحد رضيت بهم لازال في ظلهم ظلي
رضيت علياً لي إماما ونسله و أنت من الباقين في أوسع الحل
ومن هنا يتّضح أنّ الفرقة الناجية من بين ثلاث وسبعين فرقة التي أشار إليها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، هي الفرقة التي تأخذ معالم دينها من أهل البيت(عليهم السلام)، وأنّ من تخلّف عنهم وأوى إلى غيرهم كان كابن نوح عندما أوى يوم الطوفان إلى الجبل، يحسب أنه يعصمه من الغرق ولكن جَرفه الماء وهلك إذ لا عاصم في ذلك اليوم من أمر الله سوى سفينة الهدى.
يقول الأخ شريف: " من هنا تجلّت لي الحقيقة بعد التتبع الذي أجريته حول هذا الحديث، إذ لا مناص من التمسك بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) والأخذ بسبيلهم، فركبت السفينة وأنجيت نفسي من التيارات المتلاطمة التي كانت تعصف بي من كل جانب، والتي أخذت مني مأخذاً كبيراً ولم تدع لي مجالا للاستقرار والسكينة، ومن ذلك الحين وفي عام 1991م بالتحديد جندّت قواي وأصبحت مبلغاً في " كيغاما " لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب ".
الصورة
ولد عام 1976م بمدينة " قسنطينة " في الجزائر(1)، نشأ في أوساط عائلة تعتنق المذهب المالكي، فشب مالكياً تبعاً لأسرته.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 2001م في سوريا.
يقول الأخ شكيم: " لم يكن لي أي إلمام أو معرفة بمذهب التشيّع! وفي يوم من الأيام دار حديث بيني وبين أحد أصدقائي ـ الذي عرفت بعد ذلك أنّه من أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ـ حول وضع المسلمين وانتماءاتهم لشتى الفرق والطوائف، واختلافهم في الأحكام الشرعية والأمور العقائدية ـ لاسيما الفرعية ـ ثم استعرضنا بعض معتقدات كل طائفة، حتى طرق سمعي اسم الشيعة، وبدأ صديقي يحدثني عن أسس هذا المذهب وبداية نشوئه والمراحل التي مرّ بها منذ
1) الجزائر: تقع في شمال افريقيا، تطلّ على البحر المتوسّط، تحيط بها المغرب وليبيا ومورتانيا ومالي والنيجر وتونس، يبلغ عدد سكانها {34} مليون نسمة، يشكل المسلمون نسبة 99 منهم وأغلبيتهم من المالكية، أمّا الشيعة فلهم تواجد جيد في هذا البلد.
البداية، فذكر في حديثه جملة من القضايا التاريخية التي تعرّض فيها أهل البيت(عليهم السلام) لجور من تولى شؤون الخلافة الإسلامية، وكيفية تنحيت هؤلاء الحكّام لأهل البيت(عليهم السلام) عن مقامهم الطبيعي الذي أراده الله تعالى لهم، ثم ذكر لي معتقدات هذه الطائفة وأحكامها العبادية، والتراث الفكري الضخم الذي كتبه علماء الشيعة في الفقه والتفسير والتاريخ والحديث والفلسفة والأدب وغير ذلك.
فأدهشني حديثه! فطلبت منه المزيد وجعلت أقارن بين ما عند الشيعة وما عندنا أبناء العامة.
واستمر الحديث فيما بيننا حتى ذكر صديقي أمراً لفت انتباهي بشدّة، وذلك حينما قال: إنّ بعض الطقوس التي يمارسها أبناء العامة ما أنزل الله بها من سلطان، وأنّ مصدر تشريعها محض رغبة شخصية لا أكثر، كصلاة التراويح التي يقيمونها في شهر رمضان، فهي بدعة ليست من الدين في شيء، إذ لم ينزل بها قرآن ولم يقمها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يصلها أبو بكر طيلة خلافته، ولا عمر في أوّل خلافته، بل سنّها بعد ذلك بفترة بلا دليل ولا مجوز شرعي من الكتاب أو السنة! ".
ومن الواضح أنّ الإسلام قد شدّد في أمر البدعة، واعتبرها ضلالة مؤدية إلى النار، لأنّ المبتدع غير قانع بما شرّع الله، فهو بمنزلة المستدرك على ربّه ـ كما أنّه عندما يعطى لنفسه حق التشريع يكون بمثابة من نزل نفسه بمنزلة الند لله جلّوعلا ـ في حين أنّ الله تعالى حسم أمر الرسالة بقوله الكريم: ( اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكْم وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينَاً )(1).
1) المائدة: 3.
وتضافرت الروايات الشريفة بهذا الخصوص:
فورد عن جابر أنّه قال: " خطبنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهل له، ثم قال: أما بعد، فإنّ أصدق الحديث كتاب الله، وأنّ أفضل الهدي هدي محمّد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة... "(1).
وعن حذيفة أنّه قال: " يا رسول الله هل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم... قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي... "(2).
وعن أبي هريرة قال: " إنّ رسول الله خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين... وأنا فرطهم على الحوض ألا ليذادنّ رجال عن حوضي كما يُذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلم! فيقال: إنّهم قد بدّلوا بعدك، فأقول سحقاً سحقاً "(3).
أمّا كلمات الأعلام بهذا الخصوص فكثيرة، نقتصر على قول لإمام المالكية ذكره الشاطبي: " من إبتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أنّ محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) خان الرسالة، لأنّ الله تعالى يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)، فما لم يكن يومئذ ديناً، فلا يكون اليوم ديناً "(4).
ويقول الدكتور يوسف القرضاوي: "... الابتداع في الدين إتّهام للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بالخيانة وعدم تبليغ الرسالة بكمالها "(5).
1) أنظر: مسند أحمد: 3 / 310 {14373}، سنن ابن ماجة: 1 / 30 {45}، سنن النسائي: 3 / 188 كتاب خطبة العيدين، صحيح البخاري: 6 / 5655 {6849}، صحيح مسلم: 2 / 592 {867}.
2) أنظر: صحيح مسلم: 3 / 1475 {1847}، السنن الكبرى للبيهقي: 8 / 329 {16790}.
3) أنظر: صحيح مسلم: 1 / 218 {248}، صحيح ابن حبان: 3 / 321 {1046}.
4) أنظر: الاعتصام للشاطبي: 1 / 33.
5) أنظر: السنة والبدعة للقرضاوي: 28.
فالمبتدعون يجعلون الدين ببدعهم عسيراً ويخرجونه عن حدّ السماحة، لأنّهم يضيفون تكاليف ما أنّزل الله بها من سلطان على كاهل العباد.
كما أنّ البدعة ـ وإن منحها البعض عنوان الحسنة! ـ تفتح الباب على مصراعيه أمام الدجّالين والمتاجرين بالدين، ليبتدعوا أموراً تأتي على دعائم الدين وتمحو معالمه الحقة، وقد قال الإمام عليّ(عليه السلام): " ما أحدثت بدعة إلاّ ترك بها سنة، فاتقوا البدع وألزموا المهيع، إنّ عوازم الأمور أفضلها، وإنّ محدثاتها شرارها "(1).
فالبدعة فرقة للأمّة وتمزيق لصفوفها، لأنّ المؤمنين يرفضونها والمبطلين يتبعونها، وهكذا يبدأ الشرخ في جسد الأُمّة الواحدة فيتضعضع كيانها، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ )(2)، ويقول سبحانه أيضاً: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(3)، فلماذا يأخذ بعض المسلمين بما لم يأت به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كصلاة التراويح ـ ويتّبعون السبل ويشذون عن صراط الله تعالى؟!.
وخلاصة القول: إنّ تشريع الله شامل وكامل ومستوعب لكل أمور الدين والدنيا، وبنصّ كتاب الله عزّوجلّ: (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْء)(4)، لأنّ الإسلام خاتم لجميع الشرائع السماوية.
يقول الأخ شكيم: " جعلتني هذه الحقائق في حيرة من أمري، ووجدت العقل ينبذ تشريع الإنسان الذي لايملك التخويل الرباني! مع روايات عديدة
تحث على الصلاة في الشهر المبارك بصورة غير جماعية ـ إلاّ الصلاة المفروضة فقرّرت ترك صلاة التراويح التي كنت أؤديها جماعة، لما عرفت من خلال الحديث مع صديقي أنّ التنفل في شهر رمضان قد شُرّع بشكل فرادي لا جماعةً!.
فلم أجد سبيلاً غير إتباع الشرع لأنني قرّرت من بدء البحث الانسياق وراء الأدلّة والبراهين، وترك التمسك بالموروث الذي لا أعرف له دليل أو مستند ".
ويقول الأخ شكيم: " وتطرّقنا في الحديث لمسألة زيارة القبور، وكان قد طرق سمعي من قبل أنّ هناك فرقة تحسب نفسها على الإسلام ولكنّها تكفّر أهل القبلة لزيارتهم قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقبور الأولياء والصالحين، فتأملت في الأمر فتبيّن لي أنّ هذه الرؤية جامدة ومحدودة، لا يقول بها أحد يعرف معنى التذكرة والاعتبار ".
فقد ذكر القرآن الكريم جملة من الآيات الدالّة على جواز القيام على القبور واتخاذ المساجد حول مقامات وقبور الأنبياء والصالحين، فقال تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى)(1)، وقال تعالى بخصوص أصحاب الكهف: (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً)(2).
كما ذكرت كتب الحديث والسيرة والتفسير روايات عديدة تجوّز هذا الأمر:
فقد جاء في صحيح مسلم والنسائي وابن ماجة والترمذي، عن بريدة عن أبيه قال: " قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها "،
وفي آخر الحديث على ما في سنن أبي داود: " فإنّ زيارتها تذكرة "، وفي سنن ابن ماجة عن ابن مسعود: "... فإنّها تزهّد في الدنيا وتذكّر في الآخرة "(1).
وجاء في صحيح البخاري(2)ما ملخصه: " إنّ إسماعيل وإبراهيم(عليهما السلام)لمّا كانا يبنيان البيت، جعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء إسماعيل بهذا الحجر له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة"، وذلك هو مقام إبراهيم(عليه السلام) الذي أمرنا الله أن نتخذه مصلى ومحلا للعبادة.
وقد نصّت التواريخ والسير على أن حجر إسماعيل(عليه السلام) الذي يتمسّح به الحجيج ويقيمون فيه الصلاة يضم قبر إسماعيل وأمّه هاجر(عليهما السلام)(3)، وكما هو واضح أنّ الصلاة في هذا المكان من الأمور المستحبة، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يجتمع هذا المستحب مع الشرك كما يزعم منتحلوا الإسلام؟!
ولو راجعنا التاريخ الإسلامي لوجدنا أنّ الوقوف على القبور وزيارتها، إنّما هو عين التأسي والاقتداء برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وقف على قبر أُمّه السيدة آمنة بنت وهب (رضي الله عنها) وبكى(4).
1) صحيح مسلم: 2 / 672 {975}، سنن النسائي: 3 / 69 {4518}، سنن ابن ماجة: 1 / 492 {1571}، سنن الترمذي: 2 / 357 {1054}، سنن أبي داود: 3 / 172 {3235}، وأنظر: موطأ مالك (عن أبي سعيد الخدري): 2 / 33.
2) صحيح البخاري: كتاب الأنبياء: 3 / 1229 {3184}.
3) أنظر: سيرة ابن هشام: 1 / 6، تاريخ الطبري: 1 / 314، البداية والنهاية لابن كثير: 1 / 153، الطبقات لابن سعد: 1 / 44، وغيرها.
4) أنظر: الطبقات لابن سعد: 1 / 94، سنن النسائي: 1 / 654 {2116}، سنن أبي داود: 3 / 171 {3234}، سنن ابن ماجة: 1 / 492 {1572}، وغيرها.
وورد أنّه قال في ذلك الموقف: "... استأذنته في أن أزور قبرها، فأذن لي، فزوروا القبور فإنّها تذكّر الموت "(1)، بل أكثر من ذلك فقد حثّ(صلى الله عليه وآله وسلم)على زيارة قبره الشريف، حيث قال: " من زار قبري وجبت له شفاعتي "، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم)أيضاً: " من حج فزار قبري بعد وفاتي، كان كمن زارني في حياتي "(2)، وهنالك روايات كثيرة وردت عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) بألفاظ متعددة بهذا الخصوص.
وأخرج مسلم في صحيحه عن عائشة، أنّها قالت: " قال(صلى الله عليه وآله وسلم): " أتاني جبريل فقال: إنّ ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم "، قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: " قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون " "(3).
وقد عملت بهذه السنة بضعة المصطفى وسيدة النساء فاطمة الزهراء(عليها السلام)، حيث أخرج البيهقي في سننه، والحاكم في مستدركه: أنّها كانت تزور قبر عمّها حمزة(رضي الله عنه) كل جمعة فتصلي وتبكي عنده(4).
وقال الحاكم أنّ هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات، ثم قال: " وقد استقصيت في البحث عن زيارة القبور تحرّياً للمشاركة في الترغيب، وليعلم الشحيح بذنبه أنّها مسنونة، وصلى الله على محمّد وآله أجمعين ".
1) أنظر: صحيح مسلم: 2 / 671 {976} (باب استئذان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ربه في زيارة قبر أُمه).
2) أنظر: سنن الدار قطني: 2 / 378 {194}، شعب الإيمان للبيهقي: 3 / 490 {4159}، المعجم الكبير للطبراني: 12 / 406 {13497}، سنن البيهقي: 5 / 403 {10274}، ومن أراد المزيد فلينظر كتاب الغدير للأميني: 5 / 143 ـ 152، وقد ذكر مصادر هذه الأحاديث من أهل العامة.
3) صحيح مسلم: 2 / 370 {974} باب الجنائز.
4) السنن الكبرى للبيهقي: 4 / 131، المستدرك للحاكم: 1 / 1 / 533 {1396}.
وذكر ابن الحاج العبدري المالكي(1): أنّ البخاري روى عن أنس: أنّ عمر ابن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس، فقال: " اللهم كنا نتوسل إليك بنبيك(صلى الله عليه وآله وسلم) فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا، فيسقون ".
هذا بالاضافة إلى وقوف الصحابة والتابعين وزوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) على القبور وزيارتها.
قد أفتى الكثير من علماء المذاهب الأربعة بجواز زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)واستحبابه، ومنهم:
1 ـ أبو عبد الله الجرجاني الشافعي، فقد ذكر بعد جملة من تعظيمه للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " فأمّا اليوم فمن تعظيمه زيارته "(2).
2 ـ أبو الحسن الماوردي، حيث قال: " فإذا عاد ـ ولي الحاج ـ سار بهم على طريق المدينة لزيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ليجمع لهم بين حج بيت الله عزّوجلّ وزيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، رعايةً لحرمته وقياماً بحقوق طاعته، ولئنّ لم يكن ذلك من فروض الحج فهو من ندب الشرع المستحبة وعادات الحجيج المستحسنة"(3).
3 ـ القاضي عياض المالكي، إذ قال: " وزيارة قبره(صلى الله عليه وآله وسلم) سنة مجمع عليها وفضيلة مرغّب فيها "(4).
4 ـ أبو الفرج بن الجوزي، قال: " أمّا زيارة قبره عليه الصلاة والسلام فأحضر قلبك لتعظيمه ولهيبته، وأحضر عظيم رتبته في قلبك، وأعلم أنّه عالم بحضورك وتسليمك "(1).
5 ـ ابن هبيرة في كتاب (اتفاق الأئمّة): " اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل على أنّ زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مستحبة "(2).
6 ـ أبو زكريّا يحيى بن شرف النووي، قال في زيارة قبره(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّها من أعظم القربات، وأفضل المساعي والطلبات، وإذا إنتهى إلى قبره وقف قبالة وجهه ويتشفّع به إلى ربّه... "(3).
هذا فضلا عن كلمات العشرات منهم(4).
كما ذكر عدد منهم استحباب زيارة البقيع:
فقال الغزالي: " يستحب أن يخرج كل يوم إلى البقيع "(5)، وكذا قال النووي والفاخوري، وزاد الأخير: "... يأتي المشاهد والمزارات فيزور العباس ومعه الحسن بن عليّ، وزين العابدين، وابنه محمّد الباقر، وابنه جعفر الصادق، ويزور أميرالمؤمنين سيدنا عثمان وقبر إبراهيم ابن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وجماعة من أزواج (صلى الله عليه وآله وسلم) وعمته صفية وكثيراً من الصحابة والتابعين... ".
بل أكثر من هذا فإنّ المعاصرين من علماء العامة يرون أنّ زيارة القبور مندوبة للاتعاظ وتذكرة بالآخرة...، وينبغي للزائر الاشتغال بالدعاء والتضرّع
والاعتبار بالموتى وقراءة القرآن للميت، ولا فرق في الزيارة بين كون المقابر قريبة أو بعيدة، بل يندب السفر لزيارة الموتى خصوصاً مقابر الصالحين، أمّا زيارة قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فهي من أعظم القرب.
ومن هذا كله يتبيّن أنّ زيارة القبور ليست بدعة ـ كما ينعق البعض ـ بل سنة عمل بها الأصحاب والتابعين والمسلمين قاطبةً.
يقول الأخ شكيم الفردي: " وجدت أنّ كلمات الأعلام وأهل الاختصاص تجوّز زيارة القبور ـ مع التزام الزائر بالأمور الشرعية التي ترضي الله تعالى وتنفع الميت ـ وقد لمست خلال زيارتي لقبر السيدة زينب إبنة الإمام أمير المؤمنين(عليهما السلام)في سوريا، الجوّ المعنوي المفعم بالروحانيّة، فوقفت أمام ذلك المشهد مستلهماً منه العطاءات التربوية التي منحتني النفحات الإيمانية، وغرست في نفسي الكثير من الوعي والمعرفة، فإنّ المشهد نقلني إلى عالم ملؤوه الإيمان والورع والتقوى، فأثار فطرتي وأزال عن بصيرتي الحجب التي كانت تمنعني من رؤية الحقّ.
فأثّر ذلك المشهد في نفسي أثراً كبيراً، بحيث دفعني للبحث والمطالعة حول مكانة ومنزلة أهل البيت(عليهم السلام) عند الله سبحانه وتعالى، حتى عرفت بعد ذلك مكانتهم، وعرفت أنّهم عدل الكتاب، وسفينة نوح، ونجوم الهداية، فقلت: لا أحيد عنهم ولا أختار إلاّ طريقتهم، إذ لا يسع المؤمن الاعتصام من الضلال إلاّ بالتمسّك بهم والانضواء تحت لوائهم، فاعتنقت مذهبهم عام 2001م ".
الصورة
ولد عام 1969م بمنطقة " مظفّر آباد " في كشمير الحرّة(1)، نشأ في أوساط عائلة هاشمية النسب تعتنق المذهب الحنفي.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)عام 1990م في بلاده اثر مناقشات ودراسات مكثفة ومتواصلة.
يقول السيد صادق: " كان يقطن في منطقتنا الكثير من السادة المعتنقين للمذهب الحنفي، والعجيب أنّ بعض ممارساتنا وطقوسنا الدينية مشابهة إلى حدّ ما لطقوس الشيعة الإمامية.
1) كشمير: تقع في أقصى غرب شبه القارة الهندية بين الهند وباكستان، تحيط بها الصين من الشمال والشرق، ثلثها يخضع لباكستان وتسمّى " كشمير الحرّة " والباقي للهند، يبلغ عدد سكانها {9} ملايين شخص {6} ملايين في القسم الهندي و {3} في القسم الباكستاني، يشكل المسلمون نسبة 75 والباقي من الهندوس والسيخ.
ومنطقتنا متميزة ببغضها لمعاوية بن أبي سفيان ويزيد ولآل أُمية بصورة عامّة، لأنّنا كنا محيطين من خلال دراستنا للتاريخ الإسلامي بالظلم والجور الذي ارتكبه هؤلاء بحقّ عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وذريته على العموم، كما نحيي مراسم العزاء ونقيم المآتم في شهر محرم الحرام إحياءً لذكرى مظلومية سيد الشهداء وأهل بيته في كربلاء، وكنّا نعتقد أنّنا من شيعة أهل البيت(عليهم السلام) ولا توجد طائفة أخرى تتفاعل مع أهل البيت(عليهم السلام) وتتودد إليهم كما نحن عليه!.
وبهذه الرؤية وعلى هذا النهج والمعتقد أمضيت سنوات من عمري وأنا أعتبر نفسي سائراً على نهج مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، حتى دخلت الجامعة فتعرّفت خلال الدراسة على الشيعة، فأعجبت بهم لوسع ثقافتهم الدينية وارتفاع مستواهم الفكري، وتقرّبت إليهم حتى أصبحت لي علاقة ودّيه مع اثنين منهم، فكنت أجالسهم وأتحدّث معهم في شتى المجالات العلمية والثقافية، حتى دار بيني وبينهم ذات يوم حوار حول مسألة المذاهب والأديان، فأخبرتهما بأنني شيعي ـ باعتباري سيد هاشمي ـ.
فقالا لي: كيف تكون شيعياً ونحن لا نرى ممارساتك العبادية وفق المذهب الجعفري؟!.
فتعجّبت من كلامهما! وقلت: ما هو منهج الشيعة في العبادة غير ماأنا عليه؟
فبدأ زميلاي يحدثاني عن أصول مذهب الشيعة ومعالمه وخطوطه العريضة، وذكرا لي الظروف القاسية والمحن الصعبة التي مر بها هذا المذهب وأتباعه.
فاستغربت من ذلك! وعرفت ذلك الحين مدى غفلتي عن الواقع والحقيقة، وقرّرت بعد ذلك أن أبذل قصارى جهدي للحصول على معتقد يرتكز على الدليل
والبرهان فاعتنقه عن علم ودراية، ولئلا أكون كما أنا عليه الآن متزلزلاً لا أمتلك أي دليل أستند وألتجىء إليه عند مواجهتي لأدنى شبهة.
وطلبت منهما إرفادي بكتب الشيعة العقائدية والفقهية والتاريخية لأتحقق من نفسي، ولأصل إلى ما يوافق كتاب الله وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) ونهج آله(عليهم السلام)، وأتخذه سبيلاً أسير عليه بعزم وثبات في حياتي، فأرسلا إليّ الكتب، وعكفت على قراءتها ومطالعتها بدقة وإمعان، وكنت أناقش ما كان غامضاً فيها معهما ومع غيرهما، وبعد مضى فترة أدركت أنّ مضامين هذه الكتب متينة الاستدلال سهلة الأسلوب ومستظلة بمظلة القرآن، وموافقه لسنة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وزاخرة بتراث العترة الطاهرة(عليهم السلام)، فكانت هذه الكتب تلامس شغاف قلبي وتفتح أبواب عقلي.
بمرور الزمان توثقت عرى الصداقة بيني وبين هذين الأخوين، فاشتركت معهما في نشاطات تربوية وثقافية مختلفة منها إحياء مراسم عاشوراء، وفي أجواء إحيائنا لواقعة الطفّ الدامية أحببت البحث في هذه المسألة لاستيعابها.
وفي بدء الأمر حاولت الإحاطة بما جرى في يوم عاشوراء على أهل البيت(عليهم السلام) في أرض كربلاء، فقرأت أحداث هذه الواقعة حتى بلغت آخرها في عصر يوم عاشوراء، وذلك حينما بدأت شمس العاشر من محرم عام 61 ه تجمع أشعتها عن أرض كربلاء المضمخة بالدماء، بدء اللئام ليدونوا في سجل التاريخ فصلاً آخر من فصول جرائمهم البشعة! فداهموا الخيام، وأستباحوا الرحال، وانتبهوا الأموال، وروعوا الأطفال، وأشعلوا النار حتى أخذت تلتهم كل شيء، فدهشت النساء، وارتاعت الصبية، وفروا في البيداء ليكونوا طعمة لسنابك الخيل،
وعرضة للضياع....
إنّ الأحداث الرهيبة التي جرت في واقعة كربلاء جعلتني أتساءل عن الداعي الذي حدا بالإمام الحسين(عليه السلام) لإخراج عياله معه؟
راجعت كتب التاريخ والسير لعلّي أجد السبب في ذلك، فعثرت على إحدى الحقائق الهامّة التي أفصح عنها أبو الفرج الاصفهاني بقوله: " بعد خروج الحسين(عليه السلام) أمر عمرو بن سعيد بن العاص صاحب شرطته على المدينة، أن يهدم دور بني هاشم، وبلغ منهم كل مبلغ!! "(1).
فتبيّن لي عندئذ لؤم ودناءة نفسية الأمويين، وعرفت سبب إخراج الإمام الحسين(عليه السلام) أهل بيته معه، فإنّ بني أميّة إذ عمدوا إلى هدم الدور الخالية للتنكيل ببني هاشم، فما عساهم أن يفعلوا بإخوة وأبناء ونساء الحسين(عليه السلام) لو ظفروا بهم؟! فإنّهم من المؤكد سيكونون عرضة للذبح والانتهاك... ".
وفي الحقيقة أنّ هذه الضغوط من مبتكرات الأمويين وسماتهم التي كانوا يتخذونها لإخضاع المعارضين، وليس بالمستبعد من يزيد بن معاوية أن يبادر إلى قتل واحد من آل الحسين(عليه السلام) في كلّ يوم ما لم يأت الحسين(عليه السلام) ويسلّم نفسه!، وليس هذا الأمر بمستبعد من آل أميّة خصوصاً وأنّ التشفي طبيعة نسجت عليها أوصالهم، وتعامل هند زوجة أبي سفيان مع جسد حمزة بن عبد المطّلب الطاهر في أُحد، بمضغها كبده وتمثيلها بجسده الشريف، خير شاهد على عدم استبعاد ارتكاب هذه الجرائم من هذه الشجرة الخبيثة.
1) أنظر: الأغاني لأبي الفرج الاصفهاني: 5 / 82.
ومن هنا فإنّ إخراج الحسين(عليه السلام) للعيال معه، وعدم تركهم لقمة سائغة وفريسة سهلة بيد الجلاوزة، كان أمراً طبيعيّاً لابد من القيام به، فالحسين(عليه السلام)عاش هذه الظروف الصعبة وكانت الخيارات أمامه محدودة، فهو(عليه السلام) لاقى نفس المحنة التي عاشها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من قبل، وكان موقفه كموقف جدّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عندما هاجر من مكّة ترك إبنته الزهراء عند فاطمة بنت أسد، ثم لم يدخل المدينة حتى إلتحق به الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) مع ضعينة الفواطم، فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخشى أن يستخدم المشركون حجز إبنته ورقة ضغط عليه، فأودعها عند عائلة الإمام عليّ(عليه السلام)، ولو كان الإمام الحسين(عليه السلام) يضمن بقاء عياله في مأمن من التعدي، وأيدي أمينة كأيدي أبيه(عليه السلام) ما كان صحب العيال معه!.
وقد يسأل السائل: فأين إذاً المهاجرون والأنصار وأبناؤهم؟! ألم يكونوا عاهدوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من قبل أنّهم يذودون عنه وعن آله كما يذودون عن أنفسهم!
والجواب يكون ماثلاً وواضحاً عندما يتبيّن للسائل موقف المهاجرين والأنصار في أحداث السقيفة! وأنّ القوم لم يدافعوا عن أمّ الإمام الحسين(عليه السلام)وهي بضعة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما هجم الأوغاد على دارها، وأحرقوا بابها، ورضوا ضلعها، وهدّدوا بعلها بالقتل أمام مرأى ومسمع الجميع، ولم يتقدّم أحد من المهاجرين والأنصار للدفاع والذب عن حريم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فمن الأولى بالإمام الحسين أن لا يأمن على أهله من أتباع يزيد وأن يتركهم في أوساط هؤلاء.
والذي يتأمّل كل هذا يجد من غير المستبعد أن يطيع أهل المدينة يزيد فيمالو كلّفهم بحرق بيت الإمام الحسين(عليه السلام) على من فيه.
يقول السيّد صادق: " بعد انتهاء المراسم التي أحييناها بمناسبة ذكرى مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) يوم عاشوراء، جلست وقت غروب ذلك اليوم وحيداً منعزلاً عن جماعتي تحت ظل السماء، وغرقت في التفكير حتى خيّم عليَّ الهمّ والحزن، ورفعت رأسي أنظر إلى غروب الشمس العاشر من المحرّم، فكانت السماء دامية توحي بالحزن والكآبة، ثم تأملت بما قمت به في ذلك اليوم، فرأيت أني طويت يوماً طال أمده بالنسبة لي!.
وبعد مضي ذلك اليوم طفقت أتتبع خطى الحسين(عليه السلام)واسلوبه في النهضة، كي أشفي غليلي من الأسئلة التي تعتلج في صدري، كتشنيع البعض على الشيعة وإتهامهم بقتل الحسين(عليه السلام) لتبرير ساحة بني أميّة من هذه الجريمة النكراء!.
وقد قيض الله تعالى لي مجموعة من الكتب التي فندت هذا الإدعاء بشكل تام، وفهمت منها ومن بعض المحاورات التي كانت تدور بيني وبين الآخرين، إنّه لم يكن في الجيوش الزاحفة لحرب الإمام الحسين(عليه السلام) شيعي واحد! ".
فإنّ الكوفة قد خلت تقريباً ـ في هذه الفترة ـ من الشيعة، حيث تعرضوا لحملات الإبادة والتنكيل والتهجير، فكان شيعة أهل البيت(عليهم السلام) في الكوفة أكثر الناس بلاءً وأشدهم محنة، كما قال ابن أبي الحديد: " فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق، ولاسيما بالكوفة، حتى أنّ الرجل من شيعة عليّ(عليه السلام) ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته فيلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولايحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه... فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن عليّ(عليه السلام)، فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على
دمه أو طريد في الأرض "(1)، بل تعدى الأمر حتى كتب معاوية إلى عمّاله نسخة واحدة: " أنظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه "، وشفع بذلك بنسخة أخرى: " من إتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به واهدموا داره "(2).
ويصف الإمام محمّد الباقر(عليه السلام) ذلك الوقت قائلاً: " وقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكل من يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره، ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين(عليه السلام)... "(3).
وبهذه السياسة خلت الكوفة من الشيعة تقريباً، خصوصاً بعد حملات التهجير والنفي التي شنت على أتباع أهل البيت(عليهم السلام) أيام زياد ابن أبيه، حيث أبعد خمسين ألفاً منهم إلى خراسان!، والكوفة كانت شيعية النزعة أيام خلافة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولكنّها تغيّرت بعد ذلك فقلّ عددهم فيها.
وقد أكّد القوم الزاحفون لحرب الحسين(عليه السلام) أنّهم ليسوا من الشيعة، بل هم عثمانيون!! عندما قالوا: " ليعطش كما عطش من كان قلبه " إشارة إلى عثمان عندما حاصره الثوار في بيته، وأثبتوا ذلك أيضاً عندما سألهم سيد الشهداء(عليه السلام)بقوله: " ويلكم! أتطلبوني بدم أحد منكم قتلته، أو بمال استملكته، أو بقصاص من جراحات استهلكته؟ "(4)، فقالوا: " نقتلك بغضاً منا لأبيك! "(5)، ولايوجد
شيعي واحد يبغض الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام)، فأين هؤلاء من التشيع!!.
ثم إنّ الإمام الحسين(عليه السلام) قد حدّد انتماءهم بقوله: " يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون "(1)، فهل بعد كل هذا يقول أحد أنّ الشيعة هم قتلة الإمام الحسين(صلى الله عليه وآله وسلم)!!.
ولعل البعض يحاول جعل من شاركوا في حرب صفين مع الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) كشمر بن ذي الجوشن، وشبث بن ربعي، وقيس بن الأشعث من الشيعة، ولكن هذه مغالطة مكشوفة فإنّ هؤلاء من أبرز الذين تمرّدوا على الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وخرجوا عليه، في العوبة رفع المصاحف التي دبّرها عمرو بن العاص!، فالقوم خارجون عن الدين مارقون منه، ليس بينهم وبين التشيّع صلة وإنتماء.
ويقول السيد صادق النقوي: " لقد أراحتني هذه الإجابات، ودفعتني لتصحيح عقائدي الموروثة، فكنت بعد ذلك من الملتزمين بإحياء هذه المراسم.
وجئت ذات يوم إلى أبي وقلت له: أبتاه نحن من سلالة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأولى الناس بإتباع ذريته الطاهرة التي أبعد الله عنها الرجس، فعلينا أن لا نبتعد عن مسلكهم لأنّهم سفن النجاة، ونجوم الأمان والهداية.
وأخذت أشرح له الحقائق التي عرفتها، فما كان منه إلاّ أن وافقني على ذلك، بل دفعني للالتحاق بمدارس الإمامية لأنهل من علوم العترة الطيبة وأسير بسيرتهم(عليهم السلام) وأكون داعية لمذهبهم ".
1) أنظر: مقتل الحسين للخوارزمي: 2 / 38، وغيره.
الصورة
ولد عام 1977م بمدينة " المحويت " في اليمن(1)، من أسرة زيدية، كان يميل بشكل كبير للوهابيّة، يواصل الآن دراسته في الطبّ.
تشرّف عام 1997م باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، بعد حوارات ومناقشات عديدة ودراسة موضوعيّة لعقائد الشيعة وآراء الوهابية.
يقول السيّد العسيري: " قرّرت أن أعيش في ظلّ النظريّة الإلهيّة بأن ألتزم بالمبادئ الإسلاميّة لضمان سعادتي في كلا الدارين، فسرت على نهج الوهابية وذلك لإعجابي بهم حتى حضرت معهم حلقات الدرس، وكنت أرمي بعقلي حيثما وجدت مخالفة للعقل ـ على أساس أنّ العقل هوى ويجب القضاء على الهوى ـ، وهكذا بدأت أتعمق في فهم تصوراتهم حتى بلغت إلى الاعتقاد بالتجسيم لله سبحانه وتعالى!.
وذات يوم سمعت أنّ أحد أقربائي قد إنتمى إلى التشيّع، فذهبت إليه لعلّي
1) اليمن: أنظر: الترجمة رقم {9}.
أجد سبيلا إلى هدايته ـ حسب اعتقادي ـ وبدأت أناقشه، حتى تركز البحث حول مسألة الجمع بين الصلاتين، فأخبرني قريبي بإمكانية الجمع، وذكر لي ما أورده البخاري من روايات المجوزة لذلك(1)، ولكنني حبّذت عدم مواصلة البحث معه في هذا المجال لأنّ الموضوع كان فقهياً ويعتبر من فروع الدين، فقرّرت مناقشته في مسائل الأصول التي تمثل القاعدة في بنية العقيدة.
وكانت البداية هي البحث عن التوحيد باعتباره الأصل الأوّل من المسائل الاعتقادية، فالوهابية تعتقد أنّه تعالى بذاته موجود على العرش، وبعلمه يتواجد في كلّ مكان، ولم يكن لي علم بمصدر هذا التقسيم! لكنني كنت أعلم بأنني موظف باتباع ما يملي عليَّ العلماء من دون مناقشة ذلك، وكان قريبي الشيعي متفتحاً وواعياً لا يقول شيئاً إلاّ عن علم ودراية، فبدأ يسرد لي الآيات التي تنزه الله عزّوجلّ عن ذلك.
فحاولت أن أقيّده ليتمسك بظاهر الألفاظ، وأن لا يتخطي عن دائرة الألفاظ إلى مجال المعاني، فبدأ قريبي يستشهد لدعم تنزيهه جلّ وعلا بالروايات الواردة في هذا الخصوص، ومن هنا دخلنا في موضوع الأحاديث ومصداقية كتب الحديث عند أبناء العامة وحجيتها، فسجّلت نقاط الخلاف بيننا وبين الشيعة، وقرّرت الرجوع إلى أحد الأساتذة الوهابيين لأحصل على إجابة الإشكالات التي ذكرها قريبي.
وبالفعل ذهبت لأحد الأساتذة وشرحت له ما جرى بيني وبين قريبي من حوار حول التوحيد، وقدّمت له الورقة التي دوّنت فيها الإشكالات ونقاط
1) أنظر: صحيح البخاري، باب وقت المغرب، وباب وقت العصر، وقد مر ذلك في هذا الكتاب.
الاختلاف، فأخبرني بأنّه سيجيب عليها في اليوم التالي.
وذهبت إليه في الموعد المحدّد، وإذا به يُسمعني آراء ابن تيميّة حول الشيعة بأنّهم مشركون وضالون وينبغي اجتناب مجالستهم!.
فقلت له: أنا أعلم ذلك، ولكن أريد جواباً لتفنيد إشكالات قريبي؟
فقال لي الأستاذ: إنّ الله عزّوجلّ لو أراد أن يهدي قريبك لهداه، ولكن قلّ من تشيّع ثم هداه الله!.
فلم يرق لي جواب الأستاذ، ووجدت أجابته توحي بعدم قدرته على الردّ.
بعد ذلك طلبت من الأستاذ كتاباً حول الشيعة، فأعطاني كتيب (الخطوط العريضة)، فأخذته وطالعته، ثم ذهبت إلى قريبي الشيعي، ورحت أكيل له ولمذهبه التهم التي ذكرها مؤلف الكتيب محب الدين الخطيب.
فكان قريبي صبوراً يسمع تهجمي بهدوء وتأنّي، بعد ذلك بدأ يجيب ماوجهت له من أسئلة وشبهات من دون انفعال، وكانت أوّليات النقاش قد تمحورت حول ما أدّعاه الخطيب بخصوص ما نسب إلى عمر ".
في الحقيقة أنّ ما تقوّل به المؤلف في هذا الكتيب، مجرّد تهمة حاول إلصاقها بعلماء الشيعة، فإنّه حكى عنهم هذه المقالة التافهة في كتاب اسمه (الزهراء)، وهو أمر ليس له أساس من الصحّة، ولو كان صادقاً في إدعائه لأسند نشر هذا الكتاب إلى ناشر معين، ولذكر اسم مؤلفه! ولم يسنده إلى علماء النجف الأشرف ـ فهم من أحوط الناس وأشدّهم رعاية لحرمة الإسلام والمسلمين، ولا تجري أقلامهم وألسنتهم النزيهة إلاّ في مرضاة الله والإصلاح بين المسلمين ـ، ولكن الخطيب لا يريد بذلك سوى الطعن والتجريح وإثارة الفتنة وتفريق الكلمة،
بل يبدو منه تثبيت هذا الأمر على عمر بن الخطاب وإشاعته حكاية عن علماء الشيعة في النجف الأشرف!.
ولو سلّمنا وجود شئ من هذا، فهل يصح نسبته إلى عموم علماء الشيعة؟! وإذا كان مبنى الخطيب على هذا الأساس، فعند ذلك يحق أن تنسب عقائد النواصب ـ الذين أحدثوا في الإسلام الحوادث العجيبة ـ إلى جميع أبناء العامّة.
حاول الخطيب في كتيّبه هذا أن يعمّق الهوّة ويوسّع الفجوة بين الشيعة وأبناء العامّة، وذلك بقوله: " فالفقه عند أهل السنة وعند الشيعة لا يرجع إلى أصول مسلّمة عند الفريقين، والتشريع الفقهي عند الأئمّة الأربعة من أهل السنة قائم على غير الأُسس التي يقوم عليها التشريع الفقهي عند الشيعة... "(1).
لكن الفقه عند جميع المسلمين من الشيعة وأبناء العامة في الواقع يرجع إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم)، والشيعة أشدّ الناس تمسكاً بهما، فعلى هذا كيف تكون الأُسس التي قام عليها التشريع الفقهي عند أبناء العامّة مغايرة للأُسس التي قام عليها عند الشيعة، علماً أنّ أئمة المذاهب وتلامذتهم أخذوا عن الإمام جعفرالصادق(عليه السلام)!.
وفي الحقيقة أنّ الفرق بين الطائفتين، إنّ الشيعة لا تجوّز العمل بالقياس والاستحسان والاجتهاد مقابل النصّ كما هو متعارف عند غيرهم.
ثمّ يعرض الخطيب خطاً عريضاً آخر من أُفقه الطائفي الضيق، فيدّعي أنّ الشيعة لا يدخلون الفقه السني في دراساتهم! وينكر على الأزهر دراسة الفقه
1) الخطوط العريضة: 11 ـ 12.
الجعفري في أروقته، كنمط خاصّ من دراسات الفقه الإسلامي!.
في حين أنّ الأزهر إذا أراد أن يكون حرّاً في دراساته وموضوعياً في نقاشاته، فعليه بدراسة فقه وعقائد وتفسير الشيعة، ليعرف مدى رسوخهم وتأثيرهم في تاريخ الإسلام والمسلمين.
كما أنّ مقولة الخطيب بأنّ الشيعة لا يدرسون الفقه السني، مجرّد إدّعاء ليس له صحّة في الواقع، فإنّ مدارس الشيعة وحوزاتهم لا تتناول الفقه السني فقط، بل تفسير وعقائد وتاريخ أبناء العامّة بكلّ دقّة وأمانة(1)، وتضعه على طاولة البحث ثم تناقشه لتصل إلى النتائج التي يدعمها الدليل والبرهان من القرآن والسنّة.
وهذه مكتباتهم العامّة والخاصّة تعجّ بمئات الكتب السنّيّة لمختلف الكتّاب، ومنابرهم يذكر فيها آراء أبناء العامة جنباً إلى آراء الشيعة، وتُخضع كافة الآراء للنقد والتحليل.
فالشيعة يتناولون في أبحاثهم جميع الآراء بدقة وإمعان، وهم لقوّة ثقتهم بما يذهبون إليه وعدم تعصبهم، لا يخشون على عقائدهم من النقد كما تحاول بعض الطوائف أبعاد أتباعهم عن أفكار وكتب الآخرين.
شنّ الخطيب في كتابه أيضاً حملته المسعورة على الشيعة لعملهم ولإيمانهم بالتقيّة الّتي شرّعها الله تعالى في كتابه العزيز، وقاية للمؤمن ومتعلقاته
1) إنّ الشيعة يدرسون أقوال جميع أئمّة الفقه ورؤساء المذاهب، ويذكرون خلافاتهم، ويبحثون في أدلّة الأقوال، ويأخذون بما هو أوفق للكتاب والسنة، وكتب علمائهم مثل (الخلاف) للشيخ الطوسي، و(التذكرة) للعلاّمة الحلي، وغيرها خير دليل على ذلك.
وصيانة لمعتقداته حيثما وجد نفسه لا يقوى على مقاومة أعداءه.
والتقيّة في الحقيقة هي إظهار الإنسان ما يغاير باطنه المؤمن به والمطمئن إليه لدفع ما يحيق به من شرور، وهي من المفاهيم الإسلاميّة الأصيلة، التي أكّدتها السنة النبويّة المطهّرة، وعمل بها الصحابة والتابعين، كما أنّها موافقة لحكم العقل، فالعقل يأمر صاحبه بتجنّب ما يحتمل فيه الضرر، سواء كان ذلك في أصول العقائد الإسلاميّة أم في الأحكام الشرعيّة، بل وحتى في الآداب والأخلاق العامة.
كما أنّ التقية غير مختصة بمذهب معين، وإنّما كان سبب تميّز الإماميّة بها للمعاناة الطويلة التي مرّوا بها من حكّام الظلم والجور، وهذا لا يعني أنّ غيرهم لم يعمل أو لم يقل بها!
فقد ورد عن أئمة المذاهب الأربعة وفقهائهم أقوالاً في مشروعيّة التقيّة، ومنها:
ذكر الإمام مالك عدم وقوع طلاق المكره على نحو التقيّة(1).
وذكر ابن العربي المالكي أنّ من يكفر تقيّة وقلبه مطمئن بالإيمان لا تجري عليه أحكام المرتد، لعذره في الدنيا... ; كما صرّح بأنّ الإكراه إذا وقع على فروع الشريعة لا يؤاخذ المكره بشيء(2).
وذكر ابن جزي المالكي جواز التلفّظ بكلمة الكفر عند الإكراه عليها... ثمّ قال: " قال مالك: لا يلزم المكره يمين ولا طلاق ولا عتق ولا شئ فيما بينه وبين الله، ويلزمه ما كان من حقوق الناس، ولا تجوز الإجابة إليه كالإكراه على قتل أحّد أو أخذ ماله "(3).
أمّا أبو حيّان الأندلسي المالكي فيرى صحّة التقيّة من كلّ غالب يكره بجور منه، فيدخل في ذلك الكفّار وجورة الرؤساء والسلابة وأهل الجاه في الحواضر ; كما تصحّ التقيّة عنده في حالة الخوف على الجوارح والضرب بالسوط والوعيد وعداوة أهل الجاه الجورة، وأنّها تكون بالكفر فما دونه من بيع وهبة ونحو ذلك(1).
والتقيّة في الفقه الحنفي فواسعة جدّاً! حيث قال السرخسي الحنفي: "يجوز ترك الصلاة الواجبة عند الإكراه على تركها، وكذلك الإفطار في شهر رمضان المبارك... وكما تصحّ التقية في هذه الأمور تصح أيضاً في حالات كثيرة أخرى فيما لو أكره المرء عليها... وإنّ من لم يفعل ذلك وهو يعلم أنه يسعه كان آثماً، وليس له أن يمتنع منه، كما جوّز كلمة الشرك على اللسان تقية عند الإكراه"(2).
أمّا ابن نجيم الحنفي، فقد نصّ على قاعدة هامة توجب على المكره أو المضطرّ الموازنة بين المفسدة الناتجة من الإقدام على الفعل المكره عليه أو المضطر إليه، وبين المفسدة الناتجة من حالة الترك... ثمّ ينقل عن الزيلعي قوله: "الأصل في جنس هذه المسائل أنّ من ابتلى ببليتين، وهما متساويتان، يأخذ بإيّهما شاء، وإن اختلفتا يختار أهونهما، لأنّ مباشرة الحرام لا تجوز إلاّ للضرورة، ولا ضرورة في حقّ الزيادة "(3).
هذا بالاضافة إلى أقوال أخرى في مصادر الأحناف تحدّثت عن التقيّة(4).
والتقية عند الشوافع، فكما يقول الإمام الشافعي تصحّ في الأُمور التي يباح للمكره التكلم بها، أو فعلها مع كونها محرمة شرعاً(1).
وقال الكيا الهراسي الشافعي عمن يكفر بالله تعالى مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان: " إنَّ حكم الردّة لا يلزمه... إنّ المشرّع غفر له لما يدفع به عن نفسه من الضرر... واستدلّ به أصحاب الشافعي على نفي وقوع طلاق المكره وعتاقه وكلّ قوله حُمل عليه بباطل، نظراً لما فيه من حفظ حقه عليه، كما امتنع الحكم بنفوذ ردته حفظاً على دينه "(2).
وذكر ابن حجر العسقلاني الشافعي جواز التقيّة عند الإكراه على تلفّظ كلمة الكفر(3).
ويرى الحنابلة أيضاً جواز العمل بالتقيّة، حيث صرّح ابن قدامة الحنبلي بإباحة التقيّة في حالات الإكراه، وقال: " إنّما أبيح له فعل المكره عليه، دفعاً لما يتوعده به من العقوبة فيما بعد "(4).
ومن التقيّة في الفقه الحنبلي، الإكراه على كلمة الكفر، وقد صرّح بذلك مفسروا الحنابلة كابن الجوزي الذي نصّ على جواز الكفر تقيّة عند الإكراه على الكفر(5).
وقال بهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي: " أجمع العلماء على إباحة الأكل من الميتة للمضطر، وكذلك سائر المحرمات التي لاتزيل العقل "(6).
كما قال ابن تيميّة في رده على البكري: " ولو قدّر أن شخصاً أبطن خلاف ما يظهر من الأقوال لم يكن زنديقاً إلاّ إذا أبطن الكفر، وإلاّ فمن أبطن قولا يعتقد أنّه دين الإسلام ويناظر عليه لم يكن هذا زنديقاً عند الفقهاء... "(1).
ادّعى الخطيب بأنّ الشيعة يقولون بتحريف القرآن، وهو إفتراءٌ آخر يضاف إلى سلسلة الافتراءات التي حواها هذا الكتيّب.
فالقرآن الكريم يمثّل روح الأُمّة الإسلاميّة التي لا غنى للمسلمين عنها، فهو كيانهم ووجودهم، وقد أجمعوا على أنّ القرآن هو هذا الذي بين الدفتين لم يزاد فيه ولم يعتريه النقصان، وهذا ما يؤمن به الشيعة.
وكملاحظة نلفت النظر إليها، إنّ محدثي الشيعة عنوا منذ القرون الأُولى بجمع الروايات الواصلة إليهم عن الأئمة(عليهم السلام) ـ صوناً لها من الضياع وحفظاً لها من النسيان ـ من غير نظر إلى متونها أو أسانيدها، فالرواية على هذا الأساس أعمّ من الاعتقاد، ولذا لا يجوز نسبة مطلب إلى راو أو محدّث ـ فضلا عن طائفة ـ بمجرد نقله لخبر يدل على ذلك المطلب، فإذا صرّح كاتب بمعتقد ما، فلا يصحّ تعميم اعتقاده على الطائفة بأجمعها، لأنّ مبناه في صحّة تلك الأخبار أو تبنيه لذلك المعتقد قد يكون مخالفاً لمباني الآخرين.
ويؤكد ماذكرناه ـ من أنه رأي شخصي ـ أنّ علماء الشيعة المعاصرين للشيخ حسين النوري الطبرسي، والمتأخرين عنه تناولوا كتابه بالردّ والنقد، كالسيد محمّد حسين الشهرستاني، والشيخ محمود العراقي وغيرهما، وللشيخ
1) أنظر: الاستغاذة في الردّ على البكري لابن تيمية: 2 / 595.
البلاغي بعض الكلام في هذا الباب في مقدّمة تفسيره (آلاء الرحمن)(1)، بل أنّ الشيخ النوري نفسه يعترف بصراحة بتفرّده في هذا القول(2)!.
فليس من حقّ الخطيب أن ينسب تهمة التحريف للشيعة ـ لأنّ أحد علمائهم قال به ـ في حين نجده يتعامى عن آراء الفطاحل منهم، ومن له الباع الطويل والقدم الراسخ في حفظ التراث الإسلامي الأصيل من الضياع.
قد صرّح أعلام الإماميّة بعدم تحريف القرآن، ومنهم:
1 ـ الشيخ محمّد بن عليّ ابن بابويه الملقّب بالصدوق(رحمه الله): " اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) هو ما بين الدفتين، وهو ما بين أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سورهُ عند الناس مائة وأربع عشرة سورة"...، ثمّ يقول: " ومن نسب إلينا أنّا نقول أنّه أكثر من ذلك فهو كاذب "(3).
2 ـ الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي(رحمه الله): " أمّا الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به، لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها، وأمّا النقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا "(4).
3 ـ الشيخ أبو عليّ الطبرسي(رحمه الله): " فأمّا الزيادة فيه فمجمع على بطلانه، وأمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامّة أنّ في القرآن تغيّير أو نقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره
المرتضى قدّس الله روحه، واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات "(1).
4 ـ الشيخ جعفر كاشف الغطاء(رحمه الله): " ولا زيادة فيه من سورة ولا آية، من بسملة وغيرها، لا كلمة ولا حرف، وجميع ما بين الدفتين ممّا يتلى كلام الله تعالى بالضرورة من المذهب، بل الدين وإجماع المسلمين، وأخبار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة الطاهرين(عليهم السلام)....
الثامن نقصه: لا ريب في أنّه محفوظ من النقصان، بحفظ ملك الديان، كما دلّ عليه صريح القرآن، وإجماع العلماء في جميع الأزمان، ولا عبرة بالنادر، وما ورد من أخبار النقيصة تمنع البديهة من العلم بظاهرها "(2).
5 ـ السيّد عبد الحسين شرف الدين العاملي(رحمه الله): " والقرآن الحكيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إنّما هو ما بين الدفتين، وهو مافي أيدي الناس لا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً، ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة ولا لحرف بحرف، وكلّ حرف من حروفه متواتر في كلّ جيل تواتراً قطعياً... وهذا كلّه من الأُمور المعلومة لدى المحققين من علماء الإماميّة، ولا عبرة بالحشوية فإنّهم لا يفقهون"(3).
ولو رمنا استقصاء كلمات الأعاظم من علماء الشيعة في كلّ جيل لطال بنا الكلام(4)، فالمعروف اذن والمشهور بين الإماميّة هو القول بعدم تحريف
1) أنظر: مقدّمة تفسير مجمع البيان (الفن الخامس منها): 1 / 83.
2) أنظر: كشف الغطاء للشيخ جعفر كاشف الغطاء: 2 / 298.
3) أنظر: الفصول المهمّة للعاملي، الفصل الحادي عشر: 241.
4) ومن هؤلاء الأعلام: الشريف الرضي، الشيخ المفيد، السيّد المرتضى، ابن شهر آشوب، العلاّمة الحلي، المحقّق الكركي، الشيخ بهاء الدين العاملي، الفيض الكاشاني، الحرّ العاملي، الشيخ المجلسي، السيّد بحر العلوم، الشيخ الكرباسي، الشيخ الاشتياني، الشيخ المامقاني، الشيخ محمّد جواد البلاغي، السيّد محسن الأمين، الشيخ الأميني، الشيخ الاوردبادي، الشيخ محمّد رضا المظفّر، العلاّمة الطباطبائي، الإمام الخميني، السيّد الخوئي. أنظر: كتاب صيانة القرآن من التحريف لمحمد هادي معرفة.
القرآن الكريم.
إنّ الباحث عندما ينظر في كتب أبناء العامّة يجد أنّ أحاديث النقصان والزيادة في القرآن الكريم في كتبهم كثيرة العدد، صحيحة الإسناد عندهم، واضحة الدلالة، خصوصاً وأنّها في كتبهم المعتبرة (الصحاح) التي يذهب جمهورهم إلى أن جميع مافيها مقطوع بصدوره عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)! لا سيّما صحيحي مسلم والبخاري.
ما اشتهر عن عبد الله بن مسعود وأتباعه من زيادة المعوذتين! حيث كان عبد الله يحك المعوذتين من مصاحفه، ويقول: " انّهما ليستا من كتاب الله تبارك وتعالى "(1).
ويروي البخاري بسنده عن علقمة، قال: " دخلت في نفر من أصحاب عبد الله الشام، فسمع بنا أبو الدرداء فأتانا فقال: أفيكم من أقرأ؟ فقلنا: نعم. قال: فأيّكم أقرأ؟ فأشاروا إليّ، فقال: إقرأ، فقرأت: (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى)، فقال: أنت سمعتها من فيّ صاحبك؟ قلت: نعم، قال: وأنا سمعتها من فيّ النبيّ، وهؤلاء يأبون علينا "(2).
وفي رواية مسلم والترمذي: " أنا والله هكذا سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو
يقرؤها، وهؤلاء يريدونني أن أقرأها: وما خلق، فلا أتابعهم "(1).
إنّ أحاديث نقصان سور القرآن الكريم عندهم فكثيرة، منها:
إنّ أبا موسى الأشعري قال لقراء أهل البصرة: " وإنّا كنّا نقرأ سورة كنّا نشبهها في الطول والشدّة ببراءة، فأنسيتها، غير أني حفظت منها: لو كان لإبن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوفه ابن آدم إلاّ التراب "(2).
هذا بالإضافة إلى الأحاديث الواردة حول نقصان سورة الأحزاب(3)، وكذا سورة التوبة(4)، وسورة يشبّهونها بإحدى المسبحات(5)، وسورتي الخلع والحفد(6).
أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب أنّه قال: " إنّ الله بعث محمّداً بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله... ثمّ إنّا كنا نقرأ ـ فيما نقرآ من كتاب الله ـ: (أن لا ترغبوا عن آبائكم فانّه كفر بكم أن ترغبوا
1) صحيح الترمذي: 5 / 191، صحيح مسلم: 1 / 565 {824}.
2) أنظر: صحيح مسلم: 2 / 726 {1050}.
3) أنظر: الدر المنثور للسيوطي: 5 / 179 و 180، كنز العمّال: 2 / 567 {4743}، الاتقان في علوم القرآن للسيوطي: 2 / 67 {4121}.
4) أنظر: الدرّ المنثور للسيوطي: 3 / 208.
5) أنظر: صحيح مسلم: 2 / 726 {1050}.
6) أنظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: 2 / 68 {4132}.
عن آبائكم)، أو: (كفراً بكم ان ترغبوا عن ابائكم)... "(1).
أخرج مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري: " وكنّا نقرأ سورة كنّا نشبهها بإحدى المسبحات نسيتها غير أني حفظت منها: (يا أيّها الذين آمنوا لم تقولون ما لا، تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة)"(2).
قال الحافظ السيوطي: " أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود، قال: كنّا نقرأ على عهد رسول الله (يا أيّها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك أنّ عليّاً مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس) "(3).
أخرج الثعلبي بسنده عن أبي وائل، قال: " قرأت في مصحف عبد الله بن مسعود: (إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمّد على العالمين) "(4).
آية كفى الله المؤمنين القتال...:
روى الحافظ السيوطي في تفسير قوله تعالى: (كَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ)(1)عن ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر، " عن ابن مسعود: أنّه كان يقرأ الآية هكذا: (كفى الله المؤمنين القتال بعلي ابن أبي طالب) "(2).
هذا بالإضافة إلى أحاديث عديدة روتها كتب العامّة حول آيات: المتعة(3)، الصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(4)، ولاية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(5)، الحميّة(6)، المحافظة على الصلوات(7).
فهذه كتب أبناء العامّة وروايات رجالاتهم بهذا الخصوص! فكان الأولى بالخطيب أن ينسب التحريف في القرآن إلى أهل نحلته الذين ألفوا كتباً كثيرة في اختلاف المصاحف، كابن عامر (ت 118 ه)، والكسائي (ت 189 ه)، والفراء البغدادي (ت 207 ه)، وخلف بن هشام (ت 229 ه)، والمدائني (ت 231 ه)، وابن حاتم (ت 248 ه)، ومحمّد بن عيسى الأصبهاني (ت 253ه)، وابن أبي داود السجستاني (ت 316 ه)، وغيرهم!.
ولم يصل إلينا من هذه الكتب إلاّ كتاب (المصاحف) لأحد المتقدمين الحافظ أبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني، المطبوع في المطبعة الرحمانيّة بمصر عام 1355 ه، وقد نقل فيه جملة من الآيات بروايات الصحابة التي ثبت
1) الأحزاب: 25.
2) أنظر: الدرّ المنثور للسيوطي: 5 / 192.
3) أنظر: الدرّ المنثور للسيوطي: 2 / 139 وما بعدها.
4) أنظر: الاتقان في علوم القرآن للسيوطي: 2 / 67 {4121}.
5) أنظر: الدرّ المنثور للسيوطي: 5 / 183 في تفسير (وأزواجه أمهاتهم).
6) أنظر: الدرّ المنثور للسيوطي: 6 / 79.
7) أنظر: فتح الباري للعسقلاني، كتاب التفسير: 8 / 197، الدرّ المنثور للسيوطي: 1 / 302.
