کتاب نهجِ البلاغة من کلام أَمیر الْمؤمنین علی بن أَبِی طالب علیه السلام جلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

و رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية ببغداد 1584 لسنة 2022

مصدر الفهرسة : IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda

رقم تصنيف :BP193.1.A2 S53 2022 :LC

المؤلف الشخصي : ابن حبيب اللّه محمد، كان حيا 881 للّهجرة - مؤلف.

العنوان: كتاب نهج البلاغة من كلام امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

بيان المسؤولية : جمع الرضي ذي الحسبين محمد بن السيد الامام الحسين الرضي الموسوي؛ نسخة التحقيق المعتمدة (نسخة (بغداد) نسخها ابن نازويه القمي؛ قابلها المحقق علىخمس نسخ خطية وأربعة شروح وبهامش التحقيق شرح السيد فضل اللّه الراوندي؛تحقيق ومراجعة وإعداد الاستاذ الدكتور صلاح الفرطوسي.

بيانات الطبع : الطبعة الأولى.

بيانات النشر كربلاء، العراق العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2022 / 1443 للّهجرة.

الوصف المادي: 3 مجلد ؛ 24سم.

سلسلة النشر : (العتبة الحسينية المقدسة ؛ 1015).

سلسلة النشر : (مؤسسة علوم نهج البلاغة، 208؛ سلسلة تحقيق المخطوطات، 15).

تبصرة ببليوجرافية : يتضمن هوامش.

موضوع شخصي: علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) الامام الاول، 23 قبل الهجرة -40 للّهجرة - حديث.

موضوع شخصي: علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للّهجرة - رسائل.

موضوع شخصي: علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للّهجرة - خطب.

موضوع شخصي: علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للّهجرة - كلمات قصار.

مصطلح موضوعي: البلاغة العربية.

اسم مؤلف اضافي الراوندي، فضل اللّه بن علي بن عبيد اللّه، - 571 -- شارح.

اسم مؤلف اضافي: الفرطوسي، صلاح -- محقق.

اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة (كربلاء، العراق)، مؤسسة علوم نهج البلاغة. جهة مصدرة.

تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية

جميع الحقوق محفوظة

العتبة الحسينية المقدسة

الطبعة الأولى

1443ه- 2022م

العراق - كربلاء المقدسة - مجاور مقام علي الأكبر (عَلَيهِ السَّلَامُ)

مؤسسة علوم نهج البلاغة

الموقع الألكتروني: www.inahj.org

الإيميل : Inahj.org@gmail.com

موبايل : 07815016633 - 07728243600

محرر الرقمي: مرتضی حاتمي فرد

اشارة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

کِتابُ نَهجِ البَلَاغَةِ

مِنْ كَلامَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ عَلَى بَن أَبِي طَالِبٌ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

و رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية ببغداد 1584 لسنة 2022

مصدر الفهرسة : IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda

رقم تصنيف :BP193.1.A2 S53 2022 :LC

المؤلف الشخصي : ابن حبيب اللّه محمد، كان حيا 881 للّهجرة - مؤلف.

العنوان: كتاب نهج البلاغة من كلام امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

بيان المسؤولية : جمع الرضي ذي الحسبين محمد بن السيد الامام الحسين الرضي الموسوي؛ نسخة التحقيق المعتمدة (نسخة (بغداد) نسخها ابن نازويه القمي؛ قابلها المحقق علىخمس نسخ خطية وأربعة شروح وبهامش التحقيق شرح السيد فضل اللّه الراوندي؛تحقيق ومراجعة وإعداد الاستاذ الدكتور صلاح الفرطوسي.

بيانات الطبع : الطبعة الأولى.

بيانات النشر كربلاء، العراق العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2022 / 1443 للّهجرة.

الوصف المادي: 3 مجلد ؛ 24سم.

سلسلة النشر : (العتبة الحسينية المقدسة ؛ 1015).

سلسلة النشر : (مؤسسة علوم نهج البلاغة، 208؛ سلسلة تحقيق المخطوطات، 15).

تبصرة ببليوجرافية : يتضمن هوامش.

موضوع شخصي: علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) الامام الاول، 23 قبل الهجرة -40 للّهجرة - حديث.

موضوع شخصي: علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للّهجرة - رسائل.

موضوع شخصي: علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للّهجرة - خطب.

موضوع شخصي: علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للّهجرة - كلمات قصار.

مصطلح موضوعي: البلاغة العربية.

اسم مؤلف اضافي الراوندي، فضل اللّه بن علي بن عبيد اللّه، - 571 -- شارح.

اسم مؤلف اضافي: الفرطوسي، صلاح -- محقق.

اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة (كربلاء، العراق)، مؤسسة علوم نهج البلاغة. جهة مصدرة.

تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية

سلسلة تحقيق المخطوطات

وحدة تحقيق الشروحات (15)

کِتابُ نَهجِ البَلَاغَةِ

مِنْ كَلامَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ عَلَى بَن أَبِي طَالِبٌ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

جمع الرضي ذي الحسين محمد بن السيد الإمام الحسين الرضى الموسوي المتوفى (406) للّهجرة النبوية

نسخةُ التحقيق المعتمدة (نُسخةُ بِغَدَادَ) نَسخها ابن بازويه الفني (ت 556 ه) وقابلها المحقق عَلَى حَمس نسخ خَطَبَةِ وَارْبَعَةِ شُروح

وَنَهَامِش التحقيق شَرْحُ السَيْدِ فَضْلُ اللّه الراوندي (ت 751 ه)

الجزء الاول

تحقيق ومراجعة وَاعْدَادِ

الأستاذ الدكتور صلاح الفرطوسي

اصدار

مُوسسة علوم نهج البلاغة

العَتَبَةُ الحُسَيْنيَةُ المُقَدَسَةِ

مقدمة المؤسسة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

«الحَمْدُ اللّه عَلى ما أَنْعَمَ، وَلَهُ الشُّكْرُ عَلى ما أَهُم، والثناءُ بِما قَدَّمَ، مِنْ عُمُومِ نِعَمِ ابْتَدَأها، وَسُبُوعُ آلاء أشداها، وَتَمامٍ مِنَن والاها، جَمَّ عَنِ الإِحْصاءِ عَدَدُها، وَنَأَى عَنِ الجَزاء أمَدُها، وَتَفاوَتَ عَنِ الإِدْراكِ أَبَدها، وَنَدَبَهُمْ لِاِسْتِزادَتِها بِالشكْرِ لاتصالها، وَاسْتَحْمَدَ إِلى الخَلائِقِ بِإِجْزَالِهَا، وَثَنَّى بِالنَّدْبِ إلى أمثالها»(1).

«وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُه وَرَسُولُهُ أَرْسَلَه بِالدِّينِ المُشْهُورِ وَالْعَلَمِ الأُنُورِ، والْكِتَابِ المُسْطُورِ والنُّورِ السَّاطِعِ والضَّيَاءِ اللَّامِعِ والأَمْرِ الصَّادِعِ، إِزَاحَةًلِلشُّبُهَاتِ واحْتِجَاجاً بِالْبَيِّنَاتِ، وتَحْذِيراً بِالآيَاتِ وتخويفاً للْمَلَاتِ»(2).

و أَنَّ عِتَرَتَهُ وَأَهلَ بَيْتِهِ الَّذِينَ أَذهَبَ اللّه عَنهُم الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُم تَطْهِيرًا «هُمْ مَوْضِعُ سِرِّه وَلَا أَمْرِهِ، وَعَيْبَةُ عِلْمِهِ وَمَوْئِلُ حُكْمِهِ، وَكُهُوفُ كُتُبِهِ وَجِبَالُ دِينِهِ، بِهِمْ أَقَامَ انْحِنَاءَ ظَهْرِهِ وَأَذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِه» (3).

و«هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ وعِمَادُ الْيَقِينِ، إِلَيْهِمْ يَفِيءُ الْغَالِي وَبِهِمْ يُلْحَقُ التَّالِي، وهُمْ خَصَائِصُ حَقَّ الْوِلَايَةِ، وفِيهِمُ الْوَصِيَّةُ وَالْوِرَاثَةُ»(4)، فَصَلِّ اللّهمَ عَلَيهِ


1) السقيفة وفدك للجوهري (ت 323ه) : ص 140؛ بلاغات النساء لابن طيفور (ت 380ه) : ص 15؛ دلائل الإمامة للطبري الإمامي (ت 400 ه): ص 111.

2) نهج البلاغة بتحقيق الشيخ قيس العطار: ص 80 ط العتبة العلوية.

3) نفس المصدر.

4) نفس المصدر السابق: ص 82،83.

وَعَلَيهِمْ صَلَاةً تَامَةً وَنَامِيةٌ، وَمُتَوَاصِلَةٌ، وَمُتَّصِلَةٌ بِعَدَدِ مَا أَحَاطَ بِهِ عِلمُكَ، وَمُنتَهَى رَحمَتِكَ وَفَضلِكَ وَلُطفِكَ وَإحْسَانِكَ وَبَرَكَاتِكَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

أَمَّا بَعدُ:

فَلَعَلَّ ارتِعَاشَ يَدي يُؤرِّقُ قَلَمِي ؟! فَبَدَا لِي فِي عَالَمَ الوِجِدَانِ مُتَسَائِلًا:

أَتُرَاهُ اعْتِرَاكَ ضَعفِ القِوَى لَا حَلَّ فِي البَدَنِ أَم أَهَالَكَ مَنظَرٌ لَا يُرِيكَ إِيَّاهُ الزَّمَنُ؟

فَخَاطَبْتُهُ وَالحَرفُ فِي هَاتِي مُتَلَعَشِمًا، لَم يَكُن مِمَّا سَأَلْتَ سَبَبٌ، بَلْ إِنَّهُ الخَوفُ مِن التَّقدِيمِ لِكَلَامِ مَنْ كَانَ لِلكَلَامِ مُحْياً وتَحْياً، وَكَفَى بِكَلَامِ الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ بَيَانًا وَوَصفا، فِللّه دَرُّهُ فِي تَقْدِيمِهِ لِلنَّهْجِ قَائِلًا:

(إذ كَانَ أمير المؤمنينَ عَلَيهِ السَّلَامُ مُشرِّعَ الفصاحة ومُورِدَها، ومُنشَاً البَلاغَةِ ومُولّدَها، ومنه عَلَيهِ السَّلَامُ ظَهَرَ مَكنُونَهَا، وَعَنهُ أُخِذَتْ قَوَانِينُها، وَعَلَى أَمْثَلَتِهِ حَذَا كُلُّ قَائِلِ خَطِيبٍ، وَبِكَلَامِهِ اسْتَعَانَ كُلُّ وَاعِظٍ بَلِيغِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَد سَبَقَ وَقَصَّرُوا، وَتَقَدَّمَ وَتَأَخَرُوا، لأنَّ كَلَامَهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الكَلَامُالَّذِي عَلَيهِ مَسحَةٌ مِنَ العِلمِ الإلهي، وَفِيهِ عَبَقَةٌ مِنَ الكَلَامِ النَّبَوِيِّ)(1).

فَبَدَا قَلَمِي مُتَفَهُمَا وَلِحَالِي مُعذِرًا، وَلَولا مَا فَرَضَهُ العَمَلُ مِن التَّقْدِيمِ لَا يُنشَرُ لَمَا أَجَرْتُ لِنَفْسِيَ الكِتَابَةَ وَالتَّقدِيمِ لِعَمَلِ أَحَدٍ أَسَاتِذَةِ اللُّغَةِ وَالسَّاهِرِينَعَلَى أَمِنِهَا وَصِيَانَتِهَا الأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ صَلَاحِ الفَرطُوسِيِّ دَامَتْ تَوفِيقَاتُهُ.

وَمَا التحقيقُ الَّذِي بَينَ يَدَيِ القَارِئِ الكَرِيمِ إِلَّا لِأَمْرَينِ، الْأَوَّلِ: لِنَيْلِ رِضا اللّه وَرَسُولِهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَأهلِ بَيْتِهِ عَلَيهِم السَّلَامُ وَإِحْرَازِ فَضلِهِمَا،


1) نهج البلاغة، مقدمة الشريف الرضي (رحمه اللّه).

وَكَيفَ لَا وَهُمَا الوَاهِبَانِ لِلفَضلِ فِي مُحكَمِ التَّنْزِيلِ، قَالَ عَنْ شَأْنُهُ :

«وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا أَتَاهُمُ اللّه وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّه سَيُؤْتِينَا اللّه مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّه رَاغِبُونَ» [التوبة: 59].

وَإِنَّ خَيرَ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ الْمُتَقَرِّبُونَ إِلَى اللّه وَرَسُولِهِ (صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَآلِهِ) نَصْرُ أولِيَائِهِ وَإِحْيَاءِ أَمرِهِم وَنَشْرِ آثَارِهِم وَمِنهَا المُختَارُ مِن كَلَامِ مَولَى الْمُوَحْدِينَ وَأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللّه وَسَلَامُهُ عَلَيهِ الَّذِي جَمَعَهُ الشَّرِيفُ الرَضِيُّ المَرضِيُّ فِي جِوَارِ رَبِّهِ وَجَدِّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).

والآخر : الأَمنُ عَلَى اللُّغَةِ بَعدَ أَنْ غَزَتْهَا ثَقَافَةُ الاعْتِرَابِ وَاستَوطَنَتْهَامُفرَدَاتُ الاقْتِرَابِ مِن العَصْرَنَةِ وَوَسَائِلِهَا، وَالحَدَاثَةِ وَمُصْطَلَحَاتِهَا وَالتَّعرِيبَاتِ وَغَرَائِبِهَا.

فَبَدَتِ الحَاجَةُ إِلَى أَمَنِ اللُّغَةِ حَاجَةٌ مُلِحَةٌ مِمَّا يَفْرِضُ عَلَى أَهْلِ الاختِصَاصِ - مَعَ المكنَةِ وَالاسْتِطَاعَةِ - وَاجِبًا أخلاقِيَّا فِي صَونِهَا وَإِزَالَةِ الدَّرَنِ وَالشَّوَائِبِ عَنْهَا.

وَإِنَّ خَيرَ مَا يُسَتَعَانُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ بَعدَ كِتَابِ اللّه تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) هُوَ كَلَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْإِمَامِ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ).

من هنا انبرى الأُسْتَاذُ الحَقِّقُ دَامَت تَوفِيقَاتُهُ وَأَخَذَ البَارِي إِلَى الصَّلَاحِ بِخَطَوَاتِهِ، عَازِمًا عَلَى تَحقِيقِ كَلَامِ أَمِيرِ الكَلَامِ فِي كِتَابِ نَهجِ البَلَاغَةِ مُتَوَكَّلًا عَلَى اللّه تَعَالَى مُلتِمِسًا مِنْهُ العَونَ فِي إكمالِهِ، فَوُفِّقَ بِفَضلِ اللّه تَعَالَى وَرَسُولِهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) إلى إتمامِهِ بِهَذا الشَّكلِ الَّذِي بَينَ يَدَي القَارِي الكَرِيمِ ؛ وَلَقَدِ اسْمَازَ العَمَلُ عَن غَيْرِهِ بَمَا يَلِي :

خ

1- اعْتَمَدَ الأُستَاذُ المُحَقِّقُ عَلَى سِتّ نُسَخِ خَطَّيَّةٍ بَعدَ بَذل الجهد في البحر عَن نُسَخ نهج البَلاغَةِ، وَتَتَّبع الأَقدَم وَالأَسْهَرِ مِنْهَا، فَضلًا عَن اهْتِمَامِ العُلَمَاءِ وَالشُّرَاحَ وَالْمُحَقِّقِينَ بِهَا، لَا سِيمَا النُّسخَةُ المُختَارَةُ لِلتَّحْقِيقِ وَهِي (نُسْخَةُ بَعْدَادَ)، مِثْلَهَا أَسْمَاهَا الْمُحَقِّقُ ؛ لِكَونِهَا فِي مَكتَبَةِ المُتحَفِ العِرَاقِيِّ بِالرَّقمِ (8437).

وَهِيَ بِخَط النسخ الجيدِ، وَقَد نَسَخَها الشَّيخُ مُحَمَّدٌ بنُ الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدٍ بنِ العَبَّاسِ نَازَوَيهِ القُمِّيُّ سَنَةَ 556 للّهجرَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ وَقَابَلَهَا النَّاسِحُ عَلَى ابنِ فُدِقِ البَيْهَقِيِّ صَاحِبِ شَرِحٍ نَهجِ البَلَاغَةِ المَعَارِج) فِي السَّنَةِ نَفْسِهَا، وَقَابَلَهَاأيضًا عَلَى نُسخَةِ فَضل اللّه بنِ عَلِيٍّ الحَسَنِيٌّ سَنَةَ 571 للّهجرَةِ النَّبَوِيَّةِ.

وَبِهَذَا تَكُونُ هَذِهِ النُّسخَةُ قَد قُوبِلَتْ مِنَ النَّاسِخِ عَلَى نُسْخَتَينِ لِنَهجِ البلاغَةِ لَا سِيمَا وَأَنَّ نُسخَةَ ابنِ فُندِقِ البَيْهَقِيُّ تُعَدُّ مِن خِيَارِ النُّسَخِ ؛ لِأَنَّهُ اهْتَمَّ بِقِرَاءَتِهَا عَلَى شُيُوخِ عَصرِهِ، وَحَفِظَهَا عَنهُم، مِمَّا أَكسَبَهَا – أي النُّسخَةُ الَّتِي اعْتَمَدَهَا الأَستَاذُ الْحَقِّقُ - أهَمِّيَّةً وَمِيزَةً عِلمِيَّةٌ لَم تَتَوَفَّر فِي غَيْرِهَا مِنَ النُّسَخِ.

2 - إِنَّ النَّسَخَ الخمسَ الأُخَرَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا الأُسْتَاذُ الْمُحَقِّقُ لِلمُقَابَلَةِ كَانَت ذاتُ أَهَميَّةٍ عِلمِيَّةٍ وَمَوضِعُ عِنَايَةِ العُلَمَاءِ وَالشُّرَاحِ وَالْمُحَقِّقِينَ، وَهَذَا يَكشِفُ عَن الجُهدِ الاستثنائيِّ الَّذِي بَدَلَهُ فِي البَحثِ وَالاستقصَاءِ وَالدَّرَاسَةِ هَذِهِ النُّسَخِ، وَهِيَ عَلَى النَّحو الآتي:

أ. نُسَخَةٌ بِخَطَّ الحَسَنِ بنِ يَعقُوبَ بنِ أَحَمَدَ، وَقَد فَرِغَ مِنْهَا فِي سَنَةِ 483 للّهجرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَقَابَلَهَا الفَقِيهُ سَهلُ بنُ أَمِيرِ الرّقَاقِيّ، وَهِيَ أَقدَمُ نُسخةٍ وَقَعَتْ بِيَدِ المُحَقِّقِ.

ب - نسخَةٌ بِخَطَّ السَّيِّدِ فَضلِ اللّه بنِ طَاهِرِ الْمُطَهَّرِ الْحُسَينِيُّ، وَقَد فَرِغَ مِنْهَا في سَنَةِ 494 للّهجرَةِ النَّبَوِيَّةِ.

د

ج - نُسخةٌ بِخَطَّ أَبِي عَبدِ اللّه الحُسَينِ بنِ الحَسَنِ الْمُؤَدِّبِ، وَقَد فَرِغَ مِنهَا فِي سَنَةِ 499 للّهجرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَهِيَ بِرِوَايَةِ تِلميذهِ عَلي بن أَحمدَ بنِ بَندَار.

د - نُسخةٌ بِخَطَّ عَبدِ اللّه بنِ عَقِيلِ الحَائِرِيِّ، وَقَد فَرِغَ مِنْهَا فِي سَنَةِ 673 للّهجرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي الحِلَّةِ الفَيحَاءِ.

ه - نُسخةٌ لَم يُحَدَّدْ نَاسِخُهَا وَيُرَبَّحُ أَنَّهَا بَينَ القَرْنِ الحَامِسِ وَالسَّادِسِ للّهجرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَقَد خَصَّهَا السَّيِّدُ المَفضَالُ جَوادُ الشَّهَرَستَانِيُّ (دَامَت تَأْبِيدَاتُهُ) بِدِرَاسَةٍ مُفَصَّلَةٍ ؛ وَذَلِكَ لا هِتِمَامِ جُملَةٍ مِنَ العُلَمَاءِ البَاحِثِينَ وَالْمُسْتَشْرِقِينَ بِهَا. وَقَد قَدَّمَ الأُستَاذُ المُحَقِّقُ فِي مُقَابَلَتِهَا جُهدًا مُصْنِيَّا لِيَخرُجَ بِمَا هُوَ الأَفضَلُ وَالأَوفَقُ مُتَثَبِّنَا فِي كُلِّ مُفْرَدَةٍ مِن مُفرَدَاتِهَا.

3 - إِنَّ البَيَانَ التَّفْصِيليَّ الَّذي قَدَّمَهُ المُحَقِّقُ فِي وَصفِهِ لَا اعْتَمَدَهُ مِن نُسَخخَطَّيَّةٍ يُرشِدُ إِلى طُولِ بَاعِهِ فِي عَمَلِ التَّحقِيقِ وَخِبَرَتِهِ المُتَرَاكِمَةِ.

4- إنمازَ العَمَلُ بِتَشكِيلِ الْمُفَرَدَاتِ وَإحْضَاعِهَا لِقَواعِدِ اللُّغَةِ النَّحوِيَّةِ والصَّرْفِيَّةِ، مِمَّا سَهَّلَ عَلَى القَارِئِ وَالبَاحِثِ فَهمَ مَعَنَى كُلِّ مُفْرَدَةٍ، فَضلًا عَن التّمرين عَلَى نُطقِهَا وَهَوَ مَا يَكشِفُ عَن جَمَالِيَّةِ العِبَارَةِ وَجَزَالَتِهَا وَصِيَاغَةِ اللُّغَةِ وَرَصَانَتِهَا.

5 - وَضعُ هَوَامِش توضيحيَّة لِعَظَمِ الْمُفَرَدَاتِ وَبَيَانِ جَدْرِهَا اللُّغَوِيٌّ مِمَّا أَسهَمَ فِي الإِفَادَةِ مِن دَلَالَاتِهَا وَالوُقُوفِ عَلَى مَعَانِيهَا وَفَهِم مَقَاصِدِهَا.

6 - اعْتَمَدَ المُحَقِّقُ عَلَى بَسطِ مَعنَى النُّصُوصِ الشَّرِيفَةِ وَشَرِحِهَا عَلَى إِفَادَاتِ السَّيِّدِ فَضلِ اللّه بن عَلِيِّ الرَّاوَندِيِّ المُتَوَفَّى سَنة 571 للّهجرَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي عُدت أول الشروح نهج البلاغة.

7- عَرَضَ الْحَقِّقُ النَّصَّ عَلَى جُمَلَةٍ مِنَ الشُّرُوحِ، وَهِيَ:

أ- مَعَارِجُ نَهجِ البَلاغَةِ، لِأَبِي الحَسَنِ عَلِيٍّ بنِ زَيدِ البَيْهَقِيُّ، المُتَوَفَّى سَنَة 556 للّهجرَةِ النَّبَوِيَّةِ.

ب - مِنهَاجُ البَرَاعَةِ فِي شَرحِ نَهجِ البَلَاغَةِ، لِقُطبِ الدِّينِ الرَّاوَندِي، المتوفى سَنَة 573 للّهجرَةِ النَّبَوِيَّةِ.

ج - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي، المتوفى سنة 656 للّهجرة النبوية.

د - شرح نهج البَلَاغَةِ لابنِ مَثَمِ البَحْرَانِيِّ، المُتَوَفَّى سَنَة 679 للّهجرَةِ النَّبَوِيَّةِ.

ه - مَصَادِرُ نَهجِ البَلاغَةِ للسَّيِّدِ عَبدِ الزَّهرَاءِ الحُسَينِيُّ الخَطِيبِ، المُتَوَفَّى سَنَة - 1414 للّهجرَةِ النَّبَوِيَّةِ.

فَجَزَى اللّه الأستاذ المُحَقِّقَ كُلَّ خَيرٍ، فَقَد بَدَلَ جُهِدَهُ وَعَلَى اللّه أَجرُهُ، وَنَسَأَلُ اللّه أَنْ يَتَقَبَّلَ هَذَا العَمَلَ مِنْهُ وَمِنَّا وَمِن جَمِيعِ مَن سَاهَمَ فِيهِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُحِيبٌ، وَآخِرُ دَعَوَانَا أَنِ الحَمدُ للّه رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَوَاتُهُ التَّامَاتُ عَلَى خَيرِ خَلقِهِ أَجْمَعِينَ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.

لَيْلَةُ النَّصفِ مِن شَعْبَانَ الْمُعَظَّمِ لِعَامِ 1443 للّهجَرَةِ النَّبَوِيَّةِ

الموافق 19 مِن شَهرِ آذَار لِعَامِ 2022م

المُتَشَرِّفُ بِالخِدمَتَينِ:

العتبة الحُسَينِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ وَكِتَابِ نَهجِ البَلَاغَةِ

السَّيِّد نَبِيل الحَسَنِيِّ الكَربَلَائِي

كَربَلاء المُقَدَّسَة

ر

كتاب نهج البلاغة

مِن كَلامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيَّ بنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

جمع (1)الرَّضِيُّ ذِي الحسبين مُحَمَّدِ بنِ السَّيِّد الإمام الحسين الرَّضِيُّ

الموسَوِيٌّ قَدَّسَ اللّه رُوحَهُ ومَرْقَدَهُ (ت 406 ه)

بهوامش التحقيق شرح السيد فضل اللّه الراوندي (ت 571ه-)

الجزء الأول

تحقيق وتقديم وإعداد

أ.د. صلاح مهدي الفرطوسي


1) في نسخة الأصل: تأليف، وما أثبت في نسخة س وهو المشهور.

بسمِ اللّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

«لَا يُكَلِّفُ اللّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَسْنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ»

البقرة 2 : 286

المقدمة مهرجان المعرفة والعدل في نهج على

إشارة:

المقدمة مهرجان المعرفة والعدل في نهج على (1)

الجغرافيون يعرفون أنه ما من مدينة قامت حتى أوائل القرن العشرين إلا وكان قيامها بجانب مصادر المياه، أو بقربها، ويعرفون أيضًا أنه حينما يجف الماء أو ينقطع عن مدينة فإنها لابد أن تموت ويعمها الخراب، وأريد أن أقول: إن أحد أدلّة عظمة الثاوي بتربة النجف الأشرف (عَلَيهِ السَّلَامُ) قيام مدينته على أطراف الصحراء منذ ألف عام ویزيد (2)لا يصل إليها الماء إلا بعد جهد جهيد.

والتداول حول سيرة شخصيته التي أتعبت من تصدى لمعرفة آفاق فلسفتها في الحكم والحياة قديمًا وحديثًا يدفعنا إلى انبهار مشوب


1) قسم من هذه المقدمة هذه المقدمة منتزع من مقالة ألقيتها في يوم الفلسفة العالمي - ندوة الطاولة المستديرة - «مساهمات فكر الإمام علي بن أبي طالب في ثقافة السلام والحوار الثقافي» بعنوان: صور من الحكم العادل في نهج عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) اليونسكو 20 / 11 / 2014

2) على الرغم من استشهاد امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سنة 40 للّهجرة فإن المدينة لم تأخذ شكل المدينة الطبيعي إلا بعد عمارة عضد الدولة البويهي التي شرع بها سنة 369ه وكمل إنجازها في النصف الثاني من سنة،371ه وفرق أثناء زيارته أموالا على العلويين المقيمين بها، والمجاورين والناحة والقراء والفقهاء، وقد لا تتجاوز أعدادهم الخمسمائة. ينظر عمارته في كتابنا مرقد أمير المؤمنين وضريحه 189 - 199.

بالتعظيم والدهشة بذلك الرجل الفريد بين خلق اللّه بعد رسوله اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، إذ إن فلسفة الحكم عنده ليست بكلام يقال، وإنما هي عمل وتطبيق يهدف إلى بناء مجتمع فاضل تحكمه معرفة وأخلاق وعدل ورأفة وحوار وحقوق وواجبات.

وعلى الرغم من رحيله منذ سنة أربعين للّهجرة، فما زال علمه وفكره وقوانين حكمه وعدالته ونسكه وتهجده والتزامه بتوزيع المال العام بالسوية بين الناس وحثّه على التعلم والتعليم، وأخذه بمبدأ المساواة بين الخلق، بغض النظر عن أعراق الناس ودياناتهم، وحرصه على إشاعة الحوار وثقافة السلام محلّ دهشة عارفي فضله ولم يكن تقرير الأمم المتحدة باختياره أعدل حاكم عرفه التاريخ بكثير عليه (1).

وفي عصر يشوبه ظلم بشع في أغلب بلداننا الإسلامية، وسلب ونهب وتحكمه طبقة منهومة لا تعرف غير سرقة المال العام وهدره بشتى الطرق، مع ابتعاد عن مجرد التفكير بحقوق الطبقات الدنيا في العيش الكريم الذي كفلته شريعة السماء وأكدته دساتير الحكم في كل البلاد، يلذ للكاتب النزيه عرض سيرة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من


1) قام بترجمة التقرير ونشره الدكتور صاحب الحكيم ومما يدعو إلى التنويه أن التقارير التي تصدرها المنظة غير قابلة للتغيير، على عكس القرارات.

خلال ما جمعه الرضي (رضیَ اللّهُ عنهُ) «ت 404 ه» من نهجه لعل الآخر يتعظ بها، وينظر إلى ما حوله فيعيد النظر في سلوكه، ويعرف أن السحت الذي نهبه بطريقة أو بأخرى سوف لن يأخذ منه في قريب ليس ببعيد شروى نقير، وأن من ورائه حسابًا وعقابًا وجحيما، وأن من يرثه منه - بحسب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - إن أحسن إنفاقه سيدخل به الجنة، في حين أن المورث سيصلى تلك النار التي حذَّر اللّه منها.

من أهداف الإبحار في نهج علي

والإبحار في سيرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) من خلال النهج لا غير يأخذك إلى عوالم من النور والتنوير، من يدخل فيها لا يرغب بالخروج منها، بل قد تدفعه إذا كان صادقًا مع نفسه أن يترك كل شيء إلَّا التنقل في آفاقه، فيسايره منذ ولادته في البيت العتيق لحين استشهاده (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيته سبحانه وتعالى أيضًا.

ولست أهدف في محاولتي هذه نشر قيمه التي التزم بها في حياته فحسب، قدر محاولتي دفع التهم التي ابتلي بها الإسلام أيضًا من نفر لا علاقة لهم بدين أو ديانة، وجميع ما يقع اليوم في العالم من انحراف وتطرف وجرائم يندى لها جبين الإنسانية لا علاقة له بقيم ولا بعقل راشد؛ ومن بين ما أهدف إليه أيضًا تبيان حجم الظلم الواقع على

الإنسان، وسلب حقه في العيش الكريم الذي يجنبه ويلات الحروب وما أحدثته وتحدثه من خراب ودمار من خلال أمثلة أستقيها من نهجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي ما انظام أحد من الأمة أثناء حكمه، سواء أكان من أصحابه أم من أعدائه الذين انتشروا في أرجاء المدينة المنورة والكوفة العلوية خاصة، وأنت واجد في خطبه ورسائله وحكمه ووصاياه غير دليل على صحة ما ذكر.

وليس الغرض مما كتبت وأكتب أيضًا التنويه بشخصه، فهو ليس بحاجة إلى كل ما كتب ويكتب عنه، ولا إلى إبراز مكانته عبر التاريخ فقد سطرت عنه آلاف مؤلفة من الصفحات،، دون أن يلتفت حاكم إلى ما كتب. أو يستفيد من ذلك عبرة وموعظة، فمازال فقراء المسلمين ومساكينهم يملؤون طرقات مدننا الإسلامية وأزقتها، ومازال الظلم بأبشع صوره يخيم عليها، ومازالت حروب تشنّ هنا وهناك.

وقد يكون من بين أغراض الكتابة لفت الأنظار إلى جانب من قيمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسط هذا العالم الصاخب بالأحداث التي تحيط بنا، وهي ليست خاصة بعالمنا الإسلامي المتخم بالمصائب، وإنما هي عامةتغزو كل مدن الدنيا بما فيها الدول التي يحبك حكامها الدسائس والمؤامرات والحروب على بلاد المسلمين.

أثر مدرسة النبوة في إمام المتقين وسيد البلغاء

ولقد رأيت عليًّا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سيرته من خلال دراسة ظننتها موضوعيةً(1)معينًا مازال قلّة من الحكام يغترفون من بحرها الزاخر، حينما غلبوا الجانب الإنساني في حكمهم، وشتان؛ لأنهم خالفوه في التطبيق، ومازالت قوانينهم حبرًا على ورق يتشدق بها هذا الحاكم وذاك ويطبلون لها باسم الوطن والمواطنين، وليس للوطن ولا للمواطنين من مكسب حقيقي بها.

وصرامة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تطبيق ما آمن به تبقى مضرب مثل، ومحلَّ تأمل، ومحاولة اقتداء؛ فاستمر في مشهده قبلةً وقدوةً، فأتعب من حاول، وعنّى من أصر، لأنه فريد بين قلة قليلة حكمت وحاولت الانتصار على نوازع النفس وجبروتِها لخلق المجتمع الفاضل. وأين تجد بين حكام العالم القديم والحديث من يستطيع الاقتداء بمثل قوله: «واللّه لَو أُعْطِيتُ الأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا عَلَى أَن أَعْصِيَ اللّه فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جِلْبَ شَعِيرَةٍ (2)مَا فَعَلْتُهُ، وإِنَّ دُنْيَاكُم عِنْدِي لأهْوَنُ مِن وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضُمُهَا» (3)، أو من يقول منهم: «واللّه لَدُنْيَاكُم هَذِهِ


1) يراجع كتابنا الموسوم ب«وما أدراك ما علي».

2) جلب شعيرة، أي قشرتها.

3) هذه الطبعة : كلامه رقم 224.

أهْوَنُ فِي عيني مِن عُرَاقِ (1)خِنْزِيرٍ فِي يَدِ تَجُذُومٍ» (2).

تربى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أحضان الوحي، واهتدى بهدي نبيه المرسل؛ ويغلب على الظن أن وجه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أول وجه اكتحلت به عينا وليد الكعبة، بعد وجه أمه فاطمة بنت أسد (رضیَ اللّهُ عنهَا)، أما أبوه فقد كان مسافرًا يوم ولادته، ولا يبعد عن ظنّي أنّ ثاني حضن تمتع بدفئه بعد حضن والدته كان حضن رسول اللّه، وحضن السيدة خديجة الكبرى (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، ولا أدل على ذلك من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَضَعَنِي فِي حَجْرِهِ، وأَنَا وَلِيدٌ يَضُمُّني إِلَى صَدْرِهِ، ويَكْنُفُنِي - يحفضني - فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ (3)، وكَانَ يَمْضَعُ الشَّيءَ ثُمَّ يُلَقِّمُنِيهِ»(4)، ولا شك أنه لم يتجاوز السَّنة في تلك المرحلة من عمره من عمره الشريف.

كان مثالاً لم يُرَ شبيه له في حياة أخيه وبعد رحيله في الاستقامة والصدق، والعدل والإيثار والتضحية، قال: «ولا وجَدَ لِي كَذَّبَةً فِي قَوْلٍ


1) العراق جمع عرق، وهو عظم قد أخذ عنه اللحم، وهو جمع غريب مثل: رُخال جمع رخلٍ، ورُباب: جمع رُبى، وظؤار جمع ظئر، وفرار جمع فرير، وتؤام جمع توأم، قال ابن السكيت: لا نظير لهذه الأحرف، وينظر المنهاج 351/3، والجذام في المعارج 440: مرض خبيث عسر العلاج.

2) هذه الطبعة: الحكمة رقم 228.

3) يكنفني في فراشه، أي: يحفظني فيه ويحوطني ويلفّني، وعرفه: رائحته.

4) هذه الطبعة من النهج الخطبة رقم 192.

ولا خَطْلَةٌ (1)في فِعْل» (2). وكيف لا يكون بهذه الصفات وقد اختاره اللّه لنبيه، يوم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : «قد اخترت من اختاره اللّه لي عليكم عليًّا»(3)، فليس هو الذي اختار عليَّا، وإنما هو تدبير رباني مقدر لهذا الوليد كي يأخذه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بما أخذه اللّه به من أدب وتربية جعلته الصادق الأمين قبل النبوة وبعدها (4). بل هو أفضل الصديقين بشهادة النبي المرسل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)(5).

وقد ترى المنزلة التي أنزله اللّه بها، من خلال مشاركة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في سماع صوت الشيطان حين يئس من عبادته بعد نزول الوحى، قال: «ولَقَد سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ عَلَيْهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّه، مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ! فَقَالَ : هَذَا الشَّيْطَانُ قَد أَيسَ مِن عِبَادَتِهِ. إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وتَرَى مَا أَرَى، إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، وَإِنَّكَ لَوَزِيرٌ، وإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرِ» (6).

وأكثر من هذا ما رواه ابن أبي الحديد في شرحه عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إذ قال : «كان عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قبل الرسالة الضوء ويسمع الصوت، وقال له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): لولا أني خاتم


1) الخطلة في شرح ابن ميثم 4/ :181: السيئة والقبيحة من قول أو فعل..

2) هذه الطبعة الخطبة رقم 192.

3) شرح نهج البلاغة / 21 عن مصادره.

4) ينظر وما أدراك ما علّي 78/1.

5) المصدر السابق 91/1.

6) هذه الطبعة الخطبة 192.

الأنبياء لكنت شريكا في النبوة، فإلَّا تكن نبيا فإنك وصيّ نبي ووارثه، بل أنت سيّد الأوصياء وإمام الأتقياء» (1).

وذكر ابن عبد البر بسنده عن ابن عباس أنه قال: كان «لعلي أربع خصال ليست لأحد غيره: هو أول عربي وعجمي صلَّى مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف، وهو الذي صبر معه يوم فرّ عنه غيره، وهو الذي غسله وأدخله قبره» (2).

سيف الإسلام ورايته

كان ساعد رسول اللّه الأيمن صلوات اللّه وسلامه عليهما، ودرعه الحصين، وقد ازدحم تاريخ فجر الإسلام بأخبار أدواره في المعارك الكبرى التي فرضت على الإسلام؛ ولم يشهد عصره ولا العصور التي تلته شخصية بشجاعته، وفروسيته بكل قيمها النبيلة، وأفعالها الحميدة، ولم تسجل معارك الإسلام من المآثر ما سجلته له، وكانت الأوسمة التي انهالت عليه من اللّه ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في حروبه موضع غبطة أصحابه ومحبيه واعتزازهم وفخرهم، وموضع حسد مبغضيه، وشانئيه ولقد تحاشى مبارزته صناديد العرب؛ إذ كان الموت الزؤام أو الفضيحة نصيب كل من بارزه، وما كان يجهز على


1) وما أدراك ما علي 90/1.

2) الاستیعاب 3 / 1090.

مقاتل منحه ظهره، أو كشف له عن عورته ؛ إذ كان أميرًا في شجاعته وحربه وسلوكه أثناء القتال، وقد بلغت منه تلك القيم مبلغًا بحيث كان يوصي أولاده بعدم طلب المبارزة لأن طلبها بغي كما ورد في أحد وصاياه لولده الحسن الزكي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وكانت قوته الهائلة مضرب مثل، فما صارع أحدًا إلّا صرعه، وما اشتبك في مبارزة أو قتال مع أحد إلَّا كان الموت من نصيب من بارزه، وكان الشعبي يقول: «كان على أشجع الناس تقر له العرب بذلك» (1)وقد استشهد العقاد في عبقريته بعد ذكر صفاته الجسدية وقوته الهائلة بقول أخت عمرو بن عبد ود الذي قالته على سبيل التأسي بعد قتله بسيف علي :

لو كان قاتل عمرو غير قاتله***بكيته أبدًا ما دمت في الأبد

لكن قاتله من لا نظير له***وكان يدعى أبوه بيضة البلد» (2)

موقف قريش منه

تُرَى كيف تغفر قريش، لبني هاشم عامة ولعلي خاصة ما فعله سيفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصناديدهم، فقد قتل في معركة بدر لوحدها قرابة نصف قتلاهم ممن يمثلون الوجه القرشي الكالح الذي شارك بتلك المعركة الفاصلة في تاريخ الإسلام، ولك أن تنظر إحصاء قتلاهم الذي ذكرته


1) أنساب البلاذري 363/2.

2) المصدر السابق 189/1.

في الجزء الأول من كتابي الموسوم ب«وما أدراك ما علي»(1).

وتذهب بعض الروايات إلى أنه حين انهزم المسلمون في معركة أحد لم يبق مع رسول اللّه إلّا عليّ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وقد احتز في تلك المعركة الفاصلة رؤوس أصحاب الألوية من قريش، وبسبب من ثباته وصموده ومواساته قال جبريل لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : «إن هذه المواساة، لقد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى فقال : وما يمنعه وهو منّي وأنا منه ! فقال جبريل (عَلَيهِ السَّلَامُ): وأنا منكما، وسمع ذلك اليوم صوت من قبل السماء، لا يرى شخص الصارخ به ينادي مرارًا:

لا سيف إلا ذو الفقا***ر ولا فتى إلّاعلي»(2)

و دوره (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو هو في جميع المعارك، فنال من المجد عند اللّه ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ما لم ينله أحد، وما كانت تقوم للإسلام قائمة لولا سيفه الذي طحن الشرك طحنا، ولقد كتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمعاوية مرّة ردا على إحدى رسائله «فَدَعِ النَّاسَ جَانِبًا، واخْرُجْ إِلَيَّ، واعْفِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ القِتَالِ لِتَعْلَمَ أَيُّنَا الرِينُ (3)عَلَى قَلْبِهِ، والمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ؛ فَأَنَا أَبُو حَسَنٍ قَاتِلُ


1) 1 / 200.

2) وما أدراك ما علي 1 / 257، وينظر فيه تفاصيل معركة أحد ودور الإمام علي بها.

3) الرين في شرح ابن ميثم 206/4 الغلبة والتغطية والمرين على قلبه: من غلبت عليه الذنوب وغطت عين بصيرته الملكات الرديئة، وفي القاموس الرَّين: الطبع، والدنس، وران ذنبه على قلبه رَيْنًا ورُيُونًا: غلب، وكل ما غلبك رانك.

جَدْكَ، وخَالِكَ، وأخِيكَ، شَدْحًا (1)يَوْمَ بَدْرٍ. وذلِك السَّيْفُ معي» (2).

وجه الحياة في نهجه

وألزم نفسَه في حياة أخيه وبعد رحيله بمثل إنسانية الإسلام، فبدأ بنفسه فروضَها رياضةً عجيبة ابتعدت كل الابتعاد عن النعيم الزائل، وأجبرها أن تنظر إلى الحياة بمنظار ما استطاع أحد أن ينظر من خلاله، فهو عارف بأطوارها مؤمن بتقلباتها، يرى نهاية مسيرتها رؤيةً عين؛ فَحَذَرَ، وأنذر، ورغب ورهّب، وأرى الأمة الفرق بين الحياتين، وبصرها بحقيقتهما بلغة تقشعر لها الأبدان ليعتبر من يعتبر، فقال مرَّة: «انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين بها، الصادفين (3)عنها، فإنها واللّه عما قليل تزيل الثاوي (4)الساكن، وتَفْجَعُ المترَفَ الآمن، لا تَرْجِعُ ما تولّى منها فأدبر، ولا يدرى ما هو آت منها فيُنتظر، سرورها مشوب بالحزن، وجَلَدُ الرجالِ تَرْجعُ فيها إلى الضَّعفِ والوَهَن، فلا تغرنّكم كثرةُ ما يعجبكم فيها، لقلَّةِ ما يَصْحَبَكُم منها». (5)


1) أخوه حنظلة بن أبي سفيان، وخاله الوليد بن عتبة وجده: شيبة، والشدخ في شرح ابن ميثم 206/4 : كسر الشيء الأجوف، وفي المعارج 369 الكسر.

2) هذه الطبعة من النهج: الكتاب رقم 10.

3) الصادفين: المعرضين.

4) الثاوي: المقيم.

5) هذه الطبعة الخطبة رقم 102.

وقَالَ في أخرى: «مَن حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ، ومَن غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ، ومَن خَافَ أَمِنَ، ومَن اعْتَبَرَ أَبْصَرَ، ومَن أَبْصَرَ فَهِم، ومَن فَهِمَ عَلِمَ»(1).

وقال في تحقير أمر الدنيا بأعين الناس لخلق المجتمع الفاضل: «فَلَتكُنِ الدُّنْيَا أَصْغَرَ فِي أَعْيُنِكُم مِن حُثَالَةِ القَرَظِ (2)، وقَرَاضَةِ الجَلَم (3)واتَّعِظُوا بِمَن كَانَ قَبْلَكُم قَبْلَ أَن يَتَّعِظَ بِكُم مَن بَعْدَكُم، وارْفُضُوهَا ذَمِيمَةٌ فَإِنَّهَا قد رَفَضَتْ مَن كَانَ أَشْعَفَ (4)بِهَا مِنْكُم » (5).

وفي أقواله دروس لنعيم دائم يأخذ بيد المجتمع إلى عيش كريم يقيه العوز والحرمان والمذلة؛ وعبر تحذر وتنذر من السقوط في هاوية الجحيم، فقال مرة بلغة آية من آيات البهاء والسهل الممتنع : «عِبَادَ اللّه، إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُم لِرَبِّهِ، وإِن أَغَشَّهُم لِنَفْسِهِ أعْصَاهُم لِرَبِّهِ، والمَغْبُونُ مَن غَبِنَ نَفْسَهُ، والمَغْبُوطُ مَن سَلِمَ لَهُ دِيْنُهُ، والسَّعِيدُ مَن وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقِيُّ مَن انْخَدَعَ هَوَاهُ وغُرُورِهِ؛ واعْلَمُوا أنَّ يَسِيرَ الرِّياءِ شِرْكٌ (6)، ومُجَالَسَةَ أهْلِ الهَوَى مَنْسَأَةٌ لِلإِيمَانِ، ومَحْضَرَةٌ


1) هذه الطبعة: الحكمة رقم 199.

2) القرظ نبت يدبغ به والحثالة: ما يسقط منه..

3) الجلم: المقراض تجز به أوبار الإبل، وقراضته: ما تساقط من قرضه.

4) في القاموس: شعفني حبه، أي: غشَى الحبُّ القلب من فوقه، أي: أكثر تعلقا بها منكم.

5) هذه الطبعة : الخطبة رقم 32.

6) في المنهاج 358/1 غبنته أنا في البيع، أي: خدعته، وغبن رأيه بالكسر، أي: نقصه، فهو غبين أي ضعيف الرأي.

للشَّيْطَانِ. جَانِبُوا الكَذِبَ فإنَّهُ مُجَانِبٌ للإيمان. الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاةٍ (1)وكَرَامَةِ، والكَاذِبُ عَلَى شَرَفِ مَهْوَاةٍ ومَهَانَةٍ (2). ولا تَحَاسَدُوا فإِنَّ الحَسَدَ يأكُلُ الإِيمَانَ كَما تأكُلُ النَّارُ الحَطَبَ، ولا تَبَاغَضُوا فإِنَّهَا الخالِقَةُ (3)، واعْلَمُوا أَنَّ الأملَ يُسْهِي العَقْلَ ويُنْسي الذِّكْرَ ؛ فأَكْذِبُوا الأمَلَ فإنه غُرُورٌ وصَاحِبُهُ مَغْرُورٌ» (4).

وقال في موضع التبصير أيضًا : واعْلَم أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةً كَؤُودًا (5)، المُخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالًا مِنَ المُثْقِل، والمُبْطِئُ عَليهَا أَقْبَحُ حالًا مِنَ المُسْرِع، وأنَّ مَهْبِطَهَا بِك لا محالَةَ عَلَى جَنَّةٍ أو عَلَى نَارٍ، فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ، وَوَطَّئِ المَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ، فَلَيْسَ بَعدَ المَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ، ولا إلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ (6).

ونهجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كله نصح وإرشاد ونسك وعبادة ورأفة، ومشاريع حكم عدل، وحثّ على مكارم الأخلاق بلغة قرآنية ليس كمثلها مثل غير كلام اللّه وكلام نبيه المرسل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وهما النبع الذي استقى منه نهجه


1) في المنهاج 1/ 359 على شفا منجاة: الصادق قريب من النجاة، وشفا كل شيء حرفه، وأشفى على الشيء، وشرف عليه.

2) المهواة في المنهاج 359/1 المسقط، والمهانة الحقارة، والهوة: الحفرة العميقة.

3) الحالقة : القالعة أو المستأصلة، وفي المعارج 166 : من أسماء الداهية.

4) هذه الطبعة: الخطبة رقم 84.

5) عقبة كؤود: شاقة المصعد.

6) هذه الطبعة من وصيته لولده الحسن (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) برقم 31.

في الحياة وتربى عليه، والشاهد بعد الشاهد يريك عجبًا من هذا العبد الصالح الذي لم تكن الدنيا تساوي عنده ورقة في فم جرادة كما قال ولكي تعرف قيمتها عنده انظر إلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَا لِعَلِيٌّ ولِنَعِيمِ لِنَعِيمٍ يَفْنَى، ولَذَّةٍ لا تَبْقَى، نَعُوذُ باللّه مِن سُبَاتِ العَقْلِ، وقُبْح الزَّلَلِ، وَبِهِ نَسْتَعِينُ» (1).

نهجه بعد البيعة

قبل أن يستلم الخلافة بصر الملأ الذي أصر على بيعته بالدستور الذي سيسير عليه، وخيرهم ما بين أن يكون وزيرًا لمن يتولى الحكم أو ينهج بهم النهج الذي أراده الإسلام، وسار عليه الرسول الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)؛وأعلمهم أيضًا أنه سيكون كأحدهم ليس له من مطمح بمالهم وخلافتهم؛ ذلك في وقت كانت فئةٌ ترى أن الفيء الذي قرره اللّه للأمة هو فيؤها بالدرجة الأولى وليس لغيرها، وأخرى ترى أنها من أصحاب السابقة والتضحية فلا يجوز أن تُساوى بغيرها، ولكن الحق قديم عند عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يزهقه باطل مهما كانت قوته وطغيانه، يتساوى فيه البعيد مع القريب، بغض النظر عن اللون أو العرق أو السابقة أو المكانة، فذاك نهج اللّه ؛ وقانونه لا يفرق أيضًا بين ديانة وديانة، فالكل خلق اللّه ؛ أما الحاكم فهو فرد من الرَّعية حقُّه فيها كحقِّهم لا زيادة


1) هذه الطبعة: من كلام له برقم 224.

ولا نقصان وليس لأحد أن ينال غير حقه مهما كان؛ أما السابقة أو القربى أو الصحبة أو المكانةُ أو الفضل فثوابها وجزاؤها عند اللّه؛ والحاكم ملزم أيضًا أن يعود إلى الحق وإن ثقل عليه، ويعيده إلى نصابه حتى ولو تجاوز عليه من سبقه.

لذا فإنه كان في منهاجه الذي أعلنه واضحا، إذ قال بلغة غايةً في الفصاحة والشفافية تبتعد في بلاغتها عن اللغة المفخَّمة التي عرفناها في خطبه ورسائله، وكأنها أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يقطع كل قالة حول سياسته؛ والقوم يعرفون أنه حاسمٌ، يعرف لعب السياسة، ولكنه لا يلعبُها ولا تنطلي عليه، لذا قال لهم: «ألا لا يقولن رجال منكم غدًا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العِقار، وفجَّروا الأنهار، وركبوا الخيول الفارهة، واتَّخذوا الوصائِفَ الرُّوقة، فصار ذلك عليهم عارًا وشنارا، إذا ما منعتهم ما كانوا يخُوضُون فيه، وأَصَرْتُهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فينقمون ذلك، ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا ! ألا وأيهما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يرى أن الفضل له على من سواه لصحبته، فإن الفضل النَّيّرَ غدًا عند اللّه، وثوابه وأجره على اللّه، وأيما رجل استجاب اللّه وللرسول، فصدق ملتنا، ودخل في ديننا، واستقبل قبلتنا، فقد استوجب حقوق الإسلام وحدودَه، فأنتم عباد اللّه، والمال مالُ اللّه، يقسم بينكم بالسوية، ولا

فضل فيه لأحدٍ على أحد، وللمتقين عند اللّه غدًا أحسنُ الجزاء، وأفضلُ الثَّوابِ. لم يجعل اللّه الدنيا للمتقين أجرًا ولا ثوابًا، وما عند اللّه خير للأبرار، وإذا كان غدًا إن شاء اللّه فاغدوا علينا، فإن عندنا مالا نقسمه فيكم، ولا يتخلفنَّ أحدٌ منكم، عربي ولا عجمي، كان من أهل العطاء» (1)، وقال لا أيضًا: «أيها الناس إنما أنا رجل منكم لي ما لكم، وعليَّ ما عليكم، وإني حاملكم على منهج نبيكم، ومنفذٌ فيكم ما أمرت به... ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق » (2).

ويوم عوتب على تسوية العطاء، أو نصح بتقديم فئة من أصحاب الجاه أو المكانة أو الرئاسة على أخرى كان حازمًا كما عزم أيضًا، لأنه لن يبيعهم آخرته بدنياهم، ولا يشتري رفعتهم بإهانته عند اللّه، ولا يهتم برفعة الدنيا على ضعة الآخرة، ونصر يأتي بجور لا قسمة له عنده، لأنه كان يريد نصرًا يخلق مجتمعا فاضلا، يسوده الإنصاف والعدل، لذا كان قراره قاطعًا، وثورته في سبيل الإصلاح عارمة لا تسمع لنصح مخاتل أو طامع أو حتى مخلص، ولا يلتفتُ لموازين السياسة وتطلعات الحكم وظروفه على الرغم من عميق معرفته بكل ذلك، قال: «أتأمروننى أن أطلب النصر بالجور فيمن ولّيتُ عليه؟ واللّه لا


1) شرح نهج البلاغة 36/17.

2) شرح نهج البلاغة 36/7.

أَطُورُ (1)به ما سَمَرَ سميرٌ، وما أمَّ نَجْمًا نَجْمُ في السماء نَجما (2)، ولو كان المال لي لَسَوَّيْتُ بينهم، فكيف وإنما المالُ مال اللّه ! ألا وإن عطاءَ المالِ في غير حقِّه تبذيرٌ وإسرافٌ، وهو يرفعُ صاحبَهُ في الدنيا، ويَضَعَهُ في الآخرة، ويُكْرِمُهُ في النَّاس، ويُهينه عند اللّه، ولم يضع امرؤٌ مالَه في غير حقِّهِ وعند غير أهله إِلَّا حَرَمَه اللّه شكرَهُم، وكان لغيره وُدُّهُم»(3).

وهكذا وجد الجميع أنفسهم في يوم اسْتِخْلَافِهِ الأَوَّل ذاك سواسية في العطاء.

وحكم هذا سبيله لا ترتضيه الطبقة التي استفادت من مال الأمة، وكنزت ما كنزت منه، ولكنها لم تشبع، ولم تستسلم، فحاربته بطريقة أو بأخرى، بالتنصل عن بيعته مرة، بإشهار السيف في وجهه في أخرى، أو بالانسلال إلى سحت معاوية.

ولكي تعرف مقدار ما اكتنزه بعض كبار المهاجرين عليك أن تنظر إلى ما ذكره ابن سعد في طبقاته 76/3 حول ما خلفه الخليفة عثمان يوم قتل، قال: إنه كان عند خازنه «ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، وخمسون ومائة ألف دينار، فانتهبت وذهبت،


1) لا أطور، أي لا أتحرك طوره، أي جانبه. وفي لقاموس الطور: ما كان على حد الشيء، أو بحذائه، وأطور في المعارج 217، أي: لا أقربه.

2) في المعارج 217، أي : قصد نجم نجماً، عنى به السيارة.

3) هذه الطبعة من النهج كلامه الرقم 126.

وترك ألف بعير بالربذة»، وذكر المسعودي في مروجه أكثر من هذا من مال وضياع وشاء وأبل وخيل، وذكر أيضًا في 342/2 أن الزبير بن العوام بنى داره بالبصرة.. وابتنى أيضًا دورًا بمصر والكوفة والإسكندرية.. وبلغ ماله بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلف ألف فرس، وألف عبد وأمة؛ وأما طلحة بن عبيد اللّه فقد ذكر ابن سعد في طبقاته 3/ 221 - 223 أنه «ترك ألف درهم ومائتي ألف درهم ومائتي ألف دينار» وذكر ما يزيد على هذا، ومما ذكره أن أصوله وعقاره قومت بثلاثين ألف ألف درهم، وأما عبد الرحمن بن عوف فقد ذكر بحسب ابن سعد في طبقاته 136/3 أنه ترك «ألف بعير وثلاثة آلاف شاة بالبقيع.. وكان فيما ترك ذهب قُطَّع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منه» وذكر المسعودي غير هذا كثير مما يتجاوز المعقول، ومن طريف ما ذكره المسعودي في مروجه 249/2 أنه «أتى عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف فنثرت البدر حتى حالت بين عثمان وبين الرجل القائم، فقال عثمان : إني لأرجو لعبد الرحمن خيرًا؛ لأنه كان يتصدق، ويقري الضيف، وترك ما ترون؛ فقال كعب الأحبار: صدقت يا أمير المؤمنين، فشال أبو ذر العصا فضرب بها رأس كعب.. وقال: يابن اليهودي تقول لرجل مات وترك هذا المال : إن اللّه أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة، وتقطع على اللّه بذلك، وأنا سمعت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

يقول: ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطا..»!

أما سعد بن أبي وقاص فقد ذكر ابن سعد في طبقاته 149/3 أنه أرسل إلى مروان بن الحكم بزكاة عين ماله خمسة آلاف درهم، وترك يوم مات مائتي ألف وخمسين ألف درهم.. وأن عمر قاسمه ماله حين عزله عن العراق»، وذكر المسعودي في مروجه 342/2 فوق هذا.

وذكر أيضًا في 342/2 أن زيد بن ثابت حين مات خلف من الذهب والفضّة ما كان يكسّر بالفؤوس غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار»، ولا أحدثك عن مال يعلى بن منيّة الذي مون بقسم منه معركة الجمل، ولا عن أموال بني أمية وغيرهم.

أما عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد خلف سبعمائة درهم أراد أن يشتري بها خادمًا لأهله، بل قال بعضهم في رواية ذكرها المسعودي في مروجه 2/ 426: «ترك لأهله مائتين وخمسين در هما ومصحفه وسيفه، ولم يضع حجرًا على حجر»؛ فكانت تلك جادتهم، وهي بكل المقاييس لا تلتقي مع جادّته (عَلَيهِ السَّلَامُ).

محاولات بعض كنَّاز المال

وحاولت طائفة محاورته على مكاسبها الحرام التي قد تدخل في دائرة المصادرة، في لغة ما بين الترغيب والترهيب لعلها تستطيع استمالته

إلى جادَّتها كي تحقق مآربها، وإن لم يكن فلا أقل من الفوز بما غنمته من دون وجه حق؛ ولو كان غيره أيَّا كان لنظر إلى الأمور برؤية السياسة ووجهة نظرها، وأخذ هذه الفئة إلى صفِّه ولو إلى حين، ولاسيما أنه يعلم مدى قوَّتها وقدرتها على إيذائه؛ ولوجد لنفسه عشرات الأسباب لاستمالتها إلى جانبه، أو تحييدها في الأقل، غير أن المحاور يابس العود لا لأنه لا يعرف السياسة وأحابيلها وإنما لأنه مكلَّف بدور عليه القيام به (1)، لذا كانت محنته في ذلك الجو المليء بالأعاصير والأنواء العاتية لا يستطيع أن يتصورها عقل أو يدرك مغزاها فكر.

وبدأ المنتفعون يتسللون شيئًا فشيئًا إلى معاوية لدعمه في مشروعه، وللحفاظ على المكاسب التي كانوا ينعمون بها من قبل، ونعموا بها من بعد.

أما هو فالذليل عنده عزيز حتى يأخذ الحق له، والقويُّ عنده ضعيف حتى يأخذ الحق منه كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

زهده في الحياة

كانوا يعرفونه من قبل من أشد أعداء التمايز الطبقي، ينظر إلى خلق اللّه من خلال سلوكهم وقيمهم، لا من خلال انتمائهم أو مكنوزهم


1) وما أدراك ما علي 2.

2) هذه الطبعة من النهج : كلامه الرقم 37.

فعاش عيشة الفقراء في مأكله ومشربه وملبسه، فما اكتنز مالا ولا حرص عليه، ولا بنى عقارًا، وكان يعمل ليأكل، أما شركاؤه فى مأكله وملبسه وما يملك من متاع فهم الفقراء والمساكين والمنقطعون، فكرمه اللّه ونبيه أعظم تكريم، لأنه كان يرى أن «مَن نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا، فَعَلَيْهِ أَن يَبْدَأَ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلِيَكُن تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِبُهَا أَحَقُّ بِالإِجْلَالِ مِن مُعَلِّمِ النَّاسِ ومُؤَدبهم (1)، وعليه أن يكون أسوة لأضعف طبقات الأمة يشاركها مصاعب الحياة ومتاعبها؛ ومن بين ما خاطب به صاحبه عثمان بن حنیف قوله يوم قبل دعوة أحدهم وهو والي البصرة: «أأقْنَعُ مِن نَفْسِي بَأن يُقَالَ: أَمِيرُ المُؤمِنِينَ ولا أَشَارِكُهُم فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَو أَكُونَ أَسْوَةً لَهُم فِي جُشُوبَةِ العَيْشِ ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكُلُ الطَّيِّبَاتِ كَالبَهِيمَةِ المَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفْهَا، أو المُرْسَلَةِ شُغْلُهَا تَقَمُّمُهَا (2)، تَكْتَرِشُ مِن أعْلافِهَا، وتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا. أَو أُتْرَكَ سُدًى، أو أَهْمَلَ عَابِيًّا، أو أجُرَّ حَبْلَ الضَّلالَةِ، وأعْتَسِفَ طَرِيقَ المَتَاهَةِ» (3).


1) هذه الطبعة من النهج الحكمة رقم 68.

2) تقمم الفحل الناقة إذا علاها، ويجوز أن يكون فعلاً؟ من المقمَّة، وقم، إذا أخذ من الأرض شيئًا بمقمته، وأصل القم الكنس؛ والتقمم في شرح ابن ميثم 312/5: تتبع القمامة، وهي الكناسة، وتكترش تملأ كرشها.

3) هذه الطبعة من النهج كتابه لعثمان بن حنيف رقم 45.

وهو بسلوكه ذاك لا يحرِّم على الناس الاستمتاع بالطيبات التي أحلها اللّه، ولكنه أراد أن يكون قدوة لخلق التوازن في المجتمع. ويوم اشتكى عنده العلاء بن زياد، وهو من أصحابه سلوك أخيه عاصم لتخليه عن زينة الحياة ومباهجها طلبه، فلما جاء قال له: «يَا عُدَيَّ نَفْسِهِ لَقَدِ اسْتَهَامَ بِك الخَبِيثُ (1)، أمَا رَحِمْتَ أهْلَكَ ووَلَدَكَ أَتُرَى اللّه أحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ، وهُوَ يَكْرَهُ أَن تَأخُذَهَا؟ أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللّه مِن ذَلِكَ ! قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ويحك إني لستُ كأنتَ، إن اللّه تعالى فرض على أئمة الحقِّ أن يقدّروا أنفسهم بضَعَفَةِ النَّاس كي لا يتبيَّغ - تهيج - بالفقير فقره » (2).

وأزعم أنه في وصيته لولده الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد لفت نظر الآخرين إلى دروس في التربية ينبغي الالتزام بها بالدرجة الأولى، فالحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليس في حاجة إلى وعظ وإرشاد، فهو سبط النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وابن الزهراء البتول، وبكر إمام المتقين، ومثله لا يحتاج أن يقال له: «يَا بُنَيَّ اجْعَل نَفْسَكَ مِيزَانَا فِيمَا بَيْنَكَ وبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ،


1) استهام بك، أي: أذهبك لوجهك، وزين لك الهيام، وهو الذهاب في التيه، وفي المعارج،315، أي : الشيطان، وفي المنهاج 2/ 330، أي جعلك الشيطان هائما.

2) هذه الطبعة من النهج : كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الي برقم 209.

واكْرَهُ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، ولا تَظْلِمْ، كَمَا لا تُحِبُّ أَن تُظْلَمَ، وأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَن يُحْسَنَ إِلَيْكَ، واسْتَقْبَح مِن نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِن غَيْرِكَ، وارضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ هُم مِن نَفْسِكَ، ولا تَقُل مَا لا تَعْلَم، وإن قَلَّ ما تَعْلَمُ، ولا تَقُل مَا لا تُحِبُّ أن يُقَالَ لَكَ» (1).

عاصمة الإمام

والكوفة التي تأسست في وسط ديني انمازت به في زمانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على بقيَّة الأمصار لم تكن بمعزل عن ثقافات الأمم ودياناتها، بل كانت محاطة بشتى الثقافات والديانات ومحيطها مسيحيٌّ يهوديٌّ تكثر فيه الكنائسُ والأديرة التي تعج بالقسس والرهبان، ومن جوارها تعلَّم العرب الكتابة، وهي بلا شكٍّ وريثة بابل والحيرة وغيرهما من عواصم الفكر والحضارة في بلاد الرافدين. وإذا كانت المعرفة قد انكمشت في تلك البقاع، فإنها انتشرت وتلاقحت مع الثقافات الأخر لتنتج مزيجا معرفيًا بعد أن دخلها أمير المؤمنين لم تعرفه من قبل ومن بعد بقيَّةُ الحواضر الإسلامية. على الرغم من أنها لم تكن خالصة بولائها لأمير المومنين. وعلى الرغم من ذلك فقد كان الحوار على أشده بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخر؛ وكانت الملاحظة


1) هذه الطبعة من النهج وصيته لابنه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) الحسن برقم 31.

العلمية الدقيقة في أمثلته حول الحيوان والنبات، ولم يشهد أهل الذمة بعد رحيله عدالة كمثل عدالته ولاسيما بعد أن ساوى بين ديَّة المسلم وديَّة الذميِّ، فما عادوا يشعرون في كنفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) برهبة من اعتداء أحد عليهم، أو خوف من إبداء رأي أو مناقشة في ديانة أو عقيدة. يقابل هذا رغبة معاوية بقتل نصف الموالي وإبقاء النصف الآخر لإقامة السوق وعمارة الطريق، ولولا موقف الأحنف بن قيس لنفذ سمرة بن جندب أحد وجوه العراق رغبة معاوية تلك (1).

وقد تحوّلت الكوفة إلى مدرسة معرفية ليس لها من مثيل، بعد أن منحها (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرصة كي تجتهد في القول والعمل، وتبحثَ وتنقَّبَ، وبسبب من سعة صدره وإنسانيته بدأت هذه المدينة تشهد أوليات دروس الحوار الذي يخاطب العقل الملتزم الذي لا يتحكم به الهوى أو الموروث أو الخرافة، كي يصل إلى الحقيقة ومنها إلى العقيدة الراسخة، ولا شكّ أنها شهدت أوليات الدرس الفلسفي الإسلامي، وقد تخرج فيها من روادها من تخرّج، وكلهم عيال على درسه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

حتَّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأمة على طلب العلم ونشره ابتغاء مرضاة اللّه، وليس طمعا في دنيا أو مال، لأنهم إن طلبوه بحقه أحبَّهم اللّه، وإن


1) العقد الفريد 416/3، وينظر الأحنف بن قيس،49، ولجندب ترجمة في كتابي الموسوم ب«الثوية بقيع الكوفة».

كانت الأخرى فليس لهم غير مقته وهوانهم عليه، روى البلاذري في أنسابه عن الحسن «أن عليهًّ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لو أن حملة العلم حملوه بحقه لأحبهم وملائكته، ولكنهم حملوه لطلب الدنيا فمقتهم اللّه وهانوا عليه»(1).

من آفاق النهج

والنهج بحر ليس فيه إلا كريم الأحجار، وعالم من المعرفة لا نظير له، وفيض رباني، وزهد، وإبحار في ذات اللّه سبحانه، ومدرسة علم وتعليم وتربية، وليس كمثله لا يعرف قيمة العلم وفوائد تعلمه؛ ولشدید اهتمامه به قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «قيمة الرجل علمه»(2). وقال في وصيته لولده الحسن أيضًا : واعْلَم أَنَّهُ لا خَيْرَ فِي عِلْم لا يَنْفَعُ، ولا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لا يَحِقُ تَعَلَّمُهُ» (3)، وقَالَ: «كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إِلَّا وِعَاءَ العِلْمِ، فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ). وانظر إلى خطابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لصاحبه كميل بن زياد.» (4)النخعي، (رضیَ اللّهُ عنهُ): «يَا كُمَيلُ، العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ المَالِ، العِلْمُ يَحْرُسُكَ، وأَنْتَ تَحْرُسُ المالَ، والمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، والعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الإِنْفَاقِ، وصَنِيع المالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ.


1) أنساب الأشراف 356/2.

2) المصدر السابق 2/ 367.

3) هذه الطبعة من النهج وصيته لولده الحسن (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) برقم 31.

4) هذه الطبعة : الحكمة رقم 196.

يا كُمَيلَ بنَ زِيَادٍ، مَعْرِفَةُ العِلْمِ دِينُ يُدَانُ، بِهِ يَكْسِبُ الإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ، وجَمِيلَ الأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَالعِلْمُ حَاكِمٌ، وَالْمَالُ محكُومٌ عَلَيهِ.

يا كُمَيْلَ بنَ زِيَادٍ، هَلَكَ خُزَّانُ الأَمْوَالِ وهُم أَحْيَاء، والعُلَماءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ؛ أعْيَانُهُم مَفْقُودَةٌ، وأمْثَاهُم في القُلُوبِ مَوْجُودَةٌ » (1).

و مما قَالَه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِذَا أَرْذَلَ اللّه عَبْدًا حَظَرَ عَلَيْهِ العِلْمَ» (2). وقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَن نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا، فَعَلَيْهِ أَن يَبْدَأَ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وليَكُن تَأدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، ومُعَلِّمُ نَفْسِهِ ومُؤَدِبُها أحَقُّ بالإجلالِ مِن مُعَلَّم النَّاسِ ومُؤَدِّبِهِم»(3). وأقوال كلها تستحق

التنويه وإنعام النظر لا تجد مثيلا لها في لغة حاكم أو حكيم.

كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) أُسًا لجميع علوم ذلك الزمن وأزمان تلته، فهو الذي وضع علم الملاحظة للاستنباط، وهو الذي منح العلماء والباحثين فرصة لبصائرهم كي تبحر في آفاق المعرفة الرحبة، ولك في خطبه معيناً لا ينضب لأوّليات علوم الطب والطب النفسي، الحيوان، والنبات والفلك، وغيرها، ولك في عجيب ملاحظاته حول خلق


1) هذه الطبعة: الحكمة رقم 139.

2) هذه الطبعة: الحكمة رقم 280.

3) هذه الطبعة: الحكم رقم 68.

الخفاش ما يدلُّ قطعًا على ملاحظة واقعيَّة لا تتأتّى إِلَّا لمختصّ في علم الحيوان (1)، ومثلها عجبًا ما استدل به على عظمة الخالق أيضًا من وصفه الطاووس، كأنه لاحظه ملاحظة العالم العارف، في بيئة لا تعرفه، وليست هي من بلاده، ولكنها تسمع عنه (2).

وإذا كان قد وصف الخفَّاش والطاووس فأبهرك بوصفها فتعال معي ننظر إلى بعض حديثه في وصف النمل والجراد وأصناف الحيوانات (3)، وهو وصف تكمن أهميته في فتح الباب على مصراعيه من بعد للملاحظة العلمية الدقيقة أن تأخذ طريقها إلى مباحث العلماء، بعيدًا عن الخرافة والحدس ولا يبتعد عن ظنّي أن الجاحظ من بعد أفاد فوائد جمة في تأليف كتاب الحيوان من ملاحظاته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد روى شيئًا ليس بقليل عن موروثه فيه؛ ومن طريف ما قرأتُهُ حديث الرياشي عنه الذي رواه ابن قتيبة وابن عبد ربه قال: «ليس شيء يغيب أذناه إلَّا هو يبيض، وليس شيء يظهر أذناه إلَّا وهو يلد، رُوِيَ ذلك عن علي ابن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (4).


1) هذه الطبعة : الخطبة 155.

2) هذه الطبعة: الخطبة 165.

3) هذه الطبعة : الخطبة 185.

4) عيون الأخبار 2 / 104، العقد الفريد 6 / 257.

نهج البلاغة

والنهج الذي بين يديك لا يمثل كل تراث أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإنما هو مختارات اختارها الشريف (رضیَ اللّهُ عنهُ) من غرر خطبه وكتبه ووصاياه وحكمه غلب فيما اختار جانب البيان والفصاحة والمناسبة؛ وأنت واقف على كثير مما لم يروه الشريف في شروح النهج وكتب التاريخ وغيرها، ولك في إحالات السيد عبد الزهراء بكتابه مصادر نهج البلاغة، وما رواه ابن أبي الحديد في شرحه وغيرهما ما قد يتجاوز النهج في حجمه.

وما ألف حوله من شروح و دراسات كثير يصعب على الإحصاء، وقدمت عنه في الجامعات العراقية لوحدها عشرات الدراسات، طبع بعضها وبعضها لم يطبع بعد، ومن الإصدارات الحديثة اللافتة للنظر كتاب «الطب والصحة العامة في نهج البلاغة» للأستاذ الدكتور يحيى كاظم السلطاني الذي أصدرته العتبة العلوية المقدسة، وطبع بمطبعة الكفيل سنة 2014م، والكتاب على الرغم من عدم اعتماده على ما رواه الشريف في الغالب فإنه استعرض في هذا المجال ما روي عنه عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مصادر مختلفة، وقد تناول موضوعات كثيرة من علوم الطب عنده وأحصى في خاتمة بحثه اثني عشر كتابًا صدرت من قبل عن طب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ونشر الدكتور هاشم حسين المحنك كتابًا بعنوان «علم الاجتماع في نهج البلاغة»، وآخر بعنوان «علم الاقتصاد في نهج البلاغة» وآخر بعنوان «الإدارة والأسلوب القيادي في نهج البلاغة»، وغيرها، وغيرها لآخرين كثير.

ومن الكتب الجديرة بالتنويه أيضًا التي تناولت النهج بالدراسة كتاب «فلسفة الحوار عند أمير المؤمنين» للأستاذ الدكتور عبد الرسول الغفاري، الذي قسمه على أحد عشر فصلا كانت الفصول الأربعة الأولى منه تدور حول المبادئ والثوابت في الحوار، وآدابه ومستلزماته، وأسسه، والمدخل إلى الحوار، وانتقل في الفصول الباقية إلى الحوار والصراع الفكري، او وحواره (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ثم حواره مع غيره، وخص الفصل السادس من الكتاب الحواره السياسي في شأن الخلافة، وحواره مع مخالفيه، وما إلى ذلك من فصول.

وقد لا أغالي إذا قلت: إن كتابي الدكتور عباس الفحام «الأثر القرآني في نهج البلاغة»، و «التصوير الفني في خطب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)» من الكتب الجديرة بالتنويه وإنعام النظر أيضًا؛ والأول في الأصل رسالة دكتوراه قدمها إلى جامعة الكوفة، تحدث فيه من بين ما تحدث عن الشاهد القرآني في النهج، فقال: إن انسياب التأثير القرآني إلى النهج أخذ أبعادًا مختلفة، فتباينت أشكاله فيه بتنوع امتياح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

من معينه غير المحدود، فتارة يستقي الفكرة ويتسع في الكلام على أساسها، وتارة أخرى يقتبس اللفظ فيوظفه في موقف فنّي آخر، وتارة ثالثة يستعمل الشاهد القرآني بمعناه ومبناه، وكل ذلك يدل على انصهار الإمام بآيات القرآن الكريم، وذوبان روحه في روحه»، وقال: «وحتى الشاهد القرآني له مداخل مختلفة إلى كلام الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد تفرد في أساليب استعماله له والاستشهاد به» (1).

وتحدث أيضًا عن أسلوب الإمام في استعمال الشاهد القرآني فقسمه على ثلاثة أقسام هي: التصريح بنسبة الشاهد، وعدم التصريح به، وهو الأكثر في كلامه، وفي هذا البحث قال: نتلمس قدرًا عاليًا من الإبداع في بناء الجمل يتناسب مع عدم التصريح بنسبة الآيات في كلامه، «لأنّ عليه إيجاد مناخ تركيبي للعبارة مناسب لما اقتبس من عظمة الآية، وفنيّة صياغتها، وعمق معناها؛ وهذه القدرة العالية على البناء.. ستجعل كثيرًا من الآيات المستشهد بها تبدو كأنها من عبارات الإمام لقوة ارتباطها بالعلاقات الجملية في كلامه» (2).

ودرس أيضًا كيفية توظيف الشاهد القرآني في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: للشاهد القرآني وظيفة يأتي بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تقوية للمعنى وتعضيدا


1) الأثر القرآني في نهج البلاغة 431، وينظر ما بعدها.

2) المصدر السابق 438 وينظر ما بعدها أيضًا.

للحجة» (1)وحصر وظائفه بإصلاح الذات، وتهذيب النفس، وبالترغيب والترهيب، وبالوظيفة العبادية، وبالاحتجاج، وبالوظيفة العقلية. إنه كتاب ماتع يستحق التنويه والعرض.

أما كتابه الثاني الموسوم ب«التصوير الفني في خطب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)»، فهو يحتاج إلى تنويه أيضًا، وإن كنت أتردد في قبول عزوه جانبًا من مصادر ثقافة الإمام إلى بيئة مكة الأدبية، ولاسيما البيت الهاشمي بها، وإلى أبيه الذي كان من شعراء مكة وخطبائها، وأزعم أن هذين العاملين لم يكن لهما تأثير كبير في ذلك البيان القرآني الذي اتسمت به خطبه ووصاياه ورسائله وحكمه، لأنه لم يكن معنيًّا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكل تلك الأجواء الأدبية التي كانت سائدة بمكة، بل لم يكن مهتمًا بها، وإن كان قد حفظ ما حفظ من الموروث الجاهلي من شعر ومثل فهي سمة عصره، وهي لا تصنع أميرًا للبيان والفصاحة، ولو كانت لطاوله غيره؛ إلا أن شديد تأثره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأخيه المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كما ذهب الباحث إلى ذلك. حتى أنني أتخيل أنه كان يرى الدنيا من خلاله، وكأنك إذا أردت أن تجمع موروثه في حياة أخيه تظنه من غير موروث إلّا الاستماع لما ينطق به ويأمر فتأثر أيما تأثر بالأسلوب البياني للرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وهذا ما نوه به المؤلف أيضًا، وقد وضع الأثر القرآني


1) المصدر السابق 447، وينظر ما بعدها أيضًا.

في نهاية موارد تأثره به (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذكر أنه كان له أعظم التأثير وأبلغه فى صقل شخصية الإمام.

ولم يكن (عَلَيهِ السَّلَامُ) من حفاظ القرآن فحسب، وإنما كان حفظه حفظ تدبر لمعانيه، وفهم عميق لمراميه وباطنه وظاهره، فقد رافق مسيرة النبي القرآنية (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) منذ أول آية نزلت عليه في غار حراء إلى أن توقف خبر السماء.

حياته بعد رحيل أخيه من خلال النهج

وحياة الإمام بعد رحيل أخيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كلها أزمات وأيام أشد سوادًا من حنك الغراب، فمن فجيعته برحيله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) التي أدت إلى انطفاء أغلب النور الذي كان يغطي سماء المسلمين، إلى انقسامهم، وإلى تنكر قريش وغيرهم من بيعته، ثم موقف الخليفة أبي بكر من ميراث الزهراء البتول (عَلَيهَا السَّلَامُ) الذي شارك بفجيعته برحيل سيدة نساء العالمين لا ولما تتجاوز العشرين، وأحداث تليها أحداث قد لا تكون بغائبة عنه، فتحملها، واستطاع بعقله النير وصبره أن يتجرعها (1)، خوفًا على الإسلام من الانحراف، ونزولا عند وصايا رسول اللّه.


1) توجد تفاصيل كثيرة حول تلك الأحداث في الجزء الثاني من كتابي وما أدراك ما علي.

حِكَم الإمام

والناظر في حِكَمه يستنتج أنها إما أن تكون قسمًا من خطب لم يقف الشريف عليها، أو أنه وقف عليها ولكنه اختار منها ما أراد اختياره بما يتماشى مع منهجه في الكتاب، وستلاحظ في هوامش هذا القسم من هذه الطبعة إشارات كثيرة تدل بالقطع على ما ذهبت إليه، أو أن غالبيتها أجوبة لحالات أو أسئلة أو أزمات اختار لها ما يناسبها من القول الحكيم بحيث يكون جوابه قاطعًا لا ريب فيه، فقوله رقم «1» هو من وصية لولده الحسن (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وكلامه رقم «2» من جملة ما أوصى به مالك الأشتر، ومثله قوله رقم «3»، وقوله رقم «12» قاله لسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن أبي سلمة، وعبد وعبد اللّه بن عمر، حينما امتنعوا عن الخروج معه إلى البصرة، وكلامه رقم «18» اختلف فيه، فذهب قوم إلى أنه قاله في يوم السقيفة، وذهب آخرون إلى أنه قاله في يوم الشورى، وقوله رقم «25» والقول الذي يليه انتزعا من الخطبة رقم «38»، وكلامه رقم «30» منتزع من خطبة رقم «34»، وكلامه رقم «34» من وصيته لابنه الحسن (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) لما ضربه ابن ملجم لعنة اللّه عليه، وكلامه رقم «37» جزء من الخطبة رقم «176»، وكلامه رقم «38» هو من كلامه لصاحبه صالح بن سليم وقد عاده في مرضه، وكلامه رقم «42» من خطبة رواها رفيع بن فرقد البجلي، وكلامه رقم «56» من وصيته لولده محمد بن الحنفية، وكل ما مرَّ وغيره كثير

معالجات لمواقف أو أحداث بين رؤيته الصائبة بها (عَلَيهِ السَّلَامُ).

زهده في الحياة

والناظر في النهج يقف على صور عجيبة من زهد عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نهجه، وحق لمتصوفة العصور الاقتداء بزهده ونسكه، ولباسه الخشن، ومسكنه البسيط، ومأكله الجشب، وعزوفه التام عن كل مباهج الحياة، وتهجده بين يدي خالقه، وتضرعه، حتى أن المارّ على تلك الحياة بكل أطوارها وهو لا يعرفه يظن أن صاحبه لم يبق ذنبًا إلا ارتكبه، وهو عليّ؛ ومما كان يدعو به كثيرًا قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«اللّهمَّ اغْفِرْ لي مَا أَنتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، فإن عُدْتُ فَعُدْ لِي بِالمَغْفِرَةِ، اللّهمَّ اغْفِرْ لِي مَا وَأَيتُ (1)مِن نَفْسي ولم تَجِدْ لَهُ وَفَاءٌ عِنْدِي، اللّهم اغْفِرْ لي مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِي اللّهمَّ اغْفِر لِي رَمَزَاتِ (2)الألحاظِ، وسَقَطَاتِ (3)الألفَاظِ، وشَهَوَاتِ الجَنَانِ، وهَفَوَاتِ(4)اللَّسَانِ»(5)،


1) الوأي: الوعد.

2) الرمزات جمع رمزةٍ، وهي الإشارة بالعين أو الحاجب أو الشفة.

3) السقط من الشيء: رديئه.

4) الهفوة: الزلة.

5) كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) برقم 77 في هذ الطبعة، وهو مما كان يدعو به كثيرا، والكلام في الشرح النهج 293/6 وذكر الشارح من بين ما ذكره بعض أدعية رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وأدعية الصحيفة السجادية، وأدعية أخر مأثورة عن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) و و عن بعض الصالحين، وختم بآداب الدعاء، والكلام برقم (78) في شرح ابن ميثم 361/2. وبرقم 76 في مصادر نهج البلاغة 2 / 81، وينظر تعقيب المؤلف.

وعجب من مثل عليٍّ ربيب الوحي، وإمام المتقين أن يطلب المغفرة ويدعو بمثل هذا الدعاء وقد نال من أوسمة الفخار من اللّه سبحانه وتعالى ما نال، بل ما ناله من رسول اللّه ما لا يستطيع مزاحمته جميع المسلمين.

ومن دعائه وتهجده في خطبة الأشباح قوله: «اللّهمَّ أَنْتَ أهْلُ الوَصْفِ الجَمِيلِ، والتَّعْدَادِ الكَثِيرِ ؛ إن تُؤَمَّل فَخَيْرُ مَأمُولٍ، وإِن تُرْجَ فأَكْرَمُ مَرْجُوِّ. اللّهمَّ وقَد بَسَطْتَ لِي فِيمَا لا أَمْدَحُ بِه غَيْرَكَ، ولا بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ، ولا أَوَجِّهُهُ إلى مَعَادِنِ الخَيْبَةِ ومَوَاضِعِ الرِّيْبَةِ، وعَدَلْتَ بِلِسَانِي عَن مَدَائِحِ الآدَمِينَ، وَالثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ المَخْلُوقِينَ. اللّهمَّ ولِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَن أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِن جَزَاءِ، أو عَارِفَةٌ مِن عَطَاءِ، وقد رَجَوْتُكَ دَلِيلًا عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ وكُنُوزِ المَغْفِرَةِ. اللّهمَّ وهَذا مَقَامُ مَن أَفْرَدَكَ بالتَّوْحِيدِ الذِي هُوَ لَكَ، ولَم يَرَ مُسْتَحِقًا لِهَذِهِ المَحَامِدِ والمَمَادِح غَيْرَك، وبِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ، لا يَجْبُرْ مَسْكَنَتَهَا إِلَّا فَضْلُكَ، ولا يَنْعَشُ (1)مِن خَلَّتِهَا إِلَّا مَثْكَ وجُودُكَ؛ فَهَبْ لَنَا في هذا المقامِ رِضَاكَ، واغْنِنَا عَن مَدَّ الأَيْدِي إِلى سِوَاكَ، إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ» (2).

وحين شحَّ المطر وعم الجدب خرج يستنزل الغيث، فانظر كيف استغاث وتوسل و مما قاله : «اللّهمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ، نَشْكُوا إِلَيْكَ


1) أنعشه : أنهضه من عثرته.

2) خطبته برقم 90 في هذه الطبعة، وتسمى بخطبة الأشباح، وهي من جلائل خطب.

مَا لا يَخْفَى عَلَيْكَ حِيْنَ الْحَاتُنَا المَضَائِقُ الوَعِرَةُ، وأجَاءَتْنَا (1)المَقَاحِطُ (2)المُجْدِبَةُ، وأعْيَتْنَا المَطَالِبُ المُمتَعَسِّرَةُ، وتلا حَمَتْ (3)عَلَيْنَا الفِتَنُ المُسْتَصْعِبَةُ. اللّهمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ إِلَّا تَرُدَّنَا خَائِبِيْنَ، ولا تَقْلِبْنَا وَاجِمِينَ (4)، ولا تُخَاطِبْنَا بِذُنُوبِنَا، ولا تُقَايِسْنَا بِأَعْمَالِنَا» (5).

ومن دعائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي ورد في إحدى خطبه، قوله: «اللّهمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وتُعْطِي، وعَلَى مَا تُعَافِي وَتَبْتَلِي، حَمَّدًا يَكُونُ أَرْضَى الحَمْدِ لَكَ، وأحَبَّ الحَمْدِ إِلَيْكَ، وأفْضَلَ الحَمْدِ عِنْدَكَ. حَمْدًا يَمْلأُ مَا خَلَقْتَ، ويَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ حَمْدًا لا يُحْجَبُ عَنْكَ، ولا يُقْصَر دُونَكَ، حمدًا لا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ ولا يَفْنَى مَدَدُهُ، فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ، إِلَّا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ حَيٌّ قَيُّومٌ» (6).

ومن أدعيته، قوله: «اللّهمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ أن أفْتَقِرَ في غِنَاكَ، أو أَضِلَّ فِي هُدَاكَ، أو أَضَامَ فِي سُلْطَانِكَ، أَو أَضْطَهَدَ (7)والأَمْرُ لَكَ»(8).


1) أجاءتنا، أي: أحوجتنا.

2) لم يذكر لها مفردًا في القاموس، والمقحط فيه: فرس لا يكاد يعيا جريا. ومَقْحَط مصدر ميمي دل على توكيد الحدث وتقويته.

3) تلاحمت في المنهاج /68/2 : تداخلت واتصلت.

4) الواجم الذي اشتد حزنه حتى يمسك عن الكلام.

5) الخطبة رقم 143 في هذه الطبعة.

6) خطبته رقم 160 في هذه الطبعة، وفي المعارج 267 القيوم عند أبي عبيد القائم الدائم الذي لا يزول، يعني أنه القائم على العباد بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم.

7) أضطهد أظلم، وأضام في المنهاج 347/2، أي أظلم.

8) برقم 215 في هذه الطبعة.

«اللّهمَّ اجْعَل نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تَنْتَزِعُهَا مِن كَرَائِمِي، وأوَّلَ وَدِيْعَةٍ تَرْجِعُهَا مِن وَدَائِعِ نِعَمِكَ عِنْدِي» (1).

و تعجب كل العجب من قوله وهو من أدعيته: «اللّهمَّ احْمِلْنِي عَلَى عَفْوِكَ، ولا تَحْمِلْنِي عَلَى عَدْلِكَ » (2).

وأدعيته في النهج باب ليس له من مثيل في تراثنا الإسلامي، كله خشوع وتوسل وخوف ورهبة، وعزوف عن مباهج الدنيا وزينتها، وأمل بالفوز في الحياة الأبدية.

الفقراء في نهج علي

وللفقراء في نهجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مداخل عدة، هوّن عليهم فقرهم وأدخل الرعب على قلوب الأغنياء كي يخرجوا من أموالهم حقوق الفقراء، وذَم البخل وقبَّحه، ونذر وأنذر، وبصر، وحدَّث، حتى رأى الفقر غربة في الوطن، وكم للفقير من حقوق في وطنه وغربته؛ وأي عجب عجيب في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

«مَا أَحْسَنَ تَوَاضُعَ الأَغْنِيَاءِ لِلفُقَرَاءِ طَلَبًا لِمَا عِنْدَ اللّه، وأَحْسَنُ مِنْهُ


1) من الدعاء السابق، وهذا مثل قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : «اللّهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني». يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا نزعت بعض جوارحي فانتزع نفسي، وينظر مسند الترمذي 5 / 242، والمستدرك 523/1.

2) برقم 227 في هذه الطبعة.

تِيْهُ الفُقَرَاءِ عَلَى الأغْنِيَاءِ اتِّكَالًا عَلَى اللّه» (1).

ثم انظر إلى العجب في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): عَجِبْتُ لِلبَخِيل يَسْتَعْجِلُ الفَقْرَ الذِي مِنهُ هَرَبَ، ويَفُوتُهُ الغِنَى الذِي إِيَّاهُ طَلَبَ، فَيَعِيشُ فِي الدُّنْيَا عَيْشَ الفُقَرَاءِ، ويُحَاسَبُ فِي الآخِرَةِ حِسَابَ الأغْنِيَاءِ، وعَجِبْتُ لِلمُتَكَر الذِي كَانَ بِالأَمْسِ نُطْفَةٌ، ويَكُونُ غَدًا جِيفَةً، وَعَجِبْتُ لَن شَكٍّ فِي اللّه وهُوَ يَرَى خَلْقَ اللّه، وعَجِبْتُ مَن نَسِيَ المَوْتَ، وهو يَرَى مَن يَمُوتُ، وعَجِبْتُ لَن أَنْكَرَ النَّشأَةَ الأخْرَى، وهُوَ يَرَى النَشْأَةَ الأولى، وعَجِبْتُ لِعَامِرٍ دَارَ الفَنَاءِ وَتَارِكِ دَارَ البَقَاءِ» (2).

ولك أن تعجب أيضًا من عهوده إلى عماله وما يأمرهم به، تعجب من لغته وجمالها وفصاحتها، وعمق معانيها، وصور التحذير والترهيب من الخيانة بها، ومن حرصه على توزيع المال العام، وحصة الفقراء والمساكين به، أذكر ما ورد في أحدها، وهو قوله لبعض عماله، وقد بعثه على الصدقة :

«وإِنَّ لَكَ فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيْبًا مَفْرُوضًا، وحَقًّا مَعْلُومًا، وشُرَكَاءَ


1) الحكمة رقم 391 في هذه الطبعة، وهي برقم 414 في شرح نهج البلاغة 286/20، وبرقم 406 في مصادر نهج البلاغة 4 / 288 - 290 برقم 406، وينظر تعقيب المؤلف على هذه الحكمة العظيمة، وما رواه حولها، وهي برقم (382) في شرح ابن میثم 497/5.

2) الحكمة رقم 121 في هذه الطبعة.

أهْلَ مَسْكَنَةٍ، وضُعَفَاءَ ذَوِي فَاقَةٍ، وإِنَّا مُوفُوكَ حَقَّكَ فَوَفِّهِم حُقُوقَهُم، وإِلَّا فَإِنَّكَ مِن أَكْثَرِ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ خُصُومًا، وبُوْسًا لَن خَصْمُهُ عِندَ اللّه الفُقَرَاءُ والمَسَاكِينُ والسَّائِلُونَ والمَدْفُوعُونَ والغَارمُ (1)وابنُ السَّبِيلِ» (2).

وصور الفقر في النهج بشعة مخيفة، قد تدفع صاحبها إلى فواجع ومهالك، وقد تأخذ بيده إلى النار إذا لم يحترس منها، ويصبر على ما ابتلي به منها، فهو : «يُخْرِسُ الفَطِنَ عَن حُجَّتِهِ» (3)، وهو «المَوْتُ الأكبر» (4)، وكيف لا يكون وهو كما قال «وإنَّ مِنَ البَلاءِ الفَاقَةَ» (5).

ويا لهول وجهه في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الغِنَى فِي الغُرْبَةِ وَطَن، والفَقْرُ في الوَطَنِ غُرْبَةٌ» (6)، وقد حذر ولده محمد بن الحنفية منه وأشفق عليه فقال. «يَا بُنَيَّ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الفَقْرَ، فَاسْتَعِذْ بِاللّه مِنهُ، فَإِنَّ الفَقْرَ مَنْقَصَةٌ لِلدِّينِ، مَدْهَشَةٌ لِلعَقْل، داعِيَةٌ إلى المَقْتِ» (7).

ومن يرزقه اللّه بمال فعليه أن يعلم أنه ليس له لوحده يتنعم به،


1) الغارم في الوسيط المتكفل.

2) رقمه 26 في هذه الطبعة، وابن السبيل في الوسيط: المسافر المنقطع الذي يريد الرجوع إلى بلده.

3) الحكمة رقم 2 في هذه الطبعة، وفي المعارج 400 لأن الفقر يصغر صاحبه في نفسه، فتتصاغر إليه نفسه.

4) الحكمة رقم 2 في هذه الطبعة.

5) من الحكمة 378 في هذه الطبعة.

6) الحكمة برقم 52 في هذه الطبعة.

7) الحكمة رقم 311 في هذه الطبعة.

وإنما قسم منه موزع على موارده على القرابة وإقراء الضيف، وفكاك الأسر، ومساعدة المعسر والمدين، والمشاركة في الحقوق التي يجب أن تدفعها الأسرة ديّة، ومن فعل ذلك نال مجد الدارين قال: «فَمَن آتَاهُ اللّه مَالًا فَلْيَصِل بِهِ القَرَابَةَ، ولْيُحْسِنْ مِنهُ الضَّيَافَةَ (1)، وَلْيَفُكَ بِهِ الأَسِيْرَ والعاني (2)، ولْيُعْطِ مِنْهُ الفَقِيرَ والغَارِمَ (3)، ولْيُصَبر نَفْسَهُ عَلَى الحُقُوقِ والنَّوَائِبِ ابْتِغَاءَ الثَّوابِ، فَإِنَّ فَوْزًا بِهِذِهِ الخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا، ودَرَكُ فَضَائِل الآخِرَةِ إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى» (4).

وهو لا يمنع الناس من الاستمتاع بالطيبات التي أنعم اللّه عليهم بها، ولا يحرمها عليهم كما حرَّمها على نفسه كي يكون قدوة للفقراء وقد مر ذكر حديثه مع عاصم الذي أراد التخلي عن الدنيا ومباهجها فيوم زار العلاء بن زياد، وهو من أصحابه، حدثه عن أخيه عاصم الذي تخلى عن الدنيا ومباهجها (5).


1) ذكر في المعارج 234 أن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرّ بفقراء يأكلون خبزًا متكرّجًا، فدعوه لطعامهم، فنزل، فلما فرغ قال لهم : أجيبوني غدًا، فأجابوه في داره، وأحضر لهم طعامًا لذيذا.

2) العاني في المنهاج 2/ 63: الأسير أيضًا.

3) الغارم في الوسيط: المتكفّل.

4) كلامها برقم 142 في هذه الطبعة.

5) کلامه برقم 209 في هذه الطبعة، وهو برقم 202 في شرح النهج 11 / 23 - 24، وفيه بحث عن أخبار بعض العارفين والزهاد، وأخبار عن سيرة الربيع بن زياد جديرة بالنظر، والتخريج في مصادر النهج 3 / 109 - 111 برقم 207، ورجح عند المؤلف أن المعروف بين علماء الأخبار أن الذي عاده أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الربيع بن زياد الحارثي وهو من الصحابة قال لذا قال ابن أبي الحديد: أما العلاء بن زياد فلا أعرفه ونقل عن خط ابن الخشاب : إن الربيع أصابته نشابة في جبينه فكانت تنتقض عليه في كل عام فأتاه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عائدًا، وينظر أيضًا ما ذكره حول ترجمته (رضیَ اللّهُ عنهُ)، والكلام برقم (201) في شرح ابن ميثم 4 / 15، ونسب ابن ميثم الكلام للعلاء من دون تعليق.

ولا أظن أبًا أوصى ولده كوصيته لولده الحسن، وهو ابن الزهراء، وسبط النبي، وابن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، ورجل تربى في أحضان النبوة ونهل من مدرستها ليس في حاجة إلى نصيحة أو تنبيه، ولكنك واجد في وصيته من صور الترهيب من الدنيا الفانية ما لا تجده بغيرها، ولا أظن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حاجة إلى تلك الوصية قدر حاجة الأمة إليها، ومما جاء فيها في حثه على رعاية الفقراء ما صوره بصورة ولا أعجب منها ولا أبلغ ؛ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وإذا وجَدْتَ مِن أهْل الفَاقَةِ مَن يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ فَيُوَافِيكَ بِهِ غَدًا حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَاغْتَنِمْهُ، وحَمِّلْهُ إيَّاهُ، وأكْثِرُ مِن تَزْوِيدِهِ وأنتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فلا تَجِدُهُ» (1).

وأي نهج سماوي نهجه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولو أُخِذَ به ما جاع فقير على وجه الأرض؛ ولا ظلم مظلوم، قال: «إنَّ اللّه سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الأغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الفُقَرَاءِ، فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مَنَعَ غَنِيٌّ، واللّه تَعَالَى جَدُّهُ سَائِلُهُم عَن ذَلِكَ» (2).


1) من وصيته لولده الحسن وهي برقم 31 في هذه الطبعة.

2) الحكمة رقم 320 في هذه الطبعة، وهي برقم 334 في شرح النهج 19 / 141، وبرقم (312) في شرح ابن ميثم 478/5، وفي مصدر سابق 252/4 برقم (328)، وينظر تعقيب المؤلف.

نهج الحياة

كان نهج أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نهجًا للحياة الكريمة بكل معانيها وقيمها الشريفة، كما كان نبعًا لأمة من الخطباء والكتاب والفلاسفة والحكماء والمفكرين وطالبي الإصلاح ينهلون من منهله العذب؛ ويحاولون الارتقاء إلى مراقيه وهم وإن لم يدركوا مداه فقد أفادوا من كلامه فيما نسجوه من فن القول، لأنه «(عَلَيهِ السَّلَامُ) إمام الفصحاء، وسيد البلغاء، وكلامه كما قيل: دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوقين. ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة، قال عبد الحميد بن يحيى حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع، ففاضت ثم فاضت. وقال ابن نباتة: حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الانفاق الاسعة وكثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب؛ ولما قال محفن بن أبي محفن - الضبي - لمعاوية : جئتك من عند أعيا الناس، قال له ويحك! كيف يكون أعيا الناس فواللّه ما سن الفصاحة لقريش، غيره»، وقال ابن أبي الحديد أيضًا : «يكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة، ولا يبارى في البلاغة. حسبك أنه لم يدون لأحد من فصحاء الصحابة العُشْر، ولا نصف العشر مما دون له» (1).


1) شرح النهج 1/ 28.

