ghaemiyeh.com
من حياة المعصومين عليهم السلام
الجزء العاشر
الإمام الرضا عليه السلام
المرجع الديني الراحل
السيد محمد الحسيني الشيرازي رحمه اللّه
الشجرة الطيبة
1443 ه 2022 م
النجف الأشرف
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولی للناشر
1443 ه 2022 م
مؤسسة الشجرة الطيبة النجف الأشرف
تهميش
مؤسسة المجتبی للتحقيق والنشر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علی محمد وآله الطاهرين ولعنة اللّه علی أعدائهم أجمعين
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى اللّه على محمد وآله الطاهرين.
أما بعد، فهذا هو الجزء العاشر من سلسلة (من حياة المعصومين) صلوات اللّه عليهم أجمعين، ويتضمن إشارات مختصرة لجوانب من حياة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) .
أسأل اللّه تعالى التوفيق والقبول، إنه سميع مجيب.
قم المقدسة
محمد الشيرازي
1410ه
1
هو الإمام علي، بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين)، من أهل بيت تمّت بموالاتهم الكلمة وعظمت النعمة وائتلفت الفرقة، وبموالاتهم تُقبل الطاعة المفترضة، ولهم المودّة الواجبة، والدرجات الرفيعة، والمقام المحمود، والمكان المعلوم عند اللّه عزوجل، والجاه العظيم، والشأن الكبير، والشفاعة المقبولة(1).
كنيته (عليه السلام) : أبو الحسن، ويُعرف بأبي الحسن الثاني. فإن (أبا الحسن الأول) هو الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) .. و(أبا الحسن الثالث) هو الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) (2).
أشهر ألقابه (عليه السلام) : الرضا.
ومن ألقابه أيضاً: (الصابر، والرضي، والوفي)(1)، والزكي، والولي.
وقد لقّبه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بخير أهل الأرض(2).
أما (الرضا): فقد كان (عليه السلام) راضياً بقضاء اللّه وقدره، مرضياً عنده تعالى، فلُقّب بالرضا والرضيّ.
وروي: إنما سمي (عليه السلام) الرضا لأنه كان رضاً لله تعالى في سمائه، ورضاً لرسوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) بعده في أرضه. ولأنه رضي به المخالف والموافق.
عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي(3)قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن موسى (عليه السلام) : إن قوماً من مخالفيكم يزعمون أباك إنما سماه المأمون الرضا، لماّ رضيه لولاية عهده؟ فقال (عليه السلام) : «كذبوا واللّه وفجروا، بل اللّه تبارك وتعالى سمّاه الرضا (عليه السلام) ، لأنه كان رضيّاً لله عزوجل في سمائه، ورضياً لرسوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة من بعده (عليهم السلام) في أرضه».
قال فقلت له: ألم يكن كل واحد من آبائك الماضين (عليهم السلام) رضياً لله تعالى ولرسوله والأئمة (عليهم السلام) ؟ فقال (عليه السلام) : «بلى».
فقلت: فلم سمي أبوك من بينهم الرضا (عليه السلام) ؟ قال (عليه السلام) : «لأنه رضي به المخالفون من أعدائه كما رضي به الموافقون من أوليائه، ولم يكن ذلك لأحد من آبائه (عليهم السلام) فلذلك سمي من بينهم الرضا (عليه السلام) »(4).
1) انظر بحار الأنوار: ج49 ص2 ب1 ح3.
2) كشف الغمة: ج2 ص312 باب مولد الرضا (عليه السلام) .
3) من أصحاب الإمام الكاظم والرضا والجواد (عليهم السلام) ، ثقة، جليل القدر، عظيم المنزلة عند الإمام الرضا (عليه السلام) ، له كتاب «الجامع» وهو من أصحاب الإجماع، وممن لايروون ولايرسلون إلاّ عن ثقة.
4) مدينة المعاجز: ج7 ص243- 244 ب 8 فصل154 ح2298.
وعن سليمان بن حفص المروزي قال: كان موسى بن جعفر (عليه السلام) سمى ولده علياً (عليه السلام) : الرضا، وكان يقول (عليه السلام) :«ادعوا إليّ ولدي الرضا، وقلت لولدي الرضا، وقال لي ولدي الرضا»، وإذا خاطبه قال (عليه السلام) : «يا أبا الحسن»(1).
أما الصابر: فلأنه (عليه السلام) صبر على ما لاقاه من ظلم وجور، وخاصة في عهد المأمون العباسي، فلُقّب بالصابر.
أما الوفي: فلأنه (عليه السلام) وفي بعهد اللّه تعالى وأدّى الأمانة كما أمره الباري عزوجل، فلُقّب بالوفيّ.
أما الزكي: فلأنه (عليه السلام) الطاهر المطهر، وهو من أهل بيت أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، ولأنه النامي ذكره على مرّ الدهور، والباقي اسمه على مرّ العصور.
أما الولي: فقد اختاره اللّه عزوجل ليكون ولياً من أوليائه، وخليفةً من خلفاء رسوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، وحجةً على خلقه، فلُقّب بالولي.
والده (عليه السلام) هو: الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) ، وهو السابع من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) .
والدته (عليه السلام) هي: السيدة نجمة(2)(عليها السلام) ، ويقال لها سكن النوبية(3)وتُكْتَم(4)،
وطاهرة(1).
وقيل: إنها (عليها السلام) كانت تسمى: خيزران المرسية(2).
وقيل: أروى، وسمان(3).
وقد ذكرنا أنه ربما كان يسمى الشخص آنذاك بعدة أسماء.
وكانت (عليها السلام) تُكنى: أم البنين(4).
قال الشاعر:
ألا أن خير الناس نفساً ووالداً***ورهطاً وأجداداً علي المعظّم
أتتنا به للعلم والحلم ثامناً***إماماً يؤدي حجة اللّه تُكتَم(5)
روي أنه اشترت حميدة المصفاة (عليها السلام) وهي أم أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) وكانت من أشراف العجم، جارية مولدة(6)اسمها (تُكتَم) فكانت من أفضل النساء في عقلها ودينها وإعظامها لمولاتها حميدة (المصفا)، حتى أنها ما جلست بين يديها منذ ملكتها إجلالاً لها، فقالت لابنها موسى (عليه السلام) : يا بني إن تُكتَم جارية ما رأيت جارية قط أفضل منها، ولست أشك أن اللّه تعالى سيظهر نسلها إن كان لها نسل، وقد وهبتها لك فاستوص خيراً بها(7)، فلما ولدت له الرضا (عليه السلام) سمّاها الطاهرة(8).
1) سماها الإمام الكاظم (عليه السلام) بالطاهرة، انظر مناقب آل أبي طالب: ج3ص476.
2) تاج المواليد: ص 48باب10، مناقب آل أبي طالب: ج3 ص475، وفي الهداية الكبرى نسبة هذا الاسم إلى أم الجواد (عليه السلام) : ص295 باب11.
3) بحار الأنوار: ج49 ص7 ب1ح8.
4) الكافي: ج1 ص486 باب مولد أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ، روضة الواعظين: ص235.
5) كشف الغمة: ج3 ص105 ب7.
6) وهي التي ولدت بين العرب ونشأت مع أولادهم وتأدبت بآدابهم.
7) إعلام الورى: ج2 ص40-41 ب7 فصل1.
8) الأنوار البهية: ص210.
وعن علي بن ميثم(1)
وأخبارهم ومناكحهم منه.
عن أبيه قال: لما اشتريتُ لحميدة أم موسى بن جعفر (عليه السلام) أم الرضا (عليه السلام) نجمة، ذكرت حميدة أنها رأت في المنام رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يقول لها: «يا حميدة هبي نجمة لابنك موسى، فإنه سيولد له منها خير أهل الأرض» فوهبتها له، فلما ولدت له الرضا (عليه السلام) سماها الطاهرة، و كانت لها أسماء منها: نجمة وأروى وسكن وسمانة وتكتم و هو آخر أساميها(2).2
وُلد الإمام علي الرضا (عليه السلام) يوم الجمعة، بالمدينة المنورة، في الحادي عشر من شهر ذي القعدة، عام 148 للهجرة(1).
روى علي بن ميثم عن أبيه قال: سمعت أمي تقول: سمعت نجمة أم الرضا (عليه السلام) تقول:
لما حملتُ بابني علي (عليه السلام) لم أشعر بثقل الحمل، وكنت أسمع في منامي تسبيحاً وتهليلاً وتحميداً من بطني، فيفزعني ذلك، فاذا انتبهت لم أسمع شيئاً، فلما وضعته وقع إلى الأرض واضعاً يده على الأرض رافعاً رأسه إلى السماء يحرك شفتيه كأنه يتكلم، فدخل إليّ أبوه موسى بن جعفر (عليه السلام) فقال لي: «هنيئاً لك يا نجمة كرامة ربك».
فناولته إياه في خرقة بيضاء، فأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ودعا بماء الفرات فحنّكه به، ثم ردّه إليّ وقال: «خذيه فإنه بقية اللّه في أرضه»(2).
وقال أبو الحسن الأول الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) لأحد أصحابه(3): «هل
علمت أحداً من أهل المغرب قدم»؟
قلت: لا.
فقال (عليه السلام) : «بلى قد قدم رجل أحمر، فانطلق بنا»، فركب (عليه السلام) وركبت معه حتى انتهينا إلى الرجل، فإذا رجل من أهل المدينة معه رقيق، فقال (عليه السلام) له: «اعرض علينا».
فعرض علينا سبع جوار، كل ذلك يقول أبو الحسن (عليه السلام) : «لا حاجة لي فيها»، ثم قال له: «أعرض علينا»، قال ما عندي شيء، فقال (عليه السلام) له: «بلى أعرض علينا»، قال: لا واللّه ما عندي إلاّ جارية مريضة!
فقال (عليه السلام) له: «ما عليك أن تعرضها»، فأبى عليه، فانصرف (عليه السلام) ثم أرسلني من الغد إليه، فقال: قل له: كم كان غايتك فيها؟ فإذا قال كذا وكذا، فقل: قد أخذتها.
فأتيته فقال: ما كنت أريد أن أنقصها من كذا وكذا، فقلت: قد أخذتها، فقال: هي لك ولكن أخبرني مَن الرجل الذي كان معك بالأمس؟
فقلت: رجل من بني هاشم.
فقال: من أيّ بني هاشم؟
(فقلت: من نقبائهم، فقال: أريد أكثر منه).
فقلت: ما عندي أكثر من هذا.
فقال: أخبرك عن هذه الوصيفة إني اشتريتها من أقصى بلاد المغرب فلقيتني امرأة من أهل الكتاب فقالت: ما هذه الوصيفة معك؟
فقلت: اشتريتها لنفسي.
فقالت: ما ينبغي أن تكون هذه الوصيفة عند مثلك، إن هذه الجارية ينبغي أن تكون عند خير أهل الأرض فلا تلبث عنده إلاّ قليلاً حتى تلد منه غلاماً ما يولد بشرق الأرض ولا غربها مثله.
قال: فأتيته بها، فلم تلبث عنده إلاّ قليلاً حتى ولدت الرضا (عليه السلام) (1).
1) راجع الكافي:ج1 ص486-487 باب مولد أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ح1، الاختصاص: ص197.
3
نشأ الإمام علي الرضا (عليه السلام) في بيت العلم والتقوى، بيت النبوة والإمامة، وأقام مع أبيه الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) خمساً وثلاثين سنة، فأخذ منه علوم النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وعلوم جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام) وآبائه الطاهرين (عليهم السلام) ، مضافاً إلى ما منحه اللّه من العلم اللدُني.
وقد اعترف بفضل الإمام الرضا (عليه السلام) القاصي والداني، وأذعن بعلو شأنه وجلالته الجميع من الموالين والمخالفين.
وفي كتب العامة: (إنه (عليه السلام) كان سيد بني هاشم وكان المأمون يعظّمه ويجُلّه وعهد له بالخلافة وأخذ له العهد)(1).
وقال المأمون لابن أبي الضحاك وقد أرسله لإشخاص الإمام (عليه السلام) إلى خراسان: (هذا خير أهل الأرض وأعلمهم وأعبدهم)(2).
وروي أنه صعد المأمون المنبر لما بايع علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فقال: (أيها الناس جاءتكم بيعة علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) ، واللّه لو قرأت هذه الأسماء على الصم البكم لبرؤوا
بإذن اللّه عزوجل)(1).
وقال المأمون: في حوار له مع الإمام الرضا (عليه السلام) : (لا أبقاني اللّه بعدك يا أبا الحسن، فو اللّه ما يوجد العلم الصحيح إلاّ عند أهل هذا البيت، وإليك انتهت علوم آبائك، فجزاك اللّه عن الإسلام وأهله خيرا)(2).
وفي تهذيب التهذيب: (كان الرضا (عليه السلام) من أهل العلم والفضل مع شرف النسب)(3).
وقال بعض من عاصر الإمام (عليه السلام) : (فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدقوه)(4).
وقال ابن حجر في صواعقه:
(وكان أولاد موسى بن جعفر حين وفاته سبعة وثلاثين ذكراً وأنثى، منهم علي الرضا (عليه السلام) وهو أنبههم ذكراً وأجلهم قدراً، ومن ثم أحله المأمون محل مهجته وأنكحه ابنته وأشركه في مملكته، وفوض إليه أمر خلافته، فإنه كتب بيده كتاباً سنة إحدى ومائتين بأن علياً الرضا ولي عهده وأشهد عليه جمعاً كثيرين، لكنه توفي قبله، فأسف عليه كثيراً، وأخبر (عليه السلام) قبل موته بأن يأكل عنباً ورماناً مبثوثا ويموت، وأن المأمون يريد دفنه خلف الرشيد فلم يستطع فكان ذلك كله كما أخبر به)(5).
1) الأمالي: ص 758 المجلس76 ح1024.
2) مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني: ج7 ص153-154 ب 8 فصل110 ح2243/141.
3) تهذيب التهذيب لابن حجر: ج7 ص340، نقلاً عن السمعاني صاحب الأنساب، راجع الأنساب: ج3 ص74.
4) إعلام الورى: ج2ص64 فصل 4 ب 7.
5) انظر الصواعق المحرقة: ص122، وانظر أيضاً، (فضائل آل الرسول من الصواعق المحرقة) للإمام المؤلف (رحمه اللّه) .
4
الإمام علي الرضا (عليه السلام) هو الإمام الثامن من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين نص على إمامتهم رسولُ اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) واحداً بعد واحد(1)، كما نص على إمامته أبوه الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) ومَن قبله من الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) .
قال محمد بن إسماعيل: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) وقد اشتكى شكايةً شديدة، فقلت له: إن كان ما أسأل اللّه أن لا يريناه فإلى من؟ قال (عليه السلام) : «إلى عليّ ابني، وكتابه كتابي، وهو وصيي وخليفتي من بعدي»(2).
وعن زكريا بن آدم عن داود بن كثير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : جُعلت فداك وقدّمني للموت قبلك، إن كان كون فإلى من؟ قال (عليه السلام) : «إلى ابني موسى» فكان ذلك الكون فو اللّه ما شككت في موسى (عليه السلام) طرفة عين قط، ثم مكثت نحواً من ثلاثين سنة ثم أتيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) قلت له: جُعلتُ فداك إن كان كون فإلى من؟ قال (عليه السلام) : «علي ابني» قال: فكان ذلك الكون فواللّه ما شككت في علي (عليه السلام) طرفة عين قط(3).
وعن داود الرقي قال: قلت لأبي إبراهيم موسى بن جعفر (عليه السلام) : جُعلت فداك قد كبر سني فحدثني مَن الإمام بعدك؟ فأشار (عليه السلام) إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وقال: «هذا صاحبكم من بعدي»(1).
وعن يزيد بن سليط الزيدي(2)في حديث عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) قال: «يخرج اللّه تعالى منه - أي من ابنه موسى (عليه السلام) - عزوجل غوث هذه الأمة وغياثها، وعلمها ونورها، وفهمها وحكمها، خير مولود وخير ناشئ، يحقن اللّه تعالى به الدماء، ويصلح به ذات البين، ويلم به الشعث، ويشعب به الصدع، ويكسو به العاري، ويشبع به الجائع، ويؤمن به الخائف، وينزل به القطر، ويأتمر به العباد، خير كهل، وخير ناشئ، يبشر به عشيرته قبل أوان حلمه، قوله حكم، وصمته علم، يبين للناس ما يختلفون فيه»...
قال يزيد: ثم لقيت أبا الحسن يعني موسى بن جعفر (عليه السلام) بعد فقلت له: بأبي أنت و أمي إني أريد أن تخبرني بمثل ما أخبرني به أبوك...
قال (عليه السلام) : «أخبرك يا أبا عمارة إني خرجت من منزلي فأوصيت في الظاهر إلى بني فأشركتهم مع علي ابني، وأفردته بوصيتي في الباطن، ولقد رأيت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في المنام وأمير المؤمنين (عليه السلام) معه، ومعه سيف وخاتم وعصا وكتاب وعمامة، فقلت له: ما هذا؟ فقال: أما العمامة فسلطان اللّه عزوجل، وأما السيف فعزة اللّه عزوجل، وأما الكتاب فنور اللّه عزوجل، وأما العصا فقوة اللّه
عزوجل، وأما الخاتم فجامع هذه الأمور، ثم قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : والأمر يخرج إلى علي ابنك».
ثم قال (عليه السلام) : «يا يزيد إنها وديعة عندك فلا تخبر بها إلاّ عاقلاً أو عبداً امتحن اللّه قلبه للإيمان أو صادقاً فلا تكفر نعم اللّه تعالى، وإن سُئلت عن الشهادة فأدّها فإن اللّه تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلى أَهْلِها}(1)وقال اللّه عزوجل: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ}(2)».
فقلت: واللّه ما كنت لأفعل هذا أبداً، الحديث(3).
وعن سليمان بن حفص المروزي قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) وأنا أريد أساله عن الحجة على الناس بعده، فلما نظر إليّ فابتدأني وقال (عليه السلام) : «يا سليمان إن علياً ابني وهو وصيي والحجة على الناس بعدي، وهو أفضل وُلدي فإن بقيتَ بعدي فاشهد لي وله بذلك عند شيعتي وأهل ولايتي والمستخبرين من خليفتي بعدي»(4).
وعن علي بن عبد اللّه الهاشمي قال: كنا عند القبر نحو من سبعين رجلاً منا ومن موالينا إذ أقبل أبو إبراهيم موسى بن جعفر (عليه السلام) إلينا ويد علي (عليه السلام) ابنه في يده، فوقف علينا وقال (عليه السلام) : «أتدرون من أنا»؟ فقلنا: أنت سيدنا وكبيرنا، فقال (عليه السلام) : «سموني وانسبوني»، فقلنا: أنت موسى بن جعفر بن محمد، فقال (عليه السلام) : «من هذا معي»؟ قلنا: هو علي بن موسى بن جعفر، قال (عليه السلام) :
«اشهدوا أنه وكيلي في حياتي ووصيي بعد موتي»(1).
وعن عبد اللّه بن مرحوم قال: خرجت من البصرة أريد المدينة فلما صرت في بعض الطريق لقيت أبا إبراهيم (عليه السلام) - موسى بن جعفر - و هو يُذهب به إلى البصرة، فأرسل إلي فدخلت عليه فدفع إليّ كتباً وأمرني أن أوصلها بالمدينة، فقلت: إلى من أدفعها جُعلت فداك؟ قال: إلى ابني علي فإنه وصيي والقيم بأمري وخير بني»(2).
وعن عبد اللّه بن الحرث وكانت أمه من ولد جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) قال: بعث إلينا أبو إبراهيم موسى (عليه السلام) فجمعنا ثم قال: أتدرون لم جمعتكم؟
فقلنا: لا. قال (عليه السلام) : «اشهدوا أن علياً ابني هذا وصيي والقيم بأمري وخليفتي من بعدي...»(3).
وعن حيدر بن أيوب قال: (كنا بالمدينة في موضع يعرف بالقُبا فيه محمد بن زيد بن علي فجاء بعد الوقت الذي كان يجيئنا فيه، فقلنا له: جُعلنا فداك ما حبسك؟
قال: دعانا أبو إبراهيم - موسى بن جعفر - (عليه السلام) اليوم سبعة عشر رجلاً من ولد علي وفاطمة (عليهما السلام) فأشهدنا لعلي ابنه بالوصية والوكالة في حياته وبعد موته وأن أمره جار عليه وله)(4).
وعن عبد الرحمن بن الحجاج(5)قال: (أوصى أبو الحسن موسى بن
جعفر (عليه السلام) إلى ابنه علي (عليه السلام) و كتب له كتاباً أشهد فيه ستين رجلاً من وجوه أهل المدينة)(1).
وعن حسين بن بشير قال: أقام لنا أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) ابنه علياً (عليه السلام) كما أقام رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام) يوم غدير خم فقال (عليه السلام) : «يا أهل المدينة - أو قال: يا أهل المسجد - هذا وصيي من بعدي»(2).
وعن الحسين بن المختار قال: خرجت إلينا ألواح من أبي إبراهيم موسى (عليه السلام) وهو في الحبس: «عهدي إلى أكبر ولدي»(3).
وعن نصر بن قابوس(4)
قال: قلت لأبي إبراهيم موسى بن جعفر (عليه السلام) : إني سألت أباك (عليه السلام) من الذي يكون من بعدك؟ فأخبرني أنك أنت هو، فلما توفي أبو عبد اللّه (عليه السلام) ذهب الناس يميناً وشمالاً وقلت أنا بك وأصحابي، فأخبرني من الذي يكون من بعدك من ولدك؟
قال (عليه السلام) : «ابني فلان يعني علياً (عليه السلام) »(5).
وعن نعيم بن قابوس(6)قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام) : «علي ابني، أكبر ولدي، وأسمعهم لقولي، وأطوعهم لأمري، ينظر معي في كتابي الجفر والجامعة
1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) : ج1 ص37 ب4 ح17.
2) بحار الأنوار: ج49 ص17 ب2 ح16.
3) الإرشاد: ج2 ص250.
4) إمامي من أصحاب الإمام الصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام) عظيم المنزلة عندهم ومن خواصهم، فقيه ورع عالم ثقة.
5) إعلام الورى: ج2ص46 فصل2 ب7، الكافي: ج1 ص313 باب الإشارة والنص عل أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ح22.
6) نعيم القابوسي إمامي ثقة فقيه عالم ورع من خواص الإمام الكاظم (عليه السلام) .
وليس ينظر فيه إلاّ نبي أو وصي نبي»(1).
وعن المفضل بن عمر قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) وعلي (عليه السلام) ابنه في حجره وهو يقبله ويمص لسانه، ويضعه على عاتقه ويضمه إليه ويقول: بأبي أنت وأمي ما أطيب ريحك وأطهر خلقك وأبين فضلك».
قلت: جُعلت فداك لقد وقع في قلبي لهذا الغلام من المودة ما لم يقع لأحد إلا لك، فقال (عليه السلام) لي: «يا مفضل هو مني بمنزلتي من أبي (عليه السلام) {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(2)».
قال: قلت: هو صاحب هذا الأمر من بعدك؟
قال (عليه السلام) : «نعم من أطاعه رشد، ومن عصاه كفر»(3).
وعن محمد بن سنان قال: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) قبل أن يحمل إلى العراق بسنة وعلي ابنه (عليه السلام) بين يديه، فقال (عليه السلام) لي: «يا محمد» فقلت: لبيك، قال (عليه السلام) : «إنه سيكون في هذه السنة حركة فلا تجزع منها» ثم أطرق ونكت بيده في الأرض ورفع رأسه إلي وهو يقول: «ويضل اللّه الظالمين ويفعل اللّه ما يشاء».
قلت: وما ذاك جُعلت فداك؟
قال (عليه السلام) : «من ظلم ابني هذا حقه وجحد إمامته من بعدي كان كمن ظلم علي بن أبي طالب (عليه السلام) حقه وجحد إمامته من بعد محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ».
فعلمتُ أنه قد نُعي إلى نفسه ودلّ على ابنه، فقلت: واللّه لئن مدّ اللّه في عمري لأسلمن إليه حقه، ولأقرّنّ له بالإمامة، وأشهد أنه من بعدك حجة اللّه
تعالى على خلقه والداعي إلى دينه.
فقال (عليه السلام) لي: «يا محمد يمد اللّه في عمرك وتدعو إلى إمامته وإمامة من يقوم مقامه من بعده».
فقلت: مَن ذاك جعلت فداك؟
قال (عليه السلام) : «محمد ابنه»
قال: قلت: فالرضا والتسليم.
قال (عليه السلام) : «نعم كذلك وجدتك في كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) أما إنك في شيعتنا أبين من البرق في الليلة الظلماء» ثم قال: يا محمد إن المفضل(1)كان أنسي ومستراحي وأنت أنسهما ومستراحهما حرام على النار أن تمسك أبداً»(2).
إلى غيرها من النصوص الكثيرة في هذا الباب، مضافاً إلى النصوص العامة كأحاديث أن الأئمة (عليهم السلام) اثنا عشر(3)، وحديث جابر وغيرها.
1) إمامي من أصحاب الإمام الصادق والكاظم (عليهما السلام) ومن خواصهما وبطانتهما، فقيه صالح ثقة.
2) انظر الكافي: ج1 ص319 باب الإشارة والنص على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ح16، الغيبة للشيخ الطوسي: ص33 ح8.
3) انظر: الكافي: ج1 ص525-535 باب ماجاء في الاثني عشر والنص عليهم: وفي هذا الباب عشرون حديثاً، وأما ما ورد في كتب العامة فكثير، منها: صحيح مسلم: ج3 ص1452 و1453 كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش. صحيح ابن حبان: ج15 ص43-45 ط2 مؤسسة الرسالة بيروت. المستدرك على الصحيحين: ج3 ص715-716 وج4 ص546 ط دار الكتب العلمية بيروت. مسند أبي عوانة: ج4 ص369 و370 و371 و372 و373 دار المعرفة بيروت ط1. مجمع الزوائد للهيثمي: ج5 ص190 باب الخلفاء الاثني عشر ط دار الريان للتراث القاهرة. سنن أبي داود: ج4 ص106 ط دار الفكر. المعجم الأوسط للطبراني: ج1 ص263 وج6 ص268 ط دار الحرمين القاهرة. مسند أحمد بن حنبل: ج5 ص86 و87 و88 و89 و90 و92 و93 و89 و100 و101 و106 و107 ط مؤسسة قرطبة مصر. مسند الطيالسي: ج1 ص106 و180 ط دار المعرفة بيروت. مسند أبي يعلى: ج13 ص456 ط دار المأمون للتراث دمشق. الآحاد والمثاني لأبي بكر الشيباني: ج3 ص126 و128 ط دار الراية الرياض. مسند ابن الجعد: ج1 ص390 ط مؤسسة نادر بيروت. المعجم الكبير للطبراني: ج2 ص195 و196 و197 و199 و206 و208 و214 و232 و253 و255 ط مكتبة العلوم والحكم الموصل. السنة لابن أبي عاصم: ج2 ص532 ط المكتب الإسلامي بيروت. السنن الواردة في الفتن لأبي عمرو عثمان بن سعيد المقرء الداني: ج2 ص492 وج5 ص955 ط دار العاصمة الرياض. الفتن لنعيم بن حماد: ج1 ص95 ط مكتبة التوحيد القاهرة. الفردوس بمأثور الخطاب لشيرويه الديلمي: ج5 ص102 ط دار الكتب العلمية بيروت. فتح الباري للعسقلاني الشافعي: ج13 ص211 و213 ط دار المعرفة بيروت. عون المعبود: ح11 ص245 و246 و248 ط دار الكتب العلمية بيروت. تحفة الأحوذي للمباركفوري: ج6 ص391 و394 ط دار الكتب العلمية بيروت. شرح النووي على صحيح مسلم: ج12 ص201 ط2 دار احياء التراث العربي بيروت.
عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: دخلت على فاطمة (عليها السلام) بنت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقدّامها لوح يكاد ضوؤه يغشي الأبصار وفيه اثنا عشر اسماً، ثلاثة في ظاهره، وثلاثة في باطنه، وثلاثة أسماء في آخره، وثلاثة أسماء في طرفه، فعددتها فإذا هي اثنا عشر.
قلت: أسماء من هؤلاء؟
قالت (عليها السلام) : «هذه أسماء الأوصياء أولهم ابن عمي وأحد عشر من ولدي، آخرهم القائم».
قال جابر: فرأيت فيه: محمداً محمداً محمداً في ثلاثة مواضع، وعلياً علياً علياً علياً في أربعة مواضع(1).
1) انظر الكافي: ج1 ص532 باب فيما جاء في الاثني عشر والنص عليهم ح9.
5
كان الإمام الرضا (عليه السلام) أعلم أهل زمانه، وقد اعترف بعلمه كبار علماء الأديان والمذاهب والمبادئ في مجالس المناظرة التي هيئها المأمون وفي غيرها.
وفي الصلوات على الأئمة (عليهم السلام) : «اللّهم وَصَلّ عَلَى صَاحِبِ الدّعْوَةِ النّبَوِيةِ... والحُجَجِ الرّضَويّة»(1).
وقال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) ليزيد بن سليط الزيدي: «إني أؤخذ في هذه السنة والأمر الى ابني علي، سمي علي وعلي: أما علي الاول فعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وأما علي الآخر فعلي بن الحسين (عليه السلام) ، اُُعطي فهم الأول وحكمته وبصره ووده ودينه، ومحنة الآخر وصبره على مايكره...»(2).
وقال أبو الحسن الكاظم (عليه السلام) : ثم وصفه لي رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: «علي ابنك الذي ينظر بنور اللّه، ويسمع بتفهيمه، وينطق بحكمته، يصيب ولايخطئ، ويعلم ولا يجهل، وقد مُلئ حكماً وعلماً»(3).
وقال إبراهيم بن العباس الصولي: (ما رأيت الرضا (عليه السلام) سُئل عن شيء إلاّ
علمه، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شي ء فيجيب عنه)(1).
وفي إعلام الورى عن أبي الصلت الهروي قال: (ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ، ولا رآه عالم إلاّ شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجلس له عدداً من علماء الأديان، وفقهاء الشريعة والمتكلمين، فغلبهم عن آخرهم، حتى ما بقي أحد منهم إلاّ أقر له بالفضل، وأقر على نفسه بالقصور. ولقد سمعت علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: «كنت أجلس في الروضة والعلماء بالمدينة متوافرون، فإذا أعيا الواحد منهم عن مسألة أشاروا إليّ بأجمعهم وبعثوا إلي بالمسائل فأجيب عنها». وقال أبو الصلت: ولقد حدثني محمد بن إسحاق بن موسى بن جعفر، عن أبيه (عليه السلام) : أن موسى بن جعفر (عليه السلام) كان يقول لبنيه: «هذا أخوكم علي بن موسى عالم آل محمد، فاسألوه عن أديانكم، واحفظوا ما يقول لكم»(2).
وقال ابن شهر آشوب عن محمد بن عيسى اليقطيني(3): (لما اختلف الناس في أمر أبي الحسن الرضا (عليه السلام) جمعت من مسائله مما سُئل عنه وأجاب فيه ثمانية عشر ألف مسألة)(4).
وقد ورد أن المأمون كان يمتحن الإمام الرضا (عليه السلام) بالسؤال عن كل شيء
1) الأمالي، للصدوق: ص660 المجلس94 ح14. روضة الواعظين: ص229.
2) إعلام الورى: ص328 الفصل الرابع في ذكر طرف من خصائصه ومناقبه وأخلاقه الكريمة. عنه بحار الأنوار: ج49 ص100 ب7 ح17.
3) إمامي من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام) جليل ثقة، مكثر في الرواية.
4) مناقب آل أبي طالب:ج3 ص461. وانظر الغيبة، للشيخ الطوسي: ص73 ح79 وفيه: (جمعت من مسائله مما سأله الناس وأجاب عنه: خمس عشرة ألف مسألة).
فيجيب عنه(1).
وروى الشيخ الصدوق (رحمه اللّه) : أن المأمون جمع علماء سائر الملل مثل: الجاثليق(2)، ورأس الجالوت(3)، ورؤساء الصابئين منهم: عمران الصابي، والهربذ الأكبر(4)، وأصحاب زرادشت(5)، ونسطاس الرومي(6)والمتكلمين منهم سليمان المروزي، ثم أحضر الرضا (عليه السلام) فسألوه، فقطع الرضا واحداً بعد واحد. وكان المأمون أعلم خلفاء بني العباس وهو مع ذلك كله انقاد له اضطراراً حتى جعله ولي عهده وزوّجه ابنته)(7).
أقول: سيأتي أن المأمون اضطر إلى أن يتظاهر بإكرام الإمام الرضا (عليه السلام) ويجعله ولي عهده امتصاصاً للثورات التي كان يخاف منها ضد حكومة العباسيين الذين فعلوا كل ظلم تجاه أهل البيت (عليهم السلام) وسائر العلويين.
مناظرات الإمام الرضا (عليه السلام) كثيرة، ذكر بعضها العلامة الطبرسي في كتاب الاحتجاج(8).
1) وسائل الشيعة: ج6 ص217 ب27 من أبواب قراءة القرآن ولو في غير وقت الصلاة ح7773. مناقب آل أبي طالب:ج3 ص461.
2) وهو رئيس النصارى في بلاد الإسلام.
3) وهو مقدم علماء اليهود وكبيرهم.
4) عالم المجوس، أو عظيم الهند وعالمهم.
5) زردشت أو زرادشت: هو مجدد دين المجوس ومظهره، وقيل غير ذلك.
6) النسطاس: هو العالم بالطب بلغة أهل الروم.
7) مناقب آل أبي طالب: ج3 ص461.
8) انظر: الاحتجاج: ج2ص199-215. التوحيد، للصدوق: ص417-454.
وقال الشيخ الصدوق (رحمه اللّه) (1): (كان المأمون يجلب على الرضا (عليه السلام) من متكلمي الفرق والأهواء المضلة كل من سمع به، حرصاً على انقطاع الرضا (عليه السلام) عن الحجة مع واحد منهم، وذلك حسداً منه له ولمنزلته من العلم، فكان (عليه السلام) لايكلمه أحدٌ إلاّ أقر له بالفضل والتزم الحجة له عليه، لأن اللّه تعالى ذكره أبى إلاّ أن يعلي كلمته ويتم نوره وينصر حجته، وهكذا وعد تبارك وتعالى في كتابه فقال {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا}(2)..).
عن محمد بن عبد اللّه الخراساني خادم الرضا (عليه السلام) قال: دخل رجل من الزنادقة(3)
على الرضا (عليه السلام) وعنده جماعة، فقال له أبو الحسن (عليه السلام) : «أرأيت إن كان القول قولكم - وليس هو كما تقولون - ألسنا وإياكم شرعاً سواء ولا يضرنا ما صلّينا وصمنا وزكّينا وأقررنا»؟ فسكت.
فقال أبو الحسن (عليه السلام) : «وإن يكن القول قولنا، وهو كما نقول، ألستم قد هلكتم ونجونا»؟
قال: رحمك اللّه، فأوجدني(4)كيف هو؟ وأين هو؟
قال (عليه السلام) : «ويلك! إن الذي ذهبت إليه غلط، وهو أيّن الأين وكان ولا أين، وكيّف الكيف وكان ولا كيف، لا يعرف بكيفوفية ولا بأينونية، ولا يدرك بحاسة
ولا يقاس بشيء».
قال الرجل: فإذن إنه لا شيء، إذ لم يُدرك بحاسة من الحواس؟
فقال أبو الحسن (عليه السلام) : «ويلك! لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرتَ ربوبيته، ونحن إذا عجزَت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا، وأنه شيء بخلاف الأشياء».
قال الرجل: فأخبرني متى كان؟
قال أبو الحسن (عليه السلام) : «أخبرني متى لم يكن، فأخبرك متى كان؟!».
قال الرجل: فما الدليل عليه؟
قال أبو الحسن (عليه السلام) : «إني لما نظرت إلى جسدي فلم يمكني فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول، ودفع المكاره عنه، وجر المنفعة إليه، علمت أن لهذا البنيان بانياً، فأقررت به، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته، وإنشاء السحاب، وتصريف الرياح، ومجرى الشمس والقمر والنجوم، وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات، علمت أن لهذا مقدراً ومنشئاً».
قال الرجل: فلِمَ احتجب؟
فقال أبو الحسن (عليه السلام) : «إن الحجاب على الخلق لكثرة ذنوبهم فأما هو فلا يخفى عليه خافية في آناء الليل والنهار».
قال: فلِمَ لا تدركه حاسة الأبصار؟
قال (عليه السلام) : «للفرق بينه وبين خلقه الذين تدركهم حاسة الأبصار، منهم ومن غيرهم، ثم هو أجلّ من أن يدركه بصر، أو يحيط به وهم، أو يضبطه عقل».
قال: فحده لي!.
قال (عليه السلام) : «لا حدّ له».
قال: ولِمَ؟
قال (عليه السلام) : «لأن كل محدود متناه (إلى حد)، وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان، فهو غير محدود، (ولا متزائد) ولا متناقص، ولا متجزئ ولا متوهم».
قال الرجل: فأخبرني عن قولكم: إنه لطيف، وبصير، وعليم، وحكيم، أيكون السميع إلاّ بالأذن، والبصير إلاّ بالعين، واللطيف إلاّ بعمل باليدين، والحكيم إلاّ بالصنعة؟
فقال أبو الحسن (عليه السلام) : «إن اللطيف منا على حد إيجاد الصنعة، أو ما رأيت أن الرجل يتخذ شيئاً فيلطف في اتخاذه؟ فيقال: ما ألطف فلاناً، فكيف لا يقال للخالق الجليل: (لطيف) إذ خلق خلقاً لطيفاً وجليلاً، وركّب في الحيوان منه أرواحها، وخلق كل جنس مباينا من جنسه في الصورة، ولا يشبه بعضه بعضا، فكل به لطف من الخالق اللطيف الخبير في تركيب صورته، ثم نظر إلى الأشجار وحملها أطائبها المأكولة منها وغير المأكولة، فقلنا عند ذلك: إن خالقنا (لطيف) لا كلطف خلقه في صنعتهم، وقلنا إنه (سميع) لأنه لا يخفى عليه أصوات خلقه، ما بين العرش إلى الثرى، من الذرة إلى ما أكبر منها، في برها وبحرها، ولا يشتبه عليه لغاتها، فقلنا عند ذلك: إنه (سميع) لا بأذُن، وقلنا: إنه (بصير) لا ببصر، لأنه يرى أثر الذرة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء، ويرى دبيب النمل في الليلة الدجية، ويرى مضارها ومنافعها، وأثر سفادها، وفراخها ونسلها، فقلنا عند ذلك: إنه (بصير) لا كبصر خلقه».
الإمام (عليه السلام) وعلم الغيب(1)
إن اللّه عزوجل قد أعلم أنبياءه وأولياءه (عليهم السلام) بعلم الغيب ليكون من الأدلة على كونهم حجج اللّه على الخلق، وكان الإمام علي الرضا (عليه السلام) كآبائه الطاهرين (عليهم السلام) وأبنائه المعصومين (عليهم السلام) وكجدّه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يعلم الغيب بإذن اللّه تعالى.
عن عبد السلام بن صالح الهروي(2)قال: لما دخل الإمام الرضا (عليه السلام) خراسان ودخل القبة التي فيها قبر هارون، خط بيده إلى جانبه ثم قال (عليه السلام) :
«هذه تربتي وفيها أدفن، وسيجعل اللّه هذا المكان مختلف شيعتي وأهل محبتي، واللّه ما يزورني منهم زائر ولا يسلّم عليّ منهم مسلّم إلاّ وجب له غفران اللّه ورحمته بشفاعتنا أهل البيت» ثم استقبل (عليه السلام) القبلة فصلى ركعات ودعا بدعوات، فلما فرغ سجد سجدة طال مكثه فيها، فأحصينا له فيها خمسمائة تسبيحة، ثم انصرف(3).
عن موسى بن مهران قال: رأيت علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في مسجد المدينة وهارون يخطب، فقال (عليه السلام) : «أترونني وإياه ندفن في بيت واحد؟!»(4).
عن محمد بن داود قال: كنت أنا وأخي عند الرضا (عليه السلام) فأتاه من أخبره أنه قد ربط ذقن محمد بن جعفر، فمضى أبو الحسن (عليه السلام) ومضينا معه وإذا لحياه قد ربطا، وإذا إسحاق بن جعفر وولده وجماعة آل أبي طالب يبكون، فجلس أبو الحسن (عليه السلام) عند رأسه ونظر في وجهه فتبسّم، فنقم من كان في المجلس، فقال بعضهم: إنما تبسم شامتاً بعمّه(1).
قال: وخرج الإمام (عليه السلام) ليصلّي في المسجد، فقلنا له: جُعلت فداك قد سمعنا فيك من هؤلاء ما نكره حين تبسمت؟
فقال أبو الحسن (عليه السلام) : «إنما تعجبت من بكاء إسحاق! وهو واللّه يموت قبله ويبكيه محمد!». قال: فبرأ محمد، ومات إسحاق(2).
وعن يحيى بن محمد بن جعفر قال: مرض أبي مرضاً شديداً فأتاه أبو الحسن الرضا (عليه السلام) يعوده، وعمّي إسحاق جالس يبكي، وقد جزع عليه جزعاً شديداً، قال يحيى: فالتفت إليّ أبو الحسن (عليه السلام) فقال:«مما يبكي عمّك»؟ قلت: يخاف عليه ما ترى، قال: فالتفت إليّ أبو الحسن (عليه السلام) وقال: «لا تغتمن فإن إسحاق سيموت قبله» قال يحيى: فبرأ أبي محمد ومات إسحاق(3).
عن معمر بن خلاد قال: قال لي الريان بن الصلت بمرو - وقد كان الفضل بن
سهل بعثه إلى بعض كور خراسان - فقال لي: أحب أن تستأذن لي على أبي الحسن (عليه السلام) فأسلّم عليه، وأحبّ أن يكسوني من ثيابه، وأحبّ أن يهب لي من الدراهم التي ضُربت باسمه.
فدخلت على الرضا (عليه السلام) فقال لي مبتدئاً: «إن الريان بن الصلت يريد الدخول علينا، والكسوة من ثيابنا، والعطية من دراهمنا، فأذنت له»، فدخل فسلّم فأعطاه ثوبين وثلاثين درهماً من الدراهم المضروبة باسمه(1).
عن الحسين بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي قال: كنا حول أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ونحن شبان بني هاشم، إذ مرّ علينا جعفر بن عمر العلوي وهو رث الهيئة، فقال الرضا (عليه السلام) :«سترونه عن قريب كثير المال والتبع»، فما مضى إلاّ شهر أو نحوه حتى ولي المدينة وحسنت حاله فكان يمر بنا ومعه الخصيان والحشم(2).
عن الحسين بن بشار قال: قال الرضا (عليه السلام) : «إن عبد اللّه(3)
يقتل محمداً(4)»
فقلت له: عبد اللّه بن هارون يقتل محمد بن هارون؟
فقال (عليه السلام) : «نعم عبد اللّه الذي بخراسان يقتل محمد بن زبيدة الذي هو ببغداد» فقتله(5).
عن موسى بن هارون قال: رأيت الرضا (عليه السلام) وقد نظر إلى هرثمة بالمدينة، فقال (عليه السلام) : «كأني به وقد حُمل إلى مرو فضُربت عنقه» فكان كما قال(1).
عن موسى بن عمر بن بزيع قال: كان عندي جاريتان حاملتان، فكتبت إلى الرضا (عليه السلام) أعلمه ذلك، وأسأله أن يدعو اللّه تعالى أن يجعل ما في بطونهما ذكرين وأن يهب لي ذلك، قال: فوقع (عليه السلام) : «أفعل إن شاء اللّه تعالى» ثم ابتدأني (عليه السلام) بكتاب مفرد نسخته: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، عافانا اللّه وإياك بأحسن عافية في الدنيا والآخرة برحمته، الأمور بيد اللّه عزوجل، يمضي فيها مقاديره على ما يحب، يولد لك غلام وجارية إن شاء اللّه تعالى، فسمّ الغلام محمداً، والجارية فاطمة، على بركة اللّه تعالى» قال: فولد لي غلام وجارية على ما قاله (عليه السلام) (2).
عن عبد الرحمن بن أبي نجران قال: كتب أبو الحسن الرضا (عليه السلام) وقرأت رسالته إلى بعض أصحابنا(3):
«إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق»(4).
6
كان الإمام علي الرضا (عليه السلام) كآبائه الطاهرين (عليهم السلام) أفضل الناس خُلُقاً، وأحسنهم أخلاقاً.
فكان (عليه السلام) حسن المجالسة، لطيف المحادثة، يحدث الصغير والكبير ويأنس بهم، وكان (عليه السلام) كثير المعروف، كثير العطاء، وأكثر صدقاته في السرّ، خصوصاً في الليالي المظلمة.
وروي أنه (عليه السلام) ما جفا أحداً بكلام قطّ، وما أغلظ في القول، ولا اتكئ بين يدي جليس، ولم يُقهقه أبداً، ولم يبصق أمام أحد قطّ، وإذا نصبت المائدة أحضر جميع أهله وخدمه وأكل معهم.
عن إبراهيم بن العباس قال: (ما رأيت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) جفا أحداً بكلمة قطّ، ولا رأيته قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه، وما رد أحداً عن حاجة يقدر عليها، ولا مدّ رجله بين يدي جليس له قطّ، ولا اتكأ بين يدي جليس له قطّ، ولا رأيته شتم أحداً من مواليه ومماليكه قطّ، ولا رأيته تفل قطّ، ولا رأيته تقهقه في ضحكة قطّ، بل كان ضحكه التبسم(1)، وكان إذا خلا ونصب مائدته
1) وسائل الشيعة: ج12ص209 ب122 من أبواب أحكام العشرة في السفر والحضر ح16104/14.
أجلس معه على مائدته مماليكه ومواليه حتى البواب السائس، وكان (عليه السلام) قليل النوم بالليل، كثير السهر، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصبح، وكان كثير الصيام، فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر ويقول (عليه السلام) : «ذلك صوم الدهر» وكان (عليه السلام) كثير المعروف والصدقة في السر، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة، فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدق)(1).
وقال ياسر الخادم: (كان الرضا (عليه السلام) إذا خلا جمع حشمه كلهم عنده، الصغير والكبير، فيحدثهم ويأنس بهم ويؤنسهم، وكان (عليه السلام) إذا جلس على المائدة لا يدع صغيرا ولا كبيرا حتى السائس والحجام إلا أقعده معه على مائدته)(2).
عن اليسع بن حمزة، قال: كنت في مجلس أبي الحسن الرضا (عليه السلام) اُحدّثه وقد اجتمع إليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام، إذ دخل عليه رجل طوال آدم، فقال: السلام عليك يا ابن رسول اللّه، رجل من محبيك ومحبي آبائك وأجدادك (عليهم السلام) ، مصدري من الحج وقد افتقدت نفقتي وما معي ما أبلغ به مرحلة، فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي، ولله عليَّ نعمة فإذا بلغت بلدي تصدقت بالذي توليني عنك، فلست بموضع صدقة.
فقال (عليه السلام) له: «اجلس رحمك اللّه»..
وأقبل (عليه السلام) على الناس يحدّثهم حتى تفرقوا، وبقي هو وسليمان الجعفري وخيثمة وأنا. فقال (عليه السلام) : «أتأذنون لي في الدخول؟».
فقال له سليمان: قدّم اللّه أمرك.
فقام (عليه السلام) فدخل الحجرة وبقي ساعة ثم خرج، وردّ الباب وأخرج يده من أعلى الباب، وقال: «أين الخراساني؟».
فقال: ها أنا ذا.
فقال (عليه السلام) : «خذ هذه المائتي دينار واستعن بها في مئونتك ونفقتك وتبرك بها، ولا تصدّق بها عني واخرج فلا أراك ولا تراني». ثم خرج.
فقال سليمان: جعلت فداك، لقد أجزلت ورحمت، فلماذا سترت وجهك عنه؟.
فقال (عليه السلام) : «مخافة أن أرى ذُلّ السؤال في وجهه لقضائي حاجته، أما سمعت حديث رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «المستتر بالحسنة يعدل سبعين حجة، والمذيع بالسيئة مخذول والمستتر بها مغفور له». أما سمعت قول الأول:
متى آته يوماً لأطلب حاجة***رجعت إلى أهلي ووجهي بمائه(1)
عن ياسر الخادم: كان الرضا (عليه السلام) إذا خلا جمع حشمه كلّهم عنده، الصغير والكبير، فيحدثهم ويأنس بهم ويؤنسهم(2).
وروى الكليني (رحمه اللّه) في الكافي بسنده عن رجل من أهل بلخ قال: كنت مع الرضا (عليه السلام) في سفره إلى خراسان، فدعا يوماً بمائدة له، فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم، فقلت: جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة!
فقال (عليه السلام) : «مه، إن الرب تبارك وتعالى واحد، والأُم واحدة، والأب واحد،
والجزاء بالأعمال»(1).
عن موسى بن سيار قال: كنت مع الرضا (عليه السلام) وقد أشرف على حيطان طوس وسمعت واعيةً فاتبعتها فإذا نحن بجنازة، فلما بصرتُ بها رأيت سيدي وقد ثنى رجله عن فرسه ثم أقبل نحو الجنازة فرفعها، ثم أقبل يلوذ بها كما تلوذ السخلة بأمها، ثم أقبل عليَّ وقال (عليه السلام) : «يا موسى بن سيار من شيّع جنازة ولي من أوليائنا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه لا ذنب عليه».
حتى إذا وضع الرجل على شفير قبره رأيت سيدي قد أقبل، فأفرج الناس عن الجنازة حتى بدا له الميت فوضع يده على صدره ثم قال (عليه السلام) : «يا فلان بن فلان أبشر بالجنة فلا خوف عليك بعد هذه الساعة».
فقلت: جعلت فداك هل تعرف الرجل؟، واللّه إنها بقعة لم تطأها قبل يومك هذا؟!
فقال لي (عليه السلام) : «يا موسى بن سيار، أما علمت أنا معاشر الأئمة تُعرض علينا أعمال شيعتنا صباحاً ومساءً، فما كان من التقصير في أعمالهم سألنا اللّه تعالى الصفح لصاحبه، وما كان من العلو سألنا اللّه الشكر لصاحبه»(2).
ورد أن الإمام الرضا (عليه السلام) تشفّع إلى المأمون في الجلودي الذي كان ذهب إلى
المدينة بأمر هارون العباسي ليسلب نساء آل أبي طالب (عليهم السلام) ولا يدع على واحدة منهن إلاّ ثوباً واحداً(1)فإنه نقم بيعة الرضا (عليه السلام) فحبسه المأمون ثم دعا به من الحبس بعد ما قتل اثنين قبله(2)، فقال الإمام الرضا (عليه السلام) يا أمير هب لي هذا الشيخ!.
فظن الجلودي أنه يعين عليه، فأقسم على المأمون أن لا يقبل قوله فيه.
فقال المأمون: واللّه لا أقبل قوله فيك، وأمر بضرب عنقه(3).
كان يفد على الإمام الرضا (عليه السلام) الشعراء فيكرمهم، فأجاز (عليه السلام) أبا نواس بثلاثمائة دينار لم يكن عنده غيرها وساق إليه البغلة(4).
وأجاز (عليه السلام) دعبلاً الخزاعي بستمائة دينار واعتذر إليه(5).
وجاءه إبراهيم بن العباس الصولي فوهب له عشرة آلاف من الدراهم التي ضُربت باسمه(6).
1) ورد أنه: صار الجلودي إلى باب أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فانهجم على داره مع خيله.. فقال الجلودي لأبي الحسن (عليه السلام) : لابد من أن أدخل البيت فأسلبهن كما أمر الأمير! فقال الرضا (عليه السلام) : أنا أسلبهن لك وأحلف أني لا أدع عليهن شيئا إلا أخذته، فلم يزل يطلب إليه ويحلف له حتى سكن، فدخل أبو الحسن (عليه السلام) فلم يدع عليهن شيئا حتى أقراطهن وخلاخيلهن وأزارهن إلا أخذه منهن وجميع ماكان في الدار من قليل وكثير. وسيأتي ذكر هذا الحديث في باب (هارون والهجوم على بيت الإمام (عليه السلام) ).
2) وهما علي بن أبي عمران وإبن مؤنس.
3) بحار الأنوار: ج49 ص166-167 ب14 ح5.
4) بشارة المصطفى: ص134.
5) إعلام الورى: ج2 ص67 فصل4 باب7.
6) الأنوار البهية: ص230.
وفي المناقب عن يعقوب بن إسحاق النوبختي قال: مرّ رجل بأبي الحسن الرضا (عليه السلام) فقال له: أعطني على قدر مروءتك!
قال (عليه السلام) : «لا يسعني ذلك».
فقال: على قدر مروءتي. قال: «أما هذا فنعم».
ثم قال (عليه السلام) : «يا غلام أعطه مائتي دينار»(1).
وروي أنه الإمام الرضا (عليه السلام) فرّق بخراسان ماله كله في يوم عرفة، فقال له الفضل بن سهل: إن هذا لمغرم! فقال (عليه السلام) : «بل هو المغنم، لا تعدن مغرماً ما ابتعتُ (ابتغيت) به أجراً وكرماً»(2).
وعن هارون بن عبد اللّه المهلبي قال: لما وصل إبراهيم بن العباس ودعبل بن علي الخزاعي إلى الرضا (عليه السلام) وقد بويع له بالعهد، أنشده دعبل:
مدارس آيات خلت من تلاوة***ومنزل وحي مقفر العرصات
و أنشده إبراهيم بن العباس:
أزالت عناء القلب بعد التجلد***مصارع أولاد النبي محمد
فوهب لهما عشرين ألف درهم من الدراهم التي عليها اسمه، كان المأمون أمر بضربها في ذلك الوقت. قال فأما دعبل فصار بالعشرة آلاف التي حصته إلى قم فباع كل درهم بعشرة دراهم فتخلصت له مائة ألف درهم. وأما إبراهيم فلم يزل عنده بعد أن أهدى بعضها وفرّق بعضها على أهله إلى أن توفي رحمه اللّه فكان كفنه وجهازه منها(3).
أقول: وقد ذكرنا في بعض كتبنا: أن بعض هذه العطايا كان لأجل أن يصرفه الطرف في مصارفها الشرعية ويفرقها على الشيعة وعلى الفقراء والمساكين.
روى الكليني (رحمه اللّه) في الكافي بسنده أنه نزل بأبي الحسن الرضا (عليه السلام) ضيف وكان جالساً عنده يحدثه في بعض الليل، فتغير السراج فمدّ الرجل يده ليصلحه، فزبره(1)
أبو الحسن (عليه السلام) ثم بادره بنفسه فأصلحه، ثم قال (عليه السلام) : «إنا قوم لا نستخدم أضيافنا»(2).
عن ياسر ونادر خادمي الإمام الرضا (عليه السلام) قالا:
قال لنا أبو الحسن (عليه السلام) : «إن قمت على رؤوسكم وأنتم تأكلون فلا تقوموا حتى تفرغوا»..
وقالا: ولربما دعا (عليه السلام) بعضنا فيقال له هم يأكلون، فيقول (عليه السلام) : «دعوهم حتى يفرغوا»(3).
قال أحد أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) : .. (وصلينا خلفه - أي خلف الإمام الرضا (عليه السلام) - أشهراً، فما زاد في الفرائض على الحمد والقدر في الأولى، وعلى
الحمد والتوحيد في الثانية)(1).
أقول: والظاهر أن ذلك كان رعايةً لحال المصلين وضعفائهم.
نظر أبو نواس إلى أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ذات يوم وقد خرج من عند المأمون على بغلة له، فدنا منه أبو نواس وسلّم عليه وقال: يا ابن رسول اللّه قد قلتُ فيك أبياتاً وأحب أن تسمعها مني، فقال (عليه السلام) : «هات»، فأنشأ يقول:
مطهرون نقيات ثيابهم***تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا
من لم يكن علويا حين تنسبه***فما له في قديم الدهر مفتخر
(فاللّه لما برأ خلقا فأتقنه***صفاكم واصطفاكم أيها البشر)
فأنتم الملأ الأعلى وعندكم***علم الكتاب وما جاءت به السور
فقال الرضا (عليه السلام) : «قد جئتنا بأبيات ما سبقك إليها أحد.. يا غلام هل معك من نفقتنا شيء»؟
فقال له: ثلاثمائة دينار، فقال (عليه السلام) : «أعطها إياه» ثم قال (عليه السلام) : «لعله استقلها، يا غلام سق إليه البغل»(2).
كان الإمام الرضا (عليه السلام) أزهد الناس في زمانه، كجدّه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وسائر المعصومين (عليهم السلام) ، على رغم أن الإمام (عليه السلام) قد عُين ولي العهد
في الحكومة العباسية..
فلم ينصب الإمام (عليه السلام) طيلة ولاية عهده أحداً ولم يعزل أحداً، ولم يتدخل في أي أمر حكومي، ولم يتخذ لنفسه قصراً، ولا ثياباً فاخرة، بل كان يلبس الغليظ من الثياب، ويجلس على الحصير، ويأكل من الطعام القليل.
عن محمد بن أبي عباد: (كان جلوس الرضا (عليه السلام) على حصير في الصيف، وعلى مسح في الشتاء، ولبسه الغليظ من الثياب حتى إذا برز للناس تزين لهم)(1).
وقال الشيخ الصدوق (رحمه اللّه) : (كان (عليه السلام) خفيف الأكل، قليل الطعام)(2).
وعن محمد بن يحيى الصولي قال: حدثتني جدتي أم أبي واسمها عذر، قالت:
اُشتريت مع عدة جوار من الكوفة وكنت من مولداتها، قالت: فحُمّلنا إلى المأمون، فكنا في داره في جنة من الأكل والشرب والطيب وكثرة الدنانير، فوهبني المأمون للرضا (عليه السلام) فلما صرت في داره فقدت جميع ما كنت فيه من النعيم، وكانت علينا قيّمة تنبّهنا من الليل وتأخذنا بالصلاة، وكان ذلك من أشد شيء علينا، فكنت أتمنى الخروج من داره، إلى أن وهبني لجدك عبد اللّه بن العباس، فلما صرت إلى منزله كنت كأني قد أدخلت الجنة.
أقول: كان المأمون يبعث ببعض الجواري إلى بيت الإمام (عليه السلام) ليتجسسوا على الإمام (عليه السلام) .
قال الصولي:
وكانت تُسأل جدّتي عن أمر الرضا (عليه السلام) كثيراً فتقول:
ما أذكر منه شيئا إلاّ أني كنت أراه يتبخر بالعود الهندي السني، ويستعمل بعده ماء ورد ومسكاً، وكان (عليه السلام) إذا صلى الغداة وكان يصليها في أول وقت ثم يسجد فلا يرفع رأسه إلى أن ترتفع الشمس، ثم يقوم فيجلس للناس أو يركب، ولم يكن أحد يقدر أن يرفع صوته في داره كانت ما كان، إنما يتكلم الناس قليلا قليلا)(1).
1) جامع أحاديث الشيعة: ج16 ص659 ب11 من أبواب الطيب ح7.
7
كان الإمام الرضا (عليه السلام) أعبد الناس في زمانه.
فكان (عليه السلام) يحيي أكثر الليالي، ويختم القرآن في ثلاثة أيام(1)،
وكان يسجد سجدات طويلة تستغرق عدة ساعات، وكثيراً ما كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة(2).
روى الصولي عن جدّته وكانت جارية في بيت الإمام (عليه السلام) قولها: (وكان (عليه السلام) إذا صلى الغداة، وكان يصليها في أول وقت ثم يسجد فلا يرفع رأسه إلى أن ترتفع الشمس)(3).
وكان الإمام (عليه السلام) قليل النوم بالليل، كثير السهر، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصبح، وكان كثير الصيام، فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر(4)ويقول:
1) الأمالي، للصدوق: ص758 ح1023/14، روضة الواعظين: ص229.
2) الأنوار البهية: ص212 ب 8.
3) بحار الأنوار: ج49 ص90 ب7 ح2.
4) روى الكليني في الكافي بإسناده إلى محمد بن مروان قال: سمعت أبا عبداللّه (عليه السلام) يقول: «كان رسول اللّه... ثم آل من ذلك إلى صيام ثلاثة أيام في الشهر: الخميس في أول الشهر وأربعاء في وسط الشهر وخميس في آخر الشهر، وكان يقول (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : ذلك صوم الدهر». ج4 ص90 باب صوم رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ح3.
«ذلك صوم الدهر»(1).