أنّها تختلف عما في القرآن الذي بين أيدينا!!.
إذ يقول في أوّل كتابه: " إنّما قلنا مصحف فلان لما خالف مصحفنا هذا من الخطّ أو الزيادة أو النقصان أخذته عن أبي(رحمه الله) ـ صاحب السنن ـ هكذا فعل في كتاب التنزيل "(1).
ومن المتأخرين ابن الخطيب في كتابه (الفرقان) الذي طبع في مطبعة الكتب المصرية بالقاهرة عام 1367 ه.
والجدير ذكره أنّ القرآن الموجود الآن في أيدي المسلمين والذي يتلوه الملايين في أقطار الدنيا على طول القرون إنّما هو بقراءة حفص عن عاصم بن أبي النجود(2)
وألف عثمان بن عمر بن أبي بكر الناشري الزبيدي (ت 848) كتاب در الناظم لرواية حفص من قراءة عاصم، منه نسخة مصورة في معهد المخطوطات في جامعة الدول العربيّة بالقاهرة في 22 ورقة، وقد طبع بتقديم السيّد محمّد حسين الجلالي في " شيكاغو " عام 1418 عن مخطوطة يمنية.
، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، من دون اختلاف كما صرح به العلماء(3)، وعلى هذا مات السلف وعاش الخلف بكلّ فخر وتقدير، ومن دون أدنى ريب ونكير.من افتراءات صاحب الخطوط العريضة، قوله: "... ثاني عشرهم فإنّه
1) كتاب المصاحف للسجستاني: 50.
2) هذه القراءة هي المشهورة بين المسلمين، وقد ألّف حولها العلماء مؤلفات منها: ما كتبه أبو المواهب الحنبلي محمّد بن عبد الباقي البعلي (1014 ـ 1126) فله كتابان: الأول: رسالة في قراءة حفص عن عاصم، نسخته في مكتبة الأسد ـ دمشق. الثاني: فيض الودود بقراءة حفص عن عاصم بن أبي النجود، بخط المؤلف في مكتبة الأسد ـ دمشق.
3) أنظر: مشكل الآثار للطحاوي: 1 / 114 وسير أعلام النبلاء للذهبي: 5 / 258 {119}.
شخصية موهومة، نسبت كذباً للحسن العسكري الذي مات عن غير ولد... "(1)والناظر إلى كتب الفريقين يجد أنّ هذا الأمر اتّفق عليه المسلمون خلفاً عن سلف، وتواترت فيه الأخبار عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): أنه لابد من إمام يخرج في آخر الزمان من نسل عليّ وفاطمة(عليهما السلام)، يسمى باسم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويلقب بالمهدي، يملأ الأرض قسطاً وعدلا بعد ما ملئت ظلماً وجوراً.
فقد أخرج جمع من أعلام أبناء العامة روايات كثيرة، في أنّ المهدي(عليه السلام) من عترة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن ولد فاطمة(عليها السلام) ومن ولد الحسين(عليه السلام)، وأنّه الخليفة الثاني عشر من الخلفاء الذين أخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّهم يملكون أمر هذه الأُمة، وكان منهم:
1 ـ الحافظ أبي نعيم الإصبهاني في كتابه (الأربعين).
2 ـ المتقي الهندي (البرهان في علامات مهدي آخر الزمان).
3 ـ السيوطي (العرف الوردي في أخبار المهدي).
4 ـ ابن حجر (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر).
5 ـ جمال الدين يوسف الدمشقي (عقد الدرر في أخبار المنتظر).
6 ـ الشوكاني (التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح).
فضلا عن الروايات الكثيرة الواردة في أخبار المهدي(عليه السلام) التي أخرجها أكابر المحدثين من أبناء العامة(2)
ومن علماء السنة المعاصرين ناصر الدين الآلباني في مقال نشر بمجلة المجمع العلمي العربي بدمشق تحت رقم 22 / 643 بعنوان (التمدن الإسلامي).
وكذلك عبد العزيز بن باز في مقال نشرته مجلة الجامعة الإسلاميّة في عددها الصادر في ذي القعدة 1389 ه ص 162 تحت عنوان (ذيل عقيدة أهل السنة).
.1) الخطوط العريضة: 55.
2) كالترمذي، وأحمد، وأبي داود، وابن ماجة، والنسائي، والبيهقي، والماوردي، والبخاري في تاريخه الكبير، ومسلم، والطبراني، والسمعاني، وابن عساكر، والدارقطني، والبغوي، وابن الأثير، والحاكم النيسابوري، والشبلنجي، وللمزيد يراجع كتاب (المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة) د. عبد العليم عبد العظيم البستوي / طبع دار ابن حزم ـ المكتبة المكية.
فلا خلاف بين المسلمين في ظهور المهدي الذي يملأ الارض قسطاً وعدلا، وإنّما الخلاف وقع بينهم في أنّه ولد أم سيولد، والشيعة الإماميّة تقول بولادته وبوجوده وحياته وغيبته وأنّه سيظهر بإذن الله تعالى، ورواياتهم في ذلك تجاوزت حدّ التواتر، ورويت في جميع طبقات الأثبات الثقات من الأجلاء الذين لا طريق للغمز فيهم.
وقد وافق الشيعة جمع كثير من أعلام العامّة من أنّ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) هو ابن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) وأنّه غائب، ومنهم:
1 ـ أبو سالم كمال الدين محمّد بن طلحة بن محمّد بن الحسن القرشي العدوي النصيبي والشافعي (ت 702 ه)، الممدوح بأنّه أحد الصدور والرؤساء والمعظمين في كتابة (مطالب السؤول)(1).
2 ـ أبو عبد الله محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي الشافعي (ت 858 ه)، الملقب بالإمام الحافظ في كتابه (البيان في أخبار صاحب الزمان)(2).
3 ـ نور الدين عليّ بن محمّد بن الصباغ المالكي (ت 755 ه)، في كتابه (الفصول المهمّة)(3)، حيث ذكر كلام محمد بن يوسف الكنجي مستشهداً
به ومؤيّداً له.
4 ـ محي الدين أو عبد الله محمّد بن عليّ بن محمّد بن عربي (ت 638 ه)، الملقب بالشيخ الأكبر في كتابه (الفتوحات المكية)(1).
والجدير بالذكر أن المطبوع من الكتاب قد طالته أيدي التحريف والحذف!، ولكن نقل الشعراني في (اليواقيت)(2)لكلام ابن العربي لهو شاهد على أنّه ذكر أنّ المهدي ابن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، وأنّه سيختفي ويظهر بعد حين.
5 ـ عبد الوهاب بن أحمد بن عليّ الشعراني (ت 973 ه) الملقب بالشيخ العارف الخبير في كتابة (اليواقيت والجواهر)(3)، المعظم والممدوح عند علماء العامة، حيث قالوا: أنّه لا يقدح في معاني هذا الكتاب إلاّ معاند أو جاحد كذّاب.
وغير هؤلاء كالبيهقي، وابن روزبهان، وشهاب الدين دولت آبادي، والقندوزي...
ويرى جمع آخر منهم أنّه ولد ـ لا سيولد فيما بعد كما ادعى البعض ـ ومنهم:
1 ـ ابن خلكان في (وفيات الأعيان).
2 ـ ابن طولون في (الشذرات الذهبيّة).
3 ـ السويدي مؤلف (سبائك الذهب).
4 ـ ابن الأثير في (الكامل في التاريخ).
5 ـ أبو الفداء في (المختصر).
6 ـ الشبراوي الشافعي في (الإتحاف).
7 ـ الشبلنجي في (نور الأبصار).
ومع كلّ هذا يدّعي الخطيب أنّ الشيعة ينفردون بهذه المقالة!!، ومما يبعث على الاستغراب! أن يصرّ هذا الرجل على عناده فينكر ما ليس له به علم، وإنْ دلّ هذا على شئ فإنّما يدلّ على التحامل والعصبية القائمة على عدم التتبع.
يقول السيد العسيري: " وبعد الأخذ والردّ بيني وبين قريبي تبيّن لي أنّ الشيعة براء ممّا وجّه إليهم، وعرفت أنّهم لا يعتقدون بفضيلة أو منقبة لأئمتهم إلاّ ويعتقدون لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تلك الفضيلة على النحو الأتم والأكمل، فهو(صلى الله عليه وآله وسلم)لايعدله أحد عندهم، وأنّ الأئمة مأمورون بإتباعه وطاعته كما أطاعه من قبل جدّهم عليّ(عليه السلام)، وهم الذين اختصهم الله تعالى بعنايته واختارهم ليكونوا حججه على خلقه، ولذلك تمسكوا بهم ".
ويضيف العسيري: " وبعد مناقشة مواضيع أخرى، كالسقيفة والإمامة وغيرها أهداني قريبي كتاب (المراجعات)، فكان هذا الكتاب بمثابة الضربة القاضية لكلّ معتقداتي ـ الوهابيّة ـ السابقة! وهكذا لم يبق لي مندوحة في السلوك غير انتهاج طريق أهل البيت(عليهم السلام) ".
الصورة
ولد عام 1970م بمدينة " طوبا " في ساحل العاج(1)، كان في بداية أمره من أهل العامة، ثم تحول إلى الوهابية.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1994م في بلاده.
يقول الأخ عبد الله: " تعرّفت على الشيعة في المرحلة الابتدائية للدراسة، وذلك عن طريق بعض أساتذتنا الشيعة اللبنانيين.
وحيث كان لهؤلاء المعلمين أخلاق رفيعة وشخصيات متينة وأساليب جذّابة في إلقاء الدروس، أثروا بسلوكهم على التلاميذ وجعلوهم متفاعلين معهم عقلياً ونفسياً، وكان من الملاحظ فيهم أمرين ملفتين للنظر:
الأوّل: انّهم كانوا ذو ثقافة عالية وإطلاع واسع لا سيما في الجوانب التاريخية والعقائدية والفقهية.
الثاني: كانت هوية التشيع ظاهرة وبارزة عليهم، بحيث كان معظم كلامهم
1) ساحل العاج: أنظر: الترجمة رقم {3}.
وإرشاداتهم مطعمة بروايات أهل البيت(عليهم السلام)، ولايمضي يوم ـ من أيام الدراسة ـ إلاّ ويذكرون شيئاً من سيرة أهل البيت(عليهم السلام) الناصعة، حتى أنني حفظت الكثير من أحاديث العترة، وكنت أستشهد بها في كلامي مع الآخرين.
حينما تعرّفت على الشيعة كان قد توغل المدّ الوهابي وتسلل إلى القارة الأفريقية، وكان لهؤلاء أساليب متنوعة مدعومة بأموال طائلة، فسحت لهم المجال للتحرّك في الأوساط بشكل واسع، وقد كان لهم تحرك مكثف في المدارس، لعلمهم بأنّ هذه الأماكن منفذ السهل لزرع أفكارهم في نفوس الجيل اليافع، وبما أنني كنت طالباً في إحدى هذه المدارس التي شملها المدّ الوهابي انجرفت كغيري بهذا التيار، وخصوصاً بعد فقدنا الأساتذة السابقين، حيث كان هذا سبباً لفقداننا الجانب المعنوي وضعف مبتيناتي العقائدية، حتى آل الأمر بي أن أنتمي إلى الوهابية نتيجة أنجرافي مع هذا التيّار الذي غزى أوساطنا.
وبعد إتمامي للمرحلة المتوسطة في عام 1988م، شجعني وحثني الوهابيون على السفر إلى السعودية لمواصلة الدراسة في مدارسها الدينية، ولكنني لم أُقبل في أي مدرسة بشكل رسمي فعدت أدراجي إلى ساحل العاج، ولكن الوهابية لم يتركوني وشأني فالحقوني ببعض المشايخ لأتلقّى على أيديهم الدروس والأبحاث الدينية.
كنت أطرح في ذلك الحين جملة من الأسئلة والاستفسارات على مشايخنا بعد الانتهاء من الدرس، وكانت أغلب أسئلتي منطلقة من الأحاديث التي سمعتها
وحفظتها عن المعلمين اللبنانيين الشيعة، كحديث الغدير والثقلين والطير والسفينة والمنزلة و...، كما كنت أسأل عمّا يتعلّق بالأحداث التاريخية كأضطراب الأوضاع أيّام عثمان، وحرب الجمل، وحرب صفين، والخلاف بين الإمام عليّ(عليه السلام)ومعاوية، فكانوا يقرّون بذلك ويجيبونني بشكل مبتور أو ينعطفون بالإجابة إلى أمور أخرى كي يصرفوني عن ذلك!.
كما أنني كنت أشاهد في أوساطنا حملة مسعورة من قبل الوهابيين ضدّ الشيعة والتشيّع لاسيما في مجال الإصدارات، حيث أغرقوا المكتبات والمدارس وحلقات المشايخ بالكتب التي تشنّع على الشيعة وتحط من شأنهم، لتتشبع بها أفكارنا وتمتليء صدورنا بالحقد والغيظ عليهم، ومن هذه الكتب كان كتاب (وجاء دور المجوس) الذي سطّر فيه المؤلف ما شاء من التهم والافتراءات على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ".
في الحقيقة أنّ المطالع لهذا الكتاب يدرك بوضوح أنّ مؤلفه " عبدالله محمد الغريب " قد جانب الموضوعية في بحثه، والإنصاف في حكمه، بل أنّه انطوي على ذهنية طائفية ونفسية منفعلة لمواجهة مذهب أهل البيت(عليهم السلام)!
كما يلحظ أنّ المؤلف اعتبر في هذا الكتاب، أن خصمه الأوّل والأخير هم الشيعة، بل عبّر بصراحة عما يجيش في صدره بخصوص حلقات دروسهم وحوزاتهم وحسينياتهم!(1).
والجدير بالذكر أنّ المؤلف لم يأت بشيء جديد، بل كرّر نفس التهم والأباطيل التي عزف عليها الماضون، كتحريف القرآن، وجهلهم بعلم الحديث،
1) أنظر: وجاء دور المجوس: 5.
وعدم استنادهم إلى البخاري وعدم اعترافهم به مع بقيّة الصحاح، وعدم معرفتهم بالقياس و...
إنّ من أقدم القائلين بتحريف القرآن ووقوع الزيادة والنقصان فيه، هم أئمة أهل العامة!، فإنّ أمّهات مصادرهم تشير إلى ذلك! وإنّ الذين قالوا بالتحريف كان مرجعهم ومستندهم الروايات الواردة في كتب أهل العامة عن أئمتهم كعمر، وعبد الله بن عمر، وعبدالرحمن بن عوف، وعائشة و...
فقد روى المتقي الهندي عن ابن مردويه من مسند عمر، عن حذيفة قال: " قال لي عمر بن الخطاب: كم تعدّون سورة الأحزاب؟ قلت: إثنتين أو ثلاث وسبعين، قال: ان كانت لتقارب سورة البقرة، وان كان فيها لآية الرجم "(1).
وروى البخاري بسنده عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب في أيام خلافته أنّه قال: " إنّ الله بعث محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله: والرجم في كتاب الله حقّ على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان من الحبل أو الإعتراف، ثم إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: (أن لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر بكم أن
1) كنز العمال: 2 / 480 {4550}، ونحوه في مسند أحمد بن حنبل، عن أبي بن كعب: 5 / 132 {21244}، وأنظر: الأحاديث المختارة للمقدسي: 3 / 370 {1164}، مستدرك الحاكم: 2 / 450 {3554}، السنن الكبرى للبيهقي: 8 / 366.
ترغبوا عن آبائكم، أو: كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) "(1).
وروى المتقي الهندي أيضاً، عن عدي بن عدي بن عميرة بن فروة، عن أبيه، عن جدّه: " إنّ عمر بن الخطاب قال لأُبيّ: أوليس كنّا نقرأ من كتاب الله: أنّ انتفاءكم من آبائكم كفر بكم؟ فقال: بلى. ثم قال: أوليست كنّا نقرأ: الولد للفراش وللعاهر الحجر؟! فُقد فيما فقدنا من كتاب الله، قال: بلى "(2).
وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف، قال: " قال لي عمر: ألسنا كنّا نقرأ فيما نقرأ: وجاهدوا في الله حق جهاده في آخر الزمان كما جاهدتم أوله؟ قلت: بلى، فمتى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كانت بنو أميّة الأمراء، وبنو المغيرة الوزراء!! "(3).
وروى مسلم بسنده عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة، أنّها قالت: " كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهن فيما يقرأ من القرآن "(4).
وروى نافع عن ابن عمر أنّه قال: " لا يقولنّ أحدكم قد أخذت القرآن كلّه، وما يدريه ما كلّه؟ قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل: قد أخذت منه ما ظهر "(5).
1) صحيح البخاري، كتاب المحاربين من أهل الردة، باب رجم الحبلى إذا احصنت: 8 / 2504 {6442}.
2) كنز العمال: 6 / 208 {10372}، وأنظر: التمهيد لابن عبد البر: 4 / 276، الإتقان للسويطي: 2 / 68 {4126}.
3) أنظر: الدر المنثور للسيوطي: 4 / 371، كما أخرجه البيهقي في الدلائل عن المسور بن مخرمة.
4) صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب بالتحريم بخمس رضعات: 2 / 1075 {1452}، وأنظر: سنن الدارمي، كتاب النكاح: 2 / 209 {2203}.
5) أنظر: الاتقان للسيوطي: 2 / 66 {4117}.
وروت حميدة بنت أبي يونس، قالت: " قرأ عليَّ أُبي ـ وهو ابن ثمانين سنة ـ في مصحف عائشة: إنّ الله وملائكته يصلون على النبيّ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً وعلى الذين يصلون في الصفوف الأول، قالت: قبل أن يغيّر عثمان المصاحف "(1).
هذا فضلاً عن عشرات الروايات التي تذكر جملة من الصحابة الذين قالوا بوقوع الزيادة والنقصان في كتاب الله تعالى، وأنّ من إئتم بهم يعتبره صحيحاً ويروي في صحاحه(2).
والأشد من هذا مازال جمع من علماء أبناء العامة يقولون بالتحريف من حيث لا يشعرون!، فيقول محمّد محمّد عبد اللطيف المعروف بأبن الخطيب صاحب كتاب (الفرقان): " ومن أعجب العجب ادعاؤهم أن بعض الآيات قد نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وهو قول لا يقول به عاقل.
وذلك لأنّ نسخ أحكام بعض الآيات مع بقاء تلاوتها ; أمر معقول مقبول، حيث أنّ بعض الأحكام لم ينزل دفعة واحدة، بل نزل تدريجياً لتألفه النفوس، وتستسيغه العقول، وهنا كانت الحكمة جلية ظاهرة في نسخ أحكام بعض الآيات مع بقاء تلاوتها.
أمّا ما يدّعونه من نسخ تلاوة بعض الآيات مع بقاء حكمها ; فأمر لا يقبله إنسان يحترم نفسه، ويقدّر ما وهبه الله تعالى من نعمة العقل، إذ ما هي الحكمة في نسخ تلاوة آية مع بقاء حكمها؟!"(3).
ولا يخفى أنّ هذا القول ـ نسخ التلاوة وبقاء الحكم ـ هو قول بالنقيصة والإسقاط، وهو قول علماء أبناء العامة، بل أنّ هذا القول من إبداعاتهم في هذا الباب!
مما يلاحظ على أقوال الغريب، قوله: " والرافضة جهلة بعلم الحديث، وما يدرّس في جامعاتهم هزيل جداً، وإذا سألتهم عن سند حديث قالوا: رواه الحسين أو محمّد الباقر أو موسى الكاظم... "(1).
وبهذا نجد أنّه ينكر دور شيعة آل البيت(عليهم السلام) في تشييد أركان الحضارة الإسلامية برمتها، ومساهمتهم في إغناء علم الحديث، وهو أمر لا يشك به عاقل مطّلع على تراث المسلمين، فقد بادر أئمة الشيعة(عليهم السلام) وعلماؤهم إلى تدوين سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وحفظها في الوقت الذي منع غيرهم ذلك!.
ولقد أدرك أتباع أهل البيت(عليهم السلام) شرف السنة النبوية ودورها في تبيين ما أنزل الله في كتابه العزيز، في حين جعل غيرهم سنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وراء ظهورهم ورفع شعار " حسبنا كتاب الله "!.
وقد انبرى الشيعة الإمامية لصيانة السنة النبوية الشريفة من الدسّ والتزوير من خلال تدوينهم وتنقيحهم لها، وقد أنجبت مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) في القرون الثلاثة الأولى محدثين كبار لهم ثقلهم في العالم الإسلامي، فكان منهم:
1 ـ يونس بن عبد الرحمن: وهو من تلامذة الإمام موسى الكاظم والإمام عليّ الرضا(عليهما السلام)، وقد وصفه ابن النديم في فهرسته بعلاّمة زمانه، له جوامع الآثار، والجامع الكبير، وكتاب الشرائع.
1) وجاء دور المجوس: 120.
2 ـ صفوان بن يحيى البجلي (ت 220 ه): كان أوثق أهل زمانه، وصنّف ثلاثين كتاباً.
3 ـ الحسن والحسين إبنا سعيد الأهوازي: صنفا ثلاثين كتاباً.
4 ـ أحمد بن محمّد بن خالد البرقي (ت 274 ه): صاحب كتاب (المحاسن).
5 ـ محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمّي (ت 293 ه): صاحب الجامع المعروف.
6 ـ محمّد بن أبي نصر البزنطي (ت 221 ه): صاحب الجامع المعروف.
وقد ألّف رجالات الشيعة جوامع حديثية في القرنين الرابع والخامس، منها:
1 ـ الكافي، لثقة الإسلام الكليني (ت 329 ه).
2 ـ من لا يحضره الفقيه، للشيخ الصدوق (ت 381 ه).
3 ـ كتابي التهذيب والاستبصار، للشيخ الطوسي (ت 460 ه).
كما أضيفت جوامع حديثية أخرى في القرن الحادي عشر، منها:
1 ـ وسائل الشيعة للحر العاملي (ت 1104 ه).
2 ـ بحار الأنوار، للشيخ المجلسي (ت 1110 ه).
3 ـ الوافي، للمحدّث الكاشاني (ت 1019 ه).
وهذا أدلّ دليل على إعتناء الشيعة بسنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعدم تضييعهم لها، وكذا على خبرتهم في الآثار المروية عن الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق الائمة الطاهرين(عليهم السلام) من آله.
ومع هذا كلّه يدّعي الغريب جهل الشيعة بعلم الحديث، ثم يستهزأ بهم لإسنادهم الأحاديث إلى أئمتهم! وكأنّه لم يراجع تراجم هؤلاء الأعاظم في كتب
العامة، ليعرف منزلتهم ومكانتهم بين المسلمين، واذ هو يستهزىء بالشيعة للرواية عن أئمتها، ليته كان يمعن النظر في صحاحه التي تروي عن بعض النواصب والخوارج والمارقين والمتهتكين، فيحكم بين منهج أبناء العامة في رواية الحديث ومنهج الشيعة في ذلك.
والأعجب من ذلك!! قوله: "... ونختلف مع الرافضة(1)في الأصل الثاني من أصول الإسلام ـ السنة ـ ".
ثم يقول: " لايؤمن الشيعة بالأحاديث التي وردت في صحيحي البخاري ومسلم... ولايؤمنون بمسند الإمام أحمد وموطأ مالك وسنن الترمذي وابن ماجة والنسائي وأبي داود وغيرها من كتب الحديث "(2).
من المستغرب أن يعتبر الغريب عدم قبول الشيعة لما ورد في صحيح البخاري وغيره من الصحاح عندهم، اختلافاً في الأصول!
فيبدو أنّه لم يراجع الأسباب التي اعتمد عليها الشيعة في عدم أخذهم الأحاديث من صحيح البخاري، وكأنّه لا يعلم أنّ أدنى تأمّل في تاريخ وشخصية محمد بن إسماعيل البخاري يكشف لنا حقيقة أمره وماهية (صحيحه)!.
فقد قال محمّد بن يحيى الذهلي (ت 258 ه) ـ والذي إنتهت إليه مشيخة العلم بخراسان ـ عن شخصية محمّد بن إسماعيل البخاري: " من ذهب بعد هذا إلى محمّد بن إسماعيل البخاري فاتهموه "(3).
ومحمد بن يحيى الذهلي هو من قال فيه علماء الرجال وأئمة الجرح والتعديل ما يكفي:
فقال أبو حاتم الرازي: " محمّد بن يحيى الذهلي إمام أهل زمانه "(1).
وقال الذهبي: " كانت له جلالة عجيبة بنيسابور، من نوع جلالة الإمام أحمد ببغداد ومالك بالمدينة "(2).
وقال النسائي: " محمّد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري، مأمون "(3).
ولهذا نجد أبي حاتم وأبي زرعة الرازيين تركا البخاري! علماً أنّهما كانا يُعدّان من أئمة العامة في الجرح والتعديل، وكانت على أقوالهم تدور صحة أوسقم المرويات عن السنة النبوية، كما أنّ سبب ذكر الذهبي للبخاري في الضعفاء والمتروكين هو جرح الذهلي له.
كما اعتبر جماعة من أبناء العامة أنّ البخاري مدلّساً(4)، والتدليس يوجب الجرح في الراوي، ومن ثبت عليه التدليس ولو مرّة صار مجروحاً، والجرح في الراوي يوجب ضعف الحديث ويجعله غير مقبول (5).
وقد ذكر الذهبي طرفاً من تدليساته، حينما قال: " وقال أبو نصر الكلاباذي: روى البخاري عنه ـ الذهلي ـ فقال مرّة: ثنا محمّد، وقال مرّة: ثنا محمّد بن عبدالله نسبة إلى جده، وقال مرّة: ثنا محمّد بن خالد، ولم يصرّح به قط،
1) أنظر: تاريخ بغداد للخطيب: 3 / 418، تاريخ الإسلام للذهبي: وفيات (251 ـ 260) 340.
2) أنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 12 / 274.
3) أنظر: تاريخ بغداد للخطيب: 3 / 418.
4) التدليس: هو اخفاء عيب في الاسناد، وهو خداع وخيانة، لأنّ المدلّس يوهم السامع بسماع هذا الحديث من المشايخ مع أنّه لم يسمعه.
5) أنظر: أسباب رد الحديث: 87.
وقال الحاكم: روى عنه البخاري نيفاً وأربعين حديثاً "(1).
وقال الذهبي أيضاً: " ثم أنّ البخاري قد روى عن محمّد غير منسوب عنه فكان محمداً الذهلي "(2).
وقال ابن حجر في أجوبته عن السؤال عن محمّد الذي يروي عن البخاري من هو؟ قال: " والذي ترجّح لي أنّه الذهلي، والبخاري من عاداته أن لا يفصح به ـ أنّه محمد بن يحيى الذهلي ـ "(3).
فإذا أراد بذلك أن يذكر شيخه الذي سمع منه بما لا يُعرف عند أهل الحديث! فذكره بما ليس مشهوراً، وهذا هو التدليس الذي قرنه بعضهم في الحكم بقذف المحصنات، وبعض آخر بأنّه أشدّ من الزنا(4).
وقال ابن حجر: " محمّد بن إسماعيل بن المغيرة البخاري: الإمام، وصفه بذلك أبو عبد الله بن مندة في كلام له، فقال فيه: أخرج البخاري قال: فلان، وقال: أخبرنا فلان، وهو تدليس "(5).
وقال سبط ابن العجمي: " محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة شيخ الإسلام البخاري، ذكر ابن مندة أبو عبد الله في جزء له في شروط الأئمة في القراءة، والسماع، والمناولة، والإجازة أخرج البخاري في كتبه الصحيحة وغيرها قال لنا فلان، وهي إجازة، وقال فلان، وهو تدليس "(6).
1) أنظر: تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات (251 ـ 260): 342، رجال الصحيح للكلاباذي: 2 / 687.
2) أنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 10 / 379.
3) أنظر: إكمال مبهمات البخاري لابن حجر: 76.
4) أنظر: يالكفاية في علم الدارية، باب الكلام في التدليس للخطيب: 355، 371، جامع التحصيل للعلائي: 1 / 116.
5) أنظر: طبقات المدلّسين لابن حجر: 24 رقم 23.
6) أنظر: التبيين لأسماء المدلّسين لابن العجمي: 177 رقم {64}.
فهذه وجهات نظر وآراء بعض علماء العامة في الرجل!! وفضلا عن ذلك قد كان البخاري في نظر الذهلي وأكثر علماء نيسابور ـ في ذلك العصر ـ مطروداً ومضلاً ومنحرفاً عن العقيدة، مما حدا به إلى الرحيل عنها!.
ولمعرفة قيمة ماورد في صحيح البخاري من أخبار، نكتفي بذكر رواية والي بخارى أحيد بن أبي جعفر، التي يقول فيها: " قال محمّد بن إسماعيل يوماً: ربّ حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، وربّ حديث سمعته بالشام كتبته بمصر! فقلت له: يا أبا عبد الله بكماله؟ قال: فسكت "(1).
وإنّ أوّل من فتح باب الانتقاد على صحيح البخاري وغيره من الصحاح ومؤلفيها هم علماء العامة أنفسهم!.
فقد قال مسلمة حول البخاري وكتابه الصحيح: " ألّف عليّ بن المديني ـ شيخ البخاري ـ كتاب (العلل)، وكان ضنيناً ـ به ومهتماً به كلّ الاهتمام، لكي لا تناله الأيدي ـ فغاب يوماً في بعض ضياعه ـ خارج المدينة ـ فجاء البخاري إلى بعض بنيه وراغبه بالمال على أن يرى الكتاب يوماً واحداً، فأعطاه له، فدفعه البخاري إلى النسّاخ فكتبوه له، وردّه إليه، فلمّا حضر عليّ بن المديني وجلس بمجلسه ـ تكلم بشيء، فأجابه البخاري بنصّ كلامه مراراً، ففهم القضية، واغتم لذلك! فلم يزل مغموماً حتى مات بعد يسير.
واستغنى البخاري بذلك الكتاب ـ عن البحث والتنقيب في الأحاديث ـ وخرج إلى خراسان ووضع كتابه الصحيح، فعظم شأنه وعلا ذكره "(2).
وأمّا بقية الصحاح فنترك القول فيها لأحد أبناء العامة، حيث يقول:
" وهناك الكثير من أمثال هذا الحديث(1)، مما يناقض العقل والمروءة والآداب، وقد وردت جميعها في أُمهات الكتب الصحيحة المعتمدة... ومن أعجب العجب!! ألاّ يتعرّض شرّاح الأحاديث لمثل هذا الحديث بتجريح أو تصحيح.
وإنّي أترك المؤمن الذي لا يتقيّد بالتقليد الأعمى، ولا يتّبع الأسماء الرنّانة، التي دسّ الدسّاسون، وأبطل المبطلون تحت ستارها، وهي من كل هذا براء، إنّي أتركه ليفكر في نفسه: هل مثل هذا صحيح؟ وهل نشر مثله على سواد الأمّة جائز؟ "(2).
يقول الأخ عبد الله دوسو: " لقد كانت قراءتي لكتاب (وجاء دور المجوس) قراءة مركزة، وتخللها في الأثناء مراجعة لمصادر الشيعة، فوجدت أنّ المؤلف لم يكن منصفاً في البحث، كما أنني كنت أقارن بين ما سطّره في كتابه وبين سلوك ومنهج الأساتذة الشيعة ـ اللبنانيين ـ الذين تتلمذت على أيديهم، فخرجت بنتيجة ملخّصها: إنّ ساحتنا الإسلامية ـ وللأسف ـ تفتقد الحوار الموضوعي في المجالات التي تختلف فيها وجهات النظر بين علماء المسلمين، كما أنّها أضحت ساحة يهيمن عليها الانفعال والعصبية، لأنّ معظم المؤسسات والمراكز الدينية أصبحت جسراً لوصول البعض إلى مبتغياتهم ومصالحهم الشخصية.
ومن هذا المنطلق غدا الدفاع عن المذهب أو التكتل الفكري للبعض يشكّل حالة دفاع عن موقعية اجتماعية تضمن لهم الاستمرار لنيل مآربهم، وبهذا يكون من الواضح أن لا ينطلق الحوار والبحث من نوايا صادقة ودوافع سليمة ".
ويضيف الأخ عبد الله: " فبدأت بغربلة المعتقد الذي كنت أنتمي إليه، فتتبعت كل ما كُتب عنه، إلى أن وقع في يدي كتاب (الوهابية في الميزان) فقرأته بإمعان وتأمّل، وإذا يتبيّن لي أنّ الوهابية إنطلقت لتحقيق أهداف سياسية معيّنة، فاتحدت مع إتجاه سياسى ليعبّد لها الطريق ويفسح لها المجال للهيمنة على دفّة الحكم، وامتلاك زمام السلطة وقتل المعارضين بذريعة الشرك والكفر، شريطة أن تكون المنفعة مشتركة بين الطرفين.
وتوجهت بعدها نحو كتب الشيعة لأنّني وجدّتها لا تمثل خطاً فكرياً صنعتة أيدي السياسة لتحقيق مآربها ومبتغياتها، فقرأت تفاسيرهم وعقائدهم وتاريخهم وفقههم، حتى اقتنعت تماماً بما فيها، فهداني الله تعالى لاعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وبقيت مدّة سنتين أعمل وفق المذهب الجعفري في الخفاء، حتى حان لي الوقت المناسب فأعلنت استبصاري هو عام 1994م.
الصورة
ولد عام 1973م بمدينة " كامولي" في دولة أوغندا(1)، نشأ في بيئة تعتنق المذهب الشافعي، واصل دراسته إلى حدّ المرحلة الثانوية، ثم دخل الجامعة في قسم الفلسفة.
تحرّر من معتقداته الموروثة عام 1990م بمدينة "جينجا " في بلاده على اثر توفيق رباني أحاطه فهداه الصراط المستقيم، وتصدى بعد اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)للتدريس في مدرسة الإمام الحسن(عليه السلام) في بلدته، كما واصل تتبعه ودراسته في معهد أهل البيت(عليهم السلام).
تبدأ قصّة استبصار الأخ من حين اشتغاله بالدراسة الأكاديمية في الجامعة،
1) أوغندا: تقع في وسط افريقيا يحيطها كل من كينيا وزائير والسودان وتنزانيا، يبلغ عدد سكانها أكثر من {22} مليون نسمة، ونسبة أتباع الأديان في هذا البلد متساوية بين المسلمين والمسيحيين والوثنيين، أمّا المسلمون فأغلبهم من أتباع المذهب الشافعي، ويبلغ تعداد الشيعة مئات الآلاف، والتشيّع له تاريخ قديم في هذا البلد.
إذ كان شغوفاً بمادة التربية الإسلامية، وكان يصغي للإستاذ بتأمل ويبذل قصارى جهده لاستيعاب المعلومات التي يلقيها الأستاذ، كما كان يخزن المفاهيم الدينية في ذاكرته ليحلّلها فيما بعد، وينظّمنها وينسقها وليتمكن من صياغتها من جديد، ليكوّن منها مبادىء منسجمه ورُؤى محدّدة الإطار.
يقول الأخ عبد الله: " ذكر أستاذ مادة التربية الأسلامية في إحدى محاضراته أنّه كان للإمام الصادق(عليه السلام) دور بارز في نشر العلوم والمعارف الإسلامية التي ورثها من آبائه عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان له مذهباً خاصاً وأتباعاً منتشرين في أقطار الأرض ـ وهم موجودون حتى الآن ـ وقد تلقى أئمة المذاهب الأربعة الكثير من المعارف منه بصورة مباشرة وغير مباشرة.
فاعترتني الدهشة والاستغراب من مقولة الأستاذ! وقلت في نفسي: من هو الإمام الصادق؟ وما هو مذهبه؟ وما هي الأسباب التي جعلتنا نتمسك بأحد المذاهب الأربعة ونترك مذهبه إذا كان الإمام الصادق(عليه السلام) يمثّل مصدراً للعلم وينبوعاً يفيض بالمعارف، وتتلمذ على يديه أئمة المذاهب؟.
وفي تلك المحاضرة لم أتعرض للأستاذ بسؤال أو استفسار، لأنني وجدت نفسي قصير الباع من حيث المعلومات في هذا المجال، فقرّرت أن أُفرّغ نفسي لهذا الموضوع لأبحث فيه بغية أن أكتشف الحقيقة، ولأتمكن بعدها من محاورة الأستاذ عن علم ودراية، فعكفت على الكتب المدونة في هذا الخصوص، وغصت في أغوار التاريخ ".
إنّ الفترة التي عاشها الإمام الصادق(عليه السلام) تعتبر من الفترات النادرة لنشر العلوم في صفحات التاريخ الإسلامي، وذلك نتيجة انشغال السلطات الحاكمة بنفسها، وأنّ الدولة الأمويّة قد دبّ في جسمها الضعف وأحاطت بها عوامل الإنهيار، ثم برزت الدولة العباسية التي كانت في بدء نشوئها مشغولة بترسيخ دعائم حكمها.
ومن هنا توفّرت في الساحة الإسلامية أجواءً مفتوحة لبث الأفكار وظهور المدارس الفكرية على اختلاف مذاهبها وأنواعها، فطرح أهل الأهواء أفكارهم المسمومة في الساحة الإسلامية حتى إمتلأت الساحة بالأفكار الضالة والمنحرفة.
وفي مثل هذه الأجواء ـ حيث وجد الإمام الصادق(عليه السلام) الفرصة مناسبة للعمل التوجيهي والتبليغي ـ فتح أبواب مدرسته ليقوم ببث الأحكام والتعاليم الصحيحة، وتصدّى لمواجهة الانحراف المنتشر في أوساط المسلمين.
ويقول المستشار المصري عبد الحليم الجندي في خصوص الإمام الصادق(عليه السلام): " هو الإمام الوحيد في التاريخ الإسلامي، والعالم الوحيد في التاريخ العالمي، الذي قامت على أسس مبادئه الدينية والفقهية والاجتماعية والاقتصادية دول عظمى "(1).
وكان الإمام الصادق(عليه السلام) يمتلك شخصية متكاملة لا يجود الزمان بمثلها، حتى أقرّ أعداؤه ومناوؤه قبل أحبائه بذلك.
فقد قال ألد أعدائه المنصور الدوانيقي: " إنّ جعفراً كان ممن قال الله فيه: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا)(2)، وكان ممن اصطفاه الله، وكان
من السابقين في الخيرات "(1).
وقال مالك بن أنس ـ إمام المالكية ـ: " ما رأت عين ولاسمعت أُذنٌ ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد الصادق [(عليه السلام)] علماً وعبادةً وورعاً "(2).
وقال أبو حنيفة ـ صاحب المذهب المعروف ـ: " ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد "(3).
وقال أبو نعيم: " جعفر بن محمّد الإمام الناطق ذوالزمام السابق "(4).
وقال الحسن بن عليّ الوشاء: " أدركت في هذا المسجد ـ يعني الكوفة ـ تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمّد "(5).
وقال الجاحظ: " جعفر بن محمّد، الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه "(6).
وقال ابن حجر: " جعفر الصادق [(عليه السلام)] نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريح ومالك والسفيانيين وأبي حنيفة وشعبة وأيوب السجستاني "(7).
فهذه ملامح شخصية الإمام الصادق(عليه السلام) العظيمة في منظار هؤلاء، وكان
1) أنظر: تاريخ اليعقوبي: 2 / 383.
2) أنظر: الإمام الصادق والمذاهب الأربعة لأسد حيدر، عن التهذيب لابن حجر العسقلاني، البحار للمجلسي: 47 / 28.
3) أنظر: تذكرة الحفاظ للقيسراني: 1 / 166.
4) أنظر: حلية الأولياء لأبي نعيم: 3 / 225.
5) أنظر: رجال النجاشي: 40.
6) أنظر: المجالس السنية للأمين: 5 / 209، نقلاً عن رسائل الجاحظ للسندوبي.
7) أنظر: الصواعق المحرقة لابن حجر: 2 / 586.
أبرزها هو الجانب العلمي، ولذا ليس من المبالغة والخروج عن الواقع في وصف علمه بأنّه علم النبيين ـ كما قال المنصور الدوانيقي: " أنّه ليس من أهل بيت نبوة إلاّ وفيه محدّث، وإن جعفر بن محمّد محدثنا اليوم "(1)ـ وإنّ مدرسته جامعة علمية إسلامية خلّفت ثروة فكرية، وخرّجت عدداً هائلاً من رجال العلم، وأنجبت صفوة من المفكرين والفلاسفة والعلماء، وقد حوت هذه الجامعة الآف الطلاب من مختلف الملل والنحل والطوائف.
فالحضارة الإسلامية عموماً والتراث العربي خصوصاً مدينان لعميد هذه المدرسة العظيمة الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام).
إنّ الإمام الصادق(عليه السلام) رغم الضغوط الشديدة: والظروف العسيرة التي كان يعاني منها، قد طبّع مدرسته هذه بطابع الاستقلال وعدم الخضوع للأنظمة الحاكمة آنذاك، فصمدت بثبات في سبيل تحقق ذلك رغم جور الأمويين وتعسف العباسيين.
وقد عاصر الإمام الصادق(عليه السلام) ساحة سياسية مضطربة وفوضوية، وأدرك بثاقب بصيرته أنّ العواقب غير محمودة إن زجّ بنفسه وبأشياعه في هذا المعترك، ولذا ركّز نشاطه في مجال النصح والإرشاد من أجل توعية المجتمع ورفع مستواه العلمي، كما أنّه حذّر بني عمّه من بني الحسن(عليه السلام) من أي تحرّك انفعالي غير مدروس، وبيّن لهم المردود السلبي في ذلك(2).
ولقد إتّخذ الإمام(عليه السلام) منهجاً سار فيه ليؤدي الرسالة الملقاة على عاتقه،
فدعا الناس إلى تطبيق مبادئ الإسلام والتحلي بقيمه السامية، كما وقف(عليه السلام) أزاء موجات الانحراف الفكري والاجتماعي والسياسي التي اجتاحت الساحة الإسلاميّة، فعالجها بهدوء وتأنّي بعيداً عن الانفعال، فكان(عليه السلام) يناظر كافّة المذاهب، لا سيّما الزنادقة فيكشف لهم الغطاء عن وجه الحقيقة، ومن مناظراته في هذا المجال:
ما قد ورد من أنّه سمع أنّ الجعد بن درهم ـ الزنّديق ـ قد جعل في قارورة تراباً وماءً فاستحال دوداً وهواماً، وادّعى أنه خلق هذه الكائنات، فلمّا بلغ ذلك الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، قال: " ليقل كم هو؟ وكم الذكران والإناث إن كان خلقه؟، وليأمر الذي يسعى إلى هذا أن يرجع إلى غيره ـ قال ابن حجر ـ: فبلغه ذلك فرجع "(1).
كما أنّه(عليه السلام) لمّا رآى انحطاط الوضع الاجتماعي وانحداره في الهاوية وظهور إمارات الانهيار فيه، بذل قصارى جهده لتوعية الناس فكان يدعوا المجتمع إلى التحلّي بالقيم الرفيعة، ليصونهم من الضلال والانحراف.
ومن مواقفه في هذا المجال إيضاً، ما رواه سعيد بن بيان ـ سابق الحاج ـ: " مرّ بنا المفضل بن عمر، وأنا وختن لي نتشاجر في ميراث، فوقف علينا ساعة، ثم قال لنا: تعالوا إلى المنزل، فأتيناه، فأصلح بيننا بإربعمائة درهم، فدفعها إلينا من عنده، حتى إذا إستوثق كل واحد منّا من صاحبه، قال: أمّا أنّها ليست من مالي، ولكن أبو عبدالله الصادق أمرني إذا تنازعاً رجلان من أصحابنا في شئ أن أصلح بينهما وأفتديهما من ماله، فهذا مال أبي عبدالله "(2).
كانت مواقف الإمام الصادق(عليه السلام) بخصوص الوضع السياسي الذي فرضه ولاة الجور كلّها تشير إلى عدم مشروعيّتهم، إذ لم يعرف عنه أبداً أيّ دعم أو تقرّب منه للحكام الظلمة وأعوانهم، فأعطى بذلك نهجاً مشرقاً لتسير عليه الأجيال.
ففي احدى المرات أجاب(عليه السلام) المنصور الدوانيقي بشكل قاطع وبأسلوب مفحم! عندما سأله المنصور ـ وكان الذباب يتطايح على وجهه وقد ضجر منه ـ بقوله: " يا أبا عبدالله لم خلق الله الذباب؟ فقال الصادق(عليه السلام): ليذل به الجبابرة "(1).
وكتب إليه المنصور مرّة: " لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس؟ فأجابه الصادق(عليه السلام): ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنّيك، ولا نراها نقمة فنعزيك بها، فما نصنع عندك؟! فكتب إليه المنصور: تصحبنا لتنصحنا، فأجابه(عليه السلام): من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك "(2).
فالإمام الصادق(عليه السلام) لم يتزلّف يوماً للسلاطين ولم يهادنهم رغم قسوتهم وشدّة وطئتهم، ولذلك قوبل الإمام(عليه السلام) بالهجمات العنيفة والحملات الظالمة، وأضطهد أتباعه، وأصبحت شيعته عرضة للخطر، فعانوا من بطش الجبابرة والظلمة ما لا يحيط به البيان.
بعد أنّ قَوَت أركان الدولة العباسية، رأى الحكّام العباسيين أنّ المجتمع الإسلامي متعطش للعلم، فحاولوا أن يتدّخلوا في هذا المجال ليهيمنوا على العلماء وليمسكوا زمامهم بأيديهم، فأمعنوا النظر في المذاهب المنتشرة ليختاروا منها ما يتلائم مع أغراضهم ومصالحهم، وليجبروا الناس بعوامل الترغيب والترهيب على التمسك بها، ويبعدوهم عن كافة المذاهب التي لاتنسجم مع أغراضهم وأطماعهم.
فقرّرت السلطة الحاكمة سدّ أبواب الاجتهاد لتحجر أفكار الناس ولتجحد التشريع الإسلامي من خلال حصرهم المذاهب في عدد معيّن.
يقول الأخ عبدالله موكر: " لقد أكتشفت الكثير من الحقائق عبر التتبع والاستقصاء والقراءة الموضوعية لأحداث التاريخ، وكلّما خضت في أمثال هذه الأبحاث تجلّت لي الأمور بوضوح.
ومن هنا نشأت في نفسي بذرة محبّة الإمام الصادق(عليه السلام) ومذهبه، ولكن لم تكن صورة هذا المذهب متكاملة في ذهني، ولم يسعني المجال للتعمق نتيجة كثافة الدروس الأكاديمية وقرب الامتحان الدراسي في تلك الفترة.
وكان الخوف من مجئ سؤال حول التشيع في إمتحان مادّة التربية الإسلامية دفعني للمطالعة المكثفة عن هذا المذهب، وبذلك أكتملت صورة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) في ذهني، ووجدت نفسي أمام حقائق لم أجد بُداً من الخضوع أمامها والانتماء إليها، وكان ذلك سبباً في استبصاري واعتناقي لمذهب أهل البيت(عليهم السلام).
وكانت الكتب التي أمتلكها خير معين وخير زاد لحركتي في مسيرة الدعوة، فكنت أضيء بها الدرب لمن حولي وأبيّن لهم الحقائق لعلهم يسيرون بإتجاه السبل الموصلة إلى الهداية والفلاح.
وتمكنت ـ بحول الله ـ أن آخذ بيد الكثير وأخرجهم من الغفلة إلى الوعي واليقظة والاستبصار".
الصورة
ولد بمدينة " أكرا " عاصمة غانا(1)عام 1972م، من أسرة تعتنق المذهب المالكي، واصل دراسته الأكادميّة حتى حصل على شهادة الديبلوم في اللغة الانجليزية.
كان اعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) في العاصمة " أكرا ".
يقول الأخ عبد الجليل: " كانت سمتي حين انتمائي للمالكية الانفتاح على الآخرين، إذ لم أكن من المتعصبين الذين يرون الأمور من زاوية ضيقة، ولم أكن منطوياً على ما أنا عليه من معتقد، بل كنت ميالا للاختلاط بأبناء الطوائف الأخرى لأتعرف على معتقداتهم بصورة مباشرة، لأنني كنت أعلم أنّ السماع وحده لا يكفي لمعرفة معتقدات وأفكار المذاهب الأخرى.
طرق سمعي يوماً من الأيّام أسم المذهب الشيعي، فاستفسرت عنه وصرت
1) غانا: أنظر: الترجمة رقم {26}.
أجمع المعلومات حول هذا المذهب حتى تبلور في ذهني عنه صورة مشوهة، ولم اقتنع بما قيل لي حول هذا المذهب، فقرّرت أن لا أتّخذ موقفاً أزاءه حتى يتبيّن لي الأمر عبر إستماع أقوالهم، أو قراءة كتبهم بصورة مباشرة.
وشاءت الأقدار الإلهيّة أنّ تُفتتح في العاصمة مدرسة شيعيّة باسم " مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) "، فدعاني أحد أصدقائي ـ وهو من أهل العامة ـ لندرس فيها من أجل تقوية مستوانا في اللغة العربيّة، والتعرف على الشيعة بصورة مباشرة من خلال معاشرتهم وقراءة كتبهم.
فراجعنا مدير هذه المدرسة، وعرضنا عليه طلبا بالانتماء إليها، فرحّب بذلك، فأصبحنا بعد ذلك نحضر في هذه المدرسة ونستمع إلى المحاضرات التي تتناول المسائل الخلافية بين أبناء العامّة والشيعة، كمسائل التوحيد وأبحاث أسماء وصفات الله تعالى وعدالة الصحابة والإمامة، وغير ذلك.
وتبيّن لي بمرور الزمان أنّ بعض معتقدات أبناء العامة في خصوص الباري عزّوجلّ تنافي العقل وتخالف التنزيه الإلهي، مثل الإدعاء بنزوله جلّ وعلا في كلّ ليلة إلى السماء الدنيا!، كما كنت أجد بعض الأوصاف التي ينسبها علماؤنا لله عزّوجلّ من قبيل جلوسه تعالى على العرش بحيث " يئط " العرش من تحته! لا تتناسب مع شأن الله تعالى وجلالته ".
إنّ معظم أبناء العامّة يجوّزون رؤية الله عزّوجلّ في الآخرة، وأمّا رؤيته في دار الدنيا فقد اختلفوا فيها، فذهب بعضهم منهم إلى جواز ذلك، والأعجب من هذا
تأكيد أكابرهم على هذه العقيدة!.
إذ يقول مالك بن أنس: " الناس ينظرون إلى الله عزّوجلّ يوم القيامة بأعينهم... "(1).
وقال الشافعي: " والله لو لم يوقن محمّد بن إدريس ـ الشافعي ـ أنّه يرى ربّه في المعاد لما عبده في الدنيا... "(2).
وقال عبد الله بن أحمد ـ بن حنبل ـ: " رأيت أبي يصحح الأحاديث ـ التي تروى عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الرؤية ـ ويذهب إليها، وجمعها في كتاب وحدّثنا بها"(3).
ويقول الدارقطني في هذا الخصوص: اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم من نظرائهم وشيوخهم وتلاميذهم على إثبات الرؤية لله تعالى يوم القيامة... وأثبت أبو حنيفة النعمان بن ثابت وأتباعه الرؤية لله تعالى يوم القيامة، وهذا واضح في أكثر من كتاب من كتبهم.
كما أكّد ذلك الأشعري ومن تبعه، فهم يجمعون على إطباق أهل العامة حول رؤية الله تعالى بالأبصار!(4).
ولقد تعاقب علماء العامة في تثبيت هذا المعتقد، لا سيما ابن تيميّة الذي لعبت أفكاره دوراً كبيراً في ترسيخ هذه الترهات بالأذهان.
فهو يثبت الجهة والمكانية لله تعالى، فيقول: " قد قلت لهم: قائل هذا القول
1) أنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 8 / 99، حلية الأولياء لأبي نعيم: 6 / 356 {8911}.
2) أنظر: طبقات الشافعية للسبكي: 1 / 312، تفسير القرطبي سورة المطففين: 19 / 171.
3) أنظر: السنة لعبد الله بن أحمد: 300 {584}، التصديق بالنظر للآجري: 32، رؤية الله للدارقطني: 162.
4) أنظر: اللمع لأبي حسن الأشعري: 61 ـ 68، الباقلاني وأراؤه الكلامية: 563.
إن أراد به أن ليس في السموات ربّ ولا فوق العرش إله، وأنّ محمداً لم يعرج به إلى ربه وما فوق العالم إلاّ العالم المحض، فهذا باطل مخالف لإجماع سلف الأمة "(1)!
ويثبت أنّ الله تعالى يتكلم بصوت وحرف، فيقول: " إنّ الله يتكلم بحرف وصوت، تكلّم بالقرآن العربي بألفاظه، بصوت يسمعه وينادي عباده يوم القيامة بصوت كذلك "(2)!
ويثبت أنّ لله عزّوجلّ جوارح، فيقول: " والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك بخلاف اليد، فإنّها للعمل والفعل، وهو سبحانه موصوف بالعمل والفعل "(3)!
بل يؤكد التزامه بالظواهر وعدم إعترافه بالمجاز فيما يتعلّق بصفات الله في القرآن، وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع محدث لم ينطق به السلف، فيقول: " وهذا التقسيم لا حقيقة له، وليس لمن فرّق بينهما حدّ صحيح يميّز به بين هذا وهذا، فعلم أنّ هذا التقسيم باطل، وهو تقسيم من لم يتصور ما يقول، بل يتكلم بلا علم، فهم مبتدعة في الشرع مخالفون للعقل "(4).
ومستندهم في كل ماقالوا الروايات ـ صحيحها وسقيمها ـ أكثر من اعتمادهم على نصوص القرآن الكريم، فشيّدوا معتقدهم هذا من تلك الروايات، وتمسّكوا بالفاظها وحملوها ظاهرها على نحو الحقيقة، كما حملوا نصوص القرآن عليها في دعم تفسيراتهم لتلك النصوص، حتى اعتبروا أنّ الإيمان بها
كالإيمان بنصوص القرآن!.
نسب أهل العامة الكثير من روايات في هذا الباب إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ودونوها في كتبهم المعتبرة، ومنها:
1 ـ " ينزل ربّنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا... "(1).
2 ـ " يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة... "(2).
3 ـ " لا تزال جهنم تقول هل من مزيد؟ حتى يضع ربّ العزة فيها قدمه "، وفي رواية: " حتى يضع ربّ العزّة فيها قدمه، فتقول قط قط وعزتك "(3).
4 ـ " ما منكم من أحد إلاّ سيكلمه ربه وليس بينه وبينه ترجمان "(4).
5 ـ " يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كلّ مؤمن ومؤمنة... "(5).
6 ـ " أنا عند ظن عبدي بي... وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة "(6).
7 ـ " وسع كرسيه السماوات والأرض، إنّه ليقعد عليه فيما يفضل منه إلا
1) أنظر: صحيح البخاري: 1 / 384 {1094}، صحيح مسلم: 1 / 521 {758}، صحيح ابن حبّان: 3 / 199 {920}.
2) أنظر: صحيح مسلم: 3 / 1504 {1890}، صحيح البخاري: 3 / 1040 {2671}، صحيح ابن حبّان: 1 / 448 {215}.
3) أنظر: صحيح البخاري: 6 / 2453 {6284}، صحيح مسلم: 4 / 2187 {2848}.
4) أنظر: صحيح البخاري: 6 / 2709 {7005}، صحيح مسلم: 2 / 703 {1016}.
5) أنظر: صحيح البخاري: 4 / 1871 {4635}.
6) أنظر: صحيح البخاري: 6 / 2694 {6970}، صحيح مسلم: 4 / 2067 {2675}.
قيد أربع أصابع، وأنّ له أطيطاً كأطيط الرحل إذا رُكب "، وزاد ابن خزيمة: " من ثقله "(1).
في الحقيقة إنّ ما نراه في كتب الحديث ـ قديماً وحديثاً ـ من الأخبار الكثيرة حول التجسيم والتشبيه والرؤية و...، هي من الإسرائيليات وأفكار النصارى التي دخلت إلى التراث الإسلامي فأصبحت بعد ذلك حقائق يذعن بها المسلمون.
والجدير بالذكر إنّ أهم عامل من العوامل التي فسحت المجال للأحبار والرهبان لبث هذه العقائد المشوهة ونشرها بين أوساط المسلمين، هو نهي عمر ابن الخطاب عن تدوين سنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ونشرها ونقلها قرابة قرن من الزمان!، مما أوجد أرضية مناسبة لظهور بدع اليهود والنصارى بين المسلمين، الذين طرحوا العقل جانباً في أدق وأخطر القضايا الاعتقادية، والتجأوا إلى روايات موضوعة أو مدسوسة، فجعلوها حاكمة حتى على القرآن الكريم!.
كما تمسكوا بأخبار ـ مختلف في أمرها عند بعضهم ـ تجوّز رؤية الله تعالى، فقال إمام الحرمين: " روى حديث الرؤية عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قريب من ثلاثين رجلا من كبار الصحابة والطرق إليهم صحيحة، قال: وأقوى متمسك لأصحابنا في جواز رؤية الله تعالى اختلاف الصحابة في أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هل رأى ربّه ليلة المعراج؟ واختلافهم في الوقوع دليل على اتفاقهم على الجواز، فإنّ ما يستحيل
1) أنظر: كتاب العظمة للإصبهاني: 79 {195}، تاريخ بغداد للخطيب: 1 / 295 {159}، عون المعبود لمحمد شمس الحق: 13 / 24، السنة لابن أبي عاصم: 1 / 252.
كونه لا يتصوّر الاختلاف في وقوعه "(1).
وهذه المقالة مردودة من خلال النظر إلى المحاورة التي دارت بين الإمام عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام) والمحدث أبي قرّة.
" قال أبو قرّة: فإنّا روينا: أنّ الله قسّم الرؤية والكلام بين نبيين، فقسّم لموسى(عليه السلام) الكلام، ولمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم) الرؤية!.
فقال أبو الحسن(عليه السلام): فمن المبلّغ عن الله إلى الثقلين الجنّ والإنس أنّه لا تدركه الأبصار،ولايحيطون به علماً، وليس كمثله شيء، أليس محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
قال: بلى.
قال أبو الحسن(عليه السلام): فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله، وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله، ويقول: أنّه لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علماً، وليس كمثله شيء، ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر، أما تستحيون!!!
أما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا، أن يكون أتى عن الله بأمر ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر!
فقال أبو قرّة: إنّه يقول: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى)(2).
فقال أبو الحسن(عليه السلام): إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى، حيث قال: (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى)(3)، يقول: ماكذب فؤاد محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ما رأت عيناه، ثمّ
أخبر بما رأت عيناه، فقال: (لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى)(1)، فآيات الله غير الله، وقال: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(2)، فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة.
فقال أبو قرّة: فتكذب بالرواية؟
فقال أبو الحسن(عليه السلام): إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذّبتها، وما أجمع المسلمون عليه أنّه لا يحاط به علماً، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شئ "(3).