وما استطاع الطغاة على مر الحقب إطفاء نوره على الرغم من كل محاولاتهم الدنسة، وقد تبعتهم أمة من سفلة القوم طمعا بما في أيديهم من سحت حرام، وليس محفن وحده الذي قال ما قال في مجلس معاوية الذي سنّ لعن عليّ، وإنما تبعته أمة من طلاب الدنيا، ومما ذكره ابن قتيبة أن عبد اللّه بن أبي محجن الثقفي دخل عليه وقال: «يا أمير المؤمنين، إني أتيتك من عند الغبي الجبان البخيل ابن أبي طالب. فقال معاوية: اللّه أنت ! أتدري ما قلت؟ أما قولك الغبي، فواللّه لو أن ألسن الناس جمعت فجعلت لسانا واحدا لكفاها لسان علي، وأما قولك: إنه جبان، فثكلتك أمك، هل رأيت أحدا قط بارزه إلا قتله؟ وأما قولك: إنه بخيل، فواللّه لو كان له بيتان أحدهما من تبر والآخر من تبر والآخر من تبن، لأنفد تبره قبل تبنه. فقال الثقفي فعلام تقاتله إذًا؟ قال: على دم عثمان، وعلى هذا الخاتم الذي من جعله في يده جادت طينته، وأطعم عياله، وادخر لأهله؛ فضحك الثقفي ثم لحق بعلي، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي يدي بجرمي، لا دنيا أصبت ولا آخرة. فضحك علي، ثم قال: أنت منها على رأس أمرك، وإنما يأخذ اللّه العباد بأحد الأمرين» (1).

بهاء النهج

وقد وقف الشريف (رضیَ اللّهُ عنهُ) فيما اختاره وقفات على بعض كلامه


1) الإمامة والسياسة 101/1.

• وهو إمام البلغاء في زمانه، ومن كبار شعراء عصره - أبدى فيها شدة إعجابه وانبهاره بكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي لوحدها تعبر عن آيات الأعجاز والإيجاز والفصاحة والبيان الذي ليس كمثله مثل في موروثنا، وسأنقل لك بعض ما قاله (رضیَ اللّهُ عنهُ)»

قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين بويع بالمدينة: «ألا وإنَّ الخَطَايَا خَيْلٌ شمس حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وخُلِعَتْ مُجُمُهَا فَتَقَجَّمَتْ (1)بهم في النَّارِ. ألا وإنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُلٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أهْلُهَا، وأُعْطُوا أزِمَّتِهَا فَأوْرَدَتْهُمُ الجنَّةَ (2)، حَقٌّ َوبَاطِلٌ ولكُلِّ أَهْلٌ (3)فَلَئِنْ أَمِرَ البَاطِلُ لَقَدِيمًا فَعَلَ، وَلَئِنْ قل الحَقُّ لَرُبَّما (4)ولَعَلَّ، ولَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيْءٍ فَأَقْبَلَ (5)»؛ ففي خطبته تلك من آيات الفصاحة والبيان ما يعجز البشر على الإتيان بمثله؛ وليس ذلك بغريب عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهو يغرف من بحرين لا قرار لهما، من القرآن


1) ذكر ابن ميثم في شرحه 1/ 205 استعمال لفظ الخيل للخطايا، ووصفها بالوصف المنفر، وهي كونها مع شموسها مخلوعة اللجم تتقحم براكبها المهالك.

2) استعار لفظ المطايا بالوصف الحسن الموجب للميل إليها، وهو كونها ذللاً.

3) أي : لكل من طريقي الحق والباطل قوم أعدهم القدر لسلوكها بحسب ما جرى في اللوح المحفوظ.

4) ذكر ابن ميثم في شرحه 206/1 في قوله : لربما ولعل تنبيه على أن الحق وإن قل فربما يعود يسيرًا.

5) استبعاد لرجوع الحق إلى الكثرة والقوة بعد قلته وضعفه، وفي ذلك تنبيه لهم على لزوم الحق.

الذي حفظه من فم رسول اللّه أولا بأول عن الوحي، وتدبر معانيه وعرف أحكامه، ومن نهج أخيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) الذي أدبه بأدب اللّه، لذا علق الشريف بقوله: «إنَّ في هذا الكلامِ الْأَدْنَى مِن مَوَاقِعِ الإِحْسَانِ مَا تَبْلُغُهُ مَوَاقِع الاسْتِحْسَانِ، وإِنَّ حَظِّ العَجَبِ مِنْهُ أَكْثَرَ من حَظِّ العُجْبِ به، وفيه مَع الحَالِ الَّتِي وَصَفْنَا رَفَائِدُ من الفَصَاحَةِ لا يَقُومُ بِهَا لِسَانٌ، ولا يطَّلِعُ فَجَهَا إِنْسَانٌ، ولا يَعْرِفُ مَا أَقُولُهُ إِلا من ضَرَبَ في هذهِ الصَّنَاعَةِ بِحَقِّ، وجَرَى فِيْهَا على عِرْقٍ(1).

ومن بين ما قاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) حول خطبته الغراء التي نعتها السيد الشريف بالعجيبة: «الحَمْدُ للّه الذِي عَلا بِحَوْلِهِ (2)، ودَنَا بِطَوْلِهِ (3)، مَانِحِ (4)كُلِّ غَنِيمَةٍ وفَضْلٍ، وَكَاشِفِ كُلِّ عَظِيمَةٍ وأَزْلٍ (5)أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ، وسَوَابِعْ نِعَمِهِ، وأومِنُ بِهِ أَوَّلًا بَادئًا، وأسْتَهْدِيهِ قَرِيْبًا هَادِيًا، واسْتَعِينُهُ قَاهِرًا قَادِرًا، وأتَوَكَّلُ عَلَيْهِ كَافِيًا نَاصِرًا. وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَبْدُهُ ورَسُولُهُ أَرْسَلَهُ لإِنْفَاذِ أَمْرِهِ، وَإِنْهَاءِ عُذْرِهِ، وتَقْدِيمِ نُذْرِهِ».


1) هذه الطبعة: الخطبة رقم 16.

2) الحول: القوة.

3) علا بحوله، أي: علا وعرف بحوله وقوته، علوه، أي بصنعه علم علوه، ودنا بطوله، أي بفضله دنا ممن يدعوه.

4) المنحة العطية.

5) الأزل: الضيق والحبس.

علق الشريف بقوله :«وفي الخير أنَّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما خَطَبَ بهذه الخطبة اقْشَعَرَّتِ الجُلُودُ لَهَا، وبَكَتِ العُيُونُ، ورَجَفَتِ القُلُوبُ» (1)ذلك لأنه عرف اللّه حق معرفته فعبده عارفًا لفضله مؤمنًا به إيمان عقيدة راسخة لا تزحزحها الأهواء والمغريات.

وقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فإنَّ الغَايَةَ أَمَامَكُم، وإِنَّ ورَاءَكُم السَّاعَةَ تَحْدُوكُم (2)، تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا (3)، فإِنَّما يُنْتَظَرُ بأوَّلِكُم آخِرُكُم».

علق الشريف (رضیَ اللّهُ عنهُ) بقوله: «إِنَّ هذا الكلام لَو وُزِنَ بَعْدَ كَلامِ اللّه سُبْحَانَه وبَعْدَ كَلامِ النَّبِي بِكُلِّ كَلامِ لَمَالَ بِهِ رَاجِحًا، وبَرَّزَ عَلَيْهِ سَابِقا، فأَمَّا قَولُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ): تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَمَا سُمِعَ كَلامٌ أَقَلَّ أقل منه مَسْمُوعًا، ولا أَكْثَرَ مَحْصُولًا. ومَا أَبْعَدَ غَوْرَهَا مِن كَلِمَةٍ، وَأَنْقَعَ نَطْقَتَهَا من حِكْمَةٍ، وقَد نَبَّهْنَا فِي كِتَابِ الخَصَائِصِ على عِظَمِ قَدْرِهَا وشَرَفِهَا، وشَرَفِ جَوْهَرِهَا» (4). فأين هذا من نسيج ما نسج على توالي العصور.

وعلق على كلامه في هجرته (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَجَعَلْتُ أَتَّبِعُ مَأْخَذَ رَسُولِ اللّه، فَأَطَأَ ذِكْرَهُ حَتَّى انتَهَيْتُ إِلَى العَرْج» بقوله: «قَولُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَأَطَأَ


1) هذه الطبعة: الخطبة رقم 82.

2) المراد بالساعة القيامة الصغرى وهي ضرورة الموت والسابق هو الفائز برضوان اللّه.

3) تخففوا كنية عن الزهد الحقيقي الذي هو أقوى أسباب السلوك إلى اللّه سبحانه، وتلحقوا أي تلحقوا بدرجات السابقين الذين هم أولياء اللّه.

4) هذه الطبعة الخطبة رقم 21.

ذِكْرَهُ» مِنَ الكَلامِ الذِي رَمَى إِلَى غَايَتَي الإِيجَازِ والفَصَاحَةِ، وأَرَادَ أَنَّنِي كُنْتُ أَعْطَى خَبَرَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) مِن بَدْوِ خُرُوحِي إِلَى أَنِ انْتَهَيْتُ إِلَى هَذَا المَوْضِعِ، فَكَنَّى عَن ذلِكَ بِهَذِهِ الكِنَايَةِ العَجِيبَةِ» (1).

وعلق بقوله (رضیَ اللّهُ عنهُ) على خطبته التي بدأها (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله: «أَمَّا بعد فإنَّ الدُّنْيَا قد أدبَرَتْ وآذَنَتْ (2)بوَدَاعِ، وإِنَّ الآخِرَةَ قَد أَقْبَلَتْ وأَشْرَفَتْ (3)باطلاعِ»: «إِنَّهُ لو كَانَ كَلامٌ يَأخُذُ بالأَعْنَاقِ إلى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا ويَضطَرُّ إلَى عَمَلِ الآخِرَةِ لَكَانَ هذَا الكَلامُ وكَفَى بِهِ قَاطِعَا لِعَلائِقِ الأَمالِ، وقادِحًا زِنَادَ الأَنْعَاظِ والازْدِجَار ؛ ومِن أعْجَبِه، قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ألا وإنَّ المضمَارَ اليَومَ وغَدًا السباق، والسَّبَقَةُ الجَنَّةُ، والغَايَةُ النَّارُ»، فإنَّ فِيهِ مَعَ فَخَامَةِ اللفْظِ وعِظْمِ قَدْرِ المَعْنَى صَادقِ التَّمْثِيلِ ووَاقِعِ التَّشْبِيه سِرًّا عَجِيبًا، ومَعْنِّى لَطِيفًا، وهو قَوْلُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «والسَّبَقَةُ الجنَّةُ والغَايَةُ النَّارُ»، فخَالَفَ بينَ اللَّفْظَيْن لاخْتِلافِ المعنيين، ولَم يَقُل: والسَّبَقَةُ النَّارُ كما قالَ: «والسَّبَقَةُ الجَنَّةُ» ؛ لأنَّ الاستبَاقَ إِنَّمَا يَكُونُ إِلى أَمْرٍ تَحْبُوبِ وغَرَضِ مَطْلُوبِ، وهذهِ صِفَةُ الجَنَّةِ، ولَيْسَ هَذا المَعْنَى مَوْجُودًا في النَّارِ نَعُوذُ باللّه مِنْهَا، فلم يجز أن يَقُول : والسَّبَقَةُ النَّارُ؛ بل قَالَ: «والغَايَةُ النَّارُ»؛


1) هذه الطبعة: كلامه رقم 236.

2) آذنت أعلمت.

3) أشرفت اطّلعت.

لأنَّ الغَايَةَ قد يَنتَهِي إليهَا مَن لا يَسُرَّه الانْتِهَاءُ إليهَا ومَن يَسُرُّهُ ذلكَ، فَصَلَحَ أن يُعَبْرَ بِهَا عن الأمرَينِ مَعَا فَهِيَ في هَذا المَوضِع كالمَصِير والمآلِ، قال اللّه تَعَالَى: «قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ»(1)، ولا يجوزُ في هذا المَوْضِعِ إِن يُقَالَ: فَإِنَّ سَبْقَتَكُم إِلى النَّارِ. فَتَأَمَّلَ ذلِكَ فبَاطِنُهُ عَجِيْبٌ، وغَوْرُهُ بَعِيدٌ، وكَذلِكَ أكْثَرُ كَلامِهِ صَلَّى اللّه عليهِ» (2).

وتمنعنا الإطالة من ذكر جميع تعليقات الرضي على خطبه وكتبه وحكمه، كما تمنعنا من الوقوف على ما فسره من كلمات رآها عصية على الفهم في زمانه، وقد بذلت من الجهد في شرح كثير من كلمات النهج من خلال شروحه بالدرجة الأولى ما ليس عندي من ورائه من مزيد.

من غريب النهج

وأمير الفصاحة والبيان حاشاه أن يتقصد الغرابة في خطبة أو كتاب أو عهد أو وصية أو حكمة، وإنما يرسل كلامه إرسالا من دون تعسف وتقعر، أو بحث عن الحوشي المستهجن، وإذا كنت لا تستطيع من خلال معجماتك اللغوية إدراك معاني ما قيل عنه بغريب في لغته إلّا بالتدبر وإنعام النظر، وإجالة الفكر ؛ لأن المعنى في السياق لا يحدده


1) إبراهيم 30/14.

2) هذه الطبعة: الخطبة رقم 28.

التفسير المعجمي للكلمة فحسب، وإنما يتدخل السياق في معرفته؛ إذ قد تكون الألفاظ بيئة المعاني واضحة كل الوضوح، ولكنها لا تنسجم مع المعنى المطلوب لغلبة فنون البلاغة عليه من مجاز وكناية وصور بيانية، أو أن للكلمة مَعَانِيَ مختلفة فيغيب المعنى المراد؛ يضاف إلى هذا أن المعنى قد يختلف بسبب عوامل البيئة والزمان والمكان، وقد تكون الصعوبة بسبب ندرة الاستعمال لبعض الكلمات (1)ولكنها معروفة في زمانها؛ واللغة كالكائن الحى لها قدرة على التطور، وبمرور الزمن قد تشيخ وتموت.

ومن الأمثلة التي ساقها الشريف (رضیَ اللّهُ عنهُ) في تفسير بعض كلمات النهج أذكر الآتي:

1 - قال الرضي: قَوْلُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ولا بَقَى مِنكُم آبر»، يقال: رجلٌ آبَرٌ: للذِي يابُرُ النَّخْلَةَ؛ أي: يُصْلِحُهَا، ويُرْوَى(2): آثِرٌ، يُرَادُ بِهِ الَّذِي يَأْثُرُ الحَدِيثَ أَي يَحْكِيْهِ ويَرْوِيْهِ، وَهُوَ أَصَحُ الوَجُوهِ عِنْدِي؛ كَأَنَّهُ قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): ولا بَقِيَ مِنْكُم مُخبِرٌ، وَيُرْوَى آبِز بالزاي مُعْجَمَةٌ، وهو الوَاثِبُ، والهَالِكُ أَيْضًا يقَالُ لَهُ: آبِزُ (3).


1) ينظر أيضًا غريب نهج البلاغة 290 - 330.

2) بعدها في س، م: ويروى بالراء. والرواية حاشية في الأصل.

3) کلامه برقم 57 في هذه الطبعة.

2 - وقال : قَوْلُه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «انْصَاحَتْ جِبَالُنَا»، أي: تَشَقَّقَتْ مِنَ المحُولِ، ويُقَالُ: انْصَاحَ الثَّوْبُ، إِذَا انْشَقَّ، ويُقَالُ أَيْضًا: انْصَاحَ النَّبْتُ، وصَاحَ، وصَوَّحَ، إذَا جَفَّ ويَبِسَ، وقَوْلُهُ: «هَامَتْ دَوَابنَا»؛ أي: عَطِشَتْ واهْيامُ : العَطَشُ، وقَوْلُهُ: «حَدَابِيْرُ السِّنِينِ»: جَمْعُ حِدْبَارِ، وهِيَ النَّاقَةُ الَّتِي أَنْضَاهَا السَّيْرُ، فَشَبَّهَ بِهَا السَّنَةَ التِي فَشَا فِيهَا الجَدْبُ، قَال ذو الرمة :

حَدَابِيرُ مَا تَنْفَثُ إِلَّا مُنَاخَةٌ***عَلى الخَسْفِ أو نَرْمِي بِهَا بَلَدًا قَفْرَا

3- وقَوْلُهُ: «ولا قَزَعَ رَبَابُهَا»، الفَزَعُ: القِطَعُ الصِّغَارِ المُتَفَرِّقَةُ مِنَ السَّحَابِ، وقَوْلُهُ: «ولا شَفَّانٍ ذِهَابُهَا»، فَإِنَّ تَقْدِيرَهُ: ولا ذَاتِ شَفَّانِ (1)، والشَّفَانُ : الرِّيْحُ البَارِدَةُ والذَّهَابُ : الأَمْطَارُ الليِّنَةُ، فَحَذَفَ ذَاتَ لِعِلْمِ السَّامِعِ بِهِ (2).

4- وقال : فِي حَدِيثِهِ : فَإِذَا كَانَ ذلِكَ ضَرَبَ (3)يَعْسُوبُ الدِّين السلام


1) والشفان عند السيد الراوندي في حاشية الأصل: من الشفن، وهو شدَّة البرد، وهو منصرف؛ لأنه نكرة.

2) الخطبة رقم 114 في هذه الطبعة. وبالرقم نفسه في الشرح 179/7 - 180، وينظر بحثه حول الاستسقاء والأحاديث الواردة فيه، وبرقم (115) في شرح ابن ميثم 3/ 547، ينظر في تخريجها والتعقيب عليها مصادر نهج البلاغة 256/2 - 257 برقم 113.

3) الضرب في المنهاج 362/3: الإسراع في السير.

بِذَنَبِهِ، فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيهِ، كَمَا يَجْتَمِعُ فَزَعُ الخَرِيفِ». (1)يَعْسُوبُ الدِّينِ: السَّيدُ العَظِيمُ المَالِكُ لأُمُورِ النَّاسِ يومَئِذٍ، والقَزَعُ : قِطَعُ الغَيْمِ الَّتِي لا مَاءَ فِيهَا (2).

5- وقال: وفي حَدِيثِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هَذَا الخَطِيبُ الشَّحْشَحُ». يُرِيدُ: الماهِرُ بالخطبَةِ المَاضِي فِيهَا، وكُلُّ مَاضٍ فِي كَلَامِ أَو سَيْرِ فَهُوَ شَحْشَحٌ، والشَّحْشَحُ فِي غَيْرِ هَذَا المَوْضِع : البَخِيلُ (3).

6- وقال: فِي حَدِيثِهِ : «إِنَّ لِلخُصُومَةِ قُحَما». يُرِيدُ بِالقُحَمِ لا المَهَالك، لأنّها تُفْحِمُ أَصْحَابَهَا فِي المَهَالِكِ والمتالِفِ فِي الأَكْثَرِ، ومِن ذَلِكَ قُحْمَةُ الأَعْرَابِ، وهي أن تُصِيبَهُم السَّنَةُ فَتَتَعَرَّقُ (4)أَمْوَاهُم،


1) برقم 258 في الشرح 19 / 61، وقال ابن ميثم في شرحه 512/5 أومأ بقوله ذلك إلى علامات ذكرها في آخر الزمان لظهور صاحب الأمر.

2) برقم 2 في فصل الكلمات التي فسرها الرضي، وذكر السيد عبد الزهراء في كتابه السابق الذكر 203/4 - 104 بعض مصادر هذه الحكمة، وقال: إنها وردت في غير موضع، وقال أيضًا (وقيل: إنه مرَّ بعبد الرحمن بن أسيد مقتولا يوم الجمل فقال: هذا يعسوب قريش)، وعبد الرحمن أمه جويرية بنت أبي جهل.

3) برقم 259 في الشرح 62/19، وقال الشارح: (هذه الكلمة قالها علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لصعصعة بن صوحان العبدي (رَحمهُ اللّه)، وكفى صعصعة بها فخرًا)، وذكر السيد عبد الزهراء في كتابه السابق الذكر 4 / 204 - 205 برقم (2) أنه انتهى إليه قوم شباب من قيس بعد وقعة الجمل، فخطب خطيبهم، فسأل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أمرائهم فقال الخطيب: أصيبوا تحت نظار الجمل، وبعد ذكر مصادره ذكر أن ابن أبي الحديد قال: (هذه كلمة قالها على اعلان الصعصعة بن صوحان العبدي (رَحمهُ اللّه))، وقال ابن ميثم في شرحه 512/5 : يروى أنه رأى خطيبًا يخطب فقال : القول.. أي: الماهر في خطبته.

4) قال السيد الراوندي حاشية الأصل: تعرقت اللحم: عرقته.

فَذَلِكَ تَقَحُمُهَا فِيهُم، وقِيلَ : فِيهِ وَجْهُ آخَرَ، وهُوَ أَنَّهَا تُقَحْمَهُم بِلادَ الرِّيفِ، أي: تُحْوِجُهُم إلَى دُخُولِ الحَضَرِ عِنْدَ مُحُولِ البَدْوِ(1).

7- وقال : في حَدِيثِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الحَقَائِقِ فَالعَصَبَةُ أوْلَى»، ويُرْوَى : «نَصَّ الحِقَاقِ».

والنَّص: مُنتَهَى الأَشْيَاءِ، ومَبْلَغُ أَقْصَاها، كَالنَّصِ فِي السَّيرِ، لأَنَّهُ أقْصَى مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ الدَّابَّةُ، وتَقُولُ : نَصَصْتُ الرَّجُلَ عِن الأمْرِ، إِذَا سْتَقْصَيتَ مَسْأَلَتَهُ عَنهُ لِتَسْتَخْرِجَ مَا عِنْدَهُ فِيهِ، فنَصُّ الحَقَائِقِ: يُرِيدُ بِهِ الإِدْرَاكَ، لأَنَّهُ مُنْتَهَى الصَّغَرِ، والوَقْتُ الذِي يَخْرُجُ مِنهُ الصَّغِيرُ إِلَى حَدٌ الكِبَرِ، وهو من أفْصَحِ الكِنَايَاتِ عَن هذا الأمْرِ وأَغْرَبهَا. يَقُولُ: (فَإِذَا بَلَغَتِ النِّسَاءُ ذَلِكَ فَالعَصَبَةُ أولى بالمَرْأَةِ مِن أُمَّهَا إِذَا كَانُوا يَحْرَمًا، مِثْلُ الأخْوَةِ والأَعْمَامِ، وبِتَزْوِيجها إن أرَادُوا ذَلِكَ، والحِقَاقُ: مُحَاقَّةُ الأم لِلْعَصَبَةِ فِي المَرْأَةِ، وهُوَ الجِدَالُ والحُصُومَةُ، وَقَوْلُ كُلّ وَاحِدٍ لِلآخَر: أنا أحَقُّ مِنْكَ بِهَذَا.

ويُقَالُ مِنهُ : حَاقَقْتُهُ حِقَاقًا مِثلُ جَادَلْتُهُ جِدَالًا. وقد قِيلَ : إِن نَصَّ الحِقَاقِ بُلُوغُ العَقْلِ، وهُوَ الإِدْرَاكُ، لأَنَّهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِنَّمَا أَرَادَ مُنْتَهَى الأمْرِ


1) برقم 260 في الشرح 62/19 - 63، وفي مصدر سابق 205/4 برقم (3)، ونقل المؤلف عن الشارح أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالها حين وكل عبد اللّه بن جعفر في خصومة عنه، وهو شاهد، وهي في الشرح 19 / 63، وعلق ابن ميثم في شرحه 513/5 بقوله : یروی أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكّل أخاه في خصومة، وينظر تعليقه.

الذِي تَجِبُ بِهِ الحُقُوقُ والأَحْكَامُ ومَن رَوَاهُ (نَصَّ الحَقَائِقِ)، فَإِنَّمَا أَرَادَ جَمْعَ حَقِيقَةٍ، وَهَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيدِ القَاسِمُ بنُ سَلَّامٍ.

والذِي عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِنَصِّ الحِقَاقِ هَاهُنَا : بُلُوغُ المَرْأَةِ الحَدَّ الذِي يَجُوزُ فِيهِ تَزْوِيجُهَا، وتَصَرُّفُهَا فِي حُقُوقِهَا، تَشْبِيهَا بِالحِقَاقِ مِنَ الإِبِلِ، وهِي جَمْعُ حِقَّةٍ (1)وحِقٌّ، وهُوَ الذِي اسْتَكْمَلَ ثَلاثَ سِنِينَ، ودَخَلَ فِي الرَّابِعَةِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَبْلُغُ إِلَى الحَدِّ الَّذِي يُتَمَكَّنُ فِيهِ مِن رُكُوبِ ظَهْرِهِ، ونَصِّهِ فِي سَيْرِهِ (2)، والحَقَائِقُ أَيْضًا جَمعُ حِقَّةٍ، فالرُّوَايَتَانِ جَمِيعًا تَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى وَاحِدٍ، وهَذا أَشْبَهُ بِطَرِيقَةِ العَرَبِ مِنَ المَعْنَى المَذْكُورِ أَوَّلًا.

8 - وقال الرضي: فِي حَدِيثِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنَّ الإيمانَ يَبْدُو لمظَةٌ فِي القَلْبِ، الا كُلَّمَا ازْدَادَ الإِيمَانُ ازْدَادَتِ اللُّمَظَةُ». اللُّمَظَةُ : مِثْلُ النُّكَتَةِ أَو نَحْوِهَا مِنَ البياض، ومِنهُ قِيلَ : فَرَسٌ أَلَمَظُ، إذَا كَانَ بِجَحْفَلَتِهِ شَيْءٌ مِن بَيَاضِ.

9 - وقال الرضي: فِي حَدِيثِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ الدِّيْنُ لظَّنُّونُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَن يُزَكِّيَهُ مَا مَضَى إِذَا قَبَضَهُ». فالظَّنُّونُ: الذِي لا يَعْلَمُ صَاحِبُهُ أَيَقْبَضُهُ مِنَ الذِي هُوَ عَلَيهِ أم لا، فَكَأَنَّهُ الذِي يُظَنُّ بِهِ، فَمَرَّةً يَرْجُوهُ، ومَرَّةً لا يَرْجُوهُ، وهُوَ مِن أفْصَحِ الكَلامِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ أمْرِ تُطَالِبُهُ ولا تَدْرِي عَلَى أيّ شَيْءٍ أنْتَ مِنهُ، فَهُوَ ظَنُّونٌ، وعَلَى ذَلِكَ


1) في حاشية الأصل عن السيد الراوندي: الحقة جمعها حقاق، وجمع الحقاق حقق وحقائق.

2) قال ابن ميثم في شرحه 513/5 : إن ما ذكره السيد الرضي أنسب إلى كلام العرب كما قال.

قَوْلُ الأغْشَى:

مَن يَجْعَلِ الجُدَّ الظَّنُّوَنَ الذِي***جُنّبَ صَوْبَ اللَّجِبِ الماطر

مِثْلَ الفُرَاتِي طَمَا مَاؤُهُ***يَقْذِفُ بِالبُوْصِيُّ والمَاهِرِ

والجد: البئرُ، والظَّنُونُ الَّتِي لا يُعْلَمُ هَل فِيهَا مَاءٌ أم لا (1).

10 - وقال الرضي: فِي حَدِيثِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَنَّهُ شَيْعَ جَيْشًا يُغْزِيهِ، فَقَالَ: «أعْذِبُوا عَنِ النِّسَاءِ مَا اسْتَطَعْتُم». ومَعْنَاهُ: اصْدِفُوا عَن ذِكْرِ النِّسَاءِ، وشَغْلِ القُلُوبِ بِهِنَّ، وامْتَنِعُوا مِنَ الْمُقَارَبَةِ هُنَّ، لأنَّ ذلِكَ يَفْتُ فِي عَضُدِ الحَمِيَّةِ، ويَقْدَحُ فِي مَعَاقِدِ العَزِيمَةِ، ويَكْسِرُ عَنِ العَدُوِّ، وَيَلْفِتُ عَنِ الإِبْعَادِ فِي الغَزْوِ، وكُلُّ مَنِ امْتَنَعَ مِن شَيْءٍ فَقَد أَعْذَبَ عَنْهُ، والعَاذِبُ والعَذُوبُ المُمْتَنِعُ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ.

11 - وقال الرضي: مِن حَدِيثِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ): كَاليَاسِرِ الفَالجِ يَنتَظِرُ أَوَّلَ الا فَوْزَةٍ مِن قِدَاحِهِ». اليَاسِرُونَ: هُم الَّذِينَ يَتَضَارَبُونَ بِالقِدَاحِ عَلَى الجزُورِ والفَالِجُ : القَاهِرُ الغَالِبُ، يُقَالُ : قَد أَفْلَجَ عَلَيْهِم، وفَلَجَهُم. قَال الرَّاجِزُ :

لَمَّا رَأَيْتُ الأَمْرَ قَد فَلَجَا

12 - وقال: فِي حَدِيثِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كُنَّا إِذَا احْمَرَّ البَاسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَلَم يَكُن أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلى العَدُوِّ مِنْهُ». ومَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا


1) اللجب: السحاب الذي له صياح من رعد وبرق.

عَظْمَ الخَوْفُ مِنَ العَدُوِّ، واشْتَدَّ عِضَاضُ الحَرْبِ فَزِعَ المُسْلِمُونَ إِلَى قِتَالِ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِنَفْسِهِ، فَيَنْزِلُ اللّه تَعَالَى النَّصْرَ عَلَيهِم، ويَأْمَنُونَ مَا كَانُوا يَخَافُونَهُ بِمَكَانِهِ.

13 - وقال (رضیَ اللّهُ عنهُ): قَولُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِذَا احْمَرَّ البَأَسُ» كِنَايَةُ عَنِ اشْتِدَادِ الأمْرِ، وقَد قِيلَ فِي ذلِكَ أَقْوَالٌ، أَحْسَنُهَا أَنَّهُ : شَبَّهَ حَمَى الحَرْبِ بِالنَّارِ الَّتِي تَجْمَعُ الحَرَارَةَ والحُمْرَةَ بِفِعْلِهَا وَلَوْنِهَا، وَمِمَّا يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وقَد رَأى مُجتَلَدَ النَّاسِ يَومَ حُنَين، وهِيَ حَرْبُ هَوازِنَ: «الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ» (1)، والوَطِيسُ : مُسْتَوْقَدُ النَّارِ، فَشَبَّهَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مَا اسْتَحَرَّ مِن جِلادِ القَوْمِ بِاحْتِدامِ النَّارِ وشِدَّةِ التِهَا بِهَا (2).

وسبق أن قلت إني في شرح كلماته لم أعتمد في الغالب على ما أورده أصحاب المعجمات فحسب لأنها عاجزة عن تصوير معانيها.

ومن الغريب الذي قيل بغرابته ما ورد في كتابه لمعاوية ردًا على


1) ينظر مسند أحمد 1 / 207، وشرح صحيح مسلم 12/ 116.

2) برقم 366 في الشرح 19 / 68، وذكر فصلاً (من غريب كلام الإمام علي وشرح لأبي عبيد)، وآخر بعنوان (من غريب كلام الإمام علي وشرحه لابن قتيبة)، وثالث بعنوان (خطبة) الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخالية من الألف، والفصول جديرة بالمراجعة، وذكر السيد عبد الزهراء في كتابه السابق الذكر 4 / 211، برقم (9) (ويظهر أن جميع ما نقله الرضي من حديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا الفصل مأخوذ من كتاب أبي عبيد المذكور) :أي: الغريب، وقال ابن ميثم في شرحه / 514 : استعار وصف احمرار البأس لشدته ملاحظة لشبهه بالنار الموقدة.

رسالة منه : «وقَد أَتَانِي كِتَابٌ مِنكَ ذُو أفَانِينَ مِنَ القَوْلِ ضَعُفَتْ قُوَاهَا عَنِ السّلْم، وأسَاطِيرَ لَم يَحْكُمُهَا مِنكَ عِلْمٌ، ولا حِلْمٌ، أَصْبَحْتَ مِنْهَا كَالخَائِضِ فِي الدَّهَاسِ (1)، والخَابِطِ فِي الدِّيَمَاسِ(2)، وتَرَفَّيْتَ إِلَى مَرْقَبَةٍ (3)بَعِيدَةِ المَرَامِ، نَازِحَةِ الأعْلامِ، تَقْصُرُ دُونَهَا الأنوقُ، ويُحَاذَى بهَا العَيُّوقُ» (4). والغرابة التي يلحظها القارئ في كلماته (الدهاس، الديماس مرقبة، الأنوق، العيوق) ما كانت بغريبة على معاوية، ولا على غيره من أبناء عصره، ولكن ندرة استعمالها من بعد هي التي أوحت بغرابتها، ولم يكن صعبًا على الإمام أن يستبدلها بغيرها، ولكنه أرادها هي بعينها لكي يبالغ في معانيها ويوغل للوصول إلى الهدف الذي يبتغيه، فكانت صفعة هائلة في وجه معاوية وحزبه.

لغة الإمام والأثر القرآني بها

والنهج في لغته يغترف من القرآن وصوره البيانية المعجزة، فصاحبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الوحي وأول من حفظ القرآن وتدبر معانيه بعد


1) الدهس والدهاس: المكان اللين، والدهاس في شرح ابن ميثم 376/5: المكان السهل اللين دون الرمل.

2) الديماس: السراب، والكِن أيضًا، سميا بذلك لظلمتها، والكِنُ في القاموس: وقاء كل شيء وستره.

3) المرقبة : موضع مشرف يرتفع عليه الراصد.

4) الأنوق: الرحمة، والعيوق نجم معروف، وفي المنهاج 244/3 نجم أحمر في طرف المجرة الأيمن، وأصله عيووق، وزنه فيعول.

رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقد قلت في غير مناسبة أن صدى صوته مازال يتردد في أرجاء الدنيا، إذ القراءة السائدة في أرجاء العالم على الرغم من كثرة القراءات والقرّاء هي قراءة عاصم بن أبي النجود التي أخذها عن زر بن حبيش وأبي عبد الرحمن السلمي، وقد أخذاها عن أمير المؤمنين، وأنت حينما تراجع ترجمات أصحابه ومن عاصره في كتابنا الموسوم ب«الثوية بقيع الكوفة» ستجد أمة منهم أخذوا القراءة

عنه، ثم انتشرت جيلا بعد جيل، ولكن قراءة عاصم هي التي فازت بقصب السبق.

ويكفيه عز الدارين أنه لوحده (عَلَيهِ السَّلَامُ) رافق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حين كان يجاور بغار حراء كل سنة، ومما قال: «ولَقَد كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ (1)، فَأرَاهُ، ولا يَرَاهُ غَیرِي، ولم يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَومَئِذٍ فِي الإسلام غَيْرَ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وخَدِيجَةَ وأَنَا ثَالِثُهُما؛ أرَى نُورَ الوَحْى والرِّسَالَةِ، وأَشَمُّ رِيْحَ النُّبُوَّةِ» (2)، لذا كان الأثر القرآني في كلامه وسلوكه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الأثر الأوضح في مسيرته، وهو ملموس في كل خطبه ومكاتيبه ووصاياه وحكمه.

ما المصدر الثاني للغته الراقية وسلوكه، فهو تربيته في حضن


1) جَبَلٌ بِمَكَّة يُذَكَّر ويؤنث، وينصرف ولا ينصرف.

2) هذه الطبعة : الخطبة 192.

رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)؛ وملازمته من حين فتح عينيه على الدنيا لحين رحيله منها؛ وهو أفصح العرب كأخيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)؛ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ولَقَد كُنْتُ أَتَّبَعَهُ اتِّبَاعَ الفَصِيْلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَما مِن أَخْلاقِهِ، وَيَأْمُرُنِي بالاقْتِدَاءِ بِهِ»، وتربيته تلك هي التي دفعته إلى القول: «ولا وجَدَ لي كَذَّبَةٌ فِي قَوْلٍ ولا خَطْلَةٌ (1)فِي فِعْلِ» (2).

الدولة العادلة في نهج عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

والمدينة المنورة من يوم بيعته (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأت بأمِّ عينها أساليب من الحكم العادل تزوَّد بها كلُّ والِ ذهب إلى مصره؛ الحقُّ فيها بين لا مراء فيه والباطل بين، إذ سعى الإمام لتأسيس نظام فريد من نوعه، غاية في البساطة؛ لم يكن اشتراكياً كما أراد الاشتراكيون تصنيفه، ولا رأسماليًّا كما أراد له أصحاب هذا الاتجاه، كان نظامًا إسلاميًا يتطلع إلى خلق مجتمع تسوده قيم العدالة والحسُّ الإنسانيُّ المشبعُ بالرحمة والشَّفقة والشعور بالواجب، فالغني يدفع واجبًا في ماله عليه أن يؤديه، وحقًا إنسانيًا ثوابه عند اللّه وليس عند مستحقه، وهو يؤديه واجبًا وذاك يأخذه استحقاقًا، أما القائم على الأمر فلا يأخذه غصبًا ولا يحاسب عليه، لأنَّ المحاسِب هو اللّه.


1) الخطلة في شرح ابن ميثم 4/ 181: السيئة والقبيحة من قول أو فعل.

2) هذه الطبعة: الخطبة 192.

وكأن اللّه شاء أن يبقى كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) المصدر الثالث للبيان في العربية ومن أهم مصادر التشريع الإنساني، والباحث في النهج يجد ما لا يحتاج بعده أن تأخذه الدهشة إلى ما حققته قوانين الشعوب المتقدمة لأممها في دساتيرها.

وعند إنعام النظر في عهد مالك ستلحظ أنه أوصاه بوصايا خاصة وعامة، هي عين الوصايا التي ألزم بها ولاته في الأمصار الأخر، تدور جميعها حول الترغيب والترهيب في الدائم الذي يكفل الخلود، وحول القيم التي تهدف إلى إسعاد الإنسان ورقيّه، وإلى إشاعة الرحمة والعدل في مجتمعه، وتحقيق العيش الكريم له. ولم يغادر شريحةً من شرائح المجتمع إلا وخصها بغير فقرة من عهده؛ في كيفية اختيار القضاة والعمال في الحث على مبدأ الوسطية والمساواة، وفي التحذير من بطانة السوء، وفي التشجيع على العلم والعمل، وفي كيفية التعامل مع طبقات المجتمع، وفي وسائل إصلاح التجارة والصناعة والزراعة، والإنفاق عليها، وفي الاهتمام بالعامة قبل الخاصة وفي استحصال الحقوق لأصحابها، وفي وسائل تغليب الرأفة والرحمة، وفي ستر العيوب وعدم إشاعتها، وفيمن يختاره لبطانته، وفي مراقبة كل ذلك.

وشدد في وصاياه على الوفاء بالعهد مع من عاهده من الأعداء لراحة البلاد والعباد شريطة اليقظة والحذر منهم؛ وفي وفي وفي

والقائمة طويلة (1).

وإذا كانت دنيا القوم لا تساوي عنده ورقة في فم جرادة تَقْضُمُهَا » (2)، فلأن الدنيا التي أحبها وتشوفها دنيا فاضلة، ليس الخير فيها أن يكثُرَ المال والولد، ولكنَّ الخير أن يكثُرَ عِلْمُ الإنسان النافع، ويعْظُمَ حِلْمُه كما قال. لذا أهان دنياهم بصورة لم يألفوها من قبل، أهانها بكلِّ وسيلة ممكنة قولا وعملاً وسلوكًا، وقد رأيناه وهو أمير المؤمنين لا يقدم النصح للآخرين فحسب، وإنما كان يعمل، ويقدم كلّ عمله للمجتمع الذي سعى لإسعاده؛ أما طعامه فلم يكن غير قرص شعير يصره خوفًا من أن ينخل أو يخلط، ولقد رأينا ما فعل بعين أبي نيزر، التي كان يشرف عليها ابن النجاشي، فبعد أن دبَّت الحياة بها بفعل معوله الذي فجر الماء في عينها الشحيحة، وهو خليفة المسلمين أوقفها على فقراء المدينة.

وأنت حين تنظر في عهوده ووصاياه تقرأ فيها عجبًا من هذا العبد الصالح الذي لم تستطع الدنيا ببهرجها أن تأخذه لمغرياتها، أو تبهره بزخرفها، وكأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليس له من هم إلَّا إقامة عدل اللّه في الأرض، وأخذ القوم من أيديهم إلى حياة النعيم الأبدي؛ وإيَّاك أن يراودك


1) ينظر وما أدراك ما علي 2/ 380 -390.

2) هذه الطبعة من النهج الخطبة 224.

شك في عهد مالك (رضیَ اللّهُ عنهُ)، أو يحاول أن يشكك به أحد، وإن راودك أو حاول فما أيسر دفعه، إذ بإمكانك استخراجه من خلال ما ورد في خطبه، ورسائله، وعهوده، ووصاياه، يضاف إلى هذا فإن لغة الإمام ببهائها وحدها لا يستطيع أن يطاوله فيها أحد أو يقلدها.

كان يريد من مالك وغيره من عمَّاله أن يكونوا خلقًا آخر، وهو أمر متعذر في كل الحقب والأزمان، يريد منهم كلّ شيء ولا يعطيهم أي شيء باستثناء الحقِّ الذي يتساوون فيه مع غيرهم، لأنّ ذلك واجب يؤديه المكلّف. وثوابه عند اللّه، ولو نظرت في كلّ ما أراده من مالك، لرأيت شيئًا عجبًا من ذلك القائد الهمام الذي استوعب عهده واستمع بأذن واعية لكلِّ تلك المطالب، ولم يسأل عن مكافأته إذا التزم بتطبيقها، وكأنه يعلم علم اليقين أنه سيشارك بتأسيس عدالة سماوية على الأرض، وأن ما سيجنيه يفوق كلّ مكاسب الحياة، وهو الخلود في الدارين، ولكنه قبل أن يصل مصر سقته ید آثمة السمَّ، وهكذا كان صحابة عليّ، ولقد وقفت من قبل وقفة خاطفة مع عهده ذاك في الجزء الثاني من كتابي الموسوم ب (وما أدراك ما علي) (1)، لذا أعرضت عن العودة إليه في هذه المقدمة.

وفي النهج كنوز لن تقف على مثلها لا في دساتير العالم الحديث


1) وما أدراك ما على 2/ 380 - 391.

ولا في سلوك الحكام مع عمالهم على مر حقب التاريخ، فأنت تقرأ مثلا في كتبه لعمالِ الخراج ووصاياه لهم ما ينبغي على القائمين القيام به من تغليب الرحمة على العدل، وإنصاف الناس وعدم التفريق بين مسلم وذِمّيٌّ لأن أخوة الخلق لا تفرّقُ بين دين ودين، لذا لا ينبغي تعريض أحد إلى ترهيب أو ترويع أو إحراج، أو ضرب، كما لا ينبغي الاعتداء على أموال الناس بحجّة استيفاء الحقوق لأنها حقوق اللّه، والمحاسب هو، وليس القائم على جمعها منهم، لذا أوجب عليهم عدم إجبار أحد على أدائها، وهذا يتطلب منهم ترويض أنفسهم على ما يطهرها من شرورها ونوازعها، قبل أن تأخذهم إلى مهاوي البغي الذي حذَّر اللّه منه ونهى عنه، وسيعاقب عليه، كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «واعلموا أن ما كُلفتم به يسير، وأن ثوابه كثير، ولو لم يكن في ما نهى اللّه عنه من البغي والعدوان عقاب يُخاف لكان في ثواب اجتنابه ما لا عذر في ترك طلبه، فانصفوا الناس من أنفسكم، واصبروا لحوائجهم، فإنكم خُزَّان الرعية، ووكلاء الأمَّة، وسفراء الأئمة، ولا تَحْسِمُوا أحدًا في حاجته، ولا تحبسوه عن طِلْبَتِهِ، ولا تبيعَنَّ للناس في خراج كسوة شتاء ولا صيف ولا دابَّة يعملون عليها، ولا عبدًا، ولا تضربنَّ أحدًا سوطًا لمكان درهم، ولا تَمَسُّنَّ مالَ أحدٍ من الناس مُصَلِّ ولا مُعاهد» (1).


1) هذه الطبعة كتابه إلى عمال الخراج رقم 51.

ولقد وصل في دروس عدله أن حمل القائمين على الأمر مسؤولية الأرض وما عليها، فقال: «اتقوا اللّه في عباده وبلاده، فإنكم مسؤولون عن البقاع والبهائم، وأطيعوا اللّه ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر فأعرضوا عنه (1)؛ وإذا كنت قد عرفت مسؤولية العباد، فإن مسؤولية البلاد وما تحتاج إليه من إصلاح ليست بغائبة عليك، بل حتى مخلوقات اللّه من البهائم لها حق ينبغي أن يراعى.

كتب لآخر يوصيه: «واخفض للرعيَّةِ جَناحَكَ، وابسُط هم وجْهَكَ، وألِنْ لهم جانِبَكَ، وآس بينَهُم في اللحظةِ والنَّظَرَةِ والإشارة والتحيَّةِ، حتى لا يطمعَ العُظماء في حيفكَ، ولا ييأسَ الضعفاءُ من عدلِكَ» (2).

وكتب لقثم بن العباس، واليه على مكة: «ولا يكن لك إلى الناسِ سفيرٌ إلا لسانُكَ، ولا حاجِبٌ إلا وجهُكَ، ولا تحجِبَنَّ ذا حاجة عن لقائكَ بها... وانظر ما اجتمعَ عندكَ من مالِ اللّه فاصرِفْهُ إلى مَن قِبَلكَ من ذوي العيال والمجاعة...»(3)

ومن استعملهم على الجباية فإن ما أوصاهم به عجب ليس فيه إجبار ولا ترهيب، وليس فيه مفاصلة ولا مغالطة، لأنَّ الحق حق اللّه


1) المصدر السابق: الخطبة رقم 167، خطبها في أول خلافته بحسب النهج.

2) المصدر السابق: كتابه إلى بعض عماله رقم 46.

3) المصدر السابق: الرسالة رقم 67.

عند عباده، وهو الذي يحاسبهم عليه، ومن لم يخرج حقه عن طيب نفس خسر الأجر، وحسابه على اللّه ؛ لقد أوصى الجباة عند مرورهم بحي من الأحياء بالقول بعد السلام: «عباد اللّه أرسلني إليكم ولي اللّه وخليفته لآخذ منكم حق اللّه في أموالكم؛ فهل اللّه في أموالكم من حقٌّ تؤدونه إلى وليه ؟ فإن قال قائل : لا، فلا تراجعه وإن أنعم لك منعم - أي قال لك: نعم - فانطلق معه من غير أن تُخيفه وتوعده، أو تعسفه، أو تُرهِقَه..» (1).

ولعل في الرواية التي ذكرها ابن الأثير أيضًا عن عبد الملك بن عمير خير برهان على عجيبة حكم الإمام ليس مع المسلمين عربًا وعجبًا، وإنما مع الكتابيين أيضًا، قال: «حدَّثني رجل من ثقيف قال: استعملني علي بن أبي طالب على مدرج سابور، فقال: لا تضربنَّ رجلًا سوطًا في جباية درهم، ولا تَتَّبِعنَّ لهم رزقًا ولا كسوة شتاء ولا صَيْفِ، ولا دابَّة يعملون عليها، ولا تقيمنّ رجلًا قائما في طلب درهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، إذن أرجع إليك كما ذهبت من عندك. قال : وإن رجعت ويحك ! إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو، يعني الفضل» (2). وهي عن الرجل الثقفي هي عن الرجل الثقفي عند ابن عساكر في ترجمته (عَلَيهِ السَّلَامُ)


1) المصدر السابق : الوصية رقم 25.

2) أسد الغابة 599/3.

248/3، بتاريخه استعمله على عكبرا، وهي من سواد العراق ولم يسكنها المسلمون كما ذكر.

وما كان يتوانى في إنزال العقوبة على من تسوِّل له نفسه خيانة الأمَّة بأيِّ وجه من الوجوه وهي عقوبة فيها من قسوة اللسان ما يتجاوز

وقع الحسام، وكان يختار القائمين على استيفاء الحقوق بعناية شديدة، وقبل إرسالهم إلى ولاياتهم يحذِّرهم أشدَّ التحذير، لذا كان الترهيب والترغيب سمةً عامة في عهوده ورسائله ووصاياه لهم، وفيها من التخويف من عقاب الدنيا والآخرة ما تقشعر له الأبدان، إذ إن عليهم الالتزام بحكم اللّه في توزيع الأموال، وهي أمانة خيانتها الذل والخزي والفضيحة في الدارين، لأن أعظم خيانة عنده هي خيانة الأمة، وأفظع الغش غشها، فكيف بنا اليوم وغش الأمة وخيانتها هما القاعدة السائدة على الأغلب في بلاد المسلمين وتستنتج من وصاياه إن المال الذي تقوم الدولة بجبايته ليس عاما يرتع به أمير أو خليفة أو صاحب مقام أو منزلة، إنه خاص بمستحقيه، وهو أمانة على القائم عليه بعد أخذ حقه تأديتها بالوجه الذي رسمه دين العدل والرأفة والحق.

والقائم على الأمر ليس سيفًا مسلطا على رؤوس العباد، لا هم له إلا الاستيلاء على أموالهم، واستعبادهم وفق أغراضه وأهوائه الشخصيَّة، يأمر فيطاع، ولا يحقُّ للرعيّة الاعتراض أو المناقشة أو

الرفض؛ الحاكم عنده هو وجه الإسلام بكل معانيه الراقية الشفّافة التي تدعو إلى العدل والحريَّة في الدين والعمل، الحرية التي تعرف الالتزام بأرقى القيم وأكثرها سموًّا ورفعة، ولكي تتبيَّن سأنقل لك فقرة من فقرات عهده (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمحمد بن أبي بكر (رضیَ اللّهُ عنهُ) حين ولَّاه مصر تقرأ فيه، كيف ينبغي أن تكون معاملة الرعيَّة قال: «فاخْفِضْ لَهُم جَنَاحَكَ، وألِنْ هُم جَانِبَكَ (1)، وابْسُط هُم وَجْهَكَ، وآس (2)بَيْنَهُم في اللحْظَةِ والنَّظْرَةِ، حَتَّى لا يَطْمَعَ العُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ هُم، ولا يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِن عَدْلِكَ عَلَيْهِم، وإِنَّ اللّه يُسَائِلُكُم مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ مِن أَعْمَالِكُم والكَبِيرَةِ، والظَّاهِرَةِ والمَسْتُورَةِ، فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنْتُم أَظْلَمُ، وإن يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ» (3).

وروى البلاذري بسنده عن أحد ولاته، وقد اختاره لتقواه وعفة عشيرته، فذكّره بمكانتها، وقال: «أما بعد فإن من أدى الأمانة؛ وحفظ حقَّ اللّه في السر والعلانية، ونزَّه نفسَه ودينه عن الخيانة كان جديرا بأن يرفع اللّه درجته في الصالحين، ويؤتيه أفضل ثواب المحسنين، ومن لم


1) خفض الجناح: أصله أن الطائر يمد جناحيه ويخفضها ليجمع فراخه تحتها إيهاما : للشفقة عليها وإلانة الجانب كناية عن الرفق في الأقوال والأفعال، وعدم الغلظة عليهم.

2) آس بينهم، أي: اجعلهم يأتسي بعضهم ببعض.

3) هذه الطبعة من النهج: عهده برقم 27.

ينزِّه نفسه ودينه عن ذلك أخل بنفسه في الدنيا وأوبقها - أهلكها - في الآخرة، فخَفِ اللّه في سرِّك وجهرك، ولا تكن من الغافلين عن أمر معادِك، فإنك من عشيرةٍ صالحة ذات تقوى وعفة وأمانة، فكن عند صالح ظنِّي بك والسلام»(1).

ومثلها قوله لأحد عماله: «ومن استهان بالأمانة، ورتع في الخيانة ولم ينزه نفسه ودينه عنها، فقد أحلَّ بنفسِهِ في الدنيا الذلَّ والخزي، وهو في الآخرة أذلُّ وأخزى، وإن أعظم الخيانةِ خِيانة الأمة، وأفضعَ الغِش غش الأمَّةِ» (2).

وكتب إلى الأسود بن قطيبة والي حلوان، وهي من روائع نهجه في أخذ عمَّاله بالترغيب والترهيب والإرشاد: «أمَّا بَعْدُ، فَإنّ الوالي إذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ مَنَعَهُ ذَلِك كَثِيرًا مِنَ العَدْلِ، فَلْيَكُن أمْرُ النَّاسِ عِنْدَكَ فِي الحَقِّ سَوَاءٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الجَوْرِ عِوَضٌ مِنَ العَدْلِ، فَاجْتَنِبُ مَا تُنْكِرُ أَمْثَالَهُ، وابْتَذِلْ نَفْسَكَ فِيمَا افْتَرَضَ اللّه عَلَيْكَ رَاجِيًا ثَوَابَهُ، مُتَخَوِّفًا عِقَابَهُ.

واعْلَم أنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلِيَّةِ، لَم يَفْرُغْ صَاحِبُهَا قَطُّ فِيهَا سَاعَةً إِلَّا كَانَت فَرْغَتُهُ عَلَيْهِ حَسْرَةً يَوْمَ القِيَامَةِ. وأَنَّهُ لَن يُغْنِيَكَ عَنِ الحَقِّ شَيْءٌ أَبَدًا، ومِنَ الحَقِّ عَلَيْكَ حِفْظُ نَفْسِكَ، والاحْتِسَابُ عَلَى الرَّعِيَّةِ بِجُهْدِكَ، فَإِنَّ


1) أنساب البلاذري 388/2.

2) هذه الطبعة من النهج: عهده برقم 26.

الذِي يَصِلُ إِلَيْكَ مِن ذلِك أَفْضَلُ مِنَ الذِي يَصِلُ بِكَ، والسَّلام» (1).

ومثلها وصيته إلى يزيد بن قيس الأرحبي التي رواها البلاذري أيضًا: «أوصيك بتقوى اللّه، وأحذرك أن تحبط أجرك، وتبطل جهادك، فإن خيانة المسلمين مما يحبط الأجر ويبطل الجهاد؛ فاتق اللّه ربك «وَابْتَغِ فِيمَا ءَاتَاكَ اللّه الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِن الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللّه إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللّه لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» (2).

ولم يكن على بابه حجاب يمنع رعيته من شكوى عمالهم إن اقتضتهم الضرورة، ولا فرق عنده بين عربيٍّ أو عجميٍّ، ولا بين مسلم أو ذميّيّ في الحقِّ، فهم أخوة في الدين أو الخلق كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعلى الوالي إنصافهم وعدم تحميلهم ما لا طاقة لهم على حمله، أو مطالبتهم فوق ما فرض عليهم، هذا إن استطاعوا، ولعله لوحده فيما أعلم ساوى بين ديَّة المسلم وديَّة الذمي ؛ ويوم شكا إليه بعض دهاقين واليه عمر بن سلمة الأرحبي كتب إليه: «أمَّا بَعْدُ، فإِنَّ دَهَاقِينَ أهْل بَلَدِكَ شَكَوا مِنْكَ قَسْوَةٌ وغِلْظَةٌ، واحْتِقَارًا وجَفْوَةً، فَنَظَرْتُ فَلَم أَرَهُم أهلا لأن يُدْنو لِشِرْكِهِم، لشركهم، ولا أن يُقْصَوا ويُخفّوا لِعَهْدِهِم، فالبَسْ هُم جِلْبَابًا مِنَ اللين


1) المصدر السابق: كتابه إلى الأسود بن قطبة برقم 59.

2) أنساب البلاذري 388/2.

تَشُوبُهُ بِطَرَفِ مِنَ الشَّدَةِ، ودَاول بهم بَيْنَ القَسْوَةِ والرَّافَةِ، وَامْزِج هُم بَيْنَ التَّقْرِيبِ والإِدْنَاءِ، والإِبْعَادِ والإِقْصَاءِ إِن شَاءَ اللّه» (1).

وليست وظيفة الوالي عنده جمع الحقوق من ولايته فحسب، وإنما

عليه الاندفاع إلى إصلاحها بما يضمن للرعية الرفاهية والعيش الكريم، فقد روى البلاذري أن بعض أهل البلاد التي كانت خاضعة لحكمه قاموا بزيارته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وحدَّثوه عن حاجتهم لحفر نهر قد اندرس فكتب العامله قرظة بن كعب يحثّه على النظر في الأمر شريطة إِلَّا يجبر أحدًا على المشاركة بالحفر لآنَّ النهر لمن يحفره : «أما بعد فإن قوما من أهل عملك أتوني فذكروا أن لهم نهرا قد عفا ودرس، وأنهم إن حفروه واستخرجوه عمرت بلادهم وقووا على خراجهم وزاد فيء المسلمين قبلهم؛ وسألونى الكتاب إليك لتأخذهم بعمله وتجمعهم لحفره والإنفاق عليه، ولست أرى أن تجبر أحدًا على عمل يكرهه، فادعهم إليك؛ فإن كان الأمر في النهر على ما وصفوا؛ فمن أحبَّ أن يعمل فمره بالعمل، والنّهر لمن عمله دون من كرهه ولأن يعمروا ويقووا أحبّ إليَّ من أن يضعفوا والسلام» (2). وأنت تلحظ في رسالته تلك أمرًا في غاية الأهميَّة، وهو عدم إجبار الناس على عمل لا يرغبون القيام به، وإن كان فيه مصلحة


1) هذه الطبعة من النهج: كتابه برقم 19، وهي في أنساب البلاذري أيضًا 390/2.

2) أنساب البلاذري 390/2.

عامة أحيانًا، ولم تأخذ بمثل هذا في العصر الحديث إلّا قلَّة من الدول الأوروبية المتقدِّمة فيها أعلم، وضمنته دساتيرهم.

وهو إن أتاه آت بخبر عن أحد عماله ينذر أحيانًا فيوجع في الإنذار لأن ما بعده سيكون وبالا على ذلك العامل، ومن هذا رسالة بعث بها (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عامله على أردشير خرَّة، مصقلة بن هبيرة الشيباني، وهي: «بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرُ إِن كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَد أَسْخَطْتَ إِلهُكَ، وأَغْضَبْتَ إِمَامَكَ، أَنَّكَ تَقْسِمُ فَيْءَ المُسْلِمِينَ الذِي حَازَتْهُ رِمَاحُهُم وخُيُوهُم، وأُرِيقَتْ عَلَيهِ دِمَاؤُهُم فِيْمَن اعتماكَ (1)مِن أعْرَاب قَوْمِكَ؛ فَوَالذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وبَرَأ النَّسَمَةَ لَئِن كَانَ ذلِكَ حَقًّا لَتَجِدَنَّ بِكَ عَلَيَّ هَوَانًا، ولَتَخِفَّنَّ عِنْدِي مِيزَانًا، فَلا تَسْتَهِن بِحَقِّ رَبِّكَ، ولا تُصْلِحْ دُنْيَاكَ بِمَحْقٍ دِينِكَ فَتَكُونَ مِنَ الأَخْسَرِيْنَ أَعْمَالًا. الا وإِنَّ حَقَّ مَن قِبَلَكَ وَقِبَلَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِسْمَةِ هذَا الفَيْءِ سَواءٌ يَرِدُونَ عِنْدِي عَلَيْهِ، ويَصْدُرُنَ عَنْهُ، والسَّلام» (2).

وتقرأ في رسالته إلى واليه على إصْطَخْر (3)المنذر بن الجارود، ألوانًا من الترهيب، والوعيد، لتقصيره في عمله، وانشغاله عنه بالصيد والقنص، وإثرته أعراب قومه على من سواهم، ولم يكتف بذلك، وإنما


1) الاعتماء الاختيار، واعتامك في شرح ابن ميثم 308/5: اختارك بين الناس.

2) هذه الطبعة من النهج كتابه برقم 43، وهي في أنساب البلاذري 389/2 أيضًا.

3) كذا ضبطت في معجم البدان، أنشأها إصطخر طهمورت، من أقدم مدن فارس وأشهرها، وأكبر كورها، وبها كان مسكن ملكها.

أعفاه عن الولاية واستقدمه لمحاسبته، ويوم قدم عليه استحلفه فلما امتنع عن اليمين سجنه، ولم يخرجه إلا بكفالة صعصعة بن صوحان كتب الإمام: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ صَلاحَ أبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ، وظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ، وتَسْلُكُ سَبِيلَهُ، فَإِذَا أَنْتَ فِيمَا رُكِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لا تَدَعُ هِوَاكَ انْقِيَادًا، ولا تُبْقِي لَآخِرَتِكَ عَتَادًا، تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بِخَرَابِ آخِرَتِكَ، وَتَصِلُ عَشِيْرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ، وَلَئِنْ كَانَ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقًّا جَمَلُ أَهْلِكَ، وشِسعَ (1)نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ، ومَن كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْلِ أَن يُسَدَّ بِهِ ثَغْرُ، أَو يُنَفَّذَ بِهِ أمْرُ، أو يُعْلَى لَهُ قَدْرٌ، أو يُشْرَكَ فِي أَمَانَةٍ، أو يُوْمَنَ عَلَى خِيَانَةٍ، فَأَقْبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا إِن شَاء اللّه» (2).

والمُنْذِرُ بنُ الجَارودِ: هُوَ الذِي قَالَ فِيهِ أَمِيرُ المؤمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّهُ لنَظَارٌ فِي عِطْفَيْهِ، مُختال في بُرْدَيهِ، تَفَّالٌ فِي شِرَاكَيهِ» (3).


1) جمل الأهل: مما يمثل به في الهوان وأصله فيما قيل إن الجمل يكون لأب القبيلة، فيصير ميراثا لهم يسوقه كل منهم ويصرفه في حاجته، فهو ذليل حقير بينهم، والشع سير بين الإصبعين في النعل.

2) هذه الطبعة: كتابه رقم 71.

3) هذه الطبعة: كتابه برقم 71، وهي في أنساب البلاذري 391/2. وقد خانَ المنذر في بَعض مَا ولاه من أعْمَالِه ؛ وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج 335/18 أن الخليفة عمر كان جالسًا، (إذ أقبل الجارود العبدي، فقال رجل: هذا الجارود سيد ربيعة، فسمعها عمر ومن حوله، وسمعها الجارود، فلما دنا منه خفقه بالدرة فقال : مالي ولك يا أمير المؤمنين ! أما لقد سمعتها ؛ قال : وما سمعتها فمه قال : ليخالطن قلبك منها شيء، وأنا أحب أن أطأطئ منك).

وهذا زياد ابن أبيه الذي استخلفه عامله عبد اللّه بن عباس على البصرة كتب له الإمام: «وإنّي أَقْسِمُ باللّه قَسَمًا صَادِقًا لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِن فَيْءِ المُسْلِمِينَ شَيئًا صَغِيرًا أو كَبِيرًا، لأشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ الوَفْرِ ثَقِيلَ الظَّهْرِ، ضَئِيلَ (1)الأمْرِ والسَّلام» (2).

وحين نما إليه أن عبد اللّه بن عباس ذراعه الأيمن ووزيره وموضع سره أنه أخذ شيئًا من أموال المسلمين لعله رآه من حقه، كتب إليه : بلغني عنك أمرٌ إن كنت فَعَلْتَهُ فقد أسخطتَ ربَّك وعصيت إمامَكَ، وأخزيْتَ أمانتك، بلغني أنك جرَّدت الأرضَ، فأخذْتَ ما تحت قدميك، وأكلت ما تحتَ يديكَ فارفع إلى حسَابَكَ، واعلم أن حسابَ اللّه أعظمُ من حسابِ النَّاسِ» (3).

وإذا كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاصمةً على من يرتكب خيانة أو جورًا من عماله فإنه ما كان يقصر مع المخلصين منهم، يتحفهم بالكلمة الطيبة، والدعوة المخلصة، وقد كتب مرَّة إلى سعد بن مسعود الثقفي عامله على المدائن وجوخى كما ورد في أنساب البلاذري /2/ 387 «أما بعد فقد وفّرت 387/2 على المسلمين فيأهم وأطعتَ ربَّك، ونصحتَ إمامَكَ فِعْل المُتنزَّه


1) الوفر: المال الضئيل: الحقير.

2) هذه الطبعة: كتابه برقم 20.

3) المصدر السابق: كتابه برقم 40.

العفيف، فقد حمدتُ أمرك، ورضيتُ هديَكَ، وأَبَيْتُ رُشْدَكَ غفر اللّه لك والسلام» (1).

ومثلها لا تقل رقّة كتبها إلى عمر بن أبي سلمة، عامله على البحرين حينما استبدله بالنعمان بن عجلان بعدما شعر بحاجته إليه: «أمَا بَعْدُ، فَإِنِّي قَد ولَّيْتُ النُّعْمَانَ بن عَجْلانَ (2)البَحْرَينَ، ونَزَعْتُ يَدَكَ بِلا ذَمّ لَكَ، ولا تَثْرِيبٍ (3)عَلَيْكَ، فَلَقَد أَحْسَنْتَ الوِلايَةَ، وأدَّيتَ الأَمَانَةَ، فَأَقْبِلْ غَيْرَ ظَنين(4)ولا مَلُومِ، ولا مُتَهم، ولا مَأْثُوم؛ فَقَد أَرَدْتُ المَسِيرَ إلَى ظَلَمَةِ أهْلِ الشَّام، وأحْبَبْتُ أن تَشْهَدَ مَعِي؛ فَإِنَّكَ مِمَّن أَسْتَظْهِرُ (5)بِهِ عَلَى جِهَادِ العَدُوِّ، وإِقَامَةِ عَمُودِ الدِّين إن شَاءَ اللّه» (6).

والاستشهاد بالشاهد بعد الشاهد ليس الغرض منه توضيح نهجه في إقامة الدولة العادلة، فما اختلف على ذلك أحد منذ أن عُرِفَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإنما لكي نقدم رؤية عن الإسلام الحقيقي، وعبرة على ما ينبغي أن تسير عليه أمور الحكم أو تقترب منها.


1) أنساب البلاذري 387/2.

2) بعدها في س، م، ج: الزُّرَقِيَّ.

3) التثريب: التعنيف واستقصاء اللوم.

4) الظنين المتهم.

5) استظهرت بفلان: اتخذته ظهيرا.

6) هذه الطبعة من النهج كتابه برقم 42، وهي في أنساب البلاذري 2/ 387.

لقد استغرق البحث عن نسخ النهج المعتبرة، وتحقيقه، والتعليق عليه، وشرح مفرداته ومتابعة تاريخ خطبه ومناسباتها، والتعريف برجاله، وبأسماء المدن التي وردت فيه سنيات قاربت الخمس أو تجاوزتها لم يكن عندي فيها من مطمح إلّا التقرب من بهائه للا؛ ولقد قاربت الشروح والتعليقات على الكتاب الستة آلاف ومائة هامش ما بين شرح وتعقيب وترجمة وما إلى ذلك؛ ولولا الخوف من سأم القارئ من الإطالة لأطلت، وهي سنيات قضيتها في رحاب النهج ليس كمثلها من سنيات البحث والكتابة إلّا التي قضيتها مع كتابي الموسوم ب«وما أدراك ما علي».

وهو اللّه نسأله أن يجنب العالم البغي والظلم والإرهاب كي يعمَّ الأمن والسلام، ويحتسب ما قدمته من جهد خالصا لوجه اللّه تعالى.

كتاب نهج البلاغةِ

مِن كَلامِ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلَيَّ بنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

جمع (1)الرَّضِي ذِي الحسين مُحَمَّدِ بنِ السَّيِّد الإمام الحسين الرَّضِي الموسَوِيٌّ (قدّس سِرُّه)

نسخة بغداد، وهي الأصل المختار للتحقيق، نسخها الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن محمد بن العباس نازويه القمي في أوائل شهر رجب، وفرغ من نسخها في يوم الأربعاء، غرة شهر شعبان من سنة 556 هجرية بثغر جنزة، وقابلها وصححها على نسخة ابن فندق البيهقي، ونسخة الشيخ قطب الدين الراوندي، ونسخة السيد فضل اللّه بن علي الراوندي ؛ وقابلتها على خمس نسخ معتبرة وبهوامش التحقيق تعليقات السيد الراوندي التي عدت أول شروح النهج

تحقيق وتقديم وإعداد

أ. د صلاح مهدي الفرطوسي


1) في نسخة الأصل: تأليف وما أثبت في نسخة س، وهو الشائع.

تنويه

عرض النص المحقق على كتاب «معارج نهج البلاغة» لأبي الحسن علي بن زيد البيهقي «ت 566 ه»، وكتاب «منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة» لقطب الدين الراوندي، «ت 573ه»، وكتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد «ت 656ه»، وكتاب «شرح نهج البلاغة» لابن ميثم البحراني «ت 679ه»، وكتاب «مصادر نهج البلاغة» للسيد عبد الزهراء الخطيب، ونقلت ما استطعت قراءته من حواشي السيد فضل اللّه بن علي الراوندي «ت 571ه» التي عدت أول شروح النهج إلى هوامش التحقيق.

نسخ النهج المعتمدة ومنهجي في التحقيق والتقديم والإعداد

إشارة:

جمعتُ من مطبوع النهج ومخطوطه ما مكنني اللّه من جمعه؛ ابتغاء وجهه؛ وحين عقدت العزم على إعادة تحقيقه اخترت نسخة رأيتها بعين بصيرة من خيار مخطوطات النهج، بل هي أفضل مخطوطاته لا لقدمها فحسب وإنما للجهد الاستثنائي الذي بذله ناسخها في إخراجها، ومقابلتها؛ جهده ذاك الذي مر عليه قرابة ألف عام يريك مدى احتفاء الفكر الإنساني بهذا العبد الصالح الذي وهبه اللّه لرسوله بحسب الإمام محمد الباقر (عَلَيهِم السَّلَامُ) كي يكون عينه التي ترى، وحسامه الذي يسل في وجه الطغيان وباب مدينة علمه، ومتمم رسالته، وخليفته من بعده.

ولم أعد إلى مطبوع من مطبوعات النهج إلّا مرات قد لا تتجاوز أصابع اليدين حرصًا منّي على إخراجه بصورة أرتضيها، وأتحمل وزر ما يقع فيها من هنات، ولا تتأثر بطبعاته المحققة على الرغم من قيمتها العلمية وأهميتها والجهود المضنية التي بذلت في إخْرَاجِهَا، تقربًا لصاحبها (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وإذا كنت فيما كتبته من قبل أحاول مزاحمة أبناء جيلي-وهو في غالبيته يهدف إلى خدمة لغة القرآن - وذلك بما حققته من نصوص معجمية، ونشرته من دراسات تناولت المعجم العربي وجوانب من فقه اللغة والصرف والأدب والسيرة والرجال؛ فإني يوم جاوزت الستين بكثير لم يكن عندي من مطمح إلَّا التقرب من بهاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والتشبث بولايته ونهجه وعظيم منزلته عند اللّه ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، لا لأنِّي أطمع بشفاعته فحسب، وإنما لشديد ولعي بسيرته التي لا يستطيع أحد أن يزاحمه بها بعد رسول اللّه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، على مرّ عصور التاريخ؛ فلازمته؛ ونوهت بجوانب من أطوار حياته من قبل أن يولد في بيت اللّه ولحين استشهاده (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيته سبحانه وتعالى(1)، ووقفت على أعتاب مرقده الطاهر، وما دار حوله من روايات (2)، وأنفقت سنوات سبقتها أخر من التأمل والنظر، ثم انتقلت من بعد إلى ملازمة أصحابه الأخيار و من عاصر هم ردحًا (3)، ولي عودة إليهم من بعد إن منحنا اللّه فسحة.

ووجدتني أدور حول بهائه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بعد هذا ولا أستطيع تجاوزه، فعقدت العزم على تحقيق النهج على نسخة المتحف العراقي ببغداد


1) ينظر كتابي الموسوم ب«وما أدراك ماعلي».

2) ينظر كتابي الموسوم ب«مرقد أمير المؤمنين وضريحه».

3) تنظر كتبي الموسومة ب«رجال من بقيع ثوية الكوفة، والثوية بقيع الكوفة، وخارج أسوار الكوفة، والأحنف بن قيس أعظم المعاقين في الإسلام».

التي لم تحقق من قبل؛ إذ رأيتها بعين بصيرة أهم نسخه التي انتشرت في المشرقين لا تنقص إلا ورقة واحدة سقطت من باب المختار من حكمه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعوضت بورقة ثانية رقمها فيها «98 أب»، وبسبب خشونة القلم الذي كتبت به لم يسد النقص فأكمله الناسخ فوق الصفحة «99 أ»، ولم أجعل هذه الورقة أصلا في التحقيق، لتأخر نسخها عن بقية النسخ، ورداءة خطها، ومجهولية ناسخها، ولبعض الهنات الواردة بها، وعوضتها من مصورة مخطوطة مكتبة العلامة المجلسي - التي سيأتي الحديث عنها - لقدمها وسلامتها، ويبدأ النقل منها من السطر الأول 229/3 بترقيمها الحديث، وينتهي في بداية السطر العاشر 26/3، وهو بداية الصفحة «99أ) من نسخة الأصل.

ولم تكن نسخة بغداد الوحيدة التي اعتمدتها، وإنما قابلتها على مصورات خمس لا تقل قيمتها كثيرًا عنها سآتي على التعريف بها.

وما كان باستطاعتي الوصول إلى مخطوطة بغداد المصورة، ولا إلى غيرها، ولا إلى إخراج النهج بالصورة التي وددت أن أضعها على أعتاب مرقد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لولا أياد كريمة طوقني بها نفر من محبي أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، المخلصين لتراثهم، والساعين إلى مساعدة الآخرين للسير على نهجهم يقف في مقدمتهم أخي الشفيق سماحة السيد الجليل العلامة المحقق الجواد الشهرستاني دام عزه الذي يسرت

مؤسسته مؤسسة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) التحقيق التراث» من بين ما يسرت على الدارسين الوصول إلى آلاف المخطوطات والمصورات بكل يسر وسهولة من دون مقابل، وكان هذا السيد الجليل قد طوقني بأياد كريمة من قبل، وحباني بلطفه ورعايته فوق قدري مذ عرفته، ويسر علي كثيرًا مما كنت أراه عسيرا، وليس عندي من يد أجازيه بها غير جميل الشكر وصادق الدعاء بالصحة والسلامة ودوام السداد والسؤدد.

وكانت للعلامة الفقيه السيد محمد صادق الخرسان دام عزه يد كريمة أثقلت كاهلي بما يسره لي من مصادر ما كان للكتاب أن يخرج بصورته لولاها، وما كان يبخل عليّ بوقته حين أتجاذب معه عه أطراف

الحديث بمسائل النهج ومشكلاته، وكان لتشجيعه وثنائه أكبر الأثر في تمكني من الوصول إلى ما وصلت إليه ؛ أسأل اللّه سبحانه أن يمن عليه بخير ما من به على عباده الصالحين، ويأخذ بيده إلى ما يحبه ويرضاه، ويسدد خطاه، ويريح باله.

ولتلميذي النجيب الأستاذ حيدر حسين مودر الجابري حصة في هذا الشكر، فقد ساعدني بقراءة المطبوع من أوله إلى آخره، فكان يقرأ، وأنا أتابعه في المخطوط لتصويب ما سها عنه القلم أثناء التحقيق، وساعدني في إنجاز فهرس المواد اللغوية للكتاب، فجزاه اللّه خير الجزاء وأراح باله، ووفقه في قادمات أيامه لما يحبه ويرضاه.

والشكر موصول لابن أخي المهندس القارئ علي محمد جواد الطريحي والأستاذ حيدر النجفي إذ أشرفا على إخراج الكتاب بصورته الحالية، وهو عمل ليس بالهين، وبذلا جهدًا كبيرًا في حل كثير من مشكلات الكمبيوتر التي كانت تعترضني أثناء الكتابة، وهي يد كريمة تطوقني بالعرفان والفضل أسأل اللّه أن يحتسبها لهما في ميزان حسناتهما.

ولفت انتباهي الدكتور حيدر المخزومي إلى وقوع الهنات أثناء الطبع وهي كثيرة فجزاه اللّه خير الجزاء، والشكر موصول لأخي الدكتور حسن فياض الذي ساعدني في إعادة قراءة الجزء الأول لتصويب ما ورد فيه من هنات فبذل جهدًا لا بد أن يحسب له في ميزان حسناته.

ولقد طوقتني مؤسسة علوم نهج البلاغة ممثلة بأمينها العام العلامة المحقق السيد نبيل الحسني دام عزه بلطف وامتنان ويد كريمة لموافقتها على نشر هذا الجهد المتواضع خدمة لتراث أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وقائمة الشكر طويلة رأيت طيها كي يحتسب الثواب للمشكورين في ميزان حسناتهم، وكل يشاركني الثواب، إن تقبل اللّه هذا العمل بقبوله الحسن.

النسخة الأولى «نسخة الأصل»

إشارة:

هذه النسخة درسها دراسة مستفيضة السيد حسن الموسوي البُرُوجِرْدي، وأسماها (العرف الوردي فيما يتعلق بنسخة السيد الراوندي من النهج العلوي)؛ وأسميتها النسخة البغدادية؛ لأنها محفوظة في مكتبة المتحف العراقي برقم 8437 بحسب ما ذكره الدارس؛ وأزعم أن ما قدمه في سبيل التنويه بها ومتابعة تاريخها جدير بالتقدير والتنويه، ومما ذكره الآتي:

أ) إيراد وصف أسامة النقشبندي وظمياء عباس في فهرسة مخطوطات مكتبة المتحف العراقي عنها، وهو : «كتبها بقلم النسخ الجيد، وبالمدادين الأسود والأحمر محمد بن الحسن بن محمد بن عباس القمي سنة 556ه- / 1160م، وقابلها الناسخ على نسخة فضل اللّه بن علي الحسني «ت 571ه- / 1175م»، وقرأها عليه، وفوائد أخر بخط علي بن ميثم بن معلى البحراني «ت643ه- / 1245م»، وهي برقم 3784 في 203 صفحة بقياس 24× 17سم، وفي كل صفحة 25س».

ب) ومن بين ما ذكره أيضًا من خلال مراجعته النسخة الآتي:

1 - بدأ الشيخ محمد بن الحسن بن محمد بن العباس نازويه القمي بنسخ نسخته في أوائل شهر رجب، وفرغ منها في يوم الأربعاء غرة شهر شعبان من سنة 556 هجرية بثغر جنزة (1)، ورجح عنده أنه نسخ نسخته عن نسخة ابن فندق البيهقي، أبي الحسن علي بن أبي القاسم زيد، الذي ينتهي نسبه إلى خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وهو أحد كبار علماء زمانه، ولد في حدود سنة 493 ه وتوفي في سنة 565 ه أو 570ه.

وأزعم أنه من الصعب الجزم حول الانتماء المذهبي لابن فندق البيهقي، وقد لمس هذه الصعوبة بعض من ترجم له، فعده بعضهم من أتباع مدرسة أهل البيت لأخذه عن بعض علمائهم، وعده آخرون من أتباع مدرسة أهل الحديث؛ إذ قال في الصفحة الثانية من مقدمته بعد أن صلَّى على النبي الكريم: «وعلى أصحابه الصديق. والفاروق وذي النورين والمرتضى» (2)، فذكر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع الأصحاب، ولم يذكره من الآل، وقال في الصحيفة سبعين ومائتين: «أول من قاله خالد بن الوليد حين أمره صاحب رسول اللّه في الغار والقبر الصديق (رضیَ اللّهُ عنهُ)»(3)، ومثل هذا قد يرجح أنه من أتباع مدرسة أهل


1) غزنة ولاية كانت بأطراف خراسان على حدود الهند، وهي الآن من بلاد أفغانستان، ينظر معجم البلدان 4 / 2 - 1، وينظر أيضًا العرف الوردي 23 المتن والهامش رقم 1.

2) معارج نهج البلاغة 2.

3) السابق 270.

الحديث؛ ولكن الذي يتابع المؤلف يلمس ميلا واضحًا فيما كتب إلى مدرسة أهل البيت، ولاسيما أنه ينقل أحيانًا عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وحق لمن رجح تشيعه أن يذهب إلى ما ذهب إليه بسبب موقفه من أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأحداث عصره، كما أن جميع الروايات التي أوردها في شرحه لا تبتعد عن روايات أهل البيت، وروايات علمائهم تجدها مبثوثة في ثنايا الشرح.

وقد لا يستغرب أن يكون ابن فندق من أصحاب مدرسة أهل الحديث الذين عرفوا بوسطيتهم وتفانيهم في محبة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، بل ليس بغريب أن يشرح النهج غير واحد من علماء هذه المدرسة، وقد أورد السيد عبد اللطيف الكوهكمري قائمة بمائة واثني عشر شرحًا للنهج بينهم غير واحد من علماء المذاهب الإسلامية (1).

ويبدو أن تلك العصور لم تكن قد مزقتها الطائفية السياسية إلَّا من فترات لعبت لعبتها، وكانت وبالا على الأمة الإسلامية، لذا كان

طلاب المعرفة يأخذون عن الشيوخ ويروون عنهم من دون التفات إلى مذاهبهم، ولقد رأينا من بين شيوخ الرضي غير واحد من فقهاء


1) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة 1/ 37 - 49، واختصارًا سأذكره في الهوامش باسم المنهاج.

المذاهب الإسلامية المختلفة (1).

ورجّح المعد أن مقابلة نازويه على نسخة ابن فندق كانت أثناء النسخ.

• فرغ نازويه من نسخ الكتاب في غرة شهر شعبان من سنة ست وخمسين وخمسمائة، ومن المقابلة مع ابن فندق في الخامس من شوال من السنة نفسها، أي بعد إكمال النسخ بشهر وخمسة أيام، وقد ذكر نصوص المقابلات التي أثبتها نازويه بنسخته (2).

وتعد نسخة ابن فندق البيهقي من خيار نسخ النهج، إذ اهتم بقراءتها على شيوخ عصره، وحفظها عنهم؛ وتحدث المعد أيضًا عن مكانته العلمية، فذكر مشايخه في الرواية، ومقامهم، وقيمة روايتهم، وقراءتهم كتاب النهج. وبسبب اهتمامه به ألف من بعد شرحًا سماه (معارج نهج البلاغة) الذي عدّ عند بعضهم ثاني شروح النهج (3).

وعده ابن فندق نفسه في مقدمته أول الشروح، وذكر أن الفضلاء السابقين لم يتصدوا لشرح هذا الكتاب بسبب موانع ذكرها (4).


1) السابق 33/1 – 35.

2) العرف الوردي 9 - 11.

3) العرف الوردي 26 - 42، وذكر ابن فندق البيهقي في معارجه 4 أنه لم يشرح قبله هذا الكتاب أحد، ولكن السيد عبد اللطيف الكوهكمري محقق كتاب المنهاج ذكر أربعة من العلماء سبقوه في الاهتمام بالنهج، وسنأتي على مناقشة رأيه من بعد.

4) المعارج 4، 5.

والشيخ البيهقي من المنصفين المحبين لآل بيت النبوة العارفين بفضلهم، فهو حينما يذكر النبي لا يأتي بالصلاة البتراء، كما يلاحظ في النص السابق، وإنما يعطف الآل عليه بحرف العطف «الواو» من دون واسطة حرف الجر «على» كما يذهب إلى ذلك أغلب علماء المذاهب، وحين يروي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي ذكره في غير موضع من كتابه يذكره بكل التوقير والاحترام ؛ قال : «وسئل جعفر بن محمد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)» (1).

ولم يكن علماء العصور السابقة يتحرجون عن الأخذ من كل الأفاضل من علماء المذاهب الإسلامية، وهكذا فعل البيهقي، فقد نقل في شرحه عن المذهبين إذ قال «وأنا الضامن شرح كلّ مشكل في هذا الكتاب من طريق المنقول والمعقول على المذهبين» (2).

وعلى الرغم من ذهابه إلى أن شرحه هو أول الشروح فإنه قال: «وممن سمعت خبره وعاينت أثره ولم أره الإمام أحمد بن محمد الوبري الخوارزمي الملقب بالشيخ الجليل، وقد شرح من طريق الكلام مشكلات نهج البلاغة شرحًا أنا أورده وأنسبه إليه، وأثني عليه» (3)


1) المعارج 43.

2) المصدر السابق 6.

3) المصدر السابق 37.

والوبري من أعلام القرن السادس، وقد نقل عنه ابن فندق في مواضع كثيرة من معارجه، ولم يصل شرحه إلينا، أما كتاب المعارج فهو أول شرح مطبوع يصل إلينا (1).

ولكن السيد عبد اللطيف الكوهمكري محقق كتاب المنهاج ذكر في مقدمته أن أول شروح النهج هو «أعلام نهج البلاغة للسيد العلامة علي بن ناصر السرخسي المعاصر للمؤلف، وهو أقدم الشروح وأوثقها وأتقنها» (2)ولم يشر إلى مصدره في نعت هذا الكتاب بالصفة التي ذكره بها؛ ولا وثق ما ذكره من مصادره؛ وثاني الشروح عنده هو: «المعارج في شرح نهج البلاغة» للمؤلف نفسه؛ أما ثالث الشروح عنده فهو شرح نهج البلاغة لمحمد بن أحمد الوبري من أعلام القرن الخامس، وسبقت الإشارة لذلك، أما رابع الشروح عنده فهو: «التعليق على نهج البلاغة للسيد أبي الرضا فضل اللّه بن علي بن عبيد اللّه الحسني الراوندي»، وسبق أن ذكرت أن الناسخ نازويه نقل حواشي السيد الراوندي إلى نسخته، ونقلتُ ما استطعت قراءته منها إلى هوامش التحقيق، ولم يذكره نازويه بالاسم الذي ذكره المحقق، وإنما نعته بالحواشي على نسخة السيد الراوندي.


1) العرف الوردي 27، ولي تعليق سيأتي.

2) منهاج البراعة 1/ 37 - 38.

وما ذكره السيد عبد اللطيف الكوهمكري فنده السيد عبد العزيز الطباطبائي. في بحثه الفريد بدقته المنشور بمجلة تراثنا؛ إذ قال: «إنهم كما اختلفوا في عدد شروح النهج اختلفوا في أقدمها».

•

فقالوا: إن أول شروح النهج لعلي بن ناصر مؤلف أعلام نهج البلاغة - وهو شرحه عليه - وهو من المعاصرين للشريف الرضي.

•

وقالوا: هو الشريف المرتضى علم الهدى أخو الشريف الرضي لما شرح الخطبة الشقشقية.

وقالوا بل هو الشريف الرضي نفسه هو أول من شرح النهج حين شرح بعض الفقر خلال الخطب، وفسر بعض المواد اللغوية.

وقالوا: هو ظهير الدين البيهقي علي بن زيد، فريد خراسان المتوفى سنة 565 ه مؤلف معارج نهج البلاغة.

• وقالوا: هو الإمام الوبري، أحمد بن محمد الخوارزمي، من أعلام القرن السادس.

وعلق السيد عبد العزيز على تلك الأقوال بقوله : والأول لا يصح، «لأن المؤلف من أعلام القرن السابع، فقد أرخ في كتابه زبدة التواريخ وفاة الأتابك أوزبك في سنة 622ه، واللّه أعلم كم عاش بعدها» وقال: «وأول من صدر منه هذا الوهم فزعم أن علي بن ناصر كان أول من شرح نهج البلاغة هو السيد إعجاز حسين الكنتوري (رَحمهُ اللّه)

ذكر ذلك في كتابه كشف الحجب، ثم تبعه من بعده صاحب الذريعة، وصاحب الغدير وصاحب أعيان الشيعة اعتمادًا عليه وقال: ولربما كان علي بن ناصر أول شراح النهج في القرن السابع الهجري.

ولو تصفح السيد الكنتوري لرأى أنه يحكي فيه عن الوبري والراوندي المتوفى سنة 573 في مواضع عدة معبرًا عنه بقوله: قال بعض الشارحين، والنص الذي يحكيه هو لقطب الدين الراوندي موجود في شرحه حرفيًّا.

وقال السيد عبد العزيز: والثاني لا يصح أيضًا، «فإن الشريف المرتضى وإن كان قد شرح الخطبة الشقشقية، إلا أنه لم يثبت أنه أخذها من نهج البلاغة، فهو كأخيه له طرق وأسانيد إلى رواية خطب أمير المؤمنين ورسائله وحكمه».

ويبدو لي أيضًا أن شرح المرتضى للخطبة الشقشقية لا يعني أنه شرح النهج بكامله، ولم أقف على مثل هذا في المراجع التي نظرت فيها.

• وقال السيد عبد العزيز (طَآب ثَرَاهُ) : والثالث خطأ أيضًا فإن الشريف وإن كان تكلم على بعض الفقر، وفسر بعض الجمل إلا أن ذلك لا يعدّ شرحًا على نهج البلاغة بل نهج البلاغة اسم لهذا الكتاب المجموع ما احتواه من خطب ورسائل ونصوص، وما تبعه من تفسير وشروح لغوية».

وقال: والرابع لا يصح أيضًا؛ «فإن القطب الراوندي قد فرغ من

شرحه على النهج أواخر شعبان سنة 556ه، وقد شرحه بعد السيد فضل اللّه الراوندي، والوبري، وظهير الدين البيهقي فريد خراسان فقد فرغ البيهقي من الشرح سنة 552ه، وقد شرحه بعد السيد فضل اللّه الراوندي والوبري فالراوندي؛ والبيهقي نقل من شرح الوبري في مواضع كثيرة.

وأقول أنا: إنه نقل أغلب حواشي السيد فضل اللّه بنصوصها من دون عزو أو إشارة لصاحبها، وهو أمر يدعو إلى الاستغراب، وقد أفدت منه في قراءة بعض الحواشي التي أصابها الضرر.

• وقال: والسادس أقربها إلى الصواب، وهو أن يكون الوبري أول شراح النهج، والذي ذهب إلى هذا القول ونبه عليه هو الشيخ ضياء الدين بن يوسف الحدائقي الشيرازي.

قال السيد عبد العزيز طيب اللّه ثراه وأنا أقول: «ربما يكون أقدم الشراح وأولهم هو السيد فضل اللّه الراوندي، إذ نعلم أنه (رَحمهُ اللّه) رحل من كاشان إلى بغداد.. ووجد بها نسخة الأصل بخط المؤلف الرضي فنسخ عنها نسخة لنفسه، وفرغ منها في ربيع الأول سنة 511ه، ثم أخذ يعلق عليه القيود والشروح ويفسر غريبه ويوضح مبهمه، فكان أحد الشروح المذكورة في الذريعة وغيره، وعلى هذا يكون هذا الكتاب أقدم الشروح وأولها، والسيد الراوندي أول الشراح، وقد

كتب السيد عبد العزيز ترجمة مطولة عن السيد الراوندي.

ثم ذكر من انتسخ من شرح السيد الراوندي، إلى أن قال: وظفر به أحمد بن أبي طالب بلكو من تلامذة العلامة الحلي فنسخ عليه نسخة لنفسه سنة 723ه، وكتب محمد صادق شفيع اليزدي على نسخة ابن بلكو نسخة لنفسه في سنة 1132 ه، وهذه النسخة هي الآن في مكتبة السيد المرعشي العامة في قم برقم 273»، وقد وثق السيد عبد العزيز جميع ما ذكره من مصادره (1)وقد بذلت جهدًا كبيرًا للحصول على هذه النسخة ظنًا مني أنها حواشي السيد الراوندي، ولولا أريحية الأخ العزيز الشيخ كاظم الجواهري لما استطعت الوصول إلى هذه النسخة فجزاه اللّه كل خير؛ وتبين لي أنها نسخة متأخرة من النهج انتسخت من نسخة عن نسخة أصلها منقول عن نسخة السيد الراوندي، وليس فيها إلا بعض الحواشي التي تعد على أطراف الأصابع، وليس من دليل فيها على أنها من حواشي السيد الراوندي فأهملتها لتأخرها وقلّة الضبط فيها وغياب الحواشي منها.

ومقابلة نازويه نسخته مع نسخة ابن فندق ورجحان نسخه عنها بحسبرؤية السيد حسن الموسوي البروجردي يعود إلى الآتي:


1) مجلة تراثنا بحث السيد عبد العزيز الطباطبائي الموسوم في رحاب نهج البلاغة القسم الخاص بشروح النهج.

الأول: بعد إكماله نسخ الخطب كتب حول مقابلتها: «بلغت المقابلة بثغر جنزة في الرابع عشر من رجب المبارك سنة ست وخمسين وخمسمائة مع الشيخ الأجل العفيف علي بن أبي القاسم أدام اللّه سعادته». «الورقة 63 ب»، وقد ذكرت ذلك في موضعه من هوامش التحقيق، إلَّا أن المقابلة لا تعني بالحتم النسخ عن نسخته، وإن كانت ترجح.

الثاني: بعد إكماله نسخ الكتب كتب حول مقابلتها: «بلغت التصحيح في السابع والعشرين من شعبان سنة 6 و 5 و5 »، أي: سنة ست وخمسين وخمسمائة. «الورقة 83 ب»، ونقلت ذلك في موضعه إلى هامش التحقيق أيضًا، وهذا أيضًا لا يقطع أن نازويه انتسخ من نسخته.

الثالث: بعد أن انتهى من نسخ المخطوط، قابل الباقي منه، وكتب في آخره: «فرغنا من مقابلته وتصحيحه في الخامس من شوال سنة ست وخمسين وخمسمائة بثغر جنزة». «الورقة 100ب»، ووقع سهو فنسب للورقة 51 ب (1)، ونقلت ذلك في موضعه أيضًا، وهذا أيضًا لا يقطع بأن النسخ كان من نسخته.

وكتب السيد حسن البروجردي ترجمة موجزة عن حياة ابن فندق، ثم تحدث عن نشاطه العلمي حول نهج البلاغة، وقراءة نسخته على اثنين من أشهر المهتمين من العلماء بالنهج، وهما والده أبو القاسم


1) العرف الوردي 23 - 24.

زيد، وله إجازة عن الشيخ الدوريستي المحدث الفقيه، والشيخ الحسن بن يعقوب بن أحمد النيسابوري، ونسخة النيسابوري سماع له عن الشيخ جعفر الدوريستي (1). وذكر ابن فندق بشأن روايته أيضًا: «والرواية الصحيحة في هذا الكتاب رواية إلى الأغر محمد بن همام البغدادي تلميذ الرضي، وكان عالما بأخبار أمير المؤمنين (2)».

وذكر ابن فندق في نهاية شرحه «أنه أكمله في الثالث عشر من جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة» (3).

ووثق المعد نسخة والد ابن فندق ونسخة النيسابوري، وكتب ترجمة موجزة عنهما، وبذل جهدًا واضحًا يشكر عليه في المتابعة (4).

وذكر بشأن ابتداء قراءة نازويه نسخته على الشيخ قطب الدين سعيد بن هبة اللّه الراوندي - «ت 570ه- ما ورد في «الورقة 1 أ» منها، ووقع سهو فنسب «للورقة 2 أ» - الذي لم يبق منه إلَّا «أبي الحسين سعيد بن هبة اللّه الراوندي منتصف شوال سنة ثمان وستين وخمسمائة هجرية»؛ إذ ذهب القسم الأول منه بسبب الترميم. فرجح عنده أن ابتداء قراءته على الشيخ كان في منتصف شوال من سنة 568ه.


1) المصدر السابق 27.

2) معارج نهج البلاغة 3.

3) السابق 468.

4) المصدر السابق 26 - 38.

وكتب المعد أيضًا ترجمة موجزة موثقة عن حياة الشيخ قطب الدين الراوندي أحد كبار علماء زمانه، وذكر أن نازويه كان من تلامذته، وقرأ عليه كتاب الاستبصار، ثم ذكر من قرأ النهج على القطب، ومن أجازه لإبراز قيمة نسخته (1)، وقد ذكرت ما كتبه الناسخ في موضعه.

وأفاد قطب الدين من حواشي السيد الراوندي فنقل جزءًا كبيرًا منها إلى منهاجه في معرض شرح خطبه وكلامه وحكمه (عَلَيهِ السَّلَامُ). وقد أفدت من منقوله في قراءة بعض حواشي السيد الراوندي التي نقلها نازويه لنسخته، واللافت للنظر أن قطب الدين في أثناء شرحه لم يشر للسيد فضل اللّه الراوندي ولا إلى حواشيه لا من قريب ولا من بعيد.

ومنهج القطب في الشرح يدعو إلى النظر، فبعد أن انتهى من شرح الخطبة الأولى ذكر سنده في روايتها، وهو عن الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن الحلبي، عن الشيخ أبي جعفر الطوسي، عن الشيخ المفيد أبي عبد اللّه الحارثي، أخبرنا الحسن بن علي الزعفراني، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي، أخبرنا أبو الوليد العباس بن بكار الضبي،، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن الزهري وعيسى بن زيد، عن صالح بن كيسان، عن أمير المؤمنين الا (2).


1) المصدر السابق.

2) منهاج البراعة 1/ 108.

وكذا فعل مع الخطبة الثانية إذ ذكر سند روايته لها، ومع الخطبةالثالثة الشقشقية، وحين وصل إلى نهاية شرحه الخطبة الرابعة قال: «وأما سند رواية هذا الكلام وما بعده فيطول به الكتاب على أنه لم يحضرني أصول ذلك وقت إملائي هذا الشرح»(1)، ولم يتعرض لذكر سند من بعد.

ثم من بعد كان يذكر الخطبة ثم يشرحها، ولما وصل إلى كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) برقم 17 في هذه الطبعة غير منهجه وبدأ يذكر عددًا من الخطب، والكلام بحسب التسلسل على مجموعات، ثم يذكر من بعد بيان ذلك بحسب تعبيره، وهكذا فعل مع بقية الشرح.

3 - بذل نازويه جهدًا كبيرًا في متابعة نسخة السيد أبي الرضا فضل اللّه بن علي الراوندي(2)لأنها من أجل نسخ النهج وأتقنها، إذ نسخها السيد عن نسخة الشريف سنة 511 ه (3)، وقابلها من طرق موثقة مختلفة عنه، لذا حرص نازويه على عرض نسخته عليها لإخراجها بأفضل صورة ممكنة، وذلك بقراءتها على السيد، وبمقابلتها على نسخته، وبنقل


1) منهاج البراعة 1/ 147.

2) أحد كبار علماء القرن السادس الهجري - توفي بقاسان سنة 571ه أو قبل سنة 574ه، ولا أدل على عظيم منزلته وتقواه ومكانته العلمية أن مقبرته مازالت عامرة باسم «مقبرة أبي الرضا» في قلب المدينة. ينظر المصدر السابق.

3) المصدر السابق 54.

حواشيها بأسرها إلى نسخته، وذلك في ربيع الأول من سنة 571ه بمدينة قاسان (1)، وكتب حول ابتداء قراءته على السيد الآتي:

•

«ابتدأت بقراءته على المولى السيد... الأجل، العالم، الزاهد ضياء الدين.. علم الهدى حجة الحق أبي الرضا فضل اللّه بن علي... الحسني دام ظله في غرة ربيع الأول سنة إحدى... وخمسمائة هجرية.. حامدا ومصليا»، ويلاحظ على النص السابق ذهاب بعض كلماته بسبب الترميم، ولاشك في أن الكلمة الساقطة بعد كلمة «إحدى» هي «سبعين»، وكتب النص على ظهر الصفحة الأولى «الورقة أ» ووقع سهو فنسب إلى الورقة 2أ، والمصورة الملحقة توضح ذلك.

•

وكتب في آخر صفحة من نسخته «الورقة 100 ب»، - ووقع سهو فنسب للورقة 51 أ - حول إنهاء قراءته على السيد الراوندي: «فرغت من قراءته على المولى السيد الإمام الأجل العالم الزاهد العابد ضياء الدين تاج الإسلام علم الهدى أبي الرضا فضل اللّه بن علي الحسني دام ظله في الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وخمسمائة هجرية»، وذكرت ذلك في موضعه من التحقيق أيضًا، والمصورة الملحقة توثق ذلك أيضًا.

وكتب حول مقابلة نسخته بنسخة السيد في آخر صفحة من


1) المصدر السابق 49 - 54.

الكتاب أيضًا «الورقة 100ب» ووقع سهو فنسب النص إلى الورقة 51 ب: «قابلت نسختي هذه بنسخة المولى السيد الإمام الأجل العالم الزاهد، ضياء الدين، تاج الإسلام، علم الهدى، حجة الحق، سلطان العلماء، فخر آل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، أبي الرضا فضل اللّه بن علي الراوندي، دام ظله، ونقلت حواشيها بأسرها إليها، واجتهدت في تصحيحها، فصح الجل إن لم يصح الكل؛ كتبه محمد بن الحسن بن محمد بن العباس نازويه، في ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وخمسمائة هجرية بمدينة قاسان حماها اللّه، حامدًا اللّه تعالى، ومصلّيًا على محمد وآله»، وذكرت ذلك في موضعه من التحقيق، والمصورة الملحقة توثق ذلك أيضًا.

• وكتب السيد الراوندي بخط ضخم نص إجازته للناسخ في الصفحة الأولى «الورقة أ» ووقع سهو فنسبت الإجازة للورقة 2أ، وهي الآتي:

«قرأ عليّ كتاب نهج البلاغة من أوله إلى آخره، وعارضه بأصلي الذي قرأت فيه وصححته، الشيخ الرئيس الإمام، الولد فخر الدين، زين الإسلام شرف العلماء، أبو جعفر محمد بن الحسن بن محمد بن العباس نازويه وصل اللّه له سعادة الدنيا بسعادة الآخرة، ونقل حواشيه إلى نسخته، وصححه، وفتّش عن أسراره بارك اللّه له فيه.

ورويته له عن السيد السعيد المرتضى بن الداعي الحسني، عن الشيخ أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الدوريستي، عن السيد الرضي ذي الحسبين أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى (رَحمهُ اللّه).

وعن شيخي الإمام أبي الفضل عبد الرحيم بن أحمد بن محمد بن الأخوة البغدادي عن محمد بن يحيى النتالي، عن أبي نصر عبد الكريم بن محمد سبط بشر، عنه (رضیَ اللّهُ عنهُ).

كتبه فضل اللّه بن علي الحسني أبو الرضا الراوندي في شهر ربيع الآخر من سنة إحدى وسبعين وخمسمائة حامدًا اللّه تعالى مصليا على سيدنا محمد وآله الطاهرين»، وأكتفي بما ذكر في هذا التقديم، ومصورتها توثق ما ذكر أيضًا.