وكان الإمام (عليه السلام) كثير الدعاء والتضرع إلى اللّه عزوجل.. وكان كثير البكاء من خوف اللّه تعالى.
قال ابن أبي الضحاك: بعثني المأمون في إشخاص علي بن موسى (عليه السلام) من المدينة وأمرني أن آخذ به على طريق البصرة والأهواز وفارس، ولا آخذ به على طريق قم، وأمرني أن أحفظه بنفسي بالليل والنهار حتى أقدم به عليه، فكنت معه من المدينة إلى مرو، فو اللّه ما رأيت رجلاً كان أتقى لله تعالى منه، ولا أكثر ذكراً لله في جميع أوقاته منه، ولا أشد خوفاً لله عزوجل منه، وكان (عليه السلام) إذا أصبح صلّى الغداة، فإذا سلّم جلس في مصلاه يسبح اللّه ويحمده ويكبّره ويهلّله ويصلي على النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) حتى تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة يبقى فيها حتى يتعالى النهار، ثم أقبل على الناس يحدثهم ويعظهم إلى قرب الزوال، ثم جدد وضوءه وعاد إلى مصلاه، فإذا زالت الشمس قام فصلى ست ركعات، يقرأ في الركعة الأولى الحمد و{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وفي الثانية الحمد و{قُلْ هُوَ اللَّهُ} ويقرأ في الأربع في كل ركعة الحمد لله و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ويسلّم في كل ركعتين، ويقنت فيهما في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، ثم يؤذن ويصلي ركعتين ثم يقيم ويصلي الظهر، فإذا سلّم سبّح اللّه وحمده وكبّره وهلّله ما شاء اللّه، ثم سجد سجدة الشكر يقول فيها مائة مرة: (شكراً لله) فإذا رفع رأسه قام فصلى ست ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ويسلّم في كل ركعتين ويقنت في ثانية كل ركعتين قبل الركوع وبعد القراءة، ثم يؤذن ثم يصلي ركعتين ويقنت في الثانية فإذا سلّم قام وصلّى
1) إعلام الورى بأعلام الهدى: ج2 ص64.
العصر، فإذا سلّم جلس في مصلاه يسبح اللّه ويحمده ويكبرّه ويهلّله ما شاء اللّه، ثم سجد سجدة يقول فيها مائة مرة: (حمداً لله) فإذا غابت الشمس توضأ وصلى المغرب ثلاثاً بأذان وإقامة وقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، فإذا سلّم جلس في مصلاه يسبح اللّه ويحمده ويكبرّه ويهلّله ما شاء اللّه، ثم يسجد سجدة الشكر ثم يرفع رأسه ولم يتكلم حتى يقوم ويصلي أربع ركعات بتسليمتين ويقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، وكان يقرأ في الأولى من هذه الأربع الحمد و{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وفي الثانية الحمد و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، ويقرأ في الركعتين الباقيتين الحمد و{قُلْ هُوَ اللَّهُ}، ثم يجلس بعد التسليم في التعقيب ما شاء اللّه، حتى يمسي، ثم يفطر، ثم يلبث حتى يمضي من الليل قريب من الثلث، ثم يقوم فيصلي العشاء الآخرة أربع ركعات ويقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، فإذا سلّم جلس في مصلاه يذكر اللّه عزوجل ويسبحه ويحمده ويكبره ويهلّله ما شاء اللّه، ويسجد بعد التعقيب سجدة الشكر، ثم يأوي إلى فراشه، فإذا كان الثلث الأخير من الليل قام من فراشه بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والاستغفار فاستاك، ثم توضأ، ثم قام إلى صلاة الليل فيصلي ثمان ركعات ويسلّم في كل ركعتين يقرأ في الأوليين منها في كل ركعة الحمد مرة و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثلاثين مرة ثم يصلي صلاة جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) أربع ركعات يسلّم في كل ركعتين ويقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع وبعد التسبيح ويحتسب بها من صلاة الليل، ثم يقوم، فيصلي ركعتين الباقيتين يقرأ في الأولى الحمد وسورة الملك، وفي الثانية {الْحَمْدُ لِلَّهِ} و{هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ} ثم يقوم فيصلي ركعتي الشفع، يقرأ في كل ركعة منهما {الْحَمْدُ لِلَّهِ} مرة و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثلاث مرات ويقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، فإذا سلّم قام، فصلى ركعة الوتر يتوجه
فيها ويقرأ فيها الحمد مرة و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثلاث مرات و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} مرة واحدة و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} مرة واحدة، ويقنت فيها قبل الركوع وبعد القراءة، ويقول في قنوته:
(اللّهم صلّ على محمد وآل محمد، اللّهم اهدِنا فيمَن هَدَيْتَ، وعافنا فيمن عافيتَ، وتَوَلّنا فيمن تَوليتَ، وبارك لنا فيما أعطيتَ، وقِنا شر ما قَضَيتَ، فإنك تَقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذلّ من واليتَ، ولا يعزّ من عاديتَ، تباركتَ ربنا وتَعَالَيْتَ).
ثم يقول: (أستغفرُ اللّهَ وأسْألُهُ التّوْبَةَ) سبعين مرة، فإذا سلّم جلس في التعقيب ما شاء اللّه، فإذا قرب من الفجر قام فصلى ركعتي الفجر، يقرأ في الأولى الحمد و{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وفي الثانية الحمد و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فإذا طلع الفجر أذّن وأقام وصلّى الغداة ركعتين، فإذا سلّم جلس في التعقيب حتى تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة الشكر حتى يتعالى النهار، وكان قراءته في جميع المفروضات في الأولى الحمد و{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} وفي الثانية الحمد و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} إلاّ في صلاة الغداة والظهر والعصر يوم الجمعة، فإنه كان يقرأ فيها بالحمد وسورة الجمعة والمنافقين، وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة في الأولى الحمد وسورة الجمعة، وفي الثانية الحمد و{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى} وكان يقرأ في صلاة الغداة يوم الإثنين ويوم الخميس في الأولى الحمد و{هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ} وفي الثانية الحمد و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} وكان يجهر بالقراءة في المغرب والعشاء وصلاة الليل والشفع والوتر والغداة، ويخفي القراءة في الظهر والعصر، وكان يسبح في الأخراوين يقول: (سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر) ثلاث مرات، وكان قنوته في جميع صلاته: (ربّ اغفر وارحم
وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأجل الأكرم)..
وكان (عليه السلام) إذا أقام في بلدة عشرة أيام صائماً لا يفطر، فإذا جن الليل بدأ بالصلاة قبل الإفطار، وكان في الطريق يصلي فرائضه ركعتين ركعتين إلاّ المغرب فإنه كان يصليها ثلاثاً، ولا يدع نافلتها، ولا يدع صلاة الليل والشفع والوتر وركعتي الفجر في سفر ولا حضر، وكان لا يصلي من نوافل النهار في السفر شيئاً وكان يقول بعد كل صلاة يقصرها: (سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر) ثلاثين مرة، ويقول: هذا تمام الصلاة، وما رأيته صلى الضحى(1)في سفر ولا حضر، وكان لا يصوم في السفر شيئاً.
وكان (عليه السلام) يبدأ في دعائه بالصلاة على محمد وآله، ويكثر من ذلك في الصلاة وغيرها، وكان يكثر بالليل في فراشه من تلاوة القرآن، فإذا مر بآية فيها ذكر جنة أو نار بكى، وسأل اللّه الجنة وتعوذ به من النار.
وكان (عليه السلام) يجهر ب- {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} في جميع صلواته بالليل والنهار، وكان إذا قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} قال سراً: (اللّه أحد)، فإذا فرغ منها قال (كذلك اللّه ربنا) ثلاثاً، وكان إذا قرأ سورة الجحد قال في نفسه سراً: (يا أيها الكافرون) فإذا فرغ منها قال: (ربي اللّه وديني الإسلام) ثلاثاً، وكان إذا قرأ {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} قال عند الفراغ منها: (بلى وإنا على ذلك من الشاهدين) وكان إذا قرأ: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} قال عند الفراغ منها: (سبحانك اللّهم) وكان يقرأ في سورة الجمعة {قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ} للذين اتقوا(2){واللَّهُ خَيْرُ
الرَّازِقِينَ} وكان إذا فرغ من الفاتحة قال: (الحمد لله رب العالمين) وإذا قرأ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى} قال سراً: (سبحان ربي الأعلى) وإذا قرأ {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} قال: (لبيك اللّهم لبيك) سراً.
قال ابن أبي الضحاك في تتمة كلامه: وكان (عليه السلام) لا ينزل بلداً إلاّ قصده الناس يستفتونه في معالم دينهم فيجيبهم، ويحدثهم الكثير عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فلما وردت به على المأمون سألني عن حاله في طريقه فأخبرته بما شاهدته منه في ليله ونهاره وظعنه وإقامته فقال لي: يا ابن أبي الضحاك هذا خير أهل الأرض وأعلمهم وأعبدهم فلا تخبر أحداً بما شاهدته منه، لئلا يظهر فضله إلاّ على لساني، وباللّه أستعين على ما أقوى من الرفع منه والإساءة به(1).
في الكافي بسنده عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: «نقش خاتمي: ما شاء اللّه لا قوة إلاّ باللّه»(2).
وقيل: كان نقش خاتمه (عليه السلام) : «حسبي اللّه»(3).
وقيل: «ولييَ اللّه».
1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) : ج2 ص194-197 ب44 ح5. بحار الأنوار: ج49 ص91-95 ب7 ح7.
2) الكافي: ج6 ص473 باب نقش الخواتيم ح5.
3) الكافي: ج6 ص473 باب نقش الخواتيم ح5. والظاهر أنه كان له خاتمان أحدهما كان لوالده الامام الكاظم (عليه السلام) ويدل عليه تكملة الحديث فعن يونس بن عبدالرحمن قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن نقش خاتمه وخاتم أبيه (عليهما السلام) ؟ قال (عليه السلام) : «نقش خاتمي... ونقش خاتم أبي حسبي اللّه وهو الذي كنت أتختم به». وكذا في الكافي ج6 ص474 باب نقش الخواتيم ح8 وفيه..وأبو الحسن الأول: (حسبي اللّه) وأبو الحسن الثاني: (ماشاء اللّه لاقوة إلاّ باللّه) وقال الحسين بن خالد - الراوي -: ومد يده إلي وقال: «خاتمي خاتم أبي (عليه السلام) أيضاً».
كان الإمام الرضا (عليه السلام) كثير الصوم، خاصة في شهر رجب وشهر شعبان، مضافاً إلى شهر رمضان المبارك، وكان يحث المؤمنين على صيامها وكثرة العبادة فيها:
عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قال: «من صام أول يوم من رجب رغبةً في ثواب اللّه عزوجل وجبت له الجنة، ومن صام يوماً في وسطه شفع في مثل ربيعة ومضر(1)،
ومن صام في آخره جعله اللّه عزوجل من ملوك الجنة وشفّعه في أبيه وأمه وابنه وابنته وأخته وأخيه وعمه وعمته وخاله وخالته ومعارفه وجيرانه وإن كان فيهم مستوجباً للنار»(2).
وقال الإمام الرضا (عليه السلام) : «من استغفر اللّه تبارك وتعالى في شعبان سبعين مرة، غفر اللّه له ذنوبه ولو كانت مثل عدد النجوم»(3).
وقال (عليه السلام) : «من صام من شعبان يوماً واحداً ابتغاء ثواب اللّه دخل الجنة، ومن استغفر اللّه في كل يوم من شعبان سبعين مرة حُشر يوم القيامة في زمرة رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ووجبت له من اللّه الكرامة، ومن تصدّق في شعبان بصدقة ولو بشق تمرة حرّم اللّه جسده على النار، ومن صام ثلاثة أيام من شعبان ووصلها بصيام شهر رمضان كتب اللّه له صوم شهرين متتابعين»(4).
وعن الريان بن الصلت قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)
يقول: «من قال في كل يوم من شعبان سبعين مرة (أستغفر اللّه وأسأله التوبة) كتب اللّه تعالى له براءة من النار وجوازاً على الصراط وأحله دار القرار»(1).
روى ابن فضال قال: سألت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن ليلة النصف من شعبان؟ قال (عليه السلام) : «هي ليلة يعتق اللّه فيها الرقاب من النار، ويغفر فيها الذنوب الكبار» قلت: فهل فيها صلاة زيادة على سائر الليالي؟ فقال (عليه السلام) : «ليس فيها شيء موظف، ولكن إن أحببت تتطوع فيها بشيء فعليك بصلاة جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) وأكثر فيها من ذكر اللّه عزوجل، ومن الاستغفار والدعاء، فإن أبي (عليه السلام) كان يقول: الدعاء فيها مستجاب».
قلت له: إن الناس يقولون إنها ليلة الصكاك؟
فقال (عليه السلام) : «تلك ليلة القدر في شهر رمضان»(2).
عن عبد السلام بن صالح الهروي قال دخلت على أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في آخر جمعة من شعبان، فقال (عليه السلام) لي:
«يا أبا الصلت إن شعبان قد مضى أكثره، وهذا آخر جمعة منه، فتدارك فيما بقي منه تقصيرك فيما مضى منه، وعليك بالإقبال على ما يُعنيك وترك ما لايعنيك، وأكثر من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن، وتُب إلى اللّه من ذنوبك، ليقبل شهر اللّه عليك وأنت مخلص لله عزوجل، ولا تدعن أمانة في عنقك إلاّ
أديتها، ولا في قلبك حقداً على مؤمن إلاّ نزعته، ولا ذنباً أنت ترتكبه إلاّ أقلعت عنه، واتق اللّه وتوكّل عليه في سرائرك وعلانيتك، {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}(1)وأكثر من أن تقول فيما بقي من هذا الشهر: (اللّهم إن لم تكن قد غفرتَ لنا في ما مضى من شعبان فاغفر لنا فيما بقي منه) فإن اللّه تبارك وتعالى يعتق في هذا الشهر رقاباً من النار لحرمة شهر رمضان»(2).
من أفضل الأذكار وأعظمها ثواباً، ومن أكبر العبادات تقرباً إلى اللّه تعالى: الصلاة على محمد وآله الطاهرين، وكان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) والعترة الطاهرة (عليهم السلام) يؤكدون عليها.
قال الإمام الرضا (عليه السلام) : «من لم يقدر على ما يُكفّر به ذنوبه، فليكثر من الصلاة على محمد وآله، فإنها تهدم الذنوب هدماً»(3).
وقال (عليه السلام) : «الصلاة على محمد وآله تعدل عند اللّه عزوجل التسبيح والتهليل والتكبير»(4).
وروى الإمام الرضا (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «من كان آخر كلامه الصلاة عليّ وعلى عليّ (عليه السلام) دخل الجنة»(5).
8
كان الإمام الرضا (عليه السلام) كثير الدعاء والمناجاة، روي أنه (عليه السلام) كان يقول في دعائه: «سُبْحانَ مَن خَلَقَ الخلْقَ بقُدرَتِهِ، وَأتْقَنَ ما خَلَقَ بحِكْمَتِهِ، وَوَضَعَ كُلُّ شَيءٍ مِنْهُ مَوْضِعَهُ بِعِلْمِهِ، سُبْحانَ مَنْ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وَما تَخْفِي الصُّدُورُ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَميعُ البَصيرُ»(1).
وقال أبو الحسن الرضا (عليه السلام) : «من قال حين يسمع أذان الصبح:
(اللّهُمَّ إنّي أسألُكَ بإقْبالِ نَهارِكَ وَإدْبارِ لَيْلِكَ وَحُضُورِ صَلَواتِكَ وَأصْواتِ دُعائِكَ أنْ تُصَلّيَ عَلى محمّدٍ وَآلِ محمّدٍ وَأنْ تَتُوبَ عَلَيَّ إنّكَ التَّوّابُ الرَّحيمُ)..
وقال مثل ذلك إذا سمع أذان المغرب، ثم مات من يومه أو من ليلته مات تائباً»(2).
وعن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنه قال: «إن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} أقرب إلى اسم اللّه الأعظم من سواد العين إلى بياضها»(3).
قال الإمام الرضا (عليه السلام) : «كان أبي (عليه السلام) إذا خرج من منزله قال:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، خَرَجْتُ بحَوْلِ اللّهِ وَقُوَّتِهِ، لا بحَوْلي وَقُوَّتي، بَلْ بحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ يَا رَبِّ مُتَعَرِّضاً بِهِ لِرِزْقِكَ فَأتِني بِهِ في عافِيَةٍ)»(1).
عن أحمد بن موسى بن سعد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: كنت معه (عليه السلام) في الطواف، فلما صرنا معه بحذاء الركن اليماني قام (عليه السلام) فرفع يده الى السماء ثم قال (عليه السلام) : (يا اللّهُ يا وَلِيَّ الْعافِيَةِ، وَيا خالِقَ الْعافِيَةِ، وَيا رازِقَ الْعافِيَةِ، وَالمُنْعِمَ بِالْعافِيَةِ، وَالمَنّانَ بِالْعافِيَةِ، وَالمُتَفَضِّلَ بِالْعافِيَةِ عَلَيَّ وَعَلَى جَمِيعِ خَلْقِكَ، يا رَحْمانَ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَرَحيمَهُما، صَلِّ عَلَى محمَّدٍ وَآلِ محمَّدٍ، وَارْزُقْنا الْعافِيَةَ وَدَوامَ الْعافِيَةَ وَتَمامَ الْعافِيَةَ وَشُكْرَ الْعافِيَةَ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ)»(2).
عن ياسر الخادم قال: لما نزل أبو الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قصر حميد بن قحطبة، نزع ثيابه وناولها حميداً، فاحتملها وناولها جاريةً له لتغسلها، فما لبثت أن جاءت ومعها رقعة فناولتها حميداً وقالت: وجدتها في جيب أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فقلتُ: جعلتُ فداك إن الجارية وجدت رقعة في جيب قميصك فما هي؟
قال (عليه السلام) : «يا حميد هذه عوذة لا نفارقها».
فقلت: لو شرّفتني بها؟
قال (عليه السلام) : «هذه عوذة من أمسكها في جيبه كان مدفوعاً عنه، وكانت له حرزاً من الشيطان الرجيم ومن السلطان، ثم أملى على حميد العوذة وهي:
(بسم اللّه الرحمن الرحيم، بسم اللّه إني أعوذ بالرحمن منكَ إن كنتَ تقياً أو غير تقي، أخذتُ باللّه السميع البصير على سمعك وبصرك، لا سلطان لك عليَّ ولا على سمعي ولا بصري، ولا على شعري ولا على بَشَري، ولا على لحمي ولا على دمي، ولا على مخُي ولا على عصبي ولا على عظامي، ولا على أهلي ولا على مالي، ولا على ما رزقني ربي، سترتُ بيني وبينك بسترة النبوة الذي استتر به أنبياء اللّه من سلطان الفراعنة، جبرئيل عن يميني وميكائيل عن يساري وإسرافيل من ورائي ومحمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أمامي، واللّه مطلع على ما يمنعك ويمنع الشيطان مني، اللّهم لا يغلب جهله أناتك أن يستفزني ويستخفني، اللّهم إليك التجأتُ، اللّهم إليك التجأتُ، اللّهم إليك التجأتُ)(1).
عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: جئت إلى باب الدار التي حُبس فيها الرضا (عليه السلام) بسرخس، وقد قُيّد (عليه السلام) فاستأذنت عليه السجان فقال: لا سبيل لك إليه (عليه السلام) . قلت: ولمَ؟
قال: لأنه ربما صلى في يومه وليلته ألف ركعة، وإنما ينفتل من صلاته ساعة في صدر النهار وقبل الزوال وعند اصفرار الشمس، فهو في هذه الأوقات قاعد في مصلاه ويناجي ربه.
1) بحار الأنوار: ج91 ص192 ب36 ح1.
قال: فقلت له: فاطلب لي منه في هذه الأوقات إذناً عليه، فاستأذن لي فدخلت عليه وهو (عليه السلام) قاعد في مصلاه متفكراً.
قال أبو الصلت: فقلت له: يا ابن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ما شيء يحكيه عنكم الناس؟
قال (عليه السلام) : وما هو؟
قلت: يقولون: إنكم تدعون أن الناس لكم عبيد؟
فقال (عليه السلام) : «اللّهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت شاهد بأني لم أقل ذلك قطّ، ولا سمعت أحداً من آبائي (عليهم السلام) قاله قط، وأنت العالم بما لنا من المظالم عند هذه الأمة، وإن هذه منها».
ثم أقبل (عليه السلام) علي فقال لي: «يا عبد السلام إذا كان الناس كلهم عبيدنا على ما حكوه عنا فممن نبيعهم»، قلت: يا ابن رسول اللّه صدقت، ثم قال (عليه السلام) : «يا عبد السلام أمنكر أنت لما أوجب اللّه تعالى لنا من الولاية كما ينكره غيرك»؟ قلت: معاذ اللّه بل أنا مقر بولايتكم(1).
أقول: العبودية التي نفاها الإمام (عليه السلام) هي العبودية التي تكون لله عزوجل بمعنى وجوب العبادة فلا تكون لغيره، أما لزوم الطاعة وما أشبه فهو من لوازم الإقرار بالولاية كما لا يخفى.
عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: لما دخل الإمام الرضا (عليه السلام) خراسان... قال: «هذه تربتي وفيها أدفن»... ثم استقبل القبلة فصلى ركعات ودعا بدعوات، فلما فرغ سجد سجدة طال مكثه فيها فأحصينا له فيها خمسمائة
1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) : ج2 ص197 ب44 ح6.
تسبيحة ثم انصرف(1).
روي عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنه كان يلبس ثيابه مما يلي يمينه، فإذا لبس ثوباً جديداً دعا بقدح من ماء فقرأ عليه {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} عشر مرات و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} عشر مرات و{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} عشر مرات ثم نضحه على ذلك الثوب، ثم قال (عليه السلام) : «من فعل هذا بثوبه من قبل أن يلبسه لم يزل في رغد من عيشه ما بقي منه سلك»(2).
عن الرضا (عليه السلام) أنه قال: رقعة الجيب عوذة لكل شيء وهي:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم، بسم اللّه اخسئوا فيها ولا تكلمون، إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً، أخذتُ بسمع اللّه وبصره على أسماعكم وأبصاركم، و بقوة اللّه على قوتكم، لا سلطان لكم على فلان بن فلانة ولا على ذريته ولا على أهله ولا على أهل بيته، سترت بيني وبينكم بستر النبوة الذي استتروا به من سطوات الجبابرة والفراعنة، جبرئيل عن أيمانكم وميكائيل عن يساركم ومحمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أمامكم واللّه يطل عليكم بمنعه نبي اللّه، وبمنع ذريته وأهل بيته منكم ومن الشياطين، ما شاء اللّه لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم، اللّهم إنه لا يبلغ جهله أناتك، ولا تبتله، ولا يبلغ مجهود نفسه، عليك توكلت وأنت نعم المولى ونعم النصير، حرسك اللّه يا فلان بن فلانة وذريتك مما
يخاف على أحد من خلقه، وصلى اللّه على محمد و آله، ويكتب آية الكرسي على التنزيل: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}(1)، ويكتب: لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم، لا ملجأ من اللّه إلاّ إليه، وحسبي اللّه ونعم الوكيل، وأسلم في رأس الشهباء فيها طالسلسبيلا، ويكتب: وصلى اللّه على محمد و آله الطيبين الطاهرين»(2).
«بسم اللّه الرحمن الرحيم، يا من لا شبيه له ولا مثال له، أنت اللّه لا إله إلاّ أنت، ولا خالق إلاّ أنت، تُفني المخلوقين وتَبقى أنت، حلمتَ عمن عصاك وفي المغفرة رضاك»(3).
«اللّهم اعطني الهدى وأحشرني عليه، آمناً أمن من لا خوف عليه ولا حزن ولا جزع، إنك أهل التقوى وأهل المغفرة»(4).
روي عن مولانا الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) حجاب كان يحتجب بها ممن أراد الإساءة إليه، وهو:
«استسلمت يا مولاي لك وأسلمت نفسي إليك، وتوكلت في كل أموري عليك، وأنا عبدك و ابن عبديك، فاخبأني اللّهم في سترك عن شرار خلقك، واعصمني من كل أذى وسوء بمنّك، واكفني شر كل ذي شر بقدرتك، اللّهم من كادني أو أرادني فإني أدرأ بك في نحره، وأستعين بك عليه، وأستعيذ منه بحولك وقوتك، فسدّ عني أبصار الظالمين(1)، إذ كنت ناصري، لا إله إلا أنت يا أرحم الراحمين وإله العالمين، أسألك كفاية الأذى والعافية والشفاء والنصر على الأعداء، والتوفيق لما تحب ربنا وترضى، يا رب العالمين، يا جبار السماوات والأرضين، يا رب محمد وآله الطيبين الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين»(2).
روى العلامة المجلسي (رحمه اللّه) في البحار: (كان قنوت الرضا (عليه السلام) في جميع صلواته: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأجل الأكرم)(3).
وفي بعض الروايات: كان قنوت الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) :
«الفزع الفزع إليك يا ذا المحاضرة، والرغبة الرغبة إليك يا من به المفاخرة، وأنت اللّهم مشاهد هواجس النفوس، ومراصد حركات القلوب، ومطالع مسرات السرائر، من غير تكلف ولا تعسف، وقد ترى اللّهم ما ليس عنك بمنطوي، ولكن حلمك آمن أهله عليه جرأة وتمرداً وعتواً وعناداً، وما يعانيه أولياؤك من تعفية آثار الحق، ودروس معالمه، وتزيد الفواحش، واستمرار أهلها عليها، وظهور الباطل، وعموم التغاشم، والتراضي بذلك في المعاملات
والمتصرفات، قد جرت به العادات وصار كالمفروضات والمسنونات، اللّهم فبادرنا منك بالعون الذي من أعنته به فاز، ومن أيدته لم يخف لمز لماز، وخذ الظالم أخذا عنيفا، ولا تكن له راحماً ولا به رؤوفاً، اللّهم اللّهم اللّهم بادرهم، اللّهم عاجلهم، اللّهم لا تمهلهم، اللّهم غادرهم بكرة وهجرة وسحرة وبياتاً وهم نائمون، وضحىً وهم يلعبون، ومكراً وهم يمكرون وفجأة وهم آمنون، اللّهم بددهم وبدّد أعوانهم واغلل أعضادهم واهزم جنودهم وافلل حدهم واجتث سنامهم وأضعف عزائمهم، اللّهم امنحنا أكتافهم، وبدلهم بالنعم النقم، وبدلنا من محاذرتهم وبغيهم السلامة وأغنمناهم أكمل المغنم، اللّهم لا ترد عنهم بأسك الذي إذا حلّ بقوم فساء صباح المنذرين»(1).
وفي بعض الروايات كان قنوته (عليه السلام) :
«يا من شهد خواطر الأسرار مشاهدة ظواهر جاريات الأخبار، عجز قلبي عن جميل فنون الأقدار، وضعفت قوتي عن النهوض بفوادح المكار، ولمم الشيطان ووسوسة النفس بالطغيان، المتتابعة في الليل والنهار بالعصيان، فإن عصمتني بعصم الأبرار، ومنحتني منح أهل الاستبصار، وأعنتني بتعجيل الانتصار، وإلا فأنا من واردي النار، اللّهم فصلّ على محمد وآله، وجلّلني عصمة تدرأ عني الأصرار، وتحط بها عن ظهري ما أثقله من الآصار»(2).
9
المعاجز التي صدرت عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) كثيرة، بل ولازالت تصدر، فإنهم (عليهم السلام) أحياءٌ عند ربهم يُرزقون، حيث نقرأ في زياراتهم (عليهم السلام) : «أشْهَدُ أنَّكَ تَشْهَدُ مَقامِي وَتَسْمَعُ كَلامِي وَأنَّكَ حَيّ عِنْدَ رَبِّكَ تُرْزَقُ»(1).
روي: إن الإمام الرضا (عليه السلام) لما دخل نيسابور نزل في محلة يقال لها الفرويني فيها حمام، وهو الحمام المعروف اليوم بحمام الرضا (عليه السلام) وكانت هناك عين قد قلّ ماؤها، فأقام عليها من أخرج ماءها حتى توفر وكثر، واتخذ خارج الدرب حوضاً ينزل إليه بالمراقي(2)إلى هذه العين، فدخله الرضا (عليه السلام) واغتسل فيه ثم خرج منه وصلّى على ظَهره، والناس يتناوبون ذلك الحوض ويغتسلون فيه ويشربون منه التماساً للبركة، ويصلون على ظهره ويدعون اللّه عزوجل في حوائجهم فتُقضى لهم، وهي العين المعروفة بعين كهلان يقصدها الناس إلى يومنا هذا(3).
عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: لما خرج علي بن موسى الرضا (عليه السلام) إلى المأمون - وذلك من نيسابور الى طوس الى مرو - فبلغ قرب قرية الحمراء قيل له: يا ابن رسول اللّه قد زالت الشمس أفلا تصلي؟
فنزل (عليه السلام) فقال: ايتوني بماء، فقيل: ما معنا ماء، فبحث (عليه السلام) بيده الأرض فنبع من الارض الماء توضأ به هو ومن معه، وأثره باق إلى اليوم(1). ويقال للمنبع: عين الرضا (عليه السلام) .
عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: لما دخل - الإمام الرضا (عليه السلام) - سناباد استند إلى الجبل الذي تنحت منه القدور فقال: «اللّهم أنفع به وبارك فيما يجعل فيه وفيما يُنحَت منه»، ثم أمر (عليه السلام) فنُحت له قدور من الجبل، وقال: لايطبخ ما آكله إلاّ فيها، وكان (عليه السلام) خفيف الأكل قليل الطعام، فاهتدى الناس إليه من ذلك اليوم، فظهرت بركة دعائه فيه(2).
ولما قتل المأمون الفضل بن سهل في الحمام، وأراد أن يقتل الإمام الرضا (عليه السلام) أيضا، ولكن الإمام (عليه السلام) لم يذهب إلى الحمام وقال (عليه السلام) : رأيت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في المنام وقد نهاني عن الذهاب إلى الحمام.
بعد قتل الفضل اجتمع القواد والجند ومن كان من رجال الفضل ذي الرئاستين
على باب المأمون فقالوا: اغتاله وقتله (أي المأمون) فلنطلبن بدمه، فخاف المأمون من الفتنة وقال المأمون للرضا (عليه السلام) : يا سيدي ترى أن تخرج إليهم وتفرقهم.
قال ياسر: فركب الرضا (عليه السلام) وقال لي: «اركب» فلما خرجنا من الباب نظر الرضا (عليه السلام) إليهم وقد اجتمعوا وجاءوا بالنيران ليحرقوا الباب، فصاح بهم وأومى إليهم بيده تفرقوا، فتفرقوا.
قال ياسر: فأقبل الناس واللّه يقع بعضهم على بعض، وما أشار إلى أحد إلاّ ركض ومر ولم يقف له أحد(1).
عن الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) عن أبيه علي بن محمد (عليه السلام) عن أبيه محمد بن علي (عليه السلام) : أن الرضا علي بن موسى (عليه السلام) لما جعله المأمون ولي عهده احتبس المطر فجعل بعض حاشية المأمون والمتعصبين على الرضا (عليه السلام) يقولون: انظروا لما جاءنا علي بن موسى (عليه السلام) وصار ولي عهدنا فحبس اللّه عنا المطر، واتصل ذلك بالمأمون فاشتد عليه فقال للرضا (عليه السلام) : قد احتبس المطر، فلو دعوت اللّه عزوجل أن يمطر الناس.
فقال الرضا (عليه السلام) : «نعم».
قال: فمتى تفعل ذلك، وكان ذلك يوم الجمعة؟
قال (عليه السلام) : «يوم الإثنين، فإن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أتاني البارحة في منامي ومعه أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وقال: يا بني انتظر يوم الإثنين فابرز إلى الصحراء واستسق، فإن اللّه تعالى سيسقيهم، وأخبرهم بما يريك اللّه مما لا يعلمون من حالهم ليزداد
1) الكافي: ج1 ص490 باب مولد أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ح8.
علمهم بفضلك ومكانك من ربك عزوجل».
فلما كان يوم الإثنين غدا (عليه السلام) إلى الصحراء وخرج الخلائق ينظرون، فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال (عليه السلام) : «اللّهم يا رب أنت عظّمتَ حقنا أهل البيت، فتوسلوا بنا كما أمرتَ، وأملوا فضلَك ورحمتك، وتوقعوا إحسانك ونعمتك، فاسقهم سقياً نافعاً عاماً غير رائث(1)ولا ضائر، وليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم ومقارهم».
قال(2): «فو الذي بعث محمدا (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالحق نبياً لقد نسجت الرياح في الهواء الغيوم وأرعدت وأبرقت وتحرك الناس كأنهم يريدون التنحي عن المطر».
فقال الرضا (عليه السلام) : «على رسلكم أيها الناس فليس هذا الغيم لكم إنما هو لأهل بلد كذا» فمضت السحابة وعبرت، ثم جاءت سحابة أخرى تشتمل على رعد وبرق فتحركوا، فقال (عليه السلام) : «على رسلكم فما هذه لكم إنما هي لأهل بلد كذا» فما زالت حتى جاءت عشر سحابة وعبرت ويقول علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في كل واحدة: «على رسلكم ليست هذه لكم إنما هي لأهل بلد كذا» ثم أقبلت سحابة حادية عشر فقال (عليه السلام) : «أيها الناس هذه سحابة بعثها اللّه عزوجل لكم فاشكروا اللّه على تفضله عليكم، وقوموا إلى مقاركم ومنازلكم فإنها مسامة لكم ولرؤوسكم ممسكة عنكم إلى أن تدخلوا إلى مقاركم ثم يأتيكم من الخير ما يليق بكرم اللّه تعالى وجلاله»..
ونزل (عليه السلام) من على المنبر وانصرف الناس، فما زالت السحابة ممسكة إلى أن
قربوا من منازلهم ثم جاءت بوابل(1)المطر، فملئت الأودية والحياض والغدران والفلوات، فجعل الناس يقولون: هنيئاً لولد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) كرامات اللّه عزوجل، ثم برز إليهم الرضا (عليه السلام) وحضرت الجماعة الكثيرة منهم فقال (عليه السلام) : «يا أيها الناس اتقوا اللّه في نعم اللّه عليكم فلا تنفروها عنكم بمعاصيه، بل استديموها بطاعته وشكره على نعمه وأياديه، واعلموا أنكم لا تشكرون اللّه تعالى بشيء بعد الإيمان باللّه وبعد الاعتراف بحقوق أولياء اللّه من آل محمد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أحب إليه من معاونتكم لإخوانكم المؤمنين على دنياهم التي هي معبر لهم إلى جنان ربهم، فإن من فعل ذلك كان من خاصة اللّه تبارك وتعالى، وقد قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في ذلك ولا ما ينبغي لقائل أن يزهد في فضل اللّه عليه فيه إن تأمله وعمل عليه، قيل: يا رسول اللّه هلك فلان يعمل من الذنوب كيت وكيت، فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : بل قد نجا ولا يختم اللّه عمله إلاّ بالحسنى وسيمحو اللّه عنه السيئات ويبدلها من حسنات، إنه كان يمر مرة في طريق عرض له مؤمن قد انكشفت عورته وهو لا يشعر فسترها عليه ولم يخبره مخافة أن يخجل، ثم إن ذلك المؤمن عرفه في مهواه فقال له: أجزل اللّه لك الثواب وأكرم لك المآب ولا ناقشك في الحساب، فاستجاب اللّه له فيه، فهذا العبد لا يختم اللّه له إلاّ بخير بدعاء ذلك المؤمن، فاتصل قول رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بهذا الرجل فتاب وأناب وأقبل على طاعة اللّه عزوجل، فلم يأت عليه سبعة أيام حتى اُغير على سرح المدينة فوجه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في أثرهم جماعة ذلك الرجل أحدهم فاستشهد فيهم(2).
أقول: وفي تتمة هذا الخبر ما يدل على خبث نية المأمون العباسي وأنه أراد الشر للإمام الرضا (عليه السلام) حيث جلبه إلى خراسان ومن ثم قضى عليه بالسم، وهذا نصه:
قال الإمام محمد بن علي بن موسى (عليهم السلام) :
«وعظم اللّه تبارك وتعالى البركة في البلاد بدعاء الرضا (عليه السلام) وقد كان للمأمون من يريد أن يكون هو ولي عهده من دون الرضا (عليه السلام) وحساد كانوا بحضرة المأمون للرضا (عليه السلام) .. فقال للمأمون بعض أولئك: يا أمير أعيذك باللّه أن تكون تاريخ الخلفاء في إخراجك هذا الشرف العميم والفخر العظيم من بيت ولد لعباس إلى بيت ولد علي، لقد أعنتَ على نفسك وأهلك، جئت بهذا الساحر ولد السحرة! وقد كان خاملاً فأظهرته، ومتضعاً فرفعته، ومنسياً فذكّرت به، ومستخفاً فنوهت به، قد ملأ الدنيا مخرقة وتشوقاً بهذا المطر الوارد عند دعائه، ما أخوفني أن يخرج هذا الرجل هذا الأمر عن ولد العباس إلى ولد علي، بل ما أخوفني أن يتوصل بسحره إلى إزالة نعمتك والتواثب على مملكتك، هل جنى أحد على نفسه وملكه مثل جنايتك؟.
فقال المأمون: قد كان هذا الرجل مستتراً عنا يدعو إلى نفسه فأردنا أن نجعله ولي عهدنا ليكون دعاؤه لنا وليعترف بالملك والخلافة لنا، وليعتقد فيه المفتونون به إنه ليس مما ادعى في قليل ولا كثير، وإن هذا الأمر لنا دونه، وقد خشينا إن تركناه على تلك الحالة أن ينفتق علينا منه ما لا نسده، ويأتي علينا منه ما لا نطيقه، والآن فإذ قد فعلنا به ما فعلناه وأخطأنا في أمره بما أخطأنا وأشرفنا من الهلاك بالتنويه به على ما أشرفنا، فليس يجوز التهاون في أمره، ولكنا نحتاج أن نضع منه قليلاً قليلا حتى نصوره عند الرعايا بصورة من لا يستحق لهذا الأمر،
ثم ندبر فيه بما يحسم عنا مواد بلائه!.
قال الرجل: يا أمير فولني مجادلته، فإني أفحمه وأصحابه وأضع من قدره، فلولا هيبتك في نفسي لأنزلته منزلته وبينت للناس قصوره عما رشحته له!.
قال المأمون: ما شيء أحب إليّ من هذا.
قال: فأجمع جماعة وجوه مملكتك من القواد والقضاة وخيار الفقهاء لأبين نفضه بحضرتهم، فيكون أخذاً له عن محله الذي أحللته فيه على علم منهم بصواب فعلك.
قال: فجمع الخلق الفاضلين من رعيته في مجلس واسع قعد فيه لهم وأقعد الرضا (عليه السلام) بين يديه في مرتبته التي جعلها له، فابتدأ هذا الحاجب المتضمن للوضع من الرضا (عليه السلام) وقال له: إن الناس قد أكثروا عنك الحكايات وأسرفوا في وصفك بما أرى أنك إن وقفت عليه برئت إليهم منه، قال: وذلك أنك قد دعوت اللّه في المطر المعتاد مجيئه فجاء فجعلوه آية معجزة لك أوجبوا لك بها أن لا نظير لك في الدنيا، وهذا الأمير أدام اللّه ملكه وبقاءه لا يوازي بأحد إلا رجح به وقد أحلك المحل الذي قد عرفت فليس من حقه عليك أن تسوغ الكاذبين لك وعليه ما يتكذبونه.
فقال الرضا (عليه السلام) : ما أدفع عباد اللّه عن التحدث بنعم اللّه علي وإن كنت لا أبغي أشراً ولا بطراً، وأما ما ذكرك صاحبك الذي أحلني ما أحلني، فما أحلني إلا المحل الذي أحله ملك مصر يوسف الصديق (عليه السلام) وكانت حالهما ما قد علمت.
فغضب الحاجب عند ذلك وقال: يا ابن موسى لقد عدوت طورك وتجاوزت قدرك!، إن بعث اللّه بمطر مقدّر وقته لا يتقدم ولا يتأخر جعلته آية تستطيل بها، وصولة تصول بها، كأنك جئت بمثل آية الخليل إبراهيم (عليه السلام) لما أخذ رؤوس الطير
بيده ودعا أعضاءها التي كان فرقها على الجبال فأتينه سعياً وتركبن على الرؤوس وخفقن وطرن بإذن اللّه تعالى، فإن كنت صادقاً فيما توهم فأحي هذين وسلّطهما علي، فإن ذلك يكون حينئذ آية معجزة، فأما المطر المعتاد مجيئه فلست أنت أحق بأن يكون جاء بدعائك من غيرك الذي دعا كما دعوت، وكان الحاجب أشار إلى أسدين مصورين على مسند المأمون الذي كان مستنداً إليه وكانا متقابلين على المسند، فغضب علي بن موسى (عليه السلام) وصاح بالصورتين دونكما الفاجر فافترساه ولا تبقيا له عيناً ولا أثراً، فوثبت الصورتان وقد عادتا أسدين فتناولا الحاجب ورضّاه وهشماه وأكلاه ولحسا دمه والقوم ينظرون متحيرين مما يبصرون، فلما فرغا منه أقبلا على الرضا (عليه السلام) وقالا: يا ولي اللّه في أرضه ماذا تأمرنا نفعل بهذا، أنفعل به ما فعلنا بهذا، يشيران إلى المأمون، فغشي على المأمون مما سمع منهما، فقال الرضا (عليه السلام) : قفا، فوقفا، قال الرضا (عليه السلام) : صبوا عليه ماء ورد وطيبوه، ففعل ذلك به وعاد الأسدان يقولان: أتأذن لنا أن نلحقه بصاحبه الذي أفنيناه؟ قال (عليه السلام) : لا فإن لله عز وجل فيه تدبيراً هو ممضيه، فقالا: ما ذا تأمرنا؟ قال: عودا إلى مقركما كما كنتما، فصارا إلى المسند وصارا صورتين كما كانتا.
فقال المأمون: الحمد لله الذي كفاني شر حميد بن مهران يعني الرجل المفترَس، ثم قال للرضا (عليه السلام) يا ابن رسول اللّه هذا الأمر لجدكم رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ثم لكم، فلو شئتَ لنزلتُ عنه لك، فقال الرضا (عليه السلام) : لو شئتُ لما ناظرتك ولم أسألك، فإن اللّه تعالى قد أعطاني من طاعة سائر خلقه مثل ما رأيت من طاعة هاتين الصورتين إلا جهال بني آدم فإنهم وإن خسروا حظوظهم فلله عز وجل فيه تدبير وقد أمرني بترك الاعتراض عليك وإظهار ما أظهرته من العمل من تحت يدك كما أمر يوسف بالعمل من تحت يد فرعون مصر.
قال الامام الجواد (عليه السلام) : فما زال المأمون ضئيلاً في نفسه إلى أن قضى في علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ما قضى(1)،
حيث قتله بالسم مظلوماً شهيداً.
عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: رُفع إلى المأمون أن أبا الحسن علي بن موسى (عليه السلام) يعقد مجالس الكلام والناس يفتتنون بعلمه، فأمر - أي المأمون - محمد بن عمرو الطوسي حاجبَ المأمون فطرد الناس عن مجلسه وأحضره - أي أحضر الإمام الرضا (عليه السلام) - فلما نظر إليه المأمون زبره واستخف به.
فخرج أبو الحسن (عليه السلام) من عنده مغضباً وهو يدمدم بشفتيه ويقول (عليه السلام) :
«وحق المصطفى والمرتضى وسيدة النساء لأستنزلن من حول اللّه عز وجل بدعائي عليه ما يكون سبباً لطرد كلاب أهل هذه الكورة إياه واستخفافهم به، وبخاصته وعامته».
ثم إنه (عليه السلام) انصرف إلى مركزه واستحضر الميضأة وتوضأ وصلى ركعتين وقنت في الثانية فقال (عليه السلام) : «اللّهم يا ذا القدرة الجامعة، والرحمة الواسعة، والمنن المتتابعة، والآلاء المتوالية، والأيادي الجميلة، والمواهب الجزيلة، يا من لايوصف بتمثيل ولا يمثل بنظير، ولا يغلب بظهير، يا من خلق فرزق، وألهم فأنطق، وابتدع فشرع، وعلا فارتفع، وقدر فأحسن، وصوّر فأتقن، وأجنح فأبلغ، وأنعم فأسبغ، وأعطى فأجزل، يا من سما في العز ففات خواطف الأبصار، ودنا في اللطف فجاز هواجس الأفكار، يا من تفرّد بالملك فلا نِدّ له في ملكوت سلطانه، وتوحد بالكبرياء فلا ضد له في جبروت شأنه، يا من حارت في كبرياء
1) انظر: دلائل الإمامة: ص379-382 ح340 / 38.
هيبته دقائق لطائف الأوهام، وحسرت دون إدراك عظمته خطائف أبصار الأنام، يا عالم خطرات قلوب العارفين (العالمين)، ويا شاهد لحظات أبصار الناظرين، يا من عنت الوجوه لهيبته، وخضعت الرقاب لجلالته، ووجلت القلوب من خيفته، وارتعدت الفرائص من فرقه، يا بديء يا بديع، يا قوي يا منيع، يا علي يا رفيع، صل على من شرفت الصلاة بالصلاة عليه، وانتقم لي ممن ظلمني واستخف بي وطرد الشيعة عن بابي، وأذقه مرارة الذل والهوان، كما أذاقنيها واجعله طريد الأرجاس وشريد الأنجاس».
قال أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي: فما استتم مولاي (عليه السلام) دعاءه حتى وقعت الرجفة في المدينة وارتج البلد وارتفعت الزعقة والصيحة واستفحلت النعرة وثارت الغبرة وهاجت القاعة، فلم أزايل مكاني إلى أن سلّم مولاي (عليه السلام) فقال لي: «يا أبا الصلت اصعد السطح فإنك سترى امرأة بغية غثة رثة مهيجة الأشرار، متسخة الأطمار، يسميها أهل هذه الكورة سمانة لغباوتها وتهتكها، وقد أسندت مكان الرمح إلى نحرها قصبا، وقد شدت وقاية لها حمراء إلى طرفه مكان اللواء، فهي تقود جيوش القاعة وتسوق عساكر الطغام إلى قصر المأمون ومنازل قواده».
فصعدت السطح فلم أر إلاّ نفوساً تُزعزَع بالعصي وهامات تُرضخ بالأحجار، ولقد رأيت المأمون متدرعاً قد برز من قصر شاهجان متوجها للهرب فما شعرت إلا بشاجرد الحجام قد رمى من بعض أعالي السطوح بلبنة ثقيلة فضرب بها رأس المأمون فأسقطت بيضته بعد أن شقت جلد هامته، فقال لقاذف اللبنة بعض من عرف المأمون: ويلك هذا الأمير، فسمعت سمانة تقول: اسكت لا أم لك ليس هذا يوم التميز والمحاباة ولا يوم إنزال الناس على طبقاتهم فلو كان
هذا أمير لما سلط ذكور الفجار على فروج الأبكار، وطُرد المأمون وجنوده أسوأ طرد بعد إذلال واستخفاف شديد(1).
عن محمد بن عبد اللّه القمي قال: كنت عند الرضا (عليه السلام) فأصابني عطش شديد فكرهت أن أستسقي في مجلسه، ودعا (عليه السلام) بماء بارد فذاقه وناولني فقال: «يا محمد اشرب فإنه بارد».. فشربت(2).
عن محمد بن عيسى عن أبي حبيب البناجي(3)أنه قال: رأيت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في المنام وقد وافى البناج (النباج. خ ل) ونزل بها في المسجد الذي ينزله الحاج كل سنة، وكأني مضيت إليه وسلّمت عليه ووقفت بين يديه ووجدت عنده طبقاً من خوص نخل المدينة فيه تمر صيحاني، فكأنه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قبض قبضة من ذلك التمر فناولني منه، فعددته فكان ثماني عشرة تمرة، فتأولت أني أعيش بعدد كل تمرة سنة، فلما كان بعد عشرين يوماً كنت في أرض تعمر بين يدي للزراعة حتى جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا (عليه السلام) من المدينة ونزوله ذلك المسجد ورأيت الناس يسعون إليه، فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وتحته حصير مثل ما كان تحته وبين يديه طبق خوص فيه تمر
صيحاني، فسلّمت عليه، فرد السلام علي واستدناني فناولني قبضة من ذلك التمر، فعددته فإذا عدده مثل ذلك التمر الذي ناولني رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقلت له: زدني منه يا ابن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال (عليه السلام) : «لو زادك رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لزدناك»(1).
عن الصفواني(2)
قال: قد خرجت قافلة من خراسان إلى كرمان فقطع اللصوص عليهم الطريق وأخذوا منهم رجلاً اتهموه بكثرة المال، فبقي في أيديهم مدة يعذبونه ليفتدي منهم نفسه، وأقاموه في الثلج وملئوا فاه من ذلك الثلج فشدوه، فرحمته امرأة من نسائهم فأطلقته وهرب، فانفسد فمه ولسانه حتى لم يقدر على الكلام، ثم انصرف إلى خراسان وسمع بخبر علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وأنه بنيسابور، فرأى فيما يرى النائم كأن قائلاً يقول له: إن ابن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قد ورد خراسان فسله عن علتك فربما يعلمك دواءً تنتفع به.
قال: فرأيت كأني قد قصدته (عليه السلام) وشكوت إليه ما كنت دفعت إليه وأخبرته بعلتي، فقال (عليه السلام) لي: «خذ من الكمون والسعتر والملح ودقه وخذ منه في فمك مرتين أو ثلاثاً فإنك تعافى».
فانتبه الرجل من منامه ولم يفكر فيما كان رأى في منامه ولا اعتد به حتى ورد باب نيسابور، فقيل له إن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قد ارتحل من نيسابور وهو برباط سعد، فوقع في نفس الرجل أن يقصده ويصف له أمره ليصف له ما ينتفع به من الدواء، فقصده إلى رباط سعد فدخل إليه فقال له: يا ابن رسول اللّه كان
من أمري كيت وكيت وقد انفسد علي فمي ولساني حتى لا أقدر على الكلام إلا بجهد، فعلمني دواءً أنتفع به؟.
فقال الرضا (عليه السلام) : «ألم أعلمك، اذهب فاستعمل ما وصفته لك في منامك».
فقال له الرجل: يا ابن رسول اللّه إن رأيت أن تعيده علي.
فقال (عليه السلام) لي: «خذ من الكمون والسعتر والملح فدقه وخذ منه في فمك مرتين أو ثلاثا فإنك ستعافى».
قال الرجل: فاستعملت ما وصف لي فعوفيت(1).
قال الريان بن الصلت(2):
لما أردت الخروج إلى العراق وعزمت على توديع الرضا (عليه السلام) فقلت في نفسي: إذا ودعته سألته قميصاً من ثياب جسده لأكفن به، ودراهم من ماله أصوغ بها لبناتي خواتيم، فلما ودعته شغلني البكاء والأسى على فراقه عن مسألة ذلك.
فلما خرجت من بين يديه صاح (عليه السلام) بي: «يا ريان ارجع»، فرجعت، فقال (عليه السلام) لي: «أما تحب أن أدفع إليك قميصاً من ثياب جسدي تكفن فيه إذا دنا أجلك؟، أوما تحب أن أدفع إليك دراهم تصوغ بها لبناتك خواتيم؟».
فقلت: يا سيدي قد كان في نفسي أن أسألك ذلك فمنعني الغم بفراقك.
فرفع (عليه السلام) الوسادة وأخرج قميصاً فدفعه إلي ورفع جانب المصلى فأخرج دراهم فدفعها إلي فعددتها فكانت ثلاثين درهماً(3).
عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي قال: كنت شاكاً في أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فكتبت إليه كتاباً أسأله فيه الإذن عليه وقد أضمرتُ في نفسي أن أسأله إذا دخلت عليه عن ثلاث آيات قد عقدتُ قلبي عليها.
قال: فأتاني جواب ما كتبت به إليه: عافانا اللّه وإياك، أما ما طلبت من الإذن علي فإن الدخول إليّ صعب وهؤلاء قد ضيقوا علي في ذلك، فلست تقدر عليه الآن وسيكون إن شاء اللّه.
وكتب (عليه السلام) بجواب ما أردتُ أن أسأله عنه عن الآيات الثلاث في الكتاب ولا واللّه ما ذكرت له منهن شيئاً، ولقد بقيت متعجباً لما ذكرها في الكتاب ولم أدر أنه جوابي إلاّ بعد ذلك فوقفت على معنى ما كتب (عليه السلام) به(1).
عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي قال:
بعث الرضا (عليه السلام) إليّ بحمار فركبته وأتيته، فأقمت عنده بالليل إلى أن مضى منه ما شاء اللّه، فلما أراد أن ينهض قال (عليه السلام) لي: لا أراك تقدر على الرجوع إلى المدينة، قلت: أجل جُعلت فداك.
قال (عليه السلام) : «فبت عندنا الليلة واغد على بركة اللّه عزوجل».
قلت: أفعل جعلت فداك.
قال (عليه السلام) : «يا جارية افرشي له فراشي واطرحي عليه ملحفتي التي أنام فيها وضعي تحت رأسه مخدتي».
1) الثاقب في المناقب: ص477 ب11 فصل4 ح401\4.
قال: فقلت في نفسي: من أصاب ما أصبت في ليلتي هذه، لقد جعل اللّه لي من المنزلة عنده وأعطاني من الفخر ما لم يعطه أحداً من أصحابنا، بعث إلي بحماره فركبته وفرش لي فراشه وبت في ملحفته ووُضعت لي مخدته، ما أصاب مثل هذا أحد من أصحابنا.
قال: وهو (عليه السلام) قاعد معي وأنا أحدث نفسي، فقال (عليه السلام) لي: «يا أحمد إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أتى زيد بن صوحان في مرضه يعود فافتخر على الناس بذلك، فلا تذهبن نفسك إلى الفخر وتذلل لله عزوجل» واعتمد على يده فقام (عليه السلام) (1).
عن أبي مسروق قال: دخل على الرضا (عليه السلام) جماعة من الواقفة فيهم علي بن أبي حمزة البطائني ومحمد بن إسحاق بن عمار والحسين بن مهران والحسن بن أبي سعيد المكاري، فقال له علي بن أبي حمزة: جُعلت فداك أخبرنا عن أبيك (عليه السلام) ما حاله؟
فقال (عليه السلام) له: «إنه قد مضى». فقال (عليه السلام) له: فإلى من عهد؟
فقال (عليه السلام) : «إلي».
فقال له: إنك لتقول قولاً ما قاله أحد من آبائك، علي بن أبي طالب (عليه السلام) فمن دونه.
قال (عليه السلام) : «لكن قد قاله خير آبائي وأفضلهم رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ».
فقال له: أما تخاف هؤلاء على نفسك.
فقال: لو خفت عليها كنت عليها معيناً، إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أتاه أبو لهب
1) مدينة المعاجز: ج7 ص67- 68 ب 8 فصل 51 ح2169/67.
فتهدده فقال له رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) إن خدشت من قبلك خدشة فأنا كذاب، فكانت أول آية نزع بها رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهي أول آية أنزع لكم، إن خدشت خدشة من قبل هارون فأنا كذاب».
فقال له الحسين بن مهران: قد أتانا ما نطلب إن أظهرت هذا القول.
قال (عليه السلام) : فتريد هذا، أتريد أن أذهب إلى هارون فأقول له إني إمام وأنت لست في شيء، ليس هكذا صنع رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في أول أمره، إنما قال ذلك لأهله ومواليه ومن يثق به، فقد خصهم به دون الناس، وأنتم تعتقدون الإمامة لمن كان قبلي من آبائي ولا تقولون إنه إنما يمنع علي بن موسى أن يخبر أباه حي تقيةً، فإني لا أتقيكم في أن أقول إني إمام فكيف أتقيكم في أن أدعي أنه حي لو كان حياً»(1).
عن جعفر بن محمد النوفلي قال: أتيت الرضا (عليه السلام) وهو بقنطرة أربق(2)
فسلّمت عليه ثم جلست وقلت: جعلت فداك إن أناساً يزعمون أن أباك حي؟
فقال (عليه السلام) :كذبوا لعنهم اللّه، لو كان حياً ما قُسم ميراثه ولا نُكح نساؤه ولكنه واللّه ذاق الموت كما ذاقه علي بن أبي طالب (عليه السلام) ..
قال: فقلت له: فما تأمرني؟
قال (عليه السلام) : «عليك بابني محمد من بعدي، وأما أنا فإني ذاهب في وجه الأرض أرجع منه، بورك قبر بطوس وقبران ببغداد».
قال: قلت: جعلت فداك قد عرفنا واحداً فما الثاني؟
قال: ستعرفونه.
ثم قال (عليه السلام) : «قبري وقبر هارون هكذا وضم بإصبعيه»(1).
عن حمزة بن جعفر الأرجاني قال: خرج هارون من المسجد الحرام من باب وخرج الرضا (عليه السلام) من باب، فقال الرضا (عليه السلام) وهو يعني لهارون: «ما أبعد الدار وأقرب اللقاء، يا طوس يا طوس ستجمعني وإياه»(2).
عن مولى العبد الصالح أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: كنت في جماعة مع الرضا (عليه السلام) في مفازة(3)فأصابنا عطش شديد ودوابنا حتى خفنا على أنفسنا، فقال لنا الرضا (عليه السلام) : ائتوا موضعاً، وصفه لنا، فإنكم ستصيبون الماء فيه.
قال: فأتينا الموضع فأصبنا الماء وسقينا دوابنا حتى رويت وروينا ومن معنا من القافلة، ثم رحلنا، فأمرنا (عليه السلام) بطلب العين فطلبناها فما أصبنا إلاّ بعر الإبل ولم نجد للعين أثراً، فذكرت ذلك لرجل من ولد قنبر(4)كان يزعم أن له مائة وعشرين سنة فأخبرني القنبري(5)
بمثل هذا الحديث سواء، قال: كنت أنا أيضاً معه في
1) إعلام الورى: ج2 ص59.
2) كشف الغمة: ج3 ص108-109.
3) المفازة: الأرض القفرة التي لا ماء فيها.
4) مولى أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن أصحابه المخلصين كان عدلاً بتصريح الإمام (عليه السلام) قتله الحجاج لحبه.
5) يحيى بن بشار أو يسار القنبري مولى الرضا (عليه السلام) ومن أصحابه وأصحاب الهادي والعسكري (عليهم السلام) وممن روى النص على أبي محمد (عليه السلام) .
خدمته فأخبرني القنبري أنه كان في ذلك مصعدا إلى خراسان(1).
قال محول السجستاني: لما ورد البريد بإشخاص الرضا (عليه السلام) إلى خراسان كنت أنا بالمدينة، فدخل الإمام (عليه السلام) المسجد ليودع رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فودعه مراراً كل ذلك يرجع إلى القبر ويعلو صوته بالبكاء والنحيب، فتقدمت إليه وسلمت عليه فرد السلام وهنأته، فقال (عليه السلام) : «ذرني فإني أخرج من جوار جدي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فأموت في غربة وأدفن في جنب هارون».
قال: فخرجت متبعا لطريقه حتى مات بطوس ودفن إلى جنب هارون(2).
وعن الحسن بن علي الوشاء(3)قال: قال لي الرضا (عليه السلام) : «إني لما أرادوا الخروج بي من المدينة جمعت عيالي وأمرتهم أن يبكوا علي حتى أسمع، ثم فرقت فيهم اثني عشر ألف دينار. ثم قلت: أما إني لا أرجع إلى عيالي أبداً»(4).
عن ابن أبي كثير(5)قال: لما توفي موسى (عليه السلام) وقف الناس في أمره، فحججت
1) مدينة المعاجز: ج7 ص79 ب 8 فصل 57 ح2176/74.
2) الأنوار البهية: ص222.
3) من أصحاب الإمام الكاظم والرضا والهادي (عليهم السلام) كان من وجوه الطائفة مكثر في الحديث وهو القائل: أدركت في مسجد الكوفة تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد (عليه السلام) .
4) مناقب آل أبي طالب: ج3 ص452.
5) في بعض المصادر ابن ابي يحيى، ولكن الصحيح ابن ابي كثير تبعاً لبقية المصادر- وتبعاً لما قرره الوحيد البهبهاني في تعليقته.
تلك السنة فإذا أنا بعلي بن موسى الرضا (عليه السلام) فأضمرت في نفسي أمراً فقلت: {أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ}(1)الآية، فمر علي (عليه السلام) كالبرق الخاطف عليّ فقال (عليه السلام) : «أنا البشر الذي يجب عليك أن تتبعني» فقلت: يا مولاي معذرة إلى اللّه تعالى وإليك، فقال (عليه السلام) : «مغفور لك إن شاء اللّه تعالى»(2).