قد حكم أبناء العامة ـ مع شديد الأسف ـ بالضلال والزندقة على من يخالف الرؤية والتجسيم! وساقوا لذلك أدلّة عقلية ـ حسب زعمهم ـ تؤكد رأيهم، كقول الأشعري: " ومما يدلّ على رؤية الله سبحانه بالأبصار: أنّ الله عزّوجلّ يرى الأشياء، وإذا كان للأشياء رائياً فلا يرى الأشياء إلاّ من لا يرى نفسه "(4).
والوهم الذي وقع فيه الأشعري هو أنّه أجرى على الله تعالى ما يجري على الإنسان، فحتّم الرؤية عليه سبحانه! لأنّه قدّر حصول المقابلة بين العين والمرئي أو حكم المقابلة ـ كما في رؤية الصور بالمرآة ـ وهذا أمر تحكم به الضرورة، فإذا كانت ماهية الرؤية هكذا فلا يمكن تحققها فيما إذا تنزّه الشيء عن المقابلة أو الحلول في المقابل.
ومن الواضح أنّ الله تعالى ليس بجسم حتى تتحقّق فيه المقابلة!
وقال الأشعري أيضاً: " ومما يدل على رؤية الله عزّوجلّ بالأبصار: أنّه ليس موجود إلاّ وجائز أن يريناه الله عزّوجلّ، وإنّما لا يجوز أن يرى المعدوم، فلمّا كان الله عزّوجلّ موجوداً مثبتاً، كان غير مستحيل أن يرينا نفسه عزّوجلّ "(1).
وهذا الاستدلال أوضح في البطلان من سابقه! لأنّ هناك أموراً موجودة ومثبتة في نفس الإنسان ولا يراها الإنسان، كالألم والوجع، وهي غير معدومة حال حصولها، فهل سمعنا بأحد رأى ألماً أو شاهد وجعاً؟! بل يحس بهما ويدركهما من خلال ذلك.
فالله تعالى تدركه القلوب بحقائق الإيمان كما ورد عن الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) عندما سأله ذعلب اليماني قائلاً:
" هل رأيت ربك يا أميرالمؤمنين؟
فقال(عليه السلام): أفأعبد ما لا أرى!.
فقال: وكيف تراه؟
فقال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان، قريب من الأشياء غير ملامس، بعيد عنها، غير مباين "(2).
حاول قسم من مفكري العامة الخروج من هذا المأز ق الحقيقي الذي دخلوا فيه، فأجروا محاولات يائسة توفق بين تجويز الرؤية وبين تنزيه الله سبحانه وتعالى!
فطرح الأشاعرة مبدأ (الرؤية بلا كيف) الذي يعني: أنّ المؤمنين يرون الله تعالى في الآخرة بلا كيف!، وقولهم هذا أشبه برسم نخلة بلا جذع وسعف!.
ثم أدرك متأخروا العامة مهزلة (البلكفة) لأنّ الرؤية لا تنفك بأي حال من الأحوال عن الجهة والمقابلة، فلجأ هؤلاء المتأخّرون إلى القول: بأنّ كلّ شئ في الآخرة يختلف عمّا في الدنيا، وعلى هذا تتحقق الرؤية للمؤمنين في الآخرة.
وهذا الكلام مجرد تمحّل لا أكثر! لأنّهم إن أرادوا من الاختلاف عمّا في الدنيا بمعنى التكامل، فهذا أمر مفروغ منه، إذ يقول تعالى: (كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَة رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً)(1)، وإن أرادوا بأنّ القضايا العقلية البديهيّة تتبدل في الآخرة ـ كالواحد نصف الاثنين ـ فهذا يوجب انهيار النظم وزوال الأساليب العقلية التي يعتمد عليها المتشرعة أنفسهم.
والعجيب! أنّ جملة من خريجي الجامعات الإسلامية الحديثة تبنوا إثبات الجهة لله سبحانه، ومنهم الدكتور أحمد بن محمّد خريج جامعة أمّ القرى السعودية، حيث يقول:
"إنّ إثبات رؤية حقيقية بالعيان من غير مقابلة أو جهة، مكابرة عقلية، لأنّ الجهة من لوازم الرؤية، وإثبات اللزوم ونفي اللازم مغالطة ظاهرة "(2).
ولنا أن نسأل الدكتور: لو تحققت الرؤية، فهل يرى جزءه أو كلّه؟
فإن قلت: جزئه، فهذا يعني أنّ ذاته مركبة، أي محتاج إلى أجزائه، وتعالى الله عن الاحتياج.
وإن قلت: تقع الرؤية على كلّه، فهذا يعني أنّ ذاته محاطة لا محيطة! وهذا لايقول به مسلم.
إنّ المتأمّل في آيات الذكر الحكيم يجد مدى التنزيه الذي يصف به الله عزّوجلّ نفسه، كما يرى من هذه الآيات الكريمة:
1 ـ قوله تعالى: (فاطِرُ السَّماواتِ وَاْلأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ اْلأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(1).
2 ـ قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ اْلأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ اْلأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(2).
3 ـ قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)(3).
4 ـ قوله تعالى: ( يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ...)(4).
5 ـ قوله تعالى: (وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي... )(5).
فالمتدبّر في هذه الآيات يتبيّن له أنّ الله سبحانه فوق أن يحيطه خيال أو وهم الإنسان، وإنّ ما ورد من الروايات التي تتعارض ـ شكلا ومضموناً ـ مع القرآن الكريم، لا يعبأ بها وليس لها وزن، فهذه الروايات الموضوعة والمقتبسة
من عقائد اليهود والنصارى تعقّد الشريعة الاسلامية، وتجعلها مرموزة ومليئة بالألغاز!.
يقول الأخ عبد الجليل: " استطعت من خلال معرفتي لعقائد الإمامية أن أفتح الطلاسم التي كانت تعج بها الكتب العقائدية لأبناء العامة في مجال التوحيد، فرأيت الشيعة ينزهون الله جلّ وعلا بأبهى صور التنزيه، وعرفت أنّ السبب في ذلك هو أنّ أئمتهم حاولوا صيانة المفاهيم الإسلامية من التلاعب والتحريف، ولم يفسحوا المجال للأفكار الدخيلة أن تترك أثرها في تراثهم، كما أنّ أئمتهم حاولوا أن يبيّنوا المسائل التوحيديّة للمسلمين بكلمات وعبارات واضحة لا يكتنفها الغموض(1)
" لا تجوز الرؤية مالم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فاذا انقطع الهواء وعدم الضياء بين الرائي والمرئي لم تصح الرؤية وكان في ذلك الاشتباه، لأن الرائي من ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه وكان في ذلك التشبيه، لأنّ الأسباب لابدّ من اتصالها بالمسببات " أنظر: التوحيد للصدوق باب ما جاء في الرؤية: 106 {7}.
.ومن هنا استنارت بصيرتي بخصوص مسائل التوحيد، فطرحت عقائد المجسمة والحشوية جانباً، وبدأت أعتقد بعقائد أهل التنزيه والتقديس، وبدأت بعد ذلك بمطالعة كتب الإماميّة، فتبيّن لي أنّهم أطول باعاً وأرسخ قدماً، بل وأعرق نشأة من غيرهم، وأنّ تفاسيرهم وفقههم وحديثهم و... سمتها وقوامها التمسك بكتاب الله وسنّة نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم).
فحسمت الأمر بعد ذلك، حتى سلكت طريق الهدى، وأعلنت انتمائي وولائي للأئمة الاثنى عشر(عليهم السلام)".
1) كتب أحمد بن إسحاق إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) يسأله عن الرؤية ومافيه الناس، فكتب (عليه السلام):
الصورة
ولد عام 1975م بمدينة " بندوكو " في ساحل العاج(1)، أكمل دراسته الإعدادية في المدارس الدينية المالكية، تولّى منصب نائب رئيس الجمعية الخطابية في ساحل العاج.
اعتنق المذهب الجعفري عام 1991م في غانا، وأسّس جمعية (الاعتصام بحبل الله) في مسقط رأسه، وكان نشطاً في التدريس والتبليغ لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) في " أبيدجان ".
يقول الأخ عبد الرحمن: " كان سبب تعرفي على الشيعة ومذهبهم التحاقي بمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) في غانا، بعد إنهائي للمرحلة الإعدادية.
كنت في بادئ الأمر متخوفاً من دخولي في هذه المدرسة لكثرة ما سمعت من الاشاعات ضد الشيعة، وكان دخولي إليها أثر نصيحة أستاذي وقوله لي: إنّ
1) ساحل العاج: أنظر الترجمة رقم {3}.
طالب العلم ينبغي أن لايكون متعصباً في معتقده، بل عليه أن يكون شجاعاً في تتبعه وأبحاثه، وأن لا يخشى مايرد عليه من شبهات، وعليه أن يحاول بجهده وسعيه التعرف على الحقيقة وطلبها حيث ما كانت.
وبهذا الهدف دخلت المدرسة الخاضعة لإشراف علماء الشيعة، وكان أغلب الطلبة من معتنقي مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وكنت أؤدي تكاليفي العبادية في المدرسة وفق المذهب المالكي، ولم أجد منهم أيّ ردود فعلٌ سلبية، بل كانوا يحترمونني ويكنّون لي كل التقدير، لعتقادهم أنّ الحوار الهادىء هو الحلّ الوحيد الذي لابدّ أن يتّبع لتصحيح أفكار الآخرين، وأنّ الاستهزاء والتشنيع سبلٌ فاشلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
كما أنّهم كانوا يلاحظون الأجواء لفتح الحوار مع من يخالفهم في الفكر أو المعتقد، والحوار يتطلّب أجواء هادئة ونفسيّة مستعدّة من قبل الطرفين، فلهذا ينبغي اجتناب الحوار في الأجواء التي لا تتناسب مع هذا الأمر.
وكان الملاحظ فيهم أيضاً مراعاتهم لجميع الضوابط المطلوبة في الحوار، فكانوا يحاولون تعيين الموضوع وتحديد نطاق البحث قبل الحوار، وذلك للوصول قدر الإمكان إلى النتيجة، حتى لا يتشعّب البحث في مواضيع متعدّدة فيعرقل الحوار ويجعله عقيماً من دون ثمرة.
ومن هنا جرى بيني وبينهم العديد من النقاشات العقائدية المختلفة، وكان أحد محاورها كيفية الوضوء والقول بالمسح أو الغسل للأرجل.
كان احتجاج زملائي الشيعة على أنّ كلمة (وأَرجلَكُم)وردت بحالة النصب في قوله تعالى: (... إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى
الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ...)(1)، وفي هذا دلالة على عدم عطفها على الأيدي حتى يجب فيها الغسل، وأنّ الذين قرؤوا بالنصب من القرّاء السبعة متساون مع الذين قرؤوا بالجرّ، وأنّ الأصل في العطف عند علماء العربية أن يكون على أقرب المذكورات دون أبعدها.
فعلى هذا توجب القراءة بالنصب أن لايكون العطف على الأيدي، بل العطف على الرؤوس في المعنى دون اللفظ، لأنّ الرؤوس في محلّ النصب لفعل (امْسَحُواْ)، وإنّما جرّت بعارض وهو الباء، والعطف على الموضع دون اللفظ جائز ومستعمل في لغة العرب، وهذا لا يخفى على كلّ من درس قسطاً من النحو.
فاقتنعت باستدلالهم وصرت أعمل وفق مذهب الإمامية في هذه المسألة.
وهكذا توالت المناظرات بيني وبينهم حول مسائل عديدة، وكنت أجد نفسي في كل مرّة أمام أدلّة قوّية ومتينة لا مجال لمعارضتها وعدم التسليم لها، حتى آل بي الأمر أن أندفع إلى البحث بصورة موضوعية ومعمقة حول التشيع.
بدأت بمطالعة ما وقع بيدي من كتب الشيعة كي تتضح لي صورة هذا المذهب ومعتقداته، فعرفت بعد ذلك أنّ الشيعة تعتبر الإمامة بالنصّ، وترى أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يترك الأمّة من بعده سداً، بل نصب لهم من قبل الله عزّوجلّ اثنى عشر إماماً قد اصطفاهم الله تعالى لهذا الأمر.
فقرّرت بعدها مطالعة سيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والتمعّن بتاريخ صدر الإسلام، لاسيما فيما يتعلق بالصحابة، لقناعتي أنّ سبيل معرفة الإسلام وعقائده الحقّة هو
1) المائدة: 6.
تتبّع سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة الأوائل، وحتى يتمكن المسلم من تشييد بنيان مرصوص لمعتقداته.
ومن خلال البحث استوقفتني بعض أحاديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) التي حدّد فيها مصير الأمّة والخليفة من بعده، والتي بيّن فيها المرجع لحلّ الاختلافات التي قد تحلّ بين المسلمين بعد غيابه ".
من هنا كان لابد للخليفة أن يتحلّى بصفات تؤهله لأنّ يقوم مقام صاحب الرسالة، لأنّ الخلافة نيابة عنها ونهوض بأعبائها، فلابد أن يكون للإمام علم زاخر مستمد من ينبوع علم الله عزّوجلّ، حيث قال تعالى: (أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى)(1)، وقال تعالى: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)(2)، وقال تعالى: (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجات)(3).
وعلى هذا الأساس عيّن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبأمر من الله عزّوجلّ الإمام عليّ ابن أبي طالب(عليه السلام) للخلافة من بعده.
قد بيّن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مواقف عديدة مدى علم عليّ(عليه السلام) وأعلميّته، وكان ذلك لتمهيد الأرضية لخلافته، فتحدث(صلى الله عليه وآله وسلم) كثيراً في هذا المجال، ونقل أقواله أكابر الصحابة، فكان منها:
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أعلم أمّتي من بعدي عليّ بن أبي طالب "(4).
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " سيكون من بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فألزموا عليّ بن أبي طالب، فإنه الفاروق بين الحقّ والباطل "(1).
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أقضاكم عليّ "(2).
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " قسّمت الحكمة على عشرة أجزاء، فاعطي عليّ بن أبي طالب منها تسعة والناس جزءاً واحداً "(3).
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه... فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب "(4).
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة(عليها السلام): " أوما ترضين أنّي زوجتك أقدم أمتي سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً... "(5).
وكان من أجلى الروايات الواردة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في سعة علمه وأقواها دلالة على ذلك، الحديث المتواتر الوارد بالأسانيد المعتبرة وبالألفاظ
1) أنظر: مناقب الخوارزمي: 104 {108}، الإصابة لابن حجر العسقلاني: 7 / 354 {10478}، ينابيع المودّة للقندوزي: 2 / 289، تاريخ ابن عساكر: 42 / 450.
2) أنظر: مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 114، الرياض النضرة للطبري: 2 / 143 {1471}، حلية الأولياء لأبي نعيم: 1 / 105 {202}، تحفة الأحوذي: 10 / 155 {3971}، تاريخ ابن عساكر: 51 / 300.
3) أنظر: مناقب الخوارزمي: 82 {68}، حلية الأولياء لأبي نعيم: 1 / 104 {198}، الفردوس للديلمي: 3 / 227 {4666}، فيض القدير للمناوي: 3 / 46، تاريخ ابن عساكر: 42 / 384.
4) أنظر: البداية والنهاية لابن كثير: 7 / 392، المناقب لابن المغازلي: 212 {256}، ذخائر العقبى للطبري: 93، مناقب الخوارزمي: 83 {70}.
5) أنظر: مسند أحمد: 5 / 26، الرياض النضرة للطبري: 2 / 138 {1442}، الاستيعاب لابن عبد البرّ: 3 / 1099.
المختلفة في كتب الفريقين عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أنا مدينة العلم وعليّ بابها "(1).
ودلالة هذا الحديث واضحة في أعلمية الإمام عليّ(عليه السلام) بالنسبة إلى جميع الصحابة، والتي منها يستنتج أفضليّة(عليه السلام) على من سواه، فإنّ العقل السليم يحكم بأنّه لا يكون باباً لمدينة العلم إلاّ من أحاط بجميع علومها، وهذا المعنى يستلزم أعلميّة أمير المؤمنين(عليه السلام) من سائر الأصحاب بل من الخلائق كافّة، لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أعلم من جميع الأنبياء والمرسلين بالإجماع وأفضلهم، وهو ما صرّح به أغلب العلماء الأعلام من أهل العامة، كأبي حامد الغزالي، والقاضي عياض، والأزهري، وشهاب الدين أحمد، والمناوي، وغيرهم(2).
وأمّا استلزام الأعلمية للأفضلية، فهو موضع وفاق بين العلماء، فإنّ العلم والمعرفة أشرف الفضائل وأعلى المناقب وأسنى المراتب، وهي ميزان لتقييم الفضل بين الناس، ولهذا يكون أعلم الناس ـ مع مراعاته للورع والتقوى ـ أفضلهم وأشرفهم مقاماً وأعلاهم درجة.
كما أنّ هذا الحديث يدل على أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) يعتبر بمثابة حلقة وصل بين الناس وبين علم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّ الصحابة غير ملمين بكافة أنحاء الشريعة، فلا يحقّ لهم أن يعتمدوا على ما عندهم في إصدار الحكم الشرعي، بل عليهم أن يراجعوا من له الإحاطة بجميع الأحكام والمسائل الشرعية.
وقد بيّن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الحديث أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) له هذه الإحاطة
1) إن مصادر هذا الحديث غير قابلة لحدّ الإحصاء، وطرقه متعددة، فقد أورده الخوارزمي والحاكم والخطيب وابن المغازلي والسمعاني وابن الأثير والذهبي والعسقلاني وابن الجوزي وعلي القاري والثعلبي والسيوطي وابن كثير وغيرهم.
2) أنظر: مجموعة رسائل الغزالي، الرسالة اللدنية فصل البيان وتحصيل العلم، شرح الشفاء للقاضي عياض: 412، فيض القدير للمناوي: 1 / 46 ـ 47.
في هذا المجال، ولهذا أضاف(صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً: " فمن أراد العلم فليأتها من بابها "(1)، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: " كذب من زعم أنّه يصل إلى المدينة إلاّ من قِبَل الباب " أو " كذب من زعم أنه يدخل المدينة بغير الباب "(2).
يقول الأخ عبد الرحمن: " لم تذعن نفسي لهذه الحقيقة بسهولة، فحاولت جهد الإمكان أن أجد سبيلاً من كتب الحديث لإثبات معتقدي السابق!
وبالفعل وجدت أحاديث من هذا القبيل تشير إلى فضل من تقدّم على عليّ(عليه السلام) في الخلافة، كحديث: " ما صبّ الله شيئاً في صدري إلاّ وصببته في صدر أبي بكر "، وحديث: " لو كان بعدي نبيّ لكان عمر "، وحديث تناول عمر لسؤر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث أوّلها البعض بالعلم.
فاستبشرت لذلك، ولكن بعد البحث والتدقيق وجدّت أنّ معظم علماء الجرح والتعديل، حكموا بوضع هذه الأحاديث، والذي كان منهم ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات)(3)!".
وقد نصّ الطيّبي على وضع الحديث الأوّل في (الخلاصة) كما ذكر الشوكاني في (الفوائد)(4)، وقال ابن القيّم: " هذا مما وضعه جهلة... "، وذكره أيضاً القاري في الموضوعات(5)، وصرّح بوضعه الفتني في (تذكرته)(6).
1) أنظر: كفاية الطالب للكنجي: 221، المناقب لابن المغازلي: 80 {120}، المستدرك للحاكم: 3 / 137 {4637}.
2) أنظر: المناقب لابن المغازلي: 85 {126}، ينابيع المودة للقندوزي: 1 / 221.
3) الموضوعات: 1 / 237.
4) الفوائد المجموعة، باب المناقب: 353.
5) أنظر: الأسرار المرفوعة لعليّ القاري.
6) تذكرة الموضوعات: 93.
أمّا الحديث الثاني أعتبره أبن الجوزي من الموضوعات كما في كتابه (الموضوعات)(1)، وقد أنكره بلفظ آخر الخطيب(2)، إضافة إلى وجود الضعفاء والمجروحين في أسانيده كمشرح بن هاعان، وبكر بن عمرو، والفضل بن المختار(3).
ولو أُمعن النظر في مفاد الحديث الأوّل، لوجد أنّ دلالته توحي بالمساواة بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر في جميع العلوم! وهذا لم يقل به أحد، وبطلان الحديث الثاني واضحٌ، لأنّ النبوّة لا تكون لشخص أمضى شطراً كبيراً من حياته في الكفر والشرك!.
أضف إلى ذلك أنّ الباحث يجد خلاف ذلك في أرض الواقع لو تصفّح حياة أبي بكر وعمر، فعدم إلمام أبي بكر بالأحكام وغيرها لا يكاد يخفى على أحد، إذ هو بنفسه قد إعترف بعدم معرفته للأحكام بمواقع عديدة، واستعان بغيره في مواقف كثيرة جهل فيها الحكم الشرعي، وأمّا صاحبه عمر بن الخطاب فكان يجهر علانية بجهلة وقلّة علمه، حتى ورد عنه أنّه قال: " كلّ الناس أفقه منك ياعمر، حتى ربّات الحجال والمخدرات في البيوت "(4).
والجدير بالذكر هنا أنّ القوم عندما عجزوا عن إنكار أو تضعيف الأحاديث الواردة في حقّ الإمام عليّ(عليه السلام) وبالخصوص حديث مدينة العلم، عملوا على الدسّ والزيادة في هذا الحديث، بأن تقولوا على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أنا مدينة
العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعليّ بابها "(1)، و " أنا مدينة العلم وعليّ بابها ومعاوية حلقتها "(2)، وما شاكل هذا من الأحاديث المضحكة في دلالتها.
ويضيف الأخ عبد الرحمن: " وأكثر من هذا وذاك رأيت روايات نقلها أهل الحديث، فيها دلالات واضحة بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الناس بالرجوع إلى الإمام عليّ(عليه السلام)، كما أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أمضى قضائه حال حياته، وذلك لتتم الحجّة على الأمّة، كامضاء قضاءه في إبل الصدقة، وردّ من اعترض على حكمه(3)، وقضائه في ثلاثة نفر إشتركوا في ولد(4)، وقضائه في ديّة الذين وقعوا في زريبة أسد(5)، وأمره(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً بالقضاء بين رجلين من الأنصار إختصما بحضرته(6)".
ويختم عبد الرحمن حديثه قائلاً: لقد فتحت لي مداليل هذه الأحاديث آفاقاً جديدة، بحيث عرّفتني بمكانة الإمام عليّ(عليه السلام) ومنزلته، فتيقنت بصحة أقوال الشيعة وما ذكروه من ضرورة الرجوع إلى الإمام عليّ(عليه السلام)، وكونه الإمام والخليفة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل، وتبيّن لي أنّ من أراد الدخول إلى مدينة رسول
1) أنظر: كشف الخفاء للعجلوي: 1 / 184 {618}.
2) المصدر نفسه.
3) أنظر: دلائل النبوّة للبيهقي: 5 / 394، البداية والنهاية لابن كثير: 5 / 82.
4) أنظر: مسند أحمد: 4 / 373، البداية والنهاية لابن كثير: 5 / 83، السنن الكبرى للنسائي: 3 / 380 {5683}، سنن أبي داود: 2 / 260 {2269}.
5) أنظر: البداية والنهاية لابن كثير: 5 / 84، السنن الكبرى للبيهقي: 8 / 192 {16397}.
6) أنظر: دعائم الإسلام للقاضي النعمان: 2 / 529 {1881}، مستدرك الوسائل للنوري: 17 / 358 {21579}.
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ينبغي له أن يأتيها من الباب، ومن هنا أعلنت تشيعي وانتمائي إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1991م لأنهل قدر وسعي من علوم ومعارف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من الينبوع الذي أمرنا به ".
الصورة
ولد عام 1975م بمدينة " لوبومباشي " في كونغو كينشاسا(1)(زائير سابقاً)، من عائلة تدين بالمسيحية، ثم دخل في الدين الإسلامي وعلى المذهب الشافعي.
تشرّف بالانتماء لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1994م في مدينة " دار السلام " عاصمة تنزانيا، اثر دراسات معمّقة ومحاورات جادّة.
يقول الأخ عبد العزيز: " نشأت في أوساط عائلة مسيحيّة متديّنة، ولذلك زجّ بي أهلي في احدى المدارس الدينيّة المختصّة بتخريج الرهبان بعد إتمامي لدراستي الثانويّة.
1) كونغو كينشاسا (زائير): تقع في وسط افريقيا وتحيط بها السودان واوغندا ورواندا وزامبيا وانغولا، يبلغ عدد سكانها قرابة {50} مليون نسمة، يشكل المسلمون وغالبيتهم من الشافعية نسبة 20 منهم بعدما كانوا هم الأكثرية قبل الاستعمار البلجيكي، أما الباقي فمن المسيحيين والوثنيين، ويشكل الشيعة نسبة 20 من المسلمين.
وبما أنّ عقيدة التثليث التي ورثتها من آبائي عقيدة غامضة ومبهمة، فكنت آمل أن أصل إلى صورة واضحة لها بعد التمعن فيها، وواصلت البحث حتى ألفت خمسة كتب في هذا المجال، ولكن بعد كل ذلك رأيت نفسي تزداد حيّرة في هذه العقيدة، فقرّرت ترك سلك الرهبنة نهائياً.
بعد ذلك وجدت لنفسي ميول لمطالعة كتب تاريخ الأديان والمذاهب الأخرى، فعكفت على قراءة تاريخ الدين الإسلامي حتى اطلعت على سيرة نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بصورة إجماليّة ـ فتأثرت بشخصيته النبيلة وسجاياه الحسنة، ودفعني هذا إلى المزيد من التعرّف على الإسلام ونبيّه الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم)، حتّى آل بي الأمر إلى اعتناق الدين الإسلامي والانتماء إلى المذهب الشافعي.
قضيت بعد ذلك ثلاث سنوات أدرس فيها عقائد وفقه وتاريخ الإسلام على ضوء المذهب الشافعي، لكن كنت ألمس بعض الثغرات العقائديّة والتناقضات التاريخيّة فيه، ومع بذلي قصارى جهدي لم أجد جواباً مقنعاً وشافياً لحلها، ووجدت نهياً وتحذيراً من قبل معظم علماء أبناء العامّة للخوض في المسائل العقائديّة، إذ كانوا يحددون لنا الكتب ويردعونا من التقرب إلى غيرها! فلمست من منهجهم أنّهم يحاولون إخفاء بعض الحقائق عن أتباعهم.
وشاءت الإرادة الإلهيّة في هذه الفترة أن أسافر إلى تنزانيا والتقي هناك ببعض المسلمين الشيعة، فوجدت بعض أمورهم العباديّة تختلف عمّا عند الشوافع، فدفعني هذا الأمر لأنّ أدخل معهم في مناظرات ومجادلات عديدة.
والحقيقة وجدت نفسي أمامهم عاجزاً عن إثبات ما أنا عليه، فإنّهم كانوا ذو ذهنيّة متفتّحة وعقليّة واعية، يطرحون المسائل على طاولة البحث ويناقشونها
من جميع الجوانب، فطلبت منهم تزويدي بما عندهم من كتب الفقه والعقائد والتفسير والتاريخ، وبالفعل زودوني بكثير من هذه الكتب.
بدأت بعد ذلك بقراءتها حتى تبيّنت لي الحقائق التي كان علماء الجمهور يحاول إخفاءها، وفهمت بعد ذلك التمحّلات اللاّمنصفة التي كان يعتمد عليها علماؤنا في تأويل النصوص وصرفها عن معناها الحقيقي ـ لا سيّما الأمور المرتبطة بأهل البيت(عليهم السلام) ومناقبهم ـ كما عرفت أنّنا كنّا نقوم بأعمال نعتبرها من سنّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في حين لم يكن منشأوها من الدين، بل كانت بدعٌ قد سنّها الحكّام الذين استولوا على الخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من تلقاء أنفسهم، كصلاة التراويح! إذ تبيّن لي بعد البحث أنّها كانت من اجتهادات عمر بن الخطاب مقابل النصّ القرآني والسنّة النبويّة ".
إنّ من الواضح لكلّ متتبع في الشريعة الإسلامية أنّ صلاة التراويح(1)صلاة مبتدعة ما جاء بها الكتاب ولا السنّة، وإنها لم تصلّ جماعةً في عهد الخليفة الأوّل، بل ابتدعها عمر بن الخطّاب في السنة الرابعة عشرة للهجرة.
فقد ورد عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنّه قال: " خرجت مع عمر بن الخطّاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرّقون... إلى أن قال: فقال عمر: أنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قاريء واحد لكان أمثل، ثمّ عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثمّ خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلّون بصلاة
1) التراويح: هي النافلة جماعة في ليالي شهر رمضان، وسمّيت بذلك للاستراحة فيها بعد كلّ أربع ركعات، ثمّ سميت كلّ أربع ركعات ترويحة، وعددها مختلف فيه عند أهل السنّة، إلاّ أنّ المشهور بينهم انّها عشرون ركعة.
قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه... "(1).
والبدعة لغة كما يقول الراغب الإصفهاني: " الإبداع: هو إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء "(2)، وأمّا اصطلاحاً فهي: " إيراد قول أو فعل لم يستن قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدّمة وأصولها المتقنة "(3)، بمعنى إدخال ماليس من الدين في الدين.
وقد ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " أمّا بعد فإنّ أصدق الحديث كتاب الله، وأنّ أفضل الهدي هدي محمّد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة "(4).
وعن حذيفة أنّه قال: " يا رسول الله! فهل بعد هذا الخير شرّ؟ قال: نعم... قوم يستنون بغير سنتي ويهتدون بغير هديي... "(5).
ولكنّ عمر لم يرقه أن يرى الناس في مسجد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بين قائم وقاعد وراكع وساجد، فرأى أن يسنّ لهم سنّة جديدة ويجمعهم عليها، فافتخر ببدعته!!، حتى أنّه نصّب للناس في المدينة إمامان يصليان بهم صلاة التراويح، أحدهم للرجال والآخر للنساء! وفي هذا الأمر أخبار متواترة(6).
ودعماً لما ابتدعه عمر زعم بعض منهم بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أقامها جماعةً! مستنداً إلى رواية(7)ضعّفها كبار أئمتهم في الجرح والتعديل(8)
الأوّل: ان في السند مسلم بن خالد وقد ضعفه البخاري والنسائي وأبو حاتم وعلي بن المديني وغيرهم، فراجع.
الثاني: ان الحديث يذكر ان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد جمع الناس على أُبي بن كعب، بينما المشهور من الروايات ان عمر هو الذي صنع ذلك.
، وهي معارضه1) أنظر: صحيح البخاري، كتاب التراويح: 2 / 707 {1906}، موطأ مالك: 1 / 73.
2) المفردات في غريب القرآن: 38.
3) المصدر نفسه: 39.
4) أنظر: مسند أحمد بن حنبل: 3 / 310 {14373}، سنن ابن ماجة: 1 / 30 {45}، صحيح البخاري: 6 / 5655 {6849}، صحيح مسلم: 2 / 592 {867}.
5) أنظر: صحيح مسلم، كتاب الامارة: 3 / 1475 {1847}.
6) أنظر: الطبقات الكبرى لابن سعد: 3 / 213، موطأ مالك: 1 / 73، كنز العمال: 8 / 409 {23471}.
7) الرواية رواها أحمد عن أبي هريرة: (خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: ما هذا؟! فقيل: ناس يصلى بهم أُبي بن كعب، فقال: اصابوا ونعم ما صنعوا)، كما ذكرها ابن عبد البر (أنظر: فتح المالك: 2 / 284).
8) حكم أبو داود بضعفها في السنن: 1 / 521 {1377}، وضعفها ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: 4 / 317 {2013} وذكر لضعفها سببين:
بالكثير من الروايات الواردة في أنّ الجماعة في صلاة التراويح من إبداعات عمر.
وقد نهى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك بصراحة وحث على إقامة الصلاة فرادى في نوافل شهر رمضان، كما روي في الصحاح:
" عن زيد بن ثابت قال: احتجز رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حجيرة مخصفة أو حصيرة، فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي فيها فتتبع إليه رجال وجاؤوا يصلون بصلاته، قال: ثم جاؤوا ليلة فحضروا، وأبطأ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مغضباً، فقال لهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنّه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإنّ خير صلاة المرء في بيته الاّ الصلاة المكتوبة "(1).
وأقرّ بذلك جمع من علماء العامة، منهم القسطلاني إذ ذكر في (ارشاد الساري): " سماها بدعة ـ يعني عمر ـ لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يسن لهم الاجتماع لها، ولا كانت في زمن الصدّيق، ولا أوّل الليل، ولا كل ليلة، ولا هذا العدد "(2).
قال السيوطي في ذكر عمر: " هو أوّل من سمي أمير المؤمنين، وأوّل من سنّ قيام شهر رمضان ـ بالتراويح ـ وأوّل من حرّم المتعة، وأوّل من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات "(1).
وقال ابن سعد في الطبقات: " وهو أوّل من سنّ قيام شهر رمضان وجمع الناس على ذلك وكتب به إلى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة "(2).
وقال ابن شحنة حيث ذكر وفاة عمر في حوادث سنة 23ه: " هو أوّل من نهى عن بيع أمهات الأولاد، وجمع الناس على أربع تكبيرات في صلاة الجنائز، وأوّل من جمع الناس على إمام يصلي بهم التراويح ".
وذكر ذلك غير هؤلاء، وكأنّهم رأوا أنّ عمر قد استدرك بتراويحه على الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) تشريعاً كانا ـ معاذ الله ـ عنهما غافلين!.
ولقد حثّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على أداء النوافل في البيوت لتزداد شرفاً وبركة، حيث ورد عن أنس بن مالك أنّه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أكرموا بيوتكم ببعض صلاتكم "(3).
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لايذكر الله فيه، مثل الحيّ والميت "(4).
وعن جابر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده
فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإنّ الله جاعل في بيته من صلاته خيراً "(1).
كما أنّ هناك بعداً آخر للصلاة في البيوت، وهو تربية الأجيال الناشئة على التعلق بهذه العبادة المستحبة، وترسيخها في أذهانهم وتجسيدها في أفعالهم.
والواقع أنّ الحكمة الإلهية أوسع من أن يحدّدها إنسان كالخليفة الثاني الذي يقول عن نفسه: " كلّ الناس أفقه منك يا عمر! حتى ربات الحجال والمخدرات في البيوت "(2).
وقع الخلاف في عدد ركعات صلاة التراويح، لأنّه ليس في عددها عند أبناء العامة دليل معتمد عليه يحكي عن قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أو فعله أو تقريره، وقد ذهب البعض إلى القول بالعشرين إعتماداً على قول عمر، ومن فقهاء العامة كمالك يرى أنّها ستة وثلاثون ركعة، ودليله فعل أهل المدينة!.
وفعل أهل المدينة جاء بسبب زيادة عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي في صلاة التراويح، وكان قصده من هذا أن يساوى أهل المدينة مع أهل مكة في الفضل، لأنّهم كانوا يطوفون بالبيت بعد كلّ أربع ركعات مرّة، فرأى أن يصلى بدل كلّ طواف أربع ركعات(3).
فالمسألة أذن كما نرى خاضعة لآراء الحكام وعلماءهم، فأحدهم يحدّد عدداً معيناً يتلاءم وذوقه ليساوي أهل المدينة بالفضل مع أهل مكة حسب رأيه!،
ولو ترك هذا الباب مفتوحاً أمام رؤى الخلفاء لماتت الشريعة الإلهية وانطمست السنة المحمدية!.
وقد حذّر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من ذلك بقوله: " لا يذهب من السنة شيء حتى يظهر من البدعة مثله، حتى تذهب السنة وتظهر البدعة، حتى يستوفي البدعة من لا يعرف السنة، فمن أحيا ميتاً من سنتي قد أميتت كان له أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن أبدع بدعة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً "(1).
ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد بيّن أحكام الله تعالى، وأكّد أنّها ثابتة إلى قيام الساعة، فلا يضيف عليها أو ينقص منها إلاّ مبتدع مخالف لحكم الله (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)(2).
وقد أكّد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) على هذا الأمر بقوله: " وأمّا أهل السنة فالمتمسكون بما سنّه الله لهم ورسوله، وإن قلّوا! وأمّا أهل البدعة فالمخالفون لأمر الله تعالى وكتابه ولرسوله، والعاملون برأيهم وأهوائهم وإن كثروا! وقد مضى منهم الفوج الأوّل، وبقيت أفواج، وعلى الله فضها واستيصالها عن جدبة الأرض "(3).
إنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) الذي قال في حقّه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أعلم أمّتي من بعدي عليّ بن أبي طالب "(4)قد نهى عن صلاة التراويح، ونهر
الناس عنها عندما رآهم يؤدونها.
حيث ورد أنّه: " لمّا اجتمع الناس على أمير المؤمنين(عليه السلام) بالكوفة سألوه أن ينصب لهم إماماً يصلي بهم نافلة شهر رمضان، فزجرهم وعرّفهم أنّ ذلك خلاف السنة، فتركوه واجتمعوا وقدّموا بعضهم، فبعث إليهم الحسن(عليه السلام) فدخل عليهم المسجد ومعه الدرّة، فلمّا رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا واعمراه "(1)!، وصرّح(عليه السلام) في كلام آخر: " أن اجتماعهم في النوافل بدعة "(2).
إنّ موقف بعض الصحابة لم يختلف عن موقف الإمام عليّ(عليه السلام)، فقد ورد عن أبي أمامة الباهلي أنّه قال: " أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم "(3).
وعن نافع مولى عبد الله بن عمر: " أنّ ابن عمر كان لا يصلي خلف الإمام في شهر رمضان "(4)ـ يعني صلاة التراويح ـ.
وهذه دلالات واضحة وصريحة على أنّ الجماعة لم تسن في النافلة إلاّ في صلاة الاستسقاء والعيدين.
يقول الأخ عبد العزيز: " بقيت متحيّراً بعد معرفتي بهذه الاجتهادات من عمر وغيره مقابل النصّ القرآني والسنة، فاصطدمت بالواقع صدمة جعلتني
مذهولاً ومستغرباً من الغفلة التي كنت فيها طيلة هذه الفترة!
قرّرت بعد ذلك أن أجدد النظر في تاريخ عمر بن الخطاب ولاسيما بعد تولّيه شؤون الخلافة، فواصلت البحث والدراسة حتى تبيّنت لي العديد من مخالفاته الصريحة والعلنية لكتاب الله وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم)!.
فعزمت على مواصلة البحث لأصل إلى معتقد أستند إليه بوعي وبصيرة، وجندت قواي للبحث والتتبع، حتى أشرقت لي الحقيقة بكلّ جلاء ووضوح متمثلة بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فاندفعت إليها بقوّة وتمسّكت بها وبدأت أنهل من ينبوع معارفها العذبة.
ولمّا استقرّ بي المطاف انهمرت دموعي خشوعاً ورهبةً، واعترتني حالةٌ ممزوجة بالفرح والرضا والارتياح، أعلنت استبصاري عام 1994م في العاصمة " دار السلام "، وصرت أدعوا من أجده متلهّفاً باحثاً عن الحقيقة يريد إنقاذ نفسه من الضياع والمتاهات والظنون باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) والتمسّك بالثقلين".
الصورة
ولد عام 1971م بمدينة " بدخشان " في أفغانستان(1)، نشأ في أوساط عائلة تعتنق المذهب الإسماعيلي(2)
وافترق الاسماعيلية إلى عدّة فرق، أبرزها: الآغاخانية (النزارية)، والبهرة ـ وتعني هذه الكلمة الجد والعمل ـ.
، أكمل دراسته الابتدائية في بلده، ثم درس لمدّة خمس سنوات في المدارس الحنفية في الباكستان.تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1991م في باكستان، بعد دراسة معمقة ومناقشات كثيرة جرت بينه وبين علماء وطلبة الشيعة.
يقول الأخ عبد المعبود: " كنت إسماعيلي المذهب بدء الأمر، وكنت غير
1) أفغانستان: تقع في منتصف قارة آسيا، يحدها من الشمال كل من طاجيكستان وأوزبكستان وتركمنستان، ومن الشرق والجنوب باكستان، ومن الغرب ايران، يبلغ عدد السكان فيها {27} مليون نسمة، يدين 99 منهم بالإسلام، وتقدر نسبة الشيعة ب 25.
2) الاسماعيليون: هم القائلون بإمامة إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بعد أبيه، وبهذا يختلفون عن الشيعة الإمامية الاثني عشرية الذين يقولون بإمامة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)بعد أبيه.
مؤدياً للطقوس العبادية وفق ما كان يعتقده الإسماعيليون في مدينة " بدخشان "(1)، ودعماً من بعض أتباع المذهب الحنفي سافرت إلى باكستان ودخلت مدارسهم الدينية وانتميت إلى مذهبهم من دون وعي وبصيرة، فصرت أؤدي فرائضي الدينية وفق ما كان يمليه عليَّ الأساتذة الأحناف.
وتأثّرت بسبب ذلك بجملة من الأمور: كعدالة جميع الصحابة، وعدم جواز البحث عن مواقفهم التي أدت إلى إفتراق الأمّة وتمزقها بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لاسيما عن الأمور التي قام بها " الخلفاء الراشدين "، كما تأثّرت بشخصية معاوية بن أبي سفيان، لتعظيمهم إياه في كتبهم وخطبهم، وأحاطوه بهالة من القداسة باعتباره: كاتب الوحي(2)، وخال المؤمنين(3)، والحليم عند الغضب(4)، والعادل في سيرته(5)!!.
وبقيت مدّة خمس سنوات مع الأحناف في باكستان، ثم عدت إلى
1) أهل بدخشان كما يقول المترجم له: يعتقدون بسقوط التكاليف الدينية كالصلاة و الحج والصوم...! ومنشأ هذا الانحراف كان على يد الحسن الثاني بن محمّد بن بزرك أميد المتقلد لزعامة الطائفة النزارية الإسماعيلية بعد وفاة والده سنة 558 ه (أنظر: تاريخ وعقائد الإسماعيلية: 441).
2) أنظر: صحيح مسلم، باب فضائل أبي سفيان: 4 / 1945 {2501}، وفيه: (معاوية تجعله كاتباً بين يديك)، ونقل ابن حجر العسقلاني عن المدائني: (كان زيد بن ثابت يكتب الوحي، وكان معاوية يكتب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما بينه وبين العرب)،الإصابة: 6 / 153.
3) باعتبار أن اخته رملة بنت أبي سفيان وكنيتها أُم حبيبة، تزوّجها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) سنة 6 أو 7 للهجرة، أي قبل فتح مكة.
4) أنظر: معاوية بن أبي سفيان لابن تيمية: 87، البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 82، تاريخ الإسلام للذهبي (سنة 41 ـ 60): 315.
5) من الذين قالوا بعدالة معاوية: الجاحظ في رسائلة (رسالة الحكمين...): 1 / 344، وابن كثير في البداية والنهاية: 8 / 82، وكذا أبوالحسن الأشعري، والماتريدي، والباقلاني، والنووي، والسبكي، وغيرهم.
أفغانستان لأمارس عملي كمبلّغ ديني في " بدخشان "، لكن ـ وبعدة مضي فترة من الزمن ـ وجدت نفسي لا أمتلك العقيدة المتينة التي يمكنني الاستناد إليها بقوّة وثبات، فقرّرت العودة إلى باكستان، لأواصل بحثي بشكل أعمق وأدق فيما يخصّ معتقدي.
وحيث أنني لم أنتفع فيما سبق من مدرسة الأحناف، صممت أن أدخل مدرسة إسلامية أخرى، فراجعت بعض المدارس الدينية حتى تم تسجيلي في مدرسة تنتمي إلى مذهب الإمامية الاثني عشرية.
بعد تعرّفي على أتباع أهل البيت(عليهم السلام) تفاجأت حينما رأيت معتقداتهم تختلف عما ورثته من الإسماعيلة وعما درسته عنه الأحناف!.
فقرّرت أن أقوم بالمقارنة بين ما حصلت عليه من معلومات ـ طيلة خمس سنوات ـ في مدارس الأحناف وبين ما أدرسه الآن، لأتبع بعد ذلك أحسنه.
ولأجل الدقة في استنتاج المعلومات والحرص للوصول إلى الحقائق بنفسي، كنت أبحث وقتئذ في المصادر المختلفة في مكتبة المدرسة التي كانت حاوية لشتى كتب الطوائف والمذاهب الإسلامية، وقد شددت عزمي أن لا أعود إلى بلدي إلاّ وأنا محملاً بالأدلّة والبراهين، وأن لا أنتمي إلى معتقد إلاّ عن بصيرة.
من هذا المنطلق دخلت في مناقشات ومناظرات عديدة مع الطلاب الشيعة، وكانت معظمها منصبة على مكانة الصحابة لاسيما معاوية بن أبي سفيان.
فكانت النتائج التي توصّلت إليها غير متوقعة لي أبداً، فعرفت بعد المناظرات العديدة التي جرت بيني وبين الشيعة أنّ معاوية قد نسبت إليه مناقب وفضائل ما أنزل الله بها من سلطان! وقد حكم علماء العامة في الجرح والتعديل
بوضعها وبطلانها ".
فقد ردّ النووي رواية كاتب الوحي، وقال: " واعلم أنّ هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بالإشكال، ووجه الإشكال: إنّ أباسفيان إنّما أسلم يوم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، وهذا مشهور لاخلاف فيه، وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد تزوّج بأمّ حبيبة قبل ذلك بزمان طويل... تزوجها سنة ست وقيل سنة سبع "(1).
وقال ابن القيم مع ما نقل من أقوال: " إنّ حديث عكرمة في الثلاث التي طلبها أبو سفيان من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) غلط ظاهر لا خفاء فيه.
قال أبو محمّد بن حزم: هو موضوع بلا شك، كذّبه عكرمة بن عمّار.
قال ابن الجوزي: هذا الحديث وهم من بعض الرواة لاشكّ فيه ولاتردد، وقد إتهموا به عكرمة بن عمار "(2).
والذهبي ـ الذي يعتبر من أئمة العامه في هذا الفنّ ـ قال: " وفي صحيح مسلم قد ساق له أصلا منكراً عن سمّاك الحنفي، عن ابن عباس، في الثلاثة التي طلبها أبو سفيان "(3).
لو سلّم أنّ معاوية كتب الوحي ـ كما إدعى البعض ـ فلم يشير أحد إلى المدّة التي تصدّى فيها لهذه المهمّة، مع العلم أنّه لم يسلم إلاّ بعد فتح مكّة!، كما لم يذكر
أحد مستند ذلك ولا نجد إشارة في التاريخ الإسلامي إلى الآيات التي كتبها معاوية!.
وحتى لو صحّ أنّه كتب الوحي، فهذا لا يستوجب تنزيهه عن الخطأ، أو عصمته من الضلال بعد ذلك، فقد إرتدّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان كاتباً للوحي! ونزل فيه قوله تعالى: ( قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ... )(1)، فهو بعد أن كتب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) رجع ناكصاً على عقبيه حتى أحبط عمله(2).
وكذا كان عبد الله بن خطل من قبله كاتباً للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم أرتدّ وأصبح يقول: " إن كان محمّد نبيّاً فإنّي لا أكتب له إلاّ ما أريد "، حتى أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بضرب عنقه يوم الفتح ولم تشفع له كتابة الوحي(3).
فهذه المناقب المفتعلة والصفات الوهمية التي حاول البعض تزيين شخصية معاوية بها قد كشفها الواقع، وهي غير خافية على كلّ متتبع باحث في التاريخ الإسلامي.
إنّ وصف معاوية ب " خال المؤمينن " وجعله متفرداً به لا يعدو عن كونه تمحلا لا أكثر!.
لإنّه إنّما يكون خالاً لو كان كون أمّ حبيبة أمّاً للمؤمنين من طريق النسب لا من طريق تحريم النكاح والتعظيم لحقوق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو كان قولهم هذا قياساً مقبولاً وتأويلاً معقولاً لكان أبو بكر وعمر أجداداً للمسلمين!، ولو كان أحد أولى
بهذا اللقب من غيره لكان محمّد بن أبي بكر أولى به، لأنّ أخته عائشة أقرب النساء إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ على قولهم ـ وأنّه ابن الخليفة الأوّل، وولد مسلماً، ولم يشهر سيفاً بوجه الإسلام، ولم يؤلب الناس على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، في حين أنّ معاوية وأمّه وأبيه وجدّه وأخيه(1)كانوا من أقطاب الكفر ومن رموز الكيد للإسلام حتى بعد استسلامهم يوم الفتح!.
وأيضاً لو صحّ ما يقولون، لكان جميع ولد أبي بكر وعمر أخوالاً للمسلمين و...
في الواقع أنّ معاوية لم يدفعه الحماس الديني نحو إحداث نقلة نوعية في إيمان المجتمع الشامي ـ رغم الفترة الطويلة التي تسلط فيها على تلك البلاد ـ بل كان أعظم همّه تثبيت دعائم ملكه في تلك المعمورة، وذلك لأنّه لم ينصقل بالإسلام منذ أن دخل فيه مجبراً بعد فتح مكّة، وكان يكنّ العداء لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)! لكونه السبب في زوال المكانة التي كانت لبني أميّة زمن الجاهليّة، ولهذا سعى لإخماد الإسلام عندما وقع الحكم بيده.
ويؤكدّ ذلك ما ورد عن مطرف بن المغيرة بن شعبة، حيث قال: " وفدت مع أبي المغيرة إلى معاوية، فكان أبي يأتيه يتحدث عنده ثم ينصرف إلي، فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب مما يرى منه.
إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء! فرأيته مغتماً، فانتظرته ساعة وظننت لشئ حدث فينا أو في عملنا.
1) جدّه لأمه عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة بن ربيعة، وقتل هذان يوم بدر، كما قتل معهم خال معاوية الوليد بن عتبة، وأخو معاوية حنظلة بن أبي سفيان وغيرهم من بني أمية.
فقلت له: ما لي أراك مغتماً منذ الليلة؟!
قال: يا بني إنّي قد جئت من عند أخبث الناس!
قلت له: ما ذاك؟
قال: قلت له وقد خلوت به: إنّك قد بلغت منّا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلا وبسطت خيراً فإنّك قد كبرت! ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه!
قال لي: هيهات هيهات!! مَلكَ أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فوالله ماعدا أن هلك فهلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر، ثم ملك أخو عدي فاجتهد وشمّر عشر سنين، فوالله ماعدا أن هلك، فهلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: عمر، ثم ملك أخونا عثمان، فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه، فعمل ما عمل وعمل به، فوالله ماعدا أن هلك، فهلك ذكره وذكر ما فُعل به، وإنّ أخا هاشم يصرخ به في كلّ يوم خمس مرّات: أشهد أنّ محمّداً رسول الله، فأي عمل يبقى مع هذا؟ لا أم لك، والله إلاّ دفناً دفناً "(1).
وقد أفصح بهذا عن مكنونات نفسه تجاه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو يكاد يموت من الغيظ بسبب هذا النداء، وسعى محموماً لإخماد هذا الصوت، ولكن (يَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ)(2).
أمّا الجوانب الأخرى من سيرته الشوهاء فهي لاتقل في التعدي على حقوق المسلمين عن سابقتها، فقد استأثر بالأموال واصطفى الذهب والفضة ومنعها من الناس(3)، كما كان يقسّم الأقطاع ويهب الأمصار لأعوانه ـ كعمر وبن
العاص ـ كيفما يشاء(1)، وكان مسرفاً مبذّراً يبذخ الأموال حتى وصفه عمر بن الخطاب بكسرى العرب(2).
وكان من الذين دعموا سيرته وأعانوه فيها الصليبي "سرجون" والسفاح "بسر بن أرطاء" والدعي "زياد ابن أبيه" وأشباههم!!
كان كبار الصحابة، يعرفون بغض معاوية لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)! فقد قال عمّار ابن ياسر(رضي الله عنه) في حرب صفين: "... أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما وبغى على المسلمين وظاهر المشركين، فلما رأى الله عزّوجلّ يعزّ دينه ويظهر رسوله، أتى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فأسلم وهو فيما يرى راهب غير راغب، ثم قبض الله عزّوجلّ رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فوالله، إن زال بعده معروفاً بعداوة المسلم وهوادة المجرم... "(3).
فتلبّس معاوية برداء النفاق، وكانت سياسته في عموم بلاد المسلمين قائمة على المكر والخداع، ولذا لم تذق الأمصار الإسلامية ـ وخصوصاً دمشق ـ في عهده حلاوة الإيمان وطعمه الحقيقي، حتى بلغت به الجرأة أن فسح المجال لتجارة الخمر ولم يمنعها!!
فقد أخرج أحمد بن حنبل في مسنده من طريق عبد الله بن بريدة، قال: " دخلت أنا وأبي على معاوية، فأجلسنا على الفرش، ثم أوتينا بطعام فأكلنا، ثم أوتينا بالشراب، فشرب معاوية ثم ناول أبي، فأبى، ثم قال: ما شربته منذ حرّمه
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) "(1).
وأخرج ابن عساكر في تاريخه، وابن مندة وغيرهما من طريق محمّد بن كعب القرظي، قال: " غزا عبد الرحمن بن سهل الأنصاري في زمن عثمان ومعاوية أمير على الشام، فمرت به روايا خمر تحمل ـ لمعاوية ـ فقام إليها عبد الرحمن برمحه فبقر كل راوية منها، فناوشه الغلمان حتى بلغ شأنه معاوية، فقال: دعوه فإنّه شيخ قد ذهب عقله، فقال ـ عبد الرحمن ـ: كذب والله ما ذهب عقلي، ولكن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نهانا أن ندخل بطوننا وأسقيتنا خمراً، وأحلف بالله لئن بقيت حتى أرى في معاوية ما سمعت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبقرن بطنه، أو لأموتن دونه "(2).
كما أنكر الصحابي عبادة بن الصامت على معاوية ذلك إذ رآه يتناول الخمر وتصدى له بقوّة ليردعه عن ذلك، فما كان من معاوية إلاّ أن كتب إلى عثمان بن عفان أن عبادة يفسد الشام! وكان قرار الخليفة ـ كالعادة ـ التبعيد والنفي(3)!.
إنّ من أجلى مظاهر كيد معاوية للإسلام، عزله الشام عن الروح الإسلامية التي بيّنها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وجسّدها بقوله وفعله، بل أنّه أماتها بتطبيقه لأوامر منع نشر الحديث النبوي لاسيما المتعلّقة بمكانه أهل البيت(عليهم السلام)، فصار أهل الشام لايعرفون رمزاً للإسلام ورحماً للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) غير معاوية!! حتى أنّه قال لعمّار بن
ياسر(رضي الله عنه) في مجلس يضمّ جمعاً من الصحابة ـ أيّام إضطراب الأمر على عثمان ـ: " يا عمّار، إنّ بالشام مائة ألف فارس كل يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم وعبدانهم، لايعرفون عليّاً ولا قرابته، ولا عماراً ولا سابقته... "(1)!.
فترعرع الشاميون على هذا النهج، بأنّ معاوية عنّدهم عنوانٌ للإيمان، حتى نشؤوا على النصب(2)، فكان شتم الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وسبّه عندهم سنّة!
وقد أورد الجاحظ في رسائله: " إنّ قوماً من بني أميّة قالوا لمعاوية: فلو كففت عن لعن هذا الرجل، فقال لهم: لا والله حتى يربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير ولايذكر ذاكر له فضلا "(3)!.
وقال ابن الأثير: دعا معاوية المغيرة بن شعبة وهو يريد أن يستعمله على الكوفة، فقال له في كلام: " وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتماداً على بصرك، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة، لاتترك شتم عليّ وذمّه "(4)!.
وإنّ أدلّ دليل على بغي معاوية وضلاله، خروجه على إمام زمانه ومحاربته إياه، وقتله الآف المسلمين في معركة صفين، من بينهم الصحابي الجليل عمّار بن ياسر(رضي الله عنه)، الذي قال عنه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " ويح عمّار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار "(5).
ولشهرة الحديث ما أنكره معاوية وما ردّه، بل قال: " قتله من جاء به، فقال
1) أنظر: الإمامة والسياسة لابن قتيبة: 1 / 46.
2) أنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 3 / 128 (ترجمة معاوية بن أبي سفيان).
3) أنظر: شرح النهج لابن أبي الحديد: 4 / 57، نقلاً عن الجاحظ.
4) أنظر: الكامل في التاريخ الابن الأثير: 3 / 472، تاريخ الطبري: 5 / 253، العقد الفريد لابن عبد ربّه: 4 / 366.
5) أنظر: صحيح البخاري: 1/ 172 {436}، صحيح مسلم: 4 / 2236، صحيح ابن حبان: 15 / 554 {7079}، مسند أحمد: 3 / 90 {11879}.
ابن عباس: فقد قتل رسول الله حمزة! لأنّه جاء به إلى الكفار فقتلوه "(1).
إنّ السبب الأساسي لحقد معاوية لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)إلى هذا الحدّ، هو أنّه(عليه السلام) قد أرغم أنوف المشركين لاسيما أئمة الكفر كأبي سفيان وأبي جهل وعتبة بن ربيعة وغيرهم، وحطم كبرياء قريش وخيلاءها في كل ميدان، وكان السابق لها في كل فضل، فهو الأوّل إسلاماً(2)، وهو الوصي و...
ولم يكتف معاوية لعداوته للإمام عليّ(عليه السلام)، بل تعدى عداؤه إلى الأنصار، لإيوائهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والمهاجرين الأوّلين، ووقوفهم المشرف مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في حروبه ضد المشركين، فكان معاوية يتحين الفرص للإيقاع بهم وإهانتهم والحط من شأنهم، حتى قال شاعر البلاط الأموي:
ذهبت قريش بالمفاخر كلّها و اللؤم تحت عمائم الأنصار
ولما جاء وفدهم إلى دمشق، أخبر الحاجب بأنّ وفد الأنصار بالباب، فتضايق معاوية من هذه الكلمة وقال لحاجبه: قل لهم ليدخل أبناء قيلة ـ وهو الإسم الذي عرفوا به في الجاهلية ـ فلم يدخلوا حتى دعاهم بالاسم الذي سماهم به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يعبأ معاوية بما قاله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقهم: " لو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، والله لولا الهجرة لكنت امرءً من الأنصار، اللهم إرحم الأنصار وأبناء الأنصار "(3).
فكانت كلمة الأنصار تهزّ كيان معاوية، وتذكره بالهزائم المنكرة التي لقيتها
جموع الكفر ـ بقيادة أمّه وأبيه ـ على أيدي الأنصار، كما تذكره بفراره يوم بدر ـ حتى ورمت قدماه ـ خشية أن يقع في الأسر!.