وذكر المعد حول أهمية نسخة السيد الراوندي من النهج أن السيد عندما كان في طور الصبا وقف ببغداد في أثناء رحلته لطلب العلم على نسخة الأصل من كتاب النهج بخط مؤلفه السيد الرضي (رضیَ اللّهُ عنهُ)كما سبق القول، فنسخ عنها نسخة لنفسه وصححها ورواها مسندة عن مشايخ بغداد كما ظهر هذا من بعض القرائن التي عرضها المعد، وفرغ منها في سلخ ربيع الأول سنة 511 ه (1)، كما سبق القول.


1) مقدمة المعد 54 - 55 الحاشية والمتن وينظر أيضًا ما ذكره السيد عبد العزيز الطباطبائي في بحثه الموسوم ب(في رحاب نهج البلاغة).

وذكر المعد أيضًا أن نازويه أشار إلى مواضع إنهاء مجالس القراءة من كل مجلس على السيد فضل اللّه الراوندي بعبارات مختلفة، وقال: «نعرض عنها خوفًا من الإطالة». وفي أثناء التحقيق نقلت ما كتبه نازويه حول مواضع مجالس القراءة على السيد الراوندي أو على غيره في هوامش التحقيق.

ونقل المعد من المخطوط أيضًا صورة ظهر الصفحة الأولى بخط نازويه القمي، وعليها إجازة السيد الراوندي له في سنة 571ه، وابتداء القراءته على القطب الراوندي في منتصف شوال سنة 568ه ظاهرًا، وصورة آخر كتاب الخطب بخط نازويه، ويظهر عليها سماعات الكتاب على السيد الراوندي وعلى كتاب ابن فندق البيهقي، وصورة آخر صفحة قسم كتب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتظهر عليها إجازة السيد الراوندي له في سنة 571 هجرية، وصورة الصفحة الأخيرة من كتاب النهج، وتظهر عليها سماعات نازويه على السيد الراوندي، ومقابلتها مع نسخته ونقله حواشي نسخة السيد بكاملها إلى نسخته. ولم يكتف بذلك، وإنما كتب بحثًا عن حياة السيد الراوندي، ومنزلته العلمية، وقيمة نسخته وطرق توثيقها الخمسة المتصلة بالسيد الرضي (رضیَ اللّهُ عنهُ)التي أشار إليها الراوندي في إجازته، وهي:

الطريق الأول عن السيد المرتضى بن الداعي الحسني الرازي،

عن الشيخ أبي عبد اللّه الدوريستي، عن السيد الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين (رضیَ اللّهُ عنهُ)، وكتب المعد ترجمة موجزة عن ابن الداعي والدوريستي في الهامش (1).

الطريق الثاني: عن أبي الصمصام ذي الفقار بن محمد بن معبد الحسيني المرزوي، عن الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، عن السيد الرضى (رضیَ اللّهُ عنهُ)، وذكر في الهامش أيضًا ترجمة موجزة عن الشيخين (2).

الطريق الثالث: عن الشيخ عبد الرحيم بن أحمد المعروف بابن الأخوة البغدادي، عن أبي الفضل محمد بن يحيى النتالي، عن أبي نصر عبد الكريم بن محمد سبط بشر الديباجي، عن السيد الرضي (رضیَ اللّهُ عنهُ) وترجم لهم في الهامش (3).

الطريق الرابع: عن الشيخ مكي بن أحمد المخلطي، عن أبي الفضل محمد بن يحيى النتالي، عن أبي نصر عبد الكريم بن محمد سبط بشر الديباجي، عن السيد الرضي (رضیَ اللّهُ عنهُ)، وترجم لهؤلاء الأعلام في الهامش (4).

الطريق الخامس عن الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن العلوي المقري النيسابوري عن الحسن بن يعقوب الأديب،


1) العرف الوردي 59 - 60 المتن والهامش.

2) المصدر السابق 60 - 61 المتن والهامش.

3) المصدر السابق 61 - 62 المتن والهامش.

4) المصدر السابق 62 - 63 المتن والهامش.

عمن سمعه من الرضي (1). وذكر المعد أن الشخص الذي سمع كتاب النهج من السيد الرضي هو الشيخ جعفر بن محمد الدوريستي كما نص على ذلك ابن فندق في مقدمة كتابه معارج نهج البلاغة(2)، وترجم المعد للأعلام أيضًا في الهامش (3)، وتحدث عن تلامذة السيد الراوندي ممن قرأ عليه النهج، مع ترجمة وتوثيق للقراءة عليه.

ووصف السيد حسن البرجردي هذه المخطوطة وصفا دقيقًا فتحدث عن نوع خطها وكتابتها بالخط النسخي الجميل بمنتهى الدقة والحرص، وخصوصياتها في كتابة الهمزة المتطرفة المسبوقة بألف وكتابة بعض الكلمات كتابة قرآنية، وكتابة الهمزة المتوسطة على كرسي الياء، ومراعاته الأصل في رسم الكلمات المقصورة، وغير ذلك(4).

واهتم أيضًا بذكر العلامات والرموز التي كتبها نازويه في حواشي نسخته، وعلل ما يحتاج منها إلى تعليل كالرموز «خ، ونسخة، وصح، وصح خ، ونسخة صح، وفي نسخة الأصل، وبخط الرضي، وبخط السيد على الحاشية، وخط ض» ورجّح المعد أن الرمزين الأخيرين نقلهما نازويه من نسخة السيد الراوندي؛ والرمز الأول «خ» لا تخلو


1) المصدر السابق 63.

2) المصدر السابق 65.

3) المصدر السابق 63 المتن والهامش.

4) المصدر السابق 134 - 135.

منه صفحة من صفحات المخطوط (1).

وقع بحث السيد حسن في ست وخمسين ومائة صفحة، وبالإضافة إلى ما ذكره عن نسخة نازويه ومصادرها نوّه أيضًا بعدد ليس بقليل من نسخ النهج المحترمة لعلاقتها بنسخة نازويه بطريقة أو بأخرى موثقة بصور القراءات والمقابلات؛ وهو جهد يستحق التنويه والتقدير.

منهجي في التحقيق

1 - نسخت المصورة من أولها إلى آخرها مضبوطة بالشكل الذي ارتضاه الناسخ، إلا في مواضع وقع فيها سهو، أو فوت قلم، أو ترجيح.

2 - نقلت جميع ملاحظات نازويه حول القراءة والمقابلة، بأماكنها المختلفة في النسخة. ونقلت أيضًا ما قرأه في نسخ أخر - وهو كثير - وأثبته في حواشي نسخته، وقد يرجح إذا دل عليه دليل فأثبته في المتن، مع الإشارة إلى ذلك، ولم يكن ذلك بيسير بسبب ما أصاب الحواشي من ضرر.

3 - أورد الناسخ قراءتين لبعض الكلمات، فأشرت لذلك في الهوامش مع ترجيح ما أمكن ترجيحه.

4 - لما كانت أغلب حواشي السيد الراوندي التي نقلها جميعها


1) العرف الوردي 128 - 131.

نازويه كما ذكر تتناول شرح كثير من مفردات النهج بالدرجة الأولى، فقد حرصت كل الحرص على نقلها إلى حواشي التحقيق، لأهميتها اللغوية والتاريخية إلا ما تعذرت قراءته بسبب شديد بهوتة لونه، أو بسب أضرار الترقيع التي أصابت أغلب الألفاظ التي وقعت في أطراف الصفحات، أو بسبب عوادي الزمن، وما فاتني ليس بكثير على الرغم من الجهد الاستثنائي الذي بذلته في الاستقصاء؛ ولم يكن ذلك بالأمر الهين، ومما زاد من صعوبة الأمر أن نازويه كتب الحواشي بقلم رفيع، وفي أثناء الكتابة أهمل أحيانًا إعجام بعض حروف الكلمات، فيلتبس علي الأمر ؛ وقد ميزت هذه الحواشي في الهوامش بكلمة «حاشية، أو في الحاشية، أو في حاشية الأصل، أو ما إلى ذلك وإن كانت الحاشية من نسخة أخرى عزوتها لنسختها. ولست بنادم على الوقت الذي أنفقته في قراءتها ونقلها، لأني أزعم أنها في غاية الأهمية للدارسين لمعرفة مناهج شراح النهج، وتطور شروحه عبر العصور، من أولها إلى آخرها.

5 - ولا أشك في أن هنات كثيرة وقعت بها هنا وهناك أثناء قراءة هذه الحواشي للأسباب المارة الذكر.

6 - الصفحات الأخيرة من هذه النسخة «101 – 106» وردت فيها بعض الأقوال والأشعار، كنقوش خواتيم أمير المؤمنين، وأبيات

من الشعر كتبها أبو يوسف بن يعقوب بن أحمد النيسابوري بخطه على نسخته في التنويه بالنهج ؛ وذكر الشيخ البيهقي في معارجه (1)أن الأبيات أنشدها له الحسن بن يعقوب لوالده. ورواية لابن عباس عن الخليفة عمر بن الخطاب، وأخرى عن السيدة عائشة حول منزلة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتبها علي بن ميثم البحراني في الصفحة «101 ب»، وحديث عن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) حول عيادته جابر بن عبد عال لا اللّه الأنصاري، وأقوال من هنا وهناك نقلت ما يستحق النقل منها في موضعه من الهوامش.

وقدر السيد حسن أن الصفحة «106 أ» كانت في الأصل ببداية النسخة الخطية ونقلت أثناء الترميم؛ إذ عليها بعض التملكيات والأختام والأقوال.

7 - خرَّجت ما يحتاج إلى تخريج في النص المحقق من آيات قرآنية، 7 وتراجم أعلام وأمكنة وردت في النص، وما إلى ذلك من لوازم التحقيق.

8 - عرضت النص المحقق على كتاب مصادر نهج البلاغة و أسانيده للسيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب. بطبعته الثالثة المطبوعة بمطبعة دار الأضواء ببيروت، وذكرت أرقام الخطب والكتب والوصايا


1) معارج نهج البلاغة 7.

والحكم فيه بهوامش التحقيق، لتسهل مراجعته، وكان السيد قد نقل الزيادات التي وردت في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ولم ترد في غيرها من مخطوطات النهج، وذكر انفراد نسخة ابن أبي الحديد بها، وأشاد بها أيضًا إشادة كبيرة، فأشرت إلى زياداته في الهوامش، ولم أعتمدها في النص المحقق لعدم ورودها بالنسخ المعتمدة في التحقيق.

ويراودني هاجس أن أغلب تلك الزيادات ليست من النهج، لأن ابن أبي الحديد ذكر بعد الانتهاء من حكم النهج ثمان وتسعين وتسعمائة حكمة منسوبة لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال: «ونحن الآن ذاكرون ما لم يذكره الرضي مما نسبه قوم إليه، فبعضه مشهور عنه، وبعضه ليس بذلك المشهور، لكنه روي عنه، وعزي إليه، وبعضه من كلام غيره من الحكماء، ولكنه كالنظير لكلامه، ولما كان ذلك متضمناً فنونًا من الحكمة نافعة، رأينا ألا نخلي الكتاب عنه؛ لأنه كالتكملة والتتمة لكتاب نهج البلاغة» ؛ ولا يستبعد أن بعض الحكم من غير الذي اختاره الشريف قد دخل في الشرح.

وأشرت أيضًا الى كثير من ملاحظات السيد عبد الزهراء في كتابه مصادر نهج البلاغة، ولاسيما ما يتعلق منها بمناسبات الخطب والكتب والوصايا والحكم، وأصولها وما اختاره الشريف الرضي من تلك الأصول ومصادرها، حتى أن أي باحث جاد يستطيع إخراج كتاب

جديد حول ما روته المصادر من تراث أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من خلال مصادره، وقد أدهشني هذا السيد بما بذله من جهد يصعب أن تقوم به العصبة، ويراودني يقين أن اللّه سيحتسبه له في ميزان حسناته.

9 - في أثناء مراجعة شرح ابن ميثم نقلت ما أورده من شرح للكلمات التي يتعارض تفسيرها مع تفسير السيد الراوندي في حواشيه التي نقلتها، أو فيها إضافة؛ فأشرت إلى الاثنين في الهوامش للتفريق ما بين الشرحين، ونقلت أيضًا ما أورده ابن ميثم من شرح لم يورده السيد، أو شرحها ولكني لم أستطع قراءتها، من دون إشارة لورودها في شرح ابن ميثم، وما لم أشر إلى مصدره من شرح في الهامش فهو عن شرح ابن ميثم.

10 - ولما كانت خطب أمير المؤمنين وكتبه ووصاياه وحكمه في النسخة غير مرقمة، فوجب ترقيمها، مع ذكر لأرقامها في شرح ابن ميثم في الهوامش للمقارنة ما بين تسلسلها في النص المحقق وبين تسلسلها في الشرح مع عناية بملاحظات ابن ميثم التي رأيتها جديرة بالملاحظة. وأشرتُ إلى الاختلاف في الأرقام وأسبابه من وجهة نظري.

11 - عرضت النص المحقق أيضًا على شرح نهج البلاغة لابن

أبي الحديد «ت 586 - 656ه» الذي قدم له وعلق عليه الشيخ حسين الأعلمي، وهو من منشورات مؤسسة الأعلمي ببيروت. وذكرت أرقام الخطب والكتب والوصايا والحكم في شرح النهج بالهوامش لتسهيل الرجوع إليها به وذكرت في الهوامش أيضًا نصوص النهج التي انفرد بها ابن أبي الحديد، ولم ترد في الأصل، ولا في مخطوطات النهج التي قابلت عليها؛ وأشرت أيضًا إلى كثير من المباحث التي تناولها الشارح ودارت حول أحداث عصر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحروبهورسائله إلى معاوية ورسائل معاوية إليه، ورسائل غيره، وترجماته لبعض الرجال خلال الشرح، وتعليقاته المهمة، وأشرت أيضًا إلى الفصول التي عقدها لهذا الموضوع أو ذاك حتى وإن كانت لا علاقة لها من قريب بما ورد في النهج لأهميتها.

وقد علق ابن أبي الحديد في شرحه 20/ 316 تعليقا في غاية الأهمية في أول شرحه الحكمة رقم 428 الواردة بهذا التحقيق(1)، وهو: «وقال لها وقد جاءه نعي الأشتر (رَحمهُ اللّه): مالك وما مالك، لو كان جبلا لكان فندًا لا يرتقيه الحافر، ولا يرقى عليه الطائر. والفند: المتفرد من الجبال، والتعليق هو : «يقال: إنّ الرضي ختم كتاب نهج البلاغة بهذا الفصل، وكتبت به نسخ متعددة، ثم زاد عليه إلى أن


1) رقمها في الشرح 452.

وافى الزيادات التي نذكرها فيما بعد». ولا يستبعد مثل هذا، فقد ترك الشريف أوراقًا بيضًا في آخر كل باب «لاقتناص الشارد، واستلحاق الوارد، وما عساه أن يظهر لنا ؛ فكانت تكملة الكتاب من بعد.

115

الصفحة الأولى «1 أ» من نسخة نازويه من كتاب النهج وتظهر فيها إجازة السيد الراوندي له سنة 571ه، ومصادر نسخته، وفيها أيضًا قراءة نازويه على الشيخ قطب الدين الراوندي وابتداء قراءته عليه

116

الصفحة «63 ب» وفيها قراءة نازويه على السيد الراوندي والمقابلة مع این فندق علي بن أبي القاسم البيهقي بثغر جنزة سنة 556

117

الصفحة (83 ب» وهي آخر صفحة في قسم كتب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتظهر عليها إجازة السيد الإمام علم الهدى أبي الرضى الراوندي.

118

الصفحة «100 ب» بخط نازويه القمي وعليها سماعه الكتاب على السيد الراوندي، ومقابلتها على نسخته ونقله حواشیها

119

الصفحة «101 أ»

النسخة الثانية

إشارة:

ورمزها في هوامش التحقيق «س»، نسبة إلى صاحبها سهل بن أمير الرقاقي (1)، وإن صح تاريخ نسخها الذي سنأتي على ذكره تكون هذه النسخة عندي أقدم نسخ النهج التي وقفت عليها.

كتب مقدمة هذه المصورة السيد محمد جعفري - وهي بالفارسية (2)- ومن بين ما ذكره الآتي:

• نسخة قيمة - جديرة بالاهتمام - «من القرن الخامس، والتي قام الفقيه سهل بن أمير الرقاقي بمقابلتها مع خط حسن بن يعقوب بن أحمد بتاريخ جمادى الآخرة سنة 483ه، وكانت هذه النسخة موجودة في المكتبة الشخصية للسيد علي آتشي في مدينة يزد، وانتقلت حاليًّا إلى مركز إحياء التراث الإسلامي بمدينة قم اعتمادًا على ما ورد في موسوعة الإمام علي 12 / 85، وذكر عن مفهرس النسخ الخطية بمركز إحياء

1) ينظر ما ذكره عن هذه النسخة السيد عبد العزيز الطباطبائي في بحثه المنشور في مجلة تراثنا حول نسخ النهج.

2) يعود الفضل في ترجمتها إلى اللغة العربية للدكتور أمير الكلابي الأستاذ بالقسم الفارسي بكلية اللغات بجامعة الكوفة الذي شرفني بمعرفته أخي الأستاذ الدكتور رزاق الطيار.

التراث الإسلامي /127/2 أن أول تعريف لهذه النسخة تم عن طريق المركز الذكور، وجاء فيه:

«نهج البلاغة... النسخ المعرب، كانت له عناوين مهمة في الحواشي المصححة، والمكتوبة بعدة خطوط منذ أوائل القرن السادس، وبعض هذه الخطوط قد تعود إلى القرن الحادي عشر من الصفحة 192 وما يليها، وقد كتب بالنسخ المعرب».

وتلاحظ العبارة الآتية على الورقة الأولى: «عارضه بنسختي صاحبه الفقيه السديد سهل بن أمير الرقاقي، وصححه بجهده، واللّه تعالى يمتعه به وبغيره، وهذا خط الحسن بن يعقوب بن أحمد في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، حامدًا اللّه عزّ اسمه ومصلّيًا على نبيه محمد وعترته الطاهرين»(1)ويعني هذا أن هذه النسخة قوبلت وصححت على نسخة حسن بن يعقوب المكتوبة في القرن الخامس، وبهذه الملاحظة تكون هذه النسخة هي أقدم النسخ التي وصلت يدي إليها.

وكان ظهير الدين أبو الحسن علي بن زيد البيهقي صاحب معارج نهج البلاغة قد قرأ نسخته من النهج «على الحسن بن يعقوب في شهور سنة ست عشرة وخمسمائة وخطه شاهد لي بذلك، والكتاب سماع له


1) مقدمة المعد.

عن الشيخ جعفر الدوريستي المحدث الفقيه» (1).

وذكر السيد محمد جعفري حول ما ورد في الصفحة الأولى من المخطوط التي فيها العنوان: «كتاب نهج البلاغة وهو المختار من كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جمع الشريف الرضي ذي الحسبين أبي الحسن محمد بن الطاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي... (رضیَ اللّهُ عنهُ)» وعبارة «عارضه بنسختي» كانت هناك ورقة ملصقة في هذا الكتاب ما بين العنوان وهذه العبارة، ولا يعرف ما الذي كان مكتوبًا فيها... لذلك لا يمكن الاستنتاج قطعيًّا هل كان تاريخ كتابة هذه النسخة سنة 483ه-، أو أن المقابلة كانت في تلك السنة.

ولا شك عندي أن تاريخ النسخ يعود إلى ما قبل هذا التاريخ.

•

وذكر المعد السيد جعفري أيضًا ما اتصف به خط هذه النسخة ككتابة الهمزات المكسورة على كرسي الياء، ووضع نقطتين تحت الألف المقصورة، وإدغام الهمزة المتطرفة بالألف التي تأتي قبلها، وإذا كانت رواية الكلمة بإعرابين وضع فوق الحرف «معاً».

•

وكتب إذا لم يكن للخطبة أو الكلام توضيح يتبعه الناسخ بقوله: «عَلَيهِ السَّلَامُ» فإن كان ذكره من دون السلام، كقول الشريف: «ومن كلام له كلم به الخوارج» أو «من كلامه في التحكيم»،


1) معارج نهج البلاغة 2.

أو «ومن كلامه فيما يخبر به عن الملاحم في البصرة» وغيره.

• وبشأن الصلاة على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أحيانًا يكتفي الناسخ بذكر عبارة «صلى اللّه عليه»، وأحيانًا يذكر «صلى اللّه عليه وسلم»، وأحيانًا يكتب «صلى اللّه عليه وعلى آله».

وسنلاحظ هذا الأمر أيضًا في غير مخطوطة من المخطوطات التي قابلت الأصل عليها، وقد أوقعني هذا الأمر في حيرة، إذ اعتاد فقهاء أهل البيت ونساخ المخطوطات منهم، وكتابهم على عطف الآل على الصلاة بالواو ؛ أما مدرسة أهل الحديث فإنهم إما يكتفون بالصلاة على النبي من دون ذكر الآل، أو يعطفونهم على الصلاة بحرف الجر «على»؛ والصلاة على النبي في هذه النسخة أو في غيرها التي سارت على هذا المنوال تدعو إلى التأمل؛ إذ إن الصلاة على النبي عند الإمامية لا تنفصل عن الآل إلَّا بالواو.

•

وذكر المعد أيضًا أن الناسخ وضع علامات في نهاية كل موضوع.

•

وقد كتبت العناوين فيها بمداد، أحمر، وكتب متن المخطوط بخط نسخي جميل مضبوط بالشكل، وإذا احتمل حرف من حروف أية كلمة، أو إعرابها وجهين وضع فوق الكلمة معًا للدلالة على الاختلاف.

مقابلة هذه النسخة

أثناء المقابلة نقلت في الهوامش جميع فروق رواياتها مع الأصل، إلَّا ما رأيته جديرًا بالإهمال، ولاحظت عليها أيضًا أنه من الصفحة 2ب إلى نهاية الصفحة 20أ من ترقيم النسخة الحديث كانت فيه حواش كثيرة غالبيتها شرح لبعض الكلمات الواردة في المتن، ويبدو أنها كتبت بأكثر من خطّ، وبمداد أسود، تتخللّه أحيانًا حواش بمداد أحمر ؛ وتكاد تختفي الحواشي بعد هذه الصفحة، إلى أن تظهر ثانية في الصفحة 161أ إلى نهاية الصفحة 169 ب، ثم تختفي وتظهر مرة أخرى في الصفحة ب 178 إلى الصفحة 182 ب، والظاهر أن اختفاء الحواشي بهذه الصورة يعود إلى الطريقة التي رمم بها المخطوط. وقد انحصرت عنايتي بهذه الحواشي في البحث عن دليل آخر يوثق لي هذه النسخة.

وعلى الرغم من جودة الخط الذي كتب به نقصها الذي يبدأ من الصفحة 192 أ منها، وينتهي بنهايتها في الصفحة 212أ، وقُدِّرَ أنه من خطوط القرن الحادي عشر، فإني أهملت مقابلته مع الأصل لوقوفي على نسخ أخر ممتازة تسبق هذا التاريخ بكثير

• والنسخة على الرغم من قدمها وقيمتها سقطت منها جمل من مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فإن الممسك خيره عن عشيرته» من الخطبة 23 إلى نهاية الكلام، وكقول الشريف في نهاية الخطبة 25 : «والدليل على ذلك

قوله : هنالك لو دعوت أتاك منهم»، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة 187 : «إنما مثلي بينكم» إلى نهايتها سقط وعوض بخط مختلف.

ومن قوله في الخطبة 27: «ربات الحجال» تقدمت خمس ورقات بسبب الترميم أو التجليد وسقطت الرواية الثانية التي ذكرها الشريف في نهاية الخطبة رقم 27 وكتبت بخط مختلف في الحاشية، وسقط تعليق الرضي على الخطبة رقم 52 وكتب بخط رفيع مختلف، وسقط قول الشريف في نهاية الخطبة 69 وعوض في الحاشية بخط مختلف، وغيرها كثير إما سقط أو سقط وألحق بخط مختلف. وهناك أوراق تقدمت على أخر والورقة 135 أب سقطت. من النسخة وعوضت بخط مختلف. وكلمات في مواضع عدة تقدمت على أخر لعله بسبب اختلاف في الرواية، أو بسبب انتقال النظر.

• وسبق أن ذكرت أن أوراق النسخة الأصلية من الورقة 192أ التي تبدأ من منتصف الحكمة رقم 200 إلى نهاية النسخة سقط وعوض بخط مختلف.

وقد ذكرت جميع ذلك وغيره في هوامش التحقيق أثناء المقابلة وذكرت أيضًا الساقط من الكلمات فيها، أو التي اختلفت مع الأصل؛ ولا يقلل هذا كله من قيمة هذه النسخة لوثاقتها، وقدمها، وجودة خطها، وضبطها، وندرة الخطأ بها.

126

الصفحة الأولى من نسخة س

النسخة الثالثة

ورمزها في هوامش التحقيق «م» نسبة لمكتبة العلامة المجلسي.

ولهذه المصورة حكاية جديرة بالتنويه بمهديها، فقد زرت أخي العلامة المحقق السيد النبيل الحسني رئيس مؤسسة علوم نهج البلاغة بتاريخ 2016/1/27م في ذكرى ولادة الإمام الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) كي أستفيد من غزير معلوماته حول نسخ النهج، فاستقبلني بسبب غيابه أخوه المحقق القدير السيد علي، وأهداني هذه النسخة وزينها بكلمة إهداء لا أستحقها فجزاه اللّه خير الجزاء، وفي زيارة ثانية مكنني أخي السيد النبيل من نسختين أخريتين جزاه اللّه كل خير، أفدت من واحدة سيأتي التنويه بها، وأهملت الثانية لحداثتها نسبة لبقية النسخ.

وهذه النسخة المصورة من النهج هي ثاني أقدم نسخة أحصل عليها، وهي بخط السيد فضل اللّه بن طاهر المطهر الحسيني؛ إذ كتب الناسخ بعد الانتهاء من النسخ في الصفحة «309» بترقيمها الحديث الآتي: «فرغ من كتابته فضل اللّه بن طاهر بن المطهر الحسيني في الرابع

من رجب سنة أربع وتسعين وأربعمائة حامدًا اللّه تعالى، ومصلّيًا على نبيه محمد وآله الطاهرين». وكتب المفهرس : نسخة عتيقة عليها بعض التعاليق، وعلامة المقابلة والعرض، وتعد من أقدم النسخ التي تعرف اليوم»، ومكان الأصل في طهران بمكتبة فخر الدين النصيري الخاصة، ورقم المصورة المحفوظة بمكتبة العلامة المجلسي «262»(1).

ثم تكرم علي السيد علي < بمصورة أخرى لهذه النسخة قدم لها الأستاذ حسن السعيد بمقدمة نوه بها بالنهج وجامعه الشريف، واهتمام العلماء به.

ومن بين ما ذكره أن هذه النسخة هي أقدم نسخة خطية بين النسخ المؤرخة المحفوظة في دور الكتب؛ بل هي ثاني أقدم النسخ فيما أحسب، وكما تبين لنا من قبل، وقد تكون هناك نسخ أخر أقدم من هذه النسخة والنسخة السابقة لم أستطع الوقوف عليها، ولاسيما النسخ التي عرفت وهي خلو من تاريخ النسخ.

ومن بين ما ذكره المقدم عنها أنها كانت بمكتبة «الشيخ محمد علي المدعو بالمصطفى الملقب بصدر الأفاضل.. وبعد وفاته انتقلت إلى ابنه.. الميرزا مجد الدين. ثم انتقلت إلى ابنه الطبيب الحاذق الدكتور


1) ينظر أيضًا ما ذكره السيد عبد العزيز الطباطبائي في بحثه المنشور حول نسخ النهج في مجلة تراثنا 64/5.

صدر الدين النصيري. وقد وفقنا لطبعها بموافقته».

وبسبب نقصان هذه النسخة تحدث أيضًا عن الجهود التي بذلت لإكمالها، ونشرها السيد حسن بمناسبة ميلاد الصديقة الطاهرة سلام اللّه عليها في المهرجان الألفي من تأليف نهج البلاغة.

والنسخة مضبوطة بالشكل، وموثقة بقراءة ناسخها على أحد الشخصيات التي لم أقف على اسمها، ولاشك أن هناك معلومات ذهبت بسبب سقوط الصفحة الأولى من المخطوط، وقد ترددت في حواشيها جملة «بلغت قراءتي» في غير موضع، تجد منها في نهاية الخطب والكلام بالأرقام 89، 90، 198، 220، 230، وفي نهاية الوصية رقم 31، ونهاية كتابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) رقم 32، وغيرها، وقد أشرت إلى كل هذا في هوامش التحقيق.

وقد يكون الناسخ قابل نسخته على نسخة إبي يوسف يعقوب بن أحمد؛ إذ كتب بخطه في الصفحة 310 من ترقيمها الحديث «كتب الأستاذ الإمام أبو يوسف يعقوب بن أحمد (رَحمهُ اللّه) على نسخته من هذا الكتاب بخطه :

نهج البلاغة نهج مهيع جُدَدُ***لمن يريد علوّاماله أمدُ»

تليها أربع أبيات أخر في الثناء على نهج البلاغة، وقد ذكرت الأبيات في موضعها، وذكرت أيضًا ما ورد في تلك الصفحة

والصفحات 311 - 315 من تعاليق، ولكن سبق أن لاحظنا أن الأبيات المذكورة بنصها مع مقدمتها وردت في الصفحة 101أ من نسخة الأصل أيضًا.

والمصورة رقمت ترقيمًا حديثا، ولم تسلم من السقط والهنات، وهي ليست بالقليلة، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الآتي:

سقطت من هذه النسخة حوالي ثماني عشرة صفحة من أولها، وينتهي السقط بنهاية الورقة 9 ب من ترقيم نسخة الأصل، وتبدأ من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «دموعهم خوف المحشر» قريب نهاية الخطبة رقم 32؛ ومن نهاية السقط فيها يبدأ ترقيم المصورة بالرقم «1»، وسأذكر أمثلة من الساقط منها ؛ وقد قابلتها على نسخة الأصل، وأشرت في الهوامش إلى جميع ما سقط منها، كما أشرت إلى ما اختلف في القراءة مع نسخة الأصل، وقد أرجح أحيانًا ما اختلف مع الأصل إذا دلّ عليه دليل:

سقط من الخطبة رقم 63 قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فتزودوا في الدنيا من لها: الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غدًا»، ومن الخطبة 112 «وتحزنون باليسير من الدنيا حين ينوبكم»، وسقط أيضًا من الخطبة 114 قول الرضي: «تفسير ما في هذه الخطبة من غريب».

• سقط قول الشريف من الخطبة،69، والخطبة،82، وسقط من الخطبة 81، ولكن ألحق في الحاشية بخط مختلف.
• في أثناء الترميم وقع خلط بين بعض الأوراق أشرنا إليه أثناء التحقيق.

سقطت من هذه النسخة أيضًا الحكم 148، 149، 150، 151، 152، 318، 319.

• الصفحتان 291، 292 من ترقيم هذه النسخة كتبتا بخط مختلف، يبدأ في الحكمة رقم 312 من قوله: «لسائل سأله»، وينتهي في بداية الحكمة 332. وغير ما ذكر ليس بقليل أشرنا إليه في الهوامش.

132

خط الناسخ فضل اللّه بن طاهر الحسيني في الصفحة «309» منها

133

أبيات شعر لأبي يوسف يعقوب بن أحمد النيسابوري وأخر لولده وأخر لعلي بن أحمد الفنجكردي في الصفحة «310»

النسخة الرابعة

ورمزها في الهوامش «ب» نسبة لناسخها ابن المؤدب

وهذه النسخة مصورة عن مخطوطة نادرة من القرن الخامس محفوظة في خزانة مخطوطات مكتبة آية اللّه المرعشي بمدينة قم المقدسة، قدم لمصورتها السيد محمود المرعشي بمناسبة مرور ألف عام على وفاة الشريف الرضي اللّه، وحصولي على هذه المصورة من مكتبة المرعشي إحدى مكارم السيد أحمد الأشكوري كبير خبراء المخطوطات، و مدير مكتبة المخطوطات التابعة ل«مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث الإسلامي»، وهي ليست المرة الأولى التي يطوقني هذا الرجل الكريم بلطفه؛ إذ سبق أن كلفت أخي الأستاذ الدكتور حسن فياض بزيارته والتماسه بتمكيني من نسخ النهج المهمة الموجودة بالمؤسسة، فصورها وأرسلها معه على قرص مدمج جزاهما اللّه كل خير.

و مما ذكر السيد محمود في وصف هذه النسخة الآتي:

• كتب هذه النسخة الحسين بن الحسن بن الحسين المؤدب، أحد

أعلام القرن الخامس الهجري، وأتم نسخها في شهر ذي القعدة سنة 499ه (1).

•

أجازه برواية النهج تلميذه الشيخ محمد بن علي بن أحمد بن بندار بإجازة وردت في الصفحة 174 من ترقيم المصورة الحديث هذا نصها: «قرأ عليّ هذا الجزء شيخي الفقيه الأصلح أبو عبد اللّه الحسين رعاه اللّه، وكتب محمد بن علي بن أحمد بن بندار بخطه في جمادى آخرة سنة تسع وتسعين وأربعمائة هجرية عظم اللّه يمنها بمنه».

•

وذكر المعد أن الأفندي احتمل في رياض العلماء 32/2 أن

يكون ابن المؤدب هذا هو «الشيخ الثقة أبو عبد اللّه الحسين المؤدب مؤلف كتاب الاعتبار في أبطال الأخيار». وقال: «كما احتمل البحاثة الشيخ آغا بزرك الطهراني في النابس ص 61: إن صح أن يكون تاريخ النسخة 499 أن ابن المؤدب هو الشيخ الأديب أبو عبد اللّه الحسين المؤدب القمي الراوي عن الشيخ جعفر بن محمد بن العباس الدوريستي، والذي يروي عنه قطب الدين الراوندي».

• وذكر أن «النسخة محفوظة في المكتبة بقسم المخطوطات برقم 3827، وهي بخط نسخي واضح مشكول لا يخلو من ضبط وإتقان،

1) ينظر أيضًا ما ذكره من تعليق بشأنها السيد عبد العزيز الطباطبائي في بحثه المنشور بمجلة تراثنا 63/5.

مصححة مقابلة على نسخة غير معروفة لنا، وفي هوامشها قيود مختصرة أكثرها لغوية، يعتقد صاحب الرياض أنها من الناسخ ابن المؤدب وهذا يحتاج إلى ترو وتحفظ لأننا لم نجد فيها ما يثبت أنها من الكاتب».

•

وقد نجت الورقة الأولى منها، وعليها تملكات وأختام يعود أكثرها إلى القرن الحادي عشر الهجري.

•

وذكر أن الأوراق الثمانية الأولى، والصفحتين 39 - 40 ليست من الأصل، وربما تعودان إلى القرن العاشر أو القرن الحادي عشر، والصفحة 78 منها تركت بيضاء، وانقطع عنها الكلام بمقدار ثلاث صفحات.

•

وفي حواشي صفحات هذه النسخة تعليقات لغوية في غالبها، والظاهر أن الناسخ عنى بمراجعتها فاستدرك بعض الساقط منها، أو الخطأ في الحواشي وكتب بجنبه علامة تصحيح، وعلى الرغم من كبير قيمة هذه النسخة، فإنها لم تخل من السقط، وخلط بعض الأوراق.

وفي أثناء مقابلتها على الأصل تبين لي أنها لم تسلم من الخلل في غير موضع أيضًا على الرغم من سلامة ضبطها، فبالإضافة إلى الأوراق الساقطة من أولها، وبالإضافة إلى الورقة 24 ص «39 - 40 » الساقطة التي أشار إليها المعد أذكر على سبيل المثال لا الحصر الآتي:

بعض كلماتها تضبط بضبطين، وفوقها «معا» مثل : ناكِسَة بالرفع والجر، ومثل شقوة بكسر الشين وفتحها، ومباين بكسر الياء وفتحها

ولتغرقن بفتح التاء وضمها، وغيرها أشرت إليه في الهوامش.

•

سقط قول ابن مسعدة وروايته الخطبة رقم 90.

•

سقط قول الشريف من الخطبة 23.

•

سقط منها بيت الشعر في الخطبة رقم 25

•

سقطت منها رواية الشريف الثانية في الخطبة 28.

•

سقط منها قول الشريف في الخطبة 42، وسقط أيضًا من الخطب 81، 82، 103، وقد أشرت في الهوامش إلى كل ذلك.

•

هذه النسخة مقابلة على غيرها، وهناك إشارات فيها عن المقابلة، ولك أن تنظر في حواشي الخطب 95، 99، 100، وغيرها، وأشرت في الهامش إلى ذلك.

•

الصلاة على النبى مبتورة فيها، وإن ذكر الآل فيها فيسبق بحرف الجر على.

•

وقد تختلف القراءة ما بين نسخة الأصل وهذه النسخة، فيشار إلى الاختلاف أو الترجيح في الهامش.

•

ضرر أصاب هذه النسخة، فذهبت بعض الكلمات، ولاسيما التي وقعت في طرفي الصفحات بسبب الترميم والآفات.

•

سقط بمقدار ورقة يبدأ من الخطبة رقم 213، وينتهي في نهاية الخطبة 215.

•

سقطت منها الآية وما بعدها إلى نهاية كتابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرقم 45.

•

وقعت الورقة «75 أب وسط الصفحتين 74ب و 77أ» من ترقيم المخطوط الحديث.

•

سقط قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وتحزنون باليسير حين ينوبكم»، من الخطبة رقم 112.

•

سقط قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): وأتى بالإفك العظيم من الخطبة رقم 160.

•

سقط قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): وأحل حلالا غير مدخول من الخطبة 167.

•

سقط يبدأ من قوله: «أيمانكم» في الحكمة رقم 138، وينتهي في وسط الحكمة 367.

•

سقطت الحكم من 445 إلى نهاية الحكمة 463 من النسخة، وبنهاية الحكمة 444، ينتهي المخطوط.

•

ولم أهمل في أثناء المقابلة الإشارة إلى أية كلمة سقطت منها، أو اختلاف مع نسخة الأصل، وأهملت غالب حواشيها؛ إذ اعتمدت في شرح الكلمات على حواشي السيد الراوندي بنسخة الأصل، وسبقت الإشارة إليها، وعلى ما أورده ابن ميثم في شرحه، وسبقت الإشارة إليه أيضًا، وعلى غيرهما.

139

الصفحة الأولى من نسخة م

140

خط أبي عبد اللّه الحسين بن الحسن المؤدب

141

الصفحة الأخيرة من النسخة وعليها تاريخ فراغ ابن المؤدب من نسخها

النسخة الخامسة

رمز هذه النسخة «ع» في هوامش التحقيق نسبة إلى ناسخها عبد اللّه بن عقيل.

وقد تكرم عليّ بمصورتها العلامة المحقق السيد النبيل الحسني رئيس مؤسسة علوم نهج البلاغة بكربلاء المقدسة، ولم تكن هذه يده الأولى التي يطوقني بها، وإنما سبقتها أياد، أردت كتمانها كي تبقى في ميزان حسناته، ولم أعن عناية كبيرة بها في أثناء المقابلة؛ إذ إنه على الرغم من نفاسة خط النسخ الذي كتبت به فقد وقعت فيها أخطاء كثيرة، وسقط كثير ؛ أذكر في وصفها وما سقط منها على سبيل المثال لا الحصر الآتي:

•

في الورقة الأولى منها كتب بخط حديث كتاب نهج البلاغة من كلام عليّ (رضیَ اللّهُ عنهُ)».

•

في الورقة «1 ب» وهي صفحة الغلاف رسم في وسطها زخرف أظنه مذهبًا في الأصل، كتب في القسم الأعلى منه «كتاب إسلامي نهج البلاغة» وفي القسم الأسفل منه من كلام أمير المؤمنين علي بن

أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)»، وفوق هذا الزخرف كتب بخط حديث «كتاب نهج البلاغة في خطب أمير المؤمنين عليّ رض ومكاتباته»، وفي الجانب الأيسر منه رقم 4346، لعله رقم المخطوط الأصلي في المكتبة، وتحته ختم كتب في وسطه «الحمد اللّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه» وتحته طرة لم أستطع تبينها. وتحت الطرة وقفية تبينت منها قوله : وهذه النسخة أوقفها السلطان محمود خان، وكتب نص الوقفية الشيخ أحمد على الجانب الأيسر من والورقة 1 ب «قد وقف هذه النسخة.. والخاقان المعظم ملك البرين والبحرين خادم الحرمين الشريفين السلطان بن السلطان بن السلطان محمود خان وقفًا صحيحًا شرعيًّا. حرره الفقير أحمد شيخ.. المفتش.. أوقاف الحرمين الشريفين غفر لهما». وتحتها ختم لم أتبين ما كتب بداخله، وفي أسفله ختم آخر لم أتبين ما كتب فيه أيضًا.

• المخطوط كتب بخط النسخ المشكول، ورقم ترقيمًا حديثا بحسب الأوراق يبدأ بالرقم 1 الذي فيه العنوان، وينتهي بالرقم 198. وفي كل صفحة منه 18 سطرًا، وفي كل سطر 12 كلمة تزيد وتنقص، وكتبت العناوين بمداد أسود عريض، ولعلها كتبت بمداد أحمر في الأصل.

وورد فيها بعد انتهاء الخطبة رقم 193 : «تم الجزء الأول من نهج البلاغة، وذلك في شهر رمضان المبارك من سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة والحمد للّه رب العالمين وصلى اللّه على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين. عفا اللّه عن كاتبه، وعن والديه، وعن كافة المؤمنين بفضله ورحمته إنه على كل شيء قدير».

• ورد في الصفحة 1198 الآتي: «حرَّره عَجلا لنفسه الفقير إلى رحمة ربه وغفرانه عبد اللّه بن عقيل بن عُبيد اللّه الحائري في شهر اللّه الأصبٌ رجب من سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. رحم اللّه من انتفع به ودعا له بالقرب إليه والزُّلفى لدَيه والسلام».

ورد في الصفحة الأخيرة من هذه النسخة الآتي: «صلى اللّه على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين نظر في هذا الكتاب راجي رحمة ربه عبد القادر بن عبد الوهاب، ونقل بعد ذلك قولا لأبي الدرداء».

• في نهاية الخطبة رقم 33 زيادة لم أقف عليها في بقية النسخ، هي: «واللّه ما تنقم منا قريش، إلَّا أنّ اللّه اختارَنَا عليهم، فأدخلناهم في حيِّزنَا، فَكَانُوا كما قال الأَوَّل:

أدَمتَ لعمري شربك المحضَ صابحًا***وأكلك بالزبدِ المقشّرة البَحرَا

ونحن وهَبْنَاك العلاء ولم تكُن***عَلِيًّا وحطنا حولَك الجردَ السمرَا»

والزيادة حاشية في س، وليس لها ذكر في بقية النسخ، ولم يذكرها السيد عبد الزهراء الحسيني في النهج الذي اختاره، وقال عنها في مصادر النهج 1 / 422 : لا توجد في سائر نسخ النهج، وهي في شرح ابن أبي الحديد.

•

في نهاية الخطبة رقم 58 زيادة أخرى من تعليق الرضي هي: «وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم عند مُضِي ما أشبهه» والزيادة حاشية في ج بخط مختلف، وبجنها علامة تصحيح، وهي أيضًا أصل في النسخة التي اعتمدها السيد عبد الزهراء الحسيني في تخريج مصادر النهج 2/ 37 برقم 59.

•

سقط من الخطبة رقم «82» قول الرضي «ومن الناس من يسمَّي هذه الخطبة الغراء».

•

سقط من الخطبة رقم 103 تعليق الرضي.

•

سقط من الخطبة رقم 160 «وكل خوف محقق إلَّا خوف اللّه».

•

سقط من الخطبة رقم 167 «وأحَلَّ حلالا غير مدخُولِ.

•

من قول الشريف «في معنى قوم..» من كتابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى سهل بن حنيف، إلى منتصف الحكمة رقم 91 ساقط منها، ومقدار السقط تسع صفحات.

•

سقط يبدأ بالحكمة 422 وينتهي بنهاية الحكم.

•

الآية وما بعدها في كتابه رقم 45 ساقط.

• الحكمة رقم 321 ساقطة.

وغير ما ذكرنا ليس بقليل من كلمات أو جمل سقطت أو خطأ في الإعراب، أو الإملاء، أو الضبط، وقد انتفعت من هذه النسخة في المواضع التي تتفق النسخ على قراءة تخالف ما ورد في الأصل، وهو أولى بالإثبات في المتن، وأشرت في الهوامش إلى ما هو جدير بالإشارة.

وكان السيد عبد العزيز الطباطبائي قال في بحثه حول مخطوطات النهج المنشور في مجلة تراثنا : «رأيتها في المتحف البريطاني وهي برقم 47، 23. ADD في 160 ورقة مجزأة إلى جزءين، ففي نهاية الجزء الأول : تم الجزء الأول من نهج البلاغة لعشرين مضين من شهر اللّه الأصب رجب من سنة ثلاث وسبعين وستمائة والحمد اللّه... والجزء الثاني يبدأ بخطبة همام وفي نهايته : حرره عجلا لنفسه الفقير إلى رحمة ربه وغفرانه عبد اللّه، عقيل بن حسين بن أبي الفتح بن أحمد بن عبيد اللّه الحائري [الجابري؟] في سابع عشر رمضان المبارك سنة ثلاث وسبعين وستمائة بالحلة المحروسة رحم اللّه من انتفع به ودعا له بالقرب إليه والزلفى لديه، وعلى الورقة الأولى: عقيل بن عبيد اللّه الحائري، في نوبة ولده عبد اللّه بن عقيل بن عبيد اللّه الحائري» وقد تكون النسخة التي وصفها السيد الطباطبائي طيب اللّه ثراه غير نسختنا التي سبق ذكرها.

147

الصفحة الأولى من هذه النسخة وعليها وقفية السلطان وخط الناسخ

148

الصفحة الأخيرة من هذه النسخة وعليها اسم الناسخ عبد اللّه بن عقيل الحائري وتاريخ النسخ

النسخة السادسة

إشارة:

ورمزها في هوامش التحقيق «ج» نسبة لمهديها سماحة السيد الجواد الشهرستاني دام عزه

وكانت هذه المصورة من الأسباب التي أخذت بيدي لتحقيق كتاب النهج؛ إذ أهداني السيد نسخًا منها يوم تشرفت بزيارتة أثناء التحضير لاستقبال سنة 2012م عام اختيار النجف الأشرف عاصمة للثقافة الإسلامية، وكان السيد قد هيَّأ نسخًا مصورة منها لإهدائها لضيوف المؤتمر الذي لم يكتب له القيام وقد أهديت باسمه نسخة السفيرة اليونسكو عند زيارتها النجف الأشرف؛ ويوم كلفتني وزارة الثقافة بتمثيلها لدى اليونسكو في احتفال المنظمة بفكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في يوم الفلسفة العالمي، قدمت لإدارتها نسخًا من ترجمات نهج البلاغة - بذل أخي العلامة المحقق السيد رياض محمد سعيد الحكيم جهدًا كبيرًا في جمعها -، وقدمت أيضًا نسخة من المصورة باسم السيد الشهرستاني للمدير العام بهذه المناسبة.

وهذه النسخة :

كتب عنها السيد الجواد دراسة قيمة، في بحث مستقل ألحق بالنسخة المصورة تحدث فيه عن قيمتها التاريخية، واحتفاء بعض الشخصيات الاعتبارية بها، وعلى الرغم من عدم وجود ما يحدد تاریخ نسخها، فقد ذكر أن السيد عبد العزيز الطباطبائي قدر أنها من مخطوطات القرن الخامس الهجري، وذكر الجواد: «حينما وقفنا على هذه النسخة وأنعمنا النظر والدقة فيها لم نستطع التثبت من تاريخ كتابتها، أو اسم كاتبها مما أثار شبهةً في كونها من مخطوطات القرن الخامس الهجري... ولعل هنالك من القرائن ما يؤيد كونها من مخطوطات القرن السادس واللّه أعلم.

ومن بين ما نقله حول تاريخ هذه النسخة عن الجزء الثاني من المجلد الثاني من مجلة المرشد البغدادية الصادرة في شهر آذار من سنة 1927م «ولكن تاريخ الكتابة لايزال موجودًا على هذا النحو: وذلك في رجب من سنة أربعمائة... غفر اللّه لكاتبه... ويوجد في آخر الكتاب صورة ختم لم نتمكن من قراءته تمامًا، وإنما قرأنا منه اسم المعز لأمر اللّه أو المعتز بأمر اللّه التقي أو الرضي» وقال: إن السيد جواد نجل السيد هبة الدين الشهرستاني ذكر هذا ما عبرت عنه المجلة في حينها، وأما الآن فيصعب قراءة الختم وبعض آثاره».

نوه بما بذله السيد عبد العزيز الطباطبائي. من جهد في إحصاء ما يمكن إحصاؤه من مخطوطات النهج، ودونه بمقالات نشرت في مجلة تراثنا التي تصدرها مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث» في العدد الخامس منها الصادر سنة 1406ه من سنتها الأولى، والعددين الثاني والثالث منها سنة 1407ه من سنتها الثانية.

وقال حول المخطوط: «وقد اطلع عليه كل من المستشرق الإيطالي كارلو نالينو، والمستشرق الفرنسي لويس ماسنيون في أوائل الثلاثينيات عند زيارتهما للعراق، وأعجبا بالكتاب وبالحواشي المهمة التي عليه، والزوائد التي فيه، وثمنا نفاسة قدمه».

وفي أثناء مقابلة هذه النسخة تجمعت بين يدي بعض الملاحظات التي لا تقلل من قيمتها أجملها بالآتي:

•

إن ما ورد في مجلة المرشد هو جزء مما كتبه الشريف في نهاية نسخته، فقد كتب (رضیَ اللّهُ عنهُ) عند انتهائه من النسخ «وذلك في شهر رجب من سنة أربعمائة للّهجرة»، وليس بما ألمح به صاحب المقالة.

•

كتبت هذه النسخة بخط النسخ المعرب، وبقلم فيه خشونة، وهي غير مرقمة، ولكن بها تعقيب في نهاية كل صفحة.

•

سقطت منها ورقتان، ورقة العنوان، وقرابة ثليثي مقدمة الشريف.

•

عدد الأسطر في الصفحات التي تخلو من العناوين تسعة

عشر سطرًا، وفي كل سطر قرابة عشر كلمات. وكتبت العناوين فيها باللون الأحمر.

•

في صفحات هذه النسخة حواش متفاوتة من حيث الكم فتكثر في بعض الصفحات وتقل في أخر، أو تختفي، وقد تكتب باللون الأحمر.

•

سقط من الخطبة رقم 3 من قول الشريف: «وفي الحديث» إلى النهاية.

في نهاية كتابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعثمان بن حنيف سقط كتب بخط خشن مختلف.

•

أشار الناسخ إلى مقابلة وقراءة على نسخة غير معروفة في مواضع عدة منها في نهايات الخطب، 74، 23، 90، 98، 104، 106، 113، 128، وغيرها.

•

كتبت بعض مقاطع الخطب على صورة شعر الموشحات، ولم أقف على تفسير لذلك.

•

في الخطبة رقم 106 في هذا المطبوع وقع خلط في الأوراق قرابة سبع عشرة صفحة يبدأ من قوله : وشجرًا بالرماح» إلى نهاية الخطبة، وتأخرت بعدها خطب كان ينبغي أن تتقدم، ولاشك أن الخلط وقع بسبب الترميم، وقد أشرت لكل ذلك في الهوامش.

•

سقط من الحكمة رقم 443 إلى الحكمة رقم 452 منها. ذهبت من هذه النسخة كثير من الكلمات بسبب الترميم أو السهو أو بسبب وقوعها في طرفي الصفحات، وطمست أخر أيضًا،

وهو أمر لا تخلو منه بقية النسخ.

•

سقط من الخطبة الثانية من قوله : «أطاعوا الشيطان» إلى قوله: «وقام لواؤه».

•

كتبت غالبية حواشي النسخة بمداد أسود، وبعضها كتب بالمداد الأحمر، وبأكثر من خط، وغالبها تفسيرات لغوية.

•

ذكر الناسخ أكثر من قراءة لبعض الكلمات، كحمس وحمش، ونفسه وخلقه، وقد تحتمل الكلمة أكثر من إعراب فيشير إليه ويكتب فوقها معًا، وقد يضع علامة تخفيف فوق الكلمة أحيانًا فأشرت إلى ذلك في الهوامش؛ ورصدت كل اختلاف في هذه النسخة، وعقبت عليه إذا كان يحتاج إلى تعليق إلا ما رأيته لا يحتاج إلى تنويه.

•

يندر ذكر الآل بعد الصلاة على النبي في هذه النسخة، وإن ذكرت فتعطف بحرف الجر على.

•

سقط من الخطبة 25 قول الشريف: «والدليل على ذلك قوله» مع صدر بيت من شعر.

•

سقط قول الشريف: «وقد جاء في رواية أخرى» إلى نهاية الخطبة رقم 28.

•

في الخطبة رقم 43 زيادة هي «بما أنزل على محمد»، وليست في النسخ.

•

قول الشريف ساقط من الخطبة 69.

•

رواية مسعدة بن صدفة سقطت من الخطبة رقم 90.

•

أربع صفحات في نهاية النسخة أصابها ضرر بسبب الرطوبة.

•

كتب السيد هبة الدين الشهرستاني فوق الصفحة ما قبل الأخيرة بخطه: «هذا آخر نهج البلاغة من أقدم نسخة: شهد بذلك هبة الدين الحسيني» وتحته ختمه وما كتبه كتبه على ورقة ترميم حديثة، والباقي من المرمم فيه القسم الأخير من تعليق الرضى على نهاية الكتاب، وأبيات من الشعر للإمام أبي يوسف يعقوب، وأخر لغيره أدرجتها في المطبوع وفي الصفحة ما قبل الأخيرة رواية عن محمد بن السائب عن الإمام الصادق، وفي الباقي من الصفحات وهي حديثة ألحقت بالمخطوط فهرس الخطب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حررها بيده عبد الهادي الشيخ محمد جواد آل عبد الغفار الكاظمي البلدي في 20 ذي القعدة سنة 1350ه.

وهناك هنات أخر لا تقلل من قيمة هذه النسخة أشرت إليها في الهوامش، وهي من الفرائد التي أفدت منها كثيرًا في التحقيق.

حرره الفقير إلى رحمة ربه أ.د صلاح مهدي الفرطوسي في يوم السبت الحادي عشر من جمادى الثانية سنة 1440ه الموافق السادس عشر من شهر شباط سنة 2019م حامدًا اللّه ومصليا على نبيه الكريم وآل بيته الطاهرين.

155

النسخة السادسة

156

النسخة السادسة

157

النسخة السادسة

كِتَابُ

نهج البَلاغَةِ

مِن كَلامِ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلَيَّ بنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

جمع (1)الرَّضِي ذِي الحسبين مُحَمَّدِ بنِ السَّيّد الإمام الحسين (2)الموسَوِيٌّ

قَدَّسَ اللّه رُوحَهُ ومَرْقَدَهُ

نسخة بغداد، وهي الأصل المختار للتحقيق، نسخها الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن محمد بن العباس نازويه القمي في أوائل شهر رجب، وفرغ من نسخها في يوم الأربعاء، غرة شهر شعبان من سنة 556 هجرية بثغر جنزة، وقابلها وصححها على نسخة الشيخ قطب الدين الراوندي، ونسخة السيد فضل اللّه بن علي الراوندي وقابلتها بخمس نسخ معتبرة (3)


1) في نسخة الأصل: تأليف، وما أثبت في س، وهو المشهور.

2) بعدها في الأصل: الرَّضَوِيّ.

3) وقد بدأت على بركة اللّه والتماس عونه وتسديده بالنسخ في ليلة الجمعة الموافق 2014/3/20م.

بسم اللّه الرحمن الرحيم (1)

أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ اللّه الذِي جَعَلَ الحَمْدَ ثَمَنًا لَنَعْمَائِهِ، ومَعَاذَا (2)مِن بَلائِهِ، وَوَسِيْلا (3)إلى جِنانِهِ، وسَبَبًا لزِيَادَةِ (4)إحْسَانِهِ، وَالصَّلاةِ على رَسُولِهِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، وإمام الأئِمَّةِ، وسِراج الأمَّةِ، المنتَخَبِ مِن طِيْنَةِ الكَرَمِ، وسُلالَةِ المجدِ الأَقْدَمِ، وَمَغْرِسِ الفَخَارِ الْمُعْرِقِ (5)، وفَرْعِ العَلاءِ المُثْمِرِ المورق(6)، وعلى أَهْلِ بَيْتِهِ مصابيح الظُّلَمِ، وعِصَمِ الأممِ (7)، ومَنَارِ الدِّينِ الواضِحَةِ، ومَثَاقِيلِ الفَضْلِ الرَّاجِحَةِ، صَلى (8)اللّه عليهم أجمعين صَلاةً تكونُ إزَاءً لفضْلِهِم، ومكافَأَةً لِعِلْمِهم، وكِفَاءً لِطِيْبِ فَرْعِهِم وأَصْلِهِم ما أنارَ فَجْرٌ ساطِعٌ، وخَوى نَجْمُ طَالِعُ.


1) بعد البسملة في الأصل: رب يسر ولا تعسر.

2) المعاذ في المنهاج 1 / 10 : الملجأ.

3) الوسيل في المنهاج 1 / 10 : جمع وسيلة، وهو ما يتقرب به إلى الغير.

4) س: إلى زيادة.

5) ع: المغرق، والمعرق في المنهاج 1/ 11: ذو عرق، ويقال: إنه لمعرق في الكرم.

6) العلاء المثمر في المنهاج 1/ 11: استعارة من أثمر الشجر.

7) العصمة في المنهاج 12/1: المنع والحفظ.

8) في الأصل : فصلى، وما أثبت في س، ع، وحاشية الأصل عن نسخة.

فإِنِّي كُنْتُ فِي عُنْفُوَانِ السِّنِّ (1)، وغَضَاضَةِ الغُصْنِ ابْتَدَأْتُ بتأليفِ كِتَابِ فِي خَصَائِصِ الأَئِمَّةِ (عَلَيهِم السَّلَامُ) يَشْتَمِلُ على مُحَاسِنِ أَخْبَارِهِم، وجوَاهِرِ كَلامِهِم حَدَانِي عَلَيْهِ غَرَضٌ ذَكَرْتُهُ في صَدْرِ الكِتَابِ، وجَعَلْتُهُ أمَامَ الكَلامِ. وفَرَغْتُ من الخَصَائص التي تَخُصُّ أمير المؤمنينَ عليّا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعاقَتْ عن إثْمَامِ بَقِيَّةِ الكِتَابِ مُحَاجَزاتُ الأَيَّامِ، ومُمَاطَلَاتُ (2)الزَّمانِ.

وكُنْتُ قد بَوَّبْتُ ما خَرَجَ من ذلكَ أَبْوَابًا، وفَصَّلْتُهُ فُصُولًا، فجاءَ في آخِرِهَا فَصْلٌ يَتَضَمَّنُ مَحَاسِنَ ما نُقِلَ عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الكَلامِ القَصِيرِ في المَوَاعِظ والحِكَمِ والأَمْثَالِ والأدَبِ دُونَ الخَطَبِ الطَّوِيْلَة، والكُتُبِ المبسوطة؛ فَاسْتَحْسَنَ جَمَاعَةٌ من الأَصْدِقَاءِ والإخوانِ(3)ما اشْتَمَلَ عليه الفَضْلُ المُقَدَّمُ ذِكْرُهُ، مُعْجَبِينَ بِبَدَائِعِهِ (4)، ومُتَعَجِّبِينَ من نَوَاصِعِهِ؛ وسَألوني عِنْدَ ذلك أن أبتَدِئَ بِتَأْلِيفِ كِتابِ (5)يَحْتَوِي على مُخْتَارِ كَلامِ


1) س: شبابي.

2) حاشية المطل : المدُّ، ومنه سمي الممطل، وهو.. للصانع يمد بها خيوط الذهب.

3) الإخوان: ساقطة من ع.

4) حاشية: العجب بالبدائع: إما من حيث علموها وأدركوها أو من حيث أن لهم إمامًا «يأتي بهذه البدائع» وما بين القوسين من المنهاج 12/1 لذهاب بقية الحاشية بسبب الترميم.

5) ع: أن أبدأ بكتاب.

أمير المؤمنينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جَمِيع فُنُونِهِ ومُتَشَعْبَاتِ غُصُونِهِ مِن خُطَبٍ وَكُتُبِ ومَواعِظَ وأَدَبِ، عِلما أَنَّ ذلك يَتَضَمَّنُ مِن عَجَائِبِ البَلاغَةِ (1)، وغَرَائِبِ الفَصَاحَةِ، وَجَوَاهِرِ العَرَبِيَّةِ، وثَوَاقِبِ (2)الكَلِمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَاوِيَّةِ ما لا يُوجَدُ مُجْتَمِعًا في كَلامِ، ولا مَجْمُوعَ الأَطْرَافِ فِي كِتَابِ؛ إذ كانَ أَمِيرُ المؤمنينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَشْرَعَ الفَصَاحَةِ ومَوْرِدَهَا، ومَنْشَأَ البَلاغَةِ ومَوْلِدَهَا، ومنهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ظَهَرَ مَكْنُونُهَا، وَعَنهُ أُخِذَتْ قَوَانِينُها، وعلى أَمْثِلَتِهِ حَذَا كُلُّ قَائِل خَطِيْبِ، وبكَلامِهِ اسْتعَانَ كُلّ واعِظ بَلِيْغ ؛ ومَعَ ذلكَ فقَد سَبَقَ وقَصَّرُوا، وتَقَدَّمَ وتَأَخَّرُوا؛ لأنَّ كَلامَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) الكَلامُ الَّذِي عَلَيْهِ مَسْحَةٌ من العِلْمِ (3)الإلهي، وفِيهِ عَبْقَةٌ (4)من الكَلامِ النَّبَوِيِّ.

فأَجَبْتُهُم إلى الابْتِداء بذلِكَ عاما بمَا فِيهِ مِن عَظِيمِ النَّفْعِ، وَمَنْشُور الذِّكْرِ، ومَذْخُورِ الأَجْرِ. واعْتَمَدْتُ بِهِ أَن أُبَيْنَ عن عَظِيمٍ قَدْرِهِ (5)(عَلَيهِ السَّلَامُ)


1) حاشية : البلاغة إظهار المعنى بالقلب بعبارة اللسان.

2) القاموس : الثقب الخرق النافذ.

3) س: الكلام، وفي الحاشية: إنما قال مسحة من العلم إشارة إلى أن على كلام أمير المؤمنين صقالاً وضوءًا من كلام اللّه.. لأن المسحة تؤذن بأنها مسحة ولَطْخَة لم تنزل في سنخه (رَحمهُ اللّه)، وفيه عبقة من الكلام النبوي، والعبقة لا تكون إلا حيث يتحقق ذي العبق حاصلًا، وكلام علي فرع على كلام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فعروق كلامه في كلامه راسخة وأساليبه منه متناسخة. وقد ذهبت كثير من حروف الحاشية أكملناها من المنهاج 1/ 13.

4) القاموس : عَبقَ به الطيب: لَزِقَ به.

5) س، ع: قدر أمير المؤمنين.

فِي هَذِه الفَضِيلَةِ «1 ب» مُضَافَةً إِلى المَحَاسِنِ الدَّثْرَةِ (1)، والفَضائل الجُمَّةِ، وأَنَّهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) انْفَرَدَ بِبُلُوغ غايتها من جَمِيعِ السَّلَفِ الأَوَّلِينَ الَّذِينَ إِنَّما يُوْثَرُ عَنهُم مِنهَا القَلِيلُ النَّادِرُ، والشَّاةُ الشَّارِدُ.

فَأَمَّا كلامُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهوَ البَحْرُ الَّذي لا يُسَاجَلُ (2)، والجَمُّ الذي لا يُحَافَلُ (3). وأرَدْتُ أَن يَسُوعَ ليَ التَّمَثْلُ فِي الافْتِخَارِ به (عَلَيهِ السَّلَامُ)(4)بقول الفَرَزْدَقِ (5):

أُولئِكَ آبَائِي فَجِثْنِي بِمِثْلِهِمْ***إذا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ المَجَامِعُ

ورأَيْتُ كَلامَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6)يَدُورُ على أَقْطَابِ ثلاثَةِ:

أوّها: الخطَبُ والأوَامِرُ.

وثَانِيهَا: الكُتُبُ والرَّسَائِلُ.

وثَالِثُهَا: الحِكَمُ والمَواعِظُ.


1) الدثرة في المنهاج 14/1: الكثيرة.

2) حاشية : المساجلة: المفاخرة.

3) حاشية : لا يحافل، أي لا يفاخر بالامتلاء، يقال : ضرع حافل، أي: ممتلئ، وقريب منه في المنهاج 151 ؛ وقال: «ومن شجون الحديث أنني لما كنت بالحجاز حدثني بعض العلماء أنه وجد بمصر مجموعا من كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نيف وعشرين مجلدا».

4) في الأصل: صلى اللّه عليه، وفي ع: صلى اللّه عليه، وما أثبت في بقية النسخ.

5) بعدها بقلم مختلف في الأصل بن غالب بن صعصعة، وهمام بن غالب بن صعصعة التميمي، ولد سنة 19 بالبصرة وتوفي بها سنة 114، وسيأتي ذكره في هامش الحكمة رقم 431.

6) في الأصل: صلى اللّه عليه وسلم، ولم تتكرر في الأصل عند ذكر اسمه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

فأَجْمَعتُ (1)بتوفيق اللّه تعالَى عَلى الابتِدَاءِ باخْتِيَارِ (2)مَحَاسِنِ (3)الخَطَبِ، ثمَّ مَحَاسِنِ الكُتُبِ، ثمَّ مَحَاسِنِ الحِكَمِ والأَدَبِ، مُفْرِدًا لكلِّ صِنْفِ من ذلكَ بَابًا، ومُفَضّلا (4)فيهِ أوْرَاقًا لِتَكُونَ لاسْتِدْرَاكِ ما عَسَاهُ (5)يَشِدُّ عَنِّي عَاجِلًا ويَقَعُ إِليَّ أَجِلًا.

وإِذَا جَاءَ شَيْءٌ مِن كَلامِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخَارِجِ فِي أَثْنَاءِ حِوَارٍ، أَو جَوَابِ سُؤَال (6)، أو غَرَض آخَرَ من الأغْرَاضِ في غَيْرِ الأَنْحَاءِ (7)التي ذَكَرْتُها، وقَرَّرْتُ القَاعِدةَ عَلَيْها نَسَبْتُهُ إلى ألْيَقِ(8)الأَبْوَابِ به، وأَشَدِّهَا (9)مُلاحَمَةً (10)لِغَرَضِهِ، ورُبَّما جَاءَ فِيمَا أَخْتَارُهُ (11)من ذلكَ فُصُولٌ غَيْرُ


1) حاشية: يقال: أجمعت الأمر، قال اللّه تعالى: «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ» يونس 71 / 71 فإن أصل أجمعت على الأمر كان على إضمار فعل كأنه قال : عازما على الأمر.

2) في الأصل : بانتزاع، وما أثبت في س، ع.

3) حاشية: الحسن : نقيض القبح، والجمع : محاسن على غير قياس، كأنه جمع محسن، وكذا نقله في المنهاج 18/1، وينظر أيضًا محاضرات في علم الصرف 241، وهو من المسموع كمساجد وأفاضل وجواهر.

4) س: مفصلاً.

5) ع: ما عسى أن وفي الحاشية عساه على اللغة الشاذة مثل لولاك ولولاه.

6) س: كتاب.

7) في القاموس الأنحاء: جمع نحو: الطريق والجهة والقصد.

8) س: الأليق من.

9) س: أشده.

10) س: ملامح، وأشار في الأصل إلى وجودها في نسخة؛ والملامحة في المنهاج 18/1: أن ينظر كل واحد إلى صاحبه، ولمحه أبصره بنظر خفيف.

11) س: فيما أختار.

متَّسِقَةٍ، وَتَحَاسِنُ كَلِمٍ غَيْرُ مُنتَظِمَةٍ؛ لأنَّني (1)أورِدُ النُّكَتَ وَاللُّمَعَ، ولا أَقْصِدُ التَّتَاليَ والنَّسَقَ.

ومن عَجَائِبِه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الَّتِي انْفَردَ بهَا، وأمِنَ المشاركةَ فِيهَا، أَنَّ كَلامَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2)الوَارِدَ في الزُّهْدِ والمَوَاعِظِ (3)، والتذكيرِ والزَّوَاجِرِ (4)، إذا تأمَّلَهُ الْمُتَأَمِّلُ، وفَكَرَ فِيهِ المُفَكِّرُ، وخَلَعَ من قَلْبِه أَنَّهُ كَلامُ مِثْلِهِ مِمَّن عَظُمَ قَدْرُهُ، ونَفَذَ أَمْرُهُ، وأَحَاطَ بِالرِّقَابِ مُلْكُهُ، لم يَعْتَرِضُهُ الشَّكُ فِي أَنَّه من كَلامِ من لا حَظٍّ لَهُ فِي غَيْرِ الزَّهَادَةِ، ولا شُغْلَ لَهُ بِغَيْرِ العِبَادَةِ، قد قَبَعَ في كِسْرِ (5)بيتٍ، أو انقَطَع إلى سَفْح جَبَل (6)لا يَسْمَعُ إِلَّا حِسَّهُ، ولا يَرَى إِلَّا نَفْسَهُ، ولا يكَادُ يُوقِنُ بأَنَّهُ كَلامُ من يَنْغَمِسُ في الحَرْبِ، مُصْلِتا سَيْفَهُ فَيَقُطُّ (7)الرّقَابَ، ويُجدِّلُ (8)الأبطال، ويَعُودُ بِهِ يَنْطُفُ دَمًا، ويَقْطُرُ


1) في س: لأنيّ.

2) (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليس في س.

3) س: الموعظة.

4) الزواجر في المنهاج 2/ 383: المواعظ.

5) ضبطت في الأصل بفتح الكاف وكسرها وفوقها معا وكذا في س. وفي الحاشية: قبع القنفذ رأسه في جلده، وقبع الرجل رأسه في قميصه، وكسر البيت: أسفل شقته التي تلي الأرض، وكل هذ المنهاج 19/1، وفيه، أي: انزوى إلى زاوية.

6) حاشية: سفح الجبل بالسين: أسفله وصفحه: أعلاه، وفي القاموس: السفح: عرض الجبل المضطجع أو أسفله، الصفح: الجانب.

7) القاموس : القطّ: القطع.

8) حاشية: يجدل: من الجدالة، وهي الأرض، يقال: طعنه فجدله، أي: رماه بالأرض فانجدل وسقط وبعض الحاشية أفدتها من المنهاج 19/1.

مُهَجًا (1)، وهو مع تلكَ الحَالِ (2)زَاهِدُ الرُّهَّادِ، وبَدَلُ الأبْدَالِ (3).

وهذهِ من فَضَائِلِهِ العَجِيبَةِ، وخَصَائِصِه اللَّطِيفَةِ التي جَمَعَ بهَا (4)بينَ الأضْدَادِ، َوأَلَّفَ بينَ الأَشْتَاتِ. وكَثيرًا ما أُذاكِرُ الإِخْوَانَ بهَا، وأَسْتَخرِجُ عَجَبَهم (5)منهَا، وهي مَوْضِعُ للعِبْرَةِ بها، والفِكْرَةِ فِيهَا. وربَّما جَاءَ في أثناء هذا الاخْتِيَارِ اللَّفظُ المُرَدَّدُ، والمَعْنَى المُكَوِّرُ ؛ والعُذْرُ في ذلِكَ أنْ رِوَايَاتِ كَلامِهِ لا تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا شَدِيدًا؛ فرُبَّما اتَّفَقَ الكَلامُ المُخْتَارُ فِي رِوَايَةٍ، فَنُقِلَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ ذلِكَ فِي رِوَايَةٍ أخْرَى مَوْضُوعًا غيرَ «2أ» وَضْعِهِ الأَوَّلِ؛ إِمَّا بِزِيَادَةٍ مُخْتَارِةٍ، أو لَفْظِ أَحْسَنَ عِبَارةً (6)، فتَقْتَضِي الحَالُ أن يُعَادَ (7)اسْتِطْهَارًا لِلاخْتِيَارِ، وغَيْرَةً على عَقَائل (8)الكَلامِ.


1) حاشية: المهجة: دم القلب.

2) س: مع ذلك.

3) الإبدال : هي الكلمة الأولى من نسخة ج، والسابق منها ساقط، والساقط من أول هذه النسخة لا يزيد على ورقتين ورقة العنوان وقرابة ثلثي مقدمة الشريف.

4) ع: فيها.

5) س: عُجْبَهُم، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة، وبالوجهين في ج، وفوقها معا؛ وفي المنهاج 1،20، أي أعرفهم أنهم عاجزون عنها وعن أمثالها.

6) بالجر في ع.

7) س: تعاد.

8) حاشية عقيلة كل شيء أكرمه، ومنه.. وعقيلة الإبل والدرة: عقيلة.. وأصلها إنها تعقل ولا..

ورُبَّما (1)بَعْدَ العَهْدُ أيضًا بمَا اخْتِيرَ أَوَّلًا فأُعِيدَ بَعْضُهُ سَهْوًا ونِسْيَانًا، لا قَصْدًا واعْتِمَادًا. ولا (2)أَدَّعِي معَ ذلكَ أَنَّني (3)أُحِيطُ بأَقْطَارِ (4)كَلامِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) حَتَّى لا يَشِدُّ عَنِّي مِنْهُ (5)شَاظٌ، ولا يَندُّ (6)نَاةٌ، بَل لا أُبْعِدُ أَن يَكُونَ القَاصِرُ عَنِّي فَوْقَ الْوَاقِعِ إِلَيَّ، والحَاصِلُ فِي رِبْقَتِي دونَ الخَارِجِ من يَدَيَّ، ومَا عَلَيَّ إِلَّا بَذْلُ المَجْهُودِ (7)، وبَلاغُ الوسع، وعَلَى اللّه سُبْحَانَهُ نَهْجُ (8)السَّبِيلِ، ورَشَادُ الدَّلِيلِ إِن شَاءَ اللّه تعالى(9).

ورَأَيتُ من بَعدُ تَسْمِيَةَ هذا الكِتَابِ ب(نهج البلاغةِ)؛ إذ كانَ يَفْتَحُ للنَّاظِرِ فِيهِ أَبْوَابَها، ويُقَرِّبُ عَلَيْهِ طِلابَهَا، وَفِيهِ حَاجَةُ العَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ، ويُغية (10)البليغ والزَّاهِدِ، ويمْضِي في أثنائه من عَجِيبِ الكَلامِ في التَّوْحِيدِ (11)والعَدْلِ، وَتَنْزِيهِ اللّه سُبْحَانَهُ عَن شَبَهِ الْخَلْقِ مَا هُوَ بِلالُ (12)


1) وربما ذهبت من ج بسبب الترميم.

2) الذي أثبت من س ج، وفي الأصل: وما، وكذا في ع.

3) س: أني.

4) القاموس: الأقطار: النواحي، مفردها قطر.

5) منه: ساقطة منع.

6) بعدها في س منِّي، وندّ في القاموس : شرد ونفر.

7) س، ع: الجد.

8) حاشية: النهج: الطريق الواضح، وكذلك المنهج والمنهاج، ونهج الطريق: استبان.

9) تعالى: ليست في س، ع.

10) البغية: الطلب.

11) ع: التوحد.

12) القاموس: البلة والبلال، بكسر هما: النُّدوة، وبلّه بالماء بَلاً وبلّة.

كُلِّ غُلَّةٍ، وشِفَاءُ كُلِّ عِلَّةٍ (1)، وجَلاءُ كُلِّ شُبْهَةٍ.

ومِنَ اللّه أَسْتَمِدُّ التَّوْفِيقَ والعِصْمَةَ (2)، وأَتَنَجَّزُ التَّسْدِيدَ والمَعُونَةَ، وأَسْتَعِيذُ به من خَطَأَ الجَنَانِ(3)قَبْلَ خَطَأَ اللَّسَانِ، ومن زَلَّةِ الكَلِمِ قبل زَلَّةِ القَدَمِ، وهو حَسْبِي(4)ونعم الوكيل (5).


1) لم يبق من كلمة (علة) إلا حرف العين.

2) في الحاشية: العصمة منع النفس من الزلات.

3) الجنان من كل شيء: جوفه، والقلب، وجن الشيء: استتر.

4) كذا في ع أيضًا، وبعدها في الأصل: وكفى، وبعدها دائرة حمراء، تليها ونعم الوكيل، ونعم الوكيل في س، وكفى ليست فيها.

5) بعدها في ج: وباللّه التوفيق، وقد روى قطب الدين مقدمة الشريف في المنهاج 1/ 4-6 عن سلسلة تنتهى بالشريف (رضیَ اللّهُ عنهُ).

بابُ المُختار في خطب أَمير المؤمنین (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

باب المختارِ من خطب أمير المؤمنينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأوَامِرِهِ، ويَدْخُلُ في ذلك المختار من كَلامِهِ الجَارِي بَجْرَى الخُطَبِ فِي المَقَامَاتِ المَحْصُورةِ (1)والمَوَاقِفِ المَذْكُورَةِ، والخُطُوبِ الوَارِدَةِ


1) كذا في س، وفوقها في الأصل: المحضورة وبجانبها صح س، والمحضورة في ج، وفوق الضاد صاد؛ وأشار محقق المنهاج 22/1 إلى أنها في بعض النسخ كما الأصل، وفي بعضها الآخر المحضورة، وقال في الهامش المحضورة المعدودة، والمحصورة المشهورة.

[1] ومن خُطْبَةٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يَذْكُرُ فِيهَا ابْتِدَاءَ خَلْقٍ السَّمَاءِ والأرضِ، وخَلْق آدَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

[1] ومن (1)خُطْبَةٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يَذْكُرُ فِيهَا ابْتِدَاءَ خَلْقٍ (2)السَّمَاءِ والأرضِ، وخَلْق آدَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

الحَمْدُ للّه الَّذِي لا يَبلُغُ مِدْحَتَهُ (3)القَائِلُونَ، ولا يُحْصِي نَعْمَاءَهُ (4)العَادُّونَ، ولا يُؤَدِّي حَقَّه المُجْتَهِدُونَ الَّذِي لا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الهِمَمِ (5)، ولا ينَالُهُ غَوْصُ الفِطَنِ (6)

والقول في المعارج 33 «لا يدركه غوص الفطن»، والشيخ البيهقي قسم النهج في معارجه على فقر بلغت «2221» فقرة شرحها شرحًا أدبيًّا جمع بين الفقه والبلاغة وعلم الكلام، وطعمه بأقوال العلماء والمتكلمين، ولم يهمل شرح كثير من المفردات، وقد أفدت منه في مواضع كثيرة.

الَّذِي ليسَ لِصِفَتِه حَدٌ (7)مَحدُودٌ (8)، ولا وَقْتُ

1) س، ع: من.

2) س: الخلق، وما بعدها ليس فيها.

3) المِدْحَة : فِعْلَة من المدح، وهي الهيئة التي ينبغي أن يكون المدح عليها، وتسمى عند الصرفيين مصدر هيئة، ويصاغ للدلالة على الهيئة، كالإكلة والجلسة، والإخذة.

4) النعماء: النعمة، وهو اسم يقام مقام المصدر.

5) الهمة: العزم الجازم، والإرادة.

6) الغوص: الحركة في عمق الشيء، من قولهم غاص في الماء، إذا ذهب في عمقه، والفِطَن: جمع فطنة، وهي في اللغة الفهم، وجودة استعداد الذهن لتصور ما يرد عليه.

7) الحدُّ: المنع، لأنه يمنع أن يدخل في المحدود ما ليس منه، أو يخرج منه ما هو منه.

8) و«الذي ليس لصفته حدّ محدود» في المنهاج 1 / 33 الذي له صفات العظمة، وهو منزَّه عن صفات النقص.

معدود (1)، ولا نَعْتُ مَوجُودٌ (2)، ولا أجَلْ مَمْدُودٌ. فَطَرَ (3)الخَلائِقَ (4)بِقُدْرَتِه، ونَشَرَ الرِّيَاحَ (5)بِرَحْمَتِه، ووَتَدَ (6)بالصُّحُورِ مَيَدَانَ (7)أَرْضِهِ.

أوَّلُ الدِّيْنِ مَعْرِفَتُه، وكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بهِ تَوحِيدُه، وكَمَالُ تَوحِيدِه الإخلاص له، وكَمالُ الإخلاص لهُ نَفْيُ الصَّفَاتِ عَنهُ، لِشَهَادَةِ كلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ المَوْصُوفِ، وشَهَادَةِ كلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّه غَيْرُ الصِّفَةِ.

فَمَن وَصَفَ اللّه سُبْحَانَه فقد قَرَنَهُ (8)، ومن قَرَنَهُ فقد ثَنَّاهُ، ومن ثَنَّاهُ فقد (9)جَزَّأَه(10)، ومن جَزَّأه فقد جَهِلَهُ، ومن أشَارَ إِليهِ فقد حَدَّهُ، ومن حَدَّهُ فقد عَدَّهُ، ومن قَالَ : فِيمَ ؟ فقد ضَمَّنَهُ، ومَن قَالَ: عَلامَ؟ فقد أَخْلَى مِنْهُ.


1) ولا حد محدود: ليس في ع.

2) تأخرت عبارة (ولا وقت معدود) إلى هذا الموضع في س، ع.

3) الفطرة : الشق والابتداع، قال ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى قوله تعالى: «فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» الأنعام 14/6 حتى جاءني أعرابيان يختصمان على بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدعتها ؛ وفي الحاشية: الفطر : الخلق على غير مثال.

4) الخليقة : إما بمعنى المخلوق، أو بمعنى الطبيعة، لأن الخليقة هي الطبيعة أيضًا.

5) في المنهاج :1/ 39 الرياح للخير، والريح للعذاب.

6) فوقها علامة تخفيف في الأصل، وبتشديد التاء في س، ووتد بالفتح، أي: ضرب الوتد في الحائط أو في غيره، وفي الحاشية، كأنه عبر بالتوتيد عن إزالة اضطراب الأرض، وما بعد كلمة التوتيد ذهب في الترميم وأفدناه من المنهاج 40.

7) الميدان: الحركة بتمايل.

8) قرنه، أي: جعل له قرينا.

9) تقديم وتأخير في الصحيفة الخامسة من ج بسبب الترميم.

10) جزأه: ذهبت من ج بسبب ما أصاب النسخة من ضرر.

كَائِنُ لا عَن حَدَثٍ (1)، مَوجُودٌ لا عن عَدَمِ (2)، معَ كُلِّ شَيءٍ لا بمُقَارَنَةٍ، وغَيْرُ (3)كُلِّ شيءٍ لا بمُزَايَلَةٍ (4). فَاعِلٌ لَا بِمَعْنَى الحَرَكَاتِ والآلَةِ. بَصِيرُ (5)إذ لا مَنْظُورَ (6)إليه من خَلقِهِ «2 ب»، مُتَوَحِدٌ (7)إذ لا سَكَنَ (8)يَسْتانِسُ بهِ (9)، ولا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ.

أنْشَأ (10)الخَلَقَ إِنْشَاء، وابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً، بلا رَوِيَّة أَجَالَهَا (11)، ولا تَجْرِبَةِ اسْتفَادَهَا(12)، ولا حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا، وَلا هَمَامَةِ(13)نَفْسٍ اضْطَرَبَ فِيهَا. أَحَالَ (14)الأشْيَاءَ لأوقاتِهَا، وَلَاءمَ (15)بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِها،


1) لم تكن له دلالة إلا على الوجود المجرد عن الزمان.

2) لو كان محدثًا لما كان واجب الوجود، لكنه واجب الوجود، فينتج أنه ليس بمحدث.

3) ع: وعن.

4) المزايلة المفارقة، وهي مفاعلة من الطرفين.

5) بصير : بمعنى عالم، وفاعل وبصير، ومتوحد للتنبيه على عظمته سبحانه.

6) بالبناء على الفتح وتنوين الرفع في الأصل، وفوقها معا في الأصل.

7) المتوحد بالأمر: المنفرد به عمن يشاركه فيه.

8) بالبناء على الفتح وتنوين الرفع وفوقها معا في الأصل.

9) السكن بفتح الكاف: كل ما سكنت إليه، والاستئناس بالشيء : ميل الطبع إليه.

10) الإنشاء والابتداء: هو الإيجاد الذي لم يسبق بمثله، والروية: الفكر.

11) حاشية أجالها: أدارها.

12) أغلب حروفها ذهبت من ج.

13) س، ج: هامّة، وهمامة النفس اهتمامها بالأمور.

14) ع: أجلّ.

15) حاشية : (لأمت الصدع فالتأم على وزن فعلته فافتعل). ومن معاني صيغة افتعل أنها تفيد المطاوعة. المحقق، والملاءمة الجمع.

وغَرَّزَ غَرائِزَهَا(1)، وأَلْزَمهَا أشْبَاحَهَا(2)، عَالما بها قَبْلَ ابْتِدَائِهَا، مُحِيطًا بحُدُودِهَا وانْتِهَائهَا، عَارفًا بِقَرَائنِهَا وأَحْنَائِها (3).

ثمَّ أَنْشَأ سُبحَانَه فَتْقَ الأجْوَاءِ (4)، وشَقَّ الأَرْجَاء (5)، وسَكَائِكَ (6)الهَوَاءِ؛ فَأَجَازَ (7)فِيهَا مَاءً مُتَلاحِمًا تَيَّارُهُ (8)، مُتَرَاكِمًا زَخَارُهُ (9). حَمَلَهُ علَى مَتْنِ الرِّيحِ العَاصِفَةِ، والزَّعْزَع (10)القَاصِفَةِ، فَأَمَرَهَا بَرَدُّهِ، وسَلَّطَها (11)على شَدّهِ، وقَرَنَها إلى حَدَّهِ (12). الهَوَاءُ من تَحْتِهَا فَتِيقٌ، والماءُ من فَوقِهَا دَفِيقٌ (13). ثمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَه (14)ريحًا اعْتَقَمَ (15)مَهَبَّهَا،


1) الغرائز: جمع غريزة، وهي الطبيعة التي طبع عليها الإنسان.

2) ع: أسناخَهَا، وكذا في حاشية الأصل من دون إشارة إلى نسخة.

3) الأحناء: جمع حنو، وهي الناحية.

4) حاشية الأجواء: جمع جوّ، وزاد ابن ميثم في شرحه: هو الفضاء الواسع.

5) الأرجاء: جمع رجاء، وهي الناحية.

6) السكائك: جمع سكاكة، وهي الفضاء ما بين السماء والأرض.

7) س: فأجرى، وفي شرح ابن ميثم 95/1 وأجار، أي : أجرى، قال: ومن روى أحار، أي: أدار وجمع.

8) تلاطم الماء: ضرب أمواجه بعضها بعضًا.

9) الزحَّار: مبالغة في الزاخر، وهو الممتلئ؛ وبحر زخار في المنهاج 1/ 85 مواج يطول موجه، من زخر النبت، أي طال.

10) حاشية: الزعازع: الرعود، وفي شرح ابن ميثم 95/1 ريح زعزع: تحرك الأشياء بقوة، وتزعزعها، والريح العاصفة الشديدة.

11) سلطها جعل لها سلاطة، وهي القهر.

12) حاشية : قرنها إلى حده، أي: أحاط الريح بالماء.

13) الفتيق: المنفتق والدقيق المندفق.

14) كذا في س: وفي الأصل سهو في الضبط.

15) الاعتقام الشدّ والعقد، واعتقم الأرض مهبها، أي: جعله خاليّا لا نبت به، من قولهم عقمت الرحم.

وأدَامَ مَرَبَّها (1)، وأعْصَفَ بَجْرَاهَا، وأبعد منشاهَا، فأمَرَهَا بتَصْفِيقِ المَاءِ (2)الزَّخَارِ، وإثَارَةِ مَوْجِ البِحَارِ (3)، فَمَخَضَتْهُ تَخَضَ (4)السَّقَاءِ، وعَصَفَتْ بهِ عَصْفَهَا(5)بِالْفَضَاءِ، تَرُدُّ أَوَّلَهُ على آخِرِهِ، وَسَاجِيَهُ عَلَى مَائِرِهِ(6)حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ (7)، ورَمَى بالزَّبَدِ (8)رُكَامُهُ (9)، فرَفَعَهُ فِي هَوَاءٍ مُنْفَتِقِ، وجَوِّ مُنْفَهِقٍ (10)، فَسَوَّى مِنهُ سَبْعَ سَمَاواتِ جَعَلَ سُفْلاهُنَّ مَوْجًا مكْفُوفًا (11)، وعُليَاهُنَّ سَقْفًا (12)مَحفُوظًا، وسَمْكًا (13)مَرْفُوعًا بِغَيْرِ عَمَدٍ (14)يَدْعَمُهَا،


1) حاشية مربها، أي: مجتمعها، ومربة القوم مجتمعهم.

2) في المنهاج 62/1، أي أمر الملائكة الموكلين بالريح لتضرب الماء الكثير الموج بعضه ببعض.

3) إثارة الموج: رفعه وهيجه.

4) المخض: التحريك.

5) العصف: الجري بشدة وقوة.

6) المائر : المتحرك.

7) حاشية: عباب الماء: معظمه.

8) ذهبت بعض حروف الكلمة من ج، وهكذا حال كثير من الكلمات التي وقعت في أوائل أسطرها وآخرها من هذه النسخة بسبب الآفات والترقيع، وسوف لن أشير إلى هذه الظاهرة إلَّا للضرورة، وعبّ، أي علا وتدفق.

9) الركام: الماء المتراكم.

10) حاشية : منفهق ممتلئ: وفي القاموس فَهق الإناء فَهْقًا: امتلأ.

11) المكفوف: الممنوع من السقوط.

12) السقف : اسم للسماء.

13) سمك البيت: سقفه، والسموك الارتفاع.

14) العمد: جمع كثرة لعمود البيت، وما يمنعه من السقوط.

ولا دِسَارٍ (1)يَنْتَظِمُها، ثمَّ زَيَّنَهَا بزِينَةِ الكَوَاكِبِ، وضِيَاءِ الثّوَاقِبِ، وأجْرَى فِيهَا سِرَاجًا مُسْتَطِيرًا (2)، وقَمَرًا مُنِيرًا فِي فَلَكٍ (3)دَائِر، وسَقْفٍ سائر، ورَقِيمِ (4)مَائِرٍ (5)، ثُمَّ فَتَقَ ما بينَ السَّمَاواتِ العُلَى، فَمَلاهُنَّ أطْوَارًا(6)من المَلائِكَةِ، منهم سُجُودٌ لا يَرْكَعُونَ، ورُكُوعٌ لا يَنْتَصِبُونَ، وصَافُونَ لا يَتَزَايَلُونَ، ومُسَبِّحُونَ لا يَسْأَمُونَ(7). لا يَغْشَاهُم نَوْمُ العُيُونِ، ولا سَهْمُ العُقُولِ، ولا فَتْرَةُ الأَبْدانِ، ولا غَفْلَةُ النِسْيَانِ. ومِنْهُم أُمَنَاءُ علَى وَحْيِهِ، وأَلْسِنَةٌ إلى رُسُلِهِ، ومُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وأَمْرِهِ؛ ومِنْهُم الحَفَظَةُ العِبَادِهِ، والسَّدَنَةُ (8)لأَبَوَاب جِنَانِهِ؛ ومنهم الثَّابتةُ في الأَرَضِينَ السُّفْلى (9)أقْدَامُهُم، والمَارِقَةُ (10)من السَّماء العُلْيَا أَعْنَاقُهُم، والخَارِجَةُ من الأَقْطَارِ


1) الحاشية: الدسار: المسمار، والدسار : خيط تشد به ألواح السفن، وفي القاموس جمعه: دشر، ودُسُر، وفي شرح ابن ميثم كل شيء أدخلته في شيء لشده، كمسمار وحبل.

2) المستطير : المنتشر، والسراج في المنهاج 1/ 67: يعني الشمس.

3) الفلك من أسماء السماء، قيل : مأخوذ من فلكة المغزل في الاستدارة.

4) الحاشية: الرقيم اللوح الذي فيه الكتابة، وفي شرح ابن ميثم اسم للفلك أيضًا، واشتقاقه من الرقم، وهو الكتابة والنقش، لأن الكواكب به تشبه الرقوم..

5) في س: وسقف مائر، وجملة ورقيم مائر ليست فيها.

6) الأطوار: الحالات المختلفة، والأنواع المتباينة.

7) السأم: الملال.

8) السادن: الخازن.

9) س: الأرض، ج: في الأرض أقدامهم.

10) مرق السهم من الرمية: خرج من الجانب الآخر.

أَرْكَانُهم(1)، والمَنَاسِبَةُ لَقَوَائِمِ اكْتَافُهُم، نَاكِسَةٌ(2)، دُونَهُ أَبْصَارُهم، متَلَفْعُونَ (3)تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهم، مضْرُوبَةً (4)بَيْنَهُم وبينَ مَن دُونَهُم حُجُبُ العِزَّةِ وأَسْتَارُ القُدْرَةِ، لا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُم بِالتَّصْوِيرِ، ولا يُجْرُونَ عليهِ صِفَاتِ المَصْنُوعِينَ، ولا يَحْدُّونَهُ بِالأَمَاكِنِ، ولا يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِرِ(5).

مِنْهَا فِي صِفَةِ خَلْقِ آدَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

مِنْهَا فِي صِفَةِ (6)خَلْقِ آدَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ثُمَّ (7)جَمَعَ سُبْحَانَهُ من حَزْنِ الأَرْضِ وَسَهْلِهَا (8)، وعَذْبِهَا وسَبَخِهَا تُرْبَةً سَنَّهَا(9)بالماءِ حَتَّى خَلَصَتْ ولاطَهَا (10)بالبلَّة حَتَّى لَزَبَتْ (11)،


1) القطر: الناحية، والركن: الجانب.

2) بالرفع والنصب في ج وفوقها معًا؛ وفي المنهاج 69/1 ناكسة، أي: مطرقون حياء وتعظيمًا تحت العرش.

3) في الأصل: متلفعين، وصوبها في الحاشية وبقية النسخ، وفي القاموس: التلفع: التلفح وفي الحاشية: تلفع الرجل بالثوب، والشجر بالورق، أي:.. وفي شرح ابن ميثم: تلفع بالثوب: التلحف به، ومتلفعون بأجنحتهم في المنهاج 1/ 69، أي : مشتملون بها.

4) بالرفع والنصب وفوقها معًا في الأصل.

5) النظائر : الأمثال.

6) صفة ساقطة من س.

7) ثم ذهبت من ج.

8) الحزن من الأرض: ما غلظ منها واشتدّ كالجبل، والسهل: ما لان.

9) حاشية: سنها، أي خلطها بالماء حتى خلصت عما سواها من الأقذار والشوائب... وفي شرح ابن ميثم 1/ 119 الطين الرطب.

10) حاشية : يقال : لطَّت الحوض بالطين، أي ملطته وطينته، وفي شرح ابن ميثم 120/1 لاطها بالبلة: خلطها بالرطوبة، ومزجها بها، والبلَّة بالكسر: : النداوة، وبالفتح واحدة البل.

11) اللازب: الّاصق.

فجَبَلَ مِنهَا صُورَةً ذَاتَ أحْنَاءِ ووُصُولِ (1)، وأَعْضَاءِ وفُصُولِ أَجْمَدَهَا حتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وأَصْلَدَهَا (2)حتَّى صَلْصَلَتْ (3)لوَقْتِ مَعْدُودٍ، وأجَلٍ مَعْلُومٍ؛ ثمَّ نَفَخَ فِيهَا من رُوحِهِ، فَمَثَلَتْ (4)إِنْسَانًا ذَا أَذْهَانِ (5)يُجيلُهَا، وفِكَرِ يتَصَرَّفُ بها، وجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا(6)، وأدَوَاتٍ يُقَلْبُهَا، ومَعْرِفَةِ يَفْرُقُ بِهَا بينَ (7)الأَذْوَاقِ والمَشَام (8)«3أ»، والأَلْوَانِ والأَجْنَاسِ ؛ معْجُونًا (9)بطِيْنَةِ الألوان (10)المُخْتَلِفَةِ، والأشْبَاءِ المُؤتَلِفَة، والأضْدَادِ المُتَعَادِيَةِ (11)، والأخْلاطِ المتباينة، من الحَرّ والبَرْدِ، والبلَّة والجُمودِ،


1) جبل: خلق، والأحناء جمع حنو، وهي الجوانب الوصول : جمع كثرة للوصل، وهي المفاصل.

2) أصلدها في المنهاج 1 / 73، أي: أيبسها وصلّبها.

3) حاشية: الصلصال الطين الحرُّ إذا خلط بالرمل، فصار متصلصلاً، إذا جمد، وفي شرح ابن ميثم 1 / 120 الصلصال المنتن، من قولهم صل اللحم، إذا نتن، وقيل: هو الطين اليابس الذي يصلصل، وهو غير المطبوخ.

4) مثلت في المنهاج 1 / 73: انتصبت وقامت، وصارت جثة إنسان.

5) الذهن: الفطنة، والحفظ في الاصطلاح: القوى المدركة من العقل والحس والباطن.

6) حاشية: يقال : استخدمته لنفسي أو لغيري وأخدمته لنفسي خاصة، ومن معاني زنة أفعل أنه يفيد التعدية، ومن معاني زنة استفعل أنها تفيد الطلب.

7) بعدها في حاشية الأصل عن نسخة: بين الحق والباطل.

8) حاشية : يعني : ما يذاق وما يشم.

9) حاشية: حال من ضمير الإنسان.

10) في س: الأكوان وفي الحاشية: الألوان : يعني بها الأجناس.

11) حاشية : المتباعدة من قولهم تعاد أي: تباعد.

والمَسَاءةِ (1)والسُّرور. واسْتَادَى (2)اللّه سُبْحَانَهُ المَلائِكَةَ وَدِيعَتَهُ لدَيْهِم، وعَهْدَ وصِيَّتِهِ (3)إليهِم في الإِذْعَانِ(4)بالسُّجُودِ له والخُضُوع (5)لتَكْرِمَتِهِ، فَقَالَ: «اسْجُدُ والآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ»(6)وقَبِيلَهُ اعْتَرَتهُم الحَمِيَّةُ (7)، وغَلَبَتْ عليهم الشَّقْوَةُ(8)، وتَعَزَّزُوا بِخِلْقَةِ النَّارِ، واسْتَوْهَنوا خَلْقَ الصَّلصَالِ؛ فَأَعْطَاهُ اللّه النَّظِرَةَ اسْتِحْقَافًا للسَّخْطَةِ(9)، واسْتِتماما للبَلِيَّةِ، وإِنْجَازًا للعِدَةِ، فقال «إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ المَعلُوم» (10).

ثمَّ أَسْكَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَارًا أَرْغَدَ فِيهَا عَيْشَهُ (11)، وآمَنَ فِيهَا مَحَلَّتَهُ، وحذَرَهُ إِبْلِيسَ وعَدَاوَتَهُ؛ فَاغْتَرَهُ (12)عَدُوُّهُ (13)نَفَاسَةٌ (14)عَلَيْهِ بِدَارِ


1) المساءة: الغمّ.

2) استأدى طلب الأداء؛ ومن معاني استفعل أنها تفيد الطلب.

3) في حاشية الأصل عن نسخة : وعَهَدَ وصِيَّتَهُ.

4) الإذعان في المنهاج 1 / 74: الانقياد.

5) في الأصل والخشوع، وما أثبت في حاشية الأصل وبقية النسخ.

6) البقرة 2 / 34 الأعراف 117، الإسراء 17 / 61، الكهف 18 / 50.

7) اعترتهم: غشيتهم، الحمية: الأنفة.

8) بكسر الشين وفتحها في ج وفوقها معا، وفي القاموس: شقوة، ويكسر.

9) النَّظِرة: الإمهال والسخط: الغضب.

10) الحجر 15/ 37، 38، ص 38 / 80، 81.

11) في حاشية الأصل عن نسخة : عِيشَتَه ؛ وأرغد عيشه في المنهاج 75/1 طيبه في سعة.

12) اغتره: استغفله.

13) مكانها في س، ج: إبليس.

14) حاشية: نفاسة: حسدًا، وفي شرح ابن میثم 1 / 120 نفست عليه بالأمر نفاسة، إذا لم تره مستحقًا له.

المقام ومُرَافَقَةِ الأَبْرَارِ؛ فَبَاعَ اليَقِينَ بشَكْهِ، والعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ، واسْتَبْدَلَ بالجَدَّلِ وَجَلًا، والاغتِرَارِ (1)نَدَما.