قال أبو محمد الغفاري: لزمني دين ثقيل فقلت: ما لقضاء ديني غير سيدي ومولاي أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فلما أصبحت أتيت منزله فاستأذنت فأذن لي، فلما دخلت قال لي ابتداءً: «يا أبا محمد قد عرفنا حاجتك وعلينا قضاء دينك».
فلما أمسينا أُتي بطعام للإفطار فأكلنا فقال: «يا أبا محمد تبيت أو تنصرف»؟
فقلت: يا سيدي إن قضيت حاجتي فالانصراف أحب إلي.
قال: فتناول (عليه السلام) من تحت البساط قبضة فدفعها إليّ، فخرجت ودنوت من السراج فإذا هي دنانير حمر وصفر، فأول دينار وقع بيدي ورأيت نقشه كان عليه:(يا أبا محمد الدنانير خمسون، ستة وعشرون منها لقضاء دينك، وأربع وعشرون لنفقة عيالك)، فلما أصبحت فتشت الدنانير فلم أجد ذلك الدينار وإذا هي لا تنقص شيئاً(3).
عن الحسن بن علي بن فضال(1)عن عبد اللّه بن المغيرة قال(2): كنت واقفياً وحججت على ذلك، فلما صرت بمكة خلج في صدري شيء، فتعلقت بالملتزم(3)ثم قلت: اللّهم قد علمتَ طلبتي وإرادتي فأرشدني إلى خير الأديان، فوقع في نفسي أن آتي الرضا (عليه السلام) فأتيت المدينة فوقفت ببابه وقلت للغلام: قل لمولاك رجل من أهل العراق بالباب، قال: فسمعت نداءه (عليه السلام) وهو يقول (عليه السلام) : «اُدخل يا عبد اللّه بن المغيرة»، فدخلت، فلما نظر إليّ قال (عليه السلام) : «قد أجاب اللّه دعاءك وهداك لدينه» فقلت: أشهد أنك حجة اللّه وأمينه على خلقه»(4).
عن داود بن رزين(5)قال: كان لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) عندي مال فبعث فأخذ بعضه وترك عندي بعضه وقال (عليه السلام) : «من جاءك بعدي يطلب ما بقي عندك فإنه صاحبك» فلما مضى (عليه السلام) أرسل إلىّ علي ابنه (عليه السلام) : ابعث إلي بالذي هو عندك وهو كذا وكذا» فبعثت إليه ما كان له عندي(6).
1) من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) ، كان خصيصاًَ به، جليل القدر عظيم المنزلة زاهداً ورعاً ثقة مصنف مكثر في الحديث وكان فطحياً ولكنه رجع الى الحق توفي سنة 224ه.
2) من أصحاب الإمام الكاظم والرضا (عليهما السلام) ثقة لايعدل به أحد من جلالته ودينه وورعه، مصنف مُكثر في الحديث، من أصحاب الاجماع.
3) هو المستجار المعروف في الكعبة المشرفة التي استجارت به والتزمته فاطمة بنت أسد (عليها السلام) أم أمير المؤمنين (عليه السلام) في القضية المشهورة.
4) الكافي:ج1 ص355 باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الامامة ح13.
5) الظاهر إنه داود بن زربي وهو من أصحاب الصادق والكاظم (عليهما السلام) ، إمامي ثقة عالم فقيه ورع له أصل.
6) بحار الأنوار: ج49 ص23 ب2 ح30.
عن الحسن بن علي الوشاء قال: سألني العباس بن جعفر بن الأشعث أن أسأل الرضا (عليه السلام) أن يحرق كتبه إذا قرأها مخافة أن تقع في يد غيره.
قال الوشاء: فابتدأني (عليه السلام) بكتاب من قبل أن أسأله أن يحرق كتبه فيه:
«أعلم صاحبَك أني إذا قرأت كتبه إليّ حرقتها»(1).
عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي قال: تمنيت في نفسي إذا دخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أن أسأله كم أتى عليك من السن؟ فلما دخلت عليه (عليه السلام) وجلست بين يديه جعل ينظر إلي ويتفرس في وجهي ثم قال (عليه السلام) : «كم أتى لك»؟ فقلت: جعلت فداك كذا وكذا، قال: «فأنا أكبر منك وقد أتى عليّ اثنتان وأربعون سنة» فقلت جعلت فداك: قد واللّه أردت أن أسألك عن هذا، فقال (عليه السلام) : «قد أخبرتك»(2).
عن الهشام العباسي(3)قال: دخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وأنا أريد أن أسأله أن يعوذني لصداع أصابني وأن يهب لي ثوبين من ثيابه أحرم فيهما، فلما دخلت سألت عن مسائلي فأجابني ونسيت حوائجي، فلما قمت لأخرج وأردت
أن أودعه قال (عليه السلام) لي: «اجلس» فجلست بين يديه فوضع يده على رأسي وعوذني ثم دعا لي بثوبين من ثيابه فدفعهما إليّ وقال (عليه السلام) لي: «أحرم فيهما».
قال العباسي: وطلبت بمكة ثوبين سعيديين(1)إحداهما لابني فلم أصب بمكة منهما شيئاً على نحو ما أردت فمررت بالمدينة في منصرفي فدخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فلما ودعته وأردت الخروج دعا بثوبين سعيديين على عمل الموشى الذي كنت طلبته فدفعهما إلي(2).
عن الحسين بن موسى قال: خرجنا مع أبي الحسن الرضا (عليه السلام) إلى بعض أملاكه في يوم لا سحاب فيه، فلما برزنا قال (عليه السلام) :
«حملتم معكم المماطر»؟
قلنا: لا، وما حاجتنا إلى المماطر وليس سحاب ولا نتخوف المطر؟.
فقال (عليه السلام) : «لكني قد حملته وستمطرون».
قال: فما مضينا إلاّ يسيراً حتى ارتفعت سحابة ومطرنا حتى أهمتنا أنفسنا، فما بقي منا أحد إلا ابتل(3).
عن موسى بن مهران أنه كتب إلى الرضا (عليه السلام) يسأله أن يدعو اللّه لابن له.
فكتب (عليه السلام) إليه: «وهب اللّه لك ذكرا صالحا».
فمات ابنه ذلك وولد له ابن(1).
عن محمد بن الفضيل قال: نزلت ببطن مر(2)فأصابني العرق المديني(3)في جنبي وفي رجلي، فدخلت على الرضا (عليه السلام) بالمدينة فقال (عليه السلام) : «ما لي أراك متوجعا؟». فقلت: إني لما أتيت بطن مر أصابني العرق المديني في جنبي وفي رجلي. فأشار (عليه السلام) إلى الذي في جنبي تحت الإبط وتكلّم بكلام وتفل عليه ثم قال (عليه السلام) : «ليس عليك بأس من هذا»، ونظر إلى الذي في رجلي فقال (عليه السلام) : قال أبو جعفر (عليه السلام) «من بلي من شيعتنا ببلاء فصبر كتب اللّه عزوجل له مثل أجر ألف شهيد». فقلت في نفسي: لا أبرأ واللّه من رجلي أبدا.
قال الهيثم(4):
فما زال يعرج منها حتى مات(5).
عن أبي علي الحسن بن راشد(6)قال: قدمت أحمال وأتاني رسول الرضا (عليه السلام) قبل أن أنظر في الكتب أو أوجه بها إليه، فقال لي: يقول الرضا (عليه السلام) : «سرّح إلي
1) مدينة المعاجز: ج7 ص88 ب 8 فصل70 ح2189/87.
2) موضع يبعد عن مكة بمرحلة.
3) يحدث على بعض الأعضاء من البدن بثرة فتنتفخ إلى أن يخرج منها شيء أحمر مائل إلى السواد وأكثر ما يكون في الساقين وقد يعرض على اليدين والجنب.
4) هو هيثم بن أبي مسروق كوفي إمامي فاضل له كتاب، من أصحاب الإمام الجواد (عليه السلام) من رجال كامل الزيارات وروى عنه جمع من الثقات.
5) بحار الانوار: ج49 ص42 ب3 ح31.
6) إمامي ثقة من أصحاب الإمام الجواد والهادي (عليهما السلام) ومن السفراء الممدوحين فقيه ثقة عظيم الشأن.
بدفتر» ولم يكن لي في منزلي دفتر أصلاً.
قال: فقلت: فأطلب ما لا أعرف بالتصديق له فلم أجد شيئاً، ولم أقع على شيء، فلما ولى الرسول قلت: مكانك، فحللت بعض الأحمال فتلقاني دفتر لم أكن علمت به إلاّ أني علمت أنه لم يطلب إلاّ الحق فوجهت به إليه(1).
قال أحمد بن عبد اللّه بن حارثة الكرخي: كان لا يعيش لي ولد وتوفي لي بضعة عشر من الولد، فحججتُ ودخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فخرج إليّ وهو متزر بإزار مورد، فسلمت عليه وقبّلت يده وسألته عن مسائل، ثم شكوت إليه بعد ذلك ما ألقى من قلة بقاء الولد. فأطرق (عليه السلام) طويلاً ودعا ملياً ثم قال (عليه السلام) لي: «إني لأرجو أن تنصرف ولك حمل، وأن يولد لك ولد بعد ولد، وتمتع بهم أيام حياتك فإن اللّه تعالى إذا أراد أن يستجيب الدعاء فعل وهو على كل شيء قدير». قال: فانصرفت من الحج إلى منزلي فأصبت أهلي ابنة خالي حاملاً فولدت لي غلاماً سميته إبراهيم، ثم حملت بعد ذلك فولدت لي غلاماً سميته محمداً وكنيته بأبي الحسن، فعاش إبراهيم نيفاً وثلاثين سنة، وعاش أبو الحسن أربع وعشرين سنة، ثم إنهما اعتلا جميعاً وخرجت حاجاً وانصرفت وهما عليلان فمكثا بعد قدومي شهرين ثم توفي إبراهيم في أول الشهر وتوفي محمد في آخر الشهر ثم مات بعدهما بسنة ونصف ولم يكن يعيش له قبل ذلك ولد إلاّ أشهر(2).
عن سعيد بن سعد، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه نظر إلى رجل فقال له: «يا عبد اللّه أوص بما تريد واستعد لما لابدّ منه» فكان كما قال، فمات بعد ذلك بثلاثة أيام(1).
قال محمد بن أبي عباد: قال المأمون يوماً للرضا (عليه السلام) ندخل بغداد إن شاء اللّه تعالى فنفعل كذا وكذا. فقال (عليه السلام) له: «تدخل أنت بغداد يا أمير».
فلما خلوت به قلت له: إني سمعت شيئاً غمني وذكرته له.
فقال (عليه السلام) : «يا حسين(2)
وما أنا وبغداد لا أرى بغداد ولا تراني»(3).
روي أن بكار(4)قد ظلم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في شيء، فدعا عليه، فسقط في وقت دعائه عليه حجر من قصره فاندقت عنقه(5).
1) شرح إحقاق الحق: ج33 ص845.
2) في بعض النسخ: (يا أبا حسين)، والظاهر أنه الصحيح لأن كنية محمد بن أبي عباد هي أبو الحسين، وكان يكنيه بطرح الألف واللام.
3) بحار الأنوار: ج49 ص286 ب19 ح7.
4) هو بكار بن عبداللّه بن مصعب بن الزبير بن العوام: أحد النواصب ومن عائلة ناصبية امتلات ببغض أهل البيت (عليهم السلام) فمصعب هو الذي حارب المختار الثقفي وقتله، وعبداللّه ناصبي شديد، ومن قبلهم والدهم الزبير هو الذي حارب أمير المؤمنين (عليه السلام) وعبداللّه بن مصعب مزق العهد الذي كان بين يحيى بن عبداللّه بن الحسن وبين هارون وأهانه وقال له اقتله يا أمير فإنه لاأمان له، إلى سوء خلقه وانحطاطه في القضية المعروفة مع الامام الصادق (عليه السلام) ، وبكار ومادلت الرواية عليه، وابن بكار وهو الزبير بن بكار معروف بعدائه لأهل البيت (عليهم السلام) وبغضهم.
5) الكنى والالقاب: ج2 ص291.
عن محمد بن الفضيل(1)
قال: لما كان في السنة التي بطش هارون بآل برمك بدأ بجعفر بن يحيى وحبس يحيى بن خالد ونزل بالبرامكة ما نزل، كان أبو الحسن الرضا (عليه السلام) واقفاً بعرفة يدعو، ثم طأطأ رأسه حتى كادت جبهته تصيب قادمة الرحل، ثم رفع رأسه، فسُئل عن ذلك؟ فقال (عليه السلام) : «إني كنت أدعو اللّه تعالى على هؤلاء القوم - يعني البرامكة - بما فعلوا بأبي (عليه السلام) فاستجاب اللّه لي اليوم فيهم» فلما انصرفنا لم نلبث إلاّ أياماً حتى بطش بجعفر ويحيى وتغيرت حالاتهم(2).
عن مسافر(3)قال: كنت مع أبي الحسن الرضا (عليه السلام) بمنى فمر يحيى بن خالد مع قوم من آل برمك فغطى رأسه من الغبار، فقال (عليه السلام) : «مساكين هؤلاء لايدرون ما يحل بهم في هذه السنة» ثم قال (عليه السلام) : «هاه وأعجب من هذا هارون وأنا كهاتين» وضم بإصبعيه. قال: مسافر فو اللّه ما عرفت معنى حديثه حتى دفناه معه(4).
عن صفوان بن يحيى قال: لما مضى أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) وتكلم
1) من أصحاب الإمام الصادق والكاظم والرضا والجواد (عليهم السلام) ، إمامي فقيه علم ثقة، من رجال كامل الزيارات وتفسير القمي، وروى عنه جمع من الثقات منهم البزنطي وصفوان وغيرهما وقد رمي بالغلو وضُعف.
2) دلائل الإمامة: ص374.
3) مسافر أبو مسلم من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي (عليهم السلام) وكان موضع سر الرضا (عليه السلام) .
4) الكافي: ج1 ص491 باب مولد أبي الحسن الرضا (عليه السلام) .. ح9.
الرضا (عليه السلام) خفنا عليه من ذلك، وقلنا له: إنك قد أظهرت أمراً عظيماً وإنا نخاف عليك من هذا الطاغي، فقال (عليه السلام) : «ليجهد جهده فلا سبيل له علي».
قال صفوان: فأخبرنا الثقة أن يحيى بن خالد قال للطاغي: هذا علي ابنه قد قعد وادعى الأمر لنفسه، فقال: ما يكفينا ما صنعنا بأبيه تريد أن نقتلهم جميعاً(1)..
ولقد كانت البرامكة مبغضين على بيت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) مظهرين لهم العداوة(2).
عن أبي الصلت الهروي قال: كان الرضا (عليه السلام) يكلم الناس بلغاتهم وكان واللّه أفصح الناس وأعلمهم بكل لسان ولغة، فقلت له يوماً: يا ابن رسول اللّه إني لأعجب من معرفتك بهذه اللغات على اختلافها؟، فقال (عليه السلام) : «يا أبا الصلت أنا حجة اللّه على خلقه وما كان اللّه ليتخذ حجة على قوم وهو لا يعرف لغاتهم، أوما بلغك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) : (أوتينا فصل الخطاب)، فهل فصل الخطاب إلاّ معرفة اللغات»(3).
عن الحسن بن علي الوشاء قال: كنت كتبت مسائل كثيرة قبل أن أقطع على الرضا أبي الحسن (عليه السلام) وجمعتها في كتاب مما روي عن آبائه (عليهم السلام) وغيره، وأردت
أن أتثبت في أمره وأختبره، فحملت الكتاب في كمي وصرت إلى منزله، وأردت أن أجد منه خلوة فأتلو له الكتاب، فجلست ناحية وأنا متفكر في طلب الإذن عليه، (وبالباب جماعة جلوس يتحدثون، فبينا أنا كذلك في الفكرة في الاحتيال للدخول عليه)(1)فاذا أنا بالغلام قد خرج من الدار وفي يده كتاب فقال: أيكم الحسن بن علي الوشاء (ابن بنت إلياس) البغدادي(2)، فقمت إليه فقلت: أنا الحسن بن علي فما حاجتك؟ فقال: هذا الكتاب أمرني أن أدفعه إليك فهاك، فأخذته وتنحيت ناحية فقرأته فإذا واللّه جواب مسألة مسألة فعند ذلك قطعت عليه وتركت الوقف(3).
10
قام الإمام الرضا (عليه السلام) ببيان المعارف الحقة في أصول الدين وفروعها، من التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد، مضافاً إلى فلسفة الأحكام وعِلَلِها، وذلك بعد ما سنحت الظروف بعض الشيء لنشر علوم آل محمد (عليهم السلام) .
عن الفضل بن شاذان(1)قال: سأل المأمون علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار، فكتب (عليه السلام) له:
«إن محض الإسلام شهادة أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، إلهاً واحداً أحداً، فرداً صمداً قيوماً، سميعاً بصيراً قديراً، قديماً قائماً باقياً، عالماً لا يجهل، قادراً لا يعجز، غنياً لا يحتاج، عدلاً لا يجور، وأنه خالق كل شيء، وليس كمثله شيء، لا شبه له، ولا ضد له، ولا نِدّ له، ولا كفء له، وأنه المقصود بالعبادة والدعاء والرغبة والرهبة..
وأن محمداً (صلی اللّه عليه وآله وسلم) عبده ورسوله، وأمينه وصفيه، وصفوته من خلقه، وسيد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل العالمين، لا نبي بعده، ولا تبديل لملته، ولا تغيير لشريعته، وأن جميع ما جاء به محمد بن عبد اللّه هو الحق المبين، والتصديق به
1) من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام) ، إمامي ثقة فقيه مكثر في الحديث متكلم جليل القدر.
وبجميع من مضى قبله من رسل اللّه وأنبيائه وحججه..
والتصديق بكتابه الصادق العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وأنه المهيمن على الكتب كلها، وأنه حق من فاتحته إلى خاتمته، نؤمن بمحكمه ومتشابهه، وخاصه وعامه، ووعده ووعيده، وناسخه ومنسوخه، وقصصه وأخباره، لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله..
وأن الدليل بعده والحجة على المؤمنين والقائم بأمر المسلمين والناطق عن القرآن والعالم بأحكامه أخوه وخليفته ووصيه ووليه، والذي كان منه بمنزلة هارون من موسى علي بن أبي طالب (عليه السلام) أمير المؤمنين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وأفضل الوصيين، ووارث علم النبيين والمرسلين، وبعده الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي باقر علم النبيين، ثم جعفر بن محمد الصادق وارث علم الوصيين، ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم الحجة القائم المنتظر صلوات اللّه عليهم أجمعين أشهد لهم بالوصية والإمامة، وأن الأرض لا تخلو من حجة اللّه تعالى على خلقه في كل عصر وأوان، وأنهم العروة الوثقى، وأئمة الهدى، والحجة على أهل الدنيا إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها، وأن كل من خالفهم ضال مضل باطل تارك للحق والهدى، وأنهم المعبرون عن القرآن والناطقون عن الرسول (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالبيان، ومن مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية، وأن من دينهم الورع والعفة، والصدق والصلاح، والاستقامة والاجتهاد، وأداء الأمانة إلى البر والفاجر، وطول السجود، وصيام النهار، وقيام الليل، واجتناب المحارم،
وانتظار الفرج بالصبر، وحسن العزاء، وكرم الصحبة..
ثم الوضوء كما أمر اللّه تعالى في كتابه: غسل الوجه واليدين من المرفقين، ومسح الرأس والرجلين مرة واحدة، ولا ينقض الوضوء إلا غائط أو بول أو ريح أو نوم أو جنابة، وأن من مسح على الخفين فقد خالف اللّه تعالى ورسوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وترك فريضة وكتابه.
وغسل يوم الجمعة سنة، وغسل العيدين، وغسل دخول مكة والمدينة، وغسل الزيارة، وغسل الإحرام وأول ليلة من شهر رمضان وليلة سبع عشرة وليلة تسع عشرة وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان هذه الأغسال سنة.
وغسل الجنابة فريضة، وغسل الحيض مثله.
والصلاة الفريضة: الظهر أربع ركعات، والعصر أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء الآخرة أربع ركعات، والغداة ركعتان، هذه سبع عشرة ركعة..
والسنة: أربع وثلاثون ركعة، ثمان ركعات قبل فريضة الظهر، وثمان ركعات قبل العصر، وأربع ركعات بعد المغرب، وركعتان من جلوس بعد العتمة تعدان بركعة، وثمان ركعات في السحر، والشفع والوتر ثلاث ركعات يسلّم بعد الركعتين، وركعتا الفجر.
والصلاة في أول الوقت أفضل، وفضل الجماعة على الفرد أربع وعشرون، ولا صلاة خلف الفاجر، ولا يقتدى إلا بأهل الولاية، ولا يصلى في جلود الميتة ولا في جلود السباع، ولا يجوز أن يقول في التشهد الأول: السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين، لأن تحليل الصلاة التسليم فإذا قلت هذا فقد سلمت.
والتقصير في ثمانية فراسخ وما زاد، وإذا قصّرت أفطرت، ومن لم يفطر لم يجزئ عنه صومه في السفر، وعليه القضاء لأنه ليس عليه صوم في السفر.
والقنوت سنة واجبة(1)في الغداة والظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، والصلاة على الميت خمس تكبيرات فمن نقص فقد خالف سنة، والميت يسل من قبل رجليه ويرفق به إذا أدخل قبره.
والإجهار ب- {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} في جميع الصلوات سنة.
والزكاة الفريضة في كل مائتي درهم خمسة دراهم، ولا يجب فيما دون ذلك شيء، ولا تجب الزكاة على المال حتى يحول عليه الحول، ولا يجوز أن يعطى الزكاة غير أهل الولاية المعروفين، والعشر من الحنطة والشعير والتمر والزبيب إذا بلغ خمسة أوساق، والوسق ستون صاعاً، والصاع أربعة أمداد، وزكاة الفطر فريضة، على كل رأس صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى من الحنطة والشعير والتمر والزبيب صاع وهو أربعة أمداد، ولا يجوز دفعها إلا إلى أهل الولاية.
وأكثر الحيض عشرة أيام، وأقله ثلاثة أيام، والمستحاضة تحتشي وتغتسل وتصلي، والحائض تترك الصلاة ولا تقضي، وتترك الصوم وتقضي.
وصيام شهر رمضان فريضة، يصام للرؤية، ويفطر للرؤية.
ولا يجوز أن يصلى التطوع في جماعة، لأن ذلك بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر سُنة، في كل عشرة أيام يوم أربعاء بين خميسين، وصوم شعبان حسن لمن صامه، وإن قضيت فوائت شهر رمضان متفرقة أجزأ.
1) أي ثابتة، لا بمعنى الوجوب الذي لا يجوز تركه.
وحج البيت فريضة على من استطاع إليه سبيلا، والسبيل الزاد والراحلة مع الصحة، ولا يجوز الحج إلا تمتعاً، ولا يجوز القران والإفراد الذي يستعمله العامة إلا لأهل مكة وحاضريها، ولا يجوز الإحرام دون الميقات قال اللّه تعالى: {وأَتِمُّوا الْحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ}(1)ولا يجوز أن يضحى بالخصي لأنه ناقص، ولا يجوز الموجوء.
والجهاد واجب مع الإمام العدل، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ولا يجوز قتل أحد من الكفار والنصاب في دار التقية إلاّ قاتل أو ساع في فساد، وذلك إذا لم تخف على نفسك وعلى أصحابك، والتقية في دار التقية واجبة، ولا حنث على من حلف تقية يدفع بها ظلماً عن نفسه.
والطلاق للسنة على ما ذكره اللّه تعالى في كتابه وسنة نبيه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ولا يكون طلاق لغير سنة، وكل طلاق يخالف الكتاب فليس بطلاق، كما أن كل نكاح يخالف الكتاب فليس بنكاح، ولا يجوز أن يجمع بين أكثر من أربع حرائر، وإذا طلقت المرأة للعدة ثلاث مرات لم تحل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : اتقوا تزويج المطلقات ثلاثا في موضع واحد فإنهن ذوات أزواج.
والصلوات على النبي وآله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) واجبة(2)في كل موطن وعند العطاس والذبائح وغير ذلك، وحب أولياء اللّه عزوجل تعالى واجب، وكذلك بغض أعداء اللّه والبراءة منهم ومن أئمتهم، وبر الوالدين واجب وإن كانا مشركين، ولا طاعة لهما في معصية اللّه عزوجل، ولا لغيرهما، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر وأوبر، وتحليل المتعتين اللتين أنزلهما اللّه تعالى في كتابه وسنّهما رسول اللّه (عليه وعلى آله السلام) متعة النساء ومتعة الحج.
والفرائض على ما أنزل اللّه تعالى في كتابه، ولا عول فيها، ولا يرث مع الولد والوالدين أحد إلاّ الزوج والمرأة، وذو السهم أحق ممن لا سهم له، وليست العصبة من دين اللّه تعالى.
والعقيقة عن المولود الذكر والأنثى واجبة(1)، وكذلك تسميته وحلق رأسه يوم السابع، ويتصدق بوزن الشعر ذهبا أو فضة، والختان سنة واجبة للرجال ومكرمة للنساء.
وأن اللّه تبارك وتعالى لا يكلف نفساً إلاّ وسعها، وأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى خلق تقدير لا خلق تكوين، واللّه خالق كل شيء ولا نقول بالجبر والتفويض، ولا يأخذ اللّه عزوجل البريء بالسقيم، ولا يعذب اللّه تعالى الأطفال بذنوب الآباء، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، ولله عزوجل أن يعفو ويتفضل، ولا يجور ولا يظلم لأنه تعالى منزه عن ذلك، ولا يفرض اللّه تعالى عزوجل طاعة من يعلم أنه يضلهم ويغويهم، ولا يختار لرسالته ولا يصطفي من عباده من يعلم أنه يكفر به وبعبادته ويعبد الشيطان دونه.
وأن الإسلام غير الإيمان، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً.
ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، وأصحاب الحدود مسلمون لا مؤمنون ولا كافرون، واللّه تعالى لا يدخل
1) أي ثابتة، وهذا التعبير يدل على آكدية الاستحباب.
النار مؤمناً وقد وعده الجنة، ولا يخرج من النار كافراً وقد أوعده النار والخلود فيها، ولا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومذنبو أهل التوحيد لا يخلدون في النار ويخرجون منها، والشفاعة جائزة لهم، وإن الدار اليوم دار تقية وهي دار الإسلام، لا دار كفر ولا دار إيمان.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان إذا أمكن ولم يكن خيفة على النفس، والإيمان هو أداء الأمانة واجتناب جميع الكبائر، وهو معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان، والتكبير في العيدين واجب في الفطر في دبر خمس صلوات، ويبدأ به في دبر صلاة المغرب ليلة الفطر، وفي الأضحى في دبر عشر صلوات ويبدأ به من صلاة الظهر يوم النحر، وبمنى في دبر خمس عشرة صلاة.
والنفساء لا تقعد عن الصلاة أكثر من ثمانية عشر يوما، فإن طهرت قبل ذلك صلت وإن لم تطهر حتى تجاوز ثمانية عشر يوما اغتسلت وصلت وعملت ما تعمل المستحاضة.
ويؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير والبعث بعد الموت والميزان والصراط.
والبراءة من الذين ظلموا آل محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهموا بإخراجهم وسنّوا ظلمهم وغيروا سنة نبيهم (صلی اللّه عليه وآله وسلم) والبراءة من الناكثين والقاسطين والمارقين الذين هتكوا حجاب رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ونكثوا بيعة إمامهم وأخرجوا المرأة وحاربوا أمير المؤمنين (عليه السلام) وقتلوا الشيعة المتقين رحمة اللّه عليهم، واجبة.
والبراءة ممن نفى الأخيار وشردهم وآوى الطرداء اللعناء وجعل الأموال دولة بين الأغنياء واستعمل السفهاء مثل معاوية وعمرو بن العاص لعيني رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) والبراءة من أشياعهم والذين حاربوا أمير المؤمنين (عليه السلام) وقتلوا الأنصار
والمهاجرين وأهل الفضل والصلاح من السابقين، والبراءة من أهل الاستيثار ومن أبي موسى الأشعري وأهل ولايته الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم وبولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) ولقائه كفروا بأن لقوا اللّه بغير إمامته فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا فهم كلاب أهل النار، والبراءة من الأنصاب والأزلام أئمة الضلالة وقادة الجور كلهم أولهم وآخرهم، والبراءة من أشباه عاقري الناقة أشقياء الأولين والآخرين وممن يتولاهم، والولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام) والذين مضوا على منهاج نبيهم (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ولم يغيروا ولم يبدلوا مثل سلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وحذيفة اليماني وأبي الهيثم بن التيهان وسهل بن حنيف وعبادة بن الصامت وأبي أيوب الأنصاري وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبي سعيد الخدري وأمثالهم رضي اللّه عنهم ورحمة اللّه عليهم، والولاية لأتباعهم وأشياعهم والمهتدين بهداهم والسالكين منهاجهم رضوان اللّه عليهم ورحمته.
وتحريم الخمر قليلها وكثيرها، وتحريم كل شراب مسكر قليله وكثيره، وما أسكر كثيره فقليله حرام، والمضطر لا يشرب الخمر لأنها تقتله، وتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم الطحال فإنه دم، وتحريم الجري والسمك الطافي والمارماهي والزمير وكل سمك لا يكون له فلس.
واجتناب الكبائر وهي قتل النفس التي حرم اللّه تعالى والزناء والسرقة وشرب الخمر وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وأكل مال اليتيم ظلماً وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به، من غير ضرورة، وأكل الربا بعد البينة والسحت والميسر وهو القمار والبخس في المكيال والميزان وقذف المحصنات
واللواط وشهادة الزور واليأس من روح اللّه والأمن من مكر اللّه والقنوط من رحمة اللّه ومعونة الظالمين والركون إليهم واليمين الغموس وحبس الحقوق من غير العسرة والكذب والكبر والإسراف والتبذير والخيانة والاستخفاف بالحج والمحاربة لأولياء اللّه تعالى والاشتغال بالملاهي والإصرار على الذنوب»(1).
1) راجع بحار الأنوار: ج10 ص352-359 ب20 ح1.
11
التوحيد الصحيح الخالي عن الشرك هو ما ذكره أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، فاللّه عزوجل لا يشبه خلقه، وليس بجسم، ولا يحل في شيء، ولا يمكن رؤيته بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة.
عن ياسر الخادم قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: «من شبه اللّه تعالى بخلقه فهو مشرك، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر»(1).
وعن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : قال اللّه جل جلاله: «ما عرفني من شبهني بخلقي»(2).
وقال علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في قول اللّه تعالى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ}(3)قال: «يعني مشرقة ينتظر ثواب ربها»(4).
وعن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: جاء قوم من وراء النهر إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فقالوا له: جئناك نسألك عن ثلاث مسائل، فإن أجبتنا فيها علمنا أنك
عالم(1).
فقال (عليه السلام) : «سلوا».
فقالوا: أخبرنا عن اللّه تعالى أين كان؟ وكيف كان؟ وعلى أي شيء كان اعتماده؟ فقال (عليه السلام) : «إن اللّه تعالى كيّف الكيف فهو بلا كيف، وأيّن الأين فهو بلا أين، وكان اعتماده على قدرته». فقالوا: نشهد أنك عالم(2).
قال الشيخ الصدوق (رحمه اللّه) : يعني بقوله: «وكان اعتماده على قدرته» أي على ذاته لأن القدرة من صفات ذات اللّه تعالى.
وعن الحسين بن خالد(3)
قال: قلت للرضا (عليه السلام) : يا ابن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) إن قوماً يقولون إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: «إن اللّه عزوجل خلق آدم على صورته»! فقال (عليه السلام) : «قاتلهم اللّه، لقد حذفوا أول الحديث، إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) مرّ برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول لصاحبه: قبح اللّه وجهك ووجه من يشبهك، فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) له: «يا عبد اللّه لا تقل هذا لأخيك، فإن اللّه عز وجل خلق آدم على صورته»(4).
وعن محمد بن عبيدة قال سألت الرضا (عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل لإبليس: {ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ}(5)قال (عليه السلام) : «يعني بقدرتي
1) ربما كان المراد بالعالم أي إمام مفترض الطاعة، فإنه العالم بالقول المطلق دون غيره.
2) التوحيد: ص125 باب القدرة ح3.
3) هو الحسين بن أبي العلاء الخفاف، إمامي وجه ثقة مكثر في الحديث من أصحاب الإمام الباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام) .
4) الاحتجاج: ج2 ص192 أجوبته (عليه السلام) لمن سأله عن صفات اللّه.
5) سورة ص: 75.
وقوتي»(1).
وعن الحسين بن خالد قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: «لم يزل اللّه تبارك وتعالى تعالى عليماً قادراً حياً قديماً سميعاً بصيراً» فقلت له: يا ابن رسول اللّه إن قوماً يقولون إنه عزوجل لم يزل عالماً بعلم وقادراً بقدرة وحياً بحياة وقديماً بقدم وسميعاً بسمع وبصيراً ببصر! فقال (عليه السلام) : «من قال ذلك ودان به فقد اتخذ مع اللّه آلهة أخرى وليس من ولايتنا على شيء» ثم قال (عليه السلام) : «لم يزل اللّه عزوجل عليماً قادراً حياً قديماً سميعاً بصيراً - لذاته -، تعالى عما يقولون المشركون والمشبهون علواً كبيراً»(2).
وعن ابن فضال(3)عن أبيه(4)قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل: {كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}(5)؟
فقال (عليه السلام) : «إن اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بمكان يحل فيه فيُحجب عنه فيه عباده، ولكنه عزوجل يعني أنهم عن ثواب ربهم محجوبون».
قال: وسألته عن قول اللّه عزوجل: {وجاءَ رَبُّكَ والْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}(6)؟
1) التوحيد: ص154 باب تفسير قول اللّه تعالى: (يا إبليس مامنعك أن تسجد) ح2.
2) الاحتجاج: ج2 ص192.
3) ابن فضال: مشترك بين الحسن بن علي بن فضال وابنه علي وهنا المقصود هو علي بن الحسن بن علي بن فضال من أصحاب الإمام الهادي والعسكري (عليهما السلام) ، فطحي المذهب لكنه ثقة فقيه محدث مكثر في الحديث غير معاند معتمد عليه.
4) الرواية هنا إما عن طريق الإجازة، وذلك لأن علي بن فضال لم يرو عن أبيه أو عن أحد أخويه عن أبيهم وقد سقطت الواسطة أو لغيرها من الاحتمالات المذكورة في محلها، وعل كل فالأمر سهل لاعتضاد الرواية بقوة المضمون والشهرة والقبول بين العلماء.
5) سورة المطففين: 15
6) سورة الفجر: 22
فقال (عليه السلام) : «إن اللّه تعالى لا يوصف بالمجيء والذهاب، تعالى عن الانتقال، إنما يعني بذلك: وجاء أمر ربك والملك صفا صفا».
قال: وسألته عن قول اللّه عزوجل: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ والْمَلائِكَةُ}(1)قال (عليه السلام) : «يقول هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم اللّه بالملائكة في ظلل من الغمام، وهكذا نزلت».
أقول: أي هكذا أريد بنزولها، فالمراد: أن يأتيهم أمر اللّه بإتيان الملائكة.
قال: وسألته عن قوله تعالى: {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ}(2)وعن قوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}(3)وعن قوله: {ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ}(4)وعن قوله: {يُخادِعُونَ اللَّهَ وهُوَ خادِعُهُمْ}(5)؟ فقال (عليه السلام) : «إن اللّه تبارك وتعالى لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع ولكنه تعالى يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر وجزاء الخديعة، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علواً كبيراً»(6).
وعن الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سمعته يقول في اللّه عزوجل: «هو اللطيف الخبير السميع البصير الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، (منشئ الأشياء ومجسّم الأجسام ومصوّر الصور)(7)، لو كان كما يقول المشبهة لم يعرف الخالق من المخلوق، ولا المنشئ
من المنشأ لكنه المنشئ، فرق بين من جسّمه وصوّره وأنشأه، إذ كان لا يشبهه شيء ولا يشبه هو شيئاً».
قلت: أجل جعلني اللّه فداك لكنك قلت الأحد الصمد وقلت لا يشبه شيئا واللّه واحد والإنسان واحد، أليس قد تشابهت الواحدانية الوحدانية؟
قال (عليه السلام) : «يا فتح أحلت(1)ثبتك اللّه تعالى إنما التشبيه في المعاني فأما في الأسماء فهي واحدة وهي دلالة على المسمى وذلك أن الإنسان وإن قيل واحد فإنما يخبر أنه جثة واحدة وليس باثنين، فالإنسان نفسه ليست بواحدة لأن أعضاءه مختلفة وألوانه مختلفة كثيرة غير واحدة، وهو أجزاء مجزاة ليست بسواء، دمه غير لحمه، ولحمه غير دمه، وعصبه غير عروقه، وشعره غير بشره، وسواده غير بياضه، وكذلك جميع الخلق، فالإنسان واحد في الاسم لا واحد في المعنى، واللّه جل جلاله هو واحد لا واحد غيره، لا اختلاف فيه ولا تفاوت ولا زيادة ولا نقصان، فأما الإنسان المخلوق المصنوع المؤلف من أجزاء مختلفة وجواهر شتى غير أنه بالاجتماع شيء واحد». قلت: جعلت فداك فرجت عني فرج اللّه عنك(2).
وعن الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن أدنى المعرفة؟
قال (عليه السلام) : «الإقرار بأنه لا إله غيره، ولا شبيه له ولا نظير له، وأنه مثبت قديم موجود، غير فقيد، وأنه ليس كمثله شيء»(3).
وعن عبد العزيز بن المهتدي(1)قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن التوحيد؟ فقال (عليه السلام) : «كل من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وآمن بها فقد عرف التوحيد»(2).
وصعد الإمام الرضا (عليه السلام) المنبر فقعد ملياً لا يتكلم، مطرقاً، ثم انتفض انتفاضة واستوى قائماً وحمد اللّه تعالى وأثنى عليه وصلى على نبيه وأهل بيته ثم قال (عليه السلام) : «أول عبادة اللّه تعالى معرفته، وأصل معرفة اللّه توحيده، ونظام توحيد اللّه تعالى نفي الصفات عنه، لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كل موصوف أن له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف،وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الاقتران بالحدوث، وشهادة الحدوث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدوث، فليس اللّه من عرّف بالتشبيه ذاته، ولا إياه وحّده من اكتنهه، ولا حقيقته أصاب من مثّله، ولا به صدق من نهّاه(3)، ولا صَمد صَمده من أشار إليه(4)، ولا إياه عنى من شبّهه، ولا له تذلّل من بعّضه، ولا إياه أراد من توهّمه، كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلول، بصنع اللّه يستدل عليه، وبالعقول تعتقد معرفته، وبالفطرة تثبت حجته، خلق اللّه الخلق حجاباً بينه وبينهم، ومباينته إياهم ومفارقته أينيتهم، وابتداءه إياهم دليلهم على أن لا ابتداء له، لعجز كل مبتدأ عن ابتداء غيره، وأدوات إياهم دليلهم على أن
1) من أصحاب الإمام الكاظم والرضا (عليهما السلام) ، إمامي ثقة كان وكيلاً للرضا (عليه السلام) ومن خواصه وكان من أفضل أهل زمانه.
2) الكافي: ج1 ص91 باب النسبة ح4، التوحيد: ص284 ب40 أدنى مايجزيء من معرفة التوحيد ح3.
3) أي جعل له نهاية.
4) أشار بعضهم إلى أن المعنى: أي لم يتوجه إليه من أشار إليه لأنه تعالى يقول: {فأينما تولوا فثم وجه اللّه}.
لا أدوات فيه، لشهادة الأدوات بفاقة المتأدين، وأسماؤه تعبير، وأفعاله تفهيم، وذاته حقيقة، وكنهه تفريق بينه وبين خلقه، وغيوره تحديد لما سواه، فقد جهل اللّه من استوصفه، وقد تعداه من اشتمله، وقد أخطأه من اكتنهه، ومن قال كيف فقد شبّهه، ومن قال لمَ فقد علّله، ومن قال متى فقد وقّته، ومن قال فيمَ فقد ضمّنه، ومن قال إلى مَ فقد نهّاه، ومن قال حتى مَ فقد غيّاه، ومن غيّاه فقد غاياه، ومن غاياه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه..
ولا يتغير اللّه بانغيار المخلوق، كما لا يتحدد بتحديد المحدود، أحد لا بتأويل عدد، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجل لا باستهلال رؤية، باطن لا بمزايلة، مباين لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدّر لا بحول فكرة، مدبر لا بحركة، مريد لا بهمامة، شاء لا بهمّة، مدرك لا بمجسة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة، لا تصحبه الأوقات، ولا تضمنه الأماكن، ولا تأخذه السنات، ولا تحده الصفات، ولا تقيده الأدوات، سابق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزاله.
بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له، وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأمور عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة- والجلاية بالبهم، والجسو بالبلل، والصرد بالحرور، مؤلف بين متعادياتها، مفرق بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها، ذلك قوله تعالى {ومِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(1)ففرق بها بين قبل وبعد، ليعلم لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة
1) سورة الذاريات: 49.
لمغرزها، دالة بتفاوتها أن لا تفاوت لمفاوتها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبينها غيرها، له معنى الربوبية إذ لا مربوب، وحقيقة الإلهية إذ لا مألوه، ومعنى العالم ولا معلوم، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وتأويل السمع ولا مسموع، ليس منذ خلق استحق معنى الخالق، ولا بإحداثه البرايا استفاد معنى البارئية، كيف ولا تغيّبه مذ، ولا تدنيه قد، ولا تحجبه لعل، ولا توقته متى، ولا تشتمله حين، ولا تقارنه مع، إنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلة إلى نظائرها، وفي الأشياء يوجد أفعالها، منعتها منذ القدمة، وحمتها قد الأزلية، لولا الكلمة افترقت فدلت على مفرقها وتباينت فأعربت من مباينها لما تجلى صانعها للعقول، وبها احتجب عن الرؤية، وإليها تحاكم الأوهام، وفيها أثبت غيره، ومنها أنيط الدليل، وبها عرفها الإقرار، وبالعقول يعتقد التصديق باللّه، وبالإقرار يكمل الإيمان به، ولا ديانة إلا بعد المعرفة، ولا معرفة إلا بالإخلاص، ولا إخلاص مع التشبيه، ولا نفي مع إثبات الصفات للتشبيه، فكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع من صانعه، لا تجري عليه الحركة والسكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، أو يعود فيه ما هو ابتدأه، إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولما كان للباري معنى غير معنى المبروء، ولو حد له وراء إذاً لحد له أمام، ولو التمس له التمام إذاً لزمه النقصان، كيف يستحق الأزل من لا يمتنع من الحدوث، وكيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء، وإذاً لقامت فيه آية المصنوع، ولتحول دليلاً بعد ما كان مدلولاً عليه، ليس في مجال القول حجة، ولا في المسألة عنه جواب، ولا في معناه لله تعظيم، ولا في إبانته عن الخلق ضيم إلا بامتناع الأزلي أن يثنى، ولما لا بدأ له أن يبتدأ لا إله إلا اللّه العلي العظيم،
كذب العادلون باللّه، وضلوا ضلالا بعيداً، وخسروا خسراناً مبيناً، وصلى اللّه على محمد وآله الطيبين الطاهرين»(1).
1) راجع التوحيد: ص34-41 ب2 التوحيد ونفي التشبيه ح2.
12
عن إبراهيم بن أبي محمود(1)
قال(2): سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن اللّه عزوجل هل يجبر عباده على المعاصي؟ فقال (عليه السلام) : «لا بل يخيرهم ويمهلهم حتى يتوبوا».
قلت: فهل يكلف عباده ما لا يطيقون؟
فقال (عليه السلام) : «كيف يفعل ذلك؟ وهو يقول {وما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ}»(3)ثم قال (عليه السلام) : «حدثني أبي موسى بن جعفر (عليه السلام) عن أبيه جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه قال:«من زعم أن اللّه تعالى يجبر عباده على المعاصي أو يكلفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته ولا تقبلوا شهادته ولا تصلّوا وراءه ولا تعطوه من الزكاة شيئاً»(4).
وجاء في كتاب الإمام الرضا (عليه السلام) في بيان محض الإسلام:
«وإن اللّه تبارك وتعالى لا يكلف نفساً إلاّ وسعها، وإن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى خلق تقدير لا خلق تكوين، واللّه خالق كل شيء ولا نقول بالجبر
والتفويض، ولا يأخذ اللّه البريء بالسقيم، ولا يعذب اللّه تعالى الأطفال بذنوب الآباء، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى، ولله أن يعفو ويتفضل، ولا يجور ولا يظلم، لأنه تعالى منزه عن ذلك»(1).
وعن إبراهيم بن أبي محمود قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل: {وتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ}(2)فقال (عليه السلام) : «إن اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه، ولكنه متى علم أنهم لا يرجعون عن الكفر والضلال منعهم المعاونة واللطف، وخلى بينهم وبين اختيارهم».
قال: وسألته عن قول اللّه عزوجل: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ}(3)؟
قال (عليه السلام) : «الختم هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم كما قال عزوجل: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً}(4)»(5).
وعن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال الراوي - وهو الحسن بن علي الوشاء -: سألته فقلت: اللّه فوض الأمر إلى العباد؟ فقال (عليه السلام) : «اللّه أعز من ذلك» فقلت: فجبرهم على المعاصي؟ قال (عليه السلام) : «اللّه أعدل وأحكم من ذلك» ثم قال (عليه السلام) : «قال اللّه عز وجل: يا ابن آدم أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك مني، عملت المعاصي بقوتي التي جعلتها فيك»(6).
عن الحسين بن بشار(1)عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قال: سألته أيعلم اللّه الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون؟
فقال (عليه السلام) : «إن اللّه تعالى هو العالم بالأشياء قبل كون الأشياء، قال عزوجل: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(2)وقال لأهل النار: {وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ}(3)فقد علم عزوجل أنه لو ردوهم لعادوا لما نهوا عنه، وقال للملائكة لما قالت: {أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ}(4)فلم يزل اللّه عزوجل علمه سابقا للأشياء قديماً قبل أن يخلقها، فتبارك اللّه ربنا وتعالى علواً كبيراً، خلق الأشياء كما شاء، وعلمه بها سابق لها كما شاء، كذلك ربنا لم يزل عالماً سميعاً بصيراً»(5).
13
قال الإمام الرضا (عليه السلام) في بيان محض الإسلام:
«وأن محمداً (صلی اللّه عليه وآله وسلم) عبده ورسوله وأمينه وصفيه وصفوته من خلقه، وسيد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل العالمين، لا نبي بعده ولا تبديل لملته ولا تغيير لشريعته، وأن جميع ما جاء به محمد بن عبد اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) هو الحق المبين، والتصديق به وبجميع من مضى قبله من رسل اللّه وأنبيائه وحججه»(1).
عن أبي الصلت الهروي قال: لما جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا (عليه السلام) أهل المقالات من أهل الإسلام، والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين، وسائر أهل المقالات، فلم يقم أحد إلاّ وقد ألزمه حجته كأنه أُلقم حجراً، قام إليه علي بن محمد بن الجهم(2)فقال له: يا ابن رسول اللّه أتقول بعصمة الأنبياء (عليهم السلام) ؟
قال (عليه السلام) : بلى.
قال: فما تعمل في قول اللّه عزوجل {وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}(1)؟
وقوله عزوجل: {وذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}(2)؟
وقوله عزوجل في يوسف (عليه السلام) : {ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها}(3)؟
وقوله عز وجل في داود (عليه السلام) : {وظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ}(4)؟
وقوله تعالى في نبيه محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : {وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ}(5)؟
فقال مولانا الرضا (عليه السلام) : «ويحك - يا علي - اتق اللّه، ولا تنسب إلى أنبياء اللّه (عليهم السلام) الفواحش ولا تتأول كتاب اللّه عزوجل برأيك، فإن اللّه عزوجل يقول: {وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}(6)..
وأما قوله عز وجل في آدم (عليه السلام) {وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى}(7)،فإن اللّه عز وجل خلق آدم (عليه السلام) حجةً في أرضه وخليفة في بلاده، لم يخلقه للجنة، وكانت المعصية من آدم (عليه السلام) في الجنة لا في الأرض، (وعصمته تجب أن تكون في الأرض)(8)لتتم مقادير أمر اللّه عزوجل، فلما أهبط إلى الأرض وجُعل حجة وخليفة عُصم بقوله
عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحاً وآلَ إِبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ}(1).
وأما قوله عز وجل: {وذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}(2)، إنما ظن أن اللّه عزوجل لايضيق عليه رزقه، ألا تسمع قول اللّه عزوجل: {وأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ}(3)، أي ضيق عليه رزقه ولو ظن أن اللّه تبارك وتعالى لا يقدر عليه لكان قد كفر.
وأما قوله عزوجل في يوسف (عليه السلام) : {ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها}(4)، فإنها همّت بالمعصية وهمّ يوسف (عليه السلام) بقتلها إن أجبرته، لعظم ما داخله، فصرف اللّه عنه قتلها والفاحشة وهو قوله عز وجل: {كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ} يعني القتل {والْفَحْشاءَ}(5)، يعني الزنا.
وأما داود (عليه السلام) فما يقول من قبلكم فيه؟
فقال علي بن محمد بن الجهم: يقولون: إن داود (عليه السلام) كان في محرابه يصلي إذ تصور له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور، فقطع داود صلاته وقام ليأخذ الطير، فخرج الطير إلى الدار، فخرج في أثره، فطار الطير الى السطح، فصعد في طلبه فسقط الطير في دار أوريا بن حنان فاطلع داود في أثر الطير فإذا بامرأة أوريا تغتسل فلما نظر إليها هواها وكان أوريا قد أخرجه في بعض غزواته، فكتب إلى صاحبه أن قدم أوريا أمام الحرب فقُدّم فظفر أوريا
بالمشركين فصعب ذلك على داود، فكتب إليه ثانية أن قدمه أمام التابوت فقدم فقُتل أوريا، فتزوج داود (عليه السلام) بامرأته!!.
قال: فضرب الرضا (عليه السلام) بيده على جبهته وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد نسبتم نبياً من أنبياء اللّه إلى التهاون بصلاته حتى خرج في أثر الطير ثم بالفاحشة ثم بالقتل!.
فقال: يا ابن رسول اللّه فما كان خطيئته؟
فقال (عليه السلام) : ويحك إن داود (عليه السلام) إنما ظن أن ما خلق اللّه عزوجل خلقاً هو أعلم منه فبعث اللّه عزوجل إليه الملكين فتسورا المحراب فقالا: {خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ ولا تُشْطِطْ واهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ إِنَّ هذا أَخِي له تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وعَزَّنِي فِي الْخِطابِ}(1)، فعجل داود (عليه السلام) على المدعى عليه فقال: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ}(2)ولم يسأل المدعي البينة على ذلك، ولم يقبل على المدعى عليه فيقول له ما تقول، فكان هذا خطيئة خطيئة حكمه لا ما ذهبتم إليه، ألا تسمع قول اللّه عزوجل يقول: {يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الْهَوى}(3)، إلى آخر الآية.
فقلت: يا ابن رسول اللّه فما قصته مع أوريا؟
فقال الرضا (عليه السلام) : إن المرأة في أيام داود (عليه السلام) كانت إذا مات بعلها أو قُتل لاتتزوج بعده أبداً، وأول من أباح اللّه عزوجل له أن يتزوج بامرأة قُتل بعلها،
كان داود (عليه السلام) (فتزوج بامرأة أوريا لما قُتل وانقضت عدتها منه)(1)، فذلك الذي شق على الناس من قبل أوريا.
وأما محمد نبيه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقول اللّه عزوجل له: {وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشَى النَّاسَ واللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ}(2)، فإن اللّه عزوجل عرف نبيه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أسماء أزواجه في دار الدنيا، وأسماء أزواجه في دار الآخرة، وإنهن أمهات المؤمنين، وإحداهن من سمي له زينب بنت جحش، وهي يومئذ تحت زيد بن حارثة، فأخفى (صلی اللّه عليه وآله وسلم) اسمها في نفسه ولم يبده، لكيلا يقول أحد من المنافقين: إنه قال في امرأة في بيت رجل إنها إحدى أزواجه من أمهات المؤمنين، وخشي قول المنافقين، فقال اللّه عزوجل {وتَخْشَى النَّاسَ واللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ} يعني في نفسك، وإن اللّه عزوجل ما تولى تزويج أحد من خلقه إلاّ تزويج حواء من آدم (عليه السلام) ، وزينب من رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بقوله: {فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها}(3)الآية، وفاطمة من علي (عليهما السلام) .
قال: فبكى علي بن محمد بن الجهم فقال: يا ابن رسول اللّه، أنا تائب إلى اللّه عزوجل من أن أنطق في أنبياء اللّه (عليهم السلام) بعد يومي هذا إلا بما ذكرتَه(4).
وفي رواية إن المأمون سأل الإمام الرضا (عليه السلام) مجموعة من الأسئلة حول عصمة الأنبياء (عليهم السلام) ثم قال: أشهد أنك ابن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) حقاً فأخبرني عن قول اللّه عزوجل في إبراهيم (عليه السلام) : {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي}(5)؟
فقال الرضا (عليه السلام) : «إن إبراهيم (عليه السلام) وقع على ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزهرة وصنف يعبد القمر وصنف يعبد الشمس وذلك حين خرج من السرب الذي أخفي فيه {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} ورأى الزهرة {قالَ هذا رَبِّي}؟ على الإنكار والاستخبار {فَلَمَّا أَفَلَ} الكوكب {قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ}(1)لأن الأفول من صفات المحدث لامن صفات القديم {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي}؟ على الإنكار والاستخبار {فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}(2)(يقول لو لم يهدني ربي لكنت من القوم الضالين)، {فَلَمَّا} (أصبح و) {رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ} من الزهرة والقمر على الإنكار والاستخبار لا على سبيل الإخبار والإقرار {فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ} للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر والشمس {يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأرْضَ حَنِيفاً وما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}(3)فإنما أراد إبراهيم (عليه السلام) بما قال أن يبين لهم بطلان دينهم، ويثبت عندهم أن العبادة لا تحق لما كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وإنما تحق العبادة لخالقها وخالق السماوات والأرض، وكان ما احتج به على قومه مما ألهمه اللّه عزوجل وآتاه، كما قال اللّه عزوجل: {وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ}(4). فقال المأمون: لله درك يا ابن رسول اللّه(5)،
فأخبرني عن قول إبراهيم (عليه السلام) : {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَولَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى ولكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}(6)؟
قال الرضا (عليه السلام) : «إن اللّه تبارك وتعالى كان أوحى إلى إبراهيم (عليه السلام) أني متخذ من عبادي خليلاً إن سألني إحياء الموتى أحييت له، فوقع في نفس إبراهيم (عليه السلام) أنه ذلك الخليل فقال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَولَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى ولكِنْ لِيَطْمَئِنَّ
قَلْبِي} على الخلة {قال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً واعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(1).
فأخذ إبراهيم (عليه السلام) نسراً وبطاً وطاووساً وديكاً فقطعهن قطعاً صغاراً ثم جعل على كل جبل من الجبال التي حوله وكانت عشرة منهن جزءً، وجعل مناقيرهن بين أصابعه ثم دعاهن بأسمائهن ووضع عنده حباً وماءً فتطايرت تلك الأجزاء بعضها إلى بعض حتى استوت الأبدان وجاء كل بدن حتى انضم إلى رقبته ورأسه فخلى إبراهيم (عليه السلام) عن مناقيرهن فطرن ثم وقفن فشربن من ذلك الماء وإلتقطن من ذلك الحب وقلن: يا نبي اللّه أحييتنا أحياك اللّه.
فقال إبراهيم (عليه السلام) : بل اللّه يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
قال المأمون: بارك اللّه فيك يا أبا الحسن(2)، فأخبرني عن قول اللّه عزوجل {فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ}(3).
قال الرضا (عليه السلام) : «إن موسى (عليه السلام) دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها وذلك بين المغرب والعشاء {فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وهذا
مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}(1). فقضى موسى (عليه السلام) على العدو بحكم اللّه تعالى ذكره - {فَوَكَزَهُ} - فمات. {قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ} يعني الاقتتال الذي وقع بين الرجلين، لا ما فعله موسى (عليه السلام) من قتله إياه {إِنَّهُ} يعني الشيطان {عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}.
قال المأمون: فما معنى قول موسى (عليه السلام) : {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي}(2)؟ قال (عليه السلام) : يقول إني وضعت نفسي غير موضعها، بدخولي هذه المدينة {فَاغْفِرْ لِي} أي: استرني من أعدائك. لئلا يظفروا بي فيقتلوني {فَغَفَرَ له} أي ستره من عدوه {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قالَ} موسى (عليه السلام) {رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} من القوة حتى قتلت رجلا بوكزة {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ}(3)بل أجاهد في سبيلك بهذه القوة حتى ترضى {فَأَصْبَحَ} موسى (عليه السلام) {فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} - على آخر - {قالَ له مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ}(4)قاتلت رجلا بالأمس وتقاتل هذا اليوم لأودبنك (وأراد أن يبطش به) {فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما} ظن الذي هو من شيعته أنه يريده {قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالأمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأرْضِ وما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ}(5).
قال المأمون: جزاك اللّه عن أنبيائه خيراً يا أبا الحسن، فما معنى قول موسى
لفرعون {فَعَلْتُها إِذاً وأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ}(1)؟
قال الرضا (عليه السلام) : إن فرعون قال لموسى لما أتاه {وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ}(2)بي {قالَ} موسى {فَعَلْتُها إِذاً وأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} عن الطريق بوقوعي إلى مدينة من مدائنك {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ}(3)، وقد قال اللّه عز وجل لنبيه محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى}(4)يقول: ألم يجدك وحيدا فآوى إليك الناس؟ {ووَجَدَكَ ضَالاّ} يعني عند قومك {فَهَدى} أي: هداهم إلى معرفتك {ووَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى}(5)يقول: أغناك بأن جعل دعاءك مستجاباً.
قال المأمون(6): بارك اللّه فيك يا ابن رسول اللّه فما معنى قول اللّه عزوجل: {ولَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي}(7)كيف يكون كليم اللّه موسى بن عمران (عليه السلام) لا يعلم أن اللّه تبارك وتعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال؟!
فقال الرضا (عليه السلام) : إن كليم اللّه موسى بن عمران (عليه السلام) علم أن اللّه جلّ أن يُرى بالابصار ولكنه لما كلّمه اللّه وجل وقرّبه نجيا، رجع إلى قومه فأخبرهم: أن اللّه
عزوجل كلّمه وقرّبه فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، وكان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعين ألفا، ثم اختار منهم سبعة آلاف، ثم اختار منهم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربه، فخرج بهم إلى طور سيناء فأقامهم في سفح الجبل وصعد موسى إلى الطور وسأل اللّه تبارك وتعالى أن يكلمه ويسمعهم كلامه، فكلمه اللّه تعالى وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام، لأن اللّه عزوجل أحدثه في الشجرة ثم جعله منبعثاً منها حتى سمعوه من جميع الوجوه فقالوا: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ} بأن هذا الذي سمعناه كلام اللّه {حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}(1)فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث اللّه عزوجل عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا..
فقال موسى (عليه السلام) : يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنك ذهبت بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقاً فيما ادعيت من مناجاة اللّه عزوجل إياك فأحياهم اللّه وبعثهم معه، فقالوا: إنك لو سألت اللّه أن يريك تنظرإليه لأجابك، وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته. فقال موسى (عليه السلام) : يا قوم! إن اللّه تعالى لا يرى بالأبصار ولا كيفية له، وإنما يعرف بآياته ويعلم بعلاماته. فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله، فقال موسى (عليه السلام) : يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم فأوحى اللّه جل جلاله إليه: يا موسى سلني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى (عليه السلام) : {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ} وهو يهوي {فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} بآية من آياته {جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} يقول
1) سورة البقرة: 55.
رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي {وأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}(1)منهم بأنك لا تُرى.
فقال المأمون: لله درّك يا أبا الحسن(2).