وقد بلغ من حقده أنّه جهد في استئصال كل ما يمتّ بصلة لأهل بيت النبوة(عليهم السلام)، فتتبع شيعتهم ومحبيهم وحرمهم من العطاء وهدم دورهم وقلع نخلهم وقتلهم بشكل بشع ومروع!، ومصرع حجر بن عدي وأصحابه في " مرج عذراء " خير شاهد على ذلك، مما حدى بارتفاع بعض الأصوات ـ رغم بغضها لأميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وبغيها عليه ـ التي استنكرت فعل معاوية هذا!، حتى قالت عائشة: " لولا أنّا لم نغيّر شيئاً إلاّ صارت بنا الأمور إلى ما هو أشدّ منه لغيّرنا قتل حجر! أما والله إن كان ما علمت لمسلماً حجّاجاً معتمراً "(1).
قال الحسن البصري: " أربع خصال كنّ في معاوية، لو لم تكن فيه إلاّ واحدة لكانت موبقة... وقتله حجراً وأصحاب حجر، فياويلا له من حجر!، ويا ويلا من حجر وأصحاب حجر! "(2).
كما أنّه قتل عمرو بن الحمق الخزاعي، وطيف برأسه، وكان هو أوّل رأس يطاف به في الإسلام(3).
فيا ترى أين حلم معاوية؟! الذي يزعمه البعض، والظاهر أنّهم نسبوا إليه هذه الصفة لما ورد أنّه قال: " رأى من الشرفة رجلا مع جاريته، فدخل عليها وقال للرجل: ما جرّأك على ذلك؟ فقال الرجل: حلمك يا أمير المؤمنين، فحلم
عنه معاوية وتركه"(1)، فحلمه يظهر في مثل هذه المواقف!.
وفي الواقع أنّ معاوية كان خاضعاً للأعراف الجاهلية، وسيراً على ذلك كان يقطع الرؤوس، ويحيي النزاعات القبلية، والممارسات اللاأخلاقية، فكان هذا الأمر سمة بارزة لعهده، ومرجع ذلك إلى النزعة الثأريّة والانتقاميّة التي كان يحملها بين جوانحه، فإسلامه المتأخر وعدم تشبعه بروح الدين العظيمة، واستماتته على الزعامة وتلهّفه للسلطة ولو على حساب دماء آلآف المسلمين!.
كما كان معاوية مجانباً للإسلام في كل شيء ومتمرداً على تعاليمه في السرّ والعلن! فقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " الولد للفراش، وللعاهر الحجر "، ولكنّ معاوية ألحق عبد بني علاج زياد بن أبيه بأبي سفيان وادّعا أنّه أخٌ له(2)!!.
قد منع جمع كبير من تولّي الطلقاء لأمر الخلافة، ومنهم:
1 ـ عمر بن الخطاب، حيث قال: " هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد،... وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء "(3).
وورد عنه أيضاً: " لا تختلفوا فإنّكم إن اختلفتم جاءكم معاوية من الشام وعبد الله بن أبي ربيعة من اليمن، فلا يريان لكم فضلا لسابقتكم. وإنّ هذا الأمر لايصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء "(3).
2 ـ عبدالله بن عباس، إذ كتب إلى معاوية: " ما أنت والخلافة؟ وأنت طليق
الإسلام، وابن رأس الأحزاب، وابن آكلة الأكباد من قتلى بدر "(1).
3 ـ قيس بن سعد بن عبادة، حيث قال في كتاب وجّهه إلى معاوية: " أمّا بعد، فأنت وثن ابن وثن، دخلت في الإسلام كرهاً، وأقمت فيه فرقاً، وخرجت منه طوعاً، ولم يجعل الله لك فيه نصيباً "(2).
وغير هؤلاء من الصحابة كمعين بن يزيد بن الأخنس السلمي، وصعصعة ابن صوحان العبدي، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري.
وقد كان معاوية يعلم بعدم استحقاقه للخلافة، لأنّه من الطلقاء(3).
سلك معاوية كل الطرق الملتوية من أجل الحصول على الخلافة، فكان يفتك بمناوئيه ويغتال معارضيه وإن كانوا أولى الناس بهذا الأمر.
وكان غدره بجملة من الصحابة والتابعين خير شاهد على ذلك، إذ أنّه قتل سيد شباب أهل الجنّة الإمام الحسن(عليه السلام)، عندما أغرى جعده بنت الأشعث زوجة الإمام(عليه السلام) فسمته حتى قضى نحبه(4)، ولمّا بلغ الخبر معاوية أظهر الفرح والسرور بذلك!(5).
وورد عن صاحب (المصالت) أنّه قال حول معاوية: " كان على المنبر
1) أنظر: الامامة والسياسة لابن قتيبة: 1 / 134، شرح النهج لابن أبي الحديد: 8 / 66.
2) أنظر: مقاتل الطالبيين لأبي الفرج: 43، الكامل في التاريخ لابن الأثير: 3 / 270، تاريخ اليعقوبي: 2 / 187، شرح النهج لابن أبي الحديد: 16 / 43، العقد الفريد لابن عبد ربّه: 5 / 21.
3) الطلاقاء: هم أهل مكّة الذين أسرهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الفتح، وقال لهم: إذهبوا فأنتم الطلقاء.
4) أنظر: البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 32، مروج الذهب للمسعودي: 2 / 427، أخبار.
5) أنظر: الامامة والسياسة لابن قتيبة: 1 / 196.
يأخذ البيعة ليزيد، فقالت عائشة: هل استدعى الشيوخ لبنيهم البيعة؟ قال: لا، قالت: فبمن تقتدي؟! فخجل، وهيأ لها حفرة فوقعت فيها فماتت "(1).
هكذا كانت سيرة معاوية، وهكذا كان عدله في الرعية، ورعايته لحقّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)!.
إنّ معاوية من الذين حلّت عليه لعنة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)!.
فقد نقل الطبري: أنّه رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أباسفيان مقبلا على حمار ومعاوية يقود به وإبنه يزيد يسوق به، قال: " لعن الله القائد والراكب والسائق "(2).
وذكر الذهبي وأحمد بن حنبل في مسنده، وأبي يعلى، وابن مزاحم من طريق أبي برزة الأسلمي، والطبراني من طريق ابن عباس: " كنّا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في سفر، فسمع رجلين يتغنيان وأحدهما يجيب الآخر... فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): انظروا من هما؟ فقالوا: معاوية وعمرو بن العاص، فرفع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يديه، فقال: اللهم أركسهما ركساً، ودعَّهما إلى النار دعّاً "(3).
كما أخرج الطبري في تاريخه: " إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يطلع من هذا الفجّ رجل من أُمتي يحشر على غير ملتي، فطلع معاوية "(4).
1) أنظر: الصراط المستقيم لعليّ بن محمد العاملي: 3 / 45.
2) أنظر: تاريخ الطبري: 10 / 58.
3) أنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 3 / 132 (ترجمة معاوية)، المعجم الكبير للطبراني: 11 / 38 {10970}، مسند أبي يعلى: 13 / 429 {4736}، مصنّف ابن أبي شيبة: 7 / 526 {37720}، مسند أحمد: 4 / 421.
4) تاريخ الطبري: 10 / 58، وأنظر: وقعة صفين لابن مزاح: 220.
وأخرج البلاذري في تاريخه الكبير مسنداً عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: " كنت جالساً عند النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فقال: يطلع عليكم من هذا الفجّ رجل يموت يوم يموت على غير ملتي، قال: وتركت أبي يلبس ثيابه، فخشيت أن يطلع، فطلع معاوية "(1).
وأخرج ابن مزاحم، وابن عدي، والعقيلي، والخطيب، والمناوي من طريق أبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود، أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه "، وفي لفظ: " إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه "، وفي آخر " إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاضربوا عنقه "(2).
يقول الأخ عبد المعبود: " عرفت بعد التفحّص والبحث حقيقة معاوية، وتبيّن لي نفاقه وما ارتكب من انتهاكات في حقّ الإسلام، كما اتضحت لي أمور أُخرى عن بعض الصحابة، فوجدت نفسي أمام مفترق طرق، أحدها يؤدي إلى الغواية والضلال وهو طريق معاوية ومن مكّنه ومهّد له، والآخر يؤدي إلى الهداية والفلاح وهو طريق آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فاخترت هذا الطريق على ذاك، لأنّجو بنفسي من الهاوية، وقرّرت ترك أخذ معالم ديني من أناس قد شوهوا معالم الإسلام بغية الوصول إلى مآربهم.
ولهذا سلكت طريق أهل البيت(عليهم السلام) واعتنقت مذهبهم عام 1991م في باكستان ".
الصورة
ولد عام 1978م بمدينة " مالانك " في أندونيسيا(1)، نشأ في أوساط عائلة مسلمة تعتنق المذهب الشافعي.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) في التسعينات بمدينة " بانجيل " الأندونيسية، بعد مباحثات ومناقشات عديدة أجراها مع العلماء وأصحاب الاختصاص في المجال الفكري والعقائدي، ومطالعات كثيرة لكتب الحديث.
يقول الأخ علي الحبشي: " بعد بلوغي مرحلة النمو والنضوج الفكري وتفتح الذهنية لاكتساب المعارف، زاد عندي حبّ الاستطلاع حول مباني العقيدة الإسلامية وآراء المذاهب فيها، لاسيما في ما يتعلق بالأُصول وخصوصاً التوحيد
1) أندونيسيا: تقع في جنوب شرق آسيا، يبلغ عدد سكانها {225} مليون نسمة، وتعتبر من أكبر الدول الإسلامية من حيث النفوس، والشيعة تتواجد في هذا البلد حيث يقدر عددهم بمئات الآلاف، والجدير ذكره أن تاريخ التشيع في هذا البلد بدأ منذ القرن الرابع الهجري على يد أحفاد عليّ بن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، لا سيما السيد أحمد بن عيسى بن محمّد ابن عليّ بن الإمام الصادق(عليه السلام).
والعدل الإلهي، فعكفت على المطالعة في هذا المجال حتى تبيّن لي أنّ آراء الأشاعرة والمعتزلة غير متّسقة ومتناقضة ومتأرجحة بين الجبر وسلب الاختيار، وبين التفويض وحرية الاختيار، فزادت حيرتي لا سيما بعد أن وجدت استفساراتي وأسئلتي لم تجد الإجابات المقنعة، بل لم تلق تجاوباً ملحوظاً من قبل علماء مذهبي.
فانعطفت في مسيرة بحثي بإتجاه كتب الحديث لعلّي أجد ضالتي فيها، وأوّل ما بدأت بكتاب صحيح البخاري ـ لأعتقادي بصحّة كل ما فيه، وأنّه كتاب لا يفوقه سوى القرآن ـ باعتباره جامع لمعظم أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في مختلف المجالات، بصورة لا شائبة فيها.
لكنّني بمجرد أن تأملت وأمعنت النظر في أبوابه وفصوله، تغيّرت رؤيتي له ".
إنّ أبناء العامّة يعتبرون صحيحي البخاري ومسلم من أصحّ الكتب وأكثرها اعتباراً وضبطاً بعد القرآن الكريم! ولذلك اعتمدوا عليهما تمام الاعتماد، واهتموا بهما غاية الاهتمام، حتى غالوا فيهما وبالغوا في اطرائهما، فصححوا كل ما ورد فيهما، وأنزلوهما بمنزلة عجيبة، بحيث لم يجوّزوا نقدهما من حيث المتن أو السند!.
وذلك لأنّهم يعتقدون أنّ ما فيهما هو من نطق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ الذين رووا هذه الأحاديث جازوا القنطرة(1)!، حتى قال القاضي الفضل بن روزبهان في هذا الصدد ـ وهو يرد على العلامة الحلّي ـ: " لو أنّ أحداً حلف يميناً بأنّ كل
1) أنظر: هدي الساري مقدمة فتح الباري: 1 / 543.
ماورد في الصحاح الستة من الأحاديث فهو صحيح وهو قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لكان يمينه صحيحاً ولا عليه حنث "(1)!.
ولقد كان لصحيح البخاري النصيب الأوفر من المدح والإطراء حتى بالغ كثير منهم في هذا المجال:
فقال الچلبي: " إنّ السلف والخلف قد أطبقوا على أنّ أصح الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى صحيح البخاري، ثم صحيح مسلم "(2).
وقال الذّهبي: " وأمّا جامع البخاري الصحيح فأجّل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله عزّوجلّ "(3).
وقال النووي: " إنّ أصح الكتب بعد القرآ ن الصحيحان: البخاري ومسلم، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد "(4).
وقال ابن حجر المكي: " الصحيحان هما أصح الكتب بعد القرآن بإجماع من يعتدّ به "(5).
وقال القاسمي: " صحيح البخاري عدل القرآن "(6).
يقول الأخ علي الحبشي: " كشفت لي دراستي المعمقة لصحيح البخاري وشروحه أموراً لم أكن أتوقّعها من قبل، فإنّها أدّت إلى فقدان اعتبار هذا
1) أنظر: إحقاق الحق للتستري (الطبعة الحجرية): ذيل حديث " عليّ صاحب الحوض واللواء "، ودلائل الصدق للمظفر: 1 / 46، 2 / 590.
2) أنظر: كشف الظنون للملا الچلبي: 1 / 427، عمدة القاري: 1 / 24، المقدمة.
3) أنظر: ارشاد الساري للقسطلاني: 1 / 51.
4) أنظر: شرح صحيح مسلم للنووي: 1 / 128.
5) أنظر: الصواعق المحرقة لابن حجر: 1 / 31.
6) أنظر: قواعد التحديث للقاسمي: 250.
الكتاب عندي ".
والباحث المدقق، يجد في أحاديث البخاري وأسانيده من الخلل والضعف ما يوجب سقوط الكثير من رواياته، وبالخصوص بعد النظر لأقوال علماء الجرح والتعديل من أهل العامة في هذا المجال:
فقد قال ابن الصلاح: " لقد احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الطعن بهم، كعكرمة مولى ابن عباس، وإسماعيل بن أويس، وعاصم بن عليّ، وعمرو ابن مرزوق وغيرهم "(1).
ونقل العراقي في شرح ألفيته: " أنّ النسائي ضعّف جماعة أخرج لهما الشيخان "(2).
وقال أحمد شاكر في شرحه لألفية السيوطي: " قد وقع في الصحيحين كثير من رواية بعض المدلّسين "(3).
وقال شعبة بن الحجاج: " ممن اشتهر بالتدليس أبو هريرة "(4)، وقد اعتمد عليه البخاري أكثر من جميع الصحابة!.
فهذه المؤاخذات على صحيح البخاري لايمكن غضّ الطرف عنها، لأنّ ضعف قسم من رجاله وعدم توثيقهم ـ فضلاً عن روايته واعتماده على ضعاف الإيمان(5)والخوارج(6)والنواصب(7)ـ تجعل المرء غير مطمئن بالركون
1) أنظر: مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث: 86، الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي: 136.
2) أنظر: شرح ألفية العراقي: 3 / 262.
3) أنظر: ألفية السيوطي: 33.
4) أنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 2 / 608، تاريخ ابن عساكر: 67 / 359، البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 77.
5) كعمرو بن العاص المعروف بفسوقه وفجوره، والمشهور بعدائه لأميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)والمؤلب عليه الاعداء.
6) كعمران بن حطان، أحد زعماء وخطباء الخوارج، والمشهور ببغضه للإمام عليّ (عليه السلام)، بحيث أنّه امتدح عبدالرحمن بن ملجم في ابياته المعروفة، عندما اغتال الإمام (عليه السلام).
7) كعبد الله بن الزبير، المناصب للإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) العداء والبغض، والمقاتل له يوم الجمل مع جموع الناكثين.
إليه.
كما يدرك أنّ محمّد بن إسماعيل البخاري قد تحكّمت الطائفية والعصبية المقيتة في عقيدته(1)! حيث لم يرو حديثاً واحداً عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام)!، الذي أقرّ المخالف والمؤالف بفضله وسعة علمه ونقاء منهجه.
وتوجد أسباب أخرى تقلّل من قيمة صحيح البخاري العلمية، منها:
الفترة الزمنية الطويلة الممتدة بين صدور الأحاديث النبوية الشريفة وتاريخ تدوينها، وما تخلّل تلك الفترة من الدسّ والوضع والتحريف والحذف وما شابه ذلك!، فلهذا تجد هذا الكتاب يعج بروايات شاذّة ليس لها إلاّ إسناداً واحداً(2)، كما يعج بالإسرائيليات الكثيرة(3)، فضلا عن الروايات القادحة بصميم النبوّة، وتمس نفس شخص الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، كشكه(4)، وسهوه
1) لاحظ إغماضه لبعض فضائل الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) وعدم ذكره لأحاديث: الغدير، الطائر المشوي، سد الأبواب، أنا مدينة العلم وعلي بابها وغيرها التي ثبّتها أهل الصحاح والكتب الاخرى.
2) قال الحاكم النيسابوري في المستدرك، بعد نقل أحد الأحاديث: " ولعل متوهماً يتوهم أن هذا متن شاذ فلينظر في الكتابين ـ كتابي البخاري ومسلم ـ ليجد من المتون الشاذة التي ليس لها إلاّ إسناد واحد ما يتعجب منه، ثم ليقس هذا عليها "، المستدرك: 1 / 70 {52}.
3) أنظر: صحيح البخاري كتاب التفسير سورة الصافات، وكتاب الخصومات، وكتاب الأنبياء: باب قول الله " وكلم الله موسى تكليماً "، وباب " ان يونس لمن المرسلين "، وكتاب الرقاق: باب نفخ في الصور، وباب وفاة موسى.
4) أنظر: صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، والرواية عن عائشة تذكر فيها كيفية بدء الوحي وهي لم تولد بعد!! وظاهر الرواية يقول: إن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يطمئن بتعينه وانتخابه رسولا من قبل رب العزة، وأنه كان يخشى على نفسه فذهب لورقة بن نوفل النصراني بعد نصيحة زوجته ليسأله سؤال التلميذ من الاستاذ!! فعرّفه ورقة ذلك هو الملك، فعرف أنّه بعث رسولا، فكأن ورقة أعلم منه(صلى الله عليه وآله وسلم) بالبعثة!.
ونسيانه(1)، وسحره لبعض الوقت(2)، وشغفه ـ والعياذ بالله ـ بالغناء والغواني(3)، وتعرّيه أمام الناس(4)، وتفرجه ومشاهدته للرقص(5)!!
ومنها تقطيعه للأحاديث وانتخاب ما يتمشى منها مع ذوقه ورأيه، وحذف عبارات من مقدمة الحديث أو نهايته(6).
ومنها نقله جملة من الأحاديث بالمعنى وعدم روايتها باللفظ، وكذا تغطيته وتعتيمه على بعض الأسماء وإتيانه لها بشكل مجهول بكلمة " فلان "(7)!.
ومنها تكميل كتاب صحيح البخاري وتتميمه من قبل الآخرين!، خصوصاً
1) أنظر: صحيح البخاري: 1 / 156 {392}، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون... "، 1 / 157 {396}، وعن عبدالله قال: " صلى النبيّ الظهر خمساً... "، 1 / 182 {468}، وعن أبي هريرة: " صلى بنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحدى صلاتي العشاء... فصلى بنا بركعتين... "، 2 / 940 {2012}، وعن عائشة قالت: " سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)... لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت قد نسيتها من سورة كذا وكذا ".
2) أنظر: صحيح البخاري: 5 / 2174 {5430}، عن عائشة قالت: " سحر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)رجل من بني زريق... "، وكذا 5 / 2347 {6028}.
3) أنظر: صحيح البخاري، كتاب الفضائل، فضائل أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكتاب العيدين، باب سنة العيدين لأهل الإسلام، وكتاب المناقب، باب رقصة الحبش، كتاب النكاح، باب النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها.
4) أنظر: صحيح البخاري، باب بنيان الكعبة: 3 / 1392 {3617}.
5) أنظر: صحيح البخاري، كتاب الفضائل في ذيل باب شهود الملائكة بدر، وكتاب النكاح باب ضرب الدف، وكتاب النكاح باب ذهاب النساء والصبيان إلى العرس، وكتاب فضائل أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)باب قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) للأنصار.
6) أنظر: صحيح البخاري، وكتاب التيمم، وكتاب الطلاق، وكتاب الحدود.
7) أنظر: صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، وكتاب الفتن.
وأنّ بعض الكتاب كان مبيضّاً والقسم الآخر منه كان غير تام(1); ونسبة الكتاب كله إلى محمّد بن إسماعيل البخاري فرضية لا أكثر!.
هذا فضلا عن كثير من الأحاديث المخالفة صراحة للأدلّة العقلية والنقلية.
إنّ كتاب البخاري ـ جملة وتفصلا ـ عرضة للنقد، والجدير بالذكر أنّ أوّل من فتح هذا الباب على هذا الكتاب هم أبناء العامة أنفسهم، لا سيما العلماء والمحدثين والحفاظ والشراح الذين يعتمد على أقوالهم، والذي كان منهم:
1 ـ أبو زرعة ـ المعدود من حفاظ الحديث وأعلام الرجال ـ فقد نقل الخطيب البغدادي عن سعيد بن عمرو، قال: " شهدت أبا زرعة الرازي، ذكر كتاب الصحيح الذي ألّفه مسلم بن الحجاج، ثم الصائغ على مثاله ـ صحيح البخاري ـ فقال لي أبو زرعة: هؤلاء قوم أرادوا التقدّم قبل أوانه فعملوا شيئاً يتشوفون به "(2).
2 ـ ابن همام، حيث قال: " وقول من قال: أصح الأحاديث ما في الصحيحين، ثم ما أنفرد به البخاري، ثم ما أنفرد به مسلم، ثم ما أشتمل على شرطهما، ثم ما أشترط على أحدهما، تحكم وباطل لايجوز التقليد فيه "(3).
3 ـ أحمد أمين ـ الكاتب المصري ـ حيث قال: " وقد ضعّف الحفاظ من رجال البخاري نحو ثمانين، وفي الواقع هذه مشكلة المشاكل... ومن هؤلاء
الذين روى عنهم البخاري وهم غير معلومي الحال: عكرمة مولى ابن عباس... ومسلم ترجح عنده كذبه "(1).
فهذا ـ بشكل موجز ـ ما أبداه بعض علماء العامة حول الصحاح عموماً، وصحيح البخاري خصوصاً.
يختم السيد علي الحبشي حديثه قائلاً: " دفعتني هذه الحقائق لأنّ أعيد النظر تماماً حول كتاب البخاري ومؤلفه، فقد كان هذا الجامع مرجعاً روائياً مهماً بالنسبة لي، وإذا بي أجده مليئاً بالثغرات!.
فتابعت بحثي وكثّفت مطالعاتي، فكانت النتائج باهرة بالنسبة لي، وأخيراً كان لأحاديث الثقلين، والأئمة اثنا عشر، وكلّهم من قريش، والغدير، وآية التطهير، دوراً كبيراً في إزالة الحجب التي كانت تمنع بصيرتي من رؤية الحقّ، فاهتديت بعد ذلك إلى طريق أهل البيت(عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، ثم أعلنت استبصاري في مدينة " بانجيل ".
1) أنظر: ضحى الإسلام لأحمد أمين: 2 / 117.
الصورة
ولد عام 1971م بمدينة " كركوك " في العراق(1)، من عائلة كردية تعتنق المذهب الحنفي، واصل دراسته حتى نال شهادة الثانوية.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1996م بمدينة " أربيل " العراقية.
يقول الأخ ماجد: " كنت عضواً في أحد الأحزاب، وكان ضمن مهامي حراسة المقر ومراقبة الأشخاص الذين يترددون عليه للحفاظ على أمن منطقتنا المضطربة.
لفت نظري تديّن أحد الأشخاص وورعه ووقاره في المنطقة، فكان كثير الصلاة ومواظباً على صلاة الليل، وعرفت من هيئة صلاته وسجودة على التربة أنّه من الشيعة، وكان يتمتع بشخصية متزنة يكن لها الجميع التقدير والاحترام، رغم اختلاف القومية والمعتقد والتقاليد والثقافة.
1) العراق: أنظر الترجمة رقم {10}.
ولحرصي لمعرفة الحقائق تقدمت إليه ذات يوم فسألته: لماذا تصلي على هذه الحجارة (التربة)؟
فأجابني بهدوء واتزان: ذلك لأنّ شريعتنا كما روى أهل البيت(عليهم السلام) عن الرسول أن السجود في الصلاة لا يجوز إلاّ على الأرض و ما لا يؤكل ولا يلبس من نباتها ".
وقد شنع الخصوم بأنّ السجود على التربة بمثابة السجود للصنم، وخفى عليهم أنّ الشيعة تسجد على التربة وليس لها، والفرق واضح بين السجود على الشيء والسجود له، والسجود لا يجوز إلاّ لله تعالى.
إنّ السجود من أعظم أركان الصلاة، وورد في الحديث: " أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد "(1)، وأنّ الله تعالى أخرج إبليس من الجنّة وطرده منها لأنّه أبى عن السجود وأخذته الأنانية والكبرياء عندما رأى نفسه أنّه أفضل من آدم، وما من عمل أشق على إبليس من أن يرى ابن آدم ساجداً لله تعالى، لأنّه أُمر به فعصى وغوى فهلك، وابن آدم أُمر فأطاع وسجد فنجى.
والجدير بالذكر أنّ سجود الملائكة لآدم كان بأمر من الله تعالى، فهو سجود لله تعالى لأنّه جعل آدم (عليه السلام) قبلة للملائكة، كما كان سجود يعقوب (عليه السلام) وأولاده ليوسف (عليه السلام) في الملك.
1) أنظر: ثواب الاعمال للصدوق: 60، البحار للمجلسي 82 / 163، كتاب الصلاة، باب فضل السجود.
يشترط في السجود أن يكون على الأرض، وقد تظافرت الأخبار بذلك عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، منها:
1 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " جعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً، فأيما أدركته الصلاة صلى حيث كان "(1).
2 ـ عن أبي سعيد الخدري، قال: " أبصرت عيناي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى أنفه وجبهته أثر الماء والطين "(2).
3 ـ عن أنس بن مالك، قال: " كنا نصلي مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في شدّة الحرّ، فيأخذ أحدنا الحصباء في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه "(3).
ويظهر من هذه الروايات أنّ الصحابة شكوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من الحرّ، حيث كانت تحترق جباههم ليرخص لهم في السجود على غير الأرض مما يدفع عنهم هذه المشقة كالثياب وكور العمامة أو المناديل فلم يبالي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بشكواهم وهو الرؤوف العطوف، وما ذلك إلاّ لعدم جواز السجود على غير الأرض.
إنّ السجود على خصوص الأرض كان في أوّل التشريع، وبعد ذلك رخص لهم بالسجود على مالحق بها من نبات، وقد وردت روايات قطعية متواترة
ترخص بالسجود على نبات الأرض غير المأكول والملبوس، فألحق(صلى الله عليه وآله وسلم) نبات الأرض بالأرض وعدّه من أجزائها وسهل لهم بذلك السجود، كما أجاز لهم صنع شيء من النبات يحملونه معهم (الخمرة) تنسج من خوص النخل بقدر الوجه، فتوضع في المساجد والبيوت ويسجد عليها في الصلوات، وكثر ذلك وشاع وانتشر، وهذه جملة منها:
1 ـ عن أنس بن مالك، قال: " كان رسول الله يصلّي على الخمرة "(1).
2 ـ عن اُمّ أيمن، قالت: " قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ناوليني الخمرة من المسجد، قلت: إني حائض، قال: إنّ حيضتك ليست في يدك "(2).
3 ـ عن ميمونة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قالت: " كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي وأنا حذاءه، وربما أصابني ثوبه إذا سجد وكان يصلي على الخمرة "(3).
ولا خصوصية للخمرة، فقد صلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على البساط والحصير والكل من أفراد النبات.
فعن أنس، قال: " كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أحسن الناس خلقاً، فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس، ثم ينضح ثم يؤمّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ونقوم خلفه فيصلّي بنا، وكان بساطهم من جريد النخل "(4).
1) أنظر: تاريخ اصبهان لأبي نعيم: 2 / 141، المصنف لعبد الرزاق: 1 / 300 {1540}، سنن ابن ماجة: 1 / 325 {1028}، صحيح ابن حبان: 14 / 212 {6305}.
2) أنظر: الاصابة للعسقلاني: 8 / 172 {11898}.
3) أنظر: صحيح البخاري: 1 / 149 {372}، السنن الكبرى البيهقي: 3 / 152 {5225}، سنن أبي داود: 1 / 254 {656}.
4) أنظر: صحيح مسلم: 1 / 457 {659}، السنن الكبرى للبيهقي: 3 / 94 {4992}، مسند أحمد: 3 / 212 {13232}.
وعنه أيضاً: " أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صلى على حصير "(1).
وقد ورد أيضاً عن أهل البيت(عليهم السلام) الترخيص بالسجود على النبات.
فعن الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: " ذكر أنّ رجلا أتى أبا جعفر(عليه السلام)وسأله عن السجود على البوريا والخصفة والنبات، قال: نعم "(2).
وعن إسحاق بن الفضل أنّه سأل أبا عبد الله(عليه السلام) عن السجود على الحصر والبواري؟ فقال: " لابأس، وان يسجد على الأرض أحبّ إلي: فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحبّ ذلك أن يمكن جبهته من الأرض، فأنا أحبّ لك ما كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يحبّه "(3).
أمّا ماورد في بعض الأحاديث من جواز السجود على كور العمامة أو الثياب أو الطنافس وغيرها، فهذه الأحاديث ـ على فرض تمامية سندها ودلالتها ـ لا تقاوم مامرّ من الروايات المتواترة والمتضافرة الدالّة على حصر جواز السجود بالأرض أو نباتها، وهي محمولة على الإضطرار كما صرح بذلك الكثير من الفقهاء، بحيث أرسلوه إرسال المسلّمات كالبخاري، والنسائي، والدارمي، وابن ماجة، والنخعي، والسلماني، وصالح بن خيوان، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والشافعي، والشوكاني، وابن حجر، ومالك وغيرهم(4).
وهناك فارق فيما ورد في هذه الأحاديث بين " صلى على البساط " و " سجد على البساط " إذ الصلاة عليه أعم من أن يسجد عليه أو يضع شيئاً عليه كالخمرة والتراب والحجر فيسجد على أحدها، ولا ملازمة عقلية ولا عادية ولا عرفية بين الصلاة على الشيء وبين السجود.
كما أنّ البساط كان يصنع في زمان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من جريد النخل أو الحصير، ولا إشكال في السجود على النباتات، فلا يقاس عليها غيرها من الطنافس ونحوها.
وبعد هذا كلّه فإنّه لامناص في مقابل الأدلّة القطعية المتقدمة من تأويل هذه الأحاديث إن لم يكن ما ذكرناه آنفاً هو الظاهر منها.
وعليه فالقول بجواز السجود على الفرش والسجاد والإلتزام بذلك وافتراش المساجد بها للسجود عليها كما تداول عند الناس بدعة محضة وأمر محدث غير مشروع يخالف سنة الله وسنة رسوله، (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً)(1).
والشيعة الإمامية لا يتدينون ولا يقولون إلاّ بما نطق به الكتاب وجاء به الروح الأمين، والتزم به وقرّره أهل البيت(عليهم السلام) الذين أذهب عنهم الله الرجس، وجعلهم سفينة النجاة، والائمة الهداة، وعدل الكتاب، وقدوة لأولي الألباب، وجعلهم أئمة يهدون بأمره إلى الحقّ المبين والصراط المستقيم.
قالت الشيعة الإمامية باستحباب السجود على تربة قبر الحسين(عليه السلام)، وذلك
1) سورة فاطر: 43.
امتثالا منهم لقول أئمتهم، فقد وردت عن أهل البيت(عليهم السلام) نصوص عديدة في هذا المجال، منها:
1 ـ قال الصادق(عليه السلام): " السجود على طين قبر الحسين(عليه السلام) ينوّر إلى الأرضين السبعة، ومن كانت معه سبحة من طين قبر الحسين(عليه السلام) كتب مسبحّاً وإن لم يسبّح بها "(1).
2 ـ عن معاوية بن عمار، قال: كان لأبي عبد الله جعفر بن محمّد(عليه السلام)خريطة من ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله(عليه السلام) فكان إذا حضرته الصلاة صبّه على سجادته وسجد عليه، ثم قال(عليه السلام): " إنّ السجود على تربة أبي عبد الله(عليه السلام)يخرق الحجب السبع "(2).
3 ـ سئل أبو عبد الله(عليه السلام) عن استعمال التربتين من طين قبر حمزة وقبر الحسينعليهما السلام والتفاضل بينهما، فقال(عليه السلام): السبحة التي من طين قبر الحسين(عليه السلام)تسبح بيد الرجل من غير أن يسبح "(3).
ولا غرو أن يجعل الله سبحانه الفضل في السجود على تربة سيد الشهداء(عليه السلام)، فهو سيد شباب أهل الجنّة، وقرّة عين الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومهجة قلب فاطمة البتول(عليها السلام)، وابن أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأحد أصحاب الكساء، وهو وأخوه المراد من الأبناء في الكتاب الكريم في آية المباهلة، وشريك أبيه وأمه في سورة هل أتى، وأحد سفن النجاة للأمّة، وأحد الأئمة الكرام الهداة والخلفاء الاثنى عشر، ومصباح الهدى وسفينة النجاة.
قال العلامة كاشف الغطاء(رحمه الله) في كتابه (الأرض والتربة الحسينية) في بيان حكمة إيجاب السجود على الأرض واستحباب السجود على التربة الشريفة:
" ولعلّ السر في التزام الشيعة الإمامية السجود على التربة الحسينية، مضافاً إلى ما ورد في فضلها [ إيعاز إلى ما مرّ من الأحاديث ]، ومضافاً إلى أنّها أسلم من حيث النظافة والنزاهة من السجود على سائر الأراضي وما يطرح عليها من الفرش والبواري والحصر الملوثة والمملوءة غالباً بالغبار والميكروبات الكامنة فيها، مضافاً إلى كل ذلك، لعل من جهة الأغراض العالية والمقاصد السامية أن يتذكر المصلي حين يضع جبهته على تلك التربة تضحية ذلك الإمام بنفسه وآل بيته والصفوة من أصحابه في سبيل العقيدة والمبدأ، وتحطيم الجور والفساد والظلم والاستبداد "(1).
والشيعي الإمامي إنّما يحترم تربة الحسين(عليه السلام) لأنّ الله تعالى اهتم بهذه التربة أشد الاهتمام، حيث أرسل جبرئيل(عليه السلام) وغيره من الملائكة الى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ليعلموه بخبر قتل الحسين(عليه السلام)وأتوا إليه بقبضة من تربة مصرعه صلوات الله عليه.
فقد ورد عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها: " ثم اضطجع ـ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فاستيقظ وفي يده تربة حمراء يقبّلها، فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله؟، قال: أخبرني جبرئيل إنّ إبني هذا يقتل بأرض العراق ـ يعني الحسين(عليه السلام) ـ فقلت لجبرئيل: أرني تربة الأرض التي يقتل بها، فهذه تربتها "(2).
ومن هنا يتضح أنّ تقبيل الشيعة لتربة الحسين(عليه السلام) إنّما هو تأسي برسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم)! وأن تفضيلهم السجود على التربة الحسينية على سائر مايصح السجود عليه، إنّما هو تكريم ما أكرمه الله تعالى، والتزام بما سنه الله ورسوله، ولما نقل عن أهل البيت(عليهم السلام) من تعظيمها وتكريمها والسجود عليها وأخذ السبحة منها.
يقول الأخ ماجد: " بعد تسعة أشهر من النقاش المستمر الذي اطلعت خلاله على الكثير من الكتب والأشرطة الدينية التي كانت تصلني عن طريق صديقي الشيعي، اقتنعت بأحقية مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وعرفت أنّ عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد لاقت نتيجة حفاظها على التراث الإسلامي الأصيل أفدح المصائب والمآسي والآلام من حكام الجور.
وخلال هذه الفترة كنت أدعو صديقي إلى بيتنا وكنّا نجلس معاً فنغوص في حوارات ممتعة معه ونستفيد من علومه.
ثم جاء اليوم الذي أعلنّا فيه ـ أنا ووالدي وأمي وأخي وزوجتي ـ تشيعنا ونحن الآن بصدد رفع مستوياتنا العلمية عن طريق مطالعة الكتب لنستوعب ديننا من جميع الجوانب، ونتمكن من صيانة أنفسنا أزاء الشبهات والتيارات الضالة ".
الصورة
ولد الشيخ مبارك بن محمّد بن صالح بعداش عام 1935م في منطقة " قنا " التابعة لمدينة " قبلّي " في دولة تونس(1)، وترعرع في أحضان عائلة ملتزمة ومحافظة تعتنق المذهب المالكي.
تشرّف بالانتماء إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) في عقد الثمانينات بعد حوارات عديدة أجراها مع العلماء والأساتذة، وبعد دراسات معمقة إندفع إليها لمعرفة الحقّ.
يقول الشيخ مبارك بعداش: " كنت أعيش في أجواء أسرة دينية محافظة بحيث ترك هذا الأمر الأثر البالغ في توجّهي الديني، ودفعني منذ صغري أن أكون مقيماً للصلاة ومداوماً على صيام شهر رمضان، كما أنّني التحقت في وقت مبكر
1) تونس: تقع في شمال افريقيا وتطل على البحر المتوسط من الشمال والشرق، يبلغ عدد سكانها قرابة (10) ملايين نسمة، معظمهم يعتنق الدين الإسلامي بإستثناء نسبة 1 من المسيح واليهود، وأغلب المسلمين من أتباع المذهب المالكي، أمّا التشيع فجذوره قديمة وقبل الدولة الفاطمية، ويتواجد الشيعة في أكثر مدن هذا البلد.
بحلقات دروس القرآن الكريم، وكان لهذا الأمر الدور الكبير في بلورة فكري وسلوكي نحو الاتجاه الديني، رغم أنّ الأجواء التي كان يعيشها بلدنا تسير نحو الانحراف، وذلك بسبب الاستعمار الفرنسي المقيت الذي سعى لسلخ بلدنا عن هويته العربية والإسلامية، والذي فشل في نهاية المطاف ونبذ خارج البلاد، لكنة خلّف في ساحتنا الإسلامية رواسب فكرية جعلت مجتمعنا يعاني منها بعد ذلك.
بعد إتمامي للدراسة الإعدادية شجعني والدي على الالتحاق بالمعهد الثانوي في جامع الزيتونة، فلبّيت طلبه وقضيت مدّة سبع سنوات في ذلك المعهد حتى تخرّجت منه عام 1957م بحصيلة تاريخية وفقهية وثقافية يعتد بها، وكنت ذلك الحين في ريعان شبابي، وتزامنت هذه الفترة مع حركة التحرّر العربي والمدّ القومي الذي إجتاح الساحة حتى هيمن على عواطفي وأحاسيسي فأصبحت من المتحمسين والمؤيدين له، واستمر هذا الحال إلى أواخر الستينات حتى إلتقيت ب "راشد الغنوشي أحد الحركيين الإسلاميين البارزين في شمال قارة افريقيا، إذ كان عائداً لتوه من سوريا وهو يحمل معه أفكاراً جديدة لاتلتقي مع ما كنت عليه من أفكار.
وبحكم رابطة الصداقة التي كانت بيني وبين الغنوشي جلسنا معاً حتى دار الحديث حول ما يخص بلدنا، فتباحثنا معاً حول أفضل أسلوب وأفضل خط فكري بوسعه أن ينتشل أمّتنا من التدهور الذي تعاني منه، فوجدت فكره ومنهجه أفضل من الرؤى المادية التي أنا عليها، لأنّه كان يدعو إلى الله تعالى متبنياً
للأطروحة الإسلامية، في حين كنت أدعو إلى تمجيد شخصيات كانت أفكارها محدودة وذو أبعاد ضيقة، فدعاني الأستاذ راشد للانضمام إلى حركة أخوان المسلمين، فقبلت ذلك وأصبحت أحد أعضائها الناشطين والمتميزين، وكنت أتصوّر أنّ الدين كله متمثل بهذا التنظيم، وأنّ أفكار " حسن البنا " و " السيد قطب " و " الشيخ المودودي " فريده في ذاتها، والأطروحة التي ليس لها مثيل في الساحة الإسلامية المعاصرة!.
ولكنني بعد فترة اطلعت على نقاط ضعف كثيرة في هذه الحركة كانت محفزة لابتعادي عنها، حيث وجدتها حركة مهتمة بالبعد الثقافي أكثر من أهتمامها بالبعد الروحي للشريعة الإسلامية، ومما زاد بعدي عنها طريقة تعامل قيادتها معنا، فهم يسكنون خارج تونس ومع ذلك كانوا يعممون أفكارهم التي لا تنسجم مع الأجواء التي كنا نعيشها ولايسمحون لنا بنقدها!.
وبالفعل بدأت أنسحب من حركة الأخوان بشكل تدريجي غير ملفت للنظر، وكنت خلال هذه الفترة أبحث عمّا يشبع روحي ويروي ظمأي ويوقظ فطرتي ويجعل وجداني ممتلىء بشهود الله تعالى، فصممت أن أتوجه إلى التصوف لأسد هذا الفراغ الروحي الذي كنت أُعاني منه، فسافرت إلى مدينة " توزر " وإلتقيت ب "الشيخ إسماعيل الهادفي" زعيم الجماعة المدنية، فجلسنا معاً وتحاورنا حول بعض المسائل الدينيّة، وتلقيت من أتباعه منهجهم الديني، ولكن بعد عودتي إلى مدينة " قفصة " التي كنت مقيماً فيها، تأملت في التصوّف فوجدته عبارة عن عمل دائري يدور على نفسه، ويعود من حيث يبدأ! فخاب أملي فيه.
بعد ذلك صادف أن إلتقيت بأحد الشباب المؤمنين، فدار حديث بيّننا حول الوضعية الاجتماعية لحركة أخوان المسلمين؟
فقلت له: لا علم لي بهم منذ فترة.
ثم سألني عن وضعي النفسي؟
فقلت له: إنّني لا أشعر بارتياح وأنا ضجر من الحالة التي نعيشها.
فقال لي: هناك جماعة تسمى جماعة أهل البيت، فلماذا لا تذهب إليهم وتتعرف عليهم لعلك تجد بغيتك عندهم.
فتأملت في كلامه! وقلت في نفسي: إنّ أهل البيت(عليهم السلام) يمثلون فكرة تاريخية تراثية، برزت في العصر الإسلامي الأوّل ولم يكتب لها البقاء، وإنّ الإمام عليّ وفاطمة الزهراء والحسن والحسين(عليهم السلام) هم كباقة زهور فوق منضدة الإسلام، ولم أتصور أنّ لهم إمتداداً حيّاً إلى يومنا هذا!، ولكن لا بأس أن أتعرف عليهم بصورة مباشرة لأرى ماهم عليه.
وبالفعل أخذني ذلك الشاب إلى أحد أصدقائه فدعانا إلى تناول طعام العشاء في منزله، واتصل هاتفياً بعدد من أصدقائه ليحضروا المأدبة على شرفي، فلبيت الدعوة.
بعد تناول وجبة العشاء جلسنا معاً نتجاذب أطراف الحديث، فسألني أحدهم عن اختصاصي في مجال العلوم الإسلامية؟
فقلت له: أنّا ملم بالسيرة، وقد بذلت جهدي لإتقانها ودراستها بصورة معمّقة.
فقال لي: بودّي أن أسألك عن ثلاثة أسئلة حول السيرة؟
قلت له: إسأل.
فقال لي: أين ترك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أبنته فاطمة الزهراء(عليها السلام) حينما هاجر إلى المدينة؟
فكرت في الإجابة، فلم أجد جواباً لسؤاله!، وراجعت ذاكرتي فلم أجد في الكتب التي قد قرأتها أي خبر في هذا المجال، فكل ما ذكر في هذا المقطع التاريخي يرتبط بعائشة وأسماء إبنتي أبي بكر.
فقال لي: إن تريد الواقع، إنّ عدم ذكر هذا الأمر هو دليل على بتره، فإنّ مدوّني التاريخ والسيرة ديدنهم عدم تسليط الأضواء على الأمور المرتبطة بعترة الرسول(عليهم السلام)، لكونهم تبعاً للحكّام الذين حاولوا إخفاء ما يمنح أهل البيت(عليهم السلام)فضلاً أو منقبة!.
فلم أجد جواباً أستند إليه لردّ مدّعاه، وقلت: هذا الموضوع غير مهم جداً، هات سؤالك الآخر؟
فقال لي: هل تعلم كيف خرج الإمام عليّ(عليه السلام) من مكة بعد أن أدى أمانات وودائع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ وهل تعلم مع من هاجر؟ وكيف دخل المدينة المنورة؟
راجعت مرّة أخرى ذاكرتى فلم أجد فيها ما يحضر ببالي من كتب السيرة والتاريخ ما ذكر في هذا المجال، فإنّ الأضواء كلّها كانت مركزة على غيره من النساء والصبيان والعبيد، ولم يذكر التاريخ الذي طالعته شيئاً يرتبط بالإمام عليّ(عليه السلام) في هذا الخصوص بشكل لائق، سوى ما ورد أنّه أدّى الودائع وخرج بعد ثلاثة أو أربعة أيام، وأمّا كيفية خروجه ومن خرج معه وما جرى عليه فلم أجد له تفصيلا يذكر!
وكاد رأسي يتصدّع، لأنّه السؤال الثاني الذي لم أجب عليه.
فذكر ذلك الشخص مرّة أخرى مسألة وجود البتر في تدوين السيرة!.
فقلت له: إنّ هذا الأمر يحتاج إلى تتبع ودراسة، وقد يكون كما تقول، فإنّني سوف أبحث عن ذلك في ما بعد، ولكن هات سؤالك الثالث؟
فقال: سؤالي الثالث يرتبط أيضاً بهذا المجال، ويؤكّد ما ذكرته إليك بأنّ معظم مدوّني السيرة لم يكتبوا السيرة بصورة كاملة، بل دوّنوا منها ما كان يتلائم مع أهوائهم ومأربهم، وسؤالي هو: هل تعلم سبب بقاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في " قبا " وهي على مشارف المدينة، في حين كان المسلمون من الأنصار والمهاجرين يخرجون كلّ يوم ـ رغم حرارة الجوّ ـ ينتظرون مجيء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهل تعلم أي داع دعى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك؟
هنا أيضا وجدّت كتب التاريخ والسيرة لم تشر إلى هذا الأمر، فقلت له: لا يوجد على ما في بالي ذكراً في الكتب التي قرأتها في هذا الخصوص!.
فقال لي: هل تعرف سبب ذلك؟
فحرت بالجواب، وأسقط ما في يدي، وأصبحت رجلاي لاتحملاني!.
وهنا أشار إليّ بالبتر من جديد.
فعرفت أنّ معلوماتي ملفقة وناقصة، فجلست أمام هذا الشاب كالتلميذ لأصغي إلى كلامه، فكانت إجاباته قوّية مؤيدة بالمصادر التاريخية للفريقين، فعجبت من التزييف الذي طال هذا الموضوع! كما طال غيره أيضاً كالحديث والتفسير والفقه و... ".
وحيث أنّ هجرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت تمثلّ منعطفاً مصيرياً في مسيرة الإسلام، حاولت الأقلام أن تسلّط عليها الأضواء بشكل مكثّف، فأشاروا في تبيينها إلى من يهيء الراحلة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلى من يحمل له الطعام، والمرأة التي يمر عليها
في طريقه، والذي يقصّ أثره ويتبعه لينال الجائزة و...، في حين نرى أنّهم لم يذكروا ما يعتدّ به حول وصيّه الإمام عليّ(عليه السلام)، الذي هو منه بمنزلة النفس(1)، والمؤدي عنه أماناته، والفادي له بنفسه!.
ومهما يكن من أمر فإنّ الحقائق أكبر من أن تحجب، خصوصاً وقد أنّزل الله تعالى في كتابه ما يؤكدها، كقوله تعالى: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ)(2)، إشارة إلى الإمام عليّ(عليه السلام)ليلة مبيته في فراش النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى أنّ الله تعالى باهى به ملائكة السماء! حيث ورد أنّه تعالى أوحى إلى جبرائيل وميكائيل: " إنّي آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله إليهما: ألا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة؟! إهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، فنزلا، فكان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي: بخّ بخّ! من مثلك يا بن أبي طالب، يباهي الله عزّوجلّ به الملائكة.
وأنزل الله عزّوجلّ على رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو متوجّه إلى المدينة في شأن عليّ(عليه السلام): (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ...) "(3).
1) أشارة إلى قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " لينتهين بنو وليعة أو لأبعثن عليهم رجلا كنفسي.... ثم ضرب بيده على كتف عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) " رواه الهيثمي في مجمع الزوائد: 7 / 110، والزمخشري في تفسير الكشاف، في تفسير قوله تعالى (إذا جاءكم فاسق بنبأ) من سورة الحجرات، والطبري في الرياض النضرة: 2 / 103 {1309}، والنسائي في السنن: / 127 {8457}، وابن حنبل في الفضائل: 2 / 571 {966}.
2) البقرة: 207.
3) أنظر: أسد الغابة لابن الأثير: 4 / 25، تاريخ اليعقوبي: 2 / 39، شواهد التنزيل للحسكاني: 1 / 96 {133}، التفسير الكبير للرازي: 2 / 350، وقد ذكر السيد جعفر مرتضى العاملى في الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم): 4 / 33 ـ 35 جملة من المصادر التي تروي ذلك فراجع.
تبدأ خطوات هجرة الإمام عليّ بن أبي طالب(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد مبيته في فراش النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بخروجه من مكّة جهاراً متحدّياً لكبرياء قريش ومرغماً لأنوفها، ليوصل ودائع النبوّة ـ ضعينة الفواطم ـ إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بسلام.
والعجيب! ماروى بعض العامة عن الإمام عليّ(عليه السلام)، أنّه قال: " ما علمت أحداً هاجر إلاّ مختفياً، إلاّ عمر بن الخطّاب! فإنّه لمّا همّ بالهجرة تقلّد سيفه وتنكب بقوسه وانتضى بيديه أسهماً، واختصر في عنزته، ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعاً متمكّناً، ثم أتى المقام فصلى متمكّناً، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، فقال لهم: شاهت الوجوه، لايرغم الله إلاّ هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمّه أو يؤتم ولده أو يرمّل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي ـ وقال ـ: فما تبعه أحد "(1).
فمدونوا التاريخ رغم أنّهم قصّروا في حقّ الإمام عليّ(عليه السلام)، نجدهم في قبال ذلك قد عظّموا بعض الرجال ونسبوا إليهم مواقف بطولية لا حقيقة لها في أرض الواقع كما في هذا الحديث.
إنّ المتتبّع للتاريخ الإسلامي يكتشف أنّ عمر لم يسلم إلاّ قبل الهجرة بقليل، خائفاً مختبئاً في داره، حتى جاءه العاص بن وائل السهمي وتحدث معه وسأله عن حاله، فقال عمر: زعم قومك أنّهم سيقتلونني إن أسلمت، فقال العاص:
1) أنظر: تاريخ ابن عساكر: 44 / 51، السيرة الحلبية للحلبي: 2 / 184، وأشار إلى ذلك الشبلنجي في نور الأبصار: 91، حياة الصحابة للكاندهلوي: 2 / 65.
لاسبيل إليك!(1).
فبالله عليك! إنّ من يختبىء في دراه ويخشى الناس، ويستجير بالكافرين لحمايته، هل يقال عنه: أنّه أعزّ الإسلام عند إسلامه، أو أنّه خرج متحدّياً قريشاً في هجرته؟!.
وإن صحّ ما قيل عنه بخروجه الشجاع، فأين تلك البطولة حينما أرسله النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مشركي مكّة في الحديبية ليؤدّي عنه رسالته؟!
فقد ورد أنّه قال: "إنّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من عدي أحد يمنعني " وأشار على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بإرسال عثمان لهم!(2).
ومن الأمور التي تكشف عن مدى شجاعة عمر وثباته، مارواه الزمخشري: " من أنّ أنس بن مدركة كان قد أغار على سرح قريش في الجاهلية، فذهب به، فقال له عمر في خلافته: لقد اتّبعناك تلك الليلة، فلو أدركناك؟ فقال: لو أدركتني لم تكن للناس خليفة "(3)!، وهي كناية ظريفة عن الفتك به وقتذاك.
ومن مواقفه أيضاً، إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا استشار أصحابه حول حرب بدر، قال عمر لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّها قريش وخيلاؤها، ما آمنت منذ كفرت، وما ذلّت منذ عزّت... "(4)، فأعرض عنه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كما أعرض عن أبي بكر الذي كان له
1) أنظر: صحيح البخاري: 3 / 1403 {3651}، تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 104، السيرة الحلبية للحلبي: 1 / 332.
2) أنظر: مسند أحمد: 4 / 324، تاريخ ابن عساكر: 39 / 78، البداية والنهاية لابن كثير: 4 / 129، تاريخ الطبري: 2 / 631.
3) أنظر: ربيع الأبرار: 1 / 707.
4) أنظر: المغازي للواقدي: 1 / 48، السيرة الحلبية للحلبي: 2 / 386، الدر المنثور للسيوطي: 3 / 166.
رأي مماثل لرأي صاحبه(1).
وأمّا في يوم أحد ما كان من عمر إلاّ الانهزام! ففرّ مع كبار الصحابة من ساحة الحرب، مخلفين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وحيداً لايذب عنه إلاّ أخاه ووصيه الإمام عليّ(عليه السلام) ونفر ممن جاء بعد ذلك، وقد غمزه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديبية فقال له: " أنسيتم يوم أحد! إذ تصعدون ولاتلوون على أحد، وأنا أدعوكم في أخراكم "(2).
ولو ثبتت شجاعة عمر في الميادين ـ على اختلافها ـ لما كان يقرّ على نفسه بالفرار قائلاً: " لمّا كان يوم أحد هزمنا، ففررت حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى "(3)!.
وكذا عندما جاءته امرأة مسلمة ومعها بنت لعمر ـ أيام خلافته ـ تطلبان برداً من أبراد كانت بين يديه، فأعطى المرأة وردّ إبنته، فقيل له في ذلك؟ فقال: " إنّ أبا هذه ثبت يوم أحد، وأبا هذه فرّ يوم أحد ولم يثبت "(4)!.
وقد سجل هروبه هذا جمع من أعلام العامة ـ على اختلاف مشاربهم ـ كالجاحظ(5)، والسيوطي(6)، والشوكاني(7)، فضلا عن الذين ذكروا من ثبت عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يوردوا اسم عمر.
1) أنظر: صحيح مسلم، باب غزوة بدر: 3 / 1403 {1779}، مسند أحمد: 3 / 219 {13320}.
2) أنظر: المغازي للواقدي: 2 / 609، شرح النهج لابن أبي الحديد: 15 / 24.
3) أنظر: الدر المنثور للسيوطي: 2 / 88، كنز العمال: 2 / 376 {4291}، شرح النهج لابن أبي الحديد: 15 / 22، وقد ذكره بلفظ آخر.
4) أنظر: شرح النهج لابن أبي الحديد: 15 / 22.
5) أنظر: رسائل الجاحظ: 1 / 246 (العثمانية 46).
6) أنظر: الدر المنثور للسيوطي: 2 / 80.
7) أنظر: فتح القدير للشوكاني: 1 / 388.
فهذه المواقف تبين شخصية عمر بوضوح وإن حاول البعض أن يبرروا ذلك، كالفخر الرازي الذي قال حول المنهزمين يوم أُحد: " ومن المنهزمين عمر، إلاّ أنّه لم يكن في أوائل المنهزمين ولم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)! "(1).
والجدير بالذكر أنّ الذي ينظر في التاريخ لايجد أنّ عمر أصيب بجرح، أو أنّه جرح أحداً، بل الجميع يقرّ بعدم امتلاكه المواقف البطولية في ساحة الحرب، وكل ما في الأمر أنّه فرّ في أُحد وخيبر وحنين، ولم يسجل له في حروب وغزوات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) موقف يعتد به!.
وعلى العموم لم تكن مواقف الرجل مشجعة حتى يعقل تحدّيه لقريش حين خروجه من مكة إلى المدينة، وواقع الأمر أنّ هذا التحدي كان من قِبل الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)(2)، الذي شهدت له العرب بذلك قبل وبعد استضاءتها بنور الإسلام.
فسأل بدراً واسأل أُحداً وسل الأحزاب وسل خيبر
لكن أعداء الإمام عليّ(عليه السلام) لم يتحملوا أن يروا مناقبه تزدهر في سماء المجد، فنسبوها إلى غيره!.
إنّ سبب بقاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في " قبا " قد بيّنه(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر حينما وجده يصر على الدخول في المدينة، بقوله: " ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن أمّي وأخي، وإبنتي "(3)!.
فالإمام عليّ(عليه السلام) هاجر بمسمع ومرأى من قريش، وكان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد ترك الزهراء(عليها السلام) عند فاطمة بنت أسد أم عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فلمّا هاجر الإمام عليّ أخذ الفواطم معه تنفيذاً لوصية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، والفواطم هنّ: أمّه فاطمة بنت أسد (رضي الله عنها)، وإبنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة الزهراء(عليها السلام)، وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب، وفاطمة بنت الزبير ـ على ما روي ـ وتبعهم أيمن ابن أم أيمن وأبو واقد فجعل يسوق بالرواحل فأعنف بهم، فأمره أمير المؤمنين(عليه السلام)بالرفق، فاعتذر بخوفه من الطلب، وقد أدركه الطلب قرب " ضجنان "، فكانوا سبعة فرسان وثامنهم جناح مولى الحارث بن أميّة، فأقبل عليهم الإمام عليّ(صلى الله عليه وآله وسلم)منتضياً سيفه، فطلبوا منه الرجوع، فقال: فإن لم أفعل؟ قالوا: لترجعن راغماً أو لنرجعن بأكثرك شعراً، وأهون بك من هالك.
ولما دنوا من الرواحل ليثيروها حال(عليه السلام) بينهم وبينها، فأهوى جناح بسيفه عليه، فراغ الإمام عليّ(عليه السلام) عن ضربته وضربه على عاتقه، فمضت الضربة حتى كادت تمس كاثبة فرسه! وشدّ على الباقين وهو يرتجز ويقول:
خلّوا سبيل الجاهد المجاهد آليت لا أعبد غير الواحد
فتفرقوا عنه، وقالوا: أغن عنا نفسك يابن أبي طالب!، فقال(عليه السلام): فإنّي منطلق إلى ابن عمي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بيثرب، فمن سره أن أفري لحمه وأريق دمه، فليتبعني، أو فليدن مني...
ثم توجه بمن معه صوب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى وصل إلى " قبا "، ولمّا بلغه(صلى الله عليه وآله وسلم)وصول أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: أدعوا لي عليّاً، قيل: يا رسول الله لايقدر أن يمشي! فأتاه(صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه، فلمّا رآه اعتنقه وبكى عليه رحمة لما بقدميه من الورم،
وكانتا تقطران دماً، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام): يا عليّ، أنت أوّل هذه الأمة إيماناً بالله ورسوله، وأوّلهم هجرة إلى الله ورسوله، وآخرهم عهداً برسوله، لايحبّك ـ والذي نفسي بيده ـ إلاّ مؤمن قد إمتحن قلبه للإيمان، ولايبغضك إلاّ منافق أو كافر(1).