ثمَّ بَسَطَ اللّه سُبْحَانَهُ لهُ في تَوْبَتِهِ (2)، ولَقَّاهُ (3)كَلِمَةَ ووعَدَهُ المَرَدَّ إِلى جَنَّتِهِ، فَأَهْبَطَهُ إلى دَارِ البَلِيَّةِ وتَنَاسُلِ الذَّرِّيَّة، واصْطَفَى (4)سُبْحَانَه من وَلَدِهِ أنْبِيَاءَ أَخَذَ على الوَحْيِ مِيثَاقَهُم، وعلى تَبلِيغِ الرِّسَالَةِ أمَانَتَهُم لَمّا بَدَّلَ أَكثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللّه إِليهم، فَجَهِلُوا حَقَّهُ، وَاتَّخَذُوا الأَنْدَادَ معَهُ (5)، واجْتَالَتْهُمُ (6)الشَّيَاطِينُ عَن مَعْرِفَتِهِ، واقْتَطَعَتْهُم عن عِبَادَتِهِ؛ فَبَعَثَ مِنْهُم رُسُلَهُ، ووَاتَرَ إِلَيْهِم (7)أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُم مِيْثَاقَ فِطْرَتِهِ (8)، ويُذَكِّرُوهُم مَنْبِيَّ نِعْمَتِهِ، ويَخْتَجُّوا عليهم بالتبليغ، ويُثِيرُوا هُم دَفَائِنَ العُقُولِ، ويُرُوهُم آيَاتِ المَقْدِرَةِ من سَقْفٍ فَوْقَهُم مَرْفُوعِ، وَمِهَادٍ تَحْتَهُم مَوْضُوعِ، وَمَعَايِشَ (9)تُحْيِيهِم، وآجَالٍ تُفْنِيهِم،


1) في الأصل: الاعتزاز وفوقها الاغترار، وكذا في س، ج، ع.

2) في المنهاج 1 / 83 :أي: قبلها منه، وضمن ثوابها.

3) في الوسيط لقَّاه: جعله يلقاه.

4) فى الوسيط : اصطفاه فضله واختاره.

5) الأنداد: الأمثال.

6) اجتالتهم، أي: أدارتهم واجتذبتهم.

7) وواتر :أي: أرسل وترًا بعد وتر، واحدًا بعد آخر.

8) الفطرة: الخلقة.

9) حاشية معايش: لا يهمز، لأن الياء أصلية، فإن كانت مدة زائدة في المفرد، ووقعت بعد ألف جمع على زنة مفاعل العروضية قلبت همزة، وينظر : محاضرات في علم الصرف 297، أما بالنسبة لمعايش فمفردها معيشة.

و أوْصَابٍ (1)تُهْرِمُهُم، وأحْدَاثِ (2)تتَابَعُ عليهم. ولم يُخْلِ اللّه سُبْحَانَهُ (3)خَلْقَهُ من نَبِيٍّ مُرْسَلِ، أو كِتَابٍ مُنْزَلٍ، أو حُجَّةٍ لازِمَةٍ، أو مَحَجَّةٍ (4)قَائمَةٍ ؛ رُسُلٌ لا يُقَصِّرُ (5)بهِم قِلَّةُ عَددِهِم، ولا كَثْرَةُ الْمُكَذِّبِينَ هُم من سَابِقِ سُمِّيَ له مَنْ بَعْدَهُ، أو غَابِرٍ (6)عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ؛ على ذلكَ نَسَلَتِ القُرُونُ (7)، ومَضَتِ الدُّهُورُ، وسَلَفَتِ الآباء، وخَلَفَتِ الأَبْنَاءُ إِلى أَن بَعَثَ اللّه سُبْحَانه مُحَمَّدًا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لإِنْجَازِ عِدَتِهِ(8)، وتَمَامِ نُبُوَّتِهِ، مَأخُوذًا على النَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ، مشْهُورةً سِمَاتُهُ(9)، كَرِيْمَا مِيلادُهُ (10)، وأهلُ الأرْض يومَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وأهْوَاءٌ مُنتَشِرَةٌ، وطَرَائِقُ مُتَشَتَّتَةٌ، بينَ مُشَبِّه اللّه بخَلْقِهِ (11)، أو مُلْحِدٍ (12)في


1) الأوصاب: الأمراض.

2) الأحداث: المصائب.

3) سبحانه: ليست في ع.

4) الحجة: ما يحاج به الإنسان غيره، أي يغلبه به، والمحجة: جادة الطريق.

5) فوقها إشارة للحاشية وفيها : تَقْصر، ضبطت في ج: تَقْصُرُ، تُقْصَرُ، وفوقها معا.

6) الغابر: الباقي أو الماضي، وهو من الأضداد.

7) القرن الأمة نسلت أي: درجت ومضت مأخوذ من نسل ريش الطائر، ونسل الوبر، إذا وقع، وفي المنهاج 1 / 87، أي: مضت مسرعة.

8) العدة : الوعد، وإنجازها قضاؤها.

9) السمة: العلامة.

10) ميلاد الرجل: محل ولادته من الزمان والمكان.

11) في المعارج 72: المشبه هم النصارى والصابئون.

12) الملحد : العادل عن الاستقامة على الحق.

اسْمِهِ (1)، أو مُشِيرٍ إِلى غَيْرِهِ؛ فَهَدَاهُم بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ، وأَنْقَذَهُم بِمَكَانِهِ مِنَ الجَهَالَةِ.

ثمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (2)لِقَاءَهُ، ورَضِيَ لهُ ما عِنْدَهُ، فأكْرَمَهُ (3)عن دَارِ الدُّنْيَا، ورَغِبَ بِهِ عن مُقَارَنَةِ (4)البَلْوَى، فَقَبَضَهُ إليه كَرِيما (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وخلَّفَ فِيكُم ما خَلَّفَتِ الأَنْبِيَاءُ فِي أُمَهَا؛ إذْ لم يَتْرُكُوهُم هَمَلًا بِغَيْرِ طَرِيْقِ وَاضِحٍ، ولا عَلَمٍ قَائِمٍ؛ كِتابَ اللّه (5)ربِّكُم «3 ب» مُبَيِّنًا حَلالَهُ وحَرَامَهُ، وفَرَائِضَهُ وفَضَائِلَهُ (6)، ونَاسِخَهُ (7)ومَنْسُوخَهُ، ورُخَصَهُ (8)وعَزَائِمَهُ (9)، وخَاصَّهُ وعامَّهُ (10)، وعِبَرَهُ وأَمْثَالَهُ، ومُرْسَلَهُ ومَحدُودَهُ، ومُحْكَمَهُ ومُتَشَابَهَهُ، مُفَسِّرًا جُمَلَهُ، مُبيِّنًا غَوَامِضَهُ (11)، بين مأخُوذ مِيثَاقُ عِلْمِهِ، ومُوَسَّع على العِبَادِ فِي جَهْلِهِ، وبَيْنَ مُثْبَتٍ في


1) حاشية: ملحد في اسمه، أي: يميل في تسميته فيسميه بما لا يستحق.

2) الآل: ليست في ج، ويندر ذكرها بها.

3) س، ج: وأكرمه.

4) كذا في ع أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة عن مقام، عن مقارِّ، وفي س مقام.

5) اللّه : ليست في س، ج، ع.

6) تقدمت فضائله في س.

7) النسخ في اللغة: الإزالة.

8) الرخصة: لتساهل في الأمر.

9) العزيمة: الهمة.

10) وخاصَّهُ وعَامَّه : ساقطتان من س.

11) مطموسة في ج بسبب الترقيع.

الكِتَابِ فَرْضُهُ، مَعْلُومٍ في السُّنَّةِ نَسْخُهُ، ووَاجِبٍ في السُّنَّةِ أخْذُهُ، مُرَخَّص فِي الْكِتَابِ تَرْكُهُ، وَبَيْنَ وَاجِبٍ لَوَقْتِهِ (1)، وَزَائلٍ فِي مُسْتَقْبَلِهِ، و مُبَايِنِ (2)بين مَحَارِمِهِ (3)؛ من كَبِيرٍ أوْعَدَ عليهِ نِيرَانَهُ، أو صَغِيرِ أَرْصَدَ لهُ غُفْرَانَهُ، وبينَ مَقْبُولٍ في أَدْنَاهُ ومُوَسَّع في أَقْصَاهُ.

مِنْهَا

وفَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الذِي جَعَلَهُ قِبْلَةٌ للأَنَامِ يَرِدُونَهُ وُرُودَ الأَنْعَامِ، ويَأْهُونَ إِليهِ وُلُوهَ الحَمامِ (4)، جَعَلَهُ سُبْحَانَه عَلَامَةً لِتَوَاضُعِهِم لِعَظَمَتِهِ، وإذْعَانِهِم لِعِزَّتِهِ، واخْتَارَ من خَلْقِهِ سُماعًا (5)أجَابُوا (6)إليه (7)دَعْوَتَهُ، وصَدَّقُوا كَلِمَتَهُ، ووَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ، وَتَشَبَّهُوا بِمَلائِكَتِهِ المطيفِينَ بِعَرْشِهِ، يُحْرِزُونَ (8)الأَرْبَاحَ في مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ، ويَتَبَادَرُونَ (9)


1) س: بوقته.

2) ضبطت الياء في ج بالفتح والكسر.

3) محارم في المنهاج 1 / 104، أي : كأحكام السرقة والزنا وشرب الخمر، فإنها مختلفة الأحكام.

4) حاشية: أله يأله ولّها أي تحير، والأصل: وله يوله ولها، وفي شرح ابن ميثم 1/ 154 يألهون إليه، أي: يشتد وجدهم وشوقهم إليه من وله إذا تحير من شدة الوجد؛ وولوه الحمام في المنهاج 1 / 106 : إن حمام الحرم يلتجئ إليه إلهاما من اللّه لها أنه المأمن.

5) السمَّاع: جمع سامع.

6) حاشية: أجابوا :أي أجابوا قاصدين إلى البيت دعوة اللّه.

7) إليه ليست في ع.

8) الإحراز في المنهاج 1 / 106: الحفظ.

9) المبادرة المسارعة، وفي القاموس : بادره مبادرة وبدارًا، وابتدره عاجله.

عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ. جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ للإسلام عَلَما، وللعابدينَ حَرَمًا، فَرَضَ حَجَّهُ، وَأوجَبَ حَقَّهُ، وكَتَبَ عليكُم وِفَادَتَهُ (1)، فقالَ سُبْحَانَهُ «وَللّه عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»﴾ (2).

[2] ومن خُطْبَةٍ لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بَعْدَ انْصِرَافِهِ من صِفِّينَ

إشارة:

[2] ومن خُطْبَةٍ لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بَعْدَ انْصِرَافِهِ من صِفِّينَ (3)

أحْمَدُهُ اسْتِتُها ما لنِعْمَتِه، واسْتِسْلامًا (4)لِعِزَّتِهِ، وَاسْتِعْصَامًا من مَعْصِيَتِهِ، وأَسْتَعِينُهُ فَاقَةً إِلى كِفَايَتِهِ؛ إِنَّه لا يَضِلُّ من هَدَاهُ، ولا يَئِلُّ (5)من عَادَاهُ،


1) وفادته في المنهاج 1 / 106، أي: تفدوا إليه، وذكر في 107 - 108 سنده في روايتها.

2) آل عمران 973، والخطبة بالرقم نفسه في شرح ابن أبي الحديد52/1 وما بعدها، واختصارًا سأسميه لاحقا «الشرح»، وفيه مباحث عن «كيف ابتدأخلق البشر»، وآخر عن أن «الزنادقة من عصبة إبليس»، وعن «تضارب الآراء في خلق الجنة والنار» وعن «أديان العرب وفرقهم في الجاهلية»، وعن «الملائكة وآدم والبيت المعمور» ووغيرها، وبالرقم نفسه في شرح ابن ميثم البحراني، وسأسميه لاحقا «شرح ابن ميثم»، وينظر في تخريجها مصدر سابق 295/1 - 297، وهي بالرقم نفسه به سأسمي كتاب 295/1 مصادر نهج البلاغة من بعد «مصدر سابق» للاختصار.

3) ذكر ابن أبي الحديد في الشرح عن الصحاح أن النون في صِفِّينَ أصلية، ووزنها على هذا فِعّيل، وتحدث عن اشتقاقها، وأصالة الياء والنون فيها، وهو اسم غير منصرف للتعريف والتأنيث.

4) الاستسلام: الانقياد.

5) حاشية: لا يئل: لا ينجو، وفي شرح ابن ميثم وأل يثل وَأُلًا، وعلى فعول، إذا لجأ فنجا، ومنه الموئل: الملجأ.

ولا يَفْتَقِرُ (1)من كَفَاهُ، فإنَّه أرْجَحُ ما وُزِنَ، وَأَفْضَلُ ما خُزِنَ، وَأَشْهَدُ أن لا إله إلا اللّه (2)شَهَادَةً مُمتَحَنا (3)إخلاصها، مُعْتَقَدًا مُصَاصُهَا (4)نَتَمَسَّكُ بها أَبَدًا ما أَبْقَانَا، ونَدَّخِرُهَا لأَهَاوِيلِ (5)ما يَلْقَانَا، فَإِنَّهَا عَزِيمَةٌ الإِيمَانِ(6)، وفَاتِحَةُ الإِحْسَانِ، ومَرْضَاةُ الرَّحْمنِ، ومَدْحَرَةُ (7)الشَّيْطَانِ.

وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بالدِّينِ المَشْهُورِ، والعِلْمِ المأثور (8)، والكِتابِ المَسْطُورِ، والنُّورِ السَّاطِعِ، والصِّيَاءِ اللامع، والأمْرِ الصَّادِعِ (9)، إِزَاحَةٌ للشُبُهَاتِ، واحْتِجَاجًا بالبيِّنَاتِ، وتَحْذِيرًا بالآيَاتِ، وتَخْوِيفًا للمَثُلاتِ (10). والنَّاسُ فِي فِتَنِ انْجَذَمَ(11)فِيهَا حَبْلُ


1) الفاقة : الفقر.

2) بعدها في ع: وحده لا شريك له.

3) في الأصل: ممتنحنا، وهو سهو، وما أثبت في س، وضبطت الحاء فيها بالفتح والكسر، وفوقها معاً، وكذا ضبطت في ج.

4) حاشية: مصاص كل شيء: خالصه.

5) الأهاويل الأمور المخوّفة التي يعظم اعتبار النفس لها.

6) حاشية عزيمة الإيمان، يقال: عزمتُ عَزْمًا، وعُزْمًا، وعزيمة، إذا أردت فعله، وقطعت عليه، وفي شرح ابن ميثم 1/ 163 عزيمة الإيمان: عقد القلب عليه.

7) المدحرة: محل الدحر، وهو الطرد والإبعاد.

8) المأثور: المقدم على غيره، والمأثور أيضًا: المنقول، وفي المنهاج 111/1 أي: المعجز الذي يذكر وينقل عنه.

9) الصادع في المنهاج 1 / 111: البين، يقال: صدعت الشيء، أي: أظهرته وبينته.

10) في القاموس : مثَّل بفلان تمثيلاً: نكَّل، وهي المثلةُ بضم الثاء وسكونها، والجمع مثلات.

11) انجذم انقطع.

الدِّينِ، وتَزَحْزَحَتْ (1)سَوَاري (2)اليقين، واخْتَلَفَ النَّجْرُ (3)، وتَشَتَّتَ الأمْرُ، وضَاقَ المَخْرَجُ، وعَمِيَ المَصْدَرُ ؛ فالهُدى خَامِلٌ (4)، والعَمَى شَامِلٌ، عُصِيَ الرَّحْمنُ، ونُصِرَ الشَّيْطَانُ، وخُذِلَ الإِيمَانُ؛ فانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ، وتَنكَّرَتْ مَعَالِمُهُ (5)، ودَرَسَتْ سُبُلُهُ، وعَفَتْ شُرُكُهُ (6). أطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، ووَرَدُّوا مَنَاهِلَهُ (7)، بِهِم سَارَت أَعْلامُهُ وقَام لِوَاؤُهُ(8)، في فِتَنِ دَاسَتْهُم بأخْفَافِهَا، ووَطِئَتْهُم بِأَظْلافِهَا(9)، وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا (10)فَهُم فِيْهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ، جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ فِي خَيْرِ


1) الزعزعة: الاهتزاز والاضطراب.

2) السواري: الأساطين.

3) النجر : الطبع والأصل.

4) الخامل : الساقط.

5) المعالم: الآثار، لأن بها يعلم الشيء ويستدل عليه.

6) حاشية: الشرك بالتحريك معظم الطريق ووسطه، وروي شركه، وشُرُك: جمع شراك، وهو الطريق، وقد ذهبت بعض أحرف الحاشية، والنقص أفدناه من المنهاج 1 / 112، وفي شرح ابن ميثم 1/ 163 الشرك: جمع شراك بفتح الشين والراء، وهو معظم الطريق ووسطها.

7) المناهل: المشارب.

8) من قوله : (أطاعوا الشيطان) إلى قوله : (وقام لواؤه) ساقط من ج.

9) الأخفاف في المعارج 112 للبعير، والأظلاف للبقر والشاة.

10) لها إحالة إلى حاشية الأصل وقد ذهبت والسنابك في شرح ابن ميثم 163/1 أطراف مقدم الحوافر الواحدة سنبكة.

دَارٍ (1)، وشَرٌ جِيْرَانِ (2)، نَوْمُهُم سُهُودٌ (3)، وَكُحْلُهُم دُمُوعٌ، بأَرْضِ عَالمِهَا مُلْجَمٌ، وجَاهِلُهَا مُكْرَم (4)«4 أ».

ومنها يَعْنِي آلَ رَسُولِ اللّه صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وعليهم

ومنها يَعْنِي آلَ رَسُولِ اللّه صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وعليهم (5)

هُم مَوْضِعُ سِرِّهِ، ولَجَأُ أَمْرِهِ (6)، وعَيْبَةُ عِلْمِهِ، ومَوثِلُ (7)حُكْمِهِ، وكُهُوفُ كُتُبِهِ، وحِبَالُ دِينِهِ؛ بهم أقام انحِنَاءَ ظَهْرِهِ (8)، وأذْهَبَ ارتِعَادَ، فَرَائِصِهِ (9).


1) حاشية: الكوفة أو الشام الأرض المقدسة، أو أرض الكوفة.

2) حاشية، أي شر جيران دار، وفي المنهاج 1 / 113، شر جيران أهل الكوفة، لأنهم 113/1 عسكر معاوية.

3) حاشية، نومهم سهود، أي: لا ينامون طوال الليل يرتبون الأمر لمعاوية، وكذا في المنهاج 1 / 113 :السهود في شرح ابن میثم مصدر،کالجمود، مرادف للسهاد والأرق.

4) في المنهاج 1 / 113 : يعني معاوية وأمثاله.

5) كذا في الأصل، وفوق كلمة الرسول: النبي عن نسخة، وفوق عليهم عن نسخة: على أله، وفي ج: صلى اللّه عليه وعلى آله، والصلاة على النبي مبتورة في هذه النسخة، وإن ذكرت الآل بها فإنها تذكر بعد حرف الجر (على)، وسوف لن أتابع هذا الاختلاف في الحواشي. وفي س: صلى اللّه عليه وسلم، وفوق وعليهم في الأصل على آله، وفي ع: آل النبي صلى اللّه عليه وعليهم أجمعين.

6) اللجأ: الملجأ.

7) الموئل: المرجع، من آل يؤول إلى كذا، إذا رجع وانتهى إليه.

8) الانحناء: الاعوجاج وفي الحاشية، أي ظهر الدين.

9) في المنهاج،1 / 113، استعارة، أي: أذهب اللّه بسبب آل محمد عن دينه كل خلل به واضطراب.

ومنها: زَرَعُوا الفُجُورَ (1)، وسَقَوْهُ الغُرُورَ (2)، وحَصَدُوا الثّبُورَ (3)، لا يُقَاسُ (4)بآلِ محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من هذهِ الأمَّةِ أَحَدٌ، ولا يُسَوَّى بهِم مَن جَرَتْ نِعْمَتُهُم عليه أبدًا. هُم أَسَاسُ الدِّينِ، وعِبَادُ اليقين، إليهِم يَفِيءُ الغالي، وبهِم يَلْحَقُ التَّالي (5)، وهُم خَصَائِصُ (6)حَقٌّ الوِلايَةِ (7)، وفيهم الوَصِيَّةُ والوِراثَةُ. الآن؛ إذْ (8)َرجَعَ الحقُّ إلى أهْلِهِ، ونُقِلَ إلى مُنتَقَلِهِ (9).


1) في المعارج 79: زرعوا الفجور: يعني الخوارج.

2) الغرور: الغفلة.

3) حاشية: الثبور: الهلاك و الخسران.

4) القياس: نسبة الشيء إلى الشيء، وإلحاقه به في الحكم.

5) فاء يفيء: رجع، والغلو تجاوز الحد الذي ينبغي إلى ما لا ينبغي، والتالي: التابع.

6) الخصائص: جمع خصيصة، وهي فعيلة بمعنى فاعلة، أي: خاصة أو مختصة.

7) الاسم من قولك: وليت الأمر أليه، وأصله القرب من الشيء، والدنو منه.

8) ع: وقد رجع.

9) بالرقم نفسه في الشرح، وفي الشرح مباحث حول الوصاية وما ورد حولها من شعر في صدر الإسلام. وكذا رقمها في شرح ابن ميثم، وفي مصدر سابق 301/1-303، وذكر في المنهاج 116/1 سنده في روايتها.

[3] ومن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي معْرُوفةُ بالشَّقْشِقِيَّة

[3] ومن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي معْرُوفةُ بالشَّقْشِقِيَّة (1)

أما واللّه لَقَدْ تَقَمَّصَهَا (2)فُلانٌ (3)وإنَّه لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنهَا مَحَلُّ القُطْبِ من الرَّحَى (4)، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ(5)، ولا يَرْقَى إِليَّ الطَّيْرُ، فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْبًا (6)، وطَوَيْتُ عنهَا كَشْحًا (7)، وطَفِقْتُ أَرْتَئِي (8)بَيْنَ أن أصُولَ بيدِ جَذَّاءَ (9)، أو أصْبرَ على طَخْيَةٍ (10)عَمْيَاءَ يَهْرَمُ فِيهَا الكَبِير، ويَشِيبُ (11)فيهَا الصَّغِير، ويَكْدَحُ (12)فيهَا مُؤْمِنٌ حتَّى يَلْقَى (13)رَبَّهُ؛


1) في س: ومن خطبته المعروفة بالشقشقية، وتسمى المقمَّصة، وكذا في ج من دون ذكر اسم لها، في ع... المعروفة... والشقشقة: ما يتدلَّى من فم البعير الهائج.

2) تقمصها: لبسها كالقميص.

3) ج: ابن أبي فلان.

4) قطب الرحا: مسمارها الذي عليه تدور، وعند البيهقي: فيه ثلاث لغات.

5) حاشية: ينحدر عني السيل: أنا فوق السيل بحيث لا يرتفع إلي، والحاشية في المنهاج 1/ 122، وفيه بقية هي: فالسيل نازل عن درجتي، ولعل البقية ذهبت من الحاشية بسبب الترميم.

6) سدلت الثوب: أرخيته، و في المنهاج 122،1، أي: القيتُ بيني وبينها حجابًا.

7) الكشح: الخاصرة.

8) حاشية: افتعل من الرأي والتدبير، وفي شرح ابن ميثم 173/1: ارتأى في الأمر، إذا فكر طلبًا للرأي الأصلي.

9) صال: حمل نفسه على الأمر بقوة، ويد جذاء بالمعجمة والمهملة مقطوعة أو مكسورة.

10) حاشية: ما في السماء طخية أي: أي شيء من السحاب، وفي شرح ابن ميثم 174/1 : :الطخية كقولهم: ليلة طخياء أي: مظلمة

11) ج: يشب.

12) الكدح: السعي والعمل.

13) ج: فيها ربه.

فرأيتُ أنَّ الصَّبْرَ على هَانَا أَحْجَى (1)، فصَبَرْتُ وفِي العَيْنِ قَذى، وفي الحَلْقِ شَجًا (2)، أرَى تُرَاثِي (3)نَهْبًا، حتَّى مَضَى الأَوَّلُ لَسَبِيلِهِ؛ فأدْلى (4)بها إلى فُلانٍ بَعْدَه، ثُمَّ تَمثَّل (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5)بِقَوْلِ الأَعْشَى (6):

شَتَّانَ ما يَوْمِي على كُورِهَا (7)***ويَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ

فيا عَجَبَا بَيْنَا هو يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ؛ إذ عَقَدَهَا لَآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، لشَدَّ ما تَشَطَّرَا(8)ضَرْعَيْهَا ! فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ (9)خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا (10)،


1) أحجى: أولى بالحجى أو الخلق وهو العقل.

2) القذى: ما تتأذى به العين من غبار ونحوه، والشجى: ما نشب في الحلق من غصة غبن أو غم.

3) التراث: كالميراث.

4) حاشية أدلى بماله إلى الحاكم، إذا رفعه إليه، وفي شرح ابن میثم 173/1 : أدلى فلان بكذا: تقرب به وألقاه.

5) (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليست في الأصل، وهي في ج، ع.

6) بقول الأعشى ساقطة من ج، وهو الأعشى الكبير أبو بصير ميمون بن قيس، من شعراء الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم له ديوان شعر مطبوع، وانظر أيضًا ما ورد في المعارج 82 عنه حين طلب من عامر بن الطفيل أن يجيره، فقال له: أجيرك من الجن والإنس وغيرهما، وذكر أيضًا ترجمة لحيان وجابر.

7) كور الناقة: رحلها.

8) حاشية: شاطرت فلانا مالي: ناصفته.

9) الحوزة: الطبيعة والحوزة: الناحية.

10) الكلم بفتح الكاف: الجرح.

ويَخْشُنُ مَسُّهَا، ويَكْثُرُ العِثَارُ (1)فِيْهَا والاعْتِذَارُ منها، فصَاحِبُهَا كَرَاكِبٍ الصَّعْبَةِ إن أشْنَقَهَا خَرَم، وإن أَسْلَسَ (2)هَا تَقَدَّمَ، فَمُنِيَ النَّاسُ (3)لَعَمرُ اللّه (4)بخَيْطِ وشِمَاسِ (5)، وتَلَوُّنِ واعْتِرَاضِ (6)فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ المُدَّةِ، وشِدَّةِ المِحْنَةِ ؛ حَتَّى إذا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُم، فيَا اللّه والشُّورَى (7)مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مِع الْأَوَّلِ مِنْهُم حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إلى هذهِ النَّظَائِرِ.

لكنِّي (8)أَسْفَفْتُ ؛ إذ أسَفُوا (9)، وطِرْتُ ؛ إذ طَارُوا؛ فصَغَى رَجُلٌ


1) بفتح العين وكسرها في ج، وفوقها معًا.

2) الصعبة : الناقة لم تذلل بالحمل ولا بالركوب وشنق الناقة بالزمام، وأشنق لها: جذبه إلى نفسه وهو راكب ليمسكها عن الحركة العنيفة، والخرم: الشق، وأسلس لها، أي: أرخى، وتقحم في الأمر: ألقى نفسه فيه بقوة.

3) مني الناس، أي: ابتلوا.

4) بعدها في ع: من فلان.

5) الخبط الحركة على غير استقامة، والشماس : كثرة النفار والاضطراب

6) حاشية اعتراض، أي: يعترضون علّي في أفعالي، وفي شرح ابن ميثم 1/ 174 : التلون: اختلاف الأحوال، والاعتراض ضرب من التلون وأصله : المشي في عرض الطريق عن فرح ونشاط.

7) حاشية: أصحاب الشورى: طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعثمان وعلّي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والشورى في شرح ابن ميثم 1/ 174 : مصدر كالنجوى مرادف للمشاورة.

8) س: لكنَّني.

9) أسفّ الطائر : دنا من الأرض في طيرانه.

منهُم لِضِغْنِهِ (1)، ومَالَ الآخَرُ لِصِهْرِهِ (2)مع هَنِ وهَنِ (3)، إلى أن قَامَ ثَالِثُ القَوْمِ نَافِعًا حِضْنَيْهِ بِينَ نَثِيْلِهِ (4)وَمُعْتَلَفِهِ، وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيْهِ يُخْضَمُونَ مَالَ اللّه تَعَالَى خَضْمَ(5)الإبلِ نَبْتَةَ الرَّبِيعِ، إلى أن انْتَكَثَ (6)علَيْهِ فَتْلُهُ، وأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وكَبَتْ بهِ بِطنتُه (7)فَمَا رَاعَني (8)إِلَّا والنَّاسُ إِليَّ كَعُرْفِ الضَّبُع يَنْثَالُونَ (9)عليَّ من كلِّ وَجْهِ (10)، حتّى لقد


1) الصِغْو: الميل، والضّغْنُ : الحقد.

2) حاشية: روى أبو مخنف أن عليَّا شكا إلى عمه العباس ما سمع من قول عمر: كونوا مع الثلة الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف وقال لقد ذهب الأمر منّا فقال العباس وكيف قلت ذلك يابن أخي ؟ قال : إن سعدًا لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن نظير عثمان وصهره، فأحدهما مختار صاحبه.. وإن كان الزبير وطلحة معي فلن.. إذا كان ابن عوف في الثلاثة الآخرين.

3) حاشية هن: كلمة كناية، ومعناه: شيء، وأصله هنو.

4) الحضن: الجانب ما بين الإبط والخاصرة والنفج: قريب النفخ، والنثيل: الروث والمعتلف: موضع الاعتلاف، وأضاف في المعارج 85: بين نثيله ومعتلفه، أي: بين مطعمه ومنكحه.

5) حاشية: الخضم: الأكل بأصول الأسنان، والقضم: بأطراف الأسنان، وفي شرح ابن ميثم 1 / 174 : الخصم : الأكل بجميع الفم، وقيل: المضغ: بأقصى الأضراس وكذا في المنهاج 1/ 128.

6) انتكث: انتقض.

7) كبا الفرس: سقط على وجهه والبطنة : الامتلاء من الطعام.

8) الروع: الخلد والذهن، وراعني: أفزعني.

9) انثال الشيء: وقع يتلو بعضه بعضًا.

10) س، ج: جانب.

وُطِئَ الحَسَنَانِ (1)، وشُقَّ عِطْفَايَ (2)، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبيضَةِ الغَنَمِ (3)، فلما نَهَضُتُ بالأمْر نَكَثَتْ طَائِفَةٌ، «4 ب» ومَرَقَتْ أَخْرَى (4)، وفَسَقَ آخَرُونَ كأَنَّهم لم يَسْمَعُوا اللّه سُبْحَانَهُ يقُولُ: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (5). بلى واللّه لَقَد سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا، وَلكِنَّهُم حَلِيَتِ (6)الدُّنْيَا في أَعْيُنِهِم، وراقهم زِبْرِجُهَا (7).

أَمَا والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وبَرَأ النَّسَمَةَ (8)لولا حُضُورُ الحَاضِرِ، وقِيَامُ الحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللّه عَلَى العُلَمَاء أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِفَّةِ ظَالِمٍ(9)،


1) إشارة إلى غاية ازدحامهم عليه وهي وطء ولديه الحسن والحسين، وشق ردائه بالجذب عند خطابه والجلوس على جانبه.. وحكى السيد المرتضى (رضیَ اللّهُ عنهُ) أن أبا عمر محمد بن عبد الواحد غلام ثعلب روى في قوله وطئ الحسنان أنهما الإبهامان وقد يكون أصاب. المحقق.

2) حاشية: العطاف الرداء، وفي شرح ابن ميثم: العطاف: الرداء، وروي عطفاي وعطفا الرجل: جانباه من لدن رأسه إلى ركبته.

3) الربيض، والربيضة : الغنم برعاتها المجتمعة، ومرابضها.

4) مروق السهم: خروجه من الرمية.

5) القصص 28/83.

6) كذا في ع أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة: حُلِيَت، وفي ج: حَلِيَت، وبحاشيتها عن نسخة: حُلّيت، وفي أخرى: احلولت.

7) الزبرج بكسر الزاي والراء: الزينة.

8) النسمة : الإنسان، وقد يستعمل فيما عداه من الحيوان.

9) حاشية: الكظة: البطنة، وفي شرح ابن ميثم 1 / 174 : المقارة: إقرار كل واحد صاحبه على الأمر وتراضيهما به والكظة البطنة.

ولا سَغَبٍ (1)مَظْلُوم لألقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا(2)، ولَسَقَيْتُ آخِرَهَا بكأس أوَّلِهَا، ولألْفَيْتُم دُنْيَاكُم هذهِ عِنْدِي أَزْهَدَ (3)مِن عَفْطَةِ (4)عَنْزِ.

قَالُوا: َوقَامَ إِليهِ رَجُلٌ من أهْلِ السَّوَادِ عِندَ بُلُوغِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى هذا المَوْضِعِ مِن خُطْبَتِهِ فَنَاوَلَهُ كِتَابًا، فَأَقْبَلَ يَنْظُرُ فِيهِ، فلما فَرَغَ مِن قِرَاءتِهِ قَالَ له ابنُ عَبَّاس رَحْمَةُ اللّه عليهِ : يا أمير المؤمِنينَ (5)لو اطَّرَدْتَ المقَالَةَ (6)من حَيْثُ أَفْضَيْتَ، فَقَالَ : هيهَاتَ يا بنَ عَبَّاس تِلْكَ شِقْشِقَةٌ (7)هَدَرَتْ ثمَّ قَرَّتْ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَوَاللّه مَا أَسِفْتُ عَلَى كَلَامٍ قَطُّ كَأْسَفِي على ذلِكَ الكَلام ألَّا يَكُونَ أمير المؤمنينَ (8)بَلَغَ مِنهُ حَيْثُ أَرَادَ.

قَوْلُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذهِ الخَطْبَةِ (9): كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لهَا خَرَمَ، وإن أَسْلَسَ لهَا تَقَدَّمَ يُرِيدُ أَنَّهُ إِذَا شَدَّدَ عَليهَا فِي جَذْبِ الزِّمَامِ وهي


1) السغب في القاموس: الجوع.

2) الغارب : أعلى كتف الناقة؛ وفي المنهاج 1 / 130، أي : تركتها وتخليت منها، والغارب: أعلى السنام.

3) ع: أهون.

4) حاشية: اللفط والعفط نثير الضأن، يقال: نثرت الشاة، إذا طرحت من أنفها، والأولى هي العفطة، وفي الحاشية أيضًا بخط الرضي عطسة عنز، وفي شرح ابن ميثم: العفطة من الشاة كالعطاس من الإنسان، وقيل: هي الجيفة.

5) رحمة اللّه عليه يا أمير المؤمنين: ليست في ع.

6) في حاشية الأصل عن نسخة: مقالتك.

7) حاشية: الشقشقة ما يتدلى من فم البعير الهائج.

8) بعدها في ع: (عَلَيهِ السَّلَامُ).

9) قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليس في ع.

تُنَازِعُهُ رَأسَهَا خَرَمَ أَنْفَهَا، وإن أرْخَى هَا شَيْئًا مع صُعُوبَتِهَا تَقَحَمَتْ به فلَم يَمْلِكُهَا. ويُقَالُ: أَشْنَقَ النَّاقَةَ إِذَا جَذَبَ رَأْسَهَا بِالزِّمَامِ فَرَفَعَهُ، وشَنَقَهَا أيضًا، ذَكَرَ ذلِك ابنُ السِّكِّيتِ في إصْلاح المنطق، وإِنَّما قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): أشْنَقَ لهَا، ولَمْ يَقُلْ : أَشْنَقَهَا؛ لأَنَّهُ جَعَلَهُ (1)في مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ : أَسْلَسَ لهَا، فَكَأَنَّهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ : إِن رَفَعَ لَهَا رأسَهَا بِالزِّمَامِ يَعْنِي أَمْسَكَهُ عَلَيْهَا(2)، وفي الحديث أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) خطب الناس وهو على ناقة قد شنق لها وهي تَقْصَعُ بِجِرَّتها، ومن الشاهد على أن أشنق بمعنى شنق قول عَدِي بن زيد العِبادي:

ساءها ما بنا تبيَّن في الأي***دي وإشناقُها إلى الأعناق

أي: تعلقها.


1) س، ع: جعلها.

2) من قوله : (وفي الحديث) إلى نهاية الشرح من حاشية الأصل وبجنبه صح، وهو في حاشية س بخط مختلف وليس في ج، ولا في ع، ولا في مصدر سابق، وقد وقف السيد عبد الزهراء على الخطبة الشقشقية في كتابه مصدر سابق 309/1 - 324 مطولا، وهي بالرقم نفسه فيه، ومما ذكره أنه (قد تكون هذه الخطبة هي الباعث الأول، والسبب الأكبر لمحاولة تزييف نهج البلاغة بإثارة الشبهات الواهية حوله)، وهي بالرقم نفسه في الشرح 1 / 118، وذكر أن في هذا الفصل من باب البديع عشرة ألفاظ، وفيه مبحث ب «التعريف بأبي بكر» وآخر حول «تأمير أسامة بن زيد»، وآخر حول عهد أبي بكر بالخلافة إلى عمر، وآخر فيه «نبذة من أخبار عمر بن الخطاب» وآخر حول قصة الشورى، وختم ببحث بعنوان «نبذة من أخبار عثمان بن عفان»، وبالرقم نفسه في شرح ابن ميثم، وذكر قطب الدين في منهاجه 131 - 133 سنده لهذه الخطبة، وينتهي إلى عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس.

[4] ومن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[4] ومن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)

بِنَا اهْتَدَيْتُم في الظَّلَمَاءِ، وتَسَنَّمْتُم (2)العَلْيَاءَ، وبِنَا انْفَجَرْتُم عَنِ السَّرَار (3)، وُقِرَ (4)سَمْعٌ لم يَفْقَهِ (5)الوَاعِيَةَ (6)، كيفَ يُرَاعِي النَّبَّأةَ(7)من أصَمَّتْهُ الصَّيْحَةُ، رُبطَ جَنَانٌ لم يُفَارِقْهُ الخَفَقَانُ. مَازِلْتُ أنْتَظِرُ بِكُم عَوَاقِبَ الغَدْرِ، وأَتَوَسَّمُكُم (8)بِحِلْيَةِ المُغْتَرِّينَ (9)، سَتَرَنِي عنكُم جِلْبَابُ الدِّينِ، وبَصَّرَنِيكُم صِدْقُ النِّيَّةِ. أَقَمْتُ لكُم على سَنَن (10)الحَقِّ وفي جَوَادُ المَضَلَّةِ (11)حيثُ تَلتَقُونَ ولا دليل، وتَحْتَفِرُونَ ولا تُميهُونَ (12).


1) في الشرح 1/ 159 تكملة للعنوان هو : «في هداية الناس وكمال يقينه».

2) أي ركبتم سنامها، وسنام كل شيء أعلاه، وفي المنهاج 136/1 «قال أبو علي مسكويه خطبها أمير المؤمنين الا بعد مقتل طلحة والزبير».

3) بفتح السين وكسرها وفوقها معا في ج، والسرار في شرح ابن ميثم 1/ 185 الليلة أو الليلتان في آخر الشهر يستتر فيها القمر.

4) الوقر : الثقل في السمع.

5) فقهت الأمر : فهمته.

6) حاشية: الواعية: الصارخة والصيحة، وكأنها فاعلة بمعنى مفعولةٍ، أي موعية، والمعنى من سمعها لم ينسها، ويكون كماء دافق بمعنى مدفوق.

7) النبأ: الصوت الخفي.

8) السمة: العلامة.

9) ج: المُغْتَبرَّين.

10) سنن الحق: وجهه وطريقه.

11) الضاد مكسورة في س، وكذا في ج أيضًا، ورسمت الفتحة فيها بمداد أحمر فوقها.

12) ماهت البئر : خروج مائها.

اليَوْمَ أُنْطِقُ لكم العَجْمَاءَ ذَاتَ البَيَانِ ! عَزَبَ (1)رَأيُ امْرِي تَخَلَّفَ عَنِّي. ما شَكَكْتُ فِي الحَقِّ مِنْ أُرِيتُهُ، لم يُوجِسْ (2)مُوسَى خِيْفَةٌ (3)عَلَى نَفْسِهِ، مذ أَشْفَقَ (4)من غَلَبَةِ الجُهَّالِ ودُوَلِ الضُّلَّالِ. اليَوْمَ تَوَاقَفْنَا عَلَى سَبِيلِ الحق والباطل. من وَيْقَ بمَاءٍ لم يظْمَا (5).


1) عزب: غاب.

2) أوجس: هجس وأحس.

3) حاشية : معناه : لم يوجس موسى ولم يخف على نفسه كخيفته من غلبة الجهال..

4) ع: بل أشفق.

5) بالرقم نفسه في الشرح 159/1، وذكر ابن أبي الحديد أنها «من خطبة طويلة منسوبة إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد زاد فيها قوم أشياء حملتهم عليها أهواؤهم، لا توافق ألفاظها طريقته في الخطب، ولا تناسب فصاحتها فصاحته، وبالرقم نفسه أيضًا في مصدر سابق 1/ 327 - 328، وذكر مؤلفه في 327/1 عن شرح ابن ميثم البحراني للنهج أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطب هذه الخطبة بعد مصرع طلحة والزبير، وانهزام أصحاب الجمل وكذا به في 1/ 185، وذكر قطب الدين في المنهاج 142/1 سنده في رواية الخطبة، وذكر أنها عن الحسن العسكري، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

[5] ومن كَلَامِ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) «5 أ» لمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَخَاطَبَهُ العَبَّاسُ وأبو سُفْيَانَ بنُ حَرْبِ فِي أَن يُبَايِعَاه بالخِلافَةِ

أَيُّهَا النَّاسُ، شُقُوا أَمْوَاجَ الفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجاةِ(1)، وعَرْجُوا عن طَرِيقِ المُنافَرَةِ، وَضَعُوا تِيْجَانَ الْمُفَاخَرَةِ (2). أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحِ (3)أو اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ (4). مَاءٌ آجِنٌ (5)، يَغَضُّ بها اكِلُهَا (6). ومُجتني الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِبْنَاعِهَا كَالزَّارِع بِغَيْرِ أَرْضِهِ (7). فَإِن أَقُلْ يَقُولُوا:


1) حاشية سفن النجاة هم أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وكذا في المنهاج 1 / 146، وفي شرح بن ميثم 1851 :قوله شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة شبه الفتنة بالبحر المتلاطم، ووجه المشابهة ظاهر لاشتراك البحر والفتنة عند هياجها، واستعار بسفن النجاة لكل ما يكون وسيلة إلى الخلاص من الفتنة.

2) أمر لهم بالعدول عن طريق المنافرة إلى ما يوجب سكون الفتنة، وقوله: وضعوا تيجان المفاخرة أمر بطريق آخر من طرق النجاة، وهي ترك المفاخرة.

3) إشار إلى أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)ا ناصر له.

4) كذا في حاشية الأصل، وفي الأصل استراح، وفي شرح ابن ميثم 90/1: إشارة إلى أنه كيف ينبغي أن يكون حال المتصدي، فحكم بالفوز لمن له أعوان وأنصار، وحكم بالنجاة للمستسلم، وفي هذا الكلام تنبيه على قلة ناصره.

5) في المعارج :102: الآجن : الماء المتغير، ومثله الآسن.

6) ماء آجن ولقمة يغصُّ بها :آكلها تنبيه إلى أن المطالب الدنيوية مشوبة بالكدر والتغير والنقص، وكنى بهما (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليسكّن بذلك فورة من استنهضه من بني هاشم.

7) الجملة تنبيه أيضًا على أن الوقت ليس وقت طلب لهذا الأمر لعدم وجود الناصر، أو لغير ذلك.

حَرَصَ عَلَى المُلْكِ، وإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا: جَزِعَ من المَوْتِ (1). هيهَاتَ بعد اللَّتَيَّا والَّتِي (2)واللّه لابْنُ أبِي طَالِبٍ آنسُ بِالمَوْتِ مِن الطِّفْلِ بثَدْي أُمِّهِ (3)، بل اندَمَجْتُ (4)على مَكْنُونِ عِلْمٍ لو بُحْتُ بِهِ لاضْطَرَبْتُم اضطِرَابَ الأرْشِيَةِ في الطَّوِيِّ (5)البَعِيْدَةِ (6).


1) حاشية: جزع من الموت: لأنه سكت ولم يقاتل القوم، وأشار ابن ميثم في شرحه 190/1 إلى أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): شكاية من الألسن والأوهام الفاسدة في حقه، وإشارة إلى أنه سواء أطلب الأمر أم سكت عنه فلابد من أن ينسب إلى الحرص أو الاهتمام بأمر الدنيا، وفي السكوت ينسب إلى الذلة والعجز والخوف من الموت.

2) في المعارج 87: بعد اللتيا والّتي: هو رجل من جديس تزوج امرأة قصيرة فقاسى منها الشدائد، فتزوج امرأة طويلة، فقاسى منها ضعف ما قاسي من الصغيرة، فطلقها وقال: بعد اللتيَّا والَّتي لا أتزوج أبدًا.

3) تقدیر مراده (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه بعد ملاقاته كبار الشدائد وصغارها أنسب إلى الجزع من الموت، ثم أكد تكذيبهم بالقسم أنه آنس بالموت من الطفل بثدي أمه.

4) حاشية : دمج الشيء دموجا، وأدمج، أي: دخل واستقرّ.

5) حاشية: البئر المطوية بالحجارة، وورد في شرح ابن ميثم 1/ 191 أن علمه بعواقب الأمور يوجب توقفه إذ كان ذلك مما وقفه عليه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

6) بالرقم نفسه في الشرح 1/ 163، وفيه بحث عن «أقسام الاستعارات»، وآخر بعنوان «من أحق الناس بالخلافة بعد النبي»، وبالرقم نفسه أيضًا في مصدر سابق 329/1 330، وذكر ابن ميثم في شرحه 189/1 وقطب الدين 146/1 أن 146/1 أن سبب هذه الخطبة ما روي أنه بعد بيعة الخليفة أبي بكر في السقيفة أراد أبو سفيان إيقاع الحرب بين المسلمين، فمضى إلى العباس وقال له: إن القوم ذهبوا بهذا الأمر عن بني هاشم وجعلوه في بني تيم فقم بنا ندخل على علي نبايعه و أنت عم رسول اللّه وأنا رجل مقبول القول في قريش فإن دافعونا عن ذلك قاتلناهم، فلما ذهبا إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطب بهم بهذه الخطبة، وبشأن سندها في المنهاج 147/1 قال القطب: «وأما إسناد رواية هذا الكلام وما بعده فيطول به الكتاب على أنه لم تحضرني أصول ذلك وقت إملائي هذا الشرح».

[6] ومِن كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما أشِيْرَ عليه بألا يتَّبِعَ طَلْحَةَ والزُّبَير ولا يُرْصِدَ لهما القِتَالَ

واللّه لا أكُونُ كالضَّبُعِ تَنَامُ علَى طُولِ اللَّدْمِ (1)حتَّى يَصِلَ إليها طَالِبُهَا ويَخْتِلَهَا (2)رَاصِدُهَا، ولكنّي أضْرِبُ بالمُقْبل إلى الحَقِّ المُدْبِرَ عَنهُ، وبالسَّامِعِ المُطِيعِ العَاصِيَ المُرِيْبَ أَبَدًا حَتَّى يَأْتِي عليَّ يَوْمِي، فواللّه مازِلْتُ مَدْفُوعًا عن حَقّي، مُسْتَأْثَرًا (3)عليَّ مُنذُ قَبَضَ اللّه تعالى نَبِيَّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حتَّى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا (4).


1) حاشية: اللدم: صوت الحجر على الأرض وليس بشديد، وقيل: إن الضبع إذا سمع اللدم خرج فصيد والحاشية في المنهاج 1 / 149، وروى ابن ميثم في شرحه 1/ 192 عن الأصمعي: اللدم: ضرب الحجر أو غيره على الأرض، قال: ويحكى أن الضبع تُستغل في جحرها بمثل ذلك فتسكن حتى تصاد، وقيل : هي من أحمق الحيوانات.

2) الختل: الخديعة.

3) استأثرت بالشيء: انفردت به.

4) بالرقم نفسه في الشرح 1 / 170، وفيه نقد للراوندي في نسبة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «واللّه لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم حتى تخرج فتصاد»، فنسب هذا الحديث الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وسبب وقوعه بهذا السهو وبغيره أنه كان ينظر وقت تصنيفه في صحاح الجوهري، وفيه أيضًا بحث بعنوان «التعريف بطلحة والزبير» وآخر بعنوان «طارق بن شهاب يستقبل عليّا» وفي هذا المبحث ذكر حول لقاء طارق بأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وهو من شيعته - بالربذة ودخول الحسن على أبيه، وما دار بينهما من حديث حول خروج أمير المؤمنين لقتال أصحاب الجمل، وهو بحث في غاية الأهمية، وطارق هو أبو حية الأحمسي يختلف في صحبته، وهو من المشاركين في جيوش الفتح أيام خلافة أبي بكر وعمر، وتوفي سنة إحدى وثمانين وقيل سنة اثنتين وله ترجمة في كتابي الموسوم ب«الثوية بقيع الكوفة»، وذكر ابن ميثم في شرحه 192/1 أن أبا عبيد روى أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أقبل من الطواف (وقد عزم على اتباع طلحة والزبير وقتالهما، فأشار إليه ابنه الحسن لا يتبعهما ولا يرصد لهما القتال، فقال في جوابه هذا الكلام)، وقد ورد مثل هذا في الشرح، والخطبة بالرقم نفسه أيضًا في مصدر سابق 331/1 - 332.

[7] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[7] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)

اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لأمرِهِم مِلاكًا(2)، واتَّخَذَهُم لهُ اشْتَرَاكًا (3)، فَبَاضَ وفَرَّخَ فِي صُدُورِهِم (4)، ودَبَّ ودَرَجَ (5)في حُجُورِهِم؛ فنَظَرَ بأَعْيُنِهِم، ونَطَقَ بالسِنَتِهِم، فرَكِبَ بِهم الزَّلَلَ، وزَيَّنَ لَهُمُ الخَطَل (6)، فِعْل (7)من قَد شَرِكَهُ (8)الشَّيْطانُ فِي سُلْطَانِهِ، ونَطَقَ بِالبَاطِلِ عَلَى لِسَانِهِ (9).


1) للعنوان بقية في الشرح 1 / 173 وهو: «في ذم أتباع الشيطان».

2) ع: مَالِكًا، وفي شرح ابن میثم: ملاك الأمر : ما يقوم به، ومنه القلب: ملاك الجسد، و في المنهاج،1521، أي: جعلوا وساوسه قوامًا لأمورهم.

3) الأشراك: يجوز أن يكون جمع شريك كشريف وأشراف، ويجوز أن يكون جمع شرك، وهي حبائل الصيد.

4) في المنهاج 1 152، أي: دعاهم إلى الذنوب فأجابوه.

5) الدبيب: المشي الخفيف والدرج: أقوى منه.

6) حاشية: الخطل : المنطق الفاسد.

7) ع: فُعِلَ، وهو سهو.

8) شَركَه: شاركه.

9) بالرقم نفسه في الشرح 1 / 173، وشرح ابن میثم 10 / 193 و مصدر سابق 333/1.

[8] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَعْنِي بِهِ الزُّبَيْرِ فِي حال اقتَضتْ ذلك

[8] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَعْنِي بِهِ الزُّبَيْرِ فِي حال اقتَضتْ ذلك (1)

يَزْعُمُ أَنَّهُ قَد بَايَعَ بيَدِهِ، ولَم يُبَايِعْ بِقَلْبِهِ، فَقَد أَقَرَّ بِالبَيْعَةِ، وادَّعَى الوَلِيجَةَ (2)، فليَأْتِ عَلَيْهَا بأَمْرِ يُعْرَفُ، وإِلَّا فَلْيَدْخُلْ فِيمَا خَرَجَ منهُ (3).

[9] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[9] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4)

وقَد أَرْعَدُوا وأَبْرَقُوا (5)، ومَعَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الفَشَلُ؛ فَلَسْنَا نُرْعِدُ حتَّى نُوقِعَ، ولا نُسِيلُ حَتَّى نُمْطِرَ (6).


1) في حال اقتضت ذلك، وهي في الشرح 174/1 أيضًا، وليست في س، ج، وفي ع: في حال اقتضت به ذلك.

2) الوليجة: الدخيلة في الأمر، وينظر ما ذكره ابن ميثم في شرحه 1/ 194 بشأنها، وفي المعارج 90 الوليجة: الرجل يكون في القوم وليس منهم بقلبه، يعني أنه أقر بالبيعة، وادّعى أنه ليس من الذين بايعوا بالقلوب.

3) الخطبة في مصدر سابق 334/1 - 335 بالرقم نفسه و نسبت للحسن قالها بأمر أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ردًّا على خطبة عبد اللّه بن الزبير يوم الجمل.

4) في الشرح 179/1 تكملة للعنوان :هي: «في صفة قوم أرعدوا وفشلهم في ذلك».

5) أرعد الرجل وأبرق إذا تهدد وتوعد، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ولسنا نرعد، إشارة إلى نفي تلك الرذيلة عن نفسه وأصحابه، وإثبات الفضيلة لهم.

6) بالرقم نفسه في الشرح 1 / 174، وروى أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال للزبير يوم بايعه: «إني لخائف أن تغدر بي وتنكث بيعتي، قال: لا تخافنّ، فإنّ ذلك لا يكون منّي أبدا، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فلي عليك بذلك راع وكفيل. قال : نعم اللّه لك عليّ راع وكفيل»، وفيه أيضًا بحث بعنوان «طلحة والزبير ينكثان البيعة»، وذكر عبد اللطيف الكوهكمري محقق المنهاج في هامش 154/1، أن معاوية لما وصله كتاب أمير المؤمنين يطلب بيعته كتب إلى الزبير يعلمه أنه بايعه وأخذ له بيعة أهل الشام، وبايع لطلحة من بعده، وطلب منه أخذ الكوفة والبصرة والمطالبة بدم عثمان، فلما وصله كتاب معاوية سر به وأعلم طلحة بمحتواه، فلم يشكا بما ورد فيه، وأجمعا عند ذلك على خلاف علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذكر السيد عبد الزهراء الخطيب في كتابه مصدر سابق 336/1 - 337 وهي بالرقم نفسه أن كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان بسبب أثر خطبة الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) بطلحة والزبير، فخطب طلحة وأرعد وأبرق، فلما بلغت خطبته الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال كلمته تلك.

[10] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ألا وإنَّ الشَّيْطَانَ قدْ جَمَعَ حِزْبَهُ، وَاسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَرَجَلَهُ. وَإِنَّ مَعِي لِبَصِيرَتي (1)، مَا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسي (2)، ولا لُبْسَ عَلَيَّ، وأيم اللّه لأُفْرِطَنَّ (3)هُم حَوْضًا أَنَا مَاتِكُهُ لا يَصْدُرُونَ عَنهُ، ولا يَعُودُونَ إِليه (4).


1) كذا في ع أيضًا، وفي، س، ج: وإنّ بصيرتي لمعي، والبصيرة: العقل.

2) في المعارج، قوله: ما لبست على نفسي: دلالة على نقاء سريرته وطهارة ذاته.

3) أفرطت الحوض: ملأته، والماتح: المستقي في حاشية الأصل وكذا في شرح ابن ميثم 1 / 195، وفي حاشية الأصل: لأفَرِطَنَّ.

4) بالرقم نفسه في الشرح 1 180، وذكر السيد عبد الزهراء الخطيب في مصدر سابق 1/ 338 - 339 بالرقم نفسه أن هذا الفصل جزء من خطبة خطبها (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذي قار، وقد رواها ابن ميثم كاملة في شرحه 1 / 233، وذكر الرضي فصولًا منها في ثلاثة مواضع من النهج مرَّ أولها، وثانيها خطبته برقم 22، وثالثها: برقم 137.

[11] ومِن كَلامِ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابْنِهِ مُحَمَّدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ لَمَّا أَعْطَاهُ الرَّايَةَ يَوْمَ الجَمَلِ

تَزُولُ الجِبَالُ ولا تَزُلْ، عَضَ (1)علَى نَاجِذِكَ (2)، أَعِرِ اللّه جُمْجُمَتَكَ، تِدْ فِي الأَرْضِ قَدَمَكَ، ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى القَوْمِ، وغُضَّ بَصَرَكَ، واعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مِن عِنْدِ اللّه سُبْحَانَه (3).

[12] ومِن كَلامٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

لَمّا أَظْفَرَهُ اللّه (4)بأَصْحَابِ الجَمَل، وقَد قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: وَدِدْتُ أنَّ أخى فُلانٌ (5)كانَ شَاهِدنا (6)لِيَرَى ما نَصَرَكَ اللّه به على أعدائكَ، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أهَوَى أَخِيكَ مَعَنَا ؟ قَالَ : نَعَم. قال : فقَد شَهِدَنَا،


1) بكسر الضاد وفتحها في ج، وفوقها معا، وبفتحها في ع.

2) الناجذ : السنّ بين الناب والضرس وقال الجوهري: هو أقصى الأضراس، وقيل: الأضراس كلها نواجذ.

3) بالرقم نفسه في الشرح 181/1، وفيه بحث بعنوان «وحشي يقتل حمزة» وآخر بعنوان «من أخبار محمد بن الحنفية» وكذا رقمها في مصدر سابق 1/ 340.

4) س ج : ظَفِرَ بأصحاب، وبعد لفظ الجلالة في ع: سبحانه.

5) كذا في ع أيضًا، فلانًا: ليست في س، ج.

6) كذا في ع أيضًا، وفي س، ج: شاهدًا.

واللّه لقَد شَهِدَنَا فِي عَسْكَرِنَا هَذَا قَوْمُ في أَصْلابِ الرِّجَالِ وأَرْحَامِ (1)النِّسَاءِ، سَيَرْعُفُ (2)بهم الزَّمَانُ «5 ب»، ويَقْوَى بهم الإيمَانُ (3).

[13] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي ذَمّ البَصْرَةِ وأهْلِهَا

كُنتُم جُنْدَ المَرْأَةِ(4)، وأَتْبَاعَ البَهِيمَةِ (5)، رَغَا فَأَجَبْتُم، وعُقِرَ (6)فهَرَبْتُم، أَخْلاقُكُم دِقَاقٌ، وعَهْدُكُم شِقَاقٌ، وَدِيْنُكُم نِفَاقٌ (7)، ومَاؤكُم


1) ع: وقرارات.

2) حاشية: رعَف الرجل يرعُف ويرعف : سبق وتقدم، والرعاف في شرح ابن ميثم 197/1 : الدم الخارج من أنف الإنسان.

3) بالرقم نفسه في الشرح 1 / 185، وفيه بحث بعنوان «علي ويوم الجمل»، وهو من البحوث التي تستحق إنعام النظر فيه روايات عن مروره على بعض صرعى يوم الجمل، منها أن أحد أصحابه قال له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد مرّ بطلحة «لقد مررت عليه بعد أن فقال: أصابه السهم وهو صريع، فصاح بي، من أصحاب من أنت؟ فقلت من أصحاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال: امدد يدك لأبايع لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فمددت يدي فبايعني لك، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أبى اللّه أن يدخل الجنة إلا وبيعتي في عنقه»، وهي رواية تحتاج إلى فضل تأمل، وبالرقم نفسه في مصدر سابق 1 / 341 - 342 وينظر تعليق المؤلف.

4) كونهم جند المرأة: أراد السيدة عائشة.

5) أراد بالبهيمة : الجمل الذي كان تحت عائشة، والرغاء: صوت الإبل خاصة.

6) العقر: الجرح.

7) الشقاق: الخلاف والافتراق، والنفاق: الخروج من الإيمان بالقلب.

زُعَاقٌ (1). المُقِيمُ بَينَ أظْهُرِكُم مُرْتَهَنٌ بذَنْبِهِ(2)، والشَّاخِصُ عَنْكُم مُتَدَارَكُ بِرَحْمَةٍ مِن رَبِّهِ، كَأَنِّي بِمَسْجِدِكُم كَجُوجُو سَفِينَةٍ قَد بَعَثَ اللّه عَليهَا العَذَابَ من فَوْقِهَا ومن تَحْتِهَا، وغُرْقَ (3)مَن فى ضِمْنِهَا.

وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وأيمُ اللّه لتُغْرَقَنَّ (4)بَلْدَتُكُم حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى مَسْجِدِهَا كَجُوجُوْ سَفِينَةٍ (5)أو نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ، وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى (6): كجُوجُو طَيْرِ في الجَةِ بَحْرٍ (7).

[14] ومن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي مِثْلِ ذَلِكَ

أرْضُكُم قَرِيبَةٌ من المَاءِ، بَعِيدَةٌ من السَّمَاءِ (8)، خَفَّتْ عُقُولُكُم،


1) زعاق: ملح.

2) في الحاشية: ذنبهم الذي هم مرتهنون به هو إقامتهم بين ظهرانيهم.

3) ع: وعرق.

4) بضم التاء وفتحها في ج وفوقها معا، ع: لَتَغَرَقَنَّ.

5) جؤجؤ السفينة صدرها، وكذلك الطائر.

6) س: ويروى.

7) بالرقم نفسه في الشرح 188/1، وفيه بحث بعنوان «أشعار وأراجيز في يوم الجمل»، وفيه أيضًا روايات جديرة بالنظر حول يوم الجمل ذاك، وبالرقم نفسه في مصدر سابق 1/ 333 - 348، وينظر تعليق المؤلف على ما أورده ابن أبي الحديد حولها، وبالرقم نفسه أيضًا في شرح ابن ميثم 1981، وذكر أن الأحنف بن قيس قال: يا أمير المؤمنين متى ذاك؟ فقال : إذا صارت أجمتكم قصورًا.

8) إشارة إلى أنها موضع هابط مستفل من الأرض وقريب من البحر، وبعدها عن السماء بحسب استفالها عن غيرها من الأرض.

وسَفِهَتْ (1)حُلُومُكُم، فأنتُم غَرَضٌ لِنَابِلِ، وأُكْلَةٌ (2)لآكِلِ، وفَرِيسَةٌ لِصَائلِ (3).

[15] ومِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِيمَا رَدَّهُ على المسلِمِين مِنْ قَطائع عُثْمَانَ

[15] ومِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4)فِيمَا رَدَّهُ على المسلِمِين مِنْ قَطائع (5)عُثْمَانَ

واللّه لَو وَجَدْتُهُ قَد تُزوّج بهِ النِّسَاءُ، ومُلِكَ بِهِ الإِمَاءُ لَرَدَدْتُهُ، فإنَّ في العَدْلِ سَعَةٌ، ومن ضَاقَ عليهِ العَدْلُ فالجَوْرُ علَيْهِ أضْيَقُ (6).


1) السفه: رذيلة تقابل الحلم.

2) الأكلة : اسم للمأكول.

3) بالرقم نفسه في الشرح 1/ 200 وشرح ابن ميثم 201/1، وكذا في مصدر سابق 348/1 - 349، ونقل المؤلف عن كتاب الجمل للشيخ المفيد 217، أن الخطبة المذكورة هي قسم من خطبة ذكرها المفيد عن كتاب الجمل للواقدي.

4) (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليست في س.

5) في المنهاج 1 / 166 : قطائع عثمان: ما أدى لبني أمية قطعها لأنفسهم خاصة من أرض الخراج يقال أقطعته قطيعة :أي: طائفة من أرض الخراج.

6) بالرقم نفسه في الشرح 201/1، وروى عن ابن عباس أن أمير المؤمنين خطبها في اليوم الثاني من بيعته، وهي بالرقم نفسه في مصدر سابق 349/1 - 351، وينظر أيضًا ما أورده المؤلف حولها، وقال ابن ميثم في شرحه 1 / 201، وهو فيه بالرقم نفسه : هذا الفصل مع فصول بعده من خطبة خطبها بالمدينة لما قتل عثمان، وبويع له؛ وقطائع عثمان في المنهاج 1 / 166 : ما أدى لبني أمية خاصة من أرض الخراج، ونحوها من أموال بيت المال.

[16] ومن خُطبَةِ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما بويع بالمدِينَةِ

[16] ومن خُطبَةِ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما بويع بالمدِينَةِ (1)

ذِمَّتِي بَمَا أَقُولُ رَهِينَةٌ (2)وأَنَا بِهِ زَعِيمُ (3)، إِنَّ مِن صَرَّحَتْ له العِبَرُ عما بين يَدَيهِ من المثلات (4)حَجَزَهُ التَّقْوَى عَن تَقَحُمِ (5)الشُّبُهَاتِ. ألا وإِنَّ بَلِيَّتَكُمْ (6)قد عَادَتْ كَهَيْأْتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللّه نَبِيَّهُ؛ والذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً، ولَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً، ولَتُساطُنَّ سَوْطَ القِدْرِ حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاكُمْ، وأعْلاكُمْ أَسْفَلَكُمْ، ولَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ (7)كَانُوا قَصَّرُوا، ولَيُقَصِّرَنَّ سَابِقُونَ (8)كَانُوا سَبَقُوا. واللّه مَا كَتَمْتُ وَشْمَةٌ، ولا كَذَبْتُ كَذَّبَةٌ (9)، ولقَدْ نُبِّثْتُ بهذا المقامِ وهَذَا اليَوْمِ (10).


1) بعدها في ج: بالخلافة.

2) الذمة: الحرمة والذمة: العهد، والرهينة: المرهونة.

3) الزعيم: الكفيل.

4) المثلات: العقوبات.

5) الحجز: المنع، وقحم في الأمر وتقحمه: رمى بنفسه فيه.

6) إشارة إلى ما هم عليه من اختلاف الأهواء، وتشتت الآراء، وعدم الألفة.

7) س: سباقون، وذكر ابن ميثم في شرحه 1 / 205 أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): إشارة إلى بعض نتائج تقلب الزمان بهم.

8) س، ج: سبَّاقون.

9) بفتح الكاف وكسرها في س، ج، وفوقها معا، والفتح أولى، لأن كذبة: مصدر مرة، وبالكسر مصدر هيئة، وفي شرح ابن ميثم 1 / 205 أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكتم أثرًا سمعه من رسول صلى اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وأنه لم يكذب قط، وهذا القسم شهادة لما قبله من الأخبار بما سيكون أنه كان.

10) أي مقام بيعة الخلق له واجتماعهم عليه.

ألا وإنَّ الخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أهْلُهَا، وخُلِعَتْ مُجُمُهَا فَتَقَدَّمَتْ (1)بهم في النَّارِ. ألا وإنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُل حُمِلَ عَلَيْهَا أهْلُهَا، وأَعْطُوا أزِمَّتَهَا فَأوْرَدَتْهُمُ الجَنَّةَ (2)، حَقٌّ َوبَاطِلٌ ولكُلِّ أهل (3)فَلَئِنْ أمِرَ البَاطِلُ (4)لَقَدِيا فَعَلَ، َولَئِنْ قلَّ الحَقُّ لَرُبَّما (5)ولَعَلَّ، ولَقَلَّما أدْبَرَ شَيْءٌ فَأَقْبَلَ (6).

وأقول (7): إِنْ في هذا الكلام الأدْنَى مِن مَوَاقِع الإِحْسَانِ ما لا تَبْلُغُهُ مَوَاقِعُ الاسْتِحْسَانِ، وإِنَّ حَطَّ العَجَبِ مِنْهُ أَكْثَرُ من حَظِّ العُجْبِ بِهِ، وفِيهِ مَع الحَالِ الَّتِي وَصَفْنَا رَفَائِدُ (8)من الفَصَاحَةِ لَا يَقُومُ بِهَا لِسَانٌ، ولا


1) في الأصل: فقَصَّمت وما أثبت في حاشية الأصل عن نسخة، وكذا في س، ج، ع، وذكر ابن ميثم في شرحه 205/1 استعمال لفظ الخيل للخطايا، ووصفها بالوصف المنفر، وهي كونها مع شموسها مخلوعة اللجم تتقحم براكبها المهالك.

2) استعار لفظ المطايا بالوصف الحسن الموجب للميل إليها، وهو كونها ذللاً.

3) أي : لكل من طريقي الحق والباطل قوم أعدهم القدر لسلوكها بحسب ما جرى في اللوح المحفوظ.

4) في المعارج قوله: فلئن أمر الباطل: كثر واشتدّ.

5) حاشية، أي: لربما يكثر وترجوا دولته - كذا - وفي المنهاج 169 وترجع دولته وذكر ابن ميثم في شرحه 206/1 في قوله: لربما ولعل تنبيه على أن الحق وإن قلّ فربما يعود يسيرًا.

6) استبعاد لرجوع الحق إلى الكثرة والقوة بعد قلته وضعفه وفي ذلك تنبيه لهم على لزوم الحق.

7) قبلها في الأصل: قال السيد الرضي (رحمة اللّه عليه)، وفي ع: قال السيد (رَحمهُ اللّه)، وقبلها في س: قال السيد. وكلمة (وأقول) ليست في س.

8) ع: زوائد.

يطَّلِعُ فَجَهَا إِنْسَانٌ، ولا يَعْرِفُ ما أقُولُهُ إلا من ضَرَبَ في هذهِ الصَّنَاعَةِ بِحَقِّ، وجَرَى فِيْهَا على عِرْقٍ (1)، «وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ» (2).

ومن هذهِ الخطبة (3): شُغِلَ مَن الجَنَّةُ والنَّارُ أمَامَهُ، سَاعَ سَرِيعُ نجا، وطَالِبٌ بطيءٌ رَجَا، ومُقَصِّرُ في النَّارِ (4). اليَمِينُ والشِّمَالُ مَضِلَّةٌ (5)، والطَّرِيقُ الوُسْطَى هي الجَادَّةُ (6)، عليها بَاقِي الكِتَابِ وآثارُ النُّبُوَّةِ، ومِنْهَا مَنْفَذُ السُّنَّةِ وإلَيْهَا مَصِيرُ العَاقِبَةِ. هَلَكَ من ادَّعَى وخَابَ من افْتَرَى. من أَبْدَى صَفْحَتَهُ (7)للحَقِّ هَلَكَ عِندَ جَهَلَةِ النَّاسِ، وَكَفَى بِالمَرءِ جَهْلًا أَلَّا يَعْرِفَ قَدْرَهُ.

لا يهْلِكُ على التَّقْوَى سِنْخُ (8)أصْلِ، ولا يظْمَأُ عَلَيْهِ زَرْعُ قَوْمٍ،


1) تعليق السيد تقدم على القسم الثاني من الخطبة في ع.

2) العنكبوت 43/29. وهي بالرقم نفسه في الشرح 203/1، وجاء قول الرضي فيها بعد قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «ولقلها أدبر شيء فأقبل»، كما في نسخة ع؛ وقال ابن ميثم في شرحه 1 / 203: «في هذا الفصل فصول من الخطبة التي أشرنا إليها في الكلام الذي قبله وكذلك في الفصل الذي بعده»، ثم أورد الخطبة بتمامها، وهي فيه بالرقم نفسه؛ وينظر في تخريجها مصدر سابق 1/ 354 - 356، وهي بالرقم نفسه فيه أيضًا، ونقل المؤلف عن غير مصدر أنها أول خطبة خطبها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالمدينة في خلافته.

3) ومن هذه الخطبة ليس في س، ج.

4) بعدها في ع: هوى.

5) ع: مُضِلَّة.

6) الجادة: معظم الطريق.

7) الصفحة: الجانب؛ وفي المعارج 436، أي من دعا الناس إلى جميع ما يعلم من الصواب لا يسلم منهم لشدة معاداتهم له.

8) السنخ: الأصل.

فاسْتَتِرُوا ببُيُوتِكُم، وأصْلِحُوا ذات بَيْنِكُم، والتَّوْبَةُ من وَرَائِكُمْ، ولا يَحْمَدُ حَامِدٌ إِلَّا رَبَّهُ، ولا يَلُمْ لائِمٌ إلا نَفْسَهُ. (1)

[17] ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصِفُ فِيهِ مَن يَتَصَدَّى للحُكْمِ بَيْنَ الأمَّة وَلَيْسَ لذَلكَ بِأَهْلِ

[17] ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصِفُ فِيهِ مَن (2)يَتَصَدَّى للحُكْمِ بَيْنَ الأمَّة وَلَيْسَ لذَلكَ بِأَهْلِ

إِنَّ أَبْغَضَ الخَلائِقِ إِلى اللّه تَعَالَى رَجُلانِ، رَجُلٌ وكَلَهُ اللّه إِلى نَفْسِهِ (3)فهُوَ جَائِرٌ (4)عن قَصْدِ السَّبِيلِ «6 أ»، مَشْغُوفٌ (5)بِكَلامِ بِدْعَةٍ، ودُعَاءِ ضَلالَةٍ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنْ افْتَتَنَ بِهِ (6)، ضَالَّ عن هُدَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مُضِلَّ لِمَنْ اقْتَدَى (7)بِهِ فِي حَيَاتِهِ وبَعْدَ وَفَاتِهِ، حَمَّالُ خَطَايَا غَيْرِهِ رَهْنٌ بخَطِيئَتِهِ.

ورَجُلٌ فَمَشَ (8)جَهْلًا، مُوْضِع (9)في جُهَّالِ الأُمَّةِ، غَارِ (10)في


1) في ع: ولا يَحْمُدَنَّ... يَلُومَنَّ.

2) كذا في ع أيضًا، وفي س، ج: ومن كلامه في صفة.

3) وكله إلى نفسه: جعل توكله عليها.

4) الجائر : العادل عن الطريق.

5) فلان مشغوف بكذا: إذا بلغ حبه إلى شغاف قلبه، وهو غلافه.

6) حاشية: أَصْلُ الفتن: الإحراق، يقال: فتنه فافتُتِن، وفتن بحق، بمعنى افتتن.

7) ع: اهتدى.

8) القمش: جمع الشيء المتفرق والمجموع: قماش.

9) الموضع: المسرع.

10) في ع، ج: غادٍ.

أغْبَاشِ (1)الفِتْنَةِ، عَمِ بِمَا فِي عَقْدِ الهُدْنَةِ، قد سَمَّاه أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِما وَلَيْسَ بِهِ بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعِ مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ، حَتَّى إِذَا ارتَوَى من آجن، واكْتَنَز (2)من غَيْرِ طَائِلِ جَلَسَ بينَ النَّاسِ قَاضِبًا ضَامِنًا لَتَخْلِيصٍ ما التبس على غَيْرِهِ، فإن نَزَلَتْ بهِ إحْدَى الْمُبْهَماتِ (3)هَيَّأَ لَهَا حَشْوًا رَثَّا (4)من رأيهِ، ثُمَّ قَطَعَ بِهِ، فَهُوَ مِن لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ العَنْكَبُوتِ لا يدْرِي أَصَابَ أم أَخْطَأ، إِنْ أَصَابَ خَافَ أَن يَكُونَ قد أَخْطَأَ، وإن أَخْطَأَ رَجَا أَن يَكُونَ قَدْ أَصَابَ. جَاهِلْ خَبَّاطُ جَهَالَاتٍ، عَاشٍ رَكَّابُ عَشَوَاتٍ (5)، لم يَعَضُّ عَلَى العِلْمِ بضِرْسٍ قَاطِعِ (6)، يُذْرِي الرِّوايَاتِ (7)إِذْرَاءَ الرِّيحِ الهَشِيمَ (8)لا مَلِيُّ (9)واللّه بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَليهِ، لَا يَحْسَبُ العِلْمَ في شَيْءٍ مَّا أَنْكَرَهُ، ولا يَدْرِي أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مِنْهُ مَذْهَبًا لِغَيْرِهِ، وإن أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اكْتَتَمَ بِهِ لَا يَعْلَمُ بِهِ (10)مِن جَهْلِ نَفْسِهِ،


1) الغبش: بقية الليل، وقيل: ظلمة آخر الليل.

2) اكتنز في المناج 1 / 177، أي اتخذ لنفسه كنزًا.

3) المبهمات: المشكلات، وأمر مبهم، إذا لم يعرف.

4) الرثّ: الضعيف البالي.

5) عشوت الطريق بضوء النار، إذا تبينته على ضعف.

6) لم يعض على العلم بضرس قاطع في المنهاج 1/ 177، أي لم يحكمه.

7) في المعارج 101: ي.

8) الهشيم: اليابس من نبت الأرض.

9) في الحاشية: لا ملّي: أصله الهمز من قولهم: ملؤ الرجل إذا صار ثقة، وقد ذهبت حروف أغلب النصف الثاني من الحاشية، وأفدتها من المنهاج 177/1.

10) به: ليست في ج.

تَصْرُخُ (1)من جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ، وتَعِجُ (2)منه المَوَارِيثُ. إلى اللّه من مَعْشَرٍ يعِيْشُونَ جُهَّالا ويَمُوتُونَ ضُلالا، ليس فِيهِمْ سِلْعَةُ أَبْوَرَ (3)من الكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاوَتِهِ ولا سِلْعَةُ أَنْفَقَ بَيْعًا ولا أَغْلَى ثَمَنَّا مِن الكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عن مَواضِعِهِ، ولا عِنْدَهُم أَنْكَرُ من المَعْرُوفِ، ولا أَعْرَفُ من المُنْكَرِ (4).

[18] ومن كَلامِ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذَمُ اخْتِلافِ العُلَماءِ فى الفُتْيا

تَرِدُ على أحَدِهِم القَضِيَّةُ فِي حُكْمِ من الأَحْكَامِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِرأيه، ثمَّ تَرِدُ تِلْكَ القَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَحْكُمُ فِيْهَا بِخِلافِ قَوْلِهِ، ثمَّ تَجْتَمِعُ القُضَاةُ بذلِكَ (5)عِنْدَ الإِمَامِ الذي اسْتَقْضَاهُم فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُم


1) بضم الراء وفتحها في ج، وفوقها معًا، وهو بالضم والفتح لأنه حلقي اللام، ينظر: محاضرات في علم الصرف 67.

2) في حاشية الأصل عن نسخة: تضح، والعجّ في شرح ابن ميثم: رفع الصوت.

3) ضبطها في الأصل بالرفع والنصب وفوقها معًا، وبالضم في س، ع، وفي الحاشية، يقال: بار المتاع، أي كسد.

4) من قوله : ليس فيهم سلعة إلى نهاية الخطبة ليس في ج، وألحق في حاشيتها بحبر مختلف، وفي :الحاشية بارت السلعة: كسدت. والكلام في الشرح 209/1 بالرقم نفسه، وكذا في شرح ابن ميثم 1 / 212 وفيه: البائر : الفاسد، وينظر في التخريج مصدر سابق 359/1 - 361.

5) خطأ في ترتيب الأوراق بنسخة س فتقدمت الورقة 13 ومكانها بعد التي تليها.

جَمِيعًا، وإلههم وَاحِدٌ، ونَبيُّهُم وَاحِدٌ وكِتَابُهُم واحِدٌ! أفَأَمَرَهُمُ اللّه سُبْحَانَهُ بِالاخْتِلافِ فَأَطَاعُوهُ؟ أَمْ نَهَاهُم عَنْهُ فَعَصَوهُ؟(1)أَم أَنْزَلَ اللّه تَعَالَى دِيْنًا نَاقِصًا فَاسْتَعَانَ بِهِم عَلَى إِثْمَامِهِ؟ أَم كَانُوا شُرَكَاءَ لَهُ فَلَهُم (2)أَن يَقُولُوا وعَلَيْهِ أَن يَرْضَى ؟ أم أَنْزَلَ اللّه تَعَالَى دِيْنًا تَامَّا فَقَصَّرَ الرَّسُولُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عنْ تَبْلِيغِهِ وأدَائِهِ ؟ واللّه سُبْحَانَهُ يَقُولُ : «مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ» (3)وَفِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شيءٍ، وذَكَرَ أنَّ الكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وأَنَّه لا اخْتِلافَ فِيهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ (4)«وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّه لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا» (5)، وإنَّ القُرآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقُ (6)وَبَاطِنُهُ عَمِيْقٌ لا تَفْنَى عَجَائِبُهُ، ولا تنقَضِي غَرَائِبُهُ، ولا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إلَّا به (7).


1) من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (أم أنزل... أن يرضى) ساقط من ج.

2) الصفحات من 2 - 16 في نسخة ابن المؤدب (ب) كتبت بخط حديث، رجح عند السيد محمود المرعشي أنه من خطوط القرن العاشر أو الحادي عشر، وبداية الخط الأصلي منها في الصفحة 17 من النسخة، وقد أهملت مقابلة تلك الصفحات الحداثتها، وتبدأ المقابلة من بداية الأصل.

3) الأنعام 6 / 38.

4) سبحانه ليست في س.

5) النساء 82/4.

6) الأنيق: الحسن المعجب.

7) بالرقم نفسه في الشرح 212/1، وكذا في شرح ابن ميثم، وينظر في تخريج كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مصدر سابق 362/1 - 366، وهي بالرقم نفسه فيه، وقال المؤلف : (الظاهر من رواية محمد بن طلحة الشافعي لهذا الكلام أنه تابع لما قبله، فقد رواهما بمسرد واحد 141/1 من كتابه مطالب السؤول)، وينظر أيضًا تعليقه في كتابه المذكور.

[19] ومِن كَلامِ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالَهُ للأشعَثِ بن قيس وهو على مِنْبَرِ الكُوفَةِ يَخْطُبُ

فمَضَى في بعضِ كَلامِهِ شَيْءٍ اعْتَرَضَهُ الأشْعَثُ، فقال: يا أمِيرَ المؤمِنِينَ : هذهِ عليكَ لا لكَ، فَخَفَضَ إِلَيْهِ بَصَرَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)، ثمَّ قَال:

ومَا يُدْرِيكَ مَا عَلَيَّ مَا لي (2)عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللّه ولَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ (3)، حَائِكَ ابنُ حَائِكِ (4)، مُنَافِقٌ ابنُ كَافِرِ. واللّه لقد أسَرَك الكُفْرُ مَرَّةٌ، والإسلامُ أخرَى، فَمَا فَدَاكَ مِن وَاحِدَةٍ مِنْهُما مَالُكَ ولا حَسَبُكَ (5)،


1) (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليست في س، ج، ع، والأشعث اسمه معد يكرب بن قيس، عد مع الصحابة، ومن المرتدين وكان مصدر قلق وخلاف منذ دخوله الإسلام، وهو من أسباب فشل مشروع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هلك بالكوفة سنة أربعين للّهجرة، وله ترجمة في كتابي الموسوم ب(الثوية بقيع الكوفة 1/ 58 - 61).

2) قوله : (وما يدريك ما علّي مما لي): إشارة إلى أنه جاهل، وليس للجاهل أن يعترض عليه.

3) استحقاقه اللعن ليس لاعتراضه ولا لكونه ابن كافر، بل لكونه من المنافقين بشهادة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والمنافق مستحق للعن.

4) روي أنه كان هو وأبوه ينسجان برود اليمن، وقال آخرون : إن الأشعث لم يكن حائكًا لأنه من أبناء ملوك كندة، وإنما عيره بذلك لأنه كان إذا مشى يحرك منكبيه ويفحج بين رجليه، وهذه المشية تعرف بالحياكة.

5) حاشية: الحسب الشرف، وهو ما يحتسب به، ويكون الحسب العرض.

وإِنَّ امْرَأَ دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ السَّيْفَ، وَسَاقَ إِلَيْهِمُ الحَتْفَ خَرِيٌّ أنْ يَمْقُتَهُ (1)الأقْرَبُ ولا يأمَنَهُ الأبْعَدُ.

يُرِيدُ (2)أَنَّهُ أُسِرَ في الكُفْرِ مَرَّةً، وفي الإسلام مَرَّة، وأمَّا قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3): دَلَّ على قَوْمِهِ السَّيْفَ فأرادَ بِهِ حَدِيثًا كَانَ لِلْأَشْعَثِ مَعَ خالد بن الوَلِيدِ ِباليَمَامَةِ غَرَّ فيه(4)قَومَهُ ومَكَرَ بِهِمْ حَتَّى أَوْقَع بهِمْ خَالِدٌ (5)، وَكَانَ قَوْمُهُ بَعْدَ ذلكَ يُسَمُّونَهُ عُرْفَ النَّارِ، وهو اسْمٌ للغَادِرِ عِنْدَهُم (6).


1) الحتف: لهلاك، والمقت: البغض.

2) قبلها في الأصل قال السيد، وليس في ب، ع.

3) (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليست في س.

4) في الحاشية بهم وبجانبها صح.

5) ينظر ما ذكره ابن ميثم في شرحه 221/1 من أن الذي أسره هو عكرمة بن أبي جهل وليس خالد بن الوليد، وفي المعارج 104: أسره خالد بن الوليد، وذكر زواجه بأم فروة بنت أبي قحافة وما فعله بعد خروجه من مجلس العقد من نحر كل الإبل والأغنام التي رآها، وعوض أصحابها، وضرب به المثل فقيل: أولم من الأشعث، وينظر تعقيب المؤلف.

6) بالرقم نفسه في الشرح 215/1، وذكر الشارح أن الكلام الذي اعترضه الأشعث كان في خطبة ذكر فيها أمر الحكمين، والخطبة المشار إليها برقم 177 في هذا المطبوع، وفيه بحث بعنوان «من أخبار الأشعث بن قيس»؛ والكلام بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم ومصدر سابق 1 / 368 - 369 وينظر أيضًا تعليق المؤلف على كلمة (حائك) لأنها في مصدر آخر (حائد) وهو المنحرف.

[20] ومن خُطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[20] ومن خُطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)

فإِنَّكُم لَو عَايَنْتُم مَا قَدْ عَايَنَ مَن مَاتَ مِنْكُم لَجَزِعْتُم ووَهِلْتُم (2)وسَمِعْتُم وأطَعْتُم، ولكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُم مَا قد (3)عَايَنُوا؛ وعَن (4)قَرِيبٍ ما (5)يُطْرَحُ الحِجَابُ، ولَقَد بُصِّرْتُم إِنْ أَبْصَرْتُم، وأُسْمِعْتُم إِن سَمِعْتُم، وهُدِيْتُم إِن اهْتَدَيْتُم. بِحَقِّ أقُولُ لكُم: لَقَد جَاهَرَتْكُمُ العِبَرُ، وزُجِرْتُم بِمَا فيهِ مُزْدَجَر، ومَا يُبَلِّغُ عنِ اللّه بَعْدَ رُسُلِ السَّمَاءِ إِلَّا البَشَرُ (6).

[21] ومن خُطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

فإِنَّ الغَايَةَ أَمَامَكُم، وإِنَّ ورَاءَكُم السَّاعَةَ تَحْدُوكُم (7)، تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا (8)، فإنَّما يُنتَظَرُ بأوَّلِكُم آخِرُكُم.


1) بعدها في الشرح 1 / 220« في تهويل ما بعد الموت».

2) الوهل بالتحريك: الفزع، يقال: وَهِلَ يَوْهَل وَهَلاً: فزع.

3) قد : ليست في ب، س، ج، ع.

4) عن: ليست في ب، س، ج.

5) ما: ساقطة من الأصل، وهي في ب، س، ع.

6) بالرقم نفسه في الشرح 1 220، وكذا في شرح ابن ميثم 224/1، وفي مصدر سابق 370/1.

7) المراد بالساعة: القيامة الصغرى، وهي ضرورة الموت والسابق هو الفائز برضوان اللّه.

8) تخففوا: كنية عن الزهد الحقيقي الذي هو أقوى أسباب السلوك إلى اللّه سبحانه، وتلحقوا، أي: تلحقوا بدرجات السابقين الذين هم أولياء اللّه.

وأَقُولُ (1): إِنَّ هذا الكلام لَو وُزِنَ بَعْدَ كَلامِ اللّه سُبْحَانَه، وَبَعْدَ (2)كَلامِ النَّبِي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3)بِكُلِّ كَلامِ لَمالَ بِهِ رَاجِحًا، وبَرَّزَ عَلَيْهِ (4)سَابِقًا، فأمَّا قَولُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَمَا سُمِعَ كَلامٌ أَقَلُّ منه مَسْمُوعًا، ولا أَكْثَرُ منه مَحْصُولًا. ومَا أَبْعَدَ غَيْرَهَا من كَلِمَةٍ، وأنْقَعَ نَطْقَتَه (5)من حِكْمَةٍ، وقَد نَبَّهُنَا فِي كِتَابِ الخَصَائِصِ على عِظَمِ (6)قَدْرِهَا وَشَرَفِهَا (7)، وشَرَفِ جَوْهَرِهَا (8).

[22] ومن خُطبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[22] ومن خُطبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (9)

ألا وإنَّ الشَّيْطَانَ قَد ذَمَّرَ (10)حِزْبَهُ، واسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ (11)لِيَعُودَ


1) قبلها في الأصل قال السيد، وليس في ب، ع، وأقول : ليست في س.

2) وبعد: ليست في ب.

3) س، ج: وكلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم، ب، ع: وآله.

4) حاشية : برز الرجل : فاق أصحابه.

5) ع: لطفَتَهَا، وفي الحاشية: نقع الماء العطش نقوعًا: سكته.

6) في الأصل: عُظم، وما أثبت في س، ب، ج.

7) وشرفها: ليست في ج.

8) بالرقم نفسه في الشرح 221/1، وبالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 224/1، وفي مصدر سابق، وذكر المؤلف أن الفقرات المذكورة هي من خطبة خطبها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أول خلافته، وقال: إن الرضي رواها في النهج برقم 165، والخطبة في هذه الطبعة برقم 167.

9) بعدها في الشرح 222/1 بعدما اتهموه بقتل عثمان.

10) ذمر مخففًا ومشدّدًا، أي: حثّ.

11) س ب: واستجلب جَلَبَهُ، وفي حاشية ب عن نسخة: خيله، وفي ع: واستحْلَبَ حَلَبَهُ، والجلب بحسب ابن ميثم في شرحه 226/1 : الجماعة من الناس.

الجَوْرُ إِلى أَوْطَانِهِ، ويَرْجِعَ البَاطِلُ (1)في (2)نِصَابِهِ. واللّه ما أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَرًا، ولا جَعَلُوا بَيْنِي وبَيْنَهُم نِصْفَا (3)، وإنَّهُم لَيَطلُبُونَ حَقًّا تَرَكُوهُ، ودَمّا هُم سَفَكُوهُ (4)، فَلَئن (5)كُنْتُ شَرِيكَهُم فِيهِ فَإِنَّ لَهُم لَنَصِيبَهُم مِنه وَلَئِن كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَما التَّبِعَةُ (6)إِلا عِنْدَهُم، وإِنَّ أعظَمَ حُجَّتِهِم لَعَلَى أَنفُسِهِم، يَرْتَضِعُونَ أُمَّا قَد فَطَمَتْ (7)، ويُحْيُونَ بِدْعَةً قَد أُمِيتَتْ. يَا خَيْبَةَ الدَّاعِي! مَنْ دَعَا؟ وإلى مَا أُجِيبَ؟ وإِنِّي لَرَاضٍ بِحُجَّةِ اللّه علَيهِم، وعِلْمِهِ فِيهم؛ فإن أبوا أعْطَيْتُهم حَدَّ السَّيْفِ، وكَفَى بِه شَافِيًا من البَاطِلِ ونَاصِرًا للحَقِّ. ومِنَ العَجَبِ بِعْتَتُهُم إليَّ أن أبرُزَ للطعَانِ، وأن أصْبِرَ للجلادِ. هَبِلَتْهُمُ الهَبُولُ (8)، لقد كُنْتُ ومَا أُهَدَّدُ بالحَرْبِ، ولا أُرَهَّبُ بالضَّرْبِ، وإنِّي لَعَلى (9)


1) بالنصب في الأصل، وما أثبت في س، ب، وبالرفع في ج، ورسم فتحة فوق الضمة بمداد أحمر.

2) ج: إلى.

3) حاشية : النّصف النصفةُ، وأيضًا شطر الشيء. ع: نَصْفًا، وفي شرح ابن ميثم 226/1 النصفةُ: الاسم من الإنصاف، وأشار بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أنهم لو وضعوا العدل بينهم وبينه لظهر أن دعواهم باطلة.

4) إشارة إلى طلبهم لدم عثمان مع كونهم شركاء فيه.

5) ب : فإن.

6) التبعة: ما يلحق الإنسان.

7) بعدها في ع: دوني. وجاء في الحاشية: أي: يسعون فيما لا يجدي عليهم.

8) هبلتهم الهبول: ثكلتهم الثواكل، وهي من أدعية العرب.

9) كذا في ب، وفي ج، ع: على يقين.

يقين من رَبِّي، وغَيْرِ شُبْهَةٍ من دِينِي (1).

[23] ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[23] ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2)

أما بَعْدُ فإنَّ الأمرَ يَنْزِلُ من السَّماءِ إلى الأَرْضِ كَفَطْرِ المَطَرِ إلى كُلِّ نَفْسٍ بِما قُسِمَ لَهَا من زِيَادَةٍ أو نُقْصَانٍ، فإذا رأى أحَدُكُم لأخِيهِ غَفِيرةً (3)«7أ» في أهل أو مَالٍ أو نَفْس؛ فلا تَكُونَنَّ لَه فِتْنَةٌ، فإِنَّ المَرْءَ الْمُسْلِمَ(4)مَا لم يَغْشَ دَنَاءَةً تَظْهَرُ فَيَخْشَعُ لَهَا إِذَا ذُكِرَتْ، ويُغْرَى (5)بِهَ (6)لِئَامُ النَّاسِ كَانَ (7)كالفَالِجِ اليَاسِرِ (8)الَّذِي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ


1) بالرقم نفسه في الشرح 1 / 222، وفيه مبحث بعنوان «خطبة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المدينة»، وهي عن المدائني رواها عن عبد اللّه بن جنادة، وآخر بعنوان «خطبته عند مسيره إلى البصرة»، وآخر بعنوان «خطبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذي قار» ورواها عن أبي مخنف، عن زيد بن صوحان، والمباحث جديرة بالمراجعة وقال ابن ميثم في شرحه 226/1، وهي فيه بالرقم نفسه : إن أكثر هذا الفصل من الخطبة التي خطبها حين بلغه أن طلحة والزبير خلعا بيعته، وذكر الخطبة ابن ميثم (رَحمهُ اللّه) بأكملها فراجع، وكذا في مصدر سابق 1/ 373 وذكر المؤلف أن الخطبة المذكورة مقتطعة من غيرها، وينظر ما أورده بصددها، وهي بالرقم نفسه فيه.

2) بعدها في الشرح 128/1 في قسمة الأرزاق بين الناس.

3) في الحاشية: يريد بالغفيرة الزيادة.

4) بعدها في ع، ب: البريء من الخيانة.

5) بالتاء والياء في ب، وفوقها معا.

6) كذا أيضًا في ع، ج، ب، وفي حاشية الأصل: به وبجنبها صح.

7) كان: ليست في ج.

8) حاشية الياسر : اللاعب بالقداح والفالج في شرح ابن میثم 2/ 233 : الفائز.

فَوْزَةٍ من قِدَاحِهِ (1)تُوْجِبُ لَهُ المَغْنَمَ، ويُرْفَعُ عَنْهُ بِهَا المَغْرَمُ؛ وكَذلِك المَرْءُ المُسْلِمُ البَرِيءُ مِنَ الخِيَانَةِ يَنْتَظِرُ مِنَ اللّه تَعَالَى (2)إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ، إما دَاعِيَ اللّه (3)فَما عِندَ اللّه خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا رِزْقَ اللّه، فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلِ ومَالٍ، ومَعَهُ دِينُه وحَسَبُهُ إِنَّ المَالَ والبَنِينَ حَرْثُ الدُّنْيَا، والعَمَلَ الصَّالِحَ حَرثُ الآخِرَةِ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللّه لَأَقْوَامٍ؛ فَاحْذَرُوا مِنَ اللّه مَا حَذَّرَكُم مِنْ نَفْسِهِ، وَاخْشَوْهُ خَشْيَةٌ لَيْسَتْ بتَعْذِير(4)، واعْمَلُوا في غَيْرِ رياء ولا سُمْعَةٍ، فَإِنَّهُ مَن يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللّه يَكِلْهُ اللّه إلى مَنْ عَمِلَ لَهُ.

نسْألُ اللّه سُبْحَانَهُ (5)مَنَازِلَ الشُّهَداءِ، ومُعَايِشَةَ السُّعَدَاءِ، ومُرَافَقَة الأنبياء.

أيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ وإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ عن عَشِيرَتِهِ ودِفَاعِهِم عَنْهُ بأَيْدِيهِمْ والسِنَتِهِم، وهُم أَعْظَمُ النَّاسِ حَيْطَةٌ (6)من وَرَائِهِ، وأَلَمُهُم لِشَعَثِهِ(7)، وأعْطَفُهُم عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِن نَزَلَتْ بِهِ، ولِسَانُ الصِدْقِ يَجْعَلُهُ اللّه للمَرْءِ في النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ المالِ يُرِثُهُ غَيْرَهُ.


1) القداح: سهام الميسر التي يلعب بها.

2) من اللّه تعالى ليست في س، تعالى: ليست في ب، ع، ج.

3) داعي اللّه في المنهاج 194/1 : الموت.

4) التعذير: إظهار العذر ممن لا عذر في الحقيقة.

5) سبحانه: ليست في ب، ج، ع.

6) حاشية: حيَّطه: مثل سنه، وحيطة، الحياطة والحفظ.

7) اللّم : الجمع، والشعث: تفرق الأمر وانتشاره.

مِنْهَا: ألا لا يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُم عَنِ القَرَابَةِ يَرَى بِهَا الخَصَاصَةَ (1)أن يَسُدَّهَا بِالَّذِي لا يَزِيدُهُ إِن أَمْسَكَهُ، ولا يَنْقُصُهُ إِن أَهْلَكَهُ. ومَنْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ فَإِنَّمَا تُقْبَضُ منه عَنْهُم يَدٌ واحِدَةٌ، وتُقْبَضُ مِنْهُم عَنْهُ أَيْدِ كَثِيرَةٌ، ومَنْ تَلِن حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ من قَوْمِهِ المَوَدَّةَ.

ومَا (2)أَحْسَنَ هذَا (3)المَعْنَى الذِي أرادَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)(4)بقولِهِ : ومَن يَقْبضُ يَدَهُ عن عَشِيرَتِهِ إِلى تَمَامِ الكَلامِ (5)فإِن الْمُمْسِكَ خَيْرَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ إِنَّمَا يُمْسِكُ نَفْعَ يَدٍ وَاحِدَةٍ، فإذا احْتَاجَ إلى نُصْرَتهم وأضْطر إلى مُرَافَدَتِهم قَعَدُوا عَنْ نَصْرِهِ، وتَثَاقَلُوا عَنْ صَوْتِهِ، فَمُنِعَ تَرَافُدَ الأَيْدِي الكَثِيرَةِ وَتَنَاهُضَ الأقدام الجَمَّةِ (6).


1) حاشية: الخصاصة: الخلل.. وهاهنا العقّ، والخصاصة في المنهاج 1/ 195 : الفقر.

2) قبلها في الأصل : السيد (رضیَ اللّهُ عنهُ)، والزيادة ليست في س، ج، ع، ب

3) هذا: ساقطة من الأصل، وهي في س، ج، ب.

4) (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليست في س.

5) ومن يقبض يده عن عشيرته إلى تمام الكلام سقط من س، وله إحالة للحاشية، وقد ذهبت أغلب حروفها بسبب الترقيع وفي ب إلى آخر. وسقط من ج: من قول الشريف (الذي أراده... تمام الكلام).

6) بالرقم نفسه في الشرح 228/1، وفيه بحث بعنوان «النهي عن الحسد»، وآخر بعنوان «الأمر بالصبر وانتظار الفرج»، وآخر بعنوان «النهي عن الرياء والكذب» وآخر بعنوان «أهمية العشيرة والقبيلة والتقوّي بهما»، وغيره، وهي بالرقم نفسه في و شرح ابن میثم 20 233، وكذا في مصدر سابق 377/1 - 378.

[24] ومِن خُطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[24] ومِن خُطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)

ولَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِن قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الحَقَّ وَخَابَطَ الغَيَّ (2)من إِدْهَانٍ ولا إِيْهَان (3)، فاتَّقُوا اللّه عبادَ اللّه وفِرُّوا إِلى اللّه مِنَ اللّه، وامْضُوا في الذِي نَهَجَهُ لكُم، وقُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُم(4)، فَعَلِيٌّ ضَامِنٌ لِفُلْحِكُم (5)آجِلًا إِن لَم تُمْنَحُوهُ عَاجِلا (6).

[25] ومن خَطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد تَواتَرَتْ عَلَيْهِ الأَخْبَارُ باسْتِيلاء أصْحَابِ مُعَاوِيَةَ على البِلادِ

وقَدِمَ عَلَيْهِ عَامِلاه على اليَمَنِ، وهُمَا عُبَيْدُ اللّه بنُ العَبَّاسِ وسَعِيدُ بنُ


1) للعنوان تكملة في الشرح 242/1 هي: «في الحث على قتال الخارج».

2) خابط الغي بلفظ المفاعلة : يخبط كل منهما في الآخر، والخبط: المشي على غير استقامة، والغي الجهل.

3) حاشية: الإدهان: المداهنة، وفي شرح ابن ميثم الإدهان والمداهنة: المصانعة، وإيهان: مصدر أوهنته، أي: أضعفته.

4) عصبه بكم، أي: علقه بكم وربطه.

5) الفلج: الفوز.

6) بالرقم نفسه في الشرح 242/1، وكذا وهي بالرقم نفسه أيضًا في شرح ابن ميثم 242/2، ومصدر سابق 379/1.