فأخبرني عن قول اللّه عزوجل: {ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ}(3)؟
فقال الرضا (عليه السلام) : لقد همت به ولو لا أن رأى برهان ربه لهم بها كما همت به لكنه كان معصوما والمعصوم لا يهم بذنب ولا يأتيه ولقد حدثني أبي عن أبيه الصادق (عليه السلام) أنه قال: همت بأن تفعل وهم بأن لا يفعل.
فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول اللّه عز وجل: {وذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}(4)فقال الرضا (عليه السلام) ذالك يونس بن متى (عليه السلام) ذهب مغاضبا لقومه {فَظَنَّ} بمعنى استيقن {أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} أي لن نضيق عليه رزقه، ومنه قوله عزوجل: {وأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ}(5)أي ضيق وقتر {فَنادى فِي الظُّلُماتِ} ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت {أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} بتركي العبادة التي قد قرت عيني بها في بطن الحوت فاستجاب اللّه له. وقال عز جل: {فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}(6).
فقال المأمون لله درك يا أبا الحسن (عليه السلام) ..
أخبرني عن قول اللّه عز وجل: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا}(1)؟
قال الرضا (عليه السلام) يقول اللّه عز وجل: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} من قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كُذبوا، جاء الرسلَ نصرُنا.
فقال المأمون: لله درّك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول اللّه عزوجل: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ}(2)؟
قال الرضا (عليه السلام) : لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا من رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، لأنهم كانوا يعبدون من دون اللّه ثلاثمائة وستين صنماً، فلما جاءهم (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبُر ذلك عليهم وعظُم، وقالوا {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ * وانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ * ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاّ اخْتِلاقٌ}(3)فلما فتح اللّه عز وجل على نبيه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) مكة قال له: يا محمد {إِنَّا فَتَحْنا لَكَ} مكة {فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ}(4)عند مشركي أهل مكة بدعائك إياهم إلى توحيد اللّه فيما تقدم وما تأخر، لأن مشركي مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لا يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عندهم مغفوراً بظهوره عليهم.
فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول اللّه عزوجل: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ}(1)؟
قال الرضا (عليه السلام) : هذا مما نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة، خاطب اللّه عزوجل بذلك نبيه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأراد به أمته، وكذلك قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ}(2)وقوله عزوجل: {ولَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}(3).
قال: صدقت يا ابن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فأخبرني عن قول اللّه عز وجل: {وإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشَى النَّاسَ واللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ}(4)؟
قال الرضا (عليه السلام) : إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قصد دار زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي في أمر أراده، فرأى امرأته تغتسل فقال لها: (سبحان الذي خلقك) وإنما أراد بذلك تنزيه اللّه عزوجل عن قول من زعم: أن الملائكة بنات اللّه، فقال اللّه عزوجل: {أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً}(5). فقال النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لما رآها تغتسل: (سبحان الذي خلقك) أن يتخذ له ولداً يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال، فلما عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجيء رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، وقوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لها (سبحان الذي خلقك)، فلم يعلم زيد ما أراد بذلك
وظن أنه قال ذلك لما أعجبه من حسنها، فجاء إلى النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقال: يا رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) إن امرأتي في خلقها سوء، وإني أريد طلاقها، فقال له النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : {أَمْسِكْ عَلَيَْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ} وقد كان اللّه عز وجل عرّفه عدد أزواجه وأن تلك المرأة منهن، فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيد، وخشي الناس أن يقولوا: إن محمدا يقول لمولاه إن امرأتك ستكون لي زوجة، فيعيبوه بذلك، فأنزل اللّه عزوجل: {وإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ} يعني بالإسلام {وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} يعني: بالعتق {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشَى النَّاسَ واللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ} ثم إن زيد بن حارثة طلقها واعتدت منه فزوجها اللّه عزوجل من نبيه محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، وأنزل بذلك قرآنا فقال عزوجل: {فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً}(1)ثم علم اللّه عز وجل أن المنافقين سيعيبونه بتزويجها فأنزل اللّه تعالى: {ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ له}(2).
فقال المأمون: لقد شفيت صدري يا ابن رسول اللّه، وأوضحت لي ما كان ملتبسا علي، فجزاك اللّه عن أنبيائه وعن الإسلام خيرا.
قال علي بن محمد بن الجهم: فقام المأمون إلى الصلاة وأخذ بيد محمد بن جعفر بن محمد (عليه السلام) وكان حاضر المجلس وتبعتهما فقال له المأمون: كيف رأيت ابن أخيك؟ فقال: عالم ولم نره يختلف إلى أحد من أهل العلم.
فقال المأمون: إن ابن أخيك من أهل بيت النبوة الذين قال فيهم النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) :
«ألا إن أبرار عترتي وأطايب أرومتي أحلم الناس صغارا وأعلم الناس كبارا فلا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، لا يخرجونكم من باب هدى، ولا يدخلونكم في باب ضلالة»..
وانصرف الرضا (عليه السلام) إلى منزله فلما كان من الغد غدوت عليه، وأعلمته ما كان من قول المأمون وجواب عمه محمد بن جعفر له، فضحك الرضا (عليه السلام) ثم قال: «يا ابن الجهم لا يغرنك ما سمعته منه فإنه سيغتالني واللّه تعالى ينتقم لي منه»(1).
وقد ذكر الإمام الرضا (عليه السلام) وبمناسبات مختلفة قصص الأنبياء (عليهم السلام) وتاريخ الأمم السالفة لتكون عبرة للعالمين.
كان منها قصة أصحاب الرس حيث رواها الشيخ الصدوق (رحمه اللّه) والعلامة المجلسي (رحمه اللّه) وغيرهما من علمائنا الأبرار، رضوان اللّه عليهم أجمعين، عن مولانا الرضا (عليه السلام) بتفصيل.
ولولا مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لما وصل الصحيح من تاريخ الأنبياء والأمم إلينا.
قال الإمام الرضا (عليه السلام) في حديث أصحاب الرس:
«فإذا سطع دخان تلك الذبائح وقُتارها في الهواء، وحال بينهم وبين النظر إلى السماء خرّوا للشجرة سجداً ويبكون ويتضرعون إليها أن ترضى عنهم! فكان الشيطان يجيء فيحرك أغصانها ويصيح من ساقها صياح الصبي: إني قد رضيت
1) الاحتجاج: ج2 ص216- 224 عقيدتنا في عصمة الأنبياء.
عنكم عبادي فطيبوا نفساً وقروا عيناً، فيرفعون رءوسهم عند ذلك ويشربون الخمر ويضربون بالمعازف ويأخذون الدستبند ويكونون على ذلك يومهم وليلتهم، ثم ينصرفون(1).
وقال (عليه السلام) : ويسجدون للصنوبرة خارجاً من السرادق ويقربون لها الذبائح أضعاف ما قربوا للشجرة التي في قراهم فيجيء إبليس عند ذلك فيحرك الصنوبرة تحريكاً شديداً، ويتكلم من جوفها كلاماً جهورياً ويعدهم ويمنيهم بأكثر مما وعدتهم ومنتهم الشياطين كلها.. فبقوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم (عليه السلام) وهو يقول: (سيدي قد ترى ضيق مكاني وشدة كربي فارحم ضعف ركني وقلة حيلتي وعجل بقبض روحي ولا تؤخر إجابة دعوتي حتى مات (عليه السلام) ).. إلى آخر القصة(2).
قال علي بن موسى الرضا (عليه السلام) : أوحى اللّه عز وجل إلى نبي من أنبيائه: إذا أصبحت فأول شيء يستقبلك فكله، والثاني فاكتمه، والثالث فاقبله، والرابع فلا تؤيسه والخامس فاهرب منه، فلما أصبح مضى فاستقبله جبل أسود عظيم فوقف وقال: أمرني ربي عزوجل أن آكل هذا وبقي متحيراً! ثم رجع إلى نفسه وقال: إن ربي جل جلاله لا يأمرني إلاّ بما أطيق فمشى إليه ليأكله فكلما دنا منه صغر حتى انتهى إليه فوجده لقمة فأكلها، فوجدها أطيب شيء أكله، ثم مضى فوجد طستا
من ذهب فقال له: أمرني ربي عزوجل أن أكتم هذا فحفر له حفرة وجعله فيها وألقى عليه التراب، ثم مضى فالتفت فإذا بالطست قد ظهر فقال: قد فعلت ما أمرني ربي عزوجل فمضى فإذا هو بطير وخلفه بازي فطاف الطير حوله فقال: أمرني ربي عزوجل أن أقبل هذا ففتح كمه فدخل الطير فيه، فقال له البازي: أخذت مني صيدي وأنا خلفه منذ أيام، فقال: إن ربي عز وجل أمرني أن لا أؤيس هذا فقطع من فخذه قطعة فألقاها إليه ثم مضى، فلما مضى إذا هو بلحم ميتة منتن مدود فقال: أمرني ربي عزوجل أن أهرب من هذا فهرب منه، ورجع فرأى في المنام كأنه قد قيل له: إنك قد فعلت ما أمرت به فهل تدري ما ذا كان؟
قال: لا، قيل له: أما الجبل فهو الغضب، إن العبد إذا غضب لم ير نفسه وجهل قدره من عظم الغضب فإذا حفظ نفسه وعرف قدره وسكن غضبه كانت عاقبته كاللقمة الطيبة التي أكلها، وأما الطست فهو العمل الصالح إذا كتمه العبد وأخفاه أبى اللّه عزوجل إلا أن يظهره ليزينه به مع ما يدخر له من ثواب الآخرة، وأما الطير فهو الرجل الذي يأتيك بنصيحة فاقبله واقبل نصيحته، وأما البازي فهو الرجل الذي يأتيك في حاجة فلا تؤيسه،وأما اللحم المنتن فهو الغيبة فاهرب منها»(1).
قال على بن موسى الرضا (عليه السلام) : «كان نقش خاتم آدم (عليه السلام) : (لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)... فنقش نوح (عليه السلام) في خاتمه: (لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ - ألف مرة - يَا رَبِّ أصْلِحْنِي) وأهبط اللّه على إبراهيم (عليه السلام) خاتماً فيه ستة أحرف: (لا إِلَهَ إِلاّ
1) الخصال: ص267- 268 باب الخمسة ح2، مشكاة الأنوار: ص531- 532.
اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاّ بِاللَّهِ، فَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ، أَسْنَدْتُ ظَهْرِي إِلَى اللَّهِ، حَسْبِيَ اللَّهُ). فأوحى اللّه جل جلاله إليه: تختم بهذا الخاتم فإني أجعل النار عليك برداً وسلاماً، وكان نقش خاتم موسى (عليه السلام) حرفين اشتقهما من التوراة: (اصْبِرْ تُؤْجَرْ، اصْدُقْ تَنْجُ). وكان نقش خاتم سليمان (عليه السلام) حرفين: (سُبْحَانَ مَنْ أَلْجَمَ الْجِنَّ بِكَلِمَاتِهِ) وكان نقش خاتم عيسى (عليه السلام) حرفين اشتقهما من الانجيل: (طُوبَى لِعَبْدٍ ذُكِرَ اللَّهُ مِنْ أَجْلِهِ، وَوَيْلٌ لِعَبْدٍ نُسِيَ اللَّهُ مِنْ أَجْلِهِ). وكان نقش خاتم محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : (لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)، وكان نقش خاتم أمير المؤمنين (عليه السلام) : (الْمُلْكُ لِلَّهِ). وكان نقش خاتم الحسن (عليه السلام) : (الْعِزَّةَ لِلَّهِ). وكان نقش خاتم الحسين (عليه السلام) : (إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ). وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يتختم بخاتم أبيه. وكان محمد بن علي (عليه السلام) يتختم بخاتم الحسين بن علي (عليه السلام) . وكان نقش خاتم جعفر بن محمد (عليه السلام) : (اللَّهُ وَلِيِّي وَعِصْمَتِي مِنْ خَلْقِهِ). وكان نقش خاتم أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) : (حَسْبِيَ اللَّهُ)». قال الراوي: وبسط أبو الحسن الرضا (عليه السلام) كفه وخاتم أبيه في إصبعه حتى أراني النقش(1).
عن أبي يعقوب البغدادي قال: قال ابن السكيت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) لماذا بعث اللّه عز وجل موسى بن عمران (عليه السلام) بالعصا ويده البيضاء وآلة السحر؟ وبعث عيسى (عليه السلام) بالطب؟ وبعث محمداً (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالكلام والخطب؟
فقال له أبو الحسن (عليه السلام) : «إن اللّه تبارك وتعالى لما بعث موسى (عليه السلام) كان الأغلب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند اللّه عزوجل بما لم يكن في وسع القوم
1) وسائل الشيعة: ج5 ص101 ب62 ح6041. وانظر مكارم الأخلاق: ص90 فصل 5.
مثله، وبما أبطل به سحرهم وأثبت به الحجة عليهم، وإن اللّه تبارك وتعالى بعث عيسى (عليه السلام) في وقت ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلى الطب فأتاهم من عند اللّه عزوجل بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيا لهم الموتى وأبرأ لهم الأكمه والأبرص بإذن اللّه تعالى، وأثبت به الحجة عليهم. وإن اللّه تبارك وتعالى بعث محمداً (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في وقت كان الأغلب على أهل عصره الخطب والكلام - وأظنه قال والشعر - فأتاهم من كتاب اللّه عزوجل ومواعظه وأحكامه ما أبطل به قولهم وأثبت به الحجة عليهم».
فقال ابن السكيت: تاللّه ما رأيت مثلك اليوم قط فما الحجة على الخلق اليوم؟
فقال (عليه السلام) : «العقل يعرف به الصادق على اللّه فيصدقه، والكاذب على اللّه فيكذبه». فقال ابن السكيت: هذا واللّه الجواب(1).
عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «إنما سمي أولو العزم أولي العزم لأنهم كانوا أصحاب الشرائع والعزائم، وذلك أن كل نبي بعد نوح (عليه السلام) كان على شريعته ومنهاجه وتابعا لكتابه إلى زمن إبراهيم الخليل (عليه السلام) وكل نبي كان في أيام إبراهيم وبعده كان على شريعة إبراهيم ومنهاجه وتابعا لكتابه إلى زمن موسى (عليه السلام) وكل نبي كان في زمن موسى وبعده كان على شريعة موسى ومنهاجه وتابعا لكتابه إلى أيام عيسى (عليه السلام) وكل نبي كان في أيام عيسى (عليه السلام) وبعده كان على منهاج عيسى وشريعته وتابعا لكتابه إلى زمن نبينا محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فهؤلاء الخمسة أولو العزم وهم
1) علل الشرائع: ج1 ص121-122 ب99 ح6.
أفضل الأنبياء والرسل (عليهم السلام) وشريعة محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لا تنسخ إلى يوم القيامة ولا نبي بعده إلى يوم القيامة»(1).
قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام) : «إن رجلا من بني إسرائيل قتل قرابة له ثم أخذه فطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل ثم جاء يطلب بدمه فقالوا لموسى (عليه السلام) إن سبط آل فلان قتلوا فلانا، فأخبرنا من قتله؟
قال: ايتوني ببقرة {قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ}(2)ولو أنهم عمدوا إلى أي بقرة أجزأتهم ولكن شددوا فشدد اللّه عليهم {قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ} يعني لا صغيرة ولا كبيرة {عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ}(3)ولو أنهم عمدوا إلى أي بقرة أجزأتهم ولكن شددوا فشدد اللّه عليهم {قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}(4)ولو أنهم عمدوا إلى أي بقرةلأجزأتهم ولكن شددوا فشدد اللّه عليهم {قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ}(5)فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل فقال: لا أبيعها إلا ملأ مسكها ذهبا فجاءوا إلى موسى (عليه السلام) فقالوا له ذلك فقال اشتروها
فاشتروها وجاءوا بها فأمر بذبحها ثم أمر أن يضرب الميت بذنبها فلما فعلوا ذلك حيي المقتول وقال: يا رسول اللّه إن ابن عمي قتلني دون من يدعى عليه قتلي، (فعلموا بذلك قاتله).
فقال رسول اللّه موسى بن عمران (عليه السلام) لبعض أصحابه: إن هذه البقرة لها نبأ، فقال: وما هو؟ قال: إن فتى من بني إسرائيل كان بارا بأبيه وإنه اشترى بيعا فجاء إلى أبيه فرأى الأقاليد تحت رأسه فكَرِهَ أن يوقظه فترك ذلك البيع فاستيقظ أبوه فأخبره فقال له: أحسنت خذ هذه البقرة فهي لك عوضاً لما فاتك، قال فقال له رسول اللّه موسى (عليه السلام) انظروا إلى البر ما بلغ بأهله»(1).
في حديث رواه الإمام الرضا (عليه السلام) عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: إن سليمان بن داود قال ذات يوم لأصحابه إن اللّه تبارك وتعالى قد وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، سخّر لي الريح والإنس والجن والطير والوحوش، وعلّمني منطق الطير وآتاني من كل شيء ومع جميع ما أوتيت من الملك ما تم لي سروري يوم إلى الليل، وقد أحببت أن أدخل قصري في غد فأصعد أعلاه وأنظر إلى ممالكي فلا تأذنوا لأحد عليّ بالدخول لئلا يرد علي ما ينغص علي يومي، فقالوا: نعم.
فلما كان من الغد أخذ عصاه بيده وصعد إلى أعلى موضع من قصره ووقف متكئا على عصاه ينظر إلى ممالكه مسرورا بما أوتي فرحا بما أعطي إذ نظر إلى شاب حسن الوجه واللباس قد خرج عليه من بعض زوايا قصره فلما أبصره سليمان (عليه السلام) قال له: من أدخلك إلى هذا القصر وقد أردت أن أخلو فيه اليوم
1) مستدرك الوسائل: ج15 ص212- 213 باب79 ح18033/9.
وبإذن من دخلت؟
قال الشاب: أدخلني هذا القصر ربه وبإذنه دخلت.
فقال (عليه السلام) : ربه أحق به مني فمن أنت؟
قال: أنا ملك الموت.
قال: وفيما جئت؟
قال: جئت لأقبض روحك.
قال (عليه السلام) : امض لما أُمرت به فهذا يوم سروري، وأبى اللّه عزوجل أن يكون لي سرورا دون لقائك، فقبض ملك الموت روحه وهو متكئ على عصاه، فبقي سليمان متكئا على عصاه وهو ميت ما شاء اللّه، والناس ينظرون إليه وهم يُقدّرون أنه حي فافتتنوا فيه واختلفوا، فمنهم من قال: إن سليمان قد بقي متكئا على عصاه هذه الأيام الكثيرة ولم يتعب ولم ينم ولم يشرب ولم يأكل إنه لربنا الذي يجب علينا أن نعبده! وقال قوم: إن سليمان لساحر وإنه يرينا أنه واقف متكئ على عصاه يسحر أعيننا وليس كذلك، وقال المؤمنون: إن سليمان هو عبد اللّه ونبيه يدبر اللّه أمره بما شاء، فلما اختلفوا بعث اللّه عز وجل الأرضة فدبت في عصاة سليمان فلما أكلت جوفها انكسرت العصاة وخر سليمان من قصره على وجهه فشكرت الجن للأرضة صنيعها فلأجل ذلك لا توجد الأرضة في مكان إلاّ وعندها ماء وطين ذلك قول اللّه عزوجل {فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ} يعني عصاه {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ}(1)..»(2).
عن الهروي عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن أبيه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «ما خلق اللّه خلقاً أفضل مني ولا أكرم عليه مني» قال علي (عليه السلام) : «فقلت يا رسول اللّه فأنت أفضل أم جبرئيل؟ فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «يا علي إن اللّه تبارك وتعالى فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين والفضل بعدي لك يا علي وللأئمة من بعدك، فإن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا، يا علي الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا، يا علي لولا نحن ما خلق اللّه آدم (عليه السلام) ولا حواء ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الأرض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم الى التوحيد ومعرفة ربنا عزوجل وتسبيحه وتقديسه وتهليله، لأن أول ما خلق اللّه عزوجل أرواحنا فأنطقنا بتوحيده وتمجيده ثم خلق الملائكة فلما شاهدوا أرواحنا نوراً واحداً استعظموا أمرنا فسبحنا لتعلم الملائكة أنّا خلق مخلوقون وأنّه منزه عن صفاتنا، فسبحت الملائكة بتسبيحنا ونزّهته عن صفاتنا، فلما شاهدوا عظم شأننا هلّلنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلا اللّه وأنّا عبيد ولسنا بآلهة يجب أن نعبد معه أو دونه فقالوا: لا إله إلا اللّه، فلما شاهدوا كبر محلنا كبّرنا لتعلم الملائكة أن اللّه أكبر من أن ينال وأنه عظيم المحل، فلما شاهدوا ما جعل اللّه لنا من العزة والقوة، فقلنا: لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم لتعلم الملائكة أن لا حول لنا ولا قوة إلا باللّه فقالت الملائكة: لاحول ولاقوة إلا باللّه، فلما شاهدوا ما أنعم اللّه به علينا وأوجبه لنا من فرض الطاعة قلنا: الحمد لله لتعلم الملائكة ما يحق اللّه تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمه، فقالت الملائكة: الحمد لله، فبنا اهتدوا إلى معرفة
توحيد اللّه تعالى وتسبيحه وتهليله وتحميده، ثم إن اللّه تبارك وتعالى خلق آدم (عليه السلام) وأودعنا صلبه وأمر الملائكة بالسجود له تعظيماً لنا وإكراماً، وكان سجودهم لله عزوجل عبودية ولآدم إكراماً وطاعةً لكوننا في صلبه، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون، وإنه لما عرج بي إلى السماء أذن جبرئيل مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى ثم قال (عليه السلام) لي: تقدم يا محمد، فقلت: يا جبرئيل أتقدم عليك؟ فقال: نعم لأن اللّه تبارك وتعالى إسمه فضّل أنبياءه على ملائكته أجمعين وفضلك خاصة، قال: فتقدمت وصليت بهم ولا فخر، فلما انتهينا إلى حجب النور قال لي جبرئيل (عليه السلام) : تقدم يا محمد، وتخلّفَ عني، فقلت له: يا جبرئيل في مثل هذا الموضع تفارقني؟ فقال: يا محمد إن هذا انتهاء حدي الذي وضعني اللّه عز وجل فيه إلى هذا المكان، فإن تجاوزته احترقت أجنحتي لتعدي حدود ربي جل جلاله، فزخ بي زخة في النور حتى انتهيت الى حيث ما شاء اللّه عزوجل من ملكوته فنوديت فقلت: لبيك ربي وسعديك تباركت وتعاليت، فنوديت: يا محمد أنت عبدي وأنا ربك فإياي فاعبد وعليّ فتوكل، فإنك نوري في عبادي ورسولي إلى خلقي وحجتي في بريتي، لمن تبعك خلقت جنتي، ولمن خالفك خلقت ناري، ولأوصيائك أوجبت كرامتي ولشيعتهم أوجبت ثوابي.
فقلت: يا رب ومن أوصيائي؟
فنوديت: يا محمد إن أوصياءك المكتوبون على ساق عرشي فنظرتُ وأنا بين يدي ربي جل جلاله إلى ساق العرش فرأيت اثني عشر نوراً في كل نور سطر أخضر عليه اسم كل وصي من أوصيائي أولهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) وآخرهم مهدي أمتي، فقلت: يا رب أهؤلاء أوصيائي بعدي؟ فنوديت: يا محمد هؤلاء
أوليائي وأحبائي وأصفيائي وحججي بعدك على بريتي وهم أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك، وعزتي وجلالي لأظهرن بهم ديني ولأعلين بهم كلمتي ولأطهرن الأرض بآخرهم من أعدائي ولأملكنه مشارق الأرض ومغاربها ولأسخرن له الرياح ولأذللن له الرقاب الصعاب ولأرقينه في الأسباب ولأنصرنه بجندي ولأمدنه بملائكتي حتى يعلن دعوتي ويجمع الخلق على توحيدي ثم لأديمن ملكه ولأداولن الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة»(1).
1) كمال الدين: ص254-256 باب23 ح4، حلية الأبرار: ج1 ص10- 12 باب1 ح1.
14
الإمامة من أهم أركان الإسلام، حتى قال الإمام الباقر (عليه السلام) : «بُني الإسلام على خمس: الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية يوم الغدير»(1).
وكان الإمام الرضا (عليه السلام) في مناظراته وحواراته وكلماته ومكاتباته يؤكد على موضوع الإمامة، وأن جده أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الخليفة من بعد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) دون غيره، وأن الإمامة شرط لكلمة (لا إله إلا اللّه) كما في حديث سلسلة الذهب(2).
كما روى الإمام الرضا (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في موضوع الإمامة كثيراً من الروايات:
قال علي بن موسى الرضا (عليه السلام) : حدثني أبي موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: حدثني أبي محمد بن علي (عليه السلام) قال: حدثني أبي علي بن الحسين (عليه السلام) قال: حدثني أبي الحسين بن علي (عليه السلام) قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «من مات وليس له إمام من ولدي مات ميتة الجاهلية، يؤخذ بما عمل في الجاهلية
والإسلام»(1).
وبهذا الإسناد قال (عليه السلام) : قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في قول اللّه عزوجل: {وقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ}(2)قال: «عن ولاية علي (عليه السلام) »(3).
وبهذا الإسناد قال (عليه السلام) : قال النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «يا علي أنت تبرئ ذمتي وأنت خليفتي على أمتي»(4).
وبهذا الإسناد قال (عليه السلام) : قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «شيعة علي هم الفائزون يوم القيامة»(5).
وبهذا الإسناد قال (عليه السلام) : قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «توضع يوم القيامة منابر حول العرش لشيعتي وشيعة أهل بيتي المخلصين في ولايتنا، ويقول اللّه عزوجل: هلموا يا عبادي إلي لأنشرن عليكم كرامتي فقد أوذيتم في الدنيا»(6).
وبهذا الإسناد قال (عليه السلام) : قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) :
«من أراد أن يركب سفينة النجاة ويستمسك بالعروة الوثقى ويعتصم بحبل اللّه المتين فليوال علياً بعدي وليعاد عدوه، وليأتم بالأئمة الهداة من ولده، فإنهم خلفائي وأوصيائي وحجج اللّه على الخلق بعدي وسادة أمتي وقادة الأتقياء (إلى الجنة)، حزبهم حزبي وحزبي حزب اللّه (عز وجل)، وحزب أعدائهم حزب
الشيطان»(1).
وعن محمد بن الفضل(2)
عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له: تكون الأرض ولا إمام فيها؟ فقال (عليه السلام) : «لا، إذاً لساخت بأهلها»(3).
وفي حديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنه تلا هذه الآية {لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ}(4)فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «أصحاب الجنة من أطاعني وسلّم لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) بعدي وأقر بولايته، وأصحاب النار من سخط الولاية ونقض العهد وقاتله بعدي»(5).
عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قال: «للإمام علامات، يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، (وأحلم الناس)، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس، ويولد مختوناً، ويكون مُطهّراً، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ولا يكون له ظلّ، وإذا وقع على الأرض من بطن أمه وقع على راحتيه، رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يحتلم، وتنام عينه ولا ينام قلبه،
ويكون مُحَدَّثاً، ويستوي عليه درع رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، ولا يرى له بول ولا غائط، لأن اللّه عزوجل قد وكّل الأرض بابتلاع ما يخرج منه، وتكون رائحته أطيب من رائحة المسك، ويكون أولى بالناس منهم بأنفسهم، وأشفق عليهم من آبائهم وأمهاتهم، ويكون أشد الناس تواضعاً لله عزوجل، ويكون آخذ الناس بما يأمر به، وأكف الناس عما ينهى عنه، ويكون دعاؤه مستجاباً، حتى أنه لو دعا على صخرة لانشقت نصفين، ويكون عنده سلاح رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وسيفه ذو الفقار، وتكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة، وصحيفة فيها أسماء أعدائه إلى يوم القيامة، وتكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعاً فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم، ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر وإهاب ماعز وإهاب كبش فيهما جميع العلوم حتى أرش الخدش وحتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة (عليها السلام) »(1).
أقول: مصحف فاطمة (عليها السلام) كتاب فيه علم ما كان وما يكون كتبته الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وليس هو القرآن الكريم.
وقال الإمام الرضا (عليه السلام) : «إن الإمام مؤيد بروح القدس، وبينه وبين اللّه عمود من نور يرى فيه أعمال العباد وكلما احتاج إليه، لدلالة اطلع عليه»(2).
وفي حديث: قال المأمون يا أبا الحسن زدنا مما جعل اللّه لكم أهل البيت، فقال
الرضا (عليه السلام) : «إن اللّه عزوجل قد أيدنا بروح منه مقدسة مطهرة ليست بملك لم تكن مع أحد ممن مضى إلاّ مع رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهي مع الأئمة منا تسددهم وتوفقهم وهو عمود من نور بيننا وبين اللّه عزوجل»(1).
عن عبد العزيز بن مسلم قال: كنا في أيام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بمرو فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم الجمعة في بدء مقدمنا فإذا رأى الناس أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيدي ومولاي الرضا (عليه السلام) فأعلمته ما خاض الناس فيه، فتبسم (عليه السلام) ثم قال (عليه السلام) :
«يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن أديانهم، إن اللّه تبارك وتعالى لم يقبض نبيه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شيء، بيّن فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه كملا، فقال عزوجل: {ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ}(2)، وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً}(3). وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض (صلی اللّه عليه وآله وسلم) حتى بين لأمته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد الحق وأقام لهم علياً (عليه السلام) علماً وإماماً، وما ترك شيئا يحتاج إليه الأمة إلاّ بينه فمن زعم أن اللّه عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب اللّه عزوجل، ومن رد كتاب اللّه تعالى فهو كافر..
هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة، فيجوز فيها اختيارهم، إن الإمامة أجل قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماماً باختيارهم، إن الإمامة خص اللّه عزوجل بها إبراهيم الخليل (عليه السلام) بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها ذكره، فقال عزوجل: {إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً}(1)..
فقال الخليل (عليه السلام) سروراً بها {ومِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ} اللّه تبارك وتعالى: {لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة، ثم أكرمه اللّه عزوجل بأن جعلها ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال عزوجل: {ووَهَبْنا له إِسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ * وجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وإِقامَ الصَّلاةِ وإِيتاءَ الزَّكاةِ وكانُوا لَنا عابِدِينَ}(2). فلم تزل في ذريته (عليه السلام) يرثها بعض عن بعض قرناً فقرناً حتى ورثها اللّه النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال اللّه عزوجل: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهذَا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}(3)فكانت له (صلی اللّه عليه وآله وسلم) خاصة، فقلدها (صلی اللّه عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام) بأمر اللّه تعالى عزوجل على رسم ما فرض اللّه عزوجل، فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم اللّه العلم والإيمان بقوله تعالى: {وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ}(4)فهي في ولد علي (عليه السلام) خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فمن أين يختار هؤلاء الجهال.
إن الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء، إن الإمامة خلافة اللّه عزوجل وخلافة الرسول ومقام أمير المؤمنين (عليه السلام) وميراث الحسن والحسين (عليهم السلام) ..
إن الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين، إن الإمامة اُسّ الإسلام النامي وفرعه السامي..
بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف..
الإمام يحل حلال اللّه، ويحرّم حرام اللّه، ويقيم حدود اللّه، ويذبّ عن دين اللّه، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة..
الإمام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم، وهي بالأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار..
الإمام البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى والبيد القفار ولجج البحار..
الإمام الماء العذب على الظمأ، والدال على الهدى، والمنجي من الردى..
والإمام النار على ماأرتفع من الأرض، الحار لمن اصطلى به، والدليل في المهالك من فارقه فهالك..
الإمام السحاب الماطر، والغيث الهاطل، والشمس المضيئة،والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة..
الإمام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق، والام البرة بالولد الصغير، ومفزع العباد في الداهية..
الإمام أمين اللّه في خلقه، وحجته على عباده، وخليفته في بلاده، والداعي إلى اللّه، والذاب عن حرم اللّه..
الإمام المُطهَّر من الذنوب، المُبرَّأ عن العيوب، المخصوص بالعلم، المرسوم بالحلم، نظام الدين، وعزّ المسلمين، وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين..
الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل، ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب..
فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام أو يمكنه اختياره، هيهات هيهات، ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وخسئت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألباء، وكلت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء، عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله، وأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكله أو يُنعت بكنهه أو يفهم شيء من أمره أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه، لا كيف وأنى؟ وهو بحيت النجم من أيدي المتناولين، ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا؟، وأين العقول عن هذا؟، وأين يوجد مثل هذا؟..
أظنوا أن ذلك يوجد في غير آل الرسول محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ؟ كذبتهم واللّه أنفسهم ومنتهم الاباطيل، فارتقوا مرتقى صعباً دحضاً تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة وآراء مضلة، فلم يزدادوا منه إلا بُعداً، {قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}(1)ولقد راموا صعباً وقالوا إفكاً {وضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً}(2)ووقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام (عليه السلام) عن بصيرة {وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ
أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ}(1)وما كانوا مستبصرين ورغبوا عن اختيار اللّه واختيار رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأهل بيته إلى اختيارهم والقرآن يناديهم {ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ}(2)وقال اللّه عزوجل: {وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(3)وقال عزوجل: {ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ * سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ}(4).
وقال عزوجل: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها}(5)أم {طبع اللّه على قلوبهم فهم لا يفقهون}(6)أم {قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ ولَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وهُمْ مُعْرِضُونَ}(7)أم {قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا}(8)بل هو{فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ واللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(9)..
فكيف لهم باختيار الإمام والإمام عالم لا يجهل، وراع لا ينكل، معدن القدس والطهارة، والنسك والزهادة، والعلم والعبادة، مخصوص بدعوة
الرسول (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ونسل المطهرة البتول، لا مغمز فيه في نسب، ولا يدانيه ذو حسب، فالبيت من قريش، والذروة من هاشم، والعترة من الرسول (صلی اللّه عليه وآله وسلم) والرضا من اللّه عزوجل شرف الأشراف، والفرع من عبد مناف، نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر اللّه عزوجل، ناصح لعباد اللّه، حافظ لدين اللّه، إن الأنبياء والأئمة (صلوات اللّه عليهم) يوفقهم اللّه ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق كل علم أهل زمانهم، في قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}(1)..
وقوله تبارك وتعالى: {ومَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}(2).
وقوله عز وجل في طالوت: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ والْجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ}(3).
وقال عزوجل لنبيه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) :{وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}(4).
وقال عزوجل في الأئمة من أهل بيت نبيه وعترته وذريته (صلوات اللّه عليهم): {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ ومِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً}(5)وإن العبد
إذا اختاره اللّه عزوجل لأمور عباده شرح صدره لذلك وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاماً، فلم يعي بعده بجواب، ولايحير فيه عن الصواب، فهو معصوم مؤيد، موفق مسدد، قد أمن الخطايا والزلل والعثار، يخصه اللّه بذلك ليكون حجته على عباده، وشاهده على خلقه، و{ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ واللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(1)فهل يقدرون على مثل هذا فيختاروه أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدموه(2)، تعدوا - وبيت اللّه - الحق، ونبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، وفي كتاب اللّه الهدى والشفاء فنبذوه واتبعوا أهواءهم، فذمهم اللّه ومقتهم وأتعسهم فقال عزوجل: {ومَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}(3)وقال عز وجل: {فَتَعْساً لَهُمْ وأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ}(4)وقال عزوجل: {كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}(5)، وصلى اللّه على النبي محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً»(6).
في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}(7): قال إلإمام الرضا (عليه السلام) «إن اللّه عز وجل لا يسأل عباده عما تفضل عليهم به، ولا يمنن بذلك عليهم،
والامتنان بالإنعام مستقبح من المخلوقين فكيف يضاف إلى الخالق عزوجل ما لا يرضى للمخلوقين به، ولكن النعيم حبنا أهل البيت وموالاتنا يسأل اللّه عباده عنه بعد التوحيد والنبوة، لأن العبد إذا وفى بذلك أداه إلى نعيم الجنة الذي لا يزول، ولقد حدثني بذلك أبي (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : يا علي إن أول ما يسأل عنه العبد بعد موته شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأنك ولي المؤمنين بما جعله اللّه وجعلته لك، فمن أقر بذلك وكان معتقده صار إلى النعيم الذي لا زوال له»(1).
عن الحسن بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون يوماً وعنده علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وقد اجتمع عنده الفقهاء وأهل الكلام من الفرق المختلفة فسأله بعضهم فقال له: يا ابن رسول اللّه بأي شيء تصح الإمامة لمدعيها؟
قال (عليه السلام) : «بالنص والدليل». قال له: فدلالة الإمام فيما هي؟ قال (عليه السلام) : «في العلم واستجابة الدعوة» قال: فما وجه إخباركم بما يكون؟ قال (عليه السلام) :«ذلك بعهد معهود إلينا من رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ».
قال: فما وجه إخباركم بما في قلوب الناس؟ قال (عليه السلام) له: «أما بلغك قول رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه» قال: بلى، قال: «فما من مؤمن إلاّ وله فراسة ينظر بنور اللّه على قدر إيمانه ومبلغ استبصاره وعلمه وقد جمع اللّه في الأئمة منا ما فرقه في جميع المؤمنين، وقال تعالى في كتابه
1) غاية المرام: ج3 ص83 ب49.
العزيز: {إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}(1)فأول المتوسمين رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ثم أمير المؤمنين (عليه السلام) من بعده ثم الحسن (عليه السلام) ثم الحسين (عليه السلام) ثم الأئمة من ولد الحسين (عليهم السلام) إلى يوم القيامة»(2)
الحديث.
قال الإمام الرضا (عليه السلام) في حديث: «إنا لا نرخّص فيما لم يرخّص فيه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ولا نأمر بخلاف ما أمر به رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلاّ لعلة خوف ضرورة، فأما أن نستحل ما حرّم رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أو نحرم ما استحل رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فلا يكون ذلك أبداً، لأنا تابعون لرسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) مسلّمون له كما كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) تابعاً لأمر ربه عزوجل، مسلّماً له، وقال اللّه عزوجل: {ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}(3)»(4).
عن أحمد بن عبد اللّه قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن ذي الفقار سيف رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) من أين هو؟ فقال (عليه السلام) : «هبط به جبرئيل (عليه السلام) من السماء وكان عليه حلية من فضة وهو عندي»(5).
15
كتب الإمام الرضا (عليه السلام) في بيان محض الإسلام ما أشار فيه إلى المعاد:
«إن اللّه تعالى لا يدخل النار مؤمناً وقد وعده الجنة، ولا يخرج من النار كافراً وقد أوعده النار والخلود فيها، (ولا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)(1)ومذنبو أهل التوحيد لا يخلدون في النار ويخرجون منها، والشفاعة جائزة لهم»(2).
وقال الإمام الرضا (عليه السلام) : «إن أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن، يوم يولد ويخرج من بطن أمه فيرى الدنيا، ويوم يموت فيرى الآخرة وأهلها، ويوم يُبعث فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا، وقد سلّم اللّه عزوجل على يحيى (عليه السلام) في هذه الثلاثة المواطن وآمن روعته فقال: {وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا}(3)
وقد سلّم عيسى ابن مريم (عليه السلام) على نفسه في هذه الثلاثة المواطن فقال:
عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «تحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة ومعها ثياب مصبوغة بالدم، فتتعلق بقائمة من قوائم العرش فتقول: يا عدل يا حكيم احكم بيني وبين قاتل ولدي، فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : فيحكم اللّه تعالى لابنتي وربّ الكعبة(3)، وإن اللّه عزوجل يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها»(4)..
16
كان الإمام الرضا (عليه السلام) شديد الاهتمام بالقرآن الكريم، قراءةً وتدبراً، وعملاً وتعليماً، وبياناً لتفسيره وتأويله، وذكر قصصه(1)
وقصة ذبح إبراهيم (عليه السلام) لإسماعيل (عليه السلام) ، الخصال: ص58.
وقصة جالوت وطالوت، تفسير القمي: ج1 ص82-83.
وروي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أخبار عديدة حول تاريخ الأنبياء (عليهم السلام) من آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل ويوسف وموسى وويوشع ودانيال والخضر وسليمان وعيسى (عليهم السلام) ورسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، وكذلك قصص أخرى كقصة هاروت وماروت، مما أشار القرآن إليها، وقد قام الإمام الرضا (عليه السلام) بتفسيرها وتوضيحها على ما هو مسطور في كتب الإمامية أعزهم اللّه، وغيرهم هداهم اللّه، إضافة إلى إشاراته وبياناته حول الكثير من أحكام القرآن.
وأحكامه، وكان (عليه السلام) يختمه في كل ثلاث ويقول: «لو أردت أن أختم في أقل من ثلاث لختمت ولكنني ما مررت بآية قط إلاّ فكرت فيها، وفي أي شيء نزلت، وفي أي وقت، فلذلك صرت أختم في ثلاثة أيام»(2).1) مثل ما رواه الشيخ الصدوق عن الإمام الرضا (عليه السلام) في هاروت وماروت، راجع قصة آدم (عليه السلام) والشجرة: معاني الأخبار: ص124-125 باب معنى الشجرة التي أكل منها آدم وحواء. ذكر حالة آدم بعد مقتل هابيل وشعره، الخصال: ص209ح30.
2) روضة الواعظين: ص229، وانظر وسائل الشيعة: ج6 ص217 ب27 من أبواب قراءة القرآن ولو في غير الصلاة ح7773/6.
وقال الإمام الرضا (عليه السلام) في بيان محض الإيمان: «والتصديق بكتابه الصادق العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وأنه المهيمن على الكتب كلها، وأنه حق من فاتحته إلى خاتمته، يؤمن بمحكمه ومتشابهه، وخاصه وعامه، ووعده ووعيده، وناسخه ومنسوخه، وقصصه وأخباره، لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله»(1).
وعن الريان بن الصلت قال: قلت للرضا (عليه السلام) يا ابن رسول اللّه ما تقول في القرآن؟ فقال (عليه السلام) : «كلام اللّه لا تتجاوزوه، ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلوا»(2).
وعن محمد بن موسى الرازي عن أبيه قال: ذكر الرضا (عليه السلام) يوماً القرآن فعظّم الحجة فيه والآية المعجزة في نظمه، فقال (عليه السلام) : «هو حبل اللّه المتين، وعروته الوثقى، وطريقته المثلى، المؤدي إلى الجنة، والمنجي من النار، لا يخُلق(3)
من الأزمنة، ولا يغث على الألسنة، لأنه لم يجعل لزمان دون زمان، بل جعل دليل البرهان، وحجة على كل إنسان، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد»(4).
عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : قال اللّه جل جلاله: «ما آمن بي من فسّر برأيه
كلامي»(1).
وعن أبي حيون مولى الرضا (عليه السلام) قال: «من رد متشابه القرآن إلى محكمه فقد هُدي إلى صراط مستقيم» ثم قال (عليه السلام) : «إن في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن ومتشابهاً كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا»(2).
وكان الإمام الرضا (عليه السلام) قد أخذ تفسير القرآن عن آبائه الطاهرين (عليهم السلام) عن جده رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) مضافاً إلى العلم اللدني الذي منحه اللّه عزوجل، فكان هو المفسر للقرآن الكريم والمبين للآيات المتشابهة والتي تحتاج إلى التفسير. وكان الناس يرجعون إلى الإمام (عليه السلام) في معرفة التفسير وأحكام القرآن.
عن الحسين بن خالد قال: سألت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والأرْضِ والْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها}(3)فقال (عليه السلام) : «الأمانة الولاية، من ادعاها بغير حق فقد كفر»(4).
وعن أبي الصلت الهروي قال: سأل المأمون أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن قول اللّه عزوجل: {وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}(5)فقال (عليه السلام) : «إن اللّه تبارك وتعالى
خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السماوات والأرض، وكانت الملائكة تستدل بأنفسها وبالعرش والماء على اللّه عزوجل، ثم جعل عرشه على الماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة فيعلموا أنه على كل شيء قدير، ثم رفع العرش بقدرته ونقله وجعله فوق السماوات السبع، وخلق السماوات والأرض في ستة أيام وهو مستول على عرشه، وكان قادراً على أن يخلقها في طرفة عين ولكنه عزوجل خلقها في ستة أيام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئاً بعد شيء، وتستدل بحدوث ما يحدث على اللّه تعالى ذكره مرةً بعد مرة، ولم يخلق اللّه العرش لحاجة به إليه لأنه غني عن العرش وعن جميع ما خلق، لا يوصف بالكون على العرش لأنه ليس بجسم، تعالى اللّه عن صفة خلقه علواً كبيراً، وأما قوله عزوجل: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} فإنه عزوجل خلقهم ليبلوهم بتكليف طاعته وعبادته لا على سبيل الامتحان والتجربة لأنه لم يزل عليما بكل شيء.
فقال المأمون: فرجت عني يا أبا الحسن (عليه السلام) فرج اللّه عنك(1)،
ثم قال له: يا ابن رسول اللّه فما معنى قول اللّه عزوجل: {ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ}(2)؟
فقال الرضا (عليه السلام) : حدثني أبي موسى بن جعفر (عليه السلام) عن أبيه جعفر بن محمد (عليه السلام) عن أبيه محمد بن علي (عليه السلام) عن أبيه علي بن الحسين (عليه السلام) عن أبيه الحسين بن علي (عليه السلام) عن أبيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: إن المسلمين قالوا لرسول
اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : لو أكرهت يا رسول اللّه من قدرت عليه من الناس على الإسلام لكثر عددنا وقوينا على عدونا، فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : ما كنت لألقى اللّه عزوجل ببدعة لم يحدث إلي فيها شيئاً وما أنا من المتكلفين، فأنزل اللّه تبارك وتعالى عليه يا محمد {ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} على سبيل الإلجاء والاضطرار في الدنيا كما يؤمنون عند المعاينة ورؤية البأس في الآخرة ولو فعلت ذلك بهم لم يستحقوا مني ثواباً ولا مدحاً لكني أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين ليستحقوا مني الزلفى والكرامة ودوام الخلود في جنة الخلد {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} وأما قوله تعالى {وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ} فليس ذلك على سبيل تحريم الإيمان عليها ولكن على معنى أنها ما كانت لتؤمن إلاّ بإذن اللّه، وإذنه أمره لها بالإيمان، ما كانت مكلفة متعبدة وألجأه إياها إلى الإيمان عند زوال التكليف والتعبد عنها.
فقال المأمون: فرجت عني يا أبا الحسن فرج اللّه عنك(1)، فأخبرني عن قول اللّه تعالى: {الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيُونَ سَمْعاً}(2).
فقال (عليه السلام) : «إن غطاء العين لا يمنع من الذكر، والذكر لا يرى بالعين، ولكن اللّه عزوجل شبه الكافرين بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالعميان لأنهم كانوا يستثقلون قول النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فيه ولا يستطيعون له سمعا».
فقال المأمون فرجت عني فرج اللّه عنك»(3).
روى الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «من قرأ سورة {إذا زلزلت الأرض}(1)أربع مرات كان كمن قرأ القرآن كله»(2).
17
من أهم ما قام به الإمام الرضا (عليه السلام) هو نشر فضائل النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) ، فإنهم الأسوة والقدوة، ونشر فضائلهم من مقدمات التأسي بهم (صلوات اللّه عليهم أجمعين).
كما أكد (عليه السلام) على ضرورة الاهتداء بهديهم (عليهم السلام) والتمسك بنهجهم، لأنهم (عليهم السلام) حجج اللّه على الخلق دون غيرهم.
قال الإمام الرضا (عليه السلام) : «الحمد لله الذي حفظ منا ما ضيع الناس، ورفع منا ما وضعوه، حتى قد لُعنّا على منابر الكفر ثمانين عاماً، وكُتمت فضائلنا وبُذلت الأموال في الكذب علينا، واللّه عزوجل يأبى لنا إلا أن يُعلي ذكرنا ويبين فضلنا»(1).
وروي عن الإمام الرضا (عليه السلام) في تفسير قول رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «أنا ابن الذبيحين» أي إسماعيل وعبد اللّه، قال (عليه السلام) : «العلة التي من أجلها رفع اللّه عزوجل الذبح عن إسماعيل (عليه السلام) هي العلة التي من أجلها رفع الذبح عن عبد اللّه (عليه السلام) وهي كون النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) في صلبهما، فببركة النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) رفع اللّه الذبح عنهما فلم تجر السنة في الناس بقتل أولادهم»(2).
وقد روى الشيخ الصدوق (رحمه اللّه) في كتابه عيون أخبار الرضا (عليه السلام) مجلس الإمام الرضا (عليه السلام) مع المأمون في الفرق بين العترة الطاهرة (عليهم السلام) والأمة، وغير ذلك مما فيه بيان لفضائل العترة الطاهرة (عليهم السلام) (1).
ومما رواه الإمام الرضا (عليه السلام) : قول رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها زج في النار»(2).
وروى (عليه السلام) أيضاً أنه قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «اشتد غضب اللّه وغضب رسوله على من أهرق دمي وآذاني في عترتي»(3).
وروى (عليه السلام) أيضاً أنه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: «النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي»(4).
وعنه (عليه السلام) أنه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: «كأني قد دعيتُ فأجبت وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(5).
وعنه (عليه السلام) أنه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: «أول ما يسأل عنه العبد حبنا أهل البيت»(6).
وعنه (عليه السلام) أنه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: «حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي أو قاتلهم أو أعان عليهم أو سبّهم، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم اللّه ولا ينظر
إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم»(1).
وكان الإمام الرضا (عليه السلام) يبين في أحاديث مختلفة مكانة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وفضائلها ومواقفها حتى في يوم القيامة.
عن الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «إني سميت ابنتي فاطمة لأن اللّه عز وجل فطمها وفطم من أحبها من النار»(2).
وبهذا الإسناد قال (عليه السلام) : قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «إن اللّه تعالى يغضب لغضب فاطمة و يرضى لرضاها»(3).
وفي رواية: «يافاطمة إن اللّه يرضى لرضاك ويغضب لغضبك»(4).
قام الإمام الرضا (عليه السلام) بنفي ما نُسب إلى بعض أولاد الأئمة (عليهم السلام) كما قيل في زيد الشهيد (عليه السلام) وغيره.
وقد ذكرنا في بعض كتبنا(5)أن ما نسبوه إلى بعض ذرية المعصومين (عليهم السلام) مما لا يليق بشأنهم فهو - عادة - من إملاء بني أمية وبني العباس ومن أشبه، وربما كان
تقيةً أي لحفظه عن الطغاة الظلمة، كما في مثل زيد النار(1)
وقد تكلم الإمام الرضا (عليه السلام) مع أخيه زيد وبحضور المأمون بشكل ينفي ارتباط ثورة زيد بالإمام (عليه السلام) حتى لا يتخذ المأمون ذلك ذريعة ويقول: إن الإمام (عليه السلام) يخطط للقضاء على الدولة العباسية، فدقق.
حيث قال الإمام الرضا (عليه السلام) للمأمون: «لا تقس أخي زيداً إلى زيد بن علي، فإنه كان من علماء آل محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، غضب لله عزوجل فجاهد أعداءه حتى قُتل في سبيله، ولقد حدثني أبي موسى بن جعفر (عليه السلام) أنه سمع أباه جعفر بن محمد بن علي (عليه السلام) يقول: رحم اللّه عمي زيداً إنه دعا إلى الرضا من آل محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، ولو ظفر لوفى بما دعا إليه، ولقد استشارني في خروجه فقلت له: يا عمي إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك، فلما ولى قال جعفر بن محمد (عليه السلام) : ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه. فقال المأمون: يا أبا الحسن أليس قد جاء فيمن ادعى الإمامة بغير حقها ما جاء؟ فقال الرضا (عليه السلام) : «إن زيد بن علي لم يدع ما ليس له بحق وإنه كان أتقى لله من ذلك إنه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمد (عليهم السلام) »(2).وجاء قوم للإمام الرضا (عليه السلام) والظاهر أن المأمون قد بعثهم على ذلك، فاتهموا بعض ذوي الإمام (عليه السلام) بالأمور القبيحة، وأرادوا أن ينهاهم الإمام عن ذلك فيتخذوه ذريعة بأن الإمام (عليه السلام) أقرها، أي اعترف بأنهم قد ارتكبوها، فقال
1) هو زيد بن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) أخو الإمام الرضا (عليه السلام) وقد خرج في البصرة فحاربه ولاة بني العباس حتى أخذوه أسيراً، وقالوا إنه قد أحرق دور العباسيين وقتل منهم، وربما كان الحرق من الناس الذين ثاروا ضد ظلم بني العباس ولم يكن بأمر زيد، وربما كان ذلك تهمة من بني العباس لكي يقتله المأمون، وكذلك في اتهامه بقتل العباسيين، نعم ربما كان قتل في الدفاع عن نفسه لما أرادوا القبض عليه.
2) تفسير نور الثقلين: ج3 ص522.
الإمام (عليه السلام) : «لا أفعل».
عن الريان بن الصلت قال جاء قوم بخراسان إلى الرضا (عليه السلام) فقالوا إن قوماً من أهل بيتك يتعاطون أموراً قبيحة فلو نهيتهم عنها! فقال (عليه السلام) : «لا أفعل».
فقيل: ولم؟
قال: «لأني سمعت أبي يقول النصيحة خشنة»(1).
1) علل الشرائع: ج2 ص581 ب385 ح17، وسائل الشيعة: ج16 ص129 ب2 من أبواب الأمر والنهي..ح21158/8.
18
وكثيراً مّا كانوا يسألون الإمام الرضا (عليه السلام) عن أصحاب رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فيبين (عليه السلام) لهم الفرق بين من انقلب على عقبيه، ومن بقي على نهج رسول ا لله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وتمسك بأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) .
سُئل الرضا (عليه السلام) عن قول النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»؟
وعن قوله (عليه السلام) : دعوا لي أصحابي؟
فقال (عليه السلام) : «هذا صحيح، يريد من لم يغيّر بعده ولم يبدل».
قيل: وكيف يعلم أنهم قد غيروا وبدلوا؟
قال (عليه السلام) : لما يروونه من أنه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: «ليُذادَنّ رجال(1)من أصحابي يوم القيامة عن حوضي كما تُذاد غرائب الإبل عن الماء فأقول: يا رب أصحابي أصحابي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: بُعداً لهم وسحقاً لهم، أفترى هذا لمن لم يغير ولم يبدل»(2).
19
قام الإمام الرضا (عليه السلام) بنشر السنة النبوية الصحيحة، وبيان أحاديث جدّه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بعد ما حُرم الناس منها، كما صحّح الخطأ مما روي في ذلك. وهذا من أهم أسباب حفظ السنة النبوية الشريفة عن يد التحريف والضياع.
كما كان الإمام (عليه السلام) يؤكد على ضرورة حفظ أحاديث النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ويشجع المؤمنين على ذلك، فقد روى الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «من حفظ من أمتي أربعين حديثاً(1)ينتفعون بها بعثه اللّه يوم القيامة فقيهاً عالما»(2).
وعن إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا (عليه السلام) : يا ابن رسول اللّه ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنه قال: «إن اللّه تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا»؟!
1) وعلى أثر هذا الحديث كتب العلماء والفقهاء كتبً كثيرة كانت معنونة بهذا الغرض وهو ذكر الأربعين حديثاً، وقد أشار إليها المحقق الطهراني في الذريعة وأحصاها وقد وصلت إلى نيف وثمانين بهذا العنوان ناهيك عما كان بعناوين مختلفة ولكن بنفس المضمون، إضافة إلى ما خفي على الشيخ رحمه اللّه، وإضافة إلى ما كتب بعده حول هذا الموضوع. انظر الذريعة: ج1 ص409- 435.
2) وسائل الشيعة: ج27 ص93 ب8 من أبواب صفات القاضي ح33299/54.
فقال (عليه السلام) : «لعن اللّه المحرفين الكلم عن مواضعه، واللّه ما قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) كذلك، إنما قال: «إن اللّه تعالى يُنزل ملكاً إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير وليلة الجمعة في أول الليل فيأمره فينادي: هل من سائل فأعطيه؟، هل من تائب فأتوب عليه؟، هل من مستغفر فأغفر له؟، يا طالب الخير أقبل، ويا طالب الشر اقصر، فلا يزال ينادي بهذا حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عاد إلى محله من ملكوت السماء» حدثني بذلك أبي عن جدي عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) »(1).
وقام الإمام الرضا (عليه السلام) أيضاً بتفسير السنة النبوية الشريفة، وما روي عن العترة الطاهرة (عليهم السلام) وبيان ما أرادوه في أقوالهم وأفعالهم.
قال الراوي(2):
قلت للإمام الرضا (عليه السلام) : يا ابن رسول اللّه فقد روي لنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: من تعلم علماً ليماري به السفهاء أو يباهي به العلماء أو ليقبل بوجوه الناس إليه فهو في النار؟
فقال (عليه السلام) : «صدق جدي (عليه السلام) أفتدري من السفهاء».
فقلت: لا يا ابن رسول اللّه.
قال (عليه السلام) : «هم قُصّاص مخالفينا، أو تدري من العلماء»؟
فقلت: لا يا ابن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) .
فقال: «هم علماء آل محمد (عليهم السلام) الذين فرض اللّه عزوجل طاعتهم وأوجب مودتهم».
ثم قال: «أتدري ما معنى قوله أو ليقبل بوجوه الناس إليه»؟
قلت: لا.
قال (عليه السلام) : «يعني بذلك واللّه ادعاء الإمامة بغير حقها، ومن فعل ذلك فهو في النار»(1).
وعن الحسن بن الجهم قال: قال أبو الحسن (عليه السلام) : «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لا يأبى الكرامة إلاّ حمار، قلت: ما معنى ذلك؟ قال: التوسعة في المجلس والطيب يعرض عليه»(2).
وفي رواية قال (عليه السلام) : «يعني بذلك في الطيب والوسادة»(3).
وعن الإمام الرضا (عليه السلام) عن أبيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سُئل الصادق (عليه السلام) عن الزاهد في الدنيا؟ قال (عليه السلام) : «الذي يترك حلالها مخافة حسابه ويترك حرامها مخافة عقابه»(4).
وعن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت للرضا (عليه السلام) : يا ابن رسول اللّه قد روي عن آبائك (عليهم السلام) فيمن جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه ثلاث كفارات، وروي عنهم (عليهم السلام) أيضاً كفارة واحدة، فبأي الحديثين نأخذ؟
قال (عليه السلام) : «بهما جميعاً، متى جامع الرجل حراماً أو أفطر على حرام في شهر
1) معاني الأخبار: ص180 باب معنى قول الصادق (عليه السلام) : «من تعلم علما ليماري به...»ح1.
2) وسائل الشيعة: ج12 ص102 ب69 من أبواب أحكام العشرة في السفر والحضر ح15758/2.
3) الكافي: ج6 ص512 باب كراهية رد الطيب ح3.
4) الأمالي، للصدوق: ص439 المجلس57 ح580/4، من لايحضره الفقيه: ج4 ص400- 401 ح5861. من قوله: سئل الصادق (عليه السلام) .
رمضان فعليه ثلاث كفارات عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً وقضاء ذلك اليوم، وإن كان قد نكح حلالاً أو أفطر على حلال فعليه كفارة واحدة (وقضاء ذلك اليوم)، وإن كان ناسياً فلا شيء عليه»(1).
1) من لايحضره الفقيه: ج3 ص378 ح4331، تهذيب الأحكام: ج4 ص209 ب55 ح605/12.
قام الإمام الرضا (عليه السلام) بتبيين وتفسير السيرة العلوية المباركة، وكان (عليه السلام) يؤكد كثيراً على ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) .. بعد ما أراد الطغاة محو ذكر علي (عليه السلام) وقاموا بسن اللعن والسب وملاحقة من يتفوه بفضائله (عليه السلام) .
عن ابن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن أمير المؤمنين (عليه السلام) كيف مال الناس عنه إلى غيره وقد عرفوا فضله وسابقته ومكانه من رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ؟
فقال (عليه السلام) : «إنما مالوا عنه إلى غيره (وقد عرفوا فضله) لأنه قد كان قتل آباءهم وأجدادهم (وإخوانهم) وأعمامهم وأخوالهم وأقرباءهم المحاربين لله ولرسوله عدداً كثيراً، فكان حقدهم عليه لذلك في قلوبهم، فلم يحبوا أن يتولى عليهم، ولم يكن في قلوبهم على غيره مثل ذلك، لأنه(1)- لم يكن له في الجهاد بين يدي رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) مثل ما كان له فلذلك عدلوا عنه ومالوا إلى غيره»(2).