يقول الشيخ مبارك بعداش: " لقد أذهلتني هذه الحقائق، وجعلتني أتساءل في نفسي: لماذا هذا التعتيم على دور الإمام عليّ(عليه السلام)؟! ولماذا هذا الإخفاء لذكر فاطمة الزهراء(عليها السلام)؟! ثم لماذا هذه التغطية على مكانة الإمام(عليه السلام) عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!.
وحسب ـ جميع مطالعاتي ـ لم أرى من ذكر أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) دخل مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة فالجميع يذكرون أبا بكر فقط، كما طرأ في ذهني سؤال آخر: وهو أنّ وصول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة المنورة إذا كان في شهر ربيع الأوّل، فلماذا نعتبر العام الهجري من أوّل شهر محرّم؟!.
وهكذا إنقدحت في ذهني أسئلة كثيرة لم أجد لها في كتبنا ـ أبناء العامة ـ ولاعند علمائنا جواباً، فبقيت حائراً أبحث عن مخرج لها، وأدركت أن لامخرج من هذه الدوامة إلاّ بالبحث والمطالعة والاستقصاء، فشمرت عن سواعد الجدّ وخضت في عباب القراءة لأصل إلى الحقيقة ".
وبالفعل بادر الشيخ مبارك إلى هذا الأمر، وقد تنبّه صديقه راشد الغنوشي إلى تحوله التدريجي، فلمّا سمع بأنّه إنتمى إلى التشيع أسرع إلى زيارته.
فيقول الشيخ مبارك بعداش: " جاء راشد الغنوشي إلى منزلنا بعد أن
1) أنظر: الامالي للطوسي: 471 {1031} بحار الأنوار للمجلسي: 19 / 64 ـ 67، تفسير البرهان للبحراني: 1 / 332، المناقب لابن شهراشوب: 1 / 183 و 184، أمتاع الاسماع للمقريزي: 1 / 48.
تشيّعت فلم يجدني، وبحكم الصداقة القوية التي بيني وبينه، دعاه من في الدار للدخول إلى المكتبة والانتظار ريثما أعود، فدخل هو وأحد أصدقاءنا إلى المكتبة، وأخذا يتأملان في الكتب ويبحثان لعلهما يجدان عندي كتباً شيعية، فلم يجدا شيئاً من هذا القبيل، ثم سألا زوجتي! هل حدّثك الشيخ عن معتقد جديد؟.
فقالت لهما: لم أسمع منه شيئاً بخصوص ذلك، إلاّ أنّه كان في الفترة الأخيرة كثير المطالعة والتتبع.
وبعودتي إلى المنزل إلتقيت بهما، فقال لي راشد: هنئنا! هل تشيعت؟
فقلت له: إنني أسالك عن ثلاثة أمور فإن أجبتني عنها تخليت عن التشيع.
فقال: لاأريد أسئلتك لأنّنا لانستطيع أن نجاري الشيعة في النقاش والحوار، فهم حزب قد شيدوا معتقدهم وأحكموا بناءه منذ زمن قديم، ولهم تاريخ حافل من أيام الإمام عليّ (عليه السلام)!.
فاستغربت من جوابه! وكان اعترافه هذا محفّزاً لتمسكي بالتشيع، وذلك لأنّني كنت أظن أنّ الشيعة أضعف منّا، وإذا برائد حركة الأخوان في تونس يقرّ بضعف العامة ـ قديماً وحديثاً ـ أمام الإمامية، فوجدت من غير اللائق لأيّ عاقل أن يتسلح بالعصا ويترك السيف!.
ومن ذلك الحين منّ الله تبارك وتعالى علىّ بالاهتداء إلى مذهب العترة(عليهم السلام)، فتشرفت باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) في عقد الثمانينات في بلادي تونس، بعد عناء وجهد مكثف بذلته في المطالعة والبحث ".
ويضيف الشيخ مبارك قائلا: " أنا اليوم بحمد الله تعالى أعمل قدر وسعي مع إخواني المؤمنين على نشر مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وقد وفقنا الله تعالى إلى حدّ ما في جذب الكثير إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) من خلال التوعية والتبليغ".
الصورة
ولد عام 1967م بمدينة " جودي " في أثيوبيا(1)، ونشأ في أوساط عائلة تعتنق المذهب الشافعي، حاصل على شهادة البكلوريوس في الحقوق.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1989م في الصومال، بعد بحث ودراسة عميقة، واستفسارات ونقاشات كثيرة جرت بينه وبين بعض العلماء.
يقول الأخ محمّد: " لا زلت أتذكر ذلك اليوم الذي تغيّرت فيه ركائزي الفكريّة وتجلّت لي حقائق غيّرت مجرى حياتي، فإنّني أعتبر ذلك اليوم من أعظم أيّام حياتي، وإن جاز لي أن أجعل له اسماً لسميته بيوم المراجعات!.
ففي ذلك اليوم كنت في مكتبة الجامعة العربية الكائنة في " مقاديشو " عاصمة الصومال، وكنت أتصفح كتبها، حتى وقع بيدي كتاب (المراجعات)
1) أثيوبيا (أرض الحبشة): من دول شرق افريقيا، يبلغ عدد السكان فيها أكثر من {60} مليون نسمة ذو ديانات متعددة، يشكل المسلمون قرابة 45 منهم، يعتنق معظمهم المذهب الشافعي، في حين يشكّل أتباع مذهب أهل البيت(عليه السلام) نسبة قليلة بقياس عدد المسلمين في هذا البلد.
للمرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين، فما أن تصفّحت بعض أوراقه حتى أعترتني الدهشة مما دوّن فيه، فاستعرته من المكتبة وعكفت على قراءته، ولمّا أتممته وجدت نفسي في عالم فكري لم أعهده من قبل، فكرّرت قراءته مرّة ثانية وثالثة، وفي كلّ مرّة كانت تتراءى لي حقائق كنت في غفلة عنها!.
وفي الحقيقة أخذ هذا الكتاب مني كل مأخذ، فصممت على التحقيق في المصادر التي ذكرها مؤلّف الكتاب للتأكّد من محتوياته، وللتدقيق في محاور المراسلات التي جرت بين العالمين الجليلين السيد شرف الدين والشيخ البشري.
فراجعت أُمّهات الكتب في الحديث والسيرة والتفسير، فوجدت الأمر كما ذكره صاحب المراجعات، ثم راجعت بعض علمائنا لأستفسر منهم عمّا جاء في الكتاب، فأجابوني بإجابات غير مقنعة، لاتتلاءم مع أمّهات المسائل التي طرحها المؤلف، فقرّرت البحث في المصادر الشيعية لأُقارن بينها وبين ما عليه أهل العامة، فكان من جملة ما جعلته في صدر قائمة أبحاثي هو عقيدة الشيعة بالأئمة الاثنا عشر وارتباط ذلك بالحديث النبوي الشريف، الذي يؤكد فيه على ولاية اثنا عشر خليفة يلون الأمر من بعده ".
تعدّدت الروايات في مصادر أهل العامة ومصنفاتهم حول هذا الأمر، وجميعها يؤكّد على أنّهم اثنا عشر وكلّهم من قريش، وفي بعضها أنّهم من بني هاشم ومن عترته وأهل بيته(صلى الله عليه وآله وسلم)، على تعدّد ألفاظها، منها:
1 ـ ذكر البخاري في صحيحه عن جابر بن سمرة، قال: " سمعت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: " يكون اثنا عشر أميراً "، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: كلّهم من قريش "(1).
1) صحيح البخاري: 6 / 2640 {6796}.
2 ـ ذكر مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قوله: " دخلت مع أبي على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعته يقول: " إنّ هذا الأمر لاينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة "، قال: ثم تكلّم بكلام خفي عليّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش "(1).
وفي لفظ: " لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلا... كلّهم من قريش "(2).
وفي لفظ: " لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة... كلّهم من قريش "(3).
وفي لفظ: " لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة... كلهم من قريش "(4).
3 ـ ذكر الترمذي بسندين عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " يكون من بعدي اثنا عشر أميراً... كلّهم من قريش "(5).
4 ـ أخرج أحمد بن حنّبل في مسنده عن جابر بن سمرة أيضاً، قال: " سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش "(6)، كما أخرجه بألفاظ متعددة في نفس الكتاب.
5 ـ أخرج الحاكم في المستدرك على الصحيحين، عن طريق عبد الله بن مسعود عندما سأله رجل وقال: " هل سألتم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كم يملك هذه الأمة
من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عن هذا أحد منذ قدمت العراق قبلك، قال: سألناه فقال: اثنا عشر، عدّة نقباء بني إسرائيل "(1).
6 ـ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وأضاف هذا اللفظ: "... لا يضرهم عداوة من عاداهم، فإلتفت خلفي فإذا أنا بعمر بن الخطاب في أناس فأثبتوا لي الحديث كما سمعت "(2).
لقد ذكر العديد من أعلام أهل العامة عند تعداده للخلفاء بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّ الأئمة الذين أشار إليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هم عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) والأئمة من ولده(عليه السلام)، ومن هؤلاء:
1 ـ الخوارزمي في المناقب: حيث روى عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " من أحبّ أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويدخل الجنّة التي وعدني ربّي، فليتول عليّ ابن أبي طالب، وذريته أئمة الهدى ومصابيح الدجى من بعده "(3).
2 ـ أبو نعيم في حلية الأولياء: حيث روى عن ابن عباس أنّه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " من سره أنّ يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن غرسها ربّي، فليوال عليّاً من بعدي، وليوال وليه، وليقتد بالأئمة من بعدي فإنّهم عترتي، خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، وويل للمكذبين بفضلهم من أُمتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي "(4).
3 ـ القندوزي في ينابيع المودة: حيث روى بسنده عن سلمان الفارسي(رضي الله عنه)
أنّ الأئمة من ولد عليّ ومن صلب الحسينعليهما السلام، إذ قال: " دخلت على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فإذا الحسين بن عليّ على فخذه وهو يقبّل عينه ويلثم فاه ويقول: أنت سيد ابن سيد، أخو سيد، وأنت إمام ابن إمام وأخو إمام، وأنت حجّة وابن حجّة، وأنت أبو حجج تسعة، تاسعهم قائمهم "(1).
فهذه الأحاديث روتها مصادر أهل العامة، وروتها مصادر الإمامية بتفصيل أكثر، من حيث التعيين بالأسماء والكنى والصفات(2).
والناظر لهذه الأحاديث يجد أنّ هناك حدّاً مشتركاً بين الفريقين، وهو أنّهم اثنا عشر خليفة أو أميراً أو إماماً وأنّهم من قريش أيضاً، وأنّهم يعزّون الإسلام ويرفعونه لأنّهم هداة مهديون، لايضرهم عداوة من عاداهم!.
كما أنّ جملة من هذه الأحاديث التي رواها أهل العامة تنطبق تماماً مع ما يعتقده أتباع أهل البيت(عليهم السلام).
ولا تحتمل هذه الروايات التأويل الذي ذكره بعض أهل العامة من أنّ المقصود من الأمراء والأئمة، هم الخلفاء الراشدون الأربعة بانضمام الإمام الحسن بن عليّ(عليه السلام)ومعاوية وعدداً من بني أُمية!.
وهذا الأمر لا يستقيم بحال من الأحوال لمّا عرف عن الأمويين من فسق وفجور وجور وإنحراف، بالخصوص عندّ النظر لبعض ألفاظ الحديث: " اثنا عشر كل منهم هاد مهدي " الذي ذكره البخاري، وكذلك لا يصحّ إنطباقه على بني العباس لزيادتهم على العدد المذكور أوّلا، ولشهرتهم بالفتك والتهتك والتلاعب بمقدرات المسلمين ثانياً.
فلا يصح انطباق هذه الأحاديث إلاّ على ما يعتقده الشيعة الاثنى عشرية من إمامة الأئمة الهداة(عليهم السلام) من ذرية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، وهذا ما نطق به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وكنّى عنه في عدّة موارد ـ كما مرّ ـ، حتى أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لأم سلمة ذات مرة: "... إنّ الله اختار من كلّ أمّة نبيّاً واختار لكل نبيّ وصيّاً، فأنا نبيّ هذه الأمة وعليّ وصيي في عترتي وأهل بيتي وأمتي من بعدي "(1).
ولو تؤمّل قليلاً في حديث الثقلين الوارد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي، لن يفترقا حتى يردا علىّ الحوض "(2)، لتبيّن بوضوح أنّ مصداق الخلفاء الذين أشار إليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، هم عليّ وبنوه(عليهم السلام)، لأنّ دلالة هذا الحديث واضحة في كونهم حجج على البرية لاقترانهم بالقرآن الذي لا يشكّ مسلم في حجيته.
كما يثبت هذا الحديث عصمتهم لعدم مفارقتهم للقرآن، وهذه العصمة هي التي منحتهم هذا المنصب الإلهى، وجعلتهم أولى بالخلافة ممن قضوا شطراً من حياتهم في الشرك والضلال.
يقول الأخ محمّد أحمد إبراهيم: " جعلتني هذه النصوص المذهلة أراجع مرتكزاتي العقائدية من جديد، لأنّني عرفت بعد ذلك أنّ الخلافة ليست إلاّ بالنصّ، وللذين يصطفيهم الله لهذه المهمّة بعد أن يمنحهم الطافة الخاصة التي تجعلهم أن يؤدّوا هذه المهمة بأكمل صورة ومن دون أن يعتريها أيّ شائبة، وحيث
أنّ هذا المنصب لا يتمكن أحد من معرفة مصداقه، فلهذا تصدى الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم)لبيانه، فعرّف الناس بالأئمة الاثني عشر الذين يلون الأمر من بعده واحداً تلو الآخر، وقد قال تعالى (وَما كانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)(1).
وثبت عندي أنّ أوصياء النبيّ(عليهم السلام)وخلفاءه اثنا عشر لا أكثر ولا أقل، أوّلهم عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)ويليه من بعده ذرية آل محمد الذين أصطفاهم الله كما أصطفى آل عمران وآل إبراهيم ".
ويضيف الأخ محمّد: " بدأت أتوجه صوب مذهب هؤلاء الأوصياء، وبدأت أتعرف على عقائدهم وفقههم وسيرتهم، وقد لمست الفرق الواضح بين مدرستهم والمدارس الأخرى، وكنت بين فترة وأخرى أراجع علماء الإمامية ـ لاسيما المحقق "سيد جعفر مرتضى العاملي" ـ بخصوص المسائل التي تحتاج إلى إيضاح، وإستمر بي البحث ثلاثة أشهر متواصلة إلى أن وفقني الله تعالى للتشرّف باعتناق مذهب العترة الطاهرة، فأعلنت استبصاري عام 1989 م، وأخذت على عاتقي توعية الناس في بلادي وتعريفهم بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وقد تم بفضل الله تعالى استبصار عدد لابأس به، وأوّلهم أفراد عائلتي والحمد لله ".
1) الأحزاب: 36.
الصورة
ولد عام 1976م بمدينة " بيتا " في جمهوريّة غينيا(1)، من عائلة تعتنق المذهب المالكي، حاصل على شهادة الليسانس في القانون والعلوم السياسية.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1991م في " كوناكري " عاصمة غينيا.
يقول الأخ محمّد: " لقد كان والدي من علماء الدين الكبار في مدينة " بيتا " وكان الطابع الديني من السمات البارزة لأسرتنا، فأثّرت تلك الأجواء المفعمة بالالتزام والتدين في نفسي وجعلتني أنشدّ منذ الصغر للدين، حتى تمكنت بحمد الله من حفظ القرآن الكريم في العقد الأوّل من عمري.
ولوجود مكتبة في بيتنا ـ بحكم عمل أبي ـ كنت أجد متعة منقطعة النظير في مطالعة كتب التاريخ والعقائد، ومن هنا صاغت لي هذه العوامل عقلية باحثة تستفسر عما يشكل عليها، وتحبّ التحليل والجواب الدقيق، وهذا ما أوجد لي
1) غينيا: أنظر الترجمة رقم {11}.
مشكلة كبيرة، وذلك لأنّي بدأت أفقد اقتناعي بما هو مدون في بطون هذه الكتب، لما فيه من تهافت وتناقض، بل وأمور غير منطقية! فكنت ألتجىء إلى أبي بإعتباره عالماً ليحل لي هذه الإشكالات، والتي كان منها:
1 ـ هل من المعقول أن لا يعيّن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خليفة من بعده تقصده الأمة وترجع اليه؟!.
2 ـ إنّ أفضلية أهل البيت(عليهم السلام) واضحة وجلية، يقرّ بها المخالف لهم والموافق، فلماذا أخّرتهم الأُمّة وقدمت غيرهم؟!.
3 ـ الحديث القائل: " إنّ كلا من القاتل والمقتول في النار "(1)! أليس هذا إجحاف بحقّ المظلوم؟!.
4 ـ الحديث القائل: " خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء "(2)ـ يعني عائشة ـ، أليس فيه دلالة استنقاص لبقية الصحابة المقرّبين؟!.
فصرت أشعر بتزلزل في أركان معتقداتي، فلم أجد بداً من الالتجاء إلى البحث والدراسة بنفسي لأنقذها من الوضعية المتأزمة التي صرت أعاني منها.
وللأسف أنّ الدراسة والتتبع لم يشف غليلي، وذلك لأنّ أموراً فاجأتني لم تكن تخطر ببالي من قبل! فقد أدركت أنّ السياسة لعبت دوراً أساسياً في إعطاء بعض الشخصيات وزناً كبيراً، حيث جنّدت بعض الأقلام والأفواه لوضع
1) هذه المقولة وردت في أحاديث متعددة نسبت للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي موارد مختلفة، وقد تشبث بها المتخلفين عن القتال بين عليّ(عليه السلام) ومناوئيه كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وغيرهم، وقد غفلوا عن النصوص الواردة على وجوب نصرة المظلوم والدفاع عن الحقّ وقتال الباغين.
2) ذكره عبد العزيز الدهلوي في التحفة: 440، وقال حديث صحيح، وابن الأثير في النهاية: مادة (حمر)، وابن كثير في البداية والنهاية: 3 / 104، والآمدي في الأحكام: 1 / 308، وغيرهم.
الأحاديث، والذي منها حديث الحميراء هذا!".
إنّ الباحث لو أمعن النظر في هذا الحديث الذي تمسّك به البعض واعتمد عليه تمام الاعتماد، يجده حديثاً قد أبطله كبار علماء العامة وحفّاظهم، ومنهم:
1 ـ المزي: حيث قال: " لم أقف له على سند إلى الآن "(1)!.
2 ـ الذهبي: فعن ابن الملقن قال: " قال الذهبي: هو من الأحاديث الواهية التي لايعرف لها أسناد "(2)!.
3 ـ ابن قيم الجوزية: إذ قال في جواب سؤال وجّه إليه: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟ قال: " فصل: ومنها أن يكون الحديث باطلا في نفسه، فيدل بطلانه على أنّه ليس من كلامه، كحديث: المجرة التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش... وكلّ حديث فيه (يا حميراء) وذكر (الحميراء) فهو كذب مختلق... وحديث " خذوا شطر دينكم عن الحميراء " "(3)!.
4 ـ ابن كثير: عن السيوطي: " وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير في (تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب) هو حديث غريب جداً، بل هو حديث منكر "(4)!.
5 ـ ابن حجر العسقلاني: أيضاً أنكر هذا الحديث، فقال: " لا أعرف له
اسناداً ولا رواية في شيء من كتب الحديث، إلاّ في النهاية لابن الأثير ولم يذكر من خرّجه "(1)!.
6 ـ السيوطي: حيث قال: " حديث: " خذوا شطر دينكم عن الحميراء " لم أقف عليه "(2)!.
7 ـ الفتني: وقد أدرجه في (تذكرة الموضوعات)(3)!.
8 ـ القاري: أورده في كتابه (المصنوع): " حديث: " خذوا شطر دينكم عن الحميراء " لا يعرف له أصل "(4)!.
فهذا حال الحديث باعتراف كبار أئمة العامة في هذا الخصوص(5).
ثمّ لو راجعنا سيرة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عائشة لأدركنا أنّ هذا الحديث لاينطبق مع بعض مواقفها.
لو يمعن الباحث النظر في سيرة عائشة يرى بوضوح بطلان هذا الحديث وكونه موضوعاً لا حقيقة له، لأنّ أخذ شطر الدين عن الحميراء كما ورد اللفظ، يعني الاستنان بها باعتبارها أحد المؤتمنين على الشريعة، في حين أنّها كانت تتصرّف بأمور لم يرتضيها الشرع أبداً!، وإشارة لذلك نذكر طائفة منها:
ورد أنّ عائشة واجهت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بقولها: " أنت الذي تزعم أنّك نبيّ الله!! "، وقولها له(صلى الله عليه وآله وسلم) بحضور أبيها: " يا رسول الله أقصد " فلطمها أبوها وجعل الدم يسيل من أنفها(1).
والحال أنّ القرآن الكريم أعطى للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بُعداً آخر يقوم على احترامه وتعظيمه وخفض الصوت أثناء الحديث معه، فقال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)(2)، فهل يقول مؤمن بالله وبكتابه وبرسوله أنّ موقفها هذا مرضي عند الله، ليؤخذ شطر الدين عنها؟!.
إنّ تعامل عائشة ومواقفها مع باقي نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)دليل آخر على كون حديث " خذوا شطر دينكم عن الحميراء " موضوعاً، لما في هذا التعامل من الفظاظة والغلظة!.
فقد ذكر الزركشي في (الإجابة) نقلاً عن كتاب محمد بن عبد الملك التاريخي: " ـ سمعت عائشة ـ سودة(3)تنشد:
" عدي وتيم تبتغي من تحالف "
1) أنظر: مسند أبى يعلى: 8 / 129 {4670}، مجمع الزوائد للهيثمي: 4 / 322، أحياء علوم الدين للغزّالي، كتاب النكاح: 2 / 65، وغيرها.
2) الحجرات: 2.
3) سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس، من بني لؤي، تزوجها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في مكة بعد وفاة خديجة، كانت من قبل زوجة السكران بن عمرو بن عبد شمس الذي توفى بعد رجوعه من هجرة الحبشة.
فقالت عائشة لحفصة: ما تُعرّض إلاّ بي وبك يا حفصة، فإذا رأيتيني قد قمت فأخذت برأسها، فأعينيني، فقامت فأخذت برأسها، وخافت حفصة فأعانتها...! "(1).
وروى الترمذي وغيره(2)عنها أنّها قالت: " قلت للنبيّ حسبك من صفية كذا وكذا، فقال لها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ـ أي يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها ـ! "(3).
وورد أنّها قالت: " لمّا قدم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة وهو عروس بصفية بنت حيي، جئن نساء الأنصار فأخبرن عنها... فقال ـ رسول الله ـ: كيف رأيت؟
قلت: قلت: أرسل يهودية وسط يهوديات "(4)!.
وأخرج النسائي في صحيحه عن أم سلمة: " أنّها أتت بطعام في قصعة لها إلى رسول الله، فجاءت عائشة مؤتزرة بكساء ومعها فهر(5)، ففلقت به القصعة "(6)، ولها حوادث مشابهة مع حفصة(7)وصفية(8).
وذكر البخاري في صحيحه عن عائشة نفسها قالت: " كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يشرب عسلا عند زينب بنت جحش ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على
1) الإجابة: 27.
2) أنظر: سنن الترمذي: 4 / 275 {2502}، سنن أبي داود: 4 / 291 {4875}، مسند أحمد: 6 / 189 {25601}، وغيرهم.
3) الشرح في الرواية ذكره الزركشي في كتابه الإجابة: 75.
4) أنظر: سنن ابن ماجة، كتاب النكاح: 1 / 620 {1980}.
5) الفهر: الحجر ملء الكف، أو الحجر مطلقاً.
6) سنن النسائي: 5 / 285 {8904}.
7) أنظر: مسند أحمد: 6 / 111.
8) أنظر: مسند أحمد: 144 و 2776، سنن النسائي: 5 / 286 {8905}.
أيّتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير؟ إنّي أجد منك ريح مغافير! قال: لا، ولكن أشرب عسلا عند زينب بنت جحش "(1).
فإذا كان الإنسان رهين إحاسيسه وعواطفه، فهل يعقل أن يؤخذ عنه شطراً من الدين؟!.
قد ذكر البخاري في صحيحة عن عائشة: " لقد دعاني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً على باب حجرتي، والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم "(2)!.
وأخرج مسلم في صحيحه عنها: " جاء حبش يزفون(3)في يوم عيد في المسجد، فدعاني النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فوضعت رأسي على منكبه "(4)!، وأحاديث أخرى بخصوص هذا المورد(5).
ولا يخفى ما للمساجد من أهمية في الإسلام، حيث نصّ الشارع المقدّس على حرمة تنجيسها، وأعطاها مكانة مرموقة تتناسب مع دورها الحيوي والريادي في بناء الإنسان المسلم، وقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ما ينبيء عن عظيم إحترامه وتقديره لبيوت الله، حيث قال(صلى الله عليه وآله وسلم): " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراركم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسلّ
سيوفكم "(1)وغير ذلك.
ولمسجد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خصوصية، حيث أنّ قداسته وفضيلته وعظمته أشهر من أن تذكر.
فهل يعقل أن يسمح خاتم الرسل(صلى الله عليه وآله وسلم) بانتهاك حرمة مسجده؟! وهل يعقل أن يسمح النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الفعل فيكون سنة من بعده؟!.
كل هذا يدعو للتآمل إمّا في من وردت عنه الرواية، أو في صاحبي الصحيحين الّذين أوردا هذا الكلام!.
ورد عن عائشة: " الصلاة أوّل ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر "، قال الزهري: فقلت لعروة ما بال عائشة تتم؟! قال: تأولت ما تأول عثمان "(2)!.
في حين أنّ كتاب الله يأمر بقصر الصلاة في حال السفر، وذلك في قوله تعالى: (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي اْلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً)(3)، فعلام هذا التأويل وقد كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقصر صلاته في حال السفر؟!.
فيا ترى هل نأخذ شطر ديننا عن امرأة تتم الصلاة في السفر؟!.
ومن الأدلّة على وضع حديث ـ أخذ شطر الدين عنها ـ خروجها على إمام
زمانها الذي أطبق المسلمون على مبايعته.
وعقيدة العامة عدم جوّاز الخروج على الإمام وإن كان فاسقاً، فكيف بخروجها على سيّد الوصيّين وأمير المؤمنين! وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه وأهل بيته(عليهم السلام): " أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم "(1).
وكان نتيجة خروجها حدوث فتنه عمياء وقعت فيها حرب طاحنة سفك فيها دماء الآلاف من أهل القبلة، فريق باغون على إمامهم ناكثون لبيعته يدّعون دعوى باطلة، وفريق يصدّهم عن الغي ويدعوهم إلى الهدى.
والكتاب الذي وجهه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى طلحة والزبير وعائشة يثبت ذلك، حيث يقول فيه: " وأنت يا عائشة فإنّك خرجت من بيتك عاصية لله ولرسوله تطلبين أمراً كان عنك موضوعاً، ثمّ تزعمين أنّك تريدين الإصلاح بين المسلمين، فخبريني: ما للنساء وقود الجيوش والبروز للرجال والوقوع بين أهل القبلة وسفك الدماء المحرمة؟!
ثم إنّك طلبت على زعمك دم عثمان، وما أنت وذاك؟ عثمان رجل من بني أمية وأنت من تيم، ثمّ بالأمس تقولين في ملأ من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر! ثم تطلبين اليوم بدمه؟ فاتقي الله وأرجعي إلى بيتك، وأسبلي عليك سترك، والسلام "(2).
كما قد حذّر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الفتنة، وأشار إلى مكمنها! فأورد البخاري
1) أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده: 2 / 442 {9696}، الحاكم النيسابوري في المستدرك: 3 / 161 {4713}، الطبراني في المعجم الكبير: 3 / 40 {2619}، الترمذي في سننه: 5 / 174 {3870}، ابن ماجة في سننه: 1 / 52 (12)، ابن حبان في صحيحه: 15 / 434 {6977}.2- أنظر: تذكرة الخواص لابن الجوزي: 71، المناقب للخوارزمي: 184، الإمامة والسياسة لابن قتيبة: 1 / 90.
عن عبد الله: " قام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خطيباً فأشار نحو مسكن عائشة فقال: ههنا الفتنة ثلاثاً من حيث يطلع قرن الشيطان "(1)!.
وأورد مسلم عن ابن عمر: " خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من بيت عائشة فقال: رأس الكفر من ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان "(2)!.
فهذه الأحاديث تفنّد وتهدّ كلّ أساس يقوم عليه حديث " خذوا شطر دينكم عن الحميراء "! لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال عنها: " رأس الكفر " وكفى بها من عبارة...
هذا إضافة إلى شواهد عديدة لأقوال علماء أهل السنّة الدالّة على عدم صدق الحديث، كقول الزهري حول علم عائشة: "ليست عائشة أعلم عندنا من ابن عباس "(3).
هذا ولو سلّم بصحة الحديث ودلالته لوجب على أهل العامة أن يكفّروا عثمان ويجردوه من ألقابه " ذي النورين، والشهيد، والخليفة المظلوم و... " التي منحوها إيّاه! لأنّ زوجة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) التي أمر الرسول بأخذ شطر الدين عنها على قولهم، قالت: " أقتلوا نعثلا، قتل الله نعثلا فقد كفر "(4)!.
والجدير ذكره أنّ أوّل من سمّى عثمان بهذا الإسم عائشة(5)!! حتى عاب عليها جمع من المسلمين ذلك عندما أدّعت طلب ثاره من الإمام عليّ بن أبي
1) أنظر: صحيح البخاري، باب ما جاء في بيوت ازواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): 3 / 1130 {2937}.
2) أنظر: صحيح مسلم: 4 / 2229 {2905}.
3) أنظر: ضوء الساري لشهاب الدين: 183، نقلاً عن تفسير عبد الرزاق، عيون الأثر لابن سيّد الناس: 1 / 195.
4) أنظر: تاريخ الطبري: 4 / 459، النهاية لابن الأثير: 4، كلمة (نعثل). شرح النهج لابن أبي الحديد: 6 / 251، الإمامة والسياسة لابن قتيبة: 1 / 72، الفتوح لابن أعثم: 1 / 419.
5) ونعثل: رجل يهودي كان بالمدينة. وقيل شبه به عثمان لانه كان طويل وكثير شعر اللحية.
طالب(عليه السلام)، كان منهم:
1 ـ عمّار بن ياسر، الذي قال لها حينما رآها تبكي على عثمان: " أنت بالأمس تحرضين عليه، ثمّ أنت اليوم تبكينه "(1)!.
2 ـ الأحنف بن قيس، عندما قال لها في البصرة قبل حرب الجمل: " يا أمّ المؤمنين ما كبرت السن ولا طال العهد، وأنّ عهدي بك عام أوّل تقولين فيه وتنالين منه "(2)!.
3 ـ أمّ سلمة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، عندما خادعتها عائشة لتخرجها معها ضدّ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، فقالت لها: " إنّك كنت بالأمس تحرضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول، وما كان إسمه عندك إلاّ نعثلا "(3)!.
4 ـ عبيد بن أبي سلمة، الذي قال لها عندما لاقاها قرب المدينة: " إنّ أوّل من طعن عليه وأطمع الناس فيه لأنت، ولقد قلت: اقتلوا نعثلاً فقد كفر (فجر)... "(4)!.
وقال البلاذري: " لمّا اشتدّ الأمر على عثمان، أمر مروان بن الحكم وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، فأتيا عائشة وهي تريد الحجّ، فقالا لها: لو أقمت فلعل الله يدفع بك عن هذا الرجل.
فقالت: قد قرّبت ركابي وأوجبت الحجّ على نفسي، ووالله لا أفعل، فنهض مروان وصاحبه، ومروان يقول:
وحرّق قيس عليّ البلادَ حتى إذا أضطرمت أجذما
فقالت عائشة: يا مروان وددت والله أنّه في غرارة(1)من غرائري هذه وأنّي طوّقت حمله حتى ألقيه في البحر "(2)!.
ولقد ألّبت عائشة الوضع على عثمان وخذلت عنه الناس وحطّت من قدره، ولم تعدل عن تلك النظرية حتى بعد مقتله، لأنّها كانت تعتقد أنّ الأمر سيؤول إلى ابن عمها طلحة! حتى قالت بعد أن وصلها نبأ مقتل عثمان: " بعداً لنعثل وسحقاً، إيه ذا الأصبع! إيه أبا شبل! إيه يابن عم! لكأني أنظر إلى اصبعه وهو يبايع له "(3).
يقول الأخ محمّد بيلو: " جعلتني هذه الحقائق مضطرباً معرضاً عن كلّ معتقداتي السابقة! وللخروج من هذا المأزق عكفت على كتب المناظرات لعلّي أجد فيها مخرجاً، ولم أكن بذاك المستوى القادر على الصمود أمام النقد والتحليل، حتى أنّ شاركني في توجهي هذا مجموعة من الأصدقاء الذين كانت لهم نفس المعاناة.
وخلال هذه الفترة سمعت أنا وأصدقائي بوجود عالم شيعي يقول عنه أهل المنطقة: أنّه ترك الدين، ومرق عن الإسلام، وإلتزم الكفر!، فقرّرنا الذهاب إليه واسمه ـ "الشيخ محمّد حبيب سو" ـ لنرى ما يحمل من أفكار.
والتقينا به فكان على نقيض ما رُمي به وشُنّع عليه، فكان رجلا خلوقاً محيطاً بالدين عالماً فاضلا... وبدأنا نطرح مالدينا عليه، فتأمّل في كلامنا ثم دعانا لعدم التسرع في إتخاذ القرار، وأبدى استعداده التام للتعاون معنا في هذا
المجال، ثمّ أخذ يجيب على الشبهات العالقة في أذهاننا ـ وفق مذهبه ـ ويدعم إجاباته بما هو مدون في مصادر العامة، ويرشدنا لذلك ـ كي نطمئن ـ وأخذ يتابع بحوثنا والنتائج التي نتوصل إليها.
وبعد فترة بدأ يلقي على مسامعنا دروساً في العقائد الشيعيّة حتى أتمّ برنامجه معنا، ثمّ خيّرنا بعد ذلك في إتخاذ القرار.
فوجدنا أنّ سحب الشبهات قد انقشعت، وغيوم الجهل قد تبدّدت، حيث انكشف لنا ما خفي من التاريخ، وعرفنا أنّ هناك طائفة مظلومة رغم أحقيتها ومتانة أُسسها، فانشددنا أكثر وقرّرنا سلوك نهجها، وركبنا سفينة النجاة واهتدينا بهدي الأئمة من آل البيت(عليهم السلام) وتولي آخرهم كما تولينا أوّلهم، وكان استبصاري بحمد الله في العاصمة الغينيّة " كوناكري " عام 1991م ".
الصورة
ولد عام 1969م بمدينة " سانغاريزي " في جمهورية غينيا(1)، وترعرع في أحضان عائلة مالكية المذهب.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1990م في " سيراليون " بعد بحث ودراسة معمّقة استغرقت عدّة أشهر.
يقول الأخ محمّد عليّ: " كان والدي مديراً لاحدى المدارس الدينية المالكية، فالحقني بمدرسته منذ وقت مبكر، فترعرعت منذ الصغر على حبّ المطالعة، ونشأت عندي هواية قراءة كتب التاريخ، لأنّ محتوى هذه الكتب يشبه القصص ومضامينها مليئة بالدروس والعبر.
وبعد تخرّجي من هذه المدرسة التحقت بمدرسة دينية وهابية، فواجهت في هذه المدرسة مصطلحات جديدة، من قبيل: الرافضة، والسلفية وغير ذلك!، ودفعني حبّ الاستطلاع للبحث عن هذه المصطلحات، فأخذت أتتبع الكتب
1) غينيا: أنظر الترجمة رقم {11}.
المختصة بهذا المجال حتى تبيّن لي أنّ هذه المصطلحات تعني أسماء فرق لها مدارس فكرية وأتباع، فأكتفيت بهذا المقدار من معرفة هذه المصطلحات ولم أواصل البحث لأنني كنت شغوفاً بمادة التاريخ، فلم يكن لي إهتمام بأمور خارجة عن هذه المادة الدراسية، وكنت أصغي بتأمل وإنتباه لما يقوله الأساتذة.
وبمرور الأيام تبيّن لي أنّ التاريخ الذي ندرسه يحيطه الغموض، وأنّ هناك أيدي تسعى لعرضه بصورة مشوشة، فأدركت أنّ بقائي في هذه المدرسة سيحشو ذهني بأفكار ملفقة لاتطابق الواقع، فقرّرت الانتقال إلى مدرسة أخرى.
في الحقيقة كنت لا أُبالي بما تعتقده إدارة المدرسة أو إنتمائها بقدر ما كان يهمني الإطلاع على التاريخ الإسلامي الصحيح، الذي لم تكتبه أقلام التزوير والتحريف، فلذا سافرت إلى سيراليون وإلتحقت باحدى المدارس الشيعية لأواصل دراستي ولاسيما مادة التاريخ بصورة متقنة ومتكاملة.
وبعد مضي فترة من الموسم الدراسي بدأت أشعر أنّ هناك اختلافاً كبيراً بين نهج هذه المدرسة والمدرسة السابقة لاسيما في مادة التاريخ، فرأيت منهج هذه المدرسة يمتاز بآفاق رحبه وعمق، وأنّ أستاذة هذه المدرسة يسعون لغربلة التاريخ المدوّن ليبيّنوا الصحيح منه والسقيم، وبدأت أسمع أموراً كانت جديدة بالنسبة لي رغم وجودها في مطاوي الكتب، فأثار ذلك عندي الاستغراب! وشعرت بوجود حقائق في التاريخ الإسلامي عبثت بها بعض الأيدي لإخفائها والتعتيم عليها، فقرّرت مراجعة بعض المراكز والمؤسسات الدينية والثقافية لأستقصي الآراء المختلفة لأصل إلى الحقيقة.
وكان تركيزي على كتب أبناء العامة أكثر من تركيزي على كتب الشيعة،
وقد اعترتني الدهشة عندما رأيت في هذه الكتب العامة جرأة بعض الصحابة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، كإتهامهم له(صلى الله عليه وآله وسلم) بالهذيان، والخطأ، وأنّه مسحور والعياذ بالله.
كما ذهلت للصراع العنيف الذي نشب بين الصحابة بسبب مسألة الخلافة والإمامة، فوجدت هذا الأمر يتعارض بوضوح مع الروايات التي فيها مدح لجميع الصحابة.
وكان أكثر شي أثار استغرابي هو مقولة عمر بن الخطاب: " إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها "، فتعجبت من مقولته!!، وقلت في نفسي: لماذا صرّح عمر بهذا الأمر؟! وكيف كانت بيعة أبي بكر فلتة؟! وأي شرّ ترتب عليها بحيث يقول عمر: وقى الله شرها؟!.
فقرّرت بعد ذلك مطالعة كتب الشيعة لأرى رأيهم في هذا المجال، فبدأت بكتب التيجاني و(كتاب معالم المدرستين) ".
من الواضح أنّ كلام عمر حول بيعة أبي بكر لم يكن أمراً اعتباطياً، بل كان مستنداً إلى جملة أُمور، ومن أهمها:
1 ـ اعتراف أبو بكر نفسه أنّ بيعته كانت فلتة:
فقد ورد عنه ـ عقيب إستلامه للحكم ـ أنّه قال: " ألا وأني قد وليتكم ولست بخيركم، ألا وقد كانت بيعتي فلتة "(1)!.
2 ـ حقد عمر على أبي بكر: فالذي يتتبع أحداث تاريخ الإسلام يجد أنّ
1) أنظر: أنساب الأشراف للبلاذري: 2 / 264، 273، 274، دعائم الإسلام للقاضي النعمان: 1 / 85، شرح النهج لابن أبي الحديد: 2 / 50، نقلاً عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري صاحب كتاب (السقيفة)، رسائل الجاحظ (الرسالة العثمانية): 1 / 292، سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي: 12 / 315.
سبب إفصاح عمر لهذه المقولة ناشىء من حقده على أبي بكر وكراهته له!
فقد روى شريك بن عبد الله النخعي(1)عن أبي موسى الأشعري أنّه قال: " حججت مع عمر فلمّا نزلنا، وعظم الناس خرجت من رحلي وأنا أريد عمر، فلقيني المغيرة بن شعبة فرافقني... ثم قال عمر: ألا أخبركما بأحسد قريش كلّها؟!
قلنا: بلى يا أمير المؤمنين... قال أبو موسى: وأنا أقول في نفسي ما أظنّه يريد إلاّ الذين كرهوا من أبي بكر إستخلافه عمر، وكان طلحة أحدهم فأشاروا عليه ألا يستخلفه لأنّه فظاً غليظاً... وإذا هو يذهب إلى غير ما نذهب إليه منهم، فعاد عمر إلى التنفس، ثم قال: من تريانه؟
قلنا: والله ما ندري إلاّ ظناً.
قال: ومن تظنان؟
قلنا: نراك تريد القوم الذين أرادوا أبا بكر صرف هذا الأمر عنك.
قال: كلا والله، بل كان أبو بكر أعق وأظلم، وهو الذي سألتما عنه كان والله أحسد قريش كلها.
ثم أطرق طويلا، فنظر المغيرة إليّ ونظرت إليه، وأطرقنا ملياً لإطراقه، وطال السكوت منّا ومنه حتى ظننا أنّه قد ندم على ما بدا منه.
ثم قال: والهفاه على ضئيل بني تيم بن مرّة! لقد تقدّمني ظالماً، وخرج إليّ منها آثماً!.
فقال المغيرة: هذا يقدّمك ظالماً فقد عرفناه، كيف خرج إليك منها آثماً؟
قال: ذاك لأنّه لم يخرج إليّ منها إلاّ بعد أن يأس منها، أما والله! لو كنت أطعت زيد بن الخطاب وأصحابه، لم يتلمظ من حلاوتها بشيء أبداً، ولكني
1) توفى سنة 177 ه قال عنه ابن معين: صدوق ثقة.
قدّمت وأخرت، وصعدت وصوبت، ونقضت وأبرمت، فلم أجد إلاّ الإغضاء على ما نشب منه فيها، والتلهّف على نفسي، وأمّلت إنابته ورجوعه، فوالله ما فعل حتى فَغَرَ بها بَشَماً.
قال المغيرة: فما منعك منها وقد عرضها عليك يوم السقيفة بدعائك إليها، ثم أنت الآن تنقم وبالتأسف عليه؟
فقال له: ثكلتك أمّك يا مغيرة ـ إنّي كنت لأعدّك من دهاة العرب ـ كأنّك كنت غائباً عمّا هناك؟! إنّ الرجل كادني فكدته، وماكرني فماكرته، وألفاني أحذر من قطاة.
إنّه لما رأى شغف الناس به، وإقبالهم بوجوههم عليه أيقن أنّهم لايريدا به بدلا، فأحبّ لمّا رأى من حرص الناس عليه وشغفهم به، أن يعلم ماعندي، وهل تنازع إليها نفسي، وأحبّ أن يبلوني بإطماعي فيها والتعريض لي بها، وقد علم وعلمت لو قبلت ما عرض عليّ منها لم يجبه الناس إلى ذلك، فألفاني قائماً على أخمصي مستوفزاً حذراً، ولو أجبته إلى قبولها لم يسلّم الناس إليّ ذلك، واختبأها ضغناً عليَّ في قلبه، ولم آمن غائلته ولو بعد حين! مع ما بدا لي من كراهة الناس ـ إلى أن قال ـ فأرسل إليّ بعتاب مؤلم، فأرسلت إليه: أما والله! لتكفّن أو لأقولن كلمة بالغة بي وبك في الناس، تحملها الركبان حيث ساروا! وإن شئت إستدمنا ما نحن فيه عفواً، فقال: بل نستديمها على أنّها صائرة إليك بعد أيام، فما ظننت أنّه يأتي عليه جمعة حتى يردّها عليّ، فتغافل والله فما ذكر لي بعد ذلك المجلس حرفاً حتى هلك، ولقد مدّ في أمدها عاضاً عليّ نواجذه حتى حضره الموت، وآيس منها فكان منه ما رآيتما... "(1).
1) أنظر: الشافي في الإمامة للشريف الرضي: 4 / 129 ـ 135، شرح النهج لابن أبي الحديد: 2 / 30.
فهذا ما كان يكنه " الفاروق " في صدره لصاحبه " الصديق "!! فلاعجب من قوله في بيعة الأوّل: " إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، لكن وقى الله شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه "، وفي لفظ: " كانت لعمري فلتة! كما أعطى الله خيرها من وقى شرها، فمن عاد إلى مثلها فهو الذي لابيعة له ولا لمن بايعه "(1).
للفلتة عدّة معاني، فتعني (الخلسة) كما قال الزمخشري: " إنّ الإمارة يوم السقيفة مالت إلى تولّيها كل نفس، ونيط بها كل طمع، ولذلك كثر فيها التشاجر والتجاذب، وقاموا فيها بالخطب، ووثب غير واحد يستصوبها لرجل عشيرته، ويبدي ويعيد، فما قلّدها أبو بكر إلاّ انتزاعاً من الأيدي، واختلاساً من المخالب... "(2).
ومن معانيها كما في المواقف (الفتنة)(3)، أو (البغتة والفجأة) كما عن بعض شرّاح البخاري، أو ما يُندم عليه(4)، أو كل شي فعل من غير رويّة، وهذا المعنى أشنع من الأوّل! ولقد كانت بيعة أبي بكر حاملة لكل هذه المعاني.
قد أوضحت سيدة النساء فاطمة الزهراء(عليها السلام) أبعاد هذه البيعة سلفاً، فقالت:
" فلمّا أختار الله لنبيّه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسيكة
1) أنظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي: 67، تاريخ الطبري: 3 / 205، سيرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لابن هشام: 4 / 1073، مسند أحمد: 1 / 55 {391}، مجمع الزوائد للهيثمي: 6 / 5، سنن النسائي: 4 / 272 {7151}، وغيرها.
2) أنظر: الفايق في غريب الحديث: 3 / 50.
3) أنظر: المواقف للإيجي: 403.
4) أنظر: فتح الباري للعسقلاني: 12 / 178 {6830}.
النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين.
ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً، وأحمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم، هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لمّا يندمل، والرسول لمّا يقبر، إبتداراً زعمتم خوف الفتنة، (أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ)(1)"(2).
كما بيّنت(عليها السلام) العواقب الوخيمة التي ستنجم عن هذه البيعة ـ عندما عادتها نساء المهاجرين والأنصار ـ فقالت:
" ألا هلمّ فاسمع، وما عشت أراك الدهر العجب، وإن تعجب فقد أعجبك الحادث! إلى أي سناد استندوا، وبأي عروة تمسكوا؟ استبدلوا الذنابى والله بالقوادم، والعجز بالكاهل، فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، ألا أنّهم المفسدون ولكن لايشعرون، (أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(3)أما لعمر إلهك لقد لقحت، فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً، وذعافاً ممقراً، هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غبّ ماسنّ الأوّلون، ثم طيبوا عن أنفسكم نفساً، وطامنوا للفتنة جأشاً، وأبشروا بسيف صارم، وهرج شامل، وإستبداد من الظالمين، يدع فيئكم زهيداً وزرعكم حصيداً، فياحسرتى لكم، وأنى بكم وقد
عمّيت عليكم (أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ)(1)"(2).
ومن هذا كلّه ترى عمر قال: " فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه "، وهو حكم موجب لسلب شرعية بيعة أبي بكر، وبالتالي بطلان خلافته من أساسها، بل أكثر من ذلك أنّه أمر بقتل من يعود لمثلها!.
إنّ عمر وأبا بكر قد تسنما منصباً لم يكن لهما، وقد أقرّ عمر بذلك!.
فقد ورد عن ابن عباس قوله: " كنت أسير مع عمر بن الخطاب في ليلة، وعمر على بغل وأنا على فرس، فقرأ آية فيها ذكر عليّ بن أبي طالب، فقال: أما والله، يا بني عبد المطلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر "(3).
ولكن عمر رغم إقراره بأولوية الخلافة لعليّ(عليه السلام) كان كارهاً لأنّ يوليه هذا الأمر من بعده، فقد نقل مفتي مكّة " زيني دحلان " أنّ عمر عندما قيل له لو عهدت، قال: " كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أولّي رجلا أمركم، يحملكم على الحقّ، وأشار إلى عليّ بن أبي طالب ـ إلى أن قال ـ لو ولّوها عليّاً سلك بهم الطريق، فقال له إبنه عبد الله: فما يمنعك أن تستخلفه؟! قال: أكره أن أتحملها حيّاً وميتاً "(4)!.
1) هود: 28.
2) أنظر: بلاغات النساء لابن طيفور: 20، شرح النهج لابن أبي الحديد: 16 / 233 عن أبي بكر أحمد الجوهري صاحب كتاب السقيفة، دلائل الإمامة للطبري 125 {37}، أمالي الطوسي: 374 {804}، معاني الأخبار للصدوق: 354، الاحتجاج للطبرسي: 1 / 286 {50}، وغيرها.
3) أنظر: محاضرات الأدباء للراغب الاصفهاني: 2 / 478.
4) أنظر: الفتوحات الاسلامية: 2 / 378 ـ 379.
يقول الأخ محمّد عليّ جلّو: " بعد تأكدي من مقالة عمر وتتبعي للمجريات التي سبقتها، تبيّنت لي حقائق الأمور، لاسيما عندما اطلعت على الأحداث التي أعقبت السقيفة، ككشف القوم لبيت الزهراء(عليها السلام) ومعاملتهم العنيفة مع الإمام عليّ(عليه السلام) ".
والجدير ذكره أنّ مسألة انتهاك أبو بكر لحرمة دار الزهراء(عليها السلام)، ليس أمراً مستوراً أو مخفياً، بل هو من الأخبار المستفيضة، حتى أن أبا بكر لم ينكره، بل اعترف به! حيث تمنى في مرضه الذي مات فيه عدم كشفه لبيتها(عليها السلام)، وقال فيما قال: " إنّي لا آسى على شيء في الدنيا إلاّ على ثلاثة فعلتهن وددت أنّي تركتهن... فأمّا الثلاثة اللاّتي وددت أنّي تركتهن، فوددت أنّي لم أكشف عن بيت فاطمة عن شيء، وإنّ كانوا قد غلقوه على حرب... "(1).
ويؤكّده ماذكر ابن عبد ربه الأندلسي: إنّ أبا بكر قال لعمر عندما أرسله إلى بيت فاطمة(عليها السلام) لإخراج من فيها: " وإن أبوا فقاتلهم "(2).
ويضيف الأخ محمّد عليّ جلّو قائلاً: " لقد أثمرت متابعاتي عن كشف الزيف الذي طلا الحقائق، فتحطمت عندي الهالة القدسية التي كنت أتصورّها لبعض الصحابة، وذلك أنّي وجدت بعضهم أكثر الناس جرأة على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في حياته وبعد مماته، فقد تنكروا له(صلى الله عليه وآله وسلم) وروّعوا عترته.
ومن هذا قرّرت إتّباع أهل البيت(عليهم السلام) والانتهال من ينبوعهم الصافي ونبذ ما
سواه، لأنّ العترة من أهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هم الذين نزل الكتاب في بيوتهم، وهم الأعلم بتأويله وتنزيله، فتشرّفت باعتناق مذهبهم عام 1990م في سيراليون ".
الصورة
ولد عام 1961م بقرية " نابيلا " في جمهورية غانا(1)، كان في أوّل أمره وثني المعتقد واسمه أنذاك " نيندو "، ثمّ تحوّل إلى المسيحيّة فتسمى باسم " صاموئيل "، بعدها اعتنق الإسلام فانتخب اسم " محمّد " تيمناً باسم النبيّ الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم).
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1984م في " أكرا " عاصمة غانا.
يقول الأخ محمّد: " لقد انتشلني الله سبحانه وتعالى من الضياع عندما أدركت سخافة الديانة الوثنية، وسأطوي الحديث عن هذه الفترة لأنّها كانت من عمري الضائع.
تحولت إلى الديانة المسيحيّة مع أكثر أبناء قريتنا، على أثر حركة التنصير التي تعج بها قارة أفريقيا، وعندما أصبحت مسيحياً عكفت على دراسة الكتاب
1) غانا: أنظر الترجمة رقم {26}.
المقدس وقراءته بإمعان، كي أرسخ أركان المعتقد المسيحي ـ عقيدة التثليث ـ في ذهني، وبالتالي أتمكن من إقناع الآخرين للاعتقاد والإيمان بها.
إلاّ أنّني حقيقة لم أخرج بنتيجة من التثليث، وتاهت عليَّ معالم الربّ بين الأبّ والإبن وروح القدس! ".
الحقيقة أنّ فكرة تأليه المسيح(عليه السلام) نكسة قاتلة أصابت النصرانيّة في صميمها، ونقلتها من دين سماوي خالص إلى دين وثني، ولم يكن هذا الأمر مستبعداً من أهل كتاب بعد أنْ عبثت بهم الأهواء والأغراض، فغيّرت الكثير من معالمهم الدينية التي جاء بها المسيح(عليه السلام)، حتى جعلتهم يتخبطون في معتقدهم وفي حيرة من أمرهم، لا يعرفون السبيل لتأويل المعتقدات المتناقضة التي وضعتها أيدي التحريف.
فاعتقادهم أنّ المسيح هو الله ـ تعالى عمّا يقولون ـ لا يتلاءم مع قولهم بأنّه ابن الله! فإنّه ليس من المعقول أن يكون الأبّ إبناً لنفسه، والإبن أباً لنفسه أيضاً! ثمّ ماهو دور الاقنوم الثالث بين هذين الاثنين؟ وما مدى صلاحية وحدود اختصاص كلّ منهم؟!.
ولذا اضطر رجال الكنيسة بعد مواجهتهم لهذه التناقضات أن يلتجؤوا إلى جملة من التبريرات وطرحها بشكل غامض ومبهم، لتكون إجابتهم لأتباعهم أنّ هذه المعتقدات أمور تعبدية لا سبيل للعقل أن يفهم غور معناها، فحدّوا بذلك الاستفسارات التي كان يوردها عليهم أتباعهم وطوقوها بحدود ليمنعوا المنتمين إلى ملتهم من الخوض فيها.
يقول الأخ محمّد: " على الرغم من الغموض الذي واجهته في الديانة
المسيحيّة وجدت بعض الإشارات في الكتاب المقدّس تستحق أن يتأمّل فيها، كبشارة الله تعالى لإبراهيم(عليه السلام) في إبنه إسماعيل(عليه السلام)، والتي تذكرتها كتب العهد القديم: " أمّا إسماعيل فقد استجبت لطلبتك من أجله سأباركه حقّاً، وأجعله مثمراً وأكثر ذريته جداً، فيكون أباً لإثني عشر رئيساً ويصبح أمّة كبيرة "(1).
فكنت أتساءل في نفسي: من هم هؤلاء الاثنا عشر؟ وأي مقام لهم عند الله حتى يذكرون وهم في عالم الغيب؟
وتبيّن لي من القرائن المذكورة أنّهم ليسوا من أمّة عيسى المسيح(عليه السلام)ولا من ذريته، لأنّ عيسى(عليه السلام) لم يتزوج، فعرفت من هذا ضرورة وجود مبعوث آخر له هذه الذريّة.
فصببت جلّ اهتمامي على هذه البشارة، ولجأت إلى مراجعة الأديان السماوية الأخرى لأعرف مدى تحقق هذه البشارة المهمة عندهم، وأوّل ما بدأت به هو ما أورده بعض علماء المسيحيّة حول هذا الأمر وما يتعلق به ".
أورد بعض العلماء العارفين باللغة العبرية معارف هامة حول اسم النبيّ الشريف(صلى الله عليه وآله وسلم)، وذكروا أنّ اسم محمّد قد ورد في سياق بركة إسماعيل(عليه السلام)بحساب الجمل.
فورد في كتاب (أنيس الأعلام في نصرة الإسلام)(2)نصّاً عبرياً ترجمته بالعربية: " لقد سمعت دعاءك بخصوص إسماعيل، ها أنا أباركه وأثمره وأجعله
كبيراً (أو عظيماً) بمادماد واثني عشر إماماً يكونون من نسله، وسيكون أمّة عظيمة "، فلفظة (بمادماد) بحساب الجمل تساوي 92، وكذا لفظ (محمّد) بحساب الجمل يساوي هذا العدد!.
وقد ذهب إلى هذا التفسير أيضاً العالم الكتابي " السموءل بن يحيى "(1).
لقد بشّر كليم الله موسى(عليه السلام) بمجيء النبيّ الأعظم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)!، فقال لبني إسرائيل قبل وفاته بفترة قصيرة: " جاء الربّ من سيناء، وأشرف لهم من سعير، وتألّق في جبل فاران، وجاء محاطاً بعشرات الألوف من الملائكة وعن يمينه يومض برق عليهم، حقاً إنّك أنت الذي أحببت الشعب "(2)، و (سيناء) هو المكان الذي بعث فيه موسى(عليه السلام)، و (سعير) هي فلسطين وفيها بعث عيسى(عليه السلام)، و (فاران) هي الحجاز وفيها بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)(3).
فالمولودين الاثنى عشر من نسل هذا النبيّ لهم أهمية خاصّة ودور هام في هداية الناس إلى صراط الله المستقيم، ولهذا بشّر بهم موسى(عليه السلام) وأكّد على ذكرهم.
والملاحظ أنّ بشارة نبيّ الله موسى(عليه السلام) تنطوي على ثلاثة أمور:
1 ـ أنّ هذا النبيّ يولد في الحجاز، وأنّه يقود عشرة آلاف من أصحابه! وهذا ما تحقق في فتح مكة.
2 ـ أنّ ما نطق به نبيّ الله موسى(عليه السلام) يثبت أنّ نبوّته ونبوّة عيسى(عليه السلام)
1) ولد هذا العالم بمدينة " فاس " المغربية، وقد كان يهودياً واسمه (شموئيل بن يهوذا بن ايوب) فغير اسمه إلى (السموءل بن يحيى) بعد اعتناقه الإسلام، توفي في " مراغة " سنة (570 ه)، له كتاب (بذل المجهود في افحام اليهود).
2) أنظر: التفسير التطبيقي للكتاب المقدس: 415، سفر التثنية 33: 1 ـ 3.
3) أنظر: قاموس الكتاب المقدس لمستر هاكس.
مرحليتان، وهناك نبوّة خاتمة.
3 ـ أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو خاتم النبيين، وهو المبعوث من فاران ـ الحجاز ـ وهو المحبّ لجميع الشعوب، إذ هو رحمة أرسلها الله تعالى للعالمين، ولذلك أقرّ عدد من أحبار اليهود ورهبان النصارى بنبوّته(صلى الله عليه وآله وسلم).