نُمْرَانِ (1)لَمَّا غَلَبَ عَلَيْهَا يُسْرُ بنُ (2)أرطأة، فقَامَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى المِنْبَرِ ضَجِرًا بِتَثَاقُلِ أَصْحَابِهِ عن الجِهَادِ ومُخَالَفَتِهِم لهُ في الرأي، فقالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):

مَا هي إلا الكُوفِةُ أَقْبِضُهَا وأَبْسُطُهَا إِنْ لَم تَكُونِي إِلَّا أَنْتِ تَهْبُّ أعَاصِيرُكِ (3)، فَقَبَّحَكِ اللّه (4)، وتَمَثَّل :

لَعَمْرُ أَبِيكَ الخَيْرِ يَا عَمْرُو إِنَّنِي***عَلَى وَضَرٍ (5)مِن ذَا (6)الإِنَاءِ (7)قَلِيْلِ

ثمَّ قَالَ : أُنْبِثْتُ بُسْرًا قد اطَّلَعَ اليَمَنَ (8)وإني لأظُنُّ هؤلاء القومَ سَيُدالُونَ (9)مِنْكُم «7 ب» باجْتِمَاعِهِم عَلى بَاطِلِهِم وتَفَرُّقِكُم عن حَقَّكُم،


1) سعيد بن نمران الناعطي الهمداني ولم أستطع القطع بصحبته ولكنه كان من خيار صحابة أمير المؤمنين، وقد أرسله إلى اليمن صحبة عبيد اللّه بن عباس، وبعد رحيل أمير المؤمنين بقي على ولائه فأرسله زياد بن أبيه رفقة أصحاب حجر إلى معاوية، وقد نجاه اللّه من القتل بشفاعة أحد وجوه مجلس معاوية من الهمدانيين، وله ترجمة في كتابي الموسوم ب-«الثوية بقيع الكوفة 369/1 – 370».

2) بعدها في الأصل أبي، وفي الحاشية ابن لؤي ذكره المبرد، وفي المنهاج 198/1 أحد بني عامر بن لؤي ذكره المبرد، وفي تهذيب الكمال 1/ 59 - 60 هو عمير بن عمران 59/1. ينتهي نسبه إلى عامر بن لؤي بن غالب القرشي العامري أبو عبد الرحمن الشامي، شهد صفين مع معاوية وولاه اليمن، ولم تحمد سيرته بها، وينظر نقد الرجال 1 / 272.

3) الإعصار: ريح تهب فتثير التراب.

4) حاشية : نحاه اللّه عن الخير، أي: نحاه عنه، فهو من المقبوحين.

5) الوضر: الدرن الباقي في الإناء بعد الأكل، ويقال لكل بقية لا ينتفع بها.

6) في الأصل: ذي، وما أثبت في ب، ج، ع.

7) الإناء، ضبطها ابن ميثم في شرحه 242/2 بالفتح: شجر حسن المنظر مر الطعم.

8) في الأصل: على اليمن، وما أثبت في ب، ع، ج، واطلع اليمن، أي غشيها.

9) سيدالون، أي: يصير الأمر إليهم، والدولة لهم.

وبِمَعْصِيَتِكُم إِمَامَكُم فِي الحَقِّ، وطَاعَتِهِم إمَامَهُم في البَاطِلِ، وبأدائهم الأَمَانَةَ إلى صَاحِبِهِم، وخِيَانَتِكُم، وبِصَلاحِهِم فِي بِلادِهِم وفَسَادِكُم (1)فَلَو ائتَمَنتُ أحَدَكُم علَى قَعْبِ (2)لَخَشِيْتُ أَن يَذْهَبَ بِعِلاقَتِهِ.

اللّهمَّ إنّي قَد مَلِلْتُهُم ومَلُّوني (3)، وسَئِمْتُهُم وسَيْمُونِي، فَأَبدلني بِهم خَيْرًا مِنهُم، وأبدِهُم بِي شَرًّا مِنِّي. اللّهمَّ مِثْ (4)قُلُوبَهُم كما يُمَاتُ المِلحُ في المَاء؛ أما واللّه لوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُم (5)أَلفَ فَارِسٍ مِن بَنِي فِراس بن غَنْم (6)

ألا يا أم زنباع أقيمي***صدور العيش نحو بني تميم

ثم يقول فيها : هنالك لو دعوت أتاك منهم، والحاشية في المنهاج 203/1.

.

هُنَالِكَ لو دَعَوْتَ أتَاكَ (7)منهُم***فَوَارِسُ (8)مِثْلُ أَرْمِيَةِ الحَمِيمِ

ثمَّ نَزَلَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المنبَرِ (9).


1) ب: وإفسادِكُم.

2) القعب: القدح الضخم، وفي المعارج 113 : قدح من الخشب مقعر يكون غليظاً.

3) حاشية : روي أنه لا دعا بهذا الدعاء وولد الحجاج بن يوسف من ليلته.

4) ماث الشيء: أذابه، وفي الحاشية: مِثتُ الشيء بالماء أميثه، ومثته أموثه، أي: دفته، والحاشية في المنهاج 202/1.

5) ع: بهم.

6) في المعارج 113 : غنم: أبو حي من تغلب وقال: ولا نصارى في العرب إلّا بنو تغلب وبنو نمر، وينظر ما ذكره المؤلف عنهم، وفي الحاشية: البيت لأبي جندب الهذلي يخاطب امرأة، وأول الأبيات:

7) بكسر التاء في الأصل، وما أثبت في ع، ب، ج.

8) ج: رجال.

9) ب: ثم نزل من المِنْبر (عَلَيهِ السَّلَامُ).

قلتُ (1)أنا: والأرْمِيَةُ: جَمعُ رَمِيِّ، وهو السَّحَابُ، والحَمِيمُ في هذَا الْمَوْضِعِ: وقْتُ الصَّيْف؛ وإِنَّمَا خَصَّ الشَّاعِرُ سَحَابَ الصَّيْفِ بالذِّكْرِ (2)لأَنَّهُ أَشَدُّ جُفُولًا وأسْرَعُ خُفُوفًا؛ لأَنَّهُ لا مَاءَ فِيهِ. وإِنَّما يكُونُ السَّحَابُ ثَقِيلَ السَّيْرِ لامتِلائِهِ بِالمَاءِ وذلِكَ لا يَكُونُ فِي الأَكثَرِ إلا في أَزْمَانِ الشَّتَاءِ. وإنَّما أرادَ الشَّاعِرُ وَصْفَهُم بِالسُّرْعَةِ إِذَا دُعُوا، والإغَاثَةِ إِذا اسْتُغِيثُوا، والدَّلِيلُ عَلَى ذلِك قَولُهُ:

هُنَالكَ لو دَعَوْتَ أتاك منهُم (3).


1) قبلها في الأصل: قَالَ السيد، وأقول : مثل هذا من زيادات النساخ - المحقق - أذكره في الهامش.

2) بالذكر: ليست في ج.

3) من قوله والدليل إلى آخر البيت كتب بخط مختلف في س، وليس في ج. وهي بالرقم نفسه في الشرح 243/1، وفيه بحث بعنوان «من أخبار معاوية بن أبي سفيان»، وآخر بعنوان «بسر بن أرطأة ونسبه»، وآخر بعنوان «أخبار عبيد اللّه بن العباس» وختم الشرح والجزء ببحث عن «عصيان أهل العراق على الأمراء»، وبدأ الجزء الثاني من الشرح ببحث بعنوان «تسريح بسر بن أرطأة إلى الحجاز واليمن»، والخطبة بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 2412، وقال السيد عبد الزهراء الخطيب في مصدر سابق 381/1 - 388 وهي بالرقم نفسه : إن الخطبة المذكورة من أواخر خطبه خطب بها بعد انقضاء أمر الحكمين والخوارج، وذكر مصادرها وبحث أسبابها بحثًا يستحق التنويه، وعجز البيت: فوارس مثل أرمية الحميم.

[26] ومن خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[26] ومن خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)

إنَّ اللّه (2)قد بَعَثَ محمَّدًا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (3)نَذِيرًا للعالمين، وأمينًا على التنزيل وأنتُم مَعْشَر العَرَبِ عَلَى شَرِّ دِيْنٍ وفِي شَرِّ دَارٍ مُنِيخُون(4)بَينَ حِجَارَةٍ خُشن وحَيَّاتٍ صُمٌ (5)تَشْرَبُونَ الكَدِرَ (6)، وتأكُلُونَ الجَشِبَ (7)، وتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُم، وتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُم؛ الأَصْنَامُ فِيكُم مَنْصُوبَةٌ، والآثَامُ بكُم مَعْصُوبَةٌ (8).

منها (9):

فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لي (10)مُعِيْنٌ إِلَّا أَهلَ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ (11)بهِم عنِ


1) بعد العنوان في الشرح 217/2 «في ذم من بايعه بشروط».

2) ب: اللّه سبحانه.

3) س: صلى اللّه عليه وسلم، والآل لا تذكر فيها إلا نادرًا، وإن ذكرت فإنها تسبق بحرف الجر على، وكذا في نسخة ج غالبًا.

4) الإناخة: الإقامة بالمكان.

5) الحية الصماء: هي التي لا تنزجر بالصوت، كأنها لا تسمع، وربما يراد بها الصلبة الشديدة

6) كذا في ب، ج، وبفتح الدال في ع.

7) الجشب: الطعام الغليظ الخشن، وقيل : هو الذي لا إدام معه.

8) معصبة: مشدودة.

9) لیست في ع، وفي س: ومنها.

10) لي: ساقطة من س.

11) ضننتُ: بخلتُ، وعن الفراء بالفتح أيضًا. والفعل ضنَّ من الباب الرابع، وأصله ضَيْنَ، وقد حذفت حركة عينه لإيقاع الإدغام، وعند الإسناد تعود حركة العين (ضَنِنْتُ).

المَوْتِ، فَأَغْضَيْتُ (1)عَلَى القَذَى (2)، وشَربْتُ عَلَى الشَّجَا (3)، وصَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الکَظَمِ (4)وعَلَى أَمَرَّ منَ طَعْمِ العَلْقَمِ (5).

منها (6):

ولم يُبَايع (7)حَتَّى شَرَط أن يُؤتِيَهُ علَى البَيْعَةِ ثَمَنًا؛ فلا ظَفِرَتْ يَدُ المبايع (8)، وخَزِيَتْ (9)أمَانَةُ المُبتاع، فخُذُوا اللحَرْبِ أُهْبَتَهَا (10)، وأعِدُّوا لَهَا عُدَّتها، فقد شَبَّ لظَاهَا (11)، وعَلا سَنَاهَا (12).


1) س: وأغضيت، أي: أطبقت عليه جفني.

2) القذى: ما يسقط فى العين فيؤذيها.

3) في الحاشية: الشجى: ما نشب في الحلق من عظم وغيره، وفي شرح ابن ميثم 246/2 - 247 ما يعرض في الحلق عن الغبن ونحوه لا يكاد يسيغ الإنسان معه الشراب.

4) في س، ب: الكظم. وفي الحاشية الكظم: مجرى النفس.

5) العلقم: شجر بالغ المرارة، ويصدق بالعرف على كل مرّ.

6) منها : ساقطة مع ع.

7) بعدها في ج: يقول لعمرو بن العاص.

8) ع: البايع.

9) خزيت: ذلّت وهانت.

10) الأهبة: الاستعداد.

11) شبّ لظاها، أي: أوقدت نارها، وأثيرت.

12) السنا: الضوء، وفي حاشية س بقلم مختلف: «واستشعرُوا الصَّبَر فإنه لَغُرْمُ للنَّصْر» وهي في شرح ابن أبي الحديد، 2 / 300، وشرح ابن میثم 248/2: (واستشعروا الصَّبْرَ فإنه أدعى إلى النصر) وكذا في مصدر سابق وهي بالرقم نفسه به، وذكر في تعليقه عليها أنها من خطبه الطوال رواها جماعة من المتقدمين على الشريف بصور تزيد وتنقص، ثم ذكر تخريجها في 1/ 390 - 392 في كتابه المذكور.، ولم أقف على الزيادة في النسخ المعتمدة باستثناء ما ورد في حاشية س، وهي بخط مختلف كما أسلفنا، وهي بالرقم نفسه في الشرح، وورد فيه بحث مطول جدير بالمراجعة بعنوان «اختلاف الروايات في قصة السقيفة» تضمن موقف الخليفة عمر من بيعة أبي بكر، ونصيحة العباس بن عبد المطلب العلي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفيه بحث آخر بعنوان «كتاب علي لمعاوية وعمرو بن العاص»؛ وهي بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم أيضًا.

[27] ومن خُطبَةِ له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[27] ومن خُطبَةِ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)

أَمَّا بَعدُ فَإِنَّ الجِهَادَ بَابٌ من أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللّه لِخَاصَّةِ أَولِيَائِهِ، وهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى وَدِرْعُ اللّه الحَصِيْنَةُ، وجُنَّتُهُ (2)الوَثِيقَةُ ؛ فمَنْ تَرَكَهُ (3)أَلبَسَهُ اللّه ثَوْبَ الذُّلّ، وشَمِلَهُ البَلاءُ، ودُيِّثَ (4)بالصَّغَارِ والقَمَاءة (5)،(6)، وضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بالإِسْهَاب (7)، وأُدِيْلَ (8)الحَقُّ مِنْهُ بتَضْيِيعِ الجِهَادِ،


1) بعد العنوان في الشرح 2/ 308 «في الحث على الجهاد وذم القاعدين».

2) في الأصل بالنصب، وهو فوت قلم.

3) بعدها في حاشية الأصل عن نسخة: رغبة منه، وبجنبها صح.

4) ديث، أي: ذُلّل، ومنه الديوث الذي لا غيرة له، وفي الحاشية ديث: لين وذلل، وطريق مديوث، أي: مذلل.

5) حاشية: قبح مع قصر.

6) س، ب: القماء، والصغار الذلُّ والضيم، والقماء ممدود: مصدر قَمَا قَمْأة فهو قميء: الحقارة والذل، وروى الراوندي القما بالقصر وهو غير معروف.

7) كذا في ع، ب أيضًا، وفي س، ج وحاشية الأصل عن نسخة: بالإسداد، وفي المعارج 116 : بالإسهاب وقال ويروى بالإسداد والإسهاب ذهاب العقل، وكذا في المنهاج 1/ 213.

8) أديل الحق من فلان، أي: غلبه عليه عدوه.

وسيم الخسْفَ، ومُنِعَ النَّصْفَ (1).

ألا وإنِّي قد دَعَوْتُكُم إلى قِتَالِ (2)هؤُلاءِ القَوْمِ لَيْلًا ونَهَارًا، وسِرًّا وإعلانًا، وقُلْتُ لَكُمْ: اغْرُوهُم قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُم، فواللّه مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ (3)دَارِهِم إِلَّا ذَلُّوا؛ فَتَوَاكَلْتُم(4)، وتَخَاذَلْتُم حَتَّى شُنَّتْ (5)عَلَيْكُم الغَارَاتُ، ومُلِكَتْ عَلَيْكُم الأوطَانُ «8 أ»، هذا أَخُو غَامِد (6)قَد وَرَدَتْ خَيْلُهُ الأَنْبَارَ، وقَتَلَ (7)حَسَّانَ بنَ حَسَّانَ البَكْرِيَّ، وأَزَالَ


1) سامه خسفًا بضم الخاء وفتحها، أي: أولاه ذلاً وكلّفه المشقة، والنصف: الاسم من الإنصاف، وضم النون لغة فيه.

2) ب: حرب.

3) حاشية: عقر الحوض: مؤخره، حيث تقف الإبل إذا وردت، وفي شرح ابن ميثم 2 / 250 : عقر الشيء: أصله، وكذا في المنهاج 1/ 213 عن الأصمعي.

4) التواكل : أن يكل كلّ واحد منهم الأمر إلى صاحبه ويعتمد عليه. والتفاعل: من معانيه الدلالة على المشاركة.

5) شنَّ الغارة وأشنَّها: فرقها عليهم من كل وجه.

6) حاشية : قال أبو محمد الأسود الغندجاني : أخو غامد هذا اسمه سفيان بن عوف، وهو صاحب معاوية أغار على جماعة من عسكر أمير المؤمنين بعد صفين وغامد بن كعب بن عبد اللّه بن مالك بن نصر بن الأزد، وقد ذهبت بعض حروف الحاشية وأفدناها من المنهاج 1 215، وذكر بن ميثم في شرحه أن غامد : قبيلة من اليمن وهي من أزد شنوءة، وذكر في المنهاج 1/ 214 أن الغندجاني ممن جمع كلام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كتاب أصغر من النهج.

7) س ب ج وقد قتل وحسان عامل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الأنبار قتله سفيان بن عوف الغامدي في غارته، وقتل جميع من معه. ينظر : تنقيح المقال 249/18، وذكر في أعيان الشيعة 4 / 622 قيل : اسمه أشرس بن حسان بن خوط بن مسعر الشيباني كان شريفًا في قومه، وهو وافد بكر بن وائل إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

خَيْلَكُم عَن مَسَاحِهَا (1)؛ ولَقَد بَلَغَنِي أنَّ الرَّجُلَ مِنْهُم كَانَ يَدْخُلُ عَلَى المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ والأخْرَى المُعَاهِدَةُ (2)فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وقُلْبَهَا وقَلائِدَهَا ورَعَاثَهَا(3)مَا تَتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالاسْتِرْجَاع والاستِرْحَامِ (4)، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُم كَلْمُ(5)، ولا أُرِيقَ لَهُ دَمْ؛ فَلَو أَنَّ امْرَأَ مُسْلِمًا مَاتَ مِن بَعْدِ هَذَا أَسَفًا مَا كَان بِهِ مَلُومًا، بل كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيرًا.

فيَا عَجَبًا عَجَبًا واللّه يُمِيتُ القَلْبَ وَيَجْلُبُ الهَمَّ مِن اجْتِمَاعِ هؤلاء القَوْمِ (6)عَلَى بَاطِلِهِم، وتَفَرُّقِكُم عن حَقَّكُم! فَقُبْحًا لَكُم وتَرْحًا حِينَ صِرْتُم غَرَضًا (7)يُرْمَى. يُغَارُ عَلَيكُم ولا تُغِيرُونَ، وتُغْزَوْنَ ولا تَغْزُونَ، ويُعْصَى اللّه وتَرْضَوْنَ، فَإِذَا أَمَرْتُكُم بالسَّيْرِ إِلَيْهِم فِي أَيَّامِ الحَرِّ، قُلْتُم: هَذِهِ حَمَارَّةُ القَيْظِ (8)أَمْهِلْنَا يُسَبَّخُ (9)عَنَّا الحَرُّ، وإِذَا أَمَرْتُكُم بالسَّيرِ إِلَيْهِمْ


1) حاشية: المسلحة: كالثغر والمرقب، وفي الحديث: كان أدنى مسالح فارس إلى العرب العذيب.

2) المعاهدة: الذمية، والمعاهدة الذمية، وهي ميثاق يكون بين اثنين أو جماعتين.

3) الحجل بكسر الحاء وفتحها الخلخال، والقلب: السوار المصمت والرعاث جمع رَعْثة بفتح الراء وسكون العين وفتحها القرط، والرعاث أيضًا: ضرب من الخرز والحلي.

4) الاسترجاع : قول إنا للّه وإنا إليه راجعون والاسترحام: مناشدة الرحم. والطلب من المعاني التي تفيدها صيغة الاستفعال.

5) الكلم: الجرح.

6) القوم ليست في س، ع.

7) الترح: الحزن والغرض الهدف.

8) حمارة القيظ: شدة الحر في المنهاج 216/1.

9) حاشية: ي سبخ يفترُ وتِخفَّ شِدّتَهُ.

في الشتاء، قلتم : هَذِهِ صَبَارَةُ القُرّ (1)أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخُ (2)عَنَّا البَرْدُ (3). كُلٌّ هَذَا فِرَارًا مِنَ الحَرِّ والقُرِّ ؛ فَإِذَا أَنْتُم (4)مِنَ الحَرِّ والبَرْد (5)تَفِرُونَ، فَأَنْتُم واللّه منَ السَّيْفِ أَفَرُّ.

يَا أَشْبَاءَ الرِّجَالِ ولا رِجَالَ حُلُومُ الأطفال، وعُقُولُ (6)رَبَّاتِ، الحِجَالِ (7)لَوَدِدْتُ أَنِّي لَم أَرَكُم ولَم أَعْرِفْكُم مَعْرِفَةٌ واللّه جَرَّتْ نَدَمًا، وأعْقَبَت سَدَمًا (8). قَاتَلَكُمُ اللّه لَقَد ملأتُم قَلْبِي قَيْحًا، وشَحَنْتُم صَدْرِي غَيْظًا، وجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التّهَمامِ (9)أَنْفَاسًا، وأَفْسَدْتُم عَلَيَّ رَأبِي بِالعِصْيَانِ والخِذْلانِ حَتَّى قَالَت قُرَيْشٌ إِنَّ ابنَ أَبِي طَالِبٍ رَجُلٌ شُجَاعٌ ولكن لا عِلْمَ له بالحَرْبِ اللّه أَبُوهُم (10)وَهَل أَحَدٌ مِنْهُم أَشَدُّ لَهَا مِرَاسًا (11)،


1) صبارة القرّ : شدة البرد.

2) في الحاشية: يسبّخ - كذا وبجنبها علامة استفهام - : يفتر وتخف شدّته.

3) في المعارج 117 يسبّخ عنا الحرّ، يقال: سبّخ الحرُّ : خفَّ.

4) ع: كنتم.

5) س، ب: القر.

6) من هنا إلى نهاية الخطبة تقدمت خمس أوراق في س بسبب سهو في ترتيب الأوراق.

7) ربات الحجال: النساء والحجال : جمع حجلة، وهي بيت العروس يزين بالستور.

8) كذا في ج أيضًا، وفي ب: ذَمَّا، وبجنبها : سدما، وبجنبها معا، وفي ع: ذَمَّا. والسدم: الحزن عن الندم، وفي المعارج 118: السدم: تغيّر يحصل من الندم، ونقل في المنهاج 217/1 عن الصحاح السدم: الندم والحزن.

9) النغب: جمع نُغبة، وهي الجرعة، والتهمام: الهم.

10) حاشية : اللّه أبوهم: دعاء بالخير، ولكن فيه..

11) المراس: العلاج.

وأَقْدَمُ فِيهَا مَقَامًا (1)مِنِّي، لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا ومَا بَلَغْتُ العشرينَ، وها أنا ذَا قَد ذَرَّفْتُ (2)عَلَى السِّتِّينَ، ولكن لا رأيَ مَن لا يُطَاع (3).

[28] ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[28] ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4)

أَمَّا بعد فإنَّ الدُّنْيَا قد أدبَرَتْ وَآذَنَتْ (5)بوَدَاعٍ، وَإِنَّ الآخِرَةَ قَد أقْبَلَتْ وأشْرَفَتْ (6)باطلاع. ألا وإنَّ اليَوْمَ المِضمَارَ (7)وغَدًا السَّبَاقَ (8)،


1) ب: مُقَامًا.

2) في الحاشية: ذرّفتُ أي: زدتُ على الستين قليلاً، وهو من ذرف الدمع، إذا قطّر قليلاً.

3) بالرقم نفسه في الشرح 309/2، وذكر أنها من مشاهير خطب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن رواتها المبرد في الكامل، وعنه أنه «خرج مغضبًا يجر رداءه، حتى أتى النخيلة، واتبعه الناس فرقى ربوة» فخطب بها، وفيه أيضًا بحث بعنوان كلام لابن نباتة نسج فيه على منوال كلام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الجهاد»، وفيه أيضًا ترجمة لأخي غامد، وهو سفيان بن عوف بن المغفل الغامدي من أزد شنوءة، وينظر بقية خبر الغارة فيه؛ وبالرقم نفسه في مصدر سابق 396/1 - 399، وينظر تعليق المؤلف عليها، وبالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 2 / 250، وذكر أن السبب المشهور لها أنه ورد عليه علج من أهل الأنبار فأخبره أن سفيان بن عوف الغامدي قد ورد في خيل لمعاوية إلى الأنبار، وقتل عامله حسان بن حسان البكري.

4) للعنوان تكملة في الشرح 2/ 320 هي «في الحث على التزود للآخرة».

5) آذنت: أعلمت.

6) أشرف ت: اطلعت.

7) حاشية : قيل : المضمار سمي بذلك؛ لأنه تُضَمَّر فيه الخيل، وتضمير الفرس أن تعلفه حتى يسمن، ثم ترده إلى القوت، وذلك في أربعين يوما، وهذه المدة تسمّى المضمار، والموضع الذي تضمر فيه الخيل أيضًا مضمار.

8) السباق : مصدر مرادف للمسابقة، وهو جمع سبقة كنطفة ونطاف، أو سَبَقة كحَجَلة وحجال، أو سبق كجمل وجمال والثلاثة: اسم لما يجعل للسباق من مال أو غرض.

والسَّبَقَةُ الجَنَّةُ، والغَايَةُ النَّارُ ؛ أفَلا تَائِبٌ من خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ؟ ألا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمٍ بُوْسِهِ (1)؟ ألا وإنَّكُم فِي أَيَّامٍ أَمَلٍ من وَرَائِهِ أَجَلٌ، فَمَن عَمِلَ فِي أَيام أمَلِهِ قَبْلَ حُضُور أجَلِهِ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، ولَم يَضُرْهُ (2)أَجَلُهُ، ومن قَصَّرِ فِي أَيَّامٍ أَمَلِهِ قبلَ حُضُورٍ أَجَلِهِ فَقَد خَسِرَ عَمَلَهُ (3)وضَرَّهُ أجَلُهُ. أَلا فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ (4). ألا وإنّي لَم أرَ كالجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا، ولا كالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا. ألا وإِنَّهُ مَن لم (5)يَنْفَعُهُ الحَقُّ يَضْرُرْهُ البَاطِلُ. ومَن لا يَسْتَقِمْ بِهِ الهُدَى يَجْرُ بِهِ الضَّلَالُ إلى الرَّدَى (6).

ألا وإنَّكُم قد أُمِرْتُم بالظَّعْنِ، ودُلِلْتُم عَلَى الزَّادِ، وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُم اتَّبَاعُ الهَوَى وطُولُ الأَمَلِ. تَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِن الدُّنْيَا مَا تَخُوزُونَ(7)بِهِ أَنْفُسَكُم غَدًا.


1) البؤس : شدة الحاجة.

2) ع: يضره.

3) ع: أملَهُ.

4) حاشية :أي اعملوا في حال الرغبة، كما تعملون حال الخوف والخشية.

5) س، ج، ع: لا.

6) إلى الردى من ع، ب، وليس في الأصل، وفي المعارج 118 يجرّ به: من قولهم: جار عن الطريق، أي: عدل عنه.

7) كذا في الأصل، وفي الحاشية عن نسخة: تُحرِزون، وتحتها تَحوِّزون، وتحرزون في شرح ابن ميثم 2/ 255 أيضًا، وتحرزون فيه تحفظون.

وأَقُولُ (1): إِنَّهُ لو كَانَ كَلامٌ «8 ب» يأْخُذُ بالأَعْنَاقِ إلى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا ويَضطَرُّ إِلَى عَمَلِ الآخِرَةِ لَكَانَ هذَا الكَلامَ وكَفَى بِهِ قَاطِعا لِعَلائِقِ الآمال، وقادِحًا زِنَادَ الأَنْعَاظِ والازْدِجَار.

ومِن أعْجَبه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ألا (2)وإنَّ المضمار اليَومَ (3)وغَدًا السباق، والسَّبَقَةُ الجَنَّةُ، والغَايَةُ النَّارُ»، فإنَّ فِيهِ مَعَ فَخَامَةِ اللفْظِ وعِظْمِ (4)قَدْرِ المعنَى وَصَادِقِ التَّمْثِيلِ ووَاقِعِ التَّشْبِيهِ سِرًّا عَجِيبًا، وَمَعْنِّى لَطِيفًا، وهو قَوْلُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «والسَّبَقَةُ الجنَّةُ والغَايَةُ النَّارُ»، فخَالَفَ بينَ اللَّفْظَيْن لاخْتِلافِ المَعْنَيين، ولَم يَقُل : والسَّبَقَةُ النَّارُ كما قالَ: والسَّبَقَةُ الجَنَّةُ؛ لأنَّ الاستبَاقَ إِنَّمَا يَكُونُ إِلى أَمْرٍ مَحبُوبِ وغَرَضِ مَطْلُوبٍ، وهذهِ صِفَةٌ الجنَّةِ، ولَيْسَ هَذا المَعْنَى مَوْجُودًا في النَّارِ نَعُوذُ باللّه مِنْهَا؛ فلم يجز أن يَقُولَ : والسَّبَقَةُ النَّارُ ؛ بل قَالَ: «والغَايَةُ النَّارُ» ؛ لأنَّ الغَايَةَ قد يَنْتَهِي (5)إليهَا مَن لا يَسُرُّهُ الانْتِهَاءُ إليهَا ومَن يسُرُّهُ ذلكَ، فَصَلَحَ (6)أن يُعَبّرَ بِهَا عن الأمْرَينِ مَعًا، فَهِيَ في هَذا المَوضِع كالمَصِيرِ والمآلِ، قال اللّه تعَالَى:


1) قبلها في الأصل: قال السيد، وقبلها في ج: قال السيد (رَحمهُ اللّه) و أقول، والزيادة ليس في ب ع، ومثل هذا من زيادات النساخ.

2) ألا : ليست في ج.

3) ضبطت في الأصل بالرفع والنصب وفوقها معًا، وهي بالنصب في ب، س، ع.

4) ع: وعَضَم، ج: عِظَم، وبالمدادِ الأحمر: عُظم.

5) في الأصل بالبناء للمجهول وما أثبتناه في س، ع، ج، ب.

6) ع: فصَلْحَ.

«قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ» (1)، ولا يجُوزُ في هذا المَوْضِعِ أن يُقَالَ : فإِنَّ سَبْقَتكُم إلى النَّارِ. فتأمَّل ذلِكَ فَبَاطِنُهُ عَجِيْبٌ، (2)وغَوْرُهُ بَعِيدٌ، وكَذلِكَ أَكْثَرُ كَلامِهِ صَلَّى اللّه عليهِ (3).

وقد جاء في روايةٍ أُخْرَى السُّبْقَةُ بضم السِّينِ، وهي عندهم اسمٌ ما يُجْعَلُ لِلسَّابِقِ إِذا سَبَقَ مِن مَالِ أَو عَرَضِ، والمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ، لَأَنَّ ذلِكَ لا يَكُونُ جَزَاءً عَلَى فِعْلِ الأمْرِ المَذْمُومِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ جَزَاءً عَلَى فعلِ الأمر المحمودِ (4).

[29] ومن خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[29] ومن خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5)

أيُّهَا النَّاسُ المُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهم المُخْتَلِفَةُ أهْوَاؤهُم (6)، كلامُكُم


1) إبراهيم 30/14.

2) عاد إلى الترقيم الصحيح في س.

3) في الأصل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وأظنه سهوًا، وفي ب، ع: صلى اللّه عليه، وفي ج: (عَلَيهِ السَّلَامُ).

4) من قوله وفي رواية أخرى إلى النهاية في ع أيضًا، وكتب بخط مختلف في حاشية س، وليست في ب ج؛ وهي بالرقم نفسه في الشرح 2/ 320، وقال الشارح بشأن الرواية: 32، «وفي بعض النسخ»، وفيه بحث بعنوان «من مواعظ الصالحين»، وآخر بعنوان «في الكلام على المقابلة» نوه فيه بقول الشريف، وعقب عليه ؛ وذكر ابن ميثم في شرحه 256/2- وهي بالرقم نفسه به أيضًا - أن هذا الفصل من الخطبة التي أولها «الحمد للّه غير مقنوط من رحمته، وستجيء بعد»، وينظر في تخريجها مصدر سابق 399/1، وهي بالرقم نفسه به.

5) للعنوان تكملة في الشرح 2/ 335) هي : «في ذمّ المتخاذلين».

6) ع. قلوبهم. والأهواء: الآراء.

يُوهِيَ (1)الصُّمَ الصَّلابَ (2)، وفِعْلُكُم يُطْمِعُ فِيكُم الْأَعْدَاءَ، تَقُولُونَ فِي المَجَالِس (3): كَيْتَ وكَيْتَ، فإذَا جَاءَ القِتَالُ قُلْتُم حِيدِي حَيَادِ (4)، ما عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُم، ولا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُم، أَعَالِيْلُ (5)بِأضَالِيلَ، دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ المَطُّولِ (6). لا يَمْنَعُ الضَّيْمَ الدَّلِيلُ، ولا يُدْرَكُ الحَقُّ إلا بالجدِّ، أَيَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُم تَمْنَعُونَ، ومَعَ أَيِّ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ. المَغْرُورُ واللّه مَن غَرَرْتُمُوهُ، ومَن فَازَ بِكُم فَقَد (7)فَازَ بالسَّهْمِ الأَخْيَبِ (8)، ومَن رَمَى بِكُم فَقَد رَمَى بأَفْوَقَ(9)نَاصِلٍ.

أصْبَحْتُ واللّه لا أَصَدِّقُ قَوْلَكُم، ولا أَطْمَعُ فِي نَضْرِكُم، ولا أُوعِدُ العَدُوَّ بِكُم. ما بالُكُم ! مَا دَواؤُكُم مَا طِبُّكُم ! القَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُم! !


1) الوهي: الضعف.

2) في القاموس الصلاب: الحجر الصلب الشديد الصلابة.

3) في حاشية الأصل: في مجالسكم وفوقها صح س.

4) حاشية: حيدي حياد، أي اعرضي، مثل قولهم فيحي فياح، أي: اتسعي، وفي شرح ابن ميثم 261/2 حاد عن الأمر: عدل عنه.

5) حاشية: أعاليل : جمع أعلال، وأعل، إذا جاء بعلة، وصار صاحب علة، أي تتعللون إذا أمرتكم بأمر، أي: تُعلّلون بضلال، والحاشية تقارب ما ورد في المنهاج 1 / 223.

6) المطول : تطويل الوعد وتسويفه.

7) فقد ليست في ب، ع.

8) الأخيب أشد خيبة، وهي الحرمان.

9) حاشية: الأفوق: السهم المكسور، والأفوق والناصل: الذي خرج نصله، يقال: رتع فلان بأفوق ناصل، أي: بحظ غير تام.

أقوالًا بِغَيْرِ عِلْمٍ؟ وغَفْلَةٌ من غَيْرِ وَرَعٍ؟ وطَمَعًا فِي غَيْرِ حَقٌّ (1)؟

[30] ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مَعْنَى قتل عثمان

[30] ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مَعْنَى قتل عثمان (2)

لو أمَرْتُ بهِ لَكُنْتُ قَاتِلا (3)، أو نَهَيْتُ عَنهُ لَكُنْتُ نَاصِرًا(4)، غَيْرَ أَنَّ مَن نَصَرَه (5)لا يَسْتَطِيعُ أَن يَقُولَ: خَذَلَهُ مَنْ أنَا خَيْرٌ مِنْهُ، ومن خَذَلَهُ


1) بالرقم نفسه في الشرح 2 / 335، وفيه بحث يستحق النظر بعنوان «من أخبار الضحاك بن قيس» الذي قاد الغارة بعد قصة الحكمين؛ وذكر ابن ميثم في شرحه 261/2 - وهي بالرقم نفسه به - روي أن السبب في هذه الخطبة غارة الضحاك قيس بعد قصة الحكمين، وذلك أن معاوية لما سمع باختلاف الناس على عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعث الضحاك بن قيس في نحو أربعة آلاف فارس، وأوعز إليه بالنهب والغارة، فأغار على الحاج، وقتل عمرو بن عميس بن مسعود ابن أخي عبد اللّه بن مسعود وأناسًا معه، فلما بلغ عليّا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك استصرخ أصحابه فرأى منهم تعاجزًا وفشلا، والخطبة بالرقم نفسه في مصدر سابق 405/1 - 408، وينظر أيضًا ما أورده المؤلف حولها.

2) في س: بعد كلمة عثمان فراغ بمقدار حرف تليه كلمة اللّه وبعدها فراغ بمقدار كلمة أيضًا. ويبدو أن المراد (رَحمهُ اللّه).

3) لو أمرت به لكنت قاتلاً: قضية شرطية بين فيها لزوم كونه قاتلاً لكونه آمرا، وهو لزوم عرفي، إذ يقال للآمر بالقتل: قاتل.

4) غاية ما يقول الخصم : إن قعوده عن نصرته دليل على إرادته لقتله، وذلك باطل، ويقتضي ظاهر كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن النصرة لم توجد منه، ويحتمل أن يكون المراد لكني نهيت عنه فكنت ناصرًا، وينظر في هذا الأمر تعقيب ابن ميثم في شرحه 2/ 265.

5) ع: قتله.

لا يَسْتَطِيعُ أَن يَقُولَ: نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي (1)وأَنَا جَامِعٌ لَكُمْ أَمْرَهُ: اسْتَأْثَرَ فَأَساءَ الأَثَرَةَ، وجَزِعْتُم فأسأتُمُ الجَزَعَ، واللّه حُكْمُ واقِع في المُسْتأثر (2)والجازع (3).

[31] ومن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[31] ومن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4)

لمَّا أَنْفَذَ عَبْدَ اللّه بنَ العَبَّاس رَحمَةُ اللّه عليه (5)إلى الزُّبَيْرِ قَبْلَ وُقُوع الحَرْبِ يَوْمَ الجُمَلِ لِيَسْتَفِيئَهُ (6)إلى طَاعَتِهِ.


1) حاشية: معنى هذا الكلام يتضح بالتمثيل، فالناصر له مثلاً مروان بن الحكم، والخاذل عبد اللّه بن مسعود، فمروان لا يستطيع أن يقول: خذله أنا من خير منه، لأن مروان ليس خيرا من عبد اللّه ولا مثله، ولا عبد اللّه يستطيع أن يقول: نصره من هو خير منّي، لأن مروان ليس خيرًا من عبد اللّه ذكر أن بعض الأكابر لما سمع هذا الكلام قال: كلمة قرشية، والحاشية قاربت ما ذكر في المنهاج 1/ 224.

2) حاشية: استأثر فلان كذا، أي استبد به، والاسم: الأثرة بالتحريك.

3) بالرقم نفسه في الشرح 346/2، وفيه بحث جدير بالتأمل بعنوان «المؤرخون يروون أخبار مقتل عثمان» ؛ وكذا رقمها في شرح ابن ميثم 2/ 263، وبالرقم نفسه في مصدر سابق 408/12 - 410، وذكر المؤلف أن كلامه هذا (عَلَيهِ السَّلَامُ) من جملة كتاب له كتبه في أواخر أيامه، وينظر الباقي من تعليقه (رضیَ اللّهُ عنهُ).

4) كذا في س، ج، ع، وفي الأصل: ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ).

5) رحمة اللّه عليه : ليست في س، وفيها : قالَهُ لِعَبدِ اللّه بن عبّاس لما أنفذَهُ إلى الزبير يستَفْتِتُهُ إلى طَاعَتِهِ، وكذا في ج.

6) يستفيئه : يسترجعه، من فاء إذا رجع.

قَالَ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1): لا تَلْقَيَنَّ طَلْحَةَ فَإِنَّكَ إِن تَلْقَهُ تَجِدْهُ كَالتَّورِ عَاقِصًا (2)قَرْنَهُ (3)يَرْكَبُ الصَّعْبَ (4)«9 أ»، ويَقُولُ : هُوَ الذُّلُولُ، ولكن الْقَ الزُّبَيْرَ فإِنَّهُ أَلْيَنُ عَرِيْكَةٌ (5)، فَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لكَ ابنُ خَالِكَ : عَرَفْتَنِي بِالحِجَازِ، وأنكَرْتَنِي بالعِرَاقِ، فَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا (6).

وهو (7)(عَلَيهِ السَّلَامُ) (8)أَوَّلُ مَنْ سُمِعَتْ مِنْهُ هذِهِ الكَلِمَةُ، أعنِي: «فَا عَدَا ممَّا بَدَا» (9).


1) قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليس في ج.

2) العقص: الاعوجاج.

3) ع: قرنيه.

4) الصعب: الدابة الجموح السغبة.

5) حاشية: العريكة: بقية السنام، يقال: لانت عريكته، إذا انكسرت نخوته، والحاشية لا تبتعد عما ورد في المنهاج 1 / 225، وكأنها هي ؛ وفي القاموس: رجل لين العريكة: سلس الخلق منكسر النخوة وفي شرح ابن ميثم 267/2 : العريكة: فعيلة بمعنى مفعول، والتاء لنقل الاسم من الوصفية إلى الاسمية الصرفة، وأصل العرك دلك الجلد بالدباغ وغيره.

6) حاشية: يجوز أن يكون معنى قوله ما عدا مما ابدا ما الذي منعك مما كان قد بدا منك قبل من البيعة، ويجوز أن يكون المعنى ما الذي عاقك؛ وفي المعارج 121: وقيل: ما بدا لك منى فصرفك، وقيل : ما صرفك عما بدا لنا من نصرتك، وغيره ؛ والكلام بالرقم نفسه به، وبالرقم نفسه أيضًا في شرح ابن ميثم 2/ 267، وفيه: عدا: جاوز، وبدا ظهر، وما نقله ابن ميثم عن شرح ابن أبي الحديد يقترب مما ورد في الحاشية.

7) بعدها في الأصل: قال السيد: وليست في ب، ع.

8) (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليست في س، ج.

9) بالرقم نفسه في الشرح 2/ 370، وفيه بحث بعنوان «من أخبار عبد اللّه بن الزبير وأبيه»؛ وبالرقم نفسه أيضًا في شرح ابن ميثم 268/2، وكذا أيضًا في مصدر سابق 411/1 - 413 وينظر تعليق المؤلف عليه.

[32] ومِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[32] ومِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي دَهْرٍ عَنُودٍ، وزَمَنِ شَدِيدٍ كَنُودِ (2)يُعَدُّ فِيهِ الْمُحْسِنُ مُسِيئًا، ويَزْدَادُ الظَّالِمُ فِيهِ عُتُوا (3). لا نَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا، ولا نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا، ولا نَتَخَوَّفُ قَارِعَةٌ (4)حَتَّى تَحلَّ بِنَا.

فالنَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافِ مِنْهُم مَنْ لا يَمْنَعُهُ الفَسَادَ في الأَرْضِ إِلَّا مَهَانَةُ نَفْسِهِ (5)، وكَلالُ (6)حَدِّهِ، ونَضِيضُ (7)وَفْرِهِ. ومِنْهُم المُصْلِتُ بسَيْفِهِ (8)والمُعْلِنُ بِسِرِّهِ (9)والمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ قَدْ أَشْتَرَطَ (10)نَفْسَهُ،


1) للعنوان تكملة في الشرح 378/2 هي: «في جور الزمان».

2) كنود: ليست في ع، وفي شرح ابن ميثم 2/ 269 : عنود جائر، وكنود: کفور.

3) العتو: الكبر.

4) القارعة: الخطب العظيم.

5) مهانة النفس: حقارتها.

6) كذا في ع ب أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة كلالة، وكذا في س، ج. وفي شرح ابن ميثم 269:2 كل حد السيف وغيره إذا وقف عن القطع.

7) حاشية: النضيض: الماء القليل، والجمع النضائض، ويقال للمال الحاصل ناضٌ، وكأن اشتقاقه منه، وفي شرح ابن ميثم 269/2: نضيض وفره: قلة ماله.

8) المصلت بسيفه: الماضي في الأمور بقوته.

9) بشره في ع، وبالسين والشين في ج، وفوقها معا.

10) حاشية: أشرط نفسه لأمر كذا، إذا جعل لها علامة تعرف بها، ومنه الشُّرَط؛ لأنهم قد علَّموا أنفسهم بعلامة، الواحد شرطة، وشرطي، ولا تبتعد الحاشية عما ورد في المنهاج (2311، وفي شرح ابن ميثم :/ 269: المجلب: المستعين على الأمر بالجمع، والرجل : جمع راجل، وشرط نفسه لكذا، أي: أعلمها وأعدَّ لها.

وأوْبَقَ دِينَهُ لِحُطَامٍ يَنْتَهِرُهُ أو مِقْنَبٍ يَقُودُهُ (1)، أو مِنْبَرِ يَفْرَعُهُ. وَلَبِئْسَ المَتِّجَرُ أنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَنًا ومِمَّا لَكَ عِنْدَ اللّه عِوَضًا.

ومِنهُم مَن يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ ولا يَطْلُبُ الآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا قَد طَامَنَ مِن شَخْصِهِ وقَارَبَ مِن خَطْوِهِ وشَمَّرَ (2)من ثَوْبِهِ (3)وزَخْرَفَ مِن نَفْسِهِ لِلأَمَانَةِ، واتَّخَذَ سِتْرَ اللّه ذَرِيعَةً إِلى المَعْصِيَةِ.

ومِنْهُم مَنْ أَقْعَدَهُ عَن طَلَب المُلْكِ ضُؤُولَةٌ نَفْسِهِ (4)وانْقِطَاعُ سَبَبِهِ فَقَصَرَتْهُ الحَالُ عَلَى حَالِهِ(5)، فَتَحَلَّى بِاسْمِ القَنَاعَةِ، وتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أهْلِ الزَّهَادَةِ، ولَيْسَ مِن ذلِكَ في مَرَاح ولا مَغْدًى (6)، وبَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُم ذِكْرُ المَرْجِع وأَرَاقَ (7)دُمُوعَهُم خَوْفُ المَحْشَرِ؛ فهُم


1) أوبق دينه، أي أهلكه والحطام متاع الدنيا والانتهاز: الاختلاس والاستلاب بقدر الإمكان، والمقنب: الجمع من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين.

2) حاشية: شمّر رداءه رفعه، وشمر في الأمر: خفّ.

3) طامن من شخصه، أي: خفض، والاسم الطمأنينة، وشمر من ثوبه: رفعه.

4) ضؤولة نفسه: حقارتها، وفي المنهاج 1 / 232 النحافة والهزال، وفي الحاشية : الفرق بين الأول والرابع أن الأول قليل من المال، والرابع لا شيء له.

5) ع: حالة.

6) المراح: المكان الذي تأوي إليه الماشية بالليل والمغدى: الذي تأوي إليه بالغداة، وفي المعارج 122 مراح ولا مغدى المراح: الموضع الذي يروح فيه الناس، والمغدى على عكسه من الغداة :أي ليس له من ذلك نصيب.

7) دموعهم : بداية مصورة نسخة مكتبة العلامة المجلسي، ورمزها: م، وقد رقمت هذه النسخة ترقيما حديثًا يبدأ برقم

بينَ شَرِيدٍ نَادٍ وخَائِفِ مَقْمُوعِ (1)، وَسَاكِتٍ مَكْعُوم (2)، ودَاعِ مُخْلِص، وثَكَلانَ مُوجَع، قد أخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ (3)، وشَمِلَتْهُم الذُّلَّةُ، فَهُم فِي بَحْرِ أَجَاج (4)، أفْوَاهُهُم ضَامِزَةٌ (5)، وقُلُوبُهُم فَرِحَةٌ، قَد وَعَظُوا (6)حَتَّى مَلُوا، وقُهرُوا حَتَّى ذَلُّوا، وقُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا؛ فَلتَكُن الدُّنْيَا أصْغَرَ في أعْيُنِكُم مِن حُثَالَةِ القَرَظِ(7)، وقُرَاضَةِ الجَلَمِ(8). واتَّعِظُوا بِمَن كَانَ قَبْلَكُم قَبْلَ أَن يَتَّعِظَ بِكُم مَن بَعْدَكُم، وارْفُضُوهَا ذَمِيمَةٌ(9)فإِنَّهَا قد رَفَضَتْ مَن كَانَ أَشْعَفَ (10)بِهَا مِنْكُم.

وهَذِهِ (11)الْخُطْبَةُ رُبَّمَا نَسَبَهَا مَن لا عِلْمَ لَهُ (12)إلى مُعَاوِيَةَ، وهِيَ مِن


1) المشرد: المطرود، والناد: الذاهب على وجهه.

2) حاشية: الكعام: سير يجعل في فم البعير، يقال : كعمت البعير، إذا شددت فاه، وفي شرح ابن میثم 2/ 269: القمع: الإذلال، والمعكوم: الذي لا يمكنه الكلام، كأنه سدّ فوه بالعكام، وهو شيء يجعل في فم البعير عند الهياج.

3) الثكل: الحزن على فقد بعض المحاب، وأخملتهم: أسقطتهم وأرذلتهم بين الناس.

4) حاشية: ماء أجاج، أي: مرّ ملح.

5) الضامز بالزاي: الساكت.

6) كذا في ج أيضًا، وفي ع: وُعِظوا، وفي م: وَعِظوا، وفي ب، ج: وَعَظُوا.

7) حاشية: القرظ: نبت يدبغ به والحثالة: ما يسقط منه..

8) الجلم: المقراض تجز به أوبار الإبل، وقراضته ما تساقط من قرضه.

9) في المعارج: دميمة، غير معجمة من دممت الثوب، أي: طليته بأي صبغ كان.

10) في القاموس : شعفني حبه، أي: غشى الحبُّ القلب من فوقه، أي: أكثر تعلقا بها منكم.

11) قبلها في الأصل: قال السيد (رضیَ اللّهُ عنهُ)، وفي م، ج، قال السيد، وقول السيد والترضية ليس في ب، ع ومثل هذا من زيادات النساخ.

12) بعدها في ب: بها.

كَلام أمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي لا شَكٍّ فِي وأَيْنَ الذَّهَبُ مِنَ الرُّغَام، وأينَ (1)العَذْبُ من الأَجَاج، وقَدْ دَلَّ عَلَى ذلِكَ الدَّلِيلُ الخِرِّيتُ، ونَقَدَهُ النَّاقِدُ البَصِيرُ عَمْرُو بنُ بِحْرٍ الجَاحِظُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ الخَطْبَةَ فِي كِتَابِ(2)البَيانِ والتَبَيُّنِ (3)، وذَكَرَ مَن نَسَبَهَا إلى مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مِن بَعْدِهَا بِكَلامٍ فِي مَعْنَاهَا جُمْلَتُهُ أَنَّهُ قالَ: وَهَذَا الكَلامُ بِكَلامِ أَمِيرِ المؤمنينَ (4)(عَلَيهِ السَّلَامُ) (5)أَشْبَهُ وبِمَذْهَبِه فِي تَصْنِيفِ النَّاسِ، وفِي الإِخْبَارِ عَمَّا هُم عَلَيْهِ من القَهْرِ والإذْلالِ، ومِنَ التَّقِيَّةِ والخَوْفِ أَليَقُ. قال(6): ومَتَى وَجَدْنَا مُعَاوِيَةَ فِي حَالِ مِنَ الأَحْوَالِ يَسْلُكُ فِي كَلامِهِ مَسْلَكَ (7)الرُّهَّادِ ومَذَاهِبَ العُبَّادِ (8).


1) أين: ليست في ب، ج. وفي ج: بعد كلمة معاوية «ثم قال: هي بكلام عليّ أشبه»، وذكر قطب الدين في المنهاج 1 / 233 أن سبب نسبة هذه الخطبة وأمثالها إلى معاوية أنه كان يبعث بعض أصحابه الشاميين إلى الكوفة ليحفظ خطبه التي يخطبها (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم الجمعة، ويكتبها؛ فإذا كان في الجمعة الثانية أو فيما بعدها خطب بها معاوية؛ فالالتباس من ها هنا، وقد روى الرواة ذلك على هذا الوجه، وقد أخذ ذلك الرجل الدسيس، فأقر بذلك في مسجد الكوفة.

2) ب: كتابه.

3) التبين في، س، م، ب، ع أيضًا، ووقفت على نسخة قديمة من كتاب البيان في خزانة القرويين بفاس بعنوان (البيان والتبين).

4) ب، ع: عليّ

5) في م: ثم قال : هي بكلام عليّ أشبَهُ.

6) قال : ليست في م.

7) ب: طريقة.

8) وورد في حاشية الأصل: «بلغ القراءة على المولى علم الهدى دام ظله إلى هنا»؛ والخطبة بالرقم نفسه في في الشرح 378/2، وفيه فصل بعنوان «في ذم الرياء والشهرة»، وكذا رقمها في مصدر سابق 417/1 - 419، وينظر تعليق المؤلف عليها أيضًا، وهي بالرقم نفسه أيضًا في شرح ابن ميثم 2/ 268.

[33] ومِن خُطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ)عند مَسِيْرِهِ لِقِتَالِ أهلِ البَصْرَة

قَالَ عَبْدُ اللّه بنُ العَبَّاس (1)«9 ب»: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2)بِذِي قَارٍ(3)وهوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ (4)، فَقَالَ لِي: مَا قِيمَةُ هَذِهِ النَّعَلِ؟ فَقُلْتُ: لا قِيمَةَ لَهَا. قَالَ: واللّه هِيَ أَحَبُّ إليَّ من إمْرَتِكُم إِلَّا أَن أُقِيمَ حقًّا أو أدْفَعَ بَاطِلا؛ ثُمَّ خَرَجَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) َفخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّ اللّه سبحانه بَعَثَ مُحمَّدًا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ووَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ العَرَبِ يَقْرأ كِتَابًا ولا يَدَّعِي نُبُوَّةً؛ فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّى بَوَّأَهُم مَحلَّتَهُم (5)، وبَلَّغَهُم، فَاسْتَقَامَتْ قناتهم (6)، واطْمَأَنَّتْ صَفَاتُهُم (7).


1) كذا في م، ج أيضًا، وبعدها في ب: رضي اللّه عنه، وفي ع: رحمة اللّه عليه.

2) (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليست في س، م، ج، وفي ب: صلواتُ اللّه عليهِ.

3) ذو قار: ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة بينها وبين واسط، وحنو ذي قار على ليلة منه، وفيه كانت الوقعة المشهورة بين بكر بن وائل والفرس. ينظر : معجم البلدان (قار)، 4 / 293 - 295، وذي قار في المعارج 122: موضع فيه بئر يقال لمائه: ذو قار لأنه أسود شبه القير.

4) خصف نعله أي: يخرزها.

5) بوأهم أسكنهم، والمحلة: المنزلة، وأشار بسوقه لهم إلى السوق العقلي لأذهانهم بحسب المعجزات إلى تصديقه فيما جاء به.

6) القناة: الرمح وعمود الظهر المنتظم للفقار.

7) الصفاة: الحجر الأملس المنبسط.

أما واللّه إِنْ كُنْتُ لَفِي سَاقَتِهَا (1)حَتَّى تَوَلَّتْ (2)بِحَذَافِيرِهَا مَا عَجَزْتُ ولا جَبُنْتُ ؛ وإِنَّ مَسِيرِي هَذَا لَمِثْلُهَا؛ فَلأَثْقُبَنَّ البَاطِلَ حَتَّى يَخْرُجَ الحَقُّ من جَنْبِهِ. مَالِي وَلِقُرَيْشٍ، واللّه لَقَد قَاتَلْتُهُم كَافِرِينَ، وَلأُقَاتِلَنَّهُم مَفْتُونِينَ، وإن لَصَاحِبُهُم بالأمْس كَمَا أَنَا صَاحِبُهُم اليَوْمَ (3)

أَدَمْتَ لَعَمْرِي شُرْبَكَ المُحْضَ صائحًا***وأكْلَكَ بالرُّبدِ الْمُقَشَّرةَ البَجْرَا

ونَحْنُ وَهَبْنَاكَ العَلاءَ ولم تَكُن***عَلِيًّا وحُطْنَا حَوْلَكَ الجُرُدَ والسُّمْرَا»

والخطبة بالرقم نفسه في الشرح 386/2، والزيادة به أيضًا، وفيه بحث يستحق النظر بعنوان حذيفة بن اليمان و خبر يوم ذي قار، وتنظر ترجمته في كتابي «رجال من بقيع ثوية الكوفة»؛ والخطبة بالرقم نفسه في مصدر سابق 420/1 - 422، ومما ذكره قوله : ومما يفيد التنبيه عليه هاهنا أن النسخة التي عليها شرح بن أبي الحديد فيها زيادة لم توجد في سائر نسخ النهج، وهي قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): وذكر الزيادة (رَحمهُ اللّه)، وهي عين الزيادة التي تفردت بها نسخة ع، وحاشية نسخة س. ومما ذكره المؤلف أيضًا نقلا عن إرشاد الشيخ المفيد أنه خطب (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الخطبة بالربذة لا بذي قار، والخطبة بالرقم نفسه أيضًا في شرح ابن ميثم 2/ 277.


1) حاشية: لفي ساقتها كأنه ضمير الدعوة النبوية وإن لم يجر لها ذكر في اللفظ، أو ضمير : النبوة، أو ضمير الحرب؛ وفي المنهاج 1 / 237، أي كنت في تَدْبِيرِ إهلاك أهل الحرب الذين يقيمون الحرب من الأعداء، وساقة الجيش: مؤخره، أقسم أنه كان في كل غزاة خلف الأعدء، وفي مؤخر جيشهم حتى هزمهم.

2) س، م: ولَّت، وكذا في ج، ولكن كتب فوقها تولت، وفي شرح ابن ميثم 2/ 274: تولت بحذافيرها، أي بأسرها، وفي المعارج 123: الواحد حذفار.

3) بعدها في ع زيادة لم أقف عليها في بقية النسخ، وهي حاشية في نسخة س، كتبت بخط من كتب أغلب حواشيها، وهي: «واللّه ما تنقِمُ مِنَّا قُرَيضٌ إِلَّا أَنَّ اللّه اخْتارَنَا عليهم، فأَدْخَلْنَاهُم فِي حَيِّزِنَا، فَكَانُوا كما قَالَ الأَوَّلُ:

[34] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في استِنْفَارِ النَّاسِ إلى أهل الشّام

[34] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)في استِنْفَارِ النَّاسِ إلى أهل الشّام

أُفٍّ (2)لكُم ! لَقَد سَئِمْتُ عِتَابَكُم، أَرَضِيتُم بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ عِوَضًا، وبالذُّلِّ مِنَ العِزّ خَلَفًا؛ إِذَا دَعَوْتُكُم إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُم دَارَتْ أَعْيُنُكُم كَأَنَّكُم مِنَ المَوْتِ فِي غَمْرَةِ، ومِنَ الذّهُولِ (3)فِي سَكْرَةِ يُرْتَجُ (4)عَلَيْكُم حِوَارِي فَتَعْمَهُونَ (5)، وكأنَّ قُلُوبَكُم مَأْلُوسَةٌ (6)فأنْتُم لا تَعْقِلُونَ. مَا أَنْتُم لي بِثِقَةٍ سَجِيْسَ الليالي (7)! ما (8)أَنْتُم بِرُكْنٍ يُمَالُ بِكُم (9)، ولا زَوافِرَ (10)عِزّ يُفْتَقَرُ إلَيْكُم ! مَا أَنْتُم إِلَّا كَابِل ضَلَّ رُعَاتُها؛


1) ضرب على قول الناسخ «له (عَلَيهِ السَّلَامُ)».

2) أفٌ : كلمة تضجر من الشيء.

3) الذهول: النسيان والسهو.

4) ع: تَرْتَج، ويرتج عليكم، أي: يغلق.

5) حاشية: أي : لا تفهمون كلامي، ولا تستمعون إليه، وفي شرح ابن ميثم 278/2: تعمهون: تتحيرون وتترددون.

6) المألوس: المجنون والمختلط العقل.

7) حاشية : يقال : لا آتيك سجيس الليالي أي أبدا، وكذا في المنهاج 238/1.

8) ب: وما.

9) حاشية: أي ما أنتم بركن تمثالون إلى الجهاد، لأنكم تستعصون على من يريد أن يميلكم إليه، ويجوز أن يكون المعنى يمال.

10) حاشية : الزوافر بالنصب كأنه عطفه على موضع بركن، وزوافر الرجل أنصاره وعشيرته، وبنصه في المنهاج 1 / 238.

فَكُلَّمَا جُمِعَت مِن جَانِبِ انتَشَرَتْ مِن آخَرَ. لَبِئْسَ لَعَمْرُ اللّه سُعُرُ (1)نَارِ (2)الحَرْبِ أَنْتُم. تُكَادُونَ ولا تَكِيدُونَ، وتُنتَقَصُ (3)أطْرَافُكُم ولا تَمتَعِضُونَ (4)، لا يُنَامُ عَنْكُم وأنْتُم فِي غَفْلَةٍ سَاهُونَ. غُلِبَ واللّه المتخاذِلُونَ.

وأيمُ اللّه، إنّي لأظُنُّ بِكُم أن لَو حَمِسَ الوَغَى (5)وَاسْتَحَرَّ الْمَوْتُ قد انْفَرَجْتُم عن ابنِ أَبِي طَالب انْفِرَاجَ الرَّأْسِ(6). واللّه إِنَّ امرأَ يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ من نَفْسِهِ يَعْرُقُ لَحْمَهُ(7)، ويَهْشِمُ عَظْمَهُ، ويُفْرِي جِلْدَهُ لَعَظِيم عَجْرُهُ (8)، ضَعِيفٌ ما ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ.


1) في حاشية الأصل: سَعْرُ، وبجنبها س.

2) إسعار النار: تهييجها وإلهابها.

3) في الأصل: وتُنقصُّ، وهو سهو.

4) الامتعاض: الغضب.

5) حمس الوغى: اشتداد الحرب وجلبة الأصوات.

6) حاشية: انفراج الرأس أي : انفراج من يريد أن ينجو برأسه، ويحتمل أن يكون المعنى انفراج رأس من أدنى رأسه إلى غيره، ثم انفرج رأسه عنه، ويحتمل أن يريد بذلك انفرجتم عني رأسًا، أي: قطعة، فلما أعاد الكلام عنه صار معرَّفا، وعند ابن ميثم في شرحه 279/2: قال ابن دريد إن الرأس إذا انفرج عن البدن لا يعود إليه، ولا يكون بعده اتصال، وذلك أشد الانفراج. وقال المفضل الرأس : اسم رجل تنسب إليه قرية من قرى الشام، يقال لها : بين الرأس يباع فيها الخمر، وذكر غير هذا، والقولان في المعارج 124.

7) عرقت اللحم أعرقه، إذا لم أبق على العظم منه شيئًا.

8) بضم الجيم وسكونها في س، ج وفوقها معًا.

أنتَ فَكُنْ ذَاكَ إِن شِئْتَ (1). فأَمَّا أَنَا فَوَاللّه دُوْنَ (2)أَن أُعْطِيَ ذَاكَ ضَرْبٌ بِالمَشْرَفِيَّة (3)تَطِيْرُ مِنْهُ فَرَاشُ (4)الهام، وتَطِيْعُ السَّواعِدُ والأَقْدَامُ، ويَفْعَلَ اللّه بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ.

أيُّهَا النَّاسُ : إِنَّ لِي عَلَيْكُم حَقًّا، ولَكُم عَلَيَّ حَقٌّ؛ فأَمَّا حَقُكُم عَلَيَّ فالنَّصِيْحَةُ لَكُم، وتَوْفِيرُ فَيْئكُم عَلَيْكُم، وتَعْلِيمكُم كَي لا تَجْهَلُوا، وتأدِيْبُكُم كَيْمَا تَعْلَمُوا ؛ وأَمَّا حَقّي عَلَيْكُم فالوَفَاءُ بِالبَيْعَةِ (5)، والنَّصِيحَةُ في المَشْهَدِ والمَغِيبِ، والإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُم، والطَّاعَةُ حِيْنَ آمُرُكُم (6).


1) ذكر السيد عبد الزهراء في الهامش رقم 7 في 1 / 424 (خاطب بذلك الأشعث بن قيس، فقد روي أنه خاطب عليّا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أثناء خطبته - وهو يلوم الناس - على تقاعدهم فقال له : هلا فعلت فعل ابن عفان! فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن مرأ أمكن عدوه..ألخ)، وفاته ذكر مصدر الرواية، ولم أقف على المراد من فعلة عثمان؛ وفي حاشية الأصل: خطاب للممكن عدوه من نفسه من كان.

2) في س، م، ج : واللّه فدون.

3) المشرفية : سيوف منسوبة إلى مشارف: قرى من أرض العرب تدنو من الريف، وكذا في المنهاج 1/ 242.

4) حاشية: فراش الرأس : عظام دقاق تلي القحف.

5) بالبيعة ليست في الأصل، وهي في س، م، ع، ب، ج.

6) بالرقم نفسه في الشرح 2/ 389، وفيه بحث بعنوان «أول خطبة لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد قدومه من حرب الخوارج» وذكر الخطبة مع التعليق عليها، وفيه أيضًا بحث بعنوان «نبذ من فضائل الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)» ؛ وكذا رقمها في شرح ابن ميثم2/ 277 وذكر أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخطب بها بعد فراغه من أمر الخوارج، وبالرقم نفسه أيضًا في مصدر سابق 1/ 425 - 427.

[35] ومن خُطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد التحكيم عالسالم

الحَمْدُ للّه وإن أتَى الدَّهْرُ بالخَطْبِ الفَادِح (1)، والحَدَثِ الجَلِيلِ، وأَشْهَدُ أَلَّا إله إلَّا اللّه (2)ليْسَ مَعَهُ إِلهُ غَيْرُهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُوْلُهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (3). أما بعد، فإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ العَالِمِ الْمُجَرِّبِ تُورِثُ الحَسْرَةَ، وتُعْقِبُ النَّدَامَةَ، وقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُم فِي هذِهِ الحُكُومَةِ أَمْرِي ونَخَلْتُ لَكُم تَخَزُونَ رأيي، لَو كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ (4)فَأَبَيْتُم ! عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الجُفَاةِ (5)، والمُنَابِذِينَ (6)(10أ) العُصَاةِ حَتَّى ارْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ، وضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ، فَكُنْتُ وإِيَّاكُم كما قَالَ أَخُو هَوازِنَ:


1) حاشية: فدحني الأمر: أثقلني، وفي شرح ابن ميثم 2/ 282 : الخطب: الأمر العظيم، وفدحه الأمر: عاله وأبهظه.

2) بعدها في ع: وحده لا شريك له.

3) في س م ج: وسلم بدلا من وآله وغالبًا ما تسقط الآل ويكتفى بالتسليم فيهما وقد ذكر ذلك سابقا.

4) في حاشية م: هو قصير بن سعد اللخمي صاحب جذيمة الأبرش، وقصته في النصح مشهورة، وقد ذكر المثل ومناسبته في المعارج 125 والمنهاج 1 / 241.

5) الجافي: الخشن الطباع، لذي ينبو طبعه عن المؤانسة، فيقاطع ويباين.

6) حاشية : المخالفين : المنابذين للعهد.

أمَرْتُهمُ أَمْرِي بِمُنْعَرِجِ (1)اللِّوى***فلم يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ (2)إِلَّا ضُحَى الغَدِ (3)

[36] ومن خُطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تَخويف أهْل النَّهْر

[36] ومن خُطْبَةٍ (4)له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تَخويف أهْل النَّهْر (5)

فأنا (6)نَذِيرٌ لَكُم أَن تُصْبِحُوا صَرْعَى بِأَثْنَاءِ هَذَا النَّهْرِ، وَبِأَهْضَامِ (7)هَذَا الغَائِطِ (8)عَلَى غَيْرِ بَيِّنَةٍ من رَبِّكُم، ولا سُلْطَانٍ مُبِيْنٍ مَعَكُم، قَدْ


1) ب، ج: مُنْعَرَج.

2) ج: النصح.

3) بالرقم نفسه في الشرح 2/ 400 وفيه بحث مطول عن التحكيم وظهور الخوارج، وهو جدير بالنظر، وكذا في شرح ابن میثم 282/20 بالرقم نفسه، ولكنه ذكر زيادة في الخطبة فراجعها، والبيت لدريد بن الصمة من قصيدة يرثي بها أخاه عبد اللّه؛ وذكر في المعارج 126، والمنهاج 1/ 244 سبب مصرع عبد اللّه، وبالرقم نفسه أيضًا في مصدر سابق 1 / 429 - 430، ونقل المؤلف عن شرح ابن أبي الحديد وكتاب صفين أن أمير المؤمنين خطب بها بعد خديعة ابن العاص لأبي موسى الأشعري.

4) في الأصل: ومن كلام، وما أثبت في ب، م، ج، ع.

5) ب: النهروان.

6) س: وأنا.

7) حاشية الأهضام: المطمئن من الأرض، والجمع أهضام وهضوم، وفي المنهاج 249: جمع هضم.

8) الغائط : ما سفل من الأرض.

طَوَّحَتْ بِكُمُ الدَّارُ (1)، واحْتَبَلَكُم (2)المِقْدَارُ ؛ وقد كُنْتُ نَهَيْتُكُم عَنْ هَذِهِ الحُكُومَةِ فَأَبَيْتُم عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْمُنَابِذِينَ، حَتَّى صَرَفْتُ رأيي إلى هَوَاكُم، وأنْتُم مَعَاشِرُ (3)أخِفَّاءُ الهَامِ، سُفَهَاءُ الأَحْلامِ، ولَم آتِ - لا أبا لكُم (4)- بُجْرًا (5)، ولا أَرَدْتُ بِكُم ضُرَّا (6).


1) طوحت بكم، أي: توهتكم في أموركم، ورمت بكم المرامي.

2) ع: واختبلكم. وفي شرح ابن ميثم 286/2 احتبلكم أوقعكم في الحبالة، وكذا في المعارج 127.

3) س: معايش.

4) في المعارج :219 يذكر في موضع المدح وفي الذم، ولا أم لك ولا أب لك، أي: أنت : لقيط لا يعرف لك أمّ ولا أب، وينظر ما أورده الشارح.

5) حاشية: البجر: الأمر العظيم، وذكر القطب في المنهاج 250/1 وابن ميثم في 286/2 روايات أخر لكلمة بجر، ورى في المنهاج هجرًا، أي كلاما قبيحا، عَرَّا، أي: لم آت عبئًا، والعرّ : قرحة تخرج من مشافر الإبل فتكوى لئلا تعدي..

6) بالرقم نفسه في الشرح 2/ 440، وفيه بحث بعنوان «الثواب لقاتلي الخوارج»؛ وكذا رقمها في شرح ابن ميثم 285/2، وذكر أن الخطاب للخوارج الذين قتلهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنهروان، وينظر ما ذكره بشأن ذي الخويصرة، وبالرقم نفسه أيضًا في مصدر سابق 1 / 431 – 432.

[37] ومن كَلَامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَجْرِي مَجْرَى الخُطبَةِ

[37] ومن كَلَامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَجْرِي مَجْرَى الخُطبَةِ (1)

فَقُمْتُ بالأمْرِ حِينَ فَشِلُوا، وتَطَلَّعْتُ (2)حِينَ تُعْتِعُوا (3)، ومَضَيْتُ بِنُورِ اللّه حِينَ وَقَفُوا؛ وكُنْتُ أَخْفَضَهُم صَوْتًا، وأَعْلاهُم فَوْتًا (4)، فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا، وَاسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا (5)، كَالجَبَلِ لا تُحَرِّكُهُ القَوَاصِفُ، ولا تُزِيْلُهُ العَوَاصِفُ (6). لَمْ يَكُنْ لأحَدٍ فِيَّ مَهْمَةٌ، ولا لِقَائلٍ فِيَّ مَغْمَزٌ (7).

الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى أَخُذَ الحَقِّ لَهُ، والقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حتَّى أَخُذَ الحَقَّ مِنْهُ. رَضِينَا عَنِ (8)اللّه قَضَاءَهُ، وَسَلَّمْنَا للّه (9)أَمْرَهُ. أتْرَانِي أكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ). واللّه لأنا أوَّلُ مَن صَدَّقَهُ، فلا (10)


1) يجري مجرى الخطبة ليس في ع.

2) ب: تلطَّفت، وكذا عن نسخة في حاشية الأصل، وفي شرح ابن میثم 287/2 : تطلع الأمر: اختباره وتعرفه، والرواية فيه (وتطلعت حين تقبَّعوا، ونطقت حين تعتعوا).

3) م، ع، تَعْتَعُوا. التعتعة في شرح ابن میثم 2 / 287 : الاضطراب في الكلام عند الحصر.

4) حاشية: الفوت: السبق أي فتَّ القوم فوتًا عاليًا مع انخفاض صوتي وهدوء أحوالي.

5) حاشية : برهانها، أي المراهنة عليها، ولما جعل لها عنانًا جعلها مركونة يراهن عليها.

6) ع: العواصف... القواصف.

7) في المنهاج 1 250 : المهمز : العيب، والمغمز: المطعن.

8) ب: على.

9) ب: له.

10) في الأصل: ولا، وما أثبت في م، س، ج.

أكُونُ أَوَّلَ من كَذَبَ عَلَيْهِ. فَنَظَرْتُ (1)فِي أَمْرِي فَإِذَا طَاعَتِي قَد سَبَقَتْ بَيْعَتِي (2)، وإذَا المِيْثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَيْري (3).

[38] ومن خُطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[38] ومن خُطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4)

وإِنَّما سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً؛ لأنّها تُشْبِهُ الحَقِّ، فأما أولياء اللّه فَضِيَاؤهُم فِيهَا اليَقِينُ، ودَلِيلُهُم سَمْتُ الهُدَى؛ وأمَّا أَعْدَاءُ اللّه فدُعَاؤُهُم الضَّلالُ، ودَلِيلُهُم العَمَى؛ فما ينجو من المَوْتِ مَنْ خَافَهُ، ولا يُعْطَى البَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ (5).


1) كذا في ب، م، ج، ع، وفي الأصل قد نظرتُ.

2) حاشية : يقول : طاعتي كانت واجبة عليهم قبل أن يبايعوني؛ لأنهم بايعوه بعد ثلاثة، وطاعته كانت واجبة عليهم عند حقوق - كذا – النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ). وعلى ذلك فبيعة غيري في عنقي، وهو إشارة إلى ما أكره عليه في البيعة.

3) بالرقم نفسه في الشرح 452/2، وينظر تعليق الشارح على رواية الشريف، وفيه بحث بعنوان سلوني قبل أن تفقدوني : الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعلم الغيب»؛ وبالرقم نفسه في مصدر سابق 1/ 433 - 435، ونقل المؤلف عن ابن أبي الحديد أنه قاله بعد وقعة النهروان، وينظر تعقيبه أيضًا، وقال ابن ميثم في شرحه 287/2 - بالرقم نفسه - عن بعض الشارحين: هذا الفصل فيه فصول أربعة التقطها الرضي (رَحمهُ اللّه) من كلام طويل له (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد وقعة النهروان، ذكر فيه حاله منذ توفي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلى آخر وقته، وما ذكره في الشرح.

4) للعنوان تكملة في الشرح 2/ 461 هي: «في معنى الشبهة».

5) بالرقم نفسه في الشرح 462/2، وفيه بحث بعنوان «خبر النعمان بن بشير، ومالك الأرحبي مع الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)»، وبالرقم نفسه أيضًا في شرح ابن ميثم 2/ 290؛ ينظر تخريجها وتعليق المؤلف عليها في مصدر سابق 1 / 435 - 436 وهي بالرقم نفسه به، وقد غزا النعمان عين التمر.

[39] ومِن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[39] ومِن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)

مُنِيتُ بِمَن لا يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ، ولا يُحِيبُ إِذَا دَعَوْتُ - لا أَبا لَكُمْ - ما تنتظرُونَ بِنَصْرِكُم رَبَّكُم أَمَا دِينُ يَجْمَعُكُم، ولا حَمِيَّةٌ تُحْمِشُكُم (2)أقُومُ فِيْكُم مُسْتَصْرِخَا (3)وأنَادِيْكُم مُتَغَوِّنَا؛ فَلا تَسْمَعُونَ لِي قَوْلًا ولا تُطِيْعُونَ لِي أَمْرًا، حَتَّى تَكَشَّفَ الأمُورُ عَن عَوَاقِبِ المَسَاءَةِ؛ فَمَا يُدْرَكُ بِكُم ثَارٌ ولا يُبْلَغُ بِكُم مَرَامٌ.

دَعَوْتُكُم إِلَى نَصْرِ إِخْوانِكُم فَجَرْ جَرْتُم جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ (4)الأسرِّ (5)«10 ب» وتَثَاقَلْتُم تَثَاقُلَ النَّضْوِ الأَدْبَرِ (6)، ثمَّ خَرَجَ إِليَّ مِنْكُم جُنَيْدٌ (7)مُتَذَائِبٌ ضَعِيفٌ «وَكَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ» (8).


1) للعنوان بقية في الشرح 462/2 هي: «في ذم المتقاعدين عن القتال».

2) ع: أما حمية تحمسكم، وفي حاشية الأصل أحمشت الرجل أغضبته، وكذا في المنهاج 251/1.

3) المستصرخ : المستجلب بصوته من ينصره، والغوث هو قول الرجل: وا غوثاه.

4) حاشية جرجرة الجمل: صوت يردده البعير في حنجرته، وبنصه في المنهاج 1/ 251.

5) حاشية الأسر: الذي يشكو سرته.

6) النضو: من الأبل: البالي من تعب السير والأدبر الذي به دبر، وهي القروح في ظهره.

7) بعدها في ع: ضعيف.

8) الأنفال/ 6.

قَولُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1): مُتَذَائِبٌ؛ أي: مُضْطَرِبٌ من قَوْلِهِم تَذَاءَبَتِ الرِّيحُ؛ أي: اضْطَرَبَ هُبُوبُهَا، ومِنْهُ سُمِّيَ الذُّتْبُ لاضْطِرَابِ مِشْيَتِهِ (2).

[40] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي مَعنَى الخَوارِج لَمَّا سَمِعَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَوْلَهُم : لا حُكْمَ إلا للّه، قَالَ :

[40] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي مَعنَى الخَوارِج لَمَّا سَمِعَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَوْلَهُم : لا حُكْمَ إلا للّه، قَالَ (3):

كَلِمَةُ حَقٌّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ ؛ نعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إِلَّا اللّه، ولَكِن هؤلاء يَقُولُونَ لا إمْرَةَ، وإِنَّهُ لابُدَّ للنَّاسِ من أَمِيرِ بَرٌ أَو فَاجِرٍ يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ ويَسْتَمْتِعُ فِيهَا الكَافِرُ، ويُبَلِّغُ اللّه فيها الأَجَلَ، ويُجْمَعُ بِهِ الفَيْءُ، ويُقَاتَلُ بِهِ العَدُوُّ، وتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، ويُؤْخَذُ بِهِ للضَّعِيفِ مِنَ القَوِيُّ


1) س، م، ج: قال السَّيّد مكان قوله، وقوله : ساقط منع.

2) بالرقم نفسه في الشرح 467/2 ؛ وينظر في تخريجها مصدر سابق 437/1 - 438 بالرقم نفسه، وذكر المؤلف أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطب بها بعد غارة النعمان بن بشير الأنصاري على عين التمر سنة 39ه، وينظر تعقيب المؤلف أيضًا، وشرح ابن ميثم 29/12، وهي بالرقم نفسه به ؛ وقدر اللّه أن ينقلب النعمان على آل مروان فيصبح زبيريا، وكان واليا لهم على حمص، فلما انهزم آل الزبير هرب لا يدري أين يذهب، فتمكن منه خالد بن عدي الكلابي، فقتله وأرسل رأسه إلى عبد الملك بن مروان، وقيل: قتله آل حمص غيلة سنة أربع وستين ينظر الاستيعاب 4 / 1500.

3) س، م، ج: ومن كلام له في الخوارج لما سمع قولهم: لا حكم إلا للّه، ع... لما سمع قولهم لا حكم إلا اللّه فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذكر القطب في معارجه 252/1 أن أول من لفظ هذه الكلمة البرك بن عبد اللّه وبرك: لقب له، واسمه الحجاج، وكان سيدًا من الخوارج؛ وهو أحد الثلاثة الذين اجتمعوا بمكة، وقد تعهد بقتل معاوية.

حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَةٌ ويُسْتَرَاحَ من فَاجِرٍ.

وفي رِوَايَةٍ أَخْرَى أَنَّهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1)لما سَمِعَ تَحْكِيمَهُم قَالَ: حُكْمَ اللّه أَنْتَظِرُ فِيْكُم، وقَالَ أمَّا الإمْرَةُ البَرَّةُ فَيَعْمَلُ فِيهَا التَّقِيُّ، وأمَّا الإمْرَةُ الفَاجِرَةُ فيَتَمَتَّعُ (2)فيها الشَّقِيُّ إلى أن تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ وتُدْرِكَهُ مَنيَّته (3).

[41 ] ومن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[41 ] ومن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4)

إِنَّ الوَفَاءَ تَوْاْمُ الصِّدْقِ، ولا أعْلَمُ جُنَّةٌ (5)أوْقَى مِنْهُ، ومَا يَعْذِرُ من عَلِمَ (6)كَيْفَ المَرْجِعُ ؛ ولَقَد أَصْبَحْنَا فِي زَمَانِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أهْلِهِ الغَدْرَ كَيْسًا، ونَسَبَهُم أهْلُ الجَهْل فيه إلى حُسْنِ الخِيْلَةِ. ما لَهم - قَاتَلَهُمُ اللّه - قَد يَرَى الحُوَّلُ القُلَّبُ (7)وَجْهَ الحِيْلَةِ و دُونَها (8)مَانِعٌ مِن أَمْرِ اللّه ونَهْيِهِ، فَيَدَعُهَا


1) إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليست في س، م، ج.

2) ع: فيستمتع.

3) بالرقم نفسه في الشرح 467/2، وفيه بحث بعنوان «القول بوجوب الإمامة»، وآخر بعنوان «الخوارج : عود على بدء» ؛ وكذا رقمها في مصدر سابق 1 / 440، وشرح ابن ميثم 292/2.

4) بعدها في الشرح 2/ 470 « في الوفاء والصدق».

5) الجنة: ما استترت به من سلاح ونحوه.

6) ع: وما يُعذرُ من عرف..

7) الحول: القلب الذي يكثر تحوله وتقلبه في اختيار الأمور وتعرف وجوهها.

8) س، م، ج: ودونه.

رَأيَ عَيْنٍ (1)بَعْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهَا (2)، ويَنْتَهِرُ فُرْصَتَهَا مَن لا حَرِيْجَةَ (3)لهُ في الدِّينِ(4).

[42] ومن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[42] ومن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5)

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عليكُم اثْنَتَانِ: اتَّبَاعُ الهَوَى وطول الأَمَلِ؛ فَأَمَّا اتَّبَاعُ اهْوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ.

ألا وإنَّ الدُّنْيَا قَد وَلَّتْ حَذَّاءَ (6)، فَلَم يَبْقَ مِنْهَا إِلا صُبَابَةٌ (7)كَصُبَابَةِ الإِنَاءِ اصْطَبَهَا صَابُهَا، وإِنَّ الآخِرَةَ قَد أَقْبَلَتْ، ولكُلِّ منهما بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، ولا تَكُونُوا من أبناء الدُّنْيَا، فإنَّ كلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ (8)بأمِّهِ يَومَ القِيامَةِ ؛ وإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ ولا حِسَابٌ، وغَدًا


1) ب : العين، وفي حاشية الأصل رأي العين وفوقها س.

2) بعد القدرة عليها : ليس في ع.

3) حاشية: التحرج التحرز.

4) بالرقم نفسه في الشرح 472/2 وفيه بحث بعنوان «مدح الوفاء وذم الغدر»، وكذا رقمها في شرح ابن ميثم 2/ 294 وبالرقم نفسه في مصدر سابق 1/ 441 - 442.

5) للعنوان تكملة في الشرح 474/2 هي: «في اتباع الهوى وطول الأمل».

6) حاشية: يقال: رحم حذاء وجداء عن الفراء، إذا لم توصل بالجيم والحاء معا، وفي شرح ابن میثم 295:20 حذاء خفيفة مسر عة لا يتعلق أحد منهما في شيء..

7) الصبابة : بقية الماء في الإناء.

8) م، ج، ع: سيلحَقُ.

حِسَابٌ ولا عَمَلٌ.

الحَذَّاءُ(1): السَّرِيعَةُ، ومن النَّاسِ مَن يَرْوِيهِ جَذَّاءَ؛ أي: انقَطَعَ دَرُّهَا وخَيْرُهَا (2).

[43] ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقَد أَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِالاسْتِعْدَادِ لِحَرِبِ أَهْلِ الشَّامِ

بَعْدَ إِرْسَالِهِ إِلى مُعَاوِيَةَ جَرِيرَ بنِ عبدِ اللّه البَجَلِي (3)(11 أ)

إِنَّ اسْتِعْدَادِي حِرْبِ أَهلِ الشَّامِ وجَرِيرٌ عِنْدَهُم إِغْلاقُ للشَّامِ


1) قبلها في الأصل: قال السيد (رضیَ اللّهُ عنهُ)، وذكر في الحاشية الآتي: «بخط السيد على الحاشية الحذاء: السريعة إلى آخره»، وفي المنهاج 256/1 بخط الرضي على الحاشية أصله الحذاء السريعة، ومن الناس من يروي جذاء بالجيم والحاء معا».

2) قول الشريف ليس في: س، م، ج، ع، وهو في حاشية ب، من دون ذكر القائل والترضي عليه. والخطبة بالرقم نفسه في الشرح 2 / 474 ؛ وكذا رقمها في شرح ابن ميثم 295/2 وبالرقم نفسه في مصدر سابق 443/1 - 445، وذكر المؤلف أن لهذه الخطبة زيادة تجدها في كتاب وقعة صفين ومصادر أخر ذكرها، وبحسب نصر عن سنده أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطب بها يوم دخل الكوفة بعد انتصاره على أصحاب الجمل يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من رجب سنة ست وثلاثين، وينظر أيضًا ما ذكره المؤلف حولها.

3) عُدَّ مع الصحابة، وقيل أسلم في السنة التي توفي فيها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، و في خلافة عمر بن الخطاب أصبح أميرا على بجيلة، وكان واليا على همدان، ثم قرقيسيا من بعد في زمن خلافة عثمان، وعزله الإمام مع من عزله من ولاة عثمان، وكان بحسب طلبه رسول أمير المؤمنين إلى معاوية، وقد اعترض الأشتر على إرساله لعدم ثقته به، واعتزل أمير المؤمنين من بعد، وتوفي سنة ستين أو إحدى وستين، واختلف في موضع وفاته، ورجحت عندي وفاته بالكوفة؛ وله ترجمة في كتابي الموسوم ب(الثوية بقيع الكوفة 1/ 61 - 63).

وصَرْفُ لِأَهْلِهِ عَنْ خَيْرِ إِنْ أَرَادُوهُ، وَلَكِن قَد وَقَتْ جَرِيرٍ وَقْتًا لَا يُقِيمُ بَعْدَهُ إِلَّا تَخَدُوعًا أو عَاصِيًا (1)، والرَّأيُ مَعَ الأَنَاةِ، فَأَرْوِدُوا (2)، ولا أَكْرَهُ لَكُم الإعْدَادَ (3)، ولَقَد ضَرَبْتُ أَنْفَ (4)هَذَا الْأَمْرِ وعَيْنَهُ، وقَلَبْتُ ظَهْرَهُ وبَطْنَهُ فلم أرَ لي إلَّا القِتَالَ أو الكُفْرَ (5).

إنَّه قد كَانَ على الأمَّةِ وَال (6)أحْدَثَ أحْدَانًا، وأوْجَدَ النَّاسَ مَقَالًا، فقَالُوا ثُمَّ نَقَمُو (7)فَغَيَّرُوا (8).


1) ع: غاصبًا.

2) في الأصل: فارفقوا، وما أثبت في س، م، ب، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة.

3) س: الاستعدادَ، وفوقها الإعداد وشطبت الاستعداد في م، وفوقها الإعداد.

4) حاشية: أنف هذا الأمر، أي: تحققت في المعرفة به، وذكر الأنف والعين مَثَل، وذلك لأن المتعرف من عادته أن ينعم النظر إلى الأنف والعين، وهما من محاسن الوجه.

5) بعدها في ج: بما أُنزِلَ على محمد، وليس في الأصول.

6) حاشية م: يشير بذلك إلى عثمان.

7) حاشية: نَقِمُوا كذا بخطه، ونقمت أنقم على الرجل، إذا عتبت عليه، ونقمت الأمر، إذا كرهته، ومثله في المنهاج 258/1.

8) بالرقم نفسه في الشرح 2/ 477، وفيه مبحثان الأول بعنوان «ماذا قال قاضي القضاة» ويعني به صاحب المغني، وآخر بعنوان رد المرتضى على قاضي القضاة»، وختم ابن أبي الحديد الجزء بالخطبة المذكورة وتعقيبه عليها، والكلام بالرقم نفسه أيضًا في شرح ابن ميثم 2 / 297، وهي بالرقم نفسه في مصدر سابق 446/1 - 450، وينظر أيضًا ما ذكره المؤلف حولها.

[44] ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

لَّا هَرَبَ مَصْقَلةُ بن هُبَيْرَةَ الشَّيْبَاني إِلى مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ قَد ابْتَاعَ سَبْيَ بَنِي نَاجِيَةَ من عامِلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وأَعْتَقَهُم، فَلَا طَالَبَهُ أَمِيرُ المُؤمنينَ (1)بالمَالِ خَاسَ بِهِ وَهَرَبَ إِلَى الشّامِ.

فقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2): قَبَّح اللّه (3)مَصْقَلَةَ، فَعَلَ فِعْلَ السَّادَةِ وفَرَّ فِرَارِ العَبِيدِ، لا : فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ، ولا صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَكَتَهُ (4)، ولو أَقَامَ لأَخَذْنَا مَيْسُورَهُ، وانْتَظَرْنَا بَالِهِ وُفُورَهُ (5)

تركت نساء الحي بكر بن وائل***وأعتقت سبيًا من لؤي بن غالب

وفارقت خير الناس بعد محمد***لمال فاضل لا محالة ذاهب

وتجد قصة سبي بني ناجية مفصَّلة في الشرح 83/3 وما بعدها، والكلام فيه بالرقم نفسه وكذا في مصدر سابق 451/1 - 452، والوفور في شرح ابن ميثم 301/2 بالرقم نفسه أيضًا : مصدر وفر المال أي نما وزاد، ویروی موفوره، وبه أنهى السيد عبد الزهراء الجزء الأول من كتابه مصادر نهج البلاغة.

و أردشير خرة في معجم البلدان من أجل كور فارس، ومنها مدينة شيراز وغيرها.

.

1) أمير المؤمنين: ليس في م، س.

2) (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليس في ب، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليست في ج، م.

3) قبحه اللّه : نحاه عن الخير.

4) التبكيت: كالتقريع واللائمة.

5) حاشية الأصل: وفي بعض الروايات: لو أقام أخذنا ما قدرنا على أخذه منه، فإن أعسر أنظرناه، وإن عجز لم نأخذه بشيء، وفي حاشية أخرى كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجه معقل بن قيس الرياحي إلى المرتدين بسيف البحر، فقتل المقاتلة، وسبى الذرية، و أقبل فنزل أردشير خره، وبها مصقلة بن هبيرة.. فصاح السبي أمنن علينا، فاشتراهم مصقلة بثلاثمائة ألف وأعتقهم، وأدَّى مائتي ألف ثم هرب إلى معاوية، فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا الكلام، وأنفذ العتق فقال مصقلة:

[45] ومِن خُطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

الحَمْدُ للّه غَيْرَ مَقْنُوطٍ (1)من رَحْمَتِهِ، ولا تَخَلُو مِن نِعْمَتِهِ، ولا مَأْيُوسٍ من مَغْفِرَتِهِ، ولا مُسْتَنْكَفٍ (2)من عِبَادَتِهِ؛ الذِي لَا تَبْرَحُ لَهُ (3)رَحْمَةٌ، ولا تُفْقَدُ له نِعْمَةٌ. والدُّنْيَا دَارٌ مُنِيَ لها الفَنَاءُ (4)، ولأهْلِهَا مِنْهَا الجلاء، وهِيَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وقد عُجِّلت للطالب، والتبست (5)بِقَلْب النَّاظِر إليها (6)، فارْتَحِلُوا منها (7)بأحْسَن مَا بِحَضْرَتِكُم مِنَ الزَّاد، ولا تسألوا فِيهَا فَوْقَ الكَفَافِ(8)، ولا تَطْلُبُوا مِنْهَا أَكْثَرَ من البَلاغ (9).


1) القنوط: اليأس.

2) الاستنكاف: الاستكبار.

3) س ج: منه وفوقها له، وضربت في م، وفوقها له، وفيع، ب: منه.

4) مني لها الفناء، أي: قدّر لها.

5) التبست: امتزجت.

6) إليها: لها إحال إلى حاشية الأصل، وليست في النسخ.

7) كذا في الأصل وفي ع، ب، وفي س، م، ج: عنها، وكذا عن نسخة في حاشية الأصل.

8) الكفاف: ما كفَّ عن الناس، أي: أغنى عنهم من المال.

9) بالرقم نفسه في مصدر سابق 2 / 10 - 11، وينظر أيضًا ما أورده المؤلف حولها، وبالرقم نفسه عند ابن ميثم في شرحه 2 / 302، وذكر أن هذا الفصل ملتقط من خطبة طويلة خطب بها يوم الفطر، وهو غير متسق بل بين قوله: «نعمة»، وقوله: «والدنيا». فصل طويل، وهذه الخطبة تنتظم الفصل المتقدم، وهو قوله أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت.، وهي فيه برقم (45)، وأشار في الشرح 3 106 بالرقم نفسه إلى اشتمال هذا الفصل على فصلين، لأن الرضي (رَحمهُ اللّه) لا يقف على الكلام المتوالي لأن غرضه ذكر فصاحتها (عَلَيهِ السَّلَامُ).

[46] ومِن كَلامِ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) عندَ عَزْمِهِ عَلى المَسِيرِ إلى الشّام

[46] ومِن كَلامِ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) عندَ عَزْمِهِ (1)عَلى المَسِيرِ إلى الشّام

اللّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن وَعْثَاءِ(2)السَّفَرِ، وَكَابَةِ الْمُنْقَلَبِ، وسُوءِ المَنْظَرِ في النفس والأهْلِ والمالِ والوَلَدِ(3). اللّهمَّ أَنْتَ الصَاحِبُ في السَّفَرِ، وأنْتَ الخَلِيْفَةُ فِي الأهْل، ولا يَجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ؛ لأنَّ المُسْتَخْلَفَ لا يكُونُ مُسْتَصْحَبًا، والمُسْتَصْحَبَ لا يَكُونُ مُسْتَخْلَفًا.

وابْتِدَاءُ (4)هذَا الكلام مَرْوِيٌّ عن رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقد قَفَّاه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأَبْلَغ كَلامِ وتَتَمَهُ بأَحْسَنِ تَمَامِ من قَوْلِهِ: وَلَا يَجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ إِلى آخرِ الفَصْلِ (5).


1) ب: حين عزم ع، م : عند مسيره إلى الشام.

2) حاشية: الوعثاء: الرمل اللين، يكنى به عن الصعوبة، لأن المشي فيها متعذر، وكذا في المنهاج 262/1، قاربه ابن ميثم في شرحه 2/ 305، وأضاف: وعثاء السفر: مشقته.

3) الولد: ساقطة من سع.

4) في حاشية الأصل: قال السيد (رضیَ اللّهُ عنهُ)، ولا شك أن الترضي على الشريف أين ما يرد في النسخ من زيادات النساخ، وكذلك ذكر اسمه أو لقبه أو كنيته (رضیَ اللّهُ عنهُ) هو من الزيادات أيضًا، وقد أعرضت عن ذكر غالبيتها في المتن مع إشارة إليها في الهامش.

5) بالرقم نفسه في مصدر سابق 2 / 11 - 12، وينظر أيضًا تعقيب المؤلف، وقال ابن ميثم في شرحه 2 / 305: روي أنه دعا هذا الدعاء عند وضعه رجله في الركاب متوجها إلى حرب معاوية، والكلام فيه برقم (46)، وبالرقم نفسه في الشرح 3/ 115، وينظر فيه أيضًا ما قاله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم خروجه من الكوفة، وفيه أيضًا ما روي عنه بشأن ما يجري على أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بكربلاء.

[47 ] ومن كلام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي ذِكْرِ الكُوفَةِ

كَأَنِّي بِكِ يَا كُوفَةٌ تُمدِّينَ مَدَّ الأدِيمِ العُكَاظِيِّ (1)تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ (2)، وتُرْكَبِينَ بالزَّلازل، وإنِّي لأعْلَمُ أَنَّهُ (3)مَا أَرَادَ بِكِ جَبَّارُ سُوءًا إِلَّا ابْتَلَاهُ اللّه بِشَاغِلٍ وَرَمَاهُ بِقَاتِل (4).

[48 ] ومِن خُطْبَةٍ لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عندَ المَسِير إلى الشَّامِ

الحَمْدُ للّه كُلَّما وَقَبَ لَيْلٌ وغَسَق (5)، والحَمْدُ للّه كُلَّما لاحَ (11ب)


1) حاشية: عكاظ: سوق بناحية مكة، وأضاف ابن ميثم في شرحه 306/2: كانت العرب تجتمع به في كل سنة، ويقيمون به سوقًا مدة شهر يتبايعون ويتناشدون الأشعار، وما ذكره ابن میثم ذكره البيهقي من قبل في المعارج 132 وتنظر تفاصيل أخر حوله في معجم البلدان والأديم العكاضي منسوب إليها لكثرة ما كان يباع منه بها.

2) العرك: الدلك، والنوازل: المصائب.

3) وإني لأعلم، مكانها في ع: على أنه.

4) بالرقم نفسه مصدر سابق 2/ 13 - 15، وينظر تعقيب المؤلف، والكلام بالرقم نفسه أيضًا في الشرح 136/3، وذكر ما روي عن أمير المؤمنين وجعفر بن محمد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في فضل الكوفة، والكلام بالرقم نفسه في شرح ابن ميثم 306/2، وذكر صاحب المعارج في 133 ما أصاب زياد وابنه عبيد اللّه والحجاج بن يوسف، وخالد القسري، ومصعب بن الزبير، والمختار الثقفي ويزيد بن المهلب، وأبو السرايا وغيرهم.

5) وقب الليل: دخل، وغسق: أظلم.

نَجْمٌ وخَفَقَ (1)، والحَمْدُ اللّه غَيْرَ مَفْقُودِ الإنْعَام ولا مُكَافاً الإفْضَالِ، أما بَعْدُ، فَقَد بَعَثْتُ مُقَدِّمَتِي (2)، وأمَرْتُهُم بِلْزُومِ هَذَا المِلْطَاطِ حَتَّى يَأْتِيَهُم أمْرِي، وقَد رَأَيْتُ أَنْ أَقْطَعَ هَذِهِ النُّطْفَةَ إلى شِرْذِمَةٍ (3)مِنْكُم مُوْطِنِيْنَ أَكْنَافَ دِجْلَةَ (4)فأُنْبِضَهُم مَعَكُم إِلى عَدُوِّكُم وأَجْعَلَهُم مِن أَمْدَادِ (5)القُوَّةِ لكُم.

یعني (6)(عَلَيهِ السَّلَامُ) (7)بالمِلْطَاطِ هَاهُنَا (8)السَّمْتَ الذِي أَمَرَهُم بِلزُومِهِ، وهو شَاطِيُّ الفُرَاتِ، ويُقَالُ ذلك أيضًا لِشَاطِئِ البَحْرِ، وأَصْلُهُ مَا اسْتَوَى مِنَ الأَرْضِ، ويَعْنِي بالنُّطْفَةِ مَاءَ الفُرَاتِ، وهو من غَرِيْبِ العِبَارَات وعَجِيْبِهَا (9).


1) خفق النجم: غاب.

2) مقدمة الجيش: أوله.

3) الشرذمة: النفر اليسير، والنطفة في المعارج: الماء الصافي قلّ أو كثر.

4) حاشية: أوطنت الأرض ووطنتها واستوطنتها اتخذتها وطنا، وكذا في المنهاج 266/1، وقال :أيضًا موطنين أكناف دجلة، أي: متخذين حوالي هذا النهر وطنا، في شرح ابن ميثم النواحي.

5) الأمداد: جمع مدد، وهو ما يمد به الجيش من الجند.

6) قبلها في الأصل: قال السيد، وفوقها أيضًا بخط مختلف: (رضیَ اللّهُ عنهُ) من دون إشارة إلى سقط، وقال السيد: ليست في ع، ب.

7) (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليست في م، س، ب.

8) كذا في ب أيضًا، وليست في ج، ع، م.

9) بالرقم نفسه في مصدر سابق 2/ 16، وذكر نقلاً عن شرح ابن ميثم 307/2 أنه خطب بها بالنخيلة بعد خروجه من الكوفة متوجها إلى صفين لخمس بقين من شوال سنة سبع وثلاثين، وكذا في الشرح 139/3 والخطبة فيهما بالرقم نفسه.

[49] ومِن خُطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

الحَمْدُ للّه الذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الأُمُورِ (1)، ودَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلامُ الظَّهُورِ (2)، وامْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ البَصِيرِ ؛ فَلا عينُ مَن لَم يَرَهُ يُنْكِرُهُ، ولا قَلْبُ مَن أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ (3): سَبَقَ فِي العُلُو(4)فَلا شَيْءَ أَعْلَى مِنْهُ، وقَرُبَ في الدُّنْو؛ فَلا شَيْءَ أَقْرَبُ (5)مِنْهُ؛ فَلا اسْتِعْلاؤُهُ بَاعَدَهُ عَن شَيْءٍ من خَلْقِهِ، ولا قُرْبُهُ سَاوَاهُم في المَكَانِ بهِ (6). لَمْ يُطْلِعِ العُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ(7)، ولَم يَحِجُبْهَا عَن وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ؛ فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلَامُ الوجُودِ عَلَى إِقْرَار قَلْبِ ذِي الجُحُودِ. تَعَالَى اللّه عَمَّا يَقُولُ المُشَبِّهُونَ بِه، والجَاحِدُونَ لَهُ عُلُوًّا كَبِيرًا ! (8)


1) حاشية: بطنت هذا الأمر: عرفت باطنه، ومنه الباطن في أسماء اللّه تعالى، وفي حاشية أخرى: يروى بطن حفيات، وليس بصحيح، لأن هذه اللفظة تشتمل فيمن علم بعد أن كان لم يعلم، وفي شرح ابن ميثم 2/ 308: بطنت الوادي : دخلته، وبطنت الأمر : علمت باطنه.