وعن الرماني(3)قال: سألت علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فقلت له: يا ابن
رسول اللّه أخبرني عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، لمَ لم يجاهد أعداءه خمسا وعشرين سنة بعد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ثم جاهد في أيام ولايته؟
فقال (عليه السلام) : «لأنه اقتدى برسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في ترك جهاد المشركين بمكة بعد النبوة ثلاثة عشر سنة، وبالمدينة تسعة عشر شهراً، وذلك لقلة أعوانه عليهم، وكذلك علي (عليه السلام) ترك مجاهدة أعدائه لقلة أعوانه عليهم، فلما لم تبطل نبوة رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) مع تركه الجهاد ثلاث عشرة سنة وتسعة عشر شهراً، كذلك لم تبطل إمامة علي (عليه السلام) مع ترك الجهاد خمساً وعشرين سنة، إذا كانت العلة المانعة لهما من الجهاد واحدة»(1).
روى علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) عن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنه قال:
«من سره أن ينظر إلى القضيب الأحمر الذي غرسه اللّه بيده، ويكون متمسكاً به، فليتول علياً (عليه السلام) والأئمة (عليهم السلام) من ولده، فإنهم خيرة اللّه عزوجل وصفوته وهم المعصومون من كل ذنب وخطيئة»(2).
وبإسناده (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «من أحب أن يتمسك بالعروة الوثقى فليتمسك بحب علي بن أبي طالب»(3).
وبإسناده (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) : «من أحبك كان مع النبيين في درجتهم يوم القيامة، ومن مات وهو يبغضك فلا يبالي مات يهودياً أو نصرانياً»(1).
وبإسناده (عليه السلام) عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «خُلقتَ يا علي من شجرة خُلقتُ منها، أنا أصلها وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، ومحبونا ورقها، فمن تعلق بشيء منها أدخله اللّه عز وجل الجنة»(2).
وبإسناده (عليه السلام) قال: قال علي (عليه السلام) : «اُمرتُ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين»(3).
وبإسناده (عليه السلام) عن علي ع قال: قال النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «تقتل عماراً الفئة الباغية»(4).
وقد روى الإمام الرضا (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) كثيراً من الروايات العلوية الشريفة.
فبإسناده (عليه السلام) عن علي (عليه السلام) قال: «العلم ضالة المؤمن»(5).
وبإسناده (عليه السلام) عنه (عليه السلام) قال: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بطلاقة
الوجه وحسن اللقاء»(1).
وبإسناده (عليه السلام) عنه (عليه السلام) قال: «بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد»(2).
21
بيان الجانب التشريعي والتكويني كان ضمن ما أفاده الإمام الرضا (عليه السلام) .
قال ابن فضال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) : يا ابن رسول اللّه لم خلق اللّه عزوجل الخلق على أنواع شتى ولم يخلقه نوعاً واحداً؟
فقال (عليه السلام) : «لئلا يقع في الأوهام أنه عاجز، فلا تقع صورة في وهم ملحد إلا وقد خلق اللّه عزوجل عليها خلقاً، ولا يقول قائل هل يقدر اللّه تعالى على إن يخلق على صورة كذا وكذا إلاّ وجد ذلك في خلقه تبارك وتعالى فيعلم بالنظر إلى أنواع خلقه أنه على كل شيء قدير»(1).
وعن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: قلت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) : لأي علة أغرق اللّه عزوجل فرعون وقد آمن به وأقر بتوحيده؟ قال (عليه السلام) : «لأنه آمن عند رؤية البأس، والإيمان عند رؤية البأس غير مقبول، وذلك حكم اللّه تعالى في السلف والخلف، قال اللّه عزوجل: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا}(2)، وقال عزوجل: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ
أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً}(1)وهكذا فرعون لما {أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ}(2)فقيل له: {آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}(3)وقد كان فرعون من قرنه إلى قدمه في الحديد (وقد لبسه على بدنه) فلما غرق ألقاه اللّه تعالى على نجوة من الأرض ببدنه ليكون لمن بعده علامة فيرونه مع تثقله بالحديد مرتفع من الأرض وسبيل الثقيل أن يرسب ولا يرتفع فكان ذلك آية وعلامة، ولعلة أخرى أغرق اللّه عزوجل فرعون وهي أنه استغاث بموسى لما أدركه الغرق ولم يستغث باللّه فأوحى اللّه عز وجل إليه: يا موسى لم تغث فرعون لأنك لم تخلقه ولو استغاث بي لأغثته»(4).
وعن الحسين بن النضر قال الرضا (عليه السلام) : ما العلة في التكبير على الميت خمس تكبيرات؟ قال (الراوي): رووا أنها اشتقت من خمس صلوات، فقال (عليه السلام) : هذا ظاهر الحديث فأما في وجه آخر، فإن اللّه عزوجل فرض على العباد خمس فرائض: الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، فجعل للميت من كل فريضة تكبيرة واحدة، فمن قبل الولاية كبر خمساً، ومن لم يقبل الولاية كبر أربعا، فمن أجل ذلك تكبرون خمسا، ومن خالفكم يكبر أربعا»(5).
وعن علي بن معبد عن الحسين بن خالد قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن مهر
السنة كيف صار خمسمائة درهم؟ فقال (عليه السلام) : «إن اللّه تبارك وتعالى أوجب على نفسه أن لا يكبره مؤمن مائة تكبيرة، ويحمده مائة تحميدة، ويسبحه مائة تسبيحة ويهلله مائة تهليلة، ويصلي على محمد وآله مائة مرة، ثم يقول: (اللّهُمَّ زَوِّجْني مِنَ الحُورِ العين) إلاّ زوجه اللّه حوراء من الجنة وجعل ذلك مهرها ثم أوحى اللّه عزوجل إلى نبيه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أن يسن مهور المؤمنات خمسمائة درهم ففعل ذلك رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) »(1).
وعن محمد بن سنان(2)أن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) كتب إليه في جواب مسائله: «علة غسل الجنابة النظافة وتطهير الإنسان نفسه مما أصاب من أذى وتطهير سائر جسده، لان الجنابة خارجة من كل جسده، فلذلك وجب عليه تطهير جسده كله، وعلة التخفيف في البول والغائط لأنه أكثر وأدوم من الجنابة فرضي فيه بالوضوء، لكثرته ومشقته ومجيئه بغير إرادة منه ولا شهوة، والجنابة لاتكون إلاّ باستلذاذ منه والإكراه لأنفسهم(3)..
وعلة غسل العيد والجمعة وغير ذلك من الأغسال لما فيه من تعظيم العبد ربه واستقباله الكريم الجلل وطلب المغفرة لذنوبه، وليكون لهم يوم عيد معروف يجتمعون فيه على ذكر اللّه تعالى، فجعل فيه الغسل تعظيماً لذلك اليوم وتفضيلاً له على سائر الأيام، وزيادةً في النوافل والعبادة، وليكون تلك طهارة له من
1) تهذيب الأحكام: ج7 ص356-357 باب المهور... ح1451/14.
2) من أصحاب الإمام الكاظم والرضا والجواد (عليهم السلام) ، ترحم عليه الإمام الجواد (عليه السلام) وترضى عليه وكان أنيس الرضا والجواد (عليهما السلام) مكثر في الرواية، وثقه الشيخ المفيد وغيره، ومدحه الشيخ وجماعة، لكن تكلم فيه جماعة والكلام فيه طويل.
3) مناقب آل أبي طالب: ج3ص465-466.
الجمعة إلى الجمعة(1)..
وعلة غسل الميت أنه يغسل لأنه يطهر وينظف من أدناس أمراضه وما أصابه من صنوف علله، لأنه يلقى الملائكة ويباشر أهل الآخرة فيستحب إذا ورد على اللّه ولقي أهل الطهارة ويماسونه ويماسهم أن يكون طاهراً نظيفاً موجهاً به إلى اللّه عزوجل ليطلب به ويشفع له، وعلة أخرى أنه يخرج منه المني الذي منه خلق فيجنب فيكون غسله له(2)..
وعلة اغتسال من غسله أو مسّه فطهارة لما أصابه من نضح الميت لان الميت إذا خرجت الروح منه بقي أكثر آفته فلذلك يتطهر منه ويطهر(3)..
وعلة الوضوء التي من أجلها صار غسل الوجه والذراعين ومسح الرأس والرجلين فلقيامه بين يدي اللّه عزوجل واستقباله إياه بجوارحه الظاهرة وملاقاته بها الكرام الكاتبين، فيغسل الوجه للسجود والخضوع، ويغسل اليدين ليقلبهما ويرغب بهما ويرهب ويتبتل، ومسح الرأس والقدمين لأنهما ظاهران مكشوفان يستقبل بهما في حالاته وليس فيهما من الخضوع والتبتل ما في الوجه والذراعين(4)..
وعلة الزكاة من أجل قوت الفقراء وتحصين أموال الأغنياء، لأن اللّه تبارك وتعالى كلف أهل الصحة القيام بشأن أهل الزمانة والبلوى، كما قال اللّه تعالى {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وأَنْفُسِكُمْ}(5)في أموالكم بإخراج الزكاة، وفي أنفسكم بتوطين
الأنفس على الصبر(1)، مع ما في ذلك من أداء شكر نعم اللّه عزوجل والطمع في الزيادة، مع ما فيه من الرأفة والرحمة لأهل الضعف، والعطف على أهل المسكنة، والحث لهم على المواساة وتقوية الفقراء والمعونة لهم على أمر الدين، وهم عظة لأهل الغنى، وعبرة لهم ليستدلوا على فقر الآخرة بهم، وما لهم من الحث في ذلك على الشكر لله عزوجل لما خولهم وأعطاهم، والدعاء والتضرع والخوف من أن يصيروا مثلهم في أمور كثيرة في أداء الزكاة والصدقات وصلة الأرحام واصطناع المعروف..
وعلة الحج: الوفادة إلى اللّه عزوجل، وطلب الزيادة، والخروج من كل ما اقترف، وليكون تائبا مما مضى، مستأنفاً لما يستقبل، وما فيه من استخراج الأموال وتعب الأبدان وحظرها عن الشهوات واللذات والتقرب بالعبادة إلى اللّه عز وجل، والخضوع والاستكانة والذل، شاخصاً (إليه) في الحر والبرد والخوف والأمن، دائباً في ذلك دائما، وما في ذلك لجميع الخلق من المنافع والرغبة والرهبة إلى اللّه عز وجل، ومنه ترك قساوة القلب وجسارة الأنفس ونسيان الذكر وانقطاع الرجاء والأمل وتجديد الحقوق وحظر النفس عن الفساد ومنفعة من في شرق الأرض وغربها، ومن في البر والبحر، ممن يحج وممن لا يحج من تاجر وجالب وبائع ومشتر وكاسب ومسكين، وقضاء حوائج أهل الأطراف والمواضع الممكن لهم الاجتماع فيها، كذلك ليشهدوا منافع لهم(2)..
وعلة فرض الحج مرة واحدة لأن اللّه عز وجل وضع الفرائض على أدنى القوم قوة فمن تلك الفرائض الحج المفروض واحد، ثم رغب أهل القوة على
قدر طاقتهم(1)..
وعلة وضع البيت وسط الأرض أنه الموضع الذي من تحته دحيت الأرض، وكل ريح تهب في الدنيا فإنها تخرج من تحت الركن الشامي وهي أول بقعة وضعت في الأرض لأنها الوسط ليكون الفرض لأهل الشرق والغرب في ذلك سواء(2)، وسميت مكة مكة لأن الناس (كانوا) يمكون فيها وكان يقال لمن قصدها قد مكا، وذلك قول اللّه عز وجل: {وما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وتَصْدِيَةً}(3)فالمكاء: الصفير، والتصدية صفق اليدين(4)..
وعلة الطواف بالبيت أن اللّه عزوجل قال للملائكة: {إِنِّي جاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ}(5)فردوا على اللّه عزوجل هذا الجواب، فندموا ولاذوا بالعرش واستغفروا، فأحب اللّه عز وجل أن يتعبد بمثل ذلك العباد فوضع في السماء الرابعة بيتا بحذاء العرش يسمى الضراح، ثم وضع في السماء الدنيا بيتا يسمى المعمور بحذاء الضراح، ثم وضع هذا البيت بحذاء البيت المعمور، ثم أمر آدم (عليه السلام) فطاف به فتاب اللّه عزوجل عليه فجرى ذلك في ولده إلى يوم القيامة(6)..
وعلة استلام الحجر أن اللّه تبارك وتعالى لما أخذ ميثاق بني آدم التقمه الحجر
فمن ثم كلف الناس تعاهد ذلك الميثاق، ومن ثم يقال عند الحجر: أمانتي أديتها وميثاق تعاهدته لتشهد لي بالموافاة، ومنه قول سلمان (رحمه اللّه) (1): ليجيئن الحجر يوم القيامة مثل أبي قبيس له لسان وشفتان يشهد لمن وافاه بالموافاة..
والعلة التي من أجلها سميت منى منى أن جيرئيل قال هناك لإبراهيم (عليه السلام) تمن على ربك ما شئت، فتمنى إبراهيم (عليه السلام) في نفسه أن يجعل اللّه مكان ابنه إسماعيل (عليه السلام) كبشا يأمره بذبحه فداءً له فاعطي مناه..
وعلة الصوم لعرفان مس الجوع والعطش، ليكون العبد ذليلاً مسكيناً مأجوراً محتسباً صابراً، فيكون ذلك دليلاً له على شدائد الآخرة مع ما فيه من الانكسار له عن الشهوات، واعظا له في العاجل، دليلاً على الأجل، ليعلم شدة مبلغ ذلك من أهل الفقر والمسكنة في الدنيا والآخرة(2)..
وحرّم اللّه قتل النفس لعلة فساد الخلق في تحليله لو أحل، وفنائهم وفساد التدبير..
وحرّم اللّه عز وجل عقوق الوالدين لما فيه من الخروج عن التوقير لطاعة اللّه عزوجل والتوقير للوالدين، وتجنب كفر النعمة وإبطال الشكر وما يدعو في ذلك إلى قلة النسل وانقطاعه، لما في العقوق من قلة توقير الوالدين والعرفان بحقهما، وقطع الأرحام والزهد من الوالدين في الولد وترك التربية لعلة ترك الولد برهما..
وحرّم الزنا لما فيه من الفساد من قتل الأنفس وذهاب الأنساب وترك التربية للأطفال وفساد المواريث وما أشبه ذلك من وجوه الفساد..
وحرّم أكل مال اليتيم ظلماً لعلل كثيرة من وجوه الفساد: أول ذلك أنه إذا أكل الإنسان مال اليتيم ظلماً فقد أعان على قتله، إذ اليتيم غير مستغن ولا محتمل لنفسه ولا عليم بشأنه ولا له من يقوم عليه ويكفيه كقيام والديه، فإذا أكل ماله فكأنه قد قتله وصيره إلى الفقر والفاقة مع ما خوف اللّه عزوجل وجعل من العقوبة في قوله عزوجل: {ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ}(1)وكقول أبي جعفر (عليه السلام) : «إن اللّه عز وجل وعد في أكل مال اليتيم عقوبتين: عقوبةً في الدنيا، وعقوبة في الآخرة» ففي تحريم مال اليتيم استغناء اليتيم واستقلاله بنفسه والسلامة للعقب أن يصيبه ما أصابه لما وعد اللّه تعالى فيه من العقوبة، مع ما في ذلك من طلب اليتيم بثأره إذا أدرك ووقوع الشحناء والعداوة والبغضاء حتى يتفانوا..
وحرّم اللّه تعالى الفرار من الزحف لما فيه من الوهن في الدين والاستخفاف بالرسل والأئمة العادلة (عليهم السلام) وترك نصرتهم على الأعداء والعقوبة لهم على إنكار ما دعوا إليه من الإقرار بالربوبية وإظهار العدل وترك الجور وإماتة الفساد، ولما في ذلك من جرأة العدو على المسلمين وما يكون في ذلك من السبي والقتل وإبطال دين اللّه عزوجل وغيره من الفساد..
وحرّم التعرّب بعد الهجرة للرجوع عن الدين وترك مؤازرة الأنبياء والحجج (عليهم السلام) وما في ذلك من الفساد وإبطال حق كل ذي حق لا لعلة سكنى البدو وكذلك لو عرف بالرجل الدين كاملا لم يجز له مساكنة أهل الجهل والخوف عليه لأنه لا يؤمن أن يقع منه ترك العلم والدخول مع أهل الجهل
1) سورة النساء: 9.
والتمادي في ذلك..
وحرّم ما أُهلّ به لغير اللّه عزوجل للذي أوجب اللّه عزوجل على خلقه من الإقرار به وذكر اسمه على الذبائح المحللة، ولئلا يسوى بين ما تقرب به إليه وبين ما جعل عبادة للشياطين والأوثان، لأن في تسمية اللّه عز وجل الإقرار بربوبيته وتوحيده وما في الإهلال لغير اللّه من الشرك به والتقرب به إلى غيره ليكون ذكر اللّه تعالى وتسميته على الذبيحة فرقاً بين ما أحلّ اللّه وبين ما حرّم اللّه وحرّم سباع الطير والوحش كلها لأكلها من الجيف ولحوم الناس والعذرة وما أشبه ذلك، فجعل اللّه عزوجل دلائل ما أحل من الوحش والطير وما حرم كما قال أبي (عليه السلام) : «كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام وكل ما كانت له قانصة من الطير فحلال» وعلة أخرى يفرق بين ما أحل من الطير وما حرم قوله (عليه السلام) : «كُلْ ما دفّ، ولا تأكل ما صف». وحرم الأرنب لأنها بمنزلة السنور ولها مخاليب كمخاليب السنور وسباع الوحش فجرت مجراها مع قذرها في نفسها وما يكون منها من الدم كما يكون من النساء لأنها مسخ..
وعلة تحريم الربا إنما نهى اللّه عنه لما فيه من فساد الأموال لأن الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً وثمن الآخر باطلاً فبيع الربا وشراه وكس(1)على كل حال على المشتري وعلى البائع فحرم اللّه تبارك وتعالى الربا لعلة فساد الأموال، كما حظر على السفيه أن يدفع ماله إليه لما يتخوف عليه من إفساده حتى يؤنس منه رشده، فلهذه العلة حرم اللّه الربا وبيع الدرهم بالدرهمين يداً بيد، وعلة تحريم الربا بعد البينة لما فيه من الاستخفاف بالحرام
1) الوكس: النفصان والتنقيص.
المحرم وهي كبيرة بعد البيان وتحريم اللّه تعالى لها ولم يكن ذلك منه إلاّ استخفافاً بالمحرم للحرام والاستخفاف بذلك دخول في الكفر، وعلة تحريم الربا بالنسية لعلة ذهاب المعروف وتلف الأموال ورغبة الناس في الربح وتركهم القرض ومن القرض من صنائع المعروف ولما في ذلك من الفساد والظلم وفناء الأموال..
وحرّم الخنزير لأنه مشوه جعله اللّه عز وجل عظة للخلق وعبرة وتخويفا ودليلاً على ما مسخ على خلقته، ولأن غذاءه أقذر الأقذار مع علل كثيرة، وكذلك حرّم القرد لأنه مسخ مثل الخنزير وجعله عظة وعبرة للخلق ودليلا على ما مسخ على خلقته وصورته، وجعل فيه شيئاً من الإنسان ليدل على أنه من الخلق المغضوب عليه..
وحرّمت الميتة لما فيها من فساد الأبدان والآفة، ولما أراد اللّه عزوجل أن يجعل تسميته سببا للتحليل وفرقاً بين الحلال والحرام..
وحرّم اللّه عزوجل الدم كتحريم الميتة لما فيه من فساد الأبدان ولأنه يورث الماء الأصفر ويبخر الفم وينتن الريح ويسيء الخلق ويورث القسوة للقلب وقلة الرأفة والرحمة حتى لا يؤمن أن يقتل ولده ووالده، وحرم الطحال لما فيه من الدم، ولأن علته وعلة الدم والميتة واحدة لأنه يجري مجراها في الفساد..
وعلة المهر ووجوبه على الرجال ولا يجب على النساء أن يعطين أزواجهن لأن على الرجال مؤونة المرأة ولأن المرأة بائعة نفسها(1)والرجل مشتر ولا يكون البيع إلاّ بثمن ولا الشراء بغير إعطاء الثمن، مع أن النساء محظورات عن التعامل والمتجر مع علل كثيرة..
1) أي كالبائعة، وإلا فحقيقة النكاح يختلف عن حقيقة البيع.
وعلة التزويج للرجل أربعة نسوة وتحريم أن تتزوج المرأة أكثر من واحد، لأن الرجل إذا تزوج أربع نسوة كان الولد منسوباً إليه، والمرأة لو كان لها زوجان أو أكثر من ذلك لم يُعرف الولد لمن هو، إذ هم مشتركون في نكاحها وفي ذلك فساد الأنساب والمواريث والمعارف، وعلة التزويج العبد اثنتين لا أكثر منه لأنه نصف رجل حر في الطلاق والنكاح لا يملك نفسه ولا له مال إنما ينفق عليه مولاه وليكون ذلك فرقاً بينه وبين الحر وليكون أقل لاشتغاله عن خدمة مواليه..
وعلة الطلاق ثلاثاً لما فيه من المهلة فيما بين الواحدة إلى الثلاث لرغبة تحدث أو سكون غضب إن كان، وليكون ذلك تخويفاً وتأديباً للنساء وزجراً لهن عن معصية أزواجهن فاستحقت المرأة الفرقة والمباينة لدخولها فيما لا ينبغي من معصية زوجها..
وعلة تحريم المرأة بعد تسع تطليقات فلا تحل له أبداً عقوبة لئلا يتلاعب بالطلاق ولا تُستضعف المرأة، وليكون ناظراً في أمره متيقظاً معتبراً، وليكون يأسا لهما من الاجتماع بعد تسع تطليقات، وعلة طلاق المملوك اثنتين لأن طلاق الأمة على النصف فجعله اثنتين احتياطا لكمال الفرائض، وكذلك في الفرق في العدة للمتوفى عنها زوجها.
وعلة ترك شهادة النساء في الطلاق والهلال لضعفهن عن الرؤية ومحاباتهن في النساء في الطلاق فلذلك لا يجوز شهادتهن إلا في موضع ضرورة مثل شهادة القابلة وما لا يجوز للرجال أن ينظروا إليه كضرورة تجويز شهادة أهل الكتاب إذا لم يوجد غيرهم وفي كتاب اللّه عزوجل {اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ} مسلمين {أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}(1)كافرين، ومثل شهادة الصبيان على القتل إذا لم يوجد
1) سورة المائدة: 106.
غيرهم.
والعلة في شهادة أربعة في الزنا واثنين في سائر الحقوق، لشدة حد المحصن لأن فيه القتل فجعلت الشهادة فيه مضاعفة مغلظة لما فيه من قتل نفسه وذهاب نسب ولده ولفساد الميراث، وعلة تحليل مال الولد لوالده بغير إذنه وليس ذلك للولد أن الولد موهوب للوالد في قول اللّه عزوجل {يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً ويَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ}(1)مع أنه المأخوذ بمؤنته صغيراً وكبيراً والمنسوب إليه والمدعو له لقول اللّه عزوجل {ادْعُوهُمْ لآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ}(2)وقول النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنت ومالك لأبيك، وليس للوالدة كذلك، لا تأخذ من ماله إلا بإذنه أو بإذن الأب لأن الأب مأخوذ بنفقة الولد ولا تؤخذ المرأة بنفقة ولدها.
والعلة في أن البينة في جميع الحقوق على المدعي واليمين على المدعى عليه ما خلا الدم لأن المدعى عليه جاحد ولا يمكنه إقامة البينة على الجحود ولأنه مجهول وصارت البينة في الدم على المدعى عليه واليمين على المدعي لأنه حوط يحتاط به المسلمون لئلا يبطل دم امرئ مسلم، وليكون ذلك زاجراً وناهياً للقاتل لشدة إقامة البينة عليه لأن من يشهد على أنه لم يفعل قليل، وأما علة القسامة أن جعلت خمسين رجلاً فلما في ذلك من التغليظ والتشديد والاحتياط لئلا يهدر دم امرئ مسلم.
وعلة قطع اليمين من السارق لأنه يباشر الأشياء غالباً بيمينه وهي أفضل أعضائه وأنفعها له فجعل قطعها نكالاً وعبرة للخلق لئلا يبتغوا أخذ الأموال من غير حلها، ولأنه أكثر ما يباشر السرقة بيمينه، وحرم غصب الأموال وأخذها من
غير حلها لما فيه من أنواع الفساد والفساد محرم لما فيه من الفناء وغير ذلك من وجوه الفساد، وحرم السرقة لما فيها من فساد الأموال وقتل الأنفس لو كانت مباحة ولما يأتي في التغاصب من القتل والتنازع والتحاسد وما يدعو إلى ترك التجارات والصناعات في المكاسب واقتناء الأموال إذا كان الشيء المقتنى لا يكون أحد أحق به من أحد، وعلة ضرب الزاني على جسده بأشد الضرب لمباشرته الزنا واستلذاذ الجسد كله به فجعل الضرب عقوبة له وعبرة لغيره وهو أعظم الجنايات، وعلة ضرب القاذف وشارب الخمر ثمانين جلدة لأن في القذف نفي الولد وقطع النسل وذهاب النسب، وكذلك شارب الخمر لأنه إذا شرب هذى وإذا هذى افترى فوجب حد المفتري، وعلة القتل بعد إقامة الحد في الثالثة على الزاني والزانية لاستخفافهما وقلة مبالاتهما بالضرب حتى كأنهما مطلق لهما ذلك الشيء وعلة أخرى أن المستخف باللّه وبالحد كافر فوجب عليه القتل لدخوله في الكفر.
وعلة تحريم الذكران للذكران والإناث للإناث لما ركب في الإناث وما طبع عليه الذكران ولما في إتيان الذكران الذكران والإناث للإناث من انقطاع النسل وفساد التدبير وخراب الدنيا.
وأحل اللّه تبارك وتعالى لحوم البقر والغنم والإبل لكثرتها وإمكان وجودها وتحليل بقر الوحش وغيرها من أصناف ما يؤكل من الوحش المحللة لأن غذاءها غير مكروه ولا محرم ولا هي مضرة بعضها ببعض ولا مضرة بالإنس ولا في خلقها تشويه، وكره أكل لحوم البغال والحمير الأهلية لحاجة الناس إلى ظهورها واستعمالها والخوف من قلتها لا لقذر خلقها ولا قذر غذائها.
وحرّم النظر إلى شعور النساء المحجوبات بالأزواج وإلى غيرهن من النساء لما
فيه من تهييج الرجال وما يدعو التهييج إليه من الفساد والدخول فيما لا يحل ولا يجمل وكذلك ما أشبه الشعور إلا الذي قال اللّه عزوجل: {والْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ}(1)أي غير الجلباب فلا بأس بالنظر إلى شعور مثلهن.
وعلة إعطاء النساء نصف ما يُعطى الرجال من الميراث لأن المرأة إذا تزوجت أخذت والرجل يعطي فلذلك وُفّر على الرجال، وعلة أخرى في إعطاء الذكر مثلي ما تُعطى الأنثى لأن الأنثى في عيال الذكر إن احتاجت وعليه أن يعولها وعليه نفقتها وليس على المرأة أن تعول الرجل ولا تؤخذ بنفقته إذا احتاج فوفّر اللّه تعالى على الرجال لذلك وذلك قول اللّه عزوجل: {الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ}(2)، وعلة المرأة أنها لا ترث من العقار شيئا إلاّ قيمة الطوب والنقض لأن العقار لا يمكن تغييره وقلبه والمرأة يجوز أن ينقطع ما بينها وبينه من العصمة ويجوز تغييرها وتبديلها، وليس الولد والوالد كذلك لأنه لا يمكن التفصي منهما والمرأة يمكن الاستبدال بها فما يجوز أن يجيء ويذهب كان ميراثه فيما يجوز تبديله وتغييره إذ أشبهه، وكان الثابت المقيم على حاله لمن كان مثله في الثبات والقيام»(3).
قال الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) : «حرم اللّه الخمر لما فيها من الفساد ومن تغيير عقول شاربيها وحملها إياهم على إنكار اللّه عزوجل والفرية عليه
وعلى رسله وسائر ما يكون منهم من الفساد والقتل والقذف والزنا وقلة الاحتجاز من شيء من المحارم، فبذلك قضينا على كل مسكر من الأشربة أنه حرام محرم، لأنه يأتي ما عاقبتها ما يأتي من عاقبة الخمر، فليجتنب من يؤمن باللّه واليوم الآخر ويتولانا وينتحل مودتنا كلَّ شراب مسكر، فإنه لا عصمة بيننا وبين شاربيها»(1).
عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : قال اللّه جل جلاله: «ما على ديني من استعمل القياس في ديني»(2).
22
كان الإمام الرضا (عليه السلام) يؤكد كثيراً على ضرورة نشر العلوم والاهتمام بالعلماء..
وعقد المؤتمرات العلمية بين الحين والآخر وما قام (عليه السلام) به من المناظرات والاحتجاجات العلمية بينه وبين سائر العلماء من سائر الأديان والمذاهب خير دليل على ما ذكر.
عن عبد السلام بن صالح الهروي قال سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: «رحم اللّه عبداً أحيا أمرنا».
قلت: كيف يحيي أمركم؟
قال (عليه السلام) : «يتعلم علومنا ويعلّمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا»(1).
وفي هذا الحديث الشريف حثّ على هداية الناس إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وهو من الواجبات الشرعية على تفصيل مذكور في محله.
1) وسائل الشيعة: ج27 ص92 ب 8 من أبواب صفات القاضي ح33297 / 52.
23
كان الإمام الرضا (عليه السلام) يؤكد على الشعائر الدينية، ويحث على الأمور الشرعية، من الصلاة، وتزويج الشباب، وحجاب المرأة، وحسن الخلق، وتعظيم مختلف الشعائر، وما أشبه.
روى الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «إذا كان يوم القيامة يُدعى بالعبد فأول شيء يُسأل عنه الصلاة، فإن جاء بها تامة، وإلا زُخّ به في النار»(1).
وبهذا الإسناد قال (عليه السلام) : قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «لا تضيعوا صلاتكم، فإن من ضيّع صلاته حُشر مع قارون وهامان وفرعون، وكان حقاً على اللّه أن يدخله النار مع المنافقين، والويل لمن لم يحافظ على صلاته وأداء سنة نبيه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) »(2).
عن أبي حيون مولى الرضا (عليه السلام) عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: «نزل جبرئيل على
النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: إن الأبكار من النساء بمنزلة الثمر على الشجر، فإذا أينع الثمر فلا دواء له إلاّ اجتناؤه، وإلاّ أفسدته الشمس وغيّرته الريح، وإن الأبكار إذا أدركن ما يدركن النساء فلا دواء لهن إلاّ البعول، وإلاّ لم يُؤمن عليهن الفتنة، فصعد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) المنبر فخطب الناس ثم أعلمهم ما أمر اللّه تعالى به، فقالوا: ممن يا رسول اللّه؟ فقال: من الأكفاء، فقالوا: ومن الأكفاء؟ فقال: المؤمنون بعضهم أكفاء بعض، ثم لم ينزل حتى زوّج ضباعة بنت زبير بن عبد المطلب لمقداد بن أسود، ثم قال: أيها الناس إنما زوجت ابنة عمي المقداد ليتضع النكاح»(1).
روى الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: «دخلت أنا وفاطمة على رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فوجدته يبكي بكاءً شديدا، فقلت: فداك أبي وأمي يا رسول اللّه ما الذي أبكاك؟ فقال: يا علي ليلة أُسري بي إلى السماء رأيت نساءً من أمتي في عذاب شديد، فأنكرت شأنهن، فبكيت لما رأيت من شدة عذابهن، ورأيت امرأة معلّقَة بشعرها يغلى دماغ رأسها، ورأيت امرأة معلقة بلسانها والحميم يصب في حلقها، ورأيت امرأة معلقة بثدييها، ورأيت امرأة تأكل لحم جسدها والنار توقد من تحتها، ورأيت امرأة قد شدّ رجلاها إلى يديها وقد سلط عليها الحيات والعقارب، ورأيت امرأة صماء عمياء خرساء في تابوت من نار يخرج دماغ رأسها من منخرها، وبدنها متقطع من الجذام والبرص، ورأيت امرأة معلقة برجليها في تنور من نار، ورأيت امرأة تقطع لحم
1) علل الشرائع: ج2 ص578 ب385 ح4.
جسدها من مقدمها ومؤخرها بمقاريض من نار، ورأيت امرأة يحرق وجهها ويداها وهي تأكل أمعاءها، ورأيت امرأة رأسها رأس الخنزير وبدنها بدن الحمار وعليها ألف ألف لون من العذاب، ورأيت امرأة على صورة الكلب والنار تدخل في دبرها وتخرج من فيها، والملائكة يضربون رأسها وبدنها بمقامع من نار.
فقالت فاطمة (عليها السلام) : حبيبي وقرة عيني أخبرني ما كان عملهن وسيرتهن حتى وضع اللّه عليهن هذا العذاب؟
فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «يا بنتي أما المعلقة بشعرها فإنها كانت لا تغطي شعرها من الرجال، وأما المعلقة بلسانها فإنها كانت تؤذي زوجها، وأما المعلقة بثدييها فإنها كانت تمتنع من فراش زوجها، وأما المعلقة برجليها فإنها كانت تخرج من بيتها بغير إذن زوجها، وأما التي كانت تأكل لحم جسدها فإنها كانت تزين بدنها للناس، وأما التي شد يداها إلى رجليها وسلط عليها الحيات والعقارب فإنها كانت قذرة الوضوء قذرة الثياب وكانت لا تغتسل من الجنابة والحيض ولا تنتظف وكانت تستهين بالصلاة، وأما العمياء الصماء الخرساء فإنها كانت تلد من الزناء فتعلقه في عنق زوجها، وأما التي كانت تقرض لحمها بالمقاريض فإنها كانت تعرض نفسها على الرجال، وأما التي كانت تحرق وجهها وبدنها وهي تأكل أمعاءها فإنها كانت قوادة، وأما التي كان رأسها رأس الخنزير وبدنها بدن الحمار فإنها كانت نمامة كذابة، وأما التي كانت على صورة الكلب والنار تدخل في دبرها وتخرج من فيها فإنها كانت قينة(1)نواحة حاسدة»، ثم قال (عليه السلام) : «ويل لامرأة أغضبت زوجها وطوبى لامرأة رضي عنها زوجها»(2).
كان الإمام الرضا (عليه السلام) يؤكد على الشعائر الحسينية كثيراً، ويحث المؤمنين على إقامتها، من البكاء والحزن وعقد المجالس وما أشبه، كما كان يحثّ على زيارة قبور الأنبياء والأولياء (عليهم السلام) والتبرك بهم.
وقد روى الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه الطاهرين (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) قال: «إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لما أتاه جبرئيل بنعي النجاشي بكى بكاءَ حزينٍ عليه وقال: إن أخاكم أصحمة - وهو اسم النجاشي - مات، ثم خرج إلى الجبّانة وكبرّ سبعاً فخفض اللّه له كل مرتفع حتى رأى جنازته وهو بالحبشة»(1).
وهذه الرواية دفع لما يتوهمه بعض المخالفين من عدم جواز البكاء وما أشبه، فإذا كان النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يبكي على النجاشي بكاءً حزيناً وينعاه وقد مات موتاً طبيعياً فكيف بولده الحسين (عليه السلام) وقد قتلوه عطشاناً على شط الفرات؟.
قال الإمام الرضا (عليه السلام) : «من تذكّر مصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلب»(2).
عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قال: «من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى اللّه له حوائج الدنيا والآخرة، ومن كان يوم عاشوراء يوم
مصيبته وحزنه وبكائه جعل اللّه عزوجل يوم القيامة يوم فرحه وسروره وقرّت بنا في الجنان عينُه، ومن سمّى يوم عاشوراء يوم بركة وادخر لمنزله فيه شيئاً لم يبارك له فيما ادخر وحشر يوم القيامة مع يزيد وعبيد اللّه بن زياد وعمر بن سعد لعنهم اللّه تعالى في أسفل دركة من النار»(1).
عن الريان بن شبيب قال: دخلت على الرضا (عليه السلام) في أول يوم من المحرم، فقال لي (عليه السلام) : «يابن شبيب إن المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرّمون فيه الظلم والقتال لحرمته، فما عرفت هذه الأمة حرمة شهرها ولا حرمة نبيها (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته وسبوا نساءه وانتهبوا ثقله، فلا غفر اللّه لهم ذلك أبداً..
يا بن شبيب، إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإنه ذُبح كما يُذبح الكبش، وقُتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً ما لهم في الأرض شبيه، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فوجدوه قد قُتل، فهم عند قبره شُعث غُبر إلى أن يقوم القائم (عليه السلام) فيكونون من أنصاره وشعارهم: يا لثارات الحسين..
يا بن شبيب، لقد حدثني أبي (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن جده (عليه السلام) : أنه لما قتل جدي الحسين (صلوات اللّه عليه) مطرت السماء دماً وتراباً أحمر..
يا بن شبيب، إن بكيت على الحسين (عليه السلام) حتى تصير دموعك على خديك غفر اللّه لك كل ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً..
1) إقبال الاعمال: ج3 ص81- 82.
يا بن شبيب، إن سرّك أن تلقى اللّه عزوجل ولا ذنب عليك فزر الحسين (عليه السلام) ..
يا بن شبيب، إن سرّك أن تسكن الغُرَف المبنية في الجنة مع النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وآله، فالعن قتلة الحسين..
يا بن شبيب، إن سرّك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسين بن علي (عليه السلام) فقل متى ما ذكرته: يا ليتني كنتُ معهم فأفوز فوزاً عظيماً.
يا بن شبيب، إن سرّك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان، فاحزن لحزننا وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو أن رجلاً تولى حجراً لحشره اللّه عزوجل معه يوم القيامة»(1).
عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قال: حدثني أبي موسى بن جعفر (عليه السلام) عن أبيه جعفر بن محمد (عليه السلام) عن أبيه محمد بن علي (عليه السلام) عن أبيه علي بن الحسين (عليه السلام) قال: حدثني أبي الحسين بن علي (عليه السلام) قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) :«تحشر ابنتي فاطمة (عليها السلام) يوم القيامة ومعها ثياب مصبوغة بالدماء تتعلق بقائمة من قوائم العرش تقول: يا أحكم الحاكمين احكم بيني وبين قاتل ولدي، قال علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : ويحكم لابنتي فاطمة ورب الكعبة»(2).
قال الإمام الرضا (عليه السلام) : «ما قال فينا مؤمن شعراً يمدحنا به إلاّ بنى اللّه تعالى له
مدينة في الجنة أوسع من الدنيا سبع مرات، يزوره فيها كل ملك مقرب و كل نبي مرسل»(1).
عن الفضل بن شاذان قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: «لما أمر اللّه تبارك وتعالى إبراهيم (عليه السلام) أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزل عليه تمنى إبراهيم (عليه السلام) أن يكون قد ذبح ابنه بيده وأنه لم يؤمر أن يذبح مكانه الكبش ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده بيده فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب!
فأوحى اللّه تعالى إليه: يا إبراهيم من أحبّ خلقي إليك؟
فقال: يا رب ما خلقت خلقاً هو أحب إلي من حبيبك محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فأوحى اللّه تعالى إليه: يا إبراهيم أ هو أحب إليك أم نفسك؟ فقال: بل هو أحب إليّ من نفسي، قال: فولده أحب إليك أم ولدك؟ قال: بل ولده، قال: فذبح ولده ظلماً على يد أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟ قال: يا رب بل ذبح ولده على يد أعدائه أوجع لقلبي، قال: يا إبراهيم فإن طائفة تزعم أنها من أمة محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ستقتل ولده الحسين (عليه السلام) من بعده ظلماً وعدواناً كما يذبح الكبش، ويستوجبون بذلك سخطي، قال: فجزع إبراهيم (عليه السلام) لذلك وتوجع قلبه وأقبل يبكي، فأوحى اللّه تعالى إليه: يا إبراهيم قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين (عليه السلام) وقتله وأوجبت لك أرفع
1) مكيال المكارم: ج1 ص294.
درجات أهل الثواب على المصائب، وهذا معنى قوله: {وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}(1)ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم»(2).
عن الفضل بن شاذان قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: «لما حمل رأس الحسين بن علي (عليه السلام) إلى الشام أمر يزيد لعنه اللّه فوضع ونصب عليه مائدة فأقبل هو لعنه اللّه وأصحابه يأكلون ويشربون الفقاع فلما فرغوا أمر بالرأس فوضع في طست تحت سريره وبسط عليه رقعة الشطرنج وجلس يزيد (لعنه اللّه) يلعب بالشطرنج ويذكر الحسين بن علي وأباه وجده (عليهم السلام) ويستهزئ بذكرهم، فمتى قامر صاحبه تناول الفقاع فشربه ثلاث مرات ثم صب فضلته على ما يلي الطست من الأرض، فمن كان من شيعتنا فليتورع عن شرب الفقاع واللعب بالشطرنج ومن نظر إلى الفقاع أو إلى الشطرنج فليذكر الحسين (عليه السلام) وليلعن يزيد وآل زياد يمحو اللّه عزوجل بذلك ذنوبه ولو كانت بعدد النجوم»(3).
وعبد السلام بن صالح الهروي قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: «أول من اتخذ له الفقاع في الإسلام بالشام يزيد بن معاوية لعنه اللّه، فأحضر وهو على المائدة وقد نصبها على رأس الحسين (عليه السلام) فجعل يشربه ويسقي أصحابه ويقول لعنه اللّه: اشربوا فهذا شراب مبارك ولو لم يكن من بركته إلا أنا أول ما تناولناه ورأس عدونا بين أيدينا ومائدتنا منصوبة عليه ونحن
نأكله ونفوسنا ساكنة وقلوبنا مطمئنة..، فمن كان من شيعتنا فليتورع عن شرب الفقاع فإنه من شراب أعدائنا فإن لم يفعل فليس منا، ولقد حدثني أبي (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «لا تلبسوا لباس أعدائي، ولا تطعموا مطاعم أعدائي، ولا تسلكوا مسالك أعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي»(1).
روى الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن جده رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنه قال: «إن قاتل الحسين بن علي (عليه السلام) في تابوت من نار، عليه نصف عذاب أهل الدنيا وقد شُدّت يداه ورجلاه بسلاسل من نار منكس في النار حتى يقع في قعر جهنم وله ريح يتعوذ أهل النار إلى ربهم من شدة نتنه وهو فيها خالد ذائق العذاب الأليم، مع جميع من شايع على قتله، كلما نضجت جلودهم بدل اللّه عزوجل عليهم الجلود حتى يذوقوا العذاب الأليم، لا يفتر عنهم ساعة ويسقون من حميم جهنم فالويل لهم من عذاب اللّه تعالى في النار»(2).
وبهذا الإسناد عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «إن موسى بن عمران سأل ربه عزوجل فقال: يا رب إن أخي هارون مات فاغفر له، فأوحى اللّه تعالى إليه: يا موسى لو سألتني في الأولين والآخرين لأجبتك ما خلا قاتل الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإني أنتقم له من قاتله»(3).
عن الحسن بن علي بن فضال قال: رأيت أبا الحسن (عليه السلام) وهو يريد أن يودّع للخروج إلى العمرة، فأتى القبر من موضع رأس رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بعد المغرب فسلّم على النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ولزق بالقبر ثم أتى المنبر ثم انصرف حتى أتى القبر فقام إلى جانبه فصلى، وألزق منكبه الأيسر بالقبر قريباً من الأسطوانة التي دون الأسطوانة المخلقة عند رأس النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فصلى ست ركعات أو ثمان ركعات في نعليه، قال: فكان مقدار ركوعه وسجوده ثلاث تسبيحات أو أكثر، فلما فرغ من ذلك سجد سجدةً أطال فيها حتى بلّ عرقه الحصي، قال: وذكر بعض أصحابه أنه رآه ألصق خده بأرض المسجد»(1).
روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: «قبر أبي ببغداد أمان لأهل الجانبين»(2).
عن سعد بن سعد قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن زيارة فاطمة بنت موسى بن جعفر (عليها السلام) ؟ فقال: «من زارها فله الجنة»(3).
24
ورد التأكيد الكبير على قضية الإمام المهدي (عليه السلام) في لسان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) .
وقد روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) العديد من الروايات في هذا الشأن، وسيأتي عنه (عليه السلام) الدعاء الخاص للإمام المهدي (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف).
عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «لابدّ من فتنة صماء(1)صيلم(2)يسقط فيها كل بطانة ووليجة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل السماء وأهل الأرض وكل حرّى وحرّان وكل حزين لهفان» ثم قال (عليه السلام) : «بأبي وأمي سميّ جدي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، وشبيهي وشبيه موسى بن عمران (عليه السلام) عليه جيوب النور يتوقد من شعاع ضياء القدس، كم من حرّى مؤمنة وكم مؤمن متأسف حرّان حزين عند فقدان الماء المعين، كأني بهم آيس ما كانوا قد نودوا نداء يسمع من بعد كما يسمع من قرب، يكون رحمةً على المؤمنين وعذاباً على الكافرين»(3).
وعن الإمام الرضا (عليه السلام) بإسناده (عليه السلام) قال: قال النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «لا تقوم الساعة حتى يقوم قائم الحق منا، وذلك حين يأذن اللّه عزوجل له، فمن تبعه نجا ومن تخلف عنه هلك، فاللّه اللّه عباد اللّه، ائتوه ولو على الثلج، فإنه خليفة اللّه عزوجل»(1).
وعن الإمام الرضا (عليه السلام) بإسناده (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: «لا تذهب الدنيا حتى يقوم بأمر أمتي رجل من ولد الحسين يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(2).
وعن عبد السلام بن صالح الهروي قال: سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول: لما أنشدت مولاي علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قصيدتي التي أولها:
مدارس آيات خلت من تلاوة***ومهبط وحي مقفر العرصات
فلما انتهيت إلى قولي:
خروج إمام لا محالة خارج***يقوم على اسم اللّه والبركات
يميز فينا كل حق وباطل***ويجزي على النعماء والنقمات
بكى الرضا (عليه السلام) بكاءً شديداً ثم رفع رأسه الشريف إليّ وقال: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام ومتى يقوم؟
فقلت: لا يا مولاي، إلاّ أني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد ويملؤها عدلا.
فقال: يا دعبل الإمام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم، المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو
لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطول اللّه له ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها عدلا كما ملئت جوراً وظلماً، وأما متى؟ فإخبار عن الوقت وقد حدثني أبي (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) : أن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قيل له: يا رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) متى يخرج القائم من ذريتك؟ قال: مثله مثل الساعة {لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالأرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً}(1)»(2).
كان الإمام الرضا (عليه السلام) يؤكد على قضية الإمام المهدي المنتظر (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) وغيبته وظهوره من بعد ذلك ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً، وكان يأمر الشيعة بانتظار الفرج والدعاء للإمام (عليه السلام) ..
قال السيد: وجدت هذا الدعاء برواية أخرى عن مولانا أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنه كان يأمر بالدعاء للحجة صاحب الزمان (عليه السلام) فكان من دعائه له (صلوات اللّه عليهما):
«اَللهُمَّ صَلِّ عَلَى محمَّدٍ وَآلِ محمَّدٍ.. وَادْفَعْ عَنْ وَلِيِّكَ وَخَليفَتِكَ، وَحُجَّتِكَ عَلى خَلْقِكَ، وَلِسانِكَ المُعَبِّرِ عَنْكَ بِإِذْنِكَ، النّاطِقِ بِحِكْمَتِكَ، وَعَيْنِكَ النّاظِرَةِ في بَرِيَّتِكَ، وَشَاهِداً عَلَى عِبادِكَ، الجَحْجاحِ المجُاهِدِ المُجْتَهِد، عَبْدِكَ الْعائِذِ بِكَ، اَللهُمَّ وَأعِذْهُ مِنْ شَرِّ ما خَلَقْتَ وَذَرَأتَ وَبَرَأتَ وَأنْشَأتَ وَصَوَّرْتَ، وَاحْفَظْهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمالِهِ وَمِنْ فَوْقِهِ وَمِنْ تَحْتِهِ بحِفْظِكَ الّذِي لايَضِيعُ مَنْ حَفِظْتَهُ بِهِ، وَاحْفَظْ فيهِ رَسُولَكَ وَوَصِيَّ رَسُولِكَ وَآباءَهُ، أئِمَتَكَ
وَدَعائِمَ دينِكَ، صَلَواتُكَ عَلَيْهِمْ أجْمَعين، وَاجْعَلْهُ في وَديعَتِكَ الّتي لا تَضِيعُ، وَفي جِوارِكَ الّذي لا يَخْفَرُ(لايحتقر)، وَفي مَنْعِكَ وَعِزِّكَ الّذي لا يَقْهَرُ.
اَللهُمَّ وَآمِنْهُ بِأمانِكَ الْوَثيقِ، الّذِي لا يَخْذَلُ مَنْ أمِنْتَهُ بِهِ، وَاجْعَلْهُ في كَنَفِكَ الّذِي لا يُضامُ مَنْ كانَ فِيهِ، وَانْصُرْهُ بِنَصْرِكَ الْعَزِيزِ، وَأيِّدْهُ بِجُنْدِكَ الْغالِبِ، وَقَوِّهِ بِقُوَّتِكَ، وَأرْدِفْهُ بمَلائِكَتِكَ.
اَللهُمَّ والِ مَنْ والاهُ، وَعادِ مَنْ عاداهُ، وَألْبِسْهُ دِرْعَكَ الحَصينَةَ، وَحُفَّهُ بِمَلائِكَتِكَ حَفّاً، اَللّهُمَّ وَبَلِّغْهُ أفْضَلَ ما بَلّغْتَ القائِمينَ بِقِسْطِكَ مِنْ أتْباعِ النَبِيينَ.
اَللهُمَّ اشْعَبْ بِهِ الصَّدْعَ، وَارْتُقْ بِهِ الفَتْقَ، وَأمِتْ بِهِ الجَوْرَ، وَأظْهِرْ بِهِ العَدْلَ، وَزَيِّنْ بِطولِ بَقائِهِ الأرْضَ، وَأيِّدْهُ بِالنَّصْرِ، وانْصُرْهُ بِالرُّعْبِ، وَافْتَحْ لَهُ فَتْحاً يَسِيراً، وَاجْعَلْ لَهُ مِنْ لَدُنْكَ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِ سُلْطاناً نَصِيراً.
اَللّهُمَّ اجْعَلْهُ الْقائِمَ المُنْتَظَرَ، وَالإمَامَ الّذِي بِهِ تَنْتَصِرُ، وَأيِّدْهُ بِنَصْرٍ عَزيزٍ، وَفَتْحٍ قَريبٍ، وَوَرِّثْهُ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغارِبِها الّلاتِي بارَكْتَ فِيها، وَأحْيِ بِهِ سُنَّةَ نَبِيِّكَ، صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ، حَتّى لا يَسْتَخْفِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الحَقِّ مخَافَةَ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ، وَقَوِّ ناصِرَهُ، وَاخْذُلْ خاذِلَهُ، وَدَمْدِمْ عَلَى مَنْ نَصَبَ لَهُ، وَدَمِّرْ عَلَى مَنْ غَشَّهُ.
اَللّهُمَّ وَاقْتُلْ بِهِ جَبَابِرَةَ الْكُفْرِ وَعَمَدَهُ، وَدَعَائِمَهُ وَالقُوّامَ بِهِ، وَاقصِمْ بِهِ رُؤوسَ الضَلالَةِ، وَشَارِعَةَ الْبِدْعَةِ، وَمُمِيتَةَ السُّنَةِ، وَمُقَويَةَ الْبَاطلِ، وَأذلُلْ بِهِ الجَبارِينَ، وَأبِرْ بِهِ الكافِرينَ وَالمُنافِقِينَ وَجَمِيعَ المُلْحِدِينَ، حِيْثُ كانُوا وَأيْنَ كانُوا مِنْ مَشَارِقِ الأرْضِ وَمَغارِبِهَا، وَبَرِّهَا وَبحْرِهَا، وَسَهْلِهَا وَجَبلِهَا، حَتّى لا تَدَعَ مِنْهُمْ دسَاراً (دياراً)، وَلا تُبقي لَهُمْ آثاراً.
اَللهُمَّ وَطَهِّرْ مِنْهُمْ بِلادَكَ، وَاشْفِ مِنْهُمْ عِبَادَكَ، وَأعِزّ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وَأَحْيِ بِهِ
سُنَنَ المُرْسَلِينَ، وَدارِسَ حِكَمِ النَّبِيينَ، وَجَدِّدْ بِهِ مَا محُِيَ مِنْ دِينِكَ، وَ بُدِّلَ مِنْ حُكْمِكَ حَتّى تُعِيدَ دِينَكَ بِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ غَضَّاً جَدِيداً، صَحيحاً مَحْضاً، لا عِوَجَ فِيهِ وَلا بِدْعَةَ مَعَهُ، حَتّى تُبِينَ - تُنِيرَ - بِعَدْلِهِ ظُلَمَ الجَوْرِ، وَتُطْفِئَ بِهِ نِيرَانَ الْكُفْرِ، وَتُطَهِّرَ (وتظهر) بِهِ مَعَاقِدَ الحَقِّ، وَمَجْهُولَ الْعَدْلِ، وَتُوَضِّحَ بِهِ مُشْكِلاتِ الحُكْمِ.
اَللّهُمَّ وَإنَّهُ عَبْدُكَ الّذِي اسْتَخْلَصْتَهُ لِنَفْسِكَ، وَاصْطَفَيْتَهُ مِنْ خَلْقِكَ، وَاصْطَفَيْتَهُ عَلَى عِبَادِكَ، وَائْتَمَنْتَهُ عَلَى غَيْبِكَ، وَعَصَمْتَهُ مِنَ الذّنُوبِ، وَبَرَأتَهُ مِنَ الْعُيُوبِ، وَطَهَّرْتَهُ مِنَ الرِّجْسِ، وَصَرَفْتَهُ عَنِ الدَّنَسِ، وَسَلَّمْتَهُ مِنَ الرَّيْبِ، اَللّهُمَّ فَإنّا نَشْهَدُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَوْمَ حُلُولِ الطّامَةِ، أنَّهُ لَمْ يُذْنِبْ وَلَمْ يَأتِ حَوْباً، وَلَمْ يَرْتَكِبْ لَكَ مَعْصِيَةً، وَلَمْ يُضَيِّعْ لَكَ طاعَةً، وَلَمْ يَهْتِكْ لَكَ حُرْمَةً، وَلَمْ يُبَدِّلْ لَكَ فَريضَةً، وَلَمْ يُغَيِّرْ لَكَ شَريعَةً، وَأنَّهُ الإمَامُ التَّقِيُّ، الْهَادِي المهْدِيُّ، الطاهِرُ النَّقِيُّ، الوَفيُّ الرَّضِيُّ الزَّكِيُّ.
اَللّهُمَّ فَصَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ، وَأعْطِهِ في نَفْسِهِ وَوُلْدِهِ وَأهْلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَأُمَّتِهِ وَجَمِيعِ رَعِيَّتِهِ مَا تَقِرُّ بِهِ عَيْنَهُ، وَتَسِرُّ بِهِ نَفْسَهُ، وَتَجْمَعُ لَهُ مُلْكَ المَمْلِكاتِ كُلِّهَا، قَرِيبِهَا وَبَعِيدِهَا، وَعَزِيزِهَا وَذَلِيلِهَا، حَتّى يجَرِيَ حُكْمُهُ عَلَى كُلِّ حُكْمٍ، وَيَغْلِبَ بحَِقِّهِ عَلَى كُلِّ بَاطِلٍ..
اَللّهُمَّ وَاسْلُكْ بِنَا عَلَى يَدَيْهِ مِنْهَاجَ الْهُدَى، وَالمحَجَةَ الْعُظْمَى، وَالطّريقَةَ الْوُسْطَى، الّتي يَرجَعُ إلَيْهَا الْغَالي، وَيَلْحَقُ بِهَا التّالي، اَللّهُمَّ وَقَوّنَا عَلَى طَاعَتِهِ، وَثَبّتْنَا عَلَى مُشَايِعَتِهِ، وَامْنُنْ عَلَيْنَا بمُتابِعَتِهِ، وَاجْعَلْنَا في حِزْبِهِ، القَوّامِينَ بِأمْرِهِ، الصّابِرِينَ مَعَهُ، الطّالِبينَ رِضَاكَ بمُنَاصِحَتِهِ، حَتّى تحَشُرَنَا يَوْمَ الْقيامَةِ في أنْصَارِهِ وَأعْوَانِهِ، وَمُقوّيةِ سُلْطانِهِ.
اَللّهُمَّ صَلّ عَلَى محُمّدٍ وَآلِ محُمّدٍ، وَاجْعَلْ ذلِكَ كُلَّهُ مِنّا لَكَ خَالِصَاً، مِنْ كُلّ
شَكّ وَشُبْهَةٍ وَرياءٍ وَسُمْعَةٍ، حَتّى لا نَعْتَمِدَ بِهِ غَيْرَكَ، وَلا نَطْلُبَ بِهِ إلاّ وَجْهَكَ، وَحَتّى تَحُلّنَا محَلّهُ، وَتجَعَلَنَا في الجَنّةِ مَعَهُ، وَلا تَبْتَلِنَا في أمْرِهِ بِالسّأمَةِ وَالْكَسَلِ، وَالْفَتْرَةِ وَالْفَشَلِ، وَاجْعَلْنَا ممّنْ تَنْتَصِرُ بِهِ لِدِينِكَ، وَتُعِزّ بِهِ نَصْرَ وَلّيِكَ، وَلا تَسْتَبْدِلْ بِنَا غَيْرَنَا، فَإنّ اسْتِبْدالِكَ بِنَا غَيْرَنَا عَلَيْكَ يَسِيرٌ، وَهُوَ عَلَيْنَا كَبيرٌ، إنّكَ عَلَى كُلّ شَيءٍ قَدِيرٌ.
اَللّهُمَّ وَصَلِّ عَلَى وُلاةِ عُهُودِهِ، وَبَلّغْهُمْ آمَالَهُمْ، وَزِدْ في آجَالِهِمْ، وَانْصُرْهُمْ وَتمَمْ لَهُ مَا أسْنَدْتَ إلَيْهِمْ مِنْ أمْرِ دِينِكَ، وَاجعَلنَا لَهم أعوَاناً، وَعَلَى دِينِكَ أنصَاراً، وَصَلِّ عَلَى آبائِهِ الطاهرِينَ، الأئمةِ الراشدِينَ، اَللّهُمَّ فَإنَّهُمْ مَعادِنُ كَلِماتِكَ، وَخُزّانُ عِلْمِكَ، وَوُلاةُ أمْرِكَ، وَخَالِصَتِكَ مِنْ عِبادِكَ، وَخِيَرَتِكَ مِن خَلْقِكَ وَأوْلِيائِكَ، وَسَلائِلُ أوْلِيائِكَ وَصَفْوَتِكَ، وَأوْلادُ أصْفِيائِكَ، صَلَواتُكَ وَرَحْمَتُكَ وَبَركاتُكَ عَلَيْهِم أجْمَعِينَ، اَللّهُمَّ وَشُرَكَاؤُهُ في أمْرِهِ، وَمُعَاوِنُوهُ عَلىَ طَاعَتِكَ الّذينَ جَعَلتَهُمْ حِصْنَهُ وَسِلاحَهُ وَمَفْزَعَهُ وَاُنْسَهُ، الّذينَ سَلوْا عَنِ الأهْلِ وَالأوْلادِ، وَتجَافُوا الْوَطَنَ، وَعَطَّلُوا الْوَثيرَ مِنَ المِهَادِ، قَدْ رَفَضُوا تجِارَاتِهِم وَأضَرُّوا بمَِعَايِشِهِمْ، وَفَقَدُوا في أنْدِيَتِهِمْ بِغَيْرِ غَيْبَةٍ عَنْ مِصْرِهِمْ، وَحَالَفُوا البَعِيدَ ممَّنْ عَاضَدَهُمْ عَلَى أمْرِهِمْ، وَخَالَفُوا القَرِيبَ ممّنْ صَدَّ عَنْ وِجْهَتِهِمْ، وَائْتَلَفُوا بَعْدَ التّدَابُرِ وَالتَّقَاطُعِ في دَهْرِهِمْ، وَقَطَعُوا الأسْبَابَ المُتّصِلَةِ بِعَاجِلِ حُطَامٍ مِنَ الدُنْيَا، فَاجْعَلْهُمُ اَللّهُمَّ في حِرْزِكَ، وَفي ظِلِّ كَنَفِكَ، وَرُدَّ عَنْهُمْ بَأْسَ مَنْ قَصَدَ إلَيْهِمْ بِالْعَدَاوَةِ مِنْ خَلْقِكَ، وَأجْزِلْ لَهُمْ مِنْ دَعْوَتِكَ مِن كِفَايَتِكَ وَمَعُونَتِكَ لَهُمْ، وَتَأييدِكَ وَنَصْرِكَ إيَّاهُمْ مَا تُعِينُهُمْ بِهِ عَلَى طَاعَتِكَ، وَأزْهِقْ بحَِقّهِمْ بَاطِلَ مَنْ أرَادَ إطْفَاءَ نُورِكَ، وَصَلِّ عَلَى محُمَّدٍ وَآلِهِ، وَامْلأ بِهِمْ كُلَّ أُفُقٍ مِنَ الآفَاقِ، وَقُطْرٍ مِنَ الأقْطَارِ، قِسْطَاً وَعَدْلاً، وَرَحْمَةً وَفَضْلاً، وَاشْكُرْ لَهُمْ عَلَى حَسَبِ كَرَمِكَ
وَجُودِكَ، وَمَا مَنَنْتَ بِهِ عَلَى الْعَالمَينَ بِالْقِسْطِ مِنْ عِبَادِكَ، وَاذْخُرْ لَهُمْ مِنْ ثَوَابِكَ مَا تَرْفَعُ لَهُمْ بِهِ الدَّرَجَاتِ، إنَّكَ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ، وَتَحْكُمُ مَا تُرِيدُ، آمِينَ رَبَّ العَالمَِينَ»(1).