كما بشر نبيّ الله داود(عليه السلام) أيضاً برسول الله محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وبإمامة عترته! حينما قال: " فاض قلبي بكلام صالح، إنّي أخاطب الملك بما قد أنشأته، ولساني فصيح كقلم الكاتب الماهر، أنت أبرع جمالا من كل بني البشر، انسكبت النعمة على شفتيك، لذلك باركك الله إلى الأبد، في جلالك وبهائك.
تقلد سيفك على فخذك أيّها المقتدر، وبجلالك اركب ظافراً لأجل الحقّ والوداعة والبرّ، فتقتحم يمينك الأهوال... وتسقط الشعوب صرعى تحت قدميك... يصبح أبناؤك يوماً ملوكاً كآبائهم فيتربعون على عروش في كلّ الأرض، أخلد ذكرى اسمك في كل الأجيال، وتحمدك الشعوب إلى الدّهر والأبد "(1).
فالنبيّ داود(عليه السلام) يصف هذا النبيّ بهذه الصفات: البارع في الجمال، الرحيم بالعباد، الفاتح العظيم، ذو الجلالة والمهابة، المحقّ للحقّ والمقرّ للعدل، الذي يندثر أعداؤه ويخضع له خصماؤه، ويدخل الناس في دعوته أفواجاً، فآجره الله تعالى بموّدة قرباه، وبجعل ذريته أئمة وحججاً في الأرض، وخلّد اسمه على مرّ العصور والأجيال ـ فهو يرتفع في الأذان يومياً في مختلف أنحاء المعمورة ـ وهذه الصفات لا تنطبق إلاّ على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
1) أنظر: التفسير التطبيقي للكتاب المقدس: 1183، مزامير داود: 45، (تجاوزنا بعض الفقرات طلباً للاختصار).
يقول الأخ محمّد: " توجهت بعد ذلك إلى دراسة عامّة ومعمقة حول الدين الإسلامي وأتباعه ـ إذ أنّهم يشكلون نسبة لا بأس بها في غانا ـ فقمت ببناء علاقات معهم لأعرفهم عن قرب، وقراءة كتبهم، فقرأت القرآن، فوجدته كتاباً يتضمن رؤية تختلف عمّا قرأته في العهدين القديم والجديد حول الربّ والربوبية، من حيث التنزيه لله تعالى والتوحيد له، كما وجدت تعابيره تحترم وتجلّل الأنبياء(عليهم السلام)، وتبيّن معاناتهم وجهودهم بأروع ما يكون، على عكس ما قرأت في الكتاب المقدس من هتك لحرمتهم وتضعيف لشخصياتهم وأنّهم المخطؤن!، ووجدته كتاباً حاوياً لشتى المعارف، وأنّه يدعو إلى تسامي الإنسان وتكامله...
وهكذا وبمرور الزمان أخذت المفاهيم الإسلامية تترسّخ في ذهني وتمتزج بروحي، حتى آمنت بها واعتقدت بنقاوة منبعها، فاتخذتها نهجاً يوصلني إلى رضوان الله تعالى، فأسلمت على ضوء مذهب أهل العامة.
وبعد اعتناقي للإسلام بدأت أعيش معاناة جديدة! حيث شنّ عليَّ المسيحيون ـ لا سيما المبشرين ـ حرباً شعواء، حتى أنّهم ألّبوا عليّ أهل القبيلة، فضايقوني وقاطعوني، إلاّ أني بالرغم من ذلك صبرت، بل صممت على هدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وبعون من الله تعالى تم لي ذلك، إذ أسلم أغلب أهل القرية، وحوّلنا مدرسة القرية المسيحيّة إلى مدرسة إسلاميّة، تدرس فيها مبادىء الدين الإسلامي ".
يضيف الأخ محمد: " عكفت من جديد على كتب المسلمين في العقائد والتفسير والحديث والتاريخ، فرأيت فيها تطابقاً مع الكتاب المقدس في بعض
المفاهيم، ومنها مسألة الرؤساء الاثني عشر، ووجدت حديثاً مروياً عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في صحيح مسلم جاء فيه: " لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، ويكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش "(1).
فقرّرت التعمق أكثر والتتبع بجد لمعرفة مصداق هؤلاء الخلفاء، حتى ظفرت برواية في كتاب (حلية الأولياء) يرويها ابن عباس ـ حبر الأمة ـ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): " من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي، فليوال عليّاً من بعدي وليوال وليه، وليقتد بالأئمة من بعدي، فإنّهم عترتي، خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، للقاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي "(2).
فاستغربت من هذا الحديث! وقلت: من هم عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين أمرنا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالاقتداء بهم؟
راجعت الكتب الإسلامية التي كانت في متناول يدي لأبحث حول الخلفاء، فوجدت أنّ عددهم يفوق الاثنى عشر بكثير! بل فيهم من غير قريش ـ أمراء آل عثمان الأتراك ـ والأنكى من ذلك أنني وجدت من يحاول تطبيق هذا العدد بما يتلاءم مع هواه ".
فقد حمل البعض أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بخصوص الخلفاء من بعده على الخلفاء الراشدين، ثمّ ضمّ معاوية وعمر بن عبد العزيز من الأمويين وعدد من خلفاء بني العباس لإتمام العدد، وهذا التلفيق واضح البطلان! لأنّ الراشدين أربعة فقط، وأمّا الأمويين فإنّهم معروفون بتهتكهم وظلمهم، وكذا بني العباس فعددهم
أكثر من ذلك، وجورهم لا يقل عن أقرانهم السابقين.
ومن هنا كان لابد أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الإثنا عشر من آل البيت(عليهم السلام)، لأنّهم من قريش وهم من عترته، وهم أعلم وأتقى وأفضل الناس، ولا يخفى على أحد ما ورد في فضلهم عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، مثل حديث الثقلين والسفينة والنجوم وغيرها.
يقول الأخ محمّد: " وعدّت مرّة أخرى إلى الكتاب المقدّس لأتأكد ممّا جاء فيه بخصوص هذا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وهؤلاء الخلفاء(عليهم السلام)، فوجدت فيه أنّ داود(عليه السلام)يبشّر برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبولد له يكون خليفة من بعده، ويرسم صورة لهذا الخليفة الذي يملك الأرض ويملؤها قسطاً وعدلا! ".
فقد جاء في مزامير داود(عليه السلام): " اللهم أعط أحكامك العادلة للملك، ولابنه برّك، فيقضي لشعبك بالعدل ومساكينك بالإنصاف، لتحمل الجبال للشعب في سلاماً، والتلال برّاً، ليحكم الملك بالحقّ للمساكين وينقذ بني البائسين، ويحطم الظالم، ليرهبوك مادامت الشمس والقمر من جيل إلى جيل ليكن الملك كالمطر المنهمر على المراعي المجزورة، كالغيوث التي تسقي الأرض، ليزدهر في أيّامه الصّدّيق، ويتوافر السلام ما دام القمر يضيء، ولتمتد مملكته من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض.
أمامه يركع أهل البادية، وأعداؤه يلحسون التراب... ينحني أمامه جميع الملوك، وتتعبد له كلّ الأمم، لأنّه ينقذ المسكين المستغيث البائس الذي لا معين له، يعطف على الفقير والمحتاج ويخلص نفوس المساكين، إذ يفتدي نفوسهم من الظلم والعنف، ويخفظ حياتهم لأنّها ثمينة في عينيه.
ليحي الملك! ليعط له ذهب شبا، وليصلوا من أجله دائماً ويطلبوا له بركة الله
كلّ النهار، لتتكاثر الغلال في الأرض وعلى رؤوي الجبال، وتتماوج مثل أرز لبنان، ويزهر أهل المدينة كعشب الأرض، يخلد اسمه إلى الدهر، ويدوم أسمه كديمومة الشمس، ويتبارك الناس به، وتطوبه كلّ الأمم... "(1).
ولقد دعا داود(عليه السلام) كما نرى بإعطاء الشريعة ـ أي النبوّة ـ للملك الذي هو نبيّ من قبل الله تعالى، وحاكم في الأرض، وقد خضعت جزيرة العرب لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
كما دعا(عليه السلام) بإعطاء الحكومة لإبنه ـ حفيده ـ وقد بيّن أنّه ليس صاحب شريعة، بل حافظ لها ومقيم لناموسها على الأرض، فهو يحكم بين عباد الله بالعدل، وينقذ البؤساء ويسحق الظلمة، وقد شبّهه بالمطر الذي يروي الأرض العطشى، فيعم بمجيئه الخير والسلام والبركة، وتخضع له الجبابرة وتنقاد له الأمم، فيكرمها ولايهدر دماءها.
بل أكثر من ذلك، فقد بيّن داود(عليه السلام) أنّه ذو خصوصيّة كخصوصيّة جدّه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حينما يصلّى عليه كلّ يوم! ولا ينطبق هذا الوصف، ولا تتلائم هذه العلائم إلاّ على المنقذ الحقيقي للبشريّة الإمام الحجّة ابن الحسن الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت(عليهم السلام).
ولقد حُرم أهل الكتاب من بركات هذا المنقذ، لتأويلهم هذه النصوص وصرفها عن معناها الحقيقي بشتى الصور، فإنّهم أدركوا أنّ هذا الشرف سيفوتهم وينتقل إلى أمة أخرى!.
أمّا المسلمون، فهم جميعاً يقرّون بعقيدة المهدي(عليه السلام) ـ على اختلاف في التفاصيل ـ، ويؤمنون بأنّه من ذرية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أوردوا الكثير من النصوص في هذا المجال:
1) أنظر: التفسير التطبيقي للكتاب المقدس: 1208، مزا مير داود: 72.
منها ما أورده أبو داود في صحيحه عن أم سلمة (رضي الله عنها)، أنّها قالت: " سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة "(1).
ومنها قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة الزهراء(عليها السلام) في مرضه الأخير بعد أن ضرب على منكب الحسين(عليه السلام): " من هذا مهدي هذه الأمّة... لا تذهب الدنيا حتى يقوم رجل من ولد الحسين يملؤها عدلا كما ملئت ظلماً وجوراً "(2).
ويكون يوم الخلاص للمستضعفين من ظلم الظالمين على يديه(عليه السلام).
يقول الأخ محمّد: " عرفت من خلال التتبع والدراسة أنّ هؤلاء الخلفاء هم الأئمة من ذرية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم أحقّ الناس بالأمر من بعده(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن مالت الأكثرية عن خطهم بسبب السياسات الحاكمة، ولم يثبت معهم إلاّ القليل، فأضطهدوا بعد ذلك وظلموا، ولكن شاء الله أنّ تنمو هذه القلّة لتكون طائفة بارزة لها أنصع الأثر في تاريخ الإسلام ".
ويضيف الأخ: " لقد لمست البون الشاسع بين الفريقين في العقائد والتفسير والفقه والحديث و... فاقتنعت تماماً بأحقية مذهب أهل البيت(عليهم السلام)ووجوب إتباعه، وشملتني العناية الإلهية فوفقت للاقتداء بالأئمة الاثني عشر(عليهم السلام)، بإعتبارهم عدل القرآن، وسفينة نوح، ونجوم الأمان، فأعلنت استبصاري عام 1984م في العاصمة " أكرا " ".
الصورة
ولد عام 1968م بمدينة " انجاصان " في السنغال(1)، من أسرة تنتمي إلى المذهب المالكي، درس الدراسة الدينية على ضوء ذلك المذهب لمدّة سبع سنين، وحصل على شهادة الثانوية في اللغة العربية من معهد جامعة الملك سعود في الرياض.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1999م، ثم إلتحق بجمعية النضال الإسلامى في كامبيا، وارتقى بصورة تدريجية في تلك الجمعية حتى نال منصب النائب الأوّل لرئيس الجمعية.
تعود بوادر استبصاره إلى أيّام دراسته بقسم اللغة العربية في معهد جامعة
1) السنغال: عاصمتها دكار تقع في أقصى الغرب في القارة الافريقية وتطل على المحيط الأطلسي، تحدها موريتانيا شمالاً وغينيا جنوباً ومالي شرقاً، يبلغ عدد سكانها قرابة {11} مليون، يشكل المسلمون نسبة 92 والباقي من المسيحيين والوثنيين، وينتشر المذهب المالكي بكثرة مع طرقه الصوفية، أمّا الشيعة فتتجاوز نسبتهم العشرة الآف بالإضافة إلى عدّة الآف من المهاجرين اللبنانيين، ولهم فيها مؤسسات ومساجد يقيمون فيها نشاطاتهم.
الملك سعود في الرياض، حيث إطلع هناك على مجموعة من الكتب فغاص في عالمها حتى تفتّح ذوقه وشعوره.
فيقول الأخ مختار: " كان من جملة الكتب التي وقعت بيدي كتاب (نهج البلاغة) لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فوجدته كنزاً نفيساً من كنوز التراث العربي، حيث اجتمع بين دفتيه البيان الإسلامي الرائع ببلاغة بديعة وبيان رفيع، مما جعلني أصدّق هذه المقولة بأنّه: دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوق ".
المتتبع لبيان الإمام عليّ بن أبى طالب(عليه السلام) يجد أنّ أُسلوبه يدعو القارئ ليتأمّل ويمعن النظر فيه، إذ لا توجد فيه عبارة إلاّ وتفتح بصيرته على آفاق رحبة من العلوم والمعارف.
كما أنّ بيانه(عليه السلام) لم يقتصر على واحد من الموضوعات، فحديثه حديث حكيم خبير يستلهم الحقائق الكونية بعقله وشعوره وذوقه، ثم يبدع في حديثه عن خلقة الكون وروائع الوجود.
كما أنّ كلامه(عليه السلام) كان كلام متفاعل مع الكون والحياة تفاعلاً مباشراً، بحيث يرتبط بقلبه بالكائنات في وحدة وجودية مطلقة، ثم ينطلق لسانه بما يجيش به قلبه، فيبّين الحقائق والقوانين بإنشاء تام الإنسجام بين ألفاظ والمعاني، ويعبّر عن ذلك بعبارات ملؤها الصفاء والبهاء والنزاهة والجودة، ثم يكسو المعانى التي يقصدها بحلّة فنية رائعة الجمال.
ولا عجب في ذلك لأنّ الباري سبحانه وتعالى قد اعتنى به(عليه السلام) وأفاض عليه من لطفه منذ صغره، فجمعه مع رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ليستوعب منه الرسالة بكل ما فيها من حرارة وقوّة.
قال الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام): " ولقد قرن الله تعالى به ـ أي برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طرق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه إتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم علماً من أخلاقه ويأمرني بالإقتداء به "(1).
وقال(عليه السلام): " والله ما أنزلت آية إلاّ وقد علمت فيما نزلت وأين أنزلت وعلى من نزلت، وإنّ ربّي وهب لي لساناً طلقاً وقلباً عقولاً "(2).
وقال(عليه السلام): " إنّ رسول الله علمني ألف باب وكل باب يفتح ألف باب، فذلك ألف ألف باب حتى علمت ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وعلمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب "(3).
وقال(عليه السلام): " بل اندمجت على مكنون علم، لو بُحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة "(4)، أي لاضطربتم اضطراب الحبل في البئر العميق.
قد بلغ الأمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) درجة رفيعة من العلم حتى شهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعلو شأنها في أحاديث متعددة، منها:
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب "(5).
1) أنظر: نهج البلاغة: الخطبه 187.
2) أنظر: المناقب للخوارزمي: 90 {82}، ينابيع المودة للقندوزي: 1 / 214، الطبقات لابن سعد: 2 / 257.
3) أنظر: ينابيع المودة للقندوزي: 1 / 231.
4) أنظر: نهج البلاغة: خطبة 5.
5) أنظر: المناقب للخوارزمي: 83 {69}، الجامع الصغير للسيوطي: 1 / 415 {2705}، كنز العمال: 11 / 600 {32890}، المستدرك للحاكم: 3 / 137 {4637}، وغيرها.
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لإبنته فاطمة(عليها السلام): " أما ترضين أني زوجتك أوّل المسلمين إسلاماً وأعلمهم علماً "(1).
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لها: " زوجتك خير أهلي، أعلمهم علماً وأفضلهم حلماً وأوّلهم سلماً "(2).
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لها: " أقدم أمّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً "(3).
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أعلم أمّتي من بعدي عليّ بن أبي طالب "(4).
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " عليّ باب علمي، ومبيّن لأمّتي ما أرسلت به من بعدي "(5).
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " عليّ خازن علمي "(6).
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " عليّ عيبه علمي "(7).
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أقضى أُمّتي عليّ "(8).
1) أنظر: المعجم الكبير للطبراني: 22 / 416 {1030}، كنز العمال: 11 / 605 {32925}.
2) أخرجه الخطيب في المتفق والمفترق: 1 / 62 في (أحمد بن أسد بن شمر العبدي)، وعنه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه: 4 / 390 {12736}، كنز العمال: 11 / 605 {32926}.
3) أنظر: مسند أحمد: 5 / 26، الرياض النضرة للطبري: 2 / 138 {1442}، مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 101، 114، وغيرهم.
4) أخرجه الديلمي عن سلمان في الفردوس: 1 / 370 {1491}، والخوارزمي في المناقب: 82 {67}، والمتّقي الهندي في كنز العمّال: 11 / 614 {32977}.
5) أنظر: الفردوس للديلمي: 3 / 65 {4181}، كنز العمّال: 11 / 614 {22981}، ينابيع المودّة للقندوزي: 2 / 240.
6) أنظر: شرح النهج لإبن أبي الحديد: 9 / 165.
7) أنظر: شرح النهج لإبن أبي الحديد: 9 / 165، الجامع الصغير للسيوطى: 2 / 177 {5593}، تاريخ ابن عساكر: 42 / 385 / مناقب الخوارزمي: 87.
8) أنظر: فتح الباري للعسقلاني: 8 / 212 {4481}، تاريخ ابن عساكر: 42 / 241، الرياض النضرة للطبري: 2 / 143 {1471}.
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أقضاكم عليّ "(1).
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " قسمت الحكمة عشرة أجزاء، فأعطي عليّ تسعة أجزاء والناس جزءاً واحداً "(2).
لم تكن تلك العناية من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) إلاّ لأنّه كان يفّكر بمستقبل الدعوة، فكان يعدّ عليّاً(عليه السلام) خليفة له، ولذلك كان يودع عنده علوم الرسالة ويهيئه لتحمل المسؤولية الخطيرة من بعده، فإنّه بعلمه الوافر هذا كان أحقّ أن يُتّبع بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما قال تعالى: ( أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى )(3).
لقد شهد ببلوغه(عليه السلام) لهذا المقام السامي المخالف والمؤالف، وقد كان منهم عمر بن الخطاب! إذ ورد عنه بخصوص ذلك قوله في أكثر من مناسبة:
" لولا عليّ لهلك عمر "(4)، و " اللّهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب "(5)، و " لا أبقاني الله بأرض لست فيها أبا الحسن "(6)، و " لا أبقاني الله
1) أنظر: مصابيح السنة للبغوي: 2 / 453 {2700}، شرح النهج لابن أبي الحديد: 1 / 18.
2) أنظر: حلية الأولياء لأبي نعيم: 1 / 104 {198}، الفردوس للديلمي: 3 / 227 {4666}، تاريخ ابن عساكر: 42 / 384، فيض القدير للمناوي: 3 / 46.
3) يونس: 35.
4) أنظر: الإستيعاب لابن عبد البر: 3 / 1103، الرياض النضرة للطبري: 2 / 138 0 {1447}، تفسير النيسابوري سورة الأحقاف، مناقب الخوارزمي: 81 {65}، تذكرة الخواص لابن الجوزي: 137.
5) أنظر: تذكرة الخواص لابن الجوزي: 137، مناقب الخوارزمي: 97 {98}، نظم الدرر للزرندي: 132، أنساب الأشراف للبلاذري: 99 {29}.
6) أنظر: إرشاد الساري للقسطلاني: 4 / 139 {15976} عن الحاكم، شرح النهج لابن أبي الحديد: 12 / 101، مستدرك الحاكم: 1 / 628 {1682}، فيض القدير للمناوي: / 470 {5594}، نصب الراية للزيلعي: 3 / 117.
بعدك يا عليّ "(1)، و " اللّهم لا تنزل بي شديدة إلاّ أبو الحسن إلى جنبي "(2).
كما ورد عن عائشة أنّها قالت: " عليّ أعلم الناس بالسنة "(3).
وورد عن إبن عباس ـ حبر الإمة ـ أنّه قال: " والله لقد أعطي عليّ بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر "(4).
فمن هنا يعلم أنّ جميع الصحابة كانوا يعرفون مكانة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ومنزلته، ولكن البعض حيث تصطدم مصالحه مع الحقيقة يحاول أن يغضّ طرفه عنها ولا يلتفت إليها لئلا تكدّر صفو إنغماسه في الهوى!.
يقول الأخ مختار: " حينما كنت أدرس في معهد جامعة الملك سعود في الرياض، لفت انتباهي أنّ الأستاذ يتحاشا ذكر الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)ويقتصر في استشهاده على أحاديث الخلفاء الثلاثة وجملة من الصحابة، فاستغربت من ذلك!.
وفي يوم من الأيام خلوت بالأستاذ بعد أن أتم الدرس فسألته عما كان يختلج في صدري، وقلت له: إنّ الخليفة عليّ بن أبي طالب كما هو واضح يتميّز بعلم وافر، ومعارف جليّة بين أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبلاغة رائعة تنفعنا في
1) أنظر: الرياض النضرة للطبري: 2 / 142 {1465}، مناقب الخوارزمي: 102 {104}، التذكرة لسبط ابن الجوزي: 137 فيض القدير للمناوي: 4 / 357.
2) أنظر: الرياض النضرة للطبري: 2 / 139 {1449}.
3) أنظر: الاستيعاب لابن عبد البر: 3 / 1104، الرياض النضرة للطبري: 2 / 137 {1441}، مناقب الخوارزمي: 91 {84}، التاريخ الكبير للبخاري: 2 / 228، تاريخ ابن عساكر: 42 / 408، نظم درر السمطين للزرندي: 133.
4) أنظر: الاستيعاب لابن عبد البر: 3 / 1104، الرياض النضرة للطبري: 2 / 138 {1441}.
تقوية أدبنا العربي، ولكنّني أراكم لاتستشهدون بأقواله وخطبه وحكمه، وأنا أعلم أنّكم ممن ألمّ ببلاغته وأدبه وعلمه، فأحبّ معرفة السبب في ذلك؟
فرأيت بوادر الغضب والانفعال في وجهه وكأنّه أشمئز من تساؤلي!، فقال بنبرة حادّة: إنّ مهمتنا أن نقتبس النصوص الأدبية المختارة، وننقل ما ذكره السلف ولايعنينا غير ذلك، ثم أدار وجهه عني وانصرف.
فاعترتني الدهشة من تصرّفه! وأحسست أنّ أمراً ما يرتبط بعليّ بن أبي طالب قد خفى عليَّ! ".
يضيف الأخ مختار قائلا: " بدأت من ذلك الحين أبحث في الكتب والمؤلفات، فقرأت جملة من الكتب التي ترتبط بحياة وسيرة الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، حتى تبيّنت لي مكانته السامية في كافة المجالات.
ثم انقدح في ذهني هذا السؤال: لماذا لم يخلّفه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على الأمة من بعده؟! وكيف وسع لغيره أن يتقدّم عليه؟! إذ أنّه كان أحقّاً بالخلافة لوافر علمه الذي لايخفى على أحد.
فتتبعت الأمر، وإذا بي أجد نصوصاً كثيرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تؤهل علياً(عليه السلام) للخلافة من بعده، فقلت في نفسي: إذاً ما عدى مما بدى أن يترك الصحابة وصية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويرتؤا لأنفسهم خلاف ما ورد فيه النصّ؟.
وبمطالعتي للتاريخ تبيّن لي أنّ الأمر الذي أثار في نفوس الصحابة الحميمة وجعل المجتمع يستعذب الألم والفداء في نصرة الإسلام، هو جلالة النبوّة وعظمة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو المحفز للأمّة لأن ترتقي وتتسامى، وهو الذي أخذ بيدها فرفعها إلى المراتب الرفيعة، ولكن ما أن توفى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ
وفقدت الأمة محفزّها ومستنهضها، فعادت مرّة أخرى إلى طباعها التي كانت عليها من الركون إلى الدنيا والهبوط إلى المستويات الدانية ".
فالواقع الإسلامي بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خير شاهد على هذا الأمر، واختلاف الصحابة فيما بينهم وتناحرهم وشقاقهم وتغييرهم لسنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شاهد آخر لذلك.
والمتتبع لسيرة الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) يرى أنّه كم اجتهد في زمن خلافته ليعيد الأمور إلى مجراها وبذل أقصى جهده لذلك، ولكن الظروف الاجتماعية البائسة التي أنشأها من قبله لم توفر له الإصلاح والتغيير، ولم يمض جيل واحد بعد عهد الرسالة إلاّ واستبدلت الخلافة الدينية بالملكية الدنيوية، ومحقت السنة وأضمحلت معالم الدين، ولم يبق في خضم هذه الأحداث من ينادي بالإصلاح في أُمة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ العترة من آل الرسول(عليهم السلام) وأنصارهم، في حين أذعن الجميع للسلطة وغضّ بصره عما كان يقع من الخلفاء من ظلم وتضليل وانحراف!.
يقول الأخ مختار كونتا: " من ذلك الحين غصت في بحار معارف أهل البيت(عليهم السلام)، وفي لحظات فذّة من تألق العقل وغوره في معارف العترة بدت لي الحقيقة بلون ساطع، فلم أجد بداً من الاستبصار والسير على نهجهم(عليهم السلام) الذين هم الذرية الطاهرة التي اصطفاها الله لتكون الامتداد الطبيعي للرسالة المحمديّة، وكان ذلك عام 1999م في إيران ".
الصورة
ولد عام 1966م بمدينة " سيدي خليف " في دولة تونس(1)، من أسرة تعتنق المذهب المالكي، واصل دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة الديبلوم في الهندسة الميكانيكية، ثم شغل منصب رئيس قسم الدراسات لهذا الفرع.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1984م في مدينة " سيدي بو زيد " التونسية.
كان دأب الأخ منصف التساؤل والبحث والاستفهام لاسيما في الأمور العقائدية والفكرية، ومن هذا أندفع للبحث الجاد والمعمق حتى آل به الأمر في نهاية المطاف إلى الاستبصار.
فيقول الأخ منصف: " قد لا تحمل قصة استبصاري شيئاً مثيراً ولا تضم في طياتها ما يلفت النظر، ولا سيما أنّها تحمل أموراً شخصية لا أحبذ الخوض فيها، ولكن أكتفي بالاشارة إلى الحركة الفكرية التي دفعتني إلى تغيير ركائزي العقائدية وصياغة مبادئها من جديد وفق الأسس التي توصلت إليها عبر البحث والتحقيق.
1) تونس: أنظر الترجمة رقم {39}.
كان منشأ هذه الحركة هو مجموعة تأملات ونقاط استفهام طرحت نفسها لتكون دافعاً نحو البحث، وعندها طوّعت نفسي لرحلة استمرت سنوات، قرأت فيها جملة من كتب أبناء العامة المعتبرة عندهم، لأرفع بذلك الاستفهامات العالقة في ذهني، فاكتشفت عبر ذلك الكثير من الحقائق التي لم أكن مطلعاً عليها من قبل ".
ويقول الأخ منصف: " في الحقيقة كان لاستقامتي في البحث أثر في استبصاري، فكنت كثير التساؤل والاستفسار، وكان من جملة التساؤلات التي كان البحث عنها ذا تأثير كبير في صياغة مرتكزاتي العقائدية الجديدة هو الحديث المشهور المروي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ أمته تفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلّهم في النار إلاّ فرقة واحدة(1).
ومن هذا الحديث أنطلقت نحو البحث والتتبع، لعليّ أصل إلى معرفة هذه الفرقة الناجية، وقد كنت مهتمّاً لإيماني أنّ عدم معرفة هذه الفرقة يعني الهلاك في النار، لذلك انطلقت في البحث بعزيمة قويّة وأصرار لكي أصل إلى النتيجة بعون الله سبحانه وتعالى.
1) هذا الحديث كثر نقله في المجاميع الحديثية، وكثر تصحيحه فيها، بل ادعى غير واحد من الأعلام تواتره وقد أخرج بعبارات مختلفة كما في: سنن الترمذي: 4 / 381 {2641} كتاب الايمان، سنن أبي داود: 4 / 202 {4597} كتاب السنة، سنن ابن ماجه: 2 / 932 {3992} كتاب الفتن، مسند أحمد بن حنبل: 2 / 332، 3 / 120، 145، مستدرك الحاكم: 1 / 47 {10}، الجامع الصغير للسيوطي: 1 / 184 (1223، 083 1) و 1 / 516 {2641}، مجمع الزوائد للهيثمي: 1 / 189، وقد صحح هذا الحديث الترمذي في سننه، والبغوي في شرح السنة، والسخاوي في المقاصد الحسنة، والشاطبي في الاعتصام، وادعى السيوطي تواتره على ما ذكره المناوى في فيض القدير، وكذا الكتاني في نظم المتناثر.
وكان لابد لي من معرفة أسباب وتاريخ حدوث الفرقة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّها تمثّل لي معرفة جذور الانحراف التي منها تتبين معالم الفرق الضالة بعد معرفة أسباب نشأتها ودوافع ظهورها في الساحة الإسلامية ".
يتجلى لكل متصفح في أحداث الصدر الأوّل للإسلام أنّ أهم الأسباب والدوافع التي كان لها الأثر الكبير في إحداث الفرق ونشوء المذاهب هي رزيّة يوم الخميس، وهي الحادثة التي وقعت في أواخر حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) التي كان لها بالغ الأثر في نشوء الاختلاف والفرقة بين المسلمين.
وقد ذكر هذه الحادثة كل من كتب التاريخ ودون الحديث كالبخاري ومسلم وأحمد وغيرهم بأحاديث صحيحة:
فأخرج البخاري عن ابن عباس، قال: " لما اشتدّ بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه، قال: " ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده "، قال عمر: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغظ، قال: " قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع "، فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين كتابه "(1).
وعنه أيضاً بسنده عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس: " يوم الخميس، وما يوم الخميس!! اشتد برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه، فقال: " ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً " ـ فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ تنازع ـ فقالوا: ما شأنه؟ أهجر؟ استفهموه. فذهبوا يردون عليه، فقال: " دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه "، وأوصاهم بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة
1) صحيح البخاري: 1 / 54 {114} كتاب العلم، باب كتابة العلم.
العرب، وأجيزوا الوفد بنحوما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة، أو قال: نسيتها "(1).
وعنه أيضاً عن ابن عباس قال: " لما حُضِرَ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال ـ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ: " هلّم أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ". فقال عمر: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): قوموا... " الحديث(2).
وأخرجه البخاري أيضاً في كتاب الاعتصام(3)، وكتاب الجزية(4)وكتاب الجهاد(5)بألفاظ متقاربة.
وأخرج مسلم في الصحيح عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنّه قال: " يوم الخميس! وما يوم الخميس! ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خدّيه كأنها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ". فقالوا: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يهجر "(6).
1) المصدر نفسه: 4 / 1612 {4168} كتاب المغازي باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووفاته.
2) المصدر نفسه: 5 / 2146 {5345}، كتاب الطب، باب قول المريض قوموا عني.
3) المصدر نفسه: 6 / 2680 {6932}، كتاب الاعتصام، باب كراهية الخلاف.
4) المصدر نفسه: 3 / 1155 {2997}، كتاب الجزية، باب اخراج اليهود من جزيرة العرب.
5) المصدر نفسه: 3 / 1111 {2888}، كتاب الجهاد، باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم.
6) صحيح مسلم: 3 / 1259 {1637}، كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شي يوصي فيه.
وأخرجه أحمد بن حنبل في المسند في مواضع متعددة(1).
مما يلاحظ في هذا الحديث من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) " أئتوني بكتاب " لم يكن الأمر للإرشاد وإنّما هو دال على الوجوب، وذلك:
أوّلاً: إنّ قول " لا تضلوا " يشير إلى أنّ الكتاب الذي كان يريد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كتابته إنّما هو يوجب العصمة من الضلال، وهو أمر يجب الحصول عليه امتثالاً لأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولأهمّية مضمونه.
ثانياً: إنّ استياء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من فعلهم، وأمره لهم بالقيام، مع سعة ذرعه وشدّة تحمله وعظيم خلقه، دليل على أنّهم ارتكبوا أمراً عظيماً ما كان لهم أن يقترفوه.
ثالثاً: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان في حالة الاحتضار، فهو مشغول بنفسه ويصعب عليه كتابة الكتاب، وهذا يوحي أنّ المقام لم يكن مقام الأوامر الإرشادية، بل أنّه يستوجب الأوامر الالزامية المهمّة.
رابعاً: موقف ابن عباس وتوصيفه للحادثة بالرزية وبكاؤه بعد أنقضاء الحادثة دليل عن أنّ مخالفة أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان فعلاً محرّماً قد فقدت الأمّة خلاله أمراً كان يستهدف عصمتها من الضلال.
ومن هنا فإنّ استصغار البعض للحادثة، إنّما هو محاولة لتبرير موقف عمر ومعارضته لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)!، وهذا التبرير لا يصلح أن يكون قرينة لما يبتغوه، لأنّ عمر كان كثيراً ما يعترض على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مواقف كثيرة ومشهورة.
1) مسند أحمد بن حنبل: 1 / 222، 293، 324، 336، 355.
ذكر البخاري فيما أخرجه عن المسور بن مخرمة ومروان في حديث طويل ساق فيه خبر صلح الحديبية، قال: " فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقلت: ألست نبيّ الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحقّ وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية(1)في ديننا إذاً؟ قال: إنّي رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى فأخبرتك أنّا نأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنّك آتيه ومطوّف به، قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر... " الحديث(2).
وفي رواية أخرى أخرجها البخاري أيضاً " أنه قال: فرجع متغيظاً فلم يصبر حتى جاء أبا بكر... "(3).
وفي رواية مسلم: " فانطلق عمر فلم يصبر متغيظا، فأتى أبا بكر... "(4).
وهذا الموقف لعمر دلالة واضحة على مجادلته ومناقشته للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه رجع متغيظاً من قول الرسول وغير راض بما سمعه منه (صلى الله عليه وآله وسلم).
كما لا يحق لعمر الاجتهاد في أمر قد قضى الله ورسوله فيه بالصلح، فقد قال الله سبحانه وتعالى: (وَما كانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ
ضَلالاً مُبِيناً)(1).
ومن معارضات عمر أيضاً جرأته على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته عندما أراد الصلاة على عبد الله بن أبي رأس المنافقين فجاء عمر فجذبه من خلفه، وقال: ألم ينهك الله أن تصلي على المنافقين! فقال: إني خيّرت، فاخترت فقيل لي: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ )(2)، ولو أعلم أني إذا زدت على السبعين غفر له لزدت. ثم صلى عليه، ومشى معه، وقام في قبره، فعجب الناس من جرأة عمر على رسول الله(3)!.
وبهذا يتضح لنا أنّ موقف عمر ازاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في رزيّة الخميس لم يكن مما يبعثنا على الاستغراب أو استبعاد ما صدر منه.
وهذا الأمر لم يتعلق بشخص عمر وحده، إذ لو كان كذلك لأسكته رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل استفحل الأمر واستشرى ووجد له أنصاراً قد اتفقت كلمتهم على منع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن كتابة ذلك الكتاب، وكأنهم نسوا أو تناسوا قول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)(4).
1) سورة الاحزاب: 36.
2) التوبة: 80.
3) أنظر: شرح النهج لابن أبي الحديد: 3 / 107 ـ 108، صحيح البخاري بحاشية السندي: 1 / 163 ـ 3 / 137 ـ 4 / 25، صحيح مسلم: 4 / 2114، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، تاريخ المدينة المنوّرة لابن شيبة: 3 / 856، كنز العمال للمتقي الهندي: 2 / 418 ـ 419، أسباب النزول للواحدي: ص 141، مسند الإمام أحمد 1 / 16، سنن ابن ماجة للقزويني: 1 / 487 ـ 488، مسند أحمد بن شعيب النسائي: 4 / 67 ـ 68، حلية الأولياء لأبي نعيم: 1 / 43 ـ 44، السنن الكبرى للبيهقي: 3 / 402، السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 197 الرياض النضرة للمحب الطبري: 1 / 294.
4) سورة الحجرات: 2.
إنّ سبب عدم كتابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الكتاب، لأنه وجدهم قد طعنوا به وهو لايزال على قيد الحياة، فإذا كان كذلك فكيف يكون الأمر بعد وفاته!.
والحقيقة أنّ الذين منعوا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من كتابة ذلك الكتاب لم يفعلوا ذلك إلاّ لأنّهم علموا أنّ الرسول يريد أن يؤكد استخلاف عليّ بن أبي طالب من بعده. ولأنّه سبق لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن قال: " إنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا "، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه: " هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده "، ففهم الحاضرون أنّ الرسول يريد أن يؤكد ماذكره فيما سبق وهو التمسك بالكتاب وعترته، وسيد العترة هو عليّ(عليه السلام)، وأغلبية قريش لا يرضون بعليّ(عليه السلام)، فتقدمهم عمر ليصرح برفضه للعترة قائلاً: " حسبنا كتاب الله ".
تعتبر رزية الخميس أوّل بروز رفض خلافة عليّ(عليه السلام)! حتى ظهر بصورة عملية بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) واتفقت آراء رؤساء القوم على عدم الائتمار بقول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا المجال.
ومن هنا بدأت الفرقة في أوساط الأمة الإسلامية بدأت واتسعت يوماً بعد يوم حتى ظهرت البدع نتيجة الأهواء لفقدان الساحة للخلافة الرشيدة الموجهة للمسلمين، حيث مهّدت الأرضية لوقوع الخلافة بيد بني أميّة أئمة الضلال، ووقع
التحريف في شريعة سيد المرسلين، ونشأت الفرق وابتلت الأمة الإسلامية بأئمة الجور والضلال.
وكان سبب وقوع كل هذا الكم الهائل من التشتت والتمزق في الساحة الإسلامية هو عدم تلبية أولئك الصحابة في قبول من يعصم الأمة من الوقوع في الضلال.
يقول الأخ منصف: " وهكذا بدأت تتجلى لي بوضوح أسباب نشأة الفرق في الإسلام، كما عرفت أنّ الخلافة التي أرادها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم تكن كما ذهب إليه أبناء العامة، بأنّها مسؤولية إجتماعية ترتبط بحفظ شؤون النظام، بل هي شكلا من الولاية الإلهية وعهد إلهي كالنبوّة لمن يصطفيه الله من عباده، مع التأكيد على فارق هام هو أنّ النبوّة تأسيس للرسالة والإمامة حراسة لها ".
ويضيف الأخ منصف: " خلال مطالعتي للأحاديث النبوية الشريفة قرأت قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية "، فدفعني ذلك لمعرفة إمام زماني، فطالعت جملة من كتب الفريقين حتى تجلّت لي حقيقة وجود الإمام المهدي(عليه السلام) بوضوح، وكنت أنذاك في المرحلة الأولى في معهد الهندسة الميكانيكيّة.
وبمرور الزمان اكتملت صورة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) في ذهني، فعرفت أنّ الإمام الذي جعله الله بلطفه حجّة على العباد، كما عرفت أنّ السبب الذي حجبنا عن رؤيته والاتصال به هو الظروف المتردية الحاكمة على المجتمع، وأنّه تعالى قد تمت حجّته على العباد، وأنّه عزّوجلّ حذّر الناس من الوقوع في الفتن التي
تمنع وصول ألطافه تعالى إلى العباد، وذلك بقوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)(1).
يقول الأخ منصف: " إنّ من أهم الأسباب الموجبة للاهتداء ومعرفة الحقّ التقوى، وذلك لقوله تعالى: (إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً)(2)، والفرقان هو النور الذي يقذفه الله في قلب الأتقياء فيتمكنوا به أن يميّزوا بين الحقّ والباطل، وبه يكشف الله الحجب عن فطرتهم لتميل قلوبهم وتندفع إلى الحقّ.
والعامل الوحيد الذي يدفع الإنسان للبحث عن الحقيقة بإخلاص ومن دون نيل أغراض أخرى الشعور بالحاجة إلى الهداية، وهو شعور ينطلق من الفطرة السليمة ومن النفس التي هذبها صاحبها لتكون مستعدة لتلقي الحقائق.
ولهذا بذلت غاية جهدي لأعيش حالة الاتصال الدائم بالله، وأظن أن هذا الرصيد المعنوي هو الذي مكنني للاهتداء والاستبصار، والذي جعلني متمكناً من التغلب على جميع الموانع التي اعترتني في هذا الطريق ".
وحيث كان الأخ منصف مجيداً للغة الإنجليزية والفرنسية أتاح له ذلك أن يوسع دائرة عمله التوجيهي في التبليغ والحوار مع الجاليات المختلفة، وهذا الأمر دفعه لمواصلة تتبعه في البحث والتوسع في معارف أهل البيت(عليهم السلام)ومنحه الرؤية الشمولية التي تمكّن بها من مواصلة طريق السمو والكمال في عبودية الله تعالى.
الصورة
ولدت الدكتورة مونتسدات بمدينة " برشلونة " في أسبانيا(1)، وترعرعت في أحضان عائلة مسيحية.
تشرّفت باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) خلال عقد الثمانينيات في بلادها، وتسمت بإسم " زينب " لإعجابها بالسيدة زينب بنت الإمام عليّ(عليه السلام).
تقول الدكتورة مونتسدات: " قبل أن أهتدي للإسلام كنت أشعر دائماً بأنّ شيئاً ما ينقصني، وكنت أحس بوجود حجب وموانع تمنعني من التقدم والتكامل، وتعيقني من التقرب إلى الله الذي كنت أعتقد به على ضوء الديانة المسيحية.
وكانت أمنيتي أن أتخلص من هذه الحجب، لأنّ النظرة المسيحية لله تعالى لم تكن مقنعة بالنسبة لي، ولم أكن أتقبل مسألة التثليث، وربوبية عيسى(عليه السلام)!
فكنت دوماً أعيش في حيرة من أمر معتقداتي وأفكاري، وكانت هذه
1) أسبانيا: تقع في الجنوب الغربي من قارة أوربا، يبلغ عدد سكانها قرابة {40} مليون نسمة، يدين أغلبهم بالمسيحية الكاثوليكية الرومانية.
الحيرة تحفزني للبحث والتساؤل ".
في الحقيقة أنّ الباحث يجد أنّ الاضطراب سمة واضحة في تفسير المسيحيين لعقيدتهم في التثليث! ولايخرج المتأمل في أقوالهم بنتيجة تذكر، وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
1 ـ يقول " إكلمينص " مدير مدرسة اللاهوت بالاسكندرية ـ القرن الثاني الميلادي ـ: " ليس كل أقنوم عين الآخر، ومع ذلك فإنّ الأقانيم ليسوا ثلاث ذوات، بل هم ذات واحدة، لأنّ جوهرهم واحد وهو اللاهوت "(1).
2 ـ يقول " آموري بين " ـ القرن الثالث عشر الميلادي ـ: " الأقانيم الثلاثة ليست هي الله، بل هي كائنات سامية خلقها الله أوّلا، لتقوم بتنفيذ أغراضه "(2).
3 ـ يقول " ديونسيوس " بطريرك الاسكندرية ـ القرن الرابع الميلادي ـ: " الأب والإبن والروح القدس هم الله، لأنّ الله لاينقسم أو يتجزأ على الإطلاق... لذلك لاينفصل أقنوم عن الآخر بأيّ حال من الأحوال "(3).
فهذه آراء وتفاسير بعض أعلام النصارى حول عقيدة التثليث وطبيعة الأقانيم، وتوجد آراء أخرى لاتتفق معها بحال من الأحوال، قد خبطوا فيها خبط عشواء.
وتقول الدكتورة مونتسدات: " كانت لي صديقة أسبانية مثقفة وواعية التجأت إليها لحلّ الأسئلة والاستفسارات التي كنت أعاني منها في معرفة
معتقداتي، فكانت تحدثني عن الإسلام والمسلمين، وتشرح لي عقائدهم ومزاياهم وتسامحهم في التعامل، لأنّها كانت قد أسلمت من قبل، وهذا ما غيّر الصورة المشوشة التي كانت عالقة في ذهني عن هذا الدين وأتباعه، لأنّ نشأتي في الأوساط المسيحية لم تمكنني من الإطلاع التام على التاريخ الحافل للمسلمين في هذا البلد ـ أسبانيا ـ ".
قد شهد عدد من رجالات المسيحيين بسماحة المسلمين وحسن تعاملهم مع غيرهم من أهل الأديان الأخرى، وكان منهم:
1 ـ " الكونت هنري دي كاسترو " حيث ذكر في كتابه (الإسلام سوانح وخواطر): " لقد درست تاريخ النصارى في بلاد الإسلام، فخرجت منه بحقيقة مشرقة، وهي أنّ معاملة المسلمين للنصارى تدلّ على لطف في المعاشرة، وترفّع عن الغلظة، وعلى حسن مسايرة، ورقة ومجاملة، وهذا إحساس لم يؤثر عند غير المسلمين، فإنّ الشفقة والحنان كانا يعتبران لدى الأُوربيين عنواناً على الضعف، وهذه ملاحظة لا أرى وجهاً للطعن فيها "(1).
2 ـ المستشرق " أرنولد " الذي قال: " من الحق أن نقول: إنّ غير المسلمين نعموا في ظل الحكم الإسلامي بدرجة من التسامح لا نجد معادلا لها في أُوربا قبل الأزمنة الحديثة "(2).
3 ـ وقال " غوبينو " في كتابه (أديان آسيا الوسطى وفلسفتها): " أقول إلى حدّ الجزم: بأن لادين يضاهي الإسلام في التسامح "(3).
4 ـ وقال بطريرك بيت المقدس: " إن المسلمين قوم عادلون، ونحن لانلقى منهم أي أذى أو تعنّت "(1).
إنّ الناظر للتاريخ يجد تعامل بعض المسيحيين مع المسلمين يباين ويخالف تماماً الروح الإنسانية، خصوصاً في المناطق التي خضعت للنفوذ المسيحي في القرون الوسطى، فقد ارتكب المسيحيون مجازر رهيبة مع المسلمين، واستخدموا أساليب وحشية كانت وما تزال وصمة عار وخزي في تاريخ الكنيسة وزعامتها الدينية!.
فقد حفظ التاريخ في سجلاته قصص الموت الرهيب التي يتحاشاها أكثر المؤرخين والباحثين المسيحيين، ويمرون بها مروراً عابراً وسريعاً بإعتبارها حقبة سوداء في تاريخهم(2)، ولكن مع ذلك قد سجّل بعضهم هذه الأحداث الفظيعة التي جرت على المسلمين، كان منهم:
1 ـ " غوستاف لوبون "، حيث يقول: " كان بطرس الناسك على رأس أهم العصابات الزاحفة إلى الشرق، ولكن لم تكد تصل إلى بلغاريا حتى بدأ أفرادها ينهبون القرى، ويذبحون أهاليها، ويأتون ما يفوق الوصف من الأعمال الوحشية، فكان من أجنّ ضروب اللهو إليهم قتل من يلاقونهم من الأطفال المسلمين، وتقطيعهم إرباً إرباً وشيّهم!! كما روت (آن كومنين) إبنة قيصر الروم "(2).
2 ـ " الراهب روبرت "، حيث يقول: "... أحضر (يوهيمند) جميع الذين أعتقلوا في برج القصر، فأمر بضرب رقاب عجائزهم وشيوخهم وضعافهم،
وبسوق فتيانهم وكهولهم إلى إنطاكية لكي يباعوا فيها! "(1).
وأضاف أيضاً: " حدث قتل المسلمين في يوم الأحد المصادف 16 ديسمبر، وإذا لم يكن إنجاز كل شيء في ذلك اليوم، قتل قومنا ما بقي من أولئك في اليوم التالي! "(2).
والجدير بالذكر: يقدّر كثير من العلماء عدد المسلمين الذين قتلوا وذبحوا وأحرقوا منذ دخل " فرديناند " غرناطة، وحتى أجلاءهم الأخير بثلاثة ملايين مسلم(3)، ولقد شن هؤلاء حرباً ـ يزعمون أنّها مقدسة ـ باركها ودعمها رجال الكنيسة بشتى الصور! لاستئصال شأفة الإسلام والمسلمين، ولكنهم فشلوا مع ذلك في تحقيق أغراضهم.
وقد أقر بذلك المبشّر " غاردنر " بقوله: " لقد خاب الصليبيون في إنتزاع القدس من أيدي المسلمين، ليقيموا دولة مسيحية في قلب العالم الإسلامي، والحروب الصليبية لم تكن لإنقاذ هذه المدينة، بقدر ما كانت لتدمير الإسلام "(4).
تقول الدكتورة مونتسدات: " لقد كنت أحمل نظرة مشوهة عن المسلمين، شأني في ذلك شأن بقية الأوربيين بشكل عام! إلاّ أنّ انكشاف الحقائق وتعرفي على بعض الوقائع التاريخية من قبل صديقتي، غيّرا كل ذلك.
واستمرت اللقاءات بيني وبين صديقتي، وبمرور الزمان إزدادت معرفتي
بالإسلام، وكانت صديقتي تحمل معها نسخة من القرآن الكريم، وكانت تستشهد بآياته أثناء الكلام، وأهدتني مصحفاً وبعض الكتب الإسلامية، فبدأت أقارن بين القرآن والإنجيل، فعرفت خلال ذلك جملة من الأمور، منها إنسانية عيسى المسيح(عليه السلام) وعدم الوهيته! ".
ومن العجب! أن يدّعي النصارى أنّ النبيّ عيسى (عليه السلام) هو الأب ـ الذي هو الخالق عندهم ـ في حين أننا نجد أنّ الإنجيل يقرّر حقيقة كونه رجلاً مخلوقاً قد منّ الله عليه بالكرامة، حيث يؤكد بطرس ذلك بقوله: " يا بني إسرائيل، أسمعوا هذا الكلام: إنّ يسوع الناصري رجل أيده الله بمعجزات وعجائب أجراها على يده بينكم، كما تعلمون "(1).
لكنهم يناقضون أنفسهم بأنفسهم! لأنّ أي شخص ولدته أمّه لايمكن أن يكون إلهاً، وهذا ما يقول به الإنجيل أيضاً(2)، ونبيّ الله عيسى(عليه السلام)أمهُ السيدة مريم بنت عمران، فأين إلوهيته من هذا القول؟!
وتناقضاتهم بوصفهم لعيسى(عليه السلام) تارة ب (ابن الإنسان)! وأخرى ب (ابن الله)!، حيث جاء وصفه بأنّه ابن الإنسان 83 مرّة، وأنّه ابن الله 13 مرّة في العهد الجديد!.
وفي الحقيقة أنّ النبيّ عيسى(عليه السلام) مبعوث من قبل الله تعالى، والإدعاء بأنّه ربّ أو شريك له يفنده الواقع، وقد أبطله عيسى(عليه السلام)بنفسه عندما أقرّ بعدم علمه بيوم القيامة، حيث جاء في الإنجيل عنه(عليه السلام): " وأمّا ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، لا الملائكة الذين في السماء ولا الإبن إلاّ الأب "(1).
1) أنظر: التفسير التطبيقي للكتاب المقدس: 2033، مرقس: 13 / 32.
تقول الدكتورة مونتسدات: " بدأت تتضح لي الحقائق أكثر فأكثر يوماً بعد آخر، وبقدر ماكانت تتسع مطالعاتي ومناقشاتي كنت أصل إلى حلول مقنعة للأسئلة والاستفسارات في خلدي من مسائل واستفسارات.
كما تبيّن لي أنّ العقيدة الإسلامية عقيدة سهلة سمحاء، لا يشوبها ذلك التعقيد الذي تلبست به المسيحية ".
وقد أقرّ بهذا التعقيد المسيحيون أنفسهم!
إذ يقول " رونالد بنتون " صاحب كتاب (الكنيسة من النشوء إلى القرن العشرين): " وتكاد تكون أكثر الأديان السماوية والوضعية تعقيداً، وقد علّمها عيسى(عليه السلام)ديناً بسيطاً سهلا، ولكن التعقيد طرأ عليها بعد ذلك، حتى أصبح عسيراً جداً فهم كثير من مبادئها، وحتى أصبح غموضها طبيعة واضحة فيها.
ويقول أيضاً: إنّ المسيحية بدأت بسيطة ولكن الناس عقّدوها بعقائد صعبة عصفت بها "(1).
ولكثرة تعقيد المسيحية أصبحت لاتوضّح مقصوداً، فهي عبارات وفقرات إنشائية غامضة لا أكثر!، وخلاصة القول بخصوص العقيدة المسيحية في التثليث كما يقول القس وهيب عطا الله: " إنّ التجسيد قضية فيها تناقض مع العقل والمنطق والحس والمادة والمصطلحات الفلسفية، ولكننا نصدّق ونؤمن أنّ هذا ممكن حتى ولو لم يكن معقولا! "(2).
ومن هذا المنطلق تقول الدكتورة مونتسدات: " اعتنقت الإسلام عن وعي وبصير، فأحسست بعد ذلك بالراحة النفسية عندما لامست روحي شفافية هذا الدين، المتجلية في عقيدته السمحاء، وعبادته التي تنمي الروح الخيرة المحبّة الصادقة في الإنسان، فتغيرت نظرتي للمجتمع وللكون والحياة تبعاً لذلك، وإنّي أحمد الله تعالى إذ هداني للدين الحقّ، وأنقذني من ظلمات الشرك والظلال ".
ولد عام 1966م بمدينة " السليمانية " في العراق(1)، من عائلة كردية تعتنق المذهب الحنفي، أكمل دراسته إلى حدّ الإعدادية ثم توجه إلى العمل الحرّ.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1997م على اثر عناية ربانية دفعته ليلتقي بأحد أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فيوضّح له ذلك الشخص معالم والسبل الصحيحة الموصلة إلى رضوان الله سبحانه وتعالى.
يقول الأخ نوزاد طاهر: " تعرّفت على رجل من أهل الموصل عن طريق شرائه بعض ما يحتاج من الأقمشة مني، وصادف أن رأيته في مسجد السوق وقت الصلاة، فكان مما أثار استغرابي أنني وجدته يصلي على خلاف ما كنت ألفه من أبناء طائفتي، حيث كان يسجد على التربة ولم يتكتف في القيام.
فدفعني حبّ الاستطلاع أن أستفسر منه سبب ذلك، وأحببت أن لا أفاجئه في ذلك، فدعوته لمحل عملي.
1) العراق: أنظر الترجمة رقم {10}.
ولمّا حانت الفرصة سألته عن سبب أدائه بعض أجزاء الصلاة على خلاف ما نحن عليه، فذكر لي أنّه من معتنقي المذهب الجعفري، ومن أتباع أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، ونحن نأخذ معالم الدين والمعارف الإسلامية منهم ونسير على ضوء ما بيّنوه لنا من الدين، فنحن إنّما نصلي وفق ما رواه لنا أهل البيت (عليهم السلام) عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا نعبأ بما اجتهد به غيرهم ".
تعتقد الشيعة الإثنى عشرية أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يترك أمّته وأتباعه من بعده هملا بلا راع تتقاذفهم الأهواء والأغراض، بل عيّن(صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام عليّ(عليه السلام) والعترة من أهل بيته(عليهم السلام)خلفاء من بعده بأمر من الله عزّوجلّ.
وبما أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يدرك حجم الأخطار التي تهدّد مستقبل الإسلام نصّ على هؤلاء ليكونوا من بعده صمّام الأمان الذي يعصم الأمة من الاختلاف والتمزق والفرقة، وصيانة الدين والشريعة من الانحراف، والضمان الوحيد في هداية الإنسانية نحو السعادة الحقيقية والكمال المنشود، وليكونوا مع القرآن السبب الوحيد لاعتصام الأمة من الضلال، وألقى(صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من الله عزّوجلّ على عاتقهم مهمة تصحيح الفهم الخاطىء للشريعة وتصحيح المسار الاجتماعي وحمايته ودفعه في الإتجاه المطلوب.
يقول الأخ نوزاد طاهر: " استغربت من كلام هذا الشخص، فطلبت منه المزيد من التوضيح حول ما ذهب إليه، فقبل مني ذلك، ووعدني أن يلتقي بي في المستقبل.
وبقيت بعد ذلك متحيراً في أمري، فقرّرت أن أواصل البحث حتى أجد لأسئلتي الحائرة جواباً مقنعاً، وأكثر ما كانت تتوق إليه نفسي معرفة موقف الإمام علي(عليه السلام)إزاء الخلفاء الذين سبقوه واستولوا على زمام الحكم!.
وعندما إلتقيت بصديقي مرّة أخرى عرضت عليه أسئلتي واستفساراتي، وطرحت عليه ما كان عالقاً في ذهني حول هذا الموضوع، فأهداني كتاب (نهج البلاغة) للإمام عليّ(عليه السلام) لأجد بنفسي موقفه وكلامه في هذا المجال، ولكنني حيث كنت لا أجيد اللغة العربية اعتمدت على شخص آخر ليترجم لي كلام الإمام عليّ(عليه السلام).
إنّ الباحث لو أمعن النظر في كلام وأقوال الإمام عليّ(عليه السلام)، لوجد أنّ العترة من أهل بيت الرسول(عليهم السلام) هم أحقّ بالخلافة من غيرهم.
فقد قال(عليه السلام) في خطبة له بعد انصرافه من صفين: " لا يقاس بآل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)من هذه الأمة أحد، ولا يُسوّي بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصية والوراثة، الآن إذ رجع الحقّ إلى أهله، ونقل إلى منتقله "(1).
وقال(عليه السلام) أيضاً: " أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطي الهدى، وبنا يستجلى العمى، إنّ الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة في غيرهم "(2).
وقال(عليه السلام): " فوالله ما زلت مدفوعاً عن حقي، مستأثراً عليَّ منذ قبض الله تعالى نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يوم الناس هذا! "(1).
وقال(عليه السلام) في جوابه لبعض أصحابه، وقد سأله قائلا: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام، وأنتم أحقّ به؟
فقال (عليه السلام): " يا أخا بني أسد... أعلم: أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً، والأشدّون برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نوطاً ـ أي تعلقاً والتصاقاً ـ، فإنّها كانت أثَرةً ـ أي الاختصاص بالشيء دون مستحقه ـ شحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين "(2).
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) في مناظرة مع بعضهم يبيّن فيها أحقيته بالخلافة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): " وقال قائل: إنّك ـ يابن أبي طالب ـ على هذا الأمر لحريص! فقلت: بل أنتم والله أحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنّما طلبت حقاً لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه!
ثم قال مواصلا كلامة: اللهم إنّي أستعديك على قريش، ومن أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي "(3).
وروي له(عليه السلام) شعراً في هذا المعنى:
فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم فكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ؟!