2) كنَّى بأعلام الظهور عن آياته وآثاره في العالم الدالة على وجوده في كل صورة منها.

3) حاشية عن نسخة: فلا قلب من لم يره ينكره، ولا عين من أثبته تبصره.

4) حاشية: أي: لا علوه باعده عن الخلق، ولا قربه منهم جعله مساويًا لهم في الاحتياج إلى المكان.

5) بالنصب في س، وفي ج: أدْنَى، وجملة سبق في العلو حدث فيها سقط فأصبحت في ع: سبق في العلو فلا شيء أقرب منه.

6) حاشية : من صلة ساواهم، والهاء للّه تعالى، والمعنى: ولا قربه تعالى جعله مساويًا لهم في المكان، وبنصه في المنهاج 1/ 268.

7) الحاشية: على تحديد صفته، أي وصفه وعظمته لا يحدان.

8) بالرقم نفسه في مصدر سابق،18/2 وكذا في الشرح 149/3، وشرح ابن میثم 308/2 أيضًا، وفيه يقال : بطنت الوادي: دخلته وبطنت الأمر : علمت باطنه.

[50] ومِن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إِنَّهَا بَدْهُ وُقُوع الفِتَنِ أهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وأحْكَامٌ تُبْتَدَعُ يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللّه، ويَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالا (1)عَلى غَيْرِ دِينِ اللّه، فَلَو أَنَّ البَاطِلَ خَلَصَ مِن مِزَاجِ الحَقِّ لَم يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ (2)، ولَو أَنَّ الحَقِّ خَلَصَ من لَبْسِ البَاطِلِ انقَطَعَتْ عَنْهُ السُنُ الْمَعَانِدِينَ، ولكن يُؤْخَذُ من هذا ضِغْث(3)ومِن هَذَا ضِعْتُ فَيُمْزَجَانِ، فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أولِيَائِهِ، ويَنْجُو الذِينَ سَبَقَتْ هُم من اللّه الحُسْنَى (4).

[51] ومِن كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَمَّا غَلَبَ أَصْحَابُ مَعَاوِيةَ أَصْحَابَه عَلَى شَرِيْعَةِ الفُرَاتِ بِصِفِّينَ ومَنَعُوهُم من الماءِ

قد اسْتَطْعَمُوكُمُ القِتَالَ (5)فأقِرُّوا على مَذَلَّةٍ وتَأخِيرِ مَحَلَّةِ (6)، أو


1) في الحاشية، أي: يوالي على الفتن رجال رجالاً ويتبعونهم.

2) المرتاد: الطالب.

3) الضغث : القبضة من الحشيش.

4) بالرقم نفسه في مصدر سابق: 2/ 19، وكذا في الشرح 3 / 166 وشرح ابن ميثم 312/2.

5) استطعموكم القتال: استعار لفظ الاستطعام لتحرشهم بالقتال في منعهم للماء.

6) المحلة: المنزلة.

رَؤُوا السُّيُوفَ من الدِّمَاءِ تَرْوَوا من المَاءِ، فالمَوْتُ فِي حَيَاتِكُم مَقْهُورِينَ، والحَيَاةُ فِي مَوتِكُم قَاهِرينَ.

ألا وإنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَةٌ (1)من العُوَاةِ وعَمَّسَ (2)عَلَيْهِم الخَيْرَ حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُم أغْرَاضَ المَنِيَّةِ (3).

[52] ومِن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد تَقَدَّمَ مُخْتَارُهَا برِوايَةٍ وتَذْكُرُهَا هُنَا بِرِوَايَةٍ أُخْرَى التَغَاير الروايتين

إشارة:

[52] ومِن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد تَقَدَّمَ مُخْتَارُهَا برِوايَةٍ وتَذْكُرُهَا هُنَا بِرِوَايَةٍ أُخْرَى التَغَاير الروايتين (4)

ألا وإنَّ الدُّنْيَا قَد تَصَرَّ متْ (5)، وآذَنَتْ (6)بانْقِضَاءِ، وتَنكَّرَ مَعْرُوفُهَا «12أ»(7)، وأدْبَرَتْ حَذَاءَ(8)، فَهِيَ تَحْفِزُ (9)بالفَنَاءِ سُكَاتَها، وتَحدُو


1) حاشية: اللمة: من ثلاثة إلى عشرة، وفي شرح ابن ميثم 2/ 313 : اللمة: الجماعة القليلة.

2) حاشية :أي: جاءنا بأمور مُعمَّسات أي مظلمة، وفي شرح ابن ميثم 2 / 313: عمس بالتخفيف والتشديد: عمى وأبهم، ومنه عمس الليل: أظلم.

3) ينظر في تخريجها مصدر سابق (202، وهي بالرقم نفسه فيه، وكذا في الشرح 3 / 168، وشرح ابن میثم 2/ 313.

4) تعليق الرضي كتب في س بقلم رفيع وخط مختلف.

5) تصرمت: تقضّت.

6) آذنت: أعلمت.

7) تنكر معروفها جهل.

8) حاشية : من رواه جدّاء بالجيم معجمة أراد منقطعة الدر، ومن رواه حذاء بالحاء والذال معجمة أراد سريعة الذهاب، ورحم حذاء: غير موصولة، والحاشية بنصها في المنهاج 1/ 273، وفي شرح ابن میثم 2/ 315: حذاء: سريعة خفيفة، ويروى بالجيم، أي مقطوعة الخبر والعلاقة.

9) حاشية: تدفع: تعجل، وحفز ساق أيضًا، وفي شرح ابن ميثم 2 / 315: السوق الحثيث، والحفز أيضًا الطعن.

بالمَوْتِ جيرانها، وقَدْ أمَرَّ مِنهَا مَا كَانَ حُلْوا، وكَدُرَ (1)مِنهَا مَا كَانَ صَفْوًا، فَلَم يَبْقَ مِنهَا إِلَّا سَمَلَةٌ (2)كسَمَلَةِ الإِدَاوَةِ، وجُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ المَقْلَةِ (3)لو تَمَزَّزَهَا الصَّدْيَانُ لَم يَنْقَعْ (4)، فَأَزْمِعُوا (5)عِبَادِ اللّه الرَّحِيلَ عن هذِهِ الدَارِ المَقْدُورِ على أَهْلِهَا الزَّوَالُ، ولا يَغْلِبَنَّكُم فِيهَا الأَمَلُ، ولا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأمَدُ (6)، فَوَاللّه لو قَد حَنَنتُم حَنِيْنَ الوُلَّهِ العِجَال (7)، ودَعَوْتُم بِهَدِيْلِ الحَمَامِ، وجَأَرْتُم جُؤَارَ (8)مُتَبَتِّلي (9)الرُّهْبَانِ، وخَرَجْتُ إلى اللّه من الأولادِ والأَمْوَالِ (10)السَّمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ، أو غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ، وحَفِظَهَا رُسُلُهُ لكَانَ قَلِيلًا فِيمَا


1) حاشية: كدر وكدر: لغتان.

2) حاشية : السملة : بقية الماء في الإناء.

3) حاشية: المقلة: الحجر الذي يطرح في الإناء يقسم به الماء، وفي شرح بن ميثم 2/ 315: حصاة يقسم بها الماء عند قلته يعرف بها مقدار ما يسقى كل شخص.

4) لم ينقع الصديان: نقع الماء العطش: سكنه وفي حاشية أخرى: التمزز: تمصص الشراب قليلا قليلا، وهو مثل التمزر، وفي المعارج 137: لو تمزّزها الصديان: لو ذاقها.

5) أزمع: صمم عزمه.

6) الأمد: الغاية.

7) حاشية : الولّه: جمع واله، وهو الذاهل العقل لفقد محبوب، والعجال: جمع عجول، وهي الناقة التي فقدت ولدها.

8) حاشية: جؤار : صوت بتضرع، وفي شرح ابن ميثم 3/ 315: الصوت المرتفع.

9) حاشية : التبتل الانقطاع عن الدنيا إلى اللّه تعالى، وفي حاشية م : التبتل: الانقطاع عن الدنيا للعبادة.

10) ج م، ع، س: من الأموال الأولاد.

أرْجُو لَكُم مِن ثَوَابِهِ، وَأخَافُ عَلَيْكُم مِن عِقَابِهِ؛ وتَاللّه لَو اثْمَانَتْ (1)قُلُوبُكُم انْمِيَانًا، وسَالَتْ عُيُونُكُم مِن رَغْبَةٍ إِلَيْهِ، ورَهْبَةٍ مِنهُ دَمًا (2)، ثُمَّ عُمِّرْتُم فِي الدُّنْيَا مَا الدُّنْيَا بَاقِيةٌ مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُم، وَلَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئًا من جُهْدِكُم أَنْعُمَهُ عَلَيْكُم العِظَامَ، وهَداهُ إِيَّاكُم للإيمَانِ (3).

ومِنهَا فِي ذِكْرِ يَومِ النَّحْرِ وصِفَةِ الأُضِحِيَّةِ

ومِن تمام الأُضْحِيَّةِ اسْتِشْرَافُ أُذُنِهَا، وسَلامَةُ عَيْنِهَا، فإذَا (4)، سَلِمَتِ الأُذُنُ والعَيْنُ سَلِمَتِ الأُضْحِيَّةُ وتَمَتْ، ولَو كَانَتْ عَضْبَاءَ (5)القَرْنِ تَجُرُّ رِجْلَهَا إلَى المَنْسَكِ (6).

والمَنْسَكُ هَاهُنا : المَذبَحُ.


1) انماث الشيء: تحلل وذاب.

2) ع : دماء، وعُمّرتم في حاشية الأصل عن نسخة: عَمِرْتُم.

3) إلى هنا تنتهي الخطبة في الأصل، والذي يأتي بعدها أفرد برقم جديد في مصدر سابق 2 / 23، وهو 53، وقال المؤلف : هذا الكلام تابع للخطبة السابقة، ولذا ليس في النسخة التي عليها شرح ابن أبي الحديد، وهي أصل النسخ.

4) استشراف أذنها: طولها، كناية عن سلامتها من القطع أو نقصان الخلقة.

5) حاشية :العضباء: الشاة المكسورة القرن الداخل وهو المشاش، ويقال: هي التيانكسر أحد قرنيها، والقسم الأول من الحاشية بنصه في المنهاج 274/1.

6) بالرقم نفسه في الشرح 3/ 228، 243/4 وبرقم 53 في مصدر سابق 2 / 23، والعضباء في شرح ابن میثم 2 / 317:کنی بجر رجلها إلى المنسك: عن عرجها، والمنسك: موضع النسك، وهو العبادة التقرب بذبحها، والكلام برقم (53) في شرحه.

[53]ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

فَتَدَاكُوا (1)عَلَيَّ تَدَاكَ الإِبِلِ الهِيْمِ (2)يَومَ وِرْدِهَا قَد أَرْسَلَهَا رَاعِيْهَا، وخُلِعَتْ مَثَانِيهَا (3)، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُم (4)قَاتِلَيَّ، أَو بَعْضَهُم قَاتِلُ بَعْضٍ لَدَيَّ.

وقَد قَلَّبْتُ هَذَا الأَمْرَ بَطْنَهُ وظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي النَّومَ، فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعُنِي إِلا قِتَاهُم أَو الجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ (5)محمَّدٌ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (6)، فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ القِتَالِ أهْوَنَ عَلَيَّ مِن مُعَالَجَةِ العِقَابِ. وَمَوْتَاتُ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ من مَوْتَاتِ الآخِرَة (7).


1) حاشية: التداك: من الدك، وهو الدق، وفي شرح ابن میثم 318/2 تداكوا: دك بعضهم بعضًا، أي دقه بالضرب والدفع، وفي المعارج 138: فتداكوا، أي اجتمعوا

2) حاشية :الهيم: الإبل العطاش.

3) حاشية : المثاني : جمع مثناة، وهي الحبل المثني يجعل في طرف الزمام، وبالنص في المنهاج 275/1.

4) في الأصل: ظننتهم، وكذا في ع، وما أثبت في س، م، ب، ج.

5) ج: جاءني به.

6) م، س، ج: وعلى آله.

7) الخطبة بالرقم نفسه في الشرح 244/4 - 245، وذكر حديثًا مطولاً عن بيعته (عَلَيهِ السَّلَامُ) وما ورد حوله من أخبار، وكذا رقمها في شرح ابن ميثم 318/2، وفيه : تداكوا دك بعضهم بعضًا أي: دقه بالضرب والدفع والهيم: الإبل العطاش، والمثاني : جمع مثناة، وهي الحبل يثنَّى ويعقل به البعير، وبرقم 54 في مصدر سابق 2/ 25 - 26. وينظر تعقيب المؤلف.

[54] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد اسْتَبْطَأ أصْحَابُهُ إذْنَهُ لَهُم فِي القِتَالِ بِصِفِّينَ

أمَّا قَوْلُكُم: أكُلُّ َذلِكَ كَرَاهِيةُ (1)المَوْتِ ؟ فَواللّه (2)فما أُبَالِي دَخَلْتُ إلى الموتِ أو خَرَجَ المَوْتُ إِلَيَّ، وأمَّا قَوْلُكُم شَكَّا فِي أَهْلِ الشَّامِ (3)فَوَاللّه مَا دَفَعْتُ الحَرْبَ يَوْمًا إِلَّا وأنا أطْمَعُ أَن تَلْحَقَ (4)بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي وتَعْشُوَ (5)

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره***تجد خير نار عندها خير موقد

إلى ضَوْئِي، فهوَ أَحَبُّ إليَّ من أَن أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلالِها، وإن كَانَتْ تَبُوهُ بِآثَامِهَا (6).

1) بفتح التاء وضمها في الأصل وفوقها معا، وكذا فيج.

2) فواللّه زيادة من ب م، ع، ج.

3) حاشية: شكا في أهل الشام، أي: هل يستوجبون القتل والقتال أو لا

4) في الأصل: يلحق، وهو سهو.

5) حاشية: تعشو، عشوته: قصدته ليلاً، هذا هو الأصل، ثم صار كل قاصد عاشيًا، وعشوت إلى النار أعشو إليها عشوا، إذا استدللت عليها ببصر ضعيف، قال الحطيأة:

6) وفي حاشية الأصل: «بلغت القراءة على المولى ضياء الدين علم الهدى.. ظله إلى هنا»، والكلام بالرقم نفسه في الشرح 248/4، وذكر «بعض ما جاء من أخبار في يوم صفين»، وباء بإثمه في شرح ابن میثم 2 / 319: رجع به والكلام فيه بالرقم نفسه، وبرقم 55 في مصدر سابق 27/2، وينظر تعليق المؤلف.

[55] ومِن كَلامِ لَه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ولَقَد كُنَّا مع رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (1)تَقْتُلُ آبَاءَنَا وإِخْوَانَنَا وأعْمَامَنَا مَا(2)يَزِيدُنَا ذلِكَ إِلَّا إِيمَانًا وتَسْلِيما ومُضِيَّا عَلَى اللَّقَمِ (3)، وصَبْرًا عَلَى مَضَضٍ (4)الألم، وجِدًّا على «12 ب» جِهَادِ العَدُوِّ ؛ ولَقَد كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا والآخَرُ (5)مِن عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلانِ تَصَاوُلَ الفَحْلَيْنِ يَتَخَالَسَانِ (6)أنْفُسَهُما أَيُّهَمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأسَ المَنُونِ، فَمَرَّةً لَنَا مِن عَدُوِّنَا ومَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا؛ فَلَمَّا رَأى اللّه سُبْحَانَهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بعَدُوِّنَا الكَبْتَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ حَتَّى اسْتَقَرَّ الإسْلامُ مُلْقِيًا جِرَانَهُ (7)، ومُتَبَوِّئَا أَوْطَانَهُ، ولَعَمْرِي لَو كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُم مَا قَامَ للدِّيْنِ عَمُودٌ، ولا اخْضَرَّ للإيمَانِ عُودٌ. وأيمُ اللّه لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَمًا وَلَتَتْبَعُنَّهَا نَدَمًا (8).


1) وآله مكانها في س، م: وسلم.

2) ما ساقطة من س.

3) حاشية: اللقم: الطريق الواضح، والجادة، وفي القاموس: معظم الطريق أو وسطه.

4) المضض في المنهاج 276/1: وجع المصيبة.

5) الصفحتان 39 - 40 في ب كتبتا بخط حديث، وخلتا من الحواشي، والسقط يبدأ من قوله (من عدونا إلى نهاية قوله و من خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في آخر الصفحة رقم 40)، وبسبب السهو الذي وقع فيهما سأهمل ما ورد فيهما من اختلاف.

6) في القاموس: التخالس: التسالب، والكبت في المنهاج 276/1: الضرب والإذلال.

7) حاشية: جران البعير: مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره.

8) ذكر السيد عبد الزهراء في كتابه السابق الذكر 29/2 - 30 برقم 56، أن هذا الكلام قاله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قصة ابن الحضرمي لما قدم البصرة حين أرسله معاوية إليها ومعه كتاب منه إليهم بعد سقوط مصر واستشهاد محمد بن أبي بكر يدعوهم إلى نبذ طاعة أمير المؤمنين، ومعاونته على الطلب بدم عثمان، ثم عاد المؤلف فذكر عن كتاب وقعة صفين أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاله بعد إقرار الناس بالصلح، وذكر المؤلف (يظهر من هذا أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال هذا الكلام في غير موطن)، والكلام برقم 56 فيه وبرقم 55 في الشرح 261/4 - 262، ومن بين ما ذكره فتنة ابن الحضرمي بالبصرة، وذهب ابن ميثم في شرحه 320/2: المنقول أن هذا الكلام صدر عنه يوم صفين حين أقر الناس بالصلح، وذكر أوله، وهو برقم (56) فيه، وقد عرضت ما فعل جارية بن قدامة السعدي بابن الحضرمي في أثناء عرض سيرته (رضیَ اللّهُ عنهُ) في كتابي الموسوم ب«رجال من بقيع ثوية الكوفة 257».

[56] ومِن كَلَامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَأَصْحَابِهِ

أمَا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُم بَعْدِي رَجُلٌ رَحُبُ (1)البُلْعُومِ (2)، ومُنْدَحِقُ (3)البَطْنِ (4)، يأكُلُ مَا يَجِدُ، ويَطْلُبُ مَا لا يَجِدُ، فَاقْتُلُوهُ ولَنْ تَقْتُلُوهُ. ألا وإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُم بِسَبِّي والبَرَاءةِ مِنِّي؛ فأمَّا (5)السَّبُّ فسُبُّوني (6)، فإنَّه لي


1) كذا في الأصل، وبإسكان الحاء في س م، ورحب البلعوم: واسع مجرى الحلق.

2) في الأصل: العلقوم، والتصويب في الحاشية.

3) حاشية: اندحقت رحم الناقة أي اندلقت ولذلك يقال للناقة التي يخرج رحمها بعد الولادة: دحوق وفي شرح ابن میثم 2 / 321: بطن مندحق: ناتئ بارز، وهو الأقرب.

4) حاشية: كناية عن كثرة الأكل، وكان يأكل فيكثر ويقول: ارفعوا فواللّه ما شبعت ولكن مللت وكان ذلك من دعاء النبي عليه: «اللّهم لا تشبع بطنه»، ومثل هذا في المنهاج 1/ 277.

5) في الأصل: أما، وما أثبت في س، م، ج.

6) حاشية: قوله فسبوني: أمر بتعريض، وليس أمر بالسب الحقيقي.

زَكَاةٌ (1)ولَكُم نَجَاةٌ، وأمَّا البَرَاءةُ؛ فَلا تَتَبَرَّوُوا مِنِّي فإنِّي وُلِدْتُ عَلَى الفِطْرَةِ (2)، وسَبَقْتُ إلى الإيمان (3)والهجرة (4).

[57] ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) كَلَّمَ بهِ الخَوَارجَ

أصَابَكُم حَاصِبٌ (5)، ولا بَقِيَ مِنْكُم أَبِرٌ، أَبَعْدَ إِيمَانِي باللّه وَجِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللّه (6)أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بالكُفْرِ لَقَد «ضَلَلْتُ إِذَا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ» (7)، فأُوبُوا شَرَّ مَآبِ، وَارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الْأَعْقَابِ.


1) حاشية: زكاة، أي : نماء وعلو قدر، فإن ذكري يعلو على السب، ولا ينقص منه السب.

2) حاشية: جعل عليه اسلام الولادة على الفطرة علة لامتناعهم من التبرؤ، ولاتصالها بالسباق إلى الإيمان والهجرة وهو إشارة إلى أنه لم يكفر باللّه طرفة عين، كما قال: سبقتكم إلى الإسلام.

3) ع: الإسلام.

4) برقم 57 في مصدر سابق 30/2 - 35، وينظر أيضًا ما أورده المؤلف حوله، وهو وبرقم 56 في الشرح 276/4، وقال: (كثير من الناس يذهب إلى أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنى زيادًا، وكثير منهم يقول: إنه عنى الحجاج وقال :قوم عندي إنه عنى المغيرة بن شعبة، والأشبه أنه عنى معاوية؛ لأنه كان موصوفًا بالنهم)، وهو برقم (57) في شرح ابن ميثم 2 / 321، وفيه : رحب البلعوم واسع مجرى الحلق، وبطن مندحق بارز.

5) حاشية: الحاصب: الريح الشديدة التي تثير الحصى وفي القاموس، ريح تحمل التراب والآبر في المعارج: يقال: أبر فلان النخل أي لقحه، وقال: والكوفيون یكثرون عمارة النخيل.

6) بعدها في س: (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبعدها في ع: (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

7) الأنعام 55.

أمَا إِنَّكُم سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلَّا شَامِلا، وسَيْفًا قَاطِعا، وأثَرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ سُنَّةً فيكم.

قَوْلُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)«ولا بَقِيَ مِنكُم آبر»، يقال: رجلٌ آبِرٌ : للذِي يأبر النَّخْلَةَ؛ أي: يُصْلِحُهَا، ويُرْوَى (2): آثِرُ، يُرَادُ بِهِ الَّذِي يَأْثُرُ الحَدِيثَ؛ أي: يَحْكِيْهِ ويَرْوِيْهِ، وهُوَ أَصَحُ الوجُوهِ عِنْدِي؛ كأَنَّهُ قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ولا بَقِيَ مِنْكُم مُخْبِرُ، ويُرْوَى آبِزُ بِالزَاي مُعْجَمَةٌ، وهو الوَاثِبُ، والهَالِكُ أَيْضًا يقَالُ لَهُ : آبِزُ (3).

[58] وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَمَّا عَزَمَ عَلَى حَرْبِ الخَوَارِجِ

وقِيْلَ لَهُ : إِنَّ القَوْمَ قَد عَبَروا جِسَرَ النَّهْرَوَانَ :

مَصَارِعُهُم دُونَ النُّطْفَةِ، واللّه لا يُفْلِتُ مِنهُم عَشَرَةٌ، ولا يَهْلِكُ مِنْكُم عَشَرة (4).


1) في الأصل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال الرضي: ألحقت من بعد في الأصل، بخط مختلف، وفي ج، س، م: قوله، وفي ع: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ).

2) بعدها في س، م: ويروى بالراء. والرواية حاشية في الأصل.

3) برقم 58 في مصدر سابق 2/ 35 - 36، والكلام برقم 57 في الشرح 4 / 328، وفيه حديث عن الخوارج ورجالهم وحروبهم، وقد استغرق كلامه عنهم بقية الجزء الرابع وقسمّا من الجزء الخامس، وهو برقم (58) في شرح ابن ميثم 2/ 323.

4) القول بالرقم نفسه في الشرح 5/ 5، وينظر ما نقله عن أخباره، وبرقم 59 في مصدر سابق 2 / 37، وفي شرح ابن ميثم 324/2.

ويَعْنِي بالنُّطْفَةٍ مَاءَ النَّهْرِ، وهِيَ أَفْصَحُ كِنَايَةٍ عَنِ المَاءِ وَإِن كَانَ كَثِيرًا جَمّا (1)

[59] وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَمَّا قَتَلَ الخَوَارِجَ (2)

فقِيلَ لَهُ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ : هَلَكَ القَوْمُ بِأَجْمَعِهِم، فَقَالَ: كَلَّا واللّه إِنَّهُم نُطَفٌ فِي أَصْلابِ الرِّجَالِ، وقَرَارَاتِ (3)النِّسَاءِ، كُلَّما نَجَمَ (4)مِنْهُم قَرْنُ قُطِعَ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُم لُصُوصًا سَلَّابِينَ (5).

[60] وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

[60] وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6):

لا تَقْتُلُوا الخَوارِجَ بَعْدِي، فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الحَقِّ فَأَخْطَأَهُ كَمَنْ


1) بعدها في ع: (وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقَدَّمَ عند مضي ما أشبهه) والزيادة حاشية بخط مختلف في ج وفي نهايتها صح وهي أصل في الشرح.

2) س: وقال لما قتلهم.

3) حاشية: الأرحام.

4) نجم: طلع.

5) القول تبع للقول السابق في مصدر سابق 2/ 37 - 40، والسلاب المختلس، وبالرقم نفسه في الشرح 12/5، وفيه حديث عن الكناية والتعريض، وآخر عن رجالات الخوارج، والقول برقم (60) في شرح ابن ميثم 324/2.

6) بعدها في م: فيهم.

طَلَبَ البَاطِلَ فَأَدْرَكَه (1).

يَعْنِي بِهِ مُعَاوِيَةَ وأَصْحَابَهُ (2).

[61] ومن كلام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَمَّا خُوفَ من الغِيْلَةِ

وإِنَّ عَلَيَّ مِنَ اللّه (13 أ) جُنَّةٌ (3)حَصِينَةٌ، فَإِذَا جَاءَ يَوْمِي انْفَرَجَتْ عَنِّي وأَسْلَمَتْنِي، فَحِينَئِذٍ لا يَطِيشُ (4)السَّهْمُ، ولا يَبْرَأُ الكَلْمُ (5).


1) حاشية: كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُعَرِّضُ بأن الخوارج على الخلاف أحسن حالاً من معاوية واصحابه، فإنهم طلبوا الحق فلم يدركوه، ومعاوية وأصحابه طلبوا الباطل فأدركوه، وفي حاشية أخرى: ينظر إلى قول النبي.. من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فلم يصب فله أجر.

2) ينظر تخريجه والتعقيب عليه مصدر سابق 2 / 40 - 41، والقول تبع لما قبله في المصدر السابق، وبالرقم نفسه في الشرح 52/5، وبرقم (61) في شرح ابن ميثم 2/ 325.

3) الجنّة: ما تستتر به من السلاح، كناية عن عناية اللّه بحفظ أسباب حياته في مدتها.

4) طاش السهم: انحرف عن الغرض.

5) بالرقم نفسه في الشرح 87/5، ينظر في تخريجه والتعليق عليه مصدر سابق 42/2 - 44، وهو برقم 60 فيه، وروى ابن ميثم في شرحه 326/2 أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خوف من غيلة ابن ملجم لعنه اللّه مرارًا، وأن الأشعث أخبره بنية ابن ملجم، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما قتلني بعد، وسمع وهو يقول : واللّه لأريحنهم منك، فأتوا به إلى علي و أخبروه بما سمعوا منه فقال: فما قتلني بعد خلوا عنه، والقول فيه برقم (62).

[62] ومِن خُطْبَةٍ لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[62] ومِن خُطْبَةٍ لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)

ألا وإنَّ الدُّنْيَا دَارٌ لا يُسْلَمُ مِنهَا إِلَّا فِيهَا، ولا يُنْجَى بشَيْءٍ كَانَ كلَهَا، ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةٌ، فَما أخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وحُوسِبُوا عَلَيْهِ، ومَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا فِيهِ، وَإِنَّهَا عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ كَفَيْءِ الظَّلَّ بَيْنَا تَرَاهُ سَابِغًا حتَّى قَلَصَ، وزَائِدًا حَتَّى نَقَصَ (2).

[63] وَمِنْ خُطْبَة لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

واتَّقُوا اللّه عِبَادَ اللّه، وَبَادِرُوا(3)أَجَالَكُم بِأَعْمَالِكُم، وابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُم بِمَا يَزُولُ عَنْكُم، وتَرَحَلُوا فَقَد جُدَّ بِكُم (4)، واسْتَعِدُّوا للمَوْتِ فَقَد أَظَلَّكُم، وكُونُوا قَوْمًا صِيْحَ بِهِم فَانْتَبَهُوا، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُم بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا، فإنَّ اللّه لَمْ يَخْلُقُكُم عَبَثًا، ولَم يَتْرُكْكُم سُدًى (5)، ومَا بَيْنَ أَحَدِكُم وبَيْنَ الجَنَّةِ أو النَّارِ إِلَّا المَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ.


1) نهاية المكتوب بخط حديث في نسخة ب.

2) بالرقم نفسه في الشرح 5 / 93، ينظر في تخريجها والتعقيب عليها مصدر سابق 2/ 44 - 45، وهي برقم 61 فيه، وبرقم 63 في شرح ابن ميثم 327/

3) المبادرة: المسارعة.

4) في المعارج 140 : جدّ بكم: أخذتم بالجد، ويروى: جدّ بكم في السير.

5) السدى: المهمل.

وإِنَّ غَايَةٌ تَنْقُصُهَا اللحْظَةُ، وتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ لجَدِيرَةٌ (1)بِقِصَرِ المُدَّةِ، وإِنَّ غَائِبا (2)يَحْدُوهُ الجَدِيْدَانِ الليْلُ والنَّهَارُ لخَرِيٌّ (3)بِسُرْعَةِ الأَوْبَةِ، وإِنَّ قَادِمًا يَقْدَمُ بِالفَوزِ أو الشَّقْوَةِ مُسْتَحِقِّ لأفْضَل (4)العُدَّةِ؛ فتَزَوَّدُوا في الدُّنْيَا مَا تُحْرِزُونَ بِهِ نُفُوسَكُم غَدًا (5)، فَاتَّقَى عَبْدٌ رَبَّهُ نَصَحَ نَفْسَهُ، وقَدَّمَ تَوْبَتَهُ، وغَلَبَ شَهْوَتَهُ، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ، وَأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ، والشَّيْطَانُ مُوَكَّلْ بِهِ يُزَيِّنُ لَهُ المَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا، ويُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا (6)حَتَّى تَهْجُمَ مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا، فَيَا لَهَا حَسْرَةٌ (7)عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ أنْ يَكُونَ عُمْرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً، وأن تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إلى شِقْوَة نَسْأَلُ


1) جدير بكذا: أولى به.

2) حاشية: الغائب: صاحب الدنيا لمكان أنه خلق لغيرها فهو سريع الأوبة إليها، وذكر الأوبة مجاز؛ لأنه لم يكن قط في الآخرة حتى يرجع إليها، ويجوز أن يكون (عَلَيهِ السَّلَامُ) شبه العدم الأول بالعدم الثاني، ويجوز أن يكون المراد أنه لم يكن لهم ابتداء اختيار، ولم يملكوا حينئذ لأنفسهم نفعًا ولا ضرا ففي ثاني الحال يعودون إلى مثل ما كانوا عليه؛ وكل هذا في المنهاج 1 / 285، والغائب فيه: هو الموت.

3) حري: حقيق.

4) ب: بأفضل.

5) فتَزَوَّدُوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون به نفوسكم غدًا: ليس في م، وهو في ب، وله إحالة في الأصل إلى الحاشية وبجنبها صح.

6) التسويف : قول الإنسان سوف أفعل كناية عن التماي في الأمر.

7) حاشية: فيا لها حسرة: التقدير: يا قوم أدعوكم لتقصوا العجب من هذه الحسرة في حال كونها حسرة.

اللّه سُبْحَانَه أن يَجْعَلَنَا وإِيَّاكُم ممن لا تُبْطِرُهُ (1)نِعْمَةٌ، ولا تُقَصِّرُ بِهِ عن طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ، ولا تُحِلُّ بِهِ بَعْدَ المَوْتِ نَدَامَةٌ ولا كَابَةٌ (2).

[64] ومِن خَطبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

الحمد للّه (3)الذِي لَمْ تَسْبِقُ لَهُ حَالٌ حَالًا فَيَكُونَ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرًا، ويَكُونَ ظَاهِرًا قَبْلَ أَن يَكُونَ بَاطِنًا.

كُلُّ مُسَمًّى بالوحْدَةِ غَيْرَهُ قَلِيلٌ، وَكُلُّ عَزِيزِ غَيْرَهُ ذَلِيلٌ، وَكُلُّ قَوِيٌّ غَيْرَهُ ضَعِيفٌ، وكُلُّ مَالِكِ غَيْرَهُ مَلُوكٌ، وَكُلُّ عَالِمٍ غَيْرَهُ مُتَعَلَّمٍ، وكُلُّ قَادِرِ غَيْرَهُ يَقْدِرُ ويَعْجِرُ، وَكُلُّ سَمِيعِ غَيْرَهُ يَصَمُّ عن لَطِيفِ الأَصْوَاتِ، ويُصِمُّهُ كَبِيرُهَا، وَيَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعْدَ مِنْهَا، وَكُلُّ بَصِيرٍ غَيْرَهُ يَعْمَى عَن خَفِيُّ الأَلْوَانِ ولَطِيفِ الأَجْسَامِ، وكلُّ ظَاهِرٍ غَيْرَهُ غَيْرُ بَاطِنٍ، وكُلُّ


1) البطر: تجاوز الحد في الفرح.

2) الكآبة: الحزن، والخطبة بالرقم نفسه في الشرح 96/5 - 97، وفي شرح ابن ميثم 330/2، وفيه المبادرة: المسارعة، والسدى المهمل، وجدير بكذا، أي أولى به، وحري: حقيق، وبرقم 62 في مصدر سابق 47/2.

3) الحمد اللّه: زيادة يقتضيها السياق من شرح ابن أبي الحديد 5 / 101، وشرح ابن میثم 2 / 333، ومن مصدر سابق 48/2، وخلت منها النسخ المعتمدة.

بَاطِنِ غَيْرَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ، لَم يَخْلُقُ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، ولا تَخَوُّفٍ مِنْ عَوَاقِبٍ زَمَانٍ، ولا اسْتِعَانَةٍ عَلَى نِدَّ مُثَاوِرٍ (1)، ولا شَرِيْكِ مُكَاثِرِ (2)، ولا ضِدٌ مُنَافِرِ (3)، ولكن خَلائِقُ مَرْبُوبُونَ (4)، وعِبَادٌ دَاخِرُونَ (5)، لَم يَحْلُلْ في الأشْيَاءِ فَيُقَالَ: هُوَ فِيْهَا كَائِنٌ، ولَم يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ: هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ، لَم يَؤُدُهُ (6)خَلْقُ مَا ابْتَدَأ، ولا تَدْبِيرُ مَا ذَرَأ (7)، ولا وَقَفَ بِهِ عَجْزٌ عَمَّا خَلَقَ، ولا وَلَجَتْ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فِيمَا قَضَى وقَدَّرَ، بَل قَضَاءٌ مُتقَن، وعِلْمٌ مُحكَمْ، وأمْرٌ مُبْرَمٌ (8)، المَأمُولُ مَعَ النِّقَمِ المَرْهُوبُ مَعَ (13 ب) النِّعَمِ (9).


1) المثاورة: المواثبة.

2) في الشرح: الشريك المكاثر: المفتخر بالكثرة.

3) في الشرح : الضدّ المنافر: المحاكم في الحسب

4) في المنهاج،327/1، أي رباهم اللّه من عند كونهم أجنّة إلى حال كبرهم من غير اختيار

5) الداخر: الذليل.

6) وآده الأمر: أثقله.

7) ذرأ: خلق.

8) المبرم: المحكم.

9) بالرقم نفسه في الشرح 5/ 101 - 102، وينظر ما ذكره عن الاختلاف في خلق العالم، ينظر في تخريجها والتعقيب عليها مصدر سابق 2 / 50، وفيه برقم 63، والخطبة في شرح ابن میثم 2/ 333 برقم (65).

[65] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقُولُه لأصْحَابهِ فِي بَعْضِ أَيَّامٍ صِفِّينَ

[65] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقُولُه لأصْحَابهِ فِي بَعْضِ أَيَّامٍ صِفِّينَ (1)

معاشِرَ المُسْلِمينَ اسْتَشْعِرُوا الخَشْيَةَ (2)، وتَجَلْبَبُوا السَّكِينَةَ، وعَضُّوا علَى النَّوَاجِذِ (3)، فإِنَّهُ أَنْبَى (4)للسُّيُوفِ عَنِ الهَامِ، وأَكْمِلُوا اللَّأمَةَ (5)، وقَلْقِلُوا (6)السُّيُوفَ فِي أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلَّهَا، والحَظُوا الخَزْرَ (7)، واطْعَنُوا الشَّزْرَ (8)، ونَافِحُوا(9)بالظُّبَا (10)، وصِلُّوا السُّيُوفَ بالخُطَى (11)، واعْلَمُوا


1) كذا في ب، ج أيضًا، وفي ع: قاله، وفي س، م: ومن كلام له في بعض أيام صفين.

2) في الشرح : استشعروا الخشية، أي: اجعلوا الخوف من اللّه تعالى من شعاركم، وقريب منه في المنهاج 290/1.

3) النوجذ: أقاصي الأضراس وفي المنهاج 1/ 290 كناية عن تسكين القلب وترك اضطرابه، واستيلاء الرعدة عليه.

4) حاشية: أنبى: أفعل من الإنباء الذي هو الإبعاد، يقال: إنباء السيف إذا لم يعمل وللحاشية بقية لم أتبينها نبى السيف: رجع من الضربة ولم يعمل؛ وفي المنهاج 290/1، أي : فإن العض على الناجد منك أشد إبعادًا لسيف العدو عن مقامك.

5) في القاموس: اللأمة: الدرع.

6) القلقلة: التحريك.

7) الخزر: ضيق العين وصغرها، وكذلك تضييقها والنظر بمؤخرها عند الغضب.

8) حاشية الطعن الشزر: ما كان عن اليمين والشمال.

9) حاشية الأصل: المنافحة مثل المكافحة من نفحه بالسيف، وفي القاموس: نافحه :كافحه وخاصمه، وفي شرح ابن ميثم 2 / 340 المنافحة: التناول بأطراف السيوف.

10) الظبا: جمع ظيَّة، وهو طرف السيف.

11) حاشية ليست من خط الحواشي : كان معه (عَلَيهِ السَّلَامُ) سيف قصير، فقيل له في ذلك، فقال: أطوله بخطوة، وهو في المنهاج 291/1.

أَنَّكُم بِعَيْنِ اللّه (1)، ومعَ ابْنِ عَمْ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَعَاوِدُوا الكَر، واسْتَحْيُوا من الفَرِّ، فإنَّه عَارٌ فِي الأعْقَاب (2)، ونَارٌ يَومَ الحِسَابِ، وطِيْبُوا عَن أَنْفُسِكُم نَفْسًا، وامْشُوا إِلى المَوْتِ مَشْيَا سُجُحًا (3)،

عَلَيْكُم بهذا السَّوادِ الأَعْظَمِ (4)والرِّوَاقِ المُطَنَّب (5)، فاضْرِبُوا ثَبَجَهُ (6)، فإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ فِي كِسْرِه (7)، وقد قَدَّمَ لِلوَثْبَةِ يَدًا، وأَخَّرَ للنكوص (8)رِجْلًا، فَصَمْدًا (9)صَمْدًا حَتَّى يَنْجَلِي لَكُم عَمُودُ الحَقِّ «وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللّه مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ» (10)،(11)


1) في المعارج 144 : بعين اللّه : في حفظه.

2) الأعقاب في المنهاج 291/1 : الأولاد.

3) م، ع سُحُجا، وسجحًا: سهلاً.

4) في المنهاج 1 / 291 سواد الناس: عامتهم.

5) حاشية: الرواق: بيت كالفسطاط، الطنب حبل طويل يشد به السرادق. وفي حاشية أخرى: كان قد ضرب لمعاوية مضرب عظيم، وأحاط به أتباع عاقدون على أنفسهم الا ينفرجوا عنه حتى يقتلوا، وكذا في المنهاج 290/1.

6) حاشية : الثبج: ما بين الكاهل إلى الظهر، وثبج كل شيء: وسطه، ومثلها في المنهاج 1 / 291.

7) الكسر : جانب الخباء.

8) النكوص : الرجوع.

9) الصمد: القصد.

10) محمد 47 / 35.

11) بالرقم نفسه في الشرح 5/ 112، وينظر فيه ما ذكره الشارح عن وقعة صفين، وبرقم 64 في مصدر سابق 52/2، ونقل المؤلف عن مصادره أن كلامه هذا (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطب به في اليوم الذي كانت عشيته ليلة الهرير في كثير من الروايات ونقل عن نصر بن مزاحم أنه خطب بها في أول أيام اللقاء والحرب بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين، والكلام برقم (66) في شرح ابن ميثم 2/ 339.

[66] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي مَعْنَى الأَنْصَارِ

قَالُوا: لمَّا انتَهَتْ إلى أمير المؤمِنِينَ (1)أَنْبَاءُ السَّقِيفَةِ(2)بَعْدَ وَفَاةِ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : مَا قَالَتِ الأَنْصَارُ ؟ قَالُوا: قالَتْ: مِنَّا أمير ومِنكُم أمِيرٌ. قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3): فَهَلَّا احْتَجَجْتُم عَلَيْهِم بِأَنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (4)وَصَّى بأن يُحْسَنَ إلى مُحْسِنِهِم ويُتَجَاوَزَ عَن مُسِيئِهِم. قَالُوا: وما في هذَا مِنَ الحُجَّةِ عَلَيْهِم ؟ قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَو كَانَتِ الإِمَارَةُ فِيْهِم لَم تَكُن الوَصِيَّةُ بِهم، ثُمَّ قَالَ: فَمَاذَا قالت قُرَيْضٌ ؟ قَالُوا: احتَجَّت بِأَنَّهَا شَجَرَةُ الرَّسُولِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (5). فَقَالَ (6): احْتَجُوا بالشَّجَرَةِ وأضَاعُوا الثَّمَرَةَ (7).


1) بعدها في س م ج: (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأسقط السلام من العنوان.

2) في المعارج 145: السقيفة: صفة بني ساعدة كانوا يجلسون فيها.

3) (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليست في س، م.

4) الصلاة ليست في الأصل، وفي س، م، ج: صلى اللّه عليه وسلم، والآل من ع، ب.

5) وآله ليست في س، ومكانها وسلم.

6) بعدها في س: (عَلَيهِ السَّلَامُ).

7) بالرقم نفسه في الشرح 6/ 173، وينظر فيه ما أورده الشارح حول السقيفة وخبرها، وينظر في تخريجه والتعقيب عليه مصدر سابق 2 / 57 - 60، وفيه برقم 65، وهو برقم (67) في شرح ابن ميثم 342/2.

[67] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَمَّا قلَّد مُحَمَّدَ بنَ أَبي بَكْرٍ مِصْرَ فَمُلِكَت عَلَيْهِ وقُتِلَ

وقد أردْتُ تَوْلِيَةً مِصْرَ هَاشِمَ بنَ عُتْبَةَ (1)، وَلَو وَلَّيْتُهُ إِيَّاهَا لَما خَلَّى لهُم العَرْصَةَ (2)، ولا أَنْهَزَهُم الفُرْصَةَ (3)بِلا ذَمِّ مُحَمَّدٍ (4)فَقَد كَانَ لِي حَبِيْبًا، وَكَانَ لِي رَبِيْبًا (5).


1) هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، أبوه عتبة الذي كسر رباعية رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يوم أحد، وكلم شفته، وكان هاشم من شيعة علي المخلصين في ولائه، وشهد معه صفين واستشهد (رضیَ اللّهُ عنهُ) بين يديه. وهو أخو مصعب بن عمير لأمه.

2) العرصة في المنهاج 2 / 370: كل بقعة بين الدور ليس فيها بناء.

3) س م : العَرْصَةَ، وفي ع: الفُرْضَة والنهز : النهوض لتناول الشيء، والفرصة: النهضة.

4) بعدها في س، م: بن أبي بكر.

5) بالرقم نفسه في الشرح 209/6، وروى الشارح ترجمة لمحمد بن أبي بكر، وأخرى لهاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وتحدث عن ولاية قيس بن سعد،، وذكر كتابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأهل مصر، وتحدث عن ولاية محمد بن أبي بكر على مصر، وينظر في تخريجه والتعقيب عليه مصدر سابق 2/ 60 - 62، وفيه برقم 66، وهو برقم (68) في شرح ابن ميثم 345/2، وقيس بن سعد بن عبادة ممن لم يبايع الخليفة أبا بكر، وهو من السابقين إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد ولاه مصر وعزله وولّى مكانه محمد بن أبي بكر، وعاد إلى الكوفة، وكان على شرطة الخميس، وبعد رحيل أمير المؤمنين كان بجانب الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبعد معاهدة الصلح عاد إلى المدينة وتوفي بها (رضیَ اللّهُ عنهُ)في حكم معاوية. ينظر : طبقات بن سعد 6 / 52، ونقد الرجال 4 / 218.

[68] ومِن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي ذَم أصحَابهِ

كَم أُدَارِيكُم كَمَا تُدَارَى البِكَارُ (1)العَمِدَةُ (2)، والثِّيَابُ المُتدَاعِيةُ، كُلَّمَا حِيْصَت (3)من جَانِبِ تَهَتَكَتْ (4)مِن آخَرَ. أكُلَّمَا أطَلَّ (5)عَلَيْكُم مَنْسِرٌ (6)مِنْ مَنَاسِر أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُم بَابَهُ، وانْجَحَرَ انْجِحَارَ الضَّبَّةِ فِي جُحْرِهَا، والضَّبُعِ فِي وِجَارِهَا (7).

الذَّلِيلُ واللّه مَن نَصَرْتُمُوهُ (8)، ومَن رَمَى بِكُم فَقَد (9)رَمَى بأَفْوَقَ نَاصِلِ (10). إِنَّكُم واللّه لَكَثِيرٌ فِي البَاحَاتِ (11)، قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ، وإنِّي


1) في الأصل أثر حك فوق الباء، وما أثبت في النسخ، وفي الحاشية: البكر: الفتى من الإبل، والجمع: بكار، مثل فرخ وفراخ، وبكارة: مثل فحل وفحالة والبكار في القاموس: جمع بكر، وهي الفتية من الأبل، وفي المعارج 145 : البكار : الإبل التي فسد سنامها.

2) العمدة: التي شدخ أسنمتها ثقل الحمل.

3) فوقها في ج بمدادأحمر: خيطت، والحوص: الخياطة.

4) تهتكت: تخرقت.

5) بالطاء في الأصل وتحتها نقطة، وكذا في م، وبالظاء في ج وتحتها نقطة، وبالظاء في ب.، وفي الحاشية: اظلَّه، وأطلَّ عليه، وفي شرح ابن ميثم 346/2: أطل: أشرق.

6) حاشية: المَنسر، والمِنسر : قطعة من الجيش تمضي قدام الجيش، وحدَّها ابن ميثم في شرحه 346/2 من مائة إلى مائتين.

7) انجحر الضبُّ: دخل جحره، وهو بيته، وبيت الضبع: وجاره.

8) بعدها في ع: ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب.

9) فقد ساقطة من س، والفعل مبني للمجهول فيها.

10) حاشية ينظر إلى كلام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) «إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع، الأفوق الناصل في شرح ابن ميثم 346/2: السهم الذي لا فوق له ولا نصل.

11) في الحاشية الباحات: جمع باحة وهي العرصة، الباحة في شرح ابن ميثم 346/2: ساحة الدار.

لعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُم وَيُقِيمُ أوَدَكُم (1)، ولكِنِّي واللّه لا أرى إصْلاحَكُم بإِفْسَادِ نَفْسِي أَضْرَعَ اللّه خُدُودَكُم، وأَتْعَسَ (2)جُدُودَكُم، لا تَعْرِفُونَ الحَقِّ كَمَعْرِفَتِكُم الباطِلَ، ولا تُبْطِلُونَ البَاطِلَ كَإِبْطَالِكُم الحَقِّ (3).

[69] وقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي سُحْرَةِ اليَوْمِ الذِي ضُرِبَ فِيهِ

[69] وقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي سُحْرَةِ (4)اليَوْمِ الذِي ضُرِبَ فِيهِ

مَلَكَتْني عَيْنِي (5)وأَنَا جَالِسٌ فَسَنَحَ (6)لي رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فقُلتُ : يَا رَسُولَ اللّه مَاذَا لَقِيْتُ مِن أُمَّتِك من الأوَدِ واللَّدَدِ! فقَالَ: ادْعُ عَلَيْهِم. فَقُلْتُ: أَبْدَلَنِي اللّه بِهِم خَيْرًا لِي مِنْهُم (14 أ)، وأَبْدَهُم بِي شَرًّا فَهُم مِنِّي.


1) الأود: الاعوجاج.

2) أضرع: أذل أتعس أهلك.

3) بالرقم نفسه في الشرح 244/6 وذكر الشارح بعض الطرف من أخبار الجبناء، وينظر تخريجه والتعقيب عليه مصدر سابق 64/2، وفيه برقم 67، وبرقم (69) في شرح ابن ميثم 346/2، وفيه : البكار : جمع بكر، وهو الفتي من الإبل، والعمدة: هي التي شدخ أسنمتها ثقل الحمل والحوص الخياطة، وتهتكت: تخرقت، وأطلّ: أشرق، وانجحر الضبُّ: دخل جحره، وهو بيته، وبيت الضبع: وجاره، والأفوق الناصل: السهم لا فوق له ولا نصل، والباحة ساحة الدار، والأود: الاعوجاج، وأضرع: أذلّ، وأتعس : أهلك.

4) السحرة: السحر الأعلى.

5) في المنهاج 300: كناية عن مخالطة النعاس.

6) سنح لي في المنهاج 1/ 300، أي: عرض.

يَعْنِي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالأوَدِ الاعوجاج، وباللَّدَدِ الخِصَامَ، وهذا من أفصح الكلام (1).

[70] ومِن كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي ذَمِّ أهلِ العِرَاقِ

أَمَّا بَعْدُ يَا أهل العراق فإنَّما أَنْتُم كَالمَرْأَةِ الحَامِل ! حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أمْلَصَتْ (2)، ومَاتَ قَيِّمُهَا، وطَالَ تأيُّمُهَا (3)، ووَرِثَهَا أَبْعَدُهَا. أما واللّه مَا أتَيْتُكُمُ اخْتِيَارًا، ولكِنْ جِئْتُ إليْكُم (4)سَوْقًا، ولَقَد بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: يَكْذِبُ! قَاتَلَكُمُ اللّه، فَعَلَى مَن أَكْذِبُ؟ أَعَلَى اللّه! فَأَنَا أَوَّل مَنْ آمَنَ بِهِ! أَمْ عَلَى نَبِيِّهِ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ. كَلَّا واللّه، ولكِنَّهَا لَهجَةٌ (5)


1) قول الشريف ساقط من، م، وإلى نهاية القول ساقط من س، وكتب بخط مختلف في حاشيتها، وقبله: قال السيد، والقول ساقط من ج أيضًا. والقول بالرقم نفسه في الشرح 251/6، وذكر ما روي حول استشهاده (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وموضع دفنه، والليلة التي استشهد بها، وما ذكره له الطبيب أثير بن عمرو السكوني ووصيته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبرقم (70) في شرح ابن ميثم 348/2 و تخريجه في مصدر سابق 2/ 65، والقول فيه برقم 68.

2) حاشية: الإملاص: إسقاط الولد قبل تمامه ؛ وأتمت في المنهاج 302/1، أي: تم زمان حملها.

3) الأيم: التي لا بعل لها.

4) ب: ولكني أتيتكم.

5) حاشية: اللهجة: اللسان، يقال: فلان فصيح اللّهجة، وبالتحريك أيضًا، يعني: لهجة نفسه وكلامه هذا الذي نصحهم وبه ولا ينتفعون بمكانه، إشارة إلى كثرة ما يعظهم به.

غِبْتُم عَنْهَا، ولَم تَكُونُوا من أهْلِهَا. ويلُمِّهِ(1)كَيْلًا بِغَيْرِ ثَمَنٍ لَو كَانَ لَهُ وعَاءٌ، «وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَاهُ بَعْدَ حِينٍ» (2).

[71] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَلَّمَ فيها النَّاسَ الصَّلاةَ عَلَى النَّبي

[71] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَلَّمَ فيها النَّاسَ (3)الصَّلاةَ عَلَى النَّبي (4)

اللّهمَّ دَاحِي المَدْحُوَّاتِ (5)، ودَاعِم المَسْمُوكَاتِ (6)، وجَابِلَ (7)القُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِهَا (8)شَقِيهَا وسَعِيْدِهَا اجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِكَ


1) في الحاشية: ويلمه : كلمة تعجب، وأمه : ضمير للعلم أو الكلام، وفي القاموس، ويل: كلمة عذاب ورجل ويلمه بكسر اللام وضمها : داه.

2) ص 88/38. وينظر في تخريج الكلام والرواية الأخرى له والتعقيب عليه مصدر سابق 66/2 - 68، والكلام فيه برقم 69، وبرقم 68 في الشرح 244/6، وذكر الشارح أيضًا مطاعن النظام على الإمام والردّ عليه، ثم ذكر خطبة رواها المدائني في كتاب صفين نسبها للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد انقضاء أمر النهروان، وطرفًا من أقواله عن المدائني وعن صاحب كتاب الغارات وذكر ابن ميثم في شرحه 349/2 حول كلامه، أنه صدر عنه بعد حرب صفين، وهو فيه برقم (71).

3) الناس ليست في س، م، ج.

4) هنا لم يذكر الآل في الأصل، وليس في س، م، ج. وهي من ب، ع.

5) المدحوات: المبسوطات.

6) المسموكات: المرفوعات، ودعمها حفظها بالدعامة؛ وفي النهاج 303/1: السماوات، وكل شيء رفعته فقد سمكته.

7) جبل: خلق.

8) حاشية : الفِطرة : الحالة التي يفطر اللّه تعالى عليها الآدمي خاليًا عن الآراء والديانات، فإذا بلغ اختار السعادة بحسن نظره، أو الشقاوة بسوء نظره، كما قال النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كل مولود يولد على الفطرة»، ويريد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن السعيد والشقي كليهما مجبولان على الفطرة، والحاشية في المنهاج 1 / 303، وينظر في تخريج الحديث موطأ مالك 1/ 241.

ونَوَامِي بَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ الخاتمِ لِمَا سَبَقَ، والفَاتِحِ لِمَا انْغَلَقَ، والمُعْلِنِ الحَقَّ بالحقِّ، والدَّافِعِ جَيْشَاتِ (1)الأباطيل، والدَّامِغِ (2)صَوْلاتِ الأَضَالِيْلِ، كَمَا حَمَلَ فَاضْطَلَعَ (3)قَائِمًا بأَمْرِكَ، مُسْتَوْفِزًا (4)فِي مَرْضَاتِكَ، غَيْرَ نَاكِلٍ عَن قُدْمٍ (5)، ولا وَاهِ فِي عَزْمٍ، وَاعِيًا(6)لِوَحْيِكَ، حَافِظًا لِعَهْدِكَ، مَاضِبًا عَلَى نَفَاذِ أَمْرِكَ حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ (7)القَابِسِ، وأضَاءَ الطَّرِيقَ ِللخَابِطِ، وهُدِيَتْ بِهِ القُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الفِتَنِ والآثام، وأَقَامَ مُوضِحَاتِ (8)الأعْلامِ، ونَيَّرَاتِ الأَحْكَامِ، فَهُوَ أَمِينُكَ المأمُونُ، وخَازِنُ عِلْمِكَ المَخْزُونِ، وشَهِيْدُكَ يَوْمَ الدِّينِ، وبَعِيثُكَ (9)بالحقِّ، ورَسُولُك إلى الخلق.


1) جيشات: جمع جيشةٍ من جاشت القدر، إذا ارتفع غليانها.

2) الدمغ : كسر عظم الدماغ.

3) اضطلع بالأمر: قوي على حمله.

4) الاستيفاز: الاستعجال.

5) النكول: الرجوع، والقدم التقدم؛ وفي المنهاج 304/1، أي: غير جبان.

6) الوهى الضعف، ووعى الأمر فقهه.

7) القبس : شعلة النار، وأورى: زكا واشتعل.

8) كذا في ع، ج، ب، م وحاشية الأصل عن نسخة: وفي الأصل بموضحات

9) البعيث في المنهاج 305/1: المبعوث.

اللّهمَّ افْسَحْ لَهُ مَفْسَحًا (1)في ظِلِّكَ وَاجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الخَيْرِ من فَضلِكَ. اللّهمَّ أَعْلِ عَلَى البَانِينَ بِناءهُ، وأكرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَهُ، وأَثْمِمْ لَهُ نُورَهُ، واجْزِهِ (2)مِن ابْتِعَائِكَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ، مَرْضِيَّ المَقَالَةِ، ذَا مَنْطِقِ عَدْلٍ، وخُطَّةٍ فَصْلِ. اللّهمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي بَرْدِ العَيْشِ، وَقَرَارِ النِّعْمَةِ، ومُنَى الشَّهَوَاتِ، وَأَهْوَاءِ اللَّذَّاتِ، ورَخَاءِ الدَّعَةِ، ومُنْتَهَى الطُّمَانِينَةِ، وتُحفِ الكَرَامَةِ (3).

[72] ومِن كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمرْوانَ بنِ الحَكَمِ بالبَصْرَةِ

[72] ومِن كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4)لمرْوانَ بنِ الحَكَمِ بالبَصْرَةِ

قَالُوا: أُخِذَ مَرْوَانُ بنُ الحَكَم أَسِيرًا يَومَ الجَمَلِ فَاسْتَشْفَعَ الحَسَنَ والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (5)إلى أمير المؤمِنينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فَكَلَّمَاهُ فِيْهِ (6)، فَخَلَّى سَبِيلَهُ؛ فَقَالا لَهُ: يُبَايِعُكَ يا أمير المؤمنينَ؛ فقالَ : أَوَلم (7)يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثمانَ !


1) أفسح له مفسحًا في المنهاج 304/1: وسع له المقام في ظلك، ويروى مفتسحًا.

2) س م : وأجْرَّهُ، وكذا في هامش الأصل عن نسخة.

3) الخطبة في الشرح 268/6 برقم 71، وبرقم (72) في شرح ابن ميثم 2/ 351 ينظر في تخريجها مصدر سابق 2/ 70 - 71، وفيه برقم 70.

4) بعدها في ج: قاله.

5) (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في ب، ع أيضًا، وليس في س، م، ج.

6) فيه: ليست في س.

7) س، ج: ألم.

لا حَاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِهِ، إِنَّهَا كَفِّ يَهُودِيَّةٌ (1)لَو بَايَعَنِي بِيَدِهِ لَغَدَرَ بِسَبَتِهِ (2). أمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الكَلْبِ أَنْفَهُ(3)، وهو أبو الأكْبُشِ الأَرْبَعَةِ (4)، وسَتَلْقَى الأمَّةُ مِنْهُ ومِن وَلَدِهِ يَوْمًا أَحْمَرَ (5).

[73] ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَمَّا عَزَمُوا عَلَى بَيْعَةِ عُثْمَانَ

[73] ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6)لَمَّا عَزَمُوا عَلَى بَيْعَةِ عُثْمَانَ

لَقَد عَلِمْتُم أَنِّي أَحَقُّ بِهَا مِن غَيْرِي، وواللّه لأُسَلَّمَنَّ مَا سَلِمَتْ أمُورُ المُسْلِمِينَ (7)، ولَم يَكُن فِيهَا جَورٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَةً، التماسًا لأَجْرِ ذلِكَ


1) في المعارج 147: كفّ يهودية، أي: لا يوثق بقوله وبيعته.

2) حاشية: السبة: الاست، يقال: سبّه يسبه أي: طعنه في استه، وذكر السَّبَّةَ شنعة : وتفظيعا، روي أنه منافق.

3) حاشية: كناية عن قصر إمرته، وكانت مدتها ستة أشهر بحسب الحاشية، وينظر ما ذكره صاحب المعارج 147 - 148 بشأن بيعة مروان بن الحكم.

4) حاشية الأكبش الأربعة :عبد الملك، والوليد، وسليمان وهشام. وفي شرح ابن ميثم 2 / 355: كبش القوم: رئيسهم.

5) برقم 71 في الشرح 268/6، وبرقم (73) في شرح ابن ميثم وينظر تعقيب الشارح، وبرقم 71 في مصدر سابق 2/ 72 - 74، وينظر تعقيب المؤلف

6) كذا في ب، وفي س: في بيعة عثمان، وفي م: في بيعة عثمان (رضیَ اللّهُ عنهُ) وأرضاه، في ج: ومن كلام له في بيعة عثمان، ع.. لما عزم.

7) ع: الناس.

(14ب) وفَضْلِهِ، وزُهْدًا فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ من زُخْرُفِهِ (1)وزِبُرِجِهِ (2).

[74] ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمَّا بَلَغَهُ اتَّهَام بني أميَّةَ له المُشاركة في دَمِ عُثْمَانَ

[74] ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمَّا بَلَغَهُ اتَّهَام بني أميَّةَ له المُشاركة في دَمِ عُثْمَانَ (3)

أوَلَم يَنْهَ بَني (4)أُمَيَّةَ عِلْمُهَا بِي عَن قَرْ فِي (5)! أَوَمَا وَزَعَ (6)الجُهَالَ سَابِقَتِي عن تُهْمَتِي ! ولما وعَظَهُمُ اللّه بِهِ أَبْلَغُ مِن لِسَانِي.

أنَا حَجِيجُ (7)المارِقِينَ، وخَصِيمُ (8)الْمُرْتَابِينَ. عَلَى كِتَابِ اللّه تُعْرَضُ الأمْثَالُ (9)، وبَمَا فِي الصُّدُورِ يُجَازَى (10)العِبَادُ (11).


1) الزخرف: الزينة، ويقال: الذهب والزبرج: النقش والزينة بالحلية.

2) برقم 72 في مصدر سابق 2/ 75 - 76، وينظر تعقيب المؤلف، والكلام برقم المطبوع في الشرح 287/6، وروى الشارح مناشدة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحاب الشورى وتعديده فضائله وخصائصه قبل المبايعة لعثمان والكلام برقم (74) في شرح ابن ميثم

3) م : له في مقتل عثمان (رضیَ اللّهُ عنهُ)، س : له في مقتل عثمان، ع: إياه بالمشاركة في دم عثمان

4) بني : زيادة من ع، ب.

5) قرفني بكذا: اتهمني به، ونسبه إليَّ.

6) وزع كفّ.

7) حاشية: حجيج أي: محاج الخوارج. ومحاج اسم فاعل من الفعل حاجَّ، وكذا اسم المفعول منه. (وأصله حاجج، واسم الفاعل والمفعول منه محاجج، ومحاجَج، يقول الصرفيون، حذفت حركة الجيم لإيقاع الإدغام، لأن الإدغام لا يكون إلا بين ساكن ومتحرك) المحقق، والمارقون في المعارج :148: الخوارج

8) الخصيم: المخاصم.

9) في المنهاج 308/1، أي الشبهات.

10) كذا في ب أيضًا، وفي س، م، ع: تَجازَى.

11) برقم 74 في الشرح 6 / 289، وبرقم 75 في شرح ابن ميثم، وبرقم 73 في مصدر سابق 77/2.

[75] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

رَحِمَ اللّه عَبْدًا سَمِعَ حُكْمًا فَوَعَى (1)، ودُعِيَ إِلى رَشَادٍ فَدَنَا، وَأَخَذَ بِحُجْزَةِ(2)هَادٍ فَنَجَا رَاقَبَ (3)رَبَّهُ، وخَافَ ذَنْبَهُ، قَدَّمَ خَالِصًا، وعَمِلَ صَالِحًا، اكْتَسَبَ مَذْخُورًا(4)، واجْتَنَبَ مَذخُورًا، رَمَى غَرَضًا، وأحْرَزَ عِوَضًا كَابَرَ هَوَاهُ، وكَذَّبَ مُنَاهُ، جَعَلَ الصَّيْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ، وَالتَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ، رَكِبَ الطَّرِيقَةَ الغَرَّاءَ (5)، وَلَزِمَ المَحَجَّةَ البَيْضَاءَ(6)، اغْتَنَمَ الَمَهَلَ، وبَادَرَ الأَجَلَ، وتَزَوَّدَ مِنَ العَمَلِ (7).


1) في المنهاج 1 / 308، أي: سمع حكمة فحفظها.

2) الحجزة: معقد الإزار.

3) المراقبة: المحافظة.

4) في الحاشية كسب مذخور، لقوله تعالى: «لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ» البقرة 2 / 286 ؛ والرواية والشاهد في المنهاج 308/1.

5) الغراء: البيضاء.

6) المحجة البيضاء : في المنهاج 308/1، أي: الجادة الواضحة.

7) الخطبة برقم 75 في الشرح 291/6، وبرقم (76) في شرح ابن ميثم، وبرقم 74 في مصدر سابق 78/2، وينظر تعليق المؤلف.

[76] ومِن كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَيُفَوِّقُنَنِي تُرَاثَ مُحَمَّدٍ تَفْوِيقًا (1)، واللّه لئن بَقِيتُ لهم لأنْفُضَنَّهُم نَفْضَ اللَّجَّامِ الوِذَامَ التَّربَةَ (2).

ويُرْوَى : «التُّرَابَ الوَ ذِمةَ»، وهو على القَلب (3).

قَوْلُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)(4): لَيُفَوِّقُونَنِي؛ أي: يُعْطُونَنِي مِنَ المَالِ قَلِيلًا قَلِيلًا كَفُوَاقِ النَّاقَةِ، وهوَ الحَلْبَةُ الوَاحِدَةُ مِن لَبَنِهَا. والوِدامُ: جَمعُ وَذَمَةٍ، وهِيَ الحُزَّةُ (5)مِنَ الكَرِش أو الكَبِدِ تَقَعُ في التُّرَابِ فَتُنْفَضُ (6).


1) حاشية: فوقت الفصيل، أي : سقيته اللبن فواقًا، والفواق ما بين الحلبتين من الوقت ؛ لأنها تحلب ثم تترك ساعة يرضعها الفصيل لتدرّ ثم تحلب، وما ورد في الحاشية بالنص في المنهاج 1/ 313.

2) حاشية : التربة الأنملة - كذا في القاموس أيضًا - وجمعها تربات، وتراب على القياس، والوذام: الكرش والأمعاء، وذكر الجوهري في صحاح اللغة هذا الحديث على الرواية الأخيرة، ثم ذكر أن الأصمعي سأل شعبة عن هذا الحديث، فقال: هو الوذام التربة لا التراب الوذمة ؛ وما ورد في الحاشية بالنص في المنهاج 313/1.

3) ويروى... على القلب: ليس في الأصل، وهو في النسخ المعتمدة.

4) (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليس في س م.

5) الحزّة في المنهاج 313/1: القطعة.

6) بالرقم نفسه في الشرح 292/6، وذكر أن أصل هذا الخبر رواه الأصفهاني في كتاب الأغاني بإسناد رفعه إلى الحارث بن حبيش قال: بعثني سعيد بن العاص - وهو أمير الكوفة من قبل عثمان - بهدايا إلى المدينة، وبعث معي هدية إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكتب إليه: إني لم أبعث إلى أحد أكثر مما بعثت به إليك، إلا إلى أمير المؤمنين، فلما أتيت عليا وقرأ كتابه، :قال لشدّ ما يحظر عليّ بنو أمية تراث محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)! أما واللّه لئن وليتها لأنفضنَّها نفض القصاب التراب الوذمة، وبإسناد آخر أنه بعث مع ابن أبي عائشة مولاه الخبر، والخبر عن أبي الفرج أيضًا في حاشية م، والكلام برقم (77) في شرح ابن ميثم 361/2، وبرقم 75 في مصدر سابق 2/ 79 - 80.

[77] ومِن كَلِمَاتٍ كَانَ يَدْعُو بِهَا كَثِيرًا (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[77] ومِن كَلِمَاتٍ كَانَ يَدْعُو بِهَا كَثِيرًا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)

اللّهمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَنتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، فإن عُدْتُ فَعُدْ لي بالمَغْفِرَةِ، اللّهمَّ اغْفِرْ لِي مَا وَأَيْتُ (2)مِن نَفْسِي ولم تَجِدْ لَهُ وَفَاءٌ عِنْدِي، اللّهم اغْفِرْ لي مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِي اللّهمَّ اغْفِر لي رَمَزَاتِ (3)الألحاظِ، وسَقَطَاتِ (4)الألفاظ، وشَهَوَاتِ الجَنَانِ، وهَفَوَاتِ (5)اللَّسَانِ (6).

[78] ومِن كَلامِ له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قَالهُ لبَعْضِ أصحَابِهِ (7)لما عَزَمَ عَلى المَسِيرِ إِلى الخَوَارِجِ، فَقَالَ لَهُ:


1) العنوان في س، ج: ومن كلمات كان يدعو بها، وفي م، ع: ومن كلمات كان يدعو بها (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفي ب: ومن كلمات له (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يدعو بها.

2) الوأي: الوعد.

3) الرمزات: جمع رمزةٍ، وهي الإشارة بالعين أو الحاجب أو الشفة.

4) السقط من الشيء: رديئه.

5) الهفوة : الزلة.

6) والكلام بالرقم نفسه في الشرح 293/6 وذكر الشارح من بين ما ذكره بعض أدعية رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وأدعية الصحيفة السجادية، وأدعية أخر مأثورة عن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعن بعض الصالحين، وختم بآداب الدعاء، والكلمات برقم (78) في شرح ابن ميثم 3612. وبرقم 76 في مصدر سابق 81/2، وينظر تعقيب المؤلف.

7) حاشية :هذا المنجم هو عفيف بن قيس أخو الأشعث بن قيس ذكره المبرد، وهو عفيف الكندي روي ابن عم الأشعث، وقيل: أخوه لأمه، وقيل عمه، وقيل: له صحبة وروى عنه ولداه إياس ويحيى، وله ترجمة في كتابي الموسوم ب«الثوية بقيع الكوفة» 156/1.

يا أمير المؤمنينَ : إِن سِرْتَ فِي هَذا الوَقْتِ خَشِيتُ ألَّا تَظفَرَ بمُرَادِك (1)مِن طَرِيقِ عِلْمِ النَّجُومِ.

فقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَتَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْتَدِي إلى السَّاعَةِ التي مَن سَارَ فِيهَا صُرِفَ عنهُ السُّوءُ، وتُخَوِّفُ السَّاعَةَ التِي مَن سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ (2)الضُّرُ؟ فَمَن صَدَّقَكَ بهَذا فقَد كَذَّبَ القُرآنَ، واسْتَغْنَى عَنِ الاسْتِعَانَةِ بِاللّه (3)فِي نَيْلِ المَحْبُوبِ، ودَفْعِ الْمَكْرُوهِ.

ويَنْبَغِي فِي قَوْلِكَ للعَامِلِ بأَمْرِكَ أن يُوَلِّيَكَ (4)الحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ؛ لأَنَّكَ بِزَعْمِكَ أَنتَ هَدَيْتَهُ إِلى السَّاعَةِ التي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ وأمِنَ الضُّرَ ؛ ثمَّ أقبل (عَلَيهِ السَّلَامُ) على النَّاسِ فَقَال: أَيُّها الناسُ، إِيَّاكُم وتَعَلَّمَ النُّجومِ إِلَّا مَا يُهْتَدَى بِهِ في بَرٌ أَو بَحْرٍ، فإِنَّهَا تَدْعُو إلى الكَهَانَةِ (5)، المُنَجِّمُ كَالكَاهِنِ، والكَاهِنُ


1) س: قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج... م: ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج.

2) حاق: به: أحاط به.

3) بعدها في ب: عز وجل.

4) يوليه كذا: يعطيه إياه ويجعله أولى به.

5) حاشية : يقال: كَهَنَ يكهن كهانة: مثل كتب يكتب كتابة وكَهُنَ : صار كاهنًا. ويمكن تحويل أي فعل ثلاثي إلى الباب الخامس إذا أردت أن المعنى صار كالغريزة أو الطبع في صاحبه. المحقق.

كالسَّاحِرِ، والسَّاحِرُ كَافِرُ، والكَافِرُ فِي النَّارِ. سِيرُوا على اسم اللّه (1).

[79] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بَعدَ فَرَاغِهِ من حَرْبِ الجَمَلِ فِي ذَمِّ النَّسَاءِ

[79] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بَعدَ فَرَاغِهِ من (2)حَرْبِ الجَمَلِ فِي ذَمِّ النَّسَاءِ

مَعَاشِرَ النَّاسِ، إِن النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الإِيمَانِ نَوَاقِصُ الحُظُوظِ نَوَاقِصُ العُقُولِ،: فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُوْدُهُنَّ عَنِ الصَّلاةِ «15 أ» والصِّيامِ فِي أَيَّامٍ حَيْضِهِنَّ، وأمَّا نُقْصَانُ عُقُوهِنَّ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مِنْهُنَّ (3)كَشَهَادَةِ الرَّجُل الواحِدِ، وأمَّا نُقْصَانُ حُظُوظهنَّ فَمَوَارِيتُهُنَّ عَلَى الأَنْصَافِ مِن مَوَارِيثِ الرِّجَالِ؛ فاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ، وكُونُوا مِن خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ، ولا تُطِيْعُوهُنَّ فِي المَعْرُوفِ حَتَّى لا يَطْمَعْنَ فِي الْمُنْكَرِ (4).


1) بعدها في ج: وعونه. والكلام بالرقم نفسه في الشرح 309/6 وخصص بحثًا حول اختلاف الناس في أحكام النجوم، وبرقم (79) في شرح ابن ميثم 3632. وبرقم 77 في مصدر سابق 2/ 82 - 85.

2) س: بعد حرب، و(بعد فراغه من) كتبت في م، ثم ضرب عليها الناسخ.

3) منهن: ليست في ع.

4) الخطبة بالرقم نفسه في الشرح 319/6، وينظر شرحه للخطبة، وخص الشارح السيدة عائشة بمبحث في شرحه، وذكر خطبة لأمير المؤمنين قبل وقوع حرب الجمل، وطلبه من عمار ومالك الأشتر (رضیَ اللّهُ عنهُمُا) أن يذهبا ويعقرا الجمل والكلام برقم (80) في شرح ابن ميثم 368/2. ينظر في تخريجها والتعقيب عليها مصدر سابق 86/2 - 88، وفيه برقم 78.

[80] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أيُّهَا النَّاسُ : الزَّهَادَةُ : قِصَرُ (1)الأمل، والشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ، والوَرَعُ عَنِ (2)المَحَارِمِ ؛ فإِن عَزَبَ (3)ذلِكَ عَنكُم فَلا يَغْلِبِ الحَرَامُ صَبْرَكُم، ولا تَنْسَوا عِنْدَ النَّعَمِ شُكْرَكُم، فقد أعْذَرَ (4)اللّه إِلَيْكُم بِحُجَجِ مُسْفَرَةٍ (5)ظَاهِرَةٍ، وكُتُبِ بَارِزَةِ العُذْرِ وَاضِحَةٍ (6).


1) في م ضبط قلم قَصَرُ، قِصَرُ.

2) س، م: عند.

3) عزب: ذهب وبعد.

4) أعذر: أظهر عذره.

5) مسفرة: مشرقة.

6) وبالرقم نفسه في الشرح 331/5 وروى الشارح ما جاء في الزهد من أخبار، والكلام برقم (81) في شرح ابن ميثم 369/2. ينظر في تخريجه مصدر سابق 2/ 88 - 89، وفيه برقم 79.

[81] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي صِفَةِ الدُّنْيا

[81] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي صِفَةِ (1)الدُّنْيا

مَا أَصِفُ(2)مِن دَارٍ أَوَّلُنَا عَنَاءُ(3)، وآخِرُهَا فَنَاءُ، في(4)حَلالِهَا حِسَابٌ، وفي (5)حَرَامِهَا عِقَابٌ، مَن اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، ومَن افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ، ومَن سَاعَاهَا فَاتَتْهُ، ومَن قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ، ومَن أَبْصَرَ بهَا بَصَّرَتْهُ، ومَن أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتُهُ (6).

وإذا تَأمَّل المُتَأَمِّلُ قَوْلَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ومَن أَبْصَر بِها بَصَّرَتْهُ» وَجَدَ تَحْتَهُ مِن المَعْنَى العَجِيبِ، والغَرَضِ البَعِيدِ مَا لا تُبْلَغُ غَايَتُهُ، ولا يُدْرَكُ غَوْرُهُ، ولا سيَّمَا إذَا قَرَنَ إِلَيْهِ قَوْلَهُ : «ومَن أَبْصَرَ إليْهَا»، فَإِنَّهُ يَجِدُ الفَرْقَ بَيْنَ أبْصَرَ بهَا وأَبْصَرَ إلَيْهَا وَاضِحًا نَيْرًا، وعَجِيْبًا بَاهِرًا (7).


1) ع: ذم.

2) بعدها في ع: لكم.

3) العناء التعب، وقد ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) للدنيا في معرض ذمها والتنفير عنها أوصافًا عشرة.

4) في الحاشية :حلالها حساب وحرامها عقاب، وكذا في س، م

5) في: ليست في س، م.

6) حاشية: إذا قلت: أبصر بها فالمفعول محذوف، أبصر بها الدليل، وأبصر إليها متعجبًا منها وادَّا لها.

7) قول الشريف (رضیَ اللّهُ عنهُ) كله ساقط من س، ج، وألحق في حاشية م من دون إشارة إلى أصل أو نسخة، وبالرقم نفسه في الشرح 337/6 وبرقم (82) في شرح ابن ميثم 2/ 371، وبرقم 80 في مصدر سابق 90/2.

[82] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهِي مِنَ الخُطَبِ العَجِيبَةِ

[82] (1)ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهِي مِنَ الخُطَبِ العَجِيبَةِ (2)

الحَمْدُ للّه الذِي عَلا بِحَوْلِهِ (3)، ودَنَا بِطَوْلِهِ (4)، مَانِحِ (5)كُلِّ غَنِيمَةٍ وفَضْلِ، وَكَاشِفِ كُلِّ عَظِيمَةٍ وأَزْلٍ (6)، أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ، وسَوَابِغِ نِعَمِهِ، وأومِنُ بِهِ أَوَّلًا بَادئا، وأَسْتَهْدِيهِ قَرِيْبًا هَادِيًا، وأَسْتَعِينُهُ قَاهِرًا قَادِرًا، وأتَوَكَّلُ عَلَيْهِ كَافِيًا نَاصِرًا. وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَبْدُهُ ورَسُولُهُ أَرْسَلَهُ لإِنْفَاذِ أَمْرِهِ، وَإِنْهَاءِ عُذْرِهِ، وَتَقْدِيمِ نُذْرِهِ.

أوصِيكُم عِبَادَ اللّه بِتَقْوَى اللّه الَّذِي (7)ضَرَبَ لَكُم الأَمْثَالَ، وَوَقَتَ لكُم الآجَالَ والبَسَكُمُ الرِّيَاشَ (8)، وأرْفَعَ (9)لَكُمُ المَعَاشَ، وأحَاطَ بِكُمُ


1) حاشية الأصل: بلغت القراءة.

2) عجيبة تسمى الغراء في حاشية الأصل، وطمست أغلب حروفها، وفي س، ج: ومن خطبة له عجيبةٍ تسمَّى الغَرَّاء، وفي، م، ع ب ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي من الخطب العجيبة تسمى الغراء.

3) الحول : القوة.

4) حاشية: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) علا بحوله، أي: علا وعرف بحوله وقوته، علوُّه، أي بصنعه علم علوه، ودنا بطوله، أي: بفضله دنا ممن يدعوه.

5) المنحة: العطية.

6) حاشية: الأزل: الضيق والحبس.

7) أوصيكم عباد اللّه الذي: ليس في م.

8) الرياش : اللباس الفاخر، وقيل: الغنى بالمال.

9) حاشية: الرفغ السعة، يقال: رفع عيشه.

الإحْصَاءَ (1)، وأرْصَدَ (2)لَكُمُ الجَزَاءَ، وَأَثَرَكُم بِالنِّعَمِ السَّوَابِ، والرِّفَدِ الرَّوَافِعِ (3)، وأنْذَرَكُم بالحُجَجِ البَوَالِغ ؛ فأَحْصَاكُم عَدَدًا، ووَظَفَ لَكُم مُدَدًا فِي قَرَارِ خِبْرَةٍ (4)، ودَارِ عِبْرَةٍ أَنْتُم مُكْتَبَرُونَ فِيْهَا، ومُحَاسَبُونَ عَلَيْهَا؛ فإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ (5)مَشْرَبُهَا، رَدِغ (6)مَشْرَعُهَا، يُونِقُ (7)مَنْظَرُهَا، ويُوبِقُ (8)مَخبَرُهَا، غُرُورٌ حَائِلٌ (9)، وضَوْءُ آفِلٌ، وظِلٍّ زَائِلٌ، وَسِنَادٌ مَائِلٌ (10)، حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا (11)، واطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا فَمَصَتْ (12)بأرْجُلِهَا، وقَنَصَتْ


1) حاشية : أحاط بكم الإحصاء، أي: حوّط الإحصاء عليكم حتى جمعكم فيه، فعلم جميع ما كنتم تفعلون.

2) أرصد: أعد.

3) الرفع : السَّعة، يقال: رفع عيشه، وسبقت في الحاشية.

4) في ج: خيرة، وبحاشيتها عن نسخة: خبرة، وفي ع: جيرة، م: عبرة.

5) حاشية: رنق، أي: كَدِر.

6) حاشية: الردغة والرداغ: الطين الرقيق، وفي شرح ابن ميثم 376/2: الردغ: الوحل والتراب المختلط بالماء؛ وذكر في المنهاج 323: بخط الرضي: الردعة والرداغ: الطين الرقيق.

7) يونق: يعجب.

8) حاشية: يوبق: يهلك.

9) ع: غرُور، وغرور: خدعة مستغلة للأذهان والحائل: المنتقلة المحتولة. كذا.

10) سناد مائل في المنهاج 1 / 323: ما يستند إليه والسناد: الناقة الشديدة الخلق، وما ذكر حاشية في الأصل.

11) فى القاموس : نفر: شرد.

12) حاشية: قمص الفرس يقمص قمصا وقماصا، أي استنَّ، وهو أن يرفع يديه، ويطرحهما معًا، ويعجن برجليه، يقال : هذه دابة فيها قماص، ولا يقال: مناص. وفي القاموس قَمَصَ الفرس وغيره يقمَص ويقمِصُ قَمْصًا وقُماصا بالضم والكسر، وهو أن يرفع يديه ويطرحهما معًا، ويعْجِنَ بِرِجْلَيْهِ؛ وما ورد في الحاشية باستثناء قوله : فيها مناص بالنص في المعارج 323/1.

بأحْبُلِهَا، وأقْصَدَتْ (1)بأسْهُمِهَا، وأعْلَقَتِ المَرْءَ أَوْهَاقَ (2)المَنِيَّةِ، قَائِدَةً لهُ إلى ضَنْكِ(3)المَضْجَعِ، وَوَحْشَةِ المَرْجِعِ، وَمُعَايَنَةِ المَحَلِّ، وَثَوَابِ العَمَلِ، وكذلِكَ الخَلَفُ بِعَقِبِ السَّلَفِ. لا تُقْلِعُ (4)المَنيَّةُ اخْتِرَامًا،(5)ولا يَرْعَوِي (6)البَاقُونَ اجْتِرَامًا، يَحْتَذُونَ مِثَالًا، وَيَمْضُونَ أَرْسَالا (7)إلى غَايَةِ الانْتِهَاءِ، وَصَیُّورِ (8)الفَنَاءِ، حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الْأُمُورُ، وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ، وأزِفَ (9)النُّشُورُ أَخْرَجَهُم (10)مِن ضَرائِح (11)القُبُورِ، وَأَوكَارِ الطُّيُورِ،


1) قنصت: صادت وأقصدت: أصابت القصد.

2) حاشية: الوهق: الحبل، وكذا في المنهاج 1 / 324، ومعنى الجملة فيه أن الموت في رقبة كل واحد.

3) الضنك: الضيق.

4) أقلع عن الشيء: امتنع منه.

5) من قوله : (المنية اختراما) إلى قوله : (لا يرعوي) ساقط من ج، والاخترام: الموت دون المدة الطبيعية؛ وفي المنهاج 324، أي : لا يرجع الموت عن القطع.

6) حاشية: يرعوي: يرجى صيور الأمر آخره، وما يؤول إليه، وفي شرح ابن ميثم 376/2 : ارعوى: كفَّ ورجع؛ وفي المنهاج 1 / 324، أي: لا نتوب من ارتكان الذنوب..

7) أرسال : جمع رسل، وهو القطيع من الغنم يتبع القطيع، وفي المعارج 156 : يمضون أدسالا بالدال :أي: سمع بعضهم بعضًا؛ وفي المنهاج 324/1، أي: يصيرون بحذاء المثال المتقدم، وإرسالا، أي متتابعة.

8) حاشية: صيور الأمر: آخره، وما يؤول إليه.

9) أزف: دنا.

10) ب: أخرجتهم.

11) الضرائح: جمع صراح، وهو الشق في وسط القبر.

وأوجِرَةِ (1)السِّبَاعِ، ومَطَارِحِ المَهَالِكِ، سِرَاعًا إلى أَمْرِهِ(2)«15ب» مُهْطِعِينَ (3)إلى مَعَادِهِ رَعِيلا (4)صُمُوتًا قِيَامًا صُفُوفًا، يَنْفُذُهُم البَصَرُ، ويُسْمِعُهُم الدَّاعِي. عَلَيْهِم لَبُوسُ الاسْتِكَانَةِ، وضَرْعُ (5)الاستسلام والذَّلَةِ. قَد ضَلَّتِ الحِيَلُ، وانْقَطَعَ الأَمَلُ، وهَوَتِ الأَفْئِدَةُ كَاظِمَةٌ (6)، وخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ مُهَيْنمَةٌ (7)، وأَلجمَ (8)العَرَقُ (9)، وعَظُمَ الشَّفَقُ (10)، وأَرْعَدَتِ الأَسْمَاعُ (11)لِزَبْرَةِ (12)الدَّاعِي إِلى فَضْلِ الخِطَابِ، ومُقَايَضَةِ


1) حاشية: الوجار : جحر الضبع وغيرها، والجمع: أَوْجِرَةٌ ووجُرِّ، وفي شرح النهج لابن ميثم 378/2: أوجرة: جمع وجار وهو بيت السبع.

2) حاشية: بلغت القراءة.

3) حاشية: أهطع، إذا مدَّ عنقه وصوب رأسه، والإهطاع: الإسراع، وبالنص في المنهاج 324/1.

4) حاشية: الرعيل: قطعة من الخيل، وكذلك الرعلة، وفي شرح ابن ميثم 378/2 : رعيلًا مجتمعين.

5) الضرع: الخضوع والانكسار.

6) كاظمة: كاظمة: ساكنة، وهوت الأفئدة في المنهاج 1/ 325، أي: سقطت.

7) الهينمة: الصوت الخفي.

8) حاشية: الإلجام: كناية عن وصول العرق إلى الأفواه يعني أنهم يغرقون في العرق فيصل العرق إلى موضع اللجام ويقال : ألجمه العرق ؛ وبالنص في المنهاج 325/1، وقال: وروي وأثجم الفرق أي كثر الخوف ومن قولهم: أثجم الباطل، أي دام وكثر.

9) ب: العَرْقُ.

10) الشفق: الإشفاق، وهو الخوف.

11) وأرعدت الأسماع في المنهاج 326/1، أي : أخذ مواضع السمع الرعدة وما يتصل بها.

12) الزبرة: الانتهار، وفي المنهاج 326: الصيحة التي فيها الزبر، وهو الزجر والمنع

الجَزَاءِ، ونَكَالِ العِقَابِ (1)، ونَوَالِ الثَّوَابِ.

عِبَادٌ تَخَلُوقُونَ اقْتِدَارًا، ومَرْبُوبون اقْتِسَارًا(2)، ومَقْبُوضُونَ احْتِضَارًا (3)، ومُضَمَّنُونَ أجْدَاثًا (4)، وَكَائِنُونَ رُفَاتًا (5)، ومَبْعُوثُونَ أفرَادًا، ومَدِينُونَ (6)جَزَاءً، ومُمَيَّزُون حِسَابًا؛ قد أُمْهِلُوا فِي طَلَبِ المَخْرَج، وهُدُوا سَبِيلَ المَنْهَج، وعُمرُوا مَهَلَ المُسْتَعْتَبِ (7)، وكُشِفَتْ عَنهُم سُدَفُ الرِّيَبِ (8)، وخُلّوا لِمِضْمَارِ الجِيَادِ، وروِيَّةِ الارْتِيَادِ(9)، وأَنَاةِ المقتَبِس المرتَادِ في مُدَّةِ الأجَل، ومُضْطَرَب المَهَل

فيَا لَمَا أَمْثَالًا صَائِبَةً، ومَواعِظَ شَافِيةٌ، لَو صَادَفَتْ قُلُوبًا زَاكِيَةً،


1) المقايضة: المعاوضة، والنكال : تنويع العقوبة.

2) القسر : القهر والجبر.

3) بالخاء والحاء في م وفوقها معا، وفي الحاشية احتضارًا ليعم الكل؛ لأنه بالخاء معجمة للشبان خاصة؛ والحاشية بنصها في المنهاج 328/1، ولكن فيه بالحاء غير المعجة للشباب خاصة، يقال: احتضر : إذا مات شابًا، وأظنه وهم من الناسخ، وينظر اللسان.

4) الأجداث: القبور، واحده جدث.

5) الرفاةُ : القناة من العظم ونحوه، وفي القاموس: رفته : كسره ودقَّه.

6) مدينون: مجزيون.

7) حاشية: استعتب: استرضى.

8) السدف: جمع سدفة، وهي ظلمة الليل، والريب: الشبهة، والشكوك.

9) حاشية: وروية الارتياد، أي: التفكير في الأشياء، والطلب، والارتياد في شرح بن ميثم 2 / 318: الطلب.

وأسْمَاعًا وَاعِيةً وآراءً عَازِمَةً، وأَلْبَابًا حَازِمَةٌ (1). فاتَّقُوا اللّه تَقِيَّةَ مَن سَمِعَ فَخَشَعَ واقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ، ووَجِلَ فَعَمِلَ وحَاذَرَ فَبَادَرَ، وأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ، وعُبِّر (2)فاعْتَبَرَ، وحُذْرَ فَازْدَجَرَ، وأَجَابَ فَأَنَابَ، وَرَاجَعَ فَتَابَ، وَاقْتَدَى فاحْتَذَى، وأرِيَ فرأى؛ فَأسْرَعَ طَالِبًا، ونَجَا هَارِبًا، فأفاد ذَخِيرةً، وأطَابَ سَرِيرَةً، وعَمَّرَ (3)معَادًا، واسْتَظْهَرَ زَادًا لِيَوْمٍ رَحِيْلِهِ وَوَجْهِ سَبِيْلِهِ، وحَالِ حَاجَتِهِ، ومَوْطِنِ فَاقَتِهِ، وقَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ.

فاتَّقُوا اللّه عِبَادَ اللّه جِهَةَ مَا خَلَقَكُم لَه، واحْذَرُوا مِنه كُنْهَ مَا حَذَّركُم مِن نَفْسِهِ، واسْتَحِقُوا مِنه مَا أَعَدَّ لَكُم بِالتَّنَجُزِ (4)لِصِدْقِ مِيعَادِهِ، والحَذَرِ مِن هَولِ مَعَادِهِ.

ومِنْها: جَعَلَ لَكُم أَسْمَاعًا لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا، وَأَبْصَارًا لِتَجْلُو عَن عَشَاهَا (5)، وأشلاءٌ (6)جَامِعَةً لأعْضَائِهَا، مُلائِمةً لأحْنَائِهَا (7)في تَرْكِيبٍ صُوَرِهَا، ومُدَدِ عُمُرِهَا؛ بأبدانٍ قَائِمَةٍ بأرفَاقِهَا (8)، وقُلُوب


1) زكاء القلوب: استعدادها لقبول الهداية وقربها ذلك، ووعي الأسماع: فهم القلوب عنه، وحزامة الألباب: جودة رأي العقول فيما تختار، والحزم في الحاشية: ضبط الرجل أمره.

2) حاشية: عُبَر، أي: رأى العبر مرات كثيرة، لأن الفعل يفيد التكثير.

3) ج، ب: عَمَرَ، بالتخفيف.

4) حاشية: تنجز الرجل حاجته: استخرجها و استنجحها.

5) عناها: أهمها، والعشى: ظلمة تعرض للعين بالليل.

6) حاشية : الشلو: العضو من أعضاء اللحم.

7) الحنو: الجانب.

8) الأرفاق: المنافع، ويروى بأرماقها، والرمق بقية الروح.

رَائِدَةِ لأَرْزَاقِهَا فِي مُجَلَّلاتِ نِعَمِهِ (1)، ومُوجِبَاتِ مِنَنِهِ، وحَوَائِزِ (2)عَافِيَتِهِ، وحواجز بلِيَّتِهِ (3).

وقَدَّرَ (4)لَكُم أَعْمَارًا سَتَرَهَا عَنْكُم، وخَلَّفَ لَكُم عِبَرًا مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُم مِن مُسْتَمْتَعِ خَلاقِهم (5)، ومُسْتَفْسَحِ خِنَاقِهِم (6)أَرْهَقَتْهُمُ (7)المَنايَا دُونَ الآمَالِ، وشَذَّبَهُم (8)عَنْهَا تَخَرُّمُ (9)الآجالِ، لَم يَمْهَدُوا (10)في سَلامَةِ الأَبْدَانِ، ولم يَعْتَبِرُوا فِي أُنْفِ الأوان (11)، فهَل يَنتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ (12)الشَّبَابِ إِلَّا حَوَانِي الهرم (13)؟! وأهْلُ غَضَارَةِ (14)الصَّحَّةِ إِلَّا نَوَازِلَ


1) مجللات نعمه في المعارج 157، أي : ما عم من نعمه.

2) حاشية: حوائز العافية: موانعها عن الزوال، وروابطها عن الانتقال وفي الحاشية أيضًا: حَوَاجِزِ عافيته والحاشية بنصها في المنهاج 334/1.

3) وحواجز بليته: ليس في س، م، ع.

4) من قوله : وقدر لكم أعمارًا إلى النهاية حدث تقديم للباقي منها وتأخير في ج.

5) الخلاق: النصيب.

6) الخناق بالكسر: حبل يخنق به.

7) الإرهاق: الإعجال.

8) حاشية : التشذيب : قطع ما تفرق من أغصان الشجر، وكل شيء نحيته عن غيره فقد شذبته، والشاذب: المتنحي عن الوطن، وأغلب الحاشية في المنهاج 335/1.

9) في القاموس : اخترمته المنية : أخذته.

10) مهد الأمر، مخففًا ومشدَّدًا: هيأه.

11) أنف الأوان: أوله.

12) البضاضة : امتلاء البدن وقوته.

13) قال في المعارج 157: حواني الهرم، ويروى جوافي الهرم، حنو كل شيء: اعوجاجه، والحِنوة: طأطأت الرأس، وتقويس الظهر.

14) غضارة العيش: طيبه.

السَّقَمِ؟! وأهْلُ مُدَّةِ البَقَاءِ إِلَّا آوِنَةَ (1)الفَنَاءِ مِعَ قُرْبِ الزِّيَالِ، وأُزُوفِ الانتِقَالِ (2)، وعَلَزِ (3)الفَلَقِ، وألم المَضَضِ (4)، وغَصَصِ الجَرَضِ(5)، وتَلَفُّتِ الاسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الحَفَدَةِ (6)والأَقْرِبَاءِ، وَالْأَعِزَّةِ والقُرَنَاءِ؛ فهَل دَفَعَتِ الأقارب أو نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ؟ قد غُودِرَ (7)فِي مَحَلَّةِ الأمْوَاتِ رَهِيْنًا، وفِي ضِيْقِ المَضْجَعِ وَحِيْدًا قَد هَتَكَتِ الهَوَامُ جِلْدَتَهُ، وأَبْلَتِ النَّواهِكُ (8)جِدَّتَهُ، وعَفَتِ العَوَاصِفُ آثَارَهُ، وعَمّا الحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ (9)، وصَارَتِ الأجْسَادُ شَحِبَةٌ (10)بَعْدَ بَضَتِهَا، والعِظَامُ «16 أ» نَخِرَةٌ (11)بَعْدَ قُوَّتِهَا، وَالْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَّةٌ بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا، مُوقِنَةٌ بِغَيْبِ أَنْبَائِهَا، لَا يُسْتَزَادُ مِن


1) آونة: جمع أوان، كأزمنة: جمع زمان.

2) الزيال: المزايلة، وأزف: قرب.

3) العلزة: كالرعدة تأخذ المريض، وعلز القلق في المعارج 158: القلق: خفة وهلع يصيب الإنسان، وفلان علز، أي وجعًا لا ينام.

4) في القاموس : مضَّه الشيء مَضًا ومضيضًا: بلغ من قلبه الحزن به، وكأمه.

5) حاشية : يقال : جَرِضَ بريقه يحرض، وهو أن يبتلعه على هم وحزن بالجهد، وكذا في المنهاج 1/ 336.

6) حاشية: الحفدة: أولاد الأولاد والخدم أيضًا.

7) غودر: ترك.

8) حاشية: النواهك: الأمراض، أنهكته الحمى، ونهكته إذا أضنته وجهدته ونقصت لحمه وفي شرح ابن ميثم 2/ 385: أنهكه أخلقه وأبلاه، ومن أنهكته إلى آخر الحاشية في المنهاج 1/ 336.

9) المعالم: الآثار.

10) الشحب: البعير الهالك لناحل.

11) النخرة: البالية.

صَالِحٍ عَمَلِهَا، ولا يُسْتَعْتَبُ مِن سَيِّي زَللّها.

أوَلَسْتُم أَبْنَاءَ القَوْمِ والآباء وإخْوَانَهُم، والأَقْرِبَاءَ تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُم، وتَرْكَبُونَ قُذَّتَهُم (1)، وتطَأَونَ جَادَّتَهُم؛ فالقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَن حَظَّهَا، لاهِيَةٌ عَن رُشْدِهَا، سَالِكَةٌ فِي غَيْرِ مِضْمَارِهَا، كَأَنَّ الْمَعْنِيَّ سِوَاهَا، وَكَأَنَّ الرُّشْدَ فِي إِحْرَازِ دُنْيَاهَا.

واعْلَمُوا أَنَّ بَجَازَكُم عَلى الصِّرَاطِ (2)، ومَزَالِقِ دَحْضِهِ(3)، وأَهَاوِيلِ زَللّه، وتَارَاتِ أَهْوَالِهِ (4)فاتَّقُوا اللّه تَقِيَّةَ ذِي لُبِّ شَغَلَ التَّفَكُرُ قَلْبَهُ، وأَنْصَبَ (5)الخَوْفُ بَدَنَهُ، وأَسْهَدَ التَّهَجُدُ (6)غِرَارَ (7)نَوْمِهِ، وأَطْمَأَ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ، وظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ، وأَوْجَفَ (8)الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ، وقَدَّمَ


1) بضم القاف وكسرها وفوقها معا في ب. وفي الحاشية: الصواب: قُدّتُهم، أي طريقهم، لقوله تعالى «طَرَابِقَ قِدَدًا» الجن،11، ولم أقف عليها في القاموس بمعنى الطريق فلاحظ، وبالدال المهملة في شرح ابن ميثم 3852، وكذا في القاموس، والقدة عند ابن میثم بكسر القاف والدال المهملة: الطريقة، وقال: وروي بضم القاف والذال المعجمة، والأول أصح.

2) حاشية : خ س : السراط، وكما الأصل في المنهاج 1 / 337: الصراط: أصله السين.

3) المزلق: الموضع الذي لا تثبت عليه القدم، والدحض الزلق.

4) تارات أهواله في المعارج 159: أوقات أهواله.

5) أنصب : أتعب في المنهاج 338/1.

6) حاشية: التهجد: النوم والسهر جميعا، وهو من الأضداد، والمراد هنا السَّهر، والحاشية بنصها في المنهاج 1/ 339، وفي شرح ابن ميثم 387/2: التهجد: العبادة بالليل.

7) حاشية: غرار: قليل، والنوم القليل عند ابن ميثم.

8) أوجف: أسرع.

الخَوْفَ لِأَمَانِهِ، وتَنَكَّبَ المَخَالِجَ (1)عَن وَضَحِ السَّبِيلِ، وَسَلَكَ أَقْصَدَ المَسَالِكِ إِلى النَّهْحِ المَطْلُوبِ، ولَم تَفْتِلْهُ فَاتِلاتُ الغُرُورِ (2)، وتَعْمَ (3)عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ الأُمُورِ؛ ظَافِرًا بِفَرْحَةِ البُشْرَى، وَرَاحَةِ النُّعْمَى فِي أَنْعَمِ نَوْمِهِ، وآمَن يَوْمِهِ، قَد عَبَرَ مَعْبَرَ (4)العَاجِلَةِ حَيْدًا، وقَدَّمَ زَادَ الأَجِلَةِ سَعِيدًا، وبَادَرَ من وَجَلٍ، وأَكْمَشَ (5)فِي مَهَلٍ، ورَغِبَ فِي طَلَبِ، وذَهَبَ عَن هَرَب، ورَاقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ، ونَظَرَ قُدْمًا أمَامَهُ؛ فَكَفَى بِالجَنَّةِ ثَوَابًا ونَوَالًا؛ وكَفَى بالنَّارِ عِقَابًا ووبَالًا، وكَفَى بِاللّه مُنْتَقِمًا ونَصِيرًا، وكَفَى بالكِتَابِ حَجِيْجًا وخَصِيمًا.