1) جمال الأسبوع: ص311- 314.
25
عن أبي الصلت الهروي قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الإيمان؟
فقال (عليه السلام) : «الإيمان عقد بالقلب، ولفظ باللسان، وعمل بالجوارح، لايكون الإيمان إلاّ هكذا»(1).
وقال الإمام الرضا (عليه السلام) : «الصلاة قُربان كل تقي»(2).
وقال (عليه السلام) : «إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يوم القيامة آخذ بحجزة اللّه تعالى، ونحن آخذون بحجزة نبينا، وشيعتنا آخذون بحجزتنا(3)»
ثم قال (عليه السلام) : «والحجزة النور»(4).
وقال (عليه السلام) في حديث آخر: «معنى الحجزة الدين»(5).
وقال (عليه السلام) : «ليس الحمية من الشيء تركه، إنما الحمية من الشيء الإقلال منه»(6).
1) معاني الأخبار: ص186 باب معنى الاسلام والايمان ح2.
2) الكافي: ج3 ص265 باب فضل الصلاة ح6.
3) الحجزة لغةً: هي موضع شد الإزار، واستعير هنا بمعنى الاعتصام والالتجاء والتمسك.
4) التوحيد: ص165 باب معنى الحجزة ح2.
5) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) : ج1ص116باب11ح20.
6) مستدرك الوسائل: ج16 ص451 باب الحمية للمريض 109 ح20516 / 1.
وقال (عليه السلام) : «إنه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم»(1).
وقال (عليه السلام) : «أحسِن الظن باللّه، فإن اللّه عزوجل يقول: أنا عند ظن عبدي إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً»(2).
وقال (عليه السلام) : «لا يكون المؤمن مؤمناً حتى تكون فيه ثلاث خصال، سُنّة من ربه وسُنة من نبيه وسنة من وليه، فالسنة من ربه كتمان سره قال اللّه عزوجل {عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ}(3)وأما السنة من نبيه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فمداراة الناس فإن اللّه عزوجل أمر نبيه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بمداراة الناس فقال: {خُذِ الْعَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ}(4)وأما السنة من وليه فالصبر على البأساء والضراء، فإن اللّه عزوجل يقول: {والصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ والضَّرَّاءِ}(5)»(6).
وقال (عليه السلام) : «السخي يأكل من طعام الناس ليأكلوا من طعامه، والبخيل لايأكل من طعام الناس لئلا يأكلوا من طعامه»(7).
وقال (عليه السلام) : «مودة عشرين سنة قرابة، والعلم أجمع لأهله من الآباء»(8).
وقال (عليه السلام) : «السخي قريب من اللّه، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من اللّه، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من
النار»(1).
وقال (عليه السلام) : «السخاء شجرة في الجنة، أغصانها في الدنيا، من تعلق بغصن من أغصانها دخل الجنة»(2).
وقال (عليه السلام) : «الصغائر من الذنوب طرق إلى الكبائر»(3).
وقال (عليه السلام) : «من لم يخف اللّه في القليل لم يخفه في الكثير»(4).
وقال (عليه السلام) : «لو لم يخوف اللّه الناس بجنة ونار لكان الواجب أن يطيعوه ولايعصوه، لتفضله عليهم وإحسانه إليهم وما بدأهم به من إنعامه الذي ما استحقوه»(5).
وقال (عليه السلام) : «من أحب عاصياً فهو عاص، ومن أحب مطيعاً فهو مطيع، ومن أعان ظالماً فهو ظالم، ومن خذل عادلاً فهو ظالم (ومن ذل ظالماً فهو عادل) إنه ليس بين اللّه وبين أحد قرابة، ولا ينال أحد ولاية اللّه إلاّ بالطاعة، ولقد قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لبني عبد المطلب: ايتوني بأعمالكم لا بأحسابكم وأنسابكم»(6).
وقال رجل للرضا (عليه السلام) : واللّه ما على وجه الأرض رجل أشرف منك آباءً، فقال (عليه السلام) : «التقوى شرّفهم وطاعة اللّه أحاطتهم» فقال له آخر: أنت واللّه خير الناس فقال له: «لا تحلف يا هذا!، خير مني من كان أتقى لله تعالى وأطوع له،
واللّه ما نسخت هذه الآية {وجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ}(1)»(2).
أقول: أراد الإمام (عليه السلام) بالأتقى والأورع منه جدّه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) والصديقة فاطمة (عليها السلام) والإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) فإنهم أفضل من سائر الأئمة (عليهم السلام) .
وقال الإمام الرضا (عليه السلام) : «إن اللّه عزوجل أمر بثلاثة مقرون بها ثلاثة أخرى، أمر بالصلاة والزكاة، فمن صلى ولم يزك لم تقبل منه صلاته، وأمر بالشكر له وللوالدين، فمن لم يشكر والديه لم يشكر اللّه، وأمر باتقاء اللّه وصلة الرحم، فمن لم يصل رحمه لم يتق اللّه عزوجل»(3).
وقال (عليه السلام) : «استعمال العدل والإحسان مؤذن بدوام النعمة، ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه»(4).
وقال (عليه السلام) : «صديق كل امرئ عقله، وعدوّه جهله»(5).
وقال (عليه السلام) : «من لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر اللّه عزوجل»(6).
وقال (عليه السلام) : «المؤمن الذي إذا أحسن استبشر، وإذا أساء استغفر، والمسلم الذي يسلم المسلمون من لسانه ويده، ليس منا من لم يأمن جاره بوائقه»(7).
وقال (عليه السلام) : «إني أحب أن يكون المؤمن محدثاً»، قال الراوي: قلت: وأي شيء يكون المحدث؟ قال (عليه السلام) : «المفهم»(1).
وقال (عليه السلام) : «من علامات الفقيه الحلم والعلم والصمت، إن الصمت باب من أبواب الحكمة، إن الصمت يكسب المحبة وهو دليل على كل خير»(2).
وقال (عليه السلام) : «الحياء من الإيمان»(3).
وقال (عليه السلام) : «في الديك الأبيض خمس خصال من خصال الأنبياء (عليهم السلام) معرفته بأوقات الصلاة والغيرة والسخاء والشجاعة وكثرة الطروقة»(4).
وعن الريان بن الصلت قال سألت الرضا (عليه السلام) يوماً بخراسان فقلت: يا سيدي إن إبراهيم بن هاشم العباسي حكى عنك أنك حللت له الغناء؟ فقال (عليه السلام) : «كذب الزنديق إنما سألني عنه فقلت له: إن رجلاً سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن ذلك، فقال له أبو جعفر (عليه السلام) : إذا فرّق اللّه بين الحق والباطل فأين يكون الغناء؟ فقال الرجل: مع الباطل، فقال له أبو جعفر (عليه السلام) : قد قضيت»(5).
وقال الإمام الرضا (عليه السلام) : «ما بعث اللّه عز وجل نبياً إلاّ بتحريم الخمر»(6).
وقال (عليه السلام) : «قلّموا أظفاركم يوم الثلاثاء، واستحموا يوم الأربعاء، وأصيبوا من الحجامة حاجتكم يوم الخميس، وتطيبوا بأطيب طيبكم يوم الجمعة»(7).
وقال (عليه السلام) : «من لقي فقيراً مسلماً فسلّم عليه خلاف سلامه على الغني لقي اللّه عزوجل يوم القيامة وهو عليه غضبان»(1).
وقال (عليه السلام) : «لا ينبغي للرجل أن يدع الطيب في كل يوم، فإن لم يقدر فيوم ويوم لا، فإن لم يقدر ففي كل جمعة ولا يدع ذلك»(2).
وعن الحسن بن الجهم قال: سألت الرضا (عليه السلام) فقلت له: جُعلت فداك ما حد التوكل؟ فقال لي: «أن لا تخاف مع اللّه أحدا» قال: قلت: فما حد التواضع؟ فقال لي: «أن تعطي الناس من نفسك ما تحب أن يعطوك مثله» قلت: جعلت فداك أشتهي أن أعلم كيف أنا عندك؟ قال: «انظر كيف أنا عندك»(3).
وقال الإمام الرضا (عليه السلام) : «السجدة بعد الفريضة شكراً لله تعالى ذكره على ما وفق له العبد من أداء فرائضه وأدنى ما يجزي فيها من القول أن يقال: (شكراً لله شكراً لله شكراً لله) ثلاث مرات» قلت: فما معنى قوله، (شكراً لله) قال: يقول هذه السجدة مني شكراً لله عزوجل على ما وفقني له من خدمته وأداء فرضه والشكر موجب للزيادة، فإن كان في الصلاة تقصير (لم يتم بالنوافل) تم بهذه السجدة»(4).
وقال (عليه السلام) : «النظر إلى ذريتنا عبادة» فقيل له: يا ابن رسول اللّه النظر إلى الأئمة منكم عبادة أم النظر إلى جميع ذرية النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ؟ قال (فقال): «بل النظر إلى جميع ذرية النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) عبادة ما لم يفارقوا منهاجه ولم يتلوثوا بالمعاصي»(5).
وقال (عليه السلام) :
إنك في دنيا لها مدة***يقبل فيها عمل العامل
أما ترى الموت محيطا بها***يسلب منها أمل الآمل
تعجل الذنب بما تشتهي***وتأمل التوبة من قابل
والموت يأتي أهله بغتة***ما ذاك فعل الحازم العاقل(1)
وروي أن رجلاً شكا أخاه في مجلس الإمام علي بن موسى (عليه السلام) .. فأنشأ (عليه السلام) يقول:
أعذر أخاك على ذنوبه***واستر وغط على عيوبه
واصبر على بهت السفيه***وللزمان على خطوبه
ودع الجواب تفضلا***وكل الظلوم إلى حسيبه(2)
وقال الإمام الرضا (عليه السلام) :
كلنا نأمل مدا في الأجل***والمنايا هن آفات الأمل
لا تغرنك أباطيل المنى***والزم القصد ودع عنك العلل
إنما الدنيا كظل زائل***حل فيها راكب ثم رحل(3)
26
عاصر الإمام الرضا (عليه السلام) عدداً من أظلم طغاة بني العباس، أولهم هارون العباسي، وذلك أكثر من عشر سنين، ولاقى من ظلمهم الكثير الكثير.
ومن بعده جاء الأمين واسمه محمد بن هارون، ثم خُلع الأمين، واُجلس عمّه إبراهيم بن المهدي أربعة وعشرين يوماً، ثم اُخرج محمد ثانيةً وبويع له وبقي سنة وسبعة أشهر، حتى قتله طاهر بن الحسين بأمر المأمون، ثم ملك المأمون وهو عبد اللّه بن هارون بعده عشرين سنة، واستشهد الإمام الرضا (عليه السلام) بالسُم بعد مضي خمس سنين أو ثمان سنين من ملك المأمون(1).
كان هارون العباسي قد أمر أكثر من مرة بالهجوم على دار الإمام الرضا (عليه السلام) ومصادرة جميع ما فيها، حتى ثياب النساء والأطفال!.
في التاريخ أنه لما خرج محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة بعث هارون أحد جلاوزته واسمه الجلودي وأمره إن ظفر به أن يضرب عنقه، وأن يغير على دور آل أبي طالب، وأن يسلب نساءهم ولا يدع على واحدة منهن إلاّ ثوباً واحداً.
1) انظر: إعلام الورى: ج2 ص42.
ففعل الجلودي ذلك وقد كان مضى أبو الحسن موسى (عليه السلام) ، فصار الجلودي إلى باب أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فهجم على داره مع خيله، فلما نظر إليه الرضا (عليه السلام) جعل النساء كلهنّ في بيت، ووقف على باب البيت. فقال الجلودي لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) : لابد من أن أدخل البيت فأسلبهن كما أمرني الأمير هارون.
فقال الرضا (عليه السلام) : «أنا أسلبهن لك، وأحلف أني لا أدع عليهن شيئاً حتى قراطهن وخلاخيلهن إلاّ أخذته»، فلم يزل يطلب إليه ويحلف له حتى سكن.
فدخل أبو الحسن (عليه السلام) فلم يدع عليهن شيئاً حتى أقراطهن وخلاخيلهن وإزارهن إلاّ أخذه منهن وجميع ما كان في الدار من قليل وكثير(1).
وعلى رغم التضييق والتشديد الكبير من قبل هارون على الإمام (عليه السلام) إلا أن الإمام (عليه السلام) أخبر أصحابه وشيعته: بأن هارون لا يقدر على قتله، وإن اللّه سيحفظه من شر هارون.
عن صفوان بن يحيى، قال: لما مضى أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) ، وتكلم الرضا (عليه السلام) خفنا عليه من ذلك. وقلنا له: إنك قد أظهرت أمراً عظيماً، وإنا نخاف عليك هذا الطاغي - يعني هارون - فقال (عليه السلام) : «ليجهد جهده فلا سبيل له عليَّ». قال صفوان: فأخبرنا الثقة أن يحيى بن خالد قال للطاغي: هذا علي ابنه قد قعد وادعى الأمر لنفسه. فقال هارون: ما يكفينا ما صنعنا بأبيه، تريد أن نقتلنهم جميعاً(2).
نعم كانت الظروف في عهد هارون ظروف التقية الشديدة حتى أنه قال الإمام
موسى بن جعفر (عليه السلام) في ولده علي الرضا (عليه السلام) : «وليس له أن يتكلّم إلاّ بعد هارون بأربع سنين، فإذا مضت أربع سنين فاسأله عما شئت يجيبك إن شاء اللّه تعالى»(1).
وهذا الحديث يدل على مدى قساوة تلك الظروف على الإمام الرضا (عليه السلام) أيام هارون العباسي.
فإن الطغيان والظلم والجور كان دأب العباسيين ومن قبلهم من الأمويين ومن شاكلهم. والتاريخ خير شاهد على ذلك.
كثيراً ما كان يقوم بعض من سموا أنفسهم بالخلفاء بالفتوحات، ولكن تلك الفتوحات كانت غير شرعية، ولا تجلب للمسلمين إلاّ السمعة السيئة، والإسلام بريء منها، فإن الإسلام دين المنطق والعقل، وقد انتشر في ربوع الأرض بالحكمة والموعظة الحسنة وقوة المنطق وحسن الخلق، ولو لم تكن هذه الفتوحات العنيفة لانتشر الإسلام أكثر وأكثر.
إن سيرة النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لم تكن على الفتوحات، بل كانت الحرب عندهم دفاعية، كما بينا ذلك في العديد من كتبنا.
قال ياسر الخادم: فبينا نحن عنده - أي عند الإمام الرضا (عليه السلام) - يوماً إذ سمعنا وقع القفل الذي كان على باب المأمون إلى دار أبي الحسن (عليه السلام) فقال لنا الرضا أبو حسن (عليه السلام) : «قوموا تفرقوا» فقمنا عنه، فجاء المأمون ومعه كتاب طويل، فأراد الرضا (عليه السلام) أن يقوم، فأقسم عليه المأمون بحق رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أن لايقوم إليه، ثم
1) الإمامة والتبصرة: ص80.
جاء حتى انكب على أبي الحسن (عليه السلام) وقبّل وجهه وقعد بين يديه على وسادة، فقرأ ذلك الكتاب عليه فإذا هو فتح لبعض قرى كابل فيه: إنا فتحنا قرية كذا وكذا، فلما فرغ قال له الرضا (عليه السلام) : «وسرّك فتح قرية من قرى الشرك»!
فقال له المأمون: أوليس في ذلك سرور؟
فقال: يا أمير اتق اللّه في أمة محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وما ولاك اللّه من هذا الأمر وخصك به فإنك قد ضيعت أمور المسلمين وفوضت ذلك إلى غيرك، يحكم فيهم بغير حكم اللّه عزوجل، وقعدت في هذه البلاد، وتركت بيت الهجرة، ومهبط الوحي، وإن المهاجرين والأنصار يُظلمون دونك، ولا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمةً، ويأتي على المظلوم دهر يتعب فيه نفسه ويعجز عن نفقته ولا يجد من يشكو إليه حاله، ولا يصل إليك، فاتق اللّه يا أمير في أمور المسلمين، وارجع إلى بيت النبوة، ومعدن المهاجرين والأنصار»(1).
في التاريخ أنه لما حاصر المأمون بغداد لقتال أخيه الأمين، يقول أحد المقربين إلى الأمين: دخلت عليه لأقول له أن يقسّم بين أهالي بغداد وبين الجيش تلك الأموال الهائلة والجواهر الثمينة والخيول والأنعام الكثيرة التي كانت في خزائنه ومراتعه، ليكون ذلك سبباً ومحفزا للناس على الدفاع عن بغداد وفك الحصار عنه، يقول: لما دخلت على الأمين رأيته مهموماً مغموماً قد جلس محتضناً ركبتيه، وكان في شدة الغم بحيث لم أتمكن من أن أكلّمه، فصبرت شيئاً ثم قلت في نفسي: علي أن أقدم له النصيحة، فإن المسألة خطرة وحساسة جداً.
1) انظر أعيان الشيعة: ج2 ص24- 25.
فقلت: يا أمير هناك الكثير من الخيول في مراتعكم واصطبلاتكم وكذلك ما لا يحصى من الأموال والجواهر في خزائنكم، فأعطوها للناس وللجيش ليقوموا بالدفاع عن بغداد ويفكوا الحصار عنكم.
يقول فرفع الأمين رأسه وقال: هل تتصور أنني مهموم ومغموم بحصار بغداد، كلا، أنا مغموم بمقرطة!.
فقلت: وما مقرطة؟
قال: هي سمكة جميلة اصطادوها من دجلة قبل أيام، وكنت أحبها كثيراً وقد ألبستها الذهب والمجوهرات وجعلتها في حوض منشعب من دجلة، وقد أحكمت الحوض لكي لا ترجع إلى النهر، ولكني اليوم عند ما أصبحت رأيتها قد رجعت إلى دجلة!!، فبعثت الغواصين في طلبها فلم يعثروا عليها، فأحزنني ذلك كثيراً وأنا مهموم عليها ولا أفتؤ عن ذكرها(1)!.
هكذا كان يفكر الحاكم العباسي وبغداد تسقط بيد الجيش المهاجم!
أما المأمون فعند ما فتح جيشه بغداد قاموا بقتل الكثير من الناس قتلاً عشوائياً، وهجموا على القصر وقتلوا من فيه، إلى أن وصلوا إلى الأمين الخليفة! فقتلوه أيضاً، وقطعوا رأسه وبعثوا به إلى خراسان، أما الجسم فألقوه في المزابل.
وهذه نهاية الطغاة، ولم تكن النهاية فإن حسابهم عسير ومصيرهم الجحيم.
نقل المؤرخون أن أيام حصار بغداد من قبل المغول جاء بريدان إلى حاكم
1) انظر: تاريخ الاسلام: ج13 ص57-58 (حكاية المسعودي عن مقرطة الأمين).
الموصل برسالتين مختلفتين، فقرأهما وأخذ يتأسف كثيراً، فسُئل عن ذلك، فقال:
إحدى الرسالتين من المستعصم الحاكم العباسي في بغداد، وقد طلب مني أن أبعث له عدة راقصات ومغنيات من الموصل، لأنه سمع بأن فيها راقصات جميلات..
والرسالة الثانية من المغول وهو يطلب مني أن أبعث له المجنيق وأدوات الحرب، لكي يفتح بغداد!
فانظر من يسمي نفسه بخليفة المسلمين! والعدو قد حاصرهم، لا يفكر إلاّ بشهواته المحرمة.
نعم إن هذه التصرفات الشهوية والإفراط في الملذات المحرمة سببت تأخر بلاد المسلمين، ومع ذلك كله ترى بعض الشعراء ومن أشبه يمدحون هؤلاء الطغاة المجرمين للحصول على بعض دراهمهم.
يقول أحدهم في موت المستنصر قصيدة في طليعتها ما معناه(1)
حق بود از آسمان خون كر ببارد بر زمين***در زوال ملك مستعصم امير المؤمنين
:من الحق أن تبكي السماء دماً على الأرض في زوال ملك المستعصم أمير المؤمنين!
فهل مثل المستعصم يُسمى بأمير المؤمنين؟
إن سيرة الطغاة طول التاريخ على محاربة العلم والعلماء، فإنهم يعيشون على جهل الشعوب وعدم وعيهم، فإذا وعت الأمم وتثقفت فإنها لا تقبل بهؤلاء الظلمة ولا ترضخ للظلم.
أما سيرة أهل البيت (عليهم السلام) ونهج القرآن والإسلام، فدائماً الحثّ على العلم
1) أصل الشعر بالفارسية:
والعلماء، والتأكيد على طلب العلم وأنه فريضة لابد منها لكل مؤمن ومؤمنة ومسلم ومسلمة..
وفي روايات الإمام الرضا (عليه السلام) التأكيد الكثير على العلم والتعليم والتعلّم كآبائه الطاهرين (عليهم السلام) وأبنائه المعصومين (عليهم السلام) . ولولا هؤلاء الأطهار (عليهم السلام) لكانت الأمة الإسلامية آنذاك غارقة في الجهل والتخلف. كما أصبحت اليوم بتركهم العلم والعمل بالقرآن والعترة.
وما نراه اليوم من التقدم العلمي في الغرب، فهو ببركة الإسلام الصحيح، كما اعترف الغرب بذلك.
أما حكام الجور والفراعنة والطغاة ومن أشبه كالمستعمرين وأذنابهم من حكام بلادنا، فإنهم يخافون من نشر العلم والوعي والثقافة فيسعون دائماً للقضاء على العلماء ومنع الكتب وإطفاء نور العلم، فكم من كتاب صودر من المطابع وأحرق، وكم من عالم سُجن وعُذّب وقُتل. على خلاف نهج الأنبياء والأوصياء والأئمة (عليهم السلام) حيث كانوا يحثون على العلم والفضيلة والتقوى، ويوفرون للناس حرياتهم في المجالات العلمية وغيرها.
والتاريخ خير شاهد على الأمرين.
ومن الواضح أن الجهال وغير الواعين هم الذين يخضعون للظلم والجور والاستبداد، على عكس العلماء والمثقفين، فإنه يحاربونها.
يقول تعالى: {وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً}(1).
1) سورة نوح: 7.
ويقول عزوجل:
{أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لايَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ}(1).
إن الطغاة كانوا يردّون أيديهم في أفواه الأنبياء (عليهم السلام) ليمنعوهم من الكلام حتى لا يتثقف المجتمع، وإذا تكلّم النبي (عليه السلام) فإنهم كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم ويغطون رؤوسهم بملابسهم لكي لا يسمعوا صوت الحق ولا ينتشر العلم بينهم.
في التاريخ أن النبي الأعظم (صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان يدخل المسجد الحرام فيقرأ القرآن وكان الكفار قد أحضروا القطن معهم ليعطوا من يدخل المسجد ليملأ أذنه فلا يسمع كلام اللّه(2).
وهكذا كان الكفار والطغاة يمنعون الناس من العلم.
وكذلك الذين غصبوا الخلافة بعد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) منعوا الناس من العلم، حيث حرموا تدوين الحديث(3)، ولما فتح ابن مسعود مدرسة علمية في المسجد النبوي الشريف وجمع بعض المسلمين وكان يعلّمهم التفسير والتأويل والأحاديث النبوية، منعوه عن ذلك(4).
وكذلك معاوية منع ابن عباس عن قراءة القرآن، ولما أصر ابن عباس على
1) سورة إبراهيم: 9.
2) انظر حلية الأبرار: ج1 ص87 ب10.
3) انظر: إحراق أبي بكر أحاديث الرسول الأعظم (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ومنع تدوينها في تذكرة الحفاظ: ج1ص2 وص5، ومنع عمر لتدوين الأحاديث وحبس الصحابة في المدينة لكي لايبلغوا عن الرسول (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وإحراق الأحاديث، في كنز العمال: ج5 ص239 وغيرها من المصادر.
4) خلاصة عبقات الأنوار: ج3 ص78، سنن الدارمي: ج1 ص61.
القراءة منعه من تفسير القرآن وبيان معانيه.
وهكذا استمرت سياسة الجهل والتعتيم من قبل الظالمين في عهد الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وشيعتهم، فكانوا (عليهم السلام) في أشد الظروف تقيةً وخوفاً، وقد كتب الإمام الصادق (عليه السلام) إلى ثلاثة من أصحابه العلماء: (ج). وكان ذلك سراً بين الإمام (عليه السلام) وبينهم.
ففهم أحدهم من (ج): أن عليه أن يستتر فترةً، لأن جيم إشارة إلى (جُنة)(1)، وفي التاريخ أنه لم يعلم هل ارتفع إلى السماء أو دخل في جوف الأرض؟.
وفهم الآخر من (ج): الجلاء عن الوطن، ففرّ وهاجر إلى مكان بعيد.
وفهم الثالث من (ج): الجنون، فجعل نفسه كالمجانين(2).
وبعد ذلك وصل الأمر من الحاكم الأموي في الشام لوالي الكوفة باعتقال هؤلاء العلماء الثلاثة وقتلهم فوراً.
فلما بعث الوالي إليهم رأى أن أحدهم قد اختفى ولم يعلم بمكانه، والآخر قد هاجر إلى مكان بعيد، والثالث قد جُنّ، وكان يلبس ثياباً ممزقة وسخة حاسر الرأس وحافي القدمين وهو يركب قصبة وينادي بأعلى صوته: تنحوا عن فرسي، والأطفال ملتمون حوله يصفقون له ويضحكون.
فلما مات الوالي والحاكم الأموي، وتغيرت الأوضاع وحصل شيء من الحريات، وإذا بهؤلاء الثلاثة رجعوا إلى ما كانوا عليه من المكانة العلمية في المجتمع والدور الإصلاحي، فكانوا يجلسون في مسجد الكوفة ويحدثون الناس
بعلوم الإسلام ويروون عن الإمامين الصادق والباقر (عليهما السلام) علوم رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) .
وقصة بهلول معروفة حيث تظاهر بالجنون حتى يصرف عن نفسه شر هارون العباسي، ويتمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنوع من الأمان، ويسلب الشرعية عن هارون شيئاً فشيئاً(1).
إن الأمويين والعباسيين ومن أشبههم كانوا يمنعون الناس حتى من الذهاب إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والتعلم من علومهم.
فكان بعض الموالين يجعل على رأسه طبق الخيار ليتمكن من التشرف بلقاء الإمام (عليه السلام) فيسأل عن مسائله الشرعية، وكأنه بائع يبيع الخيار!.
وهذه القصص كثيرة في تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) ، وحتى بالنسبة إلى الإمام الرضا (عليه السلام) والإمام الجواد (عليه السلام) .. فإن ما انتشر من علومهما كان من أسباب حسد الأعداء وإقدام العباسيين على قتلهما بالسم.
وقصة الإمام الجواد (عليه السلام) وبيان علمه في حد السرقة معروفة(2)، وكذلك المناظرات التي قام بها الإمام الرضا (عليه السلام) وفاق في علمه جميع علماء المذاهب والأديان(3).
إن نهج الكفر ومن يتبع سبيله يمنع دائماً من المعرفة والعلم، ومن هنا نرى اليوم في بلادنا الإسلامية يُمنع العلم، ويُضيق على العلماء، وتحُرق الكتب الثقافية، ولا يُسمح للخطباء الأحرار بارتقاء المنبر، وتُغلق الجرائد والمجلات، ولايُباح أي نشاط علمي ثقافي إلاّ بما تشتهيه السلطات الحاكمة.. أما تلك الكتب
التي تَنشر في أوساط الناس العلمَ والفضيلة والتقوى فإنها تُعدّ جريمة كجريمة شهر السلاح على الدولة.
وكم اعتقلوا من أصدقائنا ممن ينشر الكتب العلمية والثقافية الصحيحة، ويبين للناس سيرة رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) .. وكم اعتقلوا من الخطباء الذين يعلّمون الناس دينهم ويثقفونهم في حياتهم بالثقافة الشرعية، إن هؤلاء الأحرار بنظر حكوماتنا يستحقون السجن والتعذيب وربما الإعدام!(1)، وهذا على عكس نهج الأنبياء (عليهم السلام) تماماً، حيث نزل جبرئيل في أول آية على رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بقول اللّه عزوجل: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}(2). وقال تعالى في سورة أخرى:{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}(3). وقال سبحانه: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}(4).
وهكذا كان الطغاة منذ القدم يحاربون الكتب والمكتبات وأصحابها، فكم من مكتبة ثمينة أحرقوها، كانت منها مكتبة شيخ الطائفة الطوسي (رحمه اللّه) في بغداد(5)..
وكذلك المكتبات القيمة في مصر وسوريا حيث أحرقها صلاح الدين الأيوبي، وكان عدد الكتب التي أحرقها في سوريا مليون وستمائة ألف مخطوط نادر(6).
1) راجع كتاب (مطاردة قرن ونصف) للإمام المؤلف (رحمه اللّه) .
2) سورة العلق: 1-2.
3) سورة القلم: 2.
4) سورة الزمر: 9.
5) فقد جاءء في البداية والنهاية: ج12 ص90: (وكبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة وأحرقت كتبه ومآثره ودفاتره التي كان يستعملها في ضلالته وبدعته ويدعو إليها أهل ملته ونحلته ولله الحمد)!.
6) انظر خطط المقريزي: ج2ص255.
وتعد هذه جرائم بشعة في حق الإنسانية جمعاء، فإنها محو لتراث الماضين، ولعلوم الصالحين من الأنبياء (عليهم السلام) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) والعلماء الربانيين. وكم كانت في هذه المكتبات من الكتب العلمية في مجال الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء والرياضيات وعلم الأحياء وغيرها مما يحتاجه البشر.
وهكذا كان الطغاة من حكام المسلمين في فتوحاتهم اللا إسلامية، حيث أحرقوا مكتبات مصر والاسكندرية(1)وإيران(2)، مع أن الإسلام يحترم العلم والعلماء والكتب حتى ما نسخ منها، قال عزوجل في القرآن الحكيم: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ}(3).
وفي آية أخرى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(4).
1) حيث أحرق عمرو بن العاص بأمر من عمر بن الخطاب مكتبة الاسكندرية، التي كانت تحوي على أكثر من أربعة وخمسين ألف كتاب ومائة وعشرين كتاب إلى زمن بطولوماوس فيلادلفوس ملك الإسكندرية كما حكاه ابن النديم ص334، وقام ابن العاص بتفريق كتب المكتبة على حمامات الاسكندرية لكي تحرق في المواقد فاستنفذت في مدة ستة أشهر. انظر: تاريخ التمدن الاسلامي: ص46وكتاب الدول لابي الفرج الملطي ص180. وقد كان عدد الحمامات أربعة آلاف حمام كما جاء ذلك في كتاب أخبار العلماء بأخبار الحكماء لجمال الدين القفطي: ص335.
2) جاء في كتاب كشف الظنون: إن المسلمين لما فتحوا بلاد فارس وأصابوا من كتبهم كتب سعد الى عمر يساتذنه في شأنها؟ أمره عمر بطرحها في الماء اأو النار فطرحت فذهبت علوم فارس.كشف الظنون ج1ص446 (بتصرف).
3) سورة المائدة: 43.
4) سورة المائدة: 46-47.
وفي رواية عن أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام): «واللّه لو ثُنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الانجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم حتى تظهر الى اللّه»(1).
وفي الخبر أن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) عندما أسّر جماعة من المشركين في معركة بدر، جعل فداءهم: تعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة، وبعد ذلك كان يطلق سراحهم(2).
وفي رواية عن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنه يمكن للزوجين أن يجعلا المهر في النكاح: تعليم سورة من القرآن(3).
فعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: جاءت امرأة إلى النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقالت: زوّجني، فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : من لهذه؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) زوّجنيها، فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : ما تعطيها؟ فقال: ما لي شيء، فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : لا، قال: فاعادت، فأعاد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) الكلام، فلم يقم أحد غير الرجل، ثم أعادت فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في المرة الثالثة: أتحسن من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، فقال: قد زوّجتكها على ما تحسن من القرآن، فعلّمها إياه»(4).
إلى غير ذلك من الروايات الشريف التي تحث على العلم والتعلم..
قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»(5).
وقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «اطلبوا العلم ولو في الصين»(1).
وهذه الرواية من المشهورات.
من سيرة الطغاة بث الفرقة والنزاع بين الناس واتخاذ سياسة العنف والخرق، على عكس الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) حيث يدعون دائماً إلى الأخوة والمحبة، والسلم واللاعنف.
قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ}(2).
وقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «خير الولاة من جمع المختلف، وشر الولاة من فرق المؤتلف».
وفي آية كريمة: {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}(3).
حيث قال تعالى: {لتعارفوا} ولم يقل (لتناكروا).
وقد آخى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بين المسلمين عدة مرات، فجعلهم أخوة عندما كانوا في مكة وهم قلة مع تلك الظروف الصعبة والخوف الشديد من المشركين(4). وكذلك في المدينة المنورة حيث آخى بين المهاجرين والأنصار(5). وفي كل مرة منها
اختص علياً (عليه السلام) لنفسه وجعله أخاه دون غيره(1).
وقد أنهى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) الحرب بين الأوس والخزرج التي دامت مائة سنة(2)، فجعلهم إخوة متحابين.
وكان الحكام ومن ادعوا الخلافة على عكس سيرة رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فكانت الطبقية والقومية واللسان واللون والثروة والمحسوبية والمنسوبية معياراً للتمايز في حكوماتهم الظالمة.
وقد قال معاوية يوماً لجلسائه: إني عزمت على قتل الكثير من الأعاجم(3).
ومن الواضح أن الأعاجم لا ذنب لهم سوى أنهم ليسوا بعرب، وحكومة بني أمية كانت تميز العرب على غيرهم. وكانوا يسمون غير العرب بالموالي. وهذا مخالف لصريح كلام رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وسيرته العطرة، حيث قال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) :
«ألا إن الناس من آدم، وآدم من تراب، وأكرمهم عند اللّه أتقاهم»(4).
«أيها الناس ربكم واحد، وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على عجمي، ولالعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولاأسود على أحمر، إلاّ بالتقوى، إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم»(5).
والمراد بالأحمر هو الأبيض في مقابل الأسود، لأن الأبيضاني عند ما يتعرض
للشمس أو يعمل أو ما أشبه يصبح لونه أحمر.
فبنو أمية قدّموا العرب على غيرهم، أما بنو العباس فأهملوا العرب وقربوا العجم والموالي، وذلك لأن الخراسانيين قد أعانوهم في تشكيل حكومتهم.
وبعد فترة ترك بنو العباس الفرس، وتمسكوا بالأتراك، فملؤوا أجهزة الدولة بهم.
فعلى خلاف المعايير الإسلامية، كانوا يقدمون الفرس أحياناً، وربما العرب، وربما الأتراك، وربما غيرهم.
وفي قبال هذه السياسات العنصرية كان الإمام الرضا (عليه الصلاة والسلام) لايفرق بين أحد وأحد لقوميته ولسانه وعرقه ولونه، فأخذ الإمام (عليه السلام) يدلك الرجل الخراساني في الحمام وهو من الفرس، في قصة معروفة مشهورة(1).
وكان الإمام الرضا (عليه السلام) يدعو جميع عبيده بمختلف قومياتهم، وحتى الذي يعمل في اصطبل الدواب، ليحضروا على السفرة وكان يتناول معهم الغذاء، وكان ذلك في ولاية عهده(2).
وكان هؤلاء العبيد أكثرهم من القوميات غير العربية.
وربما كان يرد على الإمام الرضا (عليه السلام) شخص ويريد الاستراحة عنده فكان
1) روى جماعة: أنه دخل الرضا (عليه السلام) حماماً فبينا هو في مكان من الحمام إذ دخل عليه جندي فأزاله عن موضعه وقال: صب على رأسي يا أسود، فصب على رأسه، فدخل من عَرَفه فصاح: ياجندي هلكت أتستخدم ابن بنت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فأقبل الجندي يقبل رجليه ويقول: هلا عصتني إذ أمرتك، فقال (عليه السلام) : إنها لمثوبة وما أردت أن أعصيك فيما اُثاب عليه) شرح إحقاق الحق: ج19 ص558-559.
2) مر سابقاً، وسيأتي إنه (عليه السلام) ما ترك هذه العادة وهو في فراش الموت.
الإمام (عليه السلام) يقدم له الفرش واللحاف بيده الشريفة(1).
أما الحكام فعلى خلاف القانون الإسلامي كانوا يميزون بين العرب وغيرهم، فمثلاً السلاطين العثمانيون بما أنهم كانوا من الأتراك قدموا العنصر التركي على غيره. وكانوا يحكمون في تركيا على نصف العالم، فكانت ولاتهم أتراكاً حتى في بلاد العرب وغيرهم.
وهكذا كانوا يفرقون بين المسلمين بعضهم مع بعض وكانوا طائفيين عنصريين قوميين بعيدين كل البعد عن الإسلام والقيم الإنسانية..
فالخلفاء أولهم وآخرهم وأوسطهم من بني أمية ومن قبلهم، وبني العباس والعثمانيين، كانوا يظلمون الناس دائماً، ويتعدون عليهم، ويمنعون عن العلم، ويجعلون الناس في الفقر والحاجة، وكانوا يقسمون ثروات المسلمين بينهم وفي شهواتهم، ويبنون بها أحسن القصور وأجملها لأنفسهم، ثم يلتهون بملذات الدنيا ويقترفون أشد المحرمات.
كما أظهروا العداوة للأئمة المعصومين (عليهم السلام) وذرية رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فسجنوهم وعذبوهم وقتلوهم بالسيف والسم.
يقول الشاعر:
كم غدرة لكم في الدين واضحة***وكم دم لرسول اللّه عندكم(2)
كما غدروا حتى بأقرب الناس إليهم، فمثلاً الثاني من الخلفاء العباسيين هو المنصور الدوانيقي، غدر بأقرب الناس إليه، ومن أوصله إلى الحكم، كأبي مسلم
وكان من هؤلاء الطغاة الذين ادعوا خلافة رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) كذباً وزوراً: المتوكل العباسي، حيث هدم القبر الشريف للإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) وجميع البيوت والمحلات التي كانت بأطراف المرقد الطاهر، فهدم مدينة بكاملها، وأراد أن يخرج الجسد الطاهر ويحرقه، ولكن لم يتمكن من ذلك. كما روي في قصص مشهورة كقصة ديزج(3).
قال السيوطي في تاريخ الخلفاء(4): (أمر المتوكل لعنه اللّه تعالى بهدم قبر الامام الحسين (عليه السلام) وهدم ماحوله من الدور، وأن يعمل مزارع، ومنع الناس من زيارته، وخرب وبقي صحراء، وكان المتوكل معروفاً بالتعصب فتألم المسلمون من ذلك وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد وهجاه الشعراء).
وقال ابن خلكان: لما هدم المتوكل قبحه اللّه قبر الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في سنة 236ه- قال فيه البشامي:
تاللّه إن كانت أمية قد أتت***قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثلها***هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على أن لايكونوا شاركوا***في قتله فتتبعوه رميما
وهكذا قتل المتوكل سبعين ألفاً من زوار الإمام الحسين (عليه السلام) ومجاوريه..
ثم إن بعض المحاسن التي ربما ينسبه البعض إلى هؤلاء الخلفاء هي إما كذب، أو خالية عن الحسن وبعيدة عن الصواب، فإنهم لم يقصدوا بها إلاّ شهواتهم وطغيانهم.. مثلاً من الأمور التي يمدحون بها المعتصم العباسي فتح مدينة العمورية، وهي في الواقع من أقبح ما قام به.
فإن العمورية كانت مدينة جميلة كبيرة، فيها نفوس كثيرة، ولها أسواق عامة، ومحلات مليئة بالأمتعة التجارية. يقال: إن السبب في فتح هذه المدينة أن أحد شرطة الكفار ضرب على يد امرأة مسلمة فنادت: وا معصماه، أو: وامعتصماه. فأخذها الشرطي إلى السجن.
فلما وصل الخبر إلى المعتصم أمر جيشه بالاستعداد للهجوم غير الشرعي على العمورية، بحجة إنقاذ المرأة، فحاربوهم حتى فتحوا العمورية، وبعد الفتح أمر المعتصم بقتل الناس من كبير وصغير، ورجل وامرأة، وشاب وشيخ، ثم أمر بإحراق المدينة بكاملها. فلم يبق من المدينة شيء يذكر، وإلى يومنا هذا لم ترجع العمورية على ما كانت عليه(1).
فهل هذا العمل صحيح في منطق الإسلام وفي منطق رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأمير
1) ففي التواريخ: (وفتحت عمورية.. فقُتل وسُبى جميع من فيها.. وأخرب وأحرق كل ما أجتاز به من بلادهم) انظر تاريخ اليعقوبي: ج2 ص476. وورد أيضاً: (فقتل بها مقتلة عظيمة وسبى سبايا كثيرة وخرب المدينة وهدمها وقبل وصول الأمير خرب ما مر به من قراهم.. فضرب أعناق أربعة آلاف من الأسرى فلم يزل يقتل الأسرى في مسيره ويحرق حتى ورد بلاد الإسلام..) تاريخ خليفة بن خياط: ص393.
المؤمنين (عليه السلام) ؟! الذين كانوا يوصون حتى بالكفار، وفرضوا على جيش المسلمين منهجاً أخلاقياً رائعاً في الحرب.
كلا، هؤلاء الخلفاء تقمّصوا الخلافة وتلبّسوا باسم الإسلام ليشوهوا سمعة الدين الحنيف. فالإسلام منهم بريء أشد البراءة.
روى أمير المؤمنين (عليه السلام) عن النبي الأعظم (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قوله:
«إن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان إذا أراد أن يبعث أميراً على سرية أمره بتقوى اللّه عزوجل في خاصة نفسه، ثم في أصحابه عامة، ثم يقول: اغزوا بسم اللّه، وفي سبيل اللّه، قاتلوا من كفر باللّه(1)، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليداً، ولا متبتلاً في شاهق، ولا تحرقوا النخل، ولا تغرقوه بالماء، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تحرقوا زرعاً... ولا تعقروا من البهائم ما يؤكل لحمه، إلاّ ما لابد لكم من أكله، وإذا لقيتم عدواً من المشركين فادعوهم إلى إحدى ثلاث، فإن هم أجابوكم إليها، فاقبل منهم وكف عنهم...»(2)الحديث.
وفي حديث قال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «ولا تقتلوا وليداً أو شيخاً كبيراً ولا امرأةً»(3).
وفي رواية أخرى: «إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) نهى أن يلقى السم في بلاد المشركين»(4).
على تفصيل ذكره الفقهاء في كتاب الجهاد(5).
1) أي ممن قاتلكم، لا مطلق الكفار. كما هو واضح من سائر الأدلة، منه (قدس سره) .
2) تهذيب الأحكام: ج6 ص139 ب60 ح232 / 2. ومن كتب العامة: مسند أحمد: ج4 ص240.
3) دعائم الاسلام: ج1ص369 باب ذكر الأفعال التي ينبغي فعلها في القتال.
4) النوادر، لفضل اللّه الراوندي: ص169.
5) راجع موسوعة (الفقه): ج47 ص196، وفيها: (الظاهر عدم جواز التخريب بإلقاء النار والسم... لأنه من الإفساد واللّه لايحب الفساد، وللنهي في بعض الروايات).
فهذه الفتوحات التي قام بها من سموا أنفسهم بالخلفاء لم تجلب للمسلمين والإسلام إلاّ تشويه السمعة، والحقد من الكفار على المسلمين، وإبعادهم عن قبول الحق والهداية.
وربما يقول البعض: لماذا تركزون على سلبيات هؤلاء الخلفاء، ولم تذكروا شيئاً من إيجابياتهم ومحاسنهم؟ فإنه يقال في الجواب:
أولا: لماذا لم يركز الباري عزوجل في القرآن الكريم بالنسبة إلى فرعون وهامان ومن أشبه إلاّ على سلبياتهم، فلم يتطرق إلى إيجابياتهم؟
بل بالنسبة إلى بعض المسلمين قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(1). فمن ترك من المسلمين بعض الأحكام الإسلامية هل يستحق مثل هذا الخطاب والعتاب؟
وفي الأمثلة التكوينية لماذا يفر الإنسان من المريض بمرض مسر ومعد؟ أليس فيه جوانب إيجابية؟ ألم يكن في جسمه إلاّ هذا المرض، فأين سائر أعضائه التي لا شيء فيها؟
ولماذا نهاجم الاستعمار ونرفضه، ألم يكن عندهم بعض الإيجابيات؟
ولماذا القرآن الكريم أنزل سورةً في ذم أبي لهب وقال: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ...}(2). ألم تكن هناك نقاط إيجابية في حياة أبي لهب؟
هذا هو الجواب النقضي.
وثانيا: وهو جواب حلي:
إن السبب في تركيز العقلاء على سلبيات حياة المجرمين وعدم النظر إلى بعض إيجابياتهم بعد فرض وجودها: حتى لا يُتخذ هؤلاء الطغاة أسوةً وقدوةً، ولكي يحُترز عنهم.
ثم إن هؤلاء الخلفاء الطغاة هم سبب تأخر المسلمين ومشاكلهم إلى يومنا هذا، وهم السبب في كثير من الحروب التي دمرت الأمة الإسلامية، بما فيها الحروب التي وقعت بين المسلمين والكفار، فإنها كانت غير شرعية لأنها لم تكن بإذن المعصوم (عليه السلام) ، وتلك الحروب سببت الحالة الانتقامية للكفار وإبعادهم عن الإسلام. لذا نرى أحد الغربيين يقول: إن علينا نحن المسيحيين أن نصنع تمثال معاوية بن أبي سفيان ونضعه في جميع مدننا الأوروبية، ونقدسه، فإنه لولا معاوية الذي وقف أمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وشنّ الحروب عليه، لكانت أوروبا بأجمعها مسلمة، ولم يبق في العالم بقعة إلاّ دخلت في الإسلام، ولم يُر من النصرانية شيء(1).
فهل مثل معاوية يستحق أن يمدحه الإنسان؟ فيقال: لماذا دائماً تذكرون مساوءه وسلبياته؟
إن هؤلاء الخلفاء اللا شرعيين هم الذين سببوا ضياع دين المسلمين ودنياهم، وكذلك ضياع غير المسلمين أيضاً وعدم هدايتهم إلى الإسلام. والأمة الإسلامية إلى يومنا هذا تحترق بنيران فتنهم.
من هنا يلزم ذكر سلبياتهم ليتضح للناس أن هؤلاء لا يمثلون الإسلام، بل الإسلام بريء منهم ومن أمثالهم.
1) شيخ المضيرة أبو هريرة: ص195.
كان المأمون العباسي من هؤلاء الطغاة، وكان يمنع الإمام الرضا (عليه السلام) حتى من إقامة صلاة العيد، كما في القصة المشهورة، حيث أمر المأمون بإرجاع الإمام (عليه السلام) من وسط الطريق، بعد أن رأى أن الإمام (عليه السلام) تهيأ لصلاة العيد على سيرة جدّه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) لا كما تؤديها الجبابرة(1).
وكان يخطط المأمون على قتل الإمام الرضا (عليه السلام) وحاول ذلك في مرات عديدة كان منها خطة قتل الإمام (عليه السلام) في الحمام مع الفضل بن سهل، فلم يذهب الإمام (عليه السلام) إلى الحمام وذهب الفضل فقُتل.
ولم يفرح المأمون عند ما كان يرى الإمام (عليه السلام) يفوق على علماء سائر الأديان والمذاهب كالنصارى واليهود والمجوس والصابئة وغيرهم، بل كان يحترق حسداً وحقداً على الإمام (عليه السلام) .
فإن المأمون كان يفكر في ملذاته وسلطته، وكان يريد القضاء على الإسلام وقادتها الحقيقيين، أما مثل هذه المناظرات فكان يقصد منها تثبيت دولته، وربما كان يحب أن يصبح الإمام (عليه السلام) مغلوباً في المناظرات، إلى غير ذلك من الوجوه المذكورة في بابها.
وقصة تواطؤ المأمون مع ذلك الساحر في تلك السفرة حيث أحضر الإمام الرضا (عليه السلام) فلما أراد الإمام أن يتناول شيئاً من الخبز، طيّره الساحر، فضحك المأمون وجلساؤه(2)
وقصة الإمام الرضا (عليه السلام) رويت في تحدي حجاب المأمون بأن يحيي صورتي أسدين مصورين على مسند المأمون، فأحياهما الإمام وأمرهما بافتراس الحاجب فافترساه.
، وأرادوا التنقيص من شأن الإمام (عليه السلام) ، كل هذه الأمور تدلعلى سوء نية المأمون تجاه أهل البيت (عليهم السلام) ..
ومن هنا يعلم أن طلب المأمون وإحضاره للإمام الرضا (عليه السلام) من المدينة إلى خراسان كان مكيدة من المأمون، حيث أراد بها عدة أمور، منها:
1: التقليل من هيبة الإمام (عليه السلام) ونفوذه في قلوب الناس. فأشاع أن أهل البيت (عليهم السلام) إنما زهدوا في الدنيا لأنها لم تقبل إليهم، أما عندما أقبلت الدنيا إليهم فلا فرق بينهم وبين غيرهم، وكان دليله على ذلك قبول الإمام (عليه السلام) للخلافة وولاية العهد.
وتصور المأمون أن الإمام (عليه السلام) بعدما يصبح ولي العهد، سينشغل بملذات الدنيا كما كان المأمون وآباؤه منشغلين بها وباللّهو واللعب، وأنه (عليه السلام) سيتصدى للعزل والنصب، وسجن الناس وقتلهم ومصادرة الأموال وما يصدر من الحكام عادةً من ظلم وجور، ولكن الإمام (عليه السلام) كان ينظر بنور اللّه فرفض كل ذلك ولم يقبل بولاية العهد إلاّ بعد أن اضطر إليها فقبلها بشرط عدم التدخل في أي شأن من شؤون الحكومة.
2: السيطرة على الأوضاع المتدهورة آنذاك، فإن البلاد الإسلامية لم تكن خاضعة لحكم المأمون بالكامل، وكان للعلويين التأثير الكبير في الناس، وكلما ثار أحدهم ضد بني العباس ثار الناس معهم.
مضافاً إلى أن العباسيين كانوا يميلون إلى الأمين محمد بن هارون، في بغداد ولا يخضعون للمأمون. فإنهم كانوا يرون أن خلافة المأمون لهارون غير شرعية. لأن
هارون قد عهد إلى الأمين، وبعد موت الأمين إلى المأمون.
وكان هناك بعض الخوارج الذين يثيرون الفتن بين فترة وأخرى.
وكان لبعض الأمويين تحركاتهم الخفية ضد الحكم العباسي، وإن لم يكن لهم شيء بحسب الظاهر.. لأن الحكومة العباسية قضت عليهم.
وكان أهم تلك القوى قوة العلويون ونفوذهم في قلوب الناس، فأراد المأمون بعرض الخلافة على الإمام (عليه السلام) وإكراه الإمام بقبول ولاية العهد أن يأمن من ثورات العلويين ضده، وأن يأمن من غضب الناس عليه، فأخذ المأمون يتظاهر بحب أهل البيت (عليهم السلام) وإكرامهم.
فلما نفذ خططه الشيطانية وأمن جانب العلويين حيث خدع الناس بذلك واستجلب العلويين إلى خراسان وكان يأمر بقتلهم وهم في الطريق بسم أو بسيف، ولذا نرى كثرة مراقد السادة العلويين من ذرية الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) في مختلف مدن إيران والعراق. فإن هؤلاء توجهوا من الحجاز نحو خراسان لزيارة الإمام الرضا (عليه السلام) فقتلهم المأمون العباسي في الطريق.
وكانت السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) أخت الإمام الرضا (عليه السلام) المدفونة بقم المقدسة، من ضمن هؤلاء المظلومين، حيث بعث المأمون السم إليها فقتلها.
وبعد أن استقر حكم المأمون رجع إلى بغداد ولبس السواد الذي كان شعاراً للعباسيين، وجعل أزمة الأمور كلها بيد العباسيين، وقام بإعطاء السم للإمام الرضا (عليه السلام) حتى قضى الإمام شهيداً مسموماً.
ثم لا يخفى أن في يومنا هذا وفي عالمنا المعاصر أيضا خطين:
1: خط الإيمان والفضيلة والتقوى.
2: وخط الكفر والرذيلة والشهوات والدنيا.
والعالم اليوم يحترق بنيران الظلم والاستبداد والجهل والرذيلة، فيلزم أن يسعى العلماء والمثقفون للقضاء على ذلك، كما يلزم السعي للقضاء على التخلف الثقافي الموجود عند المسلمين، وبث الوعي في أوساطهم، لكي يواكبوا التقدم عند سائر الأمم، ويصلوا إلى مرحلة السيادة والاستقلال.
فإن من أهم مشاكل المسلمين في يومنا هذا أمرين:
الأمر الأول: التخلف الحضاري.
الأمر الثاني: التبعية والذيلية.
ويلزم علاج هذين الأمرين لكي يصل المسلمون إلى تلك السيادة والعزة والاستقلال والتقدم التي أسسها رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) .
فإن المسلمين يمتلكون من القوة الكامنة في أنفسهم ما يكفل بذلك.
والغرب لم يتقدم ولم يتطور إلاّ بعد الأخذ بأسباب التقدم ومنها:
1: القيام بأفضل أنواع النظم والتنظيم.
2: نشر الوعي والثقافة.
3: الاهتمام بالتقدم الصناعي والتكنولوجي.
4: الحرية النسبية في الانتخابات، وذلك لتعدد الأحزاب والمنظمات والجمعيات والنقابات وما أشبه، مما يوجب بروز الكفاءات، على عكس بلادنا حيث فيها كبت للحريات والقضاء على الكفاءات.
5: السعي الدائم للسيطرة على شعوب العالم واستعمارها.
وقد تمكن الغرب من التقدم على المسلمين والسيطرة على بلادهم عبر هذه الأمور، وقد قاموا باستعمار بلادنا استعماراً عسكرياً كما في أفغانستان وفلسطين
وإرتريا وتركستان وغيرها، وقاموا بالاستعمار الاقتصادي والسياسي وما أشبه كما في سائر بلادنا. وإذا تمسك المسلمون بالأمور الأربعة الأولى، وسعوا للخلاص من الأمر الخامس، فإنه يكون سبباً لتقدمهم وإنقاذهم من التأخر والتخلف بإذن اللّه تعالى.
إذا أردنا التخلص من التبعية للغرب والذيلية ومن نفوذ استعمارهم فعلينا بأمور: أولا: إرجاع الحريات الإسلامية إلى الناس، وهي التي قد أكد عليها القانون الفقهي المشهور: (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم)(1)، من أمثال حرية الزراعة, وحرية الصناعة, وحرية السفر، وحرية الإقامة، وحرية البناء، وحرية الإعمار، وحرية إبداء الرأي، وحرية الانتخابات، وسائر الحريات المقررة في الإسلام.
وثانياً: إرجاع الأخوة الإسلامية، فالعربي والفارسي والهندي والتركي والإندينوسي وغيرهم من المسلمين كلهم إخوة، ولا فرق بينهم أمام القانون، فيحق لكل منهم ما يحق للآخر في أي بلد من بلاد المسلمين، يشتري ويبيع ويمتلك العقار، ويفتح متجر، ويقيم، ويسافر، إلى غيرها وغيرها، فيجب إسقاط القوميات وما أشبه، فإنه لا فرق في الإسلام بين القومية العربية والتركية والفارسية وغيرها، فالكل من آدم وآدم من تراب(2)، كما في الحديث الشريف.
قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}(3).
وقال الرسول الأكرم (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «الناس كأسنان المشط سواء»(1).
وقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «المؤمنون كأسنان المشط يتساوون في الحقوق بينهم»(2).
وثالثاً: إرجاع الأمة الإسلامية الواحدة، فيلزم إسقاط هذه الحدود المصطنعة التي جعلها الغرب في بلادنا، قال تعالى في القرآن الحكيم: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}(3).
ورابعاً: إرجاع كافة القوانين الإسلامية إلى بلاد المسلمين، وفي مختلف شؤون الحياة، مثل قانون البيع والشراء والرهن والإجارة والمزارعة والمساقاة والمضاربة والشركة والنكاح والطلاق والإرث والقصاص والديات والحدود وغيرها.
ورفض وإبطال جميع القوانين الوضعية التي جاء بها إلينا العملاء من الغرب والشرق.
وخامساً: الاهتمام بالجانب الروحي في الناس، وتقوية الإيمان والفضيلة والأخلاق والتقوى فيهم.
وبهذه الأمور يمكن إنقاذ المسلمين من هذه التبيعة والذيلية للغرب.
كما أن التخلف الحضاري المشاهد اليوم في المسلمين يعتمد على أسس منها:
1: الفردية في المسلمين، أما الغرب فنظامهم نظام الشركات والمؤسسات والجمعيات.
2: عدم وجود التجمعات في المسلمين إلاّ التجمعات القبلية عند بعضهم، أما
الغرب فكلها تجمعات وأحزاب ونقابات وتنظيم.
3: عدم امتلاك المسلمين للأسلحة المتطورة.
4: عدم امتلاك المسلمين للتطور الصناعي، بل لا تتجاوز صناعاتهم البدائيات.
5: عدم امتلاك المسلمين للإعلام المتقدم كالتلفاز والإذاعات وما أشبه.
6: الحكومات الوراثية والانقلابات العسكرية عند المسلمين، أما الغرب فحكوماتهم انتخابية.
7: الحكومات في بلادنا الإسلامية حكومات تعيش بمفردها، أما الحكومات الغربية فإنها تجمعات دولية.
8: حسم الأمور في بلادنا حسم عسكري وعنيف، أما في الغرب فأكثر الحسومات فيما بينهم دبلوماسية، والحسم العسكري فهو الحل الأخير ولا يكون إلا ّخمسة في المائة أو أقل عادة.
9: محدودية الثقافة عند المسلمين، وتوسعها وعالميتها عند الغربيين.
10: الارتباطات الضيقة والمحدودة في بلاد المسلمين، على عكس الغرب فله ارتباطات واسعة وفي كل المجالات، فمثلا الأسواق الإسلامية لا تتأثر عادة بالأمور العالمية، أما في الغرب فيتأثر السوق بخطاب أحد الرؤساء ولو في بلد آخر، أو زلزال أو حرب في منطقة نائية عنهم، فهذه الأمور تؤثر في أسواقهم مما يدل على سعة ارتباطاتهم بجميع العالم.
وهذه ناشئة من الطبيعة البدائية للمسلمين والطبيعة الحضارية في بلاد الغرب.
11: ضيق الزمان في بلاد المسلمين لبدائية الآلات على عكس الغرب، فالعمل في بلادنا في النهار فقط، والمدن بعيدة بعضها عن بعض، والآلات قديمة، أما في
الغرب فإنه لتطور الآلة هناك اختصار في الزمن والاستفادة الأفضل من الوقت، وتقاربت المدن عندهم، لتطور وسائل النقل وهذا مما يسبب التطور الأكثر.
12: تأخر وتعقيد القوانين الإدارية في بلادنا، وتطور قوانينهم يوماً بعد يوم والتقليل من تعاقيدها.