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم فغيرك أولى بالنبيّ وأقرب(4)
وقال(عليه السلام) لمّا بلغه أنّ المهاجرين احتجوا على الأنصار للاستيلاء على خلافة
الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّهم من قريش وهم قوم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأولى الناس: " احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة "(1).
وللإمام عليّ(عليه السلام) شكوى من أمر الخلافة بيّنها في خطبته المشهورة ب " الشقشقية " إذ قال فيها:
" أما والله لقد تقمّصَها فلان وانّه ليعلم أنّ محلي منها محل القطب من الرحا، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إليّ الطير، فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء ـ أي مقطوعة ـ أو أصبر على طخية ـ أي ظلمة ـ عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه!
فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت، وفي العين قذى وفي الحلق شجا، أرى تراثي نَهبا، حتى مضى الأوّل لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده....
فيا عجباً! بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته! لشد ما تشطرا ضرعيها ـ أي: اقستماه، فأخذ كل منهما شطراً ـ... فصبرت على طول المدّة وشدّة المحنة حتى إذا مضى لسبيله، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم!
فيا لله وللشورى، متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر!... "(2).
يقول الأخ نوزاد طاهر: " تعرفت من خلال احاطتي بموقف الإمام عليّ(عليه السلام)وكلامه في شأن الخلافة، أنّه صاحب الحقّ في هذا الأمر وأنّه وأهل بيته(عليهم السلام) أولى
بالخلافة من غيرهم، وأنّ الخلافة أمر إلهي يصطفى الله لها من يشاء من عباده ".
فقد قال الإمام علي(عليه السلام): " إنّما الأئمة قوام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده، لايدخل الجنة إلاّ من عرفهم، ولايدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه "(1).
وكما هو واضح أنّ عدم طاعة الناس للذي يصطفيه الله عزّوجلّ للإمامة لايعني فقدانه الشرعية، بل هم أئمة وحكام شرعيين وإن لم يسنح لهم ممارسة الحكم عملياً لعدم انصياع الناس لهم وعدم نصرتهم إياهم.
والواقع أنّ المبغضون قد أنجزوا مبتغاهم بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأبعدوا العترة(عليهم السلام) عن منازلهم التي عيّنها لهم الباري، وتشبثوا بشتى السبل للاستيلاء على الحكم والسلطة، ولم يكن ذلك نابع إلاّ عن حسد، كما قال تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً)(2)، وما هؤلاء المحسودون إلاّ آل محمّد الذين بيّنهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)في مواقف عديده أنّهم سفينة نوح، وأحد الثقلين، وباب حطة، والعترة التي أذهب الله عنها الرجس وطهرها تطهيراً.
وليس هذا الرفض من الأكثرية بمستغرب، فله أمثلة في تاريخ البشرية، يذكره الباري في محكم كتابه بقوله تعالى: (وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ
وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ)(1).
فالتاريخ يعيد نفسه هنا، حيث ورد أنّ عليّاً(عليه السلام)لمّا أُخذ قهراً إلى بيعة أبي بكر، احتج على القوم بأدلّة مقنعة وبراهين ساطعة بأنّه أحقّ بأمر الخلافة، فقال له أبو عبيده بن الجراح: يابن عم، إنّك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك، وليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك، وأشد احتمالا واضطلاعاً به، فسلم لأبي بكر هذا الأمر(2).
وبهذه الأعذار والحجج الواهية انتزع القوم أمر الخلافة من محلها الذي عينه الباري!.
ومن هنا يقول الأخ نوزاد طاهر: " أسفرت نقاشاتي العديدة مع صديقي الشيعي وتتبعي في بطون الكتب لمعرفة الحقّ عن نتائج أدت إلى إنشاء تغيير جذري في رؤيتي العقائدية السابقة، ولم أتهيب من مواجهة الواقع، بل تقبلته بروح بناءة، فكانت النتيجة اعتناقي لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) عام 1997م بمدينة " السليمانية ".
الصورة
ولد عام 1974م بمحافظة " الجوف " في اليمن(1)، ونشأ في أوساط عائلة زيدية المذهب، ودرس قرابة سبع سنوات في المدارس الزيدية.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1997م في مدينة " صنعاء " اليمنية بعد بحث ودراسة عميقة.
يقول السيد يحيى: " كانت هوايتي مطالعة الكتب الدينية، وحيث أنّ الزيدية تعتبر من الفرق الشيعة فكنت أقرأ بعض الكتب الإمامية الاثنى عشرية، وكان محور قراءاتي تدور حول مسألة الإمامة والخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّي كنت أرى هذه المسألة منشأ الاختلافات التى أدت إلى تفرق المسلمين بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
وبما أنّ بحث الإمامة في الفكر الزيدي يكتنفه الغموض والإبهام، ونظريتهم (النصّ الجلي والنصّ الخفي) نظرية مرتبكه ومضطربه من ناحية تطبيق الشروط،
1) اليمن: أنظر الترجمة رقم {9}.
مع وجود نقاط مبهمة فيها، اندفعت للبحث عن هذه المسألة عند سائر فرق المسلمين لعلّي أجد نظرية متكاملة في هذا المجال ".
إنّ الإمامية يعتقدون أنّ الإمامة استمرار لوظائف النبوّة سوى تحمل الوحي، وأنّها منصب إلهي يتعين بالنصّ، ولايتولى زمامها إلاّ الذين اصطفاهم الله تبارك وتعالى.
وهي غير خاضعة لاختيار الأمّة التى قد يميل بها الهوى وتخضع للضغوط في تعيين الخليفة، وعندئذ تكون طاعة الإمام المنصّب ناشئة عن هوى أو خوف، فتدفع الأمّة جراء ذلك أبهظ الأثمان، وتتكبد أفدح الخسائر المادية والمعنوية ـ وهذا ما حدث بالفعل ـ.
كما يعتقدون أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد عيّن الأوصياء من بعده، لعلمه أنّ الأمّة مازالت حبيسة للروح القبلية، وأنّ المجتمع فيه رواسب الجاهلية، فحفظاً لها من الضياع وصيانة لها من التنازع حدّد ولي الأمر من بعده في مواقف عديدة، التي كان منها يوم (غدير خم) بعد حجة الوداع، فنصّب بأمر من الله تعالى الإمام عليّ ابن أبي طالب(عليه السلام) خليفة له، وكان ذلك بمحضر عشرات الآلاف من المسلمين.
فإنّ من غير المعقول أن يترك الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أمته هملاً تتخبط في أخطر أمر يبتني عليه كيان الإسلام!.
يقول السيد يحيى: " طالعت بتمعن معتقدات الشيعة الاثنى عشرية ونظريتهم بخصوص الإمامة، فوجدتها متكاملة مستنبطة من القرآن الكريم
والسنة النبوية المطهّرة ".
فاستدلّ الإمامية على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بآيات وأحاديث كثيرة، منها: آية المباهلة، والإنذار، والتبليغ و...، وحديث المنزلة، والطير، والغدير و....
وقد استدلّوا أيضاً بأحاديث الثقلين والسفينة والأمان على أنّها نصوص دالّة على إمامة أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، كما استدلّوا على تعيين الأئمة الاثني عشر(عليهم السلام)بنصوص أخرى، كما في الحديث الذي يرويه ابن بابويه:
"... فقام جابر بن عبدالله الأنصاري فقال: يا رسول الله ومن الأئمة من ولد عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)؟ قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة، ثم سيد العابدين في زمانه ابن الحسين، ثم الباقر محمّد بن عليّ وستدركه ياجابر، فإذا أدركته فاقرأه مني السلام ـ ثم الصادق جعفر بن محمّد، ثم الكاظم موسى بن جعفر، ثم الرضا عليّ بن موسى، ثم التقي محمّد بن عليّ، ثم النقي عليّ بن محمّد، ثم الزكي الحسن بن عليّ، ثم إبنه القائم بالحقّ مهدي أمتي، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، هؤلاء يا جابر خلفائي وأوصيائي وأولادي وعترتي... "(1).
والجدير ذكره أنّ هذه النصوص لم تتنفرّد بها الشيعة الإمامية، بل روت العامة مثل هذه الروايات واتفقت مع الإمامية بشكل يوجب الحكم بصحتها!(2).
ولو تأمّل الباحث يجد أنّ هذه الأحاديث هي التفسير الوحيد للحديث المتواتر الوارد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " يكون لهذه الأمّة اثنا عشر خليفة "(1)، وأنّها لا تخرج بمضمونها عن العدد الذي حصره رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
يقول السيد يحيى: " من هنا إلتفت إلى الفرق بين معتقدات مذهبي الزيدي في الإمامة وبين ما تتبناه الإمامية، فقرّرت البدء بالبحث بصورة جادّة لأصل إلى العقيدة التي تحقق لي الراحة النفسية والاطمئنان، فبدأت من حياة الشهيد زيد بن عليّ لأتعرّف على بدء نشوء الزيدية ومستندهم فيما ذهبوا إليه.
وفي بادىء الأمر تبيّن لي أنّ انتماء الزيدية لزيد الشهيد ليس كإنتماء أبناء العامة لأئمتهم الأربعة، لأنّ زيد بن عليّ لم يكن صاحب منهج عقائدي أو فقهي خاص، بل كان مرتبطاً بمنهج الأئمة(عليهم السلام)! ".
فقد قال الإمام الصادق(عليه السلام) بحقه: " إنّ زيداً كان عالماً وكان صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه إنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمد(عليهم السلام) لو ظهر لوفى بما دعاكم إليه "(2).
وقال الإمام الرضا(عليه السلام) في جواب المأمون عن إدعاء زيد ما لم يكن له من حقه: " إنّ زيد بن عليّ لم يدّع ما ليس له بحق، وإنّه كان أتقى لله من ذلك، إنّه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمّد(عليهم السلام)، وإنّما جاء ما جاء فيمن يدعي أنّ الله نصّ عليه ثم يدعو إلى غير دين الله ويضل عن سبيله بغير علم، وكان زيد بن عليّ
والله ممن خوطب بهذه الآية (وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ)(1)"(2).
فزيد الشهيد كان مرتبطاً بأهل البيت(عليهم السلام) ولم يحد عن نهجهم، وإنّ انتساب الزيدية له ليس إلاّ إشادة بشرفه وعلو مقامه، إذ أنّه بثورته ضدّ هشام بن عبد الملك مثّل رمزاً للثورة ضد الظلم والطغيان، فانتسب الزيدية لهذا الرمز.
إنّ ما عليه الزيدية اليوم من تعاطف مع المعتزلة لم يكن إلاّ في العصور المتأخرة، وإنّ ما نسب إلى زيد من آراء، إنّما هي آراء علماء الزيدية وليست هي آراء الشهيد زيد بن عليّ!، وذلك لأنّنا لا نجد أثراً من هذه الآراء المنسوبة إليه فيما هو موروث عنه.
والواقع أنّ بعض أئمة الزيدية كالقاسم الرسي (170 ـ 242 ه) رأس القاسمية، والناصر الأطروش (230 ـ 304 ه) رأس الناصرية ومؤسس المذهب الزيدي في الديلم وبلاد الجبل، والإمام الهادي (245 ـ 298 ه) رأس الهادوية في اليمن و...، اجتهدوا في بعض المسائل وتوصّلوا إليها بعد تأثرهم ببعض التيارات الفكرية الدخيلة، فكانت النتائج التي توصلوا إليها بخلاف ما كان يذهب إليه زيد بن عليّ نفسه!.
ومن هذه المسائل مسألة الإمامة، حيث إنتهز البعض موقف زيد وثورته على الظالمين، فجعل الثورة وإن لم تتوفر شرائطها من شروط الإمامة، وانّها لكلّ من نسب لذرية الحسن والحسينعليهما السلام إذا شهر السيف بوجه الحاكم الظالم! وكان دافعهم لذلك هو إضفاء الشرعية على إمامة أئمتهم.
على الرغم من الافتراق بين الفكر الزيدي والجعفري يجد الباحث أنّ هناك جهات مشتركة بين الإمامية والزيدية التي يكون منبعها من أهل البيت(عليهم السلام) ـ بالتحديد إلى ما قبل ثورة زيد التي حصل بعدها هذا الافتراق ـ إذ لم تخل مصادر الزيدية من النصوص المثبتة لإمامة الإمام عليّ بن الحسين(عليه السلام) وعصمته، فضلاً عن أبيه وجدّه، المؤدية بالتالى إلى وجوب اتباعهم والاقتداء بهم.
أمّا باقي الأئمة الاثنا عشر فقد أقر أئمة الزيدية وعلمائهم، بفضلهم وعلمهم كالباقر والصادق والرضا(عليهم السلام)(1)وجواز تقليدهم!
كما قال صاحب (شرح الأزهار) ابن مفتاح: " والأئمة المشهورون من أهل البيت(عليهم السلام) بكمال الاجتهاد والعدالة سواء كانوا ممن قام ودعى كالهادي والقاسم، أم كزين العابدين والصادق وغيرهم أولى من تقليد غيرهم عندنا "(2).
ويؤكد هذا السيد الفضيل بقوله: " إنّ الزيدية لا تعتقد بأنّ الإمام زيد بن عليّ أولى بالتقليد من غيره كالإمام جعفر الصادق مثلاً "(3).
وقد اعتبرت الزيدية الإمام الرضا(عليه السلام) ـ الإمام الثامن حسب النصّ عند الإمامية الاثنى عشرية ـ واحداً من أئمتهم القائمين(4)، بل أكثر من ذلك فإنّ جملة من الزيدية المتقدمين يرون النصّ على الاثني عشر بدون تعيين لهم،
1) أنظر: تراجم الزيدية في شرح الأزهار لابن مفتاح: 10 ـ 34، لوامع الأنوار للمؤيدي: 1 / 348.
2) شرح الأزهار: 1 / 15.
3) الزيدية نظرية وتطبيق: 13.
4) أنظر: مطلع البدور لأحمد بن أبي الرجال 1092 ه (مخطوط): 4 / 184 ـ 185، ينابيع النصيحة للحسين بن محمد 663 ه: 272 ـ 273، عدة الاكياس لأحمد بن محمد الشرقي 1055 ه: 2 / 374.
وطبّقوه على عدد من الأئمة عينوهم فيما بعد(1)!.
ويقترب الهادي يحيى بن الحسين من الفكر الإمامي بقوله: " فكل من قال بإمامة أمير المؤمنين ووصيته، فهو يقول بالوصية على أن الله عزّوجلّ أوصى بخلقه على لسان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين، وإلى الأخيار من ذرية الحسن والحسين، أوّلهم عليّ بن الحسين وآخرهم المهدي، ثم الأئمة فيما بينهما "(2).
يقول السيد يحيى طالب: " أزالت هذه النصوص وغيرها الحجب التي كان تمنع بصيرتي من الاهتداء إلى الحقّ في مسألة الخلافة والإمامة، وأدركت بأنّ الحقّ يتجسد فيما يذهب إليه الاثنى عشرية، وأنّ الأئمة(عليهم السلام) هم الذين نصّ عليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كناية وصراحة، فالتزمت ـ من ذلك الحين ـ نهجهم وتمسكت بحبلهم، وواليت وليهم وتبرأت من عدوهم، وأعلنت استبصاري في مدينة صنعاء عام 1997م ".
الصورة
ولد عام 1958م بمدينة " ذي قار " في العراق(1)، من عائلة تعتنق المذهب الحنفي ونشأ في أوساط هذا المذهب.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1986م، بعد دراسات مكثفة ومعمّقة ومحاورات عديدة أجراها مع العلماء.
يقول فضيلة الشيخ الكبيسي: " كنت منذ الصبى أجد قلبي ينبض بمحبّة أهل البيت(عليهم السلام)، وكنت أهوى الحضور في المجالس التي تقام أحياء الذكرى إستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) ـ لا سيما التي تقام في شهر محرم الحرام ـ كما كنت أقصد حرمه الطاهر في كربلاء لأداء مراسم الزيارة أيام الأربعين مع مواكب المعزين من الشيعة، مما أدّى إلى تعلقي لمعرفة أهل البيت(عليهم السلام)وقراءة تاريخهم وتتبع سيرتهم الشريفة.
وكنت بعد معرفتي لكل إمام من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)أقف منبهراً لعظمتهم
1) العراق: أنظر الترجمة رقم {10}.
وجلالة قدرهم، حتى إنّني ولشدّة إعجابي بشخصية الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)صرت أذكره في الإقامة عند الصلاة، رغم أنني كنت أؤدّي الصلاة وغيرها من الفرائض وفق المذهب الحنفي!.
كنت مسروراً بإلمامي ومعرفتي بأهل البيت(عليهم السلام)، ولكن مصرع الإمام الحسين(عليه السلام) وما جرى عليه من مآسي في كربلاء أوجد حرقة في قلبي، فكنت أطفئها بدموعي من خلال مشاركتي في مآتم العزاء التي تقام حزناً عليه، ولم أكن أبالي بالانتقادات التي كان يوجهها لي أبناء طائفتي، لأنّني كنت أرى أنّ كل فرد يمتلك المشاعر الإنسانية و يتمتع بسلامة الوجدان يتأثر وينفعل بارتكاب أي ظلم أو جور بحق إنسان عادي، فكيف به إذا سمع بوقوع ظلامة فادحه على قريب له أو عزيز كان يكنّ له المحبّة من خلال قرابة أو صداقة أو عقيدة؟!.
وكان واضح لديّ أنّ البكاء لا ينافي الصبر، بل هو يمثل حالة طبيعية للنفس إزاء الأحداث المؤلمة، وأنّ بكاء الإنسان بسبب المآسي التي تحل به أو بأحد أحبائه أو أعزائه لايتنافى مع الفطرة السليمة ".
قد أشاع البعض متوهماً أنّ البكاء على الميت بدعة دخلت حياة المسلمين فيما بعد، ثم عمد إلى زرع الشك في الأذهان، لكن هذا التوهم يرتفع بمجرد أن يراجع الباحث سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين.
فقد ورد أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وآله(عليهم السلام) وأصحابه والتابعين بكوا لفقدهم الأعزّة والأحبّة، والمصائب حلّت بهم أو بغيرهم من المقرّبين!.
وفي الحقيقة أنّ الذين قالوا بحرمة البكاء وجعلها ذريعة للتوهين والطعن، غفلوا أو تغافلوا عن الفطرة التي أودعها الله في الإنسان، فالإنسان إن تحققت
آماله شعر بالفرح والسرور، وإن أخفق في ذلك أو أصيب بنائبه فإنّه يحزن ويغتم وقد ينهار أمام ذلك، ولهذا نجد أنّ سيد الكائنات نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)بكى على إبنه إبراهيم، وعلى خديجة، وعلى عمه أبي طالب، وعلى أُمّه آمنة بنت وهب، وعلى عمه حمزة بن عبد المطلب، وعلى جعفر الطيار وعلى الإمام الحسين(عليهم السلام)، وغيرهم.
فقد ورد عن أنس أنّه قال: " دخلنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)... وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف(رضي الله عنه): وأنت يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟! فقال: "يابن عوف، إنّها رحمة " ثم أتبعها بأخرى، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّ العين تدمع والقلب يحزن ولانقول إلاّ ما يرضي ربّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون " "(1).
وورد عن أبي هريرة أنّه قال: " زار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قبر أمّه فبكى وأبكى من حوله "(2).
وورد أيضاً: " أنّه لما سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بعد غزوة أحد ـ البكاء من دور الأنصار على قتلاهم، ذرفت عينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبكى، وقال: " لكن حمزة لابواكي له!" فسمع ذلك سعد بن معاذ، فرجع إلى نساء بني عبد الأشهل فساقهن إلى باب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فبكين على حمزة، فسمع ذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فدعا لهنّ
1) أنظر: صحيح البخاري: 1 / 439 {1241}، صحيح مسلم: 4 / 1807 {2315}، سنن أبي داود: 3 / 136 {3126}، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، سنن ابن ماجة: 1 / 497 {1589}، كتاب الجنائز.
2) أنظر: صحيح مسلم: 2 / 671 {976}، كتاب الجنائز، مسند أحمد: 2 / 441 {9686}، سنن أبي داود: 3 / 171 {3234}، كتاب الجنائز، سنن النسائي: 4 / 90 كتاب الجنائز، سنن ابن ماجة: 1 / 492 {1572}، كتاب الجنائز، المصنف لابن أبي شيبة: 3 / 29 {11807}، مستدرك الحاكم: 1 / 531 (.139).
وردّهن، فلم تبك امرأة من الأنصار بعد ذلك إلى اليوم على ميت إلاّ بدأت بالبكاء على حمزة، ثم بكت على ميتها "(1).
وورد أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال في حق جعفر(عليه السلام): "على مثل جعفر فلتبك البواكي "(2).
وورد عن عائشة: " أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) دخل على عثمان بن مظعون ـ وهو ميّت ـ فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبّله وبكى، حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه "(3).
وورد أيضاً أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بكى على غيره من الصحابة(4).
وفي الحقيقة أنّ شبهة حرمة البكاء على الميت قد نشأت ممّا ورد عن عمر وإبنه عبد الله!
فقد ورد صحيح في مسلم عن عبد الله: " أنّ حفصة بكت على عمر، فقال: مهلا يا بنية! ألم تعلمي أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّ الميت يعذب ببكاء أهله عليه "(5).
وعن عمر، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " الميت يعذّب في قبره بما نيح عليه "(6).
والجدير بالذكر أنّ عائشة استدركت على عمر وإبنه لمّا بلغها من مقالتهما،
1) أنظر: الطبقات لابن سعد: 3/7، المغازي للواقدي: 1/315 ـ 317، مسند أحمد: 2 / 40 {4984}، تاريخ الطبري: 2 / 532، الإستيعاب لابن عبد البر: 1 / 374، وغيرها.
2) أنظر: انساب الأشراف للبلاذري: 43، الاستيعاب لابن عبد البر: 1 / 243، الطبقات لابن سعد: 8 / 220، المصنف لعبد الرزاق: 3 / 361 {6695}.
3) أنظر: سنن البيهقي: 3 / 570 {6712}.
4) أنظر: مستدرك الحاكم: 1 / 514 {1334}، تذكرة الخواص لابن الجوزي: 172 عن ابن سعد، المعجم الكبير للطبراني: 3 / 142 {2932}، صحيح مسلم: 2 / 636 {924}.
5) صحيح مسلم: 2 / 369 كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهل، وأنظر سنن النسائى: 4 / 16 كتاب الجنائز، سنن الترمذي: 2 / 315 {1002}.
6) صحيح مسلم: 2 / 927 {927} كتاب الجنائز، وأنظر سنن ابن ماجة: 1 / 498 {1595}.
فقالت: " إنّكم تحدثوني عن غير كاذبين ولامكذبين، ولكن السمع يخطيء "(1)، وعن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: " ذكر عند عائشة قول ابن عمر: الميت يعذّب ببكاء أهله عليه، فقالت: رحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئاً فلم يحفظه، إنّما مرّت على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وأنّه ليعذّب "(2).
وقد قال النووي في شرح صحيح مسلم عن روايات النهي عن البكاء المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب وإبنه عبدالله. وأنكرت عائشة، ونسبتها إلى النسيان والاشتباه عليهما، وأنكرت أن يكون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال ذلك! "(3).
كما أثبت في سيرة الرسول أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بكى في بعض الحالات على من رآه مشرفاً على الموت، وعلى من أستشهد، وعلى قبر الميت، بل أنّه بكى على ماسوف يجري من مصائب على الأحياء!.
أكّد أصحاب السنن وأرباب السير في كتبهم أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بكى عدّة مرّات على سبطه وريحانته الإمام الحسين(عليه السلام): كالطبراني، والهيثمي والخوارزمي، وأحمد، والنيسابوري، وأبي نعيم، والمحب الطبري، وابن عساكر، وابن حجر، وعبد الرزاق، وأبي يعلى، وابن كثير، وابن الصباغ المالكي، والمتقي
1) أنظر: صحيح مسلم: 2 / 641 {929} كتاب الجنائز، صحيح البخاري: 1 / 432 {1226} كتاب الجنائز، سنن النسائى: 4 / 19 كتاب الجنائز.
2) أنظر: صحيح مسلم: 2 / 642 {930} كتاب الجنائز، صحيح الترمذي: 2 / 317 {1004} كتاب الجنائز، موطأ مالك: 1 / 153، كتاب الجنائز.
3) شرح صحيح مسلم للنووي: 6 / 468 {2140}، كتاب الجنائز.
الهندي، والقندوزي الحنفي وآخرين، وحث على البكاء عليه، وكيف لا! وقد حثّ أصحابه على البكاء لجعفر الطيار.
فقد روى الطبراني بسنده عن عروة عن عائشة، قالت: " دخل الحسين بن عليّ(عليه السلام) على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يوحى إليه، فنزا على رسول الله وهو منكب، ولعب على ظهره، فقال جبرئيل لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أتحبّه يا محمّد؟ قال: " يا جبرئيل ومالي لا أحبّ إبني؟! " قال: فإنّ أمتك ستقتله من بعدك! فمد جبرئيل(عليه السلام)يده فأتاه بتربة بيضاء، فقال: في هذه الأرض يقتل إبنك هذا يا محمّد واسمها الطفّ.
فلمّا ذهب جبرئيل(عليه السلام) من عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)والتربة في يده يبكي... "(1).
وروى أيضاً بسنده عن أم سلمة(رضي الله عنه) أنّها قالت: " كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)جالساً ذات يوم في بيتي، فقال: " لايدخل عليَّ أحد "، فانتظرت فدخل الحسين(عليه السلام)، فسمعت نشيج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يبكي، فاطلعت فإذا حسين في حجره والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح جبينه وهو يبكي، فقلت: والله ما علمت حين دخل، فقال: " إنّ جبرئيل(عليه السلام) كان معنا في البيت فقال: تحبه؟ قلت: أمّا من الدنيا فنعم، قال: إنّ أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء "... "(2).
وروى المحب الطبري بسنده عن أسماء بنت عميس أنّها قالت: " عقّ رسول الله عن الحسن يوم سابعه بكبشين أملحين... فلمّا كان بعد حول ولد الحسين فجاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ففعل مثل الأوّل، قالت: وجعله في حجره فبكى(صلى الله عليه وآله وسلم)،
قلت: فداك أبي وأمي ممّ بكاؤك؟! فقال: " إبني هذا يا أسماء، إنّه تقتله الفئة الباغية من أمتي، لا أنالهم الله شفاعتي "... "(1).
وإنّ ما جرى على الإمام الحسين(عليه السلام) من فجائع ومآسي يوم عاشوراء لم يبك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، بل أبكى الملائكة والجن والجماد! وآل الأمر إلى بكاء أعدائه عليه(عليه السلام)!
فقد ورد عن ابن عباس: " رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يرى النائم بنصف النهار، أغبر أشعث وبيده قارورة فيها دم! فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا؟! قال: " هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل منذ اليوم التقطه "، فأحصي ذلك اليوم، فوجدوه قتل يومئذ "(2).
وقال ابن سيرين: " لم تبك السماء على أحد بعد يحيى بن زكريا، إلاّ على الحسين بن عليّ "(3).
وقال خليفة: " لمّا قتل الحسين أسودّت السماء، وظهرت الكواكب نهاراً، حتى رأيت الجوزاء عند العصر، وسقط التراب الأحمر "(4).
وقال معمر: " أوّل ما عرف الزهري أنّه تكلّم في مجلس الوليد بن عبد الملك فقال الوليد: أيّكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين بن عليّ؟ فقال الزهري: بلغني أنّه لم يقلب حجر إلاّ وجد تحته دم عبيط "(5).
وقالت أم سلمة: " سمعت الجنّ تنوح على الحسين يوم قتل، وهن يقلن:
أيها القاتلون ظلماً حسيناً أبشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء يدعو عليكم من نبيّ ومرسل وقتيل
قد لُعنتم على لسان ابن داود وموسى وصاحب الإنجيل "(1)
أمّا بكاء أعدائه عليه، فقد ورد أنّه عندما دنا عمر بن سعد من الحسين(عليه السلام)، قالت له زينب العقيلة(عليها السلام): " يا عمر أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر؟ فبكى وصرف وجهه عنها! "(2).
وذكر الذهبي أيضاً بكاء أعداء الحسين(عليه السلام) عليه، فقال: "... أخذ رجل حُلىّ فاطمة بنت الحسين، وبكى، فقالت: لم تبكي؟! فقال: أأسلب بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أبكي؟ قالت: فدعه، قال: أخاف أن يأخذه غيري! "(3).
فيا ترى إذا كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يبكي ويسمع نشيجه ـ وهو صاحب الشريعة ـ فلماذا لا نقتدي به ونتأسى بفعله الشريف؟!.
وإذا كان البكاء مصحوباً بصوت عال محرّم، فلماذا إنتحب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)على عمه حمزة حتى بلغ به بكائه حد الشهيق(4)؟!.
أضف إلى كل ذلك ماورد من أنّ المسلمين ضجوا بالبكاء كضجيج الحجيج على فقد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ أجواء المدينة ارتجت من الصياح على الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) يوم وفاته(5).
وذكر أنّ عائشة بكت على أبيها بعد رحيله وناحت عليه(1).
والحاصل أنّ البكاء والنياحة إذا لم يكونا مشملين على ما لا يرضي الله تعالى فلا إشكال في جوازهما.
إنّ البكاء على مصيبة الإمام الحسين(عليه السلام) وأهل بيته ليس أمراً يتلبس به، بل هو أمر يعيشه كل موال للعترة في أعماق قلبه وأعماق كيانه، كما أنّ البكاء عليه هو مواصلة لخط رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومنهجه إزاء أهل بيته(عليهم السلام)، وقد قال تعالى: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)(2).
كما أنّه يمثل المودّة لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وإستجابة لقول الباري: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(3).
يقول فضيلة الشيخ الكبيسي: " أدركت أنّ فاجعة الحسين(عليه السلام) لها بُعد مأساوي لايصمد أمامه أيّ إنسان سليم الوجدان مرهف الإحساس، ولذلك تفاعلت بكامل كياني مع أحداث كربلاء، وإندمجت بها قلباً وعقلا.
ولقد شدني الإمام الحسين(عليه السلام) نحو مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وأدركت أنّه صاحب الحقّ، وأنّ بكاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عليه هو اعلان عن سلب الشرعية عمن ناوءه وقاتله، حيث اعتبره رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سنخاً له حينما قال: " حسين مني وأنا
من حسين ".
فمن هنا تبيّنت لي الأهداف التي جاهد من أجلها الإمام الحسين(عليه السلام)، فتأثرت بنهضته وأعلنت استبصاري عام 1986م".
الصورة
ولد عام 1970م في بنغلادش(1)، نال في مجال الدراسة الأكاديمية شهادة الليسانس في العلوم الزراعية، وشهادة الليسانس في العلوم السياسية والثقافة الإسلامية.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1991م بمدينة " دكا " البنغلادشية، متحولا من الوهابية.
يقول الأخ أبو القاسم: " نشأت في أوساط عائلة متدينة ومحافظة، تعتقد أنّ الالتزام بالتعاليم الدينية والإرشادات الإسلامية أمر أساسي لايمكن غض الطرف عنه، فكانت المعارف الدينية الأولية في الأصول والفروع عندي مستوعبة
1) بنغلادش: تقع فى وسط جنوب آسيا، مطلة على خليج البنغال فى المحيط الهندى، يبلغ عدد سكانها أكثر من {150} مليون نسمة، يشكل المسلمون نسبة 87 من السكان أمّا الباقي فمن الهندوس والبوذيين والمسيحيين، والشيعة فى هذا البلد لهم تواجد يعتد به.
وواضحة، بحيث تركت الأثر على سيرتي فيما بعد.
ومن جراء تلك التربية تأصّلت عندي هواية قراءة التاريخ الإسلامي، لاسيما المرتبطة بحياة الصحابة والخلفاء، فكنت أتمتع عند قراءة سيرة النبيّ الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) والخلفاء وقصص سائر الأنبياء(عليهم السلام).
لكن ثمة أمور كانت تكدّر صفو هذه الهواية، وتجعلني أعيش حالة الاستغراب والاشمئزاز من بعض القضايا التي أقرؤها! ".
يضيف الأخ: " بعد مضي سنوات عديدة من تخرجي عملت مترجماً في بعض الصحف ودور النشر البنغالية، فاتفق أن اطلعت على ترجمة لكتاب تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي، فوجدت منهجه يختلف عن التفاسير التي قرأتها من قبل! فوجدته تفسيراً جديداً في الأسلوب، يجمع بين الحداثة والتقليد.
وكان هذا أوّل كتاب شيعي يقع بيدي، وعند قرأتي لبحوثه التاريخية اندفعت لتجديد النظر في معتقداتي السابقة، كما عثرت من خلاله على أجوبة الأسئلة التي كانت عالقة في ذهني في خصوص عهد عثمان بن عفان".
إنّ المدقق في تاريخ الأمويين ومن سار في مسارهم، يجد أنّهم حاولوا إلصاق أنفسهم برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بشتى السبل، فبيّنوا أنّهم من قريش ومن نفس سلالة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)! وطرحوا معاوية خالا للمؤمنين! ووصفوا عثمان بذي النورين ـ لتزويجه اثنين من ربائب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(1)ـ وغير ذلك.
1) راجع كتاب بنات النبيّ أم ربائبه (للسيد جعفر مرتضى العاملي).
ولمّا وجدوا أنّ عثمان بوصفه أحد الخلفاء الراشدين عند أبناء العامة أكثر قبولا عند المسلمين حاولوا الولوج من خلاله، فأغروا الوضاع والمزورين والأفاكين ليضعوا المناقب والفضائل له!
كما في قول أبي هريرة: " دخلت على رقية بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)امرأة عثمان وبيدها مشط، فقالت: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من عندي آنفاً، رجّلت رأسه، فقال لي: كيف تجدين أبا عبد الله ـ عثمان ـ؟ قلت: بخير. قال: أكرميه فإنّه من أشبه أصحابي بي خلقاً ".
وكذبه واضح! فقد علق الحاكم على هذا الحديث بقوله: " هذا حديث صحيح الاسناد واهي المتن! فإنّ رقية ماتت سنة ثلاث من الهجرة عند فتح بدر، وأبو هريرة إنّما أسلم بعد فتح خيبر سنة سبع! "(1)، كما علّق الذهبي عليه بالقول: " صحيح منكر المتن، فإنّ رقية ماتت وقت بدر، وأبو هريرة أسلم وقت خيبر! "(2).
وقس على ذلك بقية مناقب عثمان ومن يلوذ به.
إنّ بني أميّة ضربوا على وتر القربى مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ليوهموا الناس ـ خصوصاً أهل الشام ـ بأنّهم من سلالة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكانوا يدّعون الإلتقاء معه في جدّه عبد مناف، وهذه الوصلة محل ريب!.
فإنّ أميّة كان عبداً رومياً تبناه عبد شمس، وكان من عادة العرب أنّهم ينسبون اللحيق إلى المستلحق، بحيث يترتب على ذلك الاستلحاق آثار البنوّة،
ويشهد لذلك قول أبي طالب(عليه السلام)في بني أمية:
قديماً أبوهم كان عبداً لجدنا بني أمة شهلاء جاش بها البحر(1)
وأبو طالب هو من أعرف الناس بأنساب قومه، كما أنّهم لم يعترضوا عليه ولم يردّوا مقالته هذه، إذ ليس لهم سبيل إلى إنكارها.
ويدعم هذا الأمر أيضاً ما أشار إليه أميرالمؤمنين(عليه السلام) في الكتاب الذي وجهه إلى معاوية، إذ ذكر فيه: " وليس الصريح كاللصيق " إجابة على كتاب معاوية الذي يقول فيه: " أنا وأنتم من بني عبد مناف "(2).
فمسألة الاستلحاق كانت معروفة عند العرب، ومن هذا القبيل نسب ذكوان ـ على قول ـ إلى أمية عندما تبناه وكان عبداً له(3).
ولكن بني أميّة اتخذوا مسألة كونهم من قريش دثاراً لأفعالهم الشنيعة التي ظهرت ملامحها بوضوح أيام عثمان، لأنّهم أصبحوا زمرة محيطة به باعتبارهم عصبته وعشريته، فسيطروا عليه ووجهوه حيثما شاؤوا!.
عندما أمعن المسلمون النظر في تصرفات عثمان، عرفوا بوضوح أنّه غيّر أحكام الله، وعطّل حدود كتابه، وبدّل سنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأهان القرآن ـ بحرقة للمصاحف الشريفة ـ فثارت ثائرتهم ضدّه.
وكان من جملة الأمور التي سببت نقمة المسلمون على عثمان:
1 ـ إيوائه للمرتدين وطرداء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):
فقد فسح عثمان المجال للمرتدين والملعونين على لسان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في أيّام حكومته وأعطاهم المناصب! وكان منهم عمه الحكم بن العاص ـ طريد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ إذ ردّه إلى المدينة معززاً مكرماً، ومنحه مائة ألف درهم من بيت مال المسلمين!(1)، حتى جاء إليه الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وجمع من الصحابة، كعمار بن ياسر وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، وقالوا له: " إنّك أدخلت الحكم ومن معه، وقد كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أخرجهم، وإنّا نذكّرك الله والإسلام ومعادك فإنّ لك معاداً ومنقلباً، وقد أبت ذلك الولاة قبلك... "(2).
فهذا الوزغ الذي كان من أشدّ الناس إيذاءً واستهزاءً بالنبيّ الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) قد لعنه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في عدّة مواقف، منها قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " ليدخلن الساعة عليكم رجل لعين، فدخل الحكم بن العاص "(3)، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما استأذن الحكم بن العاص يوماً في الدخول عليه: " إئذنوا له، لعنة الله عليه وعلى ما يخرج من صلبه إلاّ المؤمنين وقليل ماهم "(4)، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) عنه: " لايساكنني في بلد أبداً "(5)، ولكن عثمان لم يعبأ بقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فآوى أعداءه!.
2 ـ إتخاذه أحد المرتدين وزيراً له:
1) أنظر: المعارف لابن قتيبة: 194، العقد الفريد لابن عبد ربّه: 5 / 35، محاضرات الأدباء للراغب: 2 / 476.
2) أنظر: شرح النهج لابن أبي الحديد، نقلاً عن الواقدي: 3 / 30، الشافي في الإمامة للشريف المرتضى: 4 / 268، عن الواقدي أيضاً، الملل والنحل للشهرستاني: 1 / 26.
3) أنظر: مسند البزار: 6 / 344 {2352}، مسند أحمد: 2 / 163 {6520}.
4) أنظر: المستدرك للحاكم: 4 / 528 {8484}، البداية والنهاية لابن كثير: 6 / 178، مجمع الزوائد للهيثمي: 5 / 242، السيرة الحلبية للحلبي: 1 / 509.
5) أنظر: السيرة الحلبية للحلبي: 1 / 509.
فقد إتخذ عثمان المرتد والمفتري على الله الكذب عبد الله بن أبي سرح(1)وزيراً له، ثم ولاه مصر لأنّه كان أخ له من الرضاعة!
في حين أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أباح دمه وأمر بقتله ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة، فخالف عثمان ذلك كما خالف قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)(2).
3 ـ تولية أحد الفساق على الكوفة:
فقد ولّى عثمان أخاه لأمه الفاسق الوليد بن عقبة الكوفة(3)، وأطعمه هذه الولاية لتلجلج بيتين في صدره!
وكان نتيجة ذلك أن صلى الوليد بالناس صلاة الصبح وهو سكران أربع ركعات، وقرأ فيها رافعاً صوته:
علق القلب الربابا بعدما شابت وشابا
فنبهه الناس بأنّه صلى الصبح أربع ركعات، فأجاب: هل تريدون أن أزيدكم؟! ثم تقيأ في المحراب على أثر سكره(4).
1) عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقيل سعيد بن أبي سرح، أحد طلقاء المنافقين، أخو عثمان ابن عفان من الرضاعة، أسلم ثم شك فكفر وارتدّ عن الإسلام ولحق بالمشركين بمكّة، أهدر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دمه بعد الفتح، فجاء به عثمان بن عفان إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في المسجد، فقال عثمان: يا رسول الله! أعف عنه، فسكت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم أعادها ثانياً فثالثه ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ساكت، ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم): هو لك، فلما ذهبا قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه: ألم أقل: من رآه فليقتله؟ فأصبح في عداد الطلقاء.
2) المجادلة: 22.
3) أنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 13 / 585، الثقات لابن جبان: 3 / 429 {1409}.
4) أنظر: شرح النهج لابن أبي الحديد: 17 / 230، الأغاني لأبي الفرج: 5 / 139، مسند أحمد: 1 / 144 {1229}، العقد الفريد لابن عبد ربه: 5 / 57.
وكان شغوفاً بساحر يلعب بين يديه فكاد أن يفتن الناس به، حتى جاء إليه جندب فقتله قياماً بأمر الشريعة(1)، ومن أفعاله أيضاً منادمته لأبي زبيد الطائي النصراني، حيث كان يمر الطائي إليه في المسجد الشريف ويسمر عنده ويشرب معه الخمر(2).
ولم يبالي عثمان بكل هذا، بل كان يدافع عنه!، وذلك عندما خرج رهط من أهل الكوفة إلى عثمان شاكين إليه أفعال ابن أمه، أراد أن ينكل بهم، وسمعت عائشة بذلك فأنكرت عليه، وكانت من أشدّ الناس عليه!، حتى أنّها أخرجت ثوباً من ثياب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فنصبته في منزلها، وجعلت تقول للوافدين عليها: " هذا ثوب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبل، وعثمان قد أبلى سنته "(3)، وسخطت عليه حتى بعد مقتله! إذ قالت عندما بلغها مقتله وهي بمكة: " أبعده الله، ذلك بما قدمت يداه وما الله بظلام للعبيد "(4)، وفي لفظ آخر: " أبعده الله، قتله ذنبه، وأقاده الله بعمله "(5).
4 ـ إتخاذه أحد الملعونين وزيراً له في الحكم:
فقد إتخذ عثمان ابن عمه اللعين مروان بن الحكم وزيراً وصهراً، مسلّماً له زمام الأمور حتى أصبح مروان يسوقه حيث يشاء، وقد شهد القريب والبعيد بذلك.
فقال عبد الرحمن بن الأسود: " قبح الله مروان! خرج عثمان إلى الناس
فأعطاهم الرضا، وبكى على المنبر... ودخل بيته، ودخل عليه مروان، فلم يزل يفتله في الذّروة والغارب حتى فتله عن رأيه وأزاله عمّا كان يريد "(1).
وعاتب الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) عثمان على إنقياده لمروان قائلاً: " أما رضيت من مروان ولارضي منك إلاّ بتحرّفك عن دينك وعن عقلك، مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه، وأيم الله، إنّي لأراه سيوردك ثم لايصدرك "(2).
وورد أيضاً عن الإمام عليّ(عليه السلام) أنّه قال لعبد الرحمن بن الأسود حول عثمان: " يلعب به مروان! فصار سيّقة له يسوقه حيث شاء، بعد كبر السن وصحبة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) "(3).
وقالت له زوجته نائلة: " أطعت مروان يقودك حيث شاء "(4).
ولكن عثمان لم يقف على هذا فقط، بل قرّب مروان ـ صهره ـ وحباه ما لم يخطر بباله، وكتب له خمس مصر، وسلمه خمس غنائم أفريقية، كما أقطعه فدكاً(5)التي غصبت من فاطمة الزهراء(عليها السلام) التي نحلها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لها!.
فكانت مقاليد الأمور بيد مروان، يدير أمور المسلمين على ضوء ما يبتغيه، حتى وصل به الحدّ إلى التمادي على المسلمين أيام الفتنة، حيث قال: " ما شأنكم قد اجتمعتم كأنّكم جئتم لنهب! شاهت الوجوه! كل إنسان آخذ بأذن صاحبه إلاّ من أريدَ! جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا! أخرجوا عنّا، أما والله لئن
رمتمونا ليمرّن عليكم منّا أمر لايسرّكم، ولاتحمدوا غبّ رأيكم، أرجعوا إلى منازلكم، فإنّا والله مانحن مغلوبين على ما في أيدينا "(1).
5 ـ تسليط أقربائه على رقاب الناس:
فقد سلط عثمان أقرباءه من بني أمية وآل أبي معيط على رقاب الناس، وفسح لهم المجال ليفعلوا ما يشاؤون! فجسد مقوله عمر بن الخطاب بحذافيرها، حيث قال: " لو وليها لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، ولو فعلها لقتلوه "(2).
وكما قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في خطبته المعروفة بالشقشقية: "... إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثليه ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع، إلى أن أنتكث فتله، وأجهز عليه عمله، وكبَّت به بطنته "(3).
فهذه كانت صفة بطانته وولاته، وهم لايصلحون لقيادة أمور المسلمين ولايأتمنون عليها، فلم يكن فيهم إلاّ ملعون أو فاسق أو مرتد أو غرّ لاخبرة له بأمور العباد وسياسة البلاد(4).
6 ـ نفيه لجملة من كبار الصحابة وانتهاك حرمتهم:
فقد انتهك حرمة الصحابي الجليل عمّار بن ياسر، وذلك عندما وقف عمّار بوجهه ليحدّ من تماديه وامتهانه للمسلمين، فقال له عثمان: " هذا مال الله، أعطيه
1) أنظر: تاريخ الطبري: 4 / 362.
2) أنظر: شرح النهج لابن أبي الحديد: 12 / 259، الإمامة والسياسة لابن قتيبة: 1 / 43.
3) أنظر: نهج البلاغة: الخطبة الشقشقية.
4) مثل ابن خاله عبد الله بن عامر، الذي جمع له عثمان كور البصرة وفارس وهو ابن خمس وعشرين سنة، ولم يكن قد تولى أمراً من امور الناس قبل ذلك! أنظر الكامل في التاريخ للذهبي: 3 / 99، البداية والنهاية لابن كثير: 7 / 111.
من أشاء وأمنعه من أشاء! فأرغم الله أنف من رغم أنفه، فقام عمّار بن ياسر فقال: أنا أوّل من رغم أنفه من ذلك، فقال له عثمان: لقد اجترأت عليَّ يابن سمية! فوثبوا بنو أمية على عمّار فضربوه حتى غشي عليه، فقال: ما هذا بأوّل ما أوذيت في الله "(1).
وذكر أنّه حينما ضرب عمار أصيب بفتق في بطنه وانكسرت أحد أضلاعه!(2).
ولايخفى أنّ عمّار قال في حقه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " ملىء عمّار إيماناً إلى مشاشه "(3)، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً فيه: " من سبّ عماراً يسبّه الله، ومن ينتقص عماراً ينتقصه الله، ومن يسفه عماراً يسفه الله "(4).
كما انتهك عثمان حرمة الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري، حينما أمر أن يؤتى به بحالة مزرية إلى المدينة من الشام التي نفاه إليها من قبل، ثم نفاه إلى الربذة فيما بعد، فمات فيها وحيداً غريباً!(5)وما ذلك إلاّ لقوله الحقّ وأمره بالمعروف وإنكاره للباطل.
1) أنظر: البدء والتاريخ للمقدسي: 5 / 203، أنساب الأشراف للبلاذري: 6 / 161.
2) أنظر: الاستيعاب لابن عبد البر: 3 / 1136، الإمامة والسياسة لابن قتيبة: 1 / 51، البداية والنهاية لابن كثير: 7 / 122، البدء والتاريخ للمقدسي: 5 / 209، الصواعق المحرقة لابن حجر: 1 / 335، أنساب الأشراف للبلاذري: 6 / 163.
3) أنظر: المستدرك للحاكم: 3 / 442 {5680}، صحيح ابن حبان: 15 / 552 {7076}.
4) أنظر: فضائل الصحابة للنسائي: 1 / 50 {166}، المستدرك للحاكم: 3 / 441 {5675}، فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 860 {1604}، المعجم الكبير للطبراني: 4 / 112 {3832}.
5) أنظر: الطبقات لابن سعد: 4 / 177، الملل والنحل للشهرستاني: 1 / 26، الصواعق المحرقة لابن حجر: 1 / 334، سير أعلام النبلاء للذهبي: 2 / 77، الإستيعاب لابن عبد البر: 1 / 253، تاريخ الطبري: 2 / 107.
وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقه: " ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر "(1).
وكذلك استدعى عبد الله بن مسعود وأحرق مصحفه وحرمه من عطائه، وسيّر عامر بن عبد قيس ونفاه من البصرة إلى الشام لتنزهه عن أعماله، ونفى غير هؤلاء من بلدانهم إلى البلاد الأخرى، كمالك الأشتر النخعي، ومالك بن كعب، وكميل بن زياد، وثابت بن قيس، وصعصعة بن صوحان، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وغيرهم لإنكارهم سوء تصرّف ولاته(2)، كعامله في الكوفة سعيد بن العاص الذي قال: " إنّما هذا السواد بستان لقريش، فقال له الأشتر: أتزعم أنّ السواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك؟! "(3).
7 ـ التلاعب بمقدارت المسلمين:
فقد تصرّف عثمان في بيت مال المسلمين على ضوء ما يبتغيه، وآثر أهل بيته وأقرباءه به، فجرّ ذلك عليه الدواهي، وقد تناقل هذا الأمر الركبان لظهوره!.
فمنح عمّه الطريد الحكم بن العاص عشرات الآلاف من الدراهم، ووصل خالد بن أسيد بصلة قدرها أربعمائة ألف درهماً، وأقطع ابن عمّه الحارث بن الحكم سوقاً بالمدينة وهو موضع تصدّق به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على المسلمين، كما منح قسماً من إبل الصدقة لآل الحكم، وقسّم حلية من الذهب والفضة بين نسائه وبناته، وأنفق من بيت المال في عمارة دوره وضياعه، وخصص المراعي لنفسه
1) أنظر: سنن ابن ماجة: 1 / 65، المستدرك للحاكم: 3 / 387 {5467}، سنن الترمذي: / 134 {3801}، مسند أحمد: 2 / 175 {6630}.
2) أنظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير: 3 / 139، تاريخ الطبري: 4 / 326، أنساب الأشراف للبلاذري: 6 / 167، شرح النهج لابن أبي الحديد: 3 / 42 ـ 43.
3) أنظر: تاريخ الطبري: 4 / 323، تاريخ ابن خلدون: 2 / 140، شرح النهج لابن أبي الحديد: 2 / 129.
دون إبل الصدقة!(1)، وقد ورد عن الصعب بن جثامة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: " لا حمى إلاّ لله ورسوله "(2).
يقول الأخ أبو القاسم: " جعلتني هذه الأمور التي قرأتها عن عثمان مذهولا متحيراً!، فقلت في نفسي فأين العدالة في التقسيم، وأين السابقة في الإسلام، وأين الحرص على منافع الأمة؟!
ومما زاد في امتعاضي من هذه التصرفات، التوجيه اللاعقلاني الذي قاله البعض لتبرير أفعال عثمان أو تصرفات ولاته، فقرّرت العكوف على قراءة هذه الفترة الحساسة من تاريخ المسلمين، وإذا بي أكتشف أموراً جديدة لم أتصور أنّ " الخليفة " يغض النظر عنها أو يتساهل فيها، بل تبيّن لي أنّ بعضها كانت بأمره!! ".
ويضيف: " لقد إنهارت الهالة القدسية التي كنت أراها لهذا الرجل، ولاسيما بعد إطلاعي على عدم اقتصاصه من عبيد الله بن عمر بن الخطاب، عندما قتل ثلاثة أنفس!، كما قد هزّ مشاعري النصّ الذي وجدته في طبقات ابن سعد الذي يذكر فيه: " انّ عثمان عندما إلتقى بعبيد الله بعد صدور فعلة الشنيع، قال له: " قاتلك الله قتلت رجلاً يصلي وصبية صغيرة وآخر من ذمة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ما في الحقّ تركك. ـ يقول الراوي ـ فعجبت لعثمان حين ولي كيف تركه! ولكن
عرفت أنّ عمرو بن العاص كان دخل في ذلك فلفته عن رأيه "(1)، فاستغربت حقاً من هذا الكلام! وعجبت كيف سمح عثمان لنفسه أن يعفو عن قاتل بمجرد تدخل أحد الصحابة!.
ثم قلت في نفسي: وما كان ذنب هذه الصغيرة وكيف سمح عثمان لنفسه أن يذهب دمها هدراً من دون اقتصاص من قاتلها؟!، فثبت عندي أنّ عثمان أعرض عن محكم كتاب الله بتصرفه هذا، وأعرض عن صريح سنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وخضع لرأي رجل واحد في تركه للقصاص!.
ومن هذه المسألة ومسائل أخرى كحادثة كربلاء الدامية، وظلامة العترة الطاهرة، وتغييب آل البيت(عليهم السلام)، تبيّن لي أنّ عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين طهرهم الله من الرجس أحقّ بالخلافة من غيرهم، وأنّ التمسك بغيرهم يأخذ بيد الإنسان إلى الضلال، فلهذا تركت معتقداتي الموروثه وأعلنت استبصاري عام 1991م في العاصمة " دكا " ".
1) أنظر: الطبقات لابن سعد: 3 / 272، تاريخ الطبري: 4 / 239، سنن البيهقي: 8 / 108 {16083}، الكامل في التاريخ لابن الأثير: 3 / 70.
أبو الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعري، المتوفى 324 ه، الطبعة الأولى 1414 ه ـ 1994 م، بيروت دار النفائس.
محمود أبو ريّة، الطبعة الثالثة، بيروت، مؤسسة الأعلمي.
عبد الله بن محمد بن عامر الشبراوي، قم، دار الذخائر للمطبوعات.
جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفى 911 ه.
محمد بن عبد الله بن بهادر، بدر الدين الزركشي المتوفى 794 ه، الطبعة الرابعة 1420 ه ـ 2000 م، بيروت، المكتب الإسلامي.
أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد الحنبلي المقدسي، المتوفى 643ه، الطبعة الأولى 1410 ه، مكّة المكرّمة، مكتبة النهضة الحديثة.
أبو منصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسي، المتوفى 588 ه، الطبعة الثانية 1416 ه، قم دار أسوة.
نور الله الحسيني المرعشي التستري، الطبعة الحجرية.
أبو الحسن عليّ بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي (أبو يعلي ابن الحسين الفراء)، طبعة 1406 ه، مكتب الإعلام الإسلامي.
أبو بكر أحمد بن عليّ الرازي الجصاص، المتوفى 370 ه، طبعة 1417 ه ـ 1997 م، بيروت، دار الكتاب العربي.
عماد الدين بن محمد الطبري المعروف بالكيا الهراسي، المتوفى 504 ه، الطبعة الثانية 1405 ه ـ 1985 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، المتوفى 204 ه، طبعة 1400 ه، بيروت، دار الكتب العلمية.
أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، المتوفى 543 ه، بيروت، دار المعرفة.
عليّ بن محمد الآمدي، المتوفى 631 ه، الطبعة الثانية 1402 ه، دمشق
المكتب الإسلامي.
أبو حامد بن محمد الغزالي، 505 ه، الطبعة الأولى 1412 ه ـ 1992 م، بيروت، دار الهادي.
أحمد بن يوسف القرماني، المتوفى 1019 ه، الطبعة الأولى 1412 ه ـ 1992 م، بيروت، عالم الكتب.
محمد بن إسحاق بن العباسي الفاكهي أبو عبد الله، المتوفى 275 ه، الطبعة الثانية 1414 ه، بيروت، دار خضر.
أبو العباس شهاب الدين أحمد القسطلاني، المتوفى 923 ه، طبعة 1421 ه ـ 2000 م، بيروت، دار الفكر.
محمد الحسين آل كاشف الغطاء، طبعة 1416 ه ـ 1995 م، قم، المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام).
القاسم بن محمد بن عليّ، المتوفى 1029 ه، الطبعة الثانية 1415 ه ـ 1994 م، اليمن، منشورات التراث الإسلامي.
محمد محمود بكار، الطبعة الثانية 1419 ه ـ 1997 م، الرياض، دار طيبة.
أبو الحسن عليّ بن أحمد الواحدي 468 ه، بيروت، دار الكتب العلميّة.
أحمد بن تيمية الحراني، المتوفى 728 ه، الطبعة الأولى 1417 ه ـ 1997 م، الرياض، دار الوطن.
يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، المتوفى 263 ه، الطبعة الأولى 1412 ه، بيروت، دار الجيل.
أبو الحسن عليّ بن أبي الكرم محمد بن محمد الشيباني المعروف بابن الأثير، المتوفى 630 ه، طهران، انتشارات إسماعيليان.
نور الدين علي بن محمد بن سلطان المعروف بالملا عليّ القاري، المتوفى 1013 ه، الطبعة الثانية 1406 ه ـ 1986 م، بيروت، المكتب الإسلامي.
محمد الصبّان، مصر، مطبوع بهامش (مشارق الأنوار).
أبو الخير شمس الدين محمد بن محمد الجزري الشافعي، المتوفى 833 ه، طهران، مطابع نقش جهان.
زين العابدين بن إبراهيم بن نجيم، الطبعة الأولى 1413 ه ـ 1993 م،
بيروت، دار الكتب العلمية.
أحمد بن عليّ بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، المتوفى 852 ه، الطبعة الأولى 1412 ه ـ 1992 م، بيروت، دار الجيل.
محمد تقي الحكيم، الطبعة الثانية 1979 م، قم، مؤسسة آل البيت(عليهم السلام).
محمد أبو رية، الطبعة الخامسة، نشر البطحاء.
أبو اسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الشاطبي، المتوفى 790 ه، الطبعة الأولى 1418 ه ـ 1997 م، بيروت، دار المعرفة.
أبو جعفر محمدي بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابوية الفقيه (الصدوق)، طبعة 1413 ه، قم، المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، مطبوع ضمن مصنفات الشيخ المفيد.
أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، المتوفى 458 ه، الطبعة الأولى 1403 ه ـ 1983 م، بيروت، عالم الكتب.
أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، المتوفى 751 ه، الطبعة الثانية 1397 ه ـ 1977 م، بيروت، دار الفكر.
أبو عليّ الفضل بن الحسن الطبري، الطبعة الأولى 1417 ه، قم، مؤسسة آل البيت(عليهم السلام).
أبو الفرج الاصفهاني، المتوفى 356 ه، الطبعة الثانية، بيروت، دار الفكر.
محسن عليّ بن محمد الأمين العاملي، المتوفى 1315 ه، الطبعة الأولى 1418 ه، قم، مؤسسة المعارف الإسلامية.
أحمد بن عليّ بن محمد ابن حجر العسقلاني، المتوفى 852 ه، طبعة 1415 ه ـ 1994 م، دمشق، دار الثقافة العربية.
محمد جواد البلاغي، المتوفى 1352 ه، الطبعة الأولى 1420 ه، طهران، مؤسسة البعثة.
جعفر بن محمد السبحاني، الطبعة الرابعة 1413 ه، قم، المركز العالمي للدراسات الإسلامية.
أحمد محمد شاكر، مكّة المكرّمة، المكتبة التجارية مصطفى الباز.
أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، المتوفى 460 ه، الطبعة الأولى
1414 ه، قم، دار الثقافة.
أبو محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري، المتوفى 276 ه، الطبعة الأولى 1413 ه، قم، منشورات الشريف الرضي.
عبد الحليم الجندي، الطبعة 1397 ه ـ 1977 م، القاهرة، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
مهدي الفقيه ايماتي، الطبعة الثانية 1402 ه، اصفهان، مكتبة الإمام أمير المؤمنين.
أحمد بن تيمية الحراني، المتوفى 728 ه، الطبعة الأولى 1410 ه ـ 1989 م، السعودية، مكتبة ابن تيمية.
أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري، المتوفى 463 ه، طبعة 1350 ه، القاهرة، مكتبة القدسي.
أحمد بن يحى بن جابر البلاذري، المتوفى 279 ه، الطبعة الأولى 1417 ه ـ 1996 م، بيروت، دار الفكر.
ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي، المتوفى 1176 ه، طبعة 1414 ه ـ
1994 م، تركيا، مطبوع ضمن كتب مطبعة الإخلاص.
محمد صادق فخر الإسلام، طبعة 1313 ه، مكتبة المرتضوي.
أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي المفيد، المتوفى 413 ه، طهران، مؤسسة مطالعات إسلامي.
رسالة دكتوراه محمد رمضان عبد الله، طبعة 1986 م، بغداد، مطبعة الأمّة.
محمد باقر المجلسي، المتوفى 1111 ه، الطبعة الرابعة 1405 ه، طهران، دار الكتب الإسلامية.
الشهيد محمد باقر الصدر، الطبعة الأولى 1417 ه ـ 1996 م، قم، مركز الغدير.
مطهر بن طاهر المقدسي، المتوفى 507 ه، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية.
أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، المتوفى 774 ه، الطبعة الأولى 1417 ه ـ 1997 م، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
هاشم الحسيني البحراني، قم، دار الكتب العلمية.
أبو الفضل بن أبي طاهر المشهور بأبي طيفور، المتوفى 380 ه، قم مكتبة بصيرتي.
محمد بن يوسف الكنجي الشافعي، المتوفى 658 ه، الطبعة الثالثة 1303ه، طهران، دار إحياء تراث أهل البيت(عليهم السلام)، ضمن كتاب (كفاية الطالب).
عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضري، المتوفى 808 ه، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
زين الدين عمر بن مظفر الشهيرباني الوردي، المتوفى 749 ه، الطبعة الأولى 1417 ه ـ 1996 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عليّ بن محمود بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب، المتوفى 732 ه، الطبعة الأولى 1417 ه ـ 1997 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، المتوفى 748 ه، الطبعة الثالثة 1419 ه ـ 1998 م، بيروت، دار الكتب العربي.
أحمد بن عليّ أبو بكر الخطيب البغدادي، المتوفى 463 ه، بيروت، دار
الكتب العلمية.
جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفى 911 ه، الطبعة الثالثة 1383 ه، 1964 م، مصر، مطبعة المدني.
مير محمد بن سيد برهان الدين خواوندشاه الشهير بمير خواند، طبعة 1338 ش، ايران، انتشارات خيام.
كارل بروكلمان، الطبعة السابعة 1977 م، بيروت، دار العلم للملايين.
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفى 310ه، لبنان، تحقيق أبو الفضل إبراهيم.
سعيد عبد الفتاح عاشور، طبعة 1991 م، بيروت، دار النهضة العربية.
محمد بن إسماعيل بن إبراهيم أبو عبد الله البخاري الحنفي، المتوفى 256 ه، بيروت، دار الفكر.
أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر، المتوفى 571ه، طبعة 1421ه ـ 2000م، بيروت، دار الفكر.
فرهاد دفتري، الطبعة الثانية 1418 ه، طهران، نشر فرزان (فارسي).
أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح، المتوفى 284 ه، بيروت، دار صادر.
أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفى 376 ه، بيروت، دار الكتب العلمية.
أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى 460 ه، الطبعة الأولى 1409ه، مكتب الإعلام الإسلامي.
إبراهيم بن محمد بن سبط ابن العجمي أبو الوفا الحلبي الطرابلسي، المتوفى 841 ه، الطبعة الأولى 1414 ه ـ 1994 م، بيروت، مؤسسة الريان للطباعة والنشر.
شاه عبد العزيز الدهلوي، طبعة 1408 ه ـ 1988 م، تركيا، مكتبة الحقيقة.
أبو العلاء محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، المتوفى 1353 ه، بيروت، دار الكتب العلمية.
أبو محمد الحسن بن عليّ بن الحسين بن شعبة الحراني، الطبعة السادسة 1417 ه ـ 1996 م، بيروت، منشورات الأعلمي.
محمد بن طاهر بن القيسراني، المتوفى 507 ه، الطبعة الأولى 1415 ه، الرياض، دار الصميعي.
سبط بن الجوزي، المتوفى 654 ه، طبعة 1376 ه ـ 1418 ه، قم، منشورات الشريف الرضي.
محمد طاهر بن عليّ الهندي الفتني، المتوفى 976 ه، الطبعة الثانية 1399 ه، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج الأنصاري القرطبي، المتوفى 671 ه، طبعة 1405 ه ـ 1985 م، بغداد، مكتبة النهضة العربية.
محمد بن محمد بن النعمان العكبري (الشيخ المفيد)، المتوفى 413 ه، قم، المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، ضمن مجموعة مصنفات الشيخ المفيد.
محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري، المتوفى 360 ه، الطبعة الأولى 1408 ه، بيروت، مؤسسة الرسالة.
محمد بن أحمد بن جُزيّ الكلبي، المتوفى 747 ه، طبعة 1403 ه ـ 1983 م، بيروت، دار الكتاب العربي.
محمد بن يوسف الشهير بابن حيان الأندلسي الغرناطي، المتوفى 754 ه، الطبعة الثانية 1403 ه ـ 1983 م، بيروت، دار الفكر.
تعريب شركة ماستر ميديا، طبعة مصر، القاهرة.
محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري، المتوفى 310 ه، طبعة 1405 ه، بيروت، دار الفكر.
أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، المتوفى 774 ه، الطبعة الأولى، 1320 ه ـ 2000 م، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن الفخر الرازي، المتوفى 606 ه، الطبعة الأولى 1415 ه ـ 1995 م، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثبات الخطيب البغدادي، المتوفى 463 ه، الطبعة الثانية 1974 م، دار إحياء السنة النبوية.
شمس الدين أبو عبد الله الذهبي، المتوفى 748 ه، طبعة 1422 ه ـ 2002 م، بيروت، دار الفكر، بهامش المستدرك على الصحيحين.
أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، المتوفى 463 ه، طبعة 1387 ه، المغرب، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية.
جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفى 911 ه، الطبعة الأولى 1418 ه ـ 1997 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
أبو جعفر محمد بن الحسن بن عليّ الطوسي، المتوفى 460 ه، الطبعة الأولى 1418 ه، طهران، مكتبة الصدوق.
أبو الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني، المتوفى 852 ه، الطبعة الأولى 1325 ه، الهند ـ الدكن، مجلس دائرة المعارف النظامية.
جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي، المتوفى 742 ه، الطبعة الرابعة، 1406 ه، 1985 م، مؤسسة الرسالة.
أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين بن بابوية الصدوق، المتوفى 381 ه، الطبعة السابعة 1422 ه، قم، جامعة المدرسيين.
محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي، المتوفى 354 ه، الطبعة الأولى 1395 ه ـ 1975 م، دار الفكر.
أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين بن بابوية القمي الصدوق، 381 ه، الطبعة الرابعة 1410 ه ـ 1989، بيروت، مؤسسة الأعلمي.
أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، المتوفى 671 ه، الطبعة الأولى 1420 ه ـ 2000 م، بيروت، دار الكتب العلمي.
محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج القرطبي، المتوفى 671 ه، الطبعة الثانية 1372 ه، القاهرة، دار الشعب.
مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، المتوفى 606 ه، الطبعة الثانية 1403 ه ـ 1983 م، بيروت، دار الفكر.
أبو سعيد بن خليل بن كيكلدي أبو سعيد العلائي، المتوفى 761 ه، الطبعة الثانية 1407 ه ـ 1986 م، بيروت، عالم الكتب.
جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفى 911 ه، الطبعة الأولى 1401 ه، بيروت، دار الفكر.
أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، الطبعة الثانية 1998 م، بيروت، دار الغرب الإسلامي.
نعمان خير الدين المشهور بالآلوسي البغدادي، طبعة 1401 ه ـ 1981 م، مطبعة المدني.
جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفى 911 ه، الطبعة الأولى 1421 ه ـ 2000 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
أحمد شاه ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي، المتوفى 1176 ه، الطبعة الأولى 1415 ه ـ 1995 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
عبد الغني عبد الخالق، الطبعة الثانية 1415 ه ـ 1995 م، الرياض، الدار العالمية للكتاب الإسلامي.
علي أحمد السالوسي، الطبعة الأولى 1406 ه ـ 1986 م، أبو ظبي، دار صلاح.
غوستاف لوبون، الطبعة الثالثة 1375 ه ـ 1956 م، مصر، دار إحياء الكتب العربية.
أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، المتوفى 430 ه، الطبعة الأولى 1418 ه ـ 1997 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين بن بابوية القمي (الصدوق)، المتوفى 381 ه، الطبعة الأولى 1410 ه ـ 1990 م، بيروت، مؤسسة الأعلمي.
محب الدين الخطيب.
أحمد بن محمد بن حجر الهيثمي، المتوفى 973 ه، طبعة 1410 ه ـ 1989 م، بغداد، مطبعة الأمّة.
أحمد بن عليّ بن حجر أبو الفضل العسقلاني، المتوفى 852 ه، بيروت، دار المعرفة.
جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفى 911 ه، الطبعة الأولى 1365 ه، بيروت، دار الفكر.
جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، المتوفى 910 ه، دمشق، مكتبة قرطبة.
أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون التميمي المغربي، المتوفى 363 ه، طبعة 1383 ه ـ 1963 م، مصر، دار المعارف.
أبو بكر الحصني الدمشقي، المتوفى 821 ه، القاهرة، المكتبة الأزهرية للتراث.
محمد حسن بن محمد عبد الله بن محمد بن أحمد المظفر، المتوفى 1375 ه، الطبعة الثانية 1396 ه ـ 1976 م، القاهرة، دار المعلم للطباعة.
أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، المتوفى 458 ه، الطبعة الأولى 1405 ه ـ 1985 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
عليّ بن الحسين الموسوي البغدادي (الشريف المرتضى)، المتوفى 436 ه، الطبعة، 1411 ه، قم، جامعة المدرسين.
أبو نعيم أحمد بن عبد الله الإصبهاني، المتوفى 430 ه، طبعة 1934 م، مطبعة بريل.
محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري، المتوفى 694 ه، طبعة 1356 ه، القاهرة، مكتبة القدسي.
عليّ بن عمر بن أحمد الدارقطني، المتوفى 385 ه، القاهرة، مكتبة القرآن، تحقيق مبروك إسماعيل مبروك.
أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، المتوفى 538 ه، الطبعة الأولى 1410 ه، قم، منشورات الشريف الرضي.
أحمد بن محمد بن الحسين البخاري الكلاباذي أبو نصر، المتوفى 398 ه، الطبعة الأولى، 1407 ه، بيروت، دار المعرفة.
أبو العباس أحمد بن عليّ بن أحمد بن العباس النجاشي، المتوفى 450 ه، الطبعة السادسة 1418 ه، قم، جامعة المدرّسين.
تبويب ـ د عليّ أبو ملحم، الطبعة الثالثة 1995 م، بيروت، دار الهلال.
بيروت، مؤسسة النور للمطبوعات.
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني، المتوفى 728 ه، بيروت، دار الفكر.
محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، المتوفى 748 ه، الطبعة الأولى 1421ه، قم، انتشارات دليل.
أبو الفضل شهاب الدين محمود الآلوسي البغدادي، المتوفى 127 ه، الطبعة الأولى 1415 ه ـ 1994 م، بيروت، دار كتب العلمية.
أبو جعفر أحمد بن عبدالله محبّ الدين الطبري، المتوفى 694ه، الطبعة الاُولى 1418ه ـ 1997ه، بيروت، دار المعرفة.
أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن عليّ بن محمد الجوزي القرشي، المتوفى 597 ه، الطبعة الأولى 1407 ه، بيروت، دار الفكر.
أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المشهور (بابن قيم الجوزية)، المتوفى 723 ه، الطبعة الثالثة 1421 ه ـ 2000 م، بيروت، مؤسسة الرسالة.
عليّ بن عبد الكريم الفضيل شرف الدين، الطبعة الثانية 1413 ه ـ 1991 م، بيروت، العصر الحديث.
أبو الفوز محمد أمين البغدادي الشهير بالسويدي، المتوفى 1246 ه، الطبعة الأولى 1406 ه ـ 1986 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
محمد بن يوسف الصالحي الشامي، المتوفى 942 ه، الطبعة الأولى 1414 ه ـ 1993 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
علي الأحمدي، قم، إيران.
أبو جعفر محمد بن منصور بن أحمد بن أدريس الحلي، المتوفى 598 ه،
الطبعة الرابعة 1417 ه، قم، جامعة المدرسين.
أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري البصري البغدادي، المتوفى 323 ه، طهران، مكتبة نينوى الحديثة.
عمرو بن أبي عاصم الضحاك الشيباني، المتوفى 287 ه، الطبعة الأولى 1400 ه، بيروت، المكتب الإسلامي.
عبد الله بن أحمد بن حنبل الشيباني، المتوفى 290 ه، الطبعة الأولى 1406 ه، الدمام، دار ابن القيم.
يوسف القرضاوي، الطبعة الأولى 1420 ه ـ 1999 م، القاهرة، مكتبة وهبة.
أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، المتوفى 275 ه، بيروت، دار الفكر.
عليّ بن عمر أبو الحسن الدار قطني البغدادي، المتوفى 385 ه، طبعة 1386 ه ـ 1966 م، بيروت، دار المعرفة.
عبد الله بن عبد الرحمن أبو محمد الدارمي، المتوفى 205 ه، الطبعة الأولى
1407 ه، بيروت، دار الكتاب العربي.
أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي، المتوفى 303 ه، الطبعة الأولى 1411 ه ـ 1991 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
أبو بكر أحمد بن الحسين بن عليّ البيهقي، المتوفى 458 ه، طبعة 1420 ه ـ 1999 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، المتوفى 1374 ه، الطبعة الثانية 1419 ه ـ 1998 م، بيروت، مؤسسة الرسالة.
عليّ بن برهان الدين الحلبي، المتوفى 1044، طبعة 1400 ه، بيروت، دار المعرفة.
عبد الملك بن هشام الحميري، المتوفى 213 ه أو 218 ه، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
عليّ بن الحسين الموسوي الشريف المرتضى، المتوفى 436 ه، الطبعة الثانية 1410 ه، طهران، مؤسسة الصادق.
عبد الحي بن أحمد العكري الدمشقي، المتوفى 1089 ه، بيروت، دار
الكتب العلمية.
أبو الحسن عبد الله بن مفتاح، المتوفى 877 ه، الطبعة الثانية، صنعاء، مكتبة اليمن الكبرى.
محمد بن الحسين العراقي، بيروت، دار الكتب العلمية.
علاء الدين عليّ بن محمد القوشجي، المتوفى 879 ه، الطبعة حجرية، قم،منشورات الشريف الرضي.
محمد بن عبد الواحد السيواسي، المتوفى 681 ه، الطبعة الثانية، بيروت، دار الفكر.
مسعود بن عمر بن عبد الله الشهير بسعد الدين التفتازاني، المتوفى 793 ه، الطبعة الأولى 1407 ه ـ 1987 م، مصر، مكتبة الكليات الأزهرية.
مسعود بن عمر بن عبد الله الشهير بسعد الدين التفتازاني، المتوفى 793 ه، الطبعة الأولى 1412 ه، قم، منشورات شريف الرضي.
عليّ بن محمد الجرجاني، المتوفى 812 ه، الطبعة الثانية 1415 ه، قم، انتشارات الشريف الرضي، أوفسيت على طبعة مطبعة السعادة بمصر 1325 ه.
أبو حامد بن هبة الله بن محمد بن الحسين ابن أبي الحديد المدائني، الطبعة الثانية 1385 ه ـ 1965 م، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
أبو الفضل عياض اليحصبي (القاضي عياض)، المتوفى 544 ه، طبعة 1409 ه ـ 1988 م، بيروت، دار الفكر.
عبيد الله بن عبد الله بن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني، المتوفى 470 ه، الطبعة الأولى 1393 ه ـ 1974 م، بيروت، منشورات الأعلمي.
محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي، المتوفى 354 ه، الطبعة الثانية 1414 ه ـ 1993 م، بيروت، مؤسسة الرسالة.
محمد بن إسحاق بن خزيمة أبو بكر السلمي النيسابوري، المتوفى 311 ه،طبعة 1390 ه ـ 1970 م، بيروت، المكتب الإسلامي.
محمد بن إسماعيل بن إبراهيم أبو عبد الله البخاري، المتوفى 256 ه، الطبعة الثانية 1407 ه ـ 1987 م، بيروت، دار ابن كثير.
مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، المتوفى 261 ه، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
أبو زكريا يحيى بن شرف الحزامي الحوراني المعروف ب (محيي الدين النووي)، المتوفى 676 ه، الطبعة السادسة 1420 ه ـ 1999 م، يبروت، دار العرفة.
جعفر مرتضى العاملي، بيروت، دار السيرة.
أبو محمد عليّ بن محمد بن يونس العاملي النباطي، المتوفى 877 ه، الطبعة الأولى 1384 ه، طهران، المكتبة المرتضوية.
عبد الرحمن بن عليّ بن محمد أبو الفرج، المتوفى 597 ه، الطبعة الثانية 1399 ه ـ 1979 م، بيروت، دار المعرفة.
أبو العباس أحمد بن محمد بن عليّ ابن حجر الهيثمي، المتوفى 973 ه، الطبعة الأولى 1417 ه ـ 1997 م، بيروت، مؤسسة الرسالة.
محمد هادي معرفة، الطبعة الأولى 1410 ه، قم، دار القرآن الكريم.
أحمد أمين، الطبعة العاشرة، بيروت، دار الكتاب العربي.
أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي المعروف ب (أبي شامة)،
المتوفى 665 ه، الطبعة الأولى 1405 ه ـ 1985 م، القاهرة، دار الصحوة.
أبو نصر عبد الوهاب بن عليّ بن عبد الكافي السبكي، الطبعة الأولى 1420 ه ـ 1999 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
محمد بن سعد بن منيع المعروف ب (ابن سعد)، المتوفى 230 ه، الطبعة الثانية 1418 ه ـ 1997 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
أحمد بن عليّ بن حجر أبو الفصل العسقلاني الشافعي، المتوفى 852 ه، الطبعة الأولى 1403 ه ـ 1983 م، عمان، مكتبة المنار.
أبو القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس، المتوفى 664 ه، الطبعة الأولى 1420 ه ـ 1999 م، بيروت، مؤسسة الأعلمي.
محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، المتوفى 748 ه، الطبعة الثانية 1948 م، الكويت، مطبعة حكومة الكويت.
أحمد بن محمد بن صلاح الشرفي القاسمي، المتوفى 1055 ه، الطبعة الأولى 1415 ه ـ 1995 م، صنعاء، دار الحكمة اليمانية.
بهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي، المتوفى 624 ه، الرياض،
مكتبة الرياض الحديثة.
أحمد بن محمد بن عبد ربّه الأندلسي، المتوفى 328 ه، الطبعة الأولى 1417 ه ـ 1997 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف ب (أبي الشيخ الاصبهاني)، المتوفى 396 ه، الطبعة الأولى 1994 م، بيروت، دار الكتب العملية.
محمد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابوية القمي الصدوق، المتوفى 381 ه، الطبعة 1386 ه ـ 1966 م، النجف الأشرف، المطبعة الحيدرية.
يحيى بن الحسن بن الحسين الأسدي المعروف ب (ابن البطريق)، المتوفى 600 ه، الطبعة 1412 ه ـ طهران، طبعة.
أبو محمد محمود بن أحمد العيني، المتوفى 855 ه، الطبعة الأولى 1421 ه ـ 2001 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
محمد بن عبد الله بن يحيى ابن سيد الناس، المتوفى 734 ه، الطبعة 1406 ه ـ 1986 م، بيروت، مؤسسة فخر الدين للطباعة والنشر.
أبو جعفر بن عليّ بن الحسين بن بابوية القمي (الصدوق)، المتوفى 381 ه،
الطبعة الأولى 1404 ه ـ 1984 م، بيروت، منشورات الأعلمي.
محمد شمس الحق العظيم آبادي أبو الطيب، الطبعة الثانية 1415 ه، بيروت، دار الكتب العلمية.
هاشم بن سليمان بن إسماعيل التوبلي البحراني، الطبعة الأولى 1422 ه ـ 2001 م، بيروت، مؤسسة التاريخ العربي.
عبد الحسين أحمد الأميني، الطبعة الأولى 1416 ه ـ 1995 م، قم، مركز الغدير.
جار الله محمود بن عمر الزمخشري، المتوفى 583 ه، الطبعة الأولى 1417 ه ـ 1996 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
عز الدين بن عبد السلام، الطبعة الأولى 1416 ه ـ 1996 م، بيروت، مؤسسة الرسالة.
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني، المتوفى 728 ه، الطبعة الثالثة 1991 م، القاهرة، دار الغد العربي.
أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني، المتوفى 852 ه، الطبعة الثالثة 1421 ه
ـ 2000 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
محمد بن عليّ بن محمد الشوكاني، المتوفى 1250 ه، عالم الكتب.
تحقيق مصطفى حميدة، الطبعة الأولى 1418 ه ـ 1998 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
أحمد بن زين دحلان، الطبعة 1387 ه ـ 1968 م، القاهرة، مؤسسة الحلبي.
أبو محمد بن أعثم الكوفي، المتوفى 314 ه، الطبعة الأولى 1406 ه ـ 1986 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
أحمد بن يحيى بن جابر المشهور بالبلاذري، المتوفى 279 ه، طبعة 1379 ه، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية.
إبراهيم بن محمد بن المؤيد بن عبد الله بن عليّ بن محمد الجويني، المتوفى 730 ه، الطبعة الأولى 1398 ه ـ 1987 م، بيروت، مؤسسة المحمودي.
أبي شجاع شيروية بن شهردار بن شيروية الديلمي الهمداني، المتوفى 509 ه، الطبعة الأولى 1986 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
لابن الخطيب، الطبعة الأولى 1367 ه ـ 1948 م، القاهرة، دار الكتب المصرية.
محمد أحمد محمد الكبسي، طبعة 1413 ه ـ 1992 م.
عليّ بن محمد بن أحمد المالكي الشهير ب (ابن الصباغ)، المتوفى 855 ه، الطبعة الأولى 1416 ه، طهران، انتشارات أعلمي.
مرتضى الحسيني اليزدي الفيروز آبادي، الطبعة السابعة 1413 ه، قم، مكتبة الفيروز آبادي.
أحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني، المتوفى 241 ه، الطبعة الأولى 1403 ه ـ 1983 م، بيروت، مؤسسة الرسالة.
أحمد بن شعيب النسائي أبو عبد الرحمن، الطبعة الأولى 1405 ه، بيروت، دار الكتب العلمية.
عبد الرحمن الجزيري، المتوفى 1384 ه، طبعة 1413 ه ـ 1993 م، تركيا، مكتبة الحقيقة.
محمد بن عليّ بن محمد بن عبد الله بن الحسن الشوكاني، المتوفى
1250 ه، الطبعة الأولى 1406 ه ـ 1986 م، بيروت، دار الكتاب العربي.
محمد عبده، مصر، مكتبة محمد عليّ صبيح وأولاده.
عبد الرؤوف المناوي، الطبعة الأولى 1356 ه، مصر، المكتبة التجارية الكبرى.
نصر أبو الوفاء الهوريني، المتوفى 817 ه.
محمد جمال الدين القاسمي، الطبعة الأولى 1399 ه ـ 1979 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، المتوفى 329 ه، الطبعة السادسة 1417 ه، طهران، دار الكتب الإسلامية.
أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد، المتوفى 285 ه، الطبعة الثانية 1413 ه ـ 1993 م، بيروت، مؤسسة الرسالة.
أبو الحسن عليّ بن محمد بن محمد الشيباني المعروف ب (ابن الأثير)، المتوفى 630 ه، طبعة 1399 ه ـ 1979 م، بيروت، دار صادر.
أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، المتوفى 365 ه، الطبعة الثالثة
1409 ه، بيروت، دار الفكر.
أبو الحسن عليّ بن عمر الدار قطني، المتوفى 385 ه، الطبعة الأولى 1411 ه ـ 1990 م، الأردن، مكتبة المنار.
سليم بن قيس الهلالي الشافعي، المتوفى 76 ه، الطبعة الثانية 1415 ه، قم، نشر الهادي.
أبو الحسن الأشعري، المتوفى 330 ه، القاهرة، المكتبة الأزهرية.
أبو بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، المتوفى 316 ه، الطبعة الأولى 1355 ه ـ 1936 م، مصر، مطبعة الرحمانية.
أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة الكوفي، المتوفى 332 ه، الطبعة الأولى 1421 ه، قم، انتشارات دليل.
أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، المتوفى 538 ه، الطعبة الأولى 1418 ه ـ 1998 م، الرياض، مكتبة العبيكان.
إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي الجراحي العجلوي، المتوفى 1162 ه،
الطبعة الأولى 1418 ه ـ 1997 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
مصطفى بن عبد الله الشهير بالملا الجلبي، المتوفى 1067 ه، الطبعة 1419 ه ـ 1999 م، بيروت، دار الفكر.
الشيخ جعفر كاشف الغطاء، المتوفى 1228 ه، اصفهان، انتشارات مهدوي.
أبو الحسن عليّ بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي، المتوفى 693 ه، الطبعة الأولى 1421 ه ـ 2000 م، بيروت، دار الأضواء.
أبو إسحاق أحمد المعروف ب (الإمام الثعلبي)، المتوفى 427 ه، الطبعة الأولى 1422 ه ـ 2002 م، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
أبو القاسم عليّ بن محمد بن عليّ الخزاز القمي الرازي، المتوفى 400 ه، طبعة 1401 ه، قم، انتشارات بيدار.
محمد بن يوسف الكنجي الشافعي، المتوفى 658 ه، الطبعة الثالثة 1404 ه، طهران، دار إحياء تراث أهل البيت(عليهم السلام).
أحمد بن عليّ بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي، المتوفى 463 ه، المدينة
المنورة، المكتبة العلمية.
محمد بن عليّ بن الحسين بن بابوية القمي (الصدوق)، المتوفى 381 ه، الطبعة الرابعة 1422 ه، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.
أبو بشر بن محمد بن حماد الدولابي، المتوفى 310 ه، الطبعة الأولى 1322 ه، الهند، الدكن، حيدر آباد، مجلس دائرة المعارف النظامية.
علاء الدين عليّ المتقي بن حسام الدين الهندي، المتوفى 975 ه، طبعة 1409 ه ـ 1989 م، بيروت، مؤسسة الرسالة.
محمد بن عليّ بن الحسين بن بابوية القمي (الصدوق)، المتوفى 381 ه، الطبعة الرابعة 1422 ه، قم، جامعة المدرسين.
عبد الغني الغنيمي الدمشقي الميداني الحنفي، المتوفى 428 ه، الطبعة الرابعة 1399 ه ـ 1979 م، بيروت، دار الحديث.
أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الافريقي المصري، المتوفى 711 ه، الطبعة الأولى 1405 ه، قم، نشر أدب الحوزة.
أحمد بن عليّ بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، المتوفى 852 ه،
الطبعة الثالثة 1406 ه ـ 1986 م، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
محمد مرعي الأمين الأنطاكي، المتوفى 1383 ه، الطبعة الأولى 1417 ه، قم، دفتر تبليغات.
فجر الدين بن محمد بن منصور المؤيدي، الطبعة الأولى 1414 ه ـ 1993 م، اليمن، صعدة، مكتبة التراث الإسلامي.
أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، المتوفى 490 ه، الطبعة الأولى 1421 ه ـ 2000 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب البغدادي، المتوفى 463 ه، الطبعة الأولى 1417 ه ـ 1997 م، دمشق، دار القادري.
دمشق، ذي القعدة، 1375 ه.
المدينة المنورة، ذي القعدة، 1388 ه.
أبو عليّ الفضل بن الحسن الطبرسي، المتوفى 502 ه، الطبعة السادسة 1421 ه، طهران، انتشارات ناصر خسرو.
عليّ بن أبي بكر الهيثمي، المتوفى 807 ه، الطبعة 1407 ه، بيروت، دار
الكتاب العربي.
أبو زكريا محي الدين بن شرف النووي، المتوفى 676 ه، الطبعة الأولى 1417 ه ـ 1996 م، بيروت، دار الفكر.
أبو حامد الغزالي، المتوفى 505 ه، الطبعة الأولى 1416 ه ـ 1996 م، بيروت، دار الفكر.
طبعة 1970 م، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
يحيى بن الحسين الهاشم بن إبراهيم بن إسماعيل بن الحسن بن الحسين المعروف ب (الإمام الهادي)، اليمن، مكتبة اليمن الكبرى.
عبد الغريز بن عبد الله بن باز، الطبعة الأولى 1416 ه، الرياض، دار الوطن.
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني، المتوفى 728 ه، الطبعة الأولى 1418 ه ـ 1997 م، السعودية، دار الجيل.
أبو القاسم حسين محمد الراغب الاصبهاني، بيروت، منشورات دار
مكتبة الحياة.
أبو محمد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم، المتوفى 456 ه، الطبعة الأولى 1418 ه ـ 1997 م، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
محمود شكري الآلوسي، طبعة 1399 ه ـ 1979 م، تركيا، مكتبة ايشيق.
محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي، المتوفى 737 ه، بيروت، دار الفكر.
مالك بن أنس، بيروت، دار صادر.
أبو محمد عبد الله بن أسعد بن عليّ بن سليمان اليافعي، المتوفى 768 ه، الطبعة الأولى 1417 ه ـ 1997 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
أبو الحسن عليّ بن الحسين بن عليّ المسعودي، المتوفى 346 ه، الطبعة الثانية 1409 ه، ايران، منشورات دار الهجرة.
محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، المتوفى 405 ه، الطبعة الأولى 1411 ه ـ 1990 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
ميرزا حسين بن محمد تقي بن عليّ محمد بن تقي النوري الطبرسي،
المتوفى 1320 ه، الطبعة الأولى 1407 ه، قم، مؤسسة آل البيت.
أحمد بن عليّ بن المثنى أبو يعلي الموصلي التميمي، المتوفى 307 ه، الطبعة الأولى 1404 ه ـ 1984 م، دمشق، دار المأمون للتراث.
أحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني، المتوفى 241 ه، مصر، مؤسسة قرطبة.
أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، المتوفى 292 ه، الطبعة الأولى 1409 ه، بيروت، مؤسسة علوم القرآن.
الحارث بن أبي أسامة، المتوفى 282 ه، الطبعة الأولى 1413 ه ـ 1992 م، المدينة المنورة، مركز خدمة السنة والسيرة النبوية.
زيد بن عليّ، المتوفى 122 ه، بيروت، دار الحياة.
أحمد شلبي، الطبعة العاشرة 1993 م، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية.
محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، الطبعة الثالثة 1405 ه ـ 1985 م، بيروت، المكتب الإسلامي.
أبو جعفر الطحاوي، المتوفى 321 ه، اوفيست على الطبعة الأولى
1333 ه، الهند، الدكن، مطبعة حيدر آباد.
أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي، المتوفى 516 ه، الطبعة الأولى 1419 ه ـ 1998 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني، المتوفى 211 ه، الطبعة الأولى 1421 ه ـ 2000 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، المتوفى 235 ه، الطبعة الأولى 1409 ه، الرياض، مكتبة الرشد.
أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي السمدي النزوي، المتوفى 557 ه، سلطنة عمان، وزارت التراث القومي والثقافة.
كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي، المتوفى 652 ه، الطبعة الأولى 1420 ه، بيروت، مؤسسة أم القرى.
أحمد بن صالح بن أبي الرجال، المتوفى 1092 ه، نسخة مصورة على الخطي.
كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي، المتوفى 652 ه، الطبعة الأولى
1420 ه، بيروت، مؤسسة أم القرى.
أبو محمد عبد الله بن مسلم المعروف بابن قتيبة، المتوفى 276 ه، الطبعة الأولى 1415 ه، ايران، منشورات الشريف الرضي.
الحسين بن مسعود الفراء البغوي، المتوفى 516 ه، الطبعة الثانية 1407 ه ـ 1987 م، بيروت، دار المعرفة.
أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين بن بابوية القمي (الصدوق)، المتوفى 381 ه، الطبعة الرابعة 1418 ه، قم، انتشارات جامعة المدرسين.
أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، المتوفى 360 ه، الطبعة الأولى 1420 ه ـ 1999 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، المتوفى 360 ه، الطبعة الثانية 1404 ه ـ 1983 م، الموصل، مكتبة العلوم والحكم.
محمد بن عمر بن واقد، المتوفى 207 ه، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
عبد الله بن قدامة، المتوفى 620 ه، بيروت، دار الكتاب العربي.
شمس الدسن محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، المتوفى 748 ه، تحقيق نور الدين عمر.
الشيخ عباس القمي.
محاضرات الأستاذ الشيخ جعفر السبحاني، الطبعة الرابعة 1413 ه، قم، مؤسسة الصادق عليه السلام.
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف ب (الراغب الإصفهاني)، المتوفى 502 ه، الطبعة الأولى 1404 ه، دفتر نشر الكتاب.
عليّ بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم، أبو الفرج الاصفهاني، المتوفى 356 ه، الطبعة 1385 ه ـ 1965 م، النجف الأشرف، المكتبة الحيدرية.
أبو المؤيد الموفق بن أحمد المكي أخطب خوارزم، المتوفى 568 ه، الطبعة الأولى 1418 ه، قم، دار أنوار الهدى.
أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوي، المتوفى 643 ه، الطبعة الأولى 1416 ه، بيروت، دار الكتب العلمية.
أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني، بيروت، دار المعرفة.
أبو القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن طاووس، المتوفى 664 ه، الطبعة الثانية 1417 ه، قم، دار أسوة.
أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الحنبلي المعروف ب (ابن قيم الجوزية)، المتوفى 751 ه، الطبعة السادسة 1414 ه ـ 1994 م، بيروت، دار البشائر الإسلامية.
الموفق بن أحمد بن محمد البكري المكي الخوارزمي، المتوفى 568 ه، الطبعة الثانية 1411 ه، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.
أبو عبد الله محمد بن عليّ بن شهر آشوب المازندراني، المتوفى 588 ه، طبعة 1376 ه ـ 1956 م، النجف الأشرف، مطبعة الحيدرية.
أبو عبد الله بن أحمد بن عثمان الذهبي، المتوفى 748 ه، طبعة 1416 ه ـ 1996 م، مصر، المكتبة الأزهرية.
أبو الحسن عليّ بن محمد الشافعي الشهير ب (ابن المغازلي)، المتوفى 483 ه، الطبعة 1403 ه ـ 1983 م، بيروت، دار الأضواء.
محمد سلام مسدكور، الطبعة الأولى 1393 ه ـ 1973 م، الكويت، جامعة الكويت.
أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسبن بن بابوية القمي (الصدوق)، المتوفى 381 ه، الطبعة الخامسة 1410 ه، طهران، دار الكتب الإسلامية.
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني، المتوفى 728 ه، السعودية، دار أحمد.
أبو العباس أحمد بن عليّ بن عبد القادر العبيدي المقريزي، المتوفى 845 ه، الطبعة الأولى 1418 ه ـ 1998 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، المتوفى 756 ه، الطبعة الأولى 1417 ه، بيروت، دار الجيل.
أبو الفرج عبد الرحمن بن عليّ ابن الحوزي، المتوفى 597 ه، الطبعة الأولى 1415 ه ـ 1995 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
مالك بن أنس، الطبعة الأولى 1419 ه ـ 1998 م، الكويت، جمعية إحياء التراث الإسلامي.
شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، المتوفى 748 ه، الطبعة الأولى 1995 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
أبو الحسن عليّ بن الحسين بن محمد السغدي، المتوفى 461 ه، الطبعة 1975 م، بغداد، مطبعة الارشاد.
عباس بن عليّ بن الدين المكي، المتوفى 1180 ه، طبعة 1386 ه ـ 1967 م، النجف الأشرف، منشورات المطبعة الحيدرية.
محمد بن عقيل بن عبد الله بن عمر بن يحيى العلوي، المتوفى 1305 ه، الطبعة الأولى 1412 ه ـ 1991 م، لندن، مؤسسة الفجر.
عبد الله بن يوسف أبو محمد الحنفي الزيعلي، المتوفى 762 ه، طبعة 1357 ه، مصر، دار الحديث.
جمال الدين الزيعلي، المتوفى 762 ه، الطبعة الأولى 1415 ه ـ 1995 م، القاهرة، دار الحديث.
جمال الدين محمد بن يوسف بن الحسن بن محمد الزرندي الحنفي، المتوفى 750 ه، الطبعة الأولى 1377 ه ـ 1958 م، المكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام العامة.
أبو عبد الله محمد بن جعفر الكتاني، المتوفى 345 ه، الطبعة الثانية، مصر،
دار الكتب السلفية.
مؤمن بن حسن بن مؤمن الشبلنجي، الطبعة الأولى 1418 ه ـ 1997 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
أبو إسحاق الإسفرايني، ق 10، تونس، مطبعة المنار.
أبو السعادات المبارك بن محمد ابن الأثير الجزري، المتوفى 606 ه، الطبعة الأولى 1418 ه ـ 1997 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
محمد بن عليّ بن محمد الشوكاني، المتوفى 1255 ه، طبعة 1420 ه ـ 1999 م، بيروت، دار الكتب العلمية.
عليّ بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغياني، المتوفى 593 ه، بيروت، المكتبة الإسلامية.
عبد الله محمد الغريب، الطبعة الثانية 1411 ه ـ 1990 م، مصر، مكتب بريد الجمهورية.
محمد بن الحسن الحر العاملي، المتوفى 1104 ه، الطبعة الثانية 1414 ه، قم، مؤسسة آل البيت.
أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، المتوفى 681 ه، طبعة 1968 م، بيروت، دار الثقافة.
نصر بن مزاحم المنقري، المتوفى 212 ه، الطبعة الثانية 1382 ه، المؤسسة العربية الحديثة للطباعة والنشر.
سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي، المتوفى 1294 ه، الطبعة الأولى 1416 ه، قم، دار اسوه.
الحسين بن محمد بن أحمد بن يحيى بن الهادي، صنعاء، دار ومكتبة الخير.
عبد الوهاب بن أحمد بن عليّ الشعراني المصري، المتوفى 973 ه، الطبعة الأولى 1418 ه ـ 1997 م، بيروت، دار إحياء التراث.
فهرس المصادر .... 553
البحث عن الحقيقة في المتاهات .... 15
البحث في دائرة الإسلام والتشيع بالخصوص .... 16
التوحيد والشرك .... 17
معنى العبادة .... 18
تعريف العبادة .... 20
الاعتقاد بالإلوهية .... 20
معنى الإله في القرآن .... 21
الاعتقاد بالربوبية .... 22
الفرق بين التكريم والعبودية .... 22
درء شبهة الشرك بالعبادة .... 23
الاهتداء بنور معارف أهل البيت(عليهم السلام) .... 24
بداية التعرف على التشيع .... 25
ولاية الإمام عليّ(عليه السلام) في القرآن والسنة .... 26
إنقاذ النفس من الضلالة .... 34
بداية الالتفات إلى الحقيقة .... 35
التعرف على الشيعة .... 36
المفاجأة باستبصار أحد أقربائي .... 37
شخصية يزيد بن معاوية .... 37
جرائم يزيد بن معاوية .... 40
العلماء المصرحين بكفر يزيد وجواز لعنه .... 44
نقطة التحول والاستبصار .... 47
اللقاء الأوّل بالشيعة .... 51
أهمية الحوار الهادىء في البحث .... 52
أهمية الإعلام في ترسيخ المبادىء .... 53
أسباب كثافة الإعلام المضاد ضدّ الشيعة .... 53
مواقف الشيعة أزاء الإعلام المضاد .... 54
بطلان التشنيع على أذان الشيعة .... 55
هل الشهادة الثالثة في الأذان بدعة؟ .... 57
مرحلة تحديد المصير العقائدي .... 58
آثار وسائل الإعلام على معتقدات الأُمم .... 59
منهجية الحوار الصحيح في عالمنا المعاصر .... 60
أسباب محاربة الحكّام للشيعة والتشيع .... 61
من أسباب إنتشار التشيع في عالمنا المعاصر .... 61
كتاب المراجعات ودوره في نشر التشيع .... 62
أحمد إسماعيل في رحاب كتاب المراجعات .... 63
الأدلّة في كتاب المراجعات .... 65
تمجيد الشيخ سليم البشري بالعلامة شرف الدين .... 69
الصراع النفسي حين الاستبصار حسم الموقف .... 69
ماذا بعد إعلان الاستبصار .... 70
المكانة الاجتماعية .... 71
دافع الانطلاق نحو البحث .... 72
الاعتقاد بالمهدي المنتظر(عليه السلام) .... 73
إثبات ولادة المهدي (عليه السلام) .... 73
تواتر الأخبار حول المهدي (عليه السلام) .... 76
المهدي من العترة الطاهرة .... 78
مرحلة الاستبصار .... 79
التعرف على التشيع .... 81
البحث عن مصداق العترة .... 83
حديث الثقلين ودلالته .... 84
حديث " كتاب الله وسنتي " .... 86
هل يعارض حديث " وسنتي " حديث الثقلين؟ .... 87
مناقشات في مدلول الخبر .... 91
مرحلة التحرّر من التحجر الفكري .... 92
الفرق بين أن ترى وأن تسمع .... 95
الخطوات الأولى لمعرفة التشيع .... 96
الشيعة وسجودهم على التربة .... 97
أدلّة حصر السجود على الأرض .... 97
روايات العترة: في اختصاص السجود على الأرض .... 99
مناقشة آراء الفقهاء في السجود .... 100
مرحلة التحوّل .... 104
التعرّف على التشيع .... 108
تعريف العصمة .... 108
أسباب العصمة .... 109
أدلّة لزوم عصمة الإمام .... 110
اشتراك الزيدية والإمامية في القول بعصمة الأئمة(عليهم السلام) .... 115
إثبات عصمة الأئمة من ذرّية الحسين .... 117
الإندفاع نحو الاستبصار .... 119
في رحاب كتاب مفاتيح الجنان .... 121
في رحاب دعاء الندبة .... 124
مع زيارة الجامعة .... 125
الاستجابة لنداء الفطرة .... 126
المحفّز لتغيير الانتماء الفكري .... 127
مطالعة أوّل كتاب شيعي .... 128
أهمّية مسألة الإمامة .... 128
لابد من التحرّر عن التعصّب .... 129
حديث الثقلين ودلالته .... 130
حديث " كتاب الله وسنتي " .... 135
مصداق عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .... 137
وأخيراً تمسّكت بالعترة(عليهم السلام) .... 137
زيارة القبور وآثارها التربوية .... 139
بداية رحلة البحث .... 141
مسألة تأويل القرآن .... 141
مهمّة تأويل القرآن بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .... 142
الطريق الصحيح لسدّ باب الاختلاف .... 144
حجّية ظواهر القرآن .... 146
التحرّر من الانقياد الأعمى .... 148
مرحلة الضياع الفكري .... 149
أسباب ترك الدين في الغرب .... 150
بدء الرحلة من الظلمات إلى النور .... 151
المستشرقون وتشويه الإسلام .... 152
القيم الإسلامية الرائعة .... 154
دور أهل البيت: في صيانة الإسلام .... 154
بداية التعرّف على التشيع .... 157
حبّ وموّدة أهل البيت(عليهم السلام) .... 158
سبب اهتمام الباري بمودّة القربى .... 158
المرء مع من أحبّ .... 159
معاناة أهل البيت(عليهم السلام) .... 160
ثمرة الإخلاص في محبّة أهل البيت(عليهم السلام) .... 161
الخطوة الأولى للهداية .... 163
مواجهة الحقائق المرّة .... 164
الجمع بين الصلاتين .... 165
مواقيت الصلاة في القرآن .... 165
جمع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للصلاة .... 168
أسباب الجمع بين الصلاتين .... 171
الهداية إلى سبيل الرشاد .... 172
مرحلة التشكيك والاستفسارات .... 173
التشنيع ضد الشيعة .... 174
أضواء على مسح الأرجل في الوضوء .... 175
زواج المتعة .... 178
الوصول إلى الحقّ .... 180
حضور أبناء العامة في المجالس الحسينية .... 181
أسباب خلود المجالس الحسينية .... 182
أسباب إقامة المجالس الحسينية .... 183
الفوائد المتوخاة في أحياء المجالس الحسينية .... 184
تأثير المجالس الحسينية على الجمهور .... 186
بداية التحول .... 190
نتائج محبّة أهل البيت(عليهم السلام) .... 190
جلاء الحقّ ووضوحه .... 191
التعرّف على الشيعة .... 193
مشكلة الفراغ العقائدي .... 194
أضواء على غدير خم .... 195
رواة حديث الغدير .... 196
تهنئة الشيخين للإمام عليّ(عليه السلام) في غدير خمّ .... 197
الاهتداء إلى المحجّة البيضاء .... 199
اجتياز الحواجر للوصول إلى الحقّ .... 201
أثر البحث الموضوعي المتماسك .... 202
الخلفاء في الميزان .... 202
مخالفات أبي بكر للقرآن والسنّة .... 203
مخالفات عمر للقرآن والسنّة .... 207
مخالفات عمر في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .... 210
نتائج قلبت الموازين .... 211
اتساع المدّ الوهابي .... 213
لابد من التحصّن بالمعرفة .... 214
أبو هريرة في حجمه الحقيقي .... 215
أبو هريرة في علم الرجال .... 216
أبو هريرة في عهد بني أميّة .... 218
روايات أبي هريرة .... 219
الوصول إلى الحقيقة .... 220
التخبط في الفراغ الديني .... 223
الانبهار بشجاعة الإمام عليّ(عليه السلام) .... 224
البحث عن الحقيقة .... 224
أبو بكر وآية الغار .... 225
تسمية أبي بكر بالصدّيق .... 229
وأخيراً تجلّت الحقيقة .... 231
أثر مرقد الإمام الحسين(عليه السلام) في الوجدان .... 233
الإمام الحسين(عليه السلام) ثار الله .... 234
بوادر التعرّف على التشيع .... 236
البحث عن الحقيقة .... 237
مسألة زيارة القبور .... 237
مرحلة إيقاظ الفطرة وإنارة البصيرة .... 240
إيقاظ النفس .... 241
مناظرات مع الشيعة .... 242
الاختلاف الفقهي بين المذاهب الإسلامية .... 242
المذاهب الإسلامية المندثرة .... 243
المذاهب الإسلامية التي كتب لها البقاء .... 243
أسباب بقاء المذاهب الأربعة .... 244
مذهب أهل البيت(عليهم السلام) .... 249
خصومة المذاهب الأربعة في ما بينها .... 250
حجّية أصول التشريع عند المذاهب الأربعة .... 251
غلق أبواب الاجتهاد عند أبناء العامة .... 253
الانتماء للمذهب الجعفري .... 254
أهمّية دراسة التاريخ الإسلامي .... 257
وعي مجتمعاتنا المعاصرة .... 259
بداية التحرّر من التقليد الأعمى .... 260
في رحاب حديث غدير خمّ .... 261
مفاد خبر الغدير .... 261
رفض القوم لتنصيب الإمام عليّ(عليه السلام) للخلافة .... 264
مجال تأويل حديث الغدير .... 266
كلام الغزّالي حول حديث الغدير .... 267
مواجهة التيار الاجتماعي بعد الاستبصار .... 268
سبيل التحرّر من البيئة المتخلّفة .... 269
إزالة الرواسب الموروثة .... 271
عصمة أئمة أهل البيت(عليهم السلام) .... 273
موقف أبناء العامة من العصمة .... 274
مناظرة الإمام الرضا(عليه السلام) والمأمون حول العصمة .... 276
عصمة الإمام ولزوم الاعتقاد بها .... 277
الأدلّة القرآنية للعصمة .... 278
الأحاديث الدالّة على العصمة .... 281
المرحلة العصيبة لتحديد المصير .... 283
التحرّر من التعصب والجمود الفكري .... 285
البحث عن أساس الخلاف بين السنة والشيعة .... 286
موقف الرسول من مستقبل الحكم الإسلامي .... 286
العهد الإلهي بالخلافة .... 287
ماجرى بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .... 288
السير التاريخي للخلافة .... 289
التنظير لمسألة الخلافة .... 290
سلبية الشورى في الحكم .... 291
أهمية الإمامة .... 293
الإهتداء بهدي الأئمة .... 294
مرحلة التحرّر الفكري .... 295
صعوبات في طريق الاستبصار .... 296
مصير الأمّة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .... 297
أضواء على حديث السفينة .... 298
رواة حديث السفينة .... 298
دلالات حديث السفينة .... 299
أبيات الشافعي في حديث السفينة .... 300
الفرقة الناجية .... 301
الوصول للنتائج .... 301
بداية التعرف على التشيع .... 303
بدعة صلاة التراويح .... 304
مسألة زيارة القبور .... 307
قول الأعلام في زيارة القبور .... 310
الوصول إلى جادّة الأمان .... 312
حقيقة التشيع .... 313
واقعة الطفّ الدامية .... 315
لماذا أخرج الإمام الحسين(عليه السلام) عياله معه؟ .... 316
من هم قتلة الإمام الحسين(عليه السلام) .... 318
الاقتناع التام بأحقيّة التشيّع .... 320
مرحلة خطيرة من الضياع .... 321
كشف الغطاء عن الملابسات .... 321
مع كتيب الخطوط العريضة .... 323
دراسات الفقه الإسلامي عند الشيعة وأبناء العامة .... 324
التقيّة في الفكر الإسلامي .... 325
مسألة تحريف القرآن .... 329
قول الشيعة بعدم تحريف القرآن .... 330
تحريف القرآن عند أبناء العامة .... 332
ماورد حول آيات القرآن من مرويات أبناء العامة .... 333
حقيقة الإمام المهدي(عليه السلام) .... 336
الإذعان لنداء الحقّ .... 340
التعرّف على التشيّع .... 341
غزو التيار الوهابي .... 342
أسئلة حائرة تحتاج إلى جواب مقنع .... 342
ملاحظات على كتاب (وجاء دور المجوس) .... 343
من قال بتحريف القرآن؟! .... 344
الشيعة وعلم الحديث .... 347
البخاري وصحيحه .... 349
لماذا هذا التمزق في الساحة الإسلامية؟ .... 353
وضع النقاط على الحروف .... 354
بداية الرحلة .... 355
دور الإمام الصادق(عليه السلام) في حفظ الشريعة .... 356
الفترة الذهبيّة التي عاشها الإمام الصادق(عليه السلام) .... 357
مدرسة الإمام الصادق(عليه السلام) .... 359
مواقف الإمام الصادق(عليه السلام) ازاء حكّام الجور .... 361
الإمام الصادق(عليه السلام) وعهد العبّاسيين .... 362
الوصول إلى شاطىء النجاة .... 362
اجتياز الحواجز النفسية .... 365
الالتحاق بمدرسة شيعيّة .... 366
مشكلة التجسيم ورؤية الله تعالى عند العامة .... 366
روايات العامة في وصف الله تعالى .... 369
منشأ التجسيم والرؤية في التراث الإسلامي .... 370
محاورة الإمام الرضا(عليه السلام) وأبي قرّة حول الرؤية .... 371
مناقشة الأشعري في مسألة الرؤية .... 372
تمحّلات أبناء العامة في تجويز الرؤية .... 373
تنزيه الباري عزّوجلّ لنفسه .... 375
معرفة الحقّ بين ركام الباطل .... 376
فتح آفاق الحوار العلمي البنّاء .... 377
كيفية الوضوء عند الإمامية .... 378
الإمامة عند الشيعة .... 379
أقوال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في أعلميّة عليّ(عليه السلام) .... 380
التشويش الفكري بين الآراء المتضاربة .... 383
الوصول إلى الدليل القاطع .... 385
غموض عقيدة التثليث عند المسيحية .... 387
في رحاب الإسلام .... 388
بدعة صلاة التراويح .... 389
أوّل من جاء ببدعة صلاة التراويح .... 392
عدد ركعات صلاة التراويح .... 393
نهي الإمام عليّ(عليه السلام) لصلاة التراويح .... 394
موقف بعض الصحابة من صلاة التراويح .... 395
مرحلة رفع اللبس والغموض .... 395
مرحلة التذبذب وفقدان الثبات .... 397
مشاهدة بصيص النور وسط الظلام الدامس .... 399
تقييم موضوعي لسيرة معاوية بن أبي سفيان .... 400
معاوية وكتابة الوحي .... 400
وصف معاوية بخال المؤمنين .... 401
حقيقة معاوية بن أبي سفيان .... 402
نفاق معاوية .... 404
معاوية وأهل الشام .... 405
حقد معاوية على الإمام عليّ(عليه السلام) والأنصار .... 407
خصال معاوية الموبقة .... 408
مشروعيّة خلافة معاوية .... 409
معاوية وتثبيت دعائم الحكم له ولإبنه .... 410
موقف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من معاوية .... 411
الاستقرار على الصراط المستقيم .... 412
السعي لمعرفة الحقّ .... 413
صحيح البخاري عند أبناء العامة .... 414
نظرة في صحيح البخاري .... 415
نقد بعض أبناء العامة لصحيح البخاري .... 419
البصيرة وإزالة الحجب عن النفس .... 420
بداية الحوار مع الشيعة .... 421
السجود على التربة .... 422
أهمية السجود .... 422
الأخبار تشترط السجود على الأرض .... 423
أخبار جواز السجود على النبات .... 423
مناقشة أحاديث السجود على الثياب .... 425
السجود على التربة الحسينية .... 426
حكمة السجود على التربة الحسينية .... 428
حصد الثمار البحث .... 429
السيرة الحسنة وبلورة الفكر .... 431
الانجراف مع التيار القومي .... 432
الإعجاب بحركة الأخوان .... 432
التوجّه نحو التصوّف .... 433
الاطّلاع على حقائق تاريخية .... 434
هجرة الإمام عليّ(عليه السلام) إلى المدينة .... 438
شخصيّة عمر بن الخطّاب الحقيقية .... 438
علّة تأخّر دخول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للمدينة .... 441
الانتماء لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) .... 443
ازالة الغشاوة عن البصيرة .... 445
حديث الأئمة اثنا عشر .... 446
مصاديق الأئمة الاثني عشر .... 448
الهدي بهدى الأئمة الاثنى عشر .... 450
البحث عن أجوبة مقنعة .... 453
بطلان حديث " خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء " .... 455
ما نقل من سيرة عائشة .... 456
انقشاع سحب الظلام .... 464
الورود من نافذة التاريخ .... 467
مواجهة الحقائق المرّة .... 468
بيعة أبي بكر فلته! .... 469
المراد من " الفلتة " .... 472
موقف الزهراء(عليها السلام) من بيعة أبي بكر .... 472
تصريح عمر بأولوية الأمر للإمام عليّ(عليه السلام) .... 474
الوقوف إلى جنب الحقيقة .... 475
البحث عن الضالة المنشودة .... 477
البشارة وبداية البحث .... 478
أقوال علماء غير المسلمين حول البشارة بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .... 479
البشارات في كتب العهد القديم بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .... 480
التوجه نحو الدين الإسلامي .... 482
البحث عن مصداق البشارة .... 482
بشارة داود حول مهدي آخر الزمان(عليه السلام) .... 484
وجدت ضالتي في التشيّع .... 486
في رحاب كتاب نهج البلاغة .... 487
تسديد الباري للإمام عليّ(عليه السلام) .... 489
علم الإمام عليّ(عليه السلام) .... 489
علّة اهتمام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعليّ(عليه السلام) .... 491
شهادة عمر وغيره بأعلمية الإمام عليّ(عليه السلام) .... 491
لماذا هذا التعتيم لفضائل الإمام عليّ(عليه السلام) .... 492
إمامة الإمام عليّ(عليه السلام) بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .... 493
الحصيلة الثمينة .... 494
البحث الجاد والمعمّق .... 495
البحث عن الفرقة الناجية .... 496
أثر رزية الخميس في نشوء الفرق الإسلامية .... 497
دلالات رزيّة الخميس .... 499
مخالفات عمر للسنة .... 500
لماذا لم يكتب الرسول الكتاب .... 502
أثر رزية الخميس بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .... 502
البحث لمعرفة الإمام .... 503
اجتياز بعض العقبات المانعة من الاستبصار .... 504
مرحلة الضياع الفكري والفراغ الديني .... 505
غموض عقيدة التثليث عند النصارى .... 506
آراء بعض النصارى حول تسامح المسلمين .... 507
تعامل المسيحيين مع المسلمين في القرون الوسطى .... 508
التحرّر من التيه المظلم .... 509
الكنيسة وطقوسها المبهمة .... 511
انتشال النفس من الأوهام .... 512
أوّل إلتفاته إلى التشيع .... 513
عقائد الشيعة الاثنى عشرية .... 514
مرحلة الحيرة والاستغراب .... 514
موقف الإمام عليّ(عليه السلام) ممن تقدمه .... 515
أمور تدفع الباحث للتأمّل .... 517
نماذج تاريخية لرفض الاصطفاء الإلهي .... 518
الرجوع إلى الحق والأخذ به .... 519
الإمامة عند الزيدية .... 521
الإمامة في الفكر الشيعي .... 522
أدلّة إمامة عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) .... 522
صلة الزيدية بالشهيد زيد بن عليّ .... 524
تعاطف الزيدية مع المعتزلة .... 525
جهة الاشتراك بين الزيدية والإمامية .... 526
نهاية المطاف .... 527
في رحاب مأساة واقعة الطفّ .... 529
مشروعية البكاء على الميت .... 530
بكاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على سبطه الحسين(عليه السلام) .... 533
فلسفة البكاء على الإمام الحسين(عليه السلام) وأهل بيته .... 537
منطلق الاستبصار .... 537
التأمّل في التاريخ الإسلامي .... 539
بدء التعرّف على الشيعة .... 540
بنو أميّة في مسار التاريخ .... 540
حقيقة قرابة بني أميّة من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .... 541
نقمة المسلمين على عثمان .... 542
مواجهة الواقع بروح بناءة .... 550