أوصِيكُم بِتَقْوَى اللّه الَّذِي أَعْذَر بِمَا أَنْذَرَ، وَاحْتَجَّ بِمَا نَهَجَ، وَحَذَرَكُم عَدُوًّا نَفَذَ(6)فِي الصُّدُورِ خَفِيَّا، ونَفَثَ فِي الآذَانِ نَجِيَّا؛ فأضَلَّ وأردَى، ووَعَدَ فَمَنَّى، وزَيَّن سيِّئاتِ الجَرَائِمِ، وهَوَّنَ مُوبِقَاتِ العَظَائِمِ حَتَّى


1) حاشية: وتنكب أي: تنكب أن يختلج عن وضح السبيل، وكذا في المنهاج 1/ 339 بنصها، والمخالج عند ابن مثم 387/2: الأمور المشغلة الجاذبة، والحاشية في المنهاج 339/1. وسوف لن أشير إلى ذلك في الحواشي القادمة، لأن عددًا كثيرًا منها مطابق لما ورد في المنهاج.

2) في المعارج 159 :أي لم تصرفه صوارف الغرور، من قولهم: فتله عن وجهه إذا صرفه، وهو قلب لفت.

3) ب: ولم تعمَّ.

4) حاشية : معبر العاجلة: زاد الآجلة.

5) أكمش: أمضى عزمه.

6) ع: ونفث.

إذا اسْتَدْرَج (1)قَرِينتَهُ، واسْتَغْلَقَ رَهِيْنته (2)أنْكَرَ مَا زَيَّنَ، واسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ، وَحَذَّر مَا آمَن.

ومِنْهَا فِي صِفَةِ خَلْقِ (3)الإنسَانِ: أم هذَا الذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْحَامِ، وشُغُفِ(4)الأَسْتَارِ نُطْفَةً دِهَاقًا (5)وعَلَقَةً مُحَافًا (6)، وجَنِينًا ورَاضِعًا، ووَلِيدًا ويَافِعًا، ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْبًا حَافِظًا، ولِسَانًا لافِظًا، وبَصَرًا لاحِظَّا؛ لِيَفْهَمَ مُعْتَبرًا، ويُقْصِرَ (7)مُزْدَجِرًا (8)، حَتَّى إذا قام اعْتِدَالُه، واسْتَوَى مِثَالُهُ؛ نَفَرَ مُسْتَكْبِرًا، وخَبَطَ سَادِرًا (9)، مَاتِحَا(10)فِي غَرْبِ هَوَاهُ، كَادِحًا سَعْيًا لِدُنْيَاهُ فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ، وَبَدَوَاتِ (11)أَرَبِهِ لَا يَحْتَسِبُ


1) حاشية : درجه إلى كذا واستدرجه، إذا أدناه منه على التدريج.

2) حاشية: أي: وجد رهنه في ناحية المرتهن غير مفكوك.

3) ب : خلقة.

4) شغف : جمع شَغَاف بالفتح، وهو غلاف القلب.

5) ب: دِفَاقَا وفي الحاشية: الدهاق : الممتلئ من أدهقت الماء إدهاقا، أي أفرغته إفراغا شديدا، وقد ذهبت أغلب حروف الحاشية وأفدناها من المنهاج 344/1، وقال: وروي دفاقًا.

6) حاشية: محاقا: من محقت الشيء أمحقه: أبطلته ومحوته، والحاشية بدون عزو أيضًا في المنهاج 344/1.

7) ضبطها في ج: بفتح الصاد وكسرها وفوقها معا، والكسر اسم فاعل والفتح اسم مفعول، وكذا التي تليها.

8) ضبطها في ج: بكسر الجيم وفتحها وفوقها معا

9) حاشية السادر : الذي لا يهتم بأمره، ولا يبالي ما فعل.

10) الماتح: الجاذب للدلو من البئر.

11) البدوات: الخطرات التي تبدو، أي: تظهر للخاطر.

رَزِيَّةً، ولا يَخْشَعُ تَقِيَّةٌ، فَمَاتَ فِي فِتْنَتِهِ غَرِيْرًا، وَعَاشَ فِي هَفْوَتِهِ يَسِيرًا؛ لم يُفِدْ عِوَضًا، ولم يَقْضِ مُفْتَرَضًا؛ دَهِمَتُهُ (1)فَجَعَاتُ المَنِيَّةِ فِي غَيْرِ جَمَاحِهِ(2)، وَسَنَنِ مِرَاحِهِ (3)فَظَلَّ سَادِرًا (4)، وبَاتَ سَاهِرًا فِي غَمَرَاتِ (5)الآلام، وطَوَارِقِ الأوجَاعِ (6)بينَ أَخِ شَقِيقٍ ووَالِدٍ شَفِيقٍ، وداعِيَةِ بالوَيلِ جَزَعًا، ولادِمَةٍ (7)للصَّدْرِ قَلَقًا، والمَرْءُ فِي سَكْرَةٍ مُلْهِيَةٍ (8)، وغَمْرَةٍ كَارِثَة(9)ٍ، وأَنَّةٍ مُوجِعَةٍ، وجَذْبَةٍ مُكْرِبَةِ، وسَوْقَةٍ مُنْعِبَةِ؛ ثُمَّ أُخْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِسًا (10)، وجُذِبَ مُنْقَادًا سَلِسا؛ ثمَّ أُلْقِيَ عَلَى الأَعْوَادِ رَجِيْعَ وَصَبٍ، ونضوَ سَقَم (11)، تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الوِلْدَانِ (12)، وحَشَدَةُ الإِخْوَانِ إلى دَارِ غُرْبَتِهِ، ومُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ؛ حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ المَشَيِّعُ، وَرَجَعَ المُتَفَجِّعُ


1) دهمه: غشیه.

2) جماحه: سعيه في ركوب هواه.

3) قال في المنهاج 345/1: المراح: النشاط، والسنة التي يثار بها الأرض.

4) السادر: المتحير.

5) الغمرات: الشدائد.

6) بعدها في حاشية ج: والأسقام، وبعدها صح.

7) اللدم: ضرب الصدر.

8) في المنهاج 346/1 ملهية: سكرات الموت: تلهي عن كل شيء، قال: وروي ملهثة، هو أن يدلع لسانه من العطش.

9) كارثة: موجبة لشدة الغم.

10) الإبلاس: اليأس.

11) الرجيع من الإبل: المردد في الأسفار والنضو: الذي قد هزلته.

12) حاشية: الحفدة: أولاد الأولاد، والخدم أيضًا.

أُقْعِدَ «16ب» فِي حُفْرَتِهِ نَجِيًّا لِبَهْتَةِ (1)السُّؤَالِ، وعَثْرَةِ الامْتِحَانِ.

وأَعْظَمُ مَا هُنَاكَ بَلِيَّةٌ «فَنَزُلُ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ»(2)، وفَوْرَاتُ السَّعِيرِ؛ لا فَتْرَةٌ مُرِيحَةٌ، ولا دَعَةٌ مُزِيحَةٌ، ولا قُوَّةً حَاجِزَةٌ، ولا مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ (3)، ولا سِنَةٌ مُسْلِيةٌ، بَيْنَ أَطْوَارِ المَوْتَاتِ (4)، وعَذَابِ السَّاعَاتِ (5)، وإِنَّا باللّه عَائِدُونَ.

عِبَادَ اللّه : أين الذِينَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا، وعُلَّمُوا فَفَهِمُوا، وأُنظِرُوا فَلَهُوا (6)، وسَلِمُوا فَنَسُوا !؟ أُمْهِلُوا طَوِيلًا، ومُنحُوا جَمِيلًا، وحُذِّرُوا أليما، ووُعِدُوا جَسِيما ؛ احْذَرُوا الذُّنُوبَ المُوَرّطَةَ (7)، والعُيُوبَ المُسْخِطَةَ؛ أولِي الأَبْصَارِ والأَسْمَاعِ والعَافِيةِ والمَتَاعِ هَل مِن مَنَاصِ (8)أو خَلاصٍ أو


1) حاشية: البهتة: البغتة.

2) الواقعة 94/56.

3) في المنهاج 1 / 348 الموتة الناجزة: السريعة، والقوة الحاجزة: المانعة.

4) في المنهاج 1 / 348 السنة: النوم القليل، وأطوار الموتات: حالاتها.

5) في والحاشية: وإنا للّه راجعون، وفوقها صح.

6) حاشية : إذا كانت الهاء مفتوحة فاللفظ من لها يلهو، وإذا كانت مضمومة فهو من لهي يلهى: إذا أعرض وترك والحاشية في المنهاج 348/1، وفي القاموس كرضي أحبه، وعنه : سلا وغفل وترك ذكره وأصل لها بالفتح هو، وتقلب ألفًا؛ لأنها متحركة مسبوقة بفتح المحقق. أما لهي فأصلها لَهِوَ وقلبت ياء؛ لأنها متطرفة مسبوقة بكسر. وأما يلهى فأصلها يلهو، وقلبت الواو ألفًا؛ لأنها متحركة مسبوقة بفتح.

7) حاشية : المورطة من الورطة، وهو الهلاك، والورطة في القاموس : الهلكة وكل أمر تعسر النجاة منه.

8) المناص: الملجأ.

مَعَاذٍ أو مَلاذ أو فِرَارٍ (1)أو تَحَارٍ (2)أم لا؟ «فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ» (3).

أم أينَ تُصْرَفُونَ! أَم بَاذَا تَغْتَرُّونَ! وَإِنَّمَا حَظٍّ أَحَدِكُم مِنَ الْأَرْضِ ذات الطُّولِ والعَرض قِيْدُ قَدِّهِ (4)مُنْعَفِرًا عَلَى خَدِّهِ.

الآن عِبَادَ اللّه والخِنَاقُ (5)مُهْمَلٌ، وَالرُّوحُ مُرْسَلٌ فِي فَيْنَةِ الإِرْشَادِ، ورَاحَةِ الأجْسَادِ، ومَهَلَ البَقِيَّةِ(6)، وأُنْفِ المَشِيَّة (7)، وإنظار التَّوْبَةِ، وانفِسَاحِ الحَوْبَةِ (8)قَبْلَ الضَّنَكِ والمَضِيقِ، وَالرَّوْعِ والزُّهُوقِ، وقَبْلَ قُدُومِ الغَائِبِ الْمُنْتَظَرِ(9)، وأَخْذَةِ العَزِيزِ الْمُقْتَدِرِ.

وفِي الخَبَرِ أَنَّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَمَّا خَطَبَ بهذِهِ الخُطْبَةِ اقْشَعَرَّتِ الجُلُودُ لَهَا، وبَكَتِ العُيُونُ، ورَجَفَتِ القُلُوبُ.


1) بعدها في ب: أو مجاز.

2) حاشية: من حار يحور: رجع، وكذا في المنهاج 348/1.

3) الأنعام 95/6، يونس 10 / 34، فاطر 3/35 غافر 62/40.

4) قيد قده: مقدار قامته وقيد قده في المعارج 164، أي قبره.

5) حاشية الخناق : الحبل الذي يخنق به.

6) ب: التقية.

7) أنف الشيء: أوله، وقال في المعارج: أي لم يرعها أحد، قال : كأس أنف، أي: لم يشرب بها قبل ذلك، ويقال : آتيك من ذي أنف أي: من ذي قبل.

8) حاشية: انفساح الحوبة: سعة الحاجة والحوبة بالحاء: الحزن، وبالجيم: ما اتسع من الأرض، والرواية بالحاء غير المعجمة، وهي كل حرمة تضيع من ذوي الرحم، والحاشية بنصها في المنهاج 1/ 348 - 349.

9) هو الموت في المنهاج 349/1.

ومِنَ النَّاسِ مَن يُسَمِّي هذِهِ الخَطْبَةَ الغَرَّاء (1).

[83] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي ذِكْرِ عَمْرِو بن العَاصِ

عَجَبًا لابنِ النَّابِغَةِ (2)! يَزْعُمُ لأهْلِ الشَّامِ أنَّ فِي دُعَابَةً، وأَنِّي امرُؤٌ تِلْعَابَةٌ (3)، أَعَافِسٌ وأُمَارِسُ (4)! لَقَد قَالَ بَاطِلًا، ونَطَقَ أَيْما؛ أما وشَرُّ القَولِ الكَذِبُ، إِنَّهُ ليَقُولُ فيَكْذِبُ، ويَعِدُ فَيُخْلِفُ، ويُسْألُ فيَبخَلُ، ويَسْأَلُ فَيُلْحِفُ، ويحونُ العَهْدَ، ويَقْطَعُ الإِلَّ (5)فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الحَرْبِ


1) ومن الناس من يسمي هذه الخطبة الغراء: ليس في ع، وليس في م، وتعليق الرضي كله(رضیَ اللّهُ عنهُ) ليس في س، ج، م. وهو في ب. وهي بالرقم نفسه في الشرح 338/6-357، وخص بحثًا حول القبر وسؤال منكر ونكير، والخطبة برقم (83) في شرح ابن ميثم 373/2. وينظر في تخريجها والتعقيب عليها مصدر سابق 2/ 107 - 111، وفيه برقم 81.

2) نبغ الشيء: ظهر، وسميت أم عمرو النابغة لشهرتها بالفجور، وتظاهرها به؛ وذكر في المنهاج 3 352 أن العرب تنسب الإنسان لأمه عند ذكره لأمرين: لشرفها ومنزلتها، كما يقال يا ابن فاطمة، وقيل لمحمد بن علي ابن الحنفية، وإما تذكر الأم لخساستها ودناءتها، فيريدون الغض لولدها، كقولهم لمعاوية ابن هند.

3) الدعابة: المزاح والتلعابة: كثير اللعب، والتاء للمبالغة.

4) المعافسة والممارسة المعالجة، وفي الحديث عافسنا النساء والعفس: التدليل، وعن ابن میثم 397/2: المعافسة: المداعبة والممارسة : المعالجة بالمصارعة والقرص ونحوه، وينظر ما أورده البيهقي في المعارج 164 عنها، وفي المنهاج 353/1، هو أن يضرب برجله عجيزتها والممارسة : أشد المعالجة، والمزاولة المغالبة.

5) الإل: القرابة.

فأيُّ زَاجِرٍ وآمِرٍ هو مَا لَم تأخُذِ السُّيُوفُ مَآخِذَهَا، فَإِذَا كَانَ ذلِكَ كَانَ أكْبَرُ (1)مَكِيدَتِهِ أن يمْنَحَ القَوْمَ سَبَّتَه (2).

أما واللّه إِنِّي لَيَمْنَعُنِي مِنَ اللَعِبِ ذِكْرُ الْمَوْتِ، وَإِنَّهُ لَيَمْنَعُهُ مِن قَوْلِ الحَقِّ نِسْيَانُ الآخِرَةِ؛ وإِنَّهُ لَم يُبَايِعْ معاوية (3)حَتَّى شَرَطَ لَهُ أَن يُؤْتِيَهُ أتِيَّة (4)، ويَرْضَخَ لَهُ عَلَى تَرْكِ الدِّينِ رَضِيْحَةٌ (5).

[84] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وأَشْهَدُ أن لا إلهَ إِلَّا اللّه وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ؛ الأَوَّلُ لا شَيْءَ قَبْلَهُ، والآخِرُ لا غَايَةَ لَه، لا تَقَعُ الأَوْهَامُ لَهُ عَلَى صِفَةٍ، ولا تُعْقَدُ (6)القُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّة (7)، ولا تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ والتَّبْعِيضُ، ولا تُحِيطُ بِهِ الأَبْصَارُ والقُلُوبُ


1) س، م، ج: أكثر.

2) سبّته: سوأته.

3) معاوية ليست في الأصل، وهي في س، م.

4) الأتيّة: العطية، والوزن واحد، وكذلك الرضيخة.

5) وبالرقم نفسه في الشرح 364/6، وخص الشارح أخبار عمرو بن العاص ببحث، وآخر عن إفحام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) للرجالات من قريش، وهناك أخر تستحق التنويه والمراجعة، والكلام برقم (84) في شرح ابن ميثم 397/2. وبرقم 82 في مصدر سابق 28 / 112 - 120، وينظر تعليق المؤلف عليها.

6) س، م : تَعْقِدُ.

7) في المنهاج 355/1 بخط الرضي «ولا تعقد القلوب منه على كيفية»، أي: لا تعقد القلوب أنفسها ورأيها من اللّه على كيفية بأنه جسم أو عرض.

منها : فاتَّعِظُوا عباد اللّه بِالعِبَرِ النَّوَافِعِ، واعتَبِرُوا بالآي السَّواطِعِ، وازْدَجِرُوا بِالنَّذْرِ (1)البَوَالِغ، وانْتَفِعُوا بِالذَّكَرِ وَالمَوَاعِظِ؛ فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُم خَالِبُ المَنِيَّةِ، وانْقَطَعَتْ مِنْكُمُ عَلائِقُ الأمْنِيَّةِ، ودَهَتْكُم مُفْظِعَاتُ (2)الأمور، والسَّيَاقَةُ إلى الوِرْدِ المَوْرُودِ؛ «وكُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَابِقٌ وَشَهِيدٌ» (3)سَائِقٌ يَسُوقُهَا إلى مَحْشَرِهَا، وشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا.

ومِنْهَا فِي صِفَةِ الجَنَّةِ : دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلاتٌ، ومَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ؛ لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا، ولا يَطْعَنُ مُقِيمُهَا، ولا يَهْرَمُ خَالِدُهَا، ولا يَبْأَسُ سَاكِنُهَا (4).

[85] ومِن خُطْبَةٍ لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قَد عَلِمَ السَّرَائِرَ، وخَبَرَ (5)الضَّمَائِرَ، لَهُ الإِحَاطَةُ «17 أ» بكُلِّ شَيْء، والغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ، والقُوَّةُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَلْيَعْمَلِ العَامِلُ مِنكُم (6)فِي أَيَّامٍ مَهْلِهِ قَبْلَ إرهَاقِ أَجَلِهِ، وفِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أوَانِ شُغْلِهِ، وفي مُتَنَفَّسِهِ


1) النذر : جمع نذير.

2) مفظعات الأمور: شدائدها.

3) ق 21/50.

4) في حاشية الأصل: بلغ القراءة واللّه الحمد على المولى علم الهدى دام ظله وهي بالرقم نفسه في الشرح 6 / 410 - 411، برقم (85) في شرح ابن میثم 399/2 وبرقم 73 في مصدر سابق 2 / 122 - 123 وينظر تعقيب المؤلف عليها.

5) ع: وبطن.

6) منكم: ليست في الأصل، وهي في م، س، ب.

قَبلَ أَن يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ (1)، ولِيُمْهِدْ لِنَفْسِهِ وقَدَمِهِ، ولْيَتَزَوَّدْ مِن دارِ طَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ؛ فاللّه اللّه أَيُّهَا النَّاسُ فِيمَا اسْتَحْفَظَكُم مِن كِتَابِهِ، واسْتَوْدَعَكُم مِن حُقُوقِهِ؛ فَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ لَم يَخْلُقُكُم عَبَيًّا، ولَم يَتْرُكْكُم سُدًى، ولَم يَدَعْكُم فِي جَهَالَةٍ ولا عَمِّي، قَد سَمَّى آثَارَكُم، وعَلِمَ أَعْمَالَكُم، وكَتَبَ آجَالَكُم، وأنْزَلَ عَلَيْكُمُ الكِتَابَ تِبْيَانًا، وعَمَّر فِيكُم نَبِيَّهُ أَزْمَانًا حَتَّى أَكْمَلَ لَه ولَكُم (2)فِيمَا أَنْزَلَ مِن كِتَابِهِ الذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ، وأَنْهَى إِلَيْكُم عَلَى لِسَانِهِ مَحَابَّهُ (3)مِنَ الأعْمَالِ، ومَكَارِهَهُ ونَواهِيَهُ وأَوَامِرَهُ؛ فَأَلْقَى إليكُم المَعْذِرَةَ، واتَّخَذَ عَلَيْكُم الحُجَّةَ، وقَدَّمَ إليكُم بالوَعِيدِ، وأنْذَرَكُم بَيْنَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ.

فاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُم، واصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُم، فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الأَيَّام التي تَكُونُ مِنْكُم فِيهَا الغَفْلَةُ والتَّشَاغُلُ عنِ المَوْعِظَةِ، ولا تُرَخِّصُوا أَنْفُسَكُم(4)، فتَذْهَبَ بكُم الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الظَّلَمَةِ، ولا تُدَاهِنُوا فَيَهْجِمَ (5)بِكُم الإدْهَانُ عَلَى المَعْصِيَةِ (6).


1) س، م: بكَظمه بسكون الظاء. وفي الحاشية: الكظم مجرى النفس.

2) بعدها في ع: دينه.

3) حاشية: محاب: جمع محبة، والمحبة هي ذات المحبة، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، والمحبة : المحبوب، كما تقول : الخلق بمعنى المخلوق، والدرهم ضرب الأمير أي مضروبه ويجمع المحبوب على محاب، وهو على قصر محابيب، والحاشية بنصها في المنهاج 1/ 357.

4) ب، م، ع، ج: لأنفسكم.

5) حاشية: هجم على الشيء: بغته، يهجم هجومًا.

6) في المنهاج 358/1 الإدهان كالمصانعة، وقيل: داهنت: بمعنى واریت، و داهنت غششت.

عِبَادَ اللّه، إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أطْوَعُهُم لِرَبِّهِ، وإن أغَشَّهُم لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُم لِرَبِّهِ، والمَغْبُونُ مَن غَينَ (1)نَفْسَهُ، والمَغْبُوطُ مَن سَلِمَ لَهُ دِيْنُهُ، والسَّعِيدُ مَن وُعِظَ بِغَيْرِهِ والشَّقِيُّ مَن انْخَدَعَ هَوَاهُ وغُرُورِهِ؛ واعلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّياءِ شِرْكٌ (2)، ومُجَالَسَةَ أهْل الهَوَى مَنْسَأَةٌ للإيمَانِ، ومَحْضَرَةٌ للشَّيْطَانِ. جَانِبُوا الكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبُ للإِيمَان. الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاةِ(3)وكَرَامَةٍ، والكَاذِبُ عَلَى شَرَفِ مَهْوَاةٍ ومَهَانَةٍ (4).

ولا تَحَاسَدُوا فَإِنَّ الحَسَدَ يَأكُلُ الإِيمَانَ كَمَا تَأكُلُ النَّارُ الخَطَبَ، ولا تَبَاغَضُوا فإِنَّهَا الحَالِقَةُ (5)، واعْلَمُوا أَنَّ الأملَ يُسْهِي(6)العَقْلَ ويُنْسِي الذِّكْرَ؛ فأكْذِبُوا الأمَلَ فإنه غُرُورٌ وصَاحِبُهُ مَغْرُورٌ (7).


1) بفتح الباء وكسرها في الأصل، وفي ب: غُبِنَ، وفي حاشية الأصل عن نسخة: غُبِنَ.

2) ضبطت الشين في ب بالكسر والفتح ؛ وفي المنهاج 358/1 غبنته أنا في البيع، أي: خدعته، وغين رأيه بالكسر، أي نقصه، فهو غبين، أي: ضعيف الرأي.

3) في المنهاج 1/ 359 على شفا منجاة: الصادق قريب من النجاة، وشفا كل شيء حرفه، وأشفى على الشيء، وشرف عليه.

4) المهواة في المنهاج 359/1 المسقط المنهاج والمهانة الحقارة، والهوة: الحفرة العميقة.

5) حاشية : الحالقة : القالعة أو المستأصلة، وفي المعارج 166: من أسماء الداهية.

6) حاشية الأصل عن نسخة : يُسَهَّي، وضبطها في ج: بسكون السين وفتحها.

7) وبالرقم نفسه في الشرح 412/6 - 413، وفيه بحث في ذم الكذب والكذابين وبرقم (86) في شرح ابن ميثم 403/2، وبرقم 84 في مصدر سابق 2/ 127.

[86] ومِن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

عِبَادَ اللّه، إِنَّ مِن أَحَبِّ عِبَادِ اللّه إِلَيْهِ عَبْدًا(1)أَعَانَهُ اللّه عَلَى نَفْسِهِ (2)فاسْتَشْعَرَ الحُزْنَ، وتَجَلْبَبَ الخَوْفَ فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الهُدَى (3)فِي قَلْبِهِ، وأَعَدَّ القِرَى (4)لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بهِ؛ فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ البَعِيدَ، وهَوَّنَ الشَّدِيدَ؛ نَظَرَ فَأَبْصَرَ، وذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ، وارْتَوَى مِن عَذْبِ فُرَاتٍ (5)سُهَّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ؛ فَشَرِبَ نَهَلا (6)، وسَلَكَ سَبِيلًا جَدَدًا (7)، قَد خَلَعَ، سَرَابِيلَ (8)الشَّهَوَاتِ، وتَخَلَّى مِن الهُمُومِ إِلَّا هَمَّا وَاحِدًا انْفَرَدَ بِهِ؛ فَخَرَجَ مِن صِفَةِ العَمَى، ومُشَارَكَةِ أهْلِ الهَوَى، وصار مِن مَفَاتِيح أبواب الهدى (9)، ومَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى، قَد أَبْصَرَ طَرِيْقَهُ، وَسَلَكَ سَبِيْلَهُ،


1) قال في المنهاج 1/ 362: كان بخط الرضي عبد فرفعه ظنا منه أن مورد الكلام من أوله أن أحب العباد إلى اللّه عبد.

2) في المنهاج 1 / 362، أي : كسر شهواته في القبائح.

3) في المنهاج 362/1، أي أضاء سراج العلم اليقين في قلبه.

4) القرى: الضيافة.

5) الفرات: صادق العذوبة.

6) النهل : الشرب أول الورد، وشَربَ في الأصل بفتح الراء.

7) في الحاشية الجدد: الأرض الصلبة، وفي المثل : من سلك الجدد أمن العثار، والجدد في المعارج 250 : الأرض المطمئنة المستوية.

8) السرابيل : القمصان.

9) في الأصل: مفاتيح أهل الهدى، وما أثبت في ب، ج، ع، م.

وعَرَفَ مَنَارَهُ (1)، وقَطَعَ غِمَارَهُ (2)، واسْتَمْسَكَ مِنَ العُرَى بأوثَقِهَا، ومِنَ الحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا؛ فهُوَ مِنَ اليَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ، قَد نَصَبَ سَهُ اللّه سُبْحَانَهُ فِي أَرْفَعِ الأُمُورِ مِن إِصْدَارِ (3)كُلِّ وَارِدٍ عَلَيْهِ، وتَصْييرِ كُلِّ فَرْعِ إلى أصْلِهِ. مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ، كَشَافُ غَشَوَاتٍ (4)، مِفْتَاحُ مبْهَمَاتٍ (5)، دَفَّاعُ مُعْضِلاتٍ، دَلِيلُ فَلَوَاتٍ؛ يَقُولُ فَيُفْهِم، ويَسْكُتُ فَيَسْلَم قَد أَخْلَصَ اللّه فَاسْتَخْلَصَهُ؛ فهوَ مِن مَعَادِنِ دِيْنِهِ، وأَوتَادِ أَرْضِهِ. قَد أَلْزَمَ نَفْسَهُ العَدْلَ، فَكَانَ أَوَّلُ عَدْلِهِ نَفْيَ الهَوَى (6)عَن نَفْسِهِ؛ يَصِفُ الحَقِّ وَيَعْمَلُ به، لا يَدَعُ للخَيْرِ غَايةً إِلَّا أُمَّهَا، ولا مَظنَّةٌ إِلَّا «17 ب» فَصَدَهَا، قَد أَمْكَنَ الكِتَابَ مِن زمَامِهِ؛ فَهُوَ قَائِدُهُ وإمَامُهُ، يَحِلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ، ويَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ.


1) المنار: الأعلام.

2) الغمار: جمع غمرة، وهي الزحمة من كثرة الناس والماء ونحوه، وفي المنهاج 362/1، أي: شدائده.

3) حاشية: إصدار كل وارد عليه، أي: ما عليه من أحكام؛ فإنه يُخْسِفُ يصدره، أي: يحكم فيه بما يرضى، من هنا يسمى صواب الحكم إصدار.

4) كذا في، م، ب، ع، وفي الحاشية عشوات جمع وهي سواد الليل، والأمر الملتبس يقال : أوطأتني عشوة ثلاث لغات وينظر المثلث 252/2، وفيه وأصل ذلك أن يُمشِي الإنسان صاحبه في الظلمة حتى يوقعه في هوة، يضرب مثلًا لمن يعمي عليك الأمر ويغرك حتى يوقعك في مكروه، والغشوات عند ابن ميثم 409/2 بالمعجمة هي الغطاء.

5) المبهمة: الأمر الملتبس.

6) ج: أَوَّلَ... نَفْي.

وآخَرُ قَد تَسَمَّى(1)عاما ولَيْسَ بِهِ، فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِن جُهَّالِ، وأضَالِيلَ مِن ضُلَّالٍ، ونَصَبَ للنَّاسِ أَشْرَاكًا مِن حِبَالِ غُرُورٍ، وقَوْلِ زُورٍ؛ قَد حَمَلَ الكِتَابَ عَلَى رأيهِ، وعَطَفَ الحَقِّ عَلَى أَهْوَائِهِ؛ يُؤْمِنُ كَبِيرَ الجَرَائِم؛ يَقُولُ: أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، من العَظَائِمِ، و وفِيهَا وَقَعَ، ويَقُولُ : أَعْتَزِلُ البَدَعَ، وبَيْنَهَا اضْطَجَعَ؛ فالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانِ والقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانِ لا يَعْرِفُ بَابَ الهُدَى فَيَتَّبِعَهُ، ولا بَابَ العَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ ؛ فذَلكَ مَيِّتُ الأحياء (2)«فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ» (3)، و«أَنَّى تُؤْفَكُونَ» (4)، والأعْلامُ (5)قَائِمَةٌ، والآيَاتُ واضِحَةٌ، والمنارُ مَنْصُوبَةٌ، فأينَ (6)يُتَاهُ (7)بِكُم، بَل كَيْفَ تَعْمَهُونَ (8)وبَيْنَكُم (9)عِتْرَةُ (10)نَبِيِّكُم، وهُم أَزِمَّةُ الحَقِّ، وألْسِنَةُ الصِّدْقِ؛ فأنْزِلُوهُم بأَحْسَنِ مَنَازِلِ القُرآنِ، ورِدُوهُم وُرُوْدَ الهيْمِ (11)العِطَاشِ.


1) في حاشية ب عن نسخة: يُسَمَّى.

2) ميت الأحياء في المعارج 167: عقله أسير هواه.

3) التكوير 26/81.

4) الأنعام 95/6، يونس 10 / 34، فاطر 3/35، غافر 62/40.

5) الأعلام في المنهاج 2/ 138: الجبال.

6) في الأصل : فانَّى، وما أثبت في س، ب، م.

7) حاشية: يتاه: من تاه في الأرض، أي: ذهب متحيّرا.

8) العمه : الحيرة والتردد.

9) ع: وفيكم.

10) عترة الرجل: أقاربه من ولده وولد ولده، وأداني بني عمه.

11) الهيم: الإبل العطاش.

أيُّهَا النَّاسُ خُذُوهَا عن خَاتِمِ النَّبِيِّين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : «إِنَّهُ يَمُوتُ من مَاتَ (1)مِنَّا ولَيْسَ بِمَيِّتٍ، وَيَبْلَى مَن بَلِيَ مِنَّا ولَيْسَ بِبَالٍ»؛ فلا تَقُولُوا بِمَا لا تَعْرِفُونَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ، واعْذِرُوا مَن لا حُجَّةَ لَكُم عَلَيْهِ، وأَنَا هُوَ ؛ أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُم بالثَّقَلِ الأكْبَرِ (2)، وأَتْرُكُ فِيْكُم الثَّقَلَ الأصْغَرَ، ورَكَزْتُ فِيكُم رَايَةَ الإِيمَانِ، ووَقَفْتُكُم عَلَى حُدُودِ الحَلالِ والحَرَامِ، والْبَسْتُكُم العَافِيةَ مِن عَدْلِي، وفَرَشْتُكُم الْمَعْرُوفَ مِن قَوْلِي وفِعْلي، وأرَيْتُكُم كَرَائِمَ الأَخْلاقِ مِن نَفْسِي؛ فلا تَسْتَعْمِلُوا الرَأيَ فِيمَا لا يُدْرِكُ قَعْرَهُ البَصَرُ، ولا تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الفِكَرُ (3).

مِنْهَا (4): حَتَّى يَظُنَّ الظَانُّ أنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ (5)عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ، تَمنَحُهُم (6)دَرَّهَا، وتُورِدُهُم صَفْوَهَا، ولا يُرْفَعُ عَن هَذِهِ الأَمَةِ سَوْطُهَا ولا سَيْفُهَا، وكَذَّبَ (7)الضَّانُّ لِذلِكَ، بَلْ هِيَ مَجَةٌ (8)مِن لَذِيذِ العَيْشِ


1) س: يموتُ، وكذا في ج، وفوقها بالمداد الأحمر: مات.

2) في المنهاج 346/1، أي: القرآن.

3) لا تتغلغل إليه الفكر في المعارج 168: لا تصل إليه.

4) منها : ليست في ع.

5) معقولة: محبوسة.

6) كذا في الأصل، وبفتح النون وكسرها في س وبفتحها في ب، وضبطها في القاموس كَمَنَعَ وضَرَبَ.

7) س، ب، م، ج، ع : كَذَبَ بتخفيف الذال.

8) حاشية : مج الرجل الشراب من فيه، إذا رمى به.

يَتَطَعمُونَهَا بُرْهَةً، ثُمَّ يَلْفِظُونَها جُمْلَةٌ (1).

[87] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أَمَّا بَعْدُ فإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ لَم يَقصِم (2)جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلَّا بَعْدَ تَمهِيلِ ورَخَاءِ، ولَم يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الأمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ (3)وبَلاءِ، وفِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُم مِن خَطْبٍ، وَاسْتَدْبَرْتُم مِن خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ ومَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ، ولا كُلُّ ذِي سَمْعِ بِسَمِيعِ، ولا كُلُّ ذِي نَاظِرٍ بِبصِيرٍ؛ فَيَا عَجَبًا ومَا لِيَ لا أَعْجَبُ مِن خَطَأَ هَذِهِ الفِرَقِ عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا (4)فِي دِينِهَا لا يَقْتَصُّونَ أَثَرَ (5)نَبِيٍّ ولا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ، ولا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ، ولا يَعْفُونَ (6)عَن عَيْبٍ ؛ يَعْمَلُونَ فِي الشَّبُهَاتِ، ويَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ، المَعْرُوفُ فِيهِم مَا عَرَفُوا، والمُنْكَرُ عِنْدَهُم مَا أَنْكَرُوا، مَفْزَعُهُم فِي المُعْضِلاتِ(7)إلى أَنْفُسِهِم، وتَعْوِيْلُهُم فِي الْمُبْهَاتِ


1) الخطبة بالرقم نفسه في الشرح /421/6 - 434، وبرقم (87) في شرح ابن ميثم /409/2. وبرقم 85 في مصدر سابق (2 / 133 - 134، وينظر تعقيب المؤلف، ومما نقله عن ابن أبي الحديد قوله: (وهذه الخطبة طويلة، وقد حذف الرضي (رَحمهُ اللّه) منها كثيرًا).

2) القصم : الكسر، والفصم في المنهاج 368/1: أن ينصدع الشيء فلا يبين.

3) الأزل: الضيق والشدة.

4) حاشية: أي كلهم يحتجون الحجة على ما هم بصدده من العقيدة.

5) اقتص أثره تبعه.

6) س : يَعِفون.

7) ج: الظلمات.

عَلَى آرائِهِم كَأَنَّ كُلَّ امْرِي مِنْهُم إمَامُ نَفْسِهِ، قَد أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يُرَى بعُرًى وَثِيْقَاتٍ وأَسْبَابٍ مُحكَمَاتٍ (1).

[88] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أَرْسَلَهُ عَلَى حِيْنِ فَتْرَةٍ (2)مِنَ الرُّسُلِ، وطُولِ هَجْعَةٍ (3)مِنَ الأُمَم، واعْتِزَامِ (4)مِنَ الفِتَنِ، وانْتِشَارٍ مِن الأمُورِ، وتَلَظَّ مِنَ الحُرُوبِ (5)، والدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الغُرُورِ عَلَى حِينِ «18 أ» اصْفِرَارٍ مِن وَرَقِهَا، وإياس (6)مِن ثَمَرِهَا، واغْوِرَارٍ مِن مَائِهَا. قَد دَرَسَتْ أَعْلامُ الهُدَى، وظَهَرَتْ أعْلامُ الرَّدَى، فهي مُتَجَهَّمَةٌ (7)لأهْلِهَا، عَابِسَةٌ


1) بالرقم نفسه في الشرح 435/6، وبرقم (88) في شرح ابن ميثم 419/2، وبرقم 86 مصدر سابق 2/ 136، وينظر تعقيب المؤلف.

2) حاشية: الفترة: ما بين زماني الرسالة. وفي القاموس : ما بين كل نبيين.

3) الهجعة: النومة.

4) حاشية الاعتزام: لزوم القصد في الشيء، والفتنة المعتزمة: الموت، وتروى الاعترام ويكون.. وفي شرح ابن ميثم 422/2 : اعترام الفتن بالراء المهملة، أي: كثرتها، وروي اعتراض من اعتراض الفرس الطريق إذا مشى عرضًا من غير قصد، وفي المنهاج 366/1: اعتزام بالزاي.

5) تلظت الحرب: تلهَّبت.

6) حاشية : أيس وزنها عَفِلَ، والياء فيها متحركة مسبوقة بفتح، وعلى هذا يجب أن تنقلب ألفًا، وعدم انقلابها يؤدي إلى البحث عن مبرر تصحيحها، فقيل: إن أصلها يَئِسَ، أي: أن العين تقدمت على الفاء، فتقدمت في الميزان. المحقق.

7) التجهم: العبوس.

فِي وَجْهِ طَالِبِهَا؛ ثَمَرُهَا الفِتْنَةُ، وطَعَامُهَا الخَيْفَةُ، وشِعَارُهَا الخَوْفُ، ودِنَارُهَا السَّيْفُ؛ فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللّه، واذْكُرُوا تِيكَ التِي آبَاؤُكُم وإِخْوَانُكُم بِهَا مُرْتَهَنُونَ (1)، وعَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ، وَلَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُم ولا بِهم العُهُودُ، ولا خَلَتْ فِيمَا بَيْنَكُم وبَيْنَهُم الأَحْقَابُ (2)والقُرُونُ (3)، ومَا أَنْتُم اليَوْمَ مِن يَوْمِ كُنتُم فِي أَصْلابِهِم بَعِيدٍ. واللّه مَا أَسْمَعَكُم الرَّسُولُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) شَيْئًا إِلَّا وهَا أَنا ذَا (4)مُسْمِعُكُمُوهُ، ومَا أَسْمَاعُكُم اليَوْمَ بدُونِ أسْمَاعِهم بالأمس، ولا(5)شُقَّتْ هُمُ الأَبْصَارُ، وجُعِلَتْ هُم الأَفْئِدَةُ فِي ذلِك الأوَانِ إِلَّا وقَد أُعْطِيتُم مِثْلَهَا في هذا الزَّمَانِ، وواللّه مَا بُصِّرْتُم بَعْدَهُم شَيْئًا جَهِلُوهُ، ولا أُصْفِيتُم بِهِ وحُرِمُوهُ، ولَقَد نَزَلَتْ بكُم البَلِيَّةُ (6)جَائِلا (7)خِطَامُهَا، رِخوا بطَانُها (8)فلا يَغُرَّنَّكُم مَا أصْبَحَ


1) في المنهاج 1 / 371، أي: تدبروا الخصلة التي بسببها آباؤكم محبوسون.

2) الأحقاب : جمع حقب بضم الحاء والقاف الدهر. ومفردها حقبة.

3) ب: الدهور.

4) في س: اليوم مسمعكموه.

5) ب: وما شقت.

6) حاشية البلية : إشارة إلى ما حدث بالأمة بعد النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

7) ب: حائلا. وفي الحاشية: جائلا خطامها، أي: مسترسلا، ورخوا بطانها، أي: واسعاً، وكلاهما عبارة عن الثبات وقلة الاضطراب للبلية، والبطان للقتب: الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير، وكله في المنهاج 1/ 372.

8) الباطن: حزام البعير للقتب. وجولان الخطام تحركه وعدم استقراره، والخطام: ما جعل في أنف البعير لينقاد.

فِيهِ أهْلُ الغُرُورِ؛ فإِنَّما هوَ ظِلُّ مَمْدُودٌ إلى أجَل مَعْدُودٍ (1).

[89] ومِن خُطْبَةِ له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

الحَمْدُ للّه (2)المَعْرُوفِ مِن غَيْرِ رُؤْيَةِ، الخالقِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةِ الذِي لَم يَزَل قَائِمًا دَائِما؛ إذْ لا سَمَاءٌ حُجُبٌ ذَاتُ أَبْرَاج (3)، ولا ذَاتُ أرْتَاجِ، ولا لَيْلٌ دَاجٍ، ولا بَحْرٌ سَاجِ، ولا جَبَلْ ذُو فِجَاجِ، وَلا فَجٌ (4)ذُو اعْوِجَاجِ، ولا أَرْضُ ذَاتُ مِهَادٍ، ولا خَلْقٌ ذُو اعْتِمَادِ؛ ذلِكَ مُبْتَدِعُ الخَلْقِ ووَارِثُهُ، وإلهُ الخَلْقِ ورَازِقُهُ، والشَّمْسُ والقَمَرُ دَائِبَانِ (5)فِي مَرْضَاتِهِ؛ يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ، ويُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ.

قَسمَ أَرْزَاقَهُم، وأحْصَى آثَارَهُم وأعْمَاهُم، وعَدَّدَ أَنْفَاسَهُم، وخَاتَنَةَ


1) بالرقم نفسه في الشرح 6 / 437 - 438، وبرقم (89) في شرح ابن ميثم 141/2، وبرقم 87 في مصدر سابق 2/ 138.

2) الحمد اللّه : ليست في النسخ، وأفدتها من الشرح 441/6 بالرقم نفسه و شرح ابن میثم 2 / 424.

3) حاشية: أرتاج، أي : ذو غلق. وفي أخرى: أرتاج: جمع الرتج، وهو الباب العظيم، وفي شرح ابن میثم 425/2 الأرتاج: الأغلاق.

4) الساجي: الساكن، والفج: الواسع.

5) ب: دائبين، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة، ودائبان: مجدان في سيرهما.

أعْيُنِهِم، ومَا تُخْفِي صُدُورُهُم مِنَ الضَّمِيرِ، ومُسْتَقَرَّهُم ومُسْتَودَعَهُم منَ الأَرْحَامِ والظُّهُورِ إِلى أَنْ تَتَنَاهَى بِهِمُ الغَايَاتُ.

هوَ الذِي اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ عَلَى أعْدَائِهِ فى سَعَةِ رَحْمَتِه، واتَّسَعَتْ رحمَتُهُ لأوْلِيَائِهِ فِي شِدَّةِ نِقْمَتِهِ، قَاهِرُ (1)مَن عَازَّه(2)، ومُدَمِّرُ مَن شَاقَّه، ومُذِلُّ مَن نَاوَاهُ (3)، وغَالِبُ مَن عَادَاهُ؛ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَن سَأَلَهُ أعْطَاهُ، ومَن أقرَضَهُ قَضَاهُ، ومَن شَكَرَهُ جَزَاهُ.

عِبَادَ اللّه، زِنُوا أَنْفُسَكُم مِن قَبلِ أَن تُوزَنُوا، وحَاسِبُوهَا مِن قَبْلِ أَن تُحَاسَبُوا، وتَنَفَّسُوا قَبلَ ضِيْقِ الخِنَاقِ (4)، وانْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السِّيَاقِ، واعْلَمُوا أَنَّهُ مَن لَم يُعِنْ (5)عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظُ وزَاجِرٌ لم يَكُنْ لَهُ مِن غَيْرِهَا زَاجِرٌ ولا واعِظُ (6).


1) حاشية: قاهر: مدمر.

2) عازه: غالبه.

3) المناواءة: المعاداة.

4) وتنفَّسُوا قبل ضيق الخناق: ليست في ع.

5) ج: يُعَن، ب: يعن وفوقها صح.

6) في حاشية الأصل إشارة إلى مقابلة ذهبت بعض حروفها والباقي منها: «على المولى علم الهدى أدام اللّه ظله»، والخطبة بالرقم نفسه في الشرح 441/6 - 443. وبرقم (90) في شرح ابن ميثم 424/2. وبرقم 89 في مصدر سابق 2/ 141.

[90] ومِن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تُعْرَفُ بِخُطْبَةِ الأشْبَاح وهي من جَلائِلِ الخطب

إشارة:

[90] ومِن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تُعْرَفُ بِخُطْبَةِ الأشْبَاح (1)وهي من جَلائِلِ الخطب

(2)روَى مَسْعَدَةُ بنُ صَدَقَةَ (3)عنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بن محمد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أَنَّهُ قَالَ : خَطَبَ أميرُ الْمُؤمِنينَ صَلَوَاتُ اللّه عَلَيْهِ (4)بِهذهِ الخُطْبَةِ على مِنْبَرِ الكُوفَةِ، وذاك أنَّ رَجُلًا أتاه فقال: يا َأمِيرَ المُؤمِنينَ صِفْ لَنَا رَبَّنَا لِنَزْدَادَ لَهُ حُبَّا، وبِهِ مَعْرِفَةٌ، فَغَضِبَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ونَادَى الصَّلاةَ جَامِعَةً(5)، فاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، حَتَّى غَصَّ المَسْجِدُ بِأهْلِهِ؛ فَصَعِدَ المِنْبَرَ وهو مُغْضَبٌ مُتَغَيَّرُ اللَّونِ، فَحَمِدَ اللّه سُبْحَانَهُ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)(6)، ثُمَّ قَالَ «18 ب:


1) تعرف بخُطبة الأشباح، ليس في س، وفي ج: وهي تعرف، ع: وهي من جلائل خطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ). والأشباح في شرح ابن ميثم :/ 430 : الأشخاص، وذكر البيهقي في المعارج 169 :أيضًا أنها خطبة طويلة لها امتداد.

2) من هنا إلى بداية الخطبة ليس في س م منه إلا (وكان سائل سأله أن يصف اللّه له كأنه يراه عيانًا فغضِبَ لذلك). والرواية عن مسعدة إلى بداية الخطبة في حاشية ج بخط مختلف، ومسعدة بحسب بحسب شرح ابن ميثم 168/2 له كتب منها كتاب خطب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكتابه كان باقيًا إلى زمن السيد هاشم البحراني المتوفى سنة 1107 أو 1109 إذ نقل عنه في تفسيره البرهان ونوه به.

3) السعيدي، يكنَّى أبا محمد، وقيل : يكنَّى أبا بشر، روى عن أبي عبد اللّه الصادق وأبي الحسن، وروي أنه بتري، وقال الشيخ من أصحاب الباقر والصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، عامي، نقد الرجال 4 / 368 عن رجال الطوسي والنجاشي.

4) ب: (عَلَيهِ السَّلَامُ) والصلاة، ع: (عَلَيهِ السَّلَامُ).

5) مما ذكره البيهقي في المعارج 171، أي احضروا الصلاة، والمراد موضعها.

6) في الأصل: وسلم من دون ذكر الآل، ومن النادر جدًا عدم ذكرهم في الصلاة على النبي بهذه النسخة، وما أثبت في م، ب.

الحَمدُ للّه الذي لا يَفِرُهُ (1)المَنْعُ، ولا يُكْدِيهِ (2)الإعْطَاء والجُودُ ؛ إذ كُلَّ مُعْطٍ مُنْتَقَصِّ سِوَاهُ، وكُلَّ مَانِعِ مَذْمُومٌ مَا خَلاهُ؛ هوَ المَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ، وعَوَائِدِ المَزِيدِ والقِسَمِ، عِيَالُهُ الخَلائِقُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُم، وقَدَّرَ أقْوَاتَهُم، ونَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إليهِ والطَّالِبينَ مَا لَدَيْهِ، ولَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَم يُسْأَلُ؛ الأَوَّلُ الذِي لَم يَكُنْ لَهُ قَبْلُ فيَكُونَ شيءٌ قَبْلَهُ، والآخِرُ الذِي لم (3)يكُن لَهُ بَعْدُ فيَكُونَ شيءٌ بَعْدَهُ، والرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الأَبْصَارِ عَنْ أن تَنَالَهُ أو تُدْرِكَهُ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فتَخْتَلِفَ مِنهُ الحال، ولا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الانْتِقَالُ، وَلَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ (4)عَنْهُ مَعَادِنُ الجِبَالِ (5)، وضَحِكَتْ عَنهُ أَصْدَافُ البِحَارِ مِن فِلِز (6)اللُّجَيْنِ


1) حاشية: أي: لا يتركه موفورًا. وفي شرح ابن ميثم 4302 : يفره: يزيد ماله وفورًا ويتممه، ووقف عندها البيهقي في المعارج 169 مطولا ومن بين ما قال: یروی لا يعرُّ، أي: لا يعيبه، وقيل: لا يدخل عليه المكروه، وقيل: لا يزداد ما عنده، وغير ذلك.

2) في الحاشية: أكدى الحافر : إذا بلغ الكدية، وهي الأرض الصلبة، وأكدى الرجل، إذا قل خيره، وقوله تعالى «وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى» النجم 34 وفي القاموس: أكدى: بخل، وعند ابن ميثم في شرحه 2/ 430 : يكديه: ينقص خيره.

3) أشار في الحاشية إلى أنها في نسخة أخرى ليس، وفي ب، م ليس له بعد.

4) تنفست عنه: انفرجت.

5) حاشية: هذه المعادن كلها قالوا إنها تتكون من أبخرة الأرض، فلذلك عبر عنهابالتنفّس، وكل ذلك بأمر اللّه تعالى.

6) ب : فِلَقِ وفي الحاشية والفلز : جوهر الأرض من ذهب وفضة وحديد ونحاس والرصاص والإسرب والخارصيني، وهو الذي يعمل منه أنواع من المرائي، والحاشية إلى هذا الموضع منها في المنهاج 1 / 381، ووجدت في كتاب مكان الخارصيني الزئبق. وعند ابن ميثم في شرحه 2/ 430 : الفلز : ما ينقيه الكير مما يذاب من جواهر الأرض.

والعِقْيَانِ (1)، ونُثَارِةِ الذُّر وحَصِيدِ المَرْجَانِ (2)مَا أَثَرَ ذلِكَ فِي جُودِهِ ولا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ، وَلَكَانَ عِنْدَهُ مِن ذَخَائِرِ الإِنْعَامِ مَا لَا تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الأَنَامِ، لأَنَّهُ الجَوَادُ الذِي لا يَغِيضُهُ سُؤَالُ السَّائِلِينَ، ولا يُبَخّلُهُ إِلْحَاحُ الملِحينَ (3)فانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ القُرآنُ عَلَيْهِ مِن صِفَتِهِ فأُتمَّ بِهِ، واسْتَضِعْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ، ومَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ (4)، ولا في سُنَّةِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وأئِمَّةِ اهْدَى أَثَرُهُ، فَكِلْ عِلْمَهُ ي إلى اللّه سُبْحَانَهُ، فإن ذلك مُنتَهَى حَقٌّ اللّه عَلَيْكَ.

واعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ هُم الذِينَ أَغْنَاهُمْ (5)عَنِ اقْتِحَامِ(6)السُّدَدِ (7)المَضْرُوبَةِ دُونَ الغُيُوبِ، الإقْرَارُ بجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الغَيْبِ المَحْجُوبِ ؛ فمَدَحَ اللّه اعْتِرَافَهُم بالعَجْزِ عَن تَنَاوُلِ مَا لَم يُحِيطُوا بِهِ عِلْمًا، وسَمَّى تَرْكَهُم التَّعَمُّقَ فِيمَا لَم يُكَلِّفْهُم البَحْثَ عَن كُنْهِهِ رُسُوخًا، فاقْتَصِرْ عَلَى ذلِكَ، ولا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللّه سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْر عَقْلكَ فتَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ.


1) العقيان: الذهب الخالص.

2) المرجان: صغار اللؤلؤ.

3) في المنهاج 18 / 381، أي : نَسَبَهُ إلى البخل.

4) حاشية : كأنه إشارة إلى مال العباس.

5) كتب في حاشية ج بمداد أحمر: اللّه بالإقرار.

6) الاقتحام: الدخول في الأمر بشدة دفعه.

7) حاشية السدة باب الدار.. وفي القاموس، الجمع: سُدَدٌ.

هوَ القَادِرُ الذي إذا ارْتَمَتِ الأوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ (1)قُدْرَتِهِ، وحَاوَلَ الفِكْرُ المُبَرَّأَ مِن خَطَرِ (2)الوَسَاوِسِ أَن يَقَعَ (3)عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ، وتَوَفَّتِ القُلُوبُ إِلَيْهِ (4)لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ، وغَمُضَتْ مَدَاخِلُ العُقُولِ فِي حَيْثُ لا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَالَ عِلْمَ ذَاتِهِ رَدَعَهَا وهِيَ تَجُوبُ (5)مَهَاوِيَ سُدَفِ (6)الغُيُوبِ مُتَخَلَّصَةٌ إليه (7)سُبْحَانَهُ، فَرَجَعَتْ إذ جُبِهَتْ (8)مُعْتَرِفَةٌ بأَنَّهُ لا يُنَالُ بجَوْرِ الاعْتِسَافِ (9)كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ، ولا تَخْطُرُ ببَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِن تَقْدِيرِ جَلالِ عِزَّتِهِ، الذِي ابْتَدَعَ الخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالِ امْتَثَلَهُ، ولا مِقْدَارِ احْتَذَى عَلَيْهِ (10)مِن خَالِقِ مَعْبُودِ كَانَ قَبْلَهُ، وأَرَانَا مِن مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ وَعَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ وَاعْتِرَافِ (11)


1) ع: منتهى.

2) س: خَطَرَات، وكذا عن رواية في المنهاج 382/1، والوسوسة: حديث النفس.

3) س: تقعَ.

4) في المعارج 174، أي: أن طلب الغاية في ثبوت صفاته محال.

5) جاب البلاد: قطعها.

6) السدف: جمع سدفة، وهي الظلمة.

7) حاشية: أي مقدرة التخلص إليه أي:.. التخلص إلى عظمته.

8) الجبه: الردُّ.

9) فى الحاشية: الاعتساف والتعسف: الأخذ على غير طريق.

10) احتذى عليه: سلك مسلكه.

11) حاشية: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): واعتراف عطف على عجائب، يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): أرانا عز وعلا من العجائب واعتراف الخلق وحاجاتهم إلى.. يمسكها اللّه بقدرته ما يضطر إلى معرفته، والهاء في يقيمها للعجائب، أي: يدلها أو للحاجة فإذا كان للحاجة كان يقيمها بمعنى يقضيها.

الحَاجَةِ مِنَ الخَلْقِ إِلى مَن (1)يُقِيمُهَا بِمِسَاكِ (2)قُوَّتِهِ مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الحُجَةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ، وظَهَرَتْ فِي البَدَائِعِ التِي أَحْدَثَهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ، وأعْلامُ حِكْمَتِهِ، فَصَارَ كُلَّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ، ودَلِيلًا عَلَيْهِ؛ وإِن كَانَ خَلْقًا صَامِتًا فَحُجَّتُهُ بالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ، ودَلَالَتُهُ على المبدع قَائِمَةٌ. وأَشْهَدُ أَنَّ مَن شَبَّهَكَ بتَبايُنِ أعْضَاءِ خَلْقِكَ، وَتَلاحُمِ حِقَاقِ (3)مَفَاصِلِهِم المُحْتَجِبَةِ (4)«19 أ» لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ لم يَعْقِدْ غَيْبَ (5)ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ، ولَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ اليَقِينُ بأَنَّهُ لا نِدَّ لَكَ، لم يَسْمَعْ تَبَرُّؤ التَّابِعِينَ مِنَ المَتَّبُوعِينَ؛ إذ يَقُولُونَ «تَاللّه إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ» (6). كَذَبَ العَادِلُونَ (7)بِكَ؛ إذ شَبَّهُوكَ بأَصْنَامِهِم، ونَحَلُوكَ حِلْيَةَ المَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِم، وجَزَّووك تَجْزِيَّةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِم، وقَدْرُوكَ عَلَى الخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ القُوَى بِقَرَائِح عُقُوهِم؛ فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْءٍ مِن خَلْقِكَ، فَقَد عَدَلَ بِكَ،


1) في الأصل: من، وما أثبت في س، ب، ج، ع.

2) في الأصل: بمُسَكِ، وفي ب، م، وفي الحاشية بمساك بكسر الميم وفتحها، وبجنبها معا؛ ومساك قدرته في المنهاج 1 / 383، من قولهم: أمسكت الشيء بمعنى اعتصمت به.

3) الحقاق: جمع حق، وهو أطراف المفاصل.

4) حاشية: أي:... الحكمة حكم باحتجابها.

5) كذا في ب أيضًا، وفي حاشية الأصل عن نسخة غيبَ، وكذا في ع، ج.

6) الشعراء 26 / 97، 98.

7) العادل: الجاعل اللّه عديلاً.

والعَادِلُ كَافِرُ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ، ونَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَمٍ بَيِّنَاتِكَ، وإِنَّكَ اللّه الذِي لَم تتنَاهُ (1)فِي العُقُولِ فَتَكُونَ فِي مَهَبٌ فِكْرِهَا مُكَيَّفًا، ولا في رَوِيَّاتِ (2)خَوَاطِرِهَا مَحْدُودًا مُصَرَّفًا (3).

مِنْهَا : قَدَّرَ مَا خَلَقَ، فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ، ودَبَّرَه فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ، وَوَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ، فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ، ولَمْ يَقْصُرْ دُونَ الانْتِهَاءِ إِلى غَايَتِهِ، ولم يسْتَضْعِبْ؛ إِذْ أُمِرَ (4)بالمُضِي عَلَى إِرَادَتِهِ، وَكَيْفَ؟ وإِنَّمَا صَدَرَتِ الْأَمُورُ عَن مَشِيئَتِهِ الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الأَشْيَاءِ بلا رَوِيَّةِ فِكْرِ آلَ إِلَيْهَا (5)، ولا قَرِيحَةِ (6)غَرِيْزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا، ولا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِن حَوَادِثِ الدُّهُور، ولا شَرِيكَ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعَ عَجَائِبِ الأُمُورِ. فَتَمَّ خَلْقُهُ، وأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ، وأَجَابَ إلى دَعْوَتِهِ، لَم يَعْتَرضُ دُونَهُ رَيْثُ (7)المبطئ، ولا أناةُ الملكي (8)، فأَقَامَ مِنَ الأَشْيَاءِ أَوَدَهَا (9)، وَنَهَجَ حُدُودَهَا، وَلَاءَمَ بِقُدْرَتِهِ


1) س، م، ج: يتناه.

2) رويات: ساقطة من ع.

3) ب : مُتَصرَّفًا.

4) كذا في س، م، ع، ج: أمَرَ، وفي حاشية الأصل أمره، وبجنبها علامة تصحيح.

5) آل إليها: رجع إليها.

6) القريحة: قوَّة الفكر.

7) الريث: البطء، وكذلك الأناة.

8) في الحاشية: المتلكئ: المبطئ في الأمور المتأخر، التلكؤ في شرح ابن ميثم: التباطؤ عن الأمر، والتوقف فيه.

9) الأود: الاعوجاج.

بينَ مُتَضَادَّهَا، ووَصَلَ أسبَابَ قَرَائِنِهَا، وفَرَّقَهَا أَجْنَاسًا مُختلِفَاتٍ في الحدودِ والأَقْدَارِ والغَرَائِزِ والهيئاتِ بَدَايَا (1)خَلائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا، وفَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ فَابْتَدَعَهَا (2).

ومِنْهَا فِي صِفَةِ السَّماء:

ونَظَمَ بِلا تَعْلِيقِ رَهَواتِ (3)فُرَجِهَا، ولاحَمَ (4)صُدُوعَ (5)انْفِرَاجِهَا، ووَشَجَ (6)بَيْنَها وبَيْنَ أَزْوَاجِهَا، وذلل للّهابِطِينَ بأمْرِهِ، والصَّاعِدِينَ بأَعْمَالِ خَلْقِهِ حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا (7)، ونَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانُ فَالتَحَمَتْ عُرَى أشْرَاجِهَا (8)، وفَتَقَ (9)بَعْدَ الارْتِتَاقِ (10)صَوَامِتَ أَبْوَابَها، وأَقَامَ


1) بدايا: جمع بدية، وهي الخلقة العجيبة.

2) س، ب، م، ع: وابتدعها.

3) حاشية: الرهوة: المكان المرتفع والمنخفض يسيل إليه الماء، وهو من الأضداد، والحاشية في المنهاج 388/1، وفي شرح ابن ميثم 444/2 : الرهوات: جمع رهوة، وهي الفرجة المتسعة.

4) حاشية: لاحمت الشيء بالشيء، إذا لصقته به، وما ذكر في المعارج 1/ 388.

5) الصدوع: الشقوق.

6) كذا في الأصل، وينظر القاموس، وبتشديد الشين في س، م، ب، ج.، وكتب تحتها في الأصل خلط، وفي الحاشية: وشجت العروق والأغصان، أي: اشتبكت، والوشيجة: المشتبكة، وقد وشجت قرابة فلان أي.. وضبطها في شرح ابن ميثم 444/2 بالتشديد أيضًا، قال: شبّك.

7) ع: انعراجها. والحزونة: الصعوبة.

8) الأشراج: جمع شَرَج بالفتح، وهي العرى.

9) ج: وفَتَحَ.

10) الارتتاق: الالتصاق.

رَصَدًا مِنَ الشُّهُبِ التَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا(1)، وأَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تَمُورَ (2)فِي خَرْقِ الهَوَاءِ بائدَةً، وأمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةٌ لأَمْرِهِ؛ وَجَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا، وَقَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِن ليلِهَا، وَأَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ بَجْرَاهُمَا، وقَدَّرَ مَسِيرَهُمَا فِي مَدَارِج دَرَجَيْهِمَا، ليُمَيِّز بينَ الليلِ والنَّهَارِ بِهَا، وَلِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَالحِسَابُ بِمَقَادِيرِهِمَا ؛ ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوْهَا فَلَكًا، ونَاطَ بها (3)زِيْنَتَهَا مِن خَفِيَّاتِ دَرَارِيِّها (4)، ومَصَابِيحِ كَواكِبِهَا، ورَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا، وأَجْرَاهَا (5)عَلَى أَذْلالِ تَسْخِيرِهَا مِن ثَبَاتِ ثَابِتِهَا، وَمَسِيرِ سَائِرِهَا، وهُبُوطِهَا، وصُعُودِهَا، ونُحُوسِهَا، وسُعُودِهَا.

ومِنْهَا فِي صِفَةِ المَلائِكَةِ (عَلَيهِم السَّلَامُ)

ومِنْهَا فِي صِفَةِ المَلائِكَةِ (عَلَيهِم السَّلَامُ) (6):

ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لإسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ وعِمَارَةِ الصَّفِيحِ (7)الأَعْلَى


1) النقاب : جمع نَقب، وهو الطريق في الجبل، والثواقب في المنهاج 389/1: جمع ثاقبة، وهي المضيئة.

2) مار: تحرك.

3) في الأصل: ثم علق في جوها فلا، و أناط فلكها زينتها، وما أثبت في س، م، ب، ج، ع. وناط: علق.

4) حاشية: الدراري : جمع دري، وهو المضيء، وفي شرح ابن ميثم 444/2: الدراري: الكواكب المضيئة.

5) حاشية : يقال : أمور اللّه جارية على ذلالها أي مجاريها وطرقها. أجلو الثوب على ذله، أي: على غره، أي: على كسره.

6) (عَلَيهِم السَّلَامُ): ليس في س، م.

7) الصفيح: السطح، وفي الحاشية: وجه كل شيء عريض: صفحته.

مِن مَلَكُوتِهِ خَلْقًا بَدِيعًا مِن مَلائِكَتِهِ، مَلَأ (1)بِهِم فُرُوجَ فِجَاجِهَا (2)، وحَشَا بِهِم فُتُوقَ أَجْوَائِهَا (3)، وبينَ فَجَوَاتِ (4)تِلكَ الفُرُوجِ زَجَلُ (5)المُسَبِّحِينَ مِنْهُم فِي حَظَائِرِ القُدْسِ، وسُتُرَاتِ الحُجُبِ، وسُرَادِقَاتِ (6)المَجْدِ «19ب» ووَرَاءَ ذلِكَ الرَّجِيحِ (7)الذِي تَسْتَكُ (8)مِنْهُ الْأَسْمَاعُ، سُبحَاتُ (9)نُورٍ تَرْدَعُ الأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا، فَتَقِفُ خَاسِيَّةٌ (10)عَلَى حُدُودِهَا. أَنْشَأَهُم عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ، وأقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ، أولي أَجْنِحَةِ (11)تُسَبِّحُ جَلالَ عِزَّتِهِ، لا يَنتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الخَلْق من صُنْعِهِ، ولا يدَّعُون أَنَّهُم يَخْلُقُونَ شَيْئًا مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ، «بَلْ عِبَادُ مُكْرَمُونَ


1) س، م، ج: وملا.

2) الفجاج: الطريق الواسع.

3) الجو: المكان المتسع العالي.

4) حاشية : فجوات: جمع فجوة، وهي الفرجة والمتسع بين شيئين.

5) الزجل: الأصوات.

6) السرادق: الستر الذي يمد فوق البيت وفي القاموس: فوق صحن البيت وذكر البيهقي في المعارج 182 : هذه أسماء منازل الملائكة وأماكنهم عند قوم.

7) حاشية من رجه يرجه وكأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعني.. وفي شرح ابن ميثم: الرجيج الزلزلة والاضطراب.

8) تستك الأسماع: تصمُّ.

9) حاشية: سُبُحاتُ وجه اللّه : أنواره.

10) حاشية: من خسا بصره خُسُوًّا، إذا سدر، وفي القاموس: خَسِئ البصر: كلَّ، وفي شرح ابن ميثم 449/2 متحيرة..

11) بعدها في ب: مثنى وثلاث. : مَثْنَى.

• لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ»(1)جَعَلَهُم فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ، وحَمَلَهُم إلى المُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ ونَهْيِهِ، وعَصَمَهُم مِن رَيْبِ الشُّبُهَاتِ، فَمَا مِنْهُم زَائِعٌ عَن سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ، وَأَمَدَّهُم بِفَوَائِدِ المَعُونَةِ، وأَشْعَرَ قُلُوبَهُم تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ، وفتَحَ لَهُم أَبْوَابًا ذُلُلا (2)إلى تَمَاجِيدِهِ، ونَصَبَ لَهُم مَنَارًا وَاضِحَةً عَلَى أَعْلامِ تَوْحِيدِهِ؛ لَم تُنْقِلْهُم مُوصِرَاتُ (3)الآثَامِ، ولَم تَرْتَحِلْهُم عُقَبُ (4)اللَّيالي والأيام، ولَم تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِم، وَلَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُّونُ عَلَى مَعَاقِدِ (5)يقينهم، ولا فَدَحَتْ قَادِحَةُ الإِحَنِ (6)فِيمَا بَينَهُم، ولا سَلَبَتْهُم الخَيْرَةُ مَا لاقَ (7)مِن مَعْرِفَتِهِ بضَمَائِرِهِم، وسَكَنَ مِن عَظَمَتِهِ وهِيْبَةِ جَلالِهِ (8)فِي أَثْنَاءِ (9)صُدُورِهِم، ولَم تَطْمَعْ فِيهِمُ

1) الأنبياء 21/ 26 - 27.

2) الإخبات: التذلل والاستكانة، وذللاً: سهلة.

3) الموصرات: المثقلات.

4) حاشية: ارتحلت البعير، أي ركبته والعُقْبَةُ: النوبة، أي: لم تؤثر فيهم نوبات الليالي، والأيام وكرورها والعقبة في القاموس أيضًا: الليل والنهار؛ لأنهما يتعاقبان، وفي شرح ابن ميثم 449/2 العقب: جمع عقبة وهي المدة من التعاقب.

5) حاشية معاقد : جمع معقد، وهو الموضع الذي عقد فيه على البيع.

6) حاشية الإحن: جمع إحنة، وهي الحقد.

7) لاق: التصق.

8) س م ج: جلالته، وكتب بمداد أحمر فوقها في ج: جَلالَتِهِ.

9) أثناء: جمع ثني، وهي تضاعيف الشيء.

الوَسَاوِسُ فَتَقْتَرعَ بِرَيْبِهَا (1)عَلَى فِكْرِهِم؛ مِنهُم مَن هُوَ فِي خَلْقِ الغَمَامِ الدُّلَّحِ (2)، وفِي عُظْمِ (3)الجِبَالِ الشُّمَخِ (4)، وفِي قُتُرَةِ (5)الظَّلامِ الأيْهم، ومِنْهُم مَن قَد خَرَّقَتْ أقْدَامُهُم تُخوم (6)الأرْضِ السُّفْلَى فِهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضِ قَد نَفَذَتْ فِي تَخَارِقِ الهَوَاءِ، وتَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ (7)تَحْبِسُهَا عَلى حَيْثُ انْتَهَتْ مِن الحُدُودِ (8)المُتَنَاهِيَةِ ؛ قَد اسْتَفْرَغَتْهُم (9)أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ، ووَسَلَتْ (10)حَقَائِقُ الإِيمَانِ بَيْنَهُم وبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ، وقَطَعَهُم الإيقَانُ بِه إلى الوَلَهِ (11)إليهِ، ولَم تُجاوِزْ رَغَبَاتُهم مَا عِنْدَهُ إِلى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ؛ قَد ذَاقُوا حَلاوَةَ مَعْرِفَتِهِ، وشَرِبُوا بالكأسِ الرَّوِيَّةِ مِن مَحَبَّتِهِ، وتَمَكَّنَتْ مِن سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِم وَشِيجَةُ (12)خِيفَتِهِ، فَحَنَوا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِم، ولَم


1) في الحاشية عن نسخة: برينها، وكذا في شرح ابن ميثم، والرين عنده: الغلبة والتغطية.

2) الدلّح: جمع دالحة، وهي الأثقال.

3) كذا ضبطت في الأصل، وفي س م: عِظَم، وكذا في ج، وفوقها بمداد أحمر كما الأصل.

4) الشمخ: العالية.

5) قترة الظلام: سواده، وفي المعارج 185: الأيهمان عند أهل البادية: السيل والجمل الهائج، وعند أهل الأمصار: السيل والحريق، وقال أبو عبيد: وإنما سمي أيهم لأنه ليس مما يستطاع دفعه.

6) تخوم: جمع تخم بفتح التاء منتهى الأرض وحدودها.

7) حاشية: هفافة ساكنة، وفي المعارج 185: سريعة خفيفة.

8) حاشية : حد الأرض، وهي مؤنثة، وكذلك التخم، وجمعه: تخوم.

9) في المنهاج 401/1، أي: طلبت إليهم أن يفرغوا في العبادة.

10) كذا في النسخ أيضًا، وفي ع: ووَصَلت.

11) حاشية : أصل الوله ذهاب العقل والتحير، ووله إليه تحير في الفزع إليه.

12) حاشية: الوشيجة: عرق الشجر في الأرض، وفي القاموس أيضًا: الرحم المشتبكة.

يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِم، ولا أطْلَقَ عَنْهُم عَظِيمُ الزُّلْفَةِ (1)ربَق (2)خُشُوعِهِم، ولَم يَتَوَكَّم الإعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُم، ولا تَرَكَتْ لَهُم اسْتِكَانَةُ الإِجْلالِ نَصِيبًا فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِم، ولَم تَجْرِ الفَتَرَاتُ فِيهِم عَلَى طُولِ دُؤُوبِهِم (3)، ولَم تَغِضُ رَغَبَاتُهُم فَيُخَالِفُوا عَن رَجَاءِ رَبِّهِم، ولَم تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلاتُ (4)ألسِنَتِهِم، ولا مَلكتهم الأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بهَمْسِ (5)الخَيْرِ (6)إليهِ أَصْوَاتُهم، ولَم تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُم، ولَم يَثْنُوا إِلى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُم، ولا تَعْدُو (7)عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِم بَلادَةُ الغَفَلاتِ، ولا تَنتَضِلُ (8)في هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ (9)الشَّهَوَاتِ؛ قَد اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةٌ لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ،


1) الزلفة: القربى والمنزلة.

2) حاشية: الربق: جمع ربقة، وهي حلقة الحبل.

3) حاشية : الدأب والدؤوب: الجد والتعب.

4) حاشية: أسلة اللسان: طرفه.

5) حاشية: الهمس: الصوت الخفي.

6) رسمت في ج بوجهين (الجئر) و(الخبر)، ورسمت في ب: (الخَبَمْرِ)، وهو سهو وفي م (الخَبَر)، وفي ع: الجئر، وفي شرح ابن ميثم 448/2 الجوار، وشرحها بقوله: الجؤار: رفع الصوت بالدعاء.

7) حاشية: عدا عليه واعتدى وتعدَّى: بمعنى.

8) حاشية: لا تنتضل، أي: لا تتنازع من النضل وعند ابن ميثم في شرحه 449/2: الانتضال: الرمي بالسهم.

9) ب: بدائع، وفي حاشيتها عن نسخة خدائع.

ويَمَّمُوهُ عِندَ انْقِطَاعِ الخَلْقِ إلى المَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهم؛ لا يَقْطَعُونَ أمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ، ولا يَرْجِعُ بهم الاسْتِهْتَارُ (1)بِلْزُومِ طَاعَتِهِ إِلَّا إِلى مَوَادَّ مِن قُلُوبِهِم غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِن رجَائِهِ ومَخَافَتِهِ.

لَم تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُم فَيَنُوا فِي جِدِّهِم، ولَم تَأسِرْهُمُ الأَطْمَاعُ فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ السَّعْي (2)عَلَى اجْتِهَادِهِم، ولَم يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِن أعْمَالِم، ولَو اسْتَعْظَمُوا ذلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُم شَفَقَاتِ وَجَلِهِم، ولم يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِم «20أ» باسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِم، وَلم يُفَرِّقْهُم سُوءُ التَّقَاطِعِ، ولا تَوَلَّاهُم غِلُّ التَّحَاسُدِ، ولا تَشَعَبَتْهُم مَصَارِفُ الرِّيَبِ، ولا اقْتَسَمَتْهُم أَخْيَافُ (3)الهِمَم؛ فهُم أَسَرَاءُ إِيمَانِ، لَم يَفُكَّهُم مِن رِبْقَتِهِ زَيْغُ، ولا عُدُولٌ، ولا وَنّى، ولا فُتُورُ؛ ولَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَاواتِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلَّا وعَلَيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَو سَاعِ حَافِدٌ(4)يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِم عِلْمًا، وَتَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِم فِي قُلُوبِهِم عُظْما (5).


1) حاشية : فلان مستهتر بالشيء : مولع به لا يبالي بما قيل فيه.

2) وشيك السعي في المعارج 186 : النفع العاجل الذي يوصل إليه بالسعي في الدنيا.

3) ج: اختلاف. وفي الحاشية: أخياف: أنواع.

4) من هنا عاد الخلط في صفحات ج، والصفحة الي تليها تبدأ بقوله: (وشجرًا بالرماح) وفيها بمقدار سطر ونصف تكملة لكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض أيام صفين، وهو في مطبوعنا في الخطبة رقم 106، والحفد : السرعة.

5) كذا في ع، ب، وفي س، م: عِظَاً.

ومِنهَا فِي صِفَةِ الأرضِ ودَحْوِهَا عَلَى الْمَاء:

كَبَسَ (1)الأَرْضَ عَلَى مَوْرِ (2)أَمْوَاجِ مُسْتَفْحِلَةٍ (3)، وجُجِ بِحَارٍ زَاخِرَةِ تَلْتَطِمُ أوَاذِيُّ (4)أمْوَاجِهَا، وتَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا (5)، وتَرْغُو(6)زَبَدًا كَالفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا(7)، فَخَضَعَ جَمَاحُ المَاءِ المُتلاطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا، وَسَكَنَ هَيْجُ ارتِمَائِهِ (8)إذ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا (9)، وذَلَّ مُسْتَخْذِيًا إذ تَمعَكَتْ عَلَيْهِ (10)بِكَوَاهِلِهَا، فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصطِخَابِ أَمْوَاجِهِ سَاجِيًا مَقْهُورًا، وفِي حَكَمَةِ (11)الذُّلّ مُنْقَادًا أسِيّرا.


1) حاشية: كبست النهر بالتراب أي: طممته وفي شرح ابن میثم 457/2 :كبسها أغاصها في الماء بقوة..

2) كذا في النسخ أيضًا، وفي ع: مَوّارِ. والمور: التردد في المعركة.

3) حاشية استفحل الأمر، أي : تفاقم واشتدَّ، وكذا في المنهاج 408/1.

4) حاشية: الأواذي: جمع آذيَّ، وهو الموج، وكذا في المصدر السابق.

5) حاشية: أثباجها: الشج ما بين الكاهل إلى الظهر، والمراد بالأثباج هنا أعالي الموج.

6) حاشية: يرغو من الرغوة، يقال: أرغى اللبن يُرغي ترغية إذا أزبد، وقيل: من رغا البعير، إذ صاح، والمعنى ترغو رغاء زبد وقيل المعنى: ترغو بزبد، فحذف الحرف وأوصل الهاء، وأغلبه في المصدر السابق.

7) حاشية: الثبج: ما بين الكاحل إلى الظهر، والمراد بالأثباج هنا: أعالي الأمواج، وفي : المصدر السابق ما بين الكتفين.

8) هيج الفرس: غلب صاحبه ولم يملكه والارتماء: التقاذف والترادّ.

9) الكلكل: الصدر.

10) عليه: ليست في م ج. والمستخذي: الخاضع، والتمعك: التمرغ.

11) اصطخاب أمواجه: غلبتها و أصواتها، والساجي الساكن، والحكمة: ما أحاط من اللجام بحنك الدابَّة.

وسَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ (1)، وَرَدَّتْ مِن نَخْوَةِ بَأْوِهِ واعْتِلالِهِ وشُمُوخ أنْفِهِ وسُمُو غُلَوَائِهِ (2)، وَكَعَمَتْهُ عَلَى كِظَّةِ جِرْيَتِهِ، فَهَمَدَ (3)بَعْدَ نَزَقَاتِهِ (4)ولبد بَعْدَ زَيَفَانِ (5)وَثَبَاتِهِ.

فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِن تَحْتِ أَكْنَافِهَا، وَحَمَلَ شَوَاهِقَ الْجِبَالِ البُذَخِ (6)عَلَى أَكْتَافِهَا (7)فَجَّرَ يَنَا بِيعَ العُيُونِ مِن عَرَانِينِ (8)أُنُوفِهَا، وفَرَّقَهَا فِي سُهُوبٍ بِيْدِهَا(9)وأَخَادِيْدِهَا(10)، وعَدَّلَ حَركَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِن جَلامِيدِهَا، وذَوَاتِ الشَّنَاخيب (11)الشَّمِّ مِن صَيَاخِيدِهَا (12)فَسَكَنَتْ مِن المَيَدَانِ


1) الدحو: البسط، والتيار: الموج.

2) النخوة: الكبر والترفع، والبأو الفخر، وشمخ بأنفه: تكبر وشمخ والغلواء: تجاوز الحد.

3) ب، م: فهمد، وفي حاشية الأصل: همدت النار خمدت، والهمود أبلغ من الجمود، والمراد هنا السكون، والحاشية في المنهاج 409/1.

4) كعمته: سددت فاه والكظة: شدة البطنة والنزق: الخفة والطيش.

5) زیفانه: تمایله و تبختره.

6) حاشية : البذخ : جمع باذخ، وهو الشامخ العالي.

7) حمل... أكنافها: سقط من ع.

8) العرنين: أعلى الأنف عند ملتقى الحاجبين.

9) السهوب: جمع سهب، وهو الفلاة الواسعة والبيد: جمع الفلاة الواسعة، والبيد: جمع بيداء، وهي الفلاة أيضًا.

10) حاشية الأخاديد : جمع الأخدود، وهو الشق المستطيل في الأرض، وكذا في المنهاج 409/1.

11) في الحاشية: الشناخيب رؤوس الجبال، الواحد شنخوب، والصَّيْخُود: الصخرة الشديدة الصلبة الجلاميد في شرح ابن ميثم الصخور، والشناخيب: رؤوس الجبال.

12) ب صياخدها الشم : العالية والصيخود: الصخرة الصلبة.

برُسُوبِ الجِبَالِ فِي قِطَع أدِيمِهَا وتَغَلْغُلِهَا مُتَسَرْبَةٌ فِي جَوْبَاتِ (1)خَيَاشِيمِهَا، ورُكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الأرْضِ (2)وجَرَاثِيمِهَا (3)، وفَسَحَ بَيْنَ الجُوِّ وبَيْنَهَا، وأعَدَّ الهَوَاءَ مُتَنَسَّما (4)لِسَاكِنِهَا، وأَخْرَجَ إليهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا ؛ ثُمَّ لَم يَدَعْ جُرُزَ (5)الأرض التي تَقصُرُ مِيَاهُ العِيُونِ عَنْ رَوَابِيْهَا (6)، ولا تَجِدُ جَدَاوِلُ الأنهار (7)ذَرِيْعَةً إِلَى بُلُوغِهَا حَتَّى أَنْشَأ لَمَا نَاشِئَةَ سَحَابِ تُحْيِي مَوَاتَهَا، وتَسْتَخْرِجُ نَبَاتِهَا. أَلَّفَ غَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لمَعِهِ (8)وتَبَايُنِ قَزَعِهِ (9)حَتَّى إِذَا تَمَخَضَتْ (10)لُجَّةُ المُزْنِ فِيهِ، والتَمَعَ بَرْتُهُ فِي كِفَفِهِ (11)، ولَم يَنَم وَمِيضُهُ فِي كَنَهُورِ رَبَابِهِ (12)، ومُتَرَاكِمِ سَحَابِهِ،


1) أديمها: سطحها وتغلغله: دخوله في أعماقها والتسرب: الدخول في السرب والجوبة: الفرجة في الأرض.

2) س، م، ب، ج، ع: الأرضين.

3) جراثيم الأرض: أعاليها وما اجتمع منها، وفي المعارج 187: أصولها.

4) المتنسم في المنهاج 1 / 410 : مهب النسيم.

5) حاشية: أرض جرز: لا نبات فيها، كأنه انقطع عنها الماء

6) أرض جزر : لا نبات بها، لانقطاع الماء عنها، والروابي: أعالي الأرض.

7) كذا في ع، ب، وكذا في ج، وتحتها (الأرض) عن نسخة، وفي س، م: الأرضِ.

8) في حاشية الأصل والقاموس: اللمعة بالضم: قطعة من النبت أخذت في اليبس.

9) حاشية القزع: قطعة من السحاب رقيقة، وكذا في المنهاج 1 / 410، وورد في لقاموس: (وفي كلام عليّ (رضیَ اللّهُ عنهُ): كما يجتمع قَزَعُ الخريف، لا في الحديث كما توهم الجوهري).

10) حاشية: تمخض اللبن: تحرك في الممخضة، ومخضت الشيء: حركته بشدة، وينظر المنهاج 410/1.

11) الكفَّة بالضم: ما استطال من السحاب، وما استدار، وبالكسر : الوميض واللمعان.

12) الكنهور: العظيم من السحاب، والرباب : الغمام الأبيض.

أَرْسَلَهُ سَحًا مُتَدَارِ كَا قَد أَسَفَّ هَيْدَبُهُ (1)تَمْرِيهِ (2)الجُنُوبُ دِرَرَ أهَاضِيبِهِ (3)، ودُفَعَ شَآبِيبِهِ (4)فلَما أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانِيهَا (5)، وَبَعَاعَ (6)مَا اسْتَقَلَّتْ به مِن العِبءِ المَحْمُولِ عَلَيْهَا أَخْرَجَ بِهِ مِن هَوَامِدِ الأرض النَّبَاتَ، ومِن زُعْرِ (7)الجِبَالِ الأَعْشَابَ، فهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا، وَتُزْدَهَى بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِن رَيْطِ (8)أَزَاهِيرِهَا، وحِلْيَةِ مَا شُمِّطَتْ (9)بِهِ مِن نَاضِرِ أَنْوَارِهَا ؛ وجَعَلَ ذلك بَلاغًا للأنامِ، ورِزْقًا للأَنْعَامِ، وخَرَّقَ الفِجَاجَ فِي آفَاقِهَا، وَأَقَامَ المَنَارَ للسَالِكِينَ عَلَى جَوَادٌ طُرُقِهَا.


1) السحّ الصبّ، وأسفٌ: دنا من الأرض لثقله، وهيدبه ما تهدب منه إلى الأرض، أي: تدلّى.

2) تمريه : تستخرج ما فيه من الماء والدرر : جمع دِرّة بالكسر، وهي كثرة اللبن وسيلانه.

3) حاشية: الهضبة: المطرة العظيمة القطر، وأهاضيب: جمع هضاب وهضبات، وهي جلبات المطر بعد القطر، وكذا في المنهاج 1 / 411، وواحد الإهضاب هضب في المعارج 187.

4) الشآبيب : جمع شؤبوب، وهو الرشقة القوية من المطر.

5) حاشية: البواني: ما يلي الزور من الأضلاع، والزور: عظام الصدر، وقد كتبت الحاشية بقلم خشن، وقسمها الأول في المنهاج 411/1.

6) بعاع السحاب: ثقله بالمطر.

7) حاشية زعر : جمع أزعر، وأصله من قلة الشعر، والمراد به هنا قلة العشب، هي في المنهاج 1/ 412، وفي شرح ابن ميثم 458/2 جبلة زعراء: لا نبت فيها.

8) الريط : جمع ريطة، وهي الأزهار المنيرة.

9) كذا رسمها في م وفوقها معا، وكذا رسمها في س أيضًا ووضع تحتها ثلاث نقط، وفوقها معًا. وبالتخفيف والتثقيل في ج وفوقها معًا، وفي شرح ابن ميثم 458/2: سمطت زينت بالمسمط، وهو العقد، ومن روى بالشين معجمة، أراد خلطت.

فلما مَهَّدَ أرْضَهُ، وأنْفَذَ أَمْرَهُ اخْتَارَ آدَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) خِيَرَةً مِن خَلْقِهِ، وجَعَلَهُ أَوَّلَ جِبلَّتِهِ (1)، وأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وأرْغَدَ فِيهَا أُكْلَهُ(2)، وَأَوْعَزَ (3)إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ، وأَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لَعْصِيَتِهِ، والمخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ، فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ مُوَافَاةً بِسَابِقِ (4)عِلْمِهِ، فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التّوبَةِ لِيُعَمِّرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ، ولِيُقِيمَ الحُجَّةَ بِه عَلَى عِبَادِهِ؛ ولَم يُخْلِهِم بَعْدَ أن قَبَضَهُ مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِم حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ، ويَصِلُ بَيْنَهُم وبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ، بَلْ تَعَاهَدَهُم بالحجج عَلَى الْسُنِ «20 ب» الخِيَرَةِ مِن أَنْبِيَائِهِ، ومُتَحَملي وَدَائِعِ رِسَالَاتِهِ، قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا (5)حُجَّتُهُ، وبَلَغَ المَقْطَعَ عُذرُهُ ونذرُهُ (6).

وقَدَّرَ الأرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وقَللّها وفَسَّمَهَا عَلَى الضّيقِ والسَّعَةِ؛ فَعَدَلَ (7)فِيهَا لِيَبْتَلِيَ مَن أرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَمَعْسُورِهَا، وَلِيَخْتَبِرَ بِذلِكَ


1) في س، م بكسر الجيم، وفي القاموس : جَبَلَهم اللّه تعالى يُجبل ويجبل: خلقهم.

2) بسكون الكاف وضمها في ج وفوقها معا.

3) حاشية: أوعزت إليه في كذا وكذا، أي: تقدمت إليه، وكذا في المنهاج 1/ 413.

4) في حاشية الأصل، وفي ج: السابق.

5) من النادر في الأصل أن تذكر الصلاة من دون ذكر الآل، والآل من ب، ع.

6) ضبطت الذال في الكلمتين بالإسكان والضم وفوقهما معا في س م، والنذر: النذارة وفي المنهاج 1/ 414، أي : حجته وتخويفه.

7) بالتشديد في حاشية الأصل عن نسخة، وفي الحاشية أيضًا عدل بالتخفيف: من العدل نقيض الظلم، وعدَّل بالتشديد من التعديل، وهو التقويم.

الشُّكْرَ والصَّبْرَ مِن (1)غَنِيهَا وفَقِيْرِهَا، ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيْلَ (2)فَاقَتِهَا، وبِسَلامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا(3)، وبِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا(4)وخَلَقَ الأَجَالَ فأطَالَهَا وقَصَّرَهَا، وقَدَّمَهَا وأَخْرَهَا، وَوَصَلَ بِالمَوْتِ أسْبَابَهَا، وجَعَلَهُ خَالجًا (5)لأشْطَانِهَا، وَقَاطِعًا لَمَرَائِرِ (6)أَقْرَانِهَا.

عَالِمُ السِّرِّ مِن ضَمَائِرِ المُضْمِرِينَ، ونَجْوَى المُتَخَافِتِينَ (7)، وخَوَاطِر رَجِمٍ (8)الظُّنُونِ، وعُقَدِ عَزِيمَماتِ اليَقِينِ، ومَسَارِقِ إِيمَاضِ(9)الجُفُونِ، ومَا ضَمِنَتْهُ أَكْنَانُ القُلُوبِ، وعَيابَاتُ (10)الغُيُوبِ، وَمَا أَصْغَتْ لاستِرَاقِهِ


1) حاشية: الميسور والمعسور: ضدّان وهما مصدران قال سيبويه : هما صفتان، لا يجيء عنده المصدر على مفعول إليه، وتناول قولهم : دعوه إلى ميسوره وإلى معسوره، ويقول: دعه إلى أمر يوسر فيه، وإلى أمر يعسر فيه، وبنصه في المنهاج 1/ 414.

2) حاشية : العقابيل: الشدائد وما يبقى على الشفة عقب الحمى واحدتها: عُقبُولةً، وعقبول. وكذا في القاموس، وفيه أيضًا العقابيل: بقايا العلة

3) طوارق الآفات في المنهاج 1/ 414: التي تأتي غفلة أو بالليل.

4) الترح: الحزن.

5) جعله خالجًا في المعارج 190، أي جاذبًا.

6) الخلج الجذب والانتزاع، والأشطان: جمع شطن، وهي الحبال، والمرائر أيضًا: الحبال اللطيفة الفتل.

7) التخافت: المساواة.

8) حاشية: الرجم : أن يتكلم الرجل بظن، وكذا في المنهاج 1/ 415.

9) حاشية: ومض وأومض: بمعنى، ويقال : أو مضت المرأة إذا سارقت النظر، وكذا في المنهاج 1 / 415، وينظر القاموس أيضًا.

10) كذا بالمهملة في الأصل وفي شرح ابن ميثم والغيابة: ظلمة قعر البئر، وبالمعجمة أيضًا في المعارج 190، وفيه غيابات: مستورات.

مَصَائِحُ الأَسْمَاعِ (1)، ومَصَائِفِ الذَّرِّ، وَمَشَاتِي الهَوَامُ، وَرَجْعِ الحَنِينِ مِنَ الْمُوَلهَّاتِ(2)، وهَمْس الأقدَامِ، ومُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ (3)مِن ولائِجِ غُلُفِ الأَكْمَامِ (4)، ومُنْقَمَعِ (5)الوُحُوشِ مِن غِيرَانِ الجِبَالِ وأَوْدِيَتِهَا، ومُحتبَأ البَعُوضِ بَيْنَ (6)سُوقِ الأَشْجَارِ وأَحِيَتِهَا، وَمَغْرِزِ الأَوْرَاقِ مِنَ الأَفْنَانِ(7)، وتَحَطَّ الأَمْشَاجِ (8)مِن مَسَارِبِ الأَصْلابِ، وَنَاشِئَةِ الغُيُومِ ومُتَلاحِمِهَا، ودُرُورِ قَطْرِ السَّحَابِ (9)ومُتَرَاكِمِهَا، وَمَا تَسْفِي الأَعَاصِيرُ بِذُيُولِنَا (10)، وتَعْفُو الأمْطَارُ بِسُيُولِهَا، وَعَوْمِ (11)نَبَاتِ الْأَرْضِ فِي كُثْبَانِ


1) مصائخ الأسماع: خروقها.

2) الوله في المعارج 190 : ذهاب العقل

3) ع: الثمار.

4) الولائج: المداخل، والأكمام : جمع كمّ بالكسر، وهو غلاف الطلع.

5) حاشية: انقمع في بيته: اندس، وتقمع الحمار: حرك رأسه ليطير الذبان، وفي القاموس دخل في بيته مستخفيًا، وفيه القمعة محركة : ذباب يركب الإبل والظباء إذا اشتدَّ الحر، وينظر المنهاج 416/1.

6) ب: مِن.

7) الأفنان: الغصون واحدها فنن.

8) لحاء الشجر : قشرها، والأفنان الأغصان، والأمشاج: النطفة المختلطة بالدم، وفي المعارج 161 - 162 والأمشاج : نطفة الرجل والمرأة، ووصف أطوار النطفة والحمل.

9) س، م، ب، ع: السَّحائب في متراكمها، وبعدها في وهي أيضًا حاشية في الأصل عن نسخة.

10) في المنهاج 416/1، أي: ما تذريه الريح.

11) كذا في الاصل وفي ب، وفي س: عموم، وكذا في حاشية الأصل، وقال في المعارج 190: عوم نبات الأرض، ويروى: عموم، والعوم السباحة، وسير الإبل وجري السفينة.

الرِّمَالِ ومُسْتَقَرٌّ ذَوَاتِ الأَجْنِحَةِ بِذُرَى شَنَاخِيبِ الجِبَالِ(1)، وتَغْرِيدِ (2)ذَوَاتِ المَنْطِقِ في دَيَاجِير الأوكَارِ، ومَا أوْعَتْهُ (3)الأصْدَافُ، وحَضَنَتْ (4)عَلَيْهِ أَمْوَاجُ البِحَارِ، ومَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْل (5)، أو (6)ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارٍ (7)، ومَا اعْتَقَبَتْ عَلَيهِ أطْبَاقُ الدَّيَاجِير (8)، وسُبُحَاتُ (9)النُّورِ، وإثْرِ كُلِّ خَطْوَةٍ وحِسٌ كُلِّ حَرَكَةٍ، ورَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ، وتَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ، ومُسْتَقَرٌّ كُلِّ نَسَمَةٍ، ومِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ، وهَمَاهِم كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ (10)، ومَا عَلَيْهَا مِن ثَمَرِ شَجَرَةٍ، أو سَاقِطِ وَرَقَةٍ، أو قَرَارَةِ نُطْفَةٍ، أو نُقاعَةِ (11)دَمٍ ومُضْغَةٍ، أو نَاشِئَةِ خَلْقٍ، وسُلالَةٍ؛ لَم تَلْحَقْهُ فِي ذلِكَ كُلْفَةٌ، ولا


1) حاشية: الشناخيب: جمع شنخوب، وهو رأس الجبل.

2) حاشية : التغريد: أصوات الطيور.

3) كذا في س، وحاشية الأصل عن نسخة، وفي الأصل: أودعته.

4) حاشية: حضن الطائر البيضة إلى نفسه، وكذلك حضنت المرأة ولدها.

5) في المنهاج 1 / 417، أي: ظلمته.

6) س م وذرَّ، وكذا عن نسخة في الأصل.

7) ذرّ الشارق: طلع.

8) الدياجير : جمع ديجور، وهو الظلام.

9) بالجر في الأصل، وهو فوت قلم، والسبحات في المعارج 190: جمع الشبحة، وهي خرزات يسبح بها.

10) الهماهم في المعارج 307: ترديد الصوت في الصدر، وترديد الفكر.

11) في القاموس : نُقاعة كل شيء: الماء الذي ينقع فيه، وفي الحاشية: نقاعة: من نقع الماء في الموضع المراد بها قليله كالنحاتة، والبرادة والحرازة، وفي شرح ابن ميثم 2/ 458 : النقاعة : نقرة يجتمع فيها الدم.

اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَ مِن خَلْقِهِ عَارِضَةٌ، وَلا اعْتَوَرَتُهُ (1)فِي تنفيذ الأمُورِ، وتَدَابِيرِ المَخْلُوقِينَ مَلالَةٌ ولا فَتْرَةٌ، بَل نَفَذَهُم (2)عِلْمُه، وأَحْصَاهُم عَدَدُهُ(3)، ووَسِعَهُم عَدْلُهُ، وغَمَرَهُم فَضْلُهُ، مَعَ تَقْصِيرِهِم عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أهْلُهُ.

اللّهمَّ أَنْتَ أهْلُ الوَصْفِ الجَمِيلِ، و التَّعدَادِ الكَثِيرِ؛ إِن تُؤَمِّل فَخَيْرُ مَأمُولٍ، وإن تُرْجَ فأكْرَمُ (4)مَرْجُو. اللّهمَّ وقَد بَسَطْتَ لي (5)فِيمَا لا أَمْدَحُ بِه غَيْرَكَ، ولا أُثْنِي بِه عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ، ولا أَوَجهُهُ إلى مَعَادِنِ الخَيْبَةِ ومَوَاضِعِ الرِّيْبَةِ، وعَدَلْتَ بِلِسَانِي عَن مَدَائِحِ الأَدَمِيِّينَ، والثَّناء عَلَى المَرْبُوبِينَ المَخْلُوقِينَ. اللّهمَّ وَلِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَن أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِن جَزَاءِ، أو عَارِفَةٌ مِن عَطَاءِ، وَقَد رَجَوْتُكَ دَلِيلًا عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ وكُنُوزِ المَغْفِرَةِ. اللّهمَّ وهَذا مَقَامُ مَن أَفْرَدَكَ بالتَّوْحِيدِ الذِي هُوَ لَكَ، وَلَمْ يَرَ مُسْتَحِقًّا لِهَذِهِ المَحَامِدِ وَالْمَمَادِحِ غَيْرَكَ، وِبِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ، لا يَجْبُرُ مَسْكَتَتَهَا«21 أ» إِلَّا فَضْلُكَ، ولا يَنْعَشُ (6)مِن خَلَّتِهَا إِلَّا مَنكَ


1) اعتورته : أحاطت به.

2) ج : نفذ فيهم علمه.

3) كذا في ب أيضًا، وفي س، ع: عَدُّه، م، ج: كتابه.

4) س، م، ج : فخَيرُ.

5) بعدها في ع: لسانًا.

6) أنعشه: أنهضه من عثرته.

وجُودُكَ، فَهَبْ لَنَا فِي (1)هذَا المَقَام رِضَاكَ، وَأَغْنِنَا عَن مَدَّ الأَيْدِي إِلى سِوَاكَ؛ إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ (2).

[91] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَمَّا أراده النَّاسُ على البَيْعَةِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَان

[91 ] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَمَّا أراده النَّاسُ (3)على البَيْعَةِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَان

دَعُونِي والتَمِسُوا غَيْرِي (4)، فإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْرًا لَهُ وجُوهُ وأَلْوَانٌ لا تَقُومُ لَهُ القُلُوبُ، ولا تَنْبُتُ عَلَيْهِ العُقُولُ، وإنَّ الآفَاقَ قَد غَامَتْ، والمَحَجَّةَ قَد تَنكَّرَتْ واعْلَمُوا أني إن أجَبْتُكُم رَكِبْتُ بِكُم مَا أَعْلَمُ، ولَم أُصْغِ إِلَى قَوْلِ القَائِلِ وعَتْبِ العَاتِبِ (5)وإِن تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُم،


1) س: من.

2) س، م: عَلَى كُلِّ شيء. وفي حاشية م (بلغت قراتي) إشارة لمقابلة، وإشارة للمقابلة في ج أيضًا. وبالرقم نفسه في الشرح 455/6 - 482، 5/7 - 24، وفيه مباحث والخطبة برقم (91) في شرح ابن ميثم 2/ 430 وينظر في تخريجها والتعقيب عليها 43. مصدر سابق 2 / 168 - 171 وفيه برقم 88.

3) س، م لمَّا أريد على البيعة.

4) حاشية: هذا كلام مستزيد شاكٍ للقوم، يعني أنهم عاملوه هذه المعاملة قبل ذلك فيقول لهم: دعوني والتمسوا غيري على طريق التهكم والشكاية، يعني أنكم كنتم تعتقدون ذلك فيما قبل، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): من أنه وزيرا، يعني على ما كانوا يعتقدونه فيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، من أنه وزيرًا خير منه أميرًا، وهذا من باب قوله عز وجل: «إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» - الدخان 49/44 - يعني على ما تعتقده.

5) ع: وعذل العاذل.

ولَعَلِّي أَسْمَعُكُم وأطْوَعُكُم مَن ولَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُم، وأنا(1)لَكُم وَزِيرًا خَيْرٌ لَكُم مِنّي أميرًا(2).