ثم إن قلة الثقافة في بلادنا وتطورهم الثقافي، من أهم أسباب قبول المسلمين بما جاءتهم من القوانين الكابتة الغربية والشرقية، فإنهم أهدوا إلينا ما رفضوها من القوانين. وهذه القوانين المستوردة في بلادنا سبب لعرقلة الأمور وعدم التطور وكبت الحريات والقضاء على الكفاءات بحيث لا يمكن للفرد المسلم أن يطوّر نفسه ويطوّر بلده، وهذه الأمور جاءت بعد أن ترك المسلمون القرآن والعترة الطاهرة (عليها السلام) . ومن هنا يتضح بعض الجوانب في الحديث القدسي الذي رواه الإمام الرضا (عليه السلام) : حيث قال: «كلمة لا إله إلاّ اللّه حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي» ثم أضاف: «بشرطها وشروطها وأنا من شروطها»(1).
فإن الإيمان الصحيح الكامل هو حصن اللّه عزوجل، يأمن الإنسان فيه من عذاب الدنيا ومشاكلها ومن عذاب الآخرة ونيرانها، ولكن لا يكون الحصن حصينا إلاّ بولاية الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وثامنهم الإمام الرضا (عليه السلام) .
1) روضة الواعظين: ص42 باب الكلام في فضل التوحيد.
27
روى الصدوق (رحمه اللّه) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بسنده عن رجاء بن أبي الضحاك - وكان قد بعثه المأمون لأشخاص الرضا (عليه السلام) - بعض تفاصيل خروج الإمام (عليه السلام) من مدينة جدّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) كُرهاً إلى أن وصل خراسان(1)..
وقد سبق أن المأمون أراد بذلك السيطرة الأكثر على الإمام الرضا (عليه السلام) ولكي يطمئن من عدم قيام الإمام (عليه السلام) بثورة أو ما أشبه، بنفسه أو بحثّ العلويين على ذلك، وليكون الإمام (عليه السلام) تحت نظره المباشر وضغطه الفاعل.
وقد أشار الفضل بن سهل وزير المأمون بهذه الخطة الخبيثة، فلم يكن للمأمون والفضل تجاه الإمام (عليه السلام) إلاّ نية السوء وإن تظاهرا بإكرام الإمام (عليه السلام) .
ورد أن الفضل بن سهل أشار على المأمون أن يتقرب إلى اللّه عزوجل وإلى رسوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بصلة رحمه بالبيعة لعلي بن موسى الرضا (عليه السلام) ليمحو بذلك ما كان من أمر هارون فيهم، وما كان يقدر على خلافه في شيء، فوجه من خراسان برجاء بن أبي الضحاك وياسر الخادم ليشخصا إليه محمد بن جعفر بن محمد وعلي بن موسى بن جعفر (عليه السلام) وذلك في سنة مائتين(2).
ومما يدل على أنه المأمون أراد الشر للإمام الرضا (عليه السلام) أنه أمر بأن يشخصوا الإمام (عليه السلام) من طريق لا يمرّ على الكوفة وقم، وذلك لأنهما مركزا الشيعة آنذاك، فجاؤوا بالإمام (عليه السلام) من الطرق الأخرى لكي لا يلتقي بشيعته ومواليه.
وإلاّ فإن كان المأمون صادقاً في عرض الخلافة على الإمام (عليه السلام) أو حتى في ولاية العهد، كان مرور الإمام (عليه السلام) على الكوفة وقم يمهّد لذلك، لاتصاله بقواعده الجماهيرية وتنسيقه مع رموز الشيعة وكبارها.
كما يُعلم سوء نية المأمون والفضل من قصة إرجاع الإمام (عليه السلام) من صلاة العيد - على ما سيأتي -.
ومما يؤيد ذلك أيضاً أن إشخاص الإمام (عليه السلام) كان بعد محاربة المأمون لأخيه الأمين حيث أراد المأمون بسط سيطرته على الجميع، وخاصة على من له النفوذ الأكبر في قلوب الناس وهم أهل البيت (عليه السلام) وإلاّ فإن كان لا يريد الخلافة لنفسه فلماذا حارب الأمين؟
ثم إنه لماذا لم يتخل عملاً عن الخلافة ويعلن بأنه لا يستحقها، وهي للإمام الرضا (عليه السلام) دون غيره.
ومما يدل أيضاً على سوء نية المأمون أنه وضع الجواسيس على الإمام (عليه السلام) وحتى في بيته الخاص، ليخبروا المأمون بكل حديث يدور، كما أنه فتح باباً من قصره على دار الإمام (عليه السلام) ليدخله كلما أراد ومن دون إبلاغ الإمام بذلك.
وكان الإمام (عليه السلام) أحياناً في حلقة علمية مع شيعته، فكان ينفتح القفل، فيقول الإمام (عليه السلام) لشيعته أن يختفوا ويتفرقوا، لأن المأمون قد قدم.
روي أنه لما انقضى أمر المخلوع واستوى أمر المأمون كتب إلى الرضا (عليه السلام) يستقدمه إلى خراسان، فاعتل عليه الرضا (عليه السلام) بعلل كثيرة، فما زال المأمون
يكاتبه ويسأله، حتى علم الرضا (عليه السلام) أنه لا يكف عنه، فخرج (عليه السلام) وأبو جعفر - الجواد - (عليه السلام) له سبع سنين، فكتب المأمون إلى من بعثه: لا تأخذ على طريق الكوفة وقم، فحُمل على طريق البصرة والأهواز وفارس حتى وافى مرو، فلما وافى مرو عرض عليه المأمون يتقلد الإمرة والخلافة، فأبى الرضا (عليه السلام) ذلك وجرت في هذا مخاطبات كثيرة، وبقوا في ذلك نحواً من شهرين، كل ذلك يأبى أبوالحسن الرضا (عليه السلام) أن يقبل ما يعرض عليه، فلما كثر الكلام والخطاب في هذا قال المأمون: فولاية العهد، فأجابه إلى ذلك عند ما رأى أن المأمون هدده بالقتل لو لم يقبل، وقال (عليه السلام) له: على شروط أسألها، فقال المأمون: سل ما شئت.
قالوا: فكتب الرضا (عليه السلام) إني أدخل في ولاية العهد على أن لا آمر ولا أنهى ولا أقضي ولا أغير شيئاً مما هو قائم وتعفيني من ذلك كله، فأجابه المأمون إلى ذلك وقبلها على هذه الشروط(1).
قال السجستاني: لما ورد البريد بإشخاص الرضا (عليه السلام) الى خراسان كنت أنا بالمدينة، فدخل الإمام (عليه السلام) المسجد ليودع رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فودعه مراراً، كل ذلك يرجع إلى القبر ويعلو صوته بالبكاء والنحيب، فتقدمت إليه وسلمت عليه، فرد السلام وهنأته فقال: «زرني فإني أخرج من جوار جدي وأموت في غربة وأدفن في جنب هارون»، قال: فخرجت متبعاً لطريقه حتى مات بطوس ودفن إلى جنب
1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) : ج2 ص160-161 ب40 ح21. وانظر بتغيير في اللفظ: الكافي: ج1 ص489 باب مولد أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ح7.
هارون(1).
وعن الوشاء، ورواه جماعة من أصحاب الرضا (عليه السلام) عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: «لما أردت الخروج من المدينة جمعت عيالي وأمرتهم أن يبكوا عليّ حتى أسمع بكاءهم، ثم فرقت فيهم إثني عشر ألف دينار، ثم قلت لهم: إني لا أرجع إلى عيالي أبداً، ثم أخذت أبا جعفر (عليه السلام) فأدخلته المسجد، ووضعت يده على حافة القبر، وألصقته به واستحفظته رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فالتفت أبو جعفر (عليه السلام) فقال لي: بأبي أنت وأمي واللّه تذهب إلى عادية؟ وأمرت جميع ولائي وحشمي له بالسمع والطاعة، وترك مخالفته، والمصير إليه عند وفاتي، وعرفتهم أنه القيم مقامي»(2).
28
كان الناس يجتمعون في الطرق المؤدية إلى خراسان عند ما يعلمون بأن الإمام الرضا (عليه السلام) سيمر عليهم، فيخرجون في استقباله (عليه السلام) ليتشرفوا بلقائه ويستفيدوا من علومه، وليروي لهم بعض أحاديث جدّه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) .
عن رجاء بن أبي الضحاك وكان بعثه المأمون لأشخاص الرضا (عليه السلام) قال:
وكان - الرضا - (عليه السلام) لا ينزل بلداً إلاّ قصده الناس يستفتونه في معالم دينهم فيجيبهم، ويحدثهم الكثير عن أبيه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فلما وردتُ به على المأمون سألني عن حاله في طريقه، فأخبرته بما شاهدت منه في ليله ونهاره وظعنه وإقامته، فقال: بلى يا ابن أبي الضحاك هذا خير أهل الأرض وأعلمهم وأعبدهم(1).
وحدثنا أبو واسع محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري قال: سمعت جدتي خديجة بنت حمدان بن بسندة قالت:
لما دخل الرضا (عليه السلام) نيسابور نزل محلة الغربي ناحية تُعرف ب- (لاش آباد) في دار جدي بسندة، وإنما سمي بسندة لأن الرضا (عليه السلام) ارتضاه من بين الناس، و(بسندة) هي كلمة فارسية معناها مرضي.
1) بحار الأنوار: ج49 ص95 ب7 ح7.
فلما نزل (عليه السلام) دارنا زرع لوزة في جانب من جوانب الدار فنبتت وصارت شجرة وأثمرت في سنة، فعلم الناس بذلك فكانوا يستشفون بلوز تلك الشجرة، فمن أصابته علة تبرك بالتناول من ذلك اللوز مستشفياً به فعوفي، ومن أصابه رمد جعل ذلك اللوز على عينه فعوفي، وكانت الحامل إذا عسر عليها ولادتها تناولت من ذلك اللوز فتخف عليها الولادة وتضع من ساعتها، وكان إذا أخذ دابة من الدواب القولنج أخذ من قضبان تلك الشجرة فأمر على بطنها فتعافى ويذهب عنها ريح القولنج ببركة الرضا (عليه السلام) .. فمضت الأيام على تلك الشجرة ويبست فجاء جدي حمدان وقطع أغصانها فعمي..
وجاء ابن لحمدان يقال له: أبو عمرو فقطع تلك الشجرة من وجه الأرض فذهب ماله كله بباب فارس، وكان مبلغه سبعين ألف درهم إلى ثمانين ألف درهم، ولم يبق له شيء..
وكان لأبي عمرو هذا ابنان... فأرادا عمارة تلك الدار وقلعا الباقي من أصل تلك الشجرة فمات أحدهما بعلة بعد شهر، وأما الآخر وهو الأكبر.. فمات أيضاً، و كان موتهما جميعاً في أقل من سنة(1).
1) انظر: مدينة المعاجز: ج7 ص131 ب 8 فصل 104 ح 2237 /135.
29
روى ابن الصباغ المالكي في كتابه فصول المهمة، أن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) لما دخل نيشابور في السفرة التي فاز بها بفضيلة الشهادة كان في قبة مستورة بالسقلاط(1)على بغلة شهباء وقد شق نيسابور، فعرض له الإمامان الحافظان للأحاديث النبوية والمثابران على السنة المحمدية أبو زرعة الرازي ومحمد بن أسلم الطوسي ومعهما خلائق لا يحصون من طلبة العلم وأهل الأحاديث وأهل الرواية والدراية، فقالا:
أيها السيد الجليل ابن السادة الأئمة بحق آبائك الأطهرين وأسلافك الأكرمين إلاّ ما أريتنا وجهك الميمون المبارك، ورويت لنا حديثاً عن آبائك (عليهم السلام) عن جدك محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) نذكرك به.
فاستوقف (عليه السلام) البغلة وأمر غلمانه بكشف المظلة عن القبة وعيون تلك الخلائق برؤية طلعته المباركة، فكانت له ذؤابتان على عاتقه، والناس كلهم قيام على طبقاتهم ينظرون إليه، وهم ما بين صارخ وباك ومتمرغ في التراب ومقبل لحافر بغلته، وعلا الضجيج، فصاح الأئمة والعلماء والفقهاء:
معاشر الناس أسمعوا وعوا وأنصتوا لسماع ما ينفعكم ولا تؤذونا بكثرة
1) نوع من الثياب الرومانية.
صراخكم وبكائكم، وكان المستملي أبو زرعة ومحمد بن أسلم الطوسي..
فقال علي بن موسى الرضا (عليه السلام) : حدثني أبي موسى الكاظم (عليه السلام) عن أبيه جعفر الصادق (عليه السلام) عن أبيه محمد الباقر (عليه السلام) عن أبيه علي زين العابدين (عليه السلام) عن أبيه الحسين شهيد كربلاء (عليه السلام) عن أبيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: حدثني حبيبي وقرة عيني رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: حدثني جبرائيل قال: سمعت رب العزة سبحانه وتعالى يقول:
«كلمة (لا إله إلا اللّه) حصني، فمن قالها دخل حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي» ثم أرخى الستر على القوم وسار. فعدوا أهل المحابر والدوي الذين كانوا يكتبون فأنافوا على عشرين ألفا.. وفي رواية: «عد من المحابر أربعة وعشرون ألفا سوى الدوي»(1).
أقول: وفي الحديث تتمة قالها الإمام الرضا (عليه السلام) وهي مذكورة في الطرق الأخرى.
عن يوسف بن عقيل عن إسحاق بن راهويه قال: لما وافى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) نيسابور وأراد أن يرحل منها إلى المأمون، اجتمع إليه أصحاب الحديث فقالوا له: يا بن رسول اللّه ترحل عنا ولا تحدثنا بحديث فنستفيده منك، وكان (عليه السلام) قد قعد في العمارية فأطلع رأسه وقال: سمعت أبي موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول سمعت أبي جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول سمعت أبي محمد بن علي (عليه السلام) يقول سمعت أبي علي بن الحسين (عليه السلام) يقول سمعت أبي الحسين بن علي (عليه السلام) يقول سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول سمعت
1) الفصول المهمة: ج2 ص1002- 1003 فصل8.
رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يقول: سمعت جبرئيل يقول: سمعت اللّه عزوجل يقول:
«لا إله إلا اللّه حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي» قال: فلما مرت الراحلة نادى (عليه السلام) : «بشروطها وأنا من شروطها»(1).
أقول: أي من شروطها الإقرار بإمامة الإمام الرضا (عليه السلام) .
1) بشارة المصطفى: ص413 الجزء العاشر ح12.
30
أشرنا سابقاً إلى أن ولاية العهد قد فُرضت على الإمام الرضا (عليه السلام) ولم يكن يقبل بها الإمام (عليه السلام) إلاّ بعد أن أجبره المأمون العباسي وهدّده بالقتل(1).
وقد ذكر قوم أن الفضل بن سهل هو الذي أشار إلى المأمون بتنفيذ هذه الخطة وعرض الخلافة على علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وإن لم يقبل فولاية العهد، وذلك ليأمن من تحرك الإمام (عليه السلام) والطالبيين ضد العباسيين، ولغير ذلك.
وكان الفضل بن سهل ذو الرئاستين وزير المأمون ومدبر أموره ورئيس جيشه، وكان مجوسياً فأسلم على يد يحيى بن خالد البرمكي وصحبه، قيل: بل أسلم سهل والد الفضل على يدي المهدي وإن الفضل اختاره يحيى البرمكي لخدمة المأمون فضمه إليه فتغلب عليه فاستبد بالأمر دونه، وإنما لقب بذي الرئاستين لأنه تقلد الوزارة ورئاسة الجند(2).
فلما بلغ العباسيين خبر ولاية العهد ببغداد ساءهم ذلك فاخرجوا إبراهيم بن
المهدي وبايعوه بالخلافة، وكان إبراهيم هذا مؤلفاً بضرب العود منهمكاً في شرب الخمر(1).
وبعد أن تمت الخطة في ولاية العهد صمم المأمون على قتل الفضل بن سهل وقتل الإمام الرضا (عليه السلام) معاً، وخرج من مرو منصرفاً إلى العراق، لتثبيت حكمه ولكي يرضي العباسيين.
فاحتال على الفضل بن سهل حتى قتله في حمام بسرخس، وذلك بيد غالب خال المأمون(2)، مفاجأةً في شعبان سنة ثلاث ومائتين، كما احتال المأمون على علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فسمّه ومات مظلوماً شهيداً، وأمر المأمون بدفنه بسناباد من طوس بجنب قبر هارون(3).
وقد تقدم ما يدل على نوايا المأمون السيئة تجاه الإمام الرضا (عليه السلام) ، وأنه كان يتظاهر بحب أهل البيت (عليهم السلام) وإكرام الذرية الطاهرة، وربما قال إني قدّمت ولاية العهد لنذر نذرته(4)، وكان ذلك من مَكره.
وكذلك الفضل بن سهل فقد كان من أعداء الإمام (عليه السلام) لأنه من صنائع آل برمك(5).
1) انظر أعيان الشيعة: ج2 ص24.
2) سير أعلام النبلاء: ج10 ص101.
3) بحار الانوار: ج49 ص142 ب13 ح19.
4) سيأتي بعد قليل حديث المأمون مع الريان بن الصلت وإدعاؤه ذلك.
5) فقد ورد فيما ورد: (ثم كان من البرامكة ما كان في السعي على دمه والإغراء به حتى حبسه في يد السندي بن شاهك وأمره الرشيد بقتله في السم) دلائل الامامة: ص373 ح333/31. وقد مر في هذا الكتاب تحريض يحيى البرمكي لهارون على قتل الرضا (عليه السلام) . كما مر أيضا دعاء الامام الرضا (عليه السلام) عليهم، انظر (الدعاء على البرامكة).
ومن الواضح على اللبيب أن المأمون الذي قتل أخاه الأمين على الملك، لايتنازل عن الملك إلى غيره بكل سهولة.
ومما يدل على أن المأمون وكذا الفضل بن سهل، كانا يتظاهران بحب الإمام وإكرامه وينويان الشر:
قصة صلاة العيد،حيث ورد أنه لما خرج الإمام (عليه السلام) للصلاة وعم البكاء والضجيج في مرو عند ما رأوا أبا الحسن الرضا (عليه السلام) وسمعوا تكبيره، وبلغ المأمون ذلك، فقال له الفضل بن سهل ذو الرياستين: يا أمير إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس وخفنا كلنا على دمائنا، فأنفذ إليه أن يرجع فبعث إليه المأمون(1).
وروى الشيخ الصدوق (رحمه اللّه) في عيون الأخبار بسنده عن الريان بن الصلت: أن الناس أكثروا في بيعة الرضا (عليه السلام) من القواد والعامة ومن لم يحب ذلك، وقالوا: هذا من تدبير الفضل بن سهل ذي الرياستين، فبلغ المأمون ذلك فبعث إليّ في جوف الليل فصرت إليه، فقال لي: يا ريان بلغني أن الناس يقولون أن بيعة الرضا كانت من تدبير الفضل بن سهل؟
قلت: يا أمير يقولون ذلك، قال: ويحك يا ريان أيجسر أحد أن يجيء إلى خليفة وابن خليفة قد استقامت له الرعية والقواد واستوت له الخلافة فيقول له: ادفع الخلافة من يدك إلى غيرك، أيجوز هذا في العقل؟
قلت: لا واللّه يا أمير ما يجسر على هذا أحد.
قال: لا واللّه ماكان كما يقولون، ولكني سأخبرك بسبب ذلك: أنه لما كتب
1) روضة الواعظين: ص228
إلي محمد أخي يأمرني بالقدوم عليه فأبيت، عقد لعلي بن عيسى بن ماهان وأمره أن يقيدني بقيد ويجعل الجامعة في عنقي فورد علي بذلك الخبر وبعثت هرثمة بن أعين إلى سجستان وكرمان وماوالاها فأفسد علي أمري فانهزم هرثمة، وخرج صاحب السرير وغلب على كور خراسان من ناحيته فورد علي هذا كله في أسبوع، فلما ورد ذلك علي لم يكن لي قوة في ذلك ولا كان لي مال أتقوى به ورأيت من قوادي ورجالي الفشل والجبن فأردت أن ألحق بملك كابل فقلت في نفسي: ملك كابل رجل كافر ويبذل محمد له الأموال فيدفعني إلى يده، فلم أجد وجها أفضل من أن أتوب إلى اللّه من ذنوبي وأستعين به على هذه الأمور وأستجير باللّه عزوجل، وأمرت بهذا البيت، وأشار الى بيت فكنس وصببت علي الماء ولبست ثوبين أبيضين وصليت أربع ركعات قرأت فيها من القرآن ما حضرني ودعوت اللّه واستجرت به وعاهدته عهداً وثيقاً بنية صادقة إن أفضى اللّه بهذا الأمر إليّ وكفاني عادية الأمور أن أضع هذا الأمر في موضعه الذي وضعه اللّه عزوجل فيه، ثم قوي فيه قلبي فبعثت طاهراً الى علي بن عيسى بن ماهان فكان من أمره ماكان، ورددت هرثمة بن أعين الى رافع بن أعين فظفر به وقتله، وبعثت الى صاحب السرير فهاديته وبذلت له شيئاً حتى رجع فلم يزل أمري يتقوى حتى كان من أمر محمد ما كان وأفضى اللّه إلي بهذا الأمر واستوى لي فلما وفى اللّه تعالى بما عاهدته أحببت أن أفي اللّه بما عاهدته، فلم أر أحداً أحق بهذا الأمر من أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فوضعتها فيه، فلم يقبلها على ما قد علمت، فهذا كان سببها(1).
وقد اختلق المأمون هذه القصة لكي يبرر مواقفه ضد الأمين ويدعي أنه كان
1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) : ج2 ص162- 164 ب40 ح22.
مسدداً بالجانب الغيبي وأنه تاب إلى اللّه وتضرع.. وأنه صادق في تعامله مع الإمام الرضا (عليه السلام) ، وإلا فإن كان قد عاهد اللّه أن يتنحى عن الحكومة فلماذا حارب الأمين وخاض أخطارها ليصل إليها؟.
نعم إن عرض الخلافة على الإمام (عليه السلام) كان خطة من المأمون للقضاء على الإمام (عليه السلام) وعلى سمعته الطيبة، كما أراد أن يكتسب شرعية من الإمام (عليه السلام) في ظلمه وجوره، وأراد أن يسجل ما يجري من الظلم في البلاد على الإمام (عليه السلام) لأنه شريك في الحكم(1).
ومن جانب آخر فإنه كان يخاف من ثورة العلويين ومن معرفة الناس بمقام أهل البيت (عليهم السلام) فاحتال بإظهار احترام الإمام (عليه السلام) وإكرامه ليضمن إخماد تلك الثورات.. ولكي يستمر حكم بني العباس(2)..
وكان الإمام (عليه السلام) عارفاً بمكر المأمون فأبى أن يقبل ما يعرض عليه المأمون من الخلافة وولاية العهد، روى الصدوق (رحمه اللّه) في حديث: أن الرضا (عليه السلام) لما ورد مرو
1) فقدو ورد فيما ورد: (قال المأمون: قد كان هذا الرجل مستتراً عنا يدعو إلى نفسه، فأردنا أن نجعله ولي عهدنا ليكون دعاؤه لنا وليعترف بالملك والخلافة لنا وليعتقد فيه المفتونون به أنه ليس مما ادعى في قليل ولاكثير وأن هذا الامر لنا من دونه..) مدينة المعاجز: ج7 ص141 ب8 فصل107 ح2240 / 138.
2) خلاصة الثورات في تلك الحقبة: ثورة أبي السرايا في الكوفة، ثورة زيد النار وعلي بن محمد في البصرة ثورة محمد بن جعفر الديباج في مكة، ثورة إبراهيم بن موسى بن جعفر في اليمن، ثورة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسين الشهيد في المدينة، ثورة جعفر بن محمد بن زيد بن علي والحسين بن إبراهيم بن الحسن بن علي في واسط، ثورة محمد بن إسماعيل بن محمد في المدائن، وغيرها من الثورات وأنت تلاحظ أن هذه الثورات كانت بزعامة العلويين وفي مختلف البلدان الشيعية وغيرها. إضافة إلى ثورات غير العلويين الذين نادوا باسم هل البيت كثورة الحسن الهراش.
عرض عليه المأمون أن يتقلد الإمرة والخلافة، فأبى الرضا (عليه السلام) ذلك وجرت في هذا مخاطبات كثيرة وبقوا في ذلك نحواً من شهرين كل ذلك يأبى عليه أبو الحسن علي بن موسى (عليه السلام) أن يقبل ما يعرض عليه(1).
وبعد ما يئس المأمون من قبول الإمام الرضا (عليه السلام) للخلافة عرض عليه ولاية العهد، فرفضها الإمام (عليه السلام) أيضا ولكن المأمون أصر وقام بتهديد الإمام (عليه السلام) ..
قال المأمون: فإذا أبيت ما عرضت عليك فلابد من ولاية العهد من بعدي، فأبى عليه الرضا (عليه السلام) إباءً شديداً، فاستدعاه إليه وخلا به ومعه الفضل بن سهل ذو الرياستين وليس في المجلس غيرهم وقال له: إني قد رأيت أن أقلدك أمر المسلمين وأفسخ ما في رقبتي وأضعه في رقبتك!
فقال له الرضا (عليه السلام) : «اللّه اللّه يا أمير، إنه لا طاقة لي بذلك ولا قوة لي عليه».
قال له: فإني موليك العهد من بعدي.
فقال له: «أعفني من ذلك يا أمير».
فقال له المأمون كلاماً فيه كالتهديد له على الامتناع عليه، وقال له في كلامه: أن عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة أحدهم جدك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وشرط فيمن خالف منهم أن يُضرب عنقه ولابد من قبولك ما أريده منك فإني لا أجد محيصاً عنه.
فقال له الرضا (عليه السلام) : «فإني مجيبك إلى ما تريد من ولاية العهد على أنني لاآمر ولا أنهى ولا أفتي ولا أقضي ولا أولي ولا أعزل ولا أغير شيئاً مما هو قائم»، فأجابه المأمون إلى ذلك كله(2).
ثم أمر المأمون بضرب الدراهم باسمه وباسم الإمام الرضا (عليه السلام) كولي العهد له. فنقش على الدراهم: اللّه، محمد رسول اللّه، المأمون خليفة اللّه، مما أمر به الأمير الرضا ولي عهد المسلمين علي بن موسى ابن علي بن أبي طالب ذو الرئاستين(1).
ثم قام المأمون بنشر الدعايات بأن الإمام الرضا (عليه السلام) يدعي الزهد وقد قبل بولاية العهد...
عن الريان بن الصلت قال:
دخلت على علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فقلت له: يا بن رسول اللّه إن الناس يقولون إنك قبلت ولاية العهد مع إظهارك الزهد في الدنيا؟ فقال (عليه السلام) : «قد علم اللّه كراهتي، لذلك فلما خيرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل، ويحهم أما علموا أن يوسف (عليه السلام) كان نبياً ورسولاً فلما دفعته الضرورة إلى تولي خزائن العزيز {قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}(2)ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاك، على أني ما دخلت في هذا الأمر إلاّ دخول خارج منه(3)فإلى اللّه المشتكى وهو المستعان»(4).
وعن أبي الصلت الهروي قال: إن المأمون قال للرضا (عليه السلام) : يا بن رسول اللّه
1) حكاه صاحب أعيان الشيعة عن صاحب كتاب مطلع الشمس، وقد استشهد على الكتابة على الدراهم جماعة من العلماء. راجع أعيان الشيعة: ج2ص21.
2) سورة يوسف: 55.
3) الظاهر أنه إشارة إلى الشرط الذي وضعه (عليه السلام) وهو عدم تغييره لشيء وعدم قيامه بشيء، فقبوله للولاية كلا قبول.
4) الامالي، للصدوق: ص130- 131 المجلس 17 ح118/3.
قد عرفتُ علمك وفضلك وزهدك وورعك وعبادتك، وأراك أحق بالخلافة مني، فقال الرضا (عليه السلام) : «بالعبودية لله عزوجل أفتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند اللّه تعالى». فقال له المأمون: فإني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك! فقال له الرضا (عليه السلام) : «إن كانت هذه الخلافة لك، وجعلها اللّه لك، فلا يجوز لك أن تخلع لباساً ألبسكه اللّه وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك».
فقال له المأمون: يا بن رسول اللّه، لابد لك من قبول هذا الأمر.
فقال (عليه السلام) : «لست أفعل ذلك طائعا أبدا». فما زال يجهد به أياماً حتى يئس من قبوله، فقال له: فإن لم تقبل الخلافة ولم تحب مبايعتي لك فكن ولي عهدي لتكون لك الخلافة بعدي، فقال الرضا (عليه السلام) : «واللّه لقد حدثني أبي (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أني أخرج من الدنيا قبلك مقتولاً بالسم مظلوماً، تبكي عليّ ملائكة السماء وملائكة الأرض وأدفن في أرض غربة إلى جنب هارون».
فبكى المأمون(1)
ثم قال له: يا ابن رسول اللّه ومن الذي يقتلك أو يقدر على الإساءة إليك وأنا حي؟ فقال الرضا (عليه السلام) : «أما إني لو أشاء أن أقول من الذي يقتلني لقلت».
فقال المأمون: يا ابن رسول اللّه إنما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك ودفع هذا الأمر عنك ليقول الناس إنك زاهد في الدنيا.
1) أي تظاهر بالبكاء.
فقال الرضا (عليه السلام) : «واللّه ما كذبت منذ خلقني ربي تعالى، وما زهدت في الدنيا للدنيا، وإني لأعلم ما تريد».
فقال المأمون: وما أريد؟
قال (عليه السلام) : الأمان على الصدق. قال: لك الأمان.
قال (عليه السلام) : «تريد بذلك أن يقول الناس إن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة».
فغضب المأمون ثم قال: إنك تتلقاني أبداً بما أكرهه وقد أمنت سطوتي فباللّه أقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلاّ أجبرتك على ذلك فإن فعلت وإلاّ ضربت عنقك!!.
فقال الرضا (عليه السلام) : «قد نهاني اللّه عزوجل أن ألقي بيدي التهلكة، فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك وأنا أقبل ذلك على أني لا أولّي أحداً ولا أعزل أحداً ولا أنقض رسماً ولا سنةً، وأكون في الأمر من بعيد مشيراً،فرضي منه بذلك وجعله ولي عهده على كراهة منه (عليه السلام) بذلك(1).
وعن محمد بن عرفة قال: قلت للرضا (عليه السلام) : يا ابن رسول اللّه ما حملك على الدخول في ولاية العهد؟ فقال (عليه السلام) : «ما حمل جدي أمير المؤمنين (عليه السلام) على الدخول في الشورى»(2).
وعن عبد السلام بن صالح الهروي قال: واللّه ما دخل الرضا (عليه السلام) في هذا
الأمر طائعاً ولقد حمل إلى الكوفة مكرهاً ثم أشخص منها على طريق البصرة إلى فارس ثم إلى مرو(1).
وقام المأمون بعقد مجالس للتهنئة واستدعى الشعراء، وكان يريد بذلك أن يعرف مدى علاقة الناس والشعراء بأهل البيت (عليهم السلام) .
عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال: إن المأمون لما جعل علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ولي عهده وإن الشعراء قصدوا المأمون ووصلهم بأموال جمة حين مدحوا الرضا (عليه السلام) وصوبوا رأي المأمون في الأشعار، دون أبي نواس فإنه لم يقصده ولم يمدحه، ودخل على المأمون فقال له: ياأبا نواس قد علمت مكان علي بن موسى الرضا (عليه السلام) مني وما أكرمته به فلماذا أخرت مدحه وأنت شاعر زمانك وقريع دهرك؟ فأنشد يقول:
قيل لي أنت أوحد الناس طرا***في فنون من الكلام النبيه
لك من جوهر الكلام بديع***يثمر الدر في يدي مجتنيه
فعلى ما تركت مدح ابن موسى***والخصال التي تجمعن فيه
قلت لا أهتدي لمدح إمام***كان جبرئيل خادما لأبيه(2)
فقال المأمون: أحسنت ووصله من المال بمثل الذي وصل به كافة الشعراء وفضله عليهم(3).
وأراد المأمون أن يضيق على الإمام الرضا (عليه السلام) أكثر، فأشار إلى الإمام بالزواج من أم حبيب ابنته أو أخته، لتكون عيناً على الإمام (عليه السلام) . كما أراد بذلك أن يبين للناس أنه معتقد بالعترة الطاهرة (عليهم السلام) ومُكرم لذرية رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، حيث اتخذ سياسة التظاهر بحب أهل البيت (عليهم السلام) .
وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى الإمام الجواد (عليه السلام) حيث زوّجه ابنته.
وربما أراد المأمون أن يسهل عليه قتل الإمام (عليه السلام) بالسم حينما يصمم على ذلك.
روى الصدوق (رحمه اللّه) في العيون: أن المأمون بعد ما جعل الرضا (عليه السلام) ولي عهده زوجه ابنته أم حبيب (أو أم حبيبة) في أول سنة 201(1).
وفي رواية:أنه زوّجه ابنته أم حبيبة، وسمّى للجواد (عليه السلام) ابنته أم الفضل في يوم واحد(2).
وقال المسعودي في كتاب إثبات الوصية: زوّجه المأمون ابنته وقيل أخته المكناة أم أبيها، قال: والرواية الصحيحة أخته أم حبيبة، وسأله أن يخطب لنفسه، فلما اجتمع الناس للأملاك خطب (عليه السلام) خطبة قال في آخرها: «والتي تذكر أم حبيبة أخت الأمير عبد اللّه المأمون صلة للرحم وإمشاج الشبيكة وقد بذلت لها من الصداق خمسمائة درهم تزوجني يا أمير»؟ فقال المأمون: نعم قد زوجتك، فقال (عليه السلام) : «قد قبلت ورضيت»(3).
31
وحضر العيد، فبعث المأمون إلى الإمام الرضا (عليه السلام) يسأله أن يركب ويحضر العيد ويخطب، لتطمئن قلوب الناس ويعرفوا فضله وتقر قلوبهم على هذه الدولة المباركة.
فبعث إليه الإمام الرضا (عليه السلام) وقال: «قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخولي في هذا الأمر».
فقال المأمون: إنما أريد بهذا أن يرسخ في قلوب العامة والجند والشاكرية هذا الأمر فتطمئن قلوبهم ويقروا بما فضلك اللّه تعالى به..
فلم يزل يراده الكلام في ذلك، فلما ألح المأمون عليه قال (عليه السلام) : «يا أمير إن أعفيتني من ذلك فهو أحب إلي، وإن لم تعفني خرجت كما كان يخرج رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وكما خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) »..
قال المأمون: اخرج كما تحب، وأمر المأمون القواد والناس أن يبكروا إلى باب أبي الحسن الرضا (عليه السلام) .
فقعد الناس لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) في الطرقات والسطوح من الرجال والنساء والصبيان واجتمع القواد على باب الرضا (عليه السلام) فلما طلعت الشمس قام الرضا (عليه السلام) فاغتسل وتعمم بعمامة بيضاء من قطن، وألقى طرفاً منها على صدره وطرفاً بين كتفه وتشمّر، ثم قال لجميع مواليه: افعلوا مثل ما فعلت، ثم أخذ بيده عكازة
وخرج ونحن بين يديه وهو حاف قد شمّر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمرة، فلما قام ومشينا بين يديه رفع رأسه إلى السماء وكبّر أربع تكبيرات، فخيل إلينا أن الهواء والحيطان تجاوبه، والقواد والناس على الباب قد تزينوا ولبسوا السلاح وتهيئوا بأحسن هيئة، فلما طلعنا عليهم بهذه الصورة حفاة قد تشمرنا وطلع الرضا (عليه السلام) وقف وقفة على الباب قال: «اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر على ما هدانا، اللّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، والحمد لله على ما أبلانا»، ورفع بذلك صوته ورفعنا أصواتنا. فتزعزعت مرو من البكاء والصياح، فقالها: ثلاث مرات، فسقط القواد عن دوابهم ورموا بخفافهم لما نظروا إلى أبي الحسن (عليه السلام) وصارت مرو ضجة واحدة، ولم يتمالك الناس من البكاء والضجيج..
فكان أبو الحسن (عليه السلام) يمشي ويقف في كل عشر عشرة خطوات وقفة، فيكبر اللّه أربع مرات، فتخيل إلينا أن السماء والأرض والحيطان تجاوبه..
وبلغ المأمون ذلك، فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين: يا أمير إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس فالرأي أن تسأله أن يرجع، فبعث إليه المأمون فسأله الرجوع، فدعا أبو الحسن (عليه السلام) بخفه فلبسه ورجع(1).
وفي رواية الإرشاد: فبعث إليه المأمون: قد كلفناك شططاً واتعبناك ولسنا نحب أن تلحقك مشقة فارجع وليصل بالناس من كان يصلي بهم على رسمه، فدعا أبو الحسن (عليه السلام) بخفه فلبسه وركب ورجع، واختلف أمر الناس في ذلك اليوم ولم ينتظم في صلاتهم»(2).
32
كان المأمون يأمر بين فترة وأخرى بتفتيش بيت الإمام الرضا (عليه السلام) ، وربما قام بذلك بنفسه ومباشرة، فكان يدخل أحياناً على الإمام (عليه السلام) فجأة ليرى ما يقوم به الإمام (عليه السلام) وما يجري في داره (عليه السلام) .. حيث كان قد فتح على بيت الإمام (عليه السلام) باباً من داخل قصره.
هذا بالإضافة إلى العيون التي جعلها المأمون في بيت الإمام (عليه السلام) ليخبروه بما يفعل، وبمن يدخل ويخرج، وبما يقوله الإمام (عليه السلام) ..
قال ياسر الخادم: فبينا نحن عنده - أي عند الإمام الرضا (عليه السلام) - يوماً إذ سمعنا وقع القفل الذي كان على باب المأمون إلى دار أبي الحسن (عليه السلام) ، فقال لنا الرضا (عليه السلام) : «قوموا تفرقوا» فقمنا عنه، فجاء المأمون ومعه كتاب طويل...(1).
وفي التاريخ أنه كان لا يتكلم الإمام الرضا (عليه السلام) في داره بشيء إلاّ أورده هشام - وكان من الجواسيس - على المأمون وذي الرئاستين أي الفضل بن سهل وهو وزير المأمون(2).
1) قاموس الرجال: ج11 ص4، وقد مرت الإشارة إلى هذا الحديث.
2) روى الصدوق (رحمه اللّه) :(وكان هشام بن إبراهيم... فلما حمل أبو الحسن اتصل هشام بن إبراهيم بذي الرياستين وأدناه فكان ينقل أخبار الرضا (عليه السلام) إلى ذي الرياستين والمأمون فحظي بذلك عندهما وكان لايُخفي عليهما من أخباره شيئاً، فولاه المأمون حجابة الرضا (عليه السلام) قكان لايصل إلى الرضا إلا من أحب، وضيّق على الرضا، فكان من يقصده من مواليه لايصل إليه وكان لايتكلم الرضا (عليه السلام) في داره بشئ إلا أورده هشام على المأمون وذي الرياستين..) خاتمة المستدرك: ج5 ص365- 366.
وكان المأمون أحياناً يُرسل وزيره الفضل بن سهل إلى الإمام (عليه السلام) ليختبره ويطمئن من أنه ينوي القيام على المأمون أم لا؟
روي أنه قصد الفضل بن سهل مع هشام بن إبراهيم الرضا (عليه السلام) فقال له: يا بن رسول اللّه جئتك في سرّ! فأخل لي المجلس، فأخرج الفضل يميناً مكتوبة بالعتق والطلاق ومالا كفارة له وقالا له: إنما جئناك لنقول كلمة حق وصدق وقد علمنا أن الإمرة أمرتكم والحق حقكم يا بن رسول اللّه، والذي نقوله بألسنتنا عليه ضمائرنا وإلاّ ينعتق ما نملك والنساء طوالق، وعلي ثلاثون حجة راجلاً إنا على أن نقتل المأمون ونخلص لك الأمر حتى يرجع الحق إليك!
فلم يسمع الإمام (عليه السلام) منهما، وقال لهما: كفرتما النعمة فلا تكون لكما السلامة ولا لي إن رضيت بما قلتما.
فلما سمع الفضل ذلك منه مع هشام علما أنهما أخطئا(1)فقصدا المأمون... فلما دخلا على المأمون قالا: يا أمير إنا قصدنا الرضا (عليه السلام) وجربناه وأردنا أن نقف ما يضمره لك فقلنا وقال.. فقال المأمون: وفقتما، الحديث(2).
33
استفاد الإمام الرضا (عليه السلام) من الفرصة التي أتيحت له وقام بنشر علوم أهل البيت (عليهم السلام) والتأكيد على ولاية أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) فإن المأمون كان مضطراً للتظاهر باحترام الإمام (عليه السلام) وفسح بعض المجال له، وإن منعه بعد ذلك.
ومن هنا كان الكثير من الروايات الصريحة عن الإمام الرضا (عليه السلام) في العقائد الحقة. وربما كان الإمام (عليه السلام) يبين بصراحة بطلان نهج المأمون ومن مثله ممن اغتصبوا وسرقوا حق آل محمد (عليهم السلام) .
عن محمد بن سنان قال: كنت عند مولاي الرضا (عليه السلام) بخراسان وكان المأمون يقعده على يمينه إذا قعد للناس يوم الإثنين ويوم الخميس، فرُفع إلى المأمون أن رجلاً سرق، فأمر بإحضاره، فلما نظر إليه وجده متقشفاً بين عينيه أثر السجود، فقال له: سوأةً لهذه الآثار الجميلة ولهذا الفعل القبيح، أتنسب إلى السرقة مع ما أرى من جميل آثارك وظاهرك؟
قال: فعلت ذلك اضطراراً لا اختياراً حين منعتني حقي من الخمس والفيء.
فقال المأمون: وأي حق لك في الخمس والفيء؟
قال: إن اللّه عزوجل تعالى قسّم الخمس ستة أقسام وقال اللّه تعالى: {واعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى والْيَتامى الْمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ
إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ}(1).
وقسّم الفيء على ستة أقسام فقال عزوجل: {ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وللرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لايَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنْكُمْ}(2)، قال الرجل: فمنعتني حقي وأنا ابن السبيل منقطع بي ومسكين لا أرجع على شيء ومن حملة القرآن.
قال له المأمون: اُعطّل حداً من حدود اللّه وحكماً من أحكامه في السارق من أجل أساطيرك هذه. فقال الرجل: ابدأ بنفسك فطهّرها ثم طهّر غيرك، وأقم حد اللّه عليها ثم على غيرك. فالتفت المأمون إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فقال: ما تقول؟ فقال (عليه السلام) : «إنه يقول سرقتَ فسرق»، فغضب المأمون غضباً شديداً ثم قال للرجل: واللّه لأقطعنك، فقال الرجل: أتقطعني وأنت عبد لي!؟
فقال المأمون: ويلك ومن أين صرت عبداً لك!؟
قال: لأن أمك اشتريت من مال المسلمين، فأنت عبد لمن في المشرق والمغرب حتى يعتقوك، وأنا لم أعتقك، ثم بلعت الخمس بعد ذلك فلا أعطيت آل الرسول (صلی اللّه عليه وآله وسلم) حقاً ولا أعطيتني ونظرائي حقنا، والأخرى أن الخبيث لا يطهر خبيثاً مثله، إنما يطهّره طاهر، ومن في جنبه الحد لا يقيم الحدود على غيره حتى يبدأ بنفسه، أما سمعت اللّه عزوجل يقول: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ}(3). فالتفت المأمون إلى الرضا (عليه السلام) فقال: ما ترى في أمره؟ فقال (عليه السلام) : «إن اللّه تعالى جل جلاله قال لمحمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ
الْبالِغَةُ}(1)وهي التي لم تبلغ الجاهل فيعلمها على جهله كما يعلمها العالم بعلمه، والدنيا والآخرة قائمتان بالحجة، وقد احتج الرجل»(2). فأمر المأمون عند ذلك بإطلاق الرجل واحتجب عن الناس، واشتغل بأبي الحسن الرضا (عليه السلام) حتى سمّه فقتله، وقتل الفضل بن سهل وجماعة من الشيعة(3).
34
ثم إن المأمون بعد أن اطمئن من سيطرته النسبية على الإمام الرضا (عليه السلام) ومراقبته لنشاطاته، بعث إلى ذوي الإمام (عليه السلام) وسائر العلويين وكبار الشيعة ليتوجهوا إلى خراسان ويتشرفوا بلقاء الإمام (عليه السلام) .. وكان يتظاهر بإكرام من يصل إليه، وحتى بإكرام الشعراء الذين مدحوا الإمام الرضا (عليه السلام) وباركوه في ولاية العهد كما في قصة دعبل وأبي نواس(1).
وأراد بذلك كله جلب العلويين وكبار الشيعة من المدينة المنورة وغيرها إلى خراسان، وكان قد أمر جلاوزته بقتل العلويين وذرية النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وكبار الشيعة وهم في طريقهم إلى خراسان، ولذلك ترى كثرة قبورهم في طريق المدينة إلى خراسان؛ حيث قُتل بعضهم بالسيف وبعضهم بالسم، وكان أكثر القتل بالسم(2)
مات الإمام المرتضى مسموماً***وطوى الزمان فضائلا وعلوما)
أعيان الشيعة: ج2ص229-230.
وفي أحوال: محمد بن محمد بن زيد الشهيد: (.. فحمل إلى خراسان إلى المأمون فأسكنه داراً وأخدمه كان فيها على سبيل الاعتقال فأقام أربعين يوماً ومات من شربة سم دُست إليه) أعيان الشيعة: ج2ص230. وغيرهم كثير..
.1) راجع بحث (الشعراء في ولاية العهد) من هذا الكتاب ص217-218.
2) فقد ورد في كتاب لب الأنساب: كان أحمد بن موسى كريماً شجاعاً.. وخرج من بغداد لطلب ثأره ومعه ثلاثة الآف من أحفاد الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) قاصداً حرب المأمون، ولما وصلوا إلى قم حاربهم عاملها من قبل المأمون واستشهد منهم جماعة ودفنوا هناك، ولما وصلوا اسفراين من ناحية خراسان نزلوا في أرض سبخة بين جبلين فهجم عليهم عسكر المأمون وحاربهم وقتلهم واستشهد أحمد. أعيان الشيعة: ج10 ص191). وجاء في أحوال إبراهيم بن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) المشهور بالمرتضى: قال علي بن أنجب المعروف بابن الساعي في مختصر أخبار الخلفاء: (مات مسموماً ببغداد، وقد قدم بغداد بعهد وثيق من المأمون ولكن اللّه يفعل ما يشاء، وأنشد حين لحده ابن السماك الفية:
ومن الذين قتلهم المأمون، السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) والوفد الذي رافقتها من العلويين والعلويات حيث سُمّموا في ساوة بقرب قم المقدسة(1)، فجاءت (عليها السلام) إلى قم وتوفيت فيها مسمومة شهيدة، وكذلك توفي بعض من رافقها.
وربما كان يسأل المأمون من الإمام (عليه السلام) أن يعرّف له بعض من يثق به لكي يوليه بعض البلدان، وكان قصد المأمون التعرف عليهم ليقتلهم.
قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام) لأحد شيعته(2): «قال لي المأمون يوماً يا أبا الحسن انظر بعض من تثق به نوليه هذه البلدان التي قد فسدت علينا، فقلت له: تفي لي وأفي لك، فإني إنما دخلت فيما دخلت على أن لا آمر فيه ولا أنهى ولا أعزل ولا أولي ولا أشير حتى يقدمني اللّه قبلك، فو اللّه إن الخلافة لشيء ما حدثت به نفسي، ولقد كنت بالمدينة أتردد في طرقها على دابتي وإن أهلها وغيرهم يسألوني الحوائج فأقضيها لهم، فيصيرون كالأعمام لي، وإن كتبي لنافذة في الأمصار وما زدتني في نعمة هي عليّ من ربي» فقال: أفي لك(3).
وقد سبق في قصة الرجل المتهم بالسرقة، أن المأمون اشتغل بالرضا (عليه السلام) حتى سمّه فقتله، وقد كان قتل جماعة من الشيعة(1).
كان المأمون العباسي لا يرتاح لاستفادة الناس من علوم الإمام الرضا (عليه السلام) وكان يسعى لمنع الناس من اللقاء بالإمام الرضا (عليه السلام) والأخذ من علمه، وإذا كان يبلغه أن هناك من يرد على الإمام (عليه السلام) ليتعلم منه، كان يأمر جلاوزته بمنعه.. ثم أمر بعد ذلك بغلق كل نشاط علمي للإمام (عليه السلام) .
عن عبد السلام بن صالح الهروي قال:
رُفع إلى المأمون أن أبا الحسن علي بن موسى (عليه السلام) يعقد مجالس الكلام والناس يفتتنون بعلمه، فأمر المأمون حاجبه محمد بن عمرو الطوسي فطرد الناس عن مجلسه وأحضر الإمام الرضا (عليه السلام) .. فلما نظر إليه المأمون زبره واستخف به. أي بالإمام الرضا (عليه السلام) ، فغضب الإمام (عليه السلام) ودعا بدعاء مرّ ذكره كان فيه: «وانتقم لي ممن ظلمني واستخفّ بي وطرد الشيعة عن بابي».
وفي هذا الدعاء دلالات على مدى ضغوط المأمون على الإمام (عليه السلام) وشيعته.
وعن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي قال:
كنت شاكاً في أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فكتبت إليه كتاباً أسأله فيه الإذن عليه، وقد أضمرتُ في نفسي إذا دخلت عليه أسئله عن ثلاث آيات قد عقدتُ قلبي عليها.
1) انظر بحار الأنوار: ج49 ص288 باب 20 أسباب شهادته صلوات اللّه عليه ح1. وعلل الشرائع: ج1 ص240 ب174 باب علة قتل المأمون للرضا (عليه السلام) .
قال: فأتى جواب ما كتبت به إليه: «عافاني اللّه تعالى وإياك، أما ما طلبت من الإذن علي فإن الدخول علي صعب وهؤلاء قد ضيقوا علي في ذلك، فلست تقدم عليه الآن وسيكون إن شاء اللّه»، الحديث(1).
1) تعليقة على منهج المقال: ص71-72.
35
ومما قام به المأمون العباسي لحقده وحسده على الإمام الرضا (عليه السلام) أنه أمر بحبس الإمام (عليه السلام) في منطقة سرخس وقيّد الإمام (عليه السلام) بالحديد، ومنع الناس من ملاقاة الإمام (عليه السلام) .
عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: جئت إلى باب الدار التي حُبس فيها الرضا (عليه السلام) بسرخس وقد قُيّد (عليه السلام) .. فاستأذنت عليه السجان فقال: لا سبيل لك إليه (عليه السلام) (1).
وهكذا استمرت الضغوط والإيذاءات من قبل المأمون العباسي للإمام الرضا (عليه السلام) قبل السجن وحينه وبعده، حتى أن الإمام (عليه السلام) أخذ يدعو اللّه عزوجل بتعجيل وفاته!.
عن ياسر الخادم قال: كان الرضا (عليه السلام) إذا رجع يوم الجمعة من الجامع وقد أصابه العرق والغبار رفع يديه وقال (عليه السلام) : «اللّهم إن كان فرجي مما أنا فيه بالموت فعجّله لي الساعة»..
ولم يزل الإمام (عليه السلام) مغموماً مكروباً إلى أن قُبض(2).
36
بعد أن استتب الأمر للمأمون العباسي، أخذ يخطّط لقتل الإمام (عليه السلام) ، وكان مما خططه قصة حمام سرخس: حيث روى ياسر الخادم أنه ورد على الفضل ذي الرئاستين كتاب من أخيه الحسن بن سهل (فيه):
إني نظرت في تحويل هذه السنة في حساب النجوم فوجدت (فيه) أنك تذوق في شهر كذا يوم الأربعاء حر الحديد وحر النار، وأرى أنك تدخل أنت والرضا (عليه السلام) والأمير الحمام في هذا اليوم فتحتجم فيه وتصب الدم على بدنك ليزول نحسه عنك.
أقول: وكانت هذه الرسالة خطة من المأمون لقتل الفضل والإمام الرضا (عليه السلام) معاً.
فبعث الفضل إلى المأمون وكتب إليه بذلك وسأله أن يدخل الحمام معه وسأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) أيضاً ذلك، فكتب المأمون إلى الرضا (عليه السلام) (رقعة في) ذلك فسأله، فكتب إليه الرضا (أبو الحسن) (عليه السلام) لستُ بداخل غداً الحمام ولا أرى لك يا أمير أن تدخل الحمام غداً ولا أرى للفضل أن يدخل الحمام غداً، فأعاد المأمون إليه الرقعة مرتين، فكتب إليه أبو الحسن (عليه السلام) : «لست بداخل غداً الحمام فإني رأيت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في النوم في هذه الليلة يقول لي: يا علي لاتدخل
الحمام غداً، (فلا أرى لك يا أمير ولا للفضل أن تدخلا الحمام غداً»).
فكتب إليه المأمون يقول: صدقت يا سيدي وصدق رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأنا لستُ بداخل غداً الحمام، والفضل فهو أعلم وما يفعل.
قال ياسر: فلما أمسينا وغابت الشمس، قال لنا الرضا (عليه السلام) قولوا: «نعوذ باللّه من شر ما ينزل في هذه الليلة» فأقبلنا نقول ذلك، فلما صلى الرضا (عليه السلام) الصبح قال لنا قولوا: «نعوذ باللّه من شر ما ينزل في هذا اليوم» فما زلنا نقول ذلك، فلما كان قريباً من طلوع الشمس قال الرضا (عليه السلام) لي: «اصعد السطح واصغِ هل تسمع شيئاً؟» فلما صعدت سمعت الصيحة والنحيب وكثرة ذلك وإذا بالمأمون قد دخل من الباب الذي كان من داره، دار أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وهو يقول: يا سيدي يا أبا الحسن آجرك اللّه في الفضل، كان دخل الحمام فدخل عليه قوم بالسيوف وقتلوه(1)!
وأخذ من دخل عليه في الحمام وكانوا ثلاثة نفر أحدهم ابن خالة الفضل ذو العلمين(2)..
وهكذا احتال المأمون لقتل الفضل.
وفي التاريخ أنه: لما بلغ المأمون خبر إبراهيم(3)علم أن الفضل بن سهل أخطأ عليه وأشار بغير الصواب فخرج من مرو منصرفاً إلى العراق واحتال على الفضل بن سهل حتى قتله غالب خال المأمون في حمام بسرخس مغافصة في شعبان سنة ثلاث ومائتين أو اثنين ومائتين(4).
ومما خططه المأمون لقتل الإمام الرضا (عليه السلام) أن أرسل جلاوزته بسيوفهم ليقتلوا الإمام (عليه السلام) .. ثم يجلس للعزاء ويقول: وُجد الإمام (عليه السلام) مقتولاً!!
قال هرثمة بن أعين: دخلت على سيدي ومولاي يعني الرضا (عليه السلام) في دار المأمون وكان قد ظهر في دار المأمون أن الرضا (عليه السلام) قد توفي! ولم يصح هذا القول، فدخلت أريد الإذن عليه، قال: وكان في بعض ثقات خدم المأمون غلام يقال له صبيح الديلمي وكان يتوالى سيدي حق ولايته، وإذا صبيح قد خرج فلما رآني قال لي: يا هرثمة ألست تعلم أني ثقة المأمون على سره وعلانيته؟ قلت: بلى، قال: اعلم يا هرثمة أن المأمون دعاني وثلاثين غلاماً من ثقاته على سرّه وعلانيته في الثلث الأول من الليل، فدخلت عليه وقد صار ليله نهاراً من كثرة الشموع وبين يديه سيوف مسلولة مشحوذة مسمومة، فدعا بنا غلاماً غلاماً وأخذ علينا العهد والميثاق بلسانه وليس بحضرتنا أحد من خلق اللّه تعالى غيرنا، فقال لنا: هذا العهد لازم لكم أنكم تفعلون ما آمركم به ولا تخالفوا فيه شيئاً، قال: فحلفنا له..
فقال: يأخذ كل واحد منكم سيفاً بيده وامضوا حتى تدخلوا على علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في حجرته فإن وجدتموه قائماً أو قاعداً أو نائماً فلا تكلموه وضعوا أسيافكم عليه واخلطوا لحمه ودمه وشعره وعظمه ومخه ثم اقلبوا عليه بساطه وامسحوا أسيافكم به وصيروا إليّ، وقد جعلت لكل واحد منكم على هذا الفعل وكتمانه عشر بدر دراهم وعشر ضياع منتخبة والحظوظ عندي ما حييت وبقيت.
قال: فأخذنا الأسياف بأيدينا ودخلنا عليه في حجرته فوجدناه مضطجعاً
يقلب طرف يديه ويكلم بكلام لا نعرفه، قال: فبادر الغلمان إليه بالسيوف ووضعت سيفي وأنا قائم أنظر إليه وكأنه قد كان علم بمصيرنا إليه، فلبس على بدنه ما لا تعمل فيه السيوف فطووا على بساطه وخرجوا حتى دخلوا على المأمون، فقال لهم: ما صنعتم؟ قالوا: فعلنا ما أمرتنا به يا أمير، قال: لا تعيدوا شيئاً مما كان.
فلما كان عند تبلج الفجر خرج المأمون فجلس مجلسه مكشوف الرأس محلل الأزرار وأظهر وفاته (عليه السلام) وقعد للتعزية، ثم قام حافياً حاسراً فمشى لينظر إليه وأنا بين يديه، فلما دخل عليه حجرته سمع بهمهمة فارتعد، ثم قال: من عنده؟ قلت: لا علم لنا يا أمير، فقال: أسرعوا وانظروا، قال: صبيح فأسرعنا إلى البيت فإذا سيدي (عليه السلام) جالس في محرابه يصلي ويسبح، فقلت: يا أمير هو ذا نرى شخصاً في محرابه يصلي ويسبح، فانتفض المأمون وارتعد ثم قال: غدرتموني لعنكم اللّه، ثم التفت إليّ من بين الجماعة فقال لي: يا صبيح أنت تعرفه فانظر من المصلي عنده.
قال صبيح: فدخلت وتولى المأمون راجعاً، فلما صرت إليه (عليه السلام) عند عتبة الباب قال (عليه السلام) لي: «يا صبيح»، قلت: لبيك يا مولاي وقد سقطت لوجهي، فقال: «قم يرحمك اللّه يريدون أن يطفئوا نور اللّه بأفواههم واللّه متم نوره ولو كره الكافرون».
قال: فرجعت إلى المأمون فوجدت وجهه كقطع الليل المظلم، فقال لي: يا صبيح ما وراءك؟ فقلت له: يا أمير هو واللّه جالس في حجرته وقد ناداني وقال لي كيت وكيت.
قال: فشدّ أزراره وأمر برد أثوابه وقال: قولوا: إنه كان غشي عليه (عليه السلام) وإنه
قد أفاق!.
قال هرثمة: فأكثرت لله تعالى عزوجل شكراً وحمداً، ثم دخلت على سيدي الرضا (عليه السلام) فلما رآني قال: «يا هرثمة لا تحدث أحداً بما حدثك به صبيح إلاّ من امتحن اللّه قلبه للإيمان بمحبتنا وولايتنا».
فقلت: نعم يا سيدي.
ثم قال (عليه السلام) لي: «يا هرثمة واللّه لا يضرنا كيدهم شيئاً حتى يبلغ الكتاب أجله»(1).
1) مدينة المعاجز: ج7 ص72-75 ب8 فصل 54 ح2173/71.
37
أخبر الإمام الرضا (عليه السلام) في أكثر من حديث ومناسبة: أن المأمون العباسي هو الذي سيقتله بالسم، وهكذا استشهد الإمام (عليه السلام) مسموماً مظلوماً غريباً، كما قُتل جميع الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بالسيف أو بالسم(1).
قال الإمام الرضا (عليه السلام) في حديث: «وجميع الأئمة الأحد عشر بعد النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قُتلوا، منهم بالسيف وهو أمير المؤمنين (عليه السلام) والحسين (عليه السلام) ، والباقون قُتلوا بالسم، قَتل كلَّ واحد منهم طاغيةُ زمانه»(2).
وعن عبد السلام بن صالح الهروي قال سمعت الرضا (عليه السلام) يقول:
«إني ساُقتل بالسُم مظلوماً، واُقبَر إلى جنب هارون، ويجعل اللّه تربتي مختلف شيعتي وأهل محبتي، فمن زارني في غربتي وجبت له زيارتي يوم القيامة، والذي أكرم محمداً (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالنبوة واصطفاه على جميع الخليقة لا يصلي أحد منكم عند قبري ركعتين إلاّ استحق المغفرة من اللّه تعالى عزوجل يوم يلقاه، والذي أكرمنا
بعد محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالإمامة وخصنا بالوصية إن زوار قبري لأكرم الوفود على اللّه تعالى يوم القيامة، وما من مؤمن يزورني فيصيب وجهه قطرة من الماء إلاّ حرّم اللّه تعالى جسده على النار»(1).
وفي الخبر: كان المأمون يعقد مجالس النظر ويجمع المخالفين لأهل البيت (عليهم السلام) ويكلمهم في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وتفضيله على جميع الصحابة تقرباً إلى أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) - أي بحسب الظاهر فإن المأمون كان يتظاهر بذلك - وكان الرضا (عليه السلام) يقول لأصحابه الذين يثق بهم: «ولا تغتروا بقوله، فما يقتلني واللّه غيره، ولكنه لابد لي من الصبر حتى يبلغ الكتاب أجله»(2).
وفي حديث سأل المأمون أسئلة عن الإمام الرضا (عليه السلام) ثم قال: لا أبقاني اللّه بعدك يا أبا الحسن، فو اللّه ما يوجد العلم الصحيح إلاّ عند أهل (هذا) البيت، وإليك انتهت علوم آبائك فجزاك اللّه عن الإسلام وأهله خيراً..
قال الحسن بن جهم: فلما قام الرضا (عليه السلام) تبعته، فانصرف إلى منزله فدخلت عليه وقلت له: يا بن رسول اللّه الحمد لله الذي وهب لك من جميل رأي الأمير ما حمله على ما أرى من إكرامه لك وقبوله لقولك!
فقال (عليه السلام) : «يا ابن الجهم، لا يغرنك ما ألفيته عليه من إكرامي والاستماع مني، فإنه سيقتلني بالسم وهو ظالم لي، أعرف ذلك بعهد معهود إليّ من آبائي (عليهم السلام) عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فأكتم هذا ما دُمتُ حياً».
قال الحسن بن الجهم: فما حدثت أحداً بهذا الحديث إلى أن مضى (عليه السلام) بطوس مقتولاً بالسم، ودفن في دار حميد بن قحطبة الطائي في القبة التي فيها قبر هارون إلى جانبه»(1).
وفي حديث قال الراوي: قلت: يا ابن رسول اللّه وفيهم قوم يزعمون أن الحسين بن علي (عليه السلام) لم يُقتل وأنه ألقي شبهه على حنظلة بن أسعد الشامي، وأنه (عليه السلام) رُفع إلى السماء كما رُفع عيسى ابن مريم (عليه السلام) ويحتجون بهذه الآية: {ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا}(2)فقال (عليه السلام) : «كذبوا عليهم غضب اللّه ولعنته، وكفروا بتكذيبهم النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في إخباره بأن الحسين بن علي (عليه السلام) سيُقتل، واللّه لقد قُتل الحسين (عليه السلام) وقُتل من كان خيراً من الحسين: أمير المؤمنين والحسن بن علي (عليهما السلام) وما منا إلا مقتول، وأنا واللّه لمقتول بالسم باغتيال من يغتالني، أعرف ذلك بعهد معهود إليّ من رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أخبره به جبرئيل عن رب العالمين عز وجل»(3).
وقال محمد بن الجهم: وانصرف الرضا (عليه السلام) إلى منزله فلما كان من الغد غدوت عليه وأعلمته ما كان من قول المأمون وجواب عمه محمد بن جعفر له، فضحك (عليه السلام) ثم قال: «يا ابن الجهم لا يغرنك ما سمعته منه فإنه سيغتالني واللّه تعالى ينتقم لي منه»(4).
وعن أحمد بن علي الأنصاري قال: سألت أبا الصلت الهروي فقلت: كيف
طابت نفس المأمون بقتل الرضا (عليه السلام) مع إكرامه ومحبته له، وما جعل له من ولاية العهد بعده؟
فقال: إن المأمون إنما كان يكرمه ويحبه لمعرفته بفضله، وجعل له ولاية العهد من بعده ليُري الناس أنه راغب في الدنيا فيسقط محله من نفوسهم، فلما لم يظهر منه في ذلك للناس إلاّ ما ازداد به فضلاً عندهم ومحلاً في نفوسهم، جلب عليه المتكلمين من البلدان طمعاً في أن يقطعه واحد منهم فيسقط محله عند العلماء، وبسببهم يشتهر نقصه عند العامة، فكان لا يكلمه خصم من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة والملحدين والدهرية ولا خصم من فرق المسلمين المخالفين له إلاّ قطعه وألزمه الحجة، وكان الناس يقولون: واللّه إنه أولى بالخلافة من المأمون، فكان أصحاب الأخبار(1)يرفعون ذلك إليه، فيغتاظ من ذلك ويشتد حسده له، وكان الرضا (عليه السلام) لا يحابي المأمون من حق وكان يجيبه بما يكره في أكثر أحواله، فيغيظه ذلك ويحقده عليه ولا يظهره له، فلما أعيته الحيلة في أمره اغتاله فقتله بالسم»(2).
وقد توفي الإمام الرضا (عليه السلام) مسموماً شهيداً بسم المأمون العباسي(3)آخر صفر عام 203 للهجرة(4).
وقيل: توفي (عليه السلام) في شهر رمضان لتسع بقين منه يوم الجمعة سنة ثلاث ومائتين من هجرة النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) (5).
وكان عمره الشريف خمساً وخمسين سنة تقريباً.
وكانت وفاته (عليه السلام) بطوس من أرض خراسان في قرية يقال لها سناآباد(1).
قال إبراهيم بن العباس: كانت البيعة للرضا (عليه السلام) لخمس خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، وزوّجه ابنته أم حبيب في أول سنة اثنتين ومائتين، وتوفي سنة ثلاث ومائتين بطوس، والمأمون متوجه إلى العراق (في رجب)(2).
وروى الصدوق (رحمه اللّه) في العيون عدة روايات في أنه سمّه المأمون(3)، وكذلك روى المفيد (رحمه اللّه) في الإرشاد(4)،
وغيرهما في غيرهما(5).
وفي خلاصة تذهيب الكمال في أسماء الرجال عن سنن ابن ماجة القزويني وكلاهما من علماء العامة، أنه (عليه السلام) مات مسموماً بطوس(6).
وفي مقاتل الطالبيين: كان المأمون عقد له على العهد من بعده ودسّ له فيما ذكر بعد ذلك سماً فمات منه(7).
وفي تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر عن الحاكم في تأريخ نيسابور أنه قال: استشهد علي بن موسى (عليه السلام) بسناآباد(8).
1) الكافي: ج1 ص486 باب مولد أبي الحسن الرضا (عليه السلام) .
2) كشف الغمة: ج3 ص123.
3) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) : ج2 ص263-265 ب59 وفيه ثلاثة أحاديث، وص267-279 ب61-64.
4) الإرشاد: ج2 ص269-271.
5) بحار الأنوار: ج49 ص288- 291 ب20 في أسباب شهادته صلوات اللّه عليه. الحدائق الناضرة: ج17 ص437.
6) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال: ص278.
7) مقاتل الطالبيين: ص375.
8) تهذيب التهذيب: ج7 ص339، وقد نقل عن الحاكم قوله، كما في ذيل تاريخ بغداد، لابن النجار البغدادي: ج4 ص142، سير أعلام النبلاء، للذهبي: ج9 ص393.
وفيه عن أبي حاتم بن حبان أنه (عليه السلام) مات آخر يوم من صفر وقد سُمّ في ماء الرمان وسقي(1).
وقال سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص، وظاهره أنه نقله عن أبي بكر الصولي في كتاب الأوراق: وزعم قوم أن المأمون سمه(2).
وقال عبد اللّه بن بشير:
أمرني المأمون أن أطول أظفاري عن العادة ولا أظهر لأحد ذلك، ففعلت ثم استدعاني فأخرج إلي شيئاً شبه التمر الهندي وقال لي: اعجن هذا بيديك جميعاً ففعلت، ثم قام وتركني فدخل على الرضا (عليه السلام) فقال له: ما خبرك؟
قال (عليه السلام) : «أرجو أن أكون صالحاً».
قال له: أنا اليوم بحمد اللّه أيضاً صالح، فهل جاءك أحد من المترفقين في هذا اليوم.
قال: لا.
فغضب المأمون وصاح على غلمانه وقال للرضا (عليه السلام) : خذ ماء الرمان الساعة فإنه مما لا يستغنى عنه، ثم دعاني فقال: ائتنا برمان فأتيته به، فقال لي: أعصره بيديك، ففعلت وسقاه المأمون الرضا (عليه السلام) بيديه، فشربه، فكان ذلك سبب وفاته، فلم يلبث إلاّ يومين حتى مات (عليه السلام) منه(3).
وعن أبي الصلت الهروي قال: دخلت على الرضا (عليه السلام) وقد خرج المأمون من عنده، فقال لي: «يا أبا الصلت قد فعلوها»، أي سقوني السم، وجعل (عليه السلام)
يوحّد اللّه ويمجّده(1).
وفي رواية قال أبو الصلت:
دخل غلام المأمون على الإمام الرضا (عليه السلام) وقال له: أجب الأمير، فلبس (عليه السلام) نعله ورداءه وقام يمشي وأنا أتبعه حتى دخل على المأمون وبين يديه طبق عليه عنب وأطباق فاكهة وبيده عنقود عنب قد أكل بعضه وبقي بعضه، فلما أبصر بالرضا (عليه السلام) وثب إليه وعانقه وقبّل ما بين عينيه وأجلسه معه وناوله العنقود، وقال: يا ابن رسول اللّه ما رأيت عنباً أحسن من هذا؟
فقال له الرضا (عليه السلام) : «ربما كان عنباً حسناً يكون من الجنة».
فقال له: كُل منه. فقال له الرضا (عليه السلام) : «تعفيني منه».
فقال: لابد من ذلك، وما يمنعك منه لعلّك تتهمنا بشيء. فتناول العنقود وأكل منه(2)،
ثم ناوله، فأكل منه الرضا (عليه السلام) ثلاث حبات، ثم رمى به وقام، فقال له المأمون: إلى أين؟ فقال (عليه السلام) : «إلى حيث وجهتني».
وخرج (عليه السلام) مغطى الرأس فلم أكلّمه حتى دخل الدار(3)..
أقول: والظاهر أن المأمون قدّم للإمام (عليه السلام) كليهما: رماناً مسموماً وعنباً مسموماً، جمعاً بين الأخبار(4).
1) روضة الواعظين: ص232.
2) أي من الجانب غير المسموم، ثم أعطى الجانب المسموم للإمام الرضا (عليه السلام) .
3) إعلام الورى: ج2 ص82.
4) وهذا ما يستفاد أيضاً من حديث هرثمة القادم حيث أخبره الإمام (عليه السلام) بقوله: «وقد عزم هذا الطاغي على سمي في عنب ورمان مفروك، فأما العنب فإنه يغمس السلك في السم ويجذبه بالخيط بالعنب، وأما الرمان فإنه يطرح السم في كف بعض غلمانه ويفرك الرمان بيده ليتلطخ حبه في ذلك السم»
ولما مات الإمام الرضا (عليه السلام) مسموماً شهيداً، أظهر المأمون التوجع والبكاء لينفي عن نفسه تهمة قتل الإمام (عليه السلام) ، فأظهر الحزن عليه وبقي أياماً لا يأكل طعاماً ولا يشرب شراباً وهجر اللذات.. ولكن الناس عرفوا أنه هو الذي قتل الإمام الرضا (عليه السلام) وشاع الخبر..
38
لقد وصى الإمام الرضا (عليه السلام) بولده أبي جعفر محمد الجواد (عليه السلام) ليكون إماماً وخليفةً من بعده وحجةً من اللّه على خلقه. ولما استشهد الإمام الرضا (عليه السلام) حضره ابنه الجواد (عليه السلام) من المدينة المنورة إلى طوس(1)وقام بتجهيزه.
يقول الفضل بن سهل: ما كان الرضا (عليه السلام) يذكر محمداً ابنه إلاّ بكُنيته يقول: كتب إليّ أبو جعفر (عليه السلام) .. وكنت أكتب إلى أبي جعفر (عليه السلام) .. وهو صبي بالمدينة فيخاطبه بالتعظيم، وترد كتب أبي جعفر (عليه السلام) في نهاية البلاغة والحسن فسمعته يقول: «أبو جعفر وصيي وخليفتي في أهلي من بعدي»(2).
ثم إن المأمون العباسي لما قَتل الإمامَ الرضا (عليه السلام) بالسم، عرف الناس ذلك ولم ينفعه تظاهره بالبكاء والحزن، فضجّ الناس في كل مكان وقالوا: إن المأمون هو الذي قتل ابن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) .. فخاف المأمون على نفسه، فلم يأذن بتشييع الإمام (عليه السلام) ودفنه في النهار، بل أرسل من يخبر الناس بتأخير الدفن، ثم أمر بدفن
الإمام (عليه السلام) ليلاً إلى جنب هارون.
عن ياسر الخادم قال: لما كان بيننا وبين طوس سبعة منازل اعتل أبو الحسن (عليه السلام) فدخلنا طوس وقد اشتدت به العلة، فبقينا بطوس أياماً فكان المأمون يأتيه في كل يوم مرتين، فلما كان في آخر يومه الذي قُبض فيه كان ضعيفاً في ذاك اليوم فقال (عليه السلام) لي بعد ما صلى الظهر: يا ياسر أكل الناس شيئاً؟
قلت: يا سيدي من يأكل هاهنا مع ما أنت فيه؟.
فانتصب (عليه السلام) ثم قال: هاتوا المائدة ولم يدع من حشمه أحداً إلاّ أقعده معه على المائدة يتفقد واحداً واحداً، فلما أكلوا قال: ابعثوا إلى النساء بالطعام فحمل الطعام إلى النساء، فلما فرغوا من الأكل، أغمي عليه وضعف، فوقعت الصيحة وجاءت جواري المأمون ونساؤه حافيات حاسرات ووقعت الوحية بطوس وجاء المأمون حافياً حاسراً يضرب على رأسه ويقبض على لحيته ويتأسف ويبكي وتسيل دموعه على خديه، فوقف على الرضا (عليه السلام) وقد أفاق فقال: يا سيدي واللّه ما أدري أي المصيبتين أعظم عليّ، فقدي لك وفراقي إياك، أو تهمة الناس لي أني اغتلتك وقتلتك؟
قال: فرفع (عليه السلام) طرفه إليه ثم قال: أحسن يا أمير معاشرة أبي جعفر (عليه السلام) فإن عمرك وعمره هكذا، وجمع بين سبابتيه، قال: فلما كان من تلك الليلة قضي عليه بعد ما ذهب من الليل بعضه، فلما أصبح اجتمع الخلق وقالوا: هذا قتله واغتاله، يعنون المأمون، وقالوا: قُتل ابن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأكثر القول والجلبة..
وكان محمد بن جعفر بن محمد استأمن إلى المأمون وجاء إلى خراسان وكان عم أبي الحسن (عليه السلام) فقال: المأمون يا أبا جعفر اخرج إلى الناس وأعلمهم أن أبا الحسن لا يخُرج اليوم، وكره أن يخرجه فتقع الفتنة، فخرج محمد بن جعفر إلى الناس
فقال: أيها الناس تفرقوا فإن أبا الحسن (عليه السلام) لا يخرج اليوم، فتفرق الناس وغُسل أبو الحسن (عليه السلام) في الليل ودفن(1).
قال أبو الصلت: خرج الإمام (عليه السلام) من عند المأمون بعد ما ناوله من العنب المسموم، مغطى الرأس، فلم أكلّمه حتى دخل الدار، فأمر أن يغلق الباب، فاُغلق ثم نام (عليه السلام) على فراشه، فمكثت واقفاً في صحن الدار مهموماً محزوناً، فبينا أنا كذلك إذ دخل علي شاب حسن الوجه قطط الشعر أشبه الناس بالرضا (عليه السلام) فبادرت إليه فقلت له: من أين دخلت والباب مغلق؟
فقال (عليه السلام) : «الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار والباب مغلق»، فقلت له: ومن أنت؟ فقال (عليه السلام) لي: «أنا حجة اللّه عليك يا أبا الصلت أنا محمد بن علي»(2).
ثم إن المأمون العباسي بعد أن قتل الإمام الرضا (عليه السلام) قام باعتقالات واسعة في صفوف الشيعة، لكي يسيطر على الأوضاع، ومن جملة من اعتقلهم أبو الصلت الهروي، فأودعه السجن.
يقول أبو الصلت: فأمر المأمون بحبسي ودفن الرضا (عليه السلام) ، فحبست سنة! فضاق عليّ الحبس وسهرت الليلة ودعوت اللّه تبارك وتعالى بدعاء ذكرت فيه محمداً وآل محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وسألت اللّه بحقهم أن يفرج عني، فما استتم دعائي حتى
دخل علي أبو جعفر محمد بن علي (عليه السلام) فقال لي: «يا أبا الصلت ضاق صدرك» فقلت: إي واللّه، قال (عليه السلام) : «قم» فأخرج ثم ضرب يده إلى القيود التي كانت عليّ ففكها وأخذ بيدي وأخرجني من الدار والحرسة والغلمان يرونني فلم يستطيعوا أن يكلّموني وخرجت من باب الدار، ثم قال (عليه السلام) لي: «امض في ودائع اللّه فإنك لن تصل إليه ولا يصل إليك أبداً»..
فقال أبو الصلت: فلم ألتق المأمون إلى هذا الوقت(1).
قال هرثمة بن أعين: كنت ليلةً بين يدي المأمون حتى مضى من الليل أربع ساعات ثم أذن لي في الانصراف، فانصرفت، فلما مضى من الليل نصفه قرع قارع الباب فأجابه بعض غلماني، فقال له: قل لهرثمة: أجب سيدك (عليه السلام) !
قال: فقمت مسرعاً وأخذت على أثوبي وأسرعت إلى سيدي الرضا (عليه السلام) فدخل الغلام بين يدي ودخلت وراءه، فإذا أنا بسيدي (عليه السلام) في صحن داره جالس، فقال (عليه السلام) لي: «يا هرثمة»، فقلت: لبيك يا مولاي، فقال (عليه السلام) لي: «اجلس»، فجلست..
فقال لي: «اسمع وعه يا هرثمة، هذا أوان رحيلي إلى اللّه تعالى ولحوقي بجدي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وآبائي (عليهم السلام) وقد بلغ الكتاب أجله، وقد عزم هذا الطاغي على سمي في عنب ورمان مفروك، فأما العنب فإنه يغمس السلك في السم ويجذبه بالخيط بالعنب، وأما الرمان فإنه يطرح السم في كف بعض غلمانه ويفرك الرمان بيده ليتلطخ حبه في ذلك السم، وإنه سيدعوني في اليوم المقبل ويقرب إليّ الرمان
1) انظر: روضة الواعظين: ص231-232.
والعنب ويسألني أكلها، ثم ينفذ الحكم ويحضر القضاء، فإذا أنا مت فسيقول: أنا أغسله بيدي، فإذا قال ذلك فقل له عني بينك وبينه أنه قال: لي لا تتعرض لغسلي ولا لتكفيني ولا لدفني، فإنك إن فعلت ذلك عاجلك من العذاب ما أخر عنك، وحل بك أليم ما تحذر، فإنه سينتهي».
قال: فقلت: نعم يا سيدي.
قال (عليه السلام) : «فإذا خلى بينك وبين غسلي حتى ترى فسيجلس في علو من أبنيته مشرفاً على موضع غسلي، لينظر، فلا تعرض يا هرثمة لشيء من غسلي حتى ترى فسطاطاً أبيض قد ضرب في جانب الدار، فإذا رأيت ذلك فاحملني في أثوابي التي أنا فيها فضعني من وراء الفسطاط، وقف من ورائه ويكون من معك دونك ولا تكشف عني الفسطاط حتى تراني فتهلك، فإنه سيشرف عليك ويقول لك: يا هرثمة أليس زعمتم أن الإمام لا يُغسله إلاّ إمام مثله، فمن يُغسل أبا الحسن علي بن موسى وابنه محمد بالمدينة من بلاد الحجاز ونحن بطوس؟، فإذا قال ذلك فأجبه وقل له: إنا نقول إن الإمام لا يجب أن يغسله إلاّ إمام مثله، فإن تعدى متعد فغَسَل الإمام لم تبطل إمامة الإمام لتعدي غاسله، ولا بطلت إمامة الإمام الذي بعده بأن غُلب على غسل أبيه، ولو ترك أبو الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بالمدينة لغسله ابنه محمد ظاهراً مكشوفاً، ولا يغسله الآن أيضاً إلاّ هو من حيث يخفى، فإذا ارتفع الفسطاط فسوف تراني مدرجاً في أكفاني فضعني على نعشي واحملني، فإذا أراد أن يحفر قبري فإنه سيجعل قبر أبيه هارون قبلة لقبري ولا يكون ذلك أبداً، فإذا ضربت المعاول نبت عن الأرض ولم يحفر لهم منها شيء ولا مثل قلامة ظفر، فإذا اجتهدوا في ذلك وصعب عليهم فقل له عني: إني أمرتك أن تضرب معولاً واحداً في قبلة قبر أبيه هارون، فإذا ضربت
نفذ في الأرض إلى قبر محفور وضريح قائم، فإذا انفرج القبر فلا تنزلني إليه حتى يفور من ضريحه الماء الأبيض فيمتلئ منه ذلك القبر حتى يصير الماء مساوياً مع وجه الأرض، ثم يضطرب فيه حوت بطوله فإذا اضطرب فلا تنزلني إلى القبر إلاّ إذا غاب الحوت وغار الماء، فأنزلني في ذلك القبر وألحدني في ذلك الضريح، ولاتتركهم يأتوا بتراب يلقونه عليّ فإن القبر ينطبق من نفسه ويمتلئ».
قال: قلت نعم يا سيدي.
ثم قال لي: «احفظ ما عهدته إليك واعمل به ولا تخالف».
قلت: أعوذ باللّه أن أخالف لك أمراً يا سيدي.
قال هرثمة: ثم خرجت باكياً حزيناً، فلم أزل كالحبة على المقلاة لا يعلم ما في نفسي إلاّ اللّه تعالى، ثم دعاني المأمون فدخلت إليه فلم أزل قائماً إلى ضحى النهار، ثم قال المأمون: امض يا هرثمة إلى أبي الحسن (عليه السلام) فاقرأه مني السلام وقل له: تصير إلينا أو نصير إليك، فإن قال لك بل نصير إليه، فاسأله عني أن يقدم ذلك، قال: فجئته فلما اطلعت عليه قال لي: «يا هرثمة أليس قد حفظت ما أوصيتك به»؟ قلت: بلى، قال: «قدموا إلي نعلي فقد علمت ما أرسلك به».
قال: فقدمت نعليه، ومشى إليه، فلما دخل المجلس قام إليه المأمون قائماً فعانقه وقبّل ما بين عينيه وأجلسه إلى جانبه على سريره وأقبل عليه يحادثه ساعة من النهار طويلة، ثم قال لبعض غلمانه: آتوني بعنب ورمان، قال هرثمة: فلما سمعت ذلك لم أستطع الصبر ورأيت النفضة(1)قد عرضت في بدني، فكرهت أن يتبين ذلك فيّ، فتراجعت القهقرى حتى خرجت، فرميت نفسي في موضع من
1) أي الرعدة.
الدار، فلما قرب زوال الشمس أحسست بسيدي قد خرج من عنده ورجع إلى داره، ثم رأيت الأمر قد خرج من عند المأمون بإحضار الأطباء والمترفقين، فقلت: ما هذا؟ فقيل لي: علة عرضت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فكان الناس في شك وكنت على يقين لما أعرف منه..
قال: فلما كان من الثلث الثاني من الليل علا الصياح وسمعت الصيحة من الدار، فأسرعت فيمن أسرع، فإذا نحن بالمأمون مكشوف الرأس محلل الأزرار قائماً على قدميه ينتحب ويبكي!!
قال: فوقفت فيمن وقف وأنا أتنفس الصعداء، ثم أصبحنا فجلس المأمون للتعزية، ثم قام فمشى إلى الموضع الذي فيه سيدنا (عليه السلام) فقال: أصلحوا لنا موضعاً فإني أريد أن أغسله، فدنوت منه فقلت له ما قاله سيدي بسبب الغسل والتكفين والدفن، فقال لي: لست أعرض لذلك، ثم قال: شأنك يا هرثمة، قال: فلم أزل قائماً حتى رأيت الفسطاط قد ضُرب، فوقفت من ظاهره وكل من في الدار دوني وأنا أسمع التكبير والتهليل والتسبيح وتردد الأواني وصب الماء وتضوع(1)الطيب الذي لم أشم أطيب منه، قال: فإذا أنا بالمأمون قد أشرف على بعض علالي داره فصاح يا هرثمة: أليس زعمتم أن الإمام لا يغسله إلاّ إمام مثله فأين محمد بن علي ابنه عنه وهو بمدينة الرسول (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهذا بطوس خراسان؟
قال: فقلت له: يا أمير إنا نقول إن الإمام لا يجب أن يغسله إلاّ إمام مثله، فإن تعدى متعد فغسل الإمام لم تبطل إمامة الإمام لتعدي غاسله ولا تبطل إمامة الإمام الذي بعده بأن غُلب على غسل أبيه، ولو ترك أبو الحسن علي بن موسى
1) أي انتشار.
الرضا (عليه السلام) بالمدينة لغسله ابنه محمد ظاهراً، ولا يغسله الآن أيضاً إلاّ هو من حيث يخفى.
قال: فسكت عني ثم ارتفع الفسطاط فإذا أنا بسيدي (عليه السلام) مدرج في أكفانه فوضعته على نعشه ثم حملناه، فصلى عليه المأمون وجميع من حضر ثم جئنا إلى موضع القبر، فوجدتهم يضربون المعاول دون قبر هارون ليجعلوه قبلة لقبره والمعاول تنبو عنه حتى لم تحفر ذرة من تراب الأرض، فقال لي: ويحك يا هرثمة أما ترى الأرض كيف تمتنع من حفر قبر له؟
فقلت له: يا أمير إنه قد أمرني أن أضرب معولاً واحداً في قبلة قبر الأمير أبيك الرشيد ولا أضرب غيره.
قال: فإذا ضربت يا هرثمة يكون ماذا؟
قلت: إنه أخبرني أنه لا يجوز أن يكون قبر أبيك قبلة لقبره، فإن أنا ضربت هذا المعول الواحد نفذ إلى قبر محفور من غير يد تحفره، وبان ضريح في وسطه.
قال المأمون: سبحان اللّه ما أعجب هذا الكلام ولا عجب من أمر أبي الحسن (عليه السلام) فاضرب يا هرثمة حتى ترى.
قال هرثمة: فأخذت المعول بيدي فضربت به في قبلة قبر هارون، قال: فنفذ إلى قبر محفور من غير يد تحفره وبان ضريح في وسطه، والناس ينظرون إليه.
فقال: أنزله إليه يا هرثمة.
فقلت: يا أمير إن سيدي أمرني أن لا أنزل إليه حتى ينفجر من أرض هذا القبر ماء أبيض فيمتلئ منه القبر حتى يكون الماء مع وجه الأرض، ثم يضطرب فيه حوت بطول القبر، فإذا غاب الحوت وغار الماء وضعته على جانب القبر قبره وخليت بينه وبين ملحده.
فقال: فافعل يا هرثمة ما اُمرت به.
قال هرثمة: فانتظرت ظهور الماء والحوت، فظهر ثم غاب وغار الماء والناس ينظرون إليه(1)ثم جعلت النعش إلى جانب قبره، فغطي قبره بثوب أبيض لم أبسطه، ثم اُنزل به إلى قبره بغير يدي ولا يد أحد ممن حضر، فأشار المأمون إلى الناس أن هاتوا التراب بأيديكم واطرحوه فيه، فقلت: لا تفعل يا أمير.
قال: فقال: ويحك ياهرثمة فمن يملؤه؟ فقلت: قد أمرني أن لا يطرح عليه التراب وأخبرني أن القبر يمتلئ من ذات نفسه ثم ينطبق ويتربع على وجه الأرض، فأشار المأمون إلى الناس أن كفوا، قال: فرموا ما في أيديهم من التراب ثم امتلأ القبر وانطبق وتربع على وجه الأرض، فانصرف المأمون وانصرفت، فدعاني المأمون وخلا بي ثم قال لي: أسألك باللّه يا هرثمة لما صدقتني عن أبي الحسن (قدس اللّه روحه) بما سمعته منه.
قال: فقلت: قد أخبرت يا أمير بما قال لي.
فقال: باللّه إلاّ ما صدقتني عما أخبرك به غير هذا الذي قلت لي؟
قال: فقلت: يا أمير فعما تسألني؟
فقال لي: يا هرثمة هل أسرّ إليك شيئاً غير هذا؟
قلت: نعم، قال: ما هو؟
قلت: خبر العنب والرمان!!.
قال: فأقبل المأمون يتلون ألواناً يصفر مرة ويحمر أخرى ويسود أخرى ثم تمدد مغشياً عليه فسمعته في غشيته وهو يجهر ويقول: ويل للمأمون من اللّه، ويل له
1) المراد من الناس بعض خواص المأمون في قصره ومن أشبه، لا جميع الناس، حيث قد مر أن المأمون منع من التشييع والدفن في النهار، وأمر بدفن الإمام (عليه السلام) ليلاً لخوفه الفتنة. منه (قدس سره) .
من رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وويل له من علي بن أبي طالب (عليه السلام) ويل للمأمون من فاطمة الزهراء (عليها السلام) ويل للمأمون من الحسن والحسين (عليهما السلام) ويل للمأمون من علي بن الحسين (عليه السلام) ويل للمأمون من محمد بن علي (عليه السلام) ويل للمأمون من جعفر بن محمد (عليه السلام) ويل له من موسى بن جعفر (عليه السلام) ويل للمأمون من علي بن موسى الرضا (عليه السلام) هذا واللّه هو الخسران المبين، يقول هذا القول ويكرره.
فلما رأيته قد أطال ذلك، وليت عنه وجلست في بعض نواحي الدار، قال: فجلس ودعاني، فدخلت عليه وهو جالس كالسكران، فقال: واللّه ما أنت أعز علي منه ولا جميع من في الأرض والسماء، واللّه لئن بلغني أنك أعدت ما سمعت ورأيت شيئاً ليكونن هلاكك فيه.
قال: فقلت: يا أمير إن ظفرت على شيء من ذلك مني فأنت في حلّ من دمي. قال: لاواللّه أو تعطيني عهداً وميثاقاً على كتمان هذا وترك إعادته، فأخذ علي العهد والميثاق وأكده عليّ.
قال: فلما وليت عنه صفق بيديه وقال: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لايَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً}(1).
وكان للرضا (عليه السلام) من الولد محمد الإمام (عليه السلام) وكان يقول له: الرضا والصادق والصابر والفاضل وقرة أعين المؤمنين وغيظ الملحدين(2).
قال دعبل بن علي: جاءني خبر موت الرضا (عليه السلام) وأنا بقم وقلت قصيدتي
الرائية (عليه السلام) :
أرى أمية معذورين إن قتلوا***ولا أرى لبني العباس من عذر
أولاد حرب ومروان وأسرتهم***بنو معيط ولاة الحقد والوغر
قوم قتلتم على الإسلام أولهم***حتى إذا استمكنوا جازوا على الكفر
أربع بطوس على قبر الزكي به***إن كنت تربع من دين على فطر
قبران في طوس خير الناس كلهم***وقبر شرهم هذا من العبر
ما ينفع الرجس من قرب الزكي وما***على الزكي بقرب الرجس من ضرر
هيهات كل امرئ رهن بما كسبت***له يداه فخذ ما شئت أو فذر(1)
1) بشارة المصطفى: ص385-386 قصيدة دعبل في رثاء الرضا (عليه السلام) ح32.
39
قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «ستُدفن بَضعةٌ مني بأرض خراسان، لا يزورها مؤمن إلاّ أوجب اللّه عزوجل له الجنة وحرّم جسده على النار»(1).
وعن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت وصي الأوصياء ووارث علم الأنبياء أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) يقول: حدثني سيد العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) عن سيد الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام) عن سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «ستُدفن بضعة مني بخراسان، ما زارها مكروب إلاّ نفّس اللّه كربته، ولا مذنب إلاّ غفر اللّه ذنوبه»(2).
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: «سيُقتل رجل من ولدي بأرض خراسان بالسمّ ظلماً، اسمه اسمي واسم أبيه اسم ابن عمران موسى (عليه السلام) ألا فمن زاره في غُربته غفر اللّه عزّوجل ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر ولو كانت مثل عدد النجوم وقطر الأمطار وورق الأشجار»(3).
وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) : «يخرج رجل من ولد ابني موسى اسمه اسم أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أرض طوس وهي بخراسان، يُقتل فيها بالسم فيُدفن فيها غريباً، فمن زاره عارفاً بحقه أعطاه اللّه عزوجل أجر من أنفق من قبل الفتح وقاتل»(1).
وعن حمزة بن حمران قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «يُقتل حفدتي بأرض خراسان في مدينة يقال لها طوس، من زاره إليها عارفاً بحقه أخذته بيدي يوم القيامة وأدخلتُهُ الجنة وإن كان من أهل الكبائر»، قال قلت: جُعلت فداك وما عرفان حقه؟ قال: «يعلم أنه إمامٌ مفترض الطاعة غريبٌ شهيد، من زاره عارفاً بحقه أعطاه اللّه عزوجل تعالى له أجر سبعين (ألف)(2)شهيد ممن استشهد بين يدي رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) على حقيقة»(3).
وفي حديث آخر قال الصادق (عليه السلام) : «يُقتل لهذا - وأومأ بيده إلى موسى (عليه السلام) - ولد بطوس ولا يزوره من شيعتنا إلاّ الأندر فالأندر»(4).
وعن سليمان بن حفص المروزي قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول:
«من زار قبر ولدي عليّ (عليه السلام) كان له عند اللّه عزوجل سبعون حجة مبرورة»، قلت: سبعون حجة مبرورة؟ قال: «نعم وسبعون ألف حجة»، ثم قال: «رُبّ حجة لا تُقبل، ومن زاره أو بات عنده ليلة كان كمن زار اللّه تعالى في عرشه»،
فقلت: كمن زار اللّه تعالى في عرشه؟ قال: «نعم إذا كان يوم القيامة كان على عرش الرحمن جل جلاله أربعة من الأولين وأربعة من الآخرين، فأما الأولون فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام) وأما الأربعة الآخرون فمحمد وعلي والحسن والحسين (عليهم السلام) ثم يمد المضمار فيقعد معنا زوار قبور الأئمة (عليهم السلام) ألا إن أعلاهم درجةً وأقربهم حبوةً زوّار قبر ولدي علي (عليه السلام) »(1).
عن سليمان قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول: «إن ابني علي مقتول بالسم ظلماً، ومدفون إلى جنب هارون بطوس، من زاره كمن زار رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) »(2).
وعن ياسر الخادم قال: قال علي بن موسى الرضا (عليه السلام) : «لا تشد الرحال إلى شيء من القبور إلاّ إلى قبورنا، ألا وإني مقتول بالسم ظلماً، ومدفون في موضع غربة، فمن شدّ رحله إلى زيارتي استجيب دعاؤه وغُفر له ذنوبه»(3).
وقال الإمام الرضا (عليه السلام) : «من زارني على بُعد داري وشط مزاري أتيته يوم القيامة في ثلاث مواطن حتى أخلصه من أهوالها، إذا تطايرت الكتب يميناً وشمالاً، وعند الصراط، وعند الميزان»(4).
وعن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنه قال: «إن بخراسان لبقعة يأتي عليها زمان تصير مختلف الملائكة، فلا يزال فوج ينزل من السماء وفوج يصعد إلى أن ينفخ في الصور» فقيل له: يا ابن رسول اللّه وأي بقعة هذه؟ قال (عليه السلام) : «هي
أرض طوس، وهي واللّه روضة من رياض الجنة، من زارني في تلك البقعة كان كمن زار رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وكتب اللّه تعالى له ثواب ألف حجة مبرورة، وألف عمرة مقبولة، وكنت أنا وآبائي شفعاءه يوم القيامة»(1).
وعن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) قال: «إن بين جبلي طوس قبضة قبضت من الجنة، من دخلها كان آمناً يوم القيامة من النار»(2).
وعن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني، عن أبي جعفر محمد بن علي الرضا (عليه السلام) قال: «ضمنت لمن زار أبي (عليه السلام) بطوس عارفاً بحقه، الجنة على اللّه تعالى»(3).
وعن عبد العظيم بن عبد اللّه قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : قد تحيرت بين زيارة قبر أبي عبد اللّه (عليه السلام) وبين زيارة قبر أبيك (عليه السلام) بطوس فما ترى؟ فقال لي: «مكانك» ثم دخل وخرج ودموعه تسيل على خديه، فقال زوّار قبر أبي عبد اللّه (عليه السلام) كثيرون وزوّار قبر أبي (عليه السلام) بطوس قليلون»(4).
وعن أبي الصلت الهروي قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: «واللّه ما منا إلاّ مقتول شهيد»، فقيل له: ومن يقتلك يا بن رسول اللّه؟ قال: «شر خلق اللّه في زماني يقتلني بالسم، ثم يدفنني في دار مضيقة وبلاد غربة، ألا فمن زارني في غربتي كتب اللّه عزوجل له أجر مائة ألف شهيد، ومائة ألف صدّيق، ومائة ألف حاج ومعتمر، ومائة ألف مجاهد، وحُشر في زمرتنا، وجُعل في الدرجات العلى
في الجنة رفيقنا»(1).
وعن البزنطي قال: قرأت في كتاب أبي الحسن الرضا (عليه السلام) : «أبلغ شيعتي أن زيارتي تعدل عند اللّه ألف حجة» قال: فقلت لأبي جعفر (عليه السلام) (ابنه): ألف حجة؟ قال (عليه السلام) : «إي واللّه وألف ألف حجة لمن زاره عارفاً بحقه»(2).
وعن ابن فضال عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنه قال له رجل من أهل خراسان: يا ابن رسول اللّه رأيتُ رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في المنام كأنه يقول لي: كيف أنتم إذا دُفن في أرضكم بضعتي واستحفظتم وديعتي وغيّب في ثراكم نجمي؟ فقال له الرضا (عليه السلام) : «أنا المدفون في أرضكم وأنا بضعة من نبيكم، وأنا الوديعة والنجم، ألا فمن زارني وهو يعرف ما أوجب اللّه تبارك وتعالى من حقي وطاعتي فأنا وآبائي شفعاؤه يوم القيامة، ومن كنا شفعاءه نجا ولو كان عليه مثل وزر الثقلين الجن والإنس، ولقد حدثني أبي (عليه السلام) عن جدي (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) أن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: من رآني في منامه فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي ولا في صورة أحد من أوصيائي، ولا في صورة أحد من شيعتهم، وإن الرؤيا الصادقة جزءٌ من سبعين جزءً من النبوة»(3).
وعن عبد الرحمن بن أبي نجران قال سألت أبا جعفر - الجواد - (عليه السلام) : «ما تقول لمن زار أباك؟
قال (عليه السلام) : «الجنة واللّه»(4).
وعن علي بن أسباط قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ما لمن زار والدك (عليه السلام) بخراسان؟ قال: «الجنة واللّه، الجنة واللّه»(1).
وعن محمد بن سليمان قال: سألت أبا جعفر (محمد بن علي الرضا) (عليه السلام) عن رجل حج حجة الإسلام فدخل متمتعاً بالعمرة إلى الحج، فأعانه اللّه تعالى على عمرته وعلى حجه، ثم أتى المدينة فسلّم على رسول اللّه النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ثم أتى أباك يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) عارفاً بحقه، يعلم أنه حجة اللّه على خلقه وبابه الذي يؤتى منه، فسلّم عليه، ثم أتى أبا عبد اللّه يعني الحسين (عليه السلام) فسلّم عليه، ثم أتى بغداد، فسلّم على أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) ثم انصرف إلى بلاده، فلما كان في هذا الوقت وقت الحج رزقه اللّه تعالى ما يحج به، فأيما أفضل لهذا الذي قد حج حجة الإسلام يرجع فيحج أيضاً، أو يخرج إلى خراسان إلى أبيك علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فيسلّم عليه؟
قال (عليه السلام) : «بلى يأتي خراسان فيسلّم على أبي الحسن (عليه السلام) وليكن ذلك في رجب»(2).
وعن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: «ما زارني أحد من أوليائي عارفاً بحقي إلاّ تشفعت له يوم القيامة»(3).
وعن أيوب بن نوح قال سمعت أبا جعفر محمد بن علي بن موسى (عليه السلام) يقول: «من زار قبر أبي (عليه السلام) بطوس غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فإذا كان يوم القيامة نُصب له منبر بحذاء منبر رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) حتى يفرغ اللّه تعالى من حساب
العباد»(1).
وعن أبي الصلت الهروي قال: كنت عند الرضا (عليه السلام) فدخل عليه قوم من أهل قم فسلّموا عليه، فردّ عليهم وقرّبهم، ثم قال لهم الرضا (عليه السلام) : «مرحباً بكم وأهلاً، فأنتم شيعتنا حقاً، ويأتي عليكم يوم تزوروني فيه تربتي بطوس ألا فمن زارني وهو على غسل خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»(2).
وعن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني قال: سمعت علي بن محمد العسكري (عليه السلام) يقول: «أهل قم وأهل آبة مغفور لهم، لزيارتهم لجدي علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بطوس، ألا فمن زاره فأصابه في طريقه قطرة من السماء حرم اللّه جسده على النار»(3).
وعن الحسن بن علي الوشاء قال سمعت - أبا الحسن الرضا - (عليه السلام) يقول: «إن لكل إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبةً في زيارتهم، وتصديقاً بما رغبوا فيه، كانت أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة»(4).
وعن إبراهيم بن عقبة قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) أسأله عن زيارة أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) وعن زيارة أبي الحسن (عليه السلام) وأبي جعفر (عليه السلام) فكتب إليّ: «أبو عبد اللّه (عليه السلام) المقدم، وهذا أجمع وأعظم أجراً»(5).
وعن علي بن مهزيار قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) (يعني محمد بن علي الرضا (عليه السلام) ): جُعلت فداك زيارة الرضا (عليه السلام) أفضل أم زيارة أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) ؟ فقال: «زيارة أبي (عليه السلام) أفضل، وذلك أن أبا عبد اللّه (عليه السلام) يزوره كل الناس وأبي (عليه السلام) لا يزوره إلاّ الخواص من الشيعة»(1).
وعن الحسن بن علي الوشاء قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام) : «إني ساُقتل بالسم مظلوماً فمن زارني عارفاً بحقي غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»(2).
وعن الصقر بن دلف قال: سمعت سيدي علي بن محمد بن علي الرضا (عليه السلام) يقول: «من كانت له إلى اللّه تبارك وتعالى حاجة، فليزر قبر جدي الرضا (عليه السلام) بطوس وهو على غسل، وليصلّ عند رأسه ركعتين، وليسأل اللّه حاجته في قنوته، فإنه يستجيب له، ما لم يسأل في مأثم أو قطيعة رحم، وإن موضع قبره لبقعة من بقاع الجنة لا يزورها مؤمن إلاّ أعتقه اللّه من النار وأحله إلى دار القرار»(3).
وعن ابن فضال قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: «إني مقتول ومسموم ومدفون بأرض غربة، أعلم ذلك بعهد عهده إليّ أبي (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، ألا فمن زارني في غربتي كنت أنا وآبائي شفعاءه يوم القيامة، ومن كنا شفعاءه نجا ولو كان عليه مثل وزر الثقلين»(4).
وعن عبد السلام بن صالح الهروي قال: دخل دعبل بن علي الخزاعي (رحمه اللّه) على أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بمرو فقال له: يا ابن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : إني قد قلت فيك قصيدة وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك، فقال (عليه السلام) : «هاتها»، فأنشده:
مدارس آيات خلت عن تلاوة***ومنزل وحي مقفر العرصات
فلما بلغ إلى قوله:
أرى فيئهم في غيرهم متقسما***وأيديهم من فيئهم صفرات
فلما بلغ إلى قوله هذا بكى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) وقال له: «صدقت يا خزاعي».
فلما بلغ إلى قوله:
إذا وتروا مدوا إلى واتريهم***أكفا عن الأوتار منقبضات
جعل أبو الحسن (عليه السلام) يقلّب كفيه ويقول: «أجل واللّه منقبضات».
فلما بلغ إلى قوله:
لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها***وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي
قال الرضا (عليه السلام) : «آمنك اللّه يوم الفزع الأكبر».
فلما انتهى إلى قوله:
وقبر ببغداد لنفس زكية***تضمنها الرحمن في الغرفات
قال له الرضا (عليه السلام) : «أفلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك»؟
فقال: بلى يا ابن رسول اللّه، فقال (عليه السلام) :
وقبر بطوس يا لها من مصيبة***توقد في الأحشاء بالحرقات
إلى الحشر حتى يبعث اللّه قائماً***يفرج عنا الهم والكربات
فقال دعبل: يا ابن رسول اللّه هذا القبر الذي بطوس قبر من هو؟
فقال الرضا (عليه السلام) : «قبري! ولا تنقضي الأيام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفوراً له» ثم نهض الرضا (عليه السلام) بعد فراغ دعبل من إنشاد القصيدة وأمره أن لا يبرح من موضعه، ودخل الدار فلما كان بعد ساعة خرج الخادم إليه بمائة دينار رضوية، فقال له: يقول لك مولاي: «اجعلها في نفقتك».
فقال دعبل: واللّه ما لهذا جئت، ولا قلت هذه القصيدة طمعاً في شيء يصل إليّ، وردّ الصرة وسأل ثوباً من ثياب الرضا (عليه السلام) ليتبرك به ويتشرف به، فأنفذ إليه الرضا (عليه السلام) جبة خز مع الصرة، وقال للخادم: «قل له: خذ هذه الصرة فإنك ستحتاج إليها ولا تراجعني فيها».
فأخذ دعبل الصرة والجبة وانصرف، وصار من مرو في قافلة، فلما بلغ ميان قوهان وقع عليهم اللصوص فأخذوا القافلة بأسرها وكتفوا أهلها، وكان دعبل فيمن كُتّف، وملك اللصوص القافلة وجعلوا يقسمونها بينهم، فقال رجل من القوم متمثلاً بقول دعبل في قصيدته:
أرى فيئهم في غيرهم متقسما***وأيديهم من فيئهم صفرات
فسمعه دعبل، فقال لهم دعبل: لمن هذا البيت؟ فقال: لرجل من خزاعة يقال له دعبل بن علي، قال: فأنا دعبل قائل هذه القصيدة التي منها هذا البيت!
فوثب الرجل إلى رئيسهم وكان يصلي على رأس تل، وكان من الشيعة وأخبره، فجاء بنفسه حتى وقف على دعبل وقال له: أنت دعبل؟
فقال: نعم، فقال له: أنشد القصيدة فأنشدها، فحلّ كتافه وكتاف جميع أهل القافلة، وردّ إليهم جميع ما أخذ منهم لكرامة دعبل.
وسار دعبل حتى وصل إلى قم، فسأله أهل قم أن ينشدهم القصيدة، فأمرهم
أن يجتمعوا في المسجد الجامع، فلما اجتمعوا صعد المنبر فأنشدهم القصيدة، فوصله الناس من المال والخلع شيء كثير، واتصل بهم خبر الجبة فسألوه أن يبيعها منهم بألف دينار، فامتنع من ذلك، فقالوا له فبعنا شيئاً منها بألف دينار، فأبى عليهم وسار عن قم، فلما خرج من رستاق البلد لحق به قوم من أحداث العرب وأخذوا الجبة منه، فرجع دعبل إلى قم وسألهم رد الجبة عليه، فامتنع الأحداث من ذلك وعصوا المشايخ في أمرها، فقالوا لدعبل: لاسبيل لك إلى الجبة، فخذ ثمنها ألف دينار، فأبى عليهم، فلما يئس من ردهم الجبة عليه، سألهم أن يدفعوا إليه شيئاً منها، فأجابوه إلى ذلك وأعطوه بعضها ودفعوا إليه ثمن باقيها ألف دينار، وانصرف دعبل إلى وطنه، فوجد اللصوص قد أخذوا جميع ما كان في منزله، فباع المائة الدينار التي كان الرضا (عليه السلام) وصله بها، فباع من الشيعة كل دينار بمائة درهم، فحصل في يده عشرة آلاف درهم، فذكر قول الرضا (عليه السلام) : «إنك ستحتاج إلى الدنانير»، وكانت له جارية لها من قلبه محل فرمدت عينها رمداً عظيماً فأدخل أهل الطب عليها فنظروا إليها فقالوا: أما العين اليمنى فليس لنا فيها حيلة وقد ذهبت، وأما اليسرى فنحن نعالجها ونجتهد ونرجو أن تسلم، فاغتم لذلك دعبل غماً شديداً وجزع عليها جزعاً عظيماً، ثم ذكر ما كان معه من فضلة الجبة فمسحها على عيني الجارية وعصبها بعصابة منها من أول الليل فأصبحت وعيناها أصح ما كانتا قبل ببركة أبي الحسن الرضا (عليه السلام) (1).
قال أبو النصر المؤذن النيسابوري: أصابتني علة شديدة ثقل منها لساني فلم
1) انظر:كمال الدين: ص373 ب35 ذيل ح6.
أقدر على الكلام، فخطر ببالي أن أزور الرضا (عليه السلام) وأدعو اللّه تعالى عنده وأجعله شفيعي إليه، حتى يعافيني من علتي ويطلق لساني.
فركبت حماراً وقصدت المشهد وزرت الرضا (عليه السلام) وقمت عند رأسه وصليت ركعتين وسجدت، وكنت في الدعاء والتضرع مستشفعاً بصاحب هذا القبر إلى اللّه تعالى أن يعافيني من علتي ويحل عقدة لساني..
فذهبت في النوم في سجودي، فرأيت في المنام كأن القبر قد انفرج وخرج منه رجل كهل أدم شديد الأدمة، فدنا مني وقال لي:
«يا أبا نصر قل: لا إله إلا اللّه».
قال: فأومأت إليه كيف أقول ولساني مغلق؟
قال: فصاح علي صيحة فقال: «تنكر لله قدرة، قل لا إله إلا اللّه».
قال: فانطلق لساني فقلت: لا إله إلا اللّه، ورجعت إلى منزلي راجلاً وكنت أقول «لا إله إلا اللّه» وانطلق لساني ولم ينغلق بعد ذلك(1).
وقال أبو النصر المؤدب: امتلأ السيل يوماً بسناباد وكان الوادي أعلى من المشهد، فأقبل السيل حتى إذا قرب من المشهد خفنا على المشهد منه، فارتفع بإذن اللّه ووقع في قناة أعلى من الوادي ولم يقع في المشهد منه شيء(2).
40
قال الشيخ المفيد (رحمه اللّه) : مضى الرضا (عليه السلام) ولم يترك ولداً نعلمه إلاّ ابنه الإمام بعده أبا جعفر محمد بن علي (عليه السلام) (1).
وقال ابن شهرآشوب في أولاده: وولده محمد الإمام (عليه السلام) فقط(2).
وقال الطبرسي: كان للرضا (عليه السلام) من الولد: ابنه أبو جعفر محمد بن علي الجواد (عليه السلام) لا غير(3).
وقال بعض: أما أولاده (عليه السلام) فكانوا ستة: خمسة ذكور وبنت واحدة وأسماء أولاده: محمد القانع، والحسن، وجعفر، وإبراهيم، والحسين، وبنت واحدة(4).
وقد نقل العلامة المجلسي (رحمه اللّه) في البحار في باب حسن الخلق وباب من أخاف مؤمناً أو ضربه.. عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) حديثين عن فاطمة بنت الرضا عن أبيها (عليه السلام) (5)...
1) الإرشاد: ج2 ص271، المستجاد من الإرشاد: ص209.
2) مناقب آل أبي طالب: ج3ص476.
3) إعلام الورى: ج2ص86.
4) راجع كشف الغمة ج3 ص60، وأما ما يذكر من أن اسمها عائشة فغير صحيح. انظر مطالب السؤول في مناقب آل الرسول، لمحمد بن طلحة الشافعي: ص464.
5) بحار الأنوار: ج68 ص388 ب59 باب حسن الخلق 92 ح36، وج72 ص147 ب57 باب من أخاف مؤمناً أو ضربه ح1.
وفي تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: أولاده محمد الإمام أبو جعفر الثاني وجعفر وأبو محمد الحسن وإبراهيم وابنة واحدة(1).
وهذا آخر ما أردنا بيانه في هذا الكتاب، واللّه المسؤول أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وهو الموفق المستعان، وصلى اللّه على محمد وآله الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
قم المقدسة
محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي
1410 ه
1) تذكرة الخواص: ص447 ب12.
المقدمة... 5
1- النسب الشريف... 7
الاسم المبارك... 7
الكنية الشريفة... 7
الألقاب الطاهرة... 7
والد الإمام (عليه السلام) ... 9
والدة الإمام (عليه السلام) ... 9
2- الولادة المباركة... 12
3- النشأة الطاهرة... 15
4- النص على الإمامة... 17
5- علم الإمام (عليه السلام) ... 25
مناظرات الإمام الرضا (عليه السلام) ... 27
إسلام زنديق على يديه... 28
الإمام (عليه السلام) وعلم الغيب... 31
هذه تربتي... 31
ندفن في بيت واحد... 31
أنه يموت قبله... 32
إنه يريد الكسوة والعطية... 32
سيكثر ماله وتبعه... 33
سيُقتل الأمين... 33
قتل هرثمة... 34
إنهما غلام وجارية... 34
إيمان أم نفاق؟... 34
6- أخلاق الإمام (عليه السلام) ... 35
هكذا يكون التصدق... 36
مع خدمه (عليه السلام) وعبيده... 37
رفقاً بشيعته (عليه السلام) ... 38
شفاعة لعدوه (عليه السلام) ... 38
جود وكرم... 39
إكرام الضيف... 41
إكرام المائدة... 41
رعاية أضعف المصلين... 41
مع أبي نواس... 42
زهد الإمام (عليه السلام) ... 42
7- عبادة الإمام (عليه السلام) ... 45
نقش خاتمه (عليه السلام) ... 50
صوم رجب وشعبان... 51
ليلة النصف من شعبان... 52
في آخر جمعة من شعبان... 52
ذكر الصلاة على النبي والآل (عليهم السلام) ... 53
8- من أدعية الإمام (عليه السلام) ... 54
دعاء الخروج من المنزل... 55
من أدعية الطواف... 55
عوذة الإمام (عليه السلام) ... 55
عبادته (عليه السلام) وهو في الحبس... 56
سجدة لله عند ترتبه... 57
دعاء للثوب الجديد... 58
حرز الإمام الرضا (عليه السلام) ... 58
حرز آخر... 59
حرز ثالث... 59
حجاب الإمام الرضا (عليه السلام) ... 59
قنوت الإمام (عليه السلام) ... 60
قنوت آخر للإمام (عليه السلام) ... 61
9- معاجز الإمام (عليه السلام) وكراماته... 62
عين كهلان... 62
في قرية حمراء... 63
وفي سناباد... 63
في مقتل الفضل بن سهل... 63
نزول المطر... 64
استجابة دعاء الإمام (عليه السلام) ... 70
يا محمد اشرب... 72
لو زادك رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لزدناك... 72
ألم أعلمك في منامك؟... 73
يا ريان ارجع... 74
ثلاث آيات... 75
لا تذهبن نفسك إلى الفخر... 75
لا يخدشني هارون... 76
بورك قبر بطوس... 77
ما أقرب اللقاء بطوس... 78
عين لا أثر لها... 78
سأموت في الغربة... 79
معذرة إلى اللّه وإليك... 79
علينا قضاء دينك... 80
خير الأديان... 81
ابعث لي بالذي عندك... 81
أعلم صاحبك... 82
أنا أكبر منك... 82
نسيت حوائجي... 82
يوم لا سحاب فيه... 83
وهب اللّه لك ذكرا صالحا... 83
ما لي أراك متوجعا؟... 84
أين الدفتر؟... 84
مع أحمد الكرخي... 85
أوص بما تريد... 86
ما أنا وبغداد... 86
استجابة الدعاء فورا... 86
الدعاء على البرامكة... 87
مساكين هؤلاء... 87
لا سبيل له علي... 87
مختلف اللغات... 88
جواب المسائل كلها... 88
10- المعارف الحقة... 90
11- التوحيد... 99
12- العدل وصفات اللّه... 108
علمه تعالى... 110
13- النبوة... 111
عصمة الأنبياء (عليهم السلام) ... 111
قصص الأنبياء (عليهم السلام) وتاريخ الأمم... 125
إذا أصبحت... 126
نقش خواتيم الأنبياء (عليهم السلام) ... 127
معاجز الأنبياء (عليهم السلام) ... 128
أولو العزم... 129
بقرة بني إسرائيل... 130
مع النبي سليمان (عليه السلام) ... 131
مع النبي محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ... 133
14- الإمامة... 136
صفات الإمام (عليه السلام) ... 138
المؤيد بروح القدس... 139
إكمال الدين بالإمامة... 140
النعيم المسؤول عنه... 146
النص والدليل... 147
الإمام تابع للنبي (عليهما السلام) ... 148
ودائع الإمامة... 148
15- المعاد... 149
من مواقف يوم القيامة... 150
16- القرآن الكريم... 151
لا للتفسير بالرأي... 152
فضائل السور... 156
17- العترة الطاهرة... 157
الصديقة فاطمة (عليها السلام) ... 159
الذرية الطاهرة... 159
18- الأصحاب المنتجبون... 162
19- السنة النبوية... 163
20- السيرة العلوية... 167
الروايات الرضوية في الولاية العلوية... 168
روايات علوية... 169
21- فلسفة الأحكام... 171
حرمة كل مسكر... 184
الشريعة لا تُقاس... 185
22- العلم والعلماء... 186
23- الشعائر الدينية والحسينية... 187
الصلاة... 187
تزويج الشباب... 187
حجاب المرأة... 188
الشعائر الحسينية... 190
من بكى وأبكى... 190
يوم عاشوراء... 190
يا بن شبيب... 191
وفي يوم القيامة... 192
من قال فينا شعرا... 192
بكاء إبراهيم على الحسين (عليه السلام) ... 193
لعن قاتلي الحسين (عليه السلام) ... 194
قتلة الحسين (عليه السلام) في تابوت من نار... 195
زيارة قبر النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) والتبرك به... 196
قبور الأئمة (عليهم السلام) ... 196
قبر فاطمة المعصومة (عليها السلام) بقم... 196
24- تمهيدا لغيبة الإمام المهدي (عليه السلام) ... 197
دعاء للإمام المهدي (عليه السلام) ... 199
25- دُرر من كلمات الإمام (عليه السلام) ... 204
26- طغاة عصر الإمام (عليه السلام) ... 211
هارون والهجوم على بيت الإمام (عليه السلام) ... 211
من سيرة الطغاة... 213
الفتوحات غير الشرعية... 213
الأمين وشهواته... 214
جيش المأمون... 215
المستعصم والمغنيات... 215
محاربة العلم والعلماء... 216
التفرقة والنزاع... 224
المتوكل... 228
المعتصم وفتح عمورية... 229
المأمون العباسي... 233
عالمنا المعاصر... 235
من طرق إرجاع السيادة... 237
27- الشخوص إلى خراسان... 241
الإمام (عليه السلام) يودع مدينة جده (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ... 243
28- في طريق خراسان... 245
29- حديث سلسلة الذهب... 247
30- ولاية العهد... 250
الشعراء في ولاية العهد... 259
الزواج ببنت المأمون... 260
31- صلاة العيد... 261
32- تفتيش بيت الإمام (عليه السلام) ... 263
33- كلمة حق عند سلطان جائر... 265
34- ملاحقة ذوي الإمام (عليه السلام) وشيعته... 268
منع الشيعة من الحلقات العلمية... 270
35- الإمام (عليه السلام) في سجن المأمون... 272
36- التخطيط لقتل الإمام (عليه السلام) ... 273
اقتلوا الرضا بسيوفكم... 275
37- استشهاد الإمام (عليه السلام) ... 278
38- التجهيز والوصية بابنه (عليه السلام) ... 286
الدفن ليلاً... 286
حضور الإمام الجواد (عليه السلام) ... 288
اعتقالات واسعة... 288
حديث هرثمة... 289
قصيدة دعبل في رثاء الإمام (عليه السلام) ... 295
39- المشهد الشريف وزيارة الإمام (عليه السلام) ... 297
من كرامات المشهد المبارك... 307
لم يصبه السيل... 308
40- أولاد الإمام (عليه السلام) ... 309
الفهرس... 311