[92] ومِن خُطْبَةٍ لَه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أمَّا بَعْدُ (3)أَيُّهَا النَّاسُ ؛ فأنَا فَقَاتُ عَيْنَ الفِتْنَةِ، ولَم يَكُنْ ليَجْتَرِئَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَن مَاجَ غَيْهَبُهَا، وَاشْتَدَّ كَلَبُهَا (4)، فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أن تَفْقِدُونِ، فَوَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَسْأَلُونِي عَن شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُم وبَيْنَ السَّاعَةِ، ولا عَن فِئَةٍ تَهْدِي مِائةً وتُضِلُّ مِائةً إِلا أَنْبَاتُكُم (5)بِنَاعِقِهَا وقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا، وَمُنَاخِ (6)رِكَابِهَا، وَمَحَطَّ رِحَالِها، ومَن يُقْتَلُ مِن أهْلِهَا قَتْلًا، ويَمُوتُ مِنْهُم مَوْتا؛ ولَو قَد فَقَدْتُمُونِي، ونَزَلَتْ كَرَائِهُ الأُمُورِ وحَوازِبُ (7)الخُطُوبِ لأطْرَقَ مِنَ السَّائِلِينَ، وَفَشِلَ كَثِيرٌ


1) ب: فأنا.

2) الخطبة بالرقم نفسه في الشرح 24/7 - 25 وفيه بحث جدير بالمراجعة حول بيعته (عَلَيهِ السَّلَامُ) وموقف بعض رجالات قريش منها، وهي برقم (92) في شرح ابن ميثم 468/2. وينظر في التعقيب على كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مصدر سابق (172/2 - 174، وفيه برقم 90.

3) ع: أما بعد حمد اللّه والثناء عليه، وكذا في شرح ابن ميثم 2/ 470.

4) ماج: اضطرب، والغيهب: الظلمة، والكلب الشّر، والكلب: داء معروف.

5) في الأصل نبَّأتكم، وكذا في م، وما أثبت في س، وحاشية الأصل، وناعقها: الداعي لها.

6) المناخ بالضم: محل البروك.

7) في المعارج 190 : حوازب الخطوب يقال حزبه أمر أي أصابه.

مِنَ المَسْؤُولِينَ، وذلِك إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُم (1)، وَشَمَّرَتْ عَن سَاقٍ(2)، وضاقَتِ (3)الدُّنْيَا عَلَيْكُم ضِيْقًا تَسْتَطِيلُونَ(4)أَيَّامَ البَلاءِ عَلَيْكُم، حَتَّى يَفْتَحَ اللّه لِبَقِيَّةِ الأَبْرَارِ مِنْكُم.

إِنَّ الفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ (5)، وإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ، يُنْكَرْنَ مُقْبِلاتٍ ويُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ ؛ يَحْمْنَ (6)حَوْمَ الرِّيَاحِ، يُصِبْنَ بَلَدًا ويُخْطِئْنَ بَلَدًا.

أَلا إِنَّ أَخْوَفَ الفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُم فِتْنَةٌ بَنِي أُمَيَّةَ؛ فإنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ، عَمَّتْ خُطَّتُهَا (7)، وخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا، وَأَصَابَ البلاءُ مَن أبْصَر فِيهَا، وأَخْطَأَ البَلاءُ مَن عَمِيَ عَنْهَا؛ وأيمُ اللّه ! لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُم أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِي كَالنَّابِ الضَّرُوسِ (8)تَعْذِمُ(9)بفِيْهَا، وتَخْبِطُ


1) بعدها في س، م: عن ساق، وفي الحاشية: فرس مقلص مشمر : طويل القوائم، يقال: قلص الشيء، وتقلّص قلوصًا ارتفع، ويقال: قلص الظل، وقلص الماء، أي: ارتفع في النهر، فهو ماء قالص و قلاص وقليص، وقلص وقلّص وتقلص، كله بمعنى، أي: انضم وانزوى.

2) وشمرت عن ساق : ليس في س، م، ع.

3) في الأصل: وكانت وكذا في ع، وما أثبت في س، م، ج، وحاشية الأصل عن نسخة.

4) في الأصل: يستطيلون، وما أثبت في س، م.

5) شبّهت: اشتبهت وأوقعت الشبهة، وفي المنهاج 286/3، أي : إذا التبست.

6) حاشية بخط مخالف: يحمن، أي يدرن، من حام الريح، أي: دار، وفي المعارج 191: ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات: أن الفتنة عند ظهورها يشتبه على الناس سببها، حتى إذا أشرفت على الانقضاء يتبين سببها.

7) الخطة: الحال والأمر، وعمت خطتها في المعارج 193 : تشمل الناس كافَّة.

8) حاشية: الناب: الناقة المسنة، وجمعها: أنياب ونيوب ونيب. وفي شرح ابن ميثم2 / 470: الضروس التي تعض حالبها.

9) حاشية: من العذم، وهو العض والأكل بجفاء، وكذا في القاموس.

بِيَدِهَا (1)، وتَزْيِنُ (2)بِرِجْلِهَا، وتَنَعُ دَرَّهَا؛ لا يَزَالُونَ بِكُم حَتَّى لا يَتْرُكُوا مِنْكُم إلا نَافِعًا هُم، أو غَيْرَ ضَائِرٍ، ولا يَزَالُ بَلاؤهُم حَتَّى لا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُم مِنْهُم إِلَّا مِثْلَ انْتِصَارِ العَبْدِ مِن سَيّدِهِ (3)، والصَّاحِبِ مِن مُسْتَصْحِيهِ، تَردُ عَلَيْكُم فِتْنَتُهُم شَوْهَاءَ (4)مَخْشِيَّةٌ، وقِطَعاً جَاهِلِيَّةٌ ليْسَ فِيْهَا مَنَارُ هُدًى، ولا عَلَمٌ يُرَى.

نَحْنُ أَهْلَ البَيْتِ مِنْهَا بِنَجَاةٍ، ولَسْنَا فِيْهَا بِدُعَاةٍ، ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللّه عَنْكُم كَتَفْرِيحِ الأدِيمِ بِمَن يَسُومُهُم خَسْفًا(5)، ويَسُوقُهُم عُنْفا (6)، ويَسْقِيهِم بِكَأْسٍ مُصَبَرَةِ (7)لا يُعْطِيهِم إلا السَّيْفَ، ولا يُخلِسُهُم (8)إلا الخَوْف، فعِنْدَ ذلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشٌ، (9)بالدُّنْيَا ومَا فِيهَا لَو يَرَوْنَنِي (10)


1) في المنهاج،2/ 295، أي: الناقة التي في بصرها ضعف تخبط إذا مشت لا تتوقى شيئًا.

2) حاشية تزبن الزبنُ: الدفع وزبنت الناقة، إذا ضربت بثفنات رجلها عند الحلب، فالزبن بالثفنات، والركض بالرجل، والخبط باليد، وكله في المنهاج 426/1.

3) في س م، ج، ع، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة ربّه.

4) شوهاء: قبيحة المنظر.

5) حاشية: سامه خسفًا، أي: أولاه ذلاً، وكذا في المنهاج 426/1.

6) العنف: شدة السوق.

7) في القاموس: ملأ الكأس إلى أصبارها، أي إلى رأسها، ومن المقروء في الحاشية: إلى أصبارها إلى حروفها.

8) تحلسهم، أي: تلبسهم الحلس، وهو الكساء تحت بردعة البعير.

9) في الأصل بني قريش وما أثبت في س.م.

10) في حاشية الأصل عن نسخة: يَرَوْنِي.

مَقَامًا واحِدًا وَلَو قَدْرَ جَزْرِ (1)جَزُورٍ، لأقْبَلَ مِنْهُم مَا أطْلُبُ اليَوْمَ بَعْضَهُ؛ فَلا يُعْطُونِيه (2).

[93] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

فَتَبَارَك (3)اللّه الذي لا يَبلُغُهُ بُعْدُ الهِمَمِ، ولا يَنَالُهُ حِسُّ (4)الفِطَنِ. الأوَّلُ الذِي لا غَايَةَ «21 ب» لَه فَيَنْتَهِي، ولا آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِي.

مِنْهَا: فَاسْتَوْدَعَهُم فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَع، وأَقَرَّهُم فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٌّ ؛ تَنَاسَخَتْهُم (5)كَرَائمُ الأَصْلابِ إلى مُطَهَّرَاتِ الأَرْحَامِ، كُلَّمَا مَضَى سَلَفٌ قَامَ مِنْهُم بِدِيْنِ اللّه خَلَفٌ؛ حَتَّى أفْضَتْ (6)كَرَامَةُ اللّه (7)سُبْحَانَهُ


1) الجزر: القطع، ومنه الجزور لما ينحر من الإبل.

2) بالرقم نفسه في الشرح 32/7 - 33، وفيه مبحث عن إخباره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأمور غيبية، وينظر في مصدر سابق 2/ 78 - 82 برقم 91 ما نقل المؤلف عن شرح النهج من أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطب بها بعد انقضاء أمر النهروان وما نقله منه به في 417، والخطبة برقم (93) في شرح ابن میثم.

3) تبارك : قيل : مشتق من البروك المتلزم للمقام في موضع واحد والثبات فيه، وقيل: من البركة وهو الزيادة.

4) في الأصل: حدس، وكذا عن نسخة في حاشية ج، وما أثبت في س، ج، وهامش الأصل.

5) النسخ: النقل، وفي المنهاج 428/1، أي : تناقلتهم، وروي تناسلتهم.

6) أفضت: انتهت.

7) من هنا انقطعت الخطبة في ب في نهاية الصفحة 74 منها. وعاد في صفحة 77 منها إلى هذا الموضع، وهو جزء من الخطبة التي تبدأ بقوله: فتبارك اللّه الذي لا يبلغه بعد الهمم التي وقعت بدايتها في نهاية الصفحة 21 ب من نسخة الأصل.

إلى مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَأَخْرَجَهُ مِن أَفْضَل المَعَادِنِ مَنْبتًا، وأَعَزّ الأَرُومَاتِ (1)مَغْرِسًا، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ (2)مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ، وَانْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ.

عِتْرَتُهُ خَيْرُ العِتَرِ، وأَسْرَتُهُ (3)خَيْرُ الأَسَرِ، وشَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ، وَبَسَقَتْ (4)فِي كَرَمِ؛ هَا فُرُوعٌ طِوَالٌ، وثَمَرٌ لا يُنَالُ، فَهُوَ إمَامُ مَنِ اتَّقَى، وبَصِيْرَةُ مَنِ اهْتَدَى؛ سِرَاجُ لَمَعَ ضَوْؤُهُ، وَشِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ، وزَنْدٌ (5)بَرَقَ لَمْعُهُ، سِيْرَتُهُ القَصْدُ، وسُنّته الرُّشْدُ، وَكَلامُهُ الفَضْلُ، وحُكْمُهُ العَدْلُ. أَرْسَلَهُ عَلَى حِيْنِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَهَفْوَةٍ عَنِ العَمَلِ، وغَبَاوَةٍ مِنَ الأمَم.

اعْمَلُوا - رَحِمَكُمُ اللّه - عَلَى أَعْلامِ بَيِّنَةِ، فالطَّرِيقُ نَهْجُ (6)يَدْعُو إلى دَارِ السَّلامِ وأَنْتُم فِي دَارِ مُسْتَعْتَبٍ عَلَى مَهَلِ وفَرَاغ، والصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ، والأقلامُ جَارِيَةٌ، والأبدَانُ صَحِيحَةٌ، والألسُنُ مُطْلَقَةٌ، والتَّوْبَةُ مَسْمُوعَةٌ، والأعْمَالُ مَقْبُولَةٌ (7).


1) الأرومة: الأصل.

2) الصدع: الشق.

3) حاشية: أسرة الرجل: رهطه لأنه يتقوى بهم من الأنصار.. وفي شرح ابن ميثم عترة الرجل: نسله، ورهطه الأدنون، وأسرته قومه، وفي المنهاج 2 / 120 : وأسرة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): بنو هاشم، وشجرته قريش، ويجوز أن يكون كلا اللفظين كناية عن الهاشميين.

4) بسقت: طالت.

5) الزند: العود الأعلى يقدح به.

6) نهج واضح.

7) بالرقم نفسه في الشرح 43/7 - 46، وبرقم (94) في شرح ابن میثم 474/2، وبرقم 92 في مصدر سابق 2/ 185 - 187، وذكر المؤلف (رَحمهُ اللّه) أن (ما نقله الرضي مأخوذ من خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشهورة أولها : الحمد للّه الواحد الأحد الصمد..).

[94] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

بَعَثَهُ والنَّاسُ ضُلَّالٌ فِي حَيْرَةِ، وخَابِطُونَ (1)فِي فِتْنَةِ، قَد اسْتَهْوَتْهُم الأهواء، واسْتَزَلَتْهُمُ الكِبْرِياءُ، واسْتَخَفَّتْهُم الجَاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ، حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ مِنَ الأَمْرِ، وبَلاءِ مِنَ الجَهْلِ ؛ فَبَالَغَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِي النَّصِيحَةِ، ومَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ، ودَعَا إلى الحِكْمَةِ والمَوعِظَةِ (2).

[95] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

[95] ومِن (3)خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

الحَمْدُ للّه الأَوَّلِ فَلا شَيْءَ قَبْلَهُ، والآخِرِ فَلا شَيْءَ بَعْدَهُ، والظَّاهِرِ فَلا شَيْءَ فَوْقَهُ، والبَاطِنِ فَلا شَيْءَ دُونَهُ (4).


1) كذا في ع أيضًا، وفي هامش الأصل عن نسخة خاطبون، وكذا في س، م، وفي ج: حابطون أيضًا، وبهامشها عن نسخة خابطون في المنهاج 1 / 428، حاطبون، قال: وروي حابطون.

2) بالرقم نفسه في الشرح 46/7 - 47، وبرقم (95) في شرح ابن میثم 477/2، وبرقم 93 في مصدر سابق 2 / 186 - 187، ولم يخرجها المؤلف

3) قبلها في س، م ومن أخرى.

4) في المنهاج 289/1، أي علم باطنه.

مِنْهَا فِي ذِكْر رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) :

مِنْهَا فِي ذِكْر رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (1):

مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٌّ، ومَنبْتُهُ (2)أَشْرَفُ مَنْبتِ، فِي مَعَادِنِ الكَرَامَةِ (3)، ومَمَاهِدِ (4)السَّلامَةِ، قَد صُرِفَتْ نَحْوَهُ أفْئِدَةُ الأبْرَارِ، وثُنيَتْ (5)إِلَيْهِ أزِمَّةُ الأَبْصَارِ (6)دَفَنَ اللّه بِهِ الضَّغَائِنَ (7)، وأَطْفَاً بِهِ النَّوَائِرَ، وأَلَّفَ بِه، إِخْوَانًا، وفَرَّقَ بهِ أَقْرَانًا (8)، أَعَزَّ بِهِ الذُّلَّةَ، وأذَلَّ بِهِ العِزَّة؛ كَلامُهُ بَيَانٌ، وصَمْتُهُ لِسَانٌ (9).


1) من النادر ذكر الآل في نسختي س م، وذكرهم في هذا الموضع، وفي ج: ومنها في ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم.

2) ب: ونصبه وأشار إلى أنها في نسخة مثبتة.

3) نهاية الصفحة 77 من نسخة ب، والصفحة 78 فارغة بها كتابة فارسية لا أعرف 7 معناها، وختم «كتابخانة آية اللّه العظمى مرعشي نجفي - قم).

4) قبلها تكملة ما انقطع في ب في الصفحة «22أ» من الأصل أثناء مقطع بعنوان في ذكر رسول اللّه. ومماهد: جمع ممهد، والميم زائدة.

5) ثنيت إليه: صرفت.

6) س: الأنصار، وبالباء والنون في م وفوقها معًا.

7) الضغائن: الأحقاد.

8) الأقران: الأخوان المقترنون.

9) أكمل ما انقطع في ب، وعاد متماشيا مع نسخة الأصل، والخطبة بالرقم نفسه في الشرح 47/7 - 48، وبرقم (96) في شرح ابن ميثم 2/ 477.. وقال مؤلف مصدر سابق 2 / 188 برقم 94: (سيأتي الكلام عن هذا الفصل في خاتمة الكتاب إن شاء اللّه)، ولم يذكر شيئًا عنه في الخاتمة، وهي برقم 94 فيه.

[96] ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ولَئِنْ أَمْهَلَ اللّه الظَّالِمِ فَلَن يَفُوتَ أَخْذُهُ، وَهُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ (1)عَلَى جَازِ طَرِيْقِهِ، وبِمَوْضِع الشَّجَا (2)مِن مَسَاغَ رِيْقِهِ؛ أما والذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلاءِ القَوْمُ عَلَيْكُم؛ لَيْسَ لأنهم أولى بالحقِّ مِنْكُم، ولكن لإسْرَاعِهِم إلى بَاطِلِ صَاحِبِهِم (3)، وإِبْطَائكُم عَن حَقِّي، ولَقَدْ أصْبَحَتِ الأمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا، وأَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي.

اسْتَنْفَرْتُكُم للجِهَادِ فَلَم تَنْفِرُوا، وأَسْمَعْتُكُم فَلَم تَسْمَعُوا، ودَعَوْتُكُم سِرًّا وجَهْرًا فلَم تَسْتَجِيبُوا، ونَصَحْتُ لَكُم فَلَم تَقْبَلُوا؛ شُهُودٌ (4)كَغُيَّابٍ، وعَبِيدٌ كَأَرْبَابِ؛ أتْلُو عَلَيْكُم الحِكَمَ (5)فَتَفِرُّونَ مِنْهَا، وأَعِظُكُم بِالمَوْعِظَةِ البَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا، وَأَحُثُكُم (6)عَلَى جِهَادِ أَهْلِ «22 أ» البَغْيِ، فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُم مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِي سَبَا (7)،


1) المرصاد : الطريق يرصد بها، والرصد: الراقب.

2) الشجى: الغصص بلقمة وغيرها.

3) في م، ع: إلى باطلهم.

4) في هامش الأصل، خ س: أشُهُودٌ.

5) ج: الحكم، وهو سهو في الضبط.

6) الحث: السوق الشديد.

7) حاشية: سبأ يصرف، فإذا صرف فهو فعل من السبي، وإذا لم يصرف فالمعنى به بن يعرب، والأيادي والأيدي: أولاده، لأنه كما يستعان بالأولاد يستعان بالأيدي، فكنى عنهم بالأيدي والأيادي، والتقدير في ذلك هو المصدر.. تفرقوا تفرق أيدي سبأ وقد ذهبت حروف كثيرة من الحاشية أفدتها من المنهاج 432/1، وأيادي سبأ في المعارج :195 سبأ: اسم رجل، وهو سبأ بن يشجب بن قحطان، وأيادي سبأ، أي: تفرقوا تفرقا لا اجتماع لهم بعده.

تَرْجِعُونَ إلى مَجَالِسِكُم، وتَتَخَادَعُونَ عَن مَوَاعِظِكُم، أَقَوِّمُكُم غُدْوَةً، وتَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً كَظَهْرِ الحَنِيَّةِ (1)عَجَزَ الْمُقَوِّمُ، وَأعْضَلَ الْمُقَوَّمُ (2).

أَيُّهَا الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُم، الغَائِبَةُ عَنْهُم عُقُوهُم، المُخْتَلِفَةُ أهْوَاؤهُم، المُبْتَلَى بِهِم أَمَراؤُهُم؛ صَاحِبُكُم يُطِيْعُ اللّه وَأَنْتُم تَعْصُونَهُ، وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللّه وَهُم يُطِيعُونَه؛ لَوَدِدْتُ وَاللّه أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُم صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَم، فأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةً مِنْكُم، وأَعْطَانِي رَجُلًا مِنْهُم.

يَا أَهْلَ الكُوفَةِ مُنِيتُ بِكُم (3)بِثَلاثٍ وَاثْنَتَيْنِ (4)صُمٌّ ذَوو أَسْمَاعِ، وبُكُمْ ذَوُو كَلامِ، وعُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارِ، لا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللقَاءِ، ولا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ البَلاءِ؛ تَرِبَتْ (5)أَيْدِيكُم يَا أَشْبَاءَ الإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُها، كُلَّمَا جُمِعَتْ مِن جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِن آخَرَ (6). واللّه لَكَأني بكُم


1) الحنيّة: القوس.

2) أعضل المقوم: أشكل أمرهم وأعيته أدواؤهم علاجًا.

3) ج، ع، م: منكم، ومنيت: ابتليت.

4) حاشية: الثلاث: خصال وصفات مثبتة، والثنتان: صفتان منفيتان.

5) تربت: أصابت التراب دون الخير وفي المعارج :195 تربت أياديكم هاهنا على الدعاء، أي: أصابكم خير ونعيم، وما ورد في شرح ابن ميثم هو الأقرب، لأنه في موضع الدعاء عليهم، وفي المنهاج 432/1، أي : لا أصبتم خيرًا.

6) س م : من جَانِبِ، ج: من جانب، وفوقها آخر.

فِيهَا إِخَالُ لَو حَمِسَ الوغى (1)، وحَمِيَ الضّرَابُ قَد انْفَرَجْتُم عَن ابنِ أبي طَالِبِ انْفِرَاجَ المَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا (2). إِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي، ومِنْهَاجِ مِن نَبِيِّي، وإنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الوَاضِحِ الْقُطُهُ لَقْطًا(3).

انْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُم، فالْزَمُوا سَمْتَهُم (4)، واتَّبِعُوا أَثَرَهُم، فَلَن يُخْرِجُوكُم مِن هُدًى، ولَنْ يُعِيدُوكُم فِي رَدَى؛ فَإِن لَبَدُوا(5)فَالْبُدُوا وإن تهَضُوا فانْهَضُوا، ولا تَسْقُوهُم فَتَضِلُّوا، ولا تَتَأخَرُوا عَنْهُم فَتَهْلِكُوا.

لَقَد رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (6)فَمَا أرَى أحَدًا منكم يُشْبِهُهُم. لَقَد كَانُوا يُصْبحُونَ شُعْنَا غُبْرًا قَد بَاتُوا سُجَّدًا وقِيَامًا يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِم وخُدُودِهِم، ويَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِم، كأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِم رُكَبَ المِعْزَى مِن طُولِ سُجُودِهِم إِذَا ذُكِرَ اللّه هَمَلَتْ أَعْيُنُهُم حَتَّى تَبَلَّ جُيُوبَهُم (7)، ومَادُوا كَمَا تَمِيدُ الشَّجَرُ يَومَ الرِّيحِ العَاصِفِ، خَوْفًا مِنَ


1) حمس: اشتد والوغى: الحرب، وأصله من الأصوات.

2) حاشية: هذا الكلام على طريق التقريع لهم، والإفْحَاش بهم على طريق التضجُّر والتقريع، أي: كما تسلم المرأة نفسها.

3) في المنهاج 432/1، أي: أسلكه على السداد والصلاح، يقال: لقط قدمه إذا مشى مشيّا سهلا لا شدّة فيه، وهو في الحاشية.

4) السمت: الطريقة.

5) حاشية: لبد بالأرض يلبد، أي لصق لبد الطائر: لصق بالأرض، وفي المنهاج 432/1، أي: وقفوا.

6) في الأصل من دون ذكر الآل، وهذا نادر في نسخة الأصل، والآل أثبتت ب.

7) حاشية : تبتل، أي : يبلون مساجدهم بالدموع من خشية اللّه، فإذا عادت جباههم إلى السجود ابتلت، وكذا في المنهاج 1/ 433.

العِقَابِ ورَجَاءً للثّوابِ (1).

[97] ومِن كَلامِ له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

واللّه لا يزالُونَ حَتَّى لا يَدَعُوا للّه مُحَرَّمًا إِلَّا اسْتَحَلُّوهُ، ولا عَقْدًا إِلَّا حَلُّوهُ، وحَتَّى لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إِلَّا دَخَلَهُ ظُلْمُهُم، ونَبَا بِهِ (2)سُوءُ رَعْيهِم، حَتَّى يَقُومَ البَاكِيَانِ يَنْكِيَانِ (3)بَاكِ يَبْكِي لِدِينِهِ، وبَاكِ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ، وحَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أحَدِكُم مِن أَحَدِهِم كَنُصْرَةِ العَبْدِ مِن سَيّدِهِ (4)، إذا شَهِدَ أطَاعَهُ، وإِذَا غَاب (5)اغْتَابَهُ، وحَتَّى يَكُونَ أَعْظَمُكم فِيهَا عَنَاءً (6)أَحْسَنَكُم باللّه ظَنَّا؛ فإن أتَاكُمُ اللّه بِعَافِيَةِ فاقْبَلُوا،


1) وهي بالرقم نفسه في الشرح 49/7 - 54، وبرقم (97) في شرح ابن ميثم 479/2. وهي برقم 95 في مصدر سابق 2 / 192. وذكر المؤلف عن مصادره أن ما رواه الرضي هنا منقول من خطبة طويلة رويت قبل تأليف النهج وبعده، وذكر أنه خطب بها لما كره القوم المسير إلى الشام عقيب وقعة النهروان.

2) نبا به المنزل : لم يوافقه.

3) يبكيان: ليست في س، م، غ.

4) حاشية: أي: تكون كنصرة العبد محتملاً الكدَّ من سيده، والأوضح أن تكون النصرة بمعنى الانتصار الذي هو الانتقام، فحذف الزوائد.

5) بداية خلط في نهاية الصفحة 76 من مخطوطة ب. وعود إليه في الصفحة 79 منها.

6) حاشية: فيها غنّى: أي: غنّى بنفسه، يعني يكسب على العيال ويهرب من الفتنة منشغلًا بنفسه.

وإِن ابْتُلِيتُم فَاصْبِرُوا فَإِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (1).

[98] ومِن خُطْبَةٍ لَها (عَلَيهِ السَّلَامُ)

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ، وَنَسْتَعِينُهُ مِن أمْرِنَا عَلَى مَا يَكُونُ، ونَسْألُهُ الْمُعَافَاةَ (2)فِي الأدْيَانِ كَمَا نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الأَبْدَانِ.

أوصِيْكُم بالرفض (3)لِذهِ الدُّنْيَا التَّارِكَةِ لَكُم وإِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا، والمُبْلِيَةِ لأَجْسَامِكُم، وإن كُنتُم تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا؛ فَإِنَّمَا مَثَلُكُم ومَثَلُهَا كَسَفْرٍ (4)سَلَكُوا سَبِيلًا فَكَأَنَّهُم (5)قَد قَطَعُوهُ وأمُّوا (6)عَلَما، وكَأَنَّهُم (7)قَد بَلَغُوهُ، وَكَم عَسَى الْمُجْرِي إِلى الغَايَةِ أَن يُجْرِي إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا، وَمَا عَسَى أَن يَكُونَ بَقَاءُ مَن لَه يَوْمٌ لا يَعْدُوهُ (8)، وطَالِبٌ حَثِيثُ يَحْدُوهُ (9)


1) والكلام بالرقم نفسه في الشرح 54/7 - 55، وبرقم (98) في شرح ابن ميثم /4832، وفيه : نبا به المنزل : إذا لم يوافقه، والعناء: التعب. وينظر: مصدر سابق 2/ برقم 193، برقم 96.

2) المعافاة في المعارج 196 : أن يعافيك اللّه من الناس ويعافيهم منك.

3) الرفض : الترك.

4) السفر: المسافرون.

5) س، م: وكأنهم.

6) أمُّوا: قصدوا.

7) ب: فكأنهم.

8) يعدوه: يتعداه..

9) يحدوه: يسوقه.

في الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا؛ فلا تَنَافَسُوا فِي عِزّ الدُّنْيَا وَفَخْرِهَا، ولا تَعْجَبُوا بِزِيْنَتِهَا وَنَعِيمِهَا، ولا تَجْزَعُوا مِن ضَرَّائها وبُوْسِهَا، فإن عِزَّهَا وفَخْرَهَا إلى انقِطَاعِ، وزِينَتَهَا ونَعِيمَهَا إِلى زَوالِ «22ب» وضَرَّاءَهَا وبُؤْسَهَا إِلَى نَفَادِ، وَكُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى انْتِهَاءِ، وَكُلُّ حَيٍّ فِيهَا إِلى فَنَاءِ. أَو لَيْسَ لَكُم فِي آثَارِ الأَوَّلِينَ ؛ وفِي آبَائِكُم المَاضِينَ تَبْصِرَةٌ ومُعتَبَر إِن كُنتُم تَعْقِلُونَ؟ أوَلَمْ تَرَوا إِلَى المَاضِينَ مِنْكُم لا يَرْجِعُونَ، وَإِلَى الخَلَفِ البَاقِي لَا يَبْقُونَ، أولَسْتُم تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُمْسُونَ ويُصْبِحُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى : فَمَيِّتٌ یُبکی، وآخَرُ يُعَزَّى، وصَرِيعٌ مُبْتَلَى، وعَائِدٌ يَعُودُ، وَآخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ، وطَالِبٌ ِللدُّنْيَا والمَوْتُ يَطْلُبُهُ، وغَافِلٌ ولَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ، وَعَلَى أَثَرِ المَاضِي مَا يَمْضِي البَاقِي.

ألا فاذْكُرُوا هَادِمَ اللَّذَاتِ، ومُنَغْصَ الشَّهَوَاتِ، وقَاطِعَ الأَمْنِيَاتِ عِنْدَ المُسَاوَرَةِ (1)للأعْمَالِ القَبِيحَةِ، واسْتَعِينُوا بِاللّه عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِ حَقِّه، وما لا يُحْصَى من إعْدَادِ (2)نِعَمِهِ وإحْسَانِهِ (3).


1) حاشية :أي: المسارة والمساورة في شرح ابن ميثم: المواثبة.

2) في س، م: أعْدادِ.

3) حاشية م: «بلغت مراي» كذا، وهي إشارة لمقابلة، وصوابها: بلغت قراءتي، وقد مرت مثلها، وستاتي من بعد، وبالرقم نفسه في الشرح 56/7، وبرقم (99) في شرح ابن ميثم 4873. وينظر في تخريجها في مصدر سابق 196/2، وفيه برقم 97.

[99] ومِن خُطْبَةٍ لَه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

[99] ومِن خُطْبَةٍ لَه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)

الحَمْدُ للّه النَّاشِرِ فِي الخَلْقِ فَضْلَهُ، والباسِطِ فِيْهِم بالجُودِ يَدَهُ؛ نَحْمَدُهُ فِي جَمِيع أُمُورِهِ، ونَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ، وَنَشْهَدُ أَن لا إله غَيْرُهُ (2)، وأنَّ محَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعًا، وبذِكْرِهِ نَاطِقًا؛ فأدَّى أمِيْنا، ومَضَى رَشِيدًا، وخلَّف فِيْنَا رَايَةَ الحَقِّ (3)مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ (4)، ومَن تَخَلَّفَ (5)عَنْهَا زَهَقَ (6)، ومَن لَزِمَهَا لَحِقَ، دَلِيلُهَا (7)مَكِيْثُ (8)الكَلامِ، بطيء القِيَامِ، سَرِيعُ إِذَا قامَ، فإذَا أَنْتُم أَلَنتُم لَهُ رِقَابَكُم، وأشَرْتُم إِلَيهِ بأصَابِعِكُم جَاءَهُ المَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ، فَلَبِثْتُم بَعْدَهُ مَا شَاء اللّه حَتَّى يُطْلِعَ اللّه لَكُم مَن يَجْمَعُكُم، وَيَضُمُّ نَشْرَكُم؛ فلا تَطْعَنُوا فِي غَيْرِ مُقْبِل، ولا تأيَسُوا (9)مِن مُدْبِرِ، فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَن تَزِلَّ


1) مكان العنوان في س م (ومن أخرى)، وكذا في حاشية ج وكتبت بمداد أحمر.

2) في ب: ونشهد ألا إله إلا اللّه، وبعد كلمة «اللّه» محو بمقدار كلمة، وفي الحاشية عن نسخة: غيره.

3) في المنهاج 439/1: القرآن والشريعة والحجج من أهل بيته.

4) مرق: خرج من الدين.

5) ب: تأخر.

6) زهق: هلك.

7) حاشية :دليلها، يعني هذا الدليل نفسه، والخطبة برقم (100) في شرح ابن ميثم 3 / 489.

8) المكيث: البطيء المتأني، ومكيث الكلام في المعارج 197: رزين.

9) ج: تَيْأَسُوا.

إحْدَى قَائِمَتَيْهِ وتَثْبُتَ الأخرَى فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعًا.

ألا إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)(1)كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ إِذَا خَوَى نَجْمٌ (2)طَلَعَ نَجْمٌ، فكَأَنَّكُم قَد تَكَامَلَتْ مِنَ اللّه فِيكُم الصَّنَائِعُ (3)، وأَرَاكُم (4)مَا كُنتُم تأمُلُون (5).

[100] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهِيَ مِن خُطَبِهِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلى ذِكْرِ المَلاحِم

[100] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهِيَ مِن خُطَبِهِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلى ذِكْرِ المَلاحِم (6)

الأوَّلُ (7)قَبْلَ كُلِّ أَوَّلِ، والآخِرُ بَعْدَ كُلِّ آخِرِ، بأوَّلِيَّتِهِ (8)وَجَبَ أَلَّا


1) في الأصل (عَلَيهِ السَّلَامُ): وما أثبت في، ب، ع، وفي س، م، ج: صلى اللّه عليه وسلم.

2) خوى النجم: سقط للمغيب.

3) الصنيعة: النعمة.

4) ب: وآتاكم.

5) حاشية ج: (إشارة إلى قرب تكامله بالقائم)، وأخرى بعد كلمة (تأملون) من خروج القائم. وينظر في تخريجها والتعقيب عليها مصدر سابق 2/ 198 - 199، برقم 98، وذكر المؤلف عن شرح النهج أن هذه الخطبة خطب بها الإمام في الجمعة الثالثة من خلافته والقول كما ذكر في النهج 7/ 65، وهي بالرقم الذي في المطبوع 58/7 - 59 وفيه مبحث حول مدح الأناة وذم العجلة، وآخر حول مدح المقل من الكلام وذم المكثر.

6) العنوان في س، م: ومن (أخرى تشتمل على ذكر الملاحم). وجاء في حاشية ب: الملحمة: الوقعة العظيمة في الفتنة.

7) قبلها في شرح ابن میثم 4913 : الحمد للّه.

8) حاشية: بأوليته، يعني أن أوليته وآخريته لذاته لا لغيره.

أوَّلَ لَهُ (1)، وبِآخِرِيَّتِهِ وَجَبَ الَّا آخِرَ لَهُ؛ وأَشْهَدُ أن لا إلهَ إِلَّا اللّه شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الإعْلانَ، والقَلْبُ اللسَانَ.

أَيُّهَا النَّاسُ، لا يَجْرِمَنَّكُم (2)شِقَاقِي، ولا يَسْتَهْوِيَنَّكُم (3)عِصْيَانِي، ولا تَتَرَامَوا بالأَبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي، فَوَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وبَرَأ النَّسَمَةَ إِنَّ الذِي أُنْبِتُكُم بِه عَن النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)(4)، مَا كَذَبَ المُبَلِّغُ، ولا جَهِلَ السَّامِعُ، لَكَانّي أنْظُرُ إِلَى ضِلَّيلِ قَد نَعَقَ بِالشَّامِ، وفَحَصَ بِرَايَاتِهِ(5)فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ، فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ واشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ (6)، وثَقُلَتْ في الأرضِ وَطاتُهُ عَضَتِ الفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَابهَا، وَمَاجَتِ الحَرْبُ بأَمْوَاجِهَا، وبَدَا مِنَ الأيَّامِ كُلُوحُهَا، وَمِنَ اللَّيالي كُدُوحُهَا، فَإِذَا يَنَعَ زَرْعُهُ، وقَامَ عَلَى يَنْعِهِ (7)، وهَدَرَتْ شَفَاشِقُه (8)، وبَرَقَتْ بَوَارِقُهُ،


1) ع: قَبْلَه.

2) حاشية : أي : لا يكسبنكم خلافي، وفي شرح ابن ميثم 492/3 : لا يجر منكم، أي: لا يحملنكم.

3) استهواه: أماله.

4) كذا في ع، ب، وفي الأصل: صلى اللّه عليه وسلم، ومن النادر إسقاط الآل في نسخة الأصل، وفي م، ج: صلى اللّه عليه.

5) في المعارج 229: فحص براياته أي قلبها، وفي المنهاج 441/1، أي: قلب البلاد والعباد في نواحي الكوفة، وقيل ذلك إشارة إلى خروج السفياني، وقيل: المراد به معاوية.

6) حاشية : يقال: فلان شديد الشكيمة، إذا كان أنفا أبيًّا، وفي القاموس أيضًا: الشكيمة: الأنفة، وفلان شديد الشكيمة: أنفٌ أبيٌّ لا ينقاد.

7) في حاشية ب عن نسخة : فإذا أينع روعه وقام على ساقه ينعه.

8) هدرت شقايقه، أي: صاح كصياح البعير الهائج في المنهاج 1/ 442.

عُقِدَت رَايَاتُ الفِتَنِ الْمُعْضِلَةِ، وأَقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ المُظْلِمِ والبَحْرِ المُلْتَطِمِ؛ هَذَا وَكَم يَخْرِقُ الكُوفَةَ مِن قَاصِفٍ، ويَمُرُّ عَلَيْهَا مِن عَاصِفٍ؛ وعَن قَلِيلِ تَلْتَفُّ القُرُونُ بالقُرُونِ (1)، ويُحْصَدُ القَائِمُ ويُخطَمُ المَحْصُودُ (2).

[101] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) تَجْرِي هَذا المَجْرَى

[101] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3)تَجْرِي هَذا المَجْرَى

وذلِكَ يَوْمٌ (4)يَجْمَعُ اللّه فِيهِ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ لِنِقَاشِ الحِسَابِ (5)، وجَزَاءِ الأَعْمَالِ، خُضُوعًا قِيَامًا، قَد أَلجَمَهُمُ العَرَقُ (6)، ورَجَفَتْ بِهِم الأَرضُ «23 أ» ؛ فأَحْسَنُهُم حَالًا مَن وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعًا، ولنَفْسِهِ (7)مُتَسَعًا.

مِنْهَا (8): فِتَنْ كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظْلِمِ لا تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ (9)، ولا تُرَدُّ لَهَا


1) حاشية: تلتف القرون، أي: يموتون كما ماتت القرون.

2) ذكر مؤلف مصدر سابق في 2 / 202 رقم 99 أن (هذا الفصل وما يأتي بعده، والذي يأتي برقم 125 كلها من خطبة واحدة يشير فيها (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الملاحم، ويذكر بعض المغيبات)، ولم يذكر مصادر تخريجها، والخطبة 125 في هذه الطبعة رقمها 127، وهي بالرقم الذي في المطبوع في الشرح 7 / 67 - 68، وبرقم (101) في شرح ابن ميثم 3 / 491.

3) العنوان في س، م: ومن أخرى تجري مجراها.

4) اليوم: إشارة إلى يوم القيامة.

5) نقاش الحساب: المناقشة والتدقيق فيه.

6) ألجمهم العرق، أي: سال من الناس يوم القيامة العرق إلى أن يصل قرب أفواههم.

7) فوقها في الأصل عن نسخة: لنَفَسِهِ.

8) منها: ليست في ع.

9) حاشية: يجوز أن يكون المعنى لا تقوم لها قائمة فرس، أي: لا تقاتل، ويجوز أن يكون المعنى جموع قائمة.

رَايَةٌ، تَأْتِيكُم مَزْمُومَةٌ (1)مَرْحُولَةً يَحْفِرُهَا (2)قَائِدُهَا، ويَجْهَدُهَا رَاكِبُهَا، أهْلُهَا قَوْمٌ شَدِيدٌ كَلَبُهُم (3)، قَلِيلٌ سَلَبُهُم، يُجَاهِدُهُم فِي اللّه قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ المُتكَبْرِينَ، فِي الأَرضِ مَجْهُولُونَ، وفِي السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ، فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذلِكَ مِن جَيْشِ مِن نِقَمِ اللّه لا رَهَجَ لَهُ ولا حِسَّ (4)وسَيُبْتَلَى أهْلُكِ بالمَوْتِ الأحْمَرِ والجُوعِ الأغْبَرِ (5).

[102] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

انْظُرُوا إلى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيْهَا، الصَّادِفِينَ (6)عَنْهَا، فإنَّهَا واللّه عَمَّا قَلِيلِ تُزِيْلُ الثَّاوِيَ (7)السَّاكِنَ، وَتَفْجَعُ المُتَرَفَ (8)الآمِنَ لا تَرْجِعُ (9)


1) في القاموس: زمَّه: شده.

2) يحفزها: يدفعها من الخلف.

3) الكلب: الشّر، وفي المنهاج 443/1، أي: يقتلون ولا يسلبون.

4) حاشية الأصل في نسخة: لا رهج له ولا دخن. وفي شرح ابن ميثم 3 / 495 الرهج: الغبار، والحس: الصوت الخفي.

5) في حاشية لأصل: «بلغت القراءة على المولى علم الهدى إلى هاهنا والحمد اللّه»، وفي حاشية م: «بلغت القراءة» والخطبة بالرقم نفسه في الشرح 7 / 71، وبرقم (102) في شرح ابن ميثم 3 / 393.. وذكر في مصدر سابق 2/ 203 برقم 100 أن (ما نقله الرضي في هذا الموضوع هو مختار خطبة يأتي القول فيها برقم (126) وهي في هذه الطبعة برقم 128 ؛ والموت الأحمر في المنهاج القتل والجوع الأغبر: القحط والجدب.

6) صدف: أعرض.

7) ثوى بالمكان: أقام به.

8) حاشية : أترفته النعمة أطغته.

9) م، ج، ب: يرجع.

مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ، ولا يُدْرَى مَا هوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرَ، سُرُورُهَا مَشُوبٌ بالحُزْنِ، وجَلَدُ (1)الرِّجَالِ فِيهَا إلى الضَّعْفِ والوَهْنِ؛ فلا تَغُرَّنَّكُم كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُم فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُم مِنْهَا، رَحِمَ اللّه امْرَأَ تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ، واعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ، فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنُ مِنَ الدُّنْيَا عَن قَلِيلِ لَم يَكُن، وكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الْآخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَم يَزَلْ، وَكُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضِ، وكُلُّ مُتَوَفَّع آتٍ، وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ.

مِنْهَا : العَالِمُ مَن عَرَفَ قَدْرَهُ، وكَفَى بِالمَرْءِ جَهْلًا أَلَّا يَعْرِفَ قَدْرَهُ، وإِنْ مِنْ (2)أَبْغَضِ الرِّجَالِ إِلَى اللّه لَعَبْدٌ (3)وَكَلَهُ اللّه إِلى نَفْسِهِ، جَائِرٌ (4)عَن قَصْدِ السَّبِيلِ، سَائِرُ (5)بِغَيْرِ دَلِيلِ، إِن دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ، وإِن دُعِيَ إلى (6)حَرْثِ الآخِرَةِ كَسِلَ، كَأَنَّ مَا (7)عَمِلَ لَه وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وكَأَنَّ مَا وَنَى فِيهِ سَاقِطْ عَنْهُ.


1) الجلد: القوة.

2) من ليست في س، م.

3) بالرفع في الأصل، وصوبها بالنصب في الحاشية، وكذا في ع، وبالرفع في س، م.

4) ذكر في الحاشية: في نسخة جائرًا بالنصب، وكذلك في ع، وضبطت في أصل ج: بالرفع والنصب فيها كتب بمداد أحمر.

5) بالرفع أيضًا في س م وفي حاشية الأصل عن نسخة سائرا بالنصب وضبطها في بالرفع في أصل ج، والنصب فيها بمداد أحمر.

6) وإن دعي: ليس في ج، م، ب، ومكانها: أو إلى.

7) في الأصل: لما، وما أثبت في س، م، ب.

مِنْهَا: وذلِكَ زَمَانٌ لا يَنْجُو فِيهِ إِلَّا كُلُّ مُؤمِن نُوَمَةٍ (1)، إن شَهِدَ لَم يُعْرَفْ، وإن غَابَ لَم يُفْتَقَدْ؛ أولئكَ مَصَابِيحُ اهْدَى، وأعْلامُ السُّرَى، لَيْسُوا بالمَسَابيح، ولا المذابيعِ البُذُرِ، أولئكَ يَفْتَحُ اللّه فَهُم أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ، ويَكْشِفُ عَنْهُم ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ.

أيُّهَا النَّاسُ، سَيَأتِي عَلَيْكُم زَمَانٌ يُكْفَأُ (2)فِيهِ الإِسْلامُ كَمَا يُكْفَأُ الإِناءُ بِمَا فِيهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللّه قَد أَعَادَكُم مِن أن يَجُورَ عَلَيْكُم، ولَم يُعِذْكُم مِن أن يَبْتَلِيَكُم، وقَد قَالَ جَلَّ مِن قَائل: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتِ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ» (3).

أَمَّا (4)قَوْلُهُ : (كُلُّ مُؤمِن نُوَمَةٍ)، فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الحَامِلَ الذِّكْرِ، القَلِيلَ الشَّرُ والمَسَايِيحُ : جَمْعُ مِسْيَاح، وهو الذي يسيحُ بَيْنَ النَّاسِ بالفَسَادِ والنَّمائِمِ، والمذاييعُ: جَمعُ مِذْيَاعٍ، وهُوَ الذِي إِذَا سَمِعَ لِغَيْرِهِ بِفَاحِشَةٍ أَذَاعَهَا، ونَوَّهَ بِهَا (5)، والبُذُرُ : جَمْعُ بَذُورٍ، وهُوَ الذِي يَكْثُرُ سَفَهُهُ، ويَلْغُو مَنْطِقُه (6).


1) في الأصل بفتح الواو وسكونها وجنبها معا، وفي الحاشية: النُّؤْمة: الضعيف، والنُّومة بفتح الواو : الكثير النوم. وهي من صيغ المبالغة المسموعة. المحقق.

2) كفأت الإناء: قلبته لوجهه.

3) المؤمنون 23 / 30.

4) قبلها في الحاشية : قال السيد (رضیَ اللّهُ عنهُ)، وفي س، م. قال السيد، وفي ع: قال الشريف.

5) حاشية ناه: ارتفع، ونوهت باسمه، أي: رفعت ذكره.

6) بالرقم نفسه في الشرح 73/7 - 77، وبرقم (193) في شرح ابن ميثم 495/3، وبرقم 101 في مصدر سابق 2/ 206 - 207.

[103] ومِن خُطْبَة لَه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد تَقَدَّم مُخْتَارُهَا بِخِلافِ هذه الرّوَايَةِ

[103] ومِن خُطْبَة لَه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد تَقَدَّم مُخْتَارُهَا بِخِلافِ هذه الرّوَايَةِ (1)

أمَّا بَعْدُ فإنَّ اللّه سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)(2)، ولَيْسَ أَحَدٌ مِنَ علي العَرَبِ يَقْرَأُ كِتَابًا، ولا يَدَّعِي نُبُوَّةً ولا وَحْيَّا؛ فَقَاتَلَ بِمَن أطَاعَهُ مَن عَصَاهُ يَسُوقُهُم إِلَى مَنْجَاتِهِم، ويُبَادِرُ بِهم السَّاعَةَ أن تَنْزِلَ بِهِم يَخسِرُ الحَسِيرُ (3)، ويَقفُ الكَسِيرُ، فيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ، إِلَّا هَالِكًا لا خَيْرَ فِيهِ، حَتَّى أَرَاهُم مَنْجَاتَهُم، وبَوَّاهُم محَلَّتَهُم، فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُم (4)، واسْتَقَامَت قناتهم.

وأَيْمُ اللّه لَقَد كُنْتُ مِن سَاقَتِهَا (5)حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا، واسْتَوْسَقَتْ (6)في قِيَادِهَا مَا ضَعُفْتُ ولا جَبُنْتُ، ولا خُنْتُ ولا وَهَنتُ، وأيمُ اللّه لأبْقُرَنَّ البَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الحَقَّ مِن خَاصِرَتِهِ.


1) من خطبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند مسيره لقتال أهل البصرة في صفحة 69، وقد تقدم مختارها بخلاف هذه الرواية : ليس في ب.

2) وآله ليست في س، م.

3) الحسير : الذي أعيا في طريقه.

4) الرحا: قطعة من الأرض تستدير وترتفع على ما حولها.

5) الساقة: مؤخر الجيش في القاموس، وفي المعارج 200 : قيل : معناه أنه آخر من سمع حديث الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وروى عنه، ورآه في الجسد.

6) وسق: اجتمع وانتظم وفي المعارج 200 استوثقت - بالثاء - في قيادها، أي: كنت مطيعا لمن تقدمني.

وقد (1)تَقَدَّم مُخْتَارُ هَذِهِ الخَطْبَةِ إِلَّا أَنِّي وَجَدْتُهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى خلافِ مَا سَبَقَ مِن زِيَادَةٍ ونُقْصَانِ، فأوجَبَتِ الحَالُ إثْبَاءَهَا ثَانِيَةٌ (2)

[104] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) «23 أ»

حَتَّى بَعَثَ اللّه مُحَمَّدًا (3)شَهِيدًا وبَشِيْرًا ونَذِيرًا، خَيْرَ البَرِيَّةِ طِفْلًا، وأنْجَبَهَا كَهْلًا، أطْهَرَ المُطَهَّرِينَ شِيمَةٌ (4)، وأجْوَدَ المُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً؛ فَمَا احْلَوْلَتْ (5)لَكُمُ الدَّنْيَا فِي لَذَّتِهَا، ولا تَتَكَّنتُم مِن رَضَاعَ أَخْلافِهَا (6)إِلَّا مِن بَعْدِ مَا (7)صَادَفْتُمُوهَا جَائِلًا خِطَامُهَا، قَلِقًا وَضِينُهَا (8)، قَد صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ المَخْضُودِ (9)، وحَلالُها بَعِيْدًا غَيْرَ


1) قبلها في الأصل: قال الرضي، وليس في س، م، ب، والتعليق ليس في ج، ع.

2) بالرقم نفسه أيضًا في الشرح 79/7، وبرقم (104) في شرح ابن ميثم 498/3، وعلق مؤلف كتاب مصدر سابق 2/ 208 برقم 102 على هذه الخطبة بقوله: وقد تقدم القول منا أيضًا في مدركها برقم 33 خطب، وهي بالرقم نفسه بهذه الطبعة.

3) مكانها في س، م: وسَلَّم، ب: وآله وسلم، ع: صلى اللّه عليه.

4) الشيمة: الخلق.

5) احلولا: حلا.

6) الخلف: حلمة الضرع.

7) س، م: من بعده، وفي حاشية ب عن نسخة من بعدما صادفتم.

8) الوضين: حزام الهودج.

9) حاشية: المخضود: الذي لا شوك فيه.

مَوْجُودِ، وصَادَفْتُمُوهَا واللّه ظِلَّا مَمْدُودًا إلى أَجَلٍ مَعْدُودٍ؛ فالأرضُ لَكُم شَاغِرَةٌ(1)، وأَيْدِيكُم فِيْهَا مَبْسُوطَةٌ، وأَيْدِي القَادَةِ عَنْكُم مَكْفُوفَةٌ، وسُيُوفُكُم عَلَيْهِم (2)مُسَلَّطَةٌ، وسُيُوفُهُم عَنْكُم مَقْبُوضَةٌ.

ألا إِنَّ لِكُلِّ دَم ثَائِرًا، ولِكُلِّ حَقٌّ طَالِبًا، وإِنَّ الثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالحَاكِمِ فِي حَقٌّ نَفْسِهِ، وهوَ اللّه الذي لا يُعْجِزُهُ مَن طَلَبَ، ولا يَفُوتُهُ مَن هَرَبَ؛ فأُقْسِمُ بِاللّه يَا بَنِي أُمَيَّةَ عَمَّا قَلِيلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُم، وفِي دَارٍ عَدُوِّكُم. ألا إِنَّ أَبْصَرَ الأَبْصَارِ مَا نَفَذ في الخيْر طَرْفُهُ، ألا إِنَّ أسْمَعَ الأَسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذكير وقَبِلَهُ.

أَيُّهَا النَّاسُ، اسْتَصْبِحُوا مِن شُعْلَةٍ مِصْبَاح واعِظ مُتَّعِظ، وامْتَاحُوا (3)مِن صَفْوِ عَيْنِ قَد رُوِّقَتْ (4)مِنَ الكَدَرِ.

عِبَادَ اللّه، لا تَرْكَنُوا إلى جَهَالَتِكُم، ولا تَنْقَادُوا لَأَهْوَائِكُم (5)فَإِنَّ النَّازِلَ بِهَذا المَنْزِلِ نَازِلٌ بِشَفَا جُرُفٍ (6)هَارٍ، يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِن مَوْضِعِ إِلَى


1) حاشية: شاغرة: خالية من شغر البلد، أي خلا.

2) س، م: عَلَيْهَا.

3) الماتح: الجاذب للدلو من البئر.

4) الترويق: التصفية.

5) حاشية الأصل: في نسخة: إلى أهوائكم.

6) حاشية: الجرف: ما تجرفته السيول أي أكلته وهار مقلوب من هائر، كقولهم: شاك السلاح، وشائك السلاح وفسر هار بالساقط، والحاشية في المنهاج 450/1، وفي القاموس : رجل هارٍ ضعيف. والقلب أراد به القلب المكاني الذي يراد به تقدم الحرف اللاحق على السابق، وهو سماعي. المحقق.

مَوضِع لِرأي يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأيِ، يُرِيدُ أن يُلصِقَ مَا لا يَلْتَصِقُ، ويُقَرِّبَ مَا لا يَتَقَارَبُ، فاللّه اللّه أَن تَشْكُوا إلى مَن لا يَبْكِي (1)شَجْوَكُم، ومَن يَنْقُضُ (2)بِرَأيهِ مَا قَد أُبْرِمَ (3)لَكُم، إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الإِمَامِ إِلَّا مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ : الإِبلاغ في الموعظة، والاجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ، والإِحْيَاءُ للسُنَّةِ، وإِقَامَةُ الحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِفَّيْهَا، وإِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا، فَبَادِرُوا العِلْمَ مِن قَبْلِ تَصْوِيحِ (4)نَبْتِهِ، ومِن قَبْلِ أَن تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُم عَن مُسْتَتَارِ العِلْمِ مِن عِنْدِ أهْلِهِ، وانْهَوا عَنِ الْمُنْكَرِ، وتَنَاهَوا عَنْهُ، فَإِنَّمَا أُمِرْتُم بِالنَّهِي بَعْدَ التَنَاهِي (5).

[105] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

الحَمْدُ للّه الذِي شَرَعَ الإِسْلامَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ مَن وَرَدَهُ، وأَعَزَّ


1) س، م وحاشية الأصل عن نسخة : يُشْكِي.

2) س، م: لا ينقض.

3) في م: بالبناء للمعلوم والمجهول وفوقها معا.

4) حاشية: صوحت الريح النبت: أيبسته، وكذا في المنهاج 451/1.

5) في نهايتها إشارة قراءة في ج والخطبة بالرقم نفسه في الشرح 79/7 وذكر خلالها مباحث مهمة عن نهاية دولة بني أمية، وما جرى لهم، وبداية الدولة العباسية؛ وهي برقم (105) في شرح ابن ميثم 499/3، وبرقم 103 في مصدر سابق 212/2، وقال مؤلفه: روى هذه الخطبة علي بن إبراهيم في تفسيره بسنده عن الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : خطب أمير المؤمنين بعدما بويع بخمسة أيام خطبة فقال فيها: واعلموا أن لكل حق طالبًا..

أرْكَانَهُ عَلَى مَن غَالَبَهُ، فَجَعَلَهُ أمْنا مَن عَلِقَهُ، وسِلَّما لَمَن دَخَلَهُ، وبُرْهَانًا لَن تَكَلَّمَ بِهِ، وشَاهِدًا لَن خَاصَمَ بِهِ، وَنُورًا مِن اسْتَضَاءَ بِهِ، وفَهُما لَن عَقَلَ، ولُنَّا لَمَن تَدَبَّرَ، وآيةً لَن تَوَسَّمَ (1)، وتَبْصِرَةً لَن عَزَمَ، وعِبْرَةً مَن اتَّعَظَ، ونَجَاةً لَن صَدَّقَ، وثِقَةٌ مَن تَوَكَّلَ، وَرَاحَةً لَمَن فَوَّضَ، وجُنَّةً لَمَن صَبَرَ؛ فَهُوَ أَبْلَجُ (2)المناهج، وأوضَحُ الولائحِ (3)، مُشْرِفُ المَنَارِ، مُشْرِقُ الجَوَادٌ، مُضِيءُ المَصَابِيحِ، كَرِيْمُ المِضْمَارِ (4)رَفِيعُ الغَايةِ، جَامِعُ الحَلْبَةِ (5)، مُتَنَافَسُ السَّبْقَةِ، شَرِيفُ الفُرْسَانِ التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ، وَالصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ، والموت غَايَتُهُ، والدُّنْيَا مِضْمَارُهُ، والقِيَامَةُ حَلْبَته، والجَنَّةُ سَبْقَتُهُ.

مِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

مِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (6)

حَتَّى أَوْرَى قَبَسًا لِقَابِسِ، وأنارَ عَلَما حَابِسِ (7)فَهُوَ أَمِينُكَ المَأمُونُ، وشَهِيْدُكَ يَوْمَ الدِّينِ، وبَعِيْتُكَ نِعْمَةً، وَرَسُولُكَ بالحَقِّ رَحْمَةً.

اللّهمَّ اقْسِمُ لَهُ مَقْسَمَا مِن عَدْلِكَ، واجْزِهِ مُضَعَّفَاتِ الخَيْرِ مِن


1) لمن توسم في المنهاج 1 / 454، أي: علامة لمن تفرس.

2) الأبلج: الواضح المشرق.

3) الوليجة: بطانة الرجل وخاصته.

4) المضمار: محل تضمير الخيل للسباق.

5) حاشية : الحلبة : اسم لجماعة الخيل تجتمع للسباق، وفي القاموس: الحلبة الدفعة من الخيل في الرهان وخيل تجتمع للسباق من كل أوب للنصرة.

6) أسقط الآل في الأصل، وما أثبت من ب، وفي ج: وعلى آله.

7) القبس الشعلة، وأورى أشعل، والحابس: الواقف بالمكان.

فَضْلِكَ. اللّهمَّ أعْلِ عَلَى بِنَاءِ البَانِينَ بِنَاءَهُ، وأَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزَلَهُ (1)، وشَرِّف عَنْدَكَ مَنْزِلَهُ، وآتِهِ الوَسِيلَةَ (2)، وأَعْطِهِ السَّناءَ (3)والفَضِيلَةَ، واحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ (4)غَيْرَ خَزَايَا، ولا نَادِمِينَ، ولا نَاكِبِينَ ولا نَاكِثِينَ(5)«24 أ»، ولا ضَالِّينَ (6)ولا مَفْتُونِينَ.

وقَد مَضَى هَذَ الكَلامُ فِيمَا تَقَدَّمَ إِلَّا أَنَّا كَرَّرْنَاهُ هَاهُنَا لِمَا فِي الرِّوَايَتَيْنِ مِن اخْتِلافِ (7).

مِنْهَا فِي خِطَابِ أَصْحَابِهِ

مِنْهَا فِي خِطَابِ أَصْحَابِهِ (8)

وقَد بَلَغْتُم مِن كَرَامَةِ اللّه لَكُم مَنْزِلَةً يُكْرَمُ(9)بِهَا إِمَاؤكُم، ويُوصَلُ بِها جِيرَانُكُم، ويُعَلِّمُكُم مَن لا فَضْلَ لَكُم عَلَيْهِ، ولا يَدَ لَكُم عِنْدَهُ، ويَهَابُكُم مَن لا يَخَافُ لَكُم سَطْوَةً، ولا لَكُم عَلَيْهِ إمْرَةً.


1) النزل: ما يهيأ للنزيل من ضيافة ونحوها.

2) حاشية : الوسيلة درجة في الجنة.

3) السناء: الرفعة.

4) الناكب: المنحرف عن الطريق.

5) بعدها في س، م، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة: ولا ضَالَّين ولا مَفْتُونِين.

6) في حاشية ج: ولا مُضِلَّين، وبجانبها صح.

7) في خطبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي علم فيها الناس الصلاة عليه صلوات اللّه عليه، وهي برقم (71)، وتعليق الرضي ليس في س، م، ج.

8) ع: منها في خصائص الصحابة.

9) س، م، ج: تُكرم. وتحت الناء في ج بمداد أحمر نقطتان. تُكْرَمُ.

وقَد تَرَوْنَ عُهُودَ اللّه مَنْقُوضَةٌ؛ فلا تَغْضَبُونَ، وأنتُم لِنَقْضِ ذِمَم آبَائِكُم تَأَنفُونَ، وَكَانَتْ أُمُورُ اللّه عَلَيْكُم تَرِدُ (1)، وعَنْكُم تَصْدُرُ، وإِلَيْكُم تَرْجِعُ، فَمَكَّكْتُم الظَّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُم، وألْقَيْتُم إِلَيْهِم أَزِمَّتَكُم، وأسْلَمْتُم أمُورَ اللّه في أيْدِيهِم يَعْمَلُونَ بالشُّبُهَاتِ، ويَسِيرُونَ بالشَّهَوَاتِ؛ وأَيمُ اللّه لَو فَرَّقَوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ جَمَعَكُمُ اللّه لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُم (2).

[106] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي بَعْضِ أَيَّامٍ صِفِّينَ

[106] ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3)فِي بَعْضِ أَيَّامٍ صِفِّينَ

وقَد رَأَيْتُ جَوْلَتَكُم وانْحِيَازَكُم (4)عَن صُفُوفِكُم تَحُوزُكُم الجُفَاةُ


1) س، م: ترد عليكم.

2) حاشية كأنه منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إشارة إلى يوم القيامة. وهي بالرقم نفسه في الشرح 117/7 - 121 والخطبة برقم (106) في شرح ابن ميثم 503/3، وذكر في مصدر سابق 2 / 217 - 219 برقم 104 (سيأتي الكلام على مصادر هذه الخطبة بحول اللّه وقوته في الحكمة المرقمة 266، وستعرف هناك أن هذه الخطبة والكلمات القصار 30، 31، 266، 268 من خطبة واحدة في مقام واحد) والحكم التي أشار إليها المؤلف تقابل في هذه الطبعة الحكم 27، 258، 260، وسبب الاختلاف في التسلسل بين الطبعتين أن بعض الحكم في المصادر قسمت على حكم عدة فوجب التنويه ثانية.

3) في الأصل: ومن كلام، وما أثبت في س، م، ب، ع، ج. والجولة: الدولة.

4) حاشية: الانحياز: العدول، وفي شرح ابن میثم 580/3 : انحاز زل.

الطَّغَامُ (1)وأعْرَابُ أهْلِ الشَّامِ، وأنْتُم لَهَامِيمُ (2)العَرَبِ، ويَآفِيخُ (3)الشَّرَفِ، والأَنْفُ المُقَدَّمُ، والسَّنَامُ الأعْظَمُ، ولَقَد شَفَى وَحَاوِحَ (4)صَدْرِي أن رأَيْتُكُم بأخَرَةٍ تَكُوزُونَهُم كَمَا حَازُوكُم، وتُزِيْلُونَهُم عَنْ مَوَاقِفِهِم كَمَا أَزَالُوكُم (5)، حَمًّا بالنِّصَالِ (6)، وشَجْرًا(7)بِالرِّمَاحِ، تَرْكَبُ أُولاهُم أَخْرَاهُم، كَالإِبِلِ الهِيْمِ المَطْرُودَةِ تُرْمَى عَن حِيَاضِهَا، وَتُذَادُ (8)عَنْ مَوَارِدِهَا (9).


1) حاشية: الطغام: أوغاد الناس.

2) حاشية لهاميم : جمع محموم، وهو الجواد من الناس والخيل.

3) اليافيخ: جمع يأفوخ، وهو أعلى الدماغ.

4) حاشية: الوحوحة: صوت معه بحح، ووحوح الرجل: نفخ في يده من البرد، وينظر القاموس أيضًا، وفي شرح ابن ميثم 508/3 يصدر عن المتألم.

5) في ب: تحوز ونهم كما حازوكم، وتزيلونهم عن مواقعهم كما أزالوكم.

6) حاشية: الحس: القتل والاستئصال والنصال : جمع نصل، وهي حديدة السهم والرمح والسيف، ينظر في تخريج الخطبة مصدر سابق 2 / 221، والسيف ما لم يكن له مقبض، وفي شرح ابن ميثم 508/3 حسا بالنضال، وفيها قوله: النضال : جمع نضل السيف، وما ورد في أصلنا أصوب ووقع خلط في أوراق نسخة ج، ومن قوله: (وشجرًا بالرماح) إلى نهاية الخطبة تأخر سبع عشرة صفحة، وجاء في بداية الصفحة السابعة عشرة، وتأخرت بعدها خطب كان ينبغي أن يكون موضعها بعد خطبته (في بعض أيام صفين). وعلى كل حال فالتقديم والتأخير ليس في الخطب، وإنما في ترتيب أوراق المخطوط.

7) الشجر: الطعن.

8) تذاد: يساق وتطرد.

9) في نهايتها إشارة قراءة في ج، وبالرقم نفسه في الشرح 123/7، وبرقم (105) في شرح ابن ميثم 2 / 220، ينظر في تخريجها مصدر سابق 2 / 221، وفيه برقم 105.

[107] ومِن خُطْبَةٍ لَه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

وهِيَ مِن خُطَبِ المَلاحِم (1)

الحَمْدُ للّه المُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ، والظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِم بِحُجَّتِهِ، خَلَقَ الخَلْقَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةِ؛ إذ كَانَتِ الرَّوِيَّاتِ لَا تَلِيْقُ إِلَّا بِذَوِي الضَّمَائِرِ، وَلَيْسَ بِذِي ضَمِيْرٍ فِي نَفْسِهِ (2). خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ السُّتُرَاتِ، وأحَاطَ بِغُمُوضٍ عَقَائِدِ السَّرِيرَاتِ.

مِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

مِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (3)

اخْتَارَهُ مِن شَجَرَةِ الأَنْبِيَاءِ، ومِشْكَاةِ (4)الضّياءِ، وذُؤابة العَلْيَاءِ، وسُرَّةِ البَطْحَاءِ، ومَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ، ويَنَابِيعِ الحِكْمَةِ.

مِنْهَا:

طَبِيْبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ قَد أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وأَحْمَى مَوَاسِمَهُ (5)، يَضَعُ مِن ذلِكَ حَيْثُ الحَاجَةُ إِلَيْهِ مِن قُلُوبِ عُمْيِ، وَآذَانِ صُمٌ، وَأَلْسِنَةِ بُكْمِ،


1) س، م: ومن خطبة له من خطب الملاحم.

2) حاشية : في نفسه احتراز لأن الضمائر والمضمرين كلها له.

3) في الأصل: (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وما أثبت في، م، ب، ج، وفي س: صلى اللّه عليه وعلى وآله وسلم، وفي ع: صلوات اللّه عليه وآله.

4) حاشية : المشكاة : الكوة التي ليست نافذة، وكذا في القاموس.

5) المواسم: المسامير التي تكوي.

مُتَتَبَّعْ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الغَفْلَةِ، ومَوَاطِنَ الحَيْرَةِ، لَم يَسْتَضِيئُوا بِأَضْوَاءِ (1)الحِكَمِ، ولَم يَقْدَحُوا بِزِنَادِ العُلُومِ الثَّاقِبَةِ؛ فهُم فِي ذَلِكَ كَالأَنْعَامِ السَّائِمَةِ، والصُّحُورِ القَاسِيَةِ.

قد انْجَابَتِ (2)السَّرَائرُ لأهْلِ البَصَائِرِ، ووضَحَتْ مَحَجَّةُ الحَقِّ لِخَابِطِهَا (3)، وأَسْفَرَتِ السَّاعَةُ عَن وَجْهِهَا، وظَهَرَتِ العَلامَةُ لِمتَوَسِّمِها (4).

ما لي أرَاكُم أشْبَاحًا بِلا أَزْوَاحٍ، وأَرْوَاحًا بلا أَشْبَاحِ (5)، ونُسَاكَا بِلا صَلاح وتُجَارًا بلا أرْبَاحٍ، وأَيْقَاظًا نُوَّمًا (6)، وشُهُودًا غُيِّبًا، ونَاظِرَةً عُمْيًا، وسَامِعَةً صُمَّا، ونَاطِقَةٌ بُكْما ؛ رَايَةُ ضَلالَةٍ قَد قَامَتْ عَلَى قُطْبهَا، وتَفَرَّقَت بِشُعَبِهَا، تَكِيْلُكُم بِصَاعِهَا (7)، وتَخْبِطُكُم بِبَاعِهَا، قَائِدُهَا (8)خَارِجٌ مِنَ اللّه، قَائِمٌ عَلَى الضَّلَّةِ (9)فلا يَبْقَى يومَئِذٍ مِنْكُم إِلَّا تُفَالَةٌ كَثْفَالَةِ القِدْرِ، أو نُفَاضَةٌ كَنُفَاضَةِ العِكْمِ (10)، تَعْرُكُكُم (11)عَرْكَ الأدِيمِ،


1) ع: بأنوار. وفي حاشية الأصل: الحكمة.

2) انجابت: انكشفت.

3) ب: لأهلها.

4) المتوسم : المتفرس.

5) حاشية : أرواحا بلا أشباح: أي: ناقص، فإن كلا منهما لا يتم دون صاحبه.

6) في الأصل : نُوَما، وما أثبت من م، ب، ج.

7) الصاع: الذي يكال به في القاموس.

8) ب: قائمها.

9) مثلثة الضاد في الأصل، وبالفتح في س، م، ج، ع. والضلّة: الضلال.

10) العكم: العدل.

11) س: تَعْرُكُكُم.

و تَدُوسُكُم دَوْسَ الحَصِيدِ، وتَسْتَخْلِصُ المُؤمِنَ مِن بَيْنِكُم اسْتِخْلاصَ الطَّيْرِ الحَبَّةَ البَطِيْنَةَ (1)مِن بَيْنِ هَزِيلِ الحَبِّ.

أيْنَ تَذْهَبُ بِكُم المَذَاهِبُ، وتَتِيْهُ بِكُم الغَيَاهِبُ (2)، وتَخْدَعُكُم الكَوَاذِبُ، ومِن أيْنَ تُؤْتَوْنَ، وأنَّى تُؤْفَكُونَ (3)، و«لِكُلِّ أَجَلِ كِتَابُ» (4)، ولِكُلِّ غَيْبَة إِيَابٌ، فاسْتَمِعُوا مِن رَبَّانِيكُم (5)، وأحْضِرُوهُ قُلُوبَكُم «24ب»، واسْتَيْقِظوا إن هَتَفَ بِكُم، ولْيَصْدُقُ رَائِدٌ أَهْلَهُ، ولْيَجْمَعْ شَمْلَهُ، وَلْيُحْضِرُ ذِهْنَهُ، فَلَقَد فَلَقَ لَكُمُ الأمْرَ فَلْقَ الخَرَزَةِ، وقَرَفَهُ (6)قَرْفَ الصَّمْعَةِ ؛ فعِنْدَ ذلِكَ أخَذَ البَاطِلُ مأخِذَهُ (7)، ورَكِبَ الجَهْلُ مَرَاكِبَهُ، وعَظُمَتِ الطَّاغِيَةُ، وقَلَّتِ الدَّاعِيَةُ، وصَالَ الدَّهْرُ صِيَالَ السَّبُعِ العَقُورِ، وهَدَرَ فَنِيْقُ (8)البَاطِلِ بَعْدَ كُظُوم (9)، وتَوَاخَى النَّاسُ عَلَى الفُجُورِ، وتَهَاجَرُوا عَلَى الدِّيْنِ، وتَحَابُّوا عَلى الكَذِبِ،


1) البطينة: الممتلئة.

2) الغياهب: الظُّلَم.

3) تؤفكون: تصرفون.

4) الرعد 38/13.

5) حاشية: الرباني المتألّه، العارف باللّه، وكذا في القاموس.

6) حاشية: قرفه: قشره وقلعه.

7) كذا في الأصل، وفي نسخة بحاشيتها: مأخَذَ بفتح الخاء.

8) حاشية: الفنيق: الفحل المكرم، وفي المنهاج 460/1 العجل المكرم.

9) حاشية: كظم البعير كظوما، إذا أمسك عن الجرة، وكذا في المعارج والقاموس

وتَبَاغَضُوا عَلَى الصِّدْقِ؛ فإذَا كَانَ ذلِكَ كَان الوَلَدُ غَيْظًا (1)، والمَطَرُ قَيْظًا، وتَفِيضُ (2)النامُ فَيْضًا، وتَغِيضُ الكِرَامُ غَيْضًا (3)، وَكَانَ أَهْلُ ذلِك الزَّمَانِ ذِتَابًا، وسَلاطِيْنُهُ سِبَاعًا، وأَوْسَاطُهُ أَكَالًا، وفُقَرَاؤهُ أَمْوَاتًا ؛ وغَارَ (4)الصِّدْقُ، وفَاضَ الكَذِبُ، واسْتُعْمِلَتِ المَوَدَّةُ باللَّسَانِ، وتَشَاجَرَ النَّاسُ بالقُلُوبِ، وصَارَ الفُسُوقُ نَسَبًا، والعَفَافُ عَجَبًا، ولبِسَ الإِسْلامُ لُبْسَ الفَرْوِ مَقْلُوبًا (5).

[108] ومِن خُطْبَة لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

كُلُّ شَيْءٍ خَاشِعٌ لَهُ، وَكُلُّ شَيءٍ قَائِمٌ بِهِ، غِنَى كُلِّ فَقِيْرِ، وَعِزُّ كُلِّ ذَلِيْلِ، وقُوَّةُ كُلّ ضَعِيف، ومَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ (6).

مَن تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطْقَهُ، ومَن سَكَتَ عَلِم سِرَّهُ، وَمَن عَاشَ فَعَلَيْهِ


1) حاشية: غيظًا، أي : تفعل ما يغيظ الوالد.

2) س، م: يَفِيضُ.

3) وتغيض الكرام غيضًا: ليس في ع.

4) ب وغاضَ.

5) بالرقم نفسه في الشرح 124/7 - 131، وبرقم (108) في شرح ابن ميثم 508/3، وبرقم 206 في مصدر سابق 227/2، والمعنى في المعارج 203 : كناية عن كثرة البدع في الدين.

6) حاشية الملهوف: المظلوم المستغيث، وهَفَ هُفًا، تحسر وحزن، واللّهفان: المتحسر، وينظر القاموس.

رِزْقُهُ، ومَن مَاتَ فإلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ.

لَم تَرَكَ (1)العُيونُ فَتُخْبِرَ عَنْكَ، بَلْ كُنْتَ قَبْلَ الوَاصِفِينَ مِن خَلْقِكَ، ولَمَ تَخْلُقِ الخَلْقَ لِوَحْشَةِ (2)، ولا اسْتَعْمَلْتَهُم لَنْفَعَةٍ، ولا يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ، ولا يُفْلِتُك مَن أخَذْتَ، ولا يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَن عَصَاكَ، ولا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ مَن أطَاعَكَ، ولا يَرُدُّ أَمْرَكَ مَن سَخِطَ قَضَاءكَ، ولا يَسْتَغْنِي عَنْكَ مَن تَوَلَّى عَن أَمْرِكَ.

كُلُّ سِرٌ عِنْدَكَ عَلانِيَةٌ، وكُلُّ غَيْبِ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ؛ أَنْتَ الأَبَد لا أمَدَ (3)لَكَ، وأنْتَ المُنْتَهَى لا يَحِيْصَ (4)عَنْكَ (5)، وأنْتَ المَوْعِدُ لا مَنْجَى مِنْكَ، بِيَدِكَ نَاصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ، وإِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ، سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِن خَلْقِكَ، َومَا أَصْغَرَ عَظِيْمَهُ فِي جَنْبِ (6)قُدْرَتِكَ، ومَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِن (7)مَلَكُوتِكَ، ومَا أحْقَرَ ذلِكَ فِيمَا غَابَ عَنَّا مِن سُلْطَانِكَ، ومَا أَسْبَغَ نِعَمَكَ فِي الدُّنْيَا، ومَا أَصْغَرَهَا فِي نِعَمِ الآخِرَةِ.


1) في الأصل : تُدْركك، وما أثبت في س، م وحاشية الأصل.

2) حاشية: الوحشة: الخلوة مع الهم، وكذا في المنهاج 1 / 465، وفي القاموس: الوحشة: الهم، والخلوة: والخوف.

3) الأبد: الدائم، والأمد الغاية.

4) حاص عن الشيء: عدل وهرب، والمحيص: المهرب.

5) ب: لك.

6) بعدها في ع: ما نرى.

7) ما نرى من : ساقطة من ع.

مِنْهَا: مِن مَلائِكَةِ أَسْكَنتَهُم سَمَاوَاتِكَ، وَرَفَعْتَهُم عَن أَرْضِكَ، هُم أعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ، وأخْوَفُهُم لَكَ، وأَقْرَبُهُم مِنْكَ، لَم يَسْكُنُوا الأصْلَابَ ولَم يُضَمَّنُوا الأَرْحَامَ، ولَم يُخْلَقُوا «مِن مَّاو مهين» (1)، ولَم للّه مَّهِينٍ يَشْعَبْهُم (2)رَيْبُ المَنُونِ (3)، وإِنَّهُم عَلَى مَكَانِهِم (4)مِنْكَ، ومَنْزِلَتِهِم عِنْدَكَ، واسْتِجْمَاعِ أَهْوَائِهِم فِيكَ، وكَثْرَةِ طَاعَتِهِم لَكَ، وَقِلَّةِ غَفْلَتِهِم عَن أَمْرِكَ، لَو عَايَنُوا كُنْةَ (5)مَا خَفِيَ عَلَيْهِم مِنْكَ لَحَقَرُوا أَعْمَاهُم ؛ ولَأَزْرَوا (6)عَلَى أَنْفُسِهِم، ولَعَرَفُوا أَنَّهُم لَم يَعْبُدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، ولَم يُطِيعُوكَ حَقَّ طَاعَتِكَ. سُبْحَانَكَ خَالِقًا ومَعْبُودًا بِحُسْنِ بَلائِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ، خَلَقْتَ دَارًا، وجَعَلْتَ فِيهَا مَأدُبَةٌ (7): مَشْرَبًا ومطعمًا، وأزْوَاجًا وخَدَما، وقُصُورًا وأَنْهَارًا، وزُرُوعًا وَثِمارًا، ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِيًا يَدْعُو


1) السجدة /832، والمهين: الحقير.

2) في الأصل: يشتعبهم، وكذا في م ع، وحاشية ب عن نسخة أيضًا، وما أثبت في س، ج، ب، وكذا في حاشية الأصل عن نسخة. وفي القاموس: تشعب: تفرق، وأشعب: مات كانشعب وفارق فراقًا لا يرجع، وفي المنهاج 1/ 466، أي : لم يفرقهم الموت.

3) المنون : الدهر.

4) المكانة : المنزلة.

5) كنه الشيء : نهاية حقيقته.

6) في س، م، ج، ع : ولَزَرَوا، وفي حاشية الأصل لزروا على أنفسهم لا غير، من قولهم: زروت عليه.. وفي القاموس أزرى بأخيه : أدخل عليه عيبًا.

7) المأدبة : الطعام يصنع ويدعى إليه.

إلَيْهَا، فَلَا الدَّاعِيَ أَجَابُوا، ولا فِيمَا رَغَبْتَ رَغِبُوا، ولا إلى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ اشْتَاقُوا أَقْبَلُوا عَلَى جِيْفَةٍ «25أ » قَد افْتَضَحُوا بأكلها، واصْطَلَحُوا عَلَى حُبّها، ومَن عَشِقَ شَيْئًا أَعْشَى (1)بَصَرَهُ، وأمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنِ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنِ غَيْرِ سَمِيْعَةٍ، قَد خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ، وأمَانَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ، ووَلَّهتْ (2)عَلَيْهَا نَفْسَهُ، فَهُوَ عَبْدٌ هَا، ومَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا، وحَيْتُها أَقْبَلَتْ أقْبَلَ عَلَيْهَا، لا يتزَجِرُ مِنَ اللّه بِزَاجِرٍ، ولا يَتَّعِظُ مِنهُ بِوَاعِطٍ، وَهُوَ يَرَى الْمَأخُوذِينَ عَلَى الغِرَّةِ حَيْثُ لا إِقَالَةَ ولا رَجْعَةَ (3)، كَيْفَ (4)نَزَلَ بِهِم مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ، وجَاءَهُم مِن فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ، وَقَدِمُوا مِن الْآخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ؛ فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِم، اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِم سَكْرَةُ المَوْتِ وحَسْرَةُ الفَوْتِ (5)، فَفَتَرَتْ لهَا أطْرَافُهُم، وتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُم، ثُمَّ ازْدَادَ المَوْتُ فِيْهِم وُلُوجا، فَحِيلَ بينَ أَحَدِهِم وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ، وإنَّه لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ، ويَسْمَعُ بأَذُنِهِ عَلَى صِحَّةٍ مِن عَقْلِهِ، وَبَقَاءِ مِن


1) م: أغْشَى، أعْشَي، وفوقها معًا.

2) الوله: التحير لشدة الوجد والمحبة.

3) بفتح الراء وكسرها في م، ج، وفوقها معا.

4) كيف : ليست في س، م، ج.

5) سكرة الموت، وحسرة الفوت في المعارج 205: ألم جسماني، وألم روحاني.

لبِّهِ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمْرَهُ، وفِيمَ أذْهَبَ دَهْرَهُ، ويَتَذَكَّرُ أمْوَالًا جَمَعَهَا، أغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا (1)، وأَخَذَهَا مِن مُصَرَّ حَاتِها ومُشْتَبِهَاتِهَا، قَد لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ (2)جَمْعِهَا، وأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا، تَبْقَى مَن وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا، ويَتَمَتَّعُونَ بِهَا؛ فَيَكُونُ المَهنأُ (3)لِغَيْرِهِ، والعِبْءُ عَلَى ظَهْرِهِ، والمَرْءُ قَد غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا (4)، فهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةٌ عَلَى مَا أَصْحَرَ (5)لَهُ عِنْدَ المَوتِ مِنْ أَمْرِهِ، ويَزْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ، ويَتَمَنَّى أَنَّ الذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا، وَيَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ، فَلَم يَزَلِ الْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ (6)سَمْعَهُ، فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لَا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ، ولا يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ، يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِم، يَرَى حَرَكَاتِ الْسِنَتِهِم، ولا يَسْمَعُ رَجْعَ كَلامِهِم (7)، ثُمَّ ازْدَادَ (8)المَوْتُ التِيَاطًا (9)بِه، فَقَبَضَ بَصَرَهُ، كَمَا قَبَضَ سَمْعَهُ، وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِن جَسَدِهِ، فَصَارَ


1) حاشية: أغمض في مطالبها: تساهل في اكتسابها أينما وجدها.

2) التبعة: ما يلحق من إثم وعقاب.

3) المهنأ : المصدر من هَنْوَ، بالضم وهَنِئَ بالكسر.

4) في المنهاج 1 / 467، أي : هلكت نفسه بها.

5) حاشية: أصحر الرجل، أي: خرج إلى الصحراء، وفي شرح ابن ميثم 522/3: أصحر: انكشف.

6) ع: لسانه وسمعه.

7) رجع الكلام: جوابه وترديده.

8) ج: زاد.

9) الالتياط: الالتصاق.

جِيْفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ، قَد أُوحِشُوا مِن جَانِبِهِ، وتَبَاعَدُوا مِن قُرْبِهِ، لا يُسْعِدُ بَاكِيًا، ولا يُجِيبُ دَاعِيًا، ثُمَّ حَمَلُوهُ إلى مَخَطَّ (1)مِن الأَرْضِ، فَأَسْلَمُوهُ (2)فِيهِ إلَى عَمَلِهِ، وانْقَطَعُوا عَن زَوْرَتِهِ.

حَتَّى إذا بَلَغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ، والأمْرُ مَقَادِيرَهُ، وأُلْحِقَ آخِرُ الخَلْقِ بأوَّلِهِ، وجَاءَ مِن أَمْرِ (3)اللّه مَا يُرِيدُهُ مِن تَجْدِيدِ خَلْقِهِ، أَمَادَ السَّمَاءَ وفَطَرَهَا، وأَرَجَّ (4)الأرْضَ وأَرْجَفَهَا (5)، وقَلَعَ جِبَالَهَا ونَسَفَهَا، ودَكَ بَعْضُهَا بَعْضًا (6)مِن هَيْبَةِ جَلالَتِهِ، وتَخَوفِ سَطْوَتِهِ، وأَخْرَجَ مَنْ فِيهَا فَجَدَّدَهُم بَعْدَ إِخْلاقِهِم، وجَمَعَهُم بَعْدَ تَفْرِيْقِهِم، ثُمَّ مَيَّزَهُم لِمَا يُرِيدُ مِن مُسَاءَلَتِهِم عَنِ الأَعْمَالِ وخَبَايَا الأَفْعَالِ، وَجَعَلَهُم فَرِيْقَيْنِ، أَنْعَمَ عَلَى هؤلاءِ وانْتَقَمَ مِن هؤلاء؛ فأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ فَأَثَابَهُم بِجِوَارِهِ، وخَلَّدَهُم فِي دَارِهِ (7)حَيْثُ لا يَطْعَنُ النُّزَّالُ، ولا يَتَغَيَّرُ بِهِمُ الحَالُ، ولا تَنُوبُهُم (8)الأَفْزَاعُ، ولا تَنَاهُم


1) في الأصل، وفي ع: محط، وما أثبت من س، م، ب، وكذا عن نسخة في حاشية الأصل، وبالحاء المهملة في متن شرح ابن ميثم وقال في شرحها : المحطّ كذا: موضع الخطّ كناية عن القبر يخط أولا ثم يحفر، ويروى بالحاء، ومحط القوم: منزلهم.

2) س، م : وأَسْلَمُوهُ.

3) ب: من أمره ما يريده.

4) الرجّ والرجف: الاضطراب الشديد، ويروى رجها بغير همزة، وهو الأشهر.

5) حاشية: أرجفها: جعلها مضطربة.

6) نسفها: قلعها من أصولها وبتّها، ودك بعضها بعضًا: تصادمت.

7) في الأصل: في دار، وما أثبت من س، م، ب، ج.

8) في الأصل ينوبهم وما أثبت في س، م، ب.

الأسْقَامُ، ولا تَعْرِضُ لَهُمُ الأَخْطَارُ، ولا تُشْخِصُهُم (1)الأسْفَارُ.

وأمَّا أهْلُ المَعْصِيَةِ فأنْزَهُم شَرَّ دَارٍ، وغَلَّ الأَيْدِيَ إلى(2)الأَعْنَاقِ، وقَرَنَ النَّوَاصِيَ بالأَقْدَامِ، وأَلْبَسَهُم سَرَابِيلَ القَطِرَانِ (3)، ومُقَطَّعَاتِ (4)النِّيرَانِ فِي عَذَابٍ قَد اشْتَدَّ حَرُّهُ، وَبَابٍ قَد أُطْبَقَ عَلَى أَهْلِهِ فِي نَارٍ لَهَا كَلَبٌ ولَجَبٌ (5)«25 ب» وهَبٌ سَاطِعٌ، وقَصِيفٌ (6)هَائِلٌ، لا يَظْعَنُ قِيْمُهَا، ولا يُفَادَى أَسِيرُهَا، ولا تُقْصَمُ (7)كُبُولُها (8)، لا مُدَّةَ للدار فَتَفْنَى، ولا أَجَلَ لِلقَومِ فَيُقْضَى.

مِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

قَد حَقَّرَ الدُّنْيَا وصَغَرَهَا، وأهْوَنَ بِهَا وهَوَّنَهَا (9)، وَعَلِمَ أَنَّ اللّه سُبْحَانَه (10)زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِيَارًا، وبَسَطَهَا لِغَيْرِهِ احْتِقَارًا؛ فَأَعْرَضَ عَنِ


1) الخطر : الإشراف على الهلاك، وشخص: خرج من منزله إلى آخر، وأشخصه غيره.

2) الأيْدِي إلى : ليس في س، م، ج.

3) حاشية: إشارة لقوله تعالى من سورة إبراهيم 50/4 «سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ

4) في القاموس: المقطعات: القصار من الثياب، ولا واحد له من لفظه، ومن الشعر: قصاره وأراجيزه.

5) الكلب: الشدة، والجلب واللجب: الصوت

6) حاشية : قصيف الرعد وغيره: اشتداد صوته.

7) س، م، ج: يُفْصَمُ، وكذا في شرح ابن ميثم 526/3، وفصمها عنده: كسرها.

8) الكبول : الأغلال، واحدها كبل.

9) حاشية : أهون بها: لم يعتد بها، وهونها: أذلها.

10) س، م، ج: تعالى.

الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وأماتَ ذِكْرَهَا من نَفْسِهِ، وأَحَبَّ أَن تَغِيبَ (1)زِيْنَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَيْ لا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشًا (2)، أو يَرْجُو فِيهَا مُقَامًا. بَلَّغَ عَن رَبِّهِ مُعْذِرًا، ونَصَحَ لأُمَّتِهِ مُنْذِرًا، ودَعَا إلى الجنَّةِ مُبَشِّرًا.

نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، ومَحَطُّ الرِسَالَةِ، ومُخْتَلَفُ الملائِكَةِ، ومَعَادِنُ العِلْمِ، وَيَنَابِيعُ الحِكَمِ (3)، نَاصِرُنَا يَنتَظِرُ الرَّحْمَةَ، وعَدُونَا ومُبْغِضُنَا يَنتظرُ السَّطْوَة (4).


1) في حاشية الأصل عن نسخة: أن تُغَيَّب زينتَهَا.

2) الرياش : اللباس.

3) في ب: الحكم، وبهامشها عن نسخة: الحكم.

4) بالرقم نفسه في الشرح 132/7 - 149، وفيه مبحث عن الفرق بين كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وخطب ابن نباتة، والخطبة برقم (109) في شرح ابن ميثم 3 / 528، وهي برقم 107 في مصدر سابق 2/ 235 - 236. وذكر المؤلف أن هذه الخطبة معروفة ب(الزهراء).

المحتويات

المقدمة...5

مهرجان المعرفة والعدل في نهج علي...5

من أهداف الإبحار في نهج علي...7

أثر مدرسة النبوة في إمام المتقين وسيد البلغاء...9

سيف الإسلام ورايته...12

موقف قريش منه...13

وجه الحياة في نهجه...15

نهجه بعد البيعة...18

محاولات بعض كنَّاز المال...23

زهده في الحياة...24

عاصمة الإمام...27

من آفاق النهج...29

نهج البلاغة...32

حياته بعد رحيل أخيه من خلال النهج...36

حكم الإمام...37

زهده في الحياة...38

الفقراء في نهج علي...41

نهج الحياة....46

بهاء النهج...47

من غريب النهج...52

لغة الإمام والأثر القرآني بها...60

الدولة العادلة في نهج عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...62

تنويه...81

نسخ النهج المعتمدة ومنهجي في التحقيق والتقديم والإعداد...83

النسخة الأولى «نسخة الأصل»...88

منهجي في التحقيق...108

النسخة الثانية...120

مقابلة هذه النسخة...124

النسخة الثالثة...127

النسخة الرابعة...134

النسخة الخامسة...142

النسخة السادسة...149

وهذه النسخة...150

باب المختارِ من خطب أمير المؤمنينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

1 - ومِن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَذْكُرُ فِيهَا ابْتِدَاءَ خَلْقِ السَّمَاءِ والأرض، وخَلْقِ آدَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...173

مِنْهَا فِي صِفَةِ خَلْقِ آدَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...179

2 - ومن خُطْبَة لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِن صِفِّينَ...186

ومنها يَعْنِي آلَ رَسُولِ اللّه صَلَّى اللّه عليه وعليهم...189

3 - ومن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي معروفة بالشَّقْشِقيَّة...191

4 - ومن خُطْبَة لَهُ (عَلَیهِ السَّلَامُ)

5 - ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وخَاطَبَهُ العَبَّاسُ وأَبو سُفْيَانَ بِنُ حَرْبٍ فِي أَن يُبَايِعَاه بالخلافة...200

6 - ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما أشير عليه بألا يتّبعَ طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ ولا يُرْصِدَ لهما القِتَالَ... 202

7 - ومِن خُطْبَة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...203

8 - ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَعْنِي بِهِ الزُّبَيْرَ في حالٍ اقْتَضَتْ ذلك...204

9 - ومِن كَلام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...204

10 - ومن خَطْبَة لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...205

11- ومِن كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابْنِهِ مُحَمَّدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ ما أَعْطَاهُ الرَّايَةَ يُومَ الجُمَلِ...206

12 - ومِن كَلامٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...206

13 - ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي ذَمِّ البَصْرَةِ وأَهْلِهَا...207

14 - ومن كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي مِثْلِ ذَلِكَ...208

15 - ومِنْ كَلامٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِيمَا رَدَّهُ على المسلِمِينَ مِنْ قَطَائِعِ عُثْمانَ...209

16 - ومن خُطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما بويعَ بالمدِينَةِ...210

17 - و من كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصِفُ فِيهِ مَن يَتَصَدَّى للحُكْمِ بَيْنَ الأُمَّةِ وَلَيْسَ لذَلكَ بِأَهْلِ...213

18 - ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذَمِّ اخْتِلافِ العُلَماءِ فِي الفُتْيا...215

19 - ومِن كَلامِ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالَهُ للأشعَثِ بنِ قَيس، وهو على مِنْبَرِ الكُوفَةِ يَخْطُبُ...217

20 - و من خِطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)...219

21 - و من خِطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)...219

22 - ومن خطبة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...220

23 - ومن خطبة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...222

24 - ومِن خُطْبَة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...225

25 - ومن خُطْبَة له (عَلَیهِ السَّلَامُ) وقد تَواتَرَتْ عَلَيْهِ الأَخْبَارُ بِاسْتِيلاء أصْحَابِ مُعَاوِيَةَ على البلاد... 225

26 - ومن خُطبة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...229

27 - ومن خُطبَةٍ له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...231

28 - و من خطبة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...235

29 - و من خِطبة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...238

30 - و من كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مَعْنَى قتل عثمان...240

31 - ومن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...241

32 - ومِنْ خُطْبَة لَهُ (عَلَیهِ السَّلَامُ)...243

33 - ومِن خُطْبَة له (عَلَیهِ السَّلَامُ) عند مَسِيرِهِ لِقِتَالِ أَهلِ البَصْرَة...247

34 - ومِن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في استِنْفَارِ النَّاسِ إلى أهلِ الشَّام...249

35 - و من خُطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد التحكيم...252

36 - ومن خُطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تَخْوِيفِ أَهْل النَّهْرِ...253

37 و من كَلَام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَجْرِي تَجْرَى الخُطْبَةِ...255

38 - ومن خُطْبَة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...256

39 - ومِن خُطْبَة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...257

40- ومن كَلَام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في معنَى الخَوَارِجِ...258

41 - ومن خُطْبَة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...259

42 - ومن خطبة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...260

43- ومن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقَد أَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِالاسْتِعْدَادِ لِحِرْبِ أَهْلِ الشَّامِ...261

44 - ومِن كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ)...263

45 - ومن خطبة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...264

46 - ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) عندَ عَزْمِهِ عَلَى المَسِيرِ إِلى الشَّامِ...265

47 - ومن كَلامِ لَها فِي ذِكْرِ الكُوفَةِ...266

48 - ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَیهِ السَّلَامُ) عندَ المَسِيرِ إلى الشَّامِ...266

49 - ومن خُطْبَة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...268

50 - ومِن خُطْبَة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...269

51 - ومِن کَلام له (عَلَیهِ السَّلَامُ) غَلَبَ أَصْحَابُ مَعَاوِيةَ أصْحَابَه عَلَى شَرِيْعَةِ الفُرَاتِ بِصِفِّينَ وَمَنَعُوهُم من الماء...269

52 - ومِن خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد تَقَدَّمَ مُخْتَارُهَا بُرُوايَةٍ ونَذْكُرُهَا هُنَا بِرِوَايَةٍ أَخْرَى لتَغَاير الروايتين...270

ومِنهَا فِي ذِكْرِ يَومِ النَّحْرِ وصِفَةِ الأُضْحِيَّةِ...272

53 - ومِن کَلام له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...273

54 - ومِن كَلامٍ له وقد اسْتَبْطَأَ أَصْحَابُهُ إِذْنَهُ هُم فِي القِتَالِ بِصِفِّينَ...274

55 - ومِن کَلام له (عَلَیهِ السَّلَامُ)... 275

56 - ومِن كَلامِ لَه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأَصْحَابِهِ...276

57 - و من کَلام له (عَلَیهِ السَّلَامُ) كَلَّمَ بِهِ الخَوَارجَ...277

58 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما عَزَمَ عَلَى حَرْبِ الخَوَارِجِ...278

59 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما قَتَلَ الخَوَارِجَ...279

60- قال (عَلَيهِ السَّلَامُ)...279

61 - ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما خُوِّفَ من الغِيْلَةِ...280

62 - ومن خُطْبَة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...281

63 - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...281

64 - ومِن خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)...283

65 - ومِن كَلامِ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقُولُهُ لأَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَيَّامٍ صِفِّينَ...285

66 - ومِن كَلَامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي مَعْنَى الْأَنْصَارِ...287

67 - ومِن كَلامٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمَا قَلَّد مُحَمَّدَ بنَ أَبِي بَكْرٍ مِصْرَ فَمُلِكَت عَلَيْهِ وقُتِلَ...288

68 - ومِن كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ)فِي ذَمّ أصحَابِهِ...289

69 - وقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي سُحْرَةِ اليَوْمِ الذِي ضُرِبَ فِيهِ...290

70 - و مِن كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي ذَمّ أهلِ العِرَاقِ...291

71 - ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَلَّمَ فيها النَّاسَ الصَّلاةَ عَلَى النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)...292

72 - ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) المرْوانَ بنِ الحَكَمِ بالبَصْرَةِ...294

73 - ومِن كَلَامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَمَّا عَزَمُوا عَلَى بَيْعَةِ عُثْمَانَ...295

74 - ومِن كَلامِ لَه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمّا بَلَغَهُ اتِّهَامٍ بَنِي أَمِيَّةَ له المشاركة في دَمِ عُثْمَانَ...296

75 - ومِن خُطْبَة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...297

76 - ومِن کَلام له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...298

77 - ومِن كَلِمَاتٍ كَانَ يَدْعُو بِهَا كَثِيرًا (عَلَيهِ السَّلَامُ)...299

78 - ومِن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ)...299

79 - ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بَعدَ فَرَاغِهِ مِن حَرْبِ الجَمَلِ فِي ذَمّ النِّسَاءِ...301

80 - ومن كَلامٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...302

81 - و مِن كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي صِفَةِ الدُّنْيا...303

82 - ومِن خُطْبَةٍ له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهِي مِنَ الخَطَبِ العَجِيبَةِ...304

83 - ومِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي ذِكْرِ عَمْرِو بن لعَاصِ...318

84 - ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...319

85 - ومِن خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)...320

86 - ومِن خُطْبَة له (عَلَیهِ السَّلَامُ)...323

87 - ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)...327

88 - ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...328

89 - ومِن خُطة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)...330

90 - ومِن خُطْبَةٍ لهُ لا تُعْرَفُ بِخُطْبَةِ الأَشْبَاحِ وهِي من جَلائِلِ الخَطَبِ...332

ومِنْهَا فِي صِفَةِ المَلائِكَةِ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...339

ومِنهَا فِي صِفَةِ الأَرْضِ وَدَحْوِهَا عَلَى الْمَاء...345

91 - ومِن كَلامِ لَه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمّا أراده النَّاسُ على البَيْعَةِ بَعْدَ قَتْل عُثْمَان...354

92 - ومِن خُطْبَة لَه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...355

93 - ومِن خُطْبَة لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...358

94 - ومِن خُطْبَة لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...360

95 - ومِن خُطْبَة لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...361

مِنْهَا فِي ذِكْرِ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)...362

96 - ومِن كَلامِ لَه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...3665

97 - ومِن کلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 366

98 - ومِن خُطْبَة لَه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...368

99 - ومِن خُطْبَة (عَلَيهِ السَّلَامُ)...369

100 - ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهِيَ مِن خُطَبِهِ لَّتِي تَشْتَمِلُ عَلى ذِكْرِ المَلاحِمِ...369

101 - ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَیهِ السَّلَامُ) تَجْرِي هَذا المَجْرَى...371

102 - ومن خُطْبَة لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...372

103 - ومِن خُطْبَةٍ لَه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد تَقَدَّم مُخْتَارُهَا بِخِلافِ هذه الرّواية...375

104 - ومِن خُطْبَة لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...376

105 - ومِن خُطْبَة لَهُ (عَلَیهِ السَّلَامُ)...378

مِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)...379

مِنْهَا فِي خِطَابِ أَصْحَابِهِ...380

106 - ومِن خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَیهِ السَّلَامُ) فِي بَعْضِ أَيَّامٍ صِفِّينَ...381

107 - ومِن خُطْبَة لَه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...383

مِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)...383

108 - ومِن خُطْبَة لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...386

مِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)...392

المحتويات